{"ً":{"ٌ":37325,"ٍ":"موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية - المغراوي 01-10","files":["00_87751.pdf|الغلاف","01_87751.pdf","01_87751p.pdf|المقدمة","02_87752.pdf","03_87753.pdf","04_87754.pdf","05_87755.pdf","06_87756.pdf","07_87757.pdf","08_87758.pdf","09_87759.pdf","10_87760.pdf"]},"ّ":"الكتاب: موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (أكثر من ٩٠٠٠ موقف لأكثر من ١٠٠٠ عالم على مدى ١٥ قرنًا)\nالمؤلف: أبو سهل محمد بن عبد الرحمن المغراوي\nالناشر: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، القاهرة - مصر، النبلاء للكتاب، مراكش - المغرب\nالطبعة: الأولى\nعدد الأجزاء: ١٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":690,"ٕ":1,"ٖ":1770155170,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["مقدمة","1","2","3","4","5","6","7","8","9","10"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الأسباب البواعث على التأليف","level":2,"page":6},{"title":"السبب الأول: النصح لله ورسوله والمسلمين:","level":3,"page":6},{"title":"السبب الثاني: طعن الملاحدة وأعداء الإسلام في السلفية:","level":3,"page":8},{"title":"السبب الثالث: تقريب مواقف السلف للأمة:","level":3,"page":9},{"title":"السبب الرابع: التعريف بالسلف وإبراز مواقفهم:","level":3,"page":10},{"title":"السبب الخامس: شد أزر السلفين وتثبيت قلوبهم:","level":3,"page":11},{"title":"السبب السادس: إبراز معالم المنهج السلفي:","level":3,"page":13},{"title":"أ- وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة وفهم السلف","level":4,"page":14},{"title":"ب- الرد على المخالف","level":4,"page":15},{"title":"ج- تحقيق الولاء والبراء","level":4,"page":17},{"title":"السبب السابع: كشف عوار أهل البدع وبيان بطلان مذاهبهم:","level":3,"page":20},{"title":"السبب الثامن: إبراز أن السلف هم المجددون حقا:","level":3,"page":21},{"title":"السبب التاسع: إبطال دعوى التقريب بين الملل والنحل:","level":3,"page":23},{"title":"منهج الكتاب","level":2,"page":26},{"title":"شرطنا في الأعلام","level":3,"page":26},{"title":"منهجنا في إيراد المواقف","level":2,"page":27},{"title":"ترتيب المواقف","level":3,"page":29},{"title":"موقف السلف من المبتدعة","level":3,"page":29},{"title":"تخريج الأحاديث","level":3,"page":42},{"title":"ثبت المصادر المعتمدة","level":2,"page":44},{"title":"الكتب المستقرأة بكاملها","level":3,"page":44},{"title":"الكتب التي استعين بها","level":3,"page":47},{"title":"كتب خاصة","level":3,"page":49},{"title":"كتب تراجم الأعلام","level":3,"page":49},{"title":"كتب مفردة في تراجم خاصة","level":3,"page":55},{"title":"مجلات","level":3,"page":56},{"title":"ثمرات هذه الدراسة","level":2,"page":57},{"title":"١ - تصدي أهل كل عصر للبدع التي فيه","level":3,"page":57},{"title":"٢ - التأريخ للبدع وزمن ظهورها","level":3,"page":58},{"title":"٣ - وحدة مواقف السلف من الفرق المخالفة عبر التاريخ","level":3,"page":59},{"title":"٤ - تميز الأئمة الأعلام بشمولية مواقفهم من كل الفرق","level":3,"page":62},{"title":"٥ - إن القرون: التاسع والعاشر والحادي عشر؛ كانت حقبة مظلمة في التاريخ الإسلامي","level":3,"page":63},{"title":"٦ - انتعاش الدعوة السلفية مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب","level":3,"page":65},{"title":"٧ - إبراز مواقف أعلام المذاهب المعروفة في إبطال البدع","level":3,"page":66},{"title":"٨ - رد زعم القائل أن السلفية بالمغرب حادثة مع الشيخ تقي الدين الهلالي","level":3,"page":67},{"title":"القرن ١","level":1,"page":76},{"title":"حمزة بن عبد المطلب (٣ هـ)","level":2,"page":76},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":76},{"title":"سعد بن معاذ (٥ هـ)","level":2,"page":78},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":80},{"title":"موقف السلف من مسيلمة الكذاب (١٢ هـ)","level":2,"page":80},{"title":"عكرمة بن أبي جهل (١٣ هـ)","level":2,"page":84},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":85},{"title":"أمير المؤمنين أبو بكر الصديق (١٣ هـ)","level":2,"page":85},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":86},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":88},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":96},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":97},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":97},{"title":"ابن أم مكتوم (١٥ هـ)","level":2,"page":98},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":99},{"title":"أبو عبيدة بن الجراح (١٨ هـ)","level":2,"page":99},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":101},{"title":"معاذ بن جبل (١٨ هـ)","level":2,"page":101},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":102},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":104},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":104},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":105},{"title":"أبي بن كعب (١٩ هـ)","level":2,"page":105},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":106},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":107},{"title":"بلال بن رباح (٢٠ هـ)","level":2,"page":109},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":109},{"title":"أم المؤمنين زينب بنت جحش (٢٠ هـ)","level":2,"page":111},{"title":"موقفها من الجهمية:","level":3,"page":111},{"title":"خالد بن الوليد (٢١ هـ)","level":2,"page":112},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":113},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":113},{"title":"أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (٢٣ هـ)","level":2,"page":114},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":116},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":129},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":136},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":137},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":139},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":140},{"title":"أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة (٣٢ هـ)","level":2,"page":144},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":145},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":148},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":149},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":150},{"title":"عبد الله بن مسعود (٣٢ هـ)","level":2,"page":150},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":152},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":177},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":178},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":181},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":184},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":185},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":188},{"title":"أبو الدرداء (٣٢ هـ)","level":2,"page":191},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":193},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":195},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":196},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":197},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":198},{"title":"عبد الرحمن بن عوف (٣٢ هـ)","level":2,"page":199},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":200},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":200},{"title":"المقداد بن الأسود الكندي (٣٣ هـ)","level":2,"page":200},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":201},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":201},{"title":"كعب الأحبار (٣٤ هـ)","level":2,"page":202},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":202},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":203},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":203},{"title":"عبادة بن الصامت (٣٤ هـ)","level":2,"page":204},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":204},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":206},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":206},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":207},{"title":"معاذ بن عمرو بن الجموح (مات في خلافة عثمان)","level":2,"page":207},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":208},{"title":"عبد الله بن حذافة (توفي في خلافة عثمان)","level":2,"page":208},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":209},{"title":"عمير بن حبيب بن خماشة (ممن بايع تحت الشجرة)","level":2,"page":211},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":211},{"title":"أمير المؤمنين عثمان بن عفان (٣٥ هـ)","level":2,"page":212},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":214},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":214},{"title":"طلحة بن عبد الله (٣٦ هـ)","level":2,"page":215},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":216},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":216},{"title":"حذيفة بن اليمان (٣٦ هـ)","level":2,"page":217},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":218},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":222},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":223},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":223},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":224},{"title":"جندب الأزدي (٣٦ هـ)","level":2,"page":225},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":225},{"title":"الزبير بن العوام (٣٦ هـ)","level":2,"page":225},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":227},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":228},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":228},{"title":"سلمان الفارسي (٣٦ هـ)","level":2,"page":228},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":229},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":229},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":230},{"title":"عمار بن ياسر (٣٧ هـ)","level":2,"page":231},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":232},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":232},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":234},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":234},{"title":"خباب بن الأرت (٣٧ هـ)","level":2,"page":235},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":236},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":236},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":237},{"title":"عبد الله بن خباب بن الأرت (٣٧ هـ)","level":2,"page":238},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":238},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":238},{"title":"سهل بن حنيف (٣٨ هـ)","level":2,"page":239},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":240},{"title":"معاذ بن عفراء (مات في خلافة علي بن أبي طالب)","level":2,"page":240},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":241},{"title":"شرحبيل بن السمط (٤٠ هـ)","level":2,"page":241},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":242},{"title":"أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٤٠ هـ)","level":2,"page":242},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":244},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":251},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":254},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":261},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":262},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":277},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":278},{"title":"مجالد بن مسعود (٤٠ هـ)","level":2,"page":283},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":283},{"title":"أبو مسعود البدري (٤٠ هـ)","level":2,"page":284},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":284},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":285},{"title":"حنظلة الكاتب (مات بعد علي)","level":2,"page":285},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":286},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":286},{"title":"عبادة بن قرص الليثي (٤١ هـ)","level":2,"page":287},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":288},{"title":"لبيد بن ربيعة العامري (٤١ هـ)","level":2,"page":288},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":289},{"title":"محمد بن مسلمة (٤٣ هـ)","level":2,"page":289},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":290},{"title":"عمرو بن العاص (٤٣ هـ)","level":2,"page":291},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":292},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":293},{"title":"عبد الله بن سلام (٤٣ هـ)","level":2,"page":294},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":295},{"title":"معقل بن قيس (٤٣ هـ)","level":2,"page":296},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":296},{"title":"أبو موسى الأشعري (٤٤ هـ)","level":2,"page":299},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":300},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":300},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":300},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":301},{"title":"أم حبيبة أم المؤمنين (٤٤ هـ)","level":2,"page":301},{"title":"موقفها من المشركين:","level":3,"page":302},{"title":"سلمة بن سلامة بن وقش (٤٥ هـ)","level":2,"page":303},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":303},{"title":"زيد بن ثابت (٤٥ هـ)","level":2,"page":304},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":305},{"title":"هرم بن حيان (٤٦ هـ)","level":2,"page":305},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":306},{"title":"الحسن بن علي بن أبي طالب (٤٩ هـ)","level":2,"page":306},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":307},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":308},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":308},{"title":"كعب بن مالك (٥٠ هـ)","level":2,"page":308},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":309},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":309},{"title":"المغيرة بن شعبة (٥٠ هـ)","level":2,"page":310},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":311},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":311},{"title":"جرير بن عبد الله (٥١ هـ)","level":2,"page":316},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":317},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":318},{"title":"سعيد بن زيد (٥١ هـ)","level":2,"page":318},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":319},{"title":"موقفه من الخوارج والرافضة:","level":3,"page":320},{"title":"أبو بكرة الثقفي (٥٢ هـ)","level":2,"page":321},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":321},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":322},{"title":"عمران بن حصين (٥٢ هـ)","level":2,"page":322},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":323},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":325},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":326},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":327},{"title":"فضالة بن عبيد (٥٣ هـ)","level":2,"page":328},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":329},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":329},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":330},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":330},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":333},{"title":"الأرقم بن أبي الأرقم (٥٥ هـ)","level":2,"page":333},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":334},{"title":"سعد بن أبي وقاص (٥٥ هـ)","level":2,"page":335},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":335},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":336},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":337},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":338},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":339},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":340},{"title":"عبد الله بن مغفل (٥٧ هـ)","level":2,"page":341},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":342},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":342},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":343},{"title":"أم المؤمنين عائشة (٥٧ هـ)","level":2,"page":343},{"title":"موقفها من الرافضة:","level":3,"page":345},{"title":"موقفها من الصوفية:","level":3,"page":349},{"title":"موقفها من الجهمية:","level":3,"page":350},{"title":"موقفها من الخوارج:","level":3,"page":350},{"title":"موقفها من المرجئة:","level":3,"page":353},{"title":"موقفها من القدرية:","level":3,"page":353},{"title":"أبو هريرة (٥٨ هـ)","level":2,"page":354},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":355},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":357},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":357},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":358},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":358},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":358},{"title":"سمرة بن جندب (٥٨ هـ)","level":2,"page":359},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":360},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":360},{"title":"عقبة بن عامر الجهني (٥٨ هـ)","level":2,"page":361},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":361},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":361},{"title":"عمرو بن أمية (قبل ٦٠ هـ)","level":2,"page":362},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":362},{"title":"معاوية بن أبي سفيان (٦٠ هـ)","level":2,"page":363},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":364},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":365},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":365},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":366},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":366},{"title":"عائذ بن عمرو (٦١ هـ)","level":2,"page":367},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":367},{"title":"الحسين بن علي (٦١ هـ)","level":2,"page":368},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":369},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":369},{"title":"أم المؤمنين هند بنت أبي أمية أم سلمة (٦١ هـ)","level":2,"page":370},{"title":"موقفها من الجهمية:","level":3,"page":371},{"title":"علقمة بن قيس (٦٢ هـ)","level":2,"page":371},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":372},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":372},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":372},{"title":"الربيع بن خثيم (٦٢ هـ)","level":2,"page":373},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":374},{"title":"أبو مسلم الخولاني (٦٢ هـ)","level":2,"page":374},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":375},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":375},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":376},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":376},{"title":"مسروق بن الأجدع (٦٢ هـ)","level":2,"page":377},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":378},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":378},{"title":"سعد بن مالك أبو سعيد الخدري (٦٣ هـ)","level":2,"page":379},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":379},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":382},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":383},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":383},{"title":"عبد الله بن عمرو بن العاص (٦٥ هـ)","level":2,"page":384},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":385},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":385},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":385},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":386},{"title":"أبو برزة الأسلمي (٦٥ هـ)","level":2,"page":387},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":388},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":388},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":389},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":389},{"title":"زيد بن أرقم (٦٦ هـ)","level":2,"page":390},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":391},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":391},{"title":"موقف السلف من المختار الكذاب (٦٦ هـ)","level":2,"page":392},{"title":"عدي بن حاتم (٦٨ هـ)","level":2,"page":394},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":395},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":395},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":395},{"title":"ابن عباس (٦٨ هـ)","level":2,"page":396},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":398},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":411},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":412},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":415},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":417},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":424},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":425},{"title":"أبو الأسود الدؤلي (٦٩ هـ)","level":2,"page":443},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":444},{"title":"سفينة أبو عبد الرحمن مولى نبي الله - ﷺ - (بعد ٧٠ هـ)","level":2,"page":444},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":445},{"title":"عبد الرحمن بن أبزى (بعد ٧٠ هـ)","level":2,"page":446},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":446},{"title":"البراء بن عازب (٧٢ هـ)","level":2,"page":447},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":447},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":448},{"title":"الأحنف بن قيس (٧٢ هـ)","level":2,"page":448},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":449},{"title":"عبيدة السلماني (٧٢ هـ)","level":2,"page":449},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":450},{"title":"مصعب بن الزبير (٧٢ هـ)","level":2,"page":450},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":451},{"title":"جندب بن عبد الله البجلي (٧٣ هـ)","level":2,"page":451},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":452},{"title":"عبد الله بن الزبير (٧٣ هـ)","level":2,"page":452},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":454},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":455},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":455},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":456},{"title":"عبد الله بن عمر (٧٣ هـ)","level":2,"page":456},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":457},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":463},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":464},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":466},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":467},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":468},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":469},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":469},{"title":"عبد الله بن عتبة بن مسعود (٧٣ هـ)","level":2,"page":473},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":473},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":474},{"title":"عمرو بن ميمون (٧٤ هـ)","level":2,"page":474},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":474},{"title":"أبو عبد الرحمن السلمي (٧٤ هـ)","level":2,"page":475},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":476},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":476},{"title":"مالك بن أبي عامر الأصبحي (٧٤ هـ)","level":2,"page":476},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":477},{"title":"عبيد بن عمير (٧٤ هـ)","level":2,"page":477},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":478},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":478},{"title":"صفوان بن محرز (٧٤ هـ)","level":2,"page":478},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":479},{"title":"موقف السلف من شبيب بن يزيد الخارجي (٧٧ هـ)","level":2,"page":479},{"title":"جابر بن عبد الله (٧٨ هـ)","level":2,"page":481},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":482},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":483},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":484},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":485},{"title":"شريح القاضي (٧٨ هـ)","level":2,"page":485},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":486},{"title":"غضيف بن الحارث (٨٠ هـ)","level":2,"page":486},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":487},{"title":"جبير بن نفير (٨٠ هـ)","level":2,"page":488},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":488},{"title":"أبو إدريس الخولاني (٨٠ هـ)","level":2,"page":489},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":489},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":490},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":490},{"title":"عبد الله بن جعفر (٨٠ هـ)","level":2,"page":490},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":491},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":491},{"title":"خيثمة بن عبد الرحمن (بعد سنة ٨٠ هـ)","level":2,"page":492},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":492},{"title":"محمد بن علي بن الحنفية (٨١ هـ)","level":2,"page":493},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":493},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":495},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":495},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":495},{"title":"موقف السلف من معبد الجهني القدري (٨١ هـ)","level":2,"page":496},{"title":"المهلب بن أبي صفرة (٨٢ هـ)","level":2,"page":497},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":498},{"title":"محمد بن سعد بن أبي وقاص (٨٢ هـ)","level":2,"page":500},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":501},{"title":"شقيق بن سلمة (٨٢ هـ)","level":2,"page":501},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":502},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":503},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":503},{"title":"زاذان الضرير (٨٢ هـ)","level":2,"page":504},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":505},{"title":"أبو البختري (٨٣ هـ)","level":2,"page":507},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":507},{"title":"عبد الرحمن بن يزيد أبو بكر (٨٣ هـ)","level":2,"page":508},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":508},{"title":"أبو الجوزاء أوس بن عبد الله (٨٣ هـ)","level":2,"page":509},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":509},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":510},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":510},{"title":"عبد الرحمن بن أبي ليلى (٨٣ هـ)","level":2,"page":510},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":511},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":511},{"title":"موقف السلف من عمران بن حطان الخارجي (٨٤ هـ)","level":2,"page":512},{"title":"واثلة بن الأسقع (٨٥ هـ)","level":2,"page":513},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":514},{"title":"أبو أمامة الباهلي (٨٦ هـ)","level":2,"page":514},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":515},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":516},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":518},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":518},{"title":"عبد الملك بن مروان (٨٦ هـ)","level":2,"page":518},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":519},{"title":"عبد الله بن أبي أوفى (٨٧ هـ)","level":2,"page":522},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":523},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":524},{"title":"عبد الله بن بسر (٨٨ هـ)","level":2,"page":524},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":525},{"title":"يحيى بن يعمر (٨٩ هـ)","level":2,"page":525},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":526},{"title":"أبو العالية (٩٠ هـ)","level":2,"page":528},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":529},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":530},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":530},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":531},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":531},{"title":"إبراهيم التيمي أبو أسماء (٩٢ هـ)","level":2,"page":532},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":532},{"title":"أنس بن مالك (٩٢ هـ)","level":2,"page":533},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":534},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":535},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":535},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":535},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":537},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":537},{"title":"عروة بن الزبير (٩٣ هـ)","level":2,"page":537},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":538},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":539},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":540},{"title":"علي بن الحسين (٩٣ هـ)","level":2,"page":540},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":541},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":541},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":542},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":544},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":545},{"title":"سعيد بن المسيب (٩٤ هـ)","level":2,"page":545},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":546},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":547},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":548},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":548},{"title":"أبو سلمة بن عبد الرحمن (٩٤ هـ)","level":2,"page":548},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":549},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":551},{"title":"عطاء بن يسار (٩٤ هـ)","level":2,"page":551},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":552},{"title":"عبد الله بن أبي قتادة (٩٥ هـ)","level":2,"page":552},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":552},{"title":"سعيد بن جبير (٩٥ هـ)","level":2,"page":553},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":554},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":556},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":556},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":557},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":560},{"title":"مطرف بن عبد الله (٩٥ هـ)","level":2,"page":561},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":562},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":564},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":564},{"title":"إبراهيم النخعي (٩٦ هـ)","level":2,"page":566},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":567},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":570},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":571},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":571},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":572},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":575},{"title":"الحسن بن الحسن بن علي (٩٧ هـ)","level":2,"page":576},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":576},{"title":"عبد الله بن محيريز (٩٩ هـ)","level":2,"page":577},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":578},{"title":"سليمان بن عبد الملك (٩٩ هـ)","level":2,"page":578},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":579},{"title":"طلق بن حبيب (قبل ١٠٠ هـ)","level":2,"page":579},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":581},{"title":"موقف السلف من ذر الهمداني المرجئي (مات قبل ١٠٠ هـ)","level":2,"page":581},{"title":"القاسم بن مخيمرة (١٠٠ هـ)","level":2,"page":582},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":583},{"title":"الحسن بن محمد بن الحنفية (١٠٠ هـ)","level":2,"page":583},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":584},{"title":"عبد الله بن الديلمي (١٠٠ هـ)","level":2,"page":584},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":584},{"title":"القرن ٢","level":1,"page":585},{"title":"أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز (١٠١ هـ)","level":2,"page":585},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":586},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":592},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":592},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":593},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":593},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":598},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":598},{"title":"مجاهد بن جبر (١٠١ هـ)","level":2,"page":608},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":609},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":612},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":612},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":613},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":614},{"title":"مسلم بن يسار (١٠١ هـ)","level":2,"page":618},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":619},{"title":"ذكوان أبو صالح السمان (١٠١ هـ)","level":2,"page":620},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":620},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":621},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":621},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":622},{"title":"خالد بن معدان (١٠٣ هـ)","level":2,"page":622},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":623},{"title":"مصعب بن سعد (١٠٣ هـ)","level":2,"page":624},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":624},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":624},{"title":"الشعبي (١٠٤ هـ)","level":2,"page":626},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":627},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":631},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":635},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":636},{"title":"الحسن بن وهب (١٠٤ هـ)","level":2,"page":636},{"title":"أبو قلابة (١٠٤ هـ)","level":2,"page":637},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":638},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":641},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":641},{"title":"أبو رجاء العطاردي (١٠٥ هـ)","level":2,"page":641},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":642},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":642},{"title":"عكرمة مولى ابن عباس (١٠٥ هـ)","level":2,"page":643},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":644},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":645},{"title":"المسيب بن رافع الأسدي (١٠٥ هـ)","level":2,"page":646},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":646},{"title":"طاووس (١٠٦ هـ)","level":2,"page":646},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":647},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":649},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":649},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":649},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":650},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":650},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":651},{"title":"القاسم بن محمد (١٠٦ هـ)","level":2,"page":652},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":653},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":654},{"title":"سالم بن عبد الله (١٠٦ هـ)","level":2,"page":655},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":656},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":656},{"title":"عبد الله بن أبي سلمة العمري (١٠٦ هـ)","level":2,"page":657},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":657},{"title":"سليمان بن يسار (١٠٧ هـ)","level":2,"page":657},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":658},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":658},{"title":"موقف السلف من كثير عزة الشيعي ومخازيه (١٠٧ هـ)","level":2,"page":658},{"title":"بكر بن عبد الله المزني (١٠٨ هـ)","level":2,"page":659},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":659},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":660},{"title":"مورق العجلي (١٠٨ هـ)","level":2,"page":660},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":661},{"title":"الحسن البصري (١١٠ هـ)","level":2,"page":661},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":662},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":670},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":670},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":671},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":672},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":675},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":677},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":680},{"title":"محمد بن سيرين (١١٠ هـ)","level":2,"page":687},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":688},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":693},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":694},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":694},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":694},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":695},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":696},{"title":"فضيل بن فضالة (ما بين ١٠١ هـ و١١٠ هـ)","level":2,"page":698},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":698},{"title":"طلحة بن مصرف (١١٢ هـ)","level":2,"page":700},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":700},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":701},{"title":"رجاء بن حيوة (١١٢ هـ)","level":2,"page":702},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":703},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":703},{"title":"معاوية بن قرة (١١٣ هـ)","level":2,"page":704},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":705},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":705},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":705},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":706},{"title":"عبد الله بن عبيد بن عمير (١١٣ هـ)","level":2,"page":706},{"title":"وهب بن منبه (١١٤ هـ)","level":2,"page":707},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":708},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":708},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":710},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":713},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":713},{"title":"محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر الباقر (١١٤ هـ)","level":2,"page":714},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":715},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":715},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":718},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":718},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":718},{"title":"عطاء بن أبي رباح (١١٥ هـ)","level":2,"page":720},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":721},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":722},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":723},{"title":"الحكم بن عتيبة (١١٥ هـ)","level":2,"page":725},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":725},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":726},{"title":"محارب بن دثار (١١٦ هـ)","level":2,"page":726},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":727},{"title":"عون بن عبد الله (١١٦ هـ)","level":2,"page":728},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":728},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":729},{"title":"موقفه من المرجئة والخوارج:","level":3,"page":729},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":729},{"title":"مكحول (١١٦ هـ)","level":2,"page":730},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":731},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":735},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":736},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":736},{"title":"نافع مولى ابن عمر (١١٧ هـ)","level":2,"page":738},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":738},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":739},{"title":"قتادة بن دعامة (١١٧ هـ)","level":2,"page":740},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":741},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":745},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":745},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":746},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":748},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":748},{"title":"ميمون بن مهران (١١٧ هـ)","level":2,"page":750},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":751},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":752},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":753},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":753},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":754},{"title":"عبد الله بن أبي مليكة (١١٧ هـ)","level":2,"page":754},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":755},{"title":"أنس بن سيرين (١١٨ هـ)","level":2,"page":756},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":756},{"title":"عبادة بن نسي (١١٨ هـ)","level":2,"page":757},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":757},{"title":"علي بن عبد الله بن عباس (١١٨ هـ)","level":2,"page":758},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":758},{"title":"عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط (١١٨ هـ)","level":2,"page":758},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":759},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":759},{"title":"حبيب بن أبي ثابت (١١٩ هـ)","level":2,"page":760},{"title":"موقفه من المبتدعة والرافضة:","level":3,"page":760},{"title":"الضحاك بن شرحبيل المشرقي (بعد ١١١ هـ إلى ١٢٠ هـ)","level":2,"page":761},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":761},{"title":"خالد بن اللجلاج (بعد ١١١ هـ إلى ١٢٠ هـ)","level":2,"page":761},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":762},{"title":"محمد بن كعب القرظي (١٢٠ هـ)","level":2,"page":763},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":763},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":764},{"title":"بلال بن سعد (١٢٠ هـ)","level":2,"page":767},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":768},{"title":"عطية بن قيس (١٢١ هـ)","level":2,"page":768},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":769},{"title":"سلمة بن كهيل (١٢١ هـ)","level":2,"page":769},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":769},{"title":"إياس بن معاوية (١٢٢ هـ)","level":2,"page":770},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":771},{"title":"زيد بن علي (١٢٢ هـ)","level":2,"page":773},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":774},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":775},{"title":"سيار أبو الحكم (١٢٢ هـ)","level":2,"page":775},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":776},{"title":"ثابت بن أسلم البناني (١٢٣ هـ)","level":2,"page":776},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":777},{"title":"محمد بن شهاب الزهري (١٢٤ هـ)","level":2,"page":777},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":778},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":780},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":780},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":781},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":781},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":782},{"title":"إبراهيم بن هشام (١٢٥ هـ)","level":2,"page":782},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":783},{"title":"مطر بن طهمان (١٢٥ هـ)","level":2,"page":783},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":784},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":784},{"title":"هشام بن عبد الملك (١٢٥ هـ)","level":2,"page":785},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":785},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":786},{"title":"سعد بن إبراهيم (١٢٥ هـ)","level":2,"page":787},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":787},{"title":"عمرو بن دينار (١٢٦ هـ)","level":2,"page":788},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":789},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":789},{"title":"دراج أبو السمح (١٢٦ هـ)","level":2,"page":790},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":790},{"title":"خالد القسري (١٢٦ هـ)","level":2,"page":790},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":791},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":793},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":793},{"title":"عبد الكريم بن مالك الجزري (١٢٧ هـ)","level":2,"page":794},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":795},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":795},{"title":"أبو إسحاق السبيعي (١٢٧ هـ)","level":2,"page":796},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":797},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":797},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":798},{"title":"عبدة بن أبي لبابة (١٢٧ هـ)","level":2,"page":798},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":799},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":799},{"title":"يزيد بن أبي حبيب (١٢٨ هـ)","level":2,"page":799},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":800},{"title":"موقف السلف من الجهم بن صفوان (١٢٨ هـ)","level":2,"page":800},{"title":"أبو كثير السحيمي اليمامي (١٢٩ هـ)","level":2,"page":801},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":802},{"title":"يحيى بن أبي كثير (١٢٩ هـ)","level":2,"page":802},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":803},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":804},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":804},{"title":"سلم بن أحوز (١٣٠ هـ)","level":2,"page":804},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":805},{"title":"مالك بن دينار (١٣٠ هـ)","level":2,"page":805},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":806},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":807},{"title":"أبو الزناد عبد الله بن ذكوان (١٣٠ هـ)","level":2,"page":807},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":808},{"title":"حسان بن عطية (بين ١٢٠ هـ إلى ١٣٠ هـ)","level":2,"page":813},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":813},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":814},{"title":"طلحة بن عبيد الله بن كريز (ما بين ١٢١ هـ و١٣٠ هـ)","level":2,"page":815},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":815},{"title":"عامر بن سعد البجلي (من طبقة الذي قبله)","level":2,"page":816},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":816},{"title":"أبو سهل كثير بن زياد (ما بين ١٢١ هـ و١٣٠ هـ)","level":2,"page":817},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":817},{"title":"القاسم بن عبيد الله (في حدود ١٣٠ هـ)","level":2,"page":818},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":818},{"title":"علي بن زيد بن جدعان (١٣١ هـ)","level":2,"page":819},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":820},{"title":"إبراهيم بن ميمون (١٣١ هـ)","level":2,"page":820},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":821},{"title":"أيوب السختياني (١٣١ هـ)","level":2,"page":821},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":822},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":825},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":825},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":826},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":828},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":829},{"title":"إسماعيل بن عبيد الله (١٣١ هـ)","level":2,"page":830},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":831},{"title":"إسحاق بن سويد بن هبيرة (١٣١ هـ)","level":2,"page":831},{"title":"موقفه من الرافضة والخوارج:","level":3,"page":832},{"title":"إبراهيم بن ميسرة (١٣٢ هـ)","level":2,"page":833},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":833},{"title":"منصور بن المعتمر (١٣٢ هـ)","level":2,"page":833},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":834},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":834},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":834},{"title":"يونس بن ميسرة بن حلبس (١٣٢ هـ)","level":2,"page":835},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":836},{"title":"عبد الله بن طاووس (١٣٢ هـ)","level":2,"page":836},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":837},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":837},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":837},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":838},{"title":"عطاء الخراساني (١٣٥ هـ)","level":2,"page":838},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":839},{"title":"موقفه من الخوارج والقدرية:","level":3,"page":839},{"title":"ربيعة بن أبي عبد الرحمن \"ربيعة الرأي\" (١٣٦ هـ)","level":2,"page":839},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":840},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":841},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":841},{"title":"زيد بن أسلم (١٣٦ هـ)","level":2,"page":842},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":843},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":843},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":843},{"title":"مغيرة بن مقسم (١٣٦ هـ)","level":2,"page":845},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":845},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":845},{"title":"عطاء بن السائب (١٣٦ هـ)","level":2,"page":846},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":846},{"title":"سعيد بن جمهان (١٣٦ هـ)","level":2,"page":847},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":847},{"title":"خصيف بن عبد الرحمن (١٣٧ هـ)","level":2,"page":847},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":848},{"title":"يزيد بن صهيب الفقير (في حدود ١٤٠ هـ)","level":2,"page":848},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":849},{"title":"داود بن أبي هند (١٤٠ هـ)","level":2,"page":850},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":851},{"title":"أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج (١٤٠ هـ)","level":2,"page":851},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":852},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":852},{"title":"يونس بن عبيد (١٤٠ هـ)","level":2,"page":853},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":853},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":854},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":855},{"title":"ثابت بن عجلان (ما بين ١٣١ هـ و١٤٠ هـ)","level":2,"page":856},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":857},{"title":"عمارة بن القعقاع (ما بين ١٣١ هـ و١٤٠ هـ)","level":2,"page":858},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":858},{"title":"شمر بن عطية (ما بين ١٣١ هـ و١٤٠ هـ)","level":2,"page":858},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":859},{"title":"أبو عون الأنصاري (من الخامسة)","level":2,"page":859},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":859},{"title":"نافع بن مالك (بعد ١٤٠ هـ)","level":2,"page":860},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":860},{"title":"عاصم الأحول (١٤٢ هـ)","level":2,"page":861},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":862},{"title":"حميد الطويل (١٤٣ هـ)","level":2,"page":862},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":862},{"title":"سليمان بن طرخان التيمي (١٤٣ هـ)","level":2,"page":863},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":863},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":864},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":864},{"title":"يحيى بن سعيد (١٤٣ هـ)","level":2,"page":865},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":866},{"title":"عبد الله بن شبرمة (١٤٤ هـ)","level":2,"page":867},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":867},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":868},{"title":"مجالد بن سعيد (١٤٤ هـ)","level":2,"page":868},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":869},{"title":"موقف السلف من عمرو بن عبيد (١٤٤ هـ)","level":2,"page":869},{"title":"عبد الله بن حسن بن حسن بن علي (١٤٥ هـ)","level":2,"page":877},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":877},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":878},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":878},{"title":"عمر بن محمد بن عبد الله العمري (١٤٥ هـ)","level":2,"page":879},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":880},{"title":"محمد بن عبد الله (١٤٥ هـ)","level":2,"page":880},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":880},{"title":"محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان (١٤٥ هـ)","level":2,"page":881},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":882},{"title":"الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي (١٤٥ هـ)","level":2,"page":882},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":883},{"title":"فضيل بن غزوان (بضع وأربعون ومائة)","level":2,"page":885},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":885},{"title":"عمرو بن قيس الملائي (١٤٦ هـ)","level":2,"page":885},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":886},{"title":"إسماعيل بن أبي خالد (١٤٦ هـ)","level":2,"page":887},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":888},{"title":"عوف بن أبي جميلة (١٤٦ هـ)","level":2,"page":888},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":888},{"title":"العوام بن حوشب (١٤٨ هـ)","level":2,"page":889},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":890},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":890},{"title":"ليث بن أبي سليم (١٤٨ هـ)","level":2,"page":890},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":891},{"title":"محمد بن أبي ليلى (١٤٨ هـ)","level":2,"page":891},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":892},{"title":"سليمان بن مهران الأعمش (١٤٨ هـ)","level":2,"page":893},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":894},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":896},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":896},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":897},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":897},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":897},{"title":"الزبيدي (١٤٨ هـ)","level":2,"page":898},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":898},{"title":"جعفر الصادق (١٤٨ هـ)","level":2,"page":899},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":900},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":902},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":904},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":904},{"title":"هشام بن حسان (١٤٨ هـ)","level":2,"page":905},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":906},{"title":"عبد الله بن يزيد بن هرمز (١٤٨ هـ)","level":2,"page":906},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":907},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":909},{"title":"أبو حنيفة (١٥٠ هـ)","level":2,"page":909},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":910},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":911},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":912},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":914},{"title":"مقاتل بن حيان (١٥٠ هـ)","level":2,"page":917},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":917},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":918},{"title":"ابن جريج (١٥٠ هـ)","level":2,"page":919},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":919},{"title":"موقف السلف من ثور بن يزيد القدري (١٥٠ هـ)","level":2,"page":920},{"title":"موقف السلف من محمد بن إسحاق لتلبسه ببدعة القدر (١٥٠ هـ)","level":2,"page":921},{"title":"مقاتل بن سليمان المشبه وموقفه من الجهم بن صفوان (١٥٠ هـ)","level":2,"page":921},{"title":"عبد الله بن عون (١٥١ هـ)","level":2,"page":924},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":925},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":925},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":926},{"title":"عميرة بن أبي ناجية (١٥٣ هـ)","level":2,"page":928},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":928},{"title":"معمر بن راشد (١٥٣ هـ)","level":2,"page":929},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":929},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":930},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":930},{"title":"موقف السلف من فطر بن خليفة الخشبي الشيعي (١٥٣ هـ)","level":2,"page":930},{"title":"أبو عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ)","level":2,"page":931},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":932},{"title":"مسعر بن كدام (١٥٥ هـ)","level":2,"page":934},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":935},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":935},{"title":"حمزة الزيات (١٥٦ هـ)","level":2,"page":935},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":936},{"title":"سعيد بن أبي عروبة (١٥٦ هـ)","level":2,"page":936},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":937},{"title":"عبد الله بن شوذب (١٥٦ هـ)","level":2,"page":937},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":938},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":938},{"title":"الأوزاعي (١٥٧ هـ)","level":2,"page":938},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":939},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":944},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":946},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":947},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":948},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":950},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":953},{"title":"أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور (١٥٨ هـ)","level":2,"page":957},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":958},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":959},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":960},{"title":"زفر بن الهذيل (١٥٨ هـ)","level":2,"page":960},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":961},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":961},{"title":"ابن أبي ذئب (١٥٩ هـ)","level":2,"page":962},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":962},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":964},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":964},{"title":"عكرمة (١٥٩ هـ)","level":2,"page":965},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":965},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":965},{"title":"مالك بن مغول (١٥٩ هـ)","level":2,"page":966},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":966},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":967},{"title":"يونس بن أبي إسحاق (١٥٩ هـ)","level":2,"page":967},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":968},{"title":"موقف السلف من عبد العزيز بن أبي رواد المرجئي (١٥٩ هـ)","level":2,"page":968},{"title":"عمران بن مسلم القصير الصوفي (قبل ١٦٠ هـ)","level":2,"page":969},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":969},{"title":"زائدة بن قدامة (١٦٠ هـ)","level":2,"page":970},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":970},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":970},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":971},{"title":"شعبة بن الحجاج (١٦٠ هـ)","level":2,"page":971},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":972},{"title":"موقفه من الرافضة والجهمية:","level":3,"page":973},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":973},{"title":"الخليل بن أحمد الفراهيدي (١٦٠ هـ)","level":2,"page":974},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":974},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":975},{"title":"عمار بن سيف الضبي (بعد سنة ١٦٠ هـ)","level":2,"page":976},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":976},{"title":"سفيان الثوري (١٦١ هـ)","level":2,"page":977},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":978},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":983},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":985},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":986},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":987},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":988},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":991},{"title":"الإفريقي (١٦١ هـ)","level":2,"page":993},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":994},{"title":"إبراهيم بن أدهم (١٦٢ هـ)","level":2,"page":994},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":995},{"title":"أرطأة بن المنذر الألهاني (١٦٣ هـ)","level":2,"page":996},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":996},{"title":"عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ)","level":2,"page":997},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":997},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":999},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1004},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1005},{"title":"سلام بن أبي مطيع (١٦٤ هـ)","level":2,"page":1017},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1018},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1018},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1018},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1019},{"title":"معقل بن عبيد الله (١٦٦ هـ)","level":2,"page":1020},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1020},{"title":"سعيد بن عبد العزيز (١٦٧ هـ)","level":2,"page":1023},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1024},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1025},{"title":"حماد بن سلمة (١٦٧ هـ)","level":2,"page":1025},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1026},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1026},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1027},{"title":"مفضل بن مهلهل (١٦٧ هـ)","level":2,"page":1027},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1028},{"title":"عبد الرحمن بن شريح (١٦٧ هـ)","level":2,"page":1029},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1029},{"title":"أبو حمزة السكري (١٦٧ هـ)","level":2,"page":1030},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1031},{"title":"إبراهيم بن طهمان (١٦٨ هـ)","level":2,"page":1031},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1032},{"title":"خارجة بن مصعب (١٦٨ هـ)","level":2,"page":1033},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1034},{"title":"عبيد الله بن الحسن العنبري (١٦٨ هـ)","level":2,"page":1036},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1036},{"title":"موقف السلف من فليح بن سليمان لوقوعه في الصحابة (١٦٨ هـ)","level":2,"page":1037},{"title":"نافع بن عمر (١٦٩ هـ)","level":2,"page":1037},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1037},{"title":"أمير المؤمنين المهدي العباسي (١٦٩ هـ)","level":2,"page":1038},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1038},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1038},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1041},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1041},{"title":"موقف السلف من الحسن بن صالح بن حي (١٦٩ هـ)","level":2,"page":1044},{"title":"موسى بن محمد (الهادي) (١٧٠ هـ)","level":2,"page":1047},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1048},{"title":"سلام بن سليمان (١٧١ هـ)","level":2,"page":1049},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1049},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1049},{"title":"زهير بن معاوية (١٧٣ هـ)","level":2,"page":1050},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1051},{"title":"نوح بن أبي مريم (١٧٣ هـ)","level":2,"page":1051},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1051},{"title":"عبد الرحمن بن أبي الزناد (١٧٤ هـ)","level":2,"page":1051},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1052},{"title":"ابن لهيعة (١٧٤ هـ)","level":2,"page":1053},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1054},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1054},{"title":"الليث بن سعد (١٧٥ هـ)","level":2,"page":1054},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1055},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1056},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1056},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1056},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1057},{"title":"أبو عوانة (١٧٥ هـ)","level":2,"page":1057},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1057},{"title":"عبد الله بن فروخ (١٧٥ هـ)","level":2,"page":1058},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1058},{"title":"سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (١٧٦ هـ)","level":2,"page":1059},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1060},{"title":"محمد بن مسلم (١٧٧ هـ)","level":2,"page":1060},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1060},{"title":"شريك بن عبد الله القاضي (١٧٧ هـ)","level":2,"page":1061},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1061},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1062},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1063},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1065},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1065},{"title":"عتبة الغلام (١٧٨ هـ)","level":2,"page":1067},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1067},{"title":"محمد بن النضر الحارثي (ما بين ١٧١ هـ و١٨٠ هـ)","level":2,"page":1068},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1068},{"title":"مالك بن أنس (١٧٩ هـ)","level":2,"page":1069},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1070},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1086},{"title":"موقفه من بدعة القبورية:","level":3,"page":1088},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1089},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1093},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1095},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1101},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1103},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1105},{"title":"حماد بن زيد بن درهم (١٧٩ هـ)","level":2,"page":1109},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1111},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1111},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1111},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1112},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1113},{"title":"سلام بن سليم (١٧٩ هـ)","level":2,"page":1113},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1114},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1114},{"title":"مساور الوراق (من السابعة)","level":2,"page":1114},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1115},{"title":"عبد الله بن بكر المزني (من السابعة)","level":2,"page":1116},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1116},{"title":"هارون بن سعد العجلي الكوفي (من الطبقة السابعة)","level":2,"page":1116},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1117},{"title":"شهاب بن خراش بن حوشب (قبل ١٨٠ هـ)","level":2,"page":1117},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1118},{"title":"موقفه من القدرية والمرجئة:","level":3,"page":1118},{"title":"موقف السلف من رابعة العدوية الصوفية (١٨٠ هـ)","level":2,"page":1119},{"title":"عبد الله بن المبارك بن واضح (١٨١ هـ)","level":2,"page":1120},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1121},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1125},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1127},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1127},{"title":"موقفه من القائلين بخلق القرآن:","level":3,"page":1130},{"title":"موقفه من المؤولين لصفة الرؤية:","level":3,"page":1131},{"title":"موقفه من المؤولين لصفة العلو:","level":3,"page":1132},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1133},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1133},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1134},{"title":"يزيد بن زريع (١٨٢ هـ)","level":2,"page":1135},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1136},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1136},{"title":"أبو يوسف القاضي (١٨٢ هـ)","level":2,"page":1137},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1137},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1140},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1140},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1143},{"title":"هشيم بن بشير (١٨٣ هـ)","level":2,"page":1143},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1144},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1145},{"title":"محمد بن السماك (١٨٣ هـ)","level":2,"page":1145},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1145},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1146},{"title":"البهلول بن راشد (١٨٣ هـ)","level":2,"page":1147},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1148},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1149},{"title":"النضر بن محمد (١٨٣ هـ)","level":2,"page":1149},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1150},{"title":"عبد الله بن مصعب (١٨٤ هـ)","level":2,"page":1150},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1150},{"title":"موقف السلف من إبراهيم بن أبي يحيى القدري (١٨٤ هـ)","level":2,"page":1151},{"title":"إبراهيم بن سعد (١٨٥ هـ)","level":2,"page":1152},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1152},{"title":"المعافى بن عمران (١٨٥ هـ)","level":2,"page":1153},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1153},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1154},{"title":"أبو إسحاق الفزاري (١٨٦ هـ)","level":2,"page":1154},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1155},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1155},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1156},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1157},{"title":"خالد بن الحارث (١٨٦ هـ)","level":2,"page":1157},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1158},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1158},{"title":"بشر بن المفضل (١٨٦ هـ)","level":2,"page":1159},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1159},{"title":"عباد بن العوام (١٨٦ هـ)","level":2,"page":1159},{"title":"عيسى بن يونس (١٨٧ هـ)","level":2,"page":1160},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1161},{"title":"الفضيل بن عياض (١٨٧ هـ)","level":2,"page":1162},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1164},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1170},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1171},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1172},{"title":"معتمر بن سليمان (١٨٧ هـ)","level":2,"page":1177},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1177},{"title":"جرير بن عبد الحميد (١٨٨ هـ)","level":2,"page":1178},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1179},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1179},{"title":"محمد بن الحسن الشيباني (١٨٩ هـ)","level":2,"page":1180},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1181},{"title":"عتاب بن بشير (١٩٠ هـ)","level":2,"page":1182},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1182},{"title":"موقف السلف من يحيى بن خالد البرمكي المبتدع الباطني الخبيث (١٩٠ هـ)","level":2,"page":1183},{"title":"محمد بن يزيد الواسطي (١٩١ هـ)","level":2,"page":1184},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1184},{"title":"عبد الرحمن بن القاسم (١٩١ هـ)","level":2,"page":1185},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1185},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1186},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1186},{"title":"عبد الله بن إدريس (١٩٢ هـ)","level":2,"page":1187},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1188},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1188},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1191},{"title":"إسماعيل بن علية (١٩٣ هـ)","level":2,"page":1191},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1192},{"title":"هارون الرشيد (١٩٣ هـ)","level":2,"page":1193},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1194},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1196},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1198},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1198},{"title":"شجاع بن أبي نصر (١٩٣ هـ)","level":2,"page":1200},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1200},{"title":"عبد الله بن أبي جعفر الرازي (١٩٣ هـ)","level":2,"page":1201},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1201},{"title":"مروان بن معاوية الفزاري (١٩٣ هـ)","level":2,"page":1201},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1202},{"title":"زياد بن عبد الرحمن شبطون (١٩٣ هـ)","level":2,"page":1202},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1203},{"title":"أبو بكر بن عياش (١٩٤ هـ)","level":2,"page":1204},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1204},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1206},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1207},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1208},{"title":"حفص بن غياث (١٩٤ هـ)","level":2,"page":1209},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1210},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1210},{"title":"عمر بن هارون (١٩٤ هـ)","level":2,"page":1210},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1211},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1211},{"title":"القاسم الجرمي (١٩٤ هـ)","level":2,"page":1211},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1212},{"title":"يوسف بن أسباط (١٩٥ هـ)","level":2,"page":1212},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1213},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1215},{"title":"يحيى بن سليم الطائفي (١٩٥ هـ)","level":2,"page":1215},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1216},{"title":"موقف السلف من بشر بن السري (١٩٥ هـ)","level":2,"page":1217},{"title":"أبو معاوية الضرير محمد بن خازم (١٩٥ هـ)","level":2,"page":1217},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1217},{"title":"وكيع بن الجراح (١٩٦ هـ)","level":2,"page":1218},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1219},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1221},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1221},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1226},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1227},{"title":"معاذ بن معاذ (١٩٦ هـ)","level":2,"page":1227},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1228},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1228},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1229},{"title":"بقية بن الوليد (١٩٧ هـ)","level":2,"page":1230},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1230},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1230},{"title":"ابن وهب (١٩٧ هـ)","level":2,"page":1231},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1231},{"title":"يحي بن سعيد القطان (١٩٨ هـ)","level":2,"page":1232},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1232},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1233},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1234},{"title":"سفيان بن عيينة (١٩٨ هـ)","level":2,"page":1235},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1236},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1240},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1240},{"title":"موقفه من القائلين بخلق القرآن:","level":3,"page":1242},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1244},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1247},{"title":"عبد الرحمن بن مهدي (١٩٨ هـ)","level":2,"page":1248},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1249},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1251},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1252},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1255},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1257},{"title":"خالد بن سليمان أبو معاذ (١٩٩ هـ)","level":2,"page":1257},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1257},{"title":"إسحاق بن سليمان الرازي (١٩٩ هـ)","level":2,"page":1258},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1259},{"title":"موقف السلف من سعيد بن سالم القداح المرجئي (نيف وتسعون بعد المائة)","level":2,"page":1259},{"title":"أنس بن عياض (٢٠٠ هـ)","level":2,"page":1260},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1260},{"title":"يحيى بن سلام (٢٠٠ هـ)","level":2,"page":1261},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1261},{"title":"يعقوب بن موسى ابن أخي معروف الكرخي (٢٠٠ هـ سنة وفاة معروف الكرخي)","level":2,"page":1262},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1263},{"title":"موقف السلف من الهجيمي الصوفي القدري (٢٠٠ هـ)","level":2,"page":1263},{"title":"القرن ٣","level":1,"page":1264},{"title":"علي بن عاصم الواسطي (٢٠١ هـ)","level":2,"page":1264},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1264},{"title":"حماد بن أسامة الكوفي (٢٠١ هـ)","level":2,"page":1265},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1266},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1266},{"title":"ضمرة بن ربيعة الرملي (٢٠٢ هـ)","level":2,"page":1266},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1267},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1267},{"title":"عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني (٢٠٢ هـ)","level":2,"page":1267},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1268},{"title":"أبو داود الطيالسي (٢٠٣ هـ)","level":2,"page":1268},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1269},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1269},{"title":"الحسين بن علي الجعفي (٢٠٣ هـ)","level":2,"page":1270},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1270},{"title":"إبراهيم بن حبيب (٢٠٣ هـ)","level":2,"page":1271},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1271},{"title":"علي الرضى (٢٠٣ هـ)","level":2,"page":1271},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1272},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1272},{"title":"زهير البابي (٢٠٤ هـ)","level":2,"page":1273},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1273},{"title":"الشافعي (٢٠٤ هـ)","level":2,"page":1274},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1276},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1284},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1285},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1288},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1288},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1300},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1300},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1302},{"title":"شاذ بن يحيى الواسطي (٢٠٤ هـ)","level":2,"page":1303},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1303},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1304},{"title":"النضر بن شميل المازني (٢٠٤ هـ)","level":2,"page":1304},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1305},{"title":"معروف الكرخي (٢٠٤ هـ)","level":2,"page":1305},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1305},{"title":"عبد الله بن نافع الصائغ (٢٠٦ هـ)","level":2,"page":1306},{"title":"موقفه من الجهمية والمرجئة:","level":3,"page":1306},{"title":"أبو عمرو الشيباني اللغوي (٢٠٦ هـ)","level":2,"page":1307},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1307},{"title":"يزيد بن هارون (٢٠٦ هـ)","level":2,"page":1308},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1308},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1309},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1309},{"title":"شبابة بن سوار (٢٠٦ هـ)","level":2,"page":1315},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1315},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1315},{"title":"مؤمل بن إسماعيل (٢٠٦ هـ)","level":2,"page":1316},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1316},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1317},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1317},{"title":"وهب بن جرير (٢٠٦ هـ)","level":2,"page":1317},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1318},{"title":"موقف السلف من عبد المجيد بن عبد العزيز (٢٠٦ هـ)","level":2,"page":1318},{"title":"محمد بن عمر الواقدي (٢٠٧ هـ)","level":2,"page":1320},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1321},{"title":"أبو النضر هاشم بن القاسم (٢٠٧ هـ)","level":2,"page":1322},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1322},{"title":"أبو محمد بشر بن عمر (٢٠٧ هـ)","level":2,"page":1323},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1323},{"title":"محمد بن مصعب (٢٠٨ هـ)","level":2,"page":1324},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1324},{"title":"قريش بن أنس (٢٠٨ هـ)","level":2,"page":1324},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1325},{"title":"سعيد بن عامر الضبعي (٢٠٨ هـ)","level":2,"page":1325},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1326},{"title":"أبو عبيدة معمر بن المثنى (٢٠٨ هـ)","level":2,"page":1326},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1327},{"title":"حفص بن عبد الله (٢٠٩ هـ)","level":2,"page":1327},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1328},{"title":"عبد الرزاق بن همام الصنعاني (٢١١ هـ)","level":2,"page":1328},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1329},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1329},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1329},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1330},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1330},{"title":"موسى بن سليمان الجوزجاني (٢١١ هـ)","level":2,"page":1331},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1332},{"title":"أبو العتاهية (٢١١ هـ)","level":2,"page":1332},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1333},{"title":"المعلى بن منصور (٢١١ هـ)","level":2,"page":1334},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1334},{"title":"أسد بن موسى (٢١٢ هـ)","level":2,"page":1335},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1335},{"title":"عيسى بن دينار (٢١٢ هـ)","level":2,"page":1338},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1338},{"title":"محمد بن يوسف الفريابي (٢١٢ هـ)","level":2,"page":1338},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1339},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1340},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1341},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1341},{"title":"أسد بن الفرات (٢١٣ هـ)","level":2,"page":1341},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1342},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1342},{"title":"عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون (٢١٣ هـ)","level":2,"page":1344},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1344},{"title":"إدريس بن إدريس (٢١٣ هـ)","level":2,"page":1345},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1346},{"title":"عبد الله بن داود (٢١٣ هـ)","level":2,"page":1346},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1347},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1347},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1347},{"title":"أبو سهل الهيثم بن جميل (٢١٣ هـ)","level":2,"page":1348},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1349},{"title":"الأسود بن سالم أبو محمد البغدادي (٢١٣ هـ)","level":2,"page":1349},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1349},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1350},{"title":"موقف السلف من عبيد الله بن موسى الشيعي (٢١٣ هـ)","level":2,"page":1350},{"title":"عبد الله بن عبد الحكم (٢١٤ هـ)","level":2,"page":1351},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1351},{"title":"الوليد بن أبان الكرابيسي (٢١٤ هـ)","level":2,"page":1352},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1352},{"title":"أبو سليمان الداراني (٢١٥ هـ)","level":2,"page":1353},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1354},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1355},{"title":"قبيصة بن عقبة (٢١٥ هـ)","level":2,"page":1356},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1356},{"title":"عبد الملك بن قريب الأصمعي (٢١٦ هـ)","level":2,"page":1357},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1357},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1359},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1360},{"title":"حجاج بن منهال الأنماطي (٢١٧ هـ)","level":2,"page":1361},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1361},{"title":"أبو مسهر عبد الأعلى (٢١٨ هـ)","level":2,"page":1362},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1362},{"title":"موقف السلف من بشر بن غياث المريسي الجهمي (٢١٨ هـ)","level":2,"page":1366},{"title":"موقف السلف من المأمون (٢١٨ هـ)","level":2,"page":1368},{"title":"عبد الله بن الزبير الحميدي (٢١٩ هـ)","level":2,"page":1376},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1376},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1379},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1379},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1379},{"title":"أبو الأسود النضر بن عبد الجبار (٢١٩ هـ)","level":2,"page":1380},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1380},{"title":"عمرو بن الربيع (٢١٩ هـ)","level":2,"page":1381},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1381},{"title":"هشام بن بهرام (٢١٩ هـ)","level":2,"page":1381},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1382},{"title":"سليمان بن داود الهاشمي (٢١٩ هـ)","level":2,"page":1382},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1383},{"title":"الفضل بن دكين (٢١٩ هـ)","level":2,"page":1384},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1384},{"title":"العتابي (٢١٩ هـ)","level":2,"page":1386},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1387},{"title":"آدم بن أبي إياس (٢٢٠ هـ)","level":2,"page":1388},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1389},{"title":"عفان بن مسلم (٢٢٠ هـ)","level":2,"page":1390},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1391},{"title":"عبد الله بن مسلمة القعنبي (٢٢١ هـ)","level":2,"page":1393},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1394},{"title":"هشام بن عبيد الله (٢٢١ هـ)","level":2,"page":1394},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1395},{"title":"عاصم بن علي (٢٢١ هـ)","level":2,"page":1397},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1397},{"title":"أحمد بن أبي محرز (٢٢١ هـ)","level":2,"page":1398},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1399},{"title":"أبو سعيد الحداد (٢٢١ هـ)","level":2,"page":1399},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1400},{"title":"الحسن بن الربيع (٢٢١ هـ)","level":2,"page":1400},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1400},{"title":"مسلم بن إبراهيم (٢٢٢ هـ)","level":2,"page":1401},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1401},{"title":"موقف السلف من يحيى بن صالح الوحاظي (٢٢٢ هـ)","level":2,"page":1401},{"title":"عبد الله بن محمد بن أبي الأسود (٢٢٣ هـ)","level":2,"page":1402},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1402},{"title":"أبو عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ)","level":2,"page":1403},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1403},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1404},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1409},{"title":"ابن أبي مريم (٢٢٤ هـ)","level":2,"page":1412},{"title":"موقفه من الرافضة والجهمية والقدرية:","level":3,"page":1412},{"title":"سليمان بن حرب (٢٢٤ هـ)","level":2,"page":1414},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1414},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1415},{"title":"محمد بن عيسى بن الطباع (٢٢٤ هـ)","level":2,"page":1417},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1417},{"title":"أصبغ بن الفرج (٢٢٥ هـ)","level":2,"page":1417},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1418},{"title":"أبو السري منصور بن عمار (٢٢٥ هـ)","level":2,"page":1418},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1419},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1420},{"title":"محمد بن سلام البيكندي (٢٢٥ هـ)","level":2,"page":1422},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1423},{"title":"إبراهيم بن مهدي (٢٢٥ هـ)","level":2,"page":1423},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1424},{"title":"يحيى بن يحيى النيسابوري (٢٢٦ هـ)","level":2,"page":1424},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1425},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1425},{"title":"سنيد (٢٢٦ هـ)","level":2,"page":1426},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1426},{"title":"عبد الله بن أبي حسان اليحصبي (٢٢٦ هـ)","level":2,"page":1427},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1427},{"title":"إسماعيل بن أبي أويس (٢٢٦ هـ)","level":2,"page":1428},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1429},{"title":"محمود الوراق (توفي في خلافة المعتصم)","level":2,"page":1429},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1430},{"title":"أحمد بن يونس (٢٢٧ هـ)","level":2,"page":1430},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1431},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1431},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1431},{"title":"الهيثم بن خارجة (٢٢٧ هـ)","level":2,"page":1431},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1432},{"title":"أبو الوليد الطيالسي (٢٢٧ هـ)","level":2,"page":1432},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1433},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1433},{"title":"أبو نصر بشر بن الحارث (٢٢٧ هـ)","level":2,"page":1434},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1434},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1435},{"title":"موقف السلف من أبي الهذيل العلاف المعتزلي (٢٢٧ هـ)","level":2,"page":1437},{"title":"عبد الله بن عبد الله الخراساني (زمن المعتصم)","level":2,"page":1439},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1439},{"title":"المعتصم (٢٢٧ هـ)","level":2,"page":1440},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1440},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1442},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1442},{"title":"علي بن عثام (٢٢٨ هـ)","level":2,"page":1443},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1443},{"title":"عبد الملك بن عبد العزيز القشيري (٢٢٨ هـ)","level":2,"page":1444},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1444},{"title":"نعيم بن حماد الخزاعي (٢٢٨ هـ)","level":2,"page":1445},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1445},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1446},{"title":"خلف بن هشام (٢٢٩ هـ)","level":2,"page":1452},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1452},{"title":"عبد الله بن محمد الجعفي المسندي (٢٢٩ هـ)","level":2,"page":1453},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1454},{"title":"أحمد بن شبويه (٢٣٠ هـ)","level":2,"page":1454},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1454},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1455},{"title":"زكريا بن يحيى بن صالح (٢٣٠ هـ)","level":2,"page":1455},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1455},{"title":"الأمير عبد الله بن طاهر (٢٣٠ هـ)","level":2,"page":1456},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1456},{"title":"محمد بن زياد بن الأعرابي (٢٣١ هـ)","level":2,"page":1457},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1457},{"title":"البويطي (٢٣١ هـ)","level":2,"page":1459},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1459},{"title":"أحمد بن نصر الخزاعي (٢٣١ هـ)","level":2,"page":1461},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1461},{"title":"هارون بن معروف (٢٣١ هـ)","level":2,"page":1464},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1464},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1465},{"title":"يوسف بن عدي التيمي (٢٣٢ هـ)","level":2,"page":1465},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1466},{"title":"موقف السلف من النظام المعتزلي (٢٣٢ هـ)","level":2,"page":1466},{"title":"العباس بن موسى بن مشكويه الهمذاني (عاش في زمن الواثق)","level":2,"page":1467},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1467},{"title":"ابن الشحام قاضي الري (عاش في زمن الواثق)","level":2,"page":1471},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1471},{"title":"موقف السلف من الواثق بالله (٢٣٢ هـ)","level":2,"page":1474},{"title":"يحيى بن معين (٢٣٣ هـ)","level":2,"page":1476},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1477},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1478},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1478},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1479},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1480},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1480},{"title":"إبراهيم بن أبي الليث (٢٣٤ هـ)","level":2,"page":1481},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1482},{"title":"محمد بن عبد الله بن نمير (٢٣٤ هـ)","level":2,"page":1482},{"title":"ابن الرماح (٢٣٤ هـ)","level":2,"page":1483},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1483},{"title":"علي بن المديني (٢٣٤ هـ)","level":2,"page":1484},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1485},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1498},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1498},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1500},{"title":"يحيى بن أيوب (٢٣٤ هـ)","level":2,"page":1500},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1500},{"title":"أبو خيثمة زهير بن حرب (٢٣٤ هـ)","level":2,"page":1501},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1502},{"title":"أبو بكر بن أبي شيبة (٢٣٥ هـ)","level":2,"page":1504},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1504},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1504},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1505},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1505},{"title":"أبو الفضل شجاع بن مخلد (٢٣٥ هـ)","level":2,"page":1505},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1506},{"title":"عبيد الله بن عمر القواريري (٢٣٥ هـ)","level":2,"page":1506},{"title":"أحمد بن عمر الوكيعي (٢٣٥ هـ)","level":2,"page":1507},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1507},{"title":"إبراهيم بن محمد بن أبي معاوية (٢٣٦ هـ)","level":2,"page":1507},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1508},{"title":"محمد بن بشير (٢٣٦ هـ)","level":2,"page":1508},{"title":"أبو إبراهيم الترجماني (٢٣٦ هـ)","level":2,"page":1509},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1509},{"title":"محمد بن مقاتل العباداني (٢٣٦ هـ)","level":2,"page":1509},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1510},{"title":"مصعب الزبيري (٢٣٦ هـ)","level":2,"page":1510},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1511},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1513},{"title":"أبو معمر الهذلي (٢٣٦ هـ)","level":2,"page":1513},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1514},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1514},{"title":"إبراهيم بن المنذر الحزامي (٢٣٦ هـ)","level":2,"page":1515},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1515},{"title":"سعيد بن رحمة (٢٣٦ هـ)","level":2,"page":1515},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1516},{"title":"إسحاق بن راهويه (٢٣٧ هـ)","level":2,"page":1516},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1517},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1518},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1518},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1519},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1529},{"title":"العباس بن الوليد النرسي (٢٣٧ هـ)","level":2,"page":1530},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1531},{"title":"يحيى بن سليمان الجعفي (٢٣٧ هـ)","level":2,"page":1531},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1531},{"title":"ابن حبيب الأندلسي المالكي (٢٣٨ هـ)","level":2,"page":1532},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1532},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1533},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1533},{"title":"زهير بن عباد (٢٣٨ هـ)","level":2,"page":1534},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1534},{"title":"بشر بن الوليد (٢٣٨ هـ)","level":2,"page":1534},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1535},{"title":"داود بن رشيد الخوارزمي (٢٣٩ هـ)","level":2,"page":1535},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1536},{"title":"عثمان بن أبي شيبة (٢٣٩ هـ)","level":2,"page":1536},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1536},{"title":"إبراهيم بن يوسف (٢٣٩ هـ)","level":2,"page":1537},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1538},{"title":"أبو ثور (٢٤٠ هـ)","level":2,"page":1538},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1539},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1539},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1539},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1541},{"title":"قتيبة بن سعيد (٢٤٠ هـ)","level":2,"page":1542},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1543},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1543},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1545},{"title":"سحنون (٢٤٠ هـ)","level":2,"page":1545},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1546},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1547},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1547},{"title":"عبد العزيز بن يحيى الكناني (٢٤٠ هـ)","level":2,"page":1551},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1551},{"title":"موقف السلف من أحمد بن أبي دؤاد (٢٤٠ هـ)","level":2,"page":1572},{"title":"أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الجزري (من الطبقة العاشرة)","level":2,"page":1574},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1575},{"title":"أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)","level":2,"page":1582},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1582},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1602},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1603},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1614},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1617},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1709},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1711},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1718},{"title":"أبو توبة الحلبي (٢٤١ هـ)","level":2,"page":1722},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1722},{"title":"الحسن بن حماد -سجادة- (٢٤١ هـ)","level":2,"page":1722},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1723},{"title":"أبو معاذ خلف بن سليمان (٢٤١ هـ)","level":2,"page":1724},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1724},{"title":"موقف السلف من ضرار بن عمرو المعتزلي","level":2,"page":1725},{"title":"إسحاق بن سليمان الجواز (٢٤١ هـ سنة وفاة الإمام أحمد)","level":2,"page":1726},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1726},{"title":"يحيى بن أكثم التميمي (ابن قطن) (٢٤٢ هـ)","level":2,"page":1727},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1727},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1729},{"title":"الحسن بن علي الحلواني (٢٤٢ هـ)","level":2,"page":1729},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1730},{"title":"محمد بن أسلم الطوسي (٢٤٢ هـ)","level":2,"page":1730},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1731},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1733},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1735},{"title":"أحمد بن أبي بكر بن الحارث (٢٤٢ هـ)","level":2,"page":1741},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1741},{"title":"محمد بن يحيى العدني (٢٤٣ هـ)","level":2,"page":1742},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1743},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1743},{"title":"حارث بن أبي الحارث المحاسبي (٢٤٣ هـ)","level":2,"page":1743},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1744},{"title":"أبو موسى إسحاق بن موسى الخطمي (٢٤٤ هـ)","level":2,"page":1744},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1745},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1745},{"title":"محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي البصري (٢٤٤ هـ)","level":2,"page":1746},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1746},{"title":"أحمد بن منيع أبو جعفر البغوي (٢٤٤ هـ)","level":2,"page":1747},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1747},{"title":"أحمد بن حميد المشكاني (٢٤٤ هـ)","level":2,"page":1747},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1748},{"title":"محمد بن أبان حمدويه (٢٤٤ هـ)","level":2,"page":1749},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1749},{"title":"أحمد بن نصر (٢٤٥ هـ)","level":2,"page":1750},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1750},{"title":"هشام بن عمار (٢٤٥ هـ)","level":2,"page":1750},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1751},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1751},{"title":"أحمد بن عبدة أبو عبد الله الضبي (٢٤٥ هـ)","level":2,"page":1752},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1753},{"title":"إسحاق بن أبي إسرائيل (٢٤٥ هـ)","level":2,"page":1753},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1754},{"title":"محمد بن سليمان لوين (٢٤٥ هـ)","level":2,"page":1754},{"title":"ذو النون المصري الصوفي (٢٤٥ هـ)","level":2,"page":1755},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1755},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1757},{"title":"أبو تراب النخشبي عسكر بن الحصين الصوفي (٢٤٥ هـ)","level":2,"page":1757},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1757},{"title":"أبو عمر الدوري الضرير (٢٤٦ هـ)","level":2,"page":1758},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1758},{"title":"أحمد بن إبراهيم الدورقي (٢٤٦ هـ)","level":2,"page":1759},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1759},{"title":"أحمد بن أبي الحواري الصوفي (٢٤٦ هـ)","level":2,"page":1760},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1760},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1760},{"title":"عبد الله بن البسري (٢٤٦ هـ)","level":2,"page":1760},{"title":"سفيان بن وكيع (٢٤٧ هـ)","level":2,"page":1761},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1761},{"title":"أبو عثمان المازني (٢٤٧ هـ)","level":2,"page":1761},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1762},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1762},{"title":"أبو كريب (٢٤٧ هـ)","level":2,"page":1763},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1763},{"title":"الحسين بن عيسى (٢٤٧ هـ)","level":2,"page":1764},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1764},{"title":"أمير المؤمنين جعفر المتوكل (٢٤٧ هـ)","level":2,"page":1765},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1766},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1767},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1769},{"title":"أحمد بن صالح (٢٤٨ هـ)","level":2,"page":1772},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1773},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1773},{"title":"هارون بن موسى بن حيان القزويني (٢٤٨ هـ)","level":2,"page":1775},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1775},{"title":"الحسين الكرابيسي أبو علي (٢٤٨ هـ)","level":2,"page":1776},{"title":"الحسن بن الصباح بن محمد (٢٤٩ هـ)","level":2,"page":1777},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1777},{"title":"عبد بن حميد (٢٤٩ هـ)","level":2,"page":1778},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1779},{"title":"علي بن الجهم (٢٤٩ هـ)","level":2,"page":1779},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1779},{"title":"عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق (٢٥٠ هـ)","level":2,"page":1781},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1782},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1782},{"title":"الحارث بن مسكين (٢٥٠ هـ)","level":2,"page":1783},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1784},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1784},{"title":"البزي (٢٥٠ هـ)","level":2,"page":1785},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1785},{"title":"أحمد بن عمرو (٢٥٠ هـ)","level":2,"page":1786},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1786},{"title":"الرواجني الرافضي المبتدع عباد بن يعقوب أبو سعيد الأسدي (٢٥٠ هـ)","level":2,"page":1786},{"title":"محمد بن سهل بن عسكر (٢٥١ هـ)","level":2,"page":1788},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1788},{"title":"أبو الحسن السري السقطي الصوفي (٢٥١ هـ)","level":2,"page":1789},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1789},{"title":"الدورقي (٢٥٢ هـ)","level":2,"page":1789},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1789},{"title":"محمد بن بشار (بندار) (٢٥٢ هـ)","level":2,"page":1790},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1791},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1791},{"title":"هارون بن موسى (٢٥٣ هـ)","level":2,"page":1792},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1792},{"title":"خشيش بن أصرم النسائي (٢٥٣ هـ)","level":2,"page":1793},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1793},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1794},{"title":"أحمد بن سعيد الدارمي (٢٥٣ هـ)","level":2,"page":1794},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1795},{"title":"يوسف بن موسى القطان (٢٥٣ هـ)","level":2,"page":1795},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1796},{"title":"إسحاق بن حنبل أبو يعقوب (٢٥٣ هـ)","level":2,"page":1796},{"title":"يحيى بن المغيرة المخزومي (٢٥٣ هـ)","level":2,"page":1797},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1797},{"title":"أبو أحمد المرار بن حمويه (٢٥٤ هـ)","level":2,"page":1798},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1798},{"title":"زياد بن يحيى الحساني (٢٥٤ هـ)","level":2,"page":1799},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1799},{"title":"محمد بن منصور الطوسي (٢٥٤ هـ)","level":2,"page":1799},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1800},{"title":"يحيى بن عثمان الحمصي (٢٥٥ هـ)","level":2,"page":1800},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1801},{"title":"الإمام الدارمي (٢٥٥ هـ)","level":2,"page":1801},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1802},{"title":"موقف السلف من محمد بن كرام (٢٥٥ هـ)","level":2,"page":1803},{"title":"موقف السلف من الجاحظ المعتزلي وبيان سوء عقيدته (٢٥٥ هـ)","level":2,"page":1804},{"title":"الإمام البخاري (٢٥٦ هـ)","level":2,"page":1804},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1805},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1809},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1809},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1809},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1819},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1821},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1824},{"title":"المهتدي بالله (٢٥٦ هـ)","level":2,"page":1824},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1825},{"title":"علي بن خشرم (٢٥٧ هـ)","level":2,"page":1825},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1826},{"title":"عبد الحميد بن عصام الجرجاني (٢٥٧ هـ)","level":2,"page":1826},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1827},{"title":"الرياشي (٢٥٧ هـ)","level":2,"page":1827},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1828},{"title":"زهير بن محمد بن قمير (٢٥٧ هـ)","level":2,"page":1829},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1830},{"title":"أحمد بن الفرات (٢٥٨ هـ)","level":2,"page":1830},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1831},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1831},{"title":"الذهلي (٢٥٨ هـ)","level":2,"page":1832},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1833},{"title":"هارون بن إسحاق الهمداني (٢٥٨ هـ)","level":2,"page":1834},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1834},{"title":"يحيى بن معاذ الرازي (٢٥٨ هـ)","level":2,"page":1834},{"title":"موقفه من المبتدعة والمشركين:","level":3,"page":1835},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1837},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1837},{"title":"الجوزجاني (٢٥٩ هـ)","level":2,"page":1838},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1838},{"title":"أحمد بن سنان (٢٥٩ هـ)","level":2,"page":1839},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1839},{"title":"الحسن بن محمد بن الصباح (٢٦٠ هـ)","level":2,"page":1841},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1842},{"title":"أبو شعيب السوسي (٢٦١ هـ)","level":2,"page":1842},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1843},{"title":"علي بن إشكاب (٢٦١ هـ)","level":2,"page":1843},{"title":"الأثرم (٢٦١ هـ)","level":2,"page":1844},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1844},{"title":"موقفه من الرافضة والقدرية:","level":3,"page":1850},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1850},{"title":"أحمد بن عبد الله العجلي (٢٦١ هـ)","level":2,"page":1850},{"title":"موقفه من الرافضة والجهمية:","level":3,"page":1851},{"title":"الإمام مسلم (٢٦١ هـ)","level":2,"page":1851},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1852},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1854},{"title":"أبو زيد عمر بن شبة النميري (٢٦٢ هـ)","level":2,"page":1855},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1855},{"title":"موقف السلف من يعقوب بن شيبة (٢٦٢ هـ)","level":2,"page":1856},{"title":"محمد بن أحمد بن حفص بن الزبرقان (٢٦٤ هـ)","level":2,"page":1856},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1857},{"title":"أبو حفص الحداد الصوفي (٢٦٤ هـ)","level":2,"page":1857},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1857},{"title":"أبو زرعة الرازي (٢٦٤ هـ)","level":2,"page":1858},{"title":"موقفه من المبتدعة والصوفية:","level":3,"page":1859},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1863},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1864},{"title":"المزني (٢٦٤ هـ)","level":2,"page":1865},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1866},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1867},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1869},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1870},{"title":"عبد الله بن أيوب المخرمي (٢٦٥ هـ)","level":2,"page":1872},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1873},{"title":"علي بن حرب بن محمد (٢٦٥ هـ)","level":2,"page":1873},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1874},{"title":"محمد بن سحنون (٢٦٥ هـ)","level":2,"page":1874},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1875},{"title":"محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٢٦٨ هـ)","level":2,"page":1875},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1876},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1876},{"title":"الربيع بن سليمان المرادي (٢٧٠ هـ)","level":2,"page":1877},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1878},{"title":"إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل (٢٧٠ هـ)","level":2,"page":1878},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1879},{"title":"محمد بن إسحاق الصاغاني (٢٧٠ هـ)","level":2,"page":1879},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1880},{"title":"شاه الكرماني الصوفي (٢٧٠ هـ)","level":2,"page":1880},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1880},{"title":"الحسن بن زيد الداعي (٢٧٠ هـ)","level":2,"page":1880},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1880},{"title":"موقف السلف من خبيث الزنج (٢٧٠ هـ)","level":2,"page":1881},{"title":"أبو الفضل العباس بن محمد الدوري (٢٧١ هـ)","level":2,"page":1887},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1887},{"title":"محمد بن عبد الرحمن بن الحكم (٢٧٣ هـ)","level":2,"page":1888},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1888},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1890},{"title":"حنبل بن إسحاق بن حنبل (٢٧٣ هـ)","level":2,"page":1890},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1891},{"title":"موقفه من إمام المسلمين:","level":3,"page":1891},{"title":"الإمام ابن ماجه (٢٧٣ هـ)","level":2,"page":1891},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1892},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1893},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1893},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1893},{"title":"غلام خليل (٢٧٥ هـ)","level":2,"page":1893},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1894},{"title":"أبو داود السجستاني (٢٧٥ هـ)","level":2,"page":1895},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1896},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1897},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":1897},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1897},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1898},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1899},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1899},{"title":"بقي بن مخلد (٢٧٦ هـ)","level":2,"page":1900},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1901},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1902},{"title":"القاسم بن محمد البياني (٢٧٦ هـ)","level":2,"page":1902},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1903},{"title":"ابن قتيبة (٢٧٦ هـ)","level":2,"page":1904},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1905},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1906},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":1908},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1928},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1949},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1950},{"title":"ابن أبي العوام (٢٧٦ هـ)","level":2,"page":1953},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1954},{"title":"مصعب بن سعيد أبو خيثمة الضرير المصيصي الحراني (٢٧٧ هـ سنة وفاة أبي حاتم)","level":2,"page":1954},{"title":"هشام بن عبيد (٢٧٧ هـ سنة وفاة أبي حاتم)","level":2,"page":1955},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1955},{"title":"أبو عقيل المروزي (٢٧٧ هـ سنة وفاة أبي حاتم)","level":2,"page":1955},{"title":"يعقوب بن سفيان الفسوي (٢٧٧ هـ)","level":2,"page":1956},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1956},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1957},{"title":"أبو حاتم الرازي (٢٧٧ هـ)","level":2,"page":1959},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1960},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1967},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1968},{"title":"أبو عيسى الترمذي (٢٧٩ هـ)","level":2,"page":1968},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1969},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":1971},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1972},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1973},{"title":"موقف السلف من أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراز (٢٧٩ هـ)","level":2,"page":1973},{"title":"عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)","level":2,"page":1974},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1975},{"title":"حرب بن إسماعيل الكرماني (٢٨٠ هـ)","level":2,"page":1979},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1980},{"title":"عثمان بن خرزاد (٢٨١ هـ)","level":2,"page":1982},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1983},{"title":"عبد الجبار بن خالد السرتي (٢٨١ هـ)","level":2,"page":1983},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1983},{"title":"سهل بن عبد الله التستري الصوفي (٢٨٣ هـ)","level":2,"page":1984},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1984},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":1986},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1987},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":1988},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1988},{"title":"ابن خراش الرافضي (٢٨٣ هـ)","level":2,"page":1990},{"title":"إبراهيم الحربي (٢٨٥ هـ)","level":2,"page":1990},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1991},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1991},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":1992},{"title":"أحمد بن أصرم (٢٨٥ هـ)","level":2,"page":1993},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1993},{"title":"محمد بن وضاح (٢٨٦ هـ)","level":2,"page":1993},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":1994},{"title":"موقفه من التثويب:","level":3,"page":1995},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":1996},{"title":"ابن أبي عاصم (٢٨٧ هـ)","level":2,"page":1997},{"title":"موقفه من المبتدعة والرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة:","level":3,"page":1997},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2001},{"title":"المعتضد بالله (٢٨٩ هـ)","level":2,"page":2002},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2002},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2003},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2012},{"title":"يحيى بن عمر الكناني (٢٨٩ هـ)","level":2,"page":2012},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":2013},{"title":"أبو جعفر حمديس القطان (٢٨٩ هـ)","level":2,"page":2014},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2014},{"title":"موقف السلف من الجنيد (٢٨٩ هـ)","level":2,"page":2015},{"title":"موقف السلف من أبي حمزة الحلولي (٢٨٩ هـ)","level":2,"page":2016},{"title":"أبو الآذان (٢٩٠ هـ)","level":2,"page":2017},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2017},{"title":"عبد الله بن الإمام أحمد (٢٩٠ هـ)","level":2,"page":2018},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2019},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2019},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2020},{"title":"أبو العباس الأبار (٢٩٠ هـ)","level":2,"page":2020},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2021},{"title":"عباد بن بشار (٢٩٠ هـ سنة وفاة محمد بن زكريا الغلابي)","level":2,"page":2021},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2021},{"title":"محمد بن حبيب البزار (٢٩١ هـ)","level":2,"page":2024},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2024},{"title":"البوشنجي (٢٩١ هـ)","level":2,"page":2024},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2025},{"title":"أبو العباس ثعلب أحمد بن يحيى (٢٩١ هـ)","level":2,"page":2030},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2031},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2031},{"title":"إبراهيم الخواص الصوفي (٢٩١ هـ)","level":2,"page":2032},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2032},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2033},{"title":"موقف السلف من القاسم بن عبيد الله الوزير الزنديق (٢٩١ هـ)","level":2,"page":2034},{"title":"عمرو بن عثمان الصوفي (٢٩١ هـ)","level":2,"page":2035},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2035},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2036},{"title":"صالح بن محمد جزرة (٢٩٣ هـ)","level":2,"page":2038},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2039},{"title":"محمد بن نصر المروزي (٢٩٤ هـ)","level":2,"page":2040},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2040},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2043},{"title":"موقف السلف من زكرويه القرمطي (٢٩٤ هـ)","level":2,"page":2048},{"title":"المكتفي بالله (٢٩٥ هـ)","level":2,"page":2049},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2049},{"title":"الحكم الخزاعي (٢٩٥ هـ)","level":2,"page":2051},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2052},{"title":"محمد بن أحمد الترمذي (٢٩٥ هـ)","level":2,"page":2052},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2053},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2053},{"title":"عبد الله بن المعتز (٢٩٦ هـ)","level":2,"page":2054},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2055},{"title":"محمد بن داود (٢٩٧ هـ)","level":2,"page":2055},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":2055},{"title":"محمد بن أبي شيبة (٢٩٧ هـ)","level":2,"page":2056},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2056},{"title":"محمد بن يحيى المروزي (٢٩٨ هـ)","level":2,"page":2060},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2060},{"title":"أبو عثمان الحيري الصوفي (٢٩٨ هـ)","level":2,"page":2061},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2061},{"title":"موقف السلف من ابن الراوندي الزنديق الكبير (٢٩٨ هـ)","level":2,"page":2062},{"title":"ابن كيسان (٢٩٩ هـ)","level":2,"page":2072},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2072},{"title":"ابن البرذون (٢٩٩ هـ)","level":2,"page":2073},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2073},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2074},{"title":"أبو بكر بن هذيل (٢٩٩ هـ)","level":2,"page":2075},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2075},{"title":"جبلة بن حمود بن عبد الرحمن (٢٩٩ هـ)","level":2,"page":2076},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2077},{"title":"إبراهيم بن الحارث العبادي (الطبقة الثانية عشرة)","level":2,"page":2078},{"title":"\" موقفه من القدرية:","level":3,"page":2079},{"title":"عبد الله بن محمد صاحب الأندلس (٣٠٠ هـ)","level":2,"page":2079},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2080},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2080},{"title":"القرن ٤","level":1,"page":2080},{"title":"ابن خيرون (٣٠١ هـ)","level":2,"page":2080},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2081},{"title":"ابن الأخرم (٣٠١ هـ)","level":2,"page":2081},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2082},{"title":"محمد بن منده (٣٠١ هـ)","level":2,"page":2082},{"title":"ابن الحداد المغربي (٣٠٢ هـ)","level":2,"page":2084},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2084},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2086},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2092},{"title":"أبو زرعة القاضي (٣٠٢ هـ)","level":2,"page":2092},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2093},{"title":"النسائي (٣٠٣ هـ)","level":2,"page":2093},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2094},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2094},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2095},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2095},{"title":"أبو نصر بن سلام (٣٠٥ هـ)","level":2,"page":2095},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2096},{"title":"موقف السلف من الجبائي المعتزلي (٣٠٣ هـ)","level":2,"page":2096},{"title":"أبو خليفة الفضل بن الحباب (٣٠٥ هـ)","level":2,"page":2096},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2097},{"title":"قاسم بن زكريا المطرز (٣٠٥ هـ)","level":2,"page":2098},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2099},{"title":"ابن مجاشع (٣٠٥ هـ)","level":2,"page":2099},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2100},{"title":"عبدان عبد الله بن أحمد بن موسى (٣٠٦ هـ)","level":2,"page":2100},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2101},{"title":"ابن سريج (٣٠٦ هـ)","level":2,"page":2101},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2102},{"title":"أبو يحيى الساجي (٣٠٧ هـ)","level":2,"page":2108},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2109},{"title":"عروس المؤذن (٣٠٧ هـ)","level":2,"page":2110},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2110},{"title":"الحسن بن مفرج (٣٠٩ هـ)","level":2,"page":2110},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2111},{"title":"موقف السلف من الحلاج (٣٠٩ هـ)","level":2,"page":2111},{"title":"محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)","level":2,"page":2135},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2136},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2137},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2138},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2139},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2141},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2145},{"title":"أبو بكر الخلال (٣١١ هـ)","level":2,"page":2147},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2148},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2156},{"title":"محمد بن خزيمة (٣١١ هـ)","level":2,"page":2156},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2157},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2158},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2159},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2192},{"title":"أبو إسحاق الزجاج (٣١١ هـ)","level":2,"page":2193},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2193},{"title":"السراج (٣١٣ هـ)","level":2,"page":2194},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2194},{"title":"أبو علي السنجي (٣١٥ هـ)","level":2,"page":2195},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2196},{"title":"أبو بكر بن أبي داود (٣١٦ هـ)","level":2,"page":2196},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2197},{"title":"موقفه من الرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة والقدرية:","level":3,"page":2198},{"title":"أبو الفضل الجارودي الهروي (٣١٧ هـ)","level":2,"page":2200},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2200},{"title":"محمد بن محمد بن خالد المعروف بالطرزي (٣١٧ هـ)","level":2,"page":2201},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2201},{"title":"محمد بن الفضل البلخي (٣١٧ هـ)","level":2,"page":2202},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2202},{"title":"موقف السلف من ابن أبي العزاقر (٣١٩ هـ)","level":2,"page":2203},{"title":"موقف السلف من ابن مسرة (٣١٩ هـ)","level":2,"page":2206},{"title":"المقتدر بالله (٣٢٠ هـ)","level":2,"page":2207},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2207},{"title":"موقف السلف من الحكيم الترمذي الصوفي (٣٢٠ هـ)","level":2,"page":2208},{"title":"أبو جعفر الطحاوي (٣٢١ هـ)","level":2,"page":2210},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2210},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":2212},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2212},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2213},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2214},{"title":"موقف السلف من المهدي الرافضي عبيد الله أبي محمد (٣٢٢ هـ)","level":2,"page":2216},{"title":"أبو علي الروذباري الصوفي (٣٢٢ هـ)","level":2,"page":2219},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":2219},{"title":"أبو الحسن الأشعري (٣٢٤ هـ)","level":2,"page":2220},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2221},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2221},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2222},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2247},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2249},{"title":"أبو مزاحم الخاقاني (٣٢٥ هـ)","level":2,"page":2254},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2254},{"title":"عبد الرحمن بن أبي حاتم (٣٢٧ هـ)","level":2,"page":2255},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2256},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2256},{"title":"الإصطخري (٣٢٨ هـ)","level":2,"page":2257},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2258},{"title":"المرتعش الصوفي (٣٢٨ هـ)","level":2,"page":2258},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":2258},{"title":"الراضي أحمد بن المقتدر (٣٢٩ هـ)","level":2,"page":2259},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2259},{"title":"الحسن بن علي البربهاري (٣٢٩ هـ)","level":2,"page":2264},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2264},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2272},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2279},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2279},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2280},{"title":"ابن رجاء العكبري (٣٢٩ هـ)","level":2,"page":2281},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2281},{"title":"أبو بكر الصيرفي (٣٣٠ هـ)","level":2,"page":2282},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2282},{"title":"الحسين المحاملي (٣٣٠ هـ)","level":2,"page":2283},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2283},{"title":"إسحاق بن محمد النهرجوري الصوفي (٣٣٠ هـ)","level":2,"page":2284},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2284},{"title":"عبد الله بن منازل (٣٣١ هـ)","level":2,"page":2285},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2285},{"title":"موقف السلف من القرمطي عدو الله أبي طاهر سليمان الزنديق (٣٣٢ هـ)","level":2,"page":2285},{"title":"أبو العرب (٣٣٣ هـ)","level":2,"page":2291},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2292},{"title":"الممسي (٣٣٣ هـ)","level":2,"page":2292},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2293},{"title":"الخرقي (٣٣٤ هـ)","level":2,"page":2294},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2295},{"title":"ربيع القطان أبو سليمان الصوفي (٣٣٤ هـ)","level":2,"page":2295},{"title":"موقف السلف من القائم بأمر الله (الزنديق) (٣٣٤ هـ)","level":2,"page":2298},{"title":"ابن القاص (٣٣٥ هـ)","level":2,"page":2301},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2302},{"title":"محمد بن أبي المنظور (٣٣٧ هـ)","level":2,"page":2304},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2305},{"title":"النحاس (٣٣٨ هـ)","level":2,"page":2306},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2306},{"title":"موقف السلف من الفارابي الزنديق (٣٣٩ هـ)","level":2,"page":2306},{"title":"القاهر بالله (٣٣٩ هـ)","level":2,"page":2308},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2308},{"title":"أبو إسحاق المروزي (٣٤٠ هـ)","level":2,"page":2308},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2309},{"title":"الحبلي (٣٤١ هـ)","level":2,"page":2309},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2309},{"title":"أحمد بن إسحاق الصبغي (٣٤٢ هـ)","level":2,"page":2310},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2311},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2312},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2313},{"title":"أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان (٣٤٢ هـ)","level":2,"page":2313},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2314},{"title":"بكر بن محمد القشيري البصري (٣٤٤ هـ)","level":2,"page":2314},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2315},{"title":"محمد بن عبد الواحد أبو عمر (٣٤٥ هـ)","level":2,"page":2315},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2316},{"title":"محمد بن يعقوب بن الأصم (٣٤٦ هـ)","level":2,"page":2316},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2317},{"title":"عبد المؤمن بن خلف النسفي (٣٤٦ هـ)","level":2,"page":2317},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2318},{"title":"ابن الحجام عبد الله بن أبي هاشم (٣٤٦ هـ)","level":2,"page":2318},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2319},{"title":"أبو محمد بن عبد البصري المالكي (٣٤٧ هـ)","level":2,"page":2319},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2319},{"title":"أحمد النجاد (٣٤٨ هـ)","level":2,"page":2320},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2321},{"title":"أبو أحمد العسال (٣٤٩ هـ)","level":2,"page":2321},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2322},{"title":"أحمد بن كامل القاضي (٣٥٠ هـ)","level":2,"page":2322},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2323},{"title":"أبو بكر الفارسي (٣٥٠ هـ)","level":2,"page":2324},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2324},{"title":"موقف السلف من ابن سالم الصوفي (٣٥٠ هـ)","level":2,"page":2324},{"title":"الوزير أبو محمد المهلبي (٣٥٢ هـ)","level":2,"page":2325},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2325},{"title":"موقف السلف من ابن أبي دارم الرافضي (٣٥٢ هـ)","level":2,"page":2326},{"title":"موقف السلف من ابن الداعي الشيعي (٣٥٣ هـ)","level":2,"page":2327},{"title":"مسلمة بن القاسم (٣٥٣ هـ)","level":2,"page":2329},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2329},{"title":"موقف السلف من المتنبي (٣٥٤ هـ)","level":2,"page":2330},{"title":"منذر بن سعيد البلوطي (٣٥٥ هـ)","level":2,"page":2331},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2332},{"title":"ابن شعبان (٣٥٥ هـ)","level":2,"page":2333},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2333},{"title":"موقف السلف من ابن الجعابي (٣٥٥ هـ)","level":2,"page":2334},{"title":"أبو نصر القاضي (٣٥٦ هـ)","level":2,"page":2334},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2335},{"title":"محمد بن أحمد بن حمدان (٣٥٦ هـ)","level":2,"page":2335},{"title":"معز الدولة (٣٥٦ هـ)","level":2,"page":2336},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2336},{"title":"حامد بن محمد الرفاء (٣٥٦ هـ)","level":2,"page":2336},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2337},{"title":"إبراهيم السبائي (٣٥٦ هـ)","level":2,"page":2337},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2338},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2338},{"title":"حمزة بن محمد بن علي (٣٥٧ هـ)","level":2,"page":2339},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2339},{"title":"محارب المحاربي (٣٥٩ هـ)","level":2,"page":2340},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2340},{"title":"محمد بن أحمد الفارسي (٣٥٩ هـ)","level":2,"page":2340},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2341},{"title":"أبو بكر الآجري (٣٦٠ هـ)","level":2,"page":2341},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2342},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2358},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2363},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":2378},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2379},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2394},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2396},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2415},{"title":"محمد القصاب (٣٦٠ هـ)","level":2,"page":2428},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2428},{"title":"أبو القاسم الطبراني (٣٦٠ هـ)","level":2,"page":2429},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2430},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2430},{"title":"أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال (٣٦٣ هـ)","level":2,"page":2431},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2431},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2431},{"title":"محمد بن أحمد النابلسي (٣٦٣ هـ)","level":2,"page":2432},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2432},{"title":"موقف السلف من النعمان الباطني العبيدي (٣٦٣ هـ)","level":2,"page":2433},{"title":"موقف السلف من المعز العبيدي المهدوي (٣٦٥ هـ)","level":2,"page":2434},{"title":"موقف السلف من النصرآبادي (٣٦٧ هـ)","level":2,"page":2435},{"title":"أبو سعيد السيرافي (٣٦٨ هـ)","level":2,"page":2437},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2438},{"title":"أبو الشيخ (٣٦٩ هـ)","level":2,"page":2438},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2439},{"title":"إبراهيم بن أحمد بن شاقلا (٣٦٩ هـ)","level":2,"page":2440},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2440},{"title":"بشر بن أحمد الإسفراييني (٣٧٠ هـ)","level":2,"page":2453},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2453},{"title":"موقف السلف من أبي بكر الرازي المعتزلي (٣٧٠ هـ)","level":2,"page":2454},{"title":"الإسماعيلي (٣٧١ هـ)","level":2,"page":2454},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2455},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2455},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2456},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2457},{"title":"يونس بن سليمان السقاء (٣٧١ هـ)","level":2,"page":2459},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2459},{"title":"عبد الله بن إسحاق بن التبان (٣٧١ هـ)","level":2,"page":2459},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2460},{"title":"أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي الصوفي (٣٧١ هـ)","level":2,"page":2460},{"title":"موقفه من المبتدعة والرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة والقدرية:","level":3,"page":2461},{"title":"موقف السلف من عضد الدولة الشيعي (٣٧٢ هـ)","level":2,"page":2470},{"title":"أبو سعيد بن أخي هشام الربعي (٣٧٣ هـ)","level":2,"page":2470},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2471},{"title":"أبو عثمان المغربي الصوفي (٣٧٣ هـ)","level":2,"page":2472},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":2472},{"title":"محمد الملطي (٣٧٧ هـ)","level":2,"page":2472},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2472},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2473},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2475},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2478},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2481},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2486},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2491},{"title":"أبو أحمد الحاكم الكبير (٣٧٨ هـ)","level":2,"page":2492},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2492},{"title":"أحمد بن عون الله (٣٧٨ هـ)","level":2,"page":2493},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2493},{"title":"النسفي (٣٨٠ هـ)","level":2,"page":2494},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2494},{"title":"ابن حيويه أبو عمر (٣٨٢ هـ)","level":2,"page":2494},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2495},{"title":"القلعي أبو محمد عبد الله بن محمد (٣٨٣ هـ)","level":2,"page":2495},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2496},{"title":"أبو حفص بن شاهين (٣٨٥ هـ)","level":2,"page":2496},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2497},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2497},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2497},{"title":"الصاحب الوزير الكبير (٣٨٥ هـ)","level":2,"page":2498},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2498},{"title":"موقفه من الفلاسفة:","level":3,"page":2498},{"title":"علي بن عمر الدارقطني (٣٨٥ هـ)","level":2,"page":2499},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2500},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2500},{"title":"موقفه من علم الكلام:","level":3,"page":2500},{"title":"عبد الله بن أبي زيد القيرواني (٣٨٦ هـ)","level":2,"page":2501},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2502},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2502},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2505},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2506},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2506},{"title":"موقف السلف من أبي طالب المكي (٣٨٦ هـ)","level":2,"page":2507},{"title":"ابن بطة العكبري (٣٨٧ هـ)","level":2,"page":2507},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2508},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2539},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2608},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2635},{"title":"سبكتكين (٣٨٧ هـ)","level":2,"page":2651},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2652},{"title":"أبو سليمان الخطابي (٣٨٨ هـ)","level":2,"page":2652},{"title":"موقفه من المبتدعة والجهمية:","level":3,"page":2653},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2658},{"title":"موقفه من المؤولة وغيرهم:","level":3,"page":2658},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2660},{"title":"عبيد الله بن عبد الله النضري (٣٨٨ هـ)","level":2,"page":2662},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2662},{"title":"محمد بن أحمد المالكي المعروف بابن خويزمنداد (٣٩٠ هـ)","level":2,"page":2663},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2663},{"title":"موقفه من الأشعرية وغيرهم:","level":3,"page":2663},{"title":"الوليد بن بكر العمري (٣٩٢ هـ)","level":2,"page":2664},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2664},{"title":"ابن أبي شريح (٣٩٢ هـ)","level":2,"page":2665},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2665},{"title":"أبو محمد الأصيلي (٣٩٢ هـ)","level":2,"page":2666},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2667},{"title":"ابن أبي عامر (٣٩٣ هـ)","level":2,"page":2667},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2668},{"title":"محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)","level":2,"page":2669},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2670},{"title":"• موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2670},{"title":"• موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2670},{"title":"بديع الزمان الهمذاني (٣٩٨ هـ)","level":2,"page":2682},{"title":"• موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2682},{"title":"محمد بن أبي زمنين (٣٩٩ هـ)","level":2,"page":2684},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2684},{"title":"• موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2685},{"title":"• موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2686},{"title":"• موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2688},{"title":"• موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2688},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2690},{"title":"موقف السلف من ابن يونس المنجم (٣٩٩ هـ)","level":2,"page":2691},{"title":"موقف السلف من أبي حيان التوحيدي (في حدود ٤٠٠ هـ)","level":2,"page":2692},{"title":"القرن ٥","level":1,"page":2693},{"title":"شداد بن إبراهيم (٤٠١ هـ)","level":2,"page":2693},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":2694},{"title":"ابن السوسنجردي (٤٠٢ هـ)","level":2,"page":2694},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2694},{"title":"الهرواني (٤٠٢ هـ)","level":2,"page":2695},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2695},{"title":"إبراهيم بن محمد بن حسين (٤٠٢ هـ)","level":2,"page":2695},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2696},{"title":"ابن الباقلاني (٤٠٣ هـ)","level":2,"page":2696},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2697},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2702},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2703},{"title":"موقفه من المؤولة:","level":3,"page":2703},{"title":"القابسي (٤٠٣ هـ)","level":2,"page":2706},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2707},{"title":"الخوارزمي (٤٠٣ هـ)","level":2,"page":2707},{"title":"سهل بن محمد الصعلوكي (٤٠٤ هـ)","level":2,"page":2708},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2709},{"title":"أبو حامد الإسفراييني (٤٠٦ هـ)","level":2,"page":2709},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2710},{"title":"أبو بكر محمد بن موهب المالكي (٤٠٦ هـ)","level":2,"page":2713},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2713},{"title":"ابن خلدون البلوي (٤٠٧ هـ)","level":2,"page":2715},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2715},{"title":"طغان خان (٤٠٨ هـ)","level":2,"page":2717},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2717},{"title":"أبو بكر بن مردويه (٤١٠ هـ)","level":2,"page":2718},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2718},{"title":"موقف السلف من الحاكم العبيدي الرافضي (٤١١ هـ)","level":2,"page":2719},{"title":"أحمد بن أبي نصر الصوفي (٤١٢ هـ)","level":2,"page":2722},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2723},{"title":"موقف السلف من محمد بن الحسين السلمي الصوفي (٤١٢ هـ)","level":2,"page":2723},{"title":"موقف السلف من الشيخ المفيد الرافضي (٤١٣ هـ)","level":2,"page":2726},{"title":"علي بن عيسى (٤١٤ هـ سنة وفاة الباشاني)","level":2,"page":2727},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2727},{"title":"ابن النحاس (٤١٦ هـ)","level":2,"page":2727},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2728},{"title":"هبة الله اللالكائي (٤١٨ هـ)","level":2,"page":2728},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2728},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2737},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2739},{"title":"أبو إسحاق الإسفراييني (٤١٨ هـ)","level":2,"page":2741},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2741},{"title":"معمر بن أحمد الأصبهاني الصوفي (٤١٨ هـ)","level":2,"page":2742},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2742},{"title":"موقف السلف من المسبحي الرافضي (٤٢٠ هـ)","level":2,"page":2743},{"title":"محمود بن سبكتكين (٤٢١ هـ)","level":2,"page":2743},{"title":"موقفه من المشركين والرافضة:","level":3,"page":2744},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2748},{"title":"القاضي عبد الوهاب بن علي البغدادي (٤٢٢ هـ)","level":2,"page":2749},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2750},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2751},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2751},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2754},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2760},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2765},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2768},{"title":"يحيى بن عمار (٤٢٢ هـ)","level":2,"page":2770},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2771},{"title":"القادر بالله (٤٢٢ هـ)","level":2,"page":2772},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2773},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2779},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2781},{"title":"الفشيديزجي (٤٢٤ هـ)","level":2,"page":2782},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2782},{"title":"المنيني (٤٢٦ هـ)","level":2,"page":2783},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2783},{"title":"الظاهر لإعزاز دين الله العبيدي الرافضي الخبيث الدعي (٤٢٧ هـ)","level":2,"page":2784},{"title":"موقف السلف من ابن سينا الفيلسوف وضلاله (٤٢٨ هـ)","level":2,"page":2784},{"title":"الحسن بن شهاب أبو علي العكبري (٤٢٨ هـ)","level":2,"page":2790},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2790},{"title":"أبو علي بن أبي موسى الهاشمي (٤٢٨ هـ)","level":2,"page":2791},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2791},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2791},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2792},{"title":"الإمام الكبير أبو عمر الطلمنكي (٤٢٩ هـ)","level":2,"page":2795},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2796},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2797},{"title":"أبو نعيم الأصبهاني (٤٣٠ هـ)","level":2,"page":2798},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2799},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2800},{"title":"أبو عمران الفاسي (٤٣٠ هـ)","level":2,"page":2801},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2802},{"title":"جعفر المستغفري (٤٣٢ هـ)","level":2,"page":2803},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2803},{"title":"موقف السلف من أبي ذر الهروي (٤٣٤ هـ)","level":2,"page":2803},{"title":"المهلب بن أحمد بن أسيد (٤٣٥ هـ)","level":2,"page":2806},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2806},{"title":"موقف السلف من المرتضى الشريف الرافضي الخبيث (٤٣٦ هـ)","level":2,"page":2807},{"title":"مكي بن أبي طالب (٤٣٧ هـ)","level":2,"page":2808},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2808},{"title":"عبد الله بن يوسف الجويني (٤٣٨ هـ)","level":2,"page":2809},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2810},{"title":"محمد بن علي الصوري (٤٤١ هـ)","level":2,"page":2814},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2815},{"title":"القزويني الحربي (٤٤٢ هـ)","level":2,"page":2815},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2816},{"title":"عثمان أبو عمرو الداني (٤٤٤ هـ)","level":2,"page":2816},{"title":"موقفه من المبتدعة والجهمية والرافضة والخوارج والمرجئة:","level":3,"page":2817},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2821},{"title":"عبيد الله أبو نصر السجزي (٤٤٤ هـ)","level":2,"page":2827},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2828},{"title":"الحسن الأهوازي (٤٤٦ هـ)","level":2,"page":2833},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2833},{"title":"حكم بن محمد بن حكم بن إفرانك (٤٤٧ هـ)","level":2,"page":2834},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2834},{"title":"موقف السلف من القادسي الرافضي (٤٤٧ هـ)","level":2,"page":2835},{"title":"أبو عثمان الصابوني (٤٤٩ هـ)","level":2,"page":2836},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2837},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2841},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2844},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2851},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2852},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2852},{"title":"ابن بطال علي بن خلف (٤٤٩ هـ)","level":2,"page":2854},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2855},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2855},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2857},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2859},{"title":"موقف السلف من أبي العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان (٤٤٩ هـ)","level":2,"page":2863},{"title":"أبو القاسم بن المسلمة (٤٥٠ هـ)","level":2,"page":2867},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2867},{"title":"عبد الله بن ياسين (٤٥١ هـ)","level":2,"page":2868},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2868},{"title":"ابن حزم (٤٥٦ هـ)","level":2,"page":2869},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2870},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2877},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2889},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2892},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2894},{"title":"الإمام القاضي أبو يعلى (٤٥٨ هـ)","level":2,"page":2896},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2897},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2897},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2897},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2899},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2909},{"title":"البيهقي (٤٥٨ هـ)","level":2,"page":2917},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2917},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2920},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2921},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2927},{"title":"السهروردي (٤٥٨ سنة وفاة البيهقي وهو من أقرانه)","level":2,"page":2929},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2929},{"title":"ملك المغرب أبو بكر بن عمر (٤٦٢ هـ)","level":2,"page":2931},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2932},{"title":"ابن عبد البر (٤٦٣ هـ)","level":2,"page":2935},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2936},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2940},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":2942},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2942},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2953},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":2963},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":2967},{"title":"الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ)","level":2,"page":2970},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2971},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2977},{"title":"موقفه من القادسي الرافضي:","level":3,"page":2979},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2979},{"title":"القائم بأمر الله (٤٦٧ هـ)","level":2,"page":2983},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2983},{"title":"الداوودي عبد الرحمن بن محمد (٤٦٧ هـ)","level":2,"page":2984},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":2984},{"title":"عبيد الله بن محمد بن الحسين الفراء (٤٦٩ هـ)","level":2,"page":2985},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2985},{"title":"أبو منصور الديلمي (٤٦٩ هـ)","level":2,"page":2985},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2986},{"title":"أبو عبد الله محمد بن جعفر الكوفي (٤٧٠ هـ)","level":2,"page":2987},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2987},{"title":"المظفر بن الأفطس (٤٧٠ هـ)","level":2,"page":2988},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":2989},{"title":"عبد الرحمن بن منده (٤٧٠ هـ)","level":2,"page":2990},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2991},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2993},{"title":"عبد الخالق بن عيسى الشريف أبو جعفر (٤٧٠ هـ)","level":2,"page":2993},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":2994},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":2994},{"title":"موقفه من فتنة ابن القشيري:","level":3,"page":2995},{"title":"الملك أقسيس (٤٧١ هـ)","level":2,"page":2998},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":2999},{"title":"سعد بن علي الزنجاني (٤٧١ هـ)","level":2,"page":2999},{"title":"موقفه من المبتدعة والجهمية:","level":3,"page":3000},{"title":"ابن البناء (٤٧١ هـ)","level":2,"page":3002},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3002},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3002},{"title":"موقفه من الجهمية والقدرية:","level":3,"page":3002},{"title":"موقف السلف من ابن العجوز محمد بن عبد الرحمن (٤٧٤ هـ)","level":2,"page":3003},{"title":"أحمد بن علي بن عبد الله المقرئ أبو الخطاب (٤٧٦ هـ)","level":2,"page":3004},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3004},{"title":"أبو الفتح عبد الوهاب ابن جلبة (٤٧٦ هـ)","level":2,"page":3005},{"title":"موقفه من المبتدعة والرافضة:","level":3,"page":3005},{"title":"أبو إسحاق الشيرازي (٤٧٦ هـ)","level":2,"page":3006},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3006},{"title":"عبد الله بن عطاء الهروي (٤٧٦ هـ)","level":2,"page":3007},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3008},{"title":"موقف السلف من البكري أبي بكر عتيق الأشعري (٤٧٦ هـ)","level":2,"page":3008},{"title":"موقف السلف من مسعود بن ناصر (٤٧٧ هـ)","level":2,"page":3010},{"title":"عبد الملك الجويني (٤٧٨ هـ)","level":2,"page":3010},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3011},{"title":"موقف السلف من مسلم بن قريش صاحب الموصل (٤٧٨ هـ)","level":2,"page":3016},{"title":"شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ هـ)","level":2,"page":3017},{"title":"الحبال (٤٨٢ هـ)","level":2,"page":3026},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3026},{"title":"موقف السلف من أبي منصور بن شكرويه الأشعري (٤٨٢ هـ)","level":2,"page":3027},{"title":"نظام الملك (٤٨٥ هـ)","level":2,"page":3027},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3028},{"title":"أبو الفرج عبد الواحد بن محمد (٤٨٦ هـ)","level":2,"page":3028},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3029},{"title":"هبة الله بن عبد الوارث (٤٨٦ هـ)","level":2,"page":3030},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3030},{"title":"ابن الأخضر (٤٨٦ هـ)","level":2,"page":3030},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3031},{"title":"موقف السلف من صاحب سمرقند الزنديق (٤٨٧ هـ)","level":2,"page":3031},{"title":"موقف السلف من المستنصر العبيدي الرافضي (٤٨٧ هـ)","level":2,"page":3032},{"title":"الحميدي (٤٨٨ هـ)","level":2,"page":3032},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3033},{"title":"موقف السلف من أبي يوسف القزويني المعتزلي (٤٨٨ هـ)","level":2,"page":3034},{"title":"أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني (٤٨٩ هـ)","level":2,"page":3035},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3036},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3050},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3050},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3056},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3056},{"title":"نصر بن إبراهيم (٤٩٠ هـ)","level":2,"page":3058},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3059},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3059},{"title":"ابن جزلة (٤٩٣ هـ)","level":2,"page":3060},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3061},{"title":"محمد بن الفرج الطلاعي (٤٩٧ هـ)","level":2,"page":3062},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3063},{"title":"السلطان بركياروق (٤٩٨ هـ)","level":2,"page":3063},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3064},{"title":"يوسف بن تاشفين (٥٠٠ هـ)","level":2,"page":3065},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3066},{"title":"السراج (٥٠٠ هـ)","level":2,"page":3067},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3067},{"title":"موقف السلف من أحمد بن غطاش الباطني (٥٠٠ هـ)","level":2,"page":3068},{"title":"القرن ٦","level":1,"page":3069},{"title":"الروياني (٥٠١ هـ)","level":2,"page":3069},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3070},{"title":"الغزالي (٥٠٥ هـ)","level":2,"page":3070},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3079},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3080},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3080},{"title":"المعمر بن علي أبو سعد البغدادي (٥٠٦ هـ)","level":2,"page":3080},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3081},{"title":"الأبيوردي (٥٠٧ هـ)","level":2,"page":3081},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3082},{"title":"النسيب أبو القاسم (٥٠٨ هـ)","level":2,"page":3082},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3083},{"title":"ابن حمدين (٥٠٨ هـ)","level":2,"page":3083},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3084},{"title":"أبو الخطاب محفوظ بن أحمد (٥١٠ هـ)","level":2,"page":3085},{"title":"موقفه من الجهمية والرافضة والمرجئة والقدرية:","level":3,"page":3085},{"title":"أبو شجاع السلطان صاحب العراق (٥١١ هـ)","level":2,"page":3088},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3089},{"title":"ابن عقيل (٥١٣ هـ)","level":2,"page":3090},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3091},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3094},{"title":"موقفه من الصوفية والجهمية:","level":3,"page":3095},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3105},{"title":"البغوي (٥١٦ هـ)","level":2,"page":3107},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3107},{"title":"• موقفه من المشركين:","level":3,"page":3118},{"title":"• موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3121},{"title":"• موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3121},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3135},{"title":"• موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3140},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3142},{"title":"موقف السلف من أسعد بن أبي روح الرافضي (قبل ٥٢٠ هـ)","level":2,"page":3147},{"title":"البرسقي (٥٢٠ هـ)","level":2,"page":3147},{"title":"• موقفه من المشركين:","level":3,"page":3148},{"title":"الطرطوشي (٥٢٠ هـ)","level":2,"page":3148},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3149},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3162},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3162},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3163},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3166},{"title":"أبو الوليد ابن رشد (٥٢٠ هـ)","level":2,"page":3167},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3168},{"title":"أبو العز القلانسي (٥٢١ هـ)","level":2,"page":3173},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3174},{"title":"موقف السلف من المهدي بن تومرت (٥٢٤ هـ)","level":2,"page":3174},{"title":"القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى بن الفراء (٥٢٦ هـ)","level":2,"page":3182},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3183},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3183},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3183},{"title":"تاج الملوك (٥٢٦ هـ)","level":2,"page":3184},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3185},{"title":"أبو الحسن ابن الزاغوني (٥٢٧ هـ)","level":2,"page":3186},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3186},{"title":"مردنيش المغربي (٥٢٧ هـ)","level":2,"page":3187},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3187},{"title":"المسترشد بالله (٥٢٩ هـ)","level":2,"page":3188},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3188},{"title":"أبو جعفر الهمذاني (٥٣١ هـ)","level":2,"page":3190},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3190},{"title":"محمد بن عبد الملك الكرجي (٥٣٢ هـ)","level":2,"page":3191},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3191},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3198},{"title":"إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني (٥٣٥ هـ) الملقب بـ 'قوام السنة'","level":2,"page":3201},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3202},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3210},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3211},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3216},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3217},{"title":"محمد بن عبد الباقي البغدادي (٥٣٥ هـ)","level":2,"page":3218},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3219},{"title":"عبد الوهاب بن عبد الواحد الشيرازي (٥٣٦ هـ)","level":2,"page":3220},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3220},{"title":"المازري (٥٣٦ هـ)","level":2,"page":3221},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3222},{"title":"الأمير علي بن يوسف بن تاشفين (٥٣٧ هـ)","level":2,"page":3223},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3224},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3225},{"title":"عباس صاحب الري (٥٤١ هـ)","level":2,"page":3226},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3226},{"title":"عبد الله بن علي سبط الخياط (٥٤١ هـ)","level":2,"page":3226},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3227},{"title":"أبو الحسن الآبنوسي (٥٤٢ هـ)","level":2,"page":3228},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3228},{"title":"ابن عياض المجاهد (٥٤٢ هـ)","level":2,"page":3229},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3230},{"title":"الحسين بن إبراهيم الجوزقاني (٥٤٣ هـ)","level":2,"page":3231},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3232},{"title":"أبو بكر ابن العربي (٥٤٣ هـ)","level":2,"page":3233},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3234},{"title":"القاضي عياض (٥٤٤ هـ)","level":2,"page":3238},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3239},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3243},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3244},{"title":"الشهرستاني (٥٤٩ هـ)","level":2,"page":3246},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3246},{"title":"أبو الفضل ابن ناصر (٥٥٠ هـ)","level":2,"page":3247},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3248},{"title":"موقف السلف من أبي مسعود عبد الجليل بن محمد كوتاه الجهمي (٥٥٣ هـ)","level":2,"page":3249},{"title":"ابن ناجية أحمد بن أبي المعالي (٥٥٤ هـ)","level":2,"page":3250},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3250},{"title":"موقف السلف من علي بن المهدي الخارجي (٥٥٤ هـ)","level":2,"page":3250},{"title":"موقف السلف من وزير مصر الملك أبي الغارات الرافضي (٥٥٦ هـ)","level":2,"page":3251},{"title":"يحيى بن سالم العمراني (٥٥٨ هـ)","level":2,"page":3252},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3252},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3254},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3256},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3256},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3261},{"title":"ابن هبيرة (٥٦٠ هـ)","level":2,"page":3267},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3267},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3269},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3270},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3270},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3271},{"title":"ابن الحطيئة أحمد بن عبد الله (٥٦٠ هـ)","level":2,"page":3273},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3273},{"title":"عبد القادر الجيلي (٥٦١ هـ)","level":2,"page":3274},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3274},{"title":"ابن الكيزاني (٥٦٢ هـ)","level":2,"page":3276},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3277},{"title":"موقف السلف من العاضد لدين الله العبيدي الرافضي (٥٦٧ هـ)","level":2,"page":3278},{"title":"الملك العادل نور الدين محمود (٥٦٩ هـ)","level":2,"page":3281},{"title":"موقفه من المشركين والرافضة:","level":3,"page":3281},{"title":"موقف السلف من الحسن بن ضافي الرتكي الرافضي (٥٦٩ هـ)","level":2,"page":3283},{"title":"موقف السلف من المعبد لغير الله: عبد النبي الزنديق (٥٦٩ هـ)","level":2,"page":3283},{"title":"عضد الدين (٥٧٣ هـ)","level":2,"page":3284},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3284},{"title":"موقف السلف من صدقة بن حسين (٥٧٥ هـ)","level":2,"page":3285},{"title":"المستضيء بأمر الله (٥٧٥ هـ)","level":2,"page":3286},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3286},{"title":"أبو طاهر السلفي (٥٧٦ هـ)","level":2,"page":3287},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3288},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3290},{"title":"الإمام السهيلي (٥٨١ هـ)","level":2,"page":3291},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3291},{"title":"موقفه من الجهمية والقدرية:","level":3,"page":3292},{"title":"عبد المغيث بن زهير (٥٨٣ هـ)","level":2,"page":3294},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3295},{"title":"ابن أبي عصرون (٥٨٥ هـ)","level":2,"page":3295},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3296},{"title":"ابن صصرى (٥٨٦ هـ)","level":2,"page":3297},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3297},{"title":"موقف السلف من السهروردي شهاب الدين يحيى بن حبش الفيلسوف (٥٨٦ هـ)","level":2,"page":3298},{"title":"نصر بن منصور النميري (٥٨٨ هـ)","level":2,"page":3298},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3299},{"title":"صلاح الدين الأيوبي (٥٨٩ هـ)","level":2,"page":3300},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3300},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3305},{"title":"موقف السلف من سنان بن سليمان الباطني (٥٨٩ هـ)","level":2,"page":3306},{"title":"الشاطبي القاسم بن فيره (٥٩٠ هـ)","level":2,"page":3309},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3309},{"title":"الطالقاني (٥٩٠ هـ)","level":2,"page":3310},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3311},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3311},{"title":"يعقوب المنصور (٥٩٥ هـ)","level":2,"page":3312},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3312},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3314},{"title":"موقف السلف من ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ)","level":2,"page":3315},{"title":"الشهاب الطوسي (٥٩٦ هـ)","level":2,"page":3315},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3316},{"title":"العماد الكاتب (٥٩٧ هـ)","level":2,"page":3316},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3317},{"title":"ابن الجوزي (٥٩٧ هـ)","level":2,"page":3318},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3319},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3323},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3329},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3331},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3345},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3349},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3351},{"title":"لؤلؤ العادلي (٥٩٨ هـ)","level":2,"page":3353},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3353},{"title":"أبو الحسن ابن نجية (٥٩٩ هـ)","level":2,"page":3354},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3354},{"title":"محمد بن سام بن حسين الغوري صاحب غزنة (٥٩٩ هـ)","level":2,"page":3355},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3356},{"title":"أبو البركات التكريتي (٥٩٩ هـ)","level":2,"page":3356},{"title":"أبو محمد اليمني (من القرن السادس الهجري)","level":2,"page":3357},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3357},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3358},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3361},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3366},{"title":"عبد الغني المقدسي (٦٠٠ هـ)","level":2,"page":3370},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3371},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3373},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3373},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3374},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3386},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3387},{"title":"القرن ٧","level":1,"page":3388},{"title":"الغوري شهاب الدين (٦٠٢ هـ)","level":2,"page":3388},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3388},{"title":"فخر الدين الرازي (٦٠٦ هـ)","level":2,"page":3389},{"title":"أبو عمر بن قدامة (٦٠٧ هـ)","level":2,"page":3393},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3393},{"title":"الأمير صارم الدين برغش (سنة ٦٠٨ هـ)","level":2,"page":3394},{"title":"عبد الجليل القصري (٦٠٨ هـ)","level":2,"page":3394},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3395},{"title":"القاضي إبراهيم بن نصر (٦١٠ هـ)","level":2,"page":3397},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3398},{"title":"أبو الحسن علي بن الأنجب (٦١١ هـ)","level":2,"page":3399},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3399},{"title":"الكندي (٦١٣ هـ)","level":2,"page":3400},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3401},{"title":"الغزنوي (٦١٨ هـ)","level":2,"page":3401},{"title":"موقفه من الرافضة والجهمية:","level":3,"page":3401},{"title":"عبد الله بن أحمد بن قدامة (٦٢٠ هـ)","level":2,"page":3402},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3403},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3403},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3404},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3407},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3413},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3414},{"title":"إبراهيم بن عثمان بن درباس (٦٢٢ هـ)","level":2,"page":3414},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3415},{"title":"المعظم عيسى بن محمد (٦٢٤ هـ)","level":2,"page":3415},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3416},{"title":"المنجنيقي (٦٢٦ هـ)","level":2,"page":3416},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3416},{"title":"ابن القطان (٦٢٨ هـ)","level":2,"page":3417},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3417},{"title":"الموفق النحوي (٦٢٩ هـ)","level":2,"page":3418},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3418},{"title":"إدريس بن يعقوب المنصور (٦٣٠ هـ)","level":2,"page":3419},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3419},{"title":"السهروردي (٦٣٠ هـ)","level":2,"page":3420},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3420},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3420},{"title":"الآمدي (٦٣١ هـ)","level":2,"page":3421},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3421},{"title":"نصر بن عبد الرزاق (٦٣٣ هـ)","level":2,"page":3421},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3422},{"title":"أبو الخطاب ابن دحية (٦٣٣ هـ)","level":2,"page":3423},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3423},{"title":"إسحاق بن محمد العلثي (٦٣٤ هـ)","level":2,"page":3424},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3425},{"title":"الأشرف موسى بن العادل (٦٣٥ هـ)","level":2,"page":3433},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3434},{"title":"موقف السلف من ابن عربي الحاتمي (٦٣٨ هـ)","level":2,"page":3435},{"title":"موقف السلف من الرفيع الفيلسوف الدهري (٦٤٢ هـ)","level":2,"page":3438},{"title":"محمد بن عبد الواحد المقدسي (٦٤٣ هـ)","level":2,"page":3438},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3440},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3441},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3441},{"title":"عبد الله بن محمد الحنبلي (٦٤٣ هـ)","level":2,"page":3441},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3442},{"title":"ابن الصلاح (٦٤٣ هـ)","level":2,"page":3442},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3443},{"title":"موقفه من كتب الفلسفة والمنطق:","level":3,"page":3443},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3446},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3446},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3448},{"title":"أحمد بن عيسى بن قدامة المقدسي (٦٤٣ هـ)","level":2,"page":3448},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3449},{"title":"موقف بدر الدين صاحب الموصل من ابن عدي الضال الصوفي (٦٤٤ هـ)","level":2,"page":3449},{"title":"أبو عبد الله الطراز (٦٤٥ هـ)","level":2,"page":3450},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3451},{"title":"موقف السلف من الحريري علي بن أبي الحسن (٦٤٥ هـ)","level":2,"page":3451},{"title":"يوسف بن خليل (٦٤٨ هـ)","level":2,"page":3452},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3453},{"title":"علي بن محمد الشاري (٦٤٩ هـ)","level":2,"page":3453},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3454},{"title":"موقف السلف من الخونجي محمد بن ناماور (٦٤٩ هـ)","level":2,"page":3454},{"title":"موقف السلف من سبط ابن الجوزي يوسف بن قزغلي وتلبسه بالرفض (٦٥٤ هـ)","level":2,"page":3455},{"title":"المرسي (٦٥٥ هـ)","level":2,"page":3456},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3457},{"title":"موقف السلف من ابن أبي الحديد أبي حامد عبد الحميد بن عبد الله (٦٥٥ هـ)","level":2,"page":3457},{"title":"الصرصري (٦٥٦ هـ)","level":2,"page":3458},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3459},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3461},{"title":"أبو العباس بن عمر القرطبي (٦٥٦ هـ)","level":2,"page":3465},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3466},{"title":"• موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3469},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3479},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3482},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3484},{"title":"موقف السلف من الوزير ابن العلقمي الرافضي (٦٥٦ هـ)","level":2,"page":3486},{"title":"موقف السلف من يوسف القميني (٦٥٧ هـ)","level":2,"page":3489},{"title":"الملك المظفر قطز (٦٥٨ هـ)","level":2,"page":3490},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3491},{"title":"الكامل ناصر الدين محمد بن شهاب الدين (٦٥٨ هـ)","level":2,"page":3492},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3493},{"title":"العز بن عبد السلام (٦٦٠ هـ)","level":2,"page":3494},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3495},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3496},{"title":"عبد الرزاق أبو محمد الجزري (٦٦١ هـ)","level":2,"page":3498},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3498},{"title":"أبو البقاء النابلسي (٦٦٣ هـ)","level":2,"page":3498},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3499},{"title":"أبو شامة الدمشقي (٦٦٥ هـ)","level":2,"page":3500},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3500},{"title":"محمد بن أحمد القرطبي (٦٧١ هـ)","level":2,"page":3502},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3503},{"title":"علي بن وضاح الشهراياني (٦٧٢ هـ)","level":2,"page":3508},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3509},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3509},{"title":"الإمام النووي (٦٧٦ هـ)","level":2,"page":3509},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3511},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3514},{"title":"طه بن إبراهيم الهمذاني (٦٧٧ هـ)","level":2,"page":3515},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3516},{"title":"عبد الساتر بن عبد الحميد الحنبلي (٦٧٩ هـ)","level":2,"page":3516},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3517},{"title":"الصاحب علاء الدين صاحب الديوان (٦٨١ هـ)","level":2,"page":3517},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3518},{"title":"محمد بن أحمد القسطلاني (٦٨٦ هـ)","level":2,"page":3519},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3520},{"title":"ابن النفيس علي بن أبي الحزم (٦٨٧ هـ)","level":2,"page":3520},{"title":"إبراهيم بن معضاد (٦٨٧ هـ)","level":2,"page":3521},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3521},{"title":"الأمير نوروز (٦٩٦ هـ)","level":2,"page":3522},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3522},{"title":"هبة الله القفطي (٦٩٧ هـ)","level":2,"page":3523},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3523},{"title":"الدباغ القيرواني (٦٩٩ هـ)","level":2,"page":3524},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3525},{"title":"أبو محمد ابن أبي جمرة (٦٩٩ هـ)","level":2,"page":3526},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3527},{"title":"القرن ٨","level":1,"page":3528},{"title":"أحمد بن إبراهيم (٧٠٨ هـ)","level":2,"page":3528},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3528},{"title":"مسعود بن أحمد (٧١١ هـ)","level":2,"page":3529},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3530},{"title":"محمد بن يوسف الجزري (٧١١ هـ)","level":2,"page":3530},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3531},{"title":"عماد الدين الحزامي (٧١١ هـ)","level":2,"page":3532},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3533},{"title":"أم زينب فاطمة بنت عباس (٧١٤ هـ)","level":2,"page":3534},{"title":"موقفها من الصوفية:","level":3,"page":3534},{"title":"موقف السلف من محمد بن الحسن الزنديق (٧١٧ هـ)","level":2,"page":3536},{"title":"محمد بن قوام (٧١٨ هـ)","level":2,"page":3537},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3537},{"title":"محمد بن حنش (٧١٩ هـ)","level":2,"page":3538},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3538},{"title":"شرف الدين أبو عبد الله ابن النجيح (٧٢٣ هـ)","level":2,"page":3539},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3539},{"title":"شهاب الدين ابن مري (كان حيا سنة ٧٢٥ هـ)","level":2,"page":3540},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3540},{"title":"موقفه من المشركين والصوفية:","level":3,"page":3541},{"title":"موقف السلف من الزنادقة (٧٢٦ هـ)","level":2,"page":3542},{"title":"شرف الدين ابن تيمية (٧٢٧ هـ)","level":2,"page":3543},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3544},{"title":"شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ)","level":2,"page":3545},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3547},{"title":"• موقفه من المشركين:","level":3,"page":3570},{"title":"• موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3632},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3645},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3652},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3686},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3697},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3704},{"title":"تاج الدين الفاكهاني (٧٣١ هـ)","level":2,"page":3720},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3721},{"title":"إبراهيم بن عمر الجعبري (٧٣٢ هـ)","level":2,"page":3725},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3725},{"title":"عبد الرحمن القرامزي (٧٣٢ هـ)","level":2,"page":3726},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3726},{"title":"بدر الدين بن جماعة (٧٣٣ هـ)","level":2,"page":3727},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3727},{"title":"ابن سيد الناس (٧٣٤ هـ)","level":2,"page":3728},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3729},{"title":"محمد بن محمد بن الحاج (٧٣٧ هـ)","level":2,"page":3729},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3730},{"title":"السلطان الناصر محمد بن قلاوون (٧٤١ هـ)","level":2,"page":3732},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3733},{"title":"موقف السلف من الدكاكي الزنديق (٧٤١ هـ)","level":2,"page":3733},{"title":"أبو الحجاج جمال الدين المزي (٧٤٢ هـ)","level":2,"page":3734},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3735},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3736},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3736},{"title":"محمد بن عبد الهادي (٧٤٤ هـ)","level":2,"page":3737},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3738},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3743},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3751},{"title":"الذهبي (٧٤٨ هـ)","level":2,"page":3752},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3753},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3767},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3777},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3791},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3800},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3824},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3825},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3828},{"title":"أبو فارس عبد العزيز بن محمد (٧٥٠ هـ)","level":2,"page":3830},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3831},{"title":"محمد بن منظور (٧٥٠ هـ)","level":2,"page":3835},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3835},{"title":"العلامة ابن القيم (٧٥١ هـ)","level":2,"page":3836},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3837},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3849},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3860},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3869},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3875},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3887},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3889},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3896},{"title":"عمر بن عمران البلالي (٧٥٤ هـ)","level":2,"page":3907},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3907},{"title":"موقف سلطان الوقت من محمد بن عبد المعطي المخرف (٧٦٠ هـ)","level":2,"page":3908},{"title":"موقف السلف من محمد زبالة الزنديق (٧٦١ هـ)","level":2,"page":3908},{"title":"موقف السلف من عثمان بن محمد الدقاق الزنديق (٧٦١ هـ)","level":2,"page":3909},{"title":"الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (٧٦٢ هـ)","level":2,"page":3909},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3910},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3913},{"title":"جمال الدين بن إدريس الأنباري (٧٦٥ هـ)","level":2,"page":3914},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3915},{"title":"موقف السلف من محمود بن إبراهيم الشيرازي الرافضي (٧٦٦ هـ)","level":2,"page":3915},{"title":"جمال الدين المسلاتي (٧٧١ هـ)","level":2,"page":3916},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3917},{"title":"الحافظ ابن كثير (٧٧٤ هـ)","level":2,"page":3917},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3918},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":3922},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3924},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3938},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3940},{"title":"- موقفه من عبد الرحمن بن الأشعث ومن بايع له:","level":3,"page":3943},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3944},{"title":"جمال الدين أبو المظفر يوسف بن محمد السرمري (٧٧٦ هـ)","level":2,"page":3945},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3945},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3946},{"title":"الكرماني محمد بن يوسف (٧٨٦ هـ)","level":2,"page":3946},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3946},{"title":"أبو إسحاق الشاطبي (٧٩٠ هـ)","level":2,"page":3947},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3948},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3954},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3956},{"title":"الملك الهندي فيروز (٧٩٠ هـ)","level":2,"page":3960},{"title":"موقفه من الزنادقة والمشركين:","level":3,"page":3960},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":3962},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3962},{"title":"ابن أبي العز الحنفي (٧٩٢ هـ)","level":2,"page":3964},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3965},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3966},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3968},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3972},{"title":"عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ)","level":2,"page":3979},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":3980},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":3984},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":3986},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":3988},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":3989},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":3994},{"title":"إبراهيم بن داود الآمدي (٧٩٧ هـ)","level":2,"page":4000},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4000},{"title":"القرن ٩","level":1,"page":4001},{"title":"محمد بن عرفة (٨٠٣ هـ)","level":2,"page":4001},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4001},{"title":"سراج الدين البلقيني (٨٠٥ هـ)","level":2,"page":4002},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4003},{"title":"الهيثمي (٨٠٧ هـ)","level":2,"page":4003},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4004},{"title":"أحمد الناشري (٨١٥ هـ)","level":2,"page":4004},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4005},{"title":"أبو زرعة العراقي (٨٢٦ هـ)","level":2,"page":4006},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4006},{"title":"تقي الدين الفاسي (٨٣٢ هـ)","level":2,"page":4007},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4008},{"title":"ابن الجزري (٨٣٣ هـ)","level":2,"page":4008},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4010},{"title":"شرف الدين ابن المقري (٨٣٧ هـ)","level":2,"page":4010},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4011},{"title":"ابن الوزير (٨٤٠ هـ)","level":2,"page":4015},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4017},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4027},{"title":"سبط ابن العجمي إبراهيم بن محمد أبو الوفاء (٨٤١ هـ)","level":2,"page":4029},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4030},{"title":"ابن ناصر الدين الدمشقي (٨٤٢ هـ)","level":2,"page":4031},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4032},{"title":"تقي الدين المقريزي (٨٤٥ هـ)","level":2,"page":4034},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4035},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4036},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4037},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4041},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4047},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4048},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4049},{"title":"ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)","level":2,"page":4050},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4051},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4053},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4053},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4055},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4056},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4062},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4067},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4070},{"title":"الجزولي وضلاله (٨٧٠ هـ)","level":2,"page":4071},{"title":"إبراهيم بن عمر البقاعي (٨٨٥ هـ)","level":2,"page":4078},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4079},{"title":"القرن ١٠","level":1,"page":4079},{"title":"ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ)","level":2,"page":4079},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4079},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4080},{"title":"عبد الوهاب الشعراني: ترهاته ومخازيه (٩٧٣ هـ)","level":2,"page":4082},{"title":"القرن ١١","level":1,"page":4100},{"title":"علي بن سلطان القاري (١٠١٤ هـ)","level":2,"page":4100},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4101},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4101},{"title":"علي الهيتي (كان حيا سنة ١٠٢٥ هـ)","level":2,"page":4102},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4102},{"title":"مرعي بن يوسف الحنبلي (١٠٣٣ هـ)","level":2,"page":4102},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4103},{"title":"أحمد بن عبد الأحد السرهندي (١٠٣٤ هـ)","level":2,"page":4103},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4104},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4105},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4106},{"title":"أحمد بن عبد القادر الرومي (١٠٤١ هـ)","level":2,"page":4106},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4106},{"title":"عبد الباقي بن عبد الباقي (ابن فقيه فصة) (١٠٧١ هـ)","level":2,"page":4107},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4108},{"title":"ناصر الدين أبو بكر بن أبهم (١٠٨٥ هـ)","level":2,"page":4108},{"title":"عثمان بن أحمد بن قائد النجدي (١٠٩٧ هـ)","level":2,"page":4110},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4110},{"title":"إبراهيم بن سليمان الحنفي الأزهري (كان حيا سنة ١١٠٠ هـ)","level":2,"page":4111},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4111},{"title":"القرن ١٢","level":1,"page":4111},{"title":"محمد بن حمد بن عباد الدوسري (١١٧٥ هـ)","level":2,"page":4111},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4111},{"title":"الأمير محمد بن سعود (١١٧٩ هـ)","level":2,"page":4112},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4113},{"title":"الشيخ مربد بن أحمد بن عمر التميمي وعداؤه للدعوة السلفية (١١٨١ هـ)","level":2,"page":4115},{"title":"محمد بن بدر الدين (١١٨٢ هـ)","level":2,"page":4117},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4117},{"title":"محمد بن إسماعيل الصنعاني (١١٨٢ هـ)","level":2,"page":4118},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4119},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4125},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4129},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4132},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4132},{"title":"أحمد بن مانع بن إبراهيم التميمي (١١٨٦ هـ)","level":2,"page":4133},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4133},{"title":"حسين بن مهدي النعمي (١١٨٧ هـ)","level":2,"page":4135},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4135},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4142},{"title":"أبو العون السفاريني (١١٨٨ هـ)","level":2,"page":4149},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4150},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4151},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4152},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4153},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4155},{"title":"حسين العشاري (١١٩٤ هـ)","level":2,"page":4156},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4157},{"title":"محمد بن عبد العزيز بن سلطان (من القرن الثاني عشر)","level":2,"page":4157},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4157},{"title":"صفي الدين محمد بن أحمد البخاري (١٢٠٠ هـ)","level":2,"page":4158},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4158},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4160},{"title":"القرن ١٣","level":1,"page":4161},{"title":"السلطان محمد بن عبد الله (١٢٠٤ هـ)","level":2,"page":4161},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4162},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4164},{"title":"محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٦ هـ)","level":2,"page":4168},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4170},{"title":"• موقفه من المشركين:","level":3,"page":4175},{"title":"• موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4188},{"title":"• موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4193},{"title":"• موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4193},{"title":"• موقفه من القدرية:","level":3,"page":4195},{"title":"محمد بن علي بن غريب (١٢٠٨ هـ)","level":2,"page":4198},{"title":"• موقفه من المشركين:","level":3,"page":4199},{"title":"فائز بن يوشع بن عبد الله آل رحمة (١٢١٥ هـ تقريبا)","level":2,"page":4199},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4200},{"title":"موقف السلف من محمد بن عبد الله بن محمد بن فيروز (١٢١٦ هـ)","level":2,"page":4200},{"title":"عبد العزيز بن محمد بن سعود (١٢١٨ هـ)","level":2,"page":4202},{"title":"• موقفه من المشركين:","level":3,"page":4203},{"title":"صالح بن محمد الفلاني (١٢١٨ هـ)","level":2,"page":4208},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4208},{"title":"إبراهيم بن عبد القادر (١٢٢٣ هـ)","level":2,"page":4209},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4210},{"title":"حمد بن ناصر (١٢٢٥ هـ)","level":2,"page":4210},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4211},{"title":"حسين بن غنام (١٢٢٥ هـ)","level":2,"page":4213},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4214},{"title":"التجاني وضلاله (١٢٣٠ هـ)","level":2,"page":4218},{"title":"سليمان بن عبد الله آل الشيخ (١٢٣٣ هـ)","level":2,"page":4234},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4235},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4240},{"title":"الحسن بن خالد الحازمي (١٢٣٤ هـ)","level":2,"page":4241},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4242},{"title":"علي بن محمد السويدي (١٢٣٧ هـ)","level":2,"page":4242},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4243},{"title":"عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الحصين (١٢٣٧ هـ)","level":2,"page":4244},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4245},{"title":"السلطان المولى سليمان (١٢٣٨ هـ)","level":2,"page":4246},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4247},{"title":"عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١٢٤٢ هـ)","level":2,"page":4257},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4258},{"title":"عبد العزيز بن حمد آل معمر (١٢٤٤ هـ)","level":2,"page":4258},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4260},{"title":"محمد بن علي الشوكاني (١٢٥٠ هـ)","level":2,"page":4262},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4263},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4269},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4269},{"title":"عثمان بن محمد بن أحمد بن سند (١٢٥٠ هـ)","level":2,"page":4271},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4271},{"title":"الحسن بن علي القنوجي (١٢٥٣ هـ)","level":2,"page":4272},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4272},{"title":"أحمد الهندي (١٢٥٥ هـ)","level":2,"page":4273},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4273},{"title":"أحمد بن علي بن أحمد بن دعيج (١٢٦٨ هـ)","level":2,"page":4273},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4273},{"title":"محمد بن إبراهيم بن محمد السناني (١٢٦٩ هـ)","level":2,"page":4274},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4275},{"title":"عبد الرحمن بن عبد الله آل الشيخ (١٢٧٤ هـ)","level":2,"page":4276},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4276},{"title":"عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين (١٢٨٢ هـ)","level":2,"page":4277},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4277},{"title":"عثمان بن عبد العزيز بن منصور (١٢٨٢ هـ)","level":2,"page":4278},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4279},{"title":"أحمد بن علي بن حسين آل مشرف (١٢٨٥ هـ)","level":2,"page":4280},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4281},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4286},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4286},{"title":"عبد الرحمن بن حسن (حفيد الشيخ) (١٢٨٥ هـ)","level":2,"page":4287},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4288},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4289},{"title":"عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (١٢٩٣ هـ)","level":2,"page":4290},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4291},{"title":"القرن ١٤","level":1,"page":4293},{"title":"حمد بن علي بن عتيق (١٣٠١ هـ)","level":2,"page":4293},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4294},{"title":"محمد بن المدني المستاري (١٣٠٢ هـ)","level":2,"page":4298},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4298},{"title":"سليمان بن علي بن مقبل (١٣٠٤ هـ)","level":2,"page":4299},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4300},{"title":"موقف السلف من الدجال الكذاب أحمد زيني دحلان (١٣٠٤ هـ)","level":2,"page":4300},{"title":"صديق حسن خان (١٣٠٧ هـ)","level":2,"page":4305},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4306},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4315},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4316},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4316},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4320},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4322},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4323},{"title":"صالح بن محمد بن حمد الشثري (بعد ١٣٠٩ هـ)","level":2,"page":4328},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4329},{"title":"علي بن سالم بن جلعود آل جليدان (١٣١٠ هـ)","level":2,"page":4329},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4329},{"title":"أحمد بن خالد الناصري (١٣١٥ هـ)","level":2,"page":4330},{"title":"موقفه من المشركين والصوفية:","level":3,"page":4330},{"title":"مبارك بن مساعد آل مبارك (١٣١٦ هـ تقريبا)","level":2,"page":4334},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4334},{"title":"إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ (١٣١٩ هـ)","level":2,"page":4335},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4336},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4336},{"title":"عبد الله بن محمد بن عثمان بن دخيل (١٣٢٤ هـ)","level":2,"page":4337},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4337},{"title":"حسن عبد الرحمن السني البحيري المصري (١٣٢٦ هـ)","level":2,"page":4337},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4337},{"title":"محمد السهسواني (١٣٢٦ هـ)","level":2,"page":4338},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4339},{"title":"أحمد بن إبراهيم بن عيسى (١٣٢٩ هـ)","level":2,"page":4342},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4343},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4346},{"title":"إبراهيم بن حمد بن جاسر (١٣٢٩ هـ)","level":2,"page":4347},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4348},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4348},{"title":"حسين آل الشيخ (١٣٢٩ هـ)","level":2,"page":4349},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4349},{"title":"إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (١٣٢٩ هـ)","level":2,"page":4349},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4350},{"title":"جمال الدين القاسمي (١٣٣٢ هـ)","level":2,"page":4352},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4352},{"title":"محمد بن قاسم آل غنيم (١٣٣٥ هـ)","level":2,"page":4355},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4355},{"title":"محمد بن محمود بن عثمان الضالع (١٣٣٧ هـ)","level":2,"page":4355},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4356},{"title":"علي بن سليمان بن حلوة آل يوسف (١٣٣٧ هـ)","level":2,"page":4357},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4358},{"title":"العلامة طاهر الجزائري (١٣٣٨ هـ)","level":2,"page":4358},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4359},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4359},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4360},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4360},{"title":"عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (١٣٤٠ هـ)","level":2,"page":4362},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4363},{"title":"محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢ هـ)","level":2,"page":4363},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4364},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4365},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4367},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4370},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4372},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4373},{"title":"الشيخ باب (١٣٤٢ هـ)","level":2,"page":4381},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4382},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4383},{"title":"إسحاق بن حمد بن علي بن عتيق (١٣٤٣ هـ)","level":2,"page":4385},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4385},{"title":"محمد عز الدين القسام (١٣٤٥ هـ)","level":2,"page":4386},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4387},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4388},{"title":"عبد الله بن علي بن محمد بن حميد (١٣٤٦ هـ)","level":2,"page":4388},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4389},{"title":"سليمان بن سحمان (١٣٤٩ هـ)","level":2,"page":4389},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4390},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4391},{"title":"سعد بن حمد بن عتيق (١٣٤٩ هـ)","level":2,"page":4392},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4393},{"title":"أبو بكر خوقير (١٣٤٩ هـ)","level":2,"page":4393},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4394},{"title":"ناصر بن سعود بن عبد العزيز شويمي (١٣٤٩ هـ)","level":2,"page":4394},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4395},{"title":"عبد الله السنوسي (١٣٥٠ هـ)","level":2,"page":4395},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4396},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4398},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4399},{"title":"محمد بن عثمان الشاوي (١٣٥٤ هـ)","level":2,"page":4400},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4401},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4401},{"title":"عبد السلام السرغيني (١٣٥٤ هـ)","level":2,"page":4402},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4403},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4405},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4408},{"title":"السلطان عبد الحفيظ بن الحسن (١٣٥٦ هـ)","level":2,"page":4409},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4410},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4410},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4411},{"title":"أبو شعيب الدكالي (١٣٥٦ هـ)","level":2,"page":4417},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4419},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4424},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4426},{"title":"سليمان بن عبد العزيز السحيمي (١٣٥٧ هـ)","level":2,"page":4427},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4427},{"title":"عبد الحميد بن باديس (١٣٥٩ هـ)","level":2,"page":4428},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4429},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4432},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4432},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4432},{"title":"عبد العزيز بن حمد بن علي بن عتيق (١٣٥٩ هـ)","level":2,"page":4435},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4435},{"title":"علي محفوظ (١٣٦١ هـ)","level":2,"page":4436},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4436},{"title":"مبارك بن محمد الميلي (١٣٦٤ هـ)","level":2,"page":4445},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4445},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4449},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4449},{"title":"محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (١٣٦٧ هـ)","level":2,"page":4451},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4451},{"title":"ابن المؤقت (١٣٦٨ هـ)","level":2,"page":4454},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4455},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4459},{"title":"موسى جار الله (١٣٦٩ هـ)","level":2,"page":4463},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4463},{"title":"إبراهيم بن عبد العزيز السويح (١٣٦٩ هـ)","level":2,"page":4463},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4464},{"title":"محمد بن المهابة (١٣٧٠ هـ)","level":2,"page":4464},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4465},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4465},{"title":"محمد عبد الله المدني (١٣٧١ هـ)","level":2,"page":4466},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4466},{"title":"فوزان السابق (١٣٧٣ هـ)","level":2,"page":4466},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4467},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4475},{"title":"عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (١٣٧٣ هـ)","level":2,"page":4486},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4487},{"title":"عبد الله بن عبد العزيز العنقري (١٣٧٣ هـ)","level":2,"page":4489},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4490},{"title":"فيصل بن عبد العزيز آل فيصل آل مبارك (١٣٧٣ هـ)","level":2,"page":4490},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4491},{"title":"سيد المختار بن عبد الملك (١٣٧٥ هـ)","level":2,"page":4492},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4492},{"title":"عبد الرحمن بن ناصر السعدي (١٣٧٦ هـ)","level":2,"page":4493},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4495},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4502},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4503},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4506},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4509},{"title":"عبد الرحمن بن يوسف الإفريقي (١٣٧٧ هـ)","level":2,"page":4516},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4516},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4519},{"title":"أحمد شاكر (١٣٧٧ هـ)","level":2,"page":4522},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4523},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4535},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4541},{"title":"حافظ بن أحمد الحكمي (١٣٧٧ هـ)","level":2,"page":4544},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4545},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4551},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4558},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4559},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4562},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4562},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4563},{"title":"شيخ أنصار السنة بمصر حامد الفقي (١٣٧٨ هـ)","level":2,"page":4564},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4565},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4571},{"title":"عبد الرحمن الكمالي (١٣٧٩ هـ)","level":2,"page":4574},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4575},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4575},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4576},{"title":"محمد سلطان المعصومي (١٣٨٠ هـ)","level":2,"page":4580},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4581},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4590},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4592},{"title":"محمد بن علي بن محمد بن تركي (١٣٨٠ هـ)","level":2,"page":4593},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4593},{"title":"عبد الحفيظ الفاسي (١٣٨٣ هـ)","level":2,"page":4594},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4595},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4596},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4597},{"title":"محمد بن العربي العلوي (١٣٨٤ هـ)","level":2,"page":4603},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4604},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4606},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4607},{"title":"عبد الرحمن النتيفي (١٣٨٥ هـ)","level":2,"page":4613},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4615},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4615},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4615},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4617},{"title":"محمد بن عبد العزيز بن مانع (١٣٨٥ هـ)","level":2,"page":4624},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4625},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4625},{"title":"محمد البشير الإبراهيمي (١٣٨٥ هـ)","level":2,"page":4626},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4628},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4629},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4632},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4633},{"title":"عبد الرحمن المعلمي اليمني (١٣٨٦ هـ)","level":2,"page":4634},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4634},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4645},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4650},{"title":"محمد بن إسماعيل بن محمد بن إبراهيم (١٣٨٧ هـ)","level":2,"page":4655},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4655},{"title":"محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١٣٨٩ هـ)","level":2,"page":4655},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4656},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4657},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4658},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4661},{"title":"محب الدين الخطيب (١٣٨٩ هـ)","level":2,"page":4663},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4663},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4672},{"title":"عبد الله بن علي بن محمد من آل يابس (١٣٨٩ هـ)","level":2,"page":4673},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4673},{"title":"عبد الرحمن الوكيل (١٣٩٠ هـ)","level":2,"page":4675},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4676},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4677},{"title":"• موقفه من الجهمية:","level":2,"page":4684},{"title":"محمد بن اليمني الناصري (١٣٩١ هـ)","level":2,"page":4687},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4688},{"title":"• موقفه من المشركين:","level":3,"page":4694},{"title":"• موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4696},{"title":"عبد الرحمن العاصمي (١٣٩٢ هـ)","level":2,"page":4704},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4705},{"title":"فالح بن مهدي آل مهدي الدوسري (١٣٩٢ هـ)","level":2,"page":4706},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4706},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4710},{"title":"محمد بن شهوان بن عبد الله بن شهوان (١٣٩٢ هـ)","level":2,"page":4712},{"title":"موقفه من المبتدعة","level":3,"page":4712},{"title":"موقفه من المبتدعة","level":3,"page":4712},{"title":"محمد الأمين الشنقيطي (١٣٩٣ هـ)","level":2,"page":4713},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4714},{"title":"• موقفه من المشركين:","level":3,"page":4727},{"title":"• موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4729},{"title":"• موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4730},{"title":"• موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4737},{"title":"• موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4739},{"title":"• موقفه من القدرية:","level":2,"page":4741},{"title":"محمد الجزولي (١٣٩٣ هـ)","level":2,"page":4751},{"title":"• موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4752},{"title":"محمد خليل هراس (١٣٩٥ هـ)","level":2,"page":4759},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4759},{"title":"• موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4763},{"title":"• موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4765},{"title":"محمد بهجة البيطار (١٣٩٦ هـ)","level":2,"page":4768},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4768},{"title":"• موقفه من المشركين:","level":3,"page":4770},{"title":"حمد بن مطلق بن إبراهيم الغفيلي (١٣٩٧ هـ)","level":2,"page":4773},{"title":"• موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4773},{"title":"صهيب بن محمد الزمزمي بن الصديق الغماري (بعد ١٣٩٧ هـ)","level":2,"page":4773},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4774},{"title":"محمد كنوني المذكوري (١٣٩٨ هـ)","level":2,"page":4780},{"title":"• موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4780},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4791},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4791},{"title":"مبارك بن عبد المحسن بن باز (أواخر القرن الرابع عشر الهجري)","level":2,"page":4792},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4793},{"title":"محمد أسلم الباكستاني (حوالي ١٤٠٠ هـ)","level":2,"page":4793},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4794},{"title":"القرن ١٥","level":1,"page":4796},{"title":"عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر (١٤٠١ هـ)","level":2,"page":4796},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4796},{"title":"عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن حميد (١٤٠٢ هـ)","level":2,"page":4797},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4798},{"title":"يوسف بن عبد المحسن أبا بطين (١٤٠٣ هـ)","level":2,"page":4799},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4799},{"title":"أحمد الخريصي (بعد ١٤٠٣ هـ)","level":2,"page":4799},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4800},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4805},{"title":"أبو عبد الله محمد أعظم بن فضل الدين الجوندلوي (١٤٠٥ هـ)","level":2,"page":4808},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4808},{"title":"تقي الدين الهلالي (١٤٠٦ هـ)","level":2,"page":4810},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4811},{"title":"موقفه من بدعة قراءة القرآن على الأموات:","level":3,"page":4811},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4815},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4819},{"title":"موقفه من أهل الكلام:","level":3,"page":4822},{"title":"إحسان إلهي ظهير (١٤٠٧ هـ)","level":2,"page":4824},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4825},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4834},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4835},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4836},{"title":"عبد العزيز بن ناصر بن عبد الله بن رشيد (١٤٠٨ هـ)","level":2,"page":4843},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4843},{"title":"أبو يوسف عبد الرحمن عبد الصمد (١٤٠٨ هـ)","level":2,"page":4844},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4844},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4849},{"title":"أسامة بن توفيق القصاص (١٤٠٨ هـ)","level":2,"page":4852},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4853},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4859},{"title":"محمد جميل غازي (١٤٠٩ هـ)","level":2,"page":4868},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4869},{"title":"عبد الله بن محمد بن أحمد بن الدويش (١٤٠٩ هـ)","level":2,"page":4871},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4871},{"title":"عبد الله كنون (١٤٠٩ هـ)","level":2,"page":4872},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4873},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4875},{"title":"الخميني الرافضي الخبيث (١٤٠٩ هـ)","level":2,"page":4875},{"title":"٢ - موقفه من السنة وكتبها ورواتها:","level":3,"page":4878},{"title":"٣ - موقفه من الصحب الأخيار:","level":3,"page":4878},{"title":"صالح بن إبراهيم بن محمد البليهي (١٤١٠ هـ)","level":2,"page":4885},{"title":"موقفه من المبتدعة","level":3,"page":4886},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4893},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4895},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4905},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4908},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4910},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4910},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4911},{"title":"علي بن عبد الله بن علي الحواس (١٤١٠ هـ)","level":2,"page":4916},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4916},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4917},{"title":"جميل الرحمن (١٤١٢ هـ)","level":2,"page":4917},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4918},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4931},{"title":"محمد نسيب الرفاعي (١٤١٣ هـ)","level":2,"page":4935},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4935},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4937},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4938},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4939},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":4940},{"title":"حمود بن عبد الله بن حمود التويجري (١٤١٣ هـ)","level":2,"page":4942},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4943},{"title":"عبد الله بن محمد بن عبد الله الخليفي (١٤١٤ هـ)","level":2,"page":4943},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4944},{"title":"أحمد بن محمد ابن تاويت (١٤١٤ هـ)","level":2,"page":4944},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4945},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4948},{"title":"محمد المكي الناصري (١٤١٤ هـ)","level":2,"page":4949},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4951},{"title":"موقفه من المشركين","level":3,"page":4958},{"title":"موقفه من الصوفية","level":3,"page":4961},{"title":"عبد الرزاق عفيفي (١٤١٥ هـ)","level":2,"page":4967},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4968},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4973},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":4974},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4975},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4976},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":4979},{"title":"أبو عبد الله شمس الدين بن محمد الأفعاني (بعد سنة ١٤١٥ هـ)","level":2,"page":4980},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4980},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":4981},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":4984},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":4985},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":4986},{"title":"محمد أمان الجامي (١٤١٦ هـ)","level":2,"page":4986},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":4987},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":5000},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":5000},{"title":"محمد بهجة الأثري (١٤١٦ هـ)","level":2,"page":5001},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5002},{"title":"عبد الله بن زيد بن عبد الله آل محمود (١٤١٧ هـ)","level":2,"page":5009},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5010},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":5010},{"title":"صالح بن علي بن غصون ﵀ (١٤١٩ هـ)","level":2,"page":5011},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":5011},{"title":"عبد العزيز بن باز (١٤٢٠ هـ)","level":2,"page":5014},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5018},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":5026},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":5057},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":5058},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":5061},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":5067},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":5069},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":5072},{"title":"محمد ناصر الدين الألباني (١٤٢٠ هـ)","level":2,"page":5080},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5082},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":5088},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":5105},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":5109},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":5114},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":5120},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":5134},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":5139},{"title":"ابن عثيمين (١٤٢١ هـ)","level":2,"page":5146},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5148},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":5153},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":5154},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":5159},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":5160},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":5164},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":5169},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":5172},{"title":"محمود مهدي الإستانبولي (حوالي ١٤٢١ هـ)","level":2,"page":5181},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5181},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":5182},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":5186},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":5200},{"title":"محمد صفوت الشوادفي (١٤٢١ هـ)","level":2,"page":5202},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5204},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":5204},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":5207},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":5207},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":5209},{"title":"مقبل بن هادي الوادعي (١٤٢٢ هـ)","level":2,"page":5210},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5212},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":5221},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":5225},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":5227},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":5233},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":5237},{"title":"حمود بن عقلاء الشعيبي (١٤٢٢ هـ)","level":2,"page":5241},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5242},{"title":"عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام (١٤٢٣ هـ)","level":2,"page":5243},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":5244},{"title":"محمد صفوت نور الدين (١٤٢٣ هـ)","level":2,"page":5247},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5247},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":5251},{"title":"أحمد بن حجر آل بوطامي (١٤٢٣ هـ)","level":2,"page":5252},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5253},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":5255},{"title":"موقفه من الصوفية:","level":3,"page":5258},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":5259},{"title":"عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم (١٤٢٥ هـ)","level":2,"page":5260},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5261},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":5266},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":5269},{"title":"عبد القادر الأرناؤوط (١٤٢٥ هـ)","level":2,"page":5277},{"title":"موقفه من المبتدعة:","level":3,"page":5278},{"title":"موقفه من المشركين:","level":3,"page":5280},{"title":"موقفه من الرافضة:","level":3,"page":5283},{"title":"موقفه من الجهمية:","level":3,"page":5284},{"title":"موقفه من الخوارج:","level":3,"page":5285},{"title":"موقفه من المرجئة:","level":3,"page":5285},{"title":"موقفه من القدرية:","level":3,"page":5285}],"ٛ":{"مقدمة,1":2,"مقدمة,2":3,"مقدمة,3":4,"مقدمة,4":5,"مقدمة,5":6,"مقدمة,6":7,"مقدمة,7":8,"مقدمة,8":9,"مقدمة,9":10,"مقدمة,10":11,"مقدمة,11":12,"مقدمة,12":13,"مقدمة,13":14,"مقدمة,14":15,"مقدمة,15":16,"مقدمة,16":17,"مقدمة,17":18,"مقدمة,18":19,"مقدمة,19":20,"مقدمة,20":21,"مقدمة,21":22,"مقدمة,22":23,"مقدمة,23":24,"مقدمة,24":25,"مقدمة,25":26,"مقدمة,26":27,"مقدمة,27":28,"مقدمة,28":29,"مقدمة,29":30,"مقدمة,30":31,"مقدمة,31":32,"مقدمة,32":33,"مقدمة,33":34,"مقدمة,34":35,"مقدمة,35":36,"مقدمة,36":37,"مقدمة,37":38,"مقدمة,38":39,"مقدمة,39":40,"مقدمة,40":41,"مقدمة,41":42,"مقدمة,42":43,"مقدمة,43":44,"مقدمة,44":45,"مقدمة,45":46,"مقدمة,46":47,"مقدمة,47":48,"مقدمة,48":49,"مقدمة,49":50,"مقدمة,50":51,"مقدمة,51":52,"مقدمة,52":53,"مقدمة,53":54,"مقدمة,54":55,"مقدمة,55":56,"مقدمة,56":57,"مقدمة,57":58,"مقدمة,58":59,"مقدمة,59":60,"مقدمة,60":61,"مقدمة,61":62,"مقدمة,62":63,"مقدمة,63":64,"مقدمة,64":65,"مقدمة,65":66,"مقدمة,66":67,"مقدمة,67":68,"مقدمة,68":69,"مقدمة,69":70,"مقدمة,70":71,"مقدمة,71":72,"مقدمة,72":73,"مقدمة,73":74,"مقدمة,74":75,"1,1":76,"1,2":77,"1,3":78,"1,4":79,"1,5":80,"1,6":81,"1,7":82,"1,8":83,"1,9":84,"1,10":85,"1,11":86,"1,12":87,"1,13":88,"1,14":89,"1,15":90,"1,16":91,"1,17":92,"1,18":93,"1,19":94,"1,20":95,"1,21":96,"1,22":97,"1,23":98,"1,24":99,"1,25":100,"1,26":101,"1,27":102,"1,28":103,"1,29":104,"1,30":105,"1,31":106,"1,32":107,"1,33":108,"1,34":109,"1,35":110,"1,36":111,"1,37":112,"1,38":113,"1,39":114,"1,40":115,"1,41":116,"1,42":117,"1,43":118,"1,44":119,"1,45":120,"1,46":121,"1,47":122,"1,48":123,"1,49":124,"1,50":125,"1,51":126,"1,52":127,"1,53":128,"1,54":129,"1,55":130,"1,56":131,"1,57":132,"1,58":133,"1,59":134,"1,60":135,"1,61":136,"1,62":137,"1,63":138,"1,64":139,"1,65":140,"1,66":141,"1,67":142,"1,68":143,"1,69":144,"1,70":145,"1,71":146,"1,72":147,"1,73":148,"1,74":149,"1,75":150,"1,76":151,"1,77":152,"1,78":153,"1,79":154,"1,80":155,"1,81":156,"1,82":157,"1,83":158,"1,84":159,"1,85":160,"1,86":161,"1,87":162,"1,88":163,"1,89":164,"1,90":165,"1,91":166,"1,92":167,"1,93":168,"1,94":169,"1,95":170,"1,96":171,"1,97":172,"1,98":173,"1,99":174,"1,100":175,"1,101":176,"1,102":177,"1,103":178,"1,104":179,"1,105":180,"1,106":181,"1,107":182,"1,108":183,"1,109":184,"1,110":185,"1,111":186,"1,112":187,"1,113":188,"1,114":189,"1,115":190,"1,116":191,"1,117":192,"1,118":193,"1,119":194,"1,120":195,"1,121":196,"1,122":197,"1,123":198,"1,124":199,"1,125":200,"1,126":201,"1,127":202,"1,128":203,"1,129":204,"1,130":205,"1,131":206,"1,132":207,"1,133":208,"1,134":209,"1,135":210,"1,136":211,"1,137":212,"1,138":213,"1,139":214,"1,140":215,"1,141":216,"1,142":217,"1,143":218,"1,144":219,"1,145":220,"1,146":221,"1,147":222,"1,148":223,"1,149":224,"1,150":225,"1,151":226,"1,152":227,"1,153":228,"1,154":229,"1,155":230,"1,156":231,"1,157":232,"1,158":233,"1,159":234,"1,160":235,"1,161":236,"1,162":237,"1,163":238,"1,164":239,"1,165":240,"1,166":241,"1,167":242,"1,168":243,"1,169":244,"1,170":245,"1,171":246,"1,172":247,"1,173":248,"1,174":249,"1,175":250,"1,176":251,"1,177":252,"1,178":253,"1,179":254,"1,180":255,"1,181":256,"1,182":257,"1,183":258,"1,184":259,"1,185":260,"1,186":261,"1,187":262,"1,188":263,"1,189":264,"1,190":265,"1,191":266,"1,192":267,"1,193":268,"1,194":269,"1,195":270,"1,196":271,"1,197":272,"1,198":273,"1,199":274,"1,200":275,"1,201":276,"1,202":277,"1,203":278,"1,204":279,"1,205":280,"1,206":281,"1,207":282,"1,208":283,"1,209":284,"1,210":285,"1,211":286,"1,212":287,"1,213":288,"1,214":289,"1,215":290,"1,216":291,"1,217":292,"1,218":293,"1,219":294,"1,220":295,"1,221":296,"1,222":297,"1,223":298,"1,224":299,"1,225":300,"1,226":301,"1,227":302,"1,228":303,"1,229":304,"1,230":305,"1,231":306,"1,232":307,"1,233":308,"1,234":309,"1,235":310,"1,236":311,"1,237":312,"1,238":313,"1,239":314,"1,240":315,"1,241":316,"1,242":317,"1,243":318,"1,244":319,"1,245":320,"1,246":321,"1,247":322,"1,248":323,"1,249":324,"1,250":325,"1,251":326,"1,252":327,"1,253":328,"1,254":329,"1,255":330,"1,256":331,"1,257":332,"1,258":333,"1,259":334,"1,260":335,"1,261":336,"1,262":337,"1,263":338,"1,264":339,"1,265":340,"1,266":341,"1,267":342,"1,268":343,"1,269":344,"1,270":345,"1,271":346,"1,272":347,"1,273":348,"1,274":349,"1,275":350,"1,276":351,"1,277":352,"1,278":353,"1,279":354,"1,280":355,"1,281":356,"1,282":357,"1,283":358,"1,284":359,"1,285":360,"1,286":361,"1,287":362,"1,288":363,"1,289":364,"1,290":365,"1,291":366,"1,292":367,"1,293":368,"1,294":369,"1,295":370,"1,296":371,"1,297":372,"1,298":373,"1,299":374,"1,300":375,"1,301":376,"1,302":377,"1,303":378,"1,304":379,"1,305":380,"1,306":381,"1,307":382,"1,308":383,"1,309":384,"1,310":385,"1,311":386,"1,312":387,"1,313":388,"1,314":389,"1,315":390,"1,316":391,"1,317":392,"1,318":393,"1,319":394,"1,320":395,"1,321":396,"1,322":397,"1,323":398,"1,324":399,"1,325":400,"1,326":401,"1,327":402,"1,328":403,"1,329":404,"1,330":405,"1,331":406,"1,332":407,"1,333":408,"1,334":409,"1,335":410,"1,336":411,"1,337":412,"1,338":413,"1,339":414,"1,340":415,"1,341":416,"1,342":417,"1,343":418,"1,344":419,"1,345":420,"1,346":421,"1,347":422,"1,348":423,"1,349":424,"1,350":425,"1,351":426,"1,352":427,"1,353":428,"1,354":429,"1,355":430,"1,356":431,"1,357":432,"1,358":433,"1,359":434,"1,360":435,"1,361":436,"1,362":437,"1,363":438,"1,364":439,"1,365":440,"1,366":441,"1,367":442,"1,368":443,"1,369":444,"1,370":445,"1,371":446,"1,372":447,"1,373":448,"1,374":449,"1,375":450,"1,376":451,"1,377":452,"1,378":453,"1,379":454,"1,380":455,"1,381":456,"1,382":457,"1,383":458,"1,384":459,"1,385":460,"1,386":461,"1,387":462,"1,388":463,"1,389":464,"1,390":465,"1,391":466,"1,392":467,"1,393":468,"1,394":469,"1,395":470,"1,396":471,"1,397":472,"1,398":473,"1,399":474,"1,400":475,"1,401":476,"1,402":477,"1,403":478,"1,404":479,"1,405":480,"1,406":481,"1,407":482,"1,408":483,"1,409":484,"1,410":485,"1,411":486,"1,412":487,"1,413":488,"1,414":489,"1,415":490,"1,416":491,"1,417":492,"1,418":493,"1,419":494,"1,420":495,"1,421":496,"1,422":497,"1,423":498,"1,424":499,"1,425":500,"1,426":501,"1,427":502,"1,428":503,"1,429":504,"1,430":505,"1,431":506,"1,432":507,"1,433":508,"1,434":509,"1,435":510,"1,436":511,"1,437":512,"1,438":513,"1,439":514,"1,440":515,"1,441":516,"1,442":517,"1,443":518,"1,444":519,"1,445":520,"1,446":521,"1,447":522,"1,448":523,"1,449":524,"1,450":525,"1,451":526,"1,452":527,"1,453":528,"1,454":529,"1,455":530,"1,456":531,"1,457":532,"1,458":533,"1,459":534,"1,460":535,"1,461":536,"1,462":537,"1,463":538,"1,464":539,"1,465":540,"1,466":541,"1,467":542,"1,468":543,"1,469":544,"1,470":545,"1,471":546,"1,472":547,"1,473":548,"1,474":549,"1,475":550,"1,476":551,"1,477":552,"1,478":553,"1,479":554,"1,480":555,"1,481":556,"1,482":557,"1,483":558,"1,484":559,"1,485":560,"1,486":561,"1,487":562,"1,488":563,"1,489":564,"1,490":565,"1,491":566,"1,492":567,"1,493":568,"1,494":569,"1,495":570,"1,496":571,"1,497":572,"1,498":573,"1,499":574,"1,500":575,"1,501":576,"1,502":577,"1,503":578,"1,504":579,"1,505":580,"1,506":581,"1,507":582,"1,508":583,"1,509":584,"2,1":585,"2,2":586,"2,3":587,"2,4":588,"2,5":589,"2,6":590,"2,7":591,"2,8":592,"2,9":593,"2,10":594,"2,11":595,"2,12":596,"2,13":597,"2,14":598,"2,15":599,"2,16":600,"2,17":601,"2,18":602,"2,19":603,"2,20":604,"2,21":605,"2,22":606,"2,23":607,"2,24":608,"2,25":609,"2,26":610,"2,27":611,"2,28":612,"2,29":613,"2,30":614,"2,31":615,"2,32":616,"2,33":617,"2,34":618,"2,35":619,"2,36":620,"2,37":621,"2,38":622,"2,39":623,"2,40":624,"2,41":625,"2,42":626,"2,43":627,"2,44":628,"2,45":629,"2,48":631,"2,49":632,"2,50":633,"2,51":634,"2,52":635,"2,53":636,"2,54":637,"2,55":638,"2,56":639,"2,57":640,"2,58":641,"2,59":642,"2,60":643,"2,61":644,"2,62":645,"2,63":646,"2,64":647,"2,65":648,"2,66":649,"2,67":650,"2,68":651,"2,69":652,"2,70":653,"2,71":654,"2,72":655,"2,73":656,"2,74":657,"2,75":658,"2,76":659,"2,77":660,"2,78":661,"2,79":662,"2,80":663,"2,81":664,"2,82":665,"2,83":666,"2,84":667,"2,85":668,"2,86":669,"2,87":670,"2,88":671,"2,89":672,"2,90":673,"2,91":674,"2,92":675,"2,93":676,"2,94":677,"2,95":678,"2,96":679,"2,97":680,"2,98":681,"2,99":682,"2,100":683,"2,101":684,"2,102":685,"2,103":686,"2,104":687,"2,105":688,"2,106":689,"2,107":690,"2,108":691,"2,109":692,"2,110":693,"2,111":694,"2,112":695,"2,113":696,"2,114":697,"2,115":698,"2,116":699,"2,117":700,"2,118":701,"2,119":702,"2,120":703,"2,121":704,"2,122":705,"2,123":706,"2,124":707,"2,125":708,"2,126":709,"2,127":710,"2,128":711,"2,129":712,"2,130":713,"2,131":714,"2,132":715,"2,133":716,"2,134":717,"2,135":718,"2,136":719,"2,137":720,"2,138":721,"2,139":722,"2,140":723,"2,141":724,"2,142":725,"2,143":726,"2,144":727,"2,145":728,"2,146":729,"2,147":730,"2,148":731,"2,149":732,"2,150":733,"2,151":734,"2,152":735,"2,153":736,"2,154":737,"2,155":738,"2,156":739,"2,157":740,"2,158":741,"2,159":742,"2,160":743,"2,161":744,"2,162":745,"2,163":746,"2,164":747,"2,165":748,"2,166":749,"2,167":750,"2,168":751,"2,169":752,"2,170":753,"2,171":754,"2,172":755,"2,173":756,"2,174":757,"2,175":758,"2,176":759,"2,177":760,"2,178":761,"2,179":762,"2,180":763,"2,181":764,"2,182":765,"2,183":766,"2,184":767,"2,185":768,"2,186":769,"2,187":770,"2,188":771,"2,189":772,"2,190":773,"2,191":774,"2,192":775,"2,193":776,"2,194":777,"2,195":778,"2,196":779,"2,197":780,"2,198":781,"2,199":782,"2,200":783,"2,201":784,"2,202":785,"2,203":786,"2,204":787,"2,205":788,"2,206":789,"2,207":790,"2,208":791,"2,209":792,"2,210":793,"2,211":794,"2,212":795,"2,213":796,"2,214":797,"2,215":798,"2,216":799,"2,217":800,"2,218":801,"2,219":802,"2,220":803,"2,221":804,"2,222":805,"2,223":806,"2,224":807,"2,225":808,"2,226":809,"2,227":810,"2,228":811,"2,229":812,"2,230":813,"2,231":814,"2,232":815,"2,233":816,"2,234":817,"2,235":818,"2,236":819,"2,237":820,"2,238":821,"2,239":822,"2,240":823,"2,241":824,"2,242":825,"2,243":826,"2,244":827,"2,245":828,"2,246":829,"2,247":830,"2,248":831,"2,249":832,"2,250":833,"2,251":834,"2,252":835,"2,253":836,"2,254":837,"2,255":838,"2,256":839,"2,257":840,"2,258":841,"2,259":842,"2,260":843,"2,261":844,"2,262":845,"2,263":846,"2,264":847,"2,265":848,"2,266":849,"2,267":850,"2,268":851,"2,269":852,"2,270":853,"2,271":854,"2,272":855,"2,273":856,"2,274":857,"2,275":858,"2,276":859,"2,277":860,"2,278":861,"2,279":862,"2,280":863,"2,281":864,"2,282":865,"2,283":866,"2,284":867,"2,285":868,"2,286":869,"2,287":870,"2,288":871,"2,289":872,"2,290":873,"2,291":874,"2,292":875,"2,293":876,"2,294":877,"2,295":878,"2,296":879,"2,297":880,"2,298":881,"2,299":882,"2,300":883,"2,301":884,"2,302":885,"2,303":886,"2,304":887,"2,305":888,"2,306":889,"2,307":890,"2,308":891,"2,309":892,"2,310":893,"2,311":894,"2,312":895,"2,313":896,"2,314":897,"2,315":898,"2,316":899,"2,317":900,"2,318":901,"2,319":902,"2,320":903,"2,321":904,"2,322":905,"2,323":906,"2,324":907,"2,325":908,"2,326":909,"2,327":910,"2,328":911,"2,329":912,"2,330":913,"2,331":914,"2,332":915,"2,333":916,"2,334":917,"2,335":918,"2,336":919,"2,337":920,"2,338":921,"2,339":922,"2,340":923,"2,341":924,"2,342":925,"2,343":926,"2,344":927,"2,345":928,"2,346":929,"2,347":930,"2,348":931,"2,349":932,"2,350":933,"2,351":934,"2,352":935,"2,353":936,"2,354":937,"2,355":938,"2,356":939,"2,357":940,"2,358":941,"2,359":942,"2,360":943,"2,361":944,"2,362":945,"2,363":946,"2,364":947,"2,365":948,"2,366":949,"2,367":950,"2,368":951,"2,369":952,"2,370":953,"2,371":954,"2,372":955,"2,373":956,"2,374":957,"2,375":958,"2,376":959,"2,377":960,"2,378":961,"2,379":962,"2,380":963,"2,381":964,"2,382":965,"2,383":966,"2,384":967,"2,385":968,"2,386":969,"2,387":970,"2,388":971,"2,389":972,"2,390":973,"2,391":974,"2,392":975,"2,393":976,"2,394":977,"2,395":978,"2,396":979,"2,397":980,"2,398":981,"2,399":982,"2,400":983,"2,401":984,"2,402":985,"2,403":986,"2,404":987,"2,405":988,"2,406":989,"2,407":990,"2,408":991,"2,409":992,"2,410":993,"2,411":994,"2,412":995,"2,413":996,"2,414":997,"2,415":998,"2,416":999,"2,417":1000,"2,418":1001,"2,419":1002,"2,420":1003,"2,421":1004,"2,422":1005,"2,423":1006,"2,424":1007,"2,425":1008,"2,426":1009,"2,427":1010,"2,428":1011,"2,429":1012,"2,430":1013,"2,431":1014,"2,432":1015,"2,433":1016,"2,434":1017,"2,435":1018,"2,436":1019,"2,437":1020,"2,438":1021,"2,439":1022,"2,440":1023,"2,441":1024,"2,442":1025,"2,443":1026,"2,444":1027,"2,445":1028,"2,446":1029,"2,447":1030,"2,448":1031,"2,449":1032,"2,450":1033,"2,451":1034,"2,452":1035,"2,453":1036,"2,454":1037,"2,455":1038,"2,456":1039,"2,457":1040,"2,458":1041,"2,459":1042,"2,460":1043,"2,461":1044,"2,462":1045,"2,463":1046,"2,464":1047,"2,465":1048,"2,466":1049,"2,467":1050,"2,468":1051,"2,469":1052,"2,470":1053,"2,471":1054,"2,472":1055,"2,473":1056,"2,474":1057,"2,475":1058,"2,476":1059,"2,477":1060,"2,478":1061,"2,479":1062,"2,480":1063,"2,481":1064,"2,482":1065,"2,483":1066,"2,484":1067,"2,485":1068,"3,1":1069,"3,2":1070,"3,3":1071,"3,4":1072,"3,5":1073,"3,6":1074,"3,7":1075,"3,8":1076,"3,9":1077,"3,10":1078,"3,11":1079,"3,12":1080,"3,13":1081,"3,14":1082,"3,15":1083,"3,16":1084,"3,17":1085,"3,18":1086,"3,19":1087,"3,20":1088,"3,21":1089,"3,22":1090,"3,23":1091,"3,24":1092,"3,25":1093,"3,26":1094,"3,27":1095,"3,28":1096,"3,29":1097,"3,30":1098,"3,31":1099,"3,32":1100,"3,33":1101,"3,34":1102,"3,35":1103,"3,36":1104,"3,37":1105,"3,38":1106,"3,39":1107,"3,40":1108,"3,41":1109,"3,42":1110,"3,43":1111,"3,44":1112,"3,45":1113,"3,46":1114,"3,47":1115,"3,48":1116,"3,49":1117,"3,50":1118,"3,51":1119,"3,52":1120,"3,53":1121,"3,54":1122,"3,55":1123,"3,56":1124,"3,57":1125,"3,58":1126,"3,59":1127,"3,60":1128,"3,61":1129,"3,62":1130,"3,63":1131,"3,64":1132,"3,65":1133,"3,66":1134,"3,67":1135,"3,68":1136,"3,69":1137,"3,70":1138,"3,71":1139,"3,72":1140,"3,73":1141,"3,74":1142,"3,75":1143,"3,76":1144,"3,77":1145,"3,78":1146,"3,79":1147,"3,80":1148,"3,81":1149,"3,82":1150,"3,83":1151,"3,84":1152,"3,85":1153,"3,86":1154,"3,87":1155,"3,88":1156,"3,89":1157,"3,90":1158,"3,91":1159,"3,92":1160,"3,93":1161,"3,94":1162,"3,95":1163,"3,96":1164,"3,97":1165,"3,98":1166,"3,99":1167,"3,100":1168,"3,101":1169,"3,102":1170,"3,103":1171,"3,104":1172,"3,105":1173,"3,106":1174,"3,107":1175,"3,108":1176,"3,109":1177,"3,110":1178,"3,111":1179,"3,112":1180,"3,113":1181,"3,114":1182,"3,115":1183,"3,116":1184,"3,117":1185,"3,118":1186,"3,119":1187,"3,120":1188,"3,121":1189,"3,122":1190,"3,123":1191,"3,124":1192,"3,125":1193,"3,126":1194,"3,127":1195,"3,128":1196,"3,129":1197,"3,130":1198,"3,131":1199,"3,132":1200,"3,133":1201,"3,134":1202,"3,135":1203,"3,136":1204,"3,137":1205,"3,138":1206,"3,139":1207,"3,140":1208,"3,141":1209,"3,142":1210,"3,143":1211,"3,144":1212,"3,145":1213,"3,146":1214,"3,147":1215,"3,148":1216,"3,149":1217,"3,150":1218,"3,151":1219,"3,152":1220,"3,153":1221,"3,154":1222,"3,155":1223,"3,156":1224,"3,157":1225,"3,158":1226,"3,159":1227,"3,160":1228,"3,161":1229,"3,162":1230,"3,163":1231,"3,164":1232,"3,165":1233,"3,166":1234,"3,167":1235,"3,168":1236,"3,169":1237,"3,170":1238,"3,171":1239,"3,172":1240,"3,173":1241,"3,174":1242,"3,175":1243,"3,176":1244,"3,177":1245,"3,178":1246,"3,179":1247,"3,180":1248,"3,181":1249,"3,182":1250,"3,183":1251,"3,184":1252,"3,185":1253,"3,186":1254,"3,187":1255,"3,188":1256,"3,189":1257,"3,190":1258,"3,191":1259,"3,192":1260,"3,193":1261,"3,194":1262,"3,195":1263,"3,196":1264,"3,197":1265,"3,198":1266,"3,199":1267,"3,200":1268,"3,201":1269,"3,202":1270,"3,203":1271,"3,204":1272,"3,205":1273,"3,206":1274,"3,207":1275,"3,208":1276,"3,209":1277,"3,210":1278,"3,211":1279,"3,212":1280,"3,213":1281,"3,214":1282,"3,215":1283,"3,216":1284,"3,217":1285,"3,218":1286,"3,219":1287,"3,220":1288,"3,221":1289,"3,222":1290,"3,223":1291,"3,224":1292,"3,225":1293,"3,226":1294,"3,227":1295,"3,228":1296,"3,229":1297,"3,230":1298,"3,231":1299,"3,232":1300,"3,233":1301,"3,234":1302,"3,235":1303,"3,236":1304,"3,237":1305,"3,238":1306,"3,239":1307,"3,240":1308,"3,241":1309,"3,242":1310,"3,243":1311,"3,244":1312,"3,245":1313,"3,246":1314,"3,247":1315,"3,248":1316,"3,249":1317,"3,250":1318,"3,251":1319,"3,252":1320,"3,253":1321,"3,254":1322,"3,255":1323,"3,256":1324,"3,257":1325,"3,258":1326,"3,259":1327,"3,260":1328,"3,261":1329,"3,262":1330,"3,263":1331,"3,264":1332,"3,265":1333,"3,266":1334,"3,267":1335,"3,268":1336,"3,269":1337,"3,270":1338,"3,271":1339,"3,272":1340,"3,273":1341,"3,274":1342,"3,275":1343,"3,276":1344,"3,277":1345,"3,278":1346,"3,279":1347,"3,280":1348,"3,281":1349,"3,282":1350,"3,283":1351,"3,284":1352,"3,285":1353,"3,286":1354,"3,287":1355,"3,288":1356,"3,289":1357,"3,290":1358,"3,291":1359,"3,292":1360,"3,293":1361,"3,294":1362,"3,295":1363,"3,296":1364,"3,297":1365,"3,298":1366,"3,299":1367,"3,300":1368,"3,301":1369,"3,302":1370,"3,303":1371,"3,304":1372,"3,305":1373,"3,306":1374,"3,307":1375,"3,308":1376,"3,309":1377,"3,310":1378,"3,311":1379,"3,312":1380,"3,313":1381,"3,314":1382,"3,315":1383,"3,316":1384,"3,317":1385,"3,318":1386,"3,319":1387,"3,320":1388,"3,321":1389,"3,322":1390,"3,323":1391,"3,324":1392,"3,325":1393,"3,326":1394,"3,327":1395,"3,328":1396,"3,329":1397,"3,330":1398,"3,331":1399,"3,332":1400,"3,333":1401,"3,334":1402,"3,335":1403,"3,336":1404,"3,337":1405,"3,338":1406,"3,339":1407,"3,340":1408,"3,341":1409,"3,342":1410,"3,343":1411,"3,344":1412,"3,345":1413,"3,346":1414,"3,347":1415,"3,348":1416,"3,349":1417,"3,350":1418,"3,351":1419,"3,352":1420,"3,353":1421,"3,354":1422,"3,355":1423,"3,356":1424,"3,357":1425,"3,358":1426,"3,359":1427,"3,360":1428,"3,361":1429,"3,362":1430,"3,363":1431,"3,364":1432,"3,365":1433,"3,366":1434,"3,367":1435,"3,368":1436,"3,369":1437,"3,370":1438,"3,371":1439,"3,372":1440,"3,373":1441,"3,374":1442,"3,375":1443,"3,376":1444,"3,377":1445,"3,378":1446,"3,379":1447,"3,380":1448,"3,381":1449,"3,382":1450,"3,383":1451,"3,384":1452,"3,385":1453,"3,386":1454,"3,387":1455,"3,388":1456,"3,389":1457,"3,390":1458,"3,391":1459,"3,392":1460,"3,393":1461,"3,394":1462,"3,395":1463,"3,396":1464,"3,397":1465,"3,398":1466,"3,399":1467,"3,400":1468,"3,401":1469,"3,402":1470,"3,403":1471,"3,404":1472,"3,405":1473,"3,406":1474,"3,407":1475,"3,408":1476,"3,409":1477,"3,410":1478,"3,411":1479,"3,412":1480,"3,413":1481,"3,414":1482,"3,415":1483,"3,416":1484,"3,417":1485,"3,418":1486,"3,419":1487,"3,420":1488,"3,421":1489,"3,422":1490,"3,423":1491,"3,424":1492,"3,425":1493,"3,426":1494,"3,427":1495,"3,428":1496,"3,429":1497,"3,430":1498,"3,431":1499,"3,432":1500,"3,433":1501,"3,434":1502,"3,435":1503,"3,436":1504,"3,437":1505,"3,438":1506,"3,439":1507,"3,440":1508,"3,441":1509,"3,442":1510,"3,443":1511,"3,444":1512,"3,445":1513,"3,446":1514,"3,447":1515,"3,448":1516,"3,449":1517,"3,450":1518,"3,451":1519,"3,452":1520,"3,453":1521,"3,454":1522,"3,455":1523,"3,456":1524,"3,457":1525,"3,458":1526,"3,459":1527,"3,460":1528,"3,461":1529,"3,462":1530,"3,463":1531,"3,464":1532,"3,465":1533,"3,466":1534,"3,467":1535,"3,468":1536,"3,469":1537,"3,470":1538,"3,471":1539,"3,472":1540,"3,473":1541,"3,474":1542,"3,475":1543,"3,476":1544,"3,477":1545,"3,478":1546,"3,479":1547,"3,480":1548,"3,481":1549,"3,482":1550,"3,483":1551,"3,484":1552,"3,485":1553,"3,486":1554,"3,487":1555,"3,488":1556,"3,489":1557,"3,490":1558,"3,491":1559,"3,492":1560,"3,493":1561,"3,494":1562,"3,495":1563,"3,496":1564,"3,497":1565,"3,498":1566,"3,499":1567,"3,500":1568,"3,501":1569,"3,502":1570,"3,503":1571,"3,504":1572,"3,505":1573,"3,506":1574,"3,507":1575,"3,508":1576,"3,509":1577,"3,510":1578,"3,511":1579,"3,512":1580,"3,513":1581,"4,1":1582,"4,2":1583,"4,3":1584,"4,4":1585,"4,5":1586,"4,6":1587,"4,7":1588,"4,8":1589,"4,9":1590,"4,10":1591,"4,11":1592,"4,12":1593,"4,13":1594,"4,14":1595,"4,15":1596,"4,16":1597,"4,17":1598,"4,18":1599,"4,19":1600,"4,20":1601,"4,21":1602,"4,22":1603,"4,23":1604,"4,24":1605,"4,25":1606,"4,26":1607,"4,27":1608,"4,28":1609,"4,29":1610,"4,30":1611,"4,31":1612,"4,32":1613,"4,33":1614,"4,34":1615,"4,35":1616,"4,36":1617,"4,37":1618,"4,38":1619,"4,39":1620,"4,40":1621,"4,41":1622,"4,42":1623,"4,43":1624,"4,44":1625,"4,45":1626,"4,46":1627,"4,47":1628,"4,48":1629,"4,49":1630,"4,50":1631,"4,51":1632,"4,52":1633,"4,53":1634,"4,54":1635,"4,55":1636,"4,56":1637,"4,57":1638,"4,58":1639,"4,59":1640,"4,60":1641,"4,61":1642,"4,62":1643,"4,63":1644,"4,64":1645,"4,65":1646,"4,66":1647,"4,67":1648,"4,68":1649,"4,69":1650,"4,70":1651,"4,71":1652,"4,72":1653,"4,73":1654,"4,74":1655,"4,75":1656,"4,76":1657,"4,77":1658,"4,78":1659,"4,79":1660,"4,80":1661,"4,81":1662,"4,82":1663,"4,83":1664,"4,84":1665,"4,85":1666,"4,86":1667,"4,87":1668,"4,88":1669,"4,89":1670,"4,90":1671,"4,91":1672,"4,92":1673,"4,93":1674,"4,94":1675,"4,95":1676,"4,96":1677,"4,97":1678,"4,98":1679,"4,99":1680,"4,100":1681,"4,101":1682,"4,102":1683,"4,103":1684,"4,104":1685,"4,105":1686,"4,106":1687,"4,107":1688,"4,108":1689,"4,109":1690,"4,110":1691,"4,111":1692,"4,112":1693,"4,113":1694,"4,114":1695,"4,115":1696,"4,116":1697,"4,117":1698,"4,118":1699,"4,119":1700,"4,120":1701,"4,121":1702,"4,122":1703,"4,123":1704,"4,124":1705,"4,125":1706,"4,126":1707,"4,127":1708,"4,128":1709,"4,129":1710,"4,130":1711,"4,131":1712,"4,132":1713,"4,133":1714,"4,134":1715,"4,135":1716,"4,136":1717,"4,137":1718,"4,138":1719,"4,139":1720,"4,140":1721,"4,141":1722,"4,142":1723,"4,143":1724,"4,144":1725,"4,145":1726,"4,146":1727,"4,147":1728,"4,148":1729,"4,149":1730,"4,150":1731,"4,151":1732,"4,152":1733,"4,153":1734,"4,154":1735,"4,155":1736,"4,156":1737,"4,157":1738,"4,158":1739,"4,159":1740,"4,160":1741,"4,161":1742,"4,162":1743,"4,163":1744,"4,164":1745,"4,165":1746,"4,166":1747,"4,167":1748,"4,168":1749,"4,169":1750,"4,170":1751,"4,171":1752,"4,172":1753,"4,173":1754,"4,174":1755,"4,175":1756,"4,176":1757,"4,177":1758,"4,178":1759,"4,179":1760,"4,180":1761,"4,181":1762,"4,182":1763,"4,183":1764,"4,184":1765,"4,185":1766,"4,186":1767,"4,187":1768,"4,188":1769,"4,189":1770,"4,190":1771,"4,191":1772,"4,192":1773,"4,193":1774,"4,194":1775,"4,195":1776,"4,196":1777,"4,197":1778,"4,198":1779,"4,199":1780,"4,200":1781,"4,201":1782,"4,202":1783,"4,203":1784,"4,204":1785,"4,205":1786,"4,206":1787,"4,207":1788,"4,208":1789,"4,209":1790,"4,210":1791,"4,211":1792,"4,212":1793,"4,213":1794,"4,214":1795,"4,215":1796,"4,216":1797,"4,217":1798,"4,218":1799,"4,219":1800,"4,220":1801,"4,221":1802,"4,222":1803,"4,223":1804,"4,224":1805,"4,225":1806,"4,226":1807,"4,227":1808,"4,228":1809,"4,229":1810,"4,230":1811,"4,231":1812,"4,232":1813,"4,233":1814,"4,234":1815,"4,235":1816,"4,236":1817,"4,237":1818,"4,238":1819,"4,239":1820,"4,240":1821,"4,241":1822,"4,242":1823,"4,243":1824,"4,244":1825,"4,245":1826,"4,246":1827,"4,247":1828,"4,248":1829,"4,249":1830,"4,250":1831,"4,251":1832,"4,252":1833,"4,253":1834,"4,254":1835,"4,255":1836,"4,256":1837,"4,257":1838,"4,258":1839,"4,259":1840,"4,260":1841,"4,261":1842,"4,262":1843,"4,263":1844,"4,264":1845,"4,265":1846,"4,266":1847,"4,267":1848,"4,268":1849,"4,269":1850,"4,270":1851,"4,271":1852,"4,272":1853,"4,273":1854,"4,274":1855,"4,275":1856,"4,276":1857,"4,277":1858,"4,278":1859,"4,279":1860,"4,280":1861,"4,281":1862,"4,282":1863,"4,283":1864,"4,284":1865,"4,285":1866,"4,286":1867,"4,287":1868,"4,288":1869,"4,289":1870,"4,290":1871,"4,291":1872,"4,292":1873,"4,293":1874,"4,294":1875,"4,295":1876,"4,296":1877,"4,297":1878,"4,298":1879,"4,299":1880,"4,300":1881,"4,301":1882,"4,302":1883,"4,303":1884,"4,304":1885,"4,305":1886,"4,306":1887,"4,307":1888,"4,308":1889,"4,309":1890,"4,310":1891,"4,311":1892,"4,312":1893,"4,313":1894,"4,314":1895,"4,315":1896,"4,316":1897,"4,317":1898,"4,318":1899,"4,319":1900,"4,320":1901,"4,321":1902,"4,322":1903,"4,323":1904,"4,324":1905,"4,325":1906,"4,326":1907,"4,327":1908,"4,328":1909,"4,329":1910,"4,330":1911,"4,331":1912,"4,332":1913,"4,333":1914,"4,334":1915,"4,335":1916,"4,336":1917,"4,337":1918,"4,338":1919,"4,339":1920,"4,340":1921,"4,341":1922,"4,342":1923,"4,343":1924,"4,344":1925,"4,345":1926,"4,346":1927,"4,347":1928,"4,348":1929,"4,349":1930,"4,350":1931,"4,351":1932,"4,352":1933,"4,353":1934,"4,354":1935,"4,355":1936,"4,356":1937,"4,357":1938,"4,358":1939,"4,359":1940,"4,360":1941,"4,361":1942,"4,362":1943,"4,363":1944,"4,364":1945,"4,365":1946,"4,366":1947,"4,367":1948,"4,368":1949,"4,369":1950,"4,370":1951,"4,371":1952,"4,372":1953,"4,373":1954,"4,374":1955,"4,375":1956,"4,376":1957,"4,377":1958,"4,378":1959,"4,379":1960,"4,380":1961,"4,381":1962,"4,382":1963,"4,383":1964,"4,384":1965,"4,385":1966,"4,386":1967,"4,387":1968,"4,388":1969,"4,389":1970,"4,390":1971,"4,391":1972,"4,392":1973,"4,393":1974,"4,394":1975,"4,395":1976,"4,396":1977,"4,397":1978,"4,398":1979,"4,399":1980,"4,400":1981,"4,401":1982,"4,402":1983,"4,403":1984,"4,404":1985,"4,405":1986,"4,406":1987,"4,407":1988,"4,408":1989,"4,409":1990,"4,410":1991,"4,411":1992,"4,412":1993,"4,413":1994,"4,414":1995,"4,415":1996,"4,416":1997,"4,417":1998,"4,418":1999,"4,419":2000,"4,420":2001,"4,421":2002,"4,422":2003,"4,423":2004,"4,424":2005,"4,425":2006,"4,426":2007,"4,427":2008,"4,428":2009,"4,429":2010,"4,430":2011,"4,431":2012,"4,432":2013,"4,433":2014,"4,434":2015,"4,435":2016,"4,436":2017,"4,437":2018,"4,438":2019,"4,439":2020,"4,440":2021,"4,441":2022,"4,442":2023,"4,443":2024,"4,444":2025,"4,445":2026,"4,446":2027,"4,447":2028,"4,448":2029,"4,449":2030,"4,450":2031,"4,451":2032,"4,452":2033,"4,453":2034,"4,454":2035,"4,455":2036,"4,456":2037,"4,457":2038,"4,458":2039,"4,459":2040,"4,460":2041,"4,461":2042,"4,462":2043,"4,463":2044,"4,464":2045,"4,465":2046,"4,466":2047,"4,467":2048,"4,468":2049,"4,469":2050,"4,470":2051,"4,471":2052,"4,472":2053,"4,473":2054,"4,474":2055,"4,475":2056,"4,476":2057,"4,477":2058,"4,478":2059,"4,479":2060,"4,480":2061,"4,481":2062,"4,482":2063,"4,483":2064,"4,484":2065,"4,485":2066,"4,486":2067,"4,487":2068,"4,488":2069,"4,489":2070,"4,490":2071,"4,491":2072,"4,492":2073,"4,493":2074,"4,494":2075,"4,495":2076,"4,496":2077,"4,497":2078,"4,498":2079,"4,499":2080,"4,500":2081,"4,501":2082,"4,502":2083,"4,503":2084,"4,504":2085,"4,505":2086,"4,506":2087,"4,507":2088,"4,508":2089,"4,509":2090,"4,510":2091,"4,511":2092,"4,512":2093,"4,513":2094,"4,514":2095,"4,515":2096,"4,516":2097,"4,517":2098,"4,518":2099,"4,519":2100,"4,520":2101,"4,521":2102,"4,522":2103,"4,523":2104,"4,524":2105,"4,525":2106,"4,528":2108,"4,529":2109,"4,530":2110,"4,531":2111,"4,532":2112,"4,533":2113,"4,534":2114,"4,535":2115,"4,536":2116,"4,537":2117,"4,538":2118,"4,539":2119,"4,540":2120,"4,541":2121,"4,542":2122,"4,543":2123,"4,544":2124,"4,545":2125,"4,546":2126,"4,547":2127,"4,548":2128,"4,549":2129,"4,550":2130,"4,551":2131,"4,552":2132,"4,553":2133,"4,554":2134,"5,1":2135,"5,2":2136,"5,3":2137,"5,4":2138,"5,5":2139,"5,6":2140,"5,7":2141,"5,8":2142,"5,9":2143,"5,10":2144,"5,11":2145,"5,12":2146,"5,13":2147,"5,14":2148,"5,15":2149,"5,16":2150,"5,17":2151,"5,18":2152,"5,19":2153,"5,20":2154,"5,21":2155,"5,22":2156,"5,23":2157,"5,24":2158,"5,25":2159,"5,26":2160,"5,27":2161,"5,28":2162,"5,29":2163,"5,30":2164,"5,31":2165,"5,32":2166,"5,33":2167,"5,34":2168,"5,35":2169,"5,36":2170,"5,37":2171,"5,38":2172,"5,39":2173,"5,40":2174,"5,41":2175,"5,42":2176,"5,43":2177,"5,44":2178,"5,45":2179,"5,46":2180,"5,47":2181,"5,48":2182,"5,49":2183,"5,50":2184,"5,51":2185,"5,52":2186,"5,53":2187,"5,54":2188,"5,55":2189,"5,56":2190,"5,57":2191,"5,58":2192,"5,59":2193,"5,60":2194,"5,61":2195,"5,62":2196,"5,63":2197,"5,64":2198,"5,65":2199,"5,66":2200,"5,67":2201,"5,68":2202,"5,69":2203,"5,70":2204,"5,71":2205,"5,72":2206,"5,73":2207,"5,74":2208,"5,75":2209,"5,76":2210,"5,77":2211,"5,78":2212,"5,79":2213,"5,80":2214,"5,81":2215,"5,82":2216,"5,83":2217,"5,84":2218,"5,85":2219,"5,86":2220,"5,87":2221,"5,88":2222,"5,89":2223,"5,90":2224,"5,91":2225,"5,92":2226,"5,93":2227,"5,94":2228,"5,95":2229,"5,96":2230,"5,97":2231,"5,98":2232,"5,99":2233,"5,100":2234,"5,101":2235,"5,102":2236,"5,103":2237,"5,104":2238,"5,105":2239,"5,106":2240,"5,107":2241,"5,108":2242,"5,109":2243,"5,110":2244,"5,111":2245,"5,112":2246,"5,113":2247,"5,114":2248,"5,115":2249,"5,116":2250,"5,117":2251,"5,118":2252,"5,119":2253,"5,120":2254,"5,121":2255,"5,122":2256,"5,123":2257,"5,124":2258,"5,125":2259,"5,126":2260,"5,127":2261,"5,128":2262,"5,129":2263,"5,130":2264,"5,131":2265,"5,132":2266,"5,133":2267,"5,134":2268,"5,135":2269,"5,136":2270,"5,137":2271,"5,138":2272,"5,139":2273,"5,140":2274,"5,141":2275,"5,142":2276,"5,143":2277,"5,144":2278,"5,145":2279,"5,146":2280,"5,147":2281,"5,148":2282,"5,149":2283,"5,150":2284,"5,151":2285,"5,152":2286,"5,153":2287,"5,154":2288,"5,155":2289,"5,156":2290,"5,157":2291,"5,158":2292,"5,159":2293,"5,160":2294,"5,161":2295,"5,162":2296,"5,163":2297,"5,164":2298,"5,165":2299,"5,166":2300,"5,167":2301,"5,168":2302,"5,169":2303,"5,170":2304,"5,171":2305,"5,172":2306,"5,173":2307,"5,174":2308,"5,175":2309,"5,176":2310,"5,177":2311,"5,178":2312,"5,179":2313,"5,180":2314,"5,181":2315,"5,182":2316,"5,183":2317,"5,184":2318,"5,185":2319,"5,186":2320,"5,187":2321,"5,188":2322,"5,189":2323,"5,190":2324,"5,191":2325,"5,192":2326,"5,193":2327,"5,194":2328,"5,195":2329,"5,196":2330,"5,197":2331,"5,198":2332,"5,199":2333,"5,200":2334,"5,201":2335,"5,202":2336,"5,203":2337,"5,204":2338,"5,205":2339,"5,206":2340,"5,207":2341,"5,208":2342,"5,209":2343,"5,210":2344,"5,211":2345,"5,212":2346,"5,213":2347,"5,214":2348,"5,215":2349,"5,216":2350,"5,217":2351,"5,218":2352,"5,219":2353,"5,220":2354,"5,221":2355,"5,222":2356,"5,223":2357,"5,224":2358,"5,225":2359,"5,226":2360,"5,227":2361,"5,228":2362,"5,229":2363,"5,230":2364,"5,231":2365,"5,232":2366,"5,233":2367,"5,234":2368,"5,235":2369,"5,236":2370,"5,237":2371,"5,238":2372,"5,239":2373,"5,240":2374,"5,241":2375,"5,242":2376,"5,243":2377,"5,244":2378,"5,245":2379,"5,246":2380,"5,247":2381,"5,248":2382,"5,249":2383,"5,250":2384,"5,251":2385,"5,252":2386,"5,253":2387,"5,254":2388,"5,255":2389,"5,256":2390,"5,257":2391,"5,258":2392,"5,259":2393,"5,260":2394,"5,261":2395,"5,262":2396,"5,263":2397,"5,264":2398,"5,265":2399,"5,266":2400,"5,267":2401,"5,268":2402,"5,269":2403,"5,270":2404,"5,271":2405,"5,272":2406,"5,273":2407,"5,274":2408,"5,275":2409,"5,276":2410,"5,277":2411,"5,278":2412,"5,279":2413,"5,280":2414,"5,281":2415,"5,282":2416,"5,283":2417,"5,284":2418,"5,285":2419,"5,286":2420,"5,287":2421,"5,288":2422,"5,289":2423,"5,290":2424,"5,291":2425,"5,292":2426,"5,293":2427,"5,294":2428,"5,295":2429,"5,296":2430,"5,297":2431,"5,298":2432,"5,299":2433,"5,300":2434,"5,301":2435,"5,302":2436,"5,303":2437,"5,304":2438,"5,305":2439,"5,306":2440,"5,307":2441,"5,308":2442,"5,309":2443,"5,310":2444,"5,311":2445,"5,312":2446,"5,313":2447,"5,314":2448,"5,315":2449,"5,316":2450,"5,317":2451,"5,318":2452,"5,319":2453,"5,320":2454,"5,321":2455,"5,322":2456,"5,323":2457,"5,324":2458,"5,325":2459,"5,326":2460,"5,327":2461,"5,328":2462,"5,329":2463,"5,330":2464,"5,331":2465,"5,332":2466,"5,333":2467,"5,334":2468,"5,335":2469,"5,336":2470,"5,337":2471,"5,338":2472,"5,339":2473,"5,340":2474,"5,341":2475,"5,342":2476,"5,343":2477,"5,344":2478,"5,345":2479,"5,346":2480,"5,347":2481,"5,348":2482,"5,349":2483,"5,350":2484,"5,351":2485,"5,352":2486,"5,353":2487,"5,354":2488,"5,355":2489,"5,356":2490,"5,357":2491,"5,358":2492,"5,359":2493,"5,360":2494,"5,361":2495,"5,362":2496,"5,363":2497,"5,364":2498,"5,365":2499,"5,366":2500,"5,367":2501,"5,368":2502,"5,369":2503,"5,370":2504,"5,371":2505,"5,372":2506,"5,373":2507,"5,374":2508,"5,375":2509,"5,376":2510,"5,377":2511,"5,378":2512,"5,379":2513,"5,380":2514,"5,381":2515,"5,382":2516,"5,383":2517,"5,384":2518,"5,385":2519,"5,386":2520,"5,387":2521,"5,388":2522,"5,389":2523,"5,390":2524,"5,391":2525,"5,392":2526,"5,393":2527,"5,394":2528,"5,395":2529,"5,396":2530,"5,397":2531,"5,398":2532,"5,399":2533,"5,400":2534,"5,401":2535,"5,402":2536,"5,403":2537,"5,404":2538,"5,405":2539,"5,406":2540,"5,407":2541,"5,408":2542,"5,409":2543,"5,410":2544,"5,411":2545,"5,412":2546,"5,413":2547,"5,414":2548,"5,415":2549,"5,416":2550,"5,417":2551,"5,418":2552,"5,419":2553,"5,420":2554,"5,421":2555,"5,422":2556,"5,423":2557,"5,424":2558,"5,425":2559,"5,426":2560,"5,427":2561,"5,428":2562,"5,429":2563,"5,430":2564,"5,431":2565,"5,432":2566,"5,433":2567,"5,434":2568,"5,435":2569,"5,436":2570,"5,437":2571,"5,438":2572,"5,439":2573,"5,440":2574,"5,441":2575,"5,442":2576,"5,443":2577,"5,444":2578,"5,445":2579,"5,446":2580,"5,447":2581,"5,448":2582,"5,449":2583,"5,450":2584,"5,451":2585,"5,452":2586,"5,453":2587,"5,454":2588,"5,455":2589,"5,456":2590,"5,457":2591,"5,458":2592,"5,459":2593,"5,460":2594,"5,461":2595,"5,462":2596,"5,463":2597,"5,464":2598,"5,465":2599,"5,466":2600,"5,467":2601,"5,468":2602,"5,469":2603,"5,470":2604,"5,471":2605,"5,472":2606,"5,473":2607,"5,474":2608,"5,475":2609,"5,476":2610,"5,477":2611,"5,478":2612,"5,479":2613,"5,480":2614,"5,481":2615,"5,482":2616,"5,483":2617,"5,484":2618,"5,485":2619,"5,486":2620,"5,487":2621,"5,488":2622,"5,489":2623,"5,490":2624,"5,491":2625,"5,492":2626,"5,493":2627,"5,494":2628,"5,495":2629,"5,496":2630,"5,497":2631,"5,498":2632,"5,499":2633,"5,500":2634,"5,501":2635,"5,502":2636,"5,503":2637,"5,504":2638,"5,505":2639,"5,506":2640,"5,507":2641,"5,508":2642,"5,509":2643,"5,510":2644,"5,511":2645,"5,512":2646,"5,513":2647,"5,514":2648,"5,515":2649,"5,516":2650,"5,517":2651,"5,518":2652,"5,519":2653,"5,520":2654,"5,521":2655,"5,522":2656,"5,523":2657,"5,524":2658,"5,525":2659,"5,526":2660,"5,527":2661,"5,528":2662,"5,529":2663,"5,530":2664,"5,531":2665,"5,532":2666,"5,533":2667,"5,534":2668,"6,1":2669,"6,2":2670,"6,3":2671,"6,4":2672,"6,5":2673,"6,6":2674,"6,7":2675,"6,8":2676,"6,9":2677,"6,10":2678,"6,11":2679,"6,12":2680,"6,13":2681,"6,14":2682,"6,15":2683,"6,16":2684,"6,17":2685,"6,18":2686,"6,19":2687,"6,20":2688,"6,21":2689,"6,22":2690,"6,23":2691,"6,24":2692,"6,25":2693,"6,26":2694,"6,27":2695,"6,28":2696,"6,29":2697,"6,30":2698,"6,31":2699,"6,32":2700,"6,33":2701,"6,34":2702,"6,35":2703,"6,36":2704,"6,37":2705,"6,38":2706,"6,39":2707,"6,40":2708,"6,41":2709,"6,42":2710,"6,43":2711,"6,44":2712,"6,45":2713,"6,46":2714,"6,47":2715,"6,48":2716,"6,49":2717,"6,50":2718,"6,51":2719,"6,52":2720,"6,53":2721,"6,54":2722,"6,55":2723,"6,56":2724,"6,57":2725,"6,58":2726,"6,59":2727,"6,60":2728,"6,61":2729,"6,62":2730,"6,63":2731,"6,64":2732,"6,65":2733,"6,66":2734,"6,67":2735,"6,68":2736,"6,69":2737,"6,70":2738,"6,71":2739,"6,72":2740,"6,73":2741,"6,74":2742,"6,75":2743,"6,76":2744,"6,77":2745,"6,78":2746,"6,79":2747,"6,80":2748,"6,81":2749,"6,82":2750,"6,83":2751,"6,84":2752,"6,85":2753,"6,86":2754,"6,87":2755,"6,88":2756,"6,89":2757,"6,90":2758,"6,91":2759,"6,92":2760,"6,93":2761,"6,94":2762,"6,95":2763,"6,96":2764,"6,97":2765,"6,98":2766,"6,99":2767,"6,100":2768,"6,101":2769,"6,102":2770,"6,103":2771,"6,104":2772,"6,105":2773,"6,106":2774,"6,107":2775,"6,108":2776,"6,109":2777,"6,110":2778,"6,111":2779,"6,112":2780,"6,113":2781,"6,114":2782,"6,115":2783,"6,116":2784,"6,117":2785,"6,118":2786,"6,119":2787,"6,120":2788,"6,121":2789,"6,122":2790,"6,123":2791,"6,124":2792,"6,125":2793,"6,126":2794,"6,127":2795,"6,128":2796,"6,129":2797,"6,130":2798,"6,131":2799,"6,132":2800,"6,133":2801,"6,134":2802,"6,135":2803,"6,136":2804,"6,137":2805,"6,138":2806,"6,139":2807,"6,140":2808,"6,141":2809,"6,142":2810,"6,143":2811,"6,144":2812,"6,145":2813,"6,146":2814,"6,147":2815,"6,148":2816,"6,149":2817,"6,150":2818,"6,151":2819,"6,152":2820,"6,153":2821,"6,154":2822,"6,155":2823,"6,156":2824,"6,157":2825,"6,158":2826,"6,159":2827,"6,160":2828,"6,161":2829,"6,162":2830,"6,163":2831,"6,164":2832,"6,165":2833,"6,166":2834,"6,167":2835,"6,168":2836,"6,169":2837,"6,170":2838,"6,171":2839,"6,172":2840,"6,173":2841,"6,174":2842,"6,175":2843,"6,176":2844,"6,177":2845,"6,178":2846,"6,179":2847,"6,180":2848,"6,181":2849,"6,182":2850,"6,183":2851,"6,184":2852,"6,185":2853,"6,186":2854,"6,187":2855,"6,188":2856,"6,189":2857,"6,190":2858,"6,191":2859,"6,192":2860,"6,193":2861,"6,194":2862,"6,195":2863,"6,196":2864,"6,197":2865,"6,198":2866,"6,199":2867,"6,200":2868,"6,201":2869,"6,202":2870,"6,203":2871,"6,204":2872,"6,205":2873,"6,206":2874,"6,207":2875,"6,208":2876,"6,209":2877,"6,210":2878,"6,211":2879,"6,212":2880,"6,213":2881,"6,214":2882,"6,215":2883,"6,216":2884,"6,217":2885,"6,218":2886,"6,219":2887,"6,220":2888,"6,221":2889,"6,222":2890,"6,223":2891,"6,224":2892,"6,225":2893,"6,226":2894,"6,227":2895,"6,228":2896,"6,229":2897,"6,230":2898,"6,231":2899,"6,232":2900,"6,233":2901,"6,234":2902,"6,235":2903,"6,236":2904,"6,237":2905,"6,238":2906,"6,239":2907,"6,240":2908,"6,241":2909,"6,242":2910,"6,243":2911,"6,244":2912,"6,245":2913,"6,246":2914,"6,247":2915,"6,248":2916,"6,249":2917,"6,250":2918,"6,251":2919,"6,252":2920,"6,253":2921,"6,254":2922,"6,255":2923,"6,256":2924,"6,257":2925,"6,258":2926,"6,259":2927,"6,260":2928,"6,261":2929,"6,262":2930,"6,263":2931,"6,264":2932,"6,265":2933,"6,266":2934,"6,267":2935,"6,268":2936,"6,269":2937,"6,270":2938,"6,271":2939,"6,272":2940,"6,273":2941,"6,274":2942,"6,275":2943,"6,276":2944,"6,277":2945,"6,278":2946,"6,279":2947,"6,280":2948,"6,281":2949,"6,282":2950,"6,283":2951,"6,284":2952,"6,285":2953,"6,286":2954,"6,287":2955,"6,288":2956,"6,289":2957,"6,290":2958,"6,291":2959,"6,292":2960,"6,293":2961,"6,294":2962,"6,295":2963,"6,296":2964,"6,297":2965,"6,298":2966,"6,299":2967,"6,300":2968,"6,301":2969,"6,302":2970,"6,303":2971,"6,304":2972,"6,305":2973,"6,306":2974,"6,307":2975,"6,308":2976,"6,309":2977,"6,310":2978,"6,311":2979,"6,312":2980,"6,313":2981,"6,314":2982,"6,315":2983,"6,316":2984,"6,317":2985,"6,318":2986,"6,319":2987,"6,320":2988,"6,321":2989,"6,322":2990,"6,323":2991,"6,324":2992,"6,325":2993,"6,326":2994,"6,327":2995,"6,328":2996,"6,329":2997,"6,330":2998,"6,331":2999,"6,332":3000,"6,333":3001,"6,336":3003,"6,337":3004,"6,338":3005,"6,339":3006,"6,340":3007,"6,341":3008,"6,342":3009,"6,343":3010,"6,344":3011,"6,345":3012,"6,346":3013,"6,347":3014,"6,348":3015,"6,349":3016,"6,350":3017,"6,351":3018,"6,352":3019,"6,353":3020,"6,354":3021,"6,355":3022,"6,356":3023,"6,357":3024,"6,358":3025,"6,359":3026,"6,360":3027,"6,361":3028,"6,362":3029,"6,363":3030,"6,364":3031,"6,365":3032,"6,366":3033,"6,367":3034,"6,368":3035,"6,369":3036,"6,370":3037,"6,371":3038,"6,372":3039,"6,373":3040,"6,374":3041,"6,375":3042,"6,376":3043,"6,377":3044,"6,378":3045,"6,379":3046,"6,380":3047,"6,381":3048,"6,382":3049,"6,383":3050,"6,384":3051,"6,385":3052,"6,386":3053,"6,387":3054,"6,388":3055,"6,389":3056,"6,390":3057,"6,391":3058,"6,392":3059,"6,393":3060,"6,394":3061,"6,395":3062,"6,396":3063,"6,397":3064,"6,398":3065,"6,399":3066,"6,400":3067,"6,401":3068,"6,402":3069,"6,403":3070,"6,404":3071,"6,405":3072,"6,406":3073,"6,407":3074,"6,408":3075,"6,409":3076,"6,410":3077,"6,411":3078,"6,412":3079,"6,413":3080,"6,414":3081,"6,415":3082,"6,416":3083,"6,417":3084,"6,418":3085,"6,419":3086,"6,420":3087,"6,421":3088,"6,422":3089,"6,423":3090,"6,424":3091,"6,425":3092,"6,426":3093,"6,427":3094,"6,428":3095,"6,429":3096,"6,430":3097,"6,431":3098,"6,432":3099,"6,433":3100,"6,434":3101,"6,435":3102,"6,436":3103,"6,437":3104,"6,440":3106,"7,1":3107,"7,2":3108,"7,3":3109,"7,4":3110,"7,5":3111,"7,6":3112,"7,7":3113,"7,8":3114,"7,9":3115,"7,10":3116,"7,11":3117,"7,12":3118,"7,13":3119,"7,14":3120,"7,15":3121,"7,16":3122,"7,17":3123,"7,18":3124,"7,19":3125,"7,20":3126,"7,21":3127,"7,22":3128,"7,23":3129,"7,24":3130,"7,25":3131,"7,26":3132,"7,27":3133,"7,28":3134,"7,29":3135,"7,30":3136,"7,31":3137,"7,32":3138,"7,33":3139,"7,34":3140,"7,35":3141,"7,36":3142,"7,37":3143,"7,38":3144,"7,39":3145,"7,40":3146,"7,41":3147,"7,42":3148,"7,43":3149,"7,44":3150,"7,45":3151,"7,46":3152,"7,47":3153,"7,48":3154,"7,49":3155,"7,50":3156,"7,51":3157,"7,52":3158,"7,53":3159,"7,54":3160,"7,55":3161,"7,56":3162,"7,57":3163,"7,58":3164,"7,59":3165,"7,60":3166,"7,61":3167,"7,62":3168,"7,63":3169,"7,64":3170,"7,65":3171,"7,66":3172,"7,67":3173,"7,68":3174,"7,69":3175,"7,70":3176,"7,71":3177,"7,72":3178,"7,73":3179,"7,74":3180,"7,75":3181,"7,76":3182,"7,77":3183,"7,78":3184,"7,79":3185,"7,80":3186,"7,81":3187,"7,82":3188,"7,83":3189,"7,84":3190,"7,85":3191,"7,86":3192,"7,87":3193,"7,88":3194,"7,89":3195,"7,90":3196,"7,91":3197,"7,92":3198,"7,93":3199,"7,94":3200,"7,95":3201,"7,96":3202,"7,97":3203,"7,98":3204,"7,99":3205,"7,100":3206,"7,101":3207,"7,102":3208,"7,103":3209,"7,104":3210,"7,105":3211,"7,106":3212,"7,107":3213,"7,108":3214,"7,109":3215,"7,110":3216,"7,111":3217,"7,112":3218,"7,113":3219,"7,114":3220,"7,115":3221,"7,116":3222,"7,117":3223,"7,118":3224,"7,119":3225,"7,120":3226,"7,121":3227,"7,122":3228,"7,123":3229,"7,124":3230,"7,125":3231,"7,126":3232,"7,127":3233,"7,128":3234,"7,129":3235,"7,130":3236,"7,131":3237,"7,132":3238,"7,133":3239,"7,134":3240,"7,135":3241,"7,136":3242,"7,137":3243,"7,138":3244,"7,139":3245,"7,140":3246,"7,141":3247,"7,142":3248,"7,143":3249,"7,144":3250,"7,145":3251,"7,146":3252,"7,147":3253,"7,148":3254,"7,149":3255,"7,150":3256,"7,151":3257,"7,152":3258,"7,153":3259,"7,154":3260,"7,155":3261,"7,156":3262,"7,157":3263,"7,158":3264,"7,159":3265,"7,160":3266,"7,161":3267,"7,162":3268,"7,163":3269,"7,164":3270,"7,165":3271,"7,166":3272,"7,167":3273,"7,168":3274,"7,169":3275,"7,170":3276,"7,171":3277,"7,172":3278,"7,173":3279,"7,174":3280,"7,175":3281,"7,176":3282,"7,177":3283,"7,178":3284,"7,179":3285,"7,180":3286,"7,181":3287,"7,182":3288,"7,183":3289,"7,184":3290,"7,185":3291,"7,186":3292,"7,187":3293,"7,188":3294,"7,189":3295,"7,190":3296,"7,191":3297,"7,192":3298,"7,193":3299,"7,194":3300,"7,195":3301,"7,196":3302,"7,197":3303,"7,198":3304,"7,199":3305,"7,200":3306,"7,201":3307,"7,202":3308,"7,203":3309,"7,204":3310,"7,205":3311,"7,206":3312,"7,207":3313,"7,208":3314,"7,209":3315,"7,210":3316,"7,211":3317,"7,212":3318,"7,213":3319,"7,214":3320,"7,215":3321,"7,216":3322,"7,217":3323,"7,218":3324,"7,219":3325,"7,220":3326,"7,221":3327,"7,222":3328,"7,223":3329,"7,224":3330,"7,225":3331,"7,226":3332,"7,227":3333,"7,228":3334,"7,229":3335,"7,230":3336,"7,231":3337,"7,232":3338,"7,233":3339,"7,234":3340,"7,235":3341,"7,236":3342,"7,237":3343,"7,238":3344,"7,239":3345,"7,240":3346,"7,241":3347,"7,242":3348,"7,243":3349,"7,244":3350,"7,245":3351,"7,246":3352,"7,247":3353,"7,248":3354,"7,249":3355,"7,250":3356,"7,251":3357,"7,252":3358,"7,253":3359,"7,254":3360,"7,255":3361,"7,256":3362,"7,257":3363,"7,258":3364,"7,259":3365,"7,260":3366,"7,261":3367,"7,262":3368,"7,263":3369,"7,264":3370,"7,265":3371,"7,266":3372,"7,267":3373,"7,268":3374,"7,269":3375,"7,270":3376,"7,271":3377,"7,272":3378,"7,273":3379,"7,274":3380,"7,275":3381,"7,276":3382,"7,277":3383,"7,278":3384,"7,279":3385,"7,280":3386,"7,281":3387,"7,282":3388,"7,283":3389,"7,284":3390,"7,285":3391,"7,286":3392,"7,287":3393,"7,288":3394,"7,289":3395,"7,290":3396,"7,291":3397,"7,292":3398,"7,293":3399,"7,294":3400,"7,295":3401,"7,296":3402,"7,297":3403,"7,298":3404,"7,299":3405,"7,300":3406,"7,301":3407,"7,302":3408,"7,303":3409,"7,304":3410,"7,305":3411,"7,306":3412,"7,307":3413,"7,308":3414,"7,309":3415,"7,310":3416,"7,311":3417,"7,312":3418,"7,313":3419,"7,314":3420,"7,315":3421,"7,316":3422,"7,317":3423,"7,318":3424,"7,319":3425,"7,320":3426,"7,321":3427,"7,322":3428,"7,323":3429,"7,324":3430,"7,325":3431,"7,326":3432,"7,327":3433,"7,328":3434,"7,329":3435,"7,330":3436,"7,331":3437,"7,332":3438,"7,333":3439,"7,334":3440,"7,335":3441,"7,336":3442,"7,337":3443,"7,338":3444,"7,339":3445,"7,340":3446,"7,341":3447,"7,342":3448,"7,343":3449,"7,344":3450,"7,345":3451,"7,346":3452,"7,347":3453,"7,348":3454,"7,349":3455,"7,350":3456,"7,351":3457,"7,352":3458,"7,353":3459,"7,354":3460,"7,355":3461,"7,356":3462,"7,357":3463,"7,358":3464,"7,359":3465,"7,360":3466,"7,361":3467,"7,362":3468,"7,363":3469,"7,364":3470,"7,365":3471,"7,366":3472,"7,367":3473,"7,368":3474,"7,369":3475,"7,370":3476,"7,371":3477,"7,372":3478,"7,373":3479,"7,374":3480,"7,375":3481,"7,376":3482,"7,377":3483,"7,378":3484,"7,379":3485,"7,380":3486,"7,381":3487,"7,382":3488,"7,383":3489,"7,384":3490,"7,385":3491,"7,386":3492,"7,387":3493,"7,388":3494,"7,389":3495,"7,390":3496,"7,391":3497,"7,392":3498,"7,393":3499,"7,394":3500,"7,395":3501,"7,396":3502,"7,397":3503,"7,398":3504,"7,399":3505,"7,400":3506,"7,401":3507,"7,402":3508,"7,403":3509,"7,404":3510,"7,405":3511,"7,406":3512,"7,407":3513,"7,408":3514,"7,409":3515,"7,410":3516,"7,411":3517,"7,412":3518,"7,413":3519,"7,414":3520,"7,415":3521,"7,416":3522,"7,417":3523,"7,418":3524,"7,419":3525,"7,420":3526,"7,421":3527,"7,422":3528,"7,423":3529,"7,424":3530,"7,425":3531,"7,426":3532,"7,427":3533,"7,428":3534,"7,429":3535,"7,430":3536,"7,431":3537,"7,432":3538,"7,433":3539,"7,434":3540,"7,435":3541,"7,436":3542,"7,437":3543,"7,438":3544,"8,1":3545,"8,2":3546,"8,3":3547,"8,4":3548,"8,5":3549,"8,6":3550,"8,7":3551,"8,8":3552,"8,9":3553,"8,10":3554,"8,11":3555,"8,12":3556,"8,13":3557,"8,14":3558,"8,15":3559,"8,16":3560,"8,17":3561,"8,18":3562,"8,19":3563,"8,20":3564,"8,21":3565,"8,22":3566,"8,23":3567,"8,24":3568,"8,25":3569,"8,26":3570,"8,27":3571,"8,28":3572,"8,29":3573,"8,30":3574,"8,31":3575,"8,32":3576,"8,33":3577,"8,34":3578,"8,35":3579,"8,36":3580,"8,37":3581,"8,38":3582,"8,39":3583,"8,40":3584,"8,41":3585,"8,42":3586,"8,43":3587,"8,44":3588,"8,45":3589,"8,46":3590,"8,47":3591,"8,48":3592,"8,49":3593,"8,50":3594,"8,51":3595,"8,52":3596,"8,53":3597,"8,54":3598,"8,55":3599,"8,56":3600,"8,57":3601,"8,58":3602,"8,59":3603,"8,60":3604,"8,61":3605,"8,62":3606,"8,63":3607,"8,64":3608,"8,65":3609,"8,66":3610,"8,67":3611,"8,68":3612,"8,69":3613,"8,70":3614,"8,71":3615,"8,72":3616,"8,73":3617,"8,74":3618,"8,75":3619,"8,76":3620,"8,77":3621,"8,78":3622,"8,79":3623,"8,80":3624,"8,81":3625,"8,82":3626,"8,83":3627,"8,84":3628,"8,85":3629,"8,86":3630,"8,87":3631,"8,88":3632,"8,89":3633,"8,90":3634,"8,91":3635,"8,92":3636,"8,93":3637,"8,94":3638,"8,95":3639,"8,96":3640,"8,97":3641,"8,98":3642,"8,99":3643,"8,100":3644,"8,101":3645,"8,102":3646,"8,103":3647,"8,104":3648,"8,105":3649,"8,106":3650,"8,107":3651,"8,108":3652,"8,109":3653,"8,110":3654,"8,111":3655,"8,112":3656,"8,113":3657,"8,114":3658,"8,115":3659,"8,116":3660,"8,117":3661,"8,118":3662,"8,119":3663,"8,120":3664,"8,121":3665,"8,122":3666,"8,123":3667,"8,124":3668,"8,125":3669,"8,126":3670,"8,127":3671,"8,128":3672,"8,129":3673,"8,130":3674,"8,131":3675,"8,132":3676,"8,133":3677,"8,134":3678,"8,135":3679,"8,136":3680,"8,137":3681,"8,138":3682,"8,139":3683,"8,140":3684,"8,141":3685,"8,142":3686,"8,143":3687,"8,144":3688,"8,145":3689,"8,146":3690,"8,147":3691,"8,148":3692,"8,149":3693,"8,150":3694,"8,151":3695,"8,152":3696,"8,153":3697,"8,154":3698,"8,155":3699,"8,156":3700,"8,157":3701,"8,158":3702,"8,159":3703,"8,160":3704,"8,161":3705,"8,162":3706,"8,163":3707,"8,164":3708,"8,165":3709,"8,166":3710,"8,167":3711,"8,168":3712,"8,169":3713,"8,170":3714,"8,171":3715,"8,172":3716,"8,173":3717,"8,176":3719,"8,177":3720,"8,178":3721,"8,179":3722,"8,180":3723,"8,181":3724,"8,182":3725,"8,183":3726,"8,184":3727,"8,185":3728,"8,186":3729,"8,187":3730,"8,188":3731,"8,189":3732,"8,190":3733,"8,191":3734,"8,192":3735,"8,193":3736,"8,194":3737,"8,195":3738,"8,196":3739,"8,197":3740,"8,198":3741,"8,199":3742,"8,200":3743,"8,201":3744,"8,202":3745,"8,203":3746,"8,204":3747,"8,205":3748,"8,206":3749,"8,207":3750,"8,208":3751,"8,209":3752,"8,210":3753,"8,211":3754,"8,212":3755,"8,213":3756,"8,214":3757,"8,215":3758,"8,216":3759,"8,217":3760,"8,218":3761,"8,219":3762,"8,220":3763,"8,221":3764,"8,222":3765,"8,223":3766,"8,224":3767,"8,225":3768,"8,226":3769,"8,227":3770,"8,228":3771,"8,229":3772,"8,230":3773,"8,231":3774,"8,232":3775,"8,233":3776,"8,234":3777,"8,235":3778,"8,236":3779,"8,237":3780,"8,238":3781,"8,239":3782,"8,240":3783,"8,241":3784,"8,242":3785,"8,243":3786,"8,244":3787,"8,245":3788,"8,246":3789,"8,247":3790,"8,248":3791,"8,249":3792,"8,250":3793,"8,251":3794,"8,252":3795,"8,253":3796,"8,254":3797,"8,255":3798,"8,256":3799,"8,257":3800,"8,258":3801,"8,259":3802,"8,260":3803,"8,261":3804,"8,262":3805,"8,263":3806,"8,264":3807,"8,265":3808,"8,266":3809,"8,267":3810,"8,268":3811,"8,269":3812,"8,270":3813,"8,271":3814,"8,272":3815,"8,273":3816,"8,274":3817,"8,275":3818,"8,276":3819,"8,277":3820,"8,278":3821,"8,279":3822,"8,280":3823,"8,281":3824,"8,282":3825,"8,283":3826,"8,284":3827,"8,285":3828,"8,286":3829,"8,287":3830,"8,288":3831,"8,289":3832,"8,290":3833,"8,291":3834,"8,292":3835,"8,293":3836,"8,294":3837,"8,295":3838,"8,296":3839,"8,297":3840,"8,298":3841,"8,299":3842,"8,300":3843,"8,301":3844,"8,302":3845,"8,303":3846,"8,304":3847,"8,305":3848,"8,306":3849,"8,307":3850,"8,308":3851,"8,309":3852,"8,310":3853,"8,311":3854,"8,312":3855,"8,313":3856,"8,314":3857,"8,315":3858,"8,316":3859,"8,317":3860,"8,318":3861,"8,319":3862,"8,320":3863,"8,321":3864,"8,322":3865,"8,323":3866,"8,324":3867,"8,325":3868,"8,326":3869,"8,327":3870,"8,328":3871,"8,329":3872,"8,330":3873,"8,331":3874,"8,332":3875,"8,333":3876,"8,334":3877,"8,335":3878,"8,336":3879,"8,337":3880,"8,338":3881,"8,339":3882,"8,340":3883,"8,341":3884,"8,342":3885,"8,343":3886,"8,344":3887,"8,345":3888,"8,346":3889,"8,347":3890,"8,348":3891,"8,349":3892,"8,350":3893,"8,351":3894,"8,352":3895,"8,353":3896,"8,354":3897,"8,355":3898,"8,356":3899,"8,357":3900,"8,358":3901,"8,359":3902,"8,360":3903,"8,361":3904,"8,362":3905,"8,363":3906,"8,364":3907,"8,365":3908,"8,366":3909,"8,367":3910,"8,368":3911,"8,369":3912,"8,370":3913,"8,371":3914,"8,372":3915,"8,373":3916,"8,374":3917,"8,375":3918,"8,376":3919,"8,377":3920,"8,378":3921,"8,379":3922,"8,380":3923,"8,381":3924,"8,382":3925,"8,383":3926,"8,384":3927,"8,385":3928,"8,386":3929,"8,387":3930,"8,388":3931,"8,389":3932,"8,390":3933,"8,391":3934,"8,392":3935,"8,393":3936,"8,394":3937,"8,395":3938,"8,396":3939,"8,397":3940,"8,398":3941,"8,399":3942,"8,400":3943,"8,401":3944,"8,402":3945,"8,403":3946,"8,404":3947,"8,405":3948,"8,406":3949,"8,407":3950,"8,408":3951,"8,409":3952,"8,410":3953,"8,411":3954,"8,412":3955,"8,413":3956,"8,414":3957,"8,415":3958,"8,416":3959,"8,417":3960,"8,418":3961,"8,419":3962,"8,420":3963,"8,421":3964,"8,422":3965,"8,423":3966,"8,424":3967,"8,425":3968,"8,426":3969,"8,427":3970,"8,428":3971,"8,429":3972,"8,430":3973,"8,431":3974,"8,432":3975,"8,433":3976,"8,434":3977,"8,435":3978,"8,436":3979,"8,437":3980,"8,438":3981,"8,439":3982,"8,440":3983,"8,441":3984,"8,442":3985,"8,443":3986,"8,444":3987,"8,445":3988,"8,446":3989,"8,447":3990,"8,448":3991,"8,449":3992,"8,450":3993,"8,451":3994,"8,452":3995,"8,453":3996,"8,454":3997,"8,455":3998,"8,456":3999,"8,457":4000,"8,458":4001,"8,459":4002,"8,460":4003,"8,461":4004,"8,462":4005,"8,463":4006,"8,464":4007,"8,465":4008,"8,466":4009,"8,467":4010,"8,468":4011,"8,469":4012,"8,470":4013,"8,471":4014,"8,472":4015,"8,473":4016,"8,474":4017,"8,475":4018,"8,476":4019,"8,477":4020,"8,478":4021,"8,479":4022,"8,480":4023,"8,481":4024,"8,482":4025,"8,483":4026,"8,484":4027,"8,485":4028,"8,486":4029,"8,487":4030,"8,488":4031,"8,489":4032,"8,490":4033,"8,491":4034,"8,492":4035,"8,493":4036,"8,494":4037,"8,495":4038,"8,496":4039,"8,497":4040,"8,498":4041,"8,499":4042,"8,500":4043,"8,501":4044,"8,502":4045,"8,503":4046,"8,504":4047,"8,505":4048,"8,506":4049,"8,507":4050,"8,508":4051,"8,509":4052,"8,510":4053,"8,511":4054,"8,512":4055,"8,513":4056,"8,514":4057,"8,515":4058,"8,516":4059,"8,517":4060,"8,518":4061,"8,519":4062,"8,520":4063,"8,521":4064,"8,522":4065,"8,523":4066,"8,524":4067,"8,525":4068,"8,526":4069,"8,527":4070,"8,528":4071,"8,529":4072,"8,530":4073,"8,531":4074,"8,532":4075,"8,533":4076,"8,534":4077,"8,535":4078,"8,536":4079,"8,537":4080,"8,538":4081,"8,539":4082,"8,540":4083,"8,541":4084,"8,542":4085,"8,543":4086,"8,544":4087,"8,545":4088,"8,546":4089,"8,547":4090,"8,548":4091,"8,549":4092,"8,550":4093,"8,551":4094,"8,552":4095,"8,553":4096,"8,554":4097,"8,555":4098,"8,556":4099,"8,557":4100,"8,558":4101,"8,559":4102,"8,560":4103,"8,561":4104,"8,562":4105,"8,563":4106,"8,564":4107,"8,565":4108,"8,566":4109,"8,567":4110,"8,568":4111,"8,569":4112,"8,570":4113,"8,571":4114,"8,572":4115,"8,573":4116,"8,574":4117,"8,575":4118,"8,576":4119,"8,577":4120,"8,578":4121,"8,579":4122,"8,580":4123,"8,581":4124,"8,582":4125,"8,583":4126,"8,584":4127,"8,585":4128,"8,586":4129,"8,587":4130,"8,588":4131,"8,589":4132,"8,590":4133,"8,591":4134,"8,592":4135,"8,593":4136,"8,594":4137,"8,595":4138,"8,596":4139,"8,597":4140,"8,598":4141,"8,599":4142,"8,600":4143,"8,601":4144,"8,602":4145,"8,603":4146,"8,604":4147,"8,605":4148,"8,606":4149,"8,607":4150,"8,608":4151,"8,609":4152,"8,610":4153,"8,611":4154,"8,612":4155,"8,613":4156,"8,614":4157,"8,615":4158,"8,616":4159,"8,617":4160,"8,618":4161,"8,619":4162,"8,620":4163,"8,621":4164,"8,622":4165,"8,623":4166,"8,624":4167,"9,1":4168,"9,2":4169,"9,3":4170,"9,4":4171,"9,5":4172,"9,6":4173,"9,7":4174,"9,8":4175,"9,9":4176,"9,10":4177,"9,11":4178,"9,12":4179,"9,13":4180,"9,16":4182,"9,17":4183,"9,18":4184,"9,19":4185,"9,20":4186,"9,21":4187,"9,22":4188,"9,23":4189,"9,24":4190,"9,25":4191,"9,26":4192,"9,27":4193,"9,28":4194,"9,29":4195,"9,30":4196,"9,31":4197,"9,32":4198,"9,33":4199,"9,34":4200,"9,35":4201,"9,36":4202,"9,37":4203,"9,38":4204,"9,39":4205,"9,40":4206,"9,41":4207,"9,42":4208,"9,43":4209,"9,44":4210,"9,45":4211,"9,46":4212,"9,47":4213,"9,48":4214,"9,49":4215,"9,50":4216,"9,51":4217,"9,52":4218,"9,53":4219,"9,54":4220,"9,55":4221,"9,56":4222,"9,57":4223,"9,58":4224,"9,59":4225,"9,60":4226,"9,61":4227,"9,62":4228,"9,63":4229,"9,64":4230,"9,65":4231,"9,66":4232,"9,67":4233,"9,68":4234,"9,69":4235,"9,70":4236,"9,71":4237,"9,72":4238,"9,73":4239,"9,74":4240,"9,75":4241,"9,76":4242,"9,77":4243,"9,78":4244,"9,79":4245,"9,80":4246,"9,81":4247,"9,82":4248,"9,83":4249,"9,84":4250,"9,85":4251,"9,86":4252,"9,87":4253,"9,88":4254,"9,89":4255,"9,90":4256,"9,91":4257,"9,92":4258,"9,93":4259,"9,94":4260,"9,95":4261,"9,96":4262,"9,97":4263,"9,98":4264,"9,99":4265,"9,100":4266,"9,101":4267,"9,102":4268,"9,103":4269,"9,104":4270,"9,105":4271,"9,106":4272,"9,107":4273,"9,108":4274,"9,109":4275,"9,110":4276,"9,111":4277,"9,112":4278,"9,113":4279,"9,114":4280,"9,115":4281,"9,116":4282,"9,117":4283,"9,118":4284,"9,119":4285,"9,120":4286,"9,121":4287,"9,122":4288,"9,123":4289,"9,124":4290,"9,125":4291,"9,126":4292,"9,127":4293,"9,128":4294,"9,129":4295,"9,130":4296,"9,131":4297,"9,132":4298,"9,133":4299,"9,134":4300,"9,135":4301,"9,136":4302,"9,137":4303,"9,138":4304,"9,139":4305,"9,140":4306,"9,141":4307,"9,142":4308,"9,143":4309,"9,144":4310,"9,145":4311,"9,146":4312,"9,147":4313,"9,148":4314,"9,149":4315,"9,150":4316,"9,151":4317,"9,152":4318,"9,153":4319,"9,154":4320,"9,155":4321,"9,156":4322,"9,157":4323,"9,158":4324,"9,159":4325,"9,160":4326,"9,161":4327,"9,162":4328,"9,163":4329,"9,164":4330,"9,165":4331,"9,166":4332,"9,167":4333,"9,168":4334,"9,169":4335,"9,170":4336,"9,171":4337,"9,172":4338,"9,173":4339,"9,174":4340,"9,175":4341,"9,176":4342,"9,177":4343,"9,178":4344,"9,179":4345,"9,180":4346,"9,181":4347,"9,182":4348,"9,183":4349,"9,184":4350,"9,185":4351,"9,186":4352,"9,187":4353,"9,188":4354,"9,189":4355,"9,190":4356,"9,191":4357,"9,192":4358,"9,193":4359,"9,194":4360,"9,195":4361,"9,196":4362,"9,197":4363,"9,198":4364,"9,199":4365,"9,200":4366,"9,201":4367,"9,202":4368,"9,203":4369,"9,204":4370,"9,205":4371,"9,206":4372,"9,207":4373,"9,208":4374,"9,209":4375,"9,210":4376,"9,211":4377,"9,212":4378,"9,213":4379,"9,214":4380,"9,215":4381,"9,216":4382,"9,217":4383,"9,218":4384,"9,219":4385,"9,220":4386,"9,221":4387,"9,222":4388,"9,223":4389,"9,224":4390,"9,225":4391,"9,226":4392,"9,227":4393,"9,228":4394,"9,229":4395,"9,230":4396,"9,231":4397,"9,232":4398,"9,233":4399,"9,234":4400,"9,235":4401,"9,236":4402,"9,237":4403,"9,238":4404,"9,239":4405,"9,240":4406,"9,241":4407,"9,242":4408,"9,243":4409,"9,244":4410,"9,245":4411,"9,246":4412,"9,247":4413,"9,248":4414,"9,249":4415,"9,250":4416,"9,251":4417,"9,252":4418,"9,253":4419,"9,254":4420,"9,255":4421,"9,256":4422,"9,257":4423,"9,258":4424,"9,259":4425,"9,260":4426,"9,261":4427,"9,262":4428,"9,263":4429,"9,264":4430,"9,265":4431,"9,266":4432,"9,267":4433,"9,268":4434,"9,269":4435,"9,270":4436,"9,271":4437,"9,272":4438,"9,273":4439,"9,274":4440,"9,275":4441,"9,276":4442,"9,277":4443,"9,278":4444,"9,279":4445,"9,280":4446,"9,281":4447,"9,282":4448,"9,283":4449,"9,284":4450,"9,285":4451,"9,286":4452,"9,287":4453,"9,288":4454,"9,289":4455,"9,290":4456,"9,291":4457,"9,292":4458,"9,293":4459,"9,294":4460,"9,295":4461,"9,296":4462,"9,297":4463,"9,298":4464,"9,299":4465,"9,300":4466,"9,301":4467,"9,302":4468,"9,303":4469,"9,304":4470,"9,305":4471,"9,306":4472,"9,307":4473,"9,308":4474,"9,309":4475,"9,310":4476,"9,311":4477,"9,312":4478,"9,313":4479,"9,314":4480,"9,315":4481,"9,316":4482,"9,317":4483,"9,318":4484,"9,319":4485,"9,320":4486,"9,321":4487,"9,322":4488,"9,323":4489,"9,324":4490,"9,325":4491,"9,326":4492,"9,327":4493,"9,328":4494,"9,329":4495,"9,330":4496,"9,331":4497,"9,332":4498,"9,333":4499,"9,334":4500,"9,335":4501,"9,336":4502,"9,337":4503,"9,338":4504,"9,339":4505,"9,340":4506,"9,341":4507,"9,342":4508,"9,343":4509,"9,344":4510,"9,345":4511,"9,346":4512,"9,347":4513,"9,348":4514,"9,349":4515,"9,350":4516,"9,351":4517,"9,352":4518,"9,353":4519,"9,354":4520,"9,355":4521,"9,356":4522,"9,357":4523,"9,358":4524,"9,359":4525,"9,360":4526,"9,361":4527,"9,362":4528,"9,363":4529,"9,364":4530,"9,365":4531,"9,366":4532,"9,367":4533,"9,368":4534,"9,369":4535,"9,370":4536,"9,371":4537,"9,372":4538,"9,373":4539,"9,374":4540,"9,375":4541,"9,376":4542,"9,377":4543,"9,378":4544,"9,379":4545,"9,380":4546,"9,381":4547,"9,382":4548,"9,383":4549,"9,384":4550,"9,385":4551,"9,386":4552,"9,387":4553,"9,388":4554,"9,389":4555,"9,390":4556,"9,391":4557,"9,392":4558,"9,393":4559,"9,394":4560,"9,395":4561,"9,396":4562,"9,397":4563,"9,398":4564,"9,399":4565,"9,400":4566,"9,401":4567,"9,402":4568,"9,403":4569,"9,404":4570,"9,405":4571,"9,406":4572,"9,407":4573,"9,408":4574,"9,409":4575,"9,410":4576,"9,411":4577,"9,412":4578,"9,413":4579,"9,414":4580,"9,415":4581,"9,416":4582,"9,417":4583,"9,418":4584,"9,419":4585,"9,420":4586,"9,421":4587,"9,422":4588,"9,423":4589,"9,424":4590,"9,425":4591,"9,426":4592,"9,427":4593,"9,428":4594,"9,429":4595,"9,430":4596,"9,431":4597,"9,432":4598,"9,433":4599,"9,434":4600,"9,435":4601,"9,436":4602,"9,437":4603,"9,438":4604,"9,439":4605,"9,440":4606,"9,441":4607,"9,442":4608,"9,443":4609,"9,444":4610,"9,445":4611,"9,446":4612,"9,447":4613,"9,448":4614,"9,449":4615,"9,450":4616,"9,451":4617,"9,452":4618,"9,453":4619,"9,454":4620,"9,455":4621,"9,456":4622,"9,457":4623,"9,458":4624,"9,459":4625,"9,460":4626,"9,461":4627,"9,462":4628,"9,463":4629,"9,464":4630,"9,465":4631,"9,466":4632,"9,467":4633,"9,468":4634,"9,469":4635,"9,470":4636,"9,471":4637,"9,472":4638,"9,473":4639,"9,474":4640,"9,475":4641,"9,476":4642,"9,477":4643,"9,478":4644,"9,479":4645,"9,480":4646,"9,481":4647,"9,482":4648,"9,483":4649,"9,484":4650,"9,485":4651,"9,486":4652,"9,487":4653,"9,488":4654,"9,489":4655,"9,490":4656,"9,491":4657,"9,492":4658,"9,493":4659,"9,494":4660,"9,495":4661,"9,496":4662,"9,497":4663,"9,498":4664,"9,499":4665,"9,500":4666,"9,501":4667,"9,502":4668,"9,503":4669,"9,504":4670,"9,505":4671,"9,506":4672,"9,507":4673,"9,508":4674,"9,509":4675,"9,510":4676,"9,511":4677,"9,512":4678,"9,513":4679,"9,514":4680,"9,515":4681,"9,516":4682,"9,517":4683,"9,518":4684,"9,519":4685,"9,520":4686,"9,521":4687,"9,522":4688,"9,523":4689,"9,524":4690,"9,525":4691,"9,526":4692,"9,527":4693,"9,528":4694,"9,529":4695,"9,530":4696,"9,531":4697,"9,532":4698,"9,533":4699,"9,534":4700,"9,535":4701,"9,536":4702,"9,537":4703,"9,538":4704,"9,539":4705,"9,540":4706,"9,541":4707,"9,542":4708,"9,543":4709,"9,544":4710,"9,545":4711,"10,1":4713,"10,2":4714,"10,3":4715,"10,4":4716,"10,5":4717,"10,6":4718,"10,7":4719,"10,8":4720,"10,9":4721,"10,10":4722,"10,11":4723,"10,12":4724,"10,13":4725,"10,14":4726,"10,15":4727,"10,16":4728,"10,17":4729,"10,18":4730,"10,19":4731,"10,20":4732,"10,21":4733,"10,22":4734,"10,23":4735,"10,24":4736,"10,25":4737,"10,26":4738,"10,27":4739,"10,28":4740,"10,29":4741,"10,30":4742,"10,31":4743,"10,32":4744,"10,33":4745,"10,34":4746,"10,35":4747,"10,36":4748,"10,37":4749,"10,38":4750,"10,39":4751,"10,40":4752,"10,41":4753,"10,42":4754,"10,43":4755,"10,44":4756,"10,45":4757,"10,46":4758,"10,47":4759,"10,48":4760,"10,49":4761,"10,50":4762,"10,51":4763,"10,52":4764,"10,53":4765,"10,54":4766,"10,55":4767,"10,56":4768,"10,57":4769,"10,58":4770,"10,59":4771,"10,60":4772,"10,61":4773,"10,62":4774,"10,63":4775,"10,64":4776,"10,65":4777,"10,66":4778,"10,67":4779,"10,68":4780,"10,69":4781,"10,70":4782,"10,71":4783,"10,72":4784,"10,73":4785,"10,74":4786,"10,75":4787,"10,76":4788,"10,77":4789,"10,78":4790,"10,79":4791,"10,80":4792,"10,81":4793,"10,82":4794,"10,83":4795,"10,84":4796,"10,85":4797,"10,86":4798,"10,87":4799,"10,88":4800,"10,89":4801,"10,90":4802,"10,91":4803,"10,92":4804,"10,93":4805,"10,94":4806,"10,95":4807,"10,96":4808,"10,97":4809,"10,98":4810,"10,99":4811,"10,100":4812,"10,101":4813,"10,102":4814,"10,103":4815,"10,104":4816,"10,105":4817,"10,106":4818,"10,107":4819,"10,108":4820,"10,109":4821,"10,110":4822,"10,111":4823,"10,112":4824,"10,113":4825,"10,114":4826,"10,115":4827,"10,116":4828,"10,117":4829,"10,118":4830,"10,119":4831,"10,120":4832,"10,121":4833,"10,122":4834,"10,123":4835,"10,124":4836,"10,125":4837,"10,126":4838,"10,127":4839,"10,128":4840,"10,129":4841,"10,130":4842,"10,131":4843,"10,132":4844,"10,133":4845,"10,134":4846,"10,135":4847,"10,136":4848,"10,137":4849,"10,138":4850,"10,139":4851,"10,140":4852,"10,141":4853,"10,142":4854,"10,143":4855,"10,144":4856,"10,145":4857,"10,146":4858,"10,147":4859,"10,148":4860,"10,149":4861,"10,150":4862,"10,151":4863,"10,152":4864,"10,153":4865,"10,154":4866,"10,155":4867,"10,156":4868,"10,157":4869,"10,158":4870,"10,159":4871,"10,160":4872,"10,161":4873,"10,162":4874,"10,163":4875,"10,164":4876,"10,165":4877,"10,166":4878,"10,167":4879,"10,168":4880,"10,169":4881,"10,170":4882,"10,171":4883,"10,172":4884,"10,173":4885,"10,174":4886,"10,175":4887,"10,176":4888,"10,177":4889,"10,178":4890,"10,179":4891,"10,180":4892,"10,181":4893,"10,182":4894,"10,183":4895,"10,184":4896,"10,185":4897,"10,186":4898,"10,187":4899,"10,188":4900,"10,189":4901,"10,190":4902,"10,191":4903,"10,192":4904,"10,193":4905,"10,194":4906,"10,195":4907,"10,196":4908,"10,197":4909,"10,198":4910,"10,199":4911,"10,200":4912,"10,201":4913,"10,202":4914,"10,203":4915,"10,204":4916,"10,205":4917,"10,206":4918,"10,207":4919,"10,208":4920,"10,209":4921,"10,210":4922,"10,211":4923,"10,212":4924,"10,213":4925,"10,214":4926,"10,215":4927,"10,216":4928,"10,217":4929,"10,218":4930,"10,219":4931,"10,220":4932,"10,221":4933,"10,222":4934,"10,223":4935,"10,224":4936,"10,225":4937,"10,226":4938,"10,227":4939,"10,228":4940,"10,229":4941,"10,230":4942,"10,231":4943,"10,232":4944,"10,233":4945,"10,234":4946,"10,235":4947,"10,236":4948,"10,237":4949,"10,238":4950,"10,239":4951,"10,240":4952,"10,241":4953,"10,242":4954,"10,243":4955,"10,244":4956,"10,245":4957,"10,246":4958,"10,247":4959,"10,248":4960,"10,249":4961,"10,250":4962,"10,251":4963,"10,252":4964,"10,253":4965,"10,254":4966,"10,255":4967,"10,256":4968,"10,257":4969,"10,258":4970,"10,259":4971,"10,260":4972,"10,261":4973,"10,262":4974,"10,263":4975,"10,264":4976,"10,265":4977,"10,266":4978,"10,267":4979,"10,268":4980,"10,269":4981,"10,270":4982,"10,271":4983,"10,272":4984,"10,273":4985,"10,274":4986,"10,275":4987,"10,276":4988,"10,277":4989,"10,278":4990,"10,279":4991,"10,280":4992,"10,281":4993,"10,282":4994,"10,283":4995,"10,284":4996,"10,285":4997,"10,286":4998,"10,287":4999,"10,288":5000,"10,289":5001,"10,290":5002,"10,291":5003,"10,292":5004,"10,293":5005,"10,294":5006,"10,295":5007,"10,296":5008,"10,297":5009,"10,298":5010,"10,299":5011,"10,300":5012,"10,301":5013,"10,302":5014,"10,303":5015,"10,304":5016,"10,305":5017,"10,306":5018,"10,307":5019,"10,308":5020,"10,309":5021,"10,310":5022,"10,311":5023,"10,312":5024,"10,313":5025,"10,314":5026,"10,315":5027,"10,316":5028,"10,317":5029,"10,318":5030,"10,319":5031,"10,320":5032,"10,321":5033,"10,322":5034,"10,323":5035,"10,324":5036,"10,325":5037,"10,326":5038,"10,327":5039,"10,328":5040,"10,329":5041,"10,330":5042,"10,331":5043,"10,332":5044,"10,333":5045,"10,334":5046,"10,335":5047,"10,336":5048,"10,337":5049,"10,338":5050,"10,339":5051,"10,340":5052,"10,341":5053,"10,342":5054,"10,343":5055,"10,344":5056,"10,345":5057,"10,346":5058,"10,347":5059,"10,348":5060,"10,349":5061,"10,350":5062,"10,351":5063,"10,352":5064,"10,353":5065,"10,354":5066,"10,355":5067,"10,356":5068,"10,357":5069,"10,358":5070,"10,359":5071,"10,360":5072,"10,361":5073,"10,362":5074,"10,363":5075,"10,364":5076,"10,365":5077,"10,366":5078,"10,367":5079,"10,368":5080,"10,369":5081,"10,370":5082,"10,371":5083,"10,372":5084,"10,373":5085,"10,374":5086,"10,375":5087,"10,376":5088,"10,377":5089,"10,378":5090,"10,379":5091,"10,380":5092,"10,381":5093,"10,382":5094,"10,383":5095,"10,384":5096,"10,385":5097,"10,386":5098,"10,387":5099,"10,388":5100,"10,389":5101,"10,390":5102,"10,391":5103,"10,392":5104,"10,393":5105,"10,394":5106,"10,395":5107,"10,396":5108,"10,397":5109,"10,398":5110,"10,399":5111,"10,400":5112,"10,401":5113,"10,402":5114,"10,403":5115,"10,404":5116,"10,405":5117,"10,406":5118,"10,407":5119,"10,408":5120,"10,409":5121,"10,410":5122,"10,411":5123,"10,412":5124,"10,413":5125,"10,414":5126,"10,415":5127,"10,416":5128,"10,417":5129,"10,418":5130,"10,419":5131,"10,420":5132,"10,421":5133,"10,422":5134,"10,423":5135,"10,424":5136,"10,425":5137,"10,426":5138,"10,427":5139,"10,428":5140,"10,429":5141,"10,430":5142,"10,431":5143,"10,432":5144,"10,433":5145,"10,434":5146,"10,435":5147,"10,436":5148,"10,437":5149,"10,438":5150,"10,439":5151,"10,440":5152,"10,441":5153,"10,442":5154,"10,443":5155,"10,444":5156,"10,445":5157,"10,446":5158,"10,447":5159,"10,448":5160,"10,449":5161,"10,450":5162,"10,451":5163,"10,452":5164,"10,453":5165,"10,454":5166,"10,455":5167,"10,456":5168,"10,457":5169,"10,458":5170,"10,459":5171,"10,460":5172,"10,461":5173,"10,462":5174,"10,463":5175,"10,464":5176,"10,465":5177,"10,466":5178,"10,467":5179,"10,468":5180,"10,469":5181,"10,470":5182,"10,471":5183,"10,472":5184,"10,473":5185,"10,474":5186,"10,475":5187,"10,476":5188,"10,477":5189,"10,478":5190,"10,479":5191,"10,480":5192,"10,481":5193,"10,482":5194,"10,483":5195,"10,484":5196,"10,485":5197,"10,486":5198,"10,487":5199,"10,488":5200,"10,489":5201,"10,490":5202,"10,491":5203,"10,492":5204,"10,493":5205,"10,494":5206,"10,495":5207,"10,496":5208,"10,497":5209,"10,498":5210,"10,499":5211,"10,500":5212,"10,501":5213,"10,502":5214,"10,503":5215,"10,504":5216,"10,505":5217,"10,506":5218,"10,507":5219,"10,508":5220,"10,509":5221,"10,510":5222,"10,511":5223,"10,512":5224,"10,513":5225,"10,514":5226,"10,515":5227,"10,516":5228,"10,517":5229,"10,518":5230,"10,519":5231,"10,520":5232,"10,521":5233,"10,522":5234,"10,523":5235,"10,524":5236,"10,525":5237,"10,526":5238,"10,527":5239,"10,528":5240,"10,529":5241,"10,530":5242,"10,531":5243,"10,532":5244,"10,533":5245,"10,534":5246,"10,535":5247,"10,536":5248,"10,537":5249,"10,538":5250,"10,539":5251,"10,540":5252,"10,541":5253,"10,544":5255,"10,545":5256,"10,546":5257,"10,547":5258,"10,548":5259,"10,549":5260,"10,550":5261,"10,551":5262,"10,552":5263,"10,553":5264,"10,554":5265,"10,555":5266,"10,556":5267,"10,557":5268,"10,558":5269,"10,559":5270,"10,560":5271,"10,561":5272,"10,562":5273,"10,563":5274,"10,564":5275,"10,565":5276,"10,566":5277,"10,567":5278,"10,568":5279,"10,569":5280,"10,570":5281,"10,571":5282,"10,572":5283,"10,573":5284,"10,574":5285,"10,575":5286},"ٜ":{"مقدمة":[1,74],"1":[1,509],"2":[1,485],"3":[1,513],"4":[1,554],"5":[1,534],"6":[1,440],"7":[1,438],"8":[1,624],"9":[1,545],"10":[1,575]},"ٝ":[null,"مقدمة,1","مقدمة,2","مقدمة,3","مقدمة,4","مقدمة,5","مقدمة,6","مقدمة,7","مقدمة,8","مقدمة,9","مقدمة,10","مقدمة,11","مقدمة,12","مقدمة,13","مقدمة,14","مقدمة,15","مقدمة,16","مقدمة,17","مقدمة,18","مقدمة,19","مقدمة,20","مقدمة,21","مقدمة,22","مقدمة,23","مقدمة,24","مقدمة,25","مقدمة,26","مقدمة,27","مقدمة,28","مقدمة,29","مقدمة,30","مقدمة,31","مقدمة,32","مقدمة,33","مقدمة,34","مقدمة,35","مقدمة,36","مقدمة,37","مقدمة,38","مقدمة,39","مقدمة,40","مقدمة,41","مقدمة,42","مقدمة,43","مقدمة,44","مقدمة,45","مقدمة,46","مقدمة,47","مقدمة,48","مقدمة,49","مقدمة,50","مقدمة,51","مقدمة,52","مقدمة,53","مقدمة,54","مقدمة,55","مقدمة,56","مقدمة,57","مقدمة,58","مقدمة,59","مقدمة,60","مقدمة,61","مقدمة,62","مقدمة,63","مقدمة,64","مقدمة,65","مقدمة,66","مقدمة,67","مقدمة,68","مقدمة,69","مقدمة,70","مقدمة,71","مقدمة,72","مقدمة,73","مقدمة,74","1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45",null,"2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525",null,"4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333",null,"6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437",null,"6,440","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173",null,"8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","8,567","8,568","8,569","8,570","8,571","8,572","8,573","8,574","8,575","8,576","8,577","8,578","8,579","8,580","8,581","8,582","8,583","8,584","8,585","8,586","8,587","8,588","8,589","8,590","8,591","8,592","8,593","8,594","8,595","8,596","8,597","8,598","8,599","8,600","8,601","8,602","8,603","8,604","8,605","8,606","8,607","8,608","8,609","8,610","8,611","8,612","8,613","8,614","8,615","8,616","8,617","8,618","8,619","8,620","8,621","8,622","8,623","8,624","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13",null,"9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","9,467","9,468","9,469","9,470","9,471","9,472","9,473","9,474","9,475","9,476","9,477","9,478","9,479","9,480","9,481","9,482","9,483","9,484","9,485","9,486","9,487","9,488","9,489","9,490","9,491","9,492","9,493","9,494","9,495","9,496","9,497","9,498","9,499","9,500","9,501","9,502","9,503","9,504","9,505","9,506","9,507","9,508","9,509","9,510","9,511","9,512","9,513","9,514","9,515","9,516","9,517","9,518","9,519","9,520","9,521","9,522","9,523","9,524","9,525","9,526","9,527","9,528","9,529","9,530","9,531","9,532","9,533","9,534","9,535","9,536","9,537","9,538","9,539","9,540","9,541","9,542","9,543","9,544","9,545",null,"10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,336","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,342","10,343","10,344","10,345","10,346","10,347","10,348","10,349","10,350","10,351","10,352","10,353","10,354","10,355","10,356","10,357","10,358","10,359","10,360","10,361","10,362","10,363","10,364","10,365","10,366","10,367","10,368","10,369","10,370","10,371","10,372","10,373","10,374","10,375","10,376","10,377","10,378","10,379","10,380","10,381","10,382","10,383","10,384","10,385","10,386","10,387","10,388","10,389","10,390","10,391","10,392","10,393","10,394","10,395","10,396","10,397","10,398","10,399","10,400","10,401","10,402","10,403","10,404","10,405","10,406","10,407","10,408","10,409","10,410","10,411","10,412","10,413","10,414","10,415","10,416","10,417","10,418","10,419","10,420","10,421","10,422","10,423","10,424","10,425","10,426","10,427","10,428","10,429","10,430","10,431","10,432","10,433","10,434","10,435","10,436","10,437","10,438","10,439","10,440","10,441","10,442","10,443","10,444","10,445","10,446","10,447","10,448","10,449","10,450","10,451","10,452","10,453","10,454","10,455","10,456","10,457","10,458","10,459","10,460","10,461","10,462","10,463","10,464","10,465","10,466","10,467","10,468","10,469","10,470","10,471","10,472","10,473","10,474","10,475","10,476","10,477","10,478","10,479","10,480","10,481","10,482","10,483","10,484","10,485","10,486","10,487","10,488","10,489","10,490","10,491","10,492","10,493","10,494","10,495","10,496","10,497","10,498","10,499","10,500","10,501","10,502","10,503","10,504","10,505","10,506","10,507","10,508","10,509","10,510","10,511","10,512","10,513","10,514","10,515","10,516","10,517","10,518","10,519","10,520","10,521","10,522","10,523","10,524","10,525","10,526","10,527","10,528","10,529","10,530","10,531","10,532","10,533","10,534","10,535","10,536","10,537","10,538","10,539","10,540","10,541",null,"10,544","10,545","10,546","10,547","10,548","10,549","10,550","10,551","10,552","10,553","10,554","10,555","10,556","10,557","10,558","10,559","10,560","10,561","10,562","10,563","10,564","10,565","10,566","10,567","10,568","10,569","10,570","10,571","10,572","10,573","10,574","10,575"],"ٞ":{"2":[1],"6":[2,3],"8":[4],"9":[5],"10":[6],"11":[7],"13":[8],"14":[9],"15":[10],"17":[11],"20":[12],"21":[13],"23":[14],"26":[15,16],"27":[17],"29":[18,19],"42":[20],"44":[21,22],"47":[23],"49":[24,25],"55":[26],"56":[27],"57":[28,29],"58":[30],"59":[31],"62":[32],"63":[33],"65":[34],"66":[35],"67":[36],"76":[37,38,39],"78":[40],"80":[41,42],"84":[43],"85":[44,45],"86":[46],"88":[47],"96":[48],"97":[49,50],"98":[51],"99":[52,53],"101":[54,55],"102":[56],"104":[57,58],"105":[59,60],"106":[61],"107":[62],"109":[63,64],"111":[65,66],"112":[67],"113":[68,69],"114":[70],"116":[71],"129":[72],"136":[73],"137":[74],"139":[75],"140":[76],"144":[77],"145":[78],"148":[79],"149":[80],"150":[81,82],"152":[83],"177":[84],"178":[85],"181":[86],"184":[87],"185":[88],"188":[89],"191":[90],"193":[91],"195":[92],"196":[93],"197":[94],"198":[95],"199":[96],"200":[97,98,99],"201":[100,101],"202":[102,103],"203":[104,105],"204":[106,107],"206":[108,109],"207":[110,111],"208":[112,113],"209":[114],"211":[115,116],"212":[117],"214":[118,119],"215":[120],"216":[121,122],"217":[123],"218":[124],"222":[125],"223":[126,127],"224":[128],"225":[129,130,131],"227":[132],"228":[133,134,135],"229":[136,137],"230":[138],"231":[139],"232":[140,141],"234":[142,143],"235":[144],"236":[145,146],"237":[147],"238":[148,149,150],"239":[151],"240":[152,153],"241":[154,155],"242":[156,157],"244":[158],"251":[159],"254":[160],"261":[161],"262":[162],"277":[163],"278":[164],"283":[165,166],"284":[167,168],"285":[169,170],"286":[171,172],"287":[173],"288":[174,175],"289":[176,177],"290":[178],"291":[179],"292":[180],"293":[181],"294":[182],"295":[183],"296":[184,185],"299":[186],"300":[187,188,189],"301":[190,191],"302":[192],"303":[193,194],"304":[195],"305":[196,197],"306":[198,199],"307":[200],"308":[201,202,203],"309":[204,205],"310":[206],"311":[207,208],"316":[209],"317":[210],"318":[211,212],"319":[213],"320":[214],"321":[215,216],"322":[217,218],"323":[219],"325":[220],"326":[221],"327":[222],"328":[223],"329":[224,225],"330":[226,227],"333":[228,229],"334":[230],"335":[231,232],"336":[233],"337":[234],"338":[235],"339":[236],"340":[237],"341":[238],"342":[239,240],"343":[241,242],"345":[243],"349":[244],"350":[245,246],"353":[247,248],"354":[249],"355":[250],"357":[251,252],"358":[253,254,255],"359":[256],"360":[257,258],"361":[259,260,261],"362":[262,263],"363":[264],"364":[265],"365":[266,267],"366":[268,269],"367":[270,271],"368":[272],"369":[273,274],"370":[275],"371":[276,277],"372":[278,279,280],"373":[281],"374":[282,283],"375":[284,285],"376":[286,287],"377":[288],"378":[289,290],"379":[291,292],"382":[293],"383":[294,295],"384":[296],"385":[297,298,299],"386":[300],"387":[301],"388":[302,303],"389":[304,305],"390":[306],"391":[307,308],"392":[309],"394":[310],"395":[311,312,313],"396":[314],"398":[315],"411":[316],"412":[317],"415":[318],"417":[319],"424":[320],"425":[321],"443":[322],"444":[323,324],"445":[325],"446":[326,327],"447":[328,329],"448":[330,331],"449":[332,333],"450":[334,335],"451":[336,337],"452":[338,339],"454":[340],"455":[341,342],"456":[343,344],"457":[345],"463":[346],"464":[347],"466":[348],"467":[349],"468":[350],"469":[351,352],"473":[353,354],"474":[355,356,357],"475":[358],"476":[359,360,361],"477":[362,363],"478":[364,365,366],"479":[367,368],"481":[369],"482":[370],"483":[371],"484":[372],"485":[373,374],"486":[375,376],"487":[377],"488":[378,379],"489":[380,381],"490":[382,383,384],"491":[385,386],"492":[387,388],"493":[389,390],"495":[391,392,393],"496":[394],"497":[395],"498":[396],"500":[397],"501":[398,399],"502":[400],"503":[401,402],"504":[403],"505":[404],"507":[405,406],"508":[407,408],"509":[409,410],"510":[411,412,413],"511":[414,415],"512":[416],"513":[417],"514":[418,419],"515":[420],"516":[421],"518":[422,423,424],"519":[425],"522":[426],"523":[427],"524":[428,429],"525":[430,431],"526":[432],"528":[433],"529":[434],"530":[435,436],"531":[437,438],"532":[439,440],"533":[441],"534":[442],"535":[443,444,445],"537":[446,447,448],"538":[449],"539":[450],"540":[451,452],"541":[453,454],"542":[455],"544":[456],"545":[457,458],"546":[459],"547":[460],"548":[461,462,463],"549":[464],"551":[465,466],"552":[467,468,469],"553":[470],"554":[471],"556":[472,473],"557":[474],"560":[475],"561":[476],"562":[477],"564":[478,479],"566":[480],"567":[481],"570":[482],"571":[483,484],"572":[485],"575":[486],"576":[487,488],"577":[489],"578":[490,491],"579":[492,493],"581":[494,495],"582":[496],"583":[497,498],"584":[499,500,501],"585":[502,503],"586":[504],"592":[505,506],"593":[507,508],"598":[509,510],"608":[511],"609":[512],"612":[513,514],"613":[515],"614":[516],"618":[517],"619":[518],"620":[519,520],"621":[521,522],"622":[523,524],"623":[525],"624":[526,527,528],"626":[529],"627":[530],"631":[531],"635":[532],"636":[533,534],"637":[535],"638":[536],"641":[537,538,539],"642":[540,541],"643":[542],"644":[543],"645":[544],"646":[545,546,547],"647":[548],"649":[549,550,551],"650":[552,553],"651":[554],"652":[555],"653":[556],"654":[557],"655":[558],"656":[559,560],"657":[561,562,563],"658":[564,565,566],"659":[567,568],"660":[569,570],"661":[571,572],"662":[573],"670":[574,575],"671":[576],"672":[577],"675":[578],"677":[579],"680":[580],"687":[581],"688":[582],"693":[583],"694":[584,585,586],"695":[587],"696":[588],"698":[589,590],"700":[591,592],"701":[593],"702":[594],"703":[595,596],"704":[597],"705":[598,599,600],"706":[601,602],"707":[603],"708":[604,605],"710":[606],"713":[607,608],"714":[609],"715":[610,611],"718":[612,613,614],"720":[615],"721":[616],"722":[617],"723":[618],"725":[619,620],"726":[621,622],"727":[623],"728":[624,625],"729":[626,627,628],"730":[629],"731":[630],"735":[631],"736":[632,633],"738":[634,635],"739":[636],"740":[637],"741":[638],"745":[639,640],"746":[641],"748":[642,643],"750":[644],"751":[645],"752":[646],"753":[647,648],"754":[649,650],"755":[651],"756":[652,653],"757":[654,655],"758":[656,657,658],"759":[659,660],"760":[661,662],"761":[663,664,665],"762":[666],"763":[667,668],"764":[669],"767":[670],"768":[671,672],"769":[673,674,675],"770":[676],"771":[677],"773":[678],"774":[679],"775":[680,681],"776":[682,683],"777":[684,685],"778":[686],"780":[687,688],"781":[689,690],"782":[691,692],"783":[693,694],"784":[695,696],"785":[697,698],"786":[699],"787":[700,701],"788":[702],"789":[703,704],"790":[705,706,707],"791":[708],"793":[709,710],"794":[711],"795":[712,713],"796":[714],"797":[715,716],"798":[717,718],"799":[719,720,721],"800":[722,723],"801":[724],"802":[725,726],"803":[727],"804":[728,729,730],"805":[731,732],"806":[733],"807":[734,735],"808":[736],"813":[737,738],"814":[739],"815":[740,741],"816":[742,743],"817":[744,745],"818":[746,747],"819":[748],"820":[749,750],"821":[751,752],"822":[753],"825":[754,755],"826":[756],"828":[757],"829":[758],"830":[759],"831":[760,761],"832":[762],"833":[763,764,765],"834":[766,767,768],"835":[769],"836":[770,771],"837":[772,773,774],"838":[775,776],"839":[777,778,779],"840":[780],"841":[781,782],"842":[783],"843":[784,785,786],"845":[787,788,789],"846":[790,791],"847":[792,793,794],"848":[795,796],"849":[797],"850":[798],"851":[799,800],"852":[801,802],"853":[803,804],"854":[805],"855":[806],"856":[807],"857":[808],"858":[809,810,811],"859":[812,813,814],"860":[815,816],"861":[817],"862":[818,819,820],"863":[821,822],"864":[823,824],"865":[825],"866":[826],"867":[827,828],"868":[829,830],"869":[831,832],"877":[833,834],"878":[835,836],"879":[837],"880":[838,839,840],"881":[841],"882":[842,843],"883":[844],"885":[845,846,847],"886":[848],"887":[849],"888":[850,851,852],"889":[853],"890":[854,855,856],"891":[857,858],"892":[859],"893":[860],"894":[861],"896":[862,863],"897":[864,865,866],"898":[867,868],"899":[869],"900":[870],"902":[871],"904":[872,873],"905":[874],"906":[875,876],"907":[877],"909":[878,879],"910":[880],"911":[881],"912":[882],"914":[883],"917":[884,885],"918":[886],"919":[887,888],"920":[889],"921":[890,891],"924":[892],"925":[893,894],"926":[895],"928":[896,897],"929":[898,899],"930":[900,901,902],"931":[903],"932":[904],"934":[905],"935":[906,907,908],"936":[909,910],"937":[911,912],"938":[913,914,915],"939":[916],"944":[917],"946":[918],"947":[919],"948":[920],"950":[921],"953":[922],"957":[923],"958":[924],"959":[925],"960":[926,927],"961":[928,929],"962":[930,931],"964":[932,933],"965":[934,935,936],"966":[937,938],"967":[939,940],"968":[941,942],"969":[943,944],"970":[945,946,947],"971":[948,949],"972":[950],"973":[951,952],"974":[953,954],"975":[955],"976":[956,957],"977":[958],"978":[959],"983":[960],"985":[961],"986":[962],"987":[963],"988":[964],"991":[965],"993":[966],"994":[967,968],"995":[969],"996":[970,971],"997":[972,973],"999":[974],"1004":[975],"1005":[976],"1017":[977],"1018":[978,979,980],"1019":[981],"1020":[982,983],"1023":[984],"1024":[985],"1025":[986,987],"1026":[988,989],"1027":[990,991],"1028":[992],"1029":[993,994],"1030":[995],"1031":[996,997],"1032":[998],"1033":[999],"1034":[1000],"1036":[1001,1002],"1037":[1003,1004,1005],"1038":[1006,1007,1008],"1041":[1009,1010],"1044":[1011],"1047":[1012],"1048":[1013],"1049":[1014,1015,1016],"1050":[1017],"1051":[1018,1019,1020,1021],"1052":[1022],"1053":[1023],"1054":[1024,1025,1026],"1055":[1027],"1056":[1028,1029,1030],"1057":[1031,1032,1033],"1058":[1034,1035],"1059":[1036],"1060":[1037,1038,1039],"1061":[1040,1041],"1062":[1042],"1063":[1043],"1065":[1044,1045],"1067":[1046,1047],"1068":[1048,1049],"1069":[1050],"1070":[1051],"1086":[1052],"1088":[1053],"1089":[1054],"1093":[1055],"1095":[1056],"1101":[1057],"1103":[1058],"1105":[1059],"1109":[1060],"1111":[1061,1062,1063],"1112":[1064],"1113":[1065,1066],"1114":[1067,1068,1069],"1115":[1070],"1116":[1071,1072,1073],"1117":[1074,1075],"1118":[1076,1077],"1119":[1078],"1120":[1079],"1121":[1080],"1125":[1081],"1127":[1082,1083],"1130":[1084],"1131":[1085],"1132":[1086],"1133":[1087,1088],"1134":[1089],"1135":[1090],"1136":[1091,1092],"1137":[1093,1094],"1140":[1095,1096],"1143":[1097,1098],"1144":[1099],"1145":[1100,1101,1102],"1146":[1103],"1147":[1104],"1148":[1105],"1149":[1106,1107],"1150":[1108,1109,1110],"1151":[1111],"1152":[1112,1113],"1153":[1114,1115],"1154":[1116,1117],"1155":[1118,1119],"1156":[1120],"1157":[1121,1122],"1158":[1123,1124],"1159":[1125,1126,1127],"1160":[1128],"1161":[1129],"1162":[1130],"1164":[1131],"1170":[1132],"1171":[1133],"1172":[1134],"1177":[1135,1136],"1178":[1137],"1179":[1138,1139],"1180":[1140],"1181":[1141],"1182":[1142,1143],"1183":[1144],"1184":[1145,1146],"1185":[1147,1148],"1186":[1149,1150],"1187":[1151],"1188":[1152,1153],"1191":[1154,1155],"1192":[1156],"1193":[1157],"1194":[1158],"1196":[1159],"1198":[1160,1161],"1200":[1162,1163],"1201":[1164,1165,1166],"1202":[1167,1168],"1203":[1169],"1204":[1170,1171],"1206":[1172],"1207":[1173],"1208":[1174],"1209":[1175],"1210":[1176,1177,1178],"1211":[1179,1180,1181],"1212":[1182,1183],"1213":[1184],"1215":[1185,1186],"1216":[1187],"1217":[1188,1189,1190],"1218":[1191],"1219":[1192],"1221":[1193,1194],"1226":[1195],"1227":[1196,1197],"1228":[1198,1199],"1229":[1200],"1230":[1201,1202,1203],"1231":[1204,1205],"1232":[1206,1207],"1233":[1208],"1234":[1209],"1235":[1210],"1236":[1211],"1240":[1212,1213],"1242":[1214],"1244":[1215],"1247":[1216],"1248":[1217],"1249":[1218],"1251":[1219],"1252":[1220],"1255":[1221],"1257":[1222,1223,1224],"1258":[1225],"1259":[1226,1227],"1260":[1228,1229],"1261":[1230,1231],"1262":[1232],"1263":[1233,1234],"1264":[1235,1236,1237],"1265":[1238],"1266":[1239,1240,1241],"1267":[1242,1243,1244],"1268":[1245,1246],"1269":[1247,1248],"1270":[1249,1250],"1271":[1251,1252,1253],"1272":[1254,1255],"1273":[1256,1257],"1274":[1258],"1276":[1259],"1284":[1260],"1285":[1261],"1288":[1262,1263],"1300":[1264,1265],"1302":[1266],"1303":[1267,1268],"1304":[1269,1270],"1305":[1271,1272,1273],"1306":[1274,1275],"1307":[1276,1277],"1308":[1278,1279],"1309":[1280,1281],"1315":[1282,1283,1284],"1316":[1285,1286],"1317":[1287,1288,1289],"1318":[1290,1291],"1320":[1292],"1321":[1293],"1322":[1294,1295],"1323":[1296,1297],"1324":[1298,1299,1300],"1325":[1301,1302],"1326":[1303,1304],"1327":[1305,1306],"1328":[1307,1308],"1329":[1309,1310,1311],"1330":[1312,1313],"1331":[1314],"1332":[1315,1316],"1333":[1317],"1334":[1318,1319],"1335":[1320,1321],"1338":[1322,1323,1324],"1339":[1325],"1340":[1326],"1341":[1327,1328,1329],"1342":[1330,1331],"1344":[1332,1333],"1345":[1334],"1346":[1335,1336],"1347":[1337,1338,1339],"1348":[1340],"1349":[1341,1342,1343],"1350":[1344,1345],"1351":[1346,1347],"1352":[1348,1349],"1353":[1350],"1354":[1351],"1355":[1352],"1356":[1353,1354],"1357":[1355,1356],"1359":[1357],"1360":[1358],"1361":[1359,1360],"1362":[1361,1362],"1366":[1363],"1368":[1364],"1376":[1365,1366],"1379":[1367,1368,1369],"1380":[1370,1371],"1381":[1372,1373,1374],"1382":[1375,1376],"1383":[1377],"1384":[1378,1379],"1386":[1380],"1387":[1381],"1388":[1382],"1389":[1383],"1390":[1384],"1391":[1385],"1393":[1386],"1394":[1387,1388],"1395":[1389],"1397":[1390,1391],"1398":[1392],"1399":[1393,1394],"1400":[1395,1396,1397],"1401":[1398,1399,1400],"1402":[1401,1402],"1403":[1403,1404],"1404":[1405],"1409":[1406],"1412":[1407,1408],"1414":[1409,1410],"1415":[1411],"1417":[1412,1413,1414],"1418":[1415,1416],"1419":[1417],"1420":[1418],"1422":[1419],"1423":[1420,1421],"1424":[1422,1423],"1425":[1424,1425],"1426":[1426,1427],"1427":[1428,1429],"1428":[1430],"1429":[1431,1432],"1430":[1433,1434],"1431":[1435,1436,1437,1438],"1432":[1439,1440],"1433":[1441,1442],"1434":[1443,1444],"1435":[1445],"1437":[1446],"1439":[1447,1448],"1440":[1449,1450],"1442":[1451,1452],"1443":[1453,1454],"1444":[1455,1456],"1445":[1457,1458],"1446":[1459],"1452":[1460,1461],"1453":[1462],"1454":[1463,1464,1465],"1455":[1466,1467,1468],"1456":[1469,1470],"1457":[1471,1472],"1459":[1473,1474],"1461":[1475,1476],"1464":[1477,1478],"1465":[1479,1480],"1466":[1481,1482],"1467":[1483,1484],"1471":[1485,1486],"1474":[1487],"1476":[1488],"1477":[1489],"1478":[1490,1491],"1479":[1492],"1480":[1493,1494],"1481":[1495],"1482":[1496,1497],"1483":[1498,1499],"1484":[1500],"1485":[1501],"1498":[1502,1503],"1500":[1504,1505,1506],"1501":[1507],"1502":[1508],"1504":[1509,1510,1511],"1505":[1512,1513,1514],"1506":[1515,1516],"1507":[1517,1518,1519],"1508":[1520,1521],"1509":[1522,1523,1524],"1510":[1525,1526],"1511":[1527],"1513":[1528,1529],"1514":[1530,1531],"1515":[1532,1533,1534],"1516":[1535,1536],"1517":[1537],"1518":[1538,1539],"1519":[1540],"1529":[1541],"1530":[1542],"1531":[1543,1544,1545],"1532":[1546,1547],"1533":[1548,1549],"1534":[1550,1551,1552],"1535":[1553,1554],"1536":[1555,1556,1557],"1537":[1558],"1538":[1559,1560],"1539":[1561,1562,1563],"1541":[1564],"1542":[1565],"1543":[1566,1567],"1545":[1568,1569],"1546":[1570],"1547":[1571,1572],"1551":[1573,1574],"1572":[1575],"1574":[1576],"1575":[1577],"1582":[1578,1579],"1602":[1580],"1603":[1581],"1614":[1582],"1617":[1583],"1709":[1584],"1711":[1585],"1718":[1586],"1722":[1587,1588,1589],"1723":[1590],"1724":[1591,1592],"1725":[1593],"1726":[1594,1595],"1727":[1596,1597],"1729":[1598,1599],"1730":[1600,1601],"1731":[1602],"1733":[1603],"1735":[1604],"1741":[1605,1606],"1742":[1607],"1743":[1608,1609,1610],"1744":[1611,1612],"1745":[1613,1614],"1746":[1615,1616],"1747":[1617,1618,1619],"1748":[1620],"1749":[1621,1622],"1750":[1623,1624,1625],"1751":[1626,1627],"1752":[1628],"1753":[1629,1630],"1754":[1631,1632],"1755":[1633,1634],"1757":[1635,1636,1637],"1758":[1638,1639],"1759":[1640,1641],"1760":[1642,1643,1644,1645],"1761":[1646,1647,1648],"1762":[1649,1650],"1763":[1651,1652],"1764":[1653,1654],"1765":[1655],"1766":[1656],"1767":[1657],"1769":[1658],"1772":[1659],"1773":[1660,1661],"1775":[1662,1663],"1776":[1664],"1777":[1665,1666],"1778":[1667],"1779":[1668,1669,1670],"1781":[1671],"1782":[1672,1673],"1783":[1674],"1784":[1675,1676],"1785":[1677,1678],"1786":[1679,1680,1681],"1788":[1682,1683],"1789":[1684,1685,1686,1687],"1790":[1688],"1791":[1689,1690],"1792":[1691,1692],"1793":[1693,1694],"1794":[1695,1696],"1795":[1697,1698],"1796":[1699,1700],"1797":[1701,1702],"1798":[1703,1704],"1799":[1705,1706,1707],"1800":[1708,1709],"1801":[1710,1711],"1802":[1712],"1803":[1713],"1804":[1714,1715],"1805":[1716],"1809":[1717,1718,1719],"1819":[1720],"1821":[1721],"1824":[1722,1723],"1825":[1724,1725],"1826":[1726,1727],"1827":[1728,1729],"1828":[1730],"1829":[1731],"1830":[1732,1733],"1831":[1734,1735],"1832":[1736],"1833":[1737],"1834":[1738,1739,1740],"1835":[1741],"1837":[1742,1743],"1838":[1744,1745],"1839":[1746,1747],"1841":[1748],"1842":[1749,1750],"1843":[1751,1752],"1844":[1753,1754],"1850":[1755,1756,1757],"1851":[1758,1759],"1852":[1760],"1854":[1761],"1855":[1762,1763],"1856":[1764,1765],"1857":[1766,1767,1768],"1858":[1769],"1859":[1770],"1863":[1771],"1864":[1772],"1865":[1773],"1866":[1774],"1867":[1775],"1869":[1776],"1870":[1777],"1872":[1778],"1873":[1779,1780],"1874":[1781,1782],"1875":[1783,1784],"1876":[1785,1786],"1877":[1787],"1878":[1788,1789],"1879":[1790,1791],"1880":[1792,1793,1794,1795,1796],"1881":[1797],"1887":[1798,1799],"1888":[1800,1801],"1890":[1802,1803],"1891":[1804,1805,1806],"1892":[1807],"1893":[1808,1809,1810,1811],"1894":[1812],"1895":[1813],"1896":[1814],"1897":[1815,1816,1817],"1898":[1818],"1899":[1819,1820],"1900":[1821],"1901":[1822],"1902":[1823,1824],"1903":[1825],"1904":[1826],"1905":[1827],"1906":[1828],"1908":[1829],"1928":[1830],"1949":[1831],"1950":[1832],"1953":[1833],"1954":[1834,1835],"1955":[1836,1837,1838],"1956":[1839,1840],"1957":[1841],"1959":[1842],"1960":[1843],"1967":[1844],"1968":[1845,1846],"1969":[1847],"1971":[1848],"1972":[1849],"1973":[1850,1851],"1974":[1852],"1975":[1853],"1979":[1854],"1980":[1855],"1982":[1856],"1983":[1857,1858,1859],"1984":[1860,1861],"1986":[1862],"1987":[1863],"1988":[1864,1865],"1990":[1866,1867],"1991":[1868,1869],"1992":[1870],"1993":[1871,1872,1873],"1994":[1874],"1995":[1875],"1996":[1876],"1997":[1877,1878],"2001":[1879],"2002":[1880,1881],"2003":[1882],"2012":[1883,1884],"2013":[1885],"2014":[1886,1887],"2015":[1888],"2016":[1889],"2017":[1890,1891],"2018":[1892],"2019":[1893,1894],"2020":[1895,1896],"2021":[1897,1898,1899],"2024":[1900,1901,1902],"2025":[1903],"2030":[1904],"2031":[1905,1906],"2032":[1907,1908],"2033":[1909],"2034":[1910],"2035":[1911,1912],"2036":[1913],"2038":[1914],"2039":[1915],"2040":[1916,1917],"2043":[1918],"2048":[1919],"2049":[1920,1921],"2051":[1922],"2052":[1923,1924],"2053":[1925,1926],"2054":[1927],"2055":[1928,1929,1930],"2056":[1931,1932],"2060":[1933,1934],"2061":[1935,1936],"2062":[1937],"2072":[1938,1939],"2073":[1940,1941],"2074":[1942],"2075":[1943,1944],"2076":[1945],"2077":[1946],"2078":[1947],"2079":[1948,1949],"2080":[1950,1951,1952,1953],"2081":[1954,1955],"2082":[1956,1957],"2084":[1958,1959],"2086":[1960],"2092":[1961,1962],"2093":[1963,1964],"2094":[1965,1966],"2095":[1967,1968,1969],"2096":[1970,1971,1972],"2097":[1973],"2098":[1974],"2099":[1975,1976],"2100":[1977,1978],"2101":[1979,1980],"2102":[1981],"2108":[1982],"2109":[1983],"2110":[1984,1985,1986],"2111":[1987,1988],"2135":[1989],"2136":[1990],"2137":[1991],"2138":[1992],"2139":[1993],"2141":[1994],"2145":[1995],"2147":[1996],"2148":[1997],"2156":[1998,1999],"2157":[2000],"2158":[2001],"2159":[2002],"2192":[2003],"2193":[2004,2005],"2194":[2006,2007],"2195":[2008],"2196":[2009,2010],"2197":[2011],"2198":[2012],"2200":[2013,2014],"2201":[2015,2016],"2202":[2017,2018],"2203":[2019],"2206":[2020],"2207":[2021,2022],"2208":[2023],"2210":[2024,2025],"2212":[2026,2027],"2213":[2028],"2214":[2029],"2216":[2030],"2219":[2031,2032],"2220":[2033],"2221":[2034,2035],"2222":[2036],"2247":[2037],"2249":[2038],"2254":[2039,2040],"2255":[2041],"2256":[2042,2043],"2257":[2044],"2258":[2045,2046,2047],"2259":[2048,2049],"2264":[2050,2051],"2272":[2052],"2279":[2053,2054],"2280":[2055],"2281":[2056,2057],"2282":[2058,2059],"2283":[2060,2061],"2284":[2062,2063],"2285":[2064,2065,2066],"2291":[2067],"2292":[2068,2069],"2293":[2070],"2294":[2071],"2295":[2072,2073],"2298":[2074],"2301":[2075],"2302":[2076],"2304":[2077],"2305":[2078],"2306":[2079,2080,2081],"2308":[2082,2083,2084],"2309":[2085,2086,2087],"2310":[2088],"2311":[2089],"2312":[2090],"2313":[2091,2092],"2314":[2093,2094],"2315":[2095,2096],"2316":[2097,2098],"2317":[2099,2100],"2318":[2101,2102],"2319":[2103,2104,2105],"2320":[2106],"2321":[2107,2108],"2322":[2109,2110],"2323":[2111],"2324":[2112,2113,2114],"2325":[2115,2116],"2326":[2117],"2327":[2118],"2329":[2119,2120],"2330":[2121],"2331":[2122],"2332":[2123],"2333":[2124,2125],"2334":[2126,2127],"2335":[2128,2129],"2336":[2130,2131,2132],"2337":[2133,2134],"2338":[2135,2136],"2339":[2137,2138],"2340":[2139,2140,2141],"2341":[2142,2143],"2342":[2144],"2358":[2145],"2363":[2146],"2378":[2147],"2379":[2148],"2394":[2149],"2396":[2150],"2415":[2151],"2428":[2152,2153],"2429":[2154],"2430":[2155,2156],"2431":[2157,2158,2159],"2432":[2160,2161],"2433":[2162],"2434":[2163],"2435":[2164],"2437":[2165],"2438":[2166,2167],"2439":[2168],"2440":[2169,2170],"2453":[2171,2172],"2454":[2173,2174],"2455":[2175,2176],"2456":[2177],"2457":[2178],"2459":[2179,2180,2181],"2460":[2182,2183],"2461":[2184],"2470":[2185,2186],"2471":[2187],"2472":[2188,2189,2190,2191],"2473":[2192],"2475":[2193],"2478":[2194],"2481":[2195],"2486":[2196],"2491":[2197],"2492":[2198,2199],"2493":[2200,2201],"2494":[2202,2203,2204],"2495":[2205,2206],"2496":[2207,2208],"2497":[2209,2210,2211],"2498":[2212,2213,2214],"2499":[2215],"2500":[2216,2217,2218],"2501":[2219],"2502":[2220,2221],"2505":[2222],"2506":[2223,2224],"2507":[2225,2226],"2508":[2227],"2539":[2228],"2608":[2229],"2635":[2230],"2651":[2231],"2652":[2232,2233],"2653":[2234],"2658":[2235,2236],"2660":[2237],"2662":[2238,2239],"2663":[2240,2241,2242],"2664":[2243,2244],"2665":[2245,2246],"2666":[2247],"2667":[2248,2249],"2668":[2250],"2669":[2251],"2670":[2252,2253,2254],"2682":[2255,2256],"2684":[2257,2258],"2685":[2259],"2686":[2260],"2688":[2261,2262],"2690":[2263],"2691":[2264],"2692":[2265],"2693":[2266,2267],"2694":[2268,2269,2270],"2695":[2271,2272,2273],"2696":[2274,2275],"2697":[2276],"2702":[2277],"2703":[2278,2279],"2706":[2280],"2707":[2281,2282],"2708":[2283],"2709":[2284,2285],"2710":[2286],"2713":[2287,2288],"2715":[2289,2290],"2717":[2291,2292],"2718":[2293,2294],"2719":[2295],"2722":[2296],"2723":[2297,2298],"2726":[2299],"2727":[2300,2301,2302],"2728":[2303,2304,2305],"2737":[2306],"2739":[2307],"2741":[2308,2309],"2742":[2310,2311],"2743":[2312,2313],"2744":[2314],"2748":[2315],"2749":[2316],"2750":[2317],"2751":[2318,2319],"2754":[2320],"2760":[2321],"2765":[2322],"2768":[2323],"2770":[2324],"2771":[2325],"2772":[2326],"2773":[2327],"2779":[2328],"2781":[2329],"2782":[2330,2331],"2783":[2332,2333],"2784":[2334,2335],"2790":[2336,2337],"2791":[2338,2339,2340],"2792":[2341],"2795":[2342],"2796":[2343],"2797":[2344],"2798":[2345],"2799":[2346],"2800":[2347],"2801":[2348],"2802":[2349],"2803":[2350,2351,2352],"2806":[2353,2354],"2807":[2355],"2808":[2356,2357],"2809":[2358],"2810":[2359],"2814":[2360],"2815":[2361,2362],"2816":[2363,2364],"2817":[2365],"2821":[2366],"2827":[2367],"2828":[2368],"2833":[2369,2370],"2834":[2371,2372],"2835":[2373],"2836":[2374],"2837":[2375],"2841":[2376],"2844":[2377],"2851":[2378],"2852":[2379,2380],"2854":[2381],"2855":[2382,2383],"2857":[2384],"2859":[2385],"2863":[2386],"2867":[2387,2388],"2868":[2389,2390],"2869":[2391],"2870":[2392],"2877":[2393],"2889":[2394],"2892":[2395],"2894":[2396],"2896":[2397],"2897":[2398,2399,2400],"2899":[2401],"2909":[2402],"2917":[2403,2404],"2920":[2405],"2921":[2406],"2927":[2407],"2929":[2408,2409],"2931":[2410],"2932":[2411],"2935":[2412],"2936":[2413],"2940":[2414],"2942":[2415,2416],"2953":[2417],"2963":[2418],"2967":[2419],"2970":[2420],"2971":[2421],"2977":[2422],"2979":[2423,2424],"2983":[2425,2426],"2984":[2427,2428],"2985":[2429,2430,2431],"2986":[2432],"2987":[2433,2434],"2988":[2435],"2989":[2436],"2990":[2437],"2991":[2438],"2993":[2439,2440],"2994":[2441,2442],"2995":[2443],"2998":[2444],"2999":[2445,2446],"3000":[2447],"3002":[2448,2449,2450,2451],"3003":[2452],"3004":[2453,2454],"3005":[2455,2456],"3006":[2457,2458],"3007":[2459],"3008":[2460,2461],"3010":[2462,2463],"3011":[2464],"3016":[2465],"3017":[2466],"3026":[2467,2468],"3027":[2469,2470],"3028":[2471,2472],"3029":[2473],"3030":[2474,2475,2476],"3031":[2477,2478],"3032":[2479,2480],"3033":[2481],"3034":[2482],"3035":[2483],"3036":[2484],"3050":[2485,2486],"3056":[2487,2488],"3058":[2489],"3059":[2490,2491],"3060":[2492],"3061":[2493],"3062":[2494],"3063":[2495,2496],"3064":[2497],"3065":[2498],"3066":[2499],"3067":[2500,2501],"3068":[2502],"3069":[2503,2504],"3070":[2505,2506],"3079":[2507],"3080":[2508,2509,2510],"3081":[2511,2512],"3082":[2513,2514],"3083":[2515,2516],"3084":[2517],"3085":[2518,2519],"3088":[2520],"3089":[2521],"3090":[2522],"3091":[2523],"3094":[2524],"3095":[2525],"3105":[2526],"3107":[2527,2528],"3118":[2529],"3121":[2530,2531],"3135":[2532],"3140":[2533],"3142":[2534],"3147":[2535,2536],"3148":[2537,2538],"3149":[2539],"3162":[2540,2541],"3163":[2542],"3166":[2543],"3167":[2544],"3168":[2545],"3173":[2546],"3174":[2547,2548],"3182":[2549],"3183":[2550,2551,2552],"3184":[2553],"3185":[2554],"3186":[2555,2556],"3187":[2557,2558],"3188":[2559,2560],"3190":[2561,2562],"3191":[2563,2564],"3198":[2565],"3201":[2566],"3202":[2567],"3210":[2568],"3211":[2569],"3216":[2570],"3217":[2571],"3218":[2572],"3219":[2573],"3220":[2574,2575],"3221":[2576],"3222":[2577],"3223":[2578],"3224":[2579],"3225":[2580],"3226":[2581,2582,2583],"3227":[2584],"3228":[2585,2586],"3229":[2587],"3230":[2588],"3231":[2589],"3232":[2590],"3233":[2591],"3234":[2592],"3238":[2593],"3239":[2594],"3243":[2595],"3244":[2596],"3246":[2597,2598],"3247":[2599],"3248":[2600],"3249":[2601],"3250":[2602,2603,2604],"3251":[2605],"3252":[2606,2607],"3254":[2608],"3256":[2609,2610],"3261":[2611],"3267":[2612,2613],"3269":[2614],"3270":[2615,2616],"3271":[2617],"3273":[2618,2619],"3274":[2620,2621],"3276":[2622],"3277":[2623],"3278":[2624],"3281":[2625,2626],"3283":[2627,2628],"3284":[2629,2630],"3285":[2631],"3286":[2632,2633],"3287":[2634],"3288":[2635],"3290":[2636],"3291":[2637,2638],"3292":[2639],"3294":[2640],"3295":[2641,2642],"3296":[2643],"3297":[2644,2645],"3298":[2646,2647],"3299":[2648],"3300":[2649,2650],"3305":[2651],"3306":[2652],"3309":[2653,2654],"3310":[2655],"3311":[2656,2657],"3312":[2658,2659],"3314":[2660],"3315":[2661,2662],"3316":[2663,2664],"3317":[2665],"3318":[2666],"3319":[2667],"3323":[2668],"3329":[2669],"3331":[2670],"3345":[2671],"3349":[2672],"3351":[2673],"3353":[2674,2675],"3354":[2676,2677],"3355":[2678],"3356":[2679,2680],"3357":[2681,2682],"3358":[2683],"3361":[2684],"3366":[2685],"3370":[2686],"3371":[2687],"3373":[2688,2689],"3374":[2690],"3386":[2691],"3387":[2692],"3388":[2693,2694,2695],"3389":[2696],"3393":[2697,2698],"3394":[2699,2700],"3395":[2701],"3397":[2702],"3398":[2703],"3399":[2704,2705],"3400":[2706],"3401":[2707,2708,2709],"3402":[2710],"3403":[2711,2712],"3404":[2713],"3407":[2714],"3413":[2715],"3414":[2716,2717],"3415":[2718,2719],"3416":[2720,2721,2722],"3417":[2723,2724],"3418":[2725,2726],"3419":[2727,2728],"3420":[2729,2730,2731],"3421":[2732,2733,2734],"3422":[2735],"3423":[2736,2737],"3424":[2738],"3425":[2739],"3433":[2740],"3434":[2741],"3435":[2742],"3438":[2743,2744],"3440":[2745],"3441":[2746,2747,2748],"3442":[2749,2750],"3443":[2751,2752],"3446":[2753,2754],"3448":[2755,2756],"3449":[2757,2758],"3450":[2759],"3451":[2760,2761],"3452":[2762],"3453":[2763,2764],"3454":[2765,2766],"3455":[2767],"3456":[2768],"3457":[2769,2770],"3458":[2771],"3459":[2772],"3461":[2773],"3465":[2774],"3466":[2775],"3469":[2776],"3479":[2777],"3482":[2778],"3484":[2779],"3486":[2780],"3489":[2781],"3490":[2782],"3491":[2783],"3492":[2784],"3493":[2785],"3494":[2786],"3495":[2787],"3496":[2788],"3498":[2789,2790,2791],"3499":[2792],"3500":[2793,2794],"3502":[2795],"3503":[2796],"3508":[2797],"3509":[2798,2799,2800],"3511":[2801],"3514":[2802],"3515":[2803],"3516":[2804,2805],"3517":[2806,2807],"3518":[2808],"3519":[2809],"3520":[2810,2811],"3521":[2812,2813],"3522":[2814,2815],"3523":[2816,2817],"3524":[2818],"3525":[2819],"3526":[2820],"3527":[2821],"3528":[2822,2823,2824],"3529":[2825],"3530":[2826,2827],"3531":[2828],"3532":[2829],"3533":[2830],"3534":[2831,2832],"3536":[2833],"3537":[2834,2835],"3538":[2836,2837],"3539":[2838,2839],"3540":[2840,2841],"3541":[2842],"3542":[2843],"3543":[2844],"3544":[2845],"3545":[2846],"3547":[2847],"3570":[2848],"3632":[2849],"3645":[2850],"3652":[2851],"3686":[2852],"3697":[2853],"3704":[2854],"3720":[2855],"3721":[2856],"3725":[2857,2858],"3726":[2859,2860],"3727":[2861,2862],"3728":[2863],"3729":[2864,2865],"3730":[2866],"3732":[2867],"3733":[2868,2869],"3734":[2870],"3735":[2871],"3736":[2872,2873],"3737":[2874],"3738":[2875],"3743":[2876],"3751":[2877],"3752":[2878],"3753":[2879],"3767":[2880],"3777":[2881],"3791":[2882],"3800":[2883],"3824":[2884],"3825":[2885],"3828":[2886],"3830":[2887],"3831":[2888],"3835":[2889,2890],"3836":[2891],"3837":[2892],"3849":[2893],"3860":[2894],"3869":[2895],"3875":[2896],"3887":[2897],"3889":[2898],"3896":[2899],"3907":[2900,2901],"3908":[2902,2903],"3909":[2904,2905],"3910":[2906],"3913":[2907],"3914":[2908],"3915":[2909,2910],"3916":[2911],"3917":[2912,2913],"3918":[2914],"3922":[2915],"3924":[2916],"3938":[2917],"3940":[2918],"3943":[2919],"3944":[2920],"3945":[2921,2922],"3946":[2923,2924,2925],"3947":[2926],"3948":[2927],"3954":[2928],"3956":[2929],"3960":[2930,2931],"3962":[2932,2933],"3964":[2934],"3965":[2935],"3966":[2936],"3968":[2937],"3972":[2938],"3979":[2939],"3980":[2940],"3984":[2941],"3986":[2942],"3988":[2943],"3989":[2944],"3994":[2945],"4000":[2946,2947],"4001":[2948,2949,2950],"4002":[2951],"4003":[2952,2953],"4004":[2954,2955],"4005":[2956],"4006":[2957,2958],"4007":[2959],"4008":[2960,2961],"4010":[2962,2963],"4011":[2964],"4015":[2965],"4017":[2966],"4027":[2967],"4029":[2968],"4030":[2969],"4031":[2970],"4032":[2971],"4034":[2972],"4035":[2973],"4036":[2974],"4037":[2975],"4041":[2976],"4047":[2977],"4048":[2978],"4049":[2979],"4050":[2980],"4051":[2981],"4053":[2982,2983],"4055":[2984],"4056":[2985],"4062":[2986],"4067":[2987],"4070":[2988],"4071":[2989],"4078":[2990],"4079":[2991,2992,2993,2994],"4080":[2995],"4082":[2996],"4100":[2997,2998],"4101":[2999,3000],"4102":[3001,3002,3003],"4103":[3004,3005],"4104":[3006],"4105":[3007],"4106":[3008,3009,3010],"4107":[3011],"4108":[3012,3013],"4110":[3014,3015],"4111":[3016,3017,3018,3019,3020],"4112":[3021],"4113":[3022],"4115":[3023],"4117":[3024,3025],"4118":[3026],"4119":[3027],"4125":[3028],"4129":[3029],"4132":[3030,3031],"4133":[3032,3033],"4135":[3034,3035],"4142":[3036],"4149":[3037],"4150":[3038],"4151":[3039],"4152":[3040],"4153":[3041],"4155":[3042],"4156":[3043],"4157":[3044,3045,3046],"4158":[3047,3048],"4160":[3049],"4161":[3050,3051],"4162":[3052],"4164":[3053],"4168":[3054],"4170":[3055],"4175":[3056],"4188":[3057],"4193":[3058,3059],"4195":[3060],"4198":[3061],"4199":[3062,3063],"4200":[3064,3065],"4202":[3066],"4203":[3067],"4208":[3068,3069],"4209":[3070],"4210":[3071,3072],"4211":[3073],"4213":[3074],"4214":[3075],"4218":[3076],"4234":[3077],"4235":[3078],"4240":[3079],"4241":[3080],"4242":[3081,3082],"4243":[3083],"4244":[3084],"4245":[3085],"4246":[3086],"4247":[3087],"4257":[3088],"4258":[3089,3090],"4260":[3091],"4262":[3092],"4263":[3093],"4269":[3094,3095],"4271":[3096,3097],"4272":[3098,3099],"4273":[3100,3101,3102,3103],"4274":[3104],"4275":[3105],"4276":[3106,3107],"4277":[3108,3109],"4278":[3110],"4279":[3111],"4280":[3112],"4281":[3113],"4286":[3114,3115],"4287":[3116],"4288":[3117],"4289":[3118],"4290":[3119],"4291":[3120],"4293":[3121,3122],"4294":[3123],"4298":[3124,3125],"4299":[3126],"4300":[3127,3128],"4305":[3129],"4306":[3130],"4315":[3131],"4316":[3132,3133],"4320":[3134],"4322":[3135],"4323":[3136],"4328":[3137],"4329":[3138,3139,3140],"4330":[3141,3142],"4334":[3143,3144],"4335":[3145],"4336":[3146,3147],"4337":[3148,3149,3150,3151],"4338":[3152],"4339":[3153],"4342":[3154],"4343":[3155],"4346":[3156],"4347":[3157],"4348":[3158,3159],"4349":[3160,3161,3162],"4350":[3163],"4352":[3164,3165],"4355":[3166,3167,3168],"4356":[3169],"4357":[3170],"4358":[3171,3172],"4359":[3173,3174],"4360":[3175,3176],"4362":[3177],"4363":[3178,3179],"4364":[3180],"4365":[3181],"4367":[3182],"4370":[3183],"4372":[3184],"4373":[3185],"4381":[3186],"4382":[3187],"4383":[3188],"4385":[3189,3190],"4386":[3191],"4387":[3192],"4388":[3193,3194],"4389":[3195,3196],"4390":[3197],"4391":[3198],"4392":[3199],"4393":[3200,3201],"4394":[3202,3203],"4395":[3204,3205],"4396":[3206],"4398":[3207],"4399":[3208],"4400":[3209],"4401":[3210,3211],"4402":[3212],"4403":[3213],"4405":[3214],"4408":[3215],"4409":[3216],"4410":[3217,3218],"4411":[3219],"4417":[3220],"4419":[3221],"4424":[3222],"4426":[3223],"4427":[3224,3225],"4428":[3226],"4429":[3227],"4432":[3228,3229,3230],"4435":[3231,3232],"4436":[3233,3234],"4445":[3235,3236],"4449":[3237,3238],"4451":[3239,3240],"4454":[3241],"4455":[3242],"4459":[3243],"4463":[3244,3245,3246],"4464":[3247,3248],"4465":[3249,3250],"4466":[3251,3252,3253],"4467":[3254],"4475":[3255],"4486":[3256],"4487":[3257],"4489":[3258],"4490":[3259,3260],"4491":[3261],"4492":[3262,3263],"4493":[3264],"4495":[3265],"4502":[3266],"4503":[3267],"4506":[3268],"4509":[3269],"4516":[3270,3271],"4519":[3272],"4522":[3273],"4523":[3274],"4535":[3275],"4541":[3276],"4544":[3277],"4545":[3278],"4551":[3279],"4558":[3280],"4559":[3281],"4562":[3282,3283],"4563":[3284],"4564":[3285],"4565":[3286],"4571":[3287],"4574":[3288],"4575":[3289,3290],"4576":[3291],"4580":[3292],"4581":[3293],"4590":[3294],"4592":[3295],"4593":[3296,3297],"4594":[3298],"4595":[3299],"4596":[3300],"4597":[3301],"4603":[3302],"4604":[3303],"4606":[3304],"4607":[3305],"4613":[3306],"4615":[3307,3308,3309],"4617":[3310],"4624":[3311],"4625":[3312,3313],"4626":[3314],"4628":[3315],"4629":[3316],"4632":[3317],"4633":[3318],"4634":[3319,3320],"4645":[3321],"4650":[3322],"4655":[3323,3324,3325],"4656":[3326],"4657":[3327],"4658":[3328],"4661":[3329],"4663":[3330,3331],"4672":[3332],"4673":[3333,3334],"4675":[3335],"4676":[3336],"4677":[3337],"4684":[3338],"4687":[3339],"4688":[3340],"4694":[3341],"4696":[3342],"4704":[3343],"4705":[3344],"4706":[3345,3346],"4710":[3347],"4712":[3348,3349,3350],"4713":[3351],"4714":[3352],"4727":[3353],"4729":[3354],"4730":[3355],"4737":[3356],"4739":[3357],"4741":[3358],"4751":[3359],"4752":[3360],"4759":[3361,3362],"4763":[3363],"4765":[3364],"4768":[3365,3366],"4770":[3367],"4773":[3368,3369,3370],"4774":[3371],"4780":[3372,3373],"4791":[3374,3375],"4792":[3376],"4793":[3377,3378],"4794":[3379],"4796":[3380,3381,3382],"4797":[3383],"4798":[3384],"4799":[3385,3386,3387],"4800":[3388],"4805":[3389],"4808":[3390,3391],"4810":[3392],"4811":[3393,3394],"4815":[3395],"4819":[3396],"4822":[3397],"4824":[3398],"4825":[3399],"4834":[3400],"4835":[3401],"4836":[3402],"4843":[3403,3404],"4844":[3405,3406],"4849":[3407],"4852":[3408],"4853":[3409],"4859":[3410],"4868":[3411],"4869":[3412],"4871":[3413,3414],"4872":[3415],"4873":[3416],"4875":[3417,3418],"4878":[3419,3420],"4885":[3421],"4886":[3422],"4893":[3423],"4895":[3424],"4905":[3425],"4908":[3426],"4910":[3427,3428],"4911":[3429],"4916":[3430,3431],"4917":[3432,3433],"4918":[3434],"4931":[3435],"4935":[3436,3437],"4937":[3438],"4938":[3439],"4939":[3440],"4940":[3441],"4942":[3442],"4943":[3443,3444],"4944":[3445,3446],"4945":[3447],"4948":[3448],"4949":[3449],"4951":[3450],"4958":[3451],"4961":[3452],"4967":[3453],"4968":[3454],"4973":[3455],"4974":[3456],"4975":[3457],"4976":[3458],"4979":[3459],"4980":[3460,3461],"4981":[3462],"4984":[3463],"4985":[3464],"4986":[3465,3466],"4987":[3467],"5000":[3468,3469],"5001":[3470],"5002":[3471],"5009":[3472],"5010":[3473,3474],"5011":[3475,3476],"5014":[3477],"5018":[3478],"5026":[3479],"5057":[3480],"5058":[3481],"5061":[3482],"5067":[3483],"5069":[3484],"5072":[3485],"5080":[3486],"5082":[3487],"5088":[3488],"5105":[3489],"5109":[3490],"5114":[3491],"5120":[3492],"5134":[3493],"5139":[3494],"5146":[3495],"5148":[3496],"5153":[3497],"5154":[3498],"5159":[3499],"5160":[3500],"5164":[3501],"5169":[3502],"5172":[3503],"5181":[3504,3505],"5182":[3506],"5186":[3507],"5200":[3508],"5202":[3509],"5204":[3510,3511],"5207":[3512,3513],"5209":[3514],"5210":[3515],"5212":[3516],"5221":[3517],"5225":[3518],"5227":[3519],"5233":[3520],"5237":[3521],"5241":[3522],"5242":[3523],"5243":[3524],"5244":[3525],"5247":[3526,3527],"5251":[3528],"5252":[3529],"5253":[3530],"5255":[3531],"5258":[3532],"5259":[3533],"5260":[3534],"5261":[3535],"5266":[3536],"5269":[3537],"5277":[3538],"5278":[3539],"5280":[3540],"5283":[3541],"5284":[3542],"5285":[3543,3544,3545]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية]ـ\n(أكثر من ٩٠٠٠ موقف لأكثر من ١٠٠٠ عالم على مدى ١٥ قرنًا)\nالمؤلف: أبو سهل محمد بن عبد الرحمن المغراوي\nالناشر: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، القاهرة - مصر، النبلاء للكتاب، مراكش - المغرب\nالطبعة: الأولى\nعدد الأجزاء: ١٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التراجم]","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (١).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (٢).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (٣).\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٢).\n(٢) النساء الآية (١).\n(٣) الأحزاب الآيتان (٧٠ و٧١).","vol":"مقدمة","page":1},{"text":"أما بعد: فإني لما تخرجت بالإجازة من كلية الشريعة بالمدينة النبوية سنة (ألف وثلاثمائة وخمسة وتسعين)، ودخلت إلى حقل الدعوة إلى الله، وأسست جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة مع بعض الإخوة الفضلاء، رأيت هجمة شرسة من قبل أعداء الإسلام؛ كما هو الواقع الآن على الدعوة السلفية والتحذير منها، وأنها دعوة خطيرة على المجتمع.\nوالحق أن السلفية دعوة مباركة تهتم بتصحيح المعتقد، ونبذ الخرافات والشركيات، وتقويم العبادات على وفق السنة النبوية، وتصحيح السلوك وتهذيب الأخلاق وتزكيتها، وتربي الشباب على العناية بحفظ كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -؛ علمًا وعملًا، وفهمًا وتطبيقًا، ودعوة وتأصيلًا، ولا ترى الحجية في غير كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، أو ما نتج عنهما من إجماع أو قياس صحيح، أو فهم سلفي منضبط، فمهما كان القائل فلا بد أن يُطلب منه الدليل من الكتاب أو السنة.\nوقد أسست لذلك مدارس \"دور القرآن\" في كل أرجاء البلاد لنشر هذا المنهاج المبارك، وكان -ولله الحمد- الإقبال عليها من كل الشرائح الاجتماعية؛ الذكور والإناث، والصغار والكبار، والشباب والشابات، وها هم أهل المغرب الغيورون على الكتاب والسنة؛ يرفعون أكف الضراعة إلى الله أن يردّ عليهم مدارسهم، -أي: دور القرآن- التي خدمت البلاد والعباد بكلّ أنواع","vol":"مقدمة","page":2},{"text":"الخدمات، فهذبت الشباب والشابات، وصرفتهم عن اللهو والعبث والفتن، والوقوع في حمأة الشرك والبدع والخرافات والإلحاد والرذائل والتكفير وفي كل ما يضرّ البلاد والعباد، وجعلتهم -ولله الحمد- مصابيح مضيئة بنور القرآن والسنة، في المساجد ودور القرآن وفي المؤسسات التعليمية بكل مراحلها الابتدائية والإعدادية، والثانوية والجامعية، وفي المناسبات من أعراس وعقائق وجنائز، وفي كل التجمعات التي تجتمع على الخير وعلى القرآن والسنة، وفي كل موقف يخدم الأهداف الصالحة لهذه البلاد الغالية من أمن وأمان، ويحاربون كل ما يؤدي إلى القلاقل والاضطراب؛ فإن هذا لا خير فيه للأمة بأجمعها، وكل من يقلق أمن هذه البلاد وغيرها من بلاد الإسلام؛ فلا يريد بالأمة خيرًا. اللهم اهد ضالّ هذه الأمة.\nهذا: وفي عام ثلاث وأربعمائة وألف، قدمت أطروحة لنيل الدكتوراه بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبويّة في قسم العقيدة. تحت عنوان: \"العقيدة السلفية في مسيرتها التاريخية وقدرتها على مواجهة التحديات\". وقد منّ الله تعالى بفضله وكرمه بنيلها وحيازتها بدرجة مشرِّفة جدًا، وظلت حبيسة الرفوف مدة، وقد أعدت النظر فيها وزدت عليها أضعاف أضعافها من المباحث المنيفة، والفصول الشيقة، حتى غدا بعض فصولها مباحث مستقلة، وكتبًا مفردة.","vol":"مقدمة","page":3},{"text":"وقد ارتأيت اليوم أن تكون دراسة موضوع \"العقيدة السلفية في مسيرتها التاريخية وقدرتها على مواجهة التحديات\"؛ مقسمة إلى أقسام عديدة، مبرزة لمعالمها، وشاملة لمباحثها على النحو التالي:\n* القسم الأول: إتحاف الأخيار بفضائل عقيدة السلف الأبرار.\n* القسم الثاني: الاعتصام بالكتاب والسنة وفهم السلف عند ظهور الأهواء والبدع والفتن والاختلاف.\n* القسم الثالث: الصحيح في تفصيل الاعتقاد من هدي خير العباد.\n* القسم الرابع: أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف.\n* القسم الخامس: مغني العقلاء في بيان المواقف العقدية في دعوة الأنبياء.\n* القسم السادس: المواقف العقدية والأساليب الدعوية في مواجهة تحديات الجاهلية من خلال صحيح سيرة خير البرية - ﷺ -.\n* القسم السابع: موسوعة مواقف السلف الصالح في العقيدة والمنهج والتربية. وهو القسم الذي نخرجه للقراء في هذه الطبعة بإذن الله وتوفيقه.\n* القسم الثامن: المصادر العلمية للعقيدة السلفية.","vol":"مقدمة","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الأسباب البواعث على التأليف</span>\nإن المرء يظل أسير معتقداته وقناعاته الشخصية -إن كان صادقًا-؛ تتفتق بحسبها أفكاره وتنبعث على وِفقها أقواله وأفعاله، وإراداته، لا يحيد عنها ولا يزيغ، كان حبنا لسنة سيد المرسلين - ﷺ - ولنهج السلف الصالحين الذي غمر قلوبنا، وملأ أفئدتنا، باعثًا قويًا، وحافزًا مؤثرًا في خط الصفحات وكتب هذه المجلدات، فنرجو الله أن نكون كذلك وأن يثبتنا، وأن لا يزيغ قلوبنا.\nهذا الحب للنبي - ﷺ - تمخضت عنه أسباب دفعت لتأليف هذا الكتاب نجمل بعضها فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>السبب الأول: النصح لله ورسوله والمسلمين:</span>\nفرض الله تعالى على لسان رسوله - ﷺ - النصح له ﷿، ولكتابه، ورسوله، وللمسلمين عامتهم وخاصتهم، حيث حصر الناصح الأمين - ﷺ - الدين في التناصح على سبيل التنبيه على عظمة النصيحة، فقال: \"الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، ثلاثًا. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ﷿، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم\" (١).\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٠٢) ومسلم (١/ ٧٤/٥٥) وأبو داود (٥/ ٢٣٣/٤٩٤٤) والنسائي (٧/ ١٧٦ - ١٧٧/ ٤٢٠٨ و٤٢٠٩) من حديث أبي رقية تميم الداري.","vol":"مقدمة","page":5},{"text":"وقد يسر الله كتابة هذه الأسفار نصرة منا لله سبحانه، ولرسوله، ونصحًا لأنفسنا ولإخواننا ولعموم المسلمين الذين أوجب الله علينا النصح لهم، وإرشادهم لما فيه صلاحهم في الحال والمآل؛ وذلك بربطهم بمعتقد سلفهم الصالح رضوان الله عليهم؛ ولأن الخلف البارّ الذي يحرص على طلب الحق وتصفية المعتقد والمنهاج والمواقف، لا يجوز له بحال أن تنفك صلته عن السلف الصالح، في معرفة سيرهم ومناقبهم ومواقفهم العقدية والمنهجية، وهم قدوته في كل خير، وعلى نهجهم يسير، وبمواقفهم يقتدي، وهم -ولله الحمد- عدد كبير بلغ في هذا السجل المبارك أزيد من ألف إمام على مدى عصور الإسلام، ابتداء بعصر الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان، -لا كما يقوله بعض الجهال: إن السلفية بدأت بابن تيمية ثم ابن عبد الوهاب-، وتكون هذه الدراسة سجلًا مباركًا بيد كل سلفي يحتج به على كل مبطل ينكر هذا المنهاج ويتنكب عنه، ويطعن فيه، والطعن في هذا المنهج طعن في خيرة خلق الله، وهذا أمر عظيم وموبقة من الموبقات.","vol":"مقدمة","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>السبب الثاني: طعن الملاحدة وأعداء الإسلام في السلفية:</span>\nمنذ قرابة ربع قرن تقريبًا، حوالي سنة ١٣٩٥ هـ الموافق لسنة ١٩٧٥ م. -على ما يغلب على ظني-. عقد الملاحدة أعداء الإسلام ندوة كبيرة في بعض البلاد الإسلامية بخصوص الطعن في السلفية، وشارك فيها كبار القوم، وحضرها جمهور غفير من الناس، وشوهوا وافتروا كيف ما حلا لهم، ولم يقفوا عند عقد الندوة فقط، بل نشروها في جرائد لهم، يتكلمون بكلام لا يصدر إلا من عدو خبيث، يبينون للحضور والقراء خطورة العقيدة السلفية إن حصل انتشارها في مجتمعاتهم. وحينها انهالت علي الأسئلة للتعرف على السلفية، فمن الأسئلة: هل هناك كتاب يمكن أن نتعرف فيه على السلفيين ومواقفهم، فذكرت بأنني لا أعرف إلا كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا. وبقيت تلك الأسئلة تراودني طيلة تلك المدة حتى كتب الله الرجوع إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، والالتحاق بالدراسات العليا بها، ثم مرحلة الدكتوراه التي اغتنمتها فرصة لإخراجها من حيز التفكير إلى ساحة التطبيق العملي.\nفكان هذا من أكبر الدوافع وأعظم المحفزات في تسجيل بحث نيل الدكتوراه في هذا الموضوع.","vol":"مقدمة","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>السبب الثالث: تقريب مواقف السلف للأمة:</span>\nلقد ظلت آثار السلف ومواقفهم العقدية في طيات كثير من المصنفات مطمورة، وبين أسطر أخرى مغمورة، لا يعرف الطلاب لها من سبيل، ولا يدلهم عليها دليل، إلا ما تيسر من كتاب \"سير أعلام النبلاء\" للإمام الذهبي ﵀، الذي ضم في تراجم أعلامه بعضها، وهو أحد المراجع التي استخلصنا فوائدها وفرائدها، وزدنا عليه عشرات من أمثاله التي استقرئت بكاملها، من مؤلفات العقائد، وأضعاف أضعافها مما انتقي من غيرها، كما سيأتي جرد أسماء بعض منها في محله إن شاء الله تعالى.\nفتيسير الوقوف على مواقف السلف النيرة، وأقوالهم الزاهرة، وتراجمهم العطرة في كتاب مفرد، غاية في حد ذاتها.\nهذا الكنز الثمين من الآثار السلفية الذي نقدمه اليوم للأمة لا يعلم قيمته ونفاسته إلا من أجهد نفسه للظفر بدرة من درره؛ وقطف ثمرة من ثمراته، وسل الغائص في بحر الكتب لاستخلاصها، والمسير طرفه بين الأسطر لالتقاط دررها، تعلم مدى الجهد والعناء الذي اختزل في ما بين يديك! ولا أدل على ذلك من أنا أمضينا زمنًا طويلًا في استخراجها ونظم عقدها. والله الموفق، لا رب سواه.","vol":"مقدمة","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>السبب الرابع: التعريف بالسلف وإبراز مواقفهم:</span>\nهذه الموسوعة العظيمة الممهَّدة بين يدي الناظر فيها تيسر له التعرف على أئمة السلف والوقوف على تراجمهم، ومواقفهم العقدية في اتساق مرتب، واختصار مهذب؛ إذ معرفتها أنفع للمسلم في دينه ودنياه من معرفة أقوال غيرهم. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\n\"ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيرًا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله؛ كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك؛ فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة.\nفالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم؛ وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه، قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ","vol":"مقدمة","page":9},{"text":"إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>السبب الخامس: شد أزر السلفين وتثبيت قلوبهم:</span>\nقد يشعر المؤمن عمومًا والسلفي خصوصًا بغربته في هذا الزمان وهو بين أهله، وبوحدته وهو بين أترابه، ليست غربة اتخذها اختيارًا، ولا وحدة اصطفاها لنفسه استئثارًا، وإنما سيق لها اضطرارًا، سنة اقتضتها حكمة رب عليم حكيم؛ قال النبي - ﷺ -: \"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء\" (٢).\nقال الشاطبي: \"وهذه سنة الله في الخلق، أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ (٤)، ولينجز الله ما وعد به نبيه - ﷺ - من عود وصف الغربة إليه؛ فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتصير\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٣ - ٣٠).\n(٢) مسلم (١/ ١٣٠/١٤٥) وابن ماجه (٢/ ١٣١٩ - ١٣٢٠/ ٣٩٨٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) يوسف الآية (١٠٣).\n(٤) سبأ الآية (١٣).","vol":"مقدمة","page":10},{"text":"السنة بدعة والبدعة سنة، فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف كما كان أولًا يقام على أهل البدعة، طمعًا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها -على كثرتها- على مخالفة السنة عادة وسمعًا؛ بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله، غير أنهم -لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء، استدعاء إلى موافقتهم- لا يزالون في جهاد ونزاع، ومدافعة وقراع، آناء الليل والنهار، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل، ويثيبهم الثواب العظيم\". (١)\nفطوبى لهم في غربتهم، وطوبى لهم في استئناسهم بكلام ربهم، ومصاحبة أنفاس نبيهم - ﷺ - القولية والفعلية، وطوبى لمن جال بقلبه وفكره في كسر طوق هذه الغربة في رياض السنة النضرة، ومواقف السلف العطرة، ونأى بنفسه عن ورود حياض البدع الكدرة، ومستنقعاتها القذرة، وسقى نفسه من معين الكتاب والسنة ماء عذبًا زلالًا، صافيًا نقيًا، لم تكدره الدلاء، ولم تخالطه الآراء.\nوارتوى مما ارتوى منه أبو بكر وعمر ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين، وبقية العشرة المبشرين، وسائر الصحابة المرضيين، ومن اقتفى أثرهم من الأئمة والمُحَدِّثِين، والعلماء المعتبرين، خلفًا عن سلف.\nهذا المشرب الموحد الذي ورده سائر الأعلام على امتداد تاريخ هذه\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٣٠ - ٣١).","vol":"مقدمة","page":11},{"text":"الأمة المجيدة، طيلة أربعة عشر قرنًا خلت، ولم يتخلف عنه أحد منهم، ولم يحد بصرهم عنه، رغم عواصف البدع الرعناء، وتيارات الإلحاد الهوجاء، ومحن من أشربها من القادة والسلاطين والغوغاء، فقاموا في وجهها محتسبين، وثبتوا في نزالها صابرين صامدين، جماعات ووحدانًا؛ منهم الوحيد في زمانه، ومنهم المتقوي بإخوانه، فأضحو للأمة أعلامًا بها يهتدى، ونماذج تحتذى، ومصابيح تنير الطريق لسالك دربهم، فيحذو حذوهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>السبب السادس: إبراز معالم المنهج السلفي:</span>\nلقد أُثر عن السلف كثير من الأقوال الموضحة للمنهج السلفي، والمجلية لمعالمه، وهي منثورة في كتب عديدة كأصول السنة لللالكائي والاعتصام للشاطبي، وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وغيرها من الكتب، وقد أودعنا ما وقفنا عليه منها في موسوعتنا هذه، إبرازًا لهذا المنهج العظيم، وتقريرًا له بين عموم المسلمين، وأنه الحق الذي كان عليه السلف، وآب إليه من تاب من الخلف. وأكبر معالم هذا النهج القويم التي نازعنا فيها الخلفيون:\n_________\n(١) الأنعام الآية (٩٠).","vol":"مقدمة","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>أ- وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة وفهم السلف:</span>\nإن أساس الدعوة السلفية الذي بنيت عليه، ومحورها الذي تدور في فلكه، والذي لا يجوز الخروج عنه أو القول بخلافه، والخارج عنه لا يعد سلفيًا، هو: وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة والتحاكم إليهما في كل المناحي العلمية والعملية، بفهم السلف رضوان الله عليهم أجمعين، امتثالًا لأمر ربنا جل وعلا في وجوب لزوم كتابه وسنة نبيه - ﷺ -، واتباع سبيل خِيرة هذه الأمة الذين أنزل على النبي - ﷺ - وهو بين أظهرهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١).\nولا يتم عقد الإيمان إلا بتمام التسليم لله ولرسوله - ﷺ -؛ والرضا بحكمه، وعدم الخروج عنه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢).\nوالآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد أفردناها في قسم خاص\n_________\n(١) النساء الآية: (١١٥).\n(٢) النساء الآية (٦٥).","vol":"مقدمة","page":13},{"text":"من هذه السلسة المباركة، سميته بـ: \"الاعتصام بالكتاب والسنن وفهم السلف عند حدوث الأهواء والفتن والاختلاف\" في ثلاث مجلدات لطيفة؛ أحدها في الآيات الدالة على الاعتصام بالكتاب والسنة مع توجيهها، والثاني في الأحاديث الواردة في الباب، والثالث في فهم السلف، وهو جرد وسرد لأقوالهم في الباب نفسه.\nوفي موسوعتنا هذه قد أوردنا من أقوال السلف في تقرير هذا الأمر ضمن مواقفهم من المبتدعة ما يسر الناظر فيه، ويثلج صدر أحباب سنة رسول الله - ﷺ - والمتسننين بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ب- الرد على المخالف:</span>\nقد يستهجن بعض العوام وأشباه العلماء، وكثير من المثقفين والأدباء، والحزبيين، رد السلفيين على المخالفين من المبتدعة والمضلين والمميعين لأحكام الدين، حيث جندوا أنفسهم لكشف باطلهم وإبطال دعوتهم، فثارت ثائرة القوم بالإنكار والتنديد، والتبديع والتقريع، وأن هذا المسلك خلاف ما عليه السلف الذين يدعي السلفيون الانتساب إليهم!!\nوما علم القوم أن الرد على المخالف لسنة المصطفى - ﷺ - هو محض النصح لله ولرسوله - ﷺ - كما سبق، وهو منهج السلف الأخيار لم يفارقوه برهة، ولم يتخلف أحد منهم عن القول به طوال تاريخ الإسلام.","vol":"مقدمة","page":14},{"text":"وما أوردناه في هذا السفر من أقوال هذا الجم الغفير من الأعلام الذين يقارب عددهم المئتين والألف علَم، برهان ساطع في وجوب النصح للمسلمين، وتحذيرهم من المتقولين على الله بغير علم، الذين هم أعظم جرمًا وأقبح جرأة في قيلهم وفعلهم، فالرد عليهم واجب، والتحذير منهم لازم.\nقال ابن القيم ﵀: \"وأما القول على الله بلا علم: فهو أشد هذه المحرمات تحريمًا، وأعظمها إثمًا؛ ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان، ولا تباح بحال؛ بل لا تكون إلا محرمة، وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير الذي يباح في حال دون حال.\nفإن المحرمات نوعان: محرم لذاته لا يباح بحال. ومحرم تحريمًا عارضًا في وقت دون وقت. قال الله تعالى في المحرم لذاته: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (١)، ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.\nفهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا؛ فإنه يتضمن الكذب على الله ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه،\n_________\n(١) الأعراف الآية (٣٣).","vol":"مقدمة","page":15},{"text":"وتحقيق ما أبطله، وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله.\nفليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثمًا. وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات؛ فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم.\nولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها، وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان؛ إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>ج- تحقيق الولاء والبراء:</span>\nإن كثيرًا مما ألف في القديم والحديث من الكتب باسم: الفرق الإسلامية، أو الفكر الإسلامي، متضمن لكثير من الأخطاء العقدية والمنهجية التي ينسبها أصحابها لمعتقد أهل السنة وهم برآء منها، وكثير من القراء لا يعلم أن معظم ما كُتب فيها ما هو إلا أخطاء وانحرافات وبدع، حذر منها علماء السنة بحق وهم السلف، ودفعوها بقولهم وفعلهم ومواقفهم، طيلة العصور التاريخية.\nفالإسلام هو الكتاب والسنة وفهم سلفي انبثق منهما، وما سوى ذلك\n_________\n(١) مدارج السالكين (١/ ٣٧٢).","vol":"مقدمة","page":16},{"text":"فلا يجوز أن ينسب إلى الإسلام لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هي أخطاء وانحرافات عقدية ومنهجية يتحمل أصحابها تبعاتها في الدنيا وفي الآخرة؛ ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ (١). فنرجو الله تعالى أن يثيب محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم.\nلذلك كان ولاء السلف للسنة وعلى السنة، والبراء من البدعة ودعاتها والقائمين عليها، لمناهضتهم السنة ومفارقتها وقيامهم بخلافها، ومخالفتهم نهجها، واختلافهم عليها.\n\"فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلًا يتعاطى شيئًا من الأهواء والبدع معتقدًا، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره، ويتبرأ منه، ويتركه حيًا وميتًا، فلا يسلم عليه إذا لقيه، ولا يجيبه إذا ابتدأ إلى أن يترك بدعته، ويراجع الحق. والنهي عن الهجران فوق الثلاث فيما يقع بين الرجلين من التقصير في حقوق الصحبة والعشرة دون ما كان ذلك في حق الدين؛ فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة إلى أن يتوبوا\". قاله البغوي ﵀. (٢)\nوقال أيضًا: \"إن هجران أهل البدع على التأبيد، وكان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) النحل الآية (٢٥).\n(٢) شرح السنة (١/ ٢٢٤).","vol":"مقدمة","page":17},{"text":"خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن الخروج معه، فأمر بهجرانهم إلى أن أنزل الله توبتهم، وعرف رسول الله - ﷺ - براءتهم، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم.\nقال ابن عمر ﵄ لمن سأله عن القوم الخائضين في القدر: \"أخبرهم أني بريء منهم، وأنهم مني برآء\". (١)\nوقال أبو قلابة: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.\nوقال رجل من أهل البدع لأيوب السختياني: يا أبا بكر! أسألك عن كلمة. فولى وهو يقول بيده: ولا نصف كلمة.\nوقال سفيان الثوري: من سمع بدعة، فلا يحكها لجلسائه، لا يلقيها في قلوبهم (٢).\nقال الشيخ: \"ثم هم مع هجرانهم كفوا عن إطلاق اسم الكفر على أحد من أهل القبلة؛ لأن النبي - ﷺ - جعلهم كلهم من أمته. وروي عن جماعة من السلف تكفير من قال بخلق القرآن، روي ذلك عن مالك، وابن عيينة، وابن\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٨/٣٦).\n(٢) علق الإمام الذهبي ﵀ على قول الإمام سفيان الثوري - كما في السير (٧/ ٢٦١): قلت: أكثر أئمة السلف على هذا التحذير؛ يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة.","vol":"مقدمة","page":18},{"text":"المبارك، والليث بن سعد، ووكيع بن الجراح، وغيرهم\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>السبب السابع: كشف عوار أهل البدع وبيان بطلان مذاهبهم:</span>\nهذا الجمع الذي نمهد له بهذه المقدمة قد ضم بين طياته مئات الأعلام الذين زاد عددهم عن الألف، وقرابة عشرة آلاف قول أو فعل مأثور عنهم في ذم الفرق المخالفة للسنة كلها.\nبهذه المواقف الحميدة يتجلى بالدليل والبرهان الذي لا يبقى معه لمرتاب سبيل ارتياب، ولا لشاك متعلق تردد وحيرة، حيث اتفقت كلمة هذا الجمع الغفير من الأعلام، في شتى الأعصار، ومختلف الأمصار، وفيهم من الصحابة والتابعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؛ مَنْ يعدل الواحد منهم أمة من الأمم، لا يعدل بعلمه وورعه تشكك شاك، وحيرة مرتاب غارق في وحل الجهل، مطمور في غيابات النسيان.\nوما هذه الموسوعة إلا جرد وإبراز لهذا الإجماع السلفي في كشف عوار أهل البدع، وبيان بطلان مذاهبهم، فالحمد لله.\n_________\n(١) شرح السنة (١/ ٢٢٦ - ٢٢٨).","vol":"مقدمة","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>السبب الثامن: إبراز أن السلف هم المجددون حقا:</span>\nهذه المنحة الربانية التي خص الله تعالى بها أفرادًا من هذه الأمة بأن جعلهم مجددين لأمر دينه في بريته، كما قال النبي - ﷺ -: \"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها\". (١)\nوقد ادعى هذه الرتبة لنفسه كثير من المتعالمين، وناصرو البدعة وحاملو ألوية التعصب، ولم يدع هذه الرتبة أحد من العلماء الأجلاء، ولا فقيه من الفقهاء لنفسه؛ إذ لم تكن هذه الرتبة مطمحهم ولا غاية سعيهم، وإنما كان قصدهم الدعوة إلى الله وإلى سنة نبيه - ﷺ -.\nجاء في عون المعبود: \"إن المراد من التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات، قال في مجالس الأبرار: والمراد من تجديد الدين للأمة إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، وقال فيه: ولا يعلم ذلك المجدد إلا بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه، إذ المجدد للدين لا بد أن يكون عالمًا بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة ناصرًا للسنة، قامعًا للبدعة،\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٤/ ٢٨٠/٤٢٩١) واللفظ له، والحاكم (٤/ ٥٢٢). قال الشيخ الألباني: \"وسكت عنه الحاكم والذهبي، أما المناوي فنقل عنه أنه صححه، فلعله سقط ذلك من النسخة المطبوعة من المستدرك، والسند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم\" (السلسلة الصحيحة ٢/ ١٤٨).","vol":"مقدمة","page":20},{"text":"وأن يعم علمه أهل زمانه، وإنما كان التجديد على رأس كل مائة سنة لانخرام العلماء فيه غالبًا، واندراس السنن وظهور البدع، فيحتاج حينئذ إلى تجديد الدين، فيأتي الله تعالى من الخلق بعوض من السلف إما واحدًا أو متعددًا انتهى. وقال القاري في المرقاة: أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم ويعز أهله ويقمع البدعة ويكسر أهلها. انتهى.\nفظهر أن المجدد لا يكون إلا من كان عالمًا بالعلوم الدينية، ومع ذلك من كان عزمه وهمته آناء الليل والنهار إحياء السنن ونشرها، ونصر صاحبها، وإماتة البدع ومحدثات الأمور ومحوها، وكسر أهلها باللسان أو تصنيف الكتب والتدريس أو غير ذلك، ومن لا يكون كذلك لا يكون مجددًا البتة وإن كان عالمًا بالعلوم مشهورًا بين الناس، مرجعًا لهم.\nفالعجب كل العجب من صاحب جامع الأصول أنه عد أبا جعفر الإمامي الشيعي والمرتضى أخا الرضا الإمامي الشيعي من المجددين ... ولا شبهة في أن عدهما من المجددين خطأ فاحش وغلط بين؛ لأن علماء الشيعة وإن وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد وبلغوا أقصى المراتب من أنواع العلوم واشتهروا غاية الاشتهار، لكنهم لا يستأهلون المجددية. كيف وهم يخربون الدين فكيف يجددون؟ ويميتون السنن فكيف يحيونها؟ ويروجون البدع فكيف يمحونها؟ وليسوا إلا من الغالين المبطلين الجاهلين، وجل صناعتهم التحريف والانتحال","vol":"مقدمة","page":21},{"text":"والتأويل، لا تجديد الدين ولا إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة.\nهداهم الله تعالى إلى سواء السبيل\". اهـ (١)\nقلت: صدق ﵀؛ فإن التجديد المعتبر هو إحياء ما جاء به النبي - ﷺ - من الحق والهدى، وما ربى عليه أصحابه ﵃ أجمعين. وأما غير ذلك مما هو مخالف له فلا يعتبر تجديدًا، بل هو إحداث في الدين، وتشويه لجماليته. فكم قوض أهل الكلام من جهمية ومعتزلة وأشاعرة من القواعد والأصول باسم التجديد؟! وهكذا لو تتبعت كل فرقة من الفرق لوجدت عندها الكثير من ذلك. فأحق الناس بالتجديد هم من كان أتبع للنبي - ﷺ -، وأحفظ لسنته، وأشد تعظيمًا لها، وهم السلف الصالح رضوان الله عليهم، ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>السبب التاسع: إبطال دعوى التقريب بين الملل والنحل:</span>\nهذه الدعوى التي قام سوقها، واستوت على ساقها، في رواق منظمات أممية في التقريب بين الحضارات والأديان، وأخرى جهوية في التأليف بين الفرق والمذاهب الإسلامية، قد عقدت لأجلها ندوات ومؤتمرات، وأسست لها مجامع ومؤسسات تعنى بها وتروج لأفكارها ومبادئها، واتخذها المتزلفون\n_________\n(١) عون المعبود (١١/ ٣٩١ - ٣٩٢).","vol":"مقدمة","page":22},{"text":"مطية للارتزاق، ووسيلة للوظائف السامية والمناصب العالية، بذلوا من أجل الدرهم دينهم، واستبدلوا بالدنيا أخراهم.\nبهذه الموسوعة الميسَّرة للقارئين، بما ضمته من مواقف السلف الأخيار في البراءة من الشرك وأهله، والمبتدعة على اختلاف نحلهم ومشاربهم، وتنوع فرقهم، توضح بجلاء بطلان هذه الدعوى الزائفة الرامية إلى الانسلاخ من الدين، واعتبار القيم الإنسانية فوق كل شيء، حتى الشرائع بزعمهم، المقصود بهذه الدعوى أولًا وآخرًا شريعتنا المحمدية التي نسخت الشرائع قبلها، وعفَّت آثارها، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (١).\nثم إن ترويج الخلاف والاختلاف واعتباره أصلًا في الدين، وأن كل الفرق -الإسلامية زعموا- على اختلافها، وتضارب أفكارها، وتقاطع مساراتها، مجسَّم واحد لجسم واحد؛ وأنها كلها في تنوع متكامل، يجب أن تخضع لقول من قال \"لنتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضها بعضًا فيما اختلفنا فيه\".\nهذا القول المحدث المبتور، لم يؤثر عن واحد من الأعلام الذين أوردنا أقوالهم في وجوب الالتزام بالسنة وموالاة القائمين بها، واجتناب الشرك والمشركين، والمبتدعة والمبتدعين.\n_________\n(١) آل عمران الآية (٨٥).","vol":"مقدمة","page":23},{"text":"وقد كشفنا أصول هذه الفرق كلها، والرد عليها، ومواقف السلف منها، وبينا خطرها على الأمة، بما لا يدع مجالًا للارتياب في أمرها، في كتابنا \"أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف\"، الذي نعمل على إعداده للطبع وإتحاف القراء الكرام به قريبًا إن شاء الله تعالى، يسر الله ذلك آمين.","vol":"مقدمة","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>منهج الكتاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>شرطنا في الأعلام:</span>\nهذه الموسوعة العظيمة الممهَّدة تُيَسِّرُ للناظر فيها التعرف على أئمة السلف والوقوف على تراجمهم ومواقفهم العقدية، خلا من تلبس ببدعة وعرف بها ودعا الناس إليها، وكانت له مواقف محمودة موافقة للحق أوردناها له، دون التعريف به، وهم بالمقارنة مع أعلام السنة في هذه الموسوعة نزر يسير وأقل من القليل.\nويهمنا من ذكره موقفه السلفي، من باب: (الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها)، وقد رأيت المحدثين يروون أحيانًا عن بعض المبتدعة فيما لا يخدم بدعهم، رغم تضييقهم الشرط في الرواية، وتبعهم الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم والذهبي ﵏ جميعًا.\nوأما أعلام السلف وهم أصل الكتاب ومعظم مادته، فنذكر اسمه ونسبه وسنة وفاته، وشيئًا من جميل أقواله، وبليغ حكمه إن تيسر. ثم نتبعه ما وقفنا عليه من مواقفه القولية أو العملية؛ المبطلة للبدع الردية، إلا إن كانت موفورة ومتعددة اصطفينا له أوضحها وأصرحها مما يمتع القارئ لها ويثلج صدره.\nوقد حاولنا في جمعنا هذا إيراد أكبر عدد من الأعلام الذين مضوا إلى الله تعالى، وتيسر الوقوف على مواقفهم، غير أننا لا ندعي الإحاطة بالكل، ولا بما أثر عن كل واحد منهم.","vol":"مقدمة","page":25},{"text":"هذا الجمع الذي وسع الكثير من الأعلام الذين زاد عددهم عن الألف، قد ضم بين دفتيه زبدة الكثير من كتب التراجم، والعقائد، والشروح الحديثية والفقهية، والمؤلفات الخاصة لكل إمام على حدة، كما هو مفصل في جرد تقريب المصادر المعتمدة، والذي سنذكره في بابه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>منهجنا في إيراد المواقف:</span>\nإن مما يجدر التعريف به وتقريبه للقارئ الكريم المنهج الذي اتبعناه في انتقاء المواقف وإيرادها في الكتاب؛ إذ قد يلحظ الكل أنا قد أوردنا مواقف لأعلام من فرق ونحل لم تكن في زمانهم وإنما حدثت بعدهم بقرون. كما يلحظ أن المواقف متباينة بين تحذير صريح، وتوجيه وبيان للمعتقد الصحيح.\nوبالجملة فالمواقف الواردة في كتابنا هذا هي على النحو التالي:\n١) الرد الصريح على فرقة من الفرق بعينها، وإبطال دعوتها.\n٢) الرد على أحد أفراد هذه الفرق.\n٣) تقرير اعتقاد السلف في مسألة خالفت فيها فرقة من الفرق.\nبهذا الاعتبار أوردنا أقوال كثير من الصحابة والتابعين وغيرهم من فرق لم تحدث في زمانهم؛ واعتبرناها مواقف منهم حيث استدل بها جلة العلماء في الرد على تلك الفرق أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم ﵏ جميعًا.","vol":"مقدمة","page":26},{"text":"ومن أمثلة ذلك ما جاء في السنة لعبد الله: عن ابن أبي مليكة قال: كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف فيضعه على وجهه ويقول: \"كلام ربي كلام ربي\". (١) فاعتبرنا إثباته أن القرآن كلام الله ردًا على الجهمية.\nومثله ما رواه ابن بطة بسنده إلى نيار بن مكرم الأسلمي -وكانت له صحبة-، قال: لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ (٢)، قالت قريش لأبي بكر ﵀: يا ابن أبي قحافة، لعل هذا من كلام صاحبك؟ قال: لا، ولكنه كلام الله ﷿. (٣)\nواعتبرنا ردًا على المرجئة وموقفًا منهم ما رواه الإمام أحمد واللالكائي عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: إياكم والكذب؛ فإن الكذب مجانب الإيمان. (٤)\nوكذا اعتبرنا قول حنظلة الأسدي \"نافق حنظلة\" وقول أبي بكر له: \"فوالله إنا لنلقى مثل هذا\" ردًا على الصوفية، حيث اعتبره أبو العباس القرطبي في المفهم (٥) ردًا على غلاة الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص ٢٦).\n(٢) الروم الآيتان (١ و٢).\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/١/ ٢٧١ - ٢٧٣/ ٤١).\n(٤) أصول الاعتقاد (٦/ ١٠٩١/١٨٧٢ - ١٨٧٣) وهو في المسند للإمام أحمد (١/ ٥).\n(٥) (٧/ ٦٧).","vol":"مقدمة","page":27},{"text":"يُعرجون بسببها على أهل ولا مال.\nوالأمثلة في هذا كثيرة خصوصًا في شطر من المجلد الأول، فليتنبه القارئ الكريم لهذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ترتيب المواقف:</span>\nوقد صنفنا هذه المواقف بحسب الفرق التي وجه سهم النقد إليها، -حسب الشرط الذي قدمناه- نظرنا لخطرها وضررها على الإسلام والمسلمين.\nوهذه الفرق على التوالي هي: المبتدعة، ثم المشركون، ثم الرافضة، ثم الصوفية، ثم الجهمية، ثم القدرية، ثم الخوارج، ثم المرجئة.\nوقد أفردت كتابًا ضخمًا في أربع مجلدات، والموسوم بـ \"أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف\". عرفت فيه بهذه الفرق وكشفت فساد مذاهبها، وألحقت بهم المقلدة مع بيان حالهم. وتفصيلُ ذلك كله سيجده القراء الكرام في هذا الكتاب قريبًا إن شاء الله تعالى.\nوموسوعتنا هذه التي زادت مواقف السلف فيها بمنِّ الله وكرمه على التسعة آلآف موقف، بدأت فيها بـ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>موقف السلف من المبتدعة:</span>\nوالنكتة في ذلك أن سائر الفرق واقعة في البدعة لا محالة، وذلك أن البدع التي حدثت في الأمة منها ما يناقض التوحيد ويثلم الاعتقاد؛ وهي الأعمال","vol":"مقدمة","page":28},{"text":"الشركية، ومنها ما يؤثر في الأفعال والأحكام والسلوك.\nلذلك حسن البدء بها؛ لأنها تشمل كل النحل ولا تستثنى منها واحدة؛ إذ كل الفرق مخالفة في مناهجها ومذاهبها لكتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ -.\nوقد أوردنا في مواقف السلف من المبتدعة كل ما وقفنا عليه من أقوالهم وأفعالهم في ذم البدع عمومًا، والحث على التمسك بالسنة وبفهم سلف الأمة خصوصًا.\nثم ثنينا بـ \"موقف السلف من المشركين\":\nوقد أوردت فيه مواقف السلف الصالح من المشركين والزنادقة، طيلة تاريخ هذه الأمة المجيدة، وذلك بإبراز مواقف العلماء من الشرك والأعمال الشركية التي وقع فيها رجال من هذه الأمة، من الطواف بالأضرحة وسؤال المقبور، والاستعانة بهم دون الله تعالى، والتمسح بالأحجار والأشجار، والكهانة والسحر، وغيرها من الأعمال الشركية التي رُفعت أعلامها، وقامت مواسمها في بقاع عديدة من بلاد الإسلام.\nوقد قام هؤلاء السلف الكرام مقام نبيهم ﵊وهم ورثته بحق- في تقرير التوحيد ونبذ الشرك، وطمس معالمه، وبذلوا في تحقيق ذلك كل غال ونفيس، واسترخصوا المهج والأموال والأولاد جهادًا في سبيل الله.\nوفي مقدم هذه الكتيبة المباركة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ومن","vol":"مقدمة","page":29},{"text":"جاء بعدهم من الأئمة والعلماء الأعلام، ومن سلك سبيلهم من الخلفاء والولاة والقضاة والملوك والحكام، في نماذج ساطعة في أفق هذه الأمة التي ستظل رايتها خفاقة بنصرة الله ودينه، والاستمساك بهدي رسوله - ﷺ -.\nثم أتبعتها بـ: \"مواقف السلف من الرافضة\":\nهذه النحلة الدخيلة على الإسلام، اليهودية المنشأ، والفارسية المشرب، التي تبنت نشر الشرك والزندقة منذ تأسيسها، وطيلة تاريخها المشؤوم؛ هي التي شيدت المشاهد والأضرحة، وكانت أول من أحيا هذه الوثنية التي قضى عليها الرسول - ﷺ - في الجزيرة العربية، ثم صحابته في خارجها وكل الفاتحين من السلف الصالح رضوان الله عليهم.\nولذلك تسلطوا على الصحابة بذمهم وسبهم وتكفيرهم، بدعوى أن الصحابة حرفوا كتاب الله، وأنكروا ولاية علي ﵁. فتدثروا بولاية أهل البيت والنصرة لهم زعمًا، في دعوى باهتة سيجد القارئ الكريم تفصيلها إن شاء الله في كتابنا: \"أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف\".\nثم أتبعتها بـ: \"مواقف السلف من الصوفية\":\nوذلك أن الصوفية هي امتداد طبيعي للرافضة في معظم أصولهم وطقوسهم، لا يخرجون عنها ولا يحيدون، وإنما يفارقونهم في المسميات فقط،","vol":"مقدمة","page":30},{"text":"كما بينت ذلك بالبرهان القاطع والدليل الواضح، في كتابنا: \"الأسباب الحقيقية لحرق إحياء علوم الدين\". وكذلك كتابنا: \"أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف\".\nفلذلك أتبعت مواقف السلف من الرافضة مواقفهم من الصوفية للصلة الوثيقة بين الفرقتين، والتداخل بين النحلتين.\nثم أتبعتها بـ: \"مواقف السلف من الجهمية\"\nوالمراد بالجهمية ها هنا جنس المتكلمين على اختلاف مشاربهم وتعدد فرقهم، معتزلة كانوا أو جهمية أو أفراخهما من الأشاعرة، والماتريدية، والكلابية، وغيرهم من الآرائيين الخائضين في ذات الله تعالى وأسمائه وصفاته بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.\nوقد سلط هؤلاء معول التحريف والتعطيل والتأويل على النصوص وانتهكوا حرماتها، والحال كما قال العلامة ابن القيم ﵀: \"فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم، وقد حلت بها المثلات، وتلاعبت بها أمواج التأويلات، وتقاذفت بها رياح الآراء، واحتوشتها رماح الأهواء، ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد، فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد، فلو شاهدتها بينهم وقد تخطفتها أيدي الاحتمالات، ثم قيدت بعدما كانت مطلقة بأنواع الإشكالات، وعزلت عن سلطنة اليقين وجعلت تحت","vol":"مقدمة","page":31},{"text":"حكم تأويل الجاهلين، هذا وطالما نصبت لها حبائل الإلحاد، وبقيت عرضة للمطاعن والإفساد، وقعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز، وقالوا: لا طريق لك علينا؛ وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز، فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين، وأنت أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين، فسندك آحاد وهو عرضة للطعن في الناقلين، وإن صح وتواتر ففهم مراد المتكلم منه موقوف على انتفاء عشرة أشياء لا سبيل إلى العلم بانتفائها عند الناظرين والباحثين.\nفلا إله إلا الله والله أكبر، كم هدمت بهذه المعاول من معاقل الإيمان، وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن، وكم أطلقت في نصوص الوحي من لسان كل جاهل أخرق، ومنافق أرعن، وطرقت لأعداء الدين الطريق، وفتحت الباب لكل مبتدع وزنديق.\nومن نظر في التأويلات المخالفة لحقائق النصوص؛ رأى من ذلك ما يُضْحِك عجبًا، ويُبْكِي حزنًا، ويثير حمية للنصوص وغضبًا\". اهـ (١)\nهؤلاء القوم هم الذين أفسدوا على الناس أهم مطلوب لهم في معرفة خالقهم، والتعرف على بارئهم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وأوقعوهم في متاهة الاحتمال والجدال، والمقاييس الفاسدة.\n_________\n(١) الصواعق (١/ ٢٩٦ - ٢٩٩).","vol":"مقدمة","page":32},{"text":"لهذا أوردنا في الموقف منهم أفرادًا وجماعات أقوال أئمة السلف المبطلة لمذاهبهم، والمفندة لآرائهم، وما فيه تقريع لهم، وتقرير لمذهب السلف في هذا الباب. والله الموفق.\nثم أتبعتها بـ: \"مواقف السلف من الخوارج\"\nهذه النابتة المارقة التي خرجت على الأمة بالسيف، فكفرت وقتلت ونهبت، وفعلت بالمسلمين ما يعجز القلم عن تسطيره، واللسان عن اللفظ به.\nوقد حذر منها رسول الله - ﷺ - في كثير من أحاديثه التي استقصينا صحيحها في الحديث عنهم وكشف حالهم وبيان بطلان مذهبهم في كتابنا: \"أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف\".\nوقد أوردنا ضمن المواقف من الخوارج نقولًا عن كثير من السلف، وفي مقدمهم الصحابة ﵃، والتابعين وبقية العلماء المعتبرين، الذين قاموا في وجوههم، وقاوموهم وجاهدوهم بالسيف واللسان، وأبطلوا مذهبهم بالحجة والبرهان، نصحًا للمسلمين، وتذكرة للغافلين وتنبيهًا لهم عن الانغماس في مسلك هؤلاء المارقين.\nثم أتبعتها بـ: \"مواقف السلف من المرجئة\"\nوالمرجئة عكس الخوارج ونقيضهم في كل شيء، أولئك كفروا الناس","vol":"مقدمة","page":33},{"text":"بالكبائر، وهؤلاء جرؤوهم على الموبقات بله الصغائر، وأقعدوهم عن الفرائض والواجبات، ولم يبق لنصوص الوعيد عندهم حرمة، ولا للأحكام مكرمة.\nوقد أبطل السلف مذهبهم، وقاموا على أهله بالنكير، وصاحوا على دعاته بالتحذير والتنفير والتشهير، حمية لدين الله من التضييع والتمييع الذي انتحلوه وأشربوه، وبثوه بين المسلمين.\nثم ختمت بـ: \"مواقف السلف من القدرية\"\nهذه الفرقة المتقدمة الظهور التي أفسدت على الأمة عقيدتها، فأحيت مذاهب الباطل من الأعذار الإبليسية اللعينة، وعقائد المجوس والمشركين، المذمومة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ -. وخطرهم على الأمة عظيم حيث منعت طائفة منهم تدخل قدرة الله ومشيئته في أفعال العباد، وأخرى جردت العبد من إرادته ومشيئته وجعلته مجبرًا على أفعاله.\nلهذا قام العلماء بالرد عليهم ودحض شبههم، والتحذير والتبرأ منهم، وكان صحابة رسول الله - ﷺ - أول من صدع بذلك وأعلنه، ثم تواردت أقوال السلف ممن بعدهم في ذمهم، وإبطال معتقدهم.\nتنبيه: ومما ينبغي أن نلفت له نظر القارئ اللبيب الذي يعرف واقعه؛ أن هذه الفرق كلها موجودة علمًا وعملًا، لها أتباع استهواهم مذهبها، وسلبهم","vol":"مقدمة","page":34},{"text":"منهجها، وآخرون غُرِّرَ بهم فركبوا فلكها، وخاضوا بحرها، ورفعوا جهلًا أشرعتها.\nفكم من المعالم الشركية المنتشرة اليوم بين المسلمين، والمنظمات التنصيرية والتهويدية الساعية بينهم؟! وكم من الصحفيين العلمانين والكتاب المتجهمين، والمنابر الصوفية، والمؤسسات الرافضية، والجماعات التكفيرية الخارجية العاملة في ساحتهم؟!\nأما القدر فقد زلت فيه أقدام فئام من البشر، وأما الإرجاء فكاد أن يعم البلاد والعباد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nفهذه الفرق كلها لا تزال شاخصة في الوجود، وأفكارها ومبادئها ماثلة في كتب التفسير وشروح الحديث والعقيدة، وفي كتب الفرق، حتى في الصحف والجرائد، ودعاتها على الشاشات والقنوات، وفي المدارس والكليات، والمنتديات والندوات.\nومما يدل على ذلك: تصدي العلماء السلفيين خلال هذا القرن والذي سبقه لهذه الفرق كلها، وردهم على دعاتها بأعيانهم وأسمائهم. وكما قيل:\nوليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\n* وقد قسمت الكتاب -في هذه الطبعة- إلى عشرة مجلدات؛ حرصت على تناسبها بأن صدرت كل واحد منها بإمام عرف بمواقفه وجهاده ودعوته للسنة","vol":"مقدمة","page":35},{"text":"والكتاب، حتى يكون قائدًا وقدوة لمن جاء بعده، وقدوة الجميع إمام المتقين وسيد المرسلين محمد - ﷺ -.\nفالمجلد الأول: مستهل بحمزة بن عبد المطلب المتوفى سنة (٣ هـ).\nوالثاني بـ: عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة (١٠١ هـ).\nوالثالث بـ: مالك بن أنس المتوفى سنة (١٧٩ هـ).\nوالرابع بـ: أحمد بن حنبل المتوفى سنة (٢٤١ هـ).\nوالخامس بـ: محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة (٣١٠ هـ).\nوالسادس بـ: محمد بن إسحاق بن مَنْدَه المتوفى سنة (٣٩٥ هـ).\nوالسابع بـ: أبي محمد الحسين بن مسعود البَغَوِي توفي سنة (٥١٦ هـ).\nوالثامن بـ: شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة (٧٢٨ هـ).\nوالتاسع بـ: محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة (١٢٠٦ هـ).\nوالعاشر بـ: محمد الأمين الشنقيطي المتوفى سنة (١٣٩٣ هـ).\nوقد لاحظت في اختيار هؤلاء الأعلام نصرة الدين بالقول والعمل.\nفأما حمزة بن عبد المطلب ﵁ فأول من انتصر لابن أخيه محمد بن عبد الله - ﷺ -، لما أساء له الخبيث أبو جهل، فضرب حمزة ﵁ بقوسه فشجه بها شجة منكرة، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله - ﷺ - قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه. فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه. وقد كتب الله","vol":"مقدمة","page":36},{"text":"له الشهادة في أحد، ونال شرف \"سيد الشهداء\" (١) بشهادة النبي - ﷺ - له بذلك.\nوأما عمر بن عبد العزيز ﵀ فهو الإمام الحبر الذي جمع بين العلم والعمل، والولاية العامة، ورغم قصر مدة ولايته ﵁ فقد سار في الأمة بسير جده لأمه عمر بن الخطاب ﵁، وقد كان هذا الإمام السيف البتار على كل مبتدع يرفع رأسه في زمانه، ومن حسناته العظيمة أمره محمد بن شهاب الزهري بجمع السنة النبوية حفظًا لها من الضياع والتضييع.\nوأما الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀، فمن أوائل من وضع لبنة التأليف لإحياء السنة النبوية، وكتابه الموطأ هو أقدم وثيقة بين يدي المسلمين في جمع السنة.\nومن تتبع سيرة هذا الإمام ومواقفه العقدية -التي أثبتها في مؤلف خاص وفي هذه الموسوعة- يجده بحق من أعظم ناصري التوحيد والسنة، ومن المجددين المعتبرين في هذه الأمة، وفهمه الذي يظهر في كل النصوص التي يعلق عليها في كتابه الثمين الموطأ زيادة على فتاواه وأجوبته العظيمة في الكتاب المسمى بالمدونة.\nوأما الإمام أحمد ﵀ فهو إمام أهل السنة في زمانه، إذا ذكر إمام\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ١١٩ - ١٢٠) و(٣/ ١٩٥) والطبراني في الأوسط (١/ ٥٠١ - ٥٠٢/ ٩٢٢) والخطيب في تاريخه (٦/ ٣٧٧) من طرق عن جابر ﵁. وقد صححه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (٣٧٤).","vol":"مقدمة","page":37},{"text":"السنة فلا ينصرف هذا الوصف في عصره وبعده إلا له، كان أمة لوحده، ناهض التجهم ورجالاته، ولاقى بسبب ذلك محنًا شديدة، ثبت فيها وثبت الناس بثباته على اعتقاد أهل السنة والجماعة الذي سعت الجهمية لمحوه، فجدد للأمة أمر دينها، فجازاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، ورحمه الله وإخوانه السلفيين الذين ساروا على منواله.\nوأما الإمام محمد بن جرير الطبري ﵀، فهو إمام المفسرين بلا منازع، وكل قائل في كتاب الله من بعده عالة عليه، جمع فيه الفنون كلها، الحديث والفقه والقراءات واللغة والمعرفة بالتاريخ. ودفاعه عن عقيدة السلف ونصرته لها، أمر لا نظير له ولا مثيل.\nوأما الإمام محمد بن منده ﵀ فدفاعه عن السنة بأقواله وأفعاله أمر بارز لا خفاء فيه، وكتابه الإيمان معلمة في بابه، وكذا كتاب التوحيد فهو أكبر من ذلك وأجل، ذكر فيه من آي الكتاب والأحاديث المسندة -وعامتها في الصحيحين أو أحدهما-، الدالة على صحيح المعتقد في الربوبية الدالة على أفعاله سبحانه، وفي الأسماء والصفات.\nوأما الإمام البغوي ﵀ فهو المفسر والمحدث، وكتابه شرح السنة مفخرة كبرى من مفاخر أهل السنة، نشر به السنة، وذب فيه عن المعتقد أحسن ذب، وكتابه التفسير فيه مميزات كثيرة يمتاز بها وإن كان له فيهما هنات في","vol":"مقدمة","page":38},{"text":"التأويل، وقد بينتها في كتابي \"المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات\"، مع حمله للواء السنة ودفاعه عنها.\nوأما الإمام ابن تيمية ﵀ فشيخ الإسلام الذي لا ينصرف هذا الإطلاق إلا إليه، الإمام المجدد المدرسة التي ارتوى منها كبار المحدثين والأئمة في زمانه ومن بعده.\nفما من كتاب من كتبه إلا وهو في إحياء السنة والذب عن السلفية، ولو اجتمعت الآن المراكز العلمية لم تستطع أن تنتج مثل منهاج السنة، فكيف ببقية إرثه العظيم الذي أتحف الأمة به؟! وكل أعلام الأمة من بعده عالة عليه، وامتداد لمدرسته ﵀.\nوأما محمد بن عبد الوهاب شيخ الإسلام المجدد للسنة باعتقادها الصحيح السليم بحق، بعد حقبة مظلمة اندرست فيها معالم السنة وطغت فيها البدعة والمبتدعة، وسيأتي الحديث عنها قريبًا.\nوهو مدرسة قائمة على نشر السنة وصحيح المعتقد، ودعوته اليوم بحمد الله تعالى وسعت العالم بأسره، فرحمة الله على هذا الإمام وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا.\nوأما الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فعلامة المغرب الإسلامي، وإمام المفسرين الذي أهدى للأمة \"أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن\" هذا","vol":"مقدمة","page":39},{"text":"التفسير غير المسبوق إليه، زينه بالمباحث العقدية النافعة، ونفذ من خلاله سالا سيفه البتار على كل مبتدع وضال، فرحمه الله رحمة واسعة.\nهذا؛ وكل إمام من هؤلاء الأئمة ذكرت معهم أمثالهم ومن على منوالهم في هذه الموسوعة المباركة ويتفاوتون في ذلك بحسب ما منّ الله به عليهم، والله نسأل أن يرحمنا وإياهم، وأن يختم لنا بالحسنى. آمين.\n* ورتبت ذلك على سنة الوفاة؛ لأنها أضبط في الترتيب، ومن لم أقف له على سنة وفاة أثبته ضمن طبقته إن كان من المتقدمين، أو ألحقته بمن عاش في عصره أو قريب منه.\nوقد اجتهدت قدر الإمكان في الوقوف على الأعلام في كل الأقطار والأمصار، وأعلم علم اليقين أنه قد فاتني العدد الكثير؛ لأن الإحاطة بكل السلفيين أمر مستحيل في حقي وفي حق غيري؛ فإن هذا ليس إلا لللطيف الخبير، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.\nوحسبي أنني قد ذكرت أنموذجًا لمن شاء أن يقتدي أو يأتسي، وكل واحد من هؤلاء الأعلام يحتاج إلى بسط كبير، وذلك يؤدي إلى مجلدات كثيرة","vol":"مقدمة","page":40},{"text":"ضخمة، ولكن هذا من باب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ (١). وقول النبي - ﷺ -: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>تخريج الأحاديث:</span>\nوما كان من حديث خرجته ولم أَعْدُ عن الكتب السبعة إن كان فيها، إلا إن كان في أحد الكتب التي اعتنى أصحابها بالتصحيح كابن حبان وابن خزيمة والحاكم، تبعًا للحافظ ابن حجر في البلوغ؛ إذ أكتفي بهؤلاء حين الإشارة لصحته أو حسنه. أما إن كان ضعيفًا أو معلولًا فأشير لعلته مكتفيًا بها عن التصريح بذلك، والله الموفق لا رب سواه.\nوكثير من الأحاديث قد تكرر ذكرها ضمن مواقف عدة، فأكتفي بتخريجها في أول موطن ذكرت فيه غالبًا، وأحيل القارئ في المواطن الأخرى على ترجمة العلم الذي خرجت الحديث في مواقفه.\nوقد خرجت بعض الآثار التي تيسر الوقوف على أسانيدها، وكثير منها لم أتعرض لتحقيقها نظرًا لكثرتها؛ إذ القصد هو الاستئناس بها؛ ولأن كثيرًا من العلماء استدلوا بها وساقوها مساق الاستئناس، ولم يتعرضوا لها بردّ، وهي\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٦٥).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٦) والبخاري (١١/ ٤٨٨/٦٥٤٠) ومسلم (٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤/ ١٠١٦) والترمذي (٤/ ٥٢٨/٢٤١٥) وابن ماجه (١/ ٦٦/١٨٥).","vol":"مقدمة","page":41},{"text":"متشابهة في معانيها لا تكاد تجد الفرق الكبير في مدلولاتها، وقد يكون في بعضها ضعف، وذلك أني لم أشترط الصحة في كل ما أثبت، ولم أدع ذلك.","vol":"مقدمة","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>ثبت المصادر المعتمدة</span>\nوالمادة العلمية المثبوتة في الكتاب هي مستاقة من كتب التراجم والتواريخ والسير المعتمدة عند أهل العلم، وكتب التفسير المسندة، وكتب الحديث وشروحه، وكتب العقيدة السلفية المسندة وغير المسندة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الكتب المستقرأة بكاملها</span>\n- اتباع السنن واجتناب البدع للسيوطي.\n- اجتماع الجيوش لابن القيم.\n- أصول السنة لابن أبي زمنين.\n- إعلام الموقعين لابن القيم.\n- اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية.\n- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية (لابن بطة).\n- الاستقامة لابن تيمية.\n- الاعتصام للشاطبي.\n- الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة.\n- البداية والنهاية لابن كثير.\n- البدع والحوادث للطرطوشي.\n- البدر الطالع للشوكاني.","vol":"مقدمة","page":43},{"text":"- التنبيه والرد على أهل الأهواء لأبي الحسين الملطي.\n- التنكيل للمعلمي.\n- الحجة في بيان المحجة للأصبهاني.\n- الخطط للمقريزي.\n- الرد الوافر لابن ناصر الدين.\n- السلفية وأعلامها في موريتانيا للطيب بن عمر بن الحسين.\n- السنة لابن أبي عاصم.\n- السنة لعبد الله بن أحمد.\n- السنة للخلال.\n- الشريعة للآجري.\n- الفقيه والمتفقه للبغدادي.\n- الكفاية للخطيب.\n- المدخل لابن الحاج.\n- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك لابن الجوزي.\n- إيثار الحق على الخلق لابن الوزير.\n- تاريخ الجبرتي.\n- تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند.","vol":"مقدمة","page":44},{"text":"- تذكرة الحفاظ للذهبي.\n- تلبيس إبليس لابن الجوزي.\n- تمييز المحظوظين عن المحرومين للمعصومي.\n- جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر.\n- خلق أفعال العباد للبخاري.\n- درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية.\n- ذم الكلام للهروي.\n- ذم الهوى لابن الجوزي.\n- رياض الجنة في تراجم من لقيت أو كاتبني من الجلة لعبد الحفيظ الفاسي.\n- سبيل الرشاد لتقي الدين الهلالي.\n- سل النصال للنضال لعبد القادر بن سودة.\n- سير أعلام النبلاء للذهبي.\n- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (اللالكائي)\n- شرح السنة للبربهاري.\n- صون المنطق للسيوطي.\n- طبقات الحنابلة مع ذيلها.\n- عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني.","vol":"مقدمة","page":45},{"text":"- علماء نجد خلال ثمانية قرون لعبد الرحمن البسام.\n- علماء نجد خلال ستة قرون لعبد الرحمن البسام.\n- مؤلفات محمد بن عبد الوهاب.\n- ما جاء في البدع لابن وضاح.\n- مختصر العلو للذهبي.\n- معالم الإيمان للدباغ.\n- مقدمة سنن الدارمي.\n- مقدمة شرح السنة للبغوي.\n- مقدمة صحيح مسلم.\n- منهاج السنة لابن تيمية.\n- ميزان الاعتدال الذهبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الكتب التي استعين بها</span>\n- الأعلام للزركلي.\n- الإفصاح لابن أبي هبيرة.\n- الحلية لأبي نعيم.\n- الدرر الكامنة لابن حجر.\n- الصارم المسلول لابن تيمية.","vol":"مقدمة","page":46},{"text":"- العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين للفاسي.\n- الفتاوى الكبرى لابن تيمية.\n- الفكر السامي للحجوي الثعالبي.\n- الكامل لابن الأثير.\n- المعيار المعرب للونشريسي.\n- الموافقات للشاطبي.\n- تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.\n- ترتيب المدارك للقاضي عياض.\n- دائرة المعارف الإسلامية.\n- روضة ابن غنام.\n- رياض النفوس لأبي بكر المالكي.\n- فتح الباري لابن حجر.\n- مجموع الفتاوى لابن تيمية (تتبعنا منها إحدى وعشرين مجلدًا).\n- مختصر الصواعق لابن القيم.\n- معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة.\n- نفح الطيب للمقري التلمساني.\n- نقض المنطق لابن تيمية.","vol":"مقدمة","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>كتب خاصة</span>\nوأما كثير من الأعلام فقد اعتمدنا على ما سطرت أيديهم في كتبهم المطبوعة وهي أكثر مما ذكرناه في الصنفين المتقدمين بكثير جدًا، فجردها بهذا المقام يطول به الكتاب ويخرج المقدمة عن مقصدها، فيستغنى بإيرادها في محلها عن تكرراها ها هنا. والله من وراء القصد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>كتب تراجم الأعلام</span>\n- \" أبجد العلوم\" لصديق حسن خان.\n- \"إتحاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين\" لمحمد بن الفاطمي بن الحاج السلمي\n- \"إتحاف النبلاء بسير العلماء\" لراشد بن عثمان الزهراني.\n- \"إتحاف ذوي العلم والرسوخ بتراجم من أخذت عنه من الشيوخ\" لمحمد بن الفاطمي بن الحاج السلمي.\n- \"إتمام الأعلام\" لنزار أباظه ومحمد رياض المالح.\n- \"الإرشاد في معرفة علماء الحديث\" لأبي يعلى الخليلي.\n- \"الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى\" لأحمد بن خالد الناصري.\n- \"الاستيعاب في معرفة الأصحاب\" لابن عبد البر.\n- \"أسد الغابة في معرفة الصحابة\" لابن الأثير.","vol":"مقدمة","page":48},{"text":"- \"الإصابة في معرفة الصحابة\" لابن حجر العسقلاني.\n- \"الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام\" للعباس بن إبراهيم السملالي.\n- \"أعيان العصر وأعوان النصر\" للصفدي.\n- \"إنباء الغمر بأبناء العمر في التاريخ\" لابن حجر العسقلاني.\n- \"الانتقاء من فضائل الأئمة الفقهاء\"\n- \"الأنساب\" للسمعاني.\n- \"البداية والنهاية\" لابن كثير.\n- \"البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع\" للشوكاني.\n- \"التاج المكلل\" لصديق حسن خان.\n- تاريخ ابن معين.\n- \"تاريخ الإسلام\" للذهبي.\n- \"التاريخ الإسلامي\" لمحمود شاكر.\n- \"تاريخ الملوك والأمم\" للطبري.\n- \"التاريخ الكبير\" للبخاري.\n- \"تاريخ المخلاف\" السليماني.\n- تاريخ المملكة العربية السعودية.","vol":"مقدمة","page":49},{"text":"- \"تاريخ بغداد\" أو \"مدينة السلام\" للخطيب البغدادي.\n- تاريخ خليفة بن خياط.\n- \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر.\n- \"تاريخ علماء الأندلس\" لابن الفرضي.\n- \"تتمة الأعلام\" لمحمد خير رمضان يوسف.\n- \"تذكرة الحفاظ\" للذهبي.\n- \"ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك\" للقاضي عياض.\n- \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي.\n- \"تهذيب التهذيب\" لابن حجر العسقلاني.\n- \"تهذيب الكمال\" للمزي.\n- \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم الرازي.\n- \"الجواهر المضيئة\".\n- \"حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة\" للسيوطي.\n- \"حلية الأولياء\" لأبي نعيم الأصبهاني.\n- \"الدر المنضد في ذكر أصحاب الإمام أحمد\" للعليمي.\n- \"الدرر السنية في الأجوبة النجدية\".\n- \"الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة\" لابن حجر العسقلاني.","vol":"مقدمة","page":50},{"text":"- \"الديباج المذهب في أعيان علماء المذهب\" لابن فرحون المالكي.\n- \"ذيل الدرر الكامنة\" لابن حجر العسقلاني.\n- \"ذيل تذكرة الحفاظ\" لأبي المحاسن الحسيني الدمشقي.\n- \"ذيل طبقات الحنابلة\" لابن رجب.\n- روضة ابن غنام \"تاريخ نجد المسمى: روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام في تعداد غزوات ذوي الإسلام\" لحسين بن غنام.\n- \"رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية\" لأبي بكر عبد الله بن محمد المالكي.\n- \"السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة\" لمحمد بن عبد الله النجدي.\n- \"سل النصال للنضال\" لعبد السلام بن عبد القادر بن سودة.\n- \"السلفية وأعلامها في موريتانيا\" للشيخ الطيب بن عمر بن الحسين.\n- \"السلوك في معرفة دول الملوك\" للمقريزي.\n- \"سير أعلام النبلاء\" للذهبي.\n- \"شجرة النور الزكية في طبقات المالكية\" لمحمد مخلوف.\n- \"شذرات الذهب في أخبار من ذهب\" لابن عماد الحنبلي.\n- \"الضوء اللامع لأهل القرن التاسع\" للسخاوي.\n- \"الطبقات الكبرى\" لابن سعد.","vol":"مقدمة","page":51},{"text":"- \"طبقات الحفاظ\" للسيوطي.\n- \"طبقات الشافعية الكبرى\" للسبكي.\n- \"طبقات الفقهاء الشافعيين\" لابن كثير.\n- \"طبقات النحويين واللغويين\".\n- طبقات خليفة ابن خياط.\n- \"العبر في خبر من غبر\" للذهبي.\n- \"عجائب الآثار\" (تاريخ الجبرتي).\n- \"العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين\" لتقي الدين الفاسي.\n- \"علماء نجد خلال ستة قرون\" لعبد الرحمن البسام. (١)\n- \"علماء نجد خلال ثمانية قرون\" لعبد الرحمن البسام.\n- \"غاية النهاية في طبقات القراء\" لابن الجزري.\n- \"الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي\" للحجوي الثعالبي.\n- \"فهرس الفهارس\" لعبد الحي الكتاني.\n- \"الفهرست\" لابن النديم.\n- \"فوات الوفيات\" لمحمد شاكر الكتبي.\n- \"الكامل في التاريخ\" لابن الأثير.\n_________\n(١) نميزه عن الذي بعده بـ: \"علماء نجد\".","vol":"مقدمة","page":52},{"text":"- \"كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون\" لحاجي خليفة.\n- \"كوكبة من أئمة الهدى\" للقريوتي.\n- \"لسان الميزان\" لابن حجر العسقلاني.\n- \"المستدرك على معجم المؤلفين\" لعمر رضا كحالة.\n- \"مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار\" لابن حبان البستي.\n- \"معالم الإيمان\" للدباغ.\n- \"المعجب في تلخيص أخبار المغرب\" لعبد الواحد المراكشي.\n- \"معجم الشيوخ أو رياض الجنة\" لعبد الحفيظ الفاسي.\n- \"معجم المؤلفين\" لعمر رضا كحالة.\n- معجم شيوخ الذهبي.\n- \"معرفة القراء الكبار\" للذهبي.\n- \"المعرفة والتاريخ\" للفسوي.\n- \"المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد\" لابن مفلح.\n- \"المنتظم في تاريخ الملوك والأمم\" لابن الجوزي.\n- \"ميزان الاعتدال\" للذهبي.\n- \"النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة\" ليوسف بن تغري بردي.\n- \"نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب\" للمقري.","vol":"مقدمة","page":53},{"text":"- \"نيل الوطر في تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر\" لمحمد اليمني المعروف بزباره.\n- \"هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين\" لإسماعيل باشا البغدادي.\n- \"الوافي بالوفيات\" للصفدي.\n- \"وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان\" لابن خلكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>كتب مفردة في تراجم خاصة</span>\n- \" ابن عثيمين الإمام الزاهد\" للدكتور ناصر بن مسفر الزهراني.\n- \"الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر\". لابن ناصر الدين الدمشقي.\n- \"المقتصد من حياة الشيخ أبي يوسف عبد الرحمن عبد الصمد\" لإبراهيم الساجر.\n- \"إمام العصر سماحة الشيخ الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز\" للدكتور الزهراني.\n- \"ترجمة أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي\" بقلمه.\n- \"ترجمة الشيخ عبد الله البسام\" بقلم ابنه خالد البسام.\n- \"حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه\" للشيباني.\n- \"صفوت الشواذفي في ركب العلماء\" لأحمد سليمان.\n- \"مختصر ترجمة فضيلة الشيخ محمد أمان الجامي\" لمصطفى بن عبد القادر الفلاني.","vol":"مقدمة","page":54},{"text":"- \"نزهة الأنفس في سيرة الشيخ عبد السلام بن برجس\" لأبي قرة فريد المرادي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>مجلات</span>\n- مجلة التوحيد المصرية.\n- مجلة الجندي المسلم التي تصدر عن وزارة الدفاع السعودية.\n- مجلة الفرقان المغربية.\n- مجلة الفرقان الكويتية.\n- مجلة المجاهد. باكستان.","vol":"مقدمة","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>ثمرات هذه الدراسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>١ - تصدي أهل كل عصر للبدع التي فيه:</span>\nمصداقًا لقوله - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\" (١).\nقال ابن القيم ﵀: \"الحمد لله الذي أقام في أزمنة الفترات من يكون ببيان سنن المرسلين كفيلًا، واختص هذه الأمة بأنه لا تزال فيها طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمره ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلًا، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، ويحيون بكتابه الموتى، فهم أحسن الناس هديًا وأقومهم قيلًا.\nفكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، ومن ضال جاهل لا يعلم طريق رشده قد هدوه، ومن مبتدع في دين الله بشهب الحق قد رموه، جهادًا في الله، وابتغاء\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩) ومسلم (٣/ ١٥٢٣/١٩٢٠ [١٧٠]) واللفظ له، وأبو داود (٤/ ٤٥٠ - ٤٥٢/ ٤٢٥٢) والترمذي (٤/ ٤٣٧/٢٢٢٩)، وابن ماجه (١/ ٥ - ٦/ ١٠) وفي: (٢/ ١٣٠٤/٣٩٥٢).\nكلهم من طرق عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان أن رسول الله - ﷺ - قال: فذكره.\nقال الترمذي: \"وهذا حديث حسن صحيح سمعت محمد بن إسماعيل يقول: سمعت علي بن المديني يقول: وذكر هذا الحديث عن النبي - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق فقال علي: هم أهل الحديث\".","vol":"مقدمة","page":56},{"text":"مرضاته، وبيانًا لحججه على العالمين وبيناته، وطلبًا للزلفى لديه ونيل رضوانه وجناته، فحاربوا في الله من خرج عن دينه القويم، وصراطه المستقيم، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا أعنة الفتنة، وخالفوا الكتاب، واختلفوا في الكتاب، واتفقوا على مفارقة الكتاب، ونبذوه وراء ظهورهم، وارتضوا غيره عنه بديلًا\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٢ - التأريخ للبدع وزمن ظهورها:</span>\nوذلك أن السلف رضوان الله عليهم قاموا في وجه البدع حين ظهورها، فحذروا منها ومن دعاتها، والمنتسبين إليها.\nفحين تتوالى أقوال أهل العلم في حقبة زمنية في بدعة ما، يدل دلالة قاطعة على أن ظهور هذه البدعة وذيوع أمرها وانتشارها كان فيها، بهذا الاعتبار والاستقراء لمواقف السلف من البدع يمكن التأريخ لظهور كل بدعة على حدة، وزمن انتعاشها:\nفالخوارج والرافضة ظهرتا بعد قضية التحاكم، فكان للأولى صولة بعد ظهورهم إلى أواخر القرن الأول وأوقات متقطعات في الثاني.\nوأما الرافضة فاستمر أمرهم إلى أن تفرقت كلمتهم فصاروا زيدية ورافضة، إلى أن علت رايتهم وقويت شوكتهم مع القرامطة والعبيديين\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة (١/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"مقدمة","page":57},{"text":"وأذيالهم. من القرن الثالث إلى الخامس. ثم خمد وهجها إلى أن نفخ الخميني في رمادها وأضرم نارها واشتد لهيبها أوائل هذا القرن، ولا تزال تلفح وجوه أهل السنة بأرض فارس والعراق.\nوأما القدرية: فأول موقف مأثور عن السلف في رد بدعتهم هو موقف عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ المسطور في حديث جبريل في صحيح مسلم. وقد بردت نارهم مع أواسط القرن الثاني.\nوأما المرجئة فأرخ ظهورهم بفتنة ابن الأشعث أواخر القرن الأول، واستقرار أمرها بالكوفة أدى لانحصارها في الأحناف غالبًا.\nوأما الجهمية وأهل الكلام فلم يمكّن لهم إلا أواخر القرن الثاني الذي استطار أمرهم ومكن لهم.\nوأما الصوفية فأُثر ذمهم في القرن الثالث الهجري وامتد أمرهم إلى اليوم حيث تظافرت أقوال الأئمة في الرد عليهم وكشف مخالفاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>٣ - وحدة مواقف السلف من الفرق المخالفة عبر التاريخ:</span>\nإن الناظر المتمعن والقارئ المتفهم فيما ذكرناه في هذه المسيرة المباركة الطيبة من أئمة وأعلام على اختلاف أزمنتهم، وتنوع أقطارهم، وتباين مذاهبهم الفقهية، يجد أن كلمتهم واحدة، ومواقفهم متطابقة من هذه الفرق","vol":"مقدمة","page":58},{"text":"المخالفة للسنة، وكأن القوم اجتمعوا في صعيد واحد، وأصدروا بيانًا واحدًا، على لسان رجل واحد، يقررون فيه وجوب الأخذ بالكتاب والسنة، ومتابعة الرسول - ﷺ - في الأحكام والعقائد، تأسيًا بالصحب الكرام الذي حازوا رضا الرب سبحانه بكمال التسليم لله تعالى ولرسوله - ﷺ -.\nقال أبو المظفر السمعاني: \"ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار؛ وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد وفعلهم واحد لا ترى بينهم اختلافًا ولا تفرقًا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ\n_________\n(١) النساء الآية (٨٢).","vol":"مقدمة","page":59},{"text":"فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (١).\nوأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيتهم متفرقين مختلفين وشيعًا وأحزابًا، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضًا، بل يترقون إلى التكفير، يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره.\nتراهم أبدًا في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم ولما تتفق كلماتهم، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ (٢).\nأو ما سمعت أن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللقب يكفر البغداديون منهم البصريين، والبصريون منهم البغداديين، ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي ابنه أبا هاشم، وأصحاب أبي هاشم يكفرون أباه أبا علي.\nوكذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم، إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين يكفر بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض. وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم وسائر المبتدعة بمثابتهم، وهل على الباطل دليل أظهر من هذا؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣).\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٣).\n(٢) الحشر الآية (١٤).\n(٣) الأنعام الآية (١٥٩).","vol":"مقدمة","page":60},{"text":"وكان السبب في اتفاق أهل الحديث؛ أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف.\nوأهل البدعة أخذوا الدين من المعقولات والآراء، فأورثهم الافتراق والاختلاف؛ فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلما يختلف، وإن اختلف في لفظ أو كلمة فذلك اختلاف لا يضر الدين ولا يقدح فيه.\nوأما دلائل العقل فقلما تتفق؛ بل عقل كل واحد يري صاحبه غير ما يرى الآخر، وهذا بين والحمد لله .. \". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٤ - تميز الأئمة الأعلام بشمولية مواقفهم من كل الفرق:</span>\nإن المتأمل فيما أوردناه في موسوعتنا هذه من المأثور عن الأئمة الأعلام المشهورين بين المسلمين عامهم وخاصهم، يجد أن مواقفهم قد تنوعت، والأقوال المأثورة عنهم تعددت، في تقرير العقيدة السلفية وإبطال العقائد الخلفية، على اختلاف مشاربها وتنوع مضاربها، وتميزت مواقفهم بالشمولية من الفرق كلها إلا النادر القليل منهم، لم تسلم فرقة من نقدهم نصحًا للمسلمين، وانتصارًا لسنة سيد المرسلين.\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٢٢ - ٢٣٣)، وقد أورده ابن القيم في الصواعق (المختصر ص. ٥٧٠ - ٥٧٦)، وأورد معظمه السيوطي في صون المنطق (١٦٥ - ١٧٠).","vol":"مقدمة","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>٥ - إن القرون: التاسع والعاشر والحادي عشر؛ كانت حقبة مظلمة في التاريخ الإسلامي:</span>\nلقد كتب غير واحد عن تاريخ العقيدة على طريق الإجمال؛ منهم العلامة ابن القيم ﵀ والإمام الذهبي في تاريخه وسيره، وكذلك المقريزي في خططه، والذي يظهر بالاستقراء والتتبع أن القرون الأولى بداية من صحابة رسول الله - ﷺ - ومن بعدهم كانت سلسلة متصلة بعلماء الحديث والسنة الذين حملوا صحيح المعتقد من جيل إلى جيل. وإن كان قد وقعت عقبات في التاريخ كان لها الأثر السيئ على المسيرة العقدية الصحيحة، كما حدث في عهد المأمون وإخوانه الذين تبنوا الفكر الجهمي، وكذلك ما قام به ورثة المجوس الرافضة من محاولات متعددة آخرها إسقاط الخلافة العباسية التي كانت مؤامرة من أعداء الله المجوس، وكذلك محاولاتهم في المغرب وفي مصر كما ذكر الدباغ في معالم الإيمان، والمقريزي في خططه، وغيرهم ممن كتب في التاريخ، فكل هؤلاء الزنادقة كان لهم دور كبير في صد الناس عن السنة وأهلها، وقتل العلماء وسجنهم وتعذيبهم، وتهديدهم بأنواع التهديدات.\nولما جاء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أواخر القرن السابع وأوائل الثامن؛ أحيى الله به ما اندرس من السنة، ومثل التجديد بحق، فجدد الله به القرآن والسنن، وكان له تلامذة بررة فحول حملوا علمه ودعوته، كالحافظ ابن القيم والحافظ الذهبي والحافظ ابن كثير، والإمام المزي صاحب تهذيب","vol":"مقدمة","page":62},{"text":"الكمال، وغيرهم من تلامذته وزملائه.\nولكن بعد انقراض تلامذة شيخ الإسلام وزملائه في القرن الثامن؛ ظهرت ثغرة كبيرة؛ فضعف حال المسلمين وتغلب عليهم أعداؤهم في المشرق والمغرب، وما بقيت رقعة في العالم الإسلامي إلا وملئت بالطوائف والزوايا، وظهر التصوف وأمسى منقبة عندهم، وبرجاله أشاد السخاوي وانتشى في \"الضوء اللامع\".\nكما حمل لواء علم الكلام باسم الأشعرية والماتريدية، أو نصرة الاعتزال ومنهاج جهم في بعض البلاد كاليمن وبعض بلاد فارس وبعض البلاد التي تنتسب إلى العرب، وإن ظهرت مدرسة الحافظ العراقي التي امتدت وظهر منها الحافظ ابن حجر وبعض الحفاظ الكبار، فإن همها كان هو العناية بصناعة الحديث دون التصدي للدفاع عن المعتقد الصحيح؛ بل وقع كثير من هؤلاء في التأويل والتصوف.\nفهذه المدة إلى زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت حقبة مظلمة ولم يعرف فيها من العلماء الأجلاء الدآبين عن المعتقد الصحيح إلا النزر اليسير الذين ذكرناهم، ممن بلغنا خبره أو كتابه.","vol":"مقدمة","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>٦ - انتعاش الدعوة السلفية مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب:</span>\nوأما بعد هذه الحقبة المظلمة فأشرقت أنوار شمس السنة في ديار نجد المباركة، فبدأت بالشيخ الإمام المصلح المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، ويسر الله له دولة الخير دولة آل سعود، التي نصر الله بها السنة وامتد خيرها فيما بعد إلى كل أرجاء المعمورة، فتنورت اليمن على قربها، وبعض علماء العراق الذين ظهر تأثرهم بالشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ووصل ذلك إلى السند والهند فظهر في كل مكان علماء اقتنعوا بدعوة الشيخ الإمام.\nوتأسست جمعية أنصار السنة المحمدية بمصر برئاسة الشيخ حامد الفقي ﵀، وكانت من آثار هذه الدعوة المباركة، وكان لهذه الجمعية من الخير ما لا يحصيه إلا الله.\nوتأسست جمعية أنصار السنة بالسودان وكان لها من الأثر الطيب ما يعرفه كل من تتبع تلك الدعوة المباركة.\nوزار ابن ملك المغرب سليمان العلوي تلك البلاد، فنقل منها تلك الدعوة إلى بلاد المغرب.\nوتأسست جمعية العلماء بالجزائر وكان لها أثر كبير في إحياء التوحيد والتحذير من الشرك.\nأما اليوم فعلماء السنة والتوحيد كثر بحمد الله تعالى أينما ذهبت وحيثما","vol":"مقدمة","page":64},{"text":"يممت، وآثارهم وأياديهم البيضاء في نصرة الحق ظاهرة جلية، ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٧ - إبراز مواقف أعلام المذاهب المعروفة في إبطال البدع:</span>\nلقد ساخت أقدام كثير من أتباع المذاهب الأربعة في وحل البدع العلمية والعملية، وتلطخت أيديهم وقلوبهم بدرنها، وأضحوا حماة لحياضها، ودعاة لمواردها باسم المذهب وثوابته، وهم أبعد الناس عن إمامهم الذي ينتسبون إليه؛ وأعلام مذهبهم الذي يستمسكون به.\nبرهان صدقِ قولنا ما سطرناه في كتابنا هذا عن الأئمة الأربعة وغيرهم، من أقوالهم وأفعالهم ومؤلفاتهم وتصريحاتهم الواضحة البليغة في نبذ البدع كلها، علميها وعمليها، وكذا الشأن في أتباعهم من أعلام مذاهبهم، وقد بلغ تعداد أعيان المالكية الرادين للبدع العملية دون العلمية في موسوعتنا هذه زهاء سبعين علمًا، وأمثالهم في بقية المذاهب الأربعة كثير، وإن كنا لم نتقصد إحصاءهم وتعدادهم. فما بال خلفهم اليوم رافعين ألوية البدعة، شاهرين سيوفهم في صدر السنة وأتباعها؟!!\nفالحق الذي لا مرية فيه أن أولى الناس بهؤلاء الأئمة هم السلفيون الذين يعتصمون بقولهم في وجوب اتباع رسول الله - ﷺ - والخضوع لقوله، وأنه حق، وأن كل قول منهم خالف الثابت عن رسول الله - ﷺ - أنهم عنه راجعون، وبما","vol":"مقدمة","page":65},{"text":"صح عنه قائلون، وأن كل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - ﷺ -.\nفأين أدعياء اتباع الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵏ حيث يلزمون الناس ويوجبون عليهم الاقتداء بهم، ويمنعون الخروج عن مذاهبهم، ثم هم سوغوا لأنفسهم الخروج عن هؤلاء الأئمة في المعتقد والسلوك، فاعتنقوا خلاف معتقد أئمتهم الذي هو معتقد السلف الأخيار، وتفرقت سبلهم، وتنوعت مشاربهم بين جهمي جلد، أو ماتريدي وأشعري متردد، متذبذب بين اعتقاد السلف والاعتزال لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، واصطفوا لأنفسهم -دون أئمتهم- سلوك الجنيد وحلول ابن عربي. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٨ - رد زعم القائل أن السلفية بالمغرب حادثة مع الشيخ تقي الدين الهلالي:</span>\nهذه الدعوى المغرضة في عرضها، توغر صدر السلطان نحو الدعوة السلفية ودعاتها وأبنائها، بهذا البلد الحبيب؛ لأن الحقائق التاريخية، والآثار الخطية التي دونت بمداد العز والشرف مواقف لملوك وعلماء سلفيين ببلدنا الكريم، وأقوالهم وكتبهم تشهد ببطلان وزيف هذا الزعم المدعى، والكذب البراق المفترى.\nلقد ظل أهل المغرب على اعتقاد السلف منذ دخولهم في الإسلام إلى أن","vol":"مقدمة","page":66},{"text":"حُرِّف اعتقادهم تحت وطأة التهديد والقتل من ابن تومرت الذي فرض الأشعرية بلبوس الرفض في ادعاء المهدوية، وقد نص على هذا غير واحد من المؤرخين وعلماء المغرب المعتبرين:\nقال الشيخ عبد الحفيظ الفاسي: \"ذكر أهل التاريخ أن أهل المغرب كانوا في الأصول والمعتقدات بعد أن طهرهم الله تعالى من نزغة الخارجية أولًا والرافضية ثانيًا على مذهب أهل السنة، مقلدين للصحابة ومن اقتفى أثرهم من السلف الصالح وأهل القرون الثلاثة الفاضلة، في الإيمان بالمتشابه وعدم التعرض له بالتأويل، مع اعتقاد التنزيه، كما جرى عليه الإمام ابن أبي زيد القيرواني في عقيدته، واستمر الحال على ذلك إلى أن ظهر محمد بن تومرت الملقب نفسه بالإمام المعصوم أو مهدي الموحدين، وذلك في صدر المائة السادسة، فرحل إلى المشرق، وأخذ عن علمائه مذهب المتأخرين من أصحاب الإمام أبي الحسن الأشعري من الجزم بعقيدة السلف مع تأويل المتشابه من كلام الله تعالى وكلام رسوله - ﷺ -، وتخريجه على ما عرف في كلام العرب من فنون مجازاتها وضروب بلاغتها، ومزج ذلك بما كان ينتحله من عقائد الخوارج والشيعة والفلاسفة، حسبما يُعلم ذلك أولًا بمعرفة كتب الإمام أبي الحسن الأشعري كالإبانة في أصول الديانة وغيرها التي ينصر فيها مذهب السلف، وبمعرفة كتب الجهابذة من أتباعه الذين اقتدوا به في ذلك كإمام الحرمين، وثانيًا","vol":"مقدمة","page":67},{"text":"بإمعان النظر في أقوال وأفعال وأحوال ابن تومرت وخلفائه من بعده، ثم عاد ابن تومرت إلى المغرب بهذه العقيدة المختلطة المدلسة الفاسدة، وألف فيها التآليف العديدة هو وأتباعه، ودعا الناس إلى سلوكها، وجزم بتضليل من خالفها، بل وتكفيره. وسمى أصحابه بالموحدين تعريضًا بأن من خالف عقيدته ليس بموحد؛ بل مجسم مشرك، وجعل ذلك ذريعة إلى الانتزاء على مُلك المغرب حسبما هو معلوم، فقاتل على عقيدته، واستباح هو وخلفاؤه لأجلها دماء مئات الآلاف من الناس وأموالهم حتى تمكنت من عقول الناس بالسيف، ونبذوا ما كان عليه سلفهم الأول، وأقبلوا كافة على تعاطي هذا المذهب، وقام العلماء بتقريره وتحريره درسًا وتأليفًا، والناس على دين ملوكهم\". (١)\nوقال الشيخ عبد الرحمن النتيفي المغربي عن فتنة العبيدين وبدعتهم: \"ثم انجلت ظلمتها واستضاء المسلمون بنور السنة ومذهب السلف، حتى ظهر فيهم في أوائل القرن السادس محمد بن تومرت المهدي، تلميذ أبي حامد الغزالي، فملأ أرضهم بمعارضة العقل للوحي، واشتهر مذهب شيخه الغزالي في هذه البقاع، وسمى من خالفه من علماء المغرب وملوكهم وجمهورهم مجسمة، وقاتلهم على ذلك، وسمى أتباعه الموحدين، وفي ذلك يقول الحفيد ابن رشد: ولما ظهر أبو حامد طم الوادي على القرى، ثم لم يزل أهل المغرب في\n_________\n(١) الآيات البينات (ص. ٢٤ - ٢٥).","vol":"مقدمة","page":68},{"text":"دولة الموحدين وبني مرين بعدهم وغيرهم آخذين بمذهبه. وآخذ بمذهب السلف وهم القليل، حتى كانت دولة سيدي محمد بن عبد الله العلوي، فعانق مذهب السلف هو وخواصه، وأظهره للجمهور، وهكذا ابنه أبو الربيع المولى سليمان كما تقدم.\nوأما أهل المشرق فبعث الله عليهم في خلال هذه الدعوة عبادًا له أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وهم التتار، ثم تيمور، ثم نيضت نابغة أيضًا تدعوا إلى معارضة النقل بالعقل، فقيض الله لهم شيخ الإسلام الحراني وأصحابه، فكانوا يناضلون بسيف الحجة عن مذهب أهل السنة، ثم اختلط الأمر بعد ذلك ومرج، فمن آخذ بمذهب هؤلاء، ومن آخذ بمذهب هؤلاء.\nوقد قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله\" (١).\" اهـ (٢)\nوهذا الذي قرره الشيخ النتيفي ﵀ وغيره من العلماء ثابت موثق بمصادره والقائلين به خلافًا للدعوى العرية التي نحن بصدد إبطالها. ونقدم للقراء الكرام مثالًا واحدًا من ملوك المغرب وهو السلطان محمد بن عبد الله العلوي المتوفى (١٢٠٤ هـ) وكان مالكي المذهب، حنبلي الاعتقاد، مقتفيًا نهج\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ٢٤٤) والبخاري (١٣/ ٥٤٢/٧٤٥٩) ومسلم (٣/ ١٥٢٣/١٩٢١) من حديث المغيرة بن شعبة. وفي الباب عن غيره من الصحابة ﵃ أجمعين.\n(٢) نظر الأكياس (٩٦ - ٧٠) مخطوط يعمل على تحقيقة بعض طلبتنا.","vol":"مقدمة","page":69},{"text":"السلف أصحاب الحديث:\nجاء في الفكر السامي: \"إنه أول من أدخل المسانيد الأربعة للمغرب من الحرم الشريف يعني ما عدا الموطأ، وافتتحه -أي كتاب \"الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية\"- بعقيدة رسالة ابن أبي زيد ... وقد كان سلفي العقيدة على مذهب الحنابلة كما صرح بذلك في تآليفه ... ومن مآثره أنه كان يحض على قراءة كتب المتقدمين وينهى عن المختصرات، ويرى الرجوع للكتاب والسنة؛ ولو عملوا برأيه لارتقى علم الدين إلى أوج الكمال. (١)\nوفي الاستقصا: \"وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الله ﵀ ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحررة على مذهب الأشعرية ﵃، وكان يحض الناس على مذهب السلف من الاكتفاء بالاعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل، وكان يقول عن نفسه حسبما صرح به في آخر كتابه الموضوع في الأحاديث المخرجة من الأئمة الأربعة: إنه مالكي مذهبًا حنبلي اعتقادًا، يعني أنه لا يرى الخوض في علم الكلام على طريقة المتأخرين، وله في ذلك أخبار\". (٢)\n- وفيه: \"ومن عجيب سيرته ﵀ أنه كان يرى اشتغال طلبة العلم\n_________\n(١) (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(٢) (٨/ ٦٨).","vol":"مقدمة","page":70},{"text":"بقراءة المختصرات في فن الفقه وغيره وإعراضهم عن الأمهات المبسوطة الواضحة تضييع للأعمار في غير طائل، وكان ينهى عن ذلك غاية. ولا يترك من يقرأ مختصر خليل ومختصر ابن عرفة وأمثالهما. ويبالغ في التشنيع على من اشتغل بشيء من ذلك، حتى كاد الناس يتركون قراءة مختصر خليل، وإنما كان يحض على كتاب الرسالة والتهذيب وأمثالهما، حتى وضع في ذلك كتابًا مبسوطًا أعانه عليه أبو عبد الله الغربي وأبو عبد الله المير وغيرهما من أهل مجلسه.\nولما أفضى الأمر إلى السلطان العادل المولى سليمان ﵀ صار يحض الناس على التمسك بالمختصر، ويبذل على حفظه وتعاطيه الأموال الطائلة، والكل مأجور على نيته وقصده. (١)\nقال صاحب الاستقصا: \"إنا نقول: الرأي ما رأى السلطان سيدي محمد ﵀، وقد نص جماعة من أكابر الأعلام النقاد مثل الإمام الحافظ أبي بكر ابن العربي، والشيخ النظار أبي إسحاق الشاطبي، والعلامة الواعية أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون وغيرهم، أن سبب نضوب ماء العلم في الإسلام ونقصان ملكة أهله فيه إكباب الناس على تعاطي المختصرات الصعبة الفهم، وإعراضهم عن كتب الأقدمين المبسوطة المعاني، الواضحة الأدلة، التي تحصل لمطالعها الملكة في أقرب\n_________\n(١) (٨/ ٦٧).","vol":"مقدمة","page":71},{"text":"مدة، ولعمري لا يعلم هذا يقينًا إلا من جربه وذاقه. اهـ (١)\nوجاء في \"النبوغ المغربي\" لعبد الله كنون: \"أصدر مرسومًا ملكيًا سنة ثلاث ومائتين وألف للهجرة في إصلاح المنهج التعليمي بالمغرب، وألزم العلماء والوعاظ به، وتوعد بالعقوبة كل من خالفه، ومما قال فيه: \"ومن أراد علم الكلام فعقيدة ابن أبي زيد ﵁ كافية شافية يستغني بها جميع المسلمين\". ثم قال: \"ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة وكتب غلاة الصوفية وكتب القصص؛ فليتعاط ذلك في داره مع أصحابه الذين لا يدرون بأنهم لا يدرون، ومن تعاطى ما ذكرنا في المساجد ونالته عقوبة فلا يلومن إلا نفسه، وهؤلاء الطلبة الذين يتعاطون العلوم التي نهينا عن قراءتها، ما مرادهم بتعاطيها إلا الظهور والرياء والسمعة، وأن يُضلوا طلبة البادية؛ فإنهم يأتون من بلدهم بنية خالصة في التفقه في الدين وحديث رسول الله - ﷺ -، فحين يسمعونهم يدرسون هذه العلوم التي نهينا عنها؛ يظنون أنهم يحصلون على فائدة بها، فيتركون مجالس التفقه في الدين واستماع حديث رسول الله - ﷺ -، وإصلاح ألسنتهم بالعربية، فيكون ذلك سببًا في ضلالهم\". (٢)\nفمن أعلام السلفية بالمغرب قبل الشيخ تقي الدين الهلالي أو من عاصره:\n_________\n(١) الاستقصا (٨/ ٦٧).\n(٢) ص (٢٧٧).","vol":"مقدمة","page":72},{"text":"- السلطان سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي، أبو الربيع (١٢٣٨ هـ).\n- عبد الله بن إدريس بن محمد بن أحمد السنوسي، أبو سالم (١٣٥٠ هـ).\n- عبد السلام السرغيني (١٣٥٤ هـ).\n- السلطان عبد الحفيظ بن الحسن العلوي أبو المواهب (١٣٥٦ هـ).\n- أبو شعيب الدكّاليّ (١٣٥٦ هـ) وكان وزيرًا للعدل.\n- عبد الحفيظ بن محمد الطاهر بن عبد الكبير الفاسي الفهري (١٣٨٣ هـ).\n- ابن المؤقت محمد بن محمد بن عبد الله المؤقت المراكشي (١٣٦٨ هـ).\n- محمد بن العربي العلوي (١٣٨٤ هـ) وكان وزيرًا للعدل أيضًا.\n- عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم النتيفي (١٣٨٥ هـ).\n- محمد بن اليمني الناصري (١٣٩١ هـ).\n- محمد الجزولي (١٣٩٣ هـ).\n- صهيب بن محمد الزمزمي بن الصديق الغماري (بعد ١٣٩٧ هـ).\n- محمد بن محمد بن العربي كنوني المذكوري (١٣٩٨ هـ) وكان ﵀ عضوًا بارزًا في الأمانة العامّة لرابطة علماء المغرب.\n- أحمد الخريصي (بعد ١٤٠٣ هـ).\n- عبد الله كنون رئيس رابطة علماء المغرب وأمينها العام. (١٤٠٩ هـ).\n- أحمد بن محمد بن عمر ابن تاويت التطواني (١٤١٤ هـ).","vol":"مقدمة","page":73},{"text":"وهؤلاء ممن تيسر الوقوف على مواقفهم التي ضمناها موسوعتنا هذه وعامتها في المجلدين التاسع والعاشر.\nوختامًا: هذا ما تيسر بسطه في هذه المقدمة للتعريف بهذه الموسوعة المباركة، التي سنعمل إن شاء الله تعالى على وضع تتمات وزوائد ومستدركات عليه، إن كتب الله في العمر فسحة.\nوالله أسأل أن ينفع بها، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن يجزي أبوي وأم سهل رفيقة العمر -والتي كانت خير سند لنا في المسيرة الدعوية والعلمية- وأبناءنا وتلامذتنا خيرًا؛ فإن لهم اليد البيضاء في هذا البحث وفي غيره من الأعمال الدعوية والعلمية ونشر الكتاب والسنة، جعلهم الله خير خلف لخير سلف، وجعل منهم العلماء والدعاة والمجاهدين في الله حق جهاده، ومن نسلهم ودعوتهم إنه سميع مجيب.\nكما لا ننسى الشكر والدعاء لكل من له يد خير في التوجيه والنصح للجمعية التي نقوم عليها، وخدمتها بعلمه أو عمله، أو ماله أو قلمه. فنسأله سبحانه أن يجزل لهم المثوبة ويعظم لهم الأجر.\nوكتب محمد بن عبد الرحمن المغراوي\nمراكش","vol":"مقدمة","page":74},{"text":"حمزة بن عبد المطلب (١) (٣ هـ)\nحمزة بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي - ﷺ - وأخوه من الرضاعة، وكان يقال له أسد الله، وأسد رسوله، يكنى أبا عمارة، وأبا يعلى أيضا لابنيه عمارة ويعلى. الإمام البطل الضرغام البدري الشهيد. قال ابن إسحاق: لما أسلم حمزة، علمت قريش أن رسول الله - ﷺ - قد امتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. وأخرج الحاكم وصححه عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: \"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب\" (٢) كان أسن من رسول الله - ﷺ - بأربع سنين. قتله وحشي يوم أحد بطلب من هند بنت عتبة انتقاما لأبيها ومثلت به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>موقفه من المشركين:</span>\nعن ابن إسحاق قال: فحدثني رجل من أسلم، وكان واعية، أن أبا جهل اعترض رسول الله - ﷺ - عند الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له. فلم يكلمه رسول الله - ﷺ -. ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى ناد لقريش عند الكعبة فجلس معهم. ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن\n_________\n(١) الإصابة (٢/ ١٢١ - ١٢٣) والاستيعاب (١/ ٣٦٩ - ٣٧٥) وطبقات ابن سعد (٣/ ٨ - ١٩) والعقد الثمين (٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨) ومجمع الزوائد (٩/ ٢٦٩ - ٢٧١) وشذرات الذهب (١/ ١٠ - ١١) وسير أعلام النبلاء (١/ ١٧١ - ١٧٤) والمستدرك للحاكم (٣/ ١٩٢ - ١٩٦).\n(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ١١٩ - ١٢٠) و(٣/ ١٩٥) والطبراني في الأوسط (١/ ٥٠١ - ٥٠٢/ ٩٢٢) والخطيب في تاريخه (٦/ ٣٧٧) من طرق عن جابر ﵁. وفي الباب عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃. وقد صححه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (٣٧٤).","vol":"1","page":1},{"text":"أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص له. كان صاحب قنص يرميه، ويخرج له، فكان إذا رجع من قنصه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة. وكان إذا فعل ذلك لا يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم. وكان أعز قريش وأشدها شكيمة. وكان يومئذ مشركا على دين قومه. فلما مر بالمولاة، وقد قام رسول الله - ﷺ - فرجع إلى بيته، فقالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك من أبي الحكم آنفا قبيل، وجده هاهنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله ﷿ به من كرامته. فخرج سريعا لا يقف على أحد، كما كان يصنع، يريد الطواف بالبيت. معدا لأبي جهل أن يقع به. فلما دخل المسجد، نظر إليه جالسا في القوم. فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس وضربه بها ضربة شجه بها شجة منكرة. وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه. فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت. قال حمزة: وما يمنعني منه، وقد استبان لي منه ذلك، وأنا أشهد أنه رسول الله، وأن الذي يقول حق. فوالله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا. وتم حمزة على إسلامه وعلى ما تابع عليه رسول الله - ﷺ - من قوله. فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله - ﷺ - قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه. فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه.\nفقال في ذلك شعرا حين ضرب أبا جهل وأسلم:\nذق يا أبا جهل ما عسيت ... من أمرك الظالم إذ مشيت","vol":"1","page":2},{"text":"عن أمرك الظالم إذ عنيت ... لو كنت ترجو الله ما شقيت\nستسعط الرغم بما أتيت ولا ... تؤذي رسول الله إذ نهيت\nتركت الحق إذ دعيت ... ولا هويت بعد ما هويت\nحتى تذوق الخوى قد لقيت ... فقد شفيت النفس وأشفيت (١)\n\" التعليق:\nهذا أحد مواقف حمزة ﵁، وكانت كلها في نصرة عقيدة التوحيد الخالصة، فهو أسد الله يوم بدر، قتل طاغوتا من أكبر طواغيت الشرك: شيبة بن ربيعة، وشارك في قتل عتبة بن ربيعة، وقتل طعيمة بن عدي، وأبلى البلاء الحسن يوم أحد، واستشهد في تلك المعركة الخالدة، وسماه النبي - ﷺ -: \"سيد الشهداء\" (٢): فرضي الله عنه وأرضاه.\n\nسعد بن معاذ (٣) (٥ هـ)\nسعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس، أبو عمرو الأنصاري الأوسي الأشهلي البدري. أسلم على يد مصعب بن عمير. قال ابن إسحاق: لما أسلم وقف على قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلا، وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلامكم علي حرام،\n_________\n(١) سيرة ابن إسحاق (ص.١٥١ - ١٥٢).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) السير (١/ ٢٧٩ - ٢٩٧) والاستيعاب (٢/ ٦٠٢ - ٦٠٥) وتهذيب الكمال (١٠/ ٣٠٠ - ٣٠٤) وأسد الغابة (٢/ ٤٦١ - ٤٦٤) والإصابة (٤/ ١٧١ - ١٧٢) وشذرات الذهب (١/ ١١).","vol":"1","page":3},{"text":"رجالكم ونساؤكم حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا. قال ابن إسحاق: آخى رسول الله - ﷺ - بين سعد وأبي عبيدة بن الجراح. وقال ابن إسحاق: حدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل أن عائشة كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وأم سعد معها، فعبر سعد عليه درع مقلصة، قد خرجت منه ذراعه كلها وفي يده حربة يرفل بها ويقول:\nلبث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل\nفقالت أم سعد: الحق يا بني، قد والله أخرت. فقالت عائشة: يا أم سعد لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي، فرمي سعد بسهم قطع منه الأكحل، رماه ابن العرقة، فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرقة، فقال: عرق الله وجهك في النار. اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذبوه وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.\nثم أبلغه أمنيته بأن أمكن رسول الله - ﷺ - والمؤمنين منهم، فنزلت بنو قريظة على حكم سعد فوافق حكم الله تعالى فيهم. (١)\nرمي ﵁ يوم الخندق بسهم فعاش بعد ذلك شهرا ثم انتقض جرحه فمات منه، وذلك سنة خمس للهجرة.\n_________\n(١) سيأتي الحديث وتخريجه.","vol":"1","page":4},{"text":"عن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ\" (١). وعن أنس قال: لما حملت جنازة سعد ابن معاذ، قال المنافقون: ما أخف جنازته، وذلك لحكمه في بني قريظة، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: \"إن الملائكة كانت تحمله\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>موقفه من المشركين:</span>\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: \"لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد [هو ابن معاذ] بعث رسول الله - ﷺ - وكان قريبا منه- فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله - ﷺ -: قوموا إلى سيدكم، فجاء فجلس إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له: إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية. قال: لقد حكمت فيهم بحكم الملك\". (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>موقف السلف من مسيلمة الكذاب (١٢ ه</span>ـ)\nقال شيخ الإسلام في المنهاج: وقرآنه الذي قرأه قد حفظ الناس منه سورا إلى اليوم، مثل قوله: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء وذنبك في الطين. ومثل قوله:\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٣١٦) والبخاري (٧/ ١٥٥/٣٨٠٣) ومسلم (٤/ ١٩١٥/٢٤٦٦ [١٢٤]) وابن ماجة (١/ ٥٦/١٥٨).\n(٢) الترمذي (٥/ ٦٤٧/٣٨٤٩) وصححه الحاكم (٣/ ٢٠٧) ووافقه الذهبي.\n(٣) أحمد (٣/ ٢٢) والبخاري (٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣/ ٣٠٤٣) ومسلم (٣/ ١٣٨٨ - ١٣٨٩/ ١٧٦٨) وأبو داود (٥/ ٣٩٠/٥٢١٥) والنسائي في الكبرى (٥/ ٦٢/٨٢٢٢).","vol":"1","page":5},{"text":"الفيل، وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، إن ذلك من خلق ربنا لقليل. ومثل قوله: إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وهاجر، ولا تطع كل ساحر وكافر. ومثل قوله: والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، إهالة وسمنا، إن الأرض بيننا وبين قريش نصفين، ولكن قريشا قوم لا يعدلون. (١)\nوقال أيضا: وكان مسيلمة قد كتب إلى النبي - ﷺ - في حياته: \"من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك\" فكتب إليه النبي - ﷺ -: \"من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ... \" (٢) ولما جاء رسوله إلى النبي - ﷺ - قال له: أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم. قال: لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك. ثم بعد هذا أظهر أحد الرسولين الردة بالكوفة، فقتله ابن مسعود، وذكره بقول النبي - ﷺ - هذا. وكان مسيلمة قد قدم في وفد بني حنيفة إلى النبي - ﷺ -، وأظهر الإسلام، ثم لما رجع إلى بلده قال لقومه: \"إن محمدا قد أشركني في الأمر معه\" واستشهد برجلين: أحدهما الرجال (٣) بن عنفوة، فشهد له بذلك. ويروى عن النبي - ﷺ - أنه قال لثلاثة أحدهم أبو هريرة، والثاني الرجال هذا: \"إن أحدكم ضرسه في النار أعظم من كذا وكذا\" (٤) فاستشهد الثالث في سبيل الله، وبقي أبو هريرة\n_________\n(١) المنهاج (٨/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n(٢) ذكره ابن إسحاق بدون سند وعنه ابن هشام في السيرة (٤/ ٦٠٠ - ٦٠١).\n(٣) ويروى أيضا بالحاء المهملة، والأكثر على ضبطه بالجيم.\n(٤) ذكره سيف بن عمر في الفتوح نقلا عن الاستيعاب (٣/ ١٢٥٨) والإصابة (٥/ ٣٥٨) عن مخلد بن قيس العجلي عن أحمد بن فرات بن حيان قال: خرج فرات والرجال ... الحديث. وهذا إسناد واه لا يصح. وذكره السهيلي في الروض الأنف (٤/ ٢٢٥) بدون إسناد، وعنه ابن كثير في السيرة (٤/ ٩٧).","vol":"1","page":6},{"text":"خائفا، حتى شهد هذا لمسيلمة بالنبوة، واتبعه، فعلم أنه هو كان المراد بخبر النبي - ﷺ -. وكان مؤذن مسيلمة يقول: أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله. (١)\nذكر مقتله لعنه الله:\nجاء في الكامل لابن الأثير: فلما مات النبي - ﷺ -، وبعث أبو بكر السرايا إلى المرتدين، أرسل عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل بن حسنة، فعجل عكرمة ليذهب بصوتها، فواقعهم فنكبوه، وأقام شرحبيل بالطريق حين أدركه الخبر، وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالخبر. فكتب إليه أبو بكر: لا أرينك ولا تراني، لا ترجعن فتوهن الناس، امض إلى حذيفة وعرفجة فقاتل أهل عمان ومهرة، ثم تسير أنت وجندك تستبرون الناس حتى تلقى مهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت. فكتب إلى شرحبيل بالمقام إلى أن يأتي خالد، فإذا فرغوا من مسيلمة تلحق بعمرو بن العاص تعينه على قضاعة.\nفلما رجع خالد من البطاح إلى أبي بكر واعتذر إليه قبل عذره ورضي عنه ووجهه إلى مسيلمة وأوعب معه المهاجرين والأنصار وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد بن الخطاب، وأقام خالد بالبطاح ينتظر وصول البعث إليه. فلما وصلوا إليه سار إلى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ كثيرون كانت عدتهم أربعين ألف مقاتل، وعجل شرحبيل بن حسنة، وبادر خالدا بقتال مسيلمة، فنكب، فلامه خالد، وأمد أبو بكر خالدا بسليط ليكون ردءا له لئلا يؤتى من خلفه. وكان أبو بكر\n_________\n(١) المنهاج (٨/ ٣٢٢ - ٣٢٣).","vol":"1","page":7},{"text":"يقول: لا أستعمل أهل بدر، أدعهم حتى يلقوا الله بصالح أعمالهم، فإن الله يدفع بهم وبالصالحين أكثر مما ينتصر بهم. وكان عمر يرى استعمالهم على الجند وغيره.\nوكان مع مسيلمة نهار الرجال بن عنفوة، وكان قد هاجر إلى النبي - ﷺ -، وقرأ القرآن، وفقه في الدين، وبعثه معلما لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، شهد أن محمدا - ﷺ - يقول: إن مسيلمة قد أشرك معه، فصدقوه واستجابوا له، وكان مسيلمة ينتهي إلى أمره، وكان يؤذن له عبد الله بن النواحة، والذي يقيم له حجير بن عمير، فكان حجير يقول: أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله، فقال له مسيلمة: أفصح حجير، فليس في المجمجمة خير. وهو أول من قالها. (١)\nعن عروة قال: سار بنا خالد إلى اليمامة إلى مسيلمة، وخرج مسيلمة بمجموعة فنزلوا بعقرباء فحل بها خالد عليهم، وهي طرف اليمامة، وجعلوا الأموال خلفها كلها وريف اليمامة وراء ظهورهم.\nوقال شرحبيل بن مسيلمة: يا بني حينفة اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم ستردف النساء سبيات وينكحن غير حظيات، فقاتلوا عن أحسابكم، فاقتتلوا بعقرباء قتالا شديدا، فجال المسلمون جولة، ودخل ناس من بني حنيفة فسطاط خالد وفيه مجاعة أسير، وأم تميم امرأة خالد، فأرادوا أن يقتلوها فقال مجاعة: أنا لها جار، ودفع عنها، وقال ثابت بن قيس حين رأى المسلمين مدبرين: أف لكم ولما تعملون، وكر المسلمون فهزم الله العدو،\n_________\n(١) الكامل في التاريخ (٢/ ٣٦٠ - ٣٦١).","vol":"1","page":8},{"text":"ودخل نفر من المسلمين فسطاط خالد فأرادوا قتل مجاعة، فقالت أم تميم: والله لا يقتل وأجارته. وانهزم أعداء الله حتى إذا كانوا عند حديقة الموت اقتتلوا عندها، أشد القتال. وقال محكم بن الطفيل: يا بني حنيفة ادخلوا الحديقة فإني سأمنع أدباركم، فقاتل دونهم ساعة وقتل، وقال مسيلمة: يا قوم قاتلوا عن أحسابكم، فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى قتل مسيلمة. (١)\nاستشهد في هذه الوقعة عدة من سادات الصحابة رضوان الله عليهم منهم أبو حذيفة بن ربيعة ومولاه سالم وزيد بن الخطاب وعبد الله بن سهيل وعباد بن بشر وثابت بن قيس بن شماس وأبو دجانة وعبد الله بن أبي وغيرهم كثير، أوصلهم خليفة بن خياط إلى ثمانية وخمسين رجلا. (٢)\n\nعكرمة بن أبي جهل (٣) (١٣ هـ)\nعِكْرِمَة بن أبي جهل عمروبن هشام بن المغيرة، أبو عثمان القرشي المخزومي المكي أسلم عام الفتح، وحسن إسلامه وخرج إلى المدينة، ثم إلى قتال أهل الردة ووجهه أبو بكر الصديق إلى جيش نعمان، فظهر عليهم، ثم إلى اليمن ثم رجع. وذكر الطبري أن النبي - ﷺ - استعمله على صدقات هوازن عام وفاته. قال الشافعي: كان محمود البلاء في الإسلام، ﵁. قال ابن أبي مليكة: كان عكرمة إذا اجتهد في اليمين قال: لا والذي نجاني يوم\n_________\n(١) تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين ص.٣٨ - ٣٩).\n(٢) تاريخ خليفة (ص.١١٥) وانظر الكامل في التاريخ (٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧) وتاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين ص.٥٣ - ٧٣).\n(٣) السير (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤) والإصابة (٤/ ٥٣٨ - ٥٣٩) وأسد الغابة (٤/ ٦٧ - ٧٠) والاستيعاب (٣/ ١٠٨٢ - ١٠٨٥).","vol":"1","page":9},{"text":"بدر. ذكر الطبري أنه قتل يوم أجنادين، وقال الواقدي: لا اختلاف بين أصحابنا في ذلك. وقيل قتل يوم اليرموك في خلافة عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة لعبد الله: عن ابن أبي مليكة قال كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف فيضعه على وجهه ويقول كلام ربي كلام ربي. (١)\n\nأمير المؤمنين أبو بكر الصِّدِّيق (٢) (١٣ هـ)\nعبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي، أبو بكر الصِّدِّيق بن أبي قُحَافَة، خليفة رسول الله - ﷺ -، أمه أم الخير، سلمى بنت صخر. ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر. كان أول من آمن من الرجال، لقب بعتيق. أنفق أمواله على النبي - ﷺ - وفي سبيل الله، قال رسول الله - ﷺ -: \"ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر\" (٣). وقال عمرو بن العاص: يا رسول الله أي الرجال أحب إليك؟ قال: \"أبو بكر\" (٤). وقال - ﷺ -: \"لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.٢٦).\n(٢) الإصابة (٤/ ١٦٩ - ١٧٥) وكتاب المعرفة والتاريخ (١/ ٢٣٨ - ٢٤١) و(١/ ٤٤٦ - ٤٥٥) والوافي بالوفيات (١٧/ ٣٠٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢ - ٥) وتاريخ الطبري (٣/ ٣٨٧ - ٤٣٤) وطبقات ابن سعد (٣/ ١٦٩ - ٢١٣) والكامل (٢/ ٤١٨ - ٤٢٠) وفيات الأعيان (٣/ ٦٤ - ٧١) والاستيعاب (٣/ ٩٦٣ - ٩٧٨) وشذرات الذهب (١/ ٢٤ - ٢٦).\n(٣) أحمد (٢/ ٢٥٣ و٣٦٦) والترمذي (٥/ ٥٦٨ - ٥٦٩/ ٣٦٦١) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\". ابن ماجة (١/ ٣٦/٩٤) والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٧/٨١١٠).\n(٤) أحمد (٤/ ٢٠٣) والبخاري (٨/ ٩٣/٤٣٥٨) ومسلم (٤/ ١٨٥٦/٢٣٨٤) والترمذي (٥/ ٦٦٣/٣٨٨٥).","vol":"1","page":10},{"text":"خليلا\" (١). وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (٢).\nأول خليفة بعد رسول الله - ﷺ -. أم المسلمين في مرض موت رسول الله - ﷺ -. شهد له النبي - ﷺ - على التعيين بالجنة. صحب النبي - ﷺ - سنة قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار وفي المشاهد كلها، وكانت الراية معه يوم تبوك. قال ابن حجر في الإصابة: ومناقب أبي بكر ﵁، كثيرة جدا، ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). كانت خلافته ﵁ سنتين. قاتل أهل الردة الذين منعوا الزكاة. وقال: \"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة\" (٤). توفي ﵁ في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الدارمي عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة\n_________\n(١) أحمد (١/ ٣٨٩ و٤٣٣) ومسلم (٤/ ١٨٥٦/٢٣٨٣) والترمذي (٥/ ٥٦٦/٣٦٥٥) وابن ماجة (١/ ٣٦/٩٣) وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن الزبير وابن عباس ﵃.\n(٢) التوبة الآية (٤٠).\n(٣) التوبة الآية (٤٠).\n(٤) أحمد (١/ ١٩) والبخاري (١٣/ ٣١١/٧٢٨٤ - ٧٢٨٥) ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢/ ٢٠) وأبو داود (٢/ ١٩٨/١٥٥٦) والترمذي (٥/ ٥ - ٦/ ٢٦٠٧) والنسائي (٥/ ١٦/٢٤٤٢).","vol":"1","page":11},{"text":"من أخمس، يقال لها: زينب: قال: فرآها لا تتكلم، فقال: مالها لا تتكلم، قالوا: نوت حجة مصمتة فقال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، قال: فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: أنا امرؤ من المهاجرين، قالت: من أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: فمن أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية، فقال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت: وأيما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤساء وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم مثل أولئك على الناس. (١)\n- عن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن آية من كتاب الله؟ فقال: أية أرض تقلني أو أية سماء تظلني، أو أين أذهب، وكيف أصنع؟ إذا أنا قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد الله بها. (٢)\n- جاء في الإبانة عنه قال: لست تاركا شيئا كان رسول الله - ﷺ - يعمل به إلا عملت به وإني لأخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. (٣)\n\" التعليق:\nقال ابن بطة عقبه: هذا يا إخواني الصديق الأكبر يتخوف على نفسه الزيغ إن هو خالف شيئا من أمر نبيه - ﷺ -، فماذا عسى أن يكون من زمان أضحى أهله يستهزئون بنبيهم وبأوامره، ويتباهون بمخالفته، ويسخرون\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ٧١).\n(٢) رواه سعيد بن منصور في سننه (١/ ١٦٨/٣٩) ومن طريقه البيهقي في المدخل (٢/ ٢٦٠/٧٩٢).\n(٣) الإبانة (١/ ١/٢٤٥ - ٢٤٦/ ٧٧).","vol":"1","page":12},{"text":"بسنته، نسأل الله عصمة من الزلل ونجاة من سوء العمل.\n- قال شيخ الإسلام: كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها يقول: أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>موقفه من المشركين:</span>\nاختار الله محمد بن عبد الله - ﷺ - لرسالته، واختار أبا بكر لصحبته، لم تعرف البشرية بعد رسول الله - ﷺ - مثل أبي بكر، ومواقفه في نصرة عقيدة التوحيد الخالصة تكفي أن تكون نموذجا لكل سلفي مخلص لعقيدته، كان شوكة في حلق كل مشرك منذ أسلم إلى أن توفي، ضحى بالمال والولد والنفس، جمع بين اللين والقوة، وبين العلم والشجاعة.\nأجمع الصحابة كلهم على حبه والاعتراف بفضله، وبعدهم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، إلا من أصيب بداء الرفض الذي لا دواء له إلا السيف، فرضي الله عنك يا خليفة رسول الله.\nأول خطيب بكلمة التوحيد الخالصة بعد رسول الله - ﷺ -: كان هذا الموقف من أعظم المواقف للصديق ﵁، حيث واجه جبال الشرك بمعاول عقيدة التوحيد الخالصة، وحاولت هذه الجبال أن تتردى عليه، وإن كان أصابه بعض شرره، ولكنه صبر واستيقن أن ما عليه هو الحق، وأن يوما ستتلاشى خيوط العنكبوت، التي ربما ظهرت لضعفاء الإيمان مظهر القوة وهي لا شيء، وهكذا يكون الأمر في كل زمان، فإنه مهما ظهر رؤوس الشرك والبدع، ومهما علا شأنهم وقويت شوكتهم، فإنهم كما قال الله\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١٠) وقد ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٣٠٥ - ٣٠٦) وصحح إسنادها.","vol":"1","page":13},{"text":"تعالى: مَثَلُ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. (١)\nنص الموقف:\nعن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة ﵂ قالت: خرج أبو بكر يريد رسول الله - ﷺ -، وكان له صديقا في الجاهلية: فلقيه فقال: يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها، فقال رسول الله - ﷺ -: إني رسول الله أدعوك إلى الله. (٢) الخ.\nوبالسند نفسه عن عائشة قالت: لما اجتمع أصحاب النبي - ﷺ - وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله - ﷺ - في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله - ﷺ -، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا، ورسول الله - ﷺ - جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله - ﷺ -، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة، فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين، ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاء بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين\n_________\n(١) العنكبوت الآية (٤١).\n(٢) البداية والنهاية (٣/ ٢٩).","vol":"1","page":14},{"text":"عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته. ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار، فقال: ما فعل رسول الله - ﷺ -؟ فمسوا منه بألسنتهم، وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير، انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه. فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم.\nقال: فما فعل رسول الله - ﷺ -؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح. قال: أين هو، قالت: في دار ابن الأرقم، قال: فان لله علي أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله - ﷺ -، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله - ﷺ -، قال: فأكب عليه رسول الله - ﷺ -، فقبله. وأكب عليه المسلمون. ورق له رسول الله - ﷺ - رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك، فادعها إلى الله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها","vol":"1","page":15},{"text":"بك من النار، قال: فدعا لها رسول الله - ﷺ -، ودعاها إلى الله، فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله - ﷺ - في الدار شهرا، وهم تسعة وثلاثون رجلا وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر .. الخ. (١)\nكان هذا الموقف من أشرف مواقف الصديق ﵁، حفظ الله به الإسلام والأمة الإسلامية، وحقق الله به وعده في حفظ دينه، ومهما قلنا ووصفنا، فإن القلم يعجز عن التعبير عن مدح الصديق وما قدمه للإسلام والمسلمين. فجزاه الله عن عقيدة التوحيد الخالصة خيرا.\nانتقل الرسول - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى، وظهر كل من كان في قلبه مرض، أبدى النفاق عنقه صريحا، ومن كانوا يطمعون في الرئاسة وحب الظهور، قلبوها إلى دعوى النبوة، وارتد من ارتد من الأعراب الذين جبلوا على الفساد في الأرض، واجتمعت المصائب على الصديق، ولكن الصديق لم يكن ذلك الرجل الضعيف، الذي يتأثر بالكلمة أو الكلمتين، ولكنه الرجل الموفق الذي صمد لها وجعل عقيدة التوحيد الخالصة ترفرف فوق أبراج المشركين، الذين ولوا وأدبروا خاسئين. واسمع ما يذكره الحافظ ابن كثير في بدايته في هذا المقام:\nقد تقدم أن رسول الله - ﷺ - لما توفي، ارتدت أحياء كثيرة من الأعراب، ونجم النفاق بالمدينة، وانحاز إلى مسيلمة الكذاب بنو حنيفة وخلق كثير باليمامة، والتفت على طليحة الأسدي بنو أسد وطيء وبشر كثير أيضا، وادعى النبوة أيضا، كما ادعاها مسيلمة الكذاب، وعظم الخطب واشتدت\n_________\n(١) رواه أبو الحسن خيثمة الأطرابلسي كما في البداية والنهاية (٣/ ٢٩ - ٣٠).","vol":"1","page":16},{"text":"الحال، ونفذ الصديق جيش أسامة، فقل الجند عند الصديق، فطمعت كثير من الأعراب في المدينة، وراموا أن يهجموا عليها فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراسا يبيتون بالجيوش حولها، فمن أمراء الحرس: علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، وجعلت وفود العرب تقدم المدينة يقرون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة، ومنهم من امتنع من دفعها إلى الصديق، وذكر أن منهم من احتج بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا. (٢)\n- عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله - ﷺ -، واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر، كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله\" فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ -، لقاتلتهم على منعه. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. (٣)\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٣).\n(٢) البداية والنهاية (٦/ ٣١٥).\n(٣) البخاري (١٣/ ٣١١/٧٢٨٤و٧٢٨٥) ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢/ ٢٠) وأبو داود (٢/ ١٩٨/١٥٥٦) والترمذي (٥/ ٥ - ٦/ ٢٦٠٧) والنسائي (٧/ ٨٨/٣٩٨٠).","vol":"1","page":17},{"text":"- جاء في المنهاج: والصديق قاتلهم -أي المشركين- حتى قال له ابنه عبد الرحمن: قد رأيتك يوم بدر فصدفت عنك. فقال: لكني لو رأيتك لقتلتك. (١)\n- جاء في الشريعة: عن عروة قال: سعى رجال من المشركين إلى أبي بكر ﵁ فقالوا له: هذا صاحبك يزعم أنه قد أسري به الليلة إلى بيت المقدس، ثم رجع من ليلته، فقال أبو بكر ﵁: أو قال ذاك؟ قالوا: نعم. قال أبو بكر ﵁: فأنا أشهد إن كان قال ذاك لقد صدق. قالوا: تصدقه أنه قد جاء الشام في ليلة واحدة ورجع قبل أن يصبح؟ فقال أبو بكر ﵁: نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوة وعشية. فلذلك سمي أبو بكر ﵁: الصديق. (٢)\n- وعن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله - ﷺ - طرفي النهار: بكرة وعشية. فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع، وارتحل معه ابن\n_________\n(١) المنهاج (٨/ ٥٤٠).\n(٢) الشريعة (٢/ ٣١٢/١٠٨٩).","vol":"1","page":18},{"text":"الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه.\nوكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله ﷿. والنبي - ﷺ - يومئذ بمكة. (١)\n_________\n(١) أحمد (٦/ ١٩٨) والبخاري (١/ ٧٤١ - ٧٤٢/ ٤٧٦).","vol":"1","page":19},{"text":"- جاء في مجموع الفتاوى: وذلك أن مذهب هؤلاء الملاحدة فيما يقولونه من الكلام، وينظمونه من الشعر بين حديث مفترى، وشعر مفتعل. واليهما أشار أبو بكر الصديق ﵁ لما قال له عمر بن الخطاب في بعض ما يخاطبه به: يا خليفة رسول الله تألف الناس. فأخذ بلحيته وقال: يا ابن الخطاب، أجبارا في الجاهلية خوارا في الإسلام؟ علام أتألفهم؟ أعلى حديث مفترى؟ أم شعر مفتعل؟ يقول: إني لست أدعوهم إلى حديث مفترى كقرآن مسيلمة، ولا شعر مفتعل كشعر طليحة الأسدي. (١)\n- عن أبي برزة، قال: كنت عند أبي بكر ﵁ فتغيظ على رجل فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله - ﷺ - أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل فأرسل إلي فقال: ما الذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله، ما كانت لبشر بعد محمد - ﷺ -. (٢)\n- ذكر سيف بن عمر التميمي في كتاب 'الردة والفتوح' عن شيوخه، قال: ورفع إلى المهاجر -يعني المهاجر بن أبي أمية، وكان أميرا على اليمامة ونواحيها- امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم النبي - ﷺ -، فقطع يدها، ونزع ثنيتيها، وغنت الأخرى بهجاء المسلمين، فقطع يدها، ونزع ثنيتيها، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمزمت بشتم النبي - ﷺ -، فلولا ما قد سبقتني لأمرتك بقتلها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود،\n_________\n(١) الفتاوى (٢/ ١٣٦).\n(٢) أحمد (١/ ١٠) وأبو داود (٤/ ٥٣٠ - ٥٣١/ ٤٣٦٣) والنسائي (٧/ ١٢٤ - ١٢٦/ ٤٠٨٢ - ٤٠٨٨).","vol":"1","page":20},{"text":"فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>موقفه من الصوفية:</span>\nعن حنظلة الأسيدي -قال: وكان من كتاب رسول الله - ﷺ - قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت نافق حنظلة. قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله - ﷺ - يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله - ﷺ - عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله - ﷺ -. قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله - ﷺ -: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله - ﷺ -: والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات. (٢)\nقال القرطبي في المفهم (٣): وقول أبي بكر ﵁: 'والله إنا لنلقى مثل هذا' رد على غلاة الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا يُعرجون بسببها على أهل ولا مال، ووجه الرد أن أبا بكر ﵁ أفضل الناس كلهم بعد رسول الله - ﷺ - إلى يوم القيامة، ومع ذلك فلم يدَّع\n_________\n(١) الصارم المسلول (ص.٢٠٨).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٧٨و٣٤٦) ومسلم (٤/ ٢١٠٦/٢٧٥٠) والترمذي (٤/ ٥٧٤ - ٧٥٧/ ٢٥١٤) وابن ماجة (٢/ ١٤١٦/٤٢٣٩).\n(٣) (٧/ ٦٧).","vol":"1","page":21},{"text":"خروجا عن جبلة البشرية، ولا تعاطى من دوام الذكر وعدم الفترة ما هو خاصة الملائكة. وقد ادعى قوم منهم دوام الأحوال، وهو بما ذكرناه شبه المحال ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الفتاوى: قال أبو بكر الصديق -لما قرأ قرآن مسيلمة الكذاب- إن هذا الكلام لم يخرج من إل -يعني رب. (١)\n- ولابن بطة بسنده إلى نيار بن مكرم الأسلمي -وكانت له صحبة-، قال: لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ (٢)، قالت قريش لأبي بكر ﵀: يا ابن أبي قحافة، لعل هذا من كلام صاحبك؟\nقال: لا، ولكنه كلام الله ﷿. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>موقفه من المرجئة:</span>\nعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: إياكم والكذب فإن الكذب مجانب الإيمان. (٤)\n_________\n(١) الفتاوى (٣/ ١٧٥) والمنهاج (٨/ ٣٢٢).\n(٢) الروم الآيتان (١و٢).\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/٢٧١ - ٢٧٣/ ٤١).\n(٤) أصول الاعتقاد (٦/ ١٠٩١/١٨٧٢ - ١٨٧٣) وهو في المسند للإمام أحمد (١/ ٥).","vol":"1","page":22},{"text":"ابن أم مكتوم (١) (١٥ هـ)\nعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري، ابن أم مكتوم الصحابي الجليل، وقيل اسمه عبد الله، والأول عليه أكثر أهل الحديث.\nأسلم قديما بمكة، وكان من المهاجرين الأولين، وكان ضريرا مؤذنا لرسول الله - ﷺ -. روى عن رسول الله - ﷺ -، وروى عنه عبد الله بن شداد بن الهاد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو رزين الأسدي وآخرون. استخلفه النبي - ﷺ - على المدينة في غزوة بدر، وهو المذكور في سورة (عبس وتولى)، وأخرج البخاري عن البراء رضي لله عنه قال: لما نزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) دعا رسول الله - ﷺ - زيدا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله ﴿غير أولي الضرر﴾ (٢).اهـ (٣)\nقال الزبير بن بكار: خرج إلى القادسية، فشهد القتال، واستشهد هناك، وكان معه اللواء حينئذ، وقيل بل رجع إلى المدينة بعد القادسية، فمات بها، ذكره البغوي، وقال الواقدي: بل شهدها، ورجع إلى المدينة، فمات بها، ولم يسمع له بذكر، بعد عمر بن الخطاب. قال ابن حجر: مات في آخر خلافة عمر. وأرخ له ابن العماد الحنبلي والذهبي في سنة خمس عشرة.\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٤/ ٢٠٥ - ٢١٢) وحلية الأولياء (٢/ ٤) والبداية والنهاية (٧/ ٥٠) وسير أعلام النبلاء (١/ ٣٦٠ - ٣٦٥) والإصابة (٤/ ٦٠٠ - ٦٠٢) والاستيعاب (٣/ ١١٩٨ - ١١٩٩) وتاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين/١٥٢ - ١٥٣) والتقريب (١/ ٧٣٤).\n(٢) النساء الآية (٩٥).\n(٣) أحمد (٤/ ٢٨٤) والبخاري (٨/ ٣٢٩/٤٥٩٣) ومسلم (٣/ ١٥٠٨/١٨٩٨).","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>موقفه من المشركين:</span>\nعن عبد الله بن معقل قال: نزل ابن أم مكتوم على يهودية بالمدينة كانت ترفقه، وتؤذيه في النبي - ﷺ - فتناولها فضربها، فقتلها، فرفع ذلك إلى النبي - ﷺ -، فقال هو: أما والله إن كانت لترفقني، ولكن آذتني في الله ورسوله. فقال النبي - ﷺ -: \"أبعدها الله، قد أبطلت دمها\". (١)\n\nأبو عبيدة بن الجراح (٢) (١٨ هـ)\nعامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال، أبو عبيدة القرشي الفهري المكي. أحد السابقين الأولين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وسماه النبي - ﷺ - أمين هذه الأمة. شهد بدرا وما بعدها، وهو أحد الرجلين اللذين عينهما أبو بكر للخلافة يوم السقيفة، وهو الذي انتزع الحلقتين من وجه رسول الله - ﷺ -، فسقطت ثنيتا أبي عبيدة. روى عنه جابر بن عبد الله والعرباض بن سارية وأبو أمامة وسمرة بن جندب وجماعة. قال ابن إسحاق: آخى رسول الله - ﷺ - بين سعد بن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح، وقيل محمد بن مسلمة.\nفعن حذيفة ﵁ قال: جاء أهل نجران إلى النبي - ﷺ - فقالوا:\n_________\n(١) ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢١٠) من طريق قبيصة بن عقبة قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عبد الله بن معقل مرفوعا. ورواه أبو داود (٤/ ٥٢٨/٤٣٦١) والنسائي (٧/ ١٢٣ - ١٢٤/ ٤٠٨١) من حديث ابن عباس.\n(٢) طبقات ابن سعد (٣/ ٤٠٩ - ٤١٥) وطبقات خليفة (ص.٢٧ - ٢٨) وتاريخ دمشق (٢٥/ ٤٣٥ - ٤٩١) والاستيعاب (٢/ ٧٩٢ - ٧٩٥) وتهذيب الكمال (١٤/ ٥٢ - ٥٧) والسير (١/ ٥ - ٢٣) وتاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين ص.١٧١ - ١٧٤) والإصابة (٥/ ٢٨٥ - ٢٨٩).","vol":"1","page":24},{"text":"ابعث لنا رجلا أمينا، فقال: \"لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف له الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح\". (١)\nوعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح\". (٢)\nوقد استعمله النبي - ﷺ - غير مرة.\nقال الزبير بن بكار: شهد بدرا مع رسول الله - ﷺ - ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه النبي - ﷺ - من المغفر يوم أحد، فانتزعت ثنيتاه، فحسنتا فاه، فقيل: ما رئي هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة، وقام يوما من مجلس النبي - ﷺ -، فنظر رسول الله - ﷺ - في قفاه وكان يقال: داهيتا قريش: أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح. ودعا أبو بكر الصديق يوم توفي رسول الله - ﷺ - في سقيفة بني ساعدة إلى البيعة لعمر بن الخطاب أو أبي عبيدة بن الجراح، وقال: قد رضيت لكم أحدهما وولاه عمر بن الخطاب الشام، وفتح الله عليه اليرموك والجابية، وسرع مدينة الشام والرمادة.\nعن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله - ﷺ - مستخلفا أو استخلفه؟ قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ فقالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح، ثم انتهت إلى\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٤٠١) والبخاري (٨/ ١١٧ - ١١٨/ ٤٣٨١) ومسلم (٤/ ١٨٨٢/٢٤٢٠) والترمذي (٥/ ٦٢٥ - ٦٢٦/ ٣٧٩٦) وابن ماجة (١/ ٤٨/١٣٥).\n(٢) أحمد (٢/ ٤١٩) والبخاري في الأدب المفرد (٣٣٧) والترمذي (٥/ ٦٢٥/٣٧٩٥) وقال: \"هذا حديث حسن\". والحاكم (٣/ ٢٣٣) وقال: \"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":25},{"text":"هذا. (١)\nقال محمد بن سعد وخليفة بن خياط: مات أبو عبيدة بن الجراح في طاعون عمواس بأرض الأردن وفلسطين سنة ثماني عشرة. زاد ابن سعد: وهو ابن ثمان وخمسين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>موقفه من المشركين:</span>\n- وقد شهد أبو عبيدة بدرا، فقتل يومئذ أباه، وأبلى يوم أحد بلاء حسنا. (٢)\n- فتح الله عليه اليرموك والجابية، وسرع مدينة الشام والرمادة. (٣)\n\nمعاذ بن جبل (٤) (١٨ هـ)\nمعاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي البدري، الإمام المقدم في علم الحلال والحرام وفيه قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) أحمد مختصرا (٦/ ٦٣) ومسلم (٤/ ١٨٥٦/٢٣٨٥). ورواه الترمذي (٥/ ٥٦٦ - ٥٦٧/ ٣٦٧٥ عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أي أصحاب رسول الله - ﷺ - كان أحب إلى رسول الله؟ فذكرته. وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n(٢) السير (١/ ٨).\n(٣) انظر الترجمة.\n(٤) الإصابة (٦/ ١٣٦ - ١٣٨) وحلية الأولياء (١/ ٢٢٨ - ٢٤٤) ومجمع الزوائد (٩/ ٣١١) وطبقات ابن سعد (٣/ ٥٨٣ - ٥٩٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٩ - ٢٢) والمعرفة والتاريخ (١/ ٣١٤) وشذرات الذهب (١/ ٢٩ - ٣٠) والبداية والنهاية (٧/ ٩٤ - ٩٥) وتقريب التهذيب (٢/ ٢٥٥) وسير أعلام النبلاء (١/ ٤٤٣ - ٤٦١) والاستيعاب (٣/ ١٤٠٢ - ١٤٠٧).","vol":"1","page":26},{"text":"\" ... وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ\" (١) شهد العقبة شابا أمرد وشهد المشاهد كلها. وكان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ -. فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -:_\"خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبيّ، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة\" (٢). وعن محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله - ﷺ - ثلاثة من المهاجرين عمر وعثمان، وعلي وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ وزيد. وكان من أفضل شباب الأنصار حلما وحياء وسخاء. ومناقبه كثيرة. عن نيار الأسلمي: أن عمر كان يستشير هؤلاء فذكر منهم معاذا. وصح عن عمر قوله: من أراد الفقه، فليأت معاذ بن جبل. وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة ثماني عشرة ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: كان معاذ يقول في كل مجلس يجلسه: الله حكم قسط تبارك اسمه، هلك المرتابون، إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير، فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن فيقول: قد قرأت القرآن، فما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن، ثم ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة. واتقوا زيغة الحكيم فإن الشيطان يلقي على في الحكيم\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٨٤) والترمذي (٥/ ٦٢٣/٣٧٩٠) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\". وابن ماجة (١/ ٥٥/١٥٤) والحاكم (٣/ ٤٢٢) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وابن حبان (١٦/ ٧٤/٧١٣١ الإحسان).\n(٢) أحمد (٢/ ١٨٩و١٩٥) والبخاري (٧/ ١٦٠/٣٨٠٨) ومسلم (٤/ ١٩١٣/٢٤٦٤) والترمذي (٥/ ٦٣٢/٣٨١٠) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".","vol":"1","page":27},{"text":"الضلالة ويلقي المنافق كلمة الحق قال: قلنا: وما يدرينا يرحمك الله أن المنافق يلقي كلمة الحق، وأن الشيطان يلقي على في الحكيم كلمة الضلالة. قال: اجتنبوا من كلام الحكيم كل متشابه الذي إذا سمعته قلت ما هذا؟ ولا ينأ بك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع ويلقي الحق إذا سمعه، فإن على الحق نورا. (١)\n- قال معاذ بن جبل: إياكم والبدع والتبدع والتنطع، وعليكم بالأمر العتيق. (٢)\n- وعنه قال: يد الله فوق الجماعة، فمن شذ لم يبال الله بشذوذه. (٣)\n\" التعليق:\nكان معاذ بن جبل من أغزر الصحابة علما بالحلال والحرام، وأما علمه بعقيدة التوحيد الخالصة فأمر مجمع عليه بينه وبين إخوانه من الصحابة رضوان الله عليهم. ولذا كان يعلم خطر البدع والمبتدعة، فكان يحذر منهم في كل مجلس، فهؤلاء هم أحياء القلوب، وأما أهل زماننا فأموات غير أحياء، وما يشعرون أيان يبعثون. قبلوا البدعة ورضوا بها، وتسهالوا مع المبتدعة واتخذوهم أحبابا وإخوانا، وآووهم في بيوتهم وأحاطوهم بكل رعاية والله المستعان.\n- وجاء في السير عن أم سلمة أن أبا عبيدة لما أصيب، استخلف معاذ\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٩٩ - ١٠٠/ ١١٦) وأبو داود (٥/ ١٧ - ١٨/ ٤٦١١) والإبانة (١/ ٢/٣٠٧ - ٣٠٨/ ١٤٣) وما جاء في البدع (ص.٦٣ - ٦٤) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨١). وانظر الحوادث والبدع (ص.٣٧ - ٣٨) والباعث (ص.٦٢) والاعتصام (١/ ١١٠ - ١١١) وإعلام الموقعين (١/ ١٠٤ - ١٠٥) و(٢/ ١٩٣) والجزء الأول منه في السير (٨/ ١٤٣).\n(٢) رواه ابن وضاح في البدع (ص.٦٥) والهروي في ذم الكلام (ص.١٣٦).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٢٨٨ - ٢٨٩/ ١١٩).","vol":"1","page":28},{"text":"ابن جبل -يعني في طاعون عمواس- اشتد الوجع، فصرخ الناس إلى معاذ: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز، قال: إنه ليس برجز ولكن دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يخص الله بها من يشاء منكم، أيها الناس، أربع خلال من استطاع أن لا تدركه، قالوا: ما هي؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل، ويأتي زمان يقول الرجل: والله ما أدري ما أنا، لا يعيش على بصيرة، ولا يموت على بصيرة. (١)\n- وجاء في الإبانة عن عاصم بن حميد، قال: سمعت معاذا يقول: إنكم لن تروا من الدنيا إلا بلاء وفتنة، ولن يزداد الأمر إلا شدة، ولن تروا من الأئمة إلا غلظة، ولن تروا أمرا يهولكم ويشتد عليكم إلا حقره بعد ما هو أشد منه. قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: اللهم رضنا مرتين. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>موقفه من المشركين:</span>\nعن أبي موسى أن رجلا أسلم ثم تهود، فأتاه معاذ بن جبل -وهو عند أبي موسى- فقال: ما لهذا؟ قال: أسلم ثم تهود، قال لا أجلس حتى أقتله، قضاء الله ورسوله - ﷺ -. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>موقفه من الجهمية:</span>\nعن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف. فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف ألا تحدثنا عن\n_________\n(١) السير (١/ ٤٥٧).\n(٢) الإبانة (١/ ١/١٨١ - ١٨٢/ ١٦).\n(٣) البخاري (٧١٥٧) ومسلم (١٧٣٣).","vol":"1","page":29},{"text":"معاذ بن جبل؟ قال: بلى سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في صعيد واحد فينادي: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسان يتذاكران الله ويحمدانه. (٢)\n- عن سفيان عن عبد الملك بن عمير قال: قال لمعاذ: ما ملاك أمرنا الذي نقوم به؟ قال: الإخلاص، وهي الفطرة والصلاة وهي الملة والسمع والطاعة وهي العصمة وسيكون بعدك اختلاف. (٣)\n\nأبيّ بن كعب (٤) (١٩ هـ)\nأُبَيّ بن كَعْب بن قَيْس الأنصاري الخزرجي البدري أبو المنذر ويكنى أيضا أبا الطفيل سيد القراء. شهد بدرا والمشاهد. وجمع القرآن في حياة النبي - ﷺ -\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٢ - ٥٥٣/ ٨٦٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٧/٨٤٧/ ١١٣٥) وابن أبي شيبة في الإيمان (١٠٥،١٠٧) وفي المصنف (١١/ ٢٦) وأبو عبيد في الإيمان (ص.٢٠) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٤/١٧٠٦و١٧٠٧) والسنة لعبد الله (ص.١١٥) والسنة للخلال (٤/ ٣٩/١١٢١).\n(٣) الإبانة (٢/ ٧/٨٩٨/ ١٢٥٢).\n(٤) الإصابة (١/ ٢٧ - ٢٨) وطبقات ابن سعد (٣/ ٤٩٨ - ٥٠٢) والحلية (١/ ٢٥٠ - ٢٥٦) والتذكرة (١/ ١٦ - ١٧) ومجمع الزوائد (٩/ ٣١١ - ٣١٢) والبداية (٧/ ٩٨) والسير (١/ ٣٨٩ - ٤٠٢) وتقريب التهذيب (١/ ٤٨) والوافي بالوفيات (٦/ ١٩٠ - ١٩١) والاستيعاب (١/ ٦٥ - ٧٠) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٢٨).","vol":"1","page":30},{"text":"وعرض على النبي - ﷺ - وحفظ عنه علما مباركا وكان رأسا في العلم والعمل. وفي الصحيحين: أن النبي - ﷺ - قال لأبي بن كعب: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، وفي لفظ أمرني أن أقرئك القرآن. قال: آلله سماني لك؟ قال: نعم، قال: وذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم. فذرفت عيناه\" (١). وقال له النبي - ﷺ -: \"ليهنك العلم أبا المنذر\". (٢)\nكان من أصحاب العقبة الثانية، وكان عمر يسميه سيد المسلمين. أخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم، وعده مسروق في الستة من أصحاب الفتيا.\nوفي تاريخ موته اختلاف، قال الهيثم بن عدي: مات سنة تسع عشرة، وقيل اثنتين وعشرين، وقيل سنة ثلاثين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة: قال أبيّ: (هلك أهل العقدة ورب الكعبة هلكوا وأهلكوا كثيرا، والله ما عليهم آسى ولكن آسى على ما يهلكون من أمة محمد - ﷺ -). يعني: بالعقد الذين يعتقدون على الآراء والأهواء والمفارقين للجماعة. (٣)\n- وفيها: عن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن شيء، فقال:\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٨٥و٢٨٤) والبخاري (٧/ ١٦٠/٣٨٠٩) ومسلم (١/ ٥٥٠/٧٩٩) والترمذي (٥/ ٦٢٤/٣٧٩٢) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(٢) أحمد (٥/ ١٤١ - ١٤٢) ومسلم (١/ ٥٥٦/٨١٠) وأبو داود (٢/ ١٥١/١٤٦٠).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٣٤٠/ ٢٠٧).","vol":"1","page":31},{"text":"أكان هذا؟ قلت: لا، قال: فأجمنا حتى يكون فإذا كان اجتهدنا رأينا. (١)\n- وفي أصول الاعتقاد عن أبي بن كعب قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما على الأرض عبد على السبيل والسنة. وذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله ﷿ فيعذبه. وما على الأرض عبد على السبيل والسنة وذكره -يعني الرحمن في نفسه- فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها إلا حط عنه خطاياه كما تحات عن تلك الشجرة ورقها. وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة. فانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادا أو اقتصادا أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء وسنتهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>موقفه من القدرية:</span>\nعن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر، فأتيت أبي ابن كعب فقلت: أبا المنذر، وقع في نفسي شيء من هذا القدر، خشيت أن يكون فيه هلاك ديني وأمري، حدثني عن ذلك بشيء، لعل الله ينفعني به. فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك جبل أحد أو مثل جبل أحد ذهبا أنفقته في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٤٠٨/ ٣١٥) وانظر السير (١/ ٣٩٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ٥٩ - ٦٠/ ١٠) والإبانة (١/ ٢/٣٥٩ - ٣٦٠/ ٢٥٠) والتلبيس (ص.١٦) وحلية الأولياء (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣) وشرح السنة (١/ ٢٠٨) الجزء الأخير منه. والاعتصام (١/ ١١٠) ومجموع الفتاوى (١٠/ ٧٧).","vol":"1","page":32},{"text":"أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك وإن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله فسألته فقال مثل ذلك، كان أبو سنان يقتص الحديث، قال ولا عليك أن تأتي أخي حذيفة بن اليمان، فتسأله. فأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ذلك، وقال: ايت زيد بن ثابت فسله. فأتيت زيد ابن ثابت، فسألته. فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو كان لك قبل أحد أو مثل أحد ذهبا، أنفقته في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار\". (١)\n\" التعليق:\nهذا هو فقه العقيدة الصحيح الذي امتاز به الصحابة الكرام، لم ينقصهم العلم والفهم في عقيدة التوحيد الخالصة، كما يدعي المبتدعة أن الصحابة لم يخوضوا في أمر العقيدة، ولا كان لهم علم بها، فلا أدري ما هو العلم إن لم يكن هذا هو العلم، فرضي الله عنهم وأرضاهم، أوتوا الحظ الأوفر من العلم والفهم والعمل.\n_________\n(١) أحمد (٥/ ١٨٢ - ١٨٣) وأبو داود (٥/ ٧٥/٤٦٩٩) وابن ماجة في المقدمة (١/ ٢٩ - ٣٠/ ٧٧) وابن حبان (٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦/ ٧٢٧) وعبد الله بن أحمد في السنة (١٢١ - ١٢٢) واللفظ له.","vol":"1","page":33},{"text":"بلال بن رباح (١) (٢٠ هـ)\nبِلال بن رَبَاح الحبشي: المؤذن. مولى أبي بكر الصديق ﵁ اشتراه من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبي - ﷺ - وأذن له وشهد معه جميع المشاهد وآخى النبي - ﷺ - بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح. كان من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله، شهد له النبي - ﷺ - على التعيين بالجنة. وفي كنية بلال ثلاثة أقوال: أبو عبد الكريم وأبو عبد الله، وأبو عمرو وكان تِرْب أبي بكر ﵁. ومناقبه كثيرة مشهورة. مات في الشام زمن عمر ﵁ سنة عشرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>موقفه من المشركين:</span>\n- عن عبد الله بن مسعود قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله - ﷺ - فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد. (٢)\nقال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله - ﷺ - من\n_________\n(١) الإصابة (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧) والحلية (١/ ١٤٧ - ١٥١) والبداية (٥/ ٣٣٣ و٣٣٤) وشذرات الذهب (١/ ٣١ - ٣٢) ومجمع الزوائد (٩/ ٢٩٩ و٣٠٠) والوافي (١٠/ ٢٧٦) والعقد الثمين (٣/ ٣٧٨ - ٣٨٠) والاستيعاب (١/ ١٧٨ - ١٨٢).\n(٢) سنن ابن ماجه (١/ ١٥٠). قال البوصيري في الزوائد: \"إسناده ثقات\".","vol":"1","page":34},{"text":"أصحابه. فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة، إذا اشتد الحر من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم. فكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح، مولد من مولديهم وهو بلال بن رباح، واسم أمه حمامة، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب. وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد - ﷺ - وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك: أحد أحد. (١)\n\" التعليق:\nكانت هذه المواقف الخالدة لبلال من أفضل المواقف التي تحدث بها الكبير والصغير والصبي والمرأة، وعرفته الأجيال قبلنا وستعرفه الأجيال من بعدنا إن شاء الله، وستبقى هذه المواقف أنموذجا يقتدي به كل سلفي يدعو إلى عقيدة التوحيد الخالصة، لا إلى الذين يريدون المداهنة مع المشركين والمبتدعين، ويتهمون الذين يجهرون بعقيدة التوحيد أنهم متشددون، فهذه مواقف صحابة رسول الله - ﷺ - ومعهم الرسول مع المشركين؟!\n_________\n(١) البداية والنهاية (٣/ ٥٥) والإصابة (١/ ٣٢٧).","vol":"1","page":35},{"text":"أم المؤمنين زينب بنت جحش (١) (٢٠ هـ)\nزينب بنت جَحْش بن رياب الأسدية أم المؤمنين، زوج النبي - ﷺ - وابنة عمته، أمها: أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم من المهاجرات الأول. كانت عند زيد، مولى النبي - ﷺ -، ثم تزوجها - ﷺ - سنة ثلاث وقيل سنة خمس، وهي التي يقول الله فيها: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٣٧) (٢) فزوجها الله تعالى بنبيه بنص كتابه، بلا ولي ولا شاهد.\nفكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين. وكانت من سيدات النساء دينا وورعا وجودا ومعروفا ﵂ وحديثها في الكتب الستة. توفيت سنة عشرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>موقفها من الجهمية:</span>\nوفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفخر على أزواج\n_________\n(١) السير (٢/ ٢١١ - ٢١٨) والإصابة (٧/ ٦٦٧ - ٦٧٠) وأسد الغابة (٧/ ١٢٦ - ١٢٨) والاستيعاب (٤/ ١٨٤٩ - ١٨٥٢).\n(٢) الأحزاب الآية (٣٧).","vol":"1","page":36},{"text":"النبي - ﷺ - تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. (١)\n\nخالد بن الوليد (٢) (٢١ هـ)\nسيف الله وفارس الإسلام وليث المشاهد، السيد الإمام الأمير الكبير قائد المجاهدين: أبو سليمان القرشي المخزومي المكي وابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث. هاجر مسلما في صفر سنة ثمان ثم سار غازيا فشهد غزوة مؤتة واستشهد أمراء رسول الله - ﷺ - الثلاثة: زيد وجعفر وابن رواحة وبقي الجيش بلا أمير فتأمر عليهم فكان النصر، وسماه النبي - ﷺ -: سيف الله فقال: \"إن خالدا سيف سله الله على المشركين\". وشهد الفتح وحنينا وتأمر في أيام النبي - ﷺ - واحتبس أدراعه ولأمته في سبيل الله، وحارب أهل الردة ومسيلمة، وغزا العراق واستظهر، ثم اخترق البرية السماوية بحيث إنه قطع المفازة من حد العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكر معه، وشهد حروب الشام ولم يبق في جسده قيد شبر إلا وعليه طابع الشهداء، ومناقبه غزيرة. روى عن النبي - ﷺ - وروى عنه ابن عباس وجابر والمقدام بن معدي كرب وقيس بن أبي حازم وعلقمة بن قيس وآخرون.\nعن عمرو بن العاص قال: ما عدل بي رسول الله - ﷺ - وبخالد أحدا في حربه منذ أسلمنا. بعثه النبي - ﷺ - إلى تحطيم وثن العزى فأتاها فقال:\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٦) والبخاري (١٣/ ٤٩٧/٧٤٢٠) والترمذي (٥/ ٣٣١/٣٢١٣) والنسائي (٦/ ٣٨٨/٣٢٥٢) وفي الكبرى (٦/ ٤٣٣/١١٤١١) من طرق عن أنس ﵁.\n(٢) الإصابة (٢/ ٢٥١ - ٢٥٦) وشذرات الذهب (١/ ٣٢) والسير (١/ ٣٦٦) وتهذيب الكمال (٨/ ١٨٧) والاستيعاب (٢/ ٤٢٧ - ٤٣١) وطبقات ابن سعد (٤/ ٢٥٢).","vol":"1","page":37},{"text":"يا عُزّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك\nقال فيه عمر: لو أدركت خالد بن الوليد ثم وليته فقدمت على ربي لقلت سمعت عبدك وخليلك يقول: خالد سيف من سيوف الله سله الله على المشركين. ولما حضرته الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة أوطعنة أورمية، ثم ها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء. توفي ﵁ سنة إحدى وعشرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال الحافظ: وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه أحمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد (أن رجلا قال له: يا أبا سليمان اتق الله، فإن الفتن ظهرت، فقال: أما وابن الخطاب حي فلا، إنما تكون بعده، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانا لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، فتلك الأيام التي ذكر رسول الله - ﷺ - بين يدي الساعة أيام الهرج). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في الصارم المسلول: قتل خالد بن الوليد رجلا شتم النبي - ﷺ - ولم يستتبه. (٢)\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٩٠) والطبراني (٤/ ١١٦/٣٨٤١). قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨): \"رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات وفي بعضهم ضعف\". وحسن إسناده الحافظ في الفتح (١٣/ ١٨).\n(٢) الصارم (ص.١٠).","vol":"1","page":38},{"text":"- فشهد غزوة مؤتة واستشهد أمراء رسول الله - ﷺ - الثلاثة: زيد وجعفر وابن رواحة وبقي الجيش بلا أمير فتأمر عليهم فكان النصر، وسماه النبي - ﷺ -: سيف الله فقال: \"إن خالدا سيف سله الله على المشركين\". (١)\n- وفي البخاري: عن قيس سمعت خالدا يقول: \"لقد رأيتني يوم مؤتة اندق في يدي تسعة أسياف فصبرت في يدي صفيحة يمانية\". (٢)\n\nأمير المؤمنين عمر بن الخطاب (٣) (٢٣ هـ)\nعمر بن الخطاب بن نُفَيْل القُرَشي العدويّ، أبو حفص أمير المؤمنين، ثاني الخلفاء الراشدين وأحد المبشرين بالجنة، قفل باب الفتنة. ومناقبه أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر، وفي الأحاديث الصحاح من موافقته التنزيل له وتزكية النبي - ﷺ - له في وجهه وعز الإسلام بإسلامه نماذج من ذلك.\nقال عكرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتى أسلم عمر. وقال ابن مسعود ﵁ \"ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر\". (٤)\n_________\n(١) ابن عساكر (١٦/ ٢٤٠ - ٢٤١) والشاشي في مسنده (٢/ ٩٣/٦١٧) وللحديث طرق وشواهد ذكرها الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة برقم (١٢٣٧).\n(٢) البخاري (٧/ ٦٥٦/٤٢٦٥).\n(٣) الإصابة (٤/ ٥٨٨ - ٥٩١) والحلية (١/ ٣٨ - ٥٥) وشذرات الذهب (١/ ٣٣) والطبقات (٣/ ٣٦٥ - ٣٧٦) وتاريخ الطبري (٤/ ١٩٠ - ٢٢٧) والعقد الثمين (٦/ ٢٩١ - ٣٠٥) والتذكرة (١/ ٥ - ٨) وتاريخ خليفة (١٥٢ - ١٥٦) والمعرفة والتاريخ (١/ ٤٥٥ - ٤٦٨) والاستيعاب (٣/ ١١٤٤ - ١١٥٩).\n(٤) البخاري (٧/ ٥١/٣٦٨٤).","vol":"1","page":39},{"text":"شهد بدرا وبيعة الرضوان وكل مشهد شهده رسول الله - ﷺ -، وتوفي رسول الله - ﷺ - وهو عنه راض، وولي الخلافة بعد أبي بكر، فسار بأحسن سيرة، وفتح الله له الفتوح، واتسعت دائرة الإسلام في خلافته.\nوفي الصحيحين عن النبي - ﷺ - قال: \"قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر\" (١). وقال ابن مسعود ﵁: \"كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي\". وهو أول من جمع القرآن في الصحف. وهو أول من سن قيام شهر رمضان وجمع الناس على ذلك وكتب به إلى البلدان، وقد قال النبي - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها ... \". (٢) وقال: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\". (٣)\nقتل يوم الأربعاء من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكانت مدة خلافته عشر سنين وخمسة أشهر، ودفن مع رسول الله - ﷺ -، وصلى عليه صهيب بن سنان.\n_________\n(١) أحمد (٦/ ٥٥) ومسلم (٤/ ١٨٦٤/٢٣٩٨) والترمذي (٥/ ٥٨١/٣٦٩٣) وقال: \"هذا حديث صحيح\".\n(٢) أحمد (٤/ ١٢٦ - ١٢٧) وأبو داود (٥/ ١٣ - ١٤/ ٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣ - ٤٤/ ٢٦٧٦) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". ابن ماجة (١/ ١٦ - ١٧/ ٤٣ - ٤٤) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٧) وقال: \"هذا حديث صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي.\n(٣) أحمد (٥/ ٣٨٢و٣٨٥و٤٠٢) والترمذي (٥/ ٥٦٩/٣٦٦٢) وحسنه. وابن ماجة (١/ ٣٧/٩٧) والحاكم (٣/ ٧٥) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم بسنده إلى عبيد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: اتقوا الرأي في دينكم. قال سحنون: يعني البدع. (١)\n- وروى الهروي في ذم الكلام بسنده إلى سعيد بن المسيب قال: قام عمر بن الخطاب ﵁ في الناس فقال: أيها الناس ألا إن أصحاب الرأي أعداء السنة أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا إذا سألهم الناس أن يقولوا لا ندري، فعاندوا السنن برأيهم، فضلوا وأضلوا كثيرا، والذي نفس عمر بيده ما قبض الله نبيه ولا رفع الوحي عنهم حتى أغناهم عن الرأي، ولو كان الدين يؤخذ بالرأي، لكان أسفل الخف أحق بالمسح من ظاهره، فإياك وإياهم ثم إياك وإياهم. (٢)\n- وعن ابن عمر، عن عمر أنه قال: يا أيها الناس اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله - ﷺ - برأيي اجتهادا، ووالله ما آلو عن الحق، وذلك يوم أبي جندل والكفار بين يدي رسول الله - ﷺ - وأهل مكة فقال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم. فقالوا: إنا قد صدقناك كما تقول، ولكن تكتب: باسمك اللهم. قال: فرضي رسول الله - ﷺ - وأبيت عليهم حتى قال: يا عمر تراني قد رضيت وتأبى؟ قال: فرضيت. (٣)\n- وعن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول: لما صدر عمر بن الخطاب\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٤١ - ١٠٤٢) وبنحوه ذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ١٣٤).\n(٢) ذم الكلام (٢/ ٢٠٠ - طبعة الأنصاري) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٤٥٤).\n(٣) رواه الطبراني (١/ ٧٢/٨٢) واللالكائي في أصول الاعتقاد (١/ ١٤١ - ١٤٢/ ٢٠٨) والهروي في ذم الكلام (ص.٨٦) والبيهقي في المدخل (١/ ١٩٨ - ١٩٩/ ٢١٧).","vol":"1","page":41},{"text":"من منى أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة بطحاء، ثم طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مد يديه إلى السماء فقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني غير مضيع ولا مفرط. ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: أيها الناس قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى. ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله تعالى لكتبتها: (الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة) فإنا قد قرأناها.\nقال مالك: قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر ﵀. قال يحيى: سمعت مالكا يقول: قوله: (الشيخ والشيخة) يعني الثيب والثيبة فارجموهما ألبتة. (١)\n- وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله - ﷺ -: إن الله قد بعث محمدا - ﷺ - بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا\n_________\n(١) الموطأ (٢/ ٨٢٤/١٠).","vol":"1","page":42},{"text":"قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. (١)\n- وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين. (٢)\n\" التعليق:\nلقد نطق الحق على لسان عمر، فما أضاع الإسلام عموما والعقيدة السلفية خصوصا إلا علماء سوء، الذين آثروا الدنيا على الآخرة، وجدال المنافقين الذين ربما أوتوا شيئا من علم القرآن والسنة، فحرفوا النصوص لتأييد بدعهم، حتى إنني رأيت لعالم معاصر (٣) مؤلفا يستدل فيه لبناء القباب على القبور بدفن النبي - ﷺ - في حجرة عائشة، فقل لي بربك أليس هذا هو جدال المنافقين، تواترت النصوص بتحريم البناء على القبور، ويأتي منافق في آخر الزمان ويجمع من متشابه النصوص ما يدافع به عن الشرك ومظاهره؟!!\n\n- وروى ابن عبد البر عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال وهو على المنبر: يا أيها الناس، إن الرأي إنما كان من رسول الله - ﷺ - مصيبا، لأن الله ﷿ يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف. (٤)\n_________\n(١) البخاري (١٢/ ١٦٥/٦٨٢٩) ومسلم (٣/ ١٣١٧/١٦٩١) واللفظ له.\n(٢) رواه ابن المبارك في الزهد (ص.٥٢٠) والدارمي في السنن (١/ ٧١) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩٦) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٣/٥٢٨/ ٦٤٣) وابن عبد البر في الجامع (٢/ ٩٧٩).\n(٣) هو أحمد بن الصديق الغماري في كتابه 'إحياء المقبور'.\n(٤) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٤١).","vol":"1","page":43},{"text":"\" التعليق:\nهكذا كان أمير المؤمنين يحذر من الرأي الباطل، المتكلف الخارج عن الكتاب والسنة، الذي منشؤه الآراء، وقائده الأهواء، وغايته الظنون، وصاحبه مغبون، وهو مسلك كل مفتون، نسأل الله العفو والعافية.\n- وروى البخاري عن أنس بن مالك أنه سمع عمر الغد، حين بايع المسلمون أبا بكر، واستوى على منبر رسول الله - ﷺ -، تشهد قبل أبى بكر، فقال: أما بعد، فاختار الله لرسوله - ﷺ - الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا، ولما هدى الله به رسوله. (١)\n\" التعليق:\nهذه الحكم من هذا الإمام تجعل طالب الحق يفرح بها، لأنها منشودته ومطلوبه، فمن لم يطلب الهدى فيما هدى الله به نبيه وصحابته الكرام، فلا هداه الله. وقد صدق الله إذ قال: إِنَّ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]\n- وعن عمرو بن الأشجع أن عمر بن الخطاب قال: إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٣٠٥/٧٢٦٩).\n(٢) الإسراء الآية (٩).","vol":"1","page":44},{"text":"بكتاب الله. (١)\n- وعن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن. فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل. فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه، وقال: أنا عبد الله عمر، فجعل له ضربا حتى دمي رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين حسبك، قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي. (٢)\n- وعن السائب بن يزيد، قال: أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقيل: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلا سأل عن تأويل القرآن، فقال عمر: اللهم مكني منه، فبينا عمر ذات يوم جالس يغدي الناس إذ جاءه عليه ثياب فتغدى حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ (٢) (٣) فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك، ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلادكم، ثم ليقم خطيبا ثم ليقل إن صبيغا طلب العلم فأخطأه فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك وكان سيدهم. قال أبو حاتم: ولم يقل\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ٤٩) وذم الكلام (ص.٦٨) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠١٠) وأصول الاعتقاد (١/ ١٣٩/٢٠٢) والإبانة (٢/ ٤/٦١٠/ ٧٩٠) والشريعة (١/ ١٧٥/٩٩) والفقيه والمتفقه (١/ ٥٥٩ - ٥٦٠).\n(٢) الدارمي (١/ ٥٤) والإبانة (٢/ ٤/٦٠٩ - ٦١٠/ ٧٨٩) واللالكائي (٤/ ٧٠٢ - ٧٠٣/ ١١٣٨) والآجري في الشريعة (١/ ٢١٠/١٦٠) وذم الكلام (ص.١٨١). وبنحوه في ما جاء في البدع لابن وضاح (ص.١٢١).\n(٣) الذاريات الآيتان (١و٢).","vol":"1","page":45},{"text":"أبو حفص في حديثه ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلادكم. (١)\n\" التعليق:\nقال ابن بطة: وعسى الضعيف القلب القليل العلم من الناس إذا سمع هذا الخبر وما فيه من صنيع عمر ﵁ أن يتداخله من ذلك ما لا يعرف وجه المخرج عنه، فيكثر هذا من فعل الإمام الهادي العاقل رحمة الله عليه فيقول: كان جزاء من سأل عن معاني آيات من كتاب الله ﷿ أحب أن يعلم تأويلها أن يوجع ضربا وينفى ويهجر ويشهر؟ وليس الأمر كما يظن من لا علم عنده، ولكن الوجه فيه غير ما ذهب إليه الذاهب؛ وذلك أن الناس كانوا يهاجرون إلى النبي - ﷺ - في حياته ويفدون إلى خلفائه من بعد وفاته رحمة الله عليهم ليتفقهوا في دينهم ويزدادوا بصيرة في إيمانهم ويتعلموا علم الفرائض التي فرضها الله عليهم. فلما بلغ عمر ﵀ قدوم هذا الرجل المدينة وعرف أنه سأل عن متشابه القرآن وعن غير ما يلزمه طلبه مما لا يضره جهله ولا يعود عليه نفعه وإنما كان الواجب عليه حين وفد على إمامه أن يشتغل بعلم الفرائض والواجبات والتفقه في الدين من الحلال والحرام. فلما بلغ عمر ﵀ أن مسائله غير هذا علم من قبل أن يلقاه أنه رجل بطال القلب خالي الهمة عما افترضه الله عليه مصروف العناية إلى ما لا ينفعه، فلم يأمن عليه أن يشتغل بمتشابه القرآن والتنقير عما لا يهتدي عقله إلى فهمه فيزيغ قلبه فيهلك. فأراد عمر ﵀ أن يكسره عن ذلك ويذله\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٤١٤ - ٤١٥/ ٣٣٠) والشريعة (١/ ٢١٠/١٦٠). وعزاه الحافظ في الإصابة (٥/ ١٦٩) إلى ابن الأنباري وصحح سنده. وزيادة: طلب العلم من الشريعة.","vol":"1","page":46},{"text":"ويشغله عن المعاودة إلى مثل ذلك. (١)\n- عن خالد بن عرفطة قال: كنت عند عمر بن الخطاب، إذ أتى برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس. فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم. فضربه بقناة معه، فقال له: ما ذنبي؟ قال فقرأ عليه الر ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٢) فقرأها عليه ثلاث مرات وضربه ثلاث ضربات، ثم قال له عمر: أنت الذي انتسخت كتاب دانيال؟ قال: نعم. قال: اذهب فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ولا تقرأه ولا تقرئه أحدا من الناس. (٣)\n- وروى مالك أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب المنكدر على صلاة بعد العصر. ورواه غيره: فقيل له: أعلى الصلاة؟ فقال: على خلاف السنة. (٤)\n- وجاء في كتاب البدع لابن وضاح: عن الشعبي أن عمر بن الخطاب كان يضرب الرجبيين الذين يصومون رجب كله. (٥)\n- وروى ابن أبي شيبة أيضا: عن أبي عثمان النهدي قال: كتب عامل\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٤١٥ - ٤١٦).\n(٢) يوسف الآيات (١ - ٣).\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في التفسير (٧/ ٢١٠٠/١١٣٢٤) وذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١ - ٤٢).\n(٤) مالك في الموطأ ١/ ٢٢١/٥٠) وعبد الرزاق في المصنف (٢/ ٤٢٩/٣٤٦٤).\n(٥) ما جاء في البدع (ص.٩٣).","vol":"1","page":47},{"text":"لعمر بن الخطاب إليه أن ههنا قوما يجتمعون فيدعون للمسلمين وللأمير. فكتب إليه عمر: أقبل وأقبل بهم معك. فأقبل. وقال عمر للبواب: أعد سوطا. فلما دخلوا على عمر أقبل على أميرهم ضربا بالسوط. فقال: يا أمير المؤمنين [إنا] لسنا أولئك الذين تعني، أولئك قوم يأتون من قبل المشرق. (١)\n- وروى ابن بطة بسنده إلى الأوزاعي أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: أيها الناس إنه لا عذر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها حسبها هدى ولا في هدى تركه حسبه ضلالة فقد بينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر. (٢)\n- وفي الإبانة أيضا عن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب: لا تسألوا عن أمر لم يكن، فإن الأمر إذا كان أعان الله عليه وإذا تكلفتم ما لم تبلوا به وكلتم إليه. (٣)\n- وفي سنن الدارمي: جاء رجل يوما إلى ابن عمر فسأله عن شيء لا أدري ما هو، فقال له ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن. (٤)\n- وروى ابن بطة بسنده إلى الحسين قال: قدم الأحنف بن قيس على عمر فسرح الوفد واحتبس الأحنف حولا ثم قال له: تدري لم حبستك؟ إن رسول الله - ﷺ - حذرنا كل منافق عليم ولست منهم إن شاء الله فالحق بأهلك. (٥)\n- وفيهما عن ابن عمر قال: رأيت عمر قبل الحجر وقال: والله إني لأعلم\n_________\n(١) ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٢٩٠/٢٩١٩١) ومن طريقه ابن وضاح في البدع (ص.٥٤).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣٢٠ - ٣٢١/ ١٦٢) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٣).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٤٠٨ - ٤٠٩/ ٣١٧).\n(٤) الدارمي (١/ ٥٠).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٧/ ٦٤٠).","vol":"1","page":48},{"text":"أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - قبلك ما قبلتك. (١)\n- عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول، فيم الرملان والكشف عن المناكب، وقد أطأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، مع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -. (٢)\n- عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، حتى قال له الضحاك بن سفيان: كتب إلي رسول الله - ﷺ -: أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر (٣) -زاد الحميدي- عن قوله. (٤)\n- وروى الخطيب عن ابن المسيب قال: قضى عمر بن الخطاب في الأصابع بقضاء ثم أخبر بكتاب كتبه النبي - ﷺ - لابن حزم: \"في كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل\" فأخذ به، وترك أمره الأول. (٥)\n_________\n(١) سيأتي تخريجه قريبا.\n(٢) أبو داود (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧/ ١٨٨٧) وابن ماجة (٢/ ٩٨٤/٢٩٥٢).\n(٣) أحمد (٣/ ٤٥٢) وأبو داود (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠/ ٢٩٢٧) والترمذي (٤/ ٣٧١/٢١١٠) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". ابن ماجه ٢/ ٨٣٣/٢٦٤٢) والنسائي في الكبرى (٤/ ٧٨ - ٧٩/ ٦٣٦٣ - ٦٣٦٦).\n(٤) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٦٤).\n(٥) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥) وعبد الرزاق في المصنف (٩/ ٣٨٥/١٧٧٠٦) والبيهقي (٨/ ٩٣) بنحوه. أما حديث كتاب عمرو بن حزم فقد رواه النسائي (٨/ ٤٢٨ - ٤٢٩/ ٤٨٦٨) وصححه ابن حبان (١٤/ ٥٠١/٦٥٥٩) والحاكم (١/ ٣٩٥) وقال الحافظ في التلخيص (٤/ ١٨): \"قد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة فقال الشافعي في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله - ﷺ -، وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد، لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة\". وانظر تمام تخريجه في فتح البر (١١/ ٥٢٣).","vol":"1","page":49},{"text":"- وروى عن هشام بن يحيى المخزومي: أن رجلا من ثقيف أتى عمر ابن الخطاب فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر: ألها أن تنفر قبل أن تطهر؟ فقال عمر: لا، فقال له الثقفي: فإن رسول الله - ﷺ - أفتاني في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيت، قال: فقام إليه عمر يضربه بالدرة، ويقول: لم تستفتني في شيء قد أفتى فيه رسول الله - ﷺ -. (١)\n- وروى عن بلال بن يحيى: أن عمر، قال: قد علمت متى صلاح الناس، ومتى فسادهم: إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا. (٢)\n- جاء في ذم الكلام: قال عمر بن الخطاب: لأن أسمع في ناحية المسجد بنار تشتعل أحب إلي من أن أسمع فيه ببدعة ليس لها مغير. (٣)\n- وأخرج البخاري عن شقيق قال: سمعت حذيفة يقول: بينا نحن جلوس عند عمر إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي - ﷺ - في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر. فقال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: لا بل يكسر. قال عمر: إذن لا يغلق أبدا. قلت: أجل. قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم،\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٥٠٧).\n(٢) الفقيه والمتفقه (٢/ ١٥٨) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٦١٥) وذكره الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٦٨٢).\n(٣) ذم الكلام (ص.٨٥).","vol":"1","page":50},{"text":"كما يعلم أن دون غد ليلة، وذلك أنى حدثته حديثا ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأله من الباب، فأمرنا مسروقا فسأله، فقال: من الباب؟ قال: عمر. (١)\n- وفيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر ابن قيس بن حصن -وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا- فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس فاستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم بأن يقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه - ﷺ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢) وإن هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله. (٣)\n- وفيه: عن أنس قال: كنا عند عمر فقال: نهينا عن التكلف. (٤)\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٤٠١ - ٤٠٢) والبخاري (١٣/ ٦٠/٧٠٩٦) ومسلم (٤/ ٢٢١٨/١٤٤) والترمذي (٤/ ٤٥٤ - ٤٥٥/ ٢٢٥٨) وقال: \"هذا حديث صحيح\". والنسائي في الكبرى (١/ ١٤٤ - ١٤٥/ ٣٢٧) وابن ماجه (٢/ ١٣٠٥ - ١٣٠٦/ ٣٩٥٥).\n(٢) الأعراف الآية (١٩٩).\n(٣) البخاري (١٣/ ٣١١ - ٣١٢/ ٧٢٨٦).\n(٤) البخاري (١٣/ ٣٢٩/٧٢٩٣).","vol":"1","page":51},{"text":"- وجاء في الفتح أن رجلا سأل عمر بن الخطاب عن قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (١) ما الأب؟ فقال عمر: نهينا عن التعمق والتكلف. (٢)\n- قال الشاطبي: فحق ما حكي عن عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال: إنما هذا القرآن كلام، فضعوه مواضعه، ولا تتبعوا به أهواءكم، (٣) أي: فضعوه على مواضع الكلام، ولا تخرجوه عن ذلك، فإنه خروج عن طريقه المستقيم إلى اتباع الهوى. (٤)\n- وروى ابن عبد البر بسنده إلى عمر قال: إنما أخاف عليكم رجلين: رجل تأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه. (٥)\n- جاء في أعلام الموقعين: قال عمر بن الخطاب ﵁: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري، وقال لأبي الشعثاء: لا تفتين إلا بكتاب ناطق، أو سنة ماضية. (٦)\n- وفيه قال عمر ﵁: لا تختلفوا، فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا. (٧)\n_________\n(١) عبس الآية (٣١).\n(٢) الفتح (١٣/ ٣٣٦).\n(٣) رواه الدارمي نحوه (٢/ ٣١٧) وعبد الله بن أحمد في السنة (ص.٢٧) والبيهقي في الاعتقاد (ص.٢٠٥ برقم ٥٩ - ٦٠) وفي الأسماء والصفات (١/ ٥٩١ - ٥٩٢/ ٥٢١ - ٥٢٣) والآجري في الشريعة (١/ ٢١٥/١٦٧).\n(٤) الاعتصام (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤).\n(٥) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٢٠٢) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ٣٠٤).\n(٦) إعلام الموقعين (١/ ٢٥٣).\n(٧) إعلام الموقعين (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":52},{"text":"- وفيه عن السائب بن يزيد ابن أخت نمر أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إن حديثكم شر الحديث، إن كلامكم شر الكلام، فإنكم قد حدثتم الناس حتى قيل قال فلان وقال فلان، ويترك كتاب الله، من كان منكم قائما فليقم بكتاب الله، وإلا فليجلس. (١)\n- وقال شيخ الإسلام: كتب عمر إلى شريح: اقض بما في كتاب الله، فإن لم تجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم تجد فبما به قضى الصالحون قبلك. وفي رواية: فبما أجمع عليه الناس. (٢)\n- وقال: ورفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ نائحة، فأمر بضربها، فقيل: يا أمير المؤمنين إنه قد بدا شعرها. فقال: إنه لا حرمة لها، إنها تنهى عن الصبر، وقد أمر الله به، وتأمر بالجزع، وقد نهى الله عنه، وتفتن الحي، وتؤذي الميت، وتبيع عبرتها، وتبكي بشجو غيرها، إنها لا تبكي على ميتكم، إنما تبكي على أخذ دراهمكم. (٣)\n- وأخرج ابن وضاح عن عمر أنه كان يقول: أصدق القيل قيل الله، وإن أحسن الهدي هدي محمد - ﷺ -، وإن شر الأمور محدثاتها، ألا وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. (٤)\n- وأخرج عن يحيى بن أبي كثير قال: قال عمر بن الخطاب: إذا اختلف الناس في أهوائهم وعجب كل ذي رأي برأيه أيها الناس عليكم\n_________\n(١) إعلام الموقعين (٢/ ١٩٤).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(٣) المنهاج (٤/ ٥٥٢).\n(٤) ما جاء في البدع (ص.٦٢) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٦١٥/١٠٥٤).","vol":"1","page":53},{"text":"أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن مسعود ﵁: \"كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي\".\n- جاء في شعب الإيمان: عن أبي موسى في كاتب له نصراني عجب عمر بن الخطاب ﵁ من كتابه فقال: إنه نصراني قال أبو موسى: فانتهرني وضرب فخذي وقال أخرجه وقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٢) وقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. (٣)\nقال أبو موسى: والله ما توليته إنما كان يكتب. قال: أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب لك. لا تدنهم إذ أقصاهم الله ولا تأمنهم إذ خونهم الله ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله. (٤)\n- ذكر ابن جرير أنهم وجدوا قبر دانيال بالسوس، وأن أبا موسى لما\n_________\n(١) ما جاء في البدع (ص.١٦٠).\n(٢) الممتحنة الآية (١).\n(٣) المائدة الآية (٥١).\n(٤) شعب الإيمان (٧/ ٤٣).","vol":"1","page":54},{"text":"قدم بها بعد مضي أبي سبرة إلى جندي سابور، كتب إلى عمر في أمره، فكتب إليه أن يدفنه وأن يغيب عن الناس موضع قبره ففعل. (١)\n- وقال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس مفتي أهل طرسوس يقول: أمر عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي - ﷺ -، فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. (٢)\n- قال المعرور بن سويد: صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها أَلَمْ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (٣) و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (٤) ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه رسول الله - ﷺ -، فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها. (٥)\n- وقال: وكان عمر ﵁ لا يصلي على من لم يصل عليه حذيفة، لأنه كان في غزوة تبوك قد عرف المنافقين، الذين عزموا على الفتك برسول الله - ﷺ -. (٦)\n_________\n(١) البداية والنهاية (٧/ ٩١) والمنهاج (١/ ٤٨٠ - ٤٨١).\n(٢) ما جاء في البدع (ص.٩١) والاقتضاء (٢/ ٧٤٤ - ٧٤٥).\n(٣) الفيل الآية (١).\n(٤) قريش الآية (١).\n(٥) ما جاء في البدع (ص.٩٠ - ٩١) والحوادث والبدع (ص.١٥٩ - ١٦٠) والاقتضاء (٢/ ٧٤٤) والمنهاج (١/ ٤٨١).\n(٦) المنهاج (٥/ ٢٣٧).","vol":"1","page":55},{"text":"- وقال عمر ﵁: لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم. (١)\n\" التعليق:\nكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حريصا على أن يكون المسلمون أصحاب عقيدة خالصة من شوائب الشرك والبدع، فلذا كان يقطع كل السبل التي قد يتذرع بها كل مشرك ومبتدع، فرضي الله عنه وأرضاه، لقد حمى جانب عقيدة التوحيد الخالصة.\n- وعن عمر ﵁: أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يقبلك ما قبلتك. (٢)\n- وجاء في الموطأ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه، أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري. فسأله عن الناس. فأخبره. ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مغربة خبر؟ فقال: نعم. رجل كفر بعد إسلامه. قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه، فضربنا عنقه. فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثا. وأطعمتموه كل يوم رغيفا. واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضر. ولم آمر. ولم أرض. إذ بلغني. (٣)\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق (١٦٠٩) والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢٣٤).\n(٢) أحمد (١/ ٣٤) والبخاري (٣/ ٥٨٩/١٥٩٧) ومسلم (٢/ ٩٢٥/١٢٧٠) وأبو داود (٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩/ ١٨٧٣) والترمذي (٣/ ٢١٤ - ٢١٥/ ٨٦٠) والنسائي (٥/ ٢٢٧/٢٩٣٧) وابن ماجه (٢/ ٩٨١/٢٩٤٣).\n(٣) الموطأ (٢/ ٧٣٧).","vol":"1","page":56},{"text":"قتل العلج المجوسي لعمر بن الخطاب:\nعن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال: كيف فعلتما أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، قالا: لا فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب. قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه.\nوتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني؟ فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة. قال: الصنع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله لقد أمرت به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام. قد كنت","vol":"1","page":57},{"text":"أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا -فقال: إن شئت فعلت أي إن شئت قتلنا قال: كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم- فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس. وقائل يقول: أخاف عليه. فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت فدخلنا عليه وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله - ﷺ - وقدم في الإسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت ثم شهادة. قال: وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض قال: ردوا علي الغلام. قال: ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك، يا عبد الله ابن عمر انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه. قال: إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدعني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي. فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه. فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على نفسي.\nفلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. قال: ارفعوني. فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت. قال: الحمد لله، ما كان من","vol":"1","page":58},{"text":"شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني ثم سلم فقل يستأذن عمر ابن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال فولجت داخلا لهم فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض، فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن. وقال: يشهدكم عبد الله ابن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم وترد على فقرائهم وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله - ﷺ - أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم. فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر. قال: يستأذن عمر بن الخطاب. قالت: أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى","vol":"1","page":59},{"text":"علي. فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان. وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف.\nفقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه. فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلُو عن أفضلكم. قالا: نعم فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله - ﷺ - والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك. فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه، وبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن ابن أبي مليكة قال: قالت عائشة لما حضر أبي دعاني فقال: يا بنية إني قد كنت أعطيتك خيبر ولم تكوني حزتيها وإني أحب أن ترديها علي. قالت: فقلت: قد غفر الله لك يا أبت والله لو كانت خيبر ذهبا جمعا لرددتها عليك قال: فهي على كتاب الله يا بنية إني كنت أتجر قريش وأكثرهم مالا فلما شغلتني الإمارة رأيت إن أصبت من المال ... ثم قال: العباءة القطوانية والخلاب والعبد فإذا قضيت فأسرعي به إلى ابن الخطاب. يا بنية ثيابي هذه فكفنيني بها. قالت: فبكيت فقلت: يا أبت نحن أيسر من ذلك، فقال: غفر الله لك، وهل ذلك إلا للمهل، قالت: فلما مات بعثت بذلك إلى ابن الخطاب فقال: يرحم الله أباك لقد أحب أن لا يترك لقائل مقالا. (٢)\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٧٤ - ٧٦/ ٣٧٠٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٧٠/٢٤٤٩).","vol":"1","page":60},{"text":"- وفيها: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال عمر بن الخطاب: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر فمن قال غير هذا فهو مفتر وعليه ما على المفتري. (١)\n- وفيها: عن وائل عن البهي قال: وقع بين عبيد الله بن عمر وبين المقداد كلام فشتم عبد الله المقداد فقال عمر علي بالحداد أقطع لسانه لا يجترئ أحد بعده فيشتم أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ -. (٢)\n- وفيها: عن أبي وائل: أن رجلا حرج على أم سلمة قوله فأمر عمر أن يجلد مائتي جلدة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن يوسف بن مهران قال: خطبنا ابن عباس بالبصرة فقال: قام فينا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ﵁ فقال: أيها الناس، إنه سيكون في هذه الأمة أقوام يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا. (٤)\n- عن الأحنف بن قيس قال: كنت عند عمر بن الخطاب فرأيت امرأة عنده وهي تقول: يا أمير المؤمنين اذكر إذ كنت في أصلاب المشركين وأرحام المشركات حتى مَنَّ الله عليك بمحمد - ﷺ -. فقلت لها: لقد أكثرت\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٦٩ - ١٣٧٠/ ٢٤٤٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٣٨/٢٣٧٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٠/٢٣٨٢).\n(٤) الشريعة (٢/ ١٣٦/٨١١) وأصول السنة لابن زمنين (ص.١٩٠) وبنحوه في أصول الاعتقاد (٦/ ١١٨١/٢٠٨٤).","vol":"1","page":61},{"text":"على أمير المؤمنين. فقال عمر: دعها. ما تعرفها؟ هذه التي سمع الله منها فأنا أحق أن أسمع منها. (١)\n- قال عمر بن الخطاب: إن هذا القرآن كلام الله فضعوه على مواضعه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>موقفه من الخوارج:</span>\n- عن المعتمر عن أبيه قال: حدثنا أبو عثمان أن رجلا كان من بني يربوع يقال له صبيغ سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن الذاريات والنازعات والمرسلات أو عن إحداهن، فقال له عمر: ضع عن رأسك فوضع عن رأسه فإذا له وفيرة فقال: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك، قال: ثم كتب إلى أهل البصرة أن لا تجالسوه، أو قال: كتب إلينا أن لا تجالسوه، قال: فلو جلس إلينا ونحن مائة لتفرقنا عنه.\n- وعن السائب بن يزيد قال: أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقيل: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلا سأل عن تأويل القرآن، فقال عمر: اللهم مكني منه، فبينا عمر ذات يوم جالس يغدي الناس إذ جاءه عليه ثياب فتغدى حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ وِقْرًا فقال عمر: أنت هو، فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك، ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلادكم ثم ليقم\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٥٥ - ٤٥٦/ ٦٩٠).\n(٢) السنة لعبد الله (٢٣ - ٢٤ و٢٧) والإبانة (١/ ١٢/٢٤٩ - ٢٥٠/ ٢٢ - ٢٣) والشريعة (١/ ٢١٥/١٦٧).","vol":"1","page":62},{"text":"خطيبا ثم ليقل إن صبيغا طلب العلم فأخطأه فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك وكان سيدهم. قال أبو حاتم: ولم يقل أبو حفص في حديثه ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلادكم. (١)\n\" التعليق:\nقال الحافظ ابن حجر (٢): قال أبو أحمد العسكري: اتهمه عمر برأي الخوارج. (٣)\nقال ابن بطة (٤): فإن قلت: فإنه قال: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك. فمن حلق رأسه يجب عليه ضرب العنق؟ فإني أقول لك: من مثل هذا أتى الزائغون، وبمثل هذا بلي المنقرون الذين قصرت هممهم وضاقت أعطانهم عن فهم أفعال الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين، فلم يحسوا بموضع العجز من أنفسهم فنسبوا النقص والتقصير إلى سلفهم. وذلك أن عمر ﵁ قد كان سمع النبي - ﷺ - يقول: \"يخرج قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول الناس يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية من لقيهم فليقتلهم فإن في قتلهم أجرا عند الله\". (٥)\n_________\n(١) أخرجه ابن بطة في الإبانة (١/ ٤١٤ - ٤١٥/ ٣٢٩ - ٣٣٠) والآجري في الشريعة (١/ ٢١٠ - ٢١١/ ١٦٠ - ١٦١) والدارمي (١/ ٥٤ و٥٥ - ٥٦) واللالكائي (٤/ ٧٠١ - ٧٠٣/ ١١٣٦ - ١١٣٨) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٣/ ٤١٠ - ٤١٢) وعزاه الحافظ في الإصابة (٥/ ١٦٩) لابن الأنباري وصحح سنده.\n(٢) الإصابة (٥/ ١٦٩).\n(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٣/ ٤٠٩).\n(٤) الإبانة (١/ ٢/٤١٦ - ٤١٧).\n(٥) البخاري (١٢/ ٣٥٠/٦٩٣٠) ومسلم (٢/ ٧٤٦ - ٧٤٧/ ١٠٦٦) من حديث علي ﵁.","vol":"1","page":63},{"text":"وفي حديث آخر: \"طوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه، قيل: يا رسول الله ما علامتهم؟ قال: سيماهم التحليق\". (١) فلما سمع عمر ﵁ مسائله فيما لا يعنيه كشف رأسه لينظر هل يرى العلامة التي قالها رسول الله - ﷺ - والصفة التي وصفها، فلما لم يجدها أحسن أدبه لئلا يتغالى به في المسائل إلى ما يضيق صدره عن فهمه فيصير من أهل العلامة الذين أمر النبي - ﷺ - بقتلهم فحقن دمه وحفظ دينه بأدبه رحمة الله عليه ورضوانه، ولقد نفع الله صبيغا بما كتب له عمر في نفيه، فلما خرجت الحرورية قالوا لصبيغ إنه قد خرج قوم يقولون كذا وكذا فقال: هيهات نفعني الله بموعظة الرجل الصالح وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على وجهه أو رجليه أو على عقبيه ولقد صار صبيغ لمن بعده مثلا وتردعة لمن نقر وألحف في السؤال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن الهزيل بن شرحبيل قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم. (٢)\n- عن زر بن حبيش قال: كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانا فيذكرون الله ﷿. (٣)\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٩٧) وأبو داود (٤/ ١٢٣ - ١٢٤/ ٤٧٦٦) وابن ماجة (١/ ٦٢/١٧٥) والحاكم (٢/ ١٤٧) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وجوّد إسناده الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٥٤). من حديث أنس ﵁.\n(٢) الإبانة (٢/ ٧/٨٥٦ - ٨٥٧/ ١١٦١) والسنة لعبد الله (ص.١١٥) والسنة للخلال (٤/ ٤٤/١١٣٤).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٢/١٧٠٠) والإبانة (٢/ ٧/٨٤٦ - ٨٤٧/ ١١٣٤) والشريعة (١/ ٢٦٢/٢٤١) وابن أبي شيبة في الإيمان (ح١٠٨)، وهو في المصنف (٦/ ١٦٤ - ١٦٥/ ٣٠٣٦٦) والخلال في السنة (٤/ ٣٩ - ٤٠/ ١١٢٢).","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>موقفه من القدرية:</span>\n- عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: \"خطبنا عمر ﵁ بالجابية، والجاثليق ماثل بين يديه، والترجمان يترجم فقال عمر: من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، فقال الجاثليق: إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر، ما يقول؟ فقال الترجمان: لا شيء، ثم عاد في خطبته. فلما بلغ: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فقال الجاثليق: إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر: ما يقول؟ فأخبره، فقال: كذبت يا عدو الله، ولولا عهدك لضربت عنقك، بل الله خلقك، والله أضلك، ثم الله يميتك، ثم يدخلك النار، إن شاء الله. ثم قال: \"إن الله تعالى لما خلق آدم نثر ذريته، فكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وأهل النار وما هم عاملون، ثم قال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه\". (١)\nوقد كان الناس تذاكروا القدر، فافترق الناس، وما يذكره أحد\". (٢)\n\" التعليق:\nانظر رحمك الله مَوقفَ رجل -أمرنا بالاقتداء به- وَقَفَهُ من المبتدعة، هل فيه شيء من المداهنة أوالمسالمة، ما هو إلا ضرب العنق وفرض الحجة والبرهان، لا زبالة الرأي ووساوس الشيطان.\n_________\n(١) أخرجه البزار (٣/ ٢٠/٢١٤١) والطبراني في الصغير (١/ ١٥٠/٣٥٤) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٧٨٦): \"ورجال البزار رجال الصحيح\". من حديث ابن عمر وفي الباب عن غيره أخرجها من طرق الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة بالأرقام: (٤٦و٤٧و٤٨و٤٩و٥٠).\n(٢) الشريعة (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩/ ٤٥٥) والسنة لعبد الله (١٤٢) واللالكائي (٤/ ٧٢٩ - ٧٣٠/ ١١٩٧) والإبانة (٢/ ٩/١٢٩ - ١٣٠/ ١٥٦٠).","vol":"1","page":65},{"text":"- وجاء في الإبانة: عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر ﵁ يوم أصيب وعليه ثوب أصفر فخر وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (١). اهـ (٢)\n- وفيها عن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: القدر قدرة الله ﷿، فمن كذب بالقدر؛ فقد جحد قدرة الله ﷿. (٣)\n- وفيها عن هشام بن عروة عن أبيه؛ أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: أعطاك من لا يمن ولا يحرم. قال: كذبت، بل الله يمن عليك بالإيمان، ويحرم الكافر الجنة. (٤)\n- وفيها عن ثابت أن رجلا أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين. أعطني؛ فوالله لئن أعطيتني لا أحمدك، ولئن منعتني لا أذمك، قال: لم؟ قال: لأن الله ﷿ هو الذي يعطي وهو الذي يمنع، قال: أدخلوه بيت المال ليحضره فليأخذ ما شاء ... (٥)\n- وفيها أيضا عن عمرو بن ميمون أن عمر سمع غلاما وهو يقول: اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه؛ فحل بيني وبين الخطايا؛ فلا أعمل بشيء\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٣٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/٨٧/ ١٤٩٧).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٣١/ ١٥٦٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ٩/١٣١/ ١٥٦٣).\n(٥) الإبانة (٢/ ٩/١٣١/ ١٥٦٤).","vol":"1","page":66},{"text":"منها، فقال عمر: رحمك الله ودعا له بخير. (١)\n- وعن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد -أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه- فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع في الشام فاختلفوا. فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر ولا نرى أن نرجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله - ﷺ - ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادعوا لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان (إحداهما) خصيبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله؟ وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علما: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه\" قال: فحمد الله عمر ثم\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/١٣٢/ ١٥٦٦).","vol":"1","page":67},{"text":"انصرف. (١)\n- وعن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب -وهو يطوف بالبيت- يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني على الشقوة فامحني منها وأثبتني في السعادة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. (٢)\n- وعن ابن أبزى قال: أتي عمر فقيل له: إن ناسا يتكلمون في القدر فقام خطيبا فقال يا أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم في القدر والذي نفس عمر بيده لا أسمع برجلين تكلما فيه إلا ضربت أعناقهما. قال: فأحجم الناس فما تكلم فيه أحد حتى ظهرت نابغة الشام. (٣)\n- وأخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة الزهري من طريق ابن أخي الزهري عن عمه قال: كان عمر بن الخطاب يأمر برواية قصيدة لبيد بن ربيعة التي يقول فيها:\nإن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل\nأحمد الله فلا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل\nمن هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل (٤)\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٩٤) مختصرا والبخاري (١٠/ ٢٢٠/٥٧٢٩) ومسلم (٤/ ١٧٤٠ - ١٧٤١/ ٢٢١٩) وأبو داود (٣/ ٤٧٨/٣١٠٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٣٥/١٢٠٧) والإبانة (٢/ ٩/١٣١ - ١٣٢/ ١٥٦٥) ومجموع الفتاوى (٨/ ٥٤٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٣٥ - ٧٣٦/ ١٢٠٨) والإبانة (٢/ ١١/٣٠٩ - ٣١٠/ ١٩٨٦).\n(٤) الحلية (٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠).","vol":"1","page":68},{"text":"- وجاء في المنهاج: ويذكر أن رجلا سرق فقال لعمر: سرقت بقضاء الله وقدره. فقال له: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره.\n\" التعليق:\nقال ابن تيمية ﵀: وهكذا يقال لمن تعدى حدود الله، وأعان العباد على عقوبته الشرعية، كما يعين المسلمين على جهاد الكفار: إن الجميع واقع بقضاء الله وقدره، لكن ما أمر به يحبه ويرضاه، ويريده شرعا ودينا، كما شاء خلقا وكونا، بخلاف ما نهى عنه. (١)\n\nأبو ذر الغِفَاري جُنْدُب بن جُنَادَة (٢) (٣٢ هـ)\nأبو ذر الغفاري الزاهد المشهور، الصادق اللهجة مختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور أنه جندب بن جنادة بن سكن. كان من السابقين إلى الإسلام، وقصة إسلامه في الصحيحين (٣). وكان أبو ذر من كبار الصحابة وفضلائهم، قيل كان خامس خمسة في الإسلام، ثم إنه رد إلى بلاد قومه فأقام بها بأمر النبي - ﷺ - له بذلك. فلما أن هاجر النبي - ﷺ - هاجر إليه أبو ذر ﵁، ولازمه وجاهد معه. قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أظلت الخضراء ولا\n_________\n(١) المنهاج (٣/ ٢٣٤).\n(٢) الإصابة (٧/ ١٢٥ - ١٣٠) وطبقات ابن سعد (٤/ ٢١٩ - ٢٣٧) والحلية (١/ ١٥٦ - ١٧٠) والبداية والنهاية (٧/ ١٦٤و١٦٥) والسير (٢/ ٤٦ - ٧٨) ومجمع الزوائد (٩/ ٣٢٧ - ٣٣٢) وتاريخ الطبري (٤/ ٢٨٣ - ٢٨٦) والاستيعاب (١/ ٢٥٢ - ٢٥٦) والوافي (١١/ ١٩٣) والتذكرة (١/ ١٧ - ١٨) وشذرات الذهب (١/ ٣٩).\n(٣) سيأتي ضمن مواقفه من المشركين إن شاء الله.","vol":"1","page":69},{"text":"أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر\" (١) وكان ﵁ يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان. فاتته بدر. وكان رأسا في الزهد، والصدق، والعلم والعمل، قوالا بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، توفي سنة اثنتين وثلاثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن عبد الله بن الصامت أن أبا ذر قال له: يوشك يا ابن أخي إن عشت إلى قريب أن يمر بالجنازة في السوق فيرفع الرجل رأسه فيقول: يا ليتني على أعوادها. قال: قلت تدري ما بهم؟ قال: على ما كان. قلت: إن ذلك بين يدي أمر عظيم؟ قال: أجل عظيم عظيم عظيم. (٢)\n\" التعليق:\nيعضد قول أبي ذر ويصدقه ما روى البخاري في كتاب الفتن من صحيحه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه\". (٣)\nقال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال: تغبيط أهل القبور وتمني الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر انتهى. (٤) وليس هذا عاما في حق كل أحد وإنما هو خاص\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ٦٢٨ - ٦٢٩/ ٣٨٠٢) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\". الحاكم (٣/ ٣٤٢) وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. ابن حبان (١٦/ ٧٦/٧١٣٢ الإحسان) وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأبي الدرداء وأبي هريرة ﵃.\n(٢) الحاكم (٤/ ٤٤٧) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\n(٣) أحمد (٢/ ٢٣٦) والبخاري (١٣/ ٩٣/٧١١٥) ومسلم (٤/ ٢٢٣١/١٥٧ [٥٣]) وابن ماجه (٢/ ١٣٤٠/٤٠٣٧).\n(٤) انظر شرح ابن بطال (١٠/ ٥٨).","vol":"1","page":70},{"text":"بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه، ويؤيده ما أخرجه في رواية أبي حازم عن أبي هريرة عند مسلم: \"لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء\" (١). وذكر الرجل فيه للغالب وإلا فالمرأة يتصور فيها ذلك، والسبب في ذلك ما ذكر في رواية أبي حازم أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده وبهذا جزم القرطبي، وذكره عياض احتمالا، وأغرب بعض شراح المصابيح فقال: المراد بالدين هنا العبادة، والمعنى أنه يتمرغ على القبر ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرغ فيها من عادته وإنما الحامل عليه البلاء. وتعقبه الطيبي بأن حمل الدين على حقيقته أولى، أي ليس التمني والتمرغ لأمر أصابه من جهة الدين بل من جهة الدنيا.\nوقال ابن عبد البر: ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت، وليس كذلك، وإنما في هذا أن القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال، وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا. وقد ذكره عياض احتمالا أيضا. وقال غيره: ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت معارضة، لأن النهي صريح وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق للإخبار\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢٢٣١/١٥٧ [٥٤]).","vol":"1","page":71},{"text":"عما سيقع. قلت: ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: وليس به الدين إنما هو البلاء فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودا، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف. قال النووي: لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب وعيسى الغفاري وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. ثم قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة كما أخرج مسلم من حديث معقل بن يسار رفعه \"العبادة في الهرج كهجرة إلي\" (١) ويؤخذ من قوله: حتى يمر الرجل بقبر الرجل أن التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر، وليس ذلك مرادا بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمني لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمني أو يخف عند مشاهدة القبر والمقبور فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه، فإذا تمادى على ذلك دل على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر وتذكر ما فيه من الأهوال عن استمراره على تمني الموت.\nوقد أخرج الحاكم من طريق أبي سلمة قال: عدت أبا هريرة فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: \"اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٢٥) ومسلم (٤/ ٢٢٦٨/٢٩٤٨) والترمذي (٤/ ٤٢٤/٢٢٠١) وابن ماجه (٢/ ١٣١٩/٣٩٨٥).","vol":"1","page":72},{"text":"الأحمر. وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول: ليتني مكانه\". (١) اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>موقفه من المشركين:</span>\nعن ابن عباس ﵄ قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي - ﷺ - قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله: ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر، فقال ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي - ﷺ - ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فرآه علي، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي - ﷺ - حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال: أما نال للرجل أن يعلم منزله، فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالث، فعاد علي على مثل ذلك، فأقام معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك، قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنني فعلت، ففعل، فأخبره قال: فإنه حق وهو رسول الله - ﷺ -، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي - ﷺ - ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له\n_________\n(١) الحاكم (٤/ ٥١٨) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي من طريق أبي سلمة عن عبد الرحمن.\n(٢) الفتح (١٣/ ٩٣ - ٩٤).","vol":"1","page":73},{"text":"النبي - ﷺ -: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، قال والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس، فأكب عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه. (١)\n\" التعليق:\nالابتلاء سنة من سنن الله في عباده الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، ولا سيما في الأمور العقائدية، قل أن تجد صاحب دعوة إلى العقيدة الخالصة من الشرك ولا يناله الأذى في سبيل ذلك، فأبو ذر ابتلي فصبر، وكان هو وإخوانه من الصحابة خير مثال لمن يأتي بعدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>موقفه من الرافضة:</span>\nعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: قلت لأبي ذر: لو أتيت برجل يسب أبا بكر ﵇ ما كنت صانعا قال: اضرب عنقه قلت: فعمر قال: أضرب عنقه. (٢)\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٢١٩ - ٢٢٠/ ٣٨٦١) ومسلم (٤/ ١٩٢٣ - ١٩٢٥/ ٢٤٧٤ [١٣٣]).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٣٩/٢٣٧٨).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في السير: عن عبد الله بن الصامت، قال: قال أبو ذر لعثمان: يا أمير المؤمنين، افتح الباب، لا تحسبني من قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. (١)\n- وعن يزيد أخبرنا العوام بن حوشب: حدثني رجل عن شيخين من بني ثعلبة قالا: نزلنا الربذة، فمر بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية، فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله - ﷺ -. فاستأذناه بأن نغسل رأسه. فأذن لنا، واستأنس بنا. فبينما نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق -حسبته قال: من أهل الكوفة- فقالوا: يا أبا ذر، فعل بك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصب لك راية فنكملك برجال ما شئت؟ فقال: يا أهل الإسلام، لا تعرضوا علي ذاكم ولا تذلوا السلطان، فإنه من أذل السلطان، فلا توبة له، والله لو صلبني على أطول خشبة أو حبل، لسمعت وصبرت ورأيت أن ذلك خير لي. (٢)\n\nعبد الله بن مسعود (٣) (٣٢ هـ)\nعبد الله بن مسعود بن غَافِل، أبو عبد الرحمن الهُذَلِي، المكي المهاجري\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٢/ ٧١ - ٧٢).\n(٢) المصدر نفسه.\n(٣) الإصابة (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٦) والاستيعاب (٣/ ٩٨٧ - ٩٩٤) والحلية (١/ ١٢٤ - ١٣٩) والبداية (٧/ ١٦٢ - ١٦٣) وطبقات ابن سعد (٣/ ١٥٠ - ١٦١) وتاريخ بغداد (١/ ١٤٧ - ١٥٠) والتذكرة (١/ ١٣ - ١٦) ومجمع الزوائد (٩/ ٢٨٦ - ٢٩١) والسير (١/ ٤٦١ - ٥٠٠) والعقد الثمين (٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤) وشذرات الذهب (١/ ٣٨ - ٣٩) والوافي بالوفيات (١٧/ ٦٠٤ - ٦٠٦).","vol":"1","page":75},{"text":"البدري، حليف بني زهرة، الإمام الحبر، فقيه الأمة، كان من السابقين الأولين ومن النجباء العالمين، شهد بدرا وهاجر الهجرتين، قال ﵁: لقد رأيتني سادس ستة وما على ظهر الأرض مسلم غيرنا. وأخرج البخاري والنسائي من حديث أبي موسى قال: \"قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حينًا وما نحسب ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي - ﷺ - لكثرة دخولهم وخروجهم عليه\" (١). وفي البخاري عن أبي وائل قال: كنت مع حذيفة، فجاء ابن مسعود فقال حذيفة: \"إن أشبه الناس هديا ودلا وقضاء وخطبة برسول الله - ﷺ - من حين يخرج من بيته، إلى أن يرجع لا أدري ما يصنع في أهله لعبد الله بن مسعود، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد - ﷺ - أن عبد الله من أقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة\" (٢). وعنه قال: \"والذي لا إله غيره لقد قرأت من في رسول الله - ﷺ - بضعا وسبعين سورة، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته\" (٣). وفي المسند بسند حسن أن النبي - ﷺ - قال: \"من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد\" (٤)\nوعن علي قال: أمر رسول الله - ﷺ - ابن مسعود، فصعد شجرة يأتيه منها\n_________\n(١) البخاري (٧/ ١٢٩/٣٧٦٣) ومسلم (٤/ ١٩١١/٢٤٦٠) والترمذي (٥/ ٦٣١/٣٨٠٦) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\". والنسائي في الكبرى (٥/ ٧٢/٨٢٦٣).\n(٢) رواه الحاكم (٣/ ٣١٥) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي بنحو هذا اللفظ. ورواه أحمد (٥/ ٣٩٥و٤٠٢) والبخاري (٧/ ١٢٩/٣٧٦٢) و(١٠/ ٦٢٤/٦٠٩٧) والترمذي (٥/ ٦٣١ - ٦٣٢/ ٣٨٠٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وهو عند بعضهم باختصار.\n(٣) البخاري (٩/ ٥٦/٥٠٠٠) ومسلم (٤/ ١٩١٢/٢٤٦٢).\n(٤) أحمد (١/ ٤٤٥) وابن ماجة (١/ ٤٩/١٣٨) وابن حبان (١٥/ ٥٤٢ - ٥٤٣/ ٧٠٦٦ - ٧٠٦٧ الإحسان) وفي الباب عن عمر بن الخطاب ..","vol":"1","page":76},{"text":"بشيء، فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله، فضحكوا من حموشة ساقيه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما تضحكون؟ لرجْل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد\" (١). وفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"اقرأ علي القرآن، قلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٢) فغمزني برجله، فإذا عيناه تذرفان\". (٣) وسئل علي ﵁ عن ابن مسعود فقال: علم الكتاب والسنة ثم انتهى وكفى به.\nتوفي ﵁ سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في البدع لابن وضاح عن ابن مسعود قال: من أحب أن يكرم دينه فليعتزل مخالطة السلطان ومجالسة أصحاب الأهواء، فإن مجالستهم ألصق من الجرب. (٤)\n- جاء في ذم الكلام عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه: سمعت ابن مسعود يقول: يا أيها الناس إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الفرقان\n_________\n(١) أحمد (١/ ١١٤) والطبراني (٩/ ٩٧/٨٥١٦) وأبو يعلى (١/ ٤٠٩ - ٤١٠/ ٥٣٩) وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٨٨ - ٢٨٩) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح غير أم موسى وهي ثقة\". وفي الباب عن ابن مسعود.\n(٢) النساء الآية (٤١).\n(٣) أحمد (١/ ٣٨٠و٤٣٣) والبخاري (٨/ ٣١٧/٤٥٨٢) ومسلم (١/ ٥٥١/٨٠٠) وأبو داود (٤/ ٧٤/٣٦٦٨) والترمذي (٥/ ٢٢٣/٣٠٢٥).\n(٤) ما جاء في البدع (ص.١١٠) والدارمي (١/ ٩٠).","vol":"1","page":77},{"text":"وفرض عليه الفرائض وأمره أن يعلم أمته، فبلغهم رسالته ونصح لأمته، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وبين لهم ما يجهلون، فاتبعوه ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. (١)\n- وعنه قال: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن أبي قلابة عن ابن مسعود قال: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله أو قال أصحابه، وقال: عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، أو يفتقر إلى ما عنده، وإنكم ستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بالعتيق. (٣)\n- وفيه: عن ابن مسعود إنا نقتدي ولا نبتدي ونتبع ولا نبتدع ولن نضل ما تمسكنا بالأثر. (٤)\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٧٩) وطرفه الأخير في الإبانة (١/ ٢/٣٢٧ - ٣٢٨/ ١٧٥) وأصول الاعتقاد (١/ ٩٦/١٠٤) وانظر الاعتصام (١/ ١٠٧) والبدع والنهي عنها (ص.٤٢) وطبقات الحنابلة (١/ ٦٩).\n(٢) الدارمي (١/ ٧٢) والحاكم (١/ ١٠٣) والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٥٧/١٠٤٨٨) والبيهقي في الكبرى (٣/ ١٩) وقال: \"هذا موقوف\". ومحمد بن نصر في السنة (رقم ٨٩ ص ٣٠) وأصول الاعتقاد (١/ ٦١ - ٦٢/ ١٣ و١٤) والإبانة (١/ ٢/٣٢٠/ ١٦١) وذم الكلام (١١٧) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٧٩) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٣) والمطالب العالية (٣/ ٩٠/٢٩٦٣) وانظر الباعث (ص.٦٦) وتذكر الحفاظ (١/ ١٦) ومجموع الفتاوى (٤/ ١٠٩) والتلبيس (١٥ - ١٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ٩٧/١٠٨) وذم الكلام (ص.١٨٥) والإبانة (١/ ٢/٣٢٣ - ٣٢٤/ ١٦٨) مختصرا. والدارمي (١/ ٥٤) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٢٠٢) والفقيه والمتفقه (١/ ١٦٧) وانظر الاعتصام (١/ ١٠٧ - ١٠٨) والبدع والنهي عنها (ص.٦٤) والباعث (ص.٦٦ - ٦٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٦).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ٩٦ - ٩٧/ ١٠٥) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٢).","vol":"1","page":78},{"text":"- وفيه أيضا: عن عاتكة بنت جزء قالت: أتينا عبد الله بن مسعود فسألناه عن الدجال، قال لنا: لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال، أمور تكون من كبرائكم، فأيما مرية أو رجيل أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول السمت الأول فأما اليوم على السنة. (١)\n- وفي ذم الكلام عنه قال: يا أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثا فعليكم بالأمر الأول. (٢)\n- وفي الإبانة عنه قال: أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل. (٣)\n- وأخرج اللالكائي عن عبد الله بن مسعود قال: إياكم وما يحدث الناس من البدع، فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث له بدعا حتى يخرج الإيمان من قلبه، ويوشك أن يدع الناس ما ألزمهم الله من فرضه في الصلاة والصيام والحلال والحرام، ويتكلمون في ربهم ﷿ فمن أدرك ذلك الزمان فليهرب، قيل: يا أبا عبد الرحمن فإلى أين؟ قال: إلى لا أين. قال يهرب بقلبه ودينه لا يجالس أحدا من أهل البدع. (٤)\n- وعنه أيضا قال: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، إذا ترك منها شيء، قيل: تركت السنة، قيل متى ذلك يا أبا\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٩٧/١٠٧) وبنحوه في الدارمي (١/ ٧١).\n(٢) ذم الكلام (ص.١٣٦) والإبانة (١/ ٢/٣٢٩/ ١٨٠) والدارمي (١/ ٦١) والفقيه والمتفقه (١/ ٤٥٧) وانظر طبقات الحنابلة (١/ ٦٩) والباعث (ص.٦٧) والاستقامة (١/ ٥).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٩٩/ ٥٥٤).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ١٣٦ - ١٣٧/ ١٩٦) والحجة في بيان المحجة (١/ ٣١٢).","vol":"1","page":79},{"text":"عبد الرحمن؟ قال: ذلك إذا ذهب علماؤكم وكثرت جهالكم وكثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين. (١)\n- وروى الدارمي بسنده إلى بلاز بن عصمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول وكان إذا كان عشية ليلة الجمعة قام فقال: إن أصدق القول قول الله، وإن أحسن الهدي هدي محمد، والشقي من شقي في بطن أمه، وإن شر الروايا روايا الكذب وشر الأمور محدثاتها وكل ما هو آت قريب. (٢)\n- وفي الإبانة: عن ثابت بن قطبة قال: كان عبد الله بن مسعود يذكر كل عشية خميس، فيحمد الله ويثنى عليه ويقول: إن أحسن الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وشر الرواية رواية الكذب. وسمعته يقول: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة. وإن الله ﷿ لم يخلق في هذه الدنيا شيئا إلا وقد جعل له نهاية ينتهي إليه، ثم يزيد وينقص إلى يوم القيامة. وإن هذا الإسلام اليوم مقبل ويوشك أن يبلغ نهايته ثم يدبر وينقص إلى يوم القيامة، وآية ذلك أن تفشوا الفاقة وتقطع الأرحام حتى لا يخشى الغني إلا الفقر ولا يجد الفقير من يعطف عليه، وحتى إن الرجل ليشكو إلى أخيه وابن عمه وجاره غني لا يعود عليه بشيء، وحتى إن السائل ليطوف بين الجمعتين لا يوضع في يده شيء وذكر\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٠٣/١٢٣) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٦٥٤) والدارمي (١/ ٦٤). وانظر الاعتصام (١/ ١٠٨) والبدع والنهي عنها (ص.٧٨).\n(٢) الدارمي (١/ ٦٩) وما جاء في البدع (ص.٦٢ - ٦٣و٦٣) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٦٢) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ٩٣).","vol":"1","page":80},{"text":"الحديث. (١)\n- وأخرج اللالكائي عن عبد الله قال: يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا -يعني مفصل الأصبع- فإن تركتموهم جاءوا بالطامة الكبرى، وإنه لم يكن أهل كتاب قط إلا كان أول ما يتركون السنة وإن آخر ما يتركون الصلاة، ولولا أنهم يستحيون لتركوا الصلاة. (٢)\n\" التعليق على النصوص:\n١ - هذا ما عليه أصحاب البدع، تجد الجل منهم يرتكب أعظم الكبائر الصريحة في القرآن والسنة، وتجده يعيش بالربا الصريح، وتجده ديوثا في أهله وبناته لا يهمه من اختلط بهن، وأين ذهبن، وأين يأتين، ومع ذلك تجده بزعمه يتقرب بالبدع المنكرة، مثل المولد وغيره من البدع باسم التقرب إلى الله، ومحبة النبي - ﷺ -، انظر رحمك الله إلى هذه البلايا ما أعجبها وما أكثر تناقضها، ولكن المبتدعة كالأنعام بل هم أضل.\n٢ - قد وقع ما توقعه أبو عبد الرحمن من وقوع فتنة الشرك والبدعة، فليست هناك فتنة أعظم من البدعة والشرك، فرضي الله عنهم ما أغزر علمهم وما أبعد نظرهم.\n٣ - بدرت في وقتنا هذا بوادر سوء من أناس تكلمت بها ألسنتهم، وخطتها أقلامهم وتوقحوا على نشرها في كتبهم ومجلاتهم، ألا وهي: قولهم في تصنيف بعض السنن: هذا من الجزئيات، وهذا من القشور، وهذا من\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٢٧/ ١٧٣) وطرف منه في الشريعة (١/ ١٢٣ - ١٢٤/ ١٧) وأصول الاعتقاد (١/ ١٢١/١٥٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٠٢ - ١٠٣/ ١٢٢) والحاكم (٤/ ٥١٩) والإبانة (١/ ٢/٣٣١ - ٣٣٢/ ١٨٦).","vol":"1","page":81},{"text":"الأمور التافهة التي لا ينبغي أن يضيع الوقت في الدعوة إليها، ولا يدري هؤلاء الجهلة لوازم أقوالهم، فيمثلون دائما بالأكل باليمين وإعفاء اللحية ومع ذلك تجدهم متساهلين في البدع، متصادقين مع المبتدعة، وأحيانا يكونون منهم، فليرد هؤلاء على ابن مسعود، وليعتبروا أنفسهم أحسن منه عقلا وعلما، ولا أستبعد أن يؤدي ببعضهم الغرور إلى التجرء على ذلك.\n- روى الدارمي بسنده إلى عمر بن يحي قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا. فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا، ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة؟ فيكبرون مائة. فيقول: هللوا مائة؟ فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة؟ فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا. انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا","vol":"1","page":82},{"text":"أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم - ﷺ - متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. إن رسول الله - ﷺ - حدثنا أن قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم (١)، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو ابن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج. (٢)\n\" التعليق:\nهذا الموقف من أعظم الحجج على المبتدعة الذين يحاولون مغالطة الناس بتقسيم البدعة إلى حسنة وغير حسنة، فإن هذا الأمر الذي أنكره أبو موسى أول ما رآه، وابن مسعود بعد ما شاهده بالنسبة للبدع التي في زماننا أمر يسير، فلا أدري ماذا يكون موقفه لو شاهد الطامات الكبرى التي عليها مبتدعة أهل وقتنا والله المستعان.\nفصحابة رسول الله - ﷺ - سدوا المنافذ على المبتدعة في كل زمان، وحذروهم كل التحذير، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.\nانظر رحمك الله معي هذه القصة وتأملها ولا تغتر بمن طعن فيها، هذا أبو موسى يفزع مما رأى ويركض ليخبر أبا عبد الرحمن بالحادث الذي\n_________\n(١) أحمد (١/ ٤٠٤) والترمذي (٤/ ٤١٧ - ٤١٨/ ٢١٨٨) وقال: \"حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٥٩/١٦٨).\n(٢) الدارمي (١/ ٦٨ - ٦٩) ورواه الطبراني (٩/ ١٣٦/٨٦٣٦) مختصرا، وبنحوه عند ابن وضاح في البدع (ص.٤٠). وانظر مجمع الزوائد (١/ ١٨١) والباعث على إنكار البدع والحوادث (ص.٦٣ - ٦٥) والاعتصام (١/ ١٧٥) والاقتضاء (٢/ ٦٣٣).","vol":"1","page":83},{"text":"شاهده، ويفزع أبو عبد الرحمن مما سمعه من أبي موسى فيعطيه الحكم مسبقا قبل أن يشاهد ما أفزع أبا موسى، ويأتي ويقف على الحلقة ويسألهم عن مقصود فعلهم هذا، فيخبرونه فيجيبهم الجواب المقنع، ويبين لهم استعجالهم بالبدعة، مع وجود من يقتدى به بين أظهرهم من صحابة رسول الله - ﷺ -، وسنة الرسول - ﷺ - ما تزال غضة طرية لم تبل ولم تتغير ولا تزال ولله الحمد كذلك إلى قرننا هذا غضة طرية محفوظة بحفظ الله لها، والله المستعان.\n- روى ابن وضاح عن أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال: مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به، فقطعه وألقاه ثم مر برجل يسبح بحصى، فضربه برجله ثم قال: لقد سبقتم ركبتم بدعة ظلما، ولقد غلبتم أصحاب محمد - ﷺ - علما!! (١)\nوفي أصول الاعتقاد: عن عبد الله بن مسعود قال: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا، إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإن كنتم لابد مقتدين، فبالميت فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. (٢)\n\" التعليق:\nورد عن ابن مسعود أقوال وأفعال تدل على بغضه للتقليد الأعمى الذي يرمي صاحبه في الهاوية. وما هلك المسلمون وأصابهم ما أصابهم إلا بهذا الداء العضال. فبعد الناس عن قال الله قال رسوله، وأصبحت الحجة\n_________\n(١) ابن وضاح (ص.٤٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٠٥/١٣٠) والطبراني (٩/ ١٦٦/٨٧٦٤) وأورده الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٠) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨٨) وروى الخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ١٣١ - ١٣٢) الطرف الأول منه وفي (١/ ٤٣٨) بنحوه. والاعتصام (٢/ ٨٧٦) وإعلام الموقعين (٢/ ١٩٥).","vol":"1","page":84},{"text":"عندهم في أقوال المتأخرين الذين متنوا لهم متونا، ونظموا لهم مسائل، فتجد أحدهم يحفظ من هذا الشيء الكثير، ولكن لا يعرف ما في صحيح البخاري ومسلم والموطأ، أو على الأقل: بلوغ المرام أو عمدة الأحكام. ولهذا إذا نزل بأحدهم نازلة فزع إلى ما عنده من النثر أو النظم وجعله حجة في دينه، وإذا قلت: المسألة على خلاف الحديث، يثور عليك ويفزع إلى حجة باطلة، وهي قوله: من بقي من الناس يفهم القرآن والحديث؟ مع أنه إذا أخذ مختصرا من هذه المختصرات، احتاج في تعلمه إلى سنين حتى يفهم المتن بواسطة الشرح الصغير والمتوسط والكبير، وحاشية فلان وفلان، وقد يمضي طول عمره ما يعرف دليلا من الكتاب والسنة، فلذا تجد من هذه الأنواع من أفنى عمره في المتون والحواشي، وتجده يوم المشاهد والقبور بنذره وهداياه، طالبا القوت منهم والنفع ودفع الضر، وبالتالي سلط الله على المسلمين عدوهم، فاستباح بيضتهم وحرمتهم، وجعلهم يمشون وراءه في كل صغيرة وكبيرة إلا من جعله الله من الطائفة المنصورة. فرضي الله عن ابن مسعود الذي حذر هذه الأمة من الوقوع في هذه الورطة.\n- وجاء في صيانة الإنسان عن ابن مسعود قال: أنتم في زمان: خيركم المسارع في الأمور. وسيأتي زمان بعدكم: خيرهم فيه المتثبت المتوقف لكثرة الشبهات. (١)\n\" التعليق:\nرضي الله عن هذا الإمام وسائر إخوانه من سلفنا الصالح الذين ما\n_________\n(١) صيانة الإنسان (ص.٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"1","page":85},{"text":"تركوا باب شر إلا وسدوه في وجوه المبتدعة على اختلاف أنواعهم، فكم ألقى الملاحدة من شبه سخيفة على ضعاف المسلمين لتشكيكهم في ربهم ونبليهم ودينهم. وكم ألقى المبتدعة من الشبه التي لا حصر لها لصرف وجوه الناس إليهم، وقد افتتن بها خلق كثير من ضعاف المعرفة الذين أعرضوا عن مثل هذه النصائح الغالية، إذ لو طلبوا الحكم الشرعي بدليله في النازلة التي تحيق بهم، والشبه التي تعرض لهم، لما انطلت عليهم هذه الأفكار الكاسدة في سوق المعرفة، ولا كان لها رواج بينهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n\n- وعن مسروق عن ابن مسعود قال: ليس عام إلا والذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم يحدث أقوام يقيسون الأمور بآرائهم فيهدم الإسلام ويثلم. (١)\n- وفي الفتح: عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالا يفيده ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فعند ذلك يهلكون.\n- وعن مسروق عنه قال: لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان\n_________\n(١) الدارمي (١/ ٦٥) والطبراني في الكبير (٩/ ١٠٩/٨٥٥١) ابن وضاح (ص.٧٦) وابن عبد البر في الجامع (٢/ ١٠٤٣) والهروي في ذم الكلام (ص.٨٩) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٤٥٦ - ٤٥٧).","vol":"1","page":86},{"text":"قبله؛ أما إني لا أعني أميرا خيرا من أمير، ولا عاما خيرا من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا، ويجيء قوم يفتون برأيهم -وفي لفظ عنه من هذا الوجه- وما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه. (١)\n- روى الدارمي بسنده إلى ابن مسعود وحذيفة أنهما كانا جالسين، فجاء رجل فسألهما عن شيء، فقال ابن مسعود لحذيفة: لأي شيء ترى يسألوني عن هذا؟ قال: يعلمونه ثم يتركونه، فأقبل إليه ابن مسعود فقال: ما سألتمونا عن شيء من كتاب الله تعالى نعلمه أخبرناكم به، أو سنة من نبي الله - ﷺ - أخبرناكم به ولا طاقة لنا بما أحدثتم. (٢)\n- وجاء في صيانة الإنسان: قال عمرو بن ميمون الأودي، صحبت معاذا باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لميقاتها، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، (٣) قال: قلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثونا، قال وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة وصل\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٢١).\n(٢) الدارمي (١/ ٤٦) وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٢٥٢ مختصرا).\n(٣) أحمد (١/ ٣٧٩) ومسلم (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩/ ٥٣٤ [٢٦]) موقوفا. وأبو داود (١/ ٣٠٠/٤٣٢) والنسائي (٢/ ٤١٠/٧٧٨) وابن ماجه (١/ ٣٩٨/١٢٥٥).","vol":"1","page":87},{"text":"مع الجماعة وهي النافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الناس الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. قال نعيم بن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك ما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ. (١)\n\" التعليق:\nلم يكن ابن مسعود يزن الأمور بكثرة العدد وقلته، ولكن يلتزم بالحق ولو كان واحدا. فذكر الجماعة والحض عليها ليس معناه ما عليه السواد الأعظم الذين هم أتباع كل ناعق من مبتدعة وأصحاب عقائد فاسدة، ولكن خلاصة البشر الذين التزموا بالسنة في أقوالهم وأفعالهم، وانتهجوا نهج السلف الصالح، ورضوا مسلكهم ورفضوا كل ما لم يكونوا عليه، وجعلوا السلف الذين في مقدمتهم الصحابة هم الميزان في معرفة الحق والخلق.\n\n- وفي فتح البر عن رجل من عبس، أن ابن مسعود رآى رجلا يضحك في جنازة، فقال: تضحك وأنت في جنازة؟ والله لا أكلمك أبدا. (٢)\n- وأخرج ابن بطة في الإبانة عن جعفر بن برقان، قال: حدثني بعض أصحابنا أن رجلا من حمير كان يتعلم القرآن عند ابن مسعود، فقال له نفر\n_________\n(١) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص.٩١ - ٩٢) وتاريخ دمشق (٤٦/ ٤٠٨ - ٤٠٩) وذكره صاحب صيانة الإنسان (ص.٣٠٩ - ٣١٠).\n(٢) فتح البر (١/ ١٧٩).","vol":"1","page":88},{"text":"من قريش: لو أنك لم تعلم القرآن حتى تعرف، فذكر ذلك الحميري لابن مسعود، فقال: بلى فتعلمه فإنك اليوم في قوم كثير فقهاؤهم قليل خطباؤهم، كثير معطوهم قليل سؤالهم، يحفظون العهود ولا يضيعون الحدود، والعمل فيه قائد للهوى، ويوشك أن يأتي عليكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه كثير سؤاله قليل معطوه، يحفظون الحروف ويضيعون الحدود، والهوى فيه قائد للعمل. قال الحميري: وليأتين علينا زمان يكون فيه الهوى قائدا للعمل؟ قال ابن مسعود: نعم، قال: فمتى ذلك الزمان؟ قال: إذا أميتت الصلاة وشيد البنيان وظهرت الأيمان واستخف بالأمانة وقبلت الرشا فالنجاة النجاة، قال: فأفعل ماذا؟ قال: تكف لسانك وتكون حلسا من أحلاس بيتك، قال: فإن لم أترك؟ قال: تسأل دينك ومالك فأحرز دينك وابذل مالك، قال: فإن لم أترك، قال: تسأل دينك ودمك فأحرز دينك وابذل دمك، قال: قتلتني يا ابن مسعود، قال: هو القتل أو النار، قال: فمن خير الناس في ذلك الزمان؟ قال: غني مستخفي، قال: فمن شر الناس في ذلك الزمان؟ قال: الراكب الموضع المستقع. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن الأسود بن هلال قال: قال عبد الله: إن أحسن الهدي هدي محمد - ﷺ - وإن أحسن الكلام كلام الله، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فكل محدث ضلالة وكل ضلالة في النار، وأتى بصحيفة فيها حديث قال: فأمر بها فمحيت ثم غسلت ثم أحرقت ثم قال: بهذا هلك أهل\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٥٩٠ - ٥٩١/ ٧٥٠) وابن الضريس في فضائل القرآن (ص.٢٧) والفريابي في فضائل القرآن (ص.٢٠٢ - ٢٠٣) ومالك في الموطأ مختصرا (١/ ١٧٣/٨٨) والحوادث والبدع (ص.٩٨).","vol":"1","page":89},{"text":"الكتاب قبلكم، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، أنشدت الله رجلا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أني أعلم أنها بدير هند لتبلغت إليها. (١)\n- وجاء في ذم الكلام عن مرة الهمداني أن أبا قرة الكندي أتى ابن مسعود بكتاب فقال: إني قرأت هذا بالشام فأعجبني فإذا هو كتاب من كتب أهل الكتاب، فقال عبد الله: إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتاب الله. فدعا بطست وماء فوضعه فيه وأماثه (٢) بيده حتى رأيت سواد المداد. (٣)\n- وفي السير: عن أبي وائل أن ابن مسعود رأى رجلا قد أسبل، فقال: ارفع إزارك، فقال: وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك، قال: إن بساقي حموشة وأنا أؤم الناس. فبلغ ذلك عمر، فجعل يضرب الرجل، ويقول: أترد على ابن مسعود؟ (٤)\n- وفيها: عن زيد بن وهب قال: لما بعث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالمجيء إلى المدينة، اجتمع إليه الناس، فقالوا: أقم فلا تخرج، ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه. فقال: إن له علي طاعة، وإنها ستكون أمور وفتن لا أحب أن أكون أول من فتحها. فرد الناس وخرج إليه. (٥)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٨٦/٨٥).\n(٢) أماثه: مسحه.\n(٣) ذم الكلام (ص.٣٥).\n(٤) سير إعلام النبلاء (١/ ٤٩١ - ٤٩٢) والإصابة (٦/ ٢١٧).\n(٥) السير (١/ ٤٨٩).","vol":"1","page":90},{"text":"- وجاء في الإبانة: قال عبد الله: يأتي على الناس زمان يمتلئ فيه جوف كل امرئ شرا حتى يجري الشر، ولا يجد مفصلا ولا يجد جوفا يلج فيه. (١)\nقال ابن بطة عقبه: لا جعلنا الله وإياكم من أهل الشر ولا جعل لأهل الشر علينا سبيلا.\n- وفيها: عن عمرو بن مرة قال: قال عبد الله: إنها ستكون أمور مشتبهة فعليكم بالتؤدة فإن الرجل يكون تابعا في الخير خير من أن يكون رأسا في الضلالة. (٢)\n- وفيها: عن أبي وائل قال: قال عبد الله: ذهب صفو الدنيا فلم يبق إلا الكدر، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم، فقال الرجل الذي حدثه أبو وائل: سمعت عبد الله يقول: ما شبهت الدنيا إلا بالتعب يسري صفوه ويبقى كدره ولن يزالوا بخير ما إذا حز في نفس الرجل وجد من هو أعلم فمشى إليه فسقاه وايم الله ليوشكن أن تلتمس ذلك فلا تجده. (٣)\n- وفيها: عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: ليوطنن المرء نفسه على أنه إن كفر من في الأرض جميعا لم يكفر ولا يكونن أحدكم إمعة، قيل: وما الإمعة؟ قال: الذي يقول أنا مع الناس، إنه لا إسوة في الشر. (٤)\n- وفيها: عن علقمة بن قيس قال: قال عبد الله: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قال: فبلغ\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٥٧٥/ ٧٢٣).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣٢٨/ ١٧٧) وما جاء في البدع (ص.١٦٩).\n(٣) الإبانة (١/ ١/١٨٧ - ١٨٨/ ٢٣).\n(٤) الإبانة (١/ ١/١٩٣ - ١٩٤/ ٢٩).","vol":"1","page":91},{"text":"ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب -كانت تقرأ القرآن- فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أراك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات للحسن المغيرات خلق الله، فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله - ﷺ - (١) وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين اللوحين -المصحف- فما وجدته، قال: أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢). زاد ابن عبد البر في الجامع: قالت: بلى. قال فإنه قد نهى عنه رسول الله - ﷺ - قالت: إني لأظن أهلك يفعلون بعض ذلك. قال: فاذهبي فانظري قال: فدخلت فلم تر شيئا قال: فقال عبد الله: لو كانت كذلك لم نجامعها. (٣)\n- وفيها: عن عبد الله بن عون، عن محمد، قال: كانوا لا يختلفون، عن ابن مسعود في خمس: إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير السنة سنة محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وإن أكيس الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور. (٤)\n- وفيها: عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في خطبته: إن أصدق الحديث كلام الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم،\n_________\n(١) أحمد (١/ ٤٥٤) والبخاري (٨/ ٨١٢/٤٨٨٦) ومسلم (٣/ ١٦٧٨/٢١٢٥) وأبو داود (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨/ ٤١٦٩) والترمذي (٥/ ٩٦ - ٩٧/ ٢٧٨٢) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". النسائي (٨/ ٥٢٣ - ٥٢٤/ ٥١١٤) وابن ماجه (١/ ٦٤٠/١٩٨٩).\n(٢) الحشر الآية (٧).\n(٣) الإبانة (١/ ١/٢٣٦ - ٢٣٧/ ٦٨) وجامع بيان العلم (٢/ ١١٨٢) والكفاية (ص.١٢).\n(٤) الإبانة (١/ ٢/٣٢٤ - ٣٢٥/ ١٧٠) وشطره الأول في البخاري (الفتح ١٣/ ٢٤٩/٧٢٧٧).","vol":"1","page":92},{"text":"وأحسن القصص هذا القرآن، وأحسن السنن سنة محمد - ﷺ -، وأشرف الحديث ذكر الله، وخير الأمور عزائمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف القتل موت الشهداء، وأغر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب. وذكر الخطبة بطولها. (١)\n- وفيها: عن عطاء بن السائب، عن بعض أصحابه، عن عبد الله، قال: الزموا الجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد - ﷺ - على ضلالة، الزموا الجماعة حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر. (٢)\n- وفيها: عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري والشعبي، قالا: قال عبد الله: عليكم بالطريق فلئن لزمتموه لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن خالفتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. (٣)\n- وفيها: سئل عبد الله، عن مسألة فيها لبس، فقال عبد الله: أيها الناس إن الله قد أنزل أمره وبيناته فمن أتى الأمر من قبل وجهه فقد بين له، ومن خالف فوالله ما نطيق خلافكم. (٤)\n- وفيها: عن الحارث بن قيس، قال: قال لي عبد الله: يا حارث، تريد أن تسكن وسط الجنة؟ عليك بهذا السواد الأعظم. (٥)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٢٦ - ٣٢٧/ ١٧٢).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣٣١/ ١٨٤).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٣٣٢/ ١٨٧).\n(٤) الإبانة (١/ ٢/٣٣٢/ ١٨٨).\n(٥) الإبانة (١/ ٢/٣٣٣/ ١٩١).","vol":"1","page":93},{"text":"- وفيها: عن مسروق، عن عبد الله، قال: إنكم في زمان العمل فيه خير من الرأي، وسيأتي زمان الرأي فيه خير من العمل يعني بالسنة. (١)\n- وفيها: وقال ابن مسعود: من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون. (٢)\n- وقال أيضا: إذا أراد الله بعبد خيرا سدده وجعل سؤاله عما يعنيه وعلمه فيما ينفعه. (٣)\n- وعن قتادة قال: قال ابن مسعود: عمل قليل في سنة، خير من عمل كثير في بدعة. (٤)\n- وعن أبي إسحاق، قال: قال عبد الله بن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم، فإن المرء لا يخادن إلا من يعجبه. (٥)\n- وفيها عن ثابت أن ابن مسعود، قال: لو أن الناس جمعوا في صعيد واحد كلهم مؤمن وفيهم كافران تألف أحدهما إلى صاحبه، ولو أن الناس جمعوا إلى صعيد واحد كلهم كافر وفيهم مؤمنان تألف أحدهما إلى صاحبه. (٦)\nوفيها أيضا عن عبد الله بن مسعود قال: الأرواح جنود مجندة تلتقي تتشاءم كما تتشاءم الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٣٣ - ٣٣٤/ ١٩٣).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٤١٨/ ٣٣٦) وذم الكلام (ص.٨٨).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٤١٩/ ٣٣٧).\n(٤) الإبانة (١/ ٢/٣٥٧/ ٢٤٥).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٤٣٩/ ٣٧٦).\n(٦) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٥/ ٤٢٧).","vol":"1","page":94},{"text":"ولو أن مؤمنا دخل مسجدا فيه مئة ليس فيهم إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه، ولو أن منافقا دخل مسجدا فيه مئة ليس فيهم إلا منافق واحد لجاء حتى يجلس إليه. (١)\nقال ابن بطة عقبه: وكذا قالت شعراء الجاهلية .. قال طرفة:\nتعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقى وخليل\n- وفيها: عن هبيرة عن عبد الله قال: إنما يماشي الرجل ويصاحب من يحبه ومن هو مثله. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن سعيد بن وهب قال: قال عبد الله: لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من قبل كبرائهم فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم هلكوا. (٣)\n- ونقل الخطيب عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كثر الناس على عبد الله بن مسعود يسألونه، فقال: يا أيها الناس إنه قد أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هناك، وإنه قد قدر أن بلغنا من الأمر ما ترون، فمن ابتلي منكم بقضاء، فليقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله، فليقض بما قضى به النبي - ﷺ -، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله - ﷺ -، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله، ولا في قضاء رسول الله - ﷺ -، ولا فيما قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقولن أحدكم إني\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٥ - ٤٥٦/ ٤٢٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٦/ ٤٩٩).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ٩٤/١٠١) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٦١٦/١٠٥٧) والمدخل للبيهقي (١/ ٢٤٦/٢٧٥).","vol":"1","page":95},{"text":"أخاف وإني أرى، فإن الحلال بين والحرام بين وشبهات بين ذلك، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. (١)\n- وجاء في الشريعة عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين ينادون: يا عبد الله هلم هذا الصراط ليصدوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله هو كتاب الله. (٢)\nوجاء في إعلام الموقعين (٣): وقال: ما علمك الله في كتابه فاحمد الله، وما استأثر به عليك من علم فكله إلى عالمه، ولا تتكلف، فإن الله ﷿ يقول لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. (٤)\n- وجاء في مجموع الفتاوى عن ابن مسعود قال: من سئل عن شيء فليفت بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله، فإن لم يكن فبما اجتمع عليه الناس.\n- وقال شيخ الإسلام: وكذلك روى نحوه عن ابن عباس وغيره، ولذلك قال العلماء: الكتاب والسنة والإجماع، وذلك أنه أوجب طاعتهم إذا لم يكن نزاع ولم يأمر بالرد إلى الله والرسول إلا إذا كان نزاع. (٥)\n- وقال: وكان ابن مسعود -وهو أعلم من كان بالعراق من الصحابة إذ ذاك- يفتي بالفتيا، ثم يأتي المدينة فيسأل علماء أهل المدينة، فيردونه عن\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٩٣).\n(٢) الشريعة (١/ ١٢٣/١٦) والإبانة (١/ ٢/٢٩٨ - ٢٩٩/ ١٣٥).\n(٣) (١/ ٥٧).\n(٤) ص الآية (٨٦).\n(٥) الفتاوى (٢٠/ ٤٩٨ - ٤٩٩).","vol":"1","page":96},{"text":"قوله فيرجع إليهم، كما جرى في مسألة أمهات النساء، لما ظن ابن مسعود أن الشرط فيها وفي الربيبة، وأنه إذا طلق امرأته قبل الدخول حلت أمها كما تحل ابنتها، فلما جاء إلى المدينة وسأل عن ذلك أخبره علماء الصحابة أن الشرط في الربيبة دون الأمهات. فرجع إلى قولهم، وأمر الرجل بفراق امرأته بعد ما حملت. (١)\n- وروى ابن وضاح في كتاب البدع: عن عبد الله بن المبارك ويوسف ابن أسباط قالا: قال عبد الله بن مسعود: إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا من أوليائه يذب عنها وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكلوا على الله. قال ابن المبارك وكفى بالله وكيلا. (٢)\n- وفيه: عن حارثة بن مضرب: إن الناس نودي فيهم بعد نومة أنه من صلى في المسجد الأعظم دخل الجنة. فانطلق النساء والرجال حتى امتلأ المسجد قياما يصلون: قال أبو إسحاق: إن أمي وجدتي فيهم. فأتي ابن مسعود فقيل له: أدرك الناس. قال: ما لهم؟ قيل: نودي فيهم بعد نومة أنه من صلى في المسجد الأعظم دخل الجنة. فخرج ابن مسعود يشير بثوبه: ويلكم. اخرجوا لا تعذبوا، إنما هي نفخة من الشيطان، إنه لم ينزل كتاب بعد نبيكم ولا ينزل بعد نبيكم. فخرجوا وجلسنا إلى عبد الله فقال: إن الشيطان إذا أراد أن يوقع الكذب انطلق فتمثل رجلا ثم يلقى آخر فقال له: أما بلغك الخبر؟ فيقول الرجل: وما ذاك؟ فيقول: كان من الأمر كذا وكذا،\n_________\n(١) الفتاوى (٢٠/ ٣١٢).\n(٢) ما جاء في البدع (ص.٣٣).","vol":"1","page":97},{"text":"فانطلق فحدث أصحابك. قال: فينطلق الآخر فيقول: لقد لقيت رجلا إني لأتوهمه أعرف وجهه، زعم أنه كان من الأمر كذا وكذا، وما هو إلا الشيطان. (١)\n- وفيه: عن مسلم بن أبي عمران الأشعري أن عبد الله بن عمر أتى عبد الله بن مسعود وهو قائم يقص على أصحابه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد - ﷺ - في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد وعن يساره جواد وعليها رجال يدعون من مر بهم: هلم لك، هلم لك، فمن أخذ منهم في تلك الطرق انتهت به إلى النار، ومن استقام على الطريق الأعظم انتهى به إلى الجنة. ثم تلا ابن مسعود هذه الآية وَأَنَّ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢) الآية كلها. (٣)\n- وفيه أيضا: عن الحسن: أن رجلا أتى أبا موسى الأشعري وعنده ابن مسعود فقال: أرأيت رجلا خرج بسيفه غضبا لله تعالى فقاتل حتى قتل، أين هو؟ فقال أبو موسى: في الجنة. فقال ابن مسعود: أيها المفتي، سل صاحبك على سنة ضرب أم على بدعة؟ قال الحسن: فإذا بالقوم قد ضربوا بأسيافهم على البدع. (٤)\n- وأخرج ابن وضاح بسنده إلى علقمة عن عبد الله قال: إذا التمست\n_________\n(١) ما جاء في البدع (ص.٣٩ - ٤٠).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) ما جاء في البدع (ص.٧٤ - ٧٥).\n(٤) ما جاء في البدع (ص.٧٩ - ٨٠).","vol":"1","page":98},{"text":"الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين ظهرت البدع. (١)\n- وأخرج أيضا عن عبد الله قال: أتدرون كيف ينقص الإسلام؟ قالوا: نعم كما ينقص صبيغ الثوب، وكما ينقص سمن الدابة، قال عبد الله: ذلك منه. (٢)\n- وعنه قال: يأتي على الناس زمان تكون السنة فيه بدعة والبدعة سنة، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، وذلك إذا اتبعوا واقتدوا بالملوك والسلاطين في دنياهم. (٣)\n- وفيه أيضا: وقال: ما أشبه علماء زمانكم إلا كرجل رعى غنمه الحمض، حتى إذا أريحت بطونها وانتفخت أحقاؤها اعتام أفضلها في نفسه، فإذا هي لا تنقي، وما بقي من الدنيا إلا كالشيء شرب صفوه وبقي كدره. (٤)\n\" الغريب:\nالحمض: قال في اللسان: الحمض من النبات: كل نبت مالح أو حامض يقوم على سوق ولا أصل له.\nوقال اللحياني: كل ملح أو حامض من الشجر كانت ورقته حية إذا غمزتها انفقأت بماء .. ومن الأعراب من يسمي كل نبت فيه ملوحة حمضا. (٥)\nأريحت: بمعنى انتفخت واتسعت.\n_________\n(١) ما جاء في البدع (ص.٨٨).\n(٢) ما جاء في البدع (ص.١٤٣ - ١٤٤).\n(٣) ما جاء في البدع (ص.١٧١).\n(٤) ما جاء في البدع (ص.١٧٢).\n(٥) اللسان (٧/ ١٣٨).","vol":"1","page":99},{"text":"أحقاؤها: جمع، مفرده حقو وهو الخصر ومشد الإزار. (١)\nاعتام: قال في النهاية: قال الأزهري: أرباب النعم في البادية يريحون الإبل ثم ينيخونها في مراحها حتى يعتموا: أي يدخلوا في عتمة الليل وهي ظلمته. (٢) وقال في اللسان: وأصل العتم في كلام العرب المكث والاحتباس. قال ابن سيده: والعتمة: بقية اللبن يفيق بها النعم في تلك الساعة. (٣)\nوفيه: وأهل البادية يريحون نعمهم بُعَيد المغرب وينيخونها في مراحها ساعة يستفيقونها فإذا أفاقت وذلك بعد مر قطعة من الليل أثاروها وحلبوها وتلك الساعة تسمى عتمة. (٤)\nلا تنقي: من النِّقي وهو المخ: أي لا مخ لها لضعفها وهزالها. (٥) انتهى.\n\n- وفي مقدمة ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: إذا حدثتكم عن رسول الله - ﷺ - فظنوا برسول الله - ﷺ - الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه. (٦)\n- وأخرج عبد الله بن أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحب القرآن فهو يحب الله، فإنما القرآن كلام الله. (٧)\n_________\n(١) انظر الصحاح (٦/ ٢٥٣).\n(٢) النهاية (٣/ ١٨٠).\n(٣) اللسان (١٢/ ٣٨٢).\n(٤) اللسان (١٢/ ٣٨٢).\n(٥) انظر اللسان (١٥/ ٣٤٠).\n(٦) مقدمة ابن ماجه (ص.١٩).\n(٧) السنة لعبد الله (ص.٢٨).","vol":"1","page":100},{"text":"- وجاء في ذم الكلام: عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الله قال: لا تختلفوا في القرآن ولا تنازعوا فيه فإنه لا يختلف لكثرة الرد، ألا ترون أن شرائع الإسلام فيه واحدة حدودها وفرائضها وأمر الله فيها؟ فلو كان شيء من الحرفين يأمر بشيء نهى عنه الآخر كان ذلك اختلافا ولكنه جامع ذلك كله. (١)\nوقال عبد الله: إن للقرآن منارا كمنار الطرق فما عرفتم فتمسكوا به وما أشكل عليكم فردوه إلى عالمه. (٢)\n- وعن الشعبي قال: قال ابن مسعود: إياكم وأرأيت أرأيت، فإنما أهلك من كان قبلكم أرأيت، ولا تقيسوا شيئا بشيء فتزل قدم بعد ثبوتها، وإذا سئل أحدكم عما لا يدري فليقل: لا أعلم، فإنه ثلث العلم. (٣)\n- وجاء في ذم الكلام: عن معاوية بن سلمة البصري عن ابن مسعود قال: لا تمكن صاحب هوى من أذنيك فيقذف فيهما داء لا شفاء له. قال: وقال مصعب بن سعد: إما يمرض قلبك لتتابعه، وإما أن يؤذيك قبل أن تفارقه. (٤)\n- وجاء في السير عن ابن مسعود قال: جاهدوا المنافقين بأيديكم، فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم، فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم،\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٦١) والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١/ ٢٢٧٠).\n(٢) ذم الكلام (ص.٦٤) وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٩) والبيهقي في الشعب (٢/ ٤١٨/٢٢٦٤).\n(٣) الطبراني في الكبير (٩/ ١٠٩/٨٥٥٠) وذم الكلام (ص.٨٨) وهو في إعلام الموقعين (١/ ٥٧).\n(٤) ذم الكلام (٤/ ٢٤ - ٢٥ طبعة الأنصاري).","vol":"1","page":101},{"text":"فافعلوا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>موقفه من المشركين:</span>\n- عن امرأة عبد الله بن مسعود قالت: جاء عبد الله ذات يوم وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطا، فقال: ما هذا الخيط؟ قلت: خيط رقي لي فيه رقية، فأخذه وقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن في الرقى والتمائم والتولة شركا\" قالت: فقلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت، قال: إنما ذاك من عمل الشيطان، كان ينخسها بيده فإذا رقيتها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله - ﷺ -: \"أذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما\". (٢)\n\" التعليق:\nفرضي الله عن هذا الصحابي الجليل، لقد أجاب في هذا الموقف عن شبه يضعها دعاة الشرك، والقبورية، يقولون: إذا كان هؤلاء المقبورون لا ينفعون ولا يضرون فما بال هؤلاء الذين يحملون إلى المقبورين مرضى ويرجعون أصحاء؟ فالجواب في فعل عبد الله مع أهله رضي الله عن الجميع.\n_________\n(١) السير (١/ ٤٩٧).\n(٢) أحمد (١/ ٣٨١) وأبو داود (٤/ ٢١٢ - ٢١٣/ ٣٨٨٣) وابن ماجه (٢/ ١١٦٦ - ١١٦٧/ ٣٥٣٠) وصححه ابن حبان (١٣/ ٤٥٦/٦٠٩٠) والحاكم (٤/ ٤١٧ - ٤١٨) على شرط الشيخين.","vol":"1","page":102},{"text":"- وعنه ﵁ أنه قال: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا. (١)\n\" التعليق:\nحاشا ابن مسعود ﵁ أن يكون محبا للكذب مطلقا، بله أن يكون يمينا غموسا، وإنما مراده ﵁ أن يبين خطر الشرك، وأن جرمه أعظم من جرم الكذب، مع أن كليهما ذنب عظيم لا ينبغي الاستهانة به، فليتنبه!!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن قتادة قال: قال ابن مسعود: من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد - ﷺ -، فانهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، قوما اختارهم الله لصحبة نبيه - ﷺ -، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، فانهم كانوا على الهدى المستقيم. (٢)\n- عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فبعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد،\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق (١٥٩٢٩) والطبراني في الكبير (٨٩٠٢).\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في الجامع (٢/ ٩٤٧) والهروي في ذم الكلام (١٨٨) وانظر شرح السنة للبغوي (١/ ٢١٤) والاعتصام للشاطبي (٢/ ٨٥٢) ومنهاج السنة (٢/ ٧٦ - ٧٧) و(٦/ ٨١). ومجموع الفتاوى (٣/ ١٢٦) وإعلام الموقعين (٤/ ١٣٩).","vol":"1","page":103},{"text":"فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه. فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح. (١)\n- وأخرج أبو عبيد ويعقوب بن شيبة عن ابن مسعود قال: لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد - ﷺ - وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا.\nقال أبو عبيدة: معناها أن كلما جاء عن الصحابة وكبار التابعين لهم بإحسان، هو العلم الموروث، وما أحدثه من جاء بعدهم هو المذموم. (٢)\n- جاء في الشريعة: عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود -﵀- قال: كان إسلام عمر بن الخطاب -﵁- عزا، وكانت هجرته نصرا، وكانت خلافته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي ظاهرين حتى أسلم عمر، وإني لأحسب أن بين عيني عمر ملكا يسدده؛ فإذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر. (٣)\n- وعن أبي وائل قال: قدم علينا عبد الله بن مسعود؛ فنعى إلينا عمر\n_________\n(١) الطيالسي في المسند (٢٤٦) والطبراني في الكبير (٩/ ١١٢ - ١١٣/ ٨٥٨٣) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٤٢٢) والبغوي في شرح السنة (١/ ٢١٤ - ٢١٥)، وأخرجه: الإمام أحمد في المسند ١/ ٣٧٩. والطبراني في الكبير (٩/ ١١٢/٨٥٨٢) عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله به. وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند: \"اسناده صحيح\" وهو في مجمع الزوائد (١/ ١٧٧ - ١٧٨)، وقال الهيثمي: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون\".\n(٢) رواه الطبراني في الكبير (٩/ ١٢٠/٨٥٨٩) وعبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢٤٦/٢٠٤٤٦). وابن عبد البر في الجامع (١/ ٦٠٧) وانظر فتح الباري (١٣/ ٢٩١) وطبقات الحنابلة (١/ ٦٩) مختصرا. والاعتصام (٢/ ٦٨٢) والحوادث والبدع (ص.٧٩).\n(٣) الشريعة (٢/ ٤٥٧/١٢٦٧).","vol":"1","page":104},{"text":"-﵁- فلم أر يوما أكثر باكيا حزينا منه، ثم قال عبد الله: والذي نفسي بيده، لو أني أعلم أن عمر كان يحب كلبا لأحببته، وإنا أصحاب محمد - ﷺ - أجمعنا فبايعنا عثمان، فلم نألوا عن خيرنا وأفضلنا، ذا فوق. (١)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان عن ابن مسعود: أنه مر على رجلين في المسجد قد اختلفا في آية من القرآن قال أحدهما: أقرأنيها عمر وقال آخر: أقرأنيها أبي فقال ابن مسعود: اقرأ كما أقرأكها عمر ثم هملت عيناه حتى بل الحصى وهو قائم. ثم قال: إن عمر كان حائطا كنيفا يدخلون المسلمون ولا يخرجون منه، فمات عمر فانثلم الحائط فهم يخرجون ولا يدخلون، ولو أن كلبا أحبه عمر لأحببته، وما أحببت أحدا حبي لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح بعد نبيي - ﷺ - حبي لهؤلاء الثلاثة. (٢)\n- أخرج ابن وضاح بسنده إلى زيد بن وهب عن ابن مسعود قال: كان عمر بن الخطاب حائطا حصينا على الإسلام يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فانثلم الحائط والناس خرجوا منه ولا يدخلون فيه (٣).\n- وجاء في المنهاج: قال ابن مسعود لما مات عمر: إني لأحسب هذا قد ذهب بتسعة أعشار العلم، وشارك الناس في العشر الباقي. (٤)\n- وفيه: قال ابن مسعود: كان عمر إذا فتح لنا بابا دخلناه فوجدناه سهلا. أتي في زوج وأبوين وامرأة وأبوين، فقال: للأم ثلث الباقي. ثم إن\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ١١/١٢٧٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤١٦/٢٥٤٤).\n(٣) ما جاء في البدع (ص.١٥٦).\n(٤) المنهاج (٧/ ٥٢٤).","vol":"1","page":105},{"text":"عثمان وعليا وابن مسعود وزيدا اتبعوه. (١)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن النزال بن سبرة عن عبد الله بن مسعود قال: لما أمر عثمان قال عبد الله بن مسعود: لقد أمرنا خير من بقي ولم نأل. (٢)\n- وفيه: عن شقيق عن عبد الله قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أبي كنف قال: قال عبد الله: من حلف بالقرآن فعليه بكل آياته يمين، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم قال: فقال عبد الله: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع. (٤)\n- قال عبد الله بن مسعود: القرآن كلام الله فمن رد منه شيئا فإنما يرد على الله. (٥)\n- وأخرج عبد الله بن أحمد بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحب القرآن فهو يحب الله فإنما القرآن كلام الله. (٦)\n- وعنه قال: قال إن أحسن الكلام كلام الله. (٧)\n_________\n(١) المنهاج (٧/ ٥٢٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٢٣ - ١٤٢٤/ ٢٥٥٥) ونحوه في المنهاج (٨/ ٢٢٧).\n(٣) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣١٠ - ١٣١١/ ٢٣١٩) وجامع بيان العلم (٢/ ١١٧٨).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٥٨/٣٧٩) والفتاوى الكبرى (٥/ ٥٦).\n(٥) السنة لعبد الله (ص.٢٧).\n(٦) السنة لعبد الله (ص.٢٨).\n(٧) السنة لعبد الله (ص.٢٧).","vol":"1","page":106},{"text":"- وعن عبد الله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود ﵁ وبدأ باليمين قبل الكلام: ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو بالقمر ليلة البدر فيقول: ابن آدم ما غرك بي ابن آدم ما أجبت المرسلين ماذا عملت فيما علمت. (١)\n- وعنه قال: القرآن كلام الله؛ فلا تخلطوا به ما ليس منه. (٢)\n- جاء في أصول الاعتقاد عن مسروق قال: سألنا عبد الله -ولولا عبد الله لم نجد أحدا يخبرنا- فقال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان قال: فيرون أنه من أهل السماء، فيفزعون فإذا سكن قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير. (٣)\n- وفيه عن أبي عبيدة: عن عبد الله قال: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء. (٤)\n- وفيه عن عاصم عن زر: عن عبد الله قال: ما بين سماء القصوى وبين الكرسي خمسمائة سنة، وما بين الكرسي والماء خمس مائة سنة، والعرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم. (٥)\n- عن عبد الله بن مسعود قال: تسارعوا إلى الجمعة فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون منه في القرب على\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.٦٠) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٠/٨٦٠).\n(٢) الإبانة (١/ ١٢/٢٥٢ - ٢٥٣/ ٢٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٦٩/٥٤٩) والسنة لعبد الله (ص.٧١).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٣٨/٦٥٧).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٣٨ - ٤٣٩/ ٦٥٩).","vol":"1","page":107},{"text":"قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا، فيحدث الله لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك. ثم يرجعون إلى أزواجهم فتحدثهم بما قد أحدث لهم. (١)\n- وعنه قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ (٢) قال: ﴿ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة﴾ (٣) قال: أما الحسنى فالجنة وأما الزيادة فالنظر إلى وجه الله وأما القتر: فالسواد. (٤)\n- وفي الشريعة عنه قال: يضحك الله ﷿ إلى رجلين: رجل قام في جوف الليل وأهله نيام، فتطهر، ثم قام يصلي، فيضحك الله ﷿ إليه، ورجل لقي العدو، فانهزم أصحابه، وثبت حتى رزقه الله الشهادة. (٥)\n- عن عبد الله قال: إن الله ﷿ اتخذ إبراهيم خليلا، وإن صاحبكم خليل الله، وإن محمدا سيد ولد آدم يوم القيامة وأكرم الخلائق على الله ﷿، وقرأ: عَسَى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٦). اهـ (٧)\n- عن أبي الأحوص: عن عبد الله قال: إن الله يفتح أبواب السماء في ثلث الليل الباقي ثم يهبط إلى سماء الدنيا فيبسط يده فيقول: ألا عبد يسألني\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.٦١).\n(٢) يونس الآية (٢٦).\n(٣) يونس الآية (٢٦).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٠٩/٧٨٧ - ٧٨٨).\n(٥) الشريعة (٢/ ٥٤/٦٨٠).\n(٦) الإسراء الآية (٧٩).\n(٧) الشريعة (٢/ ٣٦٣/١١٥٣).","vol":"1","page":108},{"text":"فأعطيه فما يزال كذلك حتى يصدع الفجر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>موقفه من الخوارج:</span>\nسبق أن ذكرنا له ﵁ موقفا طيبا من المبتدعة، وأحببت أن أورده هنا أيضا لصلته الوثيقة بما نحن بصدده:\nقال الدارمي: أخبرنا الحكم بن المبارك أنا عمرو بن يحي قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا. فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا، ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة؟ فيكبرون مائة. فيقول: هللوا مائة؟ فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة؟ فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا. انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم - ﷺ - متوافرون،\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٩٨/٧٦٥).","vol":"1","page":109},{"text":"وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. إن رسول الله - ﷺ - حدثنا أن قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم (١)، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>موقفه من المرجئة:</span>\n- أخرج ابن بطة بسنده إلى المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد، قال: قيل لعبد الله بن مسعود إن الله ﷿ ليكثر ذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٤) فقال عبد الله: ذلك على مواقيتها، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما كنا نرى ذلك إلا على تركها، فقال عبد الله: تركها الكفر. (٥)\n_________\n(١) أحمد (١/ ٤٠٤) والترمذي (٤/ ٤١٧ - ٤١٨/ ٢١٨٨) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٥٩/١٦٨).\n(٢) أخرجه الدارمي (١/ ٦٨ - ٦٩) وابن أبي شيبة (٧/ ٥٥٣/٣٧٨٩٠) وعبد الرزاق (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢/ ٥٤٠٨ - ٥٤١٠) وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (ص.٣٥٨) والطبراني في الكبير (٦/ ١٢٥ - ١٢٨/ ٨٦٢٨ - ٨٦٣٣ و٨٦٣٦ - ٨٦٣٩) وابن وضاح (ص.٤٠) من طرق يقوي بعضها بعضا.\n(٣) المعارج الآية (٢٣).\n(٤) المؤمنون الآية (٩).\n(٥) الإبانة (٢/ ٦٧٨ - ٦٧٩/ ٨٨٦).","vol":"1","page":110},{"text":"- وله بسنده عن عبد الكريم الجزيري، عن علي بن أبي طالب وعبد الله ابن مسعود، قالا: لا ينفع قول إلا بعمل ولا عمل إلا بقول ولا قول وعمل إلا بنية ولا نية إلا بموافقة السنة. (١)\n- وله أيضا بسنده إلى مهانة، قال: قال عبد الله: ما رأيت ناقص الدين والرأي أغلب للرجال ذوي الأمر على أمورهم من النساء. قالوا: يا أبا عبد الرحمن: وما نقصان دينها؟ قال: تدع الصلاة في أيام حيضها. قالوا: فما نقصان رأيها؟ قال: لا تجوز شهادة امرأتين إلا بشهادة رجل. (٢)\n- وله بسنده إلى شعبة، قال: أخبرني قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق ابن شهاب يحدث عن عبد الله، قال: إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيلقى الرجل له إليه الحاجة فيقول: إنك لذيت وذيت، يثني عليه وعسى أن لا يحلى بحاجته بشيء فيرجع. وقد أسخط الله وما معه من دينه شيء، قال شعبة: لما حدثني قيس بهذا الحديث فرحت به، وكان قيس يرى رأي المرجئة.\n\" التعليق:\nقال ابن بطة: ففي بعض هذه الأخبار والسنن والآثار وما قد ذكرته في هذا الباب ما أقنع العقلاء وشفاهم، وأعلمهم أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال الزاكية والأخلاق الفاضلة تزيد فيه وتنميه وتعليه، وأن الأفعال الخبيثة والأخلاق الدنية والفواحش تمحقه وتفنيه وتسلب الإيمان من فاعلها\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٨٠٢ - ٨٠٣/ ١٠٨٩) والشريعة (١/ ٢٨٧/٢٨٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٨٤٩ - ٨٥٠/ ١١٤١).","vol":"1","page":111},{"text":"وتعريه. وهب الله لنا ولكم صوابا بتوفيقه وتسديدا لمرضاته، وعصمة من الضلال إنه رحيم ودود. (١)\n- جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: اليقين الإيمان كله. (٢)\n- عن يحيى بن أبي كثير قال: قال ابن مسعود: يقولون ما فينا كافر ولا منافق جذ (٣) الله أقدامهم. (٤)\n- عن عبد الله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها. (٥)\n- عن أبي وائل: أن حائكا من المرجئة بلغه قول عبد الله في الإيمان فقال: زلة من عالم. (٦)\n\" التعليق:\nقال الشيخ أحمد الغامدي معلقا عليه: \"لعل المؤلف -﵀- أراد بإيراد هذه الرواية أن يبين مدى ما يصل إليه صاحب البدعة. فهذا حائك وهو: الذي يخيط الثياب يسمى حائكا. قد بلغ به الانحراف إلى اتهام الصحابي الجليل بأنه قد زل بقوله في الشهادة بالإيمان وهو النهي عنها فجعل\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٨٦١/١١٧٤).\n(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٦٦): \"وصله الطبراني (٩/ ١٠٤/٨٥٤٤) بسند صحيح، وبقيته \"والصبر نصف الإيمان\". وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٤) والبيهقي في الزهد من حديثه مرفوعا، ولا يثبت رفعه\". اهـ\n(٣) الجذ: القطع. انظر النهاية (١/ ٢٥٠).\n(٤) الإبانة (٢/ ٩٠١/١٢٦١).\n(٥) الإبانة (٢/ ٨٤٦/١١٣٢) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٣/١٧٠٤) والشريعة (١/ ٢٦٢/٢٤٢) والسنة للخلال (٤/ ٣٩/١١٢٠) وفي الإيمان للإمام أحمد كما ذكر الحافظ في الفتح (١/ ٦٦) وصحح إسناده.\n(٦) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٠/١٧٨٣) والسنة لعبد الله (ص.٨٣) والسنة للخلال (٤/ ٤٥/١١٣٧).","vol":"1","page":112},{"text":"هذا الحائك قول عبد الله بن مسعود ﵁ زلة مخالفة للصواب وهو في اعتقاده ما عليه المرجئة من النهي عن الاستثناء في الإيمان\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>موقفه من القدرية:</span>\n- روى ابن بطة في الإبانة عن عبد الله بن ربيعة قال: كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود، فذكر القوم رجلا فذكروا من خلقه؛ فقال عبد الله: أرأيتم لو قطعتم رأسه؛ أكنتم تستطيعون أن تعيدوه؟ قالوا: لا، قال: فيده؟ قالوا: لا، قال: فرجله؟ قالوا: لا، قال: فإنكم لا تستطيعون أن تغيروا خلقه حتى تغيروا خلقه، إن النطفة لتستقر في الرحم أربعين ليلة، ثم تنحدر دما، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم يبعث الله إليه ملكا؛ فيكتب رزقه، وخلقه، وخلقه، وشقيا أو سعيدا. (٢)\n- وفيها أيضا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن المرأة إذا حملت؛ تصعدت النطفة تحت كل شعرة وبشرة أربعين يوما، ثم تستقر في الرحم علقة أربعين يوما، ثم مضغة أربعين يوما، ثم يبعث إليها الملك؛ فيقول: أي رب. أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فيأمر الله ﷿ بما شاء ويكتب الملك، ثم يكتب رزقه وأجله وعمله وأين يموت، وأنتم تعلقون التمائم على أبنائكم من العين. قال عاصم: كان أصحابنا يقولون: إن الله ﷿ يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر. (٣)\n_________\n(١) شرح أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/٣٧ - ٣٨/ ١٤٢٥) وقد روى ﵁ في ذلك حديثا مرفوعا: أخرجه البخاري (٦/ ٣٧٣/٣٢٠٨) ومسلم (٤/ ٢٠٣٦/٢٦٤٣) وغيرهما.\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/٣٥/ ١٤١٩).","vol":"1","page":113},{"text":"- وفيها أيضا: عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله: عجب للنساء اللاتي يعلقن التمائم تخوف السقط، والذي لا إله غيره؛ لو بطحت ثم وطئت عرضا وطولا ما أسقطت حتى يكون الله ﷿ هو الذي يقدر ذلك لها، إن النطفة إذا وقعت في الرحم التي يكون منها الولد؛ طارت تحت كل شعرة وظفر؛ فتمكث أربعين ليلة ثم تنحدر؛ فتكون مثل ذلك دما، ثم تكون مثل ذلك علقة، ثم تكون مثل ذلك مضغة. (١)\n- وفيها أيضا: عن قتادة عن ابن مسعود؛ قال: ثلاث من كن فيه يجد بهن حلاوة الإيمان: ترك المراء في الحق، والكذبِ في المزاحة، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. (٢)\n- وفيها أيضا: قال ابن مسعود: كل ما هو آت قريب؛ إلا أن البعيد ما ليس بآت، لا يعجل الله لعجلة أحد ولا يخف لأمر الناس ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمرا ويريد الناس أمرا؛ ما شاء الله كان ولوكره الناس، لا مقرب لما باعد الله، ولا مبعد لما قرب الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله، أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. (٣)\n- عن معن قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: ما كان كفر بعد نبوة إلا كان معها التكذيب بالقدر. (٤)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/٣٨/ ١٤٢٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/٥٧/ ١٤٥٦).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/٨٦ - ٨٧/ ١٤٩٥).\n(٤) الشريعة (١/ ٤٠٣/٤٦٤) والإبانة (٢/ ٩/١٢٠/ ١٥٤٤).","vol":"1","page":114},{"text":"- وفي الإبانة عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره؛ لا يذوق عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. (١)\n- وفيها أيضا: عن عبد الله بن مسعود قال: أربع قد فرغ منهم: الخلق، والخُلق، والرزق، والأجل. (٢)\nوفيها أيضا: عن عون بن عبد الله عن أبيه أنه قيل لعبد الله بن مسعود: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، فما هو يا أبا عبد الرحمن؟ قال: فقال: ألم تر أن الله ﷿ أهلك قوما فجعل منهم القردة والخنازير، وأهلك قوما بالريح؛ فجعل النكال بأولئك وجعل الموعظة لأمة محمد - ﷺ -. (٣)\n- وفيها: عن عامر بن عبدة؛ قال: قال عبد الله: إذا قدر الله ﷿ لنفس أن تموت بأرض؛ هيئت له إليها الحاجة. (٤)\n- وفيها: قال عبد الله بن مسعود: المتقون سادة، الفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة، ولا يسبق بطيئا رزقه، ولا يأتيه ما لم يقدر له. (٥)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن عبد الله قال: لأن أعض على جمرة وأقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/١٥٠/ ١٥٩٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٥٠/ ١٥٩٤).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٧١ - ١٧٢/ ١٦٦٠).\n(٤) الإبانة (٢/ ١١/٢٧١/ ١٨٨٧).\n(٥) الإبانة (٢/ ١١/٢٩٤/ ١٩٤٩).","vol":"1","page":115},{"text":"يكن. (١)\n- وفيه أيضا: عن الحارث قال: سمعت ابن مسعود يقول: -وهو يدخل إصبعه في فيه- لا والله لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ويقر ويعلم أنه ميت وأنه مبعوث من بعد الموت. (٢)\n- وفيه أيضا: عن عبد الله في قوله: ﴿النجدين﴾ (٣) قال: الخير والشر. (٤)\n- ونقل شيخ الإسلام في المنهاج في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٥). قال ابن مسعود ﵁: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. (٦)\n\nأبو الدرداء (٧) (٣٢ هـ)\nعُوَيْمِر بن زيد بن قيس، قاضي دمشق الإمام القدوة صاحب رسول\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٣٩/١٢١٧) والإبانة (٢/ ٩/٥٧ - ٥٨/ ١٤٥٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٣٩/١٢١٨) والإبانة (٢/ ٩/٥٧/ ١٤٥٥) والشريعة (١/ ٤٠٣/٤٦٣).\n(٣) البلد الآية (١٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٠١/٩٥٦).\n(٥) التغابن الآية (١١).\n(٦) المنهاج (٣/ ٢٦).\n(٧) الإصابة (٤/ ٧٤٧ - ٧٤٨) والاستيعاب (٤/ ١٦٤٦ - ١٦٤٨) وطبقات ابن سعد (٧/ ٩١ - ٩٣) ومجمع الزوائد (٩/ ٣٦٧) والمستدرك (٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧) وتهذيب التهذيب (٨/ ١٧٥ - ١٧٧) والجرح والتعديل (٧/ ٢٦ - ٢٨) والتذكرة (١/ ٢٤ - ٢٥) والسير (٢/ ٣٣٥ - ٣٥٣) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٧).","vol":"1","page":116},{"text":"الله - ﷺ - أبو الدَّرْدَاء، حكيم هذه الأمة، وسيد القراء بدمشق. روى عن النبي - ﷺ - عدة أحاديث. آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سلمان الفارسي.\nقال الذهبي: وهو معدود فيمن تلا على النبي - ﷺ -، ولم يبلغنا أبدا أنه قرأ على غيره، وهو معدود فيمن جمع القرآن في حياة رسول الله - ﷺ -. أسلم أبو الدرداء يوم بدر ثم شهد أحدا. وقال ﵁ لو أنسيت آية لم أجد أحدا يذكرنيها إلا رجلا ببرك الغماد، رحلت إليه. وهو الذي سن حلق القراءة. وأثر عنه قوله: لن تكون عالما حتى تكون متعلما، ولا تكون متعلما حتى تكون بما علمت عاملا. إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يقال لي: ما عملت فيما علمت. وقال: ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات. وروي عنه أنه قال: لولا ثلاث ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر، والسجود في الليل، ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام كما ينتقى أطايب الثمر. وروى صفوان، عن ابن جبير عن أبيه: قال: لما فتحت قبرس مر بالسبي على أبي الدرداء، فبكى، فقلت له: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: يا جبير، بينا هذه الأمة قاهرة ظاهرة إذ عصوا الله، فلقوا ما ترى. ما أهون العباد على الله إذا هم عصوه.\nوعنه قال: من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده. وقالت أم الدرداء: لما احتضر أبو الدرداء، جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟\nمات أبو الدرداء ﵁ عام اثنتين وثلاثين للهجرة.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>موقفه من المبتدعة:</span>\n- أخرج ابن بطة بسنده إلى حميد عن الحسن قال: قال أبو الدرداء: كن عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا، ولا تكن الخامسة فتهلك، قال: فقلت للحسن: من الخامسة قال: المبتدع. (١)\n- وعنه قال: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، إنك إن تتبع خير من أن تبتدع، ولن تخطئ الطريق ما اتبعت الأثر. (٢)\n- وروى البخاري عن سالم قال: سمعت أم الدرداء تقول: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد - ﷺ - شيئا إلا أنهم يصلون جميعا. (٣)\n- وفي إغاثة اللهفان: قال الحسن سأل رجل أبا الدرداء، فقال رحمك الله لو أن رسول الله - ﷺ - بين أظهرنا هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه؟ فغضب واشتد غضبه وقال: هل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه؟ (٤)\n- ونقل الشاطبي عن أبي الدرداء: أنه قال: لو خرج رسول الله - ﷺ - عليكم، ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة. قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟ قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟ (٥)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٤١/ ٢١٠) والبيهقي في المدخل (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥/ ٣٨١) وابن عبد البر في الجامع (١/ ١٤١ - ١٤٢).\n(٢) اللالكائي (١/ ٩٩/١١٥) والسنة للمروزي (ص.١٠٠) واللفظ له، وأخرج الشطر الأخير منه ابن بطة في الإبانة (١/ ٢/٣٥٣/ ٢٣٢).\n(٣) البخاري (٢/ ١٧٤/٦٥٠).\n(٤) إغاثة اللهفان (١/ ٢٠٦).\n(٥) ابن وضاح في البدع (ص.١٢٩) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ٣٣).","vol":"1","page":118},{"text":"\" التعليق:\nقلت: فكيف لو أدرك عيسى بن يونس زماننا هذا الذي منعت فيه الفرائض وكثرت فيه البدع وجهر فيه بالمعاصي ولا مغير ولا منكر إلا من شاء الله وقليل ما هم والله المستعان.\n- وروى ابن بطة عن الأعمش، عن سالم يعني ابن أبي الجعد، قال: قال أبو الدرداء: لو أن رجلا كان يعلم الإسلام وأهمه ثم تفقده اليوم ما عرف منه شيئا. (١)\n- عن عطاء بن يسار، أن رجلا باع كسرة من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل. فقال الرجل: ما أرى بمثل هذا بأسا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من فلان أحدثه عن رسول الله - ﷺ - ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها. ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب ﵁ فذكر ذلك له فكتب عمر بن الخطاب إلى الرجل أن لا تبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن. (٢)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١/١٨٣ - ١٨٤/ ١٨) وابن وضاح (ص.١٤٢).\n(٢) أخرجه مالك (٢/ ٦٣٤) ومن طريقه بهذا التمام: الشافعي في الرسالة (ص.٤٤٦) والبيهقي (٥/ ٢٨٠) والبغوي في شرح السنة (٨/ ٦٤/٢٠٦٠). واختصره: أحمد (٦/ ٤٤٨) والنسائي (٧/ ٣٢١/٤٥٨٦). قال ابن عبد البر ﵀ في الاستذكار (١٩/ ٢١٣): \"لا أعلم هذه القصة روي أنها عرضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلا من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، لم يروه من وجه آخر فيما علمت، وليست محفوظة معروفة إلا لمعاوية مع عبادة بن الصامت\". وقال في التمهيد: \"ظاهر هذا الحديث الانقطاع لأن عطاء لا أحفظ له سماعا من أبي الدرداء، وما أظنه سمع منه شيئا ... ومولد عطاء بن يسار سنة إحدى وعشرين وقيل سنة عشرين ... ولم يشهد هذه القصة لأنها كانت في زمن عمر، وتوفي عمر سنة ثلاث وعشرين، أو أربع وعشرين من الهجرة\". انظر فتح البر (١٢/ ٤٠).","vol":"1","page":119},{"text":"\" التعليق:\nقال ابن بطة ﵀: فاعتبروا يا أولي الأبصار، فشتان بين هؤلاء العقلاء السادة الأبرار الأخيار الذين ملئت قلوبهم بالغيرة على إيمانهم والشح على أديانهم، وبين زمان أصبحنا فيه وناس نحن منهم وبين ظهرانيهم، هذا عبد الله بن مغفل صاحب رسول الله - ﷺ - وسيد من ساداتهم يقطع رحمه ويهجر حميمه حين عارضه في حديث رسول الله - ﷺ - وحلف أيضا على قطيعته وهجرانه وهو يعلم ما في صلة الأقربين وقطيعة الأهلين، وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء سماه رسول الله - ﷺ - حكيم هذه الأمة، وأبو سعيد الخدري يظعنون عن أوطانهم وينتقلون عن بلدانهم ويظهرون الهجرة لإخوانهم لأجل من عارض حديث رسول الله - ﷺ -، وتوقف عن استماع سنته، فيا ليت شعري كيف حالنا عند الله ﷿ ونحن نلقى أهل الزيغ في صباحنا والمساء يستهزئون بآيات الله ويعاندون سنة رسول الله - ﷺ - حائدين عنها، وملحدين فيها سلمنا الله وإياكم من الزيغ والزلل.\n- وفي المجموع: قال أبو الدرداء: لا تهلك أمة حتى يتبعوا أهواءهم ويتركوا ما جاءتهم به أنبياؤهم من البينات والهدى. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>موقفه من الرافضة:</span>\nعن أبي الدرداء قال: ما رأيت أحدا أشبه صلاة بصلاة رسول الله - ﷺ - من إمامكم هذا. يعني معاوية.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٦٣).","vol":"1","page":120},{"text":"قال ابن تيمية عقبه: فهذه شهادة الصحابة بفقهه ودينه، والشاهد بالفقه ابن عباس (١)، وبحسن الصلاة أبو الدرداء، وهما هما. والآثار الموافقة لهذا كثيرة. هذا ومعاوية ليس من السابقين الأولين، بل قد قيل: إنه من مسلمة الفتح. وقيل: أسلم قبل ذلك. وكان يعترف بأنه ليس من فضلاء الصحابة. وهذه سيرته مع عموم ولايته، فإنه كان في ولايته من خراسان إلى بلاد إفريقية بالمغرب، ومن قبرص إلى اليمن. ومعلوم بإجماع المسلمين أنه ليس قريبا من عثمان وعلي، فضلا عن أبي بكر وعمر. فكيف يشبه غير الصحابة بهم؟ وهل توجد سيرة أحد من الملوك مثل سيرة معاوية ﵁؟ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>موقفه من الجهمية:</span>\n- روى الآجري في الشريعة: عن يعلى بن عطاء قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال له: إنك معلم، وإنك على جناح فراق الدنيا، فعلمني خيرا ينفعني الله به، فقال أبو الدرداء: إما لا، فاعقل، كيف أنت إذا لم يكن لك من الأرض إلا موضع أربعة أذرع في ذراعين، جاء بك أهلك الذين كانوا يكرهون فراقك، وإخوانك الذين كانوا يتحزبون بأمرك فتلوك في ذلك المتل، ثم سدوا عليك من اللبن، وأكثروا عليك من التراب، وخلوا بينك وبين متلك ذلك، فجاءك ملكان أزرقان جعدان، يقال لهما: منكر ونكير، فقالا: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فإن قلت ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - ﷺ - فقد -والله- هديت ونجوت، وإن قلت: لا أدري، فقد -والله- هويت\n_________\n(١) شهادة ابن عباس لمعاوية بالفقه ستأتي معنا بإذن الله في مواقف ابن عباس ﵄.\n(٢) المنهاج (٦/ ٢٣٥ - ٢٣٦).","vol":"1","page":121},{"text":"ورديت. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في الإبانة: عن الحارث بن معاوية، قال: إني لجالس في حلقة وفيها أبو الدرداء وهو يومئذ يحذرنا الدجال فقلت: والله لغير الدجال أخوف على نفسي من الدجال، قال: وما الذي أخوف في نفسك من الدجال: قلت: إني أخاف أن يسلب مني إيماني ولا أدري، قال: لله أمك يا ابن الكندية أترى في الناس مائة يتخوفون مثل ما تتخوف؟ لله أمك يا ابن الكندية أترى في الناس خمسين يتخوفون مثل الذي تتخوف؟ لله أمك يا ابن الكندية أترى في الناس عشرة يتخوفون مثل ما تتخوف؟ لله أمك يا ابن الكندية أترى في الناس ثلاثة يتخوفون مثل ما تتخوف؟ والله ما أمن رجل قط أن يسلب إيمانه إلا سلبه وما سلبه فوجد فقده. (٢)\n- وفي السنة لعبد الله: عن أبي الدرداء قال ما الإيمان إلا كقميص أحدكم يخلعه ويلبسه أخرى، والله ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه فوجد فقده. (٣)\n- وفيها أيضا: عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزداد وينقص. (٤)\n- وفي الإبانة: عن أم الدرداء، قالت: كان أبو الدرداء كثيرا ما يقول: إذا هلك الرجل على الحال الصالحة هنيئا له ليت أني بدله، فقلت: يا أبا\n_________\n(١) الشريعة (٢/ ١٨٨/٩١٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ٦/٧٥٨ - ٧٥٩/ ١٠٦٠).\n(٣) السنة لعبد الله (ص.٩٧ - ٩٨) وأصول الاعتقاد (٦/ ١٠٩٦/١٨٧١).\n(٤) السنة لعبد الله (ص.٨٤) والإبانة (٢/ ٨٤٣ - ٨٤٤/ ١١٢٦).","vol":"1","page":122},{"text":"الدرداء كثيرا مما تقول تعني هذا، فقال: وما علمت يا حمقاء أن الرجل يصبح مؤمنا ويمسي كافرا؟ قالت: وكيف ذلك: قال: سلب إيمانه ولا يشعر لأنا لهذا بالموت أغبط مني بالبقاء في الصوم والصلاة. (١)\n- وفيها: عن حريز بن عثمان، قال: حدثنا أشياخنا، أو قال بعض أشياخنا: أن أبا الدرداء قال: من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أو منتقص؟ وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه (٢).\n- وجاء في كتاب الإيمان لابن أبي شيبة: عن معاوية بن قرة قال: كان أبو الدرداء يقول: \"اللهم إني أسألك إيمانا دائما، وعلما نافعا، وهديا قيما\" قال معاوية: فنرى أن من الإيمان إيمانا ليس بدائم، ومن العلم علما لا ينفع، ومن الهدي هديا ليس بقيم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>موقفه من القدرية:</span>\n- روى ابن بطة في الإبانة عن داود بن أبي هند قال: قيل لأبي الدرداء: ما بال الشيخ الكبير يكون في مثل حاله أعبد من الشاب؛ يصوم، ويصلي، والشاب مثل نيته لا يطيق أن يبلغ عمله؟ قال: ما تدرون ما هذا؟ قالوا: وما هو؟ قال: إنه يعمل كل إنسان على قدر منزلته في الجنة. (٤)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن أبي الدرداء قال: ذروة الإيمان أربع:\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٧٥٩/١٠٦١).\n(٢) الإبانة (٢/ ٧/٨٤٩/ ١١٤٠) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٦/١٧١٠).\n(٣) كتاب الإيمان لابن أبي شيبة (رقم:١٠٦) والمصنف له (٦/ ١٦٤/٣٠٣٦٤).\n(٤) الإبانة (٢/ ٩/١٧١/ ١٦٥٦).","vol":"1","page":123},{"text":"الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب. (١)\n\nعبد الرحمن بن عوف (٢) (٣٢ هـ)\nعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة أبو محمد. كان يسمى في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه النبي - ﷺ - عبد الرحمن. ولد بعد الفيل بعشر سنين. أحد العشرة وأحد الستة أهل الشورى الذين مات النبي - ﷺ - وهو عنهم راض، وأحد السابقين البدريين، القرشي الزهري، وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام قبل أن يدخل النبي - ﷺ - دار الأرقم. كان من المهاجرين الأولين، جمع الهجرتين جميعا، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم قبل الهجرة، وهاجر إلى المدينة وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد بدرا والمشاهد كلها. بعثه رسول الله - ﷺ - إلى دومة الجندل إلى كلب ففتح الله عليه وتزوج تماضر بنت الأصبغ -ملكهم-. روى عن النبي - ﷺ - وعن عمر. وروى عنه أبناؤه: إبراهيم وحميد، وعمر ومصعب وأبو سلمة وكذلك أنس وجابر وجبير بن مطعم وابن عباس وابن عمر وعدة. قال الزهري: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله - ﷺ - بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمس\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٨ - ٧٤٩/ ١٢٣٨).\n(٢) تاريخ خليفة (١٦٦) والتاريخ الكبير (٥/ ٢٤٠) والجرح والتعديل (٥/ ٢٧٧) والاستيعاب (٢/ ٨٤٤ - ٨٥٠) وتاريخ ابن عساكر (٣٥/ ٢٣٥ - ٣٠٨) وأسد الغابة (٣/ ٤٧٥ - ٤٨٠) وتهذيب الكمال (١٧/ ٣٢٤ - ٣٢٩) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٤٤ - ٢٤٦) وطبقات ابن سعد (٣/ ١٢٤ - ١٣٧) والسير (١/ ٦٨ - ٩٢) وشذرات الذهب (١/ ٣٨) والإصابة (٤/ ٣٤٦ - ٣٥٠).","vol":"1","page":124},{"text":"مائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمس مائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة. توفي ﵁ سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة بالمدينة ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>موقفه من المبتدعة:</span>\nوجاء في الإبانة عن عروبة السدوسية قالت: لقيت عبد الرحمن -تعني ابن عوف- فقلت: ما أعظم الإسلام؟ فقال: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة واسألي إن بقيت، فسيأتي زمان تذهب العرب ويجيء ناس من الإسحاقية فيجيئون بأقذار من الدين فإذا رأيتيهم فتمسكي بالقرآن والسنة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>موقفه من الرافضة:</span>\nقال أفلح بن سعيد بن كعب: قال عبد الرحمن بن عوف: والله ما بايعت لعثمان حتى سألت صبيان الكتاب فقالوا عثمان خير من علي. (٢)\n\nالمِقْدَاد بن الأسود الكندي (٣) (٣٣ هـ)\nالمِقْدَاد بن عمرو بن ثعلبة صاحب رسول الله - ﷺ -. وأحد السابقين الأولين، شهد بدرا والمشاهد. وثبت أنه كان يوم بدر فارسا. حدث عنه علي، وابن مسعود، وابن عباس، وجبير بن نفير، وابن أبي ليلى وغيرهم. قال أبو عمر\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٤٠ - ٣٤١/ ٢٠٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٢٣/٢٥٥٢).\n(٣) طبقات ابن سعد (٣/ ١٦١) والاستيعاب (٤/ ١٤٨٠) وأسد الغابة (٤/ ٤٠٩) وسير أعلام النبلاء (١/ ٣٨٥) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٤٥٢) والإصابة (٦/ ٢٠٢ - ٢٠٤) وشذرات الذهب (١/ ٣٩).","vol":"1","page":125},{"text":"ابن عبد البر: وكان من الفضلاء والنجباء الكبار الخيار من أصحاب النبي - ﷺ -. وشهد المقداد فتح مصر ومات في أرضه بالجرف، فحمل إلى المدينة ودفن بها، وصلى عليه عثمان بن عفان. توفي ﵁ سنة ثلاث وثلاثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى ابن بطة (١) عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن المقداد بن الأسود الكندي، قال: جاءنا المقداد لحاجة فقلنا: اجلس عافاك الله حتى نطلب لك حاجتك، قال: فجلس، فقال: العجب من قوم مررت بهم آنفا يتمنون الفتنة يزعمون ليبلينهم الله فيها ما أبلى رسوله وأصحابه، والله لقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن -ثلاث مرات- ولمن ابتلي فصبر فواها\" (٢) لايم الله لا أشهد على واحد أنه من أهل الجنة حتى أعلم بما يموت عليه. لحديث سمعته عن رسول الله - ﷺ -: \"لقلب ابن آدم أسرع انقلابا من القدر إذا استجمعت غليا\". (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>موقفه من المشركين:</span>\nعن ابن مسعود قال: لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٥٨٦ - ٥٨٧/ ٧٤٤).\n(٢) رواه أبو داود (٤/ ٤٦٠/٤٢٦٣) وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (رقم٩٧٥) على شرط مسلم. واها: قال أبو سليمان الخطابي: واها كلمة معناها التلهف.\n(٣) أحمد (٦/ ٤) وابن أبي عاصم (١/ ١٠٢/٢٢٦) والطبراني (٢٠/ ٢٥٣/٥٩٩) و(٢٠/ ٢٥٥ - ٢٥٦/ ٦٠٣) والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧/ ١٣٣١ - ١٣٣٢) والحاكم (٢/ ٢٨٩) وقال: \"هذا حديث على شرط البخاري\" ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١١) وقال: \"رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها ثقات\".","vol":"1","page":126},{"text":"أحب إلي مما طلعت عليه الشمس؛ وذلك أنه أتى النبي - ﷺ - وهو يذكر المشركين، فقال: يا رسول الله إنا والله لا نقول لك كما قال أصحاب موسى لموسى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكننا نقاتل من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك. قال: فرأيت رسول الله - ﷺ - يشرق وجهه لذلك وسره وأعجبه. (١)\n\nكعب الأحبار (٢) (٣٤ هـ)\nكعب بن مَاتِع الحِمْيَرِي اليماني العلامة الحبر، كان يهوديا فأسلم بعد وفاة النبي - ﷺ -، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ﵁، فجالس أصحاب محمد - ﷺ -، فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ العجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان حسن الإسلام، متين الديانة، من نبلاء العلماء، حدث عن عمر، وصهيب، وغير واحد، وحدث عنه أبو هريرة ومعاوية، وابن عباس. روى عنه خالد بن معدان أنه قال: لأن أبكي من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهبا. توفي بحمص في أواخر خلافة عثمان ﵁ سنة أربع وثلاثين، وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في الشريعة: عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن كعب الأحبار\n_________\n(١) الاستيعاب (٤/ ١٤٨١ - ١٤٨٢) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٤٥٥) والحلية (١/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(٢) السير (٣/ ٤٨٩ - ٤٩٤) والإصابة (٥/ ٦٤٧ - ٦٥١) وتهذيب الكمال (٢٤/ ١٨٩ - ١٩٣) وتاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين ص.٣٩٧ - ٣٩٨) وشذرات الذهب (١/ ٤٠).","vol":"1","page":127},{"text":"قال: للشهيد نوران. ولمن قتله الخوارج عشرة أنوار له. ولجهنم سبعة أبواب: باب منها للحرورية، ولقد خرجوا على داود نبي الله في زمانه.\nقال محمد بن الحسين الآجري عقبه: هذه صفة الحرورية، وهم الشراة الخوارج، الذين قال الله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) الآية. وقد حذر النبي - ﷺ - أمته من هذه صفته. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>موقفه من المرجئة:</span>\nعن كعب قال: من أقام الصلاة وآتى الزكاة وسمع وأطاع فقد توسط الإيمان، ومن أحب في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع فقد استكمل الإيمان. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عن يونس بن سيف أن عطية بن قيس أخبره: أن رهطا عادوا كعب الأحبار فقالوا له: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟ قال: بخير، عبد أخذ بذنبه فإن قبضه إليه ربه إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، وإن عاقبه ينشيه نظيفا جديدا لا ذنب له. (٤)\n_________\n(١) آل عمران الآية (٧).\n(٢) الشريعة (١/ ١٤٢ - ١٤٣/ ٤٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ٦٥٩/٨٤٩) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٢/١٧٢٥) وابن أبي شيبة في الإيمان (١٢٨) وهو في المصنف (٦/ ١٧١/٣٠٤٣٧) والسنة للخلال (١/ ٥٩٩/١٠٦٢).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٧/١٢٥٩).","vol":"1","page":128},{"text":"عُبَادَة بن الصَّامِت (١) (٣٤ هـ)\nعبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي، الأنصاري أبو الوليد شهد بدرا وكان أحد النقباء بالعقبة، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي مرثد الغنوي. وشهد المشاهد كلها بعد بدر. وشهد فتح مصر، وهو أول من ولي قضاء فلسطين. وكان ممن جمع القرآن في عهد النبي - ﷺ -. وكان قويا في دين الله أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر. مات ﵁ بالشام من أرض فلسطين سنة أربع وثلاثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في تفسير ابن كثير: وقال قتادة في هذه الآية: ﴿أَنْ يقولوا سمعنا وَأَطَعْنَا﴾ (٢): ذكر لنا أن عبادة بن الصامت -وكان عقبيا بدريا، أحد نقباء الأنصار-: أنه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية: ألا أنبئك بماذا عليك وماذا لك؟ قال: بلى. قال: فإن عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك، وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وأن لا تنازع الأمر أهله، إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحا، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله، فاتبع كتاب الله. (٣)\n_________\n(١) الإصابة (٣/ ٦٢٤ - ٦٢٦) والاستيعاب (٢/ ٨٠٧ - ٨٠٩) ومجمع الزوائد (٩/ ٣٢٠) وشذرات الذهب (١/ ٤٠) والوافي (١٦/ ٦١٨ - ٦١٩) والجرح والتعديل (٦/ ٩٥) والسير (٢/ ٥ - ١١) وتهذيب التهذيب (٥/ ١١١ - ١١٢) والطبقات لابن سعد (٣/ ٥٤٦) والمستدرك (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٧).\n(٢) النور الآية (٥١).\n(٣) ابن كثير في التفسير (٦/ ٨١).","vol":"1","page":129},{"text":"- وروى ابن ماجه أن عبادة بن الصامت الأنصاري النقيب صاحب رسول الله - ﷺ - غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير وكسر الفضة بالدراهم فقال: يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة\". فقال له معاوية: يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة، فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتحدثني عن رأيك، لإن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة. فلما قفل لحق بالمدينة فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، وما قال من مساكنته، فقال ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك. وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال فإنه هو الأمر. (١)\n- وروى مسلم عن أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم ابن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث. فجلس فقلت له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم. غزونا غزاة. وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة. فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس. فتسارع الناس في ذلك. فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح\n_________\n(١) النسائي (٧/ ٣١٧ - ٣١٨/ ٤٥٧٦) وابن ماجه (١/ ٨ - ٩/ ١٨).","vol":"1","page":130},{"text":"بالملح إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى (١)، فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله - ﷺ - أحاديث، قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه. فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله - ﷺ - وإن كره معاوية (أو قال: وإن رغم)، ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>موقفه من المشركين:</span>\nذكر الواقدي عن رجاله قالوا: استأخر إسلام كعب بن عجرة. وكان له صنم يكرمه ويمسحه، فكان يدعى إلى الإسلام، فيأبى. وكان عبادة بن الصامت له خليلا، فرصده يوما، فلما خرج، دخل عبادة ومعه قدوم، فكسره، فلما أتى كعب، قال: من فعل هذا؟ قالوا: عبادة، فخرج مغضبا، ثم فكر في نفسه، وأتى عبادة، فأسلم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>موقفه من الخوارج:</span>\nعن جنادة قال: قال لي عبادة بن الصامت: عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك ولا تنازع الأمر أهله إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحا يعني خالصا. (٤)\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٣٢٠) ومسلم (٣/ ١٢١٠ - ١٢١١/ ١٥٨٧) وأبو داود (٣/ ٦٤٣/٣٣٤٩) والترمذي (٣/ ٥٤١/١٢٤٠) والنسائي (٧/ ٣١٦ - ٣١٧/ ٤٥٧٤) وابن ماجه (٢/ ٧٥٧ - ٧٥٨/ ٢٢٥٤).\n(٢) مسلم (٣/ ١٢١٠/١٥٨٧).\n(٣) السير (٣/ ٥٣).\n(٤) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٠١/٢٣٠٢).","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد (١): عن عطاء بن أبي رباح قال: سألت ابن عبادة ابن الصامت كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: جعل يقول: يا بني اتق الله واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده وتؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتي كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك فإن مت على غير هذا دخلت النار. سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال ما أكتب. فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد\". (٢)\n\nمعاذ بن عمرو بن الجموح (٣) (مات في خلافة عثمان)\nمُعَاذ بن عمرو بن الجَمُوح بن كعب الأنصاري المدني شهد بدرا والعقبة، وهو أحد من قتل أبا جهل. مات في زمن عثمان، قاله البخاري وغيره.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٧٩ - ٦٨٠/ ١٠٩٧).\n(٢) أحمد (٥/ ٣١٧) من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه ... فذكره. قال الشيخ الألباني ﵀ في ظلال الجنة (١/ ٤٨): \"وإسناده لا بأس به في الشواهد رجاله ثقات غير ابن لهيعة وهو سيء الحفظ لكنه يتقوى بما قبله وما بعده يعني من كتاب السنة لابن أبي عاصم\". وأخرجه أبو داود (٥/ ٧٦/٤٧٠٠) من طريق إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة قال: قال عبادة بن الصامت لابنه .. فذكره. والترمذي (٤/ ٣٩٨/٢١٥٥) وقال: \"وهذا حديث غريب من هذا الوجه\". وفيه قصة طويلة. وأخرجه (٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥/ ٣٣١٩) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\".\n(٣) السير (١/ ٢٤٩ - ٢٥٢) والإصابة (٦/ ١٤٢ - ١٤٣) وأسد الغابة (٥/ ١٩٤ - ١٩٥) والاستيعاب (٣/ ١٤١٠ - ١٤١١) والكامل لابن الأثير (٢/ ١٢٦ - ١٢٧) والتاريخ الكبير (٧/ ٣٦٠/١٥٥٦).","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>موقفه من المشركين:</span>\nعن عبد الرحمن بن عوف قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله - ﷺ -، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه. ثم انصرفا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبراه. فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله، سلبه لمعاذ ابن عمرو بن الجموح. وكانا معاذ بن عفراء ومعاذ ابن عمرو بن الجموح. (١)\n\nعبد الله بن حُذَافَة (٢) (توفي في خلافة عثمان)\nعبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، أبو حُذَافة القرشي السَّهْمي، من السابقين الأولين.\nقيل شهد بدرا، وكانت فيه دعابة، وهو رسول رسول الله - ﷺ - إلى\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٩٢ - ١٩٣) والبخاري (٦/ ٣٠٣/٣١٤١) ومسلم (٣/ ١٣٧٢/١٧٥٢).\n(٢) طبقات ابن سعد (٤/ ١٨٩) والاستيعاب (٣/ ٨٨٨ - ٨٩١) وأسد الغابة (٣/ ٢١٣ - ٢١٤) وتهذيب الكمال (١٤/ ٤١١ - ٤١٣) وسير أعلام النبلاء (٢/ ١١ - ١٦) والإصابة (٤/ ٥٧ - ٥٩).","vol":"1","page":133},{"text":"كسرى يدعوه إلى الإسلام، وهو القائل لرسول الله - ﷺ - حين قال: \"من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا\"، من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك حذافة ... الحديث (١). وهو الذي بعثه النبي - ﷺ - في حجة الوداع ينادي في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب، وهو الذي أسرته الروم في زمن عمر بن الخطاب، فنجاه الله ﷾ منهم.\nروى عن النبي - ﷺ - وروى عنه سليمان بن يسار وأبو وائل ومسعود بن الحكم الزرقي وأبو سلمة بن عبد الرحمن. ومناقبه كثيرة ﵁. قال أبو نعيم: توفي بمصر في خلافة عثمان، ودفن بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في السير: عن أبي رافع، قال: وجه عمر جيشا إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد طرفة عين. قال: إذا أقتلك. قال: أنت وذاك. فأمر به، فصلب، وقال للرماة: ارموه قريبا من بدنه، وهو يعرض عليه، ويأبى، فأنزله. ودعا بقدر، فصب فيها ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما، فألقي فيها، وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى. ثم بكى. فقيل للملك: إنه بكى. فظن أنه قد جزع، فقال: ردوه. ما أبكاك؟ قال: قلت:\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٦٢) والبخاري (١٣/ ٣٢٩/٧٢٩٤) ومسلم (٤/ ١٨٣٢/٢٣٥٩) (١٣٦).","vol":"1","page":134},{"text":"هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله.\nفقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟\nفقال له عبد الله: وعن جميع الأسارى؟ قال: نعم. فقبل رأسه.\nوقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره. فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ. فقبل رأسه. (١)\n- وفيها أيضا عن الوليد بن مسلم: حدثنا أبو عمرو، ومالك بن أنس: أن أهل قيسارية أسروا ابن حذافة، فأمر به ملكهم، فجرب بأشياء صبر عليها. ثم جعلوا له في بيت معه الخمر ولحم الخنزير ثلاثا لا يأكل، فاطلعوا عليه، فقالوا للملك: قد انثنى عنقه، فإن أخرجته وإلا مات. فأخرجه، وقال: ما منعك أن تأكل وتشرب؟ قال: أما إن الضرورة كانت قد أحلتها لي، ولكن كرهت أن أشمتك بالإسلام. قال: فقبل رأسي، وأخلي لك مائة أسير. قال: أما هذا، فنعم. فقبل رأسه، فخلى له مائة، وخلى سبيله.\nوقد روى ابن عائذ قصة ابن حذافة فقال: حدثنا الوليد بن محمد: أن ابن حذافة أسر. فذكر القصة مطولة، وفيها: أطلق له ثلاث مائة أسير، وأجازه بثلاثين ألف دينار، وثلاثين وصيفة، وثلاثين وصيفا. (٢)\n_________\n(١) السير (٢/ ١٤).\n(٢) السير (٢/ ١٥).","vol":"1","page":135},{"text":"عُمَيْر بن حبيب بن خُماشَة (١) (ممن بايع تحت الشجرة)\nعمير بن حبيب بن خماشة بضم المعجمة وتخفيف الميم -وقيل بن حُبَاشَة- بن جويبر بن عبيد بن عنان بن عامر بن خطمة الأنصاري. قال البخاري: بايع تحت الشجرة.\nوهو جد أبي جعفر الخطمي، ولم يوجد له رواية عن النبي - ﷺ - من وجه ثابت. روى أبو جعفر أن جده عمير بن حبيب -وكان ممن بايع تحت الشجرة- قال: أي بني، إياكم ومجالسة السفهاء، فإن مجالستهم داء، وإنه من يحلم عن السفيه ليس ينظر بحلمه، ومن لا يفر بقليل ما يأتي به السفيه يفر بالكثير، ومن يصبر على ما يكره يدرك ما يحب، وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، فليوطن نفسه قبل ذلك على الأذى، ليوقن بالثواب، فإنه من يوقن بالثواب من الله تعالى لا يجد مس الأذى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ابن القيم: أقدم من روي عنه زيادة الإيمان ونقصانه من الصحابة عمير بن حبيب الخطمي. (٢)\n- عن عمير بن حبيب بن خماشة أنه قال: إن الإيمان يزيد وينقص قيل له وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته وإذا\n_________\n(١) التاريخ الكبير (٦/ ٥٣١) والثقات لابن حبان (٣/ ٢٩٩) والاستيعاب (٣/ ١٢١٣) وأسد الغابة (٤/ ٢٧٧) والإصابة (٤/ ٧١٤ - ٧١٥).\n(٢) مختصر سنن أبي داود (٧/ ٥٦).","vol":"1","page":136},{"text":"غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه. (١)\n\nأمير المؤمنين عثمان بن عفان (٢) (٣٥ هـ)\nأمير المؤمنين عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، أبو عمرو، ويقال أبو عبد الله، ذو النورين الأموي. أمه أروى بنت كريز بن ربيعة، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ -.\nأسلم قديما وهاجر الهجرتين، وتزوج ابنتي رسول الله - ﷺ -، رقية ثم أم كلثوم.\nروى عن النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر، وروى عنه ابنه أبان بن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وغيرهم.\nعن ابن عمر، قال: كنا نقول على عهد رسول الله - ﷺ -: \"أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت\" (٣). فقيل: هذا في التفضيل، وقيل: في الخلافة.\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٨٤) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٠/١٧٢١) والإبانة (٢/ ٧/٤٥/ ١١٣١) والشريعة (١/ ٢٦١/٢٤٠) والسنة للخلال (٤/ ٤٧/١١٤١) وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٦٠/٣٠٣٢٧) وفي الإيمان له (١٤).\n(٢) طبقات ابن سعد (٣/ ٥٣ - ٨٤) والاستيعاب (٣/ ١٠٣٧ - ١٠٥٣) والكامل لابن الأثير (١/ ٤٦) و(٢/ ٥٩) وأسد الغابة (٣/ ٥٧٨ - ٥٨٧) وتاريخ دمشق (الجزء ٣٩) وتهذيب الكمال (١٩/ ٤٤٥ - ٤٦٠) وتهذيب التهذيب (٧/ ١٣٩ - ١٤٢).\n(٣) أحمد (٢/ ١٤) وابن أبي عاصم (٢/ ٥٦٨/١١٩٥) وأبو يعلى (١٠/ ١٦١/٥٧٨٤) والطبراني (١٢/ ٣٤٥/١٣٣٠١) وابن حبان (١٦/ ٢٣٧/٧٢٥١) عن سهيل عن أبيه عن ابن عمر ﵄. وأخرجه البخاري (٧/ ٦٦/٣٦٩٨) وأبو داود (٥/ ٢٥ - ٢٦/ ٤٦٢٧) الترمذي (٥/ ٥٨٨/٣٧٠٧) من طرق عن نافع عن ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":137},{"text":"قال الشعبي: لم يجمع القرآن أحد من الخلفاء من الصحابة غير عثمان. وقال ابن سيرين: كان أعلمهم بالمناسك عثمان، وبعده ابن عمر. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: كان رسول - ﷺ - مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، ثم عمر، وهو على تلك الحال فتحدثا، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله - ﷺ - وسوى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج، قلت: يا رسول الله دخل أبو بكر، فلم تجلس له، ثم دخل عمر، فلم تهش له، ثم دخل عثمان، فجلست وسويت ثيابك، قال: \"ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة\". (١)\nوفيه أيضا عن أبي موسى الأشعري قال: \"بينما رسول الله - ﷺ - في حائط من حائط المدينة، وهو متكئ يركز بعود معه بين الماء والطين، إذا استفتح رجل، فقال: افتح وبشره بالجنة، قال: فإذا أبو بكر، فتحت له وبشرته بالجنة، قال: ثم استفتح رجل آخر، فقال: افتح له وبشره بالجنة، قال: فذهبت فإذا هو عمر، ففتحت له وبشرته بالجنة، ثم استفتح رجل آخر، قال: فجلس النبي - ﷺ -، فقال: افتح وبشره بالجنة على بلوى تكون، قال: فذهبت فإذا هو عثمان بن عفان، قال: ففتحت وبشرته بالجنة، قال: وقلت الذي قال، فقال: اللهم صبرا، أوالله المستعان\". (٢)\n_________\n(١) أحمد (٦/ ١٥٥) ومسلم (٤/ ١٨٦٦/٢٤٠١).\n(٢) أحمد (٤/ ٤٠٦) والبخاري (٧/ ٥٣/٣٦٩٣) ومسلم (٤/ ١٨٦٧/٢٤٠٣) والترمذي (٥/ ٥٨٩/٣٧١٠) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".","vol":"1","page":138},{"text":"بويع له بالخلافة سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بن الخطاب بثلاثة أيام باجتماع الناس عليه، وقتل بالمدينة يوم الجمعة لثماني عشرة أو سبع عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>موقفه من الرافضة:</span>\n- أخرج اللالكائي في أصول الاعتقاد بسنده إلى زيد بن أسلم عن أبيه قال: كتب عثمان بن عفان عهد الخليفة من بعد أبي بكر فأمره أن لا يسمي أحدا وترك اسم الرجل فأغمي على أبي بكر إغماءة فأخذ عثمان العهد فكتب فيه اسم عمر قال فأفاق أبو بكر فقال: أرنا العهد فإذا فيه اسم عمر فقال: من كتب هذا؟ فقال عثمان: أنا. فقال: رحمك الله وجزاك خيرا، فوالله لو كتبت نفسك لكنت لذلك أهلا. (١)\n- وله بسنده إلى سليمان بن يسار: أن جهجاه الغفاري أخذ عصا عثمان التي يتخصر بها فكسرها على ركبته فوقعت في ركبته الآكلة (٢).اهـ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>موقفه من الجهمية:</span>\nقال عثمان بن عفان: ما أحب أن يأتي علي يوم وليلة لا أنظر في كلام الله يعني القراءة في المصحف. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٠٣/٢٥٢١).\n(٢) الآكلة بالمد والقصر: الحِكَّة.\n(٣) أصول الاعتقاد (٩/ ١٣١/٧٠).\n(٤) السنة لعبد الله (ص.٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":139},{"text":"طلحة بن عبد الله (١) (٣٦ هـ)\nطلحة بن عبد الله بن عثمان القرشي التيمي أبو محمد. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأبلى يوم أحد بلاء حسنا. روى عن النبي - ﷺ - وعن أبي بكر وعمر ﵄. روى عنه بنوه يحيى وموسى وعيسى بن طلحة والسائب بن يزيد ومالك بن أوس بن الحدثان وقيس بن أبي حازم وغيرهم. أوذي في الله، ثم هاجر، فاتفق أنه غاب عن وقعة بدر في تجارة له بالشام وتألم لغيبته، فضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه.\nعن الحسن البصري أن طلحة بن عبد الله باع أرضا له بسبع مائة ألف فبات أرقًا من مخافة ذلك حتى أصبح ففرقه.\nوعن طلحة بن يحيى، حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرية، قالت: دخلت على طلحة يوما وهو خاثر، فقلت: مالك؟ لعلك رابك من أهلك شيء؟ قال: لا والله، ونعم حليلة المسلم أنت، ولكن مال عندي قد غمني فقلت ما يغمك؟ عليك بقومك، قال: يا غلام. ادع لي قومي فقسمه فيهم، فسألت الخازن كم أعطى؟ قال: أربعمائة ألف. استشهد ﵁ يوم الجمل سنة ست وثلاثين.\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٣/ ٢١٤ - ٢٢٥) والاستيعاب (٢/ ٧٦٤ - ٧٧٠) والإصابة (٣/ ٥٢٩ - ٥٣٣) ومجمع الزوائد (٩/ ١٤٧ - ١٥٠) والحلية (١/ ٨٧ - ٨٩) والعقد الثمين (٥/ ٦٨ - ٦٩) والمستدرك (٣/ ٣٦٨ - ٣٧٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٠ - ٢٢) والبداية والنهاية (٧/ ٢٤٦ - ٢٤٨) والسير (١/ ٢٣ - ٤٠) وتهذيب الكمال (١٣/ ٤١٢ - ٤٢٤).","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>موقفه من المشركين:</span>\nعن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله - ﷺ - في ناحية في اثني عشر رجلا من الأنصار وفيهم طلحة بن عبد الله فأدركهم المشركون، فالتفت رسول الله - ﷺ - فقال من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، قال رسول الله - ﷺ -: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فقال أنت، فقاتل حتى قتل ثم التفت فإذا المشركون، فقال: من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، قال: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا، قال: أنت فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقول ذلك ويخرج إليهم رجل من الأنصار فيقاتل قتال من قبله حتى يقتل حتى بقي رسول الله - ﷺ - وطلحة بن عبد الله، فقال رسول الله - ﷺ -: من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه فقال: حس، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون ثم رد الله المشركين\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة (٢): عن معمر عن من سمع الحسن يقول لما رمي طلحة بن عبد الله يوم الجمل؛ جعل يمسح الدم عن صدره وهو يقول: ﴿وَكَانَ ﴿أَمْرُ اللَّهِ\n_________\n(١) النسائي (٦/ ٣٣٧/٣١٤٩) وعنه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٦٩). قال الذهبي في السير (١/ ٢٧): \"رواته ثقات\". وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٦) باختلاف يسير. ومن طريقه ابن عساكر (٢٥/ ٧٢ - ٧٣)، قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٥٧): \"إسناده جيد\". وأخرجه مختصرا أبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٣٢٧). وانظر الصحيحة رقم (٢١٧١و٢٧٩٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/٨٨/ ١٤٩٨).","vol":"1","page":141},{"text":"قدرًا مقدورًا﴾ (١).\n\nحُذَيْفة بن اليَمَان (٢) (٣٦ هـ)\nحذيفة بن اليمان حِسْل بن جابر (واليمان لقب أبيه) يكنى أبا عبد الله، أسلم هو وأبو هـ وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون، وشهدا أحدا فاستشهد اليمان بها، قتله بعض المسلمين وهو يحسبه من المشركين. وشهد حذيفة الخندق وما بعدها. كان من كبار أصحاب رسول الله - ﷺ -، وهو الذي بعثه رسول الله - ﷺ - يوم الخندق ينظر إلى قريش فجاء بخبر رحيلهم. وكان عمر بن الخطاب يسأله عن المنافقين، وهو معروف في الصحابة بصاحب سر رسول الله - ﷺ -. وكان عمر ﵁ ينظر إليه عند موت من مات منهم، فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر. وكان حذيفة يقول خيرني رسول الله - ﷺ - بين الهجرة والنصرة فاخترت النصرة.\nسئل حذيفة أي الفتن أشد؟ قال: أن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما تركب.\nوقال: لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها.\nآخى رسول الله - ﷺ - بين حذيفة وعمار. وقد ناشده عمر: أأنا من\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٣٨).\n(٢) الإصابة (٢/ ٤٤ - ٤٥) والاستيعاب (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥) والحلية (١/ ٢٧٠ - ٣٨٣) والوافي (١١/ ٣٢٧ - ٣٢٨) وطبقات ابن سعد (٦/ ١٥) و(٧/ ٣١٧) والسير (٢/ ٣٦١ - ٣٦٩) ومجمع الزوائد (٩/ ٣٢٥ - ٣٢٦) وشذرات الذهب (١/ ٤٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠) والمستدرك (٣/ ٣٧٩ - ٣٨١) والجرح والتعديل (٣/ ٢٥٦).","vol":"1","page":142},{"text":"المنافقين؟ فقال: لا، ولا أزكي أحدا بعدك.\nوقال حذيفة ﵁ كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني.\nقال أبو نعيم: حدثنا سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى، قال: بلغني أن حذيفة كان يقول: ما أدرك هذا الأمر أحد من الصحابة إلا قد اشترى بعض دينه ببعض. قالوا: وأنت؟ قال: وأنا والله، إني لأدخل على أحدهم -وليس أحد إلا فيه محاسن ومساوئ- فأذكر من محاسنه، وأعرض عما سوى ذلك، وربما دعاني إلى الغذاء، فأقول: إني صائم، ولست بصائم. مات ﵁ بالمدائن سنة ست وثلاثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة عن قتادة قال: قال حذيفة بن اليمان: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، اتبعوا آثارنا فقد سبقتم سبقا بعيدا وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا بعيدا. (١)\n- وروى البخاري عن حذيفة ﵁ قال: يا معشر القراء، استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. (٢)\n- وفي الباعث: عن حذيفة قال: كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٣٥ - ٣٣٦/ ١٩٧).\n(٢) البخاري (١٣/ ٣١١/٧٢٨٢) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٧) وأصول الاعتقاد (١/ ١٠١/١١٩) والإبانة (١/ ٢/٣٣٥/ ١٩٦) وابن وضاح (ص.٤١).","vol":"1","page":143},{"text":"الله - ﷺ - فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم. (١)\n\" التعليق:\nيخاطب حذيفة القراء والعلماء ويأمرهم بالتزام المنهج السلفي، الذي كان عليه صحابة رسول الله - ﷺ -. قال الحافظ عند الحديث الذي أخرجه البخاري: قوله: (سبقا بعيدا) أي: ظاهرا ووصفه بالبعد لأنه غاية شأو السابقين، والمراد أنه خاطب بذلك من أدرك أوائل الإسلام فإذا تمسك بالكتاب والسنة سبق إلى كل خير، لأن من جاء بعده إن عمل بعمله لم يصل إلى ما وصل إليه من سبقه إلى الإسلام، وإلا فهو أبعد منه حسا وحكما. وقوله: (فإن أخذتم يمينا وشمالا) أي خالفتم الأمر المذكور. وكلام حذيفة منتزع من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢) والذي له حكم الرفع من حديث حذيفة هذا الإشارة إلى فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين مضوا على الاستقامة. (٣) اهـ\n- وجاء في ذم الكلام: أن حذيفة ﵁ لما حضرته الوفاة، دخل عليه أبو مسعود فقال له: اعهد إلينا فقد كان رسول الله - ﷺ - يحدثك بأحاديث قال: أو ما أتاك الحق اليقين؟ قال: اعلم أن من أعمى الضلالة أن\n_________\n(١) الباعث (٧٠ - ٧١)، وعزاه إلى أبي داود ولم أجده فيه. وانظر صيانة الإنسان (ص.٣٢١) والاعتصام (٢/ ٦٣٠).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) فتح الباري (١٣/ ٢٥٧).","vol":"1","page":144},{"text":"تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله فإن دين الله واحد. (١)\n\" التعليق:\nرضي الله عن هذا الصحابي الجليل حيث أشار إلى أظهر صفات المبتدعة، وهي التلون والتقلب، وأما السلفي فتجده ثابتا في عقيدته، ثابتا في اتباعه للرسول - ﷺ -، ملتزما بذلك، يقف مع الدليل ويتحرك معه ولا يحيد عنه قيد أنملة.\n- وفي الإبانة: عن سعد بن حذيفة عن أبيه، قال: من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. (٢)\n- وروى البخاري عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي - ﷺ -، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون. (٣)\n\" التعليق:\nقال ابن بطال: إنما كانوا شرا ممن قبلهم لأن الماضين كانوا يسرون قولهم فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم، وأما الآخرون فصاروا يجهرون بالخروج على الأئمة ويوقعون الشر بين الفرق فيتعدى ضررهم لغيرهم. (٤)\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.١٥٩) والإبانة (٢/ ٣/٥٠٤ - ٥٠٥/ ٥٧٢) وأصول الاعتقاد (١/ ١٠١/١٢٠) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٣٣).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٢٩٠/ ١٢٢) والسنة للخلال (١/ ٨٧).\n(٣) البخاري (١٣/ ٨٦/٧١١٣). وانظر: ذم الكلام (ص.٤٣) وحلية الأولياء (١/ ٢٨٠) وطبقات الحنابلة (١/ ٥٥).\n(٤) الفتح (١٣/ ٧٤).","vol":"1","page":145},{"text":"- وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل فلم تدر أيهما تتبع فتلك الفتنة. (١)\n- وعنه أيضا: أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون. قال سفيان: وهو صاحب البدعة. (٢)\n- وعنه أيضا: أنه أخذ حجرين، فوضع أحدهما على الآخر، ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله، ما نرى بينهما من النور إلا قليلا. قال: والذي نفسي بيده، لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، والله، لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء، قالوا: تركت السنة. (٣)\n- وعنه أنه قال: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليصلين نساؤكم وهن حيض، ولتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم، ولا تخطئ بكم، وحتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة، تقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس، لقد ضل من كان قبلنا، إنما قال الله:\n_________\n(١) ابن أبي شيبة (١٥/ ٧٠).\n(٢) ابن وضاح في البدع (ص.٨١) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٧٨).\n(٣) ابن وضاح في البدع (ص.١٢٤).","vol":"1","page":146},{"text":"﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (١)، لا تصلون إلا ثلاثا، وتقول الأخرى: إنا مؤمنون بالله كإيمان الملائكة، ما فينا كافر ولا منافق، حق على الله أن يحشرهما مع الدجال. (٢)\n- عن قتادة أن حذيفة قال: لتركبن سنن بني إسرائيل حذو القذة بالقذة وحذو الشبر بالشبر حتى لو فعل رجل من بني إسرائيل كذا وكذا فعله رجل من هذه الأمة. فقال له رجل: قد كان في بني إسرائيل قردة وخنازير، قال: وهذه الأمة سيكون فيها قردة وخنازير. (٣)\n- عن أبي عبد الله الفلسطيني قال: حدثني عبد العزيز أخو حذيفة عن حذيفة بن اليمان، قال: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة وليصلين النساء وهن حيض ولينقضن الإسلام عروة عروة ولتركبن طريق من كان قبلكم حذو النعل بالنعل وحذو القذة بالقذة لا تخطئون طريقهم ولا يخطأ بكم. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>موقفه من المشركين:</span>\n- عن عزرة قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرا، فقطعه أو انتزعه، ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) هود الآية (١١٤).\n(٢) الحاكم (٤/ ٤٦٩) وصححه ووافقه الذهبي. وابن وضاح في البدع (١٢٥ - ١٢٦) وابن بطة في الإبانة (١/ ١/١٧٤ - ١٧٥/ ٨).\n(٣) الإبانة (٢/ ٤/٥٧١/ ٧١٥).\n(٤) الإبانة (٢/ ٤/٥٧١/ ٧١٦).\n(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٠٨) والإبانة (٢/ ٦/٧٤٣/ ١٠٣٠).","vol":"1","page":147},{"text":"- قال حذيفة: لا تقوم الساعة حتى تنصب فيها الأوثان وتعبد. يعني في المحاريب. (١)\n- وروى أبو بكر الخلال، بإسناده عن محمد بن سيرين، أن حذيفة بن اليمان أتى بيتا، فرأى فيه حارستان: فيه أباريق الصفر والرصاص، فلم يدخله. وقال من تشبه بقوم فهو منهم. وفي لفظ آخر: فرأى شيئا من زي العجم فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: عن حذيفة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٣) قال: النظر إلى وجه الله. (٤)\n- عن ربعي أنه سمع حذيفة بن اليمان سمع رجلا يقول: اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد، فقال: إن الله ﷿ يغني المؤمنين عن شفاعة محمد ولكن الشفاعة للمذنبين من المؤمنين والمسلمين. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>موقفه من الخوارج:</span>\nعن حذيفة قال: إني لأعلم أهل دينين أهل ذينك الدينين في النار، قوم يقولون: إنما الإيمان كلام، وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس وإنما هما\n_________\n(١) ما جاء في البدع (١٧٦).\n(٢) الاقتضاء (١/ ٣١٨).\n(٣) يونس الآية (٢٦).\n(٤) السنة لعبد الله (٦٠) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٠٧ - ٥٠٨/ ٧٨٤) والشريعة (٢/ ١٤/٦٣٢).\n(٥) الشريعة (٢/ ١٥٠/٨٣٧) وأصول الاعتقاد (٦/ ١١٨١ - ١١٨٢/ ٢٠٨٥).","vol":"1","page":148},{"text":"صلاتان. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن حذيفة قال: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليصلين نساؤكم وهن حيض، ولتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم، ولا تخطئ بكم، وحتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة، تقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس، لقد ضل من كان قبلنا، إنما قال الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٢)، لا تصلون إلا ثلاثا، وتقول الأخرى: إنا مؤمنون بالله كإيمان الملائكة، ما فينا كافر ولا منافق، حق على الله أن يحشرهما مع الدجال. (٣)\nجاء في الإبانة: عن قيس بن السكن، عن حذيفة، قال: يأتي على الناس زمان لو رميت بسهم يوم الجمعة لم يصب إلا كافرا أو منافقا. (٤)\nوفيها: عن أبي يحيى قال: سئل حذيفة ما النفاق؟ قال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. (٥)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.٨٩) والإبانة (٢/ ٧/٨٨٧/ ١٢٢٩) والشريعة (١/ ٣٠٨/٣٣٣) والإيمان لابن أبي شيبة (٦٥) والإيمان لأبي عبيد (ص.٣٣).\n(٢) هود الآية (١١٤).\n(٣) الحاكم (٤/ ٤٦٩) وصححه ووافقه الذهبي. وابن وضاح في البدع (١٢٥ - ١٢٦) وابن بطة في الإبانة (١/ ١/١٧٤ - ١٧٥/ ٨).\n(٤) الإبانة (١/ ١/١٧٥/ ٩).\n(٥) الإبانة (٢/ ٥/٦٩١/ ٩١٤).","vol":"1","page":149},{"text":"جندب الأزدي (١) (٣٦ هـ)\nجُنْدُب بن كعب بن عبد الله أبو عبد الله الأزدي الغامدي، قدم دمشق، ويقال له: جندب الخير، وهو الذي قتل المشعوذ الساحر. روى عن النبي - ﷺ - وعن علي وسلمان ﵄. روى عنه حارثة بن وهب الخزاعي الصحابي والحسن البصري وأبو عثمان النهدي، وأبو السابغة النهدي، وتميم بن الحارث وغيرهم، توفي سنة ست وثلاثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>موقفه من المشركين:</span>\nعن أبي عثمان النهدي أن ساحرا كان يلعب عند الوليد بن عقبة الأمير فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه ولا يضره، فقام جندب إلى السيف فأخذه فضرب عنقه ثم قرأ: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (٢). (٣)\n\nالزُّبَيْر بن العَوَّام (٤) (٣٦ هـ)\nالزبير بن العوام بن خُوَيْلِد، أبو عبد الله حواري رسول الله - ﷺ -، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة\n_________\n(١) الإصابة (١/ ٥١١ - ٥١٣) والاستيعاب (١/ ٢٥٨ - ٢٦٠) وتقريب التهذيب (١/ ١٣٥) والسير (٣/ ١٧٥ - ١٧٧) وتهذيب الكمال (٥/ ١٤١ - ١٤٨).\n(٢) الأنبياء الآية (٣).\n(٣) أخرجه الدارقطني (٣/ ١١٤) وأورده الذهبي في السير (٣/ ١٧٥).\n(٤) الاستيعاب (٢/ ٥١٠ - ٥١٦) والإصابة (٢/ ٥٥٣ - ٥٥٧) وطبقات ابن سعد (٣/ ١٠٠ - ١١٣) والبداية والنهاية (٧/ ٢٦٠ - ٢٦١) والحلية (١/ ٨٩ - ٩٢) والمستدرك (٣/ ٣٥٩ - ٣٦٨) والوافي (١٤/ ١٨٠ - ١٨٤) والسير (١/ ٤١ - ٦٧) والعقد الثمين (٤/ ٤٢٩ - ٤٤٠) ومجمع الزوائد (٩/ ١٥٠ - ١٥٣) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣١٨ - ٣١٩).","vol":"1","page":150},{"text":"أهل الشورى، وأول من سل سيفه في سبيل الله. أسلم وهو حدث وهاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة. شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -. روى عن النبي - ﷺ -. وروى عنه الأحنف بن قيس، وابناه عبد الله وعروة وعبد الله بن عامر وقيس بن أبي حازم.\nقال الزبير: ما تخلفت عن غزوة غزاها المسلمون إلا أن أقبل فألقى ناسا يعقبون. قال الثوري: هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة: حمزة وعلي والزبير.\nعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان على حراء فتحرك، فقال: \"اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق، أو شهيد\" (١) وكان عليه أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، رواه مسلم. وعن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر. لما أصاب رسول الله - ﷺ - ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: \"من يذهب إثرهم؟ \" فانتدب منهم سبعون رجلا، كان فيهم أبو بكر والزبير. أخرجاه (٣).\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٤١٩) ومسلم (٤/ ٢٨٨٠/٢٤١٧) والترمذي (٥/ ٥٨٢/٣٦٩٦) وقال: \"هذا حديث صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ٥٩/٨٢٠٧).\n(٢) آل عمران الآية (١٧٢).\n(٣) البخاري (٧/ ٤٧٥/٤٠٧٧) ومسلم (٤/ ١٨٨٠ - ١٨٨١/ ٢٤١٨ - (٥١ - ٥٢» مختصرا. وابن ماجه (١/ ٤٦/١٢٤) مختصرا.","vol":"1","page":151},{"text":"عن أبي رجاء العطاردي، قال: شهدت الزبير يوما، وأتاه رجل فقال: ما شأنكم أصحاب رسول الله؟ أراكم أخف الناس صلاة، قال: نبادر الوسواس. قال جويرة بن أسماء: باع الزبير دارا له بست مائة ألف، فقيل له: يا أبا عبد الله غبنت، قال: كلا، هي في سبيل الله. قتل ﵁ سنة ست وثلاثين بعد منصرفه من وقعة الجمل، قتله ابن جرموز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن عبد الله بن الزبير قال: لقيني ناس من أهل العراق، فخاصموني في القرآن، فوالله ما استطعت بعض الرد عليهم وهبت المراجعة في القرآن، فشكوت ذلك إلى أبي الزبير. فقال الزبير: إن القرآن قد قرأه كل قوم فتأولوه على أهوائهم وأخطئوا مواضعه، فإن رجعوا إليك فخاصمهم بسنن أبي بكر وعمر رحمهما الله، فإنهم لا يجحدون أنهما أعلم بالقرآن منهم، فلما رجعوا فخاصمتهم بسنن أبي بكر وعمر فوالله ما قاموا معي ولا قعدوا. (١)\n\" التعليق:\nلا شك أن دراسة التراث السلفي تراث الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ يورث الهداية إلى سبيل الرشاد، وترك ذلك والاعتناء بما قاله الخلف، يورث كل حيرة وضلالة، فرضي الله عن هذا الصحابي الجليل الذي أرشدنا لهذا الموروث العظيم.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٦٢٠/ ٨١١) والفقيه والمتفقه (١/ ٥٦٠ - ٥٦١) بنحوه مختصرا.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>موقفه من المشركين:</span>\nأخرج أبو نعيم في الحلية بسنده إلى أبي الأسود: قال أسلم الزبير بن العوام وهو ابن ثماني سنين وهاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة، كان عم الزبير يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول ارجع إلى الكفر فيقول الزبير لا أكفر أبدا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>موقفه من الجهمية:</span>\nأخرج اللالكائي في أصول الاعتقاد: عن الزبير بن العوام أنه سئل بوجه الله فقال: أعطه فإنه بوجه الله سأل لا بوجه الخلق. (٢)\n\nسَلْمَان الفارسي (٣) (٣٦ هـ)\nسلمان ابن الإسلام، ويقال له: سلمان الخير، أبو عبد الله الفارسي. سابق الفرس إلى الإسلام، صحب النبي - ﷺ -، وخدمه وحدث عنه. كان لبيبا حازما، من عقلاء الرجال وعبادهم ونبلائهم. كان قد سمع بأن النبي - ﷺ - سيبعث فخرج في طلب ذلك فأسر، وبيع بالمدينة فاشتغل بالرق، حتى كان أول مشاهده الخندق، وشهد بقية المشاهد. روى عنه ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وشرحبيل ابن السمط، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي.\n_________\n(١) الحلية (١/ ٨٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٥٨/٦٩٢).\n(٣) الاستيعاب (٢/ ٦٣٤ - ٦٣٨) والإصابة (٣/ ١٤١ - ١٤٢) والسير (١/ ٥٠٥ - ٥٥٨) والجرح والتعديل (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧) وتاريخ بغداد (١/ ١٦٣ - ١٧١) وأسد الغابة (٢/ ٥١٠ - ٥١٥).","vol":"1","page":153},{"text":"قال كعب الأحبار: سلمان حشي علما وحكمة. قال ابن عبد البر: كان خيّرا فاضلا حبرا عالما زاهدا متقشفا. توفي سنة ست وثلاثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة عن عبد الله بن ربيعة عن سلمان أنه قال: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يعلم الآخر، فإذا هلك الأول قبل أن يعلم الآخر هلك الناس. (١)\n- وروى الدارمي عن أبي صادق قال: قال سلمان: لو وضع رجل رأسه على الحجر الأسود فصام النهار وقام الليل لبعثه الله يوم القيامة مع هواه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن عبد الله بن) هبيره (النصري قال: كتب أبو الدرداء إلى سلمان: أن هلم إلى الأرض المقدسة. وكان أبو الدرداء يلي القضاء بالشام، فكتب إليه سلمان: الأرض لا تقدس أحدا إنما يقدس المرء عمله. (٣)\n- عن طارق بن شهاب الأحمسي عن سلمان قال: إن مثل الصلوات الخمس كمثل سهام الغنيمة، فمن يضرب فيها بخمسة خير ممن يضرب فيها بأربعة، ومن يضرب فيها بأربعة خير ممن يضرب فيها بثلاثة، ومن يضرب فيها بثلاثة خير ممن يضرب فيها بسهمين، ومن يضرب فيها بسهمين خير\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١/٢٠٤/ ٤٢).\n(٢) سنن الدارمي (١/ ٩٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٩/١٧١٨).","vol":"1","page":154},{"text":"ممن يضرب فيها بسهم، وما جعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن أبي الحجاج (رجل من الأزد)؛ قال: سألت سلمان: كيف الإيمان بالقدر يا أبا عبد الله؟ قال: أن يعلم الرجل من قبل نفسه أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ فذاك الإيمان بالقدر. (٢)\n- عن أبي نعامة السعدي قال: كنا عند أبي عثمان فحمدنا الله ودعونا، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره. فقال: ثبتك الله. كنا عند سلمان فحمدنا الله ودعوناه وذكرناه، فقلت لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره. فقال سلمان: ثبتك الله. إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذاري إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة. فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير. ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر. (٣)\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٦٥/٣٠٣٦٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٧٠/ ١٦٥٣) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٩/١٢٤٠) والشريعة (١/ ٤٠٦/٤٧٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٩ - ٧٥٠/ ١٢٤١) والإبانة (٢/ ٩/١٦٩ - ١٧٠/ ١٦٥٢) والشريعة (١/ ٤٠٥/٤٦٩).","vol":"1","page":155},{"text":"عمَّار بن يَاسِر (١) (٣٧ هـ)\nعمار بن ياسر بن عامر الإمام الكبير، أبو اليقظان، العنسي المكي مولى بني مخزوم، أحد السابقين الأولين والأعيان البدريين، أمه هي سمية مولاة بني مخزوم من كبار الصحابيات أيضا.\nقال أبو عمر ﵀: كان عمار وأمه سمية ممن عذب في الله، ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه، واطمأن بالإيمان قلبه، فنزلت فيه: ﴿إِلًّا َمنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ (٢) وهذا مما اجتمع أهل التفسير عليه.\nوكان عمار ممن هاجر إلى الحبشة وممن صلى القبلتين، شهد بدرا والمشاهد كلها، وشهد اليمامة فأبلى فيها ويومئذ قطعت أذنه.\nله عدة أحاديث، روى عنه علي وابن عباس وأبو موسى الأشعري وأبو أمامة الباهلي وغيرهم.\nوأخرج الحاكم عن جابر أن رسول الله - ﷺ - مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال: \"صبرا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة\". (٣)\nوأخرج الإمام أحمد والحاكم عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٣/ ٢٤٦ - ٢٦٤) والإصابة (٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦) والاستيعاب (٣/ ١١٣٥ - ١١٤١) والبداية والنهاية (٧/ ٣١١ - ٣١٢) والحلية (١/ ١٣٩ - ١٤٣) والسير (١/ ٤٠٦ - ٤٢٨) وتاريخ بغداد (١/ ١٥٠ - ١٥٣) ومجمع الزوائد (٩/ ٢٩١ - ٢٩٨) والعقد الثمين (٦/ ٢٧٩ - ٢٨٠) وشذرات الذهب (١/ ٤٥) والوافي (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٨).\n(٢) النحل الآية (١٠٦).\n(٣) الحاكم (٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي. والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥/ ١٥٣١) وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٩٦) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وهو ثقة\".","vol":"1","page":156},{"text":"عمار كلام، فأغلظت له، فشكاني إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: \"من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله فخرجت، فما شيء أحب إلي من رضى عمار، فلقيته فرضي\" (١).\nتوفي ﵁ سنة سبع وثلاثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في السير: قال الشعبي: سئل عمار عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: فدعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناه لكم. (٢)\n- وروى ابن وضاح عن عمار بن ياسر قال: يأتي على الناس زمان خير دينهم دين الأعراب. قال: ومم ذاك؟ قال: تحدث أهواء وبدع يحضون عنها. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>موقفه من المشركين:</span>\n- قال الذهبي في السير: قيل: لم يسلم أبوا أحد من السابقين المهاجرين سوى عمار وأبي بكر. (٤)\n- وعن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لأبي عمار\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٨٩ - ٩٠) والطبراني (٤/ ١١٣ - ١١٤/ ٣٨٣٥) والحاكم (٣/ ٣٩٠ - ٣٩١) وقال: \"صحيح الإسناد على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي. ابن حبان (١٥/ ٥٥٦ - ٥٥٧/ ٧٠٨١ الإحسان). وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٩٦) وقال: \"رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح\".\n(٢) سير إعلام النبلاء (١/ ٤٢٣).\n(٣) ابن وضاح (ص.١٧١).\n(٤) السير (١/ ٤١٠).","vol":"1","page":157},{"text":"وأم عمار: اصبروا آل ياسر موعدكم الجنة. (١)\n- وعن ابن عون عن محمد أن النبي - ﷺ - لقي عمارا وهو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه وهو يقول: أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا وكذا فإن عادوا فقل ذاك لهم. (٢)\n- وعن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول ... وقوم من المسلمين وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ (٣).اهـ (٤)\n- وعن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود، عنه، قال: إن أبا جهل طعن بحربة في فخذ سمية أم عمار حتى بلغت فرجها فماتت، فقال عمار: يا رسول الله، بلغ منا -أو بلغ منها- العذاب كل مبلغ، فقال رسول الله - ﷺ -، صبرا أبا اليقظان، اللهم لا تعذب أحدا من آل ياسر بالنار. (٥)\n_________\n(١) رواه الطبراني (٢٤/ ٣٠٣/٧٦٩) من حديث عثمان بن عفان. وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٩٣) وقال: \"ورجاله ثقات وله شاهد رواه الطبراني في الأوسط (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥/ ١٥٣١) من طريق إبراهيم بن عبد العزيز المقوم، قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا هشام الدستوائي، عن أبي الزبير عن جابر أن النبي - ﷺ - مر بعمار ابن ياسر وبأهله وهم يعذبون في الله ﷿، فقال: أبشروا آل ياسر موعدكم الجنة. وقال: لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا هشام، ولا عن هشام إلا مسلم تفرد به إبراهيم بن عبد العزيز. وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٩٣) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وهو ثقة\".\n(٢) طبقات ابن سعد (٣/ ٢٤٩).\n(٣) النحل الآية (١١٠).\n(٤) طبقات ابن سعد (٣/ ٢٤٨).\n(٥) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٨٦٤).","vol":"1","page":158},{"text":"\" التعليق:\nلقد شرف الله هذه الأسرة المباركة بهذه المواقف العظيمة، فكانت في الثبات على عقيدة التوحيد الخالص، وإيثار الآخرة على الدنيا، واسترخاص المهج في سبيل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن عمرو بن غالب أن رجلا نال من عائشة ﵂ عند عمار بن ياسر فقال: اغرب مقبوحا منبوحا أتؤذي حبيبة رسول الله - ﷺ -. (١)\n- عن ابن أبي الهذيل قال: قال عمار بن ياسر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. (٢)\n- وعنه أيضا، عن عمار بن ياسر قال: من فضل على أبي بكر وعمر أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - أزرى على اثني عشر ألفا من أصحاب رسول الله - ﷺ -. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>موقفه من المرجئة:</span>\nعن صلة بن زفر، عن عمار قال: ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان، إنصاف من نفسه، والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالم. (٤)\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٤٧٥/١٩٤٥). وهو عند الترمذي (٥/ ٦٦٤/٣٨٨٨) قال الذهبي في السير (٢/ ١٧٩): \"صححه في بعض النسخ، وفي بعض النسخ: هذا حديث حسن\".\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٠٧ - ١٤٠٨/ ٢٥٣٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٤٩/٢٦١٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٦ - ١٠١٧/ ١٧١٣) والإيمان لابن أبي شيبة (١٣١) وهو في المصنف (٦/ ١٧٢/٣٠٤٤٠) وهو عند البخاري معلقا في كتاب الإيمان باب: إفشاء السلام من الإسلام (١/ ١١١ الفتح).","vol":"1","page":159},{"text":"خبَّاب بن الأَرَتّ (١) (٣٧ هـ)\nخباب بن الأرت بن جَنْدَلة، كان فاضلا من السابقين الأولين، من أوائل من أظهر إسلامه وعذب لأجل ذلك عذابا شديدا، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد مع النبي - ﷺ -، يكنى أبا يحيى، وقيل يكنى أبا عبد الله وقيل أبا محمد. روى عن النبي - ﷺ -. روى عنه مسروق بن الأجدع وأبو أمامة صدي ابن عجلان، وعلقمة بن قيس النخعي وابنه عبد الله بن خباب وأبو وائل شقيق بن سلمة وغيرهم.\nقال مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وخباب، وبلال، وصهيب، وعمار.\nوعن الشعبي قال: سأل عمر خبابا عما لقي من المشركين، فقال: يا أمير المؤمنين، انظر إلى ظهري، فنظر، فقال ما رأيت كاليوم. قال خباب: لقد أوقدت لي نار وسحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري. وعن أبي ليلى الكندي قال: قال عمر لخباب: \"ادن، فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار، قال: فجعل يريه بظهره شيئا يعني من آثار تعذيب قريش له\" رواه ابن ماجه (٢).\nتوفي ﵁ بالكوفة سنة سبع وثلاثين وصلى عليه علي ﵁.\n_________\n(١) البداية (٧/ ٣١٠) والإصابة (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩) والاستيعاب (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٩) والطبقات لابن سعد (٣/ ١٦٤ - ١٦٧) ومجمع الزوائد (٩/ ٢٩٨ - ٢٩٩) والسير (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤) والحلية (١/ ١٤٣ - ١٤٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٣٣ - ١٣٤) وشذرات الذهب (١/ ٤٧) والعقد الثمين (٤/ ٣٠٠) والجرح والتعديل (٣/ ٣٩٥) وتهذيب الكمال (٨/ ٢١٩ - ٢٢٠).\n(٢) ابن ماجه (١/ ٥٤/١٥٣) قال البوصيري في الزوائد: \"هذا إسناد صحيح\".","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى ابن وضاح عن عبد الله بن خباب قال: بينما نحن في المسجد ونحن جلوس مع قوم نقرأ السجدة ونبكي فأرسل إلي أبي، فوجدته قد احتجز معه هراوة له فأقبل علي فقلت: يا أبت مالي مالي؟ قال: ألم أرك جالسا مع العمالقة ثم قال: هذا قرن خارج الآن. (١)\n- وعن صالح أبي الخليل قال: مر خباب بابنه وهو مع أناس يجادلون في القرآن فانقلب غضبان فأعد له سوطا أو خطاما أو نسعة، فلما انقلب الفتى وثب عليه من غير أن يأتيه فضربه ضربا عنيفا، فلما رأى الجد من أبيه قال: قد علمت أنك إنما تريد نفسي فعلى ماذا؟ فما رد عليه شيئا فجعل يضربه فقال: يا أبت، قد أرى أنك تريد نفسي، فمه؟ قال: ألم أرك مع قوم يجادلون في القرآن؟ قال: يا أبت إني لا أعود. فكان إذا مر بهم يدعونه، قال: فيقول: لا، إلا أن تقبلوا مني ما قبل أبي من نبي الله. قال: فيقولون له: إنه قد كان بعد النبي - ﷺ - أمور أو أحداث. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>موقفه من المشركين:</span>\n- روى البخاري من حديث خباب قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: \"قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالميشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما\n_________\n(١) ابن وضاح (ص.٥٢).\n(٢) ابن وضاح (ص.٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":161},{"text":"دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون\". (١)\n- وعن مسروق قال: سمعت خبابا قال: جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقا لي عنده، قال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد - ﷺ -، فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث قال: وإني لميت ثم مبعوث؟. قلت: نعم قال: إن لي هناك مالا وولدا فأقضيك فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (٢). (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عن فروة بن نوفل قال: أخذ خباب بن الأرت بيدي فقال: يا هناه تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لست بمقترب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه. (٤)\n_________\n(١) أحمد (٥/ ١٠٩ و١١٠ - ١١١) والبخاري (٦/ ٧٦٨/٣٦١٢) وأبو داود (٣/ ١٠٨/٢٦٤٩) والنسائي (٨/ ٥٩٢/٥٣٣٥) مختصرا.\n(٢) مريم الآية (٧٧).\n(٣) البخاري (٨/ ٥٤٨/٤٧٣٢).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٧٥/٥٥٨) والإبانة (١/ ١٢/٢٤٤ - ٢٤٥/ ١٩) والشريعة (١/ ٢١٦/١٦٩) والفتاوى (٣/ ١٧٥) والسنة لعبد الله (٢٤).","vol":"1","page":162},{"text":"عبد الله بن خَبَّاب بن الأَرَتّ (١) (٣٧ هـ)\nذكره الطبراني وغيره في الصحابة، وقال عبد الرحمن بن خراش: أدرك النبي - ﷺ -. وروى ابن منده عن زكريا بن العلاء: أول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن خباب، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: عبد الله ابن خباب من كبار التابعين. وروى عن أبيه، وأبي بن كعب وحدث عنه سماك بن حرب، وعبد الله بن الحارث. قتله الخوارج وهو متوجه إلى الكوفة هو وامرأته وولده. وذلك سنة سبع وثلاثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى ابن وضاح عن صالح أبي الخليل قال: مر خباب بابنه وهو مع أناس يجادلون في القرآن فانقلب غضبان فأعد له سوطا أو خطاما أو نسعة، فلما انقلب الفتى وثب عليه من غير أن يأتيه فضربه ضربا عنيفا، فلما رأى الجد من أبيه قال: قد علمت أنك إنما تريد نفسي فعلى ماذا؟ فما رد عليه شيئا فجعل يضربه فقال: يا أبت، قد أرى أنك تريد نفسي، فمه؟ قال: ألم أرك مع قوم يجادلون في القرآن؟ قال: يا أبت إني لا أعود. فكان إذا مر بهم يدعونه، قال: فيقول: لا، إلا أن تقبلوا مني ما قبل أبي من نبي الله. قال: فيقولون له: إنه قد كان بعد النبي - ﷺ - أمور أو أحداث. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>موقفه من الخوارج:</span>\nعن حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس -كان مع الخوارج ثم\n_________\n(١) الإصابة (٤/ ٧٣) والاستيعاب (٣/ ٨٩٤) وأسد الغابة (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٤) وتهذيب الكمال (١٤/ ٤٤٦).\n(٢) ابن وضاح (ص.٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":163},{"text":"فارقهم- قال: دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب ذعرا، يجر رداءه، فقالوا: لم ترع؟ لم ترع؟ مرتين، فقال: والله لقد رعتموني قالوا: أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، قالوا: فهل سمعت من أبيك حديثا يحدث به عن رسول الله - ﷺ -، تحدثناه؟ قال: سمعته يقول عن رسول الله - ﷺ -: إنه ذكر فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قال: فإن أدركتها فكن عبد الله المقتول، قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: ولا تكن عبد الله القاتل، قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك، يحدث به عن رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك ما اخدفر -يعني ما اختلط بالماء الدم- وبقروا أم ولده عما في بطنها. (١)\n\nسهل بن حُنَيْف (٢) (٣٨ هـ)\nسهل بن حنيف بن واهب بن العكيم، أبو عبد الله وأبو ثابت الأنصاري الأوسي العوفي شهد بدرا والمشاهد كلها، ثبت يوم أحد وبايع على الموت، وجعل ينضح بالنبل فقال النبي - ﷺ -: \"نبلوا سهلا فإنه سهل\" (٣). وكان عمر يقول: سهل غير حزن. آخى النبي - ﷺ - بينه وبين علي. استخلفه\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١١٠) والطبراني في الكبير (٤/ ٥٩ - ٦١/ ٣٦٢٩ - ٣٦٣١) والآجري في الشريعة (١/ ١٦٥/٨٠) واللفظ له. وأبو يعلى (١٣/ ١٧٦ - ١٧٧/ ٧٢١٥).\n(٢) الاستيعاب (٢/ ٦٦٢ - ٦٦٣) والإصابة (٣/ ١٩٨) والسير (٢/ ٣٢٥) وشذرات الذهب (١/ ٤٨) وتهذيب الكمال (١٢/ ١٧١).\n(٣) ابن سعد (٣/ ٤٧١) والحاكم (٣/ ٤٠٩).","vol":"1","page":164},{"text":"علي على البصرة بعد الجمل. روى عن النبي - ﷺ - وزيد بن ثابت. وعنه ابناه: أبو أمامة وعبد الله وغيرهم. وحديثه في الكتب الستة. مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين وصلى عليه علي فكبر عليه ستا وروي خمسا. فالتفت وقال: إنه بدري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى البخاري عن أبي وائل قال: قال سهل بن حنيف: يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله - ﷺ - لرددته وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير هذا الأمر. قال: وقال أبو وائل: شهدت صفين وبئست صفون. (١)\n\nمُعَاذ بن عَفْرَاء (٢) (مات في خلافة علي بن أبي طالب)\nمعاذ بن الحارث بن رفاعة بن سَوَاد الأنصاريّ النجاري، المعروف بابن عفراء، وهي أمه. يروى أن معاذ بن الحارث، ورافع بن مالك الزرقي أول من أسلم من الأنصار بمكة، وشهد العقبتين جميعا، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين معمر بن الحارث الجمحي، أحد البدريين، وشارك في قتل أبي جهل، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -. له رواية عن النبي - ﷺ - في\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠/ ٧٣٠٨) ومسلم (٣/ ١٤١٢/١٧٨٥ [٩٥]).\n(٢) الإصابة (٦/ ١٤٠) وتهذيب الكمال (٢٨/ ١١٥ - ١١٧) وطبقات ابن سعد (٣/ ٤٩١ - ٤٩٢) والاستيعاب (٣/ ١٤٠٨ - ١٤١٠) والسير (٢/ ٣٥٨).","vol":"1","page":165},{"text":"السنن. توفي في خلافة علي ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>موقفه من المشركين:</span>\nعن عبد الرحمن بن عوف قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله - ﷺ -، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه. ثم انصرفا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبراه. فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله، سلبه لمعاذ ابن عمرو بن الجموح. وكانا معاذ بن عفراء ومعاذ ابن عمرو بن الجموح. (١)\n\nشُرَحْبِيل بن السِّمْط (٢) (٤٠ هـ)\nشرحبِيل بن السِّمط بن الأسود، أبو يزيد، ويقال: أبو السِّمط. وفد على النبي - ﷺ - فأسلم، وشهد القادسية. روى عن النبي - ﷺ -، وسلمان وعبادة\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٩٢ - ١٩٣) والبخاري (٦/ ٣٠٣/٣١٤١) ومسلم (٣/ ١٣٧٢/١٧٥٢).\n(٢) الإصابة (٣/ ٣٢٩ - ٣٣١) وأسد الغابة (٢/ ٢٤١١) والاستيعاب (٢/ ٦٩٩ - ٧٠٠) وتهذيب الكمال (١٢/ ٤١٨ - ٤٢١) والجرح والتعديل (٤/ ١٤٨٤).","vol":"1","page":166},{"text":"وعمر بن الخطاب. روى عنه بكر بن سوادة الجذامي، وجبير بن نفير الحضرمي، ومكحول الشامي. مات سنة أربعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>موقفه من المبتدعة:</span>\nنقل الهروي في ذم الكلام عن أبي إدريس الخولاني قال: كنا في بعض المغازي وعلينا شرحبيل بن السمط، فأصابنا ذات ليلة خوف فحضرت صلاة الصبح فأمرنا أن نصلي على دوابنا إيماء برؤوسنا ففعلنا إلا الأشتر (١)، إنه نزل من بيننا فصلى، فمر به شرحبيل، فقال: مخالف خالف الله بك. (٢)\n\nأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٣) (٤٠ هـ)\nعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب أمير المؤمنين أبو الحسن الهاشمي ويكنى أيضا أبا تراب، أحد السابقين الأولين، ربي في حجر النبي - ﷺ - ولم يفارقه، شهد بدرا وما بعدها إلا غزوة تبوك. فقال له النبي - ﷺ - بسبب تأخيره له بالمدينة: \"ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى\" (٤) وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد. روى عن النبي - ﷺ - كثيرا. وروى عنه ولداه الحسن\n_________\n(١) هو مالك بن الحارث النخعي الكوفي مخضرم، شهد اليرموك وغيرها، توفي سنة (٣٧هـ).\n(٢) ذم الكلام (٢/ ٣٨٥ طبعة الأنصاري).\n(٣) الإصابة (٤/ ٥٦٤ - ٥٧٠) والاستيعاب (٣/ ١٠٨٩ - ١١٣٣) والطبقات لابن سعد (٣/ ١٩ - ٤٠) والمعرفة والتاريخ (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥) والحلية (١/ ٦١ - ٨٧) والكامل لابن الأثير (٣/ ٣٨٧ - ٤٠٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠ - ١٣) والفكر السامي (١/ ١٧٩ - ١٨١) وشذرات الذهب (١/ ٤٩ - ٥١).\n(٤) أحمد (١/ ١٨٢ - ١٨٣) والبخاري (٨/ ١٤١/٤٤١٦) ومسلم (٤/ ١٨٧٠/٢٤٠٤) والترمذي (٥/ ٥٩٦/٣٧٢٤) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\". والنسائي (٥/ ٤٤/٨١٤١) وابن ماجه (١/ ٤٢ - ٤٣/ ١١٥).","vol":"1","page":167},{"text":"والحسين وابن مسعود وأبو موسى وابن عباس وأبو سعيد وطارق بن شهاب وغيرهم. قال ابن مسعود: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي. وقال ابن عباس: إذا حدثنا ثقة بفتيا عن علي لم نتجاوزها. وعن جسرة قالت: ذكر عن عائشة صوم عاشوراء، فقالت: من يأمركم بصومه؟ قالوا: علي، قالت: أما إنه أعلم من بقي بالسنة. وقال مسروق: انتهى علم أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى عمر وعلي وعبد الله. وقال أحمد: ما ورد لأحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - من الفضائل ما ورد لعلي ﵁.\nقال الحسن بن صالح بن حي: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز ﵀، فقال: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب. وقال فيه النبي - ﷺ -:_\"من كنت مولاه فعلي مولاه\". (١) وقال - ﷺ -: يوم خيبر: \"لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه، فأعطاها عليا ﵁\" رواه الشيخان (٢). أجمع المسلمون على أنه قتل شهيدا، وما على وجه الأرض بدري أفضل منه، ضربه ابن ملجم المرادي صبيحة سابع عشرة من رمضان سنة أربعين من الهجرة بالكوفة.\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٣٦٨) والترمذي (٥/ ٥٩١/٣٧١٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ١٣٤/٨٤٧٨) الحاكم (٣/ ١٠٩ - ١١٠) وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\" أورده الذهبي بقوله: لم يخرجا لمحمد، وقد وهاه السعدي. كلهم من طريق أبي الطفيل عن زيد بن أرقم، وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص وبريدة ابن الحصيب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس وغيرهم، وقد استوفى البحث فيه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (١٧٥٠).\n(٢) أحمد (٥/ ٣٣٣) والبخاري (٦/ ١٣٧ - ١٣٨/ ٢٩٤٢) ومسلم (٤/ ١٨٧٢/٢٤٠٦) وأبو داود (٤/ ٦٩/٣٦٦١) مختصرا. والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٦/٨١٤٩).","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: قال علي ﵁: سيأتي قوم يجادلونكم، فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. (١)\n- وعن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليا ﵄، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي، أهلَّ بهما: لبيك بعمرة وحجة، قال: ما كنت لأدع سنة النبي - ﷺ - لقول أحد. (٢)\n- وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن الزبير قال: والله إنا لمع عثمان بن عفان بالجحفة، ومعه رهط من أهل الشام، فيهم حبيب بن مسلمة الفهري إذ قال عثمان -وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج- إن أتم للحج والعمرة أن لا يكونا في أشهر الحج، فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل، فإن الله تعالى قد وسع في الخير، وعلي بن أبي طالب ﵁ في بطن الوادي يعلف بعيرا له، قال: فبلغه الذي قال عثمان، فأقبل حتى وقف على عثمان ﵁ فقال: أعمدت إلى سنة سنها رسول الله - ﷺ - ورخصة رخص الله تعالى بها للعباد في كتابه تضيق عليهم فيها وتنهى عنها، وقد كانت لذي الحاجة ولنائي الدار؟ ثم أهل بحجة وعمرة معا، فأقبل عثمان على الناس ﵁ فقال: وهل نهيت عنها أني لم أنه عنها؟ إنما كان رأيا أشرت به، فمن شاء أخذ به ومن شاء تركه. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٣٩/٢٠٣).\n(٢) أحمد (١/ ٩٢) بنحوه. والبخاري (٣/ ٥٣٨/١٥٦٣) واللفظ له. والنسائي (٥/ ١٦٢/٢٧٢٢). وأخرجه مسلم (٢/ ٨٩٧/١٢٢٣ [١٥٩]) عن سعيد ابن المسيب.\n(٣) أحمد (١/ ٩٢).","vol":"1","page":169},{"text":"\" التعليق:\nقال الذهبي: وفيه أن مذهب الإمام علي كان يرى مخالفة ولي الأمر لأجل متابعة السنة، وهذا حسن لمن قوي، ولم يؤذه إمامه، فإن آذاه، فله ترك السنة، وليس له ترك الفرض، إلا أن يخاف السيف. (١)\nوقال الحافظ في الفتح: وفيه جواز الاستنباط من النص لأن عثمان لم يخف عليه أن التمتع والقران جائزان، وإنما نهى عنهما ليعمل بالأفضل كما وقع لعمر، لكن خشي علي أن يحمل غيره النهي على التحريم فأشاع جواز ذلك، وكل منهما مجتهد مأجور. (٢)\nأقول: الله أكبر ما أعظم هذا الموقف، علي بن أبي طالب يخالف أمير المؤمنين عثمان لنص ثبت عنده عن رسول الله - ﷺ -، فما بال المبتدعة الذين ثبتت عندهم نصوص متعددة يقولون حسبنا قول فلان وفلان!!\n- وفي أصول الاعتقاد عن فاطمة بنت الحسين عن علي قال: إياكم والخصومة فإنها تمحق الدين. (٣)\n- وأخرج ابن بطة عن الحارث بن سويد قال علي بن أبي طالب ﵁: لا يزال الناس ينقصون حتى لا يبقى أحد يقول الله الله. قال أبو أسامة: معناه يستعلن به. (٤)\n_________\n(١) السير (٢١/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(٢) الفتح (٣/ ٥٤٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٣/٢١١).\n(٤) الإبانة (١/ ١/١٧٩/ ١٣).","vol":"1","page":170},{"text":"- وعن زاذان قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: لا تقوم الساعة حتى تكون هذه الأمة على بضع وسبعين ملة كلها في الهاوية وواحدة في الجنة. (١)\n- وفيها عن علي ﵁ قال: من فارق الجماعة شبرا فقد نزع ربقة الإسلام من عنقه. (٢)\n- وفيها: عن رفيع أبي كثير، قال: قال علي بن أبي طالب ﵁ يوما: سلوني عما شئتم، فقال ابن الكوا: ما السواد الذي في القمر؟ قال: فإن تلك لله، ألا سألت عما ينفعك في دينك وآخرتك ذاك محو الليل. وفيه زيادة من طريق أخرى قال أخبرنا عن قوله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ (٣)؟ قال: ثكلتك أمك سل تفقها ولا تسل تعنتا سل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك. وذكر الحديث. (٤)\n\" التعليق:\nقال ابن بطة عقبه: وهكذا كان العلماء والعقلاء إذا سئلوا عما لا ينفع السائل علمه ولا يضره جهله، وربما كان الجواب أيضا مما لا يضبطه السائل ولا يبلغه فهمه منعوه الجواب وربما زجروه وعنفوه.\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١/٣٧٥/ ٢٧٤).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٢٨٩/ ١٢٠).\n(٣) الذاريات الآية (٢).\n(٤) الإبانة (١/ ٢/٤١٨/ ٣٣٤) والشريعة (١/ ٢١٢/١٦٣).","vol":"1","page":171},{"text":"- وفيها أيضا: عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل رآه يصحب رجلا كرهه له:\nولا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه\nفكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه\nيقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه\nوللشيء على الشيء ... مقاييس وأشباه\nوللروح على الروح ... دليل حين يلقاه\nوذو الحزم إذا أبصر ... ما يخشى توقاه\nوذو الغفلة مغرور ... وريب الدهر يدهاه\nومن يعرف صروف الدهر ... لا يبطره نعماه\n\nوفي رواية:\nإذا أنت لم تسقم وصاحبت مسقما ... وكنت له خدنا فأنت سقيم (١)\n- وروى الخطيب عن عبد الله بن لهيعة قال: كتب ابن عباس إلى علي يستحثه فكتب إليه علي مجيبا: إنه ينبغي لك أن يكون أول عملك بما أنت فيه، البصر بهداية الطريق، ولا تستوحش لقلة أهلها، فإن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، لم يستوحش مع الله في طريق الهداية إذ قل أهلها، ولم يأنس بغير الله. (٢)\n- وعن أبي عامر إياس بن عامر عن علي بن أبي طالب قال: إنك إن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٥ - ٤٦٦/ ٤٦١).\n(٢) الفقيه والمتفقه (٢/ ٤٠٥).","vol":"1","page":172},{"text":"بقيت فسترى القرآن على ثلاثة أصناف: صنف لله، وصنف للدنيا، وصنف للجدال. (١)\n- عن إبراهيم التيمي حدثني أبي قال: خطبنا علي ﵁ على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة فقال: والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة، فنشرها، فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها: المدينة حرم من عير إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيه: ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيها: من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. (٢)\n- وفي سنن أبي داود عن علي بن أبي طالب قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﵌ يمسح على ظاهر خفيه. (٣)\n- وعن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما\n_________\n(١) الهروي في ذم الكلام (ص.٦٦) والدارمي في سننه (٢/ ٤٣٤).\n(٢) أحمد (١/ ١١٩) مختصرا، والبخاري (١٣/ ٣٤١ - ٣٤٢/ ٧٣٠٠) ومسلم (٢/ ١١٤٧/١٣٧٠) وأبو داود (٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠/ ٢٠٣٤) والترمذي (٤/ ٣٨١ - ٣٨٢/ ٢١٢٧) والنسائي (٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨/ ٤٧٤٨) وابن ماجه (٢/ ٨٨٧/٢٦٥٨) مختصرا.\n(٣) أبو داود (١/ ١١٤ - ١١٥/ ١٦٢ - ١٦٤). قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٦٠): \"وإسناده صحيح\".","vol":"1","page":173},{"text":"كان رجل على رأي من البدعة فتركه، إلا إلى ما هو شر منه. (١)\n- وعن أبي البختري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إياكم والاستنان بالرجال، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، ثم ينقلب لعلم الله فيه، فيعمل بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم الله فيه، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لابد فاعلين، فبالأموات لا بالأحياء. (٢)\n\" التعليق:\nقال الشاطبي: فهو إشارة إلى الأخذ بالاحتياط في الدين، وأن الإنسان لا ينبغي له أن يعتمد على عمل أحد ألبتة، حتى يتثبت فيه ويسأل عن حكمه، إذ لعل المعتمد على عمله يعمل على خلاف السنة، ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك، وقالوا: ضعف الروية أن يكون رأى فلانا يعمل فيعمل مثله، ولعله فعله ساهيا. (٣)\n- وعن كميل بن زياد: أن عليا ﵁، قال: يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني: ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ... إلى أن قال فيه: أف لحامل حق لا بصيرة له، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق،\n_________\n(١) ابن وضاح في البدع (ص.١١٧) وأورده الشاطبي في الاعتصام (١/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(٢) ابن بطة في الإبانة (٢/ ٩/١٣٦/ ١٥٧٢) وابن عبد البر في الجامع (٢/ ٩٨٧) واللفظ له.\n(٣) الاعتصام (٢/ ٦٨٩).","vol":"1","page":174},{"text":"إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به، وإن من الخير كله من عَرَّفه الله دينه، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف دينه. (١)\n- وروى البخاري في صحيحه عن عبيدة عن علي ﵁ قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي. (٢)\n- وقال ﵁: وابردها على كبدي، ثلاث مرات، قالوا: يا أمير المؤمنين وما ذاك؟ قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم. (٣)\n- وعنه ﵁ قال: خمس إذا سافر فيهن رجل إلى اليمن كن فيه عوضا من سفره: لا يخشى عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد. (٤)\n- وروى ابن وضاح عن أوفى بن دلهم العدوي قال: بلغني عن علي أنه قال: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي من\n_________\n(١) أبو نعيم في الحلية (١/ ٧٩ - ٨٠) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٨٢ - ١٨٣) وابن عبد البر في الجامع (٢/ ٩٨٤) وذكره الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٨٧٥ - ٨٧٦).\n(٢) البخاري (٧/ ٨٩/٣٧٠٧).\n(٣) الدارمي (١/ ٦٣) والبيهقي في المدخل (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢/ ٧٩٤) وابن عبد البر في الجامع (٢/ ٨٣٦) والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ٣٦٢/١١٠٤).\n(٤) الحلية لأبي نعيم (١/ ٧٥ - ٧٦) والمدخل للبيهقي (٢/ ٢٦٢/٧٩٥) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٣٨٣).","vol":"1","page":175},{"text":"بعدكم زمان ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نُوَمَة -قال وكيع: يعني مغفلا- أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم ليسوا بالعجل المذاييع البذر. قال: قيل لعلي ابن أبي طالب: ما النومة؟ قال: الرجل يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شيء. (١)\n- وجاء في المنهاج لشيخ الإسلام ابن تيمية: قال علي ﵁ في مفاوضة جرت بينه وبين عثمان ﵁: خيرنا أتبعنا لهذا الدين وعثمان يوافقه على ذلك، وسائر الصحابة ﵃ أجمعين. (٢)\n- وفي مقدمة ابن ماجه: عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: إذا حدثتكم عن رسول الله - ﷺ - حديثا فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن إسحاق: ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ جاء بعد ذلك بيوم وهما يصليان (٤)، فقال علي: يا محمد، ما هذا؟ قال: دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له وإلى عبادته وأن تكفر باللات والعزى، فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب، فكره رسول الله - ﷺ - أن يفشي\n_________\n(١) ما جاء في البدع (ص.١٣٠ - ١٣١).\n(٢) المنهاج (٥/ ٢٣٣).\n(٣) مقدمة ابن ماجه (ص.٢٠) والإبانة (١/ ١/٢٦٧ - ٢٦٨/ ١٠٣) والدارمي (١/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(٤) يعني النبي - ﷺ - وزوجه خديجة ﵂.","vol":"1","page":176},{"text":"عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا علي إذا لم تسلم فاكتم، فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله - ﷺ - حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علي يا محمد؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد، ففعل علي وأسلم. ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم علي إسلامه ولم يظهره. (١)\n- وعن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته. ولا قبرا مشرفا إلا سويته. (٢)\n- روى البخاري بسنده إلى عكرمة قال: أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله - ﷺ -: لا تعذبوا بعذاب الله. ولقتلتهم، لقول رسول الله - ﷺ -: من بدل دينه فاقتلوه. (٣)\nقال الحافظ في رواية هذا الحديث: (أتي علي) هو ابن أبي طالب تقدم في باب: \"لا يعذب بعذاب الله\" من كتاب الجهاد من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب بهذا السند أن عليا حرق قوما، وذكرت هناك أن الحميدي رواه\n_________\n(١) البداية والنهاية (٣/ ٢٤). وذكره ابن إسحاق في سيرته (ص.١١٨) بدون سند.\n(٢) أحمد (١/ ٩٦) ومسلم (٢/ ٦٦٦/٩٦٩) وأبو داود (٣/ ٥٤٨/٣٢١٨) والترمذي (٣/ ٣٦٦/١٠٤٩) والنسائي (٤/ ٣٩٣/٢٠٣٠).\n(٣) أحمد (١/ ٢١٧) والبخاري (٦/ ١٨٤/٣٠١٧) وأبو داود (٤/ ٥٢٠/٤٣٥١) والترمذي (٤/ ٤٨/١٤٥٨) والنسائي (٧/ ١٢٠/٤٠٧١) وابن ماجه (٢/ ٨٤٨/٢٥٣٥).","vol":"1","page":177},{"text":"عن سفيان بلفظ: \"حرق المرتدين\" ومن وجه آخر عند ابن أبي شيبة: \"كان أناس يعبدون الأصنام في السر\"، وعند الطبراني في الأوسط من طريق سويد ابن غفلة: \"أن عليا بلغه أن قوما ارتدوا عن الإسلام، فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام، فأبوا فحفر حفيرة ثم أتى بهم، فضرب أعناقهم ورماهم فيها، ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم، ثم قال: صدق الله ورسوله\"، وزعم أبو المظفر الإسفراييني في الملل والنحل أن الذين أحرقهم علي طائفة من الروافض ادعوا فيه الإلهية، وهم السبائية وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديا، ثم أظهر الإسلام، وابتدع هذه المقالة. وهذا يمكن أن يكون أصله ما رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعلي: إن هنا قوما على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم، آكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا. فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام فقال: أدخلهم فقالوا كذلك. فلما كان الثالث، قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك، فقال: يا قنبر، ائتني بفعلة معهم مرورهم فخدَّ لهم أخدودا بين باب المسجد والقصر، وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود، وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا، فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال:","vol":"1","page":178},{"text":"إني إذا رأيت أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا\nوهذا سند حسن. (١)\n- عن عثمان الشحام، سمعه من الحسن، قال: كان أبو الحسن -يعني علي بن أبي طالب ﵁- يقول: إن كثيرا من هذه التمائم والرقى شرك بالله ﷿ فاجتنبوها. (٢)\n- وفي الإبانة: عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه سمع رجلا يتكلم في الله بشيء لا ينبغي، فأمر بضرب عنقه؛ فضربت عنقه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>موقفه من الرافضة:</span>\nأخرج الخطيب في الكفاية بسنده إلى زيد بن وهب أن سويد بن غفلة الجعفي دخل على علي بن أبي طالب ﵁ في إمارته فقال: يا أمير المؤمنين إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر بغير الذي هما له أهل من الإسلام، لأنهم يرون أنك تضمر لهما على مثل ذلك، وإنهم لم يجترئوا على ذلك إلا وهم يرون أن ذلك موافق لك -وذكر حديث خطبة علي وكلامه في أبي بكر وعمر ﵃ وقوله في آخره ألا ولن يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري. (٤)\n- عن إبراهيم النخعي عن علقمة قال: وضرب بيده على منبر الكوفة\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٢٧٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٦/٧٤٤/ ١٠٣٢).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٢/٤٢ - ٤٣/ ٢٣٥).\n(٤) الكفاية (٣٧٦).","vol":"1","page":179},{"text":"فقال: خطبنا علي على هذا المنبر فذكر ما شاء أن يذكر ثم قال: ألا إنه بلغني أن ناسا يفضلوني على أبي بكر وعمر ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت ولكن أكره العقوبة قبل التقدم من أتيت به من بعد مقامي قد قال شيئا من ذلك فهو مفتر، عليه ما على المفتري، ثم قال: إن خير الناس بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر وعمر أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما. (١)\n- وجاء في الشريعة: عن عبد خير قال: رأيت عليا -﵁- صلى العصر فصف له أهل نجران صفين، فلما صلى أومأ رجل منهم فأخرج كتابا فناوله إياه، فلما قرأه دمعت عيناه، ثم رفع رأسه إليهم، فقال: يا أهل نجران، أو يا أصحابي، هذا والله خطي بيدي وإملاء رسول الله - ﷺ -، قالوا: يا أمير المؤمنين أعطنا ما فيه، قال: ودنوت منه، فقلت: إن كان رادا على عمر -﵁- يوما ما فاليوم يرد عليه، فقال: لست براد على عمر اليوم شيئا صنعه، إن عمر كان رجلا رشيد الأمر، وإن عمر أخذ منكم خيرا مما أعطاكم، ولم يجر عمر -﵁- ما أخذ منكم لنفسه، إنما جره لجماعة المسلمين. (٢)\n- وفيها عنه أيضا عن علي ﵁ قال: سمعته يقول: رحم الله أبا بكر، هو أول من جمع القرآن بين اللوحين. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٧٩/٢٦٧٨) وفي الشريعة (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣/ ١٨٧٣) وفي السنة لعبد الله (٢٤٢).\n(٢) الشريعة (٣/ ٢٥ - ٢٦/ ١٢٩٤).\n(٣) الشريعة (٣/ ٢٩ - ٣٠/ ١٣٠٣).","vol":"1","page":180},{"text":"- وفيها عن سويد بن غفلة الجعفي قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: أيها الناس؛ الله الله، وإياكم والغلو في عثمان ﵁ وقولكم: خراق المصاحف، فوالله ما خرقها إلا عن ملاء منا أصحاب محمد - ﷺ - جمعنا فقال: ما تقولون في هذه القراءة التي قد اختلف فيها الناس، يلقى الرجل الرجل فيقول: قراءتي خير من قراءتك، وقراءتي أفضل من قراءتك، وهذا شبيه بالكفر. فقلنا: ما الرأي يا أمير المؤمنين؟ قال: أرى أن أجمع الناس على مصحف واحد، فإنكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا. فقلنا: فنعم ما رأيت. فأرسل إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص، فقال: يكتب أحدكما ويمل الآخر، فإذا اختلفتما في شيء فارفعاه إلي، فكتب أحدهما وأملى الآخر فما اختلفا في شيء من كتاب الله ﷿ إلا في حرف في سورة البقرة، فقال: أحدهما التابوت. وقال الآخر: التابوه، فرفعاه إلى عثمان ﵁ فقال: التابوت. قال: وقال علي ﵁: لو وليت مثل الذي ولي لصنعت مثل الذي صنع. قال: فقال القوم لسويد بن غفلة: الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذه من علي ﵁؟ قال: الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا من علي ﵁. (١)\n- وفيها عن محمد بن حاطب قال: ذكروا عثمان ﵁ عند الحسن بن علي ﵁ فقال الحسن: هذا أمير المؤمنين علي ﵁ يأتيكم الآن فاسألوه عنه، فجاء علي ﵁ فسألوه عن عثمان\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٣٠/١٣٠٤).","vol":"1","page":181},{"text":"﵁ فتلا هذه الآية (١): ﴿ليس على الذين آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ كلما مر بحرف من الآية قال: كان عثمان من الذين آمنوا، كان عثمان من الذين اتقوا ثم قرأ إلى قوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يحب الْمُحْسِنِينَ﴾. (٢)\n- وفيها عن أبي عبد الرحمن قال: دخل علي ﵁ على عمر ﵁ وقد سجي بثوبه فقال: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله -﷿- بصحيفته من هذا المسجي بينكم، ثم قال: رحمك الله ابن الخطاب إن كنت بذات الله لعليما، وإن كان الله ﷿ في صدرك لعظيما، وإن كنت لتخشى الله -﷿- في الناس، ولا تخشى الناس في الله -﷿- كنت جوادا بالحق، بخيلا بالباطل، خميصا من الدنيا، بطينا من الآخرة، لم تكن عيابا ولا مداحا. (٣)\n- وعن عبد الله بن أبي مليكة عن ابن عباس قال: كنت في ناس نترحم على عمر حين وضع على سريره فجاء رجل من خلفي فوضع يده على منكبي فترحم عليه وقال: ما من أحد أحب أن ألقى الله بمثل عمله أحب إلي منه وإن كنت لأظن ليجعلنك الله مع صاحبيك فإني كنت كثيرا أسمع رسول الله - ﷺ - يقول: كنت أنا وأبو بكر وعمر وفعلت أنا وأبو بكر وعمر فظننت\n_________\n(١) سورة المائدة الآية (٩٣).\n(٢) الشريعة (٣/ ١٥٨ - ١٥٩/ ١٥٠٥) وهو في أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٣٣ - ١٤٣٤/ ٢٥٧٤) مختصرا.\n(٣) الشريعة (٣/ ٤٢٣/١٨٧٤).","vol":"1","page":182},{"text":"أن يجعلك الله معهما فإذا هو علي بن أبي طالب. (١)\n- وفيها: قال علي ﵁: يهلك فيّ رجلان: محب مطر يقرظني بما ليس في، ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني. (٢)\n- وعنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها ﵌ أبو بكر وعمر. (٣)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن إبراهيم: بلغ علي بن أبي طالب أن عبد الله ابن الأسود ينتقص أبا بكر وعمر فهم بقتله فقيل له تقتل رجلا يدعو إلى حبكم أهل البيت فقال: لا يساكني في دار أبدا. (٤)\n- وعن النزال بن سبرة قال: وافقنا من علي ذات يوم طيب نفس ومزاح فقلنا له: يا أمير المؤمنين حدثنا عن أصحابك خاصة قال: كل أصحاب رسول الله - ﷺ - أصحابي قالوا: حدثنا عن أبي بكر الصديق قال: ذاك امرؤ أسماه الله صديقا على لسان جبريل ولسان محمد كان خليفة رسول الله على الصلاة رضيه لديننا ورضيناه لدنيانا. (٥)\n- وعن مسروق بن الضحاك مولى رسول الله - ﷺ - قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي بن حسين يذكر عن أبيه قال: قال فتى من بني هاشم لعلي بن أبي طالب حين انصرف: سمعتك تخطب يا أمير المؤمنين في الجمعة\n_________\n(١) البخاري (٣٦٧٧) ومسلم (٢٣٨٩).\n(٢) الشريعة (٣/ ٥٦٩/٢٠٨٦) وأصول الاعتقاد (٨/ ١٤٨٠/٢٦٨٠) وهو في السنة لعبد الله (٢٣٤) مختصرا.\n(٣) السنة للخلال (١/ ٢٨٩).\n(٤) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٣٩ - ١٣٤٠/ ٢٣٨٠).\n(٥) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٧٢ - ١٣٧٣/ ٢٤٥٥) وفي الشريعة (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣/ ١٢٥٢).","vol":"1","page":183},{"text":"تقول: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين فمن هم؟ قال: فاغرورقت عيناه يعني ثم انهملت على لحيته ثم قال: أبو بكر وعمر. إمامي الهدى وشيخي الإسلام والمقتدى بهما بعد رسول الله - ﷺ -، من اتبعهما هدي إلى صراط مستقيم ومن اقتدى بهما رشد، ومن تمسك بهما فهو من حزب الله وحزب الله هم المفلحون. (١)\n- وعن سعيد بن عمرو بن سفيان عن أبيه: أن عليا خطب فقال: إن رسول الله - ﷺ - لم يعهد إلينا في الإمارة عهدا ولكنه رأي رأيناه فاستخلف أبو بكر رحمة الله عليه فقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، ثم استخلف عمر ﵀ فقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن قوما طلبوا الدنيا يعفو الله عن من يشاء ويعذب من يشاء. (٢)\n- وعن الحكم قال: سمعت أبا جحيفة وكان سيد الناس استعمله علي ﵁ على الكوفة زمن الجمل فقال: سمعت عليا يقول: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها؟ أبو بكر، ألا أخبركم بخيرها بعد أبي بكر؟ عمر، ألا أخبركم بخيرها بعد عمر؟ ثم سكت. (٣)\n- وعن ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر: أن عليا أتى عثمان وهو محصور فأرسل إليه أني قد جئت لأنصرك فأرسل إليه بالسلام وقال: لا حاجة لي فأخذ علي عمامته من رأسه فألقاها في الدار التي فيها عثمان وهو\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٩٦/٢٥٠١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٠٦/٢٥٢٧).\n(٣) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٠٦/٢٥٢٨).","vol":"1","page":184},{"text":"يقول ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب. (١)\n- وعن أبي حصين أن عليا قال: لو أعلم أن بني أمية يذهب ما في نفسها لحلفت خمسين يمينا مرددة بين الركن والمقام أني لم أقتل عثمان ولم أماليء على قتله. (٢)\n- وعن منصور عن إبراهيم قال: جاء بشر بن جرموز إلى علي بن أبي طالب فجافاه وقال: هكذا يصنع بأهل البلاء فقال علي: بفيك الحجر: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله ﷿: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. اهـ (٤)\n- وعن عبد الرحمن بن الشريد عن علي أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان من الذين قال الله ﷿: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. (٥)\n- وعن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: لقيت علي بن أبي طالب بالبصرة يوم الجمل بالجزيرة فقال لي: ما الذي بطأك عنا؟ أحب عثمان بطأ بك عنا؟ قال: ثم حرك دابته وحركت دابتي أعتذر إليه قال: قال لي إن تحبه فقد كان خيرنا وأوصلنا للرحم. (٦)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٣٩/٢٥٨٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٤٠/٢٥٨٤).\n(٣) الحجر الآية (٤٧).\n(٤) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٨٩ - ١٤٩٠/ ٢٧٠٦).\n(٥) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٣٣/٢٥٧٣).\n(٦) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٣٤/٢٥٧٥).","vol":"1","page":185},{"text":"- وعن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله - ﷺ -؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. (١)\n- وعنه ﵁ قال: لو سيرني عثمان إلى ضرار لسمعت وأطعت. (٢)\n- وعن أبي الجلاس قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول لعبد الله السباي: والله ما أفضى إلي رسول الله - ﷺ - شيئا ولقد سمعته يقول إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا، وإنك لأحدهم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: روى عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده إلى علي، قال: حدثنا محمد بن حجاج الحضرمي المضري حدثنا يعلى ابن عبد العزيز حدثنا عتبة بن السكن الفزاري حدثنا الفرج بن يزيد الكلاعي قال: قالوا لعلي يوم صفين: حكمت كافرا أو منافقا، قال: ما حكمت مخلوقا، ما حكمت إلا القرآن. (٤)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا السياق يبطل تأويل من يفسر كلام\n_________\n(١) البخاري (٣٦٧١).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٣٢٥).\n(٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (كتاب الكنى في ترجمة أبي الجلاس (ص.٢١) وعبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (ص.٢٣١) وأبو يعلى في مسنده (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠/ ٤٤٩) وابن أبي عاصم في السنة (٩٨٢) والهروي في ذم الكلام (١٥٩). وأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٣٣) وقال: \"رواه أبو يعلى ورجاله ثقات\".\n(٤) الفتاوى الكبرى (٥/ ٥٥ - ٥٦) وتلبيس إبليس (ص.١٠٩) والمنهاج (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢).","vol":"1","page":186},{"text":"السلف بأن المخلوق هو المفتري المكذوب. والقرآن غير مفترى ولا مكذوب، فانهم لما قالوا: (حكمت مخلوقا) إنما أرادوا مربوبا مصنوعا خلقه الله، لم يريدوا مكذوبا، فقوله: (ما حكمت مخلوقا) نفي لما ادعوه. وقوله: (ما حكمت إلا القرآن) نفي لهذا الخلق عنه.\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن الحارث بن سويد قال: قال علي: يذهب الناس حتى لا يبقى أحد يقول لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك ضرب يعسوب الدين ذنبه فيجتمعون إليه من أطراف الأرض كما يجتمع قرع الخريف، ثم قال علي: إني لأعرف أميرهم ومناخ ركابهم يقولون: القرآن مخلوق وليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله منه بدأ وإليه يعود. (١)\n- وفيه عن عمارة بن عبد يقول: سمعت عليا يقول: من تمام النعمة دخول الجنة والنظر إلى وجه الله ﵎ في جنته. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>موقفه من الخوارج:</span>\nعن عبيدة عن علي. قال: ذكر الخوارج فقال: فيهم رجل مُخْدَج اليد، أو مُودَن اليد، أو مَثْدُون اليد (٣)، لولا أن تَبْطَرُوا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم، على لسان محمد - ﷺ -. قال قلت: آنت سمعته من محمد - ﷺ -؟ قال: إي، ورب الكعبة إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦/ ٣٧٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٠/٨٥٩).\n(٣) مخدج اليد ومودن اليد: أن ناقص اليد، ومثدون اليد: أي صغير اليد مجتمعها.\n(٤) أحمد (١/ ٨٣) ومسلم (٢/ ٧٤٧/١٠٦٦ (١٥٥» وأبو داود (٥/ ١٢٠ - ١٢١/ ٤٧٦٣) وابن ماجه (١/ ٥٩/١٦٧).","vol":"1","page":187},{"text":"\" التعليق:\nقال ابن هبيرة: فيه من الفقه توفر الثواب في قتل الخوارج، وأنه بلغ إلى أن خاف علي ﵁ أن يبطر أصحابه إذا أخبرهم بثوابهم في قتلهم، وإنما ذكر هذه لئلا يرى أحد في وقت ظهور مثلهم أن قتال المشركين أولى من قتالهم، بل قتالهم على هذا الكلام أولى من قتال المشركين لأن في ذلك حفظ رأس مال الإسلام، وقتال المشركين هو طلب ربح في الإسلام. (١)\n- عن سلمة بن كهيل قال: أخبرني زيد بن وهب الجهني، أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁ الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي ﵁: أيها الناس، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئا، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئا، ولا صيامكم إلى صيامهم شيئا يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم - ﷺ - لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليست له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض أفتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله، قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلا، حتى مر بنا\n_________\n(١) الإفصاح (١/ ٢٨٠/١٤٩).","vol":"1","page":188},{"text":"على قنطرة، قال: فلما التقينا وعلى الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا السيوف من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، قال: فوحشوا برماحهم، واستلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقتلوا بعضهم على بعض، قال: وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي ﵁: التمسوا فيهم المخدج، فلم يجدوا، قال: فقام علي ﵁ بنفسه، حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض، فقال: أخرجوهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر، وقال: صدق الله، وبلغ رسوله، فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين،) و(الله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثا (١)،\nوهو يحلف. (٢)\n- جاء في البداية والنهاية: لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على علي وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي فقالا: لا حكم إلا لله، فقال علي: لا حكم إلا لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال علي: فقد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم\n_________\n(١) قال النووي في شرحه على مسلم (٧/ ١٥٢): \"إنما استحلفه ليسمع الحاضرين ويؤكد ذلك عندهم ويظهر لهم المعجزة التي أخبر بها رسول الله - ﷺ - ويظهر لهم أن عليا وأصحابه أولى الطائفتين بالحق، وأنهم محقون في قتالهم\".\n(٢) مسلم (٢/ ٧٤٨ - ٧٤٩/ ١٠٦٦ (١٥٦» وأبو داود (٥/ ١٢٥/٤٧٦٨).","vol":"1","page":189},{"text":"عهودا وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ الآية (١) فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه، فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه، فقال علي: تبا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الريح، فقال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له علي: إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم. فخرجا من عنده يحكمان وفشا فيهم ذلك، وجاهروا به الناس، وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه. فقام جماعة منهم كل يقول لا حكم إلا لله، وقام رجل منهم وهو واضع إصبعه في أذنيه يقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦٥) (٢) فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر ويقول: حكم الله ننتظر فيكم.\nثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا. وقال أبو مخنف عن عبد الملك عن أبي حرة؛ أن عليا لما بعث أبا موسى لإنفاذ\n_________\n(١) النحل الآية (٩١).\n(٢) الزمر الآية (٦٥).","vol":"1","page":190},{"text":"الحكومة اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة. ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا يدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ محسنون﴾ (١) فقال سنان بن حمزة الأسدي: يا قوم إن الرأي ما رأيتم، وإن الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها، فبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي -وكان من رؤوسهم- فعرضوا عليه الإمارة فأبى، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى وعرضوها على حمزة بن سنان فأبى، وعرضوها على شريح بن أبي أوفى العبسي فأبى وعرضوها على عبد الله بن وهب الراسبي فقبلها وقال: أما والله لا أقبلها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت. واجتمعوا أيضا في بيت زيد بن حصن الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى\n_________\n(١) النحل الآية (١٢٨).","vol":"1","page":191},{"text":"فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)\nالآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وكذا التي بعدها وبعدها الظالمون الفاسقون ثم قال: فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حق على المؤمنين، فبكى رجل منهم يقال له عبد الله بن سخبرة السلمي، ثم حرض أولئك على الخروج على الناس، وقال في كلامه: اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره وإن قتلتم فأي شيء أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته.\n\" التعليق:\nقال الحافظ ابن كثير: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم. وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج: إنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ\n_________\n(١) ص الآية (٢٦) ..\n(٢) المائدة الآية (٤٤).","vol":"1","page":192},{"text":"وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (١) والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطئوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم -ممن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها- فيوافوهم إليها. ويكون اجتماعهم عليها.\nفقال لهم زيد بن حصن الطائي: إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشا لا تطيقونه وسيمنعوها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات، ولكن اخرجوا وحدانا لئلا يفطن بكم، فكتبوا كتابا عاما إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يدا واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وحدانا لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسماوات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السماوات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسئول أن يعصمنا منه بحوله وقوته إنه مجيب الدعوات، وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم\n_________\n(١) الكهف الآيات (١٠٣ - ١٠٥).","vol":"1","page":193},{"text":"وأنبوهم ووبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة، ومنهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنهروان وصارت لهم شوكة ومنعة، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة وعندهم أنهم متقربون بذلك؟ فهم لا يصطلى لهم بنار، ولا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر، وبالله المستعان.\nقال الحافظ ابن كثير: وقال أبو مخنف عن أبي روق عن الشعبي أن عليا لما خرجت الخوارج إلى النهروان وهرب أبو موسى إلى مكة، ورد ابن عباس إلى البصرة، قام في الناس بالكوفة خطيبا فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدثان الجليل الكادح، وأشهد أن لا إله غيره وأن محمدا رسول الله، أما بعد فإن المعصية تشين وتسوء وتورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمري، ونحلتكم رأيي، فأبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:\nبذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد\nثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما، وقال ما فيه حط عليهما، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى الجهاد في أهل الشام، وعين لهم يوم الاثنين يخرجون فيه، وندب إلى ابن عباس والي البصرة يستنفر له الناس إلى الخروج إلى أهل الشام، وكتب إلى الخوارج يعلمهم أن الذي حكم به الحكمان مردود عليهما، وأنه قد عزم على الذهاب إلى الشام، فهلموا حتى نجتمع على قتالهم. فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت","vol":"1","page":194},{"text":"لنفسك وإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١)، فلما قرأ علي كتابهم يئس منهم وعزم على الذهاب إلى أهل الشام ليناجزهم، وخرج من الكوفة إلى النخيلة في عسكر كثيف -خمسة وستين ألفا- وبعث إليه ابن عباس بثلاثة آلاف ومائتي فارس من أهل البصرة مع جارية بن قدامة ألف وخمسمائة، ومع أبي الأسود الدؤلي ألف وسبعمائة، فكمل جيش علي في ثمانية وستين ألف فارس ومائتي فارس، وقام علي أمير المؤمنين خطيبا فحثهم على الجهاد والصبر عند لقاء العدو، وهو عازم على الشام، فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادا وسفكوا الدماء وقطعوا السبل واستحلوا المحارم، وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - ﷺ -، أسروه وامرأته معه وهي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - ﷺ - وإنكم قد روعتموني فقالوا: لا بأس عليك، حدثنا ما سمعت من أبيك فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي\" (٢)\nفاقتادوه بيده فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضهم خنزيرا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم فشق جلده فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه وبينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر:\n_________\n(١) الأنفال الآية (٥٨).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف عبد الله بن خباب سنة (٣٧هـ) ..","vol":"1","page":195},{"text":"بغير إذن ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدموا عبد الله بن خباب فذبحوه، وجاءوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها، فلما بلغ الناس هذا من صنيعهم خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهله أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم وديارهم بهذا الصنع، فخافوا غائلتهم، وأشاروا على علي بأن يبدأ بهؤلاء، ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شر هؤلاء فاجتمع الرأي على هذا وفيه خيرة عظيمة لهم ولأهل الشام أيضا، فأرسل علي إلى الخوارج رسولا من جهته وهو الحرب بن مرة العبدي، فقال: اخبر لي خبرهم، واعلم لي أمرهم واكتب إلي به على الجلية، فلما قدم عليهم قتلوه ولم ينظروه، فلما بلغ ذلك عليا عزم على الذهاب إليهم أولا قبل أهل الشام.\nمسير أمير المؤمنين علي إلى الخوارج:\nلما عزم علي ومن معه من الجيش على البداءة بالخوارج، نادى مناديه في الناس بالرحيل فعبر الجسر فصلى ركعتين عنده ثم سلك علي دير عبد الرحمن ثم دير أبي موسى ثم على شاطئ الفرات، فلقيه هنالك منجم فأشار عليه بوقت من النهار يسير فيه ولا يسير في غيره، فإنه يخشى عليه فخالفه علي فسار على خلاف ما قال فأظفره الله، وقال علي: إنما أردت أن أبين للناس خطأه وخشيت أن يقول جاهل: إنما ظفر لكونه وافقه. وسلك علي ناحية الأنبار وبعث بين يديه قيس بن سعد، وأمره أن يأتي المدائن وأن يتلقاه بنائبها سعد بن مسعود، وهو أخو عبد الله بن مسعود الثقفي -في جيش المدائن فاجتمع الناس هنالك على علي، وبعث إلى الخوارج: أن ادفعوا","vol":"1","page":196},{"text":"إلينا قتلة إخواننا منكم حتى أقتلهم ثم أنا تارككم وذاهب إلى العرب- يعني أهل الشام- ثم لعل الله أن يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه. فبعثوا إلى علي يقولون: كلنا قتل إخوانكم ونحن مستحلون دماءهم ودماءكم، فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، والخطب الجسيم، فلم ينفع وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنبهم ووبخهم فلم ينجح، وتقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إليهم فوعظهم وخوفهم وحذرهم وأنذرهم وتوعدهم وقال: إنكم أنكرتم علي أمرا أنتم دعوتموني إليه فنهيتكم عنه فلم تقبلوا وها أنا وأنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه ولا ترتكبوا محارم الله فإنكم قد سولت لكم أنفسكم أمرا تقتلون عليه المسلمين، والله لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيما عند الله، فكيف بدماء المسلمين؟ فلم يكن لهم جواب إلا أن تنادوا فيما بينهم أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيئوا للقاء الرب ﷿، الرواح الرواح إلى الجنة. وتقدموا فاصطفوا للقتال وتأهبوا للنزال فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن الطائي السنبسي، وعلى الميسرة شريح بن أوفى، وعلى خيالتهم حمزة بن سنان، وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدي. ووقفوا مقاتلين لعلي وأصحابه.\nوجعل علي على ميمنته حجر بن عدي، وعلى الميسرة شبيث بن ربعي ومعقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة -وكانوا في سبعمائة- قيس بن سعد بن عبادة، وأمر علي أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج ويقول لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو","vol":"1","page":197},{"text":"آمن، إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا، فانصرف منهم طوائف كثيرون -وكانوا في أربعة آلاف- فلم يبق منهم إلا ألف أو أقل مع عبد الله ابن وهب الراسبي، فزحفوا إلى علي فقدم علي بين يديه الخيل وقدم منهم الرماة وصف الرجالة وراء الخيالة، وقال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدؤوكم، وأقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، الرواح الرواح إلى الجنة، فحملوا على الخيالة الذين قدمهم علي، ففرقوهم حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، فاستقبلهم الرماة بالنبل، فرموا وجوههم، وعطفت عليهم الخيالة من الميمنة والميسرة ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فأناموا الخوارج فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول، وقتل أمراؤهم عبد الله ابن وهب، وحرقوص بن زهير، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سخبرة السلمي، قبحهم الله. قال أبو أيوب: وطعنت رجلا من الخوارج بالرمح فأنفذته من ظهره وقلت له: أبشر يا عدو الله بالنار، فقال: ستعلم أينا أولى بها صليا، قالوا: ولم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة نفر وجعل علي يمشي بين القتلى منهم ويقول: بؤسا لكم فقد ضركم من غركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين ومن غرهم؟ قال: الشيطان وأنفس بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون ثم أمر بالجرحى من بينهم فإذا هم أربعمائة، فسلمهم إلى قبائلهم ليداووهم، وقسم ما وجد من سلاح ومتاع لهم.\nوقال الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج: وحدثنا محمد بن قيس الأسدي ومنصور بن دينار عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة أن","vol":"1","page":198},{"text":"عليا لم يخمس ما أصاب من الخوارج يوم النهروان ولكن رده إلى أهله كله حتى كان آخر ذلك مرجل أتى به فرده.\nوقال أبو مخنف: حدثني عبد الملك بن أبي حرة أن عليا خرج في طلب ذي الثدية ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو حرة والريان بن صبرة بن هوذة فوجده الرياني في حفرة على جانب النهر في أربعين أو خمسين قتيلا، قال: فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الأخرى ثم تنزل فتعود إلى منكبه كثدي المرأة، فلما رآه علي قال: أما والله وما كذبت لولا أن تتكلوا على العمل لأخبرتكم بما قضى الله في قتالهم عارفا للحق.\nوقال الهيثم بن عدي في كتابه في الخوارج: وحدثني محمد بن ربيعة الأخنسي عن نافع بن مسلمة الأخنسي قال كان ذو الثدية رجلا من عرنة من بجيلة، وكان أسود شديد السواد، له ريح منتنة، معروف في العسكر، وكان يرافقنا قبل ذلك وينازلنا وننازله.\nوحدثني أبو إسماعيل الحنفي عن الريان بن صبرة الحنفي. قال: شهدنا النهروان مع علي، فلما وجد المخدج سجد سجدة طويلة.\nوحدثني سفيان الثوري عن محمد بن قيس الهمداني عن رجل من قومه يكنى أبا موسى أن عليا لما وجد المخدج سجد سجدة طويلة.\nوحدثني يونس بن أبي إسحاق حدثني إسماعيل عن حبة العرني، قال: لما أقبل أهل النهروان جعل الناس يقولون: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي قطع دابرهم. فقال علي: كلا والله إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، فإذا","vol":"1","page":199},{"text":"خرجوا من بين الشرايين فقل ما يلقون أحدا إلا ألبوا أن يظهروا عليه، قال: وكان عبد الله بن وهب الراسبي قد قحلت مواضع السجود منه من شدة اجتهاده وكثرة السجود، وكان يقال له: ذو البينات. وروى الهيثم عن بعض الخوارج أنه قال: ما كان عبد الله بن وهب من بغضه عليا يسميه إلا الجاحد.\nوقال الهيثم بن عدي: ثنا إسماعيل عن خالد عن علقمة بن عامر قال: سئل علي عن أهل النهروان أمشركون هم؟ فقال: من الشرك فروا، قيل أفمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا: فقيل فما هم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا.\nفهذا ما أورده ابن جرير وغيره في هذا المقام. (١)\n- وجاء في الشريعة عن جندب قال: لما كان يوم قتل علي ﵁ الخوارج نظرت إلى وجوههم وإلى شمائلهم، فشككت في قتالهم، فتنحيت عن العسكر غير بعيد، فنزلت عن دابتي، وركزت رمحي، ووضعت درعي تحتي، وعلقت برنسي مستترا به من الشمس، وأنا معتزل من العسكر ناحية، إذ طلع أمير المؤمنين -﵁ على بغلة رسول الله - ﷺ -، فقلت في نفسي: ما لي وله؟ أنا أفر منه، وهو يجيء إلي، فقال لي: يا جندب؛ مالك في هذا المكان، تنحيت عن العسكر؟ فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أصابني وعك، فشق علي الغبار، فلم أستطع الوقوف؛ قال فقال: أما بلغك ما للعبد في غبار العسكر من الأجر؟ ثم ثنى رحله، فنزل، فأخذت برأس دابته، وقعد فقعدت، فأخذت البرنس بيدي فسترته من الشمس، فقال: فوالله إني لقاعد إذ جاء\n_________\n(١) البداية (٧/ ٢٩٥ - ٣٠٠)، وانظر تاريخ ابن جرير (٣/ ١١٣ وما بعدها).","vol":"1","page":200},{"text":"فارس يركض، فقال: يا أمير المؤمنين، إن القوم قد قطعوا الجسر ذاهبين؛ قال: فالتفت إلي، فقال: إن مصارعهم دون النهر. قال وإن الرجل الذي أخبره عنده واقف، إذ جاء رجل آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، قد والله عبروا، فما بقي منهم أحد؛ قال: ويحك، إن مصارعهم دون النهر. قال: فجاء فارس آخر يركض. فقال: يا أمير المؤمنين، والذي بعث نبيه محمدا - ﷺ - بالحق لقد رجعوا، ثم جاء الناس، فقالوا: قد رجعوا، حتى إنهم ليتساقطون في الماء زحاما على العبور؛ قال: ثم إن رجلا جاء، فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم قد صفوا الصفوف، ورموا فينا، وقد جرحوا فلانا، فقال علي ﵁: هذا حين طاب القتال. قال: فوثب فقعد على بغلته، فقمت إلى سلاحي فلبسته، ثم شددته علي، ثم قعدت على فرسي، وأخذت رمحي، ثم خرجت، فلا والله يا عبد الله بن شريك، ما صليت العصر. قال أبو جعفر لوين: أو قال: الظهر -حتى قتلت بيدي سبعين. (١)\n- وجاء في السنة لعبد الله عن زر بن حبيش أنه سمع عليا يقول: أنا فقأت عين الفتنة، ولولا أنا ما قوتل أهل النهر ولا أهل الجمل، ولولا أني أخشى أن تتركوا العمل لأخبرتكم بالذي قضى الله على لسان نبيكم لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم عارفا للهدى الذي نحن فيه. (٢)\n- وعن أبي الطفيل قال: سأل ابن الكواء عليا ﵁ عن\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٥١ - ١٥٢/ ٥٨).\n(٢) السنة لعبد الله (٢٧٣).","vol":"1","page":201},{"text":"﴿الأخسرين أَعْمَالًا﴾ قال: منهم أهل حروراء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: عن علي قال: الإرجاء بدعة والشهادة (٢) بدعة والبراءة (٣) بدعة. (٤)\n- وفيها أيضا: عن محمد بن علي عن أبيه أنه كان يقول: ما الليل بالليل، ولا النهار بالنهار بأشبه من القدرية بالنصرانية، ومن المرجئة باليهودية. (٥)\n- عن أبي صادق عن علي قال: إن الإسلام ثلاث أثافي: الإيمان والصلاة والجماعة، فلا تقبل صلاة إلا بإيمان، ومن آمن صلى ومن صلى جامع، ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. (٦)\n- وفي الإبانة: عن عبد الله بن عمرو بن هند الجملي، قال: كان علي ابن أبي طالب ﵁ يقول: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب كلما زاد الإيمان زاد البياض، فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب كلما زاد النفاق زاد ذلك السواد فإذا استكمل\n_________\n(١) عبد الرزاق في التفسير (٢/ ٤١٣) وعبد الله بن أحمد في السنة (٢٧٨) وابن جرير (١٦/ ٣٤) والشاشي في المسند (٢/ ٩٦/٦٢٠) وابن عبد البر في الجامع (١/ ٤٦٤/٧٢٦).\n(٢) يعني بالشهادة قول المرء أنا مؤمن تزكية لنفسه.\n(٣) يعني بها ما يفعله الخوارج من البراءة ممن خالفهم.\n(٤) السنة (ص.٨٦) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٤٧ - ١٠٤٨/ ١٧٧٨).\n(٥) الإبانة (٢/ ٩/١٣٨ - ١٣٩/ ١٥٧٨).\n(٦) الإيمان لابن أبي شيبة (١١٧) وهو في المصنف (٦/ ١٧٠/٣٠٤٢٧).","vol":"1","page":202},{"text":"النفاق اسود القلب كله، وايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. (١)\n- وفيها أيضا: عن عبد الكريم الجزيري، عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، قالا: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن ميمون بن مهران: عن علي قال: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. من لا صبر له، لا إيمان له. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: قيل لعلي بن أبي طالب: إن ها هنا رجلا يتكلم في المشيئة قال: فقال له: يا عبد الله خلقك الله ﷿ لما شاء أولما شئت؟ قال: بل لما شاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: إذا شاء. قال: فيميتك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: إذا شاء. قال: فيدخلك حيث شاء أو شئت؟ قال: حيث شاء. قال: والله لو قلت غير هذا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، قال: ثم تلا: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾.اهـ (٥)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٨٤١ - ٨٤٢/ ١١٢٢) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٢/١٧٠١) والمصنف لابن أبى شيبة (٦/ ١٦٠/٣٠٣٢٩) والإيمان له (٨) والإيمان لأبي عبيد (ص.١٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٦/٨٠٢ - ٨٠٣/ ١٠٨٩) والشريعة (١/ ٢٨٧/٢٨٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٢٤/١٥٦٩).\n(٤) المدثر الآية (٥٦).\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٢ - ٧٨٣/ ١٣١٠).","vol":"1","page":203},{"text":"- وفيه أيضا: عن أبي عبد الرحمن رفع الحديث إلى علي أنه سأله فقال: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: طريق مظلم فلا تسلكه. فقال: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: بحر عظيم فلا تلجه. فقال: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: سر الله فلا تكلفه. (١)\n- وفي الإبانة: عن علي ﵁: لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر (ووضع يده على فيه). (٢)\n- وفيها أيضا: عن يعلى بن مرة أن أصحاب علي قالوا: إن هذا الرجل في حرب وإلى جنب عدو، وإنا لا نأمن أن يغتال، فلو حرسه منا كل ليلة عشرة، قال: وكان علي إذا صلى العشاء لزق بالقبلة؛ فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم انصرف إلى أهله؛ فصلى ذات ليلة؛ ثم انصرف فأتى عليهم؛ فقال: ما يجلسكم هذه الساعة؟ قالوا: جلسنا نتحدث، قال: لتخبرونني. فأخبروه، فقال: من أهل السماء تحرسوني أو من أهل الأرض؟ قالوا: نحن أهون على الله من أن نحرسك من أهل السماء، لا بل نحن نحرسك من أهل الأرض، قال: فلا تفعلوا، إنه إذا قضي أمر من السماء، عمله أهل الأرض، وإن علي من الله جنة حصينة إلى يومي هذا، ثم تذهب، وإنه لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يستيقن غير ظان أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٩٥ - ٦٩٦/ ١١٢٣) والشريعة (١/ ٤٠٠ - ٤٠١/ ٤٦٠) والإبانة (٢/ ٩/١٤٠ - ١٤١/ ١٥٨٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٣٥/ ١٥٦٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٣٥ - ١٣٦/ ١٥٧٠).","vol":"1","page":204},{"text":"- وفيها: عن أنيس بن جابر عن علي؛ قال: ما آدمي إلا معه ملك يقيه ما لم يقدر عليه، فإن جاء القدر؛ خلاه وإياه. (١)\n- وفيها أيضا: عن أبي البحتري أن عليا كان يقول: إياكم والاستنان بالرجال؛ فإن كنتم مستنين لا محالة فعليكم بالأموات؛ لأن الرجل قد يعمل الزمن من عمره بالعمل الذي لو مات عليه دخل الجنة، فإن كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار فمات؛ فدخل النار، وأن الرجل ليعمل الزمن من عمره بعمل أهل النار، فإذا كان قبل موته بعام فعمل بعمل أهل الجنة فمات؛ فدخل الجنة. (٢)\n- وفيها أيضا: عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقول في أهل القدر: هم طرف من النصرانية. (٣)\n- وفيها أيضا: عن محمد بن علي عن أبيه أنه كان يقول: ما الليل بالليل، ولا النهار بالنهار بأشبه من القدرية بالنصرانية، ومن المرجئة باليهودية. (٤)\n- وفيها: عن إسحاق بن الحارث من بني هاشم وذكر عنده القدرية؛ فقال الهاشمي: أعظك بما وعظ به علي بن أبي طالب ﵁ صاحبا له؛ فقال: إنه قد بلغني أنك تقول بقول أهل القدر، قال: إنما أقول: إني أقدر على أن أصلي وأصوم وأحج وأعتمر، قال علي: أرأيت الذي تقدر عليه؛\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/١٣٦/ ١٥٧١).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٣٦/ ١٥٧٢).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٣٨/ ١٥٧٧).\n(٤) الإبانة (٢/ ٩/١٣٨ - ١٣٩/ ١٥٧٨).","vol":"1","page":205},{"text":"أشيء تملكه مع الله أم شيء تملكه من دونه؟ قال: فارتج الرجل فقال علي ﵁: ما لك لا تتكلم؟ أما لئن زعمت أن ذلك شيء تملكه مع الله ﷿؛ فقد جعلت مع الله مالكا وشريكا، ولئن كان شيئا تملكه من دون الله؛ لقد جعلت من دون الله مالكا، قال الرجل: قد كان هذا من رأيي وأنا أتوب إلى الله ﷿ منه توبة نصوحا لا أرجع إليه أبدا. (١)\n- وفيها: قال شيخ لعلي بن أبي طالب ﵁ عند منصرفه من الشام، أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام؛ أبقضاء من الله وقدر أم غيرهما؟ قال علي ﵀: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة؛ ما علوتم تلة ولا هبطتم واديا إلا بقضاء من الله وقدره، قال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي وإليه أشكو خيبة رجائي، ما أجد لي من الأجر شيئا؟ قال: بلى؛ قد أعظم الله لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون، وعلى مقامكم وأنتم مقيمون، وما وضعتم قدما، ولا رفعتم أخرى؛ إلا وقد كتب الله لكم أجرا عظيما. قال الشيخ: كيف يا أمير المؤمنين والقضاء والقدر ساقانا وعنهما وردنا وصدرنا؟ فقال علي ﵁: أيها الشيخ! لعلك ظننته قضاء جبرا وقدرا قسرا، لو كان ذلك كذلك؛ لبطل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وبطل الثواب والعقاب، ولم يكن المحسن أولى بمثوبة الإحسان من المسيء، ولا المسيء أولى بعقوبة الإساءة من المحسن. قال الشيخ: فما القضاء والقدر؟ قال علي: العلم السابق في اللوح المحفوظ والرق المنثور بكل ما كان وبما هو كائن، وبتوفيق الله ومعونته لمن اجتباه بولايته وطاعته وبخذلان الله وتخليته لمن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/١٤٠/ ١٥٨٢) وابن عبد البر في الجامع (٢/ ٩٨٧).","vol":"1","page":206},{"text":"أراد له وأحب شقاه بمعصيته ومخالفته، فلا تحسبن غير ذلك؛ فتوافق مقالة الشيطان وعبدة الأوثان وقدرية هذه الأمة ومجوسها، ثم إن الله ﷿ أمر تحذيرا ونهى تخبيرا ولم يطع غالبا ولم يعص مغلوبا، ولم يك في الخلق شيء حدث في علمه، فمن أحسن؛ فبتوفيق الله ورحمته، ومن أساء؛ فبخذلان الله وإساءته هلك، لا الذي أحسن استغنى عن توفيق الله، ولا الذي أساء عليه ولا استبد بشيء يخرج به عن قدرته، ثم لم يرسل الرسل باطلا، ولم ير الآيات والعزائم عبثا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. اهـ (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن أبي علقمة -أو غيره- أن علي بن أبي طالب قال: إن القدر لا يرد القضاء، ولكن الدعاء يرد القضاء. قال الله لقوم يونس: ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (٣).اهـ (٤)\n- وفيه أيضا: عن علي بن أبي طالب قال: ذكر عنده القدر يوما فأدخل أصبعيه -السبابة والوسطى- في فيه فرقم بهما في باطن يده فقال:\n_________\n(١) ص الآية (٢٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٤١ - ١٤٢/ ١٥٨٤).\n(٣) يونس الآية (٩٨).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٣٧/١٢١٢).","vol":"1","page":207},{"text":"أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب. (١)\n- وفيه أيضا: عن علي قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله. (٢)\n\nمُجَالِد بن مَسْعُود (٣) (٤٠ هـ)\nمجالد بن مسعود السُّلَمِي، أخو مُجَاشِع بن مسعود، يكنى أبا معبد. قال البخاري وابن حبان له صحبة، كان إسلامه بعد أخيه مجاشع بعد الفتح. روى عنه أبو عثمان النهدي. وفد على النبي - ﷺ - مع أخيه سنة تسع. قال ابن حبان: قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين. قال ابن حجر: هذا فيه نظر، فإن الميت في هذا أخوه مجاشع وأما هذا فذكر أبو القاسم البغوي ما يدل على أنه بقي إلى حدود الأربعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>موقفه من المبتدعة:</span>\nذكر ابن وضاح عن عبد الرحمن بن بكرة قال: كنت جالسا عند الأسود بن سريع، وكان مجلسه في مؤخر المسجد الجامع، فافتتح سورة بني\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٣٧ - ٧٣٨/ ١٢١٣) والشريعة (١/ ٤٠٠/٤٥٩) والإبانة (٢/ ٩/١٣٩ - ١٤٠/ ١٥٨١) والسنة لعبد الله (١٤٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٣٨/١٢١٤).\n(٣) الاستيعاب (٤/ ١٤٥٩) والإصابة (٥/ ٧٧٠) والتاريخ الكبير (٨/ ٨) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٢٢٧) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٣٧).","vol":"1","page":208},{"text":"إسرائيل حتى بلغ ﴿وكبره تكبيرًا﴾ (١) فرفع أصواتهم الذين كانوا حوله جلوسا. فجاء مجالد بن مسعود يتوكأ على عصا فلما رآه القوم قالوا: مرحبا مرحبا، اجلس. قال: ما كنت لأجلس إليكم وإن كان مجلسكم حسنا، ولكنكم صنعتم قبيل شيئا أنكره المسلمون، فإياكم وما أنكر المسلمون. (٢)\n\nأبو مسعود البدري (٣) (٤٠ هـ)\nواسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، قيل لم يشهد بدرا وجزم البخاري بأنه شهدها لأحاديث صحيحة في بعضها التصريح بذلك. وكان ممن شهد العقبة وهو شاب. واتفقوا على أنه شهد أحدا وما بعدها. وهو معدود في علماء الصحابة. روى عن النبي - ﷺ -. وروى عنه أوس بن ضمعج وابنه بشير وثعلبة بن زهدم وحكيم بن أفلح وربعي بن حراش وغيرهم. توفي سنة أربعين أو بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن المسيب بن رافع قال: سمعت أبا مسعود حين خرج فنزل في طريق القادسية فقلنا: اعهد إلينا فإن الناس قد وقعوا في الفتنة فلا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ فقال: اتقوا الله واصبروا حتى يستريح\n_________\n(١) الإسراء الآية (١١١).\n(٢) ابن وضاح (ص.٥٠ - ٥١).\n(٣) الاستيعاب (٣/ ١٠٧٤ - ١٠٧٥) والإصابة (٤/ ٥٢٤) وشذرات الذهب (١/ ٤٨) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٢١٥) والسير (٢/ ٤٩٣) وطبقات ابن سعد (٦/ ١٦).","vol":"1","page":209},{"text":"بر أو يستراح من فاجر وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أمته على الضلالة. (١)\n- وفي ذم الكلام عن نعيم بن أبي هند قال: خرج أبو مسعود الأنصاري يريد الحج فشيعناه فقلنا له: أوصنا يا أبا مسعود، فقال: اتهموا الرأي، فلقد رأيتني تدعوني نفسي إلى أن أخرج بسيفي فأضرب به فأدخل النار. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>موقفه من الخوارج:</span>\nعن أبي وائل عن أبي مسعود البدري قال: خرج معه أصحابه يشيعونه حتى بلغ القادسية، فلما ذهبوا يفارقونه قالوا: رحمك الله إنك قد رأيت خيرا وشهدت خيرا، حدثنا بحديث عسى أن ينفعنا الله به. قال: أجل! رأيت خيرا وشهدت خيرا، وقد خشيت أن أكون أخرت لهذا الزمان لشر يراد بي، فاتقوا الله وعليكم بالجماعة، فإن الله لن يجمع أمة محمد على ضلالة، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر. (٣)\n\nحنظلة الكاتب (٤) (مات بعد علي)\nحنظلة بن الربيع بن صيفي الأسيدي المعروف بحنظلة الكاتب له صحبة. روى عن النبي - ﷺ -، وعنه الحسن البصري وقيس بن زهير والهيثم بن\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٢٢/١٦٢) والإبانة (١/ ٢/٣١٣ - ٣١٤/ ١٤٩).\n(٢) ذم الكلام (ص.١٨٨).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٢٢ - ١٢٣/ ١٦٣).\n(٤) تهذيب الكمال (٧/ ٤٣٨ - ٤٤٣) وطبقات ابن سعد (٦/ ٥٥) والاستيعاب (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠) والأنساب (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":210},{"text":"حنش وأبو عثمان النهدي وغيرهم. شهد مع خالد بن الوليد حروبه بالعراق وغيرها، وجهه خالد بالأخماس إلى أبي بكر الصديق.\nخرج حنظلة وجرير بن عبد الله وعدي بن حاتم من الكوفة فنزلوا قرقيسيا وقالوا: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. بعثه النبي - ﷺ - يوم الطائف عينا. روى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة. مات بعد علي بن أبي طالب ﵄.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>موقفه من الرافضة:</span>\nعن مغيرة قال: خرج عدي، وجرير البجلي وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيسياء، وقالوا: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>موقفه من المرجئة:</span>\nعن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة الأسيدي قال: (وكان من كتاب رسول الله - ﷺ -) قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول: قال: قلت: نكون عند رسول الله - ﷺ - يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله - ﷺ -، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات. فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله - ﷺ -، قلت: نافق حنظلة، يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين. فإذا\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٠/٢٣٨١).","vol":"1","page":211},{"text":"خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات. نسينا كثيرا. فقال رسول الله - ﷺ -: والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم؛ ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة. ثلاث مرات. (١)\n\" التعليق:\nقال أبو بكر بن العربي: إن القلب لا يثبت على حال، وإن العبد ليؤمن وتتواتر عنده الآيات حتى يتمكن من قلبه ويواظب العمل الصالح حتى تتمرن عليه جوارحه، ويواصل الذكرى حتى تطمئن نفسه ثم تعروه حالة أو تطرأ عليه غفلة، فإذا به زل عن هذه المرتبة، فلا يزال يعود إلى ذكراه وعمله الصالح حتى يرجع إلى ما كان عليه ... (٢)\n\nعُبَادة بن قُرْص الليثي (٣) (٤١ هـ)\nعُبَادَة بن قُرْص اللَّيْثِي، وقيل: ابن قُرْط والأول أصح، وهو عبادة بن قرص بن عروة بن بجير الكناني الليثي. روى عنه أبو قتادة العدوي، وحميد بن هلال عداده في أهل البصرة، قال ابن حبان: له صحبة.\nقال رحمه الله تعالى: إنكم لتأتون أمورا هي أدق في أعينكم من الشعر،\n_________\n(١) أحمد (٤/ ١٧٨ و٣٤٦) ومسلم (٤/ ٢١٠٦/٢٧٥٠) والترمذي (٤/ ٥٧٤ - ٥٧٥/ ٢٥١٤) وابن ماجه (٢/ ١٤١٦/٤٢٣٩).\n(٢) عارضة الأحوذي (٩/ ٣١٦ - ٣١٧).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٨٢) والحلية (٢/ ١٦) والاستيعاب (٢/ ٨٠٩) وأسد الغابة (٣/ ١٦٠ - ١٦١) والوافي بالوفيات (١٦/ ٦٢٠) والإصابة (٣/ ٦٢٧ - ٦٢٨).","vol":"1","page":212},{"text":"كنا نعدها على عهد رسول الله - ﷺ - من الموبقات. فلما كان بالأهواز سمع أذانا فقصده ليصلي جماعة فأخذه الخوارج فقتلوه.\nقال أبو عبيدة والمدائني: سنة إحدى وأربعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>موقفه من الخوارج:</span>\nعن حميد بن هلال عن عبادة بن قرص الليثي أنه قال للخوارج حين أخذوه بالأهواز: ارضوا مني بما رضي رسول الله - ﷺ - حين أسلمت قالوا: وما رضي به منك رسول الله - ﷺ -؟ قال: أتيته فشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: فقبل ذلك مني قال: فأبوا فقتلوه. (١)\n\nلبيد بن ربيعة العامري (٢) (٤١ هـ)\nلبيد بن ربيعة بن عامر الكلابي ثم الجعفري الصحابي. كان شاعرا من فحول الشعراء، وفد على النبي - ﷺ - سنة وفد قومه بنو جعفر فأسلم وحسن إسلامه، فعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل\" (٣). قال أبو عمر بن عبد البر: وهو شعر حسن وفي هذه القصيدة ما يدل على أنه قالها في الإسلام، والله أعلم وذلك قوله:\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٠٦/٢٣١٤).\n(٢) الاستيعاب (٣/ ١٣٣٥ - ١٣٣٨) والإصابة (٥/ ٦٧٥ - ٦٨٠) والجرح والتعديل (٧/ ١٨١) وتهذيب الأسماء واللغات (القسم الأول/٢/ ٧٠ - ٧١).\n(٣) أحمد (٢/ ٣٩٣) والبخاري (٧/ ١٨٨/٣٨٤١) ومسلم (٤/ ١٧٦٨/٢٢٥٦) والترمذي (٥/ ١٢٨/٢٨٤٩) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (٢/ ١٢٣٦/٣٧٥٧).","vol":"1","page":213},{"text":"كل امرئ يوما سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصل\nوقد قال أكثر أهل الأخبار: إن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم، وقال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلا قوله:\nالحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا\nوقد قيل: إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولي، وهو أصح عندي. وقال غيره: بل البيت الذي قاله في الإسلام قوله:\nما عاتب الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه القرين الصالح\nمات سنة إحدى وأربعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الإبانة عن المدائني قال: قيل للبيد بعدما أسلم: ما لك لا تقول الشعر؟ فقال: إن في البقرة وآل عمران شغلا عن الشعر إلا أني قد قلت بيتا واحدا:\nما عاتب الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح (١)\n\nمحمد بن مسلمة (٢) (٤٣ هـ)\nمحمد بن مَسْلَمة بن سلمة بن خالد، أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن الأنصاري الأوسيّ، من نجباء الصحابة، شهد بدرا والمشاهد، وهو أحد الذين\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٨/ ٥٠٥).\n(٢) السير (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٣) وطبقات ابن سعد (٣/ ٤٤٣ - ٤٤٥) والإصابة (٦/ ٣٣ - ٣٥) والمعرفة والتاريخ (١/ ٣٠٧) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٤٥٦ - ٤٥٩).","vol":"1","page":214},{"text":"قتلوا كعب بن الأشرف. واستخلفه رسول الله - ﷺ - في بعض غزواته، واستعمله عمر بن الخطاب على صدقات جهينة، وكان عمر إذا شكي إليه عامل، أرسل محمدا يكشف الحال. وكان ﵁ ممن اعتزل الفتنة، واتخذ سيفا من خشب، وقال: بذلك أمرني رسول الله - ﷺ -. روى عنه المسور ابن مخرمة، وسهل بن أبي حثمة، وقبيصة بن ذؤيب. توفي سنة ثلاث وأربعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>موقفه من المشركين:</span>\nقال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النضيري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين: كان غدرا، ومحمد بن مسلمة جالس شيخ كبير، فقال: يا مروان أيغدر رسول الله - ﷺ - عندك؟ والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله - ﷺ -، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد، وأما أنت يا ابن يامين فلله علي إن أفلت وقدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك، فكان ابن يامين لا ينزل من بني قريظة حتى يبعث له رسولا ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر، وإلا لم ينزل، فبينا محمد في جنازة وابن يامين بالبقيع فرأى محمد نعشا عليه جرائد وطبة لامرأة جاء فحله فقام إليه الناس، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك، فقام إليه فلم يزل يضربه بها جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مصحا، ثم أرسله ولا طباخ به، ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك به. (١)\n_________\n(١) الصارم المسلول (٢/ ١٨٤).","vol":"1","page":215},{"text":"عمرو بن العاص (١) (٤٣ هـ)\nعمرو بن العاص بن وائل أبو عبد الله ويقال أبو محمد، السهمي، داهية قريش، ورجل العالم ومن يضرب به المثل في الفطنة والدهاء والحزم. أسلم قبل الفتح سنة ثمان وهاجر إلى النبي - ﷺ -. فعن إبراهيم النخعي قال: عقد رسول الله - ﷺ - لواء لعمرو على أبي بكر وعمر وسراة أصحابه. قال الثوري: أراه قال: في غزوة ذات السلاسل. وروي عنه أنه قال: فوالله إني لأشد الناس حياء من رسول الله - ﷺ - فما ملأت عيني منه ولا راجعته. وقال: بعث إلي رسول الله - ﷺ - فقال: \"خذ عليك ثيابك وسلاحك، ثم ائتني، فأتيته وهو يتوضأ فصعد فيَّ البصر، وصوبه فقال: إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك رغبة صالحة من المال\" قلت: يا رسول الله. ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، ولأن أكون مع رسول الله - ﷺ -، قال: يا عمرو، نعما بالمال الصالح للرجل الصالح\" (٢). وقال ﵁: ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن هو الذي يعرف خير الشرين. وكان يقول ﵁ حين وفاته: اللهم لا بريء فأعتذر ولا عزيز فأنتصر، وإن لا تدركني منك رحمة، أكن من الهالكين. توفي ﵁ عام ثلاث وأربعين.\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٤/ ٢٥٤ - ٢٦١) و(٧/ ٤٩٣ - ٤٩٤) والإصابة (٤/ ٦٥٠ - ٦٥٤) والاستيعاب (٣/ ١١٨٤ - ١١٩١) والبداية (٨/ ٢٥ - ٢٧) والعقد الثمين (٦/ ٣٩٨ - ٤٠٦) وتهذيب التهذيب (٨/ ٥٦ - ٥٧) ومستدرك الحاكم (٣/ ٤٥٢ - ٤٥٥) والمعرفة والتاريخ (١/ ٣٢٣) والكامل لابن الأثير (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٦) والسير (٣/ ٥٤ - ٧٧) وشذرات الذهب (١/ ٥٣).\n(٢) أحمد (٤/ ١٩٧) والبخاري في الأدب المفرد (٢٩٩) والطبراني في الأوسط (٤/ ١٣٠/٣٢١٣) وأبو يعلى (١٣/ ٣٢٠ - ٣٢٢/ ٧٣٣٦) والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٢٥٩/١٣١٥) ابن حبان (٨/ ٧/٣٢١١) الحاكم (٢/ ٢) وقال: \"صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي\". وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٥٥ - ٣٥٦) وقال: \"رواه أحمد وقال: ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح\".","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>موقفه من المشركين:</span>\n- قال الذهبي في السير: عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده قال: قال عمرو بن العاص: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم، حتى نزلنا الإسكندرية، فقال عظيم منهم: أخرجوا إلي رجلا أكلمه ويكلمني، فقلت: لا يخرج إليه غيري. فخرجت معي ترجماني ومعه ترجمان حتى وضع لنا منبران. فقال: ما أنتم؟ قلت: نحن العرب ومن أهل الشوك والقرظ، ونحن أهل بيت الله كنا أضيق الناس أرضا وشره عيشا. نأكل الميتة والدم ويغير بعضنا على بعض. كنا بشر عيش عاش به الناس حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ شرفا، ولا أكثرنا مالا، قال: أنا رسول الله إليكم يأمرنا بما لا نعرف وينهانا عما كنا عليه. فشنفنا له وكذبناه ورددنا عليه حتى خرج إليه قوم من غيرنا فقالوا: نحن نصدقك ونقاتل من قاتلك. فخرج إليهم وخرجنا إليه وقاتلناه، فظهر علينا وقاتل من يليه من العرب، فظهر عليهم. فلو تعلم ما ورائي من العرب ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم. فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق، وقد جاءتنا رسل بمثل ذلك وكنا عليه حتى ظهرت فينا ملوك، فعملوا فينا بأهوائهم وتركوا أمر الأنبياء، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه، وإذا فعلتم مثل الذي فعلنا فتركتم أمر نبيكم لم تكونوا أكثر عددا منا ولا أشد منا قوة. (١)\n_________\n(١) السير (٣/ ٧٠ - ٧١).","vol":"1","page":217},{"text":"\" التعليق:\nصدق هذا العظيم، القوة في اتباع كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، بهما تقوى الأمة وتعلو مكانتها، وبالتفريط فيهما تندحر وتتولى. وقد كان كذلك، والله المستعان.\n- عن سعيد بن نشيط، أن قرة بن هبيرة قدم على رسول الله - ﷺ -، فأسلم ... الحديث، وفيه: فبعث عمرا على البحرين، فتوفي وهو ثم. قال عمرو: فأقبلت حتى مررت على مسيلمة، فأعطاني الأمان، ثم قال: إن محمدا أرسل في جسيم الأمور، وأرسلت في المحقرات. قلت: أعرض علي ما تقول: فقال: يا ضفدع نقي فإنك نعم ما تنقين، لا زادا تنقرين، ولا ماء تكدرين، ثم قال: يا وبر يا وبر، ويدان وصدر، وبيان خلقه حفر. ثم أتي بأناس يختصمون في نخلات قطعها بعضهم لبعض. فتسجى قطيفة، ثم كشف رأسه، ثم قال: والليل الأدهم، والذئب الأسحم، ما جاء ابن أبي مسلم من مجرم، ثم تسجى الثانية، فقال: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما حرمته رطبا إلا كحرمته يابس، قوموا فلا أرى عليكم فيما صنعتم بأسا. قال عمرو: أما والله إنك كاذب، وإنك لتعلم إنك لمن الكاذبين، فتوعدني. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>موقفه من القدرية:</span>\nقال عمرو بن العاص: انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه، ويرى في عين أخيه القذى فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا\n_________\n(١) السير (٣/ ٦٩).","vol":"1","page":218},{"text":"يعيبها، ويكون في دابته الصعر ويقومها جهده ويكون في نفسه الصعر فلا يقومها. (١)\n\nعبد الله بن سَلاَم (٢) (٤٣ هـ)\nعبد الله بن سلام بن الحارث، أبو يوسف الإسرائيلي الأنصاري، من ذرية يوسف النبي ﵇، أسلم وصحب النبي - ﷺ -، وشهد له بالجنة.\nقيل: كان اسمه الحصين، فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله. روى عن النبي - ﷺ -، وروى عنه أبو هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن حنظلة بن الغسيل وابناه يوسف ومحمد وأبو بردة بن أبي موسى وقيس بن عباد وآخرون.\nوفي صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي - ﷺ - يقول لأحد يمشي على الأرض: \"إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام\". (٣)\nوفيه أيضا عن محمد بن سيرين قال: قال قيس بن عباد: كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، قال: سبحان الله، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء فنصب فيها وفي رأسها عروة وفي أسفلها منصف، فقيل: ارقه، فرقيت حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٦ - ٧٤٧/ ١٢٣٥).\n(٢) طبقات ابن سعد (٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣) والاستيعاب (٣/ ٩٢١ - ٩٢٣) وتاريخ دمشق (٢٩/ ٩٧ - ١٣٦) وتهذيب الكمال (١٥/ ٧٤ - ٧٥) وسير أعلام النبلاء (٢/ ٤١٣ - ٤٢٦) والإصابة (٤/ ١١٨ - ١٢٠).\n(٣) أحمد (١/ ١٦٩) والبخاري (٧/ ١٦٢/٣٨١٢) ومسلم (٤/ ١٩٣٠/٢٤٨٣).","vol":"1","page":219},{"text":"- ﷺ -: \"يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى\". (١)\nومناقبه كثيرة ﵁، توفي سنة ثلاث وأربعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>موقفه من المشركين:</span>\nعن أنس قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله - ﷺ - وهو في أرض يخترف، فأتى النبي - ﷺ - فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفا. قال: جبريل؟ قال: نعم. قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة. فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ (٢)، أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني. فجاءت اليهود، فقال النبي - ﷺ -: أي رجل عبد الله فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله ابن سلام؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه. قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. (٣)\n_________\n(١) البخاري (١٢/ ٤٩١/٧٠١٠) ومسلم (٤/ ١٩٣١/٢٤٨٤ - (١٤٩».\n(٢) البقرة الآية (٩٧).\n(٣) أحمد (٣/ ١٠٨) والبخاري (٨/ ٢٠٩/٤٤٨٠).","vol":"1","page":220},{"text":"معقل بن قيس (١) (٤٣ هـ)\nمعقل بن قيس الرياحي، من أهل الكوفة من بني رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك. أوفده عمار بن ياسر إلى عمر يفتح تستر، وبعثه علي إلى بني ناجية حين ارتدوا فقاتلهم، ووجهه علي لمحاربة يزيد بن شجرة الرهاوي. قال ابن عياش: كان صاحب شرطة علي معقل بن قيس. وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء علي يوم الجمل.\nوقال علي بن مجاهد: كان أول من خرج بعد أهل النخيلة المستورد بن علفة اليربوعي، فسار إليه معقل بن قيس الرياحي، فلقيه بشط دجلة فاختلفا ضربتين، فقتل كل واحد منهما صاحبه. ذكر أبو جعفر الطبري أن ذلك كان في سنة ثلاث وأربعين، وأرخه أبو عبيدة سنة تسع وثلاثين في خلافة علي.\nقال ابن عساكر: ولا شك أن ذلك كان في أيام معاوية وإمارة المغيرة ابن شعبة على الكوفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال حين أنذر المغيرة بن شعبة رؤساء الناس في أمر الخوارج: فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أيها الأمير هل سمي لك أحد من هؤلاء القوم؟ فإن كانوا سموا لك فأعلمنا من هم؟ فإن كانوا منا كفيناكهم، وإن كانوا من غيرنا أمرت أهل الطاعة من أهل مصرنا فأتتك كل قبيلة بسفهائها\n_________\n(١) تاريخ خليفة (١٩٨ - ٢٠٠) وتاريخ الطبري (٣/حوادث سنة ٤٣هـ) وتاريخ دمشق (٥٩/ ٣٦٧ - ٣٦٨) والإصابة (١٠/ ٣٩).","vol":"1","page":221},{"text":"فقال: ما سمي لي أحد منهم. ولكن قد قيل لي إن جماعة يريدون أن يخرجوا بالمصر، فقال له معقل: أصلحك الله! فإني أسير في قومي وأكفيك ما هم فيه، فليكفك كل امرئ من الرؤساء قومه ... (١)\n- وفيه أيضا: فقام معقل بن قيس فقال: إنك لا تبعث إليهم أحدا ممن ترى حولك من أشراف المصر إلا وجدته سامعا مطيعا ولهم مفارقا ولهلاكهم محبا، ولا أرى أصلحك الله أن تبعث إليهم أحدا من الناس أعدى لهم ولا أشد عليهم مني، فابعثي إليهم فإني أكفيكهم بإذن الله. فقال: اخرج على اسم الله فجهز معه ثلاثة آلاف رجل. (٢)\n- عن سالم بن ربيعة قال: إني جالس عند المغيرة بن شعبة حين أتاه معقل بن قيس يسلم عليه ويودعه، فقال له المغيرة: يا معقل بن قيس، إني قد بعثت معك فرسان أهل البصرة، أمرت بهم فانتخبوا انتخابا، فسر إلى هذه العصابة المارقة، الذين فارقوا جماعتنا وشهدوا عليها بالكفر، فادعهم إلى التوبة، وإلى الدخول في الجماعة، فإن فعلوا فاقبل منهم، واكفف عنهم، وإن هم لم يفعلوا فناجزهم واستعن بالله عليهم. فقال معقل بن قيس: سندعوهم ونعذر، وايم الله ما أرى أن يقبلوا، ولئن لم يقبلوا الحق لا نقبل منهم الباطل، هل بلغك -أصلحك الله- أين منزل القوم؟ (٣) ثم سار في آثرهم وناجزهم وطردهم من كل مصر حلوا به، إلى أن انتهى إلى منازلة رأسهم\n_________\n(١) تاريخ الطبري (٣/ ١٨٠).\n(٢) تاريخ الطبري (٣/ ١٨٢).\n(٣) تاريخ الطبري (٣/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"1","page":222},{"text":"المسورة بن علفة فقتل أحدهما الآخر، وأبيد هؤلاء المارقون عن آخرهم. (١)\n- قال الحافظ ابن كثير: وقد كانت في هذه السنة -أعنى سنة ثلاث وأربعين- وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة، وذلك أنهم صمموا- كما قدمنا- على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة، فجهز عليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل ابن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو الرواع بمكان يقال له المذار. فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج، ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، ولكن لم يقتل أحد منهم، فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس، فنزل وصلى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبى الرواع، فقال له: أيها الأمير إن لهم شدات منكرة، فكن أنت ردأ الناس ومر الفرسان فليقاتلوا بين يديك.\nفقال معقل بن قيس: نعم ما رأيت، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل وأصحابه، فانجفل عنه عامة أصحابه، فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الأرض الأرض، فترجل معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس، منهم أبو الرواع الشاكري، فحمل عليهم المستورد بن علقمة بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح والسيوف، ولحق بقية الجيش بعض الفرسان فذمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار، فرجع الناس إلى معقل وهو يقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار قتالا شديدا، والناس\n_________\n(١) انظر تفصيل ذلك من تاريخ الطبري (٣/ ١٨٢ - ١٩٣).","vol":"1","page":223},{"text":"يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم، وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، فسار معقل في طلبهم وقدم بين يديه أبا الرواع في ستمائة فالتقوا بهم عند طلوع الشمس، فثار إليهم الخوارج فتبارزوا ساعة، ثم حملوا حملة رجل واحد فصبر لهم أبو الرواع بمن معه وجعل يذمرهم ويعيرهم ويؤنبهم على الفرار ويحثهم على الصبر فصبروا وصدقوا فى الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم، فما يكون دون قتلهم شيء فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة في أرض نهزشير، وتبعهم أبو الرواع ولحقه معقل بن قيس، ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد نائب المدائن ولحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة. (١)\n\nأبو موسى الأشعري (٢) (٤٤ هـ)\nهو عبد الله بن قيس بن سُلَيم، صاحب رسول الله - ﷺ -. أبو موسى الأشعري التميميّ، الفقيه المقرئ، وهو معدود فيمن قرأ على النبي - ﷺ -. أقرأَ أهل البصرة وفقّههم في الدين، حدث عنه بريدة بن الحصيب، وأبو أمامة الباهلي، وأبو سعيد الخدري. وقد استعمله النبي ومعاذا على زبيد، وعدن،\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ٢٦).\n(٢) السير (٢/ ٣٨٠ - ٤٠٢) والإصابة (٤/ ٢١١ - ٢١٤) والاستيعاب (٣/ ٩٧٩ - ٩٨١) وأسد الغابة (٣/ ٣٦٤ - ٣٦٦) طبقات ابن سعد (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥) والجرح والتعديل (٥/ ١٣٨).","vol":"1","page":224},{"text":"وولي إمرة الكوفة لعمر، وإمرة البصرة، وقدم ليالي فتح خيبر، وغزا، وجاهد مع النبي - ﷺ -، وحمل عنه علما كثيرا.\nعن أبي موسى أن نبي الله - ﷺ - قال له: \"يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود\" (١). قال مسروق: كان القضاء في الصحابة في ستة: وذكر منهم أبا موسى. توفي ﵀ سنة أربع وأربعين على الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى ابن بطة في الإبانة بسنده إلى أبي موسى قال: لأن أجاور يهوديا ونصرانيا وقردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني صاحب هوى يمرض قلبي. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>موقفه من الرافضة:</span>\nعن أبي موسى قال: لو كان قتل عثمان هدى لاجتلبت به الأمة لبنا ولكنه كان ضلالا فاجتلبت به الأمة دما. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله عن أبي موسى -وكان يعلمهم من سنتهم- قال فبينا يحدثهم إذ شخصت أبصارهم قال ما أشخص أبصاركم عني؟ قالوا القمر قال فكيف إذا رأيتم الله جهرة؟ (٤)\n_________\n(١) البخاري (٩/ ١١٣/٥٠٤٨) ومسلم (١/ ٥٤٦/٧٩٣) والترمذي (٥/ ٦٥٠/٣٨٥٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٨/ ٤٦٩).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٤٠/٢٥٨٥).\n(٤) السنة لعبد الله (١٧٣) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٥١ - ٥٥٢/ ٨٦٢).","vol":"1","page":225},{"text":"- عن أبي تميمة الهجيمي قال: سمعت أبا موسى الأشعري في قول الله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (١) قال: النظر إلى وجه ربهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة عن معمر قال: بلغني أن عمرو بن العاصي قال لأبي موسى: وددت أني وجدت من أخاصم إليه ربي؛ فقال أبو موسى: أنا، فقال عمرو: فقدر علي شيئا ويعذبني عليه؟ فقال أبو موسى: نعم، قال: لم؟ قال: لأنه لا يظلمك، قال: صدقت. (٣)\n\nأم حبيبة أم المؤمنين (٤) (٤٤ هـ)\nهي رَمْلَة بنت أبي سفيان صَخْر بن حَرب، بن أُمية، بن عبد شَمس، الأموية زوج النبي - ﷺ -، تكنى أم حبيية، وقيل اسمها هند، ورملة أصح.\nوقد تزوجها أولا عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي، فولدت منه حبيبة بأرض الحبشة في الهجرة، ثم توفي عبد الله متنصرا مرتدا، فكاتب النبي - ﷺ - النجاشي، فزوجها به، وأصدق عنه أربعة آلاف درهم، وبعث بها إلى\n_________\n(١) يونس الآية (٢٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٠٨/٧٨٦).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٧٢/ ١٦٦٢).\n(٤) طبقات ابن سعد (٨/ ٩٦ - ١٠٠) وأسد الغابة (٧/ ٣٠٣ - ٣٠٤) وتهذيب الكمال (٣٥/ ١٧٥ - ١٧٦) وسير أعلام النبلاء (٢/ ٢١٨ - ٢٢٣) والوافي بالوفيات (١٤/ ١٤٥ - ١٤٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤١ - ٦٠/ص.١٣٢ - ١٣٤) والإصابة (٧/ ٦٥١ - ٦٥٤).","vol":"1","page":226},{"text":"رسول الله - ﷺ - مع شرحبيل بن حسنة، وذلك سنة سبع، وعمرها يومئذ بضع وثلاثون سنة. روت عدة أحاديث، وروى عنها أخواها: الخليفة معاوية، وعنبسة وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير وأبو صالح السمان وصفية بنت شيبة وجماعة.\nوأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك ذلك كله وحللك من ذلك، فقالت: سررتني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة، فقالت لها مثل ذلك. توفيت ﵂ سنة أربع وأربعين، وقيل سنة اثنتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>موقفها من المشركين:</span>\nعن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول الله، - ﷺ -، وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله، فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي - ﷺ -، طوته دونه فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله وأنت امرؤ نجس مشرك. فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر. (١)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٨/ ٩٩ - ١٠٠).","vol":"1","page":227},{"text":"سلمة بن سلامة بن وَقْش (١) (٤٥ هـ)\nسَلَمَة بن سَلاَمَة بن وَقْش بن زُغْبَة بن زَعُورَاء بن عبد الأَشْهل الأنصاري الأشهلي يكنى أبا عوف. شهد العقبتين: في قول الجميع، ثم شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، استعمله عمر على اليمامة. روى عنه محمود بن لبيد وجبيرة والد زيد بن جبيرة. آخى النبي - ﷺ - بينه وبين أبي سبرة بن أبي رهم العامري. وقيل: بينه وبين الزبير بن العوام. توفي سنة خمس وأربعين بالمدينة وهو ابن سبعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>موقفه من المشركين:</span>\nعن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش؛ قال: كان بين أبياتنا رجل يهودي، فخرج علينا ذات غداة ضحى. حتى جلس إلى بني عبد الأشهل في ناديهم، وأنا يومئذ غلام شاب، علي بردة لي، مضطجع بفناء أهلي، فأقبل اليهودي. فذكر البعث والقيامة، والجنة والنار، وكان القوم أصحاب وثن لا يرون حياة تكون بعد الموت، فقالوا: ويحك يا فلان، أترى هذا كائنا: أن الله ﷿ يبعث العباد بعد موتهم، إذا صاروا ترابا وعظاما؟ وأن غير هذه الدار يجزون فيها بحسن أعمالهم، ثم يصيرون إلى جنة ونار؟؛ قال: نعم، والذي نفسي بيده. وايم الله لوددت أن حظي من تلك النار أن أنجو منها: أن يسجر لي تنور في داركم. ثم أجعل فيه. ثم يطبق علي، قالوا له: وما علامة ذلك؟ قال: نبي يبعث الآن. قد أظلكم زمانه. ويخرج من هذه\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٣/ ٤٣٩ - ٤٤٠) والاستيعاب (٢/ ٦٤١) وأسد الغابة (٢/ ٥٢٣ - ٥٢٤) والسير (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦) والإصابة (٣/ ١٤٨ - ١٤٩).","vol":"1","page":228},{"text":"البلاد. وأشار إلى مكة، قالوا: ومتى يكون ذلك الزمان؟ قال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله - ﷺ - وإن اليهودي لحي بين أظهرنا، فآمنا برسول الله - ﷺ - وصدقناه، وكفر به اليهودي وكذبه، فكنا نقول له: ويلك يا فلان أين ما كنت تقول؟ فيقول: إنه ليس به، بغيا وحسدا. (١)\n\nزيد بن ثابت (٢) (٤٥ هـ)\nزيد بن ثابت بن الضحاك، أبو سعيد وأبو خارجة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني الصحابي، كاتب الوحي للنبي - ﷺ -. حدث عن رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان. وروى عنه أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأنس ابن مالك وسهل بن سعد وأبو أمامة بن سهل وخلق كثير.\nعن مسروق قال: كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله - ﷺ -: عمر وعلي وابن مسعود وزيد وأبيّ وأبو موسى.\nوعن سليمان بن يسار قال: ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا في الفرائض والفتوى والقراءة والقضاء.\nوعن مسروق قال: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.\n_________\n(١) الشريعة (٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩/ ١٠٣٦).\n(٢) طبقات ابن سعد (٢/ ٣٥٨) وتاريخ دمشق (١٩/ ٢٩٥ - ٣٤١) والاستيعاب (٢/ ٥٣٧ - ٥٤٠) وتهذيب الكمال (١٠/ ٢٤ - ٣٢) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٩) وسير أعلام النبلاء (٢/ ٤٢٦ - ٤٤١) وشذرات الذهب (١/ ٥٤ و٦٢).","vol":"1","page":229},{"text":"وعن الشعبي قال: أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت، فقال: أتمسك فيَّ وأنت ابن عم رسول الله - ﷺ -؟ قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء.\nوعن سعيد بن المسيب قال: شهدت جنازة زيد بن ثابت، فلما دلي في قبره، قال ابن عباس: من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، والله لقد دفن اليوم علم كثير.\nتوفي ﵁ سنة خمس وأربعين وهو ابن ست وخمسين، وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في السير عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: بلغنا أن زيد بن ثابت كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم. حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن. قال: فذروه حتى يكون.\n- وفيها: كان زيد بن ثابت إذا سأله رجل عن شيء، قال: آلله كان هذا؟ فإن قال: نعم، تكلم فيه، وإلا لم يتكلم. (١)\n\nهَرِم بن حَيَّان (٢) (٤٦ هـ)\nهَرِم بن حَيَّان العَبْدي الربعيّ، ويقال الأزديّ، البصريّ، أحد العابدين. روى عن عمر. وروى عنه الحسن البصري وغيره. قال ابن سعد: كان ثقة\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٣٨).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ١٣١) والحلية (٢/ ١١٩) والاستيعاب (٤/ ١٥٣٧) تاريخ الإسلام (حوادث٦١ - ٨٠/ص.٥٣٣) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٨) والإصابة (٦/ ٥٣٣ - ٥٣٤) والمنتظم (٥/ ٢١٨ - ٢١٩) والنجوم الزاهرة (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":230},{"text":"وله فضل وعبادة، وكان عاملا لعمر. وقال الحسن البصري: خرج هرم وعبد الله بن عامر بن كريز، فبينما رواحلهما ترعى إذ قال هرم: أيسرك أنك كنت هذه الشجرة؟ قال: لا والله، لقد رزقني الله الإسلام، وإني لأرجو من ربي، فقال هرم: لكني والله لوددت أني كنت هذه الشجرة، فأكلتني هذه الناقة، ثم بعرتني، فاتخذت جلة، ولم أكابد الحساب، ويحك يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى. قال الحسن: كان والله أفقههما وأعلمهما بالله. أرخ لوفاته ابن الجوزي وابن تغري بردي سنة ست وأربعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: قال هرم بن حيان: صاحب الكلام على إحدى المنزلتين إن قصر فيه خصم وإن أعرق (١) فيه أثم. (٢)\n\nالحسن بن علي بن أبي طالب (٣) (٤٩ هـ)\nالحسن بن علي بن أبي طالب، الإمام السيد، ريحانة رسول الله - ﷺ - وسبطه، وسيد شباب أهل الجنة، أبو محمد القرشي الهاشمي المدني الشهيد. ولد سنة ثلاث للهجرة. قال أسامة: كان النبي - ﷺ - يأخذني والحسن، ويقول:\n_________\n(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: \"أغرق\".\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٦/٢٢٢).\n(٣) الجرح والتعديل (٣/ ١٩) والإصابة (٢/ ٦٨ - ٧٤) والاستيعاب (١/ ٣٨٣ - ٣٩٢) والحلية (٢/ ٣٥) وتاريخ بغداد (١/ ١٣٧ - ١٣٨) وتاريخ الطبري (٥/ ١٥٨ - ١٦٠) والكامل لابن الأثير (٣/ ٤٦٠) والوافي (١٢/ ١٠٧ - ١١٠) والبداية والنهاية (٨/ ١٤ - ١٩) والعقد الثمين (٤/ ١٥٦ - ١٥٨) والسير (٣/ ٢٤٥ - ٢٨٧).","vol":"1","page":231},{"text":"\"اللهم إني أحبهما فأحبهما\" (١).\nقال الذهبي: وقد كان هذا الإمام سيدا، وسيما، جميلا، عاقلا، ورزينا، جوادا ممدحا، خيرا، دينا، ورعا، محتشما، كبير الشأن وكان منكاحا مطلاقا، تزوج نحوا من سبعين امرأة، وقلما كان يفارقه أربع ضرائر. وفيه قال النبي - ﷺ -: \"إن ابني هذا سيد يصلح به الله فئتين من المسلمين\" (٢). وقيل للحسن بن علي: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له، لم يتمن شيئا، وهذا حد الوقوف على الرضى بما تصرف به القضاء. ولما احتضر الحسن ﵁ قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك، فإنها أعز الأنفس علي.\nمات سنة تسع وأربعين ﵁ وأرضاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>موقفه من المبتدعة:</span>\nنقل الذهبي في السير عن الحرمازي: خطب الحسن بن علي بالكوفة، فقال: إن الحلم زينة، والوقار مروءة، والعجلة سفه، والسفه ضعف، ومجالسة أهل الدنائة شين، ومخالطة الفساق ريبة. (٣)\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٢١٠) والبخاري (٧/ ١١٠/٣٧٣٥) والنسائي في الكبرى (٥/ ٥٠/٨١٧١).\n(٢) أحمد (٥/ ٣٧ - ٣٨) والبخاري (٥/ ٣٨٤/٢٧٠٤) مطولا، وأبو داود (٥/ ٤٨ - ٤٩/ ٤٦٦٢) والترمذي (٥/ ٦١٦/٣٧٧٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٣/ ١١٨ - ١١٩/ ١٤٠٩) كلهم من طرق عن أبي بكرة ﵁ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة فذكره.\n(٣) سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٦٣).","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: عن عمرو بن الأصم، قلت للحسن: إن الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله، ما هؤلاء بالشيعة، لوعلمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا ماله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>موقفه من القدرية:</span>\nقال الحسن بن علي: قضي القضاء وجف القلم وأمور بقضاء في كتاب قد خلا. (٢)\n\nكعب بن مالك (٣) (٥٠ هـ)\nهو كعب بن مالك بن أبي كعب، عمرو بن القَيْن الأنصاري الخزرجي العقبي الأحدي. شاعر رسول الله - ﷺ - وصاحبه وأحد الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم، شهد العقبة وله عدة أحاديث تبلغ الثلاثين. روى عنه: عبد الله وعبد الله وعبد الرحمن ومحمد ومعبد بنوه، وجابر وابن عباس وأبو أمامة وآخرون. كانت كنيته: أبا بشير آخى النبي - ﷺ - بينه وبين الزبير. قال\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٦٣) وهو في الشريعة (٣/ ٥٦٠/٢٠٧٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٦/١٢٣٤) والإبانة (٢/ ١٠/٢٣٠/ ١٨٣٠) والشريعة (١/ ٤٦٥ - ٤٦٦/ ٦١٠) والسنة لعبد الله (١٣٢).\n(٣) التاريخ الكبير (٧/ ٢١٩ - ٢٢٠) والجرح والتعديل (٧/ ١٦٠) وتاريخ خليفة (٢٠٢) وطبقاته (١٠٣) والاستيعاب (٣/ ١٣٢٣ - ١٣٢٦) وتاريخ دمشق (٥٠/ ١٧٦ وما بعدها) وأسد الغابة (٤/ ٤٦١ - ٤٦٢) وتهذيب الكمال (٢٤/ ١٩٣ - ١٩٦) وتهذيب التهذيب (٨/ ٤٤٠ - ٤٤١) والإصابة (٥/ ٦١٠ - ٦١٢) وشذرات الذهب (١/ ٥٦) والسير (٢/ ٥٢٣).","vol":"1","page":233},{"text":"كعب: يا رسول الله: قد أنزل في الشعراء ما أنزل، قال: \"إن المجاهد مجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل\" (١).\nنزلت فيه وفي صاحبيه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية، آية التوبة ﴿لقد تاب الله علي النبي ...﴾ الآيات. توفي ﵁ سنة خمسين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن سيرين: أما كعب، فكان يذكر الحرب، يقول: فعلنا ونفعل، ويتهددهم. وأما حسان، فكان يذكر عيوبهم وأيامهم. وأما ابن رواحة، فكان يعيرهم بالكفر. وقد أسلمت دوس فرقا من بيت قاله كعب:\nنخيرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوسا أو ثقيفا (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>موقفه من الرافضة:</span>\nعن الشعبي قال: لما قتل عثمان بن عفان ﵁ رثاه كعب بن مالك الأنصاري ﵀ فقال (٣):\nعجبت لقوم أسلموا بعد عزهم ... إمامهم للمنكرات وللغدر\nفلو أنهم سيموا من الضيم خطة ... لجاد لهم عثمان بالأيد والنصر\nفما كان في دين الإله بخائن ... ولا كان في الأقسام بالضيق الصدر\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٤٦٠) (٦/ ٣٨٧) الطبراني في الكبير (١٩/ ٧٥ - ٧٦/ ١٥١ - ١٥٢ - ١٥٣) وفي الأوسط (١/ ٣٨٦/٦٧٣) دون قوله: والذي نفسي بيده ... وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ١٢٦) وقال: \"رواه أحمد بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح، وروى الطبراني في الأوسط والكبير نحوه\".\n(٢) السير (٢/ ٥٢٥).\n(٣) الشريعة (٣/ ١٥٣/١٤٩٤).","vol":"1","page":234},{"text":"ولا كان نكاثا بعهد محمد ... ولا تاركا للحق في النهي والأمر\nفإن أبكه أعذر لفقدي عدله ... ومالي عنه من عزاء ولا صبر\nوهل لامرئ يبكي لعظم مصيبة ... أصيب بها بعد ابن عفان من عذر\nفلم أر يوما كان أعظم فتنة ... وأهتك منه للمحارم والستر\nغداة أصيب المسلمون بخيرهم ... ومولاهم في إله العسر واليسر\n\nالمغيرة بن شعبة (١) (٥٠ هـ)\nالمُغيرَة بن شُعْبَة بن أبي عامر بن مسعود، أبو عيسى وقيل أبو عبد الله، الثقفي صاحب رسول الله - ﷺ -. أسلم عام الخندق، وأول مشاهده الحديبية.\nروى عن النبي - ﷺ - وروى عنه أبو أمامة الباهلي، والمسور بن مخرمة وقرة المزني وأولاده عروة وحمزة وعقار.\nكان موصوفا بالدهاء، قال الشعبي: القضاة أربعة: عمر وعلي وابن مسعود وأبو موسى الأشعري، والدهاة أربعة: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد، فأما معاوية فللأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير.\nوكان ﵁ نكّاحا للنساء، أحصن ثمانين امرأة. ولاه عمر بن الخطاب البصرة، ولم يزل عليها حتى قتل عمر، فأقره عثمان عليها، ثم عزله،\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٤/ ٢٨٤) وتاريخ بغداد (١/ ١٩١) والاستيعاب (٤/ ١٤٤٥ - ١٤٤٧) وتاريخ دمشق (٦٠/ ١٣ - ٦٢) وأسد الغابة (٥/ ٢٣٨ - ٢٤٠) وسير أعلام النبلاء (٣/ ٢١) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٣٦٩ - ٣٧٦).","vol":"1","page":235},{"text":"وشهد اليمامة وفتوح الشام، وذهبت عينه باليرموك، وشهد القادسية وشهد فتح نهاوند، وكان على ميسرة النعمان بن مقرن، وشهد فتح همدان وغيرها. اعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان، فلما قتل علي، وصالح معاوية الحسن ودخل الكوفة، ولاه عليها.\nتوفي ﵁ بالكوفة سنة خمسين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: عن حجاج الصواف حدثني إياس بن معاوية عن أبيه قال: لما كان يوم القادسية، ذهب المغيرة بن شعبة في عشرة إلى صاحب فارس، فقال: إنا قوم مجوس، وإنا نكره قتلكم لأنكم تنجسون علينا أرضنا. فقال: إنا كنا نعبد الحجارة حتى بعث الله إلينا رسولا، فاتبعناه، ولم نجيء لطعام، بل أمرنا بقتال عدونا، فجئنا لنقتل مقاتلتكم، ونسبي ذراريكم. وأما ما ذكرت من الطعام فما نجد ما نشبع منه، فجئنا فوجدنا في أرضكم طعاما كثيرا وماء، فلا نبرح حتى يكون لنا ولكم. فقال العلج: صدق. قال: وأنت تفقأ عينك غدا، ففقئت عينه بسهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال خليفة بن خياط في تاريخه: وفي ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة خرج شبيب بن بجرة الأشجعي، فوجه إليه المغيرة كثير بن شهاب الحارثي فقتله بأذربيجان. قال أبو عبيدة: خرج شبيب بن بجرة -وكان ممن\n_________\n(١) السير (٣/ ٣٢).","vol":"1","page":236},{"text":"شهد النهروان بالكوفة- على المغيرة بن شعبة عند دار الرزق فقتل. (١)\n- قال الطبري: إن قبيصة بن الدمون أتى المغيرة بن شعبة -وكان على شرطته- فقال إن شمر بن جعونة الكلابي جاءني فخبرني أن الخوارج قد اجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمي، وقد اتعدوا أن يخرجوا إليك في غرة شعبان. فقال المغيرة بن شعبة لقبيصة بن الدمون -وهو حليف لثقيف وزعموا أن أصله كان من حضرموت من الصدف- سر بالشرطة حتى تحيط بدار حيان بن ظبيان فأتني به؟ وهم إلا أنه أمير تلك الخوارج. فسار قبيصة في الشرطة وفي كثير من الناس فلم يشعر حيان بن ظبيان إلا والرجال معه في داره نصف النهار، وإذا معه معاذ بن جوين ونحو من عشرين رجلا من أصحابهما، وثارت امرأته أم ولد له فأخذت سيوفا كانت لهم فألقتها تحت الفراش، وفزع بعض القوم إلى سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا، فانطلق بهم إلى المغيرة بن شعبة. فقال لهم المغيرة: ما حملكم على ما أردتم من شق عصا المسلمين؟ فقالوا: ما أردنا من ذلك شيئا. قال: بلى قد بلغني ذلك عنكم ثم قد صدق ذلك عندي جماعتكم، قالوا له: أما اجتماعنا في هذا المنزل فإن حيان بن ظبيان أقرأنا القرآن، فنحن نجتمع عنده في منزله فنقرأ القرآن عليه. فقال: اذهبوا بهم إلى السجن، فلم يزالوا فيه نحوا من سنة وسمع إخوانهم بأخذهم فحذروا. (٢)\n- وقال: فبلغ الخبر المغيرة بن شعبة أن الخوارج خارجة عليه في أيامه\n_________\n(١) التاريخ (ص.٢٠٩).\n(٢) تاريخ الطبري (٣/ ١٧٨ - ١٧٩).","vol":"1","page":237},{"text":"تلك، وأنهم قد اجتمعوا على رجل منهم. فقام المغيرة بن شعبة في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد علمتم أيها الناس أني لم أزل أحب لجماعتكم العافية، وأكف عنكم الأذى، وأني والله لقد خشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم، فأما الحلماء الأتقياء فلا، وايم الله لقد خشيت ألا أجد بدا من أن يعصب الحليم التقي بذنب السفيه الجاهل، فكفوا أيها الناس سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم. وقد ذكر لي أن رجالا منكم يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والخلاف، وايم الله لا يخرجون في حي من أحياء العرب في هذا المصر إلا أبدتهم وجعلتهم نكالا لمن بعدهم، فنظر قوم لأنفسهم قبل الندم، فقد قمت هذا المقام إرادة الحجة والإعذار.\nفقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أيها الأمير هل سمي لك أحد من هؤلاء القوم؟ فإن كانوا سموا لك فأعلمنا من هم؟ فإن كانوا منا كفيناكم، وإن كانوا من غيرنا أمرت أهل الطاعة من أهل مصرنا فأتتك كل قبيلة بسفهائها فقال: ما سمي لي أحد منهم. ولكن قد قيل لي إن جماعة يريدون أن يخرجوا بالمصر، فقال له معقل: أصلحك الله! فإني أسير في قومي وأكفيك ما هم فيه، فليكفك كل امرئ من الرؤساء قومه. فنزل المغيرة بن شعبة وبعث إلى رؤساء الناس فدعاهم، ثم قال لهم: إنه قد كان من الأمر ما قد علمتم، وقد قلت ما قد سمعتم، فليكفني كل امرئ من الرؤساء قومه، وإلا فو الذي لا إله غيره لأتحولن عما كنتم تعرفون إلى ما تنكرون، وعما تحبون إلى ما تكرهون، فلا يلم لائم إلا نفسه وقد أعذر من أنذر. فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم، فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم على من يرون أنه","vol":"1","page":238},{"text":"يريد أن يهيج فتنة، أو يفارق جماعة ... (١)\nإلى أن قال: ثم إن المغيرة بن شعبة أخبر خبرهم، فدعا رؤساء الناس. فقال: إن هؤلاء الأشقياء قد أخرجهم الحين وسوء الرأي، فمن ترون أبعث إليهم؟ قال: فقام إليه عدي بن حاتم، فقال كلنا لهم عدو، ولرأيهم مسفه، وبطاعتك مستمسك، فأينا شئت سار إليهم:\nفقام معقل بن قيس، فقال: إنك لا تبعث إليهم أحدا ممن ترى حولك من أشراف المصر إلا وجدته سامعا مطيعا، ولهم مفارقا ولهلاكهم محبا، ولا أرى أصلحك الله أن تبعث إليهم أحدا من الناس أعدى لهم ولا أشد عليهم مني فابعثني إليهم فإني أكفيكهم بإذن الله، فقال: اخرج على اسم الله؛ فجهز معه ثلاثة آلاف رجل. (٢)\n- عن سالم بن ربيعة قال: إني جالس عند المغيرة بن شعبة حين أتاه معقل بن قيس يسلم عليه ويودعه، فقال له المغيرة: يا معقل بن قيس، إني قد بعثت معك فرسان أهل البصرة، أمرت بهم فانتخبوا انتخابا، فسر إلى هذه العصابة المارقة، الذين فارقوا جماعتنا وشهدوا عليها بالكفر، فادعهم إلى التوبة، وإلى الدخول في الجماعة، فإن فعلوا فاقبل منهم، واكفف عنهم، وإن هم لم يفعلوا فناجزهم واستعن بالله عليهم. فقال معقل بن قيس: سندعوهم ونعذر، وايم الله ما أرى أن يقبلوا، ولئن لم يقبلوا الحق لا نقبل منهم الباطل،\n_________\n(١) تاريخ الطبري (٣/ ١٨٠).\n(٢) تاريخ الطبري (٣/ ١٨٢).","vol":"1","page":239},{"text":"هل بلغك -أصلحك الله- أين منزل القوم؟ (١)\nوقال ابن كثير: وقد كانت في هذه السنة -أعنى سنة ثلاث وأربعين- وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة، وذلك أنهم صمموا -كما قدمنا- على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة، فجهز عليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو الرواع بمكان يقال له المذار. فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج، ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، ولكن لم يقتل أحد منهم، فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس، فنزل وصلى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبى الرواع، فقال له: أيها الأمير إن لهم شدات منكرة، فكن أنت ردأ الناس ومر الفرسان فليقاتلوا بين يديك.\nفقال معقل ابن قيس: نعم ما رأيت، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل وأصحابه، فانجفل عنه عامة أصحابه، فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الأرض الأرض، فترجل معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس، منهم أبو الرواع الشاكري، فحمل عليهم المستورد بن علقمة بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح والسيوف، ولحق بقية الجيش بعض الفرسان فذمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار، فرجع الناس إلى معقل وهو يقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار قتالا شديدا، والناس\n_________\n(١) تاريخ الطبري (٣/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"1","page":240},{"text":"يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم، وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، فسار معقل فى طلبهم وقدم بين يديه أبا الرواع في ستمائة فالتقوا بهم عند طلوع الشمس، فثار إليهم الخوارج فتبارزوا ساعة، ثم حملوا حملة رجل واحد فصبر لهم أبو الرواع بمن معه وجعل يذمرهم ويعيرهم ويؤنبهم على الفرار ويحثهم على الصبر فصبروا وصدقوا في الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم، فما يكون دون قتلهم شيء فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة في أرض نهزشير، وتبعهم أبو الرواع ولحقه معقل بن قيس، ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد نائب المدائن ولحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة. (١)\n\nجرير بن عبد الله (٢) (٥١ هـ)\nهو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن حُشَم بن عوف. الأمير النبيل أبو عمرو -وقيل أبو عبد الله- البجلي القسري وقسر من قحطان، من أعيان الصحابة. بايع النبي - ﷺ - على النصح لكل مسلم، كان بديع الحسن كامل الجمال. حدث عنه أنس وقيس بن أبي حازم وأبو وائل\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ٢٦).\n(٢) الاستيعاب (١/ ٢٣٦ - ٢٤٠) وأسد الغابة (١/ ٥٢٩ - ٥٣١) وطبقات ابن سعد (٦/ ٢٢) وتهذيب الكمال (٤/ ٥٣٣ - ٥٤٠) وتهذيب التهذيب (٢/ ٧٣ - ٧٥) وتاريخ خليفة (٢١٨) والإصابة (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦) والسير (٢/ ٥٣٠ - ٥٣٧) وشذرات الذهب (١/ ٥٧ - ٥٨).","vol":"1","page":241},{"text":"والشعبي وأولاده الأربعة: المنذر، وعبد الله وإبراهيم ولم يدركه، وأيوب، وجماعة. روى الإمام أحمد عن جرير: لما دنوت من المدينة، أنخت راحلتي وحللت عيبتي ولبست حلتي، ثم دخلت المسجد فإذا برسول الله - ﷺ - يخطب، فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكر رسول الله - ﷺ - من أمري شيئا؟ قال: نعم، ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته، فقال: \"إنه سيدخل عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن ألا وإن على وجهه مسحة ملك\". قال: فحمدت الله. (١) وقال أيضا: ما رآني رسول الله - ﷺ - إلا تبسم في وجهي. جاء مع قومه فأسلموا.\nوقال عمر: جرير يوسف هذه الأمة. عن الشعبي: كان على ميمنة سعد بن أبي وقاص يوم القادسية جرير. قال محمد بن عمر: لم يزل جرير معتزلا لعلي ومعاوية بالجزيرة ونواحيها حتى توفي بالشراة في ولاية الضحاك ابن عيسى على الكوفة سنة إحدى وخمسين. ومسنده نحو من مائة حديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>موقفه من المشركين:</span>\nعن جرير أن النبي - ﷺ - قال له: \"ألا تريحني من ذي الخلصة -بيت خثعم- وكان يسمى: الكعبة اليمانية- قال: فخربناه أو حرقناه حتى تركناه كالجمل الأجرب وبعث إلى النبي - ﷺ - يبشره فبرك على خيل أحمس ورجالها خمس مرات ... قال: وقلت يا رسول الله إني رجل لا أثبت على الخيل فوضع\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٣٦٤) والنسائي في الكبرى (٥/ ٨٢/٨٣٠٤) والطبراني (٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣/ ٢٤٨٣) والحاكم (١/ ٢٨٥) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٧٥) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار عنهما، وأسانيد الكبير رجاله رجال الصحيح\".","vol":"1","page":242},{"text":"يده على وجهي -أو على صدري- وقال اللهم اجعله هاديا مهديا\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>موقفه من الرافضة:</span>\nعن مغيرة قال: تحول جرير بن عبد الله وحنظلة وعدي بن حاتم من الكوفة إلى قرقيسيا وقالوا لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. (٢)\n\nسعيد بن زيد (٣) (٥١ هـ)\nسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل بن عبد العُزَّى العدويّ، يكنى أبا الأعور وقيل: أبا ثور والأول أكثر. روى عنه ابن عمر وأبو الطفيل، وعمرو ابن حريث وغيرهم. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قبل دخول رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، وهاجر وشهد أحدا والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمان بدر فلذلك لم يشهدها. فكان بالحق قوالا، ولماله بذالا ولهواه قامعا وقتالا، ولم يكن ممن يخاف في الله لومة لائم. وكان مجاب الدعوة، اعتزل الفتنة والشرور المؤدية إلى الضيعة والغرور، عازما على السبقة والعبور، المفضي إلى الرفعة والحبور. كان للولايات قاليا وفي مراتب الدنيا وانيا، وفي العبودية غانيا وعن مساعدة نفسه فانيا. له أحاديث يسيرة. مات بالعقيق سنة إحدى وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة، فغسله سعد بن أبي وقاص وكفنه وخرج معه، وقبر بالمدينة.\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٣٦٠) والبخاري (٦/ ١٩٠/٣٠٢٠) ومسلم (٤/ ١٩٢٥ - ١٩٢٦/ ٢٤٧٦) وأبو داود (٣/ ٢١٥/٢٧٧٢) والنسائي في الكبرى (٥/ ٨٢/٨٣٠٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٠/٢٣٨١) والسير (٣/ ١٦٥).\n(٣) طبقات ابن سعد (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٥) والإصابة (٣/ ١٠٣ - ١٠٥) والحلية (١/ ٩٥ - ٩٧) والاستيعاب (٢/ ٦١٤ - ٦٢٠) وأسد الغابة (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٨) وتهذيب الكمال (١٠/ ٤٤٦ - ٤٥٤) والسير (١/ ١٢٤ - ١٤٠).","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>موقفه من الرافضة:</span>\nروى الآجري في الشريعة بسنده إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: جاءت أروى ابنة أوس إلى أبي محمد بن عمرو فقالت: يا أبا عبد الملك: إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قد بنى ضفيرة وقال ابن سفيان: ضفيرة في حقي، فأته فكلمه، فلينزع عن حقي، فوالله لئن لم يفعل لأصيحن به في مسجد رسول الله - ﷺ -. فقال لها: لا تؤذي صاحب رسول الله - ﷺ - فما كان ليظلمك، ولا يأخذ لك حقا، فخرجت فجاءت عمارة بن عمرو وعبد الله بن مسلمة فقالت لهما: ائتيا سعيد بن زيد، فإنه ظلمني وبنى ضفيرة في حقي، فوالله لئن لم ينزع لأصيحن به في مسجد رسول الله - ﷺ -، فخرجا حتى أتياه في أرضه بالعقيق، فقال لهما: ما أتى بكما؟ فقالا: جاءتنا أروى ابنة أوس فزعمت أنك بنيت ضفيرة في حقها، وحلفت بالله لئن لم تنزع لتصيحن بك في مسجد رسول الله - ﷺ -، زاد ابن بكير: فأحببنا أن نأتيك فنخبرك، ونذكر لك ذلك، فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه الله عزوجل يوم القيامة من سبع أرضين (١) لتأتي فلتأخذ ما كان لها من حق، اللهم إن كانت كذبت علي فلا تمتها حتى تعمي بصرها، وتجعل منيتها فيها، فرجعوا فأخبروها بذلك، فجاءت حتى هدمت الضفيرة، وبنت بنيانا فلم تمكث إلا قليلا حتى عميت، وكانت تقوم من الليل ومعها جارية لها تقودها لتوقظ العمال، فقامت ليلة وتركت الجارية\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٨٨) والبخاري (٦/ ٣٦٠/٣١٩٨) ومسلم (٣/ ١٢٣٠/١٦١٠) والترمذي (٤/ ٢٠ - ٢١/ ١٤١٨).","vol":"1","page":244},{"text":"لم توقظها، فخرجت تمشي حتى سقطت في البئر، فأصبحت ميتة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>موقفه من الخوارج والرافضة:</span>\n- عن عبد الرحمن بن الأخنس أنه كان في المسجد فذكر رجل عليا ﵁، فقام سعيد بن زيد فقال: أشهد على رسول الله - ﷺ - أني سمعته وهو يقول: عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت، فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد. (٢)\n- وعن رياح بن الحارث، قال: كنت قاعدا عند فلان في مسجد الكوفة وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فرحب به وحياه وأقعده عند رجله على السرير فجاءه رجل من أهل الكوفة يقال له قيس بن علقمة فاستقبله فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ فقال: يسب عليا، قال: ألا أرى أصحاب رسول الله - ﷺ - يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير، أنا سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وإني لغني أن أقول عليه ما لم يقل فيسألني عنه غدا إذا لقيته: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وساق\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣/ ١٨٤٣) وأصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٨/٢٣٦٢) والحديث أصله في الصحيحين البخاري (٣١٩٨) ومسلم (١٦١٠).\n(٢) أحمد (١/ ١٨٨) وأبو داود (٥/ ٣٩/٤٦٤٩) والترمذي (٥/ ٦١٠/٣٧٥٧) وحسنه. والنسائي في الكبرى (٥/ ٦٠/٨٢١٠) وابن حبان (١٥/ ٤٥٤/٦٩٩٣).","vol":"1","page":245},{"text":"معناه، ثم قال: لمشهد رجل منهم مع رسول الله - ﷺ - يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح. (١)\n\nأبو بَكْرَة الثَّقَفِي (٢) (٥٢ هـ)\nنُفَيْع بن الحارث وقيل بن مَسْرُوح بن كَلَدَة بن عمرو الثقفي صحابي جليل كبير القدر تدلى إلى النبي - ﷺ - ببكرة من حصن الطائف، فلذا كني أبا بكرة. روى عن النبي - ﷺ - وروى عنه أولاده: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، وغيرهم. كان من فضلاء الصحابة وصالحيهم كثير العبادة، وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع واحد من الفريقين. مات في خلافة معاوية بن أبي سفيان بالبصرة، سنة اثنتين وخمسين وقيل سنة إحدى وخمسين وصلى عليه أبو برزة الأسلمي الصحابي وكان قد آخى بينهما رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى الإمام أحمد عن عيينة بن عبد الرحمن بن يونس قال: حدثني أبي قال: شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٨٧) وأبو داود (٥/ ٣٩ - ٤٠/ ٤٦٥٠) والنسائي في الكبرى (٥/ ٥٦/٨١٩٣) دون ذكر القصة. ابن ماجه في المقدمة (١/ ٤٨/١٣٣) مختصرا.\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ١٥ - ١٦) والاستيعاب (٤/ ١٦١٤ - ١٦١٥) وأسد الغابة (٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥ و٦/ ٣٥ - ٣٦) وتهذيب الكمال (٣٠/ ٥ - ٩) والسير (٣/ ٥ - ١٠) والبداية والنهاية (٨/ ٥٩) والإصابة (٦/ ٤٦٧ - ٤٦٨) وشذرات الذهب (١/ ٥٨).","vol":"1","page":246},{"text":"ويقولون: رويدا رويدا بارك الله فيكم، فكانوا يدبون دبيبا حتى إذا كنا ببعض طريق المربد لحقنا أبو بكرة على بغلة، فلما رأى الذي يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسوط وقال: خلوا فوالذي أكرم وجه أبي القاسم - ﷺ -، لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - وإنا لنكاد نرمل بها رملا، فانبسط القوم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>موقفه من الخوارج:</span>\n- عن زياد بن كسيب العدوي قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق. فقال أبو بكرة: اسكت سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله. (٢)\nأورده الذهبي في سيره وقال عقبه: أبو بلال هذا هو مرداس ابن أدية، خارجي ومن جهله عد ثياب الرجال الرقاق لباس الفساق. (٣)\n\nعمران بن حصين (٤) (٥٢ هـ)\nعِمْرَان بن حُصَيْن بن عبيد بن خَلَف أبو نُجَيد الخزاعي. القدوة الإمام\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٣٨) وأبو داود (٣١٨٢) والنسائي (١٩١١) واللفظ له.\n(٢) أحمد (٥/ ٤٢ و٤٨ - ٤٩) بدون ذكر القصة. الترمذي (٤/ ٤٣٥/٢٢٢٤) واللفظ له. وقال: \"حديث حسن غريب\".\n(٣) السير (١٤/ ٥٠٨).\n(٤) الإصابة (٤/ ٧٠٥ - ٧٠٦) وشذرات الذهب (١/ ٥٨) وطبقات ابن سعد (٤/ ٢٨٧ - ٢٩١) والمستدرك (٣/ ٤٧٠ - ٤٧٢) ومجمع الزوائد (٩/ ٣٨١ - ٣٨٢) والجرح والتعديل (٦/ ٢٩٦) وتهذيب التهذيب (٨/ ١٢٥ - ١٢٦) والاستيعاب (٣/ ١٢٠٨) والسير (٢/ ٥٠٨ - ٥١٢).","vol":"1","page":247},{"text":"صاحب رسول الله - ﷺ - أسلم عام خيبر. وغزا مع رسول الله - ﷺ - غزوات، بعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقه أهلها، وكان من فضلاء الصحابة. روى عن النبي - ﷺ - وعن معقل ابن يسار. وروى عنه بشير بن كعب العدوي، والحسن البصري وحفص الليثي وعبد الله بن بريدة ومطرف بن عبد الله بن الشخير وغيرهم. كان الحسن يحلف ويقول: ما قدم عليهم البصرة خير لهم من عمران بن الحصين. وقال محمد بن سيرين: ما قدم البصرة أحد يفضل على عمران بن حصين. وقال معاوية بن قرة: كان عمران بن الحصين من أشد أصحاب رسول الله - ﷺ - اجتهادا في العبادة. وعن رافع بن سحبان أن رجلا أتى عمران بن حصين وهو في المسجد فقال: رجل طلق امرأته وهو في مجلس ثلاثا فقال: إثم لزمه وحرمت عليه امرأته فانطلق فذكر ذلك لأبي موسى يريد عيبه، فقال أبو موسى: أكثر الله فينا مثل أبي نجيد. قال عمران: \"وقد كان يسلم علي (يعني من طرف الملائكة) حتى اكتويت، فَتُرِكْتُ، ثم تَرَكْتُ الكيّ فعاد\" (١). توفي سنة اثنتين وخمسين ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى البخاري عن أبي السوار العدوي قال: سمعت عمران بن حصين قال: قال النبي - ﷺ -: الحياء لا يأتي إلا بخير. فقال بشير بن كعب: مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارا وإن من الحياء سكينة. فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتحدثني عن صحيفتك؟ (٢)\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٤٢٧) مسلم (٢/ ٨٩٩/١٢٢٦ (١٦٧».\n(٢) أحمد (٤/ ٤٢٦و٤٢٧) والبخاري (١٠/ ٦٣٨/٦١١٧) ومسلم (١/ ٦٤/٣٧) وأبو داود (٥/ ١٤٧ - ١٤٨/ ٤٧٩٦).","vol":"1","page":248},{"text":"- وجاء في الإبانة: عن حبيب بن أبي نضلة المالكي، قال: لما بني هذا المسجد مسجد الجامع، قال: وعمران بن حصين جالس فذكروا عنده الشفاعة (١)، فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد إنكم لتحدثوننا أحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن، قال: فغضب عمران بن حصين، وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: فهل وجدت فيه صلاة المغرب ثلاثا وصلاة العشاء أربعا والغداة ركعتين والأولى أربعا والعصر أربعا؟ قال: فممن أخذتم هذا الشأن ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن نبي الله - ﷺ - وعنا أخذتموه، أو عن من أخذتم في كل أربعين درهما درهم، وفي كذا وكذا شاة كذا وكذا، ومن كذا وكذا بعيرا كذا وكذا، أوجدتم هذا في القرآن؟ قال: لا. قال: فعمن أخذتم هذا ألستم عنا أخذتموه؟ وأخذناه عن نبي الله - ﷺ - وأخذتموه عنا؟ قال: فهل وجدتم في القرآن وليطوفوا بالبيت العتيق، وجدتم طوفوا سبعا واركعوا خلف المقام ركعتين، هل وجدتم هذا في القرآن؟ عمن أخذتموه ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن رسول الله - ﷺ - وأخذتموه عنا؟ قالوا: بلى. قال: فوجدتم في القرآن لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام، أوجدتم هذا في القرآن؟ قالوا: لا. قال عمران: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام (٢). قال: أو ما سمعتم الله تعالى قال لأقوام في كتابه: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ\n_________\n(١) في الإبانة: \"الساعة\" والتصحيح من دلائل النبوة للبيهقي (١/ ٢٥). والسياق يؤكده.\n(٢) أحمد (٤/ ٤٣٩) وأبو داود (٣/ ٦٧ - ٦٨/ ٢٥٨١) والترمذي (٣/ ٤٣١/١١٢٣). وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٦/ ٤٢٠ - ٤٢١/ ٣٣٣٥) وصححه ابن حبان الإحسان (٨/ ٦١ - ٦٢/ ٣٢٦٧).","vol":"1","page":249},{"text":"نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾. حتى بلغ ﴿شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٤٨) (١).\nقال حبيب: أنا سمعت عمران يقول: الشفاعة نافعة دون من يسبحون. (٢)\n- وروى الخطيب في الفقيه والمتفقه عن الحسن أن رجلا قال لعمران ابن حصين: يا أبا نجيد إنكم لتحدثونا بأحاديث، الله تعالى أعلم بها، حدثونا بالقرآن. قال: القرآن والله نعم، أرأيت لو رفعنا إليه، وقد وجدت في القرآن ﴿أقيموا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزكاة﴾ ثم لم نر رسول الله - ﷺ -، كيف سن لنا كيف نركع، كيف كنا نسجد، كيف كنا نعطي زكاة أموالنا. قال: فأفحم الرجل. (٣)\n- عن الحسن أن عمران بن حصين أوصى لأمهات أولاده بوصايا، وقال: من صرخت علي، فلا وصية لها. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>موقفه من المشركين:</span>\n- عن الحسن عن عمران بن حصين أنه رأى في يد رجل حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: أما إنها لن تزيدك إلا وهنا ولو مت وأنت ترى أنها نافعتك لمت على غير الفطرة. (٥)\n_________\n(١) المدثر الآيات (٤٢ - ٤٨).\n(٢) الإبانة (١/ ١/٢٣٣ - ٢٣٥/ ٦٦) والشريعة (١/ ١٧٩/١٠٤).\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(٤) السير (٢/ ٥١١).\n(٥) الإبانة (٢/ ٧/٨٦٠/ ١١٧٢).","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>موقفه من الخوارج:</span>\nعن عمران بن الحصين قال: أتى نافع بن الأزرق وأصحابه فقالوا: هلكت يا عمران قال: ما هلكت قالوا: بلى، قال: ما الذي أهلكني؟ قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١). قال: قد قاتلناهم حتى نفيناهم، فكان الدين كله لله. إن شئتم حدثتكم حديثا سمعته من رسول الله - ﷺ - قالوا: وأنت سمعته من رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم. شهدت رسول الله - ﷺ - وقد بعث جيشا من المسلمين إلى المشركين. فلما لقوهم قاتلوهم قتالا شديدا. فمنحوهم أكتافهم. فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح. فلما غشيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله إني مسلم، فطعنه فقتله. فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله هلكت. قال: وما الذي صنعت مرة أو مرتين، فأخبره بالذي صنع فقال له رسول الله - ﷺ -: فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه؟! قال: يا رسول الله لو شققت بطنه لكنت أعلم ما في قلبه. قال: فلا أنت قبلت ما تكلم به، ولا أنت تعلم ما في قلبه. قال: فسكت عنه رسول الله - ﷺ - فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات. فدفناه فأصبح على ظهر الأرض. فقالوا: لعل عدوا نبشه. فدفناه. ثم أمرنا غلماننا يحرسونه. فأصبح على ظهر الأرض. فقلنا: لعل الغلمان نعسوا. فدفناه. ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض. فألقيناه في\n_________\n(١) الأنفال الآية (٣٩).","vol":"1","page":251},{"text":"بعض تلك الشعاب. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>موقفه من القدرية:</span>\n- عن أبي الأسود الدؤلي قال: سألت عمران بن حصين عن باب القدر، فقال لو أن الله عذب أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو أنه رحم أهل السماوات والأرض لكانت رحمته أوسع من ذلك، ولو أن رجلا له مثل أحد ذهبا ينفقه في سبيل الله لا يؤمن بالقدر خيره وشره ما تقبل منه. (٢)\n- وعنه قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو في ما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم. قال فقال: أفلا يكون ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا. وقلت: كل شيء خلق الله وملك يده. فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي: يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك. إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله - ﷺ -. فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد\n_________\n(١) ابن ماجه (٢/ ١٢٩٦ - ١٢٩٧/ ٣٩٣٠ - ٣٩٣١) والطبراني (١٨/ ٢٢٦/٥٦٢) والطحاوي في مشكله (٨/ ٢٧٧/٣٢٣٤) من طريق عاصم الأحول عن سميط عن عمران به. وحسنه البوصيري في الزوائد، لكن أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٨ - ٤٣٩) والطبراني (١٨/ ٢٤٣٦٠٩) عن المعتمر بن سليمان عن أبيه حدثني سميط عن أبي العلاء قال حدثني رجل من الحي أن عمران بن حصين حدثه ثم ذكر الحديث .. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٧): \"في إسناده رجل مجهول\".\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٩/١٢٣٩) والإبانة (٢/ ٩/٥٠ - ٥١/ ١٤٤٥) والشريعة (١/ ٤٠١ - ٤٠٢/ ٤٦١).","vol":"1","page":252},{"text":"سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: \"لا. بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم. وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (١) \". (٢)\n\nفَضَالة بن عبيد (٣) (٥٣ هـ)\nفَضَالة بن عُبَيْد بن نَافِذ أبو محمد الأنصاري الأوسي. القاضي الفقيه، صاحب رسول الله - ﷺ -، من أهل بيعة الرضوان قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٤) شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وكان أصغر من شهد بيعة الرضوان. قال الذهبي: إن ثبت شهوده أحدا، فما كان يوم الشجرة صغيرا. وعن ابن محيريز قال: سمعت فضالة بن عبيد، فقلت له: أوصني قال: خصال ينفعك الله بهن، إن استطعت أن تعرف ولا تعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تكلم، فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يجلس إليك، فافعل. وعنه قال: ثلاث من الفواقر: إمام إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، وجار إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أفشاها، وزوجة إن حضرت آذتك، وإن غبت خانتك في\n_________\n(١) الشمس الآيتان (٧و٨).\n(٢) أحمد (٤/ ٤٣٨) ومسلم (٤/ ٢٠٤١ - ٢٠٤٢/ ٢٦٥٠).\n(٣) البداية والنهاية (٨/ ٧٨) والإصابة (٢/ ٦٢ - ٦٤) والاستيعاب (٣/ ١٢٦٢ - ١٢٦٣) وتهذيب التهذيب (٨/ ٢٦٧ - ٢٦٨) والسير (٣/ ١١٣ - ١١٧) والمستدرك (٣/ ٤٧٣) والحلية (٢/ ١٧).\n(٤) الفتح الآية (١٨).","vol":"1","page":253},{"text":"نفسها وفي مالك. مات ﵁ عام ثلاث وخمسين للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>موقفه من المشركين:</span>\nعن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يأمر بتسويتها. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>موقفه من المرجئة:</span>\nوجاء في السير: عن فضالة، قال: لأن أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبة، أحب إلي من الدنيا وما فيها، لأنه تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). (٣)\n\nحسان بن ثابت (٤) (٥٤ هـ)\nحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الوليد، ويقال: أبو الحسام المدني، شاعر رسول الله - ﷺ -. حدث عنه ابنه عبد الرحمن والبراء بن عازب، وسعيد بن المسيب وأبو سلمة وآخرون. وحديثه قليل. كان قديم الإسلام ولم يشهد مع النبي - ﷺ - مشهدا وكان يجبن. قال ابن سعد:\n_________\n(١) أحمد (٦/ ١٨) ومسلم (٢/ ٦٦٦/٩٦٨) واللفظ له. وأبو داود (٣/ ٥٤٩/٣٢١٩) والنسائي (٤/ ٣٩٣/٢٠٢٩).\n(٢) المائدة الآية (٢٧).\n(٣) السير (٣/ ١١٦).\n(٤) الاستيعاب (١/ ٣٤١ - ٣٥١) وأسد الغابة (٢/ ٦ - ٩) وتهذيب الكمال (٦/ ١٦ - ٢٥) والسير (٢/ ٥١٢ - ٥٢٣) والإصابة (٢/ ٦٢ - ٦٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨) والوافي بالوفيات (١١/ ٣٥٠ - ٣٥٨).","vol":"1","page":254},{"text":"عاش ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام. قال أبو عبيدة: فضل حسان ابن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي - ﷺ - في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام. وقد أعطاه رسول الله - ﷺ - سيرين أخت مارية أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان وذلك لذبه بلسانه عن النبي - ﷺ - في هجاء المشركين له. توفي حسان ﵀ سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة، وكذلك عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وأبو جده حرام ولا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد عاش كل منهم مائة وعشرين سنة غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: قالت عائشة: والله إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بكلمات قالهن لأبي سفيان بن الحارث:\nهجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء\nفإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء\nأتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن الزهري قال: قال رسول الله لحسان: هل قلت في أبي بكر؟ قال: نعم، قال: قل: وأنا أسمع فقال:\nوثاني اثنين في الغار وقد ... طاف العدو بهم إذ صعدوا الجبلا\n_________\n(١) السير (٢/ ٥١٥).","vol":"1","page":255},{"text":"وكان حب رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا\nقال: فتبسم رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه وقال صدقت يا حسان. (١)\n- وفيه: عن الشعبي أن حسان قال في النبي - ﷺ - وفي أبي بكر وعمر:\nثلاثة برزوا بفضلهم ... نضرهم ربهم إذا نشروا\nفليس من مؤمن له بصر ... ينكر تفضيلهم إذا ذكروا\nعاشوا بلا فرقة ثلاثتهم ... واجتمعوا في الممات إذ قبروا (٢)\n- وفيه (٣): عن أسماء بنت أبي بكر قالت: مر الزبير بن العوام بمجلس من أصحاب رسول الله - ﷺ - وحسان ينشدهم شعره وهم غير نشاط لما يسمعون منه فجلس معهم الزبير ثم قال: مالي أراكم غير آذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة؟ فلقد كان يعرض به لرسول الله - ﷺ -، فيحسن استماعه ويحرك عنده ثوبه ولا يشغل عنه بشيء. فقال حسان:\nأقام على عهد النبي وهديه ... حواريه والقول بالفعل يعدل\nأقام على منهاجه وطريقه ... يوالي ولي الحق والحق أعدل\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٥٦/٢٤٢٨) وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٧٤) عن الزهري مرسلا والحاكم (٣/ ٦٤) من حديث حبيب بن أبي حبيب. وفي إسناده عمرو بن زياد. قال الذهبي في التلخيص: \"عمرو يضع الحديث\". ابن عدي في الكامل (٢/ ١٦١) من حديث أنس. وقال: \"وهذا الحديث منكر عن الزهري عن أنس، ما يوصله إلا محمد ابن الوليد عن شبابة، ومحمد بن الوليد ضعيف يسرق الحديث، وقد ذكرته عن محمد بن عبيد وهو صدوق مرسلا، وهذا الحديث موصوله ومرسله منكر، والبلاء فيه من أبي العطوف\".\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٠٨/٢٥٣٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٩٠ - ١٤٩١/ ٢٧٠٨) والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٦٢ - ٣٦٣).","vol":"1","page":256},{"text":"هو الفارس المشهور والبطل الذي ... يصول إذا ما كان يوم محجل\nإذا كشفت عن ساقها الحرب حشها ... بأبيض سباق إلى الموت يرفل\nوإن امرؤ كانت صفية أمه ... ومن أسد في بيتها لمرفل\nله من رسول الله قربى قريبة ... ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل\nوكم كربة ذب الزبير بسيفه ... عن المصطفى والله يعطي ويجزل\nثناؤك خير من فعال معاشر ... وفعلك يا ابن الهاشمية أفضل\n- جاء في سير أعلام النبلاء (١): قال ابن إسحاق: وقال حسان في عائشة:\nرأيتك -وليغفر لك الله- حرة ... من المحصنات غير ذات غوائل\nحصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل\nوإن الذي قد قيل ليس بلائق ... بك الدهر بل قيل امرئ متماحل\nفإن كنت أهجوكم كما بلغوكم ... فلا رفعت سوطي إليَّ أناملي\nوكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل\nوإن لهم عزا يرى الناس دونه ... قصارا وطال العز كل التطاول\nعقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل\nمهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل\n- وفي الشريعة (٢): عن الشعبي قال: سئل ابن عباس ﵄ من أول من أسلم؟ فقال: أبو بكر ﵁، أما سمعت قول حسان بن\n_________\n(١) (٢/ ١٦٣).\n(٢) (٣/ ٣٣/١٣٠٦).","vol":"1","page":257},{"text":"ثابت ﵁:\nإذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا\nخير البرية أتقاها وأفضلها ... إلا النبي وأولاها بما حملا\nوالثاني التالي المحمود شيمته ... وأول الناس منهم صدق الرسلا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن تيمية في المنهاج: ومن هذا قول حسان بن ثابت ﵁:\nتعالى علوا فوق العرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما\nمع علم حسان وغيره من أصحاب رسول الله - ﷺ - أن الله غني عن كل ما سواه، وما سواه من عرش وغيره محتاج إليه، وهو لا يحتاج إلى شيء، وقد أثبت له مكانا. (١)\n\nالأَرْقَم بن أبي الأرقم (٢) (٥٥ هـ)\nالأرقم بن أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر، أبو عبد الله المخزومي صاحب النبي - ﷺ -. من السابقين الأولين كان أحد من شهد بدرا، وكان من عقلاء قريش، وهو صاحب حلف الفضول. وقد استخفى النبي - ﷺ - في داره وهي عند الصفا وكانت تدعى دار الإسلام لإسلام كثير\n_________\n(١) المنهاج (٢/ ٣٥٦).\n(٢) طبقات ابن سعد (٣/ ٢٤٢ - ٢٤٤) والإصابة (١/ ٤٣ - ٤٥) والسير (٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠) والجرح والتعديل (٢/ ٣٠٩ - ٣١٠) والمستدرك (٣/ ٥٠٢ - ٥٠٤) وشذرات الذهب (١/ ٦١) والعقد الثمين (٣/ ٢٨٠ - ٢٨٢).","vol":"1","page":258},{"text":"من الناس بها، ولاجتماع الرسول - ﷺ - بأصحابه بها. وعن الأرقم أنه تجهز يريد بيت المقدس، فلما فرغ من جهازه، جاء إلى النبي - ﷺ - يودعه، فقال: ما يخرجك؟ حاجة أو تجارة؟ قال: لا والله يا نبي الله، ولكن أردت الصلاة في بيت المقدس. فقال النبي - ﷺ -: \"الصلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام\" (١) فجلس الأرقم ولم يخرج. توفي بالمدينة سنة خمس وخمسين وصلى عليه سعد بن أبي وقاص بوصيته إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>موقفه من المشركين:</span>\nعن يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم قال: سمعت جدي عثمان بن الأرقم يقول: أنا ابن سبعة في الإسلام أسلم أبي سابع سبعة وكانت داره بمكة على الصفا وهي الدار التي كان النبي - ﷺ - يكون فيها في أول الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام، وأسلم فيها قوم كثير، وقال ليلة الاثنين فيها: \"اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام\" (٢)، فجاء عمر بن الخطاب من الغد بكرة فأسلم في دار الأرقم وخرجوا منها فكبروا وطافوا البيت ظاهرين، ودعيت دار الأرقم دار الإسلام. (٣)\n_________\n(١) الطبراني (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧/ ٩٠٧) بلفظ: صلاة هاهنا خير من ألف صلاة ثم الحاكم (٣/ ٥٠٤) وصححه ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ٨) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير ... ورجال أحمد فيهم يحيى بن عمران جهله أبو حاتم\".\n(٢) أحمد (٢/ ٩٥) والترمذي (٥/ ٥٧٦/٣٦٨١) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\". وابن حبان (١٥/ ٣٠٥/٦٨٨١) وفي الباب عن ابن عباس وعمر وعبد الله بن مسعود ﵃.\n(٣) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٠٢).","vol":"1","page":259},{"text":"سعد بن أبي وقاص (١) (٥٥ هـ)\nسعد بن مالك بن أُهَيْب ويقال وُهَيْب بن عبد مناف بن زُهْرَة بن كِلاَب القرشي الزهري أبو إسحاق بن أبي وقاص، أحد السابقين الأولين وأحد العشرة وآخرهم موتا. قال سعيد بن المسيب: سمعت سعدا يقول: مكثت سبع ليال، وإني لثلث الإسلام. روى عن النبي - ﷺ - كثيرا، روى عنه بنوه: إبراهيم وعامر ومصعب، ومن الصحابة: عائشة وابن عباس وابن عمر وآخرون. كان أحد الفرسان ومقدم الجيوش في فتح العراق، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد الستة أهل الشورى، وكان مجاب الدعوة مشهورا بذلك، ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة ولزم بيته. توفي ﵀ ورضي عنه سنة خمس وخمسين على الأصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في تلبيس إبليس: عن عبد الله بن أبي سلمة، أن سعد بن مالك سمع رجلا يقول: لبيك ذا المعارج فقال: ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله - ﷺ -. (٢)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٣/ ١٣٧ - ١٣٨) وحلية الأولياء (١/ ٩٢ - ٩٥) والاستيعاب (٢/ ٦٠٦ - ٦١٠) وتاريخ بغداد (١/ ١٤٤ - ١٤٦) والسير (١/ ٩٢ - ١٢٤) والإصابة (٣/ ٧٣ - ٧٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٨٣ - ٤٨٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤١ - ٦٠/ص.٢١٢ - ٢٢١).\n(٢) التلبيس (ص.٢٥). قال الشيخ الألباني ﵀: \"والتزام تلبيته - ﷺ - أفضل وإن كانت الزيادة عليها جائزة لإقرار النبي - ﷺ - الناس الذين كانوا يزيدون على تلبيته قولهم: لبيك ذا المعارج لبيك ذا الفواضل\" [مناسك الحج والعمرة (ص.١٦)].","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن كثير: قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسوله - ﷺ - بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع بما أمر، وأن يصبر على أذى المشركين. قال: وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر يصلون بشعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه، فكان أول دم أهريق في الإسلام.\nوروى الأموي في مغازيه من طريق الوقاصي عن الزهري عن عامر ابن سعد عن أبيه فذكر القصة بطولها وفيه أن المشجوج هو عبد الله بن خطل لعنه الله. (١)\n- وعن سعد قال: نزلت هذه الآية فيَّ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (٢). قال كنت برا بأمي فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الدين الذي قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أَو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيربي فيقال: يا قاتل أمه، قلت: لا تفعلي يا أمه، إني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثت يوما لا تأكل ولا تشرب وليلة وأصبحت وقد جهدت. فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين\n_________\n(١) البداية والنهاية (٣/ ٣٦) والإصابة (٣/ ٧٤).\n(٢) لقمان الآية (١٥).","vol":"1","page":261},{"text":"والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني، إن شئت فكلي أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك أكلت. (١)\n- وعن عامر بن سعد، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - جمع له أبويه يوم أحد. قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين. فقال له النبي - ﷺ - ارم، فداك أبي وأمي قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل. فأصبت جنبه فسقط. فانكشفت عورته. فضحك رسول الله - ﷺ -. حتى نظرت إلى نواجذه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء: عن مصعب بن سعد أن رجلا نال من علي فنهاه سعد، فلم ينته، فدعا عليه. فما برح حتى جاء بعير ناد فخبطه حتى مات. (٣)\n- وعن عامر بن سعد قال: أقبل سعد من أرض له فإذا الناس عكوف على رجل فاطلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليا، فنهاه فكأنما زاده إغراء، فقال: ويلك ما تريد إلى أن تسب أقواما هم خير منك لتنتهين أو لأدعون عليك. فقال: هيه فكأنما تخوفني نبيا من الأنبياء، فانطلق فدخل دارا فتوضأ ودخل المسجد ثم قال: اللهم إن كان هذا قد سب أقواما قد سبق لهم منك خير أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم به آية تكون آية للمؤمنين. قال: وتخرج بختية من دار بني فلان نادة لا يردها شيء حتى تنتهي إليه ويتفرق الناس عنه\n_________\n(١) السير (١/ ١٠٩ - ١١٠). وهو في صحيح مسلم (١٧٤٨).\n(٢) أحمد (١/ ١٧٤) والبخاري (٧/ ١٠٤/٣٧٢٥) ومسلم (٤/ ١٨٧٦/٢٤١٢) والترمذي (٥/ ١٢٠/٢٨٣٠) والنسائي في الكبرى (٥/ ٦١/٨٢١٦) وابن ماجه (١/ ٤٧/١٣٠).\n(٣) السير (١/ ١١٥ - ١١٦).","vol":"1","page":262},{"text":"فتجعله بين قوائمها فتطؤه حتى طفئ قال: فأنا رأيته يتبعه الناس ويقولون: استجاب الله لك أبا إسحاق استجاب الله لك أبا إسحاق. (١)\n- عن جابر بن سمرة قال شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ﵁، فعزله، واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي. فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي. قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ - ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخف في الأخريين. قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. فأرسل معه رجلا -أو رجالا- إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون عليه معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامة ابن قتادة يكنى أبا سعدة قال: أما إذ نشدتنا فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن قال: وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>موقفه من الصوفية:</span>\nقال سعد بن أبي وقاص وغيره من السلف في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٧ - ١٣٢٨/ ٢٣٦١).\n(٢) البخاري (٢/ ٣٠٠ - ٣٠١/ ٧٥٥) ومسلم (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥/ ٤٥٣).","vol":"1","page":263},{"text":"نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١) نزلت في أصحاب الصوامع والديارات. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وممن فسق من السلف الخوارج ونحوهم سعد بن أبي وقاص فاعتبرهم داخلين تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣).اهـ (٤)\n- عن مصعب قال: سألت أبي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ أَعْمَالًا هم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا - ﷺ -، وأما النصارى كفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، وكان سعد يسميهم الفاسقين. (٥)\n_________\n(١) الكهف الآية (١٠٤).\n(٢) الفتاوى (١٠/ ٤٤٩).\n(٣) البقرة الآيتان (٢٦ - ٢٧).\n(٤) ذكره ابن تيمية في المنهاج (٥/ ٢٥٠ بتصرف). وهو في مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ٥٦٠ - ٥٦١/ ٣٧٩٢٥).\n(٥) البخاري (٨/ ٥٤٣/٤٧٢٨).","vol":"1","page":264},{"text":"- عن مصعب بن سعد عن سعد في قوله ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١) قال قلت له أهم الخوارج؟ قال: لا ولكنهم أصحاب الصوامع والخوارج الذين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: عن كثير بن مرة عن ابن الديلمي يعني عبد الله الديلمي أنه لقي سعد بن أبي وقاص فقال له: إني شككت في بعض أمر القدر؛ فحدثني لعل الله يجعل لي عندك فرجا؟ قال: نعم يا ابن أخي، إن الله ﷿ لو عذب أهل السماوات وأهل الأرض؛ عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، كانت رحمته إياهم خيرا لهم من أعمالهم، ولو أن لامرئ مثل أحد ذهبا ينفقه في سبيل الله حتى ينفذه ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، ما تقبل منه؛ ولا عليك أن تأتي عبد الله بن مسعود. فذهب ابن الديلمي إلى عبد الله ابن مسعود، فقال له مثل مقالته لسعد، فقال له مثل ما قال له سعد، وقال ابن مسعود: ولا عليك أن تلقى أبي بن كعب. فذهب ابن الديلمي إلى أبي ابن كعب، فقال له مثل مقالته لابن مسعود، فقال له أبي مثل مقالة صاحبيه، فقال له أبي: ولا عليك أن تلقى زيد بن ثابت. فذهب ابن الديلمي إلى زيد ابن ثابت فقال له: إني شككت في بعض القدر؛ فحدث لعل الله أن يجعل لي عندك فرجا، قال زيد: نعم يا ابن أخي، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن\n_________\n(١) الكهف الآية (١٠٤).\n(٢) أخرجه عبد الله في السنة (٢٨١) وابن جرير (١٦/ ٣٣) والحاكم (٢/ ٣٧٠) وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":265},{"text":"الله ﷿ لو عذب أهل السماء وأهل الأرض عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أن لامرئ مثل أحد ذهبا ينفقه في سبيل الله حتى ينفذه ولا يؤمن بالقدر خيره وشره؛ دخل النار\". (١)\n\nعبد الله بن مُغَفَّل (٢) (٥٧ هـ)\nعبد الله بن مغفل بن عبد غَنْم المزني، أبو سعيد وأبو زياد، كان من أصحاب الشجرة سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة، كان يقول: إني لآخذ بغصن من أغصان الشجرة أظل به النبي - ﷺ - وهم يبايعونه فقالوا: نبايعك على الموت؟ قال: \"لا ولكن لا تفروا\" (٣). وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب يفقهون الناس. كان أول من دخل من باب مدينة تُستر يوم فتحها. وهو أحد البكائين في غزوة تبوك. روى عن النبي - ﷺ - وأبي بكر وعثمان وعبد الله بن سلام وروى عنه ثابت البناني والحسن البصري ومطرف وسعيد ابن جبير وغيرهم. مات سنة سبع وخمسين وصلى عليه أبو برزة الأسلمي لوصيته.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/١٤٤ - ١٤٥/ ١٥٨٨) والشريعة (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣/ ٤٦٢) والمرفوع تقدم تخريجه في مواقف أبي بن كعب (سنة ١٩هـ).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ١٣ - ١٤) والاستيعاب (٣/ ٩٩٦ - ٩٩٧) والإصابة (٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣) وتهذيب الكمال (١٦/ ١٧٣) وشذرات الذهب (١/ ٦٥) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٩) والسير (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٥).\n(٣) أحمد (٥/ ٥٤) وفي سنده أبو جعفر الرازي ضعيف سيء الحفظ. لكن صح عن معقل بن يسار أنه قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. ورواه مسلم (٣/ ١٤٨٥/١٨٥٨) وعن جابر عند مسلم (٣/ ١٤٨٣/١٨٥٦) مثله.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى مسلم عن ابن بريدة قال: رأى عبد الله بن المغفل رجلا من أصحابه يخذف. فقال له: لا تخذف. فإن رسول الله - ﷺ - كان يكره -أو قال- ينهى عن الخذف، فإنه لا يصطاد به الصيد، ولا ينكأ به العدو. ولكنه يكسر السن ويفقأ العين (١). ثم رآه بعد ذلك يخذف. فقال له: أخبرك أن رسول الله - ﷺ - كان يكره، أو ينهى عن الخذف، ثم أراك تخذف، لا أكلمك كلمة، كذا وكذا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في سير أعلام النبلاء: روى السري بن يحيى، عن الحسن قال: قدم علينا عبد الله، أمره معاوية -غلاما سفيها سفك الدماء سفكا شديدا- فدخل عليه عبد الله بن مغفل فقال: انته عما أراك تصنع فإن شر الرعاء الحطمة. قال: ما أنت وذاك؟ إنما أنت من حثالة أصحاب محمد - ﷺ -. قال: وهل كان فيهم حثالة لا أم لك. قال: فمرض ابن مغفل، فجاءه الأمير عبد الله عائدا فقال: أتعهد إلينا شيئا؟ قال: لا تصل علي، ولا تقم على قبري. (٣)\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٥٦) والبخاري (١٠/ ٧٣٢/٦٢٢٠) ومسلم (٣/ ١٥٤٧/١٩٥٤) وأبو داود (٥/ ٤٢٠ - ٤٢١/ ٥٢٧٠) والنسائي (٨/ ٤١٧/٤٨٣٠) وابن ماجه (١/ ٨/١٧).\n(٢) مسلم (١٩٥٤) وابن ماجه (١٧) والدارمي (١/ ١١٧) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٩٠،٣٩٠ - ٣٩١) والإبانة (١/ ١/٢٥٩/ ٩٦).\n(٣) السير (٣/ ٥٤٥).","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>موقفه من المرجئة:</span>\nعن الشيباني قال: لقيت عبد الله بن مغفل فقلت له: إن أناسا من أهل الصلاح يعيبون علي أن أقول: أنا مؤمن، فقال عبد الله: لقد خبت وخسرت إن لم تكن مؤمنا. (١)\n\nأم المؤمنين عائشة (٢) (٥٧ هـ)\nعائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، العتيقة بنت العتيق، حبيبة الحبيب، وأليفة القريب، بنت خليفة رسول الله - ﷺ - أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر، القرشية التيمية، المكية، النبوية زوجة النبي - ﷺ -، أفقه نساء الأمة على الإطلاق. روت عن النبي - ﷺ - الكثير الطيب، وروت أيضا عن أبيها وعن عمر وفاطمة، وسعد. روى عنها عمر، وابنه عبد الله، وأبو هريرة، وأبو موسى، وابن عباس، وسعيد بن المسيب ومسروق.\nعن أبي موسى مرفوعا: \"كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (٣). وعن الزهري، حدثني أبو سلمة أن عائشة قالت:\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٦٦/٣٠٣٨٠).\n(٢) طبقات ابن سعد (٨/ ٥٨ - ٨١) والمستدرك (٤/ ٣/١٤) والحلية (٢/ ٤٣ - ٥٠) والبداية والنهاية (٨/ ٩١ - ٩٤) ومجمع الزوائد (٩/ ٢٢٥ - ٢٤٤) وتهذيب التهذيب (١٢/ ٤٣٣ - ٤٣٦) والسير (٢/ ١٣٥ - ٢٠١) وشذرات الذهب (١/ ٦١ - ٦٣) والاستيعاب (٤/ ١٨٨١ - ١٨٨٥) والإصابة (٨/ ١٦ - ٢١) والوافي (١٦/ ٥٩٦ - ٥٩٩).\n(٣) أحمد (٤/ ٣٩٤) والبخاري (٦/ ٥٥١/٣٤١١) ومسلم (٤/ ١٨٨٦/٢٤٣١) والترمذي (٤/ ٢٤٢/١٨٣٤) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٧/ ٧٨/٣٩٥٧) وابن ماجه (٢/ ١٠٩١/٣٢٨٠).","vol":"1","page":268},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: \"يا عائش، هذا جبريل وهو يقرأ عليك السلام، قالت وعليه السلام ورحمة الله\" (١). وعن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - استعمله على جيش ذات السلاسل، قال: \"فأتيته، فقلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال أبوها\" (٢). وعن مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة رحمها الله قال: حدثتني المبرأة الصديقة ابنة الصديق حبيبة رسول الله - ﷺ -. (٣)\nوعن هشام عن أبيه: قال: لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحدا قط كان أعلم بآية أنزلت ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب ولا بكذا، ولا بقضاء، ولا بطب منها، فقلت لها يا خالة: الطب من أين علمته؟ فقالت: كنت أمرض فينعت لي الشيء، ويمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه.\nوقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل.\n_________\n(١) أحمد (٦/ ٥٥) والبخاري (٧/ ١٣٣/٣٧٦٨) ومسلم (٤/ ١٨٩٦/٢٤٤٧ (٩١» وأبو داود (٥/ ٣٩٩/٥٢٣٢) والترمذي (٥/ ٥٣ - ٥٤/ ٢٦٩٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". ورواه أيضا برقم (٣٨٨١) و(٣٨٨٢) وابن ماجه (٢/ ١٢١٨/٣٦٩٦).\n(٢) أحمد (٤/ ٢٠٣) والبخاري (٧/ ٢٢/٣٦٦٢) ومسلم (٤/ ١٨٥٦/٢٣٨٤) والترمذي (٥/ ٦٦٣/٣٨٨٥و٣٨٨٦) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٩/٨١١٧).\n(٣) الشريعة (٣/ ٤٧٦/١٩٤٦).","vol":"1","page":269},{"text":"وعن عروة عن عائشة أنها تصدقت بسبعين ألفا، وأنها لترقع جانب درعها ﵂.\nوعن ابن المنكدر عن أم ذرة قالت: بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين، يكون مائة ألف، فدعت بطبق، فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست قالت: هاتي يا جارية فطوري، فقالت أم ذرة يا أم المؤمنين، أما استطعت أن تشتري لنا لحما بدرهم؟ قالت: لا تعنفيني لو أذكرتيني لفعلت.\nتوفيت ﵂ سنة سبع وخمسين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>موقفها من الرافضة:</span>\n- جاء في السير عن موسى بن طلحة قال: ما رأيت أخطب من عائشة ولا أعرب، لقد رأيتها يوم الجمل، وثار إليها الناس، فقالوا: يا أم المؤمنين، حدثينا عن عثمان وقتله. فاستجلست الناس، ثم حمدت الله، وأثنت عليه، ثم قالت: أما بعد ... فإنكم نقمتم على عثمان خصالا ثلاثا: إمرة الفتى، وضربة السوط، وموقع الغمامة المحماة، فلما أعتبنا منهن، مصتموه موص الثوب بالصابون، عدوتم به الفقر الثلاث: حرمة الشهر الحرام، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الخلافة، والله لعثمان كان أتقاكم للرب، وأوصلكم للرحم، وأحصنكم فرجا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن محمد بن القاسم مولى هاشم قال: بلغ عائشة أن أناسا يتناولون أبا بكر فبعثت إلى أزفلة منهم فلما حضروا سدلت أستارها ثم دنت فحمدت الله وأثنت عليه وصلت على نبيها - ﷺ - وعذلت\n_________\n(١) السير (١٣/ ٥٨٤ - ٥٨٥).","vol":"1","page":270},{"text":"وقرعت وقالت: أبي وما أبيه أبي والله لا تعطوه الأيدي ذاك طود منيف وفرع مديد، هيهات كذبت الظنون، أنجح إذ كذبتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى قريش ناشيا وكهفها كهلا، يفك عانيها ويريش مملقها ويرأب شعثها حتى حلته قلوبها. ثم استشرى في دينه فما برحت شكيمته في ذات الله حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أماته المبطلون، فكان رحمة الله عليه غزير الدمعة، وقيذ الجوارح شجي النشيج، فانقصفت إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزؤون به ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، فأكبرت ذلك رجالات قريش فحنت له قسيها وفوقت له سهامها، وامتثلوه غرضا فما فلوا له سيفا ولا وضعوا له قناة، ومر على سيسبائه حتى إذا ضرب الدين بجرانه، وألقى بركته، وأرسيت أوتاده، ودخل الناس فيه أفواجا ومن كل فرقة أشتاتا وأرسالا، اختار الله لنبيه ما عنده، فلما قبض الله نبيه - ﷺ - نصب الشيطان رواقه ومد طنبه ونصب حبائله، وأجلب عليهم بخيله ورجله، فظن رجال أن قد تحققت أطماعهم ولات حين يرجون، وأنى والصديق بين أظهرهم، فقام حسرا مشمرا، فجمع حاشيته فرد بشيز الإسلام على غربه، ولم شعثه بطيه ...\nوأقام اوده بثقافه، فابذعر النفاق بوطأته، وانتاش الدين فنعشه، فلما راح الحق على أهله وقرر الرؤوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، أتته منيته فسد ثلمته بنظيره في الرحمة، وشقيقه في السيرة والمعدلة، ذاك ابن\n_________\n(١) البقرة الآية (١٥).","vol":"1","page":271},{"text":"الخطاب لله أم حفلت له ودرت عليه أو حدت به ففنخ الكفرة وذيحها، وشرد الشرك شذر مذر، وبعج الأرض وبخعها، فقاءت أكلها ولفظت خبيئها، ترأمه ويصدف عنها وتصدى له ويأباها، ثم وزع فيها فيئها وودعها كما صحبها، فأروني ماذا يرثون، وأي يومي أبي تنقمون يوم مقامه إذ عدل فيكم أو يوم ظعنه وقد نظر لكم. وأستغفر الله لي ولكم. (١)\n- وعن أبي عبد الرحمن الأزدي قال: لما انقضى الجمل قامت عائشة فتكلمت فقالت: أيها الناس إن لي عليكم حرمة الأمومة وحق الموعظة، لا يهمني إلا من عصى ربه، قبض رسول الله - ﷺ - بين سحري ونحري وأنا إحدى نسائه في الجنة، له ادخرني ربي وخصني من كل بضاعة (والصواب بضع) ميز بي مؤمنكم من منافقكم، وفي رخص لكم في صعيد ... وأبي رابع أربعة من المسلمين وأول مسمى صديقا، قبض رسول الله - ﷺ - وهو عنه راض مطوقه ... ثم اضطرب حبل الدين فأخذ بطرفيه وربق لكم اثناه، فوقذ النفاق وأغاض نبع الردة وأطفأ ما خبأت يهود وأنتم حينئذ جحظ تنتظرون الغدوة وتستمعون الصيحة، فرأب الثأي وأودم العطلة، وامتاح من المهواة واجتهد دفن الزواء، فقبض والله واطيا على هامة النفاق مذكيا نار الحرب للمشركين، يقظان في نصرة الإسلام صفوحا عن الجاهلين. (٢)\n- وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: قلت لعائشة أي أصحاب رسول الله - ﷺ - كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر قلت: فمن بعد؟ قالت: عمر\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٨١ - ١٣٨٣/ ٢٤٧٢) وانظر منهاج السنة (٦/ ١٤٣ - ١٤٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٨٣/٢٤٧٣).","vol":"1","page":272},{"text":"قلت: فمن بعده؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح قلت: فمن الرابع؟ فسكتت. (١)\n- وفيه: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: ما رأيت أحدا ألزم للأمر الأول من عبد الله بن عمر. (٢)\n- وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد - ﷺ - فسبوهم. (٣)\n- وعن فاطمة بنت عبد الرحمن اليشكرية عن أمها قالت: دخلت على عائشة أرسلتني عمتي فقلت: يا أم المؤمنين ما ترين في الناس أكثروا في عثمان وشتموه ولعنوه؟ فقالت: لعن الله من لعنه، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - مسندا ظهره إلى صدري وجبريل يوحي إليه وعثمان عن يمينه وهو يقول: اكتب عثمان، فما نزل تلك المنزلة من رسول الله - ﷺ - إلا كريم على الله وعلى نبيه - ﷺ -. (٤)\n- وفيه: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنها ذكرت عند رجل فسبها فقيل: أتسب أمك؟ قال: ما هي أمي! فبلغها فقالت: صدق أنا أم المؤمنين وأما الكافرون فلست لهم بأم. (٥)\n- وفيه: عن سعيد بن يحيى بن عيسى عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لا\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢١٨) وابن ماجة (١/ ٣٨/١٠٢) واللالكائي في أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٩٣/٢٤٩٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤١٨/٢٥٤٧).\n(٣) مسلم (٤/ ٢٣١٧/٣٠٢٢). وهو في أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٣/٢٣٤٩) والشريعة (٣/ ٥٤٤/٢٠٤٢).\n(٤) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٢٧/٢٥٦٤).\n(٥) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٢٣/٢٧٦٨) والشريعة (٣/ ٤٩٤/١٩٦٨).","vol":"1","page":273},{"text":"ينتقصني أحد في الدنيا إلا تبرأت منه في الآخرة. (١)\n- عن القاسم بن محمد أن معاوية بن أبي سفيان ﵀، حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة رحمها الله فكلمها خاليين لم يشهد كلامهما إلا ذكوان أبو عمرو ومولى عائشة، رحمها الله، فكلمها معاوية فلما قضى كلامه تشهدت عائشة، رحمها الله، ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه - ﷺ - من الهدى ودين الحق والذي سن الخلفاء بعده، وحضت معاوية على اتباع أمرهم، فقالت في ذلك فلم تترك، فلما قضت مقالتها، قال لها معاوية: أنت والله العالمة بالله وبأمر رسوله الناصحة المشفقة البليغة الموعظة حضضت على الخير وأمرت به ولم تأمرينا إلا بالذي هو خير لنا وأنت أهل أن تطاعي. فتكلمت هي ومعاوية كلاما كثيرا، فلما قام معاوية اتكأ على ذكوان ثم قال: والله ما سمعت خطيبا قط ليس رسول الله - ﷺ - أبلغ من عائشة ﵂. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>موقفها من الصوفية:</span>\nعن هشام بن حسان قال: قيل لعائشة ﵂: إن قوما إذا سمعوا القرآن يغشى عليهم، فقالت: إن القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال ولكنه كما قال الله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣). (٤)\n_________\n(١) أصول لاعتقاد (٨/ ١٥٢٣/٢٧٦٩).\n(٢) الشريعة (٣/ ٤٨٣/١٩٦٠).\n(٣) الزمر الآية (٢٣).\n(٤) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٢/ ١٦/٣٧٤).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>موقفها من الجهمية:</span>\n- روى البخاري في صحيحه: عن عائشة ﵂ قالت: والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله ﷿ في بأمر يتلى. (١)\n- وعنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة إلى رسول الله - ﷺ - تشكو زوجها، فكان يخفى علي كلامها، فأنزل الله ﷿ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (٢) الآية. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>موقفها من الخوارج:</span>\n- جاء في الفتح: وإنما وقع هذا -يعني قول عائشة ﵂: إذا أعجبك حسن عمل امرئ ... - في قصة ذكرها البخاري في كتاب خلق أفعال العباد (٤) من رواية عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت ... -وذكرت الذي كان من شأن عثمان-: وددت أني كنت نسيا منسيا فوالله ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قط إلا انتهك مني مثله حتى والله لو أحببت قتله لقتلت، يا عبد الله بن عدي لا يغرنك أحد بعد الذين تعلم، فوالله\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٩٤ - ١٩٧) والبخاري (٨/ ٥٧٨ - ٥٨١/ ٤٧٥٠) ومسلم (٤/ ٢١٢٩ - ٢١٣٧/ ٢٧٧٠) وأبو داود (٥/ ١٠٣ - ١٠٤/ ٤٧٣٥) والترمذي (٥/ ٣١٠ - ٣١٣/ ٣١٨٠) دون ذكر موضع الشاهد، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٩٥ - ٣٠٠/ ٨٩٣١).\n(٢) المجادلة الآية (١).\n(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٤٦) والنسائي (٦/ ٤٨٠/٣٤٦٠) وابن ماجه (١/ ٦٦٦/٢٠٦٣) وعلقه البخاري (١٣/ ٤٦٠).\n(٤) (ص٥١ح١٤٣)، وأخرجه أيضا عبد الرزاق (١١/ ٤٤٧/٢٠٩٦٧).","vol":"1","page":275},{"text":"ما احتقرت أعمال أصحاب رسول الله - ﷺ - حتى نجم النفر الذين طعنوا في عثمان فقالوا قولا لا يحسن مثله، وقرءوا قراءة لا يحسن مثلها، وصلوا صلاة لا يصلى مثلها، فلما تدبرت الصنيع إذا هم والله ما يقاربون أصحاب رسول الله - ﷺ -، فإذا أعجبك حسن قول امرئ فقل: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ولا يستخفنك أحد. وأخرجه ابن أبي حاتم من رواية يونس بن يزيد عن الزهري أخبرني عروة أن عائشة كانت تقول: احتقرت أعمال أصحاب رسول الله - ﷺ - حين نجم القراء الذين طعنوا على عثمان. فذكر نحوه وفيه: فوالله ما يقاربون عمل أصحاب رسول الله - ﷺ -، فإذا أعجبك حسن عمل امرئ منهم فقل اعملوا الخ والمراد بالقراء المذكورين الذين قاموا على عثمان وأنكروا عليه أشياء اعتذر عن فعلها، ثم كانوا مع علي ثم خرجوا بعد ذلك على علي. (٢)\n- وجاء في الشريعة: عن يزيد بن أبي زياد؛ قال: سألت سعيد بن جبير، عن أصحاب النهر؟ فقال: حدثني مسروق؛ قال: سألتني عائشة ﵂ فقالت: هل أبصرت أنت الرجل الذي يذكرون ذا الثدية؟ قال: قلت: لم أره، ولكن قد شهد عندي من قد رآه، قالت: فإذا قدمت الأرض فاكتب إلي بشهادة نفر قد رأوه أمناء. فجئت والناس أشياع؛ قال: فكلمت من كل سبع عشرة ممن قد رآه؛ قال: فقلت: كل هؤلاء عدل رضى،\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٥).\n(٢) الفتح (١٣/ ٦١٧).","vol":"1","page":276},{"text":"فقالت: قاتل الله فلانا، فإنه كتب إلي: أنه أصابه بمصر. (١)\n- وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال كنت جالسا عند علي إذ جاء رجل عليه ثياب السفر فاستأذن على علي وهو يكلم الناس فشغل عنه فأقبلنا فسألناه من أين قدمت؟ ما خبرك؟ قال خرجت معتمرا فلقيت عائشة فقالت: ما هؤلاء الذين خرجوا من بلادكم يسمون حرورا؟ قال: قلت خرجوا من أرضنا إلى مكان يسمى حروراء به يدعون. قالت: طوبى لمن قتلهم أما والله لو شاء ابن أبي طالب لخبرهم خبرهم. قال فأهل علي وكبر ثم أهل وكبر ثم أهل وكبر فقال: إني دخلت على رسول الله - ﷺ - وعنده عائشة فقال لي: كيف أنت وقوم كذا وكذا، قال عبد الله بن إدريس وصف صفتهم، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: قوم يخرجون من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فيهم رجل مخدج اليد كأن يده ثدي حبشية، أنشدكم الله هل أخبرتكم أنه فيهم فأتيتموني فأخبرتموني أنه ليس فيهم فحلفت بالله لكم إنه فيهم، فأتيتموني تسحبونه كما نعت لكم. قالوا: اللهم نعم، قال: فأهل علي وكبر. (٢)\n- وقال الإمام مسلم: وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عاصم عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٥٢/٥٩) والبيهقي في الدلائل (٦/ ٤٣٤).\n(٢) السنة لعبد الله (٢٦٩ - ٢٧٠) وأخرجه البزار في مسنده (٢/ ٣٦٢/١٨٥٥ كشف الأستار) وأبو يعلى في مسنده (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤/ ٤٧٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٣٨ - ٢٣٩): \"رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات، ورواه البزار بنحوه\".","vol":"1","page":277},{"text":"بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>موقفها من المرجئة:</span>\nجاء عن عبد الرحمن بن عصمة قال: كنت عند عائشة فأتاها رسول معاوية بهدية فقال: أرسل بها إليك أمير المؤمنين. فقالت: أنتم المؤمنون إن شاء الله وهو أميركم. وقد قبلت هديته. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>موقفها من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن عائشة: إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار. (٣)\n- وروى الآجري عن مسروق قال: دخلت أنا وأبو عطية على عائشة ﵂. فقلنا لها: يا أم المؤمنين، إن أبا عبد الرحمن يعني ابن مسعود يقول: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فأينا يحب الموت؟ فقالت: يرحم الله ابن أم عبد، حدث أول الحديث وأمسك عن آخره، ثم أنشأت تحدث. فقالت: إذا أراد الله بعبد خيرا بعث إليه ملكا قبل موته بعام يسدده ويوفقه، حتى يموت على خير أحايينه، فيقول الناس: مات فلان على خير أحايينه، فإذا حضر ورأى ما أعد له، جعل\n_________\n(١) مسلم (٣٣٥) وبنحوه عند البخاري (٣٢١).\n(٢) السنة لعبد الله (١٠١) والإيمان لابن أبي شيبة (٢٥) والمصنف له (٦/ ١٦٥/٣٠٣٧٥) مختصرا و(٦/ ١٨٩ - ١٩٠/ ٣٠٥٧٢) مطولا، وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢١/١٧٢٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥١/١٢٤٣).","vol":"1","page":278},{"text":"يتهوع نفسه من الحرص على أن يخرج؛ هناك: أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإذا أراد الله بعبد غير ذلك، قيض له شيطانا قبل موته بعام يغويه ويصده حتى يموت على شر أحايينه؛ فيقول الناس: مات فلان على شر أحايينه، فإذا حضر ورأى ما أعد له حتى يبتلع نفسه، كراهية أن تخرج، هناك: كره لقاء الله، وكره الله لقاءه. (١)\n\nأبو هريرة (٢) (٥٨ هـ)\nالإمام الفقيه، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله - ﷺ - أبو هريرة بن عامر الدوسي اليماني، سيد الحفاظ، الأثبات. اختلف في اسمه على أقوال\n_________\n(١) عبد الرزاق (٣/ ٥٨٧/٦٧٤٩) والأجري في الشريعة (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣/ ٦٠٥ - ٦٠٦) كلاهما عن مسروق قال: دخلت أنا وأبو عطية على عائشة ﵂ فقلنا لها: يا أم المؤمنين إن أبا عبد الرحمن يعني ابن مسعود يقول: فذكره. والحديث قد ورد من طرق أخرى صحيحة منها:\nحديث عبادة بن الصامت ﵁ أخرجه: أحمد (٥/ ٣١٦،٣٢١) والبخاري (١١/ ٤٣٤/٦٥٠٧) ومسلم (٤/ ٢٠٦٥/٢٦٨٣) والترمذي (٣/ ٣٧٩/١٠٦٦) وقال: \"حديث عبادة بن الصامت حسن صحيح\". والنسائي (٤/ ٣٠٨/١٨٣٥).\nحديث أبي هريرة ﵁ أخرجه: أحمد (٢/ ٣١٣،٣٤٦،٤٢٠) والبخاري (١٣/ ٥٧٠/٧٥٠٤) ومسلم (٤/ ٢٠٦٦/٢٦٨٥) والنسائي (٤/ ٣٠٧/١٨٣٣ - ١٨٣٤).\nحديث عائشة ﵂ أخرجه: أحمد (٦/ ٤٤،٥٥،٢٠٧،٢٣٦) والبخاري تعليقا (١١/ ٤٣٤/٦٥٠٧) ومسلم (٤/ ٢٠٦٥ - ٢٠٦٦/ ٢٦٨٤) والترمذي (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠/ ١٠٦٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٤/ ٣٠٨/١٨٣٧) وابن ماجه (٢/ ١٤٢٥/٤٢٦٤).\n\nحديث أبي موسى ﵁ أخرجه: البخاري (١١/ ٤٣٤/٦٥٠٨ ومسلم (٤/ ٢٠٦٧/٢٦٨٦).\n(٢) الإصابة (٧/ ٤٢٥ - ٤٤٥) والاستيعاب (٤/ ١٧٦٨ - ١٧٧٢) وطبقات ابن سعد (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٤) والسير (٢/ ٥٧٨ - ٦٣٢) والمستدرك (٣/ ٥٠٦) والحلية (١/ ٣٧٦ - ٣٨٥) والبداية والنهاية (٨/ ١٠٣ - ١١٥) ومجمع الزوائد (٩/ ٣٦١ - ٣٦٢) وشذرات الذهب (١/ ٦٣ - ٦٤) والمعرفة والتاريخ (١/ ٤٧٦ - ٤٩١).","vol":"1","page":279},{"text":"جمة، أرجحها: عبد الرحمن بن صخر والمشهور عنه أنه كني بأولاد هرة برية، قال وجدتها فأخذتها في كمي فكنيت بذلك. حمل عن النبي - ﷺ - علما كثيرا طيبا مباركا فيه، ولم يلحق في كثرته، وحمل عن أُبَيّ وأبي بكر وعمر وأسامة وعائشة وغيرهم. وحدث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. صحب النبي - ﷺ - أربعة أعوام. وقد جاع أبو هريرة واحتاج، ولزم المسجد، وقال ﵁: لقد رأيتني أصرع بين القبر والمنبر من الجوع، حتى يقولوا مجنون. وعنه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - في حديث يحدثه: \"إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول، فبسطت نمرة علي، حتى إذا قضى رسول الله - ﷺ - مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله - ﷺ - تلك من شيء\" (١). قال الذهبي: وأبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول ﵇ وأدائه بحروفه. وقد ولي أبو هريرة البحرين لعمر. توفي ﵁ سنة ثمان وخمسين للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة: عن نافع بن سرجس عن أبي هريرة قال: يا أيها الناس أظلتكم فتن كأنها قطع الليل المظلم أنجى الناس منها -أو قال فيها- صاحب شياه يأكل من غنمه أو رجل من وراء الدرب آخذ بعنان فرسه\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٢٤٠) والبخاري (٤/ ٣٦١/٢٠٤٧) ومسلم (٤/ ١٩٣٩/٢٤٩٢) والترمذي (٥/ ٦٤٢/٣٨٣٤) بنحوه وقال: \"هذا حديث حسن غريب\".","vol":"1","page":280},{"text":"يأكل من سيفه. (١)\n- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: توضئوا مما مست النار، ولو من ثور من أقط. فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة: إنا لنتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار، وإنا لندهن بالدهن وقد طبخ على النار، فقال أبو هريرة: يا ابن أخي: إذا سمعت بالحديث يحدث به عن رسول الله - ﷺ - فلا تضرب له الأمثال. (٢)\n- وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا استيقظ أحدكم من منامه فليفرغ على يديه من إنائه ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده (٣). قال قين الأشجعي: فما يصنع بالمهراس، يا أبا هريرة؟ قال أبو هريرة: أعوذ بالله من شرك يا قين. (٤)\n\" الغريب:\nالمهراس: هو حجر منقور مستطيل، عظيم كالحوض، يتوضأ منه الناس. (٥)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٥٩٤ - ٥٩٥/ ٧٥٩).\n(٢) أحمد (٢/ ٤٢٧) و(١/ ٣٦٦) من مسند ابن عباس. والترمذي (١/ ١١٤ - ١١٥/ ٧٩) والنسائي (١/ ١١٤/١٧٤) وابن ماجه (١/ ١٦٣/٤٨٥) وأخرجه بدون ذكر القصة. ومسلم (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣/ ٣٥٢) وأبو داود (١/ ١٣٤/١٩٤). والحديث قد نسخ.\n(٣) أحمد (٢/ ٢٤١) والبخاري (١/ ٣٤٩/١٦٢) ومسلم (١/ ٢٣٣/٢٧٨) وأبو داود (١/ ٧٦/١٠٣) والترمذي (١/ ٣٦/٢٤) والنسائي (١/ ١٠٧/١٦١) وابن ماجه (١/ ١٣٨ - ١٣٩/ ٣٩٣).\n(٤) أحمد في المسند (٢/ ٣٨٢) والهروي في ذم الكلام (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩ طبعة الأنصاري) والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٧) إلا أن في المسند والسنن الكبرى 'قيس الأشجعي' بدل 'قين الأشجعي' والصحيح ما هو مثبت. انظر الإصابة (٥/ ٥٦٧) وأسد الغابة (٤/ ٤٣١).\n(٥) اللسان (٦/ ٢٤٨).","vol":"1","page":281},{"text":"- وروى الدارمي بسنده إلى أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: بينما رجل يتبختر في بردين خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فقال له فتى -قد سماه وهو في حلة- يا أبا هريرة أهكذا كان يمشي ذلك الفتى الذي خسف به؟ ثم ضرب بيده فعثر عثرة كاد يتكسر منها فقال أبو هريرة للمنخرين وللفم: إنا كفيناك المستهزئين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>موقفه من المشركين:</span>\nروى الإمام مسلم: عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله - ﷺ - لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة، حتى يقولوا: هذا الله. فمن خلق الله؟ قال، فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب. فقالوا: يا أبا هريرة، هذا الله. فمن خلق الله؟ قال، فأخذ حصى بكفه فرماهم. ثم قال: قوموا، قوموا، صدق خليلي. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن سالم أبي النضر أن أبا هريرة كان يذكر: أنكم لن تروا ربكم حتى تذوقوا الموت. (٣)\n- وفيه: عن سعيد بن المسيب قال: رأيت أبا هريرة صلى على منفوس\n_________\n(١) رواه الدارمي (١/ ١١٦) وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث صدوق كثير الخطأ. وأحمد (٢/ ٤١٣) بقصة مشابهة، قال الشيخ أحمد شاكر ١/ ١٠٩): \"إسناده صحيح\". والمرفوع منه رواه أحمد (٢/ ٣١٥،٤٩٢) والبخاري (١٠/ ٣١٦/٥٧٨٩) ومسلم (٣/ ١٦٥٣ - ١٦٥٤/ ٢٠٨٨).\n(٢) مسلم (١/ ١٢١/١٣٥) وأبو داود (٥/ ٩١ - ٩٢/ ٤٧٢١) وأحمد (٢/ ٣٨٧) وفي سند أحمد عمر بن أبي سلمة وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات. والمرفوع منه أخرجه البخاري ٦/ ٤١٣/٣٢٧٦) من حديث أبي هريرة بلفظ آخر.\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٣/٨٦٥).","vol":"1","page":282},{"text":"لم يعمل خطيئة قط فقال: اللهم أعذه من عذاب القبر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في المصنف لابن أبي شيبة عن عمير بن إسحاق قال: ذكروا الخوارج عند أبي هريرة قال: أولئك شرار الخلق. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: (الإيمان يزداد وينقص). (٣)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن أبي هريرة أنه قال: إذا أتى الرجل امرأة حراما فارقه الإيمان هكذا -ووضع إحدى يديه على الأخرى- ووصفها سويد بيديه ثم فرق بينهما قليلا ثم قال: يفارقه الإيمان هكذا فإذا رجع راجعه الإيمان، ورد إحداهما على الأخرى. (٤)\n- وعنه ﵁ قال: الإيمان نزه فمن زنا فارقه الإيمان، فإن لام نفسه ورجع راجعه الإيمان. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>موقفه من القدرية:</span>\n- وفي السنة لعبد الله عن موسى بن وردان عن أبي هريرة ﵁\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٦/ ١٢١٠/٢١٤١) وعبد الرزاق (٣/ ٥٣٣/٦١١٠) والبيهقي (٤/ ٩ - ١٠).\n(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ٥٥٣/٣٧٨٨٥).\n(٣) السنة (٨٤) والإبانة (٢/ ٨٤٤/١١٢٧ - ١١٣٠) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٦/١٧١١) والشريعة (١/ ٢٦٠/٢٣٧).\n(٤) أصول الاعتقاد (٦/ ١٠٩٠/١٨٦٩) والسنة لعبد الله (ص.٩٨).\n(٥) أصول الاعتقاد (٦/ ١٠٩٠/١٨٧٠) والشريعة (١/ ٢٦٧/٢٥٣) والسنة لعبد الله (١٠١) والإيمان لابن أبي شيبة (١٦) وهو في المصنف (٦/ ١٦٥/٣٠٣٦٨) والسنة للخلال (٤/ ١٠٠/١٢٥٩).","vol":"1","page":283},{"text":"قال: سيكون ناس يصدقون بقدر ويكذبون بقدر. قال موسى: فيلعنهم أبو هريرة عند قوله هذا. (١)\n- وروى عبد الله بن الإمام أحمد بالسند إلى عمار مولى بني هاشم قال: سألت أبا هريرة عن القدر. فقال: أكتفي منه بآخر سورة الفتح. (٢)\n\nسمرة بن جندب (٣) (٥٨ هـ)\nسَمُرَة بن جُنْدُب بن هلال الفَزَارِي، من علماء الصحابة، نزيل البصرة، كان الحسن وابن سيرين وفضلاء أهل البصرة يثنون عليه ويجيبون عنه، وقال ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير. وكان زياد يستخلفه على البصرة ستة أشهر وعلى الكوفة ستة أشهر وكان شديدا على الخوارج ويقول: شر قتلى تحت أديم السماء.\nوعن محمد بن سيرين قال: كان سمرة -فيما علمت- عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله. وكان من الحفاظ المكثرين. روى عن النبي - ﷺ - وعن عبيدة ابن الجراح، وروى عنه الأسقع وثعلبة بن عباد والحسن البصري وغيرهم.\nتوفي ﵁ سنة ثمان وخمسين.\n_________\n(١) السنة (١٤٠).\n(٢) السنة لعبد الله (١٤٢).\n(٣) الاستيعاب (٢/ ٦٥٣ - ٦٥٥) والإصابة (٣/ ١٧٨ - ١٧٩) وتهذيب الكمال (١٢/ ١٣٠) وتهذيب التهذيب (٤/ ٢١٣) والسير (٣/ ١٨٣ - ١٨٦).","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في البدع لابن وضاح: عن سمرة بن جندب قال: لا تقوم الساعة حتى تروا أمورا عظاما لم تكونوا ترونها ولا تحدثون بها أنفسكم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في السير: وكان شديدا على الخوارج، قتل منهم جماعة. (٢)\n- قال وهب: حدثني أبي: أن زيادا اشتد في أمر الحرورية بعد قريب وزحاف (٣)، فقتلهم وأمر سمرة بذلك، وكان يستخلفه على البصرة إذا خرج إلى الكوفة فقتل سمرة منهم بشرا كثيرا. (٤) اهـ\n- وعن محمد بن سليم قال: سألت: أنس بن سرين: هل كان سمرة قتل أحدا؟ قال: وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت أو كما قال. (٥)\n_________\n(١) ما جاء في البدع (ص.١٧٦).\n(٢) السير (٣/ ١٨٦).\n(٣) قال سعيد بن يزيد: كان قريب وزحاف أول من خرج بعد أهل النهراوان من الحرورية. تاريخ خليفة (ص.٢٢١).\n(٤) تاريخ الطبري (٣/ ٢٠٩) وتاريخ خليفة (ص٢٢٢).\n(٥) تاريخ الطبري (٣/ ٢٠٨).","vol":"1","page":285},{"text":"عقبة بن عامر الجهني (١) (٥٨ هـ)\nعُقْبَة بن عامر بن عَبْس بن عدي بن عمروبن رفاعة الجُهَنِي يكنى أبا حماد، وقيل: أبا عمرو ويقال: أبو الأسد المصري صاحب النبي - ﷺ -. روى عنه من الصحابة ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو أمامة الباهلي وغيرهم. ومن التابعين: أبو الخير، وعلي بن رباح وأبو قبيل، وسعيد ابن المسيب وغيرهم. كان عالما مقرئا فصيحا فقيها فرضيا شاعرا كبير الشأن. وهو كان البريد إلى عمر بفتح دمشق. وله دار بخط باب توما. وشهد صفين مع معاوية وأمره بعد ذلك على مصر ثم عزله بعد ثلاث سنين وأغزاه البحر. وكان من أصحاب الصفة، وكان من الرماة المذكورين مات سنة ثمان وخمسين ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>موقفه من الخوارج:</span>\nعبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس قال: ... وذكرت الخوارج عند ابن عامر، فذكر من اجتهادهم، فقال: ليسوا بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى ثم هم يقتلون. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>موقفه من المرجئة:</span>\nعن عقبة بن عامر قال: إن الرجل ليتفضل بالإيمان كما يتفضل ثوب المرأة. (٣)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤) والاستيعاب (٣/ ١٠٧٣ - ١٠٧٤) وأسد الغابة (٤/ ٥١ - ٥٢) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٢٠٢ - ٢٠٥) والسير (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٩) والإصابة (٤/ ٥٢٠ - ٥٢١).\n(٢) المصنف لعبد الرزاق (١٠/ ١٢٠/١٨٥٨١).\n(٣) السنة لعبد الله (٩٣) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٨/١٧١٦).","vol":"1","page":286},{"text":"عمرو بن أمية (١) (قبل ٦٠ هـ)\nعمْرو بن أُمَيَّة بن خُوَيْلِد، أبو أُمَيَّة الضَّمْرِي، صاحب رسول الله - ﷺ -. روى عن النبي - ﷺ - وروى عنه ابناه جعفر وعبد الله وابن أخيه الزبرقان بن عبد الله وأبو قلابة الجرمي وآخرون. شهد بدرا وأحدا مع المشركين، ثم أسلم حين انصرف المشركون عن أحد.\nوكان ﵁ رجلا شجاعا له إقدام، وأول مشهد شهده مسلما بئر معونة، فأسرته بنو عامر، فقال له عامر بن الطفيل: إنه قد كان على أمي نسمة فأنت حر عنها، وجز ناصيته. بعثه رسول الله - ﷺ - سرية وحده إلى قريش، وأرسله إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، ويأمره أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، فزوجه إياها، وأصدق عنه أربعمائة دينار، ويرسل من عنده من المسلمين، ففعل.\nتوفي ﵁ آخر أيام معاوية، قبل الستين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: عن جعفر بن عمرو بن أمية، قال: بعث النبي - ﷺ - عمرو ابن أمية إلى النجاشي، فوجد لهم بابا صغيرا يدخلون منه مُكَفِّرين (٢) فدخل منه القهقرى، فشق عليهم، وهموا به، فقال له النجاشي: ما منعك؟ قال: إنا لا نصنع هذا بنبينا، قال: صدق، دعوه، فقيل للنجاشي: إنه يزعم أن عيسى\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٤/ ٢٤٨) والاستيعاب (٣/ ١١٦٢ - ١١٦٣) وتاريخ دمشق (٤٥/ ٤١٨ - ٤٣٠) وأسد الغابة (٤/ ١٨١ - ١٨٢) وتهذيب الكمال (٢١/ ٥٤٥ - ٥٤٧) وسير أعلام النبلاء (٣/ ١٧٩ - ١٨١).\n(٢) أي منحنين.","vol":"1","page":287},{"text":"عبد. قال: ما تقولون في عيسى؟ قال: كلمة الله وروحه، قال: ما استطاع عيسى أن يعدو ذلك. (١)\n\nمعاوية بن أبي سفيان (٢) (٦٠ هـ)\nيكنى أبا عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان واسم أبيه صخر بن حرب، وأمه هند بنت عتبة، وهو من مسلمة الفتح هو وأبوه وأخوه وأمه، فهو خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين. جاء عنه أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء ولكني كتمت إسلامي من أبي إلى يوم الفتح. ولاه عمر على الشام بعد موت أخيه يزيد. وقال عمر إذ دخل الشام ورأى معاوية: هذا كسرى العرب. وعن ابن عمر قال: ما رأيت أحدا بعد رسول الله - ﷺ - أسود من معاوية فقيل له: فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ فقال: كانوا والله خيرا من معاوية وكان معاوية أسود منهم. بويع له بالخلافة سنة إحدى وأربعين فسمي عام الجماعة. قال محمد بن إسحاق: كان معاوية أميرا عشرين سنة وخليفة عشرين سنة. قال فيه ابن عباس: ليس أحد منا أعلم من معاوية، وفي لفظ قيل له إن معاوية أوتر بركعة فقال: إنه فقيه. وسئل الإمام أحمد أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله - ﷺ - خير من عمر بن عبد العزيز ﵁ وأماتنا على\n_________\n(١) السير (٣/ ١٨٠ - ١٨١).\n(٢) الاستيعاب (٣/ ١٤١٦ - ١٤٢٢) والإصابة (٦/ ١٥١ - ١٥٥) والسير (٣/ ١١٩) وتهذيب الكمال (٢٨/ ١٧٦) وشذرات الذهب (١/ ٦٥) والبداية والنهاية (٨/ ٢١).","vol":"1","page":288},{"text":"محبته. روى عن النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان وأخته أم حبيبة وغيرهم، وروى عنه ثابت بن سعد وابن عباس وجرير البجلي وغيرهم. مات في رجب سنة ستين ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام: عن محمد بن جبير بن مطعم أن معاوية قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد: فإنه بلغني أن رجالا منكم يتحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله ولا تعرف عن رسول الله - ﷺ - أولئك جهالكم. (١)\n\" التعليق:\nلا شك أن المبتدعة يعتمدون في كتبهم على الموضوعات والمكذوبات، ومن شك في ذلك فلينظر كتبهم يجدها مليئة بذلك. هذا إن اعتمدوا على النص ولم يحرفوا معناه. وأما إن اعتمدوا أصولا أخرى وضعوها لتقعيد بدعتهم فذاك أمر آخر.\n- وروى ابن بطة (٢) بسنده إلى الأوزاعي عن عبادة بن نسي قال: تذاكروا عند معاوية المسائل فرد بعضهم على بعض فقال: ألم تسمعوا أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الأغلوطات. (٣)\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.١٨٤) والإحكام لابن حزم (٨/ ٣١) وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٢٥٣).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٤٠١/ ٣٠١).\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٥) وأبو داود (٤/ ٦٥/٣٦٥٦). كلهم من طريق الأوزاعي عن عبد الله بن سعد، عن الصنابحي عن معاوية مرفوعا. وفيه عبد الله بن سعد، قال الذهبي في الميزان: \"مجهول\". وقال الشيخ الألباني: \"سنده ضعيف\".","vol":"1","page":289},{"text":"- وقال ابن تيمية في المنهاج: طاف ابن عباس ومعاوية، فجعل معاوية يستلم الأركان الأربعة، فقال ابن عباس ﵄: إن رسول الله - ﷺ - لم يستلم إلا الركنين اليمانيين فقال معاوية: ليس من البيت شيء مهجورا، فقال ابن عباس ﵁: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال معاوية: صدقت، ورجع إلى قوله. (١)\n- وروى البخاري عن حميد بن عبد الرحمن أنه: سمع معاوية بن أبي سفيان -عام حج- على المنبر، فتناول قصة من شعر-كانت في يد حرسي- فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت النبي - ﷺ - ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>موقفه من المشركين:</span>\nعن عمران بن حدير، عن أبي مجلز أن معاوية قال: إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، فلا تشبهوا بهم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>موقفه من الجهمية:</span>\nروى اللالكائي في أصول الاعتقاد بسنده إلى حسان بن عطية قال: قال معاوية: قصيرة من طويلة، من أتاكم يزعم أنه ربكم فاعلموا أنكم لن\n_________\n(١) المنهاج (٢/ ٤٤٨) والقصة رواها: أحمد (١/ ٢١٧) والبخاري (٣/ ٦٠٣ - ٦٠٤/ ١٦٠٨) والترمذي (٣/ ٢١٣/٨٥٨).\n(٢) أحمد (٤/ ٩٥،٩٧ - ٩٨) والبخاري (٦/ ٦٣٤ - ٦٣٥/ ٣٤٦٨) ومسلم (٣/ ١٦٧٩/٢١٢٧) وأبو داود (٤/ ٣٩٦/٤١٦٧) والترمذي (٥/ ٩٦/٢٧٨١) والنسائي (٨/ ٥٧٠/٥٢٦٠).\n(٣) الاقتضاء (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":290},{"text":"تروا ربكم ﷿ حتى تموتوا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>موقفه من الخوارج:</span>\nقال ابن جرير في أحداث سنة إحدى وأربعين هجرية: وفيها خرجت الخوارج التي اعتزلت أيام علي ﵁ بشهرزور على معاوية. ذكر خبرهم: حدثت عن زياد عن عوانة قال قدم معاوية قبل أن يبرح الحسن من الكوفة حتى نزل النخيلة، فقالت الحرورية -الخمسمائة التي كانت اعتزلت بشهرزور مع فروة بن نوفل الأشجعي- قد جاء الآن ما لا شك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه، فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكوفة، فأرسل إليهم معاوية خيلا من خيل أهل الشام، فكشفوا أهل الشام، فقال معاوية لأهل الكوفة: لا أمان لكم والله عندي حتى تكفوا بوائقكم. فخرج أهل الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم، فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون منا، أليس معاوية عدونا وعدوكم دعونا حتى نقاتله، وإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا. قالوا: لا والله حتى نقاتلكم؛ فقالوا: رحم الله إخواننا من أهل النهر هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، وأخذت أشجع صاحبهم فروة بن نوفل وكان سيد القوم واستعملوا عليهم عبد الله بن أبي الحر رجلا من طيء فقاتلوهم فقتلوا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد حدثنا إسماعيل عن قيس قال: مرض معاوية\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٢/٨٦٣).\n(٢) تاريخ الطبري (٣/ ١٦٩) والبداية والنهاية (٨/ ٢٣).","vol":"1","page":291},{"text":"مرضا عيد فيه، فجعل يقلب ذراعيه -كأنها عسيب نخل- وهو يقول: هل الدنيا إلا ما ذقنا وجربنا والله لوددت أني لا أغبر فيكم فوق ثلاث حتى ألحق الله. قالوا: إلى مغفرة الله ورحمته. قال: إلى ما شاء الله من قضاء ... (١)\n\nعائذ بن عمرو (٢) (٦١ هـ)\nعائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد بن يزيد المُزَنِي أبو هُبَيْرَة البصري. روى عنه الحسن ومعاوية بن قرة وسوادة بن عاصم وغيرهم. كان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة وكان من صالحي الصحابة سكن البصرة وابتنى بها دارا. توفي في إمارة عبد الله بن زياد أيام يزيد بن معاوية، قال ابن حجر: أرخه ابن قانع سنة إحدى وستين، وأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي لئلا يصلي عليه ابن زياد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في السنة لعبد الله عن أبي إياس معاوية بن قرة قال: خرج حروري محكم فخرج إليه ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - من مزينة بأسيافهم منهم عائذ بن عمرو. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٣٤/٢٧٩١).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٣١) والاستيعاب (٢/ ٧٩٩) وأسد الغابة (٣/ ١٤٦) وتهذيب الكمال (١٤/ ٩٨ - ١٠٠) والوافي بالوفيات (١٦/ ٥٩٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٨٩) والإصابة (٣/ ٦٠٩ - ٦١٠).\n(٣) السنة لعبد الله (ص.٢٨٠).","vol":"1","page":292},{"text":"الحسين بن علي (١) (٦١ هـ)\nسبط رسول الله - ﷺ - وريحانته من الدنيا ومحبوبه، أبو عبد الله الحسين ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي. حدث عن جده وأبويه وصهره عمر وطائفة. حدث عنه ولداه علي وفاطمة وعبيد بن حنين، وهمام الفرزدق وعكرمة والشعبي وطلحة العقيلي، وابن أخيه زيد بن الحسن وحفيده محمد ابن علي الباقر، ولم يدركه، وبنته سكينة وآخرون. قال الزبير: مولده في خامس شعبان سنة أربع من الهجرة. قال جعفر الصادق بين الحسن والحسين في الحمل طهر واحد.\nعن علي قال: الحسين أشبه برسول الله - ﷺ - من صدره إلى قدميه. وقال رسول الله - ﷺ - فيه وفي الحسن: \"هما ريحانتاي من الدنيا\" (٢) وقال أيضا: \"الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة\" (٣) وغيرها من الأحاديث. وكان\n_________\n(١) التاريخ الكبير (٢/ ٣٨١) والجرح والتعديل (٣/ ٥٥) والاستيعاب (١/ ٣٩٢ - ٣٩٩) وتاريخ بغداد (١/ ١٤١) والكامل في التاريخ (٤/ ٦١) والسير (٣/ ٢٨٠ - ٣٢١) والبداية والنهاية (٥/ ١٥٢ وما بعدها) والإصابة (٢/ ٧٦ - ٨١) وأسد الغابة (٢/ ٢٤ - ٣٠) وتهذيب الكمال (٦/ ٣٩٦ - ٤٤٩) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٤٥) وشذرات الذهب (١/ ٦٦).\n(٢) أحمد (٢/ ٨٥ و٩٣) والبخاري (٧/ ١١٩/٣٧٥٣) والترمذي (٥/ ٦١٥/٣٧٧٠) وقال: \"هذا حديث صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ١٥٠/٨٥٣٠).\n(٣) أحمد (٣/ ٣) والترمذي (٥/ ٦١٤/٣٧٦٨) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ١٥٠/٨٥٢٨) وابن حبان (١٥/ ٤١١ - ٤١٢/ ٦٩٥٩ الإحسان) الحاكم (٣/ ١٦٦ - ١٦٧) وقال: \"هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة، وأنا أتعجب أنهما لم يخرجاه\". وتعقبه الذهبي بقوله: \"الحكم فيه لين\". وزاد النسائي وابن حبان والحاكم: \"إلا ابني الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا\". وفي الباب عن حذيفة بن اليمان وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵃ وغيرهم من الصحابة.","vol":"1","page":293},{"text":"﵁ فاضلا دينا كثير الصيام والصلاة والحج. قال مصعب الزبيري: حج الحسين خمسا وعشرين حجة ماشيا. قتل ﵁ يوم الجمعة لعشر خلت من المحرم يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بموضع يقال له كربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة، قتله سنان بن أنس النخعي ويقال له أيضا: سنان بن أبي سنان النخعي، الجوشي. وأهل الكوفة يقولون: قاتله هو عمر بن سعد ابن أبي وقاص أمير الجيش الذي قاتل الحسين ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عن سفيان بن حسين عن الحسين ﴿مَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ (١) قال: على السنة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>موقفه من الرافضة:</span>\nعن أسلم قال: حدثني من كان في الصف في يوم الحسين ﵁ فقال: ابتدر رجل فقال: أيكم الحسين؟ قال: كان أولنا له إجابة- فقال: أنا الحسين فما تريد يا عبد الله؟ قال: أبشر يا عدو الله بالنار قال: فقال: ويحك أنا؟ قال: نعم. قال: ولم؟ ورب رحيم وشفاعة نبي مطاع. اللهم إن كان عبدك كاذبا فجره إلى النار واجعله اليوم آية لأصحابه.\nقال: فما هو إلا أن ثنى عنان فرسه فوثب به فألقاه في حيزته وبقيت رجلاه في الركاب فجعل يضربه حتى قطعه. قال: فلقد رأيت مذاكيره\n_________\n(١) الجاثية الآية (١٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ٧٦ - ٧٧/ ٦٦).","vol":"1","page":294},{"text":"تسحب في الأرض. فقال: فوالله ما عجبنا لسرعة إجابة دعائه ولكن لوقوفنا حتى قتل كأن قلوبنا زبر الحديد. (١)\n\nأم المؤمنين هند بنت أبي أمية أم سلمة (٢) (٦١ هـ)\nهند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أم سلمة القرشية المخزومية أم المؤمنين زوج النبي - ﷺ -، تزوجها في جمادى الآخرة سنة أربع، وقيل سنة ثلاث. روت عن النبي - ﷺ - وعن أبي سلمة، وفاطمة الزهراء. وروى عنها سعيد بن المسيب وشقيق بن سلمة ومجاهد ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. كانت ممن أسلم قديما هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة، وقيل إنها أول ظعينة دخلت المدينة ويقال: إن ليلى امرأة عامر بن ربيعة شركتها في هذه الأولية. كانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع والعقل البالغ، والرأي الصائب، وإشارتها على النبي - ﷺ - يوم الحديبية تدل على وفور عقلها وصواب رأيها. كان أزواج النبي - ﷺ - يتحاكمن إليها لعلمهن ببراءتها من الغيرة وذلك بفضل دعائه - ﷺ -.\nكانت آخر أمهات المؤمنين موتا وذلك آخر سنة إحدى وستين بعدما جاءها نعي الحسين بن علي ﵁.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٩/ ١٤٧ - ١٤٨/ ٩٠).\n(٢) الطبقات لابن سعد (٨/ ٨٦ - ٩٦) والاستيعاب (٤/ ١٩٢٠ - ١٩٢١؛ ١٩٣٩ - ١٩٤٠) وأسد الغابة (٧/ ٣٢٩ - ٣٣١) وتهذيب الكمال (٣٥/ ٣١٧ - ٣٢٠) والسير (٢/ ٢٠١ - ٢١٠) والبداية والنهاية (٨/ ٢١٧) والإصابة (٨/ ٢٢١ - ٢٢٥) وشذرات الذهب (١/ ٦٩ - ٧٠).","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>موقفها من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عن أم سلمة في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١).\nقالت: الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به إيمان والجحود به كفر. (٢)\n\nعلقمة بن قيس (٣) (٦٢ هـ)\nعَلْقَمَة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سَلاَمَان بن كهل أبو شِبْل النخعي الكوفي الفقيه عم الأسود بن يزيد وأخيه عبد الرحمن وخال فقيه العراق إبراهيم النخعي. ولد في أيام الرسالة المحمدية، وعداده في المخضرمين. سمع من عمر وعثمان وابن مسعود النخعي وأبو الضحى مسلم ابن صبيح وغيرهم. هاجر في طلب العلم والجهاد، وجود القرآن على ابن مسعود ولازمه حتى رأس في العلم والعمل. قال الذهبي: كان فقيها إماما بارعا طيب الصوت بالقرآن ثبتا فيما ينقل، صاحب خير وورع. كان يشبه ابن مسعود في هديه ودله وسمته وفضله كان أعرج. كان طلبته يسألونه ويتفقهون به\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٤٠ - ٤٤١/ ٦٦٣).\n(٣) طبقات ابن سعد (٦/ ٨٦ - ٩٢) والحلية (٢/ ٩٨ - ١٠٢) وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٩٦ - ٣٠٠) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٣٠٠ - ٣٠٨) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٨ - ٤٩) والسير (٤/ ٥٣ - ٦١) والبداية والنهاية (٨/ ٢١٩) والإصابة (٥/ ١٣٦ - ١٣٧) وشذرات الذهب (١/ ٧٠).","vol":"1","page":296},{"text":"والصحابة متوافرون. توفي ﵀ سنة اثنتين وستين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>موقفه من الخوارج:</span>\nعن علقمة قال: تكلم عنده رجل من الخوارج بكلام كرهه فقال علقمة وَالَّذِينَ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١) فقال له الخارجي: أو منهم أنت؟ قال: أرجو. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن إبراهيم عن علقمة أنه كان يقول لأصحابه: (امشوا بنا نزدد إيمانا). (٣)\n- قال رجل لعلقمة أمؤمن أنت؟ قال أرجو إن شاء الله. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>موقفه من القدرية:</span>\nعن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة، فقرئ عنده هذه الآية ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٥). فسئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة،\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٥٨).\n(٢) السنة لعبد الله (٨٨) والسنة للخلال (٤/ ١٣٢) والإبانة (٢/ ٧/٨٦٩ - ٨٧٠/ ١١٨٣) والشريعة (١/ ٣٠٥/٣٢٥).\n(٣) ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (١٠٤) والمصنف (٦/ ١٦٤/٣٠٣٦٢) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٣/١٧٣٠).\n(٤) السنة لعبد الله (٩٦) وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٦١/٣٠٣٣٤ و٣٠٣٧٤) وفي الإيمان (٢٤) وأبو عبيد في الإيمان (١٥) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٨٣/١٢١٨) والشريعة (١/ ٣٠١/٣١٥).\n(٥) التغابن الآية (١١).","vol":"1","page":297},{"text":"فيعلم أنها من عند الله فيسلم ذلك ويرضى. (١)\n\nالربيع بن خثيم (٢) (٦٢ هـ)\nالرَّبيع بن خُثَيْم بن عائذ، الإمام، القدوة العابد، أبو يزيد الثَّوريّ الكوفيّ أحد الأعلام. أدرك النبي - ﷺ - وأرسل عنه. وروى عن عبد الله بن مسعود وأبي أيوب الأنصاري وعمرو بن ميمون وهو قليل الرواية. قال له عبد الله بن مسعود ﵁ يا أبا يزيد، لو رآك رسول الله - ﷺ - لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين. وكان يقول إذا جاءه الرجل: يا عبد الله اتق الله فيما علمت وما استؤثر به عليك فكله إلى عالمه، لأنا في العمد أخوف عليكم مني في الخطأ. وما خيركم اليوم بخير ولكنه خير من آخر شر منهم وما تتبعون الحق حق اتباعه، وما تفرون من الشر حق فراره، ولا كل ما أنزل الله على محمد - ﷺ - أدركتم ولا كل ما تقرؤون تدرون ما هو، ثم يقول: السرائر السرائر اللاتي يخفين من الناس وهن لله بواد التمسوا دواءهن، وما دواؤهن إلا أن تتوب ثم لا تعود. عن الشعبي: كان الربيع أورع أصحاب عبد الله.\nتوفي بعد مقتل الحسين ﵁، وذلك سنة اثنتين وستين وقيل التي قبلها.\n_________\n(١) ابن جرير (٢٨/ ١٢٣).\n(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٥٨ - ٢٦٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٥٧) والمعرفة والتاريخ (٢/ ٥٦٣) وتهذيب الكمال (٩/ ٧٠ - ٧٦) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣) والمنتظم (٦/ ٨ - ٩) والبداية والنهاية (٨/ ٢١٩).","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام: عن ربيع بن خثيم قال: ليتق أحدكم تكذيب الله إياه أن يقول: قال الله كذا وكذا فيقول: كذبت، لم أقله، أو يقول: لم يقل الله كذا وكذا، فيقول: كذبت، قد قلته. (١)\n- وعنه قال: اتق الله فيما علمت وما استؤثر به فكله إلى عالمه. (٢)\n\nأبو مسلم الخَوْلاَني (٣) (٦٢ هـ)\nاسمه على الأصح: عبد الله بن ثوب وقيل: ابن ثواب وقيل غير ذلك. أبو مسلم الخولاني الزاهد المشهور سيد التابعين أسلم في حياة رسول الله - ﷺ -، وقدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وهو معدود في كبار التابعين. سمع عمر ومعاذا وأبا عبيدة والكبار. وسمع منه أبو إدريس الخولاني وأبو العالية الرياحي وجبير بن نفير وطائفة. كان فاضلا ناسكا عابدا فقيها، ريحانة الشام، وثقه ابن معين وغيره. له مناقب وكرامات وفضائل، يقال إن الأسود العنسي ألقاه في النار فنجا منها والله أعلم. كان يقال: هو حكيم هذه الأمة توفي ﵀ سنة اثنتين وستين للهجرة.\n_________\n(١) ذم الكلام (٢/ ٢٣٠/٢٩٧ طبعة الأنصاري) ورواه بنحوه ابن عبد البر في الجامع (٢/ ١٠٧٥).\n(٢) ذم الكلام (٣/ ٥٥/٥٥٨) وورواه مطولا ابن سعد في الطبقات (٦/ ١٨٤ - ١٨٥) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٠٨) والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٤٨) والحلية (٢/ ١٢٢ - ١٣١) والاستيعاب (٤/ ١٧٠٧ - ١٧٠٩) وتهذيب الكمال (٣٤/ ٢٩٠ - ٢٩٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٩) والسير (٤/ ٧ - ١٤) وفوات الوفيات (٢/ ١٦٩) والبداية والنهاية (٨/ ١٤٩) وتهذيب التهذيب (١٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦).","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: عن شرحبيل: أن الأسود تنبأ باليمن، فبعث إلى أبي مسلم، فأتاه بنار عظيمة، ثم إنه ألقى أبا مسلم فيها، فلم تضره، فقيل للأسود: إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتبعك. فأمره بالرحيل فقدم المدينة، فأناخ راحلته، ودخل المسجد يصلي، فبصر به عمر ﵁، فقام إليه، فقال: ممن الرجل؟ قال: من اليمن. قال: ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب، قال: نشدتك بالله، أنت هو؟ قال: اللهم نعم. فاعتنقه عمر وبكى، ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصديق. فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من صنع به كما صنع بإبراهيم الخليل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>موقفه من الرافضة:</span>\nروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فكان يتناول عائشة ﵂. فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أحدثك عن رجل من أهل الشام، كان قد أوتي حكمة؟ قال: من هو؟ قلت: أبو مسلم الخولاني، سمع أهل الشام ينالون من عائشة فقال: ألا أخبركم بمثلي ومثل أمكم هذه؟ كمثل عينين في رأس، تؤذيان صاحبهما، ولا يستطيع أن يعاقبهما إلا بالذي هو خير لهما فسكت. فقال الزهري: أخبرنيه أبو إدريس الخولاني عن أبي مسلم. (٢)\n_________\n(١) السير (٤/ ٨ - ٩).\n(٢) أخرجه ابن عساكر (٢٧/ ٢٠٤) وهو في سير أعلام النبلاء (٤/ ٩).","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في السنة للخلال أن أبا مسلم الخولاني قال: إنه مؤمر عليك مثلك، فإن اهتدى فاحمد الله، وإن عمل بغير ذلك فادع له بالهدى ولا تخالفه فتضل. (١)\n- جاء في البداية والنهاية: وأما كلام أئمة التابعين في هذا الفصل فكثير جدا يطول ذكرنا له، فمن ذلك قول أبي مسلم الخولاني حين رأى الوفد الذين قدموا من قتله -أي عثمان-: إنكم مثلهم أو أعظم جرما، أما مررتم ببلاد ثمود؟ قالوا: نعم قال: فأشهد أنكم مثلهم، لخليفة الله أكرم عليه من ناقته. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: عن أبي مسلم الخولاني قال: إن آخر ما جف به القلم خلق آدم، وأن الله ﷿ لما خلقه نشر ذريته في يده وكتب أهل الجنة وأعمالهم، وكتب أهل النار وأعمالهم، ثم قال: هذه لهذه ولا أبالي، وهذه لهذه ولا أبالي. (٣)\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٨٦).\n(٢) البداية والنهاية (٧/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٠/ ١٧٩٤).","vol":"1","page":301},{"text":"مسروق بن الأجدع (١) (٦٢ هـ)\nمَسْروق بن الأَجْدَع بن مالك، أبو عائشة الوَادِعيّ، الهمدانيّ الكوفيّ، الإمام القدوة، العلم. حدث عن أبي بن كعب وعمر، ومعاذ بن جبل وخباب، وعائشة وابن مسعود وغيرهم. وعنه الشعبي، وإبراهيم النخعي، ويحيى بن وثاب وغيرهم. وعداده في كبار التابعين وفي المخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي - ﷺ -.\nعن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله الذين يقرئون الناس ويعلمونهم السنة: علقمة، والأسود، وعبيدة، ومسروقا، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل.\nكان أحد أصحاب عبد الله صلى خلف أبي بكر ولقي عمر وعليا. وعنه قال: كفى بالمرء علما أن يخشى الله تعالى، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله. وقال: من سره أن يعلم علم الأولين والآخرين، وعلم الدنيا والآخرة، فليقرأ سورة الواقعة.\nقال الذهبي: هذا قاله مسروق على المبالغة، لعظم ما في السورة من جمل أمور الدارين ومعنى قوله: فليقرأ الواقعة، أي يقرأها بتدبر وتفكر وحضور ولا يكن كمثل الحمار يحمل أسفارا. توفي ﵁ سنة اثنتين وستين للهجرة.\n_________\n(١) الإصابة (٦/ ٢٩١ - ٢٩٣) وطبقات ابن سعد (٦/ ٧٦ - ٨٤) والحلية (٢/ ٨٥ - ٩٨) وتاريخ بغداد (١٣/ ٢٣٢ - ٢٣٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٩ - ٥٠) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٠٩ - ١١١) وشذرات الذهب (١/ ٧١) والمعرفة والتاريخ (٢/ ٥٦٠) والسير (٤/ ٦٣ - ٦٩).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في سنن الدارمي: قال مسروق: إني أخاف أو أخشى أن أقيس فتزل قدمي. (١)\n- وجاء في السير: عن الشعبي، قال مسروق: لأن أفتي يوما بعدل وحق، أحب إلي من أن أغزو سنة. (٢)\n- وفي جامع بيان العلم وفضله: عن مسروق قال: من يرغب برأيه عن أمر الله ﷿ يضل. (٣)\n- وعنه قال: ما أحد من أصحاب الأهواء إلا في القرآن ما يرد عليهم ولكنا لا نهتدي له. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة رحمها الله؛ قال: حدثتني المبرأة الصديقة ابنة الصديق حبيبة رسول الله - ﷺ -. (٥)\n- وعنه أيضا قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة. (٦)\n_________\n(١) الدارمي (١/ ٦٥) والفقيه والمتفقه (١/ ٤٥٨ - ٤٥٩) وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٢٥٧).\n(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٦٦).\n(٣) جامع بيان العلم (٢/ ١٠٥١) وانظر الاعتصام (٢/ ٨٤٨).\n(٤) الهروي في ذم الكلام (٢/ ١١٤) وأبو خيثمة في العلم (ص.٥٠).\n(٥) الشريعة (٣/ ٤٧٦/١٩٤٦).\n(٦) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣١٢/٢٣٢٢) وجامع بيان العلم (٢/ ١١٧٧).","vol":"1","page":303},{"text":"سعد بن مالك أبو سعيد الخدري (١) (٦٣ هـ)\nهو الإمام المجاهد، مفتي المدينة، سعد بن مالك بن سنان، حدث عن النبي - ﷺ -، وعن عمر وعلي وابن عباس وجابر وزيد بن ثابت. وعنه من الصحابة عائشة وابن عمر وجابر بن سمرة وآخرون، ومن التابعين سعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعلقمة والأحنف. أول مشاهده الخندق، وغزا مع رسول الله - ﷺ - اثنتي عشرة غزوة، وكان ممن حفظ عن رسول الله - ﷺ - سننا كثيرة وعلما جما، وكان من نجباء الصحابة وعلمائهم وفضلائهم.\nفعن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: \"عرضت يوم أحد على النبي - ﷺ - وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله إنه عبل العظام، وجعل نبي الله يصعد فيّ النظر، ويصوبه، ثم قال: رده، فردني\" (٢). وروى حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه أنه لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله - ﷺ - أعلم من أبي سعيد الخدري. توفي سنة ثلاث وستين للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام: قرأ أبو سعيد: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ\n_________\n(١) الإصابة (٣/ ٧٨ - ٨٠) والاستيعاب (٢/ ٦٠٢) وتاريخ بغداد (١/ ١٨٠ - ١٨١) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٤) والوافي بالوفيات (١٥/ ١٤٨) والبداية والنهاية (٩/ ٤٣) والسير (٣/ ١٦٨ - ١٧٢) وشذرات الذهب (١/ ٨١) وتهذيب الكمال (١٠/ ٢٩٤ - ٢٩٩).\n(٢) ابن عساكر في التاريخ (٢٠/ ٣٨٦) الحاكم (٣/ ٥٦٣).","vol":"1","page":304},{"text":"اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (١) فقال: هذا نبيكم وخيار أمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم؟ (٢)\n\" التعليق:\nانظر رحمك الله إلى هذه العبارة من هذا الصحابي الجليل ما أحسنها وما أصدقها على زمننا هذا، لو يطيع الإنسان الآن علماء السوء الذين باعوا أخراهم بدنياهم وحملوا في أعناقهم كل شر، ولو يطيع الإنسان أمراء السوء الذين ركبوا كل مطية تحمى كراسيهم سواء كانت بطريق مشروع أو غير مشروع، سخروا علماءهم للوقوف أمام أي إصلاح سواء كان في عقائدهم التي اختلط بها الباطل أو في أخلاقهم التي انحطت عن درجة القردة والخنازير إلا من شاء الله. وهكذا لو يطيع الإنسان عامة الناس وما هم عليه من التصورات المنحرفة. فالخير كل الخير في طاعة الرسول - ﷺ - وما كان عليه صحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان.\n- روى البخاري في صحيحه: من حديث أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله - ﷺ - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف، قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر فلما أتينا المصلى، إذا منبر بناه كثير بن\n_________\n(١) الحجرات الآية (٧).\n(٢) ذم الكلام (٢/ ٢١٩/٢٨٥).","vol":"1","page":305},{"text":"الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه، فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيرتم والله. فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة. (١)\n- وجاء في ذم الكلام: قال سليمان بن يسار: بينا أنا عند ابن عباس إذ دخل علينا أبو سعيد الخدري، فدخل رجل من الصيارفة، فقال: يا أبا عباس ما ترى صرف الذهب وزنا بوزن والورق بالورق زيادة؟ فقال ابن عباس: ليس بذلك بأس إذا كان يدا بيد. فقال أبو سعيد: ليس كذلك، نهى عن هذا رسول الله - ﷺ -، فقال ابن عباس: نحن أعلم بهذا منك، إنما كان الربا لنا. فقال أبو سعيد: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتحدثني عن نفسك، لا يجمعني وإياك سقف بيت أبدا. (٢)\n- جاء في الإبانة عن الأعرج قال: سمعت أبا سعيد الخدري، يقول لرجل: أتسمعني أحدث عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: لا تبيعوا الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا منها عاجلا بآجل (٣) ثم أنت تفتي بما تفتي والله لا يؤويني وإياك ما عشت إلا المسجد. (٤)\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٣٦،٥٤) والبخاري (٢/ ٥٧٠/٩٥٦) ومسلم (٢/ ٦٠٥/٨٨٩) والنسائي (٣/ ٢٠٨/١٥٧٥) وابن ماجه (١/ ٤٠٩/١٢٨٨) بنحوه.\n(٢) ذم الكلام (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥/ ٢٩٢).\n(٣) أحمد (٥/ ٢٠٠،٢٠٩) والبخاري (٤/ ٤٧٨/٢١٧٧) ومسلم (٣/ ١٢٠٨ - ١٢٠٩/ ١٥٨٤) والترمذي (٣/ ٥٤٢ - ٥٤٣/ ١٢٤١) والنسائي (٧/ ٣٢٠ - ٣٢١/ ٤٥٨٤) وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٥٨ - ٧٥٩/ ٢٢٥٧) بمعناه.\n(٤) الإبانة (١/ ١/٢٥٨/ ٩٥).","vol":"1","page":306},{"text":"\" التعليق:\nهذا أبو سعيد يقول لهذا الرجل: \"لا يؤويني وإياك ما عشت إلا المسجد\" لتركه النص وقوله بالرأي، فكيف بنا نحن الآن تضرب نصوص القرآن ونصوص الحديث النبوي والإجماعات المقطوع بها ويطعن في عقائدنا السلفية وتنشر الكتب والمجلات والمقالات والجرائد اليومية والمنشورات العامة والخاصة، ومع هذا كله لا تجد أحدا يحرك ساكنا، وإن تحرك تألب عليه الجميع ووجهت له كل التهم السياسية لأنها هي الرابحة عند المتهمين.\nهذا من جهة ومن جهة أخرى، تجدنا مع كل هؤلاء مضاحكين متفكهين كأنه لم يقع شيء. والله المستعان. وأما ابن عباس فقد رجع من فوره إلى حديث رسول الله - ﷺ -، كما سيأتي ضمن مواقفه ﵁. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>موقفه من الخوارج:</span>\n- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية: ينظر إلى نصله لا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فما\n_________\n(١) انظر مواقفه من المبتدعة.","vol":"1","page":307},{"text":"يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه -وهو قدحه- فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي - ﷺ - الذي نعته. (١)\n- وعن عاصم بن شميخ قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول ويداه هكذا -يعني ترتعشان- من الكبر: لقتال الخوارج أحب إلي من قتال عدتهم من أهل الشرك. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>موقفه من المرجئة:</span>\nعن الأوزاعي قال: كان أبو سعيد الخدري يقول: الشهادة بدعة والبراءة بدعة والإرجاء بدعة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: عن أبي بكر الكلبي قال: رأيت شيخا يزحف عند قصر أوس؛ قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵀ يقول: لو أن رجلا صام النهار وقام الليل ثم كذب بشيء من القدر؛ لأكبه الله في جهنم رأسه أسفله. (٤)\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ٧٦٦/٣٦١٠) ومسلم (٢/ ٧٤٤/١٠٦٤ (١٤٨».\n(٢) المسند (٣/ ٣٣) والمصنف لابن أبي شيبة (٧/ ٥٥٣/٣٧٨٨٦) والسنة لعبد الله (٢٧٨).\n(٣) السنة لعبد الله (ص.٨٦) والإبانة (٢/ ٩٠٤ - ٩٠٥/ ١٢٦٩) بنحوه، والسنة للخلال (٤/ ٨٧/١٢٢٨)، وقد مر تفسير المراد بالشهادة والبراءة في مواقف علي ﵁.\n(٤) الإبانة (٢/ ٩/١٦٨/ ١٦٤٨).","vol":"1","page":308},{"text":"عبد الله بن عمرو بن العاص (١) (٦٥ هـ)\nعبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل الإمام الحبر العابد، صاحب رسول الله - ﷺ - وابن صاحبه، أبو محمد وقيل أبو عبد الرحمن، القرشي السهمي أسلم قبل أبيه. وكان اسمه العاص فغيره النبي - ﷺ - بعبد الله. له مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم والعمل، حمل عن النبي - ﷺ - علما جما، يبلغ ما أسند سبع مائة حديث. فعن أبي هريرة ﵁ قال: \"لم يكن أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب\" (٢). روى عن أبيه وأبي بكر وعمر ومعاذ وعبد الرحمن بن عوف وأبي الدرداء وطائفة. وروى عنه ابنه محمد ومواليه: أبو قابوس وإسماعيل وسالم، وحفيده شعيب، وأنس بن مالك وأبو أمامة وخلق كثير. كان صواما قواما حتى رخص له النبي أن يقرأ القرآن في ثلاث ليال، وأن يصوم يوما ويفطر يوما.\nومن أقواله: إن من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار، ويسود كل قوم منافقوهم. (٣)\nورث عبد الله من أبيه قناطير مقنطرة من الذهب المصري فكان من ملوك الصحابة. اختلف في وفاته ورجح الشيخ أحمد شاكر ﵀ أنه\n_________\n(١) السير (٣/ ٧٩ - ٩٤) والاستيعاب (٣/ ٩٥٦) الإصابة (٤/ ١٩٢ - ١٩٤) وطبقات ابن سعد (٤/ ٢٦١ - ٢٦٨) والحلية (١/ ٢٨٣ - ٢٩٢) والوافي (١٧/ ٣٨٠ - ٣٨٢) وشذرات الذهب (١/ ٧٣).\n(٢) أحمد (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩) والبخاري (١/ ٢٧٥/١١٣) والترمذي (٥/ ٣٩/٢٦٦٨) وأيضا (٥/ ٦٤٤/٣٨٤١) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٣٤/٥٨٥٣).\n(٣) ما جاء في البدع (ص.١٥٩).","vol":"1","page":309},{"text":"مات بمصر سنة خمس وستين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: قال عبد الله بن عمرو: ما ابتدعت بدعة إلا ازدادت مضيا، ولا تركت سنة إلا ازدادت هويا. (١)\n- وروى ابن وضاح عن سعد بن مسعود قال: قال عبد الله بن عمرو ابن العاص: لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خليا بمصحفهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس اليوم ولا يعرفان شيئا مما كانا عليه. (٢)\n- وله أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: قال عبد الله بن عمرو ابن العاص: يوشك أن تظهر شياطين يجالسونكم في مجالسكم ويفقهونكم في دينكم ويحدثونكم، وإنهم لشياطين. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>موقفه من المشركين:</span>\nعن عبد الله بن عمرو أنه قال: من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم، ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في السنة لابن أبي عاصم عن عقبة بن وساج قال: كان صاحب لي يحدثني عن شأن الخوارج وطعنهم على أمرائهم، فحججت فلقيت عبد الله\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٠٤/١٢٨) والإبانة (١/ ٢/٣٥١/ ٢٢٧).\n(٢) ما جاء في البدع (ص.١٤٣) والزهد لابن المبارك (١/ ٦١/١٨٤).\n(٣) ما جاء في البدع (ص.١٦٨).\n(٤) الاقتضاء (١/ ٢٣٧) وهو عند البيهقي في الكبرى (٩/ ٢٣٤).","vol":"1","page":310},{"text":"ابن عمرو فقلت له: أنت من بقية أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقد جعل الله عندك علما، وأناس بهذا العراق يطعنون على أمرائهم، ويشهدون عليهم بالضلالة. فقال لي: أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، أتي رسول الله - ﷺ - بقليد من ذهب وفضة، فجعل يقسمها بين أصحابه، فقام رجل من أهل البادية فقال: يا محمد والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك أن تعدل. فقال: ويحك من يعدل عليه بعدي. فلما ولّى قال: ردوه رويدا فقال النبي - ﷺ -: إن في أمتي أخا لهذا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرجوا فاقتلوهم ثلاثا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: من كان يزعم أن مع الله قاضيا أو رازقا أو يملك لنفسه ضرا أو نفعا؛ فأخرس الله لسانه وجعل صلواته هباء، وقطع به الأسباب، وأكبه على وجهه في النار. وقال: إن الله ﷿ خلق الخلق وأخذ منهم الميثاق وكان عرشه على الماء. (٢)\n- وفيها: عن معن بن عبد الرحمن بن سعوة عن أبيه عن جده أنه لقي عبد الله بن عمرو؛ قال: قلت: ما تقول في الناس؟ قال: يعملون لما خلقوا له، قال: وكيف ذاك؟ قال: لا يستطيعون إلا ذاك، كتب عليهم رقع رقع، إن\n_________\n(١) الحاكم (٢/ ١٤٥) والسنة لابن أبي عاصم (٢/ ٤٥٥/٩٣٤) والمسند للبزار (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠/ ١٨٥٠ كشف الأستار)، وذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٢٨) وقال: \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح\". وقال الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد البزار (٢/ ٥٤ - ٥٥/ ١٤٠٨): \"رجاله من أهل الصحيح\".\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٦٦/ ١٦٤٢).","vol":"1","page":311},{"text":"خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشر. (١)\n- وفيها: عن عبد الله بن عمرو قال: إن أول ما يكفأ الدين كما يُكفأ الإناء، قول الناس في القدر. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة جاءها ملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الرحمن ﵎. فيقول: أخلقها يا أحسن الخالقين. فيقضي الله فيها ما يشاء من أمره ثم تدفع إلى الملك فيسال الملك عن ذلك فيقول: يا رب اسقط أم تمام؟ فيبين له. فيقول: أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له ويقول: يا رب أواحد أو توأم؟ فيبين له فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيبين له. ثم يقول: أشقي أم سعيد؟ فيبين له. ثم يقول: يا رب اقطع رزقه فيقطع له رزقه مع خلقه فيهبط بها جميعا. فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قسم له فإذا أكل رزقه قبض. (٣)\n\nأبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِي (٤) (٦٥ هـ)\nصاحب النبي - ﷺ - نَضْلَة بن عُبَيْد، أسلم قديما وشهد مع رسول الله - ﷺ - ست أو سبع غزوات، منها خيبر وفتح مكة. روى عن النبي - ﷺ - عدة\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/١٦٧/ ١٦٤٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٦٧/ ١٦٤٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٧ - ٧٤٨/ ١٢٣٦).\n(٤) الإصابة (٦/ ٤٣٣ - ٤٣٥) والاستيعاب (٤/ ١٦١٠) وتاريخ بغداد (١/ ١٨٢ - ١٨٣) والسير (٣/ ٤٠ - ٤٣) والحلية (٢/ ٣٢ - ٣٣) وطبقات ابن سعد (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩ و٧/ ٩ - ٣٦٦) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٤٦ - ٤٤٧).","vol":"1","page":312},{"text":"أحاديث، وروى عنه ابنه المغيرة، وأبو عثمان النهدي، وعبد الله بن بريدة وآخرون. قال أبو نعيم: هو الذي قتل عبد العزى بن خطل تحت أستار الكعبة بإذن النبي - ﷺ -. سكن المدينة، وشهد مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة، ثم تحول إلى البصرة فنزلها، وحضر مع علي بن أبي طالب قتال الخوارج بالنهروان، وغزا بعد ذلك خراسان فمات بها. عن ثابت البناني أن أبا برزة كان يلبس الصوف، فقيل له: إن أخاك عائذ بن عمرو يلبس الخز، قال: ويحك. ومن مثل عائذ؟ فانصرف الرجل، فأخبر عائذا، فقال: ومن مثل أبي برزة؟ قال الذهبي عقبه: هكذا كان العلماء يوقرون أقرانهم. توفي سنة خمس وستين على الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال البخاري: حدثنا عبد الله بن صباح حدثنا معتمر قال: سمعت عوفا أن أبا المنهال حدثه أنه سمع أبا برزة قال: إن الله يغنيكم أو نعشكم بالإسلام وبمحمد صلى عليه وسلم. (١)\n- وفيه: قال أبو برزة: إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد - ﷺ - حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>موقفه من المشركين:</span>\nقال أبو نعيم: هو الذي قتل عبد العزى بن خطل تحت أستار الكعبة\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٣٠٥/٧٢٧١).\n(٢) البخاري (١٣/ ٨٥ - ٨٦/ ٧١١٢).","vol":"1","page":313},{"text":"بإذن النبي - ﷺ -. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>موقفه من الجهمية:</span>\nروى أبو داود في سننه: عن عبد السلام بن أبي حازم أبي طالوت، قال: شهدت أبا برزة دخل على عبد الله بن زياد فحدثني فلان، سماه مسلم، وكان في السماط: فلما رآه عبد الله قال: إن مُحَمَّدِيَّكم هذا الدحداح، ففهمها الشيخ، فقال: ما كنت أحسب أني أبقى في قوم يعيروني بصحبة محمد - ﷺ -، فقال له عبد الله، إن صحبة محمد - ﷺ - لك زين غير شين، ثم قال: إنما بعثت إليك لأسألك عن الحوض، سمعت رسول الله - ﷺ - يذكر فيه شيئا؟ فقال له أبو برزة: نعم لا مرة ولا ثنتين ولا ثلاثا ولا أربعا ولا خمسا، فمن كذب به فلا سقاه الله منه، ثم خرج مغضبا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>موقفه من الخوارج:</span>\n- عن الأزرق بن قيس قال: كنا على شاطئ نهر بالأهواز فجاء أبو برزة يقود فرسا، فدخل في صلاة العصر، فقال رجل انظروا إلى هذا الشيخ، وكان انفلت فرسه فاتبعها في القبلة حتى أدركها، فأخذ بالمقود، ثم صلى، قال: فسمع أبو برزة قول الرجل، فجاء فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله - ﷺ - غير هذا، إني شيخ كبير، ومنزلي متراخ، ولو أقبلت على صلاتي، وتركت فرسي، ثم ذهبت أطلبها، لم آت أهلي إلا في جنح الليل، لقد صحبت رسول الله - ﷺ - فرأيت من يسْره، فأقبلنا نعتذر مما قال الرجل.\n_________\n(١) السير (٣/ ٤١).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٤١٩) أبو داود (٥/ ١١١ - ١١٢/ ٤٧٤٩).","vol":"1","page":314},{"text":"قال الذهبي: وكذا رواه شعبة عن الأزرق قال: كنت مع أبي برزة بالأهواز، فقام يصلي العصر، وعنان فرسه بيده، فجعلت ترجع، وجعل أبو برزة ينكص معها. قال: ورجل من الخوارج يشتمه، فلما فرغ قال: إني غزوت مع رسول الله - ﷺ - ستا أو سبعا وشهدت تيسيره. (١)\n- جاء في السنة لعبد الله بن أحمد: عن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل الخوارج وفينا أبو برزة الأسلمي، فجاء إلى نهر فتوضأ ثم قام يصلي. (٢)\n\nزيد بن أرقم (٣) (٦٦ هـ)\nزيد بن أرقم بن زيد الأنصاري الخزرجي، نزيل الكوفة، من مشاهير الصحابة. روى عن النبي - ﷺ - عدة أحاديث. وروى عنه عطاء بن أبي رباح وطاوس وعبد الرحمن بن أبي ليلى وآخرون. كان ممن استصغر يوم أحد. قال أبو المنهال: سألت البراء عن الصرف، فقال: سل زيد ابن أرقم، فإنه خير مني وأعلم. وعن موسى بن عقبة قال حدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك يقول: \"حزنت على من أصيب بالحرة، فكتب إلي زيد بن أرقم -وبلغه شدة حزني- يذكر أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار، وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار، فسأل\n_________\n(١) السير (٣/ ٤١ - ٤٢) وابن عساكر (٦٢/ ٩٤ - ٩٥).\n(٢) (ص.٢٨١ رقم ١٤٥٩).\n(٣) الإصابة (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠) والاستيعاب (٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦) والسير (٣/ ١٦٥ - ١٦٨) وطبقات ابن سعد (٦/ ١٨) والمستدرك (٣/ ٥٣٢ - ٥٣٣) والوافي (١٥/ ٢٢) وشذرات الذهب (١/ ٧٤) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥).","vol":"1","page":315},{"text":"أنسا بعض من كان عنده فقال: هو الذي يقول رسول الله - ﷺ -: هذا الذي أوفى الله له بأُذنه\" (١) توفي سنة ست وستين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام: قال ﵁: من تمسك بالسنة وثبت نجا، ومن أفرط مرق، ومن خالف هلك. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>موقفه من المشركين:</span>\nروى البخاري في صحيحه عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت مع عمي، فسمعت عبد الله بن أُبَي بن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا. وقال أيضا: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكر عمي لرسول الله - ﷺ -، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله - ﷺ - وكذبني، فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في بيتي، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ -إلى قوله- هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -إلى قوله- لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٣) فأرسل إلي رسول الله - ﷺ - فقرأها علي، ثم قال: إن الله قد صدقك. (٤)\n_________\n(١) البخاري (٨/ ٨٣٩/٤٩٠٦).\n(٢) ذم الكلام (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧/ ٤٩٦).\n(٣) المنافقون الآيات (١ - ٨).\n(٤) البخاري (٨/ ٨٣٣/٤٩٠١) ومسلم (٤/ ٢١٤٠/٢٧٧٢).","vol":"1","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>موقف السلف من المختار الكذاب (٦٦ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\nلقد فصل الحافظ ابن كثير أخباره وحيله وتقلباته الكاذبة. وأوردته هنا لخطره هو وأمثاله ممن دنسوا العقيدة السلفية بدجلهم وكذبهم، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.\nقال الحافظ ابن كثير: ثم زالت دولة المختار كأن لم تكن، وكذلك سائر الدول، وفرح المسلمون بزوالها. وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقا بل كان كاذبا يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل، قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا عيسى القاري أبو عمير بن السدي عن رفاعة الفتياني قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك. قال: فأردت أن أضرب عنقه قال: فذكرت حديثا حدثنيه أخي عمرو بن الحمق قال: قال رسول الله - ﷺ -: أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء (١). ثم ذكر الحافظ روايات الحديث ثم قال: وقد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه فقال صدق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشياطين\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٢٢٣و٢٢٤) وابن ماجه (٢/ ٨٩٦/٢٦٨٨) وابن حبان (١٣/ ٣٢٠/٥٩٨٢) من طريق رفاعة بن شداد عن عمرو بن الحمق به. وقال البوصيري في الزوائد: \"إسناده صحيح ورجاله ثقات لأن رفاعة بن شداد، أخرج له النسائي في سننه ووثقه\". وذكره ابن حبان في الثقات. وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم. وأخرجه الحاكم (٤/ ٣٥٣) من طريق أخرى وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":317},{"text":"ليوحون إلى أوليآئهم﴾ (١) وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني عنده، وكان يتعاهد مبيتي بالليل قال: فقال لي: اخرج فحدث الناس؟ قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٣) قال فهموا أن يأخذوني فقلت: مالكم وذاك، إني مفتيكم وضيفكم.\nفتركوني وإنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه.\nوروى الطبراني من طريق أنيسة بنت زيد بن الأرقم أن أباها دخل على المختار ابن أبي عبيد فقال له: يا أبا عامر، لو شفت رأى جبريل وميكائيل، فقال له زيد: خسرت وتعست، أنت أهون على الله من ذلك، كذاب مفتر على الله ورسوله.\nوقال ابن كثير بعد كلام: وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة وأسر إلى أخصائه أنه يوحى إليه ... ولا شك أنه كان ضالا مضلا أراح الله المسلمين منه بعد ما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين كما قال تعالى: ﴿وكذلك\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢١).\n(٢) يوسف الآية (٣).\n(٣) الأنعام الآية (١١٢).","vol":"1","page":318},{"text":"نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١). اهـ (٢)\n\nعدي بن حاتم (٣) (٦٨ هـ)\nعدي بن حاتم بن عبد الله، الأمير الشريف أبو وهب وأبو طريف صاحب النبي - ﷺ -، وفد على النبي - ﷺ - في شعبان سنة سبع، فأسلم وكان نصرانيا وحسن إسلامه، ثم رجع إلى بلاد قومه. روى عنه الشعبي وسعيد بن جبير وخيثمة بن عبد الرحمن وغيرهم.\nقال الخطيب: فلما قبض رسول الله - ﷺ - وارتدت العرب ثبت عدي وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر الصديق وحضر فتح المدائن، وشهد مع علي الجمل وصفين والنهروان.\nجاء -﵁- إلى عمر فقال: أما تعرفني؟ قال: أعرفك، أقمت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا.\nوقال سعيد بن عبد الرحمن: فقئت عين عدي بصفين. وقال غير واحد: يوم الجمل. قال المزي: وهو الصحيح.\nوقال ابن عيينة: حدثت عن الشعبي عن عدي قال: ما دخل وقت صلاة حتى أشتاق إليها. وعنه: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء.\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢٩).\n(٢) البداية والنهاية (٨/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(٣) الاستيعاب (٣/ ١٠٥٧) والسير (٣/ ١٦٢ - ١٦٥) وتاريخ بغداد (١/ ١٨٩) وتهذيب الكمال (١٩/ ٥٢٤ - ٥٣١) وطبقات ابن سعد (٦/ ٢٢) والإصابة (٦/ ٤٠١ - ٤٠٢).","vol":"1","page":319},{"text":"قال ابن سعد وغيره: مات عدي ﵁ سنة ثمان وستين، وهو ابن مائة وعشرين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الإبانة: عن محمد بن سيرين، قال: قال عدي بن حاتم: إنكم لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون، وتنكروا ما كنتم تعرفون، وما دام عالمكم يتكلم بينكم غير خائف. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>موقفه من الرافضة:</span>\nعن مغيرة قال: خرج عدي، وجرير البجلي وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيسياء، وقالوا: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>موقفه من الخوارج:</span>\n- قاتل هو وابنه مع علي ﵁ يوم النهراوان.\nجاء في تاريخ الطبري (٣): طلب عدي بن حاتم ابنه طرفة فوجده، فدفنه، ثم قال: الحمد لله الذي ابتلاني بيومك على حاجتي إليك اهـ.\n- وفيه أيضا: أنه قال لما حثهم المغيرة بن شعبة ﵁ على قتال الخوارج: فقام إليه عدي بن حاتم فقال: كلنا لهم عدو، ولرأيهم مسفه، وبطاعتك مستمسك، فأينا شئت سار إليهم. (٤)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١/١٩٠ - ١٩١/ ٢٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٠/٢٣٨١)\n(٣) (٣/ ١٢٣).\n(٤) (٣/ ١٨٢).","vol":"1","page":320},{"text":"- وقال ابن عبد البر: روينا عن خليفة الطائي قال: لما رجعنا من النهراوان، لقينا العزار الطائي قبل أن ينتهي إلى المدائن، فقال لعدي بن حاتم: يا أبا طريف أغانم سالم، أم ظالم آثم؟ قال: بل غانم سالم -إن شاء الله- قال: فالحكم والأمر إذا إليك؟ فقال الأسود بن يزيد والأسود بن قيس المراديان: ما أخرج هذا الكلام منك إلا شر. وإنا لنعرفك برأي القوم، فأتيا به عليا فقالا: إن هذا يرى رأي الخوارج، وقد قال كذا وكذا قال: فما أصنع به؟ قال: تقتله، قال: لا أقتل من لا يخرج علي، قال: فتحبسه، قال: ولا أحبس من ليست له جناية، خليا سبيل الرجل. (١)\n\nابن عباس (٢) (٦٨ هـ)\nحبر الأمة، وفقيه العصر، وترجمان القرآن، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله ابن عم رسول الله - ﷺ - العباس بن عبد المطلب. قال الواقدي: لا خلاف أنه ولد في الشعب، وبنو هاشم محصورون فولد قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. وحدث عنه بجملة صالحة وعن عمر وعلي ومعاذ، ووالده، وابن عوف وغيرهم. وعنه ابنه علي وعكرمة ومقسم، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل وأبو أمامة بن سهل وغيرهم كثير. له مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة\n_________\n(١) فتح البر (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩).\n(٢) الإصابة (٦/ ١٣٠) والاستيعاب (٣/ ٩٣٣ - ٩٣٩) وطبقات ابن سعد (٢/ ٣٦٥ - ٣٧٢) والمستدرك (٣/ ٣٥٥ - ٥٤٦) ووفيات الأعيان (٣/ ٦٢ - ٦٤) والحلية (١/ ٣١٤ - ٣٢٩» والتذكرة (١/ ٤٠ - ٤١) والبداية والنهاية (٨/ ٢٩٨ - ٣١٠) وشذرات الذهب (١/ ٧٥ - ٧٦) والسير (٣/ ٣٣١ - ٣٥٩) والعقد الثمين (٥/ ١٩٠ - ١٩٣).","vol":"1","page":321},{"text":"فضله ونبل أصله ﵁ وأرضاه. دعا له النبي - ﷺ - بقوله: \"اللهم علمه الكتاب\" (١). وفي رواية أحمد والحاكم: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\". (٢) عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله - ﷺ -، قلت لرجل من الأنصار هلم نسأل أصحاب رسول الله - ﷺ - فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي - ﷺ - من ترى؟ فترك ذلك. وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح علي التراب فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله، ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي، فقال: هذا الفتى أعقل مني.\nوعنه قال: \"كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعا ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٣) فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما\n_________\n(١) البخاري (١/ ٢٢٤/٧٥) الترمذي (٥/ ٦٣٨/٣٨٢٤) بلفظ: \"اللهم علمه الحكمة ... \" وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ٥٢/٨١٧٩) بلفظ: \"اللهم علمه الحكمة ... \" وابن ماجه (١/ ٥٨/١٦٦) بلفظ: \"اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب\".\n(٢) أحمد (١/ ٣٢٨) والحاكم (٣/ ٥٣٤) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٣) النصر الآية (١).","vol":"1","page":322},{"text":"تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله - ﷺ - أعلمه له، قال: ﴿إذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١) وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٢)، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول\". (٣) وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وقال أيضا: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل. وقال طاووس: ما رأيت أحدا أشد تعظيما لحرمات الله من ابن عباس. وقال سعد بن أبي وقاص: ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا ألب لبا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله: وإن حوله لأهل بدر. وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلا قط.\nتوفي سنة ثمان وستين للهجرة ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: النظر إلى الرجل من أهل السنة -يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة- عبادة. (٤)\n_________\n(١) النصر الآية (١).\n(٢) النصر الآية (٣).\n(٣) البخاري (٨/ ٢٤/٤٢٩٤) والترمذي (٥/ ٤١٩ - ٤٢٠/ ٣٣٦٢) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(٤) أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٦٠ - ٦١/ ١١) والإبانة (١/ ٢/٣٤٣/ ٢١٤) وانظر تلبيس إبليس (ص.١٦).","vol":"1","page":323},{"text":"- وعنه ﵁ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (١) قال: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل البدعة والتفرق. (٢)\n- وعنه ﵁: ما كان في القرآن من حلال أو حرام فهو كذلك، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه. (٣)\n- وروى الدارمي عن هشام بن جحير قال: كان طاووس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن العباس: اتركها. قال: إنما نهي عنها أن تتخذ سلما. قال ابن عباس: فإنه قد نهي عن صلاة بعد العصر فلا أدري أتعذب عليها أم تؤجر لأن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٤) قال سفيان: تتخذ سلما يقول: يصلي بعد العصر إلى الليل. (٥)\n\" التعليق:\nفماذا يقول المبتدعة في هذا النص: هل ابن عباس لا يعرف البدعة\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٦).\n(٢) أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٧٩/٧٤) وتاريخ بغداد (٧/ ٣٧٩) وانظر درء تعارض العقل والنقل (١/ ٤٨) والمنهاج (٣/ ٤٦٧) ومجموع الفتاوى (٣/ ٢٧٨) واجتماع الجيوش الإسلامية (ص.٢٩) وإعلام الموقعين (١/ ٢٥٩) والاعتصام (١/ ٧٥).\n(٣) الاعتصام (٢/ ٦٦٠) وأصله عند أبي داود (٤/ ١٥٧/٣٨٠٠) والحاكم (٤/ ١١٥) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٤) الأحزاب الآية (٣٦).\n(٥) الدارمي (١/ ١١٥) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٨٣) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٠ - ٣٨١) والباعث (٢١٥ - ٢١٦).","vol":"1","page":324},{"text":"الحسنة والسيئة؟ وهل ابن عباس لا يعرف المتروكات التي لم ينص على فعلها أو تركها؟ ولكن تلبيسات المبتدعة لا تنتهي.\n- جاء في الإبانة: قال ابن عباس: إياكم والرأي فإن الله ﷿ رد الرأي على الملائكة وذلك أن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إني جَاعِلٌ في الأرض خليفةً﴾ فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فيها من يفسد فيها﴾ إلى آخر الآية فقال: ﴿إني أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقال للنبي - ﷺ -: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنزل اللَّهُ﴾ (٢) ولم يقل احكم بينهم بما رأيت. (٣)\n- وفي ذم الكلام: قال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ (٤) قال: هم أصحاب الخصومات والمراء في دين الله. (٥)\n- وجاء في الشريعة: عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دينهم وَكَانُوا شيعًا﴾ (٦) وقوله: ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا\n_________\n(١) البقرة الآية (٣٠).\n(٢) المائدة الآية (٤٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ٤/٦٢١/ ٨١٢) وذم الكلام (٢/ ٢١٢/٢٧٥).\n(٤) الأنعام الآية (٦٨).\n(٥) ذم الكلام (٤/ ١٤ - ١٥/ ٧٢٥).\n(٦) الأنعام الآية (١٥٩).","vol":"1","page":325},{"text":"وَاخْتَلَفُوا﴾ (١) وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤) وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٥) الآية. قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله تعالى. (٦)\n- روى الدارمي عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس فقلت أوصني. فقال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع. (٧)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن عكرمة عن ابن عباس قال: والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني. فقيل وكيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب، فيحملها الرجل\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٥).\n(٢) آل عمران الآية (٧).\n(٣) النساء الآية (١٤٠).\n(٤) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٥) الشورى الآية (١٣).\n(٦) الشريعة (١/ ١١٦/٤) والإبانة (١/ ٢/٢٧٥ - ٢٧٦/ ١٠٥) وأصول الاعتقاد (١/ ١٤٣/٢١٢).\n(٧) الدارمي (١/ ٥٣) وذم الكلام (٢/ ٦٥ - ٦٦/ ٢٦٣) والإبانة (١/ ٢/٣١٨ - ٣١٩/ ١٥٧) وابن وضاح (ص.٦٥) والفقيه والمتفقه (١/ ٤٣٦) بنحوه وشرح السنة للبغوي (١/ ٢١٤).","vol":"1","page":326},{"text":"إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه. (١)\n- وفيه: عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما يأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيى البدع وتموت السنن، وسمعته يقول: حتى تظهر البدع. (٢)\n\" التعليق:\nوقد وقع ما أخبر به ابن عباس، فقد غطت البدع الأرض، وصارت السنة نادرة الوجود وأصبح دعاتها من الغرباء.\n- وفيه: عن طاوس عن ابن عباس: أن معاوية قال له: أنت على ملة علي؟ قال: لا ولا على ملة عثمان، ولكني على ملة النبي - ﷺ -. (٣)\n- وفيه: عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم. فقال: كل هوى ضلالة. (٤)\n- وفيه: عن التميمي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ ِشرعةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٥) قال: سبيل وسنة. (٦)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٦١/١٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٠٣/١٢٥) وابن وضاح (٨٧) والطبراني في الكبير (١٠/ ٣١٩/١٠٦١٠) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٨): \"ورجاله موثقون\". والإبانة (١/ ١/١٧٧ - ١٧٨/ ١١). انظر الاعتصام (١/ ١١٠) والحوادث والبدع (ص.٤٤).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٠٥/١٣٣) والإبانة (١/ ٢/٣٥٤ - ٣٥٥/ ٢٣٧).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٦/٢٢٥) والإبانة (١/ ٢/٣٥٥/ ٢٣٨) والشريعة (١/ ١٩٢ - ١٩٣/ ١٣٢) وذم الكلام (٢/ ٤٠٢/٤٩٤) وهو في الاعتصام (٢/ ٦٨٨).\n(٥) المائدة الآية (٤٨).\n(٦) أصول الاعتقاد (١/ ٧٦/٦٥).","vol":"1","page":327},{"text":"- وفيه أيضا: عن ابن عباس في قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وهو الإسلام ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) قال: أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان ولا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه الله فلا ينقص أبدا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا. (٢)\n- وجاء في الإبانة: عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: من أقر باسم من هذه الأسماء المحدثة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. (٣)\n- وفيها: عن القاسم بن محمد أن رجلا جاء إلى ابن عباس فسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل ينفل الفرس وسرجه، فأعاد عليه، فقال مثل ذلك، ثم أعاد عليه، فقال مثل ذلك فقال ابن عباس: تدرون ما مثل هذا؟ هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر ﵁، أما لو عاش عمر لما سأل أحد عما لا يعنيه. (٤)\n- وفيها: عن أبي اليقظان قال: خرج رجل من أسلاف المسلمين يطلب علم السماء ومبتدأ الأشياء ومجاري القضاء وموقع القدر المجلوب وما قد احتجبه الله ﷿ من علم الغيوب التي لم ينزل الكتاب بها ولم تتسع العقول لها. وما طلبه حتى انتهى إلى بحر العلوم ومعدن الفقه وينبوع الحكمة عبد الله بن العباس ﵀ فلما انتهى بالأمر الذي ارتحله إليه وأقدمه عليه\n_________\n(١) المائدة الآية (٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ٩٦٥/١٦٠٢).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٣٥٣ - ٣٥٤/ ٢٣٤).\n(٤) الإبانة (١/ ٤١٧/٣٣٣) والموطأ (٢/ ٤٥٥/١٩).","vol":"1","page":328},{"text":"قال له: اقرأ آية الكرسي، فلما بلغ: ﴿ولا يحيطون بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلًّا بِمَا شَاءَ﴾. قال: أمسك يا ابن أخي فقد بلغت ما تريد، فقد أنبأك الله أنه لا يحاط بشيء من علمه، قال له الرجل: يرحمك الله إن الله قد استثنى، فقال: ﴿إِلًّا بِمَا شَاءَ﴾.\nفقال عبد الله: صدقت ولكن أخبرني عن الأمر الذي استثناه من علمه وشاء أن يظهره لخلقه أين يوجد ومن أين يعلم؟ قال: لا يوجد إلا في وحي ولا يعلم إلا من نبي، قال: فأخبرني عن الذي لا يوجد في حديث مأثور ولا كتاب مسطور أليس هو الذي نبأ الله لا يدركه عقل ولا يحيط به علم؟ قال: بلى فإن الذي تسأل عنه ليس محفوظا في الكتب ولا محفوظا عن الرسل، فقام الرجل وهو يقول: لقد جمع الله لي علم الدنيا والآخرة، فانصرف شاكرا. (١)\n- وفي الإبانة: أن رجلا من المسلمين أتى عبد الله بن العباس رحمة الله عليه بابن له فقال: لقد حيرت الخصومة عقله، وأذهبت المنازعة قلبه، وذهبت به الكلفة عن ربه. فقال عبد الله: امدد بصرك يا ابن أخي ما السواد الذي ترى؟ قال: فلان، قال: صدقت، قال: فما الخيال المسرف من خلفه؟ قال: لا أدري، قال عبد الله: يا ابن أخي فكما جعل الله لأبصار العيون حدا محدودا من دونها حجابا مستورا فكذلك جعل لأبصار القلوب غاية لا يجاوزها وحدودا لا يتعداها، قال: فرد الله عليه غارب عقله وانتهى عن المسألة عما\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٤٢١ - ٤٢٢/ ٣٤٥).","vol":"1","page":329},{"text":"لا يعنيه والنظر فيما لا ينفعه والتفكر فيما يحيره. (١)\n\" التعليق:\nقال ابن بطة عقبه: الله الله إخواني يا أهل القرآن ويا حملة الحديث، لا تنظروا فيما لا سبيل لعقولكم إليه ولا تسألوا عما لم يتقدمكم السلف الصالح من علمائكم إليه، ولا تكلفوا أنفسكم ما لا قوة بأبدانكم الضعيفة، ولا تنقروا ولا تبحثوا عن مصون الغيب ومكنون العلوم، فإن الله جعل للعقول غاية تنتهي إليها، ونهاية تقصر عندها، فما نطق به الكتاب وجاء به الأثر فقولوه، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه، ولا تحيطوا الأمور بحيط العشوا حنادس الظلماء بلا دليل هاد ولا ناقد بصير. أتراكم أرجح أحلاما وأوفر عقولا من الملائكة المقربين حين قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).\nإخواني: فمن كان بالله مؤمنا فليردد إلى الله العلم بغيوبه، وليجعل الحكم إليه في أمره، فيسلك العافية ويأخذ بالمندوحة الواسعة، ويلزم المحجة الواضحة والجادة السابلة والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به، والمخالفة إلى ما نهى عنه، يقع والله في بحور المنازعة وأمواج المجادلة، ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه والمخالفة لأمره والتعدي لحدوده. والعجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين، فإذا هو خصيم مبين،\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٤٢٢ - ٤٢٣/ ٣٤٦).\n(٢) البقرة الآية (٣٢).","vol":"1","page":330},{"text":"كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه؟! أما تعلمون أن الله قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلا الحق، فسبحان الله أنى تؤفكون!!\n- وفيها: عن عطاء عن ابن عباس قال: ما اجتمع رجلان يختصمان فافترقا حتى يفتريا على الله ﷿. (١)\n- وفيها: عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب. (٢)\n- وفيها: عن ابن عباس أنه كان يتمثل بهذا البيت:\nفما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف (٣)\n- وفيها أيضا: عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤): فالمحكمات ناسخه وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زيغٌ﴾ من أهل الشك، فيحملون المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم، ويلبسون فلبس الله عليهم. فأما المؤمنون فيقولون: ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥١٩/ ٦١٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٢١/ ٦١٩) والشريعة (١/ ١٩٦/١٣٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ٤/٥٧٤/ ٧٢١).\n(٤) آل عمران الآية (٧).","vol":"1","page":331},{"text":"مِنْ عند ربنا﴾ محكمه ومتشابهه. (١)\n- ونقل الخطيب عن سليمان بن علي: أخبرنا أبو الجوزاء غير مرة، قال: سألت ابن عباس عن الصرف، فقال: يدا بيد لا بأس به، ثم حججت مرة أخرى، والشيخ حي، فأتيته فسألته عن الصرف قال: وزنا بوزن، قلت له: إنك كنت أفتيتني اثنين بواحد، فلم أزل أفتي به منذ أفتيتني، قال: كان ذلك عن رأي، وهذا أبو سعيد الخدري يحدث عن النبي - ﷺ -، فتركت رأيي لحديث رسول الله - ﷺ -. (٢)\n- ونقل الخطيب: عن ابن عبد الله العدوي قال: سئل لاحق بن حميد أبو مجلز، وأنا شاهد عن الصرف، فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره، حتى لقيه أبو سعيد الخدري، فقال له: يا ابن عباس ألا تتقي الله حتى متى توكل الناس الربا؟ .. أما بلغك أن رسول الله - ﷺ -، قال ذات يوم وهو عند أم سلمة زوجته: إني أشتهي تمر عجوة، وأنها بعثت بصاعين من تمر عتيق إلى منزل رجل من الأنصار، فأوتيت بدلهما تمر عجوة، فقدمته إلى رسول الله - ﷺ - فأعجبه، فتناول تمرة ثم أمسك فقال: من أين لكم هذا؟ قالت: بعثت بصاعين من تمر عتيق إلى منزل فلان، فأتينا بدلهما من هذا الصاع الواحد، فألقى التمرة من يده، وقال: ردوه ردوه، لا حاجة فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد مثلا بمثل ليس فيه زيادة ولا نقصان، فمن زاد أو نقص فقد\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٦٠٥ - ٦٠٦/ ٧٨١).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩) والمسند (٣/ ٥١) والكفاية (ص.٢٨).","vol":"1","page":332},{"text":"أربى، فكل ما يكال أو يوزن. فقال: ذكرتني يا أبا سعيد أمرا نسيته، أستغفر الله وأتوب إليه، وكان ينهى بعد ذلك يعني: عنه أشد النهي. (١)\n- ونقل أيضا: عن ابن عباس قال: تمتع النبي - ﷺ -، فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عباس: ما يقول عُرَيّة يريد؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. قال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي - ﷺ -، ويقولون: نهى أبو بكر وعمر. (٢)\n- وجاء في شرح السنة: قال ابن عباس: أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا: قال رسول الله - ﷺ -، وقال فلان. (٣)\n- وفي الفقيه والمتفقه: عن ابن عباس: قال: من أحدث رأيا ليس في كتاب الله، ولم تمض به سنة رسول الله - ﷺ -؛ لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله ﷿. (٤)\n- وفيه: قال الأوزاعي: خاصم نفر من أهل الأهواء علي بن أبي طالب، فقال له ابن عباس: يا أبا الحسن: إن القرآن ذلول حمول ذو وجوه، تقول ويقولون، خاصمهم بالسنة، فإنهم لا يستطيعون أن يكذبوا على السنة. (٥)\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢ - ٤٣) وفيه ذكر القصة، وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة\". ورواه أيضا ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٢٥).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٧٧) وجامع بيان العلم (٢/ ١٢١٠) وهو في المسند أيضا (١/ ٣٣٧).\n(٣) شرح السنة (١/ ٢١٤).\n(٤) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٥٨) وذم الكلام (ص.٨٧). وهو في إعلام الموقعين (١/ ٥٨) وفي الاعتصام (١/ ١٣٥).\n(٥) الفقيه والمتفقه (١/ ٥٦٠).","vol":"1","page":333},{"text":"- وجاء في ذم الكلام: عن عبيد بن سعد قال: خرج ابن عباس على رجلين يمتريان في آية فقال: ما امترى رجلان في آية إلا جحدها أحدهما. (١)\n- وفيه: عن ابن عباس قال: آفة الرأي الهوى. (٢)\n- وجاء في الشريعة عنه أيضا: أنه بلغه عن مجلس في ناحية بني سهم فيه شباب من قريش يختصمون، ويرتفع أصواتهم. فقال ابن عباس لوهب بن منبه: انطلق بنا إليهم. قال: فانطلقنا حتى وقفنا عليهم، فقال ابن عباس لوهب بن منبه: أخبر القوم عن كلام الفتى الذي كلم به أيوب ﵇ وهو في بلائه. فقال وهب: قال الفتى: لقد كان في عظمة الله ﷿، وذكر الموت، ما يكل لسانك، ويقطع قلبك، ويكسر حجتك؟ أفلم تعلم يا أيوب: أن لله عبادا، أسكتتهم خشية الله من غير عي ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء الطلقاء، العالمون بالله وأيامه، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله تعالى تقطعت قلوبهم، وكلت ألسنتهم، وكلت أحلامهم فرقا من الله تعالى وهيبة له، حتى إذا استفاقوا من ذلك ابتدروا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكية، لا يستكثرون لله الكثير، ولا يرضون له بالقليل، ناحلون ذائبون، يراهم الجاهل فيقول: مرضى، وقد خولطوا، وقد خالط القوم أمر عظيم. (٣)\n- وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا للمتقين إِمَامًا﴾ (٤): أئمة\n_________\n(١) ذم الكلام (٢/ ٨٩/١٨١).\n(٢) ذم الكلام (٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧/ ٣٧٥).\n(٣) الشريعة (١/ ١٩٤/١٣٦).\n(٤) الفرقان الآية (٧٤).","vol":"1","page":334},{"text":"التقوى ولأهله يقتدى بنا. (١) رواه ابن جرير وفي رواية ابن أبي حاتم: أئمة هدى ليهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة. (٢)\n- وجاء في أعلام الموقعين: قال ابن عباس: إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، فمن قال بعد ذلك برأيه فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته.\n- وقال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. (٣)\n- وعن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: وكيف ذاك يا أبا العباس؟ قال: يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع الحديث عن النبي - ﷺ - فيدع ما كان عليه، وفي لفظ: فيلقى من هو أعلم برسول الله - ﷺ - منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم. (٤)\n- وجاء في مقدمة مسلم: عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال: إنما كنا نحفظ الحديث، والحديث يحفظ عن رسول الله - ﷺ -، فأما إذ ركبتم كل صعب وذلول؛ فهيهات. (٥)\n- وفيها: عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس. فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله - ﷺ -، قال رسول الله - ﷺ -، فجعل ابن عباس لا\n_________\n(١) ابن جرير (١٩/ ٥٣).\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٤٢/١٥٤٨٧).\n(٣) إعلام الموقعين (١/ ٥٨و٥٩).\n(٤) الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٧ - ٢٨) والمدخل للبيهقي (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩/ ٨٣٥و٨٣٦) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨٤) وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ١٩٣).\n(٥) مقدمة مسلم (١/ ١٣) وابن ماجه (٢٧).","vol":"1","page":335},{"text":"يأذن لحديثه ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس! مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله - ﷺ - ولا تسمع. فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله - ﷺ - ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول؛ لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. (١)\n- وجاء في السنة لعبد الله: عن عطاء عن ابن عباس قال: لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم. (٢)\n- وفي السنة للخلال: وعنه ﵁ قال: من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>موقفه من المشركين:</span>\n- عن الزهري أخبرني عبد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس قال: يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم - ﷺ - أحدث الأخبار بالله، محضا لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمنا قليلا. أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم. (٤)\n_________\n(١) مقدمة مسلم (١/ ١٣).\n(٢) السنة لعبد الله (٢٢) وذم الكلام (ص.٦٤).\n(٣) السنة للخلال (١/ ٨٧/٢٢).\n(٤) البخاري (١٣/ ٦٠٧/٧٥٢٣).","vol":"1","page":336},{"text":"- وقال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر. (١)\n- عن ابن عباس ﵄: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن ابن أبي مليكة أن ذكوان أبا عمرو حدثه قال: جاء ابن عباس ﵄ يستأذن على عائشة، وهي في الموت. قال: فجئت وعند رأسها عبد الله ابن أخيها عبد الرحمن، فقلت: هذا ابن عباس يستأذن. قالت: دعني من ابن عباس، لا حاجة لي به، ولا بتزكيته. فقال عبد الله: يا أمه، إن ابن عباس من صالحي بنيك، يودعك ويسلم عليك.\nقالت: فائذن له إن شئت. قال: فجاء ابن عباس، فلما قعد، قال: أبشري، فوالله ما بينك وبين أن تفارقي كل نصب، وتلقي محمدا - ﷺ - والأحبة، إلا أن تفارق روحك جسدك.\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (١٠٨).\n(٢) البخاري (٨/ ٨٦٢/٤٩٢٠).","vol":"1","page":337},{"text":"قالت: إيها، يا ابن عباس، قال: كنت أحب نساء رسول الله - ﷺ - ... -يعني: إليه- ولم يكن يحب إلا طيبا، سقطت قلادتك ليلة الأبواء، وأصبح رسول الله - ﷺ - ليلقطها، فأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (١). فكان ذلك من سببك، وما أنزل الله بهذه الأمة من الرخصة. ثم أنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سماوات، فأصبح ليس مسجد من مساجد يذكر فيها الله إلا براءتك تتلى فيه آناء الليل والنهار. قالت: دعني عنك يا ابن عباس، فوالله لوددت أني كنت نسيا منسيا. (٢)\n- وعن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عباس: أوصني، قال: إياك والنجوم، فإنها تدعو إلى الكهانة، ولا تسبن أحدا من أصحاب نبيك - ﷺ -، وإذا حضرت الصلاة فلا تؤخرها. (٣)\n- وعن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: أتيت ابن عباس فقال لي: ألا أعجبك؟ قلت: وما ذاك؛ قال: إني في المنزل قد أخذت مضجعي للقيلولة فجاءني الغلام فقال: بالباب رجل يستأذن، فقلت: ما جاء في هذه الساعة إلا وله حاجة؛ أدخله، فدخل فقلت: ما حاجتك؟ قال: متى يبعث ذاك الرجل؟ قلت: أي رجل؟ قال: علي بن أبي طالب، قلت: لا يبعث حتى يبعث من في القبور؛ قال: ألا أراك تقول كما يقول هؤلاء الحمقاء؟! قال: قلت: أخرجوا\n_________\n(١) النساء الآية (٤٣).\n(٢) أحمد (١/ ٢٢٠و٢٧٦و٣٤٩) والبخاري (٨/ ٦١٨ - ٦١٩/ ٤٧٥٢).\n(٣) الشريعة (٣/ ٥٥٠/٢٠٥٥).","vol":"1","page":338},{"text":"هذا عني لا يدخل علي هو ولا ضربه من الناس. (١)\n- عن ابن عباس أنه كان يقول: كلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعة هلكة. (٢)\n- وفي الصحيح عن ابن أبي مليكة: قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه. (٣)\n- وأخرج اللالكائي بسنده إلى مجاهد عن ابن عباس قال: لا تسبوا أصحاب محمد - ﷺ - فإن الله ﷿ قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون. (٤)\n- وبسنده إلى ميمون بن مهران قال: قال لي ابن عباس: يا ميمون، لا تسب السلف، وادخل الجنة بسلام. (٥)\n- وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن: ﴿يسألونك عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٦) ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ (٧) ﴿يسألونك عن اليتامى﴾ (٨) ﴿ويسألونك عن\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٥٦١/٢٠٧٢).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٦٨).\n(٣) البخاري (٧/ ١٣٠/٣٧٦٥).\n(٤) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٤/٢٣٥٣) وفي الشريعة (٣/ ٥٤٠/٢٠٣٣).\n(٥) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٥/٢٣٥٥).\n(٦) البقرة الآية (٢١٧).\n(٧) البقرة الآية (٢١٩).\n(٨) البقرة الآية (٢٢٠).","vol":"1","page":339},{"text":"المحيض﴾ (١) ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الفتاوى الكبرى لابن تيمية: قال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا ابن صالح بن جابر الأنماطي، حدثنا علي بن عاصم عن عمران بن حدير عن عكرمة قال: كان ابن عباس في جنازة، فلما وضع الميت في لحده، قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له. فوثب إليه ابن عباس فقال: مه؟ القرآن منه. زاد الصهيبي في حديثه فقال ابن عباس: القرآن كلام الله وليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود. (٣)\n- وفي الإبانة عنه في قول الله ﷿: ﴿قُرْآَنًا عربيًا غير ذي عِوَجٍ﴾ (٤)؛ قال: غير مخلوق. (٥)\n- وقال ابن عباس: لولا أن يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله. (٦)\n- وعنه قال: إن الكرسي الذي وسع السماوات والأرض لموضع\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٢٢).\n(٢) سنن الدارمي (١/ ٥١) والطبراني في الكبير (١١/ ٤٥٤/١٢٢٨٨) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٦٢) والإبانة (١/ ٢/٣٩٨/ ٢٩٦).\n(٣) الفتاوى الكبرى (٥/ ٥٦) وهو في الإبانة (١/ ١٢/٢٧٠ - ٢٧١/ ٤٠).\n(٤) الزمر الآية (٢٨).\n(٥) الإبانة (١/ ١٢/٢٨٩/ ٥٧) والشريعة (١/ ٢١٧ - ٢١٨/ ١٧٢) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٤٢/٣٥٥) وشرح السنة للبغوي (١/ ١٨٣).\n(٦) مقدمة شرح السنة للبغوي (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":340},{"text":"قدميه، وما يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه، وإن السماوات في خلق الرحمن مثل قبة في صحراء. (١)\n- عن ابن عباس ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) قال: عالم بكم أينما كنتم. (٣)\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه في قوله ﷿: ﴿تجري بأعيننا﴾ (٤) قال: أشار بيده إلى عينيه. (٥)\n- وفيه عنه قال: إن الله يمهل في شهر رمضان كل ليلة إذا ذهب الثلث الأول من الليل هبط إلى سماء الدنيا ثم قال هل من سائل فيعطى؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من تائب فيتاب عليه. (٦)\n- وفيه عنه في قوله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ﴾ قال: حسنها. ﴿إلى ربها نَاظِرَةٌ﴾ قال: نظرت إلى الخالق. (٨)\n- وفيه عنه قال: هل تنكرون أن تكون الخلة لإبراهيم؟ والكلام\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٧٩ - ٨٠).\n(٢) الحديد الآية (٤).\n(٣) السنة لعبد الله (٨١).\n(٤) القمر الآية (١٤).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٥٦/٦٩١).\n(٦) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٩٨/٧٦٦).\n(٧) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٨) السنة لعبد الله (ص.٦٢) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥١٤/٧٩٩) والشريعة (٢/ ١١ - ١٢/ ٦٢٥)","vol":"1","page":341},{"text":"لموسى؟ والرؤية لمحمد - ﷺ -؟ (١)\n- وقيل لابن عباس: بماذا عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس، لم يزل دهره في التباس، خارجا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، عرفته بما عرف به نفسه، ووصفته بما وصف به نفسه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>موقفه من الخوارج:</span>\nمناظرته لهم:\nعن أبي زميل سماك الحنفي عن ابن عباس قال: لما اجتمعت الحرورية يخرجون على علي قال: جعل يأتيه الرجل يقول يا أمير المؤمنين، القوم خارجون عليك، قال: دعهم حتى يخرجوا، فلما كان ذات يوم قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة، فلا تفتني حتى آتي القوم. قال: فدخلت عليهم وهم قائلون، فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر قد أثر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفن الإبل، عليهم قمص مرحضة (٣). فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس، وما هذه الحلة عليك؟ قال: قلت: ما تعيبون من هذه، فلقد رأيت على رسول الله - ﷺ - أحسن ما يكون من ثياب اليمنية. قال: ثم قرأت هذه الآية ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٤) فقالوا: ما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أصحاب رسول الله - ﷺ - وليس\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٠ - ٥٥١/ ٨٦١) والشريعة (٢/ ٨٧ - ٨٨/ ٧٣٠).\n(٢) الفتاوى (٢/ ١٨).\n(٣) أي مغسولة. النهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٠٨).\n(٤) الأعراف الآية (٣٢).","vol":"1","page":342},{"text":"فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله - ﷺ -، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم. فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا، فإن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١) فقال بعضهم: بلى فلنكلمنه. قال: فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة قال: قلت: ماذا نقمتم عليه؟ قالوا: ثلاثا، فقلت: ما هن؟ قالوا: حكم الرجال في أمر الله، وقال الله ﷿: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلًّا لِلَّهِ﴾ (٢)\nقال: قلت هذه واحدة وماذا أيضا؟ قالوا: فإنه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين، ما حل قتالهم، ولئن كانوا كافرين، لقد حل قتالهم وسباهم. قال: قلت: وماذا أيضا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قال: قلت: أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، ما ينقض قولكم هذا، أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع؟ قلت: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله فإن الله ﷿ قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٤). فصير الله\n_________\n(١) الزخرف الآية (٥٨).\n(٢) الأنعام الآية (٥٧) ..\n(٣) المائدة الآية (٩٥).\n(٤) النساء الآية (٣٥).","vol":"1","page":343},{"text":"ذلك إلى حكم الرجال فنشدتكم الله، أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم، أفضل، أو في دم أرنب ثمن ربع درهم وفي بضع امرأة؟ قالوا: بلى، هذا أفضل. قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولكم قاتل فلم يسب ولم يغنم، أفتسبون أمكم عائشة ﵂؟! فان قلتم: نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم ترددون بين ضلالتين، أخرجت من هذه؟ قالوا: بلى، قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إن نبي الله - ﷺ - يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله - ﷺ -: أكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ...، فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله، ما قاتلناك.\nقال رسول الله - ﷺ -: اللهم إنك تعلم أنى رسولك، امح يا علي واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو (١). قال: فرجع منهم ألفان وبقي بقيتهم فخرجوا فقتلوا أجمعين. (٢)\n- وعن عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه ذكر عنده الخوارج وما يلقون عند تلاوة القرآن، فقال: ليسوا بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى ثم\n_________\n(١) حديث صلح الحديبية أخرجه: البخاري (٥/ ٣٨٠/٢٦٩٩) ومسلم (٣/ ١٤٠٩/١٧٨٣) وأبو داود (٢/ ٤١٥/١٨٣٢) مختصرا من حديث البراء بن عازب. وأخرجه: مسلم (٣/ ١٤١١/١٧٨٤) من حديث أنس بن مالك ﵄.\n(٢) جامع بيان العلم (٢/ ٩٦٢ - ٩٦٤) وهو في المصنف لعبد الرزاق (١٠/ ١٥٧ - ١٦٠/ ١٨٦٧٨) والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٢٥٧ - ٢٥٨/ ١٠٥٩٨) والمستدرك للحاكم (٢/ ١٥٠ - ١٥٢) والحلية لأبي نعيم (١/ ٣١٨ - ٣٢٠) وأخرج بعضه الإمام أحمد (١/ ٣٤٢ وغيرهم.","vol":"1","page":344},{"text":"هم يضلون (١).اهـ (٢)\n- وعن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: ذكر لابن عباس الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن، قال: يؤمنون بمحكمه، ويضلون عن متشابهه، وقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (٣).اهـ (٤)\n- وعن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ لَمْ يحكم بِمَا أنزل اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) قال: هي به كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. (٦)\n- روى البخاري في صحيحه في التفسير بسنده إلى المنهال عن سعيد قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يومئذٍ ولا يتساءلون﴾ (٧)، ﴿وأقبل بعضهم على\n_________\n(١) ورد في بعض النسخ 'يصلون' بالصاد المهملة، والصواب بالضاد المعجمة، وترجحه رواية الآجري في الشريعة (وهم على ضلالة).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٠٦/٢٣١٥) والشريعة (١/ ١٤٤/٤٨) والمصنف لابن أبي شيبة (٧/ ٥٥٦/٣٧٩٠١).\n(٣) آل عمران الآية (٧).\n(٤) الشريعة (١/ ١٤٤/٤٧) والمصنف لابن أبي شيبة (٧/ ٥٥٦/٣٧٩٠٢) وذم الكلام (٦٨).\n(٥) المائدة الآية (٤٤).\n(٦) الإبانة (٢/ ٦/٧٣٤/ ١٠٠٥).","vol":"1","page":345},{"text":"بعضٍ يتساءلون﴾ (١)، ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾ (٢) ﴿ربنا ما كنا مشركين﴾ (٣) فقد كتموا في هذه الآية. وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) -إلى قوله- دحاها﴾ (٤) فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ -إلى - طائعين﴾ (٥) فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء، وقال تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ ﴿عزيزًا حكيمًا﴾ ﴿سميعًا بصيرًا﴾ فكأنه كان ثم مضى، فقال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ (٦) في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور ﴿فَصَعِقَ مَنْ من السَّمَاوَاتِ وَمَنْ في الأرض إِلًّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٧) فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ثم في النفخة الآخرة ﴿أقبل بَعْضُهُمْ على بعضٍ يتساءلون﴾ (٨) وأما قوله: ﴿ما كنا مشركين﴾ (٩) ﴿ولا\n_________\n(١) المؤمنون الآية (١٠١).\n(٢) الصافات الآية (٢٧).\n(٣) النساء الآية (٤٢).\n(٤) الأنعام الآية (٢٣).\n(٥) النازعات الآيات (٢٧ - ٣٠).\n(٦) فصلت الآيات (٩ - ١١).\n(٧) المؤمنون الآية (١٠١).\n(٨) الزمر الآية (٦٨).\n(٩) الصافات الآية (٢٧).\n(١٠) الأنعام الآية (٢٣).","vol":"1","page":346},{"text":"يكتمون الله حديثًا﴾ (١) فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم. وقال المشركون: تعالوا نقول لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم.\nفعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده ﴿يود الذين كفروا﴾ الآية. (٢) وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله: ﴿دحاها﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ الأرض في يومين﴾ (٣) فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السماوات في يومين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غفورًا رحيمًا﴾ (٤) سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد. فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله. (٥)\nقال الحافظ عقبه: كان هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه. (٦)\n- وأورد ابن كثير في تفسيره من سورة النمل عند قوله تعالى:\n_________\n(١) النساء الآية (٤٢).\n(٢) النساء الآية (٤٢).\n(٣) فصلت الآية (٩).\n(٤) النساء الآية (١٠٠).\n(٥) (٨/ ٧١٣ - ٧١٤).\n(٦) فتح الباري (٨/ ٧١٦).","vol":"1","page":347},{"text":"﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ (١)، قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا، يدل سليمان ﵇ على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان -﵇- الجان فحفروا له ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان ﵇ بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، فَقَالَ ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (٢).\nحدث يوما عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج، يقال له (نافع بن الأزرق)، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا ابن عباس، غلبت اليوم، قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي. فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عباس، لما أجبته: فقال له: ويحك، إنه إذا نزل القدر عمى البصر، وذهب الحذر، فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدا. (٣)\n_________\n(١) النمل الآية (٢٠).\n(٢) النمل الآية (٢٠).\n(٣) تفسير ابن كثير (٦/ ١٩٥).","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: عن عكرمة عن ابن عباس قال: صنفان من هذه الأمة ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية. (١)\n- وفي الإبانة: عن مجاهد عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: الإيمان يزيد وينقص. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اتقوا الإرجاء، فإنها شعبة من النصرانية. (٣)\n- عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال لغلمانه: ومن أراد منكم الباءة زوجناه، لا يزني منكم زان إلا نزع منه الإيمان، فإن شاء أن يرده عليه رده، وإن شاء أن يمنعه منعه. (٤)\n- عن مورق العجلي عن ابن عباس قال: الحياء والإيمان يعني في قرن واحد، فإذا انتزع أحدهما من العبد اتبعه الآخر. (٥)\nقلت: ثبت في المرفوع: الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر. (٦)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٨٩) والإبانة (٢/ ٧/٨٨٨/ ١٢٣٢) والسنة للخلال (٤/ ١٣٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٨٤٥/١١٢٩) والشريعة (١/ ٢٦١/٢٣٨).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٩ - ١٠٦٠/ ١٨٠١).\n(٤) أصول الاعتقاد (٦/ ١٠٨٩/١٨٦٦) والإبانة (٢/ ٧١٥/٩٦٦) والشريعة (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧/ ٢٥٢) والإيمان لابن أبي شيبة (٩٤) والمصنف له (٦/ ١٦٣/٣٠٣٥٢) والسنة للخلال (٤/ ١٠٠/١٢٦٠).\n(٥) أصول الاعتقاد (٦/ ١٠٨٩ - ١٠٩٠/ ١٨٦٧).\n(٦) البخاري في الأدب المفرد (١٣١٣) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٩٧) والحاكم (١/ ٢٢) وقال: \"صحيح على شرطهما\" ووافقه الذهبي. عن ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>موقفه من القدرية:</span>\n- عن عبد الله بن الحارث قال: سمعت ابن عباس يقول: إن بني إسرائيل كانوا على شريعة ومنهاج ظاهرين على من ناوأهم حتى تنازعوا في القدر، فلما تنازعوا اختلفوا وتباغضوا وتلاعنوا واستحل بعضهم حرمات بعض، فسلط عليهم عدوهم فمزقهم كل ممزق. (١)\n- وعن عطاء بن أبي رباح: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: يا أبا العباس أرأيت من صدني عن الهدى، وأوردني الضلالة والردى، ألا تراه قد ظلمني؟ قال: إن كان الهدى كان شيئا لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وإن كان هو له يؤتيه من يشاء فلم يظلمك، قم لا تجالسني. (٢)\n- جاء في السنة لعبد الله عن يحيى بن سعيد: أن أبا الزبير أخبره أنه كان يطوف مع طاووس بالبيت. فمر بمعبد الجهني. فقال قائل لطاووس: هذا معبد الجهني، الذي يقول في القدر فعدل إليه طاووس حتى وقف عليه، فقال: أنت المفتري على الله القائل ما لا تعلم؟ قال معبد: يكذب علي. قال أبو الزبير: فعدلت مع طاووس حتى دخلنا على ابن عباس فقال له طاووس: يا أبا عباس، الذين يقولون في القدر؟ فقال ابن عباس: أروني بعضهم قال: قلنا: صانع ماذا؟ قال إذن أجعل يدي في رأسه ثم أدق عنقه. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٠/١١٣٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٢ - ٧٤٣/ ١٢٢٧). فتح البر (٢/ ٢٧٨).\n(٣) السنة (١٣٨ - ١٣٩) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٧/١٣٢٢) والإبانة (٢/ ٩/١٥٦/ ١٦١١) والشريعة (١/ ٤١٧/٤٩٢).","vol":"1","page":350},{"text":"\" التعليق:\nهذا هو الذي يثلج الصدر مع المبتدعة لا المداهنة والنفاق، ولا دعوى الاستفادة من المبتدعة فيما عندهم من العلوم الشرعية. والواقع أن الله تعالى أغنانا عن المبتدعة في كل الفنون والحمد لله رب العالمين.\n- عن عطاء قال: قال ابن عباس: لا أعرف أو لا أعلم الحق إلا في كلام قوم ألجؤوا ما غاب عنهم في الأمور إلى الله ﵎، وفوضوا أمورهم إلى الله، وعلموا أن كلا بقضاء الله وقدره. (١)\n- عن الأوزاعي أنه بلغه عن ابن عباس أنه ذكر عنده قولهم في القدر، فقال: ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرا كما أخرجوه من أن يكون قد قدر شرا. (٢)\n- عن ميمون بن مهران قال: قال لي ابن عباس: احفظ عني ثلاثا: إياك والنظر في النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة، وإياك والقدر فإنه يدعو إلى الزندقة، وإياك وشتم أحد من أصحاب محمد - ﷺ - فيكبك الله في النار على وجهك. (٣)\n\" التعليق:\nهذا النص المبارك فيه سد الذرائع الواردة عن الصحابة ﵃. فإن الاشتغال بالنجوم يؤدي إلى الكهانة وهي ضرب من أضراب الشرك بالله، والاشتغال بفلسفة القدرية يؤدي إلى الانسلاخ من الدين،\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧١/١٢٨٧) والإبانة (٢/ ٩/١٦٥/ ١٦٣٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٢/١٢٩١).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٠/١١٣٤).","vol":"1","page":351},{"text":"والاشتغال بالحروب والمخاصمات التي وقعت بين بعض الصحابة مع بعضهم مجتهدين في ذلك ومتأولين يكب في نار جهنم، ولا أرى من يشتغل بذلك إلا من كان من الروافض أوفيه شعبة منهم، فما نقرأه ونسمعه من سب معاوية ﵁ فمن هذا الباب والله المستعان. (١)\n- عن ابن عباس أنه سئل عن القدرية؛ فقال: هم شقة من النصرانية. (٢)\n- وعن عمرو بن دينار قال: ذكر القدرية عند ابن عباس؛ قال: إن كان في البيت أحد منهم؛ فأرونيه آخذ برأسه. (٣)\n- عن مجاهد قال: ذكر القدرية عند ابن عباس؛ فقال: لو رأيت أحدا منهم عضضت أنفه. (٤)\n- عن مجاهد قال: قيل لابن عباس: إن ناسا يقولون بالقدر. فقال: يكذبون بالكتاب، لئن أخذت بشعر أحدهم لأنضونه (٥). إن الله ﷿ كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه. (٦)\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن ابن عباس أن رجلا قدم علينا يكذب بالقدر. فقال: دلوني عليه -وهو يومئذ أعمى. فقالوا له: ما تصنع به؟ فقال:\n_________\n(١) راجع كتابنا من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية.\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٢٠/ ١٥٤٦).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٥٧/ ١٦١٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ٩/١٥٧/ ١٦١٣).\n(٥) لأقطعنه.\n(٦) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٣٩/٦٦٠) والإبانة (١/ ٨/٣٣٨/ ١٣٧١) والشريعة (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠/ ٣٨٩).","vol":"1","page":352},{"text":"والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته بيدي لأدقنها، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطك ألياتهن مشركات، وهذا أول شرك في الإسلام، والذي نفسي بيده لا ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يقدر الخير كما أخرجوه من أن يقدر الشر\" (١).اهـ (٢)\n- وفي الإبانة: عن مجاهد قال: أتيت ابن عباس برجل من هذه المفوضة فقلت: يا ابن عباس. هذا رجل يكلمك في القدر، قال: أدنه مني، فقلت: هو ذا هو، فقال: أدنه فقلت: هو ذا هو، تريد أن تقتله؟ قال: إي والذي نفسي بيده؛ لو أدنيته مني لوضعت يدي في عنقه؛ فلم يفارقني حتى أدقها. (٣)\n- وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه: أن رجلا قال لابن عباس: إن ناسا يقولون: إن الشر ليس بقدر، فقال ابن عباس: فبيننا وبين أهل القدر هذه الآية: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا - حتى- فَلَوْ شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ (٤) والعجز والكيس بقدر. (٥)\n_________\n(١) أحمد (١/ ٣٣٠) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٩/٧٩) وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٠٤) وقال: \"رواه أحمد من طريقين وفيهما أحمد بن عبيد المكي -الصواب: محمد بن عبيد- وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم، وفي إحداهما رجل لم يسم. وسماه في الأخرى العلاء بن الحجاج ضعفه الأزدي، وقال في المسند إن محمد بن عبيد سمع ابن عباس\" اهـ.\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٩١/١١١٦).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٥٧ - ١٥٨/ ١٦١٥).\n(٤) الأنعام الآيتان (١٤٨و١٤٩).\n(٥) المصنف (٢٠٠٧٣) والإبانة (١/ ٨/٢٧٨/ ١٢٩٤) وأصول الاعتقاد (٣/ ٦٠٧/٩٧٠) والشريعة (١/ ٤١٥/٤٨٨).","vol":"1","page":353},{"text":"- وفي الإبانة: عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿يحول بين الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (١)؛ قال: يحول بين المؤمن وبين المعاصي، وبين الكافر وبين الإيمان. (٢)\n- وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ على عِلْمٍ﴾ (٣)؛ قال: أضله الله في سابق علمه. (٤)\n- قال ابن القيم: فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلال. (٥)\n- وفي الإبانة: عن دميم بن سماك سمع أباه يحدث، ولقي ابن عباس بالمدينة قال: جاء عبد الله بن عباس في ثلاثة نفر يتماشون؛ فقالوا: هي يا ابن عباس؛ حدثنا عن القدر، قال: فأدرج كم قميصه حتى بدا منكبه ثم قال: لعلكم تتكلمون فيه؟ قالوا: لا، قال: والذي نفسي بيده؛ لو علمت أنكم تتكلمون فيه لضربتكم بسيفي هذا ما استمسك في يدي. (٦)\n- وفيها: عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس فقلت له: قد تكلم في القدر؛ فقال: وقد فعلوا ذلك؟ قلت: نعم، قال: والله ما نزلت هذه\n_________\n(١) الأنفال الآية (٢٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٥٩/ ١٦٢٠).\n(٣) الجاثية الآية (٢٣).\n(٤) تفسير الطبري (٢٥/ ١٥١) والإبانة (٢/ ٩/١٦٠/ ١٦٢٢) وأصول الاعتقاد (٣/ ٦٢٥/١٠٠٣).\n(٥) شفاء العليل (١/ ٩٤).\n(٦) الإبانة (٢/ ٩/١٦١/ ١٦٢٦).","vol":"1","page":354},{"text":"الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١)، أولئك شرار هذه الأمة؛ لا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا موتاهم، إن أريتني أحدا منهم فقأت عينه بأصبعي هاتين. (٢)\n- وفيها: عن طاووس قال: كنا جلوسا عند ابن عباس، وعنده رجل من أهل القدر؛ فقلت: يا أبا عباس. كيف تقول فيمن يقول لا قدر؟ قال: أفي القوم أحد منهم؟ قلت: ولم؟ قال: آخذ برأسه ثم أقرأ عليه آية كيت، وآية كيت، حتى قرأ آيات من القرآن، حتى تمنيت أن يكون كل من تكلم في القدر شهده، فكان فيما قرأ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٣). اهـ (٤)\n- وفيها: عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (٥)؛ يقول شاكا كأنما يصعد في السماء؛ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء؛ فكذلك لا يقدر على أن يدخل التوحيد\n_________\n(١) القمر الآيتان (٤٨و٤٩).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٦٢/ ١٦٢٨) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٩٧/٩٤٨).\n(٣) الإسراء الآية (٤).\n(٤) الإبانة (٢/ ٩/١٦٢ - ١٦٣/ ١٦٣٠) والشريعة (١/ ٤١٧/٤٩٣) والسنة لعبد الله (١٤١).\n(٥) الأنعام الآية (١٢٥).","vol":"1","page":355},{"text":"والإيمان قلبه، حتى يدخله الله ﷿ في قلبه. (١)\n- وفيها: عن ابن عباس قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢)، قال: خلق الله ﷿ آدم فأخذ ميثاقه أنه ربه، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر؛ فأخذ مواثيقهم أنه ربهم وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم. (٣)\n- وفيها: عن ابن عباس قال: ما في الأرض قوم أبغض إلي من قوم من القدرية، يأتونني يخاصمونني، وذاك أنهم أحسب لا يعلمون قدرة الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٤). اهـ (٥)\n- وفيها: عن ابن عباس ﴿يعلم السر وأخفى﴾ (٦)؛ قال: السر: ما أسر في نفسه، وأخفى: ما لم يكن وهو كائن. (٧)\n- وفيها: عن ابن عباس قال: ما تكلم أحد في القدر إلا خرج من الإيمان. (٨)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/١٦٣/ ١٦٣١).\n(٢) الأعراف الآية (١٧٢).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٦٤/ ١٦٣٤).\n(٤) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٥) الإبانة (٢/ ٩/١٦٤ - ١٦٥/ ١٦٣٧) والسنة لعبد الله (١٣٩) والشريعة (١/ ٤١٦/٤٩١).\n(٦) طه الآية (٧).\n(٧) الإبانة (٢/ ٩/١٦٥/ ١٦٣٨).\n(٨) الإبانة (٢/ ٩/١٦٦/ ١٦٤١) والشريعة (١/ ٤١٤/٤٨٦).","vol":"1","page":356},{"text":"- وفيها عنه: أنه قرأ: ﴿وَحَرَامٌ على قريةٍ﴾ (١) قال: وجب عليهم أنهم لا يرجعون، لا يرجع منهم راجع، ولا يتوب منهم تائب. (٢)\n- وفيها: عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عباس فقال: يا أبا عباس. أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله، وإياك وذكر أصحاب النبي - ﷺ - فإنك لا تدري ما سبق لهم من الفضل، وإياك وعمل النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنها تدعو إلى كهانة، وإياك ومجالسة الذين يكذبون بالقدر، ومن أحب أن تستجاب دعوته، وأن يزكى عمله ويقبل منه؛ فليصدق حديثه، وليؤد أمانته، وليسلم صدره للمسلمين. (٣)\n- وفيها: عن أبي الخليل قال: كنا نتحدث عن القدر؛ فوقف علينا ابن عباس، فقال: إنكم قد أفضتم في أمر لن تدركوا غوره. (٤)\n- وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عليه بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلًّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٥) يقول: ما أنتم بفاتنين على أوثانكم أحدا إلا من قد سبق له أنه صال الجحيم. (٦)\n- وعن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿قد أفلح من زكاها (٩) وقد\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٩٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٦٦/ ١٦٤١).\n(٣) الإبانة (٢/ ١١/٣١٠/ ١٩٨٧).\n(٤) الإبانة (٢/ ١١/٣١٠/ ١٩٨٨).\n(٥) الصافات الآيتان (١٦٢و١٦٣).\n(٦) تفسير الطبري (٢٣/ ١٠٩) وبنحوه في الإبانة (١/ ٨/٢٧٢/ ١٢٨٥) وأصول الاعتقاد (٣/ ٦٢٥/١٠٠٤).","vol":"1","page":357},{"text":"خَابَ مَنْ دساها﴾ (١) يقول: قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه فأضلها. (٢)\n- وعن ابن عباس في قوله: ﴿وهديناه النجدين﴾ (٣) قال: الخير والشر. (٤)\n- وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (٥) قال: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٦) ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا. (٧)\n- وفي أصول الاعتقاد عن ابن عباس في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٨) يعني قال: من كان كافرا ضالا فهديناه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نورًا\n_________\n(١) الشمس الآيتان (٩و١٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٠١/٩٥٥).\n(٣) البلد الآية (١٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٠٢/٩٥٧).\n(٥) الأعراف الآيتان (٢٩و٣٠).\n(٦) التغابن الآية (٢).\n(٧) تفسير الطبري (٨/ ١٥٦) وأصول الاعتقاد (٣/ ٦٠٣/٩٦١) والإبانة (١/ ٨/٢٧٧/ ١٢٩٢) والشريعة (١/ ٣٣٢/٣٥٥).\n(٨) الأنعام الآية (١٢٢).","vol":"1","page":358},{"text":"يمشي به في الناس﴾ يعني بالنور: القرآن من صدق به وعمل به، كمن مثله في الظلمات والكفر والضلالة. (١)\n- وفيه أيضا: عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يديه وَمِنْ خَلْفِهِ يحفظونه مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢) قال: فإذا جاء القدر خلوا عنه. (٣)\n- وفيه: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٤) قال: فريقين: فريقا يرحم فلا يختلف، وفريقا لا يرحم فيختلف، فمنهم شقي وسعيد. (٥)\n- وفيه عن ابن عباس: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٦) يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها. (٧)\n- وفيه: عن ابن عباس قال: ﴿تَبَّتْ يدا أبي لَهَبٍ﴾ (٨) بما جرى من\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٠٤/٩٦٢).\n(٢) الرعد الآية (١١).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٠٤/٩٦٣).\n(٤) هود الآيتان (١١٨و١١٩).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٠٥/٩٦٦).\n(٦) النساء الآية (٧٨).\n(٧) أصول الاعتقاد (٣/ ٦١٠ - ٦١١/ ٩٧٦).\n(٨) المسد الآية (١).","vol":"1","page":359},{"text":"القلم في اللوح المحفوظ. (١)\n- وفيه: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (٢) يقول: ما كان الله ليعذب أقواما وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم. ثم قال: ﴿وَمَا كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ يقول: ومن قد سبق له من الله الدخول في الإيمان وهو الاستغفار. ويقول للكافر: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٣) فميز أهل السعادة من أهل الشقا. فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ ألا يعذبهم الله﴾ (٤) فعذبهم الله يوم بدر بالسيف. (٥)\n- وفيه عن ابن عباس: ﴿فَبِمَا أغويتني﴾ قال: أضللتني. (٧)\n- وفيه عن ابن عباس: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حسرتى على ما فرطت في جَنْبِ اللَّهِ﴾ ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أن الله هداني لَكُنْتُ مِنَ المتقين﴾ أو\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٦١٤ - ٦١٥/ ٩٨٦).\n(٢) الأنفال الآية (٣٣).\n(٣) آل عمران الآية (١٧٩).\n(٤) الأنفال الآية (٣٤).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٦١٥/٩٨٧).\n(٦) الأعراف الآية (١٦).\n(٧) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٢٤/١٠٠٢).","vol":"1","page":360},{"text":"تقول: ﴿لو أن لي كرةً فأكون مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) من المهتدين. فأخبر الله سبحانه: أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى ﴿وَلَوْ ردوا لعادوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لكاذبون﴾ (٢) قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أفئدتهم وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يؤمنوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٣). قال: لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة. (٤)\n- وفيه: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يرد اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ من اللَّهِ شئيًا﴾ يقول الله: من يرد الله ضلالته لم تغن عنه شيئا. (٦)\n- وفيه: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلًّا ليعبدون﴾ (٧) قال: ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي، ومن شقوتي وسعادتي. (٨)\n- وفيه: عن ابن عباس في هذه الآية ﴿إِنَّا كُنَّا نستنسخ مَا كُنْتُمْ\n_________\n(١) الزمر الآيات (٥٦ - ٥٨).\n(٢) الأنعام الآية (٢٨).\n(٣) الأنعام الآية (١١٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٢٧ - ٦٢٨/ ١٠١٠).\n(٥) المائدة الآية (٤١).\n(٦) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٣٠/١٠١٥).\n(٧) الذاريات الآية (٥٦).\n(٨) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٣٣/١٠١٨).","vol":"1","page":361},{"text":"تَعْمَلُونَ﴾ (١) قال: كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة، قال: والملائكة يستنسخون ما يعمل بنو آدم يوما بيوم، فذلك قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نستنسخ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. (٢)\n- وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بقدرٍ﴾ (٣) قال: خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر بقدر، فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاء، بئس الشر الشقاء. (٤)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن ابن عباس قال: باب شرك فتح على أهل الصلاة، التكذيب بالقدر، فلا تجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم. (٥)\n- وفيه عن أبي رجاء قال: سمعت ابن عباس وهو يخطب على المنبر بالبصرة يقول: لا يزال أمر هذه الأمة مقاربا أو قواما ما لم ينظروا في الولدان والقدر - أو حتى ينظروا في الولدان والقدر. (٦)\n- وفيه عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: كلام القدرية كفر، وكلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعة هلكة. (٧)\n_________\n(١) الجاثية الآية (٢٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٩٥/٩٤٤).\n(٣) القمر الآية (٤٩).\n(٤) الطبري (٢٧/ ١١١) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٩٧/٩٤٩) بنحوه.\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٩٦ - ٦٩٧/ ١١٢٦) ووالإبانة (٢/ ٩/١٦٠/ ١٦٢٣) والشريعة (١/ ٤٢٠/٤٩٨).\n(٦) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٩٧/١١٢٧).\n(٧) أصول الاعتقاد (٤/ ٧١٣/١١٦٥).","vol":"1","page":362},{"text":"- وفيه عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) قال: هم الكفار الذين خلقهم الله للنار وخلق النار لهم، فزالت عنهم الدنيا وحرمت عليهم الجنة، قال الله: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وفيه: عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) وقوله:\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ على الهدى﴾ (٥) وقوله: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حَرَجًا﴾ (٦) وقوله: ﴿مَا كَانُوا ليؤمنوا إلا أن يشاء اللَّهُ (٧) وقوله: ﴿وما كان لنفسٍ أن تؤمن إلا بإذن الله﴾ (٨) وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هداها﴾ (٩) وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ ربك\n_________\n(١) الزمر الآية (١٥).\n(٢) الحج الآية (١١).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٣٧/١٠٢٢) وتفسير الطبري (٢٣/ ٢٠٥).\n(٤) البقرة الآية (٦).\n(٥) الأنعام الآية (٣٥).\n(٦) الأنعام الآية (١٢٥).\n(٧) الأنعام الآية (١١١).\n(٨) يونس الآية (١٠٠).\n(٩) السجدة الآية (١٣).","vol":"1","page":363},{"text":"لَآَمَنَ مَنْ في الأرض كُلُّهُمْ جميعًا﴾ (١) وقوله: ﴿جَعَلْنَا في أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ (٢) وقوله: ﴿مَنْ أغفلنا قَلْبَهُ عَنْ ذكرنا﴾ (٣) وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شقيٌّ وسعيدٌ﴾ (٤) ونحو هذا من القرآن. وأن رسول الله - ﷺ - كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول. (٥)\n- وفيه عن ابن عباس قال: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نَقْضًا للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر كان العروة الوثقى لا انفصام لها. (٦)\n- عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الهدهد يدل سليمان على الماء. فقلت له كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ عليه التراب؟ فقال: أَعَضَّكَ اللهُ بِهَنِ أَبِيكَ ألم يكن إذا جاء القضاء ذهب البصر. (٧)\n- وفيه عن عكرمة قال: كنت حاضرا عند عبد الله بن عباس فجاءه\n_________\n(١) يونس الآية (٩٩).\n(٢) يس الآية (٨).\n(٣) الكهف الآية (٢٨).\n(٤) هود الآية (١٠٥).\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٣٧ - ٦٣٨/ ١٠٢٤).\n(٦) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٢/١٢٢٤) والإبانة (٢/ ٩/١٥٩/ ١٦١٩) والشريعة (١/ ٤١٨ - ٤١٩/ ٤٩٦) وفي السنة لعبد الله (١٤١).\n(٧) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٣/١٢٢٨).","vol":"1","page":364},{"text":"رجل فقال: يا أبا عباس، أخبرني من القدرية؟ فإن الناس قد اختلفوا عندنا بالمشرق. فقال ابن عباس: القدرية قوم يكونون في آخر الزمان دينهم الكلام، يقولون إن الله لم يقدر المعاصي على خلقه، وهو معذبهم على ما قدر عليهم، فأولئك هم القدرية هم مجوس هذه الأمة، وأولئك ملعونون على لسان النبيين أجمعين، فلا تقاولوهم فيفتنوكم، ولا تجالسوهم، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، أولئك أتباع الدجال، لخروج الدجال أشهى إليهم من الماء البارد. فقال الرجل: يا أبا عباس لا تجد علي فإني سائل مبتلى بهم. قال: قل. قال: كيف صار في هذه الأمة مجوس وهذه الأمة مرحومة؟ قال: أخبرك لعل الله ينفعك. قال: افعل. قال: إن المجوس زعمت أن الله لم يخلق شيئا من الهوام والقذر، ولم يخلق شيئا يضر، وإنما يخلق المنافع وكل شيء حسن، وإنما القدر هو الشر، والشر كله خلق إبليس وفعله. وقالت القدرية: إن الله أراد من العباد أمرا لم يكن، وأخرجوه عن ملكه وقدرته، وأراد إبليس من العباد أمرا وكان. إبليس عند القدرية أقوى وأعز. فهؤلاء القدرية، وكذبوا أعداء الله. إن الله يبتلي ويعذب على ما ابتلى وهو غير ظالم لا يسأل عما يفعل، ويمن ويثيب على منه إياهم وهو فعال لما يريد، ولكنهم أعداء الله ظنوا ظنا فحققوا ظنهم عند أنفسهم وقالوا: نحن العاملون والمثابون والمعذبون بأعمالنا ليس لأحد علينا منة، وذهب عليهم أن المن من الله وأصابهم الخذلان. قال سويد بن سعيد: لا إله إلا الله ما أوحشه من قول. وإن الله هو الهادي والمضل الراحم المعذب.\nفقال الرجل: الحمد لله الذي مَن بك علي يا أبا عباس، وفقك الله، نصرك الله، أعزك الله. أما والله لقد كنت من أشدهم قولا أدين الله به، وقد استبان لي","vol":"1","page":365},{"text":"قول الضياء. فأنا أشهد الله وأشهدكم أني تايب إلى الله وراجع مما كنت أقوله، وقد أيقنت أن الخير من الله، وأن المعاصي من الله يبتلي بها من يشاء من عباده، ولا مقدر إلا الله ولا هادي ولا مضل غيره. قال عكرمة: فما زال الرجل عندنا باكيا حتى خرج غازيا في البحر فاستشهد ﵀. (١)\n- وفيه: أتى عبد الله بن عباس على قوم يتنازعون في القدر، فقال: لا تختلفوا في القدر، فإنكم لو قلتم: إن الله شاء لهم أن يعملوا بطاعته فخرجوا من مشيئة الله إلى مشيئة أنفسهم فقد أوهنتم الله بأعظم ملكه، وإن قلتم إن الله جبرهم على الخطايا ثم عذبهم عليها، قلتم: إن الله ظلمهم. (٢)\n- وجاء في الفتاوى: قال ابن عباس: إن الله خلق العرش فاستوى عليه، ثم خلق القلم فأمره ليجري بإذنه -وعظم القلم كقدر ما بين السماء والأرض- فقال القلم: بم يا رب أجري؟ فقال: بما أنا خالق وكائن في خلقي، من قطر أو نبات، أو نفس أو أثر -يعني به العمل- أو رزق أو أجل. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فأثبته الله في الكتاب المكنون عنده تحت العرش. (٣)\n- وجاء في الشريعة: عن ابن عباس: كل شيء بقدر، حتى وضعك يدك على خدك. (٤)\n- وفيها: عن ابن عباس: الحذر لا يغني من القدر، ولكن الدعاء يدفع\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٨ - ٧٧٠/ ١٢٨٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧١/١٢٨٨).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٣٩).\n(٤) الشريعة (١/ ٤١٤/٤٨٥) والإبانة (٢/ ٩/١٦٥/ ١٩٣٩).","vol":"1","page":366},{"text":"القدر. (١)\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٤١٦/٤٩٠).","vol":"1","page":367},{"text":"- وفيها: عن مجاهد: قلت لابن عباس: إني أردت أن آتيك برجل يتكلم في القدر؛ قال: لو أتيتني به لأستتب له وجهه أو لأوجعت رأسه، لا تجالسهم ولا تكلمهم. (١)\n- وفي المنهاج: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٢) قال: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. (٣)\n\nأبو الأَسْود الدُّؤَلِي (٤) (٦٩ هـ)\nاسمه ظالم بن عمرو، العلامة الفاضل قاضي البصرة، ولد في أيام النبوة. كان أول من تكلم في النحو، أمره علي بوضع شيء في النحو لما سمع اللحن. من أقواله: إن أبغض الناس إلي أن أسابّ كل أهوج ذرب اللسان. ومنها: ليس السائل الملحف خيرا من المانع الحابس. أسلم في حياة النبي - ﷺ - ولم يره. كان ذا دين وعقل ولسان وبيان، وفهم وذكاء وحزم، وكان من كبار التابعين. استخلفه ابن عباس على البصرة لما خرج منها، فأقره علي بن أبي طالب. كان معدودا في طبقات من الناس، مقدما في كل منها، كان يعد في\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٤١٨/٤٩٥).\n(٢) التغابن الآية (١١).\n(٣) منهاج السنة (٥/ ١٣٦).\n(٤) الإصابة (٥/ ٢٦١) وطبقات ابن سعد (٧/ ٩٩) ووفيات الأعيان (٢/ ٥٣٥ - ٥٣٩) وتهذيب التهذيب (١٢/ ١٠ - ١١) والسير (٤/ ٨١ - ٨٦).","vol":"1","page":368},{"text":"التابعين وفي الشعراء والفقهاء والمحدثين، والأشراف والفرسان والأمراء والنحاة والحاضري الجواب. روى عن عمر وعلي وأبي بن كعب وطائفة. وروى عنه ابنه أبو حرب ويحيى بن يعمر وابن بريدة وغيرهم. مات في طاعون الجارف سنة تسع وستين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة وفيه رهق، وكان يتوثب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن وفرض الفرائض وقَصَّ على الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زعم أن العمل أنف، من شاء عمل خيرا ومن شاء عمل شرا، قال: فلقيت أبا الأسود الدؤلي، فذكرت ذلك له، فقال: كذب، ما رأينا أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يثبت القدر. (١)\n\nسَفِينَة أبو عبد الرحمن (٢) مولى نبي الله - ﷺ - (بعد ٧٠ هـ)\nاختلف في اسمه على عدة أقوال، كنيته أبو عبد الرحمن ولقبه سفينة. كان عبدا لأم سلمة فأعتقته، وشرطت عليه خدمة النبي - ﷺ - ما عاش. فقال: لو لم تشترطي علي ما فارقته. روى عن النبي - ﷺ - وعلي وأم سلمة. روى له في مسند بقي أربعة عشر حديثا، وحديثه مخرج في الكتب سوى البخاري.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٤٥ - ٦٤٦/ ١٠٣٧).\n(٢) التاريخ الكبير (٤/ ٢٠٩) والاستيعاب (٢/ ٦٨٤) والإصابة (٣/ ١٣٢) وأسد الغابة (٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤) والسير (٣/ ١٧٢ - ١٧٣) وتهذيب الكمال (١١/ ٢٠٤ - ٢٠٦) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٢٥).","vol":"1","page":369},{"text":"حدث عنه ابناه عمر وعبد الرحمن والحسن البصري، وسعيد بن جهمان وابن المنكدر، وأبو ريحانة عبد الله بن مطر وغيرهم. قال ﵁: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، وكان إذا أعيا بعض القوم ألقى علي سيفه، ألقى علي ترسه، حتى حملت من ذلك شيئا كثيرا، فقال النبي - ﷺ -: \"أنت سفينة\" (١)، فكان يحب أن يكنى بها. فلزمه ذلك.\nتوفي ﵁ بعد سنة سبعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>موقفه من الرافضة:</span>\nعن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه من يشاء\" قال سعيد: قال لي سفينة: أمسك عليك: أبا بكر سنتين، وعمر عشرا، وعثمان اثني عشرة، وعلي كذا، قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن عليا ﵁ لم يكن بخليفة، قال: كذبت استاه بني الزرقاء، يعني مروان. (٢)\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٢٢١ - ٢٢٢) البزار (كشف الأستار عن زوائد البزار ٣/ ٢٧٠ - ٢٧١/ ٢٧٣٢) الطبراني في الكبير (٧/ ٨٣/٦٤٤٠) والطبراني (٧/ ٨٢ - ٨٣/ ٦٤٣٩) البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٧) الحاكم (٣/ ٦٠٦) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي. كلهم من طريق سعيد بن جمهان أنه سأل سفينة عن اسمه؟ فقال: فذكر الحديث بنحو ما سبق. ووقع عند الحاكم، حشرج بن نباتة قال: سألت سفينة عن اسمه فذكره. ولم يذكر سعيد بن جمهان. وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٦٩) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني بأسانيد ورجال أحمد والطبراني ثقات\".\n(٢) أحمد (٥/ ٢٢٠ و٢٢١) وأبو داود (٥/ ٣٦/٤٦٤٦ - ٤٦٤٧) والترمذي (٤/ ٤٣٦/٢٢٢٦) وقال: \"هذا حديث حسن\". والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٧/٨١٥٥) وابن حبان (الإحسان (١٥/ ٣٩٢/٦٩٤٣) والحاكم (٣/ ٧١ و١٤٥) وصححه ووافقه الذهبي. وأشار إلى تصحيحه الحافظ في الفتح (٨/ ٩٧).","vol":"1","page":370},{"text":"عبد الرحمن بن أَبْزَى (١) (بعد ٧٠ هـ)\nعبد الرحمن بن أَبْزَى الخُزَاعِي مولى نافع بن عبد الحارث، مختلف في صحبته، وجزم البخاري والذهبي وغيرهما أن له صحبة. وهو الذي استخلفه نافع بن عبد الحارث على أهل مكة حين لقي عمر بن الخطاب بعسفان، وقال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض. له رواية وفقه وعلم. روى عن النبي - ﷺ - وعن أبي بن كعب وعبد الله بن خباب، وابن عباس وعلي، وعمار، وعمر، وأبي بكر وآخرين. حدث عنه ابناه سعيد وعبد الله، والشعبي، وعلقمة ابن مرثد، وأبو إسحاق السبيعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وآخرون. يروى عن عمر أنه قال: \"ابن أبزى ممن رفعه الله بالقرآن\". قال أبو حاتم: أدرك النبي - ﷺ - وصلى خلفه. وقال ابن عبد البر: استخلفه علي على خراسان. عاش إلى سنة نيف وسبعين فيما يظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>موقفه من الرافضة:</span>\nعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: قلت لأبي: لو أتيت برجل يسب أبا بكر ما كنت صانعا؟ قال: أضرب عنقه، قلت: فعمر؟ قال: أضرب عنقه. (٢)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٥/ ٤٦٢) والتاريخ الكبير (٥/ ٢٤٥) والجرح والتعديل (٥/ ٢٠٩) والاستيعاب (٢/ ٨٢٢) وأسد الغابة (٣/ ٢٧٨) وتهذيب الأسماء واللغات (القسم الأول/١/ ٢٩٣ - ٢٩٤) وتهذيب الكمال (١٦/ ٥٠١ - ٥٠٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٣٢) والإصابة (٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣) والسير (٣/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(٢) الشريعة ٣/ ٥٨٨ - ٥٨٩/ ٢١٢٥ وقال الآجري عقبه: \"وكان عبد الرحمن بن أبزى قاضي المدينة\".","vol":"1","page":371},{"text":"البراء بن عازب (١) (٧٢ هـ)\nالبراء بن ع (٩) بن الحارث الأنصاريّ الحارثيّ المدني، يكنى أبا عُمَارَة، وقيل أبا عمرو، وقيل غير ذلك، والأشهر والأكثر الأول، وهو أصح إن شاء الله تعالى. سمع من النبي - ﷺ - حديثا كثيرا، ومن أبي بكر الصديق، وعمر وعثمان وعلي وغيرهم. وسمع منه: عبد الله بن يزيد الخطمي وأبو جحيفة السوائي الصحابيان، وعدي بن ثابت وجماعة من التابعين. من فقهاء الصحابة نزيل الكوفة، صحابي ابن صحابي، استصغر يوم بدر وهو من أقران ابن عمر، غزا مع رسول الله - ﷺ - خمس عشرة غزوة وشهد مع علي الجمل وصفين وقتال الخوارج، توفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن البراء بن عازب في قول الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢) قال: نزلت في عذاب القبر. (٣)\n- عن أبي إسحاق، عن البراء، أو عن أبي عبيدة في قول الله ﷿:\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٤/ ٣٦٤ - ٣٦٨) والاستيعاب (١/ ١٥٥ - ١٥٧) وتاريخ بغداد (١/ ١٧٧) وتهذيب الكمال (٤/ ٣٤ - ٣٧) والسير (٣/ ١٩٤ - ١٩٦) والوافي بالوفيات (١٠/ ١٠٤ - ١٠٥) البداية والنهاية (٨/ ٣٣٢) والإصابة (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩) وشذرات الذهب (١/ ٧٧ - ٧٨).\n(٢) إبراهيم الآية (٢٧).\n(٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٠٢/٢٨٧١ [٧٤]) والنسائي (٤/ ٤٠٧/٢٠٥٥).","vol":"1","page":372},{"text":"﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ (١) قال: عذاب القبر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء عن البراء في قوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٣) قال: صلاتكم نحو بيت المقدس. (٤)\n\nالأَحْنَف بن قَيْس (٥) (٧٢ هـ)\nالأحْنَف بن قَيْس بن معاوية أبو بَحْر البصري التَّمِيمِي، الأمير الكبير العالم النبيل، أحد من يضرب بحلمه وسؤدده المثل. والأحنف لقب له وإنما اسمه الضحاك، وقيل صخر. أسلم في حياة النبي - ﷺ - ولم يره. وكان سيدا شريفا مطاعا، مؤمنا عليم اللسان. حدث عن عمر وعلي وأبي ذر، والعباس وأبي مسعود وعثمان وعدة. وحدث عنه الحسن البصري، وعروة بن الزبير وطلق بن حبيب وغيرهم. قال الحسن البصري: ما رأيت شريف قوم أفضل منه.\n_________\n(١) السجدة الآية (٢١).\n(٢) الشريعة (٢/ ١٨٤/٩٠٩).\n(٣) البقرة الآية (١٤٣).\n(٤) الإبانة (٢/ ٦/٨٠٧ - ٨٠٨/ ١٠٩٩) وأصول الاعتقاد (٤/ ٨٩٦ - ٨٩٧/ ١٥٠٤) والسنة للخلال (٤/ ٤٧ - ٤٨/ ١١٤٢).\n(٥) السير (٤/ ٨٦) تاريخ دمشق (٢٤/ ٢٩٨ - ٣٥٦) والبداية والنهاية (٨/ ٣٣١) وشذرات الذهب (١/ ٧٨) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٩٩) وطبقات ابن سعد (٧/ ٩٣).","vol":"1","page":373},{"text":"من أقواله: عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين كيف يتكبر. وعنه قال: ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور: إن كان فوقي عرفت له، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه. وقيل إن رجلا خاصم الأحنف، وقال: لئن قلت واحدة، لتسمعن عشرا، فقال: لكنك إن قلت عشرا لم تسمع واحدة. وعنه: الكامل من عدت سقطاته. وعنه قال: جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصافا لفرجه وبطنه. توفي سنة اثنتين وسبعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: قال الأحنف بن قيس: كثرة الخصومة تنبت النفاق في القلب. (١)\n\nعَبِيدَة السَّلْمَانِي (٢) (٧٢ هـ)\nعبيدة بن عمرو السلماني الفقيه، المرادي الكوفي، أحد الأعلام، التابعي الكبير، يقال له: السلماني نسبة إلى بني سلمان. أسلم عبيدة في عام فتح مكة بأرض اليمن، ولا صحبة له، وأخذ عن علي وابن مسعود وغيرهما، وبرع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث. روى عنه إبراهيم النخعي، والشعبي وابن سيرين وغيرهم. قال أحمد العجلي: كان عبيدة أحد أصحاب عبد الله بن\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٥/٢٢٠).\n(٢) الاستيعاب (٣/ ١٠٢٣) وتهذيب الأسماء واللغات (القسم الأول/١/ ٣١٧) والسير (٤/ ٤٠ - ٤٤) وتاريخ بغداد (١١/ ١١٧ - ١٢٠) وتهذيب الكمال (١٩/ ٢٦٦ - ٢٦٨) وتهذيب التهذيب (٧/ ٨٤ - ٨٥).","vol":"1","page":374},{"text":"مسعود الذين يقرئون ويفتون. وقال ابن سيرين: ما رأيت رجلا كان أشد توقيا من عبيدة. وكان شريح إذا أشكل عليه شيء أرسلهم إلى عبيدة. توفي سنة اثنتين وسبعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى الخطيب بسنده إلى عبيدة عن علي قال: اجتمع رأيي ورأي عمر على أن أمهات الأولاد لا يبعن، قال: ثم رأيت بعد: أن تباع في دَيْن سيدها، وأن تعتق من نصيب ولدها، فقلت -أي عبيدة-: رأيك ورأي الجماعة أحب إلي من رأيك في الفرقة، ولم ينكر عَلِيٌّ علَى عبيدة هذا القول. (١)\n\nمُصْعَب بن الزُّبَيْر (٢) (٧٢ هـ)\nمصعب بن الزبير بن العَوَّام القرشيّ الأسدي أمير العراقين، أبو عيسى وأبو عبد الله، كان فارسا شجاعا جميلا وسيما، حارب المختار وقتله. روى عمر بن أبي زائدة أن الشعبي قال: ما رأيت أميرا قط على منبر أحسن من مصعب. قال عبد الله بن قيس الرقيات:\nإنما مصعب شهاب من اللـ ... ـه تجلت عن وجهه الظلماء\nملكه ملك عزة ليس فيها ... جبروت منه ولا كبرياء\nيتقي الله في الأمور وقد أفـ ... ـلح من كان همه الاتقاء\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (٢/ ١٢٤ - ١٢٥) وذكره ابن تيمية في منهاج السنة (٨/ ٢٨٠).\n(٢) السير (٤/ ١٤٠ - ١٤٥) والبداية والنهاية (٨/ ٣٢١ - ٣٢٥) وطبقات ابن سعد (٥/ ١٨٢) وتاريخ بغداد (١٣/ ١٠٥ - ١٠٨) والتاريخ الكبير (٧/ ٣٥٠).","vol":"1","page":375},{"text":"عن ابن عائشة قال: سمعت أبي يقول قيل لعبد الملك بن مروان -وهو يحارب مصعبا- إن مصعبا قد شرب الشراب؟ فقال عبد الملك: مصعب يشرب الشراب؟ والله لو علم مصعب أن الماء ينقص من مروءته ما روى منه. من أقواله: العجب من ابن آدم كيف يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرتين.\nقتل مصعب يوم نصف جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين. وله أربعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الشريعة: عن علي بن زيد أن مصعب بن الزبير هم بعريف الأنصار أن يقتله، فدخل عليه أنس بن مالك فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"استوصوا بالأنصار خيرا أو معروفا، اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم\". قال: فنزل مصعب من سريره على بساطة، فألزق عنقه، أو قال: خده، أو قال: تمعك، فقال: أمر رسول الله - ﷺ - على الرأس والعين، أمر رسول الله - ﷺ - على الرأس والعين. (١)\n\nجُنْدُب بن عبد الله البَجَلِي (٢) (٧٣ هـ)\nجندب بن عبد الله بن سفيان الإمام أبو عبد الله البجلي، صاحب النبي - ﷺ - نزل الكوفة والبصرة، روى عنه الحسن وابن سيرين وأبو عمران الجوني\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٢٤٠ - ٢٤١) وابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٨) والآجري في الشريعة (٢/ ٣٩٤) وقال الألباني ﵀: \"وعلي بن زيد هو ابن جدعان فيه ضعف، لكن حديثه جيد في الشواهد\". انظر الصحيحة (٩١٦).\n(٢) السير (٣/ ١٧٤ - ١٧٥) وتهذيب الكمال (٥/ ١٣٧ - ١٣٩) والاستيعاب (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧) والإصابة (١/ ٥٠٩ - ٥١٠) وأسد الغابة (١/ ٥٦٦ - ٥٦٨) والوافي بالوفيات (١١/ ١٩٣ - ١٩٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"1","page":376},{"text":"وأنس بن سيرين وغيرهم.\nعن يونس بن جبير قال: شيعنا جندبا فقلت له: أوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالقرآن فإنه نور بالليل المظلم، وهدى بالنهار، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة، فإن عرض بلاء فقدم مالك دون دينك، فإن المخروب من خرب دينه، والمسلوب من سلب دينه واعلم أنه لا فاقة بعد الجنة ولا غنى بعد النار. توفي في حدود ثلاث وسبعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>موقفه من المرجئة:</span>\nروى ابن ماجه بسنده: عن أبي عمران الجوني عن جندب بن عبد الله قال: كنا مع النبي - ﷺ -، ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانا. (١)\n\nعبد الله بن الزُّبَيْر (٢) (٧٣ هـ)\nعبد الله بن الزبير بن العَوَّام، كنيته أبو بكر وأبو خُبَيْب، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، هاجرت من مكة وهي حامل بابنها عبد الله فولدته، أتت به أمه النبي - ﷺ - فوضعته في حجره فدعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله - ﷺ -، ثم حنكه بالخبزة، ثم دعا له وبرك عليه\n_________\n(١) ابن ماجه في المقدمة (١/ ٢٣/٦١) والإبانة (٢/ ٧/٨٤٧ - ٨٤٨/ ١١٣٦) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٧ - ١٠١٨/ ١٧١٥).\n(٢) الإصابة (٤/ ٨٩ - ٩٥) والاستيعاب (٣/ ٩٠٥ - ٩١٠) والمستدرك (٣/ ٥٤٧ - ٥٥٦) والحلية (١/ ٣٢٩ - ٣٤٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٧١ - ٧٣) والعقد الثمين (٥/ ١٤١ - ١٥٩) والبداية والنهاية (٨/ ٣٣٢ - ٣٤٥) وشذرات الذهب (١/ ٧٩ - ٨٠) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢١٣ - ٢١٥) والسير (٣/ ٣٦٣ - ٣٨٠).","vol":"1","page":377},{"text":"وكان أول مولود في الإسلام للمهاجرين بالمدينة. وهو أحد العبادلة، وأحد الشجعان من الصحابة، وكان فارس قريش في زمانه وله مواقف مشهودة، شهد اليرموك وهو مراهق وفتح المغرب وغزو القسطنطينية. كان لا ينازع في ثلاثة: شجاعة ولا عبادة ولا بلاغة. بويع بالخلافة عند موت يزيد سنة أربع وستين وحكم على الحجاز واليمن ومصر والعراق وخراسان وبعض الشام ولم يستوسق له الأمر، فإن مروان غلب على الشام ثم مصر، وقام عند مصرعه ابنه عبد الملك بن مروان وحارب ابن الزبير، وقتل ابن الزبير ﵀ فاستقل بالخلافة عبد الملك وآله. قال عنه ابن عباس: قارئ لكتاب الله، عفيف في الإسلام.\nعن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مصليا قط أحسن صلاة من عبد الله ابن الزبير. وعن مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام للصلاة كأنه عمود. وقال ابن أبي مليكة قال لي عمر بن عبد العزيز: إن في قلبك من ابن الزبير قلت: لو رأيته ما رأيت مناجيا ولا مصليا مثله. وقال ثابت البناني: كنت أمر بابن الزبير وهو خلف المقام يصلي كأنه خشبة منصوبة لا تتحرك. وعن مجاهد: ما كان باب من العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلفه ابن الزبير. وعن أنس: أن عثمان أمر زيدا وابن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث فنسخوا المصاحف وقال: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم. مسنده نحو من ثلاثة وثلاثين حديثا، له صحبة ورواية أحاديث، عداده في صغار الصحابة وإن كان كبيرا في العلم والشرف والجهاد والعبادة. روى عن أبيه وجده لأمه الصديق، وأمه أسماء وخالته","vol":"1","page":378},{"text":"عائشة، وعمر وعثمان وغيرهم حدث عنه أخوه عروة -الفقيه- وابناه: عامر وعباد، وابن أخيه محمد بن عروة، وعبيدة السلماني وطاووس وغيرهم. قتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة: عن الأعرج: مر ابن الزبير بابنه وهو يكلم الأشتر في اختلاف الناس، فقال: لا تحاجه بالقرآن حاجه بالسنة. (١)\n- وفي الموطأ عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى رجلا متجردا بالعراق، فسأل الناس عنه فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلد، فلذلك تجرد، قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير، فذكرت له ذلك، فقال: بدعة، ورب الكعبة. (٢)\n\" التعليق:\nقال أبو شامة: فوصف ذلك عبد الله بأنه بدعة، لما كان موهما أنه من الدين، لأنه قد ثبت أن التجرد مشروع في الإحرام، بنسك الحج أو العمرة، فإذا فعل في غير ذلك أوهم من لا يعلم من العوام أنه مشروع في هذه الحالة الأخرى. لأنه قد ثبتت شرعيته في صورة، فربما يقتدى به، ويتفاقم الأمر في انتشار ذلك، ويعسر الفطام عنه، كما قد وقع في غيره من البدع. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٤٠٦ - ٤٠٧/ ٣١٢).\n(٢) الموطأ (١/ ٣٤١/٥٣) وذكره أبو شامة في الباعث (ص.٩٠).\n(٣) الباعث (ص.٩٠).","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>موقفه من الصوفية:</span>\nأخرج أبو نعيم عن عامر بن عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنه- قال: جئت أبي فقال: أين كنت؟ فقلت: وجدت أقواما ما رأيت خيرا منهم، يذكرون الله فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله، فقعدت معهم، فقال: لا تقعد معهم بعدها، فرآني كأنه لم يأخذ ذلك في، فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن، فلا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشع لله من أبي بكر وعمر؟! فرأيت أن ذلك كذلك، فتركتهم (١) اهـ.\n\" التعليق:\nقال الشاطبي ﵀: وهذا يشعر بأن ذلك كله تَعَمُّلٌ وتكلف لا يرضى به أهل الدين. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>موقفه من الخوارج:</span>\nقال ابن كثير: وقد كان التف على عبد الله بن الزبير جماعة من الخوارج يدافعون عنه، منهم نافع بن الأزرق، وعبد الله بن أباض وجماعة من رؤوسهم. فلما استقر أمره فى الخلافة قالوا فيما بينهم: إنكم قد أخطأتم، لأنكم قاتلتم مع هذا الرجل ولم تعلموا رأيه في عثمان بن عفان، -وكانوا ينتقصون عثمان- فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان فأجابهم فيه بما يسوؤهم، وذكر لهم ما كان متصفا به من الإيمان والتصديق، والعدل والإحسان،\n_________\n(١) حلية الأولياء (٣/ ١٦٧ - ١٦٨) وتلبيس إبليس (ص.٣١١ - ٣١٢).\n(٢) الاعتصام (١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":380},{"text":"والسيرة الحسنة، والرجوع إلى الحق إذا تبين له.\nفعند ذلك نفروا عنه وفارقوه وقصدوا بلاد العراق وخراسان، فتفرقوا بأبدانهم وأديانهم ومذاهبهم ومسالكهم المختلفة المنتشرة التي لا تنضبط ولا تنحصر، لأنها مفرعة على الجهل وقوة النفوس، والاعتقاد الفاسد، ومع هذا استحوذوا على كثير من البلدان والكور، حتى انتزعت منهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>موقفه من القدرية:</span>\nروى مالك في كتاب القدر: عن زياد بن سعد عن عمرو بن دينار أنه قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: إن الله هو الهادي والفاتن. (٢)\n\nعبد الله بن عمر (٣) (٧٣ هـ)\nعبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفَيْل القرشي العدوي، الإمام القدوة، شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن ولد سنة ثلاث من البعثة النبوية أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه لم يحتلم، واستصغر يوم أحد، فأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٤) وأمه زينب بنت مظعون أم\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ٢٤٣).\n(٢) الموطأ) ٢/ ٩٠٠) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٣٣/١٢٠١) والإبانة (٢/ ٩/١٧١/ ١٦٥٩).\n(٣) الإصابة (٤/ ١٨١ - ١٨٨) والاستيعاب (٣/ ٩٥٠ - ٩٥٣) وطبقات ابن سعد (٤/ ١٤٢ - ١٨٨) والحلية (١/ ٢٩٢ - ٣١٤) والبداية (٩/ ٤ - ٥) ووفيات الأعيان (٣/ ٢٨ - ٣١) والسير (٣/ ٢٠٣ - ٢٣٩) والعقد الثمين (٥/ ٢١٥ - ٢١٧) والمستدرك (٣/ ٥٥٦ - ٥٦١) وتاريخ بغداد (١/ ١٧١ - ١٧٣) والوافي (١٧/ ٣٦٢ - ٣٦٤).\n(٤) الفتح الآية (١٨).","vol":"1","page":381},{"text":"أم المؤمنين حفصة. روى علما كثيرا نافعا عن النبي - ﷺ -، بلغت مروياته عن النبي - ﷺ - ثلاثين وستمائة وألفي حديث، وروى عن جمع من الصحابة، وروى عنه خلق كثير. وفي الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: \"نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، قال: فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا\" (١). وعن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت أحدا ألزم للأمر الأول من ابن عمر. وكان ﵁ شديد الاتباع للنبي - ﷺ -. وكان كثير الإنفاق في سبيل الله تعالى. وكان ممن اعتزل الفتنة، وقال: كففت يدي فلم أندم، والمقاتل على الحق أفضل. وقال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت، عبد الله بن عمر مكث ستين سنة يفتي الناس. وقال ابن عمر ﵁: ما آسى على شيء إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مات ابن عمر وهو في الفضل مثل أبيه. مات ﵁ سنة ثلاث وسبعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة. (٢)\n\" التعليق:\nقال الحافظ: .. والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهاني أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج، وبالبصرة زياد، وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن\n_________\n(١) أحمد (٢/ ١٤٦) والبخاري (٣/ ٧/١١٢٢) ومسلم (٤/ ١٩٢٧ - ١٩٢٨/ ٢٤٧٩) وابن ماجه (٢/ ١٢٩١/٣٩١٩).\n(٢) ابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٤٧٠/٥٤٣٧).","vol":"1","page":382},{"text":"لا تأذين عندهم سوى مرة، وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال: \"الأذان الأول يوم الجمعة بدعة\" فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي - ﷺ -، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة ... وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، قياسا على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله، وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي - ﷺ - فهو في بعض البلاد دون بعض، واتباع السلف الصالح أولى. (١)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن سالم أن ابن عمر قال: ما فرحت بشيء في الإسلام أشد فرحا بأن قلبي لم يدخله شيء من هذه الأهواء. (٢)\n\" التعليق:\nهنيئا لك يا صاحب رسول الله بهذه الراحة، أما نحن فقد أحاطت بنا البدع من كل جانب ومرضت قلوبنا بها والله المستعان.\n- وفي الإبانة: عن نافع عن ابن عمر قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة. (٣)\n- وروى مسلم عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنَّكم إليها\".\n_________\n(١) فتح الباري (٢/ ٥٠١).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٧/٢٢٧) وذم الكلام (ص.١٨٨) والحجة للأصبهاني (١/ ٣٠٤).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٣٣٩/ ٢٠٥) وأصول الاعتقاد (١/ ١٠٤/١٢٦) ومحمد بن نصر في السنة (ص.٢٩). وانظر الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص.٧٥) وطبقات الحنابلة (١/ ٦٩).","vol":"1","page":383},{"text":"قال: فقال بلال بن عبد الله: والله، لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا، ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله - ﷺ -، وتقول: والله، لنمنعهن. (١)\n- وفي ذم الكلام: عن محمد بن عون الخراساني قال: سألت نافعا مولى ابن عمر عن صلاة المسافر فقال: قال ابن عمر ﵁: صلاة المسافر ركعتان، من خالف السنة كفر. (٢)\n\" التعليق:\nقال أبو عمر: الكفر ههنا كفر النعمة وليس بكفر ينقل عن الملة، كأنه قال: كفر لنعمة التأسي التي أنعم الله على عباده بالنبي - ﷺ -، ففيه الأسوة الحسنة في قبول رخصته، كما في امتثال عزيمته - ﷺ -. (٣)\n- وفي ذم الكلام: عن جابر بن زيد أن ابن عمر لقيه في الطواف، فقال له: يا أبا الشعثاء، إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت. (٤)\n- وروى مالك عن حميد بن قيس المكي عن مجاهد أنه قال: كنت مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب ثم\n_________\n(١) مسلم (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧/ ٤٤٢ [١٣٥]) وابن ماجة (١/ ١٦) وسنن الدارمي (١/ ١١٧ - ١١٨) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٢٠٩) وذم الكلام (ص.٩٢).\n(٢) ذم الكلام (٢/ ٣١٧ - ٣١٨/ ٤٢٠) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٢٠٧) والحلية لأبي نعيم (٧/ ١٨٥ - ١٨٦) والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١٤٠) والباعث لأبي شامة (ص.٢٢٥).\n(٣) فتح البر (٥/ ٤٢٤).\n(٤) الهروي في ذم الكلام (٢/ ٢١٧/٢٨٢) والدارمي (١/ ٥٩) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨).","vol":"1","page":384},{"text":"أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل في ذلك قدر عمل يدي، فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك. فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله ينهاه عن ذلك حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابة يريد أن يركبها فقال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم. (١)\n- وروى مالك عن ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السفر؟ فقال ابن عمر: يا ابن أخي، إن الله ﷿ بعث إلينا محمدا - ﷺ - ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل. (٢)\n- وروى عن نافع أن عبدا لعبد الله بن عمر سرق وهو آبق، فأرسل به عبد الله بن عمر إلى سعيد بن العاص، وهو أمير المدينة، ليقطع يده، فأبى سعيد أن يقطع يده، وقال: لا تقطع يد الآبق السارق إذا سرق، فقال له عبد الله بن عمر: في أي كتاب الله وجدت هذا؟ ثم أمر به عبد الله بن عمر، فقطعت يده. (٣)\n- عن ابن عمر قال: إنما مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم يسيرون على جادة يعرفونها، فبينا هم كذلك، إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضهم يمينا وشمالا، فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك، حتى جلا الله ذلك\n_________\n(١) الموطأ (٢/ ٦٣٣) ومن طريقه: النسائي (٧/ ٣٢٠/٤٥٨٢) مختصرا والشافعي في الرسالة (ص.٢٧٧) وقال أحمد شاكر في تعليقه: \"هذا حديث صحيح جدا\".\n(٢) الموطأ (١/ ١٤٥ - ١٤٦/ ٧) والنسائي (٣/ ١١٧/١٤٣٣) وابن ماجه (١/ ٣٣٩/١٠٦٦).\n(٣) الموطأ (٢/ ٨٣٣/٢٦).","vol":"1","page":385},{"text":"عنا، فأبصرنا طريقنا الأول، فعرفناه، فأخذنا فيه. إنما هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا، ما أبالي أن لا يكون لي ما يقتل عليه بعضهم بعضا بنعلي هاتين الجرداوين. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن مجاهد قال: قيل لابن عمر: إن نجدة يقول: كذا وكذا. فجعل لا يسمع منه كراهية أن يقع في قلبه منه شيء. (٢)\n- وفي الإبانة: عن غيلان بن جرير قال: جعل رجل يقول لابن عمر: أرأيت أرأيت، فقال ابن عمر: اجعل أرأيت عند الثريا. (٣)\n- عن نافع أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله - ﷺ -، وفي إمارة أبي بكر وعثمان، وصدرا من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية، أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي - ﷺ -، فدخل عليه وأنا معه. فسأله فقال: كان رسول الله - ﷺ - ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر بعد. وكان إذا سئل عنها بعد، قال: زعم رافع بن خديج أن رسول الله - ﷺ - نهى عنها. (٤)\n- وفي سنن الترمذي: عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله حدثه أنه سمع رجلا من أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال عبد الله بن عمر: هي حلال. فقال الشامي: إن أباك قد نهى\n_________\n(١) السير (٣/ ٢٣٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٣٧ - ١٣٨/ ١٩٩) وذم الكلام (ص.١٨٧).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٥١٧/ ٦٠٦) وذم الكلام (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤/ ٢٩٠).\n(٤) أحمد (٤/ ١٤٠) والبخاري (٥/ ٢٨/٢٣٤٣ - ٢٣٤٤ - ٢٣٤٥) ومسلم (٣/ ١١٨٠/١٥٤٧ [١٠٩]) واللفظ له، والنسائي (٧/ ٥٧/٣٩٢٠) كلهم عن أيوب عن نافع به.","vol":"1","page":386},{"text":"عنها. فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها؛ وصنعها رسول الله - ﷺ -، أأمر أبي نتبع أم أمر رسول الله - ﷺ -؟! فقال الرجل: بل أمر رسول الله - ﷺ -. فقال: لقد صنعها رسول الله - ﷺ -. (١)\n- وروى ابن ماجه في المقدمة: عن أبي جعفر قال: كان ابن عمر إذا سمع من رسول الله - ﷺ - حديثا لم يعده ولم يقصر دونه. (٢)\n- جاء في كتاب الحوادث والبدع: وروى أستاذنا القاضي أبو الوليد في 'المنتقى' أن ابن عمر حضر جنازة، فقال: لتسرعن بها وإلا رجعت.\n\" التعليق:\nقال الطرطوشي: انظروا -رحمكم الله- لما ترك الإسراع -وهو سنة-، هم ابن عمر بالانصراف، ولم ير أن قراطين من الأجر بقيا بترك سنة من سنن النبي - ﷺ -. (٣)\n- وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر أو العصر، فقال: اخرج بنا، فإن هذه بدعة. وفي رواية: اخرج بنا من عند هذا المبتدع، ولم يصل فيه. (٤)\n- وفي سنن الدارمي: عن ابن عمر أنه جاءه رجل، فقال: إن فلانا يقرأ\n_________\n(١) الترمذي (٣/ ١٨٥ - ١٨٦/ ٨٢٤) وقال: \"حديث حسن صحيح\" كما في تحفة الأحوذي (٣/ ٤٧٠) وأحمد (٢/ ٩٥) بلفظ أطول، وقد تقدمت قصة علي مع عثمان ﵄ في التمتع فلتنظر.\n(٢) مقدمة ابن ماجة (١/ ٤/٤).\n(٣) الحوادث والبدع (ص.١٤٤).\n(٤) أبو داود (١/ ٣٦٧/٥٣٨) وذكره الترمذي بعد حديث (١٩٨) وأورده الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص.١٤٩) والشاطبي في الاعتصام (٢/ ٥٥٦).","vol":"1","page":387},{"text":"عليك السلام، قال: بلغني أنه قد أحدث. فإن كان أحدث فلا تقرأ ﵇. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>موقفه من المشركين:</span>\n- عن ابن عمر أنه مر به راهب، فقيل له: هذا يسب النبي - ﷺ -، فقال ابن عمر: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا - ﷺ -. (٢)\n- عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثا حسنا، قال فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٣). فقال: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمد - ﷺ - يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك. (٤)\n- وخرج ابن وهب عن عبد الله بن عمر، قال: من كان يزعم أن مع الله قاضيا أو رازقا، أو يملك لنفسه ضرا أو نفعا، أو موتا أو حياة أو نشورا، لقي الله فأدحض حجته، وأخرس لسانه، وجعل صلاته وصيامه هباء منثورا، وقطع به الأسباب، وكبه في النار على وجهه. (٥)\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ١٠٨) وأحمد (٢/ ١٣٦ - ١٣٧) واللالكائي (٤/ ٧٠١/١١٣٥) وهو في شرح السنة للبغوي (١/ ١٥١).\n(٢) الصارم (٢١٠).\n(٣) البقرة الآية (١٩٣).\n(٤) البخاري (٧٠٩٥).\n(٥) السنة (١٤٨) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٢ - ٧٧٣/ ١٢٩٢) والإبانة (٢/ ٩/١٦٦ - ١٦٧/ ١٦٤٣) وانظر الاعتصام (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":388},{"text":"- عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال: دخلت مع ابن عمر مسجدا بالجحفة، فنظر إلى شرافات، فخرج إلى موضع فصلى فيه، ثم قال لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا -يعني الشرافات- شبهتها بأنصاب الجاهلية، فمر أن تكسر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن نافع أو غيره، أن رجلا قال لابن عمر: يا خير الناس، أو ابن خير الناس. فقال: ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله، وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه. (٢)\n- وعن سالم بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله بن عمر: جاءني رجل في خلافة عثمان بن عفان ﵁ فكلمني بكلام طويل، يريد في كلامه بأن أعيب على عثمان، وهو امرؤ في لسانه ثقل لا يكاد يقضي كلامه في سريع، فلما قضى كلامه، قلت: قد كنا نقول -ورسول الله - ﷺ - حي-: أفضل أمة رسول الله - ﷺ - بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان؛ وأنا والله ما نعلم عثمان قتل نفسا بغير حق، ولا جاء من الكبائر شيئا، ولكن إنما هو هذا المال، فإن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطى أولي قرابته سخطتم، إنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم لا يتركون لهم أميرا إلا قتلوه، قال: ففاضت عيناه بأربع من الدمع ثم قال: اللهم لا نريد ذلك. (٣)\n_________\n(١) الاقتضاء (١/ ٣٤٤).\n(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٧) من طريق عبد الرزاق عن معمر، وهو في السير (٣/ ٢٣٦).\n(٣) الشريعة (٣/ ١٦١ - ١٦٢/ ١٥١٠).","vol":"1","page":389},{"text":"- وعن عثمان بن موهب قال: جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القعود؟ قال: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر. فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فكبر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله - ﷺ - وكانت مريضة، فقال له النبي - ﷺ -: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي - ﷺ - بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان. اذهب بهذا الآن معك. (١)\n- وعن ابن أبي نُعْم قال: كنت جالسا عند ابن عمر، فجاءه رجل يسأل عن دم البعوض؟ فقال له ابن عمر: ممن أنت؟ قال: أنا من أهل العراق، فقال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله - ﷺ -. وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: هما ريحانتيّ من الدنيا!. (٢)\n- وعن نافع عن ابن عمر قال: ما رأيت أحدا بعد رسول الله - ﷺ - كان\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٤٦١/٤٠٦٦).\n(٢) أخرجه بذكر القصة أحمد (٢/ ١١٤) واللفظ له. والبخاري (٧/ ١١٩/٣٧٥٣) والترمذي (٥/ ٦١٥/٣٧٧٠) وقال: \"هذا حديث صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ١٥٠/٨٥٣٠).","vol":"1","page":390},{"text":"أسود من معاوية. قال: قلت هو كان أسود من أبي بكر؟ قال: هو والله أخير منه، وهو والله كان أسود من أبي بكر. قال: قلت فهو كان أسود من عمر؟ قال: عمر والله كان أخير منه، وهو والله أسود من عمر. قال: قلت هو كان أسود من عثمان؟ قال: والله إن كان عثمان لسيدا وهو كان أسود منه. قال الدوري: قال بعض أصحابنا قال أحمد بن حنبل: معنى أسود أي أسخى. (١)\n- وعن نسير بن ذعلوق قال: سمعت ابن عمر يقول: لا تسبوا أصحاب محمد - ﷺ -، فإن مقام أحدهم خير من عمل أحدكم عمره كله. (٢)\n- وعن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: إن الله ﷿ قد أوسع، والبر أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقا فأنا أحب أن أسلكه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>موقفه من الصوفية:</span>\n- روى ابن الجوزي في تلبيس إبليس بسنده إلى أبي عيسى أو عيسى قال: ذهبت إلى عبد الله بن عمر فقال أبو السوار: يا أبا عبد الرحمن، إن قوما عندنا إذا قرئ عليهم القرآن يركض أحدهم من خشية الله، قال: كذبت. قال: بلى ورب هذه البنية. قال: ويحك، إن كنت صادقا فإن الشيطان ليدخل جوف أحدهم. والله ما هكذا كان أصحاب محمد - ﷺ -. (٤)\n- خرج أبو عبيد في أحاديث أبي حازم قال: مر ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس حوله، فقال ما هذا؟ فقالوا إذا قرئ عليه القرآن أو\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٤١ - ٤٤٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٣/٢٣٥٠) والشريعة (٣/ ٥٤٩/٢٠٥٤).\n(٣) الإبانة (١/ ١/٢٦٢/ ٩٩).\n(٤) تلبيس إبليس (ص.٣١٤).","vol":"1","page":391},{"text":"سمع الله يذكر، خر من خشية الله. قال ابن عمر: والله إنا لنخشى الله ولا نسقط (١). قال الشاطبي: وهذا إنكار. (٢)\n- وقال ابن عمر: ويح الآخر، أليس الفقه في الدين خيرا من كثير العمل؟! إن قوما لزموا بيوتهم فصاموا وصلوا، حتى يبست جلودهم على أعظمهم، لم يزدادوا بذلك من الله إلا بعدا. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن ابن عمر قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى ملكه ألفي عام، يرى أدناه كما يرى أقصاه، وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر إلى وجه الله في كل يوم مرتين. (٤)\n- وعنه قال: خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش وآدم والقلم وعدن وقال لسائر خلقه: كن فكان. (٥)\n- وفي الصحيح عن آدم بن علي قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثا كل أمة تتبع نبيها، يقولون يا فلان: اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي - ﷺ - فذلك، يوم يبعثه الله المقام المحمود. (٦)\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٢/ ١٥/٣٧٢) وابن الجوزي في التلبيس (ص.٣١٠).\n(٢) الاعتصام (١/ ٣٥٢).\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ١٠٨).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٣/٨٦٦).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٧٧/٧٣٠) والشريعة (٢/ ١٣٠/٨٠١).\n(٦) أخرجه البخاري (٨/ ٥٠٩/٤٧١٨).","vol":"1","page":392},{"text":"- وعنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>موقفه من الخوارج:</span>\n- عن عمرو بن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه أنه سأل نافعا: كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار الخلق، قال: إنهم انطلقوا إلى آيات في الكفار فجعلوها على المؤمنين. (٢)\n- عن أبي نعامة الأسدي عن خال له قال: سمعت ابن عمر يقول: إن نجدة وأصحابه عرضوا لعير لنا، ولو كنت فيهم لجاهدتهم. (٣)\n- عن عبد الله بن عمر عن نافع قال: لما سمع ابن عمر بنجدة قد أقبل وأنه يريد المدينة، وأنه يسبي النساء ويقتل الولدان، قال: إذا لا ندعه وذلك، وهم بقتاله وحرض الناس، فقيل له: إن الناس لا يقاتلون معك، ونخاف أن تترك وحدك، فتركه. (٤)\n- عن نافع قال: قيل لابن عمر: إن نجدة يقول: إنك كافر -وأراد قتل مولاك إذ لم يقل إنك كافر، فقال عبد الله: كذب والله ما كفرت منذ أسلمت. قال نافع: وكان ابن عمر حين خرج نجدة يرى قتاله. (٥)\n- وعن سوار بن شبيب قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إن ههنا\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٥٧/٣٧٧).\n(٢) علقه البخاري (١٢/ ٣٥٠)، ووصله ابن عبد البر في التمهيد (فتح البر ١/ ٤٦٩)، قال ابن حجر: \"وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار ... وسنده صحيح\".\n(٣) السنة لعبد الله (٢٧٩).\n(٤) مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ٥٥٣/٣٧٨٨٧).\n(٥) ابن عبد البر (فتح البر ١/ ٤٦٠).","vol":"1","page":393},{"text":"قوما يشهدون علي بالكفر، فقال: ألا تقول لا إله إلا الله فتكذبهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن قيس أبي محمد قال: إني لجالس عند ابن عمر إذ جاءه رجل من أهل الشام، قال: يا أبا عبد الرحمن إن لنا كروما وأعنابا وإنا قد نبيع منها قال: أي ذاك تريد، أما العنب فحلال، وأما الزبيب فحلال وأما الخمر فحرام. قال: فرفع صوته فقال: اللهم إني أشهدك وأشهد من حضر أني لا آمن أن يعصرها، ولا أن يشربها، ولا أن يسقيها، ولا أن يبيعها، ولا أن يهديها، فوالذي نفس ابن عمر بيده لا يشربها عبد إلا نقص الإيمان من قلبه حتى لا يبقى منه قليل ولا كثير، ولا يكون في بيت إلا كان رجسا مرتجسا منه. (٢)\n- وروى ابن أبي شيبة بسنده: عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عمر: (إن الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر). (٣)\n- وفيه عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: اللهم لا تنزع مني الإيمان كما أعطيتنيه. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>موقفه من القدرية:</span>\n- روى اللالكائي بسنده: عن ابن عمر قال: لو برزت لي القدرية في صعيد واحد فلم يرجعوا لضربت أعناقهم. (٥)\n_________\n(١) ابن أبي شيبة (٦/ ١٦٦/٣٠٣٨١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٠ - ١٠٢١/ ١٧٢٢).\n(٣) ابن أبي شيبة في الإيمان (٢١) وفي المصنف (٦/ ١٦٥/٣٠٣٧٢).\n(٤) ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٦٠/٣٠٣٢٧) وفي الإيمان له (١٥).\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٣/١٣١١).","vol":"1","page":394},{"text":"- وفيه: قال ابن عمر: القدرية مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم. (١)\n- وفي السنة لعبد الله: قال ابن عمر: من زعم أن مع الله باريا أو قاضيا أو رازقا، أو يملك لنفسه ضرا أو نفعا، أو موتا أو حياة أو نشورا، بعثه الله يوم القيامة فأخرس لسانه وأعمى بصره وجعل عمله هباء منثورا، وقطع به الأسباب، وكبه على وجهه في النار. (٢)\n- وروى مسلم بسنده عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة: معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم. وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. (٣)\n- وجاء في الإبانة: عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال رجل لعبد الله\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧١١ - ٧١٢/ ١١٦١).\n(٢) السنة (١٤٨) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٢ - ٧٧٣/ ١٢٩٢) والإبانة (٢/ ٩/١٦٦ - ١٦٧/ ١٦٤٣) وانظر الاعتصام (١/ ١٤٣).\n(٣) مسلم (٨).","vol":"1","page":395},{"text":"ابن عمر إن ناسا من أهل العراق يكذبون بالقدر، ويزعمون أن الله ﷿ لا يقدر الشر؛ قال: فبلغهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء وأنهم منه براء، والله؛ لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله؛ ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره. (١)\n- وفيها: عن أبي حازم قال: ذكر عند ابن عمر قوم يكذبون بالقدر؛ فقال: لا تجالسوهم، ولا تسلموا عليهم، ولا تعودوهم، ولا تشهدوا جنائزهم، وأخبروهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء، وهم مجوس هذه الأمة. (٢)\n- وفيها: عن يحيى بن يعمر قال: قلت لابن عمر: إن عندنا رجالا بالعراق يقولون: إن شاؤوا عملوا، وإن شاؤوا لم يعملوا، وإن شاؤوا دخلوا الجنة، وإن شاؤوا دخلوا النار، وإن شاؤوا وإن شاؤوا؛ فقال: إني منهم بريء، وإنهم مني براء. (٣)\n- وفي السنة لعبد الله: عن يحيى بن يعمر قال قلت لابن عمر إن ناسا عندنا يقولون: الخير والشر بقدر وناس عندنا يقولون الخير بقدر والشر ليس بقدر فقال ابن عمر إذا رجعت إليهم فقل لهم: ان ابن عمر يقول إنه منكم بريء وأنتم منه برآء. (٤)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/٥٦/ ١٤٥٢).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/١٥٢ - ١٥٣/ ١٦٠١).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٥٣/ ١٦٠٢) والشريعة (١/ ٢٥٦/٢٣١).\n(٤) السنة لعبد الله (١٤١).","vol":"1","page":396},{"text":"- وعن ابن عمر أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من قدر السوء. (١)\n- وعن زياد بن عمر القرشي عن أبيه؛ قال: كنت جالسا عند ابن عمر؛ فسئل عن القدر، فقال: شيء أراد الله أن لا يطلعكم عليه؛ فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن محمد بن كعب القرظي قال: ذكرت القدرية عند عبد الله بن عمر قال: إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد فينادي مناد يسمع الأولين والآخرين: أين خصماء الله؟ فيقوم القدرية. (٣)\n- وفيه: عن نافع قال: بينما نحن عند عبد الله بن عمر جاءه إنسان فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام لرجل من أهل الشام. فقال ابن عمر: إنه قد بلغني أنه قد أحدث حدثا، فإن كان كذلك فلا تقرأن عليه مني السلام. سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"سيكون في أمتي مسخ وخسف وهو في الزنديقية والقدرية\" (٤). (٥)\n- وفي السنة لعبد الله: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه فكتب إليه مرة عبد الله بن عمر: بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إلي فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"سيكون في أمتي أقوام\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/١٥٦/ ١٦١٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٣١٣/ ١٩٩٢) والشريعة (١/ ٤٤٩/٥٧٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٩٩/١١٣٢).\n(٤) أحمد (٢/ ١٠٨ و١٣٦ - ١٣٧) وأبو داود (٥/ ٢٠ - ٢١/ ٤٦١٣) بنحوه. والترمذي (٤/ ٣٩٧/٢١٥٢) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\". وابن ماجه (٢/ ١٣٥٠/٤٠٦١) والحاكم (١/ ٨٤) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بأبي صخر حميد بن زياد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٠١/١١٣٥) والإبانة (٢/ ٩/١٥٤/ ١٦٠٧).","vol":"1","page":397},{"text":"يكذبون بالقدر\" (١).اهـ (٢)\n- وفيه: عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن الزنا بقدر؟ قال: نعم. قال: قدره الله علي ثم يعذبني؟ قال: نعم يا ابن اللخنا لو كان عندي إنسان لأمرته أن يجأ بأنفك. (٣)\n\nعبد الله بن عُتْبَة بن مَسْعُود (٤) (٧٣ هـ)\nعبد الله بن عتبة بن مسعود الهُذَلِيّ، ابن أخي عبد الله بن مسعود، في صحبته خلاف، روى عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وأبي مسعود الأنصاري. وروى عنه محمد بن سيرين وأبو إسحاق السبيعي، وابناه عبد الله وعون. قال ابن سعد: كان ثقة، رفيعا، كثير الحديث والفتيا، فقيها.\nتوفي سنة ثلاث وسبعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في طبقات الحنابلة: عنه قال: إنك لن تخطئ الطريق ما دمت على الأثر. (٥)\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٩٠) وأبو داود (٥/ ٢٠ - ٢١/ ٤٦١٣) وانظر الحديث الذي قبله.\n(٢) السنة لعبد الله (١٤٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٣/١٢٩٣)\n(٤) تهذيب الكمال (١٥/ ٢٦٩ - ٢٧١) وطبقات ابن سعد (٦/ ١٢٠) والتاريخ الكبير (٥/ ٤٨٥) والاستيعاب (٣/ ٩٤٥ - ٩٤٦) والجرح والتعديل (٥/ ٥٦٩) وأسد الغابة (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣) وشذرات الذهب (١/ ٨٢).\n(٥) طبقات الحنابلة (١/ ٧١).","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>موقفه من المشركين:</span>\nعن محمد، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتقين أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر. قال محمد: فظننته أخذ ذلك من هذه الآية: ﴿وَمَنْ يتولهم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (١).اهـ (٢)\n\nعمرو بن مَيْمُون (٣) (٧٤ هـ)\nعمرو بن ميمون الأَوْدِي المَدْحِجي الكوفيّ، أبو عبد الله، أدرك الجاهلية وأسلم في حياة النبي - ﷺ - على يد معاذ وصحبه، ثم قدم المدينة وصحب ابن مسعود وحدث عنهما وعن عمر وأبي ذر، وسعد وأبي هريرة وعائشة وغيرهم. روى عنه سعيد بن جبير والشعبي وحصين بن عبد الرحمن وآخرون. روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون: قال: \"رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة قد زنت فرجموها، فرجمتها معهم\" (٤).\nمات سنة أربع وسبعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الإبانة عنه قال: إياكم وهذه الزعانف الذين رغبوا عن السنة\n_________\n(١) المائدة الآية (٥١).\n(٢) الإبانة (٢/ ٧/٨٥٨/ ١١٦٥).\n(٣) الجرح والتعديل (٦/ ٢٥٨/١٤٢٢) والإصابة (٥/ ١٥٤ - ١٥٥) والاستيعاب (٣/ ١٢٠٥ - ١٢٠٦) وتهذيب الكمال (٢٢/ ٢٦١ - ٢٦٧) والسير (٤/ ١٥٨ - ١٦١) وأسد الغابة (٤/ ٢٦٣/٤٠٣٣).\n(٤) البخاري (٧/ ١٩٧/٣٨٤٩).","vol":"1","page":399},{"text":"وخالفوا الجماعة. (١)\n\" الغريب:\nالزعنفة: رديء كل شيء ورذاله ... والقطعة من القبيلة تشذ وتنفرد، وكل جماعة ليس أصلهم واحدا، جمع زعانف. (٢)\n\nأبو عبد الرحمن السُّلمي (٣) (٧٤ هـ)\nعبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعَة الكوفي، أبو عبد الرحمن السُّلَمِي القارئ، ولأبيه صحبة. روى عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي ابن أبي طالب وأبي هريرة وطائفة. وروى عنه سعيد بن جبير، وعطاء بن السائب وإبراهيم النخعي وأبو إسحاق السبيعي، وعدد كثير. قال أبو إسحاق السبيعي: أقرأ أبو عبد الرحمن السلمي القرآن في المسجد أربعين سنة. وروى البخاري في صحيحه عن عثمان بن عفان أن النبي - ﷺ - قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج. قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا. (٤) توفي ﵀ في إمرة بشر ابن مروان في خلافة عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٨/ ٤٠٨).\n(٢) المعجم الوسيط (٣٩٤).\n(٣) طبقات ابن سعد (٦/ ١٧٢ - ١٧٥) والحلية (٤/ ١٩١ - ١٩٥) وتاريخ بغداد (٩/ ٤٣٠ - ٤٣١) وتهذيب الكمال (١٤/ ٤٠٨) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٦٧ - ٢٧٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦١ - ٨٠/ ٥٥٦ - ٥٥٨) والبداية والنهاية (٩/ ٧).\n(٤) البخاري (٩/ ٩١/٥٠٢٧).","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو عبد الرحمن: وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الرب على خلقه، وذلك لأنه منه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في مقدمة مسلم: حدثنا أبو كامل الجحدري. حدثنا حماد، وهو ابن زيد قال: حدثنا عاصم، قال: كنا نأتي أبا عبد الرحمن السلمي ونحن غلمة أيفاع. فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص، وإياكم وشقيقا. قال وكان شقيق هذا يرى رأي الخوارج، وليس بأبي وائل. (٢)\n\nمَالِك بن أبِي عَامِر الأَصْبَحِي (٣) (٧٤ هـ)\nمالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي أبو أنس جد الإمام مالك ابن أنس. كان عالما فاضلا، روى عن ربيعة بن محرز كاتب عمر، وطلحة بن عبد الله وعثمان بن عفان وعمر بن الخطاب وأبي هريرة وغيرهم. وروى عنه ابناه أنس والربيع، وسالم أبو النصر وسليمان بن يسار وآخرون. قال الإمام مالك: كان جدي مالك ممن قرأ في زمن عثمان، وكان يكتب المصاحف. وقال مالك بن أبي عامر شهدت عمر بن الخطاب عند الجمرة\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٢٥٢).\n(٢) مقدمة مسلم (١/ ٢٠).\n(٣) تهذيب الكمال (٢٧/ ١٤٨ - ١٥٠) والبداية والنهاية (٩/ ٧) وطبقات ابن سعد (٥/ ٦٣ - ٦٤) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٩) وشذرات الذهب (١/ ٨٢).","vol":"1","page":401},{"text":"وأصابه حجر فدماه. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة وقال: فرض له عثمان. سئل الربيع بن مالك: متى هلك أبوك؟ قال: حين اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى ابن وضاح عن مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة. (١)\n\nعُبَيْد بن عُمَيْر (٢) (٧٤ هـ)\nعبيد بن عمير بن قتادة اللَّيْثِي الجُنْدَعي المكي، أبو عاصم الواعظ المفسر، ولد في حياة رسول الله - ﷺ -، روى عن أبيه وعن عمر بن الخطاب وعلي وأبي ذر وعائشة وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الله وعطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وجماعة. وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة، وكان يذكر الناس فيحضر ابن عمر مجلسه. فعن ثابت قال: أول من قص عبيد بن عمير على عهد عمر بن الخطاب. عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فقالت له: خفف فإن الذكر ثقيل -تعني إذا وعظت- عن مجاهد قال: نفخر على التابعين بأربعة وذكر منهم عبيد بن عمير. توفي سنة أربع وسبعين.\n_________\n(١) ما جاء في البدع (١٣٨).\n(٢) السير (٤/ ١٥٦ - ١٥٧) وتهذيب الكمال (١٩/ ٢٢٣ - ٢٢٥) وطبقات ابن سعد (٥/ ٤٦٣ - ٤٦٤) والاستيعاب (٣/ ١٠١٨) وأسد الغابة (٣/ ٥٤٠) والبداية والنهاية (٩/ ٦ - ٧) وتهذيب التهذيب (٧/ ٧١) والإصابة (٥/ ٦٠).","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الشريعة: عن عبيد بن عمير، قال: يؤتى بالرجل الطويل العظيم يوم القيامة، فيوضع في الميزان، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، وقرأ: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾ (١). اهـ (٢)\n- وفيها: عن عبيد بن عمير في (العتل) قال: هو القوي الشديد الأكول الشروب، يوضع في الميزان، فلا يزن شعيرة، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفا دفعة واحدة في النار. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>موقفه من المرجئة:</span>\nعن عبيد بن عمير الليثي قال: ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان قول يعقل وعمل يعمل. (٤)\n\nصَفْوَان بن مُحْرِز (٥) (٧٤ هـ)\nصفون بن محرز بن زياد المازنيّ البصريّ كان ثقة، وهو تابعي مشهور. له فضل وورع، وكان من عباد أهل البصرة. حدث عن أبي موسى الأشعري وعمران بن حصين وابن عمر. وروى عنه جامع بن شداد وعاصم الأحول\n_________\n(١) الكهف الآية (١٠٥).\n(٢) الشريعة (٢/ ٢٠٩/٩٥٨).\n(٣) الشريعة (٢/ ٢٠٩/٩٥٩).\n(٤) السنة لعبد الله (٨٦) والإبانة (٢/ ٨٠٤ - ٨٠٥/ ١٠٩٢) والسنة للخلال (٤/ ٨١/١٢١٢).\n(٥) الحلية (٢/ ٢١٣ - ٢١٧) وطبقات ابن سعد (٧/ ١٤٧ - ١٤٨) والسير (٤/ ٢٨٦) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٣٠) والإصابة (٣/ ٤٧٠ - ٤٧١).","vol":"1","page":403},{"text":"وقتادة وغيرهم. وقيل: كان واعظا قانتا لله، قد اتخذ لنفسه سربا يبكي فيه. مات بعد انقضاء أمر ابن الزبير. وأرخه ابن حبان سنة أربع وسبعين، وهي السنة التي قتل فيها ابن الزبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الإبانة: عن محمد بن واسع، قال: رأيت صفوان بن محرز المازني، ورأى شبيبة يتجادلون قريبا منه في المسجد الجامع -قال حماد: وأشار بيده محمد بن واسع في ناحية بني سليم- قال: فرأيته قام ينفض ثيابه ويقول: إنما أنتم جرب، إنما أنتم جرب. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>موقف السلف من شبيب بن يزيد الخارجي (٧٧ ه</span>ـ)\nجاء في السير: وكان قد خرج صالح بن مسرح العابد التميمي بدارا، وله أصحاب يفقههم ويقص عليهم، ويذم عثمان وعليا كدأب الخوارج، ويقول: تأهبوا لجهاد الظلمة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فالقتل أسهل من الموت، والموت لا بد منه. فأتاه كتاب شبيب يقول: إنك شيخ المسلمين، ولن نعدل بك أحدا، وقد استجبت لك، والآجال غادية ورائحة، ولا آمن أن تخترمني المنية ولم أجاهد الظالمين، فيا له غبنا، ويا له فضلا متروكا، جعلنا الله ممن يريد الله بعمله، ثم أقبل هو وأخوه مصاد والمحلل بن وائل، وإبراهيم\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥١٣/ ٥٩٥) والشريعة (١/ ١٩٣/١٣٤) وانظر الاعتصام (٢/ ٧٩٢).","vol":"1","page":404},{"text":"ابن حجر، والفضل بن عامر الذهلي، إلى صالح، فصاروا مائة وعشرة أنفس، ثم شدوا على خيل لمحمد بن مروان، فأخذوها وقويت شوكتهم، فسار لحربهم عدي بن عدي بن عميرة الكندي، فالتقوا فانهزم عدي، وبعد مديدة توفي صالح من جراحات، سنة ست وسبعين، وعهد إلى شبيب فهزم العساكر، وعظم الخطب، وهجم على الكوفة وقتل جماعة أعيان. فندب الحجاج لحربه زائدة بن قدامة الثقفي، فالتقوا فقتل زائدة، ودخلت غزالة جامع الكوفة، وصلت وردها وصعدت المنبر، ووفت نذرها، وهزم شبيب جيوش الحجاج مرات، وقتل عدة من الأشراف، وتزلزل له عبد الملك، وتحير الحجاج في أمره، وقال: أعياني هذا، وجمع له جيشا كثيفا نحو خمسين ألفا. وعرض شبيب جنده فكانوا ألفا، وقال: يا قوم، إن الله نصركم وأنتم مائة، فأنتم اليوم مئون. ثم ثبت معه ست مائة، فحمل في مائتين على الميسرة هزمها، ثم قتل مقدم العساكر عتاب بن ورقاء التميمي، فلما رآه شبيب صريعا توجع له، فقال خارجي له: يا أمير المؤمنين تتوجع لكافر؟ ثم نادى شبيب برفع السيف، ودعا إلى طاعته، فبايعوه ثم هربوا في الليل.\nثم جاء المدد من الشام، فالتقاه الحجاج بنفسه، فجرى مصاف لم يعهد مثله، وثبت الفريقان، وقتل مصاد أخو شبيب، وزوجته غزالة، ودخل الليل وتقهقر شبيب وهو يخفق رأسه، والطلب في أثره، ثم فتر الطلب عنهم، وساروا إلى الأهواز، فبرز متوليها محمد ابن موسى بن طلحة، فبارز شبيبا فقتله شبيب، ومضى إلى كرمان فأقام شهرين ورجع، فالتقاه سفيان بن أبرد الكلبي وحبيب الحكمي على جسر دجيل. فاقتتلوا حتى دخل الليل، فعبر شبيب على الجسر،","vol":"1","page":405},{"text":"فقطع به، فغرق وقيل: بل نفر به فرسه، فألقاه في الماء سنة سبع وسبعين وعليه الحديد فقال: ﴿ذلك تقدير العزيز العليم﴾ (١) وألقاه دجيل إلى الساحل ميتا. (٢)\n\nجابر بن عبد الله (٣) (٧٨ هـ)\nجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، الأنصاري السلمي من بني سلمة، يكنى أبا عبد الله على الأصح. كان من المكثرين الحفاظ للسنن، روى علما كثيرا عن النبي - ﷺ -، وعن أبي بكر وعمر وعلي وأبي عبيدة ومعاذ بن جبل والزبير وطائفة. وحدث عنه جماعة منهم ابن المسيب وعطاء ابن أبي رباح والحسن البصري وغيرهم. كان مفتي المدينة في زمانه، وكان من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتا. روى مسلم في صحيحه عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: \"غزوت مع رسول الله - ﷺ - تسع عشرة غزوة، قال جابر: لم أشهد بدرا ولا أحدا، منعني أبي، فلما قتل عبد الله يوم أحد، لم أتخلف عن رسول الله غزوة قط\" (٤). وفيه أيضا عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من يصعد الثنية، ثنية المُرار، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل،\n_________\n(١) يس الآية (٣٨).\n(٢) السير (٤/ ١٤٨ - ١٤٩) والبداية (٩/ ١٨ - ٢٢) وتاريخ الطبري (٣/ ٥٥٦ وما بعدها).\n(٣) الإصابة (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥) والاستيعاب (١/ ٢١٩ - ٢٢٠) والسير (٣/ ١٨٩ - ١٩٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٣ - ٤٤) وشذرات الذهب (١/ ٨٤) وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٢/١٠٠) وأسد الغابة (١/ ٤٩٢).\n(٤) أحمد (٣/ ٣٢٩) ومسلم (٣/ ١٤٤٨/١٨١٣).","vol":"1","page":406},{"text":"قال: فكان أول من صعدها خيلنا، خيل بني الخزرج، ثم تتامّ الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: وكلكم مغفور له، إلا صاحب الجمل الأحمر، فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله - ﷺ -، فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. قال: وكان رجل ينشد ضالة له\" (١).\nمات سنة ثمان وسبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، وكان قد ذهب بصره ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الهروي (٢) عن جابر قال: كان القرآن ينزل على رسول الله - ﷺ - ويبينه لنا كما أمره الله. قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٣) وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤).\n- وفي الإبانة (٥) عن الأوزاعي قال: حدثني أبو عمار قال: حدثني جار كان لجابر بن عبد الله قال: قدمت من سفر فجاء جابر يسلم علي، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي. ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا وسيخرجون منه\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢١٤٤ - ٢١٤٥/ ٢٧٨٠).\n(٢) ذم الكلام (٢/ ١٧٠ - ١٧١/ ٢٥٣).\n(٣) القيامة الآيتان (١٨و١٩).\n(٤) النحل الآية (٤٤).\n(٥) (١/ ٢/٣٠٠/ ١٣٧).","vol":"1","page":407},{"text":"أفواجا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>موقفه من الخوارج:</span>\n- روى مسلم في صحيحه: عن يزيد الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم -جالس إلى سارية- عن رسول الله - ﷺ - قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون والله يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تدخل النار فقد أخزيته﴾ (٢) و﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ (٣) فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇ (يعني الذي يبعثه الله فيه) قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد - ﷺ - المحمود الذي يخرج الله به من يخرج. قال: ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه. قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا. قلنا: ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله - ﷺ -؟!\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٣٤٣)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٨١): \"رواه أحمد وجار جابر لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح\". وعزاه السيوطي في الدر ٦/ ٤٠٨) لابن مردويه. وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم ٤/ ٤٩٦) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(٢) آل عمران الآية (١٩٢).\n(٣) السجدة الآية (٢٠).","vol":"1","page":408},{"text":"فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد. (١)\n- وعن سليمان بن قيس اليشكري -وكان من أهل البيت- قال: قلت لجابر بن عبد الله: أفي أهل القبلة طواغيت؟ قال: لا. قلت: أكنتم تدعون أحدا من أهل القبلة مشركا؟ قال: لا. (٢)\n- وفي رواية عنه قال: قلت لجابر بن عبد الله: أكنتم تعدون الذنب شركا؟ قال: لا، إلا عبادة الأوثان. (٣)\n- وعن جعفر بن محمد عن أبيه، حدثني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أمتي\" (٤) فقلت: ما هذا يا جابر؟ قال: نعم يا محمد، إنه من زادت حسناته على سيئاته يوم القيامة فذلك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذلك الذي يحاسب يسيرا ثم يدخل الجنة، وإنما شفاعة رسول الله - ﷺ - لمن أوبق نفسه وأغلق ظهره. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في الإبانة: عن مجاهد بن جبير أبي الحجاج عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قلت له: ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم من\n_________\n(١) صحيح مسلم (١/ ١٧٩/١٩١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٦/ ١١٤٦/٢٠٠٨)، وبنحوه في أصول السنة لأبي زمنين (٢٢٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٦/ ١١٤٦/٢٠٠٧).\n(٤) الترمذي (٤/ ٥٤٠/٢٤٣٦) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\". وابن ماجه (٢/ ١٤٤١/٤٣١٠) وابن حبان (١٤/ ٣٨٦/٦٤٦٧) والحاكم (١/ ٦٩) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\".\n(٥) أصول الاعتقاد (٦/ ١١٦٨/٢٠٥٥).","vol":"1","page":409},{"text":"الأعمال في عهد رسول الله - ﷺ -؟ قال: الصلاة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: قال جابر: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره، ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. (٢)\n\nشُرَيْح القاضي (٣) (٧٨ هـ)\nهو الفقيه أبو أمية، شريح بن الحارث بن قَيْس بن الجَهْم الكِنْدِي الكوفي القاضي. ويقال: إنه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، يقال: له صحبة ولم يصح، بل هو ممن أسلم في حياة النبي - ﷺ - وانتقل من اليمن زمن الصديق. روى عن النبي - ﷺ - مرسلا، وعن زيد بن أسلم وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب. وروى عنه إبراهيم النخعي وتميم بن سلمة، والشعبي ومجاهد، وابن سيرين وغيرهم. تولى القضاء لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ثم عزله علي، ثم ولاه معاوية، فاستمر في القضاء إلى أن مات سنة ثمان وسبعين. قيل أقام على قضاء الكوفة ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٦٧٢/٨٧٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٠ - ٧٥١/ ١٢٤٢).\n(٣) طبقات ابن سعد (٦/ ١٣١) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٦٠) والسير (٤/ ١٠٠ - ١٠٦) وأخبار القضاة (٢/ ١٨٩) والبداية والنهاية (٩/ ٢٤ - ٢٨) وتهذيب الكمال (١٢/ ٤٣٥ - ٤٤٥).","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الدارمي عن أبي بكر الهذلي عن الشعبي قال: شهدت شريحا، وجاءه رجل من مراد فقال: يا أبا أمية، ما دية الأصابع؟ قال: عشر عشر. قال: يا سبحان الله! أسواء هاتان؟ -جمع بين الخنصر والإبهام- فقال شريح: يا سبحان الله! أسواء أذنك ويدك؟ فإن الأذن يواريها الشعر والكمة والعمامة فيها نصف الدية، وفي اليد نصف الدية، ويحك، إن السنة سبقت قياسكم، فاتبع ولا تبتدع، فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر. قال أبو بكر: فقال لي الشعبي: يا هذلي، لو أن أحنفكم قتل وهذا الصبي في مهده أكان ديتهما سواء؟ قلت: نعم قال: فأين القياس. (١)\n- وروى ابن عبد البر عن شريح قال: إنما أقتفي الأثر، فما وجدت في الأثر حدثتكم به. (٢)\n\nغُضَيْف بن الحارث (٣) (٨٠ هـ)\nغضيف بن الحارث بن زُنَيْم، أبو أسماء عداده في صغار الصحابة، وله رواية عن النبي - ﷺ -، وعن عمر وأبي عبيدة، وبلال وغيرهم. روى عنه ابنه عبد الرحمن، وحبيب بن عبيد ومكحول وغيرهم. سكن حمص. عن غضيف\n_________\n(١) الدارمي (١/ ٦٦) وجامع بيان العلم (٢/ ١٠٥٠).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٨١) والإبانة (١/ ٢/٣٦٠/ ٢٥٢) وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (٤/ ١٥١).\n(٣) الإصابة (٥/ ٣٢٣ - ٣٢٥) وطبقات ابن سعد (٧/ ٤٢٩ - ٤٤٣) وتهذيب التهذيب (٨/ ٢٤٨ - ٢٥٠) والسير (٣/ ٤٥٣ - ٤٥٥) والجرح والتعديل (٧/ ٥٤) وتهذيب الكمال (٢٣/ ١١٢ - ١١٦).","vol":"1","page":411},{"text":"أنه مر بعمر فقال: نعم الفتى غضيف فلقيت أبا ذر بعد ذلك فقال: يا أخي استغفر لي. قلت: أنت صاحب رسول الله - ﷺ -، وأنت أحق أن تستغفر لي. قال: إني سمعت عمر يقول: نعم الفتى غضيف، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه\". (١) بقي حتى خلافة عبد الملك بن مروان. توفي في حدود سنة ثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى الإمام أحمد في مسنده: عن غضيف بن الحارث الثمالي قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان، فقال: يا أبا أسماء، إنا قد أجمعنا الناس على أمرين. قال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منهما. قال: لم؟ قال: لأن النبي - ﷺ - قال: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة. (٢)\n\" التعليق:\nوقفة قصيرة مع هذا النص تريك الفرق بين علماء السلف وعلماء الخلف، فالآن لو دعي عالم منهم لملك أو أمير أو أقل، وطلب منه ما طلب -مهما كان ذلك الطلب- لعد هذا من الشرف، سواء كان الطلب، بدعة\n_________\n(١) أحمد (٥/ ١٤٥و١٦٥و١٧٧) أبو داود (٣/ ٣٦٥/٢٩٦٢) وابن ماجه (١/ ٤٠/١٠٨) نالحاكم (٣/ ٨٦ - ٨٧) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة\". ووافقه الذهبي.\n(٢) أحمد (٤/ ١٠٥) واللالكائي في أصول الاعتقاد (١/ ١٠٢/١٢١) ومحمد بن نصر في السنة (ص.٣٢/ ٩٧). وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٨): \"وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو منكر الحديث\".","vol":"1","page":412},{"text":"أو فتوى توافق الهوى أو غير ذلك، إلا من عصمه الله. والله المستعان.\n\nجُبَيْر بن نُفَيْر (١) (٨٠ هـ)\nجبير بن نفير بن مالك بن عامر الحَضْرَمِيّ الحِمْصِيّ، ويكنى أبا عبد الرحمن. أدرك حياة النبي - ﷺ - ولم يره، وروى عنه مرسلا. وحدث عن أبي بكر وعمر والمقداد وأبي ذر وأبي هريرة وعائشة وعدة. روى عنه ولده عبد الرحمن، ومكحول وخالد بن معدان وآخرون. وكان جبير ثقة من كبار تابعي أهل الشام من القدماء. ومن كلامه: قال: استقبلت الإسلام من أوله، ولم أزل أرى في الناس صالحا وطالحا.\nقال ابن سعد وغيره: مات سنة ثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عنه قال: إن التكذيب بالقدر شرك فتح على أهل ضلالة، فلا تجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم. (٢)\n- وروى الآجري بسنده عن جبير بن نفير: إن الله تعالى كان عرشه على الماء، وإنه خلق القلم. فكتب ما هو خالق، وما هو كائن إلى يوم القيامة. (٣)\n_________\n(١) السير (٤/ ٧٦ - ٧٨) وتهذيب الكمال (٤/ ٥٠٩ - ٥١١) وطبقات ابن سعد (٧/ ٤٤٠) والاستيعاب (١/ ٢٣٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ٦٤ - ٦٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٣/ ٦٢٧).\n(٣) الشريعة (١/ ٤٣١ - ٤٣٢/ ٥٣٤).","vol":"1","page":413},{"text":"أبو إدريس الخَوْلاَنِي (١) (٨٠ هـ)\nعائذ الله بن عبد الله، ويقال عيذ الله بن إدريس بن عائذ قاضي دمشق وعالمها، وواعظها. روى عن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت وآخرين. وعنه جماعة منهم الزهري وربيعة بن يزيد وبشر ابن عبد الله ومكحول. قال مكحول: ما رأيت مثل أبي إدريس الخولاني. وقال سعيد ابن عبد العزيز: كان أبو إدريس عالم الشام بعد أبي الدرداء.\nوسئل دحيم عن أبي إدريس وعن جبير، أيهما أعلم؟ قال: أبو إدريس هو المقدم، ورفع أيضا من شأن جبير بن نفير لإسناده وأحاديثه. وقال أبو زرعة: أحسن أهل الشام لقيا لأجلة أصحاب رسول الله - ﷺ -: جبير بن نفير وأبو إدريس وكثير بن مرة. توفي سنة ثمانين للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى ابن بطة في الإبانة بسنده إلى أبي إدريس قال: لأن أرى في المسجد نارا تضطرم، أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا تغير. (٢)\n\" التعليق:\nانظر هذه الكراهية للبدعة ما أعظمها! فاحتراق المسجد وما فيه أحب من وجود البدعة فيه: فالمساجد الآن في العالم الإسلامي مليئة بالبدع، فهل لها من مغير؟\n_________\n(١) الإصابة (٥/ ٥ - ٦) وطبقات ابن سعد (٧/ ٤٨) وتاريخ خليفة (٢٨٠) والحلية (٥/ ١٢٢ - ١٢٩) والبداية والنهاية (٩/ ٣٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٨٥ - ٨٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٥٦ - ٥٧) وشذرات الذهب (١/ ٨٨) والسير (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٧) والمعرفة والتاريخ (٢/ ٣١٧ - ٣٢٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥١٤/ ٥٩٩) وذم الكلام (ص.١٩٧) والسنة (ص.٩٦) وابن وضاح (ص.٨٣) والحوادث والبدع (ص.١٠٩ - ١١٠) وانظر الاعتصام (١/ ١١٢).","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>موقفه من المرجئة:</span>\nعن يزيد بن يزيد بن جابر قال: بلغني عن أبي إدريس الخولاني، قال: ما على ظهرها من بشر لا يخاف على إيمانه إلا ذهب. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة عنه قال: ألا إن أبا جميلة لا يؤمن بالقدر فلا تجالسوه. (٢)\n- وفيها: عن أبي إدريس الخولاني أنه رأى رجلا يتكلم في القدر فقام إليه فوطئ بطنه، ثم قال: إن فلانا لا يؤمن بالقدر، فلا تجالسوه. فخرج الرجل من دمشق إلى حمص. (٣)\n\nعبد الله بن جعفر (٤) (٨٠ هـ)\nعبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب أبو جعفر القرشي الهاشمي الحبشي المولد، المدني الدار، الجواد بن الجواد. عداده في صغار الصحابة، استشهد أبوه يوم مؤتة فكفله النبي - ﷺ - ونشأ في حجره. له رواية عن النبي - ﷺ -، وعن عمه علي بن أبي طالب وعن أمه أسماء بنت عميس. روى عنه أولاده: إسماعيل وإسحاق ومعاوية، وأبو جعفر الباقر، والقاسم بن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٧٥٧/١٠٥٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٩/ ٤١١).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٠/ ٤١٢).\n(٤) السير (٣/ ٤٥٦ - ٤٦٢) والاستيعاب (٣/ ٨٨٠ - ٨٨٢) والإصابة (٤/ ٤٠ - ٤٣) وأسد الغابة (٣/ ١٩٩ - ٢٠١) وشذرات الذهب (١/ ٨٧) وتهذيب الكمال (١٤/ ٣٦٧ - ٣٧٢) والبداية والنهاية (٩/ ٣٥ - ٣٦).","vol":"1","page":415},{"text":"محمد، وآخرون. وهو آخر من رأى النبي - ﷺ - وصحبه من بني هاشم. كان كبير الشأن كريما جوادا يصلح للإمامة.\nعن عبد الله قال: \"أتانا النبي - ﷺ - بعد ما أخبر بقتل جعفر بعد ثالثة فقال: لا تبكوا أخي بعد اليوم، ثم قال: ايتوني ببني أخي، وقال: أما عبد الله فشبه خلقي وخلقي، ثم أخذ بيدي فأشالها، ثم قال: اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقته\". وقال عنا: أنا وليهم في الدنيا والآخرة. (١) وكان ابن عمر إذا سلم عليه قال: \"السلام عليك يا ابن ذي الجناحين\" (٢)، ولعبد الله أخبار في الجود والبذل كثيرة، وكان وافر الحشمة، كثير التنعم، حتى كان يقال له: قطب السخاء.\nتوفي سنة ثمانين وصلى عليه أبان بن عثمان والي المدينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>موقفه من الرافضة:</span>\nعن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: ولينا أبو بكر خير خليفة، أرحمه بنا، وأحناه علينا. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: كان عبد الله بن جعفر وعمر بن عبد الله يسيران في موكب لهما، فذكروا القدرية وكلامهم، فقال ابن جعفر: هم الزنادقة، فقال\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢٠٤) وأبو داود (٤/ ٤٠٩ - ٤١٠/ ٤١٩٢) مختصرا. والنسائي (٨/ ٥٦٤/٥٢٤٢) مختصرا. والحاكم (٣/ ٢٩٨) مختصرا وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. كلهم من طريق وهب بن جرير قال حدثني أبي عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر رفعه.\n(٢) البخاري (٧/ ٩٤/٣٧٠٩) والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٧ - ٤٨/ ٨١٥٨).\n(٣) المستدرك للحاكم (٣/ ٧٩) وأصول الاعتقاد (٧/ ١٣٧٨/٢٤٥٩) والشريعة (٢/ ٤٤٠/١٢٤٧).","vol":"1","page":416},{"text":"عمر بن عبد الله: إنما يتكلمون في القدر؛ فقال ابن جعفر: هم والله الزنادقة. (١)\n\nخَيْثَمَة بن عبد الرحمن (٢) (بعد سنة ٨٠ هـ)\nخيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة الجُعْفِي الكوفي، وأبوه وجده صحابيان. روى عن أبيه والبراء بن ع (٩) وعائشة وعدي بن حاتم وعبد الله ابن عباس وابن عمر وعلي ﵃، وطائفة. وروى عنه إبراهيم النخعي وسليمان الأعمش وقتادة ويونس بن أبي إسحاق وسعيد بن مسروق وغيرهم. قال أحمد العجلي: كوفي تابعي ثقة، وكان رجلا صالحا، وكان يركب الخيل، وكان سخيا. وعن طلحة بن مصرف: ما رأيت بالكوفة أحدا أعجب إلي من إبراهيم وخيثمة.\nقال البخاري: مات قبل أبي وائل. قال شعبة: عن نعيم بن أبي هند، قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة وهو على حمار وهو يقول: واحزناه، أو كلمة نحوها. توفي ﵀ بعد سنة ثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في مجموع الفتاوى: قال خيثمة بن عبد الرحمن: الإيمان يسمن في الخصب، ويهزل في الجذب، فخصبه العمل الصالح، وجذبه الذنوب والمعاصي. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٠/ ١٧٩٦).\n(٢) طبقات ابن سعد (٦/ ٢٨٦) والحلية (٤/ ١١٣) وتهذيب الكمال (٨/ ٣٧٠) وتاريخ خليفة (ص٣٠٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٨١ - ١٠٠/ص.٥٨) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢٠ - ٣٢١) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٢٦).","vol":"1","page":417},{"text":"محمد بن علي بن الحَنَفِيَّة (١) (٨١ هـ)\nهو محمد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كنيته أبو القاسم وأبو عبد الله، القرشي الهاشمي، المدني، أخو الحسن والحسين، وأمه من سبي اليمامة، وهي خولة بنت جعفر الحنفية. روى عن أبيه علي، وأبي هريرة، وعثمان وابن عباس، وعنه جماعة منهم: أبناؤه إبراهيم والحسن وعبد الله وعمر وعون، وكذا عطاء بن أبي رباح وسالم بن أبي الجعد.\nوفد على معاوية، وعبد الملك بن مروان، وكانت الشيعة في زمانه تتغالى فيه، وتدعي إمامته، ولقبوه بالمهدي، ويزعمون أنه لم يمت. قال عبد الأعلى: إن محمد بن علي كان يكنى أبا القاسم، وكان ورعا كثير العلم.\nوقال عنه العجلي: تابعي ثقة، كان رجلا صالحا.\nومن أقواله: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله من أمره فرجا، أو قال: مخرجا. وقال: من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر. وقال أيضا: إن الله جعل الجنة ثمنا لأنفسكم فلا تبيعوها بغيرها. توفي ﵀ سنة إحدى وثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة: عن محمد قال: لا تجالسوا أصحاب الخصومات فإنهم\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٥/ ٩١ - ١١٦) وحلية الاولياء (٣/ ١٧٤ - ١٨٠) والبداية والنهاية (٩/ ٣٨ - ٣٩) وسير أعلام النبلاء (٤/ ١١٠ - ١٢٩) ووفيات الأعيان (٤/ ١٦٩ - ١٧٣) وتهذيب الكمال (٢٦/ ١٤٧ - ١٥٢) وتهذيب التهذيب (٩/ ٣٥٤ - ٣٥٥) وشذرات الذهب (١/ ٨٨ - ٩٠) والعقد الثمين (٢/ ١٥٧) والوافي بالوفيات (٤/ ٩٩ - ١٠٢).","vol":"1","page":418},{"text":"الذين يخوضون في آيات الله. (١)\n- وفيها (٢): عنه قال: إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء، وكان يرى أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٣).\n\" التعليق:\nرضي الله عن هذا الإمام، إذ حصر الثبات لحملة السنة والكتاب والعقيدة السلفية الصحيحة، وأما المبتدعة فلا تجد لهم ثباتا، لأنهم في شك مما هم فيه، ولأن شروط الثبات فقدت فيهم، ومن شك في ذلك فليراجع تراجم الفلاسفة والكلاميين كم واحد منهم تاب وتراجع عن بدعته، وأعلن توبته للناس كما فعل الأشعري والرازي والغزالي وغيرهم مما لا يحصى لكثرتهم.\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن أبي يعلى عن محمد بن الحنفية قال: لا تنقضي الدنيا حتى تكون خصومات الناس في ربهم. (٤)\n- وروى ابن بطة: عن جابر قال: قال لي محمد بن علي: يا جابر، لا تخاصم فإن الخصومة تكذب القرآن. (٥)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٦١٩/ ٨٠٨) وذم الكلام (ص.١٩١).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٩٨/ ٥٥٢).\n(٣) الأنعام الآية (٦٨).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٣ - ١٤٤/ ٢١٣) والإبانة (٢/ ٣/٥٢١/ ٦١٧).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٤٩٥/ ٥٤٢).","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: عن محمد قال: نحن أهل بيتين من قريش نتخذ من دون الله أندادا، نحن وبنو أمية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>موقفه من المرجئة:</span>\nعن فضيل بن يسار عن محمد بن علي قال: في قول رسول الله - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن\" (٢)، قال: إذا أتى شيئا من ذلك نزع منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه. قال محمد بن علي: هذا الإسلام وأدار إدارة واسعة وأدار في جوفها إدارة صغيرة، وقال: هذا الإيمان، قال: فالإيمان مقصور في الإسلام، قال: فقول رسول الله - ﷺ -: \"لا يزني حين يزني وهو مؤمن\" إذا أتى شيئا من ذلك خرج من الإيمان إلى الإسلام، قال: فإذا تاب تاب الله عليه ورجع إلى الإيمان. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>موقفه من القدرية:</span>\nروى اللالكائي بسنده عن منذر أبي يعلى قال: قال محمد بن الحنفية: من أحب رجلا على عدل ظهر فيه وهو في علم الله من أهل النار آجره الله كما لو كان من أهل الجنة، ومن أبغض رجلا على جور ظهر منه وهو في\n_________\n(١) السير (٤/ ١١٦).\n(٢) أحمد (٢/ ٣٧٦) والبخاري (٥/ ١٥٠ - ١٥١/ ٢٤٧٥) ومسلم (١/ ٧٦/٥٧) وأبو داود (٥/ ٦٤ - ٦٥/ ٤٦٨٩) والترمذي (٥/ ١٦ - ١٧/ ٢٦٢٥) وقال: \"حديث حسن صحيح غريب\". والنسائي (٨/ ٧١٥ - ٧١٦/ ٥٦٧٥) وابن ماجه (٢/ ١٢٩٨ - ١٢٩٩/ ٣٩٣٦) من حديث أبي هريرة.\n(٣) الإبانة (٢/ ٥/٧١٢ - ٧١٣/ ٩٦٠).","vol":"1","page":420},{"text":"علم الله من أهل الجنة آجره الله كما لو كان من أهل النار. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>موقف السلف من معبد الجهني القدري (٨١ ه</span>ـ)\nقال ابن كثير في البداية: يقال إنه معبد بن عبد الله بن عكيم راوي الحديث: \"لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب\" (٢) وقيل غير ذلك في نسبه. سمع الحديث من ابن عباس وابن عمر ومعاوية وعمران بن حصين وغيرهم، وشهد يوم التحكيم وسأل أبا موسى في ذلك ووصاه، ثم اجتمع بعمرو بن العاص فوصاه في ذلك فقال له: إيها ياتيس جهنة، ما أنت من أهل السر والعلانية وأنه لا ينفعك الحق ولا يضرك الباطل، وهذا توسم فيه من عمرو ابن العاص، ولهذا كان هو أول من تكلم في القدر، ويقال إنه أخذ ذلك عن رجل من النصارى من أهل العراق يقال له سوس، وأخذ غيلان القدر من معبد، وقد كانت لمعبد عبادة، وفيه زهادة، ووثقه ابن معين وغيره في حديثه، وقال الحسن البصري: إياكم ومعبدا فإنه ضال مضل، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث، فعاقبه الحجاج عقوبة عظيمة بأنواع العذاب ثم قتله. وقال سعيد بن عفير: بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق ثم قتله. وقال خليفة بن خياط مات قبل التسعين فالله أعلم وقيل إن الأقرب قتل\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٤/١٢٧٧).\n(٢) أحمد (٤/ ٣١٠ - ٣١١) وأبو داود (٤/ ٣٧٠ - ٣٧١/ ٤١٢٧ - ٤١٢٨) والترمذي (٤/ ١٩٤/١٧٢٩) وقال: \"هذا حديث حسن\". والنسائي (٧/ ١٩٧/٤٢٦٠) وابن ماجه (٢/ ١١٩٤/٣٦١٣).","vol":"1","page":421},{"text":"عبد الملك له والله ﷾ أعلم. (١)\n\nالمُهَلَّب بن أَبي صُفْرَة (٢) (٨٢ هـ)\nأبو سعيد، المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة الأَزْدِي العَتَكِي البصري. أمير عبد الملك بن مروان على خراسان، صاحب الحروب والفتوح، حدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص وسمرة بن جندب وابن عمر والبراء بن عازب. وروى عنه سماك بن حرب وأبو إسحاق وعمر بن سيف.\nقال أبو إسحاق السبيعي: لم أر أميرا أيمن نقيبة ولا أشجع لقاء ولا أبعد مما يكره ولا أقرب مما يحب من المهلب. كان من أشجع الناس، حمى البصرة من الخوارج، وله معهم وقائع مشهورة بالأهواز، غزا أرض الهند سنة أربع وأربعين. روي أنه قدم على عبد الله بن الزبير أيام خلافته بالحجاز والعراق وتلك النواحي وهو يومئذ بمكة، فخلا به عبد الله يشاوره، فدخل عليه عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب القرشي الجمحي فقال: من هذا الذي قد شغلك يا أمير المؤمنين يومك هذا؟ قال أو ما تعرفه؟ قال: لا، قال: هذا سيد أهل العراق، قال: فهو المهلب بن أبي صفرة. قال: نعم، فقال المهلب: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا سيد قريش، فقال: فهو عبد الله بن صفوان، قال: نعم. من أقواله: يعجبني في الرجل أن أرى عقله\n_________\n(١) البداية والنهاية (٩/ ٣٦ - ٣٧).\n(٢) الإصابة (٦/ ٣٨٦ - ٣٨٨) وطبقات ابن سعد (٧/ ١٢٩ - ١٣٠) وتاريخ الطبري (٦/ ٣٥٤ - ٣٥٥) ووفيات الأعيان (٥/ ٣٥٠ - ٣٥٩) وشذرات الذهب (١/ ٩٠ - ٩١) والجرح والتعديل (٨/ ٣٦٩ - ٣٧٠) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٨٣ - ٣٨٥) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٣٢٩ - ٣٣٠) والبداية والنهاية (٩/ ٤٢) وتهذيب الكمال (٢٩/ ٨ - ١٣).","vol":"1","page":422},{"text":"زائدا على لسانه ولا أرى لسانه زائدا على عقله. وقال أيضا: نعم الخصلة السخاء، تستر عورة الشريف، وتلحق خسيسة الوضيع، وتحبب المزهود فيه. وقال: ما شيء أبقى للملك من العفو، خير مناقب الملك العفو. وعلق الذهبي على هذه القولة بقوله: ينبغي أن يكون العفو من الملك عن القتل، إلا في الحدود، وأن لا يعفو عن وال ظالم، ولا عن قاض مرتش، بل يعجل بالعزل، ويعاقب المتهم بالسجن، فحلم الملوك محمود إذا ما اتقوا الله وعملوا بطاعته. توفي ﵀ غازيا سنة اثنتين وثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>موقفه من الخوارج:</span>\nقال ابن كثير في البداية والنهاية في معرض حديثه عن حوادث سنة ثمان وستين: وفيها كانت وقعة الأزارقة. وذلك أن مصعبا كان قد عزل عن ناحية فارس المهلب بن أبي صفرة، وكان قاهرا لهم وولاه الجزيرة، وكان المهلب قاهرا للأزارقة، وولى على فارس عمر بن عبد الله بن معمر، فثاروا عليه فقاتلهم عمر بن عبد الله فقهرهم وكسرهم، وكانوا مع أميرهم الزبير ابن الماجور، ففروا بين يديه إلى اصطخر فأتبعهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتلوا ابنه، ثم ظفر بهم مرة أخرى، ثم هربوا إلى بلاد أصبهان ونواحيها، فتقووا هنالك وكثر عَددهم وعُددهم، ثم أقبلوا يريدون البصرة، فمروا ببعض بلاد فارس وتركوا عمر بن عبد الله بن معمر وراء ظهورهم، فلما سمع مصعب بقدومهم ركب في الناس وجعل يلوم عمر بن عبد الله بتركه هؤلاء يجتازون ببلاده، وقد ركب عمر ابن عبد الله في آثارهم، فبلغ الخوارج أن مصعبا أمامهم وعمر بن عبد الله وراءهم، فعدلوا إلى المدائن فجعلوا يقتلون النساء","vol":"1","page":423},{"text":"والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالا لم يفعلها غيرهم، فقصدهم نائب الكوفة الحارث بن أبي ربيعة ومعه أهلها وجماعات من أشرافها، منهم ابن الأشتر وشبث بن ربعي، فلما وصلوا إلى جسر الصراة قطعه الخوارج بينه وبينهم، فأمر الأمير بإعادته، ففرت الخوارج هاربين بين يديه، فأتبعهم عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف فمروا على الكوفة ثم صاروا إلى أرض أصبهان، فانصرف عنهم ولم يقاتلهم، ثم أقبلوا فحاصروا عتاب ابن ورقاء شهرا، بمدينة جيا، حتى ضيقوا على الناس فنزلوا إليهم فقاتلوهم فكشفوهم، وقتلوا أميرهم الزبير بن الماجور وغنموا ما في معسكرهم، وأمرت الخوارج عليهم قطرى بن الفجاءة ثم ساروا إلى بلاد الأهواز، فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة -وهو على الموصل- أن يسير إلى قتال الخوارج، وكان أبصر الناس بقتالهم، وبعث مكانه إلى الموصل إبراهيم بن الأشتر فانصرف المهلب إلى الأهواز فقاتل فيها الخوارج ثمانية\nأشهر قتالا لم يسمع بمثله. (١)\n- وقال أيضا وهو يتحدث عن حوادث سنة اثنتين وسبعين: ففيها كانت وقعة عظيمة بين المهلب بن أبي صفرة وبين الأزارقة من الخوارج بمكان يقال له سولاق، مكثوا نحوا من ثمانية أشهر متواقفين. وجرت بينهم حروب يطول بسطها، وقد استقصاها ابن جرير، وقتل في أثناء ذلك من هذه المدة مصعب بن الزبير. ثم إن عبد الملك أقر المهلب بن أبي صفرة علىالأهواز وما معها، وشكر سعيه وأثنى عليه ثناء كثيرا، ثم تواقع الناس في دولة\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ٢٩٦ - ٢٩٧).","vol":"1","page":424},{"text":"عبد الملك بالأهواز، فكسر الناس الخوارج كسرة فظيعة، وهربوا في البلاد لا يلوون على أحد، وأتبعهم خالد بن عبد الله أمير الناس وداود بن محندم فطردوهم، وأرسل عبد الملك إلى أخيه بشر بن مروان أن يمدهم بأربعة آلاف، فبعث إليه أربعة آلاف، عليهم عتاب بن ورقاء، فطردوا الخوارج كل مطرد، ولكن لقي الجيش جهدا عظيما وماتت خيولهم ولم يرجع أكثرهم إلا مشاة إلى أهليهم. (١)\n- وقال عنه أيضا: ولي حرب الخوارج أول دولة الحجاج، وقتل منهم في يوم واحد أربعة آلاف وثمانمائة. (٢)\n\nمحمد بن سعد بن أبي وقاص (٣) (٨٢ هـ)\nالإمام الثقة أبو القاسم القرشي المدني. قيل: إنه كان يلقب ظل الشيطان لقصره. أرسل عن النبي - ﷺ -. روى عن أبيه سعد وعثمان بن عفان وأبي الدرداء وطائفة. حدث عنه ابناه: إبراهيم وإسماعيل، وأبو إسحاق السبيعي ويونس بن جبير، وإسماعيل بن أبي خالد وعبد الحميد ابن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب وجماعة. أمه ماوية ابنة قيس بن معدي كرب من كندة. قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث ليست بالكثيرة، وكان قد خرج مع\n_________\n(١) البداية والنهاية (٨/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\n(٢) البداية والنهاية (٩/ ٤٧).\n(٣) الجرح والتعديل (٧/ ٢٦١) والتاريخ الكبير (١/ ٨٨) وطبقات ابن سعد (٥/ ١٦٧و٦/ ٢٢١) وتهذيب الكمال (٢٥/ ٢٥٨ - ٢٦٠) وتهذيب التهذيب (٩/ ١٨٣) والسير (٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩) وطبقات خليفة (٢٤٣) وشذرات الذهب (١/ ٩١) الكامل لابن الأثير (٤/ ٤٧٢ - ٤٨٢).","vol":"1","page":425},{"text":"عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وشهد دير الجماجم فأتي به الحجاج فقتله. روى جملة صالحة من العلم. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات. وكان مصرعه ﵀ في سنة اثنتين وثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن داود بن أبي هند أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سمع قوما يتكلمون بالفارسية فقال: ما بال المجوسية بعد الحنيفية. (١)\n\nشَقِيق بن سَلَمَة (٢) (٨٢ هـ)\nالإمام الكبير أبو وائل الأسدي شيخ الكوفة. مخضرم أدرك النبي - ﷺ - وما رآه. حدث عن عمر وعثمان وعلي وعمار، ومعاذ وابن مسعود وأبي الدرداء وغيرهم. وروى كذلك عن أقرانه كمسروق وعلقمة وحمران بن أبان. وكان من أئمة الدين. وحدث عنه خلق كثير منهم: عمرو ابن مرة وحبيب ابن أبي ثابت والحكم بن عتيبة وغيرهم. فعن وكيع عن أبي العنبس، قلت لأبي وائل: هل أدركت النبي - ﷺ -؟ قال: نعم، وأنا غلام أمرد ولم أره. وقال الأعمش، قال لي شقيق بن سلمة: يا سليمان لو رأيتنا ونحن هراب من خالد ابن الوليد يوم بزاخة، فوقعت عن البعير، فكادت تندق عنقي، فلو مت\n_________\n(١) ابن أبي شيبة (٩/ ١١).\n(٢) الإصابة (٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧) والاستيعاب (٢/ ٧١٠) وطبقات ابن سعد (٦/ ٩٦ - ١٠٢) وتاريخ بغداد (٩/ ٢٦٨ - ٢٧١) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧) وتهذيب الكمال (١٢/ ٥٤٨ - ٥٥٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٦٠) والحلية (٤/ ١٠١ - ١١٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٦١ - ١٦٦).","vol":"1","page":426},{"text":"يومئذ كانت النار، قال: وكنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة. قال الذهبي: وفي نسخة ابن إحدى وعشرين سنة وهو أشبه. وعن محمد بن الفضل عن أبيه، عن أبي وائل، أنه تعلم القرآن في شهرين. وقال الأعمش: قال لي إبراهيم النخعي: عليك بشقيق فإني أدركت الناس وهم متوافرون، وإنهم ليعدونه من خيارهم. وقال عاصم بن أبي النجود: ما سمعت أبا وائل سب إنسانا قط ولا بهيمة. وعن عاصم قال: كان أبو وائل إذا صلى في بيته ينشج نشيجا، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله. قال الذهبي: قد كان هذا السيد رأسا في العلم والعمل.\nقال خليفة: مات بعد الجماجم سنة اثنتين وثمانين. وقيل: في خلافة عمر بن عبد العزيز. قال الحافظ المزي: والمحفوظ الأول والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة: قال الزبرقان: نهاني أبو وائل أن أجالس أصحاب أرأيت أرأيت. (١)\n- وروى ابن وضاح: عن الأعمش قال: قال لي شقيق أبو وائل: يا سليمان! ما شبّهت قراء زمانك إلا بغنم رعت حمضا، فمن رآها ظن أنها سمان، فإذا ذبحها لم يجد فيها شاة سمينة. (٢)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٥١/ ٤١٥) والدارمي (١/ ٦٦) وانظر إعلام الموقعين (١/ ٧٤).\n(٢) ما جاء في البدع (ص.١٧٢) وكتاب الزهد لابن المبارك (ص.١٩٨) والحلية لأبي نعيم (٤/ ١٠٤ - ١٠٥).","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>موقفه من الخوارج:</span>\nقال الحافظ: وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل فقلت: أخبرني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي، فيم فارقوه وفيم استحل قتالهم؟ قال: لما كنا بصفين استحر القتل في أهل الشام، فرفعوا المصاحف فذكر قصة التحيكم، فقال الخوارج ما قالوا ونزلوا حروراء، فأرسل إليهم علي فرجعوا، ثم قالوا نكون في ناحيته فإن قبل القضية قاتلناه، وإن نقضها قاتلنا معه، ثم افترقت منهم فرقة يقتلون الناس، فحدث علي عن النبي - ﷺ - بأمرهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>موقفه من المرجئة:</span>\nعن زبيد قال: سألت أبا وائل عن المرجئة فقال: حدثني عبد الله أن النبي - ﷺ - قال: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" (٢).اهـ (٣)\n\" التعليق:\nقال الحافظ في الفتح: ففي الحديث تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق، ومقتضاه الرد على المرجئة، وعرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم، كأنه قال: كيف تكون مقالتهم حقا والنبي - ﷺ - يقول هذا. قوله: (وقتاله كفر) إن قيل: وهذا وإن تضمن الرد على المرجئة لكن\n_________\n(١) الفتح (١٢/ ٣٦٧). وأخرجه بسياق أتم أبو يعلى (١/ ٣٦٤ - ٣٦٧/ ٤٨٣). قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٣٨): \"رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح\". وصحح إسناده الحافظ في المطالب العالية (٤٥٠٤).\n(٢) أحمد (١/ ٣٨٥) والبخاري (١/ ١٤٧/٤٨) ومسلم (١/ ٨١/٦٤) والترمذي (٤/ ٣١١/١٩٨٣) والنسائي (٧/ ١٣٨/٤١٢١) وابن ماجه (١/ ٢٧/٦٩) عن ابن مسعود.\n(٣) السنة لعبد الله (٨٦ - ٨٧) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٧٣/١٨٣٩) والسنة للخلال (٤/ ١١٤ - ١١٥/ ١٢٩٧).","vol":"1","page":428},{"text":"ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي، فالجواب: إن المبالغة في الرد على المبتدع اقتضت ذلك، ولا متمسك للخوارج فيه، لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشد من السباب؛ لأنه مفض إلى إزهاق الروح، عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر، ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمدا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. اهـ (٢)\n\nزاذان الضّرير (٣) (٨٢ هـ)\nزَاذَان أبو عمر الكِنْدي البَزَّاز الضرير الكوفي أحد العلماء الكبار، ولد في حياة النبي - ﷺ - وشهد خطبة عمر بالجابية. روى عن عمر وعلي وسلمان وابن مسعود وغيرهم. وروى عنه أبو صالح السمان وعمرو ابن مرة والمنهال ابن عمرو وآخرون. وكان ثقة صادقا، كان يتعاطى النبيذ والغناء في شبابه، فتاب على يد عبد الله بن مسعود، وحصلت له إنابة ورجوع إلى الحق وخشية شديدة، حتى كان في الصلاة كأنه خشبة. توفي سنة اثنتين وثمانين بعد الجماجم.\n_________\n(١) النساء الآية (٤٨).\n(٢) الفتح (١/ ١٥١).\n(٣) السير (٤/ ٢٨٠ - ٢٨١) وطبقات ابن سعد (٦/ ١٧٨ - ١٧٩) والبداية والنهاية (٩/ ٥٠) وتهذيب الكمال (٩/ ٢٦٣ - ٢٦٥) وشذرات الذهب (١/ ٩٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>موقفه من المرجئة:</span>\nعن زاذان وميسرة، قالا: أتينا الحسن بن محمد فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعت؟ -وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة- قال زاذان: قال لي: يا أبا عمر لوددت أني كنت مت قبل أن أخرج هذا الكتاب أو قبل أن أضع هذا الكتاب. (١)\n\" التعليق:\nهذا الأثر أورده عبد الله بن الإمام أحمد في السنة في سياق ذكر المرجئة، وابن بطة في باب القول في المرجئة. وساق الحافظ محمد بن يحيى العدني محتوى الكتاب المذكور في كتابه الإيمان (٢) الذي وضع جل فصوله في الرد على المرجئة، وصنيع هؤلاء الأئمة في إيرادهم له في أبواب المرجئة يوهم أن المقصود به الإرجاء المتعلق بالإيمان، وليس كذلك، بل القصد إرجاء أمر الطائفتين المقتتلتين في الفتنة، وبيان ذلك ما جاء في تهذيب الكمال للمزي (٣): عن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، قال: أول من تكلم في الإرجاء الأول؛ الحسن بن محمد بن الحنفية، كنت حاضرا يوم تكلم وكنت في حلقته مع عمي، وكان في الحلقة جخدب وقوم معه، فتكلموا في علي وعثمان وطلحة والزبير فأكثروا، والحسن ساكت، ثم تكلم، فقال: قد سمعت مقالتكم ولم أر شيئا أمثل من أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير، فلا\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩٠٤/١٢٦٨) والسنة لعبد الله (٨٩) وطبقات ابن سعد (٥/ ٢٣٨) والسنة للخلال (٤/ ١٣٦ - ١٣٧/ ١٣٥٨).\n(٢) (ص.١٩٥ - ١٩٩).\n(٣) (٦/ ٣٢١ - ٣٢٨).","vol":"1","page":430},{"text":"يتولوا ولا يتبرأ منهم، ثم قام فقمنا. قال: فقال لي عمي: يا بني ليتخذن هؤلاء هذا الكلام إماما. قال عثمان: فقال به سبعة رجال رأسهم جخدب من تيم الرباب، ومنهم حرملة التيمي تيم الرباب أبو علي بن حرملة، قال: فبلغ أباه محمد بن الحنفية ما قال: فضربه بعصا فشجه وقال: لا تولّ (١) أباك عليا؟ قال: وكتب الرسالة التي ثبت فيها الإرجاء بعد ذلك.\nونبه على ذلك الحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب (٢) قال: المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه؛ غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور، أخرجه ابن أبي عمر العدني في كتاب الإيمان له في آخره قال: حدثنا إبراهيم ابن عيينة، عن عبد الواحد بن أيمن قال: كان الحسن بن محمد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعد، فإنا نوصيكم بتقوى الله -فذكر كلاما كثيرا في الموعظة والوصية لكتاب الله واتباع ما فيه، وذكر اعتقاده، ثم قال في آخره: ونوالي أبا بكر وعمر ﵄، ونجاهد فيهما لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة، ولم تشك في أمرهما، ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله- إلى آخر الكلام، فمعنى الذي تكلم فيه الحسن؛ أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئا أو مصيبا، وكان يرى أنه يرجئ الأمر فيهما، وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان فلم يعرج عليه، فلا يلحقه بذلك عاب، والله أعلم. اهـ\n_________\n(١) في الأصل: لا تولي.\n(٢) (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١).","vol":"1","page":431},{"text":"قلت: وإنما أوردناه ضمن مواقف السلف من المرجئة ليتم التنبيه عليه في بابه الذي يورد فيه. وعلى أي فانظر رحمك الله إلى غيرة زاذان وميسرة رحمهما الله على العقيدة السلفية وإنكارهما للكتاب المذكور، فكم هي الكتب اليوم التي تحتاج إلى إنكار غيرة على الحق والله المستعان.\n\nأبو البَخْتَرِي (١) (٨٣ هـ)\nسعيد بن فَيْرُوز الطَّائِي، الكوفي، أحد العباد. حدث عن أبي برزة الأسلمي، وابن عباس، وابن عمر. روى عنه عمرو بن مرة، وعطاء بن السائب، ويونس بن خباب. قال حبيب بن أبي ثابت: اجتمعت أنا وسعيد ابن جبير وأبو البختري فكان أبو البختري أعلمنا وأفقهنا. وكان أبو البختري يقول: لأن أكون في قوم أتعلم منهم، أحب إلي من أن أكون في قوم أعلمهم. وقال عنه يحيى بن معين: ثقة، وقال هلال بن خباب: كان من أفاضل أهل الكوفة. توفي سنة ثلاث وثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>موقفه من المرجئة:</span>\nعن سلمة بن كهيل قال: اجتمعنا في الجماجم؛ أبو البختري، وميسرة أبو صالح، وضحاك المشرقي، وبكير الطائي، فأجمعوا على أن الإرجاء بدعة،\n_________\n(١) السير (٤/ ٢٧٩) وحلية الأولياء (٤/ ٣٧٩) وطبقات ابن سعد (٦/ ٢٩٢) وتهذيب الكمال (١١/ ٣٢) وتهذيب التهذيب (٤/ ٧٢ - ٧٣) وشذرات الذهب (١/ ٩٢).","vol":"1","page":432},{"text":"والولاية بدعة، والبراءة بدعة، والشهادة بدعة. (١)\n\nعبد الرحمن بن يزيد أبو بكر (٢) (٨٣ هـ)\nعبد الرحمن بن يزيد بن قيس، الإمام الفقيه، أبو بكر النخعي. حدث عن عثمان وابن مسعود، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان ﵃ وجماعة. روى عنه إبراهيم النخعي وأبو إسحاق السبيعي، وعمارة بن عمير وغيرهم. وكان عابدا ناسكا. قال المفضل الغلابي: عباد الرحمن من قريش كلهم عابد، عبد الرحمن بن زياد بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن خالد ابن الوليد، وعبد الرحمن بن أبان بن عثمان، وعبد الرحمن بن يزيد بن معاوية. قال ابن حبان: قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. وقيل سنة اثنتين وثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى ابن بطة بسنده إلى عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرما عليه ثيابه، فنهى المحرم، فقال: ايتني بآية من كتاب الله ﷿ بنزع ثيابي، فقرأ عليه: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرسول فخذوه وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).اهـ (٤)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٨٩ - ٩٠) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٠/١٧٨٤) والإيمان لأبي عبيد (٢٢) بنحوه، والإبانة (٢/ ٧/٩٠٥/ ١٢٧٠).\n(٢) الثقات لابن حبان (٥/ ٨٦) والسير (٤/ ٧٨) وتهذيب الكمال (١٨/ ١٢) والتاريخ الكبير (٥/ ٣٦٣) وطبقات ابن سعد (٦/ ١٢١) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ١٣٢).\n(٣) الحشر الآية (٧).\n(٤) الإبانة (١/ ١/٢٤٩ - ٢٥٠/ ٨٢) والشريعة (١/ ١٨٠/١٠٦) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٨٢ - ١١٨٣).","vol":"1","page":433},{"text":"أبو الجَوْزَاء أَوْس بن عبد الله (١) (٨٣ هـ)\nأوس بن عبد الله، أبو الجوزاء، المجانب للأهواء والآراء، المفارق للتلاعن والأسواء، من قراء البصرة ومن كبار علمائها. روى عن عائشة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعنه جماعة منهم أبان بن أبي عياش، وسليمان بن علي الربعي، وعمرو بن مالك النكري.\nقال أبو الجوزاء: ما لعنت شيئا، ولا أكلت شيئا ملعونا قط، ولا آذيت أحدا قط. قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. وقيل التي قبلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة عنه أنه قال: لأن تجاورني القردة والخنازير في دار؛ أحب إلي من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء، وقد دخلوا في هذه الآية: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وجاء في السير عنه قال: لأن أجالس الخنازير أحب إلي من أن أجالس أحدا من أهل الأهواء. (٤)\n_________\n(١) السير (٤/ ٣٧١ - ٣٧٢) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٣ - ٢٢٤) الحلية (٣/ ٧٨ - ٨٢) وتهذيب الكمال (٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣) والتاريخ الكبير (٢/ ١٦ - ١٧).\n(٢) آل عمران الآية (١١٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٧/ ٤٦٦) وأصول الاعتقاد (١/ ١٤٧ - ١٤٨/ ٢٣١) وذم الكلام (ص.١٩٣) والشريعة (٣/ ٥٨١/٢١١٠). وانظر الاعتصام (١/ ٩١).\n(٤) السير (٤/ ٣٧٢) وهو في الطبقات (٧/ ٢٢٤) والحلية (٣/ ٧٨).","vol":"1","page":434},{"text":"- وفيها: وعنه أنه قال: ما ماريت أحدا قط. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>موقفه من المشركين:</span>\nقال: نقل الحجارة أهون على المنافق من قراءة القرآن. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>موقفه من الصوفية:</span>\nعن عمرو بن مالك قال: بينما نحن يوما عند أبي الجوزاء يحدثنا؛ إذ خر رجل فاضطرب، فوثب أبو الجوزاء فسعى قبله فقيل: يا أبا الجوزاء إنه رجل به الموت فقال: إنما كنت أراه من هؤلاء القفازين ولو كان منهم لأمرت به وأخرجته من المسجد إنما ذكرهم الله فقال: تفيض أعينهم وتقشعر جلودهم.\n\nعبد الرحمن بن أبي ليلى (٣) (٨٣ هـ)\nالإمام العلامة الحافظ أبو عيسى الأنصاري الكوفي الفقيه، ويقال له: أبو محمد. حدث عن عمر وعلي وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم ﵃. وحدث عنه عمرو بن مرة، والحكم بن عتيبة والأعمش وطائفة سواهم. قال محمد بن سيرين: جلست إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى وأصحابه يعظمونه كأنه أمير. وعن عبد الله بن الحارث أنه اجتمع بابن أبي ليلى فقال: ما شعرت أن النساء ولدن مثل هذا. وقال أبو نعيم وخليفة بن خياط وأبو\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٧٢).\n(٢) الحلية (٣/ ٨٠).\n(٣) طبقات ابن سعد (٦/ ١٠٩) وتهذيب الكمال (١٧/ ٣٧٢ - ٣٧٦) والسير (٤/ ٢٦٢ - ٢٦٨) وميزان الاعتدال (٢/ ٥٨٤) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢٦٠ - ٢٦٢) وشذرات الذهب (١/ ٦٢).","vol":"1","page":435},{"text":"موسى محمد بن المثنى: مات سنة ثلاث وثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى قال ذكر عنده قول الناس في علي فقال عبد الرحمن قد جالسناه وحدثناه وواكلناه وشاربناه وقمنا له على الأعمال، فما سمعته يقول شيئا مما تقولون، أولا يكفيكم أن تقولوا: ابن عم رسول الله وختنه، وشهد بيعة الرضوان وشهد بدرا؟! (١)\n- وعن أبي حصين أن الحجاج استعمل عبد الرحمن بن أبي ليلى على القضاء ثم عزله، ثم ضربه ليسب عليا ﵁، وكان يوري ولا يصرح. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>موقفه من الجهمية:</span>\nعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٣)\nقال: الزيادة: النظر إلى وجه ربهم ﵎، ﴿ولا يرهق وجوههم قترٌ ولا ذلةٌ﴾ بعد النظر إلى ربهم ﷿. (٤)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٢٣٤).\n(٢) تذكرة الحفاظ (١/ ٥٨)\n(٣) يونس الآية (٢٦).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٠ - ٥١١/ ٧٩٢) والسنة لعبد الله (٥٢).","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>موقف السلف من عمران بن حطان الخارجي (٨٤ ه</span>ـ)\nخطورة مخالطة أهل الأهواء:\nقال ابن كثير: كان أولا -أي عمران بن حطان- من أهل السنة والجماعة فتزوج امرأة من الخوارج حسنة جميلة جدا فأحبها وكان هو ذميم الشكل فأراد أن يردها إلى السنة فأبت فارتد معها إلى مذهبها. (١)\nوقال ابن تيمية في المنهاج: ومعلوم أن شر الذين يبغضونه (أي علي بن أبي طالب) هم الخوارج الذين كفروا واعتقدوا أنه مرتد عن الإسلام، واستحلوا قتله تقربا إلى الله تعالى حتى قال شاعرهم عمران بن حطان:\nيا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا\nإني لأذكره حينا فأحسبه ... أو فى البرية عند الله ميزانا\nفعارضه شاعر أهل السنة فقال: (وهو الفقيه الطبري)\nيا ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا\nإني لأذكره حينا فألعنه ... لعنا وألعن عمران بن حطانا (٢)\nوقال محمد بن أحمد الطبيب يرد عليه أيضا:\nيا ضربة من غدور صار ضاربها ... أشقى البرية عند الله إنسانا\nإذا تفكرت فيه ظلت ألعنه ... وألعن الكلب عمران بن حطانا (٣)\n_________\n(١) البداية والنهاية (٩/ ٥٦) والسير (٤/ ٢١٤).\n(٢) المنهاج (٥/ ١٠).\n(٣) من هامش الكامل للمبرد (٣/ ١٠٨٥) وبنحوها في البداية والنهاية (٩/ ٥٧).","vol":"1","page":437},{"text":"جاء في سير أعلام النبلاء: فبلغ شعره عبد الملك بن مروان، فأدركته حمية لقرابته من علي ﵁ فهدر دمه ووضع عليه العيون. فلم تحمله أرض، فاستجار بروح بن زنباع، فأقام في ضيافته، فقال: ممن أنت؟ قال: من الأزد. فبقي عنده سنة فأعجبه إعجابا شديدا، فسمر روح ليلة عند أمير المؤمنين، فتذاكرا شعر عمران هذا. فلما انصرف روح، تحدث مع عمران بما جرى، فأنشده بقية القصيد، فلما عاد إلى عبد الملك قال: إن في ضيافتي رجلا ما سمعت منه حديثا قط إلا وحدثني به وبأحسن منه، ولقد أنشدني تلك القصيدة كلها. قال: صفه لي، فوصفه له. قال: إنك لتصف عمران بن حطان، اعرض عليه أن يلقاني. قال: فهرب إلى الجزيرة، ثم لحق بعمان فأكرموه. (١)\n\nواثلة بن الأسقع (٢) (٨٥ هـ)\nواثِلَة بن الأَسْقَع بن عبد العُزَّى من بني كِنَانَة اللَّيْثِي. اختلف في كنيته، قيل: أبو شداد، ويقال: أبو الأسقع، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو الخطاب، وقيل: أبو قرصافة. أسلم والنبي - ﷺ - يتجهز إلى تبوك وشهدها معه: وكان من فقراء المسلمين وسكن الصفة ﵁، وطال عمره. روى عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٥).\n(٢) السير (٣/ ٣٨٣ - ٣٨٧) وشذرات الذهب (١/ ٩٥) الاستيعاب (٤/ ١٥٦٣ - ١٥٦٤) وتهذيب التهذيب (١١/ ١٠١) وتهذيب الكمال (٣٠/ ٣٩٣ - ٣٩٦) والإصابة (٦/ ٥٩١) وأسد الغابة (٥/ ٣٩٩ - ٣٤٠) وطبقات ابن سعد (٧/ ٤٠٧ - ٤٠٨) والتاريخ الكبير (٨/ ١٨٧) وتهذيب الأسماء واللغات (القسم الأول/٢/ ١٤٢ - ١٤٣).","vol":"1","page":438},{"text":"وأبي مرثد الغنوي وأبي هريرة وأم سلمة. روى عنه أبو إدريس الخولاني وشداد أبو عمار، وبسر بن عبيد الله وعبد الواحد النصري ومكحول وغيرهم. وبعد وفاة النبي - ﷺ - نزل الشام وشهد فتح دمشق وحمص. توفي ﵁ سنة خمس وثمانين. وقيل سنة ثلاث وثمانين وهو آخر من مات بدمشق من الصحابة. روي له عن رسول الله - ﷺ - ستة وخمسون حديثا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عن حبيب بن عمر الأنصاري قال حدثني أبي قال: سألت واثلة بن الأسقع عن الصلاة خلف القدري؟ فقال: لا يصلى خلفه، أما لو صليت خلفه لأعدت صلاتي. (١)\n\nأبو أُمَامَة البَاهِلِّي (٢) (٨٦ هـ)\nهو صُدَيّ بن عَجْلاَن بن وهب ويقال ابن الحارث ويقال ابن عمرو أبو أمامة مشهور بكنيته صاحب رسول الله - ﷺ - ونزيل حمص، رُوي أنه بايع تحت الشجرة. عن محمد بن زياد: رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد، وهو ساجد، يبكي ويدعو، فقال: أنت أنت، لو كان هذا في بيتك. روى علما كثيرا وحدث عن النبي - ﷺ - وعن عمر وعن عبادة بن الصامت\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٦ - ٨٠٧/ ١٣٤٧) والإبانة (٢/ ١٠/٢٦٠/ ١٨٧٤).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٤١١ - ٤١٢) والإصابة (٣/ ٤٢٠ - ٤٢١) والاستيعاب (٢/ ٧٣٦) وسير أعلام النبلاء (٣/ ٣٥٩ - ٣٦٣) والبداية والنهاية (٩/ ٧٣) ومجمع الزوائد (٩/ ٣٨٦ - ٣٨٧) وشذرات الذهب (١/ ٩٦) والجرح والتعديل (٤/ ٤٥٤) والمستدرك (٣/ ٦٤١ - ٦٤٢) وتهذيب الكمال (١٣/ ١٥٨ - ١٦٤) ومشاهير علماء الأمصار (٥٠).","vol":"1","page":439},{"text":"وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵃ وغيرهم. وروى عنه خالد بن معدان والقاسم أبو عبد الرحمن وسالم بن أبي الجعد وغيرهم. توفي بالشام سنة ست وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان وهو ابن إحدى وستين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>موقفه من المشركين:</span>\nعن أبي غالب عن أبي أمامة ﵁ قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى قومي أدعوهم إلى الله ﵎، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم وقد سقوا إبلهم وأحلبوها وشربوا، فلما رأوني قالوا: مرحبا بالصدي ابن عجلان، ثم قالوا بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل، قلت: لا، ولكن آمنت بالله وبرسوله، وبعثني رسول الله - ﷺ - إليكم أعرض عليكم الإسلام وشرائعه. فبينا نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة دم فوضعوها، واجتمعوا عليها يأكلوها، فقالوا: هلم يا صدي، فقلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم بما أنزله الله عليه. قالوا: وما ذاك؟ قلت: نزلت عليه هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عليكم الميتة وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير﴾ إلى قوله ﴿إِلًّا مَا ذكيتم﴾ (١) فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون، فقلت لهم: ويحكم ائتوني بشيء من ماء فإني شديد العطش. قالوا: لا، ولكن ندعك تموت عطشا، قال: فاعتممت وضربت رأسي في العمامة ونمت في الرمضاء في حر شديد، فأتاني آت في منامي بقدح زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس\n_________\n(١) المائدة الآية (٣).","vol":"1","page":440},{"text":"ألذ منه، فأمكنني منها فشربتها، فحيث فرغت من شرابي استيقظت، ولا والله ما عطشت ولا عرفت عطشا بعد تلك الشربة، فسمعتهم يقولون: أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة فأتوني بمذيقتهم فقلت: لا حاجة لي فيها، إن الله ﵎ أطعمني وسقاني، فأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>موقفه من الخوارج:</span>\n- عن أبي غالب واسمه حزور قال: كنت بالشام فبعث المهلب سبعين رأسا من الخوارج، فنصبوا على درج دمشق فكنت على ظهر بيت لي، فمر أبو أمامة فنزلت فاتبعته، فلما وقف عليهم دمعت عيناه وقال: سبحان الله ما يصنع الشيطان ببني آدم، قالها ثلاثا: كلاب جهنم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء -ثلاث مرات- خير قتلى من قتلوه، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه (٢)، ثم التفت إلي فقال: أبا غالب! إنك بأرض هم بها كثير، فأعاذك الله منهم، قلت: رأيتك بكيت حين رأيتهم. قال: بكيت رحمة حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام (في السنة لعبد الله: كانوا مؤمنين) فكفروا بعد إيمانهم، هل تقرأ سورة آل عمران قلت: نعم. فقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، حتى بلغ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا\n_________\n(١) مستدرك الحاكم (٣/ ٦٤١ - ٦٤٢).\n(٢) أحمد (٥/ ٢٥٠،٢٦٩) والترمذي (٥/ ٢١٠/٣٠٠٠) وقال: \"هذا حديث حسن\". وابن ماجه (١/ ٦٢/١٧٦) والحاكم (٢/ ١٤٩ - ١٥٠) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":441},{"text":"اللَّهُ﴾ (١) وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ فزيغ بهم، ثم قرأ ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بعد مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿ففي رحمة الله هم فيها خَالِدُونَ﴾ (١٠٧) (٢)، قلت: هم هؤلاء يا أبا أمامة؟ قال: نعم.\nقلت: من قبلك تقول أو شيء سمعت من النبي - ﷺ -؟ قال: إني إذا لجريء بل سمعته من رسول الله - ﷺ - لا مرة ولا مرتين حتى عد سبعا، ثم قال: إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة تزيد عليها فرقة كلها في النار إلا السواد الأعظم (٣)، قلت: يا أبا أمامة ألا ترى ما فعلوا؟ قال: ﴿عليه ما حمل وعليكم مَا حُمِّلْتُمْ﴾ الآية (٤). (٥)\n- وعنه ﵁ قال: زاغوا فأزاغ الله قلوبهم؛ قال: هم الخوارج. (٦)\n_________\n(١) آل عمران الآية (٧).\n(٢) آل عمران الآيات (١٠٥ - ١٠٧).\n(٣) أخرجه: ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٤/٦٨) والطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٨/٨٠٣٥) وفي الأوسط (٨/ ٩٨/٧١٩٨) والبيهقي (٨/ ١٨٨) وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٥٨) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه وفيه أبو غالب وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجال الأوسط ثقات وكذلك أحد إسنادي الكبير\".\n(٤) النور الآية (٥٤).\n(٥) أحمد (٥/ ٢٥٣) وعبد الله بن أحمد في السنة (٢٨٣) وعبد الرزاق (١٠/ ١٥٢/١٨٦٦٣) والطبراني (٨/ ٣١٩/٨٠٣٣) والمصنف لابن أبي شيبة (٧/ ٥٥٤/٣٧٨٩٢) وأصول الاعتقاد (١/ ١١٤ - ١١٥/ ١٥١) والشريعة (١/ ١٥٥ - ١٥٦/ ٦٣و٦٤).\n(٦) السنة لعبد الله (٢٨١) والسنة للخلال (١/ ١٥٧).","vol":"1","page":442},{"text":"- وعنه قال: ﴿فيتبعون مَا تَشَابَهَ منه﴾ قال: الخوارج وأهل البدع. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>موقفه من المرجئة:</span>\nعن القاسم عن أبي أمامة قال: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>موقفه من القدرية:</span>\nروى ابن بطة بسنده عن أبي أمامة قال: ما آدمي إلا ومعه ملكان؛ ملك يكتب عمله، وملك يقيه ما لم يقدر له. (٣)\n\nعبد الملك بن مروان (٤) (٨٦ هـ)\nعبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الخليفة الفقيه، أبو الوليد الأموي. ولد سنة ست وعشرين، سمع عثمان وأبا هريرة وأبا سعيد وأم سلمة، ومعاوية وابن عمر وغيرهم. روى عنه عروة وخالد بن معدان ورجاء بن حيوة وغيرهم. تملك بعد أبيه الشام ومصر، ثم حارب ابن الزبير الخليفة وقتل أخاه مصعبا في وقعة مسكى، واستولى على العراق، وجهز الحجاج لحرب ابن الزبير، فقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين. واستوسقت\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٦٠٦ - ٦٠٧/ ٧٨٣) وابن أبي حاتم (٢/ ٥٩٤/٣١٧٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٧/١٧١٤).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٧١/ ١٦٥٧).\n(٤) السير (٤/ ٢٤٦ - ٢٤٩) وتهذيب الكمال (١٨/ ٤٠٨ - ٤١٤) وطبقات ابن سعد (٥/ ٢٢٣ - ٢٣٥) والبداية والنهاية (٨/ ٢٦٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩) والشذرات (١/ ٩٧).","vol":"1","page":443},{"text":"الممالك لعبد الملك وهو عام الجماعة. كان قبل الخلافة عابدا ناسكا بالمدينة، شهد مقتل عثمان وهو ابن عشر. قال عبادة بن نسي: قال ابن عمر: إن لمروان ابنا فقيها فسلوه. عن نافع قال: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك. قال الذهبي: ذكرته لغزارة علمه. قال الشعبي: ما جالست أحدا إلا وجدت لي عليه الفضل إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذاكرته حديثا إلا زادني فيه ولا شعرا إلا زادني فيه. قال الذهبي: كان من رجال الدهر ودهاة الرجال، وكان الحجاج من ذنوبه. توفي في شوال سنة ست وثمانين عن نيف وستين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في البداية والنهاية: عن عبد الرحمن بن حسان قال: كان الحارث الكذاب من أهل دمشق، وكان مولى لأبي الجلاس، وكان له أب بالجولة، فعرض له إبليس، وكان رجلا متعبدا زاهدا لو لبس جبة من ذهب لرؤيت عليه الزهادة والعبادة، وكان إذا أخذ بالتحميد لم يسمع السامعون مثل تحميده ولا أحسن من كلامه، فكتب إلى أبيه وكان بالجولة: يا أبتاه أعجل علي فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون الشيطان قد عرض لي، قال فزاده أبوه غيا على غيه، فكتب إليه أبوه: يا بني أقبل على ما أمرت به فإن الله تعالى يقول: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (١) ولست بأفاك ولا أثيم، فامض لما أمرت به، وكان يجيء\n_________\n(١) الشعراء الآيتان (٢٢١و٢٢٢).","vol":"1","page":444},{"text":"إلى أهل المسجد رجلا فيذاكرهم أمره ويأخذ عليهم العهد والميثاق إن هو يرى ما يرضى وإلا كتم عليه.\nقال: وكان يريهم الأعاجيب. كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح تسبيحا بليغا حتى يضج من ذلك الحاضرون. قلت: وقد سمعت شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية ﵀ يقول كان ينقر هذه الرخامة الحمراء التي في المقصورة فتسبح، وكان زنديقا. قال ابن أبي خيثمة في روايته: وكان الحارث يطعمهم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وكان يقول لهم: اخرجوا حتى أريكم الملائكة، فيخرج بهم إلى دير المراق فيريهم رجالا على خيل فيتبعه على ذلك بشر كثير، وفشا أمره في المسجد، وكثر أصحابه وأتباعه، حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مخيمرة، قال: فعرض على القاسم أمره، وأخذ عليه العهد إن هو رضي أمرا قبله، وإن كرهه كتم عليه، قال فقال له: إني نبي، فقال القاسم: كذبت يا عدو الله، ما أنت نبي، وفي رواية ولكنك أحد الكذابين الدجالين الذين أخبر عنهم رسول الله - ﷺ -: \"إن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي\" (١) وأنت أحدهم ولا عهد لك. ثم قام فخرج إلى أبي إدريس -وكان على القضاء بدمشق- فأعلمه بما سمع من الحارث فقال أبو إدريس نعرفه، ثم أعلم أبو إدريس عبد الملك بذلك.\nوفي رواية أخرى أن مكحولا وعبد الله بن أبي زائدة دخلا على الحارث فدعاهما إلى نبوته فكذباه وردا عليه ما قال،\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٣١٣) والبخاري (٦/ ٧٦٤/٣٦٠٩) ومسلم (٤/ ٢٢٣٩ - ٢٢٤٠/ ١٥٧) وأبو داود (٤/ ٥٠٧/٤٣٣٣) والترمذي (٤/ ٤٣٢/٢٢١٨) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":445},{"text":"ودخلا على عبد الملك فأعلماه بأمره، فتطلبه عبد الملك طلبا حثيثا، واختفى الحارث وصار إلى دار بيت المقدس يدعو إلى نفسه سرا واهتم عبد الملك بشأنه حتى ركب إلى النصرية فنزلها فورد عليه هناك رجل من أهل النصرية ممن كان يدخل على الحارث وهو ببيت المقدس فأعلمه بأمره وأين هو، وسأل مِن عبد الملك أن يبعث معه بطائفة من الجند الأتراك ليحتاط عليه فأرسل معه طائفة وكتب إلى نائب القدس ليكون في طاعة هذا الرجل ويفعل ما يأمره به، فلما وصل الرجل إلى النصرية ببيت المقدس بمن معه انتدب نائب القدس لخدمته، فأمره أن يجمع ما يقدر عليه من الشموع ويجعل مع كل رجل شمعته فإذا أمرهم بإشعالها في الليل أشعلوها كلهم في سائر الطرق والأزقة حتى لا يخفى أمره، وذهب الرجل بنفسه فدخل الدار التي فيها الحارث فقال لبوابه استأذن على نبي الله، فقال: في هذه الساعة لا يؤذن عليه حتى يصبح، فصاح النصري أسرجوا، فأشعل الناس شموعهم حتى صار الليل كأنه النهار، وهم النصري على الحارث فاختفى منه في سرب هناك فقال أصحابه هيهات يريدون أن يصلوا إلى نبي الله، إنه قد رفع إلى السماء، قال فأدخل النصري يده في ذلك السرب فإذا بثوبه فاجتره فأخرجه، ثم قال للفرعانين من أتراك الخليفة [:خذوه] (١) قال فأخذوه فقيدوه، فيقال إن القيود والجامعة سقطت من عنقه مرارا ويعيدونها، وجعل يقول: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ\n_________\n(١) زيادة ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.","vol":"1","page":446},{"text":"سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (١) وقال لأولئك الأتراك: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (٢)؟ فقالوا له بلسانهم ولغتهم: هذا كراننا فهات كرانك، أي هذا قرآننا فهات قرآنك، فلما انتهوا به إلى عبد الملك أمر بصلبه على خشبة وأمر رجلا فطعنه بحربة فانثنت في ضلع من أضلاعه، فقال له عبد الملك: ويحك أذكرت اسم الله حين طعنته؟ فقال: نسيت، فقال: ويحك سم الله ثم اطعنه، قال فذكر اسم الله ثم طعنه فأنفذه، وقد كان عبد الملك حبسه قبل صلبه وأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا الذي به من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم فصلبه بعد ذلك، وهذا من تمام العدل والدين. (٣)\n\nعبد الله بن أبي أَوْفَى (٤) (٨٧ هـ)\nعبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الفقيه المعمر، صاحب النبي - ﷺ -، أبو معاوية وقيل: أبو محمد، الأسلمي من أهل بيعة الرضوان، وخاتمة من مات بالكوفة من الصحابة، وأبوه صحابي أيضا. روى عن النبي - ﷺ - عدة أحاديث. وروى عنه إبراهيم بن مسلم الهجري وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وسليمان الأعمش وغيرهم. وقد فاز عبد الله\n_________\n(١) سبأ الآية (٥٠).\n(٢) غافر الآية (٢٨) ..\n(٣) البداية (٩/ ٢٩ - ٣١).\n(٤) السير (٣/ ٤٢٨ - ٤٣٠) وتهذيب الكمال (١٤/ ٣١٧ - ٣١٩) والبداية والنهاية (٩/ ٨١) وطبقات ابن سعد (٤/ ٣٠١ - ٣٠٢) والاستيعاب (٣/ ٨٧٠ - ٨٧١) والإصابة (٤/ ١٨ - ١٩) وأسد الغابة (٣/ ١٨١ - ١٨٢) وشذرات الذهب (١/ ٩٦).","vol":"1","page":447},{"text":"بالدعوة النبوية حيث أتى النبي - ﷺ - بزكاة والده فقال النبي - ﷺ -: \"اللهم صل على آل أبي أوفى\". (١) وقد كف بصره في آخر حياته. في الصحيحين أن عبد الله قال: \"غزونا مع النبي - ﷺ - سبع غزوات نأكل الجراد\" (٢). توفي سنة سبع وثمانين بالكوفة وقد قارب مائة سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>موقفه من الخوارج:</span>\n- روى ابن أبي عاصم: عن أبي حفص أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى وهم يقاتلون الخوارج، وكان غلام له قد لحق بالخوارج من الشق الآخر، فناديناه يا فيروز، يا فيروز، هذا عبد الله بن أبي أوفى، فقال: نعم الرجل لو هاجر، قال عبد الله: ما يقول عدو الله؟ فقيل له: يقول نعم الرجل لو هاجر. فقال: أهجرة بعد هجرتي مع رسول الله - ﷺ -؟ وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: طوبى لمن قتلهم وقتلوه (٣).اهـ (٤)\n- وعن سعيد بن جمهان قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه، قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعيد بن جمهان قال: فما\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٣٥٣و٣٨٣) والبخاري (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١/ ١٤٩٧) ومسلم (٢/ ٧٥٦ - ٧٥٧/ ١٠٧٨) وأبو داود (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧/ ١٥٩٠) والنسائي (٥/ ٣١/٢٤٥٨) وابن ماجه (١/ ٥٧٢/١٧٩٦).\n(٢) أحمد (٤/ ٣٥٣و٣٥٧و٣٨٠) والبخاري (٩/ ٧٧٤/٥٤٩٥) ومسلم (٣/ ١٥٤٦/١٩٥٢) وأبو داود (٤/ ١٦٤/٣٨١٢) والترمذي (٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧/ ١٨٢١ - ١٨٢٢) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٧/ ٢٣٩/٤٣٦٧ - ٤٣٦٨).\n(٣) أحمد (٤/ ٣٨٢) وابن أبي عاصم (٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩/ ٩٠٦) وفيه سعيد بن جمهان. قال الحافظ: \"صدوق له أفراد\". وحسن إسناده الشيخ الألباني في تخريجه لكتاب السنة.\n(٤) ابن أبي عاصم (٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩/ ٩٠٦) وأصول الاعتقاد (٧/ ١٣٠٥/٢٣١٢) وهو عند الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٨٢) والسنة لابنه (٢٧٩).","vol":"1","page":448},{"text":"فعل والدك؟ قال: قلت: قتلته الأزارقة. قال: لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله - ﷺ - أنهم كلاب النار (١) قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بل الخوارج كلها. قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم. قال: فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة ثم قال: ويحك يا ابن جمهان، عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا فدعه، فإنك لست بأعلم منه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>موقفه من المرجئة:</span>\nعن بلال بن المنذر الحنفي قال: كنا مع ابن أبي أوفى فقالت له امرأة: يا صاحب رسول الله استغفر لي فقال: إنما يغفر لك بعملك. (٣)\n\nعبد الله بن بُسْر (٤) (٨٨ هـ)\nعبد الله بن بُسْر المازني، كنيته: أبو بسر ويقال أبو صفوان، نزيل حمص، له أحاديث قليلة، وصحبة يسيرة ولأخويه عطية والصماء ولأبيهم صحبة.\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٣٥٥) وابن ماجه (١/ ٦١/١٧٣) والحاكم (٣/ ٥٧١) وصححه ووافقه الذهبي. وللحديث شواهد من حديث أبي أمامة.\n(٢) المسند للإمام أحمد (٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣) والسنة لابنه (٢٨٦) والسنة لابن أبي عاصم (٢/ ٤٣٨/٩٠٥) والمسند للطيالسي (٨٢٢) وأصول الاعتقاد (٧/ ١٣٠٦/٢٣١٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠١٩/١٧١٩).\n(٤) طبقات ابن سعد (٧/ ٤١٣) والإصابة (٤/ ٢٣ - ٢٤) وتهذيب الكمال (١٤/ ٣٣٣) والجرح والتعديل (٥/ ١١) والسير (٣/ ٤٣٠ - ٤٣٣) وشذرات الذهب (١/ ٩٨ - ١١١).","vol":"1","page":449},{"text":"روى عن النبي - ﷺ - وعن أبيه وأخيه. وروى عنه خالد بن معدان وأبو الزاهرية، وصفوان بن عمرو وحريز بن عثمان وغيرهم. غزا جزيرة قبرس مع معاوية في دولة عثمان.\nمات بالشام وقيل بحمص منها سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الإبانة: عن زيد بن ضمير الرحبي قال: سألت عبد الله بن بسر صاحب النبي - ﷺ -: كيف حالنا من حال من كان قبلنا؟ قال: سبحان الله لو نشروا من القبور ما عرفوكم إلا أن يجدوكم قياما تصلون. (١)\n\nيحيى بن يعمر (٢) (٨٩ هـ)\nيحيى بن يَعْمَر الفقيه، المقرئ، أبو إسماعيل العَدْوَانيّ البصري، قاضي\nمرو، حدث عن أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وابن عمر وأبي هريرة ﵃. وروى عنه عبد الله بن بريدة، وقتادة، وعكرمة، وعطاء الخراساني. وقرأ القرآن على أبي الأسود الدؤلي، وكان من أوعية العلم وحملة الحجة. قال هارون بن موسى: أول من نقط القرآن يحيى بن يعمر. ولاه الأمير قتيبة بن مسلم قضاء خراسان، فكان إذا انتقل من بلد إلى بلد\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٥٧٢ - ٥٧٣/ ٧١٧).\n(٢) السير (٤/ ٤٤١) وتذكرة الحفاظ (١/ ٧٥) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٦٨) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٥٣) والبداية والنهاية (٩/ ٧٨) وشذرات الذهب (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":450},{"text":"استخلف على القضاء بها. قال أبو عمرو الداني: روى القراءة عنه عرضا عبد الله بن أبي إسحاق وأبو عمرو ابن العلاء. قال خليفة بن خياط: توفي قبل التسعين وقال ابن الجوزي: توفي سنة تسع وثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>موقفه من القدرية:</span>\nروى اللالكائي بسنده: عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة وفيه رهق وكان يتوثب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن وفرض الفرائض وقص على الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زعم: أن العمل أنف من شاء عمل خيرا ومن شاء عمل شرا. قال: فلقيت أبا الأسود الديلي فذكرت ذلك له. فقال: كذب ما رأينا أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يثبت القدر. (١)\n- عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين، أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا في المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي -أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله- فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم؛ وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٤٥ - ٦٤٦/ ١٠٣٧).","vol":"1","page":451},{"text":"نحن عند رسول الله - ﷺ - ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي - ﷺ - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: \"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا\" قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: \"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره\"، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" قال: فأخبرني عن الساعة قال: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: \"أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان\" قال: ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال: \"يا عمر، أتدري من السائل؟ \"\nقلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\". (١)\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢٧) ومسلم (١/ ٣٦ - ٣٨/ ٨) وأبو داود (٥/ ٦٩ - ٧٣/ ٤٦٩٥) والترمذي (٥/ ٨ - ٩/ ٢٦١٠) والنسائي (٨/ ٤٧٢ - ٤٧٥/ ٥٠٠٥) وابن ماجه (١/ ٢٤ - ٢٥/ ٦٣).","vol":"1","page":452},{"text":"أبو العَالِيَة (١) (٩٠ هـ)\nرُفَيْع بن مِهْرَان، الإمام المقرئ الحافظ المفسر، أبو العالية الرِّيَاحِيّ البصري أحد الأعلام، مولى امرأة من بني رياح بن يربوع حي من بني تميم، أعتقته سائبة. أدرك الجاهلية وأسلم بعد موت النبي - ﷺ - في خلافة أبي بكر الصديق ودخل عليه، وصلى خلف عمر بن الخطاب، وروى عنه وعن علي وأبي بن كعب وابن مسعود وأبي ذر، وعائشة وأبي موسى وابن عباس وعدة. وروى عنه بكر بن عبد الله المزني، وثابت البناني وخالد الحذاء وأبو خلدة خالد بن دينار وغيرهم. حفظ القرآن وقرأه على أبي بن كعب، وتصدر لإفادة العلم، وبعد صيته. وعن أبي خلدة عن أبي العالية قال: كنت آتي ابن عباس فيرفعني على السرير، وقريش أسفل من السرير، فتغامزت بي قريش، وقالوا: يرفع هذا العبد على السرير، ففطن بهم ابن عباس فقال: إن هذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة. وقال أبو خلدة: ذكر الحسن البصري لأبي العالية، فقال: رجل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأدركنا الخير وتعلمنا قبل أن يولد، وكنت آتي ابن عباس وهو أمير البصرة، فيجلسني على السرير وقريش أسفل. وقال أبو خلدة: قال أبو العالية: لما كان زمان علي ومعاوية وإني لشاب، القتال أحب إلي من الطعام الطيب، فتجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم، فإذا صفان ما يرى طرفاهما، إذا\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٩/ ٢١٤ - ٢١٨) وطبقات ابن سعد (٧/ ١١٢ - ١١٧) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٧ - ٢١٣) وحلية الأولياء (٢/ ٢١٧ - ٢٢٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٦١ - ٦٢) وشذرات الذهب (١/ ١٠٢) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٦) ومشاهير علماء الأمصار (٩٥).","vol":"1","page":453},{"text":"كبر هؤلاء كبر هؤلاء وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء، فراجعت نفسي، فقلت: أي الفريقين أنَزِّلُه كافرا؟ ومن أكرهني على هذا؟ قال: فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم. توفي ﵀ سنة تسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن عاصم قال أبو العالية: ما أدري أي النعمتين علي أعظم: إذ أخرجني الله من الشرك إلى الإسلام، أو عصمني في الإسلام أن يكون لي فيه هوى. (١)\n- وفيه قال: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام. ولا تحرفوا الإسلام يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم، والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء.\nفحدثت الحسن، فقال: صدق ونصح. قال: فحدثت حفصة بنت سيرين فقالت: يا باهلي: أنت حدثت محمدا (٢) بهذا؟ قلت: لا، قالت: فحدثه إذا. (٣)\n- وجاء في الإبانة: عن أبي العالية في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٧/٢٣٠) وذم الكلام (ص.١٩٦).\n(٢) تعني أخاها محمد بن سيرين.\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ٦٢ - ٦٣/ ١٧) وابن وضاح (ص.٧٥) والمروزي في السنة (ص.١٣) والآجري في الشريعة (١/ ١٢٤/١٩) وذم الكلام (ص.١٩٥) والإبانة (١/ ٢/٢٩٩ - ٣٠٠/ ١٣٦) والاستقامة (١/ ٢٥٤) والاعتصام (١/ ١١٤ - ١١٥). وبنحوه في السير (٤/ ٢١٠).","vol":"1","page":454},{"text":"اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (١) قال: الذين أخلصوا الدين والعمل والدعوة. (٢)\n- وفيها (٣): عنه أيضا قال: آيتان في كتاب الله ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٥).\n- وفي طبقات الحنابلة: قال أبو العالية: من مات على السنة مستورا فهو صديق. والاعتصام بالسنة نجاة. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو العالية: استوى إلى السماء: ارتفع. (٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>موقفه من الخوارج:</span>\nعن محمد بن واسع عن أبي العالية قال: ما أدري أي النعمتين أعظم علي، نعمة أنعمها علي فأنقذني بها من الشرك، أو نعمة أنعمها علي فأنقذني بها من الحرورية. (٨)\n_________\n(١) فصلت الآية (٣٠).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣٣٤ - ٣٣٥/ ١٩٥).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٩٤/ ٥٤٠).\n(٤) غافر الآية (٤).\n(٥) البقرة الآية (١٧٦).\n(٦) طبقات الحنابلة (٢/ ٤٢).\n(٧) علقه البخاري (١٣/ ٤٩٦).\n(٨) عبد الرزاق (١٠/ ١٥٣/١٨٦٦٧) ورياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (٣٠٤) والطبقات لابن سعد (٧/ ١١٤) والسير (٤/ ٢١٢).","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صدقوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) يقول: تكلموا بكلام الإيمان وحققوه بالعمل. (٢)\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال أبو العالية: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن عاصم الأحول قال: لما خاض الناس في القدر اجتمع رفيع أبو العالية ومسلم بن يسار. فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى ننظر فيما خاض الناس فيه. قال: اجتمع رأيهما أنهما قالا: يكفيك من هذا الأمر أن تعلم: أنه لن يصيبك إلا ما كتب الله لك وأنك مجزي بعملك. (٤)\n- وفي الإبانة: عن أبي العالية ﴿كَمَا بدأكم تعودون﴾ (٥)؛ قال: عادوا إلى علمه فيهم، ألم تسمع إلى قول الله ﷿: ﴿فريقًا هدى\n_________\n(١) البقرة الآية (١٧٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ٧٩٢/١٠٧٤) والشريعة (١/ ٢٨٥/٢٧٨).\n(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٣)، وفي البخاري معلقا من قول ابن أبي مليكة في كتاب الإيمان (١/ ١٤٧ الفتح) وقال الحافظ: \"وصله ابن أبي خيثمة في تاريخه لكنه أبهم العدد\".\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦١/١٢٦٩).\n(٥) الأعراف الآية (٢٩).","vol":"1","page":456},{"text":"وفريقًا حق عليهم الضلالة﴾ (١).اهـ (٢)\n\nإبراهيم التَّيْمِي أبو أسماء (٣) (٩٢ هـ)\nإبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، من تيم الرباب، أبو أسماء الكوفي، الإمام القدوة الفقيه، كان من العباد. حدث عن أبيه يزيد بن شريك التيمي، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن ميمون الأودي. وحدث عنه الحكم بن عتيبة والأعمش، ومسلم البطين، وجماعة. كان إبراهيم شابا صالحا قانتا لله عالما فقيها كبير القدر واعظا.\nروى أبو حيان عن إبراهيم قال: ما عرضت قولي على عملي إلا خفت أن أكون مكذبا. وروى الثوري قال إبراهيم التيمي: كم بينكم وبين القوم، أقبلت عليهم الدنيا فهربوا، وأدبرت عنكم فاتبعتموها. قتله الحجاج وقيل: بل مات في حبسه سنة اثنتين وتسعين وقيل سنة أربع وتسعين، ولم يبلغ أربعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم عنه أنه كان يقول: اللهم اعصمني بدينك وبسنة نبيك من الاختلاف في الحق، ومن اتباع الهوى، ومن\n_________\n(١) الأعراف الآية (٣٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦١/١٢٦٩) والإبانة (١/ ٨/٢٧٧ - ٢٧٨/ ١٢٩٣).\n(٣) طبقات ابن سعد (٦/ ٢٨٥ - ٢٨٦) والسير (٥/ ٦٠ - ٦٢) وتهذيب الكمال (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣) والتاريخ الكبير (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥) والجرح والتعديل (٢/ ١٤٥).","vol":"1","page":457},{"text":"سبيل الضلالة، ومن شبهات الأمور، ومن الزيغ والخصومات. (١)\n\nأنس بن مالك (٢) (٩٢ هـ)\nأنس بن مالك بن النَّضْر بن ضَمْضَم الإمام المفتي المقرئ المحدث، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، نزيل البصرة، صاحب رسول الله - ﷺ - وخادمه. روى عن النبي - ﷺ - علما جما، وعن أبي بكر وعمر وعثمان وعدة، وروى عنه خلق عظيم منهم الحسن، وابن سيرين والشعبي وغيرهم، وبقي أصحابه الثقات إلى بعد الخمسين ومائة، وبقي ضعفاء أصحابه إلى بعد التسعين ومائة، وبقي بعدهم ناس لا يوثق بهم. فعن أنس قال: \"قدم النبي - ﷺ - المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين، وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته\" (٣). وغزا مع النبي - ﷺ - غير مرة، وبايع تحت الشجرة. وعنه قال: \"جاءت بي أمي؛ أم أنس، إلى رسول الله - ﷺ - وقد أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه، فقالت: يا رسول الله. هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك،\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٧٩) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ١١٦).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ١٧ - ٢٦) والاستيعاب (١/ ١٠٩ - ١١١) والإصابة (١/ ١٢٦ - ١٢٩) والبداية والنهاية (٩/ ٨٨ - ٩٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٤ - ٤٥) وسير أعلام النبلاء (٣/ ٣٩٥ - ٤٠٦) ومجمع الزوائد (٩/ ٣٢٥) والمستدرك (٣/ ٥٧٣ - ٥٧٥) وشذرات الذهب (١/ ١٠٠ - ١٠١) وتهذيب الكمال (٣/ ٣٥٣ - ٣٧٨).\n(٣) أحمد (٣/ ١١٠) مسلم (٣/ ١٦٠٣/٢٠٢٩ (١٢٥» من طريق زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس قال: فذكره. والطرف الأخير من الحديث الذي فيه قوله - ﷺ -: \"الأيمن فالأيمن\" أخرجه أحمد (٣/ ١١٣و٩٧) والبخاري (٥/ ٣٨/٢٣٥٢) ومسلم (٣/ ١٦٠٣/٢٠٢٩) وأبو داود (٤/ ١١٣ - ١١٤/ ٣٧٢٦) والترمذي (٤/ ٢٧١/١٨٩٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٤/ ١٩٣/٦٨٦١و٦٨٦٢) وابن ماجه (٢/ ١١٣٣/٣٤٢٥) كلهم من طرق عن ابن شهاب عن أنس ﵁ فذكره.","vol":"1","page":458},{"text":"فادع الله له، فقال: اللهم أكثر ماله وولده، قال أنس: فوالله، إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم\" (١).\nتوفي ﵁ سنة اثنتين وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>موقفه من المبتدعة:</span>\n- في صحيح البخاري: قال الزهري دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت له ما يبكيك فقال: ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت. (٢)\n- وروى ابن بطة: عن ثابت عن أنس قال: ما من شيء كنت أعرفه على عهد رسول الله - ﷺ -، إلا قد أصبحت له منكرا، إلا أني أرى شهادتكم هذه ثابتة. قال: فقيل: يا أبا حمزة فالصلاة؟ قال: قد فعل فيها ما رأيتم. (٣)\n\" التعليق:\nقال الطرطوشي: فانظروا -رحمكم الله- إذا كان في ذلك الزمان طمس الحق وظهر الباطل حتى لا يعرف من الأمر القديم إلا القبلة، فما ظنك بزمانك هذا؟!! والله المستعان. (٤)\n- وجاء في ذم الكلام: عن حميد الأعرج، قال: سمع أنس بن مالك ابنه\n_________\n(١) مسلم (٤/ ١٩٢٩/٢٤٨١ (١٤٣» من طريق عمر بن يونس عن عكرمة عن إسحاق عن أنس ﵁ قال فذكره. وأصل حديث دعاء النبي - ﷺ - لأنس بكثرة المال والولد .. أخرجه أحمد (٣/ ١٩٤ و٢٤٨) والبخاري (١١/ ٢١٧/٦٣٧٨ - ٦٣٧٩) ومسلم (٤/ ١٩٢٨/٢٤٨٠) والترمذي (٥/ ٦٤٠/٣٨٢٩).\n(٢) البخاري (٢/ ١٦/٥٣٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ٤/٥٧٣/ ٧١٨). وبنحوه عند أحمد (٣/ ١٠١) والبخاري (٢/ ١٦/٥٢٩) والترمذي (٤/ ٥٤٥/٢٤٤٧).\n(٤) الحوادث والبدع (ص.٤٢).","vol":"1","page":459},{"text":"عبد الله يخاصم الأشتر، فقال: لا تخاصم بالقرآن وخاصم بالسنة. (١)\n- وعن أنس قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله - ﷺ - من الموبقات. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>موقفه من الرافضة:</span>\nروى الآجري بسنده إلى حميد، قال: قال أنس بن مالك: قالوا: إن حب عثمان وعلي ﵄ لا يجتمع في قلب مؤمن وكذبوا، قد اجتمع حبهما بحمد الله في قلوبنا. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>موقفه من الصوفية:</span>\nعن أنس بن مالك ﵁ أنه سئل عن القوم يقرأ عليهم القرآن فيصعقون، فقال: ذلك فعل الخوارج. (٤)\n\" تنبيه:\nانظر رعاك الله كيف سرى هذا الداء الأجرب الذي تعبد به الصوفية ربهم، وهو لعمري داء أجرب، كيف لا وقد أنكره خادم النبي - ﷺ - وجعله من شيم الخوارج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أنس بن مالك قال: دخلت على ابن زياد، وهم يتذاكرون الحوض، فلما رأوني طلعت عليهم، قالوا: قد جاءكم أنس فقالوا: يا أنس ما\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٦٧).\n(٢) أحمد (٣/ ١٥٧) والبخاري (١١/ ٤٠٠/٦٤٩٢).\n(٣) الشريعة (٣/ ٢٢/١٢٨٧).\n(٤) أبو عبيد في فضائل القرآن (٢/ ١٦/٣٧٥) وتلبيس إبليس (ص.٣١١).","vol":"1","page":460},{"text":"تقول في الحوض؟ فقلت: والله ما شعرت أني أعيش حتى أرى أمثالكم. تشكون في الحوض، لقد تركت عجائز بالمدينة، ما تصلي واحدة منهن صلاة إلا سألت ربها ﷿ أن يوردها حوض محمد - ﷺ -. (١)\n\" التعليق:\nقال محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى معلقا: ألا ترون إلى أنس بن مالك ﵀ يتعجب ممن يشك في الحوض، إذ كان عنده أن الحوض مما يؤمن به الخاصة والعامة حتى إن العجائز يسألن الله ﷿ أن يسقيهن من حوضه - ﷺ -، فنعوذ بالله ممن لا يؤمن بالحوض، ويكذب به.\n- قال عبد الله الرومي: جاء رجل إلى أنس بن مالك وأنا عنده فقال: يا أبا حمزة: لقيت قوما يكذبون بالشفاعة وعذاب القبر. فقال: أولئك الكذابون فلا تجالسهم. (٢)\n- عن أنس قال: من كذب بالشفاعة فلا نصيب له فيها. (٣)\n- عن أنس بن مالك في قوله ﷿: ﴿ولدينا مزيد﴾ (٤). قال: يظهر لهم الرب ﷿ يوم القيامة. (٥)\n_________\n(١) الشريعة (٢/ ١٧٧/٨٩٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٨/ ٤٠٨) وأصول الاعتقاد (٦/ ١١٩٨/٢١٢٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٦/ ١١٨٢/٢٠٨٨) والآجري في الشريعة (٢/ ١٤٧/٨٢٩).\n(٤) ق الآية (٣٥).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٩/٨١٣).","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في الإبانة: عن يزيد قال: قلت لأنس بن مالك: إن ناسا يشهدون علينا بالشرك فقال: أولئك شر الخليقة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: بين العبد والشرك أو الكفر ترك الصلاة أو من ترك الصلاة كفر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: قال أبو بلال القسملي: سألت أنس بن مالك: هل كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يذكرون القدر؟ قال: إنه لم يك شيء أكره إليهم من الخصومات، وكانوا إذا ذكر لهم شيء من ذلك نفضوا أرديتهم وتفرقوا. (٢)\n\nعُرْوَة بن الزُّبَيْر (٣) (٩٣ هـ)\nعروة ابن حواري رسول الله - ﷺ - وابن عمته صفية، الزبير بن العوام بن خويلد الإمام، عالم المدينة أبو عبد الله القرشي الأسدي، المدني الفقيه، أحد الفقهاء السبعة. حدث عن أبيه بشيء يسير لصغره، وعن أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وعن خالته أم المؤمنين عائشة ولازمها وتفقه بها، وكان عالما\n_________\n(١) الإبانة (٥/ ٦٧٦ - ٦٧٧/ ٨٨٢) وتعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٨٨٠ - ٨٨١/ ٩٠٠) والمرفوع منه أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٤٢/١٠٨٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٤/ ٦٣٠).\n(٣) طبقات ابن سعد (٥/ ١٧٨ - ١٨٢) والبداية والنهاية (٩/ ١٠١ - ١٠٣) وحلية الأولياء (٢/ ١٧٦ - ١٨٣) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٢١ - ٤٣٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٢٥٥ - ٢٥٨) والمعرفة والتاريخ (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥ و٥٥٠ - ٥٥٤) وتهذيب الكمال (٢٠/ ١١ - ٢٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٦٢ - ٦٣) وشذرات الذهب (١/ ١٠٣ - ١٠٤) ومشاهير علماء الأمصار (٦٤).","vol":"1","page":462},{"text":"بالسيرة حافظا ثبتا. حدث عنه بنوه: هشام ومحمد وعثمان ويحيى، وحفيده عمر بن عبد الله بن عروة، والزهري وأبو الزناد، وخلق كثير. قال الزهري: رأيته بحرا لا ينزف، قال: وكان يتألف الناس حديثه. وعن عثمان بن عروة قال: كان عروة يقول: يا بني هلموا فتعلموا فإن أزهد الناس في عالم أهله، وما أشده على امرئ أن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهله. وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه وقعت الأكلة في رجله، فقيل له: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: إن شئتم، فجاء الطبيب فقال: أسقيك شرابا يزول فيه عقلك. فقال: امض لشأنك ما ظننت أن خلقا يشرب شرابا ويزول فيه عقله حتى لا يعرف ربه، قال: فوضع المنشار على ركبته اليسرى ونحن حوله فما سمعنا له حسا، فلما قطعها جعل يقول: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت. وترك حزبه من القراءة تلك الليلة. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات، وإذا رأيته يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها وإن السيئة تدل على أختها. توفي ﵁ سنة ثلاث وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى الدارمي عن عروة بن الزبير قال: ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا ليس فيه شيء حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم أبناء النساء التي سبت بنو إسرائيل من غيرهم، فقالوا فيهم بالرأي فأضلوهم. (١)\n_________\n(١) الدارمي (١/ ٥٠) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٠٤٧) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ١٣٥). وابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٧٤).","vol":"1","page":463},{"text":"\"\nالتعليق:\nلاشك أن الدعوة إلى الرأي والبعد عن النص أمر دخيل، حمله أعداء الإسلام إلى الإسلام، نرجوا الله تعالى أن يخلصنا من هذه الدعوة المشئومة إنه سميع مجيب.\n- وجاء في الاعتصام عن هشام بن عروة عن أبيه: أنه كان يقول: السنن السنن، فإن السنن قوام الدين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: لقد صحبت عائشة رحمها الله حتى قلت قبل وفاتها بأربع سنين أو خمس: لو توفيت اليوم ما ندمت على شيء فاتني منها، فما رأيت أحدا قط كان أعلم بآية أنزلت ولا بفريضة ولا بسنة، ولا أعلم بشعر ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا ولا بكذا، ولا بقضاء ولا بطب منها. فقلت لها: يا أمه، الطب من أين علمتيه؟ فقالت: كنت أمرض فينعت لي الشيء، ويمرض المريض فينعت له فينتفع، فأسمع الناس بعضهم لبعض فأحفظه. قال عروة: فلقد ذهب عني عامة علمها لم أسأل عنه. (٢)\n- عن تميم بن سلمة عن عروة قال: لقد رأيت عائشة تقسم سبعين ألفا وهي ترقع درعها. (٣)\n_________\n(١) الاعتصام (٢/ ٨٤٨).\n(٢) الشريعة (٣/ ٤٨٢/١٩٥٨) وهو في أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٢٠ - ١٥٢١/ ٢٧٥٩).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٢٢/٢٧٦٤).","vol":"1","page":464},{"text":"- عن هشام عن القاسم بن محمد قال: سمعت ابن الزبير قال: ما رأيت امرأة قط أجود من عائشة وأسخى، كانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها. وضعته مواضعه وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئا لغد. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه. (٢)\n- وعنه عن أبيه قال: لا يغرنكم صلاة امرئ ولا صيامه، ما شاء صام وما شاء صلى، لا دين لمن لا أمانة له. (٣)\n\nعلي بن الحسين (٤) (٩٣ هـ)\nعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب زيد العابدين الهاشمي العلوي المدني، يكنى أبا الحسين ويقال: أبو الحسن، ويقال أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، وأمه أم ولد، اسمها سَلاَّمَة سُلاَفَة بنت ملك الفرس يَزْدَجِرْد، وقيل غزالة. حدث عن أبيه الحسين، وكان معه يوم كائنة كربلاء وله ثلاث وعشرون سنة. وحدث أيضا عن صفية أم المؤمنين وعائشة، وعمه\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٢١ - ١٥٢٢/ ٢٧٦٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٣/١٧٢٩) والإبانة (٢/ ٨٥٢/١١٤٨) والشريعة (١/ ٢٧٣/٢٧٢) والإيمان لابن أبي شيبة (١٠) وفي المصنف (٦/ ١٥٩/٣٠٣٢٣) والسنة للخلال (٤/ ٤٩/١١٤).\n(٣) المصنف لابن أبي شيبة (٦/ ١٦٠/٣٠٣٢٦) والإيمان له (١٣).\n(٤) السير (٤/ ٣٨٦ - ٤٠١) ووفيات الأعيان (٣/ ٢٦٦ - ٢٦٩) وحلية الأولياء (٣/ ١٣٣ - ١٤٥) وطبقات ابن سعد (٥/ ٢١١) وتذكرة الحفاظ (١/ ٧٤ - ٧٥) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٣٨٢ - ٤٠٤) وشذرات الذهب (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":465},{"text":"الحسن وطائفة، وحدث عنه أولاده: أبو جعفر محمد، وعمر، وزيد المقتول، وعبد الله، والزهري وعمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة وزيد بن أسلم وخلق سواهم. عن سعيد بن المسيب قال: ما رأيت رجلا أورع من علي بن الحسين. وقال أبو حازم الأعرج: ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين. قال الواقدي وأبو عبيد والبخاري والفلاس: مات ﵀ سنة ثلاث وتسعين وقيل سنة أربع وتسعين. ودفن بالبقيع. وليس للحسين بن علي عقب إلا من ولد زين العابدين هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عن إبراهيم بن أبي حفصة بياع السابري قال: قلت لعلي بن الحسين: ناس يقولون: لا ننكح إلا من كان على رأينا، ولا نصلي إلا خلف من كان على رأينا، قال علي بن الحسين: ننكحهم بالسنة ونصلي خلفهم بالسنة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>موقفه من المشركين:</span>\n- قال أبو نعيم: حدثنا عيسى بن دينار -ثقة- قال: سألت أبا جعفر عن المختار، فقال: قام أبي على باب الكعبة، فلعن المختار، فقيل له: تلعنه وإنما ذبح فيكم؟ قال: إنه كان يكذب على الله وعلى رسوله. (٢)\n- وعن علي بن حسين: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي - ﷺ - فيدخل فيها، فيدعو فنهاه. فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٧٤/٥٧).\n(٢) السير (٤/ ٣٩٧).","vol":"1","page":466},{"text":"عن جدي عن رسول الله - ﷺ -؟ قال: لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم. (١)\nقال ابن تيمية معلقا (٢): إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵁، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره - ﷺ -، واستدل بالحديث ... وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ... فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت!! الذين لهم من رسول الله - ﷺ - قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي: قال أبو حازم المدني ما رأيت هاشميا أفقه من علي بن الحسين، سمعته وقد سئل: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر عند رسول الله - ﷺ -؟ فأشار بيده إلى القبر ثم قال: بمنزلتهما منه الساعة. (٣)\n\" التعليق:\nما أكثر فقه هؤلاء الرجال، أليس هذا من أئمة أهل البيت؟ ماذا يقول الروافض قبحهم الله ولعنهم، في قولة هذا الإمام؟ فرضي الله عنه وأرضاه.\n_________\n(١) ابن أبي شيبة (٢/ ١٥٠/٧٥٤٢) وأبو يعلى (١/ ٣٦١/٤٦٩) وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة (٢٠). قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٣): \"رواه أبو يعلى وفيه جعفر بن إبراهيم الجعفري ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرجا وبقية رجاله ثقات\". قال الشيخ الألباني في فضل الصلاة للقاضي: \"حديث صحيح بطرقه وشواهده\".\n(٢) الاقتضاء (٢/ ٦٥٩ - ٦٦٠).\n(٣) السير (٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٧٨/٢٤٦٠).","vol":"1","page":467},{"text":"- وفيها عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: جاء رجل إلى أبي فقال: أخبرني عن أبي بكر قال: عن الصديق تسأل؟ قال وتسميه الصديق؟ قال: ثكلتك أمك قد سماه صديقا من هو خير مني رسول الله - ﷺ -، والمهاجرون والأنصار فمن لم يسمه صديقا فلا صدق الله قوله، اذهب فأحب أبا بكر وعمر وتولهما، فما كان من أمر ففي عنقي. (١)\n- وفيها: عن محمد بن علي، عن أبيه، قال قدم قوم من العراق، فجلسوا إلي، فذكروا أبا بكر وعمر فسبوهما، ثم ابتركوا في عثمان ابتراكا، فشتمتهم. (٢)\n- جاء في البداية: عن محمد بن علي عن أبيه قال: جلس قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر فنالوا منهما، ثم ابتدأوا في عثمان فقال لهم: أخبروني أأنتم من المهاجرين الأولين الذين ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣)\n؟ قالوا: لا. قال: فأنتم من الذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤)؟ قالوا لا. فقال لهم: أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله ﷿ فيهم ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ\n_________\n(١) السير (٤/ ٣٩٥)\n(٢) السير (٤/ ٣٩٥)\n(٣) الحشر الآية (٨).\n(٤) الحشر الآية (٩).","vol":"1","page":468},{"text":"﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) الآية. فقوموا عني لا بارك الله فيكم، ولا قرب دوركم، أنتم مستهزئون بالإسلام، ولستم من أهله. (٢)\n- وعن القاسم بن عوف قال: قال علي بن الحسين: جاءني رجل فقال: جئتك في حاجة، وما جئت حاجا ولا معتمرا، قلت: وما هي؟ قال: جئت لأسألك متى يبعث علي؟ فقلت: يبعث -والله- يوم القيامة، ثم تهمه نفسه. (٣)\n- وعن يحيى بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين -وكان أفضل هاشمي أدركته- يقول: أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح حبكم حتى صار علينا عارا. (٤)\n- وعن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين قال: من زعم منا أهل البيت أو غيره أن طاعته مفترضة على العباد فقد كذب علينا ونحن منهم براء، فاحذر ذلك إلا لرسول الله - ﷺ - ولأولي الأمر من بعده. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: سئل علي بن الحسين عن القرآن، فقال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الخالق. (٦)\n_________\n(١) الحشر الآية (١٠).\n(٢) البداية (٩/ ١١٢).\n(٣) السنة لابن أبي عاصم (٩٩٧) وهو في السير (٤/ ٣٩٦) والبداية والنهاية (٩/ ١١٢)\n(٤) الطبقات لابن سعد (٥/ ٢١٤) والسنة لابن أبي عاصم (٩٩٦) والسنة للخلال (١/ ٥٠٠).\n(٥) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٨١/٢٦٨٤).\n(٦) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٦٣/٣٨٧) والسنة لعبد الله (٣٠) والمنهاج (٢/ ٢٥٣).","vol":"1","page":469},{"text":"- وعن الزهري قال: سألت علي بن الحسين عن القرآن؟ قال: كتاب الله وكلامه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: قال علي بن الحسين: إن أصحاب القدر حملوا مقدرة الله ﷿ على ضعف رأيهم فقالوا لله: لم؟ ولا ينبغي أن يقال لله: لم؟ (٢)\n\nسعيد بن المسيب (٣) (٩٤ هـ)\nهو سعيد بن المُسَيِّب بن حَزْن بن أبي وَهْب. أبو محمد القرشي المخزومي المدني، سيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب وقيل لأربع مضين منها بالمدينة. رأى عمر، وسمع عثمان وعليا وزيد ابن ثابت، وعائشة وأبا هريرة وابن عباس وخلقا سواهم. روى عنه إدريس ابن صبيح وأسامة بن زيد الليثي، وإسماعيل بن أمية، وحسان بن عطية، وغيرهم. قال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أحدا أوسع علما من سعيد ابن المسيب، نظرت فيما روى عنه الزهري وقتادة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن حرملة، فإذا كل واحد منهم لا يكاد يروي ما يرويه الآخر ولا يشبهه، فعلمت أن ذلك لسعة علمه، وكثرة روايته، وإذا قال سعيد:\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٦٤/٣٨٩) والإبانة (٢/ ١٢/١٧ - ١٨/ ٢٠٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٨/١٦٢١).\n(٣) طبقات ابن سعد (٥/ ١١٩ - ١٤٣) والبداية والنهاية (٩/ ٩٩ - ١١٠) ووفيات الأعيان (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٨) والوافي بالوفيات (١٥/ ٢٦٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٧ - ٢٤٦) وتهذيب الكمال (١١/ ٦٦ - ٧٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٥٤ - ٥٦) وحلية الأولياء (٢/ ١٦١ - ١٧٥) وشذرات الذهب (١/ ١٠٢ - ١٠٣) والمعرفة والتاريخ (١/ ٤٦٨ - ٤٧٩).","vol":"1","page":470},{"text":"مضت السنة، فحسبك به. قال علي: وهو عندي أجل التابعين. وعن مالك عن يحيى بن سعيد، قال: سئل سعيد بن المسيب عن آية، فقال سعيد: لا أقول في القرآن شيئا. قال الذهبي: ولهذا قل ما نقل عنه في التفسير. ومن كلام ابن المسيب قال: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم؛ لكيلا تحبط أعمالكم. توفي ﵀ سنة أربع وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الدارمي: عن أبي رباح شيخ من آل عمر قال: رأى سعيد بن المسيب رجلا يصلي بعد العصر الركعتين يكثر، فقال له: يا أبا محمد أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا ولكن يعذبك الله بخلاف السنة. (١)\n\" التعليق:\nقال الشيخ الألباني ﵀: وهذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وهو سلاح قوي على المبتدعة الذين يستحسنون كثيرا من البدع باسم أنها ذكر وصلاة، ثم ينكرون على أهل السنة إنكار ذلك عليهم، ويتهمونهم بأنهم ينكرون الذكر والصلاة!! وهو في الحقيقة إنما ينكرون خلافهم للسنة في الذكر والصلاة ونحو ذلك. (٢)\n- وروى عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب، يودعه بحج أوعمرة فقال له: لا تبرح حتى تصلي: فإن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق إلا رجل أخرجته حاجة وهو\n_________\n(١) الدارمي (١/ ١١٦) والبيهقي (٢/ ٤٦٦) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨١) بنحوه.\n(٢) الإرواء (٢/ ٢٣٦).","vol":"1","page":471},{"text":"يريد الرجعة إلى المسجد\". فقال: إن أصحابي بالحرة، قال: فخرج، قال: فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته فانكسرت فخذه. (١)\n- وجاء في الاقتضاء: وروى الخلال بإسناد صحيح عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: أحدث الناس الصوت عند الدعاء. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن علي بن زيد أن سعيد بن المسيب قال له: مر غلامك فلينظر إلى وجه هذا الرجل، قلت له: أنت تكفيني أخبرني عنه فقال: إن هذا الرجل قد سود الله وجهه كان يقع في علي وطلحة والزبير فجعلت أنهاه فجعل لا ينتهي فقلت: اللهم إن كنت تعلم أنه قد كانت لهم سوابق وقدم فإن كان مسخطا لك ما يقول، فأرني به آية واجعله آية للناس فسود الله وجهه. (٣)\n- وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم بسنده إلى ابن المسيب أنه سئل عن شيء فقال: اختلف فيه أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولا رأي لي معهم. قال ابن وضاح: هذا هو الحق.\nقال أبو عمر: معناه أنه ليس له أن يأتي بقول يخالفهم جميعا به؟ (٤)\n- قال سعيد بن المسيب: لو شهدت لأحد حي أنه من أهل الجنة\n_________\n(١) الدارمي (١/ ١١٨ - ١١٩) وأبو داود في مراسيله (٨٤/ ٢٥) والبيهقي (٣/ ٥٦ - ٥٧) ومالك في الموطأ (١/ ١٦٢) وعبد الرزاق (١/ ٥٠٨/١٩٤٦). قال الشيخ الألباني ﵀ في صحيح الترغيب (١/ ٢٢٤/٢٦٤): \"صحيح لغيره\".\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٣٩).\n(٣) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٣٢/٢٣٧٠) وفي السير (٤/ ٢٤٢ بنحوه).\n(٤) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٧٠).","vol":"1","page":472},{"text":"لشهدت لعبد الله بن عمر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٢) قال: أحسنوا: شهادة أن لا إله إلا الله، والحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. (٣)\n- وقال سعيد: إذا تكلم الناس في ربهم وفي الملائكة ظهر لهم الشيطان فقدمهم إلى عبادة الأوثان. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>موقفه من القدرية:</span>\nعن قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب عن القدر؛ فقال: ما قدره الله؛ فقد قدره. (٥)\n\nأبو سلمة بن عبد الرحمن (٦) (٩٤ هـ)\nأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الحافظ، كان طلابة للعلم، فقيها، مجتهدا، كبير القدر، حجة. قيل اسمه عبد الله، وقيل إسماعيل، وقيل اسمه وكنيته واحد. ولد سنة بضع وعشرين. روى عن أبيه، وأنس بن مالك\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٣٦٣).\n(٢) يونس الآية (٢٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٠٩ - ٥١٠/ ٧٨٩).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ١٣٧/١٩٧).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢١/ ١٧٩٩).\n(٦) السير (٤/ ٢٨٧ - ٢٩٢) وتهذيب الكمال (٣٣/ ٣٧٠ - ٣٧٦) وطبقات ابن سعد (٥/ ١٥٥ - ١٥٧) وأخبار القضاة (١/ ١١٦ - ١١٨) وتذكرة الحفاظ (١/ ٥٩).","vol":"1","page":473},{"text":"وأسامة بن زيد وابن عباس وعائشة، وعطاء وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وآخرين. وعنه جماعة منهم ابنه عمر بن أبي سلمة والشعبي والزهري وهشام بن عروة. قال ابن سعد: وكان ثقة فقيها كثير الحديث. قال معمر عن الزهري: أربعة من قريش وجدتهم بحورا: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن عبد الله. قال: وكان أبو سلمة كثيرا ما يخالف ابن عباس، فحرم لذلك من ابن عباس علما كثيرا. قال عقيل بن خالد، عن الزهري: قدمت مصر على عبد العزيز بن مروان وأنا أحدث عن سعيد بن المسيب، فقال لي إبراهيم بن عبد الله بن قارظ: ما أسمعك تحدث إلا عن ابن المسيب؟ فقلت: أجل، فقال: لقد تركت رجلين من قومك لا أعلم أكثر حديثا منهما: عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فلما رجعت إلى المدينة، وجدت عروة بحرا لا تكدره الدلاء. قال الذهبي: لم يكثر عن أبي سلمة وهو من عشيرته، ربما كان بينهما شيء، وإلا فما أبو سلمة بدون عروة في سعة العلم. توفي سنة أربع وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى الخطيب في الفقيه والمتفقه: عن أبي نضرة قال: قدم أبو سلمة -وهو ابن عبد الرحمن- فنزل دار أبي بشير، فأتيت الحسن، فقلت: إن أبا سلمة قدم وهو قاضي المدينة وفقيههم، انطلق بنا إليه، فأتيناه، فلما رأى الحسن، قال: من أنت؟ قال: أنا الحسن بن أبي الحسن، قال: ما كان بهذا المصر أحد أحب إلي أن ألقاه منك، وذلك أنه بلغني أنك تفتي الناس، فاتق الله يا حسن، وأفت الناس بما أقول لك: أفتهم بشيء من القرآن قد علمته، أو سنة ماضية قد سنها","vol":"1","page":474},{"text":"الصالحون والخلفاء، وانظر رأيك الذي هو رأيك فألقه. (١)\nالعلاء بن زياد (٢) (٩٤ هـ)\nالشيخ الزاهد أبو نَصْر العلاء بن زياد بن مطر بن شريح العدوي البصري، قدم الشام. أرسل عن النبي - ﷺ - حديثا، وروى عن أبي هريرة وعمران بن حصين وعياض بن حمار ومطرف بن عبد الله بن الشخير وغيرهم. روى عنه الحسن وقتادة ومطر الوراق وإسحاق بن سويد العدوي وأسيد بن عبد الرحمن الخثعمي.\nقال الذهبي: وكان ربانيا تقيا قانتا لله، بكاء من خشية الله. عن قتادة قال: كان زياد بن مطر العدوي قد بكى حتى عمي وبكى ابنه العلاء بن زياد بعده حتى عشي بصره، قال: وكان إذا أراد أن يتكلم أو يقرأ جهشه البكاء.\nذكر البخاري في صحيحه في تفسير (حم المؤمن): \"وكان العلاء بن زياد يذكر النار، فقال رجل: لم تقنط الناس؟ قال: وأنا أقدر أن أقنط الناس، والله ﷿ يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٣) ويقول: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (٤)\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥) وبنحوه في إعلام الموقعين (١/ ٧٤).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٢١٧) وحلية الأولياء (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٩) وتهذيب الكمال (٢٢/ ٤٩٧ - ٥٠٦) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٨١ - ١٠٠/ص.٤٤٤ - ٤٤٧) وتهذيب التهذيب (٨/ ١٨١ - ١٨٢).\n(٣) الزمر (٥٣).\n(٤) غافر الآية (٤٣).","vol":"1","page":475},{"text":"ولكنكم تحبون أن تُبَشَّروا بالجنة على مساوئ أعمالكم، وإنما بعث الله محمدا - ﷺ - مبشرا بالجنة لمن أطاعه ومنذرا بالنار لمن عصاه\". (١)\nقال ابن حبان: مات بالشام في آخر ولاية الحجاج سنة أربع وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في السير: عن العلاء بن زياد، قال: ما يضرك شهدت على مسلم بكفر أو قتلته. (٢)\n\nعطاء بن يسار (٣) (٩٤ هـ)\nالإمام عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني القاص، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وهو أخو سليمان بن يسار وعبد الله بن يسار وعبد الملك بن يسار.\nروى عن مولاته ميمونة وأبي سعيد الخدري وابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وطائفة. روى عنه زيد بن أسلم وعبد الله بن مقسم وشريك بن أبي نمر وهلال بن أبي ميمونة.\nقال أبو حازم: ما رأيت رجلا قط كان ألزم لمسجد رسول الله - ﷺ - من عطاء بن يسار. قال ابن حجر: ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة.\n_________\n(١) البخاري تعليقا (٨/ ٧١١).\n(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٤) والحلية لأبي نعيم (٢/ ٢٤٦).\n(٣) طبقات ابن سعد (٥/ ١٧٣) وتاريخ ابن عساكر (٤٠/ ٤٣٨ - ٤٥٤) وتهذيب الكمال (٢٠/ ١٢٥ - ١٢٧) والسير (٤/ ٤٤٨) وتهذيب التهذيب (٧/ ٢١٧) والتقريب (١/ ٦٧٦) وشذرات الذهب (١/ ١٢٥).","vol":"1","page":476},{"text":"من أقواله ﵀: جدوا في دار العمل لدار الثواب، وجدوا في دار الفناء لدار البقاء. ولم نر شيئا إلى شيء أزين من حلم إلى علم. توفي ﵀ سنة أربع وتسعين، وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>موقفه من الجهمية:</span>\nروى اللالكائي في أصول الاعتقاد عن عطاء بن يسار قال: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل منها -يعني ليلة النصف من شعبان- ينزل الله ﵎ إلى سماء الدنيا فيغفر إلا لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم. (١)\n\nعبد الله بن أبي قتادة (٢) (٩٥ هـ)\nعبد الله بن أبي قَتَادَة بن رَبْعِيّ بن بلذمة، أبو إبراهيم ويقال: أبو يحيى المدني، أمه سلافة بنت البراء بن معرور بن صخر. روى عن أبيه، وعن جابر ابن عبد الله. وعنه جملة منهم: ابناه ثابت ويحيى، وسلمة بن دينار، وزيد بن أسلم. قال ابن سعد: وكان ثقة قليل الحديث. توفي سنة خمس وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى ابن بطة في الإبانة (٣): عن عبد الله بن أبي قتادة قال: من دعا إلى سنة فأجيب إليها أعطاه الله أجر من أجاب إليها، ولا ينقص ذلك من\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠/ ٧٦٩).\n(٢) طبقات ابن سعد (٥/ ٢٧٤) وتاريخ خليفة (٣٠٩) والتاريخ الكبير (٥/ ١٧٥ - ١٧٦) والجرح والتعديل (٥/ ٣٢) وتهذيب الكمال (١٥/ ٤٤٠ - ٤٤٢).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٣٤٢ - ٣٤٣/ ٢١٣).","vol":"1","page":477},{"text":"أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة فأجابه إليها أحد، حمله الله مثل أوزارهم، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] (١).\n\nسعيد بن جُبَيْر (٢) (٩٥ هـ)\nسعيد بن جبير بن هشام أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، الإمام الحافظ المقرئ المفسر، أحد الأعلام، من كبار التابعين. روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس فأكثر عنه وجود، وابن عمر وأنس وأبي سعيد الخدري وغيرهم من الصحابة ﵃ وكذا عن بعض التابعين. روى عنه آدم بن سليمان والد يحيى بن آدم، وأيوب السختياني، وثابت بن عجلان وجعفر ابن أبي المغيرة وأبو صالح السمان، وابنه عبد الله بن سعيد بن جبير وغيرهم.\nقال عطاء بن السائب: كان سعيد بن جبير بفارس، وكان يتحزن، يقول: ليس أحد يسألني عن شيء، وكان يبكينا، ثم عسى أن لا يقوم حتى نضحك. وعن عبد السلام بن حرب عن خصيف قال: كان أعلمهم بالقرآن مجاهد، وأعلمهم بالحج عطاء، وأعلمهم بالحلال والحرام طاووس، وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير.\n_________\n(١) النحل الآية (٢٥).\n(٢) طبقات ابن سعد (٦/ ٢٥٦ - ٢٦٧) وتهذيب الكمال (١٠/ ٣٥٦ - ٣٧٦) والبداية والنهاية (٩/ ٩٨ - ٩٩) والوافي بالوفيات (١٥/ ٢٠٦ - ٢٠٧) ووفيات الأعيان (٢/ ٣٧١ - ٣٧٤) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢١ - ٣٤٣) والحلية (٤/ ٢٧٢ - ٣٠٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٧٦ - ٧٧) والعقد الثمين (٤/ ٥٤٩ - ٥٥٣) وشذرات الذهب (١/ ١٠٨ - ١١٠).","vol":"1","page":478},{"text":"وقال جعفر بن أبي المغيرة: كان ابن عباس بعد ما عمي إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه يقول: تسألوني وفيكم ابن أم دهماء؟ يعني سعيد بن جبير. وعن سعيد بن جبير قال: سأل رجل ابن عمر عن فريضة فقال: ائت سعيد ابن جبير فإنه أعلم بالحساب مني، وهو يفرض فيها ما أفرض. قتله الحجاج سنة خمس وتسعين، فأهلكه الله بعده بخمسة عشر يوما، وقيل أربعين يوما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى عبد الله بن الإمام أحمد عن أبي المختار قال: شكا ذر سعيد بن جبير إلى أبي البختري الطائي فقال: مررت فسلمت عليه، فلم يرد علي، فقال أبو البختري لسعيد بن جبير، فقال سعيد: إن هذا يجدد كل يوم دينا، لا والله لا أكلمه أبدا. (١)\n- وروى الدارمي عن أيوب عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن مغفل قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الخذف (٢) وقال: إنها لا تصطاد صيدا ولا تنكي عدوا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين، فرفع رجل بينه وبين سعيد قرابة شيئا من الأرض فقال: هذه، وما يكون هذه؟! فقال سعيد: ألا أراني أحدثك عن رسول الله - ﷺ - ثم تهاون به، لا أكلمك أبدا. (٣)\n- وجاء في السير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ في شَكٍّ\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.٩٠) والإبانة (٢/ ٧/٨٩١/ ١٢٤٠) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٢ - ١٠٦٣/ ١٨١٢).\n(٢) تقدم تخريج المرفوع منه ضمن مواقف عبد الله بن مغفل سنة (٥٧هـ).\n(٣) الدارمي (١/ ١٧٧) وذم الكلام (ص.٩٦) مختصرا.","vol":"1","page":479},{"text":"مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (١) قال: لم يشك ولم يسأل. (٢)\n- وروى الدارمي في سننه: عن أيوب قال رآني سعيد بن جبير جلست إلى طلق بن حبيب، فقال لي: ألم أرك جلست إلى طلق بن حبيب؟ لا تجالسنه. (٣)\n- وروى أيضا: عن كلثوم بن جبر، أن رجلا سأل سعيد بن جبير عن شيء فلم يجبه، فقيل له فقال «أزا يشان» (٤)؟. (٥)\n- وجاء في ذم الكلام عن مروان الأصفر قال: كنت عند سعيد بن جبير جالسا، فسأله رجل عن آية من كتاب الله فقال: الله أعلم، فقال: قل فيها أصلحك الله برأيك، قال: أقول في كتاب الله برأيي؟! مرتين أو ثلاثا، ولم يجبه بشيء. (٦)\n- وفي الشريعة: عن سعيد بن جبير؛ أنه حدث عن النبي - ﷺ - حديثا فقال رجل: إن الله تعالى قال في كتابه: كذا وكذا. فقال: ألا أراك تعارض حديث رسول الله - ﷺ - بكتاب الله تعالى، رسول الله - ﷺ - أعلم بكتاب الله تعالى. (٧)\n_________\n(١) يونس الآية (٩٤).\n(٢) السير (١٢/ ١٨٠ - ١٨١) وهو عند الطبري (١١/ ١٦٨).\n(٣) الدارمي (١/ ١٠٨).\n(٤) كلمة فارسية معناها: منهم، أي: من أهل الأهواء.\n(٥) الدارمي (١/ ١٠٩).\n(٦) ذم الكلام (٩٠) والسنن لسعيد بن منصور (١/ ١٧٤/٤١) والشعب للبيهقي (٢/ ٤٢٥/٢٢٨٥).\n(٧) الشريعة (١/ ١٨٠/١٠٥) والإبانة (١/ ١/٢٤٨ - ٢٤٩/ ٨١) وذم الكلام (٩٦) والدارمي (١/ ١٤٥).","vol":"1","page":480},{"text":"- وروى ابن بطة: عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ (١). قال: لزم السنة والجماعة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>موقفه من الرافضة:</span>\nعن سعيد بن جبير قال: ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في الشريعة للآجري عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: أما المتشابهات فهن آي في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرؤوهن، من أجل ذلك يضل من ضل ممن ادعى هذه الكلمة، كل فرقة يقرؤون آيات من القرآن ويزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى. ومما تتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) ويقرؤون معها ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يعدلون﴾ (٥) فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر. ومن كفر عدل بربه، فقد أشرك فهؤلاء الأئمة مشركون، فيخرجون فيفعلون\n_________\n(١) طه الآية (٨٢).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣٢٢ - ٣٢٣/ ١٦٥).\n(٣) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٧١) ومجموع الفتاوى (٤/ ٥).\n(٤) المائدة الآية (٤٤).\n(٥) الأنعام الآية (١).","vol":"1","page":481},{"text":"ما رأيت؛ لأنهم يتأولون هذه الآية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن عبد الله بن حبيب عن أمه، قالت: سمعت سعيد بن جبير وذكر المرجئة، فقال: اليهود. (٢)\n- وعن سعيد بن جبير قال: المرجئة يهود القبلة. (٣)\n- وعنه قال: مثل المرجئة مثل الصابئين. (٤)\n- وعن قيس بن مسلم عن سعيد جبير: في قوله: ﴿ليطمئن قَلْبِي﴾ (٥) قال: ليزداد إيماني. وكذلك فسره مالك بن أنس. (٦)\n- وعن أيوب رآني سعيد بن جبير وأنا جالس إلى طلق بن حبيب، قال أيوب: وما أدركت بالبصرة أعبد منه، ولا أبر بوالديه منه -يعني من طلق- وكان يرى رأي المرجئة. فقال سعيد: ألم أرك جالسا إليه، لا تجالسه. قال أيوب: وكان والله ناصحا وما استشرته. ولكن يحق للمسلم إذا رأى من أخيه ما يكره أن يأمره وينهاه. (٧)\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٤٣ - ١٤٤/ ٤٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ٨٨٦/١٢٢٦) والسنة لعبد الله (٨٨) والسنة للخلال (٤/ ١٣٤ - ١٣٥/ ١٣٥٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦١/١٨٠٩) والسنة لعبد الله (٩٧).\n(٤) السنة لعبد الله (٨٨ - ٨٩) والشريعة (١/ ٣٠٩/٣٣٤) والسنة للخلال (٤/ ١٣٥/١٣٥٥).\n(٥) البقرة الآية (٢٦٠).\n(٦) أصول الاعتقاد (٥/ ٩٦٦ - ٩٦٧/ ١٦٠٣) والإبانة (٢/ ٨٤٦/١١٣٣) والشريعة (١/ ٢٧٣/٢٧٣) والسنة لعبد الله (١٠٩) والسنة للخلال (٤/ ٤٠/١١٢٣).\n(٧) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦١ - ١٠٦٢/ ١٨١٠) ونحو في الشريعة (١/ ٣٠٩/٣٣٥) والسنة لعبد الله (ص.٨٨).","vol":"1","page":482},{"text":"- وعن أبي الجحاف قال: قال سعيد بن جبير لذر: يا ذر (١) ما لي أراك كل يوم تجدد دينا. (٢)\n- وعن حبيب قال: كنت عند سعيد بن جبير في مسجد فتذاكرنا ذرا في حديثنا فنال منه، فقلت: يا أبا عبد الله إنه لواد لك بحسن الثناء عليك إذا ذكرت، فقال: ألا تراه ضالا كل يوم يطلب دينه. (٣)\n- وعن أبي المختار الطائي قال: شكا ذر سعيد بن جبير إلى أبي البختري الطائي قال: مررت به فسلمت عليه فلم يرد علي، فقال أبو البختري لسعيد بن جبير، فقال سعيد بن جبير: إن هذا كل يوم يجددنا دينا، لا والله لا أكلمه أبدا. (٤)\n- وعن العلاء بن عبد الله بن رافع أن ذرا أبا عمر أتى سعيد بن جبير يوما في حاجة قال فقال: لا حتى تخبرني على أي دين أنت اليوم أو رأي أنت اليوم، فإنك لا تزال تلتمس دينا قد أضللته، ألا تستحي من رأي أنت اليوم أكبر منه. (٥)\n- وعن عطاء بن السائب قال: ذكر سعيد بن جبير المرجئة قال: فضرب لهم مثلا فقال: مثلهم مثل الصابئين، إنهم أتوا اليهود فقالوا: ما دينكم؟ قالوا اليهودية قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: موسى قالوا: فماذا لمن\n_________\n(١) كان يرى الإرجاء، وسيأتي الموقف منه إن شاء الله (قبل ١٠٠هـ).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٢/١٨١١) والإبانة (٢/ ٨٩١/١٢٣٩) والسنة لعبد الله (ص.٩٠).\n(٣) السنة لعبد الله (٩٣).\n(٤) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٢ - ١٠٦٣/ ١٨١٢) والإبانة (٢/ ٨٩١/١٢٤٠) والسنة لعبد الله (ص.٩٠).\n(٥) السنة لعبد الله (٨٩) والسنة للخلال (٤/ ١٣٩/١٣٦٩٤) والإبانة (٢/ ٨٩٠/١٢٣٧).","vol":"1","page":483},{"text":"تبعكم؟ قالوا الجنة. ثم أتوا النصارى فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: النصرانية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: الإنجيل، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: عيسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، قالوا: فنحن به ندين. (١)\n- وعن عطاء بن دينار الهذلي أن عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن هذه المسائل. فأجابه فيها: سألت عن الإيمان، قال: فالإيمان هو التصديق، أن يصدق العبد بالله وملائكته وما أنزل من كتاب وما أرسل من رسول، وباليوم الآخر. وتسأل عن التصديق. والتصديق: أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن، وما ضعف عن شيء منه وفرط فيه عرف أنه ذنب، واستغفر الله وتاب منه ولم يصر عليه فذلك هو التصديق. وتسأل عن الدين، والدين العبادة، فإنك لن تجد رجلا من أهل دين يترك عبادة أهل دينه، ثم لا يدخل في دين آخر إلا صار لا دين له، وتسأل عن العبادة والعبادة هي الطاعة، وذلك أنه من أطاع الله فيما أمره به وفيما نهاه عنه، فقد أتم عبادة الله، ومن أطاع الشيطان في دينه وعمله، فقد عبد الشيطان، ألم تر أن الله قال للذين فرطوا: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ (٢) وإنما كانت عبادتهم الشيطان أنهم أطاعوه في دينهم. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٣/١٨١٤) والسنة لعبد الله (٨٩) والإبانة (٢/ ٨٨٧ - ٨٨٨/ ١٢٣٠) والسنة للخلال (٤/ ١٣٦).\n(٢) يس الآية (٦٠).\n(٣) المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٤٦/٣٤٥).","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن سعيد بن جبير قال: القدرية يهود. (١)\n- وفيه: عن سعيد بن جبير: ﴿لولا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سبق﴾ (٢). قال: ما سبق لأهل بدر من السعادة. (٣)\n- وفيه: في قوله: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ (٤) قال: كما كتب عليكم تكونون. (٥)\n- وفي الإبانة عن سعيد بن جبير ﴿فَأَلْهَمَهَا فجورها وَتَقْوَاهَا﴾ (٦)؛ قال: فألزمها فجورها وتقواها. (٧)\n- وفيها: عن سعيد في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ ينالهم نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٨)؛ قال: ينالهم ما كتب عليهم من شقوة أو سعادة من خير أو شر. (٩)\n- وفيها: عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿يحول بين المرء\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٠ - ٧٦١/ ١٢٦٧).\n(٢) الأنفال الآية (٦٨).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٦١٢/٩٨٠).\n(٤) الأعراف الآية (٢٩).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٦١٢/٩٨٢) والإبانة (٢/ ١٠/١٩٩/ ١٧٢٧).\n(٦) الشمس الآية (٨).\n(٧) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٩ - ٢٠٠/ ١٧٢٨).\n(٨) الأعراف الآية (٣٧).\n(٩) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٠/ ١٧٣٠).","vol":"1","page":485},{"text":"وَقَلْبِهِ﴾ (١)؛ قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان. (٢)\n\nمُطَرِّف بن عبد الله (٣) (٩٥ هـ)\nمطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير الإمام القدوة الحجة، أبو عبد الله العامري الحَرَشِيّ البصري، كان رأسا في العلم والعمل، وله جلالة في الإسلام ووقع في النفوس. روى عن أبيه ﵁، وعلي وعمار وأبي ذر وعثمان وعائشة وغيرهم. وروى عنه الحسن البصري، وأخوه يزيد بن عبد الله وثابت البناني وغيرهم.\nمن أقواله: إن الفتنة لا تجيء حين تجيء لتهدي، ولكن لتقارع المؤمن عن نفسه. وعن ثابت البناني أن مطرف بن عبد الله قال: لبثت في فتنة ابن الزبير تسعا أو سبعا ما أخبرت فيها بخبر ولا استخبرت فيها عن خبر. وعن حميد بن هلال قال: أتى مطرف بن عبد الله زمان ابن الأشعث ناس يدعونه إلى قتال الحجاج، فلما أكثروا عليه قال: أرأيتم هذا الذي تدعوني إليه، هل يزيد على أن يكون جهادا في سبيل الله؟ قالوا: لا، قال: فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها وبين فضل أصيبه. وعنه قال: قال لي عمران بن حصين ألا\n_________\n(١) الأنفال الآية (٢٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٠/ ١٧٢٩).\n(٣) الإصابة (٦/ ٢٦٠ - ٢٦٢) وطبقات ابن سعد (٧/ ١٤١ - ١٤٦) وحلية الأولياء (٢/ ١٩٨ - ٢١٢) ووفيات الأعيان (٥/ ٢١١) والبداية والنهاية (٩/ ٦٩ - ٧٠و١٤٠) وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٧ - ١٩٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٦٤ - ٦٥) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٦٧ - ٧٠) وشذرات الذهب (١/ ١١٠ - ١١١) ومشاهير علماء الأمصار (٨٨).","vol":"1","page":486},{"text":"أحدثك حديثا لعل الله أن ينفعك به في الجماعة، إني أراك تحب الجماعة، قال قلت: لأنا أحرص على الجماعة من الأرملة، لأني إذا كانت الجماعة عرفت وجهي.\nتوفي ﵁ سنة خمس وتسعين وقيل غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام عن مطرف قال: أكثر أتباع الدجال، اليهود وأهل البدع. (١)\n\" التعليق:\nالله أكبر وسبحان الله ما أعظم فقه السلف، وفراستهم في المبتدعة، وقد صارت أفعالهم الآن لا فرق بينها وبين الدجال في قليل ولا كثير، فعمدة الدجال في ترويج دجله هو الكذب والحيل بجميع أنواعها، وقد كان المبتدعة كذلك، وكذلك أشبهوا اليهود في تعصبهم الأعمى ليهوديتهم الضالة، وكذلك المبتدعة يتعصبون لبدعتهم الممقوتة. نرجو الله العفو والعافية.\n- جاء في السير عن مطرف قال: كنا نأتي زيد بن صوحان فكان يقول: يا عباد الله، أكرموا وأجملوا، فإنما وسيلة العباد إلى الله بخصلتين: الخوف والطمع. فأتيته ذات يوم وقد كتبوا كتابا، فنسقوا كلاما من هذا النحو: إن الله ربنا، ومحمد نبينا، والقرآن إمامنا، ومن كان معنا كنا وكنا.\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.١٩٢).","vol":"1","page":487},{"text":"ومن خالفنا كانت يدنا عليه وكنا وكنا. قال: فجعل يعرض الكتاب عليهم رجلا رجلا، فيقولون: أقررت يا فلان؟ حتى انتهوا إلي فقالوا: أقررت يا غلام؟ قلت: لا، قال -يعني زيدا: لا تعجلوا على الغلام، ما تقول يا غلام؟ قلت: إن الله قد أخذ علي عهدا في كتابه، فلن أحدث عهدا سوى العهد الذي أخذه علي. فرجع القوم من عند آخرهم ما أقر منهم أحد، وكانوا زهاء ثلاثين نفسا. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن مطرف بن الشخير قال: لو كانت هذه الأهواء كلها هوى واحدا لقال القائل الحق فيه، فلما تشعبت واختلفت عرف كل ذي عقل أن الحق لا يتفرق. (٢)\n- وفي الإبانة: عن غيلان قال: قال مطرف: إن الفتنة لا تجيء تهدي الناس ولكن لتقارع المؤمن عن دينه. (٣)\n- وفيها: عن أبي عقيل قال: قلت لأبي العلاء: ما كان مطرف يصنع إذا هاج هيج؟ قال: كان لا يقرب لها صفا ولا جماعة حتى تنجلي عما انجلت. (٤)\n- وفي ذم الكلام: عن أيوب قال: قال رجل لمطرف إنا نريد كتاب الله، فقال مطرف: إنا لا نريد بكتاب الله بدلا، ولكن نريد من هو أعلم به منا. (٥)\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٤/ ١٩٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٦٩/٣١٢) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢١) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ٨٢ - ٨٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ٤/٥٩٣/ ٧٥٥).\n(٤) الإبانة (٢/ ٤/٥٩٥/ ٧٦٠).\n(٥) ذم الكلام (ص.٨٠) وكتاب العلم أبي خيثمة (ص.٩٧) وجامع بيان العلم (٢/ ١١٩٣).","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في السير: وقال حميد بن هلال: أتت الحرورية مطرف بن عبد الله يدعونه إلى رأيهم، فقال: يا هؤلاء لو كان لي نفسان بايعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولون هدى أتبعتها الأخرى، وإن كان ضلالة، هلكت نفس وبقيت لي نفس، ولكن هي نفس واحدة لا أغرر بها. (١)\n\" التعليق:\nرضي الله عن هذا الإمام العلم، ونحن نقول: لو كانت لنا نفسان لقاتلناكم بالأولى فإذا قضت نحبها أتبعناها الثانية، وذلك أنكم استحللتم دماء المسلمين وقتلتم خيارهم، وعتوتم في الأرض فسادا، وقد أمرنا في الأحاديث الصحيحة بقتالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>موقفه من القدرية:</span>\n- روى ابن بطة بسنده: عن مطرف؛ قال: ليس لأحد أن يصعد فوق بيت، فيلقي نفسه، ثم يقول: قدر لي. ولكنا نتقي ونحذر، فإن أصابنا شيء؛ علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب لنا. (٢)\n- وفيها عنه أنه كان يقول: لو كان الخير في كف أحدنا ما استطاع أن يفرغه في قلبه حتى يكون الله هو الذي يفرغه في قلبه. (٣)\n_________\n(١) السير (٤/ ١٩٥) وعند ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٤٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٦/ ١٧١٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٦/ ١٧١٤).","vol":"1","page":489},{"text":"-وفيها: عنه قال: إنا لم نوكل إلى القدر، وإليه نصير. (١)\n- وفيها: عنه قال لابني أخيه: يا ابني أخي، فوضا أمركما إلى الله ﷿ تستريحا. (٢)\n- وفيها: عن يوسف بن أسباط قال: كان مطرف بن عبد الله بن الشخير يدعو بهؤلاء الدعوات الخمس الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من شر الشيطان، ومن شر السلطان، ومن شر ما تجري به الأقلام، وأعوذ بك من أن أقول حقا هو لك رضى أبتغي به حمد سواك، وأعوذ بك من أن أتزين للناس بشيء يشنيني عندك، وأعوذ بك أن تجعلني عبرة لغيري، وأعوذ بك أن يكون أحد هو أسعد بما علمتني مني. (٣)\n- وفي أصول الاعتقاد عن مطرف قال: نظرت فإذا ابن آدم ملقى بين يدي الله وبين يدي إبليس. فإن شاء الله أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إبليس. (٤)\n- وفيه: عن ثابت: أن مطرف قال: نظرت في هذا الأمر ممن كان، فإذا بدؤه من الله ﷿ وإذا تمامه على الله، ونظرت ما ملاكه فإذا ملاكه الدعاء. (٥)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٦/ ١٧١٦) والشريعة (١/ ٤٢٦/٥١٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٧ - ١٩٨/ ١٧٢١).\n(٣) الإبانة (٢/ ١١/٢٨٠/ ١٩١٥).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٥ - ٧٥٦/ ١٢٥٦) والإبانة (٢/ ١٠/١٩٥ - ١٩٦/ ١٧١٢) والشريعة (١/ ٤٢٦/٥١٦).\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٦/١٢٥٧) والإبانة (٢/ ١٠/١٩٥/ ١٧١١).","vol":"1","page":490},{"text":"إبراهيم النخعي (١) (٩٦ هـ)\nإبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، النَّخَعِي اليماني ثم الكوفي، كنيته أبو عمران، وأمه مليكة بنت يزيد، أخت الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد. روى عن خاله الأسود بن يزيد ومسروق وعلقمة بن قيس وعبيدة السلماني وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن مهاجر البجلي، وسليمان الأعمش وسماك بن حرب وغيرهم. كان النخعي مفتي أهل الكوفة هو والشعبي في زمانهما، وكان رجلا صالحا فقيها متوقيا، قليل التكلف، وهو مختف من الحجاج. عن طلحة بن مصرف قال: قلت لإبراهيم النخعي: يا أبا عمران من أدركت من أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ قال: دخلت على أم المؤمنين عائشة. وكان يدخل على عائشة مع الأسود وعلقمة. وعن عاصم قال: تبعت الشعبي فمررنا بإبراهيم، فقام له إبراهيم عن مجلسه، فقال له الشعبي: أما إني أفقه منك حيا، وأنت أفقه مني ميتا، وذاك أن لك أصحابا يلزمونك، فيحيون علمك. قال إبراهيم: تكلمت ولو وجدت بدا لم أتكلم، وإن زمانا أكون فيه فقيها لزمان سوء.\nتوفي ﵀ في سنة ست وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالكوفة. قال الشعبي لما أخبر بموته: أحمد الله أما إنه لم يخلف خلفه مثله، قال: وهو ميتا أفقه منه حيا.\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٢٧٠ - ٢٨٤) والحلية (٤/ ٢١٩ - ٢٤٠) ومشاهير علماء الأمصار (١٠١) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠ - ٥٢٩) ووفيات الأعيان (١/ ٢٥ - ٢٦) وتهذيب الكمال (٢/ ٢٣٣ - ٢٤٠) والبداية والنهاية (٩/ ١٤٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٧٣ - ٧٤) وشذرات الذهب (١/ ١١).","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الشريعة وطبقات الحنابلة قال أبو حمزة لإبراهيم: يا أبا عمران أي هذه الأهواء أعجب إليك؟ فإني أحب أن آخذ برأيك وأقتدي بك قال: ما جعل الله في هذه الأهواء مثقال ذرة من خير، وما هي إلا زينة من الشيطان. وما الأمر إلا الأمر الأول. وقد جعل الله على الحق نورا يكشف به العلماء ويصرف به شبهات الخطأ، وإن الباطل لا يقوم للحق. قال الله ﷿: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (١) فهذه لكل واصف كذب إلى يوم القيامة، وإن أعظم الكذب أن تكذب على الله. (٢)\n- وروى ابن وضاح عنه قال: لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. (٣)\n- وجاء في ذم الكلام عنه قال: إن العبد إذا أعيى الشيطان، قال: فمن أين فمن أين؟ ثم أتاه من هواه. (٤)\n- وروى ابن بطة عنه قال: كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب في الله. (٥)\n_________\n(١) الأنبياء الآية (١٨).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٧١) والاعتصام (٢/ ٦٨٨) والباعث (٧٤) وطرفه الأول في الشريعة (١/ ١٩٢/١٣١).\n(٣) ابن وضاح (ص.١٠٨) والإبانة (٢/ ٣/٤٣٨ - ٤٣٩/ ٣٧٤) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ١١٣).\n(٤) ذم الكلام (ص.٢٢٢).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٥٠٥/ ٥٧٥).","vol":"1","page":492},{"text":"- وجاء في السنة لعبد الله بن الإمام أحمد عن المغيرة قال: مر إبراهيم التيمي بإبراهيم النخعي فسلم، فلم يرد عليه. (١)\n- وجاء في الإبانة: عن أبي حمزة عن إبراهيم قال: لو أن أصحاب محمد مسحوا على ظفر لما غسلته التماس الفضل في اتباعهم. (٢)\n- وفيها: عنه أيضا عن إبراهيم قال: لو بلغني أنهم لم يجاوزوا بالوضوء ظفرا لما جاوزت، وكفى بنا على قوم إزراء أن نخالف أعمالهم. (٣)\n- وفيها: عن فضيل عن إبراهيم قال: كانوا لا يسألون إلا عن الحاجة. (٤)\n- وفيها: عن الأعمش قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين. (٥)\n- وفيها: عن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا محل، قال: دخلت على إبراهيم أنا والمغيرة، ومعنا رجل آخر فذكرنا له من قولهم فقال: لا تكلموهم ولا تجالسوهم، وقال لأعرفن إذا قمت من عندي ولا ترجعن إلي. (٦)\n- وفيها: عن ابن عون عن إبراهيم قال: لا تجالس بني فلان فإنهم\n_________\n(١) السنة (ص.٩٠) واللالكائي (٥/ ١٠٦١/١٨٠٨).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣٦١/ ٢٥٤).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٣٦١ - ٣٦٢/ ٢٥٥) والدارمي (١/ ٧٢) وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (٤/ ١٥١).\n(٤) الإبانة (١/ ٢/٤٠٩/ ٣١٩).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٤٣٩/ ٣٧٥).\n(٦) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٩/ ٤١٠).","vol":"1","page":493},{"text":"كذابون. (١)\n- وفيها: عن العوام بن حوشب: سمعت إبراهيم النخعي يقول في قوله ﷿: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (٢) قال: أغرى بعضهم ببعض في الخصومات والجدال في الدين. (٣)\n- وجاء في ذم الكلام: وعنه قال في قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ ما أرى الإغراء في هذه الأمة إلا الأهواء المتفرقة والبغضاء. (٤)\n- وفي الإبانة: عن الحسن بن عمرو، عن إبراهيم، قال: ما خاصمت قط. (٥)\n- وروى الدارمي عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم يقول برأيه في شيء قط. (٦)\n- وجاء في الفقيه والمتفقه: قال إبراهيم النخعي: الجماعة، هو الحق وإن كنت وحدك. (٧)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٢/ ٤١٧).\n(٢) المائدة الآية (١٤).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٥٠٠/ ٥٥٨) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٣٢).\n(٤) ذم الكلام (ص.٢٠١).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٤ - ٥٢٥/ ٦٣١).\n(٦) الدارمي (١/ ٤٧) وذم الكلام (ص.٩٩).\n(٧) الفقيه والمتفقه (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥).","vol":"1","page":494},{"text":"- وفي ذم الكلام: عن مغيرة عن إبراهيم قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه -زاد هشيم- كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى سمته وإلى صلاته، ثم أخذنا عنه. هذا كله من قول إبراهيم. (١)\n- وفيه: عن أبي حمزة الأعور قال: لما كثرت المقالات بالكوفة أتيت إبراهيم النخعي فقلت: يا أبا عمران ما ترى ما ظهر بالكوفة من المقالات؟ فقال: أوه رققوا قولا، واخترعوا دينا من قبل أنفسهم، ليس في كتاب الله ولا من سنة رسول الله - ﷺ -، فإياك وإياهم. (٢)\n- وفي سنن الدارمي: قال الأعمش: كان إبراهيم لا يرى غيبة للمبتدع. (٣)\n- وجاء في الإبانة عنه قال: إن القوم لم يدخر عنهم شيء خبيء لكم لفضل عندكم. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في تلبيس إبليس عن سفيان بن عيينة قال: سمعت خلف بن حوشب يقول: كان خوات يرعد عند الذكر، فقال له إبراهيم: إن كنت تملكه فما أبالي أن لا أعتد بك، وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك، (وفي رواية: فقد خالفت من هو خير منك).\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٩٢) والدارمي (١/ ١١٢) والحلية (٤/ ٢٢٥).\n(٢) ذم الكلام (ص.٢٠٤).\n(٣) الدارمي (١/ ١٠٩) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٨/٢٧٦).\n(٤) الإبانة (٢/ ٧/٨٩٢/ ١٢٤٥) والسنة لعبد الله (٢٤) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٦/١٨٠٨).","vol":"1","page":495},{"text":"\" التعليق:\nقال ابن الجوزي ﵀: إبراهيم هو النخعي الفقيه وكان متمسكا بالسنة شديد الاتباع للأثر، وقد كان خوات من الصالحين البعداء عن التصنع، وهذا خطاب إبراهيم له، فكيف بمن لا يخفى حاله في التصنع؟! (١) اهـ.\nقال جامعه: ولو أدرك ابن الجوزي أهل هذا الزمان، ماذا يقول؟ وماذا يسمي كتابه الذي وضعه من أجل التنبيه على كثير من الأخطاء التي وقعت فيها الأمة الإسلامية؟ والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>موقفه من الجهمية:</span>\nروى الآجري في الشريعة: عن حماد قال: سألت إبراهيم عن هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢) قال: حدثت أن المشركين قالوا لمن دخل النار: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون؟ فيغضب الله ﷿ لهم، فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا، فيشفعون فيخرجون من النار، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج معهم، فعند ذلك ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء: قال أبو حمزة الثمالي: كنت عند إبراهيم النخعي، فجاء رجل فقال: يا أبا عمران، إن الحسن البصري يقول: إذا تواجه\n_________\n(١) تلبيس إبليس (ص.٣١٥ - ٣١٦).\n(٢) الحجر الآية (٢).\n(٣) الشريعة (٢/ ١٤٦/٨٢٧).","vol":"1","page":496},{"text":"المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقال رجل: هذا من قاتل على الدنيا، فأما قتال من بغى، فلا بأس به. فقال إبراهيم: هكذا قال أصحابنا عن ابن مسعود، فقالوا له: أين كنت يوم الزاوية؟ قال: في بيتي، قالوا: فأين كنت يوم الجماجم؟ قال: في بيتي، قالوا: فإن علقمة شهد صفين مع علي، فقال: بخ بخ، من لنا مثل علي بن أبي طالب ورجاله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن أبي حمزة الثمالي الأعور قال: قلت لإبراهيم: ما ترى في رأي المرجئة؟ فقال: أوه، لفقوا قولا، فأنا أخافهم على الأمة، والشر من أمرهم كثير، فإياك وإياهم. (٢)\n- وعن المغيرة عنه قال: سؤال الرجل الرجل: أمؤمن أنت؟ بدعة. (٣)\n- وعن أبي حمزة قال: سأل رجل إبراهيم النخعي أمؤمن أنت؟ قال ما أشك في إيماني، وسؤالك إياي عن هذا بدعة؟ (٤)\n- وعنه قال: الخوارج أعذر عندي من المرجئة. (٥)\n- وعنه قال: ما أعلم قوما بأحمق في رأيهم من هذه المرجئة، إنهم يقولون: مؤمن ضال، ومؤمن فاسق. (٦)\n_________\n(١) السير (٤/ ٥٢٦).\n(٢) الشريعة (١/ ٣٠٧/٣٣٠) والإبانة (٢/ ٨٩٢/١٢٤٣).\n(٣) السنة للخلال (٤/ ١٣٠/١٣٣٧) والسنة لعد الله (ص.٨٧) والشريعة (١/ ٣٠٤/٣٢٤).\n(٤) السنة لعبد الله (ص.٩٥).\n(٥) السنة لعبد الله (ص.٩٥).\n(٦) السنة لعبد الله (ص.٩٧).","vol":"1","page":497},{"text":"- وعن ميمون بن أبي حمزة قال: قال لي إبراهيم النخعي: لا تدعوا هذا الملعون يدخل علي بعد ما تكلم في الإرجاء -يعني حمادا-. (١)\n- وعن عيسى بن علي الضبي، قال: كان رجل معنا يختلف إلى إبراهيم، فبلغ إبراهيم أنه قد دخل في الإرجاء، فقال له إبراهيم: إذا قمت من عندنا فلا تعد. (٢)\n- وجاء في طبقات ابن سعد عن إبراهيم قال: إياكم وأهل هذا الرأي المحدث، يعني المرجئة.\n- وفيها عن محمد بن عبد الله الأسدي قال: سمعت محلا يروي عن إبراهيم قال: الإرجاء بدعة.\n- وفيها عن محل قال: كان رجل يجالس إبراهيم يقال له محمد، فبلغ إبراهيم أنه يتكلم في الإرجاء فقال له إبراهيم: لا تجالسنا.\n- وفيها عن محل قال: قلت لإبراهيم إنهم يقولون لنا مؤمنون أنتم؟ قال: إذا سألوكم فقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم، إلى آخر الآية.\n- وفيها عن محل قال: قال لنا إبراهيم: لا تجالسوهم، يعني المرجئة.\n- وفيها عن غالب أبي الهذيل أنه كان عند إبراهيم فدخل عليه قوم من المرجئة، قال: فكلموه فغضب وقال: إن كان هذا كلامكم فلا تدخلوا علي.\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.١٠٨).\n(٢) تلبيس إبليس (ص.٢٢).","vol":"1","page":498},{"text":"- وفيها عن الأعمش قال: ذكر عند إبراهيم المرجئة فقال: والله إنهم أبغض إلي من أهل الكتاب. (١)\n- وعن مغيرة قال: كان إبراهيم التيمي يدعو إلى هذا الرأي، فحدث بذلك إبراهيم النخعي فأتيته فقال: أخبرنا يا مغيرة هل يدعو إلى هذا الرأي أحدا، فإنه حلف لي بالله أن الله لم يطلع على قلبه أنه يرى هذا الرأي. وقد كنت سمعته يدعو إليه ولكن جعلت لا أخبر إبراهيم النخعي. (٢)\n- وعن المغيرة قال: مر -يعني إبراهيم التيمي- بإبراهيم النخعي فسلم عليه فلم يرد عليه. (٣)\n- وعن سعيد بن صالح -يعني الأسدي- قال: قال إبراهيم: لأنا لفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة. (٤)\n- وعنه قال: تركت المرجئة الدين أرق من ثوب سابري. (٥)\n- وقال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟ فقل: لا إله إلا الله. (٦)\n- وعنه قال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟ فقل: أرجو. (٧)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٠/١٨٠٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦١/١٨٠٨) والسنة لعبد الله (ص.٩٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٠ - ١٠٦١/ ١٨٠٦) ونحوه في الشريعة (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨/ ٣٣١) والإبانة (٢/ ٨٨٥/١٢٢١) والسنة لعبد الله (ص.٨٤) والسنة للخلال (٤/ ١٣٧/١٣٦٠).\n(٥) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦١/١٨٠٧) والسنة لعبد الله (ص.٨٤) والسنة للخلال (٤/ ١٣٨/١٣٦١).\n(٦) السنة لعبد الله (٨٧) والسنة للخلال (٤/ ١٢٩/١٣٣٦) والشريعة (١/ ٣٠٥/٣٢٧) ونحوه في الإبانة (٢/ ٨٧٩/١٢٠٨).\n(٧) السنة لعبد الله (٨٧) والإبانة (٢/ ٨٧٩/١٢٠٩).","vol":"1","page":499},{"text":"- وعن الحسن بن عبد الله قال: سمعت إبراهيم يقول لذر: ويحك يا ذر ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال ذر: ما هو إلا رأي رأيته. قال ثم سمعت ذرا يقول: إنه لدين الله الذي بعث به نوح. (١)\n- وعن إبراهيم النخعي أنه قال لمحمد بن السائب التيمي: ما دمت على هذا الرأي فلا تقربنا، وكان مرجئا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله عنه قال: إن آفة كل دين كان قبلكم أو قال: آفة كل دين، القدر. (٣)\n- وفي الإبانة عن إبراهيم قال: كانوا يقولون النطفة التي قدر منها الولد لو ألقيت على صخرة لخرجت تلك النسمة منها. (٤)\n- وفيها: عن إبراهيم ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ (٥)؛ قال: بمضلين إلا من قدر له أن يصلى الجحيم. (٦)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٩٤).\n(٢) الشريعة (٣/ ٥٧٩ - ٥٨٠/ ٢١٠٥) وما جاء في البدع لابن وضاح (١٤٤).\n(٣) السنة (١٣٥) والإبانة (٢/ ١٠/٢٢١/ ١٨٠١) والشريعة (١/ ٤٣١/٥٣٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ٩/٤٧/ ١٤٤٢).\n(٥) الصافات الآية (١٦٢).\n(٦) الإبانة (١/ ٨/٢٧١ - ٢٧٢/ ١٢٨٤) والشريعة (١/ ٤٣١/٥٣١).","vol":"1","page":500},{"text":"الحسن بن الحسن بن علي (١) (٩٧ هـ)\nالحسن ابن سبط رسول الله - ﷺ -، أبي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين، أبي الحسن علي بن أبي طالب، الهاشمي العلوي، المدني، أبو محمد. روى عن أبيه الحسن بن علي، وابن عمه عبد الله بن جعفر، وبنت عمه فاطمة بنت الحسين. روى عنه جماعة منهم: أبناؤه إبراهيم والحسن وعبد الله، وابن عمه الحسن بن محمد بن الحنفية، وإسحاق بن يسار المدني. توفي سنة سبع وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>موقفه من المشركين:</span>\n- عن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -﵁- عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى. فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ قلت: سلمت على النبي - ﷺ -. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم\" (٢)، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. (٣)\n- وعن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي قال: رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي - ﷺ - قال: لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٥/ ٣١٩ - ٣٢٠) وتهذيب الكمال (٦/ ٨٩ - ٩٥) والبداية والنهاية (٩/ ١٧٠ - ١٧١) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٨٣ - ٤٨٧) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٦٣) والوافي بالوفيات (١١/ ٤١٦ - ٤١٨).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب سنة (٩٣ هـ).\n(٣) الاقتضاء (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩) والسير (٤/ ٤٨٣ - ٤٨٤).","vol":"1","page":501},{"text":"بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني. (١)\n\nعبد الله بن مُحَيْرِيز (٢) (٩٩ هـ)\nعبد الله بن محيريز بن جُنَادَة، الإمام الفقيه، القدوة الرباني، أبو مُحَيْرِيز، الجمحي، المكي. من رهط أبي محذورة، وكان يتيما في حجره، نزل الشام، وسكن بيت المقدس. حدث عن عبادة بن الصامت، وأبي محذورة المؤذن زوج أمه، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي سعيد الخدري وآخرين. وروى عنه طائفة منهم: خالد بن معدان، ومكحول، وحسان بن عطية والزهري، وأبو زرعة يحيى السيباني وغيرهم. قال رجاء بن حيوة: إن يفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنا نفخر عليهم بعابدنا ابن محيريز. وعن خالد بن دريك قال: كانت في ابن محيريز خصلتان ما كانتا في أحد ممن أدركت من هذه الأمة، كان من أبعد الناس أن يسكت عن حق بعد أن يتبين له حتى يتكلم فيه، غضب في الله من غضب، ورضي فيه من رضي، وكان من أحرص الناس أن يكتم من نفسه أحسن ما عنده. وقال الأوزاعي: كان ابن أبي زكريا يقدم\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٥٧٧/٦٧٢٦) وابن أبي شيبة (٢/ ١٥٠/٧٥٤٢) وإسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة (٣٠) وابن خزيمة في حديث علي بن حجر (٤٣٦) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٦١ - ٦٢). وهذا مرسل كما قال الذهبي في السير (٤/ ٤٨٤) لكن يشهد له حديث علي المتقدم.\n(٢) الإصابة (٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩) والاستيعاب (٣/ ٩٨٣ - ٩٨٥) وتهذيب الكمال (١٦/ ١٠٦ - ١١١) وتذكرة الحفاظ (١/ ٦٨ - ٦٩) والحلية (٥/ ١٣٨ - ١٤٩) والبداية والنهاية (٩/ ١٨٥ - ١٨٦) والسير (٤/ ٤٩٤ - ٤٩٦) والعقد الثمين (٥/ ٢٨١ - ٢٨٢) وشذرات الذهب (١/ ١١٦) والوافي بالوفيات (١٧/ ٥٩٩ - ٦٠٠).","vol":"1","page":502},{"text":"فلسطين، فيلقى ابن محيريز فتتقاصر إليه نفسه لما يرى من فضل ابن محيريز. وقال ضمرة الشيباني: كان عبد الله بن الديلمي من أبصر الناس لإخوانه، فذكر ابن محيريز في مجلس هو فيه، فقال رجل: كان بخيلا، فغضب ابن الديلمي وقال: كان جوادا حيث يحب الله، بخيلا حيث تحبون. وعن رجاء بن أبي سلمة قال: كان ابن محيريز يجيء إلى عبد الملك بصحيفة فيها النصيحة يقرئه ما فيها، فإذا فرغ منها أخذ الصحيفة. وقال يحيى السيباني: قال لنا ابن محيريز: إني أحدثكم فلا تقولوا: حدثنا ابن محيريز، إني أخشى أن يصرعني ذلك القول مصرعا يسوؤني. قال ابن محيريز: لأن يكون في جلدي برص أحب إلي من أن ألبس ثوب حرير. توفي ﵀ سنة تسع وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في تلبيس إبليس عن عبد الله بن محيريز قال: يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة. (١)\n\nسليمان بن عبد الملك (٢) (٩٩ هـ)\nسليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، القرشي، الأموي، أمير المؤمنين، أبو أيوب. بويع بعد أخيه الوليد سنة ست وتسعين. روى عن أبيه وعبد الرحمن بن هنيدة، وروى عنه ابنه عبد الواحد والزهري. وقال يزيد\n_________\n(١) تلبيس إبليس (ص.٢٢).\n(٢) تاريخ الطبري (٤/ ٥٧ - ٥٩) وسير أعلام النبلاء (٥/ ١١١ - ١١٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٨١ - ١٠٠/ص.٣٧٧) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٢٠ - ٤٢٧) وفوات الوفيات (٢/ ٦٨ - ٧٠) وشذرات الذهب (١/ ١١٦).","vol":"1","page":503},{"text":"ابن حازم: كان سليمان بن عبد الملك يخطبنا كل جمعة، لا يدع أن يقول: أيها الناس إنما أهل الدنيا على رحيل لم تمض بهم نية ولم تطمئن لهم دار حتى يأتي وعد الله وهم على ذلك، لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجائعها، ولا يتقى من شر أهلها، ثم قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (١). وكان ﵀ ينهى الناس عن الغناء. وعن ابن سيرين قال: يرحم الله سليمان بن عبد الملك، افتتح خلافته بإحيائه الصلاة لوقتها، واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز. توفي ﵀ سنة تسع وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة لعبد الله عن محمد بن قيس قال: إن فضل القرآن على الكلام كفضل الخالق على سائر خلقه. قال محمد بن قيس سمعت سليمان بن عبد الملك يخطب بها على المنبر. (٢)\n\nطلق بن حبيب (٣) (قبل ١٠٠ هـ)\nطَلْق بن حَبِيب، الموفق النجيب، والمتعبد اللبيب، العَنَزِي، بصري زاهد كبير، من العلماء العاملين. روى عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله،\n_________\n(١) الشعراء الآيتان (٢٠٥و٢٠٧).\n(٢) السنة لعبد الله (٢٨).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٧) والحلية (٣/ ٦٣ - ٧٥) والتاريخ الكبير (٤/ ٣٥٩) والجرح والتعديل (٤/ ٤٤٠ - ٤٩١) والسير (٤/ ٦٠١ - ٦٠٣) وتهذيب الكمال (١٣/ ٤٥١ - ٤٥٤).","vol":"1","page":504},{"text":"وجندب بن عبد الله، وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، والأحنف بن قيس، وبشير ابن كعب العدوي، وغيرهم. وعنه جماعة منهم: الأعمش، وطاووس، وأبو العالية البَرَّاء، وأيوب السختياني، وبكر بن عبد الله المزني. قال أيوب: ما رأيت أحدا أعبد من طلق بن حبيب. عن طاووس قال: كنت أطوف معه، فذكر وحلف، ما رأيت أحدا من الناس أحسن صوتا بالقرآن من طلق بن حبيب، وكان ممن يخشى الله. عن بكر المزني قال: لما كانت فتنة ابن الأشعث، قال طلق بن حبيب: اتقوها بالتقوى، فقيل له: صف لنا التقوى؟ فقال: العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله، وترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله. قال الذهبي: أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بترو من العلم والاتباع، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله، لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفا من الله، لا ليمدح بتركها، فمن داوم على هذه الوصية فقد فاز. قال طلق: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين. قال ابن الأعرابي: كان يقال: فقه الحسن، وورع ابن سيرين، وحلم مسلم بن يسار، وعبادة طلق، وكان طلق يتكلم على الناس ويعظ. وقد كان ﵀ يرى الإرجاء، وقد تقدم قريبا موقف سعيد بن جبير منه. كانت وفاته ما بين التسعين والمائة.","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الإبانة: عن سليمان بن عتيق، قال: لما وقعت الفتنة، قال طلق ابن حبيب: اتقوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من نور الله رجاء ثواب الله، والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله خوف عقاب الله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>موقف السلف من ذر الهمداني المرجئي (مات قبل ١٠٠ ه</span>ـ)\nقال الإمام أحمد: لا بأس به، هو أول من تكلم في الإرجاء. (٢)\nوقال المغيرة: سلم ذر على إبراهيم النخعي فلم يرد عليه لأنه كان يرى الإرجاء. (٣)\nوقال ذر: قد شرعت شيئا -أو قال: دينا- أخاف أن يتخذ سنة. (٤)\nعن أبي المختار الطائي: شكا ذر الهمداني سعيد بن جبير إلى أبي البختري الطائي، فقال: مررت فسلمت عليه فلم يرد علي فقال: أبو البختري لسعيد بن جبير في ذلك، فقال سعيد: إن هذا يحدث كل يوم دينا، والله لا كلمته أبدا. (٥)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٥٩٨/ ٧٦٦) والسير (٤/ ٦٠١).\n(٢) الميزان (٢/ ٣٢/ت٢٦٩٧).\n(٣) السنة لعبد الله (٩٠).\n(٤) التنبيه والرد للملطي (ص.١٥٤).\n(٥) السنة لعبد الله (٩٠) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٢ - ١٠٦٣/ ١٨١٢) والإبانة (٢/ ٨٩١/١٢٤٠).","vol":"1","page":506},{"text":"عن ابن عون قال: كان إبراهيم -أي النخعي- يعيب على ذر قوله في الإرجاء. (١)\nوقال إبراهيم: إذا لقيت ذرا فتنصل إلي منه. (٢)\nعن العلاء بن عبد الله بن رافع أن ذرا أبا عمر أتى سعيد بن جبير يوما في حاجة قال: فقال: لا حتى تخبرني على أي دين أنت اليوم أو رأي أنت اليوم، فإنك لا تزال تلتمس دينا قد أضللته، ألا تستحي من رأي أنت اليوم أكبر منه. (٣)\n\nالقاسم بن مُخَيْمِرَة (٤) (١٠٠ هـ)\nالإمام القدوة، أبو عروة الهمداني الكوفي نزيل دمشق. حدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة الباهلي. وروى عنه الأوزاعي وأبو إسحاق السبيعي، وعلقمة بن مرثد.\nعن القاسم بن مخيمرة قال: لم يجتمع على مائدتي لونان من طعام قط، وما أغلقت بابي قط ولي خلفه هم. قال الأوزاعي: كان القاسم يقدم علينا مرابطا متطوعا، وسمعته يقول: لأن أطأ على سنان محمي ينفذ من قدمي أحب إلي من أن أطأ على قبر مؤمن متعمدا. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مائة.\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٨٤).\n(٢) التنبيه والرد للملطي (ص.١٥٤).\n(٣) السنة لعبد الله (٨٩) والسنة للخلال (٤/ ١٣٩/١٣٦٤).\n(٤) السير (٥/ ٢٠١) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٤٤٢) وتهذيب التهذيب (٨/ ٣٣٧) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٠٣).","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: عن عبد الله بن العلا بن زبر قال: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول لرجل يأتي التباعات: يا فلان، ويحك يا فلان، اتق الله وراجع ما كنت عليه من الإسلام، فقال: يا أبا عروة. اسمع مني حتى أكلمك؛ فقال القاسم: لا حاجة لي في كلامك، وكان رجلا يتهم بالقدر. (١)\n\nالحسن بن محمد بن الحَنَفِيَّة (٢) (١٠٠ هـ)\nالحسن بن محمد بن الحنفية، أبو محمد، وأمه جمال بنت قيس. كان من ظرفاء بني هاشم وأهل العقل منهم، وهو تابعي جليل. روى عن أبيه، وابن عباس، وجابر وسلمة بن الأكوع، وعدة. وروى عنه الزهري وعمرو بن دينار وموسى بن عبيدة وآخرون.\nوكان من علماء أهل البيت، قال فيه عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أعلم بما اختلف فيه الناس من الحسن بن محمد، ما كان زُهريُّكم إلا غلاما من غلمانه.\nمن أقواله: إن أحسن رداء ارتديت به رداء الحلم، هو والله عليك أحسن من بردي حبرة، فإن لم تكن حليما فتحالم.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٧/ ١٨٢٠).\n(٢) طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٨) والبداية والنهاية (٩/ ١٤٠) والوافي بالوفيات (١٢/ ٢١٣ - ٢١٤) وتهذيب الكمال (٦/ ٣١٦ - ٣٢٣) والسير (٤/ ١٣٠ - ١٣١) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١) والمعرفة والتاريخ (١/ ٥٤٣ - ٥٤٤) وشذرات الذهب (١/ ١٢١).","vol":"1","page":508},{"text":"توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز ولم يكن له عقب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عن أبي الضحى، قال الحسن بن محمد بن علي: لا تجالسوا أهل القدر. (١)\n\nعبد الله بن الديلمي (٢) (١٠٠ هـ)\nعبد الله بن فَيْرُوز الدَّيْلَمِيّ، أبو بِشْر، كان يسكن بيت المقدس. روى عن أبيه، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم. وعنه ربيعة بن يزيد على خلاف فيه، وأبو إدريس الخولاني، وعروة ابن رويم، وغيرهم. قال ابن حجر: ذكره ابن قانع في معجم الصحابة، وأبو زرعة الدمشقي في تابعي أهل الشام، وأما ابن حبان فقال: هو عبد الله بن ديلم بن هوشع الحميري عداده في أهل مصر، كذا قال. وروى ابن سيرين عنه قال: كنت ثالث ثلاثة ممن يخدم معاذ بن جبل. توفي عام مائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى اللالكائي بسنده إلى عبد الله بن الديلمي قال: إن أول ذهاب الدين ترك السنة، يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة. (٣)\n- وروى ابن وضاح: عن عبد الله بن الديلمي قال: ما ابتدعت بدعة إلا ازدادت مضيا، ولا تركت سنة إلا ازدادت هربا. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٤ - ٧٦٥/ ١٢٧٨) والإبانة (٢/ ١٠/٢٣٠/ ١٨٢٩).\n(٢) تهذيب الكمال (١٥/ ٤٣٥ - ٤٣٧) والإصابة (٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٥٨ - ٣٥٩) وتقريب التهذيب (١/ ٤٤٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٠٤/١٢٧) والدارمي (١/ ٤٥) والإبانة (١/ ٢/٣٥٠/ ٢٢٦).\n(٤) ما جاء في البدع (ص.٨٥).","vol":"1","page":509},{"text":"أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز (١) (١٠١ هـ)\nعمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أمير المؤمنين، أبو حفص القرشي الأموي المدني ثم المصري، الخليفة الزاهد الراشد أشج بني أمية. كان واحد أمته في الفضل، ونجيب عشيرته في العدل، جمع زهدا وعفافا، وورعا وكفافا، شغله آجل العيش عن عاجله وألهاه إقامة العدل عن عاذله، كان للرعية أمنا وأمانا، وعلى من خالفه حجة وبرهانا، كان مفوها عليما، ومفهما حكيما. حدث عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد وسعيد بن المسيب وعروة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم. وعنه جماعة منهم: أبو سلمة أحد شيوخه، ورجاء بن حيوة وابن المنكدر والزهري، وأيوب السختياني ويحيى بن سعيد الأنصاري. روى ضمام ابن إسماعيل عن أبي قبيل: أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام صغير، فأرسلت إليه أمه، وقالت: ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت، قال وكان يومئذ قد جمع القرآن، فبكت أمه حين بلغها ذلك. عن عمرو بن ميمون قال: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة. وعنه أيضا قال: أتينا عمر بن عبد العزيز، ونحن نرى أنه يحتاج إلينا، فما كنا معه إلا تلامذة. وكذلك جاء عن مجاهد وغيره.\nقال حماد بن واقد: سمعت مالك بن دينار يقول: الناس يقولون عني\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٥/ ٣٣٠ - ٤٠٨) وتاريخ الطبري (٦/ ٥٦٥ - ٥٧٣) والحلية (٥/ ٢٥٣ - ٣٥٣) والكامل (٥/ ٥٨ - ٦٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ١١٨ - ١٢١) والسير (٥/ ١١٤ - ١٤٨) والبداية والنهاية (٩/ ١٩٢ - ٢١٩) والوافي بالوفيات (٢٢/ ٥٠٦ - ٥١٠) والعقد الثمين (٦/ ٣٣١ - ٣٣٤) وتهذيب الكمال (٢١/ ٤٣٢ - ٤٤٧) وشذرات الذهب (١/ ١١٢ - ١١٩).","vol":"2","page":1},{"text":"زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها. عن عمر بن ذر: حدثني عطاء بن أبي رباح، قال: حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز أنها دخلت عليه، فإذا هو في مصلاه يده على خده، سائلة دموعه، فقلت: يا أمير المؤمنين. ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة. إني تقلدت أمر أمة محمد - ﷺ -، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد - ﷺ -، فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي وبكيت.\nقال عطاء: كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون. عن الأوزاعي قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز رسالة، لم يحفظها غيري وغير مكحول: أما بعد، فإنه من أكثر ذكر الموت، رضي من الدنيا باليسير، ومن عد كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما ينفعه. توفي سنة إحدى ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن جعفر بن برقان أن عمر بن عبددالعزيز قال لرجل: وسأله عن الأهواء فقال: عليك بدين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي واله عما سواهما. (١)\n- روى الدارمي بسنده إلى عبيد الله بن عمر أن عمر بن عبد العزيز\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٣/٢٥٠) والإبانة (١/ ٢/٣٣٤/ ١٩٤) والشريعة (٣/ ٥٧٩/٢١٠٤) وذم الكلام (ص.١٩٩)، الدارمي (١/ ٩١) والتلبيس (ص.١٠٩).","vol":"2","page":2},{"text":"خطب فقال: يا أيها الناس إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبيا، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذي أنزله عليه كتابا، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بقاض، ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، ولست بخير منكم، غير أني أثقلكم حملا، ألا وإنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع في معصية الله، ألا هل أسمعت. (١)\n- وعنه قال: ما أتاك به الزهري مما رواه فاشدد يديك به، وما أتاك به من رأيه فانبذه. (٢)\n- قال مطرف بن عبد الله: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده الزائغون في الدين يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله - ﷺ - وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اتباع لكتاب الله تعالى، واستكمال لطاعة الله تعالى وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. (٣)\n- عن الأوزاعي قال كتب عمر بن عبد العزيز أنه لا رأي لأحد في\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ١١٥) والطبقات لابن سعد (٥/ ٣٤٠) والمعرفة والتاريخ للفسوي (١/ ٥٧٤ - ٥٧٥).\n(٢) ذم الكلام (ص.١٠٥).\n(٣) الشريعة (١/ ١٧٤/٩٨) والإبانة (٢/ ٣/٥١١،٥١٣/ ٥٩٤) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٧٦) والفقيه والمتفقه (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦) وأصول الاعتقاد (١/ ١٠٥ - ١٠٦/ ١٣٥) وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية (ص.١٤٦) والاعتصام (١/ ١١٦ - ١١٧).","vol":"2","page":3},{"text":"كتاب وإنما رأي الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب ولم تمض به سنة من رسول الله - ﷺ - ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله - ﷺ -. (١)\n- كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب: أما بعد، أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه - ﷺ -، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة، فإنها لك -بإذن الله- عصمة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها، فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم. (٢)\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ١١٤) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٨١) وابن بطة في الإبانة (١/ ١/٢٦٢ - ٢٦٣/ ١٠٠) وذم الكلام (ص.١٠٧) والآجري في الشريعة (١/ ١٨٢/١١٣) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٥٠٨) وهو في إعلام الموقعين (١/ ٧٤).\n(٢) أبو داود (٥/ ١٨/٤٦١٢) وبنحوه عند ابن بطة في الإبانة (١/ ٢/٣٢١/ ١٦٣) والحلية (٥/ ٣٣٨) والشريعة (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥) وذم الكلام (ص.١٩٨) وابن وضاح (ص.٧٢ - ٧٣) وانظر طبقات الحنابلة (١/ ٧٠) والباعث (ص.٧١) والتلبيس (ص.١١٠) والاعتصام (١/ ٦٥ - ٦٦).","vol":"2","page":4},{"text":"\" التعليق:\nرحمك الله يا أمير المؤمنين، ما أحسن ما قلت وأفضل ما فعلت! تخاطب عمالك بهذه الحكم الغالية، وتبين لهم أن الخير كل الخير في الالتزام بسنة رسول الله - ﷺ -، وأن الذي سنها علم ما فيها من الخير وما في خلافها من الشر، وأن السابقين الأولين لم يعجزهم الابتداع في دين الله والزيادة فيه، ولكنهم يعلمون أن الخير كل الخير في اتباع سنته، والشر كل الشر في البدع والمحدثات، فبالله عليك قل لي: ماذا يقول المبتدعة في مثل هذه النصوص القاطعة الواضحة التي تسد باب الابتداع في وجوههم؟\n\n- قال ابن عبد البر: روينا عن الحسن البصري أنه قال: ما ورد علينا قط كتاب عمر بن عبد العزيز إلا بإحياء سنة، أو إماتة بدعة، أو رد مظلمة. فهؤلاء هم الأئمة الذين هم لله في الأرض حجة. (١)\n- عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر الشك، أو قال: يكثر التحول. (٢)\n- عن الأوزاعي قال: قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة. (٣)\n_________\n(١) الاستذكار (١/ ٣٨٩) وبنحوه في أصول الاعتقاد (١/ ٦٢/١٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٤/٢١٦) والإبانة (٢/ ٣/٥٠٣/ ٥٦٩) والشريعة (١/ ١٨٩/١٢٢) وجامع بيان العلم (٢/ ٩٣١) والفقيه والمتفقه (١/ ٥٦٢) والدارمي (١/ ٩١) وشرح السنة (١/ ٢١٧).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٣/٢٥١) وجامع بيان العلم (٢/ ٩٣٢) وذم الكلام (ص.٢٨٣) والدارمي (١/ ٩١) وتلبيس إبليس (ص.١٠٩).","vol":"2","page":5},{"text":"- عن عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: إذا سمعت المراء فأقصر. (١)\n- عن عمر بن عبد العزيز قال: من عمل على غير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح. (٢)\n- عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن خفاف، قال: ابتعت غلاما، فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني: أن رسول الله - ﷺ - قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان (٣). فعجلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي فقال عمر: فما أيسر علي من قضاء قضيته، الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله، فأرد قضاء عمر، وأنفذ سنة رسول الله. فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له. (٤)\n- عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فغالوا فيهم بالرأي فضلوا\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٨/ ٦٤٤).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ١٠٩) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ١٣١) وانظر مجموع الفتاوى (٢/ ٣٨٢).\n(٣) أحمد ٦/ ٤٩) وأبو داود (٣/ ٧٧٧ - ٧٧٩/ ٣٥٠٨) والترمذي (٣/ ٥٨١ - ٥٨٢/ ١٢٨٥) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (٧/ ٢٩٢/٤٥٠٢) وابن ماجه (٢/ ٧٥٣ - ٧٥٤/ ٢٢٤٢) والحاكم (٢/ ١٥) وابن حبان الإحسان (١١/ ٢٩٩/٤٩٢٨) كلهم من طرق عن ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف به وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه.\n(٤) الشافعي في الرسالة (١٢٣٢) ومن طريقه رواه البيهقي في السنن (٥/ ٣٢١ - ٣٢٢) والفقيه والمتفقه (١/ ٥٠٦) ورواه أبو داود الطيالسي مختصرا (١٤٢٤).","vol":"2","page":6},{"text":"وأضلوا. (١)\n- قال عمر بن عبد العزيز ﵁: ألا وإني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره. (٢)\n- روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁: أنه خطب الناس، فكان من جملة كلامه في خطبته أن قال: والله إني لولا أن أنعش سنة قد أميتت، أو أن أميت بدعة قد أحييت، لكرهت أن أعيش فيكم فواقا. (٣)\n- عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يقول: اثنان لا نعاتبهما: صاحب طمع، وصاحب هوى، فإنهما لا ينزعان. (٤)\n- وقال عمر بن عبد العزيز: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذا أنت لا تثاب على ما اتبعته من الحق، وتعاقب على ما خالفته. قال ابن تيمية: وهو كما قال -﵁- لأنه في الموضعين إنما قصد اتباع هواه لم يعمل لله. (٥)\n- وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵀: الرأي فيهم -يعني في أهل الأهواء- أن يستتابوا فإن تابوا وإلا عرضوا على السيف وضربت رقابهم، ومن قتل منهم على ذلك فميراثه لورثته لأنهم مسلمون إلا أنهم قتلوا لرأيهم\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٣٦) ومعرفة السنن للبيهقي (١/ ١٠٩).\n(٢) الاعتصام (١/ ٤٢).\n(٣) الاعتصام (١/ ٤٦) وبنحوه في طبقات ابن سعد (٥/ ٣٤٤).\n(٤) الاعتصام (١/ ١٦٣).\n(٥) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨٠).","vol":"2","page":7},{"text":"رأى السوء. (١)\n- عن هشام بن عروة أن عمر بن عبد العزيز أخذ قوما على شراب ومعهم رجل صائم فضربه معهم فقيل له: إن هذا صائم، فقال: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٢). (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في الصارم: وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يقتل، وذلك أنه من شتم النبي - ﷺ - فهو مرتد عن الإسلام ولا يشتم مسلم النبي - ﷺ -. (٤)\n- وفيه عن خليد أن رجلا سب عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: إنه لا يقتل إلا من سب رسول الله - ﷺ -، ولكن اجلده على رأسه أسواطا، ولولا أني أعلم أن ذلك خير له لم أفعل. رواه حرب، وذكره الإمام أحمد، وهذا مشهور عن عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة راشد، عالم بالسنة متبع لها. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن الحارث بن عتبة أن عمر بن عبد العزيز أتي برجل سب عثمان فقال ما حملك على أن سببته قال: أبغضته قال: أبغضت رجلا وسببته قال: فأمر به فجلد ثلاثين سوطا. (٦)\n_________\n(١) أصول السنة (ص.٣٠٨).\n(٢) النساء الآية (١٤٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٨١/ ٥١٥).\n(٤) الصارم (١٠).\n(٥) الصارم (٢١٣).\n(٦) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٠/٢٣٨٣) وهو في الصارم المسلول (٥٧١).","vol":"2","page":8},{"text":"-وفيه عن إبراهيم بن ميسرة قال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسانا شتم معاوية فضربه أسواطا. (١)\n- وفي السنة للخلال عن جحشة بن العلاء قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا سئل عن صفين والجمل قال: أمر أخرج الله يدي منه ما أدخل لساني فيه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>موقفه من الجهمية:</span>\nروى اللالكائي في أصول الاعتقاد: عن محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز قال: إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار أقبل ﵎ في ظلل من الغمام ومعه الملائكة فيقف على أهل أول درجة من الجنة فيسلم عليهم فيردون عليه وهو قوله: ﴿سلامٌ قولًا من ربٍ رحيم﴾ (٣). (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>موقفه من الخوارج:</span>\n- روى ابن عبد البر بسنده إلى هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال: خرجت علَيَّ الحرورية بالموصل فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز بمخرجهم، فكتب إلي يأمرني بالكف عنهم وأن أدعو رجالا منهم فأجعلهم على مراكب من البريد، حتى يقدموا على عمر فيجادلهم، فإن يكونوا على الحق اتبعهم وإن يكن عمر على الحق اتبعوه، وأمرني أن أرتهن منهم رجالا وأن أعطيهم\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤١/٢٣٨٥) وهو في الصارم المسلول (٥٧١).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٤٦١ - ٤٦٢) وفي جامع بيان العلم (٢/ ٩٣٤/١٧٧٨) وهو في المنهاج (٦/ ٢٥٤).\n(٣) يس الآية (٥٨).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٠٠/٧٧١).","vol":"2","page":9},{"text":"رهنا يكون في أيديهم حتى تنقضي الأمور وأجلهم في سيرهم ومقامهم ثلاثة أشهر فلما قدموا على عمر أمر بنزولهم ثم أدخلهم عليه فجادلهم حتى إذا لم يجد لهم حجة رجعت طائفة منهم، ونزعوا عن رأيهم وأجابوا عمر وقالت طائفة منهم: لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك وتلعنهم وتبرأ منهم، فقال عمر: إنه لا يسعكم فيما خرجتم له إلا الصدق، أعلموني هل تبرأتم من فرعون أو لعنتموه أو ذكرتموه في شيء من أموركم، قالوا: لا، قال: فكيف، وسعكم تركه ولم يصف الله ﷿ عبدا بأخبث من صفته إياه ولا يسعني ترك أهل بيتي ومنهم المحسن والمسيء والمخطئ والمصيب. (١)\n- وعن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه في الخوارج: إن كان من رأي القوم أن يسيحوا في الأرض من غير فساد على الأئمة، ولا على أحد من أهل الذمة، ولا يتناولون أحدا، ولا قطع سبيل من سبل المسلمين، فليذهبوا حيث شاؤوا، وإن كان رأيهم القتال، فوالله لو أن أبكاري من ولدي خرجوا رغبة عن جماعة المسلمين، لأرقت دماءهم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة. (٢)\n- وله بسنده إلى محمد بن سليم -أحد بني ربيعة بن حنظلة بن عدي- قال: بعثني وعون بن عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت بالجزيرة، فذكر الخبر في مناظرة عمر الخوارج وفيه قالوا: خالفت أهل بيتك وسميتهم الظلمة، فإما أن يكونوا على الحق أو يكونوا على الباطل، فإن زعمت أنك\n_________\n(١) جامع بيان العلم (٢/ ٩٦٥).\n(٢) التمهيد (انظر فتح البر ١/ ٤٧٠ - ٤٧١).","vol":"2","page":10},{"text":"على الحق وهم على الباطل فالعنهم وتبرأ منهم، فإن فعلت فنحن منك وأنت منا، وإن لم تفعل فلست منا ولسنا منك، فقال عمر: إني قد علمت أنكم لم تتركوا الأهل والعشائر وتعرضتم للقتل والقتال إلا وأنتم ترون أنكم مصيبون، ولكنكم أخطأتم وضللتم وتركتم الحق، أخبروني عن الدين أواحد أو اثنان؟ قالوا: بلى، واحد، قال: فيسعكم في دينكم شيء يعجز عني؟ قالوا: لا، قال: أخبروني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكم؟ قالوا: أفضل أسلافنا أبو بكر وعمر، قال: ألستم تعلمون أن رسول الله - ﷺ - لما توفي ارتدت العرب فقاتلهم أبو بكر فقتل الرجال وسبى الذرية والنساء؟ قالوا: بلى، قال عمر بن عبد العزيز: فلما توفي أبو بكر وقام عمر رد النساء والذراري على عشائرهم؟ قالوا: بلى، قال عمر: فهل تبرأ عمر من أبي بكر ولعنه بخلافه إياه؟ قالوا: لا، قال: فتتولونهما على اختلاف سيرتهما؟ قالوا: نعم، قال عمر: فما تقولون في بلال بن مرداس؟ قالوا: من خير أسلافنا بلال بن مرداس، قال: أفلستم قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء والأموال وقد لطخ أصحابه أيديهم في الدماء والأموال فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى أو لعنت إحداهما الأخرى؟ قالوا: لا، قال: فتتولونهما جميعا على اختلاف سيرتهما؟ قالوا: نعم، قال عمر: فأخبروني عن عبد الله بن وهب الراسبي حين خرج من البصرة هو وأصحابه يريدون أصحابكم بالكوفة فمروا بعبد الله بن خباب فقتلوه وبقروا بطن جاريته، ثم عدوا على قوم من بني قطيعة فقتلوا الرجال وأخذوا الأموال وغلوا الأطفال في المراجل، وتأولوا قول الله ﷿: ﴿إِنَّكَ إِنْ إن تذرهم يضلوا","vol":"2","page":11},{"text":"عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا﴾ (١)، ثم قدموا على أصحابهم من أهل الكوفة وهم كافون عن الفروج والدماء والأموال فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى أو لعنت إحداهما الأخرى؟ قالوا: لا، قال عمر: فتتولونهما على اختلاف سيرتهما؟ قالوا: نعم، قال عمر: فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة والأحكام ولم يتبرأ بعضهم من بعض على اختلاف سيرتهم، ووسعهم ووسعكم ذلك ولا يسعني حين خالفت أهل بيتي في الأحكام والسيرة حتى ألعنهم وأتبرأ منهم؟ أخبروني عن اللعن أفرض هو على العباد؟ قالوا: نعم، قال عمر لأحدهما: متى عهدك بلعن فرعون؟ قال: ما لي بذلك عهد منذ زمان، فقال عمر: هذا رأس من رؤوس الكفر ليس له عهد بلعنه منذ زمان، وأنا لا يسعني أن لا ألعن من خالفتهم من أهل بيتي، وذكر تمام الخبر. (٢)\n\" التعليق:\nتأمل هذه المناظرة التي عقدها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز مع طائفة الخوارج تر البون الشاسع بين العقل الراجح المنور بالعلم الغزير والعقل الطائش المظلم بالجهل الفاضح، وبين الوسطية والاعتدال في الأمور والتطرف والتنطع الذي يتصف به خوارج كل زمان. نسأل الله العافية.\n\n- وروى ابن أبي شيبة بسنده إلى مغيرة قال: خاصم عمر بن عبد العزيز\n_________\n(١) نوح الآية (٢٧).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٦٦ - ٩٦٧).","vol":"2","page":12},{"text":"الخوارج، فرجع من رجع منهم، وأبت طائفة منهم أن يرجعوا، فأرسل عمر رجلا على خيل وأمره أن ينزل حيث يرحلون، ولا يحركهم ولا يهيجهم، فإن قتلوا وأفسدوا في الأرض فاسط عليهم وقاتلهم، وإن هم لم يقتلوا ولم يفسدوا في الأرض فدعهم يسيرون. (١)\n- وله بسنده إلى عبيد بن الحسن: قال: قالت الخوارج لعمر بن عبد العزيز: تريد أن تسير فينا بسيرة عمر بن الخطاب؟ فقال: ما لهم قاتلهم الله، والله ما زدت أن أتخذ رسول الله - ﷺ - إماما. (٢)\n- وروى عبد الرزاق بسنده إلى عيسى بن المغيرة قال: خرج خارجي بالسيف بخراسان فأخذ، فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب فيه: إن كان جرح أحدا فاجرحوه، وإن قتل أحدا فاقتلوه، وإلا فاستودعوه السجن، واجعلوا أهله قريبا منه، حتى يتوب من رأي السوء. (٣)\n- وعن ابن وهب قال: أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه قال: خرجت حرورية بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز وأنا يومئذ بالعراق مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فكتب إلينا عمر بن عبد العزيز يأمرنا أن ندعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - فلما أعذر في دعائهم كتب إليه أن قاتلهم فإن الله وله الحمد، لم يجعل لهم سلفا يحتجون به علينا، فبعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحرورية، فلما بلغ ذلك عمر بعث\n_________\n(١) المصنف (٧/ ٥٥٧/٣٧٩٠٨).\n(٢) المصنف (٧/ ٣٦٠/٣٧٩٢٢).\n(٣) المصنف (١٠/ ١١٨/١٨٥٧٦).","vol":"2","page":13},{"text":"إليهم مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام وكتب إلى عبد الحميد أنه قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء وقد بعثت إليك مسلمة بن عبد الحميد فخل بينه وبينهم فلقيهم مسلمة فأظفره الله عليهم وأظفره بهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>موقفه من المرجئة:</span>\nعن عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن للإيمان فرايض وشرايع فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان فإن عشت أبينها لكم حتى تعملوا بها إن شاء الله وإن مت فوالله ما أنا على صحبتكم بحريص. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>موقفه من القدرية:</span>\nروى اللالكائي بسنده إلى حيان بن عبيد الله التميمي عن أبيه قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد أدخل عليه غيلان، فقال: ويحك يا غيلان، أراني أبلغ عنك ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك؟ أيا غيلان أحقا ما أبلغ عنك؟ فسكت فقال: هات فإنك آمن فإن يك الذي تدعو الناس إليه حقا فأحق من دعا إليه الناس نحن هات. فأسكت طويلا، فقال عمر: ويحك فإنك آمن وأمره أن يجلس فجلس فتكلم بلسان ذلق، فقال: إن الله لا يوصف إلا بالعدل ولم يكلف نفسا إلا وسعها ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، ولم\n_________\n(١) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (٣٠٦ - ٣٠٧).\n(٢) علقه البخاري في أول كتاب الإيمان (١/ ٦٣ فتح) ووصله ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (١٣٥) وفي المصنف له (٦/ ١٦٦/٣٠٣٨٤) وأحمد في الإيمان كما في الفتح (١/ ٦٥) والخلال في السنة (٤/ ٥٧/١١٦٢) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٥٨ - ٨٥٩/ ١١٦٦) واللالكائي (٤/ ٩٢٦/١٥٧٢).","vol":"2","page":14},{"text":"يكلف المسافر صلاة المقيم ولم يكلف الله المريض عمل الصحيح ولم يكلف الفقير مثل صدقة الغني ولم يكلف الناس إلا ما جعل إليه السبيل وأعطاهم المشيئة فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فليؤمن وَمَنْ شَاءَ فليكفر﴾ (١) وقال: اعْمَلُوا ﴿مَا شِئْتُمْ﴾ (٢) فلما فرغ من كلام كثير قال له عمر في آخر كلامه: يا غيلان ما تقول في قول الله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣).\nأنت تزعم يا غيلان -ذكر كلاما كثيرا سقط من الكتاب- فأسكت غيلان لا يجيبه وجعل عمر يسأله وغيلان يرفع بصره إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة، وانتفخت أوداجه، فقال: ما يمنعك أن تتكلم وقد جعلت لك\n_________\n(١) الكهف الآية (٢٩).\n(٢) فصلت الآية (٤٠).\n(٣) يس الآيات (١ - ١٠).","vol":"2","page":15},{"text":"الأمان؟ فقال غيلان: أستغفر الله وأتوب إليه يا أمير المؤمنين، ادع الله لي بالمغفرة، فقال: اللهم إن كان عبدك صادقا فوفقه وسدده وإن كان كاذبا أعطاني بلسانه ما ليس في قلبه بعد أن أنصفته وجعلت له الأمان فسلط عليه من يمثل به. قال: فصار من أمره بعد أن قطع لسانه وصلب. (١)\n- وجاء في الإبانة: أن عمر بن عبد العزيز قيل له: إن غيلان يقول في القدر كذا وكذا، فقال: يا غيلان: ما تقول في القدر؛ فتقور ثم قرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ حتى قرأ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢)؛ قال: فقال عمر: القول فيه طويل عريض، ما تقول في القلم؟ قال: قد علم الله ما هو كائن، قال: أما والله لو لم تقلها لضربت عنقك. (٣)\n- وفيها عن الأوزاعي قال: كتب غيلان إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد يا أمير المؤمنين؛ فهل رأيت عليما حكيما أمر قوما بشيء ثم حال بينهم وبينه ويعذبهم عليه، قال: فكتب إليه عمر ﵁: أما بعد؛ فهل رأيت قادرا قاهرا يعلم ما يكون خلف لنفسه عدوا وهو يقدر على هلاكه، قال: فبطلت الرسالة الأولى. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩١ - ٧٩٢/ ١٣٢٦) والشريعة (١/ ٤٣٨ - ٤٣٩/ ٥٥٦) والإبانة (٢/ ١٠/٢٣٥ - ٢٣٦/ ١٨٤٠) والسنة (١٤٥ - ١٤٦)\n(٢) الإنسان الآيات (١ - ٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢٣٦ - ٢٣٧/ ١٨٤١) وبنحوه في السنة (١٢٠).\n(٤) الإبانة (٢/ ١١/٢٧٩/ ١٩١١).","vol":"2","page":16},{"text":"- وروى الآجري في الشريعة بسنده: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن القدر؟ فقال: ما جرى ذباب بين اثنين إلا بقدر ثم قال للسائل: لا تعودن تسألني عن مثل هذا. (١)\n- وفي الشريعة عن عمرو بن مهاجر: أقبل غيلان وهو مولى لآل عثمان وصالح بن سويد إلى عمر بن عبد العزيز. فبلغه أنهما ينطقان في القدر، فدعاهما فقال: إن علم الله تعالى نافذ في عباده أم منتقض؟ قالا: بل نافذ يا أمير المؤمنين؛ قال: ففيم الكلام؟ فخرجا، فلما كان عند مرضه بلغه أنهما قد أسرفا، فأرسل إليهما وهو مغضب. فقال: ألم يك في سابق علمه حين أمر إبليس بالسجود: أنه لا يسجد؟؛ قال عمرو: فأومأت إليهما برأسي: قولا: نعم، فقالا: نعم، فأمر بإخراجهما، وبالكتاب إلى الأجناد بخلاف ما قالا، فمات عمر ﵁ قبل أن ينفذ تلك الكتب. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد عن أبي جعفر الخطمي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه عنه في القدر. فقال له: ويحك يا غيلان ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: يكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال علي ما لا أقول. قال: ما تقول في العلم؟ قال: نفذ العلم. قال: أنت مخصوم اذهب الآن فقل ما شئت. يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت وإن جحدته كفرت وإنك إن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحد فتكفر. ثم قال له: أتقرأ يس؟ فقال: نعم. قال: اِقرأ. قال: فقرأ: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣/ ٥٦٨) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٢ - ٧٥٣/ ١٢٤٧).\n(٢) الشريعة (١/ ٤٤٣/٥٦٩).","vol":"2","page":17},{"text":"إلى قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾ (١) قال: قف. كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين. قال: زد. فقرأ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ (٢). فقال له عمر: قل: ﴿سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). قال: كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآيات قط وإني أعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم فيه أبدا. قال: اذهب. فلما ولى قال: اللهم إن كان كاذبا بما قال فأذقه حر السلاح. قال: فلم يتكلم زمن عمر فلما كان يزيد بن عبد الملك كان رجلا لا يهتم بهذا ولا ينظر فيه. قال: فتكلم غيلان. فلما ولي هشام أرسل إليه فقال له: أليس قد كنت عاهدت الله لعمر لا تتكلم في شيء من هذا أبدا؟ قال: أقلني فوالله لا أعود. قال: لا أقالني الله إن أقلتك هل تقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم. قال: اِقرأ الحمد لله رب العالمين.\nفقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ\n_________\n(١) يس الآيات (١ - ٧).\n(٢) يس الآيتان (٨و٩).\n(٣) يس الآيتان (٩و١٠).","vol":"2","page":18},{"text":"نَسْتَعِينُ﴾ (١). قال: قف: على ما استعنت؟ على أمر بيده لا تستطيعه أو على أمر في يدك -أو بيدك-؟ اذهبا فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه. (٢)\n\" التعليق:\nهكذا يستجاب للصالحين الصادقين في المبتدعة الهالكين الذين آثروا زبالة الأذهان الفاسدة الضالة على نور الوحي، الذي نزل من السماء طاهرا مطهرا، لم يدنس، لا بفكر فلان ولا بجهالة علان. فعقاب الله للمبتدع في الدنيا مع ما يدخر له للآخرة.\n\n- قال محمد بن الحسين الآجري: كان غيلان مصرا على الكفر بقوله في القدر، فإذا حضر عند عمر ﵀ نافق، وأنكر أن يقول بالقدر، فدعا عليه عمر بأن يجعله الله تعالى آية للمؤمنين، إن كان كذابا، فأجاب الله ﷿ فيه دعوة عمر، فتكلم غيلان في وقت هشام، هو وصالح مولى ثقيف، فقتلهما وصلبهما، وقبل ذلك قطع يد غيلان ولسانه، ثم قتله وصلبه، فاستحسن العلماء في وقته ما فعل بهما.\nفهكذا ينبغي لأئمة المسلمين وأمرائهم إذا صح عندهم أن إنسانا يتكلم في القدر بخلاف ما عليه من تقدم أن يعاقبه بمثل هذه العقوبة، ولا تأخذهم\n_________\n(١) الفاتحة الآيات (٢ - ٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٩ - ٧٩١/ ١٣٢٥) والسنة لعبد الله (١٤٦).","vol":"2","page":19},{"text":"في الله لومة لائم. (١)\n- وروى أبو داود بسنده إلى أبي الصلت قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب: أما بعد أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه. إلى أن قال (٢): كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير -بإذن الله- وقعت، ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء، يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم، يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، ولقد ذكره رسول الله - ﷺ - في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته وبعد وفاته، يقينا وتسليما لربهم، وتضعيفا لأنفسهم، أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه، ومنه تعلموه، ولئن قلتم: (لم أنزل الله آية كذا؟ ولم قال كذا؟) لقد قرأوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك: كله بكتاب وقدر، وكتبت الشقاوة، وما يقدر يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا، ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا. (٣)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: قال عمر بن عبد العزيز في أصحاب القدر: يستتابون فإن تابوا وإلا نفوا من ديار المسلمين. (٤)\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٤٤٣).\n(٢) تقدم معنا في مواقفه من المبتدعة.\n(٣) أبو داود (٥/ ١٩ - ٢٠/ ٤٦١٢).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٥/١٣١٨) والإبانة (٢/ ١٠/٢٣٤/ ١٨٣٧) والسنة لعبد الله (١٤٧).","vol":"2","page":20},{"text":"- وروى مالك عن عمه أبي سهيل قال: كنت مع عمر بن عبد العزيز فقال لي: ما ترى في هؤلاء القدرية قال: قلت: أرى أن تستتيبهم فإن قبلوا ذلك وإلا عرضتم على السيف. فقال عمر بن عبد العزيز: ذلك رأيي، قلت لمالك: فما رأيك أنت. قال: هو رأيي. (١)\n- وروى عبد الله بسنده: عن نافع بن مالك أبي سهيل (٢) أن عمر بن عبد العزيز قال له ما ترى في الذين يقولون لا قدر قال أرى أن يستتابوا وإلا ضربت أعناقهم قال عمر وذلك الرأي فيهم لو لم يكن إلا هذه الآية الواحدة كفى بها ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٣). (٤)\n- وروى اللالكائي بسنده عن عمر بن ذر قال: بينما عمر بن عبد العزيز في نفر منهم يزيد -أو زياد- الفقير كذى- قال داود وموسى بن كثير أبو الصباح وناس من أهل الكوفة. قال: فتكلم متكلمنا ويرى أنه عمر ابن ذر قال: ما بلغ فريتنا لعمر وظننا أنه لا يقدر على جوابه فلما سكت. تكلم عمر بن عبد العزيز فلم يدع شيئا مما جاء به إلا أجابه فيه. قال: ثم ابتدأ الكلام فما كنا عنده إلا تلامذة فقال فيما قال: إن الله لو كلف العباد العمل\n_________\n(١) الموطأ (٢/ ٩٠٠) والسنة (١٤٧) والإبانة (٢/ ١٠/٢٣٣/ ١٨٣٤) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٤/١٣١٥) والشريعة (١/ ٤٣٧/٥٥٢) وأصول السنة لابن أبي زمنين (٣٠٧).\n(٢) في الأصل: أبو إسماعيل، وهو خطأ.\n(٣) الصافات الآيات (١٦١ - ١٦٣).\n(٤) السنة لعبد الله (١٤٧).","vol":"2","page":21},{"text":"على قدر عظمته لما قامت لذلك سماء ولا أرض ولا جبل ولا شيء من الأشياء ولكن أخذ منهم اليسر. ولو أراد -أو أحب- أن لا يعصى لم يخلق إبليس رأس المعصية. (١)\n- وبنحوه أخرج الآجري بسنده: عن عمر بن ذر قال: جلسنا إلى عمر بن عبد العزيز فتكلم منا متكلم، فعظم الله تعالى وذكر بآياته، فلما فرغ تكلم عمر بن عبد العزيز، فحمد الله وأثنى عليه، وشهد شهادة الحق، وقال للمتكلم: إن الله تعالى كما ذكرت وعظمت، ولكن الله تعالى: لو أراد أن لا يعصى ما خلق إبليس وقد بين ذلك في آية من القرآن، علمها من علمها، وجهلها من جهلها؛ ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ قال: ومعنا: رجل رأى رأي القدرية، فنفعه الله تعالى بقول عمر بن عبد العزيز، ورجع عما كان يقول: فكان أشد الناس بعد ذلك على القدرية. (٢)\n- وعن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتابا فكان فيما كتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع ما شاء من هدى وضلالة ... (٣)\n- وعن معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة أما بعد: فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان من الخطايا التي قدر الله\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥١ - ٧٥٢/ ١٢٤٥).\n(٢) الشريعة (١/ ٤٤٢/٥٦٧) وأصول الاعتقاد (٣/ ٦٢٥/١٠٠٥) والإبانة (٢/ ١٠/٢٣٧ - ٢٣٨/ ١٨٤٥ مختصرا).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٢/١٢٤٦).","vol":"2","page":22},{"text":"عليك وقدر أن تبتلى بها. (١)\n- وروى عبد الله بن أحمد بسنده: قال عمر بن عبد العزيز: ويلهم يعني \"القدرية\" أما يقرءون هذه الآيات ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ويلهم أما يقرءون وقرأ حتى بلغ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٢). (٣)\n- وروى ابن بطة في الإبانة: عن حكيم بن عمر قال: قال عمر بن عبد العزيز: ينبغي لأهل القدر أن يوعز إليهم فيما أحدثوا من القدر، فإن كفوا، وإلا؛ سلت ألسنتهم من أقفيتهم استلالا. (٤)\n- وفيها عن سيار قال: خطب عمر بن عبد العزيز؛ فقال: يا أيها الناس. من أحسن منكم؛ فليحمد الله، ومن أساء؛ فليستغفر الله، ثم إذا أساء؛ فليستغفر الله، ثم إذا أساء؛ فليستغفر الله، ثم إذا أساء؛ فليستغفر الله، مع أني قد علمت أن أقواما سيعملون أعمالا وضعها الله في رقابهم وكتبها عليهم. (٥)\n- وفيها عن أبي خطاب أن عمر بن عبد العزيز كان يقول في دعائه: وأنك إن كنت خصصت برحمتك أقواما أطاعوك فيما أمرتهم به وعملوا لك\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٣/١٢٤٨) والإبانة (٢/ ١٠/٢٣٧/ ١٨٤٤) والسنة (١٤٣).\n(٢) الصافات الآيات (١٦١ - ١٧٣).\n(٣) السنة لعبد الله (١٣٧ - ١٣٨).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/٢٣٤/ ١٨٣٦).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٠/٢٣٧/ ١٨٤٢) والشريعة (١/ ٤٤١/٥٦٤).","vol":"2","page":23},{"text":"فيما خلقتهم له؛ فإنهم لم يبلغوا ذلك إلا بك، ولم يوفقهم لذلك إلا أنت، كانت رحمتك إياهم قبل طاعتهم لك. (١)\n- وفيها عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا تغزوا مع القدرية؛ فإنهم لا ينصرون. (٢)\n- وفيها عن حكيم بن عمير قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: إن قوما ينكرون من القدر شيئا، فقال عمر: بينوا لهم وارفقوا بهم حتى يرجعوا، فقال قائل: هيهات هيهات يا أمير المؤمنين، لقد اتخذوا دينا يدعون إليه الناس؛ ففزع لها عمر؛ فقال: أولئك أهل أن تسل ألسنتهم من أقفيتهم، هل طار ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار؟ (٣)\n\nمُجاهد بن جَبْر (٤) (١٠١ هـ)\nمجاهد بن جبر الإمام شيخ القراء والمفسرين أبو الحجاج المكي. روى عن ابن عباس فأكثر وأطاب أخذ عنه القرآن والتفسير والفقه وعن أبي هريرة وعائشة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهم. قرأ عليه جماعة منهم ابن كثير الداري وأبو عمرو بن العلاء وابن محيصن وحدث عنه عكرمة وطاووس\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٣٨/ ١٨٤٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٣٨/ ١٨٤٨).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢٣٨ - ٢٣٩/ ١٨٤٩) والشريعة (١/ ٤٤٠/٥٥٩).\n(٤) طبقات ابن سعد (٥/ ٤٦٦ - ٤٦٧) ومشاهير علماء الأمصار (٨٢) والبداية والنهاية (٩/ ٢٢٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٩٢ - ٩٣) والسير (٤/ ٤٤٩ - ٤٥٧) والحلية (٣/ ٢٧٩ - ٣١٠) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٢٢٨) والعقد الثمين (٧/ ١٣٢ - ١٣٤) وشذرات الذهب (١/ ١٢٥) وتقريب التهذيب (٢/ ٢٢٩) وميزان الاعتدال (٣/ ٤٣٩ - ٤٤٠).","vol":"2","page":24},{"text":"وعطاء وغيرهم. كان يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين عرضة، وفي رواية قال: عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أقفه عند كل آية أسأله؛ فيم نزلت وكيف كانت. قال سفيان الثوري: خذوا التفسير من أربعة: مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك. قال خصيف: كان مجاهد أعلمهم بالتفسير. وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد. قال ابن جريج: لأن أكون سمعت من مجاهد فأقول: سمعت مجاهدا؛ أحب إلي من أهلي ومالي. قال سلمة بن كهيل: ما رأيت أحدا يريد بهذا العلم وجه الله إلا هؤلاء الثلاثة: عطاء ومجاهد وطاووس. قال مجاهد: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه؛ فكان يخدمني. وعنه قال: ربما أخذ ابن عمر لي بالركاب. وقال: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه نية، ثم رزق الله النية بعد. وقال: لا تنوهوا بي في الخلق. عن قتادة قال: أعلم من بقي بالحلال والحرام الزهري، وأعلم من بقي بالقرآن مجاهد. مات سنة إحدى ومائة وهو ساجد رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى ابن بطة بسنده إلى ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿ولا تَتَّبِعُوا السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سبيله﴾ (١) قال: البدع والشبهات. (٢)\n- عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿شرعةً\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٢٩٨/ ١٣٤) والدارمي (١/ ٦٨) وذم الكلام (ص.١٩٢).","vol":"2","page":25},{"text":"وَمِنْهَاجًا﴾ (١) قال: سبيلا وسنة. (٢)\n- وعنه قال: ما أدري أي النعمتين علي أعظم؛ أن هداني للإسلام أو عافاني من هذه الأهواء. (٣)\nقال الذهبي: مثل الرفض والقدر والتجهم. (٤)\n\" التعليق:\nإن هذه الكلمات من هذا الإمام ونظرائه بمقام الحجب والسدود التي يضعها السلف أمام المبتدعة أصحاب الأهواء الذين ضلوا وأضلوا، فانظر كيف قارن ﵁ بين نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة، وبين نقمة البدع والأهواء؟! نسأل الله السلامة والعافية.\n\n- عن الأعمش عن مجاهد قال: أفضل العبادة حسن الرأي، يعني السنة. (٥)\n- عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿يخوضون في ءاياتنا﴾ (٦) يستهزؤون، نهى محمد - ﷺ - أن يقعد معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر فليقم وذلك\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٨).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣٤٦ - ٣٤٧/ ٢٢١).\n(٣) الدارمي (١/ ٩٢) وذم الكلام (ص.١٩٣).\n(٤) سير إعلام النبلاء (٤/ ٤٥٤ - ٤٥٥).\n(٥) الإبانة (١/ ٢/٣٤٨/ ٢٢٣) وتأويل مختلف الحديث (ص.٥٧).\n(٦) الأنعام الآية (٦٨).","vol":"2","page":26},{"text":"قوله: ﴿فلا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١). (٢)\n- عن قيس بن سعد قال: سمعت مجاهدا يقول: لا تجالسوا أهل الأهواء فإن لهم عرة كعرة الجرب. (٣)\n- قال عبد الرحمن بن مهدي: أدركت الناس وهم على الجملة يعني لا يتكلمون ولا يخاصمون. قال عبد الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ (٤) قال: لا خصومة بيننا وبينكم.\n- عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿ءايات محكمات﴾ (٦) قال: ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك من المتشابهات يصدق بعضه بعضا وهو مثل قوله: ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلًّا الْفَاسِقِينَ﴾ (٧). وهو مثل قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٨).\n_________\n(١) الأنعام الآية (٦٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٣٠/ ٣٥١) وتفسير الطبري (٧/ ٢٢٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٤١/ ٣٨٢).\n(٤) الشورى الآية (١٥).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٩/ ٦٤٨).\n(٦) آل عمران الآية (٧).\n(٧) البقرة الآية (٢٦).\n(٨) الأنعام الآية (١٢٥).","vol":"2","page":27},{"text":"ومثل قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهتدوا زادهم هدًىوَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (١٧) (١). ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (٢).\nالشبهات: ما أهلكوا به والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. (٣)\n- عن مجاهد في قول الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (٤)، يقول: ما قدموا من خير، وآثارهم التي أورثوا الناس بعدهم من الضلالة. (٥)\n- عن مجاهد قال: ليس أحد من خلق الله إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - ﷺ -. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>موقفه من الرافضة:</span>\nعن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي. (٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: عن مجاهد ﴿لا يملكون مِنْهُ خِطَابًا﴾ (٨)\n_________\n(١) محمد الآية (١٧).\n(٢) آل عمران الآية (٧).\n(٣) الإبانة (٢/ ٤/٦٠٨ - ٦٠٩/ ٧٨٧).\n(٤) يس الآية (١٢).\n(٥) ابن أبي حاتم في التفسير (١٠/ ٣١٩٠/١٨٠٤٣) وذكره صاحب الاعتصام (١/ ٩٠ - ٩١).\n(٦) جامع بيان العلم (٢/ ٩٢٥) والحلية (٣/ ٣٠٠).\n(٧) المنهاج (٦/ ٢٣٣).\n(٨) النبأ الآية (٣٧).","vol":"2","page":28},{"text":"قال: كلام الله. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن مجاهد: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ (٢) قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى الرب. (٣)\n- وفيه عنه في قوله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (٤) قال: حسنة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٥) قال: تنظر إلى ربها ﵎. (٦)\n- وفيه عنه قال: ما من ميت يموت حتى يعرض عليه أهل مجلسه إن كانوا من أهل لهو فأهل لهو وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر. (٧)\n- وفي البخاري معلقا: وقال مجاهد، استوى: علا على العرش. (٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن الوليد بن زياد عن مجاهد قال: يبدؤون فيكم مرجئة ثم يكونون قدرية ثم يصيرون مجوسا. (٩)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٣٠).\n(٢) يونس الآية (٢٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٢ - ٥١٣/ ٧٩٧).\n(٤) القيامة الآية (٢٢).\n(٥) القيامة الآية (٢٣).\n(٦) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٥/٨٠٢) والسنة لعبد الله (٨١).\n(٧) أصول الاعتقاد (٦/ ١٢٠٢/٢١٢٦).\n(٨) علقه البخاري (١٣/ ٤٠٣).\n(٩) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٠/١٨٠٣) والإبانة (٢/ ١٢٣/١٥٥٤) وبنحوه في السنة لعبد الله (١٤٨).","vol":"2","page":29},{"text":"- وعن مجاهد قال: الإيمان يزيد وينقص والإيمان قول وعمل. (١)\n- وعن عبد الوهاب بن مجاهد قال: كنت عند أبي فجاء ولده يعقوب فقال: يا أبتاه، إن لنا أصحابا يزعمون أن إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد. فقال: يا بني، ما هؤلاء بأصحابي، لا يجعل الله من هو منغمس في الخطايا كمن لا ذنب له. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الاعتصام للشاطبي: عن حميد الأعرج قال: قدم غيلان مكة يجاور بها، فأتى غيلان مجاهدا فقال: يا أبا الحجاج، بلغني أنك تنهى الناس عني وتذكرني ... بلغك عني شيء لا أقوله؟ إنما أقول كذا، فجاء بشيء لا ينكر. فلما قام، قال مجاهد: لا تجالسوه فإنه قدري. قال حميد: فإني يوما في الطواف لحقني غيلان من خلفي يجذب ردائي فالتفت فقال: كيف يقرأ مجاهد حرف كذا وكذا فأخبرته، فمشى معي، فبصر بي مجاهد معه، فأتيته فجعلت أكلمه فلا يرد علي، وأسأله فلا يجيبني. فقال: فغدوت إليه فوجدته على تلك الحال فقلت: يا أبا الحجاج أبلغك عني شيء ما أحدثت حدثا، مالي؟ قال ألم أرك مع غيلان وقد نهيتكم أن تكلموه أو تجالسوه. قال: قلت يا أبا الحجاج، ما أنكرت قولك وما بدأته هو بدأني. قال: والله يا حميد لولا أنك عندي مصدق ما نظرت لي في وجه منبسط ما عشت، ولئن عدت لا\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٨٣) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٣/١٧٢٨).\n(٢) السير (٤/ ٤٥٥).","vol":"2","page":30},{"text":"تنظر لي في وجه منبسط ما عشت. (١)\n- وفي الإبانة عن حميد بن قيس الأعرج، قال: صليت إلى جنب رجل يتهم بالقدرية؛ فلقيت مجاهدا فأعرض عني فقلت له: فقال: ألم أرك صليت إلى جنب فلان؟ قلت: إنما ضمتني وإياه الصلاة. (٢)\n- وروى عبد الله بسنده عنه قال: لا يكون مجوسية حتى يكون قدرية ثم يتزندقوا ثم يتمجسوا. (٣)\n- وروى اللالكائي بسنده عن مجاهد في قوله: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ (٤) قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها. (٥)\n- وروى عن سفيان عن منصور: عن مجاهد في قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحصيناه في إمام مبين﴾ (٦) قال: في أم الكتاب. (٧)\n- وروى عن شريك عن عطاء بن السائب: عن مجاهد في قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ (٨) قال: إن الله ﷿ ينزل كل شيء\n_________\n(١) الاعتصام (٢/ ٧٩٠) وما جاء في البدع (١١٠ - ١١١).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٧/ ١٧٥٤).\n(٣) السنة (١٤٨) وبنحوه في أصول الاعتقاد (٤/ ٧١٤/١١٦٨) والإبانة (٢/ ٩/١٢٣/ ١٥٥٤).\n(٤) البقرة الآية (٣٠).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٠٢ - ٦٠٣/ ٩٥٩) والسنة (١٣٤) والإبانة (٢/ ١٠/٢٠٢/ ١٧٣٦).\n(٦) يس الآية (١٢).\n(٧) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٠٩/٩٧٣) والإبانة (١/ ٨/٢٩٢/ ١٣٠٩).\n(٨) الرعد الآية (٣٩).","vol":"2","page":31},{"text":"يكون في ليلة القدر فيمحو ما يشاء من المقادير والآجال والأرزاق إلا الشقاوة والسعادة فإنه ثابت. (١)\n- وروى عن مجاهد: وَجَعَلْنَا ﴿مِنْ بَيْنِ أيديهم سدًا وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ (٢) قال: عن الحق. (٣)\n- وروى عن مجاهد في قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (٤) قال: مكتوب في ورقة في عنقه شقي أو سعيد. (٥)\n- وجاء في الإبانة: عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٦)؛ قال: بمن قدر له الهدى والضلالة. (٧)\n- وفيها عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٨)؛ قال: يترددون في الضلالة. (٩)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٦١٠/٩٧٥).\n(٢) يس الآية (٩).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٦١٦/٩٨٨).\n(٤) الإسراء الآية (١٣).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٣٠/١٠١٤) والإبانة (٢/ ١٠/٢٠٤ - ٢٠٥/ ١٧٤٣).\n(٦) القلم الآية (٧).\n(٧) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٢/ ١٧٣٦).\n(٨) النمل الآية (٤).\n(٩) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٢/ ١٧٣٧).","vol":"2","page":32},{"text":"- وفيها عن مجاهد: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ (١)؛ قال: كتب على الشيطان. (٢)\n- وفيها عن مجاهد أنه قال في قوله ﷿: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) قال: وما يدريكم أنكم تؤمنون، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ (٤): نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية؛ فلا يؤمنون كما حلت بينهم وبينه أول مرة. (٥)\n- وفيها عن مجاهد: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٦)؛ قال: هو ما سبق لهم. (٧)\n- وفيها عن مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٨)؛ قال: المؤمن مؤمن، والكافر كافر. (٩)\n- وفيها عن مجاهد: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا\n_________\n(١) الحج الآية (٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٣/ ١٧٣٨).\n(٣) الأنعام الآية (١٠٩).\n(٤) الأنعام الآية (١١٠).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٣ - ٢٠٤/ ١٧٤١).\n(٦) الأعراف الآية (٣٧).\n(٧) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٤/ ١٧٤٢).\n(٨) الأعراف الآية (٢٩).\n(٩) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٥/ ١٧٤٥).","vol":"2","page":33},{"text":"عَامِلُونَ﴾ (٦٣) (١) قال: لهم أعمال لا بد لهم من أن يعملوها. (٢)\n- وفيها عن مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ (٣)؛ قال: الشقوة والسعادة. (٤)\n- وفيها عن مجاهد في قوله ﷿: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ (٥)؛ قال: طريقة الحق، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾؛ قال: ماء كثيرا لنفتنهم فيه حتى يرجعوا إلى ما كتب عليهم. (٦)\n\nمسلم بن يسار (٧) (١٠١ هـ)\nمسلم بن يسار البصري أبو عبد الله المكي، الفقيه الزاهد القدوة. روى عن عبادة بن الصامت ولم يلقه، وعن ابن عباس، وابن عمر وأبيه يسار. حدث عنه محمد بن سيرين، وهو من طبقته، وقتادة، وثابت البناني، وأيوب السختياني وغيرهم. قال ابن عون: كان لا يفضل عليه أحد في زمانه. كان\n_________\n(١) المؤمنون الآية (٦٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٥ - ٢٠٦/ ١٧٤٧).\n(٣) الإنسان الآية (٣).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٦/ ١٧٥٠).\n(٥) الجن الآية (١٦).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٦ - ٢٠٧/ ١٧٥١).\n(٧) طبقات ابن سعد (٧/ ١٨٦ - ١٨٨) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٥٥١) والحلية (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٨) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٤٠ - ١٤١) ومشاهير علماء الأمصار (٨٨) والسير (٤/ ٥١٠ - ٥١٤) والبداية والنهاية (٩/ ١٨٦ - ١٨٧) وشذرات الذهب (١/ ١١٩).","vol":"2","page":34},{"text":"ثقة فاضلا عابدا ورعا. روى حميد بن الأسود عن ابن عون قال: أدركت هذا المسجد وما فيه حلقة تنسب إلى الفقه إلا حلقة مسلم بن يسار قال أيوب السختياني قيل لابن الأشعث: إن أردت أن يقتلوا حولك كما قتلوا يوم الجمل حول جمل عائشة فأخرج معك مسلم بن يسار، فأخرجه مكرها. قال أيوب عن أبي قلابة: قال لي مسلم بن يسار: إني أحمد الله إليك أني لم أرم بسهم ولم أضرب فيها بسيف، قلت له: فكيف بمن رآك بين الصفين فقال: هذا مسلم بن يسار لن يقاتل إلا على حق، فقاتل حتى قتل؟ فبكى والله حتى وددت أن الأرض انشقت فدخلت فيها. توفي ﵀ سنة إحدى ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال: لا تمكن صاحب بدعة من سمعك فيصب فيها ما لا تقدر أن تخرجه من قلبك. (١)\n- وعنه قال: إياك والمراء فإنها ساعة جهل العالم وبها يبتغي الشيطان زلته. (٢)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٩/ ٤٣٦).\n(٢) ذم الكلام (ص.٢٠٠) والإبانة (٢/ ٣/٤٩٧/ ٥٥٠) والشريعة (١/ ١٨٧/١١٨).","vol":"2","page":35},{"text":"ذَكْوَان أبو صالح السَّمَّان (١) (١٠١ هـ)\nالقدوة الحافظ الحجة ذكوان بن عبد الله مولى أم المؤمنين جويرية. ولد في خلافة عمر، وشهد يوم الدار وحصر عثمان. سمع من: سعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبي هريرة ولازمه مدة. حدث عنه: ابنه سهيل، والأعمش، وعبد الله بن دينار، والزهري. كان من كبار العلماء بالمدينة، قال فيه أحمد بن حنبل: ثقة ثقة من أجل الناس وأوثقهم. قال الأعمش: كان أبو صالح مؤذنا فأبطأ الإمام، فأمنا، فكان لا يكاد يجيزها من الرقة والبكاء. توفي سنة إحدى ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في السنة: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٢) وأنا قدرتها عليك. (٣)\n_________\n(١) السير (٥/ ٣٦) وطبقات ابن سعد (٥/ ٣٠١) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢١٩) وتهذيب الكمال (٨/ ٥١٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٠١ - ١٢٠/ص.٢٩٠ - ٢٩١) وتذكرة الحفاظ (١/ ٨٩).\n(٢) النساء الآية (٧٩).\n(٣) السنة لعبد الله (١٤٤) وأصول الاعتقاد (٣/ ٦١١/٩٧٨).","vol":"2","page":36},{"text":"الضَّحَّاك بن مُزَاحِم (١) (١٠٢ هـ)\nالضحاك، أبو محمد، صاحب التفسير، كان من أوعية العلم. حدث عن: سعيد بن جبير، وعطاء، وطاووس. وروى عنه: عمارة بن أبي حفصة، وأبو سعيد البقال، وقرة بن خالد. قال سفيان الثوري: كان الضحاك يعلم ولا يأخذ أجرا. وقال الضحاك: حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيها، وتلا قول الله: ﴿كُونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ (٢). وكان إذا أمسى بكى، فيقال له: ما يبكيك؟ قال: لا أدري ما صعد اليوم من عملي. توفي سنة اثنتين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن حوشب عن الضحاك في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال: استقام. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن الضحاك بن مزاحم قال: كان أولوكم يتعلمون الورع أما إنه سيأتي زمان يتعلمون فيه الكلام. (٥)\n_________\n(١) السير (٤/ ٥٩٨) وتهذيب الكمال (١٣/ ٢٩١) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٥٣) وميزان الاعتدال (٢/ ٣٢٥) وشذرات الذهب (١/ ١٢٤).\n(٢) آل عمران (٧٩).\n(٣) طه الآية (٨٢).\n(٤) الإبانة (١/ ٢/٣٢٣/ ١٦٦).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٩/ ٦٤٧).","vol":"2","page":37},{"text":"- وفي الشريعة: عن الضحاك: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ قال: هو على العرش، وعلمه معهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن الضحاك بن مزاحم في قول الله ﷿: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ (٣)؛ قال: يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته. (٤)\n- وروى الآجري بسنده: عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عليه بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلًّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٥) يقول: من سبق له في علم الله تعالى أنه يصلى الجحيم. (٦)\n\nخالد بن مَعْدَان (٧) (١٠٣ هـ)\nالإمام، شيخ أهل الشام خالد بن معدان بن أبي كَرِب الكَلاَعيّ، أبو\n_________\n(١) المجادلة الآية (٧).\n(٢) الشريعة (٢/ ٦٨/٦٩٨) والسنة لعبد الله (٨٠).\n(٣) الأنفال الآية (٢٤).\n(٤) الإبانة (١/ ٨/٢٧٩/ ١٢٩٨).\n(٥) الصافات الآيتان (١٦١و١٦٣).\n(٦) الشريعة (١/ ٤٣٤/٥٤٢).\n(٧) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٥٥) وحلية الأولياء (٥/ ٢١٠) وتاريخ دمشق (١٦/ ١٨٩ - ٢٠٥) وتهذيب الكمال (٨/ ١٦٧ - ١٧٤) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٣٦ - ٥٤١) وتهذيب التهذيب (٣/ ١١٨ - ١٢٠) وشذرات الذهب (١/ ١٢٦).","vol":"2","page":38},{"text":"عبد الله الشامي الحمصي. حدث عن أبي هريرة وأبي أمامة الباهلي وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وثوبان مولى رسول الله - ﷺ - ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وجمع من الصحابة، وأكثر ذلك مرسل. وروى عنه حسان بن عطية وصفوان بن عمرو والأحوص بن حكيم وثابت بن ثوبان وداود بن عبيد الله وغيرهم.\nقال خالد بن معدان: أدركت سبعين رجلا من أصحاب النبي - ﷺ -. قال بحير بن سعد: ما رأيت أحدا ألزم للعلم من خالد بن معدان، وكان علمه في مصحف له أزرار وعرى.\nوقال أبو أسامة: كان الثوري إذا جلسنا معه إنما نسمع الموت الموت، فحدثنا عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال: لو كان الموت علما يستبق إليه ما سبقني إليه أحد إلا أن يسبقني رجل بفضل قوته، قال: فما زال الثوري يحب خالد بن معدان منذ بلغه هذا الحديث عنه. وكان الإمام الأوزاعي يعظمه ويجله.\nومن أقواله ﵀: أكل وحمد خير من أكل وصمت. وقال: من التمس المحامد في مخالفة الحق، رد الله تلك المحامد عليه ذما، ومن اجترأ على الملاوم في موافقة الحق، رد الله تلك الملاوم عليه حمدا. توفي ﵀ سنة ثلاث ومائة في خلافة يزيد بن عبد الملك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في سير أعلام النبلاء: وقال محمد بن حمير: حدثنا محمد بن زياد الألهاني قال: كنا في المسجد إذ مر بمعبد الجهني إلى عبد الملك، فقال الناس:","vol":"2","page":39},{"text":"هذا هو البلاء. فقال خالد بن معدان: إن البلاء كل البلاء إذا كانت الأئمة منهم. (١)\n\nمصعب بن سعد (٢) (١٠٣ هـ)\nمصعب بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري أبو زُرَارَة المدني والد زرارة ابن مصعب. روى عن أبيه سعد بن أبي وقاص وصهيب بن سنان، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعدي بن حاتم وغيرهم. وروى عنه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي والحكم بن عتيبة والزبير بن عدي، وزياد بن فياض وغيرهم. وكان ثقة كثير الحديث. توفي ﵀ سنة ثلاث ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال: لا تجالس مفتونا فإنه لن يخطئك منه إحدى اثنتين: إما أن يفتنك فتتابعه، وإما أن يؤذيك قبل أن تفارقه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>موقفه من الرافضة:</span>\nعن طلحة بن مصرف عن مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا\n_________\n(١) السير (٤/ ١٨٧)\n(٢) طبقات ابن سعد (٥/ ١٦٩و٦/ ٢٢٢) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٢٤ - ٢٦) والسير (٤/ ٣٥٠) والبداية والنهاية (٩/ ٢٣٨) والكامل في التاريخ (٥/ ١٠٦) وشذرات الذهب (١/ ١٢٥) ومشاهير علماء الأمصار (٦٨).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٢/ ٣٨٥) والبيهقي في الشعب (٧/ ٦١) وما جاء في البدع (ص.١١٠ - ١١١) وانظر الاعتصام (٢/ ٧٩٠ - ٧٩١).","vol":"2","page":40},{"text":"على التي بقيت قال ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (١) هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢) قال: وهؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)\nقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي قد بقيت، يقول أن تستغفروا لهم. (٤)\n_________\n(١) الحشر الآية (٨).\n(٢) الحشر الآية (٩).\n(٣) الحشر الآية (١٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٤ - ١٣٢٥/ ٢٣٥٤).","vol":"2","page":41},{"text":"الشعبي (١) (١٠٤ هـ)\nعامر بن شَرَاحيل أبو عمرو الهَمْدَانِي، ثم الشعبي، الكوفي، وأمه من سبي جلولاء. حدث عن جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب وأبو هريرة وعائشة وسعد بن أبي وقاص وأبو سعيد وجابر بن سمرة وابن عمر وخلق سواهم. وروى عنه إبراهيم بن مهاجر وحصين بن عبد الرحمن السلمي وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم. قال أحمد بن عبد الله العجلي: سمع من ثمانية وأربعين من أصحاب رسول الله - ﷺ -. وقال أشعث بن سوار: نعى لنا الحسن الشعبي، فقال: كان والله كبير العلم عظيم الحلم، قديم السلم من الإسلام بمكان. قال الشعبي: إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك، فإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا، قال: هذا أمر لا يناله إلا العقلاء، فلم يطلبه، وإن كان عاقلا ولم يكن ناسكا قال: هذا أمر لا يناله إلا النساك، فلم يطلبه، قال: ولقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليست فيه واحدة منهما، لا عقل ولا نسك. قال الذهبي: قلت: أظنه أراد بالعقل الفهم والذكاء. من كلامه: قال: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها. وقال: إنما سمي هوى لأنه يهوي بأصحابه. وقال: لا أدري نصف العلم. توفي الشعبي ﵀ سنة أربع ومائة.\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٢٤٦ - ٢٥٦) والحلية (٤/ ٣١٠ - ٣٣٨) وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٢٧ - ٢٣٤) والسير (٤/ ٢٩٤ - ٣١٩) ووفيات الأعيان (٣/ ١٢ - ١٦) وتهذيب الكمال (١٤/ ٢٨ - ٤٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٧٩ - ٨٨) والبداية والنهاية (٩/ ٢٣٩ - ٢٤٠) والوافي بالوفيات (١٦/ ٥٨٧ - ٥٨٩) والجرح والتعديل (٦/ ٣٢٢ - ٣٢٤) وشذرات الذهب (١/ ١٢٦ - ١٢٨).","vol":"2","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الدارمي عن مالك هو ابن مغول قال: قال لي الشعبي: ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله - ﷺ - فخذ به وما قالوه برأيهم فألقه في الحش. وفي شرف أصحاب الحديث وغيره: فبل عليه. (١)\n- جاء في طبقات ابن سعد عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي قال: لقد أتى علي زمان وما من مجلس أحب إلي أن أجلس فيه من هذا المسجد، فلكناسة اليوم أجلس عليها أحب إلي من أن أجلس في هذا المسجد. قال: وكان يقول إذا مر عليهم: ما يقول هؤلاء الصعافقة؟ أو قال: بنو استها -شك قبيصة- ما قالوا لك برأيهم فبل عليه، وما حدثوك عن أصحاب محمد - ﷺ -، فخذ به. (٢)\n\" التعليق:\nقلت: لأنهم هم القدوة؛ هم الذين شاهدوا التنزيل، وفهموا التأويل، وهم المختارون للبلاغ عن الرسول - ﷺ -.\n\n- وروى الدارمي عن عيسى عن الشعبي قال: جاءه رجل فسأله عن شيء فقال: كان ابن مسعود يقول فيه كذا وكذا، قال أخبرني أنت برأيك؟ فقال: ألا تعجبون من هذا؟ أخبرته عن ابن مسعود ويسألني عن رأيي، وديني\n_________\n(١) الدارمي (١/ ٦٧) وذم الكلام (ص.٢٩٧) والإبانة (٢/ ٣/٥١٧/ ٦٠٧) والمدخل للبيهقي (٢/ ٢٧٤/٨١٤) وشرف أصحاب الحديث (ص.٧٤) وانظر سير أعلام النبلاء (٤/ ٣١٩) و(٧/ ١٧٦) وإعلام الموقعين (١/ ٧٣).\n(٢) طبقات ابن سعد (٦/ ٢٥١) وشرف أصحاب الحديث (ص.٧٤).","vol":"2","page":43},{"text":"عندي آثر من ذلك، والله لأن أتغنى أغنية أحب إلي من أن أخبرك برأيي. (١)\n\" التعليق:\nهذا الإمام الشعبي يغضب ويقارن رأيه بأغنية، ربما لو قالها لتأثم بها، فما بالك بمن يترك نص القرآن والسنة ويأخذ بأقوال من لم يشموا رائحة الوحي.\n\n- وقال: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق، فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا. (٢)\n- وقال الشعبي: إنما الرأي بمنزلة الميتة إذا احتجت إليها أكلتها. (٣)\n- عن أبي حمزة قال: سئل الشعبي عن مسألة فقال: لا تجالس أصحاب القياس فتحل حراما أو تحرم حلالا. (٤)\n- وروى الدارمي عن الشعبي قال: إياكم والمقايسة والذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم عمن حفظ من أصحاب محمد - ﷺ - فاعملوا به. (٥)\n- عن صالح بن مسلم قال: لقيت الشعبي في السدة فمشيت معه حتى\n_________\n(١) الدارمي (١/ ٤٧) وأورده ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٢٥٧).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٥٠).\n(٣) شرح السنة (١/ ٢١٦).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٠ - ٤٥١/ ٤١٤) وتأويل مختلف الحديث (ص.٥٨).\n(٥) الدارمي (١/ ٤٧) وذم الكلام (ص.١٠٣) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٤٧) والفقيه والمتفقه (١/ ٤٦٠) وانظر إعلام الموقعين (١/ ٢٥٥).","vol":"2","page":44},{"text":"إذا قاربنا أبواب المسجد نظر إليه فقال: يعلم الله لقد بغض إلي هؤلاء هذا المسجد حتى هو أبغض إِلَيَّ من داري، فقلت له: ومن هؤلاء يا أبا عمرو؟ فقال: هؤلاء الآرائيون يعني أصحاب الرأي. (١)\n- عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: ما من كلمة أبغض إلي من أرأيت أرأيت. (٢)\n- وعنه قال: لو أدرك هؤلاء الآرائيون النبي - ﷺ - لنزل القرآن كله: يسألونك، يسألونك. (٣)\n- عن الشعبي قال: إنما سميت الأهواء لأنها تهوي بصاحبها في النار. (٤)\n- روى عطاء بن السائب عن الشعبي قال: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها. (٥)\n- عن الشعبي قال: سل عما كان ولا تسأل عما لم يكن ولا يكون. (٦)\n- عن خالد بن عبد الله عن بيان عن الشعبي قال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٧). قال: بيان من العمى وهدى\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.١٠٥) والإبانة (٢/ ٣/٥١٦/ ٦٠٣) والفقيه والمتفقه (١/ ٤٦٢) بنحوه، والحلية (٤/ ٣٢٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥١٧/ ٦٠٥).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٤١٩/ ٣٤٣).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٧/٢٢٩) والسنة لعبد الله (ص.٩٠) والدارمي (١/ ١١٠) والحلية (٤/ ٣٢٠).\n(٥) سير أعلام النبلاء (٤/ ٣١١) وحلية الأولياء (٤/ ٣١٣).\n(٦) الإبانة (١/ ٢/٤١٠/ ٣٢١).\n(٧) آل عمران الآية (١٣٨).","vol":"2","page":45},{"text":"من الضلالة وموعظة من الجهل. (١)\n\" التعليق:\nهذا هو التفسير السلفي للآية لا كما فسرها البيانية من فرق الشيعة الضالة المضلة، أصحاب بيان بن سمعان التميمي الذي قال لهم إن روح الإله تناسخت في الأنبياء والأئمة حتى صارت إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ثم انتقلت إليه منه -يعني نفسه- فادعى لنفسه الربوبية على مذاهب الحلولية وزعم أيضا أنه هو المذكور في القرآن في قوله\n﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) وقال: أنا البيان وأنا الهدى والموعظة. (٣)\nألا لعنة الله على الكاذبين ورحم الله الإمام ابن بطة إذ قال معقبا على هذا الأثر: فأي عبد أتعس جدا ولا أعظم نكدا ولا أطول شقاء وعناء من عبد حرم البصيرة بنور القرآن والهداية بدلالته والزجر بموعظته.\n- عن مجالد بن سعيد قال: نا الشعبي يوما قال: يوشك أن يصير الجهل علما ويصير العلم جهلا قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو؟ قال: كنا نتبع الآثار وما جاء عن الصحابة، فأخذ الناس في غير ذلك: القياس. (٤)\n- عن الشعبي قال: كان يقال: من أراد بَحْبَحة الجنة فعليه بجماعة المسلمين. (٥)\n- قال ابن شبرمة: سمعت الشعبي إذا سئل عن مسألة شديدة قال: رُبَّ ذاتِ وَبَر لا تنقاد ولا تنساق، ولو سئل عنها الصحابة لعضلت بهم. (٦)\n- قال الشعبي: كل أمة علماؤها شرارها، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم. (٧)\n- عن الشعبي قال: أرجئ الأمور إلى الله ولا تكن مرجئا، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ولا تكن حروريا واعلم أن الخير والشر من الله ولا تكن قدريا. قال يحيى بن أيوب وحدثني رجل كان إلى جنب الأبار أن الشعبي قال مع هذا: وأثبت صلاح بني هاشم ولا تكن شيعيا. (٨)\n- عن الشعبي قال شهدت شريحا وجاءه رجل من مراد فقال يا أبا أمية ما دية الأصابع؟ قال: عشر عشر. قال: يا سبحان الله أسواء هاتان جمع بين الخنصر والإبهام، فقال شريح: يا سبحان الله أسواء أذنك ويدك فإن الأذن يواريها الشعر والكمة والعمامة فيها نصف الدية وفي اليد نصف الدية ويحك إن السنة سبقت قياسكم فاتبع ولا تبتدع فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر. قال أبو بكر فقال لي الشعبي يا هذلي لو أن أحنفكم قتل وهذا الصبي في\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٦/٧٧٤/ ١٠٧٠).\n(٢) آل عمران الآية (١٣٨).\n(٣) انظر الفرق بين الفرق (ص.٢٢٧).\n(٤) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٦٠) وانظر إعلام الموقعين (١/ ٢٥٧).\n(٥) الشريعة (١/ ١٢٤/١٨).\n(٦) إعلام الموقعين (١/ ١٨٥).\n(٧) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٨٤).\n(٨) السنة لعبد الله بن أحمد (ص.٢٢٧ - ٢٢٨) والسنة للخلال (١/ ٧٩ بخلاف يسير).","vol":"2","page":null},{"text":"مهده أكان ديتهما سواء قلت: نعم. قال: فأين القياس؟ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء: ابن حميد: حدثنا حر، عن مغيرة قال رجل من الكيسانية عند الشعبي: كانت عائشة من أبغض زوجات النبي - ﷺ - إليه. قال: خالفت سنة نبيك. (٢)\n- وفيها: روى عقيل بن يحيى: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن منصور الغداني، عن الشعبي، قال: أدركت خمس مئة صحابي أو أكثر يقولون: أبو بكر وعمر\nوعثمان وعلي.\nوأما عمرو بن مرزوق، فرواه عن شعبة، وفيه: يقولون: علي وطلحة والزبير في الجنة. (٣)\n- وفيها: عبد الله بن إدريس، عن عمرو بن خليفة، عن أبي عمرو، عن الشعبي، قال: أصبحت الأمة على أربع فرق: محب لعلي مبغض لعثمان، ومحب لعثمان مبغض لعلي، ومحب لهما، ومبغض لهما. قلت: من أيها أنت؟ قال: مبغض لباغضهما. (٤)\n- وفيها: وروى خالد بن سلمة، عن الشعبي قال: حب أبي بكر وعمر\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ٦٦) والإبانة (١/ ٢/٤١٩/ ٣٤٣) وذم الكلام (ص.١٠٣) وفي السير (٤/ ٣١١) والحلية (٤/ ٣٢٠ مختصرا).\n(٢) السير (٤/ ٣٠٠).\n(٣) السير (٤/ ٣٠١).\n(٤) السير (٤/ ٣٠٨) والتذكرة (١/ ٨٢ - ٨٣ مختصرا).","vol":"2","page":48},{"text":"ومعرفة فضلهما من السنة. (١)\n- عن حصين؛ عن عامر؛ قال: ما كذب على أحد في هذه الأمة كما كذب على علي ﵁. (٢)\n- جاء في الميزان: وقال ابن حبان: رشيد الهجري كوفي، كان يؤمن بالرجعة. ثم قال ابن حبان: قال الشعبي: دخلت عليه فقال: خرجت حاجا، فقلت: لأعهدن بأمير المؤمنين. فأتيت بيت علي فقلت لإنسان: استأذن لي على أمير المؤمنين. قال: أو ليس قد مات. قلت: قد مات فيكم، والله إنه ليتنفس الآن نفس الحي. قال: أما إذ عرفت سر آل محمد فادخل. فدخلت على أمير المؤمنين، وأنبأني بأشياء تكون. فقال له الشعبي: إن كنت كاذبا فلعنك الله. وبلغ الخبر زيادا فبعث إلى رشيد الهجري فقطع لسانه وصلبه على باب دار عمرو بن حريث. (٣)\n- محمد بن المثنى، حدثنا عبد الله بن داود، عن عبد الرحمن بن مالك ابن مغول، عن أبيه، قال لي الشعبي: ائتني بزيدي صغير أخرج لك منه رافضيا كبيرا، وائتني برافضي صغير أخرج لك منه زنديقا كبيرا. (٤)\n- قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وبهذا وأمثاله يتبين أن الرافضة أمة ليس لها عقل صريح؛ ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول؛ ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذبا وجهلا ودينهم يدخل على المسلمين كل\n_________\n(١) السير (٤/ ٣١٠).\n(٢) الشريعة (٣/ ٥٦٧ - ٥٦٨/ ٢٠٨٤).\n(٣) الميزان (٢/ ٥٢).\n(٤) الميزان (٢/ ٥٨٤).","vol":"2","page":49},{"text":"زنديق ومرتد، كما دخل فيهم النصيرية؛ والإسماعيلية وغيرهم، فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة يعادونهم، وإلى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم، ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه، وإلى الكذب المختلق الذي يعلم فساده يقيمونه؛ فهم كما قال فيهم الشعبي -وكان من أعلم الناس بهم- لو كانوا من البهائم لكانوا حمرا، ولو كانوا من الطير لكانوا رخما. (١)\n- عن مالك بن مغول قال: قال الشعبي: يا مالك: لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا أو أن يملؤا بيتي ذهبا على أن أكذب لهم على علي لفعلوا ولكن والله لا كذبت عليه أبدا. يا مالك: إنني قد درست الأهواء كلها فلم أر قوما هم أحمق من الخشبية؛ لو كانوا من الدواب لكانوا حمرا ولو كانوا من الطير لكانوا رخما.\nوقال: أحذرك الأهواء المضلة وشرها الرافضة وذلك أن منهم يهود يغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم كما يغمص بولس بن شاؤل ملك اليهود ليغلبوا.\nلم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله ولكن مقتا لأهل الإسلام وطعنا عليهم فأحرقهم علي بن أبي طالب بالنار ونفاهم من البلدان: منهم عبد الله بن سبأ نفاه إلى ساباط وعبد الله بن شباب نفاه إلى جازت، وأبو الكروش وابنه.\nوذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود. قالت اليهود: لا يصلح الملك إلا في\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٧١ - ٤٧٢).","vol":"2","page":50},{"text":"آل داود. وقالت الرافضة لا تصلح الإمارة إلا في آل علي.\nوقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال أو ينزل عيسى من السماء. وقالت الرافضة: لا جهاد حتى يخرج المهدي ثم ينادي مناد من السماء.\nواليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم. وكذلك الرافضة.\nوالحديث عن رسول الله - ﷺ -: \"لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم\". (١)\nواليهود يولون عن القبلة شيئا. وكذلك الرافضة.\nواليهود تسدل أثوابها وكذلك الرافضة.\nوقد مر رسول الله - ﷺ - برجل قد سدل ثوبه فقمصه عليه (٢). واليهود حرفوا التوراة. وكذلك الرافضة حرفوا القرآن.\nواليهود يستحلون دم كل مسلم. وكذلك الرافضة. واليهود: لا يرون الطلاق ثلاثا شيئا. وكذلك الرافضة. واليهود لا يرون على النساء عدة وكذلك الرافضة. واليهود يبغضون جبريل ويقولون: هو عدونا من الملائكة. وكذلك صنف من الرافضة يقولون غلط بالوحي إلى محمد. وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا:\n_________\n(١) أحمد (٤/ ١٤٧) وأبو داود (١/ ٢٩١/٤١٨) والحاكم (١/ ١٩٠ - ١٩١) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي.\n(٢) الطبراني (٢٢/ ١١١ - ١١٢/ ٢٨٣) وفي الأوسط (٧/ ٩٥ - ٩٦/ ٦١٦٠) وفي الصغير (٢/ ٣١٧/٨٥٣) والبيهقي (٢/ ٢٤٣) وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٨١) والبزار (٢/ ٢٨٦/٥٩٥ كشف)، قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٥٠): \"رواه الطبراني في الثلاثة والبزار، وهو ضعيف\".","vol":"2","page":51},{"text":"أصحاب موسى.\nوسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟\nقالوا: أصحاب محمد.\nوسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟\nقالوا: حواري عيسى.\nوسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟\nقالوا: حواري محمد.\nأمروا بالاستغفار لهم فسبوهم.\nفالسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة لا يثبت لهم قدم ولا تقوم لهم راية ولا تجتمع لهم كلمة.\nدعوتهم مدحوضة وجمعهم متفرق كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ﷿. (١)\n- وجاء في المنهاج: ولهذا قال فيهم الشعبي: يأخذون بأعجاز لا صدور لها أي بفروع لا أصول لها. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في المنهاج: وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر؟ قال: كنت حيث يقول الشاعر:\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٥٤٩ - ١٥٥٢/ ٢٨٢٣) والسنة للخلال (١/ ٤٩٦ - ٤٩٨) وهو في المنهاج (١/ ٢٢ - ٢٣).\n(٢) المنهاج (٨/ ٣٥٥).","vol":"2","page":52},{"text":"عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير\nأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>موقفه من القدرية:</span>\nأخرج اللالكائي بسنده: قال الشعبي: لا تجالسوا القدرية فوالذي يحلف به إنهم لنصارى. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>الحسن بن وهب (١٠٤ ه</span>ـ)\nموقفه من القدرية:\nجاء في الاعتصام عن الحسن بن وهب الجمحي قال: الذي كان بيني وبين فلان خاص، فانطلق بأهله إلى بئر ميمون فأرسل إلي أن ائتني، فأتيته عشية فبت عنده، قال: فهو في فسطاط وأنا في فسطاط آخر فجعلت أسمع صوته الليل كله كأنه دوي النحل. قال: فلما أصبحنا جاء بغدائه فتغدينا، قال: ثم ذكر ما بيني وبينه من الإخاء والحق قال: فقال لي: أدعوك إلى رأي الحسن. قال: ثم فتح لي شيئا من القدر، قال: فقمت من عنده فما كلمته بكلمة حتى لقي الله. قال: فأنا يوما خارج من الطريق في الطواف وهو داخل أو أنا داخل وهو خارج، فأخذ بيدي فقال: يا أبا عمر حتى متى؟ حتى متى؟ قال: فلم أكلمه فقال: مالي؟ أرأيت لو أن رجلا قال: ﴿تَبَّتْ يدا أبي\n_________\n(١) منهاج السنة (٤/ ٥٢٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦١/١٢٦٨).","vol":"2","page":53},{"text":"لَهَبٍ﴾ (١) ليست من القرآن؟ ما كنت تقول له؟ قال: فنزعت يدي من يده. قال: علي: قال مؤمل: فحدثت به سفيان بن عيينة فقال لي: ما كنت أرى أنه بلغ هذا كله. قال علي: وسمعته أنا وأحمد. قال: حدثت أنا سفيان بن عيينة عن معلى الطحان ببعض حديثه، فقال: ما أحوج صاحب هذا الرأي إلى أن يقتل. (٢)\n\nأبو قِلاَبَة (٣) (١٠٤ هـ)\nعبد الله بن زيد بن عمرو، ويقال ابن عامر، الإمام شيخ الإسلام أبو قلابة الجَرْمِي البصري. روى عن أنس بن مالك الأنصاري وعبد الله بن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان والنعمان بن بشير وثابت بن الضحاك، وآخرين. وعنه جملة منهم: أيوب السختياني وحسان بن عطية وحميد الطويل ويحيى بن أبي كثير. قال حماد بن زيد: سمعت أيوب ذكر أبا قلابة فقال: كان والله من الفقهاء ذوي الألباب. عن أيوب قال: وجدت أعلم الناس بالقضاء أشدهم منه فرارا، وأشدهم منه فرقا، وما أدركت بهذا المصر رجلا كان أعلم بالقضاء من أبي قلابة. قال علي بن أبي حملة: قدم علينا مسلم بن يسار دمشق، فقلنا له: يا أبا عبد الله، لو علم الله أن بالعراق من هو أفضل منك\n_________\n(١) المسد الآية (١).\n(٢) الاعتصام (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ١٨٣ - ١٨٥) والحلية (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٩) وتهذيب الكمال (١٤/ ٥٤٢ - ٥٤٨) وتذكرة الحفاظ (١/ ٩٤) والسير (٤/ ٤٦٨ - ٤٧٥) والبداية والنهاية (٩/ ٢٤٠) والوافي بالوفيات (١٧/ ١٨٥ - ١٨٦) وميزان الاعتدال (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦) وشذرات الذهب (١/ ١٢٦).","vol":"2","page":54},{"text":"لجاءنا به، فقال: كيف لو رأيتم عبد الله بن زيد أبا قلابة الجرمي؟ قال: فما ذهبت الأيام والليالي حتى قدم علينا أبو قلابة. وعن أبي خشينة صاحب الزيادي: ذكر أبو قلابة عند محمد بن سيرين، فقال: ذاك أخي حقا. توفي سنة أربع ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال الدارمي: أخبرنا مسلم بن إبراهيم حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن أبي قلابة قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف. (١)\n- جاء في السنة للخلال قال: حدثنا أبو عبد الله، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا أيوب، قال: قال أبو قلابة: ما وجدت مثل أهل الأهواء إلا مثل النفاق، فإن الله قد ذكر النفاق بقول مختلف وعمل مختلف، قال: غير أن جميع ذلك الضلال. (٢)\n- عن أيوب عن أبي قلابة قال: إن أهل الأهواء أهل الضلالة، ولا أرى مصيرهم إلا النار، فجربهم فليس أحد منهم ينتحل قولا -أو قال حديثا- فيتناهى به الأمر دون السيف، وإن النفاق كان ضروبا ثم تلا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهد اللَّهَ﴾ (٣)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يلمزك في الصدقات﴾ (٤)، ﴿وَمِنْهُمُ الذين\n_________\n(١) الدارمي (١/ ٤٥) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٢/١٤٧) والشريعة (١/ ٢٠٠/١٤٥) وطبقات ابن سعد (٧/ ١٨٤) وانظر الاعتصام (١/ ١١٣).\n(٢) السنة للخلال (٤/ ١١١).\n(٣) التوبة الآية (٧٥).\n(٤) التوبة الآية (٥٨).","vol":"2","page":55},{"text":"يؤذون النَّبِيَّ﴾ (١) فاختلف قولهم، واجتمعوا في الشك والتكذيب. وإن هؤلاء اختلف قولهم واجتمعوا في السيف، ولا أرى مصيرهم إلا النار. قال حماد: ثم قال أيوب عند ذا الحديث أو عند الأول: وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب -يعني أبا قلابة-. (٢)\n\" التعليق:\nوإذا لم يكن أبو قلابة من الفقهاء فمن هم الفقهاء؟ هم أصحاب العمم المنتفخة المؤسسة على الجهل والضلال؟! فهذه المقارنة التي ذكرها أبو قلابة بين المبتدعة والمنافقين من أروع ما قرأت في ذم أهل البدع، فكما أن المنافق لا ثبات له كما وصفه الله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٣) فالشك والحيرة والريب ملأ قلوبهم، فكذلك المبتدعة مثلهم نسأل الله العافية.\n\n- جاء في طبقات ابن سعد بالسند إلى أيوب: قال أبو قلابة، لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو\n_________\n(١) التوبة الآية (٦١).\n(٢) الدارمي (١/ ٤٥ - ٤٦) والشريعة مختصرا (١/ ٢٠٠/١٤٣) وطبقات ابن سعد (٧/ ١٨٤).\n(٣) النساء الآية (١٤٣).","vol":"2","page":56},{"text":"يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون. (١)\n- وعن أيوب عن أبي قلابة قال: إذا حدثت الرجل بالسنة، فقال: دعنا من هذا وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال. (٢)\n- عن أيوب السختياني قال: قال لي أبو قلابة: يا أيوب احفظ عني أربعا: لا تقل في القرآن برأيك، وإياك والقدر، وإذا ذكر أصحاب محمد - ﷺ - فأمسك، ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك فينبذوا فيه ما شاءوا. (٣)\n- قال أبو قلابة: يا أيوب احفظ عني ثلاث خصال: إياك وأبواب السلطان، وإياك ومجالسة أصحاب الأهواء، والزم سوقك؛ فإن الغنى من العافية. (٤)\n- عن أيوب قال: كان أبو قلابة إذا قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ (٥) قال: يقول أبو قلابة: فهذا جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة: أن يذله الله. (٦)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ١٨٤) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥١/٢٤٤) والإبانة (٢/ ٣/٤٣٥/ ٣٦٣) والشريعة (١/ ١٨٨/١٢٠) وذم الكلام (ص.٢٠١) والسنة لعبد الله (ص.٢٤) وابن وضاح (ص.١٠٦) والدارمي (١/ ١٠٨). وانظر الاعتصام (١/ ١١٢) وشرح السنة (١/ ٢٢٧) والسير (٤/ ٤٧٢.).\n(٢) ابن سعد (٧/ ١٨٤) وكذا في السير (٤/ ٤٧٢) ذم الكلام (ص.٧٤).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٥/ ٣٩٧) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥١ - ١٥٢/ ٢٤٦) وذم الكلام (ص.١٣٩).\n(٤) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٦٣٥).\n(٥) الأعراف الآية (١٥٢).\n(٦) أصول الاعتقاد (١/ ١٦١/٢٨٨) والطبري في التفسير (٩/ ٧٠).","vol":"2","page":57},{"text":"- عن إسحاق بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرنا خالد، قال: حدثني رجل قال: رآني أبو قلابة وأنا مع عبد الكريم، فقال: مالك ولهذا الهزء الهزء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>موقفه من الخوارج:</span>\nذكر ابن أبي شيبة بسنده إلى غيلان بن جرير قال: أردت أن أخرج مع أبي قلابة إلى مكة، فاستأذنت عليه، فقلت أدخل؟ قال: إن لم تكن حروريا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن أيوب قال: قال لي أبو قلابة: احفظ عني ثلاث خصال: لا تجالس أهل القدر؛ فيمرثوك، وإياك وأبواب السلطان، والزم سوقك. (٣)\n\nأبو رجاء العُطَارِدِي (٤) (١٠٥ هـ)\nالإمام الكبير، عمران بن مِلْحَان التميمي البصري أبو رجاء العُطَارِدي من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي - ﷺ -. حدث عن عمر، وعلي، وابن عباس، وروى عنه: أيوب، وابن عون، وعوف الأعرابي. وكان كثير الصلاة وتلاوة القرآن، وكان يقول: ما آسى على شيء\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٧/٨٩١/ ١٢٤٢) والسنة لعبد الله (ص.٩٠).\n(٢) المصنف لابن أبي شيبة (٧/ ٥٥٧/٣٧٩١٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ١١/٣٢٤/ ٢٠١٤).\n(٤) الإصابة (٧/ ١٤٨ - ١٤٩) والسير (٤/ ٢٥٣) والاستيعاب (٣/ ١٢٠٩ - ١٢١٢) والحلية (٢/ ٣٠٤) وتهذيب الكمال (٢٢/ ٣٥٦).","vol":"2","page":58},{"text":"من الدنيا إلا أن أعفر في التراب وجهي كل يوم خمس مرات. وقال أبو الأشهب: كان أبو رجاء العطاردي يختم بنا في قيام لكل عشرة أيام. قال ابن عبد البر: مات سنة خمس ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في السير: عن أبي رجاء قال: أدركت النبي - ﷺ - وأنا شاب أمرد، ولم أر ناسا كانوا أضل من العرب، كانوا يجيئون بالشاة البيضاء فيعبدونها، فيختلسها الذئب، فيأخذون أخرى مكانها يعبدونها، وإذا رأوا صخرة حسنة، جاؤوا بها، وصلوا إليها، فإذا رأوا أحسن منها رموها، فبعث رسول الله - ﷺ - وأنا أرعى الإبل على أهلي، فلما سمعنا بخروجه، لحقنا بمسيلمة. (١)\n- وفيها: عن يوسف بن عطية، عن أبيه: دخلت على أبي رجاء فقال: بعث النبي - ﷺ - وكان لنا صنم مدور، فحملناه على قتب، وتحولنا ففقدنا الحجر، انسل فوقع في رمل، فرجعنا في طلبه فإذا هو في رمل قد غاب فيه، فاستخرجته، فكان ذلك أول إسلامي، فقلت: إن إلها لم يمتنع من تراب يغيب فيه لإله سوء وإن العنز لتمنع حياها بذنبها. فكان ذلك أول إسلامي. فرجعت إلى المدينة وقد توفي النبي - ﷺ -. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>موقفه من الرافضة:</span>\nعن أبي رجاء العطاردي قال: لا تسبوا أهل هذا البيت، بيت رسول الله - ﷺ -، فإن جارا لي من بلهجيم، حين قتل الحسين ﵁ قال: ألم\n_________\n(١) السير (٤/ ٢٥٤).\n(٢) السير (٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧).","vol":"2","page":59},{"text":"تروا إلى الكذا ابن الكذا يعني الحسين فرماه الله ﷿ بكوكبين من السماء، فطمسا بصره. (١)\n\nعِكْرِمَة مولى ابن عباس (٢) (١٠٥ هـ)\nالعلامة الحافظ، إمام المفسرين عكرمة القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عباس، أصله من البربر من أهل المغرب. قيل: كان لحصين ابن أبي الحر العنبري، فوهبه لابن عباس. حدث عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس وعلي بن أبي طالب مرسلا كما قال أبو زرعة الرازي، وابن عمر وعبد الله بن عمرو، وخلق كثير. وحدث عنه الشعبي وإبراهيم النخعي وحبيب بن أبي ثابت وعمرو بن دينار وجابر بن زيد، وأمم سواهم.\nقال عمرو بن دينار: دفع إلي جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه.\nوقال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. تكلم فيه الإمام مالك، ولذلك تركه الإمام مسلم وغيره، واتهمه بعضهم برأي الخوارج، لكن صنف في الذب عنه جماعة من الأئمة منهم أبو جعفر الطبري ومحمد بن نصر المروزي وأبو عبد الله بن منده وأبو عمر بن عبد البر.\nقال العجلي: مكي، تابعي، ثقة، بريء مما يرميه به الناس من الحرورية.\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٣٢٦/١٧٣٤)\n(٢) طبقات ابن سعد (٢/ ٣٨٥ و٥/ ٢٨٧) وثقات ابن حبان (٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٢٦٤ - ٢٩٢) وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٢ - ٣٦) وميزان الاعتدال (٣/ ٩٣ - ٩٧) وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٦٣ - ٢٧٣) والتقريب (١/ ٦٨٥).","vol":"2","page":60},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة.\nمات ﵀ سنة خمس ومائة، وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن قتادة: أن عكرمة أنكر مسح الخفين، فقلت له: إن ابن عباس بلغني أنه كان يمسح، قال: ابن عباس إذا خالف القرآن لم يؤخذ عنه.\nقال همام في هذا الحديث: عن قتادة قال: قلت لعكرمة: لولا ابن عباس ما سألك أحد عن شيء. (١)\nهذا موقف طيب من عكرمة مبني على أصل نفي التقليد فالأصل صحيح لكن ثبت المسح بالسنة.\nقال الخطيب معلقا: كان ابن عباس أعلم بكتاب الله من عكرمة، وإنما مسح على الخفين لثبوت ذلك عنده، أن رسول الله - ﷺ - فعله، (٢) وحمل الآية التي أشار إليها عكرمة على ما ذكر أبو عبيد، أن المراد بغسل الأرجل إذا لم تكن مستورة بالخفاف، وأن سنة رسول الله - ﷺ -، فسرت كتاب الله ﷿. (٣)\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(٢) عبد الرزاق (١/ ٢٠٨/٨٠٢) وابن أبي شيبة (١/ ١٦٥/١٨٩٣) والطحاوي في شرح المشكل (٦/ ٢٩١ - ٢٩٢) والبيهقي (١/ ٢٧٣) وقال: \"هذا إسناد صحيح كلهم عن ابن عباس ﵄ موقوفا عليه: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة وهو في حكم المرفوع وقد ثبت عن غيره من الصحابة ﵃ عن النبي - ﷺ - \".\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٢٣٦).","vol":"2","page":61},{"text":"- وعن عكرمة: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ (١) يعني: في الأهواء، ﴿إِلًّا مَنْ رحم ربك﴾ (٢) هم أهل السنة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن عكرمة أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿فلما تجلى ربك للجبل جعله دكًا﴾ (٤) قال: كان حجرا أصم فلما تجلى له صار تلا ترابا دكا من الدكوات. (٥)\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن عكرمة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٦) قال: قوله: أحسنوا الحسنى: قول لا إله إلا الله والحسنى الجنة والزيادة (النظر) إلى وجهه الكريم. (٧)\n_________\n(١) هود الآية (١١٨).\n(٢) هود الآية (١١٩).\n(٣) الاعتصام (١/ ٨٣) ورواه بنحوه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٥٣٣/١٨٧١٣ شاكر).\n(٤) الأعراف الآية (١٤٣).\n(٥) السنة لعبد الله (٦٥).\n(٦) يونس الآية (٢٦).\n(٧) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٢/٧٩٦).","vol":"2","page":62},{"text":"المُسَيَّب بن رافع الأَسَدِي (١) (١٠٥ هـ)\nالفقيه الكبير المسيب بن رافع الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي الأعمى، والد العلاء بن المسيب.\nروى عن الأسود بن يزيد والبراء بن عازب وأبي إياس عامر بن عبدة وذكوان أبي صالح السمان وخلق. وروى عنه سليمان الأعمش وعاصم بن بهدلة وابنه العلاء وإسماعيل بن أبي خالد وعمرو بن ثابت وآخرون.\nذكره ابن حبان في الثقات. وعن يزيد بن هارون عن العوام عن المسيب بن رافع أنه كان يختم القرآن في ثلاث ثم يصبح اليوم الذي يختم فيه صائما. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. مات ﵀ سنة خمس ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: إنا نتبع ولا نبتدع، ونقتدي ولا نبتدي ولن نضل ما تمسكنا بالآثار. (٢)\n\nطاووس (٣) (١٠٦ هـ)\nطَاوُوس بن كَيْسَان الفقيه القدوة عالم اليمن، أبو عبد الرحمن الفارسي\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٢٩٣) وثقات ابن حبان (٥/ ٤٣٧) وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٠٢) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٥٨٦) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٥٣) وشذرات الذهب (١/ ١٣١).\n(٢) ذم الكلام (ص.٩٨).\n(٣) طبقات ابن سعد (٥/ ٥٣٧ - ٥٤٢) والحلية (٤/ ٣ - ٢٣) ووفيات الأعيان (٢/ ٥٠٩ - ٥١١) والسير (٥/ ٣٨ - ٤٩) وتهذيب الكمال (١٣/ ٣٥٧ - ٣٧٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٩٠) والوافي بالوفيات (١٦/ ٤١٢) والعقد الثمين (٥/ ٥٨ - ٥٩) وشذرات الذهب (١/ ١٣٣ - ١٣٤) والبداية والنهاية (٩/ ٢٤٤ - ٢٥٣).","vol":"2","page":63},{"text":"ثم اليمني الجندي الحافظ. روى عن أبي هريرة وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة. وعنه جماعة منهم: عطاء ومجاهد، وعكرمة وعمرو بن دينار. قال قيس بن سعد: هو فينا مثل ابن سيرين في أهل البصرة. قال سفيان: وحلف لنا إبراهيم بن ميسرة وهو مستقبل الكعبة، ورب هذه البنية ما رأيت أحدا، الشريف والوضيع عنده بمنزلة، إلا طاووسا. عن ابن أبي نجيح عن أبيه أن طاووسا قال له: يا أبا نجيح، من قال واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله. ويروى أن طاووسا جاء في السحر يطلب رجلا، فقالوا: هو نائم، قال: ما كنت أرى أن أحدا ينام في السحر. عن داود بن إبراهيم أن طاووسا رأى رجلا مسكينا في عينيه عمش، وفي ثوبه وسخ، فقال له: عُدَّ أن الفقر من الله، فأين أنت من الماء. وقال ابن حبان: كان من عباد أهل اليمن، ومن سادات التابعين، وكان قد حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة. قال ابن شهاب: لو رأيت طاووسا: علمت أنه لا يكذب. توفي سنة ست ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن ابن حثيم أن طاوسا كان جالسا هو وطلق بن حبيب، فجاءهما رجل من أهل الأهواء، فقال: أتأذن لي أن أجلس؟ فقال له طاوس: إن جلست قمنا. فقال: يغفر الله لك أبا عبد الرحمن. فقال: هو ذاك إن جلست والله قمنا فانصرف الرجل. (١)\n- عن الصلت بن راشد، قال: سألت طاوسا عن مسألة فقال لي: أكانت؟ قلت: نعم، قال: آلله، قلت: آلله، قال: إن أصحابنا أخبرونا عن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٧/ ٤٠٣).","vol":"2","page":64},{"text":"معاذ بن جبل أنه قال: أيها الناس لا تسألوا عن البلاء قبل نزوله فيذهب بكم ههنا وههنا وإنكم إن لم تسألوا لم تبتلوا، فإنه لا ينفك أن يكون في المسلمين من إذا قال وفق أو قال سدد. (١)\n- وقال طاوس: إني لأرحم الذين يسألون عما لم يكن مما أسمع منهم. (٢)\n- وعن طاوس قال: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا عابه. (٣)\n\" التعليق:\nصدق طاوس ﵀ قال تعالى: ﴿فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾ (٤) فنهى عن اتباعه لأنه يصد عن العدل ويصد عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلى الأرض وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (٦)، وقال: ﴿أرءيت من اتخذ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عليه وكيلًا﴾ (٧)، وقال: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدًى\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٩٥ - ٣٩٦/ ٢٩٣).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٤١٩/ ٣٤٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٧/٢٢٨).\n(٤) النساء الآية (١٣٥).\n(٥) ص الآية (٢٦).\n(٦) الأعراف الآية (١٧٦).\n(٧) الفرقان الآية (٤٣).","vol":"2","page":65},{"text":"من اللَّهِ﴾ (١) وغيرها من الآيات الذامات للهوى.\n\n- وروى مسلم في مقدمة صحيحه: عن سليمان بن موسى قال لقيت طاوسا فقلت: حدثني فلان كيت وكيت، قال: إن كان صاحبك مليا فخذ عنه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>موقفه من المشركين:</span>\nعن معمر عن ابن طاووس أو غيره أن رجلا كان يسير مع طاووس، فسمع غرابا ينعب فقال: خير، فقال طاووس: أي خير عند هذا أو شر؟ لا تصحبني، أو قال: لا تمش معي. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>موقفه من الرافضة:</span>\nروى اللالكائي بسنده إلى محمد بن بلال عن طاوس قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>موقفه من الجهمية:</span>\nروى اللالكائي في أصول الاعتقاد عن طاوس قال: أصحاب المراء والمقاييس لا يزال بهم المراء والمقاييس حتى يجحدوا الرؤية ويخالفوا السنة. (٥)\n_________\n(١) القصص الآية (٥٠).\n(٢) أخرجه: مسلم في المقدمة (١/ ١٥) والرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص.٤٠٧) والخطيب في الكفاية بنحوه (ص.١٣٢).\n(٣) السير (٥/ ٤٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣١٢/٢٣٢٣) وهو في المنهاج (٦/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥/ ٨٦٨).","vol":"2","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>موقفه من الخوارج:</span>\n- عن سعيد المكي عن طاوس: ﴿وَمَنْ لَمْ يحكم بما أنزل اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. (٢)\n- روى عبد الرزاق بسنده إلى ابن طاووس قال: لما قدمت الحروراء علينا فر أبي، فلحق بمكة، ثم لقي ابن عمر فقال: قدمت الحروراء علينا، ففررت منهم، ولو أدركوني لقتلوني، فقال ابن عمر: أفلحت إذا وأنجحت. (٣)\n- وله بسنده إليه قال: كان أبي يحرض يوم رزيق في قتال الحرورية. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن ابن طاوس عن أبيه قال: مثل الإيمان كشجرة، فأصلها الشهادة وساقها وورقها كذا، وثمرها الورع ولا خير في شجرة لا ثمر لها ولا خير في إنسان لا ورع له. (٥)\n- وعن ابن طاوس عن أبيه قال: كان إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يزيد على ذلك. (٦)\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٦/٧٣٥/ ١٠٠٦).\n(٣) المصنف (١٠/ ١١٩/١٨٥٨٠).\n(٤) المصنف (١٠/ ١٢٠/١٨٥٨١).\n(٥) السنة لعبد الله (٨٥) والسنة للخلال (٤/ ٥٩ - ٦٠/ ١١٦٦).\n(٦) السنة لعبد الله (٨٨) والإبانة (٢/ ٧/٨٧٧ - ٨٧٨/ ١٢٠٣) والإيمان لأبي عبيد (١٣) والسنة للخلال (٤/ ١٢٩/١٣٣٤) والشريعة (١/ ٣٠٥/٣٢٦).","vol":"2","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: كان طاوس بمكة يصلي ورجلان خلفه يتجادلان في القدر، فانصرف إليهما فقال: يرحمكما الله تجادلان في حكم الله. (١)\n- وأخرج اللالكائي بسنده: قال حنظلة بن أبي سفيان: كنت أرى طاوسا إذا أتاه قتادة يفر منه، وكان قتادة يرى القدر. (٢)\n- وروى اللالكائي بسنده عن طاوس قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: كل شيء بقدر. وسمعت عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: \"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس\" (٣). (٤)\n- وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثنا أبي حدثنا سفيان قال: قال عمر: وقال لنا طاوس أخزوا معبدا الجهني فإنه قدري. (٥)\n- وجاء في سير أعلام النبلاء: قال طاوس: احذروا قول معبد، فإنه كان قدريا. (٦)\n- وروى عن عمرو قال: بينما طاوس يطوف بالبيت لقيه معبد الجهني فقال له طاوس أنت معبد؟ قال: نعم. قال: فالتفت إليهم طاوس فقال: هذا\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٣٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٤/١١٤٣).\n(٣) أحمد (٢/ ١١٠) ومسلم (٤/ ٢٠٤٥/٢٦٥٥).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٤٠/١٠٢٧) والإبانة (٢/ ٩/١٧٣/ ١٦٦٣).\n(٥) السنة لعبد الله (١٢٢).\n(٦) السير (٤/ ١٨٧).","vol":"2","page":68},{"text":"معبد فأهينوه. (١)\n- روى عبد الله بن الإمام أحمد بسنده إلى يحيى بن سعيد أن أبا الزبير أخبره أنه كان يطوف مع طاوس بالبيت فمر بمعبد الجهني فقال قائل لطاوس: هذا معبد الجهني الذي يقول في القدر، فعدل إليه طاوس حتى وقف عليه، فقال: أنت المفتري على الله القائل ما لا تعلم. قال معبد: يكذب علي، قال أبو الزبير: فعدلت مع طاوس حتى دخلنا على ابن عباس، فقال له طاوس: يا أبا عباس الذين يقولون في القدر فقال ابن عباس: أروني بعضهم. قال: قلنا صانع ماذا؟ قال إذا أجعل يدي في رأسه ثم أدق عنقه. (٢)\n- وجاء في الإبانة عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: اجتنبوا الكلام في القدر؛ فإن المتكلمين فيه يقولون بغير علم. (٣)\n\nالقاسم بن محمد (٤) (١٠٦ هـ)\nالقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، الإمام القدوة الحافظ الحجة عالم وقته بالمدينة مع سالم وعكرمة، أبو محمد وأبو عبد الرحمن القرشي التيمي البكري المدني. تربى القاسم في حجر عمته أم المؤمنين عائشة وتفقه منها\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٤/١١٤١) والإبانة (٢/ ١١/٣٠١/ ١٩٦٣).\n(٢) السنة لعبد الله (١٣٨ - ١٣٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠//٢١٤/ ١٧٧٤) وشرح السنة للبغوي (١/ ١٤٥).\n(٤) طبقات ابن سعد (٥/ ١٨٧ - ١٩٤) والجرح والتعديل (٧/ ١١٨) وحلية الأولياء (٢/ ١٨٣ - ١٨٧) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٥٣ - ٦٠) ووفيات الأعيان (٤/ ٥٩ - ٦٠) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٤٢٧ - ٤٣٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٩٦ - ٩٧) والبداية والنهاية (٩/ ٢٦٠ - ٢٦١) وشذرات الذهب (١/ ١٣٥).","vol":"2","page":69},{"text":"وأكثر عنها. وحدث عن جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عباس وابن عمر ومعاوية وزينب بنت جحش وأسماء بنت عميس وطائفة. وحدث عنه ابنه عبد الرحمن، والشعبي ونافع العمري والزهري وخلق كثير. قال ابن سعد: أمه أم ولد يقال لها: سودة، وكان ثقة، عالما، رفيعا، فقيها، إماما، ورعا، كثير الحديث. عن القاسم، قال: كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وإلى أن ماتت، وكنت ملازما لها مع ترهاتي، وكنت أجالس البحر ابن عباس وقد جلست مع أبي هريرة وابن عمر فأكثرت، فكان هناك -يعني ابن عمر- ورع وعلم جم ووقوف عما لا علم له به. قال ابن حبان: من سادات التابعين، ومن أفضل أهل زمانه علما وأدبا وعقلا وفقها، وكان صموتا لا يتكلم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز قال أهل المدينة: اليوم تنطق العذراء في خذرها -أرادوا به القاسم بن محمد-. عن أبي الزناد قال: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة من القاسم بن محمد وما كان الرجل يعد رجلا حتى يعرف السنة. توفي سنة ست ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة من القاسم بن محمد، وما كان الرجل يعد رجلا حتى يعرف السنة، وما رأيت أحدَّ ذهنا من القاسم، إن كان ليضحك من أصحاب الشبه كما يضحك الفتى. (١)\n- وقال القاسم: إن من إكرام الرجل نفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٥/ ٥٦).","vol":"2","page":70},{"text":"علمه. (١)\n- وقال ﵀: يا أهل العراق والله لا نعلم كثيرا مما تسألوننا عنه، ولأن يعيش الرجل جاهلا إلا أن يعلم ما فرض الله عليه، خير له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم. (٢)\n- عن ابن عون قال: قال القاسم: إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها وتنقرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها وتسألون عن أشياء ما أدري ما هي ولو علمناها ما حل لنا أن نكتمكوها. (٣)\n- جاء في السير أنه ﵀ أوصى أن لا يبنى على قبره. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن القاسم قال: ويحكم كيف تنكرون القدر وقد كان في خطبة رسول الله - ﷺ -: \"من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له\" (٥).اهـ (٦)\n- وجاء في ذم الكلام: عن القاسم أنه مر بقوم يذكرون القدر فقال: تكلموا فيما سمعتم الله ذكر في كتابه وكفوا عما كف الله عنه. (٧)\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (٢/ ٣٦٨) والمدخل للبيهقي (٢/ ٢٦٩/٨٠٥).\n(٢) المعرفة والتاريخ (١/ ٥٤٦) وجامع بيان العلم (٢/ ٨٣٧) والمدخل للبيهقي (٢/ ٢٧٠/٨٠٧).\n(٣) الدارمي (١/ ٤٩).\n(٤) السير (٥/ ٦٠).\n(٥) أحمد (٣/ ٣٧١) ومسلم (٢/ ٥٩٣/٨٦٧ (٤٥» والنسائي (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠/ ١٥٧٧) وابن ماجه (١/ ١٧/٤٥) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر به.\n(٦) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٢/١٢٧١).\n(٧) ذم الكلام (١٩٥).","vol":"2","page":71},{"text":"- وجاء في الإبانة: عن عكرمة بن عمار قال: سمعت سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد يلعنان القدرية؛ فقلت لهما: من القدرية يرحمكما الله؟ قالا: الذين يقولون الزنا ليس بقدر. (١)\n\nسالم بن عبد الله (٢) (١٠٦ هـ)\nسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب الإمام الزاهد الحافظ مفتي المدينة، أبو عمر ولد في خلافة عثمان حدث عن أبيه فجود وأكثر وعن أبي هريرة وأبي لبابة وعائشة وغيرهم. وروى عنه ابنه أبو بكر وسالم بن أبي الجعد وعمرو بن دينار ومحمد بن واسع وغيرهم. قال مالك: لم يكن أحد في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه. قال ابن المبارك: كان فقهاء أهل المدينة الذين كانوا يصدرون عن رأيهم سبعة: ابن المسيب وسليمان بن يسار وسالم والقاسم وعروة وعبيد الله بن عبد الله وخارجة بن زيد. وقال أحمد وابن راهويه: أصح الأسانيد الزهري عن سالم عن أبيه.\nتوفي سالم سنة ست ومائة في آخر ذي الحجة، وهشام بن عبد الملك بالمدينة وكان حج بالناس تلك السنة ثم قدم المدينة فوافق موت سالم فصلى عليه.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩/١٢٢/ ١٥٥٣) والسنة لعبد الله (١٢٢).\n(٢) طبقات ابن سعد (٥/ ١٩٥ - ٢٠١) والجرح والتعديل (٤/ ١٨٤) والحلية (٢/ ١٩٣ - ١٩٨) والسير (٤/ ٤٥٧ - ٤٦٧) ووفيات الأعيان (٢/ ٣٤ - ٥٠) والوافي بالوفيات (١٥/ ٨٣ - ٨٥) وتهذيب الكمال (١٠/ ١٤٥ - ١٥٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٨٨ - ٨٩) والبداية والنهاية (٩/ ٢٤٤) وشذرات الذهب (١/ ١٣٣).","vol":"2","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الحميدي عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه قال: قال عمر: إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم إلا النساء والطيب. قال سالم: وقالت عائشة: طيبت رسول الله - ﷺ - لحرمه قبل أن يحرم ولحله بعدما رمى الجمرة وقبل أن يزور (١)، قال سالم: وسنة رسول الله - ﷺ - أحق أن تتبع. (٢)\n- وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة أن رجلا سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء، فقال: لم أسمع في هذا شيئا، فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك الله برأيك، فقال: لا، ثم أعاد عليه، فقال: إني أرضى برأيك، فقال سالم: إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السنة عن عكرمة بن عمار قال: سمعت القاسم بن محمد وسالم ابن عبد الله يلعنان القدرية الذين يكذبون بقدر الله حتى يؤمنوا بخيره وشره. (٤)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن سالم بن عبد الله بن عمر -وسأله\n_________\n(١) أحمد (٦/ ٣٩) والبخاري (٣/ ٥٠٥/١٥٣٩) ومسلم (٢/ ٨٤٦/١١٨٩) وأبو داود (٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩/ ١٧٤٥) والترمذي (٣/ ٢٥٩/٩١٧) والنسائي (٥/ ١٤٧ - ١٤٨/ ٢٦٨٣ - ٢٦٨٦) وابن ماجه (٢/ ٩٧٦/٢٩٢٦).\n(٢) ذم الكلام (ص.٩٠) والمسند للشافعي (١/ ٢٩٩/٧٧٩) والسنن الكبرى للبيهقي (٥/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(٣) إعلام الموقعين (١/ ٧٤).\n(٤) السنة لعبد الله (١٢٢) والإبانة (٢/ ٩/١٢٢/ ١٥٥٣) بنحوه.","vol":"2","page":73},{"text":"رجل- فقال: أيزني الرجل بقدر؟ فقال: نعم. قال: أشيء كتبه الله عليه؟ قال: نعم. قال: فيعذبه عليه وقد كتبه عليه؟ قال: فحصبه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>عبد الله بن أبي سلمة العمري (١٠٦ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>موقفه من الجهمية:</span>\nعن عبد الله بن أبي سلمة العمري المدني -نزيل بغداد- أنه سئل عن من قال: إن القرآن غير مخلوق؟ فقال: إن الذي لا يقول: إنه غير مخلوق فهو يقول مخلوق إلا أنه جعل هذه سترة يستتر بها. (٢)\n\nسليمان بن يسار (٣) (١٠٧ هـ)\nالفقيه، الإمام، عالم المدينة ومفتيها أبو أيوب، مولى أم المؤمنين ميمونة. حدث عن: زيد بن ثابت، وابن عباس، وأبي هريرة. وروى عنه: الزهري، وعمرو بن دينار، وأبو الزناد. قال ابن سعد: كان ثقة، عالما، رفيعا، فقيها، كثير الحديث. وقال أبو الزناد: كان ممن أدركت من فقهاء المدينة وعلمائهم ممن يرضى وينتهى إلى قولهم فذكر منهم سليمان بن يسار. وقال الزهري: كان من العلماء. مات سنة سبع ومائة.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦١ - ٧٦٢/ ١٢٧٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٩/٥٢٧).\n(٣) السير (٤/ ٤٤٤) وتهذيب الكمال (١٢/ ١٠٠ - ١٠٣) وتهذيب التهذيب (٤/ ٢٢٨) والحلية (٢/ ١٩٠) ووفيات الأعيان (٢/ ٣٩٩) وشذرات الذهب (١/ ١٣٤).","vol":"2","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن مالك قال: كان سليمان بن يسار إذا سمع في مجلس مراء قام وتركهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>موقفه من القدرية:</span>\nأخرج اللالكائي بسنده إلى عكرمة قال: سمعت القاسم وسليمان -يعني ابن يسار- يلعنان القدرية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>موقف السلف من كثير عزة الشيعي ومخازيه (١٠٧ ه</span>ـ)\n- قال الزبير بن بكار: كان شيعيا، يقول بتناسخ الأرواح، وكان خشبيا يؤمن بالرجعة. (٣)\n- من مخازي كثير قوله: (٤)\nألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء\nعلي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء\nفسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء\nوسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٣/ ٦٢٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧١٣ - ٧١٤/ ١١٦٧).\n(٣) السير (٥/ ١٥٢).\n(٤) المنهاج (٣/ ٤٧٥ - ٤٧٦).","vol":"2","page":75},{"text":"تغيب لا يرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء\n\nبكر بن عبد الله المزني (١) (١٠٨ هـ)\nبكر بن عبد الله بن عمرو الإمام القدوة الواعظ الحجة أبو عبد الله المزني أحد الأعلام روى عن المغيرة بن شعبة وابن عباس وابن عمر وغيرهم روى عنه ثابت البناني وعاصم الأحول وسليمان التيمي وآخرون. كان ثبتا ثقة كثير الحديث حجة فقيها. قال ابن المديني: كان من خيار الناس. كان سليمان التيمي يقول: الحسن شيخ البصرة وبكر فتاها.\nمن أقواله: إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به. وقال: لا يكون العبد تقيا حتى يكون تقي الطمع تقي الغضب. وقال: من مثلك يا ابن آدم؟ خلى بينك وبين الماء والمحراب متى شئت تطهرت ودخلت على ربك ﷿ ليس بينك وبينه ترجمان ولا حاجب. توفي سنة ثمان ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في الإبانة: عن بكر بن عبد الله -يعني المزني- قال: لو انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله مفعم من الرجال، فقيل لي: أي هؤلاء خير؟ لقلت لسائلي: أتعرف أنصحهم لهم فإن عرفه عرفت أنه خيرهم. ولو انتهيت\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٠٩ - ٢١١) والجرح والتعديل (٢/ ٣٨٨) والسير (٤/ ٥٣٢ - ٥٣٦) وتهذيب الكمال (٤/ ٢١٦) والحلية (٢/ ٢٢٤ - ٢٣٢) والبداية والنهاية (٩/ ٢٦٧ - ٢٦٨) وشذرات الذهب (١/ ١٣٥) ومشاهير علماء الأمصار (٩٠).","vol":"2","page":76},{"text":"إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله مفعم من الرجال، فقيل لي: أي هؤلاء شر؟ لقلت لسائلي: أتعرف أغشهم لهم؟ فإن عرفه عرفت أنه شرهم، وما كنت لأشهد على خيرهم أنه مؤمن مستكمل الإيمان، ولو شهدت له بذلك شهدت أنه في الجنة. وما كنت لأشهد على شرهم أنه منافق بريء من الإيمان ولو شهدت عليه بذلك شهدت أنه في النار ولكن أخاف على خيرهم، فكم عسى خوفي على شرهم، فإذا رجوت لشرهم فكم رجائي لخيرهم هكذا السنة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>موقفه من القدرية:</span>\nروى أبو نعيم في الحلية بسنده إلى عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني: أخبرتني أم عبد الله بنت بكر بن عبد الله قالت: كان أبوك قد جعل على نفسه أن لا يسمع رجلين يتنازعان في القدر إلا قام فصلى ركعتين. (٢)\n\nمُوَرِّق العجلي (٣) (١٠٨ هـ)\nالإمام مورق بن عبد الله العِجْلِي، أبو المعتمر البصري. روى عن عمر وأبي الدرداء وأبي ذر وابن عمر وجندب، وجماعة. وعنه توبة العنبري وقتادة وعاصم الأحول وحميد الطويل وإسماعيل بن أبي خالد.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٧٥١ - ٧٥٢/ ١٠٤٥).\n(٢) الحلية (٢/ ٢٢٥).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٢١٣) والحلية (٢/ ٢٣٤) والسير (٤/ ٣٥٣) وتهذيب الكمال (٢٩/ ١٦ - ١٧) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٣٣١) والكاشف (٢/ ٣٠٠).","vol":"2","page":77},{"text":"قال ابن سعد: كان ثقة عابدا. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من العباد الخشن. وقال الذهبي: عابد مجاهد بار. مات ﵀ سنة ثمان ومائة، وقيل خمس ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن حماد بن سلمة عن حميد أن قوما قرؤوا السجدة، فلما سجدوا رفعوا أيديهم واستقبلوا القبلة. فأنكر ذلك عليهم مورق العجلي وكرهه. (١)\n\nالحسن البصري (٢) (١١٠ هـ)\nالحسن بن أبي الحسن يسار أبو سعيد البصري مولى زيد بن ثابت وأمه مولاة لأم سلمة أم المؤمنين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. سمع عثمان يخطب في الجمعة. وكان سيد أهل زمانه علما وعملا. روى عن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وسمرة وابن عباس وغيرهم، لكن في روايته تدليس إذا عنعن. روى عنه أيوب وشيبان النحوي ويونس بن عبيد وغيرهم. وكان جامعا عالما رفيعا فقيها ثقة حجة مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم فصيحا جميلا وسيما، عن أبي بردة قال: ما رأيت أحدا أشبه بأصحاب محمد - ﷺ - منه. وعن أنس بن مالك قال: سلوا الحسن فإنه حفظ ونسينا، وقال قتادة:\n_________\n(١) ابن وضاح (ص.٥٢).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٦ - ١٧٨) والمعرفة والتاريخ (٢/ ٣٢و٣/ ٣٢) والجرح والتعديل (٣/ ٤٠ - ٤٢) وحلية الأولياء (٢/ ١٣١ - ١٦١) والوافي بالوفيات (١٢/ ٣٠٦ - ٣٠٨) ووفيات الأعيان (٢/ ٦٩ - ٧٣) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣) وتهذيب الكمال (٦/ ٩٥ - ١٢٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٧١ - ٧٢) والبداية والنهاية (٩/ ٢٨٠ - ٢٨٦) وشذرات الذهب (١/ ١٣٦ - ١٣٨).","vol":"2","page":78},{"text":"ما جمعت علم الحسن إلى أحد من العلماء إلا وجدت له فضلا عليه، غير أنه إذا أشكل عليه شيء كتب فيه إلى سعيد بن المسيب يسأله، وما جالست فقيها قط إلا رأيت فضل الحسن. قال معاذ بن معاذ: قلت للأشعث: قد لقيت عطاء وعندك مسائل، أفلا سألته؟ قال: ما لقيت أحدا بعد الحسن إلا صغر في عيني. وقال قتادة وحميد ويونس: ما رأينا أحدا أكمل مروءة من الحسن. وقال عوف: ما رأيت رجلا أعلم بطريق الجنة من الحسن. عن بكر ابن عبد الله قال: من سره أن ينظر إلى أفقه من رأينا فلينظر إلى الحسن. وقال قتادة: كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام. رمي بالقول في القدر! لكن قال سليمان التيمي: رجع الحسن عن قوله في القدر. قال حميد: سمعت الحسن يقول: خلق الله الشيطان، وخلق الخير، وخلق الشر. فقال رجل: قاتلهم الله! يكذبون على هذا الشيخ. قال أيوب السختياني: لو رأيت الحسن لقلت إنك لم تجالس فقيها قط.\nمات في أول رجب سنة عشر ومائة، وكانت جنازته مشهودة، صلوا عليه عقيب الجمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>موقفه من المبتدعة:</span>\n- صلى الحسن الجمعة وجلس فبكى، فقيل له ما يبكيك يا أبا سعيد؟ فقال: تلومني على البكاء، ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم؛ ما عرف شيئا مما كان عليه على عهد رسول الله - ﷺ -؛ أنتم اليوم عليه إلا قبلتكم هذه. (١)\n_________\n(١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٠٦).","vol":"2","page":79},{"text":"- عن الحسن قال: أدركت عشرة آلاف من أصحاب النبي - ﷺ - لو رأوكم لقالوا: ما لهؤلاء؟ .. مجانين؟ ولو رأيتموهم لقلتم: هؤلاء مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء في الآخرة من حاجة، ولو رأوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب. (١)\n- عن الحسن قال: لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا -قال: ووضع يده على خده ثم قال- إلا هذه الصلاة. ثم قال: أما والله على ذلك لمن عاش في هذه النكراء، ولم يدرك هذا السلف الصالح فرأى مبتدعا يدعوا إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعوا إلى دنياه فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح يسأل عن سبيلهم ويقتص آثارهم ويتبع سبيلهم، ليعوض أجرا عظيما. فكذلك فكونوا إن شاء الله. (٢)\n- وروى الدارمي عن المبارك عن الحسن قال: سننكم -والله الذي لا إله إلا هو- بينهما بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا. (٣)\n- وعنه ﵁ كان يقول: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا\n_________\n(١) ما جاء في البدع (ص.١٣٠).\n(٢) ما جاء في البدع (ص.١٤٠) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ٣٤) وفيه عن أنس وهو خطأ.\n(٣) الدارمي (١/ ٧١ - ٧٢) والباعث (ص.٧٢).","vol":"2","page":80},{"text":"تجادلوهم ولا تسمعوا منهم. (١)\n- وعنه قال: لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلوب. (٢)\n- وعنه ﵁ قال: أهل الهوى بمنزلة اليهود والنصارى. (٣)\n- وعنه ﵁ قال: ليس لأهل البدع غيبة. (٤)\n- وعنه قال: ثلاثة ليست لهم حرمة في الغيبة: أحدهم صاحب بدعة الغالي ببدعته. (٥)\n- وعنه قال: ليس لصاحب بدعة ولا لفاسق يعلن بفسقه غيبة. (٦)\n- وعنه ﵁ قال: صاحب البدعة لا يقبل الله له صلاة ولا صياما ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا. (٧)\n- وعنه قال: صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا -صياما وصلاة- إلا ازداد من الله بعدا. (٨)\n- وعنه قال: لا يقبل الله من صاحب البدعة شيئا. (٩)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٠/٢٤٠) وذم الكلام (ص.١٨٩) والإبانة (٢/ ٣/٤٤٤/ ٣٩٥) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٤) والبيهقي في الشعب (٧/ ٦١) وميزان الاعتدال (١/ ٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٣٨/ ٣٧٣) وانظر الاعتصام (١/ ١١٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٨/٢٣٣).\n(٤) ذم الكلام (ص.١٧٧) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٨/٢٨٠) والكفاية في علم الرواية (ص.٤٣).\n(٥) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٨/٢٧٨).\n(٦) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٨/٢٧٩).\n(٧) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٦ - ١٥٧/ ٢٧٠) وذم الكلام (ص.١٤٨) والشريعة (١/ ٢٠٠/١٤٤) والباعث (ص.٧٣).\n(٨) ابن وضاح (ص.٦٧) وأورده الشاطبي في الاعتصام (١/ ١١١).\n(٩) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٧/٢٧١).","vol":"2","page":81},{"text":"- وعنه قال: أبى الله ﵎ أن يأذن لصاحب هوى بتوبة. (١)\n- وعنه ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢). قال: وكان علامة حبه إياهم: اتباع سنة رسول الله - ﷺ -. (٣)\n- وعنه ﵁ قال: يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله فإنكم من أقل الناس. (٤)\n- عن مبارك بن فضالة عن الحسن في هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٥) قال: هو المنافق لا يهوى شيئا إلا ركبه. (٦)\n- وكان الحسن البصري يقول: شر داء خالط قلبا يعني الهوى. (٧)\n- عن الحسن في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٨) قال: الكتاب: القرآن. والحكمة: السنة. (٩)\n- وعنه أن رجلا أتاه فقال: يا أبا سعيد إني أريد أن أخاصمك فقال\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٩ - ١٦٠/ ٢٨٥).\n(٢) آل عمران الآية (٣١).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ٧٧/٦٨).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ٦٣/١٩).\n(٥) الجاثية الآية (٢٣).\n(٦) السير (٤/ ٥٧٠ - ٥٧١).\n(٧) السنة لعبد الله (ص.٢٥) والسنة للخلال (٥/ ٣٤).\n(٨) البقرة الآية (١٢٩).\n(٩) أصول الاعتقاد (١/ ٧٨/٧٠).","vol":"2","page":82},{"text":"الحسن: إليك عني فإني قد عرفت ديني وإنما يخاصمك الشاك في دينه. (١)\n- وعنه قال: ذهبت المعارف وبقيت المناكر ومن بقي من المسلمين فهو مغموم. (٢)\n- وعنه قال: ما لي لا أرى زمانا إلا بكيت منه فإذا ذهب بكيت عليه. (٣)\n\" التعليق:\nقال ابن بطة: إخواني فاستمعوا إلى كلام هؤلاء السادة من الماضين، والأئمة العقلاء من علماء المسلمين، والسلف الصالح من الصحابة والتابعين، هذه أقوالهم والإسلام في طرافة ومطاوعة، وعنفوان قوته واستقامته والأئمة راشدون والأمراء مقسطون، فما ظنكم بنا وبزمان أصبحنا فيه وما نعانيه ونقاسيه ولم يبق من الدين إلا العكر، ومن العيش إلا الكدر ونحن في دردى الدنيا وثمادها؟!\n- عن مرة سمع الحسن يقول: لا تمكن أذنيك من صاحب هوى فيمرض قلبك، ولا تجيبن أميرا وإن دعاك لتقرأ عنده سورة من القرآن؛ فإنك لا تخرج من عنده إلا بشر مما دخلت. (٤)\n- عن الحسن البصري قال: لا تجالس صاحب هوى فيقذف في قلبك\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٤/٢١٥) والإبانة (٢/ ٣/٥٠٩/ ٥٨٦) والشريعة (١/ ١٨٩ - ١٩٠/ ١٢٤) وانظر طبقات الحنابلة (٢/ ٣٩).\n(٢) الإبانة (١/ ١/١٨٤ - ١٨٥/ ١٩).\n(٣) الإبانة (١/ ١/١٨٦/ ٢١).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٤ - ٤٤٥/ ٣٩٦) وشعب الإيمان (٧/ ٦٠).","vol":"2","page":83},{"text":"ما تتبعه عليه فتهلك أو تخالفه فيمرض قلبك. (١)\n- عن ابن عيينة قال: سمعت رجلا من أهل البصرة يذكر عن الحسن، قال: ما أدركت فقيها قط يماري ولا يداري ينشر حكم الله فإن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله. (٢)\n- عن سفيان بن حسين قال: سمعت الحسن وتلا هذه الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (٣). قال: ابتغاء الضلالة. (٤)\n- عن الحسن أنه كان يقول: اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم. (٥)\n- وعنه قال: شرار عباد الله يتبعون شرار المسائل يعمون بها عباد الله ﷿. (٦)\n- عن الأشعث عن الحسن قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه. (٧)\n- قال الشاطبي: وخرج ابن وضاح في كتاب (القطعان) حديث\n_________\n(١) ما جاء في البدع (ص.١١٠) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ١١٢).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥١٨ - ٥١٩/ ٦١١).\n(٣) آل عمران الآية (٧).\n(٤) الإبانة (٢/ ٤/٦٠٦/ ٧٨٢).\n(٥) الإبانة (١/ ٢/٣٨٩/ ٢٨٣).\n(٦) الإبانة (١/ ٢/٤٠٢ - ٤٠٣/ ٣٠٤).\n(٧) ذم الكلام (ص.٢٩٢).","vol":"2","page":84},{"text":"الأوزاعي: أنه بلغه عن الحسن: أنه قال: لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده، يعرضون أعمال العباد على كتاب الله، فإذا وافقوه، حمدوا الله، وإذا خالفوه، عرفوا بكتاب الله ضلالة من ضل، وهدى من اهتدى، فأولئك خلفاء الله. (١)\n- ونقل عبيد بن حميد بن مهران، قال: سألت الحسن كيف يصنع أهل هذه الأهواء الخبيثة بهذه الآية في آل عمران: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٢)، قال: نبذوها -ورب الكعبة- وراء ظهورهم. (٣)\n- وعن الحسن: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل، وحادوا عن الطريق، فتركوا الآثار، وقالوا في الدين برأيهم، فضلوا وأضلوا. (٤)\n- عن الحسن أنه تلا هذه الآية ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٥) قال: قاس إبليس وهو أول من قاس. (٦)\n- عن أبي التياح قال: قلت للحسن: إمامنا يقص، فيجتمع الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء. فقال الحسن: إن رفع الصوت بالدعاء\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٤٦).\n(٢) آل عمران الآية (١٠٥).\n(٣) الاعتصام (١/ ٧٥).\n(٤) الاعتصام (١/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(٥) الأعراف الآية (١٢) وص الآية (٧٥).\n(٦) الدارمي (١/ ٦٥) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨٩٢).","vol":"2","page":85},{"text":"لبدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة. (١)\n- قال الحسن: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، وما تدبر آياته إلا اتباعه بعلمه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما رئي القرآن له في خلق ولا عمل، وإن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس واحد، ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء الورعة، متى كان القراء يقولون مثل هذا؟. لا كثر الله في الناس مثل هذا. قال الحسن: ولقد قرأ القرآن ثلاثة نفر: فرجل قرأ القرآن، فأعده بضاعة؛ يطلب به ما عند الناس، من مصر إلى مصر. وقوم قرؤوا القرآن فثقفوه تثقيف القدح، فأقاموا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدروا به ما عند الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم، وما أكثر هذا الصنف من حملة القرآن. لا كثر الله صنفهم تعالى. قال: ورجل قرأ القرآن، فبدأ بدواء ما يعلم من القرآن، فجعله على داء قلبه، فهملت عيناه، وسهر نومه، وتسربل الحزن، وارتدى الخشوع، فبهم يسقي الله الغيث، وينفي العدو، ويدفع البلاء، فوالله لهذا الضرب من حملة القرآن أقل في الناس من الكبريت الأحمر. (٣)\n_________\n(١) الاقتضاء (٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠).\n(٢) ص الآية (٢٩).\n(٣) الحوادث والبدع (ص.٩٨ - ٩٩)","vol":"2","page":86},{"text":"- قال الحسن: عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>موقفه من المشركين:</span>\nعن حميد الطويل عن الحسن: ﴿كذلك نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢) قال الشرك. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>موقفه من الرافضة:</span>\n- روى الآجري في الشريعة بسنده إلى عبد ربه؛ قال: كنا عند الحسن في مجلس، فذكر كلاما، وذكر أصحاب النبي - ﷺ - فقال: أولئك أصحاب محمد، كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا؛ قوم اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم؛ فإنهم كانوا ورب الكعبة على الهدي المستقيم. (٤)\n- وله بسنده إلى أبي مودود بحر بن موسى؛ قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٥). قال: والله ما هي لأهل حرورا، ولكنها لأبي بكر وعمر وأصحابهما. (٦)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن مبارك بن فضالة: سمعت الحسن حلف\n_________\n(١) جامع بيان العلم (٢/ ١٢٠٤) وشعب الإيمان (٧/ ٧٢) وهو في الاعتصام (١/ ١١٢).\n(٢) الحجر الآية (١٢).\n(٣) أبو داود (٤٦١٩).\n(٤) الشريعة (٢/ ٤٢١/١٢٢١) وجامع بيان العلم (٢/ ٩٤٦).\n(٥) المائدة الآية (٥٤).\n(٦) الشريعة (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢/ ١٢٢٣).","vol":"2","page":87},{"text":"بالله أن النبي - ﷺ - استخلف أبا بكر. (١)\n- وفيه: عن عبد العزيز بن جعفر اللؤلؤي قال: قلت للحسن حب أبي بكر وعمر سنة قال: لا: فريضة (٢)\n- وفيه عن كلثوم بن جوشن قال: سأل النضر بن عمرو الحسن البصري فقال: أبو بكر أفضل أم علي فقال: سبحان الله ولا سواء سبقت لعلي سوابق شركه فيها أبو بكر وأحدث أحداثا لم يشركه فيها أبو بكر. أبو بكر أفضل قال: فعمر أفضل أم علي فذكر مثل قوله الأول ثم قال عمر أفضل قال: فعلي أفضل أم عثمان فذكر مثل قوله الأول ثم قال: عثمان أفضل فطمع الشامي فقال: علي أفضل أم معاوية فقال: سبحان الله ولا سواء سبقت لعلي سوابق لم يشركه فيها معاوية وأحدث علي أحداثا شركه معاوية في أحداثه علي أفضل من معاوية. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في الاعتصام عن يونس بن عبيد أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد، ما ترى في مجلسنا هذا؟ قوم من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد، نجتمع في بيت هذا يوما وفي بيت هذا يوما فنقرأ كتاب الله، وندعو لأنفسنا ولعامة المسلمين؟ قال: فنهى الحسن عن ذلك أشد النهي. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٦٩/٢٤٤٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣١٢/٢٣٢١).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٥٣ - ١٤٥٤/ ٢٦٢٦).\n(٤) الاعتصام (١/ ٥٠٧) وابن وضاح (٤٨).","vol":"2","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء: واصل بن عطاء هو وعمرو بن عبيد رأسا الاعتزال، طرده الحسن عن مجلسه لما قال: الفاسق لا مؤمن ولا كافر، فانضم إليه عمرو، واعتزلا حلقة الحسن، فسموا المعتزلة. (١)\n\" التعليق:\nما أحسن فعل هذا الإمام مع رأسي هذه الفرقة الضالة التي جرت على المسلمين من البلايا ما الله أعلم به. فكم ذهب بسببهم من الضحايا من خيرة علماء السلف، وكم عذبوا، وكم انحرف من انحرف من المسلمين بسبب فكرهم الضال، وما يزال بلاؤهم على المسلمين إلى الآن. كفى الله المسلمين شرهم وشر من يحبهم ويشيد بهم، ويجعلهم في مقدمة قادة الفكر الحر، وهو -إن صح التعبير- زبالة فكر الفلاسفة الضلال الذين لم يشموا رائحة الوحي والهداية فضلا عن أن يكونوا مصدر هداية. والخلاصة أنهم أخذوا من كل فكر أسوأه والله المستعان، فليحذر الشباب الذي يريد الهداية من الترويج لمثل هذه الفرق الضالة التي شنت الحرب على الكتاب والسنة، ومن كذب بهذا فليقرأ أصولهم وليعرضها على الكتاب والسنة، فهل هي موافقة في نسبة ما فوق تسعين بالمائة أو خمسين أو عشرة أو صفر. هم وغيرهم ممن يدعي أن له فكرا حرا، وإلا كان هؤلاء المروجون لمثل هؤلاء يهرفون بما لا يعرفون وما أكثرهم والله المستعان.\n_________\n(١) السير (٥/ ٤٦٤).","vol":"2","page":89},{"text":"- وروى عبد الله بن أحمد بسنده إلى سليمان بن المغيرة عن يحيى البكاء قال: كانت رقاع تأتي الحسن من قبل عمرو بن عبيد فيها مسائل، فإذا علم أنها من قبله لم يجب فيها. (١)\n- عن الحسن قال: إذا كان يوم القيامة برز ربنا ﵎، فيراه الخلق، ويحجب الكفار فلا يرونه، وهو قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ ربهم يومئذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وروى اللالكائي بسنده إلى الحسن في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٤). قال: النضرة الحسن، نظرت إلى ربها ﷿ فنضرت بنوره ﷿. (٥)\n- وقال: لو علم العابدون في الدنيا أنهم لا يرون ربهم في الآخرة؛ لذابت أنفسهم في الدنيا. (٦)\n- وقال: إن الله تعالى ليتجلى لأهل الجنة، فإذا رآه أهل الجنة نسوا نعيم الجنة. (٧)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٥٣).\n(٢) المطففين الآية (١٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٧/٨٠٥).\n(٤) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٤/٨٠٠) والسنة لعبد الله (١٦٢) والشريعة (٢/ ١٢/٦٢٦).\n(٦) السنة لعبد الله (٦٢) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٥/٨٦٩) والشريعة (٢/ ٧/٦١٢).\n(٧) الشريعة (٢/ ٧ - ٨/ ٦١٣).","vol":"2","page":90},{"text":"- وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (١) قال: الحسنى، دخول الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. (٢)\n- وجاء في السنة لعبد الله: أتى رجل الحسن فقال له: يا أبا سعيد إني إذا قرأت كتاب الله فذكرت شروطه وعهوده ومواثيقه قطع رجائي فقال له الحسن: ابن أخي، إن القرآن كلام الله إلى القوة والمتانة وإن أعمال بني آدم إلى الضعف والتقصير ولكن سدد وقارب وأبشر. (٣)\n- وعن عوف قال: سئل الحسن عن القرآن خالق أو مخلوق فقال: ما هو بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. (٤)\n- وقال: لو كان ما يقول الجعد حقا لبلغه النبي - ﷺ -. (٥)\n- وعنه في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا في الأرض مِنْ شَجَرَةٍ﴾ (٦) - مذ خلق الله الدنيا إلى أن تقوم الساعة- أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر لتكسرت الأقلام ونفدت البحور ولم تنفد كلمات الله: فعلت كذا صنعت كذا. (٧)\n- وعن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذكر الميزان عند الحسن فقال:\n_________\n(١) يونس الآية (٢٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٠/٧٩٠).\n(٣) السنة لعبد الله (٢٩).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥/ ٣٩١).\n(٥) الفتح (١٣/ ٥٠٤).\n(٦) لقمان الآية (٢٧).\n(٧) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٤٦/٣٦١).","vol":"2","page":91},{"text":"له لسان وكفتان. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن عصام بن زيد رجل من مزينة قال: كان رجل من الخوارج يغشى مجلس الحسن فيؤذيهم. فقيل للحسن: يا أبا سعيد ألا تكلم الأمير حتى يصرفه عنا؟ قال فسكت عنهم قال: فأقبل ذات يوم والحسن جالس مع أصحابه فلما رآه قال: اللهم قد علمت أذاه لنا فاكفناه بما شئت. قال: فخر -والله- الرجل من قامته فما حمل إلى أهله إلا ميتا على سرير فكان الحسن إذا ذكره بكى وقال: البائس ما كان أغره بالله؟ (٢)\n- وفي الشريعة عن سليمان بن أبي نشيط، عن الحسن -وذكر الخوارج- فقال: حيارى سكارى، ليس بيهود ولا نصارى، ولا مجوس فيعذرون. (٣)\n- وفيها أيضا: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد؛ ما تقول في أمرائنا هؤلاء؟ فقال الحسن: ما عسى أن أقول فيهم، هم لحجنا، وهم لغزونا، وهم لقسم فيئنا، وهم لإقامة حدودنا، والله إن طاعتهم لغيظ، وإن فرقتهم لكفر، وما يصلح الله بهم أكثر مما يَفْسُد. وقيل للحسن: يا أبا سعيد؛ إن خارجيا خرج بالخريبة، فقال: المسكين رأى منكرا فأنكره، فوقع فيما هو أنكر منه. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٦/ ١٢٤٥/٢٢١٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٩/ ٢٣٢ - ٢٣٣/ ١٦٦).\n(٣) الشريعة (١/ ١٤٤ - ١٤٥/ ٤٩).\n(٤) الشريعة (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥) وطرفه الأخير أخرجه المصنف نفسه موصولا (١/ ١٤٥/٥٠).","vol":"2","page":92},{"text":"- قال محمد بن الحسين الآجري تعليقا على كلام الحسن: فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام، عدلا كان الإمام أو جائرا، فخرج وجمع جماعة وسل سيفه، واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن، ولا بطول قيامه في الصلاة، ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه مذهب الخوارج. (١)\nقال محقق كتاب الشريعة: ومن هنا يعلم خطأ وانحراف كثير من الشباب المتحمس لإنكار المنكر، فسرعان ما نجده يتبع الشعارات واللافتات، بمجرد سماعه لها، أو لأصحابها من ذوي العاطفة الجياشة وممن يزعم أنه يريد الجهاد في سبيل الله، أو يظهر منه بعض علامات الصلاح، فالله الله يا شباب الإسلام لا يغرنكم مثل ذلك، وعليكم بطريق أهل العلم فاقتدوا بهم، واصدروا عن أقوالهم، ولا يستهوينكم الشيطان، وامتثلوا قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) والزيغ عن طريق كبار أهل العلم، والطعن فيهم هو من أكبر أسباب الضعف والضلال والانحراف في هذه الأمة والنكبات التي نعيشها اليوم، وما أكثرها ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n- جاء في الاعتصام للشاطبي عن الحسن؛ قال: العامل على غير علم\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٤٥).\n(٢) النساء الآية (٥٩).\n(٣) النحل الآية (٤٣).","vol":"2","page":93},{"text":"كالسائر على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا يضر بترك العبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا يضر بترك العلم؛ فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد - ﷺ -، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا (١) -يعني: الخوارج-، والله أعلم؛ لأنهم قرؤوا القرآن، ولم يتفهموا، حسبما أشار إليه الحديث: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم. (٢)\n- وقال أبو هلال: كنت عند قتادة، فجاء الخبر بموت الحسن، فقلت: لقد كان غمس في العلم غمسة، قال قتادة: بل نبت فيه وتحقبه وتشربه، والله لا يبغضه إلا حروري. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال أبو حيان البصري سمعت الحسن يقول: لا يصح القول إلا بعمل ولا يصح قول وعمل إلا بنية ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة. (٤)\n- وجاء في الإبانة: عن عبد الملك بن جدان أن عبد الواحد بن زيد والحسن دخلا المسجد يوم الجمعة فجلسا فدمعت عين الحسن، فقال عبد الواحد: يا أبا سعيد ما يبكيك؟ فقال: أرى قولا ولا أرى فعلا، معرفة بلا يقين أرى رجالا ولا أرى عقولا أسمع أصواتا ولا أرى أنيسا دخلوا ثم\n_________\n(١) الاعتصام (٢/ ٦٨٢) وهو في جامع بيان العلم (١/ ٥٤٥).\n(٢) أحمد (١/ ٤٠٤) والترمذي (٤/ ٤١٧ - ٤١٨/ ٢١٨٨) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٥٩/١٦٨) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(٣) السير (٤/ ٥٧٣ - ٥٧٤) وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٧٤).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ٦٣/١٨) والإبانة (٢/ ٨٠٣/١٠٩٠) والشريعة (١/ ٢٨٧/٢٨١).","vol":"2","page":94},{"text":"خرجوا حرموا ثم استحلوا عرفوا ثم أنكروا وإنما دين أحدهم لعقه على لسانه ولو سألته هل يؤمن بيوم الحساب، لقال: نعم، كذب ومالك يوم الدين ما هذه من أخلاق المؤمنين، إن من أخلاق المؤمنين قوة في الدين وحزما في لين وإيمانا في يقين وحرصا في علم وقصدا في غنى وتجملا في فاقة ورحمة للمجهود وعطاء في حق ونهيا عن شهوة وكسبا في حلال وتحرجا عن طمع ونشاطا في هدى وبرا في استقامة لا يحيف على من يبغض ولا يأثم في الحب ولا يدعي ما ليس له ولا ينابز بالألقاب ولا يشمت بالمصائب ولا يضر بالجار ولا يهمز، في الصلاة متخشع، وإلى الزكاة متسرع، إن صمت لم يغمه الصمت، وإن ضحك لم يعل صوته، في الزلازل وقور، وفي الرخاء شكور، قانع بالذي له لا يجمح به الغيظ ولا يغلبه الشح، يخالط الناس ليعلم ويصمت ليسلم وينطق ليفهم إن كان مع الذاكرين لم يكتب من الغافلين وإن كان مع الغافلين كتب من الذاكرين وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له يوم القيامة. (١)\n- وعن طريف بن شهاب قال: قلت للحسن: إن أقواما يزعمون أن لا نفاق ولا يخافون النفاق. قال الحسن: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهبا. (٢)\n- وقال الربيع بن أنس: وكان الحسن يقول: الإيمان كلام وحقيقته العمل، فإن لم يحقق القول بالعمل لم ينفعه القول. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٦٦٥ - ٦٦٦/ ٨٦٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٧٥٨/١٠٥٩) وانظر تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٩٤).\n(٣) الإبانة (٢/ ٧٩٢/١٠٧٤) والشريعة (١/ ٢٨٥/٢٧٨).","vol":"2","page":95},{"text":"- وعن أبي بشر الحلبي، عن الحسن، قال: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، من قال حسنا وعمل غير صالح رده الله على قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحا رفعه العمل ذلك بأن الله ﷿ يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١). (٢)\n- عن أبي عقيل الدورقي قال: سمعت الحسن يقول: لو شاء الله ﷿ لجعل الدين قولا لا عمل فيه أو عملا لا قول فيه ولكن جعل دينه قولا وعملا وعملا وقولا، فمن قال قولا حسنا وعمل سيئا رد قوله على عمله، ومن قال قولا حسنا وعمل عملا صالحا رفع قوله عمله، ابن آدم قولك أحق بك. (٣)\n- وعن سلام الخراساني سمعت الحسن في قوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٥) قال: وما زادهم البلاء إلا إيمانا بالرب وتسليما للقضاء. (٦)\n- وعن جعفر بن سليمان: قيل للحسن: ما الإيمان؟ قال: الصبر\n_________\n(١) فاطر الآية (١٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٨٠٥/١٠٩٣) واقتضاء العلم العمل للخطيب (٥٦) والإيمان لابن أبي شيبة (٩٣) وفي المصنف (٦/ ١٦٣/٣٠٣٥١).\n(٣) الإبانة (٢/ ٨٩٦ - ٨٩٧/ ١٢٥٠).\n(٤) الأحزاب الآية (٢٢).\n(٥) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٣/١٧٣١).","vol":"2","page":96},{"text":"والسماح قال: الصبر عن محارم الله والسماح بفرايض الله. (١)\n- وعن هشام عن الحسن قال: الإيمان قول وعمل. (٢)\n- وعن هشام قال: كان الحسن ومحمد يقولان: (مسلم) ويهابان (مؤمن). (٣)\n- وعن عوف قال: قال الحسن- في تفسير حديث: لا يزني الزاني .. (٤): يجانبه الإيمان ما كان كذلك، فإن رجع، راجعه الإيمان. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السنن لأبي داود عن أيوب قال: كذب على الحسن ضربان من الناس: قوم القدر رأيهم وهم يريدون أن ينفقوا بذلك رأيهم، وقوم له في قلوبهم شنآن وبغض يقولون: أليس من قوله كذا؟ أليس من قوله كذا؟ (٦)\n- وعن ابن عون قال: لو علمنا أن كلمة الحسن تبلغ ما بلغت لكتبنا برجوعه كتابا وأشهدنا عليه شهودا، ولكنا قلنا: كلمة خرجت لا تحمل. (٧)\n- وعن أيوب قال: قال لي الحسن: ما أنا بعائد إلى شيء منه أبدا. (٨)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٢٨/١٥٧٨).\n(٢) السنة لعبد الله (٨٥) والشريعة (١/ ٢٨٨/٢٨٣) وأصول الاعتقاد (٤/ ٩٢٩/١٥٨١).\n(٣) السنة لعبد الله (٨٨) وأصول الاعتقاد (٤/ ٨٩٥/١٥٠١).\n(٤) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٣٧٦) والبخاري (٥/ ١٥٠ - ١٥١/ ٢٤٧٥) ومسلم (١/ ٧٦/٥٧) وأبو داود (٥/ ٦٤ - ٦٥/ ٤٦٨٩) والترمذي (٥/ ١٦ - ١٧/ ٢٦٢٥) وقال: \"حديث حسن صحيح غريب\". والنسائي (٨/ ٧١٥ - ٧١٦/ ٥٦٧٥)، ابن ماجه (٢/ ١٢٩٨ - ١٢٩٩/ ٣٩٣٦).\n(٥) الشريعة (١/ ٢٦٨/٢٥٦) والسنة لعبد الله (ص.١٠٢).\n(٦) أبو داود (٤٦٢٢).\n(٧) أبو داود (٤٦٢٢).\n(٨) أبو داود (٤٦٢٥).","vol":"2","page":97},{"text":"- وروى ابن بطة عن سفيان قال: سمعت أبي وكان ثقة عن العلاء بن عبد الله بن بدر قال: دخلت على الحسن وهو جالس على سرير هندي فقلت: وددت أنك لم تكلم في القدر بشيء؛ فقال: وأنا وددت أني لم أكن تكلمت فيه بشيء. (١)\n- وجاء في السنة لعبد الله عن مرحوم بن عبد العزيز العطار قال: سمعت أبي وعمي يقولان: سمعنا الحسن وهو ينهى عن مجالسة معبد الجهني يقول: لا تجالسوه فإنه ضال مضل. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عنه ﵁ قال: الشقي من شقي في بطن أمه. (٣)\n- وفيه عنه ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٤) قال الحسن: قد أفلحت نفس أتقاها الله ﷿، وقد خابت نفس أغواها الله ﷿. (٥)\n- وعن عاصم قال: سمعت الحسن يقول في مرضه الذي مات فيه: إن الله قدر أجلا وقدر معه مرضا وقدر معه معافاة فمن كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن ومن كذب القرآن فقد كذب بالحق. (٦)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/١٨٨/ ١٦٩٢).\n(٢) السنة (١٢٢ - ١٢٣) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٤/١١٤٢) ونحوه في الشريعة (١/ ٤٥٦ - ٤٥٧/ ٥٩٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٤/١٢٥١).\n(٤) الشمس الآيات (٨ - ١٠).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٠١/٩٥٤) والإبانة (٢/ ١٠/١٨٣/ ١٦٧٤).\n(٦) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٥/١٢٥٤) والشريعة (١/ ٤٢٤/٥٠٩ بلفظ أطول).","vol":"2","page":98},{"text":"قال الآجري معلقا: بطلت دعوى القدرية على الحسن، إذ زعموا أنه إمامهم، يموهون على الناس، ويكذبون على الحسن، لقد ضلوا ضلالا بعيدا، وخسروا خسرانا مبينا. (١)\n- جاء في السنة لعبد الله عن حميد قال: قدم الحسن مكة فقال لي فقهاء مكة الحسن بن مسلم وعبد الله بن عبيد: لو كلمت الحسن، فأخلانا يوما، فكلمت الحسن فقلت: يا أبا سعيد إخوانك يحبون أن تجلس لهم يوما قال: نعم ونعمة عين فواعدهم يوما فجاؤوا فاجتمعوا وتكلم الحسن وما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده أبلغ منه ذلك اليوم، فسألوه عن صحيفة طويلة فلم يخطئ فيها شيئا إلا في مسألة فقال له رجل: يا أبا سعيد، من خلق الشيطان قال: سبحان الله- سبحان الله، وهل من خالق غير الله؟ ثم قال: إن الله خلق الشيطان وخلق الشر وخلق الخير، فقال رجل منهم: قاتلهم الله يكذبون على الشيخ. (٢)\n- وروى أبو داود بسنده عن خالد الحذاء، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، أخبرني عن آدم أللسماء خلق أم للأرض؟ قال: لا، بل للأرض، قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ قال: لم يكن له منه بد، قلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٣) قال: إن الشياطين لا يفتنون بضلالتهم إلا من أوجب الله\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٤٢٤).\n(٢) السنة لعبد الله (١٤٤) والإبانة (٢/ ١٠/١٩٠ - ١٩١/ ١٦٩٨) وأبو داود بنحوه (٤٦١٨).\n(٣) الصافات الآيتان (١٦٢و١٦٣).","vol":"2","page":99},{"text":"عليه الجحيم. (١)\n- وفي السير عنه قال: من كذب بالقدر فقد كفر. (٢)\n- وفيها عن ابن سيرين -وقيل له في الحسن: وما كان ينحل إليه أهل القدر؟ قال: كانوا يأتون الشيخ بكلام مجمل، لو فسروه له لساءهم. (٣)\n- وروى أبو داود بسنده عن حميد: كان الحسن يقول: لأن يسقط من السماء إلى الأرض أحب إليه أن يقول: الأمر بيدي. (٤)\n- وروى ابن بطة عن منصور بن عبد الرحمن؛ قال: كنت مع الحسن فقال لي رجل إلى جنبه سله عن قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٥)، فسألته عنها فقال: ومن يشك في هذا، ما من مصيبة بين السماء والأرض إلا في كتاب من قبل أن تبرأ النسمة. (٦)\n- وفيها عن عيسى بن الربيع عن كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ\n_________\n(١) أبو داود (٤٦١٤) والشريعة (١/ ٣٢٧/٣٤٩) والإبانة (٢/ ١٠/١٨٦/ ١٦٨٣).\n(٢) السير (٤/ ٥٨١).\n(٣) السير (٤/ ٥٨٢).\n(٤) أبو داود (٤٦١٧) والإبانة (٢/ ١٠/١٨٢ - ١٨٣/ ١٦٧٢).\n(٥) الحديد الآية (٢٢).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٠/١٨٠/ ١٦٦٨).","vol":"2","page":100},{"text":"مُسْوَدَّةٌ﴾ (١)؛ قال: هم الذين يقولون: الأشياء إلينا، إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل. (٢)\n- وفيها عن محمد بن مروان العقيلي قال: سمعت عوفا يقول: سمعت الحسن يقول: من كذب بالقدر؛ فقد كذب بالإسلام، إن الله ﷿ قدر خلق الخلق بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر، وأمر ونهى. (٣)\n- وفيها عن ربيعة بن كلثوم قال: سأل رجل الحسن ونحن عنده فقال: يا أبا سعيد. أرأيت ليلة القدر؛ أفي كل رمضان هي؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو؛ إنها لفي كل شهر رمضان، إنها ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله ﷿ كل خلق وأجل وعمل ورزق إلى مثلها. (٤)\n- وفيها عن يونس عن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٥)؛ قال: قد علم الله من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة (٦).\n- وفيها عن المعلمي بن زياد قال: قلت للحسن: المقتول بأجل قتل؟\n_________\n(١) الزمر الآية (٦٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/١٨٣/ ١٦٧٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/١٨٣ - ١٨٤/ ١٦٧٦).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/١٨٤/ ١٦٧٧).\n(٥) النجم الآية (٣٢).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٠/١٨٥/ ١٦٨١).","vol":"2","page":101},{"text":"قال: وأي أجل ينتظر بعد الموت؟ (١)\n- وفيها عن حميد أن شعيب بن أبي مريم قرأ للحسن: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٢)؛ فقال الحسن: نعم القرآن عند الله في أم الكتاب، قال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (٣) قال: نعم. (٤)\n- وفيها عن حميد قال: سألت الحسن عن هذه الآية: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ (٥)؛ قال: اقرأ ما بعدها، فقرأت: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (٦)؛ قال: هو هكذا خلق هكذا. (٧)\n- وفيها عن الحسن بن أبي الحسن قال: جف القلم، ومضى القضاء، وتم القدر بتحقيق الكتاب وتصديق الرسل وسعادة من عمل واتقى، وشقاوة من ظلم واعتدى، وبالولاية من الله ﷿ للمؤمنين، وبالتبرئة من الله\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/١٨٦/ ١٦٨٤).\n(٢) الزخرف الآيات (١ - ٤).\n(٣) المسد الآيتان (١و٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٠/ ١٦٩٧).\n(٥) المعارج الآية (١٩).\n(٦) المعارج الآيتان (٢٠و٢١).\n(٧) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٢/ ١٧٠١).","vol":"2","page":102},{"text":"للمشركين. (١)\n- وفيها عن عبد المؤمن السدوسي قال: سمعت الحسن سئل عن هذه الآية: يعني ﴿كل يوم هو في شأن﴾ (٢)؛ فقال: إن الله ﷿ ليقضي القضية في السماء وهو كل يوم في شأن ثم يضرب لها أجلا ثم يمسكها إلى أجلها، فإذا جاء أجلها؛ أرسلها، فليس لها مردود أنه كائن في يوم كذا من شهر كذا في بلد كذا من المصيبة من القحط والرزق من المصيبة في الخاصة والعامة. (٣)\n- وفيها عن أبي جعفر الخطمي أن الفضيل الرقاشي كان جالسا عند محمد بن كعب القرظي فكلمه في القدر؛ فقال الحسن: تحسن تشهد؟ قال: نعم، قال: فتشهد حتى بلغ: (من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له)؛ قال: فأخذ العصا فضرب، فلما قفا، قال: لا يرجع هذا عن قوله أبدا (٤).\n- وفيها عن الحسن في هذه الآية ﴿وحيل بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَايشتهون﴾ (٥)؛ قال: حيل بينهم وبين الإيمان. (٦)\n- وفيها عن حميد: قرأت القرآن كله على الحسن في بيت أبي خليفة؛\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٤/ ١٧٠٥) والشريعة (١/ ٤٢٢/٥٠٢).\n(٢) الرحمن الآية (٢٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٤/ ١٧٠٦).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٨/ ١٧٥٦).\n(٥) سبأ الآية (٥٤).\n(٦) الإبانة (١/ ٨/٢٧٩/ ١٢٩٩).","vol":"2","page":103},{"text":"ففسره لي أجمع على الإثبات، فسألته عن قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١)؛ قال: الشرك سلكه في قلوبهم، وسألته عن قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ (٢)؛ قال: أعمال سيعملونها، وسألته عن قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٣)؛ قال: ما أنتم عليه بمضلين إلا من هو صالي الجحيم. (٤)\n- وفيها عن المبارك قال: جالست الحسن ثنتي عشرة سنة؛ فما سمعته يفسر شيئا من القرآن إلا على إثبات القدر. (٥)\n\nمحمد بن سيرين (٦) (١١٠ هـ)\nمحمد بن سيرين شيخ الإسلام أبو بكر الأنصاري مولى أنس بن مالك إمام وقته ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان. سمع من أبي هريرة وعمران بن حصين وابن عمر وغيرهم وروى عنه قتادة وأيوب ويونس بن عبيد وابن\n_________\n(١) الشعراء الآية (٢٠٠).\n(٢) المؤمنون الآية (٦٣).\n(٣) الصافات الآيتان (١٦٢و١٦٣).\n(٤) الإبانة (١/ ٨/٢٧٩ - ٢٨٠/ ١٣٠٠).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٠/١٨٢/ ١٦٧٢).\n(٦) طبقات ابن سعد (٧/ ١٩٣ - ٢٠٦) والجرح والتعديل (٧/ ٢٨٠) وحلية الأولياء (٢/ ٢٦٣ - ٢٨٢) وتاريخ بغداد (٥/ ٣٣١ - ٣٣٨) ووفيات الأعيان (٤/ ١٨١ - ١٨٣) وتهذيب الكمال (٢٥/ ٣٤٤ - ٣٥٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٧٧ - ٧٨) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٦٠٦ - ٦٢٢) والبداية والنهاية (٩/ ٢٨٦ - ٢٨٨) والوافي بالوفيات (٣/ ١٤٦) ومشاهير علماء الأمصار (٨٨).","vol":"2","page":104},{"text":"عون وآخرون قال هشام بن حسان: أدرك محمد ثلاثين صحابيا، وقال هشام أيضا: حدثني أصدق من أدركته من البشر محمد بن سيرين، قال ابن عون: كان ابن سيرين يحدث بالحديث على حروفه. كان ثقة مأمونا عاليا رفيعا فقيها إماما كثير العلم ورعا. عن ابن عون قال: لم أر في الدنيا مثل ثلاثة محمد بن سيرين بالعراق والقاسم بن محمد بالحجاز ورجاء بن حيوة بالشام ولم يكن في هؤلاء مثل محمد. عن عثمان البتي قال: لم يكن بالبصرة أحد أعلم بالقضاء من محمد بن سيرين. قال بكر بن عبد الله المزني: من أراد أن ينظر إلى أورع من أدركنا فلينظر إلى محمد بن سيرين. كان يتجر فإذا ارتاب في شيء تركه. من أقواله: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه.\nمات سنة عشر ومائة بعد موت الحسن البصري بمائة يوم وله سبع وسبعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء عنه ﵁ أنه قال: أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. (١)\n- وعنه ﵁ أنه كان إذا سمع كلمة من صاحب بدعة وضع أصبعيه في أذنيه، ثم قال: لا يحل لي أن أكلمه حتى يقوم من مجلسي. (٢)\n- وروى اللالكائي بسنده إلى أسماء قال: دخل رجلان على محمد بن\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.١٠٢) والدارمي (١/ ٦٥) والفقيه والمتفقه (١/ ٤٦٦) وجامع بيان العلم (٢/ ٨٩٢) وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٢٥٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٣/ ٤٨٤).","vol":"2","page":105},{"text":"سيرين من أهل الأهواء فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث، قال: لا. قالا: نقرأ عليك آية من كتاب الله. قال: لا. قال: تقومان عني وإلا قمت. فقام الرجلان فخرجا، فقال بعض القوم: ما كان عليك أن يقرءا آية. قال: إني كرهت أن يقرءا آية فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي. (١)\n- وجاء في ذم الكلام عنه قال: لو خرج الدجال في نفسي لاتبعه أصحاب الأهواء. (٢)\n- وروى الدارمي بسنده إلى قتادة قال: حدث ابن سيرين رجلا بحديث عن النبي - ﷺ - فقال رجل: قال فلان كذا وكذا، فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبي - ﷺ - وتقول: قال فلان وفلان كذا وكذا، لا أكلمك أبدا. (٣)\n- وروى الدارمي بسنده إلى ابن عون عن ابن سيرين قال: كانوا يرون أنه على الطريق ما كان على الأثر. (٤)\n- وجاء في الإبانة عن ابن عون قال: قال محمد: إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء وكان يرى أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٠ - ١٥١/ ٢٤٢) والسنة لعبد الله (ص.٢٤) وبنحوه في الإبانة (٢/ ٣/٤٤٥ - ٤٤٦/ ٣٩٨) والشريعة (١/ ١٩١/١٢٧) والدارمي (١/ ١٠٩) وابن وضاح (ص.١١٥ - ١١٦) وانظر الاعتصام (٢/ ٧٩٢).\n(٢) ذم الكلام (٤/ ٥٢ - ٥٣ طبعة الأنصاري) وأصول الاعتقاد (١/ ١٤٨/٢٣٥). وفيه: لو خرج الدجال لرأيت أنه سيتبعه أهل الأهواء.\n(٣) سنن الدارمي (١/ ١١٧).\n(٤) سنن الدارمي (١/ ٥٣ - ٥٤) وذم الكلام (ص.٩٩) وأصول الاعتقاد (١/ ٩٧ - ٩٨/ ١٠٩) والإبانة (١/ ٢/٣٥٦/ ٢٤١) والشريعة (١/ ١٣٢/٣٢) وجامع بيان العلم (١/ ٧٨٣).","vol":"2","page":106},{"text":"فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. اهـ (٢)\n- وروى الدارمي بسنده إلى ابن سيرين قال: ما أخذ رجل ببدعة فراجع سنة. (٣)\n- وعن شعيب بن الحبحاب، قلت لابن سيرين: ما ترى في السماع من أهل الأهواء؟ قال: لا نسمع منهم ولا كرامة. (٤)\n- قال مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح قال حدثنا إسماعيل بن زكرياء عن عاصم الأحول عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد. فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. (٥)\n\" التعليق:\nأقول: هكذا كان منهاج السلف ﵃ في التمييز بين أهل السنة وأهل البدع، فأهل البدع لا يُؤْمَنون في علمهم ولا في روايتهم، فيجب اجتنابهم والتحذير منهم والرد عليهم وبدعهم. وأما أهل هذا الزمان فلا يهمهم أن فلانا من أهل البدع أو فلانا من أهل السنة، فالأمر عندهم سيان،\n_________\n(١) الأنعام الآية (٦٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٩٨/ ٥٥٢) والشريعة (١/ ٤٢٦/٥١٥) وذم الكلام (ص.١٩٠) وكذا في السير (٤/ ٦١٠)، وأورده الشاطبي في الاعتصام (١/ ٩١).\n(٣) الدارمي (١/ ٦٩) والباعث (ص.٧٢).\n(٤) السير (٤/ ٦١١).\n(٥) أخرجه: مسلم في المقدمة (١/ ١٥) وبنحوه في الدارمي (١/ ١١٢) والحلية (٢/ ٢٧٨) والمحدث الفاصل (ص.٢٠٨ - ٢٠٩) والكفاية (ص.١٢٢).","vol":"2","page":107},{"text":"فلا نفرق بين أفعى وسمكة؛ فكل ما سقط في الشبكة هو صالح للقوت وللغذاء، والله المستعان.\n\n- عن ابن سيرين أنه سئل عن شيء، فقال: أكره أن أقول برأيي ثم يبدو لي بعد ذلك رأي آخر فأطلبك فلا أجدك. (١)\n- وسئل أيضا ابن سيرين عن شيء فقيل له: ألا تقول فيه برأيك، فقال: إني أكره أن أجرب السم على نفسي. (٢)\n- وقال رجل لابن سيرين إن فلانا يريد أن يأتيك ولا يتكلم بشيء قال: قل لفلان لا ما يأتيني، فإن قلب ابن آدم ضعيف وإني أخاف أن أسمع منه كلمة فلا يرجع قلبي إلى ما كان. (٣)\n- عن مهدي بن ميمون قال: سمعت محمد بن سيرين وماراه رجل في شيء فقال له محمد: إني قد أعلم ما تريد وأنا أعلم بالمراء منك ولكني لا أماريك. (٤)\n- عن ابن عون قال: سمعت محمد بن سيرين ينهى عن الجدال إلا رجلا إن كلمته طمعت في رجوعه. (٥)\n- عن محمد قال: كانوا يرون أهل الردة وأهل تقحم الكفر: أهل الأهواء. (٦)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٤٢٣/ ٣٤٨).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٤٢٣/ ٣٤٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٦/ ٣٩٩).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٢/ ٦٢٣ والشريعة (١/ ١٩٦/١٤٠).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٥٤١/ ٦٨١ وهو في السير (٤/ ٦١٤).\n(٦) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٨/٢٣٤).","vol":"2","page":108},{"text":"- عن سلمة بن علقمة قال: كان محمد بن سيرين ينهى عن كلام ومجالسة أهل الأهواء. (١)\n- عن أشعث قال: كان محمد بن سيرين لا يكاد يقول في شيء برأيه. (٢)\n- وقال ابن سيرين: لأن يموت الرجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم. (٣)\n- عن محمد بن سيرين قال: إن هذا العلم دين. فانظروا عمن تأخذون دينكم. (٤)\n\" التعليق:\nأقول: وقد اشترط علماء الحديث في من يؤخذ عنه العلم أن يكون ثقة عدلا ضابطا، وقد اختلفوا في رواية المبتدع، فمنعها البعض وقبلها البعض بشروط، والصحيح أنها تؤخذ فيما لم يكن داعية إلى بدعته أو يَكُنِ النص في خدمتها، هذا في المحدثين والذين عرفوا برواية الحديث عن رسول الله - ﷺ -. وأما من لم يعرف بعلم ولا رواية فهذا ليس محل جدال في رد روايته.\n- عن أيوب قال: كان رجل يرى رأيا فرجع عنه، فأتيت محمدا فرحا بذلك أخبره، فقلت: أشعرت أن فلانا ترك رأيه الذي كان يرى؟ فقال: أنظر إلام يتحول، إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله: \"يمرقون من الإسلام ثم\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٢/ ٦٢٤).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٦٣).\n(٣) إعلام الموقعين (٢/ ١٨٥).\n(٤) أخرجه مسلم في المقدمة (١/ ١٤) وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٩٤) والرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص.٤١٤) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٧٨) والخطيب في الكفاية (ص.١٢١ - ١٢٢).","vol":"2","page":109},{"text":"لا يعودون فيه\" (١).اهـ (٢)\n- وجاء في الباعث لأبي شامة قال: وأخرج الحافظ أبو القاسم في كتاب فضل أصحاب الحديث عن ابن سيرين قال: إن قوما تركوا العلم ومجالسة العلماء، واتخذوا محاريب فصلوا فيها، حتى يبس جلد أحدهم على عظمه، خالفوا السنة، فهلكوا. والله ما عمل عامل بغير علم إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح. (٣)\n- عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة فإذا رجل يقول اللهم اغفر لي وما أظن أن تغفر لي. قلت يا عبد الله ما سمعت أحدا يقول كما تقول؟ قال إني كنت قد أعطيت الله عهدا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان بن عفان لطمته فلما قتل ووضع على سرير في البيت والناس يصلون عليه دخلت كأني أصلي فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه فلطمته وتنحيت وقد يبست يميني فإذا هي يابسة سوداء كأنها عود شيز. (٥)\n- وفي السنة للخلال عن ابن سيرين قال: كان معاوية لا يتهم في\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف ابن مسعود سنة (٣٢هـ) وسيأتي من حديث أبي ذر ضمن مواقف ابن هبيرة سنة (٥٦٠هـ).\n(٢) ما جاء في البدع (ص.١١٨).\n(٣) الباعث (ص.٢١٣).\n(٤) سنن الدارمي (١/ ١١٠).\n(٥) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٩/٢٣٦٣).","vol":"2","page":110},{"text":"الحديث على رسول الله - ﷺ -. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في الاعتصام: وسئل محمد بن سيرين عن الرجل يقرأ عنده القرآن فيصعق؟ فقال: ميعاد ما بيننا وبينه أن يجلس على حائط ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن وقع فهو كما قال. (٢)\nوقد قيل لمحمد بن سيرين إن قوما يقصدون لبس الصوف، ويقولون: إن المسيح كان يلبسه. فقال: هدي نبينا أحب إلينا من هدي غيره. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في الاعتصام عن أيوب قال: كنت يوما عند محمد بن سيرين إذ جاء عمرو بن عبيد، فدخل، فلما جلس وضع محمد يده في بطنه وقام، فقلت لعمرو: انطلق بنا، قال: فخرجنا، فلما مضى عمرو رجعت، فقلت: يا أبا بكر، قد فطنت إلى ما صنعت، قال: أقد فطنت؟ قلت: نعم، قال: أما إنه لم يكن ليضمني معه سقف بيت. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن معمر عن ابن سيرين قال: سؤال الرجل\n_________\n(١) السنة للخلال (٤/ ٤٤٠).\n(٢) الاعتصام (١/ ٣٥٣) وأبو عبيد في فضائل القرآن (٢/ ١٦/٣٧٦) والحلية (٢/ ٢٦٥) وتلبيس إبليس (ص.٣١٢ - ٣١٣).\n(٣) المنهاج (٤/ ٤٣).\n(٤) الاعتصام (٢/ ٧٩١) وابن وضاح (١١٢).","vol":"2","page":111},{"text":"أخاه أمؤمن أنت محنة بدعة كما يمتحن الخوارج. (١)\n- وعن عبد الله بن مسلم المروزي قال: كنت أجالس ابن سيرين، فتركته وجالست الإباضية، فرأيت كأني مع قوم يحملون جنازة النبي - ﷺ -، فأتيت ابن سيرين فذكرته له، فقال: مالك جالست أقواما يريدون أن يدفنوا ما جاء به النبي - ﷺ -. (٢)\n- وفي المصنف لابن أبي شيبة عن الهذيل بن بلال قال: كنت عند محمد بن سيرين فأتاه رجل فقال: إن عندي غلاما لي أريد بيعه، قد أعطيت به ستمائة درهم، وقد أعطاني الخوارج ثمانمائة، أفأبيعه منهم؟ قال كنت بايعه من يهودي أو نصراني؟ قال: لا، قال فلا تبعه منهم. (٣)\n- وفي المصنف لعبد الرزاق عن أيوب عن ابن سيرين قال: سأله رجل -أحسبه من أهل اليمامة- قال: أتينا الحرورية، زمان كذا وكذا، لا يسألونا عن شيء، غير أنهم يقتلون من لقوا، فقال ابن سيرين: ما علمت أحدا كان يتحرج من قتل هؤلاء تأثما، ولا من قتل من أراد مالك إلا السلطان، فإن للسلطان لحقا. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن حبيب بن الشهيد عن محمد بن سيرين قال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٠/١٨٠٤).\n(٢) السير (٤/ ٦١٧).\n(٣) مصنف ابن أبي شيبة (١٥/ ٣٣١ - ٣٣٢/ ١٩٧٨٧).\n(٤) مصنف عبد الرزاق (١٠/ ١١٩/١٨٥٧٩).","vol":"2","page":112},{"text":"فقل له: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (١). (٢)\n- جاء في السنة عن خالد بن عبد الرحمن بن بكر السلمي قال: كنت عند محمد وعنده أيوب فقلت له: يا أبا بكر، الرجل يقول لي مؤمن أنت؟ أقول مؤمن، فانتهرني أيوب فقال محمد: وما عليك أن تقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>موقفه من القدرية:</span>\n- عن صالح المري قال: دخل على ابن سيرين فلان يعني رجلا مبتدعا وأنا شاهد ففتح بابا من أبواب القدر فتكلم فيه فقال له ابن سيرين: أحب لك أن تقوم وإما أن نقوم. (٤)\n- وروى اللالكائي بسنده إلى ابن سيرين قال: إن لم يكن أهل القدر من الذين يخوضون في آيات الله فلا أدري من هم. (٥)\n- وفيه عن يحيى بن عتيق قال: كنا في بيت محمد بن سيرين أنا وسالم ابن قتيبة فقال سالم: لوددنا أنا علمنا ما قول محمد بن سيرين في القدر. قال: فدخل رجل فقلنا سله ما يقول في القدر؟ فسأله الرجل. قال: فنكس محمد ونكسنا مطرقين. ثم إن محمدا قال له: أيهم أمرك بها؟ ثم سكت ساعة ثم\n_________\n(١) البقرة الآية (١٣٦).\n(٢) السنة لعبد الله (٨٧) والسنة للخلال (٤/ ١٢٩/١٣٣٥) والشريعة (١/ ٣٠٤/٣٢٢).\n(٣) السنة لعبد الله (٨٧).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٣/ ٤٨٥) والتلبيس (٢٢).\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٦٩٦/١١٢٥) والسنة لعبد الله (١٤٧).","vol":"2","page":113},{"text":"قال: إن الشيطان ليس له سلطان ولكن من أطاعه أضله. (١)\n- وفيه عن محمد بن سيرين: أنه كره ذبائح القدرية. (٢)\n- وفي الإبانة: عن حبيب بن الشهيد عن محمد بن سيرين قال: إذا أراد الله بعبد خيرا؛ جعل له واعظا من قلبه يأمره وينهاه، وقال ابن سيرين: ما ينكر هؤلاء أن يكون الله ﷿ علم علما جعله كتابا، وقال ابن سيرين: يجري الله الخير على يدي من يشاء، ويجري الشر على يدي من يشاء. (٣)\n- وفيها عن عبد الملك بن عبد الله بن محمد بن سيرين قال: سألت ابن عون عن القدر؛ فقال: سألت جدك محمد بن سيرين عن القدر؛ فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤). اهـ (٥)\n- وفيها عن عثمان البتي قال: دخلت على ابن سيرين فقال لي: ما يقول الناس في القدر؟ قال: فلم أدر ما رددت عليه، قال: فرفع شيئا من الأرض فقال: ما يزيد على ما أقول لك مثل هذا، إن الله ﷿ إذا أراد بعبد خيرا؛ وفقه لمحابه وطاعته وما يرضى به عنه، ومن أراد به غير ذلك؛ اتخذ عليه الحجة ثم عذبه غير ظالم له. (٦)\n- وفيها عن محمد بن سيرين أن رجلا أتاه فسأله عن القدر، فقال\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٢ - ٧٦٣/ ١٢٧٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٦/١٣٤٦).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٨/ ١٧٢٣) والشريعة (١/ ٤٢٥/٥١١ مختصرا).\n(٤) الأنفال الآية (٢٣).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٨/ ١٧٢٤).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٨ - ١٩٩/ ١٧٢٥) والشريعة (١/ ٤٢٤ - ٤٢٥/ ٥١٠).","vol":"2","page":114},{"text":"محمد: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١). فأعاد عليه الكلام فوضع محمد يديه في أذنيه، قال: ليخرجن عني أو لأخرجن عنه، قال: فخرج الرجل، فقال محمد: إن قلبي ليس بيدي وإني لا آمن من أن يبعث في قلبي شيئا لا أقدر أن أخرجه منه وكان أحب إلي أن لا أسمع كلامه. (٢)\n- ومن اللَّطائف ما روى ابن بطة عن ابن عون قال: عطست شاة عند ابن سيرين فقال: يرحمك الله إن لم تكوني قدرية. (٣)\n\nفضيل بن فضالة (٤) (ما بين ١٠١ هـ و١١٠ هـ)\nفُضَيْل بن فَضَالَةَ الهَوْزَنِي الشامي تابعي. روى عن النبي - ﷺ - مرسلا وعن حبيب بن عبيد الرحبي وخالد بن معدان وعطية بن رافع وغيرهم. روى عنه صفوان ابن عمرو ومعاوية بن صالح ومحمد بن الوليد الزبيدي وآخرون. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: مقبول، أرسل شيئا، من الخامسة. وذكره الذهبي في تاريخه في أعيان الطبقة الحادية عشرة المؤرخة ما بين ١٠١هـ و١١٠هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>موقفه من الجهمية:</span>\n_________\n(١) النحل الآية (٩٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٨/ ٤٣٢).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/١٩٩/ ١٧٢٦).\n(٤) تهذيب الكمال (٢٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥) والتاريخ الكبير (٧/ ١٢٠ - ١٢١) والكاشف (٢/ ١٢٥) وتهذيب التهذيب (٨/ ٢٩٨) والتقريب (٢/ ١٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٠١ - ١٢٠/ص.٢١٦).","vol":"2","page":115},{"text":"عن الفضيل بن فضالة الهوزني قال: إن الله يهبط إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيعطي رغابا ويفك رقابا ويفخم عقابا. (١)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٠١/٧٧٣).","vol":"2","page":116},{"text":"طلحة بن مصرف (١) (١١٢ هـ)\nطلحة بن مُصَرِّف بن عمرو الإمام الحافظ المقرئ، المجود، شيخ الإسلام أبو محمد، ويقال أبو عبد الله الكوفي. روى عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، ويحيى بن سعيد الأنصاري. وعنه: ابنه محمد، وشعبة ابن الحجاج وأبو إسحاق السبيعي وآخرون. قال عبد الله بن إدريس عن حريش بن سليم: شهدت أبا إسحاق، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، وأبا معشر، كلهم يقول: لم أر مثل طلحة، أو ما أدركت مثل طلحة، وقد رأوا أصحاب عبد الله. قال يحيى بن أبي بكير عن شعبة: كنت في جنازة طلحة بن مصرف فقال أبو معشر: ما ترك بعده مثله، وأثنى عليه. قال ابن إدريس: كانوا يسمونه سيد القراء. قال أحمد بن عبد الله العجلي: اجتمع قراء أهل الكوفة في منزل الحكم بن عتيبة فأجمعوا على أن أقرأ أهل الكوفة طلحة ابن مصرف، فبلغه ذلك، فغدا إلى الأعمش يقرأ عليه ليذهب عنه ذلك الاسم. توفي سنة اثنتي عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن طلحة بن مصرف بن عمرو قال: لا تجالسوا أهل الأهواء فإن لهم عرة (٢) كعرة الجرب. (٣)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٠٨ - ٣٠٩) وحلية الأولياء (٥/ ١٤ - ٢٩) وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٩١ - ١٩٣) وتهذيب الكمال (١٣/ ٤٣٣ - ٤٣٧) والجرح والتعديل (٤/ ٤٧٣) والوافي بالوفيات (١٦/ ٤٨٣ - ٤٨٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٥) وشذرات الذهب (١/ ١٤٥) ومشاهير علماء الأمصار (١١٠).\n(٢) عرة: هي الفضيحة والقذارة.\n(٣) ذم الكلام (ص.٢٣٦).","vol":"2","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء: وقال الحسن بن عمرو: قال لي طلحة بن مصرف: لولا أني على وضوء لأخبرتك بما تقول الرافضة. (١)\n\" التعليق:\nالله أكبر ما أعظم هذه الكلمة من هذا الإمام الذي عاش في أول القرن الثاني قبل أن يستطير شر الروافض فكيف لو عاش بعد هذا القرن ورأى ما جلبه هؤلاء الكفرة على المسلمين من بلايا ومصائب لا يعلم عددها ومقدارها إلا الله، وما سقوط خلافة المسلمين ببغداد وغيرها إلا بسبب الروافض، كم ذبح من عالم وكم قتل من مسلم وما يزال بلاؤهم إلى الآن. وجهلة الدعاة إلى الإسلام يكتبون كتبا ومقالات يدعون فيها إلى التقارب بين الروافض والسنة وتعقد المؤتمرات واللقاءات لهذا القصد ولا يدرون أنه لا ينفع مع هؤلاء إلا الحجة والبيان والسنة والقرآن. والله المستعان.\n\n- وفي أصول الاعتقاد: عن طلحة بن مصرف قال: كان يقال بغض بني هاشم نفاق وبغض أبي بكر وعمر نفاق والشاك في أبي بكر كالشاك في السنة. (٢)\n_________\n(١) السير (٥/ ١٩٢) وأصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٥/٢٤٠١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٢/٢٣٨٩) وذكره في الصارم المسلول (٥٨٤).","vol":"2","page":118},{"text":"رجاء بن حيوة (١) (١١٢ هـ)\nرجاء بن حَيْوَة بن جَرْوَل، ويقال: ابن جزل بن الأحنف، الإمام، القدوة، الوزير العادل أبو المقدام، ويقال: أبو نصر الشامي الفلسطيني. روى عن أبي سعيد الخدري وأبي أمامة وجابر وابن عمرو، وآخرين. وعنه خلق كثير منهم: مكحول والزهري وقتادة، وعبد الله بن عون. قال ابن سعد: كان ثقة، عالما، فاضلا، كثير العلم. قال رجاء بن أبي سلمة: ما من رجل من أهل الشام أحب إلي أن أقتدي به من رجاء بن حيوة. عن ابن عون قال: ما لقيت أكف من ثلاثة: رجاء بن حيوة بالشام، والقاسم بن محمد بالحجاز، وابن سيرين بالعراق يقول: لم يجاوزوا ما علموا أو لم يتكلفوا أن يقولوا برأيهم. عن رجاء بن حيوة قال: يقال ما أحسن الإسلام ويزينه الإيمان، وما أحسن الإيمان ويزينه التقوى، وما أحسن التقوى ويزينه العلم، وما أحسن العلم ويزينه الحلم، وما أحسن الحلم ويزينه الرفق. عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: كنا مع رجاء بن حيوة فتذاكرنا شكر النعم، فقال: ما أحد يقوم بشكر نعمة، وخلفنا رجل على رأسه كساء فكشف الكساء عن رأسه، فقال: ولا أمير المؤمنين؟ قلنا: وما ذكر أمير المؤمنين هاهنا؟ إنما أمير المؤمنين رجل من الناس، فغفلنا عنه، فالتفت رجاء فلم يره، فقال: أتيتم من صاحب الكساء -وفي لفظ: فإن دعيتم فاستحلفتم فاحلفوا- فما علمنا إلا وبحرسي\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٥٤ - ٤٥٥) والجرح والتعديل (٣/ ٥٠١) والحلية (٥/ ١٧٠ - ١٧٧) ووفيات الأعيان (٢/ ٣٠١ - ٣٠٣) وتهذيب الكمال (٩/ ١٥١ - ١٥٩) والسير (٤/ ٥٥٧ - ٥٦١) والبداية والنهاية (٩/ ٣١٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ١١٨) والوافي بالوفيات (١٤/ ١٠٣) وشذرات الذهب (١/ ١٤٥) ومشاهير علماء الأمصار (١١٧).","vol":"2","page":119},{"text":"قد أقبل فقال: أجيبوا أمير المؤمنين، فأتينا باب هشام، فأذن لرجاء من بيننا فلما دخل عليه، قال: هيه يا رجاء يذكر أمير المؤمنين فلا تحتج له؟ قال: فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذكرتم شكر النعم فقلتم: ما أحد يقوم بشكر نعمة، قيل لكم: ولا أمير المؤمنين، فقلتم: أمير المؤمنين رجل من الناس، فقلت: لم يكن ذلك، قال: آلله؟ قلت: آلله. قال رجاء: فأمر بذلك الساعي فضرب سبعين سوطا، وخرجت وهو متلوث في دمه، فقال: هذا وأنت ابن حيوة.\nقلت: سبعون سوطا في ظهرك خير من دم مؤمن، قال ابن جابر: فكان رجاء بن حيوة بعد ذلك إذا جلس في مجلس التفت فقال: احذروا صاحب الكساء. توفي سنة اثنتي عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>موقفه من المبتدعة:</span>\nأخرج ابن عساكر في ترجمة عبد الرحمن بن سليمان عن هارون بن معروف حدثنا ضمرة حدثنا رجاء بن جميل قال: شهدت رجاء بن حيوة في جنازة عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الملك فسمع رجلا يقول: استغفروا له غفر الله لكم فقال رجاء: اسكت دق الله عنقك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى ابن أبى السائب عن رجاء بن حيوة أنه كتب إلى هشام بن عبد الملك أمير المؤمنين: بلغني أنه دخلك من قبل غيلان وصالح، فأقسم بالله لقتلهما أفضل من قتل ألفين من الترك والديلم. (٢)\n_________\n(١) ابن عساكر (٣٤/ ٤٠١) والباعث (ص.٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٢ - ٧٩٣/ ١٣٢٧) والإبانة (٢/ ١٠/٢٣٩/ ١٨٥٠) والشريعة (١/ ٤٣٩/٥٥٧).","vol":"2","page":120},{"text":"\" التعليق:\nالله أكبر ما أعظم هذا، انظر رحمك الله كيف عرف السلف خطر البدع على الأمة الإسلامية، فيجعلون قتل رجل منهم يعادل قتل ألفين من الكفرة، فكيف لو عاشوا إلى هذا الزمن الذي صارت فيه الكلمة للمبتدعة وصار العالم الإسلامي لا يعرف إلا البدع، -إلا من رحم ربك- وأنها هي الإسلام، وأن من قال بخلافها يعتبر خارجيا أو متطرفا أو متنطعا أو وهابيا إلى غير ذلك من الألقاب التي اخترعها المبتدعة وأعوانهم، والله المستعان.\n- وجاء في السنة لعبد الله بن الإمام أحمد: عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: وقف رجاء بن حيوة على مكحول وأنا معه فقال: يا مكحول بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر ووالله لو أعلم ذلك لكنت صاحبك من بين الناس. فقال مكحول: لا والله أصلحك الله ما ذلك من شاني ولا من قولي أو نحو ذلك قال ليث وكان مكحول يعجبه كلام غيلان فكان إذا ذكره قال: كل كليلة، يريد قل قليلة وكانت فيه لكنة يعني مكحولا. (١)\n\nمعاوية بن قرة (٢) (١١٣ هـ)\nمعاوية بن قُرَّة بن إياس المزني البصري أبو إياس. قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - ليس فيهم إلا من طَعَنَ أو طُعِنَ أو ضَرَبَ أو ضُرِب مع\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٣٥).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢١) والجرح والتعديل (٨/ ٣٧٨ - ٣٧٩) ومشاهير علماء الأمصار (٩٢) وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٣ - ١٥٥) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٢١٠ - ٢١٧) وشذرات الذهب (١/ ١٤٧) والتقريب (٢/ ١٩٧).","vol":"2","page":121},{"text":"رسول الله - ﷺ -. روى عن أبيه وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعلي ومعقل وغيرهم. وروى عنه ابنه إياس ومنصور بن زاذان وثابت البناني وخالد الحذاء وغيرهم. سئل معاوية كيف ابنك لك؟ قال: نعم الابن كفاني أمر دنياي وفرغني لآخرتي. قال ابن حبان: كان من عقلاء الناس. وقال ابن حجر: ثقة عالم.\nمن أقواله: بكاء العمل أحب إلي من بكاء العين. لا تجالس بعلمك السفهاء ولا تجالس بسفهك العلماء. لأن لا يكون فيَّ نفاق أحب إلي من الدنيا وما فيها كان عمر يخشاه وآمنه أنا؟\nتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة وهو ابن ست وسبعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء عنه ﵁ أنه قال: إياكم وهذه الخصومات فإنها تحبط الأعمال. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>موقفه من الرافضة:</span>\nعن مبارك بن فضالة قال: سمعت معاوية بن قرة يقول: إن النبي - ﷺ - استخلف أبا بكر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في السنة لعبد الله عنه قال: هلكت الخوارج والأهواء. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٥ - ١٤٦/ ٢٢١) وذم الكلام (ص.١٩٤) والسنة لعبد الله (ص.٢٤) والشريعة (١/ ١٨٨ - ١٨٩/ ١٢١) والإبانة (٢/ ٣/٥٢٢/ ٦٢١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٦٩/٢٤٤٦).\n(٣) السنة لعبد الله (٢٧٣).","vol":"2","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>موقفه من المرجئة:</span>\nوجاء في كتاب الإيمان لابن أبي شيبة: عن معاوية بن قرة قال: كان أبو الدرداء يقول: (اللهم إني أسألك إيمانا دائما، وعلما نافعا، وهديا قيما) قال معاوية: فنرى أن من الإيمان إيمانا ليس بدائم، ومن العلم علما لا ينفع، ومن الهدي هديا ليس بقيم. (١)\n\nعبد الله بن عبيد بن عمير (٢) (١١٣ هـ)\nعبد الله بن عُبَيْد بن عُمَيْر، أبو هاشم. يروي عن: عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وحدث عنه: ابن جريج وجرير بن حازم والأوزاعي. قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. قال عبد الله بن عبيد: لا تقنعن لنفسك باليسير من الأمر في طاعة الله ﷿ كعمل المهين الدنيء، ولكن اجهد واجتهد فعل الحريص الحفي، وتواضع لله ﷿ دون الضعف فعل الغريب السبي. توفي سنة ثلاث عشرة ومائة.\nموقفه من المرجئة:\nجاء في أصول الاعتقاد: عن هارون بن إبراهيم (التبريزي) قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يقول: الإيمان قائد والعمل سايق والنفس حرون. فإذا وني قائدها لم يستقم سايقها وإذا وني سايقها لم تستقم لقائدها. الإيمان\n_________\n(١) كتاب الإيمان لابن أبي شيبة (رقم ١٠٦) والمصنف له (٦/ ١٦٤/٣٠٣٦٤).\n(٢) السير (٤/ ١٥٧) وتهذيب الكمال (١٥/ ٢٥٩) وطبقات ابن سعد (٥/ ٤٧٤) والحلية (٣/ ٣٥٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٠٨).","vol":"2","page":123},{"text":"بالله مع العمل والعمل مع الإيمان ولا يصلح هذا إلا مع هذا حتى يقدمان على الخير إن شاء الله. (١)\n\nوهب بن منبه (٢) (١١٤ هـ)\nوَهْب بن مُنَبِّه بن كَامِل بن سِيج بن ذي كِبَار، وهو الأسوار اليماني الصنعاني الذِّماري، أبو عبد الله الأَبْنَاوِي أخو همام بن منبه، ومعقل بن منبه وغيلان بن منبه. مولده في زمن عثمان سنة أربع وثلاثين، ورحل وحج. روى عن أنس بن مالك وابن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وغيرهم. وروى عنه ولداه: عبد الله وعبد الرحمن، وابن ابنته إدريس بن سنان والد عبد المنعم بن إدريس وسماك بن الفضل، وعوف الأعرابي وغيرهم. قال العجلي: وهب تابعي ثقة، كان على قضاء صنعاء.\nقال وهب بن منبه لعطاء الخراساني: كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إلى دنياهم، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم، فأصبح أهل العلم منا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم. توفي ﵀ سنة أربع عشرة ومائة.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٢٨ - ٩٢٩/ ١٥٧٩).\n(٢) طبقات ابن سعد (٥/ ٥٤٣) والجرح والتعديل (٩/ ٢٤) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٤٤ - ٥٥٧) وحلية الأولياء (٤/ ٢٣ - ٨١) وتهذيب الكمال (٣١/ ١٤٠ - ١٦٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠٠ - ١٠١) والبداية والنهاية (٩/ ٢٨٨ - ٣١٣) ووفيات الأعيان (٦/ ٣٥ - ٣٦) ومشاهير علماء الأمصار (١٢١ - ١٢٣).","vol":"2","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال الذهبي: وعنه قال: احفظوا عني ثلاثا: إياكم وهوى متبعا، وقرين سوء، وإعجاب المرء بنفسه. (١)\n- وعن وهب بن منبه قال: الفقيه العفيف الزاهد المتمسك بالسنة أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان. (٢)\n- عن عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: دع المراء والجدال عن أمرك، فإنك لا تعجز أحد رجلين: رجل هو أعلم منك، فكيف تماري وتجادل من هو أعلم منك؟ ورجل أنت أعلم منه، فكيف تماري وتجادل من أنت أعلم منه، ولا يطيعك، فاقطع ذلك عليك. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في تاريخ ابن عساكر عن معمر عن سماك بن الفضل قال: كنت عند عروة بن محمد وإلى جنبه وهب بن منبه، فجاء قوم فشكوا عاملهم، وذكروا منه شيئا قبيحا، فتناول وهب عصى كانت في يد عروة، فضرب بها رأس العامل حتى سال دمه، فضحك عروة واستلقى على قفاه، وقال: يعيب علينا أبو عبد الله الغضب، وهو يغضب. فقال وهب: وما لي لا أغضب وقد غضب الذي خلق الأحلام، إن الله يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٤)\n_________\n(١) السير (٤/ ٥٤٩).\n(٢) الشريعة (١/ ١١١/٣) والإبانة (١/ ١/٢٠١/ ٣٨).\n(٣) الشريعة (١/ ١٩٥/١٣٧) والإبانة (٢/ ٣/٥٢٦/ ٦٣٨) وانظر السير (٤/ ٥٤٩).\n(٤) الزخرف الآية (٥٥).","vol":"2","page":125},{"text":"يقول: أغضبونا. (١)\n\" التعليق:\nوهذا النص صريح في إثبات صفة الغضب فلا أدري ماذا يقول المؤولة والمفوضة في هذا وأمثاله هل هذا تفويض أو تشبيه أو إثبات للصفة على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته.\n\n- وجاء في سير أعلام النبلاء في ترجمة الجعد بن درهم قال المدائني: كان زنديقا وقد قال له وهب: إني لأظنك من الهالكين لو لم يخبرنا الله أن له يدا وأن له عينا ما قلنا ذلك، ثم لم يلبث الجعد أن صلب. (٢)\n\" التعليق:\nجاء في هامش السير (٣) اعتراض من المعلق على ابن كثير في ذكره سند الجعد في ضلاله، ثم ذكر رأي بعض المتأخرين في أن الجعد قتل في أمر سياسي، وأن بني أمية ما كانوا يعتنون بأمر العقيدة، والواقع أن هذا الكلام لا يصدر إلا عمن لا علم له ولا خبرة بعصر بني أمية الذي كان مكتظا بعلماء التابعين والصحابة، وظهرت رؤوس البدع، وتصدى السلف لها، ومن بينهم خلفاء بني أمية وما نحن ببعيدين عن مناظرة عمر بن عبد العزيز الخوارج وغيرهم.\n_________\n(١) تاريخ ابن عساكر (٦٣/ ٣٧٩) والسير (٤/ ٥٤٧ - ٥٤٨).\n(٢) السير (٥/ ٤٣٣) والبداية (٩/ ٣٦٥).\n(٣) (٥/ ٤٣٣).","vol":"2","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في السير: علي بن المديني: حدثنا هشام بن يوسف، أخبرني داود ابن قيس، قال: كان لي صديق يقال له أبو شمر ذو خولان، فخرجت من صنعاء أريد قريته، فلما دنوت منها وجدت كتابا مختوما إلى أبي شمر، فجئته فوجدته مهموما حزينا، فسألته عن ذلك فقال: قدم رسول من صنعاء، فذكر أن أصدقاء لي كتبوا لي كتابا فضيعه الرسول، قلت: فهذا الكتاب، فقال: الحمد لله، ففضه فقرأه، فقلت: أقرئنيه، فقال: إني لأستحدث سنك، قلت: فما فيه؟ قال: ضرب الرقاب قلت: لعله كتبه إليك ناس حرورية في زكاة مالك، قال: من أين تعرفهم؟ قلت: إني وأصحابا لي نجالس وهب بن منبه، فيقول لنا: احذروا أيها الأحداث الأغمار هؤلاء الحروراء لا يدخلونكم في رأيهم المخالف، فإنهم عرة (١) لهذه الأمة، فدفع إلي الكتاب فقرأته فإذا فيه: سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله، ونوصيك بتقواه، فإن دين الله رشد وهدى، وإن دين الله طاعة الله ومخالفة من خالف سنة نبيه، فإذا جاءك كتابنا، فانظر أن تؤدي -إن شاء الله- ما افترض الله عليك من حقه، تستحق بذلك ولاية الله، وولاية أوليائه والسلام.\nقلت له: فإني أنهاك عنهم، قال: فكيف أتبع قولك وأترك قول من هو أقدم منك؟ قلت: فتحب أن أدخلك على وهب حتى تسمع قوله؟ قال: نعم. فنزلنا إلى صنعاء، فأدخلته على وهب -ومسعود بن عوف وَالٍ على اليمن\n_________\n(١) العرة: عذرة الناس، فلان عرة أهله أي شرهم.","vol":"2","page":127},{"text":"من قبل عروة بن محمد- فوجدنا عند وهب- نفرا، فقال لي بعض النفر: من هذا الشيخ؟ قلت: له حاجة، فقام القوم، فقال وهب: ما حاجتك يا ذا خولان؟ فهرج (١) وجبن، فقال لي وهب: عبر عنه، قلت: إنه من أهل القرآن والصلاح، والله أعلم بسريرته، فأخبرني أنه عرض له نفر من أهل حروراء فقالوا له: زكاتك التي تؤديها إلى الأمراء لا تجزئ عنك، لأنهم لا يضعونها في مواضعها فأدها إلينا، ورأيت يا أبا عبد الله أن كلامك أشفى له من كلامي، فقال: يا ذا خولان، أتريد أن تكون بعد الكبر حروريا تشهد على من هو خير منك بالضلالة؟ فماذا أنت قائل لله غدا حين يقفك الله؟ ومن شهدت عليه، فالله يشهد له بالإيمان، وأنت تشهد عليه بالكفر، والله يشهد له بالهدى، وأنت تشهد عليه بالضلالة، فأين تقع إذا خالف رأيك أمر الله، وشهادتك شهادة الله؟ أخبرني يا ذا خولان، ماذا يقولون لك؟ فتكلم عند ذلك وقال لوهب: إنهم يأمرونني أن لا أتصدق إلا على من يرى رأيهم ولا أستغفر إلا له، فقال: صدقت، هذه محنتهم الكاذبة، فأما قولهم في الصدقة، فإنه قد بلغني أن رسول الله - ﷺ - ذكر أن امرأة من أهل اليمن دخلت النار في هرة ربطتها (٢)، أفإنسان ممن يعبد الله يوحده ولا يشرك به أحب إلى الله أن يطعمه من جوع، أو هرة؟ والله يقول: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٣) الآيات.\n_________\n(١) هرج في الحديث خلط فيه.\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٤٣٨/٣٣١٨) ومسلم (٤/ ١٧٦٠/٢٢٤٢) عن عبد الله بن عمر، وفي الباب عن أبي هريرة.\n(٣) الإنسان الآية (٨).","vol":"2","page":128},{"text":"وأما قولهم لا يستغفر إلا لمن يرى رأيهم، أهم خير أم الملائكة، والله يقول: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ (١) فوالله ما فعلت الملائكة ذلك حتى أمروا به: ﴿لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون﴾ (٢) وجاء ميسرا: ﴿ويستغفرون للذين ءامنوا﴾. (٣)\nيا ذا خولان إني قد أدركت صدر الإسلام، فوالله ما كانت الخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه، ولو مكن الله لهم من رأيهم لفسدت الأرض، وقطعت السبل والحج، ولعاد أمر الإسلام جاهلية، وإذا لقام جماعة، كل منهم يدعو إلى نفسه الخلافة، مع كل واحد منهم أكثر من عشرة آلاف، يقاتل بعضهم بعضا ويشهد بعضهم على بعض بالكفر، حتى يصبح المؤمن خائفا على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله، لا يدري مع من يكون، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٤) وقال: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آَمَنُوا﴾ (٥) فلو كانوا مؤمنين لنصروا، وقال: ﴿وَإِنَّ جندنا\n_________\n(١) الشورى الآية (٥).\n(٢) الأنبياء الآية (٢٧).\n(٣) غافر الآية (٧).\n(٤) البقرة الآية (٢٥١).\n(٥) غافر الآية (٥١).","vol":"2","page":129},{"text":"لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١) ألا يسعك يا ذا خولان من أهل القبلة ما وسع نوحا من عبدة الأصنام، إذ قال له قومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرذلون﴾ (٢) إلى أن قال: فقال ذو خولان: فما تأمرني؟ قال: انظر زكاتك فأدها إلى من ولاه الله أمر هذه الأمة، وجمعهم عليه، فإن الملك من الله وحده وبيده، يؤتيه من يشاء، فإذا أديتها إلى والي الأمر برئت منها، وإن كان فضل فصل به أرحامك ومواليك وجيرانك والضيف، فقال: اشهد أني نزلت عن رأي الحرورية. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>موقفه من المرجئة:</span>\nعن سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع: عن وهب بن منبه قال: الإيمان عريان ولباسه التقوى ورأس ماله الفقه وزينته الحياء. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السير: عن عمرو بن دينار، قال: دخلت على وهب داره بصنعاء، فأطعمني من جوزة في داره، فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر كتابا، فقال: وأنا والله.\nقال أحمد: اتهم بشيء منه ورجع. وقال العجلي: رجع. (٥)\n_________\n(١) الصافات الآية (١٧٣).\n(٢) الشعراء الآية (١١١).\n(٣) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٥٣ - ٥٥٥).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٢٦/١٥٧١).\n(٥) السير (٤/ ٥٤٨).","vol":"2","page":130},{"text":"- وروى ابن بطة بسنده عن يزيد الخراساني قال: بينا أنا ومكحول إذ قال: يا وهب بن منبه. أي شيء بلغني عنك في القدر؟ قال: عني؟ قال: نعم، فقال: والذي كرم محمدا - ﷺ - بالنبوة؛ لقد اقترأت من الله ﷿ اثنين وسبعين كتابا، منه ما يسر ومنه ما يعلن، ما منه كتاب إلا وجدت فيه: من أضاف إلى نفسه شيئا من قدر الله؛ فهو كافر بالله، فقال مكحول: الله أكبر. (١)\n\nمحمد بن علي بن الحسين أبو جعفر الباقر (٢) (١١٤ هـ)\nمحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، القرشي الهاشمي المدني ولد زين العابدين. روى عن ابن عمر وأنس وجابر وأبيه زين العابدين ومحمد بن الحنفية وطائفة. وروى عنه ابنه جعفر بن محمد الصادق، والزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن وغيرهم. قال عنه الذهبي: كان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد، والشرف، والثقة، والرزانة، وكان أهلا للخلافة، وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية وتقول بعصمتهم وبمعرفتهم بجميع الدين، فلا عصمة إلا للملائكة والنبيين، وكل أحد يصيب ويخطئ ويؤخذ من قوله ويترك سوى النبي - ﷺ - فإنه معصوم مؤيد بالوحي. وقال أيضا: وشهر أبو جعفر بالباقر، من بقر العلم، أي شقه\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٣ - ٢١٤/ ١٧٧٢).\n(٢) طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٠ - ٣٢٤) والجرح والتعديل (٨/ ٣٦) ومشاهير علماء الأمصار (٦٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٠١ - ٤٠٩) وحلية الأولياء (٣/ ١٨٠ - ١٩٢) والبداية والنهاية (٩/ ٣٢١ - ٣٢٤) والوافي بالوفيات (٤/ ١٠٢ - ١٠٣) وشذرات الذهب (١/ ١٤٩).","vol":"2","page":131},{"text":"فعرف أصله وخفيه. ولقد كان أبو جعفر إماما مجتهدا، تاليا لكتاب الله، كبير الشأن. ولكن لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير ونحوه، ولا في الفقه درجة أبي الزناد، وربيعة ولا في الحفظ ومعرفة السنن درجة قتادة وابن شهاب، فلا نحابيه ولا نحيف عليه، ونحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال. توفي سنة أربع عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى الدارمي بسنده إلى محمد بن علي قال: لا تجالس أصحاب الخصومات فإنهم يخوضون في آيات الله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: عن بسام الصيرفي، قال: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر، فقال: والله إني لأتولاهما وأستغفر لهما، وما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما. (٢)\n- وفيها عن سالم بن أبي حفصة وكان يترفض، قال: دخلت على أبي جعفر وهو مريض فقال -وأظن قال ذلك من أجلي: اللهم إني أتولى وأحب أبا بكر وعمر، اللهم إن كان في نفسي غير هذا، فلا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة - ﷺ -. (٣)\n- وفيها عن الأعمش، عنه قال: يزعمون أني المهدي، وإني إلى أجلي\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ٧١و١١٠).\n(٢) السير (٤/ ٤٠٣).\n(٣) السير (٧/ ٤٠٦).","vol":"2","page":132},{"text":"أدنى مني إلى ما يدعون. (١)\n- وفيها عن عروة بن عبد الله، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيوف، فقال: لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه. قلت: وتقول الصديق؟ فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل الصديق، فلا صدق الله له قولا في الدنيا والآخرة. (٢)\n- وفي الشريعة: عن حكيم بن جبير قال: كنت في مجلس فيه رهط من الشيعة فعاب بعضهم أبا بكر وعمر ﵄ فقلت: على من يقول هذا لعنة الله فقال رجل من القوم: من أبي جعفر أخذناه؛ قال: فلقيت أبا جعفر فقلت: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: وما يقول الناس فيهما؟. فقلت: يقلونهما. فقال: إنما يقول ذلك فيهما المراق، تولهما مثل ما تتولى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. (٣)\n- وفيها: عن جابر عن أبي جعفر قال: قلت له: هل كان فيكم أهل البيت أحد يسب أبا بكر وعمر ﵄ فقال: لا، فتولهما واستغفر لهما وأحبهما، قلت: هل كان فيكم أحد يؤمن بالرجعة؛ قال: لا. (٤)\n- وفي أصول الاعتقاد عن سالم بن أبي حفصة سألت أبا جعفر محمد ابن علي وجعفرا عن أبي بكر وعمر فقالا: تولهما وابرأ من عدوهما فإنهما\n_________\n(١) السير (٤/ ٤٠٧).\n(٢) السير (٤/ ٤٠٨).\n(٣) الشريعة (٣/ ٤٥٩/١٩١٩).\n(٤) الشريعة (٣/ ٥٦١/٢٠٧٣).","vol":"2","page":133},{"text":"كانا إمامي هدى. (١)\n- وفيه عن كثير النواء قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي: جعلني الله فداك أرأيت أبا بكر وعمر هل ظلماكم من حقكم من شيء أو ذهبا به. قال: لا والذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقنا شيئا قال: قلت: جعلني الله فداك فأتولاهما؟ قال: ويحك تولهما لعن الله مغيرة وبيان فإنهما كذبا علينا أهل البيت. (٢)\n- وفيه عن جابر قال: قلت لأبي جعفر جعلت فداك هل كان أحد منكم تبرأ من أبي بكر وعمر، وفي حديث ابن الأصبهاني: يسب أبا بكر وعمر قال: لا، ثم قال: أحبهما واستغفر لهما وتولهما. (٣)\n- وفيه عن يونس بن بكير، عن أبي جعفر يعني محمد بن علي بن الحسن قال: من جهل فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة. (٤)\n- وفيه عن عبد الله بن قشير قال: لقيت أبا جعفر محمد بن علي يشهد أن أبا بكر الصديق وعمر الفاروق رضوان الله عليهما والرافضة تنكر ذلك. (٥)\n- وفيه عن مغيرة قال: كان أبو جعفر يقول: اللهم إنك تعلم أني لست لهم بإمام. (٦)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٦/٢٣٥٨) والسير (٤/ ٤٠٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٧٨ - ١٣٧٩/ ٢٤٦٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٧٩/٢٤٦٣).\n(٤) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣١٢/٢٣٢٤) والشريعة (٣/ ٤١٧/١٨٦٣).\n(٥) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٨١ - ١٤٨٢/ ٢٦٨٥).\n(٦) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٤٣/٢٨٠٥).","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: عن بسام الصيرفي، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن القرآن فقال: كلام الله غير مخلوق. (١)\n- وعن جعفر بن محمد عن أبيه أنه سأله: إن قوما يقولون القرآن مخلوق. فقال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين: ما ليل بليل ولا نهار بنهار أشبه من المرجئة باليهود. (٣)\n- وعن الفضيل بن يسار قال: سئل أبو جعفر محمد بن علي عن قول النبي - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن\" (٤) فقال: هذا الإسلام ودور دائرة عظيمة ثم دور دائرة في جوفها أصغر منها، ثم قال: هذا الإيمان مقصور في الإسلام، فإذا هو زنا أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، فإذا تاب رجع إلى الإيمان، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>موقفه من القدرية:</span>\n_________\n(١) السير (٤/ ٤٠٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٦٤/٣٩٠) والإبانة (٢/ ١٢/٦/ ١٨٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٣ - ١٠٦٤/ ١٨١٥).\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).\n(٥) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٩٢/١٨٧٧) والإبانة (٢/ ٨٥٤/١١٥٤) والشريعة (١/ ٢٦٤/٢٤٨) والسنة لعبد الله (٩٧و١٠٢) والبزار كما في المجمع (١/ ١٠١ - ١٠٢).","vol":"2","page":135},{"text":"- جاء في أصول الاعتقاد عن الحارث بن سريج البزاز: قلت لمحمد بن علي: إن لنا إماما يقول في القدر، فقال: يا ابن الفارسي، انظر كل صلاة صليتها خلفه أعدها- إخوان اليهود والنصارى قاتلهم الله أنى يؤفكون. (١)\n\" التعليق:\nالله أكبر! انظر بغض السلفي للمبتدعة إلى أي حد وصل، فإذا كانت الصلاة لا تجوز وراءهم، فماذا بقي لهم من الخير؟ والواقع أن البدع والمبتدعة ليس فيهم خير، فكلهم شر نسأل الله المعافاة.\n- وروى الآجري وابن بطة بسنديهما عن حرب بن شريح أبي سفيان البزار قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي فقال: أشامي أنت؟ فقالوا له: إنه مولاك، فقال: مرحبا، وألقى لي وسادة من أدم، قال: قلت: إن منهم من يقول لا قدر، ومنهم من يقول قدر الخير، وما قدر الشر. ومنهم من يقول ليس شيء كائنا ولا شيء كان إلا جرى به القلم، فقال: بلغني أن قبلكم أئمة يضلون الناس مقالتهم، المقالتان الأوليان، فمن رأيتهم منهم إماما يصلي بالناس؛ فلا تصلوا وراءه، ثم سكت هنيهة؛ فقال: من مات منهم؛ فلا تصلوا عليه، وإنهم إخوان اليهود، قلت: قد صليت خلفهم؛ قال: من صلى خلف أولئك؛ فليعد الصلاة. (٢)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٧/١٣٤٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٨/ ١٨٢٤) والشريعة (١/ ٤٣٢/٥٣٦).","vol":"2","page":136},{"text":"عطاء بن أبي رَبَاح (١) (١١٥ هـ)\nعطاء بن أبي رباح واسمه أسلم القرشي الفهري، أبو محمد المكي مولى آل أبي خثيم ويقال مولى بني جمح. كان من مولدي الجند ونشأ بمكة، ولد في أثناء خلافة عمر. روى عن عائشة وأم سلمة وأبي هريرة وابن عباس وجماعة. روى عنه: أبان ابن صالح ومجاهد بن جبر وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. قال أبو عاصم الثقفي: سمعت أبا جعفر الباقر يقول للناس -وقد اجتمعوا عليه-: عليكم بعطاء، هو والله خير لكم مني. قال الأصمعي: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان وهو جالس على سريره وحوله الأشراف من كل بطن وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته فلما بصر به قام إليه فسلم عليه، وأجلسه معه على السرير وقعد بين يديه، وقال له: يا أبا محمد حاجتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور فإنه حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق دونهم بابك، فقال له أفعل، ثم نهض وقام وقبض عليه عبد الملك، فقال: يا أبا محمد إنما سألتنا حوائج غيرك، وقد قضيناها فما حاجتك؟ فقال: مالي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٥/ ٤٦٧ - ٤٧٠) والجرح والتعديل (٦/ ٣٣٠ - ٣٣١) ووفيات الأعيان (٣/ ٢٦١ - ٢٦٣) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٦٩ - ٨٥) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٧٨ - ٨٨) والمعرفة والتاريخ (١/ ٧٠٠ - ٧٠٣) والبداية والنهاية (٩/ ٣١٧ - ٣٢١) ومشاهير علماء الأمصار (٨١) والعقد الثمين (٦/ ٨٤ - ٩٣) وتاريخ خليفة (٣٤٦) وشذرات الذهب (١/ ١٤٧ - ١٤٨).","vol":"2","page":137},{"text":"وأبيك الشرف، هذا وأبيك السؤدد. توفي ﵀ سنة خمس عشرة أو أربع عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في سنن الدارمي بالسند إليه قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) قال: أولوا العلم والفقه، وطاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة. (٢)\n- وجاء أيضا في سنن الدارمي بالسند إلىعبد العزيز بن رفيع قال: سئل عطاء عن شيء قال: لا أدري قال: قيل له: ألا تقول فيه برأيك؟ قال: إني أستحيي من الله أن يدان في الأرض برأيي. (٣)\n- وجاء في ذم الكلام: عنه في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دينهم وَكَانُوا شيعًا﴾ (٤). قال هم أصحاب الخصومات والمراء في دين الله. (٥)\n- عن عطاء في قول الله ﷿: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٦). قال: (إلى الله) إلى كتابه، وإلى الرسول إلى سنة رسول الله - ﷺ -. (٧)\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) الدارمي (١/ ٧٢) وأصول الاعتقاد (١/ ٨٠/٧٥) والطبري (٥/ ١٤٩).\n(٣) الدارمي (١/ ٤٧) وذم الكلام (ص.١٠٤) والإبانة (٢/ ٣/٤٢٣/ ٣٤٧).\n(٤) الأنعام الآية (١٥٩).\n(٥) ذم الكلام (ص.١٩٢).\n(٦) النساء الآية (٥٩).\n(٧) الإبانة (١/ ١/٢٥٢/ ٨٦) والشريعة (١/ ١٨٢/١١٢).","vol":"2","page":138},{"text":"- عن عطاء قال: الساقط يوالي من شاء. (١)\n- عن ابن جريج عن عطاء قال: ليس الدين الرأي ولكنه السمع. (٢)\n- عن عطاء بن أبي رباح أنه قال لجلسائه في أصحاب الأهواء: إذا رأيتم منهم أحدا قد جلس إلينا فأعلموني بأمارة أجعلها بينهم، فإذا جلس إليهم منهم أحد فأعلموا أخذ نعليه ثم قام. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في البداية والنهاية: وقال سعيد بن سلام البصري: سمعت أبا حنيفة النعمان يقول: لقيت عطاء بمكة، فسألته عن شيء فقال: من أين أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة. قال: أنت من أهل القرية الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا؟ قلت: نعم قال: فمن أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب: فقال عطاء: عرفت فالزم. (٤)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن عثمان بن الأسود قال: سمعت عطاء يقول: صَلِّ على كل من وضع على هذا الباب ممن يستقبل قبلتك قال فذكرت له أناسا فقال لهم شيئا فقال: صل على كل من صلى إلى القبلة منهم. (٥)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٠٧/ ٥٨١).\n(٢) ذم الكلام (ص.١٠٤)\n(٣) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص.٣٠٢).\n(٤) البداية والنهاية (٩/ ٣١٩).\n(٥) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٠٢/٢٣٠٧).","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في الإبانة: عن مبارك بن حسان قال: قلت لسالم الأفطس: رجل أطاع الله فلم يعصه ورجل عصى الله فلم يطعه فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة وصار العاصي إلى الله فأدخله النار، هل يتفاضلان في الإيمان؟ قال: لا، فذكرت ذلك لعطاء، فقال: سلهم الإيمان طيب أو خبيث فإن الله قال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١). قال: فسألتهم فلم يجيبوني، فقال سالم: إنما الإيمان منطق ليس معه عمل فذكرت ذلك لعطاء فقال: سبحان الله أما تقرؤون الآية التي في سورة البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ثم وصف الله على هذا الاسم العمل فألزمه فقال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢) قال: سلهم هل دخل هذا العمل في هذا الاسم؟ فقال: وَمَنْ ﴿ومن أراد الآخرة وسعى\n_________\n(١) الأنفال الآية (٣٧).\n(٢) البقرة الآية (١٧٧).","vol":"2","page":140},{"text":"لَهَا سعيها وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (١). فألزم الاسم العمل وألزم العمل الاسم. (٢)\n- قال معقل بن عبيد العبسي: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي وإذا هو يقرأ سورة يوسف قال: فسمعته يقرأ هذا الحرف: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (٣) مخففة، قال: قلت له: إن لنا حاجة فأدخلنا ففعل، فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا وتكلموا وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، فقال: أو ليس الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤) قال: وقلت: إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة قال: أو ليس قد قال الله فيما أنزل: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٥) هذا الإيمان الذي زادهم، قال فقلت: إنهم انتحلوك وبلغني أن ابن درهم دخل عليك في أصحابه فعرضوا عليك قولهم، فقبلته فقلت هذا الأمر، فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثا. (٦)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن ابن مجاهد قال: كنت عند عطاء بن أبي\n_________\n(١) الإسراء الآية (١٩).\n(٢) الإبانة (٢/ ٧/٨٩٧ - ٨٩٨/ ١٢٥١).\n(٣) يوسف الآية (١١٠).\n(٤) البينة الآية (٥).\n(٥) الفتح الآية (٤).\n(٦) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٤ - ١٠٢٥/ ١٧٣٢) والسنة لعبد الله (١١٧ - ١١٩) والسنة للخلال (٤/ ٢٩ - ٣٢/ ١١٠٥) والإبانة (٢/ ٨٠٨ - ٨١١/ ١١٠١).","vol":"2","page":141},{"text":"رباح فجاء ابنه يعقوب فقال: يا أبتاه إن أصحابا لنا يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل فقال: يا بني ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله. (١)\n\nالحَكَم بن عُتَيْبَة (٢) (١١٥ هـ)\nالإمام الكبير عالم أهل الكوفة، أبو محمد الكندي. حدث عن أبي جحيفة السوائي، وشريح القاضي، وإبراهيم النخعي. وعنه: منصور، والأعمش، والأوزاعي، وشعبة. قال أحمد بن حنبل: هو أثبت الناس في إبراهيم، وقال عباس الدوري: كان الحكم صاحب عبادة وفضل. وقال أحمد العجلي: كان صاحب سنة واتباع. وقال الأوزاعي: حججت فلقيت عبدة ابن أبي لبابة، فقال لي: هل لقيت الحكم؟ قلت: لا، قال: فالقه، فما بين لابتيها أفقه منه. توفي ﵀ سنة خمس عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن الحكم بن عتيبة قال: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - ﷺ -. (٣)\n- عن سفيان عن عمرو بن قيس قال قلت: للحكم -يعني- بن عتيبة: ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء أن يدخلوا فيها؟ قال: الخصومات. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٧ - ١٠٢٨/ ١٧٣٤) والسنة لعبد الله (٩٨).\n(٢) السير (٥/ ٢٠٨) وتهذيب الكمال (٧/ ١١٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٣٢) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٣١) والوافي بالوفيات (١٣/ ١١١) وشذرات الذهب (١/ ١٥١).\n(٣) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٥/١٧٦١).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٥/٢١٨) والشريعة (١/ ١٩٢/١٣٠) والإبانة (٢/ ٣/٥٠٠/ ٥٥٧).","vol":"2","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>موقفه من المرجئة:</span>\nقال معقل بن عبيد العبسي: فلقيت الحكم بن عتيبة فقلت له: إن عبد الكريم، وميمون بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة فعرضوا عليك قولهم، فقبلت قولهم قال: فَقَبِلَ ذَلِكَ عَلَيَّ ميمون وعبد الكريم؟ فقلت: لا، قال: دخل علي اثنا عشر رجلا وأنا مريض فقالوا: يا أبا محمد أبلغك أن رسول الله - ﷺ - أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفترى هذه مؤمنة فقال لها رسول الله - ﷺ -: أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت: نعم، قال: وتشهدين أن الله يبعث من بعد الموت؟ قالت: نعم قال: فأعتقها قال فخرجوا وهم ينتحلوني (١). (٢)\n\nمُحَارِب بن دِثَار (٣) (١١٦ هـ)\nمُحَارِب بن دِثَار بن كُرْدُوس بن قِرْوَاش السدوسي الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، وليها لخالد بن عبد الله القسري يكنى أبا مطرف. سمع من ابن عمر وجابر ابن عبد الله، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وجماعة. وسمع منه:\n_________\n(١) رواه مالك في الموطإ (٢/ ٧٧٧) وعبد الرزاق (٩/ ١٧٥/١٦٨١٤) وأحمد (٣/ ٤٥١ - ٤٥٢) والبيهقي (١٠/ ٥٧) وقال: \"هذا مرسل\". عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن رجل من الأنصار. قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٤٤): \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\". وروى نحوه مسلم في صحيحه (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁.\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٤ - ١٠٢٥/ ١٧٣٢) والسنة لعبد الله (١١٧ - ١١٩) والسنة للخلال (٤/ ٢٩ - ٣٢/ ١١٠٥) والإبانة (٢/ ٨٠٨ - ٨١١/ ١١٠١).\n(٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٧٤ - ٦٨٠) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٠٧) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٢٥٥ - ٢٥٨) وميزان الاعتدال (٣/ ٤٤١) والسير (٥/ ٢١٧ - ٢١٩) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٩ - ٥١) وشذرات الذهب (١/ ١٥٢).","vol":"2","page":143},{"text":"مسعر وشعبة، والثوري وعدد كثير. كان من ثقات التابعين وأخيارهم وعلمائهم وثقه غير واحد، بل قال الذهبي في الميزان: وهو حجة مطلقا. قال الثوري: ما يخيل إلي أني رأيت أحدا أفضله عليه. قال ابن سعد: كان من المرجئة الأولى الذين يرجئون عليا وعثمان إلى أمر الله، ولا يشهدون عليهما بإيمان ولا بكفر.\nتوفي ﵀ سنة ست عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في الشريعة عن مالك بن مغول قال: سمعت محارب بن دثار يقول:\nأليس يحزنك أن أمتنا ... قد فرقوا دينهم إذ اشتجروا\nبعد نبي الهدى وصاحبه ... الصديق والمرتضى به عمر\nثلاثة برزوا وبسبقهم ... ينصرهم ربهم إذا نشروا\nفليس من مسلم له بصر ... ينكر تفضيلهم إذا ذكروا\nعاشوا بلا فرقة ثلاثتهم ... واجتمعوا في الممات إذا قبروا (١)\n- عن سفيان قال محارب بن دثار: بغض أبي بكر وعمر نفاق. (٢)\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤/ ١٩١١).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٢٩٠).","vol":"2","page":144},{"text":"عون بن عبد الله (١) (١١٦ هـ)\nعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، الإمام القدوة العابد الزاهد أبو عبد الله الهذلي الكوفي أخو فقيه المدينة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. روى عن أبيه وأخيه وابن المسيب وابن عباس وعبد الله بن عمرو وطائفة. وروى عنه إسحاق بن يزيد الهذلي ومالك بن مغول وحنظلة بن أبي سفيان وجماعة.\nومن كلامه: قال: لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة قد غفلها عن نفسه. قال الأصمعي: كان من آدب أهل المدينة وأفقههم، كان مرجئا ثم تركه وقال أبياتا في مفارقة الإرجاء. وقيل: خرج مع ابن الأشعث وفر فأمنه محمد بن مروان بالجزيرة وتعلم منه ولده مروان.\nتوفي ﵀ سنة ست عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عنه قال: من مات على الإسلام والسنة فله بشير بكل خير. (٢)\n- عن عون بن عبد الله: لا تفاتح أصحاب الأهواء في شيء فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض. (٣)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٣١٣) وحلية الأولياء (٤/ ٢٤٠ - ٢٧٢) والسير (٥/ ١٠٣ - ١٠٥) والجرح والتعديل (٦/ ٣٨٤ - ٣٨٥) وتهذيب الكمال (٢٢/ ٤٥٣ - ٤٦٠) وشذرات الذهب (١/ ١٤٠) وتهذيب التهذيب (٨/ ١٧١ - ١٧٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ٧٤ - ٧٥/ ٦٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٢/ ٦٢٥).","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>موقفه من الخوارج:</span>\nوجاء في السنة لعبد الله: عن عاصم الأحول عن عون بن عبد الله قال بعثني عمر بن عبد العزيز إلى الخوارج أكلمهم. فقلت لهم: هل تدرون ما علامتكم في وليكم التي إذا لقيكم بها أمن بها عندكم وكان بها وليكم. وما علامتكم في عدوكم التي إذا لقيكم بها خاف عندكم وكان بها عدوكم؟ قالوا ما ندري ما تقول؟ قلت: فإن علامتكم عند وليكم التي إذا لقيكم بها أمن بها عندكم وكان بها وليكم أن يقول أنا نصراني أو يهودي أو مجوسي. وعلامتكم عند عدوكم التي إذا لقيكم بها خاف بها عندكم وكان بها عدوكم أن يقول أنا مسلم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>موقفه من المرجئة والخوارج:</span>\nعن أبي نوفل الهذلي عن أبيه قال: كان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من آدب أهل المدينة وأفقههم وكان مرجئا ثم رجع فأنشد يقول:\nلأول ما نفارق غير شك ... نفارق ما يقول المرجئونا\nوقالوا مؤمن من أهل جور ... وليس المؤمنون بجائرينا\nوقالوا مؤمن دمه حلال ... وقد حرمت دماء المؤمنينا (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة عنه قال: لا تجالسوا أهل القدر ولا تخاصموهم فإنهم\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٢٧٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٧٧/١٨٥٠) والإبانة (٢/ ٧/٩٠٦/ ١٢٧٣).","vol":"2","page":146},{"text":"يضربون القرآن بعضه ببعض. (١)\n\nمكحول (٢) (١١٦ هـ)\nمَكْحُول الشامي، أبو عبد الله، ويقال: أبو أيوب، ويقال: أبو مسلم والمحفوظ أبو عبد الله الدمشقي الفقيه. أرسل عن النبي - ﷺ - أحاديث، وأرسل عن عدة من الصحابة لم يدركهم كأبي بن كعب وثوبان وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وجماعة وروى عن طائفة من التابعين لم يلقهم كأبي مسلم الخولاني ومسروق. وحدث عن جماعة لقيهم. وحدث عنه الزهري وربيعة الرأي وأسامة بن زيد الليثي وجماعة. قال أبو حاتم: ما بالشام أحد أفقه من مكحول، وقال سعيد بن عبد العزيز: كان إذا سئل -أي مكحول- يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا رأي والرأي يخطئ ويصيب. وعن تميم بن عطية قال: كثيرا ما كنت أسمع مكحولا يسأل، فيقوم ندانم يعني: لا أدري، وكان أعجميا. قال ابن يونس: ذكر أن مكحولا من أهل مصر، ويقال: كان لرجل من هذيل مصري فأعتقه، فسكن الشام. ويقال: إنه من الفرس من السبي الذين سبوا من فارس ويكنى أبا مسلم، وكان فقيها عالما ورأى أبا أمامة وأنسا وسمع واثلة بن الأسقع. توفي ﵀ سنة ست عشرة ومائة.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٦/ ٤٦٣).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٥٣ - ٤٥٤) والجرح والتعديل (٨/ ٤٠٧ - ٤٠٨) وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٥ - ١٦٠) وحلية الأولياء (٥/ ١٧٧ - ١٩٣) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٤٦٤ - ٤٧٤) ووفيات الأعيان (٥/ ٢٨٠ - ٢٨٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠٧ - ١٠٨) والبداية والنهاية (٩/ ٣١٧) وشذرات الذهب (١/ ١٤٦ - ١٤٧).","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن مكحول قال: السنة سنتان: سنة الأخذ بها فريضة وتركها كفر. وسنة الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غير حرج. (١)\n\" التعليق:\nقال ابن بطة: وأنا أشرح لكم طرفا من معنى كلام مكحول يخصكم ويدعوكم إلى طلب السنن التي طلبها، والعمل بها فرض، والترك لها والتهاون بها كفر. فاعلموا رحمكم الله أن السنن التي لزم الخاصة والعامة علمها والبحث والمسألة عنها والعمل بها؛ هي السنن التي وردت تفسيرا لجملة فرض القرآن مما لا يعرف وجه العمل به إلا بلفظ ذي بيان وترجمة. قال الله ﷿: ﴿وأقيموا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزكاة﴾ (٢)، وقال: ﴿وأتموا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، وقال: ﴿كُتِبَ عليكم الصيام كَمَا كُتِبَ على الذين من قَبْلِكُمْ﴾ (٤)، وقال: ﴿وجاهدوا في سبيل اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٥) وقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ ورباع﴾ (٦)\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٨٢ - ١٨٣/ ١١٤) والإبانة (١/ ١/٢٦٣/ ١٠١).\n(٢) البقرة الآية (١١٠).\n(٣) البقرة الآية (١٩٦).\n(٤) البقرة الآية (١٨٣).\n(٥) التوبة الآية (٢٠).\n(٦) النساء الآية (٣).","vol":"2","page":148},{"text":"وقال: ﴿وأحل لكم البيع وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١).\nفليس أحد يجد السبيل إلى العمل بما اشتملت عليه هذه الجمل من فرائض الله ﷿ دون تفسير رسول الله - ﷺ - بالتوقيف والتحديد والترتيب. ففرض على الأمة علم السنن التي جاءت عن رسول الله - ﷺ - في تفسير هذه الجمل من فرائض الكتاب؛ فإنها أحد الأصلين اللذين أكمل الله بهما الدين للمسلمين، وجمع لهم بهما ما يأتون وما يتقون فلذلك صار الأخذ بها فرضا وتركها كفرا.\nوأنا أذكر حديثا يحتج به المبطلون للشريعة ويحتال به المموهون وأهل الخديعة ليعرفه إخواننا فيردوه على من احتج به عليهم، وهو حديث رواه رجل جرحه أهل العلم بالحديث وأئمة المحدثين وأسقطوه. حدث بأحاديث بواطيل وأنكرها العلماء عليه، يعرف هذا الرجل بعثمان بن عبد الرحمن الوقاصي.\nحدثنا أبو الحسن أحمد بن زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الساجي البصري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن الحارث المخزومي، قال: حدثنا يحيى بن جعدة المخزومي، عن عمر بن حفص، عن عثمان بن عبد الرحمن -يعني الوقاصي- عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا عمر! لعل أحدكم متكئ على أريكته ثم يكذبني. ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فأنا قلته وإن لم يوافقه فلم أقله\". (٢)\n_________\n(١) البقرة الآية (١١٠).\n(٢) سيأتي تخريجه ضمن مواقف محمد أمان الجامي سنة (١٤١٦هـ).","vol":"2","page":149},{"text":"قال ابن الساجي: قال أبي ﵀: هذا حديث موضوع عن النبي - ﷺ -، قال: وبلغني عن علي بن المديني أنه قال: ليس لهذا الحديث أصل، والزنادقة وضعت هذا الحديث.\nقال ابن بطة: وصدق ابن الساجي وابن المديني رحمهما الله، لأن هذا الحديث كتاب الله يخالفه ويكذب قائله وواضعه، والحديث الصحيح والسنة الماضية عن رسول الله - ﷺ - ترده. قال الله ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).\nوالذي أمرنا الله ﷿ أن نسمع ونطيع ولا نضرب لمقالته ﵇ المقاييس، ولا نلتمس لها المخارج، ولا نعارضها بالكتاب ولا بغيره، ولكن نتلقاها بالإيمان والتصديق والتسليم إذا صحت بذلك الرواية.\nوأما السنة الواردة عنه - ﷺ - التي تخالف هذا الحديث الموضوع التي نقلها أهل العدالة والأمانة، فهو ما حدثنا: أبو جعفر محمد بن عبيد الله بن العلا الكاتب، قال: حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي. وحدثني أبو صالح محمد بن أحمد بن ثابت قال: حدثنا أبو الأحوص وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود، وهذا لفظه، قالا: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي\n_________\n(١) النساء الآية (٦٥).","vol":"2","page":150},{"text":"الله عنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله - ﷺ - حديثا فظنوا برسول الله أهناه وأتقاه وأهداه. ولم يذكر الأعمش في حديثه أبا عبد الرحمن السلمي.\nحدثنا ابن الصواف قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵇ قوله: أو نحوه. فالذي ذكرته رحمكم الله في هذا الباب من طاعة رسول الله - ﷺ - وحضضت عليه من اتباع سنته واقتفاء أثره موافق كله لكتاب الله ﷿ وسنة رسول الله وهو طريق الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين والصحابة والتابعين وعليه كان السلف الصالح من فقهاء المسلمين وهي سبيل المؤمنين التي من اتبع غيرها ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.\nفإذا سمع أحدكم حديثا عن رسول الله - ﷺ - رواه العلماء واحتج به الأئمة العقلاء فلا يعارضه برأيه وهوى نفسه فيصيبه ما توعده الله ﷿ به، فإنه قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).\nوهل تدري ما الفتنة ههنا؟ هي والله الشرك بالله العظيم والكفر بعد الإيمان؛ فإن الله ﷿ قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٢).\nيقول: حتى لا يكون شرك فإنه قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حيث ثَقِفْتُمُوهُمْ\n_________\n(١) النور الآية (٦٣).\n(٢) البقرة الآية (١٩٣).","vol":"2","page":151},{"text":"وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حيث أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أشد مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١).\nيقول: الشرك بالله أشد من قتلكم لهم. ثم قال ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢).\nأعاذنا الله وإياكم من هذه الأهوال، ووفقنا وإياكم لصالح الأعمال. (٣)\n- عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن. (٤)\n- وروي عن مكحول أنه قال: تفقه الرعاع فساد الدين والدنيا، وتفقه السفلة فساد الدين. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن الأوزاعي قال: سمعت الزهري ومكحولا يقولان: القرآن كلام الله غير مخلوق. (٦)\n- وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمروها كما جاءت. (٧)\n_________\n(١) البقرة الآية (١٩١).\n(٢) النساء الآية (١١٥).\n(٣) الإبانة (١/ ١/٢٦٤ - ٢٦٩).\n(٤) الإبانة (١/ ١/٢٥٣/ ٨٨) وذم الكلام (٧٥) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٩٤).\n(٥) ابن عبد البر في الجامع (١/ ٦٢٠) وهو عند الطرطوشي في الحوادث والبدع (١٢٦) والشاطبي في الاعتصام (٢/ ٦٨٣).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٢/٨/ ١٨٥).\n(٧) الفتاوى (٥/ ٣٩).","vol":"2","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-632>موقفه من المرجئة:</span>\nعن عبيد الله بن عبيد الكلاعي قال: أخذ بيدي مكحول فقال: يا أبا وهب، كيف تقول في رجل ترك صلاة مكتوبة متعمدا؟ فقلت: مؤمن عاص. فشد بقبضته على يدي، ثم قال: يا أبا وهب ليعظم شأن الإيمان في نفسك، من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ومن برئت منه ذمة الله فقد كفر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن مسافر قال: جاء رجل إلى مكحول من إخوانه، فقال: يا أبا عبد الله. ألا أعجبك أني عدت اليوم رجلا من إخوانك، فقال: من هو؟ قال: لا عليك. قال: أسألك، قال: هو غيلان، فقال: إن دعاك غيلان فلا تجبه، وإن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تمش في جنازته، ثم حدثهم مكحول عن عبد الله بن عمر، وذكروا عندهم القدرية، فقال: أو قد أظهروه وتكلموا به؟ قال: نعم، فقال ابن عمر: أولئك نصارى هذه الأمة ومجوسها. (٢)\n- وفيها عن أيوب قال: سمعت مكحولا يقول لغيلان: لا تموت إلا مفتونا. (٣)\n- وفيها عن إبراهيم بن عبد الله الكناني قال: حلف مكحول لا يجمعه\n_________\n(١) ابن أبي شيبة في الإيمان (١٢٩) وفي المصنف (٦/ ١٧١ - ١٧٢/ ٣٠٤٣٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٦/ ١٧٨٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٦/ ١٧٨١) والشريعة (١/ ٤٥٨/٥٩٥).","vol":"2","page":153},{"text":"وغيلان سقف بيت إلا سقف المسجد، وإن كان ليراه في أسطوان من أسطوانات السوق؛ فيخرج منه. (١)\n- وفيها عن سعيد بن عبد العزيز قال: قال مكحول: حسيب غيلان الله، لقد ترك هذه الأمة في لجج مثل لجج البحار. (٢)\n- وفيها عن ثابت بن ثوبان: سمعت مكحولا يقول: ويحك يا غيلان؛ ركبت بهذه الأمة مضمار الحرورية، غير أنك لا تخرج عليهم بالسيف، والله لأنا على هذه الأمة منك أخوف من المزققين أصحاب الخمر. (٣)\n- وفيها عن إبراهيم بن مروان قال: قال أبي: قلت لسعيد بن عبد العزيز: يا أبا محمد: إن الناس يتهمون مكحولا بالقدر، فقال: كذبوا، لم يك مكحول بقدري. (٤)\n- وفيها عن الأوزاعي قال: لا نعلم أحدا من أهل العلم نسب إلى هذا الرأي إلا الحسن ومكحولا ولم يثبت ذلك عنهما، قال أبو مسهر: كان سعيد بن عبد العزيز يبرئ مكحولا ويدفعه عن القدر. (٥)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٧/ ١٧٨٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٣٠٠/ ١٩٦١) والشريعة (١/ ٤٥٨/٥٩٤).\n(٣) الإبانة (٢/ ١١/٣٠٠ - ٣٠١/ ١٩٦٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٨/ ١٧٨٦).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٨/ ١٧٨٨).","vol":"2","page":154},{"text":"نافع مولى ابن عمر (١) (١١٧ هـ)\nالإمام المفتي الثبت نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الله المدني. قيل إن أصله من المغرب وقيل: من نيسابور وقيل غير ذلك. سمع من ابن عمر وعائشة وأبي هريرة وجماعة من الصحابة، وسمع منه: الزهري وأيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وخلق من التابعين. كان من الثقات النبلاء والأئمة الأجلاء، وكان عمر بن عبد العزيز قد بعثه إلى مصر يعلم الناس السنن، كان صغير النفس، وكان في حياة سالم لا يفتي شيئا. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. قال الخليلي: نافع من أئمة التابعين بالمدينة، إمام في العلم متفق عليه. وقال ابن حجر: ثقة ثبت فقيه مشهور. مات رحمه الله تعالى سنة سبع عشرة ومائة على الأصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>موقفه من المرجئة:</span>\nعن معقل قال: قدمت المدينة فجلست إلى نافع فقلت له: يا أبا عبد الله إن لي إليك حاجة قال: سرا أم علانية فقلت: لا بل سر قال: دعني من السر سر لا خير فيه فقلت: ليس من ذاك، فلما صلينا العصر قام وأخذ بيدي وخرج من الخوخة ولم ينتظر القاص وقال: حاجتك قال: قلت: اخلني هذا، فقال: تنح قال: فذكرت له قولهم (٢) فقال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن\n_________\n(١) المعرفة والتاريخ (١/ ٦٤٥ - ٦٤٧) وتهذيب الكمال (٢٩/ ٢٩٨ - ٣٠٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ٩٩ - ١٠٠) والسير (٥/ ٩٥ - ١٠١) والبداية والنهاية (٩/ ٣٣٢) وشذرات الذهب (١/ ١٥٤).\n(٢) أي المرجئة.","vol":"2","page":155},{"text":"أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله\" (١) قال: قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بالصلاة فريضة ولانصلي، وإن الخمر حرام ونحن نشربها، وإن نكاح الأمهات حرام ونحن نريده فنتر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن محمد بن يزيد الرحبي قال: قلت لنافع مولى ابن عمر: إن قبلنا قوما يقولون إن الله ﷿ لم يقدر الذنوب على أهلها والناس مخيرون بين الخير والشر، قال: أولئك قوم كفروا بعد إيمانهم. (٣)\n- روى اللالكائي بسنده: عن عبد المجيد بن أبي رواد عن أبيه قال: كنت عند نافع مولى ابن عمر فجاء رجل يسأل عن شيء فقال له: أنا أفتيك يا قدري. (٤)\n- وعن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة قال: سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول لأمير كان على المدينة: أصلحك الله اضرب أعناقهم- يعني القدرية. قال: وأنا يومئذ قدري حتى رأيت في المنام كأني أخاصم ناسا قال فتلوت آية. فلما أصبحت جاءني أصحابي فقلت يا هؤلاء إني أستغفر الله\n_________\n(١) هذا الحديث رواه: البخاري (١٣/ ٣١١/٧٢٨٤و٧٢٨٥) ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢/ ٢٠) وأبو داود (٢/ ١٩٨/١٥٥٦) والترمذي (٥/ ٥ - ٦/ ٢٦٠٧) والنسائي (٧/ ٨٨/٣٩٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٤ - ١٠٢٥/ ١٧٣٢) والسنة لعبد الله (١١٧ - ١١٩) والسنة للخلال (٤/ ٢٩ - ٣٢/ ١١٠٥) والإبانة (٢/ ٨٠٨ - ٨١١/ ١١٠١).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩/١٢١/ ١٥٤٧).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧١٤/١١٦٩).","vol":"2","page":156},{"text":"وأتوب إليه فأخبرتهم بما رأيت فرجع بعضهم وأبى بعض أن يرجع. (١)\n- وأخرج ابن بطة: عن ابن وهب قال: أخبرني يحيى بن أيوب عن سليمان بن حميد أنه كان جالسا مع محمد بن كعب القرظي؛ فحدثهم عن امرأة قدمت من المجوس ومعها ابن لها، فأسلمت وحسن إسلامها؛ فكبر ابنها فكذب بالقدر ودعى أمه إلى ذلك، فقالت: يا بني. هذا دين آبائك المجوس؛ أفترجع إلى المجوسية بعد إذ أسلمنا؟ قال: سليمان يعني: ابن حميد: كان نافع مولى ابن عمر قريبا من مجلسه، فسمع حديثه؛ فأقبل على القرظي، فقال: صدقت، والذي نفسي بيده؛ إنه لدين المجوسية. (٢)\n- وأخرج الآجري في الشريعة: قيل لنافع: إن هذا الرجل يتكلم في القدر؛ قال: فأخذ كفا من حصى فضرب بها وجهه. (٣)\n\nقَتَادَة بن دِعَامَة (٤) (١١٧ هـ)\nأبو الخطاب قَتَادَة بن دِعَامَة السدوسي البصري الضرير الأكمه، كان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ. روى عن عبد الله بن سرجس وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وخلق كثير. روى\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٣/١٣١٢) والسنة لعبد الله (١٤٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٠/ ١٧٦١).\n(٣) الشريعة (١/ ٤٣٢/٥٣٥).\n(٤) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٩ - ٢٣١) والجرح والتعديل (٧/ ١٣٣ - ١٣٥) ووفيات الأعيان (٤/ ٨٥ - ٨٦) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٤٩٨ - ٥١٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٢٢ - ١٢٤) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩ - ٢٨٣) وميزان الاعتدال (٣/ ٣٨٥) ومشاهير علماء الأمصار (٩٦) وشذرات الذهب (١/ ١٥٣ - ١٥٤) والبداية والنهاية (٩/ ٣٢٥ - ٣٢٦).","vol":"2","page":157},{"text":"عنه أيوب السختياني وابن أبي عروبة ومعمر بن راشد والأوزاعي ومسعر بن كدام، وأمم سواهم. قال أحمد بن حنبل: كان قتادة عالما بالتفسير، وباختلاف العلماء، ثم وصفه بالفقه والحفظ، وأطنب في ذكره وقال: قلما تجد من يتقدمه. قال قتادة: ما قلت لمحدث قط أعد علي، وما سمعت أذناي شيئا قط إلا وعاه قلبي. قال ابن حبان: كان من علماء الناس بالقرآن والفقه، وكان من حفاظ أهل زمانه، على قدر فيه. قال أبو داود: لم يثبت عندنا عن قتادة القول بالقدر، والله أعلم. قال ابن أبي حاتم: كان قتادة بارع العلم، نسيج وحده في الحفظ في زمانه، لا يتقدمه كبير أحد. وعنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الله من عباده الْعُلَمَاءُ﴾ (١) قال: كفى بالرهبة علما، اجتنبوا نقض الميثاق، فإن الله قدم فيه وأوعد، وذكره في آي من القرآن تقدمة ونصيحة وحجة، إياكم والتكلف والتنطع والغلو والإعجاب بالأنفس، تواضعوا لله لعل الله يرفعكم. توفي سنة سبع عشرة ومائة بواسط وقيل ثماني عشرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة أن قتادة كان إذا تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا ربنا اللَّهُ ثُمَّ استقاموا﴾ (٢) قال: إنكم قد قلتم ربنا الله فاستقيموا على أمر الله وطاعته وسنة نبيكم وامضوا حيث تؤمرون، فالاستقامة أن تلبث على الإسلام\n_________\n(١) فاطر الآية (٢٨).\n(٢) الأحقاف الآية (١٣).","vol":"2","page":158},{"text":"والطريقة الصالحة ثم لا تمرق منها ولا تخالفها ولا تشذ عن السنة ولا تخرج عنها. فإن أهل المروق من الإسلام منقطع بهم يوم القيامة، ثم إياكم وتصرف الأخلاق واجعلوا الوجه واحدا والدعوة واحدة، فإنه بلغنا أنه \"من كان ذا وجهين وذا لسانين كان له يوم القيامة لسانان من نار\" (١). (٢)\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن عاصم الأحول قال: قال قتادة: يا أحول! إن الرجل إذا ابتدع بدعة ينبغي لها أن تذكر حتى تحذر. (٣)\n\n\" التعليق:\nنعم ويبين بطلانها، وكذلك رؤوس المبتدعة وأفراخهم، ويعتبر ذلك من أفضل القرب إلى الله، ومن الجهاد في سبيله كما قال بعض السلف والحمد لله رب العالمين.\n\n- روى الدارمي بسنده إلى أبي عوانة عن قتادة قال: ما قلت برأيي منذ\n_________\n(١) رواه أبو يعلى (٥/ ١٥٩/٢٧٧١و٢٧٧٢) وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (ص.٢٨٢) والبزار (٢/ ٤٢٨/٢٠٢٥ كشف الأستار) والطبراني في الأوسط (٩/ ٤٠٩/٨٨٨٠) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٦٠) والخطيب في التاريخ (١٢/ ١٠٣) من طرق عن أنس بن مالك به، وذكره الهيثمي في المجمع (٨/ ٩٥) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه مقدام بن داود وقد ضعف، ورواه البزار بنحوه، وأبو يعلى وفيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف\". وأخرجه أبو داود (٥/ ١٩١/٤٨٧٣) والبخاري في الأدب المفرد (١٣١٠) وابن حبان (الإحسان ١٣/ ٦٨/٥٧٥٦) من حديث عمار بن ياسر وحسن إسناده العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١٧٧٧/٢٨٠٦). وفي الباب عن أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وجندب بن عبد الله البجلي ﵃. قال الشيخ الألباني ﵀ بعد ذكر هذه الطرق: \"وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق، والله أعلم\". انظر الصحيحة (٢/ ٥٨٤ - ٥٨٥).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣١٧ - ٣١٨/ ١٥٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٤/٢٥٦) والكفاية في علم الرواية (ص.٤٤).","vol":"2","page":159},{"text":"ثلاثون سنة، قال أبو هلال: منذ أربعون سنة. (١)\n\" التعليق:\nانظر كيف كان السلف يتمسكون بالنص ولا يعدلون به إلى آرائهم الطيبة التي كانت مبنية على النصوص، ومع ذلك لشدة حبهم لرسول الله - ﷺ - وورعهم عن الوقوع في الخطأ التزموا بالنصوص. وأما نحن فأعرضنا عن النصوص بالكلية وجعلنا حججنا في قول فلان وعلان مهما كان مصدر رأيه سواء كان مستاقا من ضلال اليونان؛ أو من الفكر الهندي والمسيحي؛ أو من متأخرة الفقهاء الذين لم يشموا رائحة السنة، أو من الفكر الاستشراقي النصراني، والله المستعان.\n- عن قتادة في قوله ﷿: ﴿واذكرن ما يتلى عليكم في بيوتكن من آيات اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٢)، قال: القرآن والسنة. (٣)\n- عن قتادة: ﴿ويعلمهم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٤)، قال: السنة. (٥)\n- وعنه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يخوضوا في حديث غيره﴾ (٦)، قال: نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها وإن نسي\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ٤٧).\n(٢) الأحزاب الآية (٣٤).\n(٣) الإبانة (١/ ١/٢٥٥/ ٩١) والسنة للمروزي (ص.١٠٨ - ١٠٩).\n(٤) البقرة الآية (١٢٩).\n(٥) أصول الاعتقاد (١/ ٧٨/٧١) والإبانة (١/ ٢/٣٤٤ - ٣٤٥/ ٢١٧).\n(٦) الأنعام الآية (٦٨).","vol":"2","page":160},{"text":"فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين. (١)\n- وعنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٢)، قال: لا تبتدعوا ولا تجالسوا مبتدعا. (٣)\n- قال قتادة: إنا والله ما رأينا الرجل يصاحب من الناس إلا مثله وشكله فصاحبوا الصالحين من عباد الله لعلكم أن تكونوا معهم أو مثلهم. (٤)\n- عن قتادة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يجادل في الله عِلْمٍ﴾ (٥)، قال: صاحب بدعة يدعو إلى بدعته. (٦)\n- عن قتادة: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ (٧١) (٧)، قال: خصومة علمها الله محمدا - ﷺ - وأصحابه يخاصمون بها أهل الضلالة. (٨)\n- وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (٩): يعني أهل البدع. (١٠)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٣٠ - ٤٣١/ ٣٥٢) والطبري (٥/ ٢٢٨).\n(٢) النساء الآية (١٧١).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٠/ ٣٨٠) وما جاء في البدع (ص.٦٦).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٩ - ٤٨٠/ ٥١١).\n(٥) الحج الآية (٣).\n(٦) أصول الاعتقاد (١/ ١٢٩/١٧٨).\n(٧) الأنعام الآية (٧١).\n(٨) ذم الكلام (ص.١٢٨).\n(٩) آل عمران الآية (١٠٥).\n(١٠) الاعتصام (١/ ٧٥).","vol":"2","page":161},{"text":"- قال الحافظ في الفتح: وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن قتادة في قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا للمتقين إِمَامًا﴾ (١) أي قادة في الخير ودعاة هدى يؤتم بنا في الخير. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن سعيد عن قتادة قال: ما سب أحد عثمان إلا افتقر. (٣)\n- عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدى. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الإبانة عن معاذ بن معاذ قال: جاء الأشعث بن عبد الملك إلى قتادة فقال: من أين؟ لعلك دخلت في هذه المعتزلة؟ قال: قال له رجل: إنه لزم الحسن ومحمدا، قال: هي ها الله إذا فالزمهما. (٥)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن قتادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٦) قال: ذكر لنا أن المؤمنين إذا دخلوا الجنة ناداهم ربهم: إن الله وعدكم الحسنى: وهي الجنة والزيادة: النظر إلى وجه الرحمن. (٧)\n_________\n(١) الفرقان الآية (٧٤).\n(٢) الفتح (١٣/ ٢٥١).\n(٣) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٤/٢٣٩٧).\n(٤) المنهاج (٦/ ٢٣٣).\n(٥) الإبانة (٢/ ١١/٣٠٥/ ١٩٧٦).\n(٦) يونس الآية (٢٦).\n(٧) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٣/٧٩٨).","vol":"2","page":162},{"text":"- وعن معمر عن قتادة في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (١) قال يأتيهم في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة عند الموت. (٢)\n- وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٣) قال: قال المشركون: إنما هنا كلام يوشك أن ينفد. فأنزل الله تعالى ما تسمعون. يقول: لو كان شجر الأرض أقلاما ومع البحر سبعة أبحر مدادا لتكسرت الأقلام ونفدت البحور قبل أن تنفد عجائب ربي وحكمته وكلماته وعلمه. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>موقفه من الخوارج:</span>\nعن معمر عن قتادة في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (٥) وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبائية، فلا أدري من هم، ولعمري لقد كان في أهل بدر والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله - ﷺ - بيعة\n_________\n(١) البقرة الآية (٢١٠).\n(٢) السنة لعبد الله (١٨٧).\n(٣) لقمان الآية (٢٧).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦/ ٣٦٠).\n(٥) آل عمران الآية (٧).","vol":"2","page":163},{"text":"الرضوان من المهاجرين والأنصار خبر لمن استخبر، وعبرة لمن استعبر، لمن كان يعقل أو يبصر. إن الخوارج خرجوا وأصحاب رسول الله - ﷺ - يومئذ كثير بالمدينة والشام والعراق، وأزواجه يومئذ أحياء. والله إن خرج منهم ذكر ولا أنثى حروريا قط، ولا رضوا الذي هم عليه، ولا مالأوهم فيه، بل كانوا يحدثون بعيب رسول الله - ﷺ - إياهم ونعته الذي نعتهم به، وكانوا يبغضونهم بقلوبهم، ويعادونهم بألسنتهم، وتشتد والله عليه أيديهم إذا لقوهم. ولعمري لو كان أمر الخوارج هدى لاجتمع، ولكنه كان ضلالا فتفرق. كذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافا كثيرا. فقد ألاصوا هذا الأمر منذ زمان طويل. فهل أفلحوا فيه يوما أو أنجحوا؟ يا سبحان الله؟ كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأولهم؟ لو كانوا على هدى، قد أظهره الله وأفلحه ونصره، ولكنهم كانوا على باطل أكذبه الله وأدحضه. فهم كما رأيتهم، لكما خرج لهم قرن أدحض الله حجتهم، وأكذب أحدوثتهم، وأهراق دماءهم. إن كتموا كان قرحا في قلوبهم، وغما عليهم. وإن أظهروه أهراق الله دماءهم. ذاكم والله دين سوء فاجتنبوه. والله إن اليهودية لبدعة، وإن النصرانية لبدعة، وإن الحرورية لبدعة وإن السبائية لبدعة ما نزل بهن كتاب ولا سنهن نبي. (١)\n- وعنه في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (٢)\n، قال: تُدْخِل مقلوبُ تُخْلِد، ولا نقول كما قال أهل حروراء. (٣)\n_________\n(١) ابن جرير (٦/ ١٨٧ - ١٨٩) وعبد الرزاق في التفسير (١/ ١١٥).\n(٢) آل عمران الآية (١٩٢).\n(٣) تفسير القرطبي (٤/ ٢٠١).","vol":"2","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: عن الأوزاعي قال: كان يحيى وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء. (١)\n- وعن قتادة قال: إنما حدث هذا الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>موقفه من القدرية:</span>\n- روى اللالكائي بسنده إلى الحكم بن عمر: أرسلني خالد بن عبد الله إلى قتادة وهو بالجيزة أسأله عن مسائل فكان فيما سألته قلت: أخبرني عن قول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٣) هم مشركوا العرب؟ قال: لا ولكنهم الزنادقة المباينة الذين جعلوا لله شركاء في خلقه فقالوا: إن الله يخلق الخير وإن الشيطان يخلق الشر وليس لله على الشيطان قدرة. (٤)\n- وجاء في مجموع الفتاوى: عن قتادة: ﴿والذي قدر فهدى﴾ (٥) قال: لا والله ما أكره الله عبدا على معصية قط ولا على ضلالة، ولا رضيها له ولا أمره، ولكن رضي لكم الطاعة فأمركم بها، ونهاكم عن\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٨٦) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٤/١٨١٦) والإبانة (٢/ ٨٨٥ - ٨٨٦/ ١٢٢٣) والشريعة (١/ ٣٠٩/٣٣٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٧٤/١٨٤١) والإبانة (٢/ ٨٨٩/١٢٣٥) والسنة لعبد الله (٨٦) والسنة للخلال (٤/ ٨٧ - ٨٨/ ١٢٣٠).\n(٣) الحج الآية (١٧).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٤/١٢٩٧).\n(٥) الأعلى الآية (٣).","vol":"2","page":165},{"text":"معصيته. (١)\nقال ابن تيمية معلقا: قتادة ذكر هذا عند هذه الآية ليبين أن الله قدر ما قدره من السعادة والشقاوة، كما قال الحسن وقتادة، وغيرهما من أئمة المسلمين، فإنهم لم يكونوا متنازعين. فما سبق من سبق تقدير الله، وإنما كان نزاع بعضهم في الإرادة وخلق الأفعال.\nوإنما نازع في التقدير السابق والكتاب أولئك الذين تبرأ منهم الصحابة كابن عمر، وابن عباس، وغيرهما.\nوذكر قتادة أن الله لن يكره أحدا على معصية، وهذا صحيح؛ فإن أهل السنة المثبتين للقدر متفقون على أن الله لا يكره أحدا على معصية كما يكره الوالي والقاضي وغيرهما للمخلوق على خلاف مراده، يكرهونه بالعقوبة والوعيد، بل هو سبحانه يخلق إرادة العبد للعمل وقدرته وعمله، وهو خالق كل شيء.\nوهذا الذي قاله قتادة قد يظن فيه أنه من قول القدرية، وأنه لسبب مثل هذا اتهم قتادة بالقدر، حتى قيل: إن مالكا كره لمعمر أن يروي عنه التفسير لكونه اتهم بالقدر، وهذا القول حق، ولم يعرف أحد من السلف قال: إن الله أكره أحدا على معصية. (٢)\n- وجاء في الإبانة: عن قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ الحكيم الخبير﴾ (٣)؛\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٤٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٤٠ - ١٤١).\n(٣) سبأ الآية (١).","vol":"2","page":166},{"text":"قال: حكيم في أمره، خبير بخلقه. (١)\n- وفيها: عن سعيد بن أبي عروبة أن رجلا جاء إلى قتادة فقال: يا أبا الخطاب. ما تقول في القدر؟ فقال: رأي العرب أعجب إليك أم رأي العجم؟ قال: رأي العرب، قال: إن العرب لم تزل في جاهليتها وإسلامها تثبت القدر، ثم أنشده بيتا من شعر. (٢)\n- وفيها: عن معمر عن قتادة قال: ﴿يعلم السر وأخفى﴾ (٣)؛ قال: أخفى من السر ما حدثت به نفسك، وما لم تحدث به نفسك أيضا مما هو كائن. (٤)\n\nميمون بن مِهْرَان (٥) (١١٧ هـ)\nميمون بن مِهْرَان الإمام الحجة عالم الجزيرة ومفتيها أبو أيوب الجزري. روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وابن عمر وغيرهم. روى عنه ابنه عمرو وجعفر بن إياس وحميد الطويل وسليمان الأعمش وغيرهم. كان ثقة كثير الحديث، عن سليمان بن موسى قال: هؤلاء الأربعة علماء الناس في\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٩/ ١٧٩١).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٩/ ١٧٩٢).\n(٣) طه الآية (٧).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٥/ ١٨١٣).\n(٥) طبقات ابن سعد (٦/ ٤٧٧ - ٤٧٩) والجرح والتعديل (٨/ ٢٣٣ - ٢٣٤) والسير (٥/ ٧١ - ٧٨) وحلية الأولياء (٤/ ٨٢ - ٩٧) وتهذيب الكمال (٢٩/ ٢١٠ - ٢٢٧) والبداية والنهاية (٩/ ٣٢٦ - ٣٣٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٩٨ - ٩٩) ومشاهير علماء الأمصار (١١٧) وشذرات الذهب (١/ ١٥٤).","vol":"2","page":167},{"text":"زمن هشام بن عبد الملك مكحول والحسن والزهري وميمون بن مهران. كان ميمون عند عمر بن عبد العزيز فلما قام قال عمر: إذا ذهب هذا وضرباؤه صار الناس بعده رجراجة. قال أبو المليح: ما رأيت رجلا أفضل من ميمون ابن مهران. قال له رجل: يا أبا أيوب ما يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم، قال: أقبل على شأنك ما يزال الناس بخير ما اتقوا ربهم.\nمن أقواله: قال لجعفر بن برقان: قل لي في وجهي ما أكره فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره. ثلاثة تؤدى إلى البر والفاجر: الأمانة، والعهد، وصلة الرحم. وقال: من أحب أن يعلم ما له عند الله، فليعلم مالله عنده، فإنه قادم على ما قدم لا محالة. توفي ﵀ سنة سبع عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهن: لا تدخل على السلطان، وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تصغين بسمعك إلى هوى، فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه، ولا تدخل على امرأة، ولو قلت: أعلمها كتاب الله. (١)\n- عن جعفر بن برقان قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: إياكم وكل هوى يسمى بغير الإسلام. (٢)\n- عن جعفر بن برقان عن ميمون قال: إن هذا القرآن قد أخلق في\n_________\n(١) السير (٥/ ٧٧).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣٥٤/ ٢٣٥).","vol":"2","page":168},{"text":"صدور كثير من الناس والتمسوا ما سواه من الأحاديث، وإن ممن يتبع هذا العلم من يتخذه بضاعة يريد به الدنيا ومنهم من يريد أن يشار إليه ومنهم من يماري به وخيرهم الذي يتعلمه ليطيع الله. (١)\n\" التعليق:\nقال أبو عمر: معنى قوله: إن هذا القرآن قد أخلق، والله أعلم أي أخلق علم تأويله من تلاوته إلا بالأحاديث عن السلف العالمين به، فبالأحاديث الصحاح عنهم يوقف على ذلك، لا بما سولته النفوس، وتنازعته الآراء كما صنعته أهل الأهواء. (٢)\n- وجاء في ذم الكلام عن ميمون بن مهران في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) قال: إلى كتاب الله والرد إلى رسول الله إذا قبض إلى سنته. (٤)\n- قال ميمون بن مهران: لو أن رجلا نشر فيكم من السلف ما عرف فيكم غير هذه القبلة. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>موقفه من المشركين:</span>\nروى أبو المليح الرقي عن ميمون بن مهران قال: لا تجالسوا أهل القدر\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٦١) والحلية (٤/ ٨٤) والجامع لابن عبد البر (٢/ ١٢٠٣).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٢٠٣).\n(٣) النساء الآية (٥٩).\n(٤) ذم الكلام (ص.٧٦) والإبانة (١/ ١/٢١٧/ ٥٨) وأصول الاعتقاد (١/ ٨٠/٧٦).\n(٥) ما جاء في البدع لابن وضاح (ص.١٤١) وانظر السير (٥/ ٧٦) والاعتصام (١/ ٣٤).","vol":"2","page":169},{"text":"ولا تسبوا أصحاب محمد - ﷺ - ولا تعلموا النجوم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن أبي المليح الرقي قال: كان ميمون بن مهران يقول: إن أقواما يقولون: لا يسعنا أن نستغفر لعثمان وعلي، وأنا أقول غفر الله لعثمان وعلي وطلحة والزبير. (٢)\n- عن ميمون بن مهران قال: ثلاثة أرفضوهن: مجادلة أصحاب الأهواء، وشتم أصحاب رسول الله - ﷺ -، والنظر في النجوم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن أبي مليح قال: سئل ميمون عن كلام المرجئة، فقال: أنا أكبر من ذلك. (٤)\n- قال معقل: فجلست إلى ميمون بن مهران فقلت: يا أبا أيوب لو قرأت لنا سورة ففسرتها قال: فقرأ أو قرئت: ﴿إذا الشمس كورت﴾ حتى إذا بلغ ﴿مطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (٥) قال: ذلكم جبريل، والخيبة لمن يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل. (٦)\n_________\n(١) السير (٥/ ٧٣. جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٧٩٤).\n(٢) الشريعة (٣/ ٢٢/١٢٨٩).\n(٣) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (ص.٢٦٧) والسير (٥/ ٧٣).\n(٤) الإبانة (٢/ ٧/٨٩٠/ ١٢٣٦).\n(٥) التكوير الآيات (١ - ٢١).\n(٦) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٤ - ١٠٢٥/ ١٧٣٢) والسنة لعبد الله (١١٧ - ١١٩) والسنة للخلال (٤/ ٢٩ - ٣٢/ ١١٠٥) والإبانة (٢/ ٨٠٨ - ٨١١/ ١١٠١).","vol":"2","page":170},{"text":"- وعن نصر بن المثنى الأشجعي قال: كنت مع ميمون بن مهران فمر بجويرية وهي تضرب بدف وهي تقول: وهل علي من قول قلته من كنود فقال ميمون: أترون إيمان هذه كإيمان مريم بنت عمران. قال: والخيبة لمن يقول إيمانه كإيمان جبريل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: عن ميمون بن مهران: ثلاث أرفضوهن: ما شجر بين أصحاب رسول الله - ﷺ -، والنجوم، والنظر في القدر. (٢)\n\nعبد الله بن أبي مليكة (٣) (١١٧ هـ)\nعبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيْكَة زهير بن عبد الله بن جدعان الإمام الحجة الحافظ أبو بكر وأبو محمد القرشي المؤذن. روى عن عائشة وأختها أسماء وأبى محذورة وابن عباس وغيرهم. روى عنه عطاء بن أبي رباح وعمرو ابن دينار وأيوب السختياني وغيرهم. قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ -. وكان عالما مفتيا صاحب حديث وإتقان وكان قاضيا لابن الزبير ومؤذنا له.\nتوفي سنة سبع عشرة ومائة.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٩٠٠ - ٩٠١/ ١٢٥٨) وانظر الإيمان لأبي عبيد (١٩).\n(٢) الإبانة (١/ ٨/٢٤٣/ ١٢٨١) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٧٩٤) وبنحوه في السير (٥/ ٧٣).\n(٣) طبقات ابن سعد (٥/ ٤٧٣) والجرح والتعديل (٥/ ٩٩ - ١٠٠) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٨٨ - ٩٠) وتهذيب الكمال (١٥/ ٢٥٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠١ - ١٠٢) والعقد الثمين (٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥) والوافي بالوفيات (١٧/ ٣٠٤) وشذرات الذهب (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في الإبانة: عن نافع بن عمر بن جميل القرشي قال: كنت عند عبد الله ابن أبي مليكة فقال له بعض جلسائه: يا أبا محمد إن ناسا يجالسونك يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل، قال: فغضب ابن أبي مليكة فقال: والله ما رضي الله لجبريل حين فضله بالثناء على محمد - ﷺ - فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (١) يعني محمدا - ﷺ -، أفأجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان لا والله ولا كرامة. قال نافع: وقد رأيت فهدان رجلا لا يصحى من الشراب. (٢)\n- وفيها: قال ابن أبي مليكة: إن فهدان يزعم أنه يشرب الخمر ويزعمون أن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل. (٣)\n- وعن الصلت بن دينار عن ابن أبي مليكة قال: لقد أتى علي برهة من الدهر وما أراني أدرك قوما يقول أحدهم: إني مؤمن مستكمل الإيمان ثم ما رضي حتى قال: إن إيماني على إيمان جبريل وميكاييل ثم مازال بهم الشيطان حتى قال أحدهم: إنه مؤمن وإن نكح أمه وأخته وابنته ولقد أدركت كذا وكذا من أصحاب النبي - ﷺ -، ما مات رجل منهم إلا وهو\n_________\n(١) التكوير الآيات (١٩ - ٢٢).\n(٢) الإبانة (٢/ ٧/٩٠٠/ ١٢٥٦) والشريعة (١/ ٣١٢ - ٣١٣/ ٣٤٥).\n(٣) الإبانة (٢/ ٧/٩٠٠/ ١٢٥٧) والسنة لعبد الله (١٠٩).","vol":"2","page":172},{"text":"يخشى على نفسه النفاق. (١)\n\nأنس بن سيرين (٢) (١١٨ هـ)\nأنس بن سيرين ويكنى أبا حمزة قال: لما ولدت انطلق بي إلى أنس بن مالك فسماني باسمه وكناني بكنيته. ولد لسنة بقيت من خلافة عثمان بن عفان ودخل على زيد بن ثابت. روى عن أنس وابن عباس وابن عمر وغيرهم. روى عنه ابن عون وخالد وشعبة والحمادان وغيرهم. عن قتادة قال: استعمل ابن الزبير أنس بن مالك على البصرة فأرسل إلى مولاه أنس بن سيرين، فاستعمله على الأبلّة. توفي ﵀ سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل سنة عشرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: قال أنس بن سيرين: لا تقاعدن قدريا ولا تسمع كلامه. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٦/١٧٣٣) والإبانة (٢/ ٦/٧٥٥/ ١٠٥٣) والفقرة الأخيرة علقها البخاري في صحيحه كتاب الإيمان باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر بلفظ: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ووصله الخلال في السنة (٣/ ٦٠٧ - ٦٠٨/ ١٠٨١)، وقال الحافظ في الفتح (١/ ١٤٨): \"هذا التعليق وصله ابن أبي خيثمة في تاريخه لكن أبهم العدد وكذا أخرجه محمد بن نصر المروزي مطولا في كتاب الإيمان له وعينه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه من وجه آخر مختصرا عما هنا\".\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٠٧) والجرح والتعديل (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨) ومشاهير علماء الأمصار (٩١) والسير (٤/ ٦٢٢ - ٦٢٣) وتهذيب الكمال (٣/ ٣٤٦) والوافي بالوفيات (٩/ ٤١٦ - ٤١٧).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٥/١١٤٤).","vol":"2","page":173},{"text":"عبادة بن نسي (١) (١١٨ هـ)\nعُبَادة بن نُسَيّ الكِنْدي أبو عمر الشامي قاضي طبريّة. روى عن شداد ابن أوس ومعاوية وأبي سعيد الخدري وغيرهم. روى عنه برد بن سنان وعلي ابن أبي حملة وهشام بن الغاز وعبد الله بن عثمان وخلق، وكان سيدا شريفا وافر الجلالة ذا فضل وصلاح وعلم. سأل هشام بن عبد الملك: من سيد أهل الأردن؟ قالوا: عبادة بن نسي. ولاه عبد الملك على الأردن فلما استخلف عمر بن عبد العزيز ولاه جند الأردن. مات سنة ثماني عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى إبراهيم بن أبي عبلة قال: كنت عند عبادة بن نسي فأتاه آت فقال: إن أمير المؤمنين -يعني هشاما- قد قطع يد غيلان ورجليه وصلبه قال: ما تقول؟ قال: قد فعل. قال عبادة: أصاب والله فيه القضية والسنة ولأكتبن إليه فلأحسنن رأيه. (٢)\n\" التعليق:\nوأنا أيضا أقول: جزاه الله خيرا، لقد سن لمن جاء بعده السنن في المبتدعة كغيلان وأمثاله، إن جزاءهم هو الصلب والقتل، وهذا العالم السلفي الفاضل عبادة يبارك له في هذا الفعل، وكذلك يفعل العلماء الصادقون في كل عصر.\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٥٦) والجرح والتعديل (٦/ ٩٦) ومشاهير علماء الأمصار (١٨٠) والسير (٥/ ٣٢٣ - ٣٢٤) وتهذيب الكمال (١٤/ ١٩٤) والمعرفة والتاريخ (٢/ ٣٢٩) وتهذيب التهذيب (٥/ ١١٣ - ١١٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٣/١٣٢٨) والإبانة (٢/ ١٠/٢٣٩ - ٢٤٠/ ١٨٥١) والشريعة (١/ ٤٣٩ - ٤٤٠/ ٥٥٨).","vol":"2","page":174},{"text":"علي بن عبد الله بن عباس (١) (١١٨ هـ)\nعلي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي أبو محمد، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب ﵁، في شهر رمضان سنة أربعين، فسمي باسمه وكني بكنيته أبي الحسن. فقال له عبد الملك بن مروان: لا والله لا أحتمل لك الاسم والكنية جميعا فغير أحدهما، فغير كنيته فصيرها أبا محمد. سمع من أبيه ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وجماعة وسمع منه بنوه: عيسى، وداود وسليمان وآخرون. كان ﵀ من خيار الناس في غاية العبادة والزهادة والعلم والعمل وحسن الشكل وتمام القامة والعدالة والثقة. وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ووثقوه.\nمات ﵀ سنة ثماني عشرة ومائة وبه جزم الأكثرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>موقفه من الرافضة:</span>\nعن عمر بن بزيع قال: سمعني علي بن عبد الله بن عباس وأنا أريد أن أسب معاوية ﵀ فقال: مهلا لا تسبه، فإنه صهر رسول الله - ﷺ -. (٢)\n\nعبد الرحمن بن عبد الله بن سابط (٣) (١١٨ هـ)\nعبد الرحمن بن عبد الله بن سابط بن أبي حُمَيْضَة بن عمرو بن أُهَيْب\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٥/ ٣١٢ - ٣١٤) وتهذيب الكمال (٢١/ ٣٥ - ٤٠) والسير (٥/ ٢٥٢ - ٢٥٣،٢٨٤ - ٢٨٥) والبداية والنهاية (٩/ ٣٣٢) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٥٧ - ٣٥٨) وشذرات الذهب (١/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(٢) الشريعة (٣/ ٥٠٦/١٩٨٩) والسنة للخلال (١/ ٤٣٣).\n(٣) طبقات ابن سعد (٥/ ٤٧٢) وتهذيب الكمال (١٧/ ١٢٣ - ١٢٧) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٨٠ - ١٨١) والإصابة (٥/ ٢٢٨ - ٢٣١) وشذرات الذهب (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":175},{"text":"ابن حُذَافَة بن جُمَح القرشي الجمحي المكي. روى عن أبيه وله صحبة وجابر وأبي أمامة وابن عباس وغيرهم. وروى عنه من القدماء: فطر بن خليفة، ويزيد بن أبي زياد وابن جريج، وليث بن أبي سليم وآخرون.\nوثقه ابن معين والعجلي وأبو زرعة والنسائي وآخرون. أرسل عن النبي - ﷺ -. كان فقيها من أصحاب ابن عباس كثير الحديث. له في صحيح مسلم حديث واحد في الفتن. أجمعوا على أنه توفي بمكة سنة ثماني عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة لعبد الله عن عبد الرحمن بن سابط الجمحي ﴿إلى ربها نَاظِرَةٌ﴾ (١) قال: إلى وجه ربها ناظرة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>موقفه من القدرية:</span>\nأخرج ابن بطة بسنده: عن ابن سابط في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دون ذلك هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ (٣)؛ قال: لا بد أن يعملوها. (٤)\n_________\n(١) القيامة الآية (٢٣).\n(٢) السنة لعبد الله (٦١) ونحوه في أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٢/٧٩٥).\n(٣) المؤمنون الآية (٦٣).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٤/ ١٨٠٩).","vol":"2","page":176},{"text":"حبيب بن أبي ثابت (١) (١١٩ هـ)\nحبيب بن أبي ثابت بن قيس أبو يحيى الإمام الحافظ، فقيه الكوفة. روى عن ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وغيرهم. وروى عنه: عطاء بن أبي رباح وحصين ومنصور والأعمش وغيرهم. قال أبو بكر بن عياش: كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحماد كانوا من أصحاب الفتيا ولم يكن أحد بالكوفة إلا يذل لحبيب. قال أبو يحيى القتات: قدمت الطائف مع حبيب ابن أبي ثابت فكأنما قدم عليهم نبي. قال أبو بكر ابن عياش: رأيت حبيبا ساجدا فلو رأيته قلت ميت يعني من طول السجود. عن أبي سنان قال حبيب: من وضع جبينه لله فقد برئ من الكبر. مات سنة تسع عشرة ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>موقفه من المبتدعة والرافضة:</span>\nعن أبي بكر بن عياش قال: كان عندنا فتى يقاتل ويشرب، وذكر أشياء من الفسق ثم إنه تقرأ فدخل في التشيع، فسمعت حبيب بن أبي ثابت وهو يقول له: لأنت يوم كنت تقاتل وتفعل ما تفعل خير منك اليوم. (٢)\n_________\n(١) السير (٥/ ٢٨٨ - ٢٩١) وتهذيب الكمال (٥/ ٣٥٨ - ٣٦٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٧٨ - ١٨٠) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٢٠) والوافي بالوفيات (١١/ ٢٩٠ - ٢٩١) وشذرات الذهب (١/ ١٥٦).\n(٢) ابن وضاح (ص.٨١ - ٨٢/ ٨٦).","vol":"2","page":177},{"text":"الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل المِشْرَقِي (١) (بعد ١١١ هـ إلى ١٢٠ هـ)\nالضحاك بن شُرَاحِيل ويقال: ابن شُرَحبيل الهمداني المشرقي، أبو سعيد الكوفي. روى عن أبي سعيد الخدري، ومالك بن أوس بن الحدثان. وروى عنه: حبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، وسليمان الأعمش. ذكره ابن حبان في الثقات. قال الذهبي: حجة مقل، وذكره في أعيان الطبقة الثانية عشر من تاريخه المؤرخة بين ١١١ و١٢٠هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>موقفه من المرجئة:</span>\nعن سلمة بن كهيل قال: اجتمعنا في الجماجم؛ أبو البختري الطائي، وميسرة أبو صالح، وضحاك المشرقي، وبكير الطائي، فأجمعوا على أن الإرجاء بدعة، والولاية بدعة، والبراءة بدعة، والشهادة بدعة. (٢)\n\nخالد بن اللَّجْلاَج (٣) (بعد ١١١ هـ إلى ١٢٠ هـ)\nخالد بن اللجلاج العامريّ مولى بني زهرة، أبو إبراهيم الشامي الحمصي. سمع أباه -وله صحبة- وعبد الرحمن بن عايش، وقبيصة بن ذؤيب،\n_________\n(١) تهذيب الكمال (١٣/ ٢٦٣ - ٢٦٧) وميزان الاعتدال (٢/ ٣٢٤) والسير (٤/ ٦٠٤) وتاريخ الإسلام (حوادث١٠١ - ١٢٠/ص.١٨٥) وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٤٤ - ٤٤٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩٠٥/١٢٧٠) والسنة لعبد الله (٨٩ - ٩٠) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٠/١٧٨٤) والإيمان لأبي عبيد (٢٢ بنحوه).\n(٣) تهذيب الكمال (٨/ ١٦٠ - ١٦١) وتهذيب التهذيب (٣/ ١١٥) وتاريخ دمشق (١٦/ ١٨١ - ١٨٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٠١ - ١٢٠/ص.٣٥٤) والتاريخ الكبير (٣/ ١٧٠/٥٧٨) والجرح والتعديل (٣/ ٣٤٩/١٥٧٦) والإصابة (٢/ ٣٧٦) والاستيعاب (٢/ ٤٣٦) ومشاهير علماء الأمصار (١١٦).","vol":"2","page":178},{"text":"وأرسل عن عمر. وعنه زرعة بن إبراهيم، وزيد بن واقد، وأبو قلابة عبد الله ابن زيد، ومكحول، وغيرهم.\nفعن مكحول قال: كان ذا سن وصلاح، جريء اللسان على الملوك في الغلظة عليهم. وقال ابن حبان: كان من أفاضل أهل زمانه. وقال أبو مسهر: كان يفتي مع مكحول. وقال ابن حجر: صدوق فقيه، من الثانية. وذكره الذهبي في الطبقة الثانية عشرة من تاريخ الإسلام المؤرخة بين ١١١و١٢٠هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد بسنده إلى المنذر بن نافع: سمعت خالد بن اللجلاج يقول لغيلان: ويحك يا غيلان، ألم يأخذك في شبيبتك ترامي النساء في شهر رمضان بالتفاح، ثم صرت حارثيا تحجب امرأة وتزعم أنها أم المؤمنين، ثم تحولت من ذلك فصرت قدريا زنديقا؟! (١)\nوفي لفظ الإبانة: عن المنذر بن رافع أن خالد بن اللجلاج دعا غيلان؛ قال: فجاء فقال: اجلس؛ فجلس فقال: ألم تك قبطيا فدخلت في الإسلام؟ قال: بلى، قال: ثم أخذتك ترمي بالتفاح في المسجد قد أدخلت رأسك في كم قميصك؟ قال: بلى، قال أبو مسهر: أشك في هذه الكلمة، ثم كنت جهميا تسمى امرأتك أم المؤمنين؟ قال: بلى، ثم صرت قدريا شقيا؛ قم فعل الله بك وفعل. (٢)\n\" التعليق:\nقال جامعه: هكذا تجد هؤلاء المبتدعة والعياذ بالله مبتلين ببلايا يتبرأ\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٣/١٣٢٩).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٢٩٩ - ٣٠٠/ ١٩٥٨).","vol":"2","page":179},{"text":"منها -ولله الحمد- علماء السلف.\n\nمحمد بن كعب القُرَظِي (١) (١٢٠ هـ)\nمحمد بن كعب بن سُلَيْم: وقيل: محمد بن كعب بن حيان بن سليم. الإمام العلامة الصادق أبو حمزة وقيل أبو عبد الله المدني القُرَظِي. روى عن جماعة منهم: جابر بن عبد الله وابن عباس وأنس بن مالك والمغيرة بن شعبة. وعنه جماعة منهم: الحكم بن عتيبة وزياد بن محمد الأنصاري وزيد بن أسلم. قال ابن سعد: كان ثقة، عالما، كثير الحديث، ورعا. قال العجلي: مدني تابعي، ثقة، رجل صالح، عالم بالقرآن. قال ابن عون: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي. قال القرظي: إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا، وفقهه في الدين وبصره عيوبه، ومن أوتيهن أوتي خير الدنيا والآخرة. قال ابن حبان: كان من أفاضل أهل المدينة علما وفقها وكان يقص في المسجد، فسقط عليه وعلى أصحابه سقف، فمات هو وجماعة تحت الهدم. توفي سنة عشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>موقفه من الجهمية:</span>\n- في الشريعة عنه قال في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٢٦/ ٣٤٠ - ٣٤٨) والسير (٥/ ٦٥ - ٦٨) والمعرفة والتاريخ (١/ ٥٦٣ - ٥٦٤) والجرح والتعديل (٨/ ٦٧) وحلية الأولياء (٣/ ٢١٢ - ٢٢١) والبداية والنهاية (٩/ ٢٦٨ - ٢٧٠) ومشاهير علماء الأمصار (٦٥) وتاريخ خليفة (٣٤٨) وشذرات الذهب (١/ ١٣٦).","vol":"2","page":180},{"text":"ربها نَاظِرَةٌ﴾ (١) قال: نضر الله تلك الوجوه وحسنها للنظر إليه. (٢)\n- وفيها: عن محمد بن إسحاق قال: سمعت محمد بن كعب يحدث: إن الله ﷿ لم يمس بيده شيئا إلا ثلاثة: آدم ﵇. والتوراة فإنه كتبها لموسى بيده، وطوبى شجرة في الجنة، غرسها الله بيده، ليس في الجنة غرفة إلا فيها منها فنن وهي التي قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (٣).اهـ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء عنه: أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بقدر﴾ (٥) نزلت تعييرا لأهل القدر. (٦)\n- وعن محمد بن كعب قال: نزلت هذه الآية ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٧) في أهل\n_________\n(١) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٢) الشريعة (٢/ ١١/٦٢٣) والسنة لعبد الله (٦١).\n(٣) الرعد الآية (٢٩).\n(٤) الشريعة (٢/ ١٣١/٨٠٣).\n(٥) القمر الآية (٤٩).\n(٦) السنة لعبد الله (١٤٤) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٧/١٢٦٠) والإبانة (٢/ ٧/١١٤/ ١٥٣٥) والشريعة (١/ ٣٣٢/٣٥٦).\n(٧) القمر الآيتان (٤٨و٤٩).","vol":"2","page":181},{"text":"القدر. (١)\n- وروى اللالكائي بسنده: عن خصيف قال: سأل مجاهد محمد بن كعب القرظي وأنا معه ﴿إِنَّ كِتَابَ الفجار لفي سجين﴾ (٢) قال: فقال محمد: رقم الله ﷿ كتاب الفجار في أسفل الأرض فهم عاملون بما قد رقم عليهم في ذلك الكتاب. (٣)\n- عن محمد بن كعب القرظي أن الفضل الرقاشي قعد إليه فذاكره شيئا من القدر فقال له محمد بن كعب القرظي تشهد؟ فلما بلغ من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له رفع محمد عصا معه فضرب بها رأسه وقال قم فلما قام فذهب قال لا يرجع هذا عن رأيه أبدا. (٤)\n- وجاء في الإبانة: عن عمر مولى عفرة: سمعت محمد بن كعب يقول: والله لوددت أن المكذبين بالقدر جمعوا إلي، فإن لم أفلح عليهم ضربت رقبتي، والله إن قولهم للكفر البواح. (٥)\n- وفيها عن أبي داود أن محمد بن كعب قال لهم: لا تجالسوهم -يعني القدرية، والذي نفسي بيده؛ لا يجالسهم رجل لم يجعل الله ﷿ له فقها في دينه وعلما في كتابه إلا أمرضوه، والذي نفسي بيده؛ لوددت أن يميني هذه تقطع على كبر سني وأنهم أتموا آية من كتاب الله، ولكنهم يأخذون\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٤٠).\n(٢) المطففين الآية (٧).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٦١٤/٩٨٥).\n(٤) السنة لعبد الله (١٤٨).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٠/٢٠٩/ ١٧٥٨).","vol":"2","page":182},{"text":"بأولها ويتركون آخرها، ويأخذون بآخرها ويتركون أولها، والذي نفسي بيده؛ لإبليس أعلم بالله منهم، يعلم من أغواه وهم يزعمون أنهم يغوون أنفسهم ويرشدونها. (١)\n- وفيها عن محمد بن كعب القرظي قال: لو أن الله ﷿ مانع أحدا لمنع إبليس مسألته حين عصاه، ودحره من جنته وآيسه من رحمته وجعله داعيا إلى الغي، فيسأله النظرة أن ينظره إلى يوم يبعثون؛ فأنظره، ولو كان الله مشفعا أحدا في شيء ليس في أم الكتاب لشفع إبراهيم في أبيه حين اتخذه خليلا وشفع محمدا - ﷺ - في عمه. (٢)\n- وفيها عن محمد بن كعب قال: كان القدر قبل البلاء، وخلقت الأقدار قبل الأقوات، ثم قرأ: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (٣). (٤)\n- وفيها عن محمد بن كعب القرظي قال: لقد سمى الله ﷿ المكذبين بالقدر باسم، نسبهم إليه في القرآن؛ فقال ﷿: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٥)؛ قال: فهم\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢١١/ ١٧٦٥) والشريعة (١/ ٤٢٩ - ٤٣٠/ ٥٢٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢١١ - ٢١٢/ ١٧٦٦) والشريعة (١/ ٤٣٠/٥٢٩).\n(٣) القمر الآية (١٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٢/ ١٧٦٧).\n(٥) القمر الآيات (٤٧ - ٤٩).","vol":"2","page":183},{"text":"المجرمون. (١)\n- وقال محمد بن كعب القرظي: العباد أذل من أن يكون لأحد منهم في ملك الله تعالى شيء هو كاره أن يكون. (٢)\n\nبلال بن سعد (٣) (١٢٠ هـ)\nبلال بن سعد بن تَمِيم السَّكُوني الإمام الرباني الواعظ أبو عمرو الدمشقي شيخ أهل دمشق، كان لأبيه سعد صحبة. روى عن أبيه سعد بن تميم وجابر ومعاوية وأبي سكينة. وعنه الأوزاعي وعبد الله بن العلاء بن زبر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر. قال ابن المبارك: كان محل بلال بن سعد بالشام ومصر؛ كمحل الحسن بن أبي الحسن بالبصرة. قال أبو زرعة الدمشقي: بلال بن سعد، أحد العلماء في خلافة هشام، وكان قاصا حسن القصص. وقال ابن حجر: ثقة عابد فاضل. قال الأوزاعي: سمعت بلال بن سعد يقول: كفى به ذنبا أن يكون الله ﵎ قد زهدنا في الدنيا، ونحن نرغب فيها، فزاهدكم راغب، وعالمكم جاهل، وعابدكم مقصر. وقال الأوزاعي: سمعت بلال بن سعد يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر من عصيت. وعنه قال: سمعت بلال بن سعد يقول: أخ لك كلما لقيك\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٢/ ١٧٦٨) والشريعة (١/ ٤٢٩/٥٢٦).\n(٢) تأويل مختلف الحديث (٨٣).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٦١) والجرح والتعديل (٢/ ٣٩٨) وحلية الأولياء (٥/ ٢٢١ - ٢٣٤) وتهذيب الكمال (٤/ ٢٩١ - ٢٩٦) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٩٠ - ٩٣) والبداية والنهاية (٩/ ٣٦٢ - ٣٦٤) ومشاهير علماء الأمصار (١١٥) والكاشف (١/ ٢٧٧) والتقريب (١/ ١٤٠).","vol":"2","page":184},{"text":"ذكرك بحظك من الله، خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا. قال: وسمعت بلال بن سعد يقول: لا تكن وليا لله في العلانية، وعدوه في السر. توفي في خلافة هشام بن عبد الملك في حدود العشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: عن سعيد بن عبد العزيز؛ أن بلال بن سعد أصبح يوما، فتكلم في قصصه، فقال: رب مسرور مغبون، ويل لمن له الويل ولا يشعر؛ يأكل، ويشرب، ويضحك، وقد حق عليه في قضاء الله أنه من أصحاب النار. (١)\n\nعطية بن قيس (٢) (١٢١ هـ)\nالإمام المقرئ عطية بن قيس أبو يحيى الكلبي الدمشقي، عرض على أم الدرداء، التي أخذت عن زوجها أبي الدرداء. حدث عن عمرو بن عبسة، وعبد الله بن عمرو، والنعمان بن بشير. وروى عنه: ابنه سعد، وأبو بكر بن أبي مريم، وعبد الله بن العلاء. قال سعيد بن عبد العزيز: لم نكن نطمع أن يفتح ذكر الدنيا في مجلس عطية. وقال عبد الواحد بن قيس: كانوا يصلحون مصاحفهم على قراءة عطية بن قيس. وغزا في زمن معاوية، وكان هو وإسماعيل بن عبيد الله قارئ الجند.\nتوفي سنة إحدى وعشرين ومائة.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٦/ ١٨١٦).\n(٢) السير (٥/ ٣٢٤) والثقات (٥/ ٢٦٠) وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٢٨) وتهذيب الكمال (٢٠/ ١٥٣).","vol":"2","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-673>موقفه من الرافضة:</span>\nعن عطية بن قيس قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطبنا يقول: إن في بيت مالكم فضلا بعد أعطياتكم، وإني قاسمه بينكم، فإن كان يأتينا فضل عاما قابلا قسمناه عليكم، وإلا فلا عتبة علي، فإنه ليس بمالي، وإنما هو مال الله الذي أفاء عليكم. (١)\n\nسلمة بن كُهَيْل (٢) (١٢١ هـ)\nسلمة بن كُهَيْل بن حصين الإمام، الثبت، الحافظ: أبو يحيى الحضرمي. حدث عن: أبيه، وجندب بن عبد الله، وأبي جحيفة، وأبي الطفيل وغيرهم. وروى عنه منصور، والأعمش، وشعبة، والثوري وغيرهم. كان من علماء الكوفة الأثبات على تشيع كان فيه. توفي سنة إحدى وعشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>موقفه من المرجئة:</span>\nعن سفيان عن سلمة بن كهيل قال: اجتمعنا في الجماجم أبو البختري الطائي وميسرة أبو صالح وضحاك المِشْرَقِيّ وبكير الطائي فأجمعوا على أن الإرجاء بدعة والولاية بدعة والبراءة بدعة والشهادة بدعة. (٣)\n_________\n(١) المنهاج (٦/ ٢٣٤).\n(٢) المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٤٨) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣١٦) وتهذيب الكمال (١١/ ٣١٣ - ٣١٧) والسير (٥/ ٢٩٨ - ٣٠٠) والوافي بالوفيات (١٥/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وشذرات الذهب (١/ ١٥٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩٠٥/١٢٧٠) والسنة لعبد الله (ص.٨٩ - ٩٠) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٠/١٧٨٤) والإيمان لأبي عبيد (٢٢ بنحوه).","vol":"2","page":186},{"text":"إياس بن معاوية (١) (١٢٢ هـ)\nإياس بن معاوية بن قرة المزني، أبو واثلة البصري، قاضيها، ولجده صحبة. روى عن أنس بن مالك وعن أبيه معاوية بن قرة، وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب. وعنه جماعة منهم: أيوب السختياني وحماد بن زيد وحماد ابن سلمة، وشعبة بن الحجاج. كان يضرب به المثل في الذكاء والدهاء والسؤدد والعقل. قال عبد الله بن إدريس عن أبيه عن ابن شبرمة: قال لي إياس بن معاوية: إياك وما يستشنع الناس من الكلام، وعليك بما يعرف الناس من القضاء. عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن قال: قال لي إياس بن معاوية: يا ربيعة كل ما بني على غير أساس فهو هباء، وكل ديانة أسست على غير ورع فهي هباء. عن الأصمعي قال: قال إياس بن معاوية: امتحنت خصال الرجال، فوجدت أشرفها صدق اللسان، ومَنْ عُدِمَ فضيلة الصدق، فقد فجع بأكرم أخلاقه. عن سفيان بن حسين: كنت عند إياس بن معاوية، وعنده رجل، تخوفت إن قمت من عنده أن يقع في. قال: فجلست حتى قام، فلما قام ذكرته لإياس، قال: فجعل ينظر في وجهي، ولا يقول لي شيئا حتى فرغت، فقال لي: أغزوت الديلم؟ قلت: لا، قال: فغزوت السند؟ قلت: لا، قال: فغزوت الهند؟ قلت: لا. قال: فغزوت الروم قلت: لا، قال: يسلم منك الديلم، والسند والهند، والروم، وليس يسلم منك أخوك هذا؟ قال: فلم يعد\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٣٤ - ٢٣٥) ومشاهير علماء الأمصار (١٥٣) والسير (٥/ ١٥٥) ووفيات الأعيان (١/ ٢٤٧ - ٢٥٠) والبداية والنهاية (٩/ ٣٤٧ - ٣٥٢) والمعرفة والتاريخ (٢/ ٩٣ - ٩٥) وتهذيب الكمال (٣/ ٤٠٧ - ٤٤٠) وتاريخ خليفة (٣٥٤) وشذرات الذهب (١/ ١٦٠).","vol":"2","page":187},{"text":"سفيان إلى ذاك. قال حماد بن سلمة: قال إياس: لا تنظر إلى ما يصنع العالم، فإن العالم قد يصنع الشيء يكرهه، ولكن سله حتى يخبرك بالحق. توفي سنة اثنتين وعشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>موقفه من القدرية:</span>\n- روى عبد الله في السنة بالسند إليه قال: أعلم الناس بالقدر ضعفاؤهم يقول: إن كل من لم يدخل في خصومة القدر كان من قوله إذا تكلم: كان من قدر الله كذا وكذا. (١)\n- وروى أيضا عنه قال: ما كلمت أحدا من أهل الأهواء بعقلي كله إلا القدرية فإني قلت لهم: ما الظلم فيكم؟ فقالوا أن يأخذ الإنسان ما ليس له. فقلت لهم: فإن الله على كل شيء قدير. (٢)\n- وجاء في تهذيب الكمال: قال الأصمعي عن عدي بن الفصيل البصري: اجتمع إياس بن معاوية وغيلان، عند عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: أنتما مختلفان وقد اجتمعتما فتناظرا تتفقا، فقال إياس: يا أمير المؤمنين إن غيلان صاحب كلام، وأنا صاحب اختصار. فإما أن يسألني ويختصر، أو أسأله وأختصر، فقال غيلان: سل، فقال إياس: أخبرني: ما أفضل شيء خلقه الله ﷿؟ قال: العقل. قال: فأخبرني عن العقل مقسوم أو مقتسم؟ فأمسك غيلان، فقال له: أجب. فقال: لا جواب عندي، فقال إياس: قد\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٣٣).\n(٢) السنة لعبد الله (١٤٥) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٥/١٢٨٠) ونحوه في الإبانة (٢/ ١١/٢٧٤ - ٢٧٥/ ١٨٩٩) والشريعة (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧/ ٥١٩) والبداية والنهاية (٩/ ٣٤٩) وتهذيب الكمال (٣/ ٤١٦) والمنهاج لابن تيمية (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥) ومجموع الفتاوى له (١٨/ ١٣٩).","vol":"2","page":188},{"text":"تبين لك يا أمير المؤمنين أن الله ﵎ يهب العقول لمن يشاء، فمن قسم له منها شيئا ذاده به عن المعصية، ومن تركه تهور.\n- قال الأصمعي: وحدثني غيره أن غيلان وإياسا التقيا فتساءلا، فقال إياس: أسألك أم تسألني؟ فقال له غيلان: سل. فقال له إياس: أي شيء خلق الله أفضل؟ قال: العقل. قال إياس: فمن شاء استكثر منه، ومن شاء استقل، فسكت غيلان مليا ثم قال: سل عن غير هذا؟ فقال له إياس: أخبرني عن العلم قبل أو العمل؟ فقال غيلان: والله لا أجيبك فيها. فقال إياس: فدعها، وأخبرني عن الخلق، خلقهم الله مختلفين أو مؤتلفين؟ فنهض غيلان وهو يقول: والله لا جمعني وإياك مجلس أبدا. (١)\n- وجاء في البداية والنهاية: قال بعضهم: اكترى إياس بن معاوية من الشام قاصدا الحج، فركب معه في المحارة غيلان القدري، ولا يعرف أحدهما صاحبه، فمكثا ثلاثا لا يكلم أحدهما الآخر، فلما كان بعد ثلاث تحادثا فتعارفا وتعجب كل واحد منهما من اجتماعه مع صاحبه، لمباينة ما بينهما في الاعتقاد في القدر، فقال له إياس: هؤلاء أهل الجنة يقولون حين يدخلون الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٢) ويقول أهل النار: ﴿ربنا غلبت علينا شِقْوَتُنَا﴾ (٣) وتقول الملائكة:\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٣/ ٤١٦ - ٤١٧).\n(٢) الأعراف الآية (٤٣).\n(٣) المؤمنون الآية (١٠٦).","vol":"2","page":189},{"text":"﴿سبحانك لا عِلْمَ لَنَا إِلًّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (١) ثم ذكر له من أشعار العرب وأمثال العجم ما فيه إثبات القدر ثم اجتمع مرة أخرى إياس وغيلان عند عمر بن العزيز فناظر بينهما فقهره إياس، وما زال يحصره في الكلام حتى اعترف غيلان بالعجز وأظهر التوبة، فدعا عليه عمر بن عبد العزيز إن كان كاذبا، فاستجاب الله منه فأمكن من غيلان فقتل وصلب بعد ذلك ولله الحمد والمنة. (٢)\n- وفي الإبانة: عن حبيب بن الشهيد؛ قال: جاؤوا برجل إلى إياس بن معاوية فقالوا: هذا يتكلم في القدر؛ فقال إياس: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله ﷿ قد أمر العباد ونهاهم، وأن الله لا يظلم العباد شيئا، فقال له إياس: خبرني عن الظلم تعرفه أو لا تعرفه؟ قال: بلى أعرفه، قال: فما الظلم عندك؟ قال: أن يأخذ الرجل ما ليس له، قال: فمن أخذ ما له ظلم؟ قال: لا، قال: الآن عرفت الظلم. (٣)\n\nزيد بن علي (٤) (١٢٢ هـ)\nزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين الهاشمي\n_________\n(١) البقرة الآية (٣٢).\n(٢) البداية (٩/ ٣٤٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ١١/٢٧٥/ ١٩٠٠) والشريعة (١/ ٤٢٧/٥٢٠).\n(٤) طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢٥ - ٣٢٦) ووفيات الأعيان (٥/ ١٢٢ - ١٢٣) وتهذيب الكمال (١٠/ ٩٥ - ٩٨) والسير (٥/ ٣٨٩ - ٣٩١) وفوات الوفيات (٢/ ٣٥ - ٣٨) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤١٩ - ٤٢٠).","vol":"2","page":190},{"text":"العلوي المدني، أخو أبي جعفر الباقر، وعبد الله، وعمر، وعلي، وحسين روى عن: أبيه زين العابدين، وأخيه الباقر، وعروة بن الزبير. وروى عنه: ابن أخيه جعفر بن محمد، وشعبة، وفضيل بن مرزوق وغيرهم. قال عنه جعفر الصادق: كان والله أقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله، وأوصلنا للرحم، والله ما تركنا وفينا مثله. وسأله يوما بعض أصحابه عن قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (١)، قال: أبو بكر وعمر، ثم قال: لا أنالني الله شفاعة جدي إن لم أوالهما. قال الذهبي رحمه الله تعالى: كان ذا علم وجلالة وصلاح، هفا، وخرج، فاستشهد. عاش نيفا وأربعين سنة، وقتل يوم ثاني صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: قال عيسى بن يونس: جاءت الرافضة زيدا، فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى ننصرك، قال: بل أتولاهما. قالوا: إذا نرفضك، فمن ثم قيل لهم: الرافضة. وأما الزيدية: فقالوا بقوله، وحاربوا معه. (٢)\n- وفيها: وروى هشام بن البريد عن زيد بن علي قال: كان أبو بكر ﵁ إمام الشاكرين، ثم تلا ﴿وسيجزي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) ثم قال: البراءة من أبي بكر هي البراءة من علي. (٤)\n_________\n(١) الواقعة الآية (١٠).\n(٢) السير (٥/ ٣٩٠).\n(٣) آل عمران الآية (١٤٤).\n(٤) السير (٥/ ٣٩٠).","vol":"2","page":191},{"text":"- عن هشام بن الزبير عن زيد بن علي قال: البراءة من أبي بكر وعمر البراءة من علي ﵇. (١)\n- عن كثير أبي إسماعيل النواء قال سألت زيد بن علي عن أبي بكر وعمر فقال: تولهما، قال قلت كيف تقول فيمن تبرأ منهما؟ قال تبرأ منه حتى يتوب. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>موقفه من القدرية:</span>\nجاء رجل إلى زيد بن علي فقال: يا زيد أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يعصى؟ فقال له زيد: أيعصى عنوة؟ قال: فأقبل يحظر (٣). (٤)\n\nسيَّار أبو الحكم (٥) (١٢٢ هـ)\nسَيَّار بن وردان الإمام الحجة القدوة الرباني أبو الحكم الواسطي. حدث عن طارق بن شهاب وأبي وائل شقيق وعامر الشعبي وأكثر عنه. وحدث عنه: شعبة ومسعر وسفيان الثوري وآخرون. قال عنه الإمام أحمد ﵀: صدوق ثقة ثبت في كل المشايخ. وقال عنه صاحب الحلية: المتعبد الصبار أبو الحكم سيار. توفي ﵀ سنة اثنتين وعشرين ومائة.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٨١/٢٤٦٩) والشريعة (٣/ ٤٥٩ - ٤٦٠/ ١٩٢٠).\n(٢) السنة لعبد الله (٢٢٦).\n(٣) يحظر: يعدو.\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٥٩ - ٧٦٠/ ١٢٦٤).\n(٥) الحلية (٨/ ٣١٣ - ٣١٧) وتهذيب الكمال (١٢/ ٣١٣ - ٣١٥) والسير (٥/ ٣٩١ - ٣٩٢) والوافي بالوفيات (١٦/ ٦٢) وتهذيب التهذيب (٤/ ٢٩١ - ٢٩٢).","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>موقفه من القدرية:</span>\n- كان سيار أبو الحكم يقول: لا يصلى خلف القدرية فإذا صلى خلف أحد منهم أعاد الصلاة. (١)\n- وجاء في الشريعة: عن المعتمر بن سليمان: سمعت أبا مخزوم يحدث عن سيار وأبي هاشم الرماني أنهما كانا يقولان: التكذيب بالقدر شرك. (٢)\n\nثابت بن أسلم البناني (٣) (١٢٣ هـ)\nثابت بن أَسْلَم أبو محمد البُنَانِي -بضم الباء الموحدة وبعدها نون وبعد الألف نون أخرى- مولاهم البصري أحد أئمة التابعين. ولد في خلافة معاوية. روى عن ابن عمر وعبد الله بن مغفل وابن الزبير وطائفة. وروى عنه: عطاء بن أبي رباح وقتادة وحميد الطويل وشعبة وخلق كثير. كان رأسا في العلم والعمل ثقة ثبتا رفيعا. قال أنس: إن للخير أهلا، وإن ثابتا هذا من مفاتيح الخير. قال بكر بن عبد الله: من أراد أن ينظر إلى أعبد أهل زمانه فلينظر إلى ثابت البناني. وقال: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة. ومناقبه كثيرة.\nتوفي ﵀ سنة ثلاث وعشرين ومائة.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٧/١٣٤٩).\n(٢) الشريعة (١/ ٤٣٤/٥٤١).\n(٣) الحلية (٢/ ٣١٨ - ٣٢٣) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣) وتهذيب الكمال (٤/ ٣٤٩ - ٣٥١) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٢٥) والسير (٥/ ٢٢٠ - ٢٢٥) والوافي بالوفيات (١٠/ ٤٦١) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢ - ٤).","vol":"2","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>موقفه من القدرية:</span>\nعن وزير بن عبد الله قال: سمعت ثابتا البناني يقول في قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١)؛ قال: بإثباتهم القدر. (٢)\n\nمحمد بن شِهَاب الزُّهْرِي (٣) (١٢٤ هـ)\nمحمد بن مسلم بن عبيد الله، الإمام العلم، حافظ زمانه، أبو بكر القرشي الزهري المدني. روى عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله شيئا قليلا، ويحتمل أن يكون سمع منهما، وأنس بن مالك. حدث عنه عطاء بن أبي رباح وهو أكبر منه، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار وغيرهم. عن يحيى بن سعيد قال: ما بقي عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب. قال أبو بكر ابن منجويه: رأى عشرة من أصحاب النبي - ﷺ -، وكان من أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقا لمتون الأخبار، وكان فقيها فاضلا. وقال مكحول: ما بقي على ظهرها أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري. قال مالك: حدث الزهري\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٣٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٣٢٣/ ٢٠١٢).\n(٣) المعرفة والتاريخ (١/ ٦٢٠ - ٦٤٣) والجرح والتعديل (٨/ ٧١ - ٧٤) وحلية الأولياء (٣/ ٣٦٠ - ٣٨١) والسير (٥/ ٣٢٦ - ٣٥٠) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٤١٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠٨ - ١١٣) وميزان الاعتدال (٤/ ٤٠) ووفيات الأعيان (٤/ ١٧٧ - ١٧٩) والوافي بالوفيات (٥/ ٢٤ - ٢٦) ومشاهير علماء الأمصار (٦٦) والبداية والنهاية (٩/ ٣٥٤ - ٣٦٢).","vol":"2","page":194},{"text":"يوما بحديث، فلما قام قمت فأخذت بعنان دابته، فاستفهمته فقال: تستفهمني؟ ما استفهمت عالما قط، ولا رددت شيئا على عالم قط. وكان الزهري يوصف بالعبادة. قال ﵀ إنما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة. قال الذهبي ﵀: بعض من لا يعتد به لم يأخذ عن الزهري لكونه كان مداخلا للخلفاء، ولئن فعل ذلك فهو الثبت الحجة وأين مثل الزهري ﵀. قال الزهري: لا يرضى الناس قول عالم لا يعمل، ولا عمل عامل لا يعلم. مات ﵀ سنة أربع وعشرين ومائة. وقيل سنة خمس وعشرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الدارمي بالسند إليه ﵀ قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضا سريعا، فنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله. (١)\n\" التعليق:\nهذا الإمام الزهري يحكي عن علماء أهل بلده الذين هم أهل المدينة -الصحابة والتابعون- أن الاعتصام بالكتاب والسنة نجاة في الدنيا والآخرة، والابتداع هلاك في الدنيا والآخرة وهذا إجماع من علماء أهل الحق كلهم جزاهم الله خيرا.\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ٤٥) والإبانة (١/ ٢/٣١٩ - ٣٢٠/ ١٥٩) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٦٩) وأصول الاعتقاد (١/ ١٠٦/١٣٦) والشريعة (٢/ ١٠٤/٧٦٤) وذم الكلام (ص.٢٠٦) والطرف الأول منه في السير (٥/ ٣٣٧) وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ٥٧).","vol":"2","page":195},{"text":"- وجاء في ذم الكلام بالسند إليه قال: تعلم السنة أفضل من عبادة مائتي سنة. (١)\n\" التعليق:\nلا تعلم الأشعار الصوفية، والمتون الغريبة البعيدة عن الدليل، والعقائد الباطلة الموروثة عن ضلال اليونان، وغير ذلك مما ضرره واضح على العقيدة السلفية الخالصة من شوائب الشرك والبدع، والله المستعان.\n\n- عن مالك بن أنس قال: سمعت ابن شهاب يقول: سلموا للسنة ولا تعارضوها. (٢)\n- عن الزهري قال: لا يحب الحديث من الرجال إلا ذكرانها ولا يكرهه إلا إناثها. (٣)\n- جاء في فتح الباري عن محمد بن علي قال: دخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فسأله عن حديث \"إن الله إذا استرعى عبدا الخلافة كتب له الحسنات ولم يكتب له السيآت\" (٤) فقال له: هذا كذب، ثم تلا ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٥)\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٠٤) ووعقيدة الصابوني (ص.٣١٨).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٥) وبنحوه في إعلام الموقعين (١/ ٧٤).\n(٣) ذم الكلام (ص.٧٨) وبنحوه في حلية الأولياء (٣/ ٣٦٥) وشرف أصحاب الحديث (ص.٧٠).\n(٤) لم أقف عليه.\n(٥) ص الآية (٢٦).","vol":"2","page":196},{"text":"فقال الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا. (١)\n- عن الزهري قال: إياكم وأصحاب الرأي، أعيتهم الأحاديث أن يعوها. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن ابن أبي ذئب عن الزهري قال: ما رأيت قوما أشبه بالنصارى من السبائية. قال أحمد بن يونس: هم الرافضة. (٣)\n- عن الزهري قال: عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئا. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: عن الأوزاعي سمعت الزهري لما حدث عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" (٥) قلت له: فما هو؟ قال: من الله القول، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، أمروا حديث رسول الله - ﷺ - كما جاء بلا كيف. (٦)\n- وفي الإبانة: عن الأوزاعي قال: سمعت الزهري ومكحولا يقولان:\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ١١٣).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٥٢).\n(٣) الشريعة (٣/ ٥٦٧/٢٠٨٣) وجامع بيان العلم (٢/ ١٠٩٨).\n(٤) السنة للخلال (١/ ٤٤٤).\n(٥) تقدم تخريجه في مواقف محمد بن الحنفية سنة (٨١هـ).\n(٦) السير (٥/ ٣٤٦).","vol":"2","page":197},{"text":"القرآن كلام الله غير مخلوق. (١)\n- وعنه قال: ليس الجعدي من أمة محمد - ﷺ -. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في مجموع الفتاوى: عن الأوزاعي قال: وقد قلت للزهري حين ذكر هذا الحديث \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" (٣) فإنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمنا فما هو؟ قال: فأنكر ذلك. وكره مسألتي عنه. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن الزهري قال: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من هذه، يعني الإرجاء. (٥)\n- وقال معمر عن الزهري: كنا نقول الإسلام بالإقرار، والإيمان بالعمل، والإيمان: قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر، وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله فإن كان عمله، أوزن من قوله: صعد إلى الله؛ وإن كان كلامه أوزن من عمله لم يصعد إلى الله. (٦)\n- عن معمر قال: قال الزهري: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسلمنا﴾ (٧)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٨/ ١٨٥).\n(٢) درء التعارض (٥/ ٣٠٢).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٢).\n(٥) الإبانة (٢/ ٨٨٥/١٢٢٢) والشريعة (١/ ٣٠٧/٣٢٩) والإيمان لأبي عبيد (٢٣).\n(٦) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩٥) وعزاه لأبي عمرو الطلمنكي.\n(٧) الحجرات الآية (١٤).","vol":"2","page":198},{"text":"قال: نرى الإسلام الكلمة والإيمان العمل. (١)\n- قال معقل: فلقيت الزهري فأخبرته بقولهم (٢) فقال: سبحان الله أو قد أخذ الناس في هذه الخصومات قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" (٣). (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>موقفه من القدرية:</span>\n- روى اللالكائي بالسند إلى الزهري قال: القدر رياض الزندقة فمن دخل فيه هملج (٥). (٦)\n- وروى ابن بطة بسنده عنه قال: القدر نظام التوحيد، فمن وحد ولم يؤمن بالقدر؛ كان كفره بالقدر نقضا للتوحيد، ومن وحد وآمن بالقدر؛ كانت عروة لا انفصام لها. (٧)\n\nإبراهيم بن هشام (٨) (١٢٥ هـ)\nإبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي. ولاه هشام بن عبد الملك إمارة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٥/ ٦٢/٤٦٨٤).\n(٢) أي المرجئة.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٤ - ١٠٢٥/ ١٧٣٢) والسنة لعبد الله (١١٧ - ١١٩) والسنة للخلال (٤/ ٢٩ - ٣٢/ ١١٠٥) والإبانة (٢/ ٨٠٨ - ٨١١/ ١١٠١).\n(٥) هملج: أسرع.\n(٦) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٤/١٣١٤).\n(٧) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢١/ ١٨٠٠) والسير (٥/ ٣٤٣ مختصرا).\n(٨) تاريخ الطبري (٧/ ٢٢٦ - ٢٢٧) والكامل في التاريخ (٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤) وتاريخ خليفة (٣٦١ - ٣٦٢).","vol":"2","page":199},{"text":"الحجاز (مكة والمدينة والطائف) منذ سنة ست ومائة إلى أربع عشرة ومائة للهجرة. وفي سنة خمس وعشرين ومائة كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر، فقدم عليه، فدفع إليه خالد بن عبد الله القسري ومحمدا وإبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزوميين، وأمره بقتلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عن حميد بن حبيب: أنه رأى محمد بن إسحاق مجلودا في القدر، جلده إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك. (١)\n\" التعليق:\nما أعظمهما من رجلين يتتبعان رؤوس البدع ليطهرا الأرض منهم. أين من يدعون أنهم حماة الإسلام الآن؟ لقد عششت وفرخت البدع والخرافات والعقائد الباطلة من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وصار المبتدعة أصدقاءهم الأعزاء، ولقوا عندهم كل تقدير واحترام، أما دعاة عقيدة السلف فلقوا كل تشريد وطرد وإبعاد وإن ربك لبالمرصاد، والله المستعان.\n\nمطر بن طهمان (٢) (١٢٥ هـ)\nالإمام الزاهد الصادق، أبو رجاء مَطَر بن طَهْمَان الخراساني، الوراق\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٠/١٣٣٥).\n(٢) الجرح والتعديل (٨/ ٢٨٧ - ٢٨٨) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٥١ - ٥٥) وحلية الأولياء (٣/ ٧٥ - ٧٨) والسير (٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣) ومشاهير علماء الأمصار (٩٥) وتاريخ خليفة (٣٨٩).","vol":"2","page":200},{"text":"نزيل البصرة. روى عن الحسن البصري، ومحمد بن سيرين وقتادة بن دعامة وعامر الشعبي وآخرين. وعنه جملة منهم: شعبة، وإبراهيم بن طهمان، وحماد ابن سلمة وحماد بن زيد. قال الخليل ابن عمر بن إبراهيم: سمعت عمي أبا عيسى يقول: ما رأيت مثل مطر في فقهه وزهده. من درر أقواله أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١) قال: هل من طالب علم يعان عليه. وقال: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان التربص لم يوجد أحدهما يزيد على صاحبه شيئا.\nمات سنة خمس وعشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن مطر الوراق قال: عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة، من عمل في سنة قبل الله منه ومن عمل في بدعة رد الله عليه بدعته. (٢)\n- عن مطر الوراق قال: ترك أصحاب الرأي الآثار والله. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء عنه في السنة قال: لقيني عمرو بن عبيد فقال: والله إني وإياك لعلى أمر واحد قال: وكذب والله إنما عنى على الأرض قال: وقال مطر: والله ما أصدقه في شيء. (٤)\n_________\n(١) القمر الآية (١٧).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣٥٨ - ٣٥٩/ ٢٤٨).\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٦٣).\n(٤) السنة لعبد الله (١٤٩) والإبانة (٢/ ١١/٣٠٤/ ١٩٧٣).","vol":"2","page":201},{"text":"هشام بن عبد الملك (١) (١٢٥ هـ)\nهشام بن عبد الملك بن مروان الخليفة أبو الوليد القرشي الأموي الدمشقي. ولد سنة اثنتين وسبعين. أمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل المخزومي. كان هشام حريصا جماعا للمال، ذكيا عاقلا حازما، له بصر بالأمور جليلها وحقيرها، وكان فيه حلم وأناة وظلم مع عدل، يكره سفك الدماء. استخلف بعد وفاة أخيه يزيد، وبعهد منه، لأربع بقين من شعبان عام خمس ومائة للهجرة، وعمره آنذاك أربعة وثلاثون عاما. قيل: وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة، فقال: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقت دابتي، قال: أفعجزت عن المشي؟ فمنعه الدابة سنة. قال العيشي: قال هشام: ما بقي علي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته إلا شيئا واحدا، أخ أرفع مؤنة التحفظ منه.\nتوفي سنة خمس وعشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن صالح بن أبي عبيد الله قال: قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى عامله بخراسان نصر بن سيار: أما بعد: فقد نجم قبلك رجل من الدهرية من الزنادقة يقال له جهم بن صفوان، فإن أنت ظفرت به فاقتله وإلا فادسس إليه من الرجال غيلة ليقتلوه. (٢)\n_________\n(١) تاريخ خليفة (٣٥٦ - ٣٥٧) والبداية والنهاية (٩/ ٣٦٥ - ٣٦٩) وتاريخ الطبري (٧/ ٢٠٠ - ٢٠٨) وفوات الوفيات (٤/ ٢٣٨ - ٢٣٩) والكامل في التاريخ (٥/ ٢٦١ - ٢٦٤) والسير (٥/ ٣٥١) وشذرات الذهب (١/ ١٦٣ - ١٦٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤/٦٣٧).","vol":"2","page":202},{"text":"- وفي الإبانة: عن أبي الوليد قال: القرآن كلام الله وليس بمخلوق، ومن لم يعقد عليه قلبه أنه ليس بمخلوق؛ فهو كافر. (١)\n- عن إسماعيل بن أبي الحارث قال: سمعت هارون بن معروف يقول: كتب هشام بن عبد الملك -أو بعض ملوك بني أمية- إلى سلم بن أحوز أن يقتل جهما حيث ما لقيه فقتله سلم بن أحوز وكان والي مرو. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>موقفه من القدرية:</span>\nتقدم في مواقف عمر بن عبد العزيز مناظرته لغيلان، حتى قال له: وإني أعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم به أبدا. قال: اذهب فلما ولى قال: اللهم إن كان كاذبا فيما قال: فأذقه حر السلاح، قال: فلم يتكلم زمن عمر فلما كان زمن يزيد بن عبد الملك وكان رجلا لا يهتم لهذا، ولا ينظر فيه، قال: فتكلم غيلان فلما ولي هشام أرسل إليه فقال: أليس قد عاهدت الله لعمر أن لا تكلم في شيء من هذا الأمر أبدا قال: أقلني فوالله لا أعود، قال: لا أقالني الله إن أقلتك، هل تقرأ فاتحة الكتاب قال: نعم. قال: اقرأها فقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣). قال: قف، علام استعنته؟ قال: على أمر بيده لا تستطيعه إلا به أو على أمر في يدك أو\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٥٥/ ٢٥٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤/٦٣٦).\n(٣) الفاتحة الآيات (٢ - ٥).","vol":"2","page":203},{"text":"بيدك؟ اذهبا به فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه. (١)\n\nسعد بن إبراهيم (٢) (١٢٥ هـ)\nالإمام الحجة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قاضي المدينة أبو إسحاق ويقال أبو إبراهيم الزهري المدني، وأمه أم كلثوم بنت سعد بن أبي وقاص. روى عن أبيه وخاليه إبراهيم وعامر ابني سعد، وأنس بن مالك وأبي أمامة بن سهل وعبد الله بن شداد بن الهاد وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وخلق سواهم. وعنه ابنه إبراهيم بن سعد ومسعر والسفيانان وأبو عوانة وابن عجلان، وطائفة. قال أحمد بن حنبل: كان ثقة فاضلا، ولي قضاء المدينة. وعن حجاج بن محمد: كان شعبة إذا ذكر سعد بن إبراهيم قال: حدثني حبيبي سعد بن إبراهيم. قال ابن حجر: كان ثقة فاضلا عابدا. مات رحمه الله تعالى سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل بعدها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال الشافعي: أخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب، قال: قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن النبي بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة: قد\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٤٦) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٩ - ٧٩١/ ١٣٢٥).\n(٢) تهذيب الكمال (١٠/ ٢٤٠ - ٢٤٧) والسير (٥/ ٤١٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠/ص.١١١ - ١١٣) والوافي بالوفيات (١٥/ ١٤٨) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٦٣) والتقريب (١/ ٣٤٢) وشذرات الذهب (١/ ١٧٣).","vol":"2","page":204},{"text":"اجتهدت ومضى حكمك، فقال سعد: واعجبا أنفذ قضاء سعد بن أم سعد، وأرد قضاء رسول الله؟ بل أرد قضاء سعد بن أم سعد، وأنفذ قضاء رسول الله، فدعا سعد بكتاب القضية فشقه وقضى للمقضي عليه. (١)\n\nعمرو بن دينار (٢) (١٢٦ هـ)\nعمرو بن دينار، الإمام الكبير أبو محمد الجمحي مولاهم المكي الأثرم أحد الأعلام وشيخ الحرم في زمانه. ولد في إمرة معاوية سنة خمس أو ست وأربعين. روى عن جملة منهم: أنس بن مالك وابن عباس وجابر بن عبد الله وابن عمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وطاووس. وعنه ابن أبي مليكة وقتادة والزهري وأيوب السختياني، والثوري وابن عيينة وآخرون. قال عبد الله بن أبي نجيح: ما رأيت أحدا أفقه من عمرو بن دينار، لا عطاء ولا مجاهدا ولا طاووسا. قال أحمد بن حنبل: كان شعبة لا يقدم على عمرو بن دينار أحدا لا الحكم ولا غيره في الثبت قال: كان عمرو مولى هؤلاء، ولكن الله شرفه بالعلم. قال شعبة: ما رأيت في الحديث أثبت من عمرو بن دينار.\nقال يحيى بن معين: أهل المدينة لا يرضون عمرا يرمونه بالتشيع، والتحامل على ابن الزبير، ولا بأس به، وهو بريء مما يقولون.\n_________\n(١) الرسالة (١٢٣٣)، الفقيه والمتفقه (١/ ٥٠٦ - ٥٠٧) والسير (٥/ ٤١٩ - ٤٢٠).\n(٢) طبقات ابن سعد (٥/ ٤٧٩ - ٤٨٠) وتاريخ خليفة (٣٦٨) والسير (٥/ ٣٠٠ - ٣٠٧) والمعرفة والتاريخ (٢/ ١٨ - ٢٢و٢٠٧) والجرح والتعديل (٦/ ٢٣١) وتهذيب الكمال (٢٢/ ٥ - ١٣) والعقد الثمين (٥/ ٣٨٢) ومشاهير علماء الأمصار (٨٤) وشذرات الذهب (١/ ١٧١).","vol":"2","page":205},{"text":"توفي ﵀ سنة ست وعشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود. (١)\n- وفيه عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت مشيختنا منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق.\n- وقال محمد بن عمار: ومَن مشيخته إلا أصحاب رسول الله - ﷺ -: ابن عباس وجابر وذكر جماعة. (٢)\n- وفيه عنه قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الميزان والسير عنه قال: دخلت على وهب بن منبه داره بصنعاء، فأطعمني من جوزة في داره، فقلت: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر كتابا. قال: وأنا والله لوددت ذلك. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٦٠/٣٨١) والإبانة (٢/ ١٢/٦ - ٧/ ١٨٣) والمنهاج (٢/ ٢٥٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٦٠ - ٢٦١/ ٣٨٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٥٩/٣٨٠) والتلبيس (١٠٩).\n(٤) الميزان (٤/ ٣٥٣) السير (٤/ ٥٤٨).","vol":"2","page":206},{"text":"درَّاج أبو السَّمح (١) (١٢٦ هـ)\nدراج بن سَمْعَان، يقال: اسمه عبد الرحمن ودراج لقب، أبو السَّمْح القرشي السهمي المصري القاص. روى عن: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وأبي الهيثم وأبي قبيل المعافري وعبد الرحمن بن حجيرة. وروى عنه: حيوة بن شريح وسعيد بن يزيد القتباني وعمرو بن الحارث. يقال: كان مجاب الدعوة من الخاشعين. توفي سنة ست وعشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن دراج أبي السمح قال: يأتي على الناس زمان، يسمن الرجل راحلته حتى تعقد شحما، ثم يسير عليها في الأمصار حتى تعود نقضا، يلتمس من يفتيه بسنة قد عمل بها فلا يجد إلا من يفتيه بالظن. (٢)\n\nخالد القسري (٣) (١٢٦ هـ)\nالأمير الكبير أبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد القسري، كان جوادا ممدوحا معظما عالي الرتبة، من نبلاء الرجال، لكنه فيه نصب معروف. روى عن أبيه. وروى عنه حميد الطويل وإسماعيل بن أبي خالد وسيار وغيرهم. قيل\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٨/ ٤٧٧ - ٤٨٠) وميزان الاعتدال (٢/ ٢٤ - ٢٥) تاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠/ص.٩٠ - ٩١) والوافي بالوفيات (١٤/ ٦ - ٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩) وشذرات الذهب (١/ ١٧١).\n(٢) ابن وضاح (ص.١٧٤ - ٢٦١) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٦٠٣) وأورده الشاطبي في الاعتصام (١/ ١٣٦).\n(٣) الجرح والتعديل (٣/ ٣٤٠) والسير (٥/ ١٢٤و٢٧٦ - ٢٨٠) ووفيات الأعيان (٢/ ٢٢٦ - ٢٣١) وتهذيب الكمال (٨/ ١٠٧ - ١١٨) والبداية والنهاية (١٠/ ١٩ - ٢٣) وتاريخ الطبري (٧/ ٢٥٤ - ٢٦٠) وشذرات الذهب (١/ ١٦٩ - ١٧١).","vol":"2","page":207},{"text":"لسيار: تروي عن خالد؟ قال: إنه كان أشرف من أن يكذب. كان واليا على مكة من سنة تسع وثمانين إلى سنة عشرين بعد المائة. كان قائما في إطفاء الضلال والبدع كقتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد. كان كريما كثير الجود فقد كان يطعم في اليوم ستة وثلاثين ألفا من الأعراب من تمر وسويق.\nمن أقواله: لا يحتجب الوالي إلا لثلاث خصال: إما رجل عيي فهو يكره أن يطلع الناس على عيه، وإما رجل يشتمل على سوءة فهو يكره أن يعرف الناس ذلك، وإما رجل بخيل يكره أن يسأل. ومن أقواله أيضا: إن أكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفوا من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل عن قطيعة. توفي سنة ست وعشرين بعد المائة الأولى للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء وميزان الاعتدال: عن أبي بكر بن عياش قال: رأيت خالدا القسري حين أتي بالمغيرة بن سعيد وأصحابه، وكان يريهم أنه يحيى الموتى، فقتل خالد واحدا منهم ثم قال للمغيرة: أحيه فقال: والله ما أحيي الموتى، قال: لتحيينه أو لأضربن عنقك، ثم أمر بطن من قصب فأضرموه وقال: اعتنقه، فأبى فعدا رجل من أتباعه فاعتنقه. قال أبو بكر: فرأيت النار تأكله وهو يشير بالسبابة فقال خالد: هذا والله أحق بالرئاسة منك. ثم قتله وقتل أصحابه.","vol":"2","page":208},{"text":"قال الذهبي: كان رافضيا (١) خبيثا كذابا ساحرا، ادعى النبوة، وفضل عليا على الأنبياء وكان مجسما، سقت أخباره في ميزان الاعتدال. (٢)\nقال المدائني: أتي خالد بن عبد الله برجل تنبأ بالكوفة فقيل له ما علامة نبوتك؟ قال: قد نزل علي قرآن، قال: إنا أعطيناك الكماهر، فصل لربك ولا تجاهر. ولا تطع كل كافر وفاجر. فأمر به فصلب [وكان يقول] (٣) وهو يصلب: إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على عود، فأنا ضامن لك ألا تعود. (٤)\n- وجاء في البداية والنهاية في حوادث سنة ثماني عشرة ومائة: وفيها قصد شخص يقال له: عمار بن يزيد، ثم سمي بخداش، إلى بلاد خراسان ودعا الناس إلى خلافة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فاستجاب له خلق كثير، فلما التفوا عليه دعاهم إلى مذهب الخرمية الزنادقة، وأباح لهم نساء بعضهم بعضا، وزعم لهم أن محمد بن علي يقول ذلك، وقد كذب عليه فأظهر الله عليه الدولة فأخذ فجيء به إلى خالد بن عبد الله القسري أمير العراق وخراسان، فأمر به فقطعت يده وسل لسانه ثم صلب بعد ذلك. (٥)\n- وجاء في ميزان الاعتدال في ترجمة بيان الزنديق: قال ابن نمير: قتله خالد بن عبد الله القسري وأحرقه بالنار.\n_________\n(١) يعني المغيرة.\n(٢) السير (٥/ ٤٢٦) وميزان الاعتدال (٤/ ١٦٢) والبداية والنهاية (١٠/ ٢١).\n(٣) زيادة يقتضيها السياق.\n(٤) البداية والنهاية (١٠/ ٢١).\n(٥) البداية والنهاية (٩/ ٣٣٣).","vol":"2","page":209},{"text":"قال الذهبي: هذا بيان بن سمعان النهدي من بني تميم، ظهر بالعراق بعد المائة، وقال بإلهية علي؛ وأن فيه جزءا إلهيا متحدا بناسوته ثم من بعده في ابنه محمد بن الحنفية، ثم في أبي هاشم ولد بن الحنفية، ثم من بعده في بيان هذا؛ وكتب بيان كتابا إلى أبي جعفر الباقر، يدعوه إلى نفسه، وأنه نبي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السير عن قتيبة بن سعيد وغيره قالا: حدثنا القاسم بن محمد عن عبد الرحمن بن محمد بن حبيب عن أبيه عن جده قال: شهدت خالدا القسري في يوم أضحى يقول: ضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه. (٢)\n\" التعليق:\nأصبح هذا الموقف خالدا لخالد خلده الله في جنات الخلد هو وأمثاله ممن أراحوا المسلمين من رؤوس البدع والضلالة في كل زمان ومكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في البداية والنهاية: وفي هذه السنة (أي تسع عشرة ومائة) خرج رجل يقال له بهلول بن بشر ويلقب بكثارة، واتبعه جماعات من الخوارج دون المائة، وقصدوا قتل خالد القسري، فبعث إليهم البعوث فكسروا الجيوش واستفحل أمرهم جدا لشجاعتهم وجلدهم، وقلة نصح من يقاتلهم\n_________\n(١) الميزان (١/ ٣٥٧).\n(٢) السير (٥/ ٤٣٢) والفتاوى (١٠/ ٦٦ - ٦٧).","vol":"2","page":210},{"text":"من الجيوش، فردوا العساكر من الألوف المؤلفة، ذوات الأسلحة والخيل المسومة، هذا وهم لم يبلغوا المائة، ثم إنهم راموا قدوم الشام لقتل الخليفة هشام، فقصدوا نحوها، فاعترضهم جيش بأرض الجزيرة فاقتتلوا معهم قتالا عظيما، فقتلوا عامة أصحاب بهلول الخارجي. ثم إن رجلا من جديلة يكنى أبا الموت ضرب بهلولا ضربة فصرعه وتفرقت عنه بقية أصحابه، وكانوا جميعهم سبعين رجلا، وقد رثاهم بعض أصحابهم فقال:\nبُدِّلت بعد أبي بشر وصحبته ... قوما علي مع الأحزاب أعوانا\nبانوا كأن لم يكونوا من صحابتنا ... ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا\nيا عين أذري دموعا منك تهنانا ... وأبكي لنا صحبة بانوا وجيرانا\nخلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها ... وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا\nثم تجمع طائفة منهم أخرى على بعض أمرائهم فقاتلوا وقتلوا وقتلوا، وجهزت إليهم العساكر من عند خالد القسري، ولم يزل حتى أباد خضراءهم ولم يبق لهم باقية. (١)\n\nعبد الكريم بن مالك الجزري (٢) (١٢٧ هـ)\nعبد الكريم بن مالك، أبو سعيد الجزري الحراني، مولى بني أمية، الحافظ الإمام، عالم الجزيرة، رأى أنس بن مالك ﵁. روى عن سعيد بن\n_________\n(١) البداية والنهاية (٩/ ٣٣٦ - ٣٣٧).\n(٢) تهذيب الكمال (١٨/ ٢٥٢ - ٢٥٨) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٤٠) وسير أعلام النبلاء (٦/ ٨٠) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٥) وشذرات الذهب (١/ ١٧٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠،ص.١٦٧).","vol":"2","page":211},{"text":"جبير وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وطاووس وعطاء ومجاهد وغيرهم. وروى عنه: شعبة وأيوب وسفيان بن عيينة ومسعر بن كدام ومعمر بن راشد، وعدة. قال سفيان: ما رأيت عربيا أثبت من عبد الكريم. وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: ثقة، ثبت، وهو أثبت من خصيف في الحديث، وهو صاحب سنة. وقال الحميدي عن سفيان: كان حافظا، وكان من الثقات، لا يقول إلا سمعت وحدثنا ورأيت. توفي ﵀ سنة سبع وعشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن مروان بن شجاع قال: سمعت عبد الكريم الجزري يقول: ما خاصمت قط. (١)\n- وعنه أيضا قال: سمعت عبد الكريم يقول: ما خاصم ورع قط في الدين. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا فيهم ميمون بن مهران وعبد الكريم ابن مالك فأما عبد الكريم بن مالك فإنه عاهد الله أن لا يأويَه وإياه سقف بيت إلا\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٥/ ٦٣٣).\n(٢) الشريعة (١/ ١٩١/١٢٩) والإبانة (٢/ ٣/٥٢٥/ ٦٣٤).","vol":"2","page":212},{"text":"المسجد. (١)\n- وعن موسى بن أعين الجزري سمعت عبد الكريم بن مالك الجزري وخصيف بن عبد الرحمن يقولان: الإيمان يزيد وينقص. (٢)\n\nأبو إسحاق السَّبِيعِي (٣) (١٢٧ هـ)\nعمرو بن عبد الله، أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، الحافظ أحد الأعلام. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ورأى عليا ﵁ يخطب. وغزا الروم في خلافة معاوية، روى عن: معاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وعمرو بن الحارث الخزاعي، وجماعة من الصحابة وعن خلائق من كبار التابعين. وروى عنه: ابن سيرين، والزهري، وأبان بن تغلب، وقتادة، ومالك بن مغول وخلق سواهم. عن ابن فضيل، عن أبيه قال: كان أبو إسحاق يقرأ القرآن في كل ثلاث. وقال علي ابن المديني: حفظ العلم على الأمة ستة: فلأهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش، ولأهل البصرة: قتادة ويحيى بن أبي كثير ولأهل المدينة: الزهري، ولأهل مكة: عمرو بن دينار. وقيل لشعبة: أسمع أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: وما كان يصنع به، هو أحسن حديثا من مجاهد ومن الحسن وابن سيرين.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٤/١٧٣٢) والسنة لعبد الله (١١٧) والسنة للخلال (٤/ ٢٩ - ٣٢/ ١١٠٥) والإبانة (٢/ ٦/٨٠٨ - ٨٠٩/ ١١٠١).\n(٢) السنة لعبد الله (٩٥).\n(٣) طبقات ابن سعد (٦/ ٣١٣ - ٣١٥) وتهذيب الكمال (٢٢/ ١٠٢ - ١١٣) وميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٠) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٩٢) وتهذيب التهذيب (٨/ ٦٣) وشذرات الذهب (١/ ١٧٤).","vol":"2","page":213},{"text":"وقال ابن حجر: ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة. توفي سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل تسع وعشرين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال الإمام الآجري: وأنبأنا الفريابي قال: حدثنا إسماعيل بن سيف قال: حدثنا حسان بن إبراهيم الكرماني قال: سمعت أبا إسحاق الهمداني يقول: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: قال أبو إسحاق الهمداني: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر التي قال الله ﷿: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٢). (٣)\n- وفيه عن حمزة الزيات قال: سألت أبا إسحاق السبيعي: فما ترى في الصلاة خلف من يسب أبا بكر وعمر؟ قال: ألست تجد غيرهم؟ قلت: بلى. قال: لا تصلي خلفهم. (٤)\n- وجاء في السنة للخلال: عنه قال: ما رأيت بعده مثله يعني معاوية. (٥)\n- وفيها: عنه أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم زمانه\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٥٧٧/٢٠٩٧).\n(٢) النساء الآية (٣١).\n(٣) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤١ - ١٣٤٢/ ٢٣٨٨).\n(٤) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٤٥ - ١٥٤٦/ ٢٨١٤).\n(٥) السنة للخلال (١/ ٤٣٨).","vol":"2","page":214},{"text":"كان المهدي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عن أبي إسحاق قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٢) قال: النظر إلى وجه الرحمن. (٣)\n\nعَبْدَة بن أبي لُبَابَة (٤) (١٢٧ هـ)\nعَبْدَة بن أبي لُبَابَة، أبو القاسم الأسدي ثم الغاضري مولاهم الكوفي ويقال: مولى قريش، أحد الأئمة، نزيل دمشق، وهو خال الحسن بن الحر. روى عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجاهد بن جبر، وعمر بن الخطاب مرسل، وآخرين. روى عنه شعبة بن الحجاج والأوزاعي وسفيان بن عيينة وغيرهم. قال أبو أسامة عن الأوزاعي: لم يقدم علينا من العراق أحد أفضل من عبدة بن أبي لبابة والحسن بن الحر، وكانا شريكين جميعا. روى الأوزاعي عنه قال: أقرب الناس إلى الرياء آمنهم منه. قال رجاء بن أبي سلمة: سمعت عبدة يقول: لوددت أن حظي من أهل الزمان أنهم لا يسألوني عن شيء، ولا أسألهم، إنهم يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٣٩) وهو في منهاج السنة (٦/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(٢) يونس الآية (٢٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١١ - ٥١٢/ ٧٩٤).\n(٤) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٢٨) والجرح والتعديل (٦/ ٨٩) والسير (٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠) وتهذيب الكمال (١٨/ ٥٤١) وتهذيب التهذيب (٦/ ٤٦١ - ٤٦٢).","vol":"2","page":215},{"text":"بالدراهم. قال الأوزاعي: كان عبدة بن أبي لبابة إذا كان في المسجد لم يذكر شيئا من أمر الدنيا. قال الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة: إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمت خسارته. مات في حدود سنة سبع وعشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى الدارمي بسنده إليه قال: قد رضيت من أهل زماني هؤلاء أن لا يسألوني ولا أسألهم إنما يقول أحدهم أرأيت أرأيت. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>موقفه من القدرية:</span>\nعن عبدة بن أبي لبابة قال: علم الله ما هو خالق وما الخلق عاملون، ثم كتبه ثم قال لنبيه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢). (٣)\n\nيزيد بن أبي حبيب (٤) (١٢٨ هـ)\nالإمام الفقيه يزيد بن أبي حبيب، أبو رجاء المصري مولى شريك بن الطفيل الأزدي. ولد تقريبا سنة ثلاث وخمسين، روى عن إبراهيم بن عبد الله\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ٦٧).\n(٢) الحج الآية (٧٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٣١٦/ ١٩٩٦) والشريعة (١/ ٤٥٣/٥٨٢).\n(٤) طبقات ابن سعد (٧/ ٥١٣) وتهذيب الكمال (٣٢/ ١٠٢ - ١٠٧) والسير (٦/ ٣١) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠/ص.٣٠٤ - ٣٠٦) وتهذيب التهذيب (١١/ ٣١٨) وشذرات الذهب (١/ ١٧٥).","vol":"2","page":216},{"text":"ابن حنين وعلي بن رباح وأبي الطفيل وسعيد بن أبي هند، وروى عنه سعيد ابن أبي أيوب وحيوة بن شريح ويحيى بن أيوب والليث بن سعد وابن لهيعة.\nقال أبو سعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر وكان حليما عاقلا وهو أول من أظهر العلم والمسائل والحلال والحرام بمصر. وقال الليث بن سعد: هو عالمنا وسيدنا. وثقه أبو زرعة الرازي والعجلي وغيرهما. وقال الحافظ ابن حجر: ثقة فقيه، وكان يرسل. مات ﵀ سنة ثمان وعشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>موقفه من المبتدعة:</span>\nأخرج ابن بطة: عن يزيد بن أبي حبيب قال: إذا كثر مراء القارئ فقد أحكم الخسارة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>موقف السلف من الجهم بن صفوان (١٢٨ ه</span>ـ)\n- جاء في السير: الجهم بن صفوان أبو محرز الراسبي مولاهم السمرقندي الكاتب المتكلم أس الضلالة ورأس الجهمية، كان صاحب ذكاء وجدال كتب للأمير حارث بن سريج التميمي وكان ينكر الصفات وينزه الباري عنها بزعمه ويقول بخلق القرآن ويقول: إن الله في الأمكنة كلها. قال ابن حزم: كان يخالف مقاتلا في التجسيم وكان يقول: الإيمان عقد بالقلب وإن تلفظ بالكفر، قيل إن سلم بن أحوز قتل الجهم لإنكاره أن الله كلم موسى. (٢)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥١١/ ٥٩٢).\n(٢) السير (٦/ ٢٦ - ٢٧).","vol":"2","page":217},{"text":"- جاء في الفتاوى الكبرى عن ابن شوذب: ترك جهم الصلاة أربعين يوما وكان فيمن خرج مع الحارث بن سريج. وعن مروان بن معاوية الفزاري وذكر جهما فقال: قبح الله جهما حدثني ابن عم لي أنه شك في الله أربعين صباحا. (١)\n- وفيها: عن يحيى بن أيوب قال: كنا يوما عند مروان بن معاوية الفزاري فسأله رجل عن حديث الرؤية فلم يحدثه به، قال: إن لم تحدثني به فأنت جهمي، فقال مروان: أتقول لي جهمي وجهم مكث أربعين ليلة لا يعرف ربه؟! (٢)\n- وفيها: قال عبد العزيز بن أبي سلمة: كلام جهم صفة بلا معنى وبناء بلا أساس، ولم يُعَد قط من أهل العلم. (٣)\n- وفي المنهاج قال شيخ الإسلام: وإنما أنكر ذلك الجهم بن صفوان فزعم أن الجنة والنار يفنيان. (٤)\n\nأبو كثير السحيمي اليمامي (٥) (١٢٩ هـ)\nأبو كثير السُّحَيْمِي الغُبَرِي اليَمَامِي، الأعمى، قيل اسمه: يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة، وقيل: يزيد بن عبد الله بن أذينة، وقيل: ابن غفيلة. روى\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٤١).\n(٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٤١).\n(٣) الفتاوى الكبرى (٥/ ٤١).\n(٤) المنهاج (١/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(٥) تاريخ الثقات للعجلي (٤٧٩) الثقات لابن حبان (٥/ ٥٣٩) وتهذيب الكمال (٣٤/ ٢٢١) وتهذيب التهذيب (١٢/ ٢١١) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠، ص.٣٢٥).","vol":"2","page":218},{"text":"عن أبيه وأبي ذر وأبي هريرة. وروى عنه: ابنه زفر وأيوب ابن عتبة وعكرمة ويحيى بن أبي كثير وغيرهم. وثقه أبو حاتم وأبو داود والنسائي والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات. توفي ﵀ سنة تسع وعشرين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة عنه أنه ذكر عنده القدرية؛ فقال: لا تجادلوهم ولا تجالسوهم؛ فإنهم شعبة من المنانية قد كان كسرى يصلب فيها. (١)\n\nيحيى بن أبي كثير (٢) (١٢٩ هـ)\nيحيى بن أبي كثير أبو نصر الطائي مولاهم اليمامي، واسم أبيه صالح بن المتوكل وقيل يسار وقيل: نشيط، وكان مولى لطيء، كان أحد العلماء الأعلام الأثبات. حدث عن خلق كثير منهم: أنس بن مالك، وأبو أمامة الباهلي مرسلا وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبد الله بن أبي قتادة. روى عنه جم غفير منهم: معمر بن راشد والأوزاعي وأبان بن يزيد المعلم، وحسين المعلم، وابنه عبد الله بن يحيى. قال أبو حاتم الرازي: هو إمام لا يروي إلا عن ثقة، وقد نالته محنة وضرب لكلامه في ولاة الجور. قال أيوب السختياني: ما أعلم أحدا بالمدينة بعد الزهري أعلم من يحيى بن أبي كثير. مات سنة تسع وعشرين ومائة.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢١/ ١٧٩٨).\n(٢) طبقات ابن سعد (٥/ ٥٥٥) وتهذيب الكمال (٣١/ ٥٠٤) والسير (٦/ ٢٧ - ٣١) وميزان الاعتدال ٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣) وشذرات الذهب (١/ ١٧٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠، ص.٢٩٧ - ٢٩٩).","vol":"2","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الشريعة: قال يحيى بن أبي كثير: إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في غيره. (١)\n\" التعليق:\nلأنه شيطان يتحايل عليك بخيله ورجله وحباله وأعوانه وأكاذيبه، فمن لا يعرف المبتدعة وأكاذيبهم ربما ينخدع بهم، ولا سيما في زمننا هذا.\n\n- جاء في ذم الكلام عنه قال: ثلاثة لا غيبة فيهم: إمام جائر وصاحب بدعة وفاسق. (٢)\n\" التعليق:\nلأنه من باب النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، والساكت غاش وخائن وجبان.\n\n- قال الأوزاعي: وكان يحيى يقول: السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة. (٣)\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٩٩/١٤٢) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٥/٢٥٩) والإبانة (٢/ ٣/٤٧٤/ ٤٩٠) وذم الكلام (ص.٢٠٣) وما جاء في البدع (ص.١٠٦) والحلية (٣/ ٦٧) وبنحوه في السير (٦/ ٢٩) والاعتصام (١/ ١١٣ - ١١٤).\n(٢) ذم الكلام (ص.١٧٧).\n(٣) الإبانة (١/ ١/٢٥٤/ ٨٩) وذم الكلام (ص.٧٤) والدارمي (١/ ١٤٥) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٩٤).","vol":"2","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>موقفه من المرجئة:</span>\nعن الأوزاعي قال: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على هذه الأمة من الإرجاء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله عنه قال في القدرية: هم الذين يقولون إن الله لم يقدر الشر. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن عكرمة بن عمار قال: سألت يحيى بن أبي كثير: من القدرية؟ فقال: الذين يقولون: إن الله لم يقدر المعاصي. (٣)\n\nسلم بن أحوز (٤) (١٣٠ هـ)\nسلم بن أحوز، أمير الشرط لنصر بن سيار، قتل الجهم بن صفوان -رأس الجهمية- على المشهور سنة ثمان وعشرين ومائة، ثم كانت وقعة هائلة بين جيش أبي مسلم الخراساني وجيش نصر بن سيار، فانهزم جيش نصر، وظفر أبو مسلم بسلم بن أحوز فحبسه، ثم أقدمه، فقتله هو وآخرين، وذلك في حدود الثلاثين ومائة.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٤/١٨١٦) والسنة لعبد الله (٨٦) والإبانة (٢/ ٨٨٥ - ٨٨٦/ ١٢٢٣) والشريعة (١/ ٣٠٩/٣٣٧).\n(٢) السنة (١٢٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٤ - ٧٧٥/ ١٢٩٨).\n(٤) تاريخ الطبري (٤/ ٣٢١) والكامل في التاريخ (٥/ ٣٨٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠، ص.٢٧و٦٧).","vol":"2","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن بكير بن معروف قال: رأيت سلم بن الأحوز ضرب عنق الجهم فاسود وجهه. (١)\n- وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن صالح مولى بني هاشم قال: قال سلم حين أخذه، يا جهم إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك، ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهدا أن لا أملكك إلا قتلتك فقتله. (٢)\n\" التعليق:\nانظر كيف يفعل مع المبتدعة الذين صاروا فيما بعد أئمة يدعون إلى النار، فكم جر هذا الخبيث هو وسلفه وأفراخه من بلايا على العقيدة السلفية. وكم وقعت من الفتن بسبب ذلك وكم مسلم مات على غير عقيدة السلف والله المستعان.\n\nمالك بن دينار (٣) (١٣٠ هـ)\nمالك بن دينار السامي الناجي، أبو يحيى البصري الزاهد، معدود في\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤/٦٣٨).\n(٢) الفتح (١٣/ ٤٢٩).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٤٣) وحلية الأولياء (٢/ ٣٥٧) وتهذيب الكمال (٢٧/ ١٣٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠/ص.٢١٤ - ٢١٧) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٦٢) وشذرات الذهب (١/ ١٧٣).","vol":"2","page":222},{"text":"ثقات التابعين، ومن أعيان كتبة المصاحف. روى عن أنس بن مالك والأحنف بن قيس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والحسن وجماعة. وعنه: سعيد بن أبي عروبة وهمام بن يحيى وابن شوذب وجماعة. قال ابن حبان: كان يكتب المصاحف بالأجرة ويتقوت بأجرته. وكان يجانب الإباحات جهده ولا يأكل شيئا من الطيبات، وكان من المتعبدة الصبر والمتقشفة الخشن. قال مالك بن دينار: أتينا أنس بن مالك أنا وثابت ويزيد الرقاشي وزياد النميري، فنظر إلينا فقال: ما أشبهكم بأصحاب محمد - ﷺ - وإني لأدعو لكم بالأسحار. وقال مالك بن دينار: إذا تعلم العبد ليعمل به كسره علمه، وإذا تعلم العلم لغير العمل زاده فخرا. وروى الأصمعي عن أبيه قال: مر المهلب بن أبي صفرة على مالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته، فقال مالك: أما علمت أن هذه المشية تكره إلا بين الصفين؟ فقال له المهلب: أما تعرفني؟ قال: أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت بينهما تحمل العذرة، فقال المهلب: الآن عرفتني حق المعرفة. قال خليفة وابن المديني وغيرهما: مات سنة ثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن سيار بن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: الناس أجناس كأجناس الطير، الحمام مع الحمام، والغراب مع الغراب، والبط مع البط، والصعو مع الصعو، وكل إنسان مع شكله. (١)\n- قال: وسمعت مالك بن دينار يقول: من خلط خلط له ومن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٨٠/ ٥١٢).","vol":"2","page":223},{"text":"صفى صفي له وأقسم بالله لئن صفيتم ليصفين لكم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>موقفه من المرجئة:</span>\nقال مالك بن دينار: الإيمان يبدو في القلب ضعيفا ضئيلا كالبقلة، فإن صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة، وأماط عنه الدغل وما يضعفه ويوهنه، أوشك أن ينمو أو يزداد، ويصير له أصل وفروع، وثمرة وظل إلى ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال. وَإِنْ صاحبه أهمله ولم يتعاهده جاءه عنز فنتفتها، أوصبي فذهب بها، وأكثر عليها الدغل فأضعفها أو أهلكها أو أيبسها، كذلك الإيمان. (٢)\n\nأبو الزِّنَاد عبد الله بن ذَكْوَان (٣) (١٣٠ هـ)\nالإمام الحافظ عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني المعروف بأبي الزناد، مولى رملة بنت شيبة بن ربيعة، امرأة عثمان بن عفان، وقيل مولى عائشة بنت شيبة بن ربيعة وقيل مولى آل عثمان، وقيل مولى عائشة بنت عثمان بن عفان. مولده في نحو سنة خمس وستين في حياة ابن عباس.\nروى عن أنس بن مالك وأبي أمامة بن سهل وابن المسيب والقاسم بن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٨٠/ ٥١٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٢٥).\n(٣) طبقات خليفة (٢٥٩) وتاريخ دمشق (٤٤/ ٦٣) والسير (٥/ ٤٤٥) وتهذيب الكمال (١٤/ ٤٧٦ - ٤٨٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٥) وشذرات الذهب (١/ ١٨٢).","vol":"2","page":224},{"text":"محمد وعروة وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وابن أبي مليكة ومالك والليث والسفيانان والأعمش وآخرون.\nقال حرب بن إسماعيل عن أحمد بن حنبل: كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث. وقال أبو حاتم: ثقة فقيه، صالح الحديث، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، فصيحا، بصيرا بالعربية، عالما، عاقلا. قال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. توفي ﵀ سنة ثلاثين ومائة وهو ابن ست وستين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الفقيه والمتفقه: عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: إن السنن لا تخاصم، ولا ينبغي لها أن تتبع بالرأي والتفكير، ولو فعل الناس ذلك لم يمض يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين، ولكنه ينبغي للسنن أن تلزم ويتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه. (١)\nولعمري إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرا على خلاف الرأي، ومجانبته خلافا بعيدا، فما يجد المسلمون بدا من اتباعها والانقياد لها، ولمثل ذلك ورع أهل العلم والدين فكفهم عن الرأي، ودلهم على غوره وغورته، إنه يأتي الحق على خلافه في وجوه غير واحدة، من ذلك: أن قطع أصابع اليد، مثل قطع اليد من المنكب، أي ذلك أصيب ففيه ستة ألف.\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣).","vol":"2","page":225},{"text":"ومن ذلك: أن قطع الرجل في قلة ضررها مثل قطع الرجل من الورك، أي ذلك أصيب ففيه ستة ألف.\nومن ذلك: أن في العينين إذا فقئتا، مثل ما في قطع أشراف الأذنين في قلة ضررهما، أي ذلك أصيب ففيه اثنا عشر ألفا.\nومن ذلك: أن في شجتين موضحتين صغيرتين مائة دينار، وما بينهما صحيح فإن جرح ما بينهما حتى تقام إحداهما إلى الأخرى، كان أعظم للجرح بكثير، ولم يكن فيها حينئذ إلا خمسون دينارا.\nومن ذلك أن المرأة الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة.\nومن ذلك رجلان قطعت أذنا أحدهما جميعا، يكون له اثنا عشر ألفا، وقتل الآخر فذهبت أذناه وعيناه ويداه ورجلاه، وذهبت نفسه ليس له إلا اثنا عشر ألفا، مثل الذي لم يصب إلا أشراف أذنيه، في أشباه هذا غير واحدة. فهل وجد المسلمون بدا من لزوم هذا؟!\nوأي هذه الوجوه يستقيم على الرأي أو يخرج في التفكير؟ ولكن السنن من الإسلام، بحيث جعلها الله، هي ملاك الدين وقيامه الذي بني عليه الإسلام، وأي قول أجسم وأعظم خطرا مما قال رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع حين خطب الناس فقال: \"وقد تركت فيكم أيها الناس، ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا: كتاب الله، وسنة نبيه\" (١)، فقرن\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٩٣) والبيهقي (١٠/ ١١٤) من طريق ثور بن زيد الديلي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس في حجة الوداع فذكره. وقال الحاكم: \"قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وسائر رواته متفق عليهم وهذا الحديث لخطبة النبي - ﷺ - متفق على إخراجه في الصحيح يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم مسئولون عني فما أنتم قائلون\". وذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب ويحتاج إليها. ووافقه الذهبي وقال: \"وله أصل في الصحيح\". وللحديث شواهد كثيرة، انظر الصحيحة للشيخ الألباني ﵀ (١٧٦١).","vol":"2","page":226},{"text":"رسول الله - ﷺ - بينهما. (١)\nوايم الله إن كنا لنلتقط السنن من أهل الفقه والثقة، ونتعلمها شبيها بتعليمنا آي القرآن، وما برح من أدركنا من أهل الفضل والفقه من خيار الناس يعيبون أهل الجدل والتنقيب ومن أخذ بالرأي أشد العيب، وينهوننا عن لقائهم ومجالستهم، ويحذروننا مقاربتهم أشد التحذير، ويخبروننا أنهم أهل ضلال وتحريف، بتأويل كتاب الله وسنن رسول الله - ﷺ -، وما توفي رسول الله - ﷺ - حتى كره المسائل وناحية التنقيب والبحث عن الأمور، وزجر عن ذلك وحذره المسلمين في غير موطن حتى كان من قوله - ﷺ - كراهية ذلك أن قال: \"ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم\" (٢). (٣)\nفأي أمر أكف لمن يعقل عن التنقيب من هذا؟ ولم يبلغ الناس يوم قيل لهم هذا القول من الكشف عن الأمور جزءا من مائة جزء مما بلغوا اليوم، وهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بأخذهم بالجدل، والتفكير في دينهم، فهم كل يوم على دين ضلال وشبهة جديدة لا يقيمون على دين، وإن أعجبهم إلا نقلهم الجدل والتفكير إلى دين سواه، ولو لزموا السنن وأمر\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٧) والبخاري (١٣/ ٣١٢/٧٢٨٨) ومسلم (٢/ ٩٧٥/١٣٣٧) والترمذي (٥/ ٤٥ - ٤٦/ ٢٦٧٩) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٥/ ١١٦ - ١١٧/ ٢٦١٨) وابن ماجه (١/ ٣/٢) كلهم من طرق عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - بألفاظ متقاربة.\n(٣) هذا الجزء من كلام أبي الزناد قد أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٩ - ٩٥٠)، وانظر الاعتصام (٢/ ٨٤٧).","vol":"2","page":227},{"text":"المسلمين وتركوا الجدل لقطعوا عنهم الشك، وأخذوا بالأمر الذي حضهم عليه رسول الله - ﷺ - ورضيه لهم، ولكنهم تكلفوا ما قد كفوا مؤنته وحملوا على عقولهم من النظر في أمر الله ما قصرت عنه عقولهم، وحق لها أن تقصر عنه وتحسر دونه، فهنالك تورطوا وأين ما أعطى الله العباد من العلم في قلته وزهادته مما تناولوا، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)، وقد قص الله تعالى ما عير -أو غير هذه الكلمة- به موسى ﵇، من أمر الرجل الذي لقيه فقال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (٢)،\nفكان منه في خرقه السفينة، وقتله الغلام، وبنائه الجدار، ما قد قال الله تعالى في كتابه، فأنكر موسى ذلك عليه، وجاءه ذلك في ظاهر الأمر منكرا لا تعرفه القلوب، ولا يهتدي له التفكير، حتى كشف الله ذلك لموسى فعرفه، وكذلك ما جاء من سنن الإسلام وشرائع الدين التي لا توافق الرأي، ولا تهتدي لها العقول، ولو كشف للناس عن أصولها لجاءت للناس واضحة بينة غير مشكلة على مثل ما جاء عليه أمر السفينة وأمر الغلام وأمر الجدار، فإن ما جاء به محمد - ﷺ - كالذي جاء به موسى يعتبر بعضه ببعض، ويشبه بعضه بعضا، ومن أجهل وأضل وأقل معرفة بحق الله وحق رسوله وبنور الإسلام وبرهانه ممن قال لا أقبل سنة ولا أمرا مضى من أمر المسلمين\n_________\n(١) الإسراء الآية (٨٥).\n(٢) الكهف الآية (٦٥) ..","vol":"2","page":228},{"text":"حتى يكشف لي غيبه وأعرف أصوله؟ أو لم يقل ذلك بلسانه، فكان عليه رأيه وفعله، ويقول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). (٢)\n- وقال مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا الأصمعي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله. (٣)\n\" التعليق:\nهكذا كان منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم لا يكتفون بمظاهر العبادة والزهد ولكن يضيفون إلى ذلك دقة العلم والمعلومات، فإن كان من أهل العلم وعرف بالرواية والحديث وكان مأمونا في الحديث أخذوا عنه، وإلا لم يلتفتوا إلى ما عنده. وأما أهل هذا الزمان الذين فقدوا الموازين، فيأخذون عن كل أحد تظاهر لهم بالإسلام والصلاح وادعى لهم أنه وصل إلى كذا وكذا، أو رأى في منامه كذا وكذا، أو كشفت له الحجب، أو ظهرت له كرامات، كل ذلك من أدلته التي أقامها وتبعه الناس عليها ولو كان على ضلالة حتى ادعى المهدويَة كثيرٌ من الدجاجلة، وادعى عيسى كثير\n_________\n(١) النساء الآية (٦٥).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٩٥ - ٣٩٦).\n(٣) أخرجه مسلم في المقدمة (١/ ١٥) والرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص.٤٠٧) والخطيب في الكفاية (ص.١٥٩) وكذا في (ص.١٦٢).","vol":"2","page":229},{"text":"من المفترين، وادعى القطبية التي هي زور وبهتان كثير من المتحايلين، وادعى المشيخة المزعومة والإذن كثير من المهرجين، وادعى الصلاح والإصلاح كثير من المخرفين. والناس إذا لم يتعلموا السنة ساقهم كل راع، والأمثلة في وقتنا الحاضر كثيرة في الشرق وفي الغرب يعرفها من له تتبع لأحوال العالم الإسلامي.\n\nحسان بن عطية (١) (بين ١٢٠ هـ إلى ١٣٠ هـ)\nالإمام الحجة أبو بكر المحاربي مولاهم الدمشقي. حدث عن أبي أمامة الباهلي وسعيد بن المسيب وأبي كبشة السلولي وطائفة. وحدث عنه: الأوزاعي وأبو معيد حفص بن غيلان وأبو غسان محمد بن مطرف وغيرهم. قال الأوزاعي: ما رأيت أحدا أكثر عملا في الخير من حسان بن عطية. وقال أيضا: كان حسان بن عطية إذا صلى العصر يذكر الله تعالى في المسجد حتى تغيب الشمس. قال يحيى بن معين: كان قدريا. قال الذهبي معقبا: لعله رجع وتاب. مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في سنن الدارمي بالسند إليه قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم\n_________\n(١) حلية الأولياء (٦/ ٧٠ - ٧٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠/ص.٧٤ - ٧٦) والسير (٥/ ٤٦٦ - ٤٦٨) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٥١) وتهذيب الكمال (٦/ ٣٤ - ٤٠).","vol":"2","page":230},{"text":"إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة. (١)\n- عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: خمس كان عليها أصحاب رسول الله - ﷺ -، والتابعون بإحسان: اتباع السنة، ولزوم الجماعة، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله.\n- قال أبو عبد الله المروزي: وأظن قال: وعمارة المساجد. (٢)\n- عن حسان بن عطية قال: إذا أراد الله بقوم شرا ألقى بينهم الجدل وخزن العلم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في الإبانة: عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: إن الإيمان في كتاب الله صار إلى العمل فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ثم صيرهم إلى العمل فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٤).\n\" التعليق:\nقال ابن بطة: فاحذروا، رحمكم الله، من يقول أنا مؤمن عند الله وأنا\n_________\n(١) سنن الدارمي (١/ ٤٥) وأصول الاعتقاد (١/ ١٠٤/١٢٩) والإبانة (١/ ٢/٣٥١/ ٢٢٨) وابن وضاح (ص.٨٥) والحوادث والبدع (ص.١٤٦).\n(٢) تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٢/ ٦٧٩).\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٥٥٤).\n(٤) الأنفال الآيات (٢ - ٤).","vol":"2","page":231},{"text":"مؤمن كامل الإيمان ومن يقول إيماني كإيمان جبريل وميكائيل. فإن هؤلاء مرجئة أهل ضلال وزيغ وعدول عن الملة. (١)\n\nطلحة بن عبيد الله بن كَرِيز (٢) (ما بين ١٢١ هـ و١٣٠ هـ)\nطلحة بن عبيد الله بن كَرِيز أبو المُطَرِّف الكوفي الخُزَاِعي. روى عن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعائشة. روى عنه: إبراهيم بن أبي عبلة، وحماد بن سلمة، وحميد الطويل. قال عنه أحمد بن حنبل والنسائي: ثقة. قال ابن عساكر: كان شريفا فاضلا. وقال ابن حجر: ثقة، من الطبقة الثالثة. وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام ضمن الطبقة الثالثة عشرة المؤرخة بين ١٢١هـ و١٣٠هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>موقفه من المبتدعة:</span>\n- خرج ابن وضاح عن أبان بن أبي عياش قال: لقيت طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي فقلت له: قوم من إخوانك من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد من المسلمين، يجتمعون في بيت هذا يوما وفي بيت هذا يوما، ويجتمعون يوم النيروز والمهرجان ويصومونهما. قال طلحة: بدعة من أشد البدع، والله لهم أشد تعظيما للنيروز والمهرجان من غيرهم. ثم استيقظ أنس بن مالك ﵁ فرقيت إليه وسألته عما سألت طلحة، فرد علي\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩/ ١٢٥٣).\n(٢) تهذيب الكمال (١٣/ ٤٢٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٢) وتقريب التهذيب (١/ ٤٥١) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠/ص.١٣٧) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٢٨) وتاريخ دمشق (٢٥/ ١٢٥).","vol":"2","page":232},{"text":"مثل قول طلحة كأنهما كانا على ميعاد. (١)\n\" التعليق:\nقال الشاطبي: فجعل صوم تلك الأيام من تعظيم ما تعظمه النصارى، وذاك القصد لو كان أفسد العبادة فكذلك ما كان نحوه. (٢)\n\nعامر بن سعد البجلي (٣) (من طبقة الذي قبله)\nعامر بن سعد البَجَلِي الكوفي. روى عن البراء بن عازب، وجرير بن عبد الله البجلي، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة وغيرهم. وروى عنه: إبراهيم بن عامر الجمحي، والعيزار بن حريث، وأبو إسحاق السبيعي. قال ابن حجر: مقبول من الثالثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة لعبد الله: عن عامر بن سعد في هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٤) قال الزيادة النظر إلى وجه الرحمن. (٥)\n_________\n(١) ما جاء في البدع (ص.٤٩) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ٥٠٧).\n(٢) الاعتصام (١/ ٥٠٧).\n(٣) تهذيب الكمال (١٤/ ٢٣ - ٢٥) وتهذيب التهذيب (٥/ ٦٤ - ٦٥) والجرح والتعديل (٦/ ٣٢١) والتاريخ الكبير (٦/ ٤٥٠) ثقات ابن حبان (٥/ ١٨٩) وتقريب التهذيب (١/ ٤٦١).\n(٤) يونس الآية (٢٦).\n(٥) السنة لعبد الله (٦٠) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥١١/٧٩٣).","vol":"2","page":233},{"text":"أبو سهل كثير بن زياد (١) (ما بين ١٢١ هـ و١٣٠ هـ)\nكَثِير بن زِياد أبو سهل البُرْسَانِي الأزدي العتكي البصري. روى عن الحسن البصري وعمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة وأبي سمية وأبي العالية. وروى عنه حماد بن زيد وسلام بن مسكين وجعفر بن سليمان وعبد الله بن شوذب. سكن بلخ، وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم. له وصايا نافعة منها: قوله لمن قال له أوصنا: أوصيكم أن تبيعوا دنياكم بآخرتكم، تربحونهما والله جميعا. ولا تبيعوا آخرتكم بدنياكم، فتخسرونهما والله جميعا. قال ابن حجر: ثقة من السادسة. وذكره الذهبي في أعيان الطبقة الثالثة عشرة من تاريخه المؤرخة ما بين ١٢١هـ و١٣٠هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن ضمرة عن ابن شوذب: عن كثير -أبي سهل- قال: يقال أهل الأهواء لا حرمة لهم. (٢)\n- وعنه أيضا: عن ابن شوذب قال: قلت لكثير بن زياد أبي سهل: ما أحسن سمت فلان، قال: إن ذاك الذي ترى قل ما كان إلا في ذي هوى. (٣)\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٢٤/ ١١٢ - ١١٣) وميزان الاعتدال (٣/ ٤٠٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠/ص.٢٠٧ - ٢٠٨) وتهذيب التهذيب (٨/ ٤١٣) والتقريب (٢/ ٣٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٩/٢٨١).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٤ - ١٥٥/ ٢٥٨).","vol":"2","page":234},{"text":"القاسم بن عبيد الله (١) (في حدود ١٣٠ هـ)\nأبو محمد المدني القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأم القاسم هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عن الجميع، فأبو بكر جده الأعلى لأمه وعمر جده الأعلى لأبيه. روى عن عمه سالم بن عبد الله بن عمر وأبيه عبيد الله. وروى عنه عاصم بن محمد وأخوه عمر بن محمد بن زيد. ذكره ابن حبان في الثقات. روى له البخاري في الأدب المفرد ومسلم والنسائي. قال ابن سعد: توفي في خلافة مروان بن محمد سنة اثنتين وثلاثين بعد المائة الأولى. وقال ابن حجر: مات في حدود الثلاثين بعد المائة للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال مسلم في مقدمة صحيحه: حدثني أبو بكر بن النضر بن أبي النضر قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل صاحب بهية قال: كنت جالسا عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك، عظيم أن تسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم، ولا فرج أو علم ولا مخرج. فقال له القاسم: وعَمَّ ذاك؟ قال: لأنك ابن إمامي هدى ابن أبي بكر وعمر، قال: يقول له القاسم: أَقْبَحُ مِن ذاك عند مَنْ عَقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة، قال: فسكت فيما أجابه. (٢)\n_________\n(١) طبقات خليفة (ص.٢٦٢) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٣٩٦ - ٣٩٩) والتقريب (ص.٧٩٣).\n(٢) أخرجه مسلم في المقدمة (١/ ١٦).","vol":"2","page":235},{"text":"\" التعليق:\nأقول: هكذا كان منهاج السلف الصالح ﵃، لا يقولون بغير علم ولا يروون عن غير ثقة، وأما المبتدعة فكل ما أحدثوه من بدع وفتنوا به أمة محمد - ﷺ - وأضلوها به فهو عن غير علم وغير ثقة، فلو أخذت أسانيد المبتدعة إلى رؤوس بدعهم لَوَجَدتهم جميعا مِمَّن اتهموا في دينهم وقتل بعضهم على الزندقة، وعرف بعضهم بمكره وحيله، فنسأل الله السلامة والعافية، فلا أسانيد صحيحة ولا حجج علمية صريحة فكل علمهم مركب من جهل وضلال.\n\nعلي بن زيد بن جُدْعَان (١) (١٣١ هـ)\nعلي بن زيد بن عبد الله بن زهير أبي مليكة بن جُدْعَان، أبو الحسن القرشي التيمي البصري الأعمى، أحد علماء التابعين. روى عن أنس بن مالك، وسالم بن عبد الله بن عمر وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير وخلق وروى عنه: شعبة وإسماعيل بن علية والسفيانان والحمادان وغيرهم. قال منصور بن زاذان: لما مات الحسن، قلنا لعلي بن زيد: اجلس مكانه. وقال الجريري: أصبح فقهاء البصرة عميانا: قتادة وابن جدعان، وأشعث الحداني. وقال سفيان بن عيينة: كان ابن جدعان مكفوفا، قال: ما أعرف أحمر ولا أبيض. وكان حافظا للقرآن، يعد كل ما في القرآن يا أيها الذين آمنوا، ويعد\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٦/ ١٨٦) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٤٣٤) وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٠٦) وميزان الاعتدال (٣/ ١٢٧ - ١٢٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٤٠ - ١٤١) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٢٢) وشذرات الذهب (١/ ١٧٦).","vol":"2","page":236},{"text":"كل ما في القرآن لا إله إلا الله. قال الذهبي ﵀: كان من أوعية العلم على تشيع قليل فيه وسوء حفظ يغضه من درجة الإتقان. توفي ﵀ سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل سنة تسع وعشرين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة عنه قال: والله يا ابن آدم؛ لتطيعن الله أو ليعذبنك الله ووالله لا تطيعه حتى يكون هو يمن عليك بطاعته. (١)\n- وفيها عنه قال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ (٢)، فنادى بأعلى صوته: انقطع والله ههنا كلام القدرية. (٣)\n\nإبراهيم بن ميمون (٤) (١٣١ هـ)\nإبراهيم بن ميمون الصَّائِغ أبو إسحاق المروزي. روى عن حماد بن أبي سليمان وعبد الله بن عبيد بن عمير ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. روى عنه: إبراهيم بن أدهم وحسان بن إبراهيم الكرماني وعون بن معمر وغيرهم. وكان فقيها فاضلا من الآمرين بالمعروف والمواظبين على الورع. قال ابن معين: كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردها. قتله أبو مسلم الخراساني\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٧/ ١٨١٨).\n(٢) الأنعام الآية (١٤٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٩/ ١٨٢٧).\n(٤) تهذيب الكمال (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤) وميزان الاعتدال (١/ ٦٩) وثقات ابن حبان (٦/ ١٩) وتهذيب التهذيب (١/ ١٧٢ - ١٧٣) وشذرات الذهب (١/ ١٨١).","vol":"2","page":237},{"text":"ظلما سنة إحدى وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>موقفه من الجهمية:</span>\nقال إبراهيم الصايغ: ما يسرني أن لي نصف الجنة بالرؤية ثم تلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (١) قال: بالرؤية. (٢)\n\nأيوب السختياني (٣) (١٣١ هـ)\nأيوب بن أبي تَمِيمة كَيْسَان السَّخْتِيَاني أبو بكر البصري الإمام الحافظ أحد الأعلام، سيد العلماء العنزي مولاهم الأدمي ويقال: ولاؤه لطهية، وقيل لجهينة، ومواليه حلفاء بني الحريش، وكان منزله في بني الحريش بالبصرة، عداده في صغار التابعين. رأى أنس بن مالك. وسمع عمرو بن سلمة الجرمي وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين ونافع مولى ابن عمر وسالم بن عبد الله بن عمر وعدة. روى عنه شعبة ومعمر بن راشد والحمادان والسفيانان، وابن علية والأعمش ومالك بن أنس ويحيى بن أبي كثير، وخلق كثير. قال فيه حماد بن زيد: هو أفضل من جالسته وأشدهم اتباعا للسنة. قال أيوب: لا\n_________\n(١) المطففين الآيات (١٥ - ١٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٧ - ٥١٨/ ٨٠٧).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٤٦ - ٢٥١) وحلية الأولياء (٣/ ٣ - ١٤) وتهذيب الكمال (٣/ ٤٥٧ - ٤٦٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٣٠ - ١٣٢) والسير (٦/ ١٥ - ٢٦) ومشاهير علماء الأمصار (١٥٠) وتاريخ خليفة (٣٩٨) وشذرات الذهب (١/ ١٨١).","vol":"2","page":238},{"text":"يستوي العبد -أو لا يسود العبد- حتى يكون فيه خصلتان اليأس مما في أيدي الناس، والتغافل عما يكون منهم. عن حماد بن زيد قال: سئل أيوب عن شيء فقال: لم يبلغني فيه شيء فقال: قل فيه برأيك، فقال: لم يبلغه رأيي. مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء: عن حماد بن زيد قال: سمعت أيوب وقيل له: ما لك لا تنظر في هذا -يعني الرأي-؟ فقال: قيل للحمار ألا تجتر؟ فقال أكره مضغ الباطل. (١)\n- وجاء في الإبانة قال: لا أعلم اليوم أحدا من أهل الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه. (٢)\n- وفي السير عن حماد بن زيد قال: أيوب عندي أفضل من جالسته وأشد اتباعا للسنة. قال سعيد بن عامر الضبعي عن سلام بن أبي مطيع قال: رأى أيوب رجلا من أصحاب الأهواء، فقال: إني لأعرف الذلة في وجهه ثم تلا: ﴿سينالهم غضبٌ من ربهم وذلة﴾ (٣)، ثم قال: هذه لكل مفتر، وكان يسمي أصحاب الأهواء خوارج، ويقول إن الخوارج اختلفوا في الاسم\n_________\n(١) السير (٦/ ١٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٣١) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٧٣) والفقيه والمتفقه (١/ ٤٥٩ - ٤٦٠) وانظر إعلام الموقعين (١/ ٧٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٠١/ ٥٦٠) والفقيه والمتفقه (١/ ٢٠٥) بنحوه.\n(٣) الأعراف الآية (١٥٢).","vol":"2","page":239},{"text":"واجتمعوا على السيف. (١)\n- جاء في أصول الاعتقاد: قال سلام: وقال رجل من أصحاب الأهواء لأيوب: أسألك عن كلمة، فولى أيوب وهو يقول: ولا نصف كلمة مرتين يشير بإصبعه. (٢)\n- وكان أيوب السختياني يقول: ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله ﷿ بعدا. (٣)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة. (٤)\n\" التعليق:\nوما أكثر صدق هذا القول على هذا الزمن، فإن دعاة الإسلام مع الأسف يبذلون جهودا جبارة في دعوة الكافرين إلى الإسلام، وبالفعل، أسلم الكثير منهم، ولكن قلما تجد من هؤلاء الذين أسلموا على منهج سلفي سني، فأكثره على طريقة المتصوفة، وحتى التقليد المذهبي الممقوت، نقلوه إلى هؤلاء المساكين، وكان الواجب على الدعاة إلى الإسلام أن يلقنوهم النهج السلفي الصحيح، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن شك في ما ذكرت فليتجول في\n_________\n(١) السير (٦/ ٢١) وأخرجه الهروي في ذم الكلام (ص.٢٢٧) واللالكائي في أصول الاعتقاد (١/ ١٦٢/٢٨٩و٢٩٠) وذكره الشاطبي في الاعتصام (١/ ١١٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٦٢/٢٩١) والإبانة (٢/ ٣/٤٤٧/ ٤٠٢) والشريعة (١/ ١٩٠/١٢٦) والسنة (ص.٢٤) وشرح السنة (١/ ٢٢٧) والدارمي (١/ ١٠٩) وانظر تلبيس إبليس (ص.٢٢) والسير (٦/ ٢١).\n(٣) ابن وضاح (ص.٦٧ - ٦٨) وتلبيس إبليس (ص.٢٢) وأورده الشاطبي في الاعتصام (١/ ١١٣).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ٦٦/٣٠) والتلبيس (ص.١٧).","vol":"2","page":240},{"text":"إسبانيا وألمانيا وأمريكا وغيرها يجد الدرقاوية والقادرية والتجانية والتبليغية وغيرها. وهؤلاء معذورون لأنهم ما لقنوهم غير هذا، واللوم يرجع إلى السلفيين الذين عندهم من الخير ما يستطيعون به تغطية بعض هذا، ولكنهم قصروا، وإن كنت لا أقول إنه ليس هناك أي جهد للسلفيين، بل هناك مجهودات مشكورة، ولكن أرى أن تكون التغطية الكبيرة للعقيدة السلفية. أرجو الله أن يوفقهم وأن يكثر من مددهم، وأن يهدي إخواننا الدعاة لتعلم العقيدة السلفية حتى تكون الدعوة موحدة ومثمرة وموافقة لما دعا إليه الرسول - ﷺ - والصحابة بعده والتابعون لهم بإحسان.\n\n- جاء في أصول الاعتقاد: قال حماد بن زيد: حضرت أيوب السختياني وهو يغسل شعيب بن الحبحاب وهو يقول: إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. (١)\n- قال أيوب: إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي. (٢)\n- كان أيوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيرى ذلك فيه ويبلغه موت الرجل يذكر بعبادة فما يرى ذلك فيه. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٦٧ - ٦٨/ ٣٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ٦٦/٢٩) والحلية (٣/ ٩) وتلبيس إبليس (ص.١٧).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ٦٧/٣٤) وشرف أصحاب الحديث (ص.٦١) والحلية (٣/ ٩).","vol":"2","page":241},{"text":"- عن عمارة بن زاذان قال: قال لي أيوب: يا عمارة إذا كان الرجل صاحب سنة وجماعة فلا تسأل عن أي حال كان فيه. (١)\n- عن أيوب أنه قال: لست براد عليهم بشيء أشد من السكوت. (٢)\n- وعنه أنه دعي إلى غسل ميت فخرج مع القوم فلما كشف عن وجه الميت عرفه فقال: أقبلوا قبل صاحبكم فلست أغسله رأيته يماشي صاحب بدعة. (٣)\n- وعنه أيضا أنه قال: إذا حدثت الرجل بالسنة فقال دعنا من هذا، وحدثنا من القرآن فاعلم أنه ضال مضل. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: عن حماد قال: رأيت أيوب وضع يده على رأسه وقال: الحمد لله الذي عافاني من الشرك، ليس بيني وبينه إلا أبو تميمة. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في مجموع الفتاوى: قال أيوب السختياني: من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قاله لما بلغه ذلك عن بعض أئمة الكوفيين. (٦)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٦٧/٣٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٧١/ ٤٧٩) والشريعة (١/ ١٩٦/١٣٨).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٦/ ٤٩٨).\n(٤) الكفاية (ص.١٦) وذم الكلام (ص.٧٤).\n(٥) السير (٦/ ١٨).\n(٦) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥٧) والمنهاج (١/ ٥٣٣ - ٥٣٤).","vol":"2","page":242},{"text":"- وفي السنة للخلال عنه قال: دخلت المدينة والناس متوافرون القاسم ابن محمد وسليمان وغيرهما فما رأيت أحدا يختلف في تقديم أبي بكر وعمر وعثمان. (١)\n- وفي أصول السنة لابن أبي زمنين عنه قال: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان استنار بنور الله ﷿، ومن أحب عليا فقد أخذ بالعروة الوثقى، ومن أحسن الثناء على أصحاب رسول الله - ﷺ - فقد برئ من النفاق ومن ينتقص أحدا منهم أو بغضه لشيء كان منه فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح، والخوف عليه أن لا يرفع له عمل إلى السماء حتى يحبهم جميعا ويكون قلبه لهم سليما. (٢)\n- وفي الفقيه والمتفقه للبغدادي عنه قال: إذا بلغك اختلاف عن النبي فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر، فشد يدك به، فإنه الحق، وهو السنة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء عنه في السنة لعبد الله بن الإمام أحمد أقوال وأفعال تدل على كراهيته لمذهب المعتزلة ورؤوسهم الضالة.\n- منها: قال حماد بن زيد: كنت مع أيوب ويونس وابن عون وغيرهم، فمر عمرو بن عبيد فسلم عليهم، ووقف وقفة، فما ردوا عليه\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٠٣).\n(٢) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لأبي زمنين (ص.٢٦٨) مطولا، وأصول الاعتقاد (٧/ ١٣١٦/٢٣٣٣) والشريعة (٣/ ٢٣/١٢٩١) مختصرا.\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٣٨)","vol":"2","page":243},{"text":"السلام، ثم جاز فما ذكروه. (١)\n- ومنها: عن حماد بن زيد قال: قيل لأيوب: إن عَمْرًا روى عن الحسن أنه قال لا يجلد السكران من النبيذ. قال: كذب، أنا سمعت الحسن يقول يجلد السكران من النبيذ. (٢)\n- ومنها عن سلام بن أبي مطيع قال: قال سعيد لأيوب: يا أبا بكر إن عمرو بن عبيد قد رجع عن قوله، قال سلام: وكان الناس قد قالوا ذلك تلك الأيام إنه قد رجع قال أيوب: إنه لم يرجع قال: بلى إنه قد رجع قال: إنه لم يرجع، قالها غير مرة ثم قال أيوب: أما سمعت إلى قوله يعني في الحديث \"يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ولا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه\" (٣) إنه لا يرجع أبدا. (٤)\n- وجاء في السنة عن سلام بن أبي مطيع قال: كنت أمشي مع أيوب في جنازة وبين أيدينا ثلاثة رهط قد كانوا مع عمرو بن عبيد في الاعتزال، ثم تركوا رأيه ذلك وفارقوه قال: فقال لي أيوب من غير أن أسأله: لا ترجع قلوبهم إلى ما كانت عليه. (٥)\n- جاء في السير: حماد بن زيد سمع أيوب وذكر المعتزلة، وقال: إنما\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٤٩) والإبانة (٢/ ١١/٣٠١/ ١٩٦٤).\n(٢) السنة لعبد الله (١٥١) وأصول الاعتقاد (٤/ ٨١٥/١٣٧٣).\n(٣) أخرجه من حديث ابن مسعود: أحمد (١/ ٤٠٤) والترمذي (٤/ ٤١٧ - ٤١٨/ ٢١٨٨) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" وابن ماجة (١/ ٥٩/١٦٨). وأخرجه من حديث أبي ذر: أحمد (٥/ ٣١) ومسلم (٢/ ٧٥٠/١٠٦٧) وابن ماجه (١/ ٦٠/١٧٠).\n(٤) السنة لعبد الله (١٥١) وأصول الاعتقاد (١/ ١٦٠/٢٨٦).\n(٥) السنة لعبد الله (١٥١).","vol":"2","page":244},{"text":"مدار القوم على أن يقولوا: ليس في السماء شيء. (١)\n- حدثني أحمد حدثنا أبو داود حدثنا عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني وكان عندنا من خيار الناس قال: ما أحد أحب إلي من عمرو وكان يحب أن يتشبه به في حياة الحسن قال فإني لأذكر أول يوم تكلم فيه قال فتفرقنا عنه فما كنت أحب أن أكلمه قال فلقيني يوما في زقاق فلم أقدر أن أتوارى منه قال فقمت فلما نظر إلي قال لا تخف ليس هاهنا أيوب ولا يونس. (٢)\n- عن حماد بن زيد قال: سمعت أيوب يقول: من كذب الشفاعة فلا ينالها. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله عن خالد بن عبد الرحمن بن بكر السلمي قال: كنت عند محمد وعنده أيوب فقلت له: يا أبا بكر، الرجل يقول لي مؤمن أنت؟ أقول مؤمن، فانتهرني أيوب فقال محمد: وما عليك أن تقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. (٤)\n- وعن سلام بن أبي مطيع قال: شهدت أيوب وعنده رجل من المرجئة فجعل يقول: إنما هو الكفر والإيمان، قال: وأيوب ساكت، قال: فأقبل عليه أيوب، فقال: ﴿وآخرون مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا ِ\n_________\n(١) السير (٦/ ٢٤).\n(٢) السنة لعبد الله (١٥٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٦/ ١١٨٣/٢٠٨٩).\n(٤) السنة لعبد الله (٨٧).","vol":"2","page":245},{"text":"إما يعذبهم أو يتوب عليهم﴾ (١) أمؤمنون أم كفار؟ فسكت الرجل، قال: فقال له أيوب: اذهب فاقرأ القرآن فكل آية فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي. (٢)\n- وعن سلام عن أيوب قال: أنا أكبر من دين المرجئة، إن أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل المدينة من بني هاشم يقال له الحسن. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: لا يصلى خلف القدرية فإذا صلى خلف أحد منهم أعاد. (٤)\n- وفيه عن صدقة بن يزيد قال: مررت مع أيوب وهو آخذ بيدي إلى المسجد لنصلي فيه فمررنا بمسجد قد أقيمت الصلاة فيه فذهبت لأدخل فنتر يده من يدي نترة فقال: أما علمت أن إمامهم قدري؟ (٥)\n- وفيه عنه قال: أدركت الناس هاهنا وكلامهم وإن قضي وإن قدر وإن قضي وإن قدر. (٦)\n- وروى مسلم في مقدمة صحيحه بسنده إلى سلام بن أبي مطيع\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ٧٥٤/١٠٥٢) وانظر تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٠١).\n(٣) الإبانة (٢/ ٩٠٣/١٢٦٦) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٧٥/١٨٤٤) قال الحافظ ابن حجر: \"المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان ... \" انظر بقيته عنه موقف زادان الضرير سنة (٨٢هـ).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٦/١٣٤٥).\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٧ - ٨٠٨/ ١٣٥٠).\n(٦) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٢٤/١٣٨٩) والإبانة (٢/ ٩/٨٦/ ١٤٩٣).","vol":"2","page":246},{"text":"يقول: بلغ أيوب أني آتي عمرا. فأقبل علي يوما فقال: أرأيت رجلا لا تأمنه على دينه، كيف تأمنه على الحديث؟ (١)\n- وروى ابن بطة بسنده عن حماد قال: سمعت أيوب يقول: كذب على الحسن ضربان من الناس: قوم القدر رأيهم فهم يريدون أن ينفقوا بذلك رأيهم، وقوم في قلوبهم شنآن وبغض، يقولون ليس من قوله كذا وكذا وليس من قوله كذا وكذا. (٢)\n- وعن حماد بن زيد قال: سمعت أيوب يقول: ما عددت عمرو بن عبيد عاقلا قط. (٣)\n\nإسماعيل بن عبيد الله (٤) (١٣١ هـ)\nإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر الإمام الكبير أبو عبد الحميد الدمشقي القرشي مولى بني مخزوم ومفقه أولاد عبد الملك الخليفة، من الثقات العلماء، استعمله عمر بن عبد العزيز على افريقية. حدث عن أنس بن مالك والسائب بن يزيد وعبد الرحمن بن غنم وأم الدرداء الصغرى، وجماعة. روى عنه الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وابناه عبد العزيز ويحيى وطائفة. عن الهيثم بن عمران سمعت إسماعيل بن عبيد الله\n_________\n(١) مسلم (١/ ٢٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/١٨٥ - ١٨٦/ ١٦٨٢) وهو في سنن أبي داود (٤٦٢٢).\n(٣) الإبانة (٢/ ١١/٣٠١/ ١٩٦٥).\n(٤) الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (١/ ٩٦ و١٠١ - ١٠٣) ومشاهير علماء الأمصار (١٧٩) وتاريخ خليفة (٣٢٣) والجرح والتعديل (٢/ ١٨٢ - ١٨٣) والتاريخ الكبير (١/ ٣٦٦) والسير (٥/ ٢١٣) وتهذيب الكمال (٣/ ١٤٣ - ١٥١).","vol":"2","page":247},{"text":"يقول: ينبغي لنا أن نحفظ حديث رسول الله - ﷺ - كما نحفظ القرآن لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرسول فخذوه﴾ الآية (١).\nعن إسماعيل بن عبيد الله قال: كلمت رجاء بن حيوة وعدي بن عدي في شيء فكأنهما وجدا في أنفسهما، فقلت لهما: إنه ليس يحسن من رأيكما أن تنزلا رأيكما بمنزلة من لا ينبغي أن يرد عليه منه شيء، فقال رجاء بن حيوة: يا أبا عبد الحميد من عدمنا ذلك منه، فلا نعدمه منك.\nكان مولده سنة إحدى وستين، وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الإبانة عنه قال: لا تجالس ذا بدعة فيمرض قلبك، ولا تجالس مفتونا فإنه ملقن حجته. (٢)\n\nإسحاق بن سويد بن هبيرة (٣) (١٣١ هـ)\nإسحاق بن سويد بن هبيرة العدوي التميمي البصري عم أبي نعامة العدوي. روى عن ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وغيرهم، وعنه شعبة والحمادان وابن علية وجماعة. وثقه أحمد وابن معين والنسائي.\n_________\n(١) الحشر الآية (٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٣/ ٣٩١).\n(٣) التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٣٨٩) وتهذيب الكمال (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٣٦) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة١٢١ - ١٤٠هـ/ص.٣٧١) والتقريب (ص.١٢٩) والوافي بالوفيات (٨/ ٤١٤) والسير (٦/ ٤٧).","vol":"2","page":248},{"text":"قال الحافظ: صدوق تكلم فيه للنصب. روى له البخاري مقرونا بغيره ومسلم وأبو داود والنسائي.\nتوفي في الطاعون في أول خلافة أبي العباس سنة إحدى وثلاثين بعد المائة الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>موقفه من الرافضة والخوارج:</span>\nجاء في تاريخ ابن معين عن إسحاق أنه قال:\nبرئت من الخوارج، لست منهم ... من الغزال منهم، وابن باب\nإذا اعتزلوا عن الإسلام جهلا ... حيارى محدثين من الشباب\nومن قوم إذا ذكروا عليا ... يردون السلام على السحاب\nوممن دان دين أبي بلال ... عصائب يفترون على الكتاب\nفكل لست منه، وليس مني ... سيفصل بيننا يوم الحساب\nولكني أحب بكل قلبي ... -وأعلم أن ذاك من الصواب-\nرسول الله والصديق حقا ... به (١) أرجو غدا حسن الثواب\nوحب الطيب الفاروق عندي ... كحب أخي الظما برد الشراب\nوعثمان بن عفان شهيد ... نقي لم يكن دنس الثياب (٢)\n_________\n(١) أي بحبي إياهم وهو من الأعمال الصالحة التي يجوز التوسل بها.\n(٢) تاريخ ابن معين (٢/ ١٤١) وأصول الاعتقاد (٧/ ١٣٠٧/٢٣١٦).","vol":"2","page":249},{"text":"إبراهيم بن مَيْسَرَة (١) (١٣٢ هـ)\nإبراهيم بن ميسرة الطائفي الفقيه نزيل مكة من الموالي حدث عن أنس ابن مالك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وطاووس بن كيسان، وعمرو ابن الشريد ومجاهد بن جبر، وجماعة. روى عنه أيوب السختياني وشعبة والسفيانان وابن جريج ومعمر وطائفة. عن سفيان بن عيينة قال: حدثنا إبراهيم بن ميسرة وكان من أصدق الناس وأوثقهم. مات قريبا من سنة ثنتين وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. (٢)\n\nمنصور بن المُعْتَمِر (٣) (١٣٢ هـ)\nمنصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة أبو عَتَّاب السلمي الكوفي الحافظ الثبت القدوة، أحد الأعلام. روى عن ربعي بن حراش وأبي وائل وإبراهيم النخعي وأبي حازم الأشجعي وسعيد بن جبير والحكم ابن عتيبة وآخرين. روى عنه شعبة بن الحجاج وحصين بن عبد الرحمن والسفيانان\n_________\n(١) الثقات لابن حبان (٤/ ١٤) والجرح والتعديل (٢/ ١٣٣ - ١٣٤) وتهذيب الكمال (٢/ ٢٢١ - ٢٢٣) والعقد الثمين (٣/ ٢٦٦ - ٢٦٧) ومشاهير علماء الأمصار (٨٧) وشذرات الذهب (١/ ١٨٩) والسير (٦/ ١٢٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٧/٢٧٣).\n(٣) تهذيب الكمال (٢٨/ ٥٤٦ - ٥٥٥) وحلية الأولياء (٥/ ٤٠ - ٤٦) والجرح والتعديل (٨/ ١٧٧ - ١٧٩) ومشاهير علماء الأمصار (١٦٦) وشذرات الذهب (١/ ١٨٩) والسير (٥/ ٤٠٢ - ٤١٢).","vol":"2","page":250},{"text":"والأعمش ومعمر وأيوب السختياني وطائفة. أكره على قضاء الكوفة فقضى شهرين، وكان صواما قواما. قال سفيان بمكة: ما خلفت بعدي بالكوفة آمن على الحديث من منصور. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في ذم الكلام عن الحجاج عن منصور بن المعتمر قال: ما هلك دين قط حتى تخلف فيهم المنانية قلت للحجاج: وما المنانية قال: الزنادقة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>موقفه من الرافضة:</span>\nعن مفضل بن مهلهل السعدي قال: قلت لمنصور بن المعتمر: أتناول السلطان وأنا صائم قال: لا قلت: أتناول هؤلاء الذين يتناولون أبا بكر وعمر قال: نعم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في السنة عنه: قال منصور بن المعتمر في شيء: لا أقول كما قالت المرجئة الضالة المبتدعة. (٣)\n- وعن مفضل بن مهلهل عن منصور بن المعتمر قال: هم أعداء الله المرجئة والرافضة. (٤)\n- وقال جرير بن عبد الحميد: وكان الأعمش ومنصور ومغيرة وليث\n_________\n(١) ذم الكلام (٣٥)، والرد على الجهمية للدارمي (ص.٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٢/٢٣٩٠).\n(٣) السنة لعبد الله (٨٣) وهو في السنة للخلال (٤/ ٤١/١١٢٥) والشريعة (١/ ٣٠٩ - ٣١٠/ ٣٣٨) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٤/١٨١٨).\n(٤) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٤/١٨١٧).","vol":"2","page":251},{"text":"وعطاء بن السائب وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وأبو يحيى صاحب الحسن وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني. (١)\n\nيونس بن مَيْسَرَة بن حَلْبَس (٢) (١٣٢ هـ)\nأبو عبيد وأبو حلبس الجَبْلاَنِي الأعمى عالم دمشق أخو أيوب ويزيد، طال عمره. حدث عن معاوية وابن عمرو وابن عمر وواثلة بن الأسقع وأبي مسلم الخولاني، والصنابحي وعدة. روى عنه: عمرو بن واقد، ومروان بن جناح والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وآخرون. قال أبو عبيد وأبو حسان الزيادي: بلغ مائة وعشرين سنة وكان يقرئ القرآن في الجامع، وله كلام نافع في الزهد والمعرفة. قال أبو حاتم: كان من خيار الناس وكان يقرئ في مسجد دمشق وكف بصره. قال ﵀: الزهد أن يكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب سواء، وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء. وقال: إذا تكلفت ما لا يعنيك لقيت ما يُعَنِّيك. عن الهيثم بن عمران: كنت جالسا عند يونس بن حلبس وكان عند غياب الشمس يدعو بدعوات فيها اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك. فكنت أقول في نفسي: من أين يرزق هذا الشهادة وهو أعمى؟ فلما دخلت المسودة دمشق قتل فبلغني أن اللذين\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٩٤) والإبانة (٢/ ٨٧٤/١١٩٤) والشريعة (١/ ٣٠٠/٣١٣).\n(٢) التاريخ الكبير (٨/ ٤٠٢) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٥٤٤ - ٥٤٨) وتهذيب التهذيب (١١/ ٤٤٨) والسير (٥/ ٢٣٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠، ص.٥٧٦ - ٥٧٧).","vol":"2","page":252},{"text":"قتلاه بكيا لما أخبرا بصلاحه، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>موقفه من القدرية:</span>\nروى ابن بطة بسنده عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال: اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيدا، أشهدك شهادة توقفني عليها ثم تسألني عنها: أن النصارى أشركت المسيح، وأن اليهود أشركت عزيرا، وأن القدرية أشركت أنفسها والشيطان، ولو كان دماؤها في كأس؛ لطفأتها. (١)\n\nعبد الله بن طَاوُوس (٢) (١٣٢ هـ)\nالإمام المحدث، الثقة، أبو محمد اليماني. سمع من أبيه وأكثر عنه، ومن عكرمة وعمرو بن شعيب وعكرمة بن خالد المخزومي وجماعة. ولم يأخذ عن أحد من الصحابة ويسوغ أن يعد في صغار التابعين لتقدم وفاته، كان من خيار عباد الله فضلا ونسكا ودينا. حدث عنه: ابن جريج، ومعمر، والثوري، وروح ابن القاسم، وسفيان بن عيينة وآخرون. قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خلقا، ما رأينا ابن فقيه مثله. قال عبد الرزاق: عن معمر: قال لي أيوب: إن كنت راحلا إلى أحد فعليك بابن طاووس فهذا رحلتي وفي رواية: فهذه رحلتي إليه. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٠/ ١٧٩٥).\n(٢) التاريخ الكبير (٥/ ١٣٢) وتهذيب الكمال (١٥/ ١٣٠ - ١٣٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨) والسير (٦/ ١٠٣ - ١٠٤) والوافي بالوفيات (١٧/ ٢٢٤) وشذرات الذهب (١/ ١٨٨).","vol":"2","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>موقفه من المبتدعة:</span>\nوقال ابن طاوس لابن له وتكلم رجل من أهل البدع: يا بني ادخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول ثم قال اشدد اشدد. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في الإبانة عن معمر: كان ابن طاوس جالسا فجاء رجل من المعتزلة فجعل يتكلم، قال: فأدخل ابن طاوس أصبعيه في أذنيه، قال: وقال لابنه: أي بني، أدخل أصبعيك في أذنيك واشدد ولا تسمع من كلامه شيئا. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف. (٢)\n\" التعليق:\nانظر رحمك الله فعل هؤلاء السلف مع المبتدعة، لا يتحملون سماع كلامهم فضلا عن محادثتهم، فضلا عن مودتهم، فضلا عن مساعدتهم، فضلا عن إيوائهم، فقد أدوا ﵏ ما عليهم. وأما نحن فالله يعلم حالنا والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>موقفه من الخوارج:</span>\nعن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يحكم بما أنزل اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) قال: هي به\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.٢٤) وذم الكلام (ص.١٩٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٦/ ٤٠٠) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٢/٢٤٨) وعبد الرزاق (٢٠٠٩٩).\n(٣) المائدة الآية (٤٤).","vol":"2","page":254},{"text":"كفر، قال ابن طاوس: ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>موقفه من القدرية:</span>\nروى ابن بطة بسنده عن معمر؛ قال: كنت عند ابن طاوس في غدير له؛ إذ أتاه رجل يقال له صالح يتكلم في القدر فتكلم بشيء منه، فأدخل ابن طاوس أصبعيه في أذنيه وقال لابنه: أدخل أصبعيك في أذنيك واشدد حتى لا تسمع من قوله شيئا؛ فإن القلب ضعيف. (٢)\n\nعطاء الخراساني (٣) (١٣٥ هـ)\nعطاء بن أبي مسلم عبد الله الخراساني المحدث الواعظ من كبار العلماء أبو أيوب ويقال أبو عثمان، وأبو محمد، وأبو صالح، وهو من أهل سمرقند وقيل من أهل بلخ، وولاؤه للمهلب بن أبي صفرة الأزدي. أرسل عن مجموعة من الصحابة منهم أنس بن مالك وأبو الدرداء وابن عباس والمغيرة بن شعبة وأبو هريرة. روى عن سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وطائفة. روى عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ومالك بن أنس وعدد كثير. قال عطاء: إن أوثق عملي في نفسي نشري العلم. وقال عبد الرحمن بن يزيد: كنا نغزو مع عطاء الخراساني فكان\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٦/٧٣٦/ ١٠٠٩).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٥/ ١٧٧٨).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٦٩) وتاريخ خليفة (٤١٠) والجرح والتعديل (٦/ ٣٣٤ - ٣٣٥) والسير (٦/ ١٤٠ - ١٤٣) وتهذيب الكمال (٢٠/ ١٠٦ - ١١٧) وميزان الاعتدال (٣/ ٧٣ - ٧٥) وشذرات الذهب (١/ ١٩٢ - ١٩٣).","vol":"2","page":255},{"text":"يحيي الليل صلاة إلا نومة السحر وكان يعظنا ويحضنا على التهجد. قال ابنه عثمان: مات أبي سنة خمس وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عن الأوزاعي عن عطاء الخرساني قال: ما يكاد الله أن يأذن لصاحب بدعة بتوبة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>موقفه من الخوارج والقدرية:</span>\nجاء في تهذيب الكمال عن الأوزاعي قال: حدثنا عطاء الخراساني، قال: ثلاثة لم تكن منهن واحدة في أصحاب رسول الله - ﷺ -: لم يحلف أحد منهم على قسامه، ولم يكن فيهم حروري، ولم يكن فيهم مكذب بقدر. (٢)\n\nربيعة بن أبي عبد الرحمن \"ربيعة الرأي\" (٣) (١٣٦ هـ)\nربيعة بن أبي عبد الرحمن فَرُّوخ الإمام مفتي المدينة وعالم الوقت القرشي التيمي مولى آل المنكدر، المشهور بربيعة الرأي، أبو عثمان ويقال أبو عبد الرحمن المدني. سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وسعيد بن المسيب وطائفة. روى عنه: السفيانان وشعبة وحماد بن سلمة وسليمان بن بلال ومالك بن أنس ومسعر والليث بن سعد وخلق سواهم. عن عبد العزيز بن أبي\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٩/٢٨٣) وذم الكلام (ص.١٩٤) والحلية (٥/ ١٩٨).\n(٢) تهذيب الكمال (٢٠/ ١١٣).\n(٣) تاريخ بغداد (٨/ ٤٢٠ - ٤٢٧) وتهذيب الكمال (٩/ ١٢٣ - ١٣٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٥٧ - ١٥٨) والسير (٦/ ٨٩ - ٩٦) ووفيات الأعيان (٢/ ٢٨٨ - ٢٩٠) وميزان الاعتدال (٢/ ٤٤) ومشاهير علماء الأمصار (٨١) وشذرات الذهب (١/ ١٩٤) والوافي بالوفيات (١٤/ ٩٤ - ٩٥).","vol":"2","page":256},{"text":"سلمة قال: لما جئت العراق جاءني أهل العراق فقالوا: حدثنا عن ربيعة الرأي، قال: فقلت: يا أهل العراق، تقولون ربيعة الرأي والله ما رأيت أحدا أحفظ لسنة منه. قال مالك بن أنس: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة بن أبي عبد الرحمن. عن ابن عيينة قال: بكى ربيعة يوما فقيل: ما يبكيك؟ قال: رياء حاضر وشهوة خفية والناس عند علمائهم كصبيان في حجور أمهاتهم، إن أمروهم ائتمروا، وإن نهوهم انتهوا. وقال: العلم وسيلة كل فضيلة. توفي سنة ست وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن ابن وهب قال: حدثني مالك، قال: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة فقال: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: أدخلت عليك مصيبة؟ فقال: لا، ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. (١)\n\" التعليق:\nقال أبو بكر الخطيب: ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها وأوعده بالعقوبة، إن لم ينته عنها. وقد كان الخلفاء من بني أمية ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قوما يعينونهم، ويأمرون بأن لا يستفتى غيرهم.\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (٢/ ٣٢٤) والمعرفة والتاريخ (١/ ٦٧٠) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٢٢٥/٢٤١٠).","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>موقفه من الجهمية:</span>\nعن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (١) قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في سير أعلام النبلاء قال أبو ضمرة: وقف ربيعة على قوم يتذاكرون القدر فقال ما معناه: إن كنتم صادقين فلما في أيديكم أعظم مما في يدي ربكم إن كان الخير والشر بأيديكم. (٣)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: قال غيلان لربيعة: يا أبا عثمان أيرضى الله ﷿ أن يعصى؟ قال له ربيعة: أفيعصى قسرا؟ (٤)\nقال شيخ الإسلام معلقا عليه: فكأنما ألقَمَهُ حجرا؛ فإن قوله: يحب أن يعصى لفظ فيه إجمال، وقد لا يتأتى في المناظرة تفسير المجملات خوفا من لدد الخصم فيؤتى بالواضحات، فقال: أفتراه يعصى قسرا؟ فإن هذا إلزام له بالعجز الذي هو لازم للقدرية، ولمن هو شر منهم من الدهرية الفلاسفة\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٤١ - ٤٤٢/ ٦٦٥) وتاريخ الثقات للعجلي (١٥٨) والسير (٦/ ٩٠) ودرء التعارض (٦/ ٢٦٤).\n(٣) السير (٦/ ٩٠) والإبانة (٢/ ١٠/٢٥٩/ ١٨٧١).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٠/١٢٦٥) والإبانة (٢/ ١٠/٢٥٩ - ٢٦٠/ ١٨٧٢) وفتح البر (٢/ ٢٧٩).","vol":"2","page":258},{"text":"وغيرهم. (١)\n- وفيه عنه ﵁ قال: إنما أخشى على هذه الأمة ثلاثا: العصبية والقدرية والرواية فإني أراها تزيد. (٢)\n- قال الحافظ ابن عبد البر: وقد روي أن غيلان القدري، وقف بربيعة ابن أبي عبد الرحمن فقال له: يا أبا عثمان، أرأيت الذي منعني الهدى، ومنحني الردى، أأحسن إلي أم أساء؟ فقال ربيعة: إن كان منعك شيئا هو لك، فقد ظلمك، وإن كان فضله يؤتيه من يشاء، فما ظلمك شيئا. (٣)\n\nزيد بن أسلم (٤) (١٣٦ هـ)\nزيد بن أَسْلَم الإمام الحجة القدوة أبو أسامة العَدَوِي العمري المدني الفقيه مولى عمر بن الخطاب ويقال: أبو عبد الله. حدث عن عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع وأنس بن مالك وأبيه أسلم وطائفة. روى عنه السفيانان ومالك بن أنس وسليمان بن بلال وعبد الملك ابن جريج وخلق كثير. قال يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، وكان عالما بتفسير القرآن. وقال محمد بن عجلان: ما هبت أحدا قط هيبتي زيد\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٠/١٢٦٦) وبنحوه في الكفاية (٣٣).\n(٣) فتح البر (٢/ ٢٧٨).\n(٤) الوافي بالوفيات (١٥/ ٢٣ - ٢٤) والجرح والتعديل (٣/ ٥٥٥) وحلية الأولياء (٣/ ٢٢١ - ٢٢٩) وتهذيب الكمال (١٠/ ١٢ - ١٨) والسير (٥/ ٣١٦ - ٣١٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٣٢ - ١٣٣) والمعرفة والتاريخ (١/ ٦٧٥) ومشاهير علماء الأمصار (٨٠) وشذرات الذهب (١/ ١٩٤).","vol":"2","page":259},{"text":"بن أسلم. وكانت له حلقة في مسجد رسول الله - ﷺ -.\nمن أقواله: انظر من كان رضاه عنك في إحسانك إلى نفسك وكان سخطه عليك في إساءتك إلى نفسك، فكيف تكون مكافأتك إياه. وقال: استعن بالله يغنك الله عما سواه، ولا يكونن أحد أغنى بالله منك ولا يكونن أحد أفقر إلى الله منك.\nتوفي سنة ست وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>موقفه من المبتدعة:</span>\nقيل لزيد بن أسلم عمن يا أبا أسامة؟ قال ما كنا نجالس السفهاء ولا نتحمل عنهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>موقفه من المرجئة:</span>\nوجاء في الإيمان لابن أبي شيبة عنه قال: لا بد لأهل هذا الدين من أربع: دخول في دعوة الإسلام، ولا بد من الإيمان وتصديق بالله وبالمرسلين أولهم وآخرهم وبالجنة وبالنار، وبالبعث بعد الموت ولا بد من أن تعمل عملا تصدق به إيمانك. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: والله ما قالت القدرية كما قال الله ﷿ ولا كما قال أهل الجنة ولا كما قال أهل النار ولا كما قال أخوهم إبليس.\n_________\n(١) الكفاية (ص.١١٦).\n(٢) الإيمان لابن أبي شيبة (١٣٦) والمصنف (٦/ ١٧٢/٣٠٤٤٥).","vol":"2","page":260},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وقالت الملائكة: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلًّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (٢). وقال شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ (٣). وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٤).\nوقال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ علينا شِقْوَتُنَا﴾ (٥) وقال أخوهم إبليس: ﴿رب بما أغويتني﴾ (٦). (٧)\n- وروى ابن بطة بسنده عن أبي غسان: سمعت زيد بن أسلم يقول: ما أعلم قوما أبعد من الله ﷿ من قوم يخرجونه من مشيئته، ويبرئونه من قدرته، وينكفونه عما لم ينكف عنه نفسه. (٨)\n- وفي الإبانة عنه أيضا قال: القدر قدرة الله، فمن كذب بالقدر؛ فقد جحد قدرة الله ﷿. (٩)\n_________\n(١) التكوير الآية (٢٩).\n(٢) البقرة الآية (٣٢).\n(٣) الأعراف الآية (٨٩).\n(٤) الأعراف الآية (٤٣).\n(٥) المؤمنون الآية (١٠٦).\n(٦) الحجر الآية (٣٩).\n(٧) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٢٨ - ٦٢٩/ ١٠١٢) والإبانة (١/ ٨/٢٨١ - ٢٨٢/ ١٣٠٣) والشريعة (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩/ ٥٢٥).\n(٨) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٢/ ١٨٠٤) والشريعة (١/ ٤٢٨/٥٢٤).\n(٩) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٢/ ١٨٠٥) والشريعة (١/ ٤٢٨/٥٢٣).","vol":"2","page":261},{"text":"مغيرة بن مقسم (١) (١٣٦ هـ)\nالإمام العلامة الثقة، مغيرة بن مِقْسَم أبو هشام الضبي مولاهم، الكوفي الأعمى، الفقيه، يلحق بصغار التابعين. حدث عن أبي وائل، ومجاهد والنخعي والشعبي، ومعبد بن خالد، وسماك بن حرب وعدة. روى عنه: سليمان التيمي أحد التابعين وشعبة والثوري وزائدة وأبو عوانة، وجريج بن عبد الحميد وابن عياش، وخلق.\nقال أحمد بن حنبل: مغيرة صاحب سنة ذكي حافظ. قال أبو بكر بن عياش: كان مغيرة من أفقههم، ما رأيت أحدا أفقه منه، فلزمته. قال عن نفسه: ما وقع في مسامعي شيء فنسيته.\nمات سنة ست وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>موقفه من الرافضة:</span>\nعن مغيرة قال: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في الإبانة: عن أبي بكر بن عياش قال: قال مغيرة: قال محمد بن السائب: قوموا بنا إلى المرجئة نسمع كلامهم، قال: فما رجع حتى علقه. (٣)\n- وقال جرير: وكان المغيرة يقول: نا حماد قبل أن يصير مرجئا وربما\n_________\n(١) التاريخ الكبير (٤/ ٣٢٢) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٣٩٧ - ٤٠٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٤٣) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢٦٩) والسير (٦/ ١٠ - ١٣) وشذرات الذهب (١/ ١٩١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤١/٢٣٨٧).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٢/ ٤٤٩).","vol":"2","page":262},{"text":"قال: حدثنا حماد من قبل أن يفسد. (١)\n- وعن جرير عن مغيرة قال: لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو ابن مرة في الإرجاء فتهافت الناس فيه. (٢)\n\nعطاء بن السائب (٣) (١٣٦ هـ)\nعطاء بن السَّائِب، الإمام الحافظ محدث الكوفة أبو السائب، وقيل أبو زيد وقيل أبو يزيد وأبو محمد الكوفي. حدث عن أبيه وعن عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجماعة. وعنه إسماعيل بن أبي خالد والثوري وابن جريج وأبو عوانة وشعبة وجماعة. وكان من كبار العلماء لكنه ساء حفظه قليلا في آخر عمره. قال النسائي: ثقة في حديثه القديم إلا أنه تغير، ورواية حماد بن زيد وشعبة عنه جيدة.\nتوفي سنة ست وثلاثين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>موقفه من المرجئة:</span>\nتقدم معنا في مواقف منصور بن المعتمر (سنة ١٣٢هـ) أن عطاء بن السائب كان من جملة أهل العلم الذين يقولون بالاستثناء ويعيبون على من لا يستثني.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٧٤/١٨٤٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٧٤ - ١٠٧٥/ ١٨٤٣).\n(٣) السير (٦/ ١١٠ - ١١٤) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٨٦ - ٩٤) وشذرات الذهب (١/ ١٩٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠/ص.٤٨٧ - ٤٨٩).","vol":"2","page":263},{"text":"سعيد بن جمهان (١) (١٣٦ هـ)\nسعيد بن جمهان الأسلمي أبو حفص البصري، روى عن سفينة مولى رسول الله - ﷺ - وعبد الله بن أبي أوفى وعبد الرحمن بن أبي بكرة وآخرين. وروى عنه حماد بن سلمة وسليمان الأعمش والعوام بن حوشب. وثقه أحمد وابن معين وأبو داود. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. روى له الأربعة. مات بالبصرة سنة ست وثلاثين بعد المائة الأولى للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>موقفه من الخوارج:</span>\nحدثني سعيد بن جمهان قال: كنا نقاتل الخوارج، وفينا عبد الله بن أبي أوفى وقد لحق غلام له بالخوارج، وهم من ذلك الشط ونحن من ذا الشط، فناديناه: أبا فيروز أبا فيروز، ويحك هذا مولاك عبد الله بن أبي أوفى. قال: نعم الرجل هو لو هاجر. قال: ما يقول عدو الله؟ قال: قلنا: يقول: نعم الرجل هو لو هاجر. قال: فقال: أهجرة بعد هجرتي مع رسول الله - ﷺ -؟ ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: طوبى لمن قتلهم وقتلوه. (٢)\n\nخُصَيْف بن عبد الرحمن (٣) (١٣٧ هـ)\nالإمام الفقيه خُصَيْف بن عبد الرحمن أبو عون، الخضرمي الأموي،\n_________\n(١) التاريخ الكبير للبخاري (٣/ ٤٦٢) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ١٢١ - ١٤٠هـ/ص.٤٣٧ - ٤٣٨) وتهذيب الكمال (١٠/ ٣٧٦ - ٣٨١) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٤) وميزان الاعتدال (٢/ ١٣١).\n(٢) المسند (٤/ ٣٥٧) والسنة لابن أبي عاصم (٩٠٦) واللالكائي (٧/ ١٣٠٥/٢٣١٢).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ١٨٠) والتاريخ الكبير (٣/ ٢٢٨) وتهذيب الكمال (٨/ ٢٥٧ - ٢٦١) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٤٣ - ١٤٤) والسير (٦/ ١٤٥ - ١٤٦) وشذرات الذهب (١/ ٢٠٦).","vol":"2","page":264},{"text":"مولاهم الجزري الحراني. رأى أنس بن مالك وسمع مجاهدا وسعيد بن جبير وعكرمة وطبقتهم. روى عنه السفيانان وشريك ومحمد بن سلمة ومعمر بن سليمان وآخرون. قال أبو فروة: ولي خصيف بيت المال. قال أبو زرعة: هو ثقة. قال ابن أبي نجيح: كان من صالحي الناس. وقال الإمام أحمد: ليس بالقوي، تكلم في الإرجاء. وقال الذهبي: حديثه يرتقي إلى الحسن. مات سنة سبع وثلاثين ومائة كما قال البخاري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة لعبد الله: عن علي بن مضاء قال: سألت عتاب بن بشير عن القرآن فقال: سألت خصيفا عن القرآن فقال: القرآن كلام الله وليس بمخلوق قلت: وأي شيء تقول أنت؟ قال: أقول كما قال يعني عتابا. (١)\n\nيزيد بن صهيب الفقير (٢) (في حدود ١٤٠ هـ)\nأبو عثمان يزيد بن صهيب الكوفي ثم المكي الفقير. قيل له الفقير لأنه أصيب في فقار ظهره فكان يألم منه حتى ينحني له. ثقة مقل. حدث عن ابن عمر وجابر وأبي سعيد الخدري ﵃. روى عنه عبد الكريم الجزري ومسعر وآخرون. وفد على عمر بن عبد العزيز. وهو شيخ الإمام أبي حنيفة. روى له الستة إلا الترمذي. وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي. من\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٦٧).\n(٢) التاريخ الكبير (٨/ ٣٤٢) وتهذيب الكمال (٣٢/ ١٦٣ - ١٦٥) وتهذيب التهذيب (١١/ ٣٣٨) والتقريب (ص.١٠٧٦).","vol":"2","page":265},{"text":"الطبقة الرابعة كما في التقريب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>موقفه من الخوارج:</span>\nعن يزيد الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج. فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس. قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم -جالس إلى سارية- عن رسول الله - ﷺ - قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (١) و﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (٢) فما هذا الذي تقولون؟ قال فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇ (يعني الذي يبعثه الله فيه)؟ قلت: نعم، قال فإنه مقام محمد - ﷺ - المحمود الذي يخرج الله به من يخرج. قال: ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه. قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم. قال: فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس. فرجعنا، قلنا: ويحكم! أترون الشيخ يكذب على رسول الله - ﷺ -؟ فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد أو كما قال. (٣)\nقال القاضي عياض: وقوله بعد (فرجعنا، فوالله ما خرج منا غير رجل\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٩٢).\n(٢) السجدة الآية (٢٠).\n(٣) صحيح مسلم (١/ ١٧٩/١٩١).","vol":"2","page":266},{"text":"واحد) أو كما قال: يعني: أن الله نفعهم بما حدثهم به جابر، وصرفهم عن الخروج مع الخوارج، لما كان خامرهم من محبة رأيهم. (١)\n\nداود بن أبي هند (٢) (١٤٠ هـ)\nالإمام الحافظ الثقة أبو محمد داود بن أبي هند، واسم أبي هند دينار بن عُذَافِر الخراساني ثم البصري من موالي بني قُشَيْر. حدث عن: سعيد بن المسيب، وأبي عثمان النهدي، وعامر الشعبي، وأبي منيب الجرشي ومحمد بن سيرين وأبي نضرة ومكحول وعدة ورأى أنس بن مالك. حدث عنه سفيان وشعبة والحمادان وهشيم وابن علية والقطان ويزيد بن هارون وخلق كثير. قال النسائي ويحيى بن معين وغيرهما: ثقة، وقال حماد بن زيد: ما رأيت أحدا أفقه من داود. وقال ابن عيينة: عجبا لأهل البصرة يسألون عثمان البتي وعندهم داود بن أبي هند. قال ابن جريج: ما رأيت مثل داود بن أبي هند إن كان ليقرع العلم قرعا. قال محمد بن أبي عدي: أقبل علينا داود فقال: يا فتيان أخبركم لعل بعضكم أن ينتفع به، كنت وأنا غلام أختلف إلى السوق، فإذا انقلبت إلى البيت، جعلت على نفسي أن أذكر الله إلى مكان كذا وكذا، فإذا بلغت إلى ذلك المكان، جعلت على نفسي أن أذكر الله كذا وكذا حتى آتي المنزل. ومناقبه كثيرة. توفي ﵀ سنة أربعين ومائة.\n_________\n(١) إكمال المعلم (١/ ٥٧١).\n(٢) تاريخ خليفة (٤١٨) والتاريخ الكبير (٣/ ٢٣١) وتهذيب الكمال (٨/ ٤٦١ - ٤٦٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٤٦ - ١٤٨) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥) والسير (٦/ ٣٧٦ - ٣٧٩) وشذرات الذهب (١/ ٢٠٨).","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة عن داود بن أبي هند قال: اشتق قول القدرية من الزندقة وهم أسرع الناس ردة. (١)\n- وفيها عن داود بن أبي هند قال: ما فشت القدرية بالبصرة حتى فشا من أسلم من النصارى. (٢)\n\nأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج (٣) (١٤٠ هـ)\nالإمام القدوة الواعظ شيخ المدينة النبوية أبو حازم سلمة بن دينار المدني المخزومي مولاهم الأعرج، التمار، القاص الزاهد. ولد في أيام ابن الزبير وابن عمر. روى عن سهل بن سعد وأبي أمامة بن سهل وابن المسيب وابن أبي قتادة وأم الدرداء، وابن المنكدر وعدة. روى عنه: ابن شهاب والحمادان والسفيانان ومالك والدراوردي وعبد العزيز بن أبي حازم وخلق سواهم. وثقه ابن معين وأحمد وأبو حاتم وقال ابن خزيمة: ثقة لم يكن في زمانه مثله. قال ﵀: ليس للملوك صديق ولا للحسود راحة، والنظر في العواقب تلقيح العقول. وقال أيضا: لا تكون عالما حتى يكون فيك ثلاث خصال: لا تبغ على من فوقك ولا تحقر من دونك ولا تأخذ على علمك دنيا. قال\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١١/٢٩٤/ ١٩٤٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٣٠٠/ ١٩٥٩).\n(٣) التاريخ الكبير (٢/ ٧٨) وتهذيب الكمال (١١/ ٢٧٢ - ٢٧٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٣٣) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٤٣) والسير (٦/ ٩٦ - ١٠٣) وشذرات الذهب (١/ ٢٠٨).","vol":"2","page":268},{"text":"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما رأيت أحدا الحكمة أقرب إلى فيه من أبي حازم. وأرسل إليه بعض الأمراء، فأتاه وعنده الزهري والإفريقي، وغيرهما، فقال: تكلم يا أبا حازم فقال أبو حازم: إن خير الأمراء من أحب العلماء، وإن شر العلماء من أحب الأمراء. مات في خلافة أبي جعفر سنة أربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن زكريا بن منظور قال: سمعت أبا حازم يقول: أدركت القراء وهم القراء، وليس هم اليوم بالقراء ولكنهم الخراء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة عن أبي حازم: إن الله ﷿ علم قبل أن يكتب وكتب قبل أن يخلق؛ فمضى الخلق على علمه وكتابه. (٢)\n- وفيها أيضا عنه قال في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فجورها وَتَقْوَاهَا﴾ (٣) قال: الفاجرة ألهمها الفجور، والتقية ألهمها التقوى. (٤)\n_________\n(١) ابن وضاح (ص.١٣٣/ ١٨١) والحلية (٣/ ٢٤٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٩ - ٢٣٠/ ١٨٢٨).\n(٣) الشمس الآية (٨).\n(٤) الإبانة (١/ ٨/٢٧٨/ ١٢٩٦) والشريعة (١/ ٤٣٤/٥٤٣) والسنة لعبد الله (١٣٤).","vol":"2","page":269},{"text":"يونس بن عبيد (١) (١٤٠ هـ)\nيونس بن عبيد بن دينار أبو عبد الله العبدي مولاهم البصري مولى عبد القيس، من صغار التابعين وفضلائهم. رأى أنس بن مالك وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، وحدث عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين وحميد بن هلال وثابت البناني وعكرمة مولى ابن عباس وطائفة. روى عنه سفيان الثوري وشعبة والحمادان وإسماعيل بن علية ويزيد بن زريع وابنه عبد الله وخلق كثير. كان ثقة ثبتا حافظا، قال هشيم: كان أيوب إذا رأى يونس بن عبيد قال: هذا سيدنا. وكان يحدث ثم يقول: أستغفر الله، أستغفر الله.\nمن أقواله: خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سواهما من أمره: صلاته ولسانه. وقال: ليس شيء أعز من شيئين: درهم طيب ورجل يعمل على سنة. مات سنة أربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء عن حماد بن زيد قال: قال يونس بن عبيد: ثلاثة احفظوهن عني: لا يدخل أحدكم على سلطان يقرأ عليه القرآن، ولا يخلون أحدكم مع امرأة يقرأ عليها القرآن، ولا يمكن أحدكم سمعه من أصحاب الأهواء. (٢)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٦٠) وتاريخ خليفة (٢٦١و٤١٨) والجرح والتعديل (٩/ ٢٤٢) ومشاهير علماء الأمصار (١٥٠) والسير (٦/ ٢٨٨ - ٢٩٦) وحلية الأولياء (٣/ ١٥ - ٢٧) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٥١٧ - ٥٣٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٤٥ - ١٤٦) وشذرات الذهب (١/ ٢٠٧).\n(٢) السير (٦/ ٢٩٣) والإبانة (٢/ ٣/٤٤٢/ ٣٨٦) والحلية (٣/ ٢١).","vol":"2","page":270},{"text":"- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: لا تجالس سلطانا ولا صاحب بدعة. (١)\n- وجاء في الحلية لأبي نعيم عنه قال: أصبح من إذا عرف السنة عرفها غريبا وأغرب منه الذي يعرفها. (٢)\n- عن حماد بن زيد قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: يوشك لعينك أن ترى ما لم تر، ويوشك لأذنك أن تسمع ما لم يسمع، ولا تخرج من طبقة إلا دخلت فيما هو دونها حتى يكون آخر ذلك الجواز على الصراط. (٣)\n- ورأى يونس بن عبيد ابنه -وقد خرج من عند صاحب هوى- فقال: يا بني، من أين خرجت؟ قال: من عند عمرو بن عبيد. قال: يا بني، لأن أراك خرجت من بيت هيتي أحب إلي من أن أراك خرجت من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى الله زانيا سارقا فاسقا خائنا أحب إلي من أن تلقاه بقول أهل الأهواء. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله بن أحمد بالسند إلى عدي بن الفضل قال: كلمت يونس بن عبيد في عبد الوارث فقال: رأيته على باب عمرو بن عبيد جالسا لا تذكره لي. (٥)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٣/٢٥٣) والإبانة (٢/ ٣/٤٤٢/ ٣٨٨).\n(٢) الحلية (٣/ ٢١) وأصول الاعتقاد (١/ ٦٤/٢١) والإبانة (١/ ١/١٨٥/ ٢٠) والشريعة (٣/ ٥٨١ - ٥٨٢/ ٢١١٣).\n(٣) الإبانة (١/ ١/١٨٢ - ١٨٣/ ١٧).\n(٤) طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨) وشرح السنة للبربهاري (ص.١٢٤ - ١٢٥).\n(٥) السنة لعبد الله (١٥٢).","vol":"2","page":271},{"text":"- وجاء في الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية: قال الطبراني في كتاب السنة: حدثنا الحسن بن علي المعمري حدثنا محمد بن بكار العبسي حدثنا عبد العزيز الرقاشي سمعت يونس بن عبيد يقول: فتنة المعتزلة على هذه الأمة أشد من فتنة الأزارقة، لأنهم يزعمون أن أصحاب رسول الله - ﷺ - ضلوا وأنهم لا تجوز شهادتهم بما أحدثوا، ويكذبون بالشفاعة والحوض وينكرون عذاب القبر، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. (١)\n- وزاد أبو نعيم في الحلية: ويجب على الإمام أن يستتيبهم، فإن تابوا وإلا نفاهم من ديار المسلمين. (٢)\nوقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا أبو محمد بن حيان قال: ثنا أحمد بن نصر قال ثنا أحمد الدورقى قال ثنا خالد بن خداش قال ثنا خويل بن واقد الصفار قال: سمعت رجلا سأل يونس بن عبيد فقال: جار لي معتزلي أعوده؟ قال: أما لحسبة فلا. قلت: مات، أصلي على جنازته؟ قال أما لحسبة فلا. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد قال: أدركت البصرة وما بها قدري إلا سنسويه ومعبد الجهني وآخر ملعون في بني عوافة. (٤)\n- وجاء في السير: قال سعيد بن عامر: حدثنا جسر أبو جعفر قلت ليونس: مررت بقوم يختصمون في القدر. فقال: لو همتهم ذنوبهم ما\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(٢) الحلية (٣/ ٢١).\n(٣) الحلية (٣/ ٢١).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٢٦/١٣٩٧).","vol":"2","page":272},{"text":"اختصموا في القدر. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد بالسند عن خويل -ختن شعبة- قال: كنت عند يونس بن عبيد فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله تنهانا عن مجالسة عمرو وقد دخل عليه ابنك؟ قال: ابني؟ قال: نعم. فتغيظ الشيخ قال: فلم أبرح حتى جاء ابنه فقال: يا بني قد عرفت رأيي في عمرو ثم تدخل عليه؟ قال: كان معي فلان قال فجعل يعتذر. فقال يونس: أنهاك عن الزنا والسرقة وشرب الخمر. ولأن تلقى الله ﷿ بهن أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو وأصحاب عمرو.\n- زاد الخطيب في تاريخه: قال: فقال عمرو: ليت القيامة قامت بي وبك الساعة. فقال يونس بن عبيد ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ (٢).اهـ (٣)\n\nثابت بن عجلان (٤) (ما بين ١٣١ هـ و١٤٠ هـ)\nالشيخ الإمام ثابت بن عَجْلاَن الأنصاري السلمي، أبو عبد الله الشامي، الحمصي، وقيل إنه من أهل أرمينية. روى عن إبراهيم النخعي وأنس بن\n_________\n(١) السير (٦/ ٢٩٣).\n(٢) الشورى الآية (١٨).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٧ - ٨١٨/ ١٣٧٨) والإبانة (٢/ ٣/٤٦٦ - ٤٦٧/ ٤٦٤) والشريعة (٣/ ٥٨٢ - ٥٨٣/ ٢١١٥) والسير (٦/ ٢٩٤) ونحوه في تاريخ بغداد (١٢/ ١٧٣).\n(٤) تاريخ دمشق (١١/ ١٣٢ - ١٣٦) وتهذيب الكمال (٤/ ٣٦٣ - ٣٦٦) وميزان الاعتدال (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٠) والتقريب (١/ ١٤٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠هـ/ص.٣٩٠).","vol":"2","page":273},{"text":"مالك وأيوب السختياني والحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد، وروى عنه إسماعيل بن عياش وبقية بن الوليد ومحمد بن مهاجر ومسكين بن بكير وليث بن أبي سليم وغيرهم. وثقه ابن معين، وقال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به. قال ابن حجر: صدوق من الخامسة. وذكره الذهبي في الطبقة الرابعة عشرة المؤرخة ما بين ١٣١هـ و١٤٠هـ من تاريخ الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن بقية قال: حدثنا ثابت بن العجلان قال: أدركت أنس بن مالك وابن المسيب والحسن البصري وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وعطاء ابن أبي رباح وطاووس (١) ومجاهد وعبد الله ابن أبي مليكة والزهري ومكحول والقاسم أبا عبد الرحمن وعطاء الخراساني وثابت البناني والحكم بن عتبة وأيوب السختياني وحماد ومحمد بن سيرين وأبا عامر -وكان قد أدرك أبا بكر الصديق- ويزيد الرقاشي وسليمان بن موسى: كلهم يأمروني في الجماعة وينهوني عن أصحاب الأهواء، قال بقية: ثم بكى وقال: أي ابن أخي ما من عمل أرجأ ولا أوثق من مشي إلى هذا المسجد يعني مسجد الباب. (٢)\n_________\n(١) كذا في الأصل بالرفع والصواب فيها النصب، ومثله: مجاهد ومكحول وثابت وحماد.\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٩ - ١٥٠/ ٢٣٩).","vol":"2","page":274},{"text":"عمارة بن القعقاع (١) (ما بين ١٣١ هـ و١٤٠ هـ)\nعُمَارَة بن القَعْقَاع بن شُبْرُمَة الكوفي. روى عن أبي زرعة بن عمرو البجلي، وأخنس بن خليفة. وحدث عنه: السفيانان، وشريك، وجرير. قال الذهبي: كان أسن من عمه عبد الله بن شبرمة وكان يفضل عليه. وذكره في تاريخه ضمن الطبقة الرابعة عشرة المؤرخة ما بين ١٣١هـ و١٤٠هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>موقفه من المرجئة:</span>\nتقدم معنا في مواقف منصور بن المعتمر (ت ١٣٢هـ) أن عمارة بن القعقاع كان من جملة أهل العلم الذين يقولون بالاستثناء ويعيبون على من لا يستثني.\n\nشمر بن عطية (٢) (ما بين ١٣١ هـ و١٤٠ هـ)\nشِمْر بن عَطِية الأسدي الكاهلي الكوفي. روى عن أبي وائل شقيق بن سلمة وسعيد بن جبير والمغيرة بن سعد بن الأخرم وهلال بن يساف. وروى عنه أشعث بن إسحاق القمي وبدر بن الخليل الأسدي وعاصم بن بهدلة وفطر بن خليفة وغيرهم. وثقه النسائي وابن معين والدارقطني وغيرهم. قال ابن حبان: مات في ولاية خالد بن عبد الله على العراق. وقال ابن حجر: صدوق من السادسة. وذكره الذهبي في تاريخه ضمن الطبقة الرابعة عشرة\n_________\n(١) السير (٦/ ١٤٠) وتهذيب الكمال (٢١/ ٢٦٢) وتهذيب التهذيب (٧/ ٤٢٣) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٥١) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٢١ - ١٤٠/ص.٥٠٢ - ٥٠٣).\n(٢) الثقات لابن حبان (٦/ ٤٥٠) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣١٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٠١ - ١٢٠/ص.٣٨٠) وتهذيب الكمال (١٢/ ٥٦٠ - ٥٦١) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥) والتقريب (١/ ٤٢٢).","vol":"2","page":275},{"text":"المؤرخة ما بين ١٣١هـ و١٤٠هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن جعفر بن أبي المغيرة: عن شمر بن عطية في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١) قال: لمن تاب من الشرك وآمن بمحمد - ﷺ - وأدى الفرائض ثم اهتدى قال: للسنة. (٢)\n\nأبو عون الأنصاري (٣) (من الخامسة)\nعبد الله بن أبي عبد الله أبو عون الأنصاري الشامي. روى عن أبي إدريس الخولاني، وسعيد بن المسيب. روى عنه: ثور بن يزيد وأرطأة بن المنذر والزبيدي وأبو بكر بن حزم. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حجر: مقبول، من الخامسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>موقفه من القدرية:</span>\nعن أرطأة بن المنذر: ذكرت لأبي عون شيئا من قول أهل التكذيب بالقدر؛ فقال: أما تقرؤون كتاب الله ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا\n_________\n(١) طه الآية (٨٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ٧٩/٧٣).\n(٣) ثقات ابن حبان (٧/ ٦٦٢) وتهذيب الكمال (٣٤/ ١٥٤ - ١٥٥) وتهذيب التهذيب (١٢/ ١٩١) والتاريخ الكبير (٨/ ٦٢ كنى) وتقريب التهذيب (٢/ ٤٤٥).","vol":"2","page":276},{"text":"يُشْرِكُونَ﴾ (١). اهـ (٢)\n\nنافع بن مالك (٣) (بعد ١٤٠ هـ)\nنافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي الإمام الفقيه أبو سهيل المدني حليف بني تيم، عم مالك بن أنس، وأخو أويس بن مالك والربيع بن مالك. روى عن أنس بن مالك وسهل بن سعد وابن عمر وسعيد بن المسيب وعمر ابن عبد العزيز وأبيه مالك بن أبي عامر الأصبحي وطائفة. روى عنه ابن أخيه مالك بن أنس والزهري وإسماعيل بن جعفر وسليمان بن بلال وعبد العزيز الدراوردي وآخرون. وثقه أحمد وغيره. وقال ابن حجر: ثقة من الرابعة. مات بعد الأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: لا تبدأ القدرية بالسلام، فإن سلموا عليك فقل وعليك. (٤)\n- وعن نافع بن مالك أبي سهيل (٥) أن عمر بن عبد العزيز قال له: ما ترى في الذين يقولون لا قدر؟ قال أرى أن يستتابوا وإلا ضربت أعناقهم قال عمر وذلك\n_________\n(١) القصص الآية (٦٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٢/ ١٨٠٣) والشريعة (١/ ٤٣٤/٥٤٤).\n(٣) الجرح والتعديل (٨/ ٤٥٣) والسير (٥/ ٢٨٣) وتهذيب الكمال (٢٩/ ٢٩٠ - ٢٩١) وتقريب التهذيب (٢/ ٢٩٦).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٥/١١٤٦).\n(٥) في المصدر: أبو إسماعيل وهو خطأ بين، كما سبق أن نبهنا عليه في مواقف عمر بن عبد العزيز سنة (١٠١هـ).","vol":"2","page":277},{"text":"الرأي فيهم لو لم يكن إلا هذه الآية الواحدة كفى بها ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (١).اهـ (٢)\n\nعاصم الأحول (٣) (١٤٢ هـ)\nالإمام الحافظ، محدث البصرة أبو عبد الرحمن البصري الأحول عاصم ابن سليمان، محتسب المدائن. روى عن ابن سرجس، وأنس وعبد الله بن شقيق وأبي العالية والشعبي، وحفصة بنت سيرين ومعاذة العدوية وخلق سواهم. روى عنه: قتادة وشعبة وشريك ومعمر، وحماد بن زيد والسفيانان ويزيد بن هارون وخلق كثير. قال ابن المديني: له نحو مائة وخمسين حديثا. قال الثوري: حفاظ البصرة ثلاثة: سليمان التيمي وعاصم الأحول، وداود بن أبي هند. قال ابن مهدي: كان عاصم الأحول من حفاظ أصحابه. قال أحمد ابن حنبل وابن معين وأبو زرعة وطائفة: ثقة. ووثقه ابن المديني وقال مرة: ثبت. وقال محمد بن سعد: كان ثقة وكان من أهل البصرة، وكان يتولى الولايات، وكان بالكوفة على الحسبة في المكاييل والأوزان وكان قاضيا بالمدائن لأبي جعفر.\nمات سنة اثنتين وأربعين ومائة، وقيل غير ذلك.\n_________\n(١) الصافات الآيات (١٦١ - ١٦٣).\n(٢) السنة لعبد الله (١٤٧).\n(٣) تهذيب الكمال (١٣/ ٤٨٥ - ٤٩١) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٤٩) والسير (٦/ ١٣ - ١٤) وشذرات الذهب (١/ ٢١٠).","vol":"2","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>موقفه من الرافضة:</span>\nقال عاصم يعني الأحول: أتيت برجل قد سب عثمان قال: فضربته عشرة أسواط. قال: ثم عاد لما قال: فضربته عشرة أخرى قال: فلم يزل يسبه حتى ضربه سبعين سوطا. (١)\n\nحميد الطويل (٢) (١٤٣ هـ)\nحُمَيْد بن أبي حُمَيْد الطويل أبو عُبَيْدَة الإمام الحافظ البصري. روى عن أنس بن مالك وثابت البناني والحسن البصري وغيرهم. روى عنه: شعبة وعاصم بن بهدلة والسفيانان والحمادان وغيرهم. عن حماد بن سلمة قال: لم يدع حميد لثابت البناني علما إلا وعاه وسمعه منه. وحميد خال حماد هذا. قال معاذ بن معاذ: كان حميد مصلح أهل البصرة. وقال معاذ: كان حميد الطويل قائما يصلي فمات فذكروه لابن عون وجعلوا يذكرون من فضله فقال ابن عون: احتاج إلى ما قدم. وعن يونس قال: أكثر الله فينا مثل حميد. وقال ابنه إبراهيم بن حميد: مات أبي سنة ثلاث وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>موقفه من الجهمية:</span>\nعن حماد بن سلمة قال: كان حميد من أكفهم عنه -يعني عمرو بن عبيد-، قال: فجاء ذات يوم إلى حميد؛ فحدثنا حميد بحديث، فقال عمرو:\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٠ - ١٣٤١/ ٢٣٨٤).\n(٢) تهذيب الكمال (٧/ ٣٥٥ - ٣٦٥) والسير (٦/ ١٦٣ - ١٦٩) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٥٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٥٢ - ١٥٣) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٤ - ٣٦) وشذرات الذهب (١/ ٢١١ - ٢١٢).","vol":"2","page":279},{"text":"كان الحسن يقوله؛ قال: فقال لي حميد: لا تأخذ عن هذا شيئا؛ فإنه يكذب على الحسن، كان الحسن يأتي بعد ما أسن فيقول: يا أبا سعيد. أليس تقول كذا وكذا للشيء الذي ليس هو من قوله؟ قال: فيقول الشيخ برأسه هكذا. (١)\n\nسليمان بن طرخان التيمي (٢) (١٤٣ هـ)\nسليمان بن طَرْخَان أبو المعتمر التَّيْمِي البصري الإمام شيخ الإسلام نزل في بني تيم فقيل التيمي. روى عن أنس بن مالك وبكر بن عبد الله المزني وثابت البناني والحسن البصري وقتادة وأبي عثمان النهدي وطائفة. روى عنه ابنه معتمر بن سليمان ويزيد بن زريع ويحيى القطان والسفيانان وحماد بن سلمة وشعبة وابن علية وآخرون. قال شعبة: ما رأيت أحدا أصدق من سليمان التيمي ﵀، كان إذا حدث عن النبي - ﷺ - تغير لونه. قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. وعن معتمر بن سليمان قال: قال لي أبي عند موته: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به. توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن أبي موسى قال: سمعت المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يقول:\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١١/٣٠٤/ ١٩٧٤) والسنة لعبد الله (١٤٩).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٥٢ - ٢٥٣) وتاريخ خليفة (٤٢٠) والجرح والتعديل (٤/ ١٢٤ - ١٢٥) ومشاهير علماء الأمصار (٩٣) وتهذيب الكمال (١٢/ ٥ - ١٢) والسير (٦/ ١٩٥ - ٢٠٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٥٠ - ١٥٢) وميزان الاعتدال (٢/ ٢١٢) وشذرات الذهب (١/ ٢١٢).","vol":"2","page":280},{"text":"أحاديث النبي - ﷺ - عندنا كالتنزيل. قال أبو موسى: يعني في الاستعمال؛ يستعمل سنة رسول الله - ﷺ - كما يستعمل كلام الله ﷿. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>موقفه من الجهمية:</span>\nعن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: ليس قوم أشد بغضا للإسلام من الجهمية والقدرية، فأما الجهمية فقد بارزوا الله وأما القدرية فإنهم قالوا في الله. (٢)\nقال معاذ بن معاذ: كان سليمان التيمي لا يزيد كل واحد منا على خمسة أحاديث وكان معنا رجل، فجعل يكرر عليه، فقال: نشدتك بالله أجهمي أنت؟ فقال: ما أفطنك، من أين تعرفني؟ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في تلبيس إبليس بالسند إلى سعيد الكريزي قال: مرض سليمان التيمي، فبكى في مرضه بكاء شديدا فقيل له ما يبكيك؟ أتجزع من الموت؟ قال: لا، ولكني مررت على قدري فسلمت عليه فأخاف أن يحاسبني ربي عليه. (٤)\n\" التعليق:\nانظر رعاك الله إلى أين وصل سلفنا مع المبتدعة، يخاف أن يحاسب على\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٧٧).\n(٢) السنة لعبد الله (١٠) والسنة للخلال (٥/ ٩٠) والإبانة (٢/ ١٣/١٠٠ - ١٠١/ ٣٤٠).\n(٣) السير (٦/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(٤) التلبيس (٢٣) والسير (٦/ ٢٠٠) والتذكرة (١/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"2","page":281},{"text":"السلام عليه، أما نحن الآن فنؤاكلهم ونشاربهم ونضاحكهم ونوادهم ونقيم لهم الضيافة الفخمة ونأويهم خير الإيواء والله المستعان.\n\n- وجاء في سير أعلام النبلاء عن مهدي بن هلال قال: أتيت سليمان فوجدت عنده حماد بن زيد ويزيد ابن زريع وبشر بن المفضل وأصحابنا البصريين، فكان لا يحدث أحدا حتى يمتحنه فيقول له: الزنا بقدر؟ فإن قال: نعم، استحلفه إن هذا دينك الذي تدين الله به؟ فإن حلف حدثه خمسة أحاديث. (١)\n- وفيها أيضا: قال معتمر بن سليمان: قال أبي: أما والله لو كشف الغطاء لعلمت القدرية أن الله ليس بظلام للعبيد. (٢)\n\nيحيى بن سعيد (٣) (١٤٣ هـ)\nيحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو وقيل يحيى بن سعيد بن قيس بن قهد، الإمام العلامة المجود، عالم المدينة في زمانه، وشيخ عالم المدينة وتلميذ الفقهاء السبعة، أبو سعيد الأنصاري الخزرجي النجاري المدني القاضي مولده قبل السبعين زمن ابن الزبير. سمع من أنس بن مالك والسائب بن يزيد وأبي أمامة\n_________\n(١) السير (٦/ ٢٠٠).\n(٢) السير (٦/ ٢٠١) والتذكرة (١/ ١٥٢).\n(٣) تاريخ بغداد (١٤/ ١٠١ - ١٠٦) والسير (٥/ ٤٦٨ - ٤٨١) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٤١ - ١٦٠/ص.٣٣١ - ٣٣٤)، وتهذيب الكمال (٣١/ ٣٤٦ - ٣٥٨) وشذرات الذهب (١/ ٢١٢) وطبقات الحفاظ (٥٧).","vol":"2","page":282},{"text":"ابن سهل وسعيد بن المسيب وغيرهم. روى عنه الزهري مع تقدمه، وابن أبي ذئب وشعبة ومالك وسفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم. عن علي بن مسهر: سمعت سفيان يقول: أدركت من الحفاظ ثلاثة: إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، قلت: فالأعمش؟ فأبى أن يجعله معهم. قال سفيان بن سعيد: يحيى بن سعيد الأنصاري أجل عند أهل المدينة من الزهري. عن يعقوب بن كاسب قال: حدثنا بعض أهل العلم قال: سمعت صائحا يصيح في المسجد الحرام أيام مروان: لا يفتي الحاجَّ في المسجد إلا يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر ومالك ابن أنس.\nمات سنة ثلاث وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: الترمذي: حدثنا قتيبة حدثنا جرير سألت يحيى بن سعيد فقلت: أرأيت من أدركت من الأئمة؟ ما كان قولهم في أبي بكر وعمر وعلي؟ فقال: سبحان الله ما رأيت أحدا يشك في تفضيل أبي بكر وعمر على علي، إنما كان الاختلاف في علي وعثمان. (١)\n_________\n(١) السير (٥/ ٤٧٢ - ٤٧٣).","vol":"2","page":283},{"text":"عبد الله بن شبرمة (١) (١٤٤ هـ)\nعبد الله بن شُبْرُمَة بن الطفيل بن حسان، الإمام العلامة فقيه العراق أبو شُبْرُمَة قاضي الكوفة عداده في التابعين وهو عم عمارة بن القعقاع بن شبرمة. روى عن أنس بن مالك وإبراهيم بن يزيد التيمي وشقيق ونافع وأبي زرعة بن عمرو بن جرير والشعبي وطائفة. وعنه حماد بن زيد والسفيانان والحسن بن صالح بن حي وشريك بن عبد الله وشعبة ومعمر وآخرون. قال سفيان الثوري: وكان ابن شبرمة عفيفا صارما عاقلا فقيها يشبه النساك ثقة في الحديث شاعرا حسن الخلق جوادا.\nمن أقواله: من بالغ في الخصومة أثم ومن قصر فيها خصم، ولا يطيق الحق من بالى على من دار الأمر. وقال: عجبت للناس يحتمون من الطعام مخافة الداء ولا يحتمون من الذنوب مخافة النار.\nمات سنة أربع وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الدارمي بسنده إلى إبراهيم بن أدهم قال: سألت ابن شبرمة عن شيء وكانت عندي مسألة شديدة فقلت: رحمك الله، انظر فيها، قال: إذا وضح لي الطريق ووجدت الأثر لم أحبس. (٢)\n_________\n(١) تاريخ خليفة (٣٦١و٤٢١) والسير (٦/ ٣٤٧ - ٣٤٩) وتهذيب الكمال (١٥/ ٧٦) والجرح والتعديل (٥/ ٨٢) ومشاهير علماء الأمصار (١٦٨) والوافي بالوفيات (١٧/ ٢٠٧) وميزان الاعتدال (٢/ ٤٣٨) وشذرات الذهب (١/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(٢) سنن الدارمي (١/ ٧٢).","vol":"2","page":284},{"text":"- قال ابن شبرمة: من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها ولا للمسؤول أن يجيب عنها. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال:\nإذا قلت جدوا في العبادة واصبروا ... أصروا وقالوا: لا: الخصومة أفضل\nخلافا لأصحاب النبي وبدعة ... وهم لسبيل الحق أعمى وأجهل (٢)\n- وروى البغدادي بالسند إليه قال: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>موقفه من المرجئة:</span>\nتقدم معنا في مواقف منصور بن المعتمر (سنة ١٣٢هـ) أن عبد الله ابن شبرمة كان من جملة أهل العلم الذين يقولون بالاستثناء ويعيبون على من لا يستثني.\n\nمجالد بن سعيد (٤) (١٤٤ هـ)\nمُجَالِد بن سعيد بن عمير بن بسطام الهمداني، أبو عمرو، ويقال أبو عمير ويقال أبو سعيد الكوفي. روى عن زياد بن علاقة والشعبي وقيس بن أبي حازم ومرة الهمداني، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد وابنه إسماعيل بن\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٤١٨/ ٣٣٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٦٨ - ١٦٩/ ٣١٠).\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٦٦) وهو في إعلام الموقعين (١/ ٢٥٧).\n(٤) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٤٩) والكامل لابن الأثير (٥/ ٥١٢) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٢١٩ - ٢٢٥) وميزان الاعتدال (٣/ ٤٣٨ - ٤٣٩) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٣٩ - ٤١) وشذرات الذهب (١/ ٢١٦).","vol":"2","page":285},{"text":"مجالد وحماد بن زيد والثوري وابن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم.\nتكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وقال الدوري عن يحيى بن معين: ثقة، وقال: مجالد وليث وحجاج سواء، وعبد الرحمن بن حرملة أحب إلي منهم. وقال البخاري: صدوق.\nتوفي ﵀ في ذي الحجة سنة أربع وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن سعيد بن أبي عروبة: أن مجالد بن سعيد سمع قوما يعجون في دعائهم، فمشى إليهم فقال: أيها القوم، إن كنتم أصبتم فضلا على من كان قبلكم لقد ضللتم قال: فجعلوا يتسللون رجلا رجلا، حتى تركوا بغيتهم التي كانوا فيها. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>موقف السلف من عمرو بن عبيد (١٤٤ ه</span>ـ)\nجاء في الإبانة: عن ابن شوذب قال: قال لي عقيل بن طلحة، وكانت لطلحة صحبة: هل لقيت عمرو بن عبيد، فقلت: لا، قال: فلا تلقه لست آمنه عليك وكان عمرو بن عبيد يرى رأي الاعتزال. (٢)\nوفيها: قال أيوب: ما عددت عمرو بن عبيد عاقلا قط. (٣)\n_________\n(١) الاقتضاء (٢/ ٦٣٩).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٨ - ٤٤٩/ ٤٠٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٧/ ٤٦٥) والسنة لعبد الله (١٥٠).","vol":"2","page":286},{"text":"وفيها: عن إسماعيل بن إبراهيم؛ قال: جاءني عبد العزيز الدباغ؛ فقال: إني قد أنكرت وجه ابن عون؛ فلا أدري ما شأنه؛ قال: فذهبت معه إلى ابن عون فقلت: يا أبا عون. ما شأن عبد العزيز؟ قال: أخبرني قتيبة صاحب الحرير أنه رآه مع عمرو بن عبيد يمشي في السوق؛ فقال له عبد العزيز: إنما سألته عن شيء، والله ما أحب رأيه، فقال: ونسأله أيضا؟ (١)\nوفيها: قال ابن عيينة: قدم أيوب سنة وعمرو بن عبيد فطافا بالبيت من أول الليل حتى أصبحا، ثم قدما بعد ذلك فطاف أيوب حتى أصبح وخاصم عمرو حتى أصبح. (٢)\nوجاء في أصول الاعتقاد عن أحمد بن موسى قال: مر عمرو بن عبيد على أبي عمرو بن العلاء فقال له عمرو: كيف تقرأ: ﴿وَإِنْ يستعتبوا﴾ (٣)؟ فقال أبو عمرو: وإن يستعتبوا -بفتح الياء- فما هم من المعتبين -بفتح التاء- فقال له عمرو: ولكني أقرأ: وإن يستعتبوا -بضم الياء- فما هم من المعتبين -بكسر التاء- فقال أبو عمرو: ومن هنالك أبغض المعتزلة لأنهم يقولون برأيهم. (٤)\nوفيه عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يخرج قوم من النار بعد ما امتحشوا فيدخلون الجنة\" (٥). وقال عمرو بن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١١/٣٠٣/ ١٩٧٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٣٠٤/ ١٩٧٥).\n(٣) فصلت الآية (٢٤).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٦/١٣٧٥).\n(٥) أحمد (٣/ ٣٩١) ومسلم (١/ ١٧٩/١٩١ (٣٢٠» والترمذي (٤/ ٦١٥/٢٥٩٧) وقال: \"حديث حسن صحيح\".","vol":"2","page":287},{"text":"دينار، قال عبيد بن عمير: قال رسول الله - ﷺ -: \"يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة\" قال: فقال رجل: يا أبا عاصم ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ قال: فقال عبيد بن عمير: إليك عني يا علج فلولا سمعه من يتبين من أصحاب رسول الله - ﷺ - لما حدثته قال: قال سفيان: فقدم علينا عمرو بن عبيد ومعه رجل تابع له على هواه، قال: فدخل عمرو بن عبيد الحجر فصلى فيه وخرج صاحبه وقام على عمرو بن دينار وهو يحدث هذا عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ -، فرجع إلى عمرو بن عبيد فقال يا ضال أما كنت تخبر أنه لا يخرج أحد من النار قال: بلى قال فهو ذا عمرو بن دينار يزعم أنه سمع جابر ابن عبد الله يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة\" قال: فقال عمرو بن عبيد: لهذا معنى لا تعرفه، قال: فقال الرجل: وأي معنى يكون لهذا قال: وفك ثوبه من يديه وفارقه. (١)\nوجاء في السنة بالسند إلى حرب بن ميمون صاحب الأغمية قال: رأيت عمرو بن عبيد يصلي بقوم وهو معهم في الصف، فسألت ابن فضاء فقال: هذا رجل صاحب بدعة. (٢)\nوفيها عن سفيان بن عيينة قال: قال لي سفيان الثوري: اذهب بي إلى عمرو بن عبيد وذلك قبل أن يعرفه فذهبت به إليه فكلمه أو جعل يسأله فكأن عمرا اتقاه فلما كان بعد، قال لي من ذلك الذي جئتني به؟ قلت: سفيان الثوري، قال: لو علمته لأخذته إنما ظننت أنه من أهل المدينة الذين\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٦/ ١١٦٣ - ١١٦٤/ ٢٠٤٨).\n(٢) السنة لعبد الله (١٥٠).","vol":"2","page":288},{"text":"يأخذون الناس من فوق. (١)\nوفيها عن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: قال أبي: يا بني لا تسمع من عمرو بن عبيد واسمع من عمرو قهرمان آل الزبير. (٢)\nجاء في السنة بالسند إلى أبي بحر البكراوي قال: قال رجل لعمرو -يعني ابن عبيد- وقرأ عنده هذه الآية: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٣) فقال له: أخبرني عن: ﴿تَبَّتْ يدا أبي لَهَبٍ﴾ (٤) كانت في اللوح المحفوظ، قال: ليست هكذا كانت قال: وكيف كانت: ﴿تَبَّتْ يدا﴾ من عمل بمثل ما عمل أبو لهب؟ فقال له الرجل: هكذا ينبغي لنا أن نقرأ إذا قمنا إلى الصلاة، فغضب عمرو فتركه حتى سكن ثم قال له: يا أبا عثمان أخبرني عن ﴿تَبَّتْ يدا أبي لَهَبٍ﴾ كانت في اللوح المحفوظ؟ فقال: ليس هكذا كانت، قال: فكيف كانت؟ قال: ﴿تَبَّتْ يدا﴾ من عمل بمثل عمل أبي لهب، قال: فرددت عليه، قال عمرو: إن علم الله ليس بسلطان إن علم الله لا يضر ولا ينفع. (٥)\nوجاء في أصول الاعتقاد عن معاذ بن معاذ قال: كنت عند عمرو بن\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٥٢).\n(٢) السنة لعبد الله (١٥٣).\n(٣) البروج الآيتان (٢١و٢٢).\n(٤) المسد الآية (١).\n(٥) السنة لعبد الله (١٥٠ - ١٥١).","vol":"2","page":289},{"text":"عبيد فأتاه رجل يقال له عثمان بن خاش وهو أخو الشمزي فقال: يا أبا عثمان سمعت والله الكفر اليوم. قال: لا تعجل بالكفر وما سمعت؟ قال: سمعت هاشم الأوقصي يقول: ﴿تَبَّتْ يدا أبي لَهَبٍ﴾ (١) و﴿ذرني وَمَنْ خَلَقْتُ وحيدًا﴾ (٢) لسن في أم الكتاب والله يقول: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٣) فسكت عمرو هنيهة ثم أقبل علينا وقال: فوالله لئن كان القول كما يقول فما على أبي لهب ولا الوحيد (٤) من لوم. قال: عثمان: هذا والله الدين يا أبا عثمان. قال معاذ: فدخل بالإسلام وخرج بالكفر. (٥)\nوجاء في سير أعلام النبلاء: قال معاذ بن معاذ: سمعت عَمْرا يقول إن كانت ﴿تَبَّتْ يدا أبي لَهَبٍ﴾ (٦) في اللوح المحفوظ فما لله على ابن آدم حجة، وسمعته ذكر حديث الصادق المصدوق (٧) فقال: لو سمعت الأعمش يقوله\n_________\n(١) المسد الآية (١).\n(٢) المدثر الآية (١١).\n(٣) الزخرف الآيات (١ - ٤).\n(٤) يعني الوليد بن المغيرة في قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ [المدثر: ١١].\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٣ - ٨١٤/ ١٣٧٠) وتاريخ بغداد (١٢/ ١٧١) والزيادة الأخيرة منه.\n(٦) المسد الآية (١).\n(٧) أحمد (١/ ٣٨٢ و٤٣٠) والبخاري (٦/ ٣٧٣/٣٢٠٨) ومسلم (٤/ ٢٠٣٦/٢٦٤٣) وأبو داود (٥/ ٨٢ - ٨٣/ ٤٧٠٨) والترمذي (٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩/ ٢١٣٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٢٩/٧٦).","vol":"2","page":290},{"text":"لكذبته، إلى أن قال ولو سمعت رسول الله - ﷺ - يقوله لرددته. (١)\nوجاء بالسند إلى عثمان بن عثمان قال: كنا عند معاذ بن معاذ فذكر عمرو بن عبيد، قال: ذكر حديث أبي بكر الصديق عند عمرو بن عبيد، فقال: لو سمعته من أبي بكر ما صدقته ولو سمعته من النبي ما اجتنبته، وإذا لقيت الله قلت على ذا فطرتنا. (٢)\n\" التعليق:\nانظر إلى البدع وما جرت على أصحابها من الكفر والضلالة والوقاحة على الله ورسوله - ﷺ -، نسأل الله السلامة والعافية.\nوجاء في أصول الاعتقاد عن عاصم الأحول قال: جلست إلى قتادة فذكر عمرو بن عبيد فوقع فيه فقلت: يا أبا الخطاب ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض؟ قال: يا أحول ولا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة فينبغي لها أن تذكر حتى تعلم؟ فجئت من عند قتادة وأنا مغتم لقوله في عمرو بن عبيد وما رأيت من نسك عمرو بن عبيد وهديه فوضعت رأسي بنصف النهار فإذا أنا بعمرو بن عبيد في النوم والمصحف في حجره وهو يحك آية من كتاب الله.\nقلت: سبحان الله تحك آية من كتاب الله؟ قال: إني سأعيدها. فتركته حتى حكها فقلت له أعدها. فقال: إني لا أستطيع. (٣)\n_________\n(١) السير (٦/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٢) السنة لعبد الله (١٥٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٤ - ٨١٥/ ١٣٧٢).","vol":"2","page":291},{"text":"وفي السنة لعبد الله عن عباد بن منصور قال: سمعت أنا وعمرو بن عبيد من الحسن تفسير هود والرعد، فلما كان بعد ذلك فإذا هو قد أخرجها أكثر مما سمعنا، فقلت له: يا أبا عثمان، سمعت أنا وأنت من الحسن، فما هذه الزيادة؟ قال هذا كلام زدته أرقق به قلوبهم. (١)\nوقال اللالكائي في أصول الاعتقاد: روي أن أعرابيا جاء عمرو بن عبيد فقال له: إن ناقتي سرقت فادع الله أن يردها علي. فقال: اللهم إن ناقة هذا الفقير سرقت ولم ترد سرقتها اللهم ارددها عليه. فقال الأعرابي: يا شيخ الآن ذهبت ناقتي وأيست منها. قال: كيف؟ قال: لأنه إذا أراد أن لا تسرق فسرقت لم آمن أن يريد رجوعها فلا ترجع ونهض من عنده منصرفا. (٢)\nوعن خويل -ختن شعبة- قال: كنت عند يونس بن عبيد فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله تنهانا عن مجالسة عمرو وقد دخل عليه ابنك؟ قال: ابني؟ قال: نعم. فتغيظ الشيخ قال: فلم أبرح حتى جاء ابنه فقال: يا بني قد عرفت رأيي في عمرو ثم تدخل عليه؟ قال: كان معي فلان قال: فجعل يعتذر. فقال يونس: أنهاك عن الزنا والسرقة وشرب الخمر. ولأن تلقى الله ﷿ بهن أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو وأصحاب عمرو. (٣)\nوعن الحسين بن يحيى قال: سمعت الفضيل بن مروان يقول: كان المعتصم يختلف إلى علي ابن عاصم المحدث وكنت أمضي معه إليه فقال يوما حدثنا\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٥٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٦ - ٨١٧/ ١٣٧٦) والإبانة (٢/ ١١/٢٨٠/ ١٩١٤).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٧ - ٨١٨/ ١٣٧٨) والإبانة (٢/ ٣/٤٦٦ - ٤٦٧/ ٤٦٤).","vol":"2","page":292},{"text":"عمرو بن عبيد -وكان قدريا- فقال المعتصم: أما تدري أن القدرية مجوس هذه الأمة؟ فلم ترو عنه؟ قال: لأنه ثقة في الحديث صدوق. قال: فإن كان المجوسي ثقة فيما يقول أتروي عنه؟ فقال له علي: أنت شغاب يا أبا إسحاق. (١)\nوفيه عن حزم قال: سمعت حوشب يقول لعمرو بن عبيد في حبوة الحبس -ما هذا الذي أحدثت؟ قد نبت قلوب إخوانك عنك، هذا الحسن: انطلق حتى نسأله عن هذا الأمر. قال: كسرها الله إذن- يعني رجليه. (٢)\nوفيه: سئل ابن عون عن (عمرو بن عبيد) فقال: حدثنا مسلم البطين قال: قال ابن مسعود: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنه لن يهدوكم وقد ضلوا. (٣)\nوعن عبد الملك الأصمعي: كنا عند أبي عمرو بن العلاء قال: فجاء عمرو بن عبيد، فقال: يا أبا عمرو! يخلف الله وعده؟ قال: لا. قال: أرأيت من وعده الله على عمل عقابا؛ أليس هو منجزه له؟ فقال له أبو عمرو: يا أبا عثمان! من العجمة أوتيت، لا يعد عارا ولا خلفا، أن تعد شرا ثم لا تفي به؛ بل تعده فضلا وكرما، إنما العار أن تعد خيرا ثم لا تفي به. قال: ومعروف ذلك في كلام العرب؟ قال: نعم. قال: أين هو؟ قال أبو عمرو: قال الشاعر (٤):\nلا يرهب ابن العُمْرِ ما عشت صولة ... ولا أختفي من صولة المتهدد\nوإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (٥)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٩ - ٨٢٠/ ١٣٨٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٢٥/١٣٩٤).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٢٠/١٣٨٤).\n(٤) البيتان لعامر بن الطفيل. انظر المعجم المفصل لشواهد اللغة العربية (٢/ ٤١٤).\n(٥) الإبانة (٢/ ١١/٣٠١ - ٣٠٢/ ١٩٦٦).","vol":"2","page":293},{"text":"\" التعليق:\nقال كاتبه: ومواقف السلف من عمرو بن عبيد أخزاه الله تترى وكثيرة وما ذكرناه منها فهو قُلٌّ من جُلّ.\n\nعبد الله بن حسن بن حسن بن علي (١) (١٤٥ هـ)\nعبد الله بن حسن بن حسن بن علي، أبو محمد المدني، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي. روى عن الأعرج وعكرمة مولى ابن عباس، وعمه إبراهيم ابن محمد بن طلحة. حدث عنه سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وإسماعيل ابن عبد الرحمن السدي. قال عنه محمد بن عمر: كان من العباد، وكان له شرف، وعارضة، وهيبة، ولسان شديد. وقال محمد بن سلام الجمحي عنه: كان ذا منزلة من عمر بن عبد العزيز في خلافته.\nتوفي سنة خمس وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن عبد الله بن إسحاق الجعفري قال: وكان عبد الله بن الحسن يعني: ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ يكثر الجلوس إلى ربيعة، فتذاكروا يوما، فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل على هذا. فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام، أفهم الحجة على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء. (٢)\n_________\n(١) تهذيب الكمال (١٤/ ٤١٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ١٨٦) والجرح والتعديل (٥/ ٣٣) وثقات ابن حبان (٧/ ١).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٠ - ٣٨٤) والاعتصام (١/ ٤٦٠ - ٤٦١) والباعث (ص.٥٠).","vol":"2","page":294},{"text":"- عن الأصمعي قال: حدثنا سفيان قال: قال عبد الله بن الحسن: المراء يفسد الصداقة القديمة ويحل العقدة الوثيقة وأقل ما فيه أن تكون المغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة. (١)\n- عن سفيان قال: قيل لعبد الله بن حسن: ما لك لا تماري إذا جلست؟ فقال: ما تصنع بأمر إن بالغت فيه أثمت وإن قصرت فيه خصمت. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>موقفه من المشركين:</span>\nروى سعيد بن منصور في سننه أن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ابن أبي طالب رأى رجلا يكثر الاختلاف إلى قبر النبي - ﷺ - قال له: يا هذا إن رسول الله - ﷺ - قال: لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني (٣) فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن أبي خالد -يعني الأحمر- قال: سئل عبد الله بن الحسن عن أبي بكر وعمر فقال: صلى الله عليهما ولا صلى على من لا يصلي عليهما. (٥)\n- وفيه: عن السدي قال: قال لي عبد الله بن حسن يا سدي أخبرنا عن شيعتنا قبلكم بالكوفة قال: قلت إن قوما ينتحلون حبكم يزعمون أن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٠ - ٥٣١/ ٦٥٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٣١/ ٦٥٦).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف علي بن الحسين سنة (٩٣هـ) من حديث علي بن أبي طالب.\n(٤) نقلا عن مجموع الفتاوى (١/ ٢٣٨).\n(٥) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٨١/٢٤٧٠).","vol":"2","page":295},{"text":"الأرواح تتناسخ فقال لي: يا سدي كذب هؤلاء ليس هؤلاء منا ولا نحن منهم قال: قلت إن عندنا قوما ينتحلونكم يزعمون أن العلم يكتب في قلوبكم. فقال: يا سدي ليس هؤلاء منا ولا نحن منهم يا سدي من أتى منا الفقهاء وجالسهم كان عالما ومن لم يأتهم منهم كان جاهلا. (١)\n- وفي الميزان: عن سليمان بن قرم قال: قلت لعبد الله بن الحسن: أفي أهل قبلتنا كفار؟ قال: نعم، الرافضة. (٢)\n\nعمر بن محمد بن عبد الله العمري (٣) (١٤٥ هـ)\nعمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، نزيل عسقلان. روى عن إسماعيل بن رافع المدني وحفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب وزيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، وروى عنه سفيان الثوري وشعبة ويزيد بن زريع وغيرهم.\nقال سفيان الثوري: لم يكن في آل ابن عمر أفضل من عمر بن محمد ابن زيد العسقلاني. وقال يحيى بن حكيم المقوم عن أبي عاصم النبيل: كان من أفضل أهل زمانه، كان أكثر مقامه بالشام، قدم بغداد، فانجفل الناس إليه، وقالوا: ابن عمر بن الخطاب، ثم قدم الكوفة فأخذوا عنه وكان له قدر وجلالة. قال الذهبي: مات سنة خمسين ومائة، وقال ابن حجر: بل قتل في\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٨٤ - ١٤٨٥/ ٢٦٩٣).\n(٢) الميزان (٢/ ٢١٩).\n(٣) الجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسراني (١/ ٣٤٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٤١ - ١٦٠/ص.٢٢٩ - ٢٣٠) وميزان الاعتدال (٣/ ٢٢٠ - ٢٢١) وتهذيب الكمال (٢١/ ٤٩٩ - ٥٠٣) وتهذيب التهذيب (٧/ ٤٩٥ - ٤٩٦).","vol":"2","page":296},{"text":"السنة التي خرج فيها (أي سنة خمس وأربعين ومائة للهجرة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>موقفه من القدرية:</span>\nعن يزيد بن زريع قال: قلت لعمر بن محمد العمري: رجل يثبت القدر ويعلم من قلبه أنه مؤمن ولا يتكلم فيه أحب أو رجل مؤمن يتكلم فيه؟ قال: لا والله حتى يبين لهم ضلالتهم. (١)\n\nمحمد بن عبد الله (٢) (١٤٥ هـ)\nمحمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي الهاشمي الأمير المدني. حدث عن نافع وأبي الزناد. وعنه عبد الله بن جعفر المخرمي وعبد العزيز الدراوردي وعبد الله بن نافع الصائغ. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وهو الذي خرج على أبي جعفر المنصور فبعث إليه عيسى بن موسى فقتله، في النصف من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة بالمدينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>موقفه من الرافضة:</span>\nعن حبيب الأسدي عن محمد عن عبد الله بن الحسن قال: أتاه قوم من الكوفة والجزيرة فسألوه عن أبي بكر وعمر فالتفت إلي فقال: انظر إلى هؤلاء\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٤/١٢٦٥).\n(٢) تهذيب الكمال (٢٥/ ٤٦٥ - ٤٧١) والسير (٦/ ٢١٠ - ٢١٨) وتهذيب التهذيب (٩/ ٢٥٢) وميزان الاعتدال (٣/ ٥٩١) والوافي بالوفيات (٣/ ٢٩٧ - ٣٠٠) وشذرات الذهب (١/ ٢١٣ - ٢١٥).","vol":"2","page":297},{"text":"يسئلوني عن أبي بكر وعمر، لهما عندي أفضل من علي. (١)\n\nمحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان (٢) (١٤٥ هـ)\nأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عمرو ابن أمير المؤمنين عثمان، العثماني المدني الملقب بالديباج لحسنه. وهو سبط الحسين ﵁. روى عن أبيه وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي، وأبي الزناد، ونافع مولى ابن عمر، وخارجة بن زيد بن ثابت، وغيرهم. وروى عنه: أبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وأسامة ابن زيد الليثي، والدراوردي، ويوسف ابن الماجشون، وطائفة. قال الزبير بن بكار: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن أبي السائب، قال: احتجت إلى لقحة، فكتبت إلى محمد بن عبد الله بن عمرو أسأله. فبعث إلي تسعة عشرة لقحة مع عبد، وكتب معها: هي بدن وهو حر إن رجع بشيء من ذلك في مالي أبدا. قال: فبِعْتُ منهن بثلاث مائة دينار سوى ما احتبست لحاجتي. قال أخوه لأمه عبد الله بن الحسن بن الحسن: لما ولد محمد أبغضته بغضا ما أبغضته أحدا قط، فلما كبر وبرني أحببته حبا ما أحببته أحدا قط. وكان جوادا سخيا ذا مروءة وسؤدد وحشمة. قتله المنصور سنة خمس وأربعين ومائة ليلة جاءه خروج محمد بن عبد الله بن حسن.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٥٤/٢٦٢٧).\n(٢) التاريخ الكبير (١/ ١٣٨ - ١٣٩) وتاريخ بغداد (٥/ ٣٨٥ - ٣٨٨) وتهذيب الكمال (٢٥/ ٥١٦ - ٥٢٣) وتهذيب التهذيب (٩/ ٢٦٨ - ٢٦٩) والسير (٦/ ٢٢٤ - ٢٢٥) وميزان الاعتدال (٣/ ٥٩٣).","vol":"2","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: لا يصلح قول إلا بعمل. (١)\n- عن يحيى بن سليم قال: سألت سفيان الثوري عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل وسألت ابن جريج، فقال: قول وعمل وسألت محمد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان، فقال: قول وعمل وسألت نافع بن عمر الجمحي، فقال: قول وعمل وسألت مالك بن أنس فقال: قول وعمل وسألت فضيل ابن عياض فقال: قول وعمل وسألت سفيان بن عيينة، فقال: قول وعمل. (٢)\n\nالحسن بن الحسن بن الحسن بن علي (٣) (١٤٥ هـ)\nالحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني، أخو عبد الله وإبراهيم. أمهم فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب. روى عن أبيه حسن بن حسن وأمه فاطمة. وروى عنه فضيل بن مرزوق وعمر بن شبيب المسلي وعبيد بن الوسيم الجمال. ذكره ابن حبان في الثقات. توفي ﵀ بالهاشمية سنة خمس وأربعين ومائة، في حبس أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور.\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٩٦).\n(٢) الشريعة (١/ ٢٨٨/٢٨٢) وأصول الاعتقاد (٤/ ٩٣٠/١٥٨٤) والمعرفة والتاريخ للفسوي (٣/ ٤٩٨).\n(٣) تهذيب الكمال (٦/ ٨٤ - ٨٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٤١ - ١٦٠/ص.١٠٧) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣) والوافي بالوفيات (١١/ ٤١٨ - ٤١٩).","vol":"2","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في الشريعة: عن فضيل بن مرزوق قال: سمعت حسن بن حسن ﵄ يقول لرجل من الرافضة: والله لئن أمكن الله منكم لتقطعن أيديكم وأرجلكم ولا يقبل منكم توبة. وقال: وسمعته يقول: مرقت علينا الرافضة كما مرقت الحرورية على علي ﵁. (١)\n- وفي تهذيب الكمال عن شبابة بن سوار: حدثنا الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن وهو يقول لرجل ممن يغلو فيهم: ويحكم أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا. قال: فقال له الرجل: إنكم ذو قرابة رسول الله - ﷺ -، وأهل بيته، فقال: ويحكم لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله - ﷺ -، بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا، أباه وأمه، والله إني لأخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين. والله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين. قال: ثم قال: لقد أساء بنا آباؤنا وأمهاتنا إن كان ما يقولون (٢) من دين الله ثم لم يخبرونا به. ولم يطلعونا عليه، ولم يرغبونا فيه، فنحن والله كنا أقرب منهم قرابة منكم، وأوجب عليهم حقا، وأحق بأن يرغبونا فيه منكم، ولو كان الأمر كما تقولون: إن الله ورسوله اختار عليا لهذا الأمر، وللقيام على الناس بعده، إن كان علي لأعظم الناس في ذلك خطيئة وجرما إذ ترك أمر رسول الله - ﷺ -، أن يقوم فيه كما أمره، أو تعذر فيه إلى الناس، قال: فقال له\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٤٦٢/١٩٢٣).\n(٢) في الطبقات: ما تقولون.","vol":"2","page":300},{"text":"الرافضي: ألم يقل رسول الله - ﷺ - لعلي: \"من كنت مولاه فعلي مولاه؟ \" (١) قال: أما والله، أن لو يعني رسول الله - ﷺ - بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس لأفصح لهم بذلك، كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت، ولقال لهم: أيها الناس إن هذا ولي أمركم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، فما كان من وراء هذا شيء، فإن أنصح الناس كان للمسلمين رسول الله - ﷺ -. (٢)\n- جاء في السير: وروى فضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن يقول: دخل علي المغيرة بن سعيد يعني الذي أحرق في الزندقة، فذكر من قرابتي وشبهي برسول الله - ﷺ - وكنت أشبه وأنا شاب برسول الله - ﷺ - ثم لعن أبا بكر وعمر، فقلت يا عدو الله أعندي؟ ثم خنقته -والله- حتى دلع لسانه. (٣)\n- وفيها: وقيل: كانت شيعة العراق يمنون الحسن الإمارة مع أنه كان يبغضهم ديانة. (٤)\n- وقال فضيل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: والله إن قتلك لقربة إلى الله، وما أمتنع من ذلك إلا بالجواز، وفي رواية قال: رحمك الله، قذفت، إنما تقول هذا تمزح، قال: لا، والله ما هو\n_________\n(١) أحمد (١/ ١١٨) والترمذي (٥/ ٥٩١/٣٧١٣) والنسائي في الكبرى (٥/ ١٣٤/٨٤٧٨) وصححه ابن حبان (١٥/ ٣٧٥ - ٣٧٦/ ٦٩٣١).\n(٢) تهذيب الكمال (٦/ ٨٦ - ٨٧) وطبقات ابن سعد (٥/ ٣١٩ - ٣٢٠) وأصول الاعتقاد (٨/ ١٤٨٣ - ١٤٨٤/ ٢٦٩٠ مختصرا) ..\n(٣) السير (٤/ ٤٨٦).\n(٤) السير (٤/ ٤٨٧).","vol":"2","page":301},{"text":"بالمزاح ولكنه الجد، قال: وسمعته يقول: لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم. (١)\n\nفُضَيْل بن غَزْوَان (٢) (بضع وأربعون ومائة)\nابن جرير الإمام المحدث الثقة، أبو محمد الضبي الكوفي. حدث عن أبي حازم الأشجعي وأبي زرعة البجلي وعكرمة وسالم بن عبد الله وجماعة. وحدث عنه ابنه محمد بن فضيل وجرير بن عبد الحميد وعبد الله بن المبارك وإسحاق الأزرق وعدة. وثقه أحمد بن حنبل وغيره.\nتوفي ﵀ سنة بضع وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>موقفه من الرافضة:</span>\nقال يحيى الحماني: سمعت فضيلا أو حدثت عنه، قال: ضربت ابني البارحة إلى الصباح أن يترحم على عثمان ﵁، فأبى علي. (٣)\n\nعمرو بن قيس الملائي (٤) (١٤٦ هـ)\nعمرو بن قيس المُلاَّئِي أبو عبد الله الكوفي البزاز الحافظ من أولياء\n_________\n(١) الصارم (٥٧٢) والسير (٤/ ٤٨٦) وأصول الاعتقاد (٨/ ١٥٤٣/٢٨٠٤).\n(٢) السير (٦/ ٢٠٣) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٣٠١ - ٣٠٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٤١ - ١٦٠/ ص.٢٥٢) وتهذيب التهذيب (٨/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(٣) السير (٩/ ١٧٤).\n(٤) الجرح والتعديل (٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥) ومشاهير علماء الأمصار (١٥٧) وحلية الأولياء (٥/ ١٠٠ - ١٠٨) والسير (٦/ ٢٥٠ - ٢٥١) وتهذيب الكمال (٢٢/ ٢٠٠ - ٢٠٣) وميزان الاعتدال (٣/ ٢٨٤) والتقريب (١/ ٧٤٤).","vol":"2","page":302},{"text":"الله. حدث عن الحكم بن عتيبة والمنهال بن عمرو وأبي إسحاق السبيعي والأعمش وعكرمة وآخرين. وعنه الثوري وأسباط بن محمد القرشي وأبو خالد الأحمر وعمر بن شبيب ومصعب بن سلام وطائفة.\nقال ابن عدي: كان من ثقات أهل العلم وأفاضلهم. وقال ابن حجر: ثقة متقن عابد. من أقواله ﵀: إذا شغلت بنفسك ذهلت عن الناس وإذا شغلت بالناس ذهلت عن ذات نفسك. ومنها ثلاث من رؤوس التواضع: أن تبدأ بالسلام على من لقيت، وأن ترضى بالمجلس الدون من الشرف، وأن لا تحب الرياء والسمعة والمدحة في عمل الله.\nتوفي ﵀ سنة ست وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة بالسند إليه قال: كان يقال: لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك. (١)\n- وفيها عنه: إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، فإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه، فإن الشاب على أول نشوئه. (٢)\n- وفيها أيضا عنه قال: إن الشاب لينشأ فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم وإن مال إلى غيرهم كاد يعطب. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٣٦/ ٣٦٦).\n(٢) الإبانة (١/ ١/٢٠٥ - ٢٠٦/ ٤٤).\n(٣) الإبانة (١/ ١/٢٠٦/ ٤٥).","vol":"2","page":303},{"text":"\" التعليق:\nقال ابن بطة ﵀: فانظروا رحمكم الله من تصحبون وإلى من تجلسون، واعرفوا كل إنسان بخدنه وكل أحد بصاحبه، أعاذنا الله وإياكم من صحبة المفتونين ولا جعلنا وإياكم من إخوان العابثين ولا من أقران الشياطين، وأستوهب الله لي ولكم عصمة من الضلال وعافية من قبيح الفعال.\n- وفيها عنه أنه قال: لا تجالسوا أصحاب الأهواء فإنهم يمرضون القلوب. (١)\n\nإسماعيل بن أبي خالد (٢) (١٤٦ هـ)\nالحافظ، الإمام الكبير، أبو عبد الله البجلي. حدث عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي جحيفة وهب السوائي، وعمرو بن حريث المخزومي ولهم صحبة. وروى عنه الحكم بن عتيبة، والثوري، ووكيع.\nوقال أبو إسحاق عن الشعبي: إسماعيل بن أبي خالد يحسو العلم حسوا. وقال عنه محمد بن عبد الله ابن عمار الموصلي: حجة، إذا لم يكن إسماعيل حجة، فمن يكون حجة؟ قال الذهبي عنه: أجمعوا على إتقانه، والاحتجاج به، ولم ينبز بتشيع ولا بدعة ولله الحمد. وقال القطان: كان سفيان به معجبا.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٣٨/ ٣٧٢).\n(٢) السير (٦/ ١٧٦) وتهذيب الكمال (٣/ ٦٩) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٤٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٩١).","vol":"2","page":304},{"text":"توفي ﵀ سنة ست وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>موقفه من المرجئة:</span>\nتقدم معنا في مواقف منصور بن المعتمر (ت ١٣٢هـ) أن إسماعيل بن أبي خالد كان من جملة أهل العلم الذين يقولون بالاستثناء ويعيبون على من لا يستثني.\n\nعوف بن أبي جميلة (١) (١٤٦ هـ)\nعوف بن أبي جميلة العبدي أبو سهل الأعرابي، لم يكن أعرابيا وإنما شهر به، عداده في صغار التابعين، وما عنده شيء عن أحد له صحبة. روى عن أبي العالية والعطاردي وزرارة بن أبي أوفى وابن سيرين وخلق. وحدث عنه شعبة وابن المبارك وغندر وروح والنضر بن شميل وطائفة آخرهم عثمان ابن الهيثم.\nكان يدعى عوفا الصدوق، وثقه غير واحد، فهو ثقة مكثر. قلت: تكلم فيه غير واحد من أئمة السلف لتلبسه ببدعتي القدر والرفض.\nتوفي سنة ست وأربعين بعد المائة الأولى للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>موقفه من الجهمية:</span>\nعن معاذ بن معاذ قال: قلت لعوف بن أبي جميلة: إن عمرو بن عبيد\n_________\n(١) الطبقات (٧/ ٢٥٨) وتهذيب الكمال (٢٢/ ٤٣٧ - ٤٤١) والسير (٦/ ٣٨٣ - ٣٨٤) وشذرات الذهب (١/ ٢١٧).","vol":"2","page":305},{"text":"حدثنا عن الحسن، أن رسول الله - ﷺ - قال: من حمل علينا السلاح فليس منا (١) قال: كذب والله عمرو. ولكنه أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث. (٢)\nقال النووي: وقوله: أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث، معناه كذب بهذه الرواية ليعضد بها مذهبه الباطل الرديء، وهو الاعتزال، فإنهم يزعمون أن ارتكاب المعاصي يخرج صاحبه عن الإيمان ويخلده في النار، ولا يسمونه كافرا بل فاسقا مخلدا في النار. (٣)\n\nالعَوَّام بن حَوْشَب (٤) (١٤٨ هـ)\nالمحدث أبو عيسى الربعي الواسطي. حدث عن إبراهيم النخعي، ومجاهد، وعمرو بن مرة. وروى عنه شعبة، وهشيم، ويزيد بن هارون.\nذكره أحمد وقال: ثقة ثقة. وقال يزيد بن هارون: كان صاحب أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة صاحب سنة، ثبت، صالح.\nتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة.\n_________\n(١) أخرجه من حديث ابن عمر: أحمد (٢/ ٣،٥٣،١٤٢) والبخاري (١٣/ ٢٩/٧٠٧٠) ومسلم (١/ ٩٨/٩٨) والنسائي (٧/ ١٣٤/٤١١١) وابن ماجه (٢/ ٨٦٠/٢٥٧٦). وله شاهد من حديث أبي موسى أخرجه: البخاري (١٣/ ٢٩/٧٠٧١) ومسلم (١/ ٩٨/١٠٠) والترمذي (٤/ ٤٩/١٤٥٩) وابن ماجه (٢/ ٨٦٠/٢٥٧٧)، وفي الباب عن أبي هريرة وسلمة بن الأكوع وغيرهما.\n(٢) مقدمة مسلم (١/ ٢٢).\n(٣) شرح النووي على مسلم (١/ ٩٩).\n(٤) السير (٦/ ٣٥٤) وتهذيب الكمال (٢٢/ ٤٢٧) وتهذيب التهذيب (٨/ ١٦٤) والجرح والتعديل (٧/ ٢٢).","vol":"2","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن العوام بن حوشب: أنه كان يقول لابنه: يا عيسى، أصلح الله قلبك، وأقل مالك.\n- وكان يقول: والله، لأن أرى عيسى يجالس أصحاب البرابط والأشربة والباطل أحب إلي من أن أراه يجالس أصحاب الخصومات. قال ابن وضاح: يعني أهل البدع. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>موقفه من الرافضة:</span>\nعن العوام بن حوشب قال: اذكروا محاسن أصحاب محمد - ﷺ - تأتلف عليه قلوبكم ولا تذكروا غيره فتحرشوا الناس عليهم. (٢)\n\nليث بن أبي سليم (٣) (١٤٨ هـ)\nليث بن أبي سُلَيْم بن زُنَيْم، محدث الكوفة وأحد علمائها الأعيان. حدث عن: عطاء ومجاهد، ونافع مولى ابن عمر، وروى عنه الثوري، والفضيل بن عياض، وأبو عوانة.\nقال الفضيل بن عياض: كان ليث بن أبي سليم أعلم أهل الكوفة بالمناسك. قال عنه الدارقطني: صاحب سنة يخرج حديثه. وقال عنه الذهبي: حديثه لا يبلغ مرتبة الحسن.\n_________\n(١) ابن وضاح (ص.١٠٧/ ١٣٣) وهو في الاعتصام (١/ ١١٤).\n(٢) الشريعة (٣/ ٥٤٠/٢٠٣٥) والسنة للخلال (٣/ ٥١٢ - ٥١٣).\n(٣) السير (٦/ ١٧٩) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٤٩) وتهذيب الكمال (٢٤/ ٢٧٩) وتهذيب التهذيب (٨/ ٤٦٥ - ٤٦٨).","vol":"2","page":307},{"text":"توفي سنة ثمان وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>موقفه من الرافضة:</span>\nروى اللالكائي بسنده إلى ليث بن أبي سليم قال: أدركت الشيعة الأولى ما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا. (١)\n\nمحمد بن أبي ليلى (٢) (١٤٨ هـ)\nمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عبد الرحمن العلامة الإمام مفتي الكوفة وقاضيها. روى عن أخيه عيسى وعن الشعبي ونافع العمري والمنهال ابن عمرو وغيرهم. روى عنه: شعبة وسفيان بن عيينة والثوري وآخرون. كان فيما يحفظ كتاب الله، تلا على أخيه عيسى. وعرض على الشعبي عن تلاوته على علقمة. وكان نظيرا للإمام أبي حنيفة في الفقه.\nقال الإمام أحمد: وكان فقهه أحب إلينا من حديثه. ذكر زائدةُ ابنَ أبي ليلى فقال: كان أفقه أهل الدنيا. قال العجلي: كان فقيها صاحب سنة صدوقا جائز الحديث، وكان قارئا للقرآن عالما به قرأ عليه حمزة الزيات فكان يقول: إنا تعلمنا جودة القراءة عند ابن أبي ليلى، وكان من أحسب الناس ومن أنقط الناس للمصحف وأخطه بقلم وكان جميلا نبيلا. قال\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٨١/٢٤٧١) والسير (٦/ ١٨٢) والمنهاج (٦/ ١٣٦).\n(٢) السير (٦/ ٣١٠ - ٣١٦) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٥٨) ووفيات الأعيان (٤/ ١٧٩ - ١٨١) وتهذيب الكمال (٢٥/ ٦٢٢ - ٦٢٧) والوافي بالوفيات (٣/ ٢٢١ - ٢٢٣) وتهذيب التهذيب (٩/ ٣٠١ - ٣٠٣) وميزان الاعتدال (٣/ ٦١٣ - ٦١٦) وشذرات الذهب (١/ ٢٢٤).","vol":"2","page":308},{"text":"القاضي أبو يوسف: ما ولي القضاء أحد أفقه في دين الله ولا أقرأ لكتاب الله ولا أقول حقا بالله ولا أعف عن الأموال من ابن أبي ليلى. قال الثوري: فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شبرمة.\nمات سنة ثمان وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>موقفه من الجهمية:</span>\n- روى اللالكائي في أصول الاعتقاد بسنده إلى محمد بن عمران بن محمد بن أبي ليلى قال: حدثني أبي قال: لما قدم ذلك الرجل إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى شهد عليه ابن أبي سليمان وغيره أنه قال: القرآن مخلوق. وشهد عليه قوم مثل قول حماد بن أبي سليمان. فحدثني خالد بن نافع قال: كتب ابن أبي ليلى إلى جعفر -وهو بالمدينة- بما قاله ذلك الرجل وشهادته عليه وإقراره. فكتب إليه أبو جعفر: إن هو رجع وإلا فاضرب رقبته وأحرقه بالنار، فتاب ورجع عن قوله في القرآن. (١)\n- وله أيضا: عن محمد بن عمران بن أبي ليلى قال: حدثني وكيع قال: لما كان من أمر الرجل ما كان قال له ابن أبي ليلى: من خلقك؟ قال الله. قال: فمن خلق منطقك؟ قال: الله. قال: خصمت. قال: صدقت، فإيش تقول؟ فإني أتوب إلى الله. قال: فبعث معه ابن أبي ليلى أمينين فيوقفاه إلى حلقة من حلق المسجد يقولان لهم: إنه قال: إن القرآن مخلوق، فقد تاب ورجع فإن سمعتموه يقول شيئا فارفعوا ذلك إلي. قال: وأمر موسى بن عيسى حرسيا فقال: لا تدعنه يفتي في المسجد. قال: فكان إذا صلى قال الحرسي:\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣/ ٤٠٨).","vol":"2","page":309},{"text":"قم إلى منزلك فيقول له: دعني أسبح. فيقول: ولا كلمة. قال: فلا يتركه حتى يقيمه. فلما قدم محمد بن سليمان جمع جماعة فكلمه فأذن له وجلس في المسجد. (١)\n\nسليمان بن مهران الأعمش (٢) (١٤٨ هـ)\nسليمان بن مِهْرَان الإمام شيخ الإسلام، شيخ المقرئين والمحدثين أبو محمد الأسدي الكاهلي مولاهم الكوفي الحافظ. رأى أنس بن مالك وحكى عنه وروى عنه. روى عن أبان بن أبي عياش وإبراهيم النخعي وأبي صالح السمان وطائفة. روى عنه السفيانان وجرير بن عبد الحميد وحفص بن غياث وشعبة ومحمد بن فضيل وأبو معاوية الضرير وعبد الله بن نمير وآخرون.\nقال ابن عيينة: كان الأعمش أقرأهم لكتاب الله وأحفظهم للحديث وأعلمهم بالفرائض. وكان يحيى القطان إذا ذكر الأعمش قال: كان من النساك، وكان محافظا على الصلاة في جماعة، وعلى الصف الأول. قال يحيى: وهو علامة الإسلام. وقال أبو حفص الفلاس: كان يسمى المصحف من صدقه. وقال الخريبي: ما خلف الأعمش أعبد منه، وكان ﵁ صاحب سنة.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٣/٤٠٩).\n(٢) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٤٢ - ٣٤٤) وتاريخ خليفة (٢٣٢و٤٢٤) والجرح والتعديل (٤/ ١٤٦ - ١٤٧) ومشاهير علماء الأمصار (١١١) وحلية الأولياء (٥/ ٤٦ - ٦٠) والسير (٦/ ٢٢٦ - ٢٤٨) وتاريخ بغداد (٩/ ٣ - ١٣) وتهذيب الكمال (١٢/ ٧٦ - ٩١) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٠٠ - ٤٠٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٥٤) وميزان الاعتدال (٢/ ٢٢٤).","vol":"2","page":310},{"text":"توفي في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الخطيب في شرف أصحاب الحديث عن الأعمش أنه قال: إذا رأيت الشيخ لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث فاصفع له، فإنه من شيوخ القمر. قال أبو صالح: قلت لأبي جعفر: ما شيوخ القمر؟ قال شيوخ دهريون يجتمعون في ليالي القمر يتذاكرون أيام الناس ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ للصلاة. (١)\n\" التعليق:\nوهذا شأن المبتدعة يجتمعون على مناقب شيوخهم وترهاتهم، أو يستغرقون العمر في حفظ أشياء ودراستها لا علاقة لها بالكتاب والسنة.\n\n- قال الأعمش: إنما مثل أصحاب هذا الرأي مثل رجل خرج بليل فرأى سوادا فظن أنها تمرة فإن أخطأه يكون عقربا أو يكون جرو كلب. (٢)\n\" التعليق:\nقال ابن بطة عقبه: الله الله إخواني يا أهل القرآن ويا حملة الحديث لا تنظروا فيما لا سبيل لعقولكم إليه، ولا تسألوا عما لم يتقدمكم السلف الصالح من علمائكم إليه، ولا تكلفوا أنفسكم ما لا قوة بأبدانكم الضعيفة ولا تنقروا ولا تبحثوا عن مصون الغيب ومكنون العلوم، فإن الله جعل\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (ص.٦٧ - ٦٨) والمحدث الفاصل (ص.٣٠٦).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٤٢٣/ ٣٥٠).","vol":"2","page":311},{"text":"للعقول غاية تنتهي إليها، ونهاية تقصر عندها، فما نطق به الكتاب وجاء به الأثر فقولوه، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه، ولا تحيطوا الأمور بحيط العشوا حنادس الظلماء بلا دليل هاد ولا ناقد بصير، أتراكم أرجح أحلاما وأوفر عقولا من الملائكة المقربين حين قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١).\nإخواني: فمن كان بالله مؤمنا فليردد إلى الله العلم بغيوبه، وليجعل الحكم إليه في أمره، فيسلك العافية ويأخذ بالمندوحة الواسعة، ويلزم المحجة الواضحة والجادة السابلة والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به، والمخالفة إلى ما نهي عنه، يقع والله في بحور المنازعة وأمواج المجادلة، ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه والمخالفة لأمره والتعدي لحدوده، والعجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين فإذا هو خصيم مبين كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه أما تعلمون أن الله قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلا الحق فسبحان الله أنى تؤفكون.\n\n- عن الأعمش قال: كانوا لا يسألون عن الرجل بعد ثلاث: ممشاه ومدخله وإلفه من الناس. (٢)\n_________\n(١) البقرة الآية (٣٢).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٢/ ٤١٩).","vol":"2","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>موقفه من المشركين:</span>\n- عن أبي معاوية قال: سمعت الأعمش يقول: أدركت الناس وما يسمونهم إلا الكذابين، يعنى أصحاب المغيرة بن سعيد.\n- قال الأعمش: ولا عليكم ألا تذكروا هذا، فإني لا آمنهم أن يقولوا: إنا أصبنا الأعمش مع امرأة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>موقفه من الرافضة:</span>\n- روى الآجري بسنده إلى الأعمش قال: بلغني أن رجلا أحدث على قبر الحسين بن علي ﵄، فسلط الله ﵎ على أهل ذلك البيت الجنون، والجذام، والبرص، وكل داء وبلاء، قال أبو معمر: وأهل ذلك كانوا.\nقال محمد بن الحسين الآجري -﵀-: على من قتل الحسين بن علي ﵄ لعنة الله، ولعنة اللاعنين، وعلى من أعان على قتله، وعلى من سب علي بن أبي طالب، وسب الحسن والحسين، أو آذى فاطمة في ولدها، أو آذى أهل بيت رسول الله - ﷺ -، فعليه لعنة الله وغضبه، لا أقام الله الكريم له وزنا، ولا نالته شفاعة محمد - ﷺ -. (٢)\n- وروى الخلال في السنة بسنده إلى أبي هريرة المكتب حباب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في\n_________\n(١) المنهاج (١/ ٦٠ - ٦١).\n(٢) الشريعة (٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧/ ١٧٣٥).","vol":"2","page":313},{"text":"عدله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>موقفه من الجهمية:</span>\nروى اللالكائي بسنده إلى محمد بن أحمد بن عمرو بن عيسى قال سمعت أبي يقول: ما رأيت مجلسا يجتمع فيه من المشايخ أنبل من مشايخ اجتمعوا في مسجد جامع الكوفة في وقت الامتحان فقرئ عليهم الكتاب الذي فيه المحنة فقال أبو نعيم: أدركت ثمانمائة شيخ ونيفا وسبعين شيخا -منهم الأعمش فمن دونه- فما رأيت خلقا يقول بهذه المقالة -يعني بخلق القرآن- ولا تكلم أحد بهذه المقالة إلا رمي بالزندقة، فقام أحمد بن يونس فقبل رأس أبي نعيم وقال: جزاك الله عن الإسلام خيرا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>موقفه من الخوارج:</span>\nقال ﵀: جالست إياس بن معاوية فحدثني بحديث، قلت: من يذكر هذا؟ فضرب لي مثل رجل من الحرورية، فقلت: إلي تضرب هذا المثل؟ تريد أن أكنس الطريق بثوبي، فلا أدع بعرة ولا خنفساءة إلا حملتها. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>موقفه من المرجئة:</span>\nتقدم معنا في مواقف منصور بن المعتمر (ت ١٣٢هـ) أن سليمان الأعمش كان من جملة أهل العلم الذين يقولون بالاستثناء ويعيبون على من لا يستثني.\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٣٧) وفي المنهاج (٦/ ٢٣٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٠٥/٤٨١).\n(٣) المحدث الفاصل (٢٠٩) والكفاية (١٠٣).","vol":"2","page":314},{"text":"الزُّبَيْدِي (١) (١٤٨ هـ)\nمحمد بن الوليد بن عامر الإمام الحافظ الحجة القاضي أبو الهذيل الزبيدي الحمصي. روى عن الزهري ونافع وسعيد المقبري ومكحول الشامي وهشام بن عروة ويزيد بن شريح الحضرمي وعبد الرحمن بن جبير وطائفة. روى عنه محمد بن حرب الخولاني ويحيى بن حمزة الحضرمي والأوزاعي وإسماعيل بن عياش وبقية بن الوليد وآخرون.\nقال ابن سعد: كان الزبيدي أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث، وكان ثقة إن شاء الله. وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين، أقام مع الزهري عشر سنين حتى احتوى على أكثر علمه.\nتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى بقية قال: سألت الأوزاعي والزبيدي عن الجبر فقال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يقهر، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. (٢)\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٨/ ١١١ - ١١٢) والسير (٦/ ٢٨١ - ٢٨٤) ومشاهير علماء الأمصار (١٨٢) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٥٨٦ - ٥٩١) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٦٢ - ١٦٣) والوافي بالوفيات (٥/ ١٧٤) وشذرات الذهب (١/ ٢٢٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٥/١٣٠٠) ومجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٣).","vol":"2","page":315},{"text":"جعفر الصادق (١) (١٤٨ هـ)\nجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الإمام الصادق شيخ بني هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام. وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ولذلك كان يقول: ولدني أبو بكر مرتين. روى عن جده لأمه القاسم بن محمد وأبيه أبي جعفر محمد بن علي والزهري ومحمد بن المنكدر وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وآخرين. روى عنه السفيانان وشعبة والدراوردي ومالك بن أنس وحفص بن غياث وطائفة.\nعن أبي حنيفة قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد. وقال ابن معين: جعفر بن محمد ثقة مأمون.\nمن أقواله: الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين، فاتهموهم. وأيضا: الصلاة قربان كل تقي والحج جهاد كل ضعيف وزكاة البدن الصيام والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، واستنزلوا الرزق بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة وما عال من اقتصد، والتقدير نصف الرزق وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب بيده على فخذه عند مصيبة فقد حبط أجره، والصنيعة لا يكون\n_________\n(١) السير (٦/ ٢٥٥ - ٢٧٠) وتاريخ خليفة (٤٢٤) والجرح والتعديل (٢/ ٤٨٧) ومشاهير علماء الأمصار (١٢٧) وحلية الأولياء (٣/ ١٩٢ - ٢٠٦) ووفيات الأعيان (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨) وتهذيب الكمال (٥/ ٧٤ - ٩٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٦٦ - ١٦٧) وميزان الاعتدال (١/ ٤١٤ - ٤١٥) وشذرات الذهب (١/ ٢٢٠).","vol":"2","page":316},{"text":"صنيعة إلا عند ذي حسب أو دين، والله ينزل الصبر على قدر المصيبة وينزل الرزق على قدر المؤنة، ومن قدر معيشته رزقه الله، ومن بذر معيشته حرمه الله.\nتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد بالسند إليه قال: إياكم والخصومات في الدين، فإنها تشغل القلب وتورث النفاق. (١)\n- وجاء في الإبانة بالسند إليه قال: اتقوا جدال كل مفتون، فإن المفتون يلقن حجته. (٢)\n- قال ابن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن علي وسلمت عليه، وكنت له صديقا، ثم أقبلت على جعفر، وقلت: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق له فقه وعقل، فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه، ثم أقبل علي فقال: أهو النعمان؟ قال محمد بن يحيى الربعي: ولم أعرف اسمه إلا ذلك اليوم، فقال له أبو حنيفة: نعم أصلحك الله، فقال له جعفر: اتق الله، ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود لآدم، فقال: ﴿أَنَا خيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ثم قال له جعفر: هل تحسن أن تقيس رأسك من\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٥/٢١٩) والإبانة (٢/ ٣/٥٢٥ - ٥٢٦/ ٦٣٥) والسير (٦/ ٢٦٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٦ - ٥٢٧/ ٦٣٩).","vol":"2","page":317},{"text":"جسدك؟ فقال له: لا، وفي حديث ابن رزقويه: نعم، فقال له: أخبرني عن الملوحة في العينين، وعن المرارة في الأذنين، وعن الماء في المنخرين، وعن العذوبة في الشفتين، لأي شيء جعل ذلك؟، قال: لا أدري، قال له جعفر: إن الله تعالى، خلق العينين فجعلهما شحمتين، وجعل الملوحة فيهما مَنًّا منه على ابن آدم، ولولا ذلك لذابتا فذهبتا، وجعل المرارة في الأذنين منا منه عليه، ولولا ذلك لهجمت الدواب فأكلت دماغه، وجعل الماء في المنخرين ليصعد منه النفس، وينزل، وتجد من الريح الطيبة ومن الريح الرديئة، وجعل العذوبة في الشفتين ليعلم ابن آدم مطعمه ومشربه، ثم قال لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان؟ قال: لا أدري، فقال جعفر: لا إله إلا الله، فلو قال: لا إله ثم أمسك كان مشركا، فهذه كلمة أولها شرك وآخرها إيمان، ثم قال له: ويحك، أيها أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم الله أو الزنا؟ قال: لا، بل قتل النفس، قال له جعفر: إن الله قد رضي في قتل النفس بشاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيهما أعظم عند الله الصوم أم الصلاة؟ قال: لا، بل الصلاة قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ اتق الله يا عبد الله ولا تقس، فإنا نقف غدا نحن وأنت\nومن خالفنا بين يدي الله ﵎: فنقول: قال الله ﷿، وقال رسول الله - ﷺ -، وتقول أنت وأصحابك سمعنا ورأينا، فيفعل الله تعالى بنا وبكم ما يشاء. (١)\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٦٤ - ٤٦٦) وشرف أصحاب الحديث (ص.٧٦) مختصرا. وانظر إعلام الموقعين (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).","vol":"2","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-871>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء في ترجمة جعفر قال الذهبي: وكان يغضب من الرافضة ويمقتهم إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر ظاهرا وباطنا. هذا لا ريب فيه ولكن الرافضة قوم جهلة قد هوى بهم الهوى في الهاوية فبعدا لهم. (١)\n\" التعليق:\nهذا من أعلام أهل البيت، يكن الحب لأصحاب رسول الله - ﷺ -، ويغضب إذا سبوا، فما بال الروافض يخالفون أهل البيت في حب أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولكن هناك أغراض أخرى ليست الغيرة على أهل البيت، ولكن تحطيم الإسلام من أصله.\n\n- وجاء في السير: علي بن الجعد عن زهير بن معاوية قال: قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جارا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر. فقال جعفر: برئ الله من جارك. والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر. ولقد اشتكيت شكاية فأوصيت إلى خالي عبد الرحمن بن القاسم. (٢)\n- وفيها وفي الشريعة عن سالم بن أبي حفصة قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي، وجعفر بن محمد ﵃، عن أبي بكر وعمر ﵄؟ فقالا: يا سالم تولهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى.\n_________\n(١) السير (٦/ ٢٥٥).\n(٢) السير (٦/ ٢٥٨) والشريعة (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤/ ١٧٦٦).","vol":"2","page":319},{"text":"قال ابن الفضيل: قال سالم: قال لي جعفر بن محمد: يا سالم أيسب الرجل جده؟ أبو بكر ﵁ جدي، لا تنالني شفاعة محمد - ﷺ - إن لم أكن أتولاهما، وأبرأ من عدوهما. (١)\n- وفيها قال حفص بن غياث: سمعت جعفر بن محمد يقول: ما أرجو من شفاعة علي شيئا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله. لقد ولدني مرتين. (٢)\n- وفيها: عن عبد الجبار بن العباس الهمداني، أن جعفر بن محمد أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من المدينة، فقال: إنكم إن شاء الله من صالحي أهل مصركم، فأبلغوهم عني: من زعم أني إمام معصوم مفترض الطاعة، فأنا منه بريء، ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر، فأنا منه بريء. (٣)\n- وفيها: عنه أنه سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: إنك تسألني عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنة. (٤)\n- وفيها عن ابن السماك قال: خرجت إلى مكة، فلقيني زرارة بن أعين بالقادسية، فقال لي: إن لي إليك حاجة، وأرجو أن أبلغها بك، وعظمها، فقلت: ما هي؟ فقال: إذا لقيت جعفر بن محمد، فأقرئه مني السلام، وسله أن يخبرني من أهل الجنة أنا أم من أهل النار؟ فأنكرت عليه. فقال لي: إنه يعلم ذلك. فلم يزل بي حتى أجبته. فلما لقيت جعفر بن محمد، أخبرته بالذي كان\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٣٥٤/١٧٦٧) وأصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٦/٢٣٥٨) والسنة لعبد الله (٢٢٧) والسير (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩).\n(٢) السير (٦/ ٢٥٩).\n(٣) السير (٦/ ٢٥٩).\n(٤) السير (٦/ ٢٥٩).","vol":"2","page":320},{"text":"منه. فقال: هو من أهل النار، فوقع في نفسي شيء مما قال. فقلت: ومن أين علمت ذلك؟ فقال: من ادعى علي أني أعلم هذا، فهو من أهل النار. فلما رجعت، لقيني زرارة، فأعلمته بقوله. فقال: كال لك يا أبا عبد الله من جراب النورة، قلت: وما جراب النورة؟ قال: عمل معك بالتقية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله بن أحمد بالسند إلى معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لجعفر يعني ابن محمد: إنهم يسألوننا عن القرآن مخلوق هو؟ قال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. (٢)\n- وجاء في الإبانة: قال جعفر بن محمد: من قال: القرآن مخلوق، قتل ولم يستتب. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في جامع بيان العلم وفضله بالسند إلى جعفر بن محمد قال: الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس كلما ازداد نظرا ازداد حيرة. (٤)\n- وجاء في الإبانة: عن مسلمة بن سعيد عن أبيه؛ قال: قلت لجعفر بن محمد: يا ابن رسول الله - ﷺ -. إن لنا إماما قدريا صليت خلفه خمسين سنة؛\n_________\n(١) السير (١٥/ ٢٣٨ - ٢٣٩) الميزان (٢/ ٦٩ - ٧٠).\n(٢) السنة لعبد الله (٢٩) والإبانة (١/ ١٢/٢٨٥ - ٢٨٦/ ٥٢) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٦٨/٣٩٩) والشريعة (١/ ٢١٧/١٧٠) والسير (٦/ ٢٦٠) والمنهاج (٢/ ٢٤٥).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٢/٤٧/ ٢٤٠).\n(٤) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٥).","vol":"2","page":321},{"text":"قال: اذهب فأعد صلاة خمسين سنة. (١)\n- وفيها عن العطافي عن رجاله من الشيعة؛ قال: قلنا لجعفر بن محمد ﵀: إن المعتزلة تنافرنا نفارا شديدا؛ فقل لنا شيئا حتى نقاتلهم به، فقال: اكتبوا: إن الله ﷿ لا يطاع قهرا ولا يعصى قسرا، فإذا أراد الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت، فإذا عذب فبحق، وإن عفى فبفضل، قال أبو عمر: وسمعت أبا العباس ثعلبا يقول: قول الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلًّا ليعبدون﴾ (٢) هو خصوص وليس هو عموما، ولو كان عموما لما كفر به أحد. (٣)\n\nهشام بن حسان (٤) (١٤٨ هـ)\nهِشَام بن حَسَّان الإمام العالم الحافظ محدث البصرة أبو عبد الله الأزدي القردوسي. نزل في القراديس، وقيل هو من مواليهم، رأى أنس بن مالك ولم يرو عنه. حدث عن الحسن ومحمد بن سيرين وحفصة بنت سيرين وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وهشام بن عروة وحميد بن هلال وآخرين. حدث عنه عبد الأعلى بن عبد الأعلى والسفيانان والحمادان وشعبة وعيسى بن يونس\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٦٠/ ١٨٧٣).\n(٢) الذاريات الآية (٥٦).\n(٣) الإبانة (٢/ ١١/٣٢١ - ٣٢٢/ ٢٠٠٨).\n(٤) الجرح والتعديل (٩/ ٥٤ - ٥٦) والسير (٦/ ٣٥٥ - ٣٦٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٤١ - ١٦٠، ص.٣١٨ - ٣٢٠) وتهذيب الكمال (٣٠/ ١٨١ - ١٩٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٦٣ - ١٦٤) ومشاهير علماء الأمصار (١٥١) وميزان الاعتدال (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٨) وشذرات الذهب (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).","vol":"2","page":322},{"text":"وحفص بن غياث وعبد الله بن المبارك وخلق كثير.\nقال سفيان بن عيينة: كان أعلم الناس بحديث الحسن، وكان حماد بن سلمة لا يختار عليه أحدا في حديث ابن سيرين. وقال ابن حبان: وكان من العباد الخشن والبكائين بالليل. قال الذهبي: هشام قد قفز القنطرة واستقر توثيقه، واحتج به أصحاب الصحاح وله أوهام مغمورة في سعة ما روى.\nمات سنة ثمان وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الاعتصام أن هشام بن حسان قال: لا يقبل الله من صاحب بدعة صياما ولا صلاة، ولا حجا ولا جهادا ولا عمرة، ولا صدقة ولا عتقا، ولا صرفا ولا عدلا. (١)\n\nعبد الله بن يزيد بن هرمز (٢) (١٤٨ هـ)\nعبد الله بن يزيد بن هُرْمُز الأصم أبو بكر فقيه المدينة، أحد الأعلام، عداده في التابعين، وقلما روى، كان يتعبد ويتزهد، ولاؤه لبني ليث. روى عنه مالك وجالسه كثيرا. قال مالك: جلست إلى ابن هرمز ثلاث عشرة سنة. وقال مالك: لم يكن أحد بالمدينة له شرف إلا إذا حز به أمر رجع إلى ابن هرمز. قال ابن هرمز: إني لأحب للرجل أن لا يحوط رأي نفسه كما\n_________\n(١) ابن وضاح (ص.٦٨) وهو في الاعتصام (١/ ١١٣).\n(٢) السير (٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠) والوافي بالوفيات (١٧/ ٦٧٩) والجرح والتعديل (٥/ ١٩٩) ومشاهير علماء الأمصار (١٣٧).","vol":"2","page":323},{"text":"يحوط السنة.\nتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء: قال مالك: كنت أحب أن أقتدي به وكان قليل الفتيا، شديد التحفظ كثيرا ما يفتى الرجل ثم يبعث من يرده ثم يخبره بغير ما أفتاه. وكان بصيرا بالكلام يرد على أهل الأهواء، كان من أعلم الناس بذلك. بين مسألة لابن عجلان، فلما فهمها قام إليه ابن عجلان فقبل رأسه. (١)\n- ذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عنه قال: كان مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابن دينار وذووه لا يجيبهم، فتعرض له ابن دينار يوما فقال: يا أبا بكر لم تستحل مني ما لا يحل لك؟ فقال له: يا ابن أخي وما ذلك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما، وأسألك أنا وذوي فلا تجيبنا؟ فقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ قال: نعم، قال: إني قد كبرت سني ودق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا مني حقا قبلاه، وإن سمعا خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه.\nقال ابن حارث: هذا والله الدين الكامل، والعقل الراجح، لا كمن يأتي\n_________\n(١) السير (٦/ ٣٧٩) والفقيه والمتفقه (٢/ ٤٢٣).","vol":"2","page":324},{"text":"بالهذيان ويريد أن ينزل قوله من القلوب منزلة القرآن. (١)\n\" التعليق:\nقلت: انظر رحمك الله إلى فقه السلف وورعهم وخوفهم من الله ﵎، فهذا زمن أتباع التابعين الذين ما يزال العلم والحكمة بضاعتهم الرائجة، فيتحرى هذا الإمام ويميز الناس في علمهم وعقلهم، فيجيب هذا ويمتنع عن هذا مخافة أن يخطئ في جواب، فيؤخذ الخطأ صوابا ويحفظ ويسجل ويكتب، ويعتقد ويتعبد الله به، وتستحل به الدماء والفروج والأعراض.\nوأما أهل هذا الزمان، فلا علم ولا عقل ولا ميزان، ولا ابن هرمز ولا مالك ولا ابن الماجشون ولا ابن دينار، كل هذا قد اختفى وغاب مع زمانه، ولكن عندنا من الدجاجلة ومن الدِّعِّيين في العلم والمعرفة ما هو واضح لكل من استعمل مقارنة بين زماننا وبين ذلك الزمان الذي كان منهاجه الكتاب والسنة.\nوالناظر إلى ما يكتب للمسلمين يجده لا يتقيد بكتاب ولا بسنة وإنما هو رأي فلان، وفكر فلان، ومنامة فلان، وخضر فلان، وكل دجل وكذب يروج على هذه الأمة. وأما الخطب وما ينشر في كثير من الأشرطة المسموعة والمرئية فلا تسأل عن الكذب على الرسول - ﷺ - وعن الضلال العقدي الموجود فيها.\nوأما المناظرات والأحاديث في التجمعات الخاصة والعامة فلا تسأل عن\n_________\n(١) إعلام الموقعين (٢/ ١٩٦ - ١٩٨).","vol":"2","page":325},{"text":"مستواها في الضعف والانحطاط. وأما المروجون للباطل من شرك وخرافات وترهات فلا تسأل عن خفتهم وسفههم وسرعة ترويجهم لباطلهم، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>موقفه من القدرية:</span>\nروى الآجري بسنده عن أنس بن عياض قال: أرسل إلي عبد الله بن يزيد ابن هرمز. فقال: لقد أدركت وما بالمدينة أحد يتهم بالقدر إلا رجل من جهينة. يقال له: معبد الجهني، فعليكم بدين العواتق اللائي لا يعرفن إلا الله تعالى. (١)\n\nأبو حنيفة (٢) (١٥٠ هـ)\nالنعمان بن ثابت بن زَوْطى أبو حنيفة التيمي الكوفي مولى بني تيم الله ابن ثعلبة، الفقيه عالم العراق إمام أصحاب الرأي، أحد الأئمة المجتهدين، رأى أنس بن مالك. روى عن عطاء بن أبي رباح وعامر الشعبي وحماد بن أبي سليمان والزهري والحكم بن عتيبة وقتادة وسلمة بن كهيل وطائفة. روى عنه ابنه حماد وحمزة الزيات وعلي بن مسهر ويزيد بن زريع، ويونس بن بكير وعبد الرزاق بن همام ومحمد بن الحسن الشيباني ووكيع بن الجراح\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٤٥٩/٥٩٧) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٩٢/٩٤٠) والإبانة (٢/ ١١/٣٠٠/ ١٩٦٠).\n(٢) الجرح والتعديل (٨/ ٤٤٩ - ٤٥٠) وتاريخ بغداد (١٣/ ٣٢٣و٤٥٤) ووفيات الأعيان (٥/ ٤٠٥ - ٤١٥) وتهذيب الكمال (٢٩/ ٤١٧ - ٤٤٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٦٨ - ١٦٩) وميزان الاعتدال (٤/ ٢٦٥) والسير (٦/ ٣٩٠ - ٤٠٣) والبداية والنهاية (١٠/ ١١٠ - ١١١) وشذرات الذهب (١/ ٢٢٧ - ٢٢٩).","vol":"2","page":326},{"text":"وآخرون.\nقال يزيد بن هارون: أدركت الناس فما رأيت أحدا أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة. وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، وقال الفضيل بن عياض: كان أبو حنيفة رجلا فقيها معروفا بالفقه مشهورا بالورع واسع المال، معروفا بالإفضال على كل من يطيف به، صبورا على تعليم العلم بالليل والنهار، حسن الليل، كثير الصمت قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام فكان يُحسن أن يدل على الحق، هاربا من مال السلطان. يروى أنه ضرب غير مرة على أن يلي القضاء فلم يفعل ومناقبه كثيرة.\nتوفي ﵀ في السجن وقيل مسموما سنة خمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الخطيب عن أبي زرعة، قال حدثني يزيد بن عبد ربه، قال سمعت وكيع بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوحاظي: يا أبا زكريا احذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. (١)\n- عن سعيد بن سلام البصري قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لقيت عطاء بن أبي رباح بمكة، فسألته عن شيء؟ فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا؟ قلت: نعم. قال: من أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف، ويؤمن\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٥٠٩ - ٥١٠) وانظر إعلام الموقعين (١/ ٢٥٦).","vol":"2","page":327},{"text":"بالقدر، ولا يكفر أحدا بذنب. فقال لي عطاء: عرفت فالزم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال شيخ الإسلام: وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: ... ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولا توالي أحدا دون أحد، وأن ترد أمر عثمان وعلي إلى الله ﷿. (٢)\n- جاء في الكفاية: سأل أبو عصمة أبا حنيفة ممن تأمرني أن أسمع الآثار؟ قال من كل عدل في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقدهم تضليل أصحاب محمد - ﷺ -، ومن أتى السلطان طائعا، أما إني لا أقول إنهم يكذبونهم أو يأمرونهم بما لا ينبغي ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين. (٣)\n- وجاء في الوصية مع شرحها: قال أبو حنيفة في أصحاب رسول الله - ﷺ -: \"ويحبهم كل مؤمن تقي ويبغضهم كل منافق شقي\". (٤)\n- وجاء في الانتقاء لابن عبد البر قال أبو حنيفة: الجماعة أن تفضل أبا بكر وعمر وعليا وعثمان، ولا تنتقص أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - ... (٥)\n_________\n(١) الحلية (٣/ ٣١٤) وانظر الاعتصام (١/ ٨٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٦).\n(٣) الكفاية (١٢٦).\n(٤) الوصية مع شرحها (ص.١٤).\n(٥) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء (ص.١٦٣ - ١٦٤).","vol":"2","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الهروي في ذم الكلام بالسند إلى نوح الجامع قال: قلت لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف وإياك وكل محدثة فإنها بدعة. (١)\n\" التعليق:\nهذا النص من أعظم النصوص وضوحا في تحريم الكلام والفلسفة عن إمام عظيم، مذهبه أكثر المذاهب انتشارا في العالم الإسلامي، ومع ذلك تجد أكثر أتباعه -إن لم يكونوا كلهم- ماتريدية في عقائدهم وصوفية في سلوكهم ومقلدة في عبادتهم، لا للرسول اتبعوا ولا لسلفهم سمعوا، ولكن الإلف والتقليد يبعد الإنسان عن الحق والله المستعان.\n\n- جاء في ذم الكلام بالسند إلى محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- يقول: قال أبو حنيفة لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم من الكلام. وكان أبو حنيفة يحثنا على الفقه، وينهانا عن الكلام. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن ابن منصور قال: سمعت ابن المبارك يقول:\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٣١) والفتاوى الكبرى (٥/ ٢٤٥) وصون المنطق (٣٢).\n(٢) ذم الكلام (٢٣٣).","vol":"2","page":329},{"text":"والله ما مات أبو حنيفة وهو يقول بخلق القرآن ولا يدين الله به. (١)\n- وفيه: عن محمد بن مقاتل قال: سمعت ابن المبارك يقول: ذُكر جهم في مجلس أبي حنيفة فقال: ما يقول؟ قالوا: يقول القرآن مخلوق. فقال: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٢). اهـ (٣)\nقال شيخ الإسلام: عن أبي عصمة قال: سألت أبا حنيفة: من أهل الجماعة؟ قال: من فضل أبا بكر وعمر، وأحب عليا وعثمان، ولم يحرم نبيذ الجر، ولم يكفر أحدا بذنب، ورأى المسح على الخفين، وآمن بالقدر خيره وشره من الله، ولم ينطق في الله بشيء. وروى خالد بن صبيح، عن أبي حنيفة قال: الجماعة سبعة أشياء: أن يفضل أبا بكر وعمر، وأن يحب عثمان وعليا، وأن يصلي على من مات من أهل القبلة بذنب، وأن لا ينطق في الله شيئا. قلت: قوله في هاتين الروايتين لا ينطق في الله شيئا قد بينه في رواية أبي يوسف، وهو أن لا ينطق في الله بشيء من رأيه ولكنه يصفه بما وصف به نفسه. (٤)\n- قال الذهبي في الميزان: قال أبو حنيفة: أفرط جهم في نفي التشبيه، حتى قال: إنه تعالى ليس بشيء وأفرط مقاتل -يعني في الإثبات- حتى جعله\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٨/٤٧١).\n(٢) الكهف الآية (٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٨/٤٧٢).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٧٤).","vol":"2","page":330},{"text":"مثل خلقه. (١)\n- وقال شيخ الإسلام: وقال أبو حنيفة في كتاب الفقه الأكبر المعروف المشهور عند أصحابه، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي: قال: قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقال: قد كفر لأن الله يقول ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (٢)، وعرشه فوق سبع سماوات. قال أبو مطيع: قلت: فإن قال: إنه على العرش ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في مناقب أبي حنيفة للمكي مناظرات لأبي حنيفة ﵀ مع الخوارج منها: أن الخوارج لما ظهروا على الكوفة أخذوا أبا حنيفة فقالوا: تب يا شيخ من الكفر، فقال أنا تائب إلى الله من كل كفر فخلوا عنه، فلما ولى قيل لهم: إنه تاب من الكفر، وإنما يعني به ما أنتم عليه فاسترجعوه. فقال رأسهم: يا شيخ إنما تبت من الكفر، وتعني به ما نحن عليه؟ فقال أبو حنيفة: أبظن تقول هذا أم بعلم؟ فقال: بل بظن. فقال أبو حنيفة: إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ\n_________\n(١) الميزان (٤/ ١٧٣)\n(٢) طه الآية (٥).\n(٣) درء التعارض (٦/ ٢٦٣) ومجموع الفتاوى (٥/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"2","page":331},{"text":"إِثْمٌ﴾ (١) وهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر، فتب أنت أولا من الكفر. فقال: صدقت يا شيخ أنا تائب من الكفر. (٢)\n- ومنها أنهم جاءوه ليناظروه لما علموا أنه لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب فقالوا: هاتان جنازتان على باب المسجد أما إحداهما فلرجل شرب الخمر حتى كظته وحشرج بها فمات غرقا في الخمر، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحمل قتلت نفسها فقال لهم أبو حنيفة: من أي الملل كانا؟ أمن اليهود؟ قالوا: لا، أفمن النصارى؟ قالوا: لا، قال: أفمن المجوس؟ قالوا: لا، قال: من أي الملل كانا؟ قالوا: من الملة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فأخبروني عن الشهادة كم هي من الإيمان؟ ثلث أم ربع أم خمس؟ قالوا: إن الإيمان لا يكون ثلثا ولا ربعا ولا خمسا، قال: فكم هي من الإيمان؟ قالوا: الإيمان كله، قال: فما سؤالكم إياي عن قوم زعمتم وأقررتم أنهما كانا مؤمنين.\nقالوا: دعنا عنك، أمن أهل الجنة هما أم من أهل النار؟ قال: أما إذا أبيتم، فإني أقول فيهما ما قال نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرما منهم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). وأقول فيهما ما قال نبي الله عيسى في\n_________\n(١) الحجرات الآية (١٢).\n(٢) مناقب أبي حنيفة للمكي (١٥١ - ١٥٢).\n(٣) إبراهيم الآية (٣٦).","vol":"2","page":332},{"text":"قوم كانوا أعظم جرما منهما ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (٢).\nوأقول فيهما ما قال نبي الله نوح ﵇ وعليهم أجمعين وعلى نبينا محمد - ﷺ -: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. (٣)\nقال: فألقوا السلاح وقالوا: تبرأنا من كل دين كنا عليه، وندين الله بدينك فقد آتاك الله فضلا وحكمة وعلما. (٤)\n- وقال شيخ الإسلام في المجموع: وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر ... قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيتبعه على ذلك أناس فيخرج على الجماعة، هل\n_________\n(١) المائدة الآية (١١٨).\n(٢) الشعراء الآيات (١١١ - ١١٣).\n(٣) هود الآية (٣١).\n(٤) مناقب أبي حنيفة للمكي (١٠٨ - ١٠٩).","vol":"2","page":333},{"text":"ترى ذلك؟ قال: لا. قلت: ولم، وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟ قال هو كذلك، لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام. قال: وذكر الكلام في قتل الخوارج والبغاة. (١)\n\nمقاتل بن حيان (٢) (١٥٠ هـ)\nمُقَاتِل بن حَيَّان بن دَوَال دُوز -ومعناه بالفارسية الخراز- أبو بسطام البلخي مولى بكر بن وائل، الإمام العالم المحدث الثقة. روى عن مجاهد بن جبر ومحمد بن زيد قاضي مرو والشعبي والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وعكرمة، وعمرة وطائفة، وعنه إبراهيم بن أدهم وعبد الله بن المبارك وعلقمة ابن مرثد ومسلمة بن علي الخشني وخالد بن زياد الترمذي وآخرون.\nقال الذهبي: وكان خيّرا ناسكا كبير القدر، صاحب سنة. كان ذا منزلة عند قتيبة ابن مسلم الأمير، هرب مقاتل إلى كابل فأسلم به خلق.\nتوفي في حدود الخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الاعتصام عن مقاتل بن حيان قال: أهل هذه الأهواء آفة أمة\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٦ - ٤٧).\n(٢) الجرح والتعديل (٨/ ٣٥٣ - ٣٥٤) ومشاهير علماء الأمصار (١٩٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٧٤) وسير أعلام النبلاء (٦/ ٣٤٠ - ٣٤١) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٤٣٠ - ٤٣٤) وميزان الاعتدال (٤/ ١٧١ - ١٧٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٤١ - ١٦٠/ص.٢٩٦ - ٢٩٧).","vol":"2","page":334},{"text":"محمد - ﷺ -، إنهم يذكرون النبي - ﷺ - وأهل بيته، فيتصيدون بهذا الذكر الحسن عند الجهال من الناس، فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبههم بمن يسقي الصبر باسم العسل، ومن يسقي السم القاتل باسم الترياق، فأبصرهم، فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء، فقد أصبحت في بحر الأهواء الذي هو أعمق غورا، وأشد اضطرابا، وأكثر صواعق، وأبعد مذهبا من البحر وما فيه، فتلك مطيتك التي تقطع بها سفر الضلال: اتباع السنة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>موقفه من الجهمية:</span>\nعن مقاتل: بلغنا والله أعلم في قوله -﷿-: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٢) الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، والظاهر فوق كل شيء، والباطن أقرب من كل شيء، وإنما يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه وهو بكل شيء عليم، وبهذا الإسناد عنه في قوله تعالى: ﴿إِلًّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ (٣) يقول بعلمه وذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) فيعلم نجواهم، ويسمع كلامهم ثم ينبئهم يوم القيامة بكل شيء، وهو فوق عرشه وعلمه معهم. (٥)\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١١٥).\n(٢) الحديد الآية (٣).\n(٣) المجادلة الآية (٧).\n(٤) المجادلة الآية (٧).\n(٥) اجتماع الجيوش الإسلامية (١١٩ - ١٢٠) وأصول الاعتقاد (٣/ ٤٤٤/٦٧٠) بلفظ مختصر.","vol":"2","page":335},{"text":"ابن جريج (١) (١٥٠ هـ)\nعبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج الإمام العلامة الحافظ شيخ الحرم، أبو خالد المكي القرشي الأموي صاحب التصانيف مولى أمية بن خالد. روى عن عطاء بن أبي رباح والزهري وأبي الزبير ونافع وابن أبي مليكة وآخرين. حدث عنه عبد الله بن وهب وعبد الرزاق بن همام والضحاك بن مخلد وحجاج ابن محمد المصيصي والسفيانان والحمادان وطائفة.\nعن مخلد بن الحسين قال: ما رأيت خلقا من خلق الله أصدق لهجة من ابن جريج. وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحدا أحسن صلاة من ابن جريج. وقال عطاء: سيد شباب أهل الحجاز ابن جريج. وقال يحيى بن سعيد: كنا نسمي كتب ابن جريج كتب الأمانة.\nتوفي سنة خمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في الإبانة بالسند إلى عبد الرزاق قال: سمعت معمرا وسفيان الثوري ومالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (٢)\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٥/ ٣٥٦ - ٣٥٨) ومشاهير علماء الأمصار (١٤٥) وتاريخ بغداد (١٠/ ٤٠٠ - ٤٠٧) ووفيات الأعيان (٣/ ١٦٣ - ١٦٤) والسير (٦/ ٣٢٥) وتهذيب الكمال (١٨/ ٣٣٨ - ٣٥٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٦٩ - ١٧١) والعقد الثمين (٥/ ٥٠٨ - ٥١٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٨١٣/١١١٤) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٨ - ١٠٢٩/ ١٧٣٥) وبنحوه في السنة لعبد الله (٩٧) والشريعة (١/ ٢٧٢/٢٦٧).","vol":"2","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>موقف السلف من ثور بن يزيد القدري (١٥٠ ه</span>ـ)\nجاء في أصول الاعتقاد: عن عبد الله بن سالم قال: أدركت أهل حمص وقد أخرجوا ثور بن يزيد وأحرقوا داره لكلامه في القدر. (١)\nوعن أحمد بن حنبل قال: كان ثور بن يزيد الكلاعي يرى القدر وكان من أهل حمص. أخرجوه ونفوه لأنه كان يرى القدر. قال: وبلغني أنه أتى المدينة فقيل لمالك قد قدم ثور فقال لا تأتوه فقال: لا يجتمع عند رجل مبتدع في مسجد رسول الله - ﷺ -. (٢)\nوجاء في السير: قال أبو توبة الحلبي: حدثنا أصحابنا أن ثورا لقي الأوزاعي، فمد يده إليه، فأبى الأوزاعي أن يمد يده إليه وقال: يا ثور، لو كانت الدنيا، لكانت المقاربة، ولكنه الدين. وقال أحمد: كان ثور يرى القدر، وليس به بأس. قال عبيد الله بن موسى: قال سفيان: اتقوا ثورا، لا ينطحنكم بقرنه.\nقال الذهبي: كان ثور عابدا، ورعا، والظاهر أنه رجع، فقد روى أبو زرعة عن منبه بن عثمان، أن رجلا قال لثور: يا قدري. قال: لئن كنت كما قلت إني لرجل سوء، وإن كنت على خلاف ما قلت إنك لفي حل. قال إسماعيل بن عياش: نفى أسد بن وداعة ثورا. وقال عبد الله بن سالم: أخرجوه\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠١/١٣٣٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠١/١٣٣٧) والإبانة (٢/ ٣/٤٧٥ - ٤٧٦/ ٤٩٦).","vol":"2","page":337},{"text":"وأحرقوا داره لكلامه في القدر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>موقف السلف من محمد بن إسحاق لتلبسه ببدعة القدر (١٥٠ ه</span>ـ)\nجاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى عبد العزيز الدراوردي قال: كنا في مجلس محمد بن إسحاق نتعلم فأغفى إغفاءة فقال: إني رأيت في المنام الساعة كأن إنسانا دخل المسجد ومعه حبل في عنق حمار فأخرجه. فما لبثنا أن دخل المسجد رجل ومعه حبل حتى وضعه في عنق ابن إسحاق فأخرجه فذهب إلى السلطان فجلده. قال ابن أبي زنبر: من أجل القدر. (٢)\nوفيه: عن حميد بن حبيب أنه رأى محمد بن إسحاق مجلودا في القدر جلده إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>مقاتل بن سليمان المشبه وموقفه من الجهم بن صفوان (١٥٠ ه</span>ـ)\nجاء في الإبانة: عن مقاتل بن سليمان؛ قال: وكان مما علمنا من أمر عدو الله جهم أنه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله، وقد جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n_________\n(١) السير (٦/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٠/١٣٣٤) وتاريخ بغداد (١/ ٢٢٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٠/١٣٣٥).","vol":"2","page":338},{"text":"\"تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ﷿\" (١).\nفلقي جهم ناسا يقال لهم السمنية، فعرفوا جهما؛ فقالوا له: نكلمك، فإن ظهرت حجتنا عليك: دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا؛ دخلنا في دينك؛ فكان مما كلموا به جهما أن قالوا له: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال جهم: نعم. فقالوا: هل رأيت إلهك؟ قال: لا. قالوا: أسمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فسمعت له حسا؟ قال: لا: قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير جهم؛ فلم يصل أربعين يوما، ثم استدرك حجته مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى تزعم أن الروح التي في عيسى ﵇ هي روح الله من ذاته، كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، فدخل في جسد عيسى، فتكلم على لسان عيسى، وهو روح غائب عن الأبصار، فاستدرك جهم من هذه الحجة؛ فقال للسمنية: ألستم تزعمون أن في أجسادكم أرواحا؟ قالوا: نعم. قال: هل رأيتم أرواحكم؟ قالوا: لا. قال: افسمعتم كلامها؟ قالوا: لا. قال: أفشممتم لها رائحة؟ قالوا: لا. قال جهم: فكذلك الله ﷿ لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وهو في كل مكان، لا يكون في مكان دون مكان، ووجدنا ثلاث آيات في كتاب الله ﷿، قوله: ﴿ليس كَمِثْلِهِ\n_________\n(١) أخرجه من حديث ابن عمر مرفوعا: اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٠/٩٢٧) والبيهقي في الشعب (١/ ١٣٦/١٢٠) والطبراني في الأوسط (٧/ ١٧١ - ١٧٢/ ٦٣١٥)، قال الهيثمي في المجمع (١/ ٨١): \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه الوازع بن نافع وهو متروك\".\n\nوله شواهد من حديث أبي هريرة وأبي ذر وابن عباس خرجها الشيخ الألباني ﵀ في السلسلة الصحيحة (رقم١٧٨٨) ثم قال: \"وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي\". والله أعلم\".","vol":"2","page":339},{"text":"شيءٌ﴾ (١) وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّمَاوَاتِ والأرض﴾ (٢) وقوله: ﴿لا تدركه الْأَبْصَارُ﴾ (٣) فبنى أصل كلامه على هذه الثلاث الآيات، ووضع دين الجهمية وكذب بأحاديث رسول الله - ﷺ -، وتأول كتاب الله على تأويله؛ فاتبعه من أهل البصرة من أصحاب عمرو بن عبيد وأناس من أصحاب أبي حنيفة فأضل بكلامه خلقا كثيرا. (٤)\nعن يحيى بن شبل قال: كنت جالسا مع مقاتل بن سليمان وعباد بن كثير، إذ جاء شاب فقال: ما تقول في قوله ﷿: ﴿كل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلًّا وَجْهَهُ﴾ (٥)، فقال مقاتل: هذا جهمي ثم قال: ويحك إن جهما والله ما حج البيت ولا جالس العلماء، وإنما كان رجلا أعطي لسانا. (٦)\n\" التعليق:\nوقف مقاتل موقف الحازم من الجهم بن صفوان لما رأى فيه من غلو وإفراط في التنزيه حتى بلغ به الحال إلى التعطيل المحض، إلا أن مقاتلا نفسه قد جانب الحق وحاد عنه لغلوه في الإثبات حتى شبه الله تعالى بخلقه، والحق وسط دائما بين ضلالتين فهو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، وعلى هذا\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) الأنعام الآية (٣).\n(٣) الأنعام الآية (١٠٣).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٣/٨٦ - ٨٩/ ٣١٧).\n(٥) القصص الآية (٨٨).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٣/٩٠ - ٩١/ ٣١٩) والسنة للخلال (٥/ ٨٤ - ٨٥).","vol":"2","page":340},{"text":"درج السلف ﵃.\n\nعبد الله بن عون (١) (١٥١ هـ)\nعبد الله بن عَوْن بن أَرْطَبَان الإمام القدوة عالم البصرة أبو عون المزني مولاهم البصري الحافظ. رأى أنس بن مالك ولم يثبت له منه سماع. روى عن نافع مولى ابن عمر ومحمد بن سيرين والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبي وائل والشعبي والقاسم بن محمد، وطائفة. وعنه سفيان الثوري وشعبة وابن المبارك ومعاذ بن معاذ ويزيد بن هارون ووكيع بن الجراح وحماد بن زيد وآخرون.\nقال ابن المبارك: ما رأيت أحدا ذكر لي قبل أن ألقاه ثم لقيته، إلا وهو على دون ما ذكر لي إلا حيوة وابن عون وسفيان، فأما ابن عون: فلوددت أني لزمته حتى أموت أو يموت. وقال ابن حبان: من سادات أهل زمانه عبادة وفضلا وورعا ونسكا وصلابة في السنة وشدة على أهل البدع. عن ابن المبارك قال: قيل لابن عون: ألا تتكلم فتؤجر؟ فقال: أما يرضى المتكلم بالكفاف؟ وروى مسعر عن ابن عون قال: ذكر الناس داء وذكر الله دواء. عن عبد الرحمن ابن مهدي قال: ما كان بالعراق أحد أعلم بالسنة من ابن عون.\nمات سنة إحدى وخمسين ومائة.\n_________\n(١) ثقات ابن حبان (٧/ ٣) وتهذيب الكمال (١٥/ ٣٩٤ - ٤٠٢) والسير (٦/ ٣٦٤ - ٣٧٥) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٦١ - ٢٦٨) والجرح والتعديل (٥/ ١٣٠ - ١٣١) وحلية الأولياء (٣/ ٣٧ - ٤٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٥٦ - ١٥٧) وشذرات الذهب (١/ ٢٣٠).","vol":"2","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-893>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة: قال: لا يمكن أحد منكم أذنيه من هوى أبدا. (١)\n- عن ابن عون قال: ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني، هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه ويسألوا الناس عنه، ويدعوا الناس إلا من خير. (٢)\n- عن ابن علية قال: كان ابن عون يقول لنا: رحم الله رجلا لزم هذا الأثر ورضي به وإن استثقله واستبطأه. (٣)\n- قال ابن عون: من يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع. (٤)\n- وكان ابن عون يقول عند الموت: السنة السنة. وإياكم والبدع، حتى مات. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله عن معاذ بن مكرم قال: رآني ابن عون مع عمرو بن عبيد في السوق فأعرض عني، قال: فاعتذرت إليه قال: أما إني قد رأيتك فما زادني. (٦)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٦١/ ٤٤٦).\n(٢) البخاري معلقا: كتاب الاعتصام (١٣/ ٢٤٨ فتح) وأصول الاعتقاد (١/ ٦٨/٣٦) وقال الحافظ: \"وصله محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة (ص.٣٣) والجوزقي من طريقه\". وشرح السنة للبغوي (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٣٦٥/ ٢٩١).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٣/ ٤٨٦).\n(٥) طبقات الحنابلة (٢/ ٤٢).\n(٦) السنة لعبد الله (١٤٩).","vol":"2","page":342},{"text":"- وفي الإبانة: عن ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة سمعناه عن عبد الله بن عون، قال: جاء واصل الغزال وكان صاحبا لعمرو بن عبيد، فقال: يا أبا بكر، أقرأ عليك؟ قال: لا حاجة لي في ذلك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السير: قال محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثني صاحب لي عن ابن عون أنه سأله رجل فقال: أرى قوما يتكلمون في القدر أفأسمع منهم؟ فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وجاء في الإبانة بالسند إلى حماد بن زيد عن ابن عون قال: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان ﵄ حتى نشأ ههنا هني حقير يقال له سيسويه البقال فكان أول من تكلم في القدر. قال حماد: فما ظنكم برجل يقول له ابن عون: هني حقير. (٤)\n- وفيها عن حميد بن الأسود عن ابن عون: أمران أدركتهما وليس بهذا المصر منهما شيء: الكلام في القدر، إن أول من تكلم فيه رجل من الأساورة يقال له سيسويه، وكان دحيقا، وما سمعته قال لأحد دحيقا غيره؛\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١١/٣٠٥/ ١٩٧٨).\n(٢) الأنعام الآية (٦٨).\n(٣) السير (٦/ ٣٦٧).\n(٤) الإبانة (٢/ ١١/٢٩٨/ ١٩٥٣) وأصول الاعتقاد (٤/ ٨٢٦/١٣٩٦).","vol":"2","page":343},{"text":"قال: فإذا ليس له عليه تبع إلا الملاحون، ثم تكلم فيه بعده رجل كانت له مجالسة يقال له معبد الجهني، فإذا له عليه تبع، ثم قال: وهؤلاء الذين يدعون المعتزلة. (١)\n- وفيها عن ابن عون: أدركت البصرة وما بها أحد يقول هذا القول إلا رجلان مالهما ثالث: معبد الجهني، وسيسويه، قال ابن عون: وكان محقورا ذليلا، وهذه القدرية والمعتزلة كذبوا على الحسن ونحلوه ما لم يكن من قوله، قد قاعدنا الحسن وسمعنا مقالته، ولو علمنا أن أمرهم يصير إلى هذا لواثبناهم عند الحسن ﵀، وليكونن لأمرهم هذا غب، وإني لأظن عامة من أهل البصرة إنما يصرف عنهم النصر لما فيهم من القدرية. (٢)\n- وعن إسماعيل بن سعيد البصري عن رجل أخبره قال: كنت أمشي مع عمرو بن عبيد فرآني ابن عون فأعرض عني شهرين. (٣)\n- وجاء في السنة أيضا بالسند إلى بكير بن حمران قال: كنا عند ابن عون فقال له رجل: ما تقول في كذا وكذا؟ قال: لا أدري، قال: كان عمرو يقول عن الحسن كذا وكذا، قال: ما لنا ولعمرو، وعمرو يكذب على الحسن. (٤)\n- وقال ابن وضاح: حدثنا أسد قال: حدثنا مؤمل عن رجل أخبره قال: دخل عمرو بن عبيد على ابن عون فسكت ابن عون لما رآه، وسكت\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١١/٢٩٧ - ٢٩٨/ ١٩٥٢).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٢٩٩/ ١٩٥٧).\n(٣) ما جاء في البدع (١١٢) والاعتصام (٢/ ٧٩١).\n(٤) السنة لعبد الله (١٥٣).","vol":"2","page":344},{"text":"عمرو عنه فلم يسأله عن شيء فمكث هنية ثم قام فخرج، فقال ابن عون: بم استحل أن دخل داري بغير إذني؟ -مرارا يرددها- أما أنه لو تكلم، أما أنه لو تكلم. (١)\n\nعميرة بن أبي ناجية (٢) (١٥٣ هـ)\nعَمِيرَة بن أبي نَاجِيَة، واسمه حُرَيْث الرُّعَيْنِي أبو يحيى المصري مولى حُجْر ابن رُعين ثم لبني بدر. روى عن بكر بن سوادة ويحيى بن سعيد الأنصاري ورزيق بن حكيم الأيلي ويزيد بن أبي حبيب وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون. وعنه عبد الله بن وهب والليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة وحيوة ابن شريح.\nعن ابن وهب قال: كان عميرة بن أبي ناجية من العباد وكان بمنزلة النائحة إذا قرأ يبكي وإذا سجد يبكي وإذا سكت عن القراءة وفرغ من الصلاة جلس يبكي، وكان يزيد بن حاتم الأمير يسأل عنه ويقول: ما فعلت الثكلى؟\nتوفي سنة ثلاث وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الاعتصام للشاطبي قال: وقد روي عن عميرة بن أبي ناجية\n_________\n(١) ما جاء في البدع (١١٢).\n(٢) تهذيب الكمال (٢٢/ ٣٩٩ - ٤٠١) ومشاهير علماء الأمصار (١٩٠) وتقريب التهذيب (٢/ ٨٧) وتهذيب التهذيب (٨/ ١٥٢).","vol":"2","page":345},{"text":"المصري أنه رآى قوما يتمارون في المسجد، وقد علت أصواتهم فقال: هؤلاء قوم قد ملوا العبادة وأقبلوا على الكلام، اللهم أمت عميرة، فمات من عامه ذلك في الحج. فرأى رجل في النوم قائلا يقول: مات في هذه الليلة نصف الناس فعرفت تلك الليلة، فجاء فيها موت عميرة هذا. (١)\n\nمعمر بن راشد (٢) (١٥٣ هـ)\nمَعْمَر بن رَاشِد الأَزْدِي الحُدَّانِي، أبو عروة بن أبي عمرو البصري، الإمام الحافظ، سكن اليمن، وكان شهد جنازة الحسن البصري. روى عن إسماعيل بن أمية وثابت البناني وأيوب السختياني وبهز بن حكيم وخلق كثير. وروى عنه أبان بن يزيد العطار وإسماعيل بن علية وسفيان الثوري وابن عيينة وعدة.\nقال أحمد بن حنبل: لا تضم أحدا إلى معمر إلا وجدته يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم. وقال ابن حبان: كان فقيها متقنا، حافظا ورعا. وقال ابن جريج: عليكم بمعمر فإنه لم يبق في زمانه أعلم منه.\nتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن عبد الرزاق قال: أكل معمر من عند أهله فاكهة، ثم سأل، فقيل:\n_________\n(١) الاعتصام (٢/ ٥٨٩ - ٥٩٠) وتهذيب الكمال (٢٢/ ٤٠٠ - ٤٠١).\n(٢) طبقات ابن سعد (٥/ ٥٤٦) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٣٠٣) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٥) وميزان الاعتدال (٤/ ١٥٤) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢٤٣) وشذرات الذهب (١/ ٢٣٥).","vol":"2","page":346},{"text":"هدية من فلانة النواحة. فقام فتقيأ. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>موقفه من الرافضة:</span>\nأخرج الخلال في السنة بسنده إلى عبد الرزاق قال: سمعت معمرا يقول: أصحاب محمد ﵇ أصابتهم نفحة من النبوة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>موقفه من المرجئة:</span>\nعن عبد الرزاق قال: سمعت معمرا وسفيان الثوري ومالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>موقف السلف من فطر بن خليفة الخشبي الشيعي (١٥٣ ه</span>ـ)\nقال أبو بكر بن عياش قال: ما تركت الرواية عن فطر إلا بسوء مذهبه.\nوقال أحمد بن يونس: تركته عمدا، وكان يتشيع وكنت أمر به بالكناسة في أصحاب الطعام، وكان أعرج، فأمر وأدعه مثل الكلب. (٤)\n_________\n(١) السير (٧/ ١١).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٤٨٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ٨١٣/١١١٤).\n(٤) السير (٧/ ٣١).","vol":"2","page":347},{"text":"السنة الثالثة والخمسون بعد المائة\nمن فضائح الخوارج:\nجاء في البداية والنهاية: وفيها خرجت الخوارج من الصفرية وغيرهم ببلاد إفريقية فاجتمع منهم ثلاثمائة ألف وخمسون ألفا ما بين فارس وراجل، وعليهم أبو حاتم الأنماطي وأبو عباد، وانضم إليهم أبو قرة الصفري في أربعين الفا، فقاتلوا نائب إفريقية، فهزموا جيشه وقتلوه، وهو عمر بن عثمان ابن أبي صفرة الذي كان نائب السند كما تقدم، قتله هؤلاء الخوارج ﵀، وأكثرت الخوارج الفساد في البلاد وقتلوا الحريم والأولاد. (١)\n\" التعليق:\nوهكذا طبيعة الخوارج في كل زمان ومكان، يَعيثون في الأرض فسادا بالقتل والسفك والنهب والفكر الشاذ المتطرف، ولهم أوصاف ومبادئ ذكرتها في كتابنا 'أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف'.\n\nأبو عمرو بن العلاء (٢) (١٥٤ هـ)\nأبو عمرو بن العلاء بن عَمَّار بن العُرْيَان التَّمِيمِي ثم المازني البصري شيخ القراء والعربية. اختلف في اسمه على أقوال، أصحها: زبان. قرأ القرآن على سعيد\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٠/ ١١٣).\n(٢) تهذيب الكمال (٣٤/ ١٢٠ - ١٣٠) ووفيات الأعيان (٣/ ٤٦٦ - ٤٧٠) والسير (٦/ ٤٠٧ - ٤١٠) وفوات الوفيات (٢/ ٢٨ - ٢٩) ومشاهير علماء الأمصار (١٥٣ - ١٥٤) وشذرات الذهب (١/ ٢٣٧) ومعجم الأدباء (١١/ ١٥٦ - ١٦٠) وتهذيب التهذيب (١٢/ ١٧٨ - ١٨٠) والبداية والنهاية (١٠/ ١١٥).","vol":"2","page":348},{"text":"ابن جبير ومجاهد بن جبر وعبد الله بن كثير وحميد بن قيس الأعرج وعكرمة مولى ابن عباس ويحيى ابن يعمر وعطاء. قرأ عليه خلق كثير منهم: عبد الله بن المبارك ويحيى بن المبارك والأصمعي وشجاع البلخي وعبد الوارث التنوري. روى عن أنس بن مالك والحسن البصري وداود بن أبي هند والزهري وطائفة. وعنه الأصمعي وشريك النخعي ووكيع بن الجراح ومعتمر بن سليمان وآخرون.\nقال إبراهيم الحربي: كان أبو عمرو من أهل السنة. قال أبو بكر بن مجاهد: كان أبو عمرو مقدما في عصره عالما بالقراءة ووجوهها، قدوة في العلم باللغة، إمام الناس في العربية وكان مع علمه باللغة وفقهه في العربية متمسكا بالآثار لا يكاد يخالف في اختياره ما جاء عن الأئمة قبله، متواضعا في علمه. قرأ على أهل الحجاز وسلك في القراءة طريقهم ولم تزل العلماء في زمانه تعرف له تقدمه وتقر له بفضله، وتأتم في القراءة بمذاهبه، وكان حسن الاختيار، سهل القراءة غير متكلف يؤثر التخفيف ما وجد إليه سبيلا. وعن عمه قال: قال لي أبو عمرو بن العلاء: يا عبد الملك كن من الكريم على حذر إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمته، ومن العاقل إذا أحرجته ومن الأحمق إذا مازحته، ومن الفاجر إذا عاشرته، وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك أو تسأل من لا يجيبك أو تحدث من لا ينصت لك.\nتوفي سنة أربع وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن حماد بن زيد قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن القدر؛ فقال: ثلاث آيات في القرآن: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يستقيم (٢٨)","vol":"2","page":349},{"text":"وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ أن يشاء الله رب العالمين﴾ (١)، ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢)، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تذكرة فَمَنْ شَاءَ ذكره﴾ (٣). اهـ (٤)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن أحمد بن موسى قال: مر عمرو بن عبيد على أبي عمرو بن العلاء فقال له عمرو: كيف تقرأ: ﴿وَإِنْ يستعتبوا﴾ (٥)؟ فقال أبو عمرو: وإن يستعتبوا -بفتح الياء- فما هم من المعتبين -بفتح التاء فقال له عمرو: ولكني أقرأ: وإن يستعتبوا -بضم الياء- فما هم من المعتبين -بكسر التاء- فقال أبو عمرو: ومن هنالك أبغض المعتزلة لأنهم يقولون برأيهم. (٦)\n- وعن عبد الملك الأصمعي: كنا عند أبي عمرو بن العلاء قال: فجاء عمرو بن عبيد، فقال: يا أبا عمرو. يخلف الله وعده؟ قال: لا. قال: أرأيت من وعده الله على عمل عقابا؛ أليس هو منجزه له؟ فقال له أبو عمرو: يا أبا عثمان. من العجمة أوتيت لا يعد عارا ولا خلفا، أن تعد شرا ثم لا تفي به بل تعده فضلا وكرما، إنما العار أن تعد خيرا ثم لا تفي به، قال: ومعروف ذلك\n_________\n(١) التكوير الآيتان (٢٨و٢٩).\n(٢) الإنسان الآيتان (٢٩و٣٠).\n(٣) عبس الآيتان (١١و١٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ١١/٢٩٤ - ٢٩٥/ ١٩٥٠).\n(٥) فصلت الآية (٢٤).\n(٦) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٦/١٣٧٥).","vol":"2","page":350},{"text":"في كلام العرب؟ قال: نعم، قال: أين هو؟ قال أبو عمرو: قال الشاعر (١):\nلا يرهب ابن العُمْرِ ما عشت صولة ... ولا أختفي من صولة المتهدد\nوإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (٢)\n\nمسعر بن كدام (٣) (١٥٥ هـ)\nمِسْعَر بن كِدَام بن ظُهَيْر بن عُبَيْدَة الهلالي العامري، الإمام الثبت شيخ العراق أبو سلمة الكوفي الأحول الحافظ. روى عن ثابت بن عبيد الأنصاري، وعدي بن ثابت، وسعد بن إبراهيم، وقتادة، وطائفة. وعنه السفيانان، والفضل ابن دكين، ويحيى القطان، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن بشر العبدي، وآخرون.\nقال سفيان: كان مسعر من معادن الصدق، وقال يحيى بن عبيد: كان مسعر قد جمع العلم والورع. وقال ابن حجر: ثقة ثبت فاضل.\nقال مسعر ﵀:\nنهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم، والردى لك لازم\nوتتعب فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم\nوقال أيضا:\nومشيد دارا ليسكن داره ... سكن القبور وداره لم تسكن\n_________\n(١) البيتان لعامر بن الطفيل. انظر المعجم المفصل لشواهد اللغة العربية (٢/ ٤١٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٣٠١ - ٣٠٢/ ١٩٦٦).\n(٣) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٦٤ - ٣٦٥) وتاريخ خليفة (٤٢٦) والسير (٧/ ١٦٣ - ١٧٣) وحلية الأولياء (٧/ ٢٠٩ - ٢٧٠) والجرح والتعديل (٨/ ٣٦٨ - ٣٦٩) ومشاهير علماء الأمصار (١٦٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٨٨ - ١٩٠) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٤٦١ - ٤٦٩) وميزان الاعتدال (٤/ ٩٩) وشذرات الذهب (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩).","vol":"2","page":351},{"text":"وقال: العلم شرف الأحساب يرفع الخسيس في نسبه، ومن قعد به حسبه نهض به أدبه.\nتوفي سنة خمس وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عن مالك أبي هشام قال: كنت أسير مع مسعر فلقيه رجل من الرافضة -قال: فكلمه- بشيء لا أحفظه فقال له مسعر: تنح عني فإنك شيطان. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في السير: روى معتمر بن سليمان، عن أبي مخزوم، ذكره عن مسعر بن كدام قال: التكذيب بالقدر أبو جاد الزندقة. (٢)\n\nحمزة الزَّيَّات (٣) (١٥٦ هـ)\nحمزة بن حبيب بن عمارة الزيات، الإمام القدوة، شيخ القراءة، أبو عُمَارَة التيمي، مولاهم الكوفي. ولد سنة ثمانين، وحدث عن حبيب بن أبي ثابت والحكم بن عتيبة وأبي إسحاق السبيعي وعدة. وحدث عنه الثوري وشريك وجرير وابن فضيل وعبد الله بن المبارك، وعدة.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٤٤/٢٨٠٩).\n(٢) السير (٧/ ١٦٨).\n(٣) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٨٥) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٩٠) معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ١١١ - ١١٨) وميزان الاعتدال (١/ ٦٠٥ - ٦٠٦) وتهذيب الكمال (٧/ ٣١٤) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٧) وشذرات الذهب (١/ ٢٤٠).","vol":"2","page":352},{"text":"قال أبو بكر بن منجويه: كان من علماء زمانه بالقراءات، وكان من خيار عباد الله عبادة، وفضلا، وورعا، ونسكا، وكان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان، ويجلب الجبن والجوز من حلوان إلى الكوفة. وقال ابن سعد: كان حمزة رجلا صالحا، وكانت عنده أحاديث، وكان صدوقا صاحب سنة. وقال أسود بن سالم: سألت الكسائي عن الهمز والإدغام، ألكم فيه إمام؟ قال: نعم، هذا حمزة يهمز ويكسر، وهو إمام من أئمة المسلمين، وسيد القراء والزهاد، لو رأيته لقرت عينك به من نسكه.\nتوفي ﵀ سنة ست وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>موقفه من المرجئة:</span>\nتقدم معنا في مواقف منصور بن المعتمر (ت ١٣٢هـ) أن حمزة الزيات كان من جملة أهل العلم الذين يقولون بالاستثناء ويعيبون على من لا يستثني.\n\nسعيد بن أبي عروبة (١) (١٥٦ هـ)\nالإمام الحافظ، عالم أهل البصرة، سعيد بن أبي عَرُوبَة، أبو النضر بن مهران العدوي. حدث عن ابن سيرين والحسن وقتادة وأبي رجاء العطاردي وخلق سواهم. وحدث عنه شعبة والثوري ويحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون وخلق سواهم.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٦/ ٤١٣) وميزان الاعتدال (٢/ ١٥١) وتهذيب الكمال (١١/ ٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٧٧) وتهذيب التهذيب (٤/ ٦٣).","vol":"2","page":353},{"text":"قال أحمد بن حنبل: كان يحفظ، لم يكن له كتاب. وروى وهيب عن أيوب قال: لا يفقه رجل لا يدخل حجرة سعيد بن أبي عروبة. قال أحمد بن حنبل: كان قتادة وسعيد يقولان بالقدر ويكتمان، وقال ابن قانع: كان أعرج يرمى بالقدر، وقال العجلي: كان لا يدعو إليه. وقال الذهبي ﵀ متعقبا: لعلهما تابا ورجعا عنه -يعني سعيد وقتادة- كما تاب شيخهما. (١)\nمات سنة ست وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في الميزان عن ابن أبي عروبة، قال: من سب عثمان افتقر. (٢)\n\nعبد الله بن شوذب (٣) (١٥٦ هـ)\nعبد الله بن شَوْذَب البلخي ثم البصري أبو عبد الرحمن نزيل بيت المقدس، الإمام العالم. روى عن الحسن البصري وابن سيرين ومكحول وجماعة. وروى عنه ابن المبارك وضمرة بن ربيعة والوليد بن مزيد وأيوب بن سويد وغيرهم. كان كثير العلم جليل القدر.\nقال كثير بن الوليد: كنت إذا رأيت ابن شوذب ذكرت الملائكة. وقال الثوري: كان ابن شوذب عندنا، ونحن نعده من مشايخنا. وقال يحيى بن\n_________\n(١) يعني الشيخ الحسن البصري ﵀.\n(٢) الميزان (٢/ ١٥٣).\n(٣) السير (٧/ ٩٢ - ٩٣) وتهذيب الكمال (١٥/ ٩٤ - ٩٧) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦) وميزان الاعتدال (٢/ ٤٤٠) وشذرات الذهب (١/ ٢٤٠).","vol":"2","page":354},{"text":"معين: كان ثقة.\nتوفي ابن شوذب سنة ست وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن ضمرة: عن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد والإبانة عن ابن شوذب قال: ترك الصلاة -يعني جهما- أربعين يوما على وجه الشك. خالفه بعض السمنية فشك فقام أربعين يوما لا يصلي- وقد رآه ابن شوذب. (٢)\n\nالأوزاعي (٣) (١٥٧ هـ)\nعبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمِد الشامي شيخ الإسلام وإمام أهل الشام في زمانه في الحديث والفقه، أبو عمرو الأوزاعي، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس بمحلة الأوزاع ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطا إلى أن مات بها. روى عن الزهري والأعمش وقتادة وعطاء بن أبي رباح ونافع\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٦٦ - ٦٧/ ٣١) وهو في الإبانة (١/ ١/٢٠٤ - ٢٠٥/ ٤٣) والتلبيس (ص.١٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢١/٦٣٠) والإبانة (٢/ ١٣/٨٩ - ٩٠/ ٣١٨) والفتاوى الكبرى (٥/ ٤١).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٨٨) وتاريخ خليفة (٤٢٨) والجرح والتعديل (١/ ١٨٤ - ١٨٧و٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧) والسير (٧/ ١٠٧ - ١٣٤) والفهرست لابن النديم (٣١٨) ووفيات الأعيان (٣/ ١٢٧ - ١٢٨) وحلية الأولياء (٦/ ١٣٥ - ١٤٩) وتهذيب الكمال (١٧/ ٣٠٧ - ٣١٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٧٨ - ١٨٣) والبداية والنهاية (١٠/ ١١٨ - ١٢٣) ومشاهير علماء الأمصار (١٨) وشذرات الذهب (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"2","page":355},{"text":"مولى ابن عمر ويحيى بن أبي كثير وطائفة. روى عنه الوليد بن مسلم وعبد الله ابن المبارك ومحمد بن يوسف الفريابي وسفيان الثوري وآخرون.\nقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا فاضلا خيرا كثير العلم والحديث والفقه، حجة. وكان إسماعيل بن عياش يقول: سمعت الناس يقولون في سنة أربعين ومائة: الأوزاعي هو عالم الأمة. كان الأوزاعي ﵀ يقول: كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرجال بينهم فلما دخل الكُتُبَ دخل فيه غير أهله. سئل الأوزاعي عن الخشوع في الصلاة فقال: غض البصر وخفض الجناح ولين القلب وهو الحزن والخوف. وسئل عن الأبله فقال: هو العمي عن الشر، البصير بالخير. وقال ﵀: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير ومن عرف أن منطقه من عمله، قل كلامه. وقال أيضا: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام. وقال: إن المؤمن يقول قليلا ويعمل كثيرا، وإن المنافق يتكلم كثيرا ويعمل قليلا.\nتوفي ﵀ سنة سبع وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في السير عنه قال: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم. (١)\n- وفيها عنه قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا سلب الورع. (٢)\n_________\n(١) السير (٧/ ١٢٠) وذم الكلام (ص.٩٦) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٧١) والشريعة (١/ ١٩٣/١٣٣) وشرف أصحاب الحديث (ص.٧) وانظر تذكرة الحفاظ (١/ ١٨٠) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٣٦).\n(٢) السير (٧/ ١٢٥).","vol":"2","page":356},{"text":"- وجاء في الاعتصام: عن الأوزاعي أنه قال: كان بعض أهل العلم يقول: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صياما ولا صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا عمرة ولا صرفا ولا عدلا. (١)\n\" التعليق:\nقائل هذا هم التابعون أو من فوقهم وقد ورد مرفوعا: \"من أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا\". (٢)\nوكيف يتقبل الله ممن تنكب عن شرعه وزهد في سنة نبيه - ﷺ -؟! وكيف يسوى بين من تلبس بالمحدثات والبدع وبين من التزم السنة واقتفى آثارها واتبع؟! ألم يقل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يتقبل اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؟!\n\n- وجاء في الإبانة: قيل للأوزاعي إن رجلا يقول: أنا أجالس أهل السنة وأجالس أهل البدع فقال الأوزاعي: هذا رجل يريد أن يساوي بين الحق والباطل. (٣)\n\n\" التعليق:\nماذا تقول بعض الجماعات الإسلامية التي تهتم بالجمع والعد، ولا\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١٤٢) وابن وضاح (ص.٣٤).\n(٢) تقدم تخريجه مطولا من حديث علي بن أبي طالب ضمن مواقفه ﵁ سنة (٤٠هـ).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٦/ ٤٣٠).","vol":"2","page":357},{"text":"يهمها أن يجتمع مبتدع وسني، بل وشيعي رافضي، كلهم عندها سواء، والمهم الطاعة الكاملة للجماعة وأميرها وامتثال أوامرها مهما بلغت من الخطأ ومن مخالفة الكتاب والسنة، فأمر الأمير عندهم مطاع، بل من منهجهم وضع بيعة في أعناق أتباعهم، تلزمهم بالامتثال، وهكذا من يحمل فكرهم يقول: كل من قال لا إله إلا الله فينبغي التعاون معه مهما كانت عقيدته: صوفيا أشعريا معتزليا شيعيا وما أشبه ذلك.\nفلعلهم أفقه من الأوزاعي الذي يعتبر أحد الأئمة مثل مالك والشافعي وأحمد، والله المستعان.\n\n- وجاء في الإبانة وأصول الاعتقاد بالسند إليه قال: من ستر عنا بدعته لم تخف علينا ألفته. (١)\n- وجاء في شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي عنه قال: إذا ظهرت البدع فلم ينكرها أهل العلم صارت سنة. (٢)\n- وجاء في السير عنه قال: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل. (٣)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: ندور مع السنة حيث دارت. (٤)\n- وجاء في ذم الكلام بالسند إليه قال: وما رأي امرئ عن أمر بلغه\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٢/ ٤٢٠ وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٤/٢٥٧).\n(٢) شرف أصحاب الحديث (ص.١٧).\n(٣) السير (٧/ ١٢١) وأصول الاعتقاد (١/ ١٦٤/١٩٦) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٣٣).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ٧١/٤٧).","vol":"2","page":358},{"text":"عن رسول الله - ﷺ - إلا اتباعه، ولو لم يكن فيه عن رسول الله - ﷺ - وقال فيه أصحابه من بعده، كانوا أولى فيه بالحق منا، لأن الله تعالى أثنى على من بعدهم باتباعهم إياهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) وقلتم أنتم: لا بل نعرضها على رأينا في الكتاب؛ فما وافقه منها صدقناه وما خالفه تركناه. وتلك غاية كل مُحدِث في الإسلام رد ما خالف رأيه من السنة. (٢)\n- وجاء فيه عنه: قال: إنكم لا ترجعون عن بدعة إلا تعلقتم بأخرى هي أضر عليكم منها. (٣)\n- وجاء فيه عنه قال: ما نقمنا على أبي حنيفة أنه يرى، كلنا يرى ولكن نقمنا عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي - ﷺ - فيخالفه إلى غيره. (٤)\n- وجاء في أصول الاعتقاد بالسند إليه قال: كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد - ﷺ - والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة واتباع السنة وعمارة المساجد وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله. (٥)\n- وجاء في تذكرة الحفاظ: قال عامر بن يساف: سمعت الأوزاعي يقول إذا بلغك عن رسول الله - ﷺ - حديث فإياك أن تقول بغيره فإنه كان مبلغا عن الله. (٦)\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٠).\n(٢) ذم الكلام (ص.٢١٦ - ٢١٧).\n(٣) ذم الكلام (ص.٢١٧).\n(٤) ذم الكلام (ص.١٠٥) وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص.٥٢).\n(٥) أصول الاعتقاد (١/ ٧١/٤٨)، الحلية (٦/ ١٤٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٨٠) وشرح السنة للبغوي (١/ ٢٠٩).\n(٦) تذكرة الحفاظ (١/ ١٨٠) وبنحوه في أصول الاعتقاد (٣/ ٤٧٨/٧٣٤) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٧).","vol":"2","page":359},{"text":"- عن أبي إسحاق قال: سألت الأوزاعي فقال: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم. وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعدما ردها عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم، فأشربها قلوب طوائف من أهل الشام واستحلتها ألسنتهم وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف فيه. ولست بآيس أن يرفع الله شر هذه البدعة إلى أن يصيروا إخوانا بعد تواد إلى تفرق في دينهم وتباغض. ولو كان هذا خيرا ما خصصتم به دون أسلافكم، فإنه لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب نبيه - ﷺ - الذين اختارهم وبعثه فيهم ووصفهم بما وصفهم به فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (١). اهـ (٢)\n- عن بقية قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا محمد ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟ قال قلت: قوم سوء. قال: ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله - ﷺ - بخلاف بدعته إلا أبغض الحديث. (٣)\n- عن أبي مسهر قال: قال الأوزاعي: يعرف الرجل في ثلاثة مواطن:\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٧٤/٣١٥) وذم الكلام (ص.٢١٦) والحلية (٨/ ٢٥٤ - ٢٥٥) وطرفه الأول في التلبيس (ص.١٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٧٧/٧٣٢) وشرف أصحاب الحديث (ص.٧٣).","vol":"2","page":360},{"text":"بألفته ويعرف في مجلسه ويعرف في منطقه. (١)\n- عن الأوزاعي قال: ويل للمتفقهين لغير العبادة، والمستحلين الحرمات بالشبهات. (٢)\n- عن الأوزاعي قال: بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة، أو ألقى عليه الخشوع والبكاء، كي يصطاد به. (٣)\n- عن الأوزاعي قال: لا تمكنوا صاحب بدعة من جدال، فيورث قلوبكم من فتنته ارتيابا. (٤)\n- عن الأوزاعي قال: قال إبليس لأوليائه من أي شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل شيء. قال: فهل تأتونهم من قبل الاستغفار؟ فقالوا: هيهات ذاك شيء قرن بالتوحيد. قال: لأبثن فيهم شيئا لا يستغفرون الله منه. قال: فبث فيهم الأهواء. (٥)\n- عن الأوزاعي قال: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على مفارقة الإسلام، ومن وقر صاحب بدعة فقد عارض الإسلام برد. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال بقية بن الوليد: قال لي الأوزاعي: يا بقية، لا تذكر أحدا من\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٨٠/ ٥١٤).\n(٢) الفقيه والمتفقه (٢/ ١٧٦) وانظر السير (٧/ ١٢٦).\n(٣) الحوادث والبدع (ص.٢٩٧) والاعتصام (١/ ٢١٦ طبعة مشهور).\n(٤) البدع لابن وضاح (ص.١١٦) وذكره الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٧٩٢).\n(٥) الدارمي (١/ ٩٢) وأصول الاعتقاد (١/ ١٤٨ - ١٤٩/ ٢٣٦).\n(٦) ذم الكلام (ص.٢١٨).","vol":"2","page":361},{"text":"أصحاب نبيك إلا بخير، يا بقية، العلم ما جاء عن أصحاب محمد - ﷺ -، وما لم يجئ عنهم فليس بعلم. (١)\n- وفيها عنه قال: لا يجتمع حب علي وعثمان ﵄ إلا في قلب مؤمن. (٢)\n- وفي التذكرة: عن الفريابي قال: اجتمع سفيان والأوزاعي وعباد بن كثير بمكة فقال سفيان: يا أبا عمرو حدثنا حديثك مع عبد الله بن علي -يعني عم السفاح- فقال: لما قدم الشام وقتل بني أمية جلس يوما على سريره وعبى أصحابه أربعة أصناف، صنف بالسيوف المسللة وصنف معهم الجرزة، وصنف معهم الأعمدة وصنف معهم الكافركوب، ثم بعث إلي، فلما صرت إلى الباب أنزلوني عن دابتي، وأخذ اثنان بعضدي وأدخلوني بين الصفوف حتى أقاموني بحيث يسمع كلامي، فقال لي: أنت عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي؟ قلت نعم، أصلح الله الأمير. قال: ما تقول في دماء بني أمية؟ قلت: قد كان بينك وبينهم عهود، وكان ينبغي أن تفوا بها، قال: ويحك، اجعلني وإياهم لا عهد بيننا؟ فأجهشت نفسي وكرهت القتل، فذكرت مقامي بين يدي الله فلفظتها فقلت: دماؤهم عليك حرام، فغضب وانتفخت أوداجه واحمرت عيناه، فقال لي ويحك ولم؟ قلت: قال رسول الله ﵌: \"لا يحل دم\n_________\n(١) السير (٧/ ١٢٠) وفتح الباري (١٣/ ٢٩١).\n(٢) السير (٧/ ١٢٠).","vol":"2","page":362},{"text":"امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، ثيب زان، ونفس بنفس وتارك لدينه\" (١) قال: ويحك أو ليس الأمر لنا ديانة؟ قلت: كيف ذاك؟ قال: أليس كان رسول الله - ﷺ - أوصى لعلي؟ قلت: لو أوصى إليه لما حكم الحكمين، فسكت، وقد اجتمع غضبا، فجعلت أتوقع رأسي يسقط بين يدي، فقال بيده هكذا أومى أن أخرجوه، فخرجت، فما أبعدت حتى لحقني فارس، فنزلت وقلت: قد بعث ليأخذ رأسي، أصلي ركعتين، فكبرت، فجاء وأنا أصلي فسلم وقال: إن الأمير، بعث إليك هذه الدنانير، قال ففرقتها قبل أن أدخل بيتي. (٢)\n\" التعليق:\nانظر كيف كان السلف أمام الحكام، يصدعون بالحق مهما كلفهم ذلك، وانظر أيضا إلى الحكام مهما كان أمرهم كانوا يقفون عند الحدود الشرعية إذا ذكروا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>موقفه من الصوفية:</span>\nوجاء في السير: قال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ويخبرنا عن السلف أن ذلك كان هديهم فإذا طلعت الشمس قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله والتفقه في دينه. (٣)\n_________\n(١) أحمد (١/ ٣٨٢،٤٢٨،٤٤٤) والبخاري (١٢/ ٢٤٧/٦٨٧٨) ومسلم (٣/ ١٣٠٢/١٦٧٣) وأبو داود (٤/ ٥٢٢/٤٣٥٢) والترمذي (٤/ ١٢ - ١٣/ ١٤٠٢) وقال: \"حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح\". والنسائي (٧/ ٩٠ - ٩١/ ٤٠٢٧) وابن ماجه (٢/ ٨٤٧/٢٥٣٤).\n(٢) تذكرة الحفاظ (١/ ١٨٠ - ١٨١).\n(٣) السير (٧/ ١١٤).","vol":"2","page":363},{"text":"\" التعليق:\nهكذا كان هدي السلف في الذكر، يذكر كل واحد منهم على حدة بأذكار واردة صحيحة عن رسول الله - ﷺ -، وما أكثرها -ولله الحمد- وما زاد على ذلك من ذكر جماعي بلسان واحد وبأذكار وضعها شيوخ الصوفية وفي أوقات معينة فسموها طريقة، كل ذلك من بدعهم نسأل الله العافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: قال محمد بن كثير المصيصي: سمعت الأوزاعي يقول: كنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. (١)\n- وفي أصول الاعتقاد عن الأوزاعي: إني لأرجو أن يحجب الله ﷿ جهما وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعده أولياءه حين يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) فجحد جهم وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعد أولياءه. (٣)\n- وفيه: عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية؟ فقالوا: أمروها\n_________\n(١) السير (٧/ ١٢٠ - ١٢١) ودرء التعارض (٦/ ٢٦٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٨٠و١٨٢) واجتماع الجيوش ١٢٠).\n(٢) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٧/٨٧٤).","vol":"2","page":364},{"text":"كما جاءت بلا كيف. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في المعرفة والتاريخ: عن الأوزاعي أنه كتب إلى عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: أما بعد فقد كنت بحال أبيك لي وخاصة منزلتي منه، فرأيت أن صلتي إياه تعاهدي إياك بالنصيحة في أول ما بلغني عنك من تخلفك عن الجمعة والصلوات فجددت ولججت. ثم بررتك فوعظتك وأجبتني بما ليس لك فيه حجة ولا عذر، وقد أحببت أن أقرن بنصيحتي إياك عهدا عسى الله أن يحدث خيرا، وقد بلغنا أن خمسا كان عليها أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعون لهم بإحسان: اتباع السنة وتلاوة القرآن، ولزوم الجماعة وعمارة المساجد والجهاد في سبيل الله.\nوحدثني سفيان الثوري أن حذيفة بن اليمان كان يقول: من أحب أن يعلم أصابته الفتنة أو لا فلينظر، فإن رأى حلالا كان يراه حراما، أو يرى حراما كان يراه حلالا، فليعلم أن قد أصابته. وقد كنت قبل وفاة أبيك ﵀ ترى ترك الجمعة والصلوات في الجماعة حراما فأصبحت تراه حلالا، وكنت ترى عمارة المساجد من شرف الأعمال فأصبحت لها هاجرا، وكنت ترى أن ترك عصابتك من الحرس في سبيل الله حرجا فأصبحت تراه جميلا.\nوحدثني سفيان منقطعا عن ابن عباس أنه قال: من ترك الجمعة أربعا\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٢/٩٣٠) ومقدمة شرح السنة للبغوي (١/ ١٧١) والفتاوى (٥/ ٣٩) والشريعة (٢/ ١٠٤ - ١٠٥/ ٧٦٥) والسير (٧/ ٢٧٤).","vol":"2","page":365},{"text":"متواليات من غير عذر فقد نبذ الإسلام من وراء ظهره. (١)\nوحدثني الزهري عن أبي هريرة أنه من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه. (٢)\nوقد خاطرت بنفسك من هذين الحديثين عظيما فاتهم رأيك فإنه شر ما أخذت به، وارض بأسلافك إيمانا. وقد كنت في ثلاث سنوات مررن -والمساجد والديار تحرق والدماء تسفك والأموال تنتهب- مع أبيك لا تخالفه في ترك جمعة ولا حضور صلاة مسجد، ولا ترغب عنه حتى مضى لسبيله، وأنت ترى أنك بوجه هذا الحديث: \"كن حلس بيتك\" (٣) ومثله من الأحاديث أعلم بها من أبيك وممن أدرك من أهل العلم، فأعيذك بالله وأنشدك به أن تعتصم برأيك شاذا به دون أبيك وأهل العلم قبله، وأن تكون لأصحاب الأهواء قوة وللسفهاء في تركهم الجمعة فتنة يحتجون بك\n_________\n(١) أخرجه مرفوعا ابن الحمامي الصوفي في منتخب من مسموعاته، كما في الضعيفة (٢/ ١١٢/٦٥٧) وإسناده ضعيف. فيه شريك القاضي ضعفوه لسوء حفظه. وأخرجه موقوفا بهذا اللفظ ابن عبد البر في التمهيد (فتح البر ٥/ ٢٠٨) وأخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٣/ ١٦٦/٥١٦٩)، أبو يعلى في مسنده (٥/ ١٠٢/٢٧١٢) موقوفا بلفظ: من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات، فقد نبذ ... الخ. ذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ١٩٣) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح وصحح إسناده الحافظ المنذري في الترغيب (١/ ٤٥٣/٧٣٣).\n(٢) لم أجده بهذا اللفظ، وأخرجه مرفوعا بلفظ: \"ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم ... ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها، وتجيء الجمعة فلا يشهدها، وتجيء الجمعة فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه\". أخرجه: ابن ماجه (١/ ٣٥٧/١١٢٧) وابن خزيمة (٣/ ١٧٧/١٨٥٩) والحاكم (١/ ٢٩٢) وقال: \"صحيح على شرط مسلم وسكت عنه الذهبي\". قال البوصيري في الزوائد: \"إسناد ضعيف لضعف معدي بن سليمان\". وحسن إسناده الحافظ المنذري في الترغيب. انظر صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٤٥٢/٧٣١).\n(٣) أحمد (٤/ ٤٠٨) وأبو داود (٤/ ٤٥٩ - ٤٦٠/ ٤٢٦٢) والترمذي (٤/ ٤٢٥/٢٢٠٤) بلفظ: \"والزموا فيها أجواف بيوتكم\" وقال: \"هذا حديث حسن غريب صحيح\". والحاكم (٤/ ٤٤٠) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد وسكت عنه الذهبي\". كلهم من حديث أبي موسى.","vol":"2","page":366},{"text":"إذا عويروا على تركها. أسأل الله أن لا يجعل مصيبتك في دينك، ولا يغلب عليك شقاء ولا اتباع هوى بغير هدى منه، والسلام عليك. (١)\nقلت: عبد الرحمن بن ثوبان هذا شيخ عالم زاهد محدث، لكن كان فيه خارجية قاله الذهبي في السير.\n- وقال أبو إسحاق: وسألت الأوزاعي قلت: هل ندع الصلاة على أحد من أهل القبلة وإن عمل بكل عمل؟ قال: لا، قال: وإنما كانوا يحدثون بالأحاديث عن رسول الله - ﷺ - تعظيما لحرمات الله ولا يعدون الذنب كفرا ولا شركا، وكان يقال: المؤمن حديد عند حرمات الله. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ابن بطة: حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق قال: قال الأوزاعي: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة، وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع [كما يجمع] (٣) هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه\n_________\n(١) المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٩١ - ٣٩٢) وهو في تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ١٦١ - ١٧٠ ص.٣١٧) والسير (٧/ ٣١٤ مختصرا).\n(٢) أصول الاعتقاد (٦/ ١١٥٠/٢٠٢٣).\n(٣) زيادة من أصول الاعتقاد.","vol":"2","page":367},{"text":"وكان في الآخرة من الخاسرين. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن الوليد بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ينكرون قول من يقول: إن الإيمان قول بلا عمل ويقولون لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان. (٢)\n- وجاء في السنة لعبد الله: عن الوليد بن مسلم قال: سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي ومالكا وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى هو في زيادة أبدا وينكرون على من يقول إنه مستكمل الإيمان، وإن إيمانه كإيمان جبريل ﵇. (٣)\n- وفيها: عن ابن مسلم قال: سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي ومالك ابن أنس وسعيد بن عبد العزيز ينكرون أن يقول: أنا مؤمن. ويأذنون في الاستثناء أن أقول: أنا مؤمن إن شاء الله. (٤)\n- وفي الشريعة عن فديك يعني ابن سليمان - قال: سمعت الأوزاعي يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فمن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فاحذروه، فإنه مبتدع. (٥)\n- عن أبي إسحاق قال: وقال الأوزاعي: وذكر أصحاب نبيه - ﷺ - الذين اختارهم له وبعثه فيهم ووصفهم بما وصفهم به فقال: ﴿محمد رسول الله\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٨٠٧/١٠٩٧) وأصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٣٠ - ٩٣١/ ١٥٨٦).\n(٣) السنة لعبد الله (٩٢ - ٩٣).\n(٤) السنة لعبد الله (١٠٠).\n(٥) الشريعة (١/ ٢٧٢/٢٦٩).","vol":"2","page":368},{"text":"وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (١) ويقولون (٢): إن فرائض الله ﷿ على عباده ليست من الإيمان وأن الإيمان قد يطلب بلا عمل، وقال: وأن الناس لا يتفاضلون في إيمانهم وأن برهم وفاجرهم في الإيمان سواء، وما هكذا جاء الحديث عن رسول - ﷺ - بلغنا أنه قال: \"الإيمان بضع وسبعون أو قال بضعة وستون جزءا أولها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (٣) وقال الله ﷿: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (٤). الدين هو التصديق وهو الإيمان والعمل. فوصف الله ﷿ الدين قولا وعملا قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥). والتوبة من الشرك وهو من الإيمان والصلاة والزكاة عمل. (٦)\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) المرجئة.\n(٣) سيأتي تخريجه ضمن مواقف إبراهيم بن محمد الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٤) الشورى الآية (١٣).\n(٥) التوبة الآية (١١).\n(٦) السنة للخلال (٣/ ٥٨٥ - ٥٨٦/ ١٠٢٥).","vol":"2","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى بقية قال: سألت الأوزاعي والزبيدي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يقهر، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب.\nوقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلا من القرآن والسنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله - ﷺ -، إنما وصفت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق. (١)\n- وفيه بالسند إلى الوليد بن هشام عن أبيه قال: بلغ هشام بن عبد الملك أن رجلا قد ظهر يقول بالقدر، وقد أغوى خلقا كثيرا فبعث إليه هشام فأحضره فقال: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: وما هو؟ قال: تقول إن الله لم يقدر على خلق الشر؟ قال: بذلك أقول، فأحضر من شئت يحاجني فيه؛ فإن غلبته بالحجة والبيان علمت أني على الحق، وإن هو غلبني بالحجة فاضرب عنقي؟ قال: فبعث هشام إلى الأوزاعي فأحضره لمناظرته، فقال له الأوزاعي: إن شئت سألتك عن واحدة وإن شئت عن ثلاث وإن شئت عن أربع؟ فقال: سل عما بدا لك، قال الأوزاعي: أخبرني عن الله ﷿، هل تعلم أنه قضى على ما نهى؟ قال: ليس عندي في هذا شيء، فقلت: يا أمير المؤمنين هذه واحدة، ثم قلت له: أخبرني هل تعلم أن الله حال دون ما أمر؟ قال: هذه أشد من الأولى، فقلت: يا أمير المؤمنين هذه اثنتان، ثم قلت له:\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٥/١٣٠٠).","vol":"2","page":370},{"text":"هل تعلم أن الله أعان على ما حرم؟ قال: هذه أشد من الأولى والثانية، قلت: يا أمير المؤمنين هذه ثلاث، قد حل بها ضرب عنقه فأمر به هشام فضربت عنقه. ثم قال للأوزاعي: يا أبا عمرو، فسر لنا هذه المسائل؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، سألته هل يعلم أن الله قضى على ما نهى، نهى آدم عن أكل الشجرة ثم قضى عليه بأكلها، وسألته هل يعلم أن الله حال دون ما أمر؟ أمر إبليس بالسجود لآدم ثم حال بينه وبين السجود، وسألته هل يعلم أن الله أعان على ما حرم؟ حرم الميتة والدم ثم أعاننا على أكله في وقت الاضطرار إليه. قال هشام: والرابعة ما هي يا أبا عمرو؟ قال: كنت أقول: مشيئتك مع الله أم دون الله؟ فإن قال مع الله فقد اتخذ مع الله شريكا، أو قال دون الله فقد انفرد بالربوبية، فأيهما أجابني فقد حل ضرب عنقه بها، قال هشام: حياة الخلق وقوام الدين بالعلماء. (١)\n\" التعليق:\nلله درك يا أبا عمرو! يا إمام أهل الشام خصوصا والمسلمين عموما، ورثت فقه الكتاب والسنة، فجعل لك نورا تستضيء به، حجتك على لسانك، وعلمك في صدرك، صواعقك تحرق أوهام المبتدعة، فيقفون أمامك حيارى!! لا يجدون جوابا لأسئلتك. ورحمك الله يا هشام! حيث كنت تهتدي بمثل هؤلاء النجوم، وتأخذ الحكم منهم في رؤوس الضلال، حتى يهلك من هلك عن بينة، ولا يكون مظلوما.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٤ - ٧٩٥/ ١٣٣٠).","vol":"2","page":371},{"text":"- جاء في السير: قال أبو توبة الحلبي: حدثنا أصحابنا: أن ثورا لقي الأوزاعي فمد يده إليه، فأبى الأوزاعي أن يمد يده إليه وقال: يا ثور لو كانت الدنيا لكانت المقاربة، ولكنه الدين. (١)\n- وجاء في الإبانة عنه: أنه سئل عن القدرية قال: لا تجالسوهم. (٢)\n- وجاء في ذم الكلام عن إسحاق بن إبراهيم القاضي قال: بلغني أن الأوزاعي اجتمع وثور بن يزيد على الجسر فقال: يا ثور لولا أن الهجر من الدين لسلمنا عليك، قال: وكان قدريا. (٣)\n- وجاء في الإبانة عن أبي إسحاق قال: قلت للأوزاعي: أرأيت من قال: قدر الله علي وكتب علي وقضى علي، وعلم الله أني عامل كذا، قال: هذا كله سواء واحد، قلت: فمن؟ قال: علم الله أني عامل كذا ولم يقل قدره علي، قال: هذا من باب يجر إلى الهمل وهو الكفر؛ لأنهم يقولون قد علم الله أن العبد عامل كذا وكذا، وقد جعل الله له الاستطاعة إلى أن لا يعمل ذلك الشيء الذي قد علم الله ﷿ أن العبد عامله؛ فما منزلة ما قد علم الله أن العبد عامله إذا لم يعمله، ويقولون: إنما علمه، إنما هو بمنزلة الحائط، قلت: فمن؟ قال: قد علم الله أني عامل كذا وكذا، وقد جعل الاستطاعة إلي أن لا أعمله ولا بد لي من أن أعمله، قال: هذا قول من قول أهل القدر، وهو الهمل ويخرجهم إلى الكفر. (٤)\n_________\n(١) السير (٦/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٣١٩/ ٢٠٠٤).\n(٣) ذم الكلام (٢١٨).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/٢٥٣ - ٢٥٤/ ١٨٥٤).","vol":"2","page":372},{"text":"- وفيها أيضا: عن عبد الله بن صالح: كتب الأوزاعي إلى صالح بن بكر: أما بعد: فقد بلغني كتابك تذكر فيه أن الكتب قد كثرت في الناس، ورد الأقاويل في القدر بعضهم على بعض، حتى يخيل إليكم أنكم قد شككت فيه، وتسألني أن أكتب إليك بالذي استقر عليه رأيي وأقتصر في المنطق، ونعوذ بالله من التحير من ديننا، واشتباه الحق والباطل علينا، وأنا أوصيك بواحدة؛ فإنها تجلو الشك عنك وتصيب بالاعتصام بها سبيل الرشد إن شاء الله تعالى:\nتنظر إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - من هذا الأمر، فإن كانوا اختلفوا فيه؛ فخذ بما وافقك من أقاويلهم، فإنك حينئذ منه في سعة، وإن كانوا اجتمعوا منه على أمر واحد لم يشذذ عنه منهم أحد؛ فأين المذهب عنهم، فإن الهلكة في خلافهم، وإنهم لم يجتمعوا على شيء قط؛ فكان الهدى في غيره وقد أثنى الله ﷿ على أهل القدوة بهم؛ فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (١).\nواحذر كل متأول للقرآن على خلاف ما كانوا عليه منه ومن غيره، فإن من الحجة البالغة أنهم لا يقتدون برجل واحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، أدرك هذا الجدل فجاء معهم عليه وقد أدركه منهم رجال كثير؛ فتفرقوا عنه، واشتدت ألسنتهم عليه فيه، وأنت تعلم أن فريقا منهم قد خرجوا على أئمتهم، فلو كان هدى؛ لم يخرجوا ولم يجتمع من بقي منهم، ألفه فيه واحدة\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٠).","vol":"2","page":373},{"text":"دون جماعة أمتهم فإن الولاية في الإسلام دون الجماعة فرقة؛ فأقر بالقدر، فإن علم الله ﷿ الذي لا يجاوزه شيء، ثم لا تنقضه بالاستطاعة؛ فتهمل فإنه لن يخرج رجل في الإسلام إلى فرط أعظم من الهمل، وذلك أن المؤمن لا يضيف إلى نفسه شيئا من قدر الله ﷿ في خير يسوقه إليها ولا شر يصرفه عنها، وإنما ذلك بيد الله ولا يملكه أحد غير الله، فمن أراد الله به خيرا؛ وفقه لما يحب وشرح صدره، ومن أراد به شرا؛ وكله إلى نفسه، واتخذ الحجة عليه ثم عذبه غير ظالم له، أسأل الله لنا ولكم العصمة من كل هلكة ومزلة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (١)\n- وفيها: عن بقية بن الوليد: سمعت الأوزاعي يقول: القدرية خصماء الله ﷿ في الأرض. (٢)\n- وفيها: عن محمد بن شعيب قال: سمعت الأوزاعي يقول: أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد. (٣)\n\nأمير المؤمنين أبو جعفر المنصور (٤) (١٥٨ هـ)\nعبد الله بن محمد بن علي الخليفة أبو جعفر المنصور الهاشمي العباسي\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٥٤ - ٢٥٥/ ١٨٥٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٥٥/ ١٨٥٦).\n(٣) الإبانة (٢/ ١١/٢٩٨/ ١٩٥٤) والشريعة (١/ ٤٥٩/٥٩٦).\n(٤) تاريخ بغداد (١٠/ ٥٣ - ٦١) والبداية والنهاية (١٠/ ١٢٤ - ١٣١) والسير (٧/ ٨٣ - ٨٩) وفوات الوفيات (٢/ ٢١٦ - ٢١٧) والكامل في التاريخ (٥/ ٤٦١ - ٤٦٢) والعقد الثمين (٥/ ٢٤٨ - ٢٦٠).","vol":"2","page":374},{"text":"وأمه سلامة البربرية. ضرب الآفاق ورأى البلاد وطلب العلم.\nكان فحل بني العباس هيبة وشجاعة ورأيا وحزما ودهاء وجبروتا. وكان جماعا للمال حريصا تاركا للهو واللعب، كامل العقل بعيد الغور حسن المشاركة في الفقه والأدب والعلم.\nأباد جماعة كبارا حتى توطد له الملك ودانت له الأمم على ظلم فيه وقوة نفس، ولكنه يرجع إلى صحة إسلام وتدين في الجملة، وتصون وصلاة، وخير مع فصاحة، وبلاغة وجلالة.\nمن أقواله: الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه.\nولما احتضر قال: اللهم إني قد ارتكبت عظائم جرأة مني عليك وقد أطعتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله منا منك لا منا عليك. ثم مات. توفي سنة ثمان وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>موقفه من المشركين:</span>\n- قال الحافظ في الفتح عند الكلام على الزندقة وتاريخها: واشتهر في صدر الإسلام الجعد بن درهم فذبحه خالد القسري في يوم عيد الأضحى، ثم كثروا في دولة المنصور، وأظهر له بعضهم معتقده فأبادهم بالقتل ثم ابنه المهدي فأكثر من تتبعهم وقتلهم. (١)\n- قال الذهبي: وقد كان بعض الزنادقة والطغام من التناسخية، اعتقدوا\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٢٧١).","vol":"2","page":375},{"text":"أن الباري ﷾ حل في أبي مسلم الخراساني المقتول (من طرف المنصور) عندما رأوا من تجبره واستيلائه على الممالك وسفكه للدماء، فأخبار هذا الطاغية يطول شرحها. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى محمد بن عمران بن أبي ليلى قال: حدثني أبي قال: لما قدم ذلك الرجل إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى شهد عليه ابن أبي سليمان وغيره أنه قال: القرآن مخلوق، وشهد عليه قوم مثل قول حماد بن أبي سليمان.\nفحدثني خالد بن نافع قال: كتب ابن أبي ليلى إلى أبي جعفر وهو بالمدينة بما قاله ذلك الرجل وشهادته عليه وإقراره.\nفكتب إليه أبو جعفر: إن هو رجع وإلا فاضرب رقبته وأحرقه بالنار. فتاب ورجع عن قوله في القرآن. (٢)\n- وفيه: كتب اليون ملك الروم إلى أبي حعفر -يعني المنصور- يسأله عن أشياء ويسأله عن لا إله إلا الله أمخلوقة أم خالقة؟\nفكتب إليه أبو جعفر: كتبت إلي تسألني عن لا إله إلا الله أخالقة أم مخلوقة؟ وليست خالقة ولا مخلوقة ولكنها كلام الله ﷿. (٣)\n_________\n(١) السير (٦/ ٦٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٢/٤٠٨).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧١ - ٢٧٢/ ٤٠٧).","vol":"2","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في البداية والنهاية: وخرج في هذه السنة (أي سنة سبع وثلاثين ومائة) أيضا رجل يقال له ملبد بن حرملة الشيباني في ألف من الخوارج بالجزيرة، فجهز إليه المنصور جيوشا متعددة كثيفة كلها تنفر منه وتنكسر، ثم قاتله حميد بن قحطبة نائب الجزيرة، فهزمه ملبد وتحصن منه حميد في بعض الحصون ثم صالحه حميد بن قحطبة على مائة ألف فدفعها إليه وقبلها ملبد وتقلع عنه. (١)\n\nزفر بن الهذيل (٢) (١٥٨ هـ)\nزُفَر بن الهُذَيْل بن قيس بن سلم الفقيه المجتهد الرباني العلامة أبو الهذيل العنبري البصري صاحب الرأي.\nحدث عن الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وأبي حنيفة ومحمد بن إسحاق. وحدث عنه حسان بن إبراهيم وأكثم بن محمد وعبد الرحمن بن زياد وأبو نعيم الملائي وآخرون.\nقال الذهبي: هو من بحور الفقه وأذكياء الوقت تفقه بأبي حنيفة وهو أكبر تلامذته. عن عبد الواحد بن زياد لقيت زفر ﵀، فقلت له: صرتم حديثا في الناس وضحكة، قال: وما ذاك؟ قلت: تقولون: ادرؤوا الحدود\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٠/ ٧٥).\n(٢) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٨٧ - ٣٨٨) والجرح والتعديل (٣/ ٦٠٨ - ٦٠٩) ومشاهير علماء الأمصار (١٧٠) والسير (٨/ ٣٨ - ٤١) ووفيات الأعيان (٢/ ٣١٧ - ٣١٩) والفهرست لابن النديم (٢٨٥) وتاريخ ابن معين (٢/ ١٧٢) وشذرات الذهب (١/ ٢٤٣).","vol":"2","page":377},{"text":"بالشبهات (١) ثم جئتم إلى أعظم الحدود، فقلتم: تقام بالشبهات، قال: وماهو؟ قلت: قال رسول الله - ﷺ -: لا يقتل مسلم بكافر (٢) فقلتم: يقتل به -يعني بالذمي- قال: فإني أشهدك الساعة أني قد رجعت عنه.\nمات سنة ثمان وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن زفر بن الهذيل قال: إنما نأخذ بالرأي ما لم يجيء الأثر، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي، وأخذنا بالأثر. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في جامع بيان العلم وفضله قال: وذكر ابن أبي خيثمة قال: حدثنا محمد بن شجاع البلخي قال سمعت الحسن بن زياد اللؤلؤي وقال له رجل في زفر بن الهذيل: أكان ينظر في الكلام؟ فقال: سبحان الله ما أحمقك ما أدركت مشيختنا زفر وأبا يوسف وأبا حنيفة ومن جالسنا وأخذنا عنهم يهمهم غير الفقه والاقتداء بمن تقدمهم. (٤)\n_________\n(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٨/ ١٨٩ - ١٩١) وأبو سعد بن السمعاني في الذيل كما في المقاصد الحسنة (رقم ٤٦) عن عمر بن عبد العزيز مرسلا. ورواه البيهقي (٨/ ٢٣٨) عن علي بن أبي طالب، وقال: \"في هذا الإسناد ضعف\". ورواه الحارثي في مسند أبي حنيفة وابن عدي عن ابن عباس مرفوعا، ذكره السخاوي في المقاصد (رقم ٤٦) وقال الشيخ الألباني في الإرواء (٢٣١٦): \"وهو ضعيف\". وقد روي من حديث عائشة مرفوعا بلفظ: \"ادرؤوا الحدود ما استطعتم ... \" أخرجه الترمذي (٤/ ٢٥/١٤٢٤) والبيهقي (٨/ ٢٣٨) والدارقطني (٣/ ٨٤) والحاكم (٤/ ٣٨٤) وصححه، ورده الذهبي بقوله: قال النسائي: يزيد بن زياد شامي متروك.\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٧٩) والبخاري (١٢/ ٣٠٣/٦٩٠٣) والترمذي (٤/ ١٧/١٤١٢) والنسائي (٨/ ٣٩٢/٤٧٥٨) وابن ماجة (٢/ ٨٨٧/٢٦٥٨) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٥١٠).\n(٤) جامع بيان العلم (٢/ ٩٤٢/١٧٩٨).","vol":"2","page":378},{"text":"ابن أَبِي ذِئْب (١) (١٥٩ هـ)\nمحمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب الإمام شيخ الإسلام، أبو الحارث القرشي العامري المدني الفقيه.\nسمع الزهري ونافع مولى ابن عمر ومحمد بن المنكدر وسعيد بن أبي سعيد وخلقا سواهم.\nوعنه عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب وعبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد الله بن نمير وطائفة.\nرمي بالقدر وما كان قدريا. قال أحمد الأبار: سألت مصعبا عن ابن أبي ذئب فقال: معاذ الله أن يكون قدريا، إنما كان زمن المهدي قد أخذوا أهل القدر وضربوهم ونفوهم، فنجا منهم قوم فجلسوا إليه واعتصموا به من الضرب فقيل هو قدري لذلك.\nقال الإمام أحمد: كان ابن أبي ذئب رجلا صالحا قوالا بالحق يشبه بسعيد بن المسيب، وكان قليل الحديث.\nتوفي سنة تسع وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الهروي في ذم الكلام بسنده إلى الشافعي قال: أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي حدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي\n_________\n(١) تاريخ خليفة (٤٢٩) وتاريخ بغداد (٢/ ٢٩٦ - ٣٠٥) ووفيات الأعيان (٤/ ١٨٣) وتهذيب الكمال (٢٥/ ٦٣٠ - ٦٤٤) والوافي بالوفيات (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ١٩١ - ١٩٣) والسير (٧/ ١٣٩ - ١٤٩) ومشاهير علماء الأمصار (١٤٠) والفهرست لابن النديم (٣١٥) وشذرات الذهب (١/ ٢٤٥).","vol":"2","page":379},{"text":"شريح الكعبي أن رسول الله - ﷺ - قال عام الفتح: \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود\" (١) قال الشافعي: قال أبو حنيفة: قلت لابن أبي ذئب تأخذ به يا أبا الحارث؟ قال: فضرب صدري وصاح بي صياحا كثيرا ونال مني فقال: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتقول تأخذ به؟ نعم آخذ، وذلك الفرض علي وعلى من سمعه؛ إن الله اختار محمدا - ﷺ - من الناس فهداهم به وعلى يديه، واختار له وعلى لسانه (٢)، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين وداخرين لا مخرج لهم من ذلك. قال: وما سكت حتى أحببت أن يسكت. (٣)\n- وعن أحمد بن حنبل: قيل لابن أبي ذئب: مالك بن أنس يقول: \"ليس البيعان بالخيار ما لم يتفرقا\" (٤) فقال: يستتاب مالك فإن تاب وإلا\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٣١ - ٣٢) و(٦/ ٣٨٥) والترمذي (٤/ ١٤/١٤٠٦) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وأبو داود (٤/ ٦٤٣ - ٦٤٤/ ٤٥٠٤) كلهم من طرق عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله - ﷺ - قال فذكره بطوله وفيه: فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل. وهو في الصحيحين من طريق الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح به بطوله دون ذكر موطن الشاهد. وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه: البخاري (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤/ ١١٢) ومسلم (٢/ ٩٨٨/١٣٥٥) وأبو داود (٤/ ٦٤٥/٤٥٠٥) والترمذي (٤/ ١٤/١٤٠٥) والنسائي (٨/ ٤٠٧/٤٧٩٩ - ٤٨٠٠) وابن ماجه (٢/ ٨٧٦/٢٦٢٤).\n(٢) في الكنى والحجة والفقيه والمتفقه: 'واختار لهم ما اختار له على لسانه'.\n(٣) ذم الكلام (٤/ ١٣٣ - ١٣٤ طبعة الأنصاري) والكنى للدولابي (١/ ١٤٥) والحجة للأصبهاني (١/ ٢٤٤ - ٢٤٥) والفقيه والمتفقه (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨) وذكره الذهبي في السير (٧/ ١٤٢).\n(٤) حديث \"البيعان بالخيار\" أخرجه: أحمد (٣/ ٤٠٣) والبخاري (٤/ ٤١٢/٢١١٠) ومسلم (٣/ ١١٦٤/١٥٣٢) وأبو داود (٣/ ٧٣٧ - ٧٣٨/ ٣٤٥٩) والترمذي (٣/ ٥٤٨ - ٥٤٩/ ١٢٤٦) وقال: \"هذا حديث صحيح\". والنسائي (٧/ ٢٨٠ - ٢٨١/ ٤٤٦٩) كلهم من حديث حكيم بن حزام ﵁. وورد من حديث غيره من الصحابة ﵃.","vol":"2","page":380},{"text":"ضربت عنقه. (١)\n\" التعليق:\nلو نطق الواحد منا بأقل من هذا لعده الناس من الزنادقة الخارجين عن ملة الإسلام مع أن هذا هو الواجب، وأن هذه هي عقيدة السلف قديما وحديثا. من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ - فيجب عليه المصير إليها ولا يجوز له العدول عنها مهما كان شأن المخالف لها، وسيمر بنا -إن شاء الله تعالى- من هذا النوع كثير.\nوقد بين الإمام ابن عبد البر وجه رد الإمام مالك لهذا الخبر ومن شاء الوقوف على كلامه فليرجع إلى فتح البر، (٢) وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد ابن حنبل- وسئل عن الإيمان والإسلام قال: قال ابن أبي ذئب: الإسلام القول والإيمان العمل. فقيل: ما تقول أنت؟ قال: الإيمان غير الإسلام. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في السير: وكان من أورع الناس وأودعهم، ورمي بالقدر، وما كان قدريا، لقد كان يتقي قولهم ويعيبه. ولكنه كان رجلا كريما، يجلس إليه كل أحد ويغشاه فلا يطرده، ولا يقول له شيئا، وإن مرض عاده، فكانوا\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢١٢) والسير (٧/ ١٤٢) وتاريخ بغداد (٢/ ٣٠٢).\n(٢) (١٢/ ٢٧٨).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٩٥/١٥٠٠).","vol":"2","page":381},{"text":"يتهمونه بالقدر، لهذا وشبهه.\nقال الذهبي: كان حقه أن يكفهر في وجوههم، ولعله كان حسن الظن بالناس. (١)\n\nعكرمة (٢) (١٥٩ هـ)\nعِكْرِمَة بن عمّار، أبو عمّار العجلي، البصري ثم اليمامي، الحافظ الإمام. حدث عن عطاء بن أبي رباح والقاسم بن محمد وطاووس ويحيى بن أبي كثير. وحدث عنه شعبة والثوري وابن المبارك ووكيع وابن مهدي وغيرهم. قال محمد بن عبد الله بن عمار: عكرمة بن عمار ثقة عندهم، روى عنه ابن مهدي: ما سمعت فيه إلا خيرا. وقال عاصم بن علي: كان مستجاب الدعوة. توفي ﵀ سنة تسع وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عن أبي عاصم قال: جاء عكرمة بن عمار إلى ابن أبي رواد فدق عليه الباب وقال: أين هذا الضال يعني بالإرجاء. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السير: قال عباس بن عبد العظيم: سمعت سليمان بن حرب\n_________\n(١) السير (٧/ ١٤٠ - ١٤١).\n(٢) تاريخ بغداد (١٢/ ٢٥٧) وسير أعلام النبلاء (٧/ ١٣٤) وميزان الاعتدال (٣/ ٩٠ - ٩٣) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٢٥٦ - ٢٦٤) وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٦١ - ٢٦٢) وشذرات الذهب (١/ ٢٤٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٤/١٨١٩) وهو في السير (٧/ ١٨٧).","vol":"2","page":382},{"text":"يقول: قدم علينا عكرمة بن عمار من اليمامة، فرأيته فوق سطح يخاصم أهل القدر.\n- قال معاذ بن معاذ: سمعت عكرمة بن عمار يقول للناس: أحرج على رجل يرى القدر إلا قام فخرج عني، فإني لا أحدثه. (١)\n\nمالك بن مغول (٢) (١٥٩ هـ)\nمالك بن مِغْوَل بن عاصم بن غَزِيَّة بن خَرَشَة، الإمام الثقة المحدث، أبو عبد الله البجلي الكوفي. حدث عن الشعبي، وعبد الله بن بريدة، وعطاء بن أبي رباح ونافع العمري، وعبد الرحمن بن الأسود، وخلق. وعنه أبو إسحاق شيخه، وشعبة والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك ووكيع وابن مهدي وخلق سواهم. قال الإمام أحمد: ثقة ثبت. وقال أيضا: سمعت ابن عيينة يقول: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله، فوضع خده بالأرض. قال أبو نعيم وأبو بكر ابن أبي شيبة: توفي سنة تسع وخمسين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال شعيب بن حرب: قلت لمالك بن مغول: أوصني قال: أوصيك بحب الشيخين أبي بكر وعمر. قلت أوصني، قال: أوصيك بحب الشيخين أبي\n_________\n(١) السير (٧/ ١٣٨).\n(٢) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٦٥) والتاريخ الكبير (٧/ ٣١٤) والجرح والتعديل (٨/ ٢١٥ - ٢١٦) وتهذيب الكمال (٢٧/ ١٥٨ - ١٦٢) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٤١ - ١٦٠/ص.٥٨٢ - ٥٨٣) والسير (٧/ ١٧٤ - ١٧٦) والشذرات (١/ ٢٤٧).","vol":"2","page":383},{"text":"بكر وعمر. قلت: إن الله أعطى من ذلك خيرا كثيرا قال: أي لكع والله إني لأرجو لك على حبهما ما أرجو لك على التوحيد. (١)\n- جاء في تاريخ الإسلام للذهبي قال ابن إدريس: ما رأيت مالك بن مغول يسب دابة قط إلا أنه ذكرت عنده الرافضة فبزق في الأرض.\nوقال ابن عيينة: قال مالك بن مغول: لئن شئتم لأحلفن لكم أن مكانهما في الآخرة مثل مكانهما في الدنيا، يعني: أبا بكر وعمر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>موقفه من المرجئة:</span>\nعن أحمد بن يونس قال: كان سفيان الثوري وأبو بكر بن عياش وزهير بن معاوية وزائدة ومالك بن مغول ومفضل بن مهلهل وفضيل بن عياض وأبو شهاب عبد ربه بن نافع وأبو زبيد عبثر بن القاسم يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (٣)\n\nيونس بن أبي إسحاق (٤) (١٥٩ هـ)\nيونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، والد إسرائيل بن يونس وعيسى بن يونس. روى عن أبيه وأنس بن مالك وأبي بردة بن أبي موسى الأشعري وأخيه أبي بكر بن أبي موسى\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣١٨/٢٣٣٨).\n(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ١٤١ - ١٦١هـ/ ص.٥٨٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣١ - ١٠٣٢/ ١٧٤٤).\n(٤) ميزان الاعتدال (٤/ ٤٨٢) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٢٦ - ٢٧) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٤٨٨ - ٤٩٣) وتهذيب التهذيب (١١/ ٤٣٣ - ٤٣٤) وشذرات الذهب (١/ ٢٤٧).","vol":"2","page":384},{"text":"الأشعري ومجاهد والحسن البصري وجماعة. وروى عنه ابنه عيسى وإسماعيل ابن عياش وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي وأبو نعيم وغيرهم. كان يونس من علماء الكوفة، وهو من بيت علم وحديث. قال عثمان الدارمي ليحيى بن معين: يونس أحب إليك أو إسرائيل؟ قال: كل ثقة. توفي سنة تسع وخمسين ومائة، رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال شبابة بن سوار: قلت ليونس بن أبي إسحاق: ثوير لأي شيء تركته؟ قال: لأنه رافضي، قلت: إن أباك روى عنه، قال: هو أعلم.\nوقيل ليونس بن أبي إسحاق: لِمَ لَمْ تحمل عن ثوير بن أبي فاختة؟ قال: كان رافضيا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>موقف السلف من عبد العزيز بن أبي رواد المرجئي (١٥٩ ه</span>ـ)\nجاء في أصول الاعتقاد عن الحسن بن وهب الجمحي قال: قدم علينا عبد العزيز بن أبي رواد وهو شاب يومئذ ابن نيف وعشرين سنة فمكث فينا أربعين أو خمسين سنة لا يعرف بشيء من الإرجاء حتى نشأ ابنه عبد المجيد فأدخله في الإرجاء، فكان أشأم مولود ولد في الإسلام على أبيه. (٢)\nوفيه عن محمد بن علي قال: سمعت مالك بن أنس -وذكر عبد المجيد-\n_________\n(١) الكفاية (١٢٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٧٦/١٨٤٨).","vol":"2","page":385},{"text":"فقال: ذاك الذي أدخل أباه في الإرجاء. (١)\nوقد تقدم موقف عكرمة بن عمار منه لإرجائه (١٥٩هـ).\nوفي السير عن مؤمل بن إسماعيل قال: مات عبد العزيز فجيء بجنازته، فوضعت عند باب الصفا، وجاء سفيان الثوري، فقال الناس: جاء سفيان، جاء سفيان. فجاء حتى خرق الصفوف، وجاوز الجنازة، ولم يصل عليها، لأنه كان يرى الإرجاء. فقيل لسفيان، فقال: والله إني لأرى الصلاة على من هو دونه عندي، ولكن أردت أن أري الناس أنه مات على بدعة. (٢)\nوله موقف طيب من ثور بن يزيد القدري، جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: قد جاءكم ثور اتقوا لا ينطحنكم بقرنيه -يعني ثور بن يزيد-. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>عمران بن مسلم القصير الصوفي (قبل ١٦٠ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الإبانة عن حماد بن مسعدة قال: كان عمران القصير يقول: إياكم والمنازعة والخصومة وإياكم وهؤلاء الذين يقولون أرأيت أرأيت. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٧٦/١٨٤٩).\n(٢) السير (٧/ ١٨٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٥ - ٧٠٦/ ١١٤٧ وميزان الاعتدال (١/ ٣٧٤).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٦/ ٦٣٧ والشريعة (١/ ١٩٠/١٢٥).","vol":"2","page":386},{"text":"زائدة بن قدامة (١) (١٦٠ هـ)\nزَائِدَة بن قُدَامَة الإمام الثبت الحافظ أبو الصّلت الثقفي الكوفي. حدث عن الأعمش وسليمان التيمي وسماك بن حرب وهشام بن عروة وطائفة. وعنه عبد الله بن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن عيينة وحسين ابن علي الجعفي وآخرون.\nقال أبو أسامة: حدثنا زائدة، وكان من أصدق الناس وأبرهم. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. قال أبو حاتم وأحمد العجلي: ثقة، صاحب سنة. وقال أحمد بن حنبل: المتثبتون في الحديث أربعة: سفيان وشعبة وزهير وزائدة. توفي بأرض الروم عام غزا الحسن بن قحطبة الصائفة سنة ستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: قال أحمد العجلي: ثقة، صاحب سنة، لا يحدث أحدا حتى يسأل عنه، فإن كان صاحب سنة حدثه، وإلا لم يحدثه، وكان قد عرض حديثه على سفيان، وروى عنه سفيان. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في سير أعلام النبلاء: قال أحمد بن يونس: رأيت زهير بن\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٨) والجرح والتعديل (٣/ ٦١٣) والفهرست لابن النديم (٣١٦) ومشاهير علماء الأمصار (١٧١) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢١٥ - ٢١٦) والسير (٧/ ٣٧٥ - ٣٧٨) وتهذيب الكمال (٩/ ٢٧٣ - ٢٧٧) والكامل في التاريخ (٦/ ٥٦) وشذرات الذهب (١/ ٢٥١).\n(٢) السير (٧/ ٣٧٧).","vol":"2","page":387},{"text":"معاوية جاء إلى زائدة فكلمه في رجل يحدثه فقال: أمن أهل السنة هو؟ قال: ما أعرفه ببدعة فقال: من أهل السنة هو؟ فقال زهير: متى كان الناس هكذا؟ فقال زائدة: متى كان الناس يشتمون أبا بكر وعمر ﵄. (١)\n- قال زائدة: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب النبي - ﷺ -. (٢)\n- قال أحمد بن يونس: سمعت زائدة يقول: لو كان رافضي ما صليت خلفه ... (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في السير: قال أبو داود: حدثنا زائدة، وكان لا يحدث قدريا ولا صاحب بدعة يعرفه. (٤)\n\nشعبة بن الحجاج (٥) (١٦٠ هـ)\nالإمام الحافظ المحدث شُعْبَة بن الحَجَّاج بن الوَرْد العَتَكِي الأزدي، أبو بِسْطَام الواسطي، عالم أهل البصرة وشيخها. حدث عن أنس بن سيرين وإسماعيل بن رجاء وإسماعيل بن علية وقتادة وطلحة بن مصرف والحكم بن عتيبة وغيرهم كثير، وحدث عنه أيوب السختياني والحمادان ويحيى بن سعيد\n_________\n(١) السير (٧/ ٣٧٧).\n(٢) الميزان (١/ ٣٨٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٤٦/٢٨١٥).\n(٤) السير (٧/ ٣٧٦) والتذكرة (١/ ٢١٥).\n(٥) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٠) وحلية الأولياء (٧/ ١٤٤ - ٢٠٩) وتهذيب الكمال (١٢/ ٤٧٩ - ٤٩٥) والسير (٧/ ٢٠٢ - ٢٢٨) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٣٨ - ٣٤٦) وشذرات الذهب (١/ ٢٤٧) وتقريب التهذيب (١/ ٤١٨).","vol":"2","page":388},{"text":"القطان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع وأبو داود الطيالسي وعبد الله بن المبارك وأمم سواهم.\nقال يحيى بن معين: شعبة إمام المتقين. وقال أبو زيد الأنصاري: هل العلماء إلا شُعْبَةٌ من شعبةَ. وقال الإمام أحمد: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن.\nقال الذهبي: وكان أبو بسطام إماما ثبتا حجة، جهبذا، صالحا، زاهدا، قانعا بالقوت، رأسا في العلم والعمل، منقطع القرين، وهو أول من جرح وعدل، وقال ابن حجر: ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدا. قال ابن المبارك: كنت عند سفيان، إذ جاءه موت شعبة، فقال: مات الحديث. توفي ﵀ بالبصرة سنة ستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال أبو زرعة: سمعت مقاتلا -هو ابن محمد- يقول: سمعت وكيعا يقول: إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة درجات في الجنة بذبه عن رسول الله - ﷺ -. (١)\n- قال سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، قال: جاءني أبان بن أبي عياش، فقال: أحب أن تكلم شعبة، أن يكف عني. فكلمته، فكف عنه أياما، وأتاني في الليل، فقال: إنه لا يحل الكف عن أبان، فإنه يكذب على رسول\n_________\n(١) السير (٧/ ٢١٩).","vol":"2","page":389},{"text":"الله - ﷺ -. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>موقفه من الرافضة والجهمية:</span>\nعن محمود بن غيلان: عن أبي النضر، عن شعبة، قال لي: لا تكتب عن محمد بن راشد، فإنه معتزلي رافضي. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السير: عبد الله بن أحمد: حدثني أبي، قال: قال أبو النضر: كنت أوصي شعبة بالرصافة، فدخل محمد بن راشد، فقال لي شعبة: أما كتبت عنه، أما إنه صدوق، ولكنه شيعي قدري.\n- وفيها قال سليمان بن حرب: حدثنا شعبة يوما بحديث الصادق المصدوق (٣)، وأحاديث نحوه، فقال رجل من القدرية: يا أبا بسطام، ألا تحدثنا نحن أيضا بشيء، فذكر حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: \"كل مولود يولد على الفطرة ... \" (٤). الحديث. (٥)\n_________\n(١) السير (٧/ ٤٦١).\n(٢) السير (٧/ ٣٤٤).\n(٣) تقدم في مواقف السلف من عمرو بن عبيد سنة (١٤٤هـ).\n(٤) أحمد (٢/ ٣٩٣) والبخاري (٣/ ٢٨١/١٣٥٨) ومسلم (٤/ ٢٠٤٧/٢٦٥٨) وأبو داود (٥/ ٨٦/٤٧١٤) والترمذي (٤/ ٣٨٩ - ٣٩٠/ ٢١٣٨) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(٥) السير (٧/ ٢١٠).","vol":"2","page":390},{"text":"الخليل بن أحمد الفراهيدي (١) (١٦٠ هـ)\nالخليل بن أحمد بن عمر بن تميم أبو عبد الرحمن الفَرَاهِيدِي الإمام صاحب العربية ومنشئ علم العروض، البصري أحد الأعلام وصاحب كتاب العين في اللغة. روى عن أيوب السختياني وعاصم الأحول وعثمان بن حاضر والعوام بن حوشب وغالب القطان. روى عنه سيبويه والأصمعي وهارون ابن موسى النحوي والنضر بن شميل ووهب بن جرير وطائفة. صنف كتاب الجمل وكتاب الشواهد وكتاب العروض وكتاب العين وكتاب الإيقاع وكتاب النقط والشكل وغير ذلك. قال ابن حبان: كان من خيار عباد الله المتقشفين في العبادة. وقال إبراهيم الحربي: كان أهل البصرة -يعني أهل العربية منهم- أصحاب الأهواء إلا أربعة فإنهم كانوا أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد ويونس بن حبيب والأصمعي. من أقواله:\nوإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال\nقال أيوب بن المتوكل: كان الخليل إذا أفاد إنسانا شيئا لم يره بأنه أفاده، وإن استفاد من أحد شيئا أراه بأنه استفاده منه. توفي سنة ستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال: ما كان جدل إلا أتى بعده جدل يبطله. (٢)\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ٣٨٠ - ٣٨١) والفهرست لابن النديم (٦٣ - ٦٥) ومعجم الأدباء (١١/ ٧٢ - ٧٧) والسير (٧/ ٤٢٩ - ٤٣١) ووفيات الأعيان (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٨) وتهذيب الكمال (٨/ ٣٢٦ - ٣٣٣) والكامل في التاريخ (٦/ ٥٠) وشذرات الذهب (١/ ٢٧٥ - ٢٧٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٥/٢١٧) والفقيه والمتفقه (١/ ٥٥٤).","vol":"2","page":391},{"text":"- قال الخليل بن أحمد: إن لم يكن أهل القرآن والحديث أولياء الله، فليس لله في الأرض ولي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن يحيى بن أبي بكر الكرماني قال: حدثني أبي قال: جاء رجل إلى الخليل بن أحمد؛ فقال له: قد وقع في نفسي شيء من أمر القدر، فقال له الخليل: أتبصر من مخارج الكلام شيئا؟ قال: نعم، قال: فأين مخرج الحاء؟ قال: من أصل اللسان، قال: فأين مخرج الثاء؟ قال: من طرف اللسان، [قال:] فاجعل هذا مكان هذا وهذا مكان هذا، قال: لا أستطيع، قال: فأنت مدبر. (٢)\n- وعن أبي بكر قال: حدثني أبي قال: كتب الخليل بن أحمد إلى سليمان بن علي:\nأبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال\nسحى بنفسي أني لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال\nفالرزق عن قدر لا العجز ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال (٣)\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (ص.٥٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٢٧٥/ ١٩٠١).\n(٣) الإبانة (٢/ ١١/٢٨٩/ ١٩٣٧).","vol":"2","page":392},{"text":"عمار بن سيف الضبي (١) (بعد سنة ١٦٠ هـ)\nعَمَّار بن سَيْف الضَّبِّي، أبو عبد الرحمن الكوفي، وصي الثوري. روى عن سفيان الثوري وسليمان الأعمش وهشام بن عروة وعاصم الأحول. وروى عنه عبد الله بن المبارك، وأبو نعيم وإسحاق بن بشر وإسحاق بن منصور السلولي وعبد الرحمن بن محمد المحاربي. قال أحمد العجلي: ثقة ثبت، متعبد، وكان صاحب سنة، وكان يقال: إنه لم يكن بالكوفة أحد أفضل منه، يعني في الدين. وقال محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة: أخبرني أبي عن عبد الله ابن المبارك عن عمار بن سيف، وأثنى عليه خيرا. قال ابن حجر: مات بعد الستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>موقفه من الرافضة:</span>\nروى اللالكائي بسنده إلى عمير أبي الحباب عن عمار بن سيف الضبي قال: خرجنا في غزاة في البحر وعلينا موسى بن كعب فكان معنا في المركب رجل يكنى أبا حمان، فأقبل يشتم أبا بكر وعمر فنهيناه فلم ينته، وزجرناه فلم ينزجر، فأتينا على جزيرة في البحر، فأرفينا إليها ثم خرجنا وتفرقنا نريد الوضوء لصلاة الظهر فأخبرنا أن الدبر يعني الزنابير وقعت على أبي حمان فأتت على نفسه، قال: فدفعت إليه وهو ميت. (٢)\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٢١/ ١٩٤) وميزان الاعتدال (٣/ ١٦٥) تاريخ الإسلام (حوادث ١٦١ - ١٧٠/ص.٣٧٠) وتهذيب التهذيب (٧/ ٤٠٢ - ٤٠٣) والتقريب (١/ ٧٠٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٩ - ١٣٣٠/ ٢٣٦٥).","vol":"2","page":393},{"text":"سفيان الثوري (١) (١٦١ هـ)\nسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، شيخ الإسلام إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، أبو عبد الله الكوفي المجتهد، مصنف كتاب الجامع. لقب بالثوري لأن نسبه ينتهي إلى ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة، طلب العلم وهو حدث باعتناء والده المحدث سعيد بن مسروق الثوري. حدث عن أبيه والأعمش وحبيب بن أبي ثابت وعبد الله بن دينار وأبي الزناد وعدة. وعنه عبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن عيينة ومحمد بن يوسف الفريابي ومسعر بن كدام وخلق كثير.\nقال فيه وكيع: كان سفيان بحرا، وقال المروذي عن أحمد بن حنبل قال: أتدري من الإمام؟ الإمام سفيان الثوري، لا يتقدمه أحد في قلبي، وقال شعبة: ساد سفيان الناس بالورع والعلم.\nمن أقواله: ليس الزهد بأكل الغليظ ولُبس الخشن، ولكنه قصر الأمل وارتقاب الموت، ومنها: المال داء هذه الأمة والعالم طبيب هذه الأمة، فإذا جر العالم الداء إلى نفسه، فمتى يبرئ الناس؟ ومنها: زينوا العلم والحديث بأنفسكم ولا تتزينوا به.\nتوفي سنة إحدى وستين ومائة.\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٧١ - ٣٧٤) وحلية الأولياء (٦/ ٣٥٦ - ٣٩٣) ومشاهير علماء الأمصار (١٦٩ - ١٧٠) والسير (٧/ ٢٢٩ - ٢٧٩) والجرح والتعديل (١/ ٥٥ - ٦٢و٤/ ٢٢٢ - ٢٢٥) وتاريخ بغداد (٩/ ١٥١ - ١٧٤) ووفيات الأعيان (٢/ ٣٨٦ - ٣٩١) وتهذيب الكمال (١١/ ١٥٤ - ١٦٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٣ - ٢٠٧) وشذرات الذهب (١/ ٢٥٠ - ٢٥١).","vol":"2","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-959>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في تلبيس إبليس عنه قال: من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة. (١)\n\" التعليق:\nهذا رد على بعض الناس الذين يدعون إلى التعلم من المبتدعة ويقولون: ما علينا من بدعهم، نأخذ علمهم ونترك بدعتهم. والذي ينبغي أن يقال: إن العلوم الشرعية مهما كان نوعها لا ينبغي أن تؤخذ عن مبتدع، أما العلوم الدنيوية فلا بأس ما لم يستغلها المبتدع في نشر بدعته فيجب الحذر منه على كل حال، هذا إن لم يكن غيره من طلبة العلم السلفيين -كثرهم الله- ولا يخلو منهم زمان ولا مكان إن شاء الله. أما إن كان من السلفيين من هو متمكن في أي علم من العلوم فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره.\n\n- عن سفيان الثوري: من جالس صاحب بدعة، لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار، وإما أن يقول: والله لا أبالي ما تكلموا به، وإني واثق بنفسي، فمن أمن الله طرفة عين على دينه، سلبه إياه. (٢)\n- جاء في الإبانة عنه قال: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة خرج\n_________\n(١) التلبيس (ص.٢٣).\n(٢) البدع لابن وضاح (ص.١٠٤) وانظر الاعتصام (١/ ١٧٢).","vol":"2","page":395},{"text":"من عصمة الله ووكل إلى نفسه. (١)\n\" التعليق:\nنسأل الله المعافاة في الدين والدنيا. اللهم لا تسلط علينا من يخرجنا من عصمتك ويكلنا إلى أنفسنا. رحمك الله يا أمير المؤمنين في الحديث وأنت من أنت علما وتقوى، فبمثلك يقتدى وعلى نهجك يحتذى. ومن كلامك ينبغي أن تكون الحكمة وهذه منها وقد وضعت للمسلمين سدا أمام المبتدعة لو كانوا يعقلون، ولَكنِ المسلمون عامة وشبابهم وقراؤهم خاصة لا يقرأون مثل هذه الحكم والنصوص الصادرة عن تجربة وعن علم بالله وبرسوله وبسلف هذه الأمة ولكنهم يشغلون أوقاتهم بما لا فائدة فيه، فكيف يستفيدون من مثل هذا؟ والله المستعان.\n- وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء. (٢)\n- جاء في صيانة الإنسان عنه قال: المراد بالسواد الأعظم هم من كان من أهل السنة والجماعة ولو واحدا. (٣)\n- عن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب فابعث إليهما بالسلام وادع\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٦١/ ٤٤٤)، انظر طبقات الحنابلة (٢/ ٤٢) والسير (٧/ ٢٦١).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ٧١/٤٩) والتلبيس (١٨) وصيانة الإنسان (ص.٣١٦).\n(٣) صيانة الإنسان (ص.٣٠٨).","vol":"2","page":396},{"text":"لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة. (١)\n- عن سفيان قال: اسلكوا سبيل الحق، ولا تستوحشوا من قلة أهله. (٢)\n- وجاء في ذم الكلام عنه قال: لو لم يأتوني لأتيتهم في بيوتهم -يعني أصحاب الحديث. (٣)\n\" التعليق:\nلأن مجالستهم رحمة، ومدارستهم نور، وصحبتهم ضياء، إذ إنهم ورثة الرسول - ﷺ - وحملة الخير والعقيدة السلفية الصحيحة، والذابون عن شريعته، والنافون عن طريقته كل تحريف وكذب وبدعة، فكثر الله سوادهم.\n- وجاء في الإبانة عنه قال: ما من ضلالة إلا ولها زينة، فلا تعرض دينك إلى من يبغضه إليك. (٤)\n- وجاء في شرف أصحاب الحديث عنه قال: إنما الدين بالآثار ليس بالرأي، إنما الدين بالآثار ليس بالرأي، إنما الدين بالآثار ليس بالرأي. (٥)\n- جاء في الإبانة عن فضيل: كان سفيان إذا رأى إنسانا يجادل ويماري يقول أبو حنيفة ورب الكعبة. (٦)\n- وجاء في ذم الكلام بالسند إلى أحمد بن يونس قال: قال رجل\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٧١ - ٧٢/ ٥٠) الحلية (٧/ ٣٤) والتلبيس (ص.١٧).\n(٢) الاعتصام (١/ ٤٦).\n(٣) ذم الكلام (ص.٢١٥) وشرف أصحاب الحديث (ص.٢٣٤) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٤٧٥).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٤٦١ - ٤٦٢/ ٤٤٧).\n(٥) شرف أصحاب الحديث (ص.٦) جامع بيان العلم وفضله بنحوه (١/ ٧٨٢).\n(٦) الإبانة (٢/ ٣/٥١١/ ٥٩٣).","vol":"2","page":397},{"text":"لسفيان: أوصني وأنا أسمع قال: إياك والأهواء، إياك والخصومات، إياك والسلطان. (١)\n- وجاء في تلبيس إبليس عنه قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. (٢)\n- وجاء في ذم الكلام عنه قال: ينبغي للرجل ألا يحك رأسه إلا بأثر. (٣)\n- وجاء في السير عنه: من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم. (٤)\n\" التعليق:\nقال الإمام الذهبي عقبه: أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة.\n- وفيها: قال زكريا الساجي، عن أحمد بن محمد البغدادي: قال المزي شيخنا -أظنه أبا بكر الأثرم-: سمعت أبا نعيم يقول: دخل الثوري يوم الجمعة من الباب القبلي، فإذا الحسن بن صالح يصلي، فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق، وأخذ نعليه، فتحول إلى سارية أخرى.\n- وقال العلاء بن عمرو الحنفي، عن زافر بن سليمان: أردت الحج، فقال لي الحسن بن صالح: إن لقيت أبا عبد الله سفيان الثوري بمكة، فأقره مني\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢١٤) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٤/٢٥٤) والحلية (٧/ ٢٨).\n(٢) التلبيس (ص.٢٢ - ٢٣) وذم الكلام (ص.٢١٧) وأصول الاعتقاد (١/ ١٤٩/٢٣٨) وشرح السنة للبغوي (١/ ٢١٦) وانظر مجموع الفتاوى (١٠/ ٩).\n(٣) ذم الكلام (ص.٩٨).\n(٤) السير (٧/ ٢٦١) وشرح السنة للبغوي (١/ ٢٢٧) والحلية (٧/ ٣٤).","vol":"2","page":398},{"text":"السلام، وقل: أنا على الأمر الأول. فلقيت سفيان في الطواف، فقلت: إن أخاك الحسن بن صالح يقرأ عليك السلام، ويقول: أنا على الأمر الأول. قال: فما بال الجمعة؟.\nقال الذهبي: كان يترك الجمعة، ولا يراها خلف أئمة الجور، بزعمه. (١)\n- جاء في التلبيس عن أبي همام السكوني قال: حدثني أبي قال سمعت سفيان يقول: لا يقبل قول إلا بعمل ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. (٢)\n- قال سفيان: وجدت الأمر الاتباع. (٣)\n- عن مؤمل بن إسماعيل قال: سمعت سفيان يقول: المسلمون كلهم عندنا على حالة حسنة إلا رجلين: صاحب بدعة أو صاحب سلطان. (٤)\n- قال سفيان: ليس شيء أبلغ في فساد رجل وصلاحه من صاحب. (٥)\n- عن شعبة قال: كان سفيان الثوري يبغض أهل الأهواء وينهى عن مجالستهم أشد النهي وكان يقول: عليكم بالأثر وإياكم والكلام في ذات الله. (٦)\n- وجاء في الإبانة عن الفريابي قال: كان سفيان الثوري ينهاني عن\n_________\n(١) السير (٧/ ٣٦٣).\n(٢) التلبيس (ص.١٧) وهو في ميزان الاعتدال (١/ ٩٠) عن ابن مسعود مرفوعا وقال الذهبي عقبه: \"وهذا إنما هو من قول الثوري\"، وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ٩٨/١١٣) وذم الكلام (ص.١٢٦).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٤/٢٥٥).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٨/ ٥٠٤).\n(٦) ذم الكلام (ص.٢٢١).","vol":"2","page":399},{"text":"مجالسة فلان يعني رجلا من أهل البدع. (١)\n- وفيها عن عثمان بن زائدة قال: أوصاني سفيان قال: لا تخالط صاحب بدعة. (٢)\n- وكان يجلس إلى سفيان الثوري فتى كثير التفكر، طويل الإطراق، فأراد سفيان أن يحركه؛ ليسمع كلامه، فقال: يا فتى إن من كان قبلنا مروا على خيل عتاق، وبقينا على حمر دبرة. فقال: يا أبا عبد الله إن كنا على الطريق؛ فما أسرع لحوقنا بهم. (٣)\nقال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: قال أبو بكر بن عياش: كان سفيان ينكر على من يقول: العبادات ليست من الإيمان، وعلى من يقدم على أبي بكر وعمر أحدا من الصحابة. (٥)\n- وفيها عنه أنه قال: إن قوما يقولون: لا نقول لأبي بكر وعمر إلا خيرا، ولكن علي أولى بالخلافة منهما. فمن قال ذلك، فقد خطأ أبا بكر وعمر وعليا، والمهاجرين والأنصار، ولا أدري ترتفع مع هذا أعمالهم إلى\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٣/ ٤٥٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٣/ ٤٥٣).\n(٣) الحوادث والبدع (ص.١٥٠) وهو في ذم الكلام (ص.٢١٦).\n(٤) ما جاء في البدع (٩٢).\n(٥) السير (٧/ ٢٥٢).","vol":"2","page":400},{"text":"السماء؟. (١)\n- وفيها: قال عطاء بن مسلم: قال لي الثوري: إذا كنت بالشام، فاذكر مناقب علي، وإذا كنت بالكوفة، فاذكر مناقب أبي بكر وعمر. (٢)\n- وفيها عنه أنه قال: تركتني الروافض، وأنا أبغض أن أذكر فضائل علي. (٣)\n- وفيها عنه: امسح عليهما ما تعلقتا بالقدم، وإن تخرقا. قال: وكذلك كانت خفاف المهاجرين والأنصار مخرقة مشققة. (٤)\n- وفيها عن الفريابي سمعت سفيان ورجل يسأله عن من يشتم أبا بكر؟ فقال: كافر بالله العظيم. قال: نصلي عليه؟ قال: لا، ولا كرامة. قال: فزاحمه الناس حتى حالوا بيني وبينه، فقلت للذي قريبا منه: ما قال؟ قلنا: هو يقول: لا إله إلا الله، ما نصنع به؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ارفعوه بالخشب حتى تواروه في قبره. (٥)\n- وقال سفيان الثوري ﵀: لا يجتمع حب عثمان وعلي ﵄ إلا في قلوب نبلاء الرجال. (٦)\n- جاء في أصول الاعتقاد عن شعيب بن حرب قال: قلت يا أبا عبد الله\n_________\n(١) السير (٧/ ٢٥٣) وانظر سنن أبي داود (٤٦٣٠) وشرح السنة للبغوي (١/ ٢٢٩).\n(٢) السير (٧/ ٢٦٠).\n(٣) السير (٧/ ٢٥٣).\n(٤) السير (٧/ ٢٥٤).\n(٥) السير (٧/ ٢٥٣).\n(٦) الشريعة (٣/ ٤١٣) والحلية (٧/ ٣٢) والتذكرة (٣/ ٨٤٠) والسير (٧/ ٢٧٣).","vol":"2","page":401},{"text":"-يعني لسفيان الثوري- ما موافقة السنة؟ قال: تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت حتى تقدم عثمانا وعليا على من بعدهما. (١)\n- وفيه عن إبراهيم بن المغيرة -وكان شيخا حجاجا- قال: سألت الثوري: يصلى خلف من يسب أبا بكر وعمر؟ قال: لا. (٢)\n- وجاء في السنة للخلال: عن عبد العزيز بن أبان القرشي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: من قدم على أبي بكر وعمر أحدا فقد أزرى على اثني عشر ألفا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض. (٣)\n- وفيها عن يوسف بن أسباط قال: قال رجل لسفيان الثوري: بلغنا أنك تبغض عثمان؟ ففزع فقال: لا والله ولا معاوية رحمهما الله. (٤)\n- وقال حفص بن غياث: قلت لسفيان: يا أبا عبد الله، إن الناس قد أكثروا في المهدي، فما تقول فيه؟ قال: إن مر على بابك، فلا تكن فيه في شيء حتى يجتمع الناس عليه. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في السير: عن سفيان قال: ليس الزهد بأكل الغليظ، ولُبس\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٥٢ - ١٤٥٣/ ٢٦٢٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٤٥/٢٨١٣).\n(٣) السنة للخلال (١/ ٣٧٥) والسير (٧/ ٢٥٤) وأصول الاعتقاد (٧/ ١٣٦٦/٢٤٤١).\n(٤) السنة للخلال (١/ ٤٤٦).\n(٥) السير (٧/ ٢٥٣).","vol":"2","page":402},{"text":"الخشن، ولكنه قصر الأمل، وارتقاب الموت. (١)\n- وفيها: قال سفيان: الزهد زهدان: زهد فريضة، وزهد نافلة. فالفرض: أن تدع الفخر والكبر والعلو، والرياء والسمعة، والتزين للناس، وأما زهد النافلة: فأن تدع ما أعطاك الله من الحلال، فإذا تركت شيئا من ذلك، صار فريضة عليك ألا تتركه إلا لله. (٢)\n- وقال سفيان الثوري لرجل عليه صوف: لباسك هذا بدعة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الإبانة عن ابن المبارك، سمع سفيان يقول: من زعم أن ﴿قُلْ ﴿هُوَ اللَّهُ أحد﴾ (٤) مخلوق، فقد كفر بالله. (٥)\n- وفيها عن سفيان بن وكيع قال سمعت أبي يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: الإيمان قول وعمل، والقرآن كلام الله غير مخلوق. (٦)\n- جاء في مجموع الفتاوى: قال سفيان الثوري: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. (٧)\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من قال القرآن مخلوق فهو\n_________\n(١) السير (٧/ ٢٤٣).\n(٢) السير (٧/ ٢٤٤).\n(٣) التلبيس (ص.٢٤٣).\n(٤) الإخلاص الآية (١).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٢/٦٢ - ٦٣/ ٢٧١) والسير (٧/ ٢٧٣).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٢/١٤ - ١٥/ ١٩٧).\n(٧) الفتاوى (١٢/ ٥٠٨).","vol":"2","page":403},{"text":"زنديق. (١)\n- وفيه عن معدان قال: سألت سفيان الثوري عن قوله: وَهُوَ ﴿مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) قال: علمه. (٣)\n- وفيه عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية؟ فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف. (٤)\n- وجاء في ذم الكلام بالسند إلى عبد الله بن داود الخريبي: سألت سفيان الثوري عن الكلام فقال: دع الباطل، أين أنت عن الحق، اتبع السنة ودع الباطل. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>موقفه من الخوارج:</span>\n- عن أبي أسامة قال رجل لسفيان: أتشهد على الحجاج وأبي مسلم أنهما في النار؟ قال: لا إذا أقرا بالتوحيد. (٦)\n- وعن طاوس قال: قال ابن عباس: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، قال سفيان: أي ليس كفرا ينقل عن الملة: ﴿وَمَنْ لَمْ يحكم بما أنزل اللَّهُ\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٧/٤١٥) والسنة لعبد الله (١١).\n(٢) الحديد الآية (٤).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٤٥/٦٧٢) والشريعة (٢/ ٦٨/٦٩٧) والسنة لعبد الله (٨١) والسير (٧/ ٢٧٤).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٢/٩٣٠) ومقدمة شرح السنة للبغوي (١/ ١٧١) والفتاوى (٥/ ٣٩) والشريعة (٢/ ١٠٤ - ١٠٥/ ٧٦٥) والسير (٧/ ٢٧٤).\n(٥) ذم الكلام (٢١٤) وشرح السنة (١/ ٢١٧).\n(٦) أصول الاعتقاد (٦/ ١١٥٠/٢٠٢١).","vol":"2","page":404},{"text":"فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١). (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن عبد الرزاق سمعت معمرا وسفيان وابن جريج ومالكا وابن عيينة كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (٣)\n- وجاء في السنة قال عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الله بن نمير سمعت سفيان وذكر المرجئة فقال: رأي محدث أدركنا الناس على غيره. (٤)\n- وجاء في الإبانة عنه قال: كان الفقهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. (٥)\n- وجاء في السير بالسند إليه قال: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث: يقولون: الإيمان قول ولا عمل ونقول: قول وعمل، ونقول: إنه يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص، ونحن نقول: النفاق وهم يقولون: لا نفاق. (٦)\n- وعن محمد بن يوسف قال: دخلت على سفيان الثوري وفي حجره\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٦/٧٣٦/ ١٠١٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ٦/٨١٣/ ١١١٤) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٨ - ١٠٢٩/ ١٧٣٥) وبنحوه في السنة لعبد الله (٩٧).\n(٤) السنة لعبد الله (٨٣) والإبانة (٢/ ٩٠٣/١٢٦٥) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٧٥ - ١٠٧٦/ ١٨٤٧) والشريعة (١/ ٣٠٩/٣٣٦) والسنة للخلال (٣/ ٥٦٣/٩٥٢).\n(٥) الإبانة (٢/ ٨٠٧/١٠٩٨).\n(٦) السير (١١/ ١٦٢) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤) وشرح السنة (١/ ٤١).","vol":"2","page":405},{"text":"المصحف وهو يقلب الورق فقال: ما أحد أبعد منه من المرجئة. (١)\n- عن عبد الصمد بن حسان قال: قال سفيان الثوري: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل مخافة أن يزكوا أنفسهم، لا يجوز عمل إلا بإيمان ولا إيمان إلا بعمل، فإن قال: من إمامك في هذا؟ فقل سفيان الثوري. (٢)\n- وفيه عن إبراهيم بن المغيرة وكان شيخا حجاجيا. قال: سألت سفيان الثوري أصلي خلف من يقول: الإيمان قول بلا عمل؟ قال: لا ولا كرامة. (٣)\n- وفي السير عن مؤمل بن إسماعيل قال: مات عبد العزيز فجيء بجنازته، فوضعت عند باب الصفا، وجاء سفيان الثوري، فقال الناس: جاء سفيان، جاء سفيان. فجاء حتى خرق الصفوف، وجاوز الجنازة، ولم يصل عليها، لأنه كان يرى الإرجاء. فقيل لسفيان، فقال: والله إني لأرى الصلاة على من هو دونه عندي، ولكن أردت أن أري الناس أنه مات على بدعة. (٤)\n- وجاء في السير: عن محمد بن عمار الرازي قال: سمعت أبا نعيم، سمعت الثوري يقول: الإيمان يزيد وينقص. قلت: ما تقول أنت يا أبا نعيم؟ فزورني وقال: أقول بقول سفيان. ولقد مات مسعر وكان من خيارهم، وسفيان وشريك شاهدان، فما حضرا جنازته. (٥)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٧/١٨٢٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٢/١٧٩٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٦/١٨٢٥).\n(٤) السير (٧/ ١٨٦).\n(٥) السير (٧/ ١٧٣).","vol":"2","page":406},{"text":"- وعن أبي نعيم قال: مرت بنا جنازة مسعر بن كدام منذ خمسين سنة ليس فيها سفيان ولا شريك. (١)\nتنبيه: تقدم معنا موقف مسعر بن كدام من المرجئة وأنه يقول الإيمان قول وعمل، ولم يكن مرجئيا، وإنما ترك الاستثناء، فمن أجل ذلك وقف منه سفيان وشريك هذا الموقف فلم يحضرا جنازته. وحمل أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان (٢) ترك مسعر للاستثناء على الدخول في الإيمان لا على الاستكمال.\n- وقال فضيل سمعت سفيان الثوري يقول: من صلى إلى هذه القبلة فهو عندنا مؤمن والناس عندنا مؤمنون بالإقرار والمواريث والمناكحة والحدود والذبائح والنسك، ولهم ذنوب وخطايا الله حسبهم، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم لا ندري ما لهم عند الله. (٣)\n- وعن عبد الصمد بن حسان قال: قال سفيان الثوري: اتقوا هذه الأهواء المضلة، قيل له: بين لنا رحمك الله، قال سفيان: أما المرجئة فيقولون: الإيمان كلام بلا عمل، من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فهو مؤمن مستكمل إيمانه على إيمان جبريل والملائكة، وإن قتل كذا وكذا مؤمنا وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة، وهم يرون السيف على أهل القبلة. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٦ - ١٠٦٧/ ١٨٢٦).\n(٢) (ص.٦٩ - ٧٠).\n(٣) السنة لعبد الله (١١٤) والسنة للخلال (٣/ ٥٦٧/٩٥٩) مختصرا.\n(٤) الشريعة (٣/ ٥٨٣ - ٥٨٤/ ٢١١٦) واللالكائي (٥/ ١٠٧١/١٨٣٤).","vol":"2","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن حكام بن سلم قال: سألت سفيان الثوري -يعني عن هذا الحديث: \"صنفان ليس لهما في الإسلام نصيب\" (١) - قال: هم الذين يقولون الإيمان قول، وقوم يزعمون أن لا قدر. (٢)\n- وفيه: عن سفيان الثوري قال سمعت أعرابيا وهو مستلقىً بعرفة وهو يقول: اللهم من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفا؟ ومن أولى بالعفو عني منك؟ علمك فيّ سابق، وأمرك بيّ محيط، أطعتك بإذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب رحمتك وانقطاع حجتي وبفقري إليك وغناك عني، أن تغفر لي وترحمني. اللهم لم أحسن حتى أعطيتني ولم أسئ حتى قضيت علي. اللهم إنا أطعناك وبنعمتك في أحب الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا الله، ولم نعصك بنعمتك في أبغض الأشياء إليك: الشرك، فاغفر ما بينهما. اللهم إنك أنس المؤمنين لأوليائك وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم وتطلع على سرائرهم، وسري لك اللهم مكشوف، وأنا لك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا أغمت علي الهموم لجأت إليك استجارة بك، علما بأن أزمة الأمور بيدك وأن مصدرها عن قضائك. (٣)\n- وفيه: عن شعيب بن حرب قال: قلت لسفيان الثوري: تسبب لي\n_________\n(١) الترمذي (٤/ ٣٩٥/٢١٤٩) وقال: \"وهذا حديث غريب حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٢٤/٦٢) من حديث ابن عباس. وضعفه ابن القطان في الوهم والإيهام (٣/ ٦١١ - ٦١٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧١٥/١١٧١).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٢٣ - ٧٢٤/ ١١٨٨).","vol":"2","page":408},{"text":"قدري أزوجه؟ قال: لا ولا كرامة. (١)\n- وفي الإبانة عن عثمان بن شبيب قال: حدثني أبي؛ قال: كنا عند سفيان الثوري؛ فجاءه رجل، فقال: ما تقول في رجل قال: الخير بقدر والشر ليس بقدر؟ فقال له سفيان: هذه مقالة المجوس. (٢)\n- وفيها عن عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت سفيان قال له رجل: يا أبا عبد الله: أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: ما أجبر. قد علمت أن ما عمل العباد لم يكن لهم بد من أن يعملوا. (٣)\n- وفيها: عن عبد الله بن نمير قال: كتب أبو داود الديلي إلى سفيان الثوري: أما بعد؛ فما تقول في رب قدر علي هداي وعصمتي وإرشادي فخذلني وأضلني، وحرمني الصواب وأوجب علي العقاب، وأنزلني دار العذاب؛ أعدل علي هذا الرب أم جار؟ قال: فكتب إليه سفيان: أما بعد؛ فإن كنت تزعم أن العصمة والتوفيق والإرشاد وجب لك على الله فمنعك ذلك؛ فقد ظلمك ومحال أن يظلم الله ﷿ أحدا، وإن كنت تزعم أن ذلك من فضل الله؛ فإن فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. (٤)\n- وفيها عن يحيى بن سعيد القطان: لما قدم سفيان الثوري البصرة: جعل ينظر إلى أمر الربيع -يعني ابن صبيح- وقدره عند الناس، سأل أي شيء مذهبه؟ قالوا: ما مذهبه إلا السنة، قال: من بطانته؟ قالوا: أهل القدر،\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١١ - ٨١٢/ ١٣٦٥) والإبانة (٢/ ١٠/٢٦٠/ ١٨٧٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٥٧/ ١٨٦٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢٥٧/ ١٨٦٤).\n(٤) الإبانة (٢/ ١١/٢٧٩/ ١٩١٢).","vol":"2","page":409},{"text":"قال: هو قدري.\n\" التعليق:\nقال ابن بطة: رحمة الله على سفيان الثوري، لقد نطق بالحكمة فصدق، وقال بعلم فوافق الكتاب والسنة وما توجبه الحكمة ويدركه العيان، ويعرفه أهل البصيرة والبيان، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (١). (٢)\n\nالإفريقي (٣) (١٦١ هـ)\nعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي أبو أيوب، القدوة الإمام، قاضي إفريقية وعالمها ومحدثها على سوء في حفظه. أول مولود ولد في الإسلام بعد فتح أفريقية بإفريقية. روى عن أبيه وبكر بن سوادة وأبي عبد الرحمن الحبلي وعبد الرحمن بن رافع التنوخي صاحب لعبد الله بن عمرو وأبي عثمان المصري صاحب لأبي هريرة وعدة من التابعين. وروى عنه ابن وهب وجعفر ابن عون ويعلى بن عبيد وأبو عبد الرحمن المقرئ وخلق كثير.\nوفد على المنصور بالكوفة فوعظه وصدعه بالحق. كان الثوري يعظمه جدا.\nتوفي سنة إحدى وستين بعد المائة للهجرة.\n_________\n(١) آل عمران الآية (١١٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٢ - ٤٥٣/ ٤٢١).\n(٣) تهذيب الكمال (١٧/ ١٠٢ - ١١٠) والسير (٦/ ٤١١ - ٤١٢) وميزان الاعتدال (٢/ ٥٦١ - ٥٦٤) والكامل في التاريخ (٥/ ٣١١ وما بعدها).","vol":"2","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-967>موقفه من المشركين:</span>\nقيل: أسرته الروم، فقدم ليقتل بعد قتل طائفة، قال: فحركت شفتي وقلت: الله الله ربي، لا أشرك به شيئا ولا أتخذ من دونه وليا. فأبصر الطاغية فعلي فقال: قدموا شماس العرب. لعلك قلت: الله الله ربي لا أشرك به شيئا؟ قلت: نعم. قال: ومن أين علمته؟ قلت: نبينا أمرنا به. فقال لي: وعيسى أمرنا به في الإنجيل. فأطلقني ومن معي. (١)\n\nإبراهيم بن أدهم (٢) (١٦٢ هـ)\nإبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر، القدوة الإمام، سيد الزهاد، أبو إسحاق العجلي نزيل الشام، ولد في حدود المائة. حدث عن أبيه ومحمد بن زياد الجمعي وأبي إسحاق السبيعي ومالك بن دينار وسليمان الأعمش ومقاتل بن حيان وغيرهم. وروى عنه رفيقه سفيان الثوري وشقيق البلخي وضمرة بن ربيعة وخلف بن تميم وعتبة بن السكن وغيرهم. حج أبوه بأمه فولدت له إبراهيم بمكة. كان إبراهيم من الأشراف وكان أبوه كثير المال والخدم، فترك ذلك وأقبل على إصلاح دينه فكان رجلا فاضلا، كان يرتجز:\nاتَّخِذِ اللهَ صاحبا ... ودعِ الناسَ جانبا\n_________\n(١) السير (٦/ ٤١٢).\n(٢) تهذيب الكمال (٢/ ٢٧ - ٣٩) والسير (٧/ ٣٨٧ - ٣٩٦) والمنتظم (٨/ ٢٤٠ - ٢٤٢) والوافي بالوفيات (٥/ ٣١٨ - ٣١٩) والبداية والنهاية (١٠/ ١٣٨ - ١٤٩) وشذرات الذهب (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).","vol":"2","page":411},{"text":"توفي سنة اثنتين وستين بعد المائة للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>موقفه من المبتدعة:</span>\n- وقيل لإبراهيم بن أدهم: إن الله يقول في كتابه: ﴿ادعوني أستجب لَكُمْ﴾ (١)، ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا، فقال: ماتت قلوبكم في عشرة أشياء: أولها: عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، والثاني: قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به، والثالث: ادعيتم حب رسول الله - ﷺ - وتركتم سنته، والرابع: ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، والخامس: قلتم: نحب الجنة وما تعملون لها .. إلى آخر الحكاية. (٢)\n- عن سالم الخواص قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: أصحاب الحديث بهم يدفع البلوى عن الناس أو قال الآفات. (٣)\n- عن أبي محمد إسماعيل بن عبد الجبار العسقلاني قال: سمعت إبراهيم ابن أدهم يقول: من صافح صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. (٤)\n- عن إبراهيم بن أدهم قال: يأتي على الناس زمان يكون أعز الأشياء ثلاثة، أخ يستأنس إليه، أو درهم من حلال، أو سنة يعمل بها. (٥)\n_________\n(١) غافر الآية (٦٠).\n(٢) الحلية لأبي نعيم (٨/ ١٥ - ١٦) وانظر الاعتصام (١/ ١٢١).\n(٣) ذم الكلام (ص.٢٠٤) وبنحوه عند الخطيب في الشرف (ص.١٢١).\n(٤) ذم الكلام (ص.٢٢٠).\n(٥) ذم الكلام (ص.٢٢٤).","vol":"2","page":412},{"text":"أرطأة بن المنذر الألهاني (١) (١٦٣ هـ)\nأَرْطَأَة بن المُنْذِر بن الأسود بن ثابت الأَلْهَانِي السَّكُوني، أبو عَدي الشّامي الحِمْصي، أدرك ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، وأبا أمامة الباهلي وعبد الله بن بسر المازني.\nروى عن أبي عامر عبد الله بن عامر الألهاني ومجاهد وسعيد بن المسيب وعطاء وغيرهم. وروى عنه عبد الله بن المبارك، وشريح بن يزيد، وإسماعيل ابن عياش وغيرهم.\nقال ابن حبان: ثقة، حافظ، فقيه. وقال أبو اليمان: كنت أشبه أحمد ابن حنبل بأرطأة بن المنذر أبي عدي. قال محمد بن كثير: ما رأيت أحدا أعبد ولا أزهد ولا الخوف عليه أبين منه على أرطأة بن المنذر. قال يعقوب بن سفيان: مات سنة ثلاث وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: عن بقية بن الوليد قال: سألت أرطأة بن المنذر قال: قلت: أرأيت من كذب بالقدر؟ قال: هذا لم يؤمن بالقرآن، قلت: أرأيت من فسره على الجذام والبرص والطويل والقصير وأشباه هذا؟ قال: هذا لم يؤمن بالقرآن، قلت: فشهادته؟ قال: إذا استيقن أنه كذلك؛ لم تجز شهادته لأنه عدو، ولا تجوز شهادة عدو. (٢)\n_________\n(١) تاريخ دمشق (٨/ ٨ - ١٦) وتهذيب الكمال (٢/ ٣١١ - ٣١٤) وتهذيب التهذيب (١/ ١٩٨) والوافي بالوفيات (٨/ ٣٤٧) والعبر (١/ ١٢٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٩/ ١٨٢٥) والشريعة (١/ ٤٣٥/٥٤٥).","vol":"2","page":413},{"text":"عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة المَاجِشُون (١) (١٦٤ هـ)\nعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الإمام المفتي الكبير أبو عبد الله ويقال أبو الأصبغ التيمي مولاهم المدني الفقيه، والد المفتي عبد الملك بن المَاجِشُون صاحب مالك. روى عن عبد الله بن دينار وعبيد الله بن عمر ومحمد بن المنكدر والزهري وطائفة. روى عنه ابنه عبد الملك وحجاج بن المنهال وحجين بن المثنى وموسى بن إسماعيل ووكيع بن الجراح وخلق سواهم. قال عنه الذهبي: لم يكن بالمكثر من الحديث، لكنه فقيه النفس فصيح كبير الشأن توفي سنة أربع وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى ابن بطة في الإبانة بالسند إلى أبي صالح كاتب الليث قال: أملى علي عبد العزيز بن الماجشون قال: احذروا الجدل فإنه يقربكم إلى كل موبقة ولا يسلمكم إلى ثقة، ليس له أجل ينتهي إليه وهو يدخل في كل شيء فاتخذوا الكف عنه طريقا فإنه القصد والهدى، وأن الجدل والتعمق هو جور السبيل وصراط الخطأ، فلا تحسبن التعمق في الدين رسخا، فإن الراسخين في العلم هم الذين وقفوا حيث تناهى علمهم، واحذرهم أن يجادلوك بتأويل القرآن واختلاف الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - وتجادلهم فتزل كما زلوا وتضل كما ضلوا، فقد كفتك السيرة -يعني سيرة السلف- مؤونتها وأقامت\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٢٣) والجرح والتعديل (٥/ ٣٨٦) ومشاهير علماء الأمصار (١٤٠ - ١٤١) وتهذيب الكمال (١٨/ ١٥٢ - ١٥٨) والسير (٧/ ٣٠٩ - ٣١٢) وتاريخ بغداد (١٠/ ٤٣٦ - ٤٣٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) وشذرات الذهب (١/ ٢٥٩).","vol":"2","page":414},{"text":"لك منها ما لم تكن لتعدله برأيك ولا تتكلفن صفة الدين لمن يطعن في الدين ولا تمكنهم من نفسك إنما يريدون أن يفتنوك أو يأتون بشبهة فيضلوك، ولا تقعد معهم قال الله ﷿: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١) ولعمري إن صفة الدين لبينة وإن سبله لواضحة وإن مأخذه لقريب لمن أراد الله هداه، ولم تكن الخصومة والجدل هواه، ولولا أن تأخذ الأمر من غير مأخذه أو تتبع فيه غير سبيل ... (٢) عوراتهم لمكشوفة وان حجتهم لداحضة ... (٣) دانوا الله بغير دين واحد بأديان شتى يمسون على دين ويصبحون به كافرين. (٤)\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطإ والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى وبتفصيلها لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدثٌ حدثَ بعدهم فما أحدثه إلا من\n_________\n(١) الأنعام الآية (٦٨).\n(٢) بياض بالأصل.\n(٣) بياض بالأصل.\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٣ - ٥٣٤/ ٦٥٩).","vol":"2","page":415},{"text":"اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفى، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجفوا، وطمح آخرون فغلوا، وإنهم في ما بين ذلك لعلى هدى مستقيم. (١)\n\" التعليق:\nلقد وضع هذا الإمام في هذه الكلمة الطيبة التي تستحق أن تكتب بماء الذهب، قواعد سلفية تسد الباب أمام كل مبتدع يتبجح ببدعته، فمن كان يعترف بهدي هؤلاء السلف فهذا هديهم، وهذا كلامهم، وهذه عقيدتهم التي عاشوا عليها وماتوا عليها فجزاهم الله خيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-974>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الفتاوى الكبرى: والمقصود قوله من وصف شيئا من ذات الله فجعل الموصوف من ذات الله وغالب كلام السلف على هذا، كقول عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون نظير مالك في كلامه المشهور في الصفات. وقد رواه بالإسناد أبو بكر الأثرم وأبو عمرو الطلمنكي وأبو عبد الله بن بطة في كتبهم وغيرهم قال: أما بعد فقد فهمت ما سئلت فيما تتابعت الجهمية ومن خلفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير، وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحسرت العقول دون معرفة قدره، ردت عظمته العقول فلم تجد مساغا فرجعت خاسئة وإنما أمروا\n_________\n(١) نقض المنطق (ص.٦ - ٧) وهو في الفقيه والمتفقه (١/ ٥٥٥ - ٥٥٦) والإبانة (٢/ ١٠/٢٤٧ - ٢٥٢/ ١٨٥٣) مطولا.","vol":"2","page":416},{"text":"بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدرته واصف، على أنه الحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه. الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر مخلوقاته، لا تكاد تراه صغيرا يحول ويزول ولا يرى له سمع ولا بصر لما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم وسيد السادة وربهم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، اعرف رحمك الله تعالى وغناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها إذا لم تعرف قدر ما وصف، فما كلفك علم ما لم يصف، هل يستدل بذلك على شيء من طاعته أو ينزجر به عن معصيته.\nفأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا قد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمى عن البين بالخفي فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها، فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ","vol":"2","page":417},{"text":"يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) فقال: لا يراه أحد يوم القيامة فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فهم بالنظر إليه ينضرون إلى أن قال: وإنما جحد رؤيته يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا. قال مؤمنين، وكان له جاحدا. وقال المسلمون: يا رسول الله: هل نرى ربنا فقال رسول الله - ﷺ -: هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب، قالوا: لا. قال: فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك (٢). وقال رسول الله - ﷺ -: لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط وينزوي بعضها إلى بعض (٣)، وقال لثابت ابن قيس: لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة (٤)\nوقال فيما بلغنا أن الله ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم فقال له رجل من العرب: إن\n_________\n(١) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٧٩/٢٩٦٨) مطولا، وأبو داود (٥/ ٩٨ - ٩٩/ ٤٧٣٠) عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁.\n(٣) أخرجه من حديث أنس: أحمد (٣/ ١٣٤و٢٢٩ - ٢٣٠) والبخاري (١١/ ٦٦٨/٦٦٦١) ومسلم (٤/ ٢١٨٧/٢٨٤٨) والترمذي (٥/ ٣٦٤/٣٢٧٢) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤٠٩/٧٧١٩).\n(٤) عزاه السيوطي في الدر (٦/ ٢٨٩) لمسدد في مسنده وابن أبى الدنيا في كتاب قرى الضيف وابن المنذر عن أبي المتوكل الناجي - ﵁ - أن رجلا من المسلمين مكث صائما ثلاثة أيام فذكره .. والحديث أصله في الصحيحين، البخاري (٧/ ١٥٠/٣٧٩٨) ومسلم (٣/ ١٦٢٤/٢٠٥٤).","vol":"2","page":418},{"text":"ربنا ليضحك قال: نعم قال: لا نعدم من رب يضحك خيرا (١) في أشباه لهذا مما لم يخصه. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السميع البصير﴾ (٢) وقال: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (٣) وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ (٤) وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تسجد لِمَا خَلَقْتُ بيدي﴾ (٥) وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦) فوالله ما دلهم على عظم ما وصف من نفسه وما تحيط به قبضته الأصغر (٧) نظيرها منهم عندهم، أن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله من نفسه فسماه على لسان رسوله\n_________\n(١) ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (٢/ ٢٦٩) من رواية عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن محمد بن عمرو يرفعه وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (١/ ٦١) وأورده البغوي في تفسيره (٤/ ٢٤) كلهم بلفظ (عجب ربكم من إلكم وقنوطكم). وقال الزيلعي في تخريج الكشاف (٣/ ١٧٥): \"غريب\". وأخرجه: أحمد (٤/ ١١) وابن ماجه (١/ ٦٤/١٨١) والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٠٧ - ٢٠٨/ ٤٦٩) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٤٤/٥٥٤)، كلهم من حديث أبي رزين قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره. قال: قلت: يا رسول الله، أويضحك الرب؟ قال: نعم، قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرا\". قال الشيخ الألباني: \"إسناده ضعيف\". وأخرجه: الخطيب في التاريخ (١٣/ ٤٤) وابن عدي في الكامل (٣/ ٥٤) من حديث عائشة ﵂ بلفظ: \"إن الله ليضحك من إياسة العباد وقنوطهم وقرب الرحمة منهم .. \" الحديث. وفيه خارجه بن مصعب متروك كما في التقريب.\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) الطور الآية (٤٨).\n(٤) طه الآية (٣٩).\n(٥) ص الآية (٧٥).\n(٦) الزمر الآية (٦٧) ..\n(٧) كذا بالأصل، ولعل الصواب إلا صغر.","vol":"2","page":419},{"text":"سميناه كما سماه ولم نتكلف منه صفة ما سواه، لا هذا ولا هذا، لا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف. اعلم رحمك الله أن العصمة في الدين أن تنتهي حيث انتهى بك ولا تجاوز ما قد حد لك فإن من قوام الدين معرفة المعروف وإنكار المنكر فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارث علمه الأمة، فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عينا ولا تكلفن بما وصف من ذلك قدرا، وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في الحديث عن نبيك من ذكر ربك، فلا تتكلفن علمه بعقلك ولا تصفه بلسانك واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف به نفسه مثل إنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحد الجاحدون مما وصف من نفسه فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون، مما لم يصف منها، فقد والله عز المسلمون الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه وما يبلغهم مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته من الرب قلب مسلم، ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن. وما ذكر عن رسول الله - ﷺ - أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما سمى ووصف الرب تعالى من نفسه، والراسخون في العلم الواقفون حيث انتهى علمهم الواصفون لربهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها لا ينكرون صفة ما سمى منها جحدا، ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقا، لأن الحق ترك ما ترك وسمى ما سمى فمن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت","vol":"2","page":420},{"text":"مصيرا، وهب الله لنا ولكم حكما وألحقنا بالصالحين. (١)\nقال الذهبي: وقيل: إنه نظر مرة في شيء من سلب الصفات لبعضهم، فقال: هذا الكلام بلا بناء وصفة بلا معنى. (٢)\n- وفي الإبانة: عن بقية بن الوليد عن عبد العزيز الماجشون قال: جهم وشيعته الجاحدون. (٣)\n\" التعليق:\nفانظر رحمك الله في قول هذا الإمام فإنه قاعدة عظيمة يهدم بها كل ما كتبه الأشاعرة والماتوريدية في عقائدهم، فإنها من هذا الباب، فما فيها إلا السلب الذي وصفه هذا الإمام بأنه هدم بلا بناء وصفة بلا معنى.\nأين الذين يقولون إن ابن تيمية هو الذي وضع هذه القواعد للأسماء والصفات، وقبله لم يكن أحد يعرف هذا؟ فبالله عليك اقرأ عقيدة هذا الإمام واقرأ ما كتبه ابن تيمية هل تجد أن ابن تيمية زاد شيئا على ما قرره هذا الإمام وغيره من الأئمة، إلا أنه ﵀ أحيى عقائدهم السلفية وقررها كما قرروها ولم يزد عليهم فجزاه الله خيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>موقفه من المرجئة:</span>\nعن أبي سلمة الخزاعي قال: قال مالك بن أنس وشريك وأبو بكر بن\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٩٤ - ٩٧) والسير (٧/ ٣١١ - ٣١٢) مختصرا، وذكر بعضه اللالكائي في أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٦ - ٥٥٧/ ٨٧٣).\n(٢) السير (٧/ ٣١٢).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٣/٩٧/ ٣٣١) والسنة للخلال (٥/ ٨٧).","vol":"2","page":421},{"text":"عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد: الإيمان المعرفة والإقرار والعمل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون قال: أما بعد فإنك سألتني أن أفرق لك في أمر القدر، ولعمري لقد فرق الله تعالى فيه: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (٢)؛ فأعلمنا أن له الملك والقدرة، وأن له العذر والحجة، ووص ف القدر تملكا والحجة إنذارا، ووصف الإنسان في ذلك محسنا ومسيئا ومقدورا عليه ومعذورا عليه؛ فرزقه الحسنة وحمده عليها، وقدر عليه الخطيئة ولامه فيها؛ فحسبت حين حمده ولامه أنه مملك، ونسيت انتحاله القدر لأنه مملك؛ فلم يخرجه بالمحمدة واللائمة من ملكه، ولا يعذره بالقدر في خطيئته، خلقه على الطلب بالحيلة؛ فهو يعرفها ويلوم نفسه حين ينكرها، وعرفه القدرة؛ فهو يؤمن بها ولا يجد معولا إلا عليها؛ فرغب إلى الله ﷿ في التوفيق لعمله بملكه، موقن بأن ذلك في يده فيخطئه ما طلب، فيرجع في ذلك على لائمة نفسه مفزعه في التقصير ندامته على ما ترك من الأخذ بالحيلة، قد عرف أن بذلك يكون لله عليه به الحجة معوله في طلب الخير، ثقته بالله وإيمانه بالقدر حين يقول يطلب الخير: لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول حين يقع في الشر: لا عذر لي في معصية الله، مستسلم حين يطلب، ضعيف في نفسه، قوي حين يقع في الشر،\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٣١/١٥٨٧) والسنة للخلال (٣/ ٥٨٠/١٠٠٦).\n(٢) ق الآية (٣٧).","vol":"2","page":422},{"text":"لائما لأمره، ليس القدر بأحق عنده بأنه ظالم حين يعصي ربه، إن رأى أن أحدهما أحق من صاحبه؛ سفه الحق وجهل دينه، لا يجد عن الإقرار بالقدر مناصا ولا عن الاعتراف بالخطيئة محيصا، فمن ضاق ذرعا بهذا ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (١) فوالله؛ لا يجد بدا من أن يضرع إلى الله ضرع من يعلم أن الأمر ليس إليه، ويعتذر من الخطيئة اعتذار من كأنها لم تقدر عليه؛ فلا تملكوا أنفسكم جحد القدرة، ولا تعذروها بالقدر فرارا من حجته، ضعوا أمر الله كما وضعه، ألا تفرقوا بينه بعدما جمعه؛ فإنه قد خلط بعضه ببعض وجعل بعضه من بعض، فخلط الحيلة بالقدر ثم لام وعذر وقد كتب بعد ذلك، فلا تملكوا أنفسكم فتجحدوا نعمته في الهدى، ولا تغلوا في صفة القدر؛ فتعذروا أنفسكم بالخطأ، فإنكم إذا نحلتم أنفسكم باللائمة وأقررتم لربكم بالحكومة؛ سددتم عنكم باب الخصومة، فتركتم الغلو ويئس منكم العدو؛ فاتخذوا الكف طريقا فإنه القصد والهدى، وأن الجدل والتعمق هو جور السبيل وصراط الخطأ، ولا تحسبن التعمق في الدين رسوخا؛ فإن الراسخين في العلم هم الذين وقفوا حيث تناهى علمهم وقالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢).\nوإن أحببت أن تعلم أن الحيلة بالقدر كما وصفت لك؛ فانظر في أمر\n_________\n(١) الحج الآية (١٥) ..\n(٢) آل عمران الآية (٧).","vol":"2","page":423},{"text":"القتال، وما ذكر الله ﷿ منه في كتابه تسمع شيئا عجبا؛ من ذكر ملك ولا يغلب، ودولة تنقلب، ونصر محتوم، والعبد بين ذلك محمود وملوم، ينصر أولياءه وينتصر بهم، ويعذب أعداءه ويديلهم، يقول تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (١)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣)؛ قال: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (٤)، فافهم ظنهم أي الفريقين أولى بهم؛ المضيف إلى ربه المؤمن بقدره، أم الذي يزعم أنه قد ملكه؟ فإلى نفسه وكله، فإن ظنهم ذلك إنما هو قولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، ولكنا عصينا، ولو أطعنا؛ ما قتلنا ها هنا؛ فلعمري لئن كانوا صدقوا لقد صدقت، ولئن كانوا كذبوا لقد\n_________\n(١) التوبة الآية (١٥).\n(٢) آل عمران الآية (١٢٦).\n(٣) آل عمران الآية (١٦٠).\n(٤) آل عمران الآية (١٥٤) ..","vol":"2","page":424},{"text":"كذبت؛ فقال الملك تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لله﴾، وقال ﷿: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (١)\nفيديل الله أعداءه على أوليائه، فيستشهدهم بأيديهم ثم يكتب ذلك خطيئة عليهم، ثم يعذبهم بها ويسألهم عنها وهو أدالهم بها، وينصر أولياءه على أعدائه ثم يقول: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رميت إذ رميت وَلَكِنَّ اللَّهَ رمى﴾ (٢)، ثم يكتب ذلك حسنة لهم يحمدهم عليها ويثني عليهم بها، وهو تولى نصرهم فيها، يقول: الأمر كله لي، لا يغلب واحد من الفريقين إلا بي، وعدهم ببدر إحدى الطائفتين أنها لهم وعدا لا يخلف، ونقمة لا تصرف، ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم؛ فينقلبوا خائبين يقول لنبيه - ﷺ -: ﴿ليس لك مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٣)،\nتمم ذاك الوعد بمثل الحيلة وأعد لهم العدد والمكيدة، وإنما هو تسبب لقدرة خفية، وأنزل من السماء الملائكة لقتال ألف من قريش، ثم أوحى إليهم أني معكم يثبتهم بذلك؛ فثبتوا الذين آمنوا، حتى كأنه عند من ينكر القدر أمر يكابر وعدو يخاف منه أن يظفر،\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٤٠).\n(٢) الأنفال الآية (١٧).\n(٣) آل عمران الآية (١٢٨) ..","vol":"2","page":425},{"text":"وإبليس مع الكفار قد زين لهم أعمالهم ﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ (١)، فبينما الأمر هكذا كأنه أمر الناس الذين يخشون الغلبة ويجتهدون في المكيدة ولا يتركون في عدة؛ إذ قذف الرعب في قلوبهم فولوا مدبرين، وقال للملائكة: ﴿فاضربوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٢)؛ فجاءهم أمر لا حيلة لهم فيه ولا صبر لوليهم عليه، وإنما وعدهم عليه إبليس، فلما رأى الملائكة نكص على عقبيه وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣)، لا يجنبني وإياكم من بأسه جنة ولا يدفعه عني ولا عنكم عدة ولا قوة، لا ترون من يقاتلكم، لا تستطيعون دفع الرعب عن قلوبكم ولا أستطيع دفعه عن نفسي؛ فكيف أستطيع دفعه عنكم، وهم الذين كانوا حذروا وخيف منهم أن يظهروا، ورأوا منهم كثرة العدد حين قال: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤)\n_________\n(١) الأنفال الآية (٤٨).\n(٢) الأنفال الآية (١٢).\n(٣) الأنفال الآية (٤٨).\n(٤) الأنفال الآيتان (٤٣و٤٤) ..","vol":"2","page":426},{"text":"لمه؟ قال: ﴿ليقضي اللَّهُ أَمْرًا كان مَفْعُولًا﴾ (١)، فيخبرهم أنه قد فرغ وقضى، وأنه لا يريد أن يكون الأمر إلا هكذا، ويحسب القدري إنما ذلك من الله احتيال واحتفال وإعداد للقتال، وينسى أنه الغالب على أمره بغير مغالبة والقاهر لعدوه، إذا شاء بغير مكاثرة أهلك عادا بالريح العقيم، وأخمد ثمودا بالصيحة، وخسف بقارون وبداره الأرض، وأرسل على قوم لوط حجارة من السماء ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء قعصا لا مكر فيه ولا استدراج، ويستدرج ويمكر بمن لا يعجزه، ويأتي من حيث لا يحتسب من لا يمتنع منه مواجهة ومن ليست له على النجاة منه قدرة، وكلا الأمرين في قدره وقضائه سواء؛ فهو ينفذهما في خلقه على من يشاء، لم يهلك هؤلاء قعصا ولا قهرا؛ اغتناما لغرتهم، ولم يستدرج هؤلاء ويمكر بهم؛ شفقة أن يعجزوا مما أراد بهم لقدره وقضائه مخرجان، أحدهما ظاهر قاهر والآخر قوي خفي، لا يمتنع منه شيء ولا يوجد له مس، ولا يسمع له حس، ولا يرى له عين ولا أثر حتى يبرم أمره، فيظهر يباعد به القريب ويصرف به القلوب ويقرب به البعيد ويذل به كل جبار عنيد حتى يفعل ما يريد به، حفظ موسى ﵇ في التابوت واليم منفوسا ونزه يقربه من عدوه إليه للذي سبب أمره عليه وقد قدر وقضى أن نجاته فيه.\nقال لأمه: ﴿فإذا خفت عليه﴾ (٢) أن يأخذه فرعون ﴿فاقذفيه في اليم\n_________\n(١) الأنفال الآيتان (٤٤).\n(٢) القصص الآية (٧).","vol":"2","page":427},{"text":"فليلقه اليم بِالسَّاحِلِ﴾ (١) يأخذه فرعون هنالك لا يريد أن يأخذه إلا كذلك، فاختلجه من كنه ومن ثدي أمه إلى هول البحر وأمواجه، وأدخل قلب أمه اليقين أنه راده إليها وجاعله من المرسلين؛ فأمنت عليه الغرق، فألقته في اليم ولم تفرق، وأمر اليم يلقيه بالساحل؛ فسمع وأطاع، وحفظه ما استطاع حتى أداه إلى فرعون بأمره، وقد قدر وقضى على قلب فرعون وبصره حفظه وحسن ولايته بما قضى من ذلك فألقى عليه محبة منه ليصنعه على عينه، قد أمن عليه سطوته ورضي له تربيته، لم يكن ذلك منه على التغرير والشفقة، ولكن على اليقين والثقة بالغلبة، يصطفي له الأطعمة والأشربة والخدم والحضان، يلتمس له المراضع شفقا أن يميته، وهو يقتل أبناء بني إسرائيل عن يمين وشمال، يخشى أن يفوته وهو في يديه وبين حجره ونحره، يتبناه ويترشفه، يراه ولا يراه وقد أغفل قلبه عنه وزينه في عينه وحببه إلى نفسه؛ لمه؟ قال: ﴿ليكون لهم عدوًا وحزنًا﴾ (٢)، فمنه يفرق على وده لو عليه يقدر وهو في يديه وهو لا يشعر حتى رده بقدرته إلى أمه، وجعله بها من المرسلين، وفرعون خلال ذلك يزعم أنه رب العالمين وهو يجري في كيد الله المتين حتى أتاه من ربه اليقين مذعنا مستوسقا في كل مقال وقتال يرفعه طبقا عن طبق حتى إذا أدركه الغرق؛ قال: ﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلًّا الذي\n_________\n(١) طه الآية (٣٩).\n(٢) القصص الآية (٨).","vol":"2","page":428},{"text":"آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرائيل وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١)،فنسأل الله تمام النعمة في الهدى في الآخرة والدنيا، فإن ذلك ليس بأيدينا، نبرأ إليه من الحول والقوة، ونبوء على أنفسنا بالظلم والخطيئة، الحجة علينا بغير انتحالنا القدرة على أخذ مادعانا إليه إلا بمنه وفضله صراحا، لا نقول كيف رزقنا الحسنة وحمدنا عليها ولا كيف قدر الخطيئة ولامنا فيها، ولكن؛ نلوم أنفسنا كما لامها، ونقر له بالقدرة كما انتحلها، لا نقول لما قاله لم قاله، ولكن نقول كما قاله، وله ما قال وله ما فعل: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢) ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). (٤)\n- وفيها عنه أنه قال: أما بعد؛ فإني موصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله - ﷺ -، وترك ما أحدث المحدثون في دينهم مما قد كفوا مؤنته وجرت فيهم سنته، ثم اعلم أنه لم تكن بدعة قط إلا وقد مضى قبلها ما هو عبرة فيها ودليل عليها؛ فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة، وأن السنة إنما جعلت سنة ليستن بها ويقتصر عليها وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق؛ فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد كفوا ولهم عن كشفها كانوا أقوى وبفضل لو كان فيها أحرى وأنهم لهم السابقون، فلئن كان\n_________\n(١) يونس الآية (٩٠) ..\n(٢) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٣) الأعراف الآية (٥٤).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/٢٤٠ - ٢٤٧/ ١٨٥٢).","vol":"2","page":429},{"text":"الهدى ما أنتم فيه؛ لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلت حدث حدث بعدهم ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي؛ فما دونهم مقصر ولا فوقهم محسر، لقد قصر أناس دونهم؛ فجفوا، وطمح آخرون عنهم؛ فغلوا، وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم، سألتني عن القدر، وما جحد منه من جحد؛ فعلى الخبير إن شاء الله سقطت، وذلك أرى الذي أردت فما أعلم أمرا مما أحدث الناس فيه محدثة أو ابتدعوا فيه بدعة أبين أثرا ولا أثبت أصلا ولا أكثر -والحمد لله- أهلا من القدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء، ما أنكروا من الأشياء يذكرونه في شعرهم وكلامهم ويعزون به أنفسهم فيما فاتهم ثم ما زاده الإسلام إلا شدة، لقد كلم به رسول الله - ﷺ - في غير موطن، ولا اثنين، ولا ثلاثة، ولا أكثر من ذلك، وسمعه المسلمون منه، وتكلموا به في حياته وبعد وفاته - ﷺ -؛ يقينا، وتسليما، وتضعيفا لأنفسهم، وتعظيما لربهم أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض به قدره، إن ذلك مع ذلك لفي محكم كتابه، لمنه اقتبسوه، ولبه علموه، فلئن قلتم: أين آية كذا؟ وأين آية كذا؟ ولم قال الله ﷿ كذا؟ لقد قرؤوا منه ما قرأتم، وعلموا من\nتأويله ما جهلتم، ثم آمنوا بعد ذلك به كله، بالذي جحدتم، فقالوا: قدر وكتب، وكل شيء بكتاب وقدر، ومن كتبت عليه الشقوة، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا؛ إلا ماشاء الله، ثم رغبوا مع قولهم هذا، ورهبوا، وأمروا، ونهوا، وحمدوا ربهم على الحسنة، ولاموا أنفسهم على الخطيئة، ولم يعذروا أنفسهم بالقدر، ولم","vol":"2","page":430},{"text":"يملكوها فعل الخير والشر، فعظموا الله بقدره، ولم يعذروا أنفسهم به، وحمدوا الله على منه، ولم ينحلوه أنفسهم دونه، وقال الله تعالى: ﴿وذلك جزاء الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، وقال: ﴿بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ (٢)؛ فكما كان الخير منه، وقد نحلهم عمله؛ فكذلك كان الشر منه، وقد مضى به قدره.\nوإن الذين أمرتك باتباعهم في القدر لأهل التنزيل، الذين تلوه حق تلاوته، فعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وكانوا بذلك من العلم في الراسخين، ثم ورثوا علم ما علموا من القدر وغيره من بعدهم، فما أعلم أمرا شك فيه أحد من العالمين، -لا يكون أعظم الدين- أعلى ولا أفشى ولا أكثر ولا أظهر من الإقرار بالقدر؛ لقد آمن به الأعرابي الجافي، والقروي القاري، والنساء في ستورهن، والغلمان في حداثتهم، ومن بين ذلك من قوي المسلمين وضعيفهم، فما سمعه سامع قط فأنكره، ولا عرض لمتكلم قط إلا ذكره، لقد بسط الله عليه المعرفة، وجمع عليه الكلمة، وجعل على كلام من جحده النكرة؛ فما من جحده ولا أنكره فيمن آمن به وعرفه من الناس إلا كأكلة رأس. فالله الله، فلو كان القدر ضلالة؛ ما تكلم به رسول الله - ﷺ -، ولو كانت بدعة؛ فعلم المسلمون متى كانت؛ فقد علم المسلمون متى أحدثت المحدثات والبدع والمضلات. وإن أصل القدر لثابت في كتاب الله تعالى،\n_________\n(١) المائدة الآية (٨٥).\n(٢) البقرة الآية (٥٩) والأعراف الآيتان (١٦٣و١٦٥) والعنكبوت الآية (٣٤).","vol":"2","page":431},{"text":"يعزي به المسلمين في مصائبهم بما سبق منها في الكتاب عليهم، يريد بذلك تسليتهم، ويثبت به على الغيب يقينهم، فسلموا لأمره، وآمنوا بقدره، وقد علموا أنهم مبتلون، وأنهم مملوكون غير مملكين ولا موكلين، قلوبهم بيد ربهم، لا يأخذون إلا ما أعطى، ولا يدفعون عن أنفسهم ما قضى، قد علموا أنهم إن وكلهم إلى أنفسهم؛ ضاعوا، وإن عصمهم من شرها؛ أطاعوا، هم بذلك من نعمته عارفون، كما قال نبيه وعبده الصديق: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١)، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)،فتبرأ إلى ربه من الحول والقوة، وباء مع ذلك على نفسه بالخطيئة، فكانت لهم فيه أسوة، وكانوا له شيعة، لم يجعل الله تعالى القدر والبلاء مختلفا في صدورهم، ومنع الشيطان أن يدخل الوسوسة عليهم، فلم يقولوا: كيف يستقيم هذا؟ قد علموا أن الله هو ابتلاهم، وأن قدره نافذ فيهم، ليس هذا عندهم بأشد من هذا، ولا يوهن هذا عندهم هذا، يحتالون لأنفسهم كحيلة من زعم أن الأمر بيده، ويؤمنون بالقدر إيمان من علم أنه مغلوب على أمره؛ فلم يبطيهم الإيمان بالقدر عن عبادته، ولم يلقوا بأيديهم إلى التهلكة من أجله، ولم يخرجهم الله ﷿ بالبلاء من ملكه؛ فهم يطلبون ويهربون، وهم على ذلك بالقدر يوقنون، لا يأخذون إلا ما أعطاهم، ولا ينكرون أنه\n_________\n(١) يوسف الآية (٣٣).\n(٢) يوسف الآية (٥٣) ..","vol":"2","page":432},{"text":"ابتلاهم، كذلك خلقهم، وبذلك أمرهم.\nيضعفون إليه في القوة ويقرون له بالقدرة والحجة، لا يحملهم تضعيفهم أنفسهم أن يجحدوا حجته عليهم، ولا يحملهم علمهم بعذره إليهم أن يجحدوا أن قدره نافذ فيهم، هذا عندهم سواء وهم به عن غيره أغنياء، وقد عصمهم الله تعالى من فتنة ذلك؛ فلم يفتحها عليهم وفتحها على قوم آخرين، لبسوا أنفسهم عليهم ما يلبسون فهم هنالك في غمرتهم يعمهون، لا يجدون حلاوة الحسنة فيما قدر عليهم من المصيبة حين زعموا أنهم في ذلك مملوكون أن يقدموها قبل أجلها ويزعمون أنهم قادرون عليها؛ فسبحان الله ثم سبحان الله؛ فهلم يا عباد الله إلى سبيل المسلمين التي كنتم معهم عليها، فانبحستم (١) بأنفسكم دونها، فتفرقت بكم السبيل عنها، فارجعوا إلى معالم الهدى من قريب قبل التحسر والتناوش من مكان بعيد؛ فقولوا كما قالوا، واعملوا كما عملوا، ولا تفرقوا بين ما جمعوا ولا تجمعوا بين ما فرقوا، فإنهم قد جعلوا لكم أئمة وقادة، وحملوا إليكم من كتاب الله ﷿ وسنة رسول الله - ﷺ - ما هم عليه أمناء، وعليكم فيما جحدتم منه شهداء، فلا تجحدوا ما أقروا به من القدر؛ فتبتدعوا، ولا تشدوه بغيره؛ فتكلفوا؛ فإني لا أعلم أحدا أصح قلبا في القدر ممن لم يدر أن أحدا قال فيه شيئا؛ فهو يتكلم به غضا جديدا لم تدنسه الوساوس ولم يوهنه الجدل ولا التباس، وبذلك فيما مضى صح في صدر الناس؛ فاحذروا هذا الجدل، فإنه يقربكم إلى كل موبقة ولا يسلمكم إلى ثقة ليس له أجل ينتهي إليه، وهو يدخل في كل شيء؛\n_________\n(١) كذا في الأصل ولعل الصواب: فانحبستم.","vol":"2","page":433},{"text":"فالمعرفة به نعمة، والجهالة به غرة، وعلامات الهدى لنا دونه من ركبه أراده وترك الهدى وراءه بين أثره وقريب ما أخذه، لا يكلف أهله العويص والتشقيق.\nثم اعلم أنه ليس للقرآن موئل مثل السنة؛ فلا يسقطن ذلك عنك فتحير في دينك وتتيه في طريقك ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). (٢)\n\nسلام بن أبي مطيع (٣) (١٦٤ هـ)\nسَلاَّم بن أبي مُطِيع واسمه سعد، الخزاعي الإمام الثقة القدوة أبو سعيد مولاهم البصري. روى عن قتادة وهشام بن عروة ومعمر بن راشد ومنصور ابن معتمر وأيوب السختياني وأبي عمران الجوني وطائفة. روى عنه عبد الله ابن المبارك وموسى بن إسماعيل وعبد الرحمن بن مهدي ومسدد وخلق كثير. قال الإمام أحمد: ثقة، صاحب سنة.\nمن أقواله: كن لنعمة الله عليك في دينك أشكر منك لنعمة الله عليك\n_________\n(١) الأنعام الآية (٧١).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٤٧ - ٢٥٢/ ١٨٥٣).\n(٣) تاريخ خليفة (٤٤٩) والجرح والتعديل (٤/ ٢٥٨ - ٢٥٩) والسير (٧/ ٤٢٨ - ٤٢٩) والكامل لابن عدي (٣/ ١١٥٣ - ١١٥٥) وحلية الأولياء (٦/ ١٨٨ - ١٩٢) وتهذيب الكمال (١٢/ ٢٩٨ - ٣٠١) وميزان الاعتدال (٢/ ١٨١ - ١٨٢) وشذرات الذهب (١/ ٣٨٢).","vol":"2","page":434},{"text":"في دنياك، ومنها: الزاهد على ثلاثة وجوه: واحد أن تخلص العمل لله والقول، ولا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني ترك مالا يصلح والعمل بما يصلح، والثالث الحلال وهو أن يزهد فيه وهو تطوع وهو أدناه. توفي سنة أربع وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في ذم الكلام عنه قال: ما أعلم يحل لرجل أن يزوج صاحب بدعة ولا صاحب شراب، فأما ص (٤) بدعة فيدخل ولده النار وأما صاحب الشراب فذكر منه أشياء يعددها. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>موقفه من الرافضة:</span>\nعبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: سلام بن أبي مطيع من الثقات من أصحاب أيوب، وكان رجلا صالحا حدثنا عنه عبد الرحمن بن مهدي ثم قال أبي: كان أبو عوانة وضع كتابا فيه معايب أصحاب النبي - ﷺ - وفيه بلايا فجاء إليه سلام بن أبي مطيع، فقال: يا أبا عوانة أعطني ذلك الكتاب فأعطاه فأخذه سلام فأحرقه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: قال زهير البابي: سمعت سلام بن أبي مطيع يقول:\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٣٦).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٥١٠).","vol":"2","page":435},{"text":"الجهمية كفار، لا يصلى خلفهم. (١)\n- وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية، بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال: ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث، والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله، يقول الله تعالى: ﴿إن الله سميع بصير﴾ (٢) ﴿ويحذركم اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٣) ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٤) ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تسجد لمَا خَلَقْتُ بيدي﴾ (٥) ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ موسى تكليمًا﴾ (٦) ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٧) ونحو ذلك فلم يزل -أي سلام بن أبي مطيع- يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس. (٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في سير أعلام النبلاء: قال أبو داود السجزي: هو القائل: لأن\n_________\n(١) السير (٧/ ٤٢٩) والسنة لعبد الله (١١) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٥/٥١٧) والإبانة (٢/ ١٣/٩٩/ ٣٣٦) والسنة للخلال (٥/ ٩٢).\n(٢) الحج الآية (٧٥).\n(٣) آل عمران الآية (٢٨).\n(٤) الزمر الآية (٦٧).\n(٥) ص الآية (٧٥).\n(٦) النساء الآية (١٦٤).\n(٧) طه الآية (٥).\n(٨) الفتح (١٣/ ٣٥٩).","vol":"2","page":436},{"text":"ألقى الله بصحيفة الحجاج، أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفة عمرو بن عبيد. (١)\n\nمعقل بن عبيد الله (٢) (١٦٦ هـ)\nمَعْقِل بن عبيد الله الجزري أبو عبد الله المحدث الإمام مولى بني عَبْس من كبار علماء الجزيرة. روى عن عطاء بن أبي رباح وعمرو بن شعيب وميمون ابن مهران وغيرهم. روى عنه أبو نعيم والفريابي والحسن بن محمد ابن أعين وأبو جعفر النفيلي وآخرون. قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. قال الذهبي: وما عرفت له شيئا منكرا فأذكره، وحديثه لا ينزل عن رتبة الحسن. توفي سنة ست وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>موقفه من المرجئة:</span>\nعن معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا فيهم ميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك فأما عبد الكريم بن مالك فإنه عاهد الله أن لا يأويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي وإذا هو يقرأ سورة يوسف قال: فسمعته يقرأ هذا الحرف: ﴿حَتَّى\n_________\n(١) السير (٧/ ٤٢٨).\n(٢) السير (٧/ ٣١٨ - ٣١٩) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٢٧٤ - ٢٧٧) وميزان الاعتدال (٤/ ١٤٦ - ١٤٧) وشذرات الذهب (١/ ٢٦١) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢٣٤).","vol":"2","page":437},{"text":"﴿إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (١) مخففة، قال: قلت له: إن لنا حاجة فأدخلنا ففعل، فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا وتكلموا وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، فقال: أوليس الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢) قال: وقلت: إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة قال: أو ليس قد قال الله فيما أنزل: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٣) هذا الإيمان الذي زادهم، قال فقلت: إنهم انتحلوك وبلغني أن ابن درهم دخل عليك في أصحابه فعرضوا عليك قولهم، فقبلته فقلت هذا الأمر، فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثا قال: ثم قال: قدمت المدينة فجلست إلى نافع فقلت له: يا أبا عبد الله إن لي إليك حاجة قال: سرا أم علانية فقلت: لا بل سر قال: دعني من السر، سر لا خير فيه.\nفقلت: ليس من ذاك، فلما صلينا العصر قام وأخذ بيدي وخرج من الخوخة ولم ينتظر القاص وقال: حاجتك قال: قلت: اخلني هذا، فقال: تنح قال: فذكرت له قولهم فقال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا\n_________\n(١) يوسف الآية (١١٠).\n(٢) البينة الآية (٥).\n(٣) الفتح الآية (٤).","vol":"2","page":438},{"text":"إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله\" (١) قال: قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بالصلاة فريضة ولا نصلي، وإن الخمر حرام ونحن نشربها، وإن نكاح الأمهات حرام ونحن نريده، فنتر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر قال معقل: فلقيت الزهري، فأخبرته بقولهم فقال: سبحان الله أو قد أخذ الناس في هذه الخصومات، قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" (٢) قال معقل: فلقيت الحكم بن عتيبة فقلت له: إن عبد الكريم، وميمون بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة فعرضوا عليك قولهم، فقبلت قولهم، قال: فَقَبِلَ ذَلِكَ عَلَيَّ ميمون وعبد الكريم؟ فقلت: لا، قال: دخل علي اثنا عشر رجلا وأنا مريض فقالوا: يا أبا محمد أبلغك أن رسول الله - ﷺ - أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفترى هذه مؤمنة فقال لها رسول الله - ﷺ -: أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت: نعم، قال: وتشهدين أن الله يبعث من بعد الموت؟ قالت: نعم قال: فأعتقها (٣)\nقال فخرجوا وهم ينتحلوني. قال معقل: فجلست إلى ميمون بن مهران\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٣١١/٧٢٨٤و٧٢٨٥) ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢/ ٢٠) وأبو داود (٢/ ١٩٨/١٥٥٦) والترمذي (٥/ ٥ - ٦/ ٢٦٠٧) والنسائي (٧/ ٨٨/٣٩٨٠).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).\n(٣) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٧٧) وعبد الرزاق (٩/ ١٧٥/١٦٨١٤) وأحمد (٣/ ٤٥١ - ٤٥٢) والبيهقي (١٠/ ٥٧) وقال: \"هذا مرسل\". عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن رجل من الأنصار .. قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٤٤): \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\". وروى نحوه مسلم في صحيحه (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁.","vol":"2","page":439},{"text":"فقلت: يا أبا أيوب لو قرأت لنا سورة ففسرتها قال: فقرأ أو قرئت: ﴿إذا الشَّمْسُ كورت﴾ حتى إذا بلغ ﴿مطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (١) قال: ذلكم جبريل، والخيبة لمن يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل. (٢)\n\nسعيد بن عبد العزيز (٣) (١٦٧ هـ)\nسعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى أبو محمد التَّنُوخِي، الإمام القدوة، مفتي دمشق. ويقال: أبو عبد العزيز. ولد سنة تسعين في حياة سهل بن سعد وأنس ابن مالك ﵄، وقرأ القرآن على ابن عامر ويزيد بن أبي مالك. روى عن مكحول والزهري ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. روى عنه الوليد ابن مسلم والحسن بن يحيى الخشني وأبو مسهر وآخرون. قال أبو مسهر: حدثني سعيد قال: كنت أجلس بالغدوات إلى ابن أبي مالك وأجالس بعد الظهر إسماعيل بن عبيد الله وبعد العصر مكحولا. وقال أبو زرعة النصري: قلت لابن معين: أمحمد بن إسحاق حجة؟ فقال: كان ثقة إنما الحجة عبيد الله ابن عمر ومالك والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز. وقال الحاكم: سعيد لأهل الشام كمالك لأهل المدينة في التقدم والفقه والأمانة. قال محمد بن المبارك\n_________\n(١) التكوير الآيات (١ - ٢١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٤ - ١٠٢٥/ ١٧٣٢) والسنة لعبد الله (ص.١١٧ - ١١٩) والسنة للخلال (٤/ ٢٩ - ٣٢/ ١١٠٥) والإبانة (٢/ ٨٠٨ - ٨١١/ ١١٠١)\n(٣) السير (٨/ ٣٢ - ٣٨) وتهذيب الكمال (١٠/ ٥٣٩ - ٥٤٥) وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٩ - ٦١) وشذرات الذهب (١/ ٢٦٣) وميزان الاعتدال (٢/ ١٤٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).","vol":"2","page":440},{"text":"الصوري: كان سعيد إذا فاتته صلاة الجماعة بكى. كان الأوزاعي إذا سئل عن مسألة وسعيد حاضر قال: سلوا أبا محمد. من أقواله: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: صموت واع وناطق عارف. سئل عن الكفاف من الرزق ما هو؟ قال: شبع يوم وجوع يوم. مات سنة سبع وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن الوليد بن مسلم، قال: سمعت أبا عمرو ومالكا وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى هو في زيادة أبدا ويقولون على من يقول إنه مستكمل الإيمان وأن إيمانه كإيمان جبريل، قال: قال الوليد: قال سعيد بن عبد العزيز: هو أن يكون إذا أقدم على هذه المقالة إيمانه كإيمان إبليس، لأنه أقر بالربوبية وكفر بالعمل، فهو أقرب إلى ذلك من أن يكون إيمانه كإيمان جبريل ﵇. (١)\n- وعن الوليد بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد ابن عبد العزيز ينكرون قول من يقول: إن الإيمان قول بلا عمل ويقولون لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان. (٢)\n- وعنه قال: سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد ابن عبد العزيز ينكرون أن يقول: أنا مؤمن. ويأذنون في الاستثناء أن أقول: أنا مؤمن إن شاء الله. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٧/٩٠١/ ١٢٥٩) والسنة لعبد الله (٩٩ مختصرا).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٣٠ - ٩٣١/ ١٥٨٦).\n(٣) السنة لعبد الله (١٠٠).","vol":"2","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-986>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: عن سعيد بن عبد العزيز: لما نزلت ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يستقيم﴾ (١)؛ قال أبو جهل لعنه الله: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فنزلت: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). (٣)\n\nحماد بن سلمة (٤) (١٦٧ هـ)\nحَمَّاد بن سَلَمَة بن دينار الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو سلمة البصري النحوي البزاز الخراقي البطائني مولى آل ربيعة بن مالك وابن أخت حميد الطويل. حدث عن خاله حميد الطويل وهشام بن عروة وعبد العزيز بن صهيب وثابت البناني وأيوب السختياني وطائفة. حدث عنه حجاج بن منهال وسفيان الثوري وسليمان بن حرب وشعبة وعبد الله بن المبارك وخلق سواهم. عن حماد بن سلمة قال: من طلب الحديث لغير الله مكر به. قال ابن حبان: ... ولم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل والدين\n_________\n(١) التكوير الآية (٢٨).\n(٢) التكوير الآية (٢٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢٥/ ١٨١١).\n(٤) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٢) وتاريخ خليفة (٤٣٩) والسير (٧/ ٤٤٤ - ٤٥٦) والجرح والتعديل (٣/ ١٤٠ - ١٤٢) وحلية الأولياء (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٧) والفهرست لابن النديم (٣١٧) وتهذيب الكمال (٧/ ٢٥٣ - ٢٦٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣) ومشاهير علماء الأمصار (١٥٧) وميزان الاعتدال (١/ ٥٩٠ - ٥٩٥) وشذرات الذهب (١/ ٢٦٢).","vol":"2","page":442},{"text":"والنسك والعلم والكتبة والجمع والصلابة في السنة والقمع لأهل البدع، ولم يكن يثلبه في أيامه إلا معتزلي قدري أو مبتدع جهمي لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها المعتزلة. وقال غيره: كان إماما راسيا في العربية، فقيها، فصيحا، بليغا، كبير القدر، شديدا على المبتدعة، صاحب أثر وسنة. مات سنة سبع وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال شيخ الإسلام -الهروي- في 'الفاروق' له: قال أحمد بن حنبل: إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام، فإنه كان شديدا على المبتدعة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قلت): وهكذا رأيت الجاحظ فقد شنع على حماد بن سلمة ومعاذ بن معاذ قاضى البصرة، بما لم يشنع به على غيرهما، لأن حمادا كان معتنيا بجمع أحاديث الصفات وإظهارها، (٢) ومعاذ لما تولى القضاء رد شهادة الجهمية والقدرية فلم يقبل شهادة المعتزلة، ورفعوا عليه إلى الرشيد، فلما اجتمع به حمده على ذلك وعظمه، فلأجل معاداتهم لمثل هؤلاء الذين هم أئمة في السنة يشنعون عليهم بما إذا حقق لم يوجد مقتضيا لذم. (٣)\n_________\n(١) السير (٧/ ٤٥٠).\n(٢) وقد جمعها في مصنف، انظر الفتاوى الكبرى (٥/ ١٥).\n(٣) الفتاوى الكبرى (٥/ ٨١).","vol":"2","page":443},{"text":"- جاء في السير: وروى عبد العزيز بن المغيرة، عن حماد بن سلمة: أنه حدثهم بحديث نزول الرب ﷿ (١)، فقال: من رأيتموه ينكر هذا، فاتهموه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: عن حجاج بن منهال: سمعت حمادا -يعني: ابن سلمة- يقول لرجل يقال له محمد الأغبش صاحب البصري: اتق الله؛ فإنه يقال: إنهم مجوس هذه الأمة يعني القدرية. أخبرني محمد بن الحسين؛ قال: أخبرنا الفريابي؛ قال: سمعت عمرو بن علي يقول: سمعت أبا محمد الغنوي يقول: سألت حماد بن سلمة وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل والمُعْتَمِرَ بن سليمان عن رجل زعم أنه يستطيع أن يشاء في ملك الله ما لا يشاء الله؛ فكلهم قال: كافر مشرك، حلال الدم؛ إلا معتمرا، فإنه قال: الأحسن بالسلطان استتابته. (٣)\n\nمفضل بن مهلهل (٤) (١٦٧ هـ)\nمُفَضَّل بن مُهَلْهَل الإمام الكبير أبو عبد الرحمن السعدي الكوفي. حدث\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٢٥٨) والبخاري (٣/ ٣٦/١١٤٥) ومسلم (١/ ٥٢١/٧٥٨) وأبو داود (٢/ ٧٧/١٣١٥) والترمذي (٢/ ٣٠٧/٤٤٦) والنسائي في الكبرى (٦/ ١٢٣/١٠٣١١) وابن ماجه (١/ ٤٣٥/١٣٦٦).\n(٢) السير ٧/ ٤٥١).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢٥٩/ ١٨٧٠) والشريعة (١/ ٤٣٥/٥٤٧).\n(٤) الجرح والتعديل (٨/ ٣١٦) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٤٢٢ - ٤٢٥) والسير (٧/ ٤٠٠) وميزان الاعتدال (٤/ ١٧١) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٨١) وشذرات الذهب (١/ ٢٦٣).","vol":"2","page":444},{"text":"عن منصور بن المعتمر وسفيان الثوري وسليمان الأعمش والحسن بن عبيد الله وبيان بن بشر وعطاء بن السائب. حدث عنه يحيى بن آدم ومحمد ابن صبيح ومحمد بن عيسى الراسبي والحسن بن الربيع البجلي وحسين بن علي الجعفي. قال العجلي: كان ثقة ثبتا صاحب سنة وفضل وفقه، لما مات الثوري مضى أصحابه إلى المفضل فقالوا: تجلس لنا مكان أبي عبد الله؟ فقال: ما رأيت صاحبكم يحمد مجلسه. من أقواله: اعمل بقليل الحديث يزهدك في كثيره. مات سنة سبع وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الإبانة عنه قال: لو كان صاحب البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته، حذرته وفررت منه، ولكنه يحدثك بأحاديث السنة في بدو مجلسه ثم يدخل عليك بدعته، فلعلها تلزم قلبك فمتى تخرج من قلبك؟ (١)\n\" التعليق:\nالله أكبر، ما أكثر هذا، اليوم. فانظر إلى جميع المدارس التي نصبت نفسها وتطوعت مأجورة من إبليس وأعوانه من البشر لمحاربة العقيدة السلفية، لا تدخل إلا من هذا الباب. فهذا علوي مالكي وبقية الرافضة في شمال المغرب، وهذا الكوثري وتلامذته وغيرهم من رؤوس المبتدعة في المشرق والمغرب، كل يحارب بما يستطيع إما بتحقيق بعض كتب الحديث أو المصطلح أو إلقاء دروس في كتب الحديث المشهورة، حتى يغتر الناس بهم أنهم\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٤/ ٣٩٤).","vol":"2","page":445},{"text":"من أهل الحديث، فإذا اطمأنوا إليهم ألقوهم في حمأة البدعة وزينوها لهم، وأن هذا الأمر له أصل، وليس كل الناس على بصيرة في أمور عقائدهم، فيطبعون البدعة في قلوبهم ويصيرون حماة لهم، ولا تسأل عن أبهاتهم وتسابق أتباعهم لتقبيل أيديهم، والتبرك بهم، وهذا أمر يزينه الشيطان لهم فيدافعون عنه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. (١)\n\nعبد الرحمن بن شريح (٢) (١٦٧ هـ)\nالإمام الثقة عبد الرحمن بن شُرَيْح بن عبيد الله، أبو شُرَيْح المَعَافِرِي الإسكندارني. حدث عن موسى بن وردان ويزيد بن أبي حبيب وحميد بن هانئ الخولاني وسليمان بن حميد المزني وجماعة. وحدث عنه عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب وزيد بن الحباب وعبد الله بن صالح وآخرون. وثقه ابن معين والنسائي. وقال يعقوب بن سفيان: كان كخير الرجال. وقال ابن حجر: ثقة فاضل، لم يصب ابن سعد في تضعيفه. وقال أبو سعيد بن يونس: توفي بالإسكندرية سنة سبع وستين ومائة، وكانت له عبادة وفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال هانئ بن المتوكل: حدثني محمد بن عبادة المعافري قال: كنا عند أبي شريح -﵀- فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبكم، فقوموا إلى\n_________\n(١) الحج الآية (٤٦).\n(٢) المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٤٥) وطبقات ابن سعد (٧/ ٥١٦) وتهذيب الكمال (١٧/ ١٦٧ - ١٦٩) وسير أعلام النبلاء (٧/ ١٨٢ - ١٨٤) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٩٣ - ١٩٤) والتقريب (١/ ٥٧٣) وشذرات الذهب (١/ ٢٤٦).","vol":"2","page":446},{"text":"خالد بن حميد المهري استقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل، فإنها في غير ما نزل تقسي القلب، وتورث العداوة.\n\" التعليق:\nقال الذهبي: صدق والله، فما الظن إذا كانت مسائل الأصول، ولوازم الكلام في معارضة النص، فكيف إذا كانت من تشكيكات المنطق، وقواعد الحكمة، ودين الأوائل؟ فكيف إذا كانت من حقائق الاتحادية، وزندقة السبعينية، ومرق الباطنية؟ فواغربتاه، ويا قلة ناصراه. آمنت بالله، ولا قوة إلا بالله. (١)\n\nأبو حمزة السُّكَّرِي (٢) (١٦٧ هـ)\nالإمام الحافظ محمد بن ميمون المروزي، أبو حمزة السكري. روى عن إبراهيم بن ميمون الصائغ وعاصم الأحول وعاصم بن بهدلة وجابر الجعفي والأعمش وجماعة. وروى عنه ابن المبارك ونعيم بن حماد الخزاعي وعتاب بن زياد وأحمد بن أيوب الضبي وسلام بن واقد المروزي.\nقال عباس الدوري: كان أبو حمزة من الثقات، وكان إذا مرض عنده من قد رحل إليه، ينظر إلى ما يحتاج إليه من الكفاية، فيأمر بالقيام به، ولم\n_________\n(١) السير (٧/ ١٨٢ - ١٨٣).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٧٣) وتاريخ بغداد (٣/ ٢٦٦ - ٢٦٩) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٥٤٤ - ٥٤٩) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٨٥ - ٣٨٧) وتهذيب التهذيب (٩/ ٤٨٦ - ٤٨٧) وشذرات الذهب (١/ ٢٦٤) والتقريب (٢/ ١٣٩).","vol":"2","page":447},{"text":"يكن يبيع السكر، وإنما سمي السكري لحلاوة كلامه.\nقال يحيى بن أكثم: بلغني عن عبد الله بن المبارك أنه سئل عن الاتباع، فقال: الاتباع ما كان عليه الحسين بن واقد وأبو حمزة السكري.\nوروى إبراهيم الحربي عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: أراد جار لأبي حمزة السكري أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن الدار، وبألفين جوار أبي حمزة. فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجه إليه بأربعة آلاف، وقال: لاتبع دارك. قال ابن حجر: ثقة فاضل. توفي ﵀ سنة سبع وستين ومائة، وقيل التي بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال أبو حمزة: تدرون ما الأثر؟ الأثر: أفتي بالشيء، فيقال لي يوم القيامة: بما أفتيت كذا وكذا؟ فأقول: أخبرني الأعمش، فيؤتى بالأعمش، فيقال: حدثته بهذا؟ فيحيل على إبراهيم، ويحيل إبراهيم علىعلقمة، حتى ينتهي إلى منتهاه. (١)\n\nإبراهيم بن طهمان (٢) (١٦٨ هـ)\nإبراهيم بن طَهْمَان بن شُعبة الخراساني أبو سعيد الهروي نزيل نيسابور\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٢/٣٨٩).\n(٢) تهذيب الكمال (٢/ ١٠٨ - ١١٥) ومشاهير علماء الأمصار (١٩٩) والسير (٧/ ٣٧٨ - ٣٨٥) وتاريخ بغداد (٦/ ١٠٥ - ١١١) والفهرست لابن النديم (٣١٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢١٣) والوافي بالوفيات (٦/ ٢٣ - ٢٤) وميزان الاعتدال (١/ ٣٨) والعقد الثمين (٣/ ٢١٥ - ٢١٦) وشذرات الذهب (١/ ٢٥٧).","vol":"2","page":448},{"text":"ثم حرم الله تعالى. سمع الأعمش وسليمان التيمي وحسين بن ذكوان المعلم وحميد الطويل وطائفة. سمع منه عبد الله بن المبارك وصفوان بن سليم وحفص ابن عبد الله السلمي وعبد الملك بن عمرو العقدي ومعن بن عيسى وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح وآخرون. تُكلم فيه للإرجاء، وكان من ثقات الأئمة وكان شديدا على الجهمية.\nقال يحيى بن أكثم: كان إبراهيم من أنبل الناس بخراسان والعراق والحجاز، وأوثقهم وأوسعهم علما.\nمات سنة ثمان وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>موقفه من الجهمية:</span>\n- روى الخطيب في تاريخه بالسند إلى عبد الله بن أبي داود السجستاني قال: سمعت أبي يقول إبراهيم بن طهمان ثقة، وكان من أهل سرخس، فخرج يريد الحج فقدم نيسابور فوجدهم على قول جهم، فقال الإقامة على هؤلاء أفضل من الحج، فأقام فنقلهم من قول جهم إلى الإرجاء. (١)\nقلت: وليس الإرجاء المذكور هنا هو الإرجاء المعروف الذي أجمع السلف على أنه بدعة، ولكنه إرجاء من نوع آخر ومعناه كما جاء تفسيره عن أبي الصلت، كما ذكر الخطيب في تاريخه: لم يكن إرجاؤهم هذا المذهب الخبيث، أن الإيمان قول بلا عمل، وأن ترك العمل لا يضر بالإيمان، بل كان إرجاؤهم أنهم كانوا يرجون لأهل الكبائر الغفران، ردا على الخوارج وغيرهم الذين يكفرون الناس بالذنوب، فكانوا يرجون ولا يكفرون بالذنوب -ونحن\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٦/ ١٠٧) والسير (٧/ ٣٨٠).","vol":"2","page":449},{"text":"كذلك- سمعت وكيع بن الجراح يقول سمعت سفيان الثوري في آخر أمره يقول: نحن نرجو لجميع أهل الذنوب والكبائر الذين يدينون ديننا ويصلون صلاتنا، وإن عملوا أي عمل. (١)\n- وجاء في السير عن حماد بن قيراط: سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: الجهمية والقدرية كفار. (٢)\n- وجاء في تاريخ الخطيب: وكان شديدا على الجهمية. (٣)\n- وفي الإبانة: عن حفص بن عبد الله قال: قال إبراهيم بن طهمان: حدثنا من لا يتهم غير واحد أن جهما رجع عن قوله ونزع عنه وتاب إلى الله منه، فما ذكرته ولا ذكر عندي، إلا دعوت الله عليه، ما أعظم ما أورث أهل القبلة من منطقه هذا العظيم. (٤)\n\nخارجة بن مصعب (٥) (١٦٨ هـ)\nخَارِجَة بن مُصْعَب بن خارجة الإمام شيخ خراسان أبو الحجاج الضُّبَعِي السَّرْخَسِي. روى عن السختياني وبكير بن عبد الله بن الأشج ويحيى ابن سعيد ويونس بن عبيد وعاصم الأحول وسليمان الأعمش ومسعر بن\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٦/ ١٠٩).\n(٢) السير (٧/ ٣٨١) والسنة لعبد الله (١٠) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧١٥/١١٧٢) والإبانة (٢/ ١٣/١٠٠/ ٣٣٩).\n(٣) تاريخ بغداد (٦/ ١٠٩) والسير (٧/ ٣٨١).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٣/٩١/ ٣٢٠) والسنة للخلال (٥/ ٨٥) والفتاوى الكبرى (٥/ ٤٢).\n(٥) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٧١) والجرح والتعديل (٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦) والكامل لابن عدي (٣/ ٩٢٢ - ٩٢٧) وتهذيب الكمال (٨/ ١٦ - ٢٢) وميزان الاعتدال (١/ ٦٢٥ - ٦٢٦) والسير (٧/ ٣٢٦ - ٣٢٨) وشذرات الذهب (١/ ٢٦٥).","vol":"2","page":450},{"text":"كدام وأبي حنيفة ومالك بن أنس وطائفة. روى عنه عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح ونعيم بن حماد الخزاعي ويحيى بن يحيى النيسابوري وسفيان الثوري وآخرون. تكلم فيه أهل العلم، فترك حديثه. توفي سنة ثمان وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني محمد بن إسحاق حدثنا علي بن الحسن بن شقيق سمعت خارجة يقول: كفرت الجهمية في غير موضع من كتاب الله قولهم: إن الجنة تفنى وقال الله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (١) فمن قال إنها تنفد فقد كفر وقال: ﴿أُكُلُهَا دائمٌ وَظِلُّهَا﴾ (٢) فمن قال: لا يدوم فقد كفر، وقال: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ (٣) فمن قال إنها تنقطع فقد كفر. وقال: ﴿عَطَاءً غير مجذوذ) (٤) فمن قال إنه منقطع فقد كفر. (٥)\n- وجاء في السنة بالسند إلى أحمد بن سعيد أبي جعفر الدارمي، سمعت أبي سمعت خارجة يقول: الجهمية كفار بَلِّغوا نساءهم أنهن طوالق، وأنهن لا\n_________\n(١) ص الآية (٥٤).\n(٢) الرعد الآية (٣٥).\n(٣) الواقعة الآية (٣٣).\n(٤) هود الآية (١٠٨).\n(٥) السنة لعبد الله (٢٠) والإبانة (٢/ ١٣/٩٦ - ٩٧/ ٣٣٠) والسنة للخلال (٥/ ٨٦).","vol":"2","page":451},{"text":"يحللن لأزواجهن، لا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم ثم تلا: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١). (٢)\n- جاء في الإبانة: عن عبد الصمد بن حسان قال: قال خارجة بن مصعب: إذا صليت خلف الإمام وبجنبك جهمي، فأعد الصلاة. (٣)\nقال ابن بطة عقبه: معنى قول خارجة ﵀ في الجهمي يصلي بجنب الرجل يعيد، يريد بذلك أن من صلى خلف إمام وحده وإلى جانبه جهمي، أو صلى خلف الصفوف وحده وإلى جانبه جهمي أنه يعيد، وذلك أن مذهب جماعة من الفقهاء أن من صلى خلف الصف وحده أو قام خلف إمام وحده، أعاد الصلاة، فكأن خارجة أراد أنه من صلى خلف الصف هو وجهمي، فكأنما صلى خلف الصف وحده، لأن الجهمي ليس هو مسلما ولا في صلاة، فالقائم إلى جنبه كالقائم وحده، فأما الجهمي إذا قام في صف فيه جماعة هو كأحدهم، فصلاة الجماعة جائزة.\n_________\n(١) طه الآيات (١ - ٥).\n(٢) السنة لعبد الله (١١) والإبانة (٢/ ١٣/٩٨/ ٣٣٥) واجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٣/١٢١ - ١٢٢/ ٣٨٨).","vol":"2","page":452},{"text":"عبيد الله بن الحسن العَنْبَرِي (١) (١٦٨ هـ)\nعبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري التميمي قاضي البصرة. يروي عن حميد الطويل وداود بن أبي هند وخالد الحذاء وغيرهم. روى عنه عبد الرحمن بن مهدي وأهل بلده، ومعاذ بن معاذ القاضي وخالد بن الحارث الهجيمي وغيرهم. قدم بغداد أيام المهدي، ولي قضاء البصرة بعد سوار بن عبد الله وكان محمودا ثقة عاقلا من الرجال. قال الوثيق بن يوسف: ما رأيت رجلا قط أعقل من عبيد الله بن الحسن، سئل عن مسألة وهو في حضور جنازة فأخطأ فيها فقيل له: الحكم فيها كذا وكذا فأطرق ساعة ثم قال: إذا أرجع وأنا صاغر. لأن أكون ذنبا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسا في الباطل. مات في ذي القعدة سنة ثمان وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عن إدريس القصير عن أبيه قال: شهدت عبيد الله بن الحسن العنبري واختصم إليه رجلان فقال أحدهما: اشتريت منه عبدا على أنه ليس به داء ولا علة ولا غليلة، بيع المسلم للمسلم، وإنه قدري. فقال عبيد الله بن الحسن له: إنما اشتريت مسلما ولم تشتر كافرا فرد عليه. (٢)\n_________\n(١) الأنساب (٤/ ٢٤٧) وتاريخ بغداد (١٠/ ٣٠٦ - ٣١٠) والبداية والنهاية (١٠/ ١٥٥) وتهذيب الكمال (١٩/ ٢٣ - ٢٨) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٥) وتهذيب التهذيب (٧/ ٧ - ٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٠ - ٨١١/ ١٣٦٢).","vol":"2","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1003>موقف السلف من فليح بن سليمان لوقوعه في الصحابة (١٦٨ ه</span>ـ)\nجاء في السير: وقال الساجي: أصعب ما رمي به يعني فليح، ما ذكر عن ابن معين، عن أبي كامل، قال: كنا نتهمه، لأنه كان يتناول من الصحابة. (١)\n\nنافع بن عمر (٢) (١٦٩ هـ)\nنافع بن عمر بن عبد الله بن جميل الحافظ الإمام الثبت الجمحي. روى عن ابن أبي مليكة وأمية بن صفوان وبشر بن عاصم الثقفي وغيرهم. روى عنه ابن المبارك ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وآخرون. تكاثروا عليه لإتقانه وعلو سنده. قال ابن مهدي: كان من أثبت الناس. قال أحمد بن حنبل: ثبت ثبت، صحيح الحديث. مات بمكة سنة تسع وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>موقفه من المرجئة:</span>\nعن يحيى بن سليم أنه سأل نافع بن عمر الجمحي عن الإيمان، فقال: قول وعمل. (٣)\n_________\n(١) السير (٧/ ٣٥٤).\n(٢) السير (٧/ ٤٣٣ - ٤٣٤) وطبقات ابن سعد (٥/ ٤٩٤) وتهذيب الكمال (٢٩/ ٢٨٧ - ٢٩٠) وميزان الاعتدال (٤/ ٢٤١) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٠٩) وشذرات الذهب (١/ ٢٧٠).\n(٣) الشريعة (١/ ٢٨٨/٢٨٢) وأصول الاعتقاد (٤/ ٩٣٠/١٥٨٤).","vol":"2","page":454},{"text":"أمير المؤمنين المهدي العباسي (١) (١٦٩ هـ)\nمحمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الخليفة أبو عبد الله الهاشمي العباسي. كان أسمر مليحا مضطرب الخلق على عينه بياض جعد الشعر قيل: أنه أثني عليه بالشجاعة فقال: لم لا أكون شجاعا؟ وما خفت أحدا إلا الله تعالى. قال الذهبي: كان جوادا ممداحا، معطاء، محببا إلى الرعية، قصابا في الزنادقة باحثا عنهم، مليح الشكل. وكان غارقا كنحوه من الملوك في بحر اللذات، واللهو والصيد ولكنه خائف من الله، معاد لأولي الضلالة حنق عليهم. تملك عشر سنين وشهرا ونصفا وعاش ثلاثا وأربعين سنة توفي سنة تسع وستين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>موقفه من المبتدعة:</span>\n- ذكر ابن أبي الدنيا أن المهدي كتب إلى الأمصار يزجر أن يتكلم أحد من أهل الأهواء في شيء منها. (٢)\n- وعن يوسف الصائغ قال: رفع أهل البدع رؤوسهم، وأخذوا في الجدل، فأمر بمنع الناس من الكلام، وأن لا يخاض فيه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>موقفه من المشركين:</span>\n- قال الذهبي: كان جوادا ممداحا معطاء، محببا إلى الرعية، قصابا في\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٥/ ٣٩١ - ٤٠١) والوافي بالوفيات (٣/ ٣٠٠ - ٣٠٢) والسير (٧/ ٤٠٠ - ٤٠٣) والبداية والنهاية (١٠/ ١٥٥ - ١٦١) وفوات الوفيات (٣/ ٤٠٠ - ٤٠٢) وشذرات الذهب (١/ ٢٦٦ - ٢٦٩).\n(٢) السير (٧/ ٤٠٢).\n(٣) السير (٧/ ٤٠٢).","vol":"2","page":455},{"text":"الزنادقة، باحثا عنهم، مليح الشكل. (١)\n- جاء في البداية والنهاية في حوادث سنة ثلاث وستين ومائة: وفيها حصر المقنع الزنديق الذي كان قد نبغ بخراسان وقال بالتناسخ واتبعه على جهالته وضلالته خلق من الطغام وسفهاء الأنام والسفلة من العوام، فلما كان في هذا العام لجأ إلى قلعة كش، فحاصره سعيد الحريثى فألح عليه في الحصار، فلما أحس بالغلبة تحسى سما وسم نساءه، فماتوا جميعا عليهم لعائن الله، ودخل الجيش الإسلامي قلعته، فاحتزوا رأسه وبعثوا به إلى المهدى، وكان المهدي بحلب. قال ابن خلكان: كان اسم المقنع عطاء وقيل حكيم والأول أشهر وكان أولا قصارا ثم ادعى الربوبية مع أنه كان أعور قبيح المنظر، وكان يتخذ له وجها من ذهب، وتابعه على جهالته خلق كثير، وكان يري الناس قمرا يرى من مسيرة شهرين ثم يغيب، فعظم اعتقادهم له ومنعوه بالسلاح، وكان يزعم -لعنه الله وتعالى عما يقولون علوا كبيرا- أن الله ظهر في صورة آدم ولهذا سجدت له الملائكة ثم في نوح ثم في الأنبياء واحدا واحدا ثم تحول إلى أبي مسلم الخراساني ثم تحول إليه ولما حاصره المسلمون في قلعته التي كان جددها بناحية كش مما وراء النهر ويقال لها سنام تحسى هو ونساؤه سما فماتوا، واستحوذ المسلمون على حواصله وأمواله. (٢)\n- وفيها في حوادث سنة سبع وستين ومائة: تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق، فاستحضرهم وقتلهم صبرا بين يديه، وكان المتولي\n_________\n(١) السير (٧/ ٤٠١).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ١٤٩).","vol":"2","page":456},{"text":"أمر الزنادقة عمر الكلواذي. (١)\n- وجاء في السير: وكان ابن المقفع يتهم بالزندقة وهو الذي عرب كليلة ودمنة. وروي عن المهدي قال: ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع. (٢)\n- جاء في تاريخ الإسلام في ترجمة صالح بن عبد القدوس: قتله المهدي على الزندقة، فيروى عن قريش الختلي: أن المهدي دعاني يوما فذكر أنه أمره بالمسير على البريد إلى الشام، وكتب له عهدا أنه أمين على كل بلد يدخله، حتى يخرج منه، وأمره إذا دخل دمشق أن يأتي إلى حانوت عطار أو حانوت قطان، فيلقى رجلا يكثر الجلوس هناك، وهو شيخ فاضل ناصل الخضاب، يقال له صالح بن عبد القدوس، فسار وفعل ودخل الحانوت، فإذا بصالح فيه، فأخذه وقيده، فحمله علىالبريد إلى العراق. فقال المهدي: أنت فلان؟ قال: نعم، أنا صالح. قال: فزنديق؟ قال: لا، ولكن شاعر أفسق في شعري، قال: اقرأه، فالتقوى سكينة، قال: ثم قرأ كتاب الزندقة فقال: أتوب إلى الله فاستبقني، وأنشده لنفسه:\nما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه\nوالشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه\nفقال المهدي: يا قريش، امض به إلى المطبق، قال: ففعلت، فلما قربت من الخروج أمرني فرددته، فقال له: ألست القائل: والشيخ لا يترك أخلاقه؟\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٠/ ١٥٣).\n(٢) السير (٦/ ٢٠٩).","vol":"2","page":457},{"text":"قال: بلى، قال: لا تدع أخلاقك حتى تموت، خذوه. فضربوه بأسيافهم، ثم وثب المهدي فضربه نصفين. (١)\n\" التعليق:\nعرف المهدي بهذه المنقبة العظيمة وجعلها سنة لمن بعده، وذكرى خالدة لمن ذكر وقرأ سيرته. لقد أدرك خليفة المسلمين خطر الزندقة فأعطاها همته، ووضع لها ديوانا وأوصى لابنه عند وفاته بهذه المهمة فنصب موسى ابنه الهادي أعوادا وجذوعا خاصة لصلب الزنادقة فجزى الله الجميع خيرا عن الإسلام والمسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>موقفه من الرافضة:</span>\nقال المهدي: ما فتشت رافضيا إلا وجدته زنديقا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد قال: سمعت الحسين الأخباري يقول: قرأت في أخبار إبراهيم بن المهدي أنه حدث عن ذبية المدني وكان استصحبه لما ولي دمشق أنه كان سبب وروده العراق: أن المهدي أشخص من المدينة ثلاثين شيخا ممن تكلم في القدر واشتهر به. قال: فكنت فيهم فلما مثلنا بين يديه ضربهم بالسياط أجمعين وأخرني. فلما قدمت قال: أراك صبيا، ألم يكن بالمدينة من هو أسن منك تتم به العدة؟ قلت: جماعة يا أمير المؤمنين. فقال: إذن إنما قربت إليهم لأنك تدين بدينهم، ثم دعا بالسياط فلما ضربت سوطا\n_________\n(١) تاريخ الإسلام (حوادث ١٦١ - ١٧٠ ص ٢٦٩ - ٢٧٠) وتاريخ بغداد (٩/ ٣٠٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٣/٢٣٩٥).","vol":"2","page":458},{"text":"فقلت: يا أمير المؤمنين نشدتك الله إلا أدنيتني إليك، أكلمك ولك رأيك. فقدمني فقلت: أنا رجل من أهل المدينة قطن أبي فيها وهو من وادي القرى، وكان تاجرا ذا مال فعلمني القرآن ثم أمرني أن أغدو إلى حلقة ابن أبي ذئب وأروح إلى ربيعة الرأي، فعن لي شيخ لم أكن رأيته قط. فقال لي يا بني: قد بلغت من العلم وما أراك استبصرت في دينك فقلت: وما ذاك يا عم؟ فقال: هل رأيت مقعدا قط؟ قلت: نعم، قال: فلو رأيت رجلا كلفه صعود نخلة ما كنت تقول؟ قلت: جاهل. قال: فلو ضربه على قصوره عن صعودها؟ قلت: ظالم. فقال يا بني هذا حكمك على إنسان فكيف بالله سبحانه في عدله، أتقول إنه يكلف عباده ما ليس في وسعهم ثم يعاقبهم عليه مع قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١)؟ فتعدني يا أمير المؤمنين بالمقعد؟ قال ذبية: فضحك المهدي أمير المؤمنين ثم أمر فطرح ثيابي علي، فلما لبست أدناني ثم قال: أجبني وأنت آمن.\nلو أنك في سفر فرأيت عليلا في برية فاستطعم رجلا فلم يطعمه وتركه ومضى ما كنت قائلا؟ قلت: ظالم، قال: فهل علمت أن أحدا من خلق الله كان في برية عليلا عادما للطعام والشراب؟ قلت: كثيرا، قال: فإن دعا ربه أن ينجيه هل كان الله سبحانه قادرا على أن يطعمه ويسقيه؟ قلت: اللهم نعم، قال: فهل تقول إن دعا ربه أن يطعمه ويرويه فلم يجب دعاءه ومات إن الله ظلمه؟ قلت: لا. قال: فكيف تقول لمن أقعدك مثل هذا؟ قال: لأن الأشياء كلها لله تعالى لا عليه\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٨٦).","vol":"2","page":459},{"text":"والتجوير يجب على من الأشياء عليه لا له، يا ذبية إن الإيمان إذا سكن القلب قبل الاحتجاج لم يخرجه الاحتجاج، وإذا سكن الحجاج قبل الإيمان كان متنقلا متى حاجه من هو أحج منه. فقلت يا أمير المؤمنين: قد والله ثلج بحجاجك صدري وأنا تائب. فأمر لي بجائزة وكسوة وخلى سبيلي. (١)\n\" التعليق:\nهذا الذي فعله أمير المؤمنين المهدي مع هذا الصبي في بيانه لحقيقة القدر، ينفي مزاعم كثير من الكتاب الذين يتبجحون بأن هؤلاء الأمراء كانوا يقتلون على أمور سياسية لا صلة لها بالأمور العقائدية، وقد نبهنا على هذا فيما مضى، والحمد لله رب العالمين.\n\n- وجاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى أحمد بن علي الأبار قال: سألت مصعبا الزبيري عن ابن أبي ذئب وقلت له: حدثونا عن أبي عاصم أنه قال: كان ابن أبي ذئب قدريا. قال: معاذ الله إنما كان زمن المهدي أخذوا القدرية وضربوهم ونفوهم فجاء قوم من أهل القدر فجلسوا إليه واعتصموا به من الضرب. فقال قوم: إنما جلسوا إليه لأنه كان يرى القدر، فقد حدثني من أثق به أنه ما تكلم فيه قط. (٢)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٦ - ٧٩٩/ ١٣٣٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٠ - ٨٠١/ ١٣٣٦).","vol":"2","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1011>موقف السلف من الحسن بن صالح بن حي (١٦٩ ه</span>ـ)\nقال الذهبي: هو من أئمة الإسلام، لولا تلبسه ببدعة. (١)\nقال أبو صالح الفراء: حكيت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئا من أمر الفتن، فقال: ذاك يشبه أستاذه -يعني الحسن بن حي- فقلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ فقال: لم يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم، كان أضر عليهم. (٢)\nجاء في السير: قال يحيى القطان: كان سفيان الثوري سيء الرأي في الحسن بن حي. وقال زكريا الساجي، عن أحمد بن محمد البغدادي: قال المزي شيخنا -أظنه أبا بكر الأثرم-: سمعت أبا نعيم يقول: دخل الثوري يوم الجمعة من الباب القبلي، فإذا الحسن بن صالح يصلي، فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق. وأخذ نعليه، فتحول إلى سارية أخرى.\nوقال العلاء بن عمرو الحنفي، عن زافر بن سليمان: أردت الحج، فقال لي الحسن بن صالح: إن لقيت أبا عبد الله سفيان الثوري بمكة، فأقره مني السلام، وقل: أنا على الأمر الأول. فلقيت سفيان في الطواف، فقلت: إن أخاك الحسن بن صالح يقرأ عليك السلام، ويقول: أنا على الأمر الأول. قال: فما بال الجمعة؟\n_________\n(١) السير (٧/ ٣٦١).\n(٢) السير (٧/ ٣٦٤).","vol":"2","page":461},{"text":"قال الذهبي: كان يترك الجمعة ولا يراها خلف أئمة الجور بزعمه. (١)\nوفيها عن أبي عبيدة حدثنا عبد الله بن محمد بن سالم، سمعت رشيدا الخباز -وكان عبدا صالحا- وقد رآه أبو عبيدة، قال: خرجت مع مولاي إلى مكة، فجاورنا، فلما كان ذات يوم، جاء إنسان فقال لسفيان: يا أبا عبد الله، قدم اليوم حسن وعلي ابنا صالح. قال: وأين هما؟ قال: في الطواف. قال: إذا مرا، فأرنيهما. فمر أحدهما، فقلت: هذا علي، ومر الآخر فقلت: هذا حسن. فقال: أما الأول، فصاحب آخرة، وأما الآخر، فصاحب سيف، لا يملأ جوفه شيء. قال: فيقوم إليه رجل ممن كان معنا، فأخبر عليا، ثم مضى مولاي إلى علي يسلم عليه، وجاء سفيان يسلم عليه، فقال له علي: يا أبا عبد الله، ما حملك على أن ذكرت أخي أمس بما ذكرته؟ ما يؤمنك أن تبلغ هذه الكلمة ابن أبي جعفر، فيبعث إليه، فيقتله؟ قال: فنظرت إلى سفيان وهو يقول: أستغفر الله. وجادتا عيناه. (٢)\nوفيها: عن أبي سعيد الأشج: سمعت ابن إدريس، وذكر له صعق الحسن ابن صالح، فقال: تبسم سفيان أحب إلينا من صعق الحسن. (٣)\nوفيها: وقال الخريبي: شهدت حسن بن صالح وأخاه وشريك معهم، فاجتمعوا إليه إلى الصباح في السيف.\nبشر بن الحارث، وذكر له أبو بكر عبد الرحمن بن عفان الصوفي، فقال:\n_________\n(١) السير (٧/ ٣٦٢ - ٣٦٣).\n(٢) السير (٧/ ٣٦٦).\n(٣) سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٦٤).","vol":"2","page":462},{"text":"سمعت حفص بن غياث يقول: هؤلاء يرون السيف، أحسبه عنى ابن حي وأصحابه. ثم قال بشر: هات من لم ير السيف من أهل زمانك كلهم إلا قليل، ولا يرون الصلاة أيضا. ثم قال: كان زائدة يجلس في المسجد يحذر الناس من ابن حي وأصحابه. قال: وكانوا يرون السيف. (١)\nوفيها: قال أبو أسامة: أتيت حسن بن صالح، فجعل أصحابه يقولون: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله ...، فقلت: مالي، كفرت؟ قال: لا، ولكن ينقمون عليك صحبة مالك بن مغول، وزائدة. قلت: وأنت تقول هذا؟ لا جلست إليك أبدا. (٢)\nوفيها عن أبي سعيد الأشج سمعت ابن إدريس: ما أنا وابن حي؟ لا يرى جمعة ولا جهادا. (٣)\nوفيها عن علي بن الجعد قال: كنت مع زائدة في طريق مكة، فقال لنا يوما: أيكم يحفظ عن مغيرة، عن إبراهيم: أنه توضا بكوز الحُب مرتين؟ قال: فلو قلت: حدثنا شريك أو سفيان، كنت قد استرحت، ولكن قلت: حدثنا الحسن بن صالح، عن مغيرة. قال: والحسن بن صالح أيضا؟ لا حدثتك بحديث أبدا.\nأبو أسامة: سمعت زائدة يقول: ابن حي قد استصلب منذ زمان، وما نجد أحدا يصلبه.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\n(٢) سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٦٤ - ٣٦٥).\n(٣) السير (٧/ ٣٦٣).","vol":"2","page":463},{"text":"وقال خلف بن تميم: كان زائدة يستتيب من أتى حسن بن صالح.\nوقال أحمد بن يونس اليربوعي: لو لم يولد الحسن بن صالح كان خيرا له؛ يترك الجمعة، ويرى السيف، جالسته عشرين سنة، ما رأيته رفع رأسه إلى السماء، ولا ذكر الدنيا. (١)\nعن المروذي قال: وسمعت أبا عبد الله -وذكر الحسن بن حي- فقال: لا نرضى مذهبه، وسفيان أحب إلينا. وقد كان ابن حي قعد عن الجمعة، وكان يرى السيف. وقال: قد فتن الناس بسكوته وورعه. وقال: لقد ذكر رجلا فلطم فم نفسه، وقال: ما أردت أن أذكره. (٢)\n\nموسى بن محمد (الهادي) (٣) (١٧٠ هـ)\nموسى بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله أبو محمد الهاشمي العباسي. ولي عهد أبيه فلما مات أبوه تسلم الخلافة. قال فيه الذهبي: وكان يشرب المسكر وفيه ظلم وشهامة ولعب وربما ركب حمارا فارها وكان شجاعا فصيحا لسنا أديبا مهيبا، عظيم السطوة. كانت خلافته سنة وشهرا. توفي سنة سبعين ومائة.\n_________\n(١) السير (٧/ ٣٦٥).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٥٨).\n(٣) تاريخ بغداد (١٣/ ٢١ - ٢٥) والبداية والنهاية (١٠/ ١٦٣ - ١٦٤) والكامل في التاريخ (٦/ ٩٦ - ١٠٦) والسير (٧/ ٤٤١ - ٤٤٤) وتاريخ الطبري (٨/ ٢٠٥ - ٢٢٩) وشذرات الذهب (١/ ٢٧١ - ٢٧٤).","vol":"2","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في السير: وكان كوالده في استئصال الزنادقة وتتبعهم، فقتل عدة، منهم: يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم. (١)\n- وجاء في الكامل لابن الأثير: وفيها أي سنة تسع وستين ومائة: اشتد طلب المهدي للزنادقة فقتل منهم جماعة منهم علي بن يقطين وقتل أيضا يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان سبب قتله أنه أتي به إلى المهدي، فأقر بالزندقة وقال: لو كان ما تقول حقا لكنت حقيقا أن تتعصب لمحمد ولولا محمد من كنت؟ أما والله لولا أني جعلت على نفسي أن لا أقتل هاشميا لقتلتك. ثم قال للهادي: أقسمت عليك إن وليت هذا الأمر لتقتلنه ثم حبسه فلما مات المهدي قتله الهادي وكذلك أيضا كان عهد إليه بقتل ولد لداوود بن علي بن عبد الله بن عباس، كان زنديقا فمات في الحبس قبل المهدي. ولما قتل يعقوب أدخل أولاده على الهادي فأقرت ابنته فاطمة أنها حبلى من أبيها فخوفت فماتت من الفزع. (٢)\n_________\n(١) السير (٧/ ٤٤٣).\n(٢) الكامل (٦/ ٨٩).","vol":"2","page":465},{"text":"سلام بن سليمان (١) (١٧١ هـ)\nسَلاَّم بن سُلَيْمَان المُزَنِي أبو المنذر القارئ النحوي الكوفي يقال: إنه مولى معقل بن يسار المزني وأصله من البصرة. روى عن أيوب السختياني وثابت البناني وداود بن أبي هند وعاصم بن أبي النجود ومطر الوراق ويونس ابن عبيد. روى عنه سفيان بن عيينة وزيد بن الحباب وعفان بن مسلم وداود ابن إبراهيم العقيلي وحفص بن عمر وإبراهيم بن الحسن العلاف. قال زكريا الساجي: سلام أبو المنذر صدوق، كان صاحب سنة، وكان يؤم بجامع البصرة. وقال غيره: صاحب سنة شديد الإنكار. وقال ابن الجزري: ثقة جليل ومقرئ كبير. توفي سنة إحدى وسبعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>موقفه من الجهمية:</span>\nعن عفان قال: شهدت سلام أبا المنذر -قارئ أهل البصرة- وقد جاءه رجل والمصحف في حجره، فقال: ما هذا يا أبا المنذر؟ قال: قم يا زنديق، هذا كلام الله غير مخلوق. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله قال: حدثت عن حوثرة بن أشرس قال: سمعت سلاما أبا المنذر غير مرة وهو يقول: سلوهم عن العلم؟ هل علم أو لم يعلم، فإن قالوا: قد علم فليس في أيديهم شيء، وإن قالوا لم يعلم فقد حلت\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٢) وتهذيب الكمال (١٢/ ٢٨٨ - ٢٩١) وتقريب التهذيب (١/ ٣٤٢) وتاريخ بغداد (٩/ ١٩٧ - ١٩٨) وشذرات الذهب (١/ ٢٧٩) وغاية النهاية (١/ ٣٠٩) ومعرفة القراء الكبار (١/ ١٣٢ - ١٣٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٥٥ - ٥٦/ ٢٥٣).","vol":"2","page":466},{"text":"دماؤهم. (١)\n- وجاء في تهذيب الكمال عن أبي داود قال: سلام أبو المنذر أستاذ يعقوب لم يكن أحد أشد على القدرية منه. (٢)\n\nزهير بن معاوية (٣) (١٧٣ هـ)\nزُهَيْر بن معاوية بن حُدَيْج بن الرُّحَيْل أبو خَيْثَمَة الحافظ، الإمام المجود، محدث الجزيرة. كان من أوعية العلم صاحب حفظ وإتقان. ولد سنة خمس وتسعين. حدث عن أبي إسحاق السبيعي وزبيد بن الحارث اليامي وسماك بن حرب وغيرهم. حدث عنه ابن المبارك وابن مهدي وأبو داود الطيالسي وآخرون. قال معاذ بن معاذ: إذا سمعت الحديث من زهير لا أبالي أن لا أسمعه من سفيان الثوري. قال أحمد: زهير بن معاوية من معادن العلم. وقال أبو حاتم الرازي: زهير أحب إلينا من إسرائيل في كل شيء إلا في حديث جده أبي إسحاق. قيل لأبي حاتم فزائدة وزهير؟ فقال: زهير أتقى وهو صاحب سنة غير أنه تأخر سماعه من أبي إسحاق. كان زهير أحد الحفاظ الأعلام حتى بالغ فيه شعيب بن حرب فقال: كان أحفظ من عشرين شعبة. توفي زهير سنة ثلاث وسبعين ومائة وكان من أبناء الثمانين.\n_________\n(١) السنة (١٢٠).\n(٢) تهذيب الكمال (١٢/ ٢٩٠).\n(٣) السير (٨/ ١٨١ - ١٨٧) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٦ - ٣٧٧) وتهذيب الكمال (٩/ ٤٢٠ - ٤٢٥) وميزان الاعتدال (٢/ ٨٦) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٥١ - ٣٥٣) الشذرات (١/ ٢٨٢).","vol":"2","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>موقفه من الرافضة:</span>\nقال زهير بن معاوية: أبو بكر وعمر وعثمان لولا أن نبينا محمدا - ﷺ - لتمنيت أن يحشرني الله مع عمر. (١)\n\nنوح بن أبي مريم (٢) (١٧٣ هـ)\nنوح بن أبي مريم، أبو عِصْمَة المروزي، عالم أهل مرو. أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن حجاج بن أرطأة، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، والمغازي عن ابن إسحاق. روى عنه نعيم بن حماد، وسويد ابن نصر. ولي قضاء مرو في خلافة المنصور. قال الحافظ: كذبوه في الحديث. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أحمد عنه: كان شديدا على الجهمية والرد عليهم. تعلم منه نعيم ابن حماد الرد على الجهمية. (٣)\n\nعبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد (٤) (١٧٤ هـ)\nالإمام، الفقيه، أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الزناد، المدني. سمع من أبيه،\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٠٠ - ٤٠١).\n(٢) تهذيب الكمال (٣٠/ ٥٦) وميزان الاعتدال (٤/ ٢٧٩) والجرح والتعديل (٨/ ٤٨٤) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٨٦ - ٤٨٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٧١ - ١٨٠/ص.٣٨٦ - ٣٨٨) والتقريب (٧٢٣٦).\n(٣) تهذيب الكمال (٣٠/ ٥٩).\n(٤) السير (٨/ ١٦٧) وتهذيب الكمال (١٧/ ٩٥) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٧٠) وميزان الاعتدال (٢/ ٥٧٥).","vol":"2","page":468},{"text":"وسهيل بن أبي صالح، وهشام بن عروة. وحدث عنه ابن جريج، وهو من شيوخه، وسعيد بن منصور، وأحمد بن يونس. قال ابن سعد: كان فقيها مفتيا. قال الداني: أخذ القراءة عرضا عن أبي جعفر، وروى الحروف عن نافع. توفي سنة أربع وسبعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: أدركنا أهل الفضل والفقه من خيار أولية الناس يعيبون أهل الجدل والتنقيب والأخذ بالرأي أشد العيب، وينهوننا عن لقائهم ومجالستهم، وحذرونا مقاربتهم أشد التحذير، ويخبرونا أنهم على ضلال وتحريف لتأويل كتاب الله وسنن رسوله - ﷺ -، وما توفي رسول الله حتى كره المسائل والتنقيب عن الأمور وزجر عن ذلك، وحذره المسلمين في غير موضع حتى كان من قول النبي - ﷺ - في كراهية ذلك أن قال: \"ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم\" (١). فأي امرئ أكب على التنقيب لم يعقل من هذا. ولم يبلغ الناس يوم قيل لهم هذا القول من الكشف عن الأمور جزءا من مائة جزء مما بلغوا اليوم، فهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بأخذهم بالجدل والتفكير في دينهم؟! فهم كل يوم على دين ضلالة وشبهة جديدة، لا يقيمون على دين -وإن أعجبهم- إلا نقلهم الجدل والتفكير إلى دين سواه، ولو لزموا السنن وأمر المسلمين وتركوا\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي الزناد عبد الله بن ذكوان سنة (١٣٠هـ).","vol":"2","page":469},{"text":"الجدل لقطعوا عنهم الشك وأخذوا بالأثر الذي حضهم عليه رسول الله - ﷺ -. (١)\n\nابن لهيعة (٢) (١٧٤ هـ)\nعبد الله بن لَهِيعَة بن عُقْبَة بن فُرْعَان أبو عبد الرحمن القاضي الإمام العلامة، محدث ديار مصر مع الليث، ولد سنة خمس أو ست وتسعين وطلب العلم في صباه ولقي الكبار بمصر والحرمين. سمع من الأعرج صاحب أبي هريرة ومن موسى بن وردان وعطاء بن أبي رباح وغيرهم. وروى عنه حفيده أحمد بن عيسى وعمرو بن الحارث والأوزاعي وشعبة والثوري وماتوا قبله والليث بن سعد ومالك وغيرهم. وكان من بحور العلم على لين فيه. قال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيا. حدث إسحاق بن عيسى أنه لقيه في سنة أربع وستين وأن كتبه احترقت سنة تسع وستين ومائة. قال عنه أحمد بن حنبل: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة. وقال أحمد ابن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلابا للعلم. قال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. قال الذهبي: ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم. ومات بمصر يوم الأحد للنصف من شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين ومائة في خلافة هارون.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٢/ ٦٥٨).\n(٢) السير (٨/ ١١ - ٣١) وطبقات ابن سعد (٧/ ٥١٦ - ٥١٧) وتهذيب الكمال (١٥/ ٤٨٧ - ٥٠٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٣٧ - ٢٣٩) وشذرات الذهب (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٧٣ - ٣٧٩).","vol":"2","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>موقفه من الرافضة:</span>\nقال سعيد بن أبي مريم: سمعت ابن لهيعة يقول: عمرو بن جابر كان ضعيف العقل، كان يقول: علي في السحاب. كان يجلس معنا فيبصر سحابة فيقول: هذا علي قد مر في السحاب. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>موقفه من الجهمية:</span>\nعن يحيى بن خلف قال: لقيت ابن لهيعة فقلت: ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟ قال: كافر. (٢)\n\nالليث بن سعد (٣) (١٧٥ هـ)\nاللَّيث بن سعد بن عبد الرحمن الإمام الحافظ شيخ الإسلام وعالم الديار المصرية أبو الحارث الفهمي مولى خالد بن ثابت بن ظاعن. روى عن جعفر ابن ربيعة وبكير بن عبد الله بن الأشج وسعيد بن أبي سعيد المقبري وأبي الزناد وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة وطائفة. وعنه عبد الله بن المبارك والقعنبي وعبد الله بن وهب وقتيبة بن سعيد ويحيى بن عبد الله بن بكير وكاتبه أبو صالح وابنه شعيب وآخرون. قال ابن بكير: كان الليث فقيه البدن، عربي اللسان،\n_________\n(١) الميزان (٣/ ٢٥٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٧/ ٤١٢) والإبانة (٢/ ١٢/٥٢ - ٥٤/ ٢٥١) والميزان (٢/ ٤٧٨).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٥١٧) وتاريخ ابن معين (٢/ ٥٠١) وتاريخ خليفة (٤٤٩) ومشاهير علماء الأمصار (١٩١) وحلية الأولياء (٧/ ٣١٨ - ٣٢٧) والسير (٨/ ١٣٦ - ١٦٣) وتاريخ بغداد (١٣/ ٣ - ١٤) وتهذيب الكمال (٢٤/ ٢٥٥ - ٢٧٩) ووفيات الأعيان (٤/ ١٢٧ - ١٣٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٤ - ٢٢٦) وميزان الاعتدال (٣/ ٤٢٣) وشذرات الذهب (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"2","page":471},{"text":"يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة. وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا. وقال الشافعي: الليث أتبع للأثر من مالك. عن الليث قال لي الرشيد: ما صلاح بلدكم؟ قلت: بإجراء النيل وبصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكدر، فإن صفت العين صفت السواقي. قال: صدقت. توفي سنة خمس وسبعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في تلبيس إبليس عنه قال: لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته. فقال الشافعي: إنه ما قصر لو رأيته يمشى على الهواء ما قبلته. (١)\n- جاء في السير عن عبد الله بن أحمد بن شبويه: سمعت سعيد بن أبي مريم سمعت ليث بن سعد يقول: بلغت الثمانين وما نازعت صاحب هوى قط. (٢)\n\" التعليق:\nقال الذهبي: كانت الأهواء والبدع خاملة في زمن الليث، ومالك، والأوزاعي، والسنن ظاهرة عزيزة. فأما في زمن أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، فظهرت البدعة، وامتحن أئمة الأثر، ورفع أهل الأهواء رؤوسهم بدخول الدولة معهم، فاحتاج العلماء إلى مجادلتهم بالكتاب والسنة، ثم كثر ذلك، واحتج عليهم العلماء أيضا بالمعقول، فطال الجدال، واشتد النزاع،\n_________\n(١) التلبيس (ص.٢٤).\n(٢) السير (٨/ ١٤٤) وذم الكلام (ص.٢٢٣).","vol":"2","page":472},{"text":"وتولدت الشبه. نسأل الله العافية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي - ﷺ - القتل، وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير عن جعفر بن محمد الرسعني: حدثنا عثمان بن صالح، قال: كان أهل مصر ينتقصون عثمان، حتى نشأ فيهم الليث، فحدثهم بفضائله، فكفوا. وكان أهل حمص ينتقصون عليا حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش، فحدثهم بفضائل علي، فكفوا عن ذلك. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في الإبانة: عن يحيى بن خلف المقرئ بطرطوس قال: وذكر أنه أتى عليه اثنتان وثمانون سنة، وذكر أنه أتى المدينة سنة ست وستين ومئة، فلقي مالك بن أنس وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: كافر زنديق، اقتلوه. ثم قدمت البصرة، فلقيت الليث بن سعد قال: فقلت له: ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: كافر. (٤)\n_________\n(١) السير (٨/ ١٤٤).\n(٢) الصارم المسلول (٩).\n(٣) السير (٨/ ١٤٨)\n(٤) الإبانة (٢/ ١٢/٥٢ - ٥٤/ ٢٥١) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٧/ ٤١٢).","vol":"2","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1031>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة عن ابن وهب: سمعت الليث بن سعد يقول في المكذب في القدر: ما هو بأهل أن يعاد في مرضه، ولا يرغب في شهود جنازته ولا تجاب دعوته. (١)\n\nأبو عوانة (٢) (١٧٥ هـ)\nالوَضَّاح بن عبد الله الإمام الحافظ الثبت محدث البصرة أبو عَوَانَة الواسطي البزاز مولى يزيد بن عطاء اليَشْكُرِي. رأى الحسن وابن سيرين. روى عن الأعمش وسماك بن حرب ومحمد بن المنكدر والحكم بن عتيبة وطائفة. وعنه شعبة وابن مهدي ومسدد ووكيع وأبو داود الطيالسي وآخرون. قال حجاج الأعور: قال لي شعبة: الزم أبا عوانة. وقال عبد الرحمن ابن مهدي: أبو عوانة وهشام الدستوائي كسعيد بن أبي عروبة وهمام. وقال ابن حبان: كان من أهل الفضل والنسك ممن عني بالعلم صغيرا، وانتفع به كبيرا. توفي سنة خمس وسبعين ومائة، وقيل سنة ست.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة: قال عبد الله: حدثني نصر بن علي حدثنا الأصمعي\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٥٥ - ٢٥٦/ ١٨٥٧) والشريعة (١/ ٤٣٦/٥٥٠).\n(٢) تهذيب الكمال (٣٠/ ٤٤١ - ٤٤٨) والسير (٨/ ٢١٧ - ٢٢٢) والجرح والتعديل (٩/ ٤٠ - ٤١) وتاريخ بغداد (١٣ - ٤٩٠ - ٤٩٥) والتاريخ لابن معين (٢/ ٦٢٩) وميزان الاعتدال (٤/ ٣٣٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) وتهذيب التهذيب (١١/ ١١٨).","vol":"2","page":474},{"text":"حدثنا أبو عوانة قال ما رأيت عمرو بن عبيد ولا جالسته قط إلا مرة واحدة قال: فتكلم وطول. ثم قال حين فرغ: لو نزل من السماء ملك ما زادكم على هذا. (١)\n\nعبد الله بن فروخ (٢) (١٧٥ هـ)\nعبد الله بن فَرُّوخ أبو محمد الفارسي المغربي فقيه القيروان وزاهدها. روى عن سفيان الثوري وسليمان الأعمش وعبد الله بن عون وعبد الملك بن جريج وهشام بن عروة. روى عنه خلاد بن هلال وسعيد بن أبي مريم وعمرو بن الربيع وهشام بن عبيد الله. قال أبو بكر المالكي: كان رجلا صالحا فاضلا متواضعا، قليل الهيبة للملوك، لا يخاف في الله لومة لائم، مباينا لأهل البدع، حافظا للحديث والفقه، وكان الإمام مالك يعظمه ويكرمه، ويقول عنه: فقيه أهل المغرب. وقال عنه ابن أبي مريم: هو أرضى أهل الأرض عندي.\nقال ابن يونس: مات بعد انصرافه من الحج سنة خمس وسبعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له كتاب في الرد على المبتدعة سماه: 'الرد على أهل الأهواء والبدع'. (٣)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٤٩ - ١٥٠) والميزان (٣/ ٢٧٧) بنحوه.\n(٢) ترتيب المدارك (١/ ١٩٤ - ١٩٩) والوافي بالوفيات (١٧/ ٣٩٩ - ٤٠٠) وتهذيب الكمال (١٥/ ٤٢٨ - ٤٣٠) وميزان الاعتدال (٢/ ٤٧١) والكامل لابن عدي (٤/ ١٥١٥ - ١٥١٧) ورياض النفوس (١/ ١٧٦ - ١٧٩).\n(٣) الأعلام للزركلي (٤/ ١١٢) ومعجم المؤلفين (٦/ ١٠٢).","vol":"2","page":475},{"text":"- جاء في الاعتصام: أن أبا العرب التميمي حكى عن ابن فروخ: أنه كتب إلى مالك بن أنس أن بلدنا كثير البدع، وأنه ألف لهم كلاما في الرد عليهم. فكتب إليه مالك يقول له: إن ظننت ذلك بنفسك، خفت أن تزل فتهلك، لا يرد عليهم إلا من كان ضابطا عارفا بما يقول لهم، لا يقدرون أن يعرجوا عليه، فهذا لا بأس به، وأما غير ذلك، فإني أخاف أن يكلمهم فيخطئ فيمضوا على خطئه، أو يظفروا منه بشيء فيطغوا ويزدادوا تماديا على ذلك. (١)\n\nسعيد بن عبد الرحمن الجمحي (٢) (١٧٦ هـ)\nسعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله القرشي الجُمَحِيّ. روى عن سعد ابن إسحاق بن كعب بن عجرة، وسلمة بن دينار، وسهيل بن أبي صالح وروى عنه إبراهيم بن عبد الله بن حاتم، وأحمد بن إبراهيم الموصلي، وعبد الله ابن وهب. قال الزبير بن بكار: ولي القضاء للرشيد ببغداد، وقال الشاعر يرثيه:\nثلمة في الإسلام موت سعيد ... شملت كل مخلص التوحيد\nذاك أني رأيته لا يبالي ... في تقى الله لوم أهل الوعيد\nمات سنة ست وسبعين ومائة.\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٤٤) ورياض النفوس (١/ ١٧٧) وترتيب المدارك (١/ ١٩٨).\n(٢) تهذيب الكمال (١٠/ ٥٢٨) وتهذيب التهذيب (٤/ ٥٥) وميزان الاعتدال (٢/ ٥٢٨) وتاريخ بغداد (٩/ ٦٧) والوافي بالوفيات (١٥/ ٢٣٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٧١ - ١٨٠/ص.١٣٢ - ١٣٤).","vol":"2","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>موقفه من الجهمية:</span>\nعن إبراهيم بن سعد وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي ووهب بن جرير وأبي النضر هاشم بن القاسم وسليمان بن حرب قالوا: القرآن ليس بمخلوق. (١)\n\nمحمد بن مسلم (٢) (١٧٧ هـ)\nمحمد بن مُسْلِم بن سوسن أبو عبد الله الطائفي المكي. روى عن عمرو ابن دينار وابن طاووس وإبراهيم بن ميسرة وجماعة. وعنه أسد السنة (٣) والقعنبي ويحيى بن يحيى وقتيبة وغيرهم. وقال مُعَرِّفُ بن واصل: رأيت سفيان الثوري بين يدي محمد بن مسلم يكتب. عن عبد الرزاق قال: ما كان أعجب من محمد بن مسلم الطائفي إلى سفيان الثوري. مات سنة سبع وسبعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>موقفه من المرجئة:</span>\nعن محمد بن مسلم الطائفي: لا يصلح قول إلا بعمل. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨/ ٤١٦) والسنة لعبد الله (٣٠).\n(٢) السير (٨/ ١٧٦) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٤١٢ - ٤١٥) وميزان الاعتدال (٤/ ٤٠) وشذرات الذهب (١/ ٢٨٨) طبقات ابن سعد (٥/ ٥٢٢) وتهذيب التهذيب (٩/ ٤٤٤ - ٤٤٥).\n(٣) هو أسد بن موسى.\n(٤) السنة لعبد الله (٩٤).","vol":"2","page":477},{"text":"شريك بن عبد الله القاضي (١) (١٧٧ هـ)\nشَرِيك بن عبد الله بن أبي شَرِيك العلامة الحافظ القاضي أبو عبد الله النخعي الكوفي أحد الأعلام. أدرك زمان عمر بن عبد العزيز. روى عن جامع ابن شداد وسماك بن حرب وسليمان الأعمش وسلمة بن كهيل وطائفة. روى عنه يحيى القطان وعبد الله بن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي وابنه عبد الرحمن وآخرون. عن حمدان بن الأصبهاني قال: كنت عند شريك، فأتاه ابن المهدي، فاستند وسأل عن حديث، فلم يلتفت شريك، فأعاد فعاد، فقال: كأنك تستخف بأولاد الخلفاء؟ قال: لا، ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه. قال: فجثا على ركبتيه فسأل، فقال شريك: هكذا يطلب العلم. وقال شريك: ترى أصحاب الحديث هؤلاء يطلبونه لله. إنما يتظرفون به. وقال: ترك الجواب في موضعه إذاية القلب. توفي سنة سبع وسبعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام عنه قال: أثر فيه بعض الضعف أحب إلي من رأيهم. (٢)\n- عن يحيى بن يسار قال: سمعت شريكا يقول: لأن يكون في كل قبيلة\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٩/ ٢٧٩ - ٢٩٥) والجرح والتعديل (٤/ ٣٦٥ - ٣٦٧) والسير (٨/ ٢٠٠ - ٢١٦) والكامل لابن عدي (٤/ ١٣٢١ - ١٣٣٨) وتهذيب الكمال (١٢/ ٤٦٢ - ٤٧٥) وميزان الاعتدال (٢/ ٢٧٠ - ٢٧٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٣٢) والبداية والنهاية (١٠/ ١٧٧) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٨) وشذرات الذهب (١/ ٢٨٧).\n(٢) ذم الكلام (ص.٩٨) والسير (٨/ ٢٠٧).","vol":"2","page":478},{"text":"حمار أحب إلي من أن يكون فيها رجل من أصحاب أبي فلان، رجل كان مبتدعا. (١)\n- جاء في أصول الاعتقاد: تقدم حماد بن أبي حنيفة إلى شريك بن عبد الله وهو قاض في شهادة، فقال له شريك: لا أقبل شهادتك قال: لم ترد شهادتي؟ فقال: أما إني لا أطعن عليك في بطن ولا فرج ولكن متى تدع الخصومة في الدين أجزت شهادتك. (٢)\n- جاء في ميزان الاعتدال: عن معاوية بن صالح، سألت أحمد عن شريك، فقال: كان عاقلا صدوقا محدثا، وكان شديدا على أهل الريب والبدع. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير عن نصر بن المجدر قال: كنت شاهدا حين أدخل شريك، ومعه أبو أمية، وكان أبو أمية رفع إلى المهدي أن شريكا حدثه عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، أن النبي - ﷺ - قال: استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإذا زاغوا عن الحق فضعوا سيوفكم على عواتقكم، ثم أبيدوا خضراءهم.\nقال المهدي: أنت حدثت بهذا؟ قال: لا. فقال أبو أمية: علي المشي إلى بيت الله، وكل مالي صدقة، إن لم يكن حدثني. فقال شريك: وعلي مثل\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٩/ ٤٧٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٦/٢٢٤).\n(٣) ميزان الاعتدال (٢/ ٢٧٣).","vol":"2","page":479},{"text":"الذي عليه إن كنت حدثته. فكأن المهدي رضي. فقال أبو أمية: يا أمير المؤمنين، عندك أدهى العرب، إنما يعني مثل الذي علي من الثياب. قل له يحلف كما حلفت. فقال: احلف. فقال شريك: قد حدثته. فقال المهدي: ويلي على شارب الخمر -يعني الأعمش، وذلك أنه كان يشرب المنصف- لو علمت موضع قبره لأحرقته. قال شريك: لم يكن يهوديا، كان رجلا صالحا، قال: بل زنديق. قال: للزنديق علامات: بتركه الجمعات، وجلوسه مع القيان، وشربه الخمر. فقال: والله لأقتلنك. قال: ابتلاك الله بمهجتي. قال: أخرجوه، فأخرج، وجعل الحرس يشققون ثيابه، وخرقوا قلنسوته، قال نصر: فقلت لهم: أبو عبد الله. فقال المهدي: دعهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السنة: قال عبد الله: حدثني أبي حدثنا حجاج سمعت شريكا وذكر المرجئة فقال: لهم أخبث قوم وحسبك بالرافضة خبثا ولكن المرجئة يكذبون على الله. (٢)\n- جاء في السير: قال ابن عيينة: قيل لشريك: ما تقول فيمن يفضل عليا على أبي بكر؟ قال: إذا يفتضح، يقول: أخطأ المسلمون. (٣)\n- وفيها: قال حفص بن غياث، من طريق علي بن خشرم، عنه: سمعت شريكا يقول: قبض النبي - ﷺ -، واستخار المسلمون أبا بكر، فلو علموا\n_________\n(١) السير (٨/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(٢) السنة لعبد الله (٨٣) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٦/١٨٢٤) والإبانة (٢/ ٧/٨٨٦/ ١٢٢٥) والشريعة (١/ ٣١٠/٣٣٩) ومجموع الفتاوى (/٣٩٥).\n(٣) السير (٨/ ٢٠٤) وهو في السنة للخلال (٢/ ٣٧٦).","vol":"2","page":480},{"text":"أن فيهم أحدا أفضل منه كانوا قد غشونا، ثم استخلف أبو بكر عمر، فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما حضرته الوفاة، جعل الأمر شورى بين ستة، فاجتمعوا على عثمان. فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا. (١)\n- وجاء في الميزان: قال محمد بن سعيد بن الأصبهاني: سمعت شريكا يقول: احمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينا. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: قال شريك لقوم من الشيعة: إنا ما علمنا بعلي حين صعد المنبر فقال: إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، والله ما سألناه عن ذلك يا جاهل، أفترانا حين يقوم فنقول له كذبت. (٣)\n- وفيه: عن إبراهيم بن أعين قال: سألت شريك بن عبد الله فقلت: يا أبا عبد الله أرأيت من قال: لا أفضل أحدا على أحد قال: هذا أحمق أليس قد فضل أبو بكر وعمر قال: قلت: فأدركت أحدا يفضل عليهما؟ قال: لا إلا مفتضح. (٤)\n- وجاء في السنة للخلال: قال شريك ليس يقدم أحد على أبي بكر وعمر فيه خير. (٥)\n- وفيها: قال شريك: من زعم أن أصحاب محمد - ﷺ - قدموا عثمان\n_________\n(١) السير (٨/ ٢٠٩).\n(٢) الميزان (١/ ٢٨) المنهاج (١/ ٦٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٤٨/٢٦٠٧) وفي الشريعة (٣/ ٥٦٣/٢٠٧٧) والسنة للخلال (٢/ ٣٧٦).\n(٤) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٥١/٢٦١٧) وفي الميزان (٢/ ٢٧١).\n(٥) السنة للخلال (١/ ٣٧٦).","vol":"2","page":481},{"text":"وليس هو أفضلهم في أنفسهم فقد خون أصحاب محمد - ﷺ -. (١)\n- ذكر أبو القاسم البلخى، قال: سأل سائل شريك بن عبد الله بن أبى نمر فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أو علي، فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشيعي من قال مثل هذا والله لقد رقى علي هذا الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. أفكنا نرد قوله؟ أكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السير: عن عباد بن العوام، قال: قدم علينا شريك من نحو خمسين سنة، فقلنا له: إن عندنا قوما من المعتزلة، ينكرون هذه الأحاديث: \"إن أهل الجنة يرون ربهم\" (٣) و\"إن الله ينزل إلى السماء الدنيا\" (٤)، فحدث شريك بنحو من عشرة أحاديث في هذا، ثم قال: أما نحن، فأخذنا ديننا عن أبناء التابعين عن الصحابة، فهم عمن أخذوا؟. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن أحمد بن سنان القطان أبي جعفر الواسطي قال ثنا خالي موسى ابن عمران -وكان قد كتب عن شريك- قال: استأذن شريك على المهدي\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٣٩٣).\n(٢) المنهاج (١/ ١٣ - ١٤).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٥) السير (٨/ ٢٠٨) والسنة لعبد الله (٦٦ - ٦٧) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٩/٨٧٩) والشريعة (٢/ ٩٤/٧٣٩) والفتاوى (٥/ ٣٨٧).","vol":"2","page":482},{"text":"وعنده أبو يوسف القاضي وامتريا. فقال المهدي: الصلاة من الإيمان. وقال أبو يوسف: الصلاة ليس من الإيمان. واستأذن شريك، فقال المهدي: قد جاء من يفصل بيننا. قال: فلما دخل سلم، قال: فرد عليه فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في رجلين امتريا فقال أحدهما: الصلاة من الإيمان وقال الآخر الصلاة من العمل؟ قال: أصاب الذي قال: الصلاة من الإيمان وأخطأ الذي قال الصلاة من العمل. قال فقال أبو يوسف: من أين قلت ذي؟ فقال حدثني أبو إسحاق: عن البراء بن عازب في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١) قال: صلاتكم نحو بيت المقدس. قال: فألقمه حجرا. (٢)\n- عن أبي سلمة الخزاعي قال: قال مالك بن أنس وشريك وأبو بكر ابن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد: الإيمان المعرفة والإقرار والعمل. (٣)\n- عن أبي نعيم قال: مرت بنا جنازة مسعر بن كدام منذ خمسين سنة ليس فيها سفيان ولا شريك. (٤)\n- عن عبد الرحمن بن مهدي قال: بلغني أن شعبة قال لشريك: كيف لا تجيز شهادة المرجئة؟ قال: كيف أجيز شهادة قوم يزعمون أن الصلاة ليست من الإيمان. (٥)\n_________\n(١) البقرة الآية (١٤٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٩٨ - ٨٩٩/ ١٥٠٨).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٣١/١٥٨٧) والسنة لعبد الله (٨٣).\n(٤) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٦ - ١٠٦٧/ ١٨٢٦).\n(٥) السنة لعبد الله (٩٣).","vol":"2","page":483},{"text":"- وعن يحيى بن آدم قال: شهد أبو يوسف عند شريك بشهادة، فقال له: قم وأبى أن يجيز شهادته، فقيل ترد شهادته؟ فقال: أجيز شهادة رجل يقول: الصلاة ليست من الإيمان! (١)\n\nعتبة الغلام (٢) (١٧٨ هـ)\nعتبة بن أبان البصري الزاهد الخاشع، كان يشبه في حزنه بالحسن البصري، وكان من نساك أهل البصرة، وكان رأس ماله فلسا، يشتري به خوصا، يعمله ويبيعه بثلاثة فلوس، فيتصدق بفلس ويتعشى بفلس، وفلس رأس ماله. وذكرت له أمور في التقشف.\nمن أقواله: من عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه. وقال أيضا: إنما أبكي على تقصيري. وقال أيضا: لا يعجبني رجل ألا يحترف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الإبانة: عن جعفر بن سليمان الضبعي قال: سمعت عتبة الغلام يقول: من لم يكن معنا فهو علينا. (٣)\n_________\n(١) السنة للخلال (٣/ ٥٨٥/١٠٢٤).\n(٢) السير (٧/ ٦٢ - ٦٣) والحلية (٦/ ٢٢٦ - ٢٣٨) ومشاهير علماء الأمصار (ص.٢٤٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٣/ ٤٨٧).","vol":"2","page":484},{"text":"محمد بن النضر الحارثي (١) (ما بين ١٧١ هـ و١٨٠ هـ)\nمحمد بن النَّضْر الحارثيّ الكوفي أبو عبد الرحمن. روى عن الأوزاعي. وروى عنه ابن مهدي، وخالد بن يزيد، وعبد الله بن المبارك. من أقواله: أول العلم الاستماع والإنصات، ثم حفظه، ثم العمل به، ثم بثه. وقال عنه ابن المبارك: كان محمد بن النضر إذا ذكر الموت، اضطربت مفاصله. وعن أبي الأحوص، قال: آلى محمد بن النضر على نفسه أن لا ينام إلا ما غلبته عينه.\nذكر الذهبي أنه من طبقة شريك القاضي المتوفى سنة (١٧٧هـ) وأورده في تاريخه ضمن وفيات الطبقة الثامنة عشر المؤرخة بين (١٧١هـ و١٨٠هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى اللالكائي عنه قال: من أصغى سمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم أنه صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه. (٢)\n- وروى ابن بطة بسنده إلى عبادة بن كليب، قال: قال محمد بن النضر الحارثي: إن أصحاب الأهواء قد أخذوا في تأسيس الضلالة وطمس الهدى فاحذروهم. (٣)\n_________\n(١) السير (٨/ ١٧٥) وتاريخ الإسلام (وفيات ١٧١هـ-١٨٠هـ/ ص.٣٥٣ - ٣٥٤) والجرح والتعديل (٨/ ١١٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٣/٢٥٢) والإبانة (٢/ ٣/٤٥٩/ ٤٣٤) وذم الكلام (ص.٢٢٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٢/ ٤٤٨).","vol":"2","page":485},{"text":"مالك بن أنس (١) (١٧٩ هـ)\nمالك بن أنس بن مالك شيخ الإسلام وحجة الأمة، إمام دار الهجرة أبو عبد الله الحِمْيَرِي ثم الأَصْبَحِيّ المدني. حدث عن خلق كثير منهم: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وحميد الطويل وداود بن الحصين وربيعة الرأي وزيد بن أسلم وغيرهم. حدث عنه عبد الرحمن بن مهدي وشعبة بن الحجاج والقعنبي وعبد الله بن يوسف وعبد الله بن المبارك ويحيى بن سعيد القطان ومعن بن عيسى وآخرون. قال الشافعي: إذا جاءك الأثر من مالك فشد به يدك، وقال: إذا ذكر العلماء فمالك النجم. وعن ابن عيينة قال: مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجة زمانه. ومناقبه كثيرة جدا وثناء الأئمة عليه أكثر. قال أبو مصعب: سمعت مالكا يقول: سألني أبو جعفر عن أشياء ثم قال: أنت والله أعقل الناس، وأنت أعلم الناس، قلت: لا والله يا أمير المؤمنين. قال: بلى، ولكنك تكتم. والله لو بقيت لأكتبن قولك كما تكتب المصاحف، ولأبعثن به إلى الآفاق، فأحملهم عليه.\nمن أقواله ﵀: العلم ينقص ولا يزيد، ولم يزل العلم ينقص بعد الأنبياء والكتب، ومنها: اعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما يسمع، ومنها: حق على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية،\n_________\n(١) ترتيب المدارك (١/ ٤٤ - ١٤٠) والسير (٨/ ٤٨ - ١٣٥) والانتقاء من فضائل الأئمة الفقهاء (٩/ ٣٧) والحلية (٦/ ٣١٦ - ٣٥٥) وتاريخ خليفة (٤٥١) ومشاهير علماء الأمصار (١٤٠) والفهرست لابن النديم (٢٨٠ - ٢٨١) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٩١ - ١٢٠) ووفيات الأعيان (٤/ ١٣٥ - ١٣٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٧ - ٢١٣) والبداية والنهاية (١٠/ ١٨٠) وتاريخ ابن معين (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٦) والأنساب (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨) وشذرات الذهب (١/ ٢٨٩ - ٢٩٢) والديباج المذهب (١/ ٥٥ - ١٣٩).","vol":"3","page":1},{"text":"والعلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم من الله تعالى، فلا تمكن الناس من نفسك، فإن من سعادة المرء أن يوفق للخير، وإن من شقوة المرء أن لا يزال يخطئ، وذل وإهانة للعلم أن يتكلم الرجل بالعلم عند من لا يطيعه. توفي سنة تسع وسبعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى الخطيب في شرف أصحاب الحديث: عن عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت مالك بن أنس ﵁ يقول: سن رسول الله - ﷺ - وولاة الأمر بعده سننا فالأخذ بها تصديق لكتاب الله ﷿، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى. (١)\n- جاء في الاعتصام: وقال مالك: قبض رسول الله - ﷺ - وقد تم هذا الأمر واستكمل، فينبغي أن تتبع آثار رسول الله - ﷺ - وأصحابه، ولا يتبع الرأي، فإنه متى ما اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك، فاتبعته، فكلما غلبه رجل اتبعه، أرى أن هذا بعد لم يتم. (٢)\n\" التعليق:\nرضي الله عنك يا إمام أهل المدينة، ما أحسن ما قلت لو وجدت أذنا\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (ص.٦ - ٧) وانظر السير (٨/ ٩٨). وهو من كلام أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؛ وكان الإمام مالك يردده كثيرا.\n(٢) الاعتصام (١/ ١٤٠) و(٢/ ٦٦٠) ورواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٠٦٩) وانظر إعلام الموقعين (١/ ٧٨) ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ١٩١) بنحوه.","vol":"3","page":2},{"text":"صاغية، إن كثيرا من أهل الأرض يدعون أنهم يتمذهبون بمذهبك في الفروع، ولكنهم في الحقيقة لم يتبعوك لا في الفروع ولا في الأصول، فعقيدتك وعقيدة أصحابك سلفية، ومذهبك اتباع الكتاب والسنة، والمدعون أنهم أتباعك لو بعثت إليهم ورأيت ما هم عليه لجالدتهم بالسيف؛ فإنهم على عقيدة سموها أشعرية، والأشعري تبرأ منها، وصوفية في سلوكهم ولم يروا الحجة في الموطأ والمدونة وغيرهما من الكتب التي تعتمد على الحجة والدليل، ولكن رأوها في خليل وشروحه، وهو مع طوله لم يذكر في كتابه ولا حديثا واحدا للحجة ومع ذلك اهتم من ينسبون أنفسهم لك بحفظه، ودراسته في المساجد والجوامع، وأوقفوا عليه الأوقاف، وأصبح حافظه يشار إليه بالبنان ويقدم في القضاء والفتوى والله المستعان.\n\n- وجاء في الاعتصام: قال أبو مصعب قدم علينا ابن مهدي فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف فلما سلم الإمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم، قال: من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحبس فقيل له: إنه ابن مهدي، فوجه إليه وقال له: ما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلين بالنظر إليه وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه؟ وقد قال النبي - ﷺ -: \"من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله","vol":"3","page":3},{"text":"والملائكة والناس أجمعين\" (١)، فبكى ابن مهدي وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبدا في مسجد رسول الله - ﷺ - ولا في غيره.\n- وفي رواية عن ابن مهدي قال: فقلت للحرسيين: تذهبان بي إلى أبي عبد الله؟ قالا: إن شئت. فذهبا إليه، فقال: يا عبد الرحمن، تصلي مستلبا؟ فقلت: يا أبا عبد الله، إنه كان يوما حارا -كما رأيت- فثقل ردائي علي. فقال: آلله ما أردت بذلك الطعن على من مضى والخلاف عليه؟ قلت: آلله. قال: خلياه. (٢)\n- وجاء في الاعتصام: حكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله: من أين أحرم؟ قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله - ﷺ -، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله - ﷺ -؟ إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣). اهـ (٤)\n_________\n(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ ولعله رواية معنى حديث علي، وقد تقدم تخريجه في مواقف علي ﵁ سنة (٤٠هـ).\n(٢) الاعتصام (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥).\n(٣) النور الآية (٦٣).\n(٤) الاعتصام (١/ ١٧٤) وهو في ذم الكلام (ص.١٢٣) والإبانة (١/ ١/٢٦١ - ٢٦٢/ ٩٨) وانظر الباعث (ص.٩٠ - ٩١) ومجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٧٥).","vol":"3","page":4},{"text":"- قال إسحاق بن الضباع: جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة، فقال: قال رسول الله - ﷺ - كذا. قال: أرأيت إن كان كذا؟ قال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. (١)\n- وجاء في ذم الكلام عن ابن وهب قال: كنا عند مالك بن أنس فذكرت السنة فقال: السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. (٢)\n- وجاء في ذم الكلام عنه قال: من أراد النجاة فعليه بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -. (٣)\n- وعن ابن وضاح قال: ثوَّب المؤذن بالمدينة في زمان مالك فأرسل إليه مالك فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا، فقال له مالك: لا تفعل لا تحدث في بلدنا شيئا لم يكن فيه. قد كان رسول الله - ﷺ - بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه، فكف المؤذن عن ذلك وأقام زمانا، ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر، فأرسل إليه مالك فقال له: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له: ألم أنهك ألا تحدث عندنا ما لم يكن؟ فقال: إنما نهيتني عن التثويب!\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٧٩) وشرح السنة (١/ ١٩١) والحلية (٦/ ٣٢٦).\n(٢) ذم الكلام (ص.٢١٠) وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ٥٧).\n(٣) ذم الكلام (ص.٢٠٨).","vol":"3","page":5},{"text":"فقال له: لا تفعل، فكف زمانا، ثم جعل يضرب الأبواب فأرسل إليه مالك فقال: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. (١)\n- وفيه: قال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول: التثويب ضلال، قال مالك: ومن أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله - ﷺ - خان الدين، لأن الله تعالى يقول: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكم﴾ (٢)، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا. (٣)\n\" التعليق:\nمن قرأ مثل هذه النصوص ووعاها يجد نفسه يعيش في غربة غريبة. هذه الحقائق التي اعتنى بها هذا الإمام واعتبرها بدعة وأوقف المؤذن من أجلها، لو نطق أحدنا بها أو بما يشبهها لعد من كبار المتنطعين المتشددين، وانقلب الناس عليه كأنه مجرم كبير. أين نحن من الإمام مالك؟! أين من يسمون أنفسهم مالكية؟! ابتدعوا الطامات الكبرى واعتقدوها قربة، شيدوا القبور ونذروا إليها وذبحوا عندها. اخترعوا طرقا سموها صوفية، استحلوا ما حرم الله باسم القوانين الوضعية، عطلوا شرع الله وحسبوه تقدما ومدنية، وتعداد ما عليه الناس الآن لا تفي به هذه الإشارة ولكن دمعة أو دمعتان خير من آبار جافة والله المستعان.\n_________\n(١) ابن وضاح (ص.٨٩) وذكره الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٥٥٥).\n(٢) المائدة الآية (٣).\n(٣) الاعتصام (٢/ ٥٣٥).","vol":"3","page":6},{"text":"- عن مالك بن أنس قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء على عهد النبي - ﷺ - ولا أبي بكر ولا عمر ولا عثمان. (١)\n- وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم ابن جميل قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم، قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يستتابون، والله أعلم. (٢)\n\" التعليق:\nقلت: وأهل هذا الزمان، فلا عمر ولا إبراهيم النخعي ولا الأوزاعي ولا مالك ولا أحمد ولا أبا يوسف ولا المزني ولا ابن القاسم ولا أبا حنيفة، وإنما هم جماعة تخرجوا من مدارس تعلموا فيها مناهج لا صلة لها بكتاب الله ولا بسنة رسوله - ﷺ -. والله المستعان.\n- جاء في الاعتصام: وخرج ابن وضاح وهو في العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك ﵀ أنه سئل عن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ (٣)\nمرارا في الركعة الواحدة فكره ذلك وقال: هذا من محدثات الأمور التي\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٠٨).\n(٢) إعلام الموقعين (٢/ ٢٠١).\n(٣) الإخلاص الآية (١).","vol":"3","page":7},{"text":"أحدثوا. (١)\n- وجاء في الاعتصام قال مالك: أول من جعل مصحفا الحجاج بن يوسف -يريد أنه أول من رتب القراءة في المصحف إثر صلاة الصبح في المسجد- قال ابن رشد: مثل ما يصنع عندنا إلى اليوم.\nقال الشاطبي: فهذه محدثة -أعني وضعه في المسجد- لأن القراءة في المسجد مشروع في الجملة معمول به، إلا أن تخصيص المسجد بالقراءة على ذلك الوجه هو المحدث ومثله وضع المصاحف في زماننا للقراءة فيها يوم الجمعة وتحبيسها على ذلك القصد. (٢)\n- وفيه: قال ابن القاسم في المبسوط: رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد. (٣)\n- وفيه أيضا: ويشبه هذا ما في سماع ابن القاسم عن مالك في القوم يجتمعون جميعا فيقرأون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الأسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من عمل الناس. (٤)\n- وفيه سئل ابن القاسم عن نحو ذلك فحكى الكراهية عن مالك ونهى عنها ورآها بدعة. وقال في رواية أخرى عن مالك: وسئل عن القراءة بالمسجد؟ فقال: لم يكن الأمر القديم وإنما هو شيء أحدث، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، والقرآن حسن. قال ابن رشد: يريد\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٤٩٠) وابن وضاح (ص.٩٢).\n(٢) الاعتصام (١/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(٣) الاعتصام (٢/ ٥٨٨).\n(٤) الاعتصام (١/ ٥٠٨).","vol":"3","page":8},{"text":"التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كله سنة، مثل ما بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح. قال: فرأى ذلك بدعة. (١)\n\" التعليق:\nقال جامعه: لو أدرك هؤلاء مساجدنا وما حدث فيها من الضوضاء واللغط والبدع على اختلاف أنواعها، فباعة القرآن والمراؤون به بأصواتهم المختلطة المزعجة المشينة المتلاعبة بكتاب الله. والأسواق التي هي محل اللغط تجدها أهدأ من هذه المساجد. ومبتدعة ما يسمى بدلائل الخيرات، وهو كتاب فتحه صاحبه بالكذب على رسول الله - ﷺ - ووضع فيه صلوات علقها بالشرك، كقوله: اللهم صل على محمد عدد ما نفعت التمائم. وصلوات سمجة كقوله: اللهم صل على صاحب الهراوة. والخلاصة فيه أنه كتاب ملأه صاحبه بما لم يرد عن رسول الله - ﷺ -. ويكفي المسلمين ما صح عنه - ﷺ - في البخاري وغيره من كتب السنة، التي اعتنت بهذا الباب وأغنتنا عن هذه الخزعبلات والتلفيقات التي ما أنزل الله بها من سلطان. (٢)\nوأما ألغاط الصوفية على اختلاف طرقهم فلا تسأل عن ذلك، فكأنهم حمر مستنفرة. نرجو الله الهداية لجميع إخواننا المسلمين.\n\n- وجاء في الاعتصام: حكى عياض عن مالك من رواية ابن نافع عنه\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٥٠٨) والباعث (ص.٢٤٣) والحوادث والبدع (ص.٩٥).\n(٢) وانظر كتابنا وقفات مع الكتاب المسمى دلائل الخيرات.","vol":"3","page":9},{"text":"قال: لو أن العبد ارتكب الكبائر كلها دون الإشراك بالله شيئا ثم نجا من هذه الأهواء لرجوت أن يكون في أعلى جنات الفردوس، لأن كل كبيرة بين العبد وربه هو منها على رجاء، وكل هوى ليس هو منه على رجاء إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم. (١)\n- وجاء في الإبانة عنه قال: القرآن هو الإمام فأما هذا المراء فما أدري ما هو. (٢)\n- وفيها عنه: المراء في العلم يقسي القلب ويورث الضغن. (٣)\n- وجاء في ذم الكلام: قال مالك لابن وهب: لا تحملن أحدا على ظهرك ولا تمكن الناس من نفسك، أد ما سمعت وحسبك ولا تقلد الناس قلادة سوء. (٤)\n- وفيه عنه قال: ما قلت الآثار في قوم إلا ظهرت فيهم الأهواء، ولا قلت العلماء إلا ظهر في الناس الجفاء. (٥)\n- وجاء في جامع بيان العلم وفضله: قال الهيثم بن جميل: قلت لمالك ابن أنس: يا أبا عبد الله الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت. (٦)\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١٧١) وذم الكلام (ص.٢٠٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥١٠/ ٥٩٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٠/ ٦٥٣).\n(٤) ذم الكلام (ص.٢٠٨).\n(٥) ذم الكلام (ص.٢٠٩) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٣) ومجموع الفتاوى (١٧/ ٣٠٨).\n(٦) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٣٦).","vol":"3","page":10},{"text":"- عن مالك قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة، سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به. (١)\n- وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. (٢)\n- وقال: وما تكلمت برأيي إلا في ثلاث مسائل. (٣)\n- وقال: الداء العضال التنقل في الدين. (٤)\n- عن الوليد بن مسلم قال: سمعت مالك بن أنس، وقال له رجل: يا أبا عبد الله، وما عليك أن أكلمك، قال: فإن كلمتك فرأيت الحق فيما كلمتك؟ قال: تتبعني؟ قال: نعم، قال: فإن خرجت من عندي على الذي فارقتني عليه، فأقمت سنة تقول به، ثم لقيك رجل من أصحابك فكلمته فقال لك: أخطأ مالك، أترجع إلى قوله؟ قال: نعم، قال: فإنك أقمت سنة بقوله تقول، ثم رجعت إلي فقلت لي: لقيت فلانا فيما كلمتك به فقال لي: كيت وكيت، فرأيت أن الحق في قوله فاتبعته، فقلت لك أنا: أخطأ فلان الأمر في كذا وكذا فعرفت أن قولي أحسن من قوله تتبعني؟ قال: نعم، قال:\n_________\n(١) السير (٨/ ٦٧) وهو في الكفاية في علم الرواية (ص.١١٦و١٦٠) والمحدث الفاصل (ص.٤٠٣ - ٤٠٤).\n(٢) ترتيب المدارك (١/ ١٨٢ - ١٨٣) وجامع بيان العلم (١/ ٧٧٥) ومجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١١).\n(٣) ترتيب المدارك (١/ ١٩٣).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٥٠٦/ ٥٧٦).","vol":"3","page":11},{"text":"فهكذا المسلم مرة كذا ومرة كذا. (١)\n- وقال: مهما تلاعبت به من شيء فلا تلاعبن بأمر دينك. (٢)\n- عن إسحاق بن عيسى الطباع، قال: رأيت رجلا من أهل المغرب جاء مالكا، فقال: إن الأهواء كثرت قبلنا، فجعلت على نفسي، إن أنا رأيتك، أن آخذ بما تأمرني، فوصف له مالك شرائع الإسلام: الزكاة والصلاة والصوم والحج، ثم قال: خذ بهذا، ولا تخاصم أحدا في شيء. (٣)\n- عن إسماعيل بن أبي أويس قال: سمعت خالي مالكا يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، فقد أدركت سبعين، وأشار بيده إلى مسجد رسول الله - ﷺ - يقول: قال فلان، قال رسول الله - ﷺ -: فلم آخذ عنهم شيئا، ولو أن أحدهم ائتمن على بيت مال لكان به أمينا. (٤)\n- عن عبد الرحمن بن مهدي: سئل مالك بن أنس عن السنة؟ قال: هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٥).\nقال بكر بن العلاء: يريد -إن شاء الله- حديث ابن مسعود أن النبي\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٠٨/ ٥٨٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٦٣/٢٩٥).\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٥٥٥).\n(٤) ذم الكلام (ص.٢٩٣).\n(٥) الأنعام الآية (١٥٣).","vol":"3","page":12},{"text":"- ﷺ - خط له خطا .. وذكر الحديث (١). (٢)\n- وكان مالك كثيرا ما ينشد:\nوخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع (٣)\n- قال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: إلزم ما قاله رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع: \"أمران تركتهما فيكم لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه\". (٤)\n- وقال ابن وهب: قال مالك: كان رسول الله - ﷺ - إمام المسلمين وسيد العالمين، يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء.\n\" التعليق:\nقال ابن القيم: فإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي، وإلا لم يجب، فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه، أو قياس، أو تقليد من يحسن به الظن، أو عرف، أو عادة، أو سياسة، أو ذوق أو كشف، أو منام، أو استحسان، أو خرص، والله المستعان وعليه التكلان. (٥)\n_________\n(١) أحمد (١/ ٤٣٥) والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٤٣/١١١٧٤ - ١١١٧٥) والدارمي (١/ ٦٧ - ٦٨) وابن حبان الإحسان (١/ ١٨٠ - ١٨١/ ٦ - ٧) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٣/١٧) والحاكم (٢/ ٣١٨) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي وحسن الألباني إسناده لأن فيه عاصم بن أبي النجود وهو حسن الحديث.\n(٢) الاعتصام (١/ ٧٧ - ٧٨).\n(٣) الاعتصام (١/ ١١٥) وترتيب المدارك (٢/ ٣٨).\n(٤) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي الزناد عبد الله بن ذكوان سنة (١٣٠هـ).\n(٥) إعلام الموقعين (١/ ٢٥٦).","vol":"3","page":13},{"text":"- عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالكا يقول: الدنو من الباطل هلكة، والقول بالباطل بعد عن الحق، ولا خير في شيء وإن كثر من الدنيا بفساد دين المرء ومروءته. (١)\n- وقال مالك: بئس القوم أهل الأهواء، لا نسلم عليهم. (٢)\n- قال ابن عبد البر: كره مالك [من بين سائر العلماء] (٣) أن يصلي أهل العلم والفضل على أهل البدع. (٤)\n- قال أبو داود عقيب حديث \"كل مولود يولد على الفطرة\" (٥): قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع: أخبرك يوسف بن عمرو، أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت مالكا، قيل له: إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث، قال مالك: احتج عليهم بآخره، قالوا: أرأيت من يموت وهو صغير، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. (٦)\n- قال مالك: ما آية في كتاب الله أشد على أهل الأهواء من هذه الآيات ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ\n_________\n(١) تذكرة الحفاظ (١/ ٢١١).\n(٢) شرح السنة للبغوي (١/ ٢٢٩).\n(٣) زيادة ليست في الأصل -الاستذكار- ولعلها من تصرف المحقق.\n(٤) الاستذكار (٨/ ٢٨٥/١١٥٠٨).\n(٥) سيأتي تخريجه في مواقف محمد بن إسماعيل الصنعاني سنة (١١٨٢هـ).\n(٦) أبو داود (٥/ ٨٩/٤٧١٥).","vol":"3","page":14},{"text":"﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (١). قال مالك: فأي كلام أبين من هذا. قال ابن القاسم: قال لي مالك: إن هذه الآية لأهل القبلة. (٢)\n- قال العتبي: قال الصمادحي: قال معن: وكتب إلى مالك رجل من العرب يسأل عن قوم يصلون ركعتين ويجحدون السنة، ويقولون: ما نجد إلا صلاة ركعتين. قال مالك: أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا. (٣)\n- جاء في مجموع الفتاوى: وقد عرض عليه الرشيد أو غيره أن يحمل الناس على موطئه فامتنع من ذلك، وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وإنما جمعت علم أهل بلدي، أو كما قال. (٤)\n- عن مالك قال: قدم هارون يريد الحج، ومعه يعقوب أبو يوسف، فأتى مالك أمير المؤمنين، فقربه، وأكرمه، فلما جلس، أقبل إليه أبو يوسف، فسأله عن مسألة فلم يجبه، ثم عاد فسأله فلم يجبه، ثم عاد فسأله. فقال هارون: يا أبا عبد الله، هذا قاضينا يعقوب، يسألك، قال: فأقبل عليه مالك، فقال: يا هذا، إذا رأيتني جلست لأهل الباطل، فتعال أجبك معهم. (٥)\n- عن عبد الرزاق قال: سأل سندل مالكا عن مسألة، فأجابه، فقال:\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٦).\n(٢) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص.٣٠٥) وفي الاعتصام (١/ ٧٥).\n(٣) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص.٣٠٩).\n(٤) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣١١).\n(٥) السير (٨/ ٦٤) وهو في تذكرة الحفاظ (١/ ٢١٠).","vol":"3","page":15},{"text":"أنت من الناس، أحيانا تخطئ، وأحيانا لا تصيب، قال: صدقت. هكذا الناس. فقيل لمالك: لم تدر ما قال لك؟ ففطن لها، وقال: عهدت العلماء، ولا يتكلمون بمثل هذا، وإنما أجيبه على جواب الناس. (١)\n- عن ابن وهب: سمعت مالكا يقول: ليس هذا الجدل من الدين بشيء. (٢)\n- عن ضمرة: سمعت مالكا يقول: لو أن لي سلطانا على من يفسر القرآن، لضربت رأسه.\nقال الذهبي: يعني تفسيره برأيه. وكذلك جاء عن مالك من طريق أخرى. (٣)\n- وعن مالك قال: الجدال في الدين ينشئ المراء، ويذهب بنور العلم من القلب ويقسي، ويورث الضغن. (٤)\n- قال الذهبي: قال محمد بن جرير: كان مالك قد ضرب بالسياط، واختلف في سبب ذلك، فحدثني العباس بن الوليد، حدثنا ابن ذكوان، عن مروان الطاطري، أن أبا جعفر نهى مالكا عن الحديث: ليس على مستكره طلاق (٥) ثم دس إليه من يسأله، فحدثه به على رؤوس الناس، فضربه بالسياط. وحدثنا العباس، حدثنا إبراهيم بن حماد، أنه كان ينظر إلى مالك إذا أقيم من\n_________\n(١) السير (٨/ ٦٧).\n(٢) السير (٨/ ٦٧).\n(٣) السير (٨/ ٩٧) والحلية (٦/ ٣٢٢).\n(٤) السير (٨/ ١٠٦).\n(٥) موقوف على ابن عباس، علقه البخاري (٩/ ٤٨٥) بصيغة الجزم ورواه ابن أبي شيبة (٤/ ٨٢/١٨٠٢٧) وعزاه الحافظ أيضا إلى سعيد بن منصور.","vol":"3","page":16},{"text":"مجلسه، حمل يده بالأخرى.\nابن سعد: حدثنا الواقدي قال: لما دعي مالك، وشوور، وسمع منه، وقبل قوله، حسد، وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة، سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو. (١)\n\" التعليق:\nقلت: انظر رحمك الله إلى ثمرة المحنة في الله كيف عاقبتها، وانظر ثبات الإمام مالك على فتواه المستندة إلى حديث رواه؛ لم يحد عنها ولم ير مخالفتها إرضاء للحكام في أهوائهم ومظالمهم شأن علماء الوقت الذين يستصدرون الفتاوى بحسب الطلب، بل بلا طلب، لتحليل الربا والخمور والسفور والأموال والدماء والفروج ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nقال الذهبي ﵀: هذا ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير، ومن يرد الله به خيرا يصب منه (٢) وقال النبي - ﷺ -: \"كل قضاء المؤمن خير له\" (٣) وقال الله\n_________\n(١) السير (٨/ ٧٩ - ٨٠).\n(٢) أحمد (٢/ ٢٣٧) والبخاري (١٠/ ١٢٨/٥٦٤٥) والنسائي في الكبرى (٤/ ٣٥١/٧٤٧٨) من حديث أبي هريرة.\n(٣) أحمد (٣/ ١١٧و١٨٤) وابن حبان (٢/ ٥٠٧/٧٢٨) وأبو يعلى (٧/ ٢٢٠ - ٢٢١/ ٤٢١٧و٤٢١٨) من حديث أنس قال: قال النبي - ﷺ -: \"عجبت للمؤمن لا يقضي الله له شيئا إلا كان خيرا له\". وذكره الهيثمي (٧/ ٢٠٩ - ٢١٠) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات، وأحد أسانيد أبي يعلى رجاله رجال الصحيح غير أبي بحر ثعلبة، وهو ثقة\". وفي الباب عن صهيب وسعد بن أبي وقاص.","vol":"3","page":17},{"text":"تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (١) وأنزل تعالى في وقعة أحد قوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مصيبة فَبِمَا كَسَبَتْ أيديكم ويعفوا عن كثيرٍ﴾ (٣). فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ، واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له.\n\n- وعن أبي داود قال: حكى لي بعض أصحاب ابن وهب عنه، أن مالكا لما ضرب، حلق وحمل على بعير، فقيل له: ناد على نفسك. فقال: ألا من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، أقول: طلاق المكره ليس بشيء. فبلغ ذلك جعفر بن سليمان الأمير فقال: أدركوه، أنزلوه. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في السير: مالك: لا يستتاب من سب النبي - ﷺ -، من الكفار\n_________\n(١) محمد الآية (٣١).\n(٢) آل عمران الآية (١٦٥).\n(٣) الشورى الآية (٣٠).\n(٤) السير (٨/ ٧٩ - ٨١و٩٦).","vol":"3","page":18},{"text":"والمسلمين. (١)\n- وفيها قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي: سمعت عبد الله بن عمر بن الرماح، قال: دخلت على مالك، فقلت: يا أبا عبد الله، ما في الصلاة من فريضة؟ وما فيها من سنة؟ أو قال نافلة، فقال مالك: كلام الزنادقة، أخرجوه. (٢)\n- قال مالك ﵀ في كتاب الأقضية تحت حديث: \"من غير دينه فاضربوا عنقه\" (٣): 'ومعنى قول النبي - ﷺ -، فيما نرى والله أعلم، من غير دينه فاضربوا عنقه. أنه من خرج من الإسلام إلى غيره، مثل الزنادقة وأشباههم. فإن أولئك، إذا ظهر عليهم، قتلوا ولم يستتابوا. لأنه لا تعرف توبتهم. وأنهم كانوا يسرون الكفر ويعلنون الإسلام. فلا أرى أن يستتاب هؤلاء، ولا يقبل منهم قولهم. وأما من خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك، فإنه يستتاب. فإن تاب، وإلا قتل. وذلك لو أن قوما كانوا على ذلك، رأيت أن يدعوا إلى الإسلام ويستتابوا. فإن تابوا قبل ذلك منهم. وإن لم يتوبوا قتلوا. ولم يعن بذلك، فيما نرى والله أعلم، من خرج من اليهودية إلى النصرانية، ولا من النصرانية إلى اليهودية، ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها. إلا الإسلام، فمن خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك، فذلك الذي عني به. والله أعلم'. (٤)\n_________\n(١) السير (٨/ ١٠٣).\n(٢) السير (٨/ ١١٣ - ١١٤).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ سنة (٤٠هـ).\n(٤) الموطأ (٢/ ٧٣٦).","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1053>موقفه من بدعة القبورية:</span>\n- جاء في المدخل لابن الحاج: وقال مالك في المبسوطة: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء. فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه إلا يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، فيسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره ذلك إلا لمن جاء من سفر أو أراده. قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا. قال: وذلك دأبي. (١)\n- وجاء في الاعتصام: قال ابن وضاح: وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي - ﷺ - ما عدا قباء وحده.\nوقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير.\nوجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سنة ما ليس بسنة، أو يعد مشروعا ما ليس معروفا.\nوقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء خوفا من ذلك مع ما جاء في الآثار من الترغيب فيه. ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه.\n_________\n(١) المدخل (١/ ٢٥٦).","vol":"3","page":20},{"text":"وقال ابن كنانة وأشهب: سمعنا مالكا يقول: لما أتاه سعد بن أبي وقاص قال: وددت أن رجلي تكسرت وأني لم أفعل.\nوسئل ابن كنانة عن الآثار التي تركوا بالمدينة فقال: أثبت ما في ذلك عندنا قباء إلا أن مالكا كان يكره مجيئها خوفا من أن يتخذ سنة. (١)\nوجاء في غاية الأماني في الرد على النبهاني: أما مالك فقد قال القاضي عياض: وقال مالك في المبسوطة: لا أرى أن يقف عند قبر النبي - ﷺ - يدعو ويسلم ولكن يسلم ويمضي، وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق في المبسوطة قال: وقال مالك لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي - ﷺ - يدعو ولكن يسلم على النبي - ﷺ - وعلى أبي بكر وعمر ثم يمضي وقال مالك ذلك لأن هذا المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول السلام عليك يا رسول الله. السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتي أو يا أبتاه ثم ينصرف ولا يقف يدعو فرأى مالك ذلك من البدع. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في ترتيب المدارك: قال أشهب: كنا عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلويين وكانوا يقبلون على مجلسه فناداه، يا أبا عبد الله، فأشرف له مالك ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه. فقال له الطالبي: إني أريد أن أجعلك حجة في ما بيني وبين الله. إذا قدمت عليه وسألني قلت له: مالك قال لي. فقال له: قل؟ فقال: من خير الناس بعد\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠).\n(٢) غاية الأماني (١/ ١٧٨ - ١٧٩).","vol":"3","page":21},{"text":"رسول الله - ﷺ -؟ قال أبو بكر قال العلوي: ثم من؟ قال: مالك ثم عمر. قال العلوي ثم من؟ قال الخليفة المقتول ظلما عثمان. قال العلوي: والله لا أجالسك أبدا. قال له مالك: فالخيار إليك. (١)\n\" التعليق:\nانظر رحمك الله حالة القرون الأولى المفضلة، التي كانت فيها أعلام السنة منشورة، وهي أرضها وسماؤها، ومع ذلك تجد أمثال هؤلاء المشاغبين، الذين ينازعون مثل هذا الإمام، ويتوقحون عليه بهذه الوقاحات الخسيسة، والمهم عندنا خط الإمام الواضح الذي يسوره بالكتاب والسنة، ويلتزم به، رضي زيد أم غضب عمرو، وهكذا ينبغي لكل سلفي قرأ هذه المواقف.\n- روى الخلال في السنة بسنده إلى أبي عروة الزبيري قال: ذكر عند مالك بن أنس رجلا ينتقص، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ\n_________\n(١) ترتيب المدارك (١/ ٩٠).","vol":"3","page":22},{"text":"بِهِمُ الكفار﴾ (١) فقال مالك: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب محمد ﵇ فقد أصابته الآية. (٢)\n- وفي ترتيب المدارك: قال مصعب الزبيري وابن نافع: دخل هارون المسجد فركع ثم أتى قبر النبي - ﷺ - ثم أتى مجلس مالك فقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال مالك وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم قال لمالك: هل لمن سب أصحاب رسول الله - ﷺ - في الفيء حق؟ قال: لا، ولا كرامة قال: من أين قلت ذلك؟ قال: قال الله ﴿ليغيظ بِهِمُ الكفار﴾ (٣) فمن عابهم فهو كافر ولا حق للكافر في الفيء، واحتج مرة أخرى في ذلك بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الذين ...﴾ (٤) الآيات، قال فهم أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين هاجروا معه، وأنصاره الذين جاءوا من بعده يقولون ﴿ربنا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ (٥) الآية. في ما عدا هؤلاء فلا حق له فيه. (٦)\n\" التعليق:\nانظر وفقك الله، إلى هذه الفتوى الصريحة الصادرة من هذا الإمام،\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٤٧٨).\n(٣) الفتح الآية (٢٩).\n(٤) الحشر الآية (٨).\n(٥) الحشر الآية (١٠).\n(٦) ترتيب المدارك (١/ ٩٠).","vol":"3","page":23},{"text":"والمستفتي هو أمير المؤمنين في وقته، وعلماء المسلمين يحيطون به في كل الأمصار، فهذه الفتوى تعتبر بمنزلة مرسوم من خليفة المسلمين إلى بقية المسلمين في أنحاء أمصار المسلمين، وهي بالنسبة للمسلمين الذين يأتون بعد هذا العهد حجة ومنهاج، ففهم هؤلاء هو الفهم الصحيح النابع من فقه الكتاب والسنة، فالإمام مالك يلحق الشيعة في هذه الفتوى بالكفار الذين يغتاظون من مناقب أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل كما قدمنا غير ما مرة، وهو واقع يعاش، أن تصب كل اللعنات على صحابة رسول الله - ﷺ -، وكل من ذكرهم بخير فهو عدو لدود لهذه الشرذمة، قبحهم الله أينما حلوا وارتحلوا.\n\n- وجاء في طبقات الحنابلة: قال مالك بن أنس: من لزم السنة وسلم منه أصهار رسول الله - ﷺ -، ثم مات: كان مع الصديقين والشهداء والصالحين. وإن قصر في العمل. (١)\n- قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء (يعني الروافض) طعنوا في أصحاب رسول الله - ﷺ - إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد: قال هارون الرشيد لمالك: كيف كان منزلة أبي\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٤١).\n(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٩) وبنحوه في الصارم (ص.٥٨٢).","vol":"3","page":24},{"text":"بكر وعمر من رسول الله - ﷺ -؟ قال: كقرب قبرهما من قبره بعد وفاته قال: شفيتني يا مالك. (١)\n- وفيه عن مالك بن أنس قال: كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. (٢)\n- وقال مالك: من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن، لأن الله تعالى قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣). (٤)\n- وقال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك عن الرافضة، فقال: لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون. (٥)\n- وقال ابن القاسم: سألت مالكا عن أبي بكر وعمر فقال: ما رأيت أحدا ممن أقتدي به يشك في تقديمهما، يعني على عليّ وعثمان، فحكى إجماع أهل المدينة على تقديمهما. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>موقفه من الصوفية:</span>\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٧٨/٢٤٦١) والشريعة (٣/ ٤٥٢/١٩٠٩) وذكره في مجموع الفتاوى (٤/ ٤٠٣) والمنهاج (٧/ ٥٠٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣١٣/٢٣٢٥).\n(٣) النور الآية (١٧).\n(٤) الصارم (ص.٥٦٨).\n(٥) المنهاج (١/ ٥٩ - ٦٠).\n(٦) المنهاج (٢/ ٨٥).","vol":"3","page":25},{"text":"- جاء في المعيار (١): سئل مالك بن أنس عن الغنا الذي يفعل بالمدينة، فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.\nقال الشاطبي معلقا: وهذا محمول على غنا النساء. وأما الرجال فغناؤهم مذموم أيضا، بحيث إذا داوم أحد على فعله أو سماعه سقطت عدالته لما فيه من إسقاط المروءة ومخالفة السلف.\n- وفيه أيضا (٢): حكى عياض عن التنيسي أنه قال: كنا عند مالك وأصحابه حوله. فقال رجل من أهل نصيبين: يا أبا عبد الله عندنا قوم يقال لهم الصوفية، يأكلون كثيرا، ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون، فقال مالك: أصبيان هم؟ قال: لا. أمجانين هم؟ قال: لا، قوم مشايخ، وغير ذلك عقلاء. فقال مالك: ما سمعت أحدا من أهل السلام (٣) يفعل هذا.\nقال الشاطبي معلقا: انظر كيف أنكر مالك وهو إمام السنة أن يكون في أهل الإسلام من يفعل هذا إلا أن يكون مجنونا وصبيا!! فهذا بين أنه ليس من شأن الإسلام ثم يقال: ولو فعلوه على جهة اللعب كما يفعله الصبي لكان أخف عليهم مع ما فيه من إسقاط الحشمة وإذهاب المروءة، وترك هدى أهل الإسلام وأرباب العقول، لكنهم يفعلونه على جهة التقرب إلى الله والتعبد به. وأن فاعله أفضل من تاركه. هذا أدهى وأمر، حيث يعتقدون أن اللهو واللعب عبادة، وذلك من أعظم البدع المحرمات، الموقعة في الضلالة،\n_________\n(١) (١١/ ٤١).\n(٢) (١١/ ٤١).\n(٣) هكذا في الأصل ولعله: الإسلام.","vol":"3","page":26},{"text":"الموجبة للنار والعياذ بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في جامع بيان العلم وفضله: وقال مالك: أرأيت إن جاء من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين جديد. (١)\n- وجاء في شرف أصحاب الحديث للخطيب بالسند إلى إسحاق بن عيسى قال: سمعت مالك بن أنس يعيب الجدال في الدين ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أردنا أن نرد ما جاء به جبريل إلى النبي - ﷺ -. (٢)\n- روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله بالسند إلى مصعب بن عبد الله الزبيري قال: كان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في دين الله وفي الله ﷿، فالسكوت أحب إلي، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل.\nقال أبو عمر: .. والذي قاله مالك عليه جماعة الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى، وإنما خالف ذلك أهل البدع -المعتزلة وسائر الفرق-، وأما الجماعة على ما قال مالك إلا أن يضطر أحد إلى الكلام فلا يسعه السكوت إذا طمع برد الباطل وصرف صاحبه عن مذهبه،\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٢) ودرء تعارض العقل (١/ ١٩١).\n(٢) الشرف (٥) وذم الكلام (٢٠٧) والإبانة (٢/ ٣/٥٠٧/ ٥٨٢) وأصول الاعتقاد (١/ ١٦٣/٢٩٤).","vol":"3","page":27},{"text":"أو خشي ضلال عامة أو نحو هذا. (١)\n- وفي جامع بيان العلم وفضله بالسند إلى أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق ابن خويزمنداد المصري المالكي: قال في كتاب الإجارات من كتابه في الخلاف: قال مالك: لا تجوز الإجارة في شيء من كتب أهل الأهواء والبدع والتنجيم وذكر كتبا ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم وتفسخ الإجارة في ذلك قال: وكذلك كتب القضاء بالنجوم وعزائم الجن وما أشبه ذلك. (٢)\n- جاء في ذم الكلام عنه قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب. (٣)\n- وجاء في السير: ثنا ابن وهب سمعت مالكا يقول: ليس هذا الجدل من الدين بشيء وسمعته يقول: قلت لأمير المؤمنين فيمن يتكلم في هذه المسائل المعضلة الكلام فيها يا أمير المؤمنين يورث البغضاء. (٤)\n- وجاء في ذم الكلام: أن مالكا سئل عن الكلام والتوحيد فقال مالك: محال أن يظن بالنبي - ﷺ - أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد. (٥)\n\" التعليق:\nهذا النص عن مالك فيه رد على من يتهم ابن تيمية بأنه هو الذي\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٣٨) والاعتصام (٢/ ٨٤٥ - ٨٤٦).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٢ - ٩٤٣).\n(٣) ذم الكلام (٢٠٧).\n(٤) السير (٨/ ١٠٨).\n(٥) ذم الكلام (٢٥٠).","vol":"3","page":28},{"text":"اخترع توحيد الأسماء والصفات، فهذا مالك يقررها بأفصح عبارة وأن الرسول - ﷺ - بين التوحيد بيانا شافيا وهذه العبارة نفسها هي التي قررها شيخ الإسلام وعمدة ابن القيم في كثير من بحوثه رحم الله الجميع.\n- أخرج الهروي من طريق عبد الرحمن بن مهدي قال: دخلت على مالك وعنده رجل يسأله عن القرآن، فقال، لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد: لعن الله عمرا، فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع ولكنه باطل يدل على باطل. (١)\n- جاء في ذم الكلام بالسند إلى أشهب بن عبد العزيز قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع قيل يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. (٢)\n\" التعليق:\nنعم يتكلمون في ذلك ببدع أهل الكلام من الجهمية وفروخهم فيؤولون الصفات وينفون الأسماء. ولا يتبعون المنهج السلفي في إثبات ما أثبته الله لنفسه وعلى لسان رسوله - ﷺ -. فلا شك أن هذا من أعظم البدع والمحدثات فلا ينبغي أن تستغل هذه العبارة فيترك ما سواها مما تقدم عن\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٠٧ - ٢٠٨) والفتاوى الكبرى (٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥) وشرح السنة (١/ ٢١٧).\n(٢) ذم الكلام (٢٠٧) وشرح السنة (١/ ٢١٧) والفتاوى الكبرى (٥/ ٢٤٤).","vol":"3","page":29},{"text":"الإمام مالك في أن النبي - ﷺ - بين التوحيد أحسن بيان.\n\n- جاء في الفتاوى الكبرى: قال: جمعت هذا -أي الموطأ- خوفا من الجهمية أن يضلوا الناس. (١)\nمواقفه من القائلين بخلق القرآن:\n- وجاء في الاعتصام: روي عن مالك ﵁ في القائل بالمخلوق أنه يوجع ضربا ويسجن حتى يتوب. (٢)\n- وجاء في السير بالسند إلى ابن أبي أويس: سمعت مالكا يقول: القرآن كلام الله وكلام الله منه وليس من الله شيء مخلوق. (٣)\n- وجاء في ترتيب المدارك للقاضي عياض: وجاء إلى مالك رجل فقال له: ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟ قال: زنديق فاقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله ليس هو كلامي إنما هو كلام سمعته. قال: لم أسمعه إلا منك. (٤)\n- جاء في أصول الاعتقاد عن مالك بن أنس قال: من قال القرآن مخلوق فيستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. (٥)\n- وفيه عن عبد الله بن نافع الصايغ قال: قلت لمالك بن أنس: إن قوما\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ١٥).\n(٢) الاعتصام (١/ ٢٢٧) والسنة لعبد الله (٤١) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٧/٤٩٧).\n(٣) السير (٨/ ١٠١) والفتاوى الكبرى (٥/ ٧٥) وترتيب المدارك (٢/ ٤٣) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٠/٤٧٨) والإبانة (٢/ ١٢/٣٨/ ٢٣٠) والشريعة (١/ ٢٢٠/١٧٨).\n(٤) الحلية (٦/ ٣٢٥) وترتيب المدارك (٢/ ٤٤) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٧/ ٤١٢) والإبانة (٢/ ١٢/٥٢ - ٥٤/ ٢٥١).\n(٥) التلبيس (١٠٩) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٦/٤٩٥) والإبانة (٢/ ١٢/٧٠ - ٧١/ ٢٩٣) والشريعة (١/ ٢٢٠/١٧٩).","vol":"3","page":30},{"text":"بالعراق يقولون: القرآن مخلوق؟ فنتر يده عن يدي فلم يكلمني الظهر ولا العصر ولا المغرب، فلما كان العشاء الآخرة قال لي: يا عبد الله بن نافع من أين لك هذا الكلام؟ ألقيت في قلبي شيئا هو الكفر، صاحب هذا الكلام يقتل ولا يستتاب. (١)\n- وفيه عن عبد الله بن نافع الصايغ سأله مالك قال: ويلك يا عبد الله من سألك عن هذه المسألة؟ قلت: رجلان ما أعرفهما. قال: اطلبهما فجئني بهما أو بأحدهما حتى أركب إلى الأمير فآمره بقتلهما أو حبسهما أو نفيهما. (٢)\n- وفيه عن عبد الله بن نافع قال: كان مالك يقول: كلم الله ﷿ موسى. (٣)\n- وجاء في الإبانة: عن عبد الله بن هارون قال: سمعت محمد بن موسى قال: كنت عند مالك بن أنس، إذ جاءه رجل من أهل المغرب، فقال: يا أبا عبد الله اشفني شفاك الله، ما تقول؟ فقال: كلام الله غير مخلوق. (٤)\n- وفيها: عن أبي مصعب الزهري قال: سمعت مالك بن أنس يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن زعم أنه مخلوق، فقد كفر بما أنزل الله على محمد - ﷺ -، والذي يقف شر من الذي يقول. (٥)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧/ ٤٩٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨/ ٥٠٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٣/٥٧٩) والإبانة (٢/ ١٤/٣١٩/ ٤٩١).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٢/١٣ - ١٤/ ١٩٦).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٢/٤٧ - ٤٨/ ٢٤١).","vol":"3","page":31},{"text":"مواقفه من المؤولين لصفة النظر:\n- جاء في ترتيب المدارك: قال ابن نافع وأشهب -وأحدهما يزيد على الآخر قلت: يا أبا عبد الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) ينظرون إلى الله، قال نعم بأعينهم هاتين، فقلت له: فإن قوما يقولون: لا ينظر إلى الله، إن ناظرة بمعنى منتظرة إلى الثواب. قال: كذبوا بل ينظر إلى الله أما سمعت قول موسى ﵇ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (٢) أفترى موسى سأل ربه محالا؟ فقال الله لن تراني في الدنيا لأنها دار فناء ولا ينظر ما يبقى بما يفنى فإذا صاروا إلى دار البقاء، نظروا بما يبقى إلى ما يبقى. وقال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٣). (٤)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: وحدثنا أبو موسى الأنصاري أنه قال لمالك: يا أبا عبد الله، فإن قوما يزعمون أن الله لا يرى، قال مالك: السيف، السيف. (٥)\n- عن ابن وهب قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الناظرون ينظرون إلى الله ﷿ يوم القيامة بأعينهم. (٦)\n_________\n(١) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٢) الأعراف الآية (١٤٣).\n(٣) المطففين الآية (١٥).\n(٤) ترتيب المدارك (٢/ ٤٢) والسير (٨/ ١٠٢) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٥ - ٥٥٦/ ٨٧٧).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٦/٨٧٢).\n(٦) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٥/٨٧٠) والشريعة (٢/ ٨ - ٩/ ٦١٥) والسير (٨/ ٩٩).","vol":"3","page":32},{"text":"- عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك ابن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية؟ فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. (١)\nمواقفه من المؤولين لصفة العلو:\n- قال أبو نعيم في الحلية بالسند إلى جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته فنظر إلى الأرض وجعل ينكث بعود في يده حتى علاه الرحضاء -يعني العرق- ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال: الكيف منه غير معقول والاستواء منه غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج. (٢)\n- وجاء في السير: وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن نافع قال: قال مالك: الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ابن القاسم: بلغني أن مالكا قال: الدماء موضوعة عنهم، وأما\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٢/٩٣٠) والشريعة (٢/ ١٠٤ - ١٠٥/ ٧٦٥) وشرح السنة للبغوي (١/ ١٧١).\n(٢) الحلية (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦) شرح السنة (١/ ١٧١) وأصول الاعتقاد (٣/ ٤٤١/٦٦٤) والاعتصام (١/ ١٧٣) ومجموع الفتاوى (٣/ ٢٥) والسير (٨/ ١٠٠).\n(٣) السير (٨/ ١٠١) والسنة لعبد الله (٤١) والشريعة (٢/ ٦٧ - ٦٨/ ٦٩٥) والفتاوى الكبرى (٥/ ١٥٤) وأصول الاعتقاد (٣/ ٤٤٥/٦٧٣).","vol":"3","page":33},{"text":"الأموال فإن وجد شيء بعينه أخذ، وإلا لم يتبعوا بشيء، قال ذلك في الخوارج، قال ابن القاسم: وفرق بين المحاربين وبين الخوارج، لأن الخوارج خرجوا واستهلكوا ذلك على تأويل يرون أنه صواب، والمحاربون خرجوا فسقا مجونا وخلاعة على غير تأويل، فيوضع عن المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه حد الحرابة، ولا توضع عنه حقوق الناس - يعني في دم ولا مال.\n- قال إسماعيل بن إسحاق: رأى مالك قتل الخوارج وأهل القدر من أجل الفساد الداخل في الدين، وهو من باب الفساد في الأرض، وليس إفسادهم بدون فساد قطاع الطريق والمحاربين للمسلمين على أموالهم، فوجب بذلك قتلهم، إلا أنه يرى استتابتهم لعلهم يراجعون الحق، فإن تمادوا قتلوا على إفسادهم لا على كفر. (١)\n- جاء في المدونة: قلت: أرأيت قتال الخوارج ما قول مالك فيهم؟ قال: قال مالك -في الإباضية والحرورية وأهل الأهواء كلهم- أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا.\n- قال ابن القاسم: وقال مالك في الحرورية وما أشبههم: أنهم يقتلون إذا لم يتوبوا إذا كان الإمام عدلا. فهذا يدلك على أنهم إن خرجوا على إمام عدل وهم يريدون قتاله ويدعون إلى ما هم عليه دعوا إلى الجماعة والسنة فإن أبوا قتلوا. قال: ولقد سألت مالكا عن أهل العصبية الذين كانوا بالشام. قال مالك: أرى للإمام أن يدعوهم إلى الرجوع وإلى مناصفة الحق بينهم، فإن رجعوا وإلا قوتلوا. قلت: أرأيت الخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء\n_________\n(١) ابن عبد البر (فتح البر ١/ ٤٧١ - ٤٧٢).","vol":"3","page":34},{"text":"والأموال ثم تابوا ورجعوا؟ قال: بلغني أن مالكا قال الدماء موضوعة عنهم، وأما الأموال فإن وجدوا شيئا عندهم بعينه أخذوه وإلا لم يتبعوا بشيء من ذلك وإن كانت لهم الأموال، لأنهم إنما استهلكوها على التأويل، وهذا الذي سمعت. قلت: فما فرق ما بين المحاربين والخوارج في الدماء؟ قال: لأن الخوارج خرجوا على التأويل والمحاربين خرجوا فسقا وخلوعا على غير تأويل، وإنما وضع الله عن المحاربين إذا تابوا حد الحرابة حق الإمام، وإنه لا يوضع عنهم حقوق الناس، وإنما هؤلاء الخوارج قاتلوا في دين يرون أنه صواب. قلت: أرأيت قتلى الخوارج أيصلى عليهم أم لا؟ قال: لا. قال لي مالك في القدرية والإباضية: لا يصلى على موتاهم، ولا تتبع جنائزهم، ولا تعاد مرضاهم، فإذا قتلوا فذلك أحرى أن لا يصلى عليهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن معن بن عيسى قال: انصرف مالك بن أنس يوما من المسجد وهو متكئ على يدي، قال: فلحقه رجل يقال له أبو الجويرية كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا أبا عبد الله اسمع مني شيئا أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأيي، قال: فإن غلبتني؟ قال: فإن غلبتك اتبعتني، قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال: نتبعه. فقال مالك: يا عبد الله، بعث الله محمدا - ﷺ - بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين. (٢)\n- وعن معن بن عيسى: أن رجلا بالمدينة يقال له أبو الجويرية يرى\n_________\n(١) المدونة (٢/ ٤٧ - ٤٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٥٠٧ - ٥٠٨/ ٥٨٣) والشريعة (١/ ١٨٩/١٢٣) وانظر السير (٨/ ١٠٦).","vol":"3","page":35},{"text":"الإرجاء فقال مالك بن أنس: لا تناكحوه. (١)\n- جاء في السير: وقيل: كان سبب نزوح قتيبة من مدينة بلخ، وانقطاعه بقرية بغلان، أنه حضر عنده مالك وجاءه إبراهيم البلخي للسماع فبرز قتيبة وقال: هذا من المرجئة فأخرجه مالك من مجلسه -وكان لإبراهيم صورة كبيرة ببلده- فعادى قتيبة وأخرجه. (٢)\n- عن عبد الله بن نافع قال: قال مالك: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (٣)\n- عن أبي إسماعيل يعني الترمذي قال: سمعت إسحاق بن محمد يقول: كنت عند مالك بن أنس فسمعت حماد بن أبي حنيفة يقول لمالك: يا أبا عبد الله إن لنا رأيا نعرضه عليك فإن رأيته حسنا مضينا عليه وإن رأيته غير ذلك كففنا عنه. قال: ما هو؟ قال: يا أبا عبد الله لا نكفر أحدا بذنب، الناس كلهم مسلمون عندنا قال: ما أحسن هذا. ما بهذا بأس، فقام إليه داود بن أبي زنبر وإبراهيم بن حبيب وأصحاب له فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عبد الله إن هذا يقول بالإرجاء قال: ديني مثل دين الملائكة المقربين وديني مثل دين جبريل وميكائيل والملائكة المقربين. قال: لا والله: الإيمان يزيد وينقص ﴿ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم﴾ (٤) وقال إبراهيم: ﴿أرني كيف تحيي\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٦٧/١٨٢٧).\n(٢) (١١/ ٢٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣٠ - ١٠٣١/ ١٧٤٢) والشريعة (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣/ ٢٧١) وبنحوه في الإبانة (٢/ ٦/٨١٢/ ١١١١).\n(٤) الفتح الآية (٤).","vol":"3","page":36},{"text":"الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) فطمأنينة قلبه زيادة في إيمانه. (٢)\n- وعن أبي سلمة الخزاعي قال: قال مالك وشريك وأبو بكر بن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد: الإيمان المعرفة والإقرار والعمل. (٣)\n- وعن الوليد بن مسلم قال سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي ومالكا وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى هو في زيادة أبدا وينكرون على من يقول إنه مستكمل الإيمان وإن إيمانه كإيمان جبريل. (٤)\n- وعن الوليد قال: سمعت أبا عمرو -يعني الأوزاعي- ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز لا ينكرون أن يقولوا أنا مؤمن ويأذنون في الاستثناء أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الاعتصام قال: ثم حكي أيضا عن مالك أنه قال: لا تجالس القدري ولا تكلمه إلا أن تجلس إليه فتغلظ عليه، لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٦٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣١/١٧٤٣).\n(٣) السنة لعبد الله (٨٣) وأصول الاعتقاد (٤/ ٩٣١/١٥٨٧).\n(٤) السنة لعبد الله (٩٢ - ٩٣) والإبانة (٢/ ٩٠١/١٢٥٩).\n(٥) الإبانة (٢/ ٨٧٣/١١٩٢) والسنة لعبد الله (١٠٠).","vol":"3","page":37},{"text":"ورسوله﴾ (١) فلا توادوهم. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: قال عبد الله بن أحمد عن أبيه أحمد بن حنبل أنه قال: كان ثور بن يزيد الكلاعي يرى القدر وكان من أهل حمص، أخرجوه ونفوه لأنه كان يرى القدر.\nقال: وبلغني أنه أتى المدينة فقيل لمالك: قد قدم ثور فقال: لا تأتوه. فقال: لا يجتمع عند رجل مبتدع في مسجد رسول الله - ﷺ -. (٣)\n- جاء في السير: ولمالك ﵀ رسالة في القدر كتبها إلى ابن وهب وإسنادها صحيح. (٤)\n- وجاء في السنة لابن أبي عاصم قال: حدثنا سلمة حدثنا مروان بن محمد الطاطري قال: سمعت مالك بن أنس يسأل عن تزويج القدري فقرأ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (٥). (٦)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: قال أبو سهيل قال لي عمر بن عبد العزيز ما تقول في القدرية قال: قلت أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف، قال عمر: ذلك رأيي قال أبو مسهر: قلت لمالك: يا أبا عبد الله\n_________\n(١) المجادلة الآية (٢٢).\n(٢) الاعتصام (١/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠١/١٣٣٧).\n(٤) السير (٨/ ٨٨) وقد أثنى على هذه الرسالة القاضي عياض انظر ترتيب المدارك (١/ ٢٠٤).\n(٥) البقرة الآية (٢٢١).\n(٦) السنة لابن أبي عاصم (١/ ٨٨) وأصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٨/١٣٥٢).","vol":"3","page":38},{"text":"وهو رأيك؟ قال نعم. (١)\n- وقال اللالكائي: وجدت بخط أبي أحمد عبيد الله بن محمد الفرضي وقد أجاز لي الرواية عنه- قال: قرأت على أبي بكر الأبهري (كتاب شرح ابن عبد الحكم) عن مالك أنه قال في القدرية يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا. فقلت له: من القدرية عند مالك الذين قال فيهم هذا؟ فقال: روى ابن وهب عنه أنه قال: الذين يقولون إن الله لم يخلق المعاصي. وروى عنه عبد الرزاق أنهم الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء قبل كونه. (٢)\n- وجاء في السير: عن مالك -وسئل عن الصلاة خلف أهل البدع القدرية وغيرهم- فقال: لا أرى أن يصلى خلفهم. قيل: فالجمعة؟ قال: إن الجمعة فريضة، وقد يذكر عن الرجل الشيء، وليس هو عليه. فقيل له: أرأيت إن استيقنت، أو بلغني من أثق به، أليس لا أصلي الجمعة خلفه؟ قال: إن استيقنت. كأنه يقول: إن لم يستيقن ذلك، فهو في سعة من الصلاة خلفه. (٣)\n- وقال سحنون: وقال أشهب سئل مالك عن القدرية فقال: قوم سوء فلا تجالسوهم، قيل ولا يصلى خلفهم؟ فقال: نعم. (٤)\n- وعنه، قال: القدرية، لا تناكحوهم، ولا تصلوا خلفهم. (٥)\n- وفي الإبانة: سئل مالك عن أهل القدر: أيكف عن كلامهم\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٤/١٣١٥) والسنة (١٤٧) وبنحوه في السير (٨/ ١٠٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٥ - ٧٧٦/ ١٣٠١).\n(٣) السير (٨/ ٦٨) والإبانة (٢/ ١٠/٢٥٧/ ١٨٦٢).\n(٤) أصول السنة لابن أبي زمنين (٣٠٥).\n(٥) السير (٨/ ١٠٣).","vol":"3","page":39},{"text":"وخصومتهم أفضل؟ قال: نعم، إذا كان عارفا بما هو عليه؛ قال: ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويخبرهم بخلافهم، ولا يواضعوا القول ولا يصلى خلفهم؛ قال مالك: ولا أرى أن ينكحوا. (١)\n- وروي عن مالك أنه سئل عن القدري الذي يستتاب؟ قال: الذي يقول: إن الله ﷿ لم يعلم ما العباد عاملون حتى يعملوا. (٢)\n- وعن مالك بن أنس أنه قال: ما من شيء أبين في الرد على أهل القدر من قول الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣) وقال ﷿: ﴿إن هي إلا فتنتك تصيب بها من تشاء﴾ (٤). وقال: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٥) وقال ﷿: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٦) وقال مالك رحمه الله تعالى: ومثل هذا في القرآن كثير. (٧)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/٢٥٦ - ٢٥٧/ ١٨٦١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٨/١٣٥٣).\n(٣) الإنسان الآيتان (٣٠و٣١).\n(٤) الأعراف الآية (١٥٥).\n(٥) إبراهيم الآية (٢٧).\n(٦) الإسراء الآية (٤).\n(٧) أصول السنة لابن أبي زمنين (٢٠٦).","vol":"3","page":40},{"text":"- وجاء في السير: عن ابن وهب سمعت مالكا يقول لرجل سأله عن القدر: نعم. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هداها﴾ (١). (٢)\n- وقال مالك بن أنس: ما أضل من يكذب القدر، لو لم تكن عليهم حجة إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٣)؛ لكفى به حجة. (٤)\n- وقد ساق الإمام مالك ﵀ في موطئه من الأحاديث ما فيه الكفاية للرد على القدرية بينتها بحمد الله في جزء مستقل سميته عقيدة الإمام مالك وقد طبع والحمد لله.\n\nحماد بن زيد بن درهم (٥) (١٧٩ هـ)\nالعلامة، الحافظ الثبت، محدث الوقت حَمَّاد بن زَيْد بن دِرْهَم أبو إسماعيل الأزدي مولى آل جرير بن حازم البصري، الأزرق الضرير، أحد الأعلام أصله من سجستان: سُبي جده درهم منها. سمع من أنس بن سيرين وعمرو بن دينار وأبي عمران الجوني وروى عنه إبراهيم بن أبي عبلة وسفيان،\n_________\n(١) السجدة الآية (١٢).\n(٢) السير (٨/ ٩٩).\n(٣) التغابن الآية (٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٠/٢٥٦/ ١٨٥٨) والشريعة (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦/ ٥٤٩).\n(٥) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٦ - ٢٨٧) والجرح والتعديل (١/ ١٧٦ - ١٨٣) والسير (٧/ ٤٥٦ - ٤٦٦) وتهذيب الكمال (٧/ ٢٣٩ - ٢٥٢) والحلية (٦/ ٢٥٧ - ٢٦٧) ومشاهير علماء الأمصار (١٥٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩) وشذرات الذهب (١/ ٢٩٢).","vol":"3","page":41},{"text":"وشعبة وهم من شيوخه وعبد الوارث بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك. قال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام وحماد بن زيد بالبصرة. وقال يحيى بن معين: ليس أحد أثبت من حماد بن زيد، وقال يحيى ابن يحيى النيسابوري: ما رأيت شيخا أحفظ من حماد بن زيد، وقال أحمد بن حنبل: حماد بن زيد من أئمة المسلمين من أهل الدين، هو أحب إلي من حماد ابن سلمة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لم أر أحدا قط أعلم بالسنة ولا بالحديث الذي يدخل في السنة من حماد بن زيد. وقال عبد الرحمن بن خراش الحافظ: لم يخطئ حماد بن زيد في حديث قط، وفيه يقول ابن المبارك:\nأيها الطالب علما ... إيت حماد بن زيد\nتقتبس حلما وعلما ... ثم قيده بقيد\nودع البدعة من ... آثار عمرو بن عبيد\nقال حماد بن زيد في قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (١) قال: أرى رفع الصوت عليه بعد موته كرفع الصوت عليه في حياته، إذا قرئ حديثه وجب عليك أن تنصت له كما تنصت للقرآن. قال محمد بن وزير الواسطي: سمعت يزيد بن هارون يقول: قلت لحماد بن زيد: هل ذكر الله أصحاب الحديث في القرآن؟ قال: بلى الله تعالى يقول: ﴿فلولا نَفَرَ مِنْ\n_________\n(١) الحجرات الآية (٢).","vol":"3","page":42},{"text":"كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائفةٌ ...﴾ (١).\nتوفي حماد بن زيد رحمه الله تعالى في سنة تسع وسبعين ومائة وفاقا في شهر رمضان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن حماد قال: كلما ازداد صاحب البدعة اجتهادا ازداد من الله بعدا. (٢)\n- وعن مؤمل بن إسماعيل قال: قال بعض أصحابنا لحماد بن زيد: مالك لم ترو عن عبد الكريم (٣) إلا حديثا واحدا؟ قال: ما أتيته إلا مرة واحدة، لمساقه في هذا الحديث، وما أحب أن أيوب علم بإتياني إليه وأن لي كذا وكذا، وإني لأظنه لو علم، لكانت الفيصل بيني وبينه. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>موقفه من الرافضة:</span>\nقال حماد بن زيد: لئن قدمت عليا على عثمان لقد قلت إن أصحاب النبي - ﷺ - قد خانوا. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: عن سليمان بن حرب قال: سأل بشر بن السري\n_________\n(١) التوبة الآية (١٢٢).\n(٢) ذم الكلام (ص.١٢٤).\n(٣) وهو عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، ضعفه ابن عيينة وأحمد وابن معين، انظر التهذيب (٦/ ٣٧٦).\n(٤) ابن وضاح في البدع (ص.١١٢ - ١١٣) وأورده الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٧٩١ - ٧٩٢).\n(٥) أصول الاعتقاد (٧/ ١٤٢٤/٢٥٥٧).","vol":"3","page":43},{"text":"حماد بن زيد عن حديث \"ينزل ربنا\" (١) أيتحول؟ فسكت، ثم قال: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف شاء. (٢)\n- وفيها عن أبي النعمان عارم قال: قال حماد بن زيد: القرآن كلام الله أنزله جبريل من عند رب العالمين. (٣)\n- جاء في الإبانة: عن محمد بن يحيى الأزدي قال: حدثني مسدد، قال: كنت عند يحيى بن سعيد القطان، وجاء يحيى بن إسحاق بن توبة العنبري، فقال له يحيى بن سعيد: حدث هذا -يعني: مسددا-: كيف قال حماد بن زيد فيما سألته؟ قال: سألت حماد بن زيد عن من قال: كلام الناس ليس بمخلوق، فقال: هذا كلام أهل الكفر. (٤)\n- وفيها عن فطر بن حماد قال: سألت المعتمر وحماد بن زيد عن من قال: القرآن مخلوق، فقالا: كافر. (٥)\n- وفيها: عن سليمان بن حرب قال: سمعت حماد بن زيد يقول: إن هؤلاء الجهمية إنما يحاولون يقولون: ليس في السماء شيء. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن أبي سلمة الخزاعي قال: قال مالك وشريك وأبو بكر بن عياش\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٢) السير (٩/ ٣٣٣) ودرء التعارض (٢/ ٢٥).\n(٣) السير (٧/ ٤٦١) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٤/٥٨٢) والسنة لعبد الله (٣١).\n(٤) الإبانة (١/ ١٢/٣٥٣/ ١٦٢).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٢/٥٨/ ٢٦٠).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٣/٩٥/ ٣٢٩) والسنة لعبد الله (١٥) والسنة للخلال (٥/ ٩١) والسير (٧/ ٤٦١) واجتماع الجيوش (١٢٦) ومجموع الفتاوى (٥/ ٥٢).","vol":"3","page":44},{"text":"وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد: الإيمان المعرفة والإقرار والعمل إلا أن حماد بن زيد كان يفرق بين الإيمان والإسلام ويجعل الإسلام عاما والإيمان خاصا. (١)\n- عن الليث بن خالد البلخي قال: حدثنا حماد بن زيد: وسألنا عن رجل من بلادنا فعرفناه قال: ما كان أجرأه كان يقول: أنا مؤمن حقا البتة ويسمونا شكاكا، والله ما شككنا في ديننا قط ولكن جاءت أشياء، أليس ذكر أن \"اليسير من الرياء شرك\" (٢) فأينا لم يراء. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في السير: وورد عن حماد بن زيد أنه كان ينهى عن الأخذ عن عبد الوارث لمكان القدر. (٤)\n\nسَلاَّم بن سُلَيْم (٥) (١٧٩ هـ)\nسلام بن سليم أبو الأحوص الإمام الثقة الحافظ الحنفي الكوفي. روى\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٨٣) والإبانة (٢/ ٨٠٦/١٠٩٦).\n(٢) ابن ماجه (٢/ ١٣٢٠ - ١٣٢١/ ٣٩٨٩) والحاكم (٤/ ٣٢٨) وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي. لكن إسناد الحديث ضعيف، قال البوصيري: \"في إسناده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف\". وأيضا فيه عيسى ابن عبد الرحمن الزرقي المدني، وهو ضعيف اتفاقا. والحديث له طرق أخرى لكنها لا تخلو من ضعف. انظر الضعيفة (٢٩٧٥).\n(٣) السنة لعبد الله (٩٩).\n(٤) السير (٨/ ٣٠٣).\n(٥) السير (٨/ ٢٨١ - ٢٨٤) وتهذيب الكمال (١٢/ ٢٨٢ - ٢٨٥) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٧٩) وشذرات الذهب (١/ ٢٩٢) وميزان الاعتدال (٢/ ١٧٦ - ١٧٧).","vol":"3","page":45},{"text":"عن زياد بن علاقة والأسود بن قيس وآدم بن علي وغيرهم. وعنه عبد الرحمن ابن مهدي ووكيع وأبو بكر بن أبي شيبة وآخرون.\nوقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى: أبو الأحوص أحب إليك أو أبو بكر بن عياش، قال: ما أقربهما. وقال أحمد العجلي: كان ثقة صاحب سنة واتباع. قرأ القرآن على حمزة. مات أبو الأحوص ومالك وحماد بن زيد سنة تسع وسبعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن بشر بن الحارث قال: كان أبو الأحوص يقول لنفسه: يا سلام نم على سنة خير من أن تقوم على بدعة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: قال أحمد العجلي: كان ثقة صاحب سنة واتباع، وكان إذا ملئت داره من أصحاب الحديث، قال لابنه أحوص: يا بني قم، فمن رأيته في داري يشتم أحدا من الصحابة فأخرجه، ما يجيء بكم إلينا؟ (٢)\n\nمساور الوراق (٣) (من السابعة)\nمُسَاوِر الوَرَّاق الكوفي، يقال: إنه أخو سيار أبي الحكم لأمه، ويقال\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٦٠/ ٢٥١).\n(٢) السير (٨/ ٢٨٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٥٠).\n(٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٨٦) وثقات ابن حبان (٧/ ٥٠٢) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٤٢٥ - ٤٢٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٤١ - ١٦٠/ص.٢٩٠) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٠٣) والتقريب (٢/ ١٧٤).","vol":"3","page":46},{"text":"اسم أبيه سوار بن عبد الحميد. روى عن سيار أبي الحكم وشعيب بن يسار مولى ابن عباس وجعفر بن عمرو بن حريث وأبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي. روى عنه سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وحماد بن أسامة. كان يقول الشعر، وثقه ابن معين وابن حبان. قال سفيان بن عيينة: وكان مساور -يعني الوراق- رجلا صالحا لا بأس به إلا أنه كان له رأي في أبي حنيفة.\nومن كلامه: إنما تطيب المجالس بخفة الجلساء. وأيضا: ما كنت أقول لرجل إني أحبك في الله ثم أمنعه شيئا من الدنيا. قال ابن حجر: صدوق من السابعة. وذكره أسلم بن سهل الواسطي في تاريخ واسط في أهل القرن الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>موقفه من المبتدعة:</span>\nوجاء في الإبانة عن أبي علي محمد بن سعد بن الحسين عن الأسود البوشجاني قال: قال مساور الوراق:\nكنا من العلم قبل اليوم في سعة ... حتى ابتلينا بأصحاب المقاييس\nقوم إذا ناظروا ضجوا كأنهم ... ثعالب صوتت بين النواويس\nأما العريب فقوم لا عطاء لهم ... وفي الموالي علامات المفاليس\nقاموا عن السوق إذ قلت مكاسبهم ... وأحدثوا الرأي والاقتار والبؤس\nقال أبو بكر: العريب تصغير العرب. (١)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٤٩/ ٦٩٢).","vol":"3","page":47},{"text":"عبد الله بن بكر المزني (١) (من السابعة)\nعبد الله بن بكر بن عبد الله المُزَنِي البصري. روى عن أبيه والحسن البصري ومحمد بن سيرين وحميد بن هلال وعبد الله بن عمر العمري. وعنه مسلم بن إبراهيم وعفان بن مسلم وعبد الرحمن بن مهدي وحسان بن حسان البصري وآخرون. قال الحافظ ابن حجر: صدوق من السابعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة عنه قال: ما أحد أحب إلي من عمرو وكان يحب أن يتشبه به في حياة الحسن قال: فإني لأذكر أول يوم تكلم فيه. قال: فتفرقنا عنه فما كنت أحب أن أكلمه قال: فلقيني يوما في زقاق فلم أقدر أن أتوارى منه، قال: فقمت فلما نظر إلي قال: لا تخف ليس هاهنا أيوب ولا يونس. (٢)\n\nهارون بن سعد العجلي الكوفي (٣) (من الطبقة السابعة)\nهارون بن سعد العِجْلِيّ الكوفي. روى عن إبراهيم التيمي، وسليمان الأعمش، وأبي إسحاق السبيعي. وحدث عنه الثوري، وشعبة بن الحجاج، وشريك بن عبد الله. وقال عنه ابن حبان والعقيلي والذهبي: إنه كان يغلو في الرفض. ولعله تاب منه فقد ذكر له ابن قتيبة أبياتا في تأويل مختلف الحديث\n_________\n(١) تهذيب الكمال (١٤/ ٣٤٤ - ٣٤٦) وتهذيب التهذيب (٥/ ١٦٣) والتقريب (١/ ٤٨١)\n(٢) السنة لعبد الله (١٥٢).\n(٣) تهذيب الكمال (٣٠/ ٨٥) وثقات ابن حبان (٧/ ٥٧٩) والمجروحين (٣/ ٩٤) والضعفاء للعقيلي (٤/ ٣٦٢) وميزان الاعتدال (٤/ ٢٨٤) وتهذيب التهذيب (١١/ ٦) والتقريب (٢/ ٢٥٨).","vol":"3","page":48},{"text":"تدل على نزوعه عن الرفض ولذلك قال عنه ابن حجر: صدوق رمي بالرفض، ويقال: رجع عنه والله أعلم. من الطبقة السابعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>موقفه من الرافضة:</span>\nقال هارون بن سعد العجلي:\nألم تر أن الرافضين تفرقوا ... فكلهم في جعفر قال منكرا\nفطائفة قالوا إمام ومنهم ... طوائف سمته النبي المطهرا\nومن عجب لم أقضه جلد جفرهم ... برئت إلى الرحمن ممن تجفرا\nبرئت إلى الرحمن من كل رافض ... بصير بباب الكفر في الدين أعورا\nإذا كف أهل الحق عن بدعة مضى ... عليها وإن يمضوا على الحق قصرا\nولو قال إن الفيل ضب لصدقوا ... ولو قال زنجي تحول أحمرا\nوأخلف من بول البعير فإنه ... إذا هو للإقبال وجه أدبرا\nفقبح أقوام رموه بفرية ... كما قال في عيسى الفرى من تنصرا (١)\n\nشهاب بن خراش بن حوشب (٢) (قبل ١٨٠ هـ)\nالإمام القدوة العالم شِهَاب بن خِرَاش بن حَوْشَب، أبو الصلت الشيباني ثم الحوشبي الواسطي أخو عبد الله وابن أخي العوام بن حوشب، أصله كوفي تحول إلى الرملة. حدث عن عمر بن مرة وأبان بن عياش، وعبد الملك\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٧١).\n(٢) التاريخ لابن معين (٢/ ٢٥٩) والجرح والتعديل (٤/ ٣٦٢) والسير (٨/ ٢٨٤ - ٢٨٧) وتهذيب الكمال (١٢/ ٥٦٨ - ٥٧٢) وميزان الاعتدال (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢) تقريب التهذيب (١/ ٣٥٥).","vol":"3","page":49},{"text":"بن عمير. وروى عنه ابن مهدي وعبد الله بن ميمون القداح، وابن أبي فديك، قال فيه أبو زرعة: ثقة صاحب سنة.\nقال عبد الرحمن بن مهدي: لم أر أحدا أجمع من عبد الله ابن المبارك، ولم أر أحدا أقدمه على بشر بن منصور، ولم أر أحسن وصفا للسنة من شهاب بن خراش، ولم أر أحدا أعلم بالسنة من حماد بن زيد ولسفيان علمه وزهده.\nمات ﵀ قبل سنة ثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: قال شهاب بن خراش: أدركت من أدركت من صدرة هذه الأمة، وهم يقولون: اذكروا مجلس أصحاب رسول الله - ﷺ - ما تأتلف عليه القلوب، ولا تذكروا الذي شجر بينهم، فتحرشوا عليهم الناس. (١) وفي تهذيب الكمال: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>موقفه من القدرية والمرجئة:</span>\nجاء في السير بالسند إلى هشام بن عمار قال: سمعت شهاب بن خراش يقول: إن القدرية أرادوا أن يصفوا الله كلمة واحدة يقرب بين حروفها بِعَدْلِهِ فأخرجوه من فضله. (٢)\nوجاء في تهذيب الكمال عن هشام بن عمار، حدثنا شهاب بن خراش الحوشبي، لقيته وأنا شاب في سنة أربع وسبعين يعني ومائة، وقال لي: إن لم تكن\n_________\n(١) السير (٨/ ٢٨٥) وتهذيب الكمال (١٢/ ٥٧١).\n(٢) السير (٨/ ٢٨٥).","vol":"3","page":50},{"text":"قدريا ولا مرجئا حدثتك، وإلا لم أحدثك، فقلت: ما فيَّ من هذين شيء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>موقف السلف من رابعة العدوية الصوفية (١٨٠ ه</span>ـ)\nمن ترهاتها وفضائح الصوفية:\nجاء في السير: قال أبو معمر المقعد: نظرت رابعة إلى رياح يضم صبيا من أهله ويقبله. فقالت: أتحبه؟ قال: نعم. قالت ما كنت أحسب أن في قلبك موضعا فارغا لمحبة غيره تبارك اسمه. فغشي عليه، ثم أفاق، وقال: رحمة منه تعالى ألقاها في قلوب العباد للأطفال. (٢)\n\" التعليق:\nماذا تقول رابعة فيما صح عن النبي - ﷺ - من حديث عائشة قالت: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبي - ﷺ -: \"أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة\". (٣) ولكنها تلبيسات إبليس على المتصوفة.\n_________\n(١) (١٢/ ٥٧٢).\n(٢) السير (٨/ ١٧٤).\n(٣) البخاري (١٠/ ٥٢٢/٥٩٩٨) ومسلم (٤/ ١٨٠٨/٢٣١٧) وابن ماجه (٢/ ١٢٠٩/٣٦٦٥).","vol":"3","page":51},{"text":"عبد الله بن المبارك بن واضح (١) (١٨١ هـ)\nالإمام شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك بن واضح عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم التركي، ثم المروزي الحافظ، الغازي، أحد الأعلام. سمع من سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وحميد الطويل وغيرهم. وحدث عنه معمر والثوري، وأبو إسحاق الفزاري وغيرهم، وحديثه حجة بالإجماع وهو في المسانيد والأصول.\nقال فيه إسماعيل ابن عياش: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها في عبد الله بن المبارك.\nقال سفيان: إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام.\nاجتمع جماعة مثل الفضيل بن موسى، ومخلد بن الحسين فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير فقالوا: العلم والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والشجاعة، والفروسية، والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه.\nقال حبيب الجلاب: سألت ابن المبارك: ما خير ما أعطي الإنسان؟\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٥/ ١٧٩ - ١٨١) والحلية (٨/ ١٦٢ - ١٩١) والسير (٨/ ٣٧٨ - ٤٢١) وتاريخ بغداد (١٠/ ١٥٢ - ١٦٩) وتهذيب الكمال (١٦/ ٥ - ٢٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٧٤ - ٢٧٩) والديباج المذهب (١/ ٤٠٧ - ٤٠٩) وشذرات الذهب (١/ ٢٩٥ - ٢٩٧).","vol":"3","page":52},{"text":"قال: غريزة عقل، قلت: فإن لم يكن؟ قال: حسن أدب، قلت: فإن لم يكن؟ قال: أخ شفيق يستشيره، قلت: فإن لم يكن؟ قال: صمت طويل، قلت: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل.\nقال ابن المبارك: من بخل بالعلم، ابتلي بثلاث: إما موت يذهب علمه، وإما ينسى، وإما يلزم السلطان فيذهب علمه.\nوقال: إن البصراء لا يأمنون من أربع: ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع فيه الرب ﷿، وعمر قد بقي لا يدري ما فيه من الهلكة، وفضل قد أعطي العبد لعله مكر واستدراج، وضلالة قد زينت يراها هدى، وزيغ قلب ساعة فقد يسلب المرء دينه ولا يشعر.\nوقال: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته.\nتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء عنه قال: ليكن المعتمد عليه الأثر وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الخبر. (١)\n_________\n(١) الحلية لأبي نعيم (٨/ ١٦٥) والمدخل للبيهقي (١/ ٢١٨/٢٤٠) والجامع لابن عبد البر (١/ ٧٨١ - ٧٨٢) وذم الكلام (ص.٩٩).","vol":"3","page":53},{"text":"- وجاء في أصول الاعتقاد في تفسير حديث: \"إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر\" (١) قال موسى: قال ابن المبارك: الأصاغر من أهل البدع. (٢)\n- وفيه عن إسماعيل الطوسي قال: قال لي ابن المبارك يكون مجلسك مع المساكين وإياك أن تجالس صاحب بدعة. (٣)\n- عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت عبدان يقول: قال عبد الله بن المبارك: الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد، لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل له: من حدثك؟ بقي. (٤)\n- جاء في الحلية قال عبد الله بن المبارك:\nأيها الطالب علما ... إيت حماد بن زيد\nفاطلب العلم بحلم ... ثم قيده بقيد\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦١ - ٣٦٢/ ٩٠٨) عن ابن المبارك عن عبد الله بن عقبة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي به وفي الأوسط (٩/ ٦٥ - ٦٦/ ٨١٣٦) من طريق كامل بن طلحة الجحدري قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي به. وعبد الله بن عقبة هو ابن لهيعة. قال الطبراني في الأوسط: \"لا يروى هذا الحديث عن أبي أمية الجمحي إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة\". وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٣٥): \"رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف. لكن رواية ابن المبارك عنه في المعجم الكبير صحيحة. ويشهد له قول ابن مسعود: (لا يزال الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم من أصحاب محمد - ﷺ -، ومن أكابرهم فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا) \". رواه عبد الرزاق (١/ ٢٤٦/٢٠٤٤٦) وابن المبارك في الزهد (٢/ ٦٢٣/٧٦٤) والطبراني في الكبير (٩/ ١١٤/٨٥٨٩ - ٨٥٩٢) وفي الأوسط (٨/ ٢٨٨/٧٥٨٦) وقال الهيثمي (١/ ١٣٥): \"رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون\".\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ٩٥/١٠٢) وذم الكلام (ص.٢٩٥) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٦١٢) والفقيه والمتفقه (٢/ ١٥٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٥/٢٦٠) والإبانة (٢/ ٣/٤٦٣/ ٤٥٢) وانظر السير (٨/ ٣٩٩و٤١١).\n(٤) ذم الكلام (ص.٢٣١) وأورده الذهبي في السير (١٧/ ٢٢٤).","vol":"3","page":54},{"text":"لا كثور وكجهم ... وكعمرو بن عبيد (١)\n- وفي البداية:\nوذر البدعة من ... آثار عمرو بن عبيد (٢)\n- وجاء في المنهاج: قال عبد الله بن المبارك: الدين لأهل الحديث والكذب للرافضة والكلام للمعتزلة والحيل لأهل الرأي أصحاب فلان. (٣)\n- وجاء في السير: وسمع بعضهم ابن المبارك وهو ينشد على سور طرسوس:\nومن البلاء وللبلاء علامة العبد ... أن لا يرى لك عن هواك نزوع\nعبد النفس في شهواتها ... والحر يشبع مرة ويجوع (٤)\n- عن عبد الله بن عمر السرخسي -علم الحزن- قال: أكلت عند صاحب بدعة أكلة فبلغ ذلك ابن المبارك فقال: لا كلمته ثلاثين يوما. (٥)\n- قال ابن المبارك: لم أر مالا أمحق من مال صاحب بدعة وقال: اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عندي يدا فيحبه قلبي. (٦)\n- وقال: صاحب البدعة على وجهه الظلمة وإن ادهن كل يوم ثلاثين\n_________\n(١) الحلية (٦/ ٢٥٨).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٨٢).\n(٣) المنهاج (٧/ ٤١٣).\n(٤) السير (٨/ ٤١٧).\n(٥) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٧ - ١٥٨/ ٢٧٤).\n(٦) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٨/٢٧٥).","vol":"3","page":55},{"text":"مرة. (١)\n- عن محمد بن خاقان قال: شيعنا ابن المبارك في آخر خرجة خرج فقلنا له: أوصنا، فقال: لا تتخذوا الرأي إماما. (٢)\n- وعن ابن المبارك قال: اعلم أي أخي أن الموت اليوم كرامة لكل مسلم لقي الله على السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإلى الله نشكوا وحشتنا، وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى الله نشكوا عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء وأهل السنة وظهور البدع. (٣)\n- ذكر ابن المبارك حديث النبي - ﷺ -: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من ناوأهم حتى تقوم الساعة (٤)، قال ابن المبارك: هم عندي أصحاب الحديث. (٥)\n- قال ابن المبارك: المعلى بن هلال هو، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب، قال فقال له بعض الصوفية يا أبا عبد الرحمن تغتاب؟ فقال اسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل؟ أو نحو هذا الكلام. (٦)\nعن نعيم بن حماد قال: سمعت ابن المبارك يقول وقيل له تركت عمرو ابن عبيد وتحدث عن هشام الدستوائي وسعيد وفلان وهم كانوا في عداده؟\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٩/٢٨٤) وذم الكلام (ص.٢٣٣).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٦٣ - ٤٦٥) وهو في الإعلام (١/ ٢٥٨).\n(٣) ابن وضاح في البدع (ص.٨٧ - ٨٨) وأورده الشاطبي في الاعتصام (١/ ١١٥ - ١١٦).\n(٤) أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٤) والبخاري (١٣/ ٥٤٢/٧٤٥٩) ومسلم (٣/ ١٥٢٣/١٩٢١) من حديث المغيرة بن شعبة. وفي الباب عن ثوبان ومعاوية وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وغيرهم ﵃ أجمعين.\n(٥) الشرف (ص.٢٦).\n(٦) الكفاية (ص.٤٥).","vol":"3","page":56},{"text":"قال: إن عمرا كان يدعو. (١)\n- قال مسلم في مقدمة صحيحه: وقال محمد: سمعت علي بن شقيق يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: دعوا حديث عمرو ابن ثابت فإنه كان يسب السلف. (٢)\n\" التعليق:\nوالمبتدعة ذكرهم وتسبيحهم هو في ذم منهاج السلف.\nوفي هذا الأثر فائدة وهي تسمية ابن المبارك للصحابة ومن كان على منهاجهم باسم السلف، والنسبة إلى السلف سلفي. فليرد المبتدعة على هذا الإمام، وليقولوا له إنه اخترع اسما لم يكن وليردوا عليه وعلى أمثاله من الذين نطقوا بهذا المنهاج ودافعوا عنه.\n\n- عن إسحاق بن عيسى: سمعت ابن المبارك يقول: يكتب الحديث إلا عن أربعة: غلاط لا يرجع، وكذاب، وصاحب بدعة وهوى يدعو إلى بدعته ورجل لا يحفظ فيحدث من حفظه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك يقول: السيف الذي\n_________\n(١) الكفاية (ص.١٢٧).\n(٢) انظر مقدمة مسلم (١/ ١٦).\n(٣) الكفاية (ص.١٤٣).","vol":"3","page":57},{"text":"وقع بين الصحابة فتنة، ولا أقول لأحد منهم هو مفتون. (١)\n- وروى إسحاق بن سنين لابن المبارك:\nإني امرؤ ليس في ديني لغامزه ... لين ولست على الإسلام طعانا\nفلا أسب أبا بكر ولا عمرا ... ولن أسب معاذ الله عثمانا\nولا ابن عم رسول الله أشتمه ... حتى ألبس تحت الترب أكفانا\nولا الزبير حواري الرسول ولا ... أهدي لطلحة شتما عز أو هانا\nولا أقول علي في السحاب إذًا ... د قلت والله ظلما ثم عدوانا (٢)\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن علي بن الحسن بن شقيق قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الجماعة فقال أبو بكر وعمر. (٣)\n- وفيه عن الحسن بن عيسى قال: سمعت رجلا يسأل ابن المبارك عمن قال له إنه لا يفضل أبا بكر وعمر هل يضُرُّ به؟ قال ابن المبارك: من لم يفضل أبا بكر وعمر فهو أهل أن يجفى ويقصى قال: وسمعت ابن المبارك يفضل أبا بكر ويسكت عن علي وعثمان. (٤)\n- وعن عبد الله بن المبارك أنه قال: نأخذ باجتماع أصحاب النبي - ﷺ - وندع ما سواه، وقد اجتمعوا على أن عثمان خيرهم، فعثمان خير هذه الأمة بعد أبي بكر وعمر وبعدهم علي، ثم خير هذه الأمة بعد هؤلاء الأربعة\n_________\n(١) السير (٨/ ٤٠٥).\n(٢) السير (٨/ ٤١٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣١٣/٢٣٢٦).\n(٤) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٥١/٢٦١٨).","vol":"3","page":58},{"text":"أصحاب الشورى ثم أهل بدر ثم الأول فالأول من سائر أصحاب النبي - ﷺ - فاعرف حق سابقهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في السير: وروى عبد الله بن محمد قاضي نصيبين، حدثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال: أملى علي ابن المبارك سنة سبع وسبعين ومائة، وأنفذها معي إلى الفضيل بن عياض من طرسوس:\nيا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب\nمن كان يخضب جيده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب\nأو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب\nريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب\nولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب\nلا يستوي وغبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب\nهذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب\nفلقيت الفضيل بكتابه في الحرم، فقرأه وبكى، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير بالسند إلى علي بن الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله ابن المبارك يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي\n_________\n(١) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (٢٧٤/ ١٩٧).\n(٢) السير (٨/ ٤١٢ - ٤١٣).","vol":"3","page":59},{"text":"كلام الجهمية. (١)\n- وجاء في السنة بالسند إلى أبي سهل راهويه قال: كنت أدعو على الجهمية فأكثر فذكرت ذلك لعبد الله بن المبارك ودخل قلبي من ذلك شيء، فقال: لا يدخل قلبك فإنهم يجعلون ربك الذي تعبد لا شيء. (٢)\n- جاء في السير: قال العلاء بن الأسود: ذكر جهم عند ابن المبارك، فقال:\nعجبت لشيطان أتى الناس داعيا ... إلى النار وانشق اسمه من جهنم (٣)\n- وفيها قال ابن المبارك:\nولا أقول بقول الجهم إن له ... قولا يضارع أهل الشرك أحيانا\nولا أقول تخلى من خليقته ما ... رب العباد وولى الأمر شيطانا\nقال فرعون هذا في تمرده ... فرعون موسى ولا هامان طغيانا (٤)\n- جاء في السنة لعبد الله عن الحسن بن عيسى مولى عبد الله بن المبارك قال: كان ابن المبارك يقول: الجهمية كفار. (٥)\n- وفيها: قال ابن المبارك: ليس تعبد الجهمية شيئا. (٦)\n_________\n(١) السير (٨/ ٤٠١) ودرء التعارض (٥/ ٣٠٨) والسنة لعبد الله (١٣) والسنة للخلال (٥/ ٩٨) والإبانة (٢/ ١٣/٩٧/ ٣٣٤) والشريعة (٢/ ١٠/٦٢٠).\n(٢) السنة لعبد الله (١٢) والسير (٨/ ٤٠٣) والإبانة (٢/ ٢٣/٩٥/ ٣٢٨) والفتاوى (٥/ ١٨٤).\n(٣) السير (٨/ ٤١١) وأصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥/ ٦٣٩).\n(٤) السير (٨/ ٤١٤) والفتح (١٣/ ٣٤٥ مختصرا).\n(٥) السنة لعبد الله (١٢) والإبانة (٢/ ١٢/٥٦/ ٢٥٤).\n(٦) السنة لعبد الله (١٢).","vol":"3","page":60},{"text":"- وفيها: عن أبي عصمة قال: سمعت ابن المبارك يقول: خيبة للأبناء، أما فيهم أحد يفتك ببشر؟ قال يوسف: فسألت عبدان وأصحاب ابن المبارك عن هذا فقالوا: إن أبا عصمة رجل صدوق وقد كان ابن المبارك يتكلم بكلام هذا معناه. (١)\n- وروى اللالكائي بسنده إلى أفلح بن محمد قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن إني أكره الصفة عَنَى صفة الرب جل وعز. فقال له عبد الله بن المبارك: أنا أشد الناس كراهة لذلك ولكن إذا نطق الكتاب بشيء وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه -ونحو هذا-. (٢)\n- وفي الإبانة: قال نعيم بن حماد: رآني ابن المبارك مع رجل من أهل الأهواء فما كلمني، فلما كان في غد، رآني فأخذ بيدي ثم أنشأ يقول:\nيا طالب العلم صارم كل بطال ... وكل غاو إلى الأهواء ميال\nإن القرآن كلام الله تعرفه ... ليس القرآن بمخلوق ولا بال\nلو أنه كان مخلوقا لغيره ... ريب الزمان إلى موت وإبطال\nوكيف يبطل ما لا شيء يبطله ... أم كيف يبلى كلام الخالق العالي (٣)\n- جاء في الدرء: عن عبد الله بن المبارك قال: أصول الثنتين وسبعين فرقة أربع: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية. فقيل لابن المبارك:\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٣٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٧٨ - ٤٧٩/ ٧٣٧) والفتاوى (٥/ ٥١) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٥٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٤/٢٩٠ - ٢٩١/ ٤٥٩).","vol":"3","page":61},{"text":"فالجهمية؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد - ﷺ -. (١)\n- وفي الفتاوى عنه قال: من قال لك يا مشبه، فاعلم أنه جهمي. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>موقفه من القائلين بخلق القرآن:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن موسى بن إبراهيم الوراق قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عاما يقولون: من قال القرآن مخلوق فامرأته طالق ثلاثا بتة، قلت: ولم ذلك؟ قال: لأن امرأته مسلمة، ومسلمة لا تكون تحت كافر. (٣)\n- جاء في السنة بالسند إلى أبي الوزير محمد بن أعين سمعت النضر بن محمد يقول: من قال في هذه الآية: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٤) مخلوق فهو كافر. فجئت إلى عبد الله بن المبارك فأخبرته فقال: صدق أبو محمد عافاه الله، ما كان الله يأمر أن نعبد مخلوقا. (٥)\n- وفيها عنه قال: من قال القرآن مخلوق فهو زنديق. (٦)\n- وفيها عنه قال: القرآن كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق. (٧)\n_________\n(١) درء التعارض (٧/ ١١٠) والإبانة (١/ ٢/٣٧٩ - ٣٨٠/ ٢٧٨) مطولا.\n(٢) الفتاوى (٥/ ٣٩٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٠/٤٠٥) والإبانة (٢/ ١٢/٧٣/ ٣٠٠).\n(٤) طه الآية (١٤).\n(٥) السنة لعبد الله (١٢) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٢/٤٢٨) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧٠٠).\n(٦) السنة لعبد الله (١٣).\n(٧) السنة لعبد الله (٣١) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٨١/٤٢٦).","vol":"3","page":62},{"text":"- وفي أصول الاعتقاد عن الحسين بن شبيب قال: سمعت ابن المبارك وقرأ ثلاثين آية من «طه» فقال: من زعم أن هذا مخلوق فهو كافر. (١)\n- وفيه: عن مصعب بن سعيد المصيصي قال: سمعت ابن المبارك وموسى بن أعين يقولان: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. أكفر من هرمز. (٢)\n- وفي الإبانة: عن علي بن مضا -مولى خالد القسري- قال: سمعت ابن المبارك بالمصيصة، وسأله رجل عن القرآن، فقال: هو كلام الله غير مخلوق. (٣)\n- وجاء في الفتاوى: قال عبد الله بن المبارك: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>موقفه من المؤولين لصفة الرؤية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن صالح المروزي -وكان صاحب قرآن- قال: دس الجهمية إلى ابن المبارك رجلا فقال: يا أبا عبد الرحمن خدا ربان جهان جون ببيند؟ قال: بجشم، يعني كيف نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: بالعين. (٥)\n- وفيه عن نعيم بن حماد قال: سمعت ابن المبارك قال: ما حجب الله\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢/ ٤٢٧) والشريعة (١/ ٢٢٠/١٧٧) والسير (٨/ ٤٠٣) بنحوه. وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٧٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٢/٤٢٩) والإبانة (٢/ ١٢/٥٩/ ٢٦٣) بنحوه.\n(٣) الإبانة (٢/ ١٢/١٢ - ١٣/ ١٩٢).\n(٤) الفتاوى (٤/ ١٨٢).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٩ - ٥٦٠/ ٨٨١).","vol":"3","page":63},{"text":"﷿ أحدا عنه إلا عذبه ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (١) قال: بالرؤية. (٢)\n- وفيه عن علي بن المديني الغاساني قال: سألت عبد الله بن المبارك عن قوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يرجوا لقاء ربه فليعمل عَمَلًا صَالِحًا﴾ (٣) قال عبد الله: من أراد النظر إلى وجه خالقه فليعمل عملا صالحا ولا يخبر به أحدا. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>موقفه من المؤولين لصفة العلو:</span>\n- وجاء في السير بالسند إلى علي بن الحسن بن شقيق قال: سألت ابن المبارك كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا؟ قال: على السماء السابعة على عرشه ولا نقول كما تقول الجهمية إنه هاهنا في الأرض. (٥)\n- قال الذهبي: الجهمية يقولون: إن الباري تعالى في كل مكان، والسلف يقولون: إن علم الباري في كل مكان، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٦) يعني: بالعلم، ويقولون: إنه على عرشه\n_________\n(١) المطففين الآيات (١٥ - ١٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥/ ٨٩٤).\n(٣) الكهف الآية (١١٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٦٥/٨٩٥).\n(٥) السير (٨/ ٤٠٣) والسنة لعبد الله (١٣) ومجموع الفتاوى (٥/ ٥١ - ٥٢) واجتماع الجيوش (١٢٥).\n(٦) الحديد الآية (٤).","vol":"3","page":64},{"text":"استوى، كما نطق به القرآن والسنة. (١)\n- وجاء في الدرء: عن عبد الله بن المبارك: أنه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبد الله: يا ضعيف، ليلة النصف؟ ينزل في كل ليلة، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن، كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان؟ فقال عبد الله بن المبارك: ينزل كيف شاء. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في السير عنه قال:\nالله يدفع بالسلطان معضلة ... عن ديننا رحمة منه ورضوانا\nلولا الأئمة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا\nفيقال: إن الرشيد أعجبه هذا، فلما أن بلغه موت ابن المبارك بهيت (٣) قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. يا فضل: إيذن للناس يعزونا في ابن المبارك. وقال: أما هو القائل: الله يدفع بالسلطان معضلة\nفمن الذي يسمع هذا من ابن المبارك، ولا يعرف حقنا؟ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في السير، قال الذهبي: واحتج ابن المبارك في مسألة الإرجاء، وأن الإيمان يتفاوت، بما روى عن ابن شوذب، عن سلمة بن كهيل، عن\n_________\n(١) السير (٨/ ٤٠٢).\n(٢) درء التعارض (٢/ ٢٧).\n(٣) مدينة على الفرات.\n(٤) السير (٨/ ٤١٤).","vol":"3","page":65},{"text":"هزيل بن شرحبيل، قال: قال عمر: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض، لرجح. (١)\n- قال الذهبي: مراد عمر ﵁ أهل أرض زمانه. (٢)\n- وعن علي بن الحسن بن شقيق قال: قال رجل لعبد الله ابن المبارك: يا معشر المرجئة قال: رميتني بهوى من الأهواء. (٣)\n- وأخرج أبو عثمان الصابوني بسنده إلى إسحاق بن إبراهيم قال: قدم ابن المبارك الري، فقام إليه رجل من العباد -الظن به أنه يذهب مذهب الخوارج- فقال له: يا أبا عبد الرحمن ما تقول فيمن يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا أخرجه من الإيمان. فقال: يا أبا عبد الرحمن على كبر السن صرت مرجئا؟ فقال: لا تقبلني المرجئة. المرجئة تقول: حسناتنا مقبولة، وسيئاتنا مغفورة، ولو علمت أني قبلت مني حسنة لشهدت أني في الجنة. (٤)\n- وعن إبراهيم بن الشماس قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: الإيمان قول وعمل والإيمان يتفاضل. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السير: وقال سفيان بن عبد الملك: سألت ابن المبارك، لم\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١١٥).\n(٢) السير (٨/ ٤٠٥).\n(٣) السنة لعبد الله (٩٤).\n(٤) عقيدة السلف (٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٥) الإبانة (٢/ ٦/٨١٢/ ١١١٢) والسنة لعبد الله (٨٥) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣٤/١٧٤٨) والسنة للخلال (٣/ ٥٨٣/١٠١٨).","vol":"3","page":66},{"text":"تركت حديث إبراهيم بن أبي يحيى؟ قال: كان مجاهرا بالقدر، وكان صاحب تدليس. (١)\n- وفيها: قال ابن المبارك: ما رضي عوف ببدعة حتى كان فيه بدعتان قدري، وشيعي. (٢)\n- وجاء في الكفاية، عن علي بن الحسن بن شقيق قال: قلت لعبد الله يعني ابن المبارك سمعت من عمرو بن عبيد؟ فقال بيده هكذا أي كثرة، قلت فلم لا تسميه وأنت تسمي غيره من القدرية؟ قال لأن هذا كان رأسا. (٣)\n\nيزيد بن زريع (٤) (١٨٢ هـ)\nيزيد بن زُرَيْع بن يزيد أبو معاوية العيشي البصري الحافظ، المجود، محدث البصرة مع حماد بن زيد وعبد الوارث ومعتمر وعبد الواحد بن زياد وجعفر بن سليمان، ووهيب بن خالد وخالد بن الحارث، وبشر بن المفضل، وإسماعيل بن علية فهؤلاء العشرة كانوا في زمانهم أئمة الحديث بالبصرة، روى عن أيوب السختياني ويونس بن عبيد وخالد الحذاء وحسين المعلم وغيرهم. وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي، ومسدد، وعلي بن المديني وغيرهم. قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: كان ريحانة البصرة، ما أتقنه وما\n_________\n(١) السير (٨/ ٤٥١).\n(٢) السير (٦/ ٣٨٤).\n(٣) الكفاية (١٢٧).\n(٤) طبقات ابن سعد (٧/ ١٨٩) والجرح والتعديل (٩/ ٢٦٣ - ٢٦٥) والسير (٨/ ٢٩٦ - ٢٩٩) وتهذيب الكمال (٣٢/ ١٢٤ - ١٣٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧) ومشاهير علماء الأمصار (١٦٢).","vol":"3","page":67},{"text":"أحفظه. وقال بشر الحافي: كان يزيد بن زريع متقنا حافظا ما أعلم أني رأيت مثله ومثل صحة حديثه. توفي رحمه الله تعالى في سنة اثنتين وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في السير: قال الذهبي: وكان صاحب سنة واتباع، كان يقول: من أتى مجلس عبد الوارث، فلا يقربني. (١)\n- جاء في شرف أصحاب الحديث بالسند إلى أحمد بن الحسين قال: سمعت يزيد بن زريع ﵀ يقول: أصحاب الرأي أعداء السنة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: عن فطر بن حماد بن أبي عمر الصفار، قال سألت يزيد بن زريع فقلت: يا أبا معاوية إمام لقوم يقول القرآن مخلوق أصلي خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة. (٣)\n- وفي الإبانة: عن فطر بن حماد قال: سألت يزيد بن زريع، قلت: صليت خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: خلف رجل مسلم أحب إلي. (٤)\n_________\n(١) السير (٨/ ٢٩٧).\n(٢) شرف أصحاب الحديث (ص.٧).\n(٣) السنة لعبد الله (١٦).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٢/٥٩/ ٢٦١).","vol":"3","page":68},{"text":"أبو يوسف القاضي (١) (١٨٢ هـ)\nيعقوب بن إبراهيم الإمام المجتهد العلامة المحدث أبو يوسف القاضي. حدث عن هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري وعطاء بن السائب وغيرهم. وحدث عنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن الجعد وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف وكان أميل إلى المحدثين من أبي حنيفة ومحمد.\nوقال ابن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ، ولا أصح رواية من أبي يوسف. وقال فيه أيضا أبو يوسف صاحب حديث، صاحب سنة. وقال: كنت أطلب العلم وأنا مقل فجاء أبي فقال: يا بني لا تمدنَّ رجلك مع أبي حنيفة فأنت محتاج فآثرت طاعة أبي. فأعطاني أبو حنيفة مائة درهم، وقال الزم الحلقة فإذا نفدت هذه فأعلمني، ثم بعد أيام أعطاني مائة، صاحبَ أبا حنيفة سبع عشرة سنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في السير قال يحيى بن يحيى التميمي سمعت أبا يوسف عند وفاته يقول: كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة، وفي\n_________\n(١) تذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٢ - ٢٩٤) والسير (٨/ ٥٣٥ - ٥٣٩) وتاريخ ابن معين (٢/ ٦٨٠) والفهرست لابن النديم (٢٨٦) ووفيات الأعيان (٦/ ٣٧٨ - ٣٩٠) وتاريخ بغداد (١/ ٢٤٢ - ٢٦٢) وميزان الاعتدال (٤/ ٤٤٧) وشذرات الذهب (١/ ٢٩٨ - ٣٠١) والانتقاء (١٧٢).","vol":"3","page":69},{"text":"لفظ: إلا ما في القرآن واجتمع عليه المسلمون. (١)\n- قال شيخ الإسلام: وذكروا عن أبي يوسف أنه قال: مذهب أهل الجماعة عندنا، وما أدركنا عليه جماعة أهل الفقه ممن لم يأخذ من البدع والأهواء، أن لا يشتم أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولا يذكر فيهم عيبا، ولا يذكر ما شجر بينهم فيحرف القلوب عنهم، وأن لا يشك بأنهم مؤمنون؛ وأن لا يكفر أحدا من أهل القبلة ممن يقر بالإسلام ويؤمن بالقرآن، ولا يخرجه من الإيمان بمعصية إن كانت فيه؛ ولا يقول بقول أهل القدر، ولا يخاصم في الدين، فإنها من أعظم البدع. فهذا قول أهل السنة والجماعة، ولا ينبغي لأحد أن يقول في هذا كيف ولم؟ ولا ينبغي أن يخبر السائل عن هذا إلا بالنهي له عن المسألة وترك المجالسة والمشي معه إن عاد. ولا ينبغي لأحد من أهل السنة والجماعة أن يخالط أحدا من أهل الأهواء حتى يصاحبه ويكون خاصته، مخافة أن يستزله أو يستزل غيره بصحبة هذا.\nقال: والخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة، لو كانت فضلا لسبق إليها أصحاب رسول الله - ﷺ - وأتباعهم، فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر. وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ (٢)، ولم يأمره بالجدال، ولو شاء لأنزل حججا وقال له قل كذا وكذا. وقال أبو يوسف: دعوا قول أصحاب\n_________\n(١) السير (٨/ ٥٣٧).\n(٢) آل عمران الآية (٢٠).","vol":"3","page":70},{"text":"الخصومات وأهل البدع في الأهواء من المرجئة، والرافضة والزيدية، والمشبهة، والشيعة، والخوارج، والقدرية، والمعتزلة، والجهمية. (١)\n- وفيها: قال مالك لأبي يوسف لما سأله عن الصاع والمد، وأمر أهل المدينة بإحضار صيعانهم، وذكروا له أن إسنادها عن أسلافهم- أترى هؤلاء يا أبا يوسف يكذبون؟ قال: لا والله ما يكذبون، فأنا حررت هذه الصيعان فوجدتها خمسة أرطال وثلثا بأرطالكم يا أهل العراق. فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. وسأله عن صدقة الخضراوات فقال: هذه مباقيل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله - ﷺ - ولا أبي بكر ولا عمر ﵄، يعني: وهي تنبت فيها الخضراوات. وسأله عن الأحباس فقال: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، يذكر لبيان الصحابة، فقال أبو يوسف في كل منهما: قد رجعت يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. (٢)\n- وقال أيضا: ومن المأثور أن الرشيد احتجم فاستفتى مالكا فأفتاه بأنه لا وضوء عليه، فصلى خلفه أبو يوسف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد أن خروج النجاسة من غير السبيلين ينقض الوضوء، ومذهب مالك والشافعي أنه لا ينقض الوضوء، فقيل لأبي يوسف: أتصلي خلفه؟. فقال: سبحان الله. أمير المؤمنين. فإن ترك الصلاة خلف الأئمة لمثل ذلك من شعائر أهل البدع\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٧٥ - ٤٧٦).\n(٢) الفتاوى (٢٠/ ٣٠٦ - ٣٠٧).","vol":"3","page":71},{"text":"كالرافضة والمعتزلة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>موقفه من الرافضة:</span>\nروى ابن أبي العوام في فضائل أبي حنيفة أن رجلا سأل أبا يوسف فقال: يا أبا يوسف يذكرون عنك أنك تجيز شهادة من يشتم أصحاب النبي - ﷺ - على التأويل فقال: ويحك هذا أحبسه وأضربه حتى يتوب. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله أخبرت عن بشر بن الوليد قال كنت جالسا عند أبي يوسف القاضي، فدخل عليه بشر المريسي، فقال أبو يوسف: حدثنا إسماعيل عن قيس عن جرير عن النبي - ﷺ -، فذكر حديث الرؤيا (٣). ثم قال أبو يوسف: إني والله أومن بهذا الحديث وأصحابك يكفرون به، وكأني بك قد شغلتك عن الناس خشبة باب الجسر، فاحذر فراستي فإني مؤمن. (٤)\n- وفيها قال عبد الله سمعت أبي يقول: كنا نحضر مجلس أبي يوسف وكان بشر المريسي يجيء فيحضر في آخر الناس فيشغب يقول: إيش تقول وإيش قلت يا أبا يوسف، فلا يزال يضج ويصيح، وكنت أسمع أبا يوسف يقول: اصعدوا به إلي اصعدوا به إلي، قال فجاء يوم فصنع مثل هذا، فقال أبو يوسف: اصعدوا به إلي قال، قال أبي: وكنت بالقرب منه فجعل يناظره\n_________\n(١) الفتاوى (٢٠/ ٣٦٥).\n(٢) فضائل أبي حنيفة وأصحابه (١٨٠).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٤) السنة لعبد الله (٣٩).","vol":"3","page":72},{"text":"في مسألة فخفي علي بعض قوله فقلت للذي كان أقرب إليه مني إيش قال له؟ قال: قال له أبو يوسف: لا تنتهي حتى تفسد خشبة. (١)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن ابن المبارك قال سمعت غالبا الترمذي -وكان رجلا صالحا- قال: سمعت أبا يوسف غير مرة ولا مرتين ولا أحصي كم سمعته يقول لبشر المريسي: ويحك دع هذا الكلام، فكأني بك مقطوع اليدين والرجلين مصلوبا على هذا الجسر. (٢)\n- قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وأبو يوسف لما بلغه عن المريسي أنه ينكر الصفات الخبرية وأن الله فوق عرشه، أراد ضربه فهرب، فضرب رفيقه ضربا بشعا. (٣)\n- جاء في السير عنه قال: لا نصلي خلف من قال القرآن مخلوق ولا يفلح من استحلى شيئا من الكلام. (٤)\n- وجاء في ذم الكلام عنه قال: العلم بالخصومة والكلام جهل، والجهل بالخصومة والكلام علم. (٥)\n- وجاء في السنة لعبد الله بالسند إليه قال: جيئوني بشاهدين يشهدان على المريسي، والله لأملأن ظهره وبطنه بالسياط يقول في القرآن، يعني\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٣٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧/ ٦٤٢).\n(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٠).\n(٤) السير (٨/ ٥٣٨).\n(٥) ذم الكلام (٢٣١) والإبانة (١/ ٢/٤١٩/ ٣٣٩).","vol":"3","page":73},{"text":"مخلوق. (١)\n- كان أبو يوسف القاضي يقول بخراسان: صنفان ما على وجه الأرض شر منهما: الجهمية والمقاتلية. (٢)\n- وجاء في البداية والنهاية: قال بشار الخفاف: سمعت أبا يوسف يقول: من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه، وفرض مباينته، ولا يجوز السلام ولا رده عليه. (٣)\n- قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: وكان أبو يوسف يقول: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غرائب الحديث كذب. (٤)\n- قال ابن القيم في اجتماع الجيوش: روى ابن أبي حاتم قال: جاء بشر ابن الوليد إلى أبي يوسف فقال له: تنهاني عن الكلام وبشر المريسي وعلي الأحول وفلان يتكلمون؟ فقال: وما يقولون؟ قال: يقولون: إن الله في كل مكان، فبعث أبو يوسف وقال: علي بهم، فانتهوا إليهم، وقد قام بشر فجيء بعلي الأحول والشيخ الآخر، فنظر أبو يوسف إلى الشيخ وقال: لو أن فيك موضع أدب لأوجعتك وأمر به إلى الحبس، وضرب علي الأحول وطيف به، وقد استتاب أبو يوسف بشر المريسي لما أنكر أن الله فوق عرشه، وهي قصة\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٧).\n(٢) السنة لعبد الله (١٢).\n(٣) البداية والنهاية (١٠/ ١٨٧).\n(٤) تأويل مختلف الحديث (٦١) وذم الكلام (٢٣١) وشرف أصحاب الحديث (٥) والسير (٨/ ٥٣٧) وجامع بيان العلم (٢/ ١٠٣٣) وأصول الاعتقاد (١/ ١٦٦/٣٠٥) والإبانة (٢/ ٣/٥٣٧ - ٥٣٨/ ٦٧١) والمنهاج (٢/ ١٣٨).","vol":"3","page":74},{"text":"مشهورة ذكرها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره، وأصحاب أبي حنيفة المتقدمون على هذا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد، عن أبي يوسف القاضي قال: لا أصلي خلف جهمي أو رافضي ولا قدري. (٢)\n- وفيه عنه أنه سئل ما الحكم في القدرية؟ قال: الحكم أنه من جحد العلم أستتيبه، فإن تاب وإلا قتلته. (٣)\n- وجاء في الكفاية عن علي بن الجعد قال: سمعت أبا يوسف يقول: أجيز شهادة أهل الأهواء، أهل الصدق منهم، إلا الخطابية والقدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون. (٤)\n\nهشيم بن بشير (٥) (١٨٣ هـ)\nهُشَيْم بن بَشير بن أبي خازم الإمام، شيخ الإسلام، محدث بغداد وحافظها، أبو معاوية السلمي. أخذ عن الزهري، وعمرو بن دينار بمكة، ولم\n_________\n(١) اجتماع الجيوش (٢٠٥ - ٢٠٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٩/١٣٥٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٩/١٣٥٧).\n(٤) الكفاية (١٢٦).\n(٥) الجرح والتعديل (٩/ ١١٥ - ١١٦) والسير (٨/ ٢٨٧ - ٢٩٤) ومشاهير علماء الأمصار (١٧٧) وتاريخ بغداد (١٤/ ٨٥ - ٩٤) والكامل في التاريخ (٦/ ١٦٥) وتهذيب الكمال (٣٠/ ٢٧٢ - ٢٨٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٤٨) وميزان الاعتدال (٤/ ٣٠٦ - ٣٠٨).","vol":"3","page":75},{"text":"يكثر عنهما وهما أكبر شيوخه. وروى عنه منصور بن زاذان، وحصين بن عبد الرحمن، وأبو بشر وغيرهم. وحدث عنه ابن إسحاق وعبد الحميد بن جعفر، وشعبة وسفيان وهم من أشياخه، وحماد بن زيد وابن المبارك وطائفة من أقرانه وغيرهم.\nقال فيه الذهبي: كان رأسا في الحفظ إلا أنه صاحب تدليس كثير، قد عرف بذلك. قال أحمد بن حنبل: لزمت هشيما أربع سنين، أو خمسا ما سألته عن شيء، إلا مرتين هيبة له، وكان كثير التسبيح بين الحديث يقول بين ذلك: لا إله إلا الله يمد بها صوته. عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان هشيم أحفظ للحديث من سفيان الثوري. قال عبد الله ابن المبارك: من غير الدهر حفظه، فلم يغير حفظ هشيم. قال إبراهيم الحربي: كان والد هشيم صاحب صحناء وكامخ فكان يمنع هشيما من الطلب، فكتب العلم حتى ناظر أبا شيبة القاضي وجالسه في الفقه، قال: فمرض هشيم، فجاء أبو شيبة يعوده، فمضى رجل إلى بشير فقال: الحق ابنك، فقد جاء القاضي يعوده فجاء فوجد القاضي في داره، فقال: متى أملت أنا هذا، قد كنت يا بني أمنعك، أما اليوم فلا بقيت أمنعك.\nمات سنة ثلاث وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال أبو سفيان: سألت هشيما عن التفسير: كيف صار فيه الاختلاف؟ قال: قالوا برأيهم، فاختلفوا.","vol":"3","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1100>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن علي بن عاصم قال: تكلم داود الجواربي في التشبيه، فاجتمع فيها أهل واسط، منهم محمد بن يزيد، وخالد الطحان وهشيم وغيرهم فأتوا الأمير وأخبروه بمقالته، فأجمعوا على سفك دمه، فمات في أيامه ولم يُصَل عليه علماء أهل واسط. (١)\n- جاء في السنة لعبد الله أن رجلا قال لهشيم: إن فلانا يقول: القرآن مخلوق، فقال: اذهب إليه فاقرأ عليه أول الحديد وآخر الحشر، فإن زعم أنهما مخلوقان فاضرب عنقه. قال: فذهبت إلى أبي هاشم الغساني فأخبرته بقول الرجل فقال مثل قول هشيم لم يزد ولم ينقص. (٢)\n\nمحمد بن السَّمَّاك (٣) (١٨٣ هـ)\nمحمد بن صَبِيح أبو العباس العجلي المعروف بابن السماك. روى عن: هشام بن عروة، والأعمش، ويزيد بن أبي زياد. حدث عنه: يحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن أيوب. وقال: كم من شيء إذا لم ينفع لم يضر، لكن العلم إذا لم ينفع، ضر. توفي ابن السماك سنة ثلاث وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في ذم الكلام عنه قال: الأخذ بالأصول وترك الفضول من أفعال\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٦ - ٥٨٧/ ٩٣٣).\n(٢) السنة لعبد الله (١٩).\n(٣) السير (٨/ ٣٢٨) والحلية (٨/ ٢٠٣) وميزان الاعتدال (٣/ ٥٨٤).","vol":"3","page":77},{"text":"ذوي العقول. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>موقفه من الرافضة:</span>\nعن أبي بشر هارون بن حاتم البزار الكوفي قال: سمعت محمد بن صبيح السماك يقول: علمت أن أصحاب موسى وأن النصارى لا يسبون أصحاب عيسى، فما بالك يا جاهل تسب أصحاب محمد؛ قد علمت من أين أتيت؟ لم يشغلك ذنبك، أما لو شغلك ذنبك لخفت ربك. لقد كان في ذنبك شغل عن المسيئين، ويحك فكيف لم يشغلك عن المحسنين؟ أما لو كنت من المحسنين لما تناولت المسيئين ورجوت لهم أرحم الراحمين ولكنك من المسيئين فمن ثم عبت الشهداء والصالحين.\nأيها العائب لأصحاب محمد - ﷺ -، لو نمت ليلك وأفطرت نهارك لكان خيرا لك من قيام ليلك وصيام نهارك مع سوء قولك في أصحاب نبيك. ويحك، فلا قيام ليل ولا صيام نهار وأنت تتناول الأخيار وأبشر بما ليس فيه البشرى إن لم تتب مما تسمع وترى.\nويحك، هؤلاء تشرفوا في بدر وهؤلاء تشرفوا في أحد إذ أن هؤلاء وهؤلاء جاء عن الله العفو عنهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ (٢) فما تقول فيمن عفا الله عنه؟ نحن نحتج لإبراهيم خليل الرحمن قال:\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٣٩)\n(٢) آل عمران الآية (١٥٥).","vol":"3","page":78},{"text":"﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فقد عرض للعاصي بالغفران. ولو قال: فإنك عزيز حكيم أو عذابك عذاب أليم كان قد عرض للانتقام. فبمن تحتج أنت يا جاهل إلا بالجاهلين لبئس الخلف، خلف يشتمون السلف. لواحد من السلف خير من ألف من الخلف. وهؤلاء جاء العفو عنهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. فما تقول فيمن عفا الله عنهم؟ فما تقول فيمن عفا الله عنهم؟ (٢)\n\nالبُهْلُول بن راشد (٣) (١٨٣ هـ)\nأبو عمرو الحَجْري الرعيني بالولاء، من العلماء الزهاد من أهل القيروان. ولد سنة ثمان وعشرين ومائة، سمع من مالك والليث والثوري ويونس بن يزيد وغيرهم، وسمع منه سحنون والقعنبي وعون بن يوسف وآخرون. قال القعنبي: هو وتد من أوتاد المغرب. وكان الإمام مالك ﵀ إذا رآه قال: هذا عابد بلده. وقال سحنون: كان رجلا صالحا، ولم يكن عنده من الفقه ما عند غيره. له كتاب في الفقه على مذهب الإمام مالك وقد يميل إلى أقوال الثوري. وقيل: إن أصحابه دونوا الكتاب عنه. وكان أمير\n_________\n(١) إبراهيم الآية (٣٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٤٧ - ١٥٤٨/ ٢٨١٩)\n(٣) الوافي بالوفيات (١٠/ ٣٠٩) وميزان الاعتدال (١/ ٣٥٥) ورياض النفوس (١/ ٢٠٠ - ٢١٤) وترتيب المدارك (١/ ١٨٨ - ١٩٤) ولسان الميزان (٢/ ٦٦ - ٦٧) والديباج المذهب (١/ ٣١٥ - ٣١٦) والأعلام (٢/ ٧٧).","vol":"3","page":79},{"text":"إفريقية في زمنه محمد بن مقاتل العكي يلاطف الطاغية (ملك الاسبانيول) فطلب الطاغية من الأمير أن يرسل إليه حديدا ونحاسا وسلاحا فعزم على ذلك، وعلم به البهلول، فعارض العكي ووعظه وألح عليه في أن يمتنع فبعث إليه العكي من قيده وجرده وضربه عشرين سوطا وحبسه، ثم أطلقه، فبقي أثر السياط في جسمه، ونغل، فكان ذلك سبب موته. توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>موقفه من المبتدعة:</span>\n- خرج البهلول بن راشد ذات يوم مع أصحابه، وقد غطى خنصره بكفه، فأقبل على رجل من أصحابه فأسر إليه كلاما دون سائر أهل المجلس، ثم انصرف الرجل، ثم عاد إليه فكلمه فيما بينه وبينه، فأزال البهلول كفه عن خنصره وجعل يقول: الحمد لله الذي لم يجعلني ممن ابتدع بدعة في الإسلام، ثم أقبل على الرجل فقال: حدث القوم بما كان بيني وبينك، فقال الرجل: أرسلني إلى عبد الله بن فروخ أسأله: هل كان أحد من السلف -إذا وصى بحاجة- ربط في خنصره خيطا؟ فتوجهت إلى عبد الله بن فروخ فسألته عن ذلك فقال: نعم، كان عبد الله بن عمر ﵄ يفعله، فقال البهلول عند ذلك: إن أهلي سألوني في قضاء حاجة فربطت في خنصري خيطا لأذكر حاجتهم، ثم خفت أن أكون ابتدعت بدعة في الإسلام. (١)\n- وقال سحنون: إنما اقتديت في ترك السلام على أهل الأهواء\n_________\n(١) المعالم (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧) وترتيب المدارك (١/ ١٩٢).","vol":"3","page":80},{"text":"والصلاة خلفهم بمُعلِّمي البهلول. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في رياض النفوس: أن ابن صخر كان من كبار المعتزلة في ذلك الزمان، فتوفي ابن صخر وحضر وقت وفاته عبد الله بن غانم الرعيني وابن فروخ والبهلول بن راشد، فقال الناس لابن غانم: الجنازة، فقال كل حي يموت، قدموا دابتي ولم يصل عليه، ثم قيل لابن فروخ: الجنازة، فقال: كل حي يموت ولم يصل عليه، ثم قيل للبهلول بن راشد: الجنازة. فقال مثل ذلك. (٢)\n\nالنضر بن محمد (٣) (١٨٣ هـ)\nالنَّضْر بن محمد القرشي العامري أبو عبد الله. روى عن: سليمان الأعمش، والعلاء بن المسيب، ومحمد بن المنكدر. وحدث عنه: أحمد بن إسحاق، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن سليمان المروزي. قال محمد بن سعد: كان مقدما عندهم في العلم والفقه والعقل والفضل، وكان صديقا لعبد الله بن المبارك.\nتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة.\n_________\n(١) رياض النفوس (١/ ٢٠٣).\n(٢) رياض النفوس (١/ ١٨٦) وترتيب المدارك (٣/ ١١١) بتصرف يسير.\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٧٣) وتهذيب الكمال (٢٩/ ٤٠٣) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٤٤) وثقات ابن حبان (٧/ ٥٣٥).","vol":"3","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1108>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عن محمد بن أعين قال: سأل رجل النضر بن محمد عن القرآن فقال النضر: من قال بأن هذه الآية: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني﴾ (١) مخلوقة فقد كفر. فلقيت عبد الله بن المبارك فأخبرته فقال: صدق أبو محمد عافاه الله، ما كان الله ليأمرنا أن نعبد مخلوقا. (٢)\n\nعبد الله بن مصعب (٣) (١٨٤ هـ)\nعبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير. روى عن: موسى بن عقبة، وأبي حازم، وهشام بن عروة. وحدث عنه: ابنه، وهشام بن يوسف. تولى إمرة اليمن والمدينة في زمن الرشيد. وكان وافر الجلالة، محمود الولاية. توفي سنة أربع وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال عبد الله بن مصعب:\nترى المرء يعجبه أن يقولا ... وأسلم للمرء أن لا يقولا\nفأمسك عليك فضول الكلام ... فإن لكل كلام فضولا\nولا تصحبن أخا بدعة ... ولا تسمعن له الدهر قيلا\n_________\n(١) طه الآية (١٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٢/٤٢٨) والإبانة (٢/ ١٢/٣٧/ ٢٢٩).\n(٣) السير (٨/ ٥١٧) والبداية والنهاية (١٠/ ١٩٢) وتاريخ بغداد (١٠/ ١٧٣).","vol":"3","page":82},{"text":"فإن مقالتهم كالظلا ... ل يوشك أفياؤها أن تزولا\nوقد أحكم الله آياته ... وكان الرسول عليها دليلا\nوأوضح للمسلمين السبيل ... فلا تتبعن سواها سبيلا\nأناس بهم ريبة في الصدور ... ويخفون في الجوف منها غليلا\nإذا أحدثوا بدعة في القرآن ... تعادوا عليها فكانوا عدولا\nفخلهم والتي يهضبون ... وولهم منك صمتا طويلا (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>موقف السلف من إبراهيم بن أبي يحيى القدري (١٨٤ ه</span>ـ)\nجاء في السير: عن يحيى القطان قال: سألت مالكا عن إبراهيم بن أبي يحيى: أثقة في الحديث؟ قال: لا، ولا في دينه.\nوقال أحمد بن حنبل، عن المعيطي، عن يحيى بن سعيد قال: كنا نتهمه بالكذب، يعني ابن أبي يحيى، ثم قال أحمد: قدري جهمي، كل بلاء فيه، تركوا حديثه، وأبوه ثقة.\nوروى عباس عن ابن معين قال: هو رافضي قدري. وقال مرة: كذاب. وقال أبو داود نحو ذلك.\nوقال البخاري: قدري جهمي، تركه ابن المبارك والناس.\nوقال مؤمل بن إسماعيل: سمعت يحيى القطان يقول: أشهد على إبراهيم\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (ص.٦٢) وهو في ذم الكلام (ص.٢٧٠).","vol":"3","page":83},{"text":"ابن أبي يحيى أنه يكذب.\nوقال العقيلي: حدثنا محمد بن أحمد بن النضر، حدثنا أبو بكر ابن عفان، قال: خرج علينا ابن عيينة، فقال: ألا فاحذروا ابن أبي رواد المرجئ، لا تجالسوه، واحذروا إبراهيم بن أبي يحيى، لا تجالسوه. (١)\n\nإبراهيم بن سعد (٢) (١٨٥ هـ)\nإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، الإمام، الحافظ، أبو إسحاق القرشي المدني. روى عن: أبيه، وصالح بن كيسان، وابن إسحاق، وصفوان بن سليم. وحدث عنه: شعبة، والليث، وأبو داود الطيالسي، وأحمد بن حنبل. كان ثقة صاحب حديث. توفي سنة خمس وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>موقفه من الجهمية:</span>\n- روى عبد الله بن أحمد في السنة بسنده عن إبراهيم بن سعد وسعيد ابن عبد الرحمن الجمحي ووهب ابن جرير وأبي النضر هاشم بن القاسم وسليمان بن حرب قالوا: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. (٣)\n- وفي الإبانة: قال المروذي: وأخبرنا من سمع يعقوب بن إبراهيم بن\n_________\n(١) السير (٨/ ٤٥١ - ٤٥٢).\n(٢) السير (٨/ ٣٠٤) وتاريخ بغداد (٦/ ٨١) وتهذيب الكمال (٢/ ٨٨) وتهذيب التهذيب (١/ ١٢١) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٨١ - ١٩٠/ص.٥٠ - ٥٣).\n(٣) السنة لعبد الله (٣٠) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨/ ٤١٦).","vol":"3","page":84},{"text":"سعد يقول: جاء سعيد بن عبد الرحمن الجمحي فسأل أبي عن رجل يقول: القرآن مخلوق، فقال: هذا كافر بالله، تضرب عنقه من هاهنا، وأشار بيده إلى عنقه. فقلت ليعقوب: أي شيء تقول أنت؟ فقال: أقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. (١)\n\nالمُعَافَى بن عِمْرَان (٢) (١٨٥ هـ)\nالإمام، القدوة، شيخ الإسلام، المعافى بن عمران بن نفيل بن جابر، أبو مسعود الأَزْدِي المَوْصِلي. ولد سنة نيف وعشرين ومائة. سمع من الثوري، والأوزاعي، وابن جريج، وروى عنه: عبد الله بن المبارك، وبقية بن الوليد، ووكيع ابن الجراح. قال عنه الثوري: المعافى بن عمران ياقوتة العلماء. وقال عنه أيضا: امتحنوا أهل الموصل بالمعافى. وقال الأوزاعي: لا أقدم على المعافى أحدا. وقال محمد ابن سعد: كان المعافى ثقة خيرا فاضلا صاحب سنة. توفي سنة خمس وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>موقفه من الرافضة:</span>\n- روى الخلال في السنة بسنده إلى بشر بن الحارث قال: سئل المعافى وأنا أسمع أو سألته: معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: كان معاوية\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٥٨/ ٢٥٩).\n(٢) السير (٩/ ٨٠) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٨٧) وتاريخ بغداد (١٣/ ٢٢٦) وتهذيب الكمال (٢٨/ ١٤٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٨١ - ١٩٠/ص.٤٠٢ - ٤٠٦).","vol":"3","page":85},{"text":"أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز. (١)\n- وروى اللالكائي بسنده إلى رباح بن الجراح الموصلي قال: سمعت رجلا سأل المعافى بن عمران فقال: يا أبا مسعود أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟ فغضب من ذلك غضبا شديدا وقال: لا يقاس بأصحاب رسول الله - ﷺ - أحد. معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله وقال - ﷺ -: \"دعوا لي أصحابي وأصهاري فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٢) \". (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة لعبد الله: عن علي بن مضاء قال: حدثنا هشام بن بهرام، سمعت المعافى يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. (٤)\n\nأبو إسحاق الفزاري (٥) (١٨٦ هـ)\nالحافظ المجاهد، إبراهيم بن محمد بن الحارث أبو إسحاق الفَزَارِي\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٣٥).\n(٢) الخطيب في تاريخ بغداد (١/ ٢٠٩) من حديث المعافى بن عمران، وفي إسناده رجل مجهول. ابن عساكر (٥٩/ ١٠٤) بلفظ: \"دعوا لي أصحابي وأصهاري\" من حديث وكيع عن فضيل بن مرزوق عن رجل من الأنصار عن أنس قال المناوي في فيض القدير (٣/ ٥٣٢): \"وفضيل إن كان هو الرقاشي فقد قال الذهبي: \"ضعفه ابن معين وغيره\" وإن كان الكوفي فقد ضعفه النسائي وغيره ... والرجل مجهول\".\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٣١/٢٧٨٥).\n(٤) السنة لعبد الله (٦٧) والسير (٩/ ٨٣).\n(٥) السير (٨/ ٥٣٩) وتهذيب الكمال (٢/ ١٦٧) وتهذيب التهذيب (١/ ١٥١) والوافي بالوفيات (٦/ ١٠٤) وطبقات ابن سعد (٧/ ٤٨٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٨١ - ١٩٠/ص.٥٤ - ٥٩).","vol":"3","page":86},{"text":"الكوفي. حدث عن: أبي إسحاق السبيعي، وكليب بن وائل، وعطاء بن السائب. روى عنه: الأوزاعي والثوري وابن المبارك. قال أبو حاتم: اتفق العلماء على أن أبا إسحاق الفزاري إمام يقتدى به بلا مدافعة. قال عبد الرحمن بن مهدي: الأوزاعي والفزاري إمامان في السنة. وقال ابن سعد: كان ثقة فاضلا صاحب سنة وغزو. وقال أبو داود الطيالسي: توفي أبو إسحاق وليس على وجه الأرض أحد أفضل منه. وعن سفيان بن عيينة، قال: والله ما رأيت أحدا أقدمه على أبي إسحاق الفزاري. توفي سنة ست وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: وقال أحمد العجلي: كان ثقة، صاحب سنة، صالحا، هو الذي أدب أهل الثغر، وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى. وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>موقفه من الجهمية:</span>\nعن علي بن مضا قال: سألت عبد الله بن المبارك بالمصيصة وهو في مجلس أبي إسحاق الفزاري ويحيى بن الصامت، وعبد الله يقرأ عليهم كتاب الأشربة، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله وليس بمخلوق فقلت لأبي إسحاق الفزاري: يقول مثل قول أبي عبد الرحمن؟ قال: نعم، القرآن كلام الله وليس بمخلوق. (٢)\n_________\n(١) السير (٨/ ٥٤٠ - ٥٤١).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/١٦/ ٢٠٢).","vol":"3","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1120>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال إبراهيم بن شماس: وسألت أبا إسحاق الفزاري عن الإيمان قول وعمل؟ قال: نعم. (١)\n- وعن معاوية بن عمرو قال: نا أبو إسحاق -يعني الفزاري- قال: يقولون: إن فرائض الله على عباده ليس من الإيمان، وإن الإيمان قد يطلب بلا عمل، وإن الناس لا يتفاضلون في إيمانهم، وإن برهم وفاجرهم في الإيمان سواء.\nوما هكذا جاء الحديث عن رسول الله - ﷺ - فإنه بلغنا أنه قال: \"الإيمان بضعة وسبعون -أو بضعة وستون- أولها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (٢) وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٣) والدين: هو: التصديق وهو الإيمان والعمل. فوصف الله ﷿ الدين قولا وعملا فقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٤). (٥)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٨١٢/١١٠٧) والسنة لعبد الله (٨٥).\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٤٤٥) والبخاري (١/ ٧١/٩) ومسلم (١/ ٦٣/٣٥) وأبو داود (٥/ ٥٥ - ٥٦/ ٤٦٧٦) والترمذي (٥/ ١٢/٢٦١٤) والنسائي (٨/ ٤٨٤/٥٠٢٠) وابن ماجه (١/ ٢٢/٥٧) كلهم من حديث أبي هريرة إلا أنه اختلف في لفظه فمنهم من يرويه بلفظ: بضع وستون ومنهم من يرويه بلفظ: بضع وسبعون ومنهم من يرويه على الشك.\n(٣) الشورى الآية (١٣).\n(٤) التوبة الآية (١١).\n(٥) أصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٥ - ٩٥٦/ ١٥٩١).","vol":"3","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1121>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في مجموع الفتاوى: وذكر عن أبي إسحاق الفزاري قال: قال الأوزاعي: أتاني رجلان فسألاني عن القدر فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما. قلت: رحمك الله أنت أولى بالجواب. قال: فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان فقال: تكلما، فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر، فنازعونا في القدر ونازعناهم فيه، حتى بلغ بنا وبهم إلى أن قلنا: إن الله جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ما حرم علينا، فقلت: يا هؤلاء إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثا، وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه فقال: أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق. (١)\n- وجاء في السير: قال أبو مسهر: قدم أبو إسحاق الفزاري دمشق، فاجتمع الناس ليسمعوا منه، فقال: اخرج إلى الناس، فقل لهم: من كان يرى القدر، فلا يحضر مجلسنا، ومن كان يرى رأي فلان، فلا يحضر مجلسنا، فخرجت، فأخبرتهم. (٢)\n\nخالد بن الحارث (٣) (١٨٦ هـ)\nالحافظ الحجة الإمام خالد بن الحارث أبو عثمان الهُجَيْمِي البصري.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٤).\n(٢) السير (٨/ ٥٤١).\n(٣) تهذيب الكمال (٨/ ٣٥ - ٣٩) وتاريخ ابن معين (٢/ ١٤٢ - ١٤٣) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٩١) وتاريخ خليفة (٤٥٧) والسير (٩/ ١٢٦ - ١٢٨) ومشاهير علماء الأمصار (١٦١) والجرح والتعديل (٣/ ٣٢٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٩) وشذرات الذهب (١/ ٣٠٩).","vol":"3","page":89},{"text":"روى عن هشام بن عروة، وحميد الطويل وأيوب، وأشعث بن عبد الملك وغيرهم. وحدث عنه: شعبة وهو من شيوخه ومسدد وأحمد بن حنبل وابن المديني، وعمرو بن علي وغيرهم. قال الذهبي: وكان من أوعية العلم، كثير التحري، مليح الإتقان، متين الديانة. قال يحيى القطان: ما رأيت أحدا خيرا من سفيان وخالد بن الحارث. وروى المروذي، عن أحمد قال: كان خالد بن الحارث يجيء بالحديث كما يسمع، وكان ابن مهدي يجيء بالحديث كما يسمع، وكان وكيع يجهد أن يجيء بالحديث كما يسمع، وكان ربما قال في الحرف أو الشيء يعني كذا. توفي رحمه الله تعالى سنة ست وثمانين ومائة، حضر جنازته معتمر وبشر بن المفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في ذم الكلام عنه قال: إياكم وأصحاب الجدال والخصومات، فإنهم شرار أهل القبلة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>موقفه من المرجئة:</span>\nعن إبراهيم بن دينار الكرخي قال: سمعت خالد بن الحارث يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (٢)\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٤١).\n(٢) السنة لعبد الله (٩٤).","vol":"3","page":90},{"text":"بشر بن المفضل (١) (١٨٦ هـ)\nبِشْر بن المُفَضَّل بن لاَحِق، الإمام الحافظ المجود أبو إسماعيل الرقاشي مولاهم البصري. روى عن أبيه، وحميد الطويل، ومحمد بن المنكدر، وعبد الله بن محمد بن عقيل وغيرهم. وروى عنه أبو الوليد، ومسدد، ويحيى بن يحيى وبشر ابن معاذ العقدي وغيرهم. قال فيه الإمام أحمد: إلى بشر المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال فيه ابن أبي داود: سمعت أبي يقول: ليس من العلماء أحد إلا وقد أخطأ في حديثه إلا بشر بن المفضل، وابن علية. توفي سنة ست وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1126>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السير: قال محمد بن عبد الرحيم عن علي بن المديني قال: كان بشر يصلي كل يوم أربعمائة ركعة ويصوم يوما ويفطر يوما، وذكر عنده إنسان من الجهمية فقال: لا تذكروا ذاك الكافر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>عباد بن العوام (١٨٦ ه</span>ـ)\nموقفه من الجهمية:\nجاء في السنة قال عبد الله: حدثني زياد بن أيوب دلويه: سمعت يحيى بن إسماعيل الواسطي يقول: سمعت عباد بن العوام يقول: كلمت بشرا المريسي\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٠) والسير (٩/ ٣٦ - ٣٩) وتاريخ ابن معين (٢/ ٥٩) والجرح والتعديل (٢/ ٣٦٦) وتهذيب الكمال (٤/ ١٤٧ - ١٥١) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٩ - ٣١٠).\n(٢) السير (٩/ ٣٧) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٥/٤٣٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣١٠).","vol":"3","page":91},{"text":"وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا: ليس في السماء شيء. (١)\n\nعيسى بن يونس (٢) (١٨٧ هـ)\nابن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، الإمام القدوة، الحافظ الحجة أبو عمرو وأبو محمد الهمداني السبيعي الكوفي المرابط بثغر الحدث أخو الحافظ إسرائيل. حدث عن أبيه وأخيه وسليمان التيمي، وهشام بن عروة وأبي حيان التيمي والجريري وغيرهم. وحدث عنه: حماد بن سلمة أحد شيوخه، والحكم بن موسى وبشر الحافي وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي وغيرهم. كان واسع العلم كثير الرحلة، وافر الجلالة. قال ابن راهويه: قلت لوكيع: إني أريد أن أذهب إلى عيسى بن يونس قال: تأتي رجلا قد قهر العلم. قال أحمد بن جناب: غزا عيسى بن يونس خمسا وأربعين غزوة وحج كذلك. وقيل إنه زار ابن عيينة فقال: مرحبا بالفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه. قال سمعت بشر بن الحارث يقول: كان عيسى بن يونس يعجبه خطي فكان يأخذ القرطاس، فيقرؤه علي، قال: كتبتُ من نسخة قوم شيئا ليس من حديثه، قال: كأنهم لما رأوا إكرامه لي، أدخلوا عليه في حديثه قال: فجعل يقرأ علي، ويضرب على تلك الأحاديث، فغمني ذلك، فقال: لا يغمك، لو كان واوا\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٩) والسنة للخلال (٥/ ١١٣) ومجموع الفتاوى (٥/ ٥٢).\n(٢) تاريخ بغداد (١١/ ١٥٢ - ١٥٦) ومشاهير علماء الأمصار (١٨٦) والسير (٨/ ٤٨٩ - ٤٩٤) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٦٢ - ٧٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٧٩ - ٢٨٢) وميزان الاعتدال (٣/ ٣٢٨).","vol":"3","page":92},{"text":"ما قدروا أن يدخلوه علي، أو قال لو كان واوا لعرفته. مات سنة سبع وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الإبانة عن أحمد بن جناب قال: سمعت عيسى بن يونس وسأله رجل عن الحور العين فغضب غضبا شديدا وقال: مالكم ومجالسة أصحاب الكلام والخصومات لقد شهدت من رجل -قد سماه- مجلسا، وألجأه قوم إلى الكلام إلى أن قال: ما خلق الله جنة ولا نارا، وددت أني ما شهدته. (١)\n- جاء في السنة عن حجاج أخي أبي الطيب قال: كنا مع عيسى بن يونس فسأله رجل عمن يقول القرآن مخلوق فقال كافر أو كفر، قال: فقيل له: تكفرهم بهذه الكلمة؟ قال: إن هذا من أيسر أو أحسن ما يظهرون. (٢)\n- وجاء في ذم الكلام: عنه قال: لا تجالسوا الجهمية، وبينوا للناس أمرهم كي يعرفوهم فيحذروهم. (٣)\n\" التعليق:\nوهكذا ينبغي أن يبين كل مبتدع ويحذر منه، وما أهلك أهل زماننا هذا إلا السكوت على المبتدعة، وعدم ذكرهم بأسمائهم، وتحذير الناس منهم باللسان والقلم وجميع الطرق التي تستعمل في البلاغ، أما هم فيستغلون كل\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٢١/ ٦١٨) وكذا في (١/ ٢/٤٠٣ - ٤٠٤/ ٣٠٦).\n(٢) السنة لعبد الله (٢٠).\n(٣) ذم الكلام (١٧٧).","vol":"3","page":93},{"text":"الفرص في نشر بدعهم، وهم قائمون على قدم وساق، وانظر إلى المدينة في أيام المولد النبوي، تشاهد ما تقشعر منه الجلود، فيجتمع أكثر دول العالم الإسلامي لإقامة هذه البدعة المشئومة في مدينة الرسول - ﷺ - في الفنادق والعمارات والمنازل حتى في البساتين. ويستمر ذلك مدة طويلة ويحضرها رؤوس الضلال كعلوي مالكي والكتاني وغيرهما وتنشد الأشعار ويتغنون كما يحلو لهم ويكفرون السلفيين ويكثرون من شتمهم، واتهامهم ببغض النبي - ﷺ -، ويتمنون متى يأتي وقت تعميم هذه البدعة على كل بيت وكل بلد، رد الله كيدهم في نحرهم.\n\n- وفي الإبانة: عن علي بن مضا قال: سألت عيسى بن يونس عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. (١)\n\nالفضيل بن عياض (٢) (١٨٧ هـ)\nالفُضَيْل بن عياض بن مسعود بن بشر، أبو علي الإمام القدوة الثبت شيخ الإسلام، الزاهد المشهور أحد العلماء الأعلام قال فيه ابن المبارك: ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض وكان إماما ربانيا كبير الشأن. وقال شريك: هو حجة لأهل زمانه. حدث عنه جمع من الأئمة مثل:\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/١٥/ ١٩٨).\n(٢) حلية الأولياء (٨/ ٨٤ - ١٤٠) والجرح والتعديل (٧/ ٧٣) والسير (٨/ ٤٢١ - ٤٤٢) ووفيات الأعيان (٤/ ٤٧ - ٥٠) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٢٨١ - ٣٠٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) وميزان الاعتدال (٣/ ٣٦٢) وشذرات الذهب (١/ ٣١٦ - ٣١٨) وطبقات ابن سعد (٥/ ٥٠٠).","vol":"3","page":94},{"text":"ابن المبارك، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن عيينة، وأسد السنة والشافعي وغيرهم. أورد الذهبي في سيره قصة توبته قال: قال أبو عمار الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، قال: كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١) فلما سمعها، قال: بلى يا رب، قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا. قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين هاهنا، يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام. قال الذهبي: وبكل حال: فالشرك أعظم من قطع الطريق، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأمة، فنواصي العباد بيد الله تعالى، وهو يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب. وقال عبد الصمد مردويه الصائغ قال لي ابن المبارك: إن الفضيل بن عياض صدق الله، فأجرى الحكمة على لسانه، فالفضيل ممن نفعه علمه.\nوقال فيض بن إسحاق: سمعت الفضيل بن عياض،\n_________\n(١) الحديد الآية (١٦).","vol":"3","page":95},{"text":"وسأله عبد الله بن مالك: يا أبا علي ما الخلاص مما نحن فيه؟ قال: أخبرني، من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟ قال: لا، قال: فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد؟ قال: لا، قال: هو الخلاص إن أردت. وكان ﵁ ورحمه يبذل النصح للأمراء.\nمن أقواله ﵁ ورحمه: قال: كفى بالله محبا، وبالقرآن مؤنسا، وبالموت واعظا، وبخشية الله علما، وبالاغترار جهلا. وقال: يا مسكين، أنت مسيء وترى أنك محسن، وأنت جاهل وترى أنك عالم، وتبخل وترى أنك كريم، وأحمق وترى أنك عاقل، أجلك قصير وأملك طويل. قال الذهبي معلقا: إي والله، صدق وأنت ظالم وترى أنك مظلوم، وآكل للحرام وترى أنك متورع، وفاسق وتعتقد أنك عدل، وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله. مات ﵀ سنة سبع وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام عنه قال: الحياة الطيبة الإسلام والسنة. (١)\n- وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الصمد بن يزيد قال سمعت الفضيل يقول: لأن آكل عند اليهودي والنصراني أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة، فإني إذا أكلت عندهما لا يقتدى بي وإذا أكلت عند صاحب بدعة اقتدى بي الناس. (٢)\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٣٧).\n(٢) الحلية (٨/ ١٠٣ - ١٠٤) وفي أصول الاعتقاد طرف منه (٤/ ٧٠٦/١١٤٩).","vol":"3","page":96},{"text":"- وفيها: أحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد. (١)\n- وفيها: عمل قليل في سنة خير من عمل صاحب بدعة. (٢)\n- وفيها: ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة. (٣)\n- وفيها: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذره. (٤)\n- وفيها: صاحب بدعة لا تأمنه على دينك ولا تشاوره في أمرك. ولا تجلس إليه، فمن جلس إليه ورثه الله ﷿ العمى .. (٥)\n- وفيها: وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له وإن قل عمله، فإني أرجو له؛ لأن صاحب السنة يعرض كل خير، وصاحب البدعة لا يرتفع له إلى الله عمل وإن كثر عمله. (٦)\n- وقال: إن لله ﷿ ملائكة يطلبون حلق الذكر فانظر مع من يكون مجلسك، لا يكون مع صاحب بدعة فإن الله تعالى لا ينظر إليهم، وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة. (٧)\n- وفيها: أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة وهم ينهون عن\n_________\n(١) الحلية (٨/ ١٠٣) والإبانة (٢/ ٣/٤٦٨/ ٤٧٠) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٦/١١٤٩).\n(٢) الحلية (٨/ ١٠٣) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٦/١١٤٩) وطبقات الحنابلة (٢/ ٤٢) والإبانة (٢/ ٣/٤٦٠/ ٤٣٩) وأورد الشاطبي بعضه في الاعتصام (١/ ١٢١).\n(٣) انظر الإحالة السابقة.\n(٤) الحلية (٨/ ١٠٣) وأصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٦/١١٤٩).\n(٥) الحلية (٨/ ١٠٣) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٦/٢٦٤) والإبانة (٢/ ٣/٤٥٩/ ٤٣٧).\n(٦) الحلية (٨/ ١٠٣ - ١٠٤) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٧/٢٧٢).\n(٧) الحلية (٨/ ١٠٣ - ١٠٤) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٦/٢٦٥) والإبانة (٢/ ٣/٤٦٠/ ٤٣٨.).","vol":"3","page":97},{"text":"أصحاب البدعة. (١)\n- قال: إن لله عبادا يحيي بهم العباد والبلاد، وهم أصحاب سنة، من كان يعقل ما يدخل جوفه من حله، كان في حزب الله تعالى. (٢)\n- وجاء عنه قال: اتبع طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين. (٣)\n- وجاء في الإبانة عنه قال: إذا رأيت مبتدعا في طريق فخذ في طريق آخر. (٤)\n- وجاء في ذم الكلام عنه قال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه. (٥)\n- وعنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا من النفاق. (٦)\n\" التعليق:\nما أحسن هذا وأصدقه على أهل عصرنا هذا!! والله المستعان.\n_________\n(١) الحلية (٨/ ١٠٣) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٦/٢٦٧).\n(٢) الحلية (٨/ ١٠٤) وأصول الاعتقاد (١/ ٧٢/٥١).\n(٣) الاعتصام (١/ ١١٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٥/ ٤٩٣) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٥/٢٥٩) وتلبيس إبليس (ص.٢٣) وطبقات الحنابلة (٢/ ٤٢).\n(٥) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٠/ ٤٤٠) وذم الكلام (ص.٢٢٠) وتلبيس إبليس (ص.٢٣) وطبقات الحنابلة (٢/ ٤٢).\n(٦) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٦/٢٦٦) والإبانة (٢/ ٣/٤٥٦/ ٤٢٩). والطرف الأخير منه في طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣).","vol":"3","page":98},{"text":"- جاء في ذم الكلام عنه قال: لا يشم مبتدع رائحة الجنة أو يتوب. (١)\n- وجاء في الإبانة وذم الكلام عنه قال: لا تجلس مع صاحب هوى فإني أخاف عليك مقت الله. (٢)\n- جاء في تلبيس إبليس عنه قال: من أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها. (٣)\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من أتاه رجل فشاوره فدله على مبتدع فقد غش الإسلام، واحذروا الدخول على أصحاب البدع فإنه يصد عن الحق. (٤)\n- جاء في السير عنه قال: ورأى قوما من أصحاب الحديث يمرحون ويضحكون فناداهم مهلا يا ورثة الأنبياء مهلا ثلاثا إنكم أئمة يقتدى بكم. (٥)\n- عن مردويه قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لا تجادلوا أهل الخصومات فإنهم يخوضون في آيات الله. (٦)\n- وعنه قال: سمعت الفضيل يقول: لا تجلس مع صاحب بدعة فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة. (٧)\n- وعنه قال: سمعت الفضيل يقول: طوبى لمن مات على الإسلام\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٣٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٢/ ٤٥١) وذم الكلام (ص.٢٣٧) وطبقات الحنابلة (٢/ ٤٣).\n(٣) تلبيس إبليس (ص.٢٣ - ٢٤) وطرفه الأخير في أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٩/١٣٥٨) وطبقات الحنابلة (٢/ ٤٣).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٥/٢٦١).\n(٥) السير (٨/ ٤٣٥).\n(٦) أصول الاعتقاد (١/ ١٤٦/٢٢٣).\n(٧) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٥/٢٦٢) والإبانة (٢/ ٣/٤٦٠/ ٤٤١).","vol":"3","page":99},{"text":"والسنة، فإذا كان كذلك فليكثر من قول ما شاء الله. (١)\n- وعنه قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: المؤمن يقف عند الشبهة، ومن دخل على صاحب بدعة فليست له حرمة وإذا أحب الله عبدا وفقه لعمل صالح، فتقربوا إلى الله بحب المساكين. (٢)\n- وعنه قال: علامة البلاء أن يكون الرجل صاحب بدعة. (٣)\n- جاء في الإبانة: عن إبراهيم بن نصر قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كيف بك إذا بقيت إلى زمان شاهدت فيه ناسا لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين المؤمن والكافر، ولا بين الأمين والخائن، ولا بين الجاهل والعالم، ولا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا. (٤)\n\" التعليق:\nقال ابن بطة ﵀: فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإنا قد بلغنا ذلك وسمعناه وعلمنا أكثره وشاهدناه، فلو أن رجلا ممن وهب الله له عقلا صحيحا وبصرا نافذا فأمعن نظره وردد فكره وتأمل أمر الإسلام وأهله وسلك بأهله الطريق الأقصد والسبيل الأرشد، لتبين له أن الأكثر والأعم الأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم وارتدوا على أدبارهم، فحادوا عن المحجة وانقلبوا عن صحيح الحجة، ولقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، ويستحلون ما كانوا يحرمون، ويعرفون ما كانوا\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٦/٢٦٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٥٩/٢٨٢).\n(٣) شعب الإيمان (٩٤٧٣).\n(٤) الإبانة (١/ ١/١٨٨/ ٢٤).","vol":"3","page":100},{"text":"ينكرون، وما هذه رحمكم الله أخلاق المسلمين ولا أفعال من كانوا على بصيرة في هذا الدين ولا من أهل الإيمان به واليقين.\n\n- وجاء فيها أيضا: بكى فضيل فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يكون الله منكم بريئا، إني أسمع الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (١). فأخاف أن لا يكون الله منا في شيء، قال أبو هريرة: نزلت هذه الآية في هذه الأمة. (٢)\n- قال الفضيل: ليس للمؤمن أن يقعد مع كل من شاء لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٣). اهـ (٤)\n- وفي الإبانة عن عبد الصمد بن يزيد الصايغ قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: الزموا في آخر الزمان الصوامع، يعني البيوت، فإنه ليس ينجو من شر ذلك الزمان إلا صفوته من خلقه. قال: وسمعت الفضيل يقول:\nحتى متى لا نرى عدلا نسر به ... ولا نرى لدعاة الحق أعوانا\nقال: ثم بكى الفضيل وقال: اللهم أصلح الراعي والرعية. (٥)\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٩).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٣٠٣ - ٣٠٤/ ١٤١).\n(٣) الأنعام الآية (٦٨).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٤٨١/ ٥١٦).\n(٥) الإبانة (٢/ ٤/٥٩٥/ ٧٦١).","vol":"3","page":101},{"text":"- وجاء في ذم الكلام عن محمد بن الفضل بن سلمة قال: قلما جلسنا إلى فضيل إلا أتانا بهاتين الكلمتين: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا ولا يقبله إلا على السنة. (١)\n- وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان، أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢). قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣). (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في الشريعة: عن عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل بن\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.١٢٥).\n(٢) هود الآية (٧).\n(٣) الكهف الآية (١١٠).\n(٤) مجموع الفتاوى (١/ ٣٣٣).","vol":"3","page":102},{"text":"عياض يقول: حب أصحاب محمد - ﷺ - ذخر أدخره. ثم قال: رحم الله من ترحم على أصحاب محمد - ﷺ - وإنما يحسن هذا كله بحب أصحاب محمد - ﷺ -. قال: وسمعت فضيلا يقول: قال ابن المبارك: خصلتان من كانتا فيه؛ الصدق وحب أصحاب محمد - ﷺ - أرجو أن ينجو ويسلم. (١)\n- وجاء في السنة للخلال: قال محمد بن زنبور: قال الفضيل: أوثق عملي في نفسي حب أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح وحبي أصحاب محمد ﵇ جميعا، وكان يترحم على معاوية ويقول: كان من العلماء من أصحاب محمد ﵇. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في خلق أفعال العباد للبخاري عنه قال: إذا قال لك جهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء. (٣)\n- وروى اللالكائي في أصول الاعتقاد بسنده إلى العطاف بن قيس قال: سألت الفضيل بن عياض عن القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق. (٤)\n- وفي الإبانة قال المروذي: حدثنا محمد بن العباس -صاحب الشامة-، قال: حدثني إسحاق بن إسماعيل عن أحمد بن يونس قال: سمعت الفضيل\n_________\n(١) الشريعة (٢/ ٤٢٢/١٢٢٤).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٤٣٨).\n(٣) خلق أفعال العباد (١٧) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٠١ - ٥٠٢/ ٧٧٥) ودرء التعارض (٢/ ٢٤).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٦٥/٣٩٢).","vol":"3","page":103},{"text":"بن عياض يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. (١)\n- وفي مجموع الفتاوى قال الفضيل بن عياض: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢)\nفلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن إبراهيم بن شماس: وسئل الفضيل بن عياض وأنا أسمع عن الإيمان فقال: الإيمان عندنا داخله وخارجه الإقرار باللسان والقبول بالقلب والعمل به. (٤)\n- وعن إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعت الفضيل يقول: الإيمان: المعرفة بالقلب والإقرار باللسان والتفضيل بالعمل قال وسمعت الفضيل يقول: أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل. ويقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل. (٥)\n- وقال فضيل: المرجئة كلما سمعوا حديثا فيه تخويف قالوا: هذا تهديد، وإن المؤمن يخاف تهديد الله وتحذيره وتخويفه ووعيده، ويرجو وعده،\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٥٩ - ٦٠/ ٢٦٤).\n(٢) سورة الإخلاص.\n(٣) الفتاوى (٥/ ٦٢).\n(٤) السنة لعبد الله (٨٥) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣٣/١٧٤٧).\n(٥) السنة لعبد الله (٩٩).","vol":"3","page":104},{"text":"وإن المنافق لا يخاف تهديد الله ولا تحذيره ولا تخويفه ولا وعيده ولا يرجو وعده.\nوقال فضيل: الأعمال تحبط الأعمال، والأعمال تحول دون الأعمال. (١)\n- وقال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي أخبرت أن الفضيل بن عياض قرأ أول الأنفال حتى بلغ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢) قال حين فرغ: إن هذه الآية تخبرك أن الإيمان قول وعمل وأن المؤمن إذا كان مؤمنا حقا فهو من أهل الجنة. فمن لم يشهد أن المؤمن حقا من أهل الجنة فهو شاك في كتاب الله مكذب أو جاهل لا يعلم. فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن حقا مستكمل الإيمان ولا يستكمل الإيمان إلا بالعمل ولا يستكمل عبد الإيمان ولا يكون مؤمنا حقا حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه، يا سفيه ما أجهلك لا ترضى أن تقول: أنا مؤمن حتى تقول: أنا مؤمن حقا مستكمل الإيمان، والله لا تكون مؤمنا حقا مستكمل الإيمان حتى تؤدي ما افترض الله عليك، وتجتنب ما حرم الله عليك، وترضى بما قسم الله لك، ثم تخاف مع هذا أن لا يقبل الله منك. ووصف فضيل الإيمان بأنه قول وعمل. وقرأ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١١٤).\n(٢) الأنفال الآيات (١ - ٤).","vol":"3","page":105},{"text":"حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١). فقد سمى الله دينا قيمة بالقول والعمل. فالقول الإقرار بالتوحيد والشهادة للنبي بالبلاغ. والعمل أداء الفرائض واجتناب المحارم. وقرأ ِ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٢) وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٣) فالدين التصديق بالعمل كما وصفه الله وكما أمر أنبياءه ورسله بإقامته، والتفريق فيه ترك العمل والتفريق بين القول والعمل. قال الله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٤) فالتوبة من الشرك جعلها الله قولا وعملا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وقال أصحاب الرأي: ليس الصلاة ولا الزكاة ولا شيء من الفرائض من الإيمان افتراء على الله وخلافا لكتابه وسنة نبيه. ولو كان القول كما يقولون لم يقاتل أبو بكر أهل الردة.\n- وقال فضيل: يقول أهل البدع: الإيمان الإقرار بلا عمل، والإيمان\n_________\n(١) البينة الآية (٥).\n(٢) مريم الآيتان (٥٤و٥٥) ..\n(٣) الشورى الآية (١٣).\n(٤) التوبة الآية (١١).","vol":"3","page":106},{"text":"واحد، وإنما يتفاضل الناس بالأعمال ولا يتفاضلون بالإيمان. فمن قال ذلك فقد خالف الأثر ورد على رسول الله - ﷺ - قوله، لأن رسول الله - ﷺ - قال: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (١) وتفسير من يقول: الإيمان لا يتفاضل يقول: إن فرائض الله ليس من الإيمان. فميز أهل البدع العمل من الإيمان. وقالوا: إن فرائض الله ليس من الإيمان، ومن قال ذاك فقد أعظم الفرية، أخاف أن يكون جاحدا للفرائض رَادًّا على الله أمره. ويقول أهل السنة: إن الله قرن العمل بالإيمان وإن فرائض الله من الإيمان قالوا ﴿والذين آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) فهذا موصول العمل بالإيمان.\nويقول أهل الإرجاء: لا، ولكنه مقطوع غير موصول.\nوقال أهل السنة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٣) فهذا موصول، وأهل الإرجاء يقولون: بل هو مقطوع.\nوقال أهل السنة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٤) فهذا موصول، وكل شيء في القرآن من أشباه هذا فأهل السنة يقولون: هو موصول مجتمع، وأهل الإرجاء يقولون: بل هو مقطوع متفرق.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف إبراهيم بن محمد الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٢) البقرة الآية (٨٢).\n(٣) النساء الآية (١٢٤).\n(٤) الإسراء الآية (١٩).","vol":"3","page":107},{"text":"ولو كان الأمر كما يقولون لكان من عصى وارتكب المعاصي والمحارم لم يكن عليه سبيل، فكان إقراره يكفيه من العمل، فما أسوأ هذا من قول وأقبحه فإنا لله وإنا إليه راجعون.\n- وقال فضيل: أصل الإيمان عندنا وفرعه بعد الشهادة والتوحيد والشهادة للنبي بالبلاغ وبعد أداء الفرائض صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وترك الخيانة، ووفاء بالعهد، وصلة الرحم، والنصيحة لجميع المسلمين والرحمة للناس عامة. قيل له -يعني فضيلا- هذا من رأيك تقوله أو سمعته قال: بل سمعناه وتعلمناه ولو لم آخذه من أهل الفقه والفضل لم أتكلم به.\n- وقال فضيل: يقول أهل الإرجاء الإيمان قول بلا عمل، ويقول الجهمية الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل. فمن قال: الإيمان قول وعمل فقد أخذ بالتوثيقة. ومن قال: الإيمان قول بلا عمل فقد خاطر، لأنه لا يدري أيقبل إقراره أو يرد عليه بذنوبه. وقال -يعني فضيلا- قد بينت لك إلا أن تكون أعمى.\n- وقال فضيل: لو قال رجل مؤمن أنت؟ ما كلمته ما عشت، وقال: إذا قلت آمنت بالله فهو يجزيك من أن تقول أنا مؤمن، وإذا قلت: أنا مؤمن لا يجزيك من أن تقول آمنت بالله، لأن آمنت بالله أمر، قال الله: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (١) الآية وقولك أنا مؤمن تكلف لا يضرك أن لا تقوله، ولا بأس\n_________\n(١) البقرة الآية (١٣٦).","vol":"3","page":108},{"text":"إن قلته على وجه الإقرار، وأكرهه على وجه التزكية. (١)\n\nمعتمر بن سليمان (٢) (١٨٧ هـ)\nمعتمر بن سليمان بن طَرْخَان الإمام الحافظ القدوة، أبو محمد بن الإمام أبي المعتمر التيمي البصري وهو من موالي بني مرة، ونسب إلى تيم لنزوله فيهم هو وأبوه. حدث عن: أبيه، ومنصور بن المعتمر، وأيوب وحميد وغيرهم وحدث عنه ابن المبارك وعبد الرزاق والقعنبي، والأصمعي ويحيى بن يحيى وغيرهم. كان من كبار العلماء. قال معاذ بن معاذ: سمعت قرة بن خالد يقول: ما معتمر عندنا بدون سليمان التيمي.\nمات سنة سبع وثمانين ومائة بالبصرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة بالسند إلى فطر بن حماد بن أبي عمر الصفار قال: سألت معتمر بن سليمان، فقلت: يا أبا محمد، إمام لقوم يقول القرآن مخلوق أصلي خلفه؟ قال ينبغي أن تضرب عنقه. (٣)\n- وجاء في الإبانة: عن فطر بن حماد قال: سألت المعتمر وحماد بن زيد عن من قال: القرآن مخلوق، فقالا: كافر. (٤)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١١١ - ١١٤).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٠) وتاريخ خليفة (٤٥٨) والجرح والتعديل (٨/ ٤٠٢ - ٤٠٣) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٢٥٠ - ٢٥٦) والسير (٨/ ٤٧٧ - ٤٧٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\n(٣) السنة لعبد الله (١٥ - ١٦).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٢/٥٨/ ٢٦٠).","vol":"3","page":109},{"text":"- وفيها: قال يحيى بن إسحاق بن توبة العنبري: سألت معتمر بن سليمان عن من قال: كلام الناس ليس بمخلوق، قال: هذا كفر. (١)\n\nجرير بن عبد الحميد (٢) (١٨٨ هـ)\nابن قُرْط الضَّبِّي، أبو عبد الله الرازي، القاضي ولد بأيَّة قرية من قرى أصبهان، ونشأ بالكوفة، ونزل قرية على باب الري، يقال لها: رين. روى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، وأسلم المنقري وإسماعيل بن أبي خالد وأشعث بن سوار وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن شماس وإبراهيم بن موسى الفراء وإبراهيم بن هاشم بن مشكان وغيرهم.\nقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير العلم، يرحل إليه. وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: حجة، كانت كتبه صحاحا وإن لم يكن، كنت إذا نظرت إليه في بزته ما كنت ترى أنه محدث، ولكنه كان إذا حدث ... أي كان يشبه العلماء.\nوقال محمد بن عمر زنيج: سمعت جريرا قال: رأيت ابن أبي نجيح ولم أكتب عنه شيئا، ورأيت جابرا الجعفي، ولم أكتب عنه شيئا، ورأيت ابن جريج ولم أكتب عنه شيئا فقال رجل: ضيعت يا أبا عبد الله فقال: لا. أما\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٥٣ - ٣٥٤/ ١٦٣).\n(٢) تهذيب الكمال (٤/ ٥٤٠ - ٥٥١) وتقريب التهذيب (١/ ١٢٧) والوافي بالوفيات (١١/ ٧٧) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٨١) وتاريخ بغداد (٧/ ٢٥٣ - ٢٦١) والجرح والتعديل (٢/ ٥٠٥ - ٥٠٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٧١ - ٢٧٢) وميزان الاعتدال (١/ ٩٤ و٣/ ٣٩٦) وشذرات الذهب (١/ ٣١٩) وسير أعلام النبلاء (٩/ ٩ - ١٨).","vol":"3","page":110},{"text":"جابر، فإنه كان يؤمن بالرجعة، وأما ابن أبي نجيح فكان يرى القدر، وأما ابن جريج فإنه أوصى بنيه بستين امرأة وقال: لا تزوجوا بهن فإنهن أمهاتكم، وكان يرى المتعة.\nتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن يحيى بن المغيرة قال: كنا عند جرير بن عبد الحميد فذكر له حديث بن سابط: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (١) قال: الزيادة النظر إلى وجه الله، قال: فحضره رجل فأنكره، فصاح به وأخرجه من مجلسه. (٢)\n- وروى ابن أبي حاتم في الرد على الجهمية عنه قال: كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن إبراهيم بن شماس قال: سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: الإيمان قول وعمل والإيمان يزيد وينقص فقيل له: كيف تقول أنت؟ قال: أقول أنا مؤمن إن شاء الله. (٤)\n_________\n(١) يونس الآية (٢٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٩/٨٨٠).\n(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٠٤) ومجموع الفتاوى (٥/ ١٨٤).\n(٤) الإبانة (٢/ ٦/٨١١/ ١١٠٣) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣٢ - ١٠٣٣/ ١٧٤٧) والسنة لعبد الله (٨٤ - ٨٥) والسنة للخلال (٤/ ٥٧/١١٦٣) والشريعة (١/ ٢٨٩/٢٨٦ بنحوه).","vol":"3","page":111},{"text":"- وعن يحيى بن المغيرة قال: قرأت كتاب حماد بن زيد إلى جرير بن عبد الحميد: بلغني أنك تقول في الإيمان بالزيادة، وأهل الكوفة يقولون بغير ذلك، اثبت على رأيك ثبتك الله. (١)\n- عن جرير قال: سمعت منصور بن المعتمر والمغيرة بن مقسم والأعمش وليث بن أبي سليم وعمارة بن القعقاع وابن شبرمة والعلاء بن المسيب وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وحمزة بن حبيب الزيات ويزيد بن أبي زياد وسفيان الثوري وابن المبارك ومن أدركت: يستثنون في الإيمان ويعيبون على من لا يستثني. (٢)\n- وعن علي بن بحر قال: سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون على من لا يستثني. (٣)\n\nمحمد بن الحسن الشيباني (٤) (١٨٩ هـ)\nابن فَرْقَد، العلامة، فقيه العراق، أبو عبد الله الشَّيْبَاني الكوفي، صاحب أبي حنيفة. أخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، وتمم الفقه على القاضي أبي يوسف. وروى عن: أبي حنيفة، ومسعر، ومالك بن مغول، والأوزاعي، ومالك بن أنس. وأخذ عنه الشافعي، فأكثر جدا، وأبو عبيد، وهشام بن\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣٢/١٧٤٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٠ - ١٠٥١/ ١٧٨٥) والشريعة (١/ ٣٠٠/٣١٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥١/١٧٨٦).\n(٤) الجرح والتعديل (٧/ ٢٢٧) والسير (٩/ ١٣٤) وتاريخ بغداد (٢/ ١٧٦ - ١٨٢) ووفيات الأعيان (٤/ ١٨٤ - ١٨٥) وميزان الاعتدال (٣/ ٥١٣) ولسان الميزان (٥/ ١٢١ - ١٢٢) وشذرات الذهب (١/ ٣٢١ - ٣٢٤).","vol":"3","page":112},{"text":"عبيد الله وأحمد بن حفص فقيه بخارى، وعمرو بن أبي عمرو الحراني، وعلي ابن مسلم الطوسي وآخرون. كان الشافعي يقول: كتبت عنه وِقر بُخْتِيٍّ وما ناظرت سمينا أذكى منه. ولو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت لفصاحته. قال الذهبي: ولي القضاء للرشيد بعد القاضي أبي يوسف وكان مع تبحره في الفقه يضرب بذكائه المثل. قال الشافعي قال محمد بن الحسن: أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسرا، وسمعت من لفظه سبع مائة حديث. مات رحمه الله تعالى سنة تسع وثمانين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1141>موقفه من الجهمية:</span>\n- وجاء في نقض المنطق: قال شيخ الإسلام: وثبت عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال: اتفق الفقهاء كلهم من الشرق والغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله - ﷺ - في صفة الرب ﷿ من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي - ﷺ -، وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة. (١)\nقال ابن تيمية: قوله: من غير تفسير: أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من\n_________\n(١) نقض المنطق (٣ - ٤) وأصول الاعتقاد (٣/ ٤٨٠/٧٤٠) واجتماع الجيوش (٢٠٦).","vol":"3","page":113},{"text":"الإثبات. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: والله لا أصلي خلف من يقول القرآن مخلوق، ولا أستفتى في ذلك إلا أمرت بالإعادة. (٢)\n- وجاء فيه أيضا: قال الحسن بن حماد: سأل رجل محمد بن الحسن عن القرآن مخلوق هو؟ فقال القرآن كلام الله وليس من الله شيء مخلوق. (٣)\n\nعتاب بن بشير (٤) (١٩٠ هـ)\nعَتَّاب بن بَشِير الجَزَرِي أبو الحسن الحَرَّاني. روى عن: إسحاق بن راشد الجزري، وثابت بن عجلان الأنصاري، وخصيف بن عبد الرحمن الجزري. وروى عنه: إسحاق بن راهويه، وحجاج بن إبراهيم الأزرق، وروح بن عبادة. توفي سنة تسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة لعبد الله: عن علي بن مضاء قال: سألت عتاب بن بشير عن القرآن فقال: سألت خصيفا عن القرآن فقال: القرآن كلام الله وليس بمخلوق قلت: وأي شيء تقول أنت؟ قال: أقول كما قال، يعني عتابا. (٥)\n_________\n(١) الفتاوى (٥/ ٥٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٦/٥١٩).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٨/٤٧٤).\n(٤) تهذيب الكمال (١٩/ ٢٨٦ - ٢٨٩) وميزان الاعتدال (٣/ ٢٧) وطبقات ابن سعد (٧/ ٤٨٥) وتهذيب التهذيب (٧/ ٩٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٨١ - ١٩٠/ص.٢٨٩ - ٢٩٠).\n(٥) السنة لعبد الله (٦٧).","vol":"3","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1144>موقف السلف من يحيى بن خالد البرمكي المبتدع الباطني الخبيث (١٩٠ ه</span>ـ)\nجاء في الاعتصام: قال ابن العربي: أول من اتخذ البخور في المسجد بنوا برمك يحيى بن خالد، ومحمد بن خالد -ملكهما الوالي أمر الدين فكان محمد ابن خالد حاجبا ويحيى وزيرا، ثم ابنه جعفر بن يحيى- قال: وكانوا باطنية يعتقدون آراء الفلاسفة، فأحيوا المجوسية، واتخذوا البخور في المساجد وإنما تطيب بالخلوق، فزادوا التجمير ويعمرونها بالنار. (١)\n\" التعليق:\nهذه الأسرة الخبيثة التي اندست على العباسيين كغيرها من المجوس الذين تسربوا، واندسوا على المسلمين بأسماء مختلفة، وقصد الجميع هو الكيد للإسلام من أصله وكم استغل هذه الأسرة الخبيثة في الترويج لها والإشادة بها أناس لا خلاق لهم، ولا دين، وإن شئت فارجع إلى كتب الأدب والفكر تجد ما يسوء المسلم المخلص، وما هذه الحيلة التي يريدون بها نشر مجوسيتهم بطريق ذكي. يظهرون للناس أنهم يطيبون المساجد، والواقع إحياء المجوسية في أعظم مقدسات المسلمين، ألا وهي المساجد حتى تشبه بمعابدهم المجوسية. وهكذا كل كافر ومبتدع وباطني خبيث يأتي بحيلة يروج بها ضلاله لأنه لو أتى بضلاله الواضح لكشفه الناس.\n_________\n(١) الاعتصام (٢/ ٥٩٩ - ٦٠٠).","vol":"3","page":115},{"text":"محمد بن يزيد الواسطي (١) (١٩١ هـ)\nالإمام الزاهد الحافظ المجود، أبو سعيد، وقيل أبو إسحاق الواسطي الخولاني مولاهم. حدث عن أيوب أبي العلاء القصاب، وإسماعيل بن أبي خالد والعوام بن حوشب وغيرهم. وحدث عنه أحمد وإسحاق، ويحيى وسريج بن يونس وغيرهم.\nقال أحمد بن حنبل: كان ثبتا في الحديث. قال وكيع: إن كان أحد من الأبدال فهو محمد بن يزيد الواسطي. قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول: ما كان بمحمد بن يزيد الواسطي بأس. كتبه صحاح، وأصله شامي، ومحمد بن يزيد أثبت من إسحاق الأزرق، الأزرق كثير الخطأ عن سفيان وكان الأزرق حافظا إلا أنه كان يخطئ.\nتوفي سنة إحدى وتسعين ومائة. وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: علمه كلامه وكلامه منه وهو غير مخلوق. (٢)\n_________\n(١) السير (٩/ ٣٠٢ - ٣٠٣) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٣٠ - ٣٤) وشذرات الذهب (١/ ٣٢٠) والعلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٤ - ٣٥) وتهذيب التهذيب (٩/ ٥٢٧ - ٥٢٨) وشذرات الذهب (١/ ٣٢٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٨/٤٤٢) والسنة لعبد الله (٣٣).","vol":"3","page":116},{"text":"عبد الرحمن بن القاسم (١) (١٩١ هـ)\nعبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادَة، عالم الديار المصرية ومفتيها، أبو عبد الله العُتَقِيّ مولاهم المصري صاحب مالك الإمام. روى عن مالك، وعبد الرحمن بن شريح، ونافع بن أبي نعيم المقرئ وبكر بن مضر، وطائفة قليلة. وعنه أصبغ والحارث بن مسكين وسحنون، وعيسى بن مثرود ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وآخرون.\nكان ذا مال ودنيا، فأنفقها في العلم، وقيل: كان يمتنع من جوائز السلطان، وله قدم في الورع والتأله. وعن مالك: أنه ذكر عنده ابن القاسم، فقال: عافاه الله، مثله كمثل جراب مملوء مسكا. قال الحارث بن مسكين: كان ابن القاسم في الورع والزهد شيئا عجيبا، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: كان خيرا فاضلا ممن تفقه على مذهب مالك وفَرَّعَ على أصوله وذب عنها ونصر من انتحلها، قال الخليلي: زاهد متفق عليه، أول من حمل الموطأ إلى مصر وهو إمام. قال عن نفسه: خرجت إلى الحجاز اثنتي عشرة مرة أنفقت في كل مرة ألف دينار.\nتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن ابن القاسم أنه قال في أهل الأهواء مثل القدرية والإباضية وما\n_________\n(١) السير (٩/ ١٢٠ - ١٢٥) وترتيب المدارك (١/ ٢٥٠ - ٢٥٩) وتهذيب الكمال (١٧/ ٣٤٥ - ٣٤٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٥٦ - ٣٥٧) والديباج المذهب (١/ ٤٦٥ - ٤٦٩) ووفيات الأعيان (٣/ ١٢٩ - ١٣٠) وشذرات الذهب (١/ ٣٢٩).","vol":"3","page":117},{"text":"أشبههم من أهل الإسلام ممن هو على غير ما عليه جماعة المسلمين من البدع والتحريف بكتاب الله وتأويله على غير تأويله: فإن أولئك يستتابون أظهروا ذلك أم أسروه فإن تابوا وإلا ضربت رقابهم لتحريفهم كتاب الله، وخلافهم جماعة المسلمين والتابعين لرسول الله - ﷺ - ولأصحابه، وبهذا عملت أئمة الهدى. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في أصول السنة لابن أبي زمنين: العتبي عن عيسى عن ابن القاسم قال: ومن سب أحدا من الأنبياء والرسل من المسلمين قتل ولم يستتب وهو بمنزلة الزنديق الذي لا يعرف له توبة، فلذلك لا يستتاب لأنه يتوب بلسانه ويراجع ذلك في سريرته فلا تعرف منه توبة، وهو بمنزلة من سب رسول الله - ﷺ -؛ لأن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣).اهـ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>موقفه من الجهمية:</span>\n- له رسالة جيدة سماها السنة نقل منها الإمام ابن القيم نموذجا نذكره حتى\n_________\n(١) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص.٣٠٨).\n(٢) النساء الآية (١٥٢).\n(٣) البقرة الآية (١٣٧).\n(٤) أصول السنة (٣٠٩).","vol":"3","page":118},{"text":"يكون كالشاهد، قال ﵀: والإيمان بأن الله كلم موسى بن عمران بصوت سمعه موسى من الله تعالى، لا من غيره فمن قال غير هذا أوشَكَّ فقد كفر. (١)\n- وروى ابن أبي زمنين بسنده إلى عيسى بن دينار عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن، ولا يشبه يديه بشيء ولا وجهه بشيء، ولكن يقول له يدان كما وصف نفسه في القرآن وله وجه كما وصف نفسه، يقف عندما وصف به نفسه في الكتاب، فإنه ﵎ لا مثل له ولا شبيه، ولكن هو الله لا إله إلا هو كما وصف نفسه، ويداه مبسوطتان كما وصفهما: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢) كما وصف نفسه. (٣)\n\nعبد الله بن إدريس (٤) (١٩٢ هـ)\nعبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْدِي من مذحج، ويكنى أبا محمد. ولد سنة خمس عشرة ومائة. حدث عن أبيه وحصين بن عبد الرحمن وسهيل بن أبي صالح وخلق. وحدث عنه: مالك وهو من مشايخه\n_________\n(١) مختصر الصواعق (٢/ ٥٠٣).\n(٢) الزمر الآية (٦٧).\n(٣) رياض الجنة (٧٥).\n(٤) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٨٩) والثقات لابن حبان (٧/ ٥٩ - ٦٠) وتاريخ بغداد (٩/ ٤١٥ - ٤٢١) وتهذيب الكمال (١٤/ ٢٩٣ - ٣٠٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٨٢ - ٢٨٤) والسير (٩/ ٤٢ - ٤٨).","vol":"3","page":119},{"text":"وابن المبارك ويحيى بن آدم بن حنبل وخلق كثير. كان عابدا فاضلا من عباد الله الصالحين ومن الزهاد. قال أبو حاتم الرازي: هو إمام من أئمة المسلمين، حجة. وكان من جِلة المقرئين. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث حجة صاحب سنة وجماعة. وقال ابن حبان: كان صلبا في السنة. أقدمه الرشيد بغداد ليوليه قضاء الكوفة فامتنع.\nتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السنة للخلال: قال عبد الله بن إدريس: لو أن الروم سبوا من المسلمين من الروم إلى الحيلة ثم ردهم رجل في قلبه شيء على أصحاب محمد - ﷺ - ما قبل الله منه ذلك. (١)\n- وجاء في الصارم المسلول: قال عبد الله بن إدريس من أعيان أئمة الكوفة: ليس لرافضي شفعة إلا لمسلم. (٢)\n- وفيه قال: ما آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار يعني الرافضة لأن الله تعالى يقول: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ (٣).اهـ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه السنة: حدثني الفضل بن\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٧٨).\n(٢) الصارم (ص.٥٧٢).\n(٣) الفتح الآية (٢٩).\n(٤) الصارم (ص.٥٨٢).","vol":"3","page":120},{"text":"الصباح السمسار، وسألت أبي عنه فقال: أعرفه، ليس به بأس، قال: كنت عند عبد الله بن إدريس، فسأله بعض أصحاب الحديث ممن كان معنا فقال: ما تقول في الجهمية، يصلى خلفهم؟ قال فضل: ثم اشتغلت أكلم إنسانا بشيء فلم أفهم ما رد عليه ابن إدريس، فقلت للذي سأله: ما قال لك؟ فقال: قال لي: أمسلمون هؤلاء، أمسلمون هؤلاء؟ لا ولا كرامة، لا يصلى خلفهم، قلت لفضل بن الصباح: سمعتَه يقول هذا لابن إدريس وأنت حاضر؟ قال: نعم سمعتُه. (١)\n- جاء في أصول الاعتقاد عن يحيى بن يوسف أبي زكريا قال: قدمنا مكة قال: فقال لي رفيق لي: هل لك في عبد الله بن إدريس تأتيه فتسلم عليه؟ فقلت نعم. فمضينا إليه فقال له رفيقي: يا أبا محمد إن قبلنا أناسا يقولون: القرآن مخلوق. فقال: من اليهود؟ فقال: لا. قال: فمن النصارى؟ فقال: لا. قال: فمن المجوس؟ قال: لا. قال: فمن هم؟ قال: من الموحدين. قال: كذبوا ليس هؤلاء من الموحدين، هؤلاء زنادقة، فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق ومن زعم أن الله مخلوق فقد كفر، هؤلاء زنادقة. (٢)\n- وفيه عن يحيى بن خلف المقري قال: كنت عند مالك بن أنس سنة ثمان وستين فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ قال: كافر زنديق اقتلوه. قال: إنما أحكي كلاما سمعته. قال: لم\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.١٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٣/٤٣٢) والسنة لعبد الله (١٤) والشريعة (١/ ٢١٨/١٧٣) وخلق أفعال العباد (٨) والإبانة (٢/ ١٢/٦٩/ ٢٨٩).","vol":"3","page":121},{"text":"أسمعه من أحد إنما سمعته منك. قال أبو محمد: فغلظ ذلك علي ... فلقيت عبد الله بن إدريس وأبا أسامة وعبدة بن سليمان الكلابي ويحيى بن زكريا ووكيعا فحكيت لهم. فقالوا: كافر. (١)\n- جاء في السنة لعبد الله عن مقاتل: سألت عبد الله بن إدريس عن الصلاة خلف الجهمية فقال: أَوَ مؤمنون هم؟ (٢)\n- وفيها: عن الزمي قال وقرأ ابن إدريس بِسْمِ ﴿اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾ فقال: الله مخلوق؟ والرحمن مخلوق؟ والرحيم مخلوق؟ هؤلاء زنادقة. (٣)\n- وفيها: عن ابن إدريس قال: القرآن كلام الله ومن الله وما كان من الله فليس بمخلوق. (٤)\n- وفيها عن محمد بن عيسى الطباع، سمعت ابن إدريس سئل عن قوم يقولون: القرآن مخلوق، فاستشنع ذلك، وقال: سبحان الله شيء منه مخلوق وأشار بيده إلى فيه. (٥)\n- وفي الفتاوى الكبرى: قال البخاري وسئل عبد الله بن إدريس عن الصلاة خلف أهل البدع فقال: لم يزل في الناس إذا كان فيهم مرضي أو\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٧/ ٤١٢).\n(٢) السنة لعبد الله (١٣ - ١٤).\n(٣) السنة لعبد الله (١٤) والشريعة (١/ ٢١٨/١٧٣).\n(٤) السنة لعبد الله (٣٣).\n(٥) السنة لعبد الله (١٤).","vol":"3","page":122},{"text":"عدل فصل خلفه، فقلت: فالجهمية؟ قال: لا، هذه من المقاتل، هؤلاء لا يصلى خلفهم ولا يناكحون وعليهم التوبة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1154>موقفه من المرجئة:</span>\nعن عثمان بن محمد بن أبي شيبة قال: سألت ابن إدريس وجريرا ووكيعا فقالوا: الإيمان يزيد وينقص. (٢)\n\nإسماعيل بن عُلَيَّة (٣) (١٩٣ هـ)\nإسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، الإمام، العلامة، الحافظ، الثبت أبو بِشْر الأسدي، مولاهم البصري الكوفي الأصل، المشهور بابن عُلَيَّة، وهي أمه. سمع أبا بكر محمد بن المنكدر التيمي، وأبا بكر أيوب بن أبي تميمة، ويونس بن عبيد وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، وشعبة وهو من شيوخه وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل وغيرهم.\nوكان فقيها، إماما، مفتيا، من أئمة الحديث. وقال يونس بن بكير: سمعت شعبة يقول: إسماعيل بن علية سيد المحدثين، وقال فيه أيضا: ابن علية ريحانة الفقهاء. وعن عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: فاتني مالك فأخلف الله علي سفيان بن عيينة وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله علي إسماعيل بن علية،\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٨٠ - ٨١).\n(٢) السنة لعبد الله (٩٤).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٢٥ - ٣٢٦) والسير (٩/ ١٠٧ - ١٢٠) ومشاهير علماء الأمصار (١٦١) وتاريخ بغداد (٦/ ٢٢٩ - ٢٤٠) وتهذيب الكمال (٣/ ٢٣ - ٣٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وميزان الاعتدال (١/ ٢١٦ - ٢٢٠) وشذرات الذهب (١/ ٣٣٣).","vol":"3","page":123},{"text":"كان حماد بن زيد لا يفرق من مخالفة وهيب والثقفي، ويفرق من إسماعيل إذا خالفه. ولي إسماعيل القضاء، وقد نقم عليه بعض المحدثين إجابته في المحنة. قال الإمام الذهبي: إمامة إسماعيل وثيقة لا نزاع فيها، وقد بدت منه هفوة وتاب، فكان ماذا؟ إني أخاف الله، لا يكون ذكرنا له من الغيبة.\nتوفي سنة ثلاث وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة عن ابن علية قال: من قال القرآن مخلوق فهو مبتدع. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: قال علي فتى هشيم لإسماعيل بن علية: نحب أن نسمع منك ما نؤديه إلى الناس في أمر القرآن فقال: القرآن كلام الله وليس من الله شيء مخلوق، ومن قال إن شيئا من الله مخلوق فقد كفر وأنا أستغفر الله مما كان مني في المجلس. (٢)\n- جاء في السير: وقد قال عبد الصمد بن يزيد مردويه: سمعت إسماعيل ابن علية يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. (٣)\n- وفي السنة لعبد الله: عن إسماعيل بن علية قال: أنا أحتج عليهم يعني الجهمية بقوله ﷿: ﴿فَلَمَّا تجلى ربه لِلْجَبَلِ﴾ (٤) لا يكون تجل إلا لشيء حدث. (٥)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٢٠ - ٢١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥/ ٤٣٥) والفتاوى الكبرى (٥/ ٧٦).\n(٣) السير (٩/ ١١٨).\n(٤) الأعراف الآية (١٤٣).\n(٥) السنة لعبد الله (٦٧).","vol":"3","page":124},{"text":"- وفيها عنه أيضا: ﴿لا تدركه الْأَبْصَارُ﴾ (١) قال: هذا في الدنيا. (٢)\n\nهارون الرشيد (٣) (١٩٣ هـ)\nالخليفة أبو جعفر هارون بن المهدي. روى عن أبيه وجده، ومبارك بن فضالة. روى عنه: ابنه المأمون وغيره. كان من أنبل الخلفاء، وأحشم الملوك، ذا حج وجهاد وغزو وشجاعة ورأي. وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص. قال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة، فمر هارون، فقال الفضيل: الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعز علي منه، لو مات لرأيت أمورا عظاما. قال فيه بعضهم:\nفمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحَرَميْن أو أقصى الثغور\nففي أرض العدو على طمر ... وفي أرض الترفه فوق طور\nوما حاز الثغور سواك خلق ... من المتخلفين على الأمور\nتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وتسعين ومائة. وله من العمر خمس وأربعون سنة.\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٠٣).\n(٢) السنة لعبد الله (٦٧).\n(٣) تاريخ خليفة (٤٦٠) والمعرفة والتاريخ (١/ ١٨٢) والسير (٩/ ٢٨٦ - ٢٩٥) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٢١ - ٢٣٢) والكامل في التاريخ (٦/ ٢١١ - ٢٢١) وتاريخ الطبري (٨/ ٣٤٢ - ٣٦٤) وتاريخ بغداد (١٤/ ٥ - ١٣) وشذرات الذهب (١/ ٣٣٤ - ٣٣٩).","vol":"3","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1158>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في شرف أصحاب الحديث بالسند إلى أبي عبد الله محمد بن العباس المصري يقول: سمعت هارون الرشيد يقول: طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث. (١)\n- روى أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف عن عمرو بن محمد أنه قال: كان أبو معاوية الضرير يحدث هارون الرشيد، فحدثه بحديث أبي هريرة ﵁ احتج آدم وموسى (٢) فقال عيسى بن جعفر: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟ قال: فوثب به هارون وقال: يحدثك عن الرسول - ﷺ - وتعارضه بكيف؟ قال: فما زال يقول حتى سكن عنه. (٣)\nقال أبو عثمان ﵀ عقبه: هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله ﵌، ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد ﵀ مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف؟ على طريق الإنكار والاستبعاد له، ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (ص.٥٥).\n(٢) أحمد (٢/ ٢٨٧،٣١٤) والبخاري (١١/ ٦١٨/٦٦١٤) ومسلم (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٣/ ٢٦٥٢) وأبو داود (٥/ ٧٦ - ٧٧/ ٤٧٠١) والترمذي (٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧/ ٢١٣٦) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٥/ ١٠٩٨٥ - ١٠٩٨٦) وابن ماجه (١/ ٣١ - ٣٢/ ٨٠).\n(٣) عقيدة السلف (٣١٩ - ٣٢٠).","vol":"3","page":126},{"text":"يرد من الرسول ﵌.\nجعلنا الله سبحانه من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويتمسكون في دنياهم مدة محياهم بالكتاب والسنة، وجنبنا الأهواء المضلة، والآراء المضمحلة، والأسواء المذلة، فضلا منه ومنة. (١)\n- جاء في البداية والنهاية: وقد استدعى إليه أبا معاوية الضرير محمد ابن خازم ليسمع منه الحديث قال أبو معاوية: ما ذكرت عنده حديثا إلا قال صلى الله وسلم على سيدي، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى، وأكلت عنده يوما ثم قمت لأغسل يدي فصب الماء علي، وأنا لا أراه، ثم قال يا أبا معاوية أتدري من يصب عليك الماء؟ قلت: لا، قال: يصب عليك أمير المؤمنين، قال أبو معاوية: فدعوت له، فقال: إنما أردت تعظيم العلم. وحدثه أبو معاوية يوما عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى (٢). فقال عم الرشيد أين التقيا يا أبا معاوية؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبا شديدا وقال: أتعترض على الحديث؟ علي بالنطع والسيف، فأحضر ذلك فقام الناس إليه يشفعون فيه فقال الرشيد: هذه زندقة، ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا. فأقسم عمه بالأيمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة\n_________\n(١) عقيدة السلف (٣٢١).\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٨٧و٣١٤) والبخاري (١١/ ٦١٨/٦٦١٤) ومسلم (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٣/ ٢٦٥٢) وأبو داود (٥/ ٧٦ - ٧٨/ ٤٧٠١) والترمذي (٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧/ ٢١٣٤) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٥/ ١٠٩٨٥ - ١٠٩٨٦) وابن ماجه (١/ ٣١ - ٣٢/ ٨٠).","vol":"3","page":127},{"text":"بادرة مني وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها فأطلقه. (١)\n\" التعليق:\nهل فيه أغير من هذا على رسول الله - ﷺ - وعلى عقيدة السلف الصالح، التي من شرطها التصديق بكل ما أخبر به الرسول - ﷺ -، سواء فهم المراد منه أو لم يفهم؛ فلا اعتبار للقرابة ولا للعمومة عند انتهاك العقيدة. يا ليت المسلمين يغارون بعضا من هذا على عقيدتهم ودينهم من هذه العظائم التي ترتكب في عصرنا وإلى الله المشتكى؛ فالسنة جعلها من ينسب نفسه إلى الإصلاح قشورا وجزئيات، والاشتغال بذلك يعتبر مضيعة للوقت، ودراسة العقيدة السلفية لا تمكن صاحبها من الوقوف أمام التحديات، يكتب هذا وينشر ويدرس من قوم يدعون أنهم من أكبر الباحثين في السنة، والواقع أن لا علم عندهم، وغاية ما يتجملون به من المعرفة من فتات موائد المستشرقين الحاقدين المتربصين (٢). والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في هامش الاعتصام لمعلقه محمد رشيد رضا ما لفظه: قال بعض المؤرخين إن البرامكة زينوا للرشيد وضع المجامر في الكعبة المشرفة ليأنس المسلمون بوضع النار في أعظم معابدهم، والنار معبود المجوس، والظاهر أن\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٠/ ٢٢٣ - ٢٢٤) وذم الكلام (ص.٢٤٤) والسير مختصرا (٩/ ٢٨٨).\n(٢) انظر مزيدا من التفصيل في مواقف العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى سنة (١٣٧٧هـ) تحت عنوان \"التحذير من المستشرقين\".","vol":"3","page":128},{"text":"البرامكة كانوا من رؤساء جمعيات المجوس السرية التي تحاول هدم الإسلام وسلطة العرب وإعادة الملك للمجوس وإنما فتك بهم هارون الرشيد لأنه وقف على دخائلهم. (١)\n- جاء في البداية والنهاية: وفيها -أي سنة اثنتين وتسعين ومائة- خرجت الخُرَّمية بالجبل وبلاد أذربيجان، فوجه الرشيد إليهم عبد الله بن مالك ابن الهيثم الخزاعي في عشرة آلاف فارس فقتل منهم خلقا وأسر وسبى ذراريهم وقدم بهم بغداد فأمر له الرشيد بقتل الرجال منهم وبالذرية فبيعوا فيها وكان غزاهم قبل ذلك خزيمة بن خازم. (٢)\n- جاء في السير: وفي سنة سبع -أي بعد الثمانين والمائة- قتل الرشيد جعفر بن يحيى البرمكي، وسجن أباه وأقاربه، بعد أن كانوا قد بلغوا رتبة لا مزيد عليها. وفيها انتقض الصلح مع الروم، وملكوا عليهم نقفور، فيقال: إنه من ذرية جفنة الغساني، وبعث يتهدد الرشيد، فاستشاط غضبا، وسار في جيوشه حتى نازله هرقلة، وذلت الروم، وكانت غزوة مشهودة. (٣)\n- وجاء فيها أيضا: ويروى أن هارون الرشيد أخذ زنديقا ليقتله، فقال الرجل: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ قال: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك يتخللانها، فيخرجانها حرفا حرفا. (٤)\n_________\n(١) الاعتصام (٢/ ١٠٤).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٢١٤ - ٢١٥).\n(٣) السير (٩/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(٤) السير (٨/ ٥٤٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٧٣).","vol":"3","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1160>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في البداية والنهاية: قال بعض أهل العلم: يا أمير المؤمنين انظر هؤلاء الذين يحبون أبا بكر وعمر ويقدمونهما فأكرمهم بعز سلطانك فقال الرشيد: أو لست كذلك؟ أنا والله كذلك أحبهما وأحب من يحبهما وأعاقب من يبغضهما. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى علي بن المديني قال: سمعت معاذ ابن معاذ حين قدم من عند هارون في القدمة التي كان أجازه فيها هارون، فسمعته يقول: قال لي أمير المؤمنين: إني والله ما بعثت إليك بموجدة وجدتها عليك ولكن لم أزل أحب رؤيتك ومعرفتك. ثم قال: ما قوم رددت شهادتهم؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين قدرية ومعتزلة قال: فقال: أصبت وفقك الله. (٢)\n\" التعليق:\nأمير المؤمنين هارون الرشيد له مواقف مشرفة مع المبتدعة على اختلاف أنواعهم وأشكالهم ولم يكن يعرف غير السيف معهم. ولذا أكثر ما يرويه أصحاب كتب الأدب من حَطٍّ على هارون، فهو من اختراع الزنادقة والمبتدعة والشيعة الروافض، فلا يلتفت إليه، فهارون كان ذا علم ودين وعبادة يعرف ذلك من درس سيرته في الكتب المعتمدة.\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٠/ ٢٢٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٠/١٣٦١).","vol":"3","page":130},{"text":"- جاء في طبقات الحنابلة: قال عبد الله بن أحمد حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني محمد بن نوح المضروب عن المسعودي القاضي قال: سمعت هارون أمير المؤمنين يقول بلغني أن بشرا المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله علي إن أظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد قط. (١)\n- وجاء في البداية والنهاية: وقال بعضهم: دخلت على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول. فقال الرشيد: قتلته لأنه قال: القرآن مخلوق فقتلته على ذلك قربة إلى الله ﷿. (٢)\n- جاء في السير: وكان يحب العلماء، ويعظم حرمات الدين، ويبغض الجدال والكلام، ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه، لا سيما إذا وعظ. (٣)\n- وفي الإبانة: عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي طاهر الأزدي قال: سمعت أبي قال لي حسين الخادم المعروف ب (الكبير): جاءني رسول الرشيد ليلا، فلبست سيفي ودخلت إليه، فإذا به على كرسي مغضبا وإذا شيخ في نطع، فقال لي: يا حسين اضرب عنقه، قال: فسللت سيفي فضربت عنقه. قال: فتغير من ذاك وجهي، لأني لم أعرف قصته، قال: فرفع الرشيد رأسه إلي فقال لي: لا تكره ما فعلت يا حسين، فإن هذا كان يقول: القرآن مخلوق. (٤)\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ٢١) والسنة لعبد الله (١٩) والسنة للخلال (٥/ ١١٢ - ١١٣).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٢٢٤).\n(٣) السير (٩/ ٢٨٧).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٣/٧٩ - ٨٠/ ٣٠٦).","vol":"3","page":131},{"text":"شُجَاع بن أبي نَصْر (١) (١٩٣ هـ)\nالخراساني البلخي أبو نعيم المقرئ. روى عن أبي الأشهب جعفر بن حيان العطاردي، وسليمان الأعمش وصالح المري وغيرهم. وروى عنه الحسن بن عرفة وأبو عمر حفص بن عمر الدوري المقرئ وسريج بن يونس وغيرهم. قال أبو عبيد: حدثنا شجاع بن أبي نصر وكان صدوقا مأمونا. توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة: قال: حدثني محمد بن إسحاق الصغاني حدثني يحيى بن أيوب، سمعت أبا نعيم البلخي شجاع بن أبي نصر سمعت رجلا من أصحاب جهم كان يقول بقوله، كان خاصا به، ثم تركه، وجعل يهتف بكفره قال: رأيت جهما يوما افتتح: «طه» فلما أتى على هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ على العرش استوى﴾ (٢) قال: لو وجدت السبيل إلى حكها لحككتها، ثم قرأ حتى أتى على آية أخرى، فقال: ما كان أظرف محمدا حين قالها، ثم افتتح سورة القصص، فلما أتى على ذكر موسى، جمع يديه ورجليه ثم دفع المصحف ثم قال: أي شيء هذا ذكره هاهنا فلم يتم ذكره، وذكره فلم يتم ذكره. (٣)\n_________\n(١) تهذيب الكمال (١٢/ ٣٨١ - ٣٨٢) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣١٣) وتقريب التهذيب (١/ ٣٤٧) الثقات لابن حبان (٨/ ٣١٣) الجرح والتعديل (٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(٢) طه الآية (٥).\n(٣) السنة لعبد الله (٣٧) والإبانة (٢/ ١٣/٩٢/ ٣٢٢) وخلق أفعال العباد (٢٠/ ٥٥) ومختصر العلو (١٦٢ - ١٦٣) ورواه ابن بطة أيضا بلفظ أطول (٢/ ١٣/٩٢ - ٩٣/ ٣٢٣).","vol":"3","page":132},{"text":"عبد الله بن أبي جعفر الرازي (١) (١٩٣ هـ)\nعبد الله بن أبي جعفر عيسى بن مَاهَان الرَّازي، روى عن أبيه وابن جريج وعكرمة بن عمار وشعبة وأبي سنان سعيد بن سنان الشيباني وأيوب ابن عتبة اليمامي وأبي شيبة وغيرهم وعنه ابنه محمد وعيسى بن سوادة النخعي وهو أكبر منه وأحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدستكي وغيرهم. قال عبد العزيز بن سلام سمعت بن مهران يقول سمعت عبد الله بن أبي جعفر يقول: طابق من لحم أحب إلي من فلان. وقال ابن عدي: بعض حديثه مما لا يتابع عليه. قال ابن حجر: صدوق يخطئ، من التاسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>موقفه من الجهمية:</span>\nروى عبد الرحمن بن أبي حاتم كما في اجتماع الجيوش الإسلامية بالسند إلى صالح بن الضريس: جعل عبد الله بن أبي جعفر الرازي يضرب قرابة له بالنعل على رأسه، يرى رأي جهم ويقول: لا، حتى يقول الرحمن على العرش استوى بائن من خلقه. (٢)\n\nمروان بن معاوية الفزاري (٣) (١٩٣ هـ)\nمروان بن معاوية الفَزَارِي أبو عبد الله الكوفي سكن مكة ثم دمشق.\n_________\n(١) الميزان (٢/ ٤٠٤) وتقريب التهذيب (١/ ٣٠٧) وتهذيب التهذيب (٥/ ١٧٦) وتهذيب الكمال (١٤/ ٣٨٥ - ٣٨٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٨١ - ١٩٠/ص.٢٠٥ - ٢٠٦).\n(٢) اجتماع الجيوش (٢٠٥) ودرء التعارض (٦/ ٢٦٥).\n(٣) السير (٩/ ٥١) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٤٠٣) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٩٦) وتاريخ بغداد (١٣/ ١٤٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٩١ - ٢٠٠/ص.٣٨٦ - ٣٨٨) وشذرات الذهب (١/ ٣٣٣).","vol":"3","page":133},{"text":"روى عن: إبراهيم بن يزيد الخوزي، وإسماعيل بن أبي خالد، وبهز بن حكيم. وروى عنه: أحمد ابن حنبل، وأحمد بن منيع، وإسحاق بن راهويه. قال عنه أحمد بن حنبل: ثبت حافظ. وكان جوالا في طلب الحديث. توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن يحيى بن أيوب قال: سمعت مروان الفزاري وذكر جهما، فقال: قبح الله جهما، حدثني ابن عم لي أنه شك في الله أربعين صباحا. (١)\n- وعن يحيى بن أيوب قال: كنا يوما عند مروان بن معاوية الفزاري فسأله رجل عن حديث الرؤية فلم يحدثه به، قال: إن لم تحدثني به فأنت جهمي. فقال مروان: أتقول لي جهمي، وجهم مكث أربعين ليلة لا يعرف ربه. (٢)\n\nزياد بن عبد الرحمن شَبَطُون (٣) (١٩٣ هـ)\nالفقيه الإمام زياد بن عبد الرحمن بن زياد، أبو عبد الله اللخمي الأندلسي، صاحب مالك، والمعروف بشَبَطُون. سمع من معاوية بن صالح\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/٩٣/ ٣٢٤) والسنة لعبد الله (٤١) والسنة للخلال (٥/ ٨٧) والفتاوى الكبرى (٥/ ٤١).\n(٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٤١).\n(٣) ترتيب المدارك (١/ ٢٠٠ - ٢٠٣) والسير (٩/ ٣١١ - ٣١٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٩١ - ٢٠٠/ص.١٧٧ - ١٧٨) والوافي بالوفيات (١٥/ ١٦ - ١٧) والديباج المذهب (١/ ٣٧٠) وشجرة النور الزكية (١/ ٦٣).","vol":"3","page":134},{"text":"القاضي -وتزوج بابنته- ومن مالك والليث ويحيى بن أيوب وسليمان بن بلال. وتفقه عليه يحيى بن يحيى الليثي.\nكان أول من أدخل مذهب الإمام مالك إلى الأندلس، وقبل ذلك كانوا يتفقهون للأوزاعي وغيره. وكان أحد النساك الورعين، أراده هشام صاحب الأندلس على القضاء فأبى وهرب. قال الذهبي: وكان إماما، عالما، ناسكا، مهيبا، كبير الشأن. توفي ﵀ سنة ثلاث وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: قال عبد الملك بن حبيب: كنا عند زياد إذ جاءه كتاب من بعض الملوك، فكتب فيه، وختمه، ثم قال لنا زياد: إنه سأل عن كفتي الميزان، أمن ذهب أم من فضة؟ فكتبت إليه: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (١). (٢)\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٤/ ٤٨٣/٢٣١٧) وابن ماجه (٢/ ١٣١٥ - ١٣١٦/ ٣٩٧٦) وابن حبان (١/ ٤٦٦/٢٢٩) من طريق قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. قال الترمذي: \"حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه\". وقرة قال الحافظ في التقريب: \"صدوق له مناكير\". وله شواهد منها ما رواه: أحمد (١/ ٢٠١) ومالك (فتح البر٢/ ٣٧٥) والبخاري في التاريخ (٤/ ٢٢٠) والترمذي (٤/ ٤٨٤/٢٣١٨) عن علي بن حسين مرسلا والطبراني في الكبير (٣/ ١٣٨/٢٨٨٦) والأوسط (٩/ ١٨٤/٨٣٩٧) عن علي بن الحسين عن أبيه مرفوعا والصغير (٢/ ٣٨٠/١٠٥٢) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٨): \"رواه أحمد والطبراني في الثلاثة ورجال أحمد والكبير ثقات\". وقال البخاري: \"ولا يصح إلا عن علي بن حسين عن النبي - ﷺ - \". وقال الترمذي: \"وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة\". وبنحو كلامهما قال أحمد ويحيى بن معين والدارقطني كما ذكر ابن رجب في الجامع (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨). وأخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ٣٢١/٨٦٧) عن زيد بن ثابت وقال الهيثمي (٨/ ١٨): \"فيه محمد بن كثير بن مروان وهو ضعيف\". وعزاه السيوطي في الجامع الصغير للحاكم في الكنى من حديث أبي بكر والشيرازي من حديث أبي ذر والحاكم في تاريخه عن علي بن أبي طالب وابن عساكر عن الحارث بن هشام ورمز للحديث بالصحة وحسنه النووي في الأربعين. ولعل بهذه الشواهد يرتقي الحديث إلى مرتبة الحسن.\n(٢) السير (٩/ ٣١٢).","vol":"3","page":135},{"text":"أبو بكر بن عَيَّاش (١) (١٩٤ هـ)\nابن سالم الأسدي، مولاهم الكوفي الحَنَّاط المقرئ الفقيه المحدث شيخ الإسلام، وبقية الأعلام مولى واصل، قيل اسمه شعبة وقيل محمد وقيل اسمه كنيته. قرأ القرآن، وجوده ثلاث مرات على عاصم بن أبي النجود وغيره. وحدث عن عاصم، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير وغيرهم. وحدث عنه ابن المبارك والكسائي، ووكيع وأبو داود وأحمد بن حنبل وغيرهم. قال ابن المبارك: ما رأيت أحدا أسرع إلى السنة من أبي بكر بن عياش. قال يعقوب بن شيبة الحافظ: كان أبو بكر معروفا بالصلاح البارع وكان له فقه وعلم الأخبار، وفي حديثه اضطراب. وقال يزيد بن هارون: كان أبو بكر بن عياش خيرا فاضلا، لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة. قال سفيان بن عيينة: قال لي أبو بكر بن عياش: رأيت الدنيا في النوم عجوزا مشوهة. وعن أبي بكر بن عياش قال: أدنى نفع السكوت السلامة، وكفى بها عافية. وأدنى ضرر المنطق الشهرة وكفى بها بلية. توفي رحمه الله تعالى سنة أربع وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن زكريا بن يحيى قال: سمعت أبا بكر بن عياش قال له رجل: يا أبا بكر: من السني؟ قال: الذي إذا ذكرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها. (٢)\n_________\n(١) تاريخ ابن معين (٢/ ٦٩٦) وتاريخ خليفة (٤٦٦) وتهذيب الكمال (٣٣/ ١٢٩ - ١٣٥) والسير (٨/ ٤٩٥ - ٥٠٨) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦) وميزان الاعتدال (٤/ ٤٦٩) والحلية (٨/ ٣٠٣ - ٣١٣) وشذرات الذهب (١/ ٣٣٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ٧٢ - ٧٣/ ٥٣) والشريعة (٣/ ٥٨١/٢١١٢) وانظر الاعتصام (١/ ١١٤) والاستقامة (١/ ٢٥٥).","vol":"3","page":136},{"text":"- عن ابن المبارك قال: ما رأيت أحدا أشرح للسنة من أبي بكر بن عياش. (١)\n- جاء في مجموع الفتاوى: قيل لأبي بكر بن عياش: إن بالمسجد قوما يجلسون ويجلس إليهم، فقال: من جلس للناس، جلس الناس إليه. ولكن أهل السنة يموتون، ويحيى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم؛ لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول - ﷺ - فكان لهم نصيب من قوله: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ (٢)، وأهل البدعة شنؤوا ما جاء به الرسول - ﷺ -، فكان لهم نصيب من قوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾. (٣)\n\" التعليق:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالحذر الحذر أيها الرجل من أن تكره شيئا مما جاء به الرسول - ﷺ -، أو ترده لأجل هواك، أو انتصارا لمذهبك، أو لشيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات، أو بالدنيا، فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا طاعة رسوله، والأخذ بما جاء به، بحيث لو خالف العبد جميع الخلق، واتبع الرسول ما سأله الله عن مخالفة أحد فإن من يطيع أو يطاع إنما يطاع تبعا للرسول، وإلا لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع. فاعلم ذلك واسمع، وأطع واتبع، ولا تبتدع تكن أبتر مردودا عليك عملك، بل لا\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٧٣/٥٥).\n(٢) الشرح الآية (٤).\n(٣) الكوثر الآية (٣).","vol":"3","page":137},{"text":"خير في عمل أبتر من الاتباع ولا خير في عامله والله أعلم. (١)\n\n- وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ﵀: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه. (٣)\n- وعن بشر بن الحارث ﵀ قال: قلت لأبي بكر بن عياش إن قوما يقولون: أبو بكر وعمر وعلي، فقال أبو بكر: لعنة الله على من قال ذا. (٤)\n- عن بشر بن الحارث قال: قلت لأبي بكر بن عياش ما تقول فيمن قدم عليا على عثمان قال: من قال هذا فعليه لعنة الله. (٥)\n- قال الحسن بن عليل العنزي حدثنا محمد بن إسماعيل القرشي عن أبي بكر بن عياش قال لي الرشيد: كيف استخلف أبو بكر: قلت: يا أمير المؤمنين سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون. قال: ما زدتني إلا عمى. قلت: مرض النبي - ﷺ - ثمانية أيام، فدخل عليه بلال: فقال: \"مروا أبا\n_________\n(١) الفتاوى (١٦/ ٥٢٨ - ٥٢٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ٧٣/٥٤) وبنحوه ذم الكلام (ص.٢٤٠).\n(٣) المنهاج (٦/ ٢٢٣).\n(٤) السنة للخلال (١/ ٣٩٣).\n(٥) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٥٢/٢٦٢١).","vol":"3","page":138},{"text":"بكر يصلي بالناس\" (١). فصلى بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل، فسكت رسول الله لسكوت الله، وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله - ﷺ -. فأعجبه ذلك، فقال: بارك الله فيك. (٢)\n- جاء في السير: قال أحمد بن يونس: قلت لأبي بكر بن عياش: لي جار رافضي قد مرض قال: عده مثل ما تعود اليهودي والنصراني، لا تنو فيه الأجر. (٣)\n- وفيها عن أبي هشام الرفاعي: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: أبو بكر الصديق خليفة رسول الله - ﷺ - في نص القرآن، لأن الله تعالى يقول: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٤). قال: فمن سماه الله صادقا فليس يكذب، هم قالوا: يا خليفة رسول الله - ﷺ -. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: قال أبو داود ثنا حمزة بن سعيد المروزي وكان ثقة\n_________\n(١) يشير إلى الحديث الذي رواه: أحمد (٦/ ٢١٠،٢٢٤) والبخاري (٢/ ٢٦٠/٧١٣) و(٨/ ١٧٧/٤٤٤٥) ومسلم (١/ ٣١٣ - ٣١٤/ ٤١٨) ٩٥» والترمذي (٢/ ١٩٦/٣٦٢) مختصرا وقال: \"حديث حسن صحيح غريب\". والنسائي (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥/ ٨٣٢) وابن ماجة (١/ ٣٨٩/١٢٣٢).\n(٢) الميزان (٤/ ٥٠١) والسير (٨/ ٥٠٦).\n(٣) السير (٨/ ٥٠٤).\n(٤) الحشر الآية (٨).\n(٥) السير (٨/ ٥٠٠ - ٥٠١).","vol":"3","page":139},{"text":"قال: سألت أبا بكر بن عياش فقلت: قد بلغك ما كان من أمر ابن علية في القرآن، قال: ويلك من زعم أن القرآن مخلوق فهو عندنا كافر زنديق عدو الله لا نجالسه ولا نكلمه. (١)\n- وفيها عنه أنه سئل عن القرآن، فقال: هو كلام الله غير مخلوق. (٢)\n- وفي السنة لعبد الله عنه قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد افترى على الله. (٣)\n- وفي السنة للخلال: عن يحيى بن آدم قال: قال لي أبو بكر بن عياش: إنما يحاولون الجهمية أن ليس في السماء شيء. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>موقفه من المرجئة:</span>\nعن أبي سلمة الخزاعي قال: قال مالك بن أنس وشريك وأبو بكر بن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد: الإيمان المعرفة والإقرار والعمل. (٥)\n_________\n(١) السير (٨/ ٤٩٩) والإبانة (٢/ ١٢/٤٨/ ٢٤٢) والشريعة (١/ ٢١٩ - ٢٢٠/ ١٧٦).\n(٢) السير (٨/ ٥٠٤).\n(٣) السنة لعبد الله (٣١).\n(٤) السنة للخلال (٥/ ١٢٣).\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٣١/١٥٨٧) والسنة لعبد الله (٨٣).","vol":"3","page":140},{"text":"حَفْص بن غِياث (١) (١٩٤ هـ)\nابن طَلْق بن معاوية. الإمام الحافظ العلامة القاضي أبو عمر النخعي الكوفي، قاضي الكوفة، ومحدثها، وولي القضاء ببغداد أيضا. سمع من عاصم الأحول، وسليمان التيمي، ويحيى بن سعيد وغيرهم، وروى عنه يحيى بن سعيد القطان رفيقه، وابن مهدي وغيرهما. كان شيخا عفيفا مسلما. قال يحيى: لم أر بالكوفة مثل هؤلاء الثلاثة: حزام، وحفص وابن أبي زائدة، كان هؤلاء أصحاب حديث. قال علي: فلما أخرج حفص كتبه كان كما قال يحيى، إذا فيها أخبار وألفاظ. وقال أبو حاتم عن أحمد بن أبي الحواري: حدثت وكيعا بحديث فعجب، فقال: من جاء به؟ قلت: حفص بن غياث، قال: إذا جاء به أبو عمر فأي شيء نقول نحن. قال يحيى بن معين: جميع ما حدث به حفص بن غياث ببغداد والكوفة إنما هو من حفظه، ولم يخرج كتابا، كتبوا عنه ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف حديث من حفظه. وقال الحسن ابن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة: سمعت حفص بن غياث يقول: والله ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة. وقال ابن عمار: وكان عسرا في الحديث جدا، لقد استفهمه إنسان حرفا في الحديث فقال: والله لا سمعتها مني، وأنا أعرفك.\nتوفي سنة أربع وتسعين ومائة.\n_________\n(١) تاريخ ابن معين (٢/ ١٢١ - ١٢٢) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٨٩) والسير (٩/ ٢٢ - ٣٤) ومشاهير علماء الأمصار (١٧٢) وتهذيب الكمال (٧/ ٥٦ - ٧٠) والجرح والتعديل (٣/ ١٨٥ - ١٨٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨) وشذرات الذهب (١/ ٣٤٠).","vol":"3","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1176>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في ذم الكلام عن ابنه عمر قال: سمعت أبي وقيل له: ألا تنظر إلى أصحاب الحديث وما هم فيه؟ قال: هم خير أهل الدنيا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>موقفه من الجهمية:</span>\nروى ابن بطة في الإبانة بسنده إلى إبراهيم بن حماد، قال: قال رجل لحفص بن غياث: يا أبا عمر إن عندنا قوما يزعمون أن القرآن مخلوق. قال: لا جزاك الله خيرا، أوردت على قلبي شيئا لم أسمعه قط. (٢)\n\nعمر بن هارون (٣) (١٩٤ هـ)\nالإمام عالم خراسان عمر بن هارون بن يزيد بن جابر بن سلمة أبو حفص الثقفي، مولاهم البلخي. ولد سنة بضع وعشرين ومائة. روى عن ابن جريج وأسامة بن زيد الليثي وشعبة والثوري والأوزاعي وجعفر الصادق، وروى عنه عفان بن مسلم وأحمد بن حنبل وهشام بن عبيد الله الرازي ومحمد بن حميد وعلي بن الحسن الذهلي وخلق كثير. تكلم فيه أهل العلم من قبل حفظه. قال أبو حاتم: كان عمر بن هارون صاحب سنة وفضل وسخاء، وكان أهل بلده يبغضونه لتعصبه في السنة والذب عنها.\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٣٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٣١ - ٣٢/ ٣٢٢) والفتاوى الكبرى (٥/ ٨١).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٧٤) والمجروحين (٢/ ٩١) وتاريخ بغداد (١١/ ١٨٧ - ١٩١) وسير أعلام النبلاء (٩/ ٢٦٧ - ٢٧٦) وتهذيب الكمال (٢١/ ٥٢٠ - ٥٣١) وميزان الاعتدال (٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩) وتهذيب التهذيب (٧/ ٥٠١ - ٥٠٥) والتقريب (١/ ٧٢٧).","vol":"3","page":142},{"text":"قال الذهبي: كان من أوعية العلم على ضعفه وكثرة مناكيره وما أظنه ممن يتعمد الباطل. وقال ابن حجر: متروك، وكان حافظا. مات ﵀ ببلخ يوم الجمعة من شهر رمضان سنة أربع وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن قتيبة قال: سمعت يونس بن سليمان عن (١) عمر بن هارون قال: نظرت في العلم فإذا القرآن والأثر، ثم نظرت في الأثر فإذا هو عظمة الرب وصفة الجنة والنار والحلال والحرام والأمر والنهي، وصلة الرحم في أنواع الخير، ثم نظرت في الرأي، فإذا هو الخديعة والمكر والخيانة والحيل وقسوة القلب وأشياء كثيرة من الشر، فأخذت الأثر وتركت الرأي. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>موقفه من المرجئة:</span>\nعن أبي رجاء قال: كان عمر بن هارون شديدا على المرجئة، ويذكر مساوئهم وبلاياهم، فكانت بينهم عداوة لذلك. (٣)\n\nالقاسم الجرمي (٤) (١٩٤ هـ)\nالشيخ الإمام أبو يزيد القاسم بن يزيد الجَرْمي المَوْصِلِي. حدث عن إسرائيل بن يونس وسليمان بن المغيرة وسفيان الثوري وثور بن يزيد وأفلح\n_________\n(١) كذا في طبعة د. سميح دغيم، وفي طبعة أبي جابر الأنصاري 'عند'.\n(٢) ذم الكلام (ص.٢٣٩).\n(٣) سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٧٠).\n(٤) تاريخ بغداد (١٢/ ٤٢٦) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٤٦٠ - ٤٦٥) والسير (٩/ ٢٨١) وتهذيب التهذيب (٨/ ٣٤١) وشذرات الذهب (١/ ٣٤١) والتقريب (٢/ ٢٥).","vol":"3","page":143},{"text":"بن حميد وطائفة. وحدث عنه أحمد بن حرب وأخوه علي بن حرب ومحمد بن عبد الله بن عمار وإبراهيم بن موسى الرازي وهشام بن بهرام. قال حرب بن إسماعيل: سئل أحمد بن حنبل عنه، فقال: ما علمت إلا خيرا. وقال أبو زكريا الأزدي في تأريخ الموصل: وكان فاضلا ورعا، حسنا، من المعدودين في أصحاب سفيان، رحل في طلب العلم إلى الآفاق، وكتب عمن لحق من الحجازيين والبصريين والكوفيين والشاميين والمواصلة، وكان حافظا للحديث، متفقها. وقال أحمد بن أبي رافع حدثنا القاسم بن يزيد الجرمي، وكان خير أهل زمانه. قال ابن حجر: ثقة عابد. مات ﵀ سنة أربع وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السير: قال هشام بن بهرام: سمعت قاسما الجرمي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. (١)\n\nيوسف بن أسباط (٢) (١٩٥ هـ)\nيوسف بن أَسْبَاط الزاهد، الواعظ. روى عن: محل بن خليفة، والثوري، وزائدة بن قدامة. وحدث عنه: المسيب بن واضح، وعبد الله بن خبيق. رويت له حكم ومواعظ. قال المسيب: سألته عن الزهد، فقال: أن\n_________\n(١) السير (٩/ ٢٨٣).\n(٢) السير (٩/ ١٦٩) وحلية الأولياء (٨/ ٢٣٧) وميزان الاعتدال (٤/ ٤٦٢) ولسان الميزان (٦/ ٣١٧) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٧١) والمعرفة والتاريخ (١/ ٧٢٧).","vol":"3","page":144},{"text":"تزهد في الحلال، فأما الحرام فإن ارتكبته، عذبك. وقال: يجزي قليل الورع من كثير العمل، وقليل التواضع من كثير الاجتهاد. وقال شعيب بن حرب: ما أقدم على يوسف بن أسباط أحدا. قال البخاري: دفن كتبه، فكان حديثه لا يجيء كما ينبغي.\nتوفي سنة خمس وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن عبد الله بن حسن قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: بطالب الحديث يدفع البلاء عن أهل الأرض. (١)\n- عن يوسف بن أسباط قال: من نعمة الله تعالى على الشاب أن يرافق صاحب سنة يحمله عليها. (٢)\n- عن بركة بن محمد الأنصاري، سمعت يوسف بن أسباط يقول: أهل السنة أقل من الكبريت الأحمر. (٣)\n- جاء في أصول الاعتقاد: أخبرنا عيسى بن علي أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا محمد بن منقذ ثنا سعيد بن شبيب قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: كان أبي قدريا وأخوالي روافض فأنقذني الله بسفيان. (٤)\n- جاء في الإبانة: عن المسيب بن واضح السلمي الحمصي قال: أتيت يوسف بن أسباط فسلمت عليه وانتسبت إليه وقلت له: يا أبا محمد إنك بقية\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٠٤) وفي التلبيس (ص.٤٠١).\n(٢) ذم الكلام (ص.٢٤٠).\n(٣) ذم الكلام (ص.١٢٥).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ٦٧/٣٢) والتلبيس (ص.١٧ - ١٨).","vol":"3","page":145},{"text":"أسلاف العلم الماضين وإنك إمام سنة وأنت على من لقيك حجة، ولم آتك لسمع الأحاديث ولكن لأسألك عن تفسيرها، وقد جاء هذا الحديث عن النبي - ﷺ - أن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة وأن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة (١) فأخبرني من هذه الفرق حتى أتوقاها، فقال لي أصلها أربعة: القدرية، والمرجئة والشيعة وهم الروافض والخوارج، فثماني عشرة فرقة في القدرية وثماني عشرة في المرجئة وثماني عشرة في الخوارج وثماني عشرة في الشيعة، ثم قال: ألا أحدثك بحديث لعل الله أن ينفعك به؟ قلت: بلى يرحمك الله، قال: أسلم رجل على عهد عمرو بن مرة فدخل مسجد الكوفة فجعلت أجلس إلى قوم أصحاب أهواء فكل يدعو إلى هواه (٢)،\nوقد اختلفوا علي فما أدري بأيها أتمسك فقال له عمرو بن مرة: اختلفوا عليك في الله ﷿ أنه ربهم؟ قال: لا، قال: اختلفوا عليك في محمد - ﷺ - أنه نبيهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليكم في الكعبة أنها قبلتهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في شهر رمضان أنه صومهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الصلوات الخمس والزكاة والغسل من الجنابة؟ قال: لا، قال: فانظر هذا الذي اجتمعوا عليه فهو دينك ودينهم فتمسك به وانظر تلك الفرق التي\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٣٣٢) وأبو داود (٥/ ٤/٤٥٩٦) والترمذي (٥/ ٢٥/٢٦٤٠) وقال: \"حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (٢/ ١٣٢١/٣٩٩١) وابن حبان (١٤/ ١٤٠/٦٢٤٧) و(١٥/ ١٢٥/٦٧٣١) والحاكم (١/ ١٢٨) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وقال الشيخ الألباني في الصحيحة (١/ ٤٠٣): \"فيه نظر، فإن محمد بن عمرو فيه كلام، ولذلك لم يحتج به مسلم وإنما روى له متابعة، وهو حسن الحديث\".\n(٢) هنا سقط كما أفاده المحقق ..","vol":"3","page":146},{"text":"اختلفوا عليك فيها فاتركهم فليست من دينهم في شيء. (١)\n- وفيها عن أحمد بن يوسف بن أسباط قال: سمعت أبي يقول: ما أبالي سألت صاحب بدعة عن ديني أو زنيت. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن تيمية في الدرء: وقال يوسف بن أسباط وابن المبارك: أصول البدع أربعة: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدرية. قيل: والجهمية؟ فقالا: ليست الجهمية من أمة محمد. (٣)\n\nيحيى بن سليم الطائفي (٤) (١٩٥ هـ)\nيحيى بن سُلَيْم أبو زكريا القُرشي الطَّائفي، نزيل مكة. حدث عن: عبد الله بن عثمان، وابن جريج، وموسى بن عقبة، وروى عنه: الشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. وعن الشافعي قال: كان رجلا فاضلا. توفي سنة خمس وتسعين ومائة.\nموقفه من الجهمية:\nروى اللالكائي في أصول الاعتقاد: عن يحيى بن سليم الطائفي: من\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٧٧ - ٣٧٩/ ٢٧٧) وفي الشريعة (١/ ١٢٥/٢٠ مختصرا).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٩/ ٤٣٥).\n(٣) درء التعارض (٥/ ٣٠٢).\n(٤) السير (٩/ ٣٠٧) وتهذيب الكمال (٣١/ ٣٦٥) وتهذيب التهذيب (١١/ ٢٢٦) وطبقات ابن سعد (٥/ ٥٠٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٩١ - ٢٠٠/ص.٤٧٤ - ٤٧٥) وشذرات الذهب (١/ ٣٤٤).","vol":"3","page":147},{"text":"وقف في القرآن فهو جهمي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن يحيى بن سليم قال: سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان، فقالوا: قول وعمل. سألت سفيان الثوري، فقال: قول وعمل. وسألت ابن جريج، فقال: قول وعمل. وسألت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فقال: قول وعمل. وسألت المثنى بن الصباح، فقال: قول وعمل. وسألت نافع بن عمر ابن جميل، فقال: قول وعمل. وسألت محمد بن مسلم الطايفي، فقال: قول وعمل. وسألت مالك بن أنس، فقال: قول وعمل. وسألت سفيان بن عيينة، فقال: قول وعمل. (٢)\n- وعن شريح بن النعمان قال: سمعت يحيى بن سليم الطائفي ونحن خلف المقام: أي شيء تقول المرجئة؟ قال يقولون: ليس الطواف بهذا البيت من الإيمان. (٣)\n- وقال إبراهيم بن شماس: سمعت يحيى بن سليم يقول: الإيمان قول وعمل. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٦٠/٥٣٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٣٠/١٥٨٤) والشريعة (١/ ٢٩٨/٢٨٢).\n(٣) الإبانة (٢/ ٨٩٩/١٢٥٥) والسنة للخلال (٣/ ٥٨٥/١٠٢٣).\n(٤) السنة لعبد الله (٨٥).","vol":"3","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1188>موقف السلف من بشر بن السري (١٩٥ ه</span>ـ)\nجاء في السير: عن سليمان بن حرب قال: سأل بشر بن السري حماد ابن زيد عن حديث \"ينزل ربنا\" (١) أيتحول؟ فسكت، ثم قال: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف شاء.\nوقال أحمد بن حنبل: تكلم بشر بشيء بمكة، فوثب عليه إنسان، فذل بمكة حتى جاء، فجلس إلينا مما أصابه من الذل. (٢)\nوفيها: وكان الثوري يستثقله، لأنه سأل سفيان عن أطفال المشركين، فقال: ما أنت وذا يا صبي؟\nقال الذهبي: هكذا كان السلف يزجرون عن التعمق، ويبدعون أهل الجدال. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1189>أبو معاوية الضرير محمد بن خازم (١٩٥ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة لعبد الله: عن إبراهيم بن زياد سبلان قال: سمعت أبا معاوية يعني الضرير محمد بن خازم يقول: الكلام فيه بدعة وضلالة ما تكلم\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٢) السير (٩/ ٣٣٣).\n(٣) السير (٩/ ٣٣٣ - ٣٣٤).","vol":"3","page":149},{"text":"فيه النبي ولا الصحابة ولا التابعون ولا الصالحون يعني القرآن مخلوق. (١)\nموقف السلف منه لقوله بالإرجاء\nكان يرى الإرجاء، فيقال: إن وكيعا لم يحضر جنازته لذلك. (٢)\nوقال ابن حبان: ... كان مرجئا خبيثا. (٣)\n\nوكيع بن الجَرَّاح (٤) (١٩٦ هـ)\nابن مَلِيح الإمام الحافظ، محدث العراق، أبو سفيان الرُّؤَاسي الكوفي، أحد الأعلام. سمع من هشام بن عروة وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم. وعنه سفيان الثوري أحد شيوخه وعبد الله بن المبارك، والفضل بن موسى -وهما أكبر منه- وعبد الرحمن بن مهدي والحميدي وغيرهم. وكان من بحور العلم وأئمة الحفظ.\nقال يحيى بن معين: وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه. وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدا أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع. وقال محمد بن سعد: كان وكيع ثقة مأمونا عاليا رفيعا كثير الحديث حجة. قال ابن\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٤٠).\n(٢) السير (٩/ ٧٦).\n(٣) السير (٩/ ٧٧) وانظر الثقات (٧/ ٤٤١ - ٤٤٢) والذي فيه (مرجئا) فقط.\n(٤) التاريخ لابن معين (٢/ ٦٣٠ - ٦٣٢) وطبقات ابن سعد (٦/ ٣٩٤) وتاريخ خليفة (٤٦٧) ومشاهير علماء الأمصار (١٧٣) والحلية (٨/ ٣٦٨ - ٣٨٠) وتهذيب الكمال (٣٠/ ٤٦٢ - ٤٨٤) وتاريخ بغداد (١٣/ ٤٩٦ - ٥١٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٦ - ٣٠٩) والجرح والتعديل (١/ ٢١٩ - ٢٣١) والسير (٩/ ١٤٠ - ١٦٨) وميزان الاعتدال (٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦) وشذرات الذهب (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠).","vol":"3","page":150},{"text":"عمار: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث من وكيع. قال ابن عدي: حدثت عن نوح بن حبيب، عن عبد الرزاق قال: رأيت الثوري وابن عيينة ومعمرا ومالكا، ورأيت ورأيت فما رأت عيناي قط مثل وكيع. وقال بشر بن موسى: سمعت أحمد بن حنبل يقول ما رأيت قط مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب مع خشوع وورع. وقال أحمد العجلي: وكيع كوفي ثقة عابد صالح أديب من حفاظ الحديث، وكان مفتيا. كان وكيع يقول: ما نعيش إلا في سترة، ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم، الصدق النية. قال أحمد بن أبي الحواري عن وكيع: ما أخذت حديثا قط عرضا، فذكرت هذا لابن معين فقال: وكيع عندنا ثبت. مات سنة ست وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام عنه قال: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلبه ليقوي به رأيه فهو صاحب بدعة. (١)\n\" التعليق:\nوهذا دأب مبتدعة أهل هذا الزمان لا يطلبونه لأنه حديث رسول الله، فيعملون به كما عمل به السلف ولكن للاستعانة به على تأييد بدعهم نسأل الله العافية.\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.١٠٠) والسير (٩/ ١٤٤).","vol":"3","page":151},{"text":"- قال أبو عيسى الترمذي: سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول الله - ﷺ -، ويقول أبو حنيفة هو مثلة؟ قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي، أنه قال: الإشعار مثلة، قال: فرأيت وكيعا غضب غضبا شديدا، وقال: أقول لك قال رسول الله - ﷺ - وتقول: قال إبراهيم، ما أحقك بأن تحبس، ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا. (١)\n- عن أبي زرعة، قال حدثني يزيد بن عبد ربه، قال سمعت وكيع بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوحاظي: يا أبا زكريا احذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. (٢)\n- عن علي بن خشرم، قال: سمعت وكيعا غير مرة يقول: يا فتيان تفهموا فقه الحديث، فإنكم إن تفهمتم فقه الحديث لم يقهركم أهل الرأي. (٣)\n- عن علي بن خشرم المروزي قال: سمعت وكيعا يقول لأصحاب الحديث: لو أنكم تفقهتم الحديث وتعلمتموه ما غلبكم أصحاب الرأي، ما قال أبو حنيفة في شيء يحتاج إليه إلا ونحن نروي فيه بابا. (٤)\n- وجاء في ذم الكلام عن وكيع قال: إن أهل العلم يكتبون ما لهم وما\n_________\n(١) سنن الترمذي (٣/ ٢٥٠) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٦). وقصة الإشعار ثابتة عند أحمد (١/ ٢١٦) ومسلم (٢/ ٩١٢/١٢٤٣) وأبو داود ٢/ ٢٦٢/١٧٥٢) والترمذي (٣/ ٢٤٩/٩٠٦) والنسائي (٥/ ١٩١/٢٧٩٠) وابن ماجه (٢/ ١٠٣٤/٣٠٩٧) من طريق قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس به.\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٥١٠) وإعلام الموقعين (١/ ٢٥٦).\n(٣) الفقيه والمتفقه (٢/ ١٦١ - ١٦٢).\n(٤) الفقيه والمتفقه (٢/ ١٦٢).","vol":"3","page":152},{"text":"عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>موقفه من الرافضة:</span>\nقال البخاري: قال وكيع: الرافضة شر من القدرية، والحرورية شر منهما، والجهمية شر هذه الأصناف. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة: قيل لوكيع في ذبائح الجهمية قال: لا تؤكل هم مرتدون. (٣)\n- وفيها عن السويدي قال: وسألت وكيعا عن الصلاة خلف الجهمية فقال: لا تصل خلفهم. (٤)\n- وفيها عنه قال: أما الجهمي فإني أستتيبه فإن تاب وإلا قتلته. (٥)\n- وفيها عنه أيضا قال: القرآن كلام الله أنزله جبريل على محمد. كل صاحب هوى يعرف الله ويعرف من يعبد إلا الجهمية لا يدرون من يعبدون، بشر المريسي وأصحابه. (٦)\n- وجاء في الإبانة عنه قال: القدرية يقولون الأمر مستقبل إن الله لم يقدر المصائب والأعمال والمرجئة يقولون القول يجزئ من العمل والجهمية\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.١٠٠).\n(٢) خلق أفعال العباد (ص.٢٢)\n(٣) السنة لعبد الله (١٥).\n(٤) السنة لعبد الله (١٤).\n(٥) السنة لعبد الله (١٤).\n(٦) السنة لعبد الله (١٥).","vol":"3","page":153},{"text":"يقولون المعرفة تجزئ من القول والعمل. قال وكيع: وهو كله كفر. (١)\n- قال البخاري: وقال وكيع: احذروا هؤلاء المرجئة وهؤلاء الجهمية. والجهمية كفار والمريسي جهمي وعلمتم كيف كفروا؟ قالوا تكفيك المعرفة وهذا كفر، والمرجئة يقولون الإيمان قول بلا فعل وهذا بدعة، فمن قال القرآن مخلوق فهو كافر بما أنزل على محمد - ﷺ - يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه قال: وقال وكيع: على المريسي لعنة الله يهودي هو أو نصراني؟ فقال له رجل: كان أبوه أو جده يهوديا أو نصرانيا. قال وكيع: وعلى أصحابه لعنة الله، القرآن كلام الله، وضرب وكيع إحدى يديه على الأخرى فقال: هو ببغداد يقال له المريسي يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. (٢)\nمواقفه من القائلين بخلق القرآن:\n- جاء في خلق أفعال العباد عنه قال: لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر قولهم وإنما يذهبون إلى التعطيل. (٣)\n- وجاء في السنة قال عبد الله: حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال: بلغني عن وكيع أنه قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث ومن زعم أنه محدث فقد كفر. (٤)\n- وفيها بالسند إلى أبي خيثمة زهير بن حرب قال: اختصمت أنا ومثنى فقال مثنى: القرآن مخلوق وقلت أنا: كلام الله فقال وكيع وأنا أسمع:\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٧/٩٠٣/ ١٢٦٤) والسنة لعبد الله (٤٥).\n(٢) خلق أفعال العباد (١٥) والفتاوى الكبرى (٥/ ٨٠).\n(٣) خلق أفعال العباد (١٩).\n(٤) السنة لعبد الله (١٤) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠/ ٥٠٦) والسير (٩/ ١٦٦) والفتاوى الكبرى (٥/ ٧٧).","vol":"3","page":154},{"text":"هذا كفر من قال إن القرآن مخلوق هذا كفر. فقال مثنى: يا أبا سفيان قال الله ﴿ما يأتيهم من ذكرٍ من ربهم محدثٍ﴾ (١) فإيش هذا؟ فقال وكيع: من قال القرآن مخلوق هذا كفر. (٢)\n- وفيها عنه قال: من قال إن كلامه ليس منه فقد كفر، ومن قال إن منه شيئا مخلوقا فقد كفر. (٣)\n- وفيها عنه قال: القرآن من الله منه خرج وإليه يعود. (٤)\n- وفيها عنه قال: القرآن كلام الله فمن قال غير هذا فقد خالف الكتاب والسنة. (٥)\n- وفيها عنه أنه سئل عن القرآن فقال: القرآن كلام الله. فقيل له إن بشرا المريسي، فذكره وكيع حتى شتمه. (٦)\n- جاء في السير: قال يحيى بن يحيى التميمي: سمعت وكيعا يقول: من شك أن القرآن كلام الله -يعني غير مخلوق- فهو كافر. (٧)\n- وفي السنة للخلال عن أبي بكر بن خلاد الباهلي قال: سمعت وكيعا يقول: لما كان من أمر بشر المريسي وحضر الموت؛ فجعلنا نحدث وكيعا عن\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٢).\n(٢) السنة لعبد الله (١٥).\n(٣) السنة لعبد الله (١٥).\n(٤) السنة لعبد الله (٣٢) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٤/٥٨٤).\n(٥) السنة لعبد الله (٣٢).\n(٦) السنة لعبد الله (٣٧).\n(٧) السير (٩/ ١٦٥) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٦٠/٥٣٤).","vol":"3","page":155},{"text":"بشر وكلامه في القرآن وينفي الرؤية؛ فغضب وكيع فسمعته يقول: أما إني إن سألت عنه أمرتهم أن يستتيبوه، فإن تاب، وإلا أمرتهم أن يضربوا عنقه ويصلبوه. (١)\n- وفي أصول الاعتقاد عن وكيع بن الجراح قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله مخلوق. فقلت يا أبا سفيان من أين قلت هذا؟ قال: لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٢) ولا يكون من الله شيء مخلوق. (٣)\n- وجاء في الإبانة: عن أحمد بن داود الحزامي قال: سمعت وكيعا عند جمرة العقبة يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن زعم أنه مخلوق، فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -. (٤)\nمواقفه من المؤولين للصفات:\n- جاء في السير عن أحمد بن إبراهيم الدورقي: سمعت وكيعا يقول: نسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا؟ ولا لم كذا؟ يعني مثل حديث: \"يحمل السماوات على إصبع\" (٥). (٦)\n_________\n(١) السنة للخلال (٥/ ١١٠).\n(٢) السجدة الآية (١٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٤٥/٣٥٩) والفتاوى (١٢/ ٥١٧).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٢/٦٥/ ٢٧٦).\n(٥) أحمد (١/ ٤٢٩) والبخاري (٨/ ٧٠٧/٤٨١١) ومسلم (٤/ ٢١٤٧/٢٧٨٦) والترمذي (٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦/ ٣٢٣٨) والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٤٦/١١٤٥٠) من طرق عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٦) السير (٩/ ١٦٥).","vol":"3","page":156},{"text":"- وفيها: قال أبو حاتم الرازي: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا وكيع بحديث في الكرسي قال: فاقشعر رجل عند وكيع، فغضب، وقال: أدركنا الأعمش، والثوري يحدثون بهذه الأحاديث، ولا ينكرونها. (١)\n- وفي السنة لعبد الله عنه قال: من رد حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير عن النبي في الرؤية (٢) فاحسبوه من الجهمية. (٣)\n- وفيها: قال أبو الحسن سمعت عبد الله يقول سمعت بعض المشائخ يقول: سألوا وكيعا عن حديث الرؤية فحدث بها ثم قال عموا الجهمية بهذه الأحاديث مرتين. (٤)\n- روى اللالكائي في أصول الاعتقاد بسنده إلى وكيع: يراه المؤمنون في الجنة ولا يراه إلا المؤمنون. (٥)\n- وفيه: عن هدية بن عبد الوهاب قال: سمعت وكيعا يقول: إذا سئلتم: هل يضحك ربنا؟ فقولوا: كذلك سمعنا. (٦)\n- وفيه عنه قال: وصف داود الجواربي -يعني الرب ﷿- فكفر في صفته فرد عليه المريسي فكفر المريسي في رده عليه إذ قال: هو في كل\n_________\n(١) السير ٩/ ١٦٥).\n(٢) أحمد (٤/ ٣٦٢) والبخاري (٢/ ٦٦/٥٧٣) ومسلم (١/ ٤٣٩/٦٣٣ (٢١١» وأبو داود (٥/ ٩٧ - ٩٨/ ٤٧٢٩) والترمذي (٤/ ٥٩٢ - ٥٩٣/ ٢٥٥١) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١٩/٧٧٦٢) وابن ماجه (١/ ٦٣/١٧٧).\n(٣) السنة لعبد الله (٤٥).\n(٤) السنة لعبد الله (٥٩ - ٦٠).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٦٠/٨٨٢).\n(٦) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٧٧/٧٣١).","vol":"3","page":157},{"text":"شيء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في الإبانة عن عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: سمعت وكيعا يقول: الإيمان يزيد وينقص. (٢)\n- عن الحميدي قال: سمعت وكيعا يقول: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة تقول: الإيمان قول بلا عمل، والجهمية يقولون: الإيمان: المعرفة. (٣)\n- قال محمد بن عمر الكلابي: وقال وكيع: المرجئة: الذين يقولون: الإقرار يجزئ عن العمل؛ ومن قال هذا فقد هلك؛ ومن قال: النية تجزئ عن العمل، فهو كفر، وهو قول جهم. (٤)\n- وعن عثمان بن محمد بن أبي شيبة قال: سألت ابن إدريس وجريرا ووكيعا فقالوا: الإيمان يزيد وينقص. (٥)\n- عن محمد بن مقاتل قال: سألت وكيعا قلت: إن عندنا قوما يقولون إن الإيمان لا يزداد، وقال: هؤلاء المرجئة الخبثاء، قال أهل الإيمان: لا يجدي قول إلا بعمل وبعقد وبإصابة السنة لو قد بقيتم لجاءكم شيء آخر. (٦)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٧/٩٣٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ٨٥٠ - ٨٥١/ ١١٤٤) والسنة للخلال (٣/ ٥٨٣/١٠١٧).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٧١ - ١٠٧٢/ ١٨٣٧) والشريعة (١/ ٣١٠/٣٤٢) والإبانة (٢/ ٨٠٣ - ٨٠٤/ ١٠٩١) والإيمان لمحمد بن يحيى العدني (٢٩).\n(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٠٧).\n(٥) السنة لعبد الله (٩٤).\n(٦) ذم الكلام (١٢٥).","vol":"3","page":158},{"text":"- وجاء في السنة: قال عبد الله حدثني أبي قال: كان وكيع يقول: ترى إيمان الحجاج بن يوسف مثل إيمان أبي بكر وعمر؟ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: قال وكيع: القدرية يقولون: الأمر مستقبل وإن الله لم يقدر المصائب، وهذا هو الكفر، قال وكيع: لا يصلى خلف قدري. (٢)\n- وفيها: عن أبي حفص عمرو بن علي قال: سمعت معاذ بن معاذ وذكر قصة عمرو بن عبيد إن كانت ﴿تَبَّتْ يدا أبي لَهَبٍ﴾ (٣) في اللوح المحفوظ فما على أبي لهب من لوم. قال أبو حفص: فذكرته لوكيع بن الجراح فقال: من قال بهذا يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. (٤)\n\nمعاذ بن معاذ (٥) (١٩٦ هـ)\nابن نصر بن حسان التميمي القاضي الإمام الحافظ أبو المثنى العنبري البصري. حدث عن سليمان التيمي وأشعث بن عبد الملك وعوف الأعرابي وغيرهم. وعنه: أحمد وإسحاق ويحيى وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: معاذ بن\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٨٣) والسنة للخلال (٣/ ٥٨٨/١٠٣٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢٦١/ ١٨٧٨).\n(٣) المسد الآية (١).\n(٤) الإبانة (٢/ ١١/٣٠٥/ ١٩٧٧» والشريعة (١/ ٤٣٦/٥٥١).\n(٥) تاريخ ابن معين (٢/ ٥٧٢) والسير (٩/ ٥٤ - ٥٧) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٣) والجرح والتعديل (٨/ ٢٤٨ - ٢٤٩) ومشاهير علماء الأمصار (١٦٠) وتاريخ بغداد (١٣/ ١٣١ - ١٣٤) وتهذيب الكمال (٢٨/ ١٣٢ - ١٣٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥) وشذرات الذهب (١/ ٣٤٥).","vol":"3","page":159},{"text":"معاذ إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال: هو قرة عين في الحديث. قال محمد بن عيسى بن الطباع: ما علمت أحدا قدم بغداد إلا وقد تعلق عليه في شيء من الحديث إلا معاذا العنبري، ما قدروا أن يتعلقوا عليه بحديث مع شغله بالقضاء. قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز مثل معاذ بن معاذ وما أبالي إذا تابعني معاذ من خالفني.\nمات سنة ست وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>موقفه من المبتدعة:</span>\nوفي الإبانة: عن محمد بن أبي صفوان الثقفي قال: سمعت معاذ بن معاذ يقول: قلت ليحيى بن سعيد: يا أبا سعيد الرجل وإن كتم رأيه لم يخف ذاك في ابنه ولا صديقه ولا في جليسه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال عبد الله في كتاب السنة: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان سمعت أبي يقول: سمعت معاذ بن معاذ يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن معاذ بن معاذ قال: من قال القرآن مخلوق فهو والله الذي لا إله إلا هو زنديق أو قال: زنديق. (٣)\n- قال شيخ الإسلام: وهكذا رأيت الجاحظ قد شنع على حماد بن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٩/ ٥٠٩).\n(٢) السنة لعبد الله (٧٨) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٧/٤٤٠) والإبانة (٢/ ١٢/٤٩/ ٢٤٤).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٧/٤٣٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٥).","vol":"3","page":160},{"text":"سلمة، ومعاذ بن معاذ قاضي البصرة بما لم يشنع به على غيرهما لأن حمادا كان معتنيا بجمع أحاديث الصفات وإظهارها، ومعاذ لما تولى القضاء رد شهادة الجهمية والقدرية فلم يقبل شهادة المعتزلة، ورفعوا إلى الرشيد فلما اجتمع به حمده على ذلك وعظمه، فلأجل معاداتهم لمثل هؤلاء الذين هم أئمة السنة يشنعون عليهم بما إذا حقق لم يوجد مقتضيا لذم. (١)\n- جاء في الميزان عن نعيم بن حماد قال: سمعت معاذ بن معاذ يصيح في مسجد البصرة يقول ليحيى القطان: أما تتقي الله، تروي عن عمرو بن عبيد، قد سمعته يقول: لو كانت ﴿تَبَّتْ يدا أبي لَهَبٍ﴾ (٢) في اللوح المحفوظ لم يكن لله على العباد حجة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1200>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السنة عن معاذ بن معاذ قال: صليت خلف رجل من بني سعد ثم بلغني أنه قدري، فأعدت الصلاة بعد أربعين سنة أو ثلاثين سنة. (٤)\n- وجاء في الإبانة: قال معاذ بن معاذ: صليت أنا وعمر بن الهيثم الرقاشي خلف الربيع بن بَرَّة قال معاذ: فأخبرني عمر بن الهيثم أنه حضرته الصلاة مرة أخرى، فصلى خلفه؛ قال: فقعدت أدعو فقال: لعلك ممن يقول: اعصمني، قال معاذ: فأعدت تلك الصلاة بعد عشرين سنة. والربيع بن بَرَّة\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٨١).\n(٢) المسد الآية (١).\n(٣) الميزان (٣/ ٢٧٦).\n(٤) السنة لعبد الله (١٢٠).","vol":"3","page":161},{"text":"هذا من كبار مشائيم القدرية بالبصرة، وكان من العباد المجتهدين في هذا الخذلان، عصمنا الله وإياكم منه ومن كل بدعة. (١)\n\nبقية بن الوليد (٢) (١٩٧ هـ)\nبقيّة بن الوليد بن صائد أبو يُحمِد الكلاعي الحِمْيَرِي الحافظ العالم، محدث حمص. ولد سنة عشر ومائة. وروى عن: محمد بن زياد الألهاني، وصفوان بن عمرو السكسكي، وبحير بن سعد. وروى عنه: شعبة، وحماد بن زيد، والأوزاعي. وكان من أوعية العلم. توفي سنة سبع وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1202>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن بقية قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا محمد: ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟ قلت: قوم سوء. قال: ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله - ﷺ - بخلاف بدعته بحديث إلا أبغض الحديث. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>موقفه من الجهمية:</span>\nقال علي بن مضا: وسألت بقية بن الوليد عن القرآن، فقال: هو كلام الله غير مخلوق. (٤)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١١/٢٨٧/ ١٩٣١) والشريعة (١/ ٤٦٠/٦٠٠).\n(٢) السير (٨/ ٥١٨) وتهذيب الكمال (٤/ ١٩٢) وتهذيب التهذيب (١/ ٤٧٣) وتاريخ بغداد (٧/ ١٢٣) وميزان الاعتدال (١/ ٣٣١ - ٣٣٩) والوافي بالوفيات (١٠/ ١٨٤).\n(٣) شرف أصحاب الحديث (ص.٧٣) وأصول الاعتقاد (٣/ ٤٧٧/٧٣٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٢/١٣/ ١٩٤).","vol":"3","page":162},{"text":"ابن وهب (١) (١٩٧ هـ)\nعبد الله بن وهب بن مسلم، الإمام شيخ الإسلام أبو محمد الفهري، ولد سنة خمس وعشرين ومائة، طلب العلم وله سبع عشرة سنة. روى عن ابن جريج ويونس بن يزيد وحيوة بن شريح وغيرهم. روى عنه الليث بن سعد شيخه وعبد الرحمن بن مهدي وأصبغ وسحنون وغيرهم. لقي بعض صغار التابعين، وكان من أوعية العلم، ومن كنوز العمل، ما دون العلم أحد تدوينه، قرأ على نافع. قال أحمد بن صالح الحافظ: حدث ابن وهب بمائة ألف حديث، ما رأيت أحدا أكثر حديثا منه، وقع عندنا سبعون ألف حديث عنه. قال الذهبي: كيف لا يكون من بحور العلم وقد ضم إلى علمه علم مالك والليث ويحيى بن أيوب وعمرو بن الحارث وغيرهم. كان يكتب إليه مالك: إلى عبد الله بن وهب مفتي أهل مصر. قال أبو طاهر بن عمرو: جاءنا نعي ابن وهب ونحن في مجلس سفيان بن عيينة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أصيب به المسلمون عامة، وأصبت به خاصة.\nمات في شعبان سنة سبع وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>موقفه من القدرية:</span>\nله رسالة في (القدر وما ورد في ذلك من الآثار) بحث فيها الموضوع بحثا وافيا، بين فيه منهج أهل السنة في القضاء والقدر.\n_________\n(١) السير (٩/ ٢٢٣ - ٢٣٤) وطبقات ابن سعد (٧/ ٥١٨) والعبر (١/ ١٦٢) وتهذيب الكمال (١٦/ ٢٧٧ - ٢٨٧) والنجوم الزاهرة (٢/ ٥٥) وشذرات الذهب (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨).","vol":"3","page":163},{"text":"يحي بن سعيد القَطَّان (١) (١٩٨ هـ)\nابن فَرُّوخ الإمام الكبير، أمير المؤمنين في الحديث أبو سعيد التَّمِيمِي مولاهم البصري الأحول الحافظ. سمع سليمان التيمي وهشام بن عروة وعطاء بن السائب وغيرهم، وعني بهذا الشأن أتم عناية، ورحل فيه، وساد الأقران، وانتهى إليه الحفظ، وتكلم في العلل والرجال، وتخرج به الحفاظ، كمسدد وعلي، والفلاس. وروى عنه سفيان، وشعبة، ومعتمر بن سليمان، -وهم من شيوخه- وعبد الرحمن بن مهدي وعفان، ومسدد وغيرهم. وثبت أن أحمد بن حنبل قال: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان. وقال يحيى ابن معين: قال لي عبد الرحمن، لا ترى بعينيك مثل يحيى القطان. قال عبد الرحمن بن مهدي: اختلفوا يوما عند شعبة، فقالوا له اجعل بيننا وبينك حكما، قال: قد رضيت بالأحول -يعني القطان- فجاء فقضى على شعبة، فقال شعبة: ومن يطيق نقدك يا أحول. قال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدا أقل خطأ من يحيى بن سعيد ولقد أخطأ في أحاديث ثم قال ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟ توفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وتسعين ومائة قبل موت ابن مهدي وابن عيينة بأربعة أشهر، رحمهم الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: قال أبو قدامة السرخسي: سمعت يحيى بن سعيد\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٣) ومشاهير علماء الأمصار (١٦١ - ١٦٢) والسير (٩/ ١٧٥ - ١٨٨) وتاريخ خليفة (٤٦٨) والجرح والتعديل (٩/ ١٥٠ - ١٥١) وتاريخ بغداد (١٤/ ١٣٥ - ١٤٤) وتاريخ ابن معين (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٨) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٨ - ٣٠٠) والحلية (٨/ ٣٨٠ - ٣٩١) وشذرات الذهب (١/ ٣٥٥).","vol":"3","page":164},{"text":"يقول: كل من أدركت من الأئمة كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ويكفرون الجهمية، ويقدمون أبا بكر وعمر في الفضيلة والخلافة. (١)\n- وفيها: قال شاذ بن يحيى: قال يحيى القطان: من قال: إن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ (٢) مخلوق، فهو زنديق، والله الذي لا إله إلا هو. (٣)\n- وفي السنة لعبد الله: عن هشام بن عبد الملك قال: قال لي يحيى بن سعيد: كيف يصنعون ب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ كيف يصنعون بهذه الآية: ﴿إني أَنَا اللَّهُ﴾ (٤) يكون مخلوقا. (٥)\n- وجاء في الإبانة عن محمد بن يحيى بن القطان قال: كان أبي وعبد الرحمن بن مهدي يقولان: الجهمية تدور أن ليس في السماء شيء. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في السنة: حدثني أبي سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركنا من أصحابنا ولا بلغني إلا على الاستثناء والإيمان قول وعمل. قال يحيى وكان سفيان الثوري ينكر أن يقول أنا مؤمن، وحسن يحيى الزيادة والنقصان\n_________\n(١) السير (٩/ ١٧٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٩).\n(٢) الإخلاص الآية (١).\n(٣) السير (٩/ ١٨٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٩).\n(٤) القصص الآية (٣٠).\n(٥) السنة لعبد الله (٣٢) والفتاوى الكبرى (٥/ ٥٣).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٢/٥٦/ ٢٥٥).","vol":"3","page":165},{"text":"ورآه. (١)\n- وعن الإمام أحمد قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدا من أصحابنا لا ابن عون ولا غيره إلا وهم يستثنون في الإيمان. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن عبد الله بن عمر (٣) قال: كنا نجالس يحيى بن سعيد فينشر علينا مثل اللؤلؤ، فإذا اطلع ربيعة؛ قطع يحيى الحديث إعظاما لربيعة، فبينا نحن يوما عنده وهو يحدثنا ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٤)؛ قال له جميل بن بنانة العراقي وهو جالس معنا: يا أبا محمد! أرأيت السحر من تلك الخزائن.\nفقال يحيى: سبحان الله! ما هذا من مسائل المسلمين، فقال عبد الله بن أبي حبيبة: إن أبا محمد ليس بصاحب خصومة، ولكن علي فأقبل (٥)، أما أنا؛ فأقول: إن السحر لا يضر إلا بإذن الله؛ أفتقول أنت غير ذلك؟ فسكت، فكأنما سقط عن جبل. (٦)\n\" التعليق:\nرضي الله عنك يا يحيى فما هذا من مسائل المسلمين، ورضي الله عنك\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٨٢) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٣/١٧٩٤) والسنة للخلال (٣/ ٥٩٥/١٠٥٢) مختصرا.\n(٢) السنة للخلال (٣/ ٥٩٥/١٠٥٣).\n(٣) هكذا في الأصل والصواب عبيد الله بن عمر.\n(٤) الحجر الآية (٢١).\n(٥) في الشريعة: ولكن على ما قيل.\n(٦) الإبانة (٢/ ١١/٣٢٠/ ٢٠٠٦) والشريعة (١/ ٤٥٥/٥٨٦).","vol":"3","page":166},{"text":"يا عبد الله بن أبي حبيبة بعلم نطقت قال الله ﷿: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١).\n\n- وجاء في مجموع الفتاوى: قال يحيى بن سعيد القطان: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة. (٢)\n\nسفيان بن عيينة (٣) (١٩٨ هـ)\nابن أبي عمران ميمون مولى محمد بن مزاحم، أخي الضحاك بن مزاحم، الإمام الكبير حافظ العصر، شيخ الإسلام أبو محمد الهلالي الكوفي ثم المكي. طلب الحديث وهو حدث، بل غلام، ولقي الكبار، وحمل عنهم علما جما، وأتقن، وجود، وجمع وصنف، وعمر دهرا وازدحم الخلق عليه، وانتهى إليه علو الإسناد، ورحل إليه من البلاد، وألحق الأحفاد بالأجداد. سمع من عمرو بن دينار، وأكثر عنه، ومن زياد بن علاقة، والأسود بن قيس وغيرهم. كان طلبة العلم يحجون وما همهم إلا لقي سفيان، فيزدحمون عليه في الموسم ازدحاما عظيما إلى الغاية لإمامته وعلو إسناده وحفظه.\n_________\n(١) البقرة الآية (١٠٢).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٥٨).\n(٣) طبقات ابن سعد (٥/ ٤٩٧ - ٤٩٨) والجرح والتعديل (١/ ٣٢ - ٥٤) وتاريخ بغداد (٩/ ١٧٤ - ١٨٤) وتهذيب الكمال (١١/ ١٧٧ - ١٩٦) والسير (٨/ ٤٥٤ - ٤٧٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٦٢ - ٢٦٥) ووفيات الأعيان (٢/ ٣٩١ - ٣٩٣) والفهرست لابن النديم (٣١٢) وميزان الاعتدال (٢/ ١٧٠ - ١٧١) والحلية (٧/ ٢٧٠ - ٢١٨) والعقد الثمين (٤/ ٥٩١ - ٥٩٢).","vol":"3","page":167},{"text":"وحدث عنه: الأعمش، وابن جريج وشعبة وهؤلاء من شيوخه، وهمام ابن يحيى والحسن بن حي وغيرهم. قال الإمام الشافعي: لولا مالك وسفيان ابن عيينة لذهب علم الحجاز. قال إبراهيم بن الأشعث: سمعت ابن عيينة يقول: من عمل بما يعلم، كفي ما لم يعلم. قال محمود بن والان: سمعت عبد الرحمن بن بشر، سمعت ابن عيينة يقول: غضب الله الداء الذي لا دواء له، ومن استغنى بالله أحوج الله إليه الناس. توفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال عنه الذهبي: صاحب سنة واتباع. (١)\n- جاء في ذم الكلام عنه قال: من شهد جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع. (٢)\n\" التعليق:\nرحم الله سلفنا، ما أكثر فقههم وأغزر علمهم وما أعظم غيرتهم على عقيدتهم. يقاطعون المبتدعة في الحياة والممات. وأما نحن الآن فلو قال أحدنا مثل هذا أو فعله لقامت الدنيا عليه وقعدت، ووصف بكل وصف مشين وعد من المغلقين غير المتفتحين عند المثقفين، اللهم وفق شبابنا لقراءة مثل هذه المواقف المشرفة التي سحقت كل التحديات بعلمها وعملها.\n_________\n(١) السير (٨/ ٤٦٦)\n(٢) ذم الكلام (ص.٢٢٢).","vol":"3","page":168},{"text":"- قال أبو بكر بن أبي شيبة: كنا عند ابن عيينة، فسأله منصور بن عمار عن القرآن فزبره، وأشار إليه بعكازه، فقيل: يا أبا محمد، إنه عابد، فقال: ما أراه إلا شيطانا. (١)\n- قال ابن عبد البر: قرأت على أبي عثمان سعيد بن نصر: أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال: حدثنا ابن وضاح قال: سمعت ابن أبي إسرائيل يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة، قال: وسمعت ابن أبي إسرائيل يقول: سمعت سفيان يقول: اسلكوا سبيل الحق، ولا تستوحشوا من قلة أهله. (٢)\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن بكر بن الفرج أبي العلا قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر، وتقديم أبي بكر وعمر، والحوض، والشفاعة، والميزان، والصراط، والإيمان: قول وعمل، والقرآن: كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (٣)\n- عن إسحاق ابن أبي إسرائيل قال: سمعت سفيان بن عيينة، وذكر عنده حماد بن زيد فجعل يعظم من أمره ثم قال: يرحمه الله، إن كان لمتبعا لسنة نبيه - ﷺ -، قال سفيان: ملاك الأمر الاتباع. (٤)\n_________\n(١) السير (٩/ ٩٤).\n(٢) فتح البر (١/ ٢٠٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٧٥/٣١٦).\n(٤) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٧).","vol":"3","page":169},{"text":"- وعنه قال: سمعت سفيان يقول: إذا كان يأتم بمن قبله فهو إمام لمن بعده. (١)\n- عن علي بن خشرم قال: كنا في مجلس سفيان بن عيينة فقال: يا أصحاب الحديث، تعلموا فقه الحديث، لا يقهركم أهل الرأي، ما قال أبو حنيفة شيئا إلا ونحن نروي فيه حديثا أو حديثين. قال: فتركوه، وقالوا: عمرو بن دينار عن من؟ (٢)\n- وجاء في ذم الكلام: عن علي بن حرب قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول في قوله ﴿والشهداء وَالصَّالِحِينَ﴾ (٣). قال الصالحون هم أصحاب الحديث. (٤)\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كان السلف، سفيان بن عيينة وغيره، يقولون: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود. ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. (٥)\n- جاء في مجموع الفتاوى: قيل لسفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة بأهوائهم؟. فقال أنسيت قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٣٦).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٥٤٩ - ٥٥٠).\n(٣) النساء الآية (٦٩).\n(٤) ذم الكلام (ص.٢٢١) وأورده الذهبي في السير (٨/ ٤٦٩).\n(٥) الاقتضاء (١/ ٦٧).","vol":"3","page":170},{"text":"العجل بِكُفْرِهِمْ﴾ (١) أو نحو هذا من الكلام؟ قال شيخ الإسلام عقبه: فعباد الأصنام يحبون آلهتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٤) ولهذا يميل هؤلاء إلى سماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة، التي لا تختص بأهل الإيمان، بل يشترك فيها محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب الصلبان، ومحب الأوطان، ومحب الإخوان، ومحب المردان، ومحب النسوان، وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. (٥)\n- وعن سفيان قال: لا تجد مبتدعا إلا وجدته ذليلا، ألم تسمع إلى قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ\n_________\n(١) البقرة الآية (٩٣).\n(٢) البقرة الآية (١٦٥).\n(٣) القصص الآية (٥٠).\n(٤) النجم الآية (٢٣).\n(٥) الفتاوى (١٠/ ١٧٠).","vol":"3","page":171},{"text":"فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١). (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن عبد الصمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول لرجل: من أين جئت؟ قال: من جنازة فلان. قال سفيان: لا أحدثك بحديث سنة، فاستغفر الله ولا تعد. نظرت إلى رجل يشتم أصحاب محمد فاتبعت جنازته؟ (٣)\n- وقال سفيان بن عيينة وغيره: إن الله عاتب الخلق جميعهم في نبيه إلا أبا بكر. وقال: من أنكر صحبة أبي بكر فهو كافر، لأنه كذب القرآن. (٤)\nيعني قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. (٥)\n- قال الإمام أحمد: سمعت سفيان يقول: كم من كربة قد فرجها السيف عن وجه رسول الله - ﷺ - بسيف الزبير، بشر قاتله بالنار. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1213>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: قال أبو العباس السراج في تاريخه: حدثنا عباس بن\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٥٢).\n(٢) شعب الإيمان (٩٥٢٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٤٦/٢٨١٦).\n(٤) المنهاج (٨/ ٣٨١).\n(٥) التوبة الآية (٤٠).\n(٦) السنة للخلال (١/ ٤٦٨).","vol":"3","page":172},{"text":"أبي طالب حدثنا أبو بكر عبد الرحمن بن عفان سمعت ابن عيينة في السنة التي أخذوا فيها بشرا المريسي بمنى فقام سفيان في المجلس مغضبا فقال: لقد تكلموا في القدر والاعتزال، وأمرنا باجتناب القوم، رأينا علماءنا، هذا عمرو بن دينار وهذا محمد بن المنكدر حتى ذكر أيوب بن موسى والأعمش ومسعرا ما يعرفونه إلا كلام الله ولا نعرفه إلا كلام الله، فمن قال غير هذا فعليه لعنة الله مرتين فما أشبه هذا بكلام النصارى فلا تجالسوهم. (١)\n- وفيها: قال الطبراني: حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي: قيل لسفيان بن عيينة: إن بشرا المريسي يقول: إن الله لا يرى يوم القيامة. فقال: قاتل الله الدويبة، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ ربهم يومئذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢) فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء فأي فضل للأولياء على الأعداء؟ (٣)\n- وفيها قال محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا لوين قال: قيل لابن عيينة: هذه الأحاديث التي تروى في الرؤية؟ قال: حق على ما سمعناها ممن نثق به ونرضاه. (٤)\n- وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني أحمد بن نصر قال: سألت ابن عيينة وجعلت ألح عليه، فقال: دعني أتنفس، فقلت: كيف حديث\n_________\n(١) السير (٨/ ٤٦٨) والفتاوى الكبرى (٥/ ٥٣).\n(٢) المطففين الآية (١٥).\n(٣) السير (٨/ ٤٦٨).\n(٤) السير (٨/ ٤٦٦) وأصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٨/٨٧٧) والشريعة (٢/ ٩/٦١٧).","vol":"3","page":173},{"text":"عبد الله عن النبي - ﷺ -: \"إن الله يحمل السماوات على إصبع\" (١) وحديث \"إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن\" (٢) وحديث \"إن الله يعجب أو يضحك ممن يذكره في الأسواق\" (٣) فقال سفيان: هي كما جاءت نقر بها ونحدث بها بلا كيف. (٤)\n- قال البغوي: وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقال: أمروها كما جاءت بلا كيف. (٥)\n- وعن موسى بن إسحاق الأنصاري قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل. (٦)\n- قال أبو محمد عوام: أنا كنت صاحب بشر المريسي عند ابن عيينة. قال: وجئنا لنقتله فهرب. (٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>موقفه من القائلين بخلق القرآن:</span>\n- جاء في السير: قال الحافظ ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن الفضل بن\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف وكيع بن الجراح سنة (١٩٦هـ).\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ١٦٨) ومسلم (٤/ ٢٠٤٥/٢٦٥٤) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١٤/٧٧٣٩) من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأما إثبات الضحك والعجب لله ﷿ فقد صح في غير حديث كما سيأتي معنا بإذن الله.\n(٤) السير (٨/ ٤٦٦ - ٤٦٧).\n(٥) مقدمة شرح السنة للبغوي (١/ ١٧١).\n(٦) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٧٨/٧٣٦) والفتح (١٣/ ٤٠٧).\n(٧) الإبانة (٢/ ١٣/١٠٤/ ٣٥٠).","vol":"3","page":174},{"text":"موسى حدثنا محمد بن منصور الجواز قال: رأيت سفيان بن عيينة سأله رجل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله منه خرج وإليه يعود. (١)\n- وفي الإبانة عنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق؛ فمن قال هو مخلوق، فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن سعيد بن نصير قال: سمعت ابن عيينة يقول: ما يقول هذا الدويبة -يعني بشرا المريسي-؟ قالوا: يا أبا محمد، يزعم أن القرآن مخلوق. قال: فقد كذب. قال الله ﷿: ﴿ألا له الخلق وَالْأَمْرُ﴾ (٣) فالخلق خلق الله والأمر القرآن. (٤)\n- وفيه عنه قال: أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. (٥)\n- وفيه عن إسحاق بن إسماعيل قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: لا نحسن غير هذا: القرآن كلام الله ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦) ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٧). (٨)\n_________\n(١) السير (٨/ ٤٦٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٥٩/ ٢٦٢).\n(٣) الأعراف الآية (٥٤).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٤٤/٣٥٨) والشريعة (١/ ٢٢٢/١٨٤) والفتح (١٣/ ٥٣٢ - ٥٣٣).\n(٥) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣/ ٣٨٦).\n(٦) التوبة الآية (٦).\n(٧) الفتح الآية (١٥).\n(٨) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤/ ٥٨١).","vol":"3","page":175},{"text":"وفيه عنه قال: من لم يقل إن القرآن كلام الله وإن الله يرى في الجنة فهو جهمي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن إسحاق بن بهلول قال: سألت ابن عيينة عن الإيمان، فقال: قول وعمل يزيد وينقص، أما تقرأ ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٢). (٣)\n- عن سويد بن سعيد الهروي قال: سألنا سفيان ابن عيينة عن الإرجاء فقال: يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل. (٤)\n- وعن أبي عبد الله المصيصي قال: كنا عند سفيان بن عيينة فسأله رجل عن الإيمان فقال: قول وعمل قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى منه يعني مثل هذه، وأشار سفيان بيده. قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، إن الله ﷿ بعث محمدا - ﷺ - إلى الناس كافة، أن يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، فلما علم صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٥٨/٨٧٦).\n(٢) الفتح الآية (٤).\n(٣) السنة للخلال (٣/ ٥٩١/١٠٤٢).\n(٤) السنة لعبد الله (٩٨).","vol":"3","page":176},{"text":"يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالرجوع إلى مكة فيقتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم، ويصلوا بصلاتهم، ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتى أحدهم برأس أبيه.\nفقال: يا رسول الله هذا رأس الشيخ الكافر، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم، فلما علم الله تعالى صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبدا وأن يحلقوا رؤوسهم تذللا ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم، ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم، فأمرهم ففعلوا، حتى آتوا قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم ولا قتلهم آبائهم ولا طوافهم، فلما علم الله تعالى الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده قال الله تعالى لهم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، فمن ترك خلة من خلال الإيمان جحودا بها كان عندنا كافرا، ومن تركها كسلا ومجونا، أدبناه وكان ناقصا. هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس. (٢)\n- وعن أبي نصر فتح بن المغيرة قال: قيل لسفيان بن عيينة: الإيمان يزيد\n_________\n(١) المائدة الآية (٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ٥/٦٣٠ - ٦٣١/ ٨١٧) والشريعة (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩/ ٢٢١).","vol":"3","page":177},{"text":"وينقص؟ قال: أليس تقرؤون ﴿فزادهم إيمانًا﴾ (١) ﴿وزدناهم هدًى﴾ (٢) في غير موضع؟ قيل فينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص. (٣)\n- وعن الحميدي قال: سمعت ابن عيينة يقول: الإيمان يزيد وينقص. فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد لا تقولن: يزيد وينقص فغضب، وقال: اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء. (٤)\n- وعن محمد بن سليمان لوين، سمعت ابن عيينة غير مرة يقول: الإيمان قول وعمل. قال ابن عيينة: وأخذناه ممن قبلنا، وأنه لا يكون قول إلا بعمل، قيل لابن عيينة: يزيد وينقص، قال: فأي شيء إذا. (٥)\n- وعن أبي عبد الله قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إذا سئل أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه، وقال: سؤالك إياي بدعة ولا أشك في إيماني ولا يعنف من قال: إن الإيمان ينقص أو إن قال: إن شاء الله ليس يكره وليس بداخل في الشك. (٦)\n- وعن عبد الرزاق قال: سمعت سفيان الثوري وابن جريج ومالك بن أنس ومعمر بن راشد وسفيان بن عيينة يقولون: إن الإيمان قول وعمل يزيد\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٧٣).\n(٢) الكهف الآية (١٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ٨٥٠/١١٤٢) والشريعة (١/ ٢٧١/٢٦٤).\n(٤) الإبانة (٢/ ٨٥٤ - ٨٥٥/ ١١٥٥) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣٢/١٧٤٥) والشريعة (١/ ٢٧٢/٢٦٨) والإيمان لمحمد بن يحيى العدني (٢٨).\n(٥) الإبانة (٢/ ٧/٨٥٥/ ١١٥٧) والشريعة (١/ ٢٧١/٢٦٣) والسنة لعبد الله (٩٩).\n(٦) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٤/١٧٩٦) والإبانة (٢/ ٨٨١/١٢١٣) وبنحوه في الشريعة (١/ ٣٠٣/٣١٨) والسنة لعبد الله (٨٣).","vol":"3","page":178},{"text":"وينقص. (١)\n- وعن سويد بن سعيد الهروي قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: يقولون الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل. والمرجئون أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليس سواه لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر. وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود. أما آدم فنهاه عن أكل الشجرة وحرمها عليه، فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين، فسمي عاصيا من غير كفر، وأما إبليس فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا. وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي - ﷺ -، وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شرائعه، فسماهم الله كفارا. فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء. أما ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس. وتركهم على معرفة من غير جحود فهو مثل كفر علماء اليهود والله أعلم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>موقفه من القدرية:</span>\n- وجاء في ذم الكلام عن أبي جعفر الحذاء قال: قلت لسفيان بن عيينة: إن هذا يتكلم في القدر -أعني إبراهيم بن أبي يحيى- فقال: عرفوا\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٨ - ١٠٢٩/ ١٧٣٥) والسنة لعبد الله (٩٧) والشريعة (١/ ٢٧٢/٢٦٧) والإبانة (٢/ ٨١٣/١١١٤).\n(٢) السنة لعبد الله (١٠٠).","vol":"3","page":179},{"text":"الناس بدعته وسلوا ربكم العافية. (١)\n- وفي أصول الاعتقاد عنه قال: لا تصلوا خلف الرافضي ولا خلف الجهمي ولا خلف القدري ولا خلف المرجئ. (٢)\n- وجاء في الكفاية عن سويد بن سعيد قال: قيل لسفيان بن عيينة: لم أقللت الرواية عن سعيد بن أبي عروبة؟ قال: وكيف لا أقل الرواية عنه وسمعته يقول: هو رأيي ورأي الحسن ورأي قتادة، يعني القدر. (٣)\n- وجاء عنه في الميزان قال: رأيت ابن إسحاق في مسجد الخيف فاستحييت أن يراني معه أحد. اتهموه بالقدر. (٤)\n\nعبد الرحمن بن مَهْدِي (٥) (١٩٨ هـ)\nابن حسَّان بن عبد الرحمن، الإمام الناقد المجود، سيد الحفاظ أبو سعيد العنبري، وقيل: الأزدي، مولاهم البصري اللّؤلؤي. طلب هذا الشأن، وهو ابن بضع عشرة سنة. سمع أيمن بن نابل، وعمر بن أبي زائدة ومعاوية بن صالح وأمما سواهم. وحدث عنه: ابن المبارك وابن وهب -وهما من شيوخه- وعلي ويحيى وأحمد وإسحاق وابن أبي شيبة وخلق يتعذر حصرهم. وكان\n_________\n(١) ذم الكلام (١٧٧) والتلبيس (٢٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١١/١٣٦٤).\n(٣) الكفاية (١٢٣ - ١٢٤).\n(٤) الميزان (٣/ ٤٦٩).\n(٥) تاريخ ابن معين (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٧) وتاريخ خليفة (٤٦٨) والحلية (٩/ ٣ - ٦٣) وتاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٠ - ٢٤٨) وتهذيب الكمال (١٧/ ٤٣٠ - ٤٤٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٩ - ٣٣٢) والسير (٩/ ١٩٢ - ٢٠٩) وشذرات الذهب (١/ ٣٥٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٩١ - ٢٠٠/ص.٢٧٩ - ٢٨٨).","vol":"3","page":180},{"text":"إماما حجة، قدوة في العلم والعمل. قال الخليلي: قال الشافعي: لا أعرف له نظيرا في هذا الشأن. قال أيوب بن المتوكل: كنا إذا أردنا أن ننظر إلى الدين والدنيا ذهبنا إلى دار عبد الرحمن بن مهدي. قال محمد بن أبي بكر المقدمي: ما رأيت أحدا أتقن لما سمع ولما لم يسمع ولحديث الناس من عبد الرحمن بن مهدي، إمام ثبت أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، كان عرض حديثه على سفيان. قال علي بن المديني: كان علم عبد الرحمن في الحديث كالسحر، وقال علي بن المديني: لو أخذت فحلفت بين الركن والمقام، لحلفت بالله أني لم أر أحدا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي. وقال عبيد الله بن سعيد: سمعت ابن مهدي يقول: لا يجوز أن يكون الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح. وكان يقول: كان يقال: إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم فهو يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله دارسه، وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه، ولا يكون إماما في العلم مَن حدث عن كل أحد، ولا من يحدث بالشاذ، والحفظ للإتقان. توفي ابن مهدي بالبصرة في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة عن مقاتل بن محمد قال: قال لي عبد الرحمن بن مهدي يا أبا الحسن لا تجالس هؤلاء أصحاب البدع إن هؤلاء يفتون فيما تعجز عنه الملائكة. (١)\n- وجاء في السير قال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٣/ ٤٥٦).","vol":"3","page":181},{"text":"يقول: اترك من كان رأسا في بدعة يدعو إليها قال: فكيف يصنع بقتادة وابن أبي رواد وعمر بن ذر وذكر قوما ثم قال يحيى: إن ترك هذا الضرب ترك ناسا كثيرا. (١)\n- وروى الخطيب بسنده إلى محمد بن أبان قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحق الترك. (٢)\nتنبيه: قد ذكر الخطيب في الكفاية فصلا مفصلا في الأخذ عن أهل الأهواء والبدع (٣)، وهو عمدة من أتى بعده فليرجع إليه.\n\n- جاء في الإبانة عن أحمد بن سنان قال: جاء أبو بكر الأصم إلى عبد الرحمن بن مهدي فقال: جئت أناظرك في الدين، فقال: إن شككت في شيء من أمر دينك فقف حتى أخرج إلى الصلاة وإلا فاذهب إلى عملك. فمضى ولم يثبت. (٤)\n- وجاء عنه قال: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم. (٥)\n- وجاء في السير عن عبد الرحمن أنه كان يكره الجلوس إلى ذي هوى\n_________\n(١) السير (٥/ ٢٧٨) و(٩/ ١٩٩).\n(٢) الكفاية (ص.١٢٦ - ١٢٧).\n(٣) باب ما جاء في الأخذ عن أهل البدع والأهواء والاحتجاج برواياتهم (ص.١٢٠).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٨/ ٦٧٢).\n(٥) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٧٢) والمنهاج (٧/ ٣٧).","vol":"3","page":182},{"text":"أو ذي رأي. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن حماد بن زاذان قال: سمعت عبد الرحمن ابن مهدي يقول: إذا رأيت بصريا يحب حماد بن زيد فهو صاحب سنة. (٢)\n- وفيه عن علي بن المديني قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ابن عون في البصريين إذا رأيت الرجل يحبه فاطمئن إليه، وفي الكوفيين: مالك بن مغول، وزايدة بن قدامة إذا رأيت كوفيا يحبه فارج خيره، ومن أهل الشام: الأوزاعي وأبو إسحاق الفزاري، ومن أهل الحجاز مالك بن أنس. (٣)\n- عن بندار قال: ذكر الآراء عبد الرحمن بن مهدي بالبصرة فأنشأ يقول:\nدين النبي محمد آثار ... نعم المطية للفتى الأخبار\nلا تخدعن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار\nفلربما غلط الفتى سبل الهدى ... والشمس بازغة لها أنوار (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في الشريعة: عن عبد الرحمن بن مهدي قال: لو لم يكن في عثمان ﵁ إلا هاتان الخصلتان كفتاه: جمعه المصحف، وبذله دمه دون دماء المسلمين. (٥)\n_________\n(١) السير (٩/ ٢٠٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ٦٩/٣٨).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ٦٩/٤١).\n(٤) ذم الكلام (ص.١٠١).\n(٥) الشريعة (٣/ ٨/١٢٦٨).","vol":"3","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1220>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول لفتى من ولد جعفر بن سليمان: مكانك؟ فقعد حتى تفرق الناس. ثم قال: تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف، وكل ذلك يجرى مني على بال رضي إلا أمرك وما بلغني، فإن الأمر لا يزال هينا ما لم يصر إليكم -يعني السلطان- فإذا صار إليكم جل وعظم فقال: يا أبا سعيد وما ذاك؟ قال: بلغني أنك تتكلم في الرب ﵎ وتصفه وتشبهه. فقال الغلام: نعم فأخذ يتكلم في الصفة. فقال: رويدك يا بني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق فإذا عجزنا عن المخلوقات فنحن عن الخالق أعجز وأعجز. أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني قال: سمعت زرا قال: قال عبد الله في قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (١) قال: رأى جبريل له ستمائة جناح (٢)، قال: نعم فعرف الحديث، فقال عبد الرحمن: صف لي خلقا من خلق الله له ستمائة جناح؟ فبقي الغلام ينظر إليه فقال عبد الرحمن: يا بني فإني أهون عليك المسألة وأضع عنك خمسمائة وسبعة وتسعين. صف لي خلقا بثلاثة أجنحة ركب الجناح الثالث منه موضعا غير الموضعين الذين ركبهما الله حتى أعلم؟ فقال: يا أبا سعيد نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز\n_________\n(١) النجم الآية (١٨).\n(٢) أحمد (٣/ ٣٩٨) والبخاري (٨/ ٧٨٥/٤٨٥٧) ومسلم (١/ ١٥٨/١٧٤ (٢٨٢» واللفظ له. والترمذي (٥/ ٣٦٧/٣٢٧٧) والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٧٢/١١٥٣٤).","vol":"3","page":184},{"text":"وأعجز. فأشهدك أني قد رجعت عن ذلك وأستغفر الله. (١)\n- وفيه عنه: ما كنت أعرض أحدا من أهل الأهواء على السيف إلا الجهمية. (٢)\n- وفيه عنه قال: القرآن كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق. (٣)\n- وفيه عن عبد الرحمن بن عمر رسته قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي وسألته عن الصلاة خلف أصحاب الأهواء قال: نعم لا يصلي خلف هؤلاء الصنفين: الجهمية والروافض فإن الجهمية كفار بكتاب الله. (٤)\n- وجاء في السنة قال: حدثني عبد الله بن شبويه حدثنا محمد بن عثمان سمعت عبد الرحمن بن مهدي وسأله سهل بن أبي خدويه عن القرآن فقال: يا أبا يحيى مالك وهذه المسائل؟ هذه مسائل أصحاب جهم إنه ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم يدورون على أن يقولوا ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا. (٥)\n- وروى الآجري في الشريعة بالسند إلى عبد الرحمن بن مهدي قال: لو كان لي الأمر لقمت على الجسر فلا يمر بي أحد يقول القرآن مخلوق إلا ضربت عنقه وألقيته في الماء. (٦)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٥ - ٥٨٦/ ٩٣٢) والسير (٩/ ١٩٦ - ١٩٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩/ ٥٠٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٧/٤٨٨).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦/ ٥١٨).\n(٥) السنة لعبد الله (٣١) والإبانة (٢/ ١٣/٩٤ - ٩٥/ ٣٢٧) والفتاوى (٥/ ٥٢ - ٥٣).\n(٦) الشريعة (١/ ٢٢١/١٨١) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٩/٥٠٤) والإبانة (٢/ ١٢/٤٨ - ٤٩/ ٢٤٣) والسنة لعبد الله (١٦) والسير (٩/ ١٩٥).","vol":"3","page":185},{"text":"- وجاء في ذم الكلام عن محمد بن عيسى الطرسوسي سمعت عبد الرحمن بن عمر رسته من أهل أصبهان يقول: كانت لعبد الرحمن بن مهدي جارية فطلبها منه رجل فكان منه شبه العدة، فلما عاد إليه، قيل لعبد الرحمن: يا أبا سعيد هذا صاحب الخصومات فقال له عبد الرحمن: بلغني أنك تخاصم في الدين فقال: يا أبا سعيد إنا نضع عليهم لنحاجهم بها. فقال له عبد الرحمن: أتدفع الباطل بالباطل، إنما تدفع كلاما بكلام، قم عني والله لا أبيعك جاريتي أبدا. (١)\n- جاء في الإبانة عن سويد قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي وذكر الصوفية فقال: لا تجالسوهم ولا أصحاب الكلام، عليكم بأصحاب القماطر، فإنهم هم بمنزلة المعادن مثل الغواص، هذا يخرج درة وهذا يخرج قطعة ذهب. (٢)\n- وفيها عن أبي طالب: سألت أبا عبد الله عن ميراث الجهمي إذا كان له أخ أو ابن يرثه؟ قال: بلغني عن عبد الرحمن أنه قال: لو كنت أنا ماورثته، قلت: ما تقول أنت؟ قال: ما تصنع بقولي؟ قلت: على ذاك. قال: لست أقول شيئا. قلت: فإن ذهب إنسان إلى قول عبد الرحمن؛ تنكر عليه؟ قال: لم أنكر عليه كأنه أعجبه. (٣)\n- جاء في السير: ونقل غير واحد عن عبد الرحمن بن مهدي قال: إن\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٣٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٢/ ٤٨٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٣/٨٠/ ٣٠٧) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٣/٥١٣).","vol":"3","page":186},{"text":"الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى، وأن يكون استوى على العرش، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا، وإلا ضربت أعناقهم. (١)\nوفيها: قال أبو بكر بن أبي الأسود: سمعت ابن مهدي يقول بحضرة يحيى القطان، وذكر الجهمية، فقال: ما كنت لأناكحهم، ولا أصلي خلفهم.\n- قال عبد الرحمن بن عمر رسته: سمعت عبد الرحمن يقول: الجهمية يريدون أن ينفوا الكلام عن الله، وأن يكون القرآن كلام الله، وأن يكون كلم موسى، وقد وكده الله تعالى فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ موسى تكليمًا﴾ (٢).\n(٣)\n- ويروى عن ابن مهدي قال: من طلب العربية، فآخره مؤدب، ومن طلب الشعر، فآخره شاعر، يهجو أو يمدح بالباطل، ومن طلب الكلام، فآخر أمره الزندقة، ومن طلب الحديث، فإن قام به، كان إماما، وإن فرط، ثم أناب يوما، يرجع إليه، وقد عتقت وجادت. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1221>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال المروذي: وسمعت بعض مشايخنا يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: إذا ترك الاستثناء فهو أصل الإرجاء. (٥)\n- وعن الإمام أحمد قال: بلغني عن عبد الرحمن بن مهدي: أول الإرجاء\n_________\n(١) السير (٩/ ١٩٩ - ٢٠٠) والسنة لعبد الله (١٧) والإبانة (٢/ ١٤/٣١٨/ ٤٨٨) واجتماع الجيوش (٢٠٠ - ٢٠١) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٩/٥٠٥) والشريعة (٢/ ٨٥/٧٢٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٣١) ودرء التعارض (٦/ ٢٦١).\n(٢) النساء الآية (١٦٤).\n(٣) السير (٩/ ٢٠٤).\n(٤) السير (٩/ ١٩٩) وذم الكلام (٢٣٥).\n(٥) الإبانة (٢/ ٧/٨٧١/ ١١٨٨) والشريعة (١/ ٣٠٠ - ٣٠١).","vol":"3","page":187},{"text":"ترك الاستثناء. (١)\n- وعن يعقوب الدورقي قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: أنا أقول الإيمان يتفاضل. (٢)\n- وعن محمد بن أبان قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: الإيمان قول وعمل؟ قال: نعم، قلت: يزيد وينقص؟ قال: يتفاضل، كلمة أحسن من كلمة. (٣)\n- وعن إسماعيل بن حرب الكرماني قال: قيل لأحمد ما معنى حديث النبي - ﷺ -: من غش فليس منا (٤) فلم يجب فيه. قيل فإن قوما قالوا: من غشنا فليس مثلنا، فأنكره وقال: هذا تفسير مسعر وعبد الكريم بن أمية كلام المرجئة.\n- وقال أحمد: وبلغ عبد الرحمن بن مهدي فأنكره، وقال: لو أن رجلا عمل بكل حسنة أكان يكون مثل النبي - ﷺ -. (٥)\n- عن مهني قال: سمعت أحمد يقول: وذكر رجل عند الرحمن بن مهدي قول رسول الله - ﷺ -: \"ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب أو دعا دعوى الجاهلية\" (٦) فقال: الرجل إنما هو ليس مثلنا. فقال عبد الرحمن بن\n_________\n(١) السنة للخلال (٣/ ٥٩٨/١٠٦١).\n(٢) السنة لعبد الله (٩٣).\n(٣) السنة للخلال (٣/ ٥٨٠/١٠٠٥).\n(٤) أحمد (٢/ ٤١٧) ومسلم (١/ ٩٩/١٠١).\n(٥) السنة للخلال (٣/ ٥٧٦/٩٩٤).\n(٦) أحمد (١/ ٤٣٢) والبخاري (٣/ ٢١٣/١٢٩٧) ومسلم (١/ ٩٩/١٠٣) والنسائي (٤/ ١٣٩/١٨٦١) وابن ماجه (١/ ٥٠٤ - ٥٠٥/ ١٥٨٤) من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"3","page":188},{"text":"مهدي منكرا لقول الرجل: أرأيت لو عمل أعمال البر كلها كان يكون مثل رسول الله - ﷺ -. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1222>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السير: قال عبد الرحمن بن عمر رسته: رآني ابن مهدي يوم الجمعة جالسا إلى جنب أحمد بن عطاء، وكان يتكلم في القدر، وكان أزهد من رأيت فاعتذرت إلى عبد الرحمن، فقال: لا تجالسه، فإن أهون ما ينزل بك أن تسمع منه شيئا يجب لله عليك أن تقول له: كذبت، ولعلك لا تفعل. (٢)\n- وفي الإبانة: عن أحمد بن حنبل قال: سألوا عبد الرحمن بن مهدي عن القدر فقال لهم: الخير والشر بقدر. (٣)\n\nخالد بن سليمان أبو معاذ (٤) (١٩٩ هـ)\nخالد بن سليمان أبو معاذ البجلي. روى عن الثوري ومالك. حدث بأحاديث من حديثه مستقيمة ومنها ما لا يتابع عليه ومنها ما يرويه عن الضعفاء. توفي ﵀ سنة تسع وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية: روى عبد الرحمن بن أبي\n_________\n(١) السنة للخلال (٣/ ٥٧٦/٩٩٥).\n(٢) السير (٩/ ٤٠٨).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢٦٠ - ٢٦١/ ١٨٧٧).\n(٤) الجرح والتعديل (٣/ ٣٣٥) والثقات لابن حبان (٨/ ٢٢٤) وميزان الاعتدال (١/ ٦٣١) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٩١ - ٢٠٠/ص.١٦٧) ولسان الميزان (٢/ ٣٧٧).","vol":"3","page":189},{"text":"حاتم عنه بإسناده قال: كان جهم على معبر ترمذ، وكان فصيح اللسان لم يكن له علم ولا مجالسة أهل العلم، فكلم السمنية فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبده، فدخل البيت لا يخرج، ثم خرج إليه بعد أيام، فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء.\nقال أبو معاذ: كذب عدو الله، إن الله في السماء على العرش كما وصف نفسه. وهذا صحيح عنه. (١)\n\nإسحاق بن سليمان الرازي (٢) (١٩٩ هـ)\nإسحاق بن سليمان الرازي، أبو يحيى العبدي مولى عبد القيس، كوفي نزل الري. روى عن: مالك بن أنس، وحنظلة بن أبي سفيان الجمحي وسفيان الثوري، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ومعاوية الصدفي وغيرهم. روى عنه: أحمد بن حنبل، وسعيد بن سليمان الواسطي، وأبو بكر عبد الله بن محمد ابن أبي شيبة وغيرهم. قال عنه إسحاق بن منصور الكوسج: ما كان أهيأه، ما كان أبين خشوعه، يبكي كل ساعة. قال الذهبي: كان سيدا صالحا خاشعا ثقة حجة. قال أبو الأزهر: كان من خيار المسلمين. قال محمد بن سعد: كان ثقة، له فضل في نفسه وورع، وانتقل من الري إلى الكوفة، فأقام بها سنين، ثم رجع إلى الري فمات بها سنة تسع وتسعين ومائة.\n_________\n(١) اجتماع الجيوش (ص.٢٠٧) ومختصر العلو (١٦٣).\n(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٣٢٤ - ٣٢٦) وتهذيب الكمال (٢/ ٤٢٩ - ٤٣١) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥) وشذرات الذهب (١/ ٣٥٦) والوافي بالوفيات (٨/ ٤١٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ١٩١ - ٢٠٠/ص.٩٥ - ٩٦).","vol":"3","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1226>موقفه من الجهمية:</span>\nعن أبي عبد الله السلمي قال: سألت أبا يعقوب (١) إسحاق بن سليمان -يعني الرازي- عن القرآن؟ فقال: هو كلام الله ﷿ وهو غير مخلوق. فقال لي: إذا كنا نقول: القرآن كلام الله ﷿ ولا نقول مخلوق ولا غير مخلوق ليس بيننا وبين هؤلاء -يعني الجهمية- خلاف. فذكرت ذلك لأحمد ابن حنبل فقال لي أحمد: جزى الله أبا يعقوب خيرا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>موقف السلف من سعيد بن سالم القداح المرجئي (نيف وتسعون بعد المائة)</span>\nوقال الحميدي: حدثنا يحيى بن سليم أن سعيد بن سالم قال لابن عجلان: أرأيت إن أنا لم أرفع الأذى عن الطريق، أكون ناقص الإيمان؟ فقال: هذا مرجئ، من يعرف هذا؟ قال: فلما قمنا، عاتبته، فرد علي القول، فقلت: هل لك أن تقف، فتقول: يا أهل الطواف، إن طوافكم ليس من الإيمان، وأقول أنا: بل هو من الإيمان فننظر ما يصنعون، قال: تريد أن تشهرني؟ قلت: فما تريد إلى قول إذا أظهرته شهرك. (٣)\n_________\n(١) تقدم في ترجمته أن كنيته أبو يحيى، وهنا أبو يعقوب، فلعل له كنيتان.\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٨/٤٤٣) والسنة للخلال (٥/ ١٣٦).\n(٣) السير (٩/ ٣٢٠).","vol":"3","page":191},{"text":"أنس بن عياض (١) (٢٠٠ هـ)\nالإمام المحدث الصدوق المعمر بقية المشايخ، أبو ضَمْرَة أنس بن عِيَاض اللَّيثي المدني. حدث عن صفوان بن سليم، وأبي حازم الأعرج، وسهيل بن أبي صالح، وربيعة الرأي، وشريك بن أبي نمر وغيرهم. وحدث عنه: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأحمد بن صالح، وخلق كثير. عمر دهرا، وتفرد في زمانه.\nوقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أحدا أحسن خلقا من أبي ضمرة -﵀- ولا أسمح بعلمه منه. قال لنا: والله لو تهيأ لي أن أحدثكم بكل ما عندي في مجلس لفعلت. عاش ستا وتسعين سنة، توفي سنة مائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة: قال عبد الله حدثنا إسحاق بن البهلول قلت لأنس بن عياض أبي ضمرة: أصلي خلف الجهمية؟ قال: لا، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).اهـ (٣)\n_________\n(١) الوافي بالوفيات (٩/ ٤١٧) والسير (٩/ ٨٦ - ٨٧) وتاريخ ابن معين (٢/ ٤٣) ومشاهير علماء الأمصار (١٤٢) والجرح والتعديل (٢/ ٢٨٩) وتهذيب الكمال (٣/ ٣٤٩ - ٣٥٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤) وشذرات الذهب (١/ ٣٥٨).\n(٢) آل عمران الآية (٨٥).\n(٣) السنة لعبد الله (١٩) والسنة للخلال (٥/ ٩١ - ٩٢).","vol":"3","page":192},{"text":"يحيى بن سَلاَّم (١) (٢٠٠ هـ)\nابن أبي ثعلبة، الإمام العلامة أبو زكريا البصري، نزيل المغرب بإفريقية. حدث عن: سعيد بن أبي عروبة، وفطر بن خليفة، وشعبة والمسعودي، والثوري، ومالك. وروى عنه ابن وهب وهو من طبقته، وولده محمد بن يحيى وأحمد بن موسى وغيرهم. قال أبو عمرو الداني: روى الحروف عن أصحاب الحسن وغيره. وله اختيار في القراءة من طريق الآثار، سكن إفريقية دهرا وسمعوا منه تَفْسيرَه -الذي ليس لأحد من المتقدمين مثله- وكتابه الجامع قال: وكان ثقة ثبتا، عالما بالكتاب والسنة، وله معرفة باللغة والعربية ولد سنة أربع وعشرين ومائة. ومات بمصر بعد أن حج في صفر سنة مائتين ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1231>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في رياض النفوس: قال أبو العرب: سألت أبا يحيى بن محمد بن يحيى بن السلام، خاليا، عن قول جده في الإيمان، فقال لي: كان جدي يقول: الإيمان قول وعمل ونية. وكان يحيى ثقة صدوقا لا يقول عن جده إلا الحق.\nوعن أبي القاسم السدري، أنه كتب إليه عيسى بن مسكين يقول: حدثنا عون بن يوسف قال: قلت ليحيى بن السلام: إن الناس يرمونك بالإرجاء، قال عون: فأخذ يحيى لحيته بيده وقال: أحرق الله هذه اللحية بالنار إن كنت دنت الله ﷿ قط بالإرجاء، فقيل لعيسى: فما تقول أنت فيه؟\n_________\n(١) السير (٩/ ٣٩٦ - ٣٩٧) والجرح والتعديل (٩/ ١٥٥) والكامل لابن عدي (٧/ ٢٧٠٧ - ٢٧٠٨) وميزان الاعتدال (٤/ ٣٨٠ - ٣٨١) ولسان الميزان (٦/ ٢٥٩ - ٢٦١).","vol":"3","page":193},{"text":"فقال: والله إنه لخير منا، وقد برأه الله مما يقولون.\nوفي موضع آخر: كيف وقد حدثتكم أنه بدعة؟ (١)\n- وفيه: عن عون بن يوسف قال: كنت عند عبد الله بن وهب وهو يقرأ عليه، فمر حديث ليحيى بن السلام فقال: امحه!، فقال عون، فقلت له: لم تمحوه أصلحك الله؟ قال: بلغني أنه يقول بالإرجاء فقلت له: فأنا كشفته عن ذلك، فقال لي: أنت؟ فقلت له: نعم!، فقال لي: فما قال لك؟ قال: قلت له: فقال: معاذ الله أن يكون ذلك رأيي، أو أدين الله به، ولكن أحاديث رويتها عن رجال يقولون: الإيمان قول وآخرين يقولون: الإيمان قول وعمل، فحدثنا بما سمعنا منهم، فقال لي ابن وهب: فرجت عني، فرج الله عنك. قال عون: فلما قدمت القيروان -وكان يحيى باقيا بعد- أتاني فسلم علي وقال لي: يا أبا محمد، قد بلغني محضرك فجزاك الله خيرا. والله ما قلت إلا حقا وما دنت الله به قط. (٢)\n\nيعقوب بن موسى ابن أخي معروف الكرخي (٣) (٢٠٠ هـ سنة وفاة معروف الكرخي)\nأبو يوسف يعقوب بن موسى بن القيرزان ابن أخي معروف الكرخي. حكى عن عمه حكايات، وحكى أيضا عن الإمام أحمد بن حنبل، وسأله عن\n_________\n(١) رياض النفوس (١/ ١٩٠).\n(٢) رياض النفوس (١/ ١٩١ - ١٩٢).\n(٣) طبقات الحنابلة (١/ ٤١٧) وتاريخ بغداد (١٤/ ٢٧٦).","vol":"3","page":194},{"text":"مسائل. روى عنه إسحاق بن سنين الختلي وأحمد بن محمد بن مسروق الطوسي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>موقفه من الجهمية:</span>\nقال يعقوب ابن أخي معروف الكرخي: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال إنه مخلوق؛ فهو كافر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>موقف السلف من الهجيمي الصوفي القدري (٢٠٠ ه</span>ـ)\nقال فيه الذهبي: شيخ الصوفية العابد القانت أحمد بن عطاء الهجيمي البصري القدري المبتدع، فما أقبح بالزهاد ركوب البدع. (٢)\nوقال علي بن المديني: أتيته يوما، فوجدت معه درجا يحدث به، فقلت له: أسمعت هذا؟ قال: لا ولكن اشتريته وفيه أحاديث حسان أحدث بها هؤلاء، فقلت: أما تخاف الله؟ تقرب العباد إلى الله بالكذب على رسول الله - ﷺ -.\nقال الذهبي: ما كان الرجل يدري ما الحديث، ولكنه عبد صالح، وقع في القدر، نعوذ بالله من ترهات الصَّوَفَة، فلا خير إلا في الاتباع، ولا يمكن الاتباع إلا بمعرفة السنن. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٧٢ - ٧٣/ ٢٩٩).\n(٢) السير (٩/ ٤٠٨).\n(٣) السير (٩/ ٤٠٩).","vol":"3","page":195},{"text":"علي بن عاصم الواسطي (١) (٢٠١ هـ)\nالإمام العلامة شيخ المحدثين مسند العراق أبو الحسن علي بن عاصم بن صهيب القرشي التيمي مولى قريبة أخت القاسم بن محمد بن أبي بكر، الواسطي. ولد سنة سبع ومائة، فهو من أسنان سفيان بن عيينة. روى عن سهيل بن أبي صالح، وعطاء بن السائب وحصين بن عبد الرحمن وحميد الطويل وخالد الحذاء وخلق سواهم. حدث عنه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويزيد بن زريع مع تقدمه وعبد بن حميد ومحمد بن يحيى الذهلي وخلق كثير. قال يعقوب بن شيبة: كان من أهل الدين والصلاح والخير البارع وكان شديد التوقي ومنهم من أنكر عليه كثرة الغلط والخطأ. قال ابن أعين: سمعت علي بن عاصم يقول: دفع إلي أبي مائة ألف درهم، قال: اذهب فلا أرى لك وجها إلا بمائة ألف حديث. قال البيكندي: كان يجتمع عند علي ابن عاصم أكثر من ثلاثين ألفا. مات سنة إحدى ومائتين. قال يعقوب بن شيبة: سمعت عاصم بن علي يقول: أخبرني أبي أنه صام ثمانين شهر رمضان لم يفطر فيها يوما. قال: ومات وهو ابن أربع وتسعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن القيم: جاء في الرد على الجهمية لابن أبي حاتم:\nصح عنه قال: الذين قالوا إن لله سبحانه ولدا أكفر من الذين قالوا إن\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٣١٣) والتاريخ الكبير (٦/ ٢٩٠) وتاريخ بغداد (١١/ ٤٤٦ - ٤٥٨) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٥٠٤ - ٥٢٠) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٤٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣١٦ - ٣١٧) والسير (٩/ ٢٤٩ - ٢٦٢) وشذرات الذهب (٢/ ٢).","vol":"3","page":196},{"text":"الله سبحانه لم يتكلم، وقال احذروا من المريسي وأصحابه فإن كلامهم الزندقة وأنا كلمت أستاذهم فلم يثبت أن في السماء إِلهًا.\n- وقال يحيى بن علي بن عاصم: كنت عند أبي فاستأذن عليه المريسي فقلت له: يا أبتي مثل هذا يدخل عليك؟ فقال: وما له؟ فقلت: إنه يقول إن القرآن مخلوق ويزعم أن الله معه في الأرض وكلاما ذكرته، فما رأيته اشتد عليه مثل ما اشتد عليه قوله إن القرآن مخلوق وقوله إن الله معه في الأرض. (١)\n- قال علي بن عاصم: ما اليهود والنصارى بأعظم على الله فرية ممن زعم أنه لا يتكلم. (٢)\n\nحمَّاد بن أُسَامة الكوفي (٣) (٢٠١ هـ)\nالحافظ الثبت الإمام الحجة، أبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي، الكوفي مولى بني هاشم. ولد في حدود العشرين ومائة. حدث عن هشام بن عروة والأعمش وشعبة وسفيان وبهز بن حكيم وخلق كثير. وكان من أئمة العلم. حدث عنه عبد الرحمن بن مهدي والشافعي وأحمد والحميدي وإسحاق وخلق سواهم. عن أحمد بن حنبل قال: أبو أسامة ثقة، كان أعلم الناس بأمور الناس، وأخبار أهل الكوفة، ما كان أرواه عن هشام بن عروة. قال ابن الفرات: كان عند أبي أسامة ست مائة حديث عن هشام بن عروة. قال\n_________\n(١) اجتماع الجيوش (٢٠٢) وطرفه الأول نحوه في الإبانة (٢/ ١٣/١٠٦ - ١٠٧/ ٣٥٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٤/٣٢٢/ ٤٩٩).\n(٣) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٩٤) والتاريخ الكبير (٣/ ٢٨) وتهذيب الكمال (٧/ ٢١٧ - ٢٢٤) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢) والسير (٩/ ٢٧٧ - ٢٧٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٢١) وشذرات الذهب (٢/ ٢).","vol":"3","page":197},{"text":"ابن عمار: كان أبو أسامة في زمان سفيان يعد من النساك. قال ﵀ عن نفسه: كتبت بأصبعي هاتين مائة ألف حديث. قال البخاري: مات في ذي القعدة سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن أبي نصر يعني بشرا، قال: سمعت أبا أسامة، يقول: جزى الله عنا خيرا من أعان الإسلام بشطر كلمة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1240>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في جامع بيان العلم: قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: سألت أبا أسامة أيما كان أفضل، معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لا نعدل بأصحاب محمد - ﷺ - أحدا. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن يحيى بن معين قال: سمعت أبا أسامة يقول: من يقدم عليا على عثمان فهو أحمق. (٣)\n\nضَمْرَة بن رَبِيعة الرمليّ (٤) (٢٠٢ هـ)\nالإمام الحافظ، أبو عبد الله ضمرة بن ربيعة القرشي مولاهم الدمشقي ثم الرملي، العبد الصالح المأمون القدوة محدث فلسطين. ثقة في الحديث. روى\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١/٢١٤/ ٥٦).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٧٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٥٢/٢٦٢٢).\n(٤) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٧١) التاريخ الكبير (٤/ ٣٣٧) وتهذيب الكمال (١٣/ ٣١٦ - ٣٢١) تهذيب التهذيب (٤/ ٤٦٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٥٣) والسير (٩/ ٣٢٥ - ٣٢٧).","vol":"3","page":198},{"text":"عن إبراهيم بن أبي عبلة، والأودي والثوري ومولاه علي بن أبي حملة وسعيد ابن عبد العزيز وخلق سواهم. وروى عنه إسماعيل بن عياش ونعيم بن حماد، وعبد الله بن ذكوان وهشام بن عمار، وخلق كثير. قال آدم بن أبي إياس: ما رأيت أحدا أعقل لما يخرج من رأسه من ضمرة. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا خيرا لم يكن هناك أفضل منه. مات في أول رمضان سنة اثنتين ومائتين في خلافة عبد الله بن هارون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ضمرة بن ربيعة: ترك جهم الصلاة أربعين يوما على وجه الشك، فخاصمه بعض السمنية فشك، فأقام أربعين يوما لا يصلي، قال ضمرة: وقد رآه ابن شوذب. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1243>موقفه من القدرية:</span>\nقال ضمرة بن ربيعة: لم نؤمر أن نتكل على القدر، وإليه نصير. (٢)\n\nعبد الحميد بن عبد الرحمن الحِمَّانِي (٣) (٢٠٢ هـ)\nأبو يحيى الكوفي والد يحيى بن عبد الحميد الحماني وعبد الرحمن، لقبه بَشْمِين، أصله خوارزمي، وحمان من تميم. روى عن جرير بن عبد الحميد،\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٤١).\n(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٥).\n(٣) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٩٩) وتاريخ خليفة (٣٣٣) والتاريخ الكبير (٦/ ٤٥) وتهذيب الكمال (١٦/ ٤٥٢ - ٤٥٥) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٢٠) تاريخ الإسلام (حوادث ٢٠١ - ٢١٠/ص.٢٢٧) وشذرات الذهب (٢/ ٣) والتقريب (١/ ٥٥٦).","vol":"3","page":199},{"text":"والحسين بن عمارة، والسفيانين والأعمش، وعثمان بن واقد العمري، وأبي حنيفة وغيرهم. روى عنه أحمد بن سنان القطان، والحسين بن يزيد الكوفي، وأبو بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن إسماعيل الواسطي وخلق سواهم. قال عبد الله بن أحمد الدورقي عن يحيى بن معين: يحيى بن عبد الحميد الحماني، ثقة وأبوه ثقة. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ ورمي بالإرجاء. قال هارون بن عبد الله الحمال: مات سنة اثنتين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>موقفه من الجهمية:</span>\nعن أحمد بن عمر الكوفي: سمعت عبد الحميد الحماني يقول: جهم كافر بالله. (١)\n\nأبو داود الطَّيَالِسِي (٢) (٢٠٣ هـ)\nالحافظ الكبير، صاحب المسند، سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الفارسي ثم الأسدي ثم الزبيري مولى آل الزبير بن العوام، الحافظ البصري، أحد الأعلام الحفاظ. سمع ابن عون وأيمن بن نابل وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي وشعبة والحمادين، وغيرهم. وعنه أحمد والفلاس وبندار وابن الفرات وعباس الدوري وغيرهم. قال الفلاس: ما رأيت أحفظ منه. قال عامر بن إبراهيم: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن ألف شيخ. وكان وكيع\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/٩١ - ٩٢/ ٣٢١) والسنة للخلال (٥/ ٨٤).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٨) والتاريخ الكبير (٤/ ١٠) وتاريخ بغداد (٩/ ٢٤) وتهذيب الكمال (١١/ ٤٠١ - ٤٠٨) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٧٦) والسير (٩/ ٣٧٨ - ٣٨٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٥١) وشذرات الذهب (٢/ ١٢).","vol":"3","page":200},{"text":"يقول: أبو داود جبل العلم. قال أحمد بن عبد الله العجلي: بصري ثقة، وكان كثير الحفظ، رحلت إليه فأصبته مات قبل قدومي بيوم، وكان قد شرب البلاذر هو وعبد الرحمن بن مهدي، فجذم هو، وبرص عبد الرحمن، فحفظ أبو داود أربعين ألف حديث، وحفظ عبد الرحمن عشرة آلاف حديث.\nمات سنة ثلاث ومائتين، وكان من أبناء الثمانين، رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1247>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال محمود بن غيلان: قيل لأبي داود الطيالسي: لم لا تحدث عن عبد الوارث؟ فقال: أأحدثك عن رجل كان يزعم أن يوما من عمرو بن عبيد أكبر من عمر أيوب السختياني، ويونس، وابن عون؟! (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>موقفه من الجهمية:</span>\nأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحددون ولا يشبهون ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف، قال أبو داود: وهو قولنا، قال البيهقي: وعلى هذا مضى أكابرنا. (٢)\n_________\n(١) السير (٨/ ٣٠٢).\n(٢) الفتح (١٣/ ٤٠٧).","vol":"3","page":201},{"text":"الحسين بن علي الجُعْفِي (١) (٢٠٣ هـ)\nشيخ الإسلام الإمام القدوة الحافظ المقرئ المجود، الزاهد بقية الأعلام، الحسين بن علي بن الوليد أبو عبد الله وأبو محمد الجعفي مولاهم الكوفي. قرأ القرآن على حمزة الزيات وأتقنه، وأخذ الحروف عن أبي عمرو بن العلاء، وعن أبي بكر بن عياش. سمع من الأعمش وجعفر بن برقان وسفيان الثوري وعدة، وصحب الفضيل بن عياض وغيره. حدث عنه سفيان بن عيينة وهو من شيوخه، وأحمد بن حنبل وابن راهويه وابن معين وخلق غيرهم. قال محمد بن رافع: ذاك راهب أهل الكوفة. قال ابن قتيبة: قيل لابن عيينة قدم حسين، فوثب وأتى فقبل يده وقال: قدم أفضل رجل يكون قط. قال حميد ابن الربيع: كتبنا عنه أكثر من عشرة آلاف حديث. وقال أحمد العجلي: كان ثقة لم أر أفضل منه، ولم أره إلا مقعدا وكان جميلا لباسا، مات سنة ثلاث ومائتين، عاش أربعا وثمانين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1250>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة لعبد الله عن عبد الله بن عمر قال: سمعت حسين بن علي الجعفي وحدث بحديث الرؤية (٢) قال: على رغم أنف جهم والمريسي. (٣)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٣٩٦) والتاريخ الكبير (٢/ ٣٨١) وتهذيب الكمال (٦/ ٤٤٩ - ٤٥٤) تهذيب التهذيب (٢/ ٣٥٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٤٩) والسير (٩/ ٣٩٧ - ٤٠١).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٣) السنة لعبد الله (٤٥).","vol":"3","page":202},{"text":"إبراهيم بن حبيب (١) (٢٠٣ هـ)\nابن الشهيد الأزدي، مولاهم أبو إسحاق البصري، والد إسحاق بن إبراهيم الشهيدي. روى عن أبيه حبيب بن الشهيد. روى عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي، وابنه إسحاق بن إبراهيم وسهل بن صالح الأنطاكي وغيرهم. قال ابن حجر: ثقة من التاسعة، مات سنة ثلاث ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1252>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة قال عبد الله: حدثني هارون بن سفيان حدثني إبراهيم ابن حبيب بن الشهيد قال: قال أبي: يا بني، لا تسمع من عمرو بن عبيد واسمع من عمرو قهرمان آل الزبير. (٢)\n\nعلي الرضى (٣) (٢٠٣ هـ)\nعلي بن موسى الكَاظِم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين أبو الحسن الهاشمي العلوي المدني. ولد بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة.\nروى عن أبيه وعبيد الله بن أرطأة، وعنه ابنه أبو جعفر محمد وأبو عثمان المازني والمأمون ودارم بن قبيصة، وطائفة.\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٢/ ٦٧ - ٦٩) وتقريب التهذيب (١/ ٣٣).\n(٢) السنة (١٥٣).\n(٣) الكامل لابن الأثير (٦/ ٣٢٦) وفيات الأعيان (٣/ ٢٦٩ - ٢٧١) وتهذيب الكمال (٢١/ ١٤٨ - ١٥٣) وسير أعلام النبلاء (٩/ ٣٨٧ - ٣٩٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٠١ - ٢١٠/ص.٢٦٩ - ٢٧٢) وميزان الاعتدال (٣/ ١٥٨)\nوتهذيب التهذيب (٧/ ٣٨٧ - ٣٨٩).","vol":"3","page":203},{"text":"كان سيد بني هاشم في زمانه، وأجلهم وأنبلهم، وكان المأمون يعظمه ويخضع له، ويتغالى فيه، حتى إنه جعله ولي عهده من بعده، وكتب بذلك إلى الآفاق، فثار لذلك بنو العباس وتألموا لإخراج الأمر عنهم.\nقال الذهبي: وقد كان علي الرضى كبير الشأن، أهلا للخلافة، ولكن كذبت عليه وفيه الرافضة، وأطروه بما لايجوز، وادعوا فيه العصمة، وغلت فيه، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، وهو بريء من عهدة تلك النسخ الموضوعة عليه.\nومن شعره:\nكلنا يأمل مدا في الأجل ... والمنايا هو آفات الأمل\nلا تغرنك أباطيل المنى ... والزم القصد ودع عنك العلل\nإنما الدنيا كظل زائل ... حل فيه راكب ثم رحل\nتوفي ﵀ في صفر سنة ثلاث ومائتين، عن خمسين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1254>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السير: قال الحاكم: حدثنا إسحاق بن محمد الهاشمي بالكوفة، حدثنا القاسم بن أحمد العلوي، حدثنا أبو الصلت الهروي، حدثني علي بن موسى الرضى قال: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1255>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في سير أعلام النبلاء: قال المبرد: عن أبي عثمان المازني قال: سئل\n_________\n(١) السير (٩/ ٣٨٩).","vol":"3","page":204},{"text":"علي بن موسى الرضى: أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ قال: هو أعدل من ذلك، قيل: فيستطيعون أن يفعلوا ما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك. (١)\n\nزُهَيْر البَابِي (٢) (٢٠٤ هـ)\nابن نُعَيْم السَّلُولي ويقال العِجْلِي أبو عبد الرحمن نزيل البصرة. روى عن بشر بن منصور السليمي، وسلام بن أبي مطيع ويزيد الرقاشي مرسل. روى عنه إبراهيم بن سعيد بن أنس، وأحمد بن إبراهيم. كان أحد العباد والزهاد والمتقشفين. عن زهير بن نعيم: إن هذا الأمر لا يتم إلا بشيئين: الصبر واليقين. قال سلمة بن شبيب: عن سهل بن عاصم: قلت لزهير بن نعيم: يا أبا عبد الرحمن ألك حاجة؟ قال: نعم، قلت: وما هي؟ قال: تتقي الله أحب إلي من أن يصير الحائط ذهبا. وقال سهل: وسمعت عنشط بن زياد يقول: سمعت زهير بن نعيم يقول: جالست الناس منذ خمسين سنة فما رأيت أحدا إلا وهو يتبع الهوى حتى إنه ليخطئ فيحب أن الناس قد أخطأوا، ولأن أسمع في جلدي صوت ضرب أحب إلي من أن يقال لي أخطأ فلان. وقال سهل: وسمعت زهيرا يقول: وددت أن جسدي قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق أطاعوا الله. توفي سنة أربع ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة: قال عبد الله: حدثني أحمد بن الدورق، سمعت زهيرا\n_________\n(١) السير (٩/ ٣٩١).\n(٢) الأنساب (٢/ ١٥) وتقريب التهذيب (١/ ٢٦٥) وتهذيب الكمال (٩/ ٤٢٦ - ٤٢٨).","vol":"3","page":205},{"text":"البابي يقول: إذا تيقنت أنه جهمي أعدت الصلاة خلفه، الجمعة وغيرها. (١)\n\nالشافعي (٢) (٢٠٤ هـ)\nمحمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الإمام، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة، أبو عبد الله القرشي ثم المطلبي الشافعي المكي الغزي المولد نسيب رسول الله - ﷺ - وابن عمه. ثبت في الحديث، حافظ لما وعى، عديم الغلط موصوف بالإتقان، متين الديانة. أخذ العلم ببلده عن مسلم ابن خالد الزنجي مفتي مكة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن أبي بكر وغيرهم. وارتحل إلى المدينة، فأخذ عن الإمام مالك وإبراهيم بن أبي يحيى وعبد العزيز الدراوردي. وحدث عنه الحميدي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأحمد بن حنبل وسليمان وغيرهم. وصنف التصانيف، ودون العلم، ورد على الأئمة متبعا الأثر، وصنف في أصول الفقه وفروعه، وبعد صيته، وتكاثر عليه الطلبة. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت محمد بن داود يقول: لم يحفظ في دهر الشافعي كله أنه تكلم في شيء من الأهواء، ولا نسب إليه ولا عرف به مع بغضه لأهل الكلام والبدع. وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: كان الشافعي إذا ثبت عنده\n_________\n(١) السنة (ص.١٩)\n(٢) السير (١٠/ ٥ - ٩٩) والجرح والتعديل (٧/ ٢٠٤ - ٢١٠) والحلية (٩/ ٢٣ - ١٦١) والفهرست لابن النديم (٢٩٤ - ٢٩٦) وتاريخ بغداد (٢/ ٥٦ - ٧٣) وترتيب المدارك (١/ ٢٢١ - ٢٣١) والأنساب (٧/ ٢٥١ - ٢٥٤) ومعجم الأدباء (١٧/ ٢٨١ - ٣٢٧) والوافي بالوفيات (٢/ ١٧١ - ١٨١) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٦١ - ٣٦٣) وآداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم وطبقات الشافعية الكبرى (١/ ١٠٠ - ١٠٧).","vol":"3","page":206},{"text":"الخبر قلده، وخير خصلة كانت فيه لم يكن يشتهي الكلام، إنما همته الفقه. قال أبو زرعة، سمعت قتيبة بن سعيد يقول: مات الثوري ومات الورع ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد ابن حنبل وتظهر البدع. قال أبو ثور الكلبي: ما رأيت مثل الشافعي، ولا رأى هو مثل نفسه. قال أحمد بن حنبل من طرق عنه إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله - ﷺ - الكذب قال: فنظرنا، فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز وفي رأس المائتين الشافعي. وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد يقول: ما أحد مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة. من أقواله: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم -يعني كتبه- على أن لا ينسب إلي منه شيء. وعنه قال: ما كابرني أحد على الحق ودافع، إلا سقط من عيني، ولا قبله إلا هبته، واعتقدت مودته.\nوعنه: العلم علمان: علم الدين وهو الفقه، وعلم الدنيا وهو الطب، وما سواه من الشعر وغيره فعناء وعبث. وسئل: مَن أقدر الفقهاء على المناظرة؟ قال: من عود لسانه الركض في ميدان الألفاظ لم يتلعثم إذا رمقته العيون. وعنه بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. وعنه ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه. وعنه ضياع العالم أن يكون بلا إخوان، وضياع الجاهل قلة عقله وأضيع منهما من واخى من لا عقل له. وعنه آلات الرياسة خمس: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وابتداء النصيحة، وأداء الأمانة.\nتوفي سنة أربع ومائتين.","vol":"3","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1259>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن محفوظ بن أبي توبة قال: قال لي الشافعي: يظن الناس أني إنما أرد عليهم طلبا للدنيا، ولولا خلافهم لسنة محمد - ﷺ - ما عرضت لهم. (١)\n- جاء في ذم الكلام عن يونس بن عبد الأعلى قال: قلت للشافعي: قال صاحبنا الليث بن سعد: لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء ما قبلته، فقال الشافعي: أما إنه قصر لو رأيته يمشي في الهواء ما قبلته. (٢)\n- جاء في جامع بيان العلم وفضله عن الشافعي قال: ليس لأحد أن يقول في شيء حلال ولا حرام إلا من جهة العلم، وجهة العلم: ما نص في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع فإن لم يوجد في ذلك فالقياس على هذه الأصول ما كان في معناها. (٣)\n- جاء في ذم الكلام قال الحميدي: كنا عند الشافعي فأتاه رجل فسأله عن مسألة فقال: قضى رسول الله - ﷺ - كذا وكذا فقال رجل للشافعي ما تقول؟ قال سبحانك تراني في كنيسة، تراني في بيعة، ترى على وسطي زنارا، أقول لك قضى رسول الله - ﷺ - وتقول لي ما تقول أنت؟. (٤)\n- وفي الحلية عن الربيع بن سليمان قال سأل رجل الشافعي عن حديث النبي - ﷺ - فقال له الرجل فما تقول؟ فارتعد وانتفض وقال: أي سماء\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٥٦).\n(٢) ذم الكلام (٢٤٨) وأصول الاعتقاد (١/ ١٦٤/٢٩٧) والإبانة (٢/ ٣/٥٣٤ - ٥٣٥/ ٦٦٢) والسير (١٠/ ٢٣) والاستقامة (١/ ٢٥٤) وتلبيس إبليس (٢٤).\n(٣) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٥٩) ومناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٤٧٤).\n(٤) ذم الكلام (١٠٧) والسير (١٠/ ٣٤) وإعلام الموقعين (٢/ ٢٨٥).","vol":"3","page":208},{"text":"تظلني وأي أرض تقلني إذا رويت عن رسول الله - ﷺ - وقلت بغيره. (١)\n- جاء في ذم الكلام قال الربيع: سمعت الشافعي روى حديثا فقال له رجل: نأخذ بهذا يا أبا عبد الله، فقال: متى رويت عن رسول الله - ﷺ - حديثا صحيحا ولم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب وأشار بيده على رؤوسهم. (٢)\n- وفيه قال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - ﷺ - فقولوا بسنة رسول الله - ﷺ - ودعوا ما قلت. (٣)\n- وكان يقول: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي. (٤)\n- وعنه قال: لم أسمع أحدا ينسبه عامة علمه أو ينسب نفسه إلى علم يخالف في أن الله فرض اتباع أمر رسول الله - ﷺ - والتسليم لحكمه بأن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وإنه لا يلزم قول بكل حال إلا لكتاب الله أو سنة رسول الله، وإن ما سواهما تبع لهما، وإن فرض الله علينا وعلى من قبلنا وبعدنا قبول الخبر عن رسول الله واحد لا يختلف فيه أنه الفرض، وواجب قبول الخبر عن رسول الله إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله. افترض الله علينا\n_________\n(١) الحلية (٩/ ١٠٦) ومناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٤٧٥) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٨) والسير مختصرا (١٠/ ٣٥) وإعلام الموقعين (٢/ ٢٨٦).\n(٢) ذم الكلام (١٠٨) وآداب الشافعي (٦٨و٩٣) والحلية (٩/ ١٠٦) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩) ومناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٤٧٤) والسير (١٠/ ٣٤).\n(٣) ذم الكلام (١٠٨) والفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٨) ومناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٤٧٢ - ٤٧٣) والسير (١٠/ ٣٤) و(١٠/ ٧٧ - ٧٨) ونحوه في تذكرة الحفاظ (١/ ٣٦٢).\n(٤) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١١).","vol":"3","page":209},{"text":"اتباع نبيه - ﷺ - قال: ﴿فلا وربك﴾ (١) وفرض علينا اتباع أمره فقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرسول فخذوه﴾ (٢) ثم بني على هذا كتاب إجماع أهل العلم. (٣)\n- وقال: كل متكلم على الكتاب والسنة فهو الجِد وما عداه فهو هذيان. (٤)\n- وقال: لا يحل لأحد من أهل الرأي أن يفتي، فإن حل فلمحمد بن الحسن. (٥)\n- وروي عن الشافعي أنه قال: مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عولج حتى برئ، فأغفل ما يكون قد هاج به. (٦)\n- وفي ذم الكلام عنه قال: السخاء والكرم يغطيان عيوب الدنيا والآخرة بعد أن لا يلحق صاحبه بدعة. (٧)\n- وفي الجرح والتعديل: وأما محمد بن الحسن فحدثنا محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن أنس، قلت على الإنصاف؟ قال: نعم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أو\n_________\n(١) النساء الآية (٦٥).\n(٢) الحشر الآية (٧).\n(٣) ذم الكلام (١٠٩ - ١١٠).\n(٤) ذم الكلام (٢٤٦) والسير (١٠/ ٢٠).\n(٥) ذم الكلام (١٠١).\n(٦) الاعتصام (٢/ ٧٨٢).\n(٧) ذم الكلام (٢٥٥).","vol":"3","page":210},{"text":"صاحبكم؟ قال صاحبكم، يعني مالكا. قلت: فمن أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟ قال اللهم صاحبكم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله - ﷺ - والمتقدمين صاحبنا أو صاحبكم؟ قال صاحبكم قال الشافعي: قلت لم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فمن لم يعرف الأصول فعلى أي شيء يقيس؟. (١)\n- وفي ذم الكلام عنه قال: لولا أصحاب الحديث لكنا بُياع الفول. (٢)\n- وقال: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي - ﷺ -، جزاهم الله خيرا، هم حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا الفضل. (٣)\n- وفي شرف أصحاب الحديث للخطيب بالسند إلى يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت النبي - ﷺ - حيا. (٤)\n\" التعليق:\nلأنه يحمل ميراثه ودعوته إلى التوحيد الخالص لا الترنم والتغني به كأنه أزجال يتغرد بها.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١٢ - ١٣) ومناقب الشافعي (١٥٩ - ١٦٠) والحلية (٦/ ٣٢٩) و(٩/ ٧٤) والانتقاء (٢٤) ومناقب أحمد (٤٩٨) والسير (٨/ ٧٥ - ٧٦) و(٨/ ١١٢) ووفيات الأعيان (٤/ ١٣٦).\n(٢) ذم الكلام (١٠٧).\n(٣) صيانة الإنسان (٣٠٨) وذم الكلام (١٠٩) والسير (١٠/ ٥٩ - ٦٠) وتلبيس إبليس (١٨) والحلية (٩/ ١٠٩).\n(٤) شرف أصحاب الحديث (٤٦).","vol":"3","page":211},{"text":"- وقال لبعض أصحاب الحديث: أنتم الصيادلة ونحن الأطباء. (١)\n- وفي ذم الكلام عنه: طلب العلم أفضل من صلاة التطوع. (٢)\n- عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت محمد بن داود يقول: لم يحفظ في دهر الشافعي كله أنه تكلم في شيء من الأهواء ولا نسب إليه ولا عرف به مع بغضه لأهل الكلام والبدع. (٣)\n- قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: المراء في الدين يقسي القلب، ويورث الضغائن. (٤)\n- جاء في درء التعارض عنه قال: ما ناظرت أحدا أحببت أن يخطئ إلا صاحب بدعة، فإني أحب أن ينكشف أمره للناس. (٥)\n- وقال الزعفراني: حج بشر المريسي، فلما قدم قال: رأيت بالحجاز رجلا، ما رأيت مثله سائلا ولا مجيبا -يعني الشافعي- قال: فقدم علينا فاجتمع إليه الناس، وخفوا عن بشر فجئت إلى بشر فقلت: هذا الشافعي الذي كنت تزعم قد قدم، قال: إنه قد تغير عما كان عليه، قال: فما كان مثل بِشْر إلا مثل اليهود في شأن عبد الله بن سلام. (٦)\n- قال أبو العباس الأصم: حدثنا الربيع بن سليمان: دخلت على الشافعي\n_________\n(١) السير (١٠/ ٢٣) وذم الكلام (٢٤٨).\n(٢) ذم الكلام (٢٤٧).\n(٣) السير (١٠/ ٢٦) وذم الكلام (٢٤٩).\n(٤) السير (١٠/ ٢٨) وذم الكلام (٢٥١).\n(٥) درء التعارض (٧/ ٢٤٩).\n(٦) السير (١٠/ ٤٤).","vol":"3","page":212},{"text":"وهو مريض، فسألني عن أصحابنا فقلت: إنهم يتكلمون، فقال: ما ناظرت أحدا قط على الغلبة، وبودي أن جميع الخلق تعلموا هذا الكتاب -يعني كتبه- على أن لا ينسب إلي منه شيء. قال هذا يوم الأحد، ومات يوم الخميس، وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة، فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومئتين، وله نيف وخمسون سنة. (١)\n- قال الميموني: سمعت أحمد يقول: سألت الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورات. (٢)\n- قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: قال الشافعي: أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح، فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفيا كان أو بصريا أو شاميا. (٣)\n- وقال حرملة: قال الشافعي: كل ما قلته فكان من رسول الله - ﷺ - خلاف قولي مما صح، فهو أولى، ولا تقلدوني. (٤)\n- وفي آداب الشافعي عن أبي ثور: سمعته يقول: كل حديث عن النبي - ﷺ - فهو قولي وإن لم تسمعوه مني. (٥)\n- وعن أبي إسماعيل قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا محمد بن عبد الله أخبرنا أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه حدثنا إبراهيم بن محمد الكوفي -وكان من الإسلام بمكان- قال: رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس،\n_________\n(١) السير (١٠/ ٧٦).\n(٢) السير (١٠/ ٧٧).\n(٣) السير (١٠/ ٣٣) وطبقات الحنابلة (١/ ٦).\n(٤) السير (١٠/ ٣٣) وآداب الشافعي (٦٧ - ٦٨) والحلية (٩/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(٥) آداب الشافعي (٩٤) والبداية (١٠/ ٢٦٥).","vol":"3","page":213},{"text":"ورأيت أحمد وإسحاق حاضرين، فقال الشافعي: قال رسول الله - ﷺ -: \"وهل ترك لنا عقيل من دار\" (١) فقال إسحاق: حدثنا يزيد عن الحسن وأخبرنا أبو نعيم وعبدة عن سفيان عن منصور عن إبراهيم أنهما لم يكونا يريانه، وعطاء وطاووس لم يكونا يريانه فقال الشافعي: من هذا؟ قيل: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي بن راهويه، فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم، ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بعرْك أذنيه، أقول: قال رسول الله - ﷺ -، وأنت تقول: عطاء وطاووس ومنصور عن إبراهيم والحسن، وهل لأحد مع رسول الله - ﷺ - حجة؟. (٢)\n- وروى أبو الشيخ الحافظ وغيره من غير وجه أن الشافعي لما دخل مصر أتاه جلة أصحاب مالك، وأقبلوا عليه، فلما أن رأوه يخالف مالكا، وينقض عليه جفوه وتنكروا له، فأنشأ يقول:\nأأنثر درا بين سارحة النعم ... وأنظم منثورا لراعية الغنم\nلعمري لئن ضيعت في شر بلدة ... فلست مضيعا بينهم غرر الحكم\nفإن فرج الله اللطيف بلطفه ... وصادفت أهلا للعلوم وللحكم\nبثثت مفيدا واستفدت ودادهم ... وإلا فمخزون لدي ومكتتم\nومن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم\nوكاتم علم الدين عمن يريده ... يبوء بإثم زاد وإثم إذا كتم (٣)\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٠٢) والبخاري (٣/ ٥٧٤/١٥٨٨) ومسلم (٢/ ٩٨٤/١٣٥١) وأبو داود (٢/ ٥١٤/٢٠١٠) وابن ماجه (٢/ ٩٨١/٢٩٤٢) والنسائي في الكبرى (٢/ ٤٨٠/٤٢٥٥) عن أسامة بن زيد.\n(٢) السير (١٠/ ٦٨) وذم الكلام (١٠٨).\n(٣) السير (١٠/ ٧١).","vol":"3","page":214},{"text":"قال أبو عبد الله بن منده: حدثت عن الربيع قال: رأيت أشهب بن عبد العزيز ساجدا يقول في سجوده: اللهم أمت الشافعي لا يذهب علم مالك فبلغ الشافعي، فأنشأ يقول:\nتمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد\nفقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد\nوقد علموا لو ينفع العلم عندهم ... لئن مت ما الداعي علي بمخلد (١)\n- عن الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي يقول: صحبة من لا يخشى العار عار في القيامة. (٢)\n- وعن الشافعي قال: لقد ضل من ترك حديث رسول الله - ﷺ - لقول من بعده. (٣)\n- وعنه قال: كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي - ﷺ - عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي. (٤)\n- وقال: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري. (٥)\n- وعن البويطي قال: سمعت الشافعي يقول: عليكم بأصحاب الحديث\n_________\n(١) السير (١٠/ ٧٢) والحلية (٦/ ١٤٩ - ١٥٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٦/ ٤٦٢).\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٦).\n(٤) ذم الكلام (١٠٨).\n(٥) إعلام الموقعين (٢/ ٢٠٠).","vol":"3","page":215},{"text":"فإنهم أكثر الناس صوابا. (١)\n- وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: كان الشافعي إذا ثبت عنده الخبر قلده، وخير خصلة كانت فيه أنه لم يكن يشتهي الكلام إنما همه الفقه. (٢)\n- وأخرج الآجري من طريق أبي عثمان: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان أحسن أمر الشافعي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به، وترك قوله. (٣)\n- وقال الربيع بن سليمان، قال الشافعي: من أبغض أحمد بن حنبل فهو كافر. فقلت: تطلق عليه اسم الكفر؟ فقال: نعم، من أبغض أحمد بن حنبل عاند السنة، ومن عاند السنة قصد الصحابة. ومن قصد الصحابة أبغض النبي، ومن أبغض النبي - ﷺ - كفر بالله العظيم. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1260>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي - ﷺ - القتل، وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. (٥)\n- جاء في السير: ويروى عن الشافعي: لولا المحابر لخطبت الزنادقة\n_________\n(١) ذم الكلام (١٠٩) والسير (١٠/ ٧٠).\n(٢) ذم الكلام (٢٤٩).\n(٣) الصوارم والأسنة (ص.١٧٩).\n(٤) طبقات الحنابلة (١/ ١٣).\n(٥) الصارم (٩).","vol":"3","page":216},{"text":"على المنابر (١).\n- وفيها: عن الشافعي قال: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير يشغلون به عن القرآن. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن غيلان بن المغيرة المصري قال: سمعت الشافعي يقول:\nالخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز. (٣)\n- عن المزني قال: أنشدني الشافعي من قيله:\nشهدت بأن الله لا شيء غيره ... وأشهد أن البعث حق وأخلص\nوأن عرى الإيمان قول مبين ... وفعل زكي قد يزيد وينقص\nوأن أبا بكر خليفة ربه ... وكان أبو حفص على الخير يحرص\nوأشهد ربي أن عثمان فاضل ... وأن عليا فضله متخصص\nأئمة قوم مقتدى بهداهم ... لحا الله من إياهم يتنقص\nفما لعتاة يشهدون سفاهة ... وما لسفيه لا يحيص ويخرص (٤)\n- جاء في السير عن صالح جزرة: سمعت الربيع يقول: قال الشافعي: يا ربيع اقبل مني ثلاثة: لا تخوضن في أصحاب رسول الله - ﷺ - فإن خصمك النبي - ﷺ - غدا، ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام على التعطيل،\n_________\n(١) السير (١٠/ ٧٠). ذم الكلام (١١٠).\n(٢) السير (١٠/ ٩١).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٧٤/٢٦٦٦) والسير (١٠/ ٢٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٧٤ - ١٤٧٥/ ٢٦٦٨).","vol":"3","page":217},{"text":"ولا تشتغل بالنجوم. (١)\n- وجاء في الإبانة عنه قال: لم أر أحدا من أصحاب الأهواء أكذب في الدعوى ولا أشهد بالزور من الروافض. (٢)\n- قال ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية: وصح عن الشافعي أنه قال: خلافة أبي بكر ﵁ حق قضاها الله في سمائه وجمع عليها قلوب عباده. (٣)\n- وفي ذم الكلام عن البويطي قال: سألت الشافعي: أصلي خلف الرافضي؟ قال: لا تصل خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجئ. قلت: صفهم لنا؟ قال: من قال: الإيمان قول فهو مرجئ ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين فهو رافضي، ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري. (٤)\n- وجاء في الشريعة: عن الربيع بن سليمان قال، سمعت الشافعي يقول: في الخلافة والتفضيل: لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي عنهم. (٥)\n- عن الحسين بن علي، سمعت الشافعي يقول: العشرة أشكال لهم أن يغير بعضهم على بعض، والمهاجرون الأولون والأنصار لهم أن يغير بعضهم على بعض، ومسلمة الفتح أشكال لهم أن يغير بعضهم على بعض، فإذا\n_________\n(١) السير (١٠/ ٢٨) والفتاوى الكبرى (٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦) وذم الكلام (٢٥١).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٤٥/ ٦٨٨) والمنهاج (١/ ٦١ - ٦٢) والكفاية (١٢٦) والسير (١٠/ ٨٩).\n(٣) اجتماع الجيوش (١٥٤) ومجموع الفتاوى (٥/ ٥٣).\n(٤) ذم الكلام (٢٥٥ - ٢٥٦) والسير (١٠/ ٣١).\n(٥) الشريعة (٣/ ٢٠/١٢٨٣) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٧٤).","vol":"3","page":218},{"text":"ذهب أصحاب محمد - ﷺ -، فحرام على تابع إلا اتباع بإحسان حذوا بحذو. (١)\n- جاء في السير: قال علي بن أحمد الدخمسيني: سمعت علي بن أحمد بن النضر الأزدي، سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن الشافعي، فقال: لقد من الله علينا به، لقد كنا تعلمنا كلام القوم، وكتبنا كتبهم، حتى قدم علينا، فلما سمعنا كلامه، علمنا أنه أعلم من غيره، وقد جالسناه الأيام والليالي، فما رأينا منه إلا كل خير، فقيل له: يا أبا عبد الله، كان يحيى وأبو عبيد لا يرضيانه -يشير إلى التشيع وأنهما نسباه إلى ذلك- فقال أحمد بن حنبل: ما ندري ما يقولان، والله ما رأينا منه إلا خيرا.\nقال الذهبي: من زعم أن الشافعي يتشيع فهو مفتر، لا يدري ما يقول. (٢)\n- وفيها عن الربيع بن سليمان قال: حججنا مع الشافعي، فما ارتقى شرفا، ولا هبط واديا إلا وهو يبكي وينشد:\nيا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفنا والناهض\nسحرا إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضا كملتطم الفرات الفائض\nإن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي\nقال الذهبي: لو كان شيعيا -وحاشاه من ذلك- لما قال: الخلفاء الراشدون خمسة، بدأ بالصديق، وختم بعمر بن عبد العزيز. (٣)\n_________\n(١) ذم الكلام (١٠٩).\n(٢) السير (١٠/ ٥٨).\n(٣) السير (١٠/ ٥٨ - ٥٩).","vol":"3","page":219},{"text":"- قال شيخ الإسلام وما أحسن ما قال الشافعي ﵀ في رسالته: هم فوقنا (يعني أصحاب محمد - ﷺ -) في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا. (١)\n- وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: لا أرد شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية (٢) فإنهم يعتقدون حل الكذب. (٣)\n- وقال الشافعي: لم يختلف الصحابة والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال الشافعي: لو أن رجلا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق. وعنه أيضا أنه قال: ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد عقله إليه أبدا. وأنشد الشافعي:\nودعوا الذين إذا أتوك تنسكوا ... وإذا خلوا كانوا ذئاب حقاف (٥)\n- وقال: خلفت ببغداد شيئا أحدثه الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1263>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الإمام بن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: حدثنا أبو\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٥٨) ودرء التعارض (٥/ ٧٣) والمنهاج (٦/ ٨١).\n(٢) هم أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب وهم من غلاة الشيعة.\n(٣) درء التعارض (١/ ٩٤).\n(٤) المنهاج (٢/ ٨٦).\n(٥) التلبيس (٤٤٧).\n(٦) الفتاوى (١٠/ ٧٧).","vol":"3","page":220},{"text":"شعيب وأبو ثور عن أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء. (١)\n- وفي السير عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا يونس سمعت الشافعي يقول: نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن، ووردت بها السنة وننفي التشبيه عنه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿ليس مثله شيءٌ﴾ (٢). (٣)\n- وفي نقض المنطق لابن تيمية: يروى عن الشافعي: آمنت بما جاء عن الله وبما جاء عن رسول الله - ﷺ - على مراد الله. (٤)\n- جاء في السير وذم الكلام عن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول في كتاب الوصايا: لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام، لم تدخل في الوصية لأنه ليس من العلم. (٥)\n- وفيهما أيضا عن الزعفراني قال: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرة، وأنا أستغفر الله من ذلك. (٦)\n_________\n(١) اجتماع الجيوش (١٥٣ - ١٥٤).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) السير (٢٠/ ٣٤١).\n(٤) نقض المنطق (ص.٢) ومجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٤).\n(٥) السير (١٠/ ٣٠) وذم الكلام (٢٥٣).\n(٦) السير (١٠/ ٣٠) وذم الكلام (٢٥٣).","vol":"3","page":221},{"text":"- وفي ذم الكلام قال المزني: كان الشافعي ينهى عن الخوض في الكلام. (١)\n- وفيه عن الشافعي قال: لو أردت أن أضع على كل مخالف كتابا كبيرا لفعلت، ولكن ليس الكلام من شأني ولا أحب أن ينسب إلي منه شيء. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد عن الربيع بن سليمان: حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها، ما تقول في قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ ربهم يومئذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٣) قال الشافعي: فلما أن حجبوا هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضى، قال الربيع: قلت يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال نعم، وبه أدين الله، لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله تعالى. (٤)\n- جاء في الإبانة: سمع الشافعي رجلين يتكلمان في الكلام فقال: إما أن تجاورونا بخير وإما أن تقوما عنا. (٥)\n- وفيها عنه قال: والله لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك به، خير من النظر في الكلام. (٦)\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٥٤).\n(٢) ذم الكلام (٢٥٦).\n(٣) المطففين الآية (١٥).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٦٠/٨٨٣).\n(٥) الإبانة (٢/ ٥٣٤/٦٦٠) ومثله في أصول الاعتقاد (١/ ١٦٦/٣٠٤) وذم الكلام (٢٥٣) ودرء التعارض (٧/ ٢٤٥).\n(٦) الإبانة (٢/ ٥٣٤/٦٦١) وأصول الاعتقاد (١/ ١٦٥/٣٠٠) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٩٤).","vol":"3","page":222},{"text":"- وفيها عن أبي ثور: قال لي الشافعي: يا أبا ثور، ما رأيت أحدا ارتدى شيئا من الكلام فأفلح. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. (٢)\n- وجاء في ذم الكلام عن المزني قال: كنت أنظر في الكلام قبل أن يقدم الشافعي، فلما قدم الشافعي أتيته فسألته عن مسألة في الكلام فقال لي أتدري أين أنت؟ قال: قلت نعم، أنا في المسجد بالفسطاط فقال لي: أنت في تاران، قال أبو القاسم: وتاران موضع في بحر القلزم لا يكاد تسلم منه سفينة، قال: ثم ألقى علي مسألة في الفقه فأجبت فيها، فأدخل شيئا أفسد جوابي فأجبت بغير ذلك فأدخل شيئا أفسد جوابي، فجعلت كلما أجبت بشيء أفسده قال: ثم قال لي: هذا الفقه الذي فيه الكتاب والسنة وأقاويل الناس يدخله مثل هذا، فكيف الكلام في رب العالمين الذي الزلل فيه كفر، فتركت الكلام وأقبلت على الفقه. (٣)\n- وفي آداب الشافعي عن يونس: سمعت الشافعي يقول: قالت لي أم المريسي كلم بشرا أن يكف عن الكلام، فكلمته فدعاني إلى الكلام. (٤)\n- وفي شرف أصحاب الحديث عن الشافعي أنه قال: حكمي في\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٥٣٠/٦٦٦) وأصول الاعتقاد (١/ ١٦٥ - ١٦٦/ ٣٠٣) وآداب الشافعي (١٨٦) والحلية (٩/ ١١١) والسير (١٠/ ١٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩/ ٤١٩) والإبانة (٢/ ٥٢/٢٥٠) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٦٥).\n(٣) ذم الكلام (ص.٢٤٩).\n(٤) آداب الشافعي (١٨٧) والإبانة (٢/ ١٠٣/٣٤٦) وتاريخ بغداد (٧/ ٥٩) والحلية (٩/ ١١٠ - ١١١).","vol":"3","page":223},{"text":"أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل فينادى عليهم، هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام- يعني أهل البدع. (١)\n- وفي السير وذم الكلام قال الحسين بن إسماعيل المحاملي: قال المزني: سألت الشافعي عن مسألة من الكلام، فقال: سلني عن شيء إذا أخطأت فيه قلت أخطأت، ولا تسألني عن شيء إذا أخطأت فيه قلت كفرت. (٢)\n- وفي ذم الكلام والحلية: سئل الشافعي عن شيء من الكلام فغضب وقال سل عن هذا حفصا الفرد وأصحابه أخزاهم الله. (٣)\n- وفي الأسماء والصفات للبيهقي والحلية عن الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: من حلف باسم من أسماء الله تعالى فحنث فعليه الكفارة، لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة وبالصفا والمروة فليس عليه كفارة، لأنه مخلوق، وذاك غير مخلوق. (٤)\n- وفي السير وذم الكلام عن يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى والشيء غير الْمُشَيِّ فاشهد عليه بالزندقة. (٥)\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (ص.٧٨) وجامع بيان العلم (٢/ ٩٤١) وذم الكلام (٢٥٢) وتلبيس إبليس (١٠٢)\nوالاعتصام (١/ ٢٢٧) والمنهاج (٢/ ١٣٨ - ١٣٩ و٦١٠) ومجموع الفتاوى (٥/ ١١٩) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٦٥).\n(٢) ذم الكلام (٢٥٠) وطبقات الحنابلة (٢/ ١٥٤) والمنهاج (٥/ ٢٥١) والسير (١٠/ ٢٨).\n(٣) ذم الكلام (٢٥١) والحلية (٩/ ١١١) وجامع بيان العلم (٢/ ٩٤٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٣٦/٣٤٣ - ٣٤٤) والحلية (٩/ ١١٣) وآداب الشافعي (١٩٣) والأسماء والصفات (٢٥٦ - ٢٥٧) والإبانة (١/ ٢٧٤/٤٢).\n(٥) ذم الكلام (٢٥٣) والسير (١٠/ ٣٠) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤١) بنحوه.","vol":"3","page":224},{"text":"- وفي الحلية وذم الكلام عن ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد. (١)\n- وفي طبقات الحنابلة عن ابن أبي حاتم قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى المصري قال: سمعت الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به؟ فقال: لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه - ﷺ - أمته لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها أن القرآن نزل به وصح عنه بقول النبي - ﷺ - فيما روى عنه العدل، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه، فهو بالله كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر، فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والفكر ونحو ذلك أخبار الله ﷾، أتانا أنه سميع وأن له يدين بقوله: ﴿بَلْ يداه مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٢) وأن له يمينا بقوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مطوياتٌ بيمينه﴾ (٣)، وأن له وجها بقوله: ﴿كل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلًّا وجهه﴾ (٤) وقوله: ﴿ويبقى وَجْه ربك ذو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٥) وأن له قدما بقول النبي - ﷺ -: \"حتى يضع الرب فيها قدمه\" (٦) يعني جهنم، وأنه يضحك من\n_________\n(١) الحلية (٩/ ١١١) وذم الكلام (٢٥٥) وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤١) ودرء التعارض (٧/ ٢٤٥) والسير (١٠/ ١٦).\n(٢) المائدة الآية (٦٤).\n(٣) الزمر الآية (٦٧).\n(٤) القصص الآية (٨٨).\n(٥) الرحمن الآية (٢٧).\n(٦) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز بن عبد الله الماجشون سنة (١٦٤هـ).","vol":"3","page":225},{"text":"عبده المؤمن بقول النبي - ﷺ - للذي قتل في سبيل الله \"إنه لقي الله وهو يضحك إليه\" (١)\nوأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا بخبر رسول الله - ﷺ - بذلك (٢) وأنه ليس بأعور بقول النبي - ﷺ - إذ ذكر الدجال فقال: \"إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور\" (٣) وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر (٤)، وأن له إصبعا بقول النبي - ﷺ -: \"ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿\" (٥) فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله - ﷺ - مما لا يدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها. فإن كان الوارد بذلك خبرا يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله - ﷺ -، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه كما\n_________\n(١) أخرجه من طريق إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن نعيم بن همار: أحمد (٥/ ٢٨٧) وأبو يعلى (١٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩/ ٦٨٥٥) وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٢١٩/٢٥٦٦ تحقيق الأعظمي) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٤١٠ - ٤١١/ ٩٨٦) وذكره الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٩٢) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى ... ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات\" .. وهو كما قال، غير إسماعيل بن عياش فهو يخلط عن غير أهل بلده، وقد روى هنا عن بحير بن سعد وهو ثقة من أهل بلده فارتفع بذلك الخلط.\nولفظه عن نعيم بن همار أنه سمع النبي - ﷺ - وجاءه رجل فقال: أي الشهداء أفضل؟ قال:\"الذين يلقون في الصف فلا يقلبون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف العليا من الجنة يضحك إليهم ربك، وإذا ضحك في موطن فلا حساب عليه\".\n(٢) تقدم من حديث أبي هريرة. انظر مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٣) جزء من حديث طويل أخرجه: أحمد (٢/ ١٤٩) والبخاري (٦/ ٢١١/٣٠٥٧) ومسلم (٤/ ٢٢٤٥/٢٩٣١ (١٦٩» وأبو داود (٤/ ٥٠٣/٤٢٢٩) دون ذكر محل الشاهد. والترمذي (٤/ ٤٤٠/٢٢٣٥) عن ابن عمر ﵄.\n(٤) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٥) أخرجه من حديث النواس بن سمعان: أحمد (٤/ ١٨٢) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١٤/٧٧٣٨) وابن ماجه (١/ ٧٢/١٩٩). وقال في الزوائد: \"إسناده صحيح\".","vol":"3","page":226},{"text":"نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). (٢)\n- وفي السير قال علي بن محمد بن أبان القاضي: حدثنا أبو يحيى زكريا الساجي حدثنا المزني قال: قلت: إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي، فصرت إليه وهو في مسجد مصر فلما جثوت بين يديه قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد، فعلمت أن أحدا لا يعلم علمك، فمن الذي عندك؟ فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت نعم قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون. أبلغك أن رسول الله - ﷺ - أمر بالسؤال عن ذلك، قلت: لا، قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجما في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، مم خلق؟ قلت: لا، قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها، ففرعها على أربعة أوجه، فلم أصب في شيء منه، فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق، إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى الله وإلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣) الآية، فاستدل\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤) ومجموع الفتاوى (٤/ ١٨٢ - ١٨٣).\n(٣) البقرة الآيتان (١٦٣ - ١٦٤).","vol":"3","page":227},{"text":"بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلف علم ما لم يبلغه عقلك. قال: فتبت. (١)\n- وفي آداب الشافعي عن الربيع بن سليمان قال: حضرت الشافعي أو حدثني أبو شعيب إلا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد وكان الشافعي يسميه حفصا المنفرد فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم فقال: ما تقول في القرآن؟ فأبى أن يجيبه، فسأل يوسف بن عمرو بن يزيد، فلم يجبه، وأشار إلى الشافعي، فسأل الشافعي واحتج عليه فطالت فيه المناظرة، فقام الشافعي بالحجة عليه بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وبكفر حفص.\nقال الربيع: فلقيت حفصا، فقال: أراد الشافعي قتلي. (٢)\n- وفي مناقب الشافعي والسير عن زكريا الساجي: سمعت محمد بن إسماعيل سمعت حسين بن علي الكرابيسي يقول: شهدت الشافعي ودخل عليه بشر المريسي فقال لبشر: أخبرني عما تدعو إليه، أكتاب ناطق وفرض مفترض وسنة قائمة ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال؟ فقال بشر: لا، إلا أنه لا يسعنا خلافه، فقال الشافعي، أقررت بنفسك على الخطأ فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار يواليك الناس وتترك هذا، قال: لنا نهمة فيه، فلما خرج بشر قال الشافعي: لا يفلح. (٣)\n- وقال في خطبة رسالته: الحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمة من\n_________\n(١) السير (١٠/ ٣١ - ٣٢).\n(٢) آداب الشافعي (١٩٤ - ١٩٥) والحلية (٩/ ١١٢) ومناقب الشافعي (١/ ٤٥٥) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٩/٤٢١) والشريعة (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤/ ١٩٠) وذم الكلام (٢٥٤).\n(٣) مناقب الشافعي (١/ ٢٠٤) والسير (١٠/ ٢٧).","vol":"3","page":228},{"text":"نعمه إلا بنعمة منه، توجب مؤدى ماضي نعمه بأدائها: نعمة حادثة يجب عليه شكره بها، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه. (١)\n- جاء في السير: -قال- الحاكم: سمعت أبا سعيد بن أبي عثمان، سمعت الحسن بن صاحب الشاشي، سمعت الربيع، سمعت الشافعي وسئل عن القرآن؟ فقال: أف أف، القرآن كلام الله من قال: مخلوق فقد كفر. هذا إسناد صحيح. (٢)\n- وفيها: زكريا الساجي: حدثني أحمد بن مردك الرازي سمعت عبد الله ابن صالح صاحب الليث يقول: كنا عند الشافعي في مجلسه، فجعل يتكلم في تثبيت خبر الواحد عن النبي - ﷺ -، فكتبناه، وذهبنا به إلى إبراهيم بن علية، وكان من غلمان أبي بكر الأصم، وكان في مجلسه عند باب الصوفي، فلما قرأنا عليه جعل يحتج بإبطاله، فكتبنا ما قال، وذهبنا به إلى الشافعي فنقضه وتكلم بإبطاله، ثم كتبناه، وجئنا به إلى ابن علية، فنقضه ثم جئنا به إلى الشافعي فقال: إن ابن علية ضال، قد جلس بباب الضوال يضل الناس.\nقال الذهبي: كان إبراهيم من كبار الجهمية، وأبوه إسماعيل شيخ المحدثين إمام. (٣)\n- وفيها: وقال أبو نعيم: حدثنا الحسن بن سعيد حدثنا زكريا الساجي\n_________\n(١) الرسالة (ص.٧ - ٨) وإعلام الموقعين (٤/ ٢٤٨).\n(٢) السير (١٠/ ١٨).\n(٣) السير (١٠/ ٢٣ - ٢٤).","vol":"3","page":229},{"text":"سمعت البويطي سمعت الشافعي يقول: إنما خلق الله الخلق بكن، فإذا كانت (كن) مخلوقة فكأن مخلوقا خلق بمخلوق. (١)\n- وفيها: الزبير بن عبد الواحد: أخبرني علي بن محمد بمصر، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: كان الشافعي بعد أن ناظر حفصا الفرد يكره الكلام، وكان يقول: والله لأن يفتي العالم، فيقال: أخطأ العالم خير له من أن يتكلم فيقال: زنديق، وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله. (٢)\n- وفيها: وقال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت عبد الرحمن بن محمد بن حامد السلمي، سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر يقول: جاء رجل إلى المزني يسأله عن شيء من الكلام، فقال: إني أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، لقد سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام والتوحيد فقال: محال أن نظن بالنبي - ﷺ - أنه علم أمته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" (٣) فما عصم به الدم والمال حقيقة التوحيد. (٤)\n- وفيها: وعن الشافعي: حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ.\n- وقال أبو عبد الرحمن الأشعري صاحب الشافعي: قال الشافعي: مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط، وتشريدهم في البلاد.\n_________\n(١) السير (١٠/ ٨٨).\n(٢) السير (١٠/ ١٨).\n(٣) البخاري (١٣/ ٣١١/٧٢٨٤ و٧٢٨٥) ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢/ ٢٠) وأبو داود (٢/ ١٩٨/١٥٥٦) والترمذي (٥/ ٥ - ٦/ ٢٦٠٧) والنسائي (٧/ ٨٨/٣٩٨٠) من حديث أبي هريرة.\n(٤) السير (١٠/ ٢٦).","vol":"3","page":230},{"text":"قال الذهبي: لعل هذا متواتر عن الإمام. (١)\n- عن الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: دخلت بغداد؛ فنزلت على بشر المريسي فأنزلني في غرفة له، فقالت أمه: لم جئت إلى هذا؟ قلت: لأسمع العلم. فقالت لي: هذا زنديق. (٢)\n- عن محمد الجرجاني سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول -وناظره رجل من أهل العراق- فخرج إلى شيء من الكلام فقال: هذا من الكلام دعه. (٣)\n- عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: تعلم يا أبا موسى لقد اطلعت من أصحاب الكلام على شيء ما ظننت أن مسلما يقول ذلك. (٤)\n- عن عبد العزيز الجروي قال: كان الشافعي ينهى النهي الشديد عن الكلام في الأهواء ويقول: أحدهم إذا خالفه صاحبه قال: كفرت، والعلم فيه إنما يقال: أخطأت. (٥)\n- عن الربيع قال: أنشدنا الشافعي في ذم الكلام:\nلم يبرح الناس حتى أحدثوا بدعا ... في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل\nحتى استخف بدين الله أكثرهم ... وفي الذي حملوا من خفة شغل (٦)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٢٩).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٣/١٠٢/ ٣٤٥) وتاريخ بغداد (٧/ ٥٩).\n(٣) أصول الاعتقاد (١/ ١٦٤ - ١٦٥/ ٢٩٩) وآداب الشافعي (١٨٥).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ١٦٥/٣٠١) وآداب الشافعي (١٨٢).\n(٥) أصول الاعتقاد (١/ ١٦٥/٣٠٢) وآداب الشافعي (١٨٥).\n(٦) ذم الكلام (٢٥٦).","vol":"3","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1264>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج، وتجنبوا جماعات الناس وكفروهم، لم يحلل بذلك قتالهم، لأنهم على حرمة الإيمان، لم يصيروا إلى الحال التي أمر الله ﷿ بقتالهم فيها. بلغنا أن عليا رضي الله تعالى عنه بينا هو يخطب إذ سمع تحكيما من ناحية المسجد: لا حكم إلا لله ﷿. فقال علي رضي الله تعالى عنه: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم. (١)\n- قال الشافعي ﵀: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأرزقي الغساني عن أبيه أن عديا كتب لعمر بن عبد العزيز أن الخوارج عندنا يسبونك، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إن سبوني فسبوهم أو اعفوا، وإن أشهروا السلاح فأشهروا عليهم، وإن ضربوا فاضربوهم.\nقال الشافعي رحمه الله تعالى: وبهذا كله نقول. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1265>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن محمد بن محمد الشافعي: سمعت أبي محمد بن إدريس الشافعي يقول ليلة للحميدي: ما تحتج عليهم -يعني أهل الارجاء- بآية أحج من قوله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا\n_________\n(١) ابن أبي شيبة (٧/ ٥٦٢/٣٧٩٣٠) ومن طريقه البيهقي (٨/ ١٨٤).\n(٢) كتاب الأم (٤/ ٣٠٩).","vol":"3","page":232},{"text":"الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١). (٢)\n- وفي ذم الكلام عن البويطي قال: سألت الشافعي: أصلي خلف الرافضي؟ قال: لا تصل خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجئ قال: قلت: صفهم لنا؟ قال: من قال إن الإيمان قول فهو مرجئ ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين فهو رافضي، ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري. (٣)\n- عن أبي حاتم قال: سمعت حرملة بن يحيى يناظر رجلين بحضرة الشافعي بمصر في دار الجروي في الإيمان، فقال أحدهما: إن الإيمان قول، فحمي الشافعي من ذلك وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. فطحن الرجل وقطعه. (٤)\n- وقال الشافعي ﵀ في كتاب 'الأم' في باب النية في الصلاة: نحتج بأن لا تجزي صلاة إلا بنية لحديث عمر بن الخطاب عن النبي - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنية\" (٥) ثم قال: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان قول وعمل ونية ولا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر. (٦)\n- وجاء في السير: عن أبي ثور: قلت للشافعي: ضع في الإرجاء كتابا،\n_________\n(١) البينة الآية (٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ٨٢٦/١١١٨) وأصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٦/١٥٩٢) والسنة للخلال (٣/ ٥٩٠/١٠٣٨).\n(٣) ذم الكلام (٢٥٥ - ٢٥٦).\n(٤) الإبانة (٢/ ٨٢٦/١١١٩) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣٤/١٧٥١).\n(٥) أحمد (١/ ٢٥) والبخاري (١/ ١١/١) ومسلم (٣/ ١٥١٥ - ١٥١٦/ ١٩٠٧) وأبو داود (٢/ ٦٥١ - ٦٥٢/ ٢٢٠١) والترمذي (٤/ ١٥٤/١٦٤٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (١/ ٦٢ - ٦٣/ ٧٥) وابن ماجه (٢/ ١٤١٣/٤٢٢٧) من حديث عمر.\n(٦) أورده اللالكائي في أصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٦ - ٩٥٧/ ١٥٩٣) ولم نقف عليه في كتاب الأم.","vol":"3","page":233},{"text":"فقال: دع هذا. فكأنه ذم الكلام. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله، خير له من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء، وذلك أنه رأى قوما يتجادلون في القدر بين يديه، فقال الشافعي: أخبر الله في كتابه أن المشيئة له دون خلقه والمشيئة إرادة الله، يقول الله ﷿: وَمَا ﴿وما تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يشاء اللَّهُ﴾ (٢) فأعلم خلقه أن المشيئة له، -وكان يثبت القدر-. (٣)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن محمد بن يحيى بن آدم قال: سمعت المزني يقول: قال الشافعي: تدري من القدري؟ القدري: الذي يقول إن الله لم يخلق الشيء حتى عمل به. قال المزني والشافعي بكفره. (٤)\n- وقال الربيع بن سليمان: كنت جالسا عند الشافعي، وذكر القدر، فأنشأ يقول:\nما شِئْتَ كان وإن لم أَشَأ ... وما شِئْتُ إن لم تَشَأ لم يكن\nخلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن\nعلى ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن\nفمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن (٥)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٣٠).\n(٢) التكوير الآية (٢٩).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٢٩/١٠١٣) والإبانة (٢/ ١٠/٢٦٢ - ٢٦٣/ ١٨٨١) وبنحوه في ذم الكلام (٢٥١) وفي جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٣٩) وفي السير (١٠/ ١٦).\n(٤) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٦/١٣٠٢).\n(٥) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٦ - ٧٧٧/ ١٣٠٤).","vol":"3","page":234},{"text":"- وعن الربيع عن الشافعي أنه قال: لو حلف رجل فقال: والله لا أفعل كذا وكذا إلا أن يشاء الله وإلا أن يقدر الله فأراد به القدر فلا شيء عليه. (١)\n- وفي ذم الكلام عن الشافعي أنه كان يكره الصلاة خلف القدري. وقال أبو يحيى: حدثنا إبراهيم بن زياد الأيلي سمعت البويطي يقول: سألت الشافعي: أصلي خلف الرافضي؟ قال: لا تصل خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجئ، قال: قلت: صفهم لنا؟ قال: من قال: إن الايمان قول فهو مرجئ ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين فهو رافضي، ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري. (٢)\n\nشَاذ بن يَحْيى الواسطي (٣) (٢٠٤ هـ)\nروى عن وكيع بن الجراح ويزيد بن هارون. وروى عنه أحمد بن سنان القطان وأحمد بن محمد بن أيوب الواسطي بلبل وتميم بن المنتصر الواسطي وغيرهم. قال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: شاذ بن يحيى؟ قال: عرفته، وذكره بخير. توفي سنة أربع ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1268>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: ليس طريق أقصد إلى الجنة من طريق\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٧/١٣٠٥).\n(٢) ذم الكلام (٢٥٥ - ٢٥٦) والسير (١٠/ ٣١).\n(٣) السير (١٠/ ٤٣٤) والجرح والتعديل (٢/ ٣٩) وتهذيب الكمال (١٢/ ٣٤١ - ٣٤٢).","vol":"3","page":235},{"text":"من سلك الآثار. (١)\n\" التعليق:\nلأنه هو الذي تكفل الله ببيانه وجعل الهداية فيه، وأما طرق المبتدعة فهي الظن والتخمين والهوى، فكيف تكون موصلة للجنة؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>موقفه من الجهمية:</span>\nقال عبد الله بن أحمد في السنة حدثني إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي قال سمعت شاذ بن يحيى يناظر يزيد بن هارون في شيء من أمر المريسي وهو يدعو عليه وجعل شاذ يلعن المريسي. (٢)\n\nالنَّضْر بن شُمَيْل المَازِنِي (٣) (٢٠٤ هـ)\nالإمام الحافظ العلامة، أبو الحسن المازني البصري النحوي نزيل مرو وعالمها. ولد في حدود سنة اثنتين وعشرين ومائة. قال أحمد بن سعيد الدارمي سمعته يقول: خرج بي أبي من مرو الروذ وأنا ابن خمس أو ست سنين إلى البصرة وقت الفتنة، يعني فتنة ظهور أبي مسلم سنة ثمان وعشرين ومائة. حدث عن هشام بن عروة وبهز بن حكيم وابن عون وحميد الطويل\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٩٨/١١٢).\n(٢) السنة لعبد الله (٣٨).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٧٣) والتاريخ الكبير (٨/ ٩٠) وتهذيب الكمال (٢٩/ ٣٧٩ - ٣٨٤) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٣٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣١٤) والسير (٩/ ٣٢٨ - ٣٣٢) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٦٦) وشذرات الذهب (٢/ ٧).","vol":"3","page":236},{"text":"وشعبة وحماد بن سلمة وخلق كثير. وعنه يحيى بن معين، وابن راهويه وأبو محمد الدارمي وأمم سواهم. سئل ابن المبارك عن النضر بن شميل فقال: درة بين مروين ضائعة، يعني كورة مرو، وكورة مرو الروذ. وقال أيضا: ذاك أحد الأحدين، لم يكن أحد من أصحاب الخليل بن أحمد يدانيه. وقال العباس بن مصعب: كان النضر إماما في العربية والحديث، وهو أول من أظهر السنة بمرو وجميع خراسان، وكان أروى الناس عن شعبة وخرج كتبا كثيرة لم يسبقه إليها أحد، ولي قضاء مرو. ومناقبه كثيرة. توفي في أول سنة أربع ومائتين وهو ابن ثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>موقفه من المرجئة:</span>\nعن إبراهيم بن شماس: سمعت النضر بن شميل يقول: الإيمان قول وعمل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>معروف الكرخي (٢٠٤ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1273>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: وقيل: كان أبواه نصرانيين، فأسلماه إلى مؤدب كان يقول له! قل: ثالث ثلاثة، فيقول معروف: بل هو الواحد، فيضربه، فيهرب، فكان والداه يقولان: ليته رجع، ثم إن أبويه أسلما. (٢)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٨١٢/١١٠٩) والسنة لعبد الله (٨٥).\n(٢) السير (٩/ ٣٣٩).","vol":"3","page":237},{"text":"عبد الله بن نافع الصائغ (١) (٢٠٦ هـ)\nعبد الله بن نَافِع بن أبي نافع الصَّائِغ القرشي، المخزومي مولاهم، أبو محمد المدني. روى عن أسامة بن زيد الليثي وداود الفراء وابن أبي الزناد والليث بن سعد ومالك بن أنس وبه تفقه وأكثر عنه. روى عنه أحمد بن صالح المصري والخلال، والزبير بن بكار وسحنون ويونس بن عبد الأعلى. قال ابن سعد: كان قد لزم مالك بن أنس لزوما شديدا لا يقدم عليه أحدا. قال أحمد بن حنبل: كان صاحب رأي مالك، ومفتي أهل المدينة برأي مالك. قال ﵀: صحبت مالكا أربعين سنة ما كتبت عنه شيئا وإنما كان حفظا أتحفظه. له تفسير في الموطأ رواه عنه يحيى بن يحيى. توفي بالمدينة في رمضان سنة ست ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1275>موقفه من الجهمية والمرجئة:</span>\nعن أبي الحسن بن العطار -محمد بن محمد- قال سمعت سريج بن النعمان يقول: سألت عبد الله بن نافع وقلت له: إن قبلنا من يقول: القرآن مخلوق؟ فاستعظم ذلك ولم يزل موجعا حزينا يسترجع. قال عبد الله يعني ابن نافع، قال مالك: من قال القرآن مخلوق يؤدب ويحبس حتى تعلم توبته. وقال مالك: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وقال مالك: الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان. وقال مالك: القرآن كلام الله. وهكذا\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٥/ ٤٣٨) والتاريخ الكبير (٥/ ٢١٣) وتهذيب الكمال (١٦/ ٢٠٨ - ٢١٢) والسير (١٠/ ٣٧١ - ٣٧٤) وتهذيب التهذيب (٦/ ٥١ - ٥٢) وشذرات الذهب (٢/ ١٥) تاريخ الإسلام (حوادث ٢٠١ - ٢١٠/ص.٢٢١ - ٢٢٢) والديباج المذهب (١/ ٤٠٩ - ٤١٠).","vol":"3","page":238},{"text":"قال عبد الله بن نافع في هذا كله. (١)\n\nأبو عمرو الشَّيْبَانِي اللغوي (٢) (٢٠٦ هـ)\nإسحاق بن مِرَار النحوي اللغوي الكوفي نزيل بغداد، روى عن أبي عمرو بن العلاء وركين الشامي. وعنه ابنه عمرو وأحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن إبراهيم الدورقي وغيرهم. قال أبو بكر بن الأنباري: كان أبو عمرو الشيباني يقال له أبو عمرو صاحب ديوان اللغة والشعر، وكان خيرا فاضلا صدوقا. قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يلزم مجالس أبي عمرو ويكتب أماليه. قال عمرو بن أبي عمرو: لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفا وثمانين قبيلة، فكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفا وجعله في مسجد الكوفة، حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا بخطه. قال محمد بن إسحاق النديم كان راوية واسع العلم بصيرا باللغة ثقة في الحديث. مات سنة ست ومائتين وقيل عشر ومائتين، وبلغ من العمر مائة وعشرين سنة. وكان يكتب بيده إلى أن مات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1277>موقفه من الجهمية:</span>\nقال عبد الله بن أحمد في السنة: حدثت عن شيخ من أصحاب الحديث أنه سمع أبا عمرو الشيباني يقول لإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وقال\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٤١) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٤٧/٤٩٧).\n(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٣٢٩ - ٣٣٢) وتهذيب الكمال (٣٤/ ١٣٤) وتهذيب التهذيب (١٢/ ١٨٢ - ١٨٤) وشذرات الذهب (٢/ ٢٣) تاريخ الإسلام (حوادث ٢٠١ - ٢١٠/ص.٥٤) ووفيات الأعيان (١/ ٢٠١ - ٢٠٢).","vol":"3","page":239},{"text":"القرآن مخلوق، فقلت: خلقه قبل أن يتكلم به أو بعد ما تكلم به، قال فسكت. (١)\n\nيزيد بن هارون (٢) (٢٠٦ هـ)\nابن زَاذي ويقال ابن زَاذَان بن ثابت السلمي، أبو خالد الواسطي القدوة شيخ الإسلام روى عن أبان بن أبي عياش، وأبان بن يزيد العطار وإبراهيم بن سعد الزهري. وروى عنه إبراهيم بن يعقوب الجورجاني وأحمد ابن خالد الخلال، وأحمد بن خلاد. قال أحمد بن سنان: ما رأيت عالما أحسن صلاة من يزيد بن هارون يقوم كأنه أسطوانة يصلي بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، لم يكن يفتر من صلاة الليل والنهار. هو وهشيم معروفان بطول صلاة الليل والنهار. وقال أبو زرعة: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول: ما رأيت أتقن حفظا من يزيد بن هارون، قال أبو زرعة: والإتقان أكثر من حفظ السرد. مات أول سنة ست ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1279>موقفه من المبتدعة:</span>\nأخرج الخطيب عن عمران بن حصين قال: قال رسول - ﷺ -: \"لا تزال\n_________\n(١) السنة لأبي عبد الله (٣٣).\n(٢) تاريخ ابن معين (٢/ ٣٧٧) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣١٤ - ٣١٥) والجرح والتعديل (٩/ ٢٩٥) ومشاهير علماء الأمصار (١٧٧ - ١٧٨) وتاريخ بغداد (١٤/ ٣٣٧ - ٣٤٧) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٢٦١ - ٢٧٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣١٧ - ٣٢٠) وشذرات الذهب (٢/ ١٦).","vol":"3","page":240},{"text":"طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة\" (١). قال يزيد بن هارون: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم ..؟. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1280>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال أبو سعيد: وسمعت الدقيقي يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: لا يصلى خلف الرافضي. (٣)\n- قال يزيد بن هارون: يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1281>موقفه من الجهمية:</span>\n- روى الخطيب بسنده إلى يحيى بن أكثم قال: قال لنا المأمون: لولا مكان يزيد بن هارون، لأظهرت: القرآن مخلوق. فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، ومن يزيد حتى يكون يتقى؟ قال: فقال ويحك، إني لا أتقيه لأن له سلطانا أو سلطنة ولكن أخاف إن أظهرته فيرد علي فيختلف الناس وتكون فتنة وأنا أكره الفتنة. قال: فقال له الرجل فأنا أخبر لك ذلك منه. قال: فقال له: نعم قال: فخرج إلى واسط فجاء إلى يزيد فدخل عليه المسجد وجلس إليه. فقال له: يا أبا خالد، إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: إني أريد أن أظهر القرآن مخلوق. فقال: كذبت على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٤٣٧) وأبو داود (٣/ ١١/٢٤٨٤) والحاكم (٤/ ٤٥٠) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي.\n(٢) المحدث الفاصل (١٧٧ - ١٧٨) وشرف أصحاب الحديث (ص.٢٦).\n(٣) الشريعة (٣/ ٥٦٧/٢٠٨٢).\n(٤) المنهاج (١/ ٦٠) والميزان (١/ ٢٨).","vol":"3","page":241},{"text":"لا يحمل الناس على مالا يعرفونه، فإن كنت صادقا فاقعد إلى المجلس فإذا اجتمع الناس فقل. قال: فلما أن كان من الغد اجتمع الناس فقام فقال: يا أبا خالد رضي الله عنك، إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: إني أردت أن أظهر القرآن مخلوق فما عندك في ذلك؟ قال كذبت على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين ما يحمل الناس على ما لا يعرفونه، وما لم يقل به أحد. قال: فقدم. فقال: يا أمير المؤمنين كنت أنت أعلم قال: كان من القصة كيت وكيت، قال فقال له: ويحك تلعب بك. (١)\n\" التعليق:\nهؤلاء هم العلماء حقا. جعل الله لهم الهيبة وجعل الرهبة والخوف في قلوب ملوكهم وأمرائهم، أين يزيد من الجيش العرمرم الذي كان تحت سلطة المأمون، ولكنه العلم النافع والعمل الصادق، وهذه هي سير السلف الصالح منذ بدايتهم إلى نهايتهم. نسأل الله أن يجعلنا على منهاجهم.\n\n- قال الذهبي في السير: وقد كان يزيد رأسا في السنة معاديا للجهمية، منكرا تأويلهم في مسألة الاستواء. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن شاذ بن يحيى الواسطي يقول: كنت قاعدا عند يزيد بن هارون، فجاء رجل فقال: يا أبا خالد، ما تقول في الجهمية؟ قال يستتابون: إن الجهمية غلت ففرغت في غلوها إلى أن نفت، وإن المشبهة\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٤٢).\n(٢) السير (٩/ ٣٦٢).","vol":"3","page":242},{"text":"غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت، فالجهمية يستتابون والمشبهة -كذا- رماهم بأمر عظيم. (١)\n\" التعليق:\nوهذه هي العبارة التي يقررها دائما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم ومن تبعهم بإحسان، فلماذا الحقد على الشيخين؟ فالحاقد والمبغض لهما مبغض لأئمة السلف قاطبة. فما خرج الشيخان عنهم.\n\n- وفي السنة: وحدثني إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي قال: كنا عند يزيد بن هارون وشاذ بن يحيى يناظره في شيء من أمر المريسي، وهو يدعو عليه، فتفرقنا على أن يزيد قال: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وجعل شاذ بن يحيى يلعن المريسي. (٢)\n- وفيها: قال عبد الله: حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي، سمعت شاذ بن يحيى وأثنى عليه خيرا قال حلف لي يزيد بن هارون في بيته: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم من قال القرآن مخلوق فهو زنديق. (٣)\n- وقال عبد الله: حدثني إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، سمعت يزيد بن هارون يقول: لعن الله الجهم ومن قال بقوله، كان كافرا جاحدا ترك الصلاة\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٧/٩٣٤).\n(٢) السنة (ص.٣٧).\n(٣) السنة (ص.١٧) ونحوه في الإبانة (٢/ ٥٠/٢٤٦) والشريعة (٢/ ٨٣/٧٢٢) وخلق أفعال العباد (ص.٩).","vol":"3","page":243},{"text":"أربعين يوما يزعم يرتاد دينا. وذلك أنه شك في الإسلام، قال يزيد: قتله سالم ابن أحوز على هذا القول. (١)\n\" التعليق:\nهكذا حال رؤوس البدع، تجدهم شاَكّين في الإسلام لا ثبات عندهم.\n- قال عبد الله: حدثني إسحاق بن البهلول قال: قلت ليزيد بن هارون: أصلي خلف الجهمية؟ قال: لا، قلت: أصلي خلف المرجئة؟ قال: إنهم لخبثاء. (٢)\n- وقال: حدثني عباس العنبري، حدثنا ابن يحيى، سمعت يزيد بن هارون وقيل له من الجهمية؟ قال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي. (٣)\n- وأخرج الخلال بسنده إلى أحمد بن أبي الحارث، قال: سألت يزيد ابن هارون، فقلت: إن عندنا ببغداد رجل يقال له المريسي يقول: القرآن مخلوق. فقال: أما في فتيانكم أحد يفتك به؟. (٤)\n- وله بسنده إلى عمر بن عثمان الواسطي (ابن أخي علي بن عاصم) قال: مر بي يزيد بن هارون وأنا في الدكان، فصعد إلي، فقلت: يا أبا خالد\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.٣٧) وأصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٢/٦٣١) والإبانة (٢/ ٩٤/٣٢٥) والسنة للخلال (٥/ ٨٧/١٦٨٨).\n(٢) السنة (ص.١٧) والسنة للخلال (٥/ ٩٢).\n(٣) السنة (ص.١٧).\n(٤) السنة للخلال (٥/ ١٠١) والسير (١٠/ ٢١٠).","vol":"3","page":244},{"text":"بلغني أن ببغداد رجل يقول: إن المريسي يقول القرآن مخلوق. فقال: من قال القرآن مخلوق، فهو كافر. (١)\n- جاء في الإبانة: عن محمد بن مجاهد قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، ومن لم يكفره، فهو كافر، ومن شك في كفره، فهو كافر. (٢)\n- وفيها: قال عمرو بن عثمان الواسطي -ابن أخي علي بن عاصم-: سألت هشيما، وجريرا، والمعتمر، ومرحوما، وعمي علي بن عاصم، وأبا بكر بن عياش، وأبا معاوية، وسفيان، والمطلب بن زياد، ويزيد بن هارون عن من قال: القرآن مخلوق، فقالوا: زنادقة. قلت ليزيد بن هارون: يقتلون يا أبا خالد بالسيف؟ قال: بالسيف. (٣)\n- وفيها: عن أحمد بن إبراهيم قال: سمعت يزيد بن هارون وذكر الجهمية فقال: هم والله الذي لا إله إلا هو، زنادقة عليهم لعنة الله. (٤)\n- وفيها: قال: وسمعت يزيد بن هارون يقول وقد ذكر الجهمية، فقال: هم كفار لا يعبدون شيئا. (٥)\n- وفيها: عن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني الثقة قال: سمعت يزيد بن\n_________\n(١) السنة لخلال (٥/ ١٠١).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٥٧/ ٢٥٧).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٢/٥٧/ ٢٥٨).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٢/٦٤/ ٢٧٥) والشريعة (١/ ٢٢١/١٨٢) والسنة لعبد الله (ص.١٧) والسنة للخلال (٥/ ٩٠ - ٩١).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٣/١٠٠/ ٣٣٨).","vol":"3","page":245},{"text":"هارون يقول: بشر المريسي وأبو بكر الأصم كافران حلالا الدم. (١)\n- وفيها: عن حامد البلخي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: المريسي حلال الدم، يقتل فإن حي قتل، فإن حي قتل، فإن حي قتل، أخبر يا حامد أهل خراسان عني بهذا الكلام. (٢)\n- قال أبو عثمان الصابوني في عقيدته: وروى يزيد بن هارون في مجلسه، حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله في الرؤية، وقول رسول الله - ﷺ -: \"إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر\" (٣) فقال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد وقال: ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به، ويلك، ومن يدري كيف هذا، ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث، أو يتكلم فيه بشيء من تلقاء نفسه إلا من سفه نفسه واستخف بدينه؟ إذا سمعتم الحديث عن رسول الله - ﷺ - فاتبعوه، ولا تبتدعوا فيه فإنكم إن اتبعتموه، ولم تماروا فيه سلمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم. (٤)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/١٠١/ ٣٤٢) وخلق أفعال العباد (ص.٢١).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٣/١٠٣ - ١٠٤/ ٣٤٩).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف وكيع بن الجراح سنة (١٩٦هـ).\n(٤) عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص.٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"3","page":246},{"text":"شَبَابَة بن سَوَّار (١) (٢٠٦ هـ)\nالفَزَارِي مولاهم أبو عمرو المدائني أصله من خراسان. روى عن حريز ابن عثمان الرحبي وإسرائيل وشعبة وشيبان وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن محمد المسندي وابن أبي شيبة وغيرهم. قال ابن المديني وغيره: كان يرى الإرجاء، وقال أحمد العجلي: قيل لشبابة: أليس الإيمان قولا وعملا؟ قال: إذا قال فقد عمل. قال أبو زرعة: رجع شبابة عن الإرجاء. توفي سنة ست ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة قال عبد الله: حدثني إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني، سمعت شبابة بن سوار يقول: اجتمع رأيي ورأي أبي النضر هاشم بن القاسم وجماعة من الفقهاء على أن المريسي كافر جاحد، نرى أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. (٢)\n- وفيها عن إسماعيل بن عبيد بن أَبي كريمة قال سمعت شبابة بن سوار وعبد العزيز بن أبان يقولان: القرآن كلام الله ومن زعم أنه مخلوق فهو كافر. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في تاريخ بغداد عن سعيد بن عمرو البرذعي قال: قيل لأبي زرعة\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٩/ ٢٩٥ - ٢٩٩) والسير (٩/ ٤١٣ - ٤١٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٠١ - ٢١٠/ص.١٩٠ - ١٩١) والوافي بالوفيات (١٦/ ٩٨) وميزان الاعتدال (٢/ ٢٦٠ - ٢٦١) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٠ - ٣٠٢) وتقريب التهذيب (١/ ٢٤٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٦١).\n(٢) السنة لعبد الله (١٨) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٠ - ٣٥١/ ٥٠٨).\n(٣) السنة لعبد الله (١٨) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٩/٤٤٥).","vol":"3","page":247},{"text":"في أبي معاوية -وأنا شاهد- كان يرى الإرجاء؟ قال نعم، كان يدعو إليه، قيل فشبابة بن سوار أيضا، قال نعم، قيل رجع عنه؟ قال نعم، قال الإيمان قول وعمل. (١)\n\nمُؤَمَّل بن إسماعيل (٢) (٢٠٦ هـ)\nالقرشي، العدوي، أبو عبد الرحمن البصري، نزيل مكة مولى آل عمر ابن الخطاب، وقيل مولى بني بكر بن عبد مناة بن كنانة. روى عن إبراهيم ابن يزيد الخوزي، وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم. وروى عنه أحمد ابن إبراهيم الدورقي العبدي، وأحمد بن حنبل، وأبو الجوزاء أحمد بن عثمان النوفلي وغيرهم. وقال أبو حاتم: صدوق، شديد في السنة، كثير الخطأ. مات سنة ست ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1286>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: قال محمود بن غيلان أبو أحمد سمعت مؤمل ابن إسماعيل يقول في غير مجلس يقبل علينا: أحرج على كل مبتدع جهمي أو رافضي أو قدري أو مرجئ سمع مني، والله لو عرفتكم لم أحدثكم. (٣)\n\" التعليق:\nهكذا كان شأن السلف مع المبتدعة، مهما كانت بدعتهم لا يقبلون\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٩/ ٢٩٩).\n(٢) تقريب التهذيب (٢/ ٢٩١) وتهذيب الكمال (٢٩/ ١٧٦ - ١٧٩) وشذرات الذهب (٢/ ١٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٦/١١٤٨).","vol":"3","page":248},{"text":"روايتهم في الجملة ولا يحدثونهم لأنهم ليسوا أهلا لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1287>موقفه من الجهمية:</span>\nعن أبي الحسن أحمد بن محمد بن أبي بزة قال: سمعت المؤمل بن إسماعيل، يقول: القرآن كلام الله، وليس بمخلوق. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1288>موقفه من المرجئة:</span>\nعن أبي الحسين بن أبي بزة قال: سمعت مؤمل بن إسماعيل يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (٢)\n\nوهب بن جرير (٣) (٢٠٦ هـ)\nابن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي، أبو العباس البصري. روى عن الأسود بن شيبان، وأبيه جرير بن حازم وحماد بن زيد وسلام بن أبي مطيع وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن محمد بن عرعرة، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وأحمد بن إبراهيم الدورقي وغيرهم. أمر أحمد بن حنبل بالكتابة عنه، وأكثر عنه في 'مسنده'. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال: صدوق. قيل له: وهب بن جرير وروح بن عبادة وعثمان بن\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤/ ٢٠٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٨١٣/١١١٦) والشريعة (١/ ٢٨٩/٢٨٧).\n(٣) تاريخ ابن معين (٢/ ٦٣٥) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٨) والجرح والتعديل (٩/ ٢٨) وتهذيب الكمال (٣١/ ١٢١ - ١٢٥) وسير أعلام النبلاء (٩/ ٤٤٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧) وشذرات الذهب (٢/ ١٦).","vol":"3","page":249},{"text":"عمر. قال: وهب أحب إلي منهما، وهب صالح الحديث. توفي سنة ست ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1290>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال البخاري في خلق أفعال العباد: وقال وهب بن جرير: الجهمية زنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى. (١)\n- وقال الإمام ابن القيم: صح عنه أنه قال: إياكم ورأي جهم فإنهم يحاولون أن ليس في السماء شيء، وما هو إلا من وحي إبليس، وما هو إلا الكفر، حكاه محمد بن عثمان الحافظ في رسالته في السنة. (٢)\n- وفي السنة لعبد الله عن إبراهيم بن سعد وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي ووهب بن جرير وأبي النضر هاشم بن القاسم وسليمان بن حرب قالوا: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1291>موقف السلف من عبد المجيد بن عبد العزيز (٢٠٦ ه</span>ـ)\nإرجاؤه:\n- جاء في السير: قال فيه أحمد بن حنبل كان فيه غلو في الإرجاء، يقول: هؤلاء الشكاك، يريد قول العلماء: أنا مؤمن إن شاء الله.\n_________\n(١) خلق أفعال العباد (ص.٩) واجتماع الجيوش الإسلامية (١٢٧).\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٠٢).\n(٣) السنة لعبد الله (٣٠) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨/ ٤١٦) والإبانة (٢/ ٩/١٨٧).","vol":"3","page":250},{"text":"وقال فيه يعقوب بن سفيان: كان مبتدعا داعية.\nوقال فيه أبو داود: كان عبد المجيد رأسا في الإرجاء. (١)\n- وفيها: قال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق فجاءنا موت عبد المجيد، وذلك في سنة ست ومئتين. فقال: الحمد لله الذي أراح أمة محمد من عبد المجيد. (٢)\nوللسلف مواقف أخر منه ستأتي معنا بإذن الله.\nوله موقف طيب من القدرية:\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كنا مع إنسان يتكلم في القدر فأخذ بيضة وكنا نأكل بيضا وخبزا فقال هذه البيضة إن شئت أكلتها وإن شئت لم آكلها. قال: فقلنا له فشأ. قال: فأنا أشاء. قال: فأدخلها في فيه فوثب إليه رجلان من أصحابنا جلدان ففكا لحييه حتى رماها. فقالا: زعمت أنك يا عدو الله لو شئت لأكلتها ولكن المشيئة إلى الله شاء أن لا تأكلها فطرحتها. (٣)\nتنبيه:\nهذا الرجل كان فيه غلو في الإرجاء، وقد بينا بحمد الله مواقف السلف منه، وإنما نقلنا عنه هنا ما وافق فيه السلف في هذا الباب.\n_________\n(١) السير (٩/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\n(٢) السير (٩/ ٤٣٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٣/١٣٤١).","vol":"3","page":251},{"text":"محمد بن عمر الواقدي (١) (٢٠٧ هـ)\nصاحب التصانيف والمغازي، العلامة أبو عبد الله، أحد أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه. ولد بعد العشرين ومائة وطلب العلم عام بضعة وأربعين، وسمع من صغار التابعين فمن بعدهم بالحجاز والشام وغير ذلك. حدث عن محمد بن عجلان، وابن جريج، وثور بن يزيد ومعمر بن راشد وغيرهم. وحدث عنه محمد بن سعد كاتبه وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو حسان الحسن ابن عثمان الزيادي وغيرهم. قال الذهبي: وجمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالدر الثمين، فاطرحوه لذلك، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي، وأيام الصحابة وأخبارهم. قال الخطيب: هو ممن طبق ذكره شرق الأرض وغربها، وسارت بكتبه الركبان في فنون العلم من المغازي والسير والطبقات والفقه، وكان جوادا كريما مشهورا بالسخاء. قال محمد بن سلام الجمحي: الواقدي عالم دهره. وروى عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه قال: عند الواقدي عشرون ألف حديث لم أسمع بها، ثم قال: لا يروى عنه، وضعفه. قال الشافعي: كتب الواقدي كذب. وعن أحمد بن حنبل: الواقدي كذاب. قال إسحاق: هو عندي ممن يضع الحديث. قال الذهبي: وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر فهذه الكتب الستة ومسند\n_________\n(١) السير (٩/ ٤٥٤ - ٤٦٩) وتاريخ ابن معين (٢/ ٥٣٢) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٣٤ - ٣٣٥) والجرح والتعديل (٨/ ٢٠ - ٢١) والفهرست لابن النديم (١٤٤ - ١٤٥) وتاريخ بغداد (٣/ ٣ - ٢١) ومعجم الأدباء (١٨/ ٢٧٧ - ٢٨٢)\nوتهذيب الكمال (٢٦/ ١٨٠ - ١٩٥) وميزان الاعتدال (٣/ ٦٦٢ - ٦٦٦).","vol":"3","page":252},{"text":"أحمد وعامة من جمع في الأحكام، نراهم يترخصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء بل ومتروكين، ومع هذا لا يخرجون لمحمد بن عمر شيئا مع أن وزنه عندي مع ضعفه يكتب حديثه ويروى لأني لا أتهمه بالوضع وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه، كيزيد، وأبي عبيد، والصاغاني، والحربي، ومعن وتمام عشرة محدثين، إذ قد انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة وأن حديثه في عداد الواهي، ﵀. مات سنة سبع ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له كتب، عناوينها تدل على محاربته للمبتدعة، وذلك الظن به وبأمثاله، وهي:\n١ - السنة والجماعة وذم الهوى وترك الخوارج في الفتن.\n٢ - كتاب الردة والدار.\n٣ - مقتل الحسن.\n٤ - كتاب صفين.\n٥ - مولد الحسن والحسين ومقتل الحسين. (١)\n\" التعليق:\nهذا الوقت الذي عاش فيه الواقدي، كان يغلي بالأهواء والبدع من جهمية وقدرية وخوارج وغيرهم، فلعله ألف هذه الكتب في بيان أحوالهم\n_________\n(١) هدية العارفين (٢/ ١٠) ومعجم الأدباء (١٨/ ٢٨٢) والفهرست لابن النديم (ص.١٤٤).","vol":"3","page":253},{"text":"والرد عليهم، ولو كانت هذه الكتب بين أيدينا، وكتب الله لها البقاء، وتيسر لنا الاطلاع عليها لتبين الأمر أكثر، وأما الذين ترجموا له وذكروها، فلم يعرفونا عن شيء منها.\n\nأبو النَّضْر هاشم بن القاسم (١) (٢٠٧ هـ)\nهاشم بن القاسم أبو النضر الليثي البغدادي خراساني الأصل لقب بقيصر. ولد سنة أربع وثلاثين ومائة.\nسمع من ابن أبي ذئب وشعبة، وحريز بن عثمان وعكرمة بن عمار وغيرهم. وسمع منه أحمد وعلي ويحيى بن معين وإسحاق وخلق كثير. كان أحمد بن حنبل يقول: أبو النضر شيخنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وقال أيضا: هو من متثبتي بغداد. وقال العجلي: كان أبو النضر من الأبناء، ثقة، صاحب سنة، سكن بغداد وكان أهلها يفخرون به. مات على الصحيح في ذي القعدة سنة سبع ومائتين ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله عن إبراهيم بن سعد وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي ووهب بن جرير وأبي النضر هاشم بن القاسم وسليمان بن حرب قالوا: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. (٢)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٣٥) وتاريخ بغداد (١٤/ ٦٣ - ٦٦) وتهذيب الكمال (٣٠/ ١٣٠ - ١٣٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٥٩) والسير (٩/ ٥٤٥ - ٥٤٩) وتهذيب التهذيب (١١/ ١٨ - ١٩)\n(٢) السنة لعبد الله (٣٠) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨/ ٤١٦) والإبانة (٢/ ١٢/٩/ ١٨٧).","vol":"3","page":254},{"text":"- وفي الإبانة عنه قال: سألني إبراهيم بن شلكة -يعني: إبراهيم بن المهدي- عن القرآن، فقلت: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. (١)\n\nأبو محمد بِشْر بن عمر (٢) (٢٠٧ هـ)\nبشر بن عمر بن الحكم بن عُقْبة الزَّهراني الأزدي، أبو محمد البصري الإمام الثبت. سمع عكرمة بن عمار وشعبة بن الحجاج وعاصم بن محمد العمري وجماعة. وسمع منه إسحاق بن راهويه وبشر بن آدم والذهلي وآخرون. قال ابن سعد: وكان ثقة راوية مالك بن أنس. توفي بالبصرة سنة سبع ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>موقفه من الجهمية:</span>\nعن بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (٣) قال: على العرش استوى: ارتفع. (٤)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/١٦/ ٢٠٣).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٠٠) وتهذيب الكمال (٤/ ١٣٨ - ١٤٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٣٧) والسير (٩/ ٤١٧ - ٤١٨) وتهذيب التهذيب (١/ ٤٥٥ - ٤٥٦).\n(٣) طه الآية (٥).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٤٠/٦٦٢).","vol":"3","page":255},{"text":"محمد بن مصعب (١) (٢٠٨ هـ)\nمحمد بن مصعب بن صَدَقَة القُرْقُسَاني، أبو عبد الله وقيل: أبو الحسن. روى عن الأوزاعي ومالك وحماد بن سلمة وإسرائيل وآخرين. وروى عنه أحمد بن حنبل وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة وجماعة. قال صالح بن محمد جزرة: عامة أحاديثه عن الأوزاعي مقلوبة. قال الخطيب: كان كثير الغلط لتحديثه من حفظه ويذكر عنه الخير والصلاح. مات سنة ثمان ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1299>موقفه من الجهمية:</span>\nقال محمد بن مصعب العابد: من زعم أنك لا تتكلم ولا ترى في الآخرة فهو كافر بوجهك، أشهد أنك فوق العرش فوق سبع سموات ليس كما يقول أعداء الله الزنادقة. (٢)\n\nقُرَيْش بن أَنَس (٣) (٢٠٨ هـ)\nقريش بن أنس الأنصاري وقيل: الأموي، مولاهم أبو أنس البصري. روى عن عبد الله بن عون وعثمان بن غياث وعثمان الشحام وعوف الأعرابي وعدة. وروى عنه علي بن المديني ويحيى بن معين وعبد الله بن أبي\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٣/ ٢٧٦ - ٢٧٩) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٤٦٠ - ٤٦٥) وميزان الاعتدال (٤/ ٤٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٠١ - ٢١٠/ص.٣٧٣ - ٣٧٥) والوافي بالوفيات (٥/ ٣٢ - ٦٨) وتهذيب التهذيب (٩/ ٤٥٨ - ٤٦٠) وشذرات الذهب (٢/ ٢١).\n(٢) السنة لعبد الله (٤٠).\n(٣) تهذيب الكمال (٢٣/ ٥٨٥ - ٥٨٩) وميزان الاعتدال (٣/ ٣٨٩) وتهذيب التهذيب (٨/ ٣٧٤ - ٣٧٥) وشذرات الذهب (٢/ ٢١).","vol":"3","page":256},{"text":"الأسود وآخرون. مات سنة ثمان ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1301>موقفه من الجهمية:</span>\nقال قريش بن أنس: سمعت عمرو بن عبيد يقول: يؤتى بي يوم القيامة، فأقام بين يدي الله فيقول لي: لم قلت: إن القاتل في النار؟ فأقول: أنت قلته، ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (١) قلت له -وما في البيت أصغر مني: أرأيت إن قال لك قد قلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر؟ قال: فما استطاع أن يرد علي شيئا. (٣)\n\nسعيد بن عامر الضبعي (٤) (٢٠٨ هـ)\nسعيد بن عامر الضبعي البصري الزاهد الحافظ، أبو محمد مولى بني عجيف، ولد بعد العشرين ومائة. حدث عن شبيل بن عزرة صاحب أنس، وحبيب بن الشهيد ومحمد بن عمرو بن علقمة وهمام بن يحيى وآخرين. وحدث عنه علي بن المديني وأحمد ويحيى بن معين وابن راهويه وبندار وعدد كثير. قال محمد بن الوليد البسري: سمعت يحيى بن سعيد يقول: هو شيخ\n_________\n(١) النساء الآية (٩٣).\n(٢) النساء الآية (٤٨).\n(٣) تأويل مختلف الحديث (٨٣).\n(٤) طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٦) وتهذيب الكمال (١٠/ ٥١٠ - ٥١٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٥١) وتاريخ الإسلام (حوادث٢٠١ - ٢١٠/ ١٧٠ - ١٧١) والسير (٩/ ٣٨٥ - ٣٨٧) والوافي بالوفيات (١٥/ ٢٣١).","vol":"3","page":257},{"text":"مصر منذ أربعين سنة. وقال أبو داود قال يحيى بن سعيد: إني لأغبط جيران سعيد بن عامر. وقال أبو حاتم: كان سعيد بن عامر رجلا صالحا صدوقا في حديثه بعض الغلط. مات في شوال سنة ثمان ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1303>موقفه من الجهمية:</span>\nروى ابن أبي حاتم في كتاب 'الرد على الجهمية' عن سعيد بن عامر الضبعي -إمام أهل البصرة علما ودينا، من شيوخ الإمام أحمد- أنه ذكر عنده الجهمية، فقال: أَشر قولا من اليهود والنصارى، وقد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وهم قالوا: ليس على شيء. (١)\n\nأبو عبيدة معمر بن المثنى (٢) (٢٠٨ هـ)\nالإمام العلامة البحر أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي مولاهم البصري النحوي صاحب التصانيف.\nحدث عن هشام بن عروة ورؤبة بن العجاج وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم. حدث عنه أبو عبيد القاسم بن سلام وعمر بن شبة وعلي بن المديني وطائفة.\nوكان يرى رأي الخوارج. قال فيه الذهبي: قد كان هذا المرء من بحور\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢) ودرء التعارض (٦/ ٢٦١).\n(٢) وفيات الأعيان (٥/ ٢٣٥) وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٧١) وتاريخ بغداد (١٣/ ٢٥٢ - ٢٥٨) وميزان الاعتدال (٤/ ١٥٥) والسير (٩/ ٤٤٥ - ٤٤٧) وتهذيب الكمال (٦/ ٣٢٨ - ٣٣٣).","vol":"3","page":258},{"text":"العلم، ومع ذلك فلم يكن بالماهر بكتاب الله، ولا العارف بسنة رسول الله - ﷺ - ولا البصير بالفقه واختلاف أئمة الاجتهاد، بلى وكان معافى من معرفة حكمة الأوائل والمنطق وأقسام الفلسفة، وله نظر في المعقول.\nتوفي سنة ثمان ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1305>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن الحسن بن محمد الكندي قال: قرأت على أبي عبيدة معمر بن المثنى البصري قال: بسم الله إنما هو الله لأن اسم الشيء هو الشيء قال لبيد:\nإلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (١)\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: إذا رأيت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، فاشهد عليه بالزندقة. (٢)\n\nحفص بن عبد الله (٣) (٢٠٩ هـ)\nحفص بن عبد الله بن راشد السلمي أبو عمرو، ويقال: أبو سهل النَّيْسَابوري الفقيه قاضي نيسابور. ولد بعد الثلاثين ومائة. سمع من مسعر بن كدام وعثمان بن عطاء الخراساني وسفيان الثوري وإسرائيل وخلق. وسمع منه ولده المحدث أحمد بن حفص وقطن بن إبراهيم ومحمد بن يزيد محمش\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٣٨/٣٤٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٣٢).\n(٣) تهذيب الكمال (٧/ ١٨ - ٢١) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٦٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٠١ - ٢١٠/ص.١١٥ - ١١٦) والسير (٩/ ٤٨٥ - ٤٨٦) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٠٣).","vol":"3","page":259},{"text":"ومحمد بن عقيل الخزاعي وآخرون. مات يوم السبت لخمس ليال بقين من شعبان سنة تسع ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1307>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال أبو عوانة الحافظ: سمعت محمد بن عقيل يقول: كان حفص بن عبد الله قاضيا بالأثر، ولا يقضي بالرأي ألبتة. (١)\n\nعبد الرزاق بن هَمَّام الصَّنْعَاني (٢) (٢١١ هـ)\nعبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ الكبير، عالم اليمن، أبو بكر الحِمْيَرِي، مولاهم الصنعاني الثقة. روى عن معمر بن راشد ومعتمر بن سليمان وابن جريج وابن المبارك والثوري وابن عيينة وآخرين. وعنه وكيع ابن الجراح وأحمد بن حنبل وإسحاق بن منصور الكوسج وعلي بن المديني ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وطائفة. قال ابن أبي السري عن عبد الوهاب بن همام: كنت عند معمر فقال: يختلف إلينا أربعة: رباح بن زيد ومحمد بن ثور وهشام بن يوسف وعبد الرزاق، فأما رباح فخليق أن تغلب عليه العبادة وأما هشام فخليق أن يغلب عليه السلطان، وأما ابن ثور فكثير النسيان، وأما عبد الرزاق فإن عاش فخليق أن تضرب إليه أكباد الإبل، قال ابن أبي السري: فوالله لقد أتعبها.\n_________\n(١) السير (٩/ ٤٨٦).\n(٢) تذكرة الحفاظ (١/ ٣٦٤) وتقريب التهذيب (١/ ٥٠٥) ووفيات الأعيان (٣/ ٢١٦ - ٢١٧) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣١٠ - ٣١٥) وشذرات الذهب (٢/ ٢٨) وتهذيب الكمال (١٨/ ٥٢ - ٦٢) والسير (٩/ ٥٦٣ - ٥٨٠).","vol":"3","page":260},{"text":"وقال ابن حجر: ثقة حافظ، مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع. توفي سنة إحدى عشر ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1309>موقفه من المبتدعة:</span>\nله كتاب التفسير وهو من التفاسير التي نقلت عقيدة السلف وآثارهم الطيبة المباركة، ذكره شيخ الإسلام من التفاسير السلفية في درء التعارض وغيره من كتبه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير عن عبد الرزاق قال: الرافضي عندي كافر. (٢)\n- عن سلمة بن شبيب قال: سمعت عبد الرزاق يقول: ما انشرح صدري قط أن أفضل عليا على أبي بكر وعمر، فرحمهما الله، ورحم عثمان وعليا، من لم يحبهم فما هو بمؤمن، أوثق عملي حبي إياهم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1311>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في ذم الكلام عن عبد الرزاق قال: قال لي إبراهيم بن أبي يحيى: إني أرى المعتزلة عندكم كثيرا، قال: قلت: نعم ويزعمون أنك منهم، قال: أفلا تدخل معي هذا الحانوت حتى أكلمك، قلت: لا، قال: لم؟ قلت: لأن القلب ضعيف وأن الدين ليس لمن غلب. (٤)\n_________\n(١) انظر مثلا درء التعارض (٢/ ٢٢).\n(٢) السير (١٤/ ١٧٨).\n(٣) السير (٩/ ٥٧٣ - ٥٧٤) وهو في الميزان (٢/ ٦١٢) بنحوه.\n(٤) ذم الكلام (١٩٠) والإبانة (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧/ ٤٠١) وأصول الاعتقاد (١/ ١٥٢/٢٤٩).","vol":"3","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1312>موقفه من الخوارج:</span>\nضمن مصنفه بابا كبيرا في ذكر الخوارج: باب: قتال الحروراء (١) أورد فيه سبع عشرة حديثا، وقد مضى بعضها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1313>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في ذم الكلام: عن حفص بن عمر المهرقاني، سألت عبد الرزاق، قلت يا أبا بكر إن عندنا قوما مختلفين في الإيمان فأخبرني على ما أنت وعلى ما أدركت العلماء؟ فقال: الإيمان عندنا قول وعمل ويقين وإصابة السنة، فمن عمل وأيقن وقال ولم يصب السنة فهو منقوص، ومن قال ولم يعمل فهو منقوص، ومن قال وعمل ولم يوقن فهو منقوص، على هذا أدركت العلماء. (٢)\n- عن عبد الرزاق قال: كان معمر وابن جريج والثوري ومالك وابن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص قال عبد الرزاق: وأنا أقول ذلك الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وإن خالفتهم فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. (٣)\n- وعن الحسن بن علي نعمان قال: نا عبد الرزاق قال: لقيت اثنين وستين شيخا منهم معمر والأوزاعي والثوري والوليد بن محمد القرشي ويزيد\n_________\n(١) (١٠/ ١١٧ - ١٢٣).\n(٢) ذم الكلام (١٢٥).\n(٣) السنة لعبد الله بن أحمد (٩٧) والشريعة (١/ ٢٧٢/٢٦٧) وأصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٨ - ١٠٢٩/ ١٧٣٥) والإبانة (٢/ ٨١٣/١١١٤).","vol":"3","page":262},{"text":"ابن السائب وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وشعيب بن حرب ووكيع بن الجراح ومالك بن أنس وابن أبي ليلى وإسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم ومن لم نسمه كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (١)\n- وجاء في السير: قال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق فجاءنا موت عبد المجيد، وذلك في سنة ست ومئتين. فقال: الحمد لله الذي أراح أمة محمد من عبد المجيد. (٢)\n\nموسى بن سليمان الجَوْزَجَاني (٣) (٢١١ هـ)\nالعلامة الإمام، أبو سليمان، موسى بن سليمان الجوزجاني، صاحب أبي يوسف ومحمد. سمع عبد الله بن المبارك وعمرو بن جميع، وأبا يوسف ومحمد بن الحسن وكان فقيها بصيرا بالرأي، يذهب مذهب أهل السنة في القرآن. سكن بغداد وحدث بها. فروى عنه عبد الله بن الحسن الهاشمي وأحمد ابن محمد بن عيسى البرتي وبشر بن موسى الأسدي وآخرون. قال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي وسئل عنه فقال: كان صدوقا. وقال أيضا: كان يكفر القائلين بخلق القرآن. وقيل: إن المأمون عرض عليه القضاء فامتنع، واعتل بأنه ليس بأهل لذلك فأعفاه ونبل عند الناس لامتناعه. وله تصانيف، منها: 'السير\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٢٩/١٧٣٧).\n(٢) السير (٩/ ٤٣٥).\n(٣) تاريخ بغداد (١٣/ ٣٦ - ٣٧) والسير (١٠/ ١٩٤ - ١٩٥) الفوائد البهية للكنوي (٢١٦) والجواهر المضيئة (٣/ ٥١٨ - ٥١٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢١١ - ٢٢٠/ص.٤٢٣) والمنتظم (١٠/ ٢٤٦) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢٠٢).","vol":"3","page":263},{"text":"الصغير' و'كتاب الصلاة' و'كتاب الرهن'. توفي بعد المائتين، وأرخ له ابن الجوزي وابن تغري بردي سنة إحدى عشر ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن القاسم بن أبي رجاء قال: كنت عند أبي سليمان الجوزجاني وجاءه رجل فقال: مسألة بلوى، فإن رجلين البارحة حلف أحدهما فقال: امرأته طالق ثلاثا ألبتة إن كان القرآن مخلوقا، وقال الآخر: امرأته طالق ثلاثا إن لم يكن القرآن مخلوقا. فقال: إن الذي حلف أن امرأته طالق إن لم يكن القرآن مخلوقا قد بانت منه امرأته. (١)\n- عن أبي عبد الله الطهراني قال: سمعت الجوزجاني -يعني موسى بن سليمان- وسأله رجل عن مسألة فأفتاه ثم قال له: إن المريسي يقول بخلاف هذا. فقال الجوزجاني لمن حضره: سبحان الله، سمعتم أعجب من هذا، سألني عن مسألة فأجبته ثم حكى لي عن كافر. (٢)\n\nأبو العَتَاهِية (٣) (٢١١ هـ)\nرأس الشعراء، الأديب الصالح الأوحد، أبو إسحاق، إسماعيل بن قاسم ابن سُوَيْد بن كَيْسَان العَنَزِي مولاهم الكوفي، نزيل بغداد. لقب بأبي العتاهية\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٩/٤٧٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٧/٦٤٣).\n(٣) تاريخ بغداد (٦/ ٢٥٠ - ٢٦٠) والسير (١٠/ ١٩٥ - ١٩٨) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٧٧) وشذرات الذهب (٢/ ٢٥).","vol":"3","page":264},{"text":"لاضطراب فيه، وقيل كان يحب الخلاعة فيكون مأخوذا من العتو. سار شعره لجودته وحسنه وعدم تقعره، تنسك بأخرة وقال في المواعظ والزهد فأجاد. وكان أبو نواس يعظمه ويتأدب معه لدينه ويقول: ما رأيته إلا توهمت أنه سماوي وأني أرضي. ومن شعره:\nالناس في غفلاتهم ... ورحى المنية تطحن\nقال الرشيد لأبي العتاهية: الناس يزعمون أنك زنديق؟ فقال: يا سيدي كيف أكون زنديقا وأنا القائل:\nأيا عجبي كيف يعصى الإلـ ... ـه، أم كيف يجحده جاحد؟\nولله في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهد\nوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد\nوشعره كثير وسيرته طويلة. توفي سنة إحدى عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن كثير في البداية: وفي صفر منها -أي من سنة سبع وثلاثين ومائتين- غضب المتوكل على ابن أبي دؤاد القاضي المعتزلي وكان على المظالم، فعزله عنها واستدعى بيحيى بن أكثم فولاه قضاء القضاة والمظالم أيضا. وفي ربيع الأول أمر الخليفة بالاحتياط على ضياع ابن أبي دؤاد وأخذ ابنه أبا الوليد محمد فحبسه في يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الآخر، وأمر بمصادرته فحمل مائة ألف وعشرين ألف دينار، ومن الجواهر النفيسة ما يقوم بعشرين ألف دينار، ثم صولح على ستة عشر ألف ألف درهم. وكان ابن أبي","vol":"3","page":265},{"text":"دؤاد قد أصابه الفالج كما ذكرنا، ثم نفي أهله من سامرا إلى بغداد مهانين. قال ابن جرير فقال في ذلك أبو العتاهية:\nلو كنت في الرأي منسوبا إلى رشد ... وكان عزمك عزما فيه توفيق\nلكان في الفقه شغل لو قنعت به ... عن أن تقول كتاب الله مخلوق\nماذا عليك وأصل الدين يجمعهم ... ما كان في الفرع لولا الجهل والموق (١)\n\nالمُعَلَّى بن منْصُور (٢) (٢١١ هـ)\nمعلى بن منصور الحافظ أبو يعلى الرازي ثم البغدادي الفقيه أحد الأعلام، سمع مالكا وسليمان بن بلال والليث وشريكا وطبقتهم، وعنه أبو ثور وأبو خيثمة وخلق. كان من أوعية العلم وثقه ابن معين وغيره. وقال العجلي: ثقة نبيل صاحب سنة، طلبوه للقضاء غير مرة فيأبى. وقال ابن سعد: نزل بغداد، وطلب الحديث وكان صدوقا صاحب حديث ورأي وفقه، فمن أصحاب الحديث من روى عنه ومنهم من لا يروي عنه. توفي سنة إحدى عشرة ومائتين ببغداد وبها دفن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>موقفه من الجهمية:</span>\nقال سهل بن عمار: كنت عند المعلى بن منصور، وإبراهيم بن حرب النيسابوري في أيام خاض الناس في القرآن، فدخل علينا إبراهيم بن مقاتل\n_________\n(١) البداية (١٠/ ٣٢٩).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٤١) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٧٧) وميزان الاعتدال (٤/ ١٥٠ - ١٥١) وشذرات الذهب (٢/ ٢٧) والسير (١٠/ ٣٦٥ - ٣٧٠).","vol":"3","page":266},{"text":"المروزي، فذكر للمعلى أن الناس قد خاضوا في أمره، فقال: ماذا يقولون؟ قال: يقولون: إنك تقول: القرآن مخلوق. فقال: ما قلت، ومن قال: القرآن مخلوق، فهو عندي كافر.\nقال الذهبي: كان معلى صاحب سنة واتباع، وكان بريئا من التجهم. (١)\n\nأسد بن موسى (٢) (٢١٢ هـ)\nهو الإمام الحافظ، أبو سعيد أسد بن موسى بن إبراهيم القرشي الأموي. ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائة. روى عن شعبة بن الحجاج، وشيبان النحوي، وعبد الرحمن المسعودي. وحدث عنه أحمد بن صالح، وعبد الملك بن حبيب، والربيع بن سليمان المرادي. قال عنه البخاري: مشهور الحديث. ولقبه الذهبي: بأسد السنة. توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن محمد بن وضاح عن غير واحد أن أسد بن موسى كتب إلى أسد ابن الفرات: اعلم يا أخي إنما حملني على الكتاب إليك ما ذكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس وحسن حالك مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدع، وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك وشد بك ظهر أهل السنة وقواك عليهم بإظهار عيبهم والطعن عليهم، فأذلهم الله بذلك وصاروا ببدعتهم مستترين، فأبشر أي أخي بثواب ذلك\n_________\n(١) السير (١٠/ ٣٦٩) وتاريخ بغداد (١٣/ ١٨٨).\n(٢) السير (١٠/ ١٦٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٠٢) وتهذيب الكمال (٢/ ٥١٢) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٦٠).","vol":"3","page":267},{"text":"واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد، وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسوله - ﷺ - وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"من أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين\" (١) وضم بين أصبعيه وقال: \"أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم القيامة\" (٢) فمن يدرك يا أخي أجر هذا بشيء من عمله؟ وذكر أيضا: \"إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا لله يذب عنها وينطق بعلامتها\" (٣)\nفاغتنم -يا أخي- هذا الفضل وكن من أهله، فإن النبي - ﷺ - قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه وقال: \"لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من كذا وكذا\" (٤)، وأعظم القول فيه. فاغتنم ذلك وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونوا أئمة بعدك فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء الأثر، فاعمل على بصيرة ونية وحسبة، فيرد الله بك المبتدع المفتون الزائغ الحائر فتكون خلفا من نبيك\n_________\n(١) لم نظفر به بهذا اللفظ، وأقرب لفظ له ما رواه الترمذي (٥/ ٤٤ - ٤٥/ ٢٦٧٨) وقال: \"حديث حسن غريب عن أنس بن مالك بلفظ: \" ... ومن أحيى سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة\". وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وله طرق أخرى لا تخلو من ضعف\". انظر الضعيفة (٤٥٣٨).\n(٢) أخرجه: مسلم (٤/ ٢٠٦٠/٢٦٧٤) وأبو داود (٥/ ١٥ - ١٦/ ٤٦٠٩) والترمذي (٥/ ٤٢/٢٦٧٤) وقال: \"حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٧٥/٢٠٦) عن أبي هريرة.\n(٣) أخرجه: أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٤٠٠) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٠٠) من طريق عبد الغفار المديني عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وقال عبد الغفار المديني: \"مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به\". وقال الذهبي في الميزان (٢/ ٦٤١): \"شيخ مدني حدث عن سعيد بن المسيب، لا يعرف، وكأنه أبو مريم، فإن خبره موضوع\" ..\n(٤) الذي ورد: أن ذلك قاله النبي - ﷺ - لعلي لما أرسله إلى خيبر، ولفظه: \"لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم\". رواه: أحمد (٤/ ٥٢) والبخاري (٦/ ١٣٧ - ١٣٨/ ٢٩٤٢) ومسلم (٤/ ١٨٧٢/٢٤٠٦) وأبو داود (٤/ ٦٩/٣٦٦١) والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٦/٨١٤٩).","vol":"3","page":268},{"text":"- ﷺ -، فأحي كتاب الله وسنة رسوله، فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه، وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب، فإنه جاء الأثر: \"من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام\" (١)\nوجاء: \"ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى\" (٢) وقد وقعت اللعنة من رسول الله - ﷺ - على أهل البدع، وأن الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا ولا فريضة ولا تطوعا (٣)، وكلما ازدادوا اجتهادا وصوما وصلاة ازدادوا من الله بعدا. فارفض مجلسهم وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله وأذلهم رسول الله - ﷺ - وأئمة الهدى بعده. (٤)\n_________\n(١) أخرج الشطر الأول موقوفا عن محمد بن النضر الحارثي: الدينوري (٢/ ٣٣٥/٢٠٩) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٣/٤٦٠) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٥٣/٢٥٢). وأخرج الشطر الثاني مرفوعا: أبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٧) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٩٦/١٨٨) عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل. وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٨) وقال: \"وفيه بقية وهو ضعيف\". وفيه خالد بن معدان. قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ٩٤): \"يرسل ويدلس\". وخالد هذا لم يسمع من معاذ كما بين ذلك المزي في تهذيب الكمال في ترجمة خالد، وابن حجر في تهذيب التهذيب ..\n(٢) أخرجه: ابن أبي عاصم في السنة (رقم ٣) والطبراني في الكبير (٨/ ١٢٢ - ١٢٣/ ٧٥٠٢) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١١٨) عن أبي أمامة بلفظ \"ما تحت ظل السماء إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع\". وأورده الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٨) وقال: \"فيه الحسن بن دينار وهو متروك الحديث\". والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٣٩) وقال: \"هذ حديث موضوع على رسول الله ﵌ وفيه جماعة ضعاف والحسن بن دينار والخصيب كذابان عند علماء النقل\".\n(٣) تقدم تخريجه. انظر مواقف علي ﵁ سنة (٤٠هـ).\n(٤) ابن وضاح (٣٤ - ٣٨) والاعتصام (١/ ٤٥ - ٤٦) بنحوه.","vol":"3","page":269},{"text":"عيسى بن دينار (١) (٢١٢ هـ)\nفقيه الأندلس ومفتيها، الإمام أبو محمد الغافقي القرطبي. ارتحل، ولزم ابن القاسم مدة، وعول عليه، وكان صالحا خيرا ورعا، يذكر بإجابة الدعوة. كان ابن وضاح يقول: هو الذي علم أهل الأندلس الفقه. وقال أبو عمر الصدفي: هو من أهل الفقه والفضل التام والورع. وقال الرازي: كان عيسى عالما زاهدا متفننا، حج حجات، وولي قضاء طليطلة للحكم والشورى بقرطبة. قال ابن القاسم: أتانا عيسى فسألنا سؤال عالم. ولعيسى تأليف في الفقه يسمى كتاب 'الهدية' كتب به إلى بعض الأمراء عشرة أجزاء. وكان ذا هيئة حسنة وعقل رصين ومذهب جميل. توفي ﵀ سنة اثنتي عشرة ومائتين في سن الكهولة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>موقفه من الجهمية:</span>\nقال عيسى: من قال إن الله لم يكلم موسى، استتيب فإن تاب وإلا قتل. وأراه من الحق الواجب، وهو الذي أدين الله عليه. (٢)\n\nمحمد بن يوسف الفِرْيَابِي (٣) (٢١٢ هـ)\nمحمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الفريابي، الإمام الحافظ شيخ\n_________\n(١) الديباج المذهب (٢/ ٦٤ - ٦٦) وترتيب المدارك (٤/ ١٠٥ - ١١٠) والسير (١٠/ ٤٣٩ - ٤٤٠) وشذرات الذهب (٢/ ٢٨).\n(٢) تخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (٣٠٨).\n(٣) تذكرة الحفاظ (١/ ٣٧٦) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٥٢ - ٦١) والسير (١٠/ ١١٤ - ١١٨) وتقريب التهذيب (٢/ ٢٢١) وتهذيب التهذيب (٩/ ٥١٥) وشذرات الذهب (٢/ ٢٨).","vol":"3","page":270},{"text":"الإسلام، أبو عبد الله الضبي مولاهم، نزيل قيسارية الساحل من أرض فلسطين. سمع من الثوري وإسرائيل بن يونس والأوزاعي وابن عيينة ومالك ابن مغول ويونس بن أبي إسحاق وطائفة. وعنه البخاري وأحمد بن حنبل ومحمد بن مسلم بن وارة ومحمد بن يحيى الذهلي وابنه عبد الله وأمم سواهم. قال عنه الإمام أحمد: كان رجلا صالحا، صحب سفيان، كتبت عنه بمكة. وقال البخاري فيما حكاه عنه الدولابي: حدثنا محمد بن يوسف وكان من أفضل أهل زمانه. وسئل الدارقطني عنه، فوثقه، وقدمه لفضله ونسكه على قبيصة. وقال ابن زنجويه: ما رأيت أورع من الفريابي. توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام: قال أحمد بن يوسف السلمي: أتيت محمد بن يوسف الفريابي، فقلت له: أوصني؟ فقال: عليك بتقوى الله ولزوم السنة واجتناب السلطان. (١)\n-جاء في تلبيس إبليس بالسند إلى محمد بن سهل البخاري قال: كنا عند الفريابي فجعل يذكر أهل البدع، فقال له رجل: لو حدثتنا كان أعجب إلينا، فغضب وقال: كلامي في أهل البدع أحب إلي من عبادة ستين سنة. (٢)\n\" التعليق:\nرحمك الله يا إمام أهل الحديث في وقته! إن أهل عصرنا الآن يقولون:\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٤٣).\n(٢) تلبيس إبليس (٢٤).","vol":"3","page":271},{"text":"إن بيان العقيدة السلفية الصحيحة للناس ونفي ما دخلها من الخزعبلات والخرافات والانحرافات الكلامية على اختلاف أنواعها، يعتبر تفرقة لكلمة المسلمين وتشتيتا لشملهم، والناس الآن ليسوا في حاجة إلى مثل هذا العمل، فهم في حاجة إلى جمع الكلمة وتأليف القلوب هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الحالة الأخلاقية المشاهدة وصلت إلى ترد وهبوط إلى مستوى البهيمية، فالواجب التكتل لإصلاحها!!! وكأني بهم يظنون الذين يشتغلون بهذه المهمة التي بعث النبي - ﷺ - من أجلها، وصاروا على درب سلفهم الصالح رضوان الله عليهم، يقرون هذه المعاصي ويرضونها ولا ينبهون على فسادها.\nوالحقيقة أن هؤلاء الأدعياء لا المعاصي طردوا، ولا عقيدة السلف قرروا، ولكن إبليس حملهم على الوقوف ضد الدعوة السلفية والاشتغال بما لا يمكن أن يحقق مجتمع التوحيد الخالص ولو عمروا ملايين السنين، هذا إن أحسنا الظن بهم أنهم يريدون مجتمعا خالصا من أنواع البدع والشركيات.\nفالمقصود هو إنقاذ البشر فرادى وجماعات من ورطة الانحراف العقائدي سواء قامت الخلافة الإسلامية أو لم تقم، فإن خلافة تقوم على الانحراف العقائدي لا خير فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: قيل لمحمد بن يوسف الفريابي: ما تقول في أبي بكر وعمر؟\nقال: قد فضلهما رسول الله - ﷺ - وقد أخبرني رجل من قريش أن بعض","vol":"3","page":272},{"text":"الخلفاء أخذ رجلين من الرافضة فقال لهما: والله لإن لم تخبراني بالذي يحملكما على تنقص أبي بكر وعمر لأقتلنكما فأبيا. فقدم أحدهما فضرب عنقه. ثم قال للآخر: والله لإن لم تخبرني لألحقنك بصاحبك.\nقال: فتؤمني؟ قال له: نعم. قال: فإنا أردنا النبي - ﷺ - فقلنا: لا يتابعنا الناس عليه، فقصدنا قصد هذين الرجلين فتابعنا الناس على ذلك. قال محمد بن يوسف: ما أرى الرافضة والجهمية إلا زنادقة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1327>موقفه من الجهمية:</span>\nعن الفريابي قال: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1328>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في تهذيب الكمال لأبي الحجاج المزي: قال البخاري: رأيت قوما دخلوا إلى محمد بن يوسف الفريابي، فقيل لمحمد بن يوسف: يا أبا عبد الله إن هؤلاء مرجئة، فقال: أخرجوهم. فتابوا ورجعوا. (٣)\n\nأسد بن الفرات (٤) (٢١٣ هـ)\nأسد بن الفُرَات بن سنان الإمام العلامة القاضي الأمير مقدم المجاهدين أبو عبد الله الحراني ثم المغربي مولى بني سليم بن قيس. روى عن مالك 'الموطأ'\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٤٤ - ١٥٤٥/ ٢٨١٢).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٦٤/ ٢٧٤).\n(٣) تهذيب الكمال (٢٧/ ٥٨).\n(٤) ترتيب المدارك (١/ ٢٧٠ - ٢٧٨) ووفيات الأعيان (٣/ ١٨٢) والديباج المذهب (١/ ٣٠٥ - ٣٠٨) وشذرات الذهب (٢/ ٢٨ - ٢٩) والسير (١٠/ ٢٢٥ - ٢٢٨).","vol":"3","page":273},{"text":"وعن يحيى ابن أبي زائدة وجرير بن عبد الحميد وأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن. أخذ عنه أبو يوسف 'الموطأ' وسحنون وسليمان بن عمران وابن المنهال، وسائر الكوفيين. قال أبو العرب: كان أسد ثقة لم يُزَنَّ ببدعة. وقد ولاه زيادة الله إمرة الجيش لغزو صقلية، فخرج الناس والعلماء يشيعونه، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والله يا معشر الناس ما ولي لي أب ولا جد، ولا رأى أحد من سلفي مثل هذا، ولا بلغت ما ترون إلا بالأقلام، فاجهدوا أنفسكم فيها وثابروا على تدوين العلم تنالوا به الدنيا والآخرة. توفي وهو محاصر سرقوسة من غزوة صقلية سنة ثلاث عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>موقفه من المشركين:</span>\nواستفتى زيادة الله أمير إفريقية أسدا، وأبا محرز الكوفي، وزكرياء بن الحكم، في زنديق، فقال أبو محرز وأسد: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في ترتيب المدارك للقاضي عياض: قال أبو العرب: كان أسد ثقة لم يزن ببدعة، قال أبو بكر ابن حماد: قلت لسحنون: يقولون إن أسدا قال بخلق القرآن، فقال: والله ما قاله، قال داود بن يحيى: رأيت أسدا يعرض التفسير، فتلا هذه الآية: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (٢) فقال أسد: ويح أهل البدع، هلكت هوالكهم،\n_________\n(١) ترتيب المدارك (٣/ ٣٠٣).\n(٢) طه الآيتان (١٣ - ١٤).","vol":"3","page":274},{"text":"يزعمون أن الله خلق كلاما، يقول ذلك الكلام المخلوق: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ الآية. قال يحيى بن سلام: حدث أسد يوما بحديث الرؤية (١) وسليمان الفراء المعتزلي في آخر المجلس فأنكر الرؤية فسمعه أسد فقام إليه وجمع بين طوقيه ولحيته واستقبله بنعله فضربه حتى أدماه وطرده من مجلسه، وقيل بل كان يقرأ عليه في تفسير المسيب بن شريك ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) وسليمان حاضر، فقال: من الانتظار يا أبا عبد الله، فأخذ أسد بتلابيبه ونعلا غليظة بيده الأخرى وقال: يا زنديق، لتقولنها أو لا تبصر بها عينيك، فقال سليمان: نعم تنظر. (٣)\n- وفي رياض النفوس كان يقول: والله لو أدخلت الجنة فحجبت عن رؤيته لشككت فيه، ولأنا أسر برؤية ربي مني بالجنة.\n- وكان رحمه الله تعالى يكفر بشرا المريسي، ويتكلم فيه بأقبح الكلام، وبلغه أنه وضع كتابا وسماه بكتاب التوحيد، فقال أسد: أو جهل الناس التوحيد حتى يضع لهم بشر فيه كتابا؟ هذه نبوة ادعاها. (٤)\n\" التعليق:\nهذا هو إمام المالكية، وإليه تنسب الأسدية، فإن كان القوم ينسبون أنفسهم مالكية، فبالاقتداء به في أهل البدع وبأمثاله ممن حاربوا المبتدعة\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٢) القيامة الآية (٢٢).\n(٣) ترتيب المدارك (٣/ ٣٠١ - ٣٠٢) ورياض النفوس (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥).\n(٤) رياض النفوس (١/ ٢٦٤).","vol":"3","page":275},{"text":"وقرروا عقيدة السلف.\n\nعبد الملك بن عبد العزيز بن المَاجِشُون (١) (٢١٣ هـ)\nعبد الملك بن الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، العلامة الفقيه مفتي المدينة أبو مروان القرشي التيمي مولاهم المدني المالكي، تلميذ الإمام مالك. حدث عن أبيه وخاله يوسف بن يعقوب الماجشون، ومسلم الزنجي ومالك وإبراهيم بن سعد وطائفة. حدث عنه أبو حفص الفلاس ومحمد بن يحيى الذهلي وعبد الملك بن حبيب الفقيه المالكي وعمرو ابن علي الصيرفي وآخرون. قال ابن عبد البر: كان فقيها فصيحا دارت عليه الفتيا في زمانه إلى موته وعلى أبيه قبله وهو فقيه ابن فقيه. وقال يحيى بن أكثم: كان عبد الملك بحرا لا تكدره الدِّلاء. توفي سنة ثلاث عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1333>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن هارون بن موسى الفروي قال: سمعت عبد الملك بن الماجشون يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. وسمعته يعني عبد الملك يقول: لو وجدت المريسي لضربت عنقه. (٢)\n- وكتب سحنون إلى عبد الملك يذكر له ما حدث عندهم من الكلام في التشبيه والقرآن، ويسأله الجواب عليه، فكتب إليه عبد الملك: من عبد الملك\n_________\n(١) الديباج المذهب (٢/ ٦ - ٨) والسير (١٠/ ٣٥٩ - ٣٦٠) وطبقات ابن سعد (٥/ ٤٤٢) والجرح والتعديل (٥/ ٣٥٨) ووفيات الأعيان (٣/ ١٦٦ - ١٦٧) وتهذيب الكمال (١٨/ ٣٥٨ - ٣٦٢) وميزان الاعتدال (٢/ ٦٥٨ - ٦٥٩).\n(٢) السنة لعبد الله (٤٠) وترتيب المدارك (٣/ ١٤١).","vol":"3","page":276},{"text":"بن الماجشون إلى سحنون بن سعيد، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، وفقنا الله وإياكم لطاعته، سألت عن مسائل ليست من شأن أهل العلم، والعلم بها جهل، فيكفيك من مضى من صدر هذه الأمة أنهم اتبعوا بإحسان، ولم يخوضوا في شيء منها، وقد خلص الدين إلى العذراء في خدرها، فما قيل لها كيف؟ ولا من أين؟ فاتبع كما اتبعوا، واعلم أنه العلم الأعظم، لا يشأ الرجل أن يتكلم في شيء من هذا فيكفر، فيهوي في نار جهنم. (١)\n- جاء في الإبانة عن الحسن بن عبد العزيز الجروي قال: أخبرني رجل أثق به قال: قلت لعبد الملك الماجشون: أوصني؟ قال: إياك والكلام، فإن لآخره أول سوء. (٢)\n- عن هارون بن أبي علقمة الفروي قال: سمعت عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون وغيره من علمائنا يقولون: من وقف في القرآن بالشك فهو كافر، قال: وسمعت عبد الملك يقول: من وقف في القرآن بالشك فهو مثل من قال مخلوق. (٣)\n\nإدريس بن إدريس (٤) (٢١٣ هـ)\nإدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى، أبو القاسم ثاني ملوك\n_________\n(١) ترتيب المدارك (٣/ ١٤١).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٦/ ٦٦٧).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٦٣/٥٤٢ - ٥٤٣).\n(٤) الاستقصا (١/ ١٦١ - ١٧١) والأعلام (١/ ٢٧٨).","vol":"3","page":277},{"text":"الأدارسة في المغرب الأقصى وباني مدينة فاس. كان جوادا فصيحا حازما أحبته رعيته، واستمال أهل تونس وطرابلس الغرب والأندلس إليه، وصفا له ملك المغرب وضرب السكة باسمه. توفي ﵀ بفاس سنة ثلاث عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى: وذكر ابن غالب في تاريخه أن الإمام إدريس لما فرغ من بناء مدينة فاس، وحضرت الجمعة الأولى، صعد المنبر وخطب الناس، ثم رفع يديه في آخر الخطبة فقال: اللهم إنك تعلم أني ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة ولا رياء ولا سمعة ولا مكابرة، وإنما أردت أن تعبد بها ويتلى بها كتابك وتقام بها حدودك وشرائع دينك وسنة نبيك محمد - ﷺ - ما بقيت الدنيا، اللهم وفق سكانها وقطانها للخير وأعنهم عليه، واكفهم مؤنة أعدائهم وأدر عليهم الأرزاق، واغمد عنهم سيف الفتنة والشقاق إنك على كل شيء قدير. (١)\n\nعبد الله بن داود (٢) (٢١٣ هـ)\nعبد الله بن داود بن عامر بن ربيع الإمام الحافظ القدوة أبو عبد الرحمن الهمداني ثم البصري المشهور بالخريبي حدث عن الأعمش وهشام بن عروة ومسعر بن كدام والثوري وشريك وسلمة بن نبيط وابن جريج وآخرين.\n_________\n(١) الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى (١/ ١٦٧).\n(٢) شذرات الذهب (٢/ ٢٩) وطبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٥) والجرح والتعديل (٥/ ٤٧) وتهذيب الكمال (١٤/ ٤٥٨ - ٤٦٧) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٣٧ - ٣٣٩) والسير (٩/ ٣٤٦ - ٣٥٢).","vol":"3","page":278},{"text":"وعنه عمرو بن علي الصيرفي ومسدد ونصر بن علي ومحمد بن بشار وابن عيينة وابن المديني وطائفة. قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: فعبد الله بن داود الخريبي؟ قال: ثقة، مأمون، قلت: فأبو عاصم النبيل؟ قال: ثقة. قلت: فأيهما أحب إليك؟ فقال: ثقتان. قال الدارمي: الخريبي أعلى.\nمن أقواله: ما أقبح بالرجل أن يظهر لأخيه خلاف ما في نفسه. وأيضا: من أمكن الناس من كل ما يريدون أضروا بدينه ودنياه.\nتوفي سنة ثلاث عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>موقفه من المبتدعة:</span>\nأخرج الخطيب عن محمد بن يحيى الأزدي قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول: والله لو بلغنا أن القوم لم يزيدوا في الوضوء على غسل أظفارهم، لما زدنا عليه. قال أبو بكر بن خزيمة: يريد أن الدين الاتباع. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1338>موقفه من الرافضة:</span>\nروى اللالكائي بسنده إلى إسماعيل بن إسحاق قال: سمعت عارما يقول: سمعت عبد الله بن داود يقول: من قدم عثمان على علي فحجته قوية لأن الخمسة قدموه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال زيد بن أخزم: سمعت الخريبي يقول: نَوْلُ الرّجلِ أن يكره\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٥٢/٢٦١٩).","vol":"3","page":279},{"text":"ولده على طلب الحديث. وقال: ليس الدين بالكلام إنما الدين بالآثار. وقال في الحديث: من أراد به دنيا، فدنيا، ومن أراد به آخرة، فآخرة. (١)\n- وأخرج ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن داود الخريبي بخاء معجمة ثم راء ثم موحدة مصغر قال: ما في القرآن آية أشد على أصحاب جهم من هذه الآية: ﴿لأنذركم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٢) فمن بلغه القرآن فكأنما سمعه من الله تعالى. (٣)\n- جاء في أصول الاعتقاد قال بشر بن الحارث: سألت عبد الله بن داود عن القرآن فقال: العزيز الجبار، يكون هذا مخلوقا؟.\n- وفيه عنه قال: من قال القرآن مخلوق فعلى الإمام أن يستتيبه، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. (٤)\n\nأبو سهل الهَيثم بن جَمِيل (٥) (٢١٣ هـ)\nالحافظ، الإمام الكبير، الثبت، أبو سهل البغدادي، نزيل أنطاكية. حدث عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، والليث بن\n_________\n(١) السير (٩/ ٣٤٩) وشرف أصحاب الحديث (٦٦).\n(٢) الأنعام الآية (١٩).\n(٣) الفتح (١٣/ ٥٢٦).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٠/٥٠٧).\n(٥) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٩٠) والتاريخ الكبير (٨/ ٢١٦) وتاريخ بغداد (١٤/ ٥٦ - ٥٧) وتهذيب الكمال (٣٠/ ٣٦٥ - ٣٦٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٦٣) والسير (١٠/ ٣٩٦) وتهذيب التهذيب (١١/ ٩٠) وشذرات الذهب (٢/ ٣٦).","vol":"3","page":280},{"text":"سعد وأبي عوانة وغيرهم. روى عنه أحمد بن حنبل، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وفضل بن يعقوب الرخامي، وسعدان بن يزيد وغيرهم. قال الإمام أحمد: كان من أصحاب الحديث ببغداد. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. توفي ﵀ سنة ثلاث عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1341>موقفه من القدرية:</span>\nعن أبي سهل قال: لا تبدأ القدرية بالسلام، فإن سلموا عليك فقل وعليك. (١)\n\nالأسود بن سالم أبو محمد البغدادي (٢) (٢١٣ هـ)\nأبو محمد الأسود بن سالم البغدادي الزاهد، العابد. سمع حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل بن علية، ومعتمر بن سليمان، ويحيى بن عبد الملك، وعبيد الله الأشجعي. وروى عنه حاتم بن الليث وعبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق، ومحمد بن عبد الله المخرمي، وأحمد بن زياد السمسار. كان صديقا ودودا لمعروف الكرخي، وكان معروفا بالخير. قال محمد بن جرير: كان ثقة ورعا فاضلا. توفي سنة ثلاث عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1343>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال أسود بن سالم: كان ابن المبارك إماما يقتدى به، كان من أثبت\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٠٥/١١٤٦).\n(٢) تاريخ بغداد (٧/ ٣٥ - ٣٧) والوافي بالوفيات (٩/ ٢٥١ - ٢٥٢) تاريخ الإسلام (حوادث ٢١١ - ٢٢٠/ص.٧٩ - ٨٠).","vol":"3","page":281},{"text":"الناس في السنة، إذا رأيت رجلا يغمز ابن المبارك، فاتهمه على الإسلام. (١)\n- جاء في تاريخ بغداد: عن حبش بن الورد قال: رؤي أسود بن سالم يغسل وجهه من غدوة إلى نصف النهار، فقيل له: إيش خبرك؟ قال: رأيت اليوم مبتدعا، فأنا أغسل وجهي منذ رأيته إلى الساعة! وأنا أظنه لا ينقى!. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>موقفه من الجهمية:</span>\nعن عبد الوهاب الوراق قال: قلت للأسود بن سالم: هذه الآثار التي تروى في معاني النظر إلى الله تعالى ونحوها من الأخبار؟ فقال: نحلف عليها بالطلاق والمشي، قال عبد الوهاب: معناه تصديقا بها. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>موقف السلف من عبيد الله بن موسى الشيعي (٢١٣ ه</span>ـ)\nبغضه للصحابة:\n- جاء في السير: قال ابن مندة: كان أحمد بن حنبل يدل الناس على عبيد الله، وكان معروفا بالرفض، لم يدع أحدا اسمه معاوية يدخل داره فقيل: دخل عليه معاوية بن صالح الأشعري، فقال: ما اسمك؟ قال: معاوية قال: والله لا حدثتك ولا حدثت قوما أنت فيهم. (٤)\n_________\n(١) السير (٨/ ٣٩٥).\n(٢) تاريخ بغداد (٧/ ٣٦).\n(٣) الشريعة (٢/ ٩/٦١٦).\n(٤) السير (٩/ ٥٥٦ - ٥٥٧).","vol":"3","page":282},{"text":"عبد الله بن عبد الحَكَم (١) (٢١٤ هـ)\nعبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث الإمام الفقيه مفتي الديار المصرية أبو محمد المصري المالكي، صاحب مالك ويقال إنه من موالي عثمان ﵁. حدث عن الليث بن سعد ومالك بن أنس وابن القاسم وابن وهب ومسلم بن خالد الزنجي ومفضل بن فضالة وعدة. سمع منه بنوه محمد وسعد وعبد الرحمن وعبد الحكم، ومقدام بن داود الرعيني وأبو محمد الدارمي وأبو يزيد القراطيسي، وطائفة. قال أحمد العجلي: لم أر بمصر أعقل منه ومن سعيد بن أبي مريم. قال ابن عبد البر: كان ابن عبد الحكم رجلا صالحا ثقة متحققا بمذهب مالك. توفي سنة أربع عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1347>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في تلبيس إبليس بالسند إلى أبي عبد الرحمن السلمي قال: أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري، فأنكر عليه ذلك عبد الله بن عبد الحكم، وكان رئيس مصر وكان يذهب مذهب مالك، وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة. (٢)\n\" التعليق:\nهكذا كان أصحاب مالك العلماء ينفون عن الدين تحريف الغالين\n_________\n(١) شذرات الذهب (٢/ ٣٤) والبداية والنهاية (١٠/ ٢٨١) والسير (١٠/ ٢٢٠) وتهذيب الكمال (١٥/ ١٩١) وترتيب المدارك (١/ ٣٠٤ - ٣٠٦).\n(٢) التلبيس (٢٠٦) والسير (١١/ ٥٣٤).","vol":"3","page":283},{"text":"وانتحال المبطلين، وكل من أراد نشر زندقته أو باطنيته أو رافضيته أو أوساخ أهل اليونان، تشكل بالشكل الذي يناسبه. فرحمة الله على هذا الإمام وعلى أمثاله من علماء السلف.\n\nالوليد بن أبان الكرابيسي (١) (٢١٤ هـ)\nالوليد بن أبان الكرابيسي المتكلم المعتزلي البصري أحد الأئمة، له مقالات في تقوية مذهب الاعتزال.\nوذكر الخطيب في تاريخه قصة توبته في آخر حياته ورجوعه إلى مذهب أهل الحديث. توفي سنة أربع عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>موقفه من الجهمية:</span>\n- كان بشر المريسي يخرج إلى ناحية الزابيين ليغتسل، ويتطهر وكان به المذهب، قال فمضى وليد الكرابيسي إليه وهو في الماء. فقال: مسألة؟ قال وأنا على هذه الحال؟ فقال له نعم. فقال: أليس رووا عن النبي - ﷺ - أنه \"كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع\" (٢)، فهذا الذي أنت فيه إيش؟ قال: إبليس يوسوس لي، ويوهمني أني لم أطهر. قال: فهو الذي وسوس لك حتى قلت القرآن مخلوق. (٣)\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١٣/ ٤٧١ - ٤٧٢) والأعلام (٨/ ١١٩) والسير (١٠/ ٥٤٨).\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ٤٠٣/٢٠١) ومسلم (١/ ٢٥٨/٣٢٥ (٥١» وأخرجه أحمد (٣/ ١٧٩) وأبو داود (١/ ٧٢/٩٥) والترمذي (٢/ ٥٠٧/٦٠٩) مختصرا والنسائي (١/ ٦١/٧٣) بمعناه. كلهم من طرق عن أنس.\n(٣) تاريخ بغداد (١٣/ ٤٧١).","vol":"3","page":284},{"text":"- جاء في شرف أصحاب الحديث بالسند إلى أحمد بن سنان قال: كان الوليد الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال فتتهموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم، أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحق معهم -لست أعني الرؤساء- ولكن هؤلاء الممزقين، ألم تر أحدهم يجيء إلى الرئيس منهم فيخطئه ويهجنه. قال أبو بكر بن الأشعث: كان أعرف الناس بالكلام بعد حفص الفرد الكرابيسي، وكان حسين الكرابيسي منه تعلم الكلام. (١)\n\" التعليق:\nالكرابيسي معروف بعداوته لعقيدة السلف، وهذا النص المنقول هنا يدل دلالة واضحة على تراجعه عما كان يعتقده، ورجوعه إلى عقيدة السلف التي تتمثل في أهل الحديث الذين هم حملتها إلى يوم القيامة، فنقل مواقف مثل هؤلاء لا يوهم التناقض في البحث ولكن المقصود منه التأييد بكل موقف يظهر لنا أنه سلفي ولو كان صاحبه على خلافه.\n\nأبو سليمان الدَّارانِي (٢) (٢١٥ هـ)\nالإمام الكبير، زاهد العصر، أبو سليمان، عبد الرحمن بن أحمد الداراني، ولد في حدود الأربعين ومائة. روى عن الثوري وأبي الأشهب العطاردي\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (٥٦) والتلبيس (١٠٤).\n(٢) السير (١٠/ ١٨٢ - ١٨٦) والجرح والتعديل (٥/ ٢١٤) وتاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٨ - ٢٥٠) وحلية الأولياء (٩/ ٢٥٤ - ٢٨٠).","vol":"3","page":285},{"text":"وغيرهما. روى عنه تلميذه أحمد بن أبي الحواري، وهاشم بن خالد وغيرهما.\nمن كلماته: أفضل الأعمال خلاف هوى النفس. ومنها: إذا تكلف المتعبدون أن يتكلموا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم. ومنها: من اشتغل بنفسه شغل عن الناس، ومن اشتغل بربه شُغل عن نفسه وعن الناس. مات سنة خمس عشرة ومائتين وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1351>موقفه من المبتدعة:</span>\nأبو سليمان هو وأمثاله ممن عاشوا في القرون الأولى، تروى عنهم أقوال وحكم، في ظاهرها توافق عقيدة السلف، وقد أخذها كثير ممن ألف في ذلك وجعلوها كشاهد، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه وفتاواه وتلميذه العلامة ابن القيم. في حين نجدهم صوفية أصحاب مقامات وأحوال أنكرها عليهم أهل العلم عامة وعلماء السلف خاصة. واسمع ما يقوله أبو سليمان في البدع والمبتدعة:\n- جاء في تاريخ الخطيب وغيره: وقال أحمد: سمعت أبا سليمان يقول: ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر، فإذا سمعه من الأثر عمل به وحمد الله حيث وافق ما في قلبه. (١)\n- وعنه قال: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. (٢)\n_________\n(١) تاريخ الخطيب (١٠/ ٢٤٩) والحلية (٩/ ٢٦٩) والباعث (١٠٨) والسير (١٠/ ١٨٣).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٢٥٥) والاعتصام (١/ ١٢٦ - ١٢٧) والباعث (١٠٨) والسير (١٠/ ١٨٣) و(١٨/ ٢٣١) والاستقامة (١/ ٩٥ - ٩٦).","vol":"3","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1352>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأبي سليمان الداراني: من أراد الحظوة؛ فليتواضع في الطاعة، فقال لي: ويحك، وأي شيء التواضع؟ إنما التواضع في أن لا تعجب بعملك، وكيف يعجب عاقل بعمله، وإنما يعد العمل نعمة من الله ﷿ ينبغي أن يشكر الله ويتواضع، إنما يعجب بعمله القدري الذي يزعم أنه يعمل، فأما من زعم أنه يستعمل؛ فكيف يعجب. (١)\n- وفيها: عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: أهل السماوات والأرضين من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، ومن دونهم من الخليقة أعجز في حيلتهم وأضعف في قوتهم من أن يحدثوا في ملك الله ﷿ وسلطانه طرفة بعين أو خطرة بقلب أو نفسا واحدا من روح لم يشأه الله لهم ولم يعلمه منهم، ولقد أذعنت الجاهلية الجهلاء بالقدر، وأقرت لله بالمشيئة بعد ذلك في إسلامها، وقالته في خطبها ومحاوراتها وأشعارها. (٢)\n- وجاء في السير: قال ابن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: صل خلف كل مبتدع إلا القدري، لا تصل خلفه، وإن كان سلطانا. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١١/٢٨٦/ ١٩٣٠) والشريعة (١/ ٤٦٢/٦٠٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٢٨٨/ ١٩٣٣).\n(٣) سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٣).","vol":"3","page":287},{"text":"قَبِيصَة بن عُقْبَة (١) (٢١٥ هـ)\nقبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عقبة، أبو عامر السُّوائي الكوفي، الحافظ، الإمام، الثقة، العابد. حدث عن يونس بن أبي إسحاق، وشعبة، وحمزة الزيات، وسفيان الثوري، وخلق. قال الذهبي: وما أظنه ارتحل في الحديث، وكان من أوعية العلم. حدث عنه أحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، والبخاري، وأبو زرعة الرازي، وابنه عقبة، وخلق كثير. طلب العلم وهو حدث. قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن قبيصة وأبي نعيم فقال: كان قبيصة أفضل الرجلين، وأبو نعيم أتقنهما، ولم أر من المحدثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره سوى قبيصة. قال جعفر بن حمدويه: كنا على باب قبيصة، ومعنا دلف ابن الأمير أبي دلف، ومعه الخدم، يكتب الحديث، فصار إلى باب قبيصة فدق عليه فأبطأ قبيصة، فعاوده الخدم وقيل له: ابن ملك الجبل على الباب، وأنت لا تخرج إليه، فخرج وفي طرف إزاره كسر من الخبز، فقال: رجل قد رضي من الدنيا بهذا ما يصنع بابن ملك الجبل؟ والله لا حدثته، فلم يحدثه. مات في صفر سنة خمس عشرة ومائتين رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1354>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عن أبي زرعة الرازي قال: سمعت قبيصة بن\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١٢/ ٤٧٣ - ٤٧٦) والتاريخ الكبير (٧/ ١٧٧) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٤٨١ - ٤٨٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢١١ - ٢٢٠/ ٣٥٢ - ٣٥٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٧٣ - ٣٧٥) والسير (١٠/ ١٣٠ - ١٣٥) وتهذيب التهذيب (٨/ ٣٤٧).","vol":"3","page":288},{"text":"عقبة يقول: حب أصحاب النبي - ﷺ - كلهم سنة. (١)\n\nعبد الملك بن قُرَيب الأصمعي (٢) (٢١٦ هـ)\nالإمام العلامة الحافظ، حجة الأدب، لسان العرب، أبو سعيد عبد الملك ابن قريب الأصمعي اللغوي الأخباري. ولد سنة بضع وعشرين ومائة. روى عن ابن عون وسليمان التيمي وشعبة والحمادين وغيرهم. روى عنه أبو عبيد ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي وغيرهم. قال إسحاق الموصلي: دخلت على الأصمعي أعوده، فإذا قِمَطْر، فقلت: هذا علمك كله؟ فقال: إن هذا من حق لكثير. وقال محمد بن الأعرابي: شهدت الأصمعي وقد أنشد نحوا من مائتي بيت، ما فيها بيت عرفناه. وقال الربيع بن سليم: سمعت الشافعي يقول: ما عبر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. قال المبرد: كان الأصمعي بحرا في اللغة، لا نعرف مثله فيها، وكان أبو زيد أنحى منه. قال الذهبي: كتب شيئا لا يحصى عن العرب، وكان ذا حفظ وذكاء ولطف، وعبارة، فسادَ. مات سنة ست عشرة ومائتين وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>موقفه من المبتدعة:</span>\n- أخرج ابن بطة بسنده إلى الأصمعي قال: لم أر بيتا قط أشبه بالسنة من قول عدي:\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣١٣/٢٣٢٧).\n(٢) شذرات الذهب (٢/ ٣٦ - ٣٧) والأعلام (٤/ ١٦٢) ووفيات الأعيان (٣/ ١٧٠) وتاريخ بغداد (١/ ٤١٠ - ٤٢٠) والجرح والتعديل (٥/ ٣٦٣) والأنساب (١/ ٢٩٣) وميزان الاعتدال (٢/ ٦٦٢) والسير (١٠/ ١٧٥).","vol":"3","page":289},{"text":"عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدي (١)\n- وقال أيضا: سمعت بعض فقهاء المدينة يقول: إذا تلاحمت بالقلوب النسبة، تواصلت بالأبدان الصحبة.\nقال ابن بطة: وبهذا جاءت السنة. (٢)\n- عن الحسن بن عبد الوهاب قال: سمعت السبياوي يقول: رأيت الأصمعي يذهب إلى أن الجدّال زنادقة. (٣)\n- عن أبي يعلى المنقري، قال: سمعت الأصمعي، قال: سمعت أعرابيا يقول: من لاحى الرجال وماراهم قلت مروءته وهانت كرامته، ومن أكثر من شيء عرف به.\nقال ابن بطة عقبه: فاعلم يا أخي أني لم أر الجدال والمناقضة والخلاف والمماحلة والأهواء المختلفة والآراء المخترعة من شرائع النبلاء ولا من أخلاق العقلاء ولا من مذاهب أهل المروءة ولا مما حكي لنا عن صالحي هذه الأمة ولا من سير السلف ولا من شيمة المرضيين من الخلف وإنما هو لهو يتعلم ودراية يتفكه بها ولذة يستراح إليها ومهارشة العقول وتذريب اللسان بمحق الأديان، وضراوة على التغالب واستمتاع بظهور حجة المخاصم، وقصد إلى قهر المناظر والمغالطة في القياس وبهت في المقاولة وتكذيب الآثار وتسفيه أحلام الأبرار، ومكابرة لنص التنزيل وتهاون بما قاله الرسول ونقض لعقدة\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٤٠/ ٣٧٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٥٣/ ٤٢٢).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٠/ ٦٥٢).","vol":"3","page":290},{"text":"الإجماع، وتشتيت الألفة وتفريق لأهل الملة، وشكوك تدخل على الأمة، وضراوة السلاطة، وتوغير للقلوب وتوليد للشحناء في النفوس، عصمنا الله وإياكم من ذلك وأعاذنا من مجالسة أهله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في الإبانة: عن محمد بن غزوان، قال: سألت الأصمعي عن قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢) قال: تأكيدا لكلامه، يريد أنه لا ترجمان بينهما ولا رسول. قلت: فما موضعه من الكلام؟ قال: كقول الرجل: لأضربنك ضربا، ولأفعلن بك فعلا. (٣)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن الأصمعي قال: إذا سمعته يقول الاسم غير المسمى فاحكم أو قال فاشهد عليه بالزندقة. (٤)\n- وذكر ابن أبي حاتم عن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود. فقال الأصمعي: هي كافرة بهذه المقالة، أما هذا الرجل وامرأته فما أولاه بأن سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب. (٥)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٣١ - ٥٣٢/ ٦٥٧).\n(٢) النساء الآية (١٦٤).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٤/٣٠٣ - ٣٠٤/ ٤٧١).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٣٧/٣٤٦ - ٣٤٧).\n(٥) اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٠٢) والفتاوى (٥/ ٥٣).","vol":"3","page":291},{"text":"\" التعليق:\nهؤلاء هم أئمة اللغة الذين فهموا لغة القرآن والحديث، وكانوا على علم بحيل وألاعيب المبتدعة، وكانوا على عقيدة السلف الصالح.\nأما منتحلو اللغة والنحو الآن فعلى العكس من ذلك. إما جهلة جهلا مطبقا بالعلوم الشرعية، لأنهم قضوا حياتهم في العلوم اللغوية ويعتذرون أن هذه العلوم ليست من تخصصهم، وإما أن يكون لهم علم بالعلوم الشرعية، ولكن بشكل منحرف، عقيدة أشعرية وطريقة صوفية وبدعة مذهبية، هذا هو النوع الطيب منهم وقلما تجد من جمع بين سلامة المعتقد وحسن التصور ورسوخ العلم. كثرهم الله وهدى الباقي إلى سواء الصراط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1358>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن الأصمعي قال: من قال: إن الله ﷿ لا يرزق الحرام؛ فهو كافر. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: سئل أعرابي عن القدر قال: ذاك علم اختصمت فيه الظنون وغلا فيه المختصمون، فالواجب علينا أن نرد ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه. (٢)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١١/٢٧٦/ ١٩٠٢) والشريعة (١/ ٤٣٥/٥٤٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٦/١٨٢١) والإبانة (٢/ ١١/٣٢٣ - ٣٢٤/ ٢٠١٣).","vol":"3","page":292},{"text":"حجَّاج بن مِنْهَال الأَنْمَاطِي (١) (٢١٧ هـ)\nالحافظ، الإمام القدوة، العابد الحجة، أبو محمد البصري الأنماطي أخو محمد. حدث عن قرة بن خالد، وشعبة، والحمادين، وابن الماجشون، ومالك وعدة. حدث عنه البخاري، والباقون بواسطة، وإسحاق الكوسج، وعبد بن حميد، وأحمد بن الفرات، وإسماعيل القاضي وخلق كثير. قال أحمد العجلي: ثقة، رجل صالح، كان سمسارا، يأخذ من كل دينار حبة، فجاء خراساني موسر من أصحاب الحديث، فاشترى له أنماطا، فأعطاه التاجر ثلاثين دينارا، فقال: ما هذه؟ قال سمسرتك، قال: دنانيرك أهون علي من هذا التراب، هات من كل دينار حبة، فأخذ منه دينارا وكسرا. قال خلف كردوس: كان حجاج صاحب سنة يظهرها. توفي ﵀ سنة سبع عشرة ومائتين في شوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1360>موقفه من الجهمية:</span>\nعن عطاء ابن أخي حجاج الأنماطي قال: قلت لعمي حجاج: ما تقول في القرآن؟ قال: القرآن كلام الله وليس من الله شيء مخلوق. (٢)\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٠١) والتاريخ الكبير (٢/ ٣٨٠) وتهذيب الكمال (٥/ ٤٥٧ - ٤٥٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٠٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٠٦) والسير (١٠/ ٣٥٢ - ٣٥٤) والشذرات (٢/ ٣٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢١١ - ٢٢٠/ص.١٠٦ - ١٠٨).\n(٢) السنة لعبد الله (٣٤).","vol":"3","page":293},{"text":"أبو مُسْهِر عبد الأعلى (١) (٢١٨ هـ)\nعبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى أبو مسهر الغساني الدمشقي الفقيه، ولد سنة أربعين ومائة. سمع من مالك بن أنس وإسماعيل بن عياش وابن عيينة وغيرهم. روى عنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم. قال يحيى بن معين: الذي يحدث ببلد به من هو أولى بالتحديث منه أحمق، وإذا رأيتني أحدث ببلد فيها مثل أبي مسهر فينبغي للحيتي أن تحلق. كان أعلم الناس بالمغازي وأيام الناس. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: رحم الله أبا مسهر، ما كان أثبته، وجعل يطريه. قال ابن حبان: كان إمام أهل الشام في الحفظ والإتقان، ممن عني بأنساب أهل بلده وأنبائهم، وإليه كان يرجع أهل الشام في الجرح والعدالة لشيوخهم. وقال أبو داود: لقد كان من الإسلام بمكان، حمل على المحنة فأبى، وحمل على السيف، فمد رأسه وجرد السيف فأبى أن يجيب فلما رأوا ذلك منه، حمل إلى السجن فمات. توفي ﵀ سنة ثمان عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1362>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن محمد بن يعقوب الدمشقي قال: سمعت أبا مسهر يقول: ما أدركنا أحدا من أهل العلم إلا وهو يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. (٢)\n- جاء في السير: قال علي بن عثمان النفيلي: كنا على باب أبي مسهر\n_________\n(١) السير (١٠/ ٢٢٨) وطبقات ابن سعد (٧/ ٤٧٣) والجرح والتعديل (٦/ ٢٩) وتاريخ بغداد (١١/ ٧٢ - ٧٥) وترتيب المدارك (١/ ٢٤١ - ٢٤٢) وتهذيب التهذيب (١٦/ ٣٦٩) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٨١) وشذرات الذهب (٢/ ٤٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٢١ - ٢٢/ ٢١٣).","vol":"3","page":294},{"text":"جماعة من أصحاب الحديث، فمرض فعدناه وقلنا: كيف أصبحت؟ قال في عافية، راضيا عن الله ساخطا على ذي القرنين: كيف لم يجعل سدا بيننا وبين أهل العراق كما جعله بين أهل خراسان وبين يأجوج ومأجوج، فما كان بعد هذا إلا يسيرا حتى وافى المأمون دمشق، ونزل بدير مران وبنى القبة فوق الجبل، فكان بالليل يأمر بجمر عظيم فيوقد ويجعل في طسوت كبار تدلى من عند القبيبة بسلاسل وحبال فتضيء لها الغوطة فيبصرها بالليل.\nوكان لأبي مسهر حلقة في الجامع بين العشائين عند حائط الشرقي، فبينا هو ليلة إذ قد دخل الجامع ضوء عظيم فقال أبو مسهر: ما هذا؟ قالوا: النار التي تدلى من الجبل لأمير المؤمنين حتى تضيء له الغوطة فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (١) وكان في الحلقة صاحب خبر للمأمون، فرفع ذلك إلى المأمون فحقدها عليه، وكان قد بلغه أيضا أنه كان على قضاء أبي العميطر، فلما رحل المأمون أمر بحمل أبي مسهر إليه فامتحنه بالرقة في القرآن ...\n- وفيه بالسند إلى أصبغ: وكان مع أبي مسهر هو وابن أبي النجا، خرجا معه يخدمانه فحدثني أصبغ أن أبا مسهر دخل على المأمون بالرقة وقد ضرب رقبة رجل وهو مطروح، فأوقف أبا مسهر في الحال فامتحنه فلم يجبه، فأمر به فوضع في النطع ليضرب عنقه فأجاب إلى خلق القرآن، فأخرج من النطع، فرجع عن قوله فأعيد إلى النطع، فأجاب فأمر به أن يوجه إلى العراق،\n_________\n(١) الشعراء الآيتان (١٢٨ - ١٢٩).","vol":"3","page":295},{"text":"ولم يثق بقوله، فما حذر وأقام عند إسحاق بن إبراهيم -يعني نائب بغداد- أياما لا تبلغ مائة يوم ومات ﵀. (١)\n- وجاء في ترتيب المدارك: قال موسى بن الحسن: سمعت أبا مسهر وقد وجه به المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد فأحضر له إسحاق جماعة ليقر بكتاب المحنة الذي كتبه المأمون في خلق القرآن ونفي الرؤية وعذاب القبر، وأن الميزان ليس بكفتين وأن الجنة والنار غير مخلوقتين. فلما قرئ الكتاب على أبي مسهر قال: أنا منكر لجميع ما في كتابكم هذا، أبعد مجالسة مالك والثوري ومشايخ أهل العلم: إذًا لا أكفر بالله بعد إحدى وتسعين، لا أقول القرآن مخلوق ولا أنكر عذاب القبر ولا الموازين أنها كفتان، ولا أن الله يرى في القيامة، ولا أن الله تعالى على عرشه وعلمه قد أحاط بكل شيء، نزل بذلك القرآن وجاءت به الأخبار التي نقلها أهل العلم، فإن كانوا متهمين في ما يقولون فإنهم متهمون في القرآن، فهم الذين نقلوا القرآن والسنن عن رسول الله - ﷺ -، فجر برجله وطرح في أضيق المجالس فما أقام به إلا يسيرا حتى توفي ﵀، فحضر جنازته من الخلق ما لا يحصيه إلا الله. (٢)\n- قال إسحاق بن إبراهيم: لما صار المأمون إلى دمشق، ذكروا له أبا مسهر ووصفوه بالعلم والفقه، فأحضره فقال: ما تقول في القرآن؟ قال: كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى\n_________\n(١) السير (١٠/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(٢) ترتيب المدارك (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤).","vol":"3","page":296},{"text":"يسمع كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) فقال: أمخلوق هو أو غير مخلوق؟ قال: ما يقول أمير المؤمنين؟ قال: مخلوق. قال: يخبر عن رسول الله - ﷺ - أو عن الصحابة أو التابعين؟ قال: بالنظر. واحتج عليه فقال: يا أمير المؤمنين، نحن مع الجمهور الأعظم أقول بقولهم، والقرآن كلام الله غير مخلوق. قال: يا شيخ، أخبرني عن النبي - ﷺ - هل اختتن؟ قال: ما سمعت في هذا شيئا. قال: فأخبرني عنه أكان يشهد إذا زوج أو تزوج؟ قال: ولا أدري، قال: اخرج قبحك الله، وقبح من قلدك دينه وجعلك قدوة. (٢)\n\" التعليق:\nلقد ضل سعي المأمون وخسر الخسران المبين، وتأثم الإثم العظيم، فبنى للضلال أركانا، وجعل له سدودا وحصونا، فرخت فيها الجهمية والشيعة الروافض أفراخها، وأظهرت أعناقها التي كانت مقبورة مدفونة مدحورة ذليلة حقيرة عند علماء السلف وحكامهم، والذين جاهدوا فيهم حق جهاده باللسان والفعل والكتاب ﵃ وأرضاهم.\nفاستطاع هؤلاء الضلال الاستحواذ على المأمون الذي ضرب المثل في الجرأة وفي الوقاحة على علماء السلف ولم يستثن منهم أحدا، بل أتى على جميعهم محدثهم وفقيههم، وحتى العامة الذين يعيشون على فطرة سليمة وعقيدة سلفية صحيحة.\nولله في ذلك حكم، فكتب الله الأجر والثواب لجماعة من السلفيين\n_________\n(١) التوبة الآية (٦).\n(٢) السير (١٠/ ٢٣٥) وترتيب المدارك (٣/ ٢٢٤).","vol":"3","page":297},{"text":"وقفوا له بالمرصاد وجادلوه بالحجة والبرهان، وثبتهم الله على ذلك مهما بلغت تهديداته وأساليب تعذيبه، واستشهد من استشهد منهم ومثالهم في ذلك إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد ﵁، وسيمر بنا إن شاء الله من مواقفه ومواقف غيره ما يثلج الصدر ﵏ جميعا، وجعلنا على نهجهم القويم، وهذا أبو مسهر إمام أهل الحديث في وقته ممن ينالون الأجر بإذن الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>موقف السلف من بشر بن غياث المريسي الجهمي (٢١٨ ه</span>ـ)\nزندقته وتجهمه ومواقف السلف منه:\n- قال الذهبي في سيره: نظر في الكلام، فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرد القول بخلق القرآن، ودعا إليه، حتى كان عين الجهمية في عصره وعالمهم، فمقته أهل العلم، وكفره عدة، ولم يدرك جهم بن صفوان، بل تلقف مقالاته من أتباعه. (١)\n- وقال فيها أيضا: وكان جهميا له قدر عند الدولة، وكان يشرب النبيذ، وقال مرة لرجل اسمه كامل: في اسمه دليل على أن الاسم غير المسمى. (٢)\n- وقال: وقع كلامه إلى عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ، فصنف مجلدا في الرد عليه. (٣)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٢٠١).\n(٢) السير (١٠/ ٢٠١).\n(٣) السير (١٠/ ٢٠٢).","vol":"3","page":298},{"text":"- ثم قال: فهو بشر الشر وبشر الحافي بشر الخير، كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السنة، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة. ومن كفر ببدعة وإن جلت، ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلى وحج وزكى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع، كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها. (١)\n- وفيها: قال البويطي: سمعت الشافعي يقول: ناظرت المريسي، فقال: القرعة قمار، فذكرت له حديث عمران بن حصين في القرعة (٢)، ثم ذكرت قوله لأبي البختري القاضي، فقال: شاهدا آخر وأصلبه. (٣)\n- وفيها: روى أبو داود، عن أحمد بن حنبل، أنه سمع ابن مهدي أيام صنع ببشر ما صنع يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. (٤)\nوفيها: قال أبو بكر الأثرم: سئل أحمد عن الصلاة خلف بشر المريسي، فقال: لا تصل خلفه. (٥)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٢٠٢).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٦) ومسلم (٣/ ١٢٨٨/١٦٦٨) وأبو داود (٤/ ٢٦٦ - ٢٦٩/ ٣٩٥٨) والترمذي (٣/ ٦٤٥/١٣٦٤) والنسائي (٤/ ٣٦٦/١٩٥٧) وابن ماجة (٢/ ٧٨٦/٢٣٤٥) من طرق عن عمران بن حصين، ولفظ مسلم عن عمران بن الحصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - ﷺ - فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولا شديدا.\n(٣) السير (١٠/ ٢٠٠) والسنة للخلال (٥/ ١٠٥).\n(٤) السير (١٠/ ٢٠١).\n(٥) السير (١٠/ ٢٠٢).","vol":"3","page":299},{"text":"- وفيها: قال المروذي: سمعت أبا عبد الله، وذكر المريسي، فقال: كان أبوه يهوديا، أي شيء تراه يكون؟ (١)\n- وفيها: قال قتيبة: بشر المريسي كافر. (٢)\n- وفيها: قال أبو عبد الله: كان بشر يحضر مجلس أبي يوسف، فيصيح، ويستغيث، فقال له أبو يوسف مرة: لا تنتهي أو تفسد خشبة، ثم قال أبو عبد الله: ما كان صاحب حجج، بل صاحب خطب. (٣)\n- وفي السنة لعبد الله: عن يحيى بن أيوب قال: كنت أسمع الناس يتكلمون في المريسي فكرهت أن أقدم عليه حتى أسمع كلامه لأقول فيه بعلم، فأتيته فإذا هو يكثر الصلاة على عيسى بن مريم ﵇، فقلت له: إنك تكثر الصلاة على عيسى فأهل ذاك هو ولا أراك تصلي على نبينا ونبينا أفضل منه فقال: ذاك كان مشغولا بالمرآة والمشط والنساء. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1364>موقف السلف من المأمون (٢١٨ ه</span>ـ)\nإحداثه التكبير دبر الصلوات:\n- وفي البداية والنهاية يقول الحافظ ابن كثير: وفيها أي سنة ست\n_________\n(١) السير (١٠/ ٢٠١).\n(٢) السير (١٠/ ٢٠٢).\n(٣) السير (١٠/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(٤) السنة لعبد الله (٣٩).","vol":"3","page":300},{"text":"عشرة ومائتين كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقب الصلوات الخمس، فكان أول ما بدئ بذلك في مجامع بغداد والرصافة يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من رمضان، وذلك أنهم كانوا إذا قضوا الصلاة قام الناس قياما فكبروا ثلاث تكبيرات، ثم استمروا على ذلك في بقية الصلوات وهذه بدعة أحدثها المأمون أيضا بلا مستند وبلا دليل ولا معتمد، فإن هذا لم يفعله أحد قبله، ولكن ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على عهد رسول الله - ﷺ - حين ينصرف الناس من المكتوبة (١) وقد استحب هذا طائفة من العلماء كابن حزم وغيره، وقال ابن بطال: المذاهب الأربعة على عدم استحبابه. قال النووي: وقد روي عن الشافعي أنه قال: إنما كان ذلك ليعلم الناس أن الذكر بعد الصلوات مشروع، فلما علم ذلك لم يبق للجهر معنى وهذا كما روي عن ابن عباس أنه كان يجهر في الفاتحة في الصلاة، في صلاة الجنازة ليعلم الناس أنها سنة (٢)، ولهذا نظائر والله أعلم. وأما هذه التي أمر بها المأمون فإنها بدعة محدثة لم يعمل بها أحد من السلف. (٣)\n\" التعليق:\nوهذه البدعة التي ابتدعها المأمون تطورت وتفرعت عنها أذكار وأوراد\n_________\n(١) البخاري (٢/ ٤١٢/٨٤١) ومسلم (١/ ٤١٠/٥٨٣) وأبو داود (١/ ٦٠٩/١٠٠٣) والنسائي (٣/ ٧٦ - ٧٧/ ١٣٣٤) عن ابن عباس.\n(٢) البخاري (٣/ ٢٦١/١٣٣٥) وأبو داود (٣/ ٥٣٧ - ٥٣٨/ ٣١٩٨) والترمذي (٣/ ٣٤٦/١٠٢٧) والنسائي (٤/ ٣٧٧ - ٣٧٨/ ١٩٨٦ - ١٩٨٧) عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: \"صليت خلف ابن عباس\" فذكره.\n(٣) البداية والنهاية (١٠/ ٢٨٢ - ٢٨٣).","vol":"3","page":301},{"text":"وأحزاب في مساجد العالم الإسلامي، إلا من عصم من ذلك. فإذا كان هؤلاء الأئمة الذين نقل الحافظ ابن كثير أقوالهم يرون هذه التي أحدث المأمون بدعة ضلالة، فما بالك لو وقفوا على ما عليه أهل هذا الزمان من رفع الأصوات في المساجد بالصيغ الجماعية التي هي أشبه ما يكون بفعل النصارى في كنائسهم والله المستعان.\n\nتشيعه وتجهمه:\n- جاء في السير: قيل: إن المأمون استخرج كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرس، وقدم دمشق مرتين. (١)\n- قال إبراهيم نفطويه: حكى داود بن علي، عن يحيى بن أكثم قال: كنت عند المأمون وعنده قواد خراسان، وقد دعا إلى القول بخلق القرآن، فقال لهم: ما تقولون في القرآن؟ فقالوا: كان شيوخنا يقولون: ما كان فيه من ذكر الحمير والجمال والبقر فهو مخلوق، فأما إذ قال أمير المؤمنين هو مخلوق، فنحن نقول: كله مخلوق. فقلت للمأمون: أتفرح بموافقة هؤلاء؟. (٢)\n- قال نفطويه: بعث المأمون مناديا، فنادى في الناس ببراءة الذمة ممن ترحم على معاوية، أو ذكره بخير. وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشر ومئتين، فأنكر الناس ذلك، واضطربوا، ولم ينل مقصوده، ففتر إلى وقت. (٣)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٢٧٨).\n(٢) السير (١٠/ ٢٨١).\n(٣) السير (١٠/ ٢٨١).","vol":"3","page":302},{"text":"- قيل: إن المأمون لتشيعه أمر بالنداء بإباحة المتعة -متعة النساء - فدخل عليه يحيى بن أكثم، فذكر له حديث علي ﵁ بتحريمها (١)، فلما علم بصحة الحديث، رجع إلى الحق، وأمر بالنداء بتحريمها. (٢)\n- أما مسألة القرآن، فما رجع عنها، وصمم على امتحان العلماء في سنة ثماني عشرة، وشدد عليهم، فأخذه الله. (٣)\n- وكان المأمون يجل أهل الكلام، ويتناظرون في مجلسه. (٤)\n- وفي سنة اثنتي عشر: سار محمد بن حميد الطوسي لمحاربة بابك، وأظهر المأمون تفضيل علي على الشيخين، وأن القرآن مخلوق. (٥)\n- وبالغ في محنة القرآن، وحبس إمام الدمشقيين أبا مسهر، بعد أن وضعه في النطع للقتل، فتلفظ مكرها. (٦)\n- وكتب المأمون إلى نائبه على العراق إسحاق بن إبراهيم الخزاعي كتابا يمتحن العلماء، يقول فيه: وقد عرفنا أن الجمهور الأعظم والسواد من حشو الرعية وسفلة العامة، ممن لا نظر لهم ولا روية، أهل جهالة وعمى عن أن يعرفوا الله كنه معرفته، ويقدروه قدره، ويفرقوا بينه وبين خلقه، فساووا بين\n_________\n(١) أحمد (١/ ٧٩) والبخاري (٧/ ٦١١/٤٢١٦) ومسلم (٢/ ١٠٢٧/١٤٠٧) والترمذي (٣/ ٤٢٩/١١٢١) والنسائي (٦/ ٤٣٥/٣٣٦٦) وابن ماجه (١/ ٦٣٠/١٩٦١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٢) السير (١٠/ ٢٨٣).\n(٣) السير (١٠/ ٢٨٣).\n(٤) السير (١٠/ ٢٨٥).\n(٥) السير (١٠/ ٢٨٦).\n(٦) السير (١٠/ ٢٨٧).","vol":"3","page":303},{"text":"الله وبين خلقه، وأطبقوا على أن القرآن قديم، لم يخترعه الله، وقد قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا﴾ (١) فكل ما جعله فقد خلقه، كما قال: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (٢)، وقال: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ (٣)، فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها. وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (٤) والله محكم له، فهو خالقه ومبدعه. إلى أن قال: فمال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فرأى أمير المؤمنين أنهم شر الأمة ولعمر أمير المؤمنين، إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حق معرفته. فاجمع القضاة، وامتحنهم، فيما يقولون، وأعلمهم أني غير مستعين في عمل ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإن وافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، ورد شهادة من لم يقر أنه مخلوق. (٥)\n- وكتب المأمون أيضا في أشخاص سبعة، محمد بن سعد، وابن معين، وأبي خيثمة، وأبي مسلم المستملي، وإسماعيل بن داود، وأحمد الدورقي، فامتحنوا فأجابوا -قال ابن معين: جبنا خوفا من السيف- وكتب بإحضار من امتنع منهم: أحمد بن حنبل، وبشر بن الوليد، وأبي حسان الزيادي،\n_________\n(١) الزخرف الآية (٣).\n(٢) الأنعام الآية (١).\n(٣) طه الآية (٩٩).\n(٤) هود الآية (١).\n(٥) السير (١٠/ ٢٨٧).","vol":"3","page":304},{"text":"والقواريري، وسجادة، وعلي بن الجعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وعلي بن أبي مقاتل، وذيال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد، وسعدويه، في عدة، فتلكأ طائفة، وصمم أحمد وابن نوح، فقيدا، وبعث بهما، فلما بلغا الرقة، تلقاهم موت المأمون، وكان مرض بأرض الثغر، فلما احتضر، طلب ابنه العباس ليقدم، فوافاه بآخر رمق، وقد نفذت الكتب إلى البلدان، فيها: من المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده. فقيل: وقع ذلك بغير أمر المأمون، وقيل: بل بأمره. وأشهد على نفسه عند الموت أن عبد الله بن هارون أشهد عليه أن الله وحده لا شريك له، وأنه خالق، وما سواه مخلوق، ولا يخلو القرآن من أن يكون شيئا له مثل، والله لا مثل له، والبعث حق، وإني مذنب، أرجو وأخاف، وليصل علي أقربكم، وليكبر خمسا، فرحم الله عبدا اتعظ وفكر فيما حتم الله على جميع خلقه من الفناء، فالحمد لله الذي توحد بالبقاء، ثم لينظر امرؤ ما كنت فيه من عز الخلافة، هل أغنى عني شيئا إذ نزل أمر الله بي؟ لا والله، لكن أضعف به على الحساب، فيا ليتني لم أك شيئا، يا أخي، ادن مني، واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة إذ طوقكها الله عمل المريد لله، الخائف من عقابه، ولا تغتر، فكأن قد نزل بك الموت، ولا تغفل أمر الرعية، الرعية الرعية فإن الملك بهم، الله الله فيهم وفي غيرهم يا أبا إسحاق عليك عهد الله، لتقومن بحقه في عباده، ولتؤثرن طاعته على معصيته، فقال: اللهم نعم. هؤلاء بنو عمك من ذرية علي ﵁، أحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم.\nثم مات في رجب في ثاني عشرة، سنة ثمان عشرة ومئتين، وله ثمان وأربعون سنة، توفي بالبذنذون،","vol":"3","page":305},{"text":"فنقله ابنه العباس. ودفنه بطرسوس في دار خاقان خادم أبيه. (١)\n- وفي البداية والنهاية قال الحافظ ابن كثير: وفي ربيع الأول سنة ثنتي عشرة ومائتين أظهر المأمون في الناس بدعتين فظيعتين، إحداهما أطم من الأخرى، وهي القول بخلق القرآن، والثانية تفضيل علي بن أبي طالب على الناس بعد رسول الله - ﷺ -، وقد أخطأ في كل منهما خطئا كبيرا فاحشا وأثم إثما عظيما. (٢)\n- وقال أبو العباس أحمد بن تيمية في مجموع الفتاوى: وفي دولة أبي العباس المأمون، ظهر الخرمية ونحوهم من المنافقين، وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة.\nفلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين، وقوي ما قوي من حال المشركين وأهل الكتاب، كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من أهل الضلال، وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة، وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلا وعدلا، وإنما هو جهل وظلم، إذ التسوية بين المؤمن والمنافق والمسلم والكافر أعظم الظلم، وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل، فتولد من ذلك محنة الجهمية حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام أحمد\n_________\n(١) السير (١٠/ ٢٨٨).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٢٧٨ - ٢٧٩).","vol":"3","page":306},{"text":"وغيره ما جرى مما يطول وصفه. (١)\n- وفي تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي: وبعد كلامه على الطبقة السادسة من تقسيمه ﵀ قال: وكان في زمان هؤلاء خلائق من أصحاب الحديث ومن أئمة المقرئين، كورش واليزيدي والكسائي وإسماعيل ابن عبيد الله المكي القسط وخلق من الفقهاء كفقيه العراق محمد بن الحسن وفقيه مصر عبد الرحمن بن القاسم وخلق من مشائخ القوم كشقيق البلخي وصالح المري الواعظ، والفضيل المذكور والدولة لهارون الرشيد والبرامكة، ثم بعدهم اضطربت الأمور وضعف أمر الدولة بخلافة الأمين ﵀، فلما قتل واستخلف المأمون على رأس المائتين نجم التشيع وأبدى صفحته، وبزغ فجر الكلام وعربت حكمة الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مرد مهلك لا يلائم علم النبوة، ولا يوافق توحيد المؤمنين، قد كانت الأمة منه في عافية، وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن ودعاهم إليه، فامتحن العلماء، فلا حول ولا قوة إلا بالله، إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف، وتقدم عقول الفلاسفة ويعزل منقول أتباع الرسل ويمارى في القرآن ويتبرم بالسنن والآثار، وتقع في الحيرة، فالفرار قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومجاراة العقول ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. (٢)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢١).\n(٢) تذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩).","vol":"3","page":307},{"text":"عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِي (١) (٢١٩ هـ)\nعبد الله بن الزبير بن عيسى الإمام الحافظ الفقيه شيخ الحرم، أبو بكر القرشي صاحب المسند. حدث عن ابن عيينة -فأكثر عنه وجوَّد- وإبراهيم ابن سعد ووكيع ابن الجراح والوليد بن مسلم ومروان بن معاوية وعدة. وعنه البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي ويعقوب بن شيبة وهارون بن عبد الله الحمال ومحمد بن يونس النسائي وطائفة. قال فيه الإمام أحمد: الحميدي عندنا إمام، وقال يعقوب الفسوي: حدثنا الحميدي، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. توفي سنة تسع عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1366>موقفه من المبتدعة:</span>\n- كان هذا الإمام سلفي المعتقد قال ﵀ في مسنده: السنة عندنا أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ذلك كله قضاء من الله ﷿، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة، والترحم على أصحاب محمد - ﷺ - كلهم فإن الله ﷿ قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (٢) فلم نؤمر إلا\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٥/ ٥٠٢) والجرح والتعديل (٥/ ٥٦) والأنساب (٤/ ٢٣١) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٣) وطبقات الشافعية لابن كثير (٢/ ١٤٠) والعقد الثمين (٥/ ١٦٠) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢١٤) وشذرات الذهب (٢/ ٤٥) والسير (١٠/ ٦١٦ - ٦٢١).\n(٢) الحشر الآية (١٠).","vol":"3","page":308},{"text":"بالاستغفار لهم، فمن سبهم أو بغضهم أو أحدا منهم فليس على السنة، وليس له في الفيء حق، أخبرنا بذلك غير واحد عن مالك بن أنس أنه قال: قسم الله تعالى الفيء فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ ديارهم﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية فمن لم يقل هذا لهم فليس ممن جعل له الفيء، والقرآن كلام الله، سمعت سفيان يقول: والقرآن كلام الله، ومن قال: مخلوق فهو مبتدع لم نسمع أحدا يقول هذا، وسمعت سفيان يقول: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد لا تقل ينقص، فغضب، وقال: اسكت يا صبي بلى، حتى لا يبقى منه شيء. والإقرار بالرؤية بعد الموت، وما نطق به القرآن والحديث مثل ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (١)، ومثل ﴿وَالسَّماوَاتُ مطوياتٌ بيمينه﴾ (٢) وما أشبه هذا من القرآن والحديث، لا يزيد فيه ولا يفسره، يقف على ما وقف عليه القرآن والسنة، ويقول: ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (٣) ومن زعم غير هذا فهو معطل جهمي، وأن لا يقول كما قالت الخوارج: من أصاب كبيرة فقد كفر، ولا يكفر بشيء من الذنوب، إنما الكفر في ترك\n_________\n(١) المائدة الآية (٦٤).\n(٢) الزمر الآية (٦٧) ..\n(٣) طه الآية (٥).","vol":"3","page":309},{"text":"الخمس التي قال رسول الله - ﷺ -: \"بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت\" (١)، وأما ثلث منها فلا يناظر تاركه، من لم يتشهد، ولم يصل، ولم يصم، لأنه لا يؤخر من هذا شيء عن وقته، ولا يجزئ من قضاه بعد تفريطه فيه عامدا عن وقته، وأما الزكاة فمتى ما أداها أجزأت عنه، وكان آثما في الحبس، وأما الحج فمن وجب عليه، ووجد السبيل إليه وجب عليه، ولا يجب عليه في عامه ذلك حتى لا يكون له منه بد، متى أداه كان مؤديا ولم يكن آثما في تأخيره إذا أداه، كما كان آثما في الزكاة لأن الزكاة حق لمسلمين (٢) مساكين، حبسه عليهم فكان آثما حتى وصل إليهم، وأما الحج فكان في ما بينه وبين ربه إذا أداه فقد أدى، وإن هو مات وهو واجد مستطيع ولم يحج سأل الرجعة إلى الدنيا أن يحج، ويجب لأهله أن يحجوا عنه، ونرجو أن يكون ذلك مؤديا عنه كما لو كان عليه دين فقضي عنه بعد موته. (٣)\n- وجاء في ذم الكلام عنه قال: والله لأن أغزو هؤلاء الذين يردون حديث رسول الله - ﷺ - أحب إلي من أن أغزو عدتهم من الأتراك. (٤)\n\" التعليق:\nرضي الله عنك يا إمام، فهذا هو الفهم الصحيح، لأن في غزو الرادين\n_________\n(١) أحمد (٢/ ١٤٣) والبخاري (١/ ٦٧ - ٦٨/ ٨) ومسلم (١/ ٤٥/١٦) والترمذي (٥/ ٧/٢٦٠٩) والنسائي (٨/ ٤٨١ - ٤٨٢/ ٥٠١٦) عن ابن عمر.\n(٢) في الأصل \"لمسلمي\" ولعل الصواب ما أثبتناه.\n(٣) المسند (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٨) وانظر نقض المنطق (٥ - ٦) واجتماع الجيوش (٢٠٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٤).\n(٤) ذم الكلام (٧٧) والسير (١٠/ ٦١٩).","vol":"3","page":310},{"text":"للسنة حفظا لرأس مال الإسلام وغزو الأتراك طلب الربح، وحفظ رأس المال أولى، وبهذا وجه الإمام ابن هبيرة قول أبي سعيد الخدري ﵁: قتالهم -أي الخوارج- أجل عندي من قتال عدتهم من الترك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1367>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في الكفاية عن عوام قال قال لي الحميدي: كان بشر بن السري جهميا، لا يحل أن يكتب عنه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1368>موقفه من المرجئة:</span>\nقال حنبل: أخبرنا الحميدي (وأخبرت) أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك (فيه إيمانه) إذا كان يقر بالفرائض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وفعل المسلمين قال الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢). (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1369>موقفه من القدرية:</span>\nقال الإمام أحمد في معاذ بن هشام الدستوائي: كان في كتابه عن أبيه:\n_________\n(١) الكفاية (١٢٣).\n(٢) البينة الآية (٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٧/١٥٩٤) والسنة للخلال (٣/ ٥٨٦ - ٥٨٧/ ١٠٢٧) وانظر الفتاوى (٧/ ٢٠٩).","vol":"3","page":311},{"text":"ليس المعاصي من قدر الله. قلت له: وما علمك؟ قال: أنا رأيته في كتابه عن أبيه، ثم خرج إلى مكة في تجارة، فجلس يحدثهم، فقال الحميدي: لا تسمعوا من هذا القدري شيئا. (١)\n\nأبو الأسود النَّضْر بن عبد الجبار (٢) (٢١٩ هـ)\nالنضر بن عبد الجبار بن نَضِير الإمام القدوة العابد الحافظ أبو الأسود المرادي مولاهم البصري الكاتب الشروطي كاتبُ الحُكم لِقاضي مصر لَهيعة ابن عيسى بن لهيعة. روى عن ابن لهيعة والليث بن سعد وبكر بن مضر والمفضل بن فضالة ونافع بن يزيد ونوح بن عباد وآخرين. حدث عنه يحيى ابن معين والذهلي والربيع بن سليمان الجيزي وجعفر بن مسافر وحميد بن الربيع اللخمي وعدة.\nقال أبو حاتم: شيخ صدوق عابد شبهته بالقعنبي. قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن يحيى بن معين: كان راوية عن ابن لهيعة، وكان شيخ صدق. توفي سنة تسع عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة: قال عبد الله: حدثني محمد بن سهل سمعت أبا الأسود النضر بن عبد الجبار يقول: القرآن كلام الله، من قال القرآن مخلوق\n_________\n(١) السير (٩/ ٣٧٢).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٤٨) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٤٠) وشذرات الذهب (٢/ ٤٦) والسير (١٠/ ٥٦٧).","vol":"3","page":312},{"text":"فهو كافر، هذا كلام الزنادقة. (١)\n\nعمرو بن الربيع (٢) (٢١٩ هـ)\nعمرو بن الربيع بن طارق بن قرة الهلالي أبو حفص الكوفي ثم المصري. حدث عن إسماعيل بن مرزوق ورشدين بن سعد والليث بن سعد ومالك بن أنس وابن لهيعة وآخرين. وعنه البخاري ويحيى بن معين وإسحاق بن منصور الكوسج ومحمد بن إسحاق الصاغاني وابنه طاهر وطائفة. ذكره ابن حبان في كتاب الثقات. توفي سنة تسع عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>موقفه من الجهمية:</span>\nروى عبد الله في السنة قال: حدثني محمد بن سهل قال: سمعت عمرو ابن الربيع بن طارق يقول: القرآن كلام الله، من زعم أنه مخلوق فهو كافر. (٣)\n\nهشام بن بَهْرَام (٤) (٢١٩ هـ)\nهشام بن بهرام، أبو محمد المَدَائِني. حدث عن أبي شهاب الحناط، والمعافى بن عمران، وسفيان بن عيينة، وعلي بن مسهر وغيرهم. وروى عنه عباس الدوري، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وعلي بن أحمد بن النضر وأبو\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.١٨).\n(٢) التقريب (٢/ ٧٠) وتهذيب التهذيب (٨/ ٣٣) وتهذيب الكمال (٢٢/ ٢٣ - ٢٦).\n(٣) السنة لعبد الله (ص.١٨).\n(٤) تاريخ الإسلام (حوادث ٢١١ - ٢٢٠/ص.٤٣٢) وتاريخ بغداد (١٤/ ٤٧ - ٤٨) وتهذيب الكمال (٣٠/ ١٧٧ - ١٧٨).","vol":"3","page":313},{"text":"داود وغيرهم. قال الخطيب: كان ثقة. توفي سنة تسع عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1375>موقفه من الجهمية:</span>\nعن محمد بن منصور الطوسي قال: قدم علي بن مضاء مولى لخالد القسري. حدثنا هشام بن بهرام سمعت معافى بن عمران يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. قال هشام: وأنا أقول كما قال المعافى، قال علي: وأنا أقول كما قال -يعني هشاما- قال أبو جعفر الطوسي: وأنا أقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. (١)\n\nسليمان بن داود الهاشمي (٢) (٢١٩ هـ)\nهو سليمان بن داود بن داود بن علي، أبو أيوب، وأبو داود الهاشمي العباسي الأمير. قال الذهبي: كان شريفا جليلا، عالما ثقة، سريا، بلغنا عن أحمد بن حنبل أنه قال: كان يصلح للخلافة. سمع عبد الرحمن بن أبي الزناد وإسماعيل بن جعفر، وسفيان بن عيينة وجماعة. وروى عنه أحمد بن حنبل وعباس الدوري، والحارث ابن أبي أسامة، وإبراهيم الحربي وغيرهم. ومن كلامه: ربما أتحدث بحديث واحد ولي نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي، وإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات. قال الشافعي: ما رأيت أعقل من هذين الرجلين: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي. مات سنة تسع عشرة\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٦٧).\n(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ٢١١ - ٢٢٠/ص.١٨٠ - ١٨١) وتاريخ بغداد (٩/ ٣١ - ٣٢) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٤٣)\nوالوافي بالوفيات (١٥/ ٣٨٩).","vol":"3","page":314},{"text":"ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1377>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال سليمان بن داود الهاشمي الإمام -نظير أحمد بن حنبل- الذي قال فيه الشافعي: ما خلفت ببغداد أعقل من رجلين: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي، قال: من قال: إن القرآن مخلوق لزم أن يكون قول فرعون كلام الله، فإن الله خلق في فرعون قوله: ﴿فَقَالَ أَنَا ربكم الأعلى﴾ (١) وعندهم أن الله خلق في الشجرة إِنَّنِي ﴿أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني﴾ (٢). فإذا كان كلامه لكونه خلقه فالآخر أيضا كلامه. (٣)\n- وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: ﴿أَنَا أَنَا ربكم الأعلى﴾ (٤)؟ وزعموا أن هذا مخلوق والذي قال: إِنَّنِي ﴿أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني﴾ (٥) هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون، فلم صار فرعون أولى أن يخلد في النار من هذا؟ وكلاهما عنده مخلوق. فأخبر بذلك أبو عبيد فاستحسنه وأعجبه. (٦)\n_________\n(١) النازعات الآية (٢٤).\n(٢) طه الآية (١٤).\n(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٣١٦ - ٣١٧).\n(٤) النازعات الآية (٢٤).\n(٥) طه الآية (١٤).\n(٦) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٠٩) ونحوه في المنهاج (٥/ ٤٢٦).","vol":"3","page":315},{"text":"الفَضْل بن دُكَين (١) (٢١٩ هـ)\nالحافظ الكبير، الفضل بن عمرو بن حَمَّاد بن زُهَيْر بن درهم القرشي التيمي الطلحي، أبو نعيم الملائي الكوفي الأحول، مولى آل طلحة بن عبيد الله. كان شريكَ عبدِالسلام بن حرب الملائي في دكان يبيعان المُلاء. سمع الأعمش وشريكا ومالك بن مغول وسفيان الثوري ومسعر بن كدام وشعبة، وخلقا سواهم. وحدث عنه البخاري وأحمد بن حنبل وإسحاق وابن معين وأبو حاتم وأمم سواهم. قال يعقوب الفسوي: أجمع أصحابنا أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان. قال أحمد بن حنبل: إنما رفع الله عفان وأبا نعيم بالصدق حتى نُوّه بذكرهما. وقال أيضا: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به كبير أحد: عفان وأبو نعيم.\nروى الميموني عن أحمد أنه أثنى على أبي نعيم، وقال: كان ثقة، يقظان في الحديث، عارفا به، ثم قام في أمر الامتحان ما لم يقم غيره، عافاه الله. قال الخطيب: كان أبو نعيم مزاحا ذا دعابة، مع تدينه وثقته وأمانته. وقال أبو أحمد الفراء: كنا نهاب أبا نعيم أشد من هيبة الأمير. توفي ﵀ سنة تسع عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: قال أبو العباس السراج عن الكديمي قال: لما دخل\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٦/ ٤٠٠) وتاريخ بغداد (١٢/ ٣٤٦) وتهذيب الكمال (٢٣/ ١٩٧ - ٢٢٠) والسير (١٠/ ١٤٢ - ١٥٧) وتهذيب التهذيب (٨/ ٢٧٠ - ٢٧٦) وشذرات الذهب (٢/ ٤٦).","vol":"3","page":316},{"text":"أبو نعيم على الوالي ليمتحنه، وثم يونس وأبو غسان وغيرهما، فأول من امتحن فلان، فأجاب، ثم عطف على أبي نعيم، فقال: قد أجاب هذا، فما تقول؟ فقال: والله ما زلت أتهم جده بالزندقة، ولقد أخبرني يونس بن بُكير أنه سمع جده يقول: لا بأس أن يرمي الجمرة بالقوارير. أدركت الكوفة وبها أكثر من سبع مئة شيخ، الأعمش فمن دونه يقولون: القرآن كلام الله وعنقي أهون من زري هذا، فقام إليه أحمد بن يونس، فقبل رأسه -وكان بينهما شحناء- وقال: جزاك الله من شيخ خيرا. (١)\n- قال الطبراني: سمعت صليحة بنت أبي نعيم تقول: سمعت أبي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر. (٢)\n- جاء في السنة لعبد الله: عن أبي نعيم بن دكين قال: وذكر عنده من يقول: القرآن مخلوق فقال: والله والله ما سمعت بشيء من هذا حتى خرج ذاك الخبيث جهم. (٣)\n- وللخلال: عن أحمد بن حنبل حدثهم: سمع أبا نعيم الفضل بن دكين قال له رجل: يا أبا نعيم هذا بشر المريسي. فقال: لعن الله أهل الزيغ والضلالة، من بشر المريسي؟ إنما يتكلم في هذا التافه من الناس، لا يعرف، نسأل الله لنا ولكم اليسر والعافية، عليكم بالآثار، والعلم ما كان عليه من مضى من السلف. (٤)\n_________\n(١) السير (١٠/ ١٤٩) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٠٥/٤٨١).\n(٢) السير (١٠/ ١٤٩) ونحوه في السنة لعبد الله (٣٢).\n(٣) السنة لعبد الله (٤٠).\n(٤) السنة للخلال (٥/ ١٠٤).","vol":"3","page":317},{"text":"- وفي السنة لعبد الله عنه قال: لعن الله بشرا المريسي الكافر. (١)\n- وعن أحمد بن محمد بن إسماعيل الرازي قال: سمعت عقبة بن قبيصة قال: خرج علينا أبو نعيم الفضل بن دكين وهو مغضب فقال: حدثنا سفيان ابن سعيد بن مسروق الثوري وحدثنا الحسن بن صالح بن حي وحدثنا شريك بن عبد الله النخعي وحدثنا زهير بن معاوية: كلهم رووا عن النبي - ﷺ - أنا نرى ربنا (٢)، وجاء ابن صباغ يهودي فأنكر الرؤية -يعني المريسي-. (٣)\n- وقال الخلال: أخبرنا علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: أدركت الناس ما يتكلمون في هذا ولا عرفنا هذا إلا بعد سنين، القرآن كلام الله منزل من عند الله لا يؤول إلى خالق ولا مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، هذا الذي لم نظل عليه ولا نعرف غيره. (٤)\n\nالعتابي (٥) (٢١٩ هـ)\nكلثوم بن عمرو العتابي أبو عمرو الأديب الشاعر المشهور الأخباري، كان خطيبا بليغا فصيحا مجيدا، مدح الرشيد والمأمون، وكان يتزهد ويتصوف ويقل من السلطان.\nمن أشعاره:\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٣٨).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٦١/٨٨٧).\n(٤) الفتاوى الكبرى (٥/ ٧٥) والإبانة (٢/ ٣٦/٢٢٨).\n(٥) تاريخ بغداد (١٢/ ٤٨٨) وتاريخ الإسلام (١٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨) والنجوم الزاهرة (٢/ ١٨٦) والمنتظم (١٠/ ١٨٩ - ١٩٣).","vol":"3","page":318},{"text":"ولقد بلوت الناس ثم سبرتهم ... وخبرت ما وصلوا من الأسباب\nفإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أكبر الأنساب\nومنها:\nإن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود\nوللبخيل على أموالهم علل ... زرق العيون عليها أوجه سود\nبث النوال ولا يمنعك قلته ... فكل ما سد فقرا فهو محمود\nتوفي سنة تسع عشرة ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1381>موقفه من الجهمية:</span>\nروى ابن بطة في الإبانة بسنده إلى أبي علي محمد بن سعيد بن الحسن قال: دخل العتابي على المأمون، وعنده بشر المريسي، فقال المأمون: ناظر بشرا في الرأي؟\nفقال العتابي: يا أمير المؤمنين الإيناس قبل ... (١) فإنه لا يحمد المرء في أول وهلة على صوابه، ولا يذم على خطأه، لأنه بين حالين من كلام قد هيأه أو حصر، ولكنه يبسط بالمؤانسة، ويبحث بالمثاقبة، فقال له: ناظر بشرا في الرأي، فقال العتابي: يا أمير المؤمنين إن لأهل الرأي أغاليط وأغاليق واختلافا في آرائهم، وأنا واصف لأمير المؤمنين ما أعتقده من ذلك، لعل صفتي تأتي على ما يحاول أمير المؤمنين، إن أمر الديانة أمران:\nأحدهما لا يرد إلا جحدا لأنه القرآن، وهو الأصل المعروض عليه كل\n_________\n(١) في هامش الإبانة كلمة غير واضحة لعلها المناظرة.","vol":"3","page":319},{"text":"حجة وعلم كل حادث لا نرد سؤل من انتحله حجة، فما وضحت فيه آية من كتاب الله مجمع على تأويلها أو سنة من رسول الله - ﷺ - لا اختلاف فيها أو إجماع من العلماء أو مستنبط تعرف العقول عدله لزمهم الديانة به والقيام عليه وما لم يصح فيه آية من كتاب الله مجمع على تأويلها ولا سنة تلزمهم الديانة بها، ولا القيام عليه، كان عليهم العهد والميثاق في الوقوف عنده، كذلك نقول في التوحيد فما دونه وفي أرش الخدش فما فوقه، فما أضاء لي نوره اصطفيته وما عمي عني نوره نفيته وبالله التوفيق.\nفقال المأمون اكتبوا هذا الكلام وخلدوه ببيت الحكمة. (١)\n\" التعليق:\nسبحان من طبع على قلب المأمون، يسمع مثل هذا ويعجبه ويرتضيه، ومع ذلك يستمر على ضلاله الذي تبناه، فلا أدري إن كان حب الظهور هو الذي دفعه إلى هذا، أو هذا حقيقة عقيدة اقتنع بها وأراد حمل الناس عليها فالله أعلم، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.\n\nآدم بن أبي إياس (٢) (٢٢٠ هـ)\nهو الإمام الحافظ القدوة، أبو الحسن الخراساني المروذي، ثم البغدادي، ثم العسقلاني. نشأ ببغداد، وسمع بها الكثير، وبالحرمين والكوفة والبصرة\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٥٣٧/٦٧٠).\n(٢) تاريخ بغداد (٧/ ٢٧ - ٣٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢١١ - ٢٢٠/ص.٥٩ - ٦٢) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٣٥ - ٣٣٨) وطبقات ابن سعد (٧/ ٤٩٠).","vol":"3","page":320},{"text":"والشام ومصر. وسكن عسقلان إلى أن مات بها.\nحدث عن ابن أبي ذئب، ومبارك بن فضالة، وشعبة بن الحجاج، وغيرهم.\nوحدث عنه البخاري، وأحمد بن الأزهر، وأحمد بن عبد الله العكاوي، وإسماعيل سمويه وخلق سواهم.\nقال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة مأمون متعبد من خيار عباد الله.\nوذكره أحمد بن حنبل، فقال: كان مكينا عند شعبة، كان من الستة الذين يضبطون الحديث عنه.\nمات آدم في جمادى الآخرة سنة عشرين ومائتين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1383>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السير: قال أبو بكر الأعين: أتيت آدم العسقلاني، فقلت له: عبد الله بن صالح كاتب الليث يقرئك السلام، فقال: لا تقرئه مني السلام، قلت: ولم؟ قال: لأنه قال: القرآن مخلوق، فأخبرته بعذره، وأنه أظهر الندامة وأخبر الناس بالرجوع. قال: فأقرئه السلام وإذا أتيت أحمد بن حنبل فأقرئه السلام وقل له: يا هذا اتق الله وتقرب إلى الله تعالى بما أنت فيه، ولا يستفزنك أحد، فإنك -إن شاء الله- مشرف على الجنة، وقل له: أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أرادكم على معصية الله، فلا","vol":"3","page":321},{"text":"تطيعوه\" (١) قال: فأبلغت ذلك أبا عبد الله، فقال: ﵀ حيا وميتا، فلقد أحسن النصيحة. (٢)\n\nعفَّان بن مُسْلِم (٣) (٢٢٠ هـ)\nعفان بن مسلم بن عبد الله مولى عَزْرَة بن ثابت الأنصاري الإمام الحافظ محدث العراق، أبو عثمان البصري الصفار بقية الأعلام. سمع همام بن يحيى وشعبة والحمادين وداود بن أبي الفرات وعبد الواحد بن زياد ووهيب ابن خالد ويحيى القطان وعدة. وعنه البخاري وأحمد بن حنبل وابن المديني وزهير بن حرب وإسحاق بن منصور الكوسج ومحمد بن عبد الرحيم البزاز ويحيى بن معين وابن أبي شيبة وطائفة. وقال فيه ابن خراش: عفان ثقة من\n_________\n(١) الخطيب البغدادي في التاريخ (٧/ ٢٨ - ٢٩) والمزي في التهذيب (٢/ ٣٠٦) وللحديث شواهد منها:\n- حديث عبد الله بن عمر ﵄، أخرجه: البخاري (٦/ ١٤٣/٢٩٥٥) ومسلم (٣/ ١٤٦٩/١٨٣٩) وأبو داود (٣/ ٩٣ - ٩٤/ ٢٦٢٦) والترمذي (٤/ ١٨٢/١٧٠٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٧/ ١٧٩ - ١٨٠/ ٤٢١٧) وابن ماجه (٢/ ٩٥٦/٢٨٦٤) كلهم من طرق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: \"على المرء المسلم الطاعة فيما أحب أو كره. إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة\".\n- حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أخرجه: أحمد (٣/ ٦٧) وابن ماجه (٢/ ٩٥٥ - ٩٥٦/ ٢٨٦٣) قال في الزوائد: \"إسناده صحيح\". وابن حبان (١٠/ ٤٢١ - ٤٢٢/ ٤٥٥٨) (الإحسان) والحاكم (٣/ ٦٣٠ - ٦٣١) مختصرا. من طرق عن محمد بن عمرو عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه\". وفيه قصة، وفي الباب عن علي وعمران بن الحصين والحكم بن عمرو الغفاري.\n(٢) السير (١٠/ ٣٣٦).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٣٦) وتاريخ خليفة (٤٧٦) والجرح والتعديل (٧/ ٣٠) وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٦٩ - ٢٧٧) وميزان الاعتدال (٣/ ٨١ - ٨٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٧٩ - ٣٨١) وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٣٩) وشذرات الذهب (٢/ ٤٧) والسير (١٠/ ٢٤٢).","vol":"3","page":322},{"text":"خيار المسلمين، وقال أبو حاتم: عفان إمام ثقة متين متقن. وقال يحيى بن معين: أصحاب الحديث خمسة: مالك، وابن جريج، والثوري، وشعبة وعفان. توفي سنة عشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1385>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الخطيب في تاريخه: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أخبرنا عثمان ابن أحمد الدقاق حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: حضرت أبا عبد الله أحمد ويحيى ابن معين عند عفان بعد ما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمحنة -وكان أول من امتحن من الناس عفان- فسأله يحيى بن معين من الغد بعد ما امتحن -وأبو عبد الله حاضر ونحن معه- فقال له يحيى: يا أبا عثمان، أخبرنا بما قال لك إسحاق بن إبراهيم وما رددت عليه؟ فقال عفان ليحيى: يا أبا زكريا، لم أسود وجهك ولا وجوه أصحابك -يعني بذلك أني لم أجب- فقال له فكيف كان؟ قال: دعاني إسحاق بن إبراهيم فلما دخلت عليه قرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من أرض الجزيرة من الرقة، فإذا فيه: امتحن عفان وادعه إلى أن يقول القرآن كذا وكذا، فإن قال ذلك فأقره على أمره، وإن لم يجبك إلى ما كتبت به إليك فاقطع عنه الذي يجري عليه - وكان المأمون يجري على عفان خمسمائة درهم كل شهر - قال عفان: فلما قرأ الكتاب قال لي إسحاق بن إبراهيم ما تقول؟ قال عفان فقرأت عليه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ حتى ختمتها. فقلت مخلوق هذا؟ فقال لي إسحاق بن إبراهيم: يا شيخ، إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه إلى الذي يدعوك إليه يقطع عنك ما يجري","vol":"3","page":323},{"text":"عليك، وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا عنك نحن أيضا. فقلت له يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (١) قال: فسكت عني إسحاق وانصرفت، فسر بذلك أبو عبد الله ويحيى ومن حضر من أصحابنا. (٢)\nقال الذهبي: هذه الحكاية تدل على جلالة عفان وارتفاع شأنه عند الدولة، فإن غيره امتحن، وقيد وسجن، وعفان فما فعلوا معه غير قطع الدراهم عنه. (٣)\n- وفي التاريخ أيضا عن إبراهيم -يعني ابن الحسين بن ديزيل- يقول: لما دعي عفان للمحنة كنت آخذا بلجام حماره. فلما حضر عرض عليه القول فامتنع أن يجيب، فقيل له: يحبس عطاؤك -قال: وكان يعطى في كل شهر ألف درهم، فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٤) قال: فلما رجع إلى داره عذله نساؤه ومن في داره- قال وكان في داره نحو أربعين إنسانا -قال فدق عليه داق الباب، فدخل عليه رجل شبهته بسمان- أو زيات- ومعه كيس فيه ألف درهم. فقال: يا أبا عثمان ثبتك الله كما ثبت الدين، وهذا في كل شهر. (٥)\n- عن أبي بكر الأعين قال: كنت عند عفان وقد دعاه إسحاق لهذا الأمر، فقال: أعطوني ثيابي، فجاؤوه بقميص جديد، فقال لهم: هذا يكون\n_________\n(١) الذاريات الآية (٢٢).\n(٢) تاريخ بغداد (١٢/ ٢٧٠ - ٢٧١) وهو في السير (١٠/ ٢٤٤) والإبانة (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤/ ٤٦٣).\n(٣) السير (١٠/ ٢٤٥).\n(٤) الذاريات الآية (٢٢).\n(٥) تاريخ بغداد (١٢/ ٢٧١ - ٢٧٢) وهو في السير (١٠/ ٢٤٥).","vol":"3","page":324},{"text":"لكم، هاتوا قميصا خلقا. قال: فألبسته إياه، يعني: لضرب العنق. (١)\n- قال علي بن سهل: فأحسن إسحاق في أمره، وكتب إلى المأمون أنه شيخ كبير مريض، وقد امتحنته فلم يجب، ولا أحسب يصل كتابي إلى أمير المؤمنين إلا وقد توفي. (٢)\n- قال حنبل: فسمعت أبا عبد الله بعد ذلك يقول: سبحان الله، كان الناس يتكلمون -يعني: في هذين الشيخين- ويذكرونهما، وكنا من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد مثل ما قاما به عفان وأبو نعيم. (٣)\n\nعبد الله بن مَسْلَمَة القَعْنَبِي (٤) (٢٢١ هـ)\nعبد الله بن مسلمة بن قَعْنَب الإمام الثبت القدوة، شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن الحارثي القعنبي المدني نزيل البصرة ثم مكة. حدث عن أفلح بن حميد ومالك بن أنس وإبراهيم بن سعد الزهري وفضيل بن عياض وعدة. وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وعبد بن حميد وأبو زرعة الرازي وطائفة. قال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني من القعنبي. وعن الميموني\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/٢٩٤/ ٤٦٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٣/٢٩٥/ ٤٦٥).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٣/٢٩٤/ ٤٦٣).\n(٤) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٠٢) وتاريخ خليفة (٢٨ و٤٧٦) وترتيب المدارك (١/ ٢٣١ - ٢٣٢) والأنساب (١٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩) ووفيات الأعيان (٣/ ٤٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٨٣) والديباج المذهب (١/ ٤١١) والعقد الثمين (٥/ ٢٨٥) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣١) وشذرات الذهب (٢/ ٤٩) والسير (١٠/ ٢٥٧ - ٢٦٤).","vol":"3","page":325},{"text":"قال: سمعت القعنبي يقول: اختلفت إلى مالك ثلاثين سنة ما من حديث في الموطإ إلا لو شئت قلت سمعته مرارا. قال الذهبي: حد الولي الرسوخ في العلم والعمل مثل القعنبي. وقال يحيى بن معين: ما رأيت رجلا يحدث لله إلا وكيعا والقعنبي. توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1387>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في اجتماع الجيوش الإسلامية: قال بنان بن أحمد: كنا عند القعنبي فسمع رجلا من الجهمية يقول: ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (١) استولى فقال القعنبي: من لا يوقن أن الرحمن على العرش استوى كما تقرر في قلوب العامة، فهو جهمي. (٢)\n\nهشام بن عبيد الله (٣) (٢٢١ هـ)\nهشام بن عبيد الله الرازي السِّنِّي (قرية ببغداد) الفقيه أحد أئمة السنة. روى عن مالك بن أنس وابن أبي ذئب وحماد بن زيد وعبد العزيز بن المختار وعدة. وعنه بقية بن الوليد ومحمد بن سعيد العطار والحسن بن عرفة وأبو حاتم الرازي وأحمد بن الفرات وطائفة. قال الذهبي: كان من بحور العلم. وقال أبو حاتم: صدوق، وما رأيت أحدا أعظم قدرا ولا أجل من هشام بن\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص.٢٠١).\n(٣) الجرح والتعديل (٩/ ٦٧) وميزان الاعتدال (٤/ ٣٠٠) وتهذيب التهذيب (١١/ ٤٧ - ٤٨) ولسان الميزان (٦/ ١٩٥) وشذرات الذهب (٢/ ٤٩) والسير (١٠/ ٤٤٦ - ٤٤٧).","vol":"3","page":326},{"text":"عبيد الله بالري. توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الذهبي في التذكرة: كان داعية إلى السنة محطا على الجهمية. (١)\n- جاء في السير: قال محمد بن خلف الخراز: سمعت هشام بن عبيد الله الرازي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال له رجل: أليس الله يقول: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٢)؟ فقال: محدث إلينا، وليس عند الله بمحدث. (٣)\nقال الذهبي: لأنه من علم الله، وعلم الله لا يوصف بالحدث. (٤)\n- ذكر عبد الرحمن قال: وجدت في كتاب عند أبي مما وضعه هشام في 'الرد على الجهمية' قال هشام: وكان فيما سألتم في كتابكم عن أهل الجنة أنهم يرون ربهم. قال هشام: ورد علينا في تفسير القرآن ومحكم الحديث: أن الله جل ثناؤه يرى في الآخرة. ثم ذكر الروايات في تفسير القرآن والأخبار عن رسول الله - ﷺ -. (٥)\n- عن جعفر بن محمد بن هارون بن عزرة قال: سمعت هشام بن عبيد الله الرازي يقول: أبوجاد الجهمية من زعم أن القرآن مخلوق. (٦)\n_________\n(١) تذكرة الحفاظ (١/ ٣٨٨).\n(٢) الأنبياء الآية (٢).\n(٣) السير (١٠/ ٤٤٧) والفتح (١٣/ ٤٩٧).\n(٤) السير (١٠/ ٤٤٧).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٦١/٨٨٥).\n(٦) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٩/٤٧٧).","vol":"3","page":327},{"text":"- عن هشام بن عبيد الله الرازي قال: إذا مات الخلق ولم يبق إلا الله وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اليوم﴾ (١) فلا يجيبه أحد فيرد على نفسه فيقول: ﴿لله الواحد القهار﴾ (٢) قال: فلا يشك أحد أن هذا كلام الله وليس بوحي إلى أحد لأنه لم تبق نفس فيها روح إلا وقد ذاقت الموت، والله هو القائل وهو المجيب لنفسه. (٣)\n- وفي ذم الكلام: حبس هشام بن عبيد الله رجلا في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال: الحمد لله على التوبة، أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ قال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه. فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب. (٤)\n- وجاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى هشام بن عبيد الله قال: المريسي عندنا خليفة جهم بن صفوان الضال، وهو ولي عهده، ومثله عندنا مثل بلعم ابن باعورا الذي قال الله فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (٥).اهـ (٦)\n_________\n(١) غافر الآية (١٦).\n(٢) غافر الآية (١٦).\n(٣) الفتح (١٣/ ٣٦٨).\n(٤) ذم الكلام (ص.٢٦٣) ومجموع الفتاوى (٥/ ٤٩) واجتماع الجيوش (١٣٢).\n(٥) الأعراف الآية (١٧٥).\n(٦) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٧/٦٤٤).","vol":"3","page":328},{"text":"عاصم بن علي (١) (٢٢١ هـ)\nعاصم بن علي بن عاصم الواسطي أبو الحسين القرشي التيمي مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق. روى عن عكرمة بن عمار وعاصم بن محمد وشعبة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وطائفة. روى عنه البخاري وأحمد بن حنبل والذهلي وأبو حاتم الرازي وخلق سواهم. قال العجلي: شهدت مجلس عاصم بن علي، فحزروا من شهده ذلك اليوم ستين ومائة ألف، وكان رجلا مسودا. وقال الذهبي: كان حافظا صدوقا من أصحاب شعبة، وكان ﵀ ممن ذب عن الدين في المحنة.\nتوفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1391>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الذهبي في سيره: كان عاصم ﵀ ممن ذب عن الدين في المحنة، فروى الهيثم بن خلف الدوري أن محمد بن سويد الطحان حدثه قال: كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد، وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة، وأحمد بن حنبل يضرب، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي، فنأتي هذا الرجل، فنكلمه؟ قال: فما يجيبه أحد، ثم قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك يا أبا الحسين، فقال: يا غلام: خُفي. فقال ابن أبي الليث: يا أبا الحسين أبلُغُ إلى بناتي، فأُوصِيهم، فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط، ثم جاء، فقال: إني ذهبت إليهن، فبكين، قال: وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط: يا أبانا إنه بلغنا أن\n_________\n(١) تذكرة الحفاظ (١/ ٣٩٧ - ٣٩٨) وتقريب التهذيب (١/ ٣٨٤) وتهذيب التهذيب (٥/ ٤٩ - ٥١) وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٤٧ - ٢٥٠) وشذرات الذهب (٢/ ٤٨) والسير (٩/ ٢٦٢).","vol":"3","page":329},{"text":"هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل، فضربه على أن يقول: القرآن مخلوق، فاتق الله، ولا تجبه فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت. (١)\n- جاء في اجتماع الجيوش الإسلامية: قال عاصم: ناظرت جهميا فتبين من كلامه أنه اعتقد أن ليس في السماء رب. (٢)\n\nأحمد بن أبي محرز (٣) (٢٢١ هـ)\nأحمد بن أبي محرز القيرواني. كان من أفضل الناس في زمانه، وأورعهم، وأعدلهم حكومة وأكثرهم إشفاقا، حافظا للسنن، على هدى واستقامة، مع تبحره في العلم، ومعرفته بأصول الدين، ولي القضاء مجبورا، جبره عليه زيادة الله بن إبراهيم الذي تولى إمارة تونس آنذاك، ولما قبل القضاء اشترط على الأمير أن لا يقبل أحدا من أقاربه ولا من حشمه، ولا من يطوف به وكيلا. قال ابن الأثير: كان من العلماء العاملين، الزاهدين في الدنيا. وقد أثنى عليه أهل زمانه لتدينه واستقامته، بل كان الأمير يفتخر به ويقول: لا أبالي إن سألني ما قدمت عليه يوم القيامة، وقد قدمت عليه بأربعة وذكر منها: وتوليتي أحمد ابن محرز قضاء إفريقية.\nتوفي ﵀ سنة إحدى وعشرين ومائتين.\n_________\n(١) السير (٩/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(٢) اجتماع الجيوش (ص.٢٠٣) ومجموع الفتاوى (٣/ ٥٣).\n(٣) معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان (٢/ ٤٠ - ٤٨) ورياض النفوس (١/ ٣٩٥ - ٤٠١) والكامل في التاريخ (٦/ ٤٦٠).","vol":"3","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1393>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في معالم الإيمان: وكان سيفا مجردا على أهل الأهواء والبدع، قامعا لهم، غيورا على الشريعة، شديدا في ذات الله تعالى. (١)\n\nأبو سعيد الحداد (٢) (٢٢١ هـ)\nأحمد بن داود بن رواد الضبي الواسطي، أبو سعيد الحداد. نزل ببغداد وحدث عن حماد بن زيد وخالد بن عبد الله ومحمد بن يزيد الكلاعي وعبد الرحمن بن مهدي. وحدث عنه أحمد بن سنان ومشرف بن سعيد ومحمد بن عبد الملك الدقيقي ومحمد بن إسحاق الصاغاني وغيرهم. قال: دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله عليك عيال ولك صبيان، وأنت معذور -كأني أسهل عليه الإجابة- فقال لي أحمد بن حنبل: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت. وعن أحمد بن سنان قال: سمعت أبا سعيد الحداد يقول: قال لي عبد الرحمن بن مهدي -وقد ذكرت شيئا- أخطأت، فقلت له: أخطأت أنت، إذ ظننت أني لا أخطئ. وسئل يحيى بن معين عنه فقال: كان ثقة صدوقا، وقال ابن حبان: كان حافظا متقنا.\nتوفي ﵀ سنة إحدى وعشرين ومائتين، وقيل سنة ثنتين وعشرين.\n_________\n(١) معالم الإيمان (٢/ ٤٠).\n(٢) الطبقات الكبرى (٧/ ٣٥٨) والتاريخ الكبير (٢/ ٤ رقم ١٤٩٦) وتاريخ بغداد (٤/ ١٣٨ - ١٤٠) وطبقات الحنابلة (١/ ٤٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٢١ - ٢٣٠/ص.٤٠ - ٤١) والمقصد الأرشد (١/ ١٠٤) والدر المنضد (١/ ٨٦).","vol":"3","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1395>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال أبو سعيد الحداد: الإسناد مثل الدرج ومثل المراقي. فإذا زلت رجلك عن المرقاة سقطت. والرأي مثل المرج. (١)\n\nالحسن بن الربيع (٢) (٢٢١ هـ)\nالإمام الحافظ، أبو علي البجلي القسري الكوفي البوارني. حدث عن: حماد بن زيد، وشريك، وعبيد الله بن إياد بن لقيط، وعدة. حدث عنه: البخاري، ومسلم وهو من كبار مشيخته، وأبو داود، والباقون بواسطة، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وغيرهم.\nقال الذهبي: كان من العلماء العاملين. مات في رمضان سنة إحدى وعشرين ومئتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>موقفه من القدرية:</span>\nقال يعقوب الفسوي: حدثنا الحسن بن الربيع قال: كنا نسمع من عبد الوارث، فإذا أقيمت الصلاة ذهبنا فلم نصل خلفه. (٣)\nقال جامعه: عبد الوارث هو ابن سعيد بن ذكوان أبو عبيدة العنبري البصري المقرئ وهو قدري مبتدع.\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (٤٢).\n(٢) السير (١٠/ ٣٩٩) وتاريخ بغداد (٧/ ٣٠٧) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٧٧).\n(٣) السير (٨/ ٣٠٢).","vol":"3","page":332},{"text":"مسلم بن إبراهيم (١) (٢٢٢ هـ)\nالإمام الحافظ الثقة مسلم بن إبراهيم أبو عمرو الأزدي. ولد في حدود ثلاثين ومائة. حدث عن عبد الله بن عون، وقرة بن خالد، ومالك بن مغول. وروى عنه البخاري، وأبو داود، ويحيى بن معين. توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1399>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن مسلم بن إبراهيم قال: طلبت الحديث، فلم أر أهل الحديث على مثل ما هم عليه اليوم، ولولا أني أقول: إنها سنة أحييها، وبدعة أميتها لعل الله أن يكفر عني بعض ما أنا فيه، ما حدثت. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1400>موقف السلف من يحيى بن صالح الوحاظي (٢٢٢ ه</span>ـ)\nتجهمه وإرجاؤه:\n- قال أحمد بن حنبل: أخبرني رجل من أصحاب الحديث أن يحيى بن صالح قال: لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث -يعني هذه التي في الرؤية- ثم قال أحمد: كأنه نزع إلى رأي جهم. (٣)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٣١٤ - ٣١٨) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٤٨٧ - ٤٩٢) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٠٤) وتهذيب التهذيب (١٠/ ١٢١).\n(٢) السير (١٠/ ٣١٨).\n(٣) السير (١٠/ ٤٥٥).","vol":"3","page":333},{"text":"- قال أبو زرعة الدمشقي: حدثنا يزيد بن عبد ربه يقول: سمعت وكيعا يقول ليحيى الوحاظي: اجتنب الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة ﵀ يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. (١)\n- قال إسحاق الكوسج: حدثنا الوحاظي، وكان مرجئا خبيثا داعي دعوة. (٢)\n\nعبد الله بن محمد بن أبي الأسود (٣) (٢٢٣ هـ)\nعبد الله بن محمد بن أبي الأسود أبو بكر الإمام الحافظ الثبت تخرج بخاله عبد الرحمن بن مهدي، ينسب إلى جده. سمع من مالك بن أنس ومعتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد القطان وابن علية وأنس بن عياض وخلق سواهم. حدث عنه البخاري وأبو داود وإبراهيم الحربي والذهلي وإسماعيل القاضي وعدة. قال الخطيب: كان حافظا متقنا، سكن بغداد. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1402>موقفه من الجهمية:</span>\nقال عبد الله بن أحمد: حدثني عباس العنبري حدثنا عبد الله بن محمد ابن حميد -يعني أبا بكر بن أبي الأسود- قال: لو أن رجلا جهميا مات وأنا وارثه ما استحللت أن آخذ من ميراثه. (٤)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٤٥٦).\n(٢) السير (١٠/ ٤٥٦).\n(٣) الجرح والتعديل (٥/ ١٥٩) وتاريخ بغداد (١٠/ ٦٢ - ٦٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٩٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ٦) وتقريب التهذيب (١/ ٤٤٦) والسير (١٠/ ٦٤٨ - ٦٤٩).\n(٤) السنة لعبد الله (١٦).","vol":"3","page":334},{"text":"أبو عُبَيْد القاسم بن سَلاَّم (١) (٢٢٤ هـ)\nالقاسم بن سلام بن عبد الله الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون أبو عبيد الفقيه القاضي الأديب المشهور صاحب التصانيف المشهورة والعلوم المذكورة. قرأ القرآن على أبي الحسن الكسائي وإسماعيل بن جعفر وغيرهما. وأخذ اللغة عن أبي عبيدة وأبي زيد وجماعة. سمع ابن عيينة وابن المبارك وشريك بن عبد الله وهشيما وخلقا سواهم. روى عنه نصر بن داود وأبو بكر بن أبي الدنيا والحارث بن أبي أسامة وعباس الدوري والحسن بن مكرم البزار وآخرون. قال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيد فاضلا في دينه وفي علمه، ربانيا مفننا في أصناف علوم الإسلام من القرآن، والفقه والعربية والأخبار، حسن الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحدا طعن عليه في شيء من أمره ودينه.\nمن أقواله: المتبع السنة كالقابض على الجمر وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>موقفه من الرافضة:</span>\nقال الخلال: أخبرني الدوري قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: عاشرت الناس وكلمت أهل الكلام وكذى، فما رأيت أوسخ وسخا، ولا أقذر قذرا، ولا أضعف حجة، ولا أحمق من الرافضة، ولقد وليت قضاء\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٥٥) والجرح والتعديل (٧/ ١١١) وتاريخ بغداد (١٢/ ٤٠٣ - ٤١٦) والكامل لابن الأثير (٦/ ٥٠٩) ووفيات الأعيان (٤/ ٦٠ - ٦٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤١٧) وميزان الاعتدال (٣/ ٣٧١) والبداية والنهاية (١٠/ ٣٠٤) والعقد الثمين (٧/ ٢٣ - ٢٥) وشذرات الذهب (٢/ ٥٤ - ٥٥) والسير (١٠/ ٤٩٠ - ٥٠٩).","vol":"3","page":335},{"text":"الثغور فنفيت منهم ثلاثة رجال جهميين، ورافضي أو رافضيين وجهمي، وقلت: مثلكم لا يساكن أهل الثغور فأخرجتهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن العباس الدوري، سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام -وذكر الباب الذي يروى فيه الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا، وأين كان ربنا- فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحدا يفسره. (٢)\nقال الذهبي: قد صنف أبو عبيد كتاب 'غريب الحديث' وما تعرض لأخبار الصفات الإلهية بتأويل أبدا، ولا فسر منها شيئا. وقد أخبر بأنه ما لحق أحدا يفسرها، فلو كان والله تفسيرها سائغا، أو حتما، لأوشك أن يكون اهتمامهم بذلك فوق اهتمامهم بأحاديث الفروع والآداب. فلما لم يتعرضوا لها بتأويل، وأقروها على ما وردت عليه، علم أن ذلك هو الحق الذي لا حيدة عنه. (٣)\n- جاء في الشريعة: عن العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول وذكر عنده هذه الأحاديث في الرؤية فقال: هذه عندنا حق، نقلها الناس بعضهم عن بعض. (٤)\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٩٩ - ٥٠٠) وهو في السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (ص.٦٥ - ٦٦).\n(٢) السير (١٠/ ٥٠٥) وهو في أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨١/ ٩٢٨).\n(٣) السير (٨/ ١٦٢).\n(٤) الشريعة (٢/ ١٠/٦٢٢).","vol":"3","page":336},{"text":"- قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: وقال أبو عبيد القاسم بن سلام نظرت في كلام اليهود والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم -أي الجهمية- وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم. (١)\n- وفي السنة قال عبد الله: حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، سمعت أبا عبيد يقول من قال: القرآن مخلوق، فقد افترى على الله، وقال عليه ما لم تقله اليهود ولا النصارى. (٢)\n- جاء في ذم الكلام عن أحمد بن الحسين العازلي، سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول، وقال له رجل: ما تقول في رأي أهل الكلام؟ فقال: لقد دَلَّك ربك على سبيل الرشد وطريق الحق، فقال: ﴿فَإِنْ تنازعتم في شَيْءٍ فردوه إلى اللَّهِ﴾ (٣) الآية. أما لك فيما دلك عليه ربك، من كلامه وسنة نبيه - ﷺ - ما يغنيك عن الرجوع إلى رأيك وعقلك، وقد نهاك الله عن الكلام في ذاته وصفاته، إلا حسب ما أطلقه لك قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٤). وقال: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (٥) الآية. (٦)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٠٩).\n(٢) السنة لعبد الله (ص.١٩) الإبانة (٢/ ٥٠/٢٤٧) والشريعة (١/ ٢٢٤/١٩١).\n(٣) النساء الآية (٥٩).\n(٤) الأنعام الآية (٦٨).\n(٥) الأعراف الآية (١٨٠).\n(٦) ذم الكلام (٢٥٨).","vol":"3","page":337},{"text":"- قال الحافظ في الفتح: قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد قال أبو عبيد -يعني القاسم بن سلام-: احتج هؤلاء الجهمية بآيات وليس فيما احتجوا به أشد بأسا من ثلاث آيات قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فقدره تقديرًا﴾ (١) و﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (٢)، و﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٣) قالوا إن قلتم أن القرآن لا شيء كفرتم، وإن قلتم أن المسيح كلمة الله فقد أقررتم أنه خلق، وإن قلتم ليس بمحدث رددتم القرآن، قال أبو عبيد أما قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ﴾ شَيْءٍ﴾ فقد قال في آية أخرى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ‘ذا أردناه أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون﴾ (٤) فأخبر أن خلقه بقوله وأول خلقه هو من أول الشيء الذي قال وخلق كل شيء، وقد أخبر أنه خلقه بقوله، فدل على أن كلامه قبل خلقه، وأما المسيح فالمراد أن الله خلقه بكلمته لا أنه هو الكلمة لقوله: ﴿أَلْقَاهَا إلى مريم﴾ (٥) ولم يقل ألقاه ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ (٦)\n_________\n(١) الفرقان الآية (٢).\n(٢) النساء الآية (١٧١).\n(٣) الأنبياء الآية (٢).\n(٤) النحل الآية (٤٠).\n(٥) النساء الآية (١٧١).\n(٦) آل عمران الآية (٥٩).","vol":"3","page":338},{"text":"وأما الآية الثالثة فإنما حدث القرآن عند النبي - ﷺ - وأصحابه لما علمه ما لم يعلم. (١)\n- قال العباس الدوري: سمعت أبا عبيد يقول: عاشرت الناس، وكلمت أهل الكلام، فما رأيت قوما أوسخ وسخا، ولا أضعف حجة من الرافضة، ولا أحمق منهم، ولقد وليت قضاء الثغر، فنفيت ثلاثة، جهميين ورافضيا أو رافضيين وجهميا. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد ابن إبراهيم السلمى -بالكوفة- قال: قال أبو عبيد القاسم بن سلام: لو أن رجلا حلف فقال: والله لا تكلمت اليوم بشيء، فقرأ القرآن في غير صلاة أو في صلاة لم يحنث، لأن أيمان الناس إنما هي لمعاملة بعضهم بعضا، وأن القرآن كلام الله ليس يدخل في شيء من كلام الناس ولا يختلط به، ولو كان يشبه في شيء من الحالات لكان القرآن إذا يقطع الصلاة، لأن كل متكلم في صلاته بالتعمد لذلك قاطع لها، إلا أن يكون الحالف نوى القرآن واعتمده في يمينه فيلزمه حينئذ نيته واعتقاده. (٣)\n\" التعليق:\nجمع هؤلاء بين اللغة والعقيدة والفقه والحديث، واختلط بلحمهم ودمهم فجزاهم الله خيرا وأسكننا وإياهم جنات الفردوس.\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٤٩٨).\n(٢) السير (١٠/ ٥٠٤).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٤/٦٠٧).","vol":"3","page":339},{"text":"- جاء في السنة لعبد الله عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصغاني، قال: رأيت في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام بخطه، إذا قال لك الجهمية أخبرني عن القرآن أهو الله أم غير الله؟ فإن الجواب أن يقال له: أحلت (١) في مسألتك، لأن الله وصفه بوصف لا يقع عليه في مسألتك قال الله: ﴿الم (١) تنزيل الْكِتَابِ لا ريب فيه من رب الْعَالَمِينَ﴾ (٢) فهو من الله ولم يقل هو أنا ولا هو غيري، وإنما سماه كلامه، فليس له عندنا غير ما حلاه، وننفي عنه ما نفى عنه. فإن قالوا أرأيتم قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ! إذا أردناه أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون﴾ (٣) فالقرآن شيء، فهو مخلوق. قيل له: ليس قول الله يقال له شيء، ألا تسمع كلامه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ! إذا أردناه أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون﴾ فأخبرك أن القول كان منه قبل الشيء فالقول من الله سبق الشيء. ومعنى قوله كن، أي: كان في علمه أن يكونه. (٤)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من قال القرآن مخلوق فهو شر ممن قال: إن الله ثالث ثلاثة جل الله وتعالى، لأن أولئك يثبتون شيئا وهؤلاء لا يثبتون المعنى. (٥)\n_________\n(١) أي طلبت المحال.\n(٢) السجدة الآيتان (١و٢).\n(٣) النحل الآية (٤٠).\n(٤) السنة لعبد الله (٣٤ - ٣٥) والإبانة (٢/ ٤٠ - ٤١/ ٢٣٣).\n(٥) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢/ ٤٥٢).","vol":"3","page":340},{"text":"- جاء في أصول الاعتقاد: قال علي بن المديني -أو غيره-: يا أبا عبيد، ما تقول فيمن قال: القرآن مخلوق؟ فقال أبو عبيد: هذا رجل يعلم، ويقال له: إن هذا كفر، فإن رجع وإلا ضربت عنقه. (١)\n- وقال عبد الله: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقى سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: لو أن خمسين يؤمون الناس يوم الجمعة لا يقولون القرآن مخلوق، يأمر بعضهم بعضا بالإمامة إلا أن الرأس الذي يأمرهم، يقول هذا، رأيت الإعادة، لأن الجمعة إنما تثبت بالرأس، فأخبرت أبي بقول أبي عبيد فقال: هذا يضيق على الناس إذا كان الذي يصلي بنا لا يقول بشيء من هذا، صليت خلفه، فإذا كان الذي يصلي بنا يقول بشيء من هذا القول أعدت الصلاة خلفه. (٢)\n\" التعليق:\nفلا أدري ماذا يقول أعداء العقيدة السلفية إذا سمعوا قولة إمام أهل اللغة، هل يعتبرونه تنطعا أو تشددا وغيرها من الكلمات التي تَعَودوا وصف السلفيين بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>موقفه من المرجئة:</span>\n- له كتاب الإيمان، وهو كتاب نفيس في بابه بين فيه اعتقاد السلف، ورد فيه على طوائف الخلف، نورد ههنا نقولا منه، قال في مطلعه:\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥١/٥٠٩).\n(٢) السنة لعبد الله (ص.٢٠).","vol":"3","page":341},{"text":"اعلم رحمك الله: أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين، فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب وشهادة الألسنة وعمل الجوارح.\nوقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر، وليست من الإيمان.\nوإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وينفيان ما قالت الأخرى. (١)\n- قال أيضا: ومما يصدق تفاضله بالأعمال قول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٢) فلم يجعل الله للإيمان حقيقة إلا بالعمل على هذه الشروط، والذي يزعمه أنه بالقول خاصة، يجعله مؤمنا حقا وإن لم يكن هناك عمل فهو معاند لكتاب الله والسنة. ومما يبين لك تفاضله في القلب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ\n_________\n(١) كتاب الإيمان (٩ - ١٠).\n(٢) الأنفال الآيتان (٢و٣).","vol":"3","page":342},{"text":"فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (١) ألست ترى أن هاهنا منزلا دون منزل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بإيمانهن فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (٢) كذلك ومثله قوله: ﴿يا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ ورسوله﴾ (٣). فلولا أن هناك موضع مزيد، ما كان لأمره بالإيمان معنى، ثم قال أيضا: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (٥). وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (٦).\nأفلست تراه ﵎، قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يرض منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخر؟ فأي شيء يتبع بعد كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة؟\n- فالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا؟ مما اقتصصنا في\n_________\n(١) الممتحنة الآية (١٠).\n(٢) الممتحنة الآية (١٠).\n(٣) النساء الآية (١٣٦).\n(٤) العنكبوت الآيات (١ - ٣).\n(٥) العنكبوت الآية (١٠).\n(٦) آل عمران الآية (١٤١).","vol":"3","page":343},{"text":"كتابنا هذا أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان كما قال رسول الله - ﷺ - في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءا (١)، فإذا نطق بها القائل، وأقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله، ولا على تزكية النفوس، وكلما ازداد لله طاعة وتقوى، ازداد به إيمانا. (٢)\n\nابن أبي مريم (٣) (٢٢٤ هـ)\nسعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف بابن أبي مريم الحافظ العلامة الفقيه محدث الديار المصرية أبو محمد الجمحي المصري مولى أبي الصبيغ مولى بني جمح. حدث عن مالك والليث ومحمد بن جعفر بن أبي كثير ومحمد بن مطرف وعدة. حدث عنه البخاري والذهلي وإسحاق الكوسج وحمزة بن نصير المصري ويحيى بن معين وآخرون. قال الذهبي: كان من أئمة الحديث. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>موقفه من الرافضة والجهمية والقدرية:</span>\n- جاء في السير: قال فيه العجلي: ثقة، كان له دهليز طويل، وكان يأتيه الرجل، فيقف فيسلم عليه، فيرد عليه: لا سلم الله عليك ولا حفظك وفعل بك. فأقول: ما هذا؟ فيقول: قدري. ويأتي آخر فيقول له مثل ذلك،\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف إبراهيم بن محمد أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٢) كتاب الإيمان (١٨ - ١٩).\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١٣ - ١٤) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٩٢) وتهذيب التهذيب (٤/ ٨٢) والسير (١٠/ ٣٢٧ - ٣٣٠).","vol":"3","page":344},{"text":"فأقول: ما هذا؟ فيقول: جهمي خبيث، ويأتي آخر، فيقول: رافضي، ولا نظن إلا رد عليه سلامه، وكان عاقلا، لم أر بمصر أعقل منه، ومن عبد الله بن عبد الحكم. (١)\nعلق محقق السير على هذا الموقف بقوله: وليس ذا من أدب الإسلام، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. (٢)\nقلت: وهذا من أخطاء المحقق الشنيعة، فإن هذا الذي أنكر المحقق أن يكون من أدب الإسلام هو أدب الإسلام مع المبتدعة، وعليه درج السلف رضوان الله عليهم، فهذا الإمام أحمد بن حنبل يقول: إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه، قال النبي - ﷺ -: \"ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم\". (٣)\n- جاء في السنة: قال عبد الله: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، سمعت ابن أبي مريم يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر. (٤)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٣٢٨).\n(٢) النساء الآية (٨٦).\n(٣) أحمد (٢/ ٢٩١) ومسلم (١/ ٧٤/٥٤) وأبو داود (٥/ ٣٧٨/٥١٩٣) والترمذي (٥/ ٥٠/٢٦٨٨) وابن ماجه (١/ ٢٦/٦٨) عن أبي هريرة.\n(٤) السنة (١٨).","vol":"3","page":345},{"text":"سليمان بن حرب (١) (٢٢٤ هـ)\nسليمان بن حرب بن بجيل الإمام الثقة الحافظ شيخ الإسلام أبو أيوب الواشحي الأزدي البصري قاضي مكة. حدث عن شعبة وحوشب بن عقيل ومحمد بن طلحة بن مصرف ووهيب بن خالد ومبارك بن فضالة وعدة. حدث عنه البخاري وأبو داود وإبراهيم الحربي والذهلي وابن أبي شيبة وطائفة. قال أبو حاتم: سليمان بن حرب إمام من الأئمة. وقال المسعري: جاء رجل إلى سليمان بن حرب، فقال: إن مولاك فلانا مات، وخلف قيمة عشرين ألف درهم، قال: فلان أقرب إليه مني، المال لذاك دوني. قال: وهو يومئذ محتاج إلى درهم. وقال يعقوب بن شيبة: حدثنا سليمان بن حرب، وكان ثقة ثبتا صاحب حفظ. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1410>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام عنه قال: من زال عن السنة بشعرة فلا تعتدن به. (٢)\n- قال محمد بن يحيى الصولي: حدثنا المقدمي القاضي، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن أكثم، قال: قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؟ فوصفت له مشايخ منهم سليمان بن حرب، وقلت: هو ثقة حافظ للحديث، عاقل، في\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٠٠) والجرح والتعديل (٤/ ١٠٨) وتاريخ بغداد (٩/ ٣٣) ووفيات الأعيان (٢/ ٤١٨ - ٤٢٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٩٣) والعقد الثمين (٣/ ٦٠١ - ٦٠٣) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٧٨) وشذرات الذهب (٢/ ٥٤) والسير (١٠/ ٣٣٠ - ٣٣٤).\n(٢) ذم الكلام (١٢٦).","vol":"3","page":346},{"text":"نهاية الستر والصيانة، فأمرني بحمله إليه، فكتبت إليه في ذلك، فقدم، فاتفق أني أدخلته إليه، وفي المجلس ابن أبي دؤاد، وثمامة، وأشباه لهما، فكرهت أن يدخل مثله بحضرتهم، فلما دخل سلم، فأجابه المأمون، ورفع مجلسه، ودعا له سليمان بالعز والتوفيق، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، نسأل الشيخ عن مسألة؟ فنظر المأمون إليه نظر تخيير له، فقال سليمان: يا أمير المؤمنين، حدثنا حماد بن زيد قال: قال رجل لابن شبرمة: أسألك؟ قال: إن كانت مسألتك لا تضحك الجليس، ولا تزري بالمسؤول، فسل. وحدثنا وهيب قال: قال إياس بن معاوية: من المسائل ما لا ينبغي للسائل أن يسأل عنها، ولا للمجيب أن يجيب فيها. فإن كانت مسألته من غير هذا، فليسأل، وإن كانت من هذا فليمسك. قال: فهابوه، فما نطق أحد منهم حتى قام، وولاه قضاء مكة، فخرج إليها. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله عن عباس بن عبد العظيم قال: سمعت سليمان ابن حرب قال: القرآن ليس بمخلوق فقلت له إنك كنت لا تقول هذا فما بدا لك؟ قال استخرجته من كتاب الله قال الله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) فالكلام والنظر واحد. (٣)\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت\n_________\n(١) السير (١٠/ ٣٣٢ - ٣٣٣).\n(٢) آل عمران الآية (٧٧).\n(٣) السنة لعبد الله (٣٣).","vol":"3","page":347},{"text":"أبي يقول: بلغني عن إبراهيم بن سعد وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي ووهب ابن جرير وأبي النضر هاشم بن القاسم وسليمان بن حرب قالوا: القرآن ليس بمخلوق. (١)\n- وفيه عن عبد الرحمن قال حدثنا ابن أبي عبد الرحمن المقري قال: سمعت سليمان بن حرب -وسأله سلمة بن شبيب -وهو المستملي- فقال له: يا أبا أيوب أذكر حديث أبي موسى في الرؤية (٢). فقال: دعه. فقال رجل -بالقرب من سليمان- خفيا: أي والله فدعه. فسمعه سليمان فنظر إليه فقال: إذا أحدثه على رغم أنفك، خذها إليك، فإني أراك ممن تركه. ثم بدأ فحدثه به. (٣)\n- جاء في مجموع الفتاوى: قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله ابن منده هذا. قال حدثنا محمد بن محمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن محمد الوراق، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، ثم قال عبد الرحمن: حدثني أحمد بن نصر قال: كنت عند سليمان بن حرب فجاء إليه رجل كلامي من أصحاب الكلام فقال له: تقولون إن الله على عرشه لا يزول، ثم تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ فقال: عن حماد بن زيد إن الله على عرشه ولكن يقرب من خلقه كيف شاء. قال عبد الرحمن: ومن زعم أن حماد بن زيد وسليمان ابن حرب، أرادا بقولهما يقرب من خلقه كيف شاء، أرادا أن لا يزول عن\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨/ ٤١٦) والسنة لعبد الله (ص.٣٠).\n(٢) أحمد (٤/ ٤١١) والبخاري (٨/ ٨٠٣/٤٨٧٨) ومسلم (١/ ١٦٣/١٨٠) والترمذي (٤/ ٥٨١/٢٥٢٨) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١٩ - ٤٢٠/ ٧٧٦٥) وابن ماجه (١/ ٦٦ - ٦٧/ ١٨٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٦٢/٨٨٨).","vol":"3","page":348},{"text":"مكانه، فقد نسبهما إلى خلاف ما ورد في الكتاب والسنة. (١)\n\nمحمد بن عيسى بن الطَّبَّاع (٢) (٢٢٤ هـ)\nمحمد بن عيسى بن نجيح، الحافظ أبو جعفر بن الطباع البغدادي. حدث عن مالك، وإسماعيل بن عياش، وابن المبارك، وحماد بن زيد. وحدث عنه أبو داود وعلق له البخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وعدة. قال أبو حاتم: حدثنا محمد بن الطباع الثقة المأمون، ما رأيت من المحدثين أحفظ للأبواب منه. ذكره أحمد بن حنبل، فقال: إن ابن الطباع لَثَبْت كَيس. وقال أبو داود: كان يتفقه، وكان يحفظ نحوا من أربعين ألف حديث. توفي ﵀ سنة أربع وعشرين ومائتين بالثغر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>موقفه من الرافضة:</span>\nقال محمد بن عيسى: لئن قلت: إن عليا أفضل من عثمان لقد قلت إن القوم خانوا. (٣)\n\nأَصْبَغُ بن الفَرَج (٤) (٢٢٥ هـ)\nأصبغ بن الفرج بن سعيد، مفتي ديار مصر وعالمها في زمانه. ولد بعد\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٥).\n(٢) تاريخ بغداد (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٢٥٨) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٨٦ - ٣٨٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٢١ - ٢٣٠/ص.٣٧٥ - ٣٧٦) وتهذيب التهذيب (٩/ ٣٩٢ - ٣٩٤).\n(٣) السنة للخلال (١/ ٣٩٢).\n(٤) السير (١٠/ ٦٥٦ - ٦٥٨) وترتيب المدارك (١/ ٣٢٥) وتهذيب الكمال (٣/ ٣٠٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٦١).","vol":"3","page":349},{"text":"خمسين ومائة، وطلب العلم وهو شاب كبير. روى عن عبد العزيز الدراوردي، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن وهب. حدث عنه البخاري، ويحيى ابن معين، وأحمد بن الحسن الترمذي. قال عنه يحيى بن معين: كان من أعلم خلق الله برأي مالك يعرفها مسألة مسألة، متى قالها مالك ومن خالفه فيها. وقال أحمد بن عبد الله: كان أصبغ ثقة صاحب سنة. قال بعض العلماء: ما أخرجت مصر مثل أصبغ. قال يحيى بن عمر: اختفى أصبغ بن الفرج أيام الأصم، وأخذه الناس بالمحنة في القرآن، فطلبه الأصم فاختفى في داره حتى مات. توفي سنة خمس وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1415>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال الشاطبي: وقد سئل أصبغ عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين؟ فقال: هو بدعة، ولا ينبغي العمل به، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة.\n- قيل له: فدعاؤه للغزاة والمرابطين؟ قال: ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه، وأما أن يكون شيئا يصمد له في خطبته دائما، فإني أكره ذلك. (١)\n\nأبو السري منصور بن عمار (٢) (٢٢٥ هـ)\nمنصور بن عَمَّار، الواعظ، أبو السَّرِي السُّلَمِي الخُراساني. روى عن\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٣٦).\n(٢) الجرح والتعديل (٨/ ١٧٦) وحلية الأولياء (٩/ ٣٢٥) وتاريخ بغداد (١٣/ ٧١ - ٧٩) وميزان الاعتدال (٤/ ١٨٧)\nوسير أعلام النبلاء (٩/ ٩٣ - ٩٨) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢٤٤) ومختصر العلو (ص.١٦١ - ١٦٢) وتاريخ الإسلام (حوادث: ١٩١ - ٢٠٠ ص.٤٠٩ - ٤١٤).","vol":"3","page":350},{"text":"الليث، وابن لهيعة، ومعروف الخياط، وهقل بن زياد، وجماعة. وروى عنه ابناه سليم وداود، وزهير بن عباد، وعلي بن خشرم، وأحمد بن منيع، وعدة. قال الذهبي: وعظ ببغداد والشام ومصر، وبعُدَ صِيته، وتزاحم عليه الخلق، وكان ينطوي على زهد وتأله وخشية، ولوعظه وقع في النفوس. قال ابن يونس: قصد بمصر على الناس وسمعه الليث فأعجبه ووصله بألف دينار. ومن درر كلامه: سلامة النفس في مخالفتها، وبلاؤها في متابعتها. رماه ابن عدي بالتجهم، ورد ذلك الشيخ الألباني ﵀ في 'مختصر العلو'. وأرخ له صاحب النجوم الزاهرة في حوادث سنة خمس وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في المحدث الفاصل عن سليم بن منصور بن عمار قال: كان أبي يصف أهل القرآن وأصحاب الحديث في مجلس فيقول: الحمد لله المنعم المنان، مظهر الإسلام على كل الأديان، وحافظ القرآن من الزيادة والنقصان، ومانعه من مكائد الشيطان، وتحريف أهل الزيغ والكفران -وذكر كلاما في ذكر القرآن طويلا، ثم قال-: ووكل بالآثار المفسرة للقرآن والسنن القوية الأركان، عصابة منتخبة، وفقهم لطلابها وكتابها، وقواهم على رعايتها وحراستها، وحبب إليهم قراءتها ودراستها، وهون عليهم الدأب والكلال، والحل والترحال، وبذل النفس مع الأموال، وركوب المخوف من الأهوال، فهم يرحلون من بلاد إلى بلاد، خائضين في العلم كل واد، شعث الرؤوس، خلقان الثياب، خمص البطون، ذبل الشفاه، شحب الألوان، نحل الأبدان، قد جعلوا لهم هما واحدا، ورضوا بالعلم دليلا ورائدا، لا يقطعهم عنه جوع ولا","vol":"3","page":351},{"text":"ظمأ، ولا يملهم منه صيف ولا شتاء، مائزين الأثر: صحيحه من سقيمه، وقويه من ضعيفه، بألباب حازمة، وآراء ثاقبة، وقلوب للحق واعية، فأمنت تمويه المموهين، واختراع الملحدين، وافتراء الكاذبين، فلو رأيتهم في ليلهم، وقد انتصبوا لنسخ ما سمعوا، وتصحيح ما جمعوا، هاجرين الفرش الوطي، والمضجع الشهي، قد غشيهم النعاس فأنامهم، وتساقطت من أكفهم أقلامهم، فانتبهوا مذعورين قد أوجع الكد أصلابهم، وتيه السهر ألبابهم، فتمطوا ليريحوا الأبدان، وتحولوا ليفقدوا النوم من مكان إلى مكان، ودلكوا بأيديهم عيونهم، ثم عادوا إلى الكتابة حرصا عليها، وميلا بأهوائهم إليها لعلمت أنهم حرس الإسلام، وخزان الملك العلام، فإذا قضوا من بعض ما راموا أوطارهم، انصرفوا قاصدين ديارهم، فلزموا المساجد، وعمروا المشاهد، لابسين ثوب الخضوع، مسالمين ومسلمين، يمشون على الأرض هونا، لا يؤذون جارا، ولا يقارفون عارا، حتى إذا زاغ زائغ، أو مرق في الدين مارق، خرجوا خروج الأسد من الآجام، يناضلون عن معالم الإسلام- في كلام غير هذا في ذكرهم\nيطول. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1418>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن محمد بن منصور بن عمار -أبي الحسن- قال: كتب بشر بن غياث المريسي -لعنه الله- إلى أبي يسأله عن القرآن، فكتب إليه أبي: عصمنا الله وإياك من كل فتنة، فإن يفعل، فأعظم بها من نعمة، وإن لا يفعل، فهي والله الهلكة، أخبرني بعض أهل بيت رسول الله - ﷺ - أن أباه سئل عن ذلك\n_________\n(١) المحدث الفاصل (ص.٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"3","page":352},{"text":"فقال: ليس على الله بعد المرسلين حجة، إن الكلام في القرآن بدعة اشترك فيه السائل والمجيب، أما السائل، فتعاطى ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس عليه، وما أعرف خالقا إلا الله، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك، والمتكلمون معك في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها، تكن من المهتدين، ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). (٢)\n-وجاء في تاريخ الخطيب وكتب بشر إلى منصور يسأله عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (٣) كيف استوى؟ فكتب إليه منصور: استواؤه غير محدود والجواب فيه تكلف، ومسألتك عن ذلك بدعة، والإيمان بجملة ذلك واجب، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤) وحده. ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥) فنسبهم إلى الرسوخ في العلم بأن قالوا لما تشابه منه عليهم ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٨٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٤/٢٨٩ - ٢٩٠/ ٤٥٨) وانظرها في تاريخ بغداد (١٣/ ٧٥ - ٧٦) بزيادات مهمة.\n(٣) طه الآية (٥).\n(٤) آل عمران الآية (٧).\n(٥) آل عمران الآية (٧).","vol":"3","page":353},{"text":"عند ربنا﴾ فهؤلاء هم الذين أغناهم الرسوخ في العلم عن الاقتحام على السدد المضروبة. دون الغيوب، بما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح اعترافهم بالعجز عن تأول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم رسوخا في العلم. فانته رحمك الله من العلم إلى حيث انتهى بك إليه، ولا تجاوز ذلك إلى ما حظر عنك علمه فتكون من المتكلفين وتهلك مع الهالكين والسلام عليك. (١)\n\nمحمد بن سلام البيكندي (٢) (٢٢٥ هـ)\nمحمد بن سلام بن الفرج الإمام الحافظ الناقد، أبو عبد الله السُّلَمي مولاهم البخاري البيكندي. رأى مالك بن أنس ولم يتفق له السماع منه. روى عن أبي الأحوص سلام بن سليم وعبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وطائفة. روى عنه ابنه إبراهيم، والبخاري وعبيد الله ابن واصل البيكندي وحميد بن النضر البيكندي والطفيل بن زيد النسفي وعدة. قال محمد بن أحمد الغنجار: كان لابن سلام مصنفات في كل باب من العلم. وقال سهل بن المتوكل: سمعت محمدا يقول: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفا، وأنفقت في نشره أربعين ألفا، وليت ما أنفقت في طلبه كان في نشره. قال الذهبي: كان من أوعية العلم وأئمة الأثر. وقال ابن حجر: ثقة\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١٣/ ٧٦) والسير (٩/ ٩٧ - ٩٨) مختصرا.\n(٢) الجرح والتعديل (٧/ ٢٧٨) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٢) وتهذيب التهذيب (٩/ ٢١٢) وشذرات الذهب (٢/ ٥٧) والسير (١٠/ ٦٢٨ - ٦٣٠).","vol":"3","page":354},{"text":"ثبت. توفي سنة خمس وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>موقفه من الجهمية:</span>\nله كتاب سماه: 'السنة والجماعة' نقل منه شيخ الإسلام في غير ما موضع من كتبه على عادته في الاعتماد على كتب السلف ﵏، قال في الفتاوى الكبرى من كتاب السنة والجماعة: ما جاء في بدو الجهمية والسمنية وكيف كان شأنهم وكفرهم بآيات الله. عن حفص بن عبد الرحمن البجلي قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن أيوب بن أبي تميمة قال: ما أعلم أحدا من أهل الصلاح أكذب على كتاب الله من السمنية قال: وهو عندنا كما قال لا أعلم أن أحدا أجهل ولا أحمق قولا منهم: لا يتعلقون من كتاب الله بشيء، ولا يحتجون، إنما هو حب وبغض، من أحب دخل الجنة، ومن أبغض دخل النار. (١)\n\nإبراهيم بن مهدي (٢) (٢٢٥ هـ)\nإبراهيم بن مَهْدِي المِصِّيصِي بغدادي الأصل، صاحب حديثٍ، مرابطٌ. روى عن حماد بن زيد وإبراهيم بن سعد ومعتمر بن سليمان وعلي بن مسهر وأبي المليح الرقي وحفص بن غياث وعدة. روى عنه أبو داود وأحمد بن حنبل وابن أبي الدنيا وعباس بن محمد الدوري ويعقوب بن شيبة السدوسي\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٤٠).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ١٣٨ - ١٣٩) وتاريخ بغداد (٦/ ١٧٨) وميزان الاعتدال (١/ ٦٨) وتهذيب التهذيب (١/ ١٦٩) وشذرات الذهب (٢/ ٥٣) والسير (١٠/ ٥٥٦ - ٥٥٧) والتقريب (١/ ٤٤).","vol":"3","page":355},{"text":"وطائفة. وثقه أبو حاتم. توفي سنة خمس وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السنة لعبد الله: حدثني محمد، سمعت نعيم بن حماد يكفرهم -يعني الجهمية- قال: وسمعت إبراهيم بن مهدي يكفرهم. (١)\n\nيحيى بن يحيى النيسابوري (٢) (٢٢٦ هـ)\nيحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن شيخ الإسلام وعالم خراسان أبو زكريا التَّمِيمِي المِنْقَرِي النيسابوري الحافظ مولى بني حنظلة. روى عن مالك ابن أنس وكثير بن سليم وجرير بن عبد الحميد ووكيع بن الجراح وإسماعيل ابن علية وعدة. روى عنه البخاري ومسلم والذهلي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وعلي بن عثام العامري وإسحاق بن راهويه وطائفة. عن عبد الله بن محمد بن مسلم: كنت مع أبي عبد الله المروزي فقلت: من أدركت من المشايخ على سنة نبيه - ﷺ -؟ فقال: ما أعلم إلا أن يكون يحيى ابن يحيى. قال إسحاق بن إبراهيم: مات يحيى بن يحيى يوم مات وهو إمام أهل الدنيا. وعن أحمد بن حنبل قال: كان يحيى بن يحيى عندي إماما ولو كانت عندي نفقة لرحلت إليه.\nتوفي سنة ست وعشرين ومائتين.\n_________\n(١) السنة لعبد الله (١٨).\n(٢) الجرح والتعديل (٩/ ١٩٧) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٥ - ٤١٦) وتهذيب التهذيب (١١/ ٢٩٦) وشذرات الذهب (٢/ ٥٩) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٣١ - ٣٧) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥١٢ - ٥١٩).","vol":"3","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1424>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير عن محمد بن يحيى الذهلي، قال: سمعت يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله.\nفقلت ليحيى: الرجل ينفق ماله ويتعب نفسه ويجاهد، فهذا أفضل منه؟ فقال: نعم بكثير. (١)\n\" التعليق:\nوكذلك في زماننا هذا، الذب عن عقيدة السلف من أكبر أنواع الجهاد، لأن القصد من الجهاد رفع كلمة التوحيد، ودفع الكفر والشرك عنها، كذلك السلفي الذي يشتغل بذلك، يدفع عنها الأخلاط المسمومة التي وردت عليها من كل حدب وصوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1425>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن يحيى بن يحيى النيسابوري قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر. (٢)\n- وعن عثمان بن سعيد الدارمي قال: ذهبت يوما أحكي ليحيى بن يحيى بعض كلام الجهمية لأستخرج منه نقضا عليهم، وفي مجلسه يومئذ الحسين بن عمير البسطامي، وأحمد بن الحريش القاضي، ومحمد بن رافع وأبو قدامة السرخسي فيما أحسب وغيرهم من المشايخ، فنهرني يحيى بغضب وقال\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٤٢) ومجموع الفتاوى (٤/ ١٣) والسير (١٠/ ٥١٨).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٩/٤٤٧) وخلق أفعال العباد (ص.١٨ رقم ٥٠) والدارمي في الرد على الجهمية (ص.١١١) ومختصر العلو (ص.١٨١ رقم:٣٠٩).","vol":"3","page":357},{"text":"اسكت، وأنكر على المشايخ الذين في مجلسه استعظاما أن أحكي كلامهم وإنكارا. (١)\n\nسُنَيْد (٢) (٢٢٦ هـ)\nحسين بن داود الإمام الحافظ محدث الثغر أبو علي المِصِّيصِي المحتسب صاحب التفسير الكبير، وسنيد لقب غلب عليه. حدث عن حجاج بن محمد وحماد بن زيد وابن عيينة وشريك وابن المبارك وعدة. حدث عنه أبو بكر الأثرم وابنه جعفر بن سنيد والحسن بن محمد الزعفراني وأبو زرعة الرازي ويعقوب بن شيبة السدوسي وطائفة. توفي سنة ست وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال أبو حاتم الرازي: حدثنا أبو عمران موسى الطرطوشي قال: قلت لسنيد بن داود: هو على عرشه، بائن من خلقه؟ قال: نعم. ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وترى الْمَلَائِكَةَ حافين مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (٣). (٤)\nآثاره:\nله تفسير نهج فيه نهج السلف، وذكر آثارهم وعقائدهم الطيبة، ذكره\n_________\n(١) الدارمي في الرد على الجهمية (١١٥ - ١١٦) وذم الكلام (٢٤٢) ودرء التعارض (٥/ ٣٠٩) والسير (١٠/ ٥١٨).\n(٢) الجرح والتعديل (٤/ ٣٢٦) وتاريخ بغداد (٨/ ٤٢ - ٤٤) وميزان الاعتدال (٢/ ٢٣٦) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠) وتهذيب التهذيب (٤/ ٢٤٤) وشذرات الذهب (١/ ٥٩) والسير (١٠/ ٦٢٧ - ٦٢٨).\n(٣) الزمر الآية (٧٥).\n(٤) مختصر العلو (ص.١٨٣ - ١٨٤ رقم:٢١٥) واجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٥).","vol":"3","page":358},{"text":"شيخ الإسلام ضمن التفاسير السلفية في درء التعارض وغيره من كتبه، والذهبي في مختصر العلو (١٨٤) وقال: قلت: لسنيد تفسير كبير رأيته كله بالأسانيد، ومذهبه في الصفات مذهب السلف.\n\nعبد الله بن أبي حسان اليحصبي (١) (٢٢٦ هـ)\nعبد الله بن أبي حسان، واسم أبي حسان يزيد بن عبد الرحمن وقيل اسمه عبد الرحمن ويقال عبد الرحمن بن يزيد، وهو من أشراف إفريقية وصاحب فقه وأدب. رحل إلى مالك فكان عنده مكرما، وسمع من ابن أبي ذئب وابن عيينة وابن أنعم. روى عنه سحنون بن سعيد وفرات وسليمان وابن وضاح وآخرون. قال فيه المالكي: وكان مفوها، قويا على المناظرة، ذابا عن السنة متبعا لمذهب مالك، شديدا على أهل البدع، قليل الهيبة للملوك، لا يخاف في الله لومة لائم. توفي سنة ست وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1429>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في رياض النفوس سليمان بن خلاد: قلت لابن أبي حسان: أرأيت هذا الذي يقول الناس في أبي بكر وعلي؟ -يريد التفضيل بينهما. فرفع يده فضربني الصدر ضربة واحدة أوجعتني، ثم قال: ليس هذا دين قريش ولا دين العرب، هذا دين أهل \"قم\" (قرية من قرى خراسان) ثم قال: والله ما يخفى علينا نحن من يستحق الولاية بعد والينا ولا من يستحق القضاء بعد قاضينا،\n_________\n(١) الديباج المذهب (١/ ٤١٨) وترتيب المدارك (١/ ٢٧٨ - ٢٨١) وشجرة النور الزكية (١/ ٦٣) ورياض النفوس (١/ ٢٨٤ - ٢٨٩).","vol":"3","page":359},{"text":"فكيف يخفى على أصحاب محمد - ﷺ - من يستحق الأمر بعد نبيهم. (١)\n\" التعليق:\nلله درك يا عالم القيروان، ما أحسنه من كلام يثلج صدر السلفي، ويبقر بطن الشيعي الرافضي الخبيث، الذي نصب نفسه عدوا لمن اصطفاه الله على خلقه بعد نبيه - ﷺ -.\n\nإسماعيل بن أبي أُوَيْس (٢) (٢٢٦ هـ)\nهو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر أبو عبد الله ابن أبي أويس الأشجعي المدني الأصْبَحِي. أخو عبد الحميد بن أبي أويس. قرأ القرآن وجوده على نافع فكان آخر تلامذته وفاة. حدث عن أبيه عبد الله، وأخيه أبي بكر، وخاله مالك بن أنس، وعبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون، وعدة. وحدث عنه البخاري، ومسلم، ثم مسلم وأبو داود والترمذي، وابن ماجة بواسطة، وأحمد بن صالح، وعثمان بن سعيد الدارمي، وخلق سواهم. قال الإمام أحمد: هو ثقة، قام في أمر المحنة مقاما محمودا. وقال الذهبي: وكان عالم أهل المدينة ومحدثهم في زمانه على نقص في حفظه وإتقانه، ولولا أن الشيخين احتجا به، لزحزح حديثه عن درجة الصحيح إلى درجة الحسن، هذا الذي عندي فيه. مات سنة ست وعشرين ومائتين، وقيل\n_________\n(١) رياض النفوس (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٩١ - ٣٩٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٢١ - ٢٣٠/ص.٩١ - ٩٤) وتهذيب الكمال (٣/ ١٢٤ - ١٢٩) وترتيب المدارك (١/ ٢١٣ - ٢١٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٣١٠ - ٣١٢).","vol":"3","page":360},{"text":"سنة سبع في رجب ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>موقفه من الجهمية:</span>\n- حكى إسماعيل بن أبي أويس إجماع أهل المدينة قال: كان مالك وعلماء أهل بلدنا يقولون: القرآن من الله وليس من الله شيء مخلوق. (١)\n- عن إسحاق بن بهلول قال: سمعت ابن أبي أويس يقول: القرآن كلام الله ﷿ ومن الله، وما كان من الله فليس بمخلوق. (٢)\n\nمحمود الوراق (٣) (توفي في خلافة المعتصم)\nهو محمود بن الحسن الوراق، الشاعر المشهور، أكثر من الشعر الحسن في المواعظ والحكم. يقال إنه كان نخاسا يبيع الرقيق. روى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو العباس بن مسروق، وغيرهما. ومن شعره قوله:\nرجعت على السفيه بفضل حلمي ... فكان الحلم عنه له لجاما\nوظن بي السفاه فلم يجدني ... أُسافِهُه وقلت له سلاما\nفقام يجر رجليه ذليلا ... وقد كسب المذلة والملاما\nوفضل الحلم أبلغ في سفيه ... وأحرى أن تنال به انتقاما\nقال محمد بن شاكر الكتبي: توفي في خلافة المعتصم في حدود الثلاثين\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٠٠/٤٧٨) والسنة لعبد الله (ص.٣١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٩/٤٤٦).\n(٣) تاريخ بغداد (١٣/ ٨٧ - ٨٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٢١ - ٢٣٠/ص.٤٠٤) وسير أعلام النبلاء (١١/ ٤٦١ - ٤٦٢) وفوات الوفيات (٤/ ٧٩ - ٨١).","vol":"3","page":361},{"text":"والمائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد، عن محمود قال:\nليس عندي إلا الرضا بقضاء ... الله فيما أحببته وكرهته\nلوالي الأمور اختار منها خيرها ... لي عواقبا ما عرفته\nفأرى أن أرد ذاك إلى ... من عنده العلم الذي قد جهلته (١)\n\nأحمد بن يونس (٢) (٢٢٧ هـ)\nهو الإمام الحجة الحافظ، أبو عبد الله، أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي، اليَرْبُوعِي الكوفي، ينسب إلى جده تخفيفا. سمع من جده يونس بن عبد الله بن قيس اليربوعي، ومن ابن أبي ذئب، وسفيان الثوري وغيرهم. وحدث عنه البخاري، ومسلم وهو من كبراء شيوخه، وعبد بن حميد، وأبو زرعة الرازي، وخلق سواهم. قال ابن سعد: مات بالكوفة يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان ثقة صدوقا صاحب سنة وجماعة. قال الفضل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل وسأله رجل عمن أكتب؟ قال: ارحل إلى أحمد بن يونس، فإنه شيخ الإسلام. وقال أبو حاتم: كان ثقة متقنا. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٦٧/١٢٨٣).\n(٢) طبقات ابن سعد (٦/ ٤٠٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٢١ - ٢٣٠/ص.٤٤ - ٤٦) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٥٧ - ٤٥٩) والتاريخ الكبير (٢/ ٥) وتهذيب الكمال (١/ ٣٧٥ - ٣٧٨) وتهذيب التهذيب (١/ ٥٠ - ٥١).","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1435>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن أحمد بن زهير قال: سمعت أحمد بن عبد الله بن يونس يقول: امتحن أهل الموصل بمعافى بن عمران، فإن أحبوه فهم أهل السنة وإن أبغضوه فهم أهل بدعة كما يمتحن أهل الكوفة بيحيى. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1436>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في الصارم: قال أحمد بن يونس: لو أن يهوديا ذبح شاة، وذبح رافضي لأكلت ذبيحة اليهودي، ولم آكل ذبيحة الرافضي؛ لأنه مرتد عن الإسلام. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو داود صاحب السنن: سألت أحمد بن يونس، فقال: لا تصل خلف من يقول: القرآن مخلوق، هؤلاء كفار. (٣)\n\nالهيثم بن خارجة (٤) (٢٢٧ هـ)\nالهيثم بن خارجة أبو أحمد، ويقال أبو يحيى المروذي ثم البغدادي الحافظ. روى عن مالك، والليث، ويعقوب القمي، وحفص بن ميسرة، وغيرهم. روى عنه أحمد بن حنبل، وعباس الدوري، والبخاري، وأبو زرعة،\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٧٤/٥٨).\n(٢) الصارم المسلول (٥٧٢) وهو في أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٤٦/٢٨١٧) مختصرا.\n(٣) السير (١٠/ ٤٥٨) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٠٠) والإبانة (٢/ ١٢/٦١/ ٢٦٧).\n(٤) السير (١٠/ ٤٧٧ - ٤٧٩) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٤٢) وتاريخ بغداد (١٤/ ٥٨ - ٥٩) وتهذيب الكمال (٣٠/ ٣٧٤ - ٣٧٨) وتهذيب التهذيب (١١/ ٩٣ - ٩٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٢١ - ٣٣٠/ص.٤٤٢ - ٤٤٤).","vol":"3","page":363},{"text":"وآخرون.\nقال هشام بن عمار: كنا نسميه شعبة الصغير. قال صالح جزرة: كان يتزهد، كان أحمد بن حنبل يثني عليه. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبي إذا رضي عن إنسان وكان عنده ثقة حدث عنه وهو حي، فحدثنا عن الحكم بن موسى وهو حي، وعن الهيثم بن خارجة وهو حي، وعن أبي الأحوص، وخلف، وشجاع وهم أحياء.\nمات يوم الاثنين لثمان ليال بقين من ذي الحجة سنة سبع وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1439>موقفه من الجهمية:</span>\nعن ابن أخي الهيثم بن خارجة قال: سمعت الهيثم يقول: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. (١)\n\nأبو الوليد الطَّيَالِسِي (٢) (٢٢٧ هـ)\nهشام بن عبد الملك الإمام الحافظ الناقد، شيخ الإسلام أبو الوليد الباهلي مولاهم البصري الطيالسي. روى عن مالك وابن عيينة وشعبة وأبي عوانة الوضاح بن عبد الله وهمام بن يحيى ومهدي بن ميمون والحمادين وعدة. وعنه البخاري وأبو داود وإسحاق بن راهويه والذهلي وأبو زرعة ومحمد بن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/١٩/ ٢٠٩).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٠٠) والجرح والتعديل (٩/ ٦٥) والأنساب (٨/ ٢٨٣) وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٨٢) وميزان الاعتدال (٤/ ٣٠١) وتهذيب التهذيب (١/ ٤٥ - ٤٧) وشذرات الذهب (٢/ ٦٢ - ٦٣) والسير (١٠/ ٣٤١ - ٣٤٧).","vol":"3","page":364},{"text":"بشار وأبو خيثمة زهير بن حرب وآخرون. قال أحمد بن حنبل: أبو الوليد اليوم شيخ الإسلام، ما أقدم عليه اليوم أحدا من المحدثين. وقال أبو زرعة: أدرك أبو الوليد نصف الإسلام، وكان إماما في زمانه، جليلا عند الناس. توفي سنة سبع وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1441>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن محمد بن يحيى، سمعت أبا الوليد يقول: وحدث بحديث إلى النبي - ﷺ - فقيل له: ما رأيك؟ فقال ليس لي مع النبي - ﷺ - رأي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1442>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن يعقوب بن سفيان قال سمعت أبا الوليد هشام بن عبد الملك قال: قال يحيى بن سعيد أما تعجب من هذا؟ يقولون: قُلْ ﴿هُوَ اللَّهُ أحد﴾ مخلوقة؟ قال أبو الوليد: القرآن كلام الله والكلام في القرآن كلام في الله. قال أبو الوليد: من لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق فهو خارج من الإسلام. (٢)\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: ما عرفت بالري ولا ببغداد ولا بالبصرة رجلا يقول: القرآن مخلوق، وأسأل الله العافية. (٣)\n- وفيه عنه قال: من قال القرآن مخلوق يفرق بينه وبين امرأته بمنزلة المرتد. (٤)\n_________\n(١) ذم الكلام (١٠٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٦/٤٣٧).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣١١/٤٨٣).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٤/٥١٦).","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1443>أبو نصر بشر بن الحارث (٢٢٧ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1444>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام عنه قال: النظر إلى أهل الأهواء يورث القلب القساوة. (١)\n\" التعليق:\nإذا نقلت عن مثل هؤلاء الذين انتسبوا إلى التصوف أو الكلام أو غير ذلك، فأقصد بذلك مواقفهم التي توافق مواقف السلف في الذب عن العقيدة السلفية.\n\n- جاء في الإبانة عنه قال: وقد سئل عن الرجل يكون مع هؤلاء أهل الأهواء في موضع جنازة أو مقبرة فيتكلمون ويعرضون، فترى لنا أن نجيبهم؟ فقال: إن كان معك من لا يعلم، فردوا عليه لأن لا يرى أولئك أن القول كما يقولون، وإن كنتم أنتم وهم، فلا تكلموهم ولا تجيبوهم. (٢)\n- عن أبي جعفر محمد بن المثنى قال: سمعت أبا نصر بشر بن الحارث يقول: الخصومات تحبط الأعمال. (٣)\n- عن محمد بن المثنى، سمعت بشرا ينهى عن مخاطبة أهل الأهواء كلهم ومناظرتهم. (٤)\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٥٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٤٢/ ٦٨٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٥٢٩ - ٥٣٠/ ٦٥٠).\n(٤) ذم الكلام (٢٥٧).","vol":"3","page":366},{"text":"- عن موسى بن أحمد الفريابي قال: قال بشر الحافي: علامة طاعة الله تسليم أمره لطاعته، وعلامة حب رسول الله - ﷺ - تسليم آثاره والعمل على سنته، ولا يلتفت إلى غيره. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر قال: قال رجل لبشر وأنا حاضر: إن هذا الرجل -يعني أحمد ابن حنبل- قيل له: أليس الله قديما وكل شيء دونه مخلوق؟ قال: فما ترك بشر الرجل يتكلم حتى قال: لا، كل شيء مخلوق إلا القرآن. (٢)\n- عن محمد بن المثنى قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: أما سمعت ما قال النبي - ﷺ -: \"يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك\" (٣) وقال النبي - ﷺ -: \"قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الله ﷿\" (٤) ثم قال بشر: هؤلاء الجهمية يتعاظمون هذا. (٥)\n- عن أبي بكر بن زيادة قال: قلت لبشر بن الحارث: يا أبا نصر ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله ليس بمخلوق. فقلت له: لا تكلم بهذا. قال: أخاف السلطان. قلت له: فلثقاتك. قال: إن لكل ثقة ثقة. (٦)\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٥٧).\n(٢) السير (١٠/ ٤٧٣ - ٤٧٤).\n(٣) أخرجه من حديث أنس: أحمد (٣/ ١١٢) والترمذي (٤/ ٣٩٠ - ٣٩١/ ٢١٤٠) وقال: \"هذا حديث حسن\". وابن ماجه (٢/ ١٢٦٠/٣٨٣٤) ويشهد له حديث عبد الله بن عمرو وعائشة والنواس وغيرهم وستأتي معنا بإذن الله.\n(٤) انظر تخريجه في مواقف سفيان بن عيينة سنة (١٩٨هـ) ومواقف الشافعي سنة (٢٠٤هـ).\n(٥) الشريعة (٢/ ١١٨/٧٨٠).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٢/٤٠/ ٢٣٢).","vol":"3","page":367},{"text":"- عن أبي نصر -عصمة بن أبي عصمة- قال: حدثنا ابن الخالقاني عن أبي حفص العطار، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول حين أنشده أبو الرمة هذا الشعر في بشر المريسي: اكتبوا هذا الشعر وتعلموه، فهو أنفع لكم من غيره، وعلموه صبيانكم، ورأيت بشرا يعجبه هذا الشعر إذا أنشده:\nأيها الناس فاستقيموا إلى ... الحق وخافوا عقوبة الرحمن\nواتقوا يوم ينجلي الأمر فيه ... لكم من كرامة أو هوان\nفإلى جنة الخلد فيها أم ... إلى جاحم من النيران\nيوم يجمعكم الإله ليوم ... فيه شابت ذوائب الولدان\nفأجيبوا عن القرآن وعما ... قلتموه يا معشر المجان\nأزعمتم بأنه مخلوق فكذبتم ... ومنزل الفرقان\nبل كلام الإله ليس بمخلوق ... ولا ميت مع الإنسان\nكل خلق يبيد لا شك فيه ... أي خلق يبقى على الحدثان\nلا تقولوا بقول بشر المريسي ... والعنوه في السر والإعلان\nواستعيذوا بالله من شر بشر ... كاستعاذتكم من الشيطان\nما أراد الذي أراد سوى الشرك ... ولكن كنى عن الأوثان\nبالقرآن اهتدى وضل الذي ضل ... وكل مخاصم بالقرآن\nفعليكم بدينكم لا تبيعوه ... بشيء من المعيشة فان\nلا على الشرك ترقدون وإن متم ... على الدين صرتم للجنان\nفاقبلوا النصح من أخ بذل النصـ ... ـح لكم من ضميره واللسان (١)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٤/٢٩٥ - ٢٩٦/ ٤٦٦).","vol":"3","page":368},{"text":"- قال عبد الله في السنة: حدثني بعض أصحابنا وهو محمد بن علي قال: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: لا تجالسوهم ولا تكلموهم، وإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، كيف يرجعون وأنتم تفعلون بهم هذا؟ قال: يعني الجهمية. (١)\n- جاء في تلبيس إبليس عنه قال: جاء موت هذا الذي يقال له المريسي وأنا في السوق فلولا أن الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكرا. الحمد لله الذي أماته، هكذا قولوا. (٢)\n- وجاء في ذم الكلام عنه قال: لا تخالف الأئمة، فإنه ما أفلح صاحب كلام قط. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1446>موقف السلف من أبي الهذيل العلاف المعتزلي (٢٢٧ ه</span>ـ)\nضلاله ومخازيه:\n- جاء في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي: ورأس المعتزلة أبو الهذيل محمد بن الهذيل البصري العلاف صاحب التصانيف، الذي زعم أن نعيم الجنة وعذاب النار ينتهي، بحيث أن حركات أهل الجنة تسكن حتى لا ينطقون بكلمة، وأنكر الصفات المقدسة حتى العلم والقدرة وقال: هما الله،\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.١٨).\n(٢) تلبيس إبليس (ص.٢٤).\n(٣) ذم الكلام (ص.٥٧).","vol":"3","page":369},{"text":"وأن لما يقدر الله عليه نهاية وآخرا، وأن للقدرة نهاية، لو خرجت إلى الفعل، فإن خرجت لم تقدر على خلق ذرة أصلا، وهذا كفر وإلحاد. (١)\n- جاء في تاريخ بغداد عن أبي سعيد علي بن الحسن القبصري قال: قال المأمون يوما لحاجبه: من بالباب؟ قال أبو الهذيل وعبد الله بن أباض الخارجي وهشام بن الكلبي فقال: ما بقي من رؤوس جهنم أحد إلا وقد حضر. (٢)\n- ثم قال الذهبي: ولم يكن أبو الهذيل بالتقي حتى لنقل أنه سكر مرة عند صديقه، فراود غلاما له فرماه بتور، فدخل في رقبته وصار كالطوق، فاحتاج إلى حداد يفكه. (٣)\n- وكان أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل تلميذ واصل بن عطاء الغزال. وطال عمر أبي الهذيل وجاوز التسعين، وانقلع في سنة سبع وعشرين ومائتين. (٤)\n- وفي أصول الاعتقاد: وسأل رجل أبا الهذيل العلاف المعتزلي البصري عن القرآن فقال: مخلوق، فقال له: مخلوق يموت أو يخلد؟ قال: بل يموت. قال: فمتى يموت القرآن؟ قال: إذا مات من يتلوه فهو موته. قال: فقد مات من يتلوه. وقد ذهبت الدنيا وتصرمت، وقال الله ﷿: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٤٢ - ٥٤٣).\n(٢) ذكره في تاريخه الخطيب (٣/ ٣٦٩) وأصول الاعتقاد (٤/ ٨١٨/١٣٨٠).\n(٣) السير (١٠/ ٥٤٣) وتاريخ بغداد (٣/ ٣٦٩).\n(٤) السير (١٠/ ٥٤٣).","vol":"3","page":370},{"text":"اليوم﴾ (١) فهذا القرآن وقد مات الناس؟ فقال: ما أدري وبهت. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1447>عبد الله بن عبد الله الخراساني (زمن المعتصم)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1448>موقفه من الجهمية:</span>\nحدثنا أبو الحسن -علي بن يحيى بن عيسى- قال: سمعت زرقان بن محمد يقول: سمعت أبا داود السجستاني يقول: لما جيء بعبد الله بن عبد الله الخراساني وأحضر للمحنة وأحمد بن حنبل محبوس، قال الخراساني: هذا الذي تدعوني إليه اعرضوه علي. قال: تقول القرآن مخلوق؟ قال: هذا الذي تدعون إليه، علمه الله ورسوله وجميع المؤمنين؟ قالوا: نعم. قال: فوسعهم السكوت عنه؟ فأطرق المعتصم مليا، ثم رفع رأسه، فقال: نعم. قال: فما وسعكم ما وسع القوم؟ قال: فقال المعتصم: أخلوا لي بيتا، فأخلي له بيت، فطرح نفسه فيه على قفاه ورفع رجليه مع الحائط وهو يقول: علمه الله، وعلمه رسوله والمؤمنون، ووسعهم السكوت عنه، وسعنا ما وسع القوم، صدق الخراساني، ما زال يقول ذلك ويردده يومه وليلته، لا يجد فيه حجة، فلما كان من الغد أمر بإحضار الجماعة ثم جلس على كرسيه وأحضر القوم، فبدأ الخراساني فأسكتهم وقطع حجتهم، فقال المعتصم: خلوا عن الخراساني، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، إن هذا متى يخرج على هذه السبيل يفتن العامة،\n_________\n(١) غافر الآية (١٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٤٦/٣٦٣).","vol":"3","page":371},{"text":"ويقول: غلبت أمير المؤمنين وغلبت قضاته وشيوخه وعلماءه، وقهرته وأدحضت حجته، فقال: صدقت يا أحمد. ثم قال: جروا برجله، فجروا برجله على وجهه إلى البيت الذي فيه أحمد بن حنبل، فتعلقت الرزة بغلصمته، فقال: اجذبوه فجذبوه فانقطع رأسه، قال أحمد بن حنبل: فسمعت اللسان يقول في الرأس: غير مخلوق، ثلاث مرات، ثم سكت. قال أحمد: فكان ذلك مما بصرني في أمري، وشجع به قلبي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1449>المعتصم (٢٢٧ ه</span>ـ)\nالخليفة أبو إسحاق محمد بن الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور العباسي. امتحن الناس بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار، ودام ذلك حتى أزاله المتوكل بعد أربعة عشر عاما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>موقفه من المشركين:</span>\n- قال الرياشي: كتب طاغية الروم إلى المعتصم يتهدده، فأمر بجوابه، فلما عرض عليه رماه، وقال للكاتب: اكتب: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع ﴿وسيعلم الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدار﴾ (٢). (٣)\n- جاء في فتح الباري: ثم خرج في أيام المأمون بابك الخرمي، فغلب\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٤/٢٨٢ - ٢٨٣/ ٤٥٥).\n(٢) الرعد الآية (٤٢).\n(٣) السير (١٠/ ٢٩١).","vol":"3","page":372},{"text":"على بلاد الجبل، وقتل في المسلمين وهزم الجيوش إلى أن ظفر به المعتصم فصلبه. (١)\n- وفي البداية والنهاية: وفيها -أي سنة عشرين ومائتين من الهجرة- عقد المعتصم للأفشين واسمه حيضر بن كاوس على جيش عظيم لقتال بابك الخرمي لعنه الله، وكان قد استفحل أمره جدا وقويت شوكته وانتشرت أتباعه في أذربيجان وما والاها، وكان أول ظهوره في سنة إحدى ومائتين، وكان زنديقا كبيرا وشيطانا رجيما، فسار الأفشين وقد أحكم صناعة الحرب في الأرصاد وعمارة الحصون وإرصاد المدد، وأرسل إليه المعتصم مع بغا الكبير أموالا جزيلة، إلى أن قال الحافظ ابن كثير:\nوقد أمر المعتصم ابنه هارون الواثق أن يتلقى الأفشين، وكانت أخباره تفد إلى المعتصم في كل يوم من شدة اعتناء المعتصم بأمر بابك، وقد ركب المعتصم قبل وصول بابك بيومين على البريد، حتى دخل إلى بابك وهو لا يعرفه، فنظر إليه ثم رجع فلما كان يوم دخوله عليه تأهب المعتصم واصطف الناس سماطين، وأمر بابك أن يركب على فيل ليشهر أمره ويعرفوه وعليه قباء ديباج وقلنسوة سمور مدورة وقد هيأوا الفيل وخضبوا أطرافه ... إلى أن قال: ولما أحضر بين يدي المعتصم أمر بقطع يديه ورجليه وجز رأسه وشق بطنه، ثم أمر بحمل رأسه إلى خراسان وصلب جثته على خشبة بسامرا، وكان بابك قد شرب الخمر ليلة قتله ... وكان هذا الملعون قد قتل من المسلمين في مدة ظهوره -وهي عشرون سنة- مائتي ألف وخمسة وخمسين\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٢٧١).","vol":"3","page":373},{"text":"ألفا وخمسمائة إنسان، قاله ابن جرير. وأسر خلقا لا يحصون، وكان جملة من استنقذه الأفشين من أسره، نحوا من سبعة آلاف وستمائة إنسان ... وكان أصل بابك من جارية زرية الشكل جدا، فآل به الحال إلى ما آل به إليه، ثم أراح الله المسلمين من شره بعد ما افتتن به خلق كثير وجم غفير من العوام الطغام. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1451>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: وفتح مصر -يعني قهر أهلها- قبل خلافته. وقتل ثمانية: بابك، والأفشين، ومازيار، وباطيس، ورئيس الزنادقة، وعجيفا، وقارون، وأمير الرافضة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الكفاية بالسند إلى الفضل بن مروان قال: كان المعتصم يختلف إلى علي بن عاصم المحدث وكنت أمضي معه إليه، فقال يوما: حدثنا عمرو بن عبيد وكان قدريا. فقال له المعتصم: يا أبا الحسن أما تروي أن القدرية مجوس هذه الأمة؟ (٣) قال: بلى. قال فلم تروي عنه؟ قال: لأنه ثقة في الحديث صدوق. قال: فإن كان المجوسي ثقة فما تقول أتروي عنه؟ فقال له علي: أنت شغاب يا أبا إسحاق.\nقال الخطيب معلقا: وهذا الاعتراض المذكور في الخبر لازم، ولا خلاف\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٠/ ٢٩٥ - ٢٩٨).\n(٢) السير (١٠/ ٣٠٢).\n(٣) سيأتي تخريجه في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).","vol":"3","page":374},{"text":"أن الفاسق بفعله لا يقبل قوله في أمور الدين مع كونه مؤمنا عندنا، فبأن لا يقبل قول من يحكم بكفره من المعتزلة وغيرهم أولى. (١)\n\nعلي بن عَثَّام (٢) (٢٢٨ هـ)\nعلي بن عثام بن علي الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام أبو الحسن الكِلاَبِي العَامِرِي الكوفي نزيل نيسابور. سمع أحمد بن حنبل وحماد بن زيد وابن عيينة وابن المبارك وخلقا سواهم. حدث عنه الذهلي وأبو حاتم الرازي وأحمد بن سعيد الدارمي وسلمة بن شبيب وعدة. قال عنه الحاكم: أديب فقيه، حافظ زاهد، واحد عصره. قال ابن حجر: ثقة فاضل. من أقواله: إن طريق البر سهل وإن طريق القطيعة وعر.\nتوفي سنة ثمان وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في ذم الكلام عن محمد بن عبد الوهاب قال: قلت لعلي بن عثام: رجل يقول: ليس في حديث رسول الله - ﷺ - فقه، فقال: هذا فاجر، فأين الفقه وأين الخير إلا فيه. (٣)\n_________\n(١) الكفاية (١٢٤) وأصول الاعتقاد (٤/ ٨١٩ - ٨٢٠/ ١٣٨٣).\n(٢) الجرح والتعديل (٦/ ١٩٩) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٦٢ - ٣٦٤) وشذرات الذهب (٢/ ٦٥) والسير (١٠/ ٥٦٩ - ٥٧١) وتهذيب الكمال (٢١/ ٥٧ - ٦٦) والتقريب (١/ ٦٩٩).\n(٣) ذم الكلام (٧٧).","vol":"3","page":375},{"text":"\" التعليق:\nإلى هذا الحد وصلت الوقاحة بالمبتدعة، وقد تبنى هذه الفكرة النجسة علماء الكلام فيما بعد، ودافعوا عنها، وقالوا الحجة في المعقول لا في المنقول، وكذلك الصوفية قالوا: لا حجة في القشور وإنما الحجة في التلقي بطريق الكشف، والله المستعان.\n\nعبد الملك بن عبد العزيز القُشَيْرِي (١) (٢٢٨ هـ)\nعبد الملك بن عبد العزيز بن ذكوان، الإمام الثقة، الزاهد القدوة، القشيري، نزيل بغداد، أبو نَصْر التَّمَّار. ولد عام مقتل أبي مسلم الخراساني. روى عن جرير بن حازم، وسعيد بن عبد العزيز، وحماد بن سلمة، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأحمد بن منيع، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى الموصلي، وخلق سواهم. قال ابن سعد: وكان ثقة فاضلا خيرا ورعا. توفي في أول يوم من المحرم سنة ثمان وعشرين ومائتين وهو ابن إحدى وتسعين سنة وقد ذهب بصره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1456>موقفه من الجهمية:</span>\nعن أبي يوسف -حكيم التمار- وكان صديقا لأبي نصر التمار، قال: لما أدخل أبو نصر -يعني دار إسحاق بن إبراهيم للمحنة قعدنا على الباب ننظر ما يكون من أمره، فخرج، فقلت: ما صنعت يا أبا نصر؟ فقال: يا أبا\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٧١ - ٥٧٤) تهذيب الكمال (١٨/ ٣٥٤ - ٣٥٨) تهذيب التهذيب (٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٤٠) ميزان الاعتدال (٢/ ٦٥٨) تاريخ بغداد (١٠/ ٤٢٠ - ٤٢٣).","vol":"3","page":376},{"text":"يوسف دخلنا كفرنا، وخرجنا. (١)\n\nنُعَيْم بن حَمَّاد الخُزَاعِي (٢) (٢٢٨ هـ)\nنعيم بن حماد بن الحارث بن هَمَّام الإمام العلامة الحافظ أبو عبد الله الخزاعي المَرْوَزِي الفَرَضِي الأعور صاحب التصانيف سكن مصر. حدث عن ابن المبارك وهشيم بن بشير وعبد الله بن وهب وعبد الله بن إدريس وابن عيينة وعدة. روى عنه البخاري مقرونا وأبو داود ويحيى بن معين والذهلي وعبد الله ابن عبد الرحمن الدارمي وطائفة. قال فيه ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرا، فقيه عارف بالفرائض. وقد قال ابن عدي -بعد ما ساق له بعض المناكير-: وقد كان أحد من يتصلب في السنة، ومات في محنة القرآن في الحبس، وعامة ما أنكر عليه هو ما ذكرته، وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيما. توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1458>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى محمد بن يزيد المستملي عن نعيم بن حماد قال: إذا رأيت العراقي يتكلم في أحمد فاتهمه في دينه، وإذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق فاتهمه، وإذا رأيت البصري يتكلم في وهب بن جرير فاتهمه في دينه. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/١١٢ - ١١٣/ ٣٦٩).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٥١٩) والجرح والتعديل (٨/ ٤٦٣) وتاريخ بغداد (١٣/ ٣٠٦ - ٣١٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٨) وميزان الاعتدال (٤/ ٢٦٧ - ٢٧٠) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٥٨) وشذرات الذهب (٢/ ٦٧) والسير (١٠/ ٥٩٥ - ٦١٢) والتقريب (٢/ ٢٥٠).\n(٣) السير (١١/ ٣٨١).","vol":"3","page":377},{"text":"\" التعليق:\nهذه قاعدة جليلة مطردة في كشف أهل الأهواء والبدع إذ من أظهر آياتهم الوقيعة في السلفيين أهل الحديث والأثر على مر الأزمان.\n\n- عن أبي حاتم قال: سمعت نعيم بن حماد يقول: من ترك حديثا معروفا فلم يعمل به، وأراد له علة أن يطرحه، فهو مبتدع. (١)\n- وفي صيانة الإنسان: قال نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك ما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1459>موقفه من الجهمية:</span>\n- له مواقف مشرفة ضد المبتدعة عموما والجهمية خصوصا، ويكفي أنه بذل نفسه في سبيل الله فمات في المحنة.\n- جاء في كتاب الكامل لابن عدي ما لفظه:\nقال الشيخ: وكان ممن يتصلب في السنة ومات في محنة القرآن في الحبس. (٣)\n- وفيه قال ابن عدي: حدثنا أحمد بن عيسى بن محمد المروزي إجازة مشافهة، حدثنا ابن أبي مصعب قال نعيم بن حماد الفارض: منزله على الماء\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٦).\n(٢) صيانة الإنسان (ص.٣١٠).\n(٣) الكامل (٧/ ٢٤٨٥).","vol":"3","page":378},{"text":"جار في السكة التي تنسب إلى أبي حمزة السكري، وضع كتب الرد على أبي حنيفة، وناقض محمد بن الحسن ووضع ثلاثة عشر كتابا في الرد على الجهمية. (١)\n- روى الخطيب بسنده إلى أبي بكر الطرسوسي يقول: أخذ نعيم بن حماد في أيام المحنة سنة ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين، وألقوه في السجن ومات في سنة سبع وعشرين، وأوصى أن يدفن في قيوده وقال إني مخاصم. (٢)\n- وفي طبقات ابن سعد: وكان من أهل خراسان من أهل مرو، وطلب الحديث طلبا كثيرا بالعراق والحجاز، ثم نزل مصر، فلم يزل بها حتى أشخص منها في خلافة أبي إسحاق بن هارون فسئل عن القرآن فأبى أن يجيب فيه بشيء مما أرادوه عليه، فحبس بسامرا، فلم يزل محبوسا بها حتى مات في السجن في سنة ثمان وعشرين ومائتين. (٣)\n- وقال ابن القيم في اجتماع الجيوش الاسلامية: قول نعيم بن حماد الخزاعي أحد شيوخ النبل، شيخ البخاري رحمهما الله تعالى، قال في قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (٤): معناه لا يخفى عليه خافية بعلمه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثَلَاثَةٍ إِلًّا هُوَ رابعهم﴾ (٥) أراد أن لا يخفى عليه\n_________\n(١) الكامل (٧/ ٢٤٨٢).\n(٢) تاريخ بغداد (١٣/ ٣١٣).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٥١٩).\n(٤) الحديد الآية (٤).\n(٥) المجادلة الآية (٧).","vol":"3","page":379},{"text":"خافية.\n- قال البخاري سمعته يقول: من شبه الله تعالى بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله تعالى به نفسه ولا رسوله - ﷺ - تشبيها. (١)\n\" التعليق:\nوهل في الإثبات أصرح من هذا يا من اتهم السلف بأنهم كانوا مفوضة؟ ولكن الهوى لا يترك للمبتدعة مجالا يراجعون أنفسهم، حتى يعرفوا هل السلف مفوضة أو مثبتة أو كما يقولون هم: مشبهة، فإذا لم يكن الإثبات، فلا معنى للنصوص ولا لإنزالها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.\n- وفي أصول الاعتقاد عنه قال: حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه، ويترك التفكير في الرب ﵎، ويتبع حديث النبي - ﷺ - أنه قال: \"تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق\" (٢) قال نعيم: ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء من الأشياء. (٣)\n- وكان نعيم بن حماد يكفر القائلين بخلق القرآن كما في السنة لعبد الله. (٤)\n- عن زكريا بن يحيى بن حمدويه الحلواني قال: سمعت رفيق نعيم بن\n_________\n(١) اجتماع الجيوش (٢٠٤) وطرفه الأخير في أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٧ - ٥٨٨/ ٩٣٦) والسير (١٣/ ٢٩٩).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف مقاتل بن سليمان سنة (١٥٠هـ).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٢/٩٢٩).\n(٤) السنة لعبد الله (١٨).","vol":"3","page":380},{"text":"حماد يقول: لما صرنا إلى العراق وحبس نعيم بن حماد، دخل عليه رجل في السجن من هؤلاء فقال لنعيم: أليس الله قال: ﴿لا تدركه الْأَبْصَارُ وَهُوَ يدرك الْأَبْصَارَ﴾ (١) فقال نعيم: بلى ذاك في الدنيا. قال: وما دليلك؟ فقال نعيم: إن الله هو البقاء، وخلق الخلق للفناء، فلا يستطيعون أن ينظروا بأبصار الفناء إلى البقاء، فإذا جدد لهم خلق البقاء فنظروا بأبصار البقاء إلى البقاء. (٢)\n- قال الذهبي: وكان شديدا على الجهمية، أخذ ذلك عن نوح الجامع، وكان كاتبه. قال صالح بن مسمار: سمعت نعيما يقول: أنا كنت جهميا، فلذلك عرفت كلامهم، فلما طلبت الحديث عرفت أن أمرهم يرجع إلى التعطيل. قال الخطيب: يقال إن نعيم بن حماد أول من جمع المسند. وقال الحسين بن حبان: سمعت يحيى بن معين يقول: نعيم بن حماد أول من سمع صدوق وأنا أعرف الناس به، وكان رفيقي بالبصرة، كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث. وكذا وثقه أحمد. وروى إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة. وقال أحمد العجلي: ثقة صدوق. وقال العباس بن مصعب في تاريخه: نعيم بن حماد وضع كتبا في الرد على الجهمية وكان من أعلم الناس بالفرائض، ثم خرج إلى مصر فأقام بها نيفا وأربعين سنة. ثم حمل إلى العراق في امتحان القرآن مع البويطي مقيدين، فمات نعيم بن حماد بسر من رأى. (٣)\nقال الحافظ في الفتح: قال ابن أبي حاتم في كتاب 'الرد على الجهمية'\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٠٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٦٢ - ٥٦٣/ ٨٩٠).\n(٣) الميزان (٤/ ٢٦٧).","vol":"3","page":381},{"text":"وجدت في كتاب أبي عمر نعيم بن حماد قال: يقال للجهمية أخبرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اليوم﴾ (١) فلا يجيبه أحد فيرد على نفسه ﴿لِلَّهِ الواحد القهار﴾ وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم، أفهذا مخلوق؟. (٢)\n- وقال أيضا: قال ابن أبي حاتم في كتاب 'الرد على الجهمية' ذكر نعيم بن حماد أن الجهمية قالوا: إن أسماء الله مخلوقة، لأن الاسم غير المسمى، وادعوا أن الله كان ولا وجود لهذه الأسماء، ثم خلقها، ثم تسمى بها، قال فقلنا لهم: إن الله قال: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ (٣) وقال: ﴿ذلكم الله ربكم فاعبدوه﴾ (٤) فأخبر أنه المعبود ودل كلامه على اسمه بما دل به على نفسه، فمن زعم أن اسم الله مخلوق فقد زعم أن الله أمر نبيه أن يسبح مخلوقا. (٥)\n- وقال أيضا: احتج بعض المبتدعة بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦) على أن القرآن مخلوق لأنه شيء، وتعقب ذلك نعيم بن حماد\n_________\n(١) غافر الآية (١٦).\n(٢) الفتح (١٣/ ٣٦٨).\n(٣) الأعلى الآية (١).\n(٤) يونس الآية (٣).\n(٥) الفتح (١٣/ ٣٧٨).\n(٦) الزمر الآية (٦٢).","vol":"3","page":382},{"text":"وغيره من أهل الحديث بأن القرآن كلام الله وهو صفته فكما أن الله لم يدخل في عموم قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ اتفاقا فكذلك صفاته، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ويحذركم اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (١) مع قوله تعالى: ﴿كل نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ (٢) فكما لم تدخل نفس الله في هذا العموم اتفاقا فكذا لا يدخل القرآن. (٣)\n- وقال شيخ الإسلام: وكذلك من دخل مع أهل البدع والفجور ثم بين الله له الحق وتاب عليه توبة نصوحا، ورزقه الجهاد في سبيل الله، فقد يكون بيانه لحالهم وهجره لمساويهم، وجهاده لهم أعظم من غيره، قال نعيم بن حماد الخزاعي -وكان شديدا على الجهمية- أنا شديد عليهم، لأني كنت منهم. وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) نزلت هذه الآية في طائفة من الصحابة كان المشركون فتنوهم عن دينهم ثم تاب الله عليهم، فهاجروا إلى الله ورسوله، وجاهدوا وصبروا. (٥)\n_________\n(١) آل عمران الآية (٢٨).\n(٢) العنكبوت الآية (٥٧).\n(٣) الفتح (١٣/ ٥٣٢).\n(٤) النحل الآية (١١٠).\n(٥) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٠٣).","vol":"3","page":383},{"text":"خلف بن هشام (١) (٢٢٩ هـ)\nخَلَف بن هشام بن ثَعْلَب وقيل خلف بن هشام بن طالب بن غالب الإمام الحافظ الحجة شيخ الإسلام أبو محمد البغدادي البزار المقرئ أحد الأعلام. له اختيار أقرأ به وخالف فيه حمزة. قرأ على سليم عن حمزة، وعلى أبي يوسف لعاصم، وأخذ حرف نافع عن إسحاق المسيبي وقراءة أبي بكر عن يحيى بن آدم. قرأ عليه أحمد بن يزيد الحلواني وأحمد بن إبراهيم وراقة، ومحمد بن يحيى الكسائي الصغير وإدريس بن عبد الكريم الحداد وخلق سواهم. روى عن مالك بن أنس وحماد بن زيد وأبي الأحوص سلام بن سليم وشريك وهشيم بن بشير وأبي عوانة وطائفة. روى عنه مسلم وأبو داود وإبراهيم الحربي وأحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وأبو يعلى الموصلي وعدة. قال الدارقطني: كان عابدا فاضلا. وقال الحسين بن فهم: ما رأيت أنبل من خلف بن هشام كان يبدأ بأهل القرآن، ثم لا يأذن لأصحاب الحديث، وكان يقرأ من حديث أبي عوانة خمسين حديثا. توفي سنة تسع وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عن خلف بن هشام فيمن قال: الاسم غير المسمى، وهو ينكر ذلك أشد النكرة ويقول: لو أن رجلا شتم رجلا على قول من قال هذه المقالة لم يلزمه شيء، يقول إنما شتمت الاسم.\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٤٨) والجرح والتعديل (٣/ ٣٧٢) وتاريخ بغداد (٨/ ٣٢٢ - ٣٢٨) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٥٦) وشذرات الذهب (٢/ ٦٧) والسير (١٠/ ٥٧٦ - ٥٨٢) وتهذيب الكمال (٨/ ٢٩٩ - ٣٠٣).","vol":"3","page":384},{"text":"ولو أن رجلا حلف بالله على مال رجل لم يلزمه في كلامه حنث على قول من قال هذه المقالة، ويقول: إنما حلفت بالاسم فلم أحلف بالمسمى.\nورأيت يدور أمر الإسلام على هذا الاسم، قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" (١) أرأيت الوضوء حين يبدأ فيه الإنسان، يقول: بسم الله، فإذا فرغ قال: سبحانك اللهم. ورأيت الأذان أوله: الله أكبر، ولا يزال يردد أشهد أن لا إله إلا الله، ثم رأيت الصلاة حين يفتتح بقوله الله أكبر ولا يزال في ذلك حتى يختم بقوله: السلام عليكم ورحمة الله. فأولها وآخرها الله. ورأيت الحج؟ لبيك اللهم لبيك. ورأيت الذبيحة بسم الله، ورأيت أمر الإسلام يدور على هذا الاسم، فمن زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر، وكفره عندي أوضح من هذه الشمس. (٢)\n\nعبد الله بن محمد الجُعْفِي المُسْنَدِي (٣) (٢٢٩ هـ)\nعبد الله بن محمد بن عبد الله الإمام الحافظ المُجَوِّد شيخ ما وراء النهر أبو جعفر الجعفي مولاهم البخاري المعروف بالمسندي لكثرة اعتنائه بالأحاديث المسندة. روى عن ابن عيينة وحفص بن غياث والقعنبي وعبد الرزاق الصنعاني وعبد الرحمن بن مهدي ومعتمر بن سليمان ووكيع\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٣١١/٧٢٨٤و٧٢٨٥) ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢/ ٢٠) وأبو داود (٢/ ١٩٨/١٥٥٦) والترمذي (٥/ ٥ - ٦/ ٢٦٠٧) والنسائي (٧/ ٨٨/٣٩٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩/ ٣٥٠).\n(٣) شذرات الذهب (٢/ ٦٧) والجرح والتعديل (٥/ ١٦٢) وتاريخ بغداد (١٠/ ٦٤) وتهذيب التهذيب (٦/ ٩) والسير (١٠/ ٦٥٨ - ٦٦٠) والأنساب (٥/ ٢٩٨).","vol":"3","page":385},{"text":"وعدة. روى عنه البخاري والذهلي وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ومحمد بن نصر المروزي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وطائفة. قال الحاكم: هو إمام الحديث في عصره بما وراء النهر بلا مدافعة، وهو أستاذ البخاري. قال الذهبي: وقد أسلم جد البخاري على يدي يمان جد المسندي. توفي سنة تسع وعشرين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>موقفه من الجهمية:</span>\nله كتاب 'الصفات والرد على الجهمية' ذكره شيخ الاسلام في أوائل الكتب التي ألفت في هذا الباب. (١)\n\nأحمد بن شَبُّويَه (٢) (٢٣٠ هـ)\nأحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان الإمام القدوة المحدث شيخ الإسلام أبو الحسن الخزاعي المروزي الحافظ ابن شبويه. سمع ابن عيينة وابن المبارك وعبد الرزاق الصنعاني وابن علية ووكيعا وابن أبي أويس وعدة. حدث عنه أبو داود وأبو زرعة الدمشقي والذهلي وابنه ثابت وابن أبي خيثمة وابن معين وآخرون. قال النسائي: ثقة. توفي سنة ثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1465>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير عنه قال: من أراد علم القبر فعليه بالأثر، ومن أراد علم\n_________\n(١) انظر الفتاوى الكبرى (٥/ ١٥).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٥٥) والأنساب (٧/ ٢٨٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٦٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٧١) والسير (١١/ ٧ - ٨) وتهذيب الكمال (١/ ٤٣٣ - ٤٣٦).","vol":"3","page":386},{"text":"الخبز فعليه بالرأي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1466>موقفه من الجهمية:</span>\nقال عبد الله في السنة: حدثنا ابن شبويه سمعت أبي يقول: من قال شيء من الله مخلوق، علمه أو كلامه، فهو زنديق كافر لا يصلى عليه ولا يصلى خلفه، ويجعل ماله كمال المرتد. ويذهب في مال المرتد إلى مذهب أهل المدينة أنه في بيت المال. (٢)\n\nزكريا بن يحيى بن صالح (٣) (٢٣٠ هـ)\nزكريا بن يحيى بن صالح أبو يحيى البلخي. روى عن أبي مطيع الحكم ابن عبد الله البلخي، والحكم بن المبارك، وخلف بن أيوب. حدث عنه البخاري، وأحمد بن سيار المروزي، وجعفر بن محمد بن الحسن. قال قتيبة بن سعيد: فتيان خراسان أربعة. وذكر منهم زكريا بن يحيى. توفي سنة ثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1468>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال ابن حبان: كان ثقة صاحب سنة وفضل وممن يرد على أهل البدع، وهو مصنف كتاب الإيمان. (٤)\n_________\n(١) السير (١١/ ٧ - ٨).\n(٢) السنة لعبد الله (ص.٣٥).\n(٣) تهذيب الكمال (٩/ ٣٧٨) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥١٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٣٥) والثقات لابن حبان (٨/ ٢٥٤).\n(٤) تذكرة الحفاظ (٢/ ٥١٨).","vol":"3","page":387},{"text":"الأمير عبد الله بن طاهر (١) (٢٣٠ هـ)\nالأمير العادل عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب، أبو العباس الخزاعي، حاكم خراسان وما وراء النهر. ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتأدب وتفقه وسمع من وكيع ويحيى بن الضريس والمأمون، روى عنه إسحاق ابن راهويه ونصر بن زياد القاضي وأحمد بن سعيد الرباطي وآخرون.\nقلده المأمون مصر والمغرب ثم خراسان، وكان أحد الأجواد الممدحين والسمحاء المذكورين. قال ابن خلكان: كان ابن طاهر شهما نبيلا، عالي الهمة. وعن سهل بن ميسرة أن جيران دار عبد الله بن طاهر أمر بإحصائهم، فبلغوا أربعة آلاف نفس، فكان يقوم بمؤنتهم وكسوتهم، فلما خرج إلى خراسان، انقطعت الرواتب من المؤنة، وبقيت الكسوة مدة حياته.\nوعن محمد بن الفضل أن ابن طاهر لما افتتح مصر ونحن معه، سوغه المأمون خراجها، فصعد المنبر، فلم ينزل حتى أجاز بها كلها، وهي ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها. قال الذهبي: كان ابن طاهر عادلا في الرعية، عظيم الهيبة، حسن المذهب. توفي ﵀ بمرو في ربيع الأول سنة ثلاثين ومائتين، وله ثمان وأربعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1470>موقفه من المرجئة:</span>\nعن أحمد بن سعيد الرباطي قال: قال لي عبد الله بن طاهر، يا أحمد إنكم تبغضون هؤلاء القوم جهلا، وأنا أبغضهم عن معرفة، إن أول أمرهم\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٩/ ٤٨٣ - ٤٨٩) ووفيات الأعيان (٣/ ٨٣ - ٨٩) والوافي بالوفيات (١٧/ ٢١٩ - ٢٢٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٢١ - ٢٣٠/ص.٢٢٩ - ٢٣٤) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٤ - ٦٨٥) والنجوم الزاهرة (٢/ ٢٥٨).","vol":"3","page":388},{"text":"أنهم لا يرون للسلطان طاعة.\nوالثاني أنه ليس للإيمان عندهم قدر، والله لا أستجيز أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى، ولا كإيمان أحمد بن حنبل، وهم يقولون: إيماننا كإيمان جبريل وميكائيل. (١)\n\nمحمد بن زياد بن الأعرابي (٢) (٢٣١ هـ)\nمحمد بن زياد، أبو عبد الله مولى بني هاشم، المعروف بابن الأعرابي. ولد بالكوفة سنة خمسين ومائة. أخذ عن أبي معاوية الضرير، والمفضل الضبي، والقاسم بن معن، والكسائي. وأخذ عنه إبراهيم الحربي، وعثمان الدارمي، وثعلب، وآخرون. قال ثعلب: لزمت ابن الأعرابي تسع عشرة سنة، وكان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان، وما رأيت بيده كتابا قط، انتهى إليه علم اللغة والحفظ. وقال الأزهري: ابن الأعرابي صالح، زاهد ورع صدوق، حفظ مالم يحفظه غيره. وقال الذهبي: له مصنفات كثيرة أدبية، وتاريخ القبائل، وكان صاحب سنة واتباع. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن أبي عبد الله نفطويه قال: سمعت أحمد بن عمارة بن خالد قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: ما رأيت قوما أكذب على\n_________\n(١) عقيدة السلف للصابوني (ص.٢٧٢).\n(٢) تاريخ بغداد (٥/ ٢٨٢) والأنساب (١/ ١٨٧) ووفيات الأعيان (٤/ ٣٠٦) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٧ - ٦٨٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٣٢٠ - ٣٢١) وشذرات الذهب (٢/ ٧٠).","vol":"3","page":389},{"text":"اللغة من قوم يزعمون: أن القرآن مخلوق. (١)\n- وفيه: عن أبي عبد الله نفطويه قال: حدثني أبو سليمان داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٢)؟ فقال: هو على عرشه كما أخبر ﷿. فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه إنما معناه: استولى. قال: اسكت، ما أنت وهذا؟ لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى أما سمعت النابغة:\nألا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد (٣)\n- وفيه: عن أبي بكر محمد بن أحمد بن النضر -وهو ابن بنت معاوية ابن عمرو- وقال: كان أبو عبد الله بن الأعرابي جارنا، وكان ليله أحسن ليل، وذكر لنا أن ابن أبي دؤاد سأله: أتعرف في اللغة استوى بمعنى: استولى؟ فقال: لا أعرف. (٤)\n- ونقل الحافظ عن أبي إسماعيل في كتاب الفارق عن محمد بن أحمد ابن النضر الأزدي سمعت ابن الأعرابي يقول: أرادني أحمد بن أبي دؤاد أن أجد له في لغة العرب ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ بمعنى استولى\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٤٠٤/٦٢٣).\n(٢) طه الآية (٥).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٤٢/٦٦٦) وتاريخ بغداد (٥/ ٢٨٤).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٤٣/٦٦٧) وتاريخ بغداد (٥/ ٢٨٣).","vol":"3","page":390},{"text":"فقلت: والله ما أصبت هذا. (١)\n\nالبويطي (٢) (٢٣١ هـ)\nيوسف بن يحيى الإمام العلامة سيد الفقهاء أبو يعقوب المصري البويطي صاحب الإمام الشافعي. حدث عن ابن وهب والشافعي وغيرهما. حدث عنه الربيع المرادي وإبراهيم بن إسحاق الحربي وأبو حاتم الرازي ومحمد بن إسماعيل الترمذي وعدة. قال عنه أبو عمر بن عبد البر: كان من أهل الدين والعلم والفهم والثقة، صليبا في السنة، يرد على أهل البدع، وكان حسن النظر. وقال أبو بكر الخطيب: قد حمل إلى بغداد في أيام المحنة وأريد على القول بخلق القرآن فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فحبس ببغداد، ولم يزل في الحبس إلى حين وفاته، وكان صالحا، متعبدا، زاهدا. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1474>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أبي نعيم الاستراباذي قال: قيل للربيع سمعت البويطي يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. قيل له -يعني الربيع- تقول به؟ قال: نعم\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٤٠٦).\n(٢) الجرح والتعديل (٩/ ٢٣٥) وتاريخ بغداد (١٤/ ٢٩٩ - ٣٠٣) ووفيات الأعيان (٧/ ٦١ - ٦٢) والسير (١٢/ ٥٨ - ٦١) والأنساب (٢/ ٣٣٩) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٤٧٢ - ٤٧٦) والفهرست (٢٩٨) وطبقات الشافعية (١/ ٢٧٥ - ٢٧٩).","vol":"3","page":391},{"text":"أقول وأدين الله به. (١)\n- جاء في تاريخ الخطيب بالسند إلى الربيع بن سليمان قال: رأيت البويطي على بغل في عنقه غل، وفي رجله قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلا، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بكن، فإذا كانت كن مخلوقة فكانت مخلوقا خلق مخلوقا، فوالله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت إليه لأصدقنه -يعني الواثق- قال الربيع: وكتب إلي من السجن أنه لا يأتي علي أوقات ما أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي، فإذ قرأت كتابي هذا فأحسن خلقك مع أهل حلقتك واستوص بالغرباء خاصة خيرا فكثيرا ما كنت أسمع الشافعي يتمثل بهذا البيت:\nأهين لهم نفسي لكي يكرمونها ... ولا تكرم النفس التي لا تهينها (٢)\n\" التعليق:\nألا تجهش بالبكاء حين تقرأ مثل هذه المواقف، وتنظر إلى سلفك كيف كانوا يفدون عقيدتهم بأنفسهم، ويصبرون على الذلة الظاهرة، وهي العزة الباطنة، هكذا ينبغي أن يكون الرجال، فرحمة الله عليك يا إمام الفقه في وقتك، لقد جاء من بعدك وعلم أنك استشهدت في هذا الشأن، وكنت له قدوة يقتدى بك، فشهادة العقيدة السلفية لا تعدلها شهادة، اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦/ ٤٦٦) والإبانة (٢/ ١٢/١٦٠/ ٢٦٦).\n(٢) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٠٢).","vol":"3","page":392},{"text":"أحمد بن نَصْر الخُزَاعِي (١) (٢٣١ هـ)\nأحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الإمام الكبير أبو عبد الله الخزاعي المروزي ثم البغدادي. كان أمارا بالمعروف، قوالا بالحق. روى عن مالك بن أنس وحماد بن زيد وهشيم بن بشير وابن عيينة وغيرهم. روى عنه أحمد الدورقي وسلمة بن شبيب ويحيى بن معين وعدة. قتله الواثق سنة إحدى وثلاثين ومائتين لما أبى أن يجيبه إلى القول بخلق القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن كثير في البداية: فجمع -أي نائب السلطنة محمد بن إبراهيم بن مصعب- جماعة من رؤوس أصحاب أحمد بن نصر معه وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى، وذلك في آخر شعبان، فأحضر له جماعة من الأعيان، وحضر القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وأحضر أحمد بن نصر، ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شيء مما كان منه في مبايعته العوام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره، بل أعرض عن ذلك كله وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله. وكان أحمد بن نصر قد استقتل وباع نفسه وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما\n_________\n(١) تاريخ الطبري (٩/ ١٣٥ - ١٣٩) والجرح والتعديل (٢/ ٧٩) وتاريخ بغداد (٥/ ١٧٣ - ١٧٦)\nوالأنساب (٥/ ١٠٦ - ١٠٧) والكامل في التاريخ (٧/ ٢٠ - ٢٣) والوافي بالوفيات (٨/ ٢١١ - ٢١٢) وتهذيب التهذيب (١/ ٨٧) وشذرات الذهب (٢/ ٦٩) والسير (١١/ ١٦٦ - ١٦٩).","vol":"3","page":393},{"text":"يسترها فقال له، فما تقول في ربك، أتراه يوم القيامة؟ فقال: يا أمير المؤمنين قد جاء القرآن والأخبار بذلك، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) وقال رسول الله - ﷺ -: \"إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته\" (٢). فنحن على الخبر. زاد الخطيب، قال الواثق: ويحك أيرى كما يرى المحدود المتجسم؟ ويحويه مكان يحصره الناظر؟ أنا أكفر برب هذه صفته.\nقلت -أي ابن كثير-: وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح والله أعلم. ثم قال أحمد بن نصر للواثق: وحدثني سفيان بحديث يرفعه \"إن قلب ابن آدم بأصبعين من أصابع الله يقلبه كيف شاء\" (٣) وكان النبي - ﷺ - يقول: \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\" (٤) فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويحك، انظر ما تقول. فقال: أنت أمرتني بذلك. فأشفق إسحاق من ذلك وقال: أنا أمرتك؟ قال: نعم، أنت أمرتني أن أنصح له. فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون في هذا الرجل؟ فأكثروا القول فيه. فقال عبد الرحمن بن إسحاق -وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل، وكان موادا لأحمد بن نصر قبل ذلك- يا أمير المؤمنين هو حلال الدم. وقال أبو عبد الله الأرمني صاحب أحمد بن أبي دؤاد: اسقني دمه يا أمير المؤمنين. فقال الواثق:\n_________\n(١) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف سفيان بن عيينة سنة (١٩٨هـ).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف بشر بن الحارث سنة (٢٢٧هـ).","vol":"3","page":394},{"text":"لا بد أن يأتي ما تريد. وقال ابن أبي دؤاد: هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل. فقال الواثق: إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي. ثم نهض إليه بالصمصامة -وقد كان سيفا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته وكانت صفيحة مسحورة في أسفلها مسمورة بمسامير- فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع، ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه بالصمصامة في بطنه فسقط صريعا ﵀ على النطع، ميتا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ﵀ وعفا عنه.\nثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه وحز رأسه، وحمل معترضا حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك الخرمي فصلب فيها، وفي رجله زوج قيود وعليه سراويل وقميص، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياما، وفي الغربي أياما، وعنده الحرس في الليل والنهار، وفي أذنه رقعة مكتوب فيها: هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر الخزاعي، ممن قتل على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن، ونفي التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح، فالحمد لله الذي عجله إلى ناره وأليم عقابه بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه. ثم أمر الواثق بتتبع رؤوس أصحابه فأخذ نحوا من تسع وعشرين رجلا فأودعوا في السجون وسموا الظلمة، ومنعوا أن يزورهم أحد وقيدوا بالحديد، ولم يجر عليهم شيء من الأرزاق التي كانت تجري على المحبوسين وهذا ظلم","vol":"3","page":395},{"text":"عظيم. (١)\n\" التعليق:\nلقد بلغ الواثق من الوقاحة على الله وعلى رسوله - ﷺ - مبلغا ما كان يظن أن يبلغه خليفة من خلفاء المسلمين. ولكن زين لهم الشيطان أعمالهم فسول لهم وأملى لهم.\n\nهارون بن معروف (٢) (٢٣١ هـ)\nهارون بن معروف الإمام القدوة الثقة أبو علي المروزي ثم البغدادي الخزاز ثم الضرير. حدث عن عبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ والدراوردي وهشيم بن بشير ومعتمر بن سليمان وأبي بكر بن عياش وطائفة. حدث عنه مسلم وأبو داود وأحمد بن حنبل وابن أبي خيثمة وعدة. قال الذهبي: كان صدوقا فاضلا، صاحب سنة.\nتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1478>موقفه من الرافضة:</span>\nقال عبد الملك الميموني سمعت هارون بن معروف يقول: ما بيننا وبين أصحاب محمد ﵇ إلا خير، قاتلوا على دين الله ﷿ ما ينبغي\n_________\n(١) البداية (١٠/ ٣١٧ - ٣١٨) وطبقات الحنابلة (١/ ٨١) مختصرا.\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٥٥) والجرح والتعديل (٩/ ٩٦) وتاريخ بغداد (١٤/ ١٤ - ١٥) وتهذيب التهذيب (١/ ١١ - ١٢) وشذرات الذهب (٢/ ٧١) والسير (١١/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"3","page":396},{"text":"ها هنا إلا الشكر لله ﷿، ثم لمحمد - ﷺ -، ثم لأصحابه ﵃. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1479>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير عن هارون الحمال: سمعت هارون بن معروف يقول: من زعم أن القرآن مخلوق، فكأنما عبد اللات والعزى. (٢)\n- وروى عبد الله بن أحمد في السنة عنه قال: من زعم أن الله لا يتكلم فهو يعبد الأصنام. (٣)\n- وفيها عن هارون بن عبد الله الحمال قال: قال هارون بن معروف: من قال القرآن مخلوق فهو يعبد صنما، ثم قال لي: احك هذا عني. (٤)\n\nيوسف بن عدي التيمي (٥) (٢٣٢ هـ)\nيوسف بن عَدِي بن زُرَيْق بن إسماعيل، الإمام الحافظ، أبو يعقوب التيمي الكوفي، أخو زكريا بن عدي. روى عن إسماعيل بن عياش وشريك ومالك بن أنس وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الله بن المبارك، وعدة. وروى عنه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم، وخلق كثير.\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٧٩ - ٤٨٠).\n(٢) السير (١١/ ١٣٠).\n(٣) السنة لعبد الله (٤٠) والسير (١١/ ١٣٠).\n(٤) السنة لعبد الله (ص.١٩) والإبانة (٢/ ٦٣/٢٧٢).\n(٥) الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٧) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٤٣٨) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٨٤) وتهذيب التهذيب (١١/ ٤١٧ - ٤١٨) وشذرات الذهب (٢/ ٧٥).","vol":"3","page":397},{"text":"قال أبو زرعة: ثقة، ذهب إلى مصر للتجارة، فسكنها، ثم توفي بها سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1481>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدي عن النزول؟ فقال نعم: أقر به ولا أحد حدا، وسألت عنه ابن معين فقال: نعم أقر به ولا أحد فيه حدّا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1482>موقف السلف من النظام المعتزلي (٢٣٢ ه</span>ـ)\nضلاله ومخازيه:\n- قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف، أبو إسحاق إبراهيم بن سيار مولى آل الحارث بن عباد الضبعي البصري المتكلم. تكلم في القدر وانفرد بمسائل، وهو شيخ الجاحظ.\nوكان يقول: (إن الله لا يقدر على الظلم ولا الشر، ولو كان قادرا لكنا لا نأمن وقع ذلك، وإن الناس يقدرون على الظلم)، وصرح بأن الله لا يقدر على إخراج أحد من جهنم، وأنه ليس يقدر على أصلح مما خلق.\nقال الذهبي رادا عليه: (القرآن والعقل الصحيح يكذبان هؤلاء ويزجرانهم عن القول بلا علم، ولم يكن النظام ممن نفعه العلم والفهم وقد كفره جماعة.\n_________\n(١) رياض الجنة بتخريج أصول السنة (١١٣).","vol":"3","page":398},{"text":"وقال بعضهم: كان النظام على دين البراهمة المنكرين للنبوة والبعث ويخفي ذلك ... ورد أنه سقط من غرفة وهو سكران، فمات في خلافة المعتصم أو الواثق). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1483>العباس بن موسى بن مشكويه الهمذاني (عاش في زمن الواثق)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>موقفه من الجهمية:</span>\nعن العباس بن مشكويه الهمذاني قال: أدخلت على الخليفة المتكني بالواثق أنا وجماعة من أهل العلم، فأقبل بالمسألة علي من بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين إني رجل مروع ولا عهد لي بكلام الخلفاء من قبلك. فقال: لا ترع ولا بأس عليك، ما تقول في القرآن؟ فقلت: كلام الله غير مخلوق، فقال: أشهد لتقولن مخلوقا أو لأضربن عنقك. قال: فقلت: إنك إن تضرب عنقي فإنك في موضع ذلك إن جرت به المقادير من عند الله، فتثبت علي يا أمير المؤمنين، فإما أن أكون عالما، فتثبت حجتي، وإما أن أكون جاهلا، فيجب عليك أن تعلمني لأنك أمير المؤمنين وخليفة الله في أرضه وابن عم نبيه. فقال: أما تقرأ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بقدر﴾ (٢)، و﴿وخلق كُلَّ شَيْءٍ فقدره تقديرًا﴾ (٣) قلت: يا أمير المؤمنين الكلية في كتاب الله خاص أم عام؟ قال: عام. قلت: لا بل خاص، قال الله ﷿: ﴿وأوتيت مِنْ كُلِّ\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٤١ - ٥٤٢).\n(٢) القمر الآية (٤٩).\n(٣) الفرقان الآية (٢).","vol":"3","page":399},{"text":"شَيْءٍ﴾ (١) فهل أوتيت ملك سليمان ﵇؟ فحذفني بعمود كان بين يديه ثم قال: أخرجوه فاضربوا عنقه، فأخرجت إلى قبة قريبة منه، فشد عليها كتافي، فناديت: يا أمير المؤمنين إنك ضارب عنقي، وأنا متقدمك، فاستعد للمسألة جوابا. فقال: أخرجوا الزنديق وضعوه في أضيق المحابس، فأخرجت إلى دار العامة، فإذا أنا بابن أبي دؤاد يناظر الناس على خلق القرآن، فلما نظر إلي، قال: يا خرمي، قلت: أنت والذين معك وهم شيعة الدجال. فحبسني في سجن ببغداد يقال له المطبق، فأرسل إلي جماعة من العلماء رقعة يشجعونني ويثبتونني على ما أنا عليه، فقرأت ما فيها، فإذا فيها:\nعليك بالعلم واهجر كل مبتدع ... وكل غاو إلى الأهواء ميال\nولا تميلن يا هذا إلى بدع ... يضل أصحابها بالقيل والقال\nإن القرآن كلام الله أنزله ... ليس القرآن بمخلوق ولا بال\nلو أنه كان مخلوقا لصيره ... ريب الزمان إلى موت وإبطال\nوكيف يبطل ما لا شيء يبطله ... أم كيف يبلى كلام الخالق العالي\nوهل يضيف كلام الله من أحد ... إلى البلى غير ضلال وجهال\nفلا تقل بالذي قالوا وإن سفهوا ... وأوثقوك بأقياد وأغلال\nألم تر العالم الصبار حيث بلي ... بالسيوط هل زال عن حال إلى حال\nفاصبر على كل ما يأتي الزمان به ... فالصبر سرباله من خير سربال\nيا صاحب السجن فكر فيم تحبسه (٢) ... أقاتل هو أم عون لقَتَّال\n_________\n(١) النمل الآية (٢٣).\n(٢) في الأصل \"تحسبه\" ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"3","page":400},{"text":"أم هل أتيت به رأسا لرافضة ... يرى الخروج لهم جهلا على الوالي\nأم هل أصيب على خمر ومعزفة ... يصرف الكأس فيها كل ضلال\nما هكذا هو بل لكنه ورع ... عف عفيف عن الأعراض والمال\nثم ذكرني بعد أيام وأخرجني من السجن وأوقفني بين يديه، وقال: عساك مقيما على الكلام الذي كنت سمعته منك؟\nفقلت: والله يا أمير المؤمنين إني لأدعو ربي ﵎ في ليلي ونهاري ألا يميتني إلا على ما كنت سمعته مني، قال: أراك متمسكا.\nقلت: ليس هو شيء قلته من تلقاء نفسي، ولكنه شيء لقيت فيه العلماء بمكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، والشام، والثغور، فرأيتهم على السنة والجماعة.\nفقال لي: وما السنة والجماعة؟\nقلت: سألت عنها العلماء، فكل يخبر ويقول: إن صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة أن يقول العبد مخلصا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاءت الأنبياء والرسل، ويشهد العبد على ما ظهر من لسانه وعقد عليه قلبه، والإيمان بالقدر خيره وشره من الله، ويعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الله ﷿ قد علم من خلقه ما هم فاعلون، وما هم إليه صائرون، فريق في الجنة وفريق في السعير. وصلاة الجمعة والعيدين خلف كل إمام بر وفاجر، وصلاة المكتوبة من غير أن تقدم وقتا أو تؤخر وقتا، وأن نشهد للعشرة الذين شهد لهم رسول الله","vol":"3","page":401},{"text":"- ﷺ - من قريش بالجنة، والحب والبغض لله وفي الله، وإيقاع الطلاق إذا جرى كلمة واحدة، والمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة، والتقصير في السفر إذا سافر ستة عشر فرسخا بالهاشمي -ثمانية وأربعين ميلا-وتقديم الإفطار وتأخير السحور، وتركيب اليمين على الشمال في الصلاة، والجهر بآمين، وإخفاء بسم الله الرحمن الرحيم، وأن تقول بلسانك وتعلم يقينا بقلبك أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله - ﷺ -، والإيمان بالبعث والنشور وعذاب القبر ومنكر ونكير والصراط والميزان، وأن الله ﷿ يخرج أهل الكبائر من هذه الأمة من النار، وأنه لا يخلد فيها إلا مشرك، وأن أهل الجنة يرون الله ﷿ بأبصارهم، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون.\nقال: فلما سمع هذا مني، أمر بي فقلع لي أربعة أضراس، وقال: أخرجوه عني لا يفسد علي ما أنا فيه، فأخرجت، فلقيت أبا عبد الله -أحمد بن حنبل، فسألني عما جرى بيني وبين الخليفة فأخبرته، فقال: لا نسي الله لك هذا المقام حين تقف بين يديه.\nثم قال: ينبغي أن نكتب هذا على أبواب مساجدنا، ونعلمه أهلنا وأولادنا، ثم التفت إلى ابنه صالح، فقال: اكتب هذا الحديث، واجعله في رق أبيض واحتفظ به، واعلم أنه من خير حديث كتبته إذا لقيت الله يوم","vol":"3","page":402},{"text":"القيامة تلقاه على السنة والجماعة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1485>ابن الشحام قاضي الري (عاش في زمن الواثق)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1486>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن بطة: ووجدت أيضا في كتاب هذا الشيخ بخطه: سمعت أبا عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن الفضل بن جعفر بن يعقوب بن المنصور يقول: حدثني أبو الشمر السيبي، قال: حدثني ابن الرازي، قال: كنت يوما خارجا من باب خراسان، فاستقبلت القاضي ابن الشحام وهو يومئذ قاضي الري، فسلمت عليه، فقال لي: البيت البيت، فمضيت به إلى منزلي الذي أسكنه، فقال لي: يا محمد، اخرج فارتد خانا للغلمان والدواب، فخرجت فارتدت موضعا ثم عدت إليه، فقال لي: تأهب للخروج معي إلى سر من رأى، فقلت: أعز الله القاضي، وأي شيء السبب؟ فقال: حاجة عرضت، ومسألة أسأل أمير المؤمنين أطال الله بقاه عنها، فدفعته عن نفسي أشد دفع فلم يجبني إلى ذلك، فاكتريت زورقا إلى سر من رأى، وأنزلت فيه الدواب والغلمان، وخرجت أنا وهو، فلما صرت في بعض الطريق، ذاكرته بالحاجة ما هي، فقال: يحكي قوم عن أمير المؤمنين أنه يقول: القرآن مخلوق، وأريد أن أسمع هذا شفاها.\nفتغيرت عليه أشد تغير، قال: ثم قلت: أظن أن منيته قد\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٤/٢٨٤ - ٢٨٨/ ٤٥٦).","vol":"3","page":403},{"text":"ساقته وساقتني معه حتى وفيت سر من رأى، فقال: اطلب خانا ننزله، فنزل الخان ونزلت معه، ثم قال: يا محمد قم فاخرج فاسأل الناس متى مجلسه، فسألت فقيل لي: في غداة غد يجلس، فقال للغلمان: قوموا بوقت، ثم إنه نام وفكري يجول في كل شيء، فلما كان طلوع الفجر، صاح بغلمانه فأسرجوا، ثم أنبهني ثم جدد الطهر، ولبس ثيابه وتبخر، فقلت: أرجو أن يدعني هاهنا ويمضي، فلما ركب قال لي: يا محمد معي، فقلت في نفسي: ليس غير الموت، فلم يزل يسير وأنا معه في ركابه حتى وافينا باب أمير المؤمنين وعليه ثياب القضاء وسواده وذيلته، وكان رجلا عظيم الخلق، لا يمر بقوم إلا نظروا إليه، فقال: يا محمد، قل للحُجَّاب يستأذنون لي على أمير المؤمنين، ويعلموا أني قاضي الري، فنظر الحجاب إليه، ثم قالوا: لم يؤذن لأحد عليه، ودخل الحاجب فما أبطأ حتى خرج إلي فقال لي: قل له ينزل، فنزل واعتمد على يدي، وأنا أذكر الله وأسبح، فلم يزل يدخل من دهليز إلى دهليز حتى دخلنا إلى الصحن، فإذا جماعة يتناظرون، وقد علت أصواتهم في الدار، حتى وافى إلى القوم فسلم عليهم ثم جلس، فجعل إذا نظر إليهم أطرقوا إلى الأرض وتشاغلوا بالكلام، وإذا أطرق إلى الأرض نظروا إليه، فنحن هكذا حتى شيل الستر، فإذا بأمير المؤمنين جالس، فسلمنا عليه، ثم أمرنا بالجلوس ولم يزل القوم يتكلمون فيما جئنا فيه. ثم أقبل أمير المؤمنين، فقال لابن الشحام: من الرجل؟ فقال: عامل من عمالك، قاضي الري، أعرف بابن الشحام. فقال: حاجة؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، جئت قاصدا من الري إلى أمير المؤمنين، أسأله عن شيء تحدث الناس به وأسمعه منه، وهي","vol":"3","page":404},{"text":"مسألة، فقال له: قل ما شئت. فقال: يا أمير المؤمنين على شريطة أن لا يكون المجيب لي غير أمير المؤمنين، ولا يعارض في المسألة أحد، فقال: ذلك لك.\nفقلت: يا أمير المؤمنين ما تقول في رجل كان له بيت يدخله في حوائجه، وهو يحفظ القرآن، فجرت منه يمين أن لا يدخل البيت مخلوق سواه، فعرضت له حاجة فدخل إلى ذلك البيت، طلقت امرأته أم لا؟ فضج أهل المجلس، وقالوا: يا أمير المؤمنين مسألة حيلة. قال: فقال: يا أمير المؤمنين ليس هكذا، وعدتني أن لا يجيبني غيرك ولا يعارضني في المسألة، فأسكتهم ثم قال له: كيف حلف؟ قال له: رجل كان له بيت، وكان يحفظ القرآن، فحلف بالطلاق ثلاثا أنه لا يدخل ذلك البيت مخلوق سواه، فعرضت له حاجة فدخل البيت، طلقت امرأته أم لا؟ فقال: لا، وقرابتي من رسول الله - ﷺ -، ما طلقت -مرتين أو ثلاثا- ثم ألقي الستر فيما بيننا وبينه، ثم وثب القاضي واعتمد على يدي، فقلت: ليته ترك يده من يدي، ولا أحسبه إلا قاتلي، فلما صرنا في آخر الصحن، عرض لنا خادم ومعه فراش على كتفه بدرة، فقال: إن أمير المؤمنين أطال الله بقاه يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بهذه في مصلحتك، ولا تخل مجلسنا من حضورك، ثم رجع الخادم ولم يزل الفراش معه إلى الخان الذي كنا فيه، فقال لي: يا محمد حل البدرة، فحللتها، فقال: احث بيدك للفراش، فضربت بيدي اليمين، فقال: بالاثنتين، فحثيت له ما حملت يداي، وانصرف الفراش. ثم قال لي: شدها وضعها في الصندوق. وقال: اطلب زورقا للانحدار إلى بغداد، فاكتريت له زورقا،","vol":"3","page":405},{"text":"وخرج من يومه من سرمن رأى إلى بغداد. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1487>موقف السلف من الواثق بالله (٢٣٢ ه</span>ـ)\nضلاله وحمله الناس على القول بخلق القرآن:\n- جاء في السير: قال الخطيل: استولى أحمد بن أبي دؤاد على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، والدعاء إلى خلق القرآن. (٢)\n- وفيها: قال عبيد الله بن يحيى: حدثنا إبراهيم بن أسباط، قال: حمل رجل مقيد فأدخل على ابن أبي دؤاد بحضور الواثق، فقال لأحمد: أخبرني عن ما دعوتم الناس إليه، أعلمه رسول الله - ﷺ - فما دعا إليه، أم شيء لم يعلمه؟ قال: بل علمه. قال: فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه، وأنتم لا يسعكم؟! فبهتوا، وضحك الواثق، وقام قابضا على فمه، ودخل مجلسا، ومد رجليه وهو يقول: أمر وسع رسول الله - ﷺ - أن يسكت عنه ولا يسعنا، ثم أمر أن يعطى الشيخ ثلاث مئة دينار، وأن يرد إلى بلده. (٣)\n- وفيها عن طاهر بن خلف قال: سمعت المهتدي بالله بن الواثق يقول:\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٤/٢٧٨ - ٢٨١/ ٤٥٤).\n(٢) السير (١٠/ ٣٠٧).\n(٣) السير (١٠/ ٣٠٧ - ٣٠٨).","vol":"3","page":406},{"text":"كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا، قال: فأتي بشيخ مخضوب مقيد، فقال أبي: ائذنوا لأحمد بن أبي دؤاد وأصحابه، وأدخل الشيخ، فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين، فقال: لا سلم الله عليك، قال: بئس ما أدبك مؤدبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١)، فقال أحمد: الرجل متكلم. قال كلمه. فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن؟ قال: لم تنصفني ولي السؤال، قال: سل. قال: ما تقول أنت؟ قال: مخلوق. قال: هذا شيء علمه رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر والخلفاء، أم لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله، شيء لم يعلموه وعلمته أنت؟ فخجل، وقال: أقلني. قال: المسألة بحالها، ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق، قال: شيء علمه رسول الله؟ قال: علمه، قال: أعلمه ولم يدع الناس إليه؟ قال: نعم. قال: فوسعه ذلك؟ قال: نعم. قال: أفلا وسعك ما وسعه ووسع الخلفاء بعده؟ فقام الواثق، فدخل الخلوة، واستلقى وهو يقول: شيء لم يعلمه النبي - ﷺ -، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، علمته أنت سبحان الله، عرفوه، ولم يدعوا إليه الناس فهلا وسعك ما وسعهم ثم أمر برفع قيد الشيخ، وأمر له بأربع مئة دينار، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد، ولم يمتحن بعدها أحدا. (٢)\n- وفيها: وفي سنة إحدى وثلاثين: قتل أحمد بن نصر الخزاعي الشهيد ظلما، وأمر بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وافتك من أسر الروم\n_________\n(١) النساء الآية (٨٦).\n(٢) السير (١٠/ ٣٠٨ - ٣٠٩) وتاريخ بغداد (٤/ ١٥١ - ١٥٢). تقدمت معنا المناظرة بطولها ضمن مواقف أبي عبد الرحمن عبد الله بن محمد الجزري (ت ٢٣٢) فلتنظر هناك.","vol":"3","page":407},{"text":"أربعة آلاف وست مئة نفس، فقال ابن أبي دؤاد: من لم يقل: القرآن مخلوق، فلا تفتكوه. (١)\n- وجاء في الكامل: وفيها -أي سنة إحدى وثلاثين ومائتين- كان الفداء بين المسلمين والروم، واجتمع المسلمون فيها على نهر اللامس، على مسيرة يوم من طرسوس، واشترى الواثق من ببغداد وغيرها من الروم، وعقد الواثق لأحمد بن سعيد بن مسلم بن قتيبة الباهلي على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء هو وخاقان الخادم، وأمرهما أن يمتحنا أسرى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، فودي به، وأعطي دينارا، ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم. (٢)\n\nيحيى بن معين (٣) (٢٣٣ هـ)\nيحيى بن معين بن عون الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين أبو زكريا الغطفاني ثم المري مولاهم البغدادي أحد الأعلام. روى عن حجاج بن محمد الأعور وإسماعيل بن مجالد وابن المبارك وابن نمير وابن مهدي وعبد الرزاق الصنعاني وعدة. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد بن حنبل وأبو يعلى الموصلي وطائفة. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان إماما ربانيا، عالما،\n_________\n(١) السير (١٠/ ٣١٢).\n(٢) الكامل لابن الأثير (٧/ ٢٤).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٥٤) وتاريخ بغداد (١٤/ ١٧٧ - ١٨٧) ووفيات الأعيان (٦/ ١٣٩ - ١٤٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٩ - ٤٣١) وميزان الاعتدال (٤/ ٤١٠) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٨٠ - ٢٨٨) والسير (١١/ ٧١ - ٩٦) وشذرات الذهب (٢/ ٧٩) وتهذيب الكمال (٣١/ ٥٤٣ - ٥٦٨) والتقريب (٢/ ٣١٦).","vol":"3","page":408},{"text":"حافظا، ثبتا، متقنا. وقال الإمام أحمد: هاهنا رجل خلقه الله تعالى لهذا الشأن، يظهر كذب الكذابين، يعني: يحيى بن معين. وقال أبو حاتم الرازي: إذا رأيت الرجل يبغض يحيى بن معين فاعلم أنه كذاب. وعن جعفر بن أبي عثمان: كنا عند يحيى بن معين فجاءه رجل مستعجل، فقال: يا أبا زكريا حدثني بشيء أذكرك به فقال يحيى: اذكرني أنك سألتني أن أحدثك فلم أفعل. ومن أشعاره ﵀:\nالمال يذهب حله وحرامه ... يوما وتبقى في غد آثامه\nليس التقي بمتق لإلهه ... حتى يطيب شرابه وطعامه\nويطيب ما يحوي وتكسب كفه ... ويكون في حسن الحديث كلامه\nنطق النبي لنا به عن ربه ... فعلى النبي صلاته وسلامه\n\n- وقال ابن حجر: ثقة حافظ مشهور، إمام الجرح والتعديل. توفي ﵀ سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1489>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال الذهبي: وروى أحمد بن زهير، عن يحيى، قال: إذا رأيت إنسانا يقع في عكرمة وحماد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام. (١)\n- وأسند الخطيب إلى أحمد بن محمد البغدادي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: آلة الحديث الصدق، والشهرة بطلبه، وترك البدع، واجتناب الكبائر. (٢)\n_________\n(١) السير (٧/ ٤٤٧).\n(٢) الكفاية (١٠١) والمحدث الفاصل (٤٠٦).","vol":"3","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1490>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في الميزان: قال ابن معين في تليد بن سليمان الكوفي الأعرج: كذاب يشتم عثمان، قعد فوق سطح فتناول عثمان، فقام إليه بعض أولاد موالي عثمان فرماه فكسر رجليه. (١)\n- وفيه: قال يحيى في مينا بن أبي مينا: ومَنْ مَيْنًا المَاصُّ بَظْرَ أُمِّهِ حتى يتكلم في الصحابة؟ (٢)\n- وفي جامع بيان العلم لابن عبد البر: قال هارون بن إسحاق، سمعت يحيى بن معين يقول: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسلم لعلي سابقته فهو صاحب سنة. قال: فذكرت له هؤلاء الذين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان ويسكتون. فتكلم فيهم بكلام غليظ. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1491>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: عن يحيى بن معين أنه يعيد صلاة الجمعة مذ أظهر عبد الله بن هارون المأمون ما أظهر يعني القرآن مخلوق. (٤)\n- وفيها: قال عبد الله: حدثني الحسين بن علي بن يزيد الصدائي: سمعت يحيى بن معين يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. (٥)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن أحمد بن زهير قال: وسمعت أبي سأل\n_________\n(١) الميزان (١/ ٣٥٨).\n(٢) الميزان (٤/ ٢٣٧).\n(٣) جامع بيان العلم (٢/ ١١٧٤).\n(٤) السنة لعبد الله (٢٠).\n(٥) السنة لعبد الله (ص.١٩) والإبانة (٢/ ١٢/٦٦/ ٢٨١).","vol":"3","page":410},{"text":"يحيى بن معين فقال: إنهم يقولون إنك تقول القرآن كلام الله وتسكت ولا تقول: مخلوق ولا غير مخلوق. قال: لا. فعاودته. فقال: معاذ الله: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله. (١)\n- وفي الإبانة: عن جعفر الطيالسي، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: بيننا وبين الجهمية كلمتان، يسألون: كان الله وكلامه؟ أو كان الله ولا كلام؟ فإن قالوا: كان الله وكلامه، فليست لهم حجة، وإن قالوا: كان الله ولا كلام، يقال لهم: كيف خلق الأشياء وهو قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذا أردناه أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون﴾ (٢). (٣)\n- جاء في اجتماع الجيوش الإسلامية: روى ابن بطة في الإبانة بإسناده قال: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل: كيف يصعد. (٤)\n- وفي أصول الاعتقاد: عنه قال: إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل، فقل: أنا أومن برب يفعل ما يريد. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1492>موقفه من الخوارج:</span>\nقال الخلال: أخبرنا الدوري قال: سمعت يحيى، وسألته عن الصفرية ما هم؟ فقال: يرون رأي الخوارج. (٦)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٣/٤٥٦).\n(٢) النحل الآية (٤٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٢/٢٩/ ٢٢٠).\n(٤) اجتماع الجيوش (ص.٢٠٩).\n(٥) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٠٢/٧٧٦).\n(٦) السنة (١/ ١٤٥/١٠٩).","vol":"3","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1493>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن الدوري قال: قال يحيى: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (١)\n- جاء في السير: قال ﵀: القرآن كلام الله وليس بمخلوق، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1494>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في السير: قال الحافظ محمد بن البرقي، قلت ليحيى بن معين، أرأيت من يرمى بالقدر يكتب حديثه، قال: نعم، قد كان قتادة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وعبد الوارث، وذكر جماعة يقولون بالقدر، وهم ثقات يكتب حديثهم مالم يدعوا إلى شيء. (٣)\nقال جامعه: قال الذهبي ﵀: هذه مسألة كبيرة، وهي: القدري والمعتزلي والجهمي والرافضي، إذا علم صدقه في الحديث وتقواه، ولم يكن داعيا إلى بدعته، فالذي عليه أكثر العلماء قبول روايته والعمل بحديثه، وترددوا في الداعية هل يؤخذ عنه؟ فذهب كثير من الحفاظ إلى تجنب حديثه وهجرانه، وقال بعضهم: إذا علمنا صدقه وكان داعية ووجدنا عنده سنة تفرد بها فكيف يسوغ لنا ترك تلك السنة؟ فجميع تصرفات أئمة الحديث\n_________\n(١) السنة للخلال (٣/ ٥٨٢/١٠١٢).\n(٢) السير (١١/ ٨٥).\n(٣) السير (٧/ ١٥٣ - ١٥٤).","vol":"3","page":412},{"text":"تؤذن بأن المبتدع إذا لم تبح بدعته خروجه من دائرة الإسلام، ولم تبح دمه فإن قبول ما رواه سائغ.\nوهذه المسألة لم تتبرهن لي كما ينبغي، والذي اتضح لي منها أن من دخل في بدعة ولم يعد من رؤوسها، ولا أمعن فيها، يقبل حديثه كما مثل الحافظ أبو زكريا بأولئك المذكورين، وحديثهم في كتب الإسلام لصدقهم وحفظهم. (١)\n\nإبراهيم بن أبي اللَّيث (٢) (٢٣٤ هـ)\nإبراهيم بن أبي الليث نصر، أبو إسحاق البغدادي، روى عن فرج بن فضالة، وعبيد الله الأشجعي وشريك بن عبد الله وهشيم، روى عنه أحمد بن حنبل وابنه عبد الله وعلي بن المديني وأبو يعلى الموصلي وغيرهم. قال عثمان ابن سعيد الدارمي الهروي: كان أحمد بن حنبل وعلي بن المديني يحسنان القول في إبراهيم بن أبي الليث، وكان يحيى بن معين يحمل عليه. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قال يحيى بن معين: إبراهيم بن أبي الليث كذاب لا حفظه الله. قال أبو بكر المروذي: قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- إني سألت يحيى عن صاحب الأشجعي، فقال: لا أعرفه فعجب، وقال: كان يختلف معنا إليه ما أعجب ذا، ثم قال: كان جليس ليحيى هو\n_________\n(١) السير (٧/ ١٥٤).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ١٤١) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٦٠) وتاريخ بغداد (٦/ ١٩١ - ١٩٦) والكامل لابن عدي (١/ ٢٦٩) وميزان الاعتدال (١/ ٥٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٧٤ - ٧٦) ولسان الميزان (١/ ٩٣ - ٩٤).","vol":"3","page":413},{"text":"الذي أغرى بينه وبين يحيى حتى تكلم فيه. قال ابن سعد: كان صاحب سنة، ويضعف في الحديث. توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو بكر المروذي: سألت إبراهيم بن أبي الليث عن الواقفة فقال: هم كفار بالله العظيم، لا يزوجوا ولا يناكحوا. (١)\n\nمحمد بن عبد الله بن نُمَيْر (٢) (٢٣٤ هـ)\nمحمد بن عبد الله بن نمير الهَمَدانِي الخارفي، أبو عبد الرحمن الكوفي الحافظ. روى عن إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وأبي نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، وخلق. وروى عنه البخاري تعليقا، ومسلم وأبو داود وابن ماجه ومحمد بن يحيى الذهلي، وبقي بن مخلد الأندلسي، وعدة. قال ابن الجنيد: ما رأيت بالكوفة مثل محمد بن عبد الله بن نمير، وكان رجلا قد جمع العلم والفهم والسنة والزهد. وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين. وقال الحسن بن سفيان: ابن نمير ريحانة العراق وأحد الأعلام. وقال أبو إسماعيل الترمذي: كان أحمد بن حنبل يعظمه ويقول: أي فتى هو. توفي ﵀ سنة أربع وثلاثين ومائتين.\nموقفه من الجهمية:\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٢/ ٨٥).\n(٢) طبقات ابن سعد (٦/ ٤١٣) وتهذيب الكمال (٢٥/ ٥٦٦) وسير أعلام النبلاء (١١/ ٤٥٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٣٣٠) وتهذيب التهذيب (٩/ ٢٨٢).","vol":"3","page":414},{"text":"- حدثنا عباس العنبري، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ومن قال إنه مخلوق فقد كفر. (١)\n- قال المروزي: وسألت محمد بن عبد الله بن نمير عن الواقفة، فقال: هم شر من الجهمية، وقال: هذا والوقف زندقة وكفر. (٢)\n\nابن الرَّمَّاح (٣) (٢٣٤ هـ)\nالعلامة أبو محمد، عبد الله بن عمر بن الرماح البَلْخِي ثم النيسابوري. سمع مالكا وحماد بن زيد ومعتمر بن سليمان، وعدة، وحدث عنه الذهلي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن عبد الوهاب الفراء. قال الذهبي ﵀: كان صاحب سنة، وصدع بالحق. توفي ﵀ سنة أربع وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال عنه الذهبي في سيره: وامتنع من القول بخلق القرآن، وكفر الجهمية. (٤)\n- وقال أيضا في تاريخ الإسلام: قال أبو زيد عبد الله بن محمد: سمعته يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. ومن قال الجمعة ليست بواجبة فهو كافر، ومن شك في كفرهم فهو كافر.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٧٠/ ٢٩٢).\n(٢) الإبانة (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣/ ٨٦).\n(٣) الثقات لابن حبان (٨/ ٣٥٧) والتاريخ الصغير (٢/ ٣٦٥) والجرح والتعديل (٥/ ١١١) وسير أعلام النبلاء (١١/ ١٢ - ١٣) والوافي بالوفيات (١٧/ ٣٦٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٢١٩ - ٢٢٠).\n(٤) السير (١١/ ١٣).","vol":"3","page":415},{"text":"وفيه أيضا قال الحاكم: ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا أبو العباس مكي بن محمد البلخي، ثنا أبو سليمان محمد بن منصور قال: قال لي بشر بن الوليد: اشكروا ابن الرماح. فقد كنا في مجلس أمير المؤمنين وهو وراء الستر، فخرج خصي فقال: أمير المؤمنين يقول: من لم يكن على رأينا فلا يشهد مجلسنا.\nفقام ابن الرماح وقال: لسنا على هذا الرأي، ولا نبالي أن لا نجلس هذا المجلس.\nقال بشر: فغطيت وجهي وسددت أذني وقلت: الساعة أسمع وقع السيوف. فلما لم أسمع رفعت يدي، وإذا قفاه ووجهه إلينا قد بلغ الباب ليخرج. فقلت: الحمد لله الذي سلمه منهم. (١)\n\nعلي بن المَدِيني (٢) (٢٣٤ هـ)\nعلي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح الشيخ الإمام الحجة أمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن السعدي مولاهم البصري المعروف بابن المديني: الإمام المبرز في هذا الشأن صاحب التصانيف الواسعة والمعرفة الباهرة. روى عن ابن عيينة وأنس بن عياض وحماد بن زيد وهشيم بن بشير ومعن بن عيسى وجرير بن عبد الحميد وأمم سواهم. روى عنه البخاري وأبو داود وأحمد بن\n_________\n(١) تاريخ الإسلام (١٧/ص.٢٢٠).\n(٢) تاريخ الفسوي (١/ ٢١٠) والجرح والتعديل (٦/ ١٩٢ - ١٩٤) وتاريخ بغداد (١١/ ٤٥٨ - ٤٧٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩) وميزان الاعتدال (٣/ ١٣٨) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٤٩ - ٣٥٧) وشذرات الذهب (٢/ ٨١) والسير (١١/ ٤١ - ٦٠).","vol":"3","page":416},{"text":"حنبل وأبو حاتم الرازي والذهلي ويعقوب بن شيبة وإسماعيل القاضي وطائفة. قال أبو حاتم: كان ابن المديني علما في الناس في معرفة الحديث والعلل، وما سمعت أحدا سماه قط، إنما كان يكنيه تبجيلا له. وعن ابن مهدي قال: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله - ﷺ -. وقال النسائي: كأن الله خلق علي بن المديني لهذا الشأن.\n- من أقواله: التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم. توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1501>موقفه من المبتدعة:</span>\n- روى اللالكائي عن سهل بن محمد، قرأها على علي بن عبد الله بن جعفر المديني فقال له: قلت أعزك الله: السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها:\nالإيمان بالقدر خيره وشره، ثم تصديق بالأحاديث والإيمان بها، لا يقال لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها، وإن لم يعلم تفسير الحديث ويبلغه عقله، فقد كفي ذلك وأحكم عليه الإيمان به والتسليم. مثل حديث زيد بن وهب عن ابن مسعود قال: \"حدثنا الصادق المصدوق\" (١) ونحوه من الأحاديث المأثورة عن الثقات، ولا يخاصم أحدا ولا يناظر ولا يتعلم الجدل.\nوالكلام في القدر وغيره من السنة مكروه ولا يكون صاحبه -وإن أصاب السنة بكلامه- من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم، ويؤمن بالإيمان.\n_________\n(١) انظر تخريجه ضمن موقف السلف من عمرو بن عبيد سنة (١٤٤هـ).","vol":"3","page":417},{"text":"والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق، فإن كلام الله ﷿ ليس ببائن منه وليس منه شيء مخلوق، يؤمن به ولا يناظر فيه أحدا. والإيمان بالميزان يوم القيامة، يوزن العبد ولا يزن جناح بعوضة. يوزن أعمال العباد كما جاءت به الآثار، الإيمان به والتصديق والإعراض عن من رد ذلك وترك مجادلته.\nوإن الله ﷿ يكلم العباد يوم القيامة ويحاسبهم ليس بينهم وبينه ترجمان، الإيمان بذلك والتصديق.\nوالإيمان بالحوض، إن لرسول الله - ﷺ - حوضا يوم القيامة، ترد عليه أمته، عرضه مثل طوله، مسيرة شهر آنيته، كعدد نجوم السماء على ما جاء في الأثر ووصف. ثم الإيمان بذلك.\nوالإيمان بعذاب القبر، إن هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن النبي - ﷺ -، ويأتيه منكر ونكير كيف شاء الله ﷿ وكما أراد، الإيمان بذلك والتصديق، والإيمان بشفاعة النبي - ﷺ -.\nوإخراج قوم من النار بعدما احترقوا وصاروا فحما، فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة كما جاء في الأثر، كيف شاء وكما شاء إنما هو الإيمان به والتصديق، والإيمان بأن المسيح الدجال مكتوب بين عينيه (كافر) للأحاديث التي جاءت فيه، الإيمان بأن ذلك كائن. وإن عيسى ابن مريم ينزل فيقتله بباب لد.\nوالإيمان قول وعمل على سنة وإصابة ونية. والإيمان يزيد وينقص وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا. وترك الصلاة كفر، ليس شيء من","vol":"3","page":418},{"text":"الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، من تركها فهو كافر وقد حل قتله.\nوخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق، ثم عمر ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولم يختلفوا في ذلك. ثم من بعد الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك. كلهم يصلح للخلافة، وكلهم إمام كما فعل أصحاب رسول الله - ﷺ -.\nثم أفضل الناس بعد أصحاب رسول الله - ﷺ -: القرن الذين بعث فيهم كلهم، من صحبه سنة أو شهرا أو ساعة أو رآه أو وفد إليه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، فأدناهم صحبة، هو أفضل من الذين لم يروه، ولو لقوا الله ﷿ بجميع الأعمال، كان الذي صحب النبي - ﷺ - ورآه بعينه وآمن به ولو ساعة أفضل بصحبته من التابعين كلهم، ولو عملوا كل أعمال الخير، ثم السمع والطاعة للأئمة وأمراء المؤمنين، البر والفاجر، ومن ولي الخلافة بإجماع الناس ورضاهم، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ليلة إلا عليه إمام برا كان أو فاجرا، فهو أمير المؤمنين. والغزو مع الأمراء ماض إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك.\nوقسمة الفيء وإقامة الحدود للأئمة الماضية ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة قد برئ من دفعها إليهم، وأجزأت عنه برا كان أو فاجرا. وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة قائمة ركعتان، من أعادها فهو مبتدع تارك للإيمان مخالف وليس له من فضل الجمعة شيء، إذا لم ير الجمعة خلف الأئمة من كانوا برهم","vol":"3","page":419},{"text":"وفاجرهم، والسنة أن يصلوا خلفهم لا يكون في صدره حرج من ذلك. ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد اجتمع عليه الناس فأقروا له بالخلافة بأي وجه كانت -برضا كانت أو بغلبة- فهو شاق هذا الخارج عليه العصا، وخالف الآثار عن رسول الله - ﷺ -، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية.\nولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن عمل ذلك فهو مبتدع على غير السنة.\nويحل قتال الخوارج واللصوص إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله أو ما دون نفسه، فله أن يقاتل عن نفسه وماله حتى يدفع عنه في مقامه. وليس له إذا فارقوه أن يطلبهم ولا يتبع آثارهم وقد سلم منهم، ذلك إلى الأئمة إنما هو يدفع عن نفسه في مقامه، وينوي بجهده أن لا يقتل أحدا، فإن أتى على يده في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد الله المقتول. وإن قتل هو في ذلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجونا له الشهادة كما في الأثر، وجميع الآثار إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله. ولا يقيم عليه الحد ولكنه يدفعه إلى من ولاه الله أمره فيكون هو يحكم فيه.\nولا يشهد على أحد من أهل القبلة بعمل عمله، بجنة ولا نار؛ نرجو للصالح، ونخاف على الطالح المذنب، ونرجو له رحمة الله ﷿. ومن لقي الله بذنب يجب له بذنبه النار تائبا منه غير مصر عليه، فإن الله يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. ومن لقي الله وقد أقيم عليه حد","vol":"3","page":420},{"text":"ذلك الذنب فهو كفارته، كما جاء عن رسول الله - ﷺ - (١)، ومن لقيه مصرا غير تائب من الذنوب التي استوجبت بها العقوبة فأمره إلى الله ﷿، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. ومن لقيه مشركا عذبه ولم يغفر له.\nوالرجم على من زنا وهو محصن إذا اعترف بذلك وقامت عليه البينة؛ رجم رسول الله - ﷺ - ورجم الأئمة الراشدون من بعده.\nومن تنقص أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - أو أبغضه لحدث كان منه أو ذكر مساوئه فهو مبتدع، حتى يترحم عليهم جميعا فيكون قلبه لهم سليما.\nوالنفاق هو الكفر: أن يكفر بالله ﷿ ويعبد غيره في السر، ويظهر الإيمان في العلانية مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - فقبل منهم الظاهر، فمن أظهر الكفر قتل.\nوهذه الأحاديث التي جاءت:\n\"ثلاث من كن فيه فهو منافق\" (٢) جاءت على التغليظ، نرويها كما جاءت ولا نفسرها.\nمثل: \"لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض\". (٣)\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٢٠) والبخاري (٧/ ٢٧٨/٣٨٩٢) ومسلم (٣/ ١٣٣٣/١٧٠٩) والترمذي (٤/ ٣٦/١٤٣٩) والنسائي (٧/ ١٦٠ - ١٦١/ ٤١٧٢) من حديث عبادة بن الصامت.\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٥٣٦) والبخاري (١/ ١٢٠/٣٣) ومسلم (١/ ٧٨/٥٩) والترمذي (٥/ ٢٠/٢٦٣١) والنسائي (٨/ ٤٩١/٥٠٣٦) بمعناه. كلهم عن أبي هريرة.\n(٣) أحمد (١/ ٢٣٠) والبخاري (٨/ ١٣٣ - ١٣٤/ ٤٤٠٣) ومسلم (١/ ٨٢/٦٦) وأبو داود (٥/ ٦٣/٤٦٨٦) والنسائي (٧/ ١٤٣/٤١٣٦) وابن ماجه (٢/ ١٣٠٠/٣٩٤٣) عن ابن عمر.","vol":"3","page":421},{"text":"ومثل: \"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار\". (١)\nومثل: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\". (٢)\nومثل: \"من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما\". (٣)\nومثل: \"كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق\". (٤)\nونحو هذه الأحاديث مما ذكرناه ومما لم نذكر في هذه الأحاديث. ما صح وحفظ فإنه يسلم له وإن لم يعلم تفسيره فلا يتكلم فيه ولا يجادل فيه ولا يتكلم فيه ما لم يبلغ لنا منه، ولا نفسر الأحاديث إلا على ما جاءت ولا نردها.\nوالجنة والنار مخلوقتان كما جاء عن رسول الله - ﷺ -: \"دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا ورأيت الكوثر\" (٥) و\"اطلعت في الجنة فإذا أكثر أهلها كذا،\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٤٣) والبخاري (١/ ١١٥/٣١) ومسلم (٤/ ٢٢١٤/٢٨٨٨ [١٥]) وأبو داود (٤/ ٤٦٢/٤٢٦٨) والنسائي (٧/ ١٤٢/٤١٣٢) وأخرجه ابن ماجه (٢/ ١٣١١/٣٩٦٥) بمعناه. كلهم عن أبي بكرة. وورد أيضا عن عدة من الصحابة.\n(٢) أحمد (١/ ٣٨٥) والبخاري (١/ ١٤٧/٤٨) ومسلم (١/ ٨١/٦٤) والترمذي (٤/ ٣١١/١٩٨٣) والنسائي (٧/ ١٣٨/٤١٢١) وابن ماجه (١/ ٢٧/٦٩) عن ابن مسعود.\n(٣) أحمد (٢/ ١١٢) والبخاري (١٠/ ٦٣٠/٦١٠٤) ومسلم (١/ ٧٩/٦٠) وأبو داود (٥/ ٦٤/٤٦٨٧) والترمذي (٥/ ٢٣/٢٦٣٧) عن ابن عمر ﵄.\n(٤) أخرجه: أحمد (٢/ ٢١٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والحديث أخرجه بلفظ: \"كفر بامرئ ادعاء نسب لا يعرفه أو جحده وإن دق\". وابن ماجه (٢/ ٩١٦/٢٧٤٤) والطبراني في الأوسط (٨/ ٤٤٦/٧٩١٥) وفي الصغير (٢/ ٣٧٧/١٠٤٥) قال البوصيري في الزوائد: \"هذا الحديث في بعض النسخ دون بعض، ولم يذكره المزي في الأطراف، وإسناده صحيح، وأظنه من زيادات ابن القطان\".\n(٥) أخرج طرفه الأول: أحمد (٣/ ٣٠٩) والبخاري (٩/ ٣٩٩/٥٢٢٦) ومسلم (٤/ ١٨٦٢/٢٣٩٤) من حديث جابر.","vol":"3","page":422},{"text":"واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها كذا\" (١).\nفمن زعم أنهما لم يخلقا فهو مكذب بالأثر، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار. وقوله: \"أرواح الشهداء تسرح في الجنة\" (٢). وهذه الأحاديث التي جاءت كلها نؤمن بها.\nومن مات من أهل القبلة موحدا مصليا صلينا عليه واستغفرنا له لا نحجب الاستغفار ولا ندع الصلاة عليه لذنب صغير أم كبير، وأمره إلى الله ﷿.\nوإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة ويدعو له ويترحم عليه، فارج خيره واعلم أنه برئ من البدع.\nوإذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها فاعلم أن وراء ذلك خيرا إن شاء الله.\nوإذا رأيت الرجل يعتمد من أهل البصرة على أيوب السختياني وابن عون ويونس والتيمي ويحبهم ويكثر ذكرهم والاقتداء بهم فارج خيره. ثم من بعد هؤلاء حماد بن سلمة ومعاذ ووهب بن جرير فإن هؤلاء محنة أهل البدع، وإذا رأيت الرجل من أهل الكوفة يعتمد على طلحة بن مصرف وابن أبجر وابن حيان التيمي ومالك بن مغول وسفيان بن سعيد الثوري وزائدة فارجه، ومن بعدهم عبد الله بن إدريس ومحمد بن عبيد وابن أبي عتبة والمحاربي فارجه.\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٤٢٩) والبخاري (٦/ ٣٩١/٣٢٤١) والترمذي (٤/ ٦١٧/٢٦٠٣) والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٩٨/٩٢٥٩) من حديث عمران بن حصين.\n(٢) أخرجه: مسلم (٣/ ١٥٠٢ - ١٥٠٣/ ١٨٨٧) والترمذي (٥/ ٢١٥ - ٢١٦/ ٣٠١١) وابن ماجه (٢/ ٩٣٦ - ٩٣٧/ ٢٨٠١) عن عبد الله بن مسعود.","vol":"3","page":423},{"text":"وإذا رأيت الرجل يحب أبا حنيفة ورأيه والنظر فيه، فلا تطمئن إليه وإلى من يذهب مذهبه ممن يغلو في أمره ويتخذه إماما. (١)\n\" التعليق:\nهذه عقيدة كاملة من هذا الإمام من قرأها فهم تماما عقيدة السلف.\nوجميع الأصول التي ذكرها هذا الإمام السلفي هي التي ذكرها من جاء بعده ممن ألف في العقيدة السلفية، إما على طريقة الاختصار أو على طريقة التفصيل. وعلى كل حال نحمد الله على وجود هذه العقائد السلفية في هذا الوقت المبكر تقمع رؤوس البدع في وقتها وبعدها، وترد كيد الكائدين والمفترين الذين ينسبون عقيدة السلف إلى ابن تيمية وأتباعه.\n\n- قال علي بن المديني في حديث النبي - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم\" (٢): هم أهل الحديث، والذين يتعاهدون مذاهب الرسول ويذبون عن العلم. لولاهم، لم تجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الإرجاء والرأي شيئا من السنن. (٣)\n- قال الميموني: سمعت علي بن المديني يقول: ما قام أحد بأمر الإسلام بعد رسول الله - ﷺ - ما قام أحمد بن حنبل. قال قلت له: يا أبا الحسن، ولا أبو بكر الصديق؟ قال: ولا أبو بكر الصديق؛ إن أبا بكر الصديق كان له أعوان\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٨٥ - ١٩٢/ ٣١٨).\n(٢) تقدم تخريجه. انظر مواقف عبد الله بن المبارك سنة (١٨١هـ).\n(٣) شرف أصحاب الحديث (١٠) و(٢٧) وبلفظ مغاير في (٥٢).","vol":"3","page":424},{"text":"وأصحاب، وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب. (١)\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ١٧).","vol":"3","page":425},{"text":"\"\nالتعليق:\nقد عاين الإمام علي بن المديني محنة الإمام أحمد ورأى منه الصبر والجلد في سبيل نصرة المذهب الحق، فعظم الإمام أحمد في عين ابن المديني، ونحن نقول رحمة الله على الإمام أحمد وأين لنا مثل أحمد في سعة علمه وتبحره وتضحيته بالنفس والمال والعلم، وصبره وجلده.\nنحبه ونثني عليه ونذكر مناقبه ولا نرفعه فوق قدره، وهو من علماء القرون المفضلة وأبو بكر الصديق أفضل هذه الأمة بعد نبيها - ﷺ -، وفضائله مشهورة مأثورة أوضح من نار على علم، وجهوده وتضحياته في سبيل نصرة هذا الدين أوضح من أن تبين، وهي مبثوثة في أبواب السيرة لمن شاء الوقوف عليها، ولن يبلغ أحد بعده ما بلغه في نصرة هذا الدين، قال البخاري في صحيحه حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو عامر حدثنا فليح قال: حدثني سالم أبو النضر عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب رسول الله - ﷺ - الناس وقال: \"إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله - ﷺ - عن عبد خير، فكان رسول الله - ﷺ - هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله - ﷺ -: إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر\". (١)\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ١٨) والبخاري (١/ ٧٣٤/٤٦٦) ومسلم (٤/ ١٨٥٤ - ١٨٥٥/ ٢٣٨٢) والترمذي (٥/ ٥٦٨/٣٦٦٠) عن أبي سعيد الخدري.","vol":"3","page":426},{"text":"قال الحافظ في الفتح: وأخوة الإسلام ومودته متفاوتة بين المسلمين في نصر الدين وإعلاء كلمة الحق وتحصيل كثرة الثواب ولأبي بكر من ذلك أعظمه وأكثره، والله أعلم (١). اهـ\nوأورد هنا ما ذكره المقري التلمساني في نفح الطيب من فوائد أبي بكر ابن العربي قال: تذاكرت بالمسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفهري الطرطوشي في حديث أبي ثعلبة المرفوع: \"إن من ورائكم أياما للعامل فيها أجر خمسين منكم\" فقالوا: بل منهم، فقال: \"بل منكم، لأنكم تجدون على الخير أعوانا، وهم لا يجدون عليه أعوانا\" (٢)، وتفاوضنا كيف يكون أجر من يأتي من الأمة أضعاف أجر الصحابة مع أنهم قد أسسوا الإسلام، وعضدوا الدين، وأقاموا المنار، وافتتحوا الأمصار، وحموا البيضة، ومهدوا الملة، وقد قال - ﷺ - في الصحيح: \"لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه\" (٣)،\nفتراجعنا القول، وتحصل ما أوضحناه في شرح الصحيح، وخلاصته: أن الصحابة كانت لهم أعمال كثيرة لا يلحقهم فيها\n_________\n(١) الفتح (٧/ ١٦).\n(٢) أخرج القسم الأول منه إلى قوله: \"بل منكم\": أبو داود (٤/ ٥١٢/٤٣٤١) والترمذي (٥/ ٢٤٠/٣٠٥٨) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٠ - ١٣٣١/ ٤٠١٤) وابن حبان (الإحسان: ٢/ ١٠٨ - ١٠٩/ ٣٨٥) عن أبي ثعلبة الخشني. وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب\". وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٨٢ - ١٨٣/ ١٠٣٩٤) والبزار (كشف: ٤/ ١٣١/٣٣٧٠) عن ابن مسعود. وأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٨٢) وقال: \"رواه البزار والطبراني ... ورجال البزار رجال الصحيح غير سهل بن عامر البجلي وثقه ابن حبان\". وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة (١/ ٨٩٢ - ٨٩٣/ ٤٩٤) بعد أن ذكر رواية المعجم: \"وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم\".\n(٣) أحمد (٣/ ١١) والبخاري (٧/ ٢٤/٣٦٧٣) ومسلم (٤/ ١٩٦٧ - ١٩٦٨/ ٢٥٤١) وأبو داود (٥/ ٤٥/٤٦٥٨) والترمذي (٥/ ٦٥٣/٣٨٦١) عن أبي سعيد الخدري ..","vol":"3","page":427},{"text":"أحد، ولا يدانيهم فيها بشر، وأعمال سواها من فروع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم، وخلصها من شوائب البدع والرياء بعدهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم هو ابتداء الدين والإسلام، وهو أيضا انتهاؤه، وقد كان قليلا في ابتداء الإسلام، صعب المرام، لغلبة الكفار على الحق، وفي آخر الزمان أيضا يعود كذلك، لوعد الصادق - ﷺ - بفساد الزمان، وظهور الفتن، وغلبة الباطل، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق، وركوب من يأتي سنن من مضى من أهل الكتاب، كما قال - ﷺ -: \"لتركبن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه\" (١) وقال - ﷺ -: \"بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ\" (٢) فلا بد، والله تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق، أن يرجع الإسلام إلى واحد، كما بدأ من واحد، ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إذا قام به قائم مع احتواشه بالمخاوف وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه كان له من الأجر أضعاف ما كان لمن كان متمكنا منه معانا عليه بكثرة الدعاة إلى الله تعالى، وذلك قوله: \"لأنكم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون عليه أعوانا\" حتى ينقطع ذلك انقطاعا باتا لضعف اليقين وقلة الدين، كما قال - ﷺ -: \"لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله\" (٣)\n_________\n(١) أخرجه بلفظ: \"لتتبعن ... \": أحمد (٣/ ٨٤) والبخاري (٦/ ٦١٣/٣٤٥٦) ومسلم (٤/ ٢٠٥٤/٢٦٦٩) عن أبي سعيد وفي الباب عن أبي هريرة وغيره.\n(٢) أخرجه: مسلم (١/ ١٣٠/١٤٥) وابن ماجه (٢/ ١٣١٩ - ١٣٢٠/ ٣٩٨٦) عن أبي هريرة وفي الباب عن أنس وابن مسعود وغيرهما.\n(٣) أخرجه: أحمد (٣/ ٢٦٨) ومسلم (١/ ١٣١/١٤٨) والترمذي (٤/ ٤٢٦ - ٤٢٧/ ٢٢٠٧) من حديث أنس بن مالك ..","vol":"3","page":428},{"text":"يروى برفع الهاء ونصبها، فالرفع على معنى لا يبقى موحد يذكر الله ﷿، والنصب على معنى لا يبقى آمر بمعروف ولا ناه عن منكر يقول: أخاف الله، وحينئذ يتمنى العاقل الموت، كما قال - ﷺ -: \"لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني كنت مكانه\" (١) انتهى. (٢)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في 'الفرقان بين الحق والباطل': لكن تضعيف الأجر لهم في أمور لم يضعف للصحابة، لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة، ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة؛ فإن الذي سبق إليه الصحابة، من الإيمان والجهاد، ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول، وتصديقه وطاعته فيما يُخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته وتكثر أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته، بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين، وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما بقي يحصل مثله لأحد. (٣)\nوبالجملة فصحابة رسول الله - ﷺ - أفضل هذه الأمة وأبرها قلوبا وأعمقها علما ولن يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه وإن ضوعف له في الأجر بسبقهم إلى الإسلام ودفاعهم عنه ومقامهم مع رسول الله - ﷺ - وذبهم عنه وبتبليغهم دعوته بعده، وتزكية الله لهم، والأجر غير الفضل، فقد يزاد للرجل بعدهم في الأجر كما صح في الخبر، ولا يبلغ الفضل الذي خصوا به، وبالله\n_________\n(١) تقدم تخريجه. انظر مواقف أبي ذر سنة (٣٢هـ).\n(٢) نفح الطيب (٢/ ٣٧ - ٣٩).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٦٥ - ٦٦).","vol":"3","page":429},{"text":"العصمة والتوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1502>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: قال أحمد بن أبي خيثمة: سمعت ابن معين، يقول: كان علي ابن المديني إذا قدم علينا، أظهر السنة، وإذا ذهب إلى البصرة أظهر التشيع.\nقال الذهبي: كان إظهاره لمناقب الإمام علي بالبصرة، لمكان أنهم عثمانية، فيهم انحراف على علي. (١)\n- وقال ابن المديني في عمرو بن عبد الغفار الفقيمي: رافضي تركته لأجل الرفض. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: سمعت علي بن المديني قبل أن يموت بشهرين يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر. (٣)\n- وعن علي بن المديني قال: الإيمان والتصديق بالشفاعة وبأقوام يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحما كما جاء الأثر والتصديق به والتسليم (٤).اهـ (٥)\n- وفي السير عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، سمعت عليا على المنبر\n_________\n(١) السير (١١/ ٤٧).\n(٢) الميزان (٣/ ٢٧٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٢/٤٥٣) والسير (١١/ ٥٨).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف السلف من عمرو بن عبيد سنة (١٤٤هـ).\n(٥) أصول الاعتقاد (٦/ ١١٨٣).","vol":"3","page":430},{"text":"يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن الله لا يرى فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر. (١)\n- وقال عثمان بن سعيد الدارمي، سمعت علي بن المديني، يقول: هو كفر، يعني من قال: القرآن مخلوق. (٢)\n- وجاء في ذم الكلام عن جعفر بن محمد بن علي بن عبد الله بن نجيح المديني مولى بني نصر، حدثني أبي قال: سمعت أبي يقول: يوسف بن خالد سقط حديثه من أجل الكلام، وكل من كان صاحب كلام فليس بشيء. (٣)\n- جاء في اجتماع الجيوش الإسلامية: قال البخاري: علي بن المديني سيد المسلمين. قيل له: ما قول الجماعة في الاعتقاد؟ قال: يثبتون الكلام والرؤية، ويقولون: إن الله تعالى على العرش استوى. فقيل له: ما تقول في قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم﴾ فقال: اقرأوا أول الآية يعني بالعلم، لأن أول الآية ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يعلم مَا في السَّمَاوَاتِ﴾ (٤).\nقال البخاري في كتاب خلق الأفعال: وقال ابن المديني: القرآن كلام الله غير مخلوق، من قال إنه مخلوق فهو كافر لا يصلى خلفه. (٥)\n_________\n(١) السير (١١/ ٥٨).\n(٢) السير (١١/ ٥٩).\n(٣) ذم الكلام (٢٩٦).\n(٤) المجادلة الآية (٧).\n(٥) اجتماع الجيوش (٢١٤ - ٢١٥) ومختصر العلو (١٨٨ - ١٨٩).","vol":"3","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1504>موقفه من المرجئة:</span>\nعن حنبل قال: سمعت علي بن عبد الله بن جعفر بالبصرة سنة إحدى وعشرين يقول: الإيمان قول وعمل على سنة وإصابة ونية، والإيمان يزيد وينقص وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وترك الصلاة كفر ليس شيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة من تركها فهو كافر وقد حل قتله. (١)\n\nيحيى بن أيوب (٢) (٢٣٤ هـ)\nيحيى بن أيوب الإمام العالم القدوة الحافظ أبو زكريا البغدادي المَقَابِرِي العابد. روى عن عبد الله بن وهب وعبد الله بن نمير وعبد الله بن المبارك وهشيم بن بشير ووكيع بن الجراح وأبي معاوية الضرير وعدة. روى عنه مسلم وأبو داود وأبو يعلى وأحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ومحمد بن وضاح وابن أبي الدنيا وآخرون. قال أحمد بن حنبل: هو رجل صالح، صاحب سكون ودعة. وقال الحسين بن فهم: كان يحيى بن أيوب ثقة ورعا مسلما. توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1506>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الحسين بن فهم: كان يحيى بن أيوب ثقة ورعا مسلما، يقول بالسنة، ويعيب من يقول بقول جهم، أو بخلاف السنة. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣٤ - ١٠٣٥/ ١٧٥٢).\n(٢) الجرح والتعديل (٩/ ١٢٨) وتاريخ بغداد (١٤/ ١٨٨ - ١٨٩) وتهذيب التهذيب (١١/ ١٨٨) وشذرات الذهب (٢/ ٧٩) والسير (١١/ ٣٨٦ - ٣٨٨).\n(٣) السير (١١/ ٣٨٧) وطبقات الحنابلة (١/ ٤٠٠).","vol":"3","page":432},{"text":"- جاء في السنة لعبد الله: عن يحيى بن أيوب قال: كنت أسمع الناس يتكلمون في المريسي فكرهت أن أقدم عليه حتى أسمع كلامه لأقول فيه بعلم، فأتيته فإذا هو يكثر الصلاة على عيسى بن مريم ﵇ فقلت له: إنك تكثر الصلاة على عيسى، فأهل ذاك هو، ولا أراك تصلي على نبينا ونبينا أفضل منه فقال: ذاك كان مشغولا بالمرآة والمشط والنساء. (١)\n- وفيها عنه قال: من لم يقل القرآن كلام الله غير مخلوق فهو جهمي. (٢)\n- وفيها عنه قال: وذكرنا الشكاك الذين يقولون لا نقول القرآن مخلوق ولا غير مخلوق. فقال يحيى بن أيوب: كنت قلت لابن شداد صديق لي، من قال هذا فهو جهمي صغير. قال يحيى: وهو اليوم جهمي كبير. (٣)\n- جاء في الإبانة عن أبي بكر المروذي قال: وسألت يحيى بن أيوب عن الواقفة، فقال: هم شر من الجهمية. (٤)\n\nأبو خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب (٥) (٢٣٤ هـ)\nزهير بن حرب بن شداد الحَرَشِيّ النسائي ثم البغدادي الحافظ الحجة\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٣٩).\n(٢) السنة لعبد الله (٣٣).\n(٣) السنة لعبد الله (٤٣).\n(٤) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٢/ ٨٤).\n(٥) تاريخ الفسوي (١/ ٢٠٩) والجرح والتعديل (٣/ ٥٩١) وتاريخ بغداد (٨/ ٤٨٢ - ٤٨٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٣٧)\nوالسير (١١/ ٤٨٩ - ٤٩٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.١٦٤) وتهذيب الكمال (٩/ ٤٠٢).","vol":"3","page":433},{"text":"أحد أعلام الحديث مولى بني الحريش بن كعب بن عامر. حدث عن جرير ابن عبد الحميد وابن عيينة وهشيم بن بشير ووهب بن جرير وعبد الرزاق بن همام وعدة. حدث عنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وإبراهيم الحربي وابنه أحمد وطائفة. قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة ثبتا حافظا متقنا. وقال الذهبي: كان من كبار أئمة الأثر ببغداد، وهو والد الحافظ أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة صاحب التاريخ الكبير.\nتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله عن أحمد بن إبراهيم، سمعت يحيى بن معين وأبا خيثمة يقولان: القرآن كلام الله وهو غير مخلوق. (١)\n- وفي السنة للخلال عن محمد بن منصور قال: كنا نمضي إلى سعدويه، قال: فكان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو خيثمة وعدة قال: فتلقانا بشر المريسي قال: فتصدى له أبو خيثمة ثم التفت إلينا، فقال: رأيتم قط أشبه باليهود منه؟ قال: فجعل أحمد بن حنبل ﵀ يقول لأبي خيثمة ﵀: ستورثني يا أبا خيثمة، رأيت مثل ذلك الوجه. (٢)\n- جاء في أصول الاعتقاد عن أحمد بن زهير قال: سمعت أبي ما لا أحصي كثرة يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق ولا نعرف غير هذا. (٣)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٣٤).\n(٢) السنة للخلال (٥/ ١٠٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٣/٤٥٥).","vol":"3","page":434},{"text":"- وفيه عنه قال: من زعم أن القرآن كلام الله مخلوق، فهو كافر ومن شك في كفره فهو كافر. (١)\n\" التعليق:\nوهذا عام في كل من لم يكفر الكافر، ومن ظهر شركه وبدعته وفسقه، فهذه الأحكام من ظهرت له من صاحبه ولم ينسبه إليها فهو مثله، وليس كجهلة أهل هذا الزمان، الذين يقولون بزعمهم: لا ينبغي لنا أن نكفر أحدا ونجعله مشركا أو مبتدعا.\nنعم هذا لا يجوز قطعا، ولكن إذا صح الوصف على المسمى، فما الحيلة إذا كان كفره واضحا وشركه واضحا وبدعته واضحة؟ فإن قيل: من باب الورع، فهذا كذب، فالورع أن تنزل الأشياء في مواضعها وأن تزنها بميزان الشرع.\nوأما قول بعضهم: فهذه الأحكام تفرق الكلمة، فنقول: لا جمع الله كلمة على شرك أو بدعة إلى يوم القيامة، فكلمة لا تجتمع على التوحيد الخالص، وتجمع لا يقوم على عقيدة صحيحة مناهضة لكل شرك وبدعة وخرافة، لا خير فيه.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣/ ٤٣٠).","vol":"3","page":435},{"text":"أبو بكر بن أبي شَيْبَة (١) (٢٣٥ هـ)\nعبد الله بن محمد بن القاضي أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستى الإمام العلم، سيد الحفاظ وصاحب الكتب الكبار 'المسند' و'المصنف' و'التفسير' أبو بكر العبسي مولاهم الكوفي. روى عن شريك بن عبد الله النخعي وعن حماد بن أسامة وحفص بن غياث وجرير بن عبد الحميد وابن عيينة وعدة. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وإبراهيم الحربي وأحمد بن حنبل وأبو يعلى الموصلي وطائفة. قال يحيى الحماني: أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يزاحموننا عند كل محدث. وقال أحمد العجلي: كان ثقة حافظا للحديث. وقال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة. توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1510>موقفه من الرافضة:</span>\nقال الذهبي في سيره: قال عبدان الأهوازي: أنكر علينا أبو بكر بن أبي شيبة، أو هناد مُضِيَّنا إلى إسماعيل بن موسى، وقال: إيش عملتم عند ذاك الفاسق الذي يشتم السلف. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة: قال عبد الله: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة وقال له\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٥/ ١٦٠) وتاريخ بغداد (١/ ٦٦ - ٧١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٢٢٧ - ٢٣٠) وميزان الاعتدال (٢/ ٤٩٠) والبداية والنهاية (١٠/ ٣٢٨) وتهذيب التهذيب (٦/ ٢) وشذرات الذهب (٢/ ٨٥) والسير (١١/ ١٢٢ - ١٢٧) وتهذيب الكمال (١٦/ ٣٤ - ٤٢).\n(٢) السير (١١/ ١٧٦ - ١٧٧).","vol":"3","page":436},{"text":"رجل من أصحابه: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. فقال أبو بكر: من لم يقل هذا فهو ضال مضل مبتدع. (١)\n- وفي الإبانة لابن بطة عن المروزي: قال: وسألت أبا بكر بن أبي شيبة عن الواقفة، فقال: هم شر من أولئك -يعني: الجهمية-. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1512>موقفه من الخوارج:</span>\nأورد ضمن مصنفه بابا كبيرا (ما ذكر في الخوارج) (٣) ضمنه ثلاثة وثمانين أثرا. وقد مضى معنا جملة طيبة منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>موقفه من المرجئة:</span>\nله كتاب الإيمان طبع مفردا بتحقيق فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وأصل الكتاب ضمن مصنفه (٦/ ١٥٧ - ٢٠٧/ ٣٠٣٠٩ - ٣٠٧١٥) ويزيد على الجزء المفرد بأحاديث.\n\nأبو الفضل شُجَاع بن مَخْلَد (٤) (٢٣٥ هـ)\nهو شجاع بن مخلد الفَلاَّس، أبو الفضل البغوي، نزيل بغداد. روى عن إسماعيل بن علية، وإسماعيل بن عياش، وسفيان بن عيينة، وأبي نعيم الفضل ابن دكين وغيرهم. وروى عنه مسلم وأبو داود وابن ماجه وإبراهيم بن\n_________\n(١) السنة لعبد الله (ص.٣٣) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٣/٤٥٧).\n(٢) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٣/ ٨٧).\n(٣) (٧/ ٥٥٢).\n(٤) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٥٢) وتهذيب الكمال (١٢/ ٣٧٩ - ٣٨١) وتاريخ الخطيب (٩/ ٢٥١) وتهذيب التهذيب (٤/ ٣١٢).","vol":"3","page":437},{"text":"إسحاق الحربي وغيرهم. قال الحسين بن فهم: شجاع بن مخلد من أهل خراسان من البغيين. وهو ثقة ثبت، توفي ببغداد لعشر خلون من صفر سنة خمس وثلاثين ومائتين، وحضره بشر كثير، ودفن في مقبرة باب التبن. قال ابن قانع: ثقة ثبت. وقال أحمد: كان ثقة، وكان كتابه صحيحا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>موقفه من الجهمية:</span>\nقال المروذي: سألت شجاع بن مخلد وأحمد بن إبراهيم وأحمد بن منيع ويحيى بن عثمان عن القرآن فقالوا: كلام الله وليس بمخلوق. (١)\n\nعبيد الله بن عمر القواريري (٢) (٢٣٥ هـ)\nهو عبيد الله بن عمر بن ميسرة، أبو سعيد الجشمي مولاهم البصري القواريري الزجاج، نزيل بغداد. حدث عن حماد بن زيد وعبد العزيز الدراوردي وفضيل بن عياض وأبي عوانة وغيرهم. وحدث عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وبقي بن مخلد، وأبو يعلى الموصلي وغيرهم. قال ابن حجر: ثقة ثبت. مات يوم الخميس لاثني عشر يوما مضين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ومائتين. وله خمس وثمانون سنة.\nموقفه من الجهمية:\nعن أبي بكر المروذي: قال: وسألت عبيد الله بن عمر القواريري عن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٢٠/ ٢١١).\n(٢) تاريخ بغداد (١٠/ ٣٢٠ - ٣٢٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٥٠) وسير أعلام النبلاء (١١/ ٤٤٢ - ٤٤٦) وتهذيب الكمال (١٩/ ١٣٠ - ١٣٦) والتقريب (١/ ٦٣٧).","vol":"3","page":438},{"text":"الواقفة، فقال: هم شر من الجهمية. (١)\n\nأحمد بن عمر الوكيعي (٢) (٢٣٥ هـ)\nأحمد بن عمر بن حفص بن جهم أبو جعفر الكوفي الوكيعي، نزيل بغداد. روى عن حفص بن غياث، وأبي معاوية، وأبي بكر بن عياش. وحدث عنه مسلم، وإبراهيم الحربي، وأبو داود. وثقه يحيى بن معين وغيره. توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1518>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال العباس بن مصعب: سمعت أحمد بن يحيى الكشميهني، سمعت أحمد ابن عمر الوكيعي يقول: وليت المظالم بمرو مدة اثنتي عشرة سنة، فلم يرد علي حكم إلا وأنا أحفظ فيه حديثا، فلم أحتج إلى الرأي، ولا إلى أهله. (٣)\n\nإبراهيم بن محمد بن أبي معاوية (٤) (٢٣٦ هـ)\nإبراهيم بن محمد بن خازم السعدي مولاهم، أبو إسحاق بن أبي معاوية الضرير الكوفي. روى عن أبيه، ويحيى بن عيسى الرملي، وأبي بكر بن عياش. وروى عنه أبو داود وبقي بن مخلد الأندلسي، والحسن بن سفيان الشيباني،\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٣٠١ - ٣٠٢/ ٨٣).\n(٢) السير (١١/ ٣٦) وتهذيب الكمال (١/ ٤١٢) وتاريخ بغداد (٤/ ٢٨٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٦٣) غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٩٢).\n(٣) السير (١١/ ٣٧).\n(٤) تهذيب الكمال (٢/ ١٧١) تاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٦٨ - ٦٩) وتهذيب التهذيب (١/ ١٥٣).","vol":"3","page":439},{"text":"وخلق. قال عنه أبو زرعة: لا بأس به صدوق صاحب سنة. مات سنة ست وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>موقفه من الجهمية:</span>\nقال المروزي: وسألت ابن أبي معاوية الضرير عن الواقفة، فقال: هم مثل الجهمية. (١)\n\nمحمد بن بشير (٢) (٢٣٦ هـ)\nهو محمد بن بشير بن مروان، أبو جعفر الكندي الدعاء البغدادي. أخذ عن ابن المبارك، وابن السماك الواعظ، وابن عيينة. وعنه ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى. مات سنة ست وثلاثين ومائتين.\nموقفه من الجهمية:\nقال ابن بطة: أملى علي أبو عمر النحوي وقرأته عليه، وقال: حدثنا المبرد قال: أنشدني الرياشي لمحمد بن بشير يعيب المتكلمين:\nيا سائلي عن مقالة الشيع ... وعن صنوف الأهواء والبدع\nدع من يقول الكلام ناحية ... فما يقول الكلام ذو ورع\nكل أناس بزيهم حسن ... ثم يصيرون بعد للشيع\nأكثر ما فيه أن يقال له ... لم يك في قوله بمنقطع (٣)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٣/ ٨٩).\n(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٣١٠ - ٣١١) وميزان الاعتدال (٣/ ٤٩١).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٥٤٥/ ٦٨٧).","vol":"3","page":440},{"text":"أبو إبراهيم الترجماني (١) (٢٣٦ هـ)\nهو إسماعيل بن إبراهيم بن بسام البغدادي، أبو إبراهيم الترجماني من أبناء خراسان. روى عن إسماعيل بن عياش، وحبان بن علي العنزي، وخلف ابن خليفة وغيرهم، وروى عنه أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة، وأبو يعلى الموصلي، وابن أبي الدنيا، وأبو زرعة الرازي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم. توفي لخمس ليال خلون من سنة ست وثلاثين ومائتين وشهده ناس كثير، وكان صاحب سنة وفضل وخير كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1523>موقفه من الجهمية:</span>\nقال المروذي: سمعت إسماعيل بن إبراهيم الترجماني يقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. قال: وأدركت الناس منذ سبعين سنة على هذا. (٢)\n\nمحمد بن مُقَاتِل العَبَّادَانِي (٣) (٢٣٦ هـ)\nمحمد بن مقاتل العباداني أبو جعفر، أحد المشهورين بالصلاح والفضل والسنة. روى عن حماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك. روى عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي، وعبد الصمد بن يزيد مردويه، وموسى بن هارون الحافظ، وغيرهم. قال أبو بكر المروذي: دخلت على محمد بن مقاتل لما قدم من\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٣/ ١٣ - ١٦) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٤٦) والتاريخ الكبير (١/ ٣٤٢) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٥٨) وتاريخ بغداد (٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/١٩ - ٢٠/ ٢١٠).\n(٣) تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٩٤ - ٤٩٥) والسير (١١/ ١٠٢) وتاريخ بغداد (٣/ ٢٧٦) وتهذيب التهذيب (٩/ ٤٧٠ - ٤٧١) وطبقات الحنابلة (١/ ٣٢٣).","vol":"3","page":441},{"text":"عبادان فقال رجل، زينت بلدنا بقدومك، أو قال بمجيئك فتغير وجهه وقال: لا تعد تقول هذا. وأراه قال: هذا الذبح وأشار بيده إلى حلقه، وقال أبو بكر الخطيب: كان أحد الصالحين مشهورا بحسن الطريقة ومذهب السنة. مات بعبادان في أول يوم من سنة ست وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1525>موقفه من الجهمية:</span>\n- روى ابن بطة في الإبانة بسنده إلى أحمد بن إبراهيم، قال: سمعت محمد بن مقاتل العباداني، وكان من خيار المسلمين يقول في الواقفة: هم عندي شر من الجهمية. (١)\n- وفي تاريخ بغداد: قال موسى بن هارون عنه: أظهر كلاما حسنا سمعه منه غير واحد من أصحابنا يقول: القرآن كلام الله وليس بمخلوق، علموه أبناءكم وأبناءهم إن شاء الله، وأظنه قال: ونساءكم. (٢)\n\nمصعب الزُّبَيْرِي (٣) (٢٣٦ هـ)\nمصعب بن عبد الله بن مصعب، ينتهي نسبه إلى الزبير بن العوام، العلامة الصدوق الإمام أبو عبد الله ابن أمير اليمن القرشي الأسدي الزبيري المدني نزيل بغداد. روى عن أبيه ومالك بن أنس والضحاك بن عثمان\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٠ - ٣٠١/ ٨١) والشريعة (١/ ٢٣٣/٢٠٦) والسنة للخلال (٥/ ١٤١).\n(٢) تاريخ بغداد (٣/ ٢٧٦) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٤٩٥).\n(٣) شذرات الذهب (٢/ ٨٤) والوافي بالوفيات (٨/ ٣٩٦ - ٣٩٧) وطبقات ابن سعد (٧/ ٣٤٤) وتاريخ بغداد (١٣/ ١١٢ - ١١٤) والسير (١١/ ٣٠ - ٣٢).","vol":"3","page":442},{"text":"والمغيرة بن عبد الرحمن والمنذر بن عبد الله وابن عيينة وعدة. روى عنه ابن ماجه وإبراهيم الحربي وأبو داود وعبد الله بن أحمد بن حنبل والذهلي ومسلم بن الحجاج -خارج الصحيح- وطائفة. قال الذهبي: كان علامة نسابة أخباريا فصيحا، من نبلاء الرجال وأفرادهم. توفي سنة ست وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن مصعب الزبيري أنه سئل عن القرآن وعن من لا يقول غير مخلوق؟ فقال: هؤلاء جهال وخطأهم. وإني لأتهمهم أن يكونوا زنادقة. (١)\n- جاء في أصول الاعتقاد: قال مصعب الزبيري: رأيت أهل بلدنا -يعني أهل المدينة- ينهون عن الكلام في الدين. (٢)\n- وفي جامع بيان العلم وفضله: حدثني أحمد بن زهير قال مصعب بن عبد الله: ناظرني إسحاق بن أبي إسرائيل، فقال: لا أقول كذا ولا أقول غيره -يعني في القرآن- فناظرته فقال: لم أقف على الشك، ولكني أقول كما قال: أسكت كما سكت القوم، قال: فأنشدته هذا الشعر فأعجبه وكتبه وهو شعر قيل منذ أكثر من عشرين سنة:\nأأقعد بعدما رجفت عظامي ... وكان الموت أقرب ما يليني\nأجادل كل معترض خصيم ... وأجعل دينه غرضا لديني\nفأترك ما علمت لرأي غيري ... وليس الرأي كالعلم اليقين\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٨/٥٢٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٦٨).","vol":"3","page":443},{"text":"وما أنا والخصومة وهي لبس ... تصرف في الشمال وفي اليمين\nوقد سنت لنا سنن قوام ... يلحن بكل فج أو وجين\nوكان الحق ليس به خفاء ... أغر كغرة الفلق المبين\nوما عوض لنا منهاج جهم ... بمنهاج ابن آمنة الأمين\nفأما ما علمت فقد كفاني ... وأما ما جهلت فجنبوني\nفلست مكفرا أحدا يصلي ... وما أحرمكم أن تكفروني\nوكنا إخوة نرمي جميعا ... فنرمي كل مرتاب ظنين\nفما برح الكلف أن رمينا ... بشأن واحد فوق الشؤون\nفأوشك أن يخر عماد بيت ... وينقطع القرين عن القرين\nقال أبو عمر: وكان مصعب بن عبد الله الزبيري شاعرا محسنا. (١)\n\" التعليق:\nانظر هذا النفس الطيب، وهذه العقيدة الطيبة، تجد قلبك يطرب فرحا، وتجد المبتدع مقنعا رأسه خاسئا خاسرا ذليلا حقيرا من شدة ما ينزل عليه من الصواعق السلفية.\n\n- وحكي عن أبي حاتم الرازي أنه قال: قال مصعب: هؤلاء الذين يقولون في القرآن: لا ندري -مخلوق أم غير مخلوق- هم عندنا شر ممن يقول\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٣٦ - ٩٣٧) وأصول الاعتقاد (١/ ١٦٧ - ١٦٨/ ٣٠٨) والإبانة مختصرا (٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥/ ٥٨٦).","vol":"3","page":444},{"text":"مخلوق. يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1528>موقفه من القدرية:</span>\nروى اللالكائي بالسند عن أحمد بن علي الأبار قال: سألت مصعب الزبيري عن ابن أبي ذئب وقلت له: حدثونا عن أبي عاصم أنه قال: كان ابن أبي ذئب قدريا. قال: معاذ الله، إنما كان زمن المهدي أخذوا القدرية وضربوهم ونفوهم فجاء قوم من أهل القدر فجلسوا إليه واعتصموا به من الضرب. فقال قوم: إنما جلسوا إليه لأنه كان يرى القدر. فقد حدثني من أثق به أنه ما تكلم فيه قط. (٢)\n\nأبو مَعْمَر الهُذَلِي (٣) (٢٣٦ هـ)\nإسماعيل بن إبراهيم بن معمر الإمام الحافظ الكبير الثبت أبو معمر الهذلي الهروي ثم البغدادي القطيعي نزيل بغداد. روى عن ابن عيينة وحماد بن أسامة وحفص بن غياث وجرير بن عبد الحميد وابن المبارك وطائفة. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وإبراهيم الحربي وعبد الله بن أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم وطائفة. قال محمد بن سعد: أبو معمر الهروي من هذيل، من أنفسهم، صاحب سنة وفضل وخير، وهو ثقة ثبت. توفي سنة\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٨/٥٢٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٠ - ٨٠١/ ١٣٣٦).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٥٩) والجرح والتعديل (٢/ ١٥٧) وتاريخ بغداد (٦/ ٢٦٦ - ٢٧٢) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٧١) وميزان الاعتدال (١/ ٢٢٠) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤) وشذرات الذهب (٢/ ٨٦) والسير (١١/ ٦٩ - ٧١) وتهذيب الكمال (٣/ ١٩ - ٢٣).","vol":"3","page":445},{"text":"ست وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1530>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال عبيد بن شريك البزار: كان أبو معمر القطيعي من شدة إدلاله بالسنة يقول: لو تكلمت بغلتي لقالت: إنها سنية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله عنه قال: من زعم أن الله لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر ولا يغضب ولا يرضى، وذكر أشياء من هذه الصفات فهو كافر بالله، إن رأيتموه على بئر واقفا فألقوه فيها. بهذا أدين الله لأنهم كفار بالله. (٢)\n- وفيها عنه قال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ومن شك في أنه غير مخلوق فهو جهمي، لا بل شر من جهمي. (٣)\n- وفي أصول الاعتقاد عنه قال: أدركت الناس يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. (٤)\n- وفي السير عنه قال: آخر كلام الجهمية أنه ليس في السماء إله.\nقال الذهبي: بل قولهم: إنه ﷿ في السماء وفي الأرض، لا امتياز للسماء. وقول عموم أمة محمد - ﷺ -: إن الله في السماء، يطلقون ذلك وفق ماجاءت النصوص بإطلاقه، ولا يخوضون في تأويلات المتكلمين، مع جزم\n_________\n(١) السير (١١/ ٧٠).\n(٢) السنة لعبد الله (٧١).\n(٣) السنة لعبد الله (ص.٣٤) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٤/٤٦٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٤/٤٦٢).","vol":"3","page":446},{"text":"الكل بأنه تعالى: ﴿ليس كَمِثْلِهِ شيءٌ﴾ (١). (٢)\n\nإبراهيم بن المنذر الحِزَامي (٣) (٢٣٦ هـ)\nإبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر الإمام الحافظ الثقة أبو إسحاق القرشي الأسدي الحزامي المدني. روى عن أنس بن عياض وابن عيينة وعبد الله بن وهب وابن أبي أويس وطائفة. روى عنه البخاري وابن ماجه وابن أبي خيثمة وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وعبد الملك بن حبيب المالكي وطائفة. صدوق توفي سنة ست وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عنه أنه سئل: ما تقول في عبد اشتري ثم خرج جهميا؟ فقال: عيب يرد منه. قال: فإن خرج واقفيا؟ قال شر يرد منه. (٤)\n\nسعيد بن رحمة (٥) (٢٣٦ هـ)\nسعيد بن رحمة بن نعيم المصيصي. روى عن ابن المبارك وهو راوي\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) السير (١١/ ٧٠ - ٧١).\n(٣) المعرفة والتاريخ (١/ ٢١٠) والجرح والتعديل (٢/ ١٣٩) وتاريخ بغداد (٦/ ١٧٩ - ١٨١) والأنساب (٤/ ١٢٩) وميزان الاعتدال (١/ ٦٧) والوافي بالوفيات (٦/ ١٥٠) وتهذيب التهذيب (١/ ١٦٦) وشذرات الذهب (٢/ ٨٦) والسير (١٠/ ٦٨٩ - ٦٩١).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩/ ٥٢٦).\n(٥) ميزان الاعتدال (٢/ ١٣٥/٣١٧٢) وكتاب المجروحين لابن حبان (٣٢٨) والمغني في الضعفاء (١/ ٢٥٨).","vol":"3","page":447},{"text":"كتاب الجهاد عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>موقفه من الجهمية:</span>\nعن عبد الله الشعراني قال: سمعت سعيد بن رحمة -صاحب إسحاق الفزاري- يقول: إنما خرج جهم عليه لعنة الله سنة ثلاثين ومائة. فقال: القرآن مخلوق. فلما بلغ العلماء تعاظمهم، فأجمعوا على أنه تكلم بالكفر وحمل الناس ذلك عنهم. (١)\n\nإسحاق بن راهَوَيْه (٢) (٢٣٧ هـ)\nإسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد بن إبراهيم الإمام الكبير شيخ المشرق وسيد الحفاظ أحد أئمة المسلمين وعلماء الدين، اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، أبو يعقوب التميمي ثم الحنظلي المروزي نزيل نيسابور المعروف بابن راهويه. روى عن حماد بن أسامة وابن عيينة ومعاذ بن هشام الدستوائي وعدة. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد بن حنبل والفريابي وأحمد بن سعيد الدارمي وطائفة. قال النسائي: ابن راهويه أحد الأئمة، ثقة مأمون، سمعت سعيد بن ذؤيب يقول: ما أعلم على وجه الأرض مثل إسحاق. وقال ابن خزيمة: والله لو كان\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣/ ٦٣٣). تنبيه: ذكر فيه أن جهما قال بخلق القرآن سنة (١٣٠هـ) والصواب أنه قال ذلك قبلها، لأنه قتل سنة (١٢٨هـ).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠) وتاريخ بغداد (٦/ ٣٤٥ - ٣٥٥) ووفيات الأعيان (١/ ١٩٩ - ٢٠١) وميزان الاعتدال (١/ ١٨٢ - ١٨٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٣٣) والوافي بالوفيات (٨/ ٣٨٦ - ٣٨٨) وتهذيب التهذيب (١/ ٢١٦ - ٢١٩) وشذرات الذهب (٢/ ٨٩) والسير (١١/ ٣٥٨ - ٣٨٣).","vol":"3","page":448},{"text":"إسحاق في التابعين، لأقروا له بحفظه وعلمه وفقهه. وقال نعيم بن حماد: إذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق بن راهويه، فاتهمه في دينه. توفي سنة سبع وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ابن قتيبة: ولم أر أحدا ألهج بذكر أصحاب الرأي وتنقصهم والبعث على قبيح أقاويلهم، والتنبيه عليها، من إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه. وكان يقول: نبذوا كتاب الله تعالى، وسنن رسوله - ﷺ -، ولزموا القياس. وكان يعدد من ذلك أشياء، منها قولهم: إن الرجل إذا نام جالسا، واستثقل في نومه، لم يجب عليه الوضوء. ثم أجمعوا على أن كل من أغمي عليه، منتقض الطهارة قال: وليس بينهما فرق على أنه ليس في المغمى عليه أصل، فيحتج به في انتقاض وضوئه. وفي النوم غير حديث -منها قول النبي - ﷺ -: \"العين وكاء السه. فإذا نامت العين انفتح الوكاء\" (١) وفي حديث آخر: \"من نام، فليتوضأ\" (٢). قال: فأوجبوا في الضجعة الوضوء إذا غلبه النوم، وأسقطوه عن النائم المستثقل راكعا أو ساجدا. قال: وهاتان الحالان في خشية الحدث أقرب من الضجعة. فلا هم اتبعوا أثرا، ولا لزموا قياسا. قال: وقالوا من تقهقه بعد التشهد أجزأته صلاته، وعليه الوضوء لصلاة أخرى. قال: فأي غلط أبين من غلط من يحتاط لصلاة لم تحضر،\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ١١١) وأبو داود (١/ ١٤٠/٢٠٣) وابن ماجه (١/ ١٦١/٤٧٧) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ\". وفي الباب عن معاوية بن أبي سفيان. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ١١٨): \"وحسن المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي\".\n(٢) هو الطرف الأخير من الحديث السابق.","vol":"3","page":449},{"text":"ولا يحتاط لصلاة هو فيها. قال: وقالوا في رجل توفي وترك جده أبا أمه وبنت بنته -المال للجد دون بنت البنت. وكذلك هو -عندهم- مع جميع ذوي الأرحام.\nقال: فأي خطأ أفحش من هذا، لأن الجد يدلي بالأم، فكيف يفضل على بنت البنت، وهي تدلي بالبنت، إلا أن يكون شبهوا أبا الأم بأبي الأب، إذ اتفق أسماؤهم. (١)\n- قال حاشد بن إسماعيل: سمعت وهب بن جرير يقول: جزى الله إسحاق بن راهويه، وصدقة بن الفضل، ويعمر عن الإسلام خيرا، أحيوا السنة بالمشرق. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>موقفه من المشركين:</span>\nقال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: أجمع المسلمون على أن من سب الله، أو سب رسوله - ﷺ -، أو دفع شيئا مما أنزل الله ﷿، أو قتل نبيا من أنبياء الله ﷿: أنه كافر بذلك، وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1539>موقفه من الرافضة:</span>\n- روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم بسنده إلى سلمة بن شبيب قال: قلت لأحمد بن حنبل: من تقدم؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٥٣ - ٥٤).\n(٢) السير (١١/ ٣٦٤)\n(٣) الصارم (٩).","vol":"3","page":450},{"text":"الخلافة. قال سلمة: وكتبت إلى إسحاق بن راهويه: من تقدم من أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ فكتب إلي: لم يكن بعد رسول الله - ﷺ - على الأرض أفضل من أبي بكر، ولم يكن بعده أفضل من عمر، ولم يكن بعد عمر أفضل من عثمان، ولم يكن على الأرض بعد عثمان خير ولا أفضل من علي ﵃. (١)\n- وروى الخلال بسنده إلى إسحاق قال: سئل أحمد عن أبي بكر وعمر فقال: ترحم عليهما، وتبرأ ممن يبغضهما، قال إسحاق بن راهويه: كما قال. (٢)\n- وقال إسحاق بن راهويه: من شتم أصحاب النبي - ﷺ - يعاقب ويحبس. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1540>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة للخلال عن حرب بن إسماعيل الكرماني قال: سألت إسحاق يعني ابن راهويه قلت: رجل سرق كتابا من رجل فيه رأي جهم أو رأي القدر؟ قال: يرمي به، قلت: إنه أخذ قبل أن يحرقه أو يرمي به، هل عليه قطع؟ قال: لا قطع عليه، قلت لإسحاق: رجل عنده كتاب فيه رأي الإرجاء أو القدر أو بدعة فاستعرته منه فلما صار في يدي أحرقته أو مزقته؟ قال: ليس عليك شيء. (٤)\n_________\n(١) جامع بيان العلم (٢/ ١١٧٢).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٣١٣).\n(٣) الصارم (ص.٥٧١).\n(٤) السنة للخلال (١/ ٥١١).","vol":"3","page":451},{"text":"- وفيها عنه، قال: سألت إسحاق عن الرجل يقول: القرآن كلام الله ويقف. قال: هو عندي شر من الذي يقول مخلوق، لأنه يقتدي به غيره. (١)\n- وفيها أيضا عن سليمان بن الأشعث، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم (يعني: ابن راهويه) يقول: من قال: لا أقول القرآن مخلوق ولا غير مخلوق فهو جهمي. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد عن أحمد بن سلمة عن إسحاق قال: ومن وقف فهو -كذا- رماه بأمر عظيم وقال: هو ضال مضل. (٣)\n- وفي الإبانة عن حرب قال: وسألت إسحاق بن راهويه، قلت: يا أبا يعقوب أليس تقول: القرآن كلام الله تكلم به ليس بمخلوق؟ قال: نعم، القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ومن قال إنه مخلوق فهو كافر. (٤)\n- وهذه أبيات لأحمد بن سعيد الرباطي:\nقربي إلى الله دعاني إلى ... حب أبي يعقوب إسحاق\nلم يجعل القرآن خلقا كما ... قد قاله زنديق فساق\nيا حجة الله على خلقه ... في سنة الماضين للباقي\nأبوك إبراهيم محض التقى ... سباق مجد وابن سباق (٥)\n- قال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق الحنظلي ﵁، يقول:\n_________\n(١) السنة للخلال (٥/ ١٣٦ - ١٣٧) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٦٢/٥٣٨).\n(٢) السنة للخلال (٥/ ١٣٧) والإبانة (١/ ١٢/٢٩٨ - ٢٩٩/ ٧٧) والشريعة (١/ ٢٣٣/٢٠٥) والسير (١١/ ٣٧٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٦٢/٥٣٩).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٢/٦٦ - ٦٧/ ٢٨٣).\n(٥) السير (١١/ ٣٧٥).","vol":"3","page":452},{"text":"ليس بين أهل العلم اختلاف أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وكيف يكون شيء خرج من الرب ﷿ مخلوقا؟. (١)\n- وعنه قال صح أن الله يقول بعد فناء خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اليوم﴾ فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه: ﴿لِلَّهِ الواحد القهار﴾ (٢). (٣)\nوقد نقل الهروي في الفاروق بسنده إلى حرب الكرماني: سألت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يعني ابن راهويه عن قوله تعالى: ﴿مَا ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٤) قال: قديم من رب العزة محدث إلى الأرض. (٥)\n- وعن إسحاق بن راهويه: إن الله سميع بسمع بصير ببصر قادر بقدرة. (٦)\n- عن أحمد بن سلمة قال حدثنا إسحاق بن راهويه قال: أفضوا إلى أن قالوا: أسماء الله مخلوقة لأنه كان ولا اسم، وهذا الكفر المحض. لأن لله الأسماء الحسنى، فمن فرق بين الله وبين أسمائه وبين علمه ومشيئته فجعل ذلك مخلوقا كله والله خالقها فقد كفر. ولله ﷿ تسعة وتسعون اسما. صح ذلك عن\n_________\n(١) السير (١١/ ٣٧٦).\n(٢) غافر الآية (١٦).\n(٣) الفتح (١٣/ ٣٦٨).\n(٤) الأنبياء الآية (٢).\n(٥) الفتح (١٣/ ٤٩٧).\n(٦) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٥٠/٦٨٢).","vol":"3","page":453},{"text":"النبي - ﷺ - أنه قاله (١)، ولقد تكلم بعض من ينسب إلى جهم بالأمر العظيم فقال: لو قلت إن للرب تسعة وتسعين اسما لعبدت تسعة وتسعين إلها. حتى إنه قال: إني لا أعبد الله الواحد الصمد إنما أعبد المراد به. فأي كلام أشد فرية وأعظم من هذا: أن ينطق الرجل أن يقول: لا أعبد \"الله\". (٢)\n- قال الحافظ في الفتح: ونقل عن إسحاق بن راهويه عن الجهمية أن جهما قال: لو قلت إن لله تسعة وتسعين اسما لعبدت تسعة وتسعين إلها، قال فقلنا لهم: إن الله أمر عباده أن يدعوه بأسمائه، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فادعوه بِهَا﴾ (٣) والأسماء جمع أقله ثلاثة ولا فرق في الزيادة على الواحد بين الثلاثة وبين التسعة والتسعين. (٤)\n- وسئل إسحاق مرة أخرى عن اللفظية؟ فقال: هي مبتدعة.\nقال عبد الرحمن: قال أبو علي القوهستاني: سمعت إسحاق بن راهويه أن لفلان -يعني داود الأصبهاني- في القرآن قولا ثالثا، قول سوء فلم يزل يسأل إسحاق ما هو؟ قال أظهر اللفظ -يعني قال: لفظي بالقرآن مخلوق-. (٥)\n- وسمعت إسحاق بن راهويه ذكر \"اللفظية\" وبدعهم. (٦)\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٢٦٧/٥٠٣) والبخاري (٥/ ٤٤٤ - ٤٤٥/ ٢٧٣٦) ومسلم (٤/ ٢٠٦٢ - ٢٠٦٣/ ٢٦٧٧) والترمذي (٥/ ٤٩٧/٣٥٠٨) وابن ماجه (٢/ ١٢٦٩/٣٨٦٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٤٠/٣٥٢).\n(٣) الأعراف الآية (١٨٠).\n(٤) الفتح (١٣/ ٣٧٨).\n(٥) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٣/٦٠٥و٦٠٦) وفي الإبانة (١/ ١٢/٣٣٢/ ١٣٥) طرفه الأول.\n(٦) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٢٥).","vol":"3","page":454},{"text":"- وفي أصول الاعتقاد: قال ابن أبي حاتم: أخبرنا حرب بن إسماعيل الكرماني -فيما كتب إلي- قال: سمعت إسحاق بن راهويه وسئل عن الرجل يقول: القرآن ليس مخلوقا، ولكن قراءتي أنا إياه مخلوقة، لأني أحكيه وكلامنا مخلوق، فقال إسحاق: هذا بدعة، لا يقار على هذا حتى يرجع عن هذا ويدع قوله هذا. (١)\n- جاء في السير عن عبد الله بن أُبَيّ الخوارزمي قال: سمعت إسحاق الحنظلي يقول: أخرجتْ خراسان ثلاثة لا نظير لهم في البدعة والكذب: جهم، وعمر بن صبيح ومقاتل. (٢)\n- وفيها: قال أبو بكر المروذي، حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري، حدثنا أبو داود سليمان بن داود الخفاف، قال: قال إسحاق بن راهويه: إجماع أهل العلم أنه تعالى على العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة. (٣)\n- وفيها أنه ورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين، قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء. (٤)\n- قال أبو عبد الله الرباطي: حضرت يوما مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن راهويه، فسئل عن حديث النزول (٥) أصحيح\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٣/٦٠٤).\n(٢) السير (١١/ ٣٦٩).\n(٣) السير (١١/ ٣٧٠).\n(٤) السير (١١/ ٣٧٦).\n(٥) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).","vol":"3","page":455},{"text":"هو؟ فقال: نعم، فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب، أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ قال أثبته فوق، حتى أصف لك النزول، فقال له الرجل: أثبته فوق، فقال له إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١) فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة، من يمنعه اليوم؟. (٢)\n- عن الترمذي: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر يوما فقالوا له: أيها الأمير، إنك تقدم إسحاق وتكرمه وتعظمه، وهو كافر يزعم أن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ويخلو منه العرش. قال: فغضب عبد الله وبعث إلي، فدخلت عليه وسلمت، فلم يرد علي السلام غضبا ولم يستجلسني، ثم رفع رأسه وقال لي: ويلك يا إسحاق، ما يقول هؤلاء؟ قال: قلت لا أدري، قال: تزعم أن الله ﷾ ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ويخلو من العرش؟ فقلت أيها الأمير، لست أنا قلته، قاله النبي - ﷺ -: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن إسحاق، عن الأغر بن مسلم أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"ينزل الله إلى سماء الدنيا في كل ليلة فيقول: من\n_________\n(١) الفجر الآية (٢٢).\n(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٧٥).","vol":"3","page":456},{"text":"يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له\" (١) ولكن مرهم يناظروني. قال: فلما ذكرت له النبي - ﷺ - سكن غضبه، وقال لي: اجلس، فجلست. فقلت: مرهم أيها الأمير يناظروني. قال: ناظروه، قال فقلت لهم: يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش أم لا يستطيع؟ قال: فسكتوا وأطرقوا رؤوسهم، فقلت: أيها الأمير مرهم يجيبوا، فسكتوا. فقال: ويحك يا إسحاق ماذا سألتهم، قال: قلت: أيها الأمير قل لهم: يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش أم لا؟ قال: فإيش هذا؟ قلت: إن زعموا أنه لا يستطيع أن ينزل إلا أن يخلو منه العرش؟ فقد زعموا أن الله عاجز مثلي ومثلهم، وقد كفروا. وإن زعموا أنه يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش، فهو ينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء، ولا يخلو منه المكان. (٢)\n- وروي عن إسحاق بن إبراهيم قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله - ﷺ -: \"ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا\" كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير لا يقال لأمر الرب كيف؟ إنما ينزل بلا كيف. (٣)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: أن عبد الله بن طاهر قال لإسحاق بن راهويه: ما هذه الأحاديث التي يحدث بها أن الله ﷿ ينزل إلى سماء الدنيا، والله يصعد وينزل، قال: فقال له إسحاق: تقول إن الله يقدر على أن\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄: أحمد (٢/ ٣٨٣) ومسلم (١/ ٥٢٣/٧٥٨ (١٧٢» والنسائي في الكبرى (٦/ ١٢٤/١٠٣١٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٧ - ٣٨٩).\n(٣) درء التعارض (٢/ ٢٧).","vol":"3","page":457},{"text":"ينزل ويصعد ولا يتحرك؟ قال: نعم، قال: فلم تنكر. (١)\n- وجاء في مجموع الفتاوى: قال عبد الرحمن: والصحيح مما جرى بين إسحاق وعبد الله بن طاهر ما أخبرنا أبي، ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، ثنا محمد بن حاتم، سمعت إسحاق بن إبراهيم بن مخلد يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذه الأحاديث التي تروونها في النزول -يعني وغير ذلك- ما هي؟ قلت: أيها الأمير، هذه أحاديث جاءت مجيء الأحكام والحلال والحرام، ونقلها العلماء، فلا يجوز أن ترد، هي كما جاءت بلا كيف. فقال عبد الله: صدقت، ما كنت أعرف وجوهها إلى الآن. (٢)\n- عن إسحاق أنه قال: لا نزيل صفة مما وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها الرسول عن جهتها، لا بكلام ولا بإرادة، إنما يلزم المسلم الأداء، ويوقن بقلبه أن ما وصف الله به نفسه في القرآن إنما هي صفاته، ولا يعقل نبي مرسل، ولا ملك مقرب تلك الصفات إلا بالأسماء التي عرفهم الرب ﷿. فأما أن يدرك أحد من بني آدم تلك الصفات، فلا يدركه أحد. (٣)\n- وفي أصول الاعتقاد عنه قال: من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم، لأنه وصف لصفاته إنما هو استسلام لأمر الله، ولما سن الرسول. (٤)\n- وفيه عنه قال: علامة جهم وأصحابه: دعواهم على أهل الجماعة\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٠١/٤٧٤).\n(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٩).\n(٣) نقله شيخ الإسلام من كتاب الفصول لشيخ الحرمين الكرجي. انظر مجموع الفتاوى (٤/ ١٨٥).\n(٤) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٨/٩٣٧).","vol":"3","page":458},{"text":"وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة، بل هم المعطلة، ولو جاز أن يقال لهم: هم المشبهة لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولون: إن الرب ﵎ في كل مكان بكماله في أسفل الأرضين، وأعلى السموات، على معنى واحد، وكذبوا في ذلك ولزمهم الكفر. (١)\n- قال حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد: قلت لإسحاق بن راهويه: قول الله ﷿: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢) كيف تقول فيه؟ قال: حيث ما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه. ثم قال: وأعلى كل شيء من ذلك وأثبته قول الله ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٣). (٤)\n- وفي ذم الكلام: قلت لإسحاق هو على العرش بحد؟ قال نعم بحد. (٥)\n- وفي درء التعارض: قال: أخبرنا المروزي قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: قال الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (٦). إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة، وفي قعور البحار ورؤوس الآكام وبطون الأودية، وفي\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٨٨/٩٣٨).\n(٢) المجادلة الآية (٧).\n(٣) طه الآية (٥).\n(٤) السير (١١/ ٣٧٠) واجتماع الجيوش الإسلامية (٢٠٨) وذم الكلام (٢٦٣).\n(٥) ذم الكلام (ص.٢٦٣).\n(٦) طه الآية (٥).","vol":"3","page":459},{"text":"كل موضع، كما يعلم علم ما في السماوات السبع وما فوق العرش، أحاط بكل شيء علما، فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات البر والبحر ولا رطب ولا يابس إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه، فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره. (١)\n- وفي ذم الكلام: قال: لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في فعل المخلوقات، لقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢) ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله بفهم ما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله ﷿ موصوفا بالنزول كل ليلة، إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء، ولا يسأل كيف نزوله؟ لأن الخالق يصنع ما شاء كما يشاء. (٣)\n- وفيه: قال الفضل بن محمد المروزي: سمعت إسحاق بن راهويه الحنظلي يقول في الحديث الذي يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاب الشاحب (٤) قال: إنما يجيء ثواب عمله، خيال كالرجل ليس خلق مخلوق. وجاء في الحديث: \"الحجر الأسود يأتي يوم القيامة له عينان\n_________\n(١) درء التعارض (٢/ ٣٤ - ٣٥).\n(٢) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٣) ذم الكلام (ص.٢٦١) والاستقامة (١/ ٧٨) ومجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٣).\n(٤) أخرجه: ابن ماجه (٢/ ١٢٤٢/٣٧٨١) قال في الزوائد: \"إسناده صحيح رجاله ثقات\". والحاكم (١/ ٥٥٦) وصححه على شرط مسلم. وأخرجه مطولا أحمد (٥/ ٣٤٨) والدارمي (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١) وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٩٢ - ٤٩٣) كلهم من طريق بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعا وبشير بن مهاجر صدوق لين الحديث كما في التقريب وله شاهد من حديث أبي هريرة - ﵁ - أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٥٧ - ٣٥٨/ ٥٧٦٠) وانظر الصحيحة (٢٨٢٩).","vol":"3","page":460},{"text":"ولسان\" (١) ولقد جاءنا عن النبي - ﷺ -: \"إذا دخل الرجل القبر أتاه عمله الصالح على أحسن صورة فيقول: أنا عملك الصالح\" (٢) إنما يجيء ثواب عمله وهو خيال، كيف ندرك صفة هذا بالعقول، وقد نهينا عن تكلف علم هذا وإنما علينا التعبد والاستسلام. (٣)\n\" التعليق:\nفيه رد على المؤولة المتكلفة المعارضة للنصوص بعقلها التائه.\n\n- آثاره في العقيدة السلفية:\nله تفسير ذكره شيخ الإسلام من ضمن التفاسير التي اعتنت بنقل عقيدة السلف وآثارهم الطيبة، رحمة الله عليه. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن إسحاق بن منصور حدثهم قال: قال إسحاق بن راهويه: الإيمان\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ٣٠٧) والترمذي (٣/ ٢٩٤/٩٦١) وحسنه. وابن ماجه (٢/ ٩٨٢/٢٩٤٤) وابن حبان (٩/ ٢٥ - ٢٦/ ٣٧١٢) وابن خزيمة (٤/ ٢٢٠/٢٧٣٥) من طريق ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا.\n(٢) جزء من حديث طويل للبراء بن عازب، أخرجه: أحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨) وأبو داود (٥/ ١١٤ - ١١٦/ ٤٧٥٣) دون ذكر الشاهد. الحاكم في المستدرك (١/ ٣٧ - ٣٨) من طرق عن البراء به، ثم قال في آخره: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعا بالمنهال بن عمرو، وزاذان أبي عمر الكندي. وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة، ولم يخرجاه بطوله. قال البيهقي في كتابه 'إثبات عذاب القبر' (ص٣٩): \"هذا حديث كبير، صحيح الإسناد\".\n(٣) ذم الكلام (ص.٢٦٢).\n(٤) درء التعارض (٢/ ٢٢).","vol":"3","page":461},{"text":"قول وعمل يزيد وينقص حتى لا يبقى منه شيء. (١)\n- عن موسى بن هارون الحمال قال: أملى علينا إسحاق بن راهويه أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (٢)\n- عن إسحاق بن منصور حدثهم قال: قلت لإسحاق: هل الإيمان منتهى حتى نستطيع أن نقول المرء مستكمل الإيمان؟ قال: لا، لأن جميع الطاعة من الإيمان، فلا يمكن أن نشهد باستكمال لأحد إلا الأنبياء أو من شهد له الأنبياء بالجنة. لأن الأنبياء وإن كانوا أذنبوا فقد غفر ذلك الذنب قبل أن يخلقوا. (٣)\n\nالعباس بن الوليد النَّرْسِي (٤) (٢٣٧ هـ)\nالعباس بن الوليد بن نصر الحافظ الإمام الحجة، أبو الفضل الباهلي النرسي البصري. سمع: حماد بن سلمة، وعبد الله بن جعفر المديني، وأبا عوانة، وحماد بن زيد، وعدة. وحدث عنه البخاري، ومسلم، والنسائي بواسطة، وآخرون. كان متقنا صاحب حديث. ذكره ابن حبان في كتاب 'الثقات'. وقال يحيى بن معين: رجل صدق.\nمات سنة سبع وثلاثين ومائتين.\n_________\n(١) السنة للخلال (٣/ ٥٨٢/١٠١١).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٠٨).\n(٣) السنة للخلال (٣/ ٥٦٩/٩٧٣).\n(٤) تهذيب الكمال (١٤/ ٢٥٩ - ٢٦١) وميزان الاعتدال (٢/ ٣٨٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٢١١ - ٢١٢) والسير (١١/ ٢٧ - ٢٨) والوافي بالوفيات (١٦/ ٦٥٢) وتهذيب التهذيب (٥/ ١٣٣ - ١٣٤).","vol":"3","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1543>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في الإبانة بالسند إلى أبي بكر المروذي قال: سألت عباسا النرسي عن القرآن فقال: نحن ليس نقف، نحن نقول القرآن غير مخلوق. (١)\n\nيحيى بن سليمان الجُعْفِي (٢) (٢٣٧ هـ)\nيحيى بن سليمان بن يحيى بن سعيد بن مسلم بن عبيد أبو سعيد الجعفي الكوفي المقريء. سمع عبد العزيز الدراوردي، وأبا خالد الأحمر، وعبد الرحمن المحاربي، ووكيعا، وطائفة. وسمع منه: البخاري، والترمذي عن رجل عنه، ومحمد بن يحيى الذهلي، وآخرون. مات سنة سبع وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>موقفه من المرجئة:</span>\nعن إبراهيم بن شماس: سمعت يحيى بن سليمان يقول: الإيمان قول وعمل. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٠١/ ٨٢) وأصول الاعتقاد (٢/ ٣٦٠).\n(٢) تهذيب الكمال (٣١/ ٣٦٩ - ٣٧٢) وميزان الاعتدال (٤/ ٣٨٢) وتهذيب التهذيب (١١/ ٢٢٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٣٩٩ - ٤٠٠)\n(٣) الإبانة (٢/ ٦/٨١٢/ ١١٠٥).","vol":"3","page":463},{"text":"ابن حبيب الأندلسي المالكي (١) (٢٣٨ هـ)\nالإمام العلامة، فقيه الأندلس، عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون أبو مروان القرطبي المالكي. ولد في حياة الإمام مالك بعد السبعين ومائة. أخذ عن الغاز بن قيس، وعبد الملك بن الماجشون، ومطرف بن عبد الله اليساري، وأسد بن موسى، وعدة من أصحاب مالك والليث. حدث عنه بقي بن مخلد، ومحمد بن وضاح، ويوسف بن يحيى المغامي، وخلق. كان نحويا، عروضيا شاعرا، حافظا للأخبار والأنساب والأشعار، طويل اللسان، متصرفا في فنون العلوم. قال الذهبي: كان موصوفا بالحذق في الفقه كبير الشأن بعيد الصيت، كثير التصانيف إلا أنه في باب الرواية ليس بمتقن، بل يحمل الحديث تهورا كيف اتفق، وينقله وجادة وإجازة ولا يتعانى تحرير أصحاب الحديث. مات يوم السبت لأربع مضين من رمضان سنة ثمان وثلاثين ومائتين بعلة الحصى ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1547>موقفه من الرافضة:</span>\nقال عبد الملك بن حبيب: من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبا شديدا، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي - ﷺ -. (٢)\n_________\n(١) تاريخ علماء الأندلس (١/ ٢٦٩ - ٢٧٢) وميزان الاعتدال (٢/ ٦٥٢ - ٦٥٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٢٥٨ - ٢٦١) والسير (١٢/ ١٠٢ - ١٠٧) ولسان الميزان (٤/ ٥٩ - ٦٠) ومعجم المؤلفين (٦/ ١٨١ - ١٨٢).\n(٢) الصارم المسلول (٥٧١ - ٥٧٢).","vol":"3","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1548>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ﵀: وفتنة القبر وعذابه عند أهل السنة والإيمان بالله قوي ليس عندهم فيه شك، ومن كذب بذلك فهو من أهل التكذيب بالله، وإنما يكذب به الزنادقة الذين لا يؤمنون بالبعث، وقد طلع من كلامهم طرف رأيته دب في الناس، خفت عليهم من الضلال في دينهم وإيمانهم، فاحذروهم، فهم الذين قالوا: إن الأرواح تموت بموت الأجساد، إرادة التكذيب بعذاب القبر وبما بعده. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في أصول السنة: عن عبد الملك ﵀ أنه قال: السنة أن يصلى على كل من وحد الله، وإن مات سرفا على نفسه بالذنوب وإن كانت كبائر، إذا كان مستمسكا بالتوحيد مقرا بما جاء من عند الله، فإنه يصلى عليه، وإثمه على نفسه وحسابه على ربه، وهو عندنا مؤمن \"بذنبه\" إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، ولا نخرجه بالذنوب من الإسلام ولا يوجب له بها النار حتى يكون الله الذي يحكم فيه بعلمه، ويصيره إلى حيث شاء من جنة أو نار، إلا أنا نرجو للمحسن ونخشى على المسيء المذنب. بهذا ندين الله وبه نوصي من اقتدى بنا وأخذ بهدينا، وهو الذي عليه أهل السنة وجمهور هذه الأمة. (٢)\n- وعنه أنه قال: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالجهاد مع الولاة\n_________\n(١) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (١٥٧).\n(٢) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (٢٢٥).","vol":"3","page":465},{"text":"وإن لم يضعوا الخمس موضعه، وإن لم يوفوا بعهد إن عاهدوا، ولو عملوا ما عملوا، ولو جاز للناس ترك الغزو معهم بسوء حالهم لاستذل الإسلام، وتخيفت أطرافه، واستبيح حريمه، ولعلا الشرك وأهله. (١)\n\nزهير بن عباد (٢) (٢٣٨ هـ)\nزهير بن عَبَّاد الرؤاسي ابن عم وكيع وكان يكنى أبا محمد سمع من: مالك بن أنس، وحفص بن ميسرة، وفضيل بن عياض. وسمع منه: محمد بن أحمد العريبي، والحسن بن الفرج الغزي، وجماعة منهم: أبو حاتم الرازي. وقال: ثقة. مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين بمصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1551>موقفه من الجهمية:</span>\nروى ابن أبي زمنين بسنده إلى زهير بن عباد أنه قال: كل من أدركت من المشايخ مالك وسفيان وفضيل وعيسى بن يونس وابن المبارك ووكيع ابن الجراح كانوا يقولون: الميزان حق. (٣)\n\nبشر بن الوليد (٤) (٢٣٨ هـ)\nبشر بن الوليد بن خالد الإمام العلامة المحدث الصادق قاضي العراق\n_________\n(١) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (٢٨٩).\n(٢) ميزان الاعتدال (٢/ ٨٣) تاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.١٦٦ - ١٦٧) ولسان الميزان (٢/ ٤٩٢).\n(٣) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (١٥٧).\n(٤) تاريخ بغداد (٧/ ٨٠ - ٨٤) وميزان الاعتدال (١/ ٣٢) وشذرات الذهب (٢/ ٨٩) والطبقات لابن سعد (٧/ ٣٥٥) والسير (١٠/ ٦٧٣ - ٦٧٦).","vol":"3","page":466},{"text":"أبو الوليد الكندي. روى عن عبد الرحمن بن الغسيل ومالك بن أنس وحماد ابن زيد وصالح المري والقاضي أبي يوسف وعدة. روى عنه الحسن بن علويه وحامد بن شعيب البلخي وموسى بن هارون وأبو يعلى الموصلي وأبو القاسم البغوي وطائفة. قال الذهبي: كان حسن المذهب وله هفوة لا تزيل صدقه وخيره إن شاء الله ... وبلغنا أنه كان إماما، واسع الفقه، كثير العلم، صاحب حديث وديانة وتعبد. توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>موقفه من الجهمية:</span>\nقال الخلال في السنة: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الوليد يقول: استتيب ابن أبي دؤاد من القرآن مخلوق في ليلة ثلاث مرات يتوب، ثم يرجع ليتوب ثم يرجع. (١)\n\nداود بن رُشَيْد الخَوَارِزْمِي (٢) (٢٣٩ هـ)\nالإمام الحافظ، الثقة داود بن رشيد الهاشمي مولاهم أبو الفضل الخوارزمي ثم البغدادي. سمع: أبا المليح الحسن بن عمر الرقي، وإسماعيل بن جعفر، وهشيم بن بشير، وإسماعيل بن عياش، وعدة. وحدث عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعدد كثير. كان رحالا جوالا صاحب حديث. توفي في سابع شعبان سنة تسع وثلاثين ومائتين.\n_________\n(١) السنة للخلال (٥/ ١١٧) والسير (١١/ ١٧٠).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٤٩) وتاريخ بغداد (٨/ ٣٦٧ - ٣٦٨) وتهذيب الكمال (٨/ ٣٨٨ - ٣٩٢) والسير (١١/ ١٣٣ - ١٣٥) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٨٤ - ١٨٥).","vol":"3","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1555>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في الإبانة عنه قال: من زعم أن القرآن كلام الله وقال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، فهذا يزعم أن الله ﷿ لم يتكلم ولا يتكلم. (١)\n\nعثمان بن أبي شَيْبَة (٢) (٢٣٩ هـ)\nعثمان بن محمد بن أبي شيبة، الإمام الحافظ أبو الحسن الكوفي. حدث عن شريك، وأبي الأحوص، وجرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة. روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه. سئل عنه أحمد بن حنبل فأثنى عليه، وقال: ما علمت إلا خيرا. وقال يحيى بن معين: ثقة مأمون. توفي سنة تسع وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1557>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن محمد بن محمد بن الصديق البزار سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: فساق أهل الحديث خير من عباد غيرهم. (٣)\nموقفه من الجهمية:\n- جاء في السنة لعبد الله عن عثمان بن أبي شيبة قال: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. وسمعت عثمان مرة أخرى يقول: من لم يقل القرآن كلام الله\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٣١٤/ ١١٤) والسنة للخلال (٥/ ١٣٧).\n(٢) السير (١١/ ١٥١ - ١٥٤) وتهذيب الكمال (١٩/ ٤٧٨ - ٤٨٧) وتهذيب التهذيب (٧/ ١٤٩) وتاريخ بغداد (١١/ ٢٨٣) وميزان الاعتدال (٣/ ٣٥ - ٣٩) وشذرات الذهب (٢/ ٩٢).\n(٣) ذم الكلام (٤٤).","vol":"3","page":468},{"text":"وليس بمخلوق فهو عندي شر من هؤلاء، يعني الجهمية. (١)\n- جاء في الإبانة بالسند إلى محمد بن عبد الملك قال: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: الواقفة شر من الجهمية بعشرين مرة، هؤلاء شكوا في الله. (٢)\n\nإبراهيم بن يوسف (٣) (٢٣٩ هـ)\nإبراهيم بن يوسف بن ميمون الباهلي البلخي الماكياني أبو إسحاق الحافظ الكبير. حدث عن حماد بن زيد ومالك وشريك وهشيم وطبقتهم. وحدث عنه النسائي وجعفر بن محمد بن سوار ومحمد بن عبد الله الدويري وزكريا بن يحيى خياط السنة وخلق كثير.\nقال ابن حبان: كان ظاهر مذهبه الإرجاء واعتقاده في الباطن السنة. قال الذهبي: قال أبو يعلى الخليلي: روى إبراهيم بن يوسف عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: كل مسكر خمر. ولم يسمع منه غيره. وذلك أنه حضر، وقتيبة حاضر، فقال لمالك: هذا مرجيء، فأقيم من المجلس، فوقع له بهذا عداوة مع قتيبة. إلا أنه مما عساه -إن شاء الله- أن يبرئه من إرجائه هذا ما رواه ابن حبان نفسه في الثقات قال: سمعت أحمد بن محمد بن الفضل يقول: سمعت محمد بن داود الفوعي يقول: حلفت ألا أكتب إلا عمن يقول:\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٣٣) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤/ ٤٥٨) والسنة للخلال (٥/ ١٤١).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٢٩٠ - ٢٩١/ ٥٩) ونحوه في الشريعة (١/ ٢٣٣/٢٠٥).\n(٣) تهذيب الكمال (٢/ ٢٥١ - ٢٥٥) والميزان (١/ ٧٢) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٤) والسير (١١/ ٦٢ - ٦٣) والوافي بالوفيات (٦/ ١٧٢) والثقات لابن حبان (٨/ ٧٦).","vol":"3","page":469},{"text":"الإيمان قول وعمل، فأتيت إبراهيم بن يوسف فأخبرته. فقال: اكتب عني، فإني أقول: الإيمان قول وعمل.\nمات في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>موقفه من الجهمية:</span>\nقال محمد بن محمد بن الصديق: سمعته يقول: القرآن كلام الله، من قال: مخلوق، فهو كافر. ومن وقف فهو جهمي. (١)\n\nأبو ثَوْر (٢) (٢٤٠ هـ)\nإبراهيم بن خالد الإمام الحافظ الحجة المجتهد مفتي العراق أبو ثور الكلبي البغدادي الفقيه ويكنى أيضا أبا عبد الله. روى عن ابن عيينة وابن مهدي والشافعي وأبي معاوية الضرير ووكيع بن الجراح وسعيد بن منصور ويزيد بن هارون وعدة. روى عنه أبو داود وابن ماجه وأبو حاتم الرازي ومسلم خارج الصحيح وقيل في المقدمة وأبو القاسم البغوي ومحمد بن إسحاق السراج وطائفة. قال أبو بكر الأعين: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة، وهو عندي في مسلاخ سفيان الثوري. قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا، صنف الكتب، وفرع على السنن\n_________\n(١) السير (١١/ ٦٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٥٤).\n(٢) الجرح والتعديل (١/ ٩٧ - ٩٨) وتاريخ بغداد (٦/ ٦٥ - ٦٩) ووفيات الأعيان (١/ ٢٦) وتذكرة الحفاظ\n\n(٢/ ٥١٢ - ٥١٣) وميزان الاعتدال (١/ ٢٩ - ٣٠) والوافي بالوفيات (٥/ ٣٤٤) والبداية والنهاية (١٠/ ٣٣٧) وتهذيب التهذيب (١/ ١١٨ - ١١٩) وشذرات الذهب (٢/ ٩٢ - ٩٤) والسير (١٢/ ٧٢ - ٧٦).","vol":"3","page":470},{"text":"وذب عنها رحمه الله تعالى. توفي سنة أربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1561>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن أبي بكر بن الجنيد، سمعت أبا ثور يقول: لولا أن الله مَنَّ علي بالشافعي للقيت الله وأنا ضال. قدم علينا وأنا أظن الله لم يعبده أحد بغير مذهب الرأي، قال الشافعي: وضع الله نبيه - ﷺ - وأهل دينه موضع الإبانة من كتاب الله مع ما أراد، وفرض طاعته فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١)، فليس لمفت أن يفتي ولا لحاكم أن يحكم حتى يكون عالما بهما ولا يخالفهما ولا واحدا منهما، وإلا فهو عاص وحكمه مردود، وإن لم يجدهما منصوصين فالاجتهاد أن يطلبهما. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1562>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: سئل أبو ثور عن ألفاظ القرآن فقال: هذا مما يسعك جهله، والله لا يسألك ﷿ عن هذا. فلا تتكلموا فيه فإن من زعم أن كلامه بالقرآن مخلوق فقد وافق اللفظيين لأنه إذا سمع منك القرآن فزعمت أنه لفظك فقد زعمت أن القرآن مخلوق ولأنك تزعم أن لفظك بالقرآن مخلوق فقد أجبت القوم أنه مخلوق. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1563>موقفه من المرجئة:</span>\nعن إدريس بن عبد الكريم المقري قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا\n_________\n(١) النساء الآية (٨٠).\n(٢) ذم الكلام (١١٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣/ ٦٠٣).","vol":"3","page":471},{"text":"ثور عن الإيمان؟ وما هو؟ يزيد وينقص؟ وقول هو؟ أو قول وعمل؟ وتصديق وعمل؟ فأجابه أبو ثور بهذا، فقال أبو ثور: سألت رحمك الله، وعفا عنك عن الإيمان ما هو؟ يزيد وينقص؟ وقول هو؟ أو قول وعمل وتصديق وعمل؟.\nفأخبرك بقول الطوائف واختلافهم: فاعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب والقول باللسان وعمل بالجوارح. وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله ﷿ واحد وأن ما جاءت به الرسل حق وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به؛ أنه ليس بمسلم، ولو قال المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام، وقال لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن، فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنا ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنا حتى يكون مصدقا بقلبه مقرا بلسانه. فإذا كان تصديق بالقلب وإقرار باللسان، كان عندهم مؤمنا، وعند بعضهم لا يكون حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمنا. فلما نفوا أن الإيمان شيء واحد وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم وثلاثة أشياء في قول غيرهم لم يكن مؤمنا إلا بما اجتمعوا عليه من هذه الثلاثة الأشياء. وذلك أنه إذا جاء بالثلاثة أشياء فكلهم يشهد أنه مؤمن، فقلنا بما اجتمعوا عليه من التصديق بالقلب والإقرار باللسان وعمل بالجوارح، فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم: ما أراد الله ﷿ من العباد إذ قال","vol":"3","page":472},{"text":"لهم: ﴿وأقيموا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزكاة﴾ (١) الإقرار بذلك؟ أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفرت عند أهل العلم، من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة.\nفإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعا لم زعمتم أن يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر؟ وقد أرادهما جميعا.\nأرأيتم لو أن رجلا قال: أعمل جميع ما أمر الله، ولا أقر به، أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا لا، قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئا أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: نعم. قيل: لهم ما الفرق؟ وقد زعمتم أن الله عزوجل أراد الأمرين جميعا؟ فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمنا. لا فرق بين ذلك. فان احتج فقال: لو أن رجلا أسلم، فأقر بجميع ما جاء به النبي - ﷺ -، أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟ قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله، أن يعمله في وقته إذا جاء وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا، وقال: أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1564>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد: عن إدريس بن عبد الكريم، أرسل رجل من أهل خراسان بكتاب يسأل أبا ثور فأجاب، سألتم رحمكم الله عن القدرية\n_________\n(١) البقرة الآية (٤٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٩٣١ - ٩٣٣/ ١٥٩٠).","vol":"3","page":473},{"text":"من هم؟ فالقدرية من قال: إن الله لم يخلق أفاعيل العباد وإن المعاصي لم يقدرها على العباد، ولم يخلقها، فهؤلاء قدرية لا يصلى خلفهم، ولا يعاد مريضهم، ولا تشهد جنائزهم، ويستتابون من هذه المقالة، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، وذلك أن الله خالق كل شيء، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بقدر﴾ (١) فمن زعم أن شيئا ليس بمخلوق من أفاعيل العباد كان ذلك ضالا، وذلك يزعم أنه يخلق فعله. والأشياء على معنيين: إما عرض وإما جسم، فمن زعم أنه يخلق جسما أو عرضا فقد كفر. (٢)\n\nقُتَيْبَة بن سعيد (٣) (٢٤٠ هـ)\nقتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف شيخ الإسلام، المحدث الإمام الثقة الجوال راوية الإسلام، أبو رجاء الثقفي مولاهم البلخي البغلاني، قيل إن جده جميلا كان مولى للحجاج بن يوسف الثقفي. روى عن حماد بن زيد وحاتم ابن إسماعيل وإسماعيل بن جعفر وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي وداود بن عبد الرحمن العطار وخلق سواهم. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والذهلي وأحمد بن حنبل وعدة. قال الخطيب: كان ثبتا\n_________\n(١) القمر الآية (٤٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٥ - ٧٩٦/ ١٣٣١)\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٧٩) والجرح والتعديل (٧/ ١٤٠) والسير (١١/ ١٣ - ٢٤) وتاريخ بغداد (١٢/ ٤٦٤ - ٤٧٠) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٥٢٣ - ٥٣٧) وتهذيب التهذيب (٨/ ٣٥٨ - ٣٦١) وشذرات الذهب (٢/ ٩٤ - ٩٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧).","vol":"3","page":474},{"text":"فيما روى، صاحب سنة وجماعة. توفي سنة أربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1566>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في شرف أصحاب الحديث عن قتيبة بن سعيد قال: إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه -وذكر قوما آخرين- فإنه على السنة، ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع. (١)\n- وقال: أحمد بن حنبل إمامنا، من لم يرض به فهو مبتدع. (٢)\n\" التعليق:\nوكان من بعده شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ثم في هذا الزمان الشيخ حامد الفقي، والشيخ ناصر الألباني والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وغيرهم مما يكثر عده كثرهم الله وجعلنا من محبيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1567>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الخلال في السنة: أخبرنا سليمان، قال: سمعت قتيبة يقول: بشر المريسي كافر. (٣)\n- وقال أيضا: أخبرنا أبو داود السجستاني قال: سمعت قتيبة قال:\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (٧١ - ٧٢) وأصول الاعتقاد (١/ ٧٤/٥٩) وذم الكلام (٢٦١).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ١٥).\n(٣) السنة للخلال (٥/ ١٠٣) والإبانة (٢/ ١٣/١٠٢/ ٣٤٣) والميزان (١/ ٣٢٣).","vol":"3","page":475},{"text":"الواقفة جهمية. وسمعت قتيبة قيل له الواقفة؟ فقال: الواقفة شر من هؤلاء (يعني: ممن قال القرآن مخلوق). (١)\n- وفي ذم الكلام عنه قال: إذا قال الرجل: المشبهة، فاحذروه، فإنه يرى رأي جهم. (٢)\n\" التعليق:\nلقد تفطن السلف إلى حيل المبتدعة وعرفوها، فلذا حذروا منها وجعلوا لمن ينتحلها علامات إذا رأوها منه. وكما يقال: التاريخ يعيد نفسه، فمن قال الآن: وهابية أو أتباع ابن تيمية وابن القيم أو مجسمة وما أشبه ذلك، فاعلم أنه مبتدع ضال، قصده الطعن فيمن رد الناس إلى عقيدة السلف.\n- وفي أصول الاعتقاد: عنه قال: قول الأئمة المأخوذ به في الإسلام والسنة، الإيمان بالرؤية والتصديق بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله - ﷺ - في الرؤية. (٣)\n- وفي السير واجتماع الجيوش الإسلامية: عن أبي العباس السراج قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: هذا قول الأئمة في الإسلام وأهل السنة والجماعة، نعرف ربنا ﷿ في السماء السابعة على عرشه. كما قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٤). (٥)\n_________\n(١) السنة للخلال (٥/ ١٤٠) والإبانة (١/ ١٢/٢٩٩/ ٧٨) والشريعة (١/ ٢٣٣/٢٠٥).\n(٢) ذم الكلام (ص.٢٥٧).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٥٦١/٨٨٦).\n(٤) طه الآية (٥).\n(٥) السير (١١/ ٢٠) واجتماع الجيوش الإسلامية (ص.٢١٢).","vol":"3","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1568>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في السير: وقيل: كان سبب نزوح قتيبة من مدينة بلخ، وانقطاعه بقرية بغلان، أنه حضر عنده مالك، وجاءه إبراهيم بن يوسف البلخي للسماع، فبرز قتيبة، وقال: هذا من المرجئة، فأخرجه مالك من مجلسه -وكان لإبراهيم صورة كبيرة ببلده- فعادى قتيبة، وأخرجه. (١)\n\nسُحْنُون (٢) (٢٤٠ هـ)\nعبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان الإمام العلامة فقيه المغرب أبو سعيد التنوخي الحمصي الأصل، المغربي القيرواني، قاضي القيروان، وصاحب 'المدونة' ويلقب بـ \"سحنون\" بفتح السين وضمها، وهو اسم طائر بالمغرب، يوصف بالفطنة والتحرز. سمع من سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب وابن القاسم ووكيع بن الجراح وأشهب والوليد بن مسلم وطائفة. أخذ عنه ولده محمد فقيه القيروان وأصبغ بن خليل القرطبي وبقي بن مخلد وعيسى بن مسكين وسعيد بن نمر الغافقي وعدة. قال يونس بن عبد الأعلى: سحنون سيد أهل المغرب. وقال أشهب: ما قدم علينا مثل سحنون. من أقواله: أكل بالمسكنة، ولا أكل بالعلم. محب الدنيا أعمى لم ينوره العلم. ما أقبح بالعالم أن يأتي الأمراء، والله ما دخلت على السلطان إلا وإذا خرجت\n_________\n(١) السير (١١/ ٢٠).\n(٢) وفيات الأعيان (٣/ ١٨٠ - ١٨٢) وترتيب المدارك (١/ ٣٣٩ - ٣٦٣) ورياض النفوس (١/ ٣٤٥ - ٣٧٥) والديباج المذهب (٢/ ٣٠ - ٤٠) والسير (١٢/ ٦٣ - ٦٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٣١ - ٢٤٠/ص.٢٤٧ - ٢٤٩).","vol":"3","page":477},{"text":"حاسبت نفسي، فوجدت عليها الدرك، وأنتم ترون مخالفتي لهواه، وما ألقاه به من الغلظة، والله ما أخذت ولا لبست لهم ثوبا. توفي سنة أربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1570>موقفه من المبتدعة:</span>\n- وسئل سحنون: أيسع العالم أن يقول: لا أدري فيما يدري؟ قال: أما ما فيه كتاب أو سنة ثابتة فلا، وأما ما كان من هذا الرأي، فإنه يسعه ذلك لأنه لا يدري أمصيب هو أم مخطئ. (١)\n- وعنه قال: إني لأخرج من الدنيا، ولا يسألني الله عن مسألة قلت فيها برأيي، وما أكثر ما لا أعرف. (٢)\n- قال سحنون بن سعيد: ما أدري ما هذا الرأي؟ سُفكت به الدماء، واستحلت به الفروج، واستحقت به الحقوق، غير أنا رأينا رجلا صالحا فقلدناه. (٣)\n- وعن يحيى بن عون: قال: دخلت مع سحنون على ابن القصار وهو مريض فقال: ما هذا القلق؟ قال له: الموت والقدوم على الله. قال له سحنون: ألست مصدقا بالرسل والبعث والحساب والجنة والنار، وأن أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى يوم القيامة، وأنه على العرش استوى، ولا تخرج على الأئمة بالسيف، وإن جاروا. قال: إي والله، فقال: مت إذا شئت، مت إذا شئت. (٤)\n_________\n(١) السير (١٢/ ٦٥).\n(٢) السير (١٢/ ٦٩).\n(٣) إعلام الموقعين (١/ ٧٩).\n(٤) السير (١٢/ ٦٧).","vol":"3","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1571>موقفه من الرافضة:</span>\nقال العتبي وسئل سحنون عمن قال: إن جبريل أخطأ بالوحي، وإنما كان لعلي ابن أبي طالب إلا أن جبريل أخطأ الوحي، هل يستتاب أو يقتل ولا يستتاب؟ قال: بل يستتاب، فإن تاب وإلا قتل: قيل: فإن شتم أحدا من أصحاب النبي - ﷺ - أبا بكر وعمر أو عثمان أو علي أو معاوية أو عمرو بن العاص؟ فقال لي: أما إذا شتمهم فقال إنهم كانوا على ضلال وكفر، قتل، وإن شتمهم بغير هذا كما يشتم الناس رأيت أن ينكل نكالا شديدا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1572>موقفه من الجهمية:</span>\nلم تقف بدعة الجهمية في المشرق، بل تجاوزت إلى المغرب، وتبناها الكثير من ضعفاء العقول والجهلة بالأثر والفقه السلفي، وحكام مغرضون وافقت أهواءهم، وقاموا بنفس الامتحان الذي قام به حكام المشرق. ولكن وجدوا الجبال الراسيات، التي ثبتها الله، زيادة على مشربهم السلفي، فرحمة الله على الجميع. وقد ذكر القاضي عياض في 'ترتيب المدارك' جملة كبيرة من هذا النموذج، وكذلك الدباغ في 'معالم الإيمان في تاريخ القيروان' وأبو العرب والخشني وغيرهم، مما لو جمع لكان جيشا كبيرا سلفيا، وقد أخذت بعض النماذج في هذا البحث المبارك، ولعل الله يطيل في العمر ونكمل الباقي إن شاء الله. وإليكم الإمام الكبير سحنون بن سعيد.\n- جاء في معالم الإيمان: قال غير واحد من العلماء بالأثر: كان\n_________\n(١) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"3","page":479},{"text":"سحنون قد حضر جنازة وهب -وكان أخاه من الرضاعة- فتقدم ابن أبي الجواد الذي كان قاضيا قبله -وكان يذهب إلى رأي الكوفيين، ويقول بالمخلوق- فصلى عليها، فرجع سحنون ولم يصل خلفه، فبلغ ذلك الأمير \"زيادة الله\"، فأمر أن يوجه إلى عامل القيروان أن يضرب سحنونا خمسمائة سوط، ويحلق رأسه ولحيته، فبلغ ذلك وزيره علي بن حميد فأمر الوزير أن يتوقف، وتلطف حتى دخل على الأمير وقت القائلة، وقد نام، فقال له: ما شيء بلغني في كذا؟ قال: نعم، قال: لا تفعل، فإن الغير إنما هلك بضربه البهلول بن راشد، فقال: وهذا مثل بهلول؟ قال: نعم، وقد حبست البريد شفقة على الأمير، فشكره ولم ينفذ أمره. وبينما سحنون يقرئ الناس إذ أتاه الخبر بما أراح الله منه، وقيل له: لو ذهبت إلى علي بن حميد فشكرته؟ قال: لا أفعل، قيل له: لو وجهت ابنك لذلك؟ فأبى، قال: ولكني أحمد الله الذي حرك ابن حميد لهذا، فهو أولى بالشكر، وأقبل على إسماعه، فقال له قوم من أصحابه: لهذا كتب والله اسمك بالحبر على الرقوق.\nقال ابن وضاح: كنت عند سحنون فجاء إنسان فساره شيئا، فتغير لونه، ثم جاءه آخر فساره فرجعت إليه نفسه، ثم قال: لم أبلغ أنا مبلغ من ضرب، إنما يضرب مثل مالك وابن المسيب.\nولما ولي أحمد بن الأغلب الإمارة، وأخذ الناس بالمحنة بالقرآن، وخطب به بالقيروان، توجه سحنون إلى عبد الرحيم الزاهد بقصر زياد فارا، فكان عنده، فوجه في طلبه إلى هنالك رجلا يقال له:","vol":"3","page":480},{"text":"ابن السلطان، وكان مبغضا في سحنون بغضا عظيما، اختاره لذلك في خيل وجهها معه. فلما وصل إلى سحنون قال له ابن السلطان: وجهني الأمير إليك، وقصدني لبغضي فيك، لأبلغ منك، وقد حالت نيتي عن ذلك، وأنا أبذل دمي دون دمك، فاذهب حيث شئت من البلاد أو أقم، فأنا معك. فشكره سحنون وقال: ما كنت أعرضك لهذا، بل أذهب معك. فخرج وشيعه أصحابه، وقال عبد الرحيم للرسول: قل للأمير: أوحشتنا من صاحبنا وأخينا في هذا الشهر العظيم، -وكان شهر رمضان- سلبك الله ما أنت فيه وأوحشك. وفي رواية عارضتني في ضيفي، فوالله لأعرضنك على رب العالمين.\nفلما وصل إلى الأمير، جمع له قواده وقاضيه ابن أبي الجواد وغيره، وسأله عن القرآن، فقال سحنون: أما شيء أبتدئه من نفسي فلا، ولكن سمعت من تعلمت منه وأخذت عنه كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال ابن أبي الجواد: كفر اقتله، ودمه في عنقي، وقال غيره مثله ممن يرى رأيه وقال بعضهم: يقطع أرباعا ويجعل كل ربع بموضع من المدينة. ويقال هذا جزاء من لم يقل بكذا.\nفقال الأمير لداود بن حمزة: ما تقول أنت؟ قال: قتله بالسيف راحة، ويقال إن قائل هذا علي بن حميد ومحمد بن أحمد الحضرمي ورجال السنة من أصحاب السلطان، ولكن اقتله قتل الحياة، تأخذ عليه الضمناء وينادى عليه بسماط القيروان أن لا يفتي ولا يسمع أحدا ويلزم داره ففعل ذلك وأخذ عليه عشرة حملاء، ويقال إن ابن أبي الجواد هو الذي أمر بأخذ الحملاء عليه.\nقال سهل: فدخلت عليه ومعي دراهم أشتري بها ثيابي من الحرس إن أخذوني، فعافاني الله فقلت: البدعة فاشية، وأهلها أعزاء، فقال لي: أما علمت","vol":"3","page":481},{"text":"أن الله إذا أراد قطع بدعة أظهرها، وما كان إلا زمن قليل ومات الأمير. (١)\n\" التعليق:\nهكذا يكرم الله عباده الصالحين بالنجاة من الظالمين، فيهيئ لذلك من الأسباب والأشخاص ما لا يدخل في حساب الناجي.\nوهذا الإمام سحنون الذي خلد الله ذكره في الأولين والآخرين، يثبت على عقيدة السلف، ويقف سدا منيعا أمام دعاة الجهمية؛ حكام وعلماء سوء والكل يسبحون في بحر من الضلال والجهل، وسحنون هذا، كان في وقته بمنزلة الإمام أحمد وأمثاله، فلو أجاب إلى هذه البدعة لأجاب كل علماء السلف الذين بإفريقية، ولكن جعل نفسه فداء لعقيدة السلف كما سبقه إلى ذلك جبال راسيات من السلفيين الأخيار، ﵏، وجعلهم في أعلى عليين، وجعلنا وشباب العالم الإسلامي على منهاجهم، إنه سميع مجيب.\n\n- وفي نقض المنطق للحافظ ابن تيمية: قال سحنون: من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه. (٢)\n_________\n(١) معالم الإيمان (٢/ ٩٣ - ٩٥).\n(٢) نقض المنطق (ص.٥).","vol":"3","page":482},{"text":"عبد العزيز بن يحيى الكِنَاني (١) (٢٤٠ هـ)\nعبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم بن ميمون الكناني المكي الفقيه صاحب كتاب 'الحيدة' وكان يلقب بالغول لدمامة منظره. روى عن سفيان بن عيينة ومروان بن معاوية الفزاري وعبد الله بن معاذ الصنعاني والشافعي وهشام بن سليمان المخزومي. روى عنه أبو العيناء محمد بن القاسم والحسين بن الفضل البجلي وأبو بكر يعقوب بن إبراهيم التيمي. قال الخطيب: قدم بغداد زمن المأمون، وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القرآن، وكان من أهل العلم والفضل. توفي سنة أربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1574>موقفه من الجهمية:</span>\n- آثاره في العقيدة السلفية:\n١ - كتاب الحيدة:\nهذا شخص مبارك يعرفه من قرأ له كتابه 'الحيدة' وهو من أروع الكتب التي حملت قوة علم السلفيين، وشجاعتهم، وقوة ثباتهم وعدم مبالاتهم بالسلطان المبتدع الضال، ومن قرأ الكتاب يتبين له جهل المبتدعة بالمعقول والمنقول، وأن سلاحهم الوحيد في نشر بدعهم هو الحيلة والمكر والروغان المستمر، وعدم معرفتهم بباطلهم والرجوع إلى الحق. ولما لهذا الكتاب من مكانة في العقيدة السلفية، حاول أعداء هذه المدرسة الطعن في الشخص والكتاب، ولكن كما قال الشاعر:\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (٢/ ٦٣٩) وتاريخ بغداد (١٠/ ٤٤٩ - ٤٥٠) وشذرات الذهب (٢/ ٩٥) وتهذيب التهذيب (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٤).","vol":"3","page":483},{"text":"كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\nوكما قال آخر:\nوهل حط قدر البدر عند طلوعه ... إذا ما الكلاب أنكرته فهرت\nوما إن يضر البحر إن قام أحمق ... على شطه يرمي إليه بصخرة\n\n٢ - الرد على الجهمية:\nنقل منه الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش، وذكره شيخ الإسلام في درء التعارض وغيره.\nوهذا نموذج منه: باب قول الجهمي في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١)، زعمت الجهمية أن معنى استوى استولى، من قول العرب استوى فاطن على مصر، يريدون استولى عليها، قال: فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال: لا، قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر أنه سبحانه خلق العرش قبل السموات والأرض ثم استوى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول المدة التي كان العرش قبل خلق السموات والأرض ليس الله تعالى بمستول عليه فيها، ثم ذكر كلاما طويلا في تقرير العلو والاحتجاج عليه. (٢)\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) اجتماع الجيوش (ص.٢٠٣).","vol":"3","page":484},{"text":"- مناظرته لبشر بن غياث المريسي:\nعن عبد العزيز بن يحيى المكي الكناني: أرسل لي أمير المؤمنين المأمون فأحضرني، وأحضر بشر بن غياث المريسي فدخلنا عليه، فلما جلسنا بين يديه، قال: إن الناس قد أحبوا أن تجتمعا وتتناظرا، فأردت أن يكون ذلك بحضرتي، فَأَصِّلا فيما بينكما أصلا إن اختلفتما في فرع رجعتما إلى الأصل، فإن انقضى فيما بينكما أمره إلا كانت لكما عودة. قال عبد العزيز: قلت: يا أمير المؤمنين، إني رجل لم يسمع أمير المؤمنين كلامي قبل هذا اليوم، وقد سمع كلام بشر ودار في مسامعه، فصار دقيق كلامه جليلا عند أمير المؤمنين وفي بعض كلامي دقة، فإن رأى أمير المؤمنين أن أتكلم، فأقدم من كلامي شيئا يتبين به الكلمة التي تدق على سامعها ولا تغبى إذا طرت على أهل المجلس، قال: ونزهته أن أواجهه بها. فقال: قل يا عبد العزيز. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنه من ألحد في كتاب الله جاحدا أو زائدا، لم يناظر بالتأويل ولا بالتفسير ولا بالحديث. قال: فبم يناظر؟ قلت له: بالتنزيل. قال الله عزوجل لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ (١) وقال: ﴿إِنَّمَا أنذركم بِالْوَحْيِ﴾ (٢) وقال لليهود حين ادعت تحريم أشياء لم\n_________\n(١) الرعد الآية (٣٠).\n(٢) الأنبياء الآية (٤٥).","vol":"3","page":485},{"text":"يحرمها: ﴿قُلْ فَأْتُوا بالتوراة فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صادقين﴾ (١) وإنما يكون التأويل والتفسير لمن قرأ التنزيل، فأما من ألحد في تنزيل القرآن وخالفه، لم يناظر بتأويله ولا بالحديث. قال عبد العزيز: فقال المأمون: أو يخالفك في التنزيل؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، يخالفني في التنزيل، أو ليتركن قوله.\nقال: فقال: سله. قلت له: يا بشر: ما حجتك بأن القرآن مخلوق؟ انظر أَحَدَّ سهم في كنانتك فارمني به، ولا تكن بك حاجة إلى معاودة، فقال: قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). قال: فقلت للمأمون: يا أمير المؤمنين من أخذ بمكيال فعليه أن يعطي به. فقال لي: ذاك يلزمه. فقلت له: أخبرني عن قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣)، هل بقي شيء لم يأت عليه هذا الخبر؟ فقال لي: لا. قلت له: أخبرني عن علم الله الذي أخبر عنه في خمسة مواضع، فقال في البقرة: ﴿ولا يحيطون بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (٤) وقال في النساء: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يشهد بما أنزل إليك أنزله بِعِلْمِهِ﴾ (٥) وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يستجيبوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أنزل بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٦) وقال في فاطر: ﴿وما\n_________\n(١) آل عمران الآية (٩٣).\n(٢) الأنعام الآية (١٠٢).\n(٣) الأنعام الآية (١٠٢).\n(٤) البقرة الآية (٢٥٥).\n(٥) النساء الآية (١٦٦).\n(٦) هود الآية (١٤).","vol":"3","page":486},{"text":"تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (١) وقال في سجدة المؤمن: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٢) أفمقر أنت أن لله علما كما أخبر عن علمه أو تخالف التنزيل؟\nقال عبد العزيز: فحاد بشر عن جوابي وأبى أن يصرح بالكفر، فيقول: ليس لله علم، فأرجع بالمسئلة وعلم ما يلزمه فأقول له: أخبرني عن علم الله داخل في قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شيءٍ﴾، فلزم الحيدة واجتلب كلاما لم أسأله عنه، فقال: معنى ذلك لا يجهل، فقلت: يا أمير المؤمنين، فلا يكون الخبر عن المعنى قبل الإقرار بالشيء يقر أن لله علما، فإن سألته ما معنى العلم، وليس هذا مما أسأله عنه، فيجيب بهذا إن كان هذا جوابا حاد عن الجواب ولزم سبيل الكفار. فقال لي بشر: وتعرف الحيدة؟ قال: قلت: نعم، إني لأعرف الحيدة من كتاب الله وهي سبيل الكفار التي اتبعتها. فقال لي المأمون: والحيدة نجدها في كتاب الله؟ قلت: نعم، وفي سنة المسلمين وفي اللغة. فقال لي: فأين هي من كتاب الله؟\nقال عبد العزيز: قلت: إن إبراهيم ﵇ قال لقومه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ (٣) فكانوا بين أمرين: أن يقولوا: يسمعوننا حين ندعوا أو ينفعوننا أو يضروننا، فيشهد\n_________\n(١) فاطر الآية (١١).\n(٢) فصلت الآية (٤٧).\n(٣) الشعراء الآيتان (٧٢و٧٣).","vol":"3","page":487},{"text":"عليهم من يسمع قولهم أنهم قد كذبوا، أو يقولوا: لا يسمعوننا حين ندعوا ولا يضروننا ولا ينفعوننا، فينفوا عن آلهتهم المقدرة، فبأي الخبرين أجابوا كانت الحجة عليهم لإبراهيم ﵇ فحادوا عن جوابه واجتلبوا كلاما من غير فن كلامه، فقالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (١)، ولم يكن هذا جوابا عن مسألة إبراهيم. ويروى أن عمر بن الخطاب قال لمعاوية وقد قدم عليه فنظر إليه يكاد يتفقأ شحما، فقال: ما هذه الشحمة يا معاوية، لعلها من نومة الضحى ورد الخصم؟ فقال (٢): يا أمير المؤمنين، إذا تصونني يرحمك الله، فقد صدق بشر أن الله لا يجهل، إنما سألته أن يقر بالعلم الذي أخبر الله عنه، فأبى أن يقر به وحاد عن جوابي إلى نفي الجهل، فليقل أن لله علما وأن الله لا يجهل، ثم التفت إلي بشر فقلت: يا بشر أنا وأنت نقول أن الله لا يجهل، وأنا أقول أن لله علما وأنت تأبى أن تقوله، فدع ما تقول وأقول، وما لا تقول ولا أقول، وإنما مناظرتي إياك فيما أقول ولا تقول، أو تقول ولا أقول، قال: وهو في ذلك يأبى أن يقر أن لله علما، ويقول: إن الله لا يجهل، فلما أكثر، قلت: يا أمير المؤمنين، إن نفي السوء لا يثبت المدحة، وكنت متكئا على أسطوانة، قلت: هذه الأسطوانة لا تجهل ولا تعلم، فليس نفي الجهل بإثبات للعلم، فإثباته ما أثبت الله أولى به، لأن على الناس أن يثبتوا ما أثبت الله، وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا حيث أمسك الله.\nثم قلت: يا أمير المؤمنين: لم يمدح الله ملكا ولا نبيا ولا مؤمنا بنفي\n_________\n(١) الشعراء الآية (٧٤).\n(٢) وقع هنا سقط في الإبانة وما بين المعقوفتين مثبت من كتاب الحيدة (ص.٥٤ - ٥٥) بتحقيق د. جيل صليبا).","vol":"3","page":488},{"text":"الجهل، بل دل على إثبات العلم، فقال تعالى للملائكة: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يعلمون مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١)، ولم يقل: لا يجهلون. وقال للنبي - ﷺ -: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣)، ولم يقل: الذين لا يجهلون، فمن أثبت العلم، نفى الجهل، ومن نفى الجهل، لم يثبت العلم، فما اختار بشر لله من حيث اختار الله لنفسه، ولا من حيث اختار لملائكته ولرسله وللمؤمنين.\nفقال لي أمير المؤمنين: فإذا أقر أن لله علما يكون ماذا؟ قلت: يا أمير المؤمنين أسأله عن علم الله، أداخل هو في جملة الأشياء المخلوقة حين احتج بقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، وزعم أنه لم يبق شيء إلا وقد أتى عليه هذا الخبر، فإن قال: نعم، فقد شبه الله بخلقه الذين أخرجهم الله من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، وكل من تقدم وجوده علمه فقد دخل عليه الجهل فيما بين وجوده إلى حدوث علمه، وهذه صفة المخلوقين الذين أخرجهم الله من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، فيكون بِشر قد شبه الله بخلقه. فقال لي أمير المؤمنين: أحسنت أحسنت يا عبد العزيز، ثم التفت إلى بشر، فقال: يأبى\n_________\n(١) الانفطار الآيتان (١١و١٢).\n(٢) التوبة الآية (٤٣).\n(٣) فاطر الآية (٢٨).\n(٤) الأنعام الآية (١٠٢).","vol":"3","page":489},{"text":"عليك عبد العزيز إلا أن تقر أن لله علما، ثم قال لي أمير المؤمنين: تقول إن الله عالم؟ قلت: نعم. قال: وتقول أن لله علما؟ قلت: نعم. قال: تقول إن الله سميع بصير؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فتقول أن لله سمعا وبصرا كما قلت أن لله علما؟ قال: قلت: لا يا أمير المؤمنين. فقال لي: فرق بين هذين. قال: فأقبل بشر، فقال: يا أمير المؤمنين يا أفقه الناس يا أعلم الناس يقول الله ﷿: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (١٨) (١) قال: قلت: قد قدمت إلى أمير المؤمنين فيما احتججت به أن على المؤمنين أن يثبتوا ما أثبت الله وينفوا ما نفى الله، ويمسكوا عن ما أمسك الله، فأخبرني الله أنه عالم، فقلت: إنه عالم بقوله: ﴿عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ (٢) وأخبرني أن له علما بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أنزل بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٣)، وأخبرني أنه سميع بصير، فقلت بالخبر ولم يخبرني أن له سمعا وبصرا، فأمسكت.\nفقال المأمون: ما هو مشبها فلا تكذبوا عليه. فقال لي بشر: فما معنى العلم، لو أن رجلين وردا عليك فقالا ما معنى العلم؟ فحلف أحدهما بالطلاق أن العلم هو الله، وقال الآخر: أن العلم غير الله، ما كان جوابك؟ قلت: أما مسألتك إياي ما معنى العلم، فإنك تسألني عما لم يخبرني الله به ولم يخبر\n_________\n(١) الأنبياء الآية (١٨).\n(٢) الأنعام الآية (٧٣).\n(٣) هود الآية (١٤).","vol":"3","page":490},{"text":"أحدا، فأمرتني أن أقول على الله ما لم أعلم كما أمر الشيطان، فأولى الأمرين بي أن أمسك عما حرم الله علي أن أقول به، وأمرني الشيطان أن أقوله. قال الله عزوجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ثم أقبلت على المأمون، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن بشرا قد علم أنه قد أفحم فلم يكن عنده جواب، فيسأل عما لم يكن له أن يسأل عنه ولا يكون لي أن أجيب عنه، فأراد أن يقول إن عبد العزيز سأل بشرا عن مسألة فلم يجبه، وسأل بشر عبد العزيز فلم يجبه، فأنا وبشر يا أمير المؤمنين من مسألتي ومسألته على غير السواء، سألته عما أعلمه الله به ووقعه عليه بالإعلام وتعبده بالإيمان به لقوله: ﴿وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أنزل اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ (٣)\nفأبى أن يقر به، وسألني عن معنى العلم وقد ستر الله ذلك عني وعنه، وإنما يدخل النقص علي لو كان بشر يعلم أو أحد العلماء ما العلم، فأما ما نجتمع أنا وبشر والخلق في الجهل بمعرفته، فلم يكن الضرر داخلا علي\n_________\n(١) الأعراف الآية (٣٣).\n(٢) البقرة الآيتان (١٦٨و١٦٩).\n(٣) الشورى الآية (١٥) ..","vol":"3","page":491},{"text":"دونه، وهذه مسألة لا يحل لمؤمن أن يسأل عنها ولمؤمن أن يجيب فيها، لأن الله ﷿ أمسك عن أن يخبر كيف علمه، فلم يكن لأحد أن يتكلفه ولا يخبر عنه ولا لسائل أن يسأل عنه، فلما كان علينا أن نقول سميعا بصيرا، قلنا، وليس لنا أن نقول: سمع وبصر.\nقال عبد العزيز: وقلت لبشر: حين تسألني ما معنى العلم وتشير علي أن أقول على الله ما لم يقله، هل تجوز هذه المسألة في خلق من خلق الله؟ قد قال الله ﷿: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (١)، فلو ورد علي ثلاثة نفر فحلف أحدهم أن الأقلام خشب، وحلف الآخر أنها قصب، وحلف الآخر أنها خوص، كان علي أن أميز بين قول هؤلاء؟ وقال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ (٢)، فلو ورد علي رجلان فحلف أحدهما أنه الزهرة، وحلف الآخر أنه المشتري، أكان علي أن أنظر بين هذين أيهما المصيب من المخطئ؟ وقال ﷿: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، فلو أن ثلاثة نفر حلفوا فقال أحدهم: المؤذن ملك، وقال الآخر: هو إنسي، وقال الآخر: هو جني، كان علي أو على أحد من الناس أن يقضي بينهم إلا أن يكون الله أخبر في كتابه كيف ذلك وعلى لسان نبيه - ﷺ -؟ وإذا لم يوجد شيء من هذا عن الله ولا عن\n_________\n(١) آل عمران الآية (٤٤).\n(٢) الأنعام الآية (٧٦).\n(٣) الأعراف الآية (٤٤).","vol":"3","page":492},{"text":"رسوله، لم يكن لأحد أن يصل الخبر بتفسير من تلقاء نفسه، فإذا كان هذا لا يجوز في خلق من خلق الله، فكيف تجوز المسألة في الله، وقد حرم الله ﷿ على الناس أن يقولوا على الله ما لا يعلمون؟\nقال عبد العزيز: ورأيته قد حار في يدي، فقلت: يا أمير المؤمنين احتج بشر بقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فليعط بالمكيال الذي أراد أن يأخذ به إن كان صادقا. قال الله ﷿: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٢)، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٣) وقال: ﴿ويحذركم اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٤) وقال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٥) فأخبر أن له نفسا. وقال: ﴿كل نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ (٦) فلو أن ملحدا ألحد علي وعلى بشر، فقال: قد أخبر الله أن كل نفس ذائقة الموت، وأن له نفسا، ما كانت الحجة لي وله عليه.\nقال: فقال بشر: إن كنت تريد نفس ضمير أو توهم جارحة. فقلت: كم ألقي إليك أني أقول بالخبر وأمسك عن علم ما ستر عني، وإنما أقول: إن\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٠٢).\n(٢) المائدة الآية (١١٦).\n(٣) الأنعام الآية (٥٤).\n(٤) آل عمران الآية (٢٨).\n(٥) طه الآية (٤١).\n(٦) آل عمران الآية (١٨٥).","vol":"3","page":493},{"text":"لله نفسا كما قال، فليكن معناها عندك ما شئت، أهي داخلة في قوله: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾؟ إلى كم تفر إلى المعاني؟ انظر هل أجري معك حيث تجري؟ قال: فقال المأمون: ويحك يا عبد العزيز كيف هذا؟ قلت: يا أمير المؤمنين إن الله ﷿ أنزل القرآن بأخبار خاصة وعامة، ففيها ما يكون مخرجها مخرج العموم ومعناها معنى العموم، ومنه خبر مخرج لفظه مخرج خاص ومعناه معنى خاص، منهما خبران محكمان لا ينصرفان بإلحاد ملحد، ومن القرآن خبر مخرج لفظه خاص ومعناه عام، وخبر مخرج لفظه عام ومعناه خاص، وفي هذه دخلت الشبه على من لم يعرف خاص القرآن وعامه، فأما الخبر الذي مخرجه عام ومعناه عام، فقوله: ﴿وَلَهُ كل شَيْءٍ﴾ (١) فجمع هذا الخبر الخلق والأمر فلم يبق شيء إلا وقد أخبر أنه له، فمخرجه عام ومعناه عام، وأما الخبر الذي مخرجه خاص ومعناه خاص فما قدم في عيسى ﵇ أنه خلق من غير أب، وفي آدم ﵇. وقال: ﴿يا أيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذكرٍ وَأُنْثَى﴾ (٢)، فلم يتوهم مؤمن أن الله ﷿ عنى آدم وعيسى. وأما الخبر الذي مخرجه خاص ومعناه عام، فهو قوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رب الشِّعْرَى﴾ (٣) فهو رب الشعرى وغير الشعرى.\n_________\n(١) النمل الآية (٩١).\n(٢) الحجرات الآية (١٣).\n(٣) النجم الآية (٤٩).","vol":"3","page":494},{"text":"وأما الخبر الذي معناه خاص، فهو قوله: ﴿إِلَّا آَلَ لُوطٍ نجيناهم بِسَحَرٍ﴾ (١) إنما كان معناه خاصا، لأن امرأة لوط لم تعن، ولما أنزل الله ﷿ القرآن على معاني هذه الأخبار، لم يتركها أشباها على الناس، ولكن بيانها خاص لقوم يفقهون، وإذا أنزل الله خبرا مخرج لفظه خاص ومعناه عام، بين في أكثر ذلك ما بينه بأحد بيانين: إما أن يستثني من الجملة شيئا فيكون بيانا للناس أكملهم، أو يقدم فيهم خبرا خاصا فلا يعينه، فإذا أنزل خبرا عاما لم يتوهم عالم أنه عنى في خبره العام خلاف ما خصه ونصه.\nوأما الخبر الذي بين له على العموم ثم يستثني ما لم يعنه، فهو قوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٢) فعقل المؤمنون أن الألف السنة لم يستكملها نوح في قومه قبل الطوفان بقول الله ﷿: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، فكان ابتداء لفظه عاما ومعناه خاصا بالاستثناء.\nوأما الخبر الخاص الذي لا يجري عليه الخبر العام، فهو كقوله في إبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣)، وقال: ﴿ورحمتي وسعت كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤)، فعقل أهل العلم عن الله أنه لم يعن إبليس\n_________\n(١) القمر الآية (٣٤).\n(٢) العنكبوت الآية (١٤).\n(٣) ص الآية (٨٥).\n(٤) الأعراف الآية (١٥٦).","vol":"3","page":495},{"text":"بقوله: ﴿ورحمتي وسعت كُلَّ شَيْءٍ﴾ لما قدم فيه من الخبر الخاص باليأس من رحمة الله لأن من سنته أن لا يترك الذي لا يعني حتى يخرجه بالاستثناء أو محاشاة، فيقدم فيه خبرا كقوله: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (١) قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٢)، فاستثنى لوطا من أهل القرية، واستثنى امرأة لوط من آل لوط.\nوقال في موضع آخر: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٣) وقال: ﴿مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٤)، فخص المرأة بالهلاك، وأنزل خبرا مخرجه مخرج عام، ومعناه خاص، فقال: ﴿إِلَّا آَلَ لُوطٍ نجيناهم بِسَحَرٍ﴾ (٥) فعقل المؤمنون عن الله أنه لم يعن امرأة لوط بالنجاة، لما قدم فيها من الخبر الخاص بالهلكة، وكذلك حين قدم في نفسه خبرا خاصا، فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٦) ثم قال: ﴿كل نَفْسٍ\n_________\n(١) العنكبوت الآية (٣١).\n(٢) العنكبوت الآية (٣٢).\n(٣) النمل الآية (٥٧).\n(٤) العنكبوت الآية (٣١).\n(٥) القمر الآية (٣٤).\n(٦) الفرقان الآية (٥٨).","vol":"3","page":496},{"text":"ذائقة الْمَوْتِ﴾ (١)، فلم يكن لأحد أن يتوهم على الله أنه عنى نفسه، وكذلك حين قدم في قوله خبرا خاصا، فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢)، فدل على قوله باسم معرفة وعلى الشيء باسم نكرة فكانا شيئين متفرقين، فقال: ﴿إذا أردناه﴾ ولم يقل إذا أردناهما ولم يقل أن نقول لهما ثم قال: ﴿كُنْ فيكون﴾، ففرق بين القول والشيء المخلوق. ثم قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣)، فعقل أهل العلم عن الله أنه لم يعن قوله في جملة الأشياء المخلوقة حين قدم فيه خبرا أنه خلق الأشياء بقوله، وإنما غلط بشر يا أمير المؤمنين ومن قال بقوله بخاص القرآن وعامه.\nقال عبد العزيز: ثم أقبلت على المأمون، فقلت: يا أمير المؤمنين إن بشرا خالف كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع أصحاب محمد - ﷺ -. فقال: أو فعل ذلك؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أوقفك عليه الساعة. فقال لي كيف؟ قلت: إن اليهود ادعت تحريم أشياء في التوراة، فقال الله ﷿: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤) فإذا تليت التوراة فلم يوجد ما ادعوا، كان إمساك التوراة مسقطا لدعواهم، وكذلك يقال لبشر:\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٨٥).\n(٢) النحل الآية (٤٠).\n(٣) الأنعام الآية (١٠٢).\n(٤) آل عمران الآية (٩٣).","vol":"3","page":497},{"text":"اتل بما قلت قرآنا وإلا فإن إمساك القرآن بما تدعي مسقط لدعواك، وكذلك تنظر في سنة رسول الله - ﷺ -، فإن كانت معه سنة من رسول الله، وإلا كان إمساك سنة رسول الله مسقطا لدعواه، وأما خلافه أصحاب محمد - ﷺ -، فإن أصحاب محمد اختلفوا في الحلال والحرام ومخارج الأحكام، فلم يخطئ بعضهم بعضا، فهم من أن يبدع بعضهم بعضا أبعد، وهم من أن يكفر بعضهم بعضا بالتأويل أبعد، وبشر ادعى على الأمة كلها كلمة تأولها، ثم زعم أن من خالفه كافر، فهو خارج من إجماع أصحاب محمد - ﷺ -. قال بشر: ما ادعيت إلا نص التنزيل.\nقال: قلت له: هات، فأنا أول من يقول بقولك إن كان معك تنزيل، ومن خالف فكافر. قال: فقال محمد بن الجهم: أولا تقبل منه إلا نص القرآن؟ قلت: لا، لأنه إذا تأول فلخصمه أن يتأول معه. قال: فقال لي محمد بن الجهم: ومن أين لك من القرآن أن هذا الحصير مخلوق؟ قلت: هو في القرآن من حيث لا تعلم، وقد أخبر الله أنه خلق الأنعام وخلق الشجر، وهذا الحصير من الشجر ومن جلود الأنعام، فمعك أنت شيء تخبرني أن القرآن من ذلك الشيء الذي خلقه الله؟ قال بشر: معي نص القرآن.\nقال: فقلت: فكيف لم تأتني به أولا حين قلت لك ارمني بأحدّ سهم في كنانتك؟ قال: فقال نعم، قول الله ﷿: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١) قلت: لا أعلم أحدا من المؤمنين لا يقول إن الله قد جعل القرآن عربيا وكل\n_________\n(١) الزخرف الآية (٣).","vol":"3","page":498},{"text":"المؤمنين يقولون: إن الله قد جعل القرآن عربيا، فقد قالوا معك بالتنزيل ولم يخالفوا التنزيل، وأنت إنما كفرت القوم بمعنى جعل لأن معنى جعل عندك معنى خلق. قال بشر: ما بين جعل وخلق فرق. قلت لبشر: أخبرني عن جعل عندك حرف محكم لا يحتمل إلا معنى خلق؟ قال: نعم، لا يعقل جعل في لغة من اللغات إلا معنى خلق.\nقلت: فأخبرني عن قول الله ﷿: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (١) معناه معنى خلقتم؟ أخبرني عن قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) معناه: لا تخلقوا؟ أخبرني عن قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٣) معناه: لا تخلقوا؟ قال: فقال لي المأمون: فما معناه؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين هذا رجل جاهل بلغة قومك، إن \"جعل\" في كتاب الله يحتمل معنيين: معنى خلق، ومعنى تصيير غير خلق، فلما كان خلق حرفا محكما لا يحتمل معنيين، ولم يكن من صناعة العباد، لم يتعبد الله الخلق به، فيقول: اخلقوا أولا تخلقوا، إذ لم يكن الخلق من صناعة المخلوقين، ولما كان جعل يحتمل معنيين: معنى خلق، وهو معنى تفرد الله به دون الخلق، ويحتمل معنى غير الخلق، خاطب الخلق بالأمر به والنهي عنه، أفقال: اجعلوا ولا تجعلوا؟ ألم تسمع إلى قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ\n_________\n(١) النحل الآية (٩١).\n(٢) البقرة الآية (٢٢٤).\n(٣) النور الآية (٦٣).","vol":"3","page":499},{"text":"الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ (٢)، ولما كان جعل يحتمل معنيين من الله: معنى خلق، ومعنى تصيير غير خلق، لم يدع ذلك لبسا على المؤمنين حتى جعل على كل كلمة علما ودليلا، ففرق بين معنى جعل الذي يكون على معنى خلق، وبين جعل الذي معناه غير معنى خلق، فأما معنى جعل الذي هو على معنى خلق، فإن الله ﷿ أنزل القرآن به مفصلا وهو بيان لقوم يفقهون، وأنزل القول مفصلا يستغني السامع إذا أخبر عنه أن يوصل الكلمة بكلمة أخرى، من ذلك قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٣) فسواء قال: جعل أو خلق. وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (٤) وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ (٥)، فهذا وما كان على مثاله على معنى خلق. وأما جعل الذي معناه على غير معنى الخلق، فهذا من القول الموصل. ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٦)، كقوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي\n_________\n(١) النور الآية (٦٣).\n(٢) يونس الآية (٨٧).\n(٣) الأنعام الآية (١) ..\n(٤) النحل الآية (٧٢).\n(٥) السجدة الآية (٩).\n(٦) القصص الآية (٥١).","vol":"3","page":500},{"text":"الأرض﴾ (١)، فلما قال: ﴿جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾، لم يدع الكلمة إذ لم تكن على معنى خلق حتى وصلها بقوله: ﴿خَلِيفَةً﴾. وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٢)، فلم يأمرها أن تلقيه في اليم إلا وهو مخلوق، ثم قال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) فقد كان في وقت مخلوقا ولم يكن مرسلا حتى جعله مرسلا. وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٤)، وقد كان الجبل مخلوقا قبل أن يجعله دكا، فهذا وما على مثاله من القول الموصل، فنرجع أنا وبشر -يا أمير المؤمنين- فيما اختلفنا فيه من قول الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٥)، فما كان من القول الموصل، فهو كما قلت أنا: إن الله جعله عربيا، بأن صيره عربيا، وأنزله بلغة العرب، ولم يصيره أعجميا، فينزله بلغة العجم.\nوإن كان الموصل كقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٦) فهو كما\n_________\n(١) ص الآية (٢٦).\n(٢) القصص الآية (٧).\n(٣) القصص الآية (٧).\n(٤) الأعراف الآية (١٤٣).\n(٥) الزخرف الآية (٣).\n(٦) الأنعام الآية (١).","vol":"3","page":501},{"text":"قال بشر. وإنما دخل عليه الجهل لقلة معرفته بلغة أهل اللسان، فلو أن رجلا قال: اللهم اجعل لي ولدا، لكان يعقل من بحضرته أنه سأل ربه أن يخلق له ولدا، إذ لم يصل الكلمة بكلمة ثانية، ولو قال: اللهم اجعل ولدي، كان هذا الكلام لا يتم بهذا الإخبار عنه، حتى يقول: اجعله صالحا، اجعله بارا، اجعله تقيا، فيعقل عنه أنه إنما أراد أن يصيره بارا، ولم يرد أن يخلقه، لأن الله قد خلقه. ألم تسمع إلى قول الله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (١)، ولم يرفعا القواعد إلا وهما مخلوقان، وحين قالا: ﴿وَاجْعَلْنَا﴾، لم يدركا المسألة حتى قال: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ فهذا وما كان على أمثاله في القرآن على غير معنى الخلق. ثم أقبل المأمون على بشر، فقال: كلم عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين لم أكلمه؟ هذا رجل يقول بالأخبار وأنا أقول بالقياس.\nفقال له المأمون: وهل ديننا إلا الأخبار؟ قال: فأردت أن أعلمه أن الكلام في القياس لم يفتني في الموضع الذي يجب لي القول به، وكان جلس أمير المؤمنين مجلس الحاكم من الخصم، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو كان لبشر غلامان، وأنا لا آخذ علمهما عن أحد من الناس إلا عنه، يقال لأحدهما خالد والآخر يزيد، فكتب إلي ثمانية عشر كتابا يقول في كل كتاب منها:\n_________\n(١) البقرة الآيتان (١٢٧و١٢٨).","vol":"3","page":502},{"text":"ادفع هذا الكتاب إلى خالد غلامي، وكتب إلي مئة وأربعة وخمسين كتابا يقول في كل كتاب منها: ادفع هذا الكتاب إلى يزيد، ولا يقول: غلامي، وكتب إليَّ كتابا، فقال: ادفع هذا الكتاب إلى يزيد وإلى خالد غلامي، وكتب إلي كتابا واحدا يقول فيه: خالد غلامي ويزيد، ولم يقل: غلامي، فكتبت إليه: إني قد دفعت الكتاب إلى يزيد، وإلى خالد غلامك، فلقيني فقال: لم لم تكتب إلي أنك دفعت الكتاب إلى خالد ويزيد غلامي، فقلت له: قد كتبت إلي مئة كتاب وأربعة وخمسين كتابا تقول: ادفع هذا الكتاب إلى يزيد، ولا تقول فيها: غلامي، وكتبت إلي ثمانية عشر كتابا تقول فيها: إلى خالد غلامي. فقال لي بشر: فرطت، فحلفت أنا: إن بشرا فرط وحلف بشر أني فرطت، أينا كان المفرط يا أمير المؤمنين؟\nفقال المأمون: إذا كان هكذا فبشر المفرط. فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله ﷿ أخبرنا عن القرآن في أربعة وخمسين ومئة موضع، فلم يخبر عن خلقه في موضوع واحد، ثم جمع بين القرآن والإنسان في موضع واحد، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (١) ففرق بين القرآن والإنسان وزعم بشر أن الله فرط في الكتاب، إذ كان القرآن مخلوقا، وعليه أن يخبر بخلق القرآن. قال عبد العزيز: فأخبرني أبو كامل الخادم أن المأمون كان يقول: ما مر بكم مثل المكي قط في خالد ويزيد. فأمر له -يعني: لعبد العزيز- بعشرة آلاف درهم، وأمر أن تجرى له\n_________\n(١) الرحمن الآيات (١ - ٤).","vol":"3","page":503},{"text":"الأرزاق، وجرت بينه وبين المأمون بعد أشياء لم تذكر في هذا الكتاب. (١)\n- قال أبو أيوب -عبد الوهاب بن عمرو-: وأخبرني العطاف بن مسلم عن هؤلاء المسلمين في صدر هذا الكتاب، وعن غيرهم من أصحاب المكي: أن عبد العزيز قال: اجتمعت مع أمير المؤمنين بعد هذا المجلس، فجرت بيني وبينه مناظرات كثيرة، فقال لي بعدما جرى بيننا: ويحك يا عبد العزيز، قل القرآن مخلوق، فوالله لأوطئن الرجال عقبك، ولا نوهن باسمك، فإن لم تقل، فانظر ما ينزل بك مني. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن القلوب لا ترد بالرغبة ولا بالرهبة، ترغبني فتقول: قل حتى أفعل لك، وإن لم تفعل، انظر ماذا ينزل بك مني، فيميل إليك لساني ولا ينطق لك قلبي، فأكون قد نافقتك يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك فبماذا ترد القلوب؟ قال: قلت: بالبصائر يا أمير المؤمنين، بصرني من أين القرآن مخلوق؟ فقال لي: صدقت. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1575>موقف السلف من أحمد بن أبي دؤاد (٢٤٠ ه</span>ـ)\nابتداعه وضلاله وتجهمه:\nللسلف مواقف كثيرة من هذا الضال المبتدع ذكرت في ثنايا هذه المسيرة المباركة هذه بعضها:\n- قال الذهبي في السير: قال عون بن محمد الكندي: لعهدي بالكرخ،\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٤/٢٢٦ - ٢٤٨/ ٤٢٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٤/٢٤٨/ ٤٢٧).","vol":"3","page":504},{"text":"ولو أن رجلا قال: ابن أبي دؤاد مسلم، لقتل. ثم وقع الحريق في الكرخ، فلم يكن مثله قط. فكلم ابن أبي دُؤاد المعتصم في الناس، ورققه إلى أن أطلق له خمسة آلاف ألف درهم، فقسمها على الناس، وغرم من ماله جملة. فلعهدي بالكرخ، ولو أن إنسانا، قال: زر أحمد بن أبي دُؤاد وسخ، لقتل. (١)\n- وقال: وقد كان ابن أبي دؤاد يوم المحنة إلبا على الإمام أحمد، يقول: يا أمير المؤمنين، اقتله، هو ضال مضل. قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي سمعت بشر بن الوليد يقول: استتبت أحمد بن أبي دؤاد من قوله: القرآن مخلوق في ليلة ثلاث مرات، ثم يرجع. (٢)\n- وقد كان ابن أبي دؤاد محسنا إلى علي بن المديني بالمال، لأنه بلديه ولشيء آخر، وقد شاخ ورمي بالفالج، وعاده عبد العزيز الكناني، وقال: لم آتك عائدا، بل لأحمد الله على أن سجنك في جلدك. (٣)\n- وفي تاريخ بغداد عن أحمد بن المعدل أنه قال: كتب ابن أبي دؤاد إلى رجل من أهل المدينة -يتوهم أنه عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد-: إن بايعت أمير المؤمنين في مقالته استوجبت منه حسن المكافأة، وإن امتنعت لم تأمن مكروهه. فكتب إليه: عصمنا الله وإياك من الفتنة، وكأنه إن يفعل فأعظم بها نعمة، وإلا فهي الهلكة، نحن نرى الكلام في القرآن بدعة، يشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس\n_________\n(١) السير (١١/ ١٧٠).\n(٢) السير (١١/ ١٧٠).\n(٣) السير (١١/ ١٧٠).","vol":"3","page":505},{"text":"عليه، ولا يعلم خالقا إلا الله، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك ومخافتك إلى اسمه الذي سماه الله به، وذر الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون، ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من الضالين. فلما وقف على جوابه أعرض عنه فلم يذكره. (١)\n- وفيه أيضا: من شعر أبي الحجاج الأعرابي:\nنكست الدين يا ابن أبي دؤاد ... فأصبح من أطاعك في ارتداد\nزعمت كلام ربك كان خلقا ... أما لك عند ربك من معاد\nكلام الله أنزله بعلم ... وأنزله على خير العباد\nومن أمسى ببابك مستضيفا ... كمن حل الفلاة بغير زاد\nلقد أظرفت يا ابن أبي دؤاد ... بقولك أنني رجل إيادي (٢)\n\nأبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الجزري (٣) (من الطبقة العاشرة)\nعبد الله بن محمد بن إسحاق الجزري أبو عبد الرحمن الأذرمي الموصلي، روى عن إسحاق بن يوسف الأزرق، وحكام بن سلم الرازي وداود بن عطاء المديني وسفيان بن عيينة وغيرهم. وروى عنه أبو داود والنسائي وأبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، وأبو حاتم الرازي وخلق. قال أبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان الواثق بالله أشخص\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٤/ ١٥١).\n(٢) تاريخ بغداد (٤/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(٣) تاريخ بغداد (١٠/ ٧٤) وتهذيب الكمال (١٦/ ٤٢ - ٤٣) وتهذيب التهذيب (٦/ ٤) وتقريب التهذيب (١/ ٥٢٨).","vol":"3","page":506},{"text":"شيخا من أهل أذنة للمحنة وناظر ابن أبي دؤاد بحضرته واستعلى عليه الشيخ بحجته فأطلقه الواثق ورده إلى وطنه، ويقال إنه كان أبا عبد الرحمن الأذرمي. قال ابن حجر: ثقة من العاشرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1577>موقفه من الجهمية:</span>\nعن أبي الفضل صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي، وكان من وجوه هاشم وأهل الجلالة والسن منهم، قال: حضرت المهتدي بالله -أمير المؤمنين- رحمة الله عليه وقد جلس ينظر في أمور المسلمين في دار العامة، فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها فيأمرنا بالتوقيع فيها وإنشاء الكتب لأصحابها، وتختم وتدفع إلى صاحبه بين يديه، فيسرني ذلك، وجعلت أنظر إليه ففطن ونظر إلي، فغضضت عنه حتى كان ذلك مني ومنه مرارا ثلاثا، إذا نظر إلي غضضت وإذا اشتغل نظرت، فقال لي: يا صالح، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، وقمت قائما، فقال: في نفسك منا شيء تريد (١) أن تقوله، أو قال: تحب أن تقوله؟ قلت: نعم يا سيدي يا أمير المؤمنين، فقال: عد إلى موضعك، فعدت. وعاد في النظر حتى إذا قام قال للحاجب: لا يبرح صالح.\nفانصرف الناس، ثم أذن لي وقد همتني نفسي، فدخلت فدعوت له، فقال لي: اجلس فجلست. فقال: يا صالح تقول لي ما دار في نفسك أو أقول أنا ما دار في نفسك أنه دار في نفسك؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما تعزم عليه وما تأمر به؟ فقال: وأقول أنا كأني بك وقد استحسنت ما رأيت منا،\n_________\n(١) في الإبانة: (تحب) والتصحيح من تاريخ بغداد.","vol":"3","page":507},{"text":"فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق، فورد على قلبي أمر عظيم، وهمتني نفسي ثم قلت: يا نفس هل تموتين إلا مرة واحدة، وهل تموتين قبل أجلك، وهل يجوز الكذب في جد أو هزل؟ فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما قلت. أطرق مليا، ثم قال: ويحك، اسمع مني ما أقول لك، فوالله لتسمعن الحق، فسري عني وقلت: يا سيدي ومن أولى بالحق منك وأنت خليفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين من الأولين والآخرين؟ فقال لي: ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدرا من خلافة الواثق حتى أقدم علينا ابن أبي دؤاد شيخا من أهل الشام -من أهل أذنة- فأدخل الشيخ على الواثق وهو جميل الوجه، تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له، فمازال يدنيه (١) ويقربه حتى قرب منه، فسلم الشيخ فأحسن السلام، ودعا فأبلغ وأوجز، فقال له الواثق: اجلس، ثم قال له: يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي دؤاد يقل ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق وعاد مكان الرقة له غضبا عليه، فقال أبو عبد الله: ابن أبي دؤاد يصبو ويقل ويضعف عن مناظرتك أنت؟\nفقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك، وائذن لي في مناظرته. فقال الواثق: ما دعوتك إلا لمناظرته. فقال الشيخ: يا أحمد إلى ما دعوت الناس ودعوتني إليه؟ فقال: إلى أن تقول القرآن مخلوق. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول. قال: أفعل. فقال الشيخ: يا\n_________\n(١) في الأصل (يدينه) ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"3","page":508},{"text":"أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، واجبة داخلة في عقدة الدين، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه ما قلت؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن رسول الله - ﷺ - حين بعثه الله ﷿ إلى عباده، هل ستر رسول الله - ﷺ - مما أمره الله به في دينه؟\nقال: لا. قال الشيخ: فدعا رسول الله - ﷺ - الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: تكلم. فسكت، فالتفت الشيخ إلى الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن الله سبحانه حين أنزل القرآن على رسول الله - ﷺ - فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) كان الله ﷿ الصادق في إكمال دينه أم أنت الصادق في نقصانه، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد، فقال الشيخ: أجب يا أحمد فلم يجبه.\nفقال الشيخ: يا أمير المؤمنين اثنتان. فقال الواثق: اثنتان. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، علمها رسول الله - ﷺ - أم جهلها؟ فقال ابن أبي دؤاد: علمها. قال الشيخ: فدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاث. فقال الواثق: ثلاث. فقال الشيخ: يا أحمد فاتسع لرسول الله - ﷺ - إذ علمها كما زعمت، ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتسع لأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،\n_________\n(١) المائدة الآية (٣).","vol":"3","page":509},{"text":"وعلي بن أبي طالب ﵃؟ فقال ابن أبي دؤاد: نعم. فأعرض الشيخ عنه، فأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين قدمت القول أن أحمد يصبو ويقل ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله - ﷺ - ولأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم من ذلك.\nفقال الواثق: نعم، إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله - ﷺ - ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلا وسع الله علينا، اقطعوا قيد الشيخ. فلما قطع، ضرب الشيخ بيده إلى القيد ليأخذه، فجاذبه الحداد عليه، فقال الواثق: دع الشيخ ليأخذه، فأخذه الشيخ فوضعه في كمه، فقال الواثق: لم جاذبته عليه؟ قال الشيخ: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، وأقول: يا رب سل عبدك هذا لم قيدني؟ وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي؟ وبكى الشيخ، فبكى الواثق فبكينا، ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله، فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول الله - ﷺ -، إذ كنت رجلا من أهله.\nفقال الواثق: لي إليك حاجة، فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت. فقال الواثق: تقيم قبلنا، فينتفع بك فتياننا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك أصير إلى أهلي وولدي، فأكف دعاءهم، فقد","vol":"3","page":510},{"text":"خلفتهم على ذلك. فقال الواثق: فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لا تحل لي أنا عنها غني، وذو مرة سوي، قال: فاسأل حاجتك. قال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تخلي سبيلي الساعة وتأذن لي فيه. قال: لقد أذنت لك. فسلم عليه الشيخ وخرج. قال صالح: قال المهتدي بالله: فرجعت عن هذه المقالة من ذلك اليوم، وأظن الواثق بالله كان رجع عنها من ذلك الوقت. (١)\n- قال ابن بطة في الإبانة: رأيت في كتب بعض شيوخنا بخطه: حدثنا أبو موسى -محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن منصور- قال: أخبرنا صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور، قال: كنت يوما بين يدي أمير المؤمنين المهتدي بالله رحمة الله عليه، وقد جلس للنظر في المظالم للعامة، فجعلت أنظر إليه، فذكر نحو القصة الأولى أو شبيها بها حتى بلغ منها قوله: يا أحمد أخبرني عن الله ﷿ حين نزل على رسوله في القرآن: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢)، وقلت أنت: الدين لا يكون كاملا حتى يقال بمقالتك، أكان الله الصادق في إكماله، أم أنت الصادق في نقصانه؟ فسكت أحمد، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه ثنتان.\nثم قال الشيخ: يا أحمد الكلمة التي يكون الله تعالى بها الأشياء من أي شيء خلقها؟ فسكت أحمد، فقال الشيخ: ثلاث يا أمير المؤمنين. ثم قال\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٤/٢٦٩ - ٢٧٤/ ٤٥٢) وتاريخ بغداد (١٠/ ٧٥ - ٧٨).\n(٢) المائدة الآية (٣).","vol":"3","page":511},{"text":"الشيخ: يا أحمد أخبرني حيث كان الله في وحدانيته قبل أن يخلق الخلق كان تاما أو ناقصا؟ قال: بل تاما. قال: فكيف يكون تاما من لا كلام له؟ فسكت أحمد فقال: أربع يا أمير المؤمنين. قال الشيخ: يا أحمد أكان الله عالما تام العلم، أم كان جاهلا؟ فسكت أحمد. فقال: خمس يا أمير المؤمنين. ثم قال الشيخ: يا أحمد قوله: ﴿ولكن حق القول مني﴾ (١) الكلمة منه أم خلقها من غيره؟ فأمسك أحمد، فقال: ست يا أمير المؤمنين.\nوذكر من القصة في القيد وغيرها شبيها بما مضى في الخبر الأول وزاد فيه: قال الواثق: يا شيخ زد أحمد من هذه الحجج لعله يرجع عن هذه المقالة. قال: يا أمير المؤمنين عليكم نزل العلم، ومنكم اقتبسناه، ثم قال الشيخ: يا أحمد قد علمنا وعلمت أن الله ﷿ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) أليس ما أنزل الله على رسوله؟ قال: نعم. قال: فهل تقدر أن تقول: إن رسول الله - ﷺ - بلغنا هذا الذي تدعونا إليه؟ أم هذه المقالة في كتاب الله أو سنة نبيه - ﷺ - حتى نتابعك عليها، وإن قلت: إنه لم يبلغنا، فقد نسبت رسول الله إلى التقصير في أمر الله، وأنه كتم أمرا أمره الله إبلاغنا إياه، فسكت أحمد فلم يجبه بشيء. قال الشيخ: يا أحمد قول الله ﷿: يا\n_________\n(١) السجدة الآية (١٣).\n(٢) المائدة الآية (٦٧).","vol":"3","page":512},{"text":"موسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (١) أفيجوز أن يكون هذا مخلوقا؟ فسكت أحمد. قال الواثق: يا شيخ سلني حاجة. قال: حاجتي أن تردني الساعة إلى منزلي الذي أخرجت عنه، فأمر برده مكرما. قال صالح: فقال أمير المؤمنين المهتدي بالله: فرجعت في ذلك اليوم عن تلك المقالة، ورجع أمير المؤمنين الواثق، ولم نسمعه يناظر في شيء من ذلك القول حتى مات. (٢)\n_________\n(١) طه الآية (١٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٤/٢٧٥ - ٢٧٧/ ٤٥٣).","vol":"3","page":513},{"text":"أحمد بن حنبل (١) (٢٤١ هـ)\nأحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الإمام حقا وشيخ الإسلام صدقا أبو عبد الله الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي أحد الأئمة الأعلام. روى عن الشافعي ومعتمر بن سليمان ومحمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق بن همام ووكيع بن الجراح وعدة. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وإبراهيم الحربي وابناه صالح وعبد الله وأبو حاتم وأبو زرعة وطائفة. قال أبو عبيد: إني لأتدين بذكر أحمد، ما رأيت رجلا أعلم بالسنة منه. قال المزني: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم الجمل وصفين. وقال الشافعي: خرجت من العراق، فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وقال أبو الحسن الطرخاباذي الهمداني: أحمد ابن حنبل محنة به يعرف المسلم من الزنديق.\nومناقبه كثيرة، قد أفردها العلماء بالتأليف كابن الجوزي والبيهقي وغيرهما. توفي ﵀ سنة إحدى وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن إبراهيم بن محمد بن الحسن قال: حدثت عن أحمد بن حنبل، وذكر حديث النبي - ﷺ -: \"تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة، كلها في النار\n_________\n(١) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٥٤ - ٣٥٥) والجرح والتعديل (١/ ٢٩٢ - ٣١٣) والحلية (٩/ ١٦١ - ٢٣٣) وتاريخ بغداد (٤/ ٤١٢ - ٤٢٣) ووفيات الأعيان (١/ ٦٣ - ٦٥) وتهذيب الكمال (١/ ٤٣٧ - ٤٧٠) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٣١ - ٤٣٢) والوافي بالوفيات (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٩) والبداية والنهاية (١٠/ ٣٤٠ - ٣٥٨) والسير (١١/ ١٧٧ - ٣٥٨).","vol":"4","page":1},{"text":"إلا فرقة\" (١)، فقال: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم. (٢)\n- جاء في طبقات الحنابلة: عن أحمد بن حنبل -في تفسير حديث النبي - ﷺ -: \"لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا \" (٣)؟ - قال: هم أصحاب الحديث. (٤)\n- وفيها: رأى أحمد بن حنبل أصحاب الحديث، وقد خرجوا من عند محدث والمحابر بأيديهم. فقال أحمد: إن لم يكن هؤلاء الناس، فلا أدري من الناس؟. (٥)\n- وفيها: حدثنا أحمد بن مروان الخزاعي، حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: ما الناس إلا من يقول: حدثنا، وأخبرنا، وسائر الناس لا خير فيهم. (٦)\n- وفيها بالسند إلى أبي إسماعيل الترمذي قال: كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، فقال له أحمد بن\n_________\n(١) أحمد (٤/ ١٠٢) وأبو داود (٥/ ٥ - ٦/ ٤٥٩٧) والحاكم (١/ ١٢٨) من حديث معاوية بن أبي سفيان وقال: \"هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث\" ووافقه الذهبي. وقال العراقي في تخريج الأحياء (٤/ ١٨٧٩): \"ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه، ولأبي داود من حديث معاوية وابن ماجه من حديث عوف وأنس ابن مالك وأسانيدها جياد\". والحديث صححه غير واحد من أهل العلم. انظر الصحيحة (١/ ٢٠٤).\n(٢) شرف أصحاب الحديث (٢٥) وتلبيس إبليس (٤٠٠).\n(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ٢٠٠) وابن ماجه (١/ ٥/٨ المقدمة) وابن حبان (الإحسان ٢/ ٣٢ - ٣٣/ ٣٢٦) عن أبي عنبة الخولاني وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٤): \"هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات\".\n(٤) طبقات الحنابلة (١/ ٣٩١).\n(٥) طبقات الحنابلة (١/ ٤٢٦).\n(٦) طبقات الحنابلة (٣/ ١٣٦).","vol":"4","page":2},{"text":"الحسن: يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه ويقول: زنديق زنديق زنديق فدخل البيت. (١)\n- وفيها قال أحمد: من كذَّب بالرواية فهو زنديق. (٢)\n- وفيها: قال المروذي سئل أحمد: أمر في الطريق فأسمع الإقامة: ترى أن أصلي؟ فقال: قد كنت أسهل، فأما إذ كثرت البدع (٣) فلا تصل إلا خلف من تعرف. (٤)\n- وفيها: حدثنا الفضل قال: سمعت أبا عبد الله وسئل عن الرجل يسأل عن الشيء من المسائل، فيرشد صاحب المسألة إلى رجل يسأله عنها، هل عليه شيء في ذلك؟ فقال: إذا كان الرجل متبعا أرشده إليه فلا بأس، قيل له فيفتي بقول مالك وهؤلاء؟ قال: لا، إلا بسنة رسول الله - ﷺ - وآثاره وما روي عن أصحابه، فإن لم يكن روي عن أصحابه شيء فعن التابعين. (٥)\n\" التعليق:\nلله در هذا الإمام ما أعظم حرصه على السنة، ماذا يقول مقلدة الحنابلة وغيرهم في هذا إذا ظهر لهم الدليل؟ فهذا الإمام يشترط في الفتوى\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ٣٨) وشرف أصحاب الحديث (ص.٧٤) وذم الكلام (٧٨) وتلبيس إبليس (٤٠٠) ومجموع الفتاوى (٤/ ٩٦).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٩٥).\n(٣) المقصود: البدع التي تصل بأصحابها إلى الكفر.\n(٤) طبقات الحنابلة (١/ ٥٩).\n(٥) طبقات الحنابلة (٢/ ١٥).","vol":"4","page":3},{"text":"أن تكون مصحوبة بسنة عن الرسول - ﷺ - أو آثار عن الصحابة أو التابعين. أما الذي يفتي الفتوى مجردة عن الدليل فلم يأذن الإمام في استفتائه.\n\n- وفي فتح الباري: عن أحمد: يؤخذ العلم عن النبي - ﷺ - ثم عن الصحابة فإن لم يكن فهو في التابعين مخير. (١)\n- وفي طبقات الحنابلة: قال أبو عبد الله: إنما على الناس اتباع الآثار عن رسول الله - ﷺ - ومعرفة صحيحها من سقيمها ثم يتبعها إذا لم يكن لها مخالف، ثم بعد ذلك قول أصحاب رسول الله - ﷺ - الأكابر وأئمة الهدى يتبعون على ما قالوا وأصحاب النبي - ﷺ - كذلك لا يخالفون إذا لم يكن قول بعضهم لبعض مخالفا، فإذا اختلفوا نظر في الكتاب بأي قولهم كان أشبه بالكتاب أخذ به أو كان أشبه بقول رسول الله - ﷺ - أخذ به، فإن لم يأت عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من أصحاب النبي - ﷺ -، نظر في قول التابعين فأي قولهم كان أشبه بالكتاب والسنة أخذ به وترك ما أحدث الناس بعدهم. (٢)\n- وقال قتيبة: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب، يعني: أحمد ابن حنبل، وإذا رأيت رجلا يحب أحمد، فاعلم أنه صاحب سنة. ولو أدرك عصر الثوري، والأوزاعي، والليث، لكان هو المقدم عليهم. فقيل لقتيبة: يضم أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين. وقال قتيبة: لولا الثوري،\n_________\n(١) الفتح (٣/ ٢٩).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٥ - ١٦).","vol":"4","page":4},{"text":"لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين، أحمد إمام الدنيا. (١)\n- قال حنبل صليت بأبي عبد الله العصر، فصلى معنا رجل يقال له محمد بن سعيد الختلي، وكان يعرفه بالسنة. فقعد أبو عبد الله بعد الصلاة، وبقيت أنا وهو والختلي في المسجد ما معنا رابع. فقال لأبي عبد الله: نهيت عن زيد بن خلف أن لا يكلم؟ قال: كتب إلي أهل الثغر يسألوني عن أمره، فكتبت إليهم، فأخبرتهم بمذهبه وما أحدث، وأمرتهم أن لا يجالسوه، فاندفع الختلي على أبي عبد الله، فقال: والله لأردنك إلى محبسك، ولأدقن أضلاعك ... في كلام كثير. فقال لي أبو عبد الله: لا تكلمه ولا تجبه. وأخذ أبو عبد الله نعليه وقام فدخل وقال: مر السكان أن لا يكلموه ولا يردوا عليه. فما زال يصيح، ثم خرج. فلما كان بعد ذلك، ذهب هذا الختلي إلى شعيب، وكان قد ولي على قضاء بغداد، وكانت له في يديه وصية، فسأله عنها، ثم قال له شعيب: يا عدو الله، وثبت على أحمد بالأمس، ثم جئت تطلب الوصية، إنما أردت أن تتقرب إلي بذا، فزبره، ثم أقامه. فخرج بعد إلى حسبة العسكر. (٢)\n- عن أحمد بن شهاب الإسفراييني: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عمن نكتب في طريقنا؟ فقال: عليكم بهناد، وبسفيان بن وكيع، وبمكة ابن أبي عمر، وإياكم أن تكتبوا، يعني: عن أحد من أصحاب الأهواء، قليلا ولا\n_________\n(١) السير (١١/ ١٩٥).\n(٢) السير (١١/ ٢٢١).","vol":"4","page":5},{"text":"كثيرا. عليكم بأصحاب الآثار والسنن. (١)\n- جاء في سير أعلام النبلاء: ثم إن رافعا رفع إلى المتوكل: إن أحمد رَبَّص علويا في منزله، يريد أن يخرجه ويبايع عليه. قال: ولم يكن عندنا علم، فبينا نحن ذات ليلة نيام في الصيف، سمعنا الجلبة، ورأينا النيران في دار أبي عبد الله، فأسرعنا، وإذا به قاعد في إزار، ومظفر بن الكلبي صاحب الخبر، وجماعة معهم، فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل: ورد على أمير المؤمنين أن عندكم علويا ربصته لتبايع له، وتظهره، في كلام طويل. ثم قال له مظفر: ما تقول؟ قال: ما أعرف من هذا شيئا، وإني لأرى له السمع والطاعة في عسري ويسري، ومنشطي ومكرهي، وأثرة علي، وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار، في كلام كثير. فقال مظفر: قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلفك، قال: فأحلفه بالطلاق ثلاثا، أن ما عنده طلبة أمير المؤمنين. ثم فتشوا منزل أبي عبد الله والسرب والغرف والسطوح، وفتشوا تابوت الكتب، وفتشوا النساء والمنازل، فلم يروا شيئا، ولم يحسوا بشيء، ورد الله الذين كفروا بغيظهم، وكتب بذلك إلى المتوكل، فوقع منه موقعا حسنا، وعلم أن أبا عبد الله مكذوب عليه. وكان الذي دس عليه رجل من أهل البدع. ولم يمت حتى بين الله أمره للمسلمين، وهو ابن الثلجي. (٢)\n- قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: من مات على الإسلام والسنة،\n_________\n(١) السير (١١/ ٢٣١).\n(٢) السير (١١/ ٢٦٦ - ٢٦٧).","vol":"4","page":6},{"text":"مات على الخير؟ فقال: اسكت، بل مات على الخير كله. (١)\n- قال أبو مزاحم الخاقاني: قال لي عمي عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان: أمر المتوكل بمسألة أحمد عمن يقلد القضاء، فسألت عمي أن يخرج إلي جوابه، فوجه إلي نسخته:\nبسم الله الرحمن الرحيم نسخة الرقعة التي عرضتها على أحمد بن محمد ابن حنبل بعد أن سألته، فأجابني بما قد كتبته. سألته عن أحمد بن رباح، فقال فيه: جهمي معروف، وإنه إن قلد شيئا من أمور المسلمين، كان فيه ضرر عليهم. وسألته عن الخلنجي، فقال فيه: كذلك. وسألته عن شعيب بن سهل، فقال: جهمي معروف بذلك. وسألته عن عبيد الله بن أحمد، فقال: كذلك. وسألته عن المعروف بأبي شعيب، فقال: كذلك. وسألته عن محمد ابن منصور قاضي الأهواز، فقال: كان مع ابن أبي دؤاد، وفي ناحيته وأعماله، إلا أنه كان من أمثلهم. وسألته عن علي بن الجعد، فقال: كان معروفا بالتجهم، ثم بلغني أنه رجع. وسألته عن الفتح بن سهل، فقال: جهمي من أصحاب المريسي. وسألته عن الثلجي، فقال: مبتدع صاحب هوى. وسألته عن إبراهيم بن عتاب، فقال: لا أعرفه إلا أنه كان من أصحاب بشر المريسي، وفي الجملة أن أهل البدع والأهواء، لا ينبغي أن يستعان بهم في شيء من أمور المسلمين مع ما عليه رأي أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، من التمسك بالسنة والمخالفة لأهل البدع. يقول أحمد بن محمد بن\n_________\n(١) السير (١١/ ٢٩٦).","vol":"4","page":7},{"text":"حنبل: قد سألني عبد الرحمن بن يحيى عن جميع من في هذا الكتاب، وأجبته بما كتب، وكنت عليل العين ضعيفا في بدني، فلم أقدر أن أكتب بخطي، فوقع هذا التوقيع في أسفل القرطاس عبد الله ابني بأمري، وبين يدي. (١)\n- قال الخلال: بلينا بقوم جهال، يظنون أنهم علماء. فإذا ذكرنا فضائل أبي عبد الله، يخرجهم الحسد، إلى أن قال بعضهم فيما أخبرني ثقة عنه: أحمد ابن حنبل نبيهم. (٢)\n- قال صالح ابن الإمام أحمد: وجاء جار لنا قد خضب، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئا من السنة فأفرح به. (٣)\n- قال السلمي: حضرت جنازة أبي الفتح القواس مع الدارقطني، فلما نظر إلى الجمع، قال: سمعت أبا سهل بن زياد، يقول: سمعت عبد الله بن أحمد، يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز. (٤)\n- عن الخلال: سمعت عبد الوهاب الوراق: يقول: أظهر الناس في جنازة أحمد بن حنبل السنة والطعن على أهل البدع، فسر الله المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة لما رأوا من العز وعلو الإسلام، وكبت أهل الزيغ. (٥)\n- عن أبي العباس الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن\n_________\n(١) السير (١١/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(٢) السير (١١/ ٣٠٥).\n(٣) السير (١١/ ٣٣٥) ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص.٤٠٣).\n(٤) السير (١١/ ٣٤٠).\n(٥) السير (١١/ ٣٤٢).","vol":"4","page":8},{"text":"محمد بن حنبل يقول: نظرت في المصحف فوجدت فيه طاعة رسول الله - ﷺ - في ثلاثة وثلاثين موضعا ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة؟ الشرك لعله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه. وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢). (٣)\n- قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: من رد حديث النبي - ﷺ - فهو على شفا هلكة. (٤)\n\" التعليق:\nقال ابن بطة: فالله الله إخواني، احذروا مجالسة من قد أصابته الفتنة فزاغ قلبه وعشيت بصيرته واستحكمت للباطل نصرته، فهو يخبط في عشواء ويعشو في ظلمة أن يصيبكم ما أصابهم، فافزعوا إلى مولاكم الكريم فيما أمركم به من دعوته وحضكم عليه من مسألته فقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ\n_________\n(١) النور الآية (٦٣).\n(٢) النساء الآية (٦٥).\n(٣) الإبانة (١/ ١/٢٦٠/ ٩٧) وطبقات الحنابلة (١/ ٩٧ - ٩٨).\n(٤) الإبانة (١/ ١/٢٦٠/ ٩٧) والفقيه والمتفقه (١/ ٢٨٩) وطبقات الحنابلة (٢/ ١٥) والسير (١١/ ٢٩٧).","vol":"4","page":9},{"text":"الْوَهَّابُ﴾ (١).اهـ (٢)\n- قال أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل: كتب رجل إلى أبي عبد الله ﵀ كتابا يستأذنه فيه أن يضع كتابا يشرح فيه الرد على أهل البدع، وأن يحضر مع أهل الكلام فيناظرهم ويحتج عليهم، فكتب إليه أبو عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمور في التسليم والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله أو سنة رسول الله، لا في الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم، فإنهم يلبسون عليك وهم لا يرجعون. فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم والخوض معهم في بدعتهم وضلالتهم، فليتق الله امرؤ وليصر إلى ما يعود عليه نفعه غدا من عمل صالح يقدمه لنفسه، ولا يكن ممن يحدث أمرا فإذا هو خرج منه أراد الحجة فيحمل نفسه على المحال فيه وطلب الحجة لما خرج منه، بحق أو بباطل ليزين به بدعته وما أحدث، وأشد من ذلك أن يكون قد وضعه في كتاب قد حمل عنه، فهو يريد أن يزين ذلك بالحق والباطل وإن وضح له الحق في غيره ونسأل الله التوفيق لنا ولك والسلام عليك. (٣)\n- عن إسحاق بن إبراهيم بن هانيء قال: سألت أبا عبد الله عن رجل\n_________\n(١) آل عمران الآية (٨).\n(٢) الإبانة (١/ ١/٢٦٠ - ٢٦١).\n(٣) الإبانة (٢/ ٣/٤٧١ - ٤٧٢/ ٤٨١).","vol":"4","page":10},{"text":"مبتدع داعية يدعو إلى بدعته يجالس؟ قال أبو عبد الله: لا يجالس ولا يكلم لعله يتوب. (١)\n- عن حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أهل البدع ما ينبغي لأحد أن يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم. (٢)\n- عن أبي بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ينكر على أصحاب القياس ويتكلم فيهم بكلام شديد. (٣)\n- عن أبي بكر الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله: أحمد بن حنبل، يقول: إنما هو السنة والاتباع، وإنما القياس أن نقيس على أصل، فأما أن تجيء إلى الأصل فتهدمه، ثم تقول هذا قياس، فعلى أي شيء كان هذا القياس؟.\nقيل لأبي عبد الله، فلا ينبغي أن يقيس إلا رجل عالم كبير، يعرف كيف يشبه الشيء بالشيء. فقال: أجل، لا ينبغي. (٤)\n- عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: رجل وقعت له مسألة وفي البلد رجل من أهل الحديث فيه ضعف، وفقيه من أهل الرأي، أيهما يسأل، قال: لا تسأل أهل الرأي، ضعيف الحديث خير من قوي الرأي. (٥)\n- وكتب إلى أبي سليمان الجوزجاني: إن أمسكت عن كتب الرأي\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٥/ ٤٩٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٥/ ٤٩٥).\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٤٦٣).\n(٤) الفقيه والمتفقه (١/ ٥٠٠).\n(٥) ذم الكلام (٩٨).","vol":"4","page":11},{"text":"سمعنا منك كتب الحديث. وأرسل إلى يحيى بن صالح الوحاظي الحمصي، إن تركت الرأي أتيناك فسمعنا منك. (١)\n- وسئل أحمد بن حنبل عن النظر في الرأي فكرهه ونهى عنه. (٢)\n- وحكي عن أحمد بن حنبل: أنه قال: إذا رأيت الرجل يبغض مالكا، فاعلم أنه مبتدع. (٣)\n- قال أحمد: من دل على صاحب رأي ليفتنه، فقد أعان على هدم الإسلام. (٤)\n- قال زياد بن أيوب: سألت أحمد بن حنبل عن أبي ثور؟ فقال: لا يجالس. (٥)\n- قال أبو داود السجستاني: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة، أَتْرُكُ كلامَه؟ قال: لا، أو تُعلِمَه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة. فإِنْ تَركَ كلامه فكلمه، وإلا فألحقه به. قال ابن مسعود: المرء بخدنه. (٦)\n- عن عبد الله بن أحمد حدثنا أبي قال: قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة. وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة، فساق أهل السنة أولياء الله.\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٩٦).\n(٢) ذم الكلام (١١٠).\n(٣) الاعتصام (٢/ ٦٣١).\n(٤) طبقات الحنابلة (١/ ٥٤) والسير (١٢/ ٤٨٥).\n(٥) طبقات الحنابلة (١/ ١٥٨).\n(٦) طبقات الحنابلة (١/ ١٦٠).","vol":"4","page":12},{"text":"وزهاد أهل البدعة أعداء الله. (١)\n- عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي قال: قال لي أحمد: إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه. قال النبي - ﷺ -: \"ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم (٢) \". (٣)\n- عن عبد السلام قال: قلت لأبي عبد الله: إن بطرسوس رجلا قد سمع رأي عبد الله بن المبارك يفتي به. قال: هذا من ضيق علم الرجل، يقلد دينه رجلا، لا يكون واسعا في العلم. (٤)\n- عن علي بن أبي خالد قال: قلت لأحمد: إن هذا الشيخ -لشيخ حضر معنا- هو جاري وقد نهيته عن رجل، ويحب أن يسمع قولك فيه: حرث القصير -يعني حارثا المحاسبي- وكنت رأيتني معه منذ سنين كثيرة، فقلت لي: لا تجالسه، ولا تكلمه. فلم أكلمه حتى الساعة. وهذا الشيخ يجالسه، فما تقول فيه؟ فرأيت أحمد قد احمر لونه، وانتفخت أوداجه وعيناه. وما رأيته هكذا قط. ثم جعل ينتفض، ويقول: ذاك؟ فعل الله به وفعل. ليس يعرف ذاك إلا من خبره وعرفه، أويه، أويه، أويه. ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره وعرفه. ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان. فأخرجهم إلى رأي جهم. هلكوا بسببه. فقال له الشيخ: يا أبا عبد الله، يروي الحديث، ساكن خاشع،\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ١٨٤).\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٩١) ومسلم (١/ ٧٤/٥٤) وأبو داود (٥/ ٣٧٨/٥١٩٣) والترمذي (٥/ ٥٠/٢٦٨٨) وابن ماجه (١/ ٢٦/٦٨) عن أبي هريرة ﵁.\n(٣) طبقات الحنابلة (١/ ١٩٦).\n(٤) طبقات الحنابلة (١/ ٢١٧) وتلبيس إبليس (١٠١) وإعلام الموقعين (٢/ ٢٠٠ - ٢٠١).","vol":"4","page":13},{"text":"من قصته ومن قصته؟ فغضب أبو عبد الله، وجعل يقول: لا يغرك خشوعه ولينه، ويقول: لا تغتر بتنكيس رأسه. فإنه رجل سوء، ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره. لا تكلمه، ولا كرامة له. كل من حدث بأحاديث رسول الله - ﷺ - وكان مبتدعا تجلس إليه؟ لا، ولا كرامة، ولا نعمى عين. وجعل يقول: ذاك. ذاك. (١)\n- عن الفضل بن مهران أبي العباس قال: سألت أحمد، قلت: إن عندنا قوما يجتمعون فيدعون، ويقرءون القرآن، ويذكرون الله. فما ترى فيهم؟ فقال لي أحمد: يقرأ في المصحف، ويذكر الله في نفسه، ويطلب حديث رسول الله - ﷺ -. قلت: فأخ لي يفعل هذا، فأنهاه؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يقبل؟ قال: بلى، إن شاء الله. فإن هذا محدث: الاجتماع والذي تصف. (٢)\n- عن الفضل بن نوح قال: قلت لأحمد: أريد الخروج إلى الثغر، وإني أسأل عن هذين الرجلين: عن الكرابيسي، وأبي ثور؟ فقال: احذرهما. (٣)\n- عن محمد بن بندار السباك الجرجاني قال: قلت لأحمد بن حنبل ﵁: إني ليشتد علي أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب. قال أحمد: إذا سكت أنت وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ (٤)\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٢٥٥).\n(٣) طبقات الحنابلة (١/ ٢٥٥).\n(٤) طبقات الحنابلة (١/ ٢٨٧).","vol":"4","page":14},{"text":"- عن محمد بن يسر بن بشر بن أبي طاهر البلدي أحد الأصحاب قال أبو بكر الخلال: سمعته يقول: سألت أبا عبد الله عن النظر في الرأي؟ فقال: عليك بالسنة. فقلت له: يا أبا عبد الله، صاحب حديث ينظر في الرأي إنما يريد أن يعرف رأي من خالفه؟ فقال: عليك بالسنة. (١)\n- قال أبو طالب: أخبروني عن الكرابيسي أنه ذكر قول الله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) قال: لو أكمل لنا ديننا ما كان هذا الاختلاف. فقال: -يعني أحمد بن حنبل- هذا الكفر صراحا. (٣)\n- سألت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- عن الكرابيسي، وما أظهر، فكلح وجهه، ثم قال: إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب. (٤)\n- وجاء في طبقات الحنابلة: قرأت في كتاب أبي جعفر محمد بن أحمد ابن صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل حدثني عمي زهير بن صالح قال: قرأ علي أبي صالح بن أحمد هذا الكتاب وقال: هذا كتاب عمله أبي ﵁ في مجلسه، ردا على من احتج بظاهر القرآن، وترك ما فسره رسول الله - ﷺ - ودل على معناه، وما يلزم من اتباعه - ﷺ - وأصحابه رحمة الله عليهم. قال\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ٣٢٧).\n(٢) المائدة الآية (٣).\n(٣) طبقات الحنابلة (١/ ٤٠).\n(٤) شرف أصحاب الحديث (٦).","vol":"4","page":15},{"text":"أبو عبد الله: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدا نبيه - ﷺ - بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه. وجعل رسوله - ﷺ - الدال على معنى ما أراد من ظاهره وبالسنة، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب.\nفكان رسول الله - ﷺ - هو المعبر عن كتاب الله، الدال على معانيه. شاهده في ذلك أصحابه، من ارتضاه الله لنبيه واصطفاه له. ونقلوا ذلك عنه. فكانوا هم أعلم الناس برسول الله - ﷺ -. وبما أخبر عن معنى ما أراه الله من ذلك بمشاهدتهم ما قصد له الكتاب. فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله - ﷺ -. وقال جابر بن عبد الله: ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا. فقال قوم: بل نستعمل الظاهر، وتركوا الاستدلال برسول الله - ﷺ -، ولم يقبلوا أخبار أصحابه. وقال ابن عباس للخوارج: أتيتكم من عند أصحاب رسول الله - ﷺ - المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم رسول الله - ﷺ - وصهره، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله منكم. وليس فيكم منهم أحد. وذكر تمام الكتاب بطوله. (١)\n- قال المروذي: قلت لأبي عبد الله -يعني إمامنا أحمد- ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام في أهل البدع؟ فكلح وجهه، وقال: إذا هو صام وصلى واعتزل الناس، أليس إنما هو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلم كان له ولغيره. يتكلم أفضل. (٢)\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٦٥).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٢١٦).","vol":"4","page":16},{"text":"- عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ لعله أن يكون مرجئا أو شيعيا أو فيه شيء من خلاف السنة، أيسعني أن أسكت عنه أم أحذر عنه؟ فقال أبي: إن كان يدعو إلى بدعة وهو إمام فيها ويدعو إليها قال: نعم تحذر عنه. (١)\n- عن محمد بن أحمد بن أبي الثلج، قال حدثني جدي قال: سألت أحمد ابن حنبل، قلت: يا أبا عبد الله أيهما أحب إليك: الرجل يكتب الحديث أو يصوم ويصلي؟ قال: يكتب الحديث. قلت: فمن أين فضلت كتابة الحديث على الصوم والصلاة؟ قال: لئلا يقول قائل: إني رأيت قوما على شيء فاتبعتهم.\n\" التعليق:\nقال الخطيب قلت: طلب الحديث في هذا الزمان أفضل من سائر أنواع التطوع لأجل دروس السنن وخمولها، وظهور البدع واستعلاء أهلها. (٢)\nهذا التعليق من إمام المحدثين الخطيب البغدادي يدل على حراسة كبيرة لسنة رسول الله - ﷺ -، ومراقبة لسيرها وانتشارها وكثرة وقلة حملتها وبروز أئمة في علومها، وظهور ما يضادها من مخالفين ومدافعين لها ومزاحمين لها بمناهج ضالة واسعة تستغرق الأعمار والأجيال، ويرى في ظاهرها اللمعان والانجذاب، ويرى ﵀ أن الغفلة عن هذا التصوير الصحيح يعرض الإسلام تماما للزوال، إلا أن الله ضمن بقاءه على يد الطائفة المنصورة،\n_________\n(١) الكفاية (٤٦).\n(٢) شرف أصحاب الحديث (٨٥ - ٨٦).","vol":"4","page":17},{"text":"ويعرض الإسلام إلى كثير من التلبيسات والتحريفات المقصودة وذوبانه باسمه وتحت شعاره هذا في زمن الخطيب، فكيف بزماننا نحن الذي انتشرت فيه كل المذاهب الهدامة الكفرية الخارجة عن دائرة الإسلام، ولها أنصار ودول تعضدها وتنفق عليها وتخصص لها أعظم الميزانيات المالية. وأما المخالفون في دائرة الإسلام، فلا تسأل عن تمردهم عن سنة رسول الله - ﷺ - وازدراء أهلها واحتقارهم ووصفهم بكل الأوصاف المشينة ومتابعتهم في كل خطواتهم للزج في كل متاهة سوء لعلهم ينحرفون عن منهاجهم ويرتدون عن أصولهم، ويوافقون كل منافق وناعق في كل ما يريده من انحراف وتحريف. اللهم هيئ للأمة الإسلامية أمر رشد يعز فيها أهل السنة ويذل فيها أهل البدعة والضلالة.\n\n- قال يحيى بن منده في مناقب الإمام: وجدت بخط المؤتمن البغدادي الشيخ الصالح الثقة المتدين ﵀، قال: قال أبو يعلى الحنبلي البغدادي: أخرج إلي أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد الحراني صاحبنا هذه الأبيات، قال: وجدتها في كتاب المصباح، قال: أنشدني أبو منصور الفقيه لأحمد بن محمد ابن حنبل ﵀:\nيا طالب العلم، صارم كل بطال ... وكل غاد إلى الأهواء ميال\nواعمل بعلمك سرا أو علانية ... ينفعك يوما على حال من الحال\nولا تميلن -يا هذا- إلى بدع ... تضل أصحابها بالقيل والقال\nخذ ما أتاك به ما جاء من أثر ... شبها بشبه وأمثالا بأمثال","vol":"4","page":18},{"text":"ألا فكن أثريا خالصا فهما ... تعش حميدا ودع آراء ضلال (١)\n- عن أحمد بن حنبل قال: أصول الإيمان ثلاثة: دال، ودليل، ومستدل. فالدال: الله ﵎، والدليل: القرآن، والمستدل: المؤمن. فمن طعن على حرف من القرآن فقد طعن على الله تعالى وعلى كتابه وعلى رسوله - ﷺ -. (٢)\n- وقال أبو عمر بن عبد البر: أنشدني عبد الرحمن بن يحيى قال: أنشدني أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي بمكة قال: أنشدنا أبو القاسم محمد بن جعفر الأخباري قال: أنشدنا عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه:\nدين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى الآثار\nلا ترغبن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار\nولربما جهل الفتى أثر الهدى ... والشمس بازغة لها أنوار (٣)\n- قال الإمام أحمد في خطبته فيما صنفه من 'الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله'، قال: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٣/ ٤٤).\n(٢) طبقات الحنابلة (٣/ ١٣٥).\n(٣) جامع بيان العلم (١/ ٧٨٢).","vol":"4","page":19},{"text":"عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مخالفون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين. (١)\n- عن أبي عبد الرحمن عبيد الله بن أحمد الحلبي قال: سألت أحمد بن حنبل عن محدث كذب في حديث واحد ثم تاب ورجع، قال توبته فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يكتب حديثه أبدا. (٢)\n- عن الحسين بن منصورقال: سئل أحمد بن حنبل عمن يكتب العلم؟ فقال عن الناس كلهم، إلا عن ثلاثة، صاحب هوى يدعو إليه، أو كذاب فإنه لا يكتب عنه قليل ولا كثير، أو عن رجل يغلط فيرد عليه فلا يقبل. (٣)\n- قال أحمد: أصول السنة عندنا هي التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين والسنة عندنا آثار ... وترك الهوى. (٤)\n- وكان يقول: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري،\n_________\n(١) الرد على الجهمية والزنادقة (ص.٨٥).\n(٢) الكفاية (١١٧).\n(٣) الكفاية (١٤٤).\n(٤) أصول الاعتقاد (١/ ١٧٦/٣١٧).","vol":"4","page":20},{"text":"وتعلموا كما تعلمنا. وكان يقول: من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال، وقال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>موقفه من المشركين:</span>\n- قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: كل من شتم النبي - ﷺ - أو تنقصه -مسلما كان أو كافرا- فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل، ليس على هذا أعطوا العهد والذمة، وكذلك قال أبو الصفراء: سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي - ﷺ -، ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه يقتل من شتم النبي - ﷺ -، مسلما كان أو كافرا. رواهما الخلال. (٢)\n- عن علي بن عبد الله الطيالسي قال: مسحت يدي على أحمد بن حنبل، ثم مسحت يدي على بدني وهو ينظر، فغضب غضبا شديدا، وجعل ينفض نفسه، ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره إنكارا شديدا. (٣)\n- جاء في غاية الأماني ردا على القبورية: وأما الإمام أحمد، فذكر الثناء عليه بلفظ الشهادة له بذلك مع الدعاء له بغير الصلاة، ومع دعاء الداعي لنفسه أيضا لم يذكر أن يطلب منه شيئا ولا يقرأ عند القبر: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ\n_________\n(١) الفتاوى (٢٠/ ٢١١ - ٢١٢).\n(٢) الصارم (١٠).\n(٣) طبقات الحنابلة (١/ ٢٢٨) والسير (١١/ ٢٢٥).","vol":"4","page":21},{"text":"﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (١). (٢)\n- جاء في طبقات الحنابلة: وكان أحمد إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه، فقيل له في ذلك؟ فقال: لا أقدر أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1581>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال الإمام أحمد: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -. إلى أن قال: ومن ولي الخلافة فأجمع عليه الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فدفع الصدقات إليه جائز برا كان أو فاجرا. (٤)\n- وجاء في البداية والنهاية: قال أحمد حين اجتاز بحمص وقد حمل إلى المأمون في زمن المحنة، ودخل عليه عمرو بن عثمان الحمصي فقال له: ما تقول في الخلافة؟ فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن قدم عليا على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى لأنهم قدموا عثمان ﵁. (٥)\n_________\n(١) النساء الآية (٦٤).\n(٢) غاية الأماني (١/ ١٧٩).\n(٣) الطبقات (١/ ١٢).\n(٤) المنهاج (١/ ٥٢٩).\n(٥) البداية (١٠/ ٣٤٢) ونحوه في المنهاج (١/ ٥٣٣ - ٥٣٤).","vol":"4","page":22},{"text":"- وجاء في أصول الاعتقاد: عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد أيضا سئل عن التفضيل فقال: أبو بكر وعمر وعثمان وأما الخلافة فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي لأن النبي - ﷺ - قال: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة وقال ابن عمر: كنا نفاضل على عهد رسول الله - ﷺ - فنقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. قال أبو عبد الله: ولا نتعدى الأثر والاتباع، فالاتباع لرسول الله - ﷺ - ومن بعده لأصحابه إذا رضي أصحابه بذلك، وكانوا هم يفاضلون بعضهم على بعض، هو ذا فلا يعيب بعضهم على بعض فعلينا أن نتبع ما مضى عليه سلفنا ونقتدي بهم ﵃. (١)\n- وفيه عن محمد بن يزيد المستملي قال: كنت أسأل أحمد بن حنبل عن الخلفاء الراشدين، فيقول: دع هذا، فلززته يوما إلى حائط فسألته عن الخلفاء الراشدين المهديين كأنه جزم عليه فقال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز رحمة الله عليهم. (٢)\n- وعن إبراهيم بن سويد الأرمني قال: قلت: لأحمد بن حنبل: من الخلفاء؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. قلت: فمعاوية؟ قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمن علي من علي ﵁. ورحم الله معاوية. (٣)\n- روى ابن عبد البر بسنده إلى أبي علي الحسن بن أحمد بن الليث\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٥٣/٢٦٢٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٧٥/٢٦٦٩).\n(٣) طبقات الحنابلة (١/ ٩٥).","vol":"4","page":23},{"text":"الرازي قال: سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله. من تفضل؟ فقال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم الخلفاء، فقال: يا أبا عبد الله. إنما أسألك عن التفضيل من تفضل؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم الخلفاء الراشدون المهديون، ورد الباب في وجهي. (١)\n- وفي السنة للخلال عن أحمد بن حنبل قال: من قال: أبو بكر وعمر وعثمان فهو صاحب سنة، ومن قال: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان فهو رافضي، أو قال: مبتدع. (٢)\n- وفي السنة لعبد الله أنه قال: سمعت أبي يقول: السنة في التفضيل الذي نذهب إليه إلى ما روي عن ابن عمر يقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وأما الخلافة فنذهب إلى حديث سفينة فيقول: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلفاء، نستعمل الحديثين جميعا ولا نعيب من ربع بعلي، لقرابته وصهره وإسلامه القديم وعدله. (٣)\n- وفي السنة للخلال عن محمد بن أبي حسان قال: قلت يا أبا عبد الله كان علي إماما، قال: نعم كان إماما عدلا ﵀، وكان عمه حاضرا فقال لي عمه -بحضرة أبي عبد الله وأبو عبد الله يسمع-: هؤلاء الفساق الفجار الذين لا يثبتون إمامة علي: رجل كان يقسم الفيء ويرجم ويقيم الحدود ويسمى أمير المؤمنين فكان خارجي يكذب؟ وأصحاب رسول الله\n_________\n(١) جامع بيان العلم (٢/ ١١٧٢).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٣٨١).\n(٣) السنة لعبد الله (٢٤٣).","vol":"4","page":24},{"text":"- ﷺ - يكذبون، وأبو عبد الله ساكت يتبسم. (١)\n- وفي السنة لعبد الله قال: قلت لأبي إن قوما يقولون إنه ليس بخليفة -يعني علي- قال: هذا قول سوء رديء وقال أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون له: يا أمير المؤمنين، أفنكذبهم؟ وقد حج بالناس وقطع ورجم فيكون هذا إلا خليفة. قلت لأبي: من احتج بحديث عبيدة أنه قال لعلي: رأيك في الجماعة أحب إلي من رأيك في الفرقة، فقال أبي: إنما أراد أمير المؤمنين بذلك أن يضع نفسه بتواضع. قوله -أي علي ﵁-: خبطتنا فتنة، تواضع بذلك. (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد: عن محمد بن سليمان بن داود قال: نا وزيره ابن محمد قال: دخلت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي، فقلت يا أبا عبد الله إن هذه اللفظة توجب الطعن على طلحة والزبير فقال لي: بين ما قلت وما نحن وحرب القوم نذكرها؟ فقلت أصلحك الله إنما ذكرناها حين ربعت وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمة قبله قال: وما يمنعني من ذلك؟ قال: قلت حديث ابن عمر فقال لي: عمر حين طعن، قد رضي عليا للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى وعلي بن أبي طالب قد سمى نفسه أمير المؤمنين فأقول أنا ليس للمؤمنين بأمير! فانصرف عنه. (٣)\n- قال شيخ الإسلام في المنهاج: وقال أحمد: من لم يربع بعلي في\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٢٧).\n(٢) السنة لعبد الله (٢٤٣ - ٢٤٤).\n(٣) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٧٥/٢٦٧٠) وطبقات الحنابلة (١/ ٣٩٣).","vol":"4","page":25},{"text":"الخلافة فهو أضل من حمار أهله. (١)\n- جاء في طبقات الحنابلة: عنه قال: من لم يربع بعلي بن أبي طالب في الخلافة فلا تكلموه ولا تناكحوه. (٢)\n- وفي المنهاج أنه ﵀ قال: السيد الحليم (يعني معاوية (، وكان معاوية كريما حليما. (٣)\n- وفي السنة للخلال عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: قلت لأحمد ابن حنبل: أليس قال النبي - ﷺ -: \"كل صهر ونسب ينقطع إلا صهري ونسبي\" (٤)؟ قال: بلى، قلت: وهذه لمعاوية؟ قال: نعم له صهر ونسب، قال: وسمعت ابن حنبل يقول: ما لهم ولمعاوية، نسأل الله العافية. (٥)\n- وفيها عن هارون بن عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله: جاءني كتاب من الرقة أن قوما قالوا: لا نقول معاوية خال المؤمنين، فغضب وقال: ما اعتراضهم في هذا الموضع، يجفون حتى يتوبوا. (٦)\n- وفيها عن محمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: وجهنا رقعة إلى أبي عبد الله: ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب\n_________\n(١) المنهاج (٤/ ٤٠٢).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٤٥).\n(٣) المنهاج (٤/ ٤٤٥).\n(٤) أحمد (٤/ ٣٢٣) والبيهقي في السنن (٧/ ٦٤) وصححه الحاكم (٣/ ١٥٨) ووافقه الذهبي. من حديث المسور بن مخرمة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠٣): \"وفيه أم بكر بنت المسور ولم يجرحها أحد ولم يوثقها، وبقية رجاله وثقوا\". وللحديث شواهد انظرها في التلخيص الحبير (٣/ ١٤٣).\n(٥) السنة للخلال (١/ ٤٣٢) والصارم (٥٧٠).\n(٦) السنة للخلال (١/ ٤٣٤).","vol":"4","page":26},{"text":"الوحي ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسيف غصبا؟ قال أبو عبد الله: هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم ولا يجالسون ونبين أمرهم للناس. (١)\n- وفيها: عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله - ﷺ - أحدا، قال النبي - ﷺ -: \"خير الناس قرني الذي بعثت فيهم\". (٢)\n- وفيها عن الفضل بن زياد حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله وسئل عن رجل انتقص معاوية وعمرو بن العاص، أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا له داخلة سوء. قال رسول الله - ﷺ -: \"خير الناس قرني\" (٣). (٤)\n- وفيها عن يوسف بن موسى أن أبا عبد الله سئل عن رجل شتم معاوية، يصيره إلى السلطان؟ قال: أخلق أن يتعدى عليه. (٥)\n- وفيها عن أبي بكر بن سندي قال: كنت أو حضرت أو سمعت أبا عبد الله وسأله رجل: يا أبا عبد الله لي خال ذكر أنه ينتقص معاوية وربما\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٣٤).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٤٣٤).\n(٣) أحمد (١/ ٤٣٤) والبخاري (٥/ ٣٢٤/٢٦٥٢) ومسلم (٤/ ١٩٦٣/٢٥٣٣ (٢١٢) والترمذي (٥/ ٦٥٢/٣٨٥٩) وابن ماجه (٢/ ٧٩١/٢٣٦٢) عن ابن مسعود.\n(٤) السنة للخلال (١/ ٤٤٧).\n(٥) السنة للخلال (١/ ٤٤٨).","vol":"4","page":27},{"text":"أكلت معه، فقال أبو عبد الله مبادرا: لا تأكل معه. (١)\n- وفيها عن أبي بكر المروذي قال: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر وقد جاء بعض رسل الخليفة وهو يعقوب فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيما كان من علي ومعاوية رحمهما الله؟ فقال أبو عبد الله: ما أقول فيهما إلا الحسنى ﵏ أجمعين. (٢)\n- وفيها عن أحمد بن الحسن الترمذي قال: سألت أبا عبد الله قلت: ما تقول فيما كان من أمر طلحة والزبير وعلي وعائشة وأظن ذكر معاوية؟ فقال: من أنا، أقول في أصحاب رسول الله - ﷺ - كان بينهم شيء الله أعلم. (٣)\n- وفيها عن إسحاق بن منصور حدثهم أنه قال لأبي عبد الله: قول النبي - ﷺ - لعمار: \"تقتلك الفئة الباغية\" (٤)، قال: لا أتكلم فيه. زاد الطيالسي: تركه أسلم. (٥)\n- وفيها: سئل أحمد عن أبي بكر وعمر فقال: ترحم عليهما، وتبرأ ممن يبغضهما. (٦)\n- وفيها: أن الفضل حدثهم: سمع أبا عبد الله وذكر نوح بن حبيب فقال: إن كان الذي قيل في نوح بن حبيب أنه يقدم عليا على عثمان، فهذا\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٤٨).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٤٦٠).\n(٣) السنة للخلال (٢/ ٤٦٠).\n(٤) أحمد (٢/ ١٦١) والبخاري (١/ ٧١٢/٤٤٧) ومسلم (٤/ ٢٢٣٦/٢٩١٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٥) السنة للخلال (١/ ٤٦٢).\n(٦) السنة للخلال (١/ ٣١٣).","vol":"4","page":28},{"text":"أيضا بلاء أو نحو هذا، ثم قال: كيف يقدم عليا على عثمان؟ وهل كانت بيعة أوثق من بيعته ولا أصح منها؟ وخليفة قتل ظلما لم يبهش إليهم بقصبه، فجعل يقول هذا الكلام، وهو مغضب شديد الغضب. (١)\n- وفيها عن محمد بن عوف الحمصي قال: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن التفضيل فقال: من قدم عليا على أبي بكر فقد طعن على رسول الله - ﷺ -، ومن قدمه على عمر، فقد طعن على رسول الله وعلى أبي بكر، ومن قدمه على عثمان فقد طعن على أبي بكر وعلى عمر وعلى أهل الشورى وعلى المهاجرين والأنصار. (٢)\n- وفيها عن أبي عبد الله قال: من زعم أن عليا أفضل من أبي بكر فهو رجل سوء، لا نخالطه ولا نجالسه. (٣)\n- وفيها عن إسحاق بن إبراهيم أنه حدثهم قال سألت أبا عبد الله عمن قدم عليا على عثمان؟ فقال: هذا رجل سوء، نبدأ بما قال -أصحاب- النبي - ﷺ -، ومن فضله النبي - ﷺ -. (٤)\n- جاء في أصول الاعتقاد عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما لهم ولنا، اسأل الله العافية. وقال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله - ﷺ - بسوء فاتهمه على\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٣٢١).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٣٧٤).\n(٣) السنة للخلال (١/ ٣٧٧).\n(٤) السنة للخلال (١/ ٣٧٨).","vol":"4","page":29},{"text":"الإسلام. (١)\n- وفيه عن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن رجل سب رجلا من أصحاب النبي - ﷺ -، قال: أرى أن يضرب. فقلت له: حد. فلم يقف على الحد إلا أنه قال: يضرب وما أراه على الإسلام. (٢)\n- وجاء في طبقات الحنابلة: عن أبي القاسم إسحاق بن إبراهيم بن آزر الفقيه، قال حدثني أبي قال: حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية فأعرض عنه. فقيل له: يا أبا عبد الله، هو رجل من بني هاشم؟ فأقبل عليه، وقال: اقرأ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قد خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ (٣). (٤)\n- وفيها عن إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الذي يشتم معاوية، نصلي خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة. (٥)\n- وفيها عن سعيد بن أبي سعيد أبي نصر الأرطائي قال: سمعت أحمد ابن حنبل، وسئل عن الصلاة خلف المبتدعة؟ فقال: أما الجهمية: فلا، وأما الرافضة الذين يردون الحديث: فلا. (٦)\n- وفي السنة للخلال عن أبي يعقوب ابن العباس قال: كنا عند أبي عبد الله سنة سبع وعشرين أنا وأبو جعفر ابن إبراهيم فقال له أبو جعفر:\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٢٦/٢٣٥٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤١/٢٣٨٦) والصارم (٥٧٠).\n(٣) البقرة الآية (١٣٤).\n(٤) طبقات الحنابلة (١/ ٩٧).\n(٥) طبقات الحنابلة (١/ ١٠٨).\n(٦) طبقات الحنابلة (١/ ١٦٨).","vol":"4","page":30},{"text":"أليس نترحم على أصحاب رسول الله - ﷺ - كلهم: معاوية، وعمرو بن العاص، وعلى أبي موسى الأشعري، والمغيرة؟ قال: نعم كلهم وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] (١). اهـ (٢)\n- وفيها عن إسحاق أنه حدثهم قال سألت أبا عبد الله: قلت: الشراة يأخذون رجلا فيقولون له: تبرأ من علي وعثمان وإلا قتلناك، كيف ترى له أن يفعل؟ قال أبو عبد الله: إذا عذب وضرب فليصر إلى ما أرادوا، والله يعلم منه خلافه. (٣)\n- وفيها عن أبي طالب قال: سألت أبا عبد الله: البراءة بدعة، والولاية بدعة، والشهادة بدعة؟ قال: البراءة أن تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، والولاية أن تتولى بعضا وتترك بعضا، والشهادة أن تشهد على أحد أنه في النار. (٤)\n- وفيها عن عبد الملك بن عبد الحميد قال: سمعت أبا عبد الله قال: من شتم، أخاف عليه الكفر مثل الروافض، ثم قال: من شتم أصحاب النبي - ﷺ - لا نأمن أن يكون قد مرق عن الدين. (٥)\n- وفيها عن أبي بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله عن من يشتم أبا\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) السنة للخلال (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧).\n(٣) السنة للخلال (١/ ٤٧٩).\n(٤) السنة للخلال (١/ ٤٧٩).\n(٥) السنة للخلال (١/ ٤٩٣).","vol":"4","page":31},{"text":"بكر وعمر وعائشة؟ قال: ما أراه على الإسلام. (١)\n- وفيها عن أبي طالب أنه قال لأبي عبد الله: الرجل يشتم عثمان؟ فأخبروني أن رجلا تكلم فيه فقال: هذه زندقة. (٢)\n- وفيها عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه؟ قال: لا وإذا سلم عليه لا يرد عليه. (٣)\n- وفيها عن الحسن بن علي بن الحسن أنه سأل أبا عبد الله عن صاحب بدعة يسلم عليه؟ قال: إذا كان جهميا أو قدريا أو رافضيا داعية، فلا يصلي عليه ولا يسلم عليه. (٤)\n- وفي السنة لعبد الله قال: سألت أبي من الرافضة؟ فقال الذين يسبون أو يشتمون أبا بكر وعمر. (٥)\n- وجاء في الصارم المسلول: قال أبو طالب: سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي - ﷺ -، قال: القتل أجبن عنه، ولكن أضربه ضربا نكالا. (٦)\n- وفيه قال في الرسالة التي رواها أبو العباس أحمد بن يعقوب الإصطخري وغيره: وخير الأمة بعد النبي - ﷺ - أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان، ووقف قوم، وهم خلفاء راشدون\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٤٩٣) وهو في الصارم (٥٧٣).\n(٢) لسنة للخلال (١/ ٤٩٣) وهو في الصارم (٥٧٣).\n(٣) السنة للخلال (١/ ٤٩٤) وهو في طبقات الحنابلة (٢/ ١٤).\n(٤) السنة للخلال (١/ ٤٩٤).\n(٥) السنة لعبد الله (٢٢٢) وهو في الصارم (٥٧٠).\n(٦) الصارم (٥٧٠).","vol":"4","page":32},{"text":"مهديون، ثم أصحاب رسول الله - ﷺ - بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يراجع. (١)\n- وفيه قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل الذي يشتم عثمان: هذا زندقة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1582>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في السير: عن إسماعيل (٣) بن إسحاق السراج قال: قال أحمد بن حنبل يوما: يبلغني أن الحارث هذا -يعني: المحاسبي- يكثر الكون عندك، فلو أحضرته، وأجلستني من حيث لا يراني، فأسمع كلامه. قلت: السمع والطاعة. وسرني هذا الابتداء من أبي عبد الله، فقصدت الحارث، وسألته أن يحضر، وقلت: تسأل أصحابك أن يحضروا. فقال: يا إسماعيل، فيهم كثرة فلا تزدهم على الكسب (٤) والتمر، وأكثر منهما ما استطعت. ففعلت ما أمرني، وأعلمت أبا عبد الله فحضر بعد المغرب، وصعد غرفة، واجتهد في ورده، وحضر الحارث وأصحابه، فأكلوا ثم قاموا إلى الصلاة، ولم يصلوا بعدها،\n_________\n(١) الصارم (٥٧٠).\n(٢) الصارم (٥٧٣).\n(٣) وقع في المطبوع من السير: إبراهيم، وهو خطأ.\n(٤) الكسب: عصارة الدهن كما في اللسان.","vol":"4","page":33},{"text":"وقعدوا بين يدي الحارث وهم سكوت إلى قريب من نصف الليل، وابتدأ واحد منهم، وسأل عن مسألة، فأخذ الحارث في الكلام وهم يسمعون. وكأن على رؤوسهم الطير، فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعق. فصعدت لأتعرف حال أبي عبد الله، وهو متغير الحال، فقلت: كيف رأيت؟ قال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا، وعلى ما وصفت، فلا أرى لك صحبتهم، ثم قام وخرج. (١)\n- وجاء في التلبيس عن أحمد بن حنبل أنه قال: حذروا من الحارث أشد التحذير، الحارث أصل البلية -يعني في حوادث كلام جهم- ذاك جالسه فلان وفلان، وأخرجهم إلى رأي جهم، ما زال مأوى أصحاب الكلام، حارث بمنزلة الأسد المرابط، انظر أي يوم يثب على الناس. (٢)\n- وقد حكي لأحمد بن حنبل أن بعض الغلاة الجهال بحقيقة التوكل، كان إذا وضع له الطعام لم يمد يده حتى يوضع في فمه، وإذا وضع يطبق فمه حتى يفتحوه ويدخلوا فيه الطعام، فأنكر ذلك أشد الإنكار، ومن هؤلاء من حرم المكاسب. (٣)\n- وقال الإمام أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيئين ولا الصالحين. (٤)\n_________\n(١) السير (١١/ ٣٢٦ - ٣٢٧) وتاريخ بغداد (٨/ ٢١٤ - ٢١٥).\n(٢) تلبيس إبليس (٢٠٧).\n(٣) الفتاوى (٨/ ٥٣٠).\n(٤) الاقتضاء (١/ ٢٨٧).","vol":"4","page":34},{"text":"- وقد سأل إبراهيم الحربي أحمد بن حنبل عن تعمير الخضر وإلياس، وأنهما باقيان يريان ويروى عنهما، فقال الإمام أحمد: من أحال على غائب لم ينصف منه، وما ألقى هذا إلا شيطان. (١)\n- وعنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني. (٢)\n- وسئل عن استماع القصائد فقال: أكرهه، هو بدعة، ولا يجالسون. (٣)\n- عن الحسين الرازي قال: شهدت أحمد بن حنبل وجاءه رجل من أهل خراسان فقال له: يا أبا عبد الله معي درهم أحج بهذا الدرهم؟ فقال له أحمد: اذهب إلى باب الكرخ فاشتر بهذا الدرهم حبا، واحمل على رأسك حتى يصير عندك ثلاثمائة درهم فحج. قال يا أبا عبد الله أما ترى مكاسب الناس؟ قال أحمد لا تنظر إلى هذا، فإنه من رغب في هذا يريد أن يفسد على الناس معايشهم، قال يا أبا عبد الله: أنا متوكل. قال: فتدخل البادية وحدك أو مع الناس؟ قال: لا، مع الناس، قال: كذبت إذن، لست بمتوكل، فادخل وحدك وإلا فأنت متوكل على جراب الناس. (٤)\n- وقد سئل عن الوساوس والخطرات، فقال: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون. (٥)\n_________\n(١) الفتاوى (٤/ ٣٣٧).\n(٢) التلبيس (٢٨٠).\n(٣) التلبيس (٢٨١).\n(٤) التلبيس (٣٦٩).\n(٥) التلبيس (٢٠٦).","vol":"4","page":35},{"text":"\" التعليق:\nوهل الصوفية إلا وسوسة وخزعبلات وأحلام ورؤى يكذبها شيوخهم حتى عبدوهم من دون الله، نسأل الله العافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>موقفه من الجهمية:</span>\n- الموقف العظيم الذي وقفه إمام أهل السنة:\nقال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٣).\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الرجل لتكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها\" وعن أنس عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) العنكبوت الآيات (١ - ٣).\n(٢) آل عمران الآية (١٤٢).\n(٣) البقرة الآية (٢١٤).","vol":"4","page":36},{"text":"قال: \"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط\". (١)\nوعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: \"الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة\". (٢)\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة\". (٣)\nوعن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي - ﷺ - يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. (٤)\n_________\n(١) أخرجه من حديث أنس: الترمذي (٤/ ٥١٩/٢٣٩٦) وقال: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\". وابن ماجه (٢/ ١٣٣٨/٤٠٣١)، البغوي في شرح السنة (٥/ ٢٤٥/١٤٣٥)، وقال الشيخ الألباني في الصحيحة (رقم ١٤٦): \"سنده حسن، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير ابن سنان هذا وهو صدوق له أفراد كما في التقريب\".\n(٢) أخرجه من حديث سعد: أحمد (١/ ١٧٣ - ١٧٤و١٨٠) والترمذي (٤/ ٥٢٠/٢٣٩٨) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (٢/ ١٣٣٤/٤٠٢٣) والحاكم (١/ ٤٠ - ٤١) وصححه على شرط الشيخين. وله شاهد من حديث أبي سعيد أخرجه: ابن ماجه (٢/ ١٣٣٤ - ١٣٣٥/ ٤٠٢٤) والبخاري في الأدب المفرد (رقم٥١٠) والحاكم (١/ ٤٠) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: \"إسناده صحيح رجاله ثقات\".\n(٣) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٨٧) والترمذي (٤/ ٥٢٠/٢٣٩٩) وقال: \"حديث حسن صحيح\". والحاكم (١/ ٣٤٦) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. ابن حبان (٧/ ١٧٦/٢٩١٣ الإحسان).\n(٤) أحمد (١/ ٤٥٦ - ٤٥٧) والبخاري (١٢/ ٣٤٩/٦٩٢٩) ومسلم (٣/ ١٤١٧/١٧٩٢) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٥/٤٠٢٥).","vol":"4","page":37},{"text":"وعنه قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو يوعك، فقلت يا رسول الله، إنك توعك وعكا شديدا. قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك بأن لك أجرين. قال: أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى -شوكة فما فوقها- إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها. (١)\nوعن خباب قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة -وقد لقينا من المشركين شدة- فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: \"لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه - وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله\". (٢) وعن أبي أمامة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أحب الجهاد إلى الله كلمة حق تقال لإمام جائر\". (٣)\nوعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يمنعن أحدكم هيبة الناس\n_________\n(١) أحمد (١/ ٣٨١و٤٤١) والبخاري (١٠/ ١٣٧/٥٦٤٨) ومسلم (٤/ ١٩٩١/٢٥٧١).\n(٢) أحمد (٥/ ١٠٩) والبخاري (٧/ ٢٠٩/٣٨٥٢) وأبو داود (٣/ ١٠٨/٢٦٤٩) والنسائي (٨/ ٥٩٢/٥٣٣٥).\n(٣) أخرجه من حديث أبي أمامة: أحمد (٥/ ٢٥١) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٠/٤٠١٢). قال البوصيري في الزوائد: \"في إسناده أبو غالب وهو مختلف فيه، ضعفه ابن سعد وأبو حاتم والنسائي، ووثقه الدارقطني. وقال ابن عدي: لا بأس به، وراشد بن سعيد، قال فيه أبو حاتم: صدوق، وباقي رجال الإسناد ثقات\".\nوللحديث شواهد: من حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه أحمد (٣/ ١٩) وأبو داود (٤/ ٥١٤/٤٣٤٤) والترمذي (٤/ ٤٠٩/٢١٧٤) وقال: \"حسن غريب من هذا الوجه\". وابن ماجه (٢/ ١٣٢٩/٤٠١١). ومن حديث طارق بن شهاب: أخرجه أحمد (٤/ ٣١٤ - ٣١٥) والنسائي (٧/ ١٨١/٤٢٢٠).\nقال الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (١/ ٨٨٨) تعليقا على حديث أبي أمامة: \"وهذا إسناد حسن، وفي أبي غالب خلاف لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، وحديثه هذا صحيح بشاهده المتقدم والآتي\" -يعني حديث أبي سعيد وطارق بن شهاب-.","vol":"4","page":38},{"text":"أن يقول في حق، إذا رآه أو شهده أو سمعه\". (١)\nهذا نموذج قليل من النصوص التي وردت في القرآن والسنة؛ ولقد ضرب الرسول - ﷺ - والصحابة بعده والتابعون بعدهم المثل الأعلى في هذا الباب، وكانوا خير سلف لخلف يأتي بعدهم، وإذا كان الإمام أحمد وهو إمام أهل الحديث والسير والتواريخ، ويعتبر كتابه أجمع كتاب في هذا الباب، وقلما يخرج عنه حديث للرسول - ﷺ - على اختلاف الأنواع، فكل يجد في مسند الإمام أحمد بغيته؛ المفسر له فيه ما يشبع رغبته، والمؤرخ ودارسو سيرة الرسول - ﷺ - وصحابته الأخيار لهم ما يكفيهم فيه، إلى غير ذلك من الفنون والعلوم التي جمعها هذا الإمام، والكتاب أحق أن يقال فيه الإمام، فهو مرجع المسلمين الكبير يجدون فيه حاجتهم.\nوإذا كان كذلك؛ فما صدر من الإمام أحمد فليس بغريب، فإن هذا الأمر جاء على بابه، فإن الله يعلم حيث يجعل رسالته؛ فلا يحمل رسالته منافقا أو ضعيفا، معاذ الله أن يكون كذلك، ولكن يحملها من جمع أمرين: الأمر الأول: القوة، والأمر الثاني: الإخلاص.\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٩) والترمذي (٤/ ٤١٩ - ٤٢٠/ ٢١٩١) وقال: \"وهذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (٢/ ١٣٢٨/٤٠٠٧) والحاكم (٤/ ٥٠٦). كلهم من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، وعلي بن زيد ضعيف إلا أن حديثه يحسن في المتابعات، وقد تابعه جماعة منهم:\nسليمان بن طرخان التيمي عن أبي نضرة بهذا الإسناد. أخرجه أحمد (٣/ ٥و٥٣).\nالمستمر بن الريان عن أبي نضرة به. أخرجه أحمد (٣/ ٤٦ - ٤٧) وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٤١٩/١٢١٢).\nقتادة عن أبي نضرة به. أخرجه: الطيالسي في مسنده (٢١٥١) أحمد (٣/ ٩٢) وابن حبان (١/ ٥١١ - ٥١٢/ ٢٧٨).\nوهذه المتابعات الثلاث كلها صحح الشيخ الألباني ﵀ أسانيدها في الصحيحة (رقم ١٦٨) وبالله التوفيق.","vol":"4","page":39},{"text":"فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام، والقوي بلا إخلاص يخذل. ولقد جمع الله هذا للأنبياء بالدرجة الأولى، فكانوا في القمة قوة وإخلاصا، وأتباعهم يتفاوتون في ذلك. وقد كان -ولله الحمد- الإمام أحمد مثلا في ذلك، قوة وإخلاصا وتوفيقا. لقد صمد الإمام أمام قوة عظمى عزمت على مداهمته ومصارعته بفكرها الباطل. حكومة بأكملها ملكها ووزراؤها وعلماؤها وسجانها، وجميع قواها التعذيبية، والمجاهد إذا كان في المعركة ومعه أصحابه تجده قويا بهم مرفوع الحس والمعنى.\nولكن إمامنا تولى عنه أصحابه وخافوا من سطوة السيف فبقي في الميدان وحيدا فريدا، وحتى من كان عن يمينه استشهد إلى رحمة الله.\nوالمعركة عادة تكون فترتها قصيرة، فتسفر عن هزيمة أحد الفريقين أو على الأقل يحصل تعادل، ولكن في مقامنا هذا، لقد طال الأمد -تناوله ثلاثة من الحكام- وفي أغلب الأحيان بنوع أو نوعين. ولكن إمامنا هذا، جمع له كل الأنواع، زيادة في الأجر ورفعا لدرجاته في الجنة إن شاء الله. سجن، وقيود، وجوع، وتهديدات متكررة، وكثرة المناظرة بالباطل، واحتقار لشأن الإمام، وتحريض من بيده الأمر على تعذيبه، وقتله، ووقوف الحاكم على رأسه، ومشاهدة تعذيبه في وقاحة كاملة، ونفي من مكان إلى مكان، وإقامة جبرية، لا جمعة، ولا جماعة، ولا اتصال للتحديث، ضعف مادي في الأسرة لا تجد ما تنفقه ... كل هذا على ماذا؟ إنه على العقيدة السلفية، عقيدة الرسول - ﷺ -، والصحابة بعده، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\nولقد برأ الله الإمام أحمد من التسابق على المناصب السياسية. فهو لم","vol":"4","page":40},{"text":"يسابق حكومة المأمون ولا المعتصم ولا الواثق على وزارة أو أي منصب سياسي، لم ينازعهم في هذه الأمور التي يتطاحن عليها أهل الدنيا. وقد حاول المعتصم إغراءه بالقرب إليه، ولكن إمامنا لم يعبأ به. ولقد حاول المتوكل -وهو الذي رفع المحنة جزاه الله خيرا- أن يتقرب إليه بكل وسائل التواضع ولكن الإمام لم يرض أن يدنس دينه وسيرته بالقرب منهم. فالإمام لم ينله ما ناله -ولله الحمد- في جريمة ارتكبها أو منازعة أو مغالبة سياسية أو حزبية. فإن هذا مما طهره الله منه وإخوانه من السلف السابقين واللاحقين منهم.\nوإذا كان لكم شيء تفتخرون به يا أصحاب عقيدة السلف، فليكن بالإمام أحمد وبأمثاله، وكم لكم من أمثاله إن كنتم تقرأون تاريخ عقيدتكم السلفية.\nوبعد هذه التوطئة نذكر ملخص المحنة، وإلا فقد أفردت بالتأليف، وقد أطال المؤرخون للإمام في سياقها، وذكر رواياتها، ومن أعظمهم الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، وفي تاريخ الإسلام، وابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد بن حنبل، وغيرهم مما هو معروف عند من يتتبع سيرته العطرة.\n- قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله ﷿. قال البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم، فلما ولي هو الخلافة، اجتمع به هؤلاء فحملوه","vol":"4","page":41},{"text":"على ذلك وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم، فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين، فلما وصل الكتاب كما ذكرنا، استدعى جماعة من أئمة الحديث، فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق، فأجاب أكثرهم مكرهين واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل ومحمد ابن نوح الجنديسابوري فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد، فلما كانا ببلاد الرحبة، جاءهما رجل من الأعراب من عبادهم يقال له جابر بن عامر، فسلم على الإمام أحمد وقال له: يا هذا، إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل وإنك إن لم تقتل تمت وإن عشت عشت حميدا. قال أحمد: وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه، فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة، جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول: يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته (١)\nمن رسول الله - ﷺ - لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف. قال: فجثى\n_________\n(١) لا يجوز الحلف إلا بالله ﷿ وأسمائه وصفاته، أما الحلف بغيرها فهو من قبيل الشرك، فليتنبه ..","vol":"4","page":42},{"text":"الإمام أحمد على ركبتيه، ورمق بطرفه إلى السماء وقال: سيدي: غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته. قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل. قال أحمد: ففرحنا، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد وأن الأمر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذى كثير وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق، وصلى عليه أحمد، فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان، فأودع في السجن نحوا من ثمانية وعشرين شهرا، وقيل: نيفا وثلاثين شهرا، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم. وقد كان أحمد وهو في السجن هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه.\n- ذكر ضربه -﵁- بين يدي المعتصم:\nلما أحضره المعتصم من السجن، زاد في قيوده، قال أحمد: فلم أستطع أن أمشي بها، فربطتها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاءوني بدابة فحملت عليها، فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود، وليس معي أحد يمسكني، فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت وأغلق علي، وليس عندي سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء فتوضأت منه ثم قمت ولا أعرف القبلة فلما أصبحت إذا أنا على القبلة ولله الحمد والحمد لله. ثم دعيت فأدخلت على المعتصم، فلما نظر إلي وعنده ابن أبي دؤاد قال: أليس قد زعمتم أنه حدث السن، وهذا شيخ مكهل؟ فلما دنوت","vol":"4","page":43},{"text":"منه وسلمت قال لي: ادنه؟ فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال: اجلس، فجلست وقد أثقلني الحديد، فمكثت ساعة، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إلام دعا إليه ابن عمك رسول الله - ﷺ -؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، قال: ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس (١)، ثم قلت: فهذا الذي دعا إليه رسول الله - ﷺ - قال: ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه، وذلك أني لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم: لولا أنك كنت في يد من كان قبل لم أتعرض إليك. ثم قال: يا عبد الرحمن: ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أحمد: فقلت، الله أكبر، هذا فرج للمسلمين، ثم قال: ناظره يا عبد الرحمن، كلمه، فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فلم أجبه، فقال المعتصم: أجبه؟ فقلت: ما تقول في العلم؟ فسكت، فقلت: القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله. فسكت فقالوا فيما بينهم: يا أمير المؤمنين، كفرك وكفرنا، فلم يلتفت إلى ذلك. فقال عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن.\nفقلت: كان الله ولا علم؟ فسكت، فجعلوا يتكلمون من هاهنا وهاهنا. فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به، فقال ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا؟ فقلت: وهل يقوم الإسلام إلا بهما؟ وجرت مناظرات طويلة واحتجوا عليه بقوله: مَا ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٢) وبقوله: ﴿اللَّهُ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٨) والبخاري (١/ ١٧٢/٥٣) ومسلم (١/ ٤٦/١٧) وأبو داود (٤/ ٩٤/٣٦٩٢) والترمذي (٥/ ٩ - ١٠/ ٢٦١١) والنسائي (٨/ ٤٩٥/٥٠٤٦).\n(٢) الأنبياء الآية (٢).","vol":"4","page":44},{"text":"خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) وأجاب بما حاصله: أنه عام مخصوص بقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٢) فقال ابن أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع، وهنا قضاتك والفقهاء فسلهم؟ فقال لهم ما تقولون؟ فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني وناظروه أيضا في اليوم الثالث، وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم، وتغلب حجته حججهم. قال: فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد، وكان من أجهلهم بالعلم والكلام، وقد تنوعت بهم المسائل في المجادلة، ولا علم لهم بالنقل، فجعلوا ينكرون الآثار ويردون الاحتجاج بها، وسمعت منهم مقالات لم أكن أظن أن أحدا يقولها، وقد تكلم معي ابن غوث بكلام طويل -ذكر فيه الجسم وغيره- مما لا فائدة فيه، فقلت: لا أدري ما تقول، إلا أني أعلم أن الله أحد صمد ليس كمثله شيء. فسكت عني، وقد أوردت لهم حديث الرؤية في الدار الآخرة (٣)، فحاولوا أن يضعفوا إسناده، ويلفقوا عن بعض المحدثين كلاما يتسلقون به إلى الطعن فيه، وهيهات، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. وفي غضون ذلك كله يتلطف به الخليفة ويقول: يا أحمد، أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي وممن يطأ بساطي. فأقول يا أمير المؤمنين: يأتوني بآية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله - ﷺ - حتى أجيبهم عليها.\n_________\n(١) الرعد الآية (١٦).\n(٢) الأحقاف الآية (٢٥).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).","vol":"4","page":45},{"text":"واحتج أحمد عليهم حين أنكروا الآثار بقوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (١) وبقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢) وبقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني﴾ وبقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤) ونحو ذلك من الآيات. فلما لم يقم لهم معه حجة، عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذا كافر ضال مضل. وقال له إسحاق بن إبراهيم، نائب بغداد: يا أمير المؤمنين، ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمي واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكة، وهو يظن أنهم على شيء. قال أحمد: فعند ذلك قال لي: لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه واخلعوه واسحبوه، قال أحمد: فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعقابين والسياط وأنا أنظر، وكان معي شعرات من شعر النبي - ﷺ - مصرورة في ثوبي، فجردوني منه وصرت بين العقابين، فقلت: يا أمير المؤمنين، الله، الله إن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحل دم\n_________\n(١) مريم الآية (٤٢).\n(٢) النساء الآية (١٦٤).\n(٣) طه الآية (١٤).\n(٤) النحل الآية (٤٠).","vol":"4","page":46},{"text":"امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث\" (١)\nوتلوت الحديث، وأن رسول الله - ﷺ - قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم\" (٢) فبم تستحل دمي ولم آت شيئا من هذا؟ يا أمير المؤمنين: اذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك، فكأنه أمسك، ثم لم يزالوا يقولون له: يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل كافر، فأمر بي، فقمت بين العقابين، وجيء بكرسي، فأقمت عليه، وأمرني بعضهم أن آخذ ناتئ الخشبتين، فلم أفهم، فتخلعت يداي، وجيء بالضرابين، ومعهم السياط، فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له يعني المعتصم: شد قطع الله يديك ويجيء الآخر فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك فضربوني أسواطا، فأغمي علي وذهب عقلي مرارا، فإذا سكن الضرب يعود علي عقلي، وقام المعتصم إلي يدعوني إلى قولهم، فلم أجبه، وجعلوا يقولون: ويحك! الخليفة على رأسك، فلم أقبل. وأعادوا الضرب، ثم عاد إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب، ثم جاء إلي الثالثة، فدعاني، فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب وأرعبهم ذلك من أمري، وأمر بي فأطلقت، ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجلي، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة\n_________\n(١) أحمد (١/ ٣٨٢،٤٢٨،٤٤٤) والبخاري (١٢/ ٢٤٧/٦٨٧٨) ومسلم (٣/ ١٣٠٢/١٦٧٦) وأبو داود (٤/ ٥٢٢/٤٣٥٢) والترمذي (٤/ ١٢ - ١٣/ ١٤٠٢) وقال: \"حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح\". والنسائي (٧/ ٩٠ - ٩١/ ٤٠٢٧) وابن ماجه (٢/ ٨٤٧/٢٥٣٤) ..\n(٢) أخرجه: البخاري (١٣/ ٣١١/٧٢٨٤و٧٢٨٥) ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢/ ٢٠) وأبو داود (٢/ ١٩٨/١٥٥٦) والترمذي (٥/ ٥ - ٦/ ٢٦٠٧) والنسائي (٧/ ٨٨/٣٩٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":47},{"text":"إحدى وعشرين ومائتين، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جملة ما ضرب نيفا وثلاثين سوطا، وقيل ثمانين سوطا لكن كان ضربا مبرحا شديدا جدا، وقد كان الإمام أحمد رجلا طوالا رقيقا أسمر اللون كثير التواضع ﵀.\nولما حمل من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم، أتوه بسويق ليفطر من الصوم، فامتنع من ذلك وأتم صومه وحين حضرت صلاة الظهر صلى معهم، فقال له ابن سماعة القاضي: وصليت في دمك! فقال له أحمد: قد صلى عمر وجرحه يثعب دما، فسكت ... ولما رجع إلى منزله جاءه الجرايحي، فقطع لحما ميتا من جسده وجعل يداويه، والنائب في كل وقت يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندما كثيرا، وجعل يسأل النائب عنه والنائب يستعلم خبره، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى: ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ (١) الآية، ويقول ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك؟ وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ على اللَّهِ إِنَّهُ لا يحب الظَّالِمِينَ﴾ (٢) وينادي المنادي يوم القيامة: (ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول\n_________\n(١) النور الآية (٢٢).\n(٢) الشورى الآية (٤٠).","vol":"4","page":48},{"text":"الله - ﷺ -: \"ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه الله\" (١). (٢)\n- محنته أيام الواثق:\nجاء في السير: قال حنبل لم يزل أبو عبد الله بعد أن برئ من الضرب يحضر الجمعة والجماعة، ويحدث ويفتي حتى مات المعتصم، وولي ابنه الواثق فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى أحمد بن أبي دؤاد وأصحابه، فلما اشتد الأمر على أهل بغداد وأظهرت القضاة المحنة بخلق القرآن وفرق بين فضل الأنماطي وبين امرأته، وبين أبي صالح وبين امرأته، كان أبو عبد الله يشهد الجمعة ويعيد الصلاة إذا رجع، ويقول: تؤتى الجمعة لفضلها والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة. وجاء نفر إلى أبي عبد الله وقالوا: هذا الأمر قد فشا وتفاقم، ونحن نخافه على أكثر من هذا، وذكروا ابن أبي دؤاد وأنه على أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في المكاتب القرآن كذا وكذا، فنحن لا نرضى بإمارته فمنعهم من ذلك وناظرهم.\nوحكى أحمد قصده في مناظرتهم، وأمرهم بالصبر، قال: فبينا نحن في أيام الواثق، إذ جاء يعقوب ليلا برسالة الأمير إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبد الله يقول لك الأمير: إن أمير المؤمنين قد ذكرك، فلا يجتمعن إليك أحد، ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها، فاذهب حيث شئت من أرض الله قال: فاختفى أبو عبد الله بقية حياة الواثق، وكانت تلك الفتنة، وقتل أحمد بن\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٢٣٥،٣٨٦) ومسلم (٤/ ٢٠٠١/٢٥٨٨) والترمذي (٤/ ٣٣٠/٢٠٢٩).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٩).","vol":"4","page":49},{"text":"نصر الخزاعي، ولم يزل أبو عبد الله مختفيا في البيت لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها، حتى هلك الواثق. وعن إبراهيم بن هانئ قال: اختفى أبو عبد الله عندي ثلاثا، ثم قال: اطلب لي موضعا. قلت: لا آمن عليك، قال: افعل، فإذا فعلت أفدتك، فطلبت له موضعا فلما خرج قال: اختفى رسول الله - ﷺ - في الغار ثلاثة أيام ثم تحول. (١)\n- عبر المحنة:\n١ - مكائد المبتدعة لأهل السنة في كل زمان ومكان ومهما كان نوع المكيدة، المهم القضاء على أتباع العقيدة السلفية.\n٢ - ضعف حجج المبتدعة مهما كانت منزلتهم من القرآن والسنة، وسعة علم السلفيين واطلاعهم الواسع.\n٣ - الحجة عند السلفيين في الكتاب والسنة وما وافقهما من المعقول.\n٤ - العاقبة الحميدة لأهل الحق، وأما أهل الباطل فعاقبتهم الخيبة والخسران، فابن أبي دؤاد يصاب بالفالج، وكل واحد أصيب بمصيبة أعظم من الأخرى.\n٥ - رفع الله بها ذكر الإمام أحمد في الأولين والآخرين، فلا يذكر إلا بلفظ الإمام.\n٦ - جعله الله قدوة لمن جاء بعده، فلعل من جاء بعده يتذكر مواقفه فيقفها، فيكون من باب من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.\n_________\n(١) السير (١١/ ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"4","page":50},{"text":"- عقيدة الإمام أحمد ورسائله السلفية:\nلم يكن للإمام أحمد ذلك الموقف العظيم الذي وقفه والذي شكره عليه الأولون والآخرون فحسب، بل ترك تراثا سلفيا ذكر فيه أصول السلف في العقيدة السلفية، وقد ذكر ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة جملة منها. ولولا خشية الإطالة لشرفت بحثى بنقلها كلها وأتكلم على كل واحدة بما يتيسر من التحليل والتعليق، وإن يجعل الله في العمر فسحة فسأفعل إن شاء الله، وهاكم أرقام الصفحات من طبقات الحنابلة التي ذكرت فيها الرسائل والعقائد السلفية.\n١ - رسالة الإصطخري من ص.٢٤ إلى ٣٦/ ١.\n٢ - رسالة عبدوس بن مالك العطار من ص ٢٤١ إلى ٢٤٦/ ١ وذكرها شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٤/ ١٠٢).\n٣ - رسالة محمد بن حبيب الأندراني من ص ٢٩٤ إلى ٢٩٥/ ١.\n٤ - رسالة محمد بن يونس السرخسي من ص ٣٢٩ إلى ٣٣٠/ ١.\n٥ - رسالته إلى أمير المؤمنين المتوكل، وقد ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء، وقال إسنادها كالشمس من ص ٢٨١ إلى ٢٨٦/ ١١.\nوقد ذكرها شيخ الإسلام في كثير من كتبه، انظر درء التعارض٧/ ١٥٥\n٦ - الرد على الزنادقة والجهمية: طبع ولله الحمد، ذكره شيخ الإسلام في كثير من كتبه، وقد شرحه وحلله كله. انظر درء التعارض (١/ ١٨ - ٤٤ - ٢٢١ - ٢٤٩) (٢/ ٧٥ - ٢٩١ - ٣٠١) (٣/ ٢٣) (٥/ ١٥٧ - ١٦٧ -","vol":"4","page":51},{"text":"١٧٥ - ١٧٧ - ٢٨٢ - ٣٠٢) (٦/ ١٣٧ - ١٤٨) (٧/ ٢٥٧ - ٢٥٩). وذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (١٩٥).\n٧ - التفسير، ذكره شيخ الإسلام في درء التعارض (٢/ ٢٢).\n٨ - الإيمان، ذكره غير واحد، ومن أشهرهم الإمام الذهبي، انظر السير (١١/ ٣٠١).\n٩ - فضائل الصحابة، وقد حقق رسالة علمية في جامعة أم القرى، وطبعه المجلس العلمي بنفس الجامعة.\n١٠ - رسالة مسدد، ذكرها في الطبقات (١/ ٣٤١ إلى ٣٤٥).\n- جاء في طبقات الحنابلة: قال أحمد بن سعد الجوهري: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحد على أهل الإسلام أضر من الجهمية، ما يريدون إلا إبطال القرآن وأحاديث رسول الله - ﷺ -. (١)\n\" التعليق:\nوقد تكرر هذا من كثير من السلف رضوان الله عليهم، ففهموا قصد المبتدعة ومرادهم من أن إحداث هذه البدع ليس القصد منها القربة إلى الله، وإنما القصد منها إبطال الرسالة بالكلية بطريق غير مباشر، والله المستعان.\n- وروى الآجري في الشريعة عن إسحاق بن منصور الكوسج، قال: قلت لأحمد يعني ابن حنبل: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة، حين يبقى\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ٤٧) والسنة للخلال (٥/ ١٢٣).","vol":"4","page":52},{"text":"ثلث الليل الأخير إلى سماء الدنيا\" (١)، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ ويراه أهل الجنة -يعني ربهم ﷿؟ و\"لا تقبحوا الوجه فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته\" (٢) و\"اشتكت النار إلى ربها ﷿ حتى وضع فيها قدمه\" (٣) و\"إن موسى لطم ملك الموت\" (٤) قال أحمد: كل هذا صحيح؛ قال إسحاق: هذا صحيح، ولا يدفعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي. (٥)\n- وفيها: عن أبي بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الأحاديث التي يردها الجهمية في الصفات والإسراء والرؤية وقصة العرش؟ فصححها وقال: قد تلقتها العلماء بالقبول، تسلم الأخبار كما جاءت. قال أبو بكر المروذي: وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه أن يحدثا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية، فقال: أبو عبد الله: حدثوا بها، قد تلقتها العلماء بالقبول، وقال أبو عبد الله: تسلم الأخبار كما جاءت. (٦)\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف البربهاري سنة (٣٢٩هـ).\n(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة بلفظ: \"تحاجت الجنة والنار فقالت النار ... \" الحديث أحمد (٢/ ٢٧٦) والبخاري (١٣/ ٥٣٣/٧٤٤٩) ومسلم (٤/ ٢١٨٦/٢٨٤٦) والترمذي (٤/ ٥٩٨ - ٥٩٩/ ٢٥٦١) دون ذكر موضع الشاهد. والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٦٨/١١٥٢٢).\n(٤) أخرجه من حديث أبي هريرة موقوفا: أحمد (٢/ ٢٠٩) والبخاري (٦/ ٥٤٤/٣٤٠٧) ومسلم (٤/ ١٨٤٢/٢٣٧٢ [١٥٧]) والنسائي (٤/ ٤٢٤ - ٤٢٥/ ٢٠٨٨). وأخرجه مرفوعا: أحمد (٢/ ٥٣٣) والبخاري (٦/ ٥٤٤/٣٤٠٧) ومسلم (٤/ ١٨٤٣/٢٣٧٢ [١٥٨]).\n(٥) الشريعة (٢/ ٩٤/٧٤١).\n(٦) الشريعة (٢/ ١١٤/٧٧١) وطبقات الحنابلة (١/ ٥٦٩٩).","vol":"4","page":53},{"text":"- قال الحافظ في الفتح: وقال الإمام أحمد في 'كتاب السنة' قالت الجهمية لمن قال: إن الله لم يزل بأسمائه وصفاته، قلتم بقول النصارى حيث جعلوا معه غيره، فأجابوا بأنا نقول إنه واحد بأسمائه وصفاته، فلا نصف إلا واحدا بصفاته كما قال تعالى: ﴿ذرني وَمَنْ خَلَقْتُ وحيدًا﴾ (١) وصفه بالوحدة مع أنه كان له لسان وعينان وأذنان وسمع وبصر ولم يخرج بهذه الصفات عن كونه واحدا ولله المثل الأعلى. (٢)\n- وقال: وحكى حنبل بن إسحق في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل أنه قال ردا على من أنكر الميزان ما معناه: قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٣) وذكر النبي - ﷺ - الميزان يوم القيامة فمن رد على النبي - ﷺ - فقد رد على الله ﷿. (٤)\n- قال عبد الله بن أحمد وجدت في كتاب أبي بخط يده مما يحتج به على الجهمية من القرآن. قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا\n_________\n(١) المدثر الآية (١١).\n(٢) الفتح (١٣/ ٣٨١).\n(٣) الأنبياء الآية (٤٧).\n(٤) الفتح (١٣/ ٥٣٨) وأصول الاعتقاد (٦/ ١٢٤٥/٢٢١١).","vol":"4","page":54},{"text":"يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) وقال في يس: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢) وقال في سورة البقرة: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ (٣) وقال الله في آل عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (٤) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)\nوقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٦) وقال: ﴿يا أهل\n_________\n(١) البقرة الآية (١٧٤).\n(٢) يس الآيتان (٨٢و٨٣).\n(٣) البقرة الآيتان (١١٧و١١٨).\n(٤) آل عمران الآية (٤٥).\n(٥) آل عمران الآية (٧٧) ..\n(٦) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).","vol":"4","page":55},{"text":"الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (١) وقال في سورة الأنعام: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) وقال في سورة النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣) وقال في سورة الأعراف: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) وقال في القصص: ﴿كل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلًّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وإليه تُرْجَعُونَ﴾ (٥) وقال في الرحمن: ﴿كل\n_________\n(١) النساء الآية (١٧١).\n(٢) الأنعام الآية (١١٥).\n(٣) النمل الآيات (٨ - ١٠).\n(٤) الأعراف الآية (٥٤).\n(٥) القصص الآية (٨٨).","vol":"4","page":56},{"text":"مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١)\nوقال في طه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ (٢) وقال في البقرة: ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ (٣) وقال في آل عمران: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (٤) وقال في سورة النساء: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ موسى تكليمًا﴾ (٥) وقال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (٦) وقال في الأنعام: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (٧) وقال في طه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ\n_________\n(١) الرحمن الآيتان (٢٦و٢٧) ..\n(٢) طه الآيتان (٣٩و٤٠).\n(٣) البقرة الآية (١٧٤).\n(٤) آل عمران الآية (٣٩).\n(٥) النساء الآية (١٦٤).\n(٦) النساء الآية (١٧١).\n(٧) الأنعام الآية (٣٤).","vol":"4","page":57},{"text":"﴿إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) وقال في الكهف: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٢) وقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٣)\nوقال في التوبة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٤) وفي حم عسق: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٥) وفي لقمان: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦) وفي القصص: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧) وفي\n_________\n(١) طه الآيات (١١ - ١٤).\n(٢) الكهف الآية (٢٧).\n(٣) الكهف الآية (١٠٩) ..\n(٤) التوبة الآية (٦).\n(٥) الشورى الآية (٥١).\n(٦) لقمان الآية (٢٧).\n(٧) القصص الآية (٣٠).","vol":"4","page":58},{"text":"الأعراف: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) وفي الفتح: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ (٢)\nوفي البقرة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) وفي الكهف: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٤) وفي الأعراف: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ... وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٥) وفي الأنفال: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ\n_________\n(١) الأعراف الآيتان (١٤٣و١٤٤).\n(٢) الفتح الآية (١٠) ..\n(٣) البقرة الآية (١١٥).\n(٤) الكهف الآية (٢٨).\n(٥) الأعراف الآيات (١٣٧ - ١٤٣).","vol":"4","page":59},{"text":"الْكَافِرِينَ﴾ (٧) (١) وفي التوبة: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) وفي هود: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) وفي يونس: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (٥) وقال: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٦) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٧) وفي فصلت: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (٨)\nوفي هود: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٩) وفي الكهف: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ\n_________\n(١) الأنفال الآية (٧).\n(٢) التوبة الآية (٤٠).\n(٣) هود الآية (١١٠).\n(٤) يونس الآية (٣٣).\n(٥) يونس الآية (٦٤).\n(٦) يونس الآية (٨٢).\n(٧) يونس الآية (٩٦).\n(٨) فصلت الآية (٤٥) ..\n(٩) هود الآية (١١٩).","vol":"4","page":60},{"text":"مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (١) وفي طه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ (٢) وفي الصافات: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) وفي المؤمن (غافر): ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) وفي حم عسق: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٥)، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٦) وفي الفتح: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ (٧) وفي التحريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ (٨) وفي المؤمن: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٩) وفي النحل: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ\n_________\n(١) الكهف الآية (٢٧).\n(٢) طه الآية (١٢٩).\n(٣) الصافات الآية (١٧١).\n(٤) غافر الآية (٦).\n(٥) الشورى الآية (٢٤).\n(٦) الشورى الآية (٥١).\n(٧) الفتح الآية (١٥).\n(٨) التحريم الآية (١٢).\n(٩) غافر الآية (١٥).","vol":"4","page":61},{"text":"﴿بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١)، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٢)\nوفي الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣) وفي حم عسق: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (٤) وفي الشعراء: ﴿نزل به الروح الْأَمِينُ (١٩٣) على قلبك لتكون من المنذرين﴾ (٥) وفي عم يتساءلون: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ (٦) وفي الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (٧) وقال: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (٨) وقال: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)\n_________\n(١) النحل الآية (١٠٢).\n(٢) النحل الآية (٢) ..\n(٣) الإسراء الآية (٨٥).\n(٤) الشورى الآية (٥٢).\n(٥) الشعراء الآيتان (١٩٣و١٩٤).\n(٦) النبأ الآية (٢٨).\n(٧) الواقعة الآيات (٦٣ - ٦٥).\n(٨) الواقعة الآيتان (٦٩و٧٠).","vol":"4","page":62},{"text":"﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (١) وفي الروم: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ (٢) وفي ن والقلم: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (٣) وفي المرسلات: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (٤)\nوفي الأنعام: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ (٦) ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٧) وفي الأعراف: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٨)، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ (٩)، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ\n_________\n(١) الواقعة الآيتان (٨١و٨٢).\n(٢) الروم الآية (٤٨).\n(٣) ن الآية (٣٥).\n(٤) المرسلات الآيات (٢٠ - ٢٣) ..\n(٥) الأنعام الآية (٣٩).\n(٦) الأنعام الآية (١٣٦).\n(٧) الأنعام الآية (١٠٠).\n(٨) الأعراف الآية (٤٧).\n(٩) الأعراف الآية (٦٩).","vol":"4","page":63},{"text":"مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ (١)، ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (٢)، ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣). وفي الرعد: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ (٤)، ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥). وفي هود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ (٦) وقال في الشعراء: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (٧)،\n﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (٨) وفي فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٩) وفي النمل: ﴿ويكشف السُّوءَ ِ\n_________\n(١) الأعراف الآية (٧٤).\n(٢) الأعراف الآية (١٣٨).\n(٣) الأعراف الآية (١٥٠).\n(٤) الرعد الآية (١٦).\n(٥) الرعد الآية (٣٣).\n(٦) هود الآية (٨٢).\n(٧) الشعراء الآية (٢٩) ..\n(٨) الشعراء الآيتان (٨٤و٨٥).\n(٩) فصلت الآية (٩).","vol":"4","page":64},{"text":"﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (١) ﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ (٢) وفي القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ (٣) وفي الذاريات ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٤) وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٥) وفي القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (٦) وقال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧) وقال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ (٨)، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (٩)\nوقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ\n_________\n(١) النمل الآية (٦٢).\n(٢) النمل الآية (٣٤).\n(٣) القصص الآية (٤).\n(٤) الذاريات الآية (٤١).\n(٥) الذاريات الآية (٥١).\n(٦) القصص الآية (٥).\n(٧) القصص الآية (٧).\n(٨) القصص الآية (٣٨).\n(٩) القصص الآية (٤١) ..","vol":"4","page":65},{"text":"الْقِيَامَةِ﴾ (١) وفي إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (٢)، ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (٣)، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (٤)، ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٥) وفي الحجر: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ﴾ (٦)، ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٧)، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ (٨) وفي النحل: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ (٩)، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (١٠)، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ (١١)، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾،\n_________\n(١) القصص الآية (٧١).\n(٢) إبراهيم الآية (٣٥).\n(٣) إبراهيم الآية (٣٧).\n(٤) إبراهيم الآية (٤٠).\n(٥) إبراهيم الآية (٣٠).\n(٦) الحجر الآية (٩١).\n(٧) الحجر الآية (٩٦).\n(٨) الحجر الآية (٧٣).\n(٩) النحل الآية (٥٦).\n(١٠) النحل الآية (٥٧).\n(١١) النحل الآية (٦٢).","vol":"4","page":66},{"text":"تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ (١)، ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ (٢)، ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (٣) وفي الإسراء: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ (٤)، ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٥) وفي الفرقان: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٦)، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ (٧)، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (٨)، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ (٩)، وفي العنكبوت: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ\n_________\n(١) النحل الآية (٨٠).\n(٢) النحل الآية (٨١).\n(٣) النحل الآية (٩١).\n(٤) الإسراء الآية (٦) ..\n(٥) الإسراء الآية (٢٢).\n(٦) الفرقان الآية (٢٣).\n(٧) الفرقان الآية (٣٧).\n(٨) الفرقان الآية (٥٤).\n(٩) الفرقان الآية (٣٥).","vol":"4","page":67},{"text":"﴿السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (٢) وفي سبأ: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ (٣) ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) وفي إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (٥) وفي المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (٦) وفي التوبة: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٧) وفي يونس: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ (٨)، ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٩) وفي الزخرف: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾\n_________\n(١) العنكبوت الآية (١٥).\n(٢) العنكبوت الآية (١٠).\n(٣) سبأ الآية (١٩).\n(٤) سبأ الآية (٣٣).\n(٥) إبراهيم الآية (٣٥).\n(٦) المائدة الآية (١٠٣).\n(٧) التوبة الآية (١٩).\n(٨) يونس الآية (٧٣) ..\n(٩) يونس الآية (٨٥).\n(١٠) الزخرف الآية (٥٦).","vol":"4","page":68},{"text":"(١)، ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٢)، وفي الفيل: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٣) وفي سورة الأنبياء: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ (٤)، ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (٥) ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٦) وفي الصافات: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ (٨)، ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (٩) وفي ص: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا\n_________\n(١) الزخرف الآية (٦٠).\n(٢) الفيل الآية (٥).\n(٣) الأنبياء الآيتان (٥٧و٥٨).\n(٤) الأنبياء الآية (٧٠).\n(٥) الأنبياء الآيتان (٧٢و٧٣).\n(٦) الأنبياء الآية (١٥).\n(٧) الصافات الآيتان (٩٧و٩٨).\n(٨) الصافات الآية (١٥٨).","vol":"4","page":69},{"text":"﴿الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (١) وفي الزمر: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ (٢) وفي يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ (٣)،\nوقال: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ (٤)، ﴿لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ (٥) وفي الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦) وفي الإسراء: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٧) في النساء: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (٨) وفي الواقعة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ﴾ (٩) وفي البروج: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مجيدٌ﴾ (١٠) وفي الزخرف: ﴿وَإِنَّهُ في أُمِّ\n_________\n(١) ص الآية (٢٨).\n(٢) الزمر الآية (٢١).\n(٣) يوسف الآية (٥٥) ..\n(٤) يوسف الآية (٧٠).\n(٥) يوسف الآية (٦٢).\n(٦) الأعراف الآية (١٨٠).\n(٧) الإسراء الآية (١١٠).\n(٨) النساء الآية (١٧٤).\n(٩) الواقعة الآية (٧٧).\n(١٠) البروج الآية (٢١).","vol":"4","page":70},{"text":"﴿الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١) وفي فصلت: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عزيزٌ﴾ (٢) وفي سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٣) وفي يس: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ (٤) وفي الفرقان: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٥). وفي الحجر: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (٦) وفي فصلت: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٧) وفي الأنعام: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٨) وفي فصلت: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي\n_________\n(١) الزخرف الآية (٤).\n(٢) فصلت الآية (٤١).\n(٣) الدخان الآيتان (١و٢).\n(٤) يس الآيتان (١و٢).\n(٥) الفرقان الآية (٥٩).\n(٦) الحجر الآية (١) ..\n(٧) الآيتان (٤١و٤٢).\n(٨) الأنعام الآية (١٥٥).","vol":"4","page":71},{"text":"آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ (١) وفي حم عسق: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٢) وفي الزخرف: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) وفي سورة العلق: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (٤) وفي المائدة: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٥) وفي الأنعام: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٦) ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٧) وفي الطور: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (٨)\nوفي البقرة: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (٩)، ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ (١٠) وفي طه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا\n_________\n(١) فصلت الآية (٤٤).\n(٢) الشورى الآية (٧).\n(٣) الزخرف الآيات (١ - ٣).\n(٤) العلق الآيتان (١٤و١٥).\n(٥) المائدة الآية (١١٦).\n(٦) الأنعام الآية (١٢).\n(٧) الأنعام الآية (٥٤).\n(٨) الطور الآية (٤٨) ..\n(٩) البقرة الآية (٣٧).\n(١٠) البقرة الآية (٧٥).","vol":"4","page":72},{"text":"﴿مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١) وفي مريم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (٢) وفي لقمان: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٣) وفي النساء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (٤) وفي الزمر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٥) وفي المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٦) وفي الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٧)\nوفي طه: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي\n_________\n(١) طه الآية (٤٦).\n(٢) مريم الآية (٤٢).\n(٣) لقمان الآية (٢٨).\n(٤) النساء الآية (١٣٤).\n(٥) الزمر الآية (٦٧).\n(٦) المائدة الآية (٦٤).\n(٧) الفتح الآية (١٠) ..","vol":"4","page":73},{"text":"﴿مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ (١) وفي القيامة: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) وفي المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ (٣)، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (٤)، وفي الملك ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥) وفي النجم: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (٦). اهـ (٧)\n_________\n(١) طه الآيات (٤٥ - ٤٧).\n(٢) القيامة الآيات (٢٠ - ٢٣).\n(٣) المطففين الآيتان (١٥و١٦).\n(٤) المطففين الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٥) الملك الآيتان (٢٥و٢٦).\n(٦) النجم الآيات (١٠ - ١٤).\n(٧) السنة لعبد الله (ص.١٩٢ - ٢٠٦).","vol":"4","page":74},{"text":"- روى اللالكائي بسنده إلى حنبل قال: قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد ابن حنبل- ما يروى عن النبي - ﷺ - في الشفاعة فقال: هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر، وكل ما روي عن النبي - ﷺ - بأسانيد جيدة نؤمن بها ونقر، قلت له: وقوم يخرجون من النار؟ فقال: نعم، إذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه رددنا على الله أمره قال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) قلت: والشفاعة؟ قال: كم حديث يروى عن النبي - ﷺ - في الشفاعة والحوض، فهؤلاء يكذبون بها ويتكلون، وهو قول صنف من الخوارج، وإن الله تعالى لا يخرج من النار أحدا بعد إذ أدخله، والحمد لله الذي عدل عنا ما ابتلاهم به. (٢)\n- وفيه عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يقول: إذا صير العبد إلى لحده وانصرف عنه أهله أعيد إليه روحه في جسده فيسأل حينئذ في قبره، وهو قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٣) يعني القبر، فنسأل الله أن يثبتنا على طاعته، ويبارك لنا في تلك الساعة عند المساءلة، فالسعيد من أسعده الله ﷿، قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: نؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير. (٤)\n_________\n(١) الحشر الآية (٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٦/ ١١٨٣/٢٠٩٠).\n(٣) إبراهيم الآية (٢٧).\n(٤) أصول الاعتقاد (٦/ ١٢١٩/٢١٥٨).","vol":"4","page":75},{"text":"- وفيه: وروى يوسف بن موسى البغدادي أنه قيل لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل: الله ﷿ فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه في كل مكان؟ قال: نعم على العرش وعلمه لا يخلو منه مكان. (١)\n- ذكر الإمام الخلال في السنة عن أبي ثابت الخطاب، قال: كنت أنا وإسحاق بن أبي عمر جالسا، فمر بنا رجل جهمي وأنا أعلم أنه جهمي، فسلم علينا فرددت ﵇ ولم يرد عليه إسحاق بن أبي عمر، فقال لي إسحاق: ترد على جهمي السلام؟ قال: فقلت: أليس أرد على اليهودي والنصراني؟ قال: ترضى بأبي عبد الله؟ قلت: نعم. قال: فغدوت إلى أبي عبد الله، فأخبرته بالخبر، فقال: سبحان الله، ترد على جهمي؟ فقلت: أليس أرد على اليهودي والنصراني؟ فقال: اليهودي والنصراني قد تبين أمرهما. (٢)\n- وفيها: عن عبد الملك الميموني أن أبا عبد الله ذكر رجلا من الجهمية، فقال: أخزاه الله. (٣)\n- وفيها: عن أبي بكر المروذي، قال: قلت لأبي عبد الله: الرجل المقرئ يجيئه ابن الجهمي، ترى أن يأخذ عليه؟ قال: وابن كم هو؟ قلت: ابن سبع أو ثمان. قال: لا تأخذ عليه ولا تقبله، ليذل الأب به. (٤)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦/ ٦٧٤).\n(٢) السنة للخلال (٥/ ٩٤).\n(٣) السنة للخلال (٥/ ٩٤).\n(٤) السنة للخلال (٥/ ٩٥).","vol":"4","page":76},{"text":"- وفيها: عن أبي بكر المروذي، قال: قلت لأبي عبد الله: أمر بقرية جهمي وليس معي زاد، ترى أن أطوى؟ قال: نعم اطو، ولا تشتر منه شيئا. وقال المروذي في موضع آخر. قال: سألت أبا عبد الله، قلت: أبيع الثوب من الرجل الذي أكره كلامه ومبايعته، أعني الجهمي؟ قال: دعني حتى أنظر. فلما كان بعدما سألته عنها، قال: توق مبايعته. قلت لأبي عبد الله: فإن بايعته وأنا لا أعلم. قال: إن قدرت أن ترد البيع، فافعل. قلت: فإن لم يمكنني، أتصدق بالثمن؟ قال: أكره أن أحمل الناس على هذا، فتذهب أموالهم. قلت: فكيف أصنع؟ قال: ما أدري، أكره أن أتكلم فيه بشيء. قلت: إنما أريد أن أعرف مذهبك. قال: أليس بعت ولا تعرفه؟ قلت: نعم. قال: أكره أن أتكلم فيه بشيء، ولكن أقل ما هاهنا أن تصدق بالربح وتوق مبايعتهم. (١)\n- وبسنده إلى أبي بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد الله وذكر الجهمية فقال: إنما كان يراد بهم المطابق، تدري أي شيء عملوا هؤلاء في الإسلام؟ قيل لأبي عبد الله: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم؟ قال: ومن لا يفرح بهذا؟ قيل له: إن ابن المبارك قال: الذي ينتقم من الحجاج، هو ينتقم للحجاج من الناس. قال: أي شيء يشبه هذا من الحجاج؟ هؤلاء أرادوا تبديل الدين. (٢)\n- قال الإمام أحمد: وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث، فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرا كثيرا، فكان مما بلغنا من أمر\n_________\n(١) السنة للخلال (٥/ ٩٦).\n(٢) السنة للخلال (٥/ ١٢١).","vol":"4","page":77},{"text":"الجهم عدو الله: أنه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله ﵎، فلقي ناسا من المشركين يقال لهم السمنية، فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم: نعم، فقالوا له: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا، فقالوا له: هل سمعت كلامه؟ قال: لا، قالوا: فشممت له رائحة؟ قال: لا، قالوا: فوجدت له حسا؟ قال: لا، قالوا: فوجدت له مجسا؟ قال: لا، قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما، ثم إنه استدرك حجة من جنس حجة الزنادقة من النصارى، وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح التي في عيسى هي من روح الله من ذات الله، وإذا أراد الله أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه، فيأمر بما شاء وينهى عن ما شاء وهو روح غائبة عن الأبصار. فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة، فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحا؟ فقال: نعم، قال فهل رأيت روحك؟ قال: لا، قال: فسمعت كلامه؟ قال: لا، قال: فوجدت له حسا؟ قال: لا، قال: فكذلك الله لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان. ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١). ﴿وهو\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).","vol":"4","page":78},{"text":"اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ (١). ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٢).\nفبنى أصل كلامه كله على هؤلاء الآيات، وتأول القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله - ﷺ - وزعم أن من وصف من الله شيئا مما وصف الله به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرا، وكان من المشبهة. وأضل بكلامه بشرا كثيرا، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة، ووضع دين الجهمية. (٣)\n- وقال: قال أحمد: إنه مستو على العرش عالم بكل مكان. (٤)\n- وفيه: قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، وقال: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين المجمل والقياس، وهذه الطريق يشترك فيها جميع أهل البدع الكبار والصغار، فهي طريق الجهمية والمعتزلة ومن دخل في التأويل من الفلاسفة والباطنية الملاحدة. (٥)\n- وجاء في السير عن أبي معمر القطيعي، قال: لما أحضرنا إلى دار السلطان أيام المحنة، وكان أحمد بن حنبل قد أحضر، فلما رأى الناس يجيبون، وكان رجلا لينا، فانتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، وذهب ذلك اللين. فقلت: إنه قد غضب لله، فقلت أبشر: حدثنا ابن الفضيل، عن الوليد بن\n_________\n(١) الأنعام الآية (٣).\n(٢) الأنعام الآية (١٠٣).\n(٣) الرد على الجهمية والزنادقة (ص.١٠١ - ١٠٥)، وانظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٥/ ٣٩ - ٤٠).\n(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ١٨١).\n(٥) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٥٥ - ٣٥٦).","vol":"4","page":79},{"text":"عبد الله بن جميع، عن أبي سلمة، قال: كان من أصحاب رسول الله - ﷺ -، من إذا أريد على شيء من أمر دينه، رأيت حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون. (١)\n- وجاء في الإبانة: عن أبي نصر عصمة بن أبي عصمة، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: حدثنا أبو طالب أحمد بن حميد، قال: قال لي أبو عبد الله: صاروا ثلاث فرق في القرآن. قلت: نعم: هم ثلاث: الجهمية، والواقفة، واللفظية، فأما الجهمية، فهم يكشفون أمرهم، يقولون: مخلوق. قال: كلهم جهمية، هؤلاء يستترون، فإذا أحرجتهم، كشفوا الجهمية، فكلهم جهمية، قال الله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢) وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٣) فيسمع مخلوقا وجبريل جاء إلى النبي - ﷺ - بمخلوق. (٤)\n- وبسنده إلى علي بن عيسى العكبري أن حنبلا حدثهم سمع أبا عبد الله قال: من قال إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، فقد كفر وَرَدَّ على الله أمره وقوله، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. (٥)\n- وفيها: عن يعقوب بن بختان، قال: قلت لأبي عبد الله ﵀: من\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٣٨).\n(٢) النساء الآية (١٦٤).\n(٣) التوبة الآية (٦).\n(٤) الإبانة (١/ ١٢/٢٩٤ - ٢٩٥/ ٦٤) ونحوه في السنة للخلال (٥/ ٢٢٥) والسير (١١/ ٢٨٩).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٣/٧٩/ ٣٠٤).","vol":"4","page":80},{"text":"كان له قرابة جهمي، يرثه؟ قال: بلغني عن عبد الرحمن أنه قال: لا يرثه، فقيل: ما ترى؟ فقال: إذا كان كافرا. قلت: لا يرثه؟ قال: لا. (١)\n- وفيها: عن المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن الجهمي يموت وله ابن عم ليس له وارث غيره، فقال: قال النبي - ﷺ -: \"لا يرث المسلم الكافر\" (٢) قلت: فلا يرثه؟ قال: لا. قلت: فما يصنع بماله؟ قال: بيت المال، نحن نذهب إلى أن مال المرتد لبيت المال. (٣)\n- وفيها: وروى الميموني، قال: ذاكرت أبا عبد الله أمر الجهمية وما يتكلمون، فقال: في كلامهم كلام الزنادقة، يدورون على التعطيل ليس يثبتون شيئا، وهكذا الزنادقة. (٤)\n- وفيها: روى المروذي عن أبي عبد الله، قال: قلت لأبي عبد الله: رجل صلى خلف الصف هو ورجل، فلما سلم نظر إلى الذي صلى على جانبه فإذا هو جهمي، قال: يعيد الصلاة، فإنه إنما صلى خلف الصف وحده، أو كلام هذا معناه: إن شاء الله. (٥)\n- وبسنده إلى الحارث الصائغ: قلت لأبي عبد الله إن أصحاب ابن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٨١/ ٣١٠).\n(٢) أخرجه من حديث أسامة بن زيد: أحمد (٥/ ٢٠٠،٢٠٨،٢٠٩) والبخاري (١٢/ ٥٨/٦٧٦٤) ومسلم (٣/ ١٢٣٣/١٦١٤) وأبو داود (٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧/ ٢٩٠٩) والترمذي (٤/ ٣٦٩/٢١٠٧) والنسائي في الكبرى (٤/ ٨٠/٦٣٧١) وابن ماجه (٢/ ٩١١/٢٧٢٩).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٣/٨٢ - ٨٣/ ٣١٤).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٣/١٠٧/ ٣٥٦).\n(٥) الإبانة (٢/ ١٣/١٢٢/ ٣٨٩).","vol":"4","page":81},{"text":"الثلاج نلنا منهم ومن أعراضهم، فنستحلهم من ذلك؟ فقال: لا، هؤلاء جهمية، من أي شيء يستحلون؟. (١)\n- وفيها: قال عبد الله بن أحمد: وسألت أبي عن الصلاة خلف أهل البدع، فقال: لا تصل خلفهم مثل الجهمية والمعتزلة، وقال: إذا كان القاضي جهميا، فلا تشهد عنده. (٢)\n- وفيها: قال حنبل: وقال أبو عبد الله: واحتججت عليهم فقلت: زعمتم أن الأخبار تردونها باختلاف أسانيدها، وما يدخلها من الوهم والضعف، فهذا القرآن نحن وأنتم مجمعون عليه وليس بين أهل القبلة فيه خلاف، وهو الإجماع. قال الله ﷿ في كتابه تصديقا منه لقول إبراهيم غير دافع لمقالته ولا لما حكى عنه، فقال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (٣) فذم إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر، فهذا منكر عندكم. فقالوا: شبه، شبه يا أمير المؤمنين. فقلت: أليس هذا القرآن؟ هذا منكر عندكم مدفوع، وهذه قصة موسى، قال الله عزوجل لموسى في كتابه حكاية عن نفسه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ موسى﴾ (٤) فأثبت الله الكلام لموسى كرامة منه لموسى ثم قال: ﴿يا موسى إنني\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/١٣١ - ١٣٢/ ٤٠٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٣/١٣٩ - ١٤٠/ ٤١٤).\n(٣) مريم الآية (٤٢).\n(٤) النساء الآية (١٦٤).","vol":"4","page":82},{"text":"أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني﴾ (١) فتنكرون هذا، فيجوز أن تكون هذه الياء راجعة ترد على غير الله، أو يكون مخلوق يدعي الربوبية؟ وهل يجوز أن يقول هذا غير الله؟ وقال له: ﴿يا موسى لا تخف﴾ (٢)، ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] (٣) فهذا كتاب الله يا أمير المؤمنين، فيجوز أن يقول لموسى: أنا ربك مخلوق؟ وموسى كان يعبد مخلوقا؟ ومضى إلى فرعون برسالة مخلوق يا أمير المؤمنين؟ قال: فأمسكوا، وأداروا بينهم كلاما لم أفهمه. قال أبو عبد الله: والقوم يدفعون هذا وينكرونه، ما رأيت أحدا طلب الكلام واشتهاه إلا أخرجه إلى أمر عظيم، لقد تكلموا بكلام، واحتجوا بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطق لساني أن أحكيه، والقوم يرجعون إلى التعطيل في أقاويلهم، وينكرون الرؤية والآثار كلها، ما ظننت أنه هكذا حتى سمعت مقالاتهم.\nقال أبو عبد الله: قيل لي يومئذ: كان الله ولا قرآن. فقلت له: كان الله ولا علم؟ فأمسك. ولو زعم غير ذلك أن الله كان ولا علم، لكفر بالله. قال أبو عبد الله: وقلت له -يعني: لابن الحجام-: يا ويلك، لا يعلم حتى يكون، فعلمه وعلمك واحد، كفرت بالله عالم السر وأخفى، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ويلك، يكون علمه مثل علمك، تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. قال أبو عبد الله: فهذه أليست مقالته؟ قال أبو عبد الله: وهذا هو\n_________\n(١) طه الآية (١٤).\n(٢) النمل الآية (١٠).\n(٣) طه الآية (١٢).","vol":"4","page":83},{"text":"الكفر بالله، ما ظننت أن القوم هكذا. لقد جعل برغوث يقول يومئذ: الجسم وكذا وكلام لا أفهمه، فقلت: لا أعرف ولا أدري ما هذا، إلا أنني أعلم أنه أحد صمد، لا شبه له ولا عدل، وهو كما وصف نفسه، فيسكت عني. قال: فقال لي شعيب: قال الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عربيًا﴾ (١) أفليس كل مجعول مخلوقا؟ قلت: فقد قال الله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جذاذًا﴾ (٢) أفخلقهم ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٣) أفخلقهم؟ أفكل مجعول مخلوق؟ كيف يكون مخلوقا وقد كان قبل أن يخلق الجعل؟ قال: فأمسك. (٤)\n- وبسنده إلى صالح بن أحمد أن أباه قال: قال لي رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله. قال: فقلت له: ما تقول في قول الله ﷿: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٥) فقال: خص الله بها المؤمنين، قال: قلت: فما تقول إن كان قاتلا أو عبدا أو يهوديا أو نصرانيا؟ فسكت. (٦)\n- وفيها عن محمد بن جعفر، قال: سمعت هرثمة بن خالد -قرابة إسحاق بن داود- وكنا جميعا أنا وإسحاق، قال: قال أحمد بن حنبل، قال\n_________\n(١) الزخرف الآية (٣).\n(٢) الأنبياء الآية (٥٨).\n(٣) الفيل الآية (٥).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٤/٢٥٤ - ٢٥٧/ ٤٣٣).\n(٥) النساء الآية (١١).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٤/٢٥٨/ ٤٣٥).","vol":"4","page":84},{"text":"لي ابن أبي دؤاد -وهم يناظروني- وقد كنت قلت لهم: أوجدوني ما تقولون في كتاب الله أو في سنة رسول الله، أوجدني أنت يا ابن حنبل في علمك أن هذا البساط الذي نحن عليه مخلوق؟ قال: قلت: نعم. قال الله ﷿: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (١) قال: فكأني ألقمته حجرا. (٢)\n- وفيها: وروى الميموني، قال: سألت أبا عبد الله، قلت: من قال: إن الله تعالى كان ولا علم؟ فتغير وجهه تغيرا شديدا، وكثر غيظه، ثم قال لي: كافر. وقال لي: كل يوم أزداد في القوم بصيرة. (٣)\n- ونقل الخلال في السنة عن عبد الملك الميموني أن أبا عبد الله ذكر عنده بشر المريسي، فقيل: كافر. فلم أر أبا عبد الله أنكر من قول القائل شيئا. (٤)\n- وفيها: عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله قديما يسأل عن الصلاة خلف بشر المريسي قال: لا يصلى خلفه. (٥)\n- وجاء في الإبانة عن المروذي، قال: سمعت أبا عبد الله وذكر بشرا المريسي، فقال: من كان يهوديا، إيش تراه يكون؟. (٦)\n- وجاء في السنة للخلال: عن الحسن بن ثواب المخرمي، قال: قلت\n_________\n(١) النحل الآية (٨٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٤/٢٥٨ - ٢٥٩/ ٤٣٦).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٢/٧٠/ ٢٩١).\n(٤) السنة للخلال (٥/ ١٠٠).\n(٥) السنة للخلال (٥/ ١٠٢).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٣/١١٢/ ٣٦٧) والسنة للخلال (٥/ ٩٩) وزاد: \"ملأ الله قبر المريسي نارا\".","vol":"4","page":85},{"text":"لأحمد بن حنبل، ابن أبي دؤاد؟، قال: كافر بالله العظيم. (١)\n- وفيها: عن إسحاق بن إبراهيم حدثهم أنه حضر العيد مع أبي عبد الله، قال: فإذا بقاص يقول: على ابن أبي دؤاد لعنة الله، وحشا الله قبر ابن أبي دؤاد مئة ألف عمود من نار. وجعل يلعن، فقال أبو عبد الله: ما أنفعهم للعامة. (٢)\n- ونقل ابن بطة بسنده إلى أحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي، قال: سمعت عبيد بن محمد القصير قال: سمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل، قال له أبو إسحاق: يا أحمد إن كنت تخشى من هؤلاء النابتة، جئتك أنا في جيش إلى بيتك حتى أسمع منك الحديث. قال: فقال له: يا أمير المؤمنين خذ في غير هذا واسأل عن العلم واسأل عن الفقه، أي شيء تسأل عن هذا؟ قال عبيد بن محمد: وسمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل، قال: التفت إليه المعتصم، فقال: تعرف هذا؟ قال: لا. قال: تعرف هذا؟ قال: لا. فالتفت أحمد، فوقعت عينه على ابن أبي دؤاد فحول وجهه، فكأنما وقعت عينه على قرد، قال: تعرف هذا -يعني: عبد الرحمن؟ قال: نعم. قال: قل: الله رب القرآن، قال: القرآن كلام الله. قال: فشهد ابن سماعة وقتلته، فقالوا: قد كفر، اقتله ودمه في أعناقنا. (٣)\n- وذكر الإمام الخلال في السنة: عن حرب بن إسماعيل الكرماني،\n_________\n(١) السنة للخلال (٥/ ١١٧).\n(٢) السنة للخلال (٥/ ١١٨).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٤/٢٦٢ - ٢٦٣/ ٤٣٩).","vol":"4","page":86},{"text":"قال: سمعت أحمد، وذكر شعيب بن سهل قاضي بغداد، فقال أحمد: خزاه الله. (١)\n- وجاء في الإبانة: عن الفضل بن زياد، قال: قلت لأبي عبد الله: إن الشراك بلغني عنه أنه قد تاب ورجع. قال: كذب، لا يتوب هؤلاء، كما قال أيوب: إذا مرق أحدهم لم يعد فيه أو نحوهذا. (٢)\n- وفيها: عن الفضل بن زياد قال: قلت لأبي عبد الله: إن ابن عم لي قدم من طرسوس، فأخبرني عنهم أنهم يحبون أن يعلموا رأيك في الذي تكلم به موسى بن عقبة، فقال: قد كنت تكلمت بكلام فيه. قلت: إنهم يريدون منك حركة في أمره، فقال: قد أخرجت فيه أحاديث، وادفع إلي كاغدا حتى أخرجها إليك. فقام، فأخرجت كتابا فدفعه إلي، فقال: اقرأ علي، فقرأت الأحاديث، ودفع إلي طبق كاغد من عنده، فقال: انسخه. فنسخته، وعارضت به، وصححته. (٣)\n- جاء في الشريعة: عن الفضل بن زياد؛ قال: سمعت أبا عبد الله أحمد ابن حنبل، وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله تعالى لا يرى في الآخرة، فغضب غضبا شديدا ثم قال: من قال بأن الله تعالى لا يرى في الآخرة فقد كفر، عليه لعنة الله وغضبه، من كان من الناس، أليس الله ﷿ قال: ﴿وُجُوهٌ\n_________\n(١) السنة للخلال (٥/ ١١٩).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٣/١٢٩ - ١٣٠/ ٤٠٤).\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/٣٥٧/ ١٦٥).","vol":"4","page":87},{"text":"يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢) هذا دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى. (٣)\n- وفيها: عن حنبل بن إسحاق بن حنبل، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: قالت الجهمية: إن الله لا يرى في الآخرة، وقال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فلا يكون هذا إلا أن الله تعالى يرى، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فهذا النظر إلى الله تعالى. والأحاديث التي رويت عن النبي - ﷺ -: \"إنكم ترون ربكم\" (٤) برواية صحيحة، وأسانيد غير مدفوعة، والقرآن شاهد أن الله تعالى يرى في الآخرة. (٥)\n- وفيها: عن أبي داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن حنبل وقيل له في رجل حدث بحديث عن رجل، عن أبي العطوف -يعني أن الله ﷿ لا يرى في الآخرة-، فقال: لعن الله من حدث بهذا الحديث، ثم قال: أخزى الله هذا. (٦)\n- وفي السنة للخلال: عن عبيد الله بن أحمد الحلبي، قال: سمعت أبا\n_________\n(١) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٢) المطففين الآية (١٥).\n(٣) الشريعة (٢/ ٩/٦١٨).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٥) الشريعة (٢/ ٩ - ١٠/ ٦١٩) ونحوه في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(٦) الشريعة (٢/ ٥١/٦٧١).","vol":"4","page":88},{"text":"عبد الله وحدثني بحديث جرير بن عبد الله في الرؤية (١)، فلما فرغ قال: على الجهمية لعنة الله. (٢)\n- وجاء في طبقات الحنابلة: وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت، فقال أبي: تكلم الله ﵎ بصوت وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت، وقال أبي: حديث ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان (٣) قال أبي: والجهمية تنكره. قال أبي: وهؤلاء كفار. (٤)\n\" التعليق:\nهذه هي المسائل التي طال الحوار فيها بين السلف والجهمية وأفراخهم، وقد تصدى لهم السلف بالرد وألفوا في ذلك، ومن أحسن ما ألف: كتاب إثبات الحرف والصوت لأبي نصر السجزي الذي سيمر بنا إن شاء الله تعالى. وأثبت من المنقول والمعقول ما فيه كفاية لمن أراد الحجة، وأما الذي لا يطلب الدليل فكما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ\n_________\n(١) تقدمت الإشارة إليه.\n(٢) السنة للخلال (٥/ ٩٥).\n(٣) أخرجه: أبو داود (٥/ ١٠٥ - ١٠٦/ ٤٧٣٨)، ابن حبان (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤/ ٣٧) كلهم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبد الله - ﵁ - به مرفوعا. وأخرجه موقوفا: ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٣٥١/٢٠٨) والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥٠٧/٤٣٢) من طريق سعدان بن نصر كلاهما عن أبي معاوية بهذا الإسناد موقوفا. وذكره البخاري تعليقا (١٣/ ٥٥٤) عن مسروق عن ابن مسعود موقوفا.\nوقد اختلف في رفعه ووقفه، قال الدارقطني في العلل (٥/ ٢٤٣): \"والموقوف هو المحفوظ\" ولو ثبت موقوفا فهو في حكم الرفع، لأن مثل هذا ليس من قبيل الرأي.\n(٤) طبقات الحنابلة (١/ ١٨٥) والسنة لعبد الله (٧٠ - ٧١) والفتح (١٣/ ٤٦٠).","vol":"4","page":89},{"text":"بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١). فالمعاند لا ينتفع لا بالقرآن ولا بالسنة. وقد حقق الكتاب رسالة علمية مقدمة من أخينا وصديقنا الفاضل الشيخ محمد باكريم الزهراني.\n- ونقل الإمام اللالكائي: عن حنبل قال: قلت لأبي عبد الله: يكلم الله عبده يوم القيامة؟ قال: نعم، فمن يقضي بين الخلق إلا الله، يكلمه الله ﷿ ويسأله الله ﷿ متكلم لم يزل بما شاء، ويحكم، وليس لله عدل ولا مثل ﵎ كيف شاء وأنى شاء. (٢)\n- وفي الفتاوى الكبرى قال الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الجهمية، بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله كلم موسى صلى الله عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء، قلنا لم أنكرتم ذلك؟ قالوا: لأن الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كون شيئا فعبر عن الله وخلق صوتا فسمع. فزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان، فقلنا فهل يجوز لمكون أو لغير الله أن يقول لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣)، ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (٤)؟ فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمية أن الله كون شيئا، كان يقول ذلك\n_________\n(١) الأنعام الآية (٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٧٩/٧٣٨) والإبانة (٢/ ١٤/٣٢١/ ٤٩٦).\n(٣) طه الآية (١٤).\n(٤) طه الآية (١٢).","vol":"4","page":90},{"text":"المكون يا موسى إن الله رب العالمين، ولا يجوز أن يقول إني أنا الله رب العالمين، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ (١) وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٢) وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٣) فهذا منصوص القرآن قال: وأما ما قالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، فكيف يصنعون بحديث سليمان الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان\" (٤) قال: وأما قولهم إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان. أليس الله ﷿ قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٥) أتراها أنها قالت بجوف وشفتين ولسان؟ وقال الله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ (٦) أتراها أنها سبحت بفم وجوف ولسان وشفتين، والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٧)\n_________\n(١) النساء الآية (١٦٤).\n(٢) الأعراف الآية (١٤٣).\n(٣) الأعراف الآية (١٤٤).\n(٤) أخرجه: أحمد (٤/ ٢٥٦) والبخاري (١١/ ٤٨٨/٦٥٣٩) ومسلم (٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤/ ١٠١٦ [٦٧]) والترمذي (٤/ ٥٢٨/٢٤١٥) وابن ماجه (١/ ٦٦/١٨٥).\n(٥) فصلت الآية (١١) ..\n(٦) الأنبياء الآية (٧٩).\n(٧) فصلت الآية (٢١).","vol":"4","page":91},{"text":"أتراها نطقت بجوف وشفتين وفم ولسان، ولكن الله أنطقها كيف شاء من غير أن يقول فم ولسان وشفتان. قال: فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره: فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم، قلنا هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم تدفعون الشنعة عن أنفسكم بما تظهرون ... قال وقلنا للجهمية: من القائل لعيسى يوم القيامة ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) أليس الله هو القائل، قالوا: يكون الله شيئا يعبر عن الله كما كون فعبر لموسى، فقلنا: فمن القائل ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢) أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنما يكون الله شيئا فيعبر عن الله، قلنا: قد أعظمتم على الله الفرية حتى زعمتم أن الله لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول عن مكان إلى مكان، فلما ظهرت عليه الحجة قال: أقول إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق.\nقلنا: وكذلك بنوا آدم كلامهم مخلوق، ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما، فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه الصفة، بل نقول إن الله جل ثناؤه لم يزل متكلما إذا شاء، ولا نقول أنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما، ولا نقول أنه قد كان لا يعلم حتى خلق\n_________\n(١) المائدة الآية (١١٦).\n(٢) الأعراف الآية (٦).","vol":"4","page":92},{"text":"علما فعلم، ولا نقول أنه قد كان ولا قدرة، حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورا، ولا نقول إنه كان ولا عظمة حتى خلق لنفسه عظمة. فقالت الجهمية لنا لما وصفنا من الله هذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته فقلنا: لا نقول أن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر. فقالوا لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا كان الله ولا شيء، فقلنا: نحن نقول كان الله ولاشيء ولكن إذا قلنا أن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته وضربنا لهم مثلا في ذلك فقلنا لهم: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذوع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها اسم واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله جل ثناؤه وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد، لا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة له حتى خلق قدرة، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا علم له حتى خلق فعلم والذي لا يعلم فهو جاهل ولكن نقول لم يزل الله قادرا عالما مالكا لا متى ولا كيف، وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (١) أو قد كان لهذا الذي سماه وحيدا عينان وأذنان ولسانا وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه الله وحيدا بجميع صفاته،\n_________\n(١) المدثر الآية (١١) ..","vol":"4","page":93},{"text":"فكذلك الله، وله المثل الأعلى هو بجميع صفاته إله واحد. (١)\n- ونقل الإمام ابن بطة عن حنبل بن إسحاق، قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسى، فهو كافر بالله، وكذب بالقرآن، ورد على رسول الله - ﷺ -، يستتاب من هذه المقالة، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. (٢)\n- جاء في الشريعة عن محمد بن يوسف بن الطباع، قال: سمعت رجلا سأل أحمد بن حنبل، فقال: يا أبا عبد الله، أصلي خلف من يشرب المسكر؟ قال: لا. قال: فأصلي خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ قال: سبحان الله! أنهاك عن مسلم، وتسألني عن كافر؟. (٣)\n- وجاء في الفتح: قال ابن أبي حاتم في كتاب 'الرد على الجهمية' حدثنا أبي قال: قال أحمد بن حنبل: دل على أن القرآن غير مخلوق حديث عبادة، \"أول ما خلق الله القلم فقال اكتب\" الحديث (٤)\nقال: وإنما نطق القلم بكلامه لقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٦٠ - ٦٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٤/٣٢٠/ ٤٩٥) والشريعة (٢/ ٨٥/٧٢٣) بنحوه.\n(٣) الشريعة (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣/ ١٨٧) والإبانة (٢/ ١٢/٧١ - ٧٢/ ٢٩٥).\n(٤) أخرجه: أحمد (٥/ ٣١٧) من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه فذكره. قال الشيخ الألباني ﵀ في \"ظلال الجنة\" (١/ ٤٨): \"وإسناده لا بأس به في الشواهد رجاله ثقات غير ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ لكنه يتقوى بما قبله وما بعده\" -يعني من كتاب السنة لابن أبي عاصم. وأخرجه: أبو داود (٥/ ٧٦/٤٧٠٠) من طريق إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة قال: قال عبادة بن الصامت لابنه، فذكره. الترمذي (٤/ ٣٩٨/٢١٥٥) وقال: \"وهذا حديث غريب من هذا الوجه\". وفيه قصة طويلة.\n\nوأخرجه أيضا في (٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥/ ٣٣١٩) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\".","vol":"4","page":94},{"text":"(٤٠) (١) قال فكلام الله سابق على أول خلقه فهو غير مخلوق. (٢)\nوفيه: وقد احتج أحمد بن حنبل بهذه الآية -يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣) الآية- على أن القرآن غير مخلوق لأنه لم يرد في شيء من القرآن ولا من الأحاديث أنه مخلوق، ولا ما يدل على أنه مخلوق. (٤)\n- جاء في السنة لعبد الله: قال أحمد بن حنبل: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر، لأن القرآن من علم الله، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٥) وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٦) وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ\n_________\n(١) النحل الآية (٤٠).\n(٢) الفتح (١٣/ ٤٤٣).\n(٣) المائدة الآية (٦٧).\n(٤) الفتح (١٣/ ٥٠٤).\n(٥) آل عمران الآية (٦١).\n(٦) البقرة الآية (١٢٠).","vol":"4","page":95},{"text":"وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقال: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ (٢) وقال: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب﴾ (٣). اهـ (٤)\n- وفيها: قال عبد الله: سمعت أبي مرة أخرى سئل عن القرآن فقال: كلام الله ليس بمخلوق. ولا تخاصموا ولا تجادلوا من يخاصم. (٥)\n- وفيها: قال عبد الله: سمعت أبي يقول: من كان من أصحاب الحديث أو من أصحاب الكلام فأمسك عن أن يقول القرآن ليس بمخلوق فهو جهمي. (٦)\n- عن أحمد بن الحسن الترمذي قال: سألت أبا عبد الله قال: قد وقع من أمر القرآن ما قد وقع، فإن سئلت عنه ماذا أقول؟ قال لي: ألست أنت مخلوقًا؟، قلت: نعم. قال: أليس كل شيء منك مخلوقًا؟ قلت: نعم. قال: فكلامك، أليس هو منك وهو مخلوق؟، قلت: نعم. قال: فكلام الله أليس هو منه؟ قلت: نعم. قال: فيكون شيء من الله مخلوقًا؟. (٧)\n_________\n(١) البقرة الآية (١٤٥).\n(٢) الأعراف الآية (٥٤).\n(٣) هود الآية (١٧).\n(٤) السنة لعبد الله بن أحمد (ص.٩ - ١٠) ونحوه في الشريعة (١/ ٢٢٣/١٨٩) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٠ - ٢٩١/ ٤٥٠).\n(٥) السنة لعبد الله بن أحمد (ص.٢١).\n(٦) السنة لعبد الله بن أحمد (ص.٢٩).\n(٧) الإبانة (٢/ ١٢/٣٥/ ٢٢٥) وأصول الاعتقاد (٢/ ٢٩١/٤٥١).","vol":"4","page":96},{"text":"- وجاء في الفتاوى الكبرى: عن الميموني أنه قال لأبي عبد الله: ما تقول فيمن قال إن أسماء الله محدثة. فقال: كافر. ثم قال لي: الله من أسمائه، فمن قال إنها محدثة، فقد زعم أن الله مخلوق، وأعظم أمرهم عنده وجعل يكفرهم، وقرأ علي: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١) وذكر آية أخرى. (٢)\n- وفيها: وقال الخلال في كتاب السنة: أخبرني محمد بن سليمان قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: عن أي قالة تسأل؟ قلت: كلام الله، قال: كلام الله وليس بمخلوق، ولا تجزع أن تقول ليس بمخلوق، فإن كلام الله من الله ومن ذات الله وتكلم الله به، وليس من الله شيء مخلوق. (٣)\n- وفيها: قال الخلال: وأخبرني عبيد الله بن حنبل حدثني حنبل سمعت أبا عبد الله يقول: قال الله في كتابه العزيز: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٤) فجبريل سمعه من الله تعالى، وسمعه النبي - ﷺ - من جبريل - ﷺ -، وسمعه أصحاب النبي من النبي - ﷺ -، فالقرآن كلام الله غير مخلوق ولا نشك، ولا نرتاب فيه، وأسماء الله تعالى في القرآن\n_________\n(١) الصافات الآية (١٢٦).\n(٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٧٠).\n(٣) الفتاوى الكبرى (٥/ ٧٦) والإبانة (٢/ ١٢/٣٥/ ٢٢٤).\n(٤) التوبة الآية (٦).","vol":"4","page":97},{"text":"وصفاته في القرآن أن القرآن من علم الله وصفاته منه، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، والقرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وقد كنا نهاب الكلام في هذا حتى أحدث هؤلاء ما أحدثوا وقالوا ما قالوا ودعوا الناس إلى ما دعوهم إليه، فبان لنا أمرهم وهو الكفر بالله العظيم. (١)\n- ونقل شيخ الإسلام ﵀ عن أحمد قال: وما في اللوح المحفوظ وما في المصاحف وتلاوة الناس وكيفما يقرأ وكيفما يوصف، فهو كلام الله غير مخلوق. (٢)\n- وجاء في السير: عن عبد الله بن أحمد، قال: كتب عبيد الله بن يحيى ابن خاقان إلى أبي يخبره أن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك أسألك عن القرآن، لا مسألة امتحان، لكن مسألة معرفة وتبصرة. فأملى علي أبي: إلى عبيد الله بن يحيى، بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك أبا الحسن في الأمور كلها، ودفع عنك المكاره برحمته، قد كتبت إليك، رضي الله عنك، بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بأمر القرآن بما حضرني، وأني أسأل الله أن يديم توفيق أمير المؤمنين، فقد كان الناس في خوض من الباطل، واختلاف شديد ينغمسون فيه، حتى أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفى الله به كل بدعة، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المحابس، فصرف الله ذلك كله، وذهب به بأمير المؤمنين، ووقع ذلك من المسلمين موقعا عظيما، ودعوا الله لأمير المؤمنين، وأسأل الله أن يستجيب في أمير المؤمنين صالح الدعاء، وأن\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٧٦ - ٧٧).\n(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٨٢).","vol":"4","page":98},{"text":"يتم ذلك لأمير المؤمنين، وأن يزيد في نيته، وأن يعينه على ما هو عليه. فقد ذكر عن ابن عباس أنه قال: لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإنه يوقع الشك في قلوبكم.\nوذكر عن عبد الله بن عمرو، أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي - ﷺ - فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا، وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ فسمع ذلك رسول الله - ﷺ -، فخرج كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: \"أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ها هنا في شيء، انظروا الذي أمرتم به، فاعملوا به، وانظروا الذي نهيتم عنه، فانتهوا عنه\" (١) وروي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"مراء في القرآن كفر\" (٢) وروي عن أبي جهيم عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تماروا في القرآن فإن مراء فيه كفر\" (٣) وقال ابن عباس: قدم رجل على عمر، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا. فقال ابن عباس: فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم في القرآن هذه المسارعة. فزبرني عمر، وقال: مه، فانطلقت إلى منزلي كئيبا حزينا، فبينا أنا\n_________\n(١) أحمد (٢/ ١٩٥ - ١٩٦) وابن ماجه (١/ ٣٣/٨٥) مختصرا، قال في الزوائد: \"هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات\". وقال الشيخ الألباني: \"حسن صحيح\". انظر صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٢١) وصحيح الترغيب (١/ ١٦٩)، وله شاهد عن أنس وآخر عن أبي سعيد الخدري ﵄.\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٨) وأبو داود (٥/ ٩/٤٦٠٣) والحاكم (٢/ ٢٢٣) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وابن حبان (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥/ ١٤٦٤) من حديث أبي هريرة.\n(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ١٧٠) والطبري في التفسير (١/ ١٩) وأبو عبيد في فضائل القرآن (٢/ ١٦٦/٧٢٨) والبغوي في شرح السنة (٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦)، وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١٥١) وقال: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\". وله شاهد من حديث زيد بن ثابت.","vol":"4","page":99},{"text":"كذلك إذ أتاني رجل فقال: أجب أمير المؤمنين.\nفخرجت، فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي، فخلا بي، وقال: ما الذي كرهت؟ قلت: يا أمير المؤمنين، متى يتسارعوا هذه المسارعة، يحتقوا، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. قال: لله أبوك، والله إن كنت لأكتمها الناس حتى جئت بها.\nوروي عن جابر، قال: كان النبي - ﷺ - يعرض نفسه على الناس بالموقف، فيقول: \"هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي\" (١). وروي عن جبير بن نفير، قال رسول الله - ﷺ -: \"إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه\" (٢)، يعني: القرآن. وروي عن ابن مسعود، قال: جردوا القرآن، لا تكتبوا فيه شيئا إلا كلام الله. وروي عن عمر أنه قال: هذا القرآن كلام الله، فضعوه مواضعه. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إني إذا قرأت كتاب الله، وتدبرته، كدت أن آيس، وينقطع رجائي، فقال: إن القرآن كلام الله، وأعمال ابن آدم إلى الضعف والتقصير، فاعمل وأبشر. وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنت جارا لخباب، فخرجت يوما معه إلى المسجد، وهو آخذ بيدي، فقال: يا هناه، تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. وقال رجل للحكم: ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات. وقال معاوية بن قرة: إياكم وهذه الخصومات، فإنها تحبط الأعمال. وقال أبو قلابة: لا\n_________\n(١) سيأتي تخريجه قريبًا.\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ١٦٢/٢٩١٢) وقال: \"مرسل\". وله طرق أخرى لا تخلو من مقال وانظر الضعيفة (١٩٥٧).","vol":"4","page":100},{"text":"تجالسوا أهل الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات. فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا. لتقومان عني، أو لأقومنه، فقاما. وقال: خشيت أن يقرآ آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي.\nوقال رجل من أهل البدع لأيوب: يا أبا بكر أسألك عن كلمة؟ فولى، وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة.\nوقال ابن طاووس لابن له يكلمه رجل من أهل البدع: يا بني أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول. ثم قال: اشدد اشدد. وقال عمر ابن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات، أكثر التنقل. وقال إبراهيم النخعي: إن القوم لم يدخر عنهم شيء خبئ لكم لفضل عندكم. وكان الحسن يقول: شر داء خالط قلبا، يعني: الأهواء. وقال حذيفة: اتقوا الله، وخذوا طريق من كان قبلكم، والله لئن استقمتم، لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن تركتموه يمينا وشمالا، لقد ضللتم ضلالا بعيدا، أو قال: مبينا. قال أبي: وإنما تركت الأسانيد لما تقدم من اليمين التي حلفت بها مما قد علمه أمير المؤمنين، ولولا ذاك، ذكرتها بأسانيدها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١). وقال: ﴿ألا لَهُ\n_________\n(١) التوبة الآية (٦).","vol":"4","page":101},{"text":"الخلق وَالْأَمْرُ﴾ (١) فأخبر أن الأمر غير الخلق. وقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٢). فأخبر أن القرآن من علمه. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٣). وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥). فالقرآن من علم الله. وفي الآيات دليل على أن الذي جاءه هو القرآن. وقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث عن النبي - ﷺ -، أو عن أصحابه، أو عن التابعين. فأما غير ذلك، فإن الكلام فيه غير محمود.\n_________\n(١) الأعراف الآية (٥٤).\n(٢) الرحمن الآيات (١ - ٤).\n(٣) البقرة الآية (١٢٠).\n(٤) البقرة الآية (١٤٥) ..\n(٥) البقرة الآية (١٤٥).","vol":"4","page":102},{"text":"قال الذهبي: فهذه الرسالة إسنادها كالشمس، فانظر إلى هذا النفس النوراني. لا كرسالة الإصطخري، ولا كالرد على الجهمية الموضوع على أبي عبد الله، فإن الرجل كان تقيا ورعا لا يتفوه بمثل ذلك. ولعله قاله، وكذلك رسالة المسيء في الصلاة باطلة. وما ثبت عنه أصلا وفرعا ففيه كفاية. (١)\n- وفيها: وقال إسحاق بن إبراهيم البغوي: سمعت أحمد يقول: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. وسمع سلمة بن شبيب أحمد يقول ذلك، وهذا متواتر عنه. وقال أبو إسماعيل الترمذي: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: من قال: القرآن محدث، فهو كافر. وقال إسماعيل بن الحسن السراج: سألت أحمد عمن يقول: القرآن مخلوق، قال: كافر، وعمن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: جهمي. (٢)\n- ونقل الإمام البغوي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، فيمن قال بخلق القرآن: أنه لا يصلى خلفه الجمعة، ولا غيرها، إلا أنه لا يدع إتيانها، فإن صلى أعاد الصلاة. (٣)\n- وجاء في الإبانة عن أبي توبة الطرسوسي -الربيع بن نافع- قال: قلت لأحمد بن حنبل وهو عندنا ها هنا بطرسوس -يعني حين حمل في المحنة: ما ترى في هؤلاء الذين يقولون: القرآن مخلوق؟ فقال: \"كفار\". قلت: ما يصنع بهم؟ قال: فقال: يستتابون، فإن تابوا، وإلا ضربت أعناقهم. قال:\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٨١ - ٢٨٧).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٨٨).\n(٣) شرح السنة للبغوي (١/ ٢٢٩).","vol":"4","page":103},{"text":"فقلت: قد جئت تضعف أهل العراق، لا بل يقتلون ولا يستتابون. قال أبو بكر الأثرم: فقال أبو إسحاق العباداني يوما لأبي عبد الله ونحن عنده: يا أبا عبد الله: حكى عنك أبو توبة كذا وكذا، فابتسم ثم قال: عافى الله أبا توبة. (١)\n- وفيها عن بكر بن محمد بن الحكم عن أبيه عن أبي عبد الله، قال: سألته عمااحتج به حين دخل على هؤلاء، فقال: احتجوا علي بهذه الآية: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٢) أي: أن القرآن محدث، فاحتججت عليهم بهذه الآية: ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذي الذِّكْرِ﴾ (٣) قلت: فهو سماه الذكر، وقلت: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ فهذا يمكن أن يكون غير القرآن محدث، ولكن ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذي الذِّكْرِ﴾ فهو القرآن، ليس هو محدثا، قال: فبهذا احتججت عليهم، واحتجوا علي: ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا كذا أعظم من آية الكرسي (٤)، قال: فقلت له: إنه لم يجعل آية الكرسي مخلوقة، إنما هذا مثل ضربه، أي: هي أعظم من\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/٧٨ - ٧٩/ ٣٠٣).\n(٢) الأنبياء الآية (٢).\n(٣) ص الآية (١).\n(٤) أخرجه: ابن الضريس (رقم ١٩٣) من طريق حماد عن عاصم عن أبي الأحوص عن عبد الله فذكره. و(رقم ١٩٤) من طريق وكيع عن الأعمش عن أبي إسحاق عن مسروق قال: قال عبد الله فذكره. وأخرجه أبو عبيد في فضائله (٢/ ٣٤ - ٣٥/ ٤٢١) من طريق منصور بن المعتمر عن الشعبي قال: التقى مسروق بن الأجدع وشتير بن شكل، فقال شتير لمسروق إما أن أحدثك عن عبد الله وتصدقني أو تحدثني وأصدقك. فقال مسروق تحدث وأصدقك، فقال شتير: سمعت عبد الله يقول: فذكره.","vol":"4","page":104},{"text":"أن تخلق، ولو كانت مخلوقة لكانت السماء أعظم منها، أي: فليست بمخلوقة. قال: واحتجوا علي بقول: ﴿الله خالق كل شيءٍ﴾ (١) فقلت: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زوجين﴾ (٢) فخلق من القرآن زوجين، ﴿وأوتيت مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) فأوتيت القرآن؟ فأوتيت النبوة أوتيت كذا وكذا؟ وقال الله تعالى: ﴿تدمر كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤)\nفدمرت كل شيء، إنما دمرت ما أراد الله من شيء، قال: وقال لي ابن أبي دؤاد: أين تجد أن القرآن كلام الله؟ قلت: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٥) فسكت. وقلت له بين يدي الرئيس، وجرى كلام بيني وبينه، فقلت له: اجتمعت أنا وأنت أنه كلام وقلت: إنه مخلوق، فهاتوا الحجة من كتاب الله أو من السنة، فما أنكر ابن أبي دؤاد ولا أصحابه أنه كلام. قال: وكانوا يكرهون أن يظهروا أنه ليس بكلام فيشنع عليهم. (٦)\n- وفيها: عن حنبل قال: قال أبو عبد الله: وكان إذا كلمني ابن أبي دؤاد لم أجبه ولم ألتفت إلى كلامه، فإذا كلمني أبو إسحاق، ألنت له القول والكلام. قال: فقال لي أبو إسحاق: لئن أجبتني لآتينك في حشمي وموالي،\n_________\n(١) الزمر الآية (٦٢).\n(٢) الذاريات الآية (٤٩).\n(٣) النمل الآية (٢٣).\n(٤) الأحقاف الآية (٢٥) ..\n(٥) الكهف الآية (٢٧).\n(٦) الإبانة (٢/ ١٤/٢٥٠ - ٢٥٣/ ٤٣١).","vol":"4","page":105},{"text":"ولأطأن بساطك، ولا نوهن باسمك، يا أحمد اتق الله في نفسك، يا أحمد الله الله. قال أبو عبد الله: وكان لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم، فيقول: يا أحمد إني عليك شفيق. فقلت: يا أمير المؤمنين هذا القرآن وأحاديث رسول الله - ﷺ - وأخباره، فما وضح من حجة صرت إليها. قال: فيتكلم هذا وهذا. قال: فقال ابن أبي دؤاد لما انقطع وانقطع أصحابه: والذي لا إله إلا هو، لئن أجابك لهو أحب إلي من مئة ألف ومئة ألف عددا مرارا كثيرة. قال أبو عبد الله: وكان فيما احتججت عليهم يومئذ، قلت لهم: قال الله عزوجل: ﴿ألا له الخلق وَالْأَمْرُ﴾ (١)، وذلك أنهم قالوا لي: أليس كل ما دون الله مخلوق؟ فقلت لهم: فرق بين الخلق والأمر، فما دون الله مخلوقا، فأما القرآن، فكلامه ليس بمخلوق. فقالوا: قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) فقلت لهم: قال الله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ اللَّهِ﴾ (٣) فأمره كلامه واستطاعته ليس بمخلوق، فلا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فقد نهينا عن ذلك. (٤)\n- وفيها عن محمد بن يوسف المروزي -المعروف بابن سرية، قال: دخلت على أبي عبد الله والجبائر على ظهره، قال لي: يا أبا جعفر، أشاط\n_________\n(١) الأعراف الآية (٥٤).\n(٢) النحل الآية (٤٠).\n(٣) النحل الآية (١).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٤/٢٥٣ - ٢٥٤/ ٤٣٢).","vol":"4","page":106},{"text":"القوم بدمي فقالوا له -يعني المعتصم-: يا أمير المؤمنين سله عن القرآن، أشيء هو أو غير شيء؟ قال: فقال لي المعتصم: يا أحمد أجبهم. قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء لا علم لهم بالقرآن، ولا بالناسخ والمنسوخ، ولا بالعام والخاص، قد قال الله ﷿ في قصة موسى: ﴿وكتبنا لَهُ في الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فما كتب له القرآن. وقال في قصة سبأ: ﴿وأوتيت مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) وما أوتيت القرآن، فأخرسوا. (٣)\n- روى الآجري في الشريعة بسنده إلى أبي داود السجستاني قال: سمعت أحمد يسأل: هل لهم رخصة أن يقول الرجل: القرآن كلام الله، ثم يسكت؟ فقال: ولم يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا، لأي شيء لا يتكلمون؟. (٤)\n- وله بسنده إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد -وذكر رجلين كانا وقفا في القرآن، ودعوا إليه، فجعل يدعو عليهما- وقال لي: هؤلاء فتنة عظيمة، وجعل يذكرهما بالمكروه. قال أبو داود: ورأيت أحمد سلم عليه رجل من أهل بغداد، ممن وقف فيما بلغني، فقال له: اغرب، لا أراك تجيء إلى بابي. في كلام غليظ، ولم يرد ﵇، وقال له: ما أحوجك أن يصنع بك ما\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٤٥).\n(٢) النمل الآية (٢٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٤/٢٥٧ - ٢٥٨/ ٤٣٤).\n(٤) الشريعة (١/ ٢٣٢/٢٠٣).","vol":"4","page":107},{"text":"صنع عمر بن الخطاب بصبيغ. ودخل بيته، ورد الباب. (١)\n- قال عبد الله: سمعت أبي سئل عن الواقفة فقال أبي: من كان منهم يخاصم ويعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يكن يعرف بالكلام يجانب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يسأل يتعلم. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن سلمة بن شبيب قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الواقفي لا تشك في كفره. (٣)\n- وجاء في السنة للخلال عن حنبل قال: قلت لأبي عبد الله: إن يعقوب بن شيبة وزكريا الشركي ابن عمار أنهما إنما أخذا عنك هذا الأمر الوقف. فقال أبو عبد الله: كنا نأمر بالسكوت ونترك الخوض في الكلام وفي القرآن، فلما دعينا إلى أمر ما كان بدا لنا من أن ندفع ذاك ونبين من أمره ما ينبغي. قلت لأبي عبد الله: فمن وقف، فقال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق؟ فقال: كلام سوء، هو ذا موضع السوء، وقوفه، كيف لا يعلم إما حلال وإما حرام، إما هكذا وإما هكذا، قد نزه الله ﷿ القرآن عن أن يكون مخلوقا، وإنما يرجعون هؤلاء إلى أن يقولوا إنه مخلوق، فاستحسنوا لأنفسهم فأظهروا الوقف. القرآن كلام الله غير مخلوق بكل جهة وعلى كل تصريف. قلت: رضي الله عنك، لقد بينت من هذا الأمر ما قد كان تلبس على الناس.\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣/ ٢٠٤).\n(٢) السنة لعبد الله بن أحمد (ص.٤٣) والسنة للخلال (٥/ ١٣٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٦٣/٥٤٤).","vol":"4","page":108},{"text":"قال: لا تجالسهم ولا تكلم أحدا منهم. (١)\n- وفيها: عن أبي الحارث قال: سألت أبا عبد الله قلت: إن بعض الناس يقول: إن هؤلاء الواقفة هم شر من الجهمية. قال: هم أشد على الناس تزيينا من الجهمية، هم يشككون الناس وذلك أن الجهمية قد بان أمرهم، وهؤلاء إذا قالوا إنا لا نتكلم استمالوا العامة، إنما هذا يصير إلى قول الجهمية. قال: وسمعته يسأل عن من قال: أقول القرآن كلام الله وأسكت. قال: لا، هذا شاك، لا، حتى يقول غير مخلوق. (٢)\n- وفيها: عن إبراهيم بن الحارث العبادي، قال: قمت من عند أبي عبد الله، فأتيت عباس العنبري، فأخبرته بما تكلم أبو عبد الله في أمر ابن معذل، فسر به ولبس ثيابه ومعه أبو بكر بن هاني، فدخل على أبي عبد الله، فابتدأ عباس فقال: يا أبا عبد الله قوم هاهنا حدثوا يقولون: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق. قال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم، فإن لم تقولوا ليس بمخلوق، فقولوا مخلوق. فقال أبو عبد الله: كلام سوء. فقال العباس: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فقال: الذي أعتقده وأذهب إليه، ولا أشك فيه أن القرآن غير مخلوق. ثم قال: سبحان الله، ومن يشك في هذا؟ ثم تكلم أبو عبد الله استعظاما للشك في ذلك، فقال: سبحان الله! في هذا شك؟ قال الله ﷿: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ (٣) ففرق بين الخلق والأمر. قال أبو عبد الله:\n_________\n(١) السنة للخلال (٥/ ١٣٤).\n(٢) السنة للخلال (٥/ ١٣٥) والإبانة (١/ ١٢/٢٩٣ - ٢٩٤/ ٦٢و٦٣).\n(٣) الأعراف الآية (٥٤).","vol":"4","page":109},{"text":"فالقرآن من علم الله، ألا تراه يقول: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾ (١) والقرآن فيه أسماء الله ﷿، أي شيء تقولون؟ ألا تقولون أن أسماء الله ﷿ غير مخلوقة؟ من زعم أن أسماء الله ﷿ مخلوقة، فقد كفر، لم يزل الله ﷿ قديرا، عليما، عزيزا، حكيما، سميعا، بصيرا، لسنا نشك أن أسماء الله ليست بمخلوقة، ولسنا نشك أن علم الله ﵎ ليس بمخلوق، وهو كلام الله ﷿، ولم يزل الله ﷿ حكيما، ثم قال أبو عبد الله: وأي كفر أبين من هذا، وأي كفر أكفر من هذا؟ إذا زعموا أن القرآن مخلوق، فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة، وأن علم الله مخلوق، ولكن الناس يتهاونون بهذا ويقولون: إنما يقولون القرآن مخلوق، فيتهاونون ويظنون أنه هين، ولا يدرون ما فيه من الكفر. قال: فأنا أكره أن أبوح بهذا لكل أحد، وهم يسألوني، فأقول: إني أكره الكلام في هذا، فبلغني أنهم يدعون علي أني أمسك.\nقلت لأبي عبد الله: فمن قال القرآن مخلوق، فقال: لا أقول أسماء الله مخلوقة ولا علمه ولم يزد على هذا، أقول هو كافر؟ فقال: هكذا هو عندنا. قال أبو عبد الله: نحن نحتاج أن نشك في هذا؟ القرآن عندنا فيه أسماء الله ﷿ وهو من علم الله، من قال مخلوق، فهو عندنا كافر. ثم قال أبو عبد الله: بلغني أن أبا خالد وموسى بن منصور وغيرهم يجلسون في ذلك الجانب، فيعيبون قولنا، ويدعون إلى هذا القول أن لا يقال: مخلوق ولا غير مخلوق، ويعيبون من يكفر، ويزعمون أنا نقول بقول الخوارج. ثم تبسم أبو عبد الله\n_________\n(١) الرحمن الآية (٢).","vol":"4","page":110},{"text":"كالمغتاظ، ثم قال: هؤلاء قوم سوء. ثم قال أبو عبد الله للعباس: وذاك السجستاني الذي عندكم بالبصرة، ذاك خبيث، بلغني أنه قد وضع في هذا يوما يقول: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، وذاك خبيثا ذاك الأحول. فقال العباس: كان يقول مرة بقول جهم. ثم صار إلى أن يقول هذا القول. فقال أبو عبد الله: ما يعني أنه كان يقول بقول جهم إلا الشفاعة. (١)\n- وفيها: عن أبي بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن الصلاة على الواقفي (يعني: إذا مات)؟ قال: لا تصل عليه. (٢)\n- وفيها: عن محمد بن النقيب بن أبي حرب الجرجرائي قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له والد واقفي، فقال: يأمره ويرفق به. قلت: فإن أبى، يقطع لسانه عنه؟ قال: نعم. (٣)\n- وفيها: عن محمد بن أبي حرب، قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له أخت أو عمة ولها زوج واقفي، قال: يلتقي بها ويسلم عليها. قلت: فإن كانت الدار له؟ قال: يقف على الباب ولا يدخل. (٤)\n- وجاء في الإبانة: قال أبو طالب: وجاء رجل إلى أبي عبد الله وأنا عنده، فقال: إن لي قرابة يقول بالشك، قال: فقال وهو شديد الغضب: من شك فهو كافر. (٥)\n_________\n(١) السنة للخلال (٥/ ١٣٧ - ١٣٩) والإبانة (١/ ١٢/٢٩١ - ٢٩٣/ ٦١) مختصرًا.\n(٢) السنة للخلال (٥/ ١٤١).\n(٣) السنة للخلال (٥/ ١٤٣).\n(٤) السنة للخلال (٥/ ١٤٣).\n(٥) الإبانة (١/ ١٢/٢٩٥/ ٦٦).","vol":"4","page":111},{"text":"- وفيها: عن إسحاق بن داود: قال: سمعت جعفر بن أحمد يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: اللفظية والواقفة زنادقة عتق. (١)\n- وفيها: قال المروذي: وسألت أبا عبد الله عن من وقف لا يقول غير مخلوق. وقال: أنا أقول: القرآن كلام الله، قال: يقال له: إن العلماء يقولون: غير مخلوق، فإن أبى، فهو جهمي. (٢)\n- وفيها: قال أبو بكر المروذي: وقدم رجل من ناحية الثغر، فأدخلته عليه فقال: ابن عم لي يقف وقد زوجته ابنتي، وقد أخذتها وحولتها إلي على أن أفرق بينهما، فقال: لا ترض منه حتى يقول: غير مخلوق، فإن أبى ففرق بينهما. (٣)\n- وفيها عن محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي قال: سمعت سلمة ابن شبيب بمكة أمله علينا في المسجد الحرام، قال: دخلت على أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن كلام الله؟ فقال أحمد: من لم يقل القرآن كلام الله غير مخلوق، فهو كافر، ثم قال لي: لا تشكن في كفرهم، فإنه من لم يقل: القرآن كلام الله غير مخلوق، فهو يقول: مخلوق، فهو كافر. وقال لنا سلمة بن شبيب: وقلت -يعني: لابن حنبل- الواقفة؟ فقال: كفار. (٤)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٢٩٦/ ٦٨).\n(٢) الإبانة (١/ ١٢/٢٩٧/ ٧٤).\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/٢٩٨/ ٧٥).\n(٤) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٥ - ٣٠٦/ ٩٤).","vol":"4","page":112},{"text":"- وفيها: عن مهنا بن يحيى، قال: قلت لأحمد بن حنبل: أي شيء تقول في القرآن قال: كلام الله وهو غير مخلوق. قلت: إن بعض الناس يحكي عنك أنك تقول: القرآن كلام الله وتسكت. قال: من قال علي ذا، فقد أبطل. (١)\n- وجاء في الشريعة عن أبي طالب، قال: سألت أبا عبد الله عمن أمسك، فقال: لا أقول: ليس هو مخلوقا، إذا لقيني في الطريق، وسلم علي، أسلم عليه؟ قال: لا تسلم عليه ولا تكلمه، كيف يعرفه الناس إذا سلمت عليه؟ وكيف يعرف هو أنك منكر عليه؟ فإذا لم تسلم عليه عرف الذل، وعرف أنك أنكرت عليه، وعرفه الناس. (٢)\n- وفي فتاوى شيخ الإسلام: ونقل الخلال أخباره في كتاب السنة ما يوضح الأمر فقال: أخبرني الحسين بن عبد الله قال: سألت أبا بكر المروذي عن قصة ابن الثلاج. فقال: قال لي أبو عبد الله جاءني هارون الحمال فقال: إن ابن الثلاج تاب من صحبة المريسي فأجيء به إليك. قال: قلت: لا ما أريد أن يراه أحد على بابي، قال: أحب أن أجيء به بين المغرب والعشاء، فلم يزل يطلب إلى أن قال: قلت هو ذا يقول: أجب، فأي شيء أقول لك. قال: فجاء به فقلت له: اذهب حتى تصح توبتك وأظهرها ثم ارجع قال: فبلغنا أنه أظهر الوقف.\nقال أبو بكر المروذي فمضيت ومعي نفسان من أصحابنا، فقلت له:\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٨/ ٩٩).\n(٢) الشريعة (١/ ٢٣٣/٢٠٧) ونحوه في السنة للخلال (٥/ ٩٣).","vol":"4","page":113},{"text":"قد بلغني عنك شيء ولم أصدق به. قال: وما هو؟ قلت: تقف في القرآن، فقال: أنا أقول كلام الله فجعل يحتج بيحيى بن آدم وغيره أنهم وقفوا، فقلت له: هذا من الكتاب الذي أوصى لكم به عبيد بن نعيم. فقال: لا تذكر الناس، فقلت له: أليس أجمع المسلمون جميعا أنه من حلف بمخلوق أنه لا كفارة عليه؟ قال: نعم. قلت: فمن حلف بالقرآن أليس قد أوجبوا عليه كفارة لأنه حلف بغير مخلوق؟ فقال: هذا متاع أصحاب الكلام، ثم قال: إنما أقول كلام الله كما أقول أسماء الله فإنه من الله، ثم قال وأي شيء قام به أحمد بن حنبل، ثم قال: علموكم الكلام وأومأ إلى ناحية الكرخ يريد أبا ثور وغيره، فقمنا من عنده فما كلمناه حتى مات.\nوروى الخلال من وجهين عن زياد بن أيوب قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، وعلماء الواقفة جهمية؟ قال: نعم مثل ابن الثلجي وأصحابه الذين يجادلون. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: قال محمد بن مسلم بن وارة قال لي أبو مصعب: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. ومن قال لا أدري -يعني مخلوق أو غير مخلوق- فهو مثله ثم قال: بل هو شر منه. فذكرت رجلا كان يظهر مذهب مالك فقلت إنه أظهر الوقف. فقال: لعنه الله، ينتحل مذهبنا وهو بريء منه. فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فأعجبه وسر به. (٢)\n- وفي الإبانة: قال أبو بكر المروذي: قال لي أبو عبد الله: أول من\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٨٢ - ٨٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٨/٥٢٢).","vol":"4","page":114},{"text":"سألني عن الوقف علي الأشقر، فقلت له: القرآن غير مخلوق. (١)\n- وجاء في السير: قال أبو الحسن عبد الملك الميموني: قال رجل لأبي عبد الله: ذهبت إلى خلف البزار أعظه، بلغني أنه حدث بحديث عن الأحوص عن عبد الله قال: ما خلق الله شيئا أعظم .. وذكر الحديث، فقال أبو عبد الله: ما كان ينبغي له أن يحدث بهذا في هذه الأيام -يريد زمن المحنة- والمتن: \"ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي\" (٢) وقد قال أحمد بن حنبل لما أوردوا عليه هذا يوم المحنة: إن الخلق واقع ها هنا على السماء والأرض وهذه الأشياء، لا على القرآن. (٣)\n- قال شيخ الإسلام: بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أصحابه تبديع من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق، كما جهموا من قال لفظي بالقرآن مخلوق، وقد صنف أبو بكر المروذي -أخص أصحاب الإمام أحمد به- في ذلك رسالة كبيرة مبسوطة، ونقلها عنه أبو بكر الخلال في كتاب 'السنة' الذي جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في أبواب الاعتقاد، وكان بعض أهل الحديث إذ ذاك أطلق القول بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق معارضة لمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فبلغ ذلك الإمام أحمد، فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وبدع من قال ذلك وأخبر أن أحدا من العلماء لم يقل ذلك، فكيف بمن يزعم أن صوت العبد قديم. وأقبح من ذلك من يحكي عن بعض\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٢٩٧/ ٧١).\n(٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٣) السير (١٠/ ٥٧٨).","vol":"4","page":115},{"text":"العلماء أن المداد الذي في المصحف قديم، وجميع أئمة أصحاب الإمام أحمد وغيرهم أنكروا ذلك، وما علمت أن عالما يقول ذلك إلا ما يبلغنا عن بعض الجهال: من الأكراد ونحوهم. (١)\n- قال عبد الله: سألت أبي ﵀، قلت: ما تقول في رجل قال التلاوة مخلوقة، وألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والقرآن كلام الله وليس بمخلوق. وما ترى في مجانبته وهل يسمى مبتدعا؟ فقال هذا يجانب وهو قول المبتدع، وهذا كلام الجهمية، ليس القرآن مخلوقا. (٢)\n- قال عبد الله: سمعت أبي سئل عن اللفظية فقال: هم جهمية وهو قول جهم. ثم قال: لا تجالسوهم. سئل أبي وأنا أسمع عن اللفظية والواقفة فقال: من كان منهم جاهلا فليسأل وليتعلم. سئل أبي وأنا أسمع عن اللفظية والواقفة فقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي. وقال مرة هم شر من الجهمية وقال مرة أخرى هم جهمية.\nسمعت أبي يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق هذا كلام سوء رديء وهو كلام الجهمية. قلت له إن الكرابيسي يقول هذا. قال كذب هتكه الله الخبيث، وقال: قد خلف هذا بشرا المريسي وكان أبي يكره أن يتكلم في اللفظ بشيء أو يقال مخلوق أو غير مخلوق. (٣)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن محمد بن جرير الطبري قال: وأما\n_________\n(١) الفتاوى (١٢/ ٢٣٨).\n(٢) السنة لعبد الله بن أحمد (٣٥) والإبانة (١/ ١٢/٣٤٢ - ٣٤٣/ ١٤٩).\n(٣) السنة لعبد الله بن أحمد (ص.٣٦) والإبانة (١/ ١٢/٣٤٢/ ١٤٧).","vol":"4","page":116},{"text":"القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى، ولا عن تابعي قفا، إلا عن من في قوله الشفا والغناء، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى: أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: اللفظية جهمية قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يسمع كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) ممن يسمع؟ قال ابن جرير: وسمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يحكون عنه أنه كان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. قال ابن جرير: ولا قول عندنا في ذلك يجوز أن نقوله غير قوله إذ لم يكن لنا إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمقنع وهو الإمام المتبع. (٢)\n- وفي السنة للخلال: عن أحمد بن حسين بن حسان أن أبا عبد الله سأله الطالقاني عن اللفظية، فقال أحمد: لا يجالسون ولا يكلمون. (٣)\nوجاء في السير قال صالح بن أحمد: تناهى إلى أبي أن أبا طالب يحكي أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فأخبرت بذلك أبي، فقال: من حدثك؟ قلت: فلان، قال: ابعث إلى أبي طالب، فوجهت إليه، فجاء، وجاء فوران، فقال له أبي: أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وغضب، وجعل يرعد، فقال: قرأت عليك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ (٤). فقلت لي: ليس هذا مخلوق.\n_________\n(١) التوبة الآية (٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٢/٦٠٢) والفتاوى (٣/ ١٧١) مختصرا والسير (١١/ ٢٨٨).\n(٣) السنة للخلال (٥/ ١٤٤).\n(٤) الإخلاص الآية (١).","vol":"4","page":117},{"text":"قال: فلم حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وبلغني أنك كتبت بذلك إلى قوم، فامحه، واكتب إليه أني لم أقله لك. فجعل فوران يعتذر إليه. فعاد أبو طالب، وذكر أنه حكى ذلك، وكتب إلى القوم، يقول: وهمت على أبي عبد الله.\nقال الذهبي: قلت: الذي استقر الحال عليه، أن أبا عبد الله كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع. وأنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي. فكان ﵀ لا يقول هذا ولا هذا. وربما أوضح ذلك، فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن فهو جهمي (١).\n- قال أحمد بن زنجويه: سمعت أحمد يقول: اللفظية شر من الجهمية. وقال صالح: سمعت أبي يقول: الجهمية ثلاث فرق: فرقة قالت: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام الله وسكتوا، وفرقة قالوا: لفظنا به مخلوق. ثم قال أبي لا يصلى خلف واقفي، ولا لفظي.\nوقال الذهبي: لأبي عبد الله في مسألة اللفظ نقول عدة، فأول من أظهر مسألة اللفظ حسين بن علي الكرابيسي، وكان من أوعية العلم. ووضع كتابا في المدلسين، يحط على جماعة فيه أن ابن الزبير من الخوارج. وفيه أحاديث يقوي به الرافضة. فأعلم أحمد، فحذر منه، فبلغ الكرابيسي، فتنمر، وقال: لأقولن مقالة حتى يقول ابن حنبل بخلافها فيكفر. فقال: لفظي بالقرآن\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٨٨).","vol":"4","page":118},{"text":"مخلوق. فقال المروذي في كتاب 'القصص': فذكرت ذلك لأبي عبد الله أن الكرابيسي، قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وأنه قال: أقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل الجهات، إلا أن لفظي به مخلوق. ومن لم يقل: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر. فقال أبو عبد الله: بل هو الكافر، قاتله الله، وأي شيء قالت الجهمية إلا هذا؟ وما ينفعه وقد نقض كلامه الأخير كلامه الأول؟ ثم قال: إيش خبر أبي ثور، أوافقه على هذا؟ قلت: قد هجره. قال: أحسن، لن يفلح أصحاب الكلام. (١)\n- وفيها: وقال أبو بكر المروذي في كتاب 'القصص': ورد علينا كتاب من دمشق: سل لنا أبا عبد الله، فإن هشاما، قال: لفظ جبريل ﵇، ومحمد - ﷺ - بالقرآن مخلوق. فسألت أبا عبد الله، فقال: أعرفه طَيَّاشًا، لم يجتر الكرابيسي أن يذكر جبريل ولا محمدا. هذا قد تجهم في كلام غير هذا. (٢)\n- وجاء في الإبانة عن أبي الحارث، قال: ذهبت أنا وأبو موسى إلى أبي عبد الله، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الله هذا الأمر الذي قد أحدثوه تشمئز منه القلوب، والناس يسألوننا عنه، يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق؟ قال أبو عبد الله بالانتهار منه: هذا كلام سوء رديء خبيث، لا خير فيه. قال له أبو موسى: أليس تقول: القرآن كلام الله ليس مخلوقا على كل حال وبجميع الجهات والمعاني؟ قال: نعم، وكلما تشعب من هذا، فهو رديء خبيث. (٣)\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٨٨ - ٢٨٩) وطبقات الحنابلة (١/ ٦٢) مختصرًا.\n(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٣٢).\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/٣٣٤ - ٣٣٥/ ١٣٩).","vol":"4","page":119},{"text":"- وفيها عن أبي طالب، قال: قلت: يا أبا عبد الله إني قد احتججت عليهم بالقرآن والحديث وأحب أن أعرضه عليك، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١)، أليس من محمد يسمع كلام الله؟ قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣) وقال: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (٥) وقال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٦) وقال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهتدى﴾ (٧) أليس يتلو القرآن؟ وقال ﷿: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تيسر مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (٨)، فعلى كل حال، فهو قرآن، وقال النبي - ﷺ - في حديث\n_________\n(١) التوبة الآية (٦).\n(٢) البقرة الآية (٧٥).\n(٣) النحل الآية (٩٨).\n(٤) الإسراء الآية (٤٥).\n(٥) الأعراف الآية (٢٠٤).\n(٦) الكهف الآية (٢٧).\n(٧) النمل الآية (٩٢).\n(٨) المزمل الآية (٢٠).","vol":"4","page":120},{"text":"جابر: \"إن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي\" (١)\nوقال النبي - ﷺ - لمعاوية بن الحكم: \"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إلا القرآن\" (٢) فالقرآن غير كلام الناس. وقال أبو بكر ﵁: لا والله ولكنه كلام الله. فقال لي: ما أحسن ما احتججت به، جبريل جاء إلى النبي - ﷺ - بمخلوق، والنبي - ﷺ - جاء إلى الناس بمخلوق. (٣)\n- ونقل الإمام ابن بطة بسنده إلى أبي إسحاق الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فقلت: إذا قالوا لنا: القرآن بألفاظنا مخلوق، نقول لهم: ليس هو بمخلوق بألفاظنا أو نسكت؟ فقال: اسمع ما أقول لك: القرآن في جميع الوجوه ليس بمخلوق. ثم قال أبو عبد الله: جبريل حين قاله للنبي - ﷺ - كان منه مخلوقا؟ والنبي حين قاله كان منه مخلوقا؟ هذا من أخبث قول وأشره. ثم قال أبو عبد الله: بلغني عن جهم أنه قال بهذا في بدء أمره. (٤)\n- وجاء في الإبانة عن أبي طالب عن أبي عبد الله، قال: قلت له: كتب إلي من طرسوس أن الشراك يزعم أن القرآن كلام الله، فإذا تلوته فتلاوته مخلوقة. قال: قاتله الله، هذا كلام جهم بعينه. قلت: رجل قال في القرآن:\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٣٢٢) وأبو داود (٥/ ١٠٣/٤٧٣٤) والترمذي (٥/ ١٦٨/٢٩٢٥) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١١/٧٧٢٧) وابن ماجه (١/ ٧٣/٢٠١). وصححه ابن حبان (١٤/ ١٧٢ - ١٧٤/ ٦٢٧٤) الإحسان، كلهم من حديث جابر ..\n(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٤٤٧،٤٤٨) ومسلم (١/ ٣٨١ - ٣٨٢/ ٥٣٧) وأبو داود (١/ ٥٧٠ - ٥٧٣/ ٩٣٠) والنسائي (٣/ ١٩ - ٢٢/ ١٢١٧).\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/٣٣٥ - ٣٣٧/ ١٤١).\n(٤) الإبانة (١/ ١٢/٣٣٧ - ٣٣٨/ ١٤٢).","vol":"4","page":121},{"text":"كلام الله ليس بمخلوق ولكن لفظي هذا به مخلوق؟ قال: هذا كلام سوء، من قال هذا فقد جاء بالأمر كله. قلت: الحجة فيه حديث أبي بكر لما قرأ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الروم﴾ (٢) (١) فقالوا: هذا جاء به صاحبك؟ قال: لا، ولكنه كلام الله، قال: نعم، هذا وغيره إنما هو كلام الله، إن لم يرجع عن هذا، فاجتنبه ولا تكلمه، هذا مثل ما قال الشراك. قلت: كذا بلغني، قال: أخزاه الله، تدري من كان خاله؟ قلت: لا. قال: كان خاله عبدك الصوفي، وكان صاحب كلام ورأي سوء، وكل من كان صاحب كلام، فليس ينزع إلى خير واستعظم ذلك واسترجع وقال: إلى ما صار أمر الناس؟. (٢)\n- وفيها: قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن رجلا من أصحابنا زوج أخته من رجل، فإذا هو من هؤلاء اللفظية، يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، وقد كتب الحديث، فقال أبو عبد الله: هذا شر من جهمي. قلت: فتفرق بينهما؟ قال: نعم. قلت: فإن أخاه يفرق بينهما؟ قال: قد أحسن. وقال: أظهروا الجهمية، هذا كلام ينقض آخره أوله. (٣)\n- وفيها: عن أبي طالب عن أبي عبد الله قال: سأله يعقوب بن الدورقي عن من قال: لفظنا بالقرآن مخلوق، كيف تقول في هذا؟ قال: لا يكلم هؤلاء ولا يكلم هذا، القرآن كلام الله غير مخلوق على كل جهة، وعلى كل وجه\n_________\n(١) الروم الآيتان (١و٢).\n(٢) الإبانة (١/ ١٢/٣٣٨ - ٣٣٩/ ١٤٣).\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/٣٤٤/ ١٥١).","vol":"4","page":122},{"text":"تصرف، وعلى أي حال كان. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) وقول النبي - ﷺ -: \"لا يصلح في الصلاة شيء من كلام الناس\" (٢) وقال - ﷺ -: \"حتى أبلغ كلام ربي\" (٣) هذا قول جهم، على من جاء بهذا غضب الله. (٤)\n- وفيها أيضا: عن أبي الحسن علي بن مسلم قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، هذا قول أبي عبد الله، فبه نقتدي إذ كنا لم ندرك في عصره أحدا تقدمه في العلم والمعرفة والديانة، وكان مقدما عند من أدركنا من علمائنا، فما علمت أن أحدا بلي بمثل ما بلي به فصبر، فهو قدوة وحجة لأهل هذا العصر، ولمن يجيء بعدهم، فنحن متبعون لمقالته وموافقون له، فمن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فقد أبدع، وليس هو من كلام العلماء، وهذا مما أحدثه أصحاب الكلام المبتدعة وقد صح عندنا أن أبا عبد الله أنكر على من قال ذلك، وغضب منه الغضب الشديد، وقال: ما سمعت عالما قال هذا، فمن خالف أبا عبد الله فيما نهى عنه فنحن غير موافقين له منكرون عليه، وقد أدركنا من علمائنا مثل عبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وإسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وعباد بن عباد، وعباد بن العوام، وأبي بكر بن عياش، وعبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ويحيى بن زائدة، ويوسف\n_________\n(١) التوبة الآية (٦).\n(٢) تقدم قريبًا.\n(٣) تقدم قريبًا.\n(٤) الإبانة (١/ ١٢/٣٤٤ - ٣٤٥/ ١٥٢) ونحوه في السنة (٣٥).","vol":"4","page":123},{"text":"ابن يعقوب بن الماجشون، ووكيع، ويزيد بن هارون وأبي أسامة، وقد أدركوا هؤلاء كلهم التابعين، وسمعوا عنهم ورووا عنهم، ما منهم أحد قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فنحن لهم متبعون، ولما أحدث بعدهم مخالفون. (١)\n- وجاء في طبقات الحنابلة: حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵁، فقلت له: يا أبا عبد الله، أنا رجل من أهل الموصل، والغالب على أهل بلدنا الجهمية، ومنهم أهل سنة، نفر يسير يحبونك، وقد وقعت مسألة الكرابيسي، ففتنهم قول الكرابيسي: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال لي أبو عبد الله: إياك وإياك وهذا الكرابيسي، لا تكلمه ولا تكلم من يكلمه، أربع مرار أو خمسا إلا أن في كتابي أربعا، فقلت يا أبا عبد الله فهذا القول عندك، وما شاعت منه يرجع إلى قول جهم قال: هذا كله من قول جهم. (٢)\n\" التعليق:\nانظر كيف طغت الجهمية وبدعتها على أهل الموصل، حتى لم يبق منهم إلا نفر يسير من أهل السنة، يحبون الإمام أحمد ﵁. وانظر كذلك شدة بغض الإمام للمبتدعة حيث كرر مقاطعة الكرابيسي أربع مرات.\nوقد أصبح العالم الإسلامي منذ قرون بعيدة إلى الآن موصلا، وأهل السنة لا يكادون يذكرون.\n- وجاء في الإبانة: عن أبي طالب أحمد بن حميد، قال: قلت لأبي\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٤٧ - ٣٥٠/ ١٥٧).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٢٨٨) والإبانة (١/ ١٢/٣٢٩ - ٣٣٠/ ١٢٩).","vol":"4","page":124},{"text":"عبد الله: أخبرني ساكني أن رجلا بالرميلة كان يقول بقول الكرابيسي: لفظه بالقرآن مخلوق، ومنعوه يصلي بهم، فجاء فسألك عن الرجل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، يصلى خلفه؟ فقلت له: لا، فرجع إليهم فأخبرهم بقولك، وقال: إني تائب وأستغفر الله مما قلت. فقالوا له: صل بنا فصلى بهم، قال: هو كان نفسه سألني رجل طويل اللحية بعدما صليت الظهر، فقلت له: لم تكلمون فيما قد نهيتم عنه، لا يصلى خلفه ولا يجالس. (١)\n- وفيها: عن أبي داود، قال: كتبت رقعة فأرسلت بها إلى أبي عبد الله وهو يومئذ متوار، فأخرج إلي جوابه مكتوبا فيه: قلت: رجل يقول: التلاوة مخلوقة وألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والقرآن ليس بمخلوق، وما ترى في مجانبته؟ وهل يسمى مبتدعا؟ وعلى ما يكون عقد القلب في التلاوة والألفاظ؟ وكيف الجواب فيه؟ قال: هذا يجانب، وهو قول المبتدع وما أراه إلا جهميا، وهذا كلام الجهمية، القرآن ليس بمخلوق. قالت عائشة: تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ (٢) .. الآية، قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: \"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فاحذروهم، فإنهم هم الذين عنى الله ﷿\" (٣)، فالقرآن ليس بمخلوق. (٤)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٣٥/ ١٤٠).\n(٢) آل عمران الآية (٧).\n(٣) أخرجه: أحمد (٦/ ٢٥٦) والبخاري (٨/ ٢٦٥/٤٥٤٧) ومسلم (٤/ ٢٠٥٣/٢٦٦٥) وأبو داود (٥/ ٦/٤٥٩٨) والترمذي (٥/ ٢٠٧/٢٩٩٣) وابن ماجه (١/ ١٨ - ١٩/ ٤٧).\n(٤) الإبانة (١/ ١٢/٣٣٠ - ٣٣١/ ١٣٠).","vol":"4","page":125},{"text":"- جاء في جامع بيان العلم وفضله عنه قال: لا يفلح صاحب كلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل. (١)\n- وفي الإبانة: بالسند إلى أبي بكر المروذي: سمعت أبا عبد الله ﵀ يقول: من تعاطى الكلام لم يفلح، ومن تعاطى الكلام لا يخلو من أن يتجهم. (٢)\n- وفي تلبيس إبليس: قال السلمي: وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات، فهجره أحمد بن حنبل، فاختفى إلى أن مات. (٣)\n- وجاء في تلبيس إبليس: قال المصنف: وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل أنه قال: حذروا من الحارث أشد التحذير، الحارث أصل البلية -يعني في حوادث كلام جهم- ذاك جالسه فلان وفلان وأخرجهم إلى رأي جهم، ما زال مأوى أصحاب الكلام حارث بمنزلة الأسد المرابط، انظر أي يوم يثب على الناس.\nوفي طبقات الحنابلة زيادة: قال المروذي: إن قوما يختلفون إليه؟ قال: نتقدم إليهم لعلهم لايعرفون بدعته. فإن قبلوا وإلا هجروا. ليس للحارث توبة، يشهد عليه ويجحد. إنما التوبة لمن اعترف. (٤)\n\" التعليق:\nانظر رحمك الله هذا التعبير البليغ الجامع المانع، وهذه الفراسة القوية،\n_________\n(١) جامع بيان العلم (٢/ ٩٤٢) وفي التلبيس (١٠٢) ومجموع الفتاوى (٦/ ٢٤٣) بنحوه ودرء التعارض (١/ ٢٣٢).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٨ - ٥٣٩/ ٦٧٤) وطبقات الحنابلة (١/ ٦٢) والسير (١١/ ٢١٦) والاعتصام (٢/ ٨٤٦) وإعلام الموقعين (١/ ٧٦).\n(٣) التلبيس (٢٠٧).\n(٤) التلبيس (٢٠٧) وطبقات الحنابلة (١/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"4","page":126},{"text":"وكيف لا وقد جمع الله له من السنة ما لم يجمع لغيره في زمنه وبعده.\nفلا أدري ماذا يقول محبو الحارث الآن في مثل هذه العبارة، هل سيرفضونها أم يقولون: إن الحارث بن أسد تراجع، ونرجو الله له ولغيره ذلك. والمهم عندنا، أن السلف حذروا من جميع البدع، سواء كانت صوفية أو كلامية أو قدرية أو أشعرية أو إرجائية فجزاهم الله خيرا.\n\n- جاء في المنهاج قال أحمد بن حنبل: علماء الكلام زنادقة. (١)\n- وجاء في الإبانة: عن أحمد بن حنبل قال: عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلاما لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة لأن الكلام لا يدعو إلى خير ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تؤول إلى خير أعاذنا الله وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة. (٢)\n- وفيها: قال أبو الحارث: وسمعت أبا عبد الله يقول: إذا رأيت الرجل يحب الكلام فاحذره، وأخبرت عن أبي عمران الأصبهاني، قال: سمعت أحمد ابن حنبل يقول: لا تجالس صاحب كلام وإن ذب عن السنة فإنه لا يؤول\n_________\n(١) المنهاج (٢/ ١٣٩).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٩/ ٦٧٦) ونحوه في السير (١١/ ٢٩١).","vol":"4","page":127},{"text":"أمره إلى خير. (١)\n- وفيها أيضا: عن أبي طالب -أحمد بن حميد- عن أبي عبد الله قلت: قد جاءت جهمية رابعة، قال: ما هي؟، قلت: زعموا أن إنسانا أنت تعرفه، قال: من زعم أن القرآن في صدره، فقد زعم أن في صدره من الإلهية شيئا، قال: ومن قال هذا، فقد قال مثل ما قالت النصارى في عيسى أن كلمة الله فيه. فقال: ما سمعت بمثل هذا قط. قلت: هذه الجهمية. قال: أكثر من الجهمية. من قال هذا؟، قلت: إنسان. قال: لا تكتم علي مثل هذا. قلت: موسى بن عقبة، وأقرأته الكتاب فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال: ليس هذا صاحب حديث، وإنما هو صاحب كلام، لا يفلح صاحب كلام، واستعظم ذلك وقال: هذا أكثر من الجهمية، قال النبي - ﷺ -: \"ينزع القرآن من صدوركم\" (٢) وقال: في صدورنا وأبنائنا. هذا أكثر من الجهمية. ثم قلت: إنه قد أقر بما كتب به وقال: أستغفر الله، فقال: لا يقبل منه ولا كرامة، يجحد ويحلف ثم يقر، ليته بعد كذا وكذا سنة إذا عرف من الله التوبة يقبل منه، لا يكلم ويجفى، ومن كلمه وقد علم، فلا يكلم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في السنة للخلال عن يوسف بن موسى: أن أبا عبد الله قيل له:\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٤٠/ ٦٧٩).\n(٢) أخرجه: ابن ماجه (٢/ ١٣٤٤/٤٠٤٩) قال في الزوائد: \"إسناده صحيح، رجاله ثقات\". وأخرجه الحاكم (٤/ ٤٧٣) وقال: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\". وسكت عنه الذهبي من حديث حذيفة بلفظ: \" .. وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة، فلا يبقى منه في الأرض آية\".\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/٣٥٥ - ٣٥٦/ ١٦٤).","vol":"4","page":128},{"text":"صلاة الجمعة والعيدين جائزة خلف الأئمة البر والفاجر ما داموا يقيمونها؟ قال: نعم. (١)\n- وفيها عنه قال: الخوارج قوم سوء، لا أعلم في الأرض قوما شرا منهم وقال: صح الحديث فيهم عن النبي - ﷺ - ومن عشرة وجوه. (٢)\n- وفيها عنه أنه قيل له: أكفر الخوارج؟ قال: هم مارقة. قيل: أكفار هم؟ قال: هم مارقة مرقوا من الدين. (٣)\n- وفيها عنه أنه سئل عن الحرورية والمارقة: يكفرون؟ قال: اعفني من هذا، وقل كما جاء فيهم الحديث. (٤)\n- وفيها عن الأثرم قال: ذكر لأبي عبد الله هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون، فرأوا أن يهدر كل دم أصيب على تأويل القرآن؟ قيل له: مثل الحرورية؟ قال: نعم، قال أبو عبد الله: فأما قاطع طريق فلا. (٥)\n- وفيها: عن حرب بن إسماعيل الكرماني قال: قلت لأحمد بن حنبل: الرجل يبيع غلامه من الخوارج؟ قال: لا، قلت، فيبيع منهم الطعام والثياب؟ قال: لا، قلت: فإن أكرهوه؟ فكره ذلك كله، قلت فيشتري منهم؟ قال: لا يشتري ولا يبيع. (٦)\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٧٧) والطبقات (١/ ٤٢١) بنحوه.\n(٢) السنة للخلال (١/ ١٤٥).\n(٣) السنة للخلال (١/ ١٤٥).\n(٤) السنة للخلال (١/ ١٤٦).\n(٥) السنة للخلال (١/ ١٥٢).\n(٦) السنة للخلال١/ ١٥٥).","vol":"4","page":129},{"text":"- وفيها: عن الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني أنه سأل أبا عبد الله عن أمر الخوارج عندنا قال: قلت: إنا في المدينة نظهر خلافهم ونصلي في جماعة ونجمع، غير أنهم إن كتبوا إلى الوالي بأمر لم يجد الوالي بدا من أن ينفذه، فقال: يظهرون مخالفتهم؟ قلت: نعم، قال: أكره مجاورتهم، قلت: إذا كانت معيشته فيها؟ يعني في البلد الذي هم فيه، قال: أرجو أن لا يكون به بأس، وإن وجدت محيصا فتخلص. (١)\n- وفيها عن أحمد بن الحسين: أن أبا عبد الله سئل عن الخوارج؟ فقال: لا تكلمهم ولا تصل عليهم. (٢)\n- وقال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله في ولاية الواثق. وشاوروه في ترك الرضا بإمرته وسلطانه. فقال لهم: عليكم بالنكرة في قلوبكم. ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين، وذكر الحديث عن النبي - ﷺ - \"إن ضربك فاصبر\" (٣) أمر بالصبر. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن أبي بكر المروذي أن أبا عبد الله قيل له: من المرجئي؟ قال: المرجئي الذي يقول الإيمان قول. (٥)\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ١٥٦ - ١٥٧).\n(٢) السنة للخلال (١/ ١٥٧).\n(٣) مسلم (٣/ ١٤٧٦/١٨٤٧ (٥٢» من حديث حذيفة.\n(٤) طبقات الحنابلة (١/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(٥) السنة للخلال (٣/ ٥٦٥/٩٦٠).","vol":"4","page":130},{"text":"- عن أبي داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قال أحمد: وبلغني أن مالك بن أنس وابن جريج وفضيل بن عياض قالوا: الإيمان قول وعمل. (١)\n- وعن المروذي: سمعت أبا عبد الله سئل عن الإيمان، فقال: قول وعمل يزيد وينقص. قال الله ﷿: ﴿وأقيموا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزكاة﴾ (٢) وقال: قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزكاة فَإِخْوَانُكُمْ في الدين﴾ (٣) ثم قال: هذا من الإيمان، وسمعته يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وقال: الزيادة من العمل وذكر النقصان إذا زنا وسرق. (٤)\n- عن الفضل بن زياد، قال: سمعت أبا عبد الله يقول غير مرة: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قال الفضل: وسمعت أبا عبد الله يقول: إنما الزيادة والنقصان في العمل، كيف تكون حاله إذا قتل النفس، أليس قد أوجب له النار؟ كيف حاله إذا ارتكب الموبقات؟. (٥)\n- وعنه أيضا قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا قال إني مؤمن إن شاء الله، ليس هو بشاك. قيل له: إن شاء الله، ليس هو شكا. قال معاذ الله أليس\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٨١٣/١١١٥) والشريعة (١/ ٢٨٩/٢٨٥).\n(٢) البقرة الآية (٤٣).\n(٣) التوبة الآية (١١).\n(٤) الإبانة (٢/ ٨٥١/١١٤٥) والسنة للخلال (٣/ ٥٨٩/١٠٣٥).\n(٥) الإبانة (٢/ ٨٥١/١١٤٦).","vol":"4","page":131},{"text":"قد قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (١) وفي علمه أنهم يدخلون، وصاحب القبر إذا قال عليه أبعث إن شاء الله، فأي شك ها هنا. وقال النبي - ﷺ -: \"وإنا إن شاء الله بكم لاحقون\". (٢)\n- وعن أبي بكر أحمد بن محمد بن هانىء الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله، سئل عن الاستثناء إذا كان يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فاستثنى مخافة واحتياطا ليس كما يقولون على الشك إنما يستثني للعمل. (٣)\n- وعن محمد بن داود في مسائل المروذي، قال: فقيل لأبي عبد الله: إن استثنيت في إيماني، أكن شاكا، قال: لا، ثم قال لأبي عبد الله: الحجاج بن يوسف يكون إيمانه مثل إيمان أبي بكر؟ قال: لا، قال: فيكون إيمانه مثل إيمان النبي - ﷺ -؟ قال: لا، قال: فالمرجئة يقولون الإيمان قول. (٤)\n- قال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت؛ فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا، إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقرا بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين. قال الله تعالى:\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ٨٧٤/١١٩٥).\n(٣) الإبانة (٢/ ٨٧٥/١١٩٩).\n(٤) الإبانة (٢/ ٧/٩٠٥/ ١٢٧١).","vol":"4","page":132},{"text":"﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) الآية.\nوقال حنبل: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله. (٢)\n- وقال أحمد: وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرا ومصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء؛ وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق، فقد قال قولا عظيما، ولا أحسب أحدا يدفع المعرفة والتصديق وكذلك العمل مع هذه الأشياء. (٣)\n- ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان، فقال له: قول وعمل، يزيد وينقص. فقال له: أقول: مؤمن إن شاء الله؟ قال: نعم. فقال له: إنهم يقولون لي أنك شاك؛ قال: بئس ما قالوا، ثم خرج فقال: ردوه فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؟ قال: نعم، قال: هؤلاء يستثنون. قال له: كيف يا أبا عبد الله؟ قال: قل لهم: زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل لم تأتوا به، فهذا الاستثناء لهذا العمل، قيل له: يستثني في الإيمان؟ قال: نعم، أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أستثني على اليقين لا على\n_________\n(١) البينة الآية (٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٧/١٥٩٤ - ١٥٩٥) والسنة للخلال (٣/ ٥٨٦ - ٥٨٧/ ١٠٢٧) وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ٢٠٩).\n(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩٣).","vol":"4","page":133},{"text":"الشك؛ ثم قال: قال الله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (١) فقد أخبر الله تعالى أنهم داخلون المسجد الحرام. (٢)\n- وجاء في السير: قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، البر كله من الإيمان، والمعاصي تنقص الإيمان. (٣)\n- وقال حنبل سمعت أبا عبد الله أحمد سئل عن الإيمان فقال: قول وعمل ونية. قيل له: فإذا قال الرجل مؤمن أنت؟ قال: هذا بدعة. قيل له: فما يرد عليه؟ قال: يقول: مؤمن إن شاء الله، إلا أن يستثني في هذا الموضع. ثم قال أبو عبد الله: والإيمان يزيد وينقص، فزيادته بالعمل ونقصانه بترك العمل. قال الله ﷿: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤) فهو يزيد وينقص. وقال النبي - ﷺ - لأهل القبور لما أشرف عليهم: \"وإنا إن شاء الله بكم لاحقون\" (٥)، فاستثنى، وقد علم النبي - ﷺ - أنه ميت فاستثناه. (٦)\n- وفي السنة لعبد الله قال: سمعت أبي سئل عن الإرجاء فقال: نحن نقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا زنا وشرب الخمر نقص إيمانه.\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٧).\n(٢) السنة للخلال (٣/ ٥٩٦) وأورده شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٧/ ٤٥١ - ٤٥٢).\n(٣) السير (١١/ ٢٨٧).\n(٤) الفتح الآية (٤).\n(٥) أحمد (٥/ ٣٥٣، ٣٥٩ - ٣٦٠) ومسلم (٢/ ٦٧١/٩٧٥) والنسائي (٤/ ٣٩٩/٢٠٣٩) وابن ماجه (١/ ٤٩٤/١٥٤٧) من حديث بريدة.\n(٦) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٥٧/١٧٩٨).","vol":"4","page":134},{"text":"سألت أبي عن رجل يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولكن لا يستثني. أمرجئ؟ قال أرجو أن لا يكون مرجئا سمعت أبي يقول: الحجة على من لا يستثني قول رسول الله لأهل القبور: \"وإنا إن شاء الله بكم لاحقون\" (١). (٢)\n- وفي السنة للخلال: عن المروذي قال: قال لي أبو عبد الله في ابن أبي رزمة المروذي: بلغني أنهم سألوه بمكة عن الإيمان؟ فأبى أن يقول: الإيمان قول وعمل، ولو علمت هذا عنه، ما أذنت له بالدخول علي. وقال لي بعد يومين أو ثلاثة: أي شيء حال ابن أبي رزمة؟ قلت: ليس عندي من خبره شيء، قلت لي: لا أحب أن يذهب إليه أحد من ناحيتي، فلم أذهب إليه، فلما كان بعد، وصلينا عشاء الآخرة، قال: اذهب إليه، فإنه قد كان بيننا وبينه حرمة فقيل له: إن ابن المبارك كان يقول: الإيمان يتفاضل، فذهبت إليه، فقال: قد قلت لهم: إذا قدمت العراق، لقيت أبا عبد الله، فما أمرني من شيء، صرت إليه. ثم جاء، فقال لأبي عبد الله: أعطني حجة إذا قدمت على أهل مرو، أخبرتهم. فعلم أبو عبد الله على هذه الأحاديث، وقال لي: ادفعها إليه. (٣)\n- وعن عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي هذا الحديث؛ قال: ولكن المرجئة يكذبون الله ﷿. (٤)\n- وعن حرب بن إسماعيل قال: سمعت أحمد يقول: لا يصلى خلف من\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) السنة لعبد الله بن أحمد (٨١ - ٨٢).\n(٣) السنة للخلال (٤/ ٣٣ - ٣٤).\n(٤) السنة للخلال (٤/ ٤١).","vol":"4","page":135},{"text":"زعم أن الإيمان قول إذا كان داعية. (١)\n- وقال الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم، قال: قلت لأبي عبد الله رجل زوج ابنته رجلا، وهو لا يعلم، فإذا هو يقول بمقالة رديئة من الإرجاء. فقال: إذا كان يغلي في ذلك، ويدعو إليه، رأيت أن يخلع ابنته ولا يقيم عنده. قلت: فيحرج الأب إذا فعل ذلك؟ قال: أرجو أن لا يحرج إذا علم ذلك منه وتبين له. (٢)\n- وعن إسحاق بن منصور، أنه قال لأبي عبد الله: المرجئ إذا كان داعيا، قال: إي والله، يجفى ويقصى. (٣)\n- وعن سليمان بن الأشعث، قال: قلت لأبي عبد الله: لنا أقارب بخراسان يرون الإرجاء، فنكتب إلى خراسان نقرئهم السلام؟ قال: سبحان الله، لم لا تقرئهم؟ قلت لأبي عبد الله: فنكلمهم؟ قال: نعم، إلا أن يكون داعيا ويخاصم فيه. (٤)\n- عن حمدان بن علي حدثهم قال: سمعت أحمد يقول: الجهمية تقول: إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه يعني، فهو مؤمن، وهذا كفر إبليس، قد عرف ربه بقلبه، فقال: ﴿رب بما أغويتني﴾ (٥). (٦)\n_________\n(١) السنة للخلال (٤/ ٥١).\n(٢) السنة للخلال (٤/ ٥٥).\n(٣) السنة للخلال (٤/ ٥٣).\n(٤) السنة للخلال (٤/ ٥٤).\n(٥) الحجر الآية (٣٩).\n(٦) السنة للخلال (٥/ ١٢٢).","vol":"4","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1586>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: علم الله تعالى في العباد قبل أن يخلقهم سابق، وقدرته ومشيئته في العباد. قال: قد خلق الله آدم وعلم منه قبل أن يخلقه، وكذا علمه سابق محيط بأفاعيل العباد وكل ما هم عاملون. (١)\n- وفيه عن بكر بن محمد عن أبيه عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل قال: -وسألته عن القدري يستتاب- وقلت: إن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس يريان أن يستتيبوه، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. قال أبو عبد الله: أرى أن يستتيبه إذا جحد العلم. قلت: فكيف يجحد علم الله؟ قال: إذا قال لم يكن هذا في علم الله استتبته، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. (٢)\n- وفيه عن الأثرم عن أحمد قيل له: رجل قدري أعوده؟ قال: إذا كان داعية إلى الهوى فلا. قيل له: أصلي عليه؟ فلم يجب. فقال له إبراهيم بن الحارث العبادي -وأبو عبد الله يسمع-: إذا كان صاحب بدعة فلا تسلم عليه ولا تصل خلفه ولا تصل عليه قال أبو عبد الله: كافأك الله يا أبا إسحاق وجزاك خيرا. (٣)\n- وفيه عن محمد بن أحمد المروزي صاحب أحمد بن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل في قوله ﷿: ﴿وإذ أخذنا من النبيين\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٥/١٢٩٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٥/١٣١٩) وبنحوه في السنة للخلال (٥٣٢ - ٥٣٣) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٢٣).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٩/١٣٥٩) والسنة للخلال (٥٦١ - ٥٦٢).","vol":"4","page":137},{"text":"ميثاقهم﴾ (١) هو حجة على القدرية قال: ﴿ومنك ومن نوحٍ﴾ قدمه على نوح، هذه حجة عليهم. (٢)\n- وجاء في مجموع الفتاوى: قال الخلال: أنبأنا الميموني قال سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يناظر خالد بن خداش يعني في القدر- فذكروا رجلا فقال أبو عبد الله: إنما أكره من هذا أن يقول أجبر الله. وقال أنبأنا المروذي قلت لأبي عبد الله: رجل يقول إن الله أجبر العباد، فقال: هكذا لا تقل. وأنكر هذا، وقال: يضل من يشاء ويهدي من يشاء. وقال أنبأنا المروذي قال: كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري، وقال: إنه تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي، فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد على ما أراد، أراد بذلك إثبات القدر، فوضع أحمد بن علي كتابا: يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله، فأخبرته بالقصة فقال: ويضع كتابا وأنكر عليهما جميعا: على ابن رجاء حين قال جبر العباد، وعلى القدري الذي قال لم يجبر، وأنكر على أحمد بن علي في وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب، وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال جبر العباد. فقلت لأبي عبد الله فما الجواب في هذه المسئلة؟ قال: يضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء. قال المروذي في هذه المسئلة إنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٦٢٧/١٠٠٩) والسنة للخلال (٥٥٤).","vol":"4","page":138},{"text":"قال لم يجبر، وعلى من رد عليه جبر، فقال أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها، وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام إذا لم يكن له فيها إمام مقدم. قال المروذي فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبر ومعه مشيخة، وكتاب من أهل عكبر، فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبد الله: فقال: يا أبا عبد الله هو ذا الكتاب ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم على منبر عكبر وأستغفر الله ﷿. فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن تقبلوا منه فرجعوا إليه. (١)\n- وجاء في السنة للخلال: عن عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: سألت أبا عبد الله قلت: أفاعيل العباد مخلوقة؟ قال: نعم مقدرة عليهم بالشقاء والسعادة، قلت له: الشقاء والسعادة مكتوبان على العبد؟ قال: نعم، سابق في علم الله. وهما في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقه والشقاء والسعادة من الله ﷿، قال عبد الله: الشقي من شقي في بطن أمه. وقال في موضع آخر الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد بغيره، قال: وكتب الله ﷿ على آدم أنه يصيب الخطيئة قبل أن يخلقه، قلت: فأمر الله ﷿ العباد بالطاعة؟ قال: نعم وكتب عليهم المعصية لإثبات الحجة عليهم ويعذب الله العباد وهو غير ظالم لهم. وقال: قال ليس شيء أشد على القدرية من\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦) ودرء التعارض (١/ ٧٠ - ٧١).","vol":"4","page":139},{"text":"قول الله ﷿: ﴿وَمَا ننزله إلا بقدرٍ مَعْلُومٍ﴾ (١) وقوله: ﴿إنا كل شيءٍ خلقناه بقدر﴾ (٢) وفي القرآن في غير موضع إثبات القدر لمن تفهمه وتدبره. (٣)\n- وفيها عن جعفر بن محمد النسائي قال: سمعت أبا عبد الله وذكر عنده أن رجلا محدثا قال: ما شاء الله يفعل وما لم يشأ لم يفعل، فقال رجل عنده: ما شاء الله أو لا يشأ الله يفعل، فاستعظم ذاك قلت: يستتاب؟ قال: إيش يستتاب قال: هذا كفر. (٤)\n- جاء في السنة لعبد الله: قال عبد الله سمعت أبي ﵀ يقول: لا تصل خلف القدرية والمعتزلة والجهمية. (٥)\n- وقال: سألت أبي مرة أخرى عن الصلاة خلف القدري فقال: إن كان يخاصم فيه ويدعو إليه فلا يصلى خلفه. (٦)\n- وجاء في الكفاية: قيل لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله سمعت من أبي قطن القدري؟ قال لم أره داعية، ولو كان داعية لم أسمع منه. (٧)\n_________\n(١) الحجر الآية (٢١).\n(٢) القمر الآية (٤٩).\n(٣) السنة للخلال (٥٣٦).\n(٤) السنة للخلال (٥٥٨).\n(٥) السنة (١١٩) وبنحوه في أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٨/١٣٥٤).\n(٦) السنة (١١٩).\n(٧) الكفاية (١٢٨).","vol":"4","page":140},{"text":"أبو تَوْبَة الحلبي (١) (٢٤١ هـ)\nالإمام الثقة الحافظ، بقية المشايخ، أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي، نزيل طرسوس (من بلاد الأرمن). مولده في حدود الخمسين ومائة. سمع من معاوية بن سلام، ومحمد بن مهاجر والهيثم بن حميد ويحيى بن حمزة القاضي وشريك القاضي وإسماعيل بن عياش وغيرهم. حدث عنه أبو محمد الدارمي، وأبو حاتم وأبو داود في سننه ويزيد بن جهور الطرسوسي وإبراهيم بن سعيد الجوهري وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة حجة. قال أبو داود: قدم أبو توبة الكوفة ولم يرتحل إلى البصرة وكان يحفظ الطوال يجيء بها ورأيته يمشي حافيا وعلى رأسه الطويلة. توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1588>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة: قال عبد الله حدثني محمد بن هارون الحربي سمعت أبا توبة الحلبي يكفر من قال القرآن مخلوق. (٢)\n\nالحسن بن حَمَّاد -سجادة- (٣) (٢٤١ هـ)\nالإمام القدوة المحدث الأثري، أبو علي الحسن بن حماد بن كسيب الحضرمي، البغدادي، المعروف بسجادة. حدث عن أبي بكر بن عياش،\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ٤٧٠ - ٤٧١) وتهذيب الكمال (٩/ ١٠٣ - ١٠٦) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٥١ - ٢٥٢) والسير (١٠/ ٦٥٣ - ٦٥٥).\n(٢) السنة لعبد الله (ص.١٨).\n(٣) تاريخ بغداد (٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦) وتهذيب الكمال (٦/ ١٢٩ - ١٣٣) وسير أعلام النبلاء (١١/ ٣٩٢ - ٣٩٣) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٧٢) وشذرات الذهب (٢/ ٩٩).","vol":"4","page":141},{"text":"وحفص بن غياث، ومحمد بن فضيل وعدة. حدث عنه أبو داود، وابن ماجه، وأبو يعلى، وأبو القاسم البغوي، وخلق كثير. سئل عنه أحمد بن حنبل، فقال: صاحب سنة ما بلغني عنه إلا خير. كان ﵀ من جلة العلماء وثقاتهم في زمانه. قال البخاري: توفي يوم السبت لثمان بقين من رجب سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد. رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أحمد بن عطية قال سمعت الحسن بن حماد -سجادة- قال: سأل رجل محمد بن الحسن عن القرآن مخلوق هو؟ فقال: القرآن كلام الله وليس من الله شيء مخلوق. قال أبو علي -يعني الحسن بن حماد-: وهو الحق عندنا. (١)\nقال الحسن بن الصباح: قيل لأحمد بن حنبل: إن سجادة سئل عن رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إن كلم زنديقا، فكلم رجلا يقول: القرآن مخلوق. فقال سجادة: طلقت امرأته. فقال أحمد: ما أبعد. وقال علي ابن فيروز: سألت سجادة عن رجل حلف بالطلاق، لا يكلم كافرا، فكلم من يقول: القرآن مخلوق. قال: طلقت امرأته. (٢)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٨/٤٧٤).\n(٢) السير (١١/ ٣٩٢) والإبانة (٢/ ١٢/٦١/ ٢٦٨).","vol":"4","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1591>أبو معاذ خلف بن سليمان (٢٤١ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أبي قدامة السرخسي قال: سمعت خلف بن سليمان البلخي يقول: كان جهم من أهل الكوفة وكان فصيحا لم يكن عنده علم فلقيه ناس من السمنية فكلموه فقالوا له: صف لنا من تعبد. قال: أجلوني فأجلوه. فخرج إليهم قال: هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء. (١)\n- عن أبي قدامة السرخسي قال: سمعت أبا معاذ البلخي -يعني خلف ابن سليمان- بفرغانة قال: كان جهم على معبر ترمذ وكان رجلا كوفي الأصل فصيح اللسان لم يكن له علم ولا مجالسة لأهل العلم كان تكلم كلام المتكلمين وكلمه السمنية فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده. فدخل البيت لا يخرج كذا وكذا قال ثم خرج عليهم بعد أيام فقال: هو ذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء. قال أبو معاذ: كذب عدو الله، إن الله في السماء على عرشه وكما وصف نفسه. (٢)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٣/٦٣٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤/ ٦٣٥).","vol":"4","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1593>موقف السلف من ضرار بن عمرو المعتزلي</span>\n(لم أعثر له على تاريخ وفاته وهو من طبقة الإمام أحمد ٢٤١ هـ)\nبيان اعتزاله:\n- قال الذهبي: نعم ومن رؤوس المعتزلة ضرار بن عمرو، شيخ الضرارية. فمن نحلته قال: يمكن أن يكون جميع الأمة في الباطن كفارا لجواز ذلك على كل فرد منهم. ويقول: الأجسام إنما هي أعراض مجتمعة، وإن النار لا حر فيها، ولا في الثلج برد، ولا في العسل حلاوة، وإنما يخلق ذلك عند الذوق واللمس. (١)\n- موقف الإمام أحمد بن حنبل منه: وقال المروذي: قال أحمد بن حنبل: شهدت على ضرار بن عمرو عند سعيد بن عبد الرحمن، فأمر بضرب عنقه، فهرب. وقال حنبل: دخلت على ضرار ببغداد، وكان مشوها وبه فالج، وكان معتزليا، فأنكر الجنة والنار، وقال: اختلف فيهما: هل خلقتا بعد أم لا؟ فوثب عليه أصحاب الحديث، وضربوه. وقال أحمد بن حنبل: إنكار وجودهما كفر، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (٢)، قال أحمد: فهرب. قالوا: أخافه يحيى بن خالد حتى مات. (٣)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٤٤).\n(٢) غافر الآية (٤٦).\n(٣) السير (١٠/ ٥٤٥) وهو في الميزان (٢/ ٣٢٨).","vol":"4","page":144},{"text":"- قال ابن حزم: كان ضرار ينكر عذاب القبر. (١)\n- وقال أبو همام السكوني: شهد قوم على ضرار بأنه زنديق، فقال سعيد: قد أبحت دمه، فمن شاء فليقتله. قال: فعزلوا سعيدا من القضاء، فمر شريك القاضي، ورجل ينادي: من أصاب ضرارا، فله عشرة آلاف. فقال شريك: الساعة خلفته عند يحيى البرمكي -أراد شريك أن يعلم أنهم ينادون عليه وهو عندهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1594>إسحاق بن سليمان الجواز (٢٤١ هـ سنة وفاة الإمام أحمد)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1595>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال مهنا: وسألت أبا يعقوب إسحاق بن سليمان الجواز عن القرآن، فقال: هو كلام الله وهو غير مخلوق، ثم قال لي: إذا كنا نقول: القرآن كلام الله لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، فليس بيننا وبين هؤلاء الجهمية خلاف. فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل، فقال أحمد: جزى الله أبا يعقوب خيرا. (٣)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٤٥).\n(٢) السير (١٠/ ٥٤٥).\n(٣) السنة للخلال (٥/ ١٣٦).","vol":"4","page":145},{"text":"يحيى بن أَكْثَم التَّمِيمي (١) (ابن قُطَن) (٢٤٢ هـ)\nالفقيه العلامة، القاضي، أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن، التميمي المروزي ثم البغدادي. ولد في خلافة المهدي. وسمع من: عبد العزيز ابن أبي حازم، وابن المبارك، والدراوردي، وابن عيينة، وعدة. وله رحلة ومعرفة. حدث عنه الترمذي، وأبو حاتم، وإسماعيل القاضي، وآخرون. وكان من أئمة الاجتهاد. وله تصانيف منها كتاب 'التنبيه'. قال الحاكم: من نظر في 'التنبيه' له عرف تقدمه في العلوم. قال طلحة الشاهد: كان واسع العلم بالفقه، كثير الأدب حسن العارضة، قائما بكل معضلة، غلب على المأمون، حتى لم يتقدمه عنده أحد مع براعة المأمون في العلم، وكانت الوزراء لا تبرم شيئا حتى تراجع يحيى. سئل عنه الإمام أحمد، فقال: ما عرفناه ببدعة. قال السراج في 'تاريخه': مات بالربذة منصرفه من الحج يوم الجمعة في ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين ومائتين. قال ابن أخته: بلغ ثلاثا وثمانين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال أبو العيناء: حدثنا أحمد بن أبي دؤاد قال: كنا مع المأمون في طريق الشام. فأمر فنودي بتحليل المتعة. فقال يحيى بن أكثم لي ولمحمد بن منصور: بكرا غدا إليه. فإن رأيتما للقول وجها فقولا، وإلا فاسكتا إلى أن أدخل. قال: فدخلنا إليه وهو يستاك، ويقول، وهو مغتاظ: متعتان كانتا على\n_________\n(١) التاريخ الكبير (٨/ ٢٦٣) وتاريخ بغداد (١٤/ ١٩١ - ٢٠٤) وطبقات الحنابلة (١/ ٤١٠ - ٤١٣) وتهذيب الكمال (٣١/ ٢٠٧ - ٢٢٣) والسير (١٢/ ٥ - ١٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٤١ - ٢٥٠/ص.٥٣٦ - ٥٤٤) والبداية والنهاية (١٠/ ٣٣٠) وتهذيب التهذيب (١١/ ١٧٩ - ١٨٣) وشذرات الذهب (٢/ ٩١؛ ١٠١؛ ١٠٢).","vol":"4","page":146},{"text":"عهد رسول الله - ﷺ -، وعلى عهد أبي بكر، وأنا أنهى عنهما؟ ومن أنت يا أحول حتى تنهى عما فعله النبي - ﷺ - وأبو بكر؟ فأومأمت إلى محمد بن منصور: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول، نكلمه نحن؟ فأمسكنا. وجاء يحيى فجلس وجلسنا. فقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيرا؟ فقال: هو غم يا أمير المؤمنين، لما حدث في الإسلام. قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا. قال: الزنا؟ قال: نعم، المتعة زنى. قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله، وحديث رسوله - ﷺ -. قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١) يا أمير المؤمنين، زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا. قال: فهي الزوجة التي عنى الله ﷿: ترث وتورث، ويلحق بها الولد، ولها شرائطها؟ قال: لا. قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين. وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد عن علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها، بعد\n_________\n(١) المؤمنون الآيات (١ - ٧).","vol":"4","page":147},{"text":"أن كان أمر بها. (١) فالتفت إلينا المأمون. فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم، يا أمير المؤمنين. رواه جماعة، منهم مالك. فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة. فنادوا بها. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن محمد بن القاسم العتكي، سمعت الفضل الشعراني، سمعت يحيى ابن أكثم يقول: من قال: القرآن مخلوق يستتاب فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. (٣)\n\nالحسن بن علي الحُلَوَانِي (٤) (٢٤٢ هـ)\nالإمام الحافظ، الصدوق أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الهُذَلِي، الرَّيْحَانِي الخَلاَّل المجاور بمكة والمحدث بها. حدث عن أبي معاوية، وابن الجراح، ومعاذ ابن هشام، وخلق. ورحل إلى عبد الرزاق فأكثر وصنف وتعب في هذا العلم. قال إبراهيم بن أورمة: بقي اليوم في الدنيا ثلاثة: الذهلي بخراسان، وابن الفرات بأصبهان، والحلواني بمكة. حدث عنه الجماعة\n_________\n(١) أحمد (١/ ٧٩) والبخاري (٧/ ٦١١/٤٢١٦) ومسلم (٢/ ١٠٢٧/١٤٠٧ (٢٩،٣٠،٣١،٣٢» والترمذي (٣/ ٤٢٩/١١٢١) والنسائي (٦/ ٤٣٥/٣٣٦٥) وابن ماجه (١/ ٦٣٠/١٩٦١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ بلفظ مغاير.\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٤١٣).\n(٣) السير (١٣/ ٣١٩) والطبقات (١/ ٤١٢).\n(٤) تاريخ بغداد (٧/ ٣٦٥ - ٣٦٦) وتهذيب الكمال (٦/ ٢٥٩ - ٢٦٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٢٢) والسير ... (١١/ ٣٩٨ - ٤٠٠) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٤١ - ٢٥٠/ص.٢٣٣ - ٢٣٤).","vol":"4","page":148},{"text":"سوى النسائي، وأبو بكر بن أبي عاصم، وخلق سواهم. قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتا متقنا. مات رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1600>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أحمد بن أبي عوف قال: سألت الحسن بن علي الحلواني، فقلت له: إن الناس قد اختلفوا عندنا في القرآن، فما تقول رحمك الله؟ قال: القرآن كلام الله، غير مخلوق، ما نعرف غير هذا. (١)\n- وقال أبو زرعة الرازي: قيل للحسن بن علي الحلواني: إنا أخبرنا عنك أنك أظهرت الوقف. فأنكر ذلك إنكارا شديدا وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهل يكون غير ذا أو يقول أحد غير هذا؟ ما شككنا في ذا قط. وسألني رجل بالشام وكان من الواقفة فأحب أن أرخص في الوقف فأبيت. (٢)\n\nمحمد بن أَسْلَم الطُّوسي (٣) (٢٤٢ هـ)\nمحمد بن أسلم بن سالم بن يزيد الإمام الحافظ الرباني شيخ الإسلام أبو الحسن الكندي مولاهم الخراساني الطوسي. ولد في حدود الثمانين ومائة. سمع يزيد بن هارون والنضر بن شميل وقبيصة ويحيى بن أبي بكير وغيرهم.\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٢١٩/١٧٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠/ ٥٣١).\n(٣) الجرح والتعديل (٧/ ٢٠١) والحلية (٩/ ٢٣٨ - ٢٥٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٣٢ - ٥٣٤) والوافي بالوفيات (٢/ ٢٠٤) وشذرات الذهب (٢/ ١٠٠ - ١٠١) والسير (١٢/ ١٩٥ - ٢٠٧).","vol":"4","page":149},{"text":"صنف 'المسند' و'الأربعين' وغير ذلك. حدث عنه إمام الأئمة ابن خزيمة، ومحمد بن وكيع الطوسي، وأبو بكر بن أبي داود، وخلق. وحدث عنه من أقرانه: علي بن الحسن الهلالي، ومحمد بن عبد الوهاب الفراء.\nقال محمد بن رافع: دخلت على محمد بن أسلم فما شبهته إلا بأصحاب رسول الله - ﷺ -. عن الحاكم: سمعت محمد بن أحمد بن بالويه سمعت ابن خزيمة يقول حدثنا من لم تر عيناي مثله أبو عبد الله محمد بن أسلم. قال الحاكم: قام محمد بن أسلم مقام وكيع، وأفضل من مقامه، لزهده وورعه وتتبعه للأثر. قال إسحاق: لم أسمع عالما منذ خمسين سنة كان أشد تمسكا بأثر النبي - ﷺ - من محمد بن أسلم.\nتوفي لثلاث بقين من المحرم سنة اثنتين وأربعين ومائتين بنيسابور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الحلية: عن خادم بن أسلم قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: وذكر في حديث رفعه إلى النبي - ﷺ -: \"إن الله لا يجمع أمة محمد - ﷺ - على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم\" (١). فقال رجل: يا أبا يعقوب، من السواد الأعظم؟ قال: محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعه، ثم قال: سأل رجل ابن المبارك فقال: يا أبا عبد الرحمن من السواد الأعظم؟\n_________\n(١) أخرجه: ابن ماجه (٢/ ١٣٠٣/٣٩٥٠) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٤١/٨٤) عن أبي خلف الأعمى قال: سمعت أنس بن مالك، فذكره. قال البوصيري في الزوائد (٢/ ٢٨٩/١٣٨٧): \"هذا إسناد ضعيف لضعف أبي خلف الأعمى واسمه حازم بن عطار\". قال الشيخ الألباني: \"الشطر الأول منه صحيح له شواهد ... والشطر الآخر ضعيف\". انظر شواهد الحديث في السنة لابن أبي عاصم (١/ ٤٠ - ٤٢). وأخرجه الدولابي في الكنى (١/ ١٦٦) بلفظ: \"إذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم فإنه لا تجتمع أمتي على ضلالة\".","vol":"4","page":150},{"text":"قال: أبو حمزة السكوني. ثم قال إسحاق: في ذلك الزمان يعني أبا حمزة، وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه. ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال من السواد الأعظم؟ قالوا: جماعة الناس، ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي - ﷺ - وطريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فيه ترك الجماعة. ثم قال إسحاق: لم أسمع عالما منذ خمسين سنة أعلم من محمد بن أسلم. (١)\n\" التعليق:\nالميزان عند السلف هو اتباع الحق الذي يتمثل في التمسك بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وأما الكثرة والقلة فليست عندهم بميزان، فليعلم هذا وليكن الميزان عند كل سلفي، فلا عليه إن رفضه المبتدعة مهما تكاثروا ومهما قل أتباعه وأصحابه.\n- جاء في الحلية عن محمد بن أسلم أنه قال عند موته لمحمد بن القاسم ودخل عليه: قال: يا أبا عبد الله، إن هؤلاء قد كتبوا رأي أبي حنيفة وكتبت أنا الأثر فأنا عندهم على غير طريق، وهم عندي على غير طريق. وقال لي: يا أبا عبد الله أصل الاسلام في هذه الفرائض، وهذه الفرائض في حرفين: ما قال الله ورسوله: افعل؛ فهو فريضة ينبغي أن يفعل. وما قال الله ورسوله: لا تفعل؛ فينبغي أن ينتهى عنه؛ فتركه فريضة. وهذا في القرآن وفي فريضة النبي - ﷺ - وهم يقرءونه ولكن لا يتفكرون فيه. قد غلب عليهم حب الدنيا. حديث\n_________\n(١) الحلية (٩/ ٢٣٨ - ٢٣٩) وانظر السير (١٢/ ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"4","page":151},{"text":"عبد الله بن مسعود: \"خط لنا رسول الله - ﷺ - خطا فقال: \"هذا سبيل الله\" ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: \"هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه\" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)، وحديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -: \"إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وأمتي تفترق على ثلاثة وسبعين، كلها في النار إلا واحدة\". قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: \"ما أنا عليه اليوم وأصحابي\" (٢).اهـ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1603>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي قال سمعت إسحاق بن داود الشعراني يذكر أنه عرض على محمد بن أسلم كلام رجل تكلم في القرآن فقال محمد بن أسلم: أما أسماء الله التي قد ذكرها فإنها كلها أسماؤه، فإذا قال الإنسان نعبد الله، فإنما يعني الاسم والمعنى شيء واحد فهو موحد. (٤)\n- وفيه: عن محمد بن أسلم الطوسي: إن من قال إن القرآن يكون\n_________\n(١) تقدم ضمن مواقف الإمام مالك سنة (١٧٩هـ).\n(٢) تقدم ضمن مواقف الإمام أحمد سنة (٢٤١هـ).\n(٣) الحلية (٩/ ٢٤٢) وانظر السير (١٢/ ٢٠٠).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٤٠/٣٥٣).","vol":"4","page":152},{"text":"مخلوقا بالألفاظ فقد زعم أن القرآن مخلوق. (١)\n- قال أبو نعيم: وأما كلامه في النقض على المخالفين من الجهمية والمرجئة فشائع ذائع. وقد كان ﵀ من المثبتة لصفات الله أنها أزلية غير محدثة في كتابه المترجم بالرد على الجهمية ذكرت منه فصلا وجيزا من فصوله وهو: ما حدثناه محمد بن جعفر المؤدب حدثنا أحمد بن بطة بن إسحاق حدثنا إسماعيل بن أحمد المديني حدثنا أبو عبد الله بن موسى بمكة وهو عن محمد بن القاسم خادم محمد بن أسلم وصاحبه، قال: سمعت محمد بن أسلم يقول: زعمت الجهمية أن القرآن مخلوق وقد أشركوا في ذلك، وهم لا يعلمون لأن الله تعالى قد بين أن له كلاما فقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٢) وقال في آية أخرى ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ (٣) فأخبر أن له كلاما وأنه كلم موسى ﵇ فقال في تكليمه إياه ﴿يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (٤) فمن زعم أن قوله: ﴿يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ خلق وليس بكلامه فقد أشرك بالله، لأنه زعم أن خلقا قال لموسى إني أنا ربك، فقد جعل هذا الزاعم ربا لموسى دون الله. وقول الله أيضا لموسى في تكليمه ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٨/٥٨٨).\n(٢) الأعراف الآية (١٤٤).\n(٣) النساء الآية (١٦٤).\n(٤) طه الآيتان (١١و١٢).","vol":"4","page":153},{"text":"أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (١) فقد جعل هذا الزاعم إلها لموسى غير الله. وقال في آية أخرى لموسى في تكليمه إياه: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)\nفمن لم يشهد أن هذا كلام الله وقوله تكلم به والله قاله وزعم أنه خلق فقد عظم شركه وافتراؤه على الله لأنه زعم أن خلقا قال لموسى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فقد جعل هذا الزاعم للعالمين ربا غير الله فأي شرك أعظم من هذا؟ فتبقى الجهمية في هذه القصة بين كفرين اثنين إن زعموا أن الله لم يكلم موسى فقد ردوا كتاب الله وكفروا به، وإن زعموا أن هذا الكلام ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ خلق فقد أشركوا بالله، ففي هؤلاء الآيات بيان أن القرآن كلام الله تعالى، وفيها بيان شرك من زعم أن كلام الله خلق، وقول الله خلق، وما أوحى الله إلى أنبيائه خلق. (٣)\n- آثاره السلفية: له كتاب الرد على الجهمية: نظر فيه أحمد بن حنبل فتعجب منه، كذا في الحلية. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1604>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في ترجمته في حلية الأولياء: قال أبو نعيم: وأما نقضه ﵀\n_________\n(١) طه الآيتان (١٣و١٤).\n(٢) القصص الآية (٣٠) ..\n(٣) حلية الأولياء (٩/ ٢٤٤ - ٢٤٥) وفي السير (١٢/ ٢٠٢).\n(٤) (٩/ ٢٣٩).","vol":"4","page":154},{"text":"على المرجئة الكرامية التي زعمت أن الإيمان هو القول باللسان من دون عقد القلب الذي هو التصديق، فقد صنف في الايمان وفي الأعمال الدالة على تصديق القلب وأمارته كتابا جامعا كبيرا.\nحدثنا أبو الحسين محمد بن محمد بن عبيد الله الجرجاني المقري ثنا محمد ابن زهير الطوسي ثنا عبد الله بن يزيد المقري ثنا كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر عن عمر أن جبرائيل ﵇ جاء إلى رسول الله - ﷺ - فسأله عن الإيمان فقال رسول الله - ﷺ -: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر كله خيره وشره\" (١). الحديث وهذا أول حديث ذكره واستفتح به كتابه وبنى عليه كلامه. قال محمد بن أسلم: فبدء الإيمان من قبل الله فضل منه ورحمة ومن يمن به على من يشاء من عباده، فيقذف في قلبه نورا ينور به قلبه ويشرح به صدره ويزيد في قلبه الإيمان ويحببه إليه، فإذا نور قلبه وزين فيه الإيمان وحببه إليه آمن قلبه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر كله خيره وشره وآمن بالبعث والحساب والجنة والنار حتى كأنه ينظر إلى ذلك، وذلك من النور الذي قذفه الله في قلبه، فإذا آمن قلبه نطق لسانه مصدقا لما آمن به القلب وأقر بذلك وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن هذه الأشياء التي آمن بها القلب فهي حق. فإذا آمن القلب وشهد اللسان عملت الجوارح، فأطاعت أمر الله عملت بعمل الإيمان وأدت حق الله عليها في فرائضه، وانتهت عن\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢٧) ومسلم (١/ ٣٦ - ٣٨/ ٨) وأبو داود (٥/ ٦٩ - ٧٣/ ٤٦٩٥) والترمذي (٥/ ٨ - ٩/ ٢٦١٠) والنسائي (٨/ ٤٧٢ - ٤٧٥/ ٥٠٠٥) وابن ماجه (١/ ٢٤ - ٢٥/ ٦٣) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"4","page":155},{"text":"محارم الله إيمانا وتصديقا بما في القلب ونطق به اللسان، فإذا فعل ذلك كان مؤمنا. وقد بين الله ذلك في كتابه، وأن بدء الإيمان من قبله فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إليكم الإيمان وزينه في قُلُوبِكُمْ﴾ (١)\nوقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٢) أفلا يرون أن هذا التزيين وهذا النور من عطية الله ورزقه، يعطي من يشاء كما يشاء أترى أن الناس يمرون؟ وقال في كتابه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والإيمان﴾ (٣) وقال رسول الله - ﷺ - للحارث بن مالك: \"عَبْدٌ نَوَّرَ الله الإيمان في قلبه\" (٤) وقال: \"نور يقذف في القلب فينشرح وينفسح\" (٥)\nثم بين الرسول أنه يتبين على المؤمن إيمانه بالعمل حين قيل له هل له علامة يعرف بها قال: \"نعم الإنابة إلى\n_________\n(١) الحجرات الآية (٧) ..\n(٢) الزمر الآية (٢٢).\n(٣) الروم الآية (٥٦).\n(٤) أخرجه من حديث أنس: البزار (كشف الأستار ١/ ٢٦/٣٢) مطولا، وذكر له قصة. وقال عقبه: \"تفرد به يوسف -أي ابن عطية- وهو لين الحديث\". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥٧) وقال: رواه البزار وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤/ ٢٩٩)، وعبد الرزاق (١١/ ١٢٩/٢٠١١٤) كلاهما عن معمر عن صالح ابن مسمار (زاد عبد الرزاق: وجعفر بن برقان)، أن النبي - ﷺ - قال للحارث بن مالك، فذكره مطولا. وهو معضل. وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان (١١٥) عن ابن نمير نا مالك بن مغول عن زبيد، معضلا. وقد رويت هذه القصة موصولة عن الحارث نفسه، أخرجها: عبد بن حميد (المنتخب٤٤٥)، والطبراني (٣/ ٣٠٢/٣٣٦٧) دون ذكر محمل الشاهد. وذكرها الهيثمي في المجمع (١/ ٥٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه. قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٥/ ٢٢٧٢/٣٦٠٨): رواه البزار من حديث أنس والطبراني من حديث الحارث بن مالك وكلا الحديثين ضعيف\". وانظر كلام الزبيدي عقبه.\n(٥) انظر الحديث الآتي بعده ..","vol":"4","page":156},{"text":"دار الخلود والتجافى عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله\" (١) ألا ترون أنه قد بين أن إيمانه يعرف بالعمل لا بالقول.\nوقد بين أن الإيمان الذي في القلب ينفعه إذا عمل بعمل الإيمان، فإذا عمل بعمل الإيمان تتبين علامة إيمانه أنه مؤمن. فهذا كلامه الذي عليه ابتناء الكتاب وأنه جعل الأعمال علامة للإيمان، وأن الإيمان هو تصديق القلب، وأن اللسان شاهد يشهد ومعبر يعبر عما في القلب، لا أن الشاهد المعبر نفس الإيمان من دون تصديق القلب على ما زعمت الكرامية. وضمن هذا الكتاب من الآثار المسندة وقول الصحابة والتابعين أحاديث كثيرة.\nقال محمد بن أسلم: وقال المرجئ: ويتفاضل الناس في الأعمال، خطأ لأنه زعم أن من كان أكثر عملا فهو أفضل من الذي كان أقل عملا، فعلى\n_________\n(١) أخرجه من حديث ابن مسعود: الحاكم (٤/ ٣١١) وسكت عنه، وتعقبه الذهبي بقوله: \"عدي بن الفضل ساقط\".\nوقال في الميزان (٣/ ٦٢): \"قال ابن معين وأبو حاتم متروك الحديث\". وقال يحيى لا يكتب حديثه، وقال غير واحد: ضعيف. انظر كلام أبي حاتم ويحيى بن معين في الجرح والتعديل (٧/ ٤). وأخرجه: ابن جرير (٨/ ٢٧)، وفي سنده سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني. قال أبو حاتم (٤/ ٤٥): \"يتكلمون فيه، يقال إنه أخذ كتبا لمحمد بن سلمة فحدث بها، ورأيت فيها حدث أحاديث كذب\" هذا أولا. والثاني الانقطاع بين أبي عبيد وأبيه عبد الله بن مسعود، فإنه لم يسمع منه. ورواه ابن جرير (٨/ ٢٧) أيضا بسند آخر وفيه محبوب بن الحسن الهاشمي واسمه محمد. قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق فيه لين. وفي الباب عن ابن عباس مرفوعا، والحسن البصري وأبي جعفر المدائني كلاهما مرسلا. وقد فصل القول فيها الشيخ الألباني ﵀ في الضعيفة (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٧) ثم قال: \"وجملة القول: أن هذا الحديث ضعيف لا يطمئن القلب لثبوته عن رسول الله - ﷺ - لشدة الضعف الذي في جميع طرقه، وبعضها أشد ضعفا من بعض، فليس فيها ما ضعفه يسير يمكن أن ينجبر، خلافا لما ذهب إليه ابن كثير، وإن قلده في ذلك جماعة ممن ألفوا في التفسير، كالشوكاني في فتح القدير (٢/ ١٥٤) وصديق حسن خان في فتح البيان (٢/ ٢١٧)، وجزم الآلوسي في روح المعاني بنسبته إليه - ﷺ -، ومن قبله ابن القيم في الفوائد (ص.٢٧ ط. دار مصر) وعزاه للترمذي فجاء بوهم آخر. والعصمة لله وحده\".","vol":"4","page":157},{"text":"زعمه أن من الذي كان بعد رسول الله - ﷺ - كان أفضل من رسول الله - ﷺ - لأنهم عملوا بعده أعمالا كثيرة من الحج والعمرة والغزو والصلاة والصيام والصدقة والأعمال الجسمية، ورسول الله - ﷺ - أفضل منهم بالاتفاق، ثم من كان بعد أبي بكر الصديق وعمر قد عملوا الأعمال الكثيرة التي لم يعملها عمر ولم يبلغها، وعمر أفضل منهم. ثم من بعد أصحاب رسول الله - ﷺ - من التابعين قد عملوا أعمالا كثيرة أكثر مما عملته الصحابة، والصحابة أفضل منهم. فأي خطأ أعظم من خطأ هذا المرجئ الذي زعم أن الناس يتفاضلون بالأعمال وإنما الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، يفضل من يشاء من عباده على من يشاء عدلا منه ورحمة، فكل من فضله الله فهو أعظم إيمانا من الذي دونه، لأن الإيمان قسم من الله قسمه بين عباده كيف شاء، كما قسم الأرزاق فاعطى منها كل عبد ما شاء، ألا ترى إلى قول عبد الله بن مسعود (إذا أحب الله تعالى عبدا أعطاه الإيمان) فالإيمان عطية الله يعطيه من يشاء ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١) وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٢) أفلا ترون أن هذا التزيين وهو النور من عطية الله ورزقه، يعطي من يشاء كما يشاء، ألا ترى أن الناس يمرون يوم القيامة على الصراط على قدر نورهم فواحد نوره مثل الجبل، وواحد نوره\n_________\n(١) الحجرات الآية (٧).\n(٢) الزمر الآية (٢٢) ..","vol":"4","page":158},{"text":"مثل البيت فكم بين الجبل والبيت من الزيادة والنقصان؟ فإذا كان نور من خارج مثل الجبل وآخر مثل البيت، فكذلك نورهما من داخل القلب على قدر ذلك، فالمرجئة والجهمية قياسهما قياس واحد؛ فإن الجهمية زعمت أن الإيمان المعرفة فحسب، بلا إقرار ولا عمل، والمرجئة زعمت أنه قول بلا تصديق قلب ولا عمل. فكلاهما شيعة إبليس وعلى زعمهم إبليس مؤمن، لأنه عرف ربه ووحده حين قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) وحين قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وحين قَالَ ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ (٣) فأي قوم أبين ضلالة وأظهر جهلا وأعظم بدعة من قوم يزعمون أن إبليس مؤمن؟ فضلوا عن جهة قياسهم يقيسون على الله دينه، والله لا يقاس عليه دينه، فما عبدت الأوثان والأصنام إلا بالقايسين، فاحذروا يا أمة محمد القياس على الله في دينه واتبعوا ولا تبتدعوا فإن دين الله استنان واقتداء واتباع لا قياس وابتداع.\nقال الشيخ أبو نعيم ﵀: اقتصرت من تفاصيله ومعارضته على المرجئة على ما ذكرت، وكتابه يشتمل على أكثر من جزءين مشحونا بالآثار المسندة وقول الصحابة والتابعين. (٤)\n_________\n(١) ص الآية (٨٢).\n(٢) الحشر الآية (١٦).\n(٣) الحجر الآية (٣٩).\n(٤) الحلية (٩/ ٢٤٥ - ٢٤٨).","vol":"4","page":159},{"text":"أحمد بن أبي بكر بن الحارث (١) (٢٤٢ هـ)\nالإمام الثقة، شيخ دار الهجرة، أبو مصعب، أحمد بن أبي بكر القاسم ابن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني الفقيه قاضي المدينة. ولد سنة خمسين ومائة، ولازم مالك بن أنس وتفقه به، وسمع منه 'الموطأ' وأتقنه عنه. وسمع من يوسف بن الماجشون، وابن أبي حازم، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وطبقتهم. حدث عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وإسماعيل القاضي وبقي بن مخلد، وأبو زرعة الرازي وخلق كثير. قال الزبير بن بكار: هو فقيه أهل المدينة غير مدافع. وقال: مات في شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين ومائتين وهو على القضاء، وله اثنتان وتسعون سنة. قال أبو إسحاق في 'طبقاته' كان أبو مصعب من أعلم أهل المدينة روي عنه أنه قال: يا أهل المدينة لا تزالون ظاهرين على أهل العراق ما دمت لكم حيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1606>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: قال محمد بن مسلم بن واره، قال لي أبو مصعب: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: لا أدري -يعني مخلوق أو غير مخلوق- فهو مثله، ثم قال: بل هو شر منه. (٢)\n- وفيه: عن أبي مصعب أحمد بن أبي بكر قال: من وقف في القرآن\n_________\n(١) تهذيب الكمال (١/ ٢٧٨ - ٢٨١) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٨٢ - ٤٨٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٠) والوافي بالوفيات (٦/ ٢٦٩) والسير (١١/ ٤٣٦ - ٤٤٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٨/٥٢٢).","vol":"4","page":160},{"text":"فهو كافر. (١)\n- وفيه: عن عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي الصيداوي قال: أتى قوم أبا مصعب الزهري المديني فقالوا: إن قبلنا ببغداد رجلا يقول: لفظه بالقرآن مخلوق؟ فقال: يا أهل العراق ما يأتينا منكم هناه. ما ينبغي أن نتلقى وجوهكم إلا بالسيوف، هذا كلام نبطي خبيث. (٢)\n\nمحمد بن يحيى العَدَنِي (٣) (٢٤٣ هـ)\nالإمام المحدث الحافظ شيخ الحرم، أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، المجاور بمكة. حدث عن فضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة، وعبد العزيز بن محمد، ووكيع بن الجراح وخلق كثير. حدث عنه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وبواسطة النسائي، وأبو حاتم، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق صالح وفيه غفلة. وقال ابن العماد الحنبلي: كان عبدا صالحا خيرا. وقال مسلم وغيره: هو حجة صدوق. روي عن الحسن بن أحمد بن الليث: حدثنا ابن أبي عمر العدني وكان قد حج سبعا وسبعين حجة، وبلغني أنه لم يقعد من الطواف ستين سنة ﵀. قال البخاري: مات بمكة لإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين ومائتين.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٨/٥٢١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٤/٦٠٩) والسير (١١/ ٤٣٧).\n(٣) الجرح والتعديل (٨/ ١٢٤ - ١٢٥) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٦٣٩ - ٦٤٢) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٠١) والعقد الثمين (٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣) وتهذيب التهذيب (٩/ ٥١٨ - ٥٢٠) وشذرات الذهب (٢/ ١٠٤) والسير (١٢/ ٩٦ - ٩٨).","vol":"4","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1608>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن وقف فهو شر ممن قال مخلوق، لا يصلى خلفهم ولا يناكحون ولا يكلمون، ولا تشهد جنائزهم، ولا يعاد مرضاهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1609>موقفه من المرجئة:</span>\n- له كتاب 'الإيمان' وهو مطبوع متداول. قال محققه (٢): لقد سلك ابن أبي عمر في تأليف كتابه الإيمان طريقة أسلافه المحدثين، حيث كانوا يوردون النصوص الشرعية من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، وأقوال الصحابة، والتابعين، بأسانيدها، للدلالة على إثبات عقيدة أهل السنة والرد على مخالفيهم، إلا أنه كان يسرد الأحاديث سردا بدون تبويب لما تدل عليه، أو مراعاة لذلك، وبدون أن يعلق عليها، أو يذكر وجه الدلالة منها، اكتفاءا بما تدل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1610>حارث بن أبي الحارث المحاسبي (٢٤٣ ه</span>ـ)\nدخل هذا الرجل في خطرات ووساوس وألف في ذلك، ودخل في شيء من الكلام فنقم عليه جمع من السلف كأبي زرعة الرازي وأحمد بن حنبل وله موقف جيد من أبيه لمكان القدر أو الوقف في القرآن.\nموقفه من الجهمية:\n- قال الجنيد: خلَّف له أبوه مالا كثيرا فتركه، وقال: لا يتوارث أهل\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٩/٥٣٠).\n(٢) (ص.٥٢).","vol":"4","page":162},{"text":"ملتين. وكان أبوه واقفيا.\n- قال أبو الحسن بن مقسم: أخبرنا أبو علي بن خيران، قال: رأيت المحاسبي متعلقا بأبيه يقول: طلق أمي، فإنك على دين، وهي على غيره. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1611>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: مات أبو الحارث المحاسبي يوم مات وحارث محتاج إلى أقل من درهم -أو كما قال- لعيال وبنات عليه وترك أبوه مالا وضيعة وأثاثا وأموالا كثيرة نفيسة فلم يقبل منها شيئا. فقيل له في ذلك: فقال: روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أهل ملتين شتى لا يتوارثان\" (٢) أو كما قال. وكان أبوه يقول بالقدر. (٣)\n\nأبو موسى إسحاق بن موسى الخَطْمِي (٤) (٢٤٤ هـ)\nالإمام الحافظ، الثقة القاضي، أبو موسى إسحاق بن موسى بن عبد الله\n_________\n(١) السير (١٢/ ١١٠).\n(٢) أخرجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أحمد (٢/ ١٧٨،١٩٥) وأبو داود (٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩/ ٢٩١١) والنسائي في الكبرى (٤/ ٨٢/٦٣٨٤) وابن ماجه (٢/ ٩١٢/٢٧٣١) وقال شاكر في تحقيقه للمسند (١٠/ ١٤٦): \"إسناده صحيح\". وللحديث شواهد من حديث جابر وأنس وأسامة بن زيد وغيرهم. (انظر كتابنا فتح البر (١٢/ ٥٤١».\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٨١٢/١٣٦٧) وجاء في تاريخ بغداد (٨/ ٢١٤) وتهذيب الكمال (٥/ ٢٠٩) والأنساب (٥/ ٢٠٧): وكان أبوه واقفيا.\n(٤) تاريخ بغداد (٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦) وتهذيب الكمال (٢/ ٤٨٠ - ٤٨٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥١٣) والسير ... (١١/ ٥٥٤ - ٥٥٥) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٥١) وشذرات الذهب (٢/ ١٠٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ... ٢٤١ - ٢٥٠/ص.١٧٢ - ١٧٣).","vol":"4","page":163},{"text":"ابن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري المدني، الفقيه نزيل سامراء ثم قاضي نيسابور. سمع سفيان بن عيينة، وعبد السلام بن حرب ومعن ابن عيسى القزاز، وجماعة. حدث عنه مسلم، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن مخلد وابن خزيمة، وجعفر الفريابي، وابنه موسى، وآخرون. كان من أئمة السنة، أطنب أبو حاتم في الثناء عليه. توفي بجوسية -بليدة من أعمال حمص- في سنة أربع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1613>موقفه من المبتدعة:</span>\n- أخرج الخطيب بسنده إلى أبي حاتم قال: سمعت إسحاق بن موسى الخطمي يقول: ما مكن لأحد من هذه الأمة ما مكن لأصحاب الحديث، لأن الله ﷿ قال في كتابه: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (١). فالذي ارتضاه الله قد مكن لأهله فيه. ولم يمكن لأصحاب الأهواء في أن يقبل منهم حديث واحد عن أصحاب النبي - ﷺ -. وأصحاب الحديث يقبل منهم حديث رسول الله - ﷺ - وحديث أصحابه. ثم إن كان بينهم رجل أحدث بدعة سقط حديثه، وإن كان من أصدق الناس. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن المروذي قال: سألت أبا موسى الأنصاري عن الواقفة، فقال: هم شر من الجهمية. (٣)\n_________\n(١) النور آية (٥٥).\n(٢) شرف أصحاب الحديث (٣٢).\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٤/ ٩١).","vol":"4","page":164},{"text":"محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارِب الأُموي البصري (١) (٢٤٤ هـ)\nالإمام الثقة، المحدث الفقيه الشريف، أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب محمد بن عبد الله بن أبي عثمان القرشي الأموي البصري ولد بعد الخمسين ومائة. وحدث عن كثير بن سليم، وكثير بن عبد الله الابلي صاحب أنس ابن مالك، وأبي عوانة، وحماد بن زيد، وخلق سواهم. حدث عنه مسلم والنسائي، والترمذي، والقزويني، وابن أبي الدنيا وأبو حاتم والبغوي وابن جرير وآخرون. وكان من جلة العلماء. قال الصولي: نهى المتوكل عن الكلام في القرآن وأشخص الفقهاء والمحدثين إلى سامراء، منهم ابن أبي الشوارب، وأمرهم أن يحدثوا وأجزل لهم الصلات. ولما تولى ولده الحسن القضاء، تخوف عليه وقال: يا حسن، أعيذ وجهك الحسن من النار. مات في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن المروذي قال: سألت أبا عبد الله بن أبي الشوارب عن رجل من الواقفة سئل عن وجه الله ﷿، أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقال: لا أدري. فقال: هذا من الشاكة، أحب إلي أن يعيد الصلاة، يعني: إذا صلى خلفه. (٢)\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥) وتهذيب الكمال (٢٦/ ١٩ - ٢١) والسير (١١/ ١٠٣ - ١٠٤) وتهذيب التهذيب (٩/ ٣١٦ - ٣١٧) وشذرات الذهب (٢/ ١٠٥ - ١٠٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٤١ - ٢٥٠/ص.٤٤٩ - ٤٥٠).\n(٢) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٥/ ٩٣).","vol":"4","page":165},{"text":"أحمد بن مَنِيع أبو جعفر البغوي (١) (٢٤٤ هـ)\nالإمام الحافظ، الثقة، أبو جعفر أحمد بن منيع بن عبد الرحمن البغوي ثم البغدادي، وأصله من مرو الروذ رحل وجمع وصنف 'المسند'. حدث عن هشيم وعباد بن العوام وسفيان بن عيينة وابن المبارك وابن أبي حازم وهذه الطبقة فمن بعدهم. حدث عنه الستة لكن البخاري بواسطة، وسبطه مسند وقته أبو القاسم البغوي، وخلق سواهم. كان مولده في سنة ستين ومائة. قال البغوي: أخبرت عن جدي أحمد بن منيع ﵀ أنه قال: أنا من نحو أربعين سنة أختم في كل ثلاث. وقال: مات جدي في شوال سنة أربع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1618>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال المروذي: سألت شجاع بن مخلد، وأحمد بن إبراهيم، وأحمد بن منيع، ويحيى بن عثمان عن القرآن، فقالوا: كلام الله وليس بمخلوق. (٢)\n\nأحمد بن حُمَيْد المشكاني (٣) (٢٤٤ هـ)\nأبو طالب أحمد بن حميد المشكاني، صاحب أبي عبد الله أحمد بن حنبل والمتخصص في ذلك. روى عنه مسائل كثيرة، وكان أحمد يكرمه ويعظمه.\n_________\n(١) التاريخ الكبير (٢/ ٦) وتاريخ بغداد (٥/ ١٦٠ - ١٦١) وتهذيب الكمال (١/ ٤٩٥ - ٤٩٧) والسير ... (١١/ ٤٨٣ - ٤٨٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٨١) وتهذيب التهذيب (١/ ٨٤ - ٨٥) وشذرات الذهب (٢/ ١٠٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٤١ - ٢٥٠/ص.١٤٩ - ١٥٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٢٠/ ٢١١).\n(٣) تاريخ بغداد (٤/ ١٢٢) وطبقات الحنابلة (١/ ٣٩ - ٤٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٤١ - ٢٥٠/ص.٣٩ - ٤٠).","vol":"4","page":166},{"text":"روى عنه أبو محمد فوزان، وزكريا بن يحيى وغيرهما. ذكره أبو بكر الخلال، فقال: صحب الإمام أحمد قديما إلى أن مات، وكان أبو عبد الله يكرمه ويقدمه، وكان رجلا صالحا فقيرا صبورا على الفقر، فعلمه أبو عبد الله مذهب القنوع والاحتراف. ومات قديما بالقرب من موت أبي عبد الله. قال ابن قانع: إن أبا طالب صاحب أحمد بن حنبل مات سنة أربع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1620>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أبي طالب، قال: قلت لأبي عبد الله: قال لي رجل: لم قلت: من كفر بآية من القرآن، فقد كفر؟ هو كافر مثل اليهودي والنصراني والمجوسي، أو كافر بنعمة، أو كافر بمقالته؟ قلت: لا أقول هو كافر مثل اليهودي والنصراني والمجوسي، ولكن مثل المرتد، أستتيبه ثلاثا، فإن تاب، وإلا قتلته. قال: ما أحسن ما قلت، ما كافر بنعمة، من كفر بآية، فقد كفر. قلت: أليس بمنزلة المرتد إن تاب وإلا قتل؟ قال: نعم. (١)\nقال أبو طالب: وقلت لأبي عبد الله: سألني إنسان عن الجهمي يقول: القرآن مخلوق، فهو كافر؟ قلت: قوم يقولون: حلال الدم والمال، لو لقيته في خلاء لقتلته؟ قال: من هؤلاء؟ هذا المرتد يستتاب ثلاثة أيام قول عمر وأبي موسى، وهذا بمنزلة المرتد يستتاب. (٢)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/٧٧ - ٧٨/ ٣٠١).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٣/٧٨/ ٣٠٢).","vol":"4","page":167},{"text":"محمد بن أَبَان حَمْدَوِيه (١) (٢٤٤ هـ)\nالحافظ، الإمام الثقة، أبو بكر محمد بن أبان بن وزير البلخي المستملي، يعرف بحمدويه، مستملي وكيع مدة طويلة نحو بضع عشرة سنة. حدث عن ابن علية، وابن وهب وغندر، وابن عيينة، ويحيى القطان، ووكيع ويزيد، وعبد الرزاق، وخلق كثير. وكتب العالي والنازل وتغرب مدة في الطلب. روى عنه الجماعة سوى مسلم؛ وأبو حاتم، وإسماعيل القاضي، وعبد الله بن أحمد، والبغوي، وابن خزيمة، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد: قدم علينا رجل من بلخ يقال له: محمد بن أبان، فسألت أبي عنه فعرفه، وذكر أنه كان معهم عند عبد الرزاق فكتبا عنه. قال ابن حبان: حسن المذاكرة جمع وصنف وكان مستملي وكيع. قال الذهبي: كان ثقة حافظا مصنفا مشهورا. وقال موسى ابن هارون وغيره: مات ببلخ في المحرم سنة أربع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1622>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أحمد بن غسان قال: قلت لحمدويه: بأي شيء تعرف الزنادقة؟ قال: الزنادقة ضروب، ولكن من رأيته يقول: إن الله لا يرى وأن القرآن مخلوق، فهو زنديق. (٢)\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٢/ ٧٨ - ٨١) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٨٦) وتهذيب الكمال (٢٤/ ٢٩٦ - ٣٠٠) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٩٨ - ٥٠٠) والسير (١١/ ١١٥ - ١١٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٤١ - ٢٥٠/ص.٤٠٣ - ٤٠٤) وتهذيب التهذيب (٩/ ٣ - ٤) وشذرات الذهب (٢/ ١٠٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٤٢/ ٢٣٤).","vol":"4","page":168},{"text":"أحمد بن نصر (١) (٢٤٥ هـ)\nالإمام القدوة، أحمد بن نصر بن زياد أبو عبد الله، القرشي النيسابوري. حدث عن عبد الله بن نمير، والنضر بن شميل، وابن أبي فديك. روى عنه أبو نعيم، والترمذي، وابن خزيمة. كان مقرئ نيسابور ومفتيها. وقال عنه الحاكم: كان فقيه أهل الحديث في عصره، كثير الرحلة والحديث. وقال عنه أحمد بن سيار: كان صاحب سنة، محبا لأهل الخير، كتب العلم، وجالس الناس. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1624>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: قلت لأحمد بن نصر، وحدث بخبر عن النبي - ﷺ - أنأخذ به؟ فقال: أترى على وسطي زنارا، لا تقل لخبر النبي - ﷺ - أتأخذ به؟ وقل أصحيح هو ذا؟ فإذا صح الخبر عن النبي - ﷺ - قلت به شئت أو أبيت. (٢)\n\nهشام بن عمار (٣) (٢٤٥ هـ)\nالإمام الحافظ، العلامة المقرئ، شيخ الإسلام، عالم أهل الشام، أبو\n_________\n(١) السير (١٢/ ٢٣٩) وتهذيب الكمال (١/ ٥٠١) والجرح والتعديل (٢/ ٧٩) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٤٠).\n(٢) ذم الكلام (٩٧).\n(٣) طبقات ابن سعد (٧/ ٤٧٣) والتاريخ الكبير (٨/ ١٩٩) وتهذيب الكمال (٣٠/ ٢٤٢ - ٢٥٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٥١) والسير (١١/ ٤٢٠ - ٤٣٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٤١ - ٢٥٠/ص.٥٢٠ - ٥٢٨) والبداية والنهاية (١٠/ ٣٦٥) وغاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ٣٥٤) وتهذيب التهذيب (١١/ ٥١ - ٥٤) وشذرات الذهب (٢/ ١٠٩ - ١١٠).","vol":"4","page":169},{"text":"الوليد هشام بن عمار السلمي ويقال الظفري خطيب دمشق ومقرئها ومحدثها ومفتيها. ولد سنة ثلاث وخمسين ومائة. سمع من مالك، ومسلم الزنجي، وإسماعيل بن عياش، والهيثم بن حميد، وطبقتهم، فأكثر جدا ورحل في طلب العلم. حدث عنه أبو عبيد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وجعفر الفريابي، وعبدان وأمم سواهم. وعرض القرآن على عراك بن خالد وأيوب بن تميم، وهو راوي ابن عامر الشامي المقرئ. وتصدر للإقراء والاشتغال تلا عليه أبو عبيد مع تقدمه وأحمد بن الحلواني وعدة. كان ﵀ ثقة كيسا، كبير المحل. روى عنه عبدان، قال: ما أعدت خطبة منذ عشرين سنة. قال محمد بن خريم: سمعت هشاما يقول في خطبته: قولوا الحق ينزلكم الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق. مات في المحرم سنة خمس وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>موقفه من الرافضة:</span>\n- وقال محمد بن الفيض الغساني: كان هشام بن عمار يربع بعلي، ﵁.\nقال الذهبي: خالف أهل بلده، وتابع أئمة الأثر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال محمد بن الفيض: جاء رجل من قرية الحرجلة (٢) يطلب لعرس أخيه لعابين، فوجد الوالي قد منعهم، فجاء يطلب مغبرين، يعني: مزمزمين\n_________\n(١) السير (١١/ ٤٣٣).\n(٢) قرية من قرى دمشق.","vol":"4","page":170},{"text":"يغبرون بالقضيب، قال: فلقيه صوفي ماجن، فأرشده إلى ابن ذكوان، وهو خلف المنبر، فجاءه، وقال: إن السلطان قد منع المخنثين. فقال: أحسن والله، فقال: فنعمل العرس بالمغبرين، وقد دللت عليك، فقال: لنا رفيق، فإن جاء، جئت، وهو ذاك، وأشار إلى هشام بن عمار. فقام الرجل إليه، وهو عند المحراب متكئ، فقال الرجل لهشام: أبو من أنت، فرد عليه ردا ضعيفا، فقال: أبو الوليد، فقال: يا أبا الوليد، أنا من الحرجلة، قال: ما أبالي من أين كنت. قال: إن أخي يعمل عرسه، فقال: فماذا أصنع؟ قال: قد أرسلني أطلب له المخنثين. قال: لا بارك الله فيهم ولا فيك. قال: وقد طلب المغبرين فأرشدت إليك. قال: ومن بعثك؟ قال: هذاك الرجل، فرفع هشام رجله، ورفسه، وقال: قم. وصاح بابن ذكوان: أقد تفرغت لهذا؟ قال: إي والله، أنت رئيسنا، لو مضيت مضينا. (١)\n\nأحمد بن عبدة أبو عبد الله الضَّبِّي (٢) (٢٤٥ هـ)\nأحمد بن عبدة بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري. روى عن حسان ابن إبراهيم الكرماني، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وعيسى بن يونس، وفضيل ابن عياض، والقطان، وعدة. روى عنه الجماعة سوى البخاري، وبقي بن مخلد وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم وابن خزيمة وعدة. قال أبو حاتم: ثقة. مات في رمضان سنة خمس وأربعين ومائتين.\n_________\n(١) السير (١١/ ٤٣٤) وتاريخ دمشق (٢٧/ ٩ - ١٠).\n(٢) تهذيب الكمال (١/ ٣٩٧ - ٣٩٩) وتهذيب التهذيب (١/ ٥٩) وشذرات الذهب (٢/ ١٠٧).","vol":"4","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1629>موقفه من الجهمية:</span>\n- روى ابن بطة في الإبانة بسنده إلى محمد بن داود قال: سمعت أبا داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن عبدة يقول: ما أبالي شككت في القرآن غير مخلوق أو شككت في الله ﷿. (١)\n\nإسحاق بن أبي إسرائيل (٢) (٢٤٥ هـ)\nإسحاق بن أبي إسرائيل، واسمه إبراهيم بن كَامَجْر المروزي، أبو يعقوب. ولد سنة خمسين ومائة، وقيل إحدى وخمسين. روى عن حماد بن زيد وسفيان بن عيينة وشريك بن عبد الله، وروى عنه البخاري في الأدب وأبو داود وبقي بن مخلد وعبد الله بن أحمد بن حنبل. قال ابن معين: الثقة الصادق المأمون ما زال معروفا بالدين والخير والفضل. قال صالح بن محمد الحافظ: صدوق في الحديث إلا أنه كان يقول القرآن كلام الله ويقف.\nوقال مصعب بن عبد الله: ناظرني إسحاق بن أبي إسرائيل، فقال: لا أقول كذا، ولا أقول غير ذا -يعني في القرآن- فناظرته فقال: لم أقل على الشك، ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي.\nقال البخاري وغيره: مات سنة خمس وأربعين ومائتين.\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٢٩٨/ ٧٦).\n(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٣٥٦ - ٣٦٢) وتهذيب الكمال (٢/ ٣٩٨ - ٤٠٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٤١ - ٢٥٠/ص.١٦٩ - ١٧٢) وسير أعلام النبلاء (١١/ ٤٧٦ - ٤٧٨) وتهذيب التهذيب (١/ ٢٢٣ - ٢٢٥).","vol":"4","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1631>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: عن يحيى بن معين سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل ونحن في مسجد في الزبيدية يقول القرآن كلام الله وهو غير مخلوق. (١)\n\nمحمد بن سليمان لُوَيْن (٢) (٢٤٥ هـ)\nمحمد بن سليمان بن حبيب الحافظ الصدوق الإمام شيخ الثغر، أبو جعفر الأسدي البغدادي نزيل المصيصة، المعروف بلوين، كوفي الأصل. سمع مالك بن أنس، وسليمان بن بلال، وإبراهيم بن سعد، وعبد الله بن المبارك، وابن عيينة، وحماد ابن زيد وطائفة. حدث عنه أبو داود، والنسائي، وأحمد ابن العباس البيروتي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل وابن أبي الدنيا، وأبو حاتم الرازي وطائفة. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.\nموقفه من الجهمية:\n- جاء في الإبانة: عن أحمد بن محمد بن صدقة قال: سمعت لوينا يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ما أنا قلته، ولكن ابن عباس قاله، حدثنا هشيم، قال: حدثنا منصور بن زاذان عن الحكم عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: إن أول ما خلق الله القلم. قال لوين: فأخبر ابن عباس أن أول ما خلق الله القلم. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذا أردناه أَنْ نَقُولَ لَهُ\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٣٤).\n(٢) الجرح والتعديل (٧/ ٢٦٨) وتاريخ بغداد (٥/ ٢٨٢ - ٢٩٦) وتهذيب الكمال (٢٥/ ٢٩٧ - ٣٠١) وتهذيب التهذيب (٩/ ١٩٨ - ١٩٩) والوافي بالوفيات (٣/ ١٢٣) والسير (١١/ ٥٠٠ - ٥٠٢).","vol":"4","page":173},{"text":"كُنْ فيكون﴾ (١)، فإنما خلق القلم بـ\"كن\"، وكلامه قبل الخلق. قال أبو بكر بن صدقة: قال الفضل بن زياد: فدخلت على أحمد بن حنبل وقد كنت حضرت مجلس لوين، فقال لي: يا أبا العباس حضرت مجلس هذا الشيخ؟ قلت: نعم، قال: وسمعت منه ما احتج في القرآن؟ قلت: نعم. قال: سبحان الله كأنما كان على وجهي غطاء فكشفته عنه، أما سمعت قوله: إن أول الخلق القلم، وإنما خلق القلم بكلامه، وكان كلامه قبل خلقه. ثم قال لي: تعلم أن واحد الكوفيين واحد -يعني: أن لوينا أصله كوفي-. (٢)\n- وفيها: عن الحسين بن البزاز قال: قيل لأبي عبد الله: إن لوينا قال: إن أول ما خلق الله القلم، فأول الخلق القلم، وكلام الله قبل خلق القلم، فاستحسنه أبو عبد الله وقال: أبلغ منهم بما حدث. (٣)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق وما رأيت أحدا يقول القرآن مخلوق أعوذ بالله. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1633>ذو النون المصري الصوفي (٢٤٥ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1634>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ذو النون المصري: من علامة حب الله متابعة حبيب الله - ﷺ - في\n_________\n(١) النحل الآية (٤٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٢٢ - ٢٤/ ٢١٦) والشريعة (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥/ ١٩٢).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٢/٢٤ - ٢٥/ ٢١٧).\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٤/٤٦٠) والسنة لعبد الله (٣٣).","vol":"4","page":174},{"text":"أخلاقه وأفعاله وأوامره وسنته. (١)\n- وقال: إنما دخل الفساد على الخلق في ستة أشياء: الأول: ضعف النية بعمل الآخرة، والثاني: صارت أبدانهم مهيئة لشهواتهم، والثالث: غلبهم طول الأمل مع قصر الأجل، والرابع: آثروا رضاء المخلوقين على رضاء الله، والخامس: اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم - ﷺ -، والسادس: جعلوا زلات السلف حجة لأنفسهم ودفنوا أكثر مناقبهم. (٢)\n- وقال لرجل أوصاه: ليكن آثر الأشياء عندك وأحبها إليك: إحكام ما افترض الله عليك، واتقاء ما نهاك عنه، فإن ما تعبد الله به خير لك مما تختاره لنفسك من أعمال البر التي لا تجب عليك وأنت ترى أنها أبلغ لك فيما تريد، كالذي يؤدب نفسه بالفقر والتقلل وما أشبه ذلك، وإنما للعبد أن يراعي أبدا ما وجب عليه من فرض يحكمه على تمام حدوده، وينظر إلى ما نهي عنه فيتقيه على إحكام ما ينبغي، فإن الذي قطع العباد عن ربهم، وقطعهم عن أن يذوقوا حلاوة الإيمان، وأن يبلغوا حقائق الصدق، وحجب قلوبهم عن النظر إلى الآخرة: تهاونهم بأحكام ما فرض عليهم في قلوبهم، وأسماعهم، وأبصارهم، وألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، وبطونهم، وفروجهم، ولو وقفوا على هذه الأشياء وأحكموها، لأدخل عليهم البر إدخالا تعجز أبدانهم وقلوبهم عن حمل ما رزقهم الله من حسن معونته وفوائد كرامته، ولكن أكثر القراء والنساك حقروا محقرات الذنوب، وتهاونوا بالقليل مما هم\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١٢١).\n(٢) الاعتصام (١/ ١٢١ - ١٢٢).","vol":"4","page":175},{"text":"فيه من العيوب، فحرموا ثواب لذة الصادقين في العاجل. (١)\n- وعنه قال: من أعلام البصر بالدين معرفة الأصول لتسلم من البدع والخطأ، والأخذ بالأوثق من الفروع احتياطا لتأمن. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1635>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن أبي الفيض ذي النون بن إبراهيم قال: ثلاث من أعلام السنة: المسح على الخفين، والمحافظة على صلوات الجمع، وحب السلف ﵏. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1636>أبو تراب النخشبي عسكر بن الحصين الصوفي (٢٤٥ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1637>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في السير عنه قال: إذا رأيت الصوفي قد سافر بلا ركوة، فاعلم أنه قد عزم على ترك الصلاة. (٤)\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١٢٢).\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٨٥).\n(٣) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٧٩).\n(٤) السير (١١/ ٥٤٥).","vol":"4","page":176},{"text":"أبو عمر الدوري الضَّرِير (١) (٢٤٦ هـ)\nالإمام العالم الكبير، شيخ المقرئين، أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان ويقال: صهيب الأزدي، مولاهم الدوري الضرير، نزيل سامراء. ولد سنة بضع وخمسين ومائة في دولة المنصور. حدث عن أحمد بن حنبل، وإسماعيل بن عياش، وسفيان بن عيينة، وعلي الكسائي المقرئ، ووكيع بن الجراح، وعدة. تلا على إسماعيل بن جعفر، وسليم بن عيسى الحنفي، وشجاع بن أبي نصر الخراساني، وعلي بن حمزة الكسائي، وأبي محمد اليزيدي. روى عنه ابن ماجه، وأبو زرعة عبيد الله الرازي، وأبو حاتم الرازي، وحاجب بن أركين، وآخرون. قال أبو داود: رأيت أحمد بن حنبل يكتب عن أبي عمر الدوري. قال ابن النفاح: حدثنا أبو عمر قال: قرأت على إسماعيل بن جعفر بقراءة أهل المدينة ختمة، وأدركت حياة نافع، ولو كان عندي عشرة دراهم لرحلت إليه. قال أبو علي الأهوازي: رحل أبو عمر في طلب القراءات، وقرأ سائر حروف السبعة، وبالشواذ، وسمع من ذلك الكثير، وصنف القراءات، وهو ثقة، وعاش دهرا، وفي آخر عمره ذهب بصره وكان ذا دين. توفي سنة ست وأربعين ومائتين. زاد بعضهم في شوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1639>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في ذم الكلام: قال أحمد بن الوزير القاضي: قلت لأبي عمر\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ١٨٣ - ١٨٤) وتاريخ بغداد (٨/ ٢٠٣ - ٢٠٤) وتهذيب الكمال (٧/ ٣٤ - ٣٧) وتهذيب التهذيب (٢/ ٤٠٨) وميزان الاعتدال (١/ ٥٦٦) وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٠٦) وشذرات الذهب (٢/ ١١١) والسير (١١/ ٥٤١ - ٥٤٣).","vol":"4","page":177},{"text":"الضرير: الرجل يتعلم شيئا من الكلام يرد به على أهل الجهل. فقال: الكلام كله جهل، وإنك كلما كنت بالجهل أعلم كنت بالعلم أجهل. (١)\n- وفي السير: قال أحمد بن فرح: قلت للدوري: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق. (٢)\n\nأحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي (٣) (٢٤٦ هـ)\nأحمد بن إبراهيم بن كثير الحافظ أبو عبد الله الدورقي نسبة إلى بيع القلانس الدورقية. سمع من: هشيم بن بشير، ويزيد بن زريع، ووكيع. حدث عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي. قال أبو حاتم: صدوق. توفي سنة ست وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال أحمد بن إبراهيم -الدورقي-: من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام. (٤)\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٥٧).\n(٢) السير (١١/ ٥٤٢).\n(٣) السير (١٢/ ١٣٠ - ١٣٣) وتهذيب الكمال (١/ ٢٤٩ - ٢٥٢) وتاريخ بغداد (٤/ ٦ - ٧) وتهذيب التهذيب ... (١/ ١٠ - ١١).\n(٤) طبقات الحنابلة (١/ ١٨).","vol":"4","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1642>أحمد بن أبي الحواري الصوفي (٢٤٦ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1643>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال سعيد بن عبد العزيز: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: من عمل بلا اتباع سنة فعمله باطل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1644>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أبي الدحداح الدمشقي: حدثنا الحسين بن حامد أن كتاب المأمون ورد على إسحاق بن يحيى بن معاذ أمير دمشق: أن أحضر المحدثين بدمشق، فامتحنهم. قال: فأحضر هشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، وابن ذكوان، وابن أبي الحواري، فامتحنهم امتحانا ليس بالشديد، فأجابوا خلا أحمد بن أبي الحواري، فجعل يرفق به، ويقول: أليس السماوات مخلوقة؟ أليس الأرض مخلوقة، وأحمد يأبى أن يطيعه، فسجنه في دار الحجارة، ثم أجاب بعد، فأطلقه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1645>عبد الله بن البسري (٢٤٦ ه</span>ـ)\nموقفه من المبتدعة:\nعن أحمد بن أبي الحواري قال: قال لي عبد الله بن البسري -وكان من الخاشعين ما رأيت قط أخشع منه-: ليس السنة عندنا أن ترد على أهل\n_________\n(١) السير (١٢/ ٨٨) والاعتصام (١/ ١٢٧).\n(٢) السير (١٢/ ٩٢ - ٩٣).","vol":"4","page":179},{"text":"الأهواء ولكن السنة عندنا أن لا تكلم أحدا منهم. (١)\n\nسفيان بن وكيع (٢) (٢٤٧ هـ)\nسفيان بن وكيع بن الجراح بن مليح أبو محمد الحافظ بن الحافظ، محدث الكوفة الرؤاسي الكوفي. روى عن أبيه وعن جرير بن عبد الحميد، وحفص بن غياث، وطبقتهم فأكثر. روى عنه الترمذي، وابن ماجه، ومحمد ابن جرير وخلق. كان من أوعية العلم على لين لحقه. قال أبو حاتم بن حبان: كان سفيان شيخا فاضلا صدوقا. توفي في ربيع الآخر سنة سبع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1647>موقفه من الجهمية:</span>\n- أخرج عبد الله بن أحمد في السنة بسنده إلى سفيان بن وكيع قال: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. (٣)\n\nأبو عثمان المازني (٤) (٢٤٧ هـ)\nبكر بن محمد بن حبيب أبو عثمان المازني النحوي إمام العربية صاحب\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٤٧١/ ٤٧٨).\n(٢) السير (١٢/ ١٥٢ - ١٥٣) وتهذيب الكمال (١١/ ٢٠٠ - ٢٠٣) وتهذيب التهذيب (٤/ ١٢٣ - ١٢٥) وميزان الاعتدال (٢/ ١٧٣) والجرح والتعديل (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢) وطبقات الحنابلة (١/ ١٧٠).\n(٣) السنة لعبد الله (٢١).\n(٤) السير (١٢/ ٢٧٠ - ٢٧٢) طبقات النحويين واللغويين (٨٧ - ٩٣) وكشف الظنون (١/ ٤١٢) ووفيات الأعيان (١/ ٢٨٣ - ٢٨٦) والعبر (١/ ٢٢٢) وتاريخ بغداد (٧/ ٩٣ - ٩٤) وشذرات الذهب (٢/ ١١٣ - ١١٤).","vol":"4","page":180},{"text":"التصريف. أخذ عن أبي عبيدة، والأصمعي. روى عنه الحارث بن أبي أسامة، وموسى بن سهل الجوني، والمبرد ولازمه وغيرهم. قال المبرد: لم يكن أحد بعد سيبويه أعلم بالنحو من المازني. قال المازني: قرأت القرآن على يعقوب فلما ختمت رمى إلي بخاتمه وقال: خذه ليس لك مثل. قال القاضي بكار بن قتيبة: ما رأيت نحويا يشبه الفقهاء إلا حبان بن هلال والمازني. توفي سنة سبع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>موقفه من المشركين:</span>\n- ومما رواه المبرد أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه (كتاب) سيبويه وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان من ذلك، قال: فقلت له: جعلت فداك، أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله ﷿، ولست أرى أن أمكن منها ذميا غيرة على كتاب الله وحمية له.\nوفي معجم الأدباء: فلم يمض على ذلك مديدة حتى أرسل الواثق في طلبه، وأخلف الله عليه أضعاف ما تركه لله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1650>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال المبرد: كان المازني إذا ناظر أهل الكلام لم يستعن بالنحو، وإذا ناظر النحاة لم يستعن بالكلام. (٢)\n_________\n(١) وفيات الأعيان (١/ ٢٨٤)، السير (١٢/ ٢٧١)، ومعجم الأدباء (٧/ ١١١).\n(٢) السير (١٢/ ٢٧١).","vol":"4","page":181},{"text":"أبو كُرَيْب (١) (٢٤٧ هـ)\nأبو كريب محمد بن العلاء بن كريب الحافظ الثقة الإمام شيخ المحدثين. ولد سنة إحدى وستين ومائة. حدث عن أبي بكر بن عياش، وهشيم، ويحيى ابن أبي زائدة، وابن المبارك، وخلق كثير. روى عنه الجماعة الستة وأبو زرعة، وأبو حاتم وعدة. قال محمد بن عبد الله بن نمير: ما بالعراق أكثر حديثا من أبي كريب، ولا أعرف بحديث بلدنا منه. قال إبراهيم بن أبي طالب: قال لي محمد بن يحيى الذهلي: من أحفظ من رأيت بالعراق؟ قلت: لم أر بعد أحمد بن حنبل أحفظ من أبي كريب. وثقه النسائي وغيره وقال أبو حاتم: صدوق. مات في جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال المروذي: وسألت ابن نمير وأبا بكر بن أبي شيبة، وأبا عامر بن نزار الأشعري، وأبا كريب، وسفيان ابن وكيع، ومسروق بن المرزبان، وابن عبدة بن سليمان، وهارون بن إسحاق، وأبا سعيد بن الأشج، وأبا هاشم الرفاعي بالكوفة، وسريج بن يونس، وأبا عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، وعبد الواحد النطري، وعباسا النرسي، فقالوا: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. (٢)\n_________\n(١) السير (١١/ ٣٩٤ - ٣٩٨) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٢٤٣ - ٢٤٨) وتهذيب التهذيب (٩/ ٣٨٥ - ٣٨٦) وطبقات ابن سعد (٦/ ٤١٤) وشذرات الذهب (٢/ ١١٩).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٢٠ - ٢١/ ٢١٢).","vol":"4","page":182},{"text":"الحسين بن عيسى (١) (٢٤٧ هـ)\nالحسين بن عيسى بن حُمْران الطائي، أبو علي الخُراساني القُومِسي، البسطامي، الدَّامَغَاني، سكن بنيسابور ومات بها. روى عن أحمد بن أبي طيبة الجرجاني، وأبي ضمرة أنس بن عياض الليثي، وجعفر بن عون، وأبي أسامة حماد بن أسامة وغيرهم. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأبو حاتم الرازي وأبو بكر بن خزيمة. وقال الحاكم أبو عبد الله: من كبار المحدثين وثقاتهم من أئمة أصحاب العربية. قال البخاري وابن حبان: مات سنة سبع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1654>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في تلبيس إبليس: وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول، حتى إنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول: لي معراج كما كان للنبي - ﷺ - معراج، فأخرجوه من بسطام، وأقام بمكة سنتين، ثم رجع إلى جرجان، فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام. (٢)\n\" التعليق:\nالله أكبر، إذا خلت البلاد من علماء السلف سلط الله عليها جميع البلايا، فهذا الإمام الحسين بن عيسى طرد هذا اللعين الذي ادعى لنفسه كل بلاء فقال: \"سبحاني سبحاني ما أعظم شاني\"، حلولي خبيث. ولكن لما مات عالم السلف فتح الباب للضلال على مصراعيه، وهكذا وقع في جميع بلاد\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ٦٠) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣٦٣) وتهذيب الكمال (٦/ ٤٦٠ - ٤٦٢).\n(٢) التلبيس (٢٠٧).","vol":"4","page":183},{"text":"المسلمين قديما وحديثا.\n\nأمير المؤمنين جعفر المتوكل (١) (٢٤٧ هـ)\nالخليفة، أبو الفضل، جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور، القرشي العباسي البغدادي. ولد سنة خمس ومائتين وقيل سبع ومائتين، وبويع عند موت أخيه الواثق في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين. حكى عن أبيه، ويحيى بن أكثم. وكان أسمر جميلا، مليح العينين، نحيف الجسم، خفيف العارضين، ربعة، وأمه اسمها شجاع. قال خليفة بن خياط: استخلف المتوكل، فأظهر السنة، وتكلم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة، وبسط السنة، ونصر أهلها. وكان قاضي البصرة إبراهيم بن محمد التيمي يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم من بني أمية، والمتوكل في محو البدع وإظهار السنة. وقال يزيد بن محمد المهلبي: قال لي المتوكل: إن الخلفاء كانت تتصعب على الناس ليطيعوهم، وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني. قتل ليلة الأربعاء أول الليل لأربع خلت من شوال من سنة سبع وأربعين ومائتين بالمتوكلية وهي الماحوزة. وله من العمر أربعون سنة وكانت مدة خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام، ﵀.\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٧/ ١٦٥ - ١٧٣) والكامل لابن الأثير (٧/ ٩٥) ووفيات الأعيان (١/ ٣٥٠ - ٣٥٦) وفوات الوفيات (١/ ٢٩٠ - ٢٩٢) والبداية والنهاية (١٠/ ٣٦٤ - ٣٦٧) وشذرات الذهب (٢/ ١١٤ - ١١٦) والسير (١٢/ ٣٠ - ٤١).","vol":"4","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1656>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في السير: وفيها -أي سنة إحدى وأربعين ومائتين- خرج ملك البجاة، وسار المصريون لحربه، فحملوا على البجاة، فنفرت جمالهم، وكانوا يقاتلون، ثم تمزقوا وقتل خلق، وجاء ملكهم بأمان إلى المتوكل، وهم يعبدون الأصنام (١).\n- وفي تاريخ ابن جرير: وفيها -أي سنة ست وثلاثين ومائتين- أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فذكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق، فهرب الناس وامتنعوا من المصير إليه وحرث ذلك الموضع وزرع ما حواليه. (٢)\n\" التعليق:\nلكن ما لبث أن تولى بعده ابنه المنتصر بالله أبو جعفر فأحيى القبورية من جديد والله المستعان. جاء في السير: وذكر المسعودي أنه أزال عن الطالبيين ما كانوا فيه من الخوف والمحنة من منعهم من زيارة تربة الحسين الشهيد، ورد فدك إلى آل علي، وفي ذلك يقول البحتري:\nوإن عليا لأولى بكم ... وأزكى يدا عندكم من عمر\nوكل له فضله والحجو ... ل يوم التراهن دون الغرر\n_________\n(١) السير (١٢/ ٣٧).\n(٢) تاريخ الطبري (٥/ ٣١٢).","vol":"4","page":185},{"text":"وقال يزيد المهلبي:\nولقد بررت الطالبية بعدما ... دفوا زمانا بعدها وزمانا\nورددت ألفة هاشم فرأيتهم ... بعد العداوة بينهم إخوانا (١)\nقال ابن كثير في البداية: وفيها -أي سنة خمس وثلاثين ومائتين- خرج رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري، وهو ممن كان يتردد إلى خشبة بابك وهو مصلوب فيقعد قريبا منه، وذلك بقرب دار الخلافة بسر من رأى، فادعى أنه نبي، وأنه ذو القرنين وقد اتبعه على هذه الضلالة ووافقه على هذه الجهالة جماعة قليلون، وهم تسعة وعشرون رجلا، وقد نظم لهم كلاما في مصحف له قبحه الله، زعم أن جبريل جاءه به من الله، فأخذ فرفع أمره إلى المتوكل فأمر فضرب بين يديه بالسياط، فاعترف بما نسب إليه وما هو معول عليه، وأظهر التوبة من ذلك والرجوع عنه، فأمر الخليفة كل واحد من أتباعه التسعة والعشرين أن يصفعه فصفعوه عشر صفعات، فعليه وعليهم لعنة رب الأرض والسماوات. ثم اتفق موته في يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي الحجة من هذه السنة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في تاريخ بغداد: عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد حسن وحسين فقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي\n_________\n(١) السير (١٢/ ٤٣ - ٤٤).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٣٢٧).","vol":"4","page":186},{"text":"في درجتي يوم القيامة (١). قال أبو عبد الرحمن عبد الله: لما حدث بهذا الحديث نصر بن علي، أمر المتوكل بضربه ألف سوط، فكلمه جعفر بن عبد الواحد، وجعل يقول له: هذا الرجل من أهل السنة، ولم يزل به حتى تركه. وكان له أرزاق، فوفرها عليه موسى.\nقال أبو بكر الخطيب عقبه: إنما أمر المتوكل بضربه، لأنه ظنه رافضيا فلما علم أنه من أهل السنة تركه. (٢)\n- وفي البداية والنهاية: وفيها -أي سنة إحدى وأربعين ومائتين- أمر الخليفة المتوكل على الله بضرب رجل من أعيان أهل بغداد، يقال له: عيسى ابن جعفر بن محمد بن عاصم، فضرب ضربا شديدا مبرحا، يقال: أنه ضرب ألف سوط حتى مات، وذلك أنه شهد عليه سبعة عشر رجلا عند قاضي الشرقية: أبى حسان الزيادي، أنه يشتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة ﵃، فرفع أمره إلى الخليفة، فجاء كتاب الخليفة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين نائب بغداد، يأمره أن يضربه بين الناس حد السب، ثم يضرب بالسياط حتى يموت ويلقى في دجلة، ولا يصلى عليه ليرتدع بذلك أهل الإلحاد والمعاندة، ففعل معه ذلك قبحه الله ولعنه، ومثل هذا يكفر ان كان قد قذف عائشة بالإجماع، وفي من قذف سواها من أمهات المؤمنين قولان، والصحيح أن يكفر أيضا، لأنهن أزواج رسول الله - ﷺ - ورضي\n_________\n(١) أحمد (١/ ٧٧)، الترمذي (٥/ ٥٩٩ - ٦٠٠/ ٣٧٢٧) وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث جعفر بن محمد إلا من هذا الوجه\". والحديث ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي.\n(٢) تاريخ بغداد (١٣/ ٢٨٧ - ٢٨٨) والسير (١٢/ ١٣٥).","vol":"4","page":187},{"text":"عنهن. (١)\n\" التعليق:\nرحمك الله يا خليفة المسلمين، لقد عرفت خبث الروافض وما انطووا عليه من الشر والكفر، وعلمت أن هؤلاء المجوس لم يكن قصدهم كما يدعون حب آل البيت، ولكنه هدم الإسلام بكامله، وإقامة الحكومة الفرسية المجوسية مكانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>موقفه من الجهمية:</span>\nمر معنا في هذا البحث المبارك ما لقيه علماء السلف من المأمون والمعتصم والواثق من المحن التي نرجو الله أن تغفر بها ذنوبهم وترفع بها درجاتهم، وكما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٢) وبعد الشدة يأتي الفرج سنة الله في ذلك، هذا وقد ادخر الله هذه الحسنة لجعفر المتوكل، فرفع المحنة، وأطلق من كان مسجونا بالظلم، وجزى الظلمة بما يستحقون.\n- جاء في سير أعلام النبلاء: وفي سنة أربع وثلاثين ومائتين أظهر المتوكل السنة، وزجر عن القول بخلق القرآن وكتب بذلك إلى الأمصار، واستقدم المحدثين إلى سامراء وأجزل صِلاتِهم، ورووا أحاديث الرؤية\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٠/ ٣٣٨).\n(٢) الشرح الآيتان (٥و٦).","vol":"4","page":188},{"text":"والصفات. (١)\n- ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان في أيام المتوكل قد عز الإسلام، حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم. وكذلك في أيام المعتضد، والمهدي والقادر وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة، وأحسن طريقة من غيرهم، وكان الإسلام في زمنهم أعز، وكانت السنة بحسب ذلك. (٢)\n- وقال أيضا: ثم إن الله تعالى كشف الغمة عن الأمة، في ولاية المتوكل على الله، الذي جعل الله عامة خلفاء بني العباس من ذريته دون ذرية الذين أقاموا المحنة لأهل السنة. فأمر المتوكل برفع المحنة وإظهار الكتاب والسنة، وأن يُروى ما ثبت عن النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين، من الإثبات النافي للتعطيل. (٣)\n- وفي السير: وغضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد، وصادره، وسجن أصحابه، وحمل ستة عشر ألف ألف درهم وافتقر هو وآله. وولى يحيى بن أكثم القضاء، وأطلق من تبقى في الاعتقال ممن امتنع من القول بخلق القرآن، وأنزلت عظام أحمد بن نصر الشهيد ودفنها أقاربه. (٤)\n- وفيها: قال إبراهيم نفطويه: في سنة أربع وثلاثين ومئتين أشخص\n_________\n(١) السير (١٢/ ٣٤).\n(٢) الفتاوى (٤/ ٢١ - ٢٢).\n(٣) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٩).\n(٤) السير (١٢/ ٣٦) والبداية (١٠/ ٣٢٩).","vol":"4","page":189},{"text":"المتوكل الفقهاء والمحدثين، فكان فيهم مصعب بن عبد الله الزبيري، وإسحاق ابن أبي إسرائيل، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وكانا من الحفاظ، فقسمت بينهم الجوائز، وأمرهم المتوكل أن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية، قال: فجلس عثمان في مدينة المنصور، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا، وجلس أبو بكر في مسجد الرصافة، وكان أشد تقدما من أخيه، اجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا. (١)\n- وفيها: وأخذ القاضي الأصم، وحلقت لحيته، وضرب بالسياط، وطيف به على حمار. وكان جهميا ظلوما. (٢)\n- قال ابن كثير في البداية: وفي عيد الفطر منها -سنة سبع وثلاثين ومائتين- أمر المتوكل بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي والجمع بين رأسه وجسده وأن يسلم إلى أوليائه، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، واجتمع في جنازته خلق كثير جدا، وجعلوا يتمسحون بها وبأعواد نعشه، وكان يوما مشهودا. ثم أتوا إلى الجذع الذي صلب عليه فجعلوا يتمسحون به، وأرهج العامة بذلك فرحا وسرورا، فكتب المتوكل إلى نائبه يأمره بردعهم عن تعاطي مثل هذا وعن المغالاة في البشر، ثم كتب المتوكل إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام والكف عن القول بخلق القرآن، وأن من تعلم علم الكلام لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت. وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير، ثم أظهر إكرام الإمام أحمد بن حنبل واستدعاه\n_________\n(١) السير (١١/ ١٢٥).\n(٢) السير (١١/ ١٦٣).","vol":"4","page":190},{"text":"من بغداد إليه، فاجتمع به فأكرمه وأمر له بجائزة سنية فلم يقبلها، وخلع عليه خلعة سنية من ملابسه فاستحيا منه أحمد كثيرا فلبسها إلى الموضع الذي كان نازلا فيه ثم نزعها نزعا عنيفا وهو يبكي رحمه الله تعالى. وجعل المتوكل في كل يوم يرسل إليه من طعامه الخاص ويظن أنه يأكل منه، وكان أحمد لا يأكل لهم طعاما بل كان صائما مواصلا طاويا تلك الأيام، لأنه لم يتيسر له شيء يرضى أكله، ولكن كان ابنه صالح وعبد الله يقبلان تلك الجوائز وهو لا يشعر بشيء من ذلك، ولولا أنهم أسرعوا الأوبة إلى بغداد لخشي على أحمد أن يموت جوعا، وارتفعت السنة جدا في أيام المتوكل عفا الله عنه، وكان لا يولي أحدا إلا بعد مشورة الإمام أحمد، وكان ولاية يحيى بن أكثم قضاء القضاة موضع ابن أبي دؤاد عن مشورته، وقد كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السنة، وعلماء الناس، ومن المعظمين للفقه والحديث واتباع الأثر. (١)\n\nأحمد بن صالح (٢) (٢٤٨ هـ)\nأحمد بن صالح الإمام الكبير، حافظ زمانه بالديار المصرية أبو جعفر المصري المعروف بابن الطبري، ولد بمصر سنة سبعين ومائة. روى عن ابن وهب وسفيان ابن عيينة وعبد الرزاق وأبي نعيم وعفان وخلق سواهم. روى عنه البخاري، وأبو داود، وأبو زرعة الرازي، والدمشقي، والدارمي،\n_________\n(١) البداية (١٠/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(٢) السير (١٢/ ١٦٠ - ١٧٧) وتهذيب الكمال (١/ ٣٤٠ - ٣٥٤) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٩ - ٤٢) وتاريخ بغداد (٤/ ١٩٥ - ٢٠٢) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦) والوافي بالوفيات (٦/ ٤٢٤) وشذرات الذهب (٢/ ١١٧).","vol":"4","page":191},{"text":"وغيرهم. قال أبو زرعة الدمشقي: قدمت العراق فسألني أحمد بن حنبل من خلفت بمصر؟ قلت: أحمد بن صالح فسر بذكره وذكر خيرا ودعا الله له. قال صالح جزرة: لم يكن بمصر من يحسن الحديث غيره وكان جامعا يعرف الفقه والحديث والنحو يدري ذلك. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: إذا جاوزت الفرات فليس أحد مثل أحمد بن صالح. قال العجلي فيه: ثقة صاحب سنة. قال البخاري: ما رأيت أحدا يتكلم فيه بحجة. وقال حافظ بن وارة: الإمام أحمد ببغداد، والنفيلي بحران، وابن نمير بالكوفة، وأحمد بن صالح بمصر هؤلاء أركان الدين. توفي في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال صالح بن محمد جزرة الحافظ: حضرت مجلس أحمد بن صالح، فقال: حرج على كل مبتدع وماجن أن يحضر مجلسي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1661>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال أبو داود: سألت أحمد بن صالح عن من قال: القرآن مخلوق، فقال: كافر. (٢)\n- وقال أبو داود أيضا: سألت أحمد بن صالح المصري عن من يقول القرآن كلام الله ولا يقول مخلوق ولا غير مخلوق. قال: هذا شاك والشاك كافر. (٣)\n_________\n(١) السير (١٢/ ١٧٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٦٠/ ٢٦٥).\n(٣) السنة للخلال (٥/ ١٤١) والإبانة (١/ ١٢/٣٠٠/ ٨٠) والشريعة (١/ ٢٣٣/٢٠٥).","vol":"4","page":192},{"text":"قال الذهبي معلقا: ومن سكت تورعا لا ينسب إليه قول، ومن سكت شاكا مزريا على السلف فهذا مبتدع. (١)\n- عن أبي داود قال: سمعت أحمد بن صالح ذكر اللفظية، فقال: هؤلاء أصحاب بدعة ويكثر عليهم أكثر من البدعة. (٢)\n- وقال محمد بن موسى المصري: سألت أحمد بن صالح، فقلت: إن قوما يقولون: إن لفظنا بالقرآن غير الملفوظ، فقال: لفظنا بالقرآن هو الملفوظ، والحكاية هي المحكي، وهو كلام الله غير مخلوق، من قال: لفظي به مخلوق فهو كافر.\n\" التعليق:\nقال الذهبي: إن قال: لفظي، وعنى به القرآن، فنعم، وإن قال لفظي، وقصد به تلفظي وصوتي وفعلي أنه مخلوق، فهذا مصيب، فالله تعالى خالقنا، وخالق أفعالنا وأدواتنا. ولكن الكف عن هذا هو السنة، ويكفي المرء أن يؤمن بأن القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله على قلب نبيه، وأنه غير مخلوق، ومعلوم عند كل ذي ذهن سليم أن الجماعة إذا قرؤوا السورة، أنهم جميعهم قرؤوا شيئا واحدا، وأن أصواتهم وقراءاتهم، وحناجرهم أشياء مختلفة، فالمقروء كلام ربهم، وقراءتهم وتلفظهم ونغماتهم متابينة، ومن لم يتصور الفرق بين التلفظ وبين الملفوظ، فدعه وأعرض عنه. (٣)\n_________\n(١) السير (١٢/ ١٧٧).\n(٢) الإبانة (١/ ١٢/٣٣٢/ ١٣٤).\n(٣) السير (١٢/ ١٧٧).","vol":"4","page":193},{"text":"هارون بن موسى بن حيان القزويني (١) (٢٤٨ هـ)\nهارون بن موسى بن حيان التميمي أبو موسى القزويني وقد ينسب إلى جده. روى عن إبراهيم بن موسى الفراء والحسن بن يوسف وعبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي وجماعة. روى عنه ابن ماجه وسعيد بن عمرو البرذعي وابنه موسى وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم.\nقال عنه الحافظ أبو يعلى الخليل: مشهور بالديانة والعلم والإمامة، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1663>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال أحمد بن أبي عوف: وسمعت هارون القزويني يقول: لم أسمع أحدا من أهل العلم بالمدينة، وأهل السنن، إلا وهم ينكرون على من قال: القرآن مخلوق، ويكفرونه.\nقال هارون: وأنا أقول بهذه السنة.\nوقال لنا أحمد بن أبي عوف: وأنا أقول بمثل ما قال هارون.\n- قال ابن أبي عوف، وسمعت هارون يقول: من وقف على القرآن بالشك، ولم يقل غير مخلوق، فهو كمن قال: هو مخلوق. (٢)\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٣٠/ ١١٢ - ١١٣) وتاريخ بغداد (١٤/ ٣٢) وتهذيب التهذيب (١١/ ١٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٤١ - ٢٥٠/ص.٥١٧) والجرح والتعديل (٩/ ٨٨).\n(٢) الشريعة (١/ ٢١٩/١٧٥).","vol":"4","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1664>الحسين الكرابيسي أبو علي (٢٤٨ ه</span>ـ)\nبيان جهميته:\n- جاء في السير: وكان من بحور العلم -ذكيا فطنا فصيحا لسنا. تصانيفه في الفروع والأصول تدل على تبحره، إلا أنه وقع بينه وبين الإمام أحمد، فهجر لذلك، وهو أول من فتق اللفظ، ولما بلغ يحيى بن معين، أنه يتكلم في أحمد قال: ما أحوجه إلى أن يضرب، وشتمه. قال حسين في القرآن: لفظي به مخلوق، فبلغ قوله أحمد فأنكره، وقال: هذه بدعة، فأوضح حسين المسألة، وقال: تلفظك بالقرآن يعني: غير الملفوظ. وقال في أحمد: أي شيء نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا: مخلوق: قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق. قال: بدعة. فغضب لأحمد أصحابه، ونالوا من حسين. (١)\n- وفيها: قال ابن عدي: سمعت محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي، يقول لتلامذته: اعتبروا بالكرابيسي، وبأبي ثور، فالحسين في علمه وحفظه لا يعشره أبو ثور، فتكلم فيه أحمد بن حنبل في باب مسألة اللفظ، فسقط، وأثنى على أبي ثور، فارتفع للزومه للسنة.\n\" التعليق:\nقال الذهبي: ولا ريب أن ما ابتدعه الكرابيسي، وحرره في مسألة التلفظ، وأنه مخلوق هو حق، لكن أباه الإمام أحمد لئلا يتذرع به إلى القول بخلق القرآن، فسد الباب، لأنك لا تقدر أن تفرز التلفظ من الملفوظ الذي\n_________\n(١) السير (١٢/ ٨٠ - ٨١).","vol":"4","page":195},{"text":"هو كلام الله إلا في ذهنك. (١)\n\nالحسن بن الصباح بن محمد (٢) (٢٤٩ هـ)\nالحسن بن الصباح بن محمد الإمام الحافظ الحجة أبو علي البغدادي المعروف بابن البزار. حدث عن سفيان بن عيينة، وأبي معاوية، ووكيع. روى عنه البخاري، وأبو داود، والترمذي. قال عنه أبو حاتم: صدوق، كانت له جلالة ببغداد. وكان أحمد بن حنبل يرفع من قدره ويجله، ويقول: ما يأتي على ابن البزار يوم إلا وهو يعمل فيه خيرا، ولقد كنا نختلف إلى فلان، فكنا نقعد نتذاكر إلى خروج الشيخ، وابن البزار قائم يصلي. وقال عنه أيضا: ثقة صاحب سنة. وقال ابن السراج: كان من خيار الناس ببغداد. توفي سنة تسع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1666>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال أبو العباس السراج: سمعت الحسن بن الصباح يقول: أدخلت على المأمون ثلاث مرات: رفع إليه أول مرة أنه يأمر بالمعروف - قال: وكان نهى أن يأمر أحد بمعروف فأخذت، فأدخلت عليه، فقال لي: أنت الحسن البزار؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وتأمر بالمعروف؟ قلت: لا ولكني أنهى عن المنكر، قال: فرفعني على ظهر رجل، وضربني خمس درر وخلى سبيلي. وأدخلت المرة الثانية عليه، رفع إليه أني أشتم عليا ﵁،\n_________\n(١) السير (١٢/ ٨٢).\n(٢) السير (١٢/ ١٩٢) وتهذيب الكمال (٦/ ١٩١) وتاريخ بغداد (٧/ ٣٣٠) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٨٩).","vol":"4","page":196},{"text":"فأدخلت، فقال: تشتم عليا؟ فقلت: صلى الله على مولاي وسيدي علي، يا أمير المؤمنين، أنا لا أشتم يزيد لأنه ابن عمك، فكيف أشتم مولاي وسيدي؟ قال: خلوا سبيله. وذهبت مرة إلى أرض الروم إلى البذندون في المحنة، فدفعت إلى أشناس. قال: فلما مات خلي سبيلي. (١)\n\nعبد بن حُمَيْد (٢) (٢٤٩ هـ)\nهو الإمام الحافظ الحجة الجوال، أبو محمد عبد بن حميد بن نصر الكِسِّي، ويقال له: الكَشِّى، يقال اسمه عبد الحميد. ولد بعد السبعين ومائة. وحدث عن علي بن عاصم الواسطي، ويزيد بن هارون وعبد الرزاق، وزيد ابن الحباب وخلق كثير. حدث عنه مسلم والترمذي، والبخاري تعليقا في دلائل النبوة، وشريح بن أبي عبد الله النسفي الزاهد، وغيرهم كثير. قال أبو حاتم البستي في كتاب 'الثقات': عبد الحميد بن حميد بن نصر الكشي، وهو الذي يقال له: عبد بن حميد، وكان ممن جمع وصنف، مات سنة تسع وأربعين ومائتين. وقال السمعاني: إمام جليل القدر ممن جمع وصنف، وكان إليه الرحلة في أقطار الأرض. وقال ياقوت: صاحب المسند وأحد أئمة الحديث. قال ابن ناصر الدين: كان من الأئمة الثقات، له التفسير والمسند وغيرهما.\n_________\n(١) السير (١٢/ ١٩٣).\n(٢) تهذيب الكمال (١٨/ ٥٢٤ - ٥٢٧) وتهذيب التهذيب (٦/ ٤٥٥ - ٤٥٧) وشذرات الذهب (٢/ ١٢٠) والسير (١٢/ ٢٣٥ - ٢٣٩) والبداية والنهاية (١١/ ٥).","vol":"4","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1668>موقفه من الجهمية:</span>\n- آثاره السلفية: التفسير: ذكره شيخ الإسلام وهو من التفاسير التي اعتنت بنقل مذهب السلف وعقيدتهم، ذكر ذلك في درء التعارض وغيره. (١)\n\nعلي بن الجهم (٢) (٢٤٩ هـ)\nعلي بن الجهم بن بدر أبو الحسن السامي الخراساني الأصل البغدادي الشاعر المشهور صاحب الديوان المعروف. قيل كان يرجع إلى دين وخير وبراعة في ضروب الشعر وله اختصاص زائد بالمتوكل. وكان جيد الشعر عالما بفنونه وكان متدينا فاضلا مطبوعا مقتدرا على الشعر عذب الألفاظ. رماه المسعودي بالنصب والانحراف عن علي ﵁، وما أوردنا له من الأبيات يوهي دعوة المسعودي، وأنها ليست بشيء.\nغضب عليه المتوكل فنفاه إلى خراسان وأمر نائبه بها أن يضربه مجردا ففعل به ذلك، ثم قدم الشام فلما عاد قاصدا العراق حين جاوز حلب ثار عليه أناس من بني كلب فقاتلهم فجرح جرحا بليغا فكان فيه حتفه، و... ذلك سنة تسع وأربعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1670>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن إبراهيم بن صالح الشيرازي قال: نزل\n_________\n(١) درء التعارض (٢/ ٢٢).\n(٢) تاريخ الإسلام (وفيات ٢٤١ - ٢٥٠ ص ٣٥٥ - ٣٥٧) وتاريخ بغداد (١١/ ٣٦٧ - ٣٦٩) وفيات الأعيان (٣/ ٣٥٥ - ٣٥٨) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٢٣) والبداية والنهاية (١١/ ٥ - ٦).","vol":"4","page":198},{"text":"علي بن الجهم بشيراز فقال لي: أخصك بحديث؟ فقلت: افعل قال: قال لي المتوكل: يا علي هذا الحديث الذي يروى عن النبي - ﷺ -: العشرة من قريش في الجنة أي حديث هو؟ قلت يا أمير المؤمنين أصح حديث، قال: فمن رواه؟ قلت: رواه سفيان الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: عشرة في الجنة (١): فقال: ما أحسنه قلت يا أمير المؤمنين وقد حضرني شيء فأقوله: قال: قل: فقلت:\nمحمد خير بني النضر ... حكاه بالعدل أبو بكر\nصديق خير الخلق لا وانيا ... في نصره في العسر واليسر\nوثالث القوم الذي بعدهم ... يخلفهم في البر والبحر\nذاك أبو حفص مثله ... يكون حتى آخر الدهر\nسبحان من أكرمهم بالتقى ... وصير الأبرار في قبر\nهذا هو الفخر ولا غيره ... ما بعد ذلك الرمس من فخر\nورابع القوم إمام الهدى ... عثمان ذو النورين أبو عمر\nكفى رسول الله ما همه ... وجيش الجيش لدى العسر\nيخمسهم ابن أبي طالب ... إمام عدل ظاهر النصر\nصاحب صفين وما قبلها ... إلى حنين والى بدر\nوطلحة الخير لهم سادس ... أنقذه الله من الكفر\nوسابع القوم الزبير الذي ... كان حليف الشفع والوتر\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٨٧) وأبو داود (٥/ ٣٩/٤٦٤٩) والترمذي (٥/ ٦٠٩/٣٧٥٧) وقال: \"حديث حسن صحيح\"، والنسائي في الكبرى (٥/ ٥٥/٨١٩٠) وابن ماجه (١/ ٤٨/١٣٣) من طرق عن سعيد بن زيد ﵁.","vol":"4","page":199},{"text":"هذا وسعد لهم ثامن ... مع ابن عوف طيب النثر\nوحمزة السيد في قومه ... على وجوه القوم كالبدر\nوسيد الخلق فلا تمتري ... أبو الملوك السادة الزهر\nفالملك فيهم أبدا ثابت ... من أول الدهر إلى الحشر\nقال: فضحك وأخرج ذلك اليوم مالا عظيما يعني فقسمه على بني هاشم وقريش والأنصار وأبناء المهاجرين وأعطاني منه صدرا صالحا. (١)\n\nعبد الوهاب بن عبد الحكم الورَّاق (٢) (٢٥٠ هـ)\nابن نافع الإمام القدوة الرباني الحجة، أبو الحسن البغدادي الوراق صاحب أحمد بن حنبل وخاصته، ويقال: ابن الحكم أيضا، وهو نسائي الأصل. سمع أبا ضمرة الليثي، ويحيى بن سليم الطائفي، ومعاذ بن معاذ وطبقتهم. وروى عنه أبو داود، والترمذي، والنسائي، والبغوي، وابن صاعد، والمحاملي وعدة. قال المروذي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عبد الوهاب الوراق رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق. قال ابنه الحسن: ما رأيت أبي مازحا قط، ولا ضاحكا إلا تبسما. كان كبير الشأن من خواص الإمام أحمد. قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة صالحا ورعا زاهدا. قال أبو بكر\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٩٦ - ١٤٩٨/ ٢٧٢٠).\n(٢) تاريخ بغداد (١١/ ٢٥ - ٢٨) والجرح والتعديل (٦/ ٧٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧) وتهذيب التهذيب (٦/ ٤٤٨) وتهذيب الكمال (١٨/ ٤٩٧ - ٥٠١) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٠٩ - ٢١٢) والسير (١٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤) وطبقات الحفاظ (٢٢٩/ ٢٣٠) والثقات لأبي حاتم البستي (٨/ ٤١١).","vol":"4","page":200},{"text":"بن محمد بن عبد الخالق: مات سنة خمسين ومائتين، سنة الفتنة وصلي عليه خارج الباب بعدما صلى عليه أبو أحمد الموفق ودفن بباب البردان.\nوقال عمر ابن أحمد بن شاهين: وجدت في كتاب جدي توفي عبد الوهاب الوراق في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1672>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال أبو الحسن الوراق: لا يصل العبد إلى الله إلا بالله، وبموافقة حبيبه - ﷺ - في شرائعه، ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء، يضل من حيث إنه مهتد.\nوقال: الصدق: استقامة الطريق في الدين، واتباع السنة في الشرع.\nوقال: علامة محبة الله متابعة حبيبه - ﷺ -. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1673>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الإبانة: قال أبو بكر بن صالح: سئل عبد الوهاب -يعني الوراق- عن رجل حلف بالطلاق أن لا يكلم كافرا، فكلم رجلا يقول: القرآن مخلوق، فقال: حنث. وقال: إذا حلف بالقرآن فحنث، فعليه بكل آية يمين، ففي هذا حجة قوية على الجهمية. (٢)\n- وجاء في السنة عنه قال: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. (٣)\n- قال عبد الله بن أحمد: وسمعت عبد الوهاب يقول: الجهمية كفار\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١٢٤).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٢/٦٢/ ٢٧٠).\n(٣) السنة لعبد الله (٢١).","vol":"4","page":201},{"text":"زنادقة مشركون. (١)\n- قال محمد بن داود: فسمعت عبد الوهاب الوراق ذكر يعقوب بن شيبة وابن الثلاج، فقال: جهمية زنادقة. (٢)\n- قال أبو داود السجستاني: سألت عبد الوهاب الوراق عن الشكاك، فقال: الشكاك مرتابون. (٣)\n- قال أبو جعفر محمد بن داود: وسمعت عبد الوهاب -يعني: ابن الحكم الوراق- يقول: الواقفة واللفظية والله جهمية، حلف عليها غير مرة. (٤)\n- وقال: ومن زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث، إن الله فوق العرش، وعلمه محيط بالدنيا والآخرة، صح ذلك عنه. (٥)\n\nالحارث بن مسكين (٦) (٢٥٠ هـ)\nالحافظ الفقيه، عالم الديار المصرية وقاضيها، أبو عمر الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف الأموي، مولى زبان بن عبد العزيز بن مروان الأموي. ولد سنة أربع وخمسين ومائة. رأى الليث بن سعد وسأله، وتفقه\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/٨٣/ ٣١٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٣/١١٢/ ٣٦٨).\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٦/ ٩٥).\n(٤) الإبانة (١/ ١٢/٣٤٥/ ١٥٣).\n(٥) اجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٢) ونحوه في تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٢٧).\n(٦) تاريخ بغداد (٨/ ٢١٦ - ٢١٨) وتهذيب الكمال (٥/ ٢٨١ - ٢٨٥) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٤ - ٥٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٤١ - ٢٥٠/ص.٢١٠ - ٢١٥) والوافي بالوفيات (١١/ ٢٥٧) وتهذيب التهذيب (٢/ ١٥٦ - ١٥٨) وشذرات الذهب (٢/ ١٢١).","vol":"4","page":202},{"text":"بابن وهب وابن القاسم وروى عنهما، وعن ابن عيينة وأشهب وبشر الزهراني وعدة. وروى عنه أبو داود والنسائي وابنه أحمد بن الحارث وعبد الله ابن أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي داود وأبو يعلى الموصلي. كان ثقة ثبتا في الحديث، فقيها على مذهب الإمام مالك. امتحن في فتنة خلق القرآن فلم يجب، فسجنه المأمون في بغداد، فما أطلق سراحه حتى ولي المتوكل، فكتب إليه بعهده على قضاء مصر من سنة سبع وثلاثين ومائتين إلى أن استعفي.\nقال ابن نصر: عرفت الحارث أيام ابن وهب على طريقة زهادة وورع وصدق حتى مات. وسئل عنه الإمام أحمد، فقال فيه قولا جميلا، وقال: ما بلغني عنه إلا خير. قال الذهبي ﵀: كان مع تبحره في العلم، قوالا بالحق، عديم النظير. توفي ﵀ ليلة الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة خمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: قال ابن قديد: أتاه -يعني الحارث- في سنة سبع وثلاثين كتاب توليه القضاء وهو بالأسكندرية، فامتنع فلم يزل به إخوانه حتى قبل، فقدم مصر وجلس للحكم، وضرب الحد في سب عائشة أم المؤمنين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1676>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في تاريخ بغداد: قال الخطيب ﵀: وكان فقيها على مذهب\n_________\n(١) السير (١٢/ ٥٧).","vol":"4","page":203},{"text":"مالك بن أنس، وكان ثقة في الحديث، ثبتا. حمله المأمون إلى بغداد في أيام المحنة، وسجنه لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن، فلم يزل ببغداد محبوسا إلى أن ولي جعفر المتوكل، فأطلقه وأطلق جميع من كان في السجن. (١)\n\nالبَزِّي (٢) (٢٥٠ هـ)\nأحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بَزَّة أبو الحسن مقرئ مكة ومؤذنها. ولد سنة سبعين ومائة. وتلا على عكرمة بن سليمان وأبي الإخريط وابن زياد عن تلاوتهم على إسماعيل القسط صاحب ابن كثير. سمع من ابن عيينة ومالك بن سعير والمقرئ وطائفة. وعنه البخاري في التاريخ ومضر الأسدي وغيرهما. وتلا عليه خلق منهم: أبو ربيعة محمد بن إسحاق وإسحاق الخزاعي وابن الحباب وآخرون. وهو من القراء المشهورين. قال فيه ابن الجزري: أستاذ محقق ضابط متقن. توفي سنة خمسين ومائتين وكان دينا عالما صاحب سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1678>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن أبي بزة: من قال: القرآن مخلوق، أو وقف، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو شيء من هذا، فهو على غير دين الله تعالى، ودين رسوله\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٨/ ٢١٦) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥١٤).\n(٢) السير (١٢/ ٥٠ - ٥١) وميزان الاعتدال (١/ ١٤٤ - ١٤٥) وغاية النهاية في طبقات القراء (١/ ١١٩ - ١٢٠) والبداية والنهاية (١١/ ٨) وشذرات الذهب (٢/ ١٢٠ - ١٢١).","vol":"4","page":204},{"text":"حتى يتوب. (١)\n\nأحمد بن عمرو (٢) (٢٥٠ هـ)\nأحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرح الأُموي أبو طاهر المصري الفقيه. روى عن إبراهيم بن أبي المليح، وخالد بن نزار وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح وغيرهم. وعنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. وكان ثقة ثبتا صالحا. قال أبو سعيد بن يونس: وكان فقيها من الصالحين الأثبات. توفي يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من ذي القعدة سنة خمسين ومائتين وصلى عليه بكار بن قتيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1680>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في الإبانة: قال ابن السرح: الكلام في القدر أبو جاد الزندقة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1681>الرواجني الرافضي المبتدع عباد بن يعقوب أبو سعيد الأسدي (٢٥٠ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\n- جاء في السير: روى علي بن محمد الحبيبي، عن صالح جزرة، قال:\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٢٣٤).\n(٢) تهذيب الكمال (١/ ٤١٥ - ٤١٧) وتهذيب التهذيب (١/ ٦٤) والبداية والنهاية (١١/ ٨) وشذرات الذهب (٢/ ١٢٠) والجرح والتعديل (٢/ ٦٥) والسير (١٢/ ٦٢ - ٦٣).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢٢١/ ١٧٩٧).","vol":"4","page":205},{"text":"كان عباد يشتم عثمان، ﵁، وسمعته، يقول: الله أعدل من أن يدخل طلحة والزبير الجنة، قاتلا عليا بعد أن بايعاه. وقال ابن جرير: سمعته يقول: من لم يبرأ في صلاته كل يوم من أعداء آل محمد، حشر معهم.\nقلت -أي الذهبي-: هذا الكلام مبدأ الرفض، بل نكف، ونستغفر للأمة، فإن آل محمد في إيَّاهم قد عادى بعضهم بعضا واقتتلوا على الملك وتمت عظائم، فمن أيهم نبرأ؟. (١)\n- وفيها: قال محمد بن المظفر الحافظ، حدثنا القاسم المطرِّز، قال: دخلت على عباد بالكوفة، وكان يمتحن الطلبة، فقال: من حفر البحر؟ قلت: الله. قال: هو كذاك، ولكن من حفره؟ قلت: يذكر الشيخ، قال: حفره علي، فمن أجراه؟ قلت: الله. قال: هو كذاك. ولكن من أجراه؟ قلت: يفيدني الشيخ، قال: أجراه الحسين، وكان ضريرا، فرأيت سيفا وحجفة. فقلت: لمن هذا؟ قال: أعددته لأقاتل به مع المهدي. فلما فرغت من سماع ما أردت، دخلت عليه، فقال: من حفر البحر؟ قلت: حفره معاوية، ﵁، وأجراه عمرو بن العاص، ثم وثبت وعدوت فجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله، فاقتلوه. قال الذهبي ﵀: إسنادها صحيح. وما أدري كيف تسمحوا في الأخذ عمن هذا حاله؟ وإنما وثقوا بصدقه. (٢)\n_________\n(١) السير (١١/ ٥٣٧ - ٥٣٨).\n(٢) السير (١١/ ٥٣٨) والكفاية (١٣١ - ١٣٢).","vol":"4","page":206},{"text":"محمد بن سهل بن عسكر (١) (٢٥١ هـ)\nمحمد بن سهل بن عسكر بن عمارة بن دويد، ويقال ابن عسكر بن مستور التميمي، مولاهم أبو بكر البخاري، سكن بغداد. روى عن آدم بن أبي إياس، وأصبغ بن الفرج، وعبد الرزاق بن همام، ومحمد بن يوسف الفريابي وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وإبراهيم الحربي، وابن أبي عاصم، وابن أبي الدنيا، والبغوي، والطبري، وخلق آخرون. سكن بغداد. قال النسائي وأبو محمد بن عدي: ثقة. مات بها في شعبان سنة إحدى وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1683>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال أبو بكر: سمعت أبا بكر بن سهل بن عسكر يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف، والقرآن من علم الله، ومن زعم أنه ليس من علم الله، فهو كافر، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي كافر بالله، ومن قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق، فلم أر أحدا من العلماء قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، ونحن متبعون لأحمد بن حنبل في هذه المسألة، فمن خالفه، فنحن منه بريئون في الدنيا والآخرة. (٢)\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٥/ ٣١٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.٢٩١) وتهذيب الكمال (٢٥/ ٣٢٥ - ٣٢٧).\n(٢) الإبانة (١/ ١٢/٣٥١ - ٣٥٢/ ١٦٠).","vol":"4","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1684>أبو الحسن السري السقطي الصوفي (٢٥١ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1685>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال: عمل قليل في سنة، خير من كثير مع بدعة. كيف يقل مع عمل تقوى. (١)\n\nالدَّوْرَقِي (٢) (٢٥٢ هـ)\nيعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن مزاحم، الحافظ الإمام الحجة، أبو يوسف العبدي، القيسي مولاهم، الدورقي. ولد سنة ست وستين ومائة. حدث عن عبد العزيز بن أبي حازم وهشيم، وسفيان ابن عيينة، وعبد العزيز الدراوردي وغيرهم. وحدث عنه الستة وأخوه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وغيرهم. قال الخطيب: كان ثقة حافظا متقنا، صنف 'المسند'. وقال الذهبي: كان من أئمة الحديث.\nمات سنة اثنتين وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1687>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو بكر: سمعت يعقوب الدورقي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر، ومن قال: لفظه بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: لفظه بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع محدث، يهجر ولا\n_________\n(١) الباعث (٢١٩).\n(٢) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٦٠) وتاريخ بغداد (١٤/ ٢٧٧ - ٢٨٠) وطبقات الحنابلة (١/ ٤١٤ - ٤١٥) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٤١ - ١٤٣) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٣١١ - ٣١٤).","vol":"4","page":208},{"text":"يكلم ولا يجالس، لأن القرآن فيه صفات الله وأسماؤه، والقرآن كلام الله حيث تصرف غير مخلوق، ومن حكى عني أني رجعت عن تبديع من قال هذا، فهو كذاب. (١)\n\nمحمد بن بشار (بُنْدَار) (٢) (٢٥٢ هـ)\nمحمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان الإمام الحافظ، راوية الإسلام، أبو بكر العبدي البصري بندار، لقب بذلك لأنه كان بندار الحديث في عصره ببلده، والبندار الحافظ. ولد سنة سبع وستين ومائة. وحدث عن غندر ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، ووكيع وخلق سواهم. روى عنه الستة في كتبهم، وأبو زرعة وأبو حاتم، وإبراهيم الحربي، وبقي بن مخلد، وخلق سواهم. جمع حديث البصرة ولم يرحل برا بأمه ثم رحل بعدها. قال عبد الله بن جعفر بن خاقان المروزي: سمعت بندارا يقول: أردت الخروج -يعني الرحلة- فمنعتني أمي فأطعتها فبورك لي فيه. قال ابن خزيمة: سمعت بندارا يقول: اختلفت إلى يحيى القطان -ذكر أكثر من عشرين سنة- ولو عاش بعد لكنت أسمع منه شيئا كثيرا. وقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن بندار نحوا من خمسين ألف\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٥١/ ١٥٩).\n(٢) تاريخ بغداد (٢/ ١٠١ - ١٠٥) والجرح والتعديل (٧/ ٢١٤) وتهذيب الكمال (٢٤/ ٥١١ - ٥١٨) وشذرات الذهب (٢/ ١٢٦) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥١١ - ٥١٢) وميزان الاعتدال (٣/ ٤٩٠ - ٤٩١) البداية والنهاية (١١/ ١٣) وتهذيب التهذيب (٩/ ٧٠ - ٧٣) والسير (١٢/ ١٤٤ - ١٤٩) والوافي بالوفيات (٢/ ٢٤٩).","vol":"4","page":209},{"text":"حديث، وكتبت عن أبي موسى شيئا، وهو أثبت من بندار، ولولا سَلاَمَةٌ في بندار تُرِكَ حديثه. قال ابن خزيمة في 'التوحيد': أخبرنا إمام أهل زمانه في العلم والأخبار محمد بن بشار. قال ابن حبان: كان يحفظ حديثه ويقرؤه من حفظه وأبو موسى من أقرانه مولدا ووفاة. مات في رجب سنة ثنتين وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1689>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في ذم الكلام: عنه قال: وليس لأهل البدع غيبة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1690>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الإبانة عن بندار -محمد بن بشار- وأبي موسى -محمد بن المثنى- قالا: كنا نقرأ على شيخ ضرير بالبصرة، فلما أحدثوا ببغداد القول بخلق القرآن، قال الشيخ: إن لم يكن القرآن مخلوقا، فمحا الله القرآن من صدري. قال: فلما سمعنا هذا من قوله تركناه وانصرفنا عنه، فلما كان بعد مدة لقيناه فقلنا: يا فلان ما فعل القرآن؟ قال: ما بقي في صدري منه شيء. فقلنا: ولا (قل هو الله أحد)؟ قال: ولا (قل هو الله أحد)، إلا أن أسمعها من غيري أن يقرأها. (٢)\n- وفيها: قال محمد بن عمر: سمعت بندارا يقول: كان لنا جار وكان من حفاظ القرآن، فناظره رجل يوما في القرآن، فقال: إن لم يكن القرآن مخلوقا، فمحا الله ما في قلبه من القرآن. قال: فرأيته لا يحفظ من كتاب الله\n_________\n(١) ذم الكلام (١٧٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٣/١١٥ - ١١٦/ ٣٧٧) والشريعة (١/ ٢٤٥/٢١٩).","vol":"4","page":210},{"text":"شيئا، يسأل عن الآية، فيقول: هاه، هاه، معروف معروف، لا يقدر يرددها. (١)\n\nهارون بن موسى (٢) (٢٥٣ هـ)\nهارون بن موسى بن أبي علقمة، واسمه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فَرْوَة الفَرْوِي، أبو موسى المدني، مولى آل عثمان بن عفان. قال ابن مندة: كان مولده سنة أربع وسبعين ومائة. قال الدارقطني: هو وأبوه ثقتان. قال أبو حاتم: شيخ، قال النسائي لا بأس به. روى عن إسحاق بن محمد الفروي، وأبي ضمرة أنس بن عياض الليثي، وعبد الله بن الحارث الجمحي، وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون وغيرهم كثير. روى عنه الترمذي والنسائي، وأبو بكر إبراهيم بن محمد بن إسحاق بن أبي الجحيم البصري، وابنه أبو علقمة عبيد الله بن هارون بن موسى الفروي وغيرهم. قال أبو القاسم مات سنة اثنتين ويقال ثلاث وخمسين ومائتين. وقال ابن حجر: قال مسلمة: ثقة توفي سنة ثلاث وخمسين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1692>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السنة لعبد الله: عن هارون الفروي قال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر ومن شك في الواقفة فهو كافر.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/١١٦/ ٣٧٨).\n(٢) الجرح والتعديل (٩/ ٩٥) وتهذيب التهذيب (١١/ ١٣ - ١٤) وتهذيب الكمال (٣٠/ ١١٣ - ١١٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.٣٦٠ - ٣٦١).","vol":"4","page":211},{"text":"قلت لهارون: اللفظية؟ قال: هؤلاء مبتدعة ضلال. (١)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: عن هارون بن موسى الفروي، أنه سئل عمن يقف في القرآن، فقال: مثل من يقول القرآن مخلوق.\nوعنه: من وقف في القرآن بالشك فهو كافر. ومن وقف بغير شك فهو مبتدع. (٢)\n\nخُشَيْش بن أَصْرَم النسائي (٣) (٢٥٣ هـ)\nخشيش بن أصرم بن الأسود أبو عاصم النسائي، الحافظ الحجة، الإمام، كان صاحب سنة واتباع. روى عن روح بن عبادة، وأبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، وعبد الرزاق، وعبد الله بن بكر السهمي، وطبقتهم. روى عنه أبو داود والنسائي، وأحمد بن عبد الوارث العسال، وأبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن أحمد الهروي وآخرون. وثقه النسائي. وله رحلة واسعة إلى الحرمين ومصر والشام واليمن والعراق. توفي في رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين بمصر رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1694>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له كتاب: الاستقامة في الرد على أهل الأهواء والبدع. (٤)\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٤٠).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٩/٥٢٨و٥٢٩).\n(٣) تهذيب الكمال (٨/ ٢٥١ - ٢٥٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥١) وتهذيب التهذيب (٣/ ١٤٢) والسير ... (١٢/ ٢٥٠ - ٢٥١) وشذرات الذهب (٢/ ١٢٩).\n(٤) انظر تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥١) وتهذيب الكمال (٨/ ٢٥١) والسير (١٢/ ٢٥٠).","vol":"4","page":212},{"text":"وهو من مرويات ابن سليمان الروداني في كتابه صلة السلف بموصول الخلف (١). وقد أخذ منه الملطى في كتابه الحوادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1695>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في دائرة المعارف الاسلامية: وخشيش بن أصرم وأبو زرعة وهما ممن تتلمذ لابن حنبل، يجعلان المتصوفة طائفة من الزنادقة. (٢)\n\" التعليق:\nفالصوفية لما لهم من خطر على العقيدة الاسلامية، حاربهم المتقدمون والمتأخرون.\n\nأحمد بن سعيد الدارمي (٣) (٢٥٣ هـ)\nالإمام العلامة الفقيه الحافظ الثبت، أبو جعفر أحمد بن سعيد بن صخر ابن سليمان الدارمي السَّرْخَسِي، خراساني ولد بسرخس سنة نيف وثمانين ومائة، ونشأ بنيسابور، ثم كان أكثر أوقاته في الرحلة لسماع الحديث. سمع من النضر بن شميل وأبي عاصم الطويل وعبد الصمد بن عبد الوارث وأحمد بن إسحاق الحضرمي، ووهب بن جرير وطبقتهم. وأكثر التطواف وتوسع في العلم وبعد صيته. حدث عنه الجماعة الستة سوى النسائي، وابن خزيمة\n_________\n(١) (ص.١١٢).\n(٢) دائرة المعارف الإسلامية (٩/ ٣٣١).\n(٣) تاريخ بغداد (٤/ ١٦٦ - ١٦٩) وتهذيب الكمال (١/ ٣١٤ - ٣١٧) والسير (١٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤) والجرح والتعديل (٢/ ٥٣) والبداية والنهاية (١١/ ١٤) وشذرات الذهب (٢/ ١٢٧) وتهذيب التهذيب (١/ ٣١ - ٣٢) والوافي بالوفيات (٦/ ٣٩٠).","vol":"4","page":213},{"text":"وخلق، وقد حدث عنه من القدماء محمد ابن المثنى الزَّمِن. أقدمه أمير خراسان عبد الله بن طاهر إلى نيسابور ليحدث بها فأقام بها مليا، ثم ولي قضاء سرخس ثم رد إلى نيسابور وبها مات. قال أبو عمرو المستملي: دخلنا عليه في مرضه فأوصى بعشرة آلاف درهم وبغلة يتصدق بها، وقال إن مت فرقيقي عنبر وفتح وحمدان وعلان أحرار لوجه الله. قال الإمام أحمد بن حنبل: ما قدم علينا خراساني أفقه بدنا من أحمد بن سعيد الدارمي. توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1697>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق: فهو كافر. (١)\n\nيوسف بن موسى القَطَّان (٢) (٢٥٣ هـ)\nهو يوسف بن موسى بن راشد، الإمام المحدث، أبو يعقوب الكوفي القطان، نزيل بغداد. حدث عن جرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة، وأبي بكر بن عياش، وأحمد بن يونس وغيرهم. وحدث عنه البخاري، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه، والنسائي خارج سننه، وخلق سواهم. كان من أوعية العلم، كتب عنه يحيى بن معين والكبار. توفي في صفر سنة ثلاث\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٩/٥٩١).\n(٢) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٢١ - ٢٢٢) وطبقات الحنابلة (١/ ٤٢١) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٤٦٥ - ٤٦٧).","vol":"4","page":214},{"text":"وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1699>موقفه من الجهمية:</span>\nقال الحسن بن ناصح في رواية ابن مخلد عنه: فحدثت بهذا الحديث (يعني قصة قتل خالد القسري للجعد بن درهم) يوسف القطان، فقال لي: تعرف الجعد بن درهم؟ قلت: لا. قال: هو جد جهم الذي شك في الله أربعين صباحا. (١)\n\nإسحاق بن حنبل أبو يعقوب (٢) (٢٥٣ هـ)\nهو إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو يعقوب الشيباني، وهو عم أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل. سمع: يزيد بن هارون، والحسين بن محمد المروذي. وروى عنه ابنه حنبل، ومحمد بن يوسف الجوهري وغيرهما. قال الخطيب: ثقة. مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين وهو ابن أربع وتسعين.\nموقفه من الجهمية:\nقال أبو بكر المروذي: قال إسحاق بن حنبل: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن زعم أن لفظه بالقرآن غير مخلوق، فقد ابتدع، فقد نهى أبو عبد الله عن هذا، وغضب منه وقال: ما سمعت عالما قال هذا. أدركت العلماء، مثل هشيم، وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، فما سمعتهم قالوا هذا، وأبو عبد الله أعلم الناس بالسنة في زمانه، لقد ذب عن دين\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/١٢١/ ٣٨٧).\n(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٣٦٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.٧٩).","vol":"4","page":215},{"text":"الله، وأوذي في الله، وصبر على السراء والضراء. قال أبو يوسف: فمن حكى عن أبي عبد الله أنه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فقد كذب، ما سمعت أبا عبد الله قال هذا، إنما قال أبو عبد الله: اللفظية جهمية. وأبو عبد الله أعلم الناس بالسنة في زمانه. (١)\n\nيحيى بن المغيرة المَخْزُومِي (٢) (٢٥٣ هـ)\nيحيى بن المغيرة بن إسماعيل بن أيوب، أبو سلمة القرشي المدني المخزومي. روى عن أنس بن عياض الليثي، وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، وخالد بن عبد الرحمن المخزومي، وغيرهم. وروى عنه الترمذي، وأحمد بن أبي عون، وزكريا الساجي، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق ثقة. مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1702>موقفه من الجهمية:</span>\nقال يحيى -ما أدركت أحدا من علمائنا إلا وهو يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق فمن قال مخلوق فهو كافر. فهذا إجماع أهل المدينة. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٥٠ - ٣٥١/ ١٥٨).\n(٢) تهذيب الكمال (٣١/ ٥٦٨ - ٥٧٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.٣٧٦) وتهذيب التهذيب (١١/ ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٠٢/٤٨٠).","vol":"4","page":216},{"text":"أبو أحمد المَرَّار بن حَمُّويَه (١) (٢٥٤ هـ)\nالمرار بن حمويه بن منصور أبو أحمد الثقفي الهَمَذاني. سمع من أبي نعيم، وأبي الوليد الطيالسي، والقعنبي، وطبقتهم. وحدث عنه ابن ماجه في سننه، وموسى بن هارون، وأبو عروبة الحراني، وآخرون. قال الحافظ أبو شجاع شيرويه: نزل أبو حاتم على المرار وكتب عنه، وهو قديم الموت، جليل الخطر، سأله جمهور النهاوندوي عن مسائل، وهي مدونة عنه، من نظر فيها علم محل المرار من العلم الواسع، والحفظ والإتقان والديانة. قتل المرار لما أظهر مخالفته للشيعة، في سنة أربع وخمسين ومائتين، وله أربع وخمسون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1704>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال الذهبي في سيره: وقيل: لما وقعت فتنة المعتز والمستعين كان على همذان الأميران جباخ وجغلان من قبل المعتز، فاستشار أهل همذان المرار والجرجاني في محاربتهما، فأمراهم بلزوم منازلهم، فلما أغار أصحابهما على دار سلمة بن سهل وغيرها، ورموا رجلا بسهم، أفتياهم في الحرب، وتقلد المرار سيفا، فخرج معهم، فقتل عدد كثير من الفريقين، ثم طلب مفلح المرار، فاعتصم بأهل قم. وهرب معه إبراهيم بن مسعود المحدث. فأما إبراهيم فهازلهم وقاربهم فسلم، وأما المرار، فأظهر مخالفتهم في التشيع، وكاشفهم، فأوقعوا به وقتلوه ﵀. (٢)\n_________\n(١) تاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.٣٤٩ - ٣٥٠) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٠٨ - ٣١١) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٣٥١ - ٣٥٥) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٨٠ - ٨١) وشذرات الذهب (٢/ ١٢٩).\n(٢) السير (١٢/ ٣١٠).","vol":"4","page":217},{"text":"زياد بن يحيى الحَسَّانِي (١) (٢٥٤ هـ)\nزياد بن يحيى بن زياد بن حسان، أبو الخطاب الحساني النُّكْرِي العَدَنِي، ثم البصري. روى عن سفيان بن عيينة، وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي، ومعتمر بن سليمان، ونوح بن قيس. وروى عنه الستة، وابن أبي عاصم، وابن خزيمة، وزكريا الساجي، ومحمد بن جرير الطبري، وخلق غيرهم. وثقه أبو حاتم والنسائي. توفي ﵀ سنة أربع وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1706>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن زياد بن يحيى الحساني قال: ما فشت القدرية بالبصرة حتى فشا من أسلم من النصارى. (٢)\n\nمحمد بن منصور الطُّوسي (٣) (٢٥٤ هـ)\nالإمام الحافظ محمد بن منصور بن داود بن إبراهيم الطوسي أبو جعفر العابد، نزيل بغداد. روى عن أحمد بن حنبل وإسماعيل بن علية وسفيان بن عيينة، ويحيى القطان، ومعاذ بن معاذ، وآخرين. وروى عنه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو عبد الله المحاملي، ومحمد بن هارون الحضرمي، وابن صاعد. قال عبد الله بن أبي داود: حدثنا محمد بن منصور\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٩/ ٥٢٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.١٤٦ - ١٤٧) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٨٨).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٩/ ١٧٩٣).\n(٣) حلية الأولياء (١٠/ ٢١٦) وتاريخ بغداد (٣/ ٢٤٧) وطبقات الحنابلة (١/ ٣١٨) والوافي بالوفيات (٥/ ٧٠) والمنتظم (١٢/ ٧٥ - ٧٦) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢١٢) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٤٩٩).","vol":"4","page":218},{"text":"الطوسي، وكان من الأخيار. وقال أبو بكر المروذي: سألت أبا عبد الله عن محمد بن منصور الطوسي قال: لا أعلم إلا خيرا، صاحب صلاة. وقال ابن الجوزي: كان ثقة خيرا صالحا. توفي ﵀ سنة أربع وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1708>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال محمد بن منصور الطوسي قال: قدم علي بن مضاء مولى لخالد القسري. حدثنا هشام بن بهرام سمعت معافى بن عمران يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. قال هشام: وأنا أقول كما قال المعافى قال علي: وأنا أقول كما قال -يعني هشاما- قال أبو جعفر الطوسي: وأنا أقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. (١)\n\nيحيى بن عثمان الحِمْصِي (٢) (٢٥٥ هـ)\nيحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي، أبو سليمان الرجل الصالح، أخو عمرو بن عثمان. روى عن بقية بن الوليد، ووكيع، والوليد بن مسلم، وجماعة. وروى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو عروبة، وأبو حاتم الرازي، وأبو بشر الدولابي وآخرون. قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يحيى بن عثمان نعم الشيخ هو. وقال محمد بن عوف، رأيت أحمد بن حنبل يجله ويقدمه في الصلاة. وقال أبو حاتم: كان\n_________\n(١) السنة لعبد الله (٦٧).\n(٢) تهذيب الكمال (٣١/ ٤٥٩) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧) وتاريخ الإسلام ... (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.٣٧١) وتهذيب التهذيب (١١/ ٢٥٥).","vol":"4","page":219},{"text":"رجلا صالحا صدوقا. توفي رحمه الله تعالى سنة خمس وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1710>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال المروذي: سألت شجاع بن مخلد، وأحمد بن إبراهيم وأحمد بن منيع، ويحيى بن عثمان عن القرآن فقالوا: كلام الله وليس بمخلوق. (١)\n\nالإمام الدَّارِمِي (٢) (٢٥٥ هـ)\nعبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الله، الحافظ الإمام، أحد الأعلام، أبو محمد التميمي، ثم الدارمي السمرقندي، ودارم هو ابن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم، طوف أبو محمد الأقاليم وصنف التصانيف. قال إسحاق بن إبراهيم الوراق، سمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: ولدت في سنة مات ابن المبارك سنة إحدى وثمانين ومائة. حدث عن يزيد بن هارون، ويعلى بن عبيد، وجعفر بن عون والنضر بن شميل، ومسلم، وخلق كثير. وحدث عنه مسلم وأبو داود والترمذي وعبد بن حميد ومحمد ابن بشار بندار، وبقي بن مخلد وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم. قال عبد الصمد بن سليمان البلخي سألت أحمد بن حنبل عن يحيى الحماني، فقال: تركناه لقول عبد الله بن عبد الرحمن، لأنه إمام. وقال محمد بن عبد الله\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٢٠/ ٢١١).\n(٢) الجرح والتعديل (٥/ ٩٩) وتاريخ بغداد (١٠/ ٢٩ - ٣٢) الأنساب (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢) والسير (١٢/ ٢٢٤ - ٢٣٢) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٦) وطبقات الحنابلة (١/ ١٨٨) وشذرات الذهب (٢/ ١٣٠) وتهذيب الكمال (١٥/ ٢١٠ - ٢١٧) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٩٤ - ٢٩٦) وطبقات الحفاظ (٢٣٥).","vol":"4","page":220},{"text":"المخرّمي: يا أهل خراسان ما دام عبد الله بن عبد الرحمن بين أظهركم فلا تشتغلوا بغيره. وقال أبو حاتم بن حبان: كان الدارمي من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين ممن حفظ وجمع، وتفقه، وصنف وحدث، وأظهر السنة ببلده، ودعا إليها، وذب عن حريمها، وقمع من خالفها. قال أبو بكر الخطيب: كان أحد الرحالين في الحديث والموصوفين بحفظه وجمعه والإتقان له، مع الثقة والصدق، والورع، والزهد، واستقضي على سمرقند، فأبى، فألح السلطان عليه حتى يقلده، وقضى قضية واحدة ثم استعفى، فأعفي، وكان على غاية العقل، ونهاية الفضل، يضرب به المثل في الديانة والحلم والرزانة، والاجتهاد والعبادة، والزهادة والتقلل وصنف المسند والتفسير والجامع. مات في سنة خمس وخمسين ومائتين يوم التروية بعد العصر ودفن يوم عرفة يوم الجمعة وهو ابن خمس وسبعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>موقفه من المبتدعة:</span>\n- دفاعه عن العقيدة السلفية: 'السنن' لأبي محمد الدارمي من أجود كتب السنة، وعدها بعض المحدثين سادس الكتب الستة لأهميتها في هذا الفن، وكان أول ما بدأ به أبو محمد الدارمي، كتابه 'السنن' مقدمة مهمة، بين فيها شتى المسائل من سيرة الرسول - ﷺ -، وطلب العلم، وكيفية ذلك، وما يتعلق بالفتوى، وركز فيها على الرد على المبتدعة واتباع السنة، فساق من الآثار عن السلف ما فيه قناعة لمن يريد الحق. فرحمة الله عليه رحمة واسعة.","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1713>موقف السلف من محمد بن كرام (٢٥٥ ه</span>ـ)\nبيان إرجائه:\n- جاء في البداية: أقام ببيت المقدس أربع سنين، وكان يجلس للوعظ عند العمود الذي عند مشهد عيسى ﵇ واجتمع عليه خلق كثير ثم تبين لهم أنه يقول: إن الإيمان قول بلا عمل فتركه أهلها ونفاه متوليها إلى غور زغر فمات بها، ونقل إلى بيت المقدس. مات في صفر من هذه السنة. (١)\n- وقال محمد بن أسلم الطوسي: لم تعرج كلمة إلى السماء أعظم ولا أخبث من ثلاث: أولهن قول فرعون حيث قال: أنا ربكم الأعلى، والثانية: قول بشر المريسي حيث قال: القرآن مخلوق. والثالثة: قول محمد بن كرام حيث قال: المعرفة ليست من الإيمان. (٢)\n- وقال أبو العباس السراج: شهدت أبا عبد الله البخاري، ودفع إليه كتاب من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها: الزهري، عن سالم، عن أبيه، رفعه: (الإيمان لا يزيد ولا ينقص). فكتب على ظهر كتابه: من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل. (٣)\nوللحسين بن إبراهيم الجوزقاني موقف طيب منه سيأتي ذكره في سنة (٥٤٣هـ).\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ٢٣).\n(٢) الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير للجوزقاني (ص.١٣٨).\n(٣) تاريخ الإسلام للذهبي حوادث ووفيات (٢٥١ - ٢٦٠/ ٣١٤).","vol":"4","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1714>موقف السلف من الجاحظ المعتزلي وبيان سوء عقيدته (٢٥٥ ه</span>ـ)\nبيان اعتزاله:\n- جاء في البداية والنهاية: وإليه تنسب الفرقة الجاحظية (١)، لجحوظ عينيه، ويقال له: الحدقى. وكان شنيع المنظر، سيء المخبر رديء الاعتقاد. ينسب إلى البدع والضلالات، وربما جاز به بعضهم إلى الانحلال، حتى قيل في المثل: يا ويح من كفره الجاحظ. (٢)\n\nالإمام البخاري (٣) (٢٥٦ هـ)\nمحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه (وقيل بذدزبه) وقيل ابن الأحنف الجعفي مولاهم، أبو عبد الله بن أبي الحسن البخاري الإمام الحافظ الحجة إمام هذا الشأن والمقتدى به فيه والمعول على كتابه بين أهل الإسلام. رحل في طلب الحديث إلى سائر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر. روى عن عدة منهم إبراهيم بن حمزة الزبيري، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وعلي بن المديني، وابن دكين وكتب عن أكثر من ألف\n_________\n(١) فرقة من فرق المعتزلة.\n(٢) البداية والنهاية (١١/ ٢٢).\n(٣) تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٣٠ - ٤٦٧) وتاريخ بغداد (٢/ ٤ - ٣٣) والجرح والتعديل (٧/ ١٩١) ووفيات الأعيان (٤/ ١٨٨ - ١٩١) وشذرات الذهب (٢/ ١٣٤ - ١٣٦) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٥ - ٥٥٦) والسير (١٢/ ٣٩١ - ٤٧١) والبداية (١١/ ٢٧ - ٣١) والوافي بالوفيات (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٩).","vol":"4","page":223},{"text":"شيخ. روى عنه الكثير جاوز المائة منهم من روى الصحيح وغيره. فروى عنه الترمذي، وإبراهيم الحربي، والحسين المحاملي وأبو حاتم الرازي وابن خزيمة وأبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس راوية 'التاريخ الكبير' والنسائي وغيرهم كثير، وروى عنه مسلم في غير الصحيح. أثنى عليه كل العلماء في جميع البلدان وقدموه على أنفسهم. وكان شيخا نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير ولد يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر يوم السبت لغرة شوال من سنة ست وخمسين ومائتين، عاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما. قال أحمد بن سيار: أبو عبد الله طلب العلم وجالس الناس ورحل في الحديث ومهر فيه وأبصر وكان حسن المعرفة حسن الحفظ وكان يتفقه. ألف التاريخ والصحيح والأجزاء منها: القراءة خلف الإمام، خلق أفعال العباد، الأدب المفرد، وغيرها. قال يعقوب الدورقي: محمد ابن إسماعيل فقيه هذه الأمة. قال حاتم بن مالك الوراق: سمعت علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان. قال أبو بكر ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله - ﷺ - وأحفظ له من محمد ابن إسماعيل.\nنالته محنة في أواخر أيامه، وقصته مع محمد بن يحيى الذهلي مشهورة ومعروفة، رحم الله الجميع، وغفر لنا ولهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1716>موقفه من المبتدعة:</span>\nمن قرأ كتب أبي عبد الله الإمام البخاري ﵁، يحس بنفس","vol":"4","page":224},{"text":"قوي، وعزيمة عظيمة، مع ما أوتيه من العلم الواسع والنظر الدقيق تجاه مبتدعة أهل زمانه. فالقارئ له يحس أن الإمام يكاد قلبه يتفطر من كثرة تلبيساتهم وتلاعبهم بدين الله.\nوقد ترك ﵀ تراثا عظيما خالدا يعرفه أهل المشرق والمغرب.\nألف البخاري كتابه 'الصحيح'، ولم يخله من بيان العقيدة السلفية الصحيحة، والرد على المبتدعة على اختلاف أنواعهم. فعقد ثاني كتاب من صحيحه وهو 'كتاب الإيمان'، للرد على المرجئة، وجعله مكونا من اثنين وأربعين بابا فيها من الأحاديث والآثار السلفية والاستنباطات الفقهية ما يدل على علم غزير، واطلاع واسع وفهم ثاقب.\nبين دخول الأعمال في الإيمان، ولولا خشية الإطالة لذكرتها بابا بابا، ملخصا لذلك، وموضحا. وأكتفي بالإشارة إلى ذلك. والكتاب الثاني، وهو السادس والتسعون من كتب البخاري وهو كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، جعله مكونا من ثمانية وعشرين بابا، وهذا الكتاب وما يحتوي عليه من الأبواب يصلح ردا على جميع المبتدعة. وقد أبان فيه البخاري على غزارة علم، واستنباط عجيب، مما لو قرأه طالب الحق لوجد منشودته فيه ولكن المبتدعة لا يقرءون مثل هذه الكتب، وإن قرءوها فعلى سبيل التبرك وان وجد منهم من عنده بعض العلم حرفها.\nوأما الكتاب الثالث فهو الكتاب السابع والتسعون من كتاب البخاري وهو الأخير من كتب صحيح البخاري سماه 'كتاب التوحيد والرد على الجهمية'، مكونا من ثمانية وخمسين بابا رد فيها على جميع شبه الجهمية","vol":"4","page":225},{"text":"وفروخهم، وقد لخصه العلامة ابن القيم في كتابه العظيم: 'اجتماع الجيوش الإسلامية'.\nوهذه الطريقة الحميدة، لم يتفرد بها البخاري ﵀ وحده، بل شاركه إخوانه من المحدثين، من أصحاب الكتب الستة وغيرهم، ما من أحد منهم إلا وساق في كتابه من الأحاديث، ما يرد به على المبتدعة، فمنهم من أفرد كتبا خاصة، ومنهم من ساقها تبعا. وسنبين عند ذكر كل واحد منهم مقدار دفاعه عن العقيدة السلفية ووقوفه ضد المبتدعة.\nوأما كتاب 'خلق أفعال العباد'، فهو كتاب عظيم جليل، اتخذه الناس مرجعا لهم في كتبهم، وقد نقل البيهقي في الأسماء والصفات معظمه، وغيره ممن جاء بعده، وقد طبع الكتاب، ولله الحمد طبعات متعددة، إما منفردا أو مع مجموعة من عقائد السلف.\nمن أقواله ﵁ في الرد على المبتدعة:\n- جاء في السير: وقال محمد بن أبي حاتم: سمعته يقول: لا أعلم شيئا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة. فقلت له: يمكن معرفة ذلك كله؟ قال نعم. (١)\n\" التعليق:\nوقد حاول الإمام البخاري تطبيق هذه القولة في كتابه الصحيح، فقد حاول أن يذكر فيه أغرب المسائل التي اختلف فيها الفقهاء، واستعملوا في\n_________\n(١) السير (١٢/ ٤١٢).","vol":"4","page":226},{"text":"أدلتها غير نصي القرآن والسنة، فجذب لها هو من الأدلة والآثار السلفية ما يراه حجة، وبوب أبوابا حيرت قرونا كثيرة، طبقها على القرآن والسنة، وقد صرح ابن خلدون في مقدمته، أن كتاب البخاري ما يزال دينا على المسلمين - يعني شرحه والكشف عن غوامضه. وقد خصت تراجم كتابه بمؤلفات مستقلة، لأهميتها الفقهية ولغموضها في الاستنباط من الكتاب والسنة. ومحاولة الحافظ ابن حجر كانت موفقة جدا، ساعده سعة اطلاعه والاستنارة بشروح غيره. وقد حمل لواء هذا القول: الحافظ الإمام الكبير أبو محمد بن حزم في كتابه الإيصال. ومختصره المحلى نموذج لذلك.\nجاء في كتاب الاعتصام من صحيح البخاري:\n(باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع). (١)\n- وفيه: باب: ﴿وكذلك جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسطًا﴾ (٢): وما أمر النبي - ﷺ - بلزوم الجماعة وهم أهل العلم. (٣)\n- وفي شرف أصحاب الحديث: بالسند إلى محمد بن إسماعيل البخاري وذكر حديث موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر، عن النبي - ﷺ -: \" لا تزال طائفة من أمتي ... \" (٤) فقال البخاري يعني أصحاب الحديث. (٥)\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٢٧٥).\n(٢) البقرة الآية (١٤٣).\n(٣) الفتح (١٣/ ٣١٦).\n(٤) أحمد (٤/ ٢٤٤) والبخاري (١٣/ ٥٤٢/٧٤٥٩) ومسلم (٣/ ١٥٢٣/١٩٢١) من حديث المغيرة بن شعبة. وفي الباب عن ثوبان ومعاوية وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وغيرهم ﵃ أجمعين.\n(٥) شرف أصحاب الحديث (٢٧).","vol":"4","page":227},{"text":"- قال ابن القيم في الصواعق: قال البخاري: كان الصحابة إذا جلسوا يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم ولم يكن بينهم رأي ولا قياس. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1717>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال البخاري في خلق أفعال العباد: ما أبالي صليت خلف الجهمي أو الرافضي أو صليت خلف اليهود والنصارى ولا يسلم عليهم ولا يعادون ولا يناكحون ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1718>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في مجموع الفتاوى: وسئل البخاري عن الخضر وإلياس: هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون هذا وقد قال النبي - ﷺ -: \"لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد\" (٣)؟. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1719>موقفه من الجهمية:</span>\nالإمام البخاري ودفاعه عن العقيدة السلفية:\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم، أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر، لقيتهم كرات قرنا بعد قرن ثم قرنا بعد قرن أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، والبصرة\n_________\n(١) مختصر الصواعق (ص.٥١٢).\n(٢) خلق أفعال العباد (ص.١٦).\n(٣) أحمد (٢/ ٨٨) والبخاري (١/ ٢٨١ - ٢٨٢/ ١١٦) ومسلم (٤/ ١٩٦٥/٢٥٣٧) وأبو داود (٤/ ٥١٦/٤٣٤٨) والترمذي (٤/ ٤٥١/٢٢٥١) والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٤١/٥٨٧١) من حديث ابن عمر.\n(٤) الفتاوى (٤/ ٣٣٧ (.","vol":"4","page":228},{"text":"أربع مرات، في سنين ذوي عدد، بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي أهل خراسان، منهم: المكي بن إبراهيم، ويحيى بن يحيى، وعلي بن الحسن بن شقيق وقتيبة بن سعيد وشهاب بن معمر.\nوبالشام: محمد بن يوسف الفريابي وأبا مسهر عبد الأعلى بن مسهر وأبا المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، وأبا اليمان الحكم بن نافع ومن بعدهم عدة كثيرة.\nوبمصر: يحيى بن كثير وأبا صالح كاتب الليث بن سعد وسعيد بن أبي مريم وأصبغ بن الفرج ونعيم بن حماد.\nوبمكة عبد الله بن يزيد المقري، والحميدي وسليمان بن حرب قاضي مكة وأحمد بن محمد الأزرقى.\nوبالمدينة: إسماعيل بن أبي أويس ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن نافع الزبيري، وأحمد بن أبي بكر أبا مصعب الزهري وإبراهيم بن حمزة الزبيري وإبراهيم بن المنذر الحزامي.\nوبالبصرة أبا عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، وأبا الوليد هشام بن عبد الملك، والحجاج بن المنهال، وعلي بن عبد الله بن جعفر بن المديني.\nوبالكوفة: أبا نعيم الفضل بن دكين وعبيد الله بن موسى وأحمد بن يونس وقبيصة بن عقبة وابن نمير وعبد الله وعثمان ابنا أبي شيبة.\nوببغداد: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبا معمر وأبا خيثمة وأبا عبيد القاسم بن سلام.","vol":"4","page":229},{"text":"ومن أهل الجزيرة: عمرو بن خالد الحراني.\nوبواسط: عمرو بن عون وعاصم بن علي بن عاصم.\nوبمرو: صدقة بن الفضل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي.\nواكتفينا بتسمية هؤلاء، كي يكون مختصرا وأن لا يطول ذلك فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء:\nإن الدين قول وعمل، وذلك لقول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١).\nوأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ (٢).\nقال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل قال ابن عيينة: فبين الله الخلق من الأمر لقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).\n_________\n(١) البينة الآية (٥).\n(٢) الأعراف الآية (٥٤).\n(٣) الأعراف الآية (٥٤).","vol":"4","page":230},{"text":"وأن الخير والشر بقدر الله لقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (١) ولقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) ولقوله: ﴿إنا كل شيءٍ خلقناه بقدر﴾ (٣) ولم يكونوا يكفرون أحدا من أهل القبلة بالذنب لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).\nوما رأيت فيهم أحدا يتناول أصحاب محمد - ﷺ -، قالت عائشة: أمروا أن يستغفروا لهم وذلك لقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٥).\nوكانوا ينهون عن البدع ما لم يكن عليه النبي - ﷺ - وأصحابه لقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ولا تَفَرَّقُوا﴾ (٦) ولقوله: ﴿وَإِنْ تطيعوه\n_________\n(١) الفلق الآيتان (١و٢).\n(٢) الصافات الآية (٩٦).\n(٣) القمر الآية (٤٩).\n(٤) النساء الآية (٤٨).\n(٥) الحشر الآية (١٠).\n(٦) آل عمران الآية (١٠٣).","vol":"4","page":231},{"text":"تهتدوا﴾ (١) ويحثون على ما كان عليه النبي - ﷺ - وأتباعه لقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).\nوأن لا ننازع الأمر أهله، لقول النبي - ﷺ -: \"ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم، فان دعوتهم تحيط من ورائهم\" (٣) ثم أكد في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤) وأن لا يرى السيف على أمة محمد - ﷺ -.\nوقال الفضيل: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام، لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد.\nقال ابن المبارك: يا معلم الخير، من يجترئ على هذا غيرك. (٥)\n\" التعليق:\nهؤلاء الذين ذكرهم البخاري في هذه العقيدة، هم حملة الحديث والعلم والفقه بحيث لو هلكوا جميعا ما بقي من يقول قال الله وقال رسوله\n_________\n(١) النور الآية (٥٤).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) أخرجه: أحمد (٥/ ١٨٣) وابن ماجه (١/ ٨٤/٢٣٠) وابن حبان (١/ ٢٧٠/٦٧) من حديث زيد بن ثابت. وأخرجه أبو داود (٤/ ٦٨ - ٦٩/ ٣٦٦٠) والترمذي (٥/ ٣٣/٢٦٥٦) والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٣١/٥٨٤٧) دون ذكر موضع الشاهد.\n(٤) النساء الآية (٥٩).\n(٥) أصول الاعتقاد (١/ ١٩٣ - ١٩٧/ ٣٢٠).","vol":"4","page":232},{"text":"ولكن الله تكفل بحفظ دينه، فكان كل واحد منهم عمدة في مصره ومرجعا في فتواه وتعليمه. ولم يبق إلا شذاذ المبتدعة الذين حملوا اتجاهات مختلفة، إما اتجاه شيعي رافضي وإما جهمي هالك غارق في ضلاله، وإما قدري متحير زائغ، وإما مخرف صوفي، فضل ما عند الهنود والفرس والرهبان النصارى. فيرمي الإمام البخاري في هذا السرد إلى ما ذكرنا والله يجزيه ويثيبه ويسكنه أفضل جنانه وجامع هذه المعلومات وقارئها.\n\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن محمد بن يوسف بن مطر قال: سألت محمد ابن إسماعيل البخاري فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق فمن قال مخلوق فهو كافر. (١)\n- وفيه: عن إبراهيم بن محمد قال: أنا توليت دفن محمد بن إسماعيل البخاري لما مات بخرتنك فأردت حمله إلى سمرقند أن أدفنه بها فلم يتركني صاحب لنا من أهل (شكخشكت) فدفناه بها فلما أن أفرغنا ورجعت إلى المنزل الذي كنت فيه قال لي صاحب القصر سألته أمس فقلت يا أبا عبد الله: ما تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق. فقلت له: إن الناس يزعمون أنك تقول: ليس في المصحف قرآن ولا في صدور الناس. فقال: أستغفر الله أن تشهد علي بما لم تسمعه مني. إني أقول كما قال الله:\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٦/٤٦٨).","vol":"4","page":233},{"text":"﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ (١). أقول: في المصاحف قرآن وفي صدور الرجال قرآن فمن قال غير هذا، يستتاب فإن تاب وإلا سبيله سبيل الكفر. (٢)\n- وفيه: عن أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري -المعروف بالخفاف- ببخارى قال: كنا يوما عند أبي إسحاق القرشي ومعنا محمد بن نصر المروزي فجرى ذكر محمد بن إسماعيل فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله. فقلت له يا أبا عبد الله: فقد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال: ليس إلا ما أقول وأحكي لك عنه. قال أبو عمرو الخفاف: فأتيت محمد بن إسماعيل فناظرته في شيء من الحديث حتى طابت نفسه. فقلت له: يا أبا عبد الله هاهنا رجل يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة؟ فقال لي: يا أبا عمرو احفظ ما أقول: من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والمدينة ومكة والبصرة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقل هذه المقالة إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة. (٣)\n- قال البخاري في صحيحه: باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا\n_________\nالطور الآيتان (١ - ٢).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦/ ٦١٠) وتاريخ بغداد (٢/ ٣٢) والطبقات (١/ ٢٧٨).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧/ ٦١١) وتاريخ بغداد (٢/ ٣٢).","vol":"4","page":234},{"text":"مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١) ولم يقل ماذا خلق ربكم. (٢)\n- قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وصرح البخاري بأن أصوات العباد مخلوقة وأن أحمد لا يخالف ذلك، فقال في كتاب خلق أفعال العباد ما يدعونه عن أحمد ليس الكثير منه بالبين ولكنهم لم يفهموا مراده ومذهبه، والمعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق، وما سواه مخلوق لكنهم كرهوا التنقيب عن الأشياء الغامضة وتجنبوا الخوض فيها والتنازع إلا ما بينه الرسول ﵊، ثم نقل عن بعض أهل عصره أنه قال: القرآن بألفاظنا وألفاظنا بالقرآن شيء واحد، فالتلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء، قال: فقيل له إن التلاوة فعل التالي، فقال: ظننتها مصدرين، قال: فقيل له أرسل إلى من كتب عنك ما قلت؟ فاسترده فقال: كيف وقد مضى؟ انتهى. (٣)\n- قال محمد بن إسماعيل البخاري: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أنا رجل مبتلى، قد ابتليت أن لا أقول لك، ولكن أقول: فإن أنكرت شيئا فردني عنه: القرآن من أوله إلى آخره كلام الله، ليس شيء منه مخلوق. ومن قال: إنه مخلوق، أو شيء منه مخلوق: فهو كافر. ومن زعم أن لفظه\n_________\n(١) سبأ الآية (٢٣).\n(٢) الفتح (١٣/ ٤٥٢).\n(٣) الفتح (١٣/ ٤٩٣).","vol":"4","page":235},{"text":"بالقرآن مخلوق: فهو جهمي كافر؟ قال: نعم. (١)\n- وقال الحافظ أيضا: قال البخاري والقرآن كلام الله غير مخلوق، ثم ساق الكلام على ذلك إلى أن قال: سمعت عبيد الله بن سعيد يقول سمعت يحيى بن سعيد يعني القطان يقول مازلت أسمع أصحابنا يقولون إن أفعال العباد مخلوقة، قال البخاري حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بخلق قال: وقال إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه فأما الأوعية فمن يشك في خلقها، قال البخاري فالمداد والورق ونحوه خلق، وأنت تكتب الله فالله في ذاته هو الخالق وخطك من فعلك وهو خلق لأن كل شيء دون الله هو بصنعه، ثم ساق حديث حذيفة رفعه: إن الله يصنع كل صانع وصنعته (٢)، وهو حديث صحيح. (٣)\n- وقال أيضا: قال البخاري في كتاب 'خلق أفعال العباد': خلق الله الخلق بأمره، لقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بعد﴾ (٤) ولقوله: ﴿إِنَّمَا\n_________\n(١) الطبقات (١/ ٢٧٨).\n(٢) أخرجه: البخاري في خلق أفعال العباد (٩٢) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٥٨/٣٥٧ - ٣٥٨)، البزار \"البحر الزخار\" (٧/ ٢٥٨/٢٨٣٧)، الحاكم (١/ ٣١ - ٣٢) من حديث حذيفة مرفوعا، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي. وصححه ابن حجر في الفتح (١٣/ ٦٠٩) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩٧): \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن عبد الله أبي الحسين بن الكردي وهو ثقة\".\n(٣) الفتح (١٣/ ٤٩٨).\n(٤) الروم الآية (٤).","vol":"4","page":236},{"text":"﴿قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) ولقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٢) قال: وتواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أن القرآن كلام الله وأن أمر الله قبل مخلوقاته، قال ولم يذكر عن أحد من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان خلاف ذلك وهم الذين أدوا إلينا الكتاب والسنة قرنا بعد قرن، ولم يكن بين أحد من أهل العلم في ذلك خلاف إلى زمان مالك والثوري وحماد وفقهاء الأمصار ومضى على ذلك من أدركنا من علماء الحرمين والعراقين والشام ومصر وخراسان. (٣)\n- قال شيخ الإسلام ﵀: وكذلك البخاري صاحب 'الصحيح' وسائر الأئمة أنكروا ذلك أيضا (أي مسئلة أن الله لم يتكلم بصوت)، وروى البخاري في آخر 'الصحيح' وفي 'كتاب خلق الأفعال' ما جاء في ذلك من الآثار، وبين الفرق بين صوت الله الذي يتكلم به وبين أصوات العباد بالقرآن. (٤)\n- وجاء في شرح السنة: قال محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت قوما أضل في كفرهم\n_________\n(١) النحل الآية (٤٠).\n(٢) الروم الآية (٢٥).\n(٣) الفتح (١٣/ ٥٣٣).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٩).","vol":"4","page":237},{"text":"من الجهمية، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1720>موقفه من الخوارج:</span>\nضمن صحيحه كتابا حافلا أسماه 'استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم'، وأورد فيه بابين في الخوارج.\n- فقال: باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٢) وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.\nأورد ضمنهم حديث علي في قتال الخوارج وحديث أبي سعيد الخدري وحديث عبد الله بن عمرو. (٣)\n- وقال أيضا: باب من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه. حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا هشام أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال: بينا النبي - ﷺ - يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه. قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق\n_________\n(١) شرح السنة للبغوي (١/ ٢٢٨) وخلق أفعال العباد (١٣) والفتاوى الكبرى (٥/ ٤٧).\n(٢) التوبة الآية (١١٥).\n(٣) الفتح (١٢/ ٣٥٠/٦٩٣٠ - ٦٩٣٢).","vol":"4","page":238},{"text":"السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم. آيتهم رجل إحدى يديه -أو قال ثدييه- مثل ثدي المرأة، أو قال: مثل البضعة تدردر. يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي - ﷺ -، وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي - ﷺ -. قال: فنزلت فيه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (١)\nقال الحافظ: قال الإسماعيلي: الترجمة في ترك قتال الخوارج والحديث في ترك القتل للمنفرد والجميع إذا أظهروا رأيهم ونصبوا للناس القتال وجب قتالهم، وإنما ترك النبي - ﷺ - قتل المذكور لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه، فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورسوخه في القلوب لنفرهم عن الدخول في الإسلام، وأما بعده - ﷺ - فلا يجوز ترك قتالهم إذا هم أظهروا رأيهم وتركوا الجماعة وخالفوا الأئمة مع القدرة على قتالهم. قلت: وليس في الترجمة ما يخالف ذلك، إلا أنه أشار إلى أنه لو اتفقت حالة مثل حالة المذكور فاعتقدت فرقة مذهب الخوارج مثلا ولم ينصبوا حربا أنه يجوز للإمام الإعراض عنهم إذا رأى المصلحة في ذلك كأن يخشى أنه لو تعرض للفرقة المذكورة لأظهر من يخفي مثل اعتقادهم أمره وناضل عنهم فيكون ذلك سببا لخروجهم ونصبهم القتال للمسلمين مع ما\n_________\n(١) التوبة (٥٨).","vol":"4","page":239},{"text":"عرف من شدة الخوارج في القتال وثباتهم وإقدامهم على الموت، ومن تأمل ما ذكر أهل الأخبار من أمورهم تحقق ذلك، وقد ذكر ابن بطال عن المهلب قال: التألف إنما كان في أول الإسلام إذ كانت الحاجة ماسة لذلك لدفع مضرتهم، فأما إذ أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف إلا أن تنزل بالناس حاجة لذلك فلإمام الوقت ذلك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1721>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن محمد بن يوسف بن مطر قال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن الإيمان فقال: قول وعمل بلا شك. (٢)\n- عن الحسين بن محمد بن الوضاح ومكي بن خلف بن عفان قالا: سمعنا محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلا عن من قال: الإيمان قول وعمل ولم أكتب عن من قال: الإيمان قول. (٣)\n- وقال ﵀ في عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد: كان يرى الإرجاء، كان الحميدي يتكلم فيه. (٤)\n- وكتاب الإيمان من صحيحه إنما وضعه ﵀ ردا على المرجئة، فركز في جملة أبوابه على دخول الأعمال في مسمى الإيمان. وأول ما افتتح به\n_________\n(١) الفتح (١٢/ ٣٦٠ - ٣٦١).\n(٢) أصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٩/١٥٩٨).\n(٣) أصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٩/١٥٩٧).\n(٤) تهذيب الكمال (١٨/ ٢٧٤).","vol":"4","page":240},{"text":"كتاب الإيمان قوله: باب قول النبي - ﷺ -: \"بني الإسلام على خمس\" (١). وهو قول وفعل، ويزيد وينقص. قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٢) ﴿وزدناهم هدًى﴾ (٣) ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدًى﴾ (٤) ﴿وَالَّذِينَ اهتدوا زادهم هدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٥) ﴿ويزداد الَّذِينَ آَمَنُوا إيمانًا﴾ (٦) وقوله: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٧) وقوله جل ذكره: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فزادهم إيمانًا﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا﴾ (٩). والحب في الله والبغض في الله من الإيمان. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان.\nفإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما\n_________\n(١) أحمد (٢/ ١٤٣) والبخاري (١/ ٦٧ - ٦٨/ ٨) ومسلم (١/ ٤٥/١٦) والترمذي (٥/ ٧/٢٦٠٩) والنسائي ... (٨/ ٤٨١ - ٤٨٢/ ٥٠١٦) عن ابن عمر.\n(٢) الفتح الآية (٤).\n(٣) الكهف الآية (١٣).\n(٤) مريم الآية (٧٦).\n(٥) محمد الآية (١٧).\n(٦) المدثر الآية (٣١).\n(٧) التوبة الآية (١٢٤).\n(٨) آل عمران الآية (١٧٣).\n(٩) الأحزاب الآية (٢٢).","vol":"4","page":241},{"text":"أنا على صحبتكم بحريص (١). وقال إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ ليطمئن قَلْبِي﴾ (٢). وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة (٣). وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله (٤). وقال ابن عمر: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر (٥). وقال مجاهد: ﴿شرع لكم ...﴾ (٦): أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا. وقال ابن عباس: ﴿شرعةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٧): سبيلا وسنة (٨). (٩)\n- وقال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن كتاب الإيمان الذي افتتح به الصحيح قرر مذهب السنة والجماعة، وضمنه الرد على المرجئة، فإنه كان من القائمين بنصرة السنة والجماعة، مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان. (١٠)\n_________\n(١) وصله ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (١٣٥) وفي المصنف (٦/ ١٦٦/٣٠٣٨٤) وابن بطة (٢/ ٩/١٢٣/ ١١٦٦) وأصول الاعتقاد (٤/ ٩٢٦/١٥٧٢) والخلال في السنة (٤/ ٥٧/١١٦٢) وأحمد في الإيمان كما في الفتح (١/ ٦٥).\n(٢) البقرة الآية (٢٦٠).\n(٣) تقدم في مواقف معاذ سنة (١٨هـ).\n(٤) قال الحافظ في الفتح (١/ ٦٦): \"وصله الطبراني (٩/ ١٠٤/٨٥٤٤) بسند صحيح، وبقيته \"والصبر نصف الإيمان\"\". وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٤) والبيهقي في الزهد من حديثه مرفوعا، ولا يثبت رفعه. اهـ\n(٥) قال الحافظ ابن رجب في كتابه 'فتح الباري' له (١/ ١٦): \"هذا الأثر لم أقف عليه إلى الآن في غير كتاب البخاري)، وقال الحافظ ابن حجر: \"لم أره موصولا إلى الآن\". قال: قد ورد معنى قول ابن عمر عند مسلم (٤/ ١٩٨٠/٢٥٥٣) من حديث النواس بن سمعان مرفوعا.\n(٦) الشورى الآية (١٣).\n(٧) المائدة الآية (٤٨).\n(٨) أخرجه عبد الرزاق في التفسير (١/ ١٩٣) وصحح إسناده الحافظ في الفتح (١/ ٦٧).\n(٩) فتح الباري (١/ ٦٣).\n(١٠) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥١).","vol":"4","page":242},{"text":"- وقال أبو العباس السراج: شهدت أبا عبد الله البخاري، ودفع إليه كتاب من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها: الزهري، عن سالم، عن أبيه، رفعه: (الإيمان لا يزيد ولا ينقص). فكتب على ظهر كتابه: من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1722>موقفه من القدرية:</span>\n- له كتاب 'خلق أفعال العباد': مطبوع متداول وهو رد على القدرية.\n- قال ابن تيمية ﵀: وأنكر الأئمة من أصحاب أحمد وغيرهم من علماء السنة من قال: إن أصوات العباد وأفعالهم غير مخلوقة، وصنف البخاري في ذلك مصنفا. (٢)\n- وعقد في الصحيح كتابا سماه: (كتاب القدر).\n\nالمهتدي بالله (٣) (٢٥٦ هـ)\nالخليفة الصالح، أمير المؤمنين، محمد بن هارون، أبو إسحاق، وقيل: أبو عبد الله بن الواثق بالله. ولد في خلافة جده، وبويع بعد خلع المعتز بالله سنة خمس وخمسين، وله بضع وثلاثون سنة. قال الخطيب: كان المهتدي بالله من أحسن الخلفاء مذهبا وأجملهم طريقة، وأظهرهم ورعا وأكثرهم عبادة. وكان\n_________\n(١) تاريخ الإسلام للذهبي حوادث ووفيات (٢٥١ - ٢٦٠/ ٣١٤).\n(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٠٧).\n(٣) تاريخ بغداد (٤/ ٣٤٧) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٣٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.٣٢٦) والوافي بالوفيات (٥/ ١٤٤) وفوات الوفيات (٤/ ٥٠ - ٥٢) وتاريخ الخلفاء (٣٦١).","vol":"4","page":243},{"text":"المهتدي بالله أسمر رقيقا، مليح الوجه، ورعا، عادلا، صالحا، متعبدا بطلا، شجاعا، قويا في أمر الله. قال الخطيب: قال أبو موسى العباسي: لم يزل صائما منذ ولي إلى أن قتل. قال نفطويه: أخبرنا بعض الهاشميين أنه وجد للمهتدي صفط فيه جبة صوف، وكساء كان يلبسه في الليل، ويصلي فيه، وكان قد اطرح الملاهي، وحرم الغناء، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم، وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين، يجلس بنفسه، ويجلس بين يديه الكتاب، يعملون الحساب، ويلزم الجلوس يومي الخميس والاثنين، وقد ضرب جماعة من الكبار. توفي ﵀ مقتولا من طرف الأتراك سنة ست وخمسين ومائتين، وقام بعده المعتمد على الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1724>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: قال نفطويه، أخبرنا بعض الهاشميين عن المهتدي أنه نفى جعفر بن محمود إلى بغداد لرفض فيه. (١)\n\nعلي بن خَشْرَم (٢) (٢٥٧ هـ)\nعلي بن خشرم بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال، أبو الحسن المَرْوَزِي. ولد سنة ستين ومائة. وسمع من إسماعيل بن علية وسفيان بن عيينة وعيسى ابن يونس وعبد الله بن وهب وهشيم بن بشير. روى عنه مسلم، والترمذي،\n_________\n(١) السير (١٢/ ٥٣٧).\n(٢) تهذيب الكمال (٢٠/ ٤٢١) وسير أعلام النبلاء (١١/ ٥٥٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.٢١٢) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣١٦ - ٣١٧).","vol":"4","page":244},{"text":"والنسائي، وابن خزيمة، وأبو حامد أحمد بن حمدون الأعمش، وابن أبي داود. وثقه النسائي وغيره. توفي ﵀ سنة سبع وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن علي بن خشرم المروزي قال: من قال القرآن، أو لفظي بالقرآن أو القرآن بقراءتي أو قراءتي للقرآن -قدم أو أخر- فهو واحد. وقال: ما أُحسِنُ هذا الكلام ليس بينهما فرق فجعل يتعجب ممن يفرق بينهما ويقول: من قال من اللفظية كلامه فإنه يخرج إلى كلام الروحانية - صنف من الزنادقة. (١)\n\nعبد الحميد بن عصام الجُرْجَانِي (٢) (٢٥٧ هـ)\nالإمام الحافظ، عبد الحميد بن عصام، أبو عبد الله الجرجاني، نزيل همذان. سمع سفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، وأبا داود الطيالسي، وجماعة. وعنه يحيى بن عبد الله الكرابيسي، وأبو حاتم، وآخرون. قال صالح ابن أحمد: كان أحد العلماء والفقهاء، ثقة صدوقا. وعن ابن حمويه قال: ما رأت عيناي قط مثل عبد الحميد بن عصام الجرجاني.\nتوفي سنة سبع وخمسين ومائتين.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩/ ٥٩٠).\n(٢) الجرح والتعديل (٦/ ١٦ - ١٧) والثقات (٨/ ٤٠٢) وتاريخ جرجان (٢٥١ - ٢٥٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.١٩٠) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٨١ - ١٨٢).","vol":"4","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1728>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الذهبي في سيره: ولما وقعت المحنة في اللفظ، سكت الجرجاني، فخرج عليه أصحاب الحديث، فسمعت أبي يقول: ذهبت مع صالح بن حمويه أخي المرار، فوقف على مجلس الجرجاني، فقال: ما تقول في اللفظ بالقرآن؟ فسكت حتى سأله الثالثة، فقال: أراه محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. (١)\n\nالرِّيَاشِيُّ (٢) (٢٥٧ هـ)\nالعلامة الحافظ عباس بن الفرج، أبو الفضل الرياشي البصري النحوي. مولى محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. ولد بعد الثمانين ومائة.\nروى عن أبي داود الطيالسي ووهب بن جرير ومعمر بن المثنى ومحمد ابن سلام الجمحي وأشهل بن حاتم وخلق كثير. وروى عنه أبو داود قوله في تفسير أسنان الإبل وإبراهيم الحربي وابنه محمد بن العباس ومحمد بن خزيمة وأبو العباس المبرد وغيرهم. قال أبو سعيد السيرافي: كان عالما باللغة والشعر، كثير الرواية عن الأصمعي، وروى أيضا عن غيره.\n- وقال الخطيب: قدم بغداد، وحدث بها، وكان ثقة، وكان من\n_________\n(١) السير (١٢/ ١٨٢).\n(٢) تاريخ بغداد (١٢/ ١٣٨) والمنتظم (١٢/ ١٣٢ - ١٣٤) وفيات الأعيان (٣/ ٢٧ - ٢٨) وتهذيب الكمال (١٤/ ٢٣٤ - ٢٣٨) والسير (١٢/ ٣٧٢ - ٣٧٦) وشذرات الذهب (٢/ ١٣٦).","vol":"4","page":246},{"text":"الأدب وعلم النحو بمحل عال، وكان يحفظ كتب أبي زيد، وكتب الأصمعي كلها، وقرأ على أبي عثمان المازني 'كتاب سيبويه'. وكان المازني يقول: قرأ علي الرياشي 'الكتاب' وهو أعلم به مني. قال ابن دريد: قتلته الزنج بالبصرة سنة سبع وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في السير: وقال علي بن أبي أمية: لما كان من دخول الزنج البصرة ما كان، وقتلهم بها من قتلوا، وذلك في شوال سنة سبع، بلغنا أنهم دخلوا على الرياشي المسجد بأسيافهم، والرياشي قائم يصلي الضحى، فضربوه بالأسياف وقالوا: هات المال، فجعل يقول: أي مال، أي مال؟ حتى مات. فلما خرجت الزنج عن البصرة، دخلناها، فمررنا ببني مازن الطحانين -وهناك كان ينزل الرياشي- فدخلنا مسجده، فإذا به ملقى وهو مستقبل القبلة، كأنما وجه إليها. وإذا بشملة تحركها الريح وقد تمزقت، وإذا جميع خلقه صحيح سوي لم ينشق له بطن، ولم يتغير له حال، إلا أن جلده قد لصق بعظمه ويبس، وذلك بعد مقتله بسنتين ﵀.\nقال الذهبي: فتنة الزنج كانت عظيمة، وذلك أن بعض الشياطين الدهاة، كان طرقيا أو مؤدبا، له نظر في الشعر والأخبار، ويظهر من حاله الزندقة والمروق، ادعى أنه علوي، ودعا إلى نفسه، فالتف عليه قطاع طريق، والعبيد السود من غلمان أهل البصرة، حتى صار في عدة، وتحيلوا وحصلوا سيوفا وعصيا، ثم ثاروا على أطراف البلد، فبدعوا وقتلوا، وقووا، وانضم إليهم كل مجرم، واستفحل الشر بهم، فسار جيش من العراق لحربهم،","vol":"4","page":247},{"text":"فكسروا الجيش، وأخذوا البصرة، واستباحوها، واشتد الخطب، وصار قائدهم الخبيث في جيش وأهبة كاملة، وعزم على أخذ بغداد، وبنى لنفسه مدينة عظيمة، وحار الخليفة المعتمد في نفسه، ودام البلاء بهذا الخبيث المارق ثلاث عشرة سنة، وهابته الجيوش، وجرت معه ملاحم ووقعات يطول شرحها. قد ذكرها المؤرخون إلى أن قتل. فالزنج هم عبارة عن عبيد البصرة الذين ثاروا معه. لا بارك الله فيهم. (١)\n\nزهير بن محمد بن قُمَيْر (٢) (٢٥٧ هـ)\nالإمام زهير بن محمد بن قمير بن شعبة المروزي، نزيل بغداد. كنيته أبو محمد وقيل أبو عبد الرحمن. روى عن الإمام أحمد وروح بن عبادة وأبي نعيم الفضل بن دكين وعبد الرزاق بن همام وغيرهم، وروى عنه ابن ماجه وأحمد ابن عبد الله البزاز ويحيى بن صاعد وأبو عبد الله المحاملي وعمر بن بجير وآخرون.\nقال محمد بن إسحاق الثقفي: ثقة مأمون، وقال الخطيب: كان ثقة صادقا ورعا زاهدا، وانتقل في آخر عمره من بغداد إلى طرسوس فرابط بها إلى أن مات.\nتوفي ﵀ في آخر سنة سبع وخمسين ومائتين، وقيل سنة ثمان\n_________\n(١) السير (١٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥).\n(٢) تاريخ بغداد (٨/ ٤٨٤) طبقات الحنابلة (١/ ١٥٩) وتهذيب الكمال (٩/ ٤١١ - ٤١٤) والسير (١٢/ ٣٦٠ - ٣٦١) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨) وشذرات الذهب (٢/ ١٣٦).","vol":"4","page":248},{"text":"وخمسين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1732>موقفه من المشركين:</span>\n- قال البغوي: ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل منه، سمعته يقول: أشتهي لحما من أربعين سنة، ولا آكله حتى أدخل الروم، فآكل من مغانم الروم. (١)\n\nأحمد بن الفُرَات (٢) (٢٥٨ هـ)\nأحمد بن الفرات بن خالد، الشيخ الإمام الحافظ الكبير الحجة محدث أصبهان، أبو مسعود الضَّبِّي الرازي نزيل أصبهان. ولد سنة نيف وثمانين ومائة في خلافة هارون الرشيد. وطلب العلم في الصغر وعد من الحفاظ، وهو شاب أمرد، وارتحل إلى العراق والشام والحجاز واليمن ولحق الكبار. سمع عبد الله بن نمير، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الرزاق بن همام، ويزيد ابن هارون، وأكثر الترحال في لقي الرجال. قال إبراهيم بن محمد الطيان، سمعت أبا مسعود يقول: كتبت عن ألف وسبعمائة شيخ، وكتبت ألف ألف حديث وخمسمائة ألف فعملت من ذلك في تواليفي خمسمائة ألف حديث. وألف المسند والكتب الكثيرة. روى عنه أبو داود وأبو بكر بن أبي عاصم،\n_________\n(١) السير (١٢/ ٣٦١) وتاريخ بغداد (٨/ ٤٨٥).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٦٧) وتاريخ بغداد (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤) وتهذيب الكمال (١/ ٤٢٢ - ٤٢٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥) وميزان الاعتدال (١/ ١٢٧ - ١٢٨) والوافي بالوفيات (٧/ ٢٨٠) وشذرات الذهب (٢/ ١٣٨) والسير (١٢/ ٤٨٠ - ٤٨٨).","vol":"4","page":249},{"text":"وجعفر الفريابي. قال أحمد بن حنبل: ما أظن بقي أحد أعرف بالمسندات من ابن الفرات. وقال أيضا: ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله - ﷺ - من أبي مسعود الرازي. قال أبو أحمد بن عدي: لا أعلم لأبي مسعود الرازي رواية منكرة وهو من أهل الصدق والحفظ. توفي في شعبان سنة ثمان وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1734>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: عن أحمد بن محمود بن صبيح: سمعت أبا مسعود الرازي يقول: وددت أني أقتل في حب أبي بكر وعمر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1735>موقفه من الجهمية:</span>\nمن له إلمام بتواريخ العالم الإسلامي وطبقات علمائهم، يعرف ما كان عليه هذا البلد المبارك -يعني أصبهان-، فقد خرج منه أكابر العلماء الذين كان لهم إسهام كبير في السنة عموما وفي العقيدة السلفية خصوصا. ومنهم هذا العلامة، له: 'كتاب السنة'.\n- ومن مواقفه الطيبة ما جاء في أصول الاعتقاد: عن أبي مسعود أحمد ابن الفرات أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي. (٢)\n_________\n(١) السير (١٢/ ٤٨٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٩/٥٩٥).","vol":"4","page":250},{"text":"الذُّهْلِي (١) (٢٥٨ هـ)\nمحمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب، الإمام العلامة الحافظ البارع، شيخ الإسلام، وعالم أهل المشرق، وإمام أهل الحديث بخراسان، أبو عبد الله الذهلي مولاهم، النيسابوري. مولده سنة بضع وسبعين ومائة. سمع من عبد الرحمن بن مهدي، وأسباط بن محمد وأبي داود الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وخلائق بالحرمين والشام ومصر والعراق والري وخراسان واليمن والجزيرة وبرع في هذا الشأن. حدث عنه الجماعة سوى مسلم، وأبو زرعة وابن خزيمة وأبو حاتم وأبو عوانة الاسفراييني وخلق كثير، وانتهت إليه مشيخة العلم بخراسان مع الثقة والصيانة والدين ومتابعة السنن. عن محمد بن عسكر قال: كنا عند أحمد بن حنبل فدخل محمد بن يحيى الذهلي فقام إليه أحمد وتعجب منه الناس ثم قال لبنيه وأصحابه: اذهبوا إلى أبي عبد الله واكتبوا عنه. قال أبو بكر بن زياد: وهو عندي إمام في الحديث. قال أبو سعيد المؤذن: سمعت زنجويه بن محمد يقول: كنت أسمع مشايخنا يقولون: الحديث الذي لا يعرفه محمد بن يحيى لا يعبأ به. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتب عنه أبي بالري، وهو ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين، سئل أبي عنه فقال: ثقة. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان أحد الأئمة العارفين، والحفاظ المتقنين، والثقات المأمونين، صنف حديث الزهري وجوده، وقدم بغداد\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٣/ ٤١٥ - ٤٢٠) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٦١٧ - ٦٣١) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٣٠ - ٥٣٢) والوافي بالوفيات (٥/ ١٨٦ - ١٨٧) والبداية والنهاية (١١/ ٣١) وشذرات الذهب (٢/ ١٣٨) والسير (١٢/ ٢٧٣ - ٢٨٥).","vol":"4","page":251},{"text":"وجالس شيوخها وحدث بها وكان أحمد بن حنبل يثني عليه وينشر فضله. مات سنة ثمان وخمسين ومائتين وبلغ ستا وثمانين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في تاريخ الخطيب بالسند إلى محمد بن يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته، وحيث يتصرف، فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وخرج عن الإيمان وبانت منه امرأته يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وجعل ماله فيئا بين المسلمين ولم يدفن في مقابر المسلمين. ومن وقف وقال: لا أقول مخلوق أو غير مخلوق فقد ضاهى الكفر ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يجالس ولا يكلم. (١)\n- وفي أصول الاعتقاد عنه قال: من وقف في القرآن فمحله محل من زعم أن القرآن مخلوق. (٢)\n- وفيه عنه قال: إن من قال إن القرآن يكون مخلوقا بالألفاظ فقد زعم أن القرآن مخلوق. وقال هو مبتدع وأمر بمباينته ومجانبته. (٣)\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٢/ ٣١ - ٣٢) والسير (١٢/ ٢٨٩).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٦٢/٥٤٠).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٨/٥٨٩).","vol":"4","page":252},{"text":"هارون بن إسحاق الهمداني (١) (٢٥٨ هـ)\nالإمام الحافظ هارون بن إسحاق بن محمد بن مالك بن زبيد الهمداني، أبو القاسم الكوفي. روى عن سفيان بن عيينة وعبد الله بن نمير وعبد الرزاق بن همام ووكيع بن الجراح وحفص بن غياث وطبقتهم. وروى عنه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وخلق كثير. قال علي بن الحسين بن الجنيد: كان محمد بن عبد الله بن نمير يبجله. وقال أبو بكر بن خزيمة: كان من خيار عباد الله. وقال الذهبي: ثقة متعبد. توفي ﵀ سنة ثمان وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1739>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن المروذي قال: سألت هارون بن إسحاق الهمذاني عن الواقفة فقال: هم شر من الجهمية. (٢)\n\nيحيى بن معاذ الرازي (٣) (٢٥٨ هـ)\nيحيى بن معاذ أبو زكريا الرازي الواعظ، حكيم أهل زمانه. سمع إسحاق بن سليمان الرازي ومكي بن إبراهيم البلخي وعلي بن محمد الطنافسي. وعنه الفقيه أبو نصر بن سلام، وأبو عثمان الحيري الزاهد وعلي\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٢٦ - ١٢٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.٣٥٨) وتهذيب الكمال (٣٠/ ٧٥) وتهذيب التهذيب (١١/ ٢).\n(٢) الإبانة (١/ ١٢/٣٠٣ - ٣٠٤/ ٩٠).\n(٣) حلية الأولياء (١٠/ ٥١ - ٧٠) وتاريخ بغداد (١٤/ ٢٠٨) والمنتظم (١٢/ ١٤٨ - ١٤٩) والكامل (٧/ ٢٥٨) ووفيات الأعيان (٦/ ١٦٥ - ١٦٨) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ١٥ - ١٦) وتاريخ الإسلام (وفيات ٢٥١ - ٢٦٠/ص٣٧٣).","vol":"4","page":253},{"text":"بن محمد القباني ومشايخ الري وهمدان وبلخ ومرو.\nكان قد انتقل عن الري، وسكن نيسابور إلى أن مات بها وقدم بغداد واجمتع إليه مشايخ الصوفية.\nقال عنه ابن الأثير: كان عابدا صالحا. وقال ابن خلكان: أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي الواعظ، أحد رجال الطريقة، ذكره أبو القاسم القشيري في 'الرسالة' وعده من جملة المشايخ. توفي سنة ثمان وخمسين مائتين بنيسابور، رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1741>موقفه من المبتدعة والمشركين:</span>\n- وقال يحيى بن معاذ الرازي: اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة أصول، فلكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد وضده الشرك، والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية. (١)\n- روى ابن بطة بسنده إلى علي بن الحسين بن هذيل القطان، قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي، يقول: الناس خمس طبقات فاجتنب أربعا والزم واحدة، فأما الأربع الذين يجب عليك أن تجتنبهن. فذكر ثلاث طبقات، اختصرت أنا الكلام بترك وصفهم لكثرته، ثم قال: والطبقة الرابعة: فهم المتعمقون في الدين الذين يتكلمون في العقول ويحملون الناس على قياس أفهامهم، قد بلغ من فتنة أحدهم وتمكن الشك من قلبه أنك تراه يحتج على خصمه بحجة قد خصمه بها، وهو نفسه من تلك الحجة في شك، ليس\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١٢٢ - ١٢٣).","vol":"4","page":254},{"text":"يعتقدها ولا يجهل ضعفها، ولا ديانة له فيها، إن عرضت له من غيره حجة هي ألطف منها انتقل إليها، فدينه محمول على سفينة الفتن يسير بها في بحور المهالك، يسوقها الخطر ويسوسها الحيرة، وذلك حين رأى عقله أملى بالدين وأضبط له وأغوص على الغيب، وأبلغ لما يراد من الثواب من أمر الله إياه ونهيه وفرائضه الملجمة للمؤمنين عن اختراق السدود، والتنقير عن غوامض الأمور، والتدقيق الذي قد نهيت هذه الأمة عنه، إذ كان ذلك سبب هلاك الأمم قبلها وعلة ما أخرجها من دين ربها، وهؤلاء هم الفساق في دين الله المارقون منه التاركون لسبيل الحق المجانبون للهدى، الذين لم يرضوا بحكم الله في دينه حتى تكلفوا طلب ما قد سقط عنهم طلبه، ومن لم يرض بحكم الله في المعرفة حكما لم يرض بالله ربا، ومن لم يرض بالله ربا كان كافرا، وكيف يرضون بحكم الله في الدين وقد بين لنا فيه حدودا وفرض علينا القيام عليها والتسليم بها فجاء هؤلاء بعد قلة عقولهم وجور فطنهم وجهل مقاييسهم يتكلمون في الدقائق ويتعمقون، فكفى بهم خزيا سقوطهم من عيون الصالحين يقتصر فيهم على ما قد لزمهم في الأمة من قالة السوء وألبسوا من أثواب التهمة واستوحش منهم المؤمنون ونهى عن مجالستهم العلماء وكرهتهم الحكماء واستنكرتهم الأدباء وقامت منهم فراسة البصراء، شكاكون جاهلون ووسواسون متحيرون فإذا رأيت المريد يطيف بناحيتهم فاغسل يدك منه ولا تجالسه.","vol":"4","page":255},{"text":"(١)\nوقال يحيى بن معاذ الرازي: إن ربنا تعالى أبدى شيئا وأخفى أشياء وإن المحفوظين بولاية الإيمان حفظوا ما أبدى وتركوا ما أخفى وذهب آخرون يطلبون علم ما أخفى فهتكوا فهلكوا فأداهم الترك لأمره إلى حدود الضلال فكانوا زائغين. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1742>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: وروى أيضا -أي ابن أبي حاتم- عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل، وهالك مرتاب، يمزج الله بخلقه، ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1743>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن أبي محمد الإسكاف: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: من أحب أن يفرح بالله ويتمتع بعبادة الله؛ فلا يسألن عن سر الله يعني القدر. (٤)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٤٠٤ - ٤٠٦/ ٣٠٩).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٤١٩).\n(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩).\n(٤) الإبانة (١/ ٨/٢٤٣/ ١٢٨٢).","vol":"4","page":256},{"text":"الجَوْزَجَانيّ (١) (٢٥٩ هـ)\nالحافظ، إمام الجرح والتعديل، إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي، أبو إسحاق الجوزجاني، سكن دمشق. روى عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وسعيد بن أبي مريم، ويزيد بن هارون وخلق، روى عنه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأبو بشر الدولابي وآخرون. قال أبو بكر الخلال: إبراهيم بن يعقوب جليل جدا، كان أحمد بن حنبل يكاتبه ويكرمه إكراما شديدا. قال الدارقطني: كان من الحفاظ المصنفين والمخرجين الثقات. وقال ابن حبان: كان حريزي المذهب، ولم يكن بداعية إليه، وكان صلبا في السنة حافظا للحديث إلا أن من صلابته كان يتعدى طوره. وقال الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ، رمي بالنصب. توفي ﵀ سنة تسع وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1745>موقفه من القدرية:</span>\n- قال الجوزجاني: كان قوم يتكلمون في القدر، احتمل الناس حديثهم لما عرفوا من اجتهادهم في الدين والصدق والأمانة، ولم يتوهم عليهم الكذب، وإن بلوا بسوء رأيهم، منهم معبد الجهني، وقتادة، ومعبد رأسهم. (٢)\n_________\n(١) تاريخ دمشق (٧/ ٢٧٨ - ٢٨٢) وطبقات الحنابلة (١/ ٩٨) وتهذيب الكمال (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٨) وميزان الاعتدال (١/ ٧٥ - ٧٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٥١ - ٢٦٠/ص.٧١ - ٧٢) وتهذيب التهذيب (١/ ١٨١ - ١٨٣).\n(٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٦).","vol":"4","page":257},{"text":"أحمد بن سِنَان (١) (٢٥٩ هـ)\nأحمد بن سنان بن أسد بن حبان الإمام الحافظ المجود، أبو جعفر الواسطي القطان، ولد بعد السبعين ومائة. سمع من وكيع وأبي معاوية الضرير، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، وهذه الطبقة، وصنف 'المسند'. حدث عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي في حديث مالك، وابنه جعفر بن أحمد وابن خزيمة وعبد الرحمن بن أبي حاتم وخلق سواهم. قال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال ابنه عبد الرحمن: إمام أهل زمانه. وقال إبراهيم بن أورمة: أعدنا عليه ما سمعناه من بندار وأبي موسى يعني: لإتقانه وضبطه. توفي ﵀ سنة تسع وخمسين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1747>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الإبانة: قال أبو حاتم: سمعت أحمد بن سنان يقول: لأن يجاورني صاحب طنبور، أحب إلي من أن يجاورني صاحب بدعة؛ لأن صاحب الطنبور أنهاه وأكسر الطنبور، والمبتدع يفسد الناس والجيران والأحداث. (٢)\n- وفيها أيضا قال أبو حاتم: سمعت أحمد بن سنان يقول: إذا جاور الرجل صاحب بدعة أرى له أن يبيع داره إن أمكنه وليتحول وإلا أهلك\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ٥٣) وتهذيب الكمال (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٤ - ٣٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٢١) والوافي بالوفيات (٦/ ٤٠٧) وشذرات الذهب (٢/ ١٣٧) والسير (١٢/ ٢٤٤ - ٢٤٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٩/ ٤٧٣).","vol":"4","page":258},{"text":"ولده وجيرانه، فنزع ابن سنان بحديث النبي - ﷺ - قال: \"من سمع منكم بالدجال فلينأ عنه قالها ثلاثا، فإن الرجل يأتيه وهو يرى أنه كاذب فيتبعه لما يرى من الشبهات\" (١).اهـ (٢)\n\" التعليق:\nوأين نسكن الآن في هذا الزمان، وقد ملأ الأرض المبتدعة إلا ما شاء الله من البقاع التي لم تنجس بنجاسة البدع والمبتدعة.\n- وجاء في ذم الكلام: عن جعفر بن أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت أحمد بن سنان يقول: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل بدعة نزعت حلاوة الحديث من قلبه. (٣)\n\" التعليق:\nوهو كذلك، فتصبح صناعة الحديث عنده لتغطية بدعته وللرياء والسمعة وللتحريف الباطل والتضليل نسأل الله العافية.\n\n- جاء في شرف أصحاب الحديث: بالسند إلى أبي حاتم قال: سمعت أحمد بن سنان وذكر حديث: \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق ... \" (٤)\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ٤٣١) وأبو داود (٤/ ٤٩٥/٤٣١٩) والحاكم (٤/ ٥٣١) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه\" وسكت عنه الذهبي.\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٦٩/ ٤٧٤).\n(٣) ذم الكلام (٧٧) والسير (١٢/ ٢٤٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٢١) وشرف أصحاب الحديث (٧٣).\n(٤) تقدم تخريجه. انظر مواقف يزيد بن هارون سنة (٢٠٦هـ).","vol":"4","page":259},{"text":"فقال: هم أهل العلم وأصحاب الآثار. (١)\n\" التعليق:\nوهو كذلك، لأنهم هم ورثته في علمه وعقيدته وسنته، وهم النجوم التي يهتدى بها، وعن اختفائها تتلاطم أمواج البدع والإلحاد والخرافات وجميع الضلالات، وهذا هو الواقع في غالب البلدان، إلا التي استنارت بنور الحق وهدي الطائفة المنصورة.\n\nالحسن بن محمد بن الصَّبَّاح (٢) (٢٦٠ هـ)\nالحسن بن محمد بن الصباح الزَّعْفَرَانِي، أبو علي البغدادي، كان يسكن درب الزعفراني ببغداد، فنسب إليه. روى عن سعيد بن منصور، وسفيان بن عيينة وعلي ابن المديني، وأبي نعيم، والشافعي، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون. وروى عنه الجماعة سوى مسلم، وأبو القاسم البغوي، وابن خزيمة، وأبو عوانة، ومحمد ابن مخلد، وخلق. قال ابن حبان: كان أحمد بن حنبل وأبو ثور يحضران عند الشافعي، وكان الحسن الزعفراني هو الذي يتولى القراءة. وقال أحمد بن محمد بن الجراح: سمعت الحسن الزعفراني يقول: لما قرأت كتاب 'الرسالة' على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ قلت: ما أنا بعربي، وما أنا إلا من قرية يقال لها الزعفرانية، قال: فأنت سيد هذه\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (٢٧).\n(٢) تاريخ بغداد (٧/ ٤٠٧) وطبقات الحنابلة (١/ ١٣٨) وتهذيب الكمال (٦/ ٣١٠ - ٣١٣) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٦٢ - ٢٦٥) وتهذيب التهذيب (٢/ ٣١٨ - ٣١٩).","vol":"4","page":260},{"text":"القرية. وقال ابن عبد البر: يقال إنه لم يكن في وقته أفصح منه ولا أبصر باللغة، ولذلك اختاروه لقراءة كتب الشافعي، وكان يذهب إلى مذهب أهل العراق فتركه وتفقه للشافعي، وكان نبيلا ثقة مأمونا. توفي ﵀ سنة ستين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1749>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن إبراهيم بن يحيى قال: سمعت الزعفراني يقول: ما على وجه الأرض قوم أفضل من أصحاب هذه المحابر، يتبعون آثار رسول الله - ﷺ - ويكتبونها لكي لا تدرس. (١)\n\nأبو شعيب السُّوسِي (٢) (٢٦١ هـ)\nهو صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل، الرُّسْتبي السوسي، أبو شعيب المقرئ شيخ الرَّقَّة وعالمها ومقرئها. قرأ القرآن على يحيى اليزيدي صاحب أبي عمرو. وسمع بالكوفة من عبد الله بن نمير، وأسباط بن محمد وجماعة. وبمكة من ابن عيينة وغيره. وحدث عنه أبو بكر بن أبي عاصم، وأبو عروبة الحراني والحافظ أبو علي محمد بن سعيد. قال أبو حاتم: صدوق.\nتوفي في أول سنة إحدى وستين ومائتين، وقد قارب التسعين.\n_________\n(١) ذم الكلام (٩٩).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ١٧٦ - ١٧٧) وتهذيب الكمال (١٣/ ٥٠ - ٥٢) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٨٠ - ٣٨١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٦١ - ٢٧٠/ص.١٠٨ - ١٠٩) والوافي بالوفيات (١٦/ ٢٥٨).","vol":"4","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1751>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال عنه الذهبي في سيره: وكان صاحب سنة، دعا له الإمام لما بلغه، أن ختنه تكلم في القرآن، فقام أبو شعيب عليه ليفارق بنته. (١)\n\nعلي بن إِشْكَاب (٢) (٢٦١ هـ)\nهو أبو الحسن علي بن الحسين بن إبراهيم بن الحر بن زعلان البغدادي، كان أسن من أخيه محمد بن إشكاب. سمع إسماعيل بن علية، وإسحاق الأزرق، وأبا معاوية، وحجاج بن محمد وخلقا. وعنه أبو داود، وابن ماجه، وابن أبي حاتم وغيرهم. وطال عمره، وتزاحم عليه الطلاب. وثقه النسائي وغيره. مات في شوال سنة إحدى وستين ومائتين، وله بضع وثمانون سنة.\nموقفه من الجهمية:\n- قال أبو بكر المروذي: سمعت علي بن أشكاب يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق، فهو كافر. (٣)\n_________\n(١) السير (١٢/ ٣٨١).\n(٢) تاريخ بغداد (١١/ ٣٩٢ - ٣٩٤) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣) وتاريخ الإسلام (حوادث٢٦١ - ٢٧٠/ص.١٣٥) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٣٧٩ - ٣٨١).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٢/٧٢/ ٢٩٦).","vol":"4","page":262},{"text":"الأَثْرَم (١) (٢٦١ هـ)\nالإمام الحافظ العلامة، أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ، الإِسْكَافِي الأثرم الطائي، وقيل الكلبي، أحد الأعلام، ومصنف 'السنن' وتلميذ الإمام أحمد، خراساني الأصل. كان من أهل إسكاف بني الجنيد وبها مات. ولد في دولة الرشيد، وسمع من أحمد بن إسحاق الحضرمي، وأبي نعيم، وعفان، والقعنبي، ومسدد بن مسرهد، وأحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة، وخلق. حدث عنه النسائي، وموسى بن هارون، ويحيى بن صاعد، وعلي بن أبي طاهر القزويني وغيرهم. وله مصنف في علل الحديث. قال أبو بكر الخلال: كان الأثرم جليل القدر، حافظا وكان عاصم بن علي لما قدم بغداد طلب رجلا يخرج له فوائد يمليها فلم يجد في ذلك الوقت غير أبي بكر الأثرم، فكأنه لما رآه لم يقع منه موقعا لحداثة سنه، فقال له أبو بكر: أخرج كتابك، فجعل يقول له: هذا الحديث خطأ وهذا غلط، وهذا كذا. قال: فسر عاصم بن علي به وأملى قريبا من خمسين مجلسا، وكان يعرف الحديث ويحفظ فلما صحب أحمد بن حنبل ترك ذلك، وأقبل على مذهب أحمد. وكان معه تيقظ عجيب. وكان عالما بتواليف ابن أبي شيبة، لازمه مدة. توفي ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1754>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال الأثرم: كنت عند خلف البزاز يوم جمعة، فلما قمنا من المجلس\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ٧٢) وتهذيب الكمال (١/ ٤٧٦ - ٤٨٠) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٧٠ - ٥٧٢) وتهذيب التهذيب (١/ ٧٨ - ٧٩) وشذرات الذهب (٢/ ١٤١ - ١٤٢) والسير (١٢/ ٦٢٣ - ٦٢٨) وتاريخ بغداد (٥/ ١١٠ - ١١٢).","vol":"4","page":263},{"text":"صرت إلى قرن الصراة. فأردت أن أغتسل للجمعة. فغرقت. فلم أجد شيئا أتقرب به إلى الله جل ثناؤه أكثر عندي من أن قلت: اللهم إن تحيني لأتوبن من صحبة حارث -يعني المحاسبي. (١)\nكتابه إلى الثغر:\n- قال الأثرم في أثناء كتاب إلى الثغر: أعاذنا الله وإياكم من كل موبقة، وأنقذنا وإياكم من كل مهلكة. وسلمنا وإياكم من كل شبهة، ومسكنا وإياكم بصالح ما مضى عليه أسلافنا وأئمتنا.\nكتابي إليكم -ونحن في نعم متواصلة. نسأل الله تمامها، ونرغب إليه في الزيادة من فضله، والعون على بلوغ رضاه- إن في كثير من الكلام فتنة، وبحسب الرجل ما بلغ به من الكلام حاجته. ولقد حكي لنا أن فضلا كان يتلاكن في كلامه، فإن في السكوت لسَعَة، وربما كان من الأمور ما يطيق عنه السكوت. وذلك لما أوجب الله من النصيحة، وندب العلماء من القيام بها للخاصة والعامة، ولولا ذلك كان ما دعا إليه من الخمول أصوب في دهر قل فيه من يستراح إليه، ونشأ فيه من يرغب عنه. ونحن في موضع انقطاع عن الأمصار، فربما انتهى إلينا الخبر الذي يزعجنا، فنحرص على الصبر. فنخاف وجوب الحجة من العلم.\nولقد تبين عند أهل العلم عظم المصيبة بما فقدنا من شيخنا ﵁، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل إمامنا ومعلمنا، ومعلم من كان قبلنا\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ٦٨).","vol":"4","page":264},{"text":"منذ أكثر من ستين سنة. وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد. وما عالم كعالم، إنهم يتفاضلون ويتباينون بونا بعيدا. فقد ظننت أن عدو الله وعدو المسلمين إبليس وجنوده قد أعدوا من الفتن أسبابا، انتظروا بها فقده، لأنه كان يقمع باطلهم، ويزهق أحزابهم.\nوكانت أول بدعة علمتها فاشية من الفتن المضلة، ومن العماية بعد الهدى. وقد رأيت قوما في حياة أبي عبد الله كانوا لزموا البيت على أسباب من النسك، وقلة من العلم. فأكرمهم الناس ببعض ما ظهر لهم من حبهم للخير، فدخلهم العجب مع قلة العلم. فكان لا يزال أحدهم يتكلم بالأمر العجيب. فيدفع الله ذلك بقول الشيخ، جزاه الله أفضل ما جزى من تعلمنا منه، ولا يكون من أحد منهم من ذلك شيء إلا كان سبب فضيحته، وهتك ما مضى من ستره. فأنا حافظ من ذلك لأشياء كثيرة. وإنما هذا من مكايد إبليس مع جنوده. يقول لأحدهم: أنت أنت، ومن مثلك؟ فقل، قد قال غيرك، ثم يلقي في قلبه الشيء. وليس هناك سعة في علم، فيزين عنده: أن يبتدئه ليشمت به. وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوقد ظننت أن آخرين يلتمسون الشهرة، ويحبون أن يذكروا. وقد ذكر قبلهم قوم بألوان من البدع فافتضحوا، ولأن يكون الرجل تابعا في الخير خير من أن يكون رأسا في الشر. وقد قال ابن مسعود: (اتبعوا، ولا تبتدعوا، فقد كفيتم كل بدعة ضلالة). وقال: (أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول) وقال النبي - ﷺ -: \"البركة مع","vol":"4","page":265},{"text":"أكابركم\" (١) وقال ابن مسعود: (لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم) وقال ابن عمر: (كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة) وقال النبي - ﷺ -: \"ألا هلك المتنطعون\" (٢) وقال الصديق ﵁: (أي أرض تقلني؟ وأي سماء تظلني؟ إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) وقال علي: (ما أبردها على الكبد إذا سئل الرجل عما لا يعلم: أن يقول: لا أعلم) وقال أبو موسى: (من علمه الله علما فليعلمه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به، فيصير من المتكلفين، ويمرق من الدين) وقال ابن مسعود: (إذا سئل أحدكم عما لا يعلم، فليقر، ولا يستحي) وروى عن النبي - ﷺ - في أحاديث أنه قال: \"من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" (٣) ... وقال الشعبي: (ما حدثوك عن رأيهم فألقه في الحش).\nوقال عمر بن عبد العزيز: إياك وما أحدث المحدثون. فإنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة منها، فعليك بلزوم السنة. فإنها لك بإذن الله عصمة. وإن السنة إنما سنها من قد علم ما جاء في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق. وارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم. فإنهم عن علم وقفوا وببصر ناقد كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل -لو كان فيها- أحرى. إنهم لهم السابقون. فلئن كان الهدى\n_________\n(١) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١/ ٥٧/٣٦ - ٣٧) والطبراني في الأوسط (٩/ ٤٥٦ - ٤٥٧/ ٨٩٨٦) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧١،١٧٢) وابن حبان (الإحسان ٢/ ٣١٩/٥٥٩) والحاكم (١/ ٦٢) وقال: \"صحيح على شرط البخاري\" ووافقه الذهبي. كلهم عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٦) ومسلم (٤/ ٢٠٥٥/٢٦٧٠) وأبو داود (٥/ ١٥/٤٦٠٨) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(٣) تقدم تخريجه. انظر مواقف علي ﵁ سنة (٤٠هـ).","vol":"4","page":266},{"text":"ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، وإن قلتم: حدث حدث بعدهم، ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم. ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي. فما دونهم مقصر ولا فوقهم محسر. لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا. وإنهم مع ذلك لعلى هدى مستقيم.\nوقال القاسم بن محمد: (لأن يعيش الرجل جاهلا خير له من أن يقول على الله ما لا يعلم). وقال ابن مسعود: (إن من العلم: إذا سئل الرجل عما لا يعلم: أن يقول: الله أعلم). وقال ابن عمر: (العلم ثلاث: آية محكمة، وسنة ماضية. ولا أدري). وقال الشعبي: (لا أدري: نصف العلم). وقال الربيع بن خثيم: (إياك أن يقول الرجل: حرم هذا، ونهى عن هذا. فيقول الله له: كذبت). وقال أحمد بن عبد الرحمن الحميري: (لأن أرده مغبة أحب إلي أن أتكلفه). وقال الشعبي: (والله ما أبالي سئلت عما أعلم، أو عما لا أعلم). يقول: إنه يسهل علَيّ أن أقول: لا أعلم. وقال عبد الله بن عتبة بن مسعود: (إنك لن تخطئ الطريق ما دمت على الأثر). وقال ابن عباس: (عليك بالاستقامة، وإياك والبدع والتبدع). وقال معاذ بن جبل: (إياكم والتبدع والتنطع، وعليكم بالعتيق). وقال ابن عباس: (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض. فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم). وقال إبراهيم: (ما جعل الله في هذه الأهواء مثقال ذرة من خير. وما هي إلا زينة من الشيطان. وما الأمر إلا الأمر الأول. وقد جعل الله على الحق نورا يكشف به العلماء، ويصرف به","vol":"4","page":267},{"text":"شبهات الخطأ. وإن الباطل لا يقوم للحق. قال الله ﷿: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (١) فهذه لكل واصف كذب إلى يوم القيامة. وإن أعظم الكذب أن تكذب على الله).\nوإن أبا عبد الله، وإن كان قريبا موته: فقد تقدمت إمامته، ولم يخلف فيكم شبهة. وإنما أبقاه الله لينفع به. فعاش ما عاش حميدا. ومات بحمد الله مغبوطا. يشهد له خيار عباد الله الذين جعلهم الله شهداء في أرضه. ويعرفون له ورعه وتقواه، واجتهاده وزهده، وأمانته في المسلمين وفضل علمه.\nولقد انتهى إلينا أن الأئمة الذين لم ندركهم كان منهم من ينتهي إلى قوله، ويسأله. ومنهم من يقدمه ويصفه. ولقد أخبرت أن وكيع بن الجراح كان ربما سأله، وأن عبد الرحمن بن مهدي كان يحكي عنه ويحتج به. ويقدمه في العلم ويصفه. وذلك نحو ستين سنة. وأخبرت أن الشافعي كانت أكثر معرفته بالحديث مما تعلم منه. ولقد أخبرت أن إسماعيل بن علية كان يهابه. وقال لي شيخ مرة: ضحكنا من شيء، وثم أحمد بن حنبل، فجئنا بعد إلى إسماعيل فوجدناه غضبان. فقال: تضحكون وعندي أحمد بن حنبل؟ وأخبرت أن يزيد بن هارون ذكره فبكى. وأخبرت أن يزيد عاده في منزله. وأخبرت أن أبا عاصم قال: ما جاءنا مثله.\n_________\n(١) الأنبياء الآية (١٨).","vol":"4","page":268},{"text":"وكم بلغنا مثل هذا. وذكر تمام الرسالة بطولها. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1755>موقفه من الرافضة والقدرية:</span>\n- قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول: قال أبو بكر بن هاني: لا تؤكل ذبيحة الروافض والقدرية كما لا تؤكل ذبيحة المرتد، مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي؛ لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد، وأهل الذمة يقرون على دينهم، وتؤخذ منهم الجزية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1756>موقفه من الجهمية:</span>\n- هو من أكبر أئمة أصحاب الإمام أحمد وله من الآثار في العقيدة السلفية كتاب السنة. وقد ذكره غير واحد ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية. (٣)\n\nأحمد بن عبد الله العِجْلِي (٤) (٢٦١ هـ)\nالإمام الحافظ، الأوحد الزاهد، أبو الحسن، أحمد بن عبد الله بن صالح ابن مسلم، العجلي الكوفي، نزيل مدينة طرابلس المغرب. ولد بالكوفة في سنة اثنتين وثمانين ومائة. سمع من حسين الجعفي، وشبابة بن سوار، ومحمد بن يوسف الفريابي ووالده الإمام عبد الله بن صالح المقرئ وطبقتهم. حدث عنه ولده صالح بن أحمد، وسعيد بن عثمان الأعناقي، وسعيد بن إسحاق، وولده\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ٦٨ - ٧٢).\n(٢) الصارم (٥٧٢).\n(٣) انظر درء التعارض (٧/ ١٠٨) والذهبي في السير (١٢/ ٦٢٤).\n(٤) تاريخ بغداد (٤/ ٢١٤ - ٢١٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٠ - ٥٦١) والوافي بالوفيات (٧/ ٧٩ - ٨٠) وشذرات الذهب (٢/ ١٤١) والسير (١٢/ ٥٠٥ - ٥٠٧).","vol":"4","page":269},{"text":"صالح الذي روى عنه كتابه في الجرح والتعديل، المعروف بـ 'معرفة الثقات' وله مؤلف آخر هو 'التاريخ'. قال عنه عباس بن محمد الدوري: كنا نعده مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. وقال عنه يحيى بن معين: ثقة ابن ثقة ابن ثقة. وقد فر إلى المغرب ونزل طرابلس لما ظهر الامتحان بخلق القرآن فاستوطنها وولد له بها. وقيل إنما سكن بها للتفرد والعبادة. ولم يكن له بالمغرب شبيه ولا نظير في زمانه في معرفة الغريب وإتقانه وفي زهده وورعه. توفي ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>موقفه من الرافضة والجهمية:</span>\n- جاء في السير: ومن كلام أحمد بن عبد الله قال: من آمن برجعة علي ﵁ فهو كافر ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر. (١)\n\nالإمام مسلم (٢) (٢٦١ هـ)\nالإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري صاحب التصانيف أشهرها 'الصحيح' ولد سنة أربع ومائتين، وأول سماعه سنة ثمان عشرة ومائتين فأكثر عن يحيى بن يحيى التميمي، والقعنبي وسمع كذلك من أحمد بن يونس وسعيد\n_________\n(١) السير (١٢/ ٥٠٦) والتذكرة (٢/ ٥٦١).\n(٢) الجرح والتعديل (٨/ ١٨٢ - ١٨٣) وتاريخ بغداد (١٣/ ١٠٠ - ١٠٤) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٤٩٩ - ٥٠٧) والسير (١٢/ ٥٥٧ - ٥٨٠) وطبقات الحنابلة (١/ ٣٣٧ - ٣٣٩) والأنساب (٥/ ٥٠٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٨ - ٥٩٠) والمنتظم (١٢/ ١٧١ - ١٧٢) ووفيات الأعيان (٥/ ١٩٤ - ١٩٦) وشذرات الذهب (٢/ ١٤٤ - ١٤٥).","vol":"4","page":270},{"text":"بن منصور، وأحمد بن حنبل وخلق كثير، وعدتهم مائتان وعشرون رجلا. أخرج عنهم في 'الصحيح' وشيوخ آخرين في غيره، روى عنه الترمذي، وإبراهيم بن محمد الفقيه وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأحمد بن سلمة الحافظ، وابن خزيمة، والحافظ أبو عوانة ونصر بن أحمد الحافظ، وغيرهم. قال أحمد ابن سلمة: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. وقال أبو قريش الحافظ: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بنيسابور وعبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى. وقال الحسين بن محمد الماسرجسي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلما يقول: صنفت هذا 'المسند الصحيح' من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقد صنف ﵀ الكثير من المصنفات الحديثية منها: 'الأسماء والكنى' و'العلل' و'الطبقات' وغيرها. توفي ﵀ في شهر رجب سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور عن بضع وخمسين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1760>موقفه من المبتدعة:</span>\n- لقد أبدى مسلم في صحيحه، براعة فائقة في الرد على المبتدعة، فكان أول كتاب افتتح به صحيحه بعد المقدمة التي ضمنها مدخلا لدراسة السنة عموما، وكتابه على الخصوص، كتاب (الإيمان)، ساق فيه من الأحاديث ما فيه رد على المرجئة والجهمية والخوارج والمعتزلة. فساق من الأحاديث الكثيرة ما يدل على زيادة الإيمان ونقصانه. وساق من أحاديث الشفاعة وعذاب القبر ودخول عصاة الموحدين إلى الجنة، ما يرد به على الخوارج والمعتزلة ومن أحاديث إثبات الرؤية لله ﷿ يوم القيامة، كما","vol":"4","page":271},{"text":"ساق في ثنايا الكتاب من أحاديث الصفات ما يرد به على الجهمية وأفراخهم، خالية من التأويل والتحريف الذي هو منهج الجهمية. وعقد كتابا كبيرا في ذكر فضائل أصحاب الرسول - ﷺ - عموما، والصديق وعمر على الخصوص وما يرد به على الشيعة الذين شغلهم إبليس بسب خيار الأمة.\n- بعد ما ذكر الإمام مسلم ﵀ جماعة من الضعفاء والكذابين في الحديث قال: وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثير يطول الكتاب بذكره، على استقصائه، وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا. وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر؛ إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل، أو تحريم أو أمر، أو نهي، أو ترغيب، أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثما بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها، أو يستعمل بعضها ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع.\nولا أحسب كثيرا ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف، إلا أن الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند العوام، ولأن يقال: ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألف من","vol":"4","page":272},{"text":"العدد.\nومن ذهب في العلم هذا المذهب، وسلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه وكان بأن يسمى جاهلا أولى من أن ينسب إلى علم. (١)\n\" التعليق:\nفي هذه الكلمة الذهبية فوائد جمة تنبيء عن خبرة واسعة، وعن نصيحة صادقة، وعن إخلاص مستميت وكأنه معاين ما نعانيه من أهل العصر الذين قل علمهم وكثر جهلهم وجهالاتهم، وغشهم للأمة وعدم النصح لها، فجزى الله إمام أهل الحديث خيرا على هذه النصيحة الغالية والتي يستفاد منها:\n١ - وجوب بيان الحق وتحريم السكوت عن الباطل.\n٢ - بيان بطلان مذهب المستكثرين بالباطل.\n٣ - خطر التساهل في تلقي المعلومات كيف ما كان نوعها في تحريم أو تحليل أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب، وشريعة محمد - ﷺ - لا تخرج عن هذا.\n٤ - وجوب النصيحة لأمة محمد - ﷺ - بقدر الاستطاعة وبقدر الإمكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>موقفه من القدرية:</span>\n- عقد في صحيحه كتابا سماه: (كتاب القدر).\n_________\n(١) انظر مقدمة مسلم (١/ ٢٨).","vol":"4","page":273},{"text":"أبو زيد عمر بن شَبَّة النُّمَيْرِي (١) (٢٦٢ هـ)\nالعلامة الأخباري عمر بن شبة بن عبيدة بن زيد بن رائطة النميري، أبو زيد البصري النحوي، نزيل بغداد. ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة. روى عن يحيى بن سعيد القطان وعلي بن عاصم ويزيد بن هارون وغندر ومعاذ بن معاذ، وطائفة. وروى عنه ابن ماجه وأحمد بن يحيى ثعلب وابن صاعد وابن أبي الدنيا ومحمد بن أحمد الأثرم وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وخلق سواهم.\nقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وهو صدوق، صاحب عربية وأدب. وقال ابن حبان: مستقيم الحديث، وكان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بأيام الناس. وقال الخطيب: كان ثقة، عالما بالسير وأيام الناس، وله تصانيف كثيرة، وكان قد نزل في آخر عمره سر من رأى، وتوفي بها. وذلك سنة اثنتين وستين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1763>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في تاريخ بغداد عن أبي علي العنزي قال: امتحن عمر بن شبة بسر من رأى بحضرتي. فقال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. فقالوا له: فتقول من وقف فهو كافر. فقال: لا أكفر أحدا، فقالوا له أنت كافر ومزقوا كتبه، فلزم بيته وحلف أن لا يحدث شهرا، وكان ذلك حدثان قدومه من بغداد بعد الفتنة. (٢)\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١١/ ٢٠٨ - ٢١٠) والمنتظم (١٢/ ١٨٤) والكامل لابن الأثير (٧/ ٣٠٦) ووفيات الأعيان (٣/ ٤٤٠) وتهذيب الكمال (٢١/ ٣٨٦ - ٣٩٠) والسير (١٢/ ٣٦٩ - ٣٧٢) وشذرات الذهب (٢/ ١٤٦).\n(٢) تاريخ بغداد (١١/ ٢٠٩).","vol":"4","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1764>موقف السلف من يعقوب بن شيبة (٢٦٢ ه</span>ـ)\nبيان جهميته:\n- جاء في السير: قال أحمد بن كامل القاضي: وكان يقف في القرآن.\nقال الذهبي: أخذ الوقف عن شيخه أحمد المذكور، وقد وقف علي بن الجعد، ومصعب الزبيري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وجماعة، وخالفهم نحو من ألف إمام، بل سائر أئمة السلف والخلف على نفي الخليقة عن القرآن، وتكفير الجهمية. نسأل الله السلامة في الدين. (١)\n- وفيها: وقد كان المتوكل أمر عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان أن يسأل أحمد بن حنبل عمن يقلد القضاء. قال عبد الرحمن: فسألته عن يعقوب بن شيبة، فقال: مبتدع صاحب هوى. قال الخطيب: وصفه أحمد بذلك لأجل الوقف. (٢)\n\nمحمد بن أحمد بن حفص بن الزِّبْرِقان (٣) (٢٦٤ هـ)\nمولى بني عجل، عالم ما وراء النهر، شيخ الحنفية، أبو عبد الله البخاري. تفقه بوالده العلامة أبي حفص. قال أبو عبد الله بن مندة: كان عالم أهل بخارى وشيخهم. وكان قد ارتحل، وسمع من أبي الوليد الطيالسي،\n_________\n(١) السير (١٢/ ٤٧٨).\n(٢) السير (١٢/ ٤٧٨) وتاريخ بغداد (١٤/ ٢٨٢).\n(٣) السير (١٢/ ٦١٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٦١ - ٢٧٠/ص.١٥٣ - ١٥٤).","vol":"4","page":275},{"text":"والحميدي، وأبي نعيم عارم، ويحيى بن يحيى، وعبد الله بن رجاء وطبقتهم. وروى عنه أبو عصمة أحمد بن محمد اليشكري، وعبدان بن يوسف، وعلي ابن حسن بن عبدة، وطائفة، آخرهم وفاة أحمد بن خالد البخاري.\nرافق البخاري في الطلب مدة، وله كتاب 'الأهواء والاختلاف' وكان ثقة إماما ورعا زاهدا ربانيا، صاحب سنة واتباع، لقي أبا نعيم وهو أكبر شيوخه، وكان يقول بتحريم النبيذ المسكر، وكان أبوه من كبار تلامذة محمد ابن الحسن انتهت إليه رئاسة الأصحاب ببخارى، وإلى ابنه أبي عبد الله هذا. وتفقه عليه أئمة.\nقال أبو القاسم بن مندة: توفي أبو عبد الله في رمضان سنة أربع وستين ومائتين ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>موقفه من الجهمية:</span>\nله كتاب: 'الرد على اللفظية'. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1767>أبو حفص الحداد الصوفي (٢٦٤ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>موقفه من المبتدعة:</span>\n- وقال أبو حفص الحداد: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا تعده في ديوان الرجال. (٢)\n- وسئل عن البدعة؟ فقال: التعدي في الأحكام، والتهاون في السنن،\n_________\n(١) السير (١٢/ ٦١٧ - ٦١٨).\n(٢) الاعتصام (١/ ١٢٧) والسير (١٢/ ٥١٢).","vol":"4","page":276},{"text":"واتباع الآراء والأهواء، وترك الاتباع والاقتداء. (١)\n\nأبو زُرْعَة الرازي (٢) (٢٦٤ هـ)\nالإمام سيد الحفاظ أحد الأئمة المشهورين، والأعلام المذكورين، والجوالين المكثرين، والحفاظ المتقنين، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ مولى عياش بن مطرف القرشي، أبو زرعة الرازي. جالس الإمام أحمد مدة. وسمع أبا نعيم وقبيصة وخلاد بن يحيى ومسلم بن إبراهيم والقعنبي، وطبقتهم بالحرمين والعراق والشام والجزيرة وخراسان ومصر. وكان من أفراد الدهر حفظا وذكاء ودينا وإخلاصا وعلما وعملا. حدث عنه مسلم وابن خالته أبو حاتم، والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة وابن أبي حاتم وآخرون. قال البخاري: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: نزل أبو زرعة عندنا فقال لي أبي: يا بني قد اعتضت عن نوافلي بمذاكرة هذا الشيخ. قال صالح بن محمد: سمعت أبا زرعة يقول كتبت عن ابن أبي شيبة مائة ألف حديث، وعن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف، قلت: تقدر أن تملي علي ألف حديث من حفظك؟ قال: لا ولكني إذا ألقي علي عرفت. قال ابن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة. قال أبو يعلى الموصلي: ما سمعنا بذكر\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٧٣) وانظر الاعتصام (١/ ١٢٧).\n(٢) تهذيب الكمال (١٩/ ٨٩ - ١٠٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٧ - ٥٥٩) والأنساب (٣/ ٢٤) وشذرات الذهب (٢/ ١٤٨) وتاريخ بغداد (١٠/ ٣٢٦ - ٣٣٧) والسير (١٣/ ٦٥ - ٨٥) والجرح والتعديل (١/ ٣٢٨ - ٣٤٩) وتهذيب التهذيب (٧/ ٣٠ - ٣٤).","vol":"4","page":277},{"text":"أحد في الحفظ، إلا كان اسمه أكبر من رؤيته، إلا أبا زرعة الرازي، فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه وكان قد جمع حفظ الأبواب والشيوخ والتفسير، كتبنا بانتخابه بواسط ستة آلاف حديث. قال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي فليس بحديث. قال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أكثر تواضعا من أبي زرعة، هو وأبو حاتم إماما خراسان. ومناقبه وسيرته ﵀ أكبر من أن تذكر في سطور. مات بالري يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1770>موقفه من المبتدعة والصوفية:</span>\n- قال الحافظ سعيد بن عمرو البردعي: شهدت أبا زرعة -وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه- فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات؛ عليك بالأثر؛ فإنك تجد فيه ما يغنيك. قيل له: في هذه الكتب عبرة. فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان ومالكا والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس؟ ما أسرع الناس إلى البدع. (١)\n\" التعليق:\nقال الذهبي: مات الحارث سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وأين مثل الحارث؟ فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين كالقوت لأبي طالب؟ وأين مثل القوت؟ كيف لو رأى بهجة الأسرار لابن جهضم، وحقائق\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٨/ ٢١٥) والسير (١٢/ ١١٢).","vol":"4","page":278},{"text":"التفسير للسلمي؟ لطار لبه، كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسي في ذلك على كثرة ما في الإحياء من الموضوعات؟ كيف لو رأى الغنية للشيخ عبد القادر؟ كيف لو رأى فصوص الحكم والفتوحات المكية؟ بلى لما كان الحارث لسان القوم في ذلك العصر، كان معاصره ألف إمام في الحديث، فيهم مثل أحمد بن حنبل، وابن راهويه؛ ولما صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسي، وابن شحانة كان قطب العارفين كصاحب الفصوص، وابن سفيان. نسأل الله العفو والمسامحة آمين. (١)\nقلت: في جواب الإمام أبي زرعة تكميم لأفواه الخراصين الذين يولدون مثل هذه الأسئلة السمجة التي تنم عن جهل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وجهل بما خصهما الله به من الهداية. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (١/ ٤٣١).","vol":"4","page":279},{"text":"يَتَوَكَّلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.\n- عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار -حجازا وعراقا وشاما ويمنا- فكان من مذهبهم:\nالإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص. والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته.\nوالقدر خيره وشره من الله ﷿. وخير هذه الأمة بعد نبيها ﵊ أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵈، وهم الخلفاء الراشدون المهديون، وأن العشرة الذين سماهم رسول الله - ﷺ -، وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله - ﷺ -، وقوله الحق. والترحم على جميع أصحاب محمد - ﷺ - والكف عما شجر بينهم. وأن الله ﷿ على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - بلا كيف، أحاط بكل شيء علما ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وأنه ﵎ يرى في\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).","vol":"4","page":280},{"text":"الآخرة؛ يراه أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء. والجنة حق والنار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبدا، والجنة ثواب لأوليائه والنار عقاب لأهل معصيته، إلا من رحم الله ﷿. والصراط حق والميزان حق له كفتان توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها حق، والحوض المكرم به نبينا حق، والشفاعة حق، والبعث من بعد الموت حق.\nوأهل الكبائر في مشيئة الله ﷿، ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم ونكل أسرارهم إلى الله عزوجل، ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان، ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله ﷿ أمرنا ولا ننزع يدا من طاعة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة.\nوأن الجهاد ماض مذ بعث الله ﷿ نبيه ﵊ إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين لا يبطله شيء. والحج كذلك ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين، والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم ...\nوالمرجئة المبتدعة ضلال، والقدرية المبتدعة ضلال. فمن أنكر منهم أن الله ﷿ لا يعلم ما لم يكن قبل أن يكون فهو كافر. وأن الجهمية كفار وأن الرافضة رفضوا الإسلام والخوارج مراق. ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة. ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر، ومن شك في كلام الله ﷿ فوقف شاكا فيه يقول لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي. ومن وقف في القرآن جاهلا علم وبدع","vol":"4","page":281},{"text":"ولم يكفر. ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي ...\n- قال أبو محمد: وسمعت أبي وأبا زرعة يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع يغلظان في ذلك أشد التغليظ وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار. وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين ويقولان لا يفلح صاحب كلام أبدا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1771>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في الكفاية: عن أحمد بن محمد بن سليمان التستري قال: سمعت أبا زرعة يقول: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول - ﷺ - عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - ﷺ - وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة. (٢)\n- وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية، فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فإيش دخولك أنت بينهما؟ ﵄. (٣)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٩٧ - ٢٠١/ ٣٢١و٣٢٢) واجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٣) ومجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣) مختصرا. والأثر الأخير أخرجه الهروي في ذم الكلام (٢٦٩).\n(٢) الكفاية (٤٩) وتاريخ دمشق (٣٨/ ٣٢ - ٣٣).\n(٣) البداية والنهاية (٨/ ١٣٣) وفتح الباري (١٣/ ٨٦).","vol":"4","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1772>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: قال عبد الرحمن: سئل أبو زرعة عن أفعال العباد فقال: مخلوقة. فقيل له: لفظنا بالقرآن من أفعالنا؟ قال: لا يقال هذا. (١)\n-قال شيخ الإسلام: وروي عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٢) فقال: تفسيره كما يقرأ، هو على العرش، وعلمه في كل مكان، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله. (٣)\n- عن أبي زرعة، قال: إن الذي عندنا أن القوم لم يزالوا يعبدون خالقا كاملا لصفاته ومن زعم أن الله كان ولا علم ثم خلق علما فعلم بخلقه، أو لم يكن متكلما فخلق كلاما ثم تكلم به، أو لم يكن سميعا بصيرا ثم خلق سمعا وبصرا، فقد نسبه إلى النقص، وقائل هذا كافر. لم يزل الله كاملا بصفاته لم يحدث فيه صفة، ولا تزول عنه صفة قبل أن يخلق الخلق وبعد ما خلق الخلق كاملا بصفاته، فمن وجه أن الرب ﵎ يتكلم كيف يتكلم بشفتين ولسان ولهوات، فهذه السماوات والأرض قال لهما: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٤) أفهاهنا شفتان ولسان ولهوات. (٥)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٠/٥٩٧).\n(٢) طه الآية (٥).\n(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٠).\n(٤) فصلت الآية (١١).\n(٥) الفتاوى الكبرى (٥/ ٦٣ - ٦٤).","vol":"4","page":283},{"text":"- وجاء في الميزان: قال أبو زرعة الرازي: بشر المريسي زنديق. (١)\n\nالمُزَنِي (٢) (٢٦٤ هـ)\nالإمام العلامة، فقيه الملة، علم الزهاد، أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني المصري، تلميذ الشافعي، مولده في سنة موت الليث بن سعد سنة خمس وسبعين ومائة. حدث عن الشافعي، وعن علي بن معبد بن شداد، ونعيم بن حماد، وغيرهم. حدث عنه إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة، وأبو جعفر الطحاوي وأبو نعيم بن عدي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وخلق كثير من المشارقة والمغاربة. وامتلأت البلاد بمختصره في الفقه، وشرحه عدة من الكبار، بحيث يقال: كانت البكر يكون في جهازها نسخة من مختصر المزني. قال الفقيه أبو إسحاق: فأما الشافعي ﵀ فقد انتقل فقهه إلى أصحابه، فمنهم أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، مات بمصر. قال: وكان زاهدا عالما مناظرا محجاجا غواصا على المعاني الدقيقة صنف كتبا كثيرة: 'الجامع الكبير'، و'الجامع الصغير' و'المنثور' و'المسائل المعتبرة' و'الترغيب في العلم' وكتاب 'الوثائق'. قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي. وعن عمرو بن عثمان المكي، قال: ما رأيت أحدا من المتعبدين في كثرة من لقيت منهم أشد اجتهادا من المزني، ولا أدوم على العبادة منه، وما\n_________\n(١) الميزان (١/ ٣٢٣).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢٠٤) ووفيات الأعيان (١/ ٢١٧ - ٢١٩) والسير (١٢/ ٤٩٢ - ٤٩٧) وطبقات الشافعية (١/ ٢٣٨ - ٢٤٩) والبداية والنهاية (١١/ ٤٠) وشذرات الذهب (٢/ ١٤٨).","vol":"4","page":284},{"text":"رأيت أحدا أشد تعظيما للعلم وأهله منه، وكان من أشد الناس تضييقا على نفسه في الورع، وأوسعه في ذلك على الناس، وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعي. وبه انتشر مذهب الإمام الشافعي. وكان يغسل الموتى تعبدا واحتسابا، وهو القائل: تعانيت غسل الموتى ليرق قلبي فصار لي عادة، وهو الذي غسل الشافعي ﵀. توفي في رمضان لست بقين من سنة أربع وستين ومائتين. وله تسع وثمانون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1774>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال شيخ الإسلام: وفي مختصر المزني لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه قال: مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء. (١)\n- قال ابن عبد البر: وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بغير ما تقدم، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني ﵀، وأنا أورده، قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: 'نعم' أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد. وإن قال: 'حكمت فيه بغير حجة ' قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله ﷿: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ (٢) أي من حجة بها. فإن قال: 'أنا\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١١).\n(٢) يونس الآية (٦٨).","vol":"4","page":285},{"text":"أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيرا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي' قيل له: إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك، فإن قال: 'نعم' ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله - ﷺ -، وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علما وهذا تناقض؟ فإن قال: ' لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك' قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك، فإنفاذ (١)\nقولِه جعلُ الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى أبدا وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحا وفسادا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1775>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن محمد بن هارون بن حفص قال: سمعت عبد السلام بن شنقار المصري يقول: جاء كتاب من المحلة إلى المزني يسأل عن\n_________\n(١) في الأصل: فإن (فاد)، وفي المطبوع (٢/ ١٤٣): أعاد، وفي إعلام الموقعين: قلد. ولعل الصواب ما أثبتناه ..\n(٢) جامع بيان العلم (٢/ ٩٩٢ - ٩٩٣) وهو في إعلام الموقعين (٢/ ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"4","page":286},{"text":"رجل قال: ورب يس لا فعلت كذا، ففعل فحنث؟ قال المزني: لا شيء عليه، ومن قال حانث يقول: القرآن مخلوق. (١)\n- وفيه: عن يوسف بن موسى قال: كنا عند أبي إبراهيم المزني فتقدمت أنا وأصحاب لنا إليه فقلنا: نحن قوم من خراسان وقد نشأ عندنا قوم يقولون: القرآن مخلوق ولسنا ممن نخوض في الكلام ولا نستفتيك في هذه المسألة إلا لديننا ولمن عندنا لنخبرهم عنك -ثم كتبنا عنه- فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال القرآن مخلوق فهو كافر. (٢)\n- وفي الفتاوى الكبرى: قال محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه: جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام، فقال: إني أكره هذا بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي. (٣)\n- وفي السير: قال عمرو بن تميم المكي: سمعت محمد بن إسماعيل الترمذي قال: سمعت المزني يقول: لا يصح لأحد توحيد حتى يعلم أن الله تعالى على العرش بصفاته. قلت له: مثل أي شيء؟ قال: سميع بصير عليم. (٤)\n- وفي ذم الكلام عنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وما دنت بغير هذا قط، ومن قال مخلوق، فهو كافر، ولكن الشافعي كان ينهى عن الكلام. (٥)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥/ ٤٦٤).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٥/٤٦٥).\n(٣) الفتاوى الكبرى (٥/ ٢٤٤).\n(٤) السير (١٢/ ٤٩٤).\n(٥) ذم الكلام (٢٦٩).","vol":"4","page":287},{"text":"- وفيه: عن أحمد بن محمد بن عمر المنكدري قال: سمعت أبا إبراهيم بن يحيى المزني في علته التي توفي فيها يقول: جعلت الناس كلهم في حل إلا من ذكر أني تكلمت في شيء من القرآن. لفظ أو وقف. كنت رجلا من العرب من أولاد المهاجرين، فكرهت أن أسلم نفسي للصبيان أن يلعبوا بي، سألوني عن القرآن فأمسكت تعجبا، وما أجبت فيه بشيء ولا يتعلق أحد من الناس أني قلت شيئا. (١)\nآثاره السلفية:\n- وله كتاب السنة: وهي رسالة نقلها الإمام ابن القيم في 'اجتماع الجيوش'، أسلوبها رائع وهي غزيرة المعاني كثيرة الفوائد. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1776>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن أبي سعيد الفريابي قال: سألت المزني في مرضه الذي توفي فيه عن الإيمان -وهو يومئذ ثقيل من المرض يغمى عليه مرة ويفيق مرة، وقد كانوا صرخوا عليه تلك الليلة وظنوا أنه قد مات- فقلت له: أنت إمامي بعد كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - قولك في الإيمان: إن الناس قد اختلفوا فيه: فمنهم من زعم: أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. ومنهم من قال: قول وعمل يزيد، ومنهم من قال قول والعمل شرائعه. فقال مجيبا بسؤال ثقيل: من الذي يقول: قول وعمل؟ قلت: مالك والليث بن سعد وابن جريج وذكرت له جماعة فقال: لا يعجبني أو لا أحبه أن يكفر أحد إنما قال سلني عن الاسم أو معنى الاسم فتعجبت من سؤاله إيايي مع ما هو فيه وهو يغمى عليه فيما بين\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٦٩).\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية (١٥٥ - ١٥٨).","vol":"4","page":288},{"text":"ذلك. ثم قال: من أخطأ في الاسم ليس كمن أخطأ في المعنى، الخطأ في المعنى أصعب. ثم قال: فيما يقول هذا القائل فيمن جهل بعض الأعمال؟ هو مثل من جهل المعرفة -يريد التوحيد كله- ثم قال: هذا باب لم أعمل فيه فكري ولكن انظر لك فيه. فلما قال لي ذلك أغمي عليه فقبلت جبينه ولم يعلم بذلك وما شعر بي وذلك أني قبلت في ذلك [المجلس يده] فمد يدي فقبلها فلما كان بعد العصر من يومي ذلك رجعت إليه فقال لي ابن أخيه عتيق: إنه سأل عنك، وقال: قل له: الإيمان: قول وعمل فقعدت عنده حذاء وجهه ففتح عينه ثقيلا فقال لي: الفريابي؟ قلت نعم أكرمك الله. قال: لا خلاف بين الناس أن النبي - ﷺ - طاف بالبيت قال: (إيمانا بك وتصديقا بكتابك) وهذا دليل على أن جميع الأعمال من الإيمان. قال أبو سعيد: هذا آخر مسألة سألت المزني عنها ومات بعد هذا بثلاثة أيام. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1777>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: عن عصام بن منصور الرازي قال: سألت المزني عن معنى حديث ابن مسعود عندما قال: إن يك صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان؟ قال المزني: يحتمل عندي أن ذلك من محبته لأنه عدو الله يحب الخطأ ويكره الصواب فأضاف إلى الشيطان لأن الشيطان كان له في ذلك صنع. وقد قال الله ﷿: ﴿لا تعبدوا الشيطان﴾ (٢) لا أنهم\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ٩٥٧ - ٩٥٩/ ١٥٩٦).\n(٢) يس الآية (٦٠).","vol":"4","page":289},{"text":"قصدوه بالعبادة ولكن لما عملوا بالمعاصي التي نهاهم الله عنها جعل ذلك عبادة للشيطان لأن ذلك من شأنه فأضاف ذلك إليه لا أنهم قصدوا عبادته ولا إجلاله ولا إعظامه وقال الله ﷿ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١). قال في التفسير: لم يعبدوهم ولكنهم كانوا إذا حرموا شيئا حرموه وإذا أحلوا أحلوه لا أنهم اتخذوهم أربابا ولكن أطاعوهم فسموا بذلك. وقال صاحب الخضر: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ وقال: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السامري﴾ (٣) وقال: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت﴾ (٤) وقال: ﴿اللَّهُ يتوفى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٥) فالله الخالق لكل ذلك وإن أضيفت الأسباب إلى من يدعو إليها والله الخالق لا غير الله وأفعال العباد مخلوقة لا يقدر أحد أن يشاء شيئا إلا أن يشاء الله وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦).اهـ (٧)\n- وفيه: عن عصام بن الفضل: سمعت المزني يقول سألت الشافعي عن\n_________\n(١) التوبة الآية (٣١).\n(٢) الكهف الآية (٦٣).\n(٣) طه الآية (٨٥).\n(٤) السجدة الآية (١١).\n(٥) الزمر الآية (٤٢).\n(٦) التكوير الآية (٢٩).\n(٧) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٧ - ٧٧٨/ ١٣٠٦).","vol":"4","page":290},{"text":"قول النبي - ﷺ -: \"ستة لعنهم الله ... فذكر المكذب بالقدر\" (١) فقلت له من القدرية؟ فقال: نعم هم الذين زعموا أن الله لا يعلم المعاصي حتى تكون. قال المزني: هذا عندي كفر. (٢)\n\nعبد الله بن أيوب المُخَرِّمي (٣) (٢٦٥ هـ)\nالإمام المحدث أبو محمد عبد الله بن محمد بن أيوب بن صبيح البغدادي سمع من سفيان بن عيينة، ويحيى بن سليمان، وعبد المجيد بن عبد العزيز. وروى عنه علي ابن حسنويه القطان، ويحيى بن محمد، وإسماعيل بن محمد الصفار.\nقال عنه محمد بن سليمان الباغندي: خرج توقيع الخليفة بتقليده القضاء، فانحدرت في الحال من سرمن رأى إلى بغداد فدققت عليه الباب فخرج إلي، فقلت له: البشرى، فقال: بشرك الله بخير، وما هي؟ قال: قلت: خرج توقيع السلطان بتقليدك القضاء، قال: فأطبق الباب وقال: بشرك الله بالنار. وجاء أصحاب السلطان إليه فلم يظهر إليهم فانصرفوا.\nتوفي سنة خمس وستين ومائتين.\n_________\n(١) أخرجه من حديث عائشة: الترمذي (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨/ ٢١٥٤) والحاكم في موضعين (١/ ٣٦) وصححه ووافقه الذهبي، و(٤/ ٩٠) وصححه وخالفه الذهبي فقال: \"والحديث منكر بمرة \". وابن حبان (١٣/ ٦٠/٥٧٤٩) وابن أبي عاصم (١/ ٢٤ - ٢٥/ ٤٤). وضعفه الشيخ الألباني ﵀ في تخريج السنة لابن أبي عاصم.\n(٢) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٧٩/١٣٠٧).\n(٣) الثقات لابن حبان (٨/ ٣٦٢) والأنساب للسمعاني (٥/ ٢٢٥) وتاريخ بغداد (١٠/ ٨١ - ٨٢) والسير (١٢/ ٣٥٩) والمنتظم (١٢/ ٢٠٠).","vol":"4","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1779>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أبي بكر: سمعت عبد الله بن أيوب المخرمي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق؛ فقد أبطل الصوم والحج والجهاد وفرائض الله، ومن أبطل واحدة من هذه الفرائض؛ فهو كافر بالله العظيم، ومن قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق؛ فهو ضال مبتدع، أدركت ابن عيينة، ويحيى بن سليم، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن نمير وجماعة من علماء الحجاز والبصرة والكوفة ما سمعت أحدا منهم قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا غير مخلوق. وقد صح عندنا أن أبا عبد الله -أحمد بن حنبل- نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فمن قال بخلاف ما قال أبو عبد الله؛ فقد صحت بدعته. (١)\n\nعلي بن حرب بن محمد (٢) (٢٦٥ هـ)\nعلي بن حرب بن محمد، الإمام المحدث، الثقة الأديب أبو الحسن الموصلي. ولد بأذربيجان سنة خمس وسبعين ومائة. سمع سفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، وعبد الله بن إدريس. وحدث عنه النسائي، وابن أبي حاتم، وأبو عوانة.\nقال يزيد بن محمد: رحل علي مع أبيه وسمع وصنف وخرج المسند، وكان عالما بأخبار العرب وأنسابها، أديبا شاعرا. توفي ﵀ في شوال سنة\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٥٢ - ٣٥٣/ ١٦١).\n(٢) السير (١٢/ ٢٥١) وتاريخ بغداد (١١/ ٤١٨) وتهذيب الكمال (٢٠/ ٣٦٣) وتهذيب التهذيب (٧/ ٢٩٤).","vol":"4","page":292},{"text":"خمس وستين ومائتين بالموصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1781>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال علي بن حرب: من قدر أن لا يكتب الحديث إلا عن صاحب سنة فإنهم يكذبون، كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي. (١)\n\nمحمد بن سَحْنُون (٢) (٢٦٥ هـ)\nأبو عبد الله محمد بن سحنون بن سعيد التَّنُوخِي الفقيه المالكي القَيْرَواني. كان حافظا خبيرا بمذهب مالك، عالما بالآثار. تفقه بأبيه، وسمع من ابن أبي حسان، وموسى بن معاوية، وعبد العزيز بن كاسب. وسمع من سلمة بن شبيب. كان الغالب عليه الفقه والمناظرة، وكان يحسن الحجة والذب عن أهل السنة والمذهب، والرد على أهل الأهواء. واشتهر بالتأليف، ألف كتابه المشهور 'الجامع' جمع فيه فنون العلم والفقه، وكتاب السير وكتاب التاريخ وكتاب الزهد والأمانة وكتاب تحريم المسكر ورسالة فيمن سب النبي - ﷺ - ورسالة في السنة وكتاب 'الحجة على القدرية' وكتاب 'الحجة على النصارى' وكتاب 'الرد على البكرية' وكتاب 'الإيمان والرد على أهل الشرك' وكتاب 'الرد على أهل البدع'. توفي سنة خمس وستين ومائتين، بعد موت أبيه بست عشرة سنة، وكانت وفاته بالساحل، وجيء به إلى القيروان، فدفن بها.\n_________\n(١) الكفاية (ص.١٢٣).\n(٢) ترتيب المدارك (١/ ٤٢٤ - ٤٣٣) والديباج المذهب (٢/ ١٦٩ - ١٧٣) والوافي بالوفيات (٣/ ٨٦) وشجرة النور الزكية (١/ ٧٠) ورياض النفوس (١/ ٤٤٣ - ٤٥٨) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٦٠ - ٦٣) وشذرات الذهب (٢/ ١٥٠).","vol":"4","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1783>موقفه من المشركين:</span>\n- وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي - ﷺ - والمتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر. (١)\n\nمحمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٢) (٢٦٨ هـ)\nالإمام الحافظ شيخ الإسلام فقيه عصره أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث المصري الفقيه. ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة. سمع من: عبد الله بن وهب بعناية أبيه به، وأبي ضمرة الليثي وابن أبي فديك، وأشهب بن عبد العزيز، ووالده عبد الله بن عبد الحكم، وأبي عبد الرحمن المقرئ، والإمام الشافعي، وطائفة. وعنه النسائي وابن خزيمة، وأبو جعفر الطحاوي وعبد الرحمن بن أبي حاتم وخلق كثير. وكان عالم الديار المصرية في عصره مع المزني. وقال ابن خزيمة: ما رأيت في فقهاء الإسلام أعلم بأقاويل الصحابة والتابعين من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وقال: كان أعلم من رأيت على أديم الأرض بمذهب مالك، وأحفظهم له، سمعته يقول: كنت أتعجب ممن يقول في المسائل: لا أدري. قال ابن الحارث: كان من العلماء\n_________\n(١) الصارم (٩).\n(٢) الجرح والتعديل (٧/ ٣٠٠ - ٣٠١) والسير (١٢/ ٤٩٧ - ٥٠١) ووفيات الأعيان (٤/ ١٩٣ - ١٩٤) والوافي بالوفيات (٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩) وتهذيب الكمال (٢٥/ ٤٩٧ - ٥٠٠) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٨) والديباج المذهب (٢/ ١٦٣ - ١٦٥) وشذرات الذهب (٢/ ١٥٤) طبقات الشافعية لابن كثير (١/ ١٥٥).","vol":"4","page":294},{"text":"الفقهاء، مبرزا من أهل النظر والمناظرة والحجة، فيما يتكلم فيه، ويتقلد من مذهبه، وإليه كانت الرحلة من المغرب والأندلس في العلم والفقه. له تصانيف كثيرة منها: 'الرد على الشافعي' و'أحكام القرآن' و'الرد على فقهاء العراق' وغيرها. قال أبو عمر بن عبد البر: كان فقيها نبيلا جميلا وجيها في زمنه. قال سعيد بن عثمان: وكان عالما متواضعا ثقة كان أهل مصر لا يعدلون به أحدا. توفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء سنة ثمان وستين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1785>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن ابن عبد الحكم، قال: ما رأت عيني قط مثل الشافعي، قدمت المدينة، فرأيت أصحاب عبد الملك بن الماجشون يغلون بصاحبهم، يقولون: صاحبنا الذي قطع الشافعي، قال: فلقيت عبد الملك، فسألته عن مسألة، فأجابني، فقلت: الحجة؟ قال: لأن مالكا قال كذا وكذا، فقلت في نفسي: هيهات، أسألك عن الحجة، وتقول: قال معلمي. وإنما الحجة عليك وعلى معلمك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>موقفه من الجهمية:</span>\nروى اللالكائي بسنده إلى أحمد بن محمد بن الحسين قال: سئل محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم هل يرى الخلق كلهم ربهم يوم القيامة: المؤمنون والكفار؟ فقال محمد: ليس يراه إلا المؤمنون. قال محمد: وسئل الشافعي عن الرؤية؟ فقال: يقول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ ربهم يومئذٍ\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٣ - ٥٤).","vol":"4","page":295},{"text":"لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١) ففي هذا دليل على أن المؤمنين لا يحجبون عن الله ﷿. (٢)\n- وفي السير: عن أبي إسحاق الشيرازي، قال: حمل محمد في محنة القرآن إلى ابن أبي دؤاد، ولم يجب إلى ما طلب منه، ورد إلى مصر، وانتهت إليه الرئاسة في مصر، يعني: في العلم. وذكر غيره أن ابن عبد الحكم ضرب، فهرب واختفى. وقد نالته محنة أخرى صعبة. (٣)\n\nالربيع بن سليمان المُرَادِي (٤) (٢٧٠ هـ)\nالربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، الإمام المحدث الفقيه الكبير، بقية الأعلام، أبو محمد المرادي، مولاهم المصري المؤذن. صاحب الإمام الشافعي، وناقل علمه، وشيخ المؤذنين بجامع الفسطاط ومستملي مشايخ وقته. مولده في سنة أربع وسبعين ومائة أو قبلها بعام. سمع عبد الله بن وهب، وبشر بن بكر التنيسي، وأيوب بن سويد الرملي، وأسد السنة، وعددا كثيرا. ولم يكن صاحب رحلة، وحدث عنه أبو داود، وابن ماجه، والنسائي وأبو عيسى بواسطة في كتبهم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو جعفر الطحاوي،\n_________\n(١) المطففين الآية (١٥).\n(٢) أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٩/٨١٠).\n(٣) السير (١٢/ ٥٠٠).\n(٤) تهذيب الكمال (٩/ ٨٧ - ٨٩) والسير (١٢/ ٥٨٧ - ٥٩١) والجرح والتعديل (٣/ ٤٦٤) ووفيات الأعيان (٢/ ٢٩١) وشذرات الذهب (٢/ ١٥٩) وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦).","vol":"4","page":296},{"text":"وخلق كثير من المشارقة والمغاربة، وروى عنه الترمذي إجازة. وطال عمره واشتهر اسمه، وازدحم عليه أصحاب الحديث ونعم الشيخ كان، أفنى عمره في العلم ونشره. قال النسائي وغيره: لا بأس به. وروي عن الشافعي أنه قال للربيع: لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك. وقال أيضا: الربيع راوية كتبي. قال أبو جعفر الطحاوي: مات الربيع مؤذن جامع الفسطاط في يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لإحدى وعشرين ليلة خلت من شوال سنة سبعين ومائتين وصلى عليه الأمير خُمَارويه صاحب مصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1788>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: قال محمد بن حمدان الطرائفي البغدادي: قال: سألت الربيع بن سليمان، عن القرآن، فقال: كلام الله غير مخلوق، فمن قال غير هذا، فإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوا جنازته، كافر بالله العظيم. (١)\n\" التعليق:\nهكذا كان أصحاب الإمام الشافعي على عقيدة السلف، وأما الآن، فهم بين صوفية خرافية وبين أشعرية كلامية إلا من رحم الله.\n\nإسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل (٢) (٢٧٠ هـ)\nالإمام الحافظ، أبو إسحاق، إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن سهل\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٦/٥٢٠).\n(٢) تاريخ دمشق (٨/ ٣٧٣ - ٣٧٥/ ٧١٢) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ١٥٩) والجرح والتعديل (٢/ ١٥٨).","vol":"4","page":297},{"text":"القرشي، مولاهم الكوفي نزيل مصر. يعرف بترنجة. حدث عن جعفر بن عون، وسعيد بن أبي مريم، وأبي نعيم، وطلق بن غنام وخلق. وروى عنه ابن خزيمة، والطحاوي، وابن زياد النيسابوري، وعبد الرحمن بن أبي حاتم وقال: هو صدوق. مات في جمادى الأولى سنة سبعين ومائتين، وكان قد فلج وثقل لسانه قبل موته بيسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن عبد الله بن محمد بن زياد قال: سمعت القاسم بن محمد أبا محمد الأشيب يقول لإسماعيل بن إسماعيل: أتي المأمون بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة والآخر عائشة فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الآخر فقال: إسماعيل، ما حكمهما إلا أن يقتلا لأن الذي شتم عائشة رد القرآن. (١)\n\nمحمد بن إسحاق الصَّاغَانِي (٢) (٢٧٠ هـ)\nمحمد بن إسحاق بن جعفر، أبو بكر الصاغاني البغدادي، ولد في حدود الثمانين ومائة. كان ذا معرفة واسعة ورحلة شاسعة، بارعا في العلل والرجال. سمع من عبد الوهاب بن عطاء، ويعلى بن عبيد، وسعيد بن أبي مريم. وعنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو عوانة، وابن أبي حاتم. قال الخطيب: كان أحد الأثبات المتقنين\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٣ - ١٣٤٤/ ٢٣٩٦)، وذكره ابن تيمية في الصارم المسلول (ص.٥٦٨).\n(٢) تاريخ بغداد (١/ ٢٤٠ - ٢٤١) وتهذيب الكمال (٢٤/ ٣٩٦ - ٣٩٩) والوافي بالوفيات (٢/ ١٩٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٦١ - ٢٧٠/ص.١٥٧ - ١٥٨) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٩٢ - ٥٩٤).","vol":"4","page":298},{"text":"مع صلابة في الدين، واشتهار بالسنة، واتساع في الرواية، رحل في طلب العلم، وكتب عن أهل بغداد، والبصرة والكوفة والمدينة ومكة والشام ومصر. توفي في سابع صفر سنة سبعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>موقفه من الجهمية:</span>\n- عن أبي بكر المروذي: قال: وسمعت محمد بن إسحاق الصاغاني يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال إنه مخلوق، فهو كافر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1793>شاه الكرماني الصوفي (٢٧٠ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1794>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال شاه الكرماني: من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشبهات، وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال، لم تخطئ له فراسة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1795>الحسن بن زيد الداعي (٢٧٠ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1796>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في أصول الاعتقاد عن أبي السائب عتبة بن عبد الله الهمداني قاضي القضاة قال: كنت يوما بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه في كل سنة بعشرين ألف\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٢/٧٢/ ٢٩٨).\n(٢) الاعتصام (١/ ١٢٩).","vol":"4","page":299},{"text":"دينار إلى مدينة السلام تفرق على صغاير ولد الصحابة وكان بحضرته رجل ذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة فقال: يا غلام اضرب عنقه فقال له العلويون هذا رجل من شيعتنا فقال: معاذ الله هذا رجل طعن على النبي - ﷺ - قال الله ﷿: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١) فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي - ﷺ - خبيث فهو كافر فاضربوا عنقه فضربوا عنقه وأنا حاضر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1797>موقف السلف من خبيث الزنج (٢٧٠ ه</span>ـ)\nبيان فتنته:\nقال الذهبي: وكاد الخبيث أن يملك الدنيا، وكان كذابا ممخرقا ماكرا شجاعا داهية، ادعى أنه بعث إلى الخلق، فرد الرسالة. وكان يدعي علم الغيب، لعنه الله.\nودخلت سنة تسع، فعرض الموفق جيشه بواسط، وأما الخبيث فدخل البطائح، وبثق حوله الأنهار وتحصن، فهجم عليه الموفق، وأحرق وقتل فيهم، واستنقذ من السبايا، ورد إلى بغداد، فسار خبيث الزنج إلى الأهواز، فوضع\n_________\n(١) النور الآية (٢٦).\n(٢) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٤٥/٢٤٠٢).","vol":"4","page":300},{"text":"السيف، وقتل نحوا من خمسين ألفا، وسبى أربعين ألفا، فسار لحربه موسى بن بغا فتحاربا بضعة عشر شهرا، وذهب تحت السيف خلائق من الفريقين. فإنا لله، وإنا إليه راجعون (١).\nقتال الموفق له:\nوفي سنة سبع كروا على واسط وعثروا أهلها، فجهز الموفق ولده أبا العباس الذي صار خليفة، فقتل وأسر، وغرق سفنهم. ثم تجمع جيش الخبيث، والتقوا بالعباس فهزمهم، ثم التقوا ثالثا فهزمهم، ودام القتال شهرين، ورغبوا في أبي العباس، واستأمن إليه خلق منهم، ثم حاربهم حتى دوخ فيهم، ورد سالما غانما، وبقي له وقع في النفوس، وسار إليهم الموفق في جيش كثيف في الماء والبر، ولقيه ولده، والتقوا الزنج، فهزموهم أيضا. وخارت قوى الخبيث، وألح الموفق في حربهم، ونازل طهثيا، وكان عليها خمسة أسوار، فأخذها، واستخلص من أسر الخبثاء عشرة آلاف مسلمة، وهدمها. وكان المهلبي القائد مقيما بالأهواز في ثلاثين ألفا من الزنج، فسار الموفق لحربه، فانهزم وتفرق عسكره، وطلب خلق منهم الأمان، فأمنهم، ورفق بهم، وخلع عليهم، ونزل الموفق بتستر، وأنفق في الجيش، ومهد البلاد، وجهز ابنه المعتضد أبا العباس لحرب الخبيث، فجهز له سفنا فاقتتلوا، وانتصر أبو العباس، وكتب كتابا إلى الخبيث يهدده، ويدعوه إلى التوبة مما فعل، فعتا وتمرد، وقتل الرسول، فسار الموفق إلى مدينة الخبيث بنهر أبي الخصيب،\n_________\n(١) السير (١٢/ ٥٤٢).","vol":"4","page":301},{"text":"ونصب السلالم ودخلوها، وملكوا السور، فانهزمت الزنج، ولما رأى الموفق حصانتها اندهش، واسمها المختارة، وهاله كثرة المقاتلة بها، لكن استأمن إليه عدة، فأكرمهم.\nونقلت تفاصيل حروب الزنج في 'تاريخ الإسلام' فمن ذلك لما كان في شعبان سنة سبع برز الخبيث وعسكره فيما قيل في ثلاث مئة ألف ما بين فارس وراجل، فركب الموفق في خمسين ألفا، وحجز بينهم النهر، ونادى الموفق بالأمان، فاستأمن إليه خلق، ثم إن الموفق بنى بإزاء المختارة مدينة على دجلة سماها الموفقية، وبنى بها الجامع والأسواق، وسكنها الخلق، واستأمن إليه في شهرٍ خمسة آلاف. وتمت ملحمة في شوال، ونصر الموفق.\nوفي ذي الحجة عبر الموفق بجيشه إلى ناحية المختارة، وهرب الخبيث، لكنه رجع، وأزال الموفق عنها. واستولى أحمد الخجستاني على خراسان وكرمان وسجستان، وعزم على قصد العراق.\nوفي سنة ثمان وستين تتابع أجناد الخبيث في الخروج إلى الموفق، وهو يحسن إليهم. وأتاه جعفر السجان صاحب سر الخبيث، فأعطاه ذهبا كثيرا، فركب في سفينة حتى حاذى قصر الخبيث فصاح إلى متى تصبرون على الخبيث الكذاب؟ وحدثهم بما اطلع عليه من كذبه وكفره، فاستأمن خلق. ثم زحف الموفق على البلد، وهد من السور أماكن، ودخل العسكر من أقطارها، واغتروا، فكر عليهم الزنج، فأصابوا منهم، وغرق خلق. ورد الموفق إلى بلده حتى رم شعثه، وقطع الجلب عن الخبيث، حتى أكل أصحابه الكلاب والميتة، وهرب خلق، فسألهم الموفق، فقالوا: لنا سنة لم نر الخبز،","vol":"4","page":302},{"text":"وقتل بهبود أكبر أمراء الخبيث، وقتل الخبيث ولده لكونه هم أن يخرج إلى الموفق، وشد على أحمد الخجستاني غلمانه فقتلوه، وغزا الناس مع خلف التركي، فقتلوا من الروم بضعة عشر ألفا.\nوفي سنة تسع دخل الموفق المختارة عنوة، ونادى الأمان، وقاتل حاشية الخبيث دونه أشد قتال، وحاز الموفق خزائن الخبيث، وألقى النار في جوانب المدينة، وجرح الموفق بسهم، فأصبح على الحرب، وآلمه جرحه، وخافوا، فخرجوا حتى عوفي، ورمَّ الخبيث بلده.\nوفي السنة خرج المعتمد من سامراء ليلحق بصاحب مصر أحمد بن طولون، وكان بدمشق، فبلغ ذلك الموفق، فأغرى بأخيه إسحاق بن كنداج، فلقي المعتمد بين الموصل والحديثة، وقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا؟ فأخوك في وجه العدو وأنت تخرج من مقر عزك، ومتى علم بهذا ترك مقاومة عدوك، وتغلب الخارجي على ديار آبائك. وهذا كتاب أخيك يأمرني بردك. فقال: أنت غلامي أو غلامه؟ قال: كلنا غلمانك ما أطعت الله، وقد عصيت بخروجك وتسليطك عدوك على المسلمين. ثم قام، ووكل به جماعة، ثم إنه بعث إليه يطلب منه ابن خاقان وجماعة ليناظرهم، فبعث بهم، فقال لهم: ما جنى أحد على الإمام والإسلام جنايتكم. أخرجتموه من دار ملكه في عدة يسيرة، وهذا هارون الشاري بإزائكم في جمع كثير، فلو ظفر بالخليفة، لكان عارا على الإسلام، ثم رسم أيضا عليهم، وأمر المعتمد بالرجوع، فقال: فاحلف لي أنك تنحدر معي ولا تسلمني، فحلف، وانحدر إلى سامراء. فتلقاه كاتب الموفق صاعد، فأنزله في دار أحمد بن الخصيب، ومنعه من نزول دار","vol":"4","page":303},{"text":"الخلافة، ووكل به خمس مئة نفس، ومنع من أن يجتمع به أحد. وبعث الموفق إلى ابن كنداج بخلع وذهب عظيم.\nقال الصولي: تحيل المعتمد من أخيه، فكاتب ابن طولون. ومما قال:\nأليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعا عليه\nوتؤكل باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شيء في يديه؟\nولقب الموفق صاعد بن مخلد ذا الوزارتين، ولقب ابن كنداج ذا السيفين. فلما علم ابن طولون جمع الأعيان، وقال: قد نكث الموفق بأمير المؤمنين، فاخلعوه من العهد فخلعوه سوى القاضي بكار بن قتيبة. فقال لابن طولون: أنت أريتني كتاب أمير المؤمنين بتوليته العهد، فأرني كتابه بخلعه. قال: إنه محجور عليه، قال: لا أدري. قال: أنت قد خرفت وحبسه، وأخذ منه عطاءه على القضاء عشرة آلاف دينار، وأمر الموفق بلعنة أحمد بن طولون على المنابر. وسار ابن طولون، فحاصر المصيصة، وبها خادم، فسلط الخادم على جيش أحمد بثوق النهر، فهلك منهم خلق، وترحلوا، وتخطفهم أهل المدينة، ومرض أحمد، ومات مغبونا.\nوفي شوال كانت الملحمة الكبرى بين الخبيث والموفق. ثم وقعت الهزيمة على الزنج، وكانوا في جوع شديد وبلاء، لا خفف الله عنهم، وخامر عدة من قواد الخبيث وخواصه، وأدخل المعتمد في ذي القعدة إلى واسط، ثم التقى الخبيث والموفق، فانهزمت الزنج أيضا، وأحاط الجيش، فحصروا الخبيث في دار الإمارة، فانملس منها إلى دار المهلبي أحد قواده، وأسرت حرمه، فكان النساء نحو مئة، فأحسن إليهن الموفق، وأحرقت الدار، ثم جرت ملحمة بين","vol":"4","page":304},{"text":"الموفق والخبيث في أول سنة سبعين، ثم وقعة أخرى قتل فيها الخبيث، لا ﵀. وكان قد اجتمع من الجند، ومن المطوعة مع الموفق نحو ثلاث مئة ألف. وفي آخر الأمر شد الخبيث وفرسانه، فأزالوا الناس عن مواقفهم فحمل الموفق، فهزمهم، وساق وراءهم إلى آخر النهر، فبينا الحرب تستعر إذ أتى فارس إلى الموفق وبيده رأس الخبيث، فما صدق، وعرضه على جماعة، فقالوا: هو هو فترجل الموفق والأمراء، وخروا ساجدين لله، وضجوا بالتكبير، وبادر أبو العباس بن الموفق في خواصه، ومعه رأس الخبيث على قناة إلى بغداد، وعملت قباب الزينة، وكان يوما مشهودا، وشرع الناس يتراجعون إلى المدائن التي أخذها الخبيث، وكانت أيامه خمس عشرة سنة.\nقال الصولي: قد قتل من المسلمين ألف ألف وخمس مئة.\nقلت: وكذا عدد قتلى بابك.\nقال: وكان يصعد على منبره بمدينته، ويسب عثمان وعليا وطلحة وعائشة كمذهب الأزارقة، وكان ينادي على المسبية العلوية في عسكره بدرهمين. وكان عند الزنجي الواحد نحو عشر علويات، يفترشهن ويخدمن امرأته. وفي شعبان أعادوا المعتمد إلى سامراء في أبهة تامة.\nوظهر بالصعيد أحمد بن عبد الله الحسني، فحاربه عسكر مصر غير مرة، ثم أسر وقتل.\nوفيها أول ظهور دعوة العبيدية، وذلك باليمن.\nوفيها نازلت الروم في مئة ألف طرسوس، فبيتهم يازمان الخادم، فقيل: قتل منهم سبعون ألفا، وقتل ملكهم، وأخذ منهم صليب الصلبوت.","vol":"4","page":305},{"text":"فالحمد لله على هذا النصر العزيز الذي لم يسمع بمثله، مع تمام المنة على الإسلام بمصرع الخبيث. (١)\n\nأبو الفضل العباس بن محمد الدُّوري (٢) (٢٧١ هـ)\nالإمام الحافظ، الثقة الناقد، أبو الفضل، عباس بن محمد بن حاتم بن واقد الدوري، ثم البغدادي، مولى بني هاشم أحد الأثبات المصنفين. ولد سنة خمس وثمانين ومائة. سمع حسين بن علي الجعفي ومحمد بن بشر، وأبا داود الطيالسي، ويحيى بن أبي بكر، وخلقا كثيرا، ولازم يحيى بن معين وتخرج به وسأله عن الرجال وهو في مجلد كبير. حدث عنه أرباب السنن الأربعة، وأبو عوانة، وابن صاعد، وأبو العباس الأصم، وخلق. قال إسماعيل الصفار: سمعت عباسا الدوري، يقول: كتب لي يحيى بن معين وأحمد بن حنبل إلى أبي داود الطيالسي كتابا فقالا فيه: إن هذا فتى يطلب الحديث. توفي في صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1799>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق، فهو كافر. (٣)\n_________\n(١) السير (١٢/ ٥٤٥ - ٥٥٠).\n(٢) تاريخ بغداد (١٢/ ١٤٤ - ١٤٦) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٣٦ - ٢٣٩) وتهذيب الكمال (١٤/ ٢٤٥ - ٢٤٩) والسير (١٢/ ٥٢٢ - ٥٢٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٧٩ - ٥٨٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٧١ - ٢٨٠/ص.٣٧١ - ٣٧٢) وتهذيب التهذيب (٥/ ١٢٩ - ١٣٠) وشذرات الذهب (٢/ ١٦١).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٢/٧٢/ ٢٩٧).","vol":"4","page":306},{"text":"محمد بن عبد الرحمن بن الحكم (١) (٢٧٣ هـ)\nمحمد بن عبد الرحمن بن الحكم الأموي، صاحب الأندلس، كان عالما فاضلا عاقلا، محبا للعلم، مؤثرا لأصحاب الحديث، مكرما لهم. وكان يخرج إلى الجهاد ويوغل في بلاد الكفار السنة والسنتين، وهو صاحب وقعة وادي سليط وهي من الوقائع المشهورة لم يعرف قبلها مثلها في الأندلس، وهو الذي نصر بقي بن مخلد الحافظ على أهل الرأي. وقال عنه بقي: ما كلمت أحدا من الملوك أكمل عقلا، ولا أبلغ لفظا من الأمير محمد ولقد دخلت عليه يوما في مجلس خلافته، فافتتح الكلام بحمد الله، والصلاة على نبيه، ثم ذكر الخلفاء فحلى كل واحد بحليته وصفته، وذكر مآثره بأفصح لسان حتى انتهى إلى نفسه، فحمد الله على ما قدره ثم سكت. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1801>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ابن حزم: كان محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس محبا للعلوم عارفا بها؛ فلما دخل بقي بن مخلد الأندلس بمصنف ابن أبي شيبة وقرئ عليه أنكر جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستبشعوه، وقام جماعة من العامة عليه، ومنعوه من قراءته، فاستحضره الأمير محمد وإياهم، وتصفح الكتاب جزءا جزءا حتى أتى على آخره، ثم قال لخازن كتبه: هذا الكتاب لا تستغني خزانتنا عنه، فانظر في نسخه لنا، وقال لبقي: انشر\n_________\n(١) السير (٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣) والوافي بالوفيات (٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥) وتاريخ ابن الوردي (١/ ٣٣١) والكامل في التاريخ (٧/ ٤٢٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٧١ - ٢٨٠/ص.٤٥١ - ٤٥٢) وشذرات الذهب (٢/ ١٦٤ - ١٦٥).","vol":"4","page":307},{"text":"علمك، وارو ما عندك، ونهاهم أن يتعرضوا له. (١)\n\" التعليق:\nيقال في المثل: (رُبَّ ضارة نافعة) وقال الله تعالى في قصة عائشة: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣)، والله تعالى له حكم تجري لا مبدل لها ولا مغير.\nومن حكمته ﵎ أن يهيأ أسبابا للخير قد يراها الإنسان شرا وهي في واقعها خير له ولدينه، ومثل قصة هذا الأمير كثيرة في تاريخ الإسلام، فبقدر ما يحارب الحق وتحارب السنة والآثار والعقيدة الصحيحة بقدر ما تنتشر السنة وينتشر الحق وتنتشر الآثار، وإن شئت فخذ على سبيل المثال شيخ الإسلام ﵀؛ فإن الذي نشر كتبه وجعلها تتأصل ويحتفظ بها التاريخ وتتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل هي محاربة أهل البدع لها وتحذيرهم منها، وقد كان الأمير عبد القادر الجزائري يشتري كتب الشيخ بأثمان غالية ويحرقها، وهكذا كتاب ابن حزم المحلى كم حاربه من محارب وهاهو الآن أحد أصول الإسلام ومراجعها الذي يرجع إليه في كل الملمات العلمية والفقهية، وهكذا لو تتبعنا السلسلة التاريخية لسودنا بذلك صحائف كثيرة، فلا غرابة أن يعترض جماعة من الفقهاء الجامدين على المذهب على مصدر\n_________\n(١) نفح الطيب (٢/ ٥١٩)، وفي السير (١٣/ ٢٨٨).\n(٢) النور الآية (١١).\n(٣) البقرة الآية (٢١٦).","vol":"4","page":308},{"text":"علمي كبير حوى بين دفتيه فقه السلف وآثارهم وفتاواهم وأقوالهم التي يستنير بها كل طالب حق ومتبع للدليل والآثار، فما في كتب المتأخرين مثل التمهيد والمغني والمحلى والمجموع وغيرها من كتب العلم من الآثار إلا وهي في أو من هذا المصدر العظيم الذي لو ضربت له أكباد الإبل من المغرب إلى المشرق لكان رخيصا فيه، ولو كتب بماء الذهب ولو كانت مجلداته محلاة بالحرير والديباج لكان كل ذلك لا يقارن بما فيه من العلم والفقه، وهذا السرطان الذي كان في الأندلس قد انتقل إلى كثير من الأمصار وابتليت به، حتى ردوا بسببه القرآن والسنن فضلا عن الآثار السلفية لما هم عليه من الأهواء والبدع والجمود الفكري والمذهبي، الذي اتخذه وصولية المرتزقة سلما لإرضاء ساداتهم وكبرائهم ولقضاء مآربهم والله المستعان. فاللهم اكف المسلمين شرهم بما شئت وكيف شئت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1802>موقفه من المشركين:</span>\n- قال أبو المظفر ابن الجوزي: هو صاحب وقعة سليط. وهي ملحمة مشهورة لم يعهد قبلها بالأندلس مثلها، يقال: قتل فيها ثلاث مائة ألف كافر. وهذا شيء لم نسمع بمثله. قال: وللشعراء فيه مدائح كثيرة. (١)\n\nحنبل بن إسحاق بن حنبل (٢) (٢٧٣ هـ)\nحنبل بن إسحاق بن حنبل، الإمام الحافظ، أبو علي الشيباني ابن عم\n_________\n(١) السير (٨/ ٢٦٣).\n(٢) السير (١٣/ ٥١ - ٥٣) وطبقات الحنابلة (١/ ١٤٣) وتاريخ بغداد (٨/ ٢٨٦) والنجوم الزاهرة (٣/ ٧٠).","vol":"4","page":309},{"text":"الإمام أحمد. ولد قبل المائتين. سمع من محمد بن عبد الله الأنصاري، وسليمان ابن حرب، والحميدي. حدث عنه ابن صاعد، وأبو بكر الخلال، ومحمد بن مخلد. وكان زاهدا عابدا. قال عنه أحمد بن ثابت: كان ثقة ثبتا. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1804>موقفه من الخوارج:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1805>موقفه من إمام المسلمين:</span>\nعن عصمة بن عصام قال: ثنا حنبل في هذه المسألة قال: وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار والتأييد، وأرى له ذلك واجبا علي. (١)\n\nالإمام ابن ماجه (٢) (٢٧٣ هـ)\nالحافظ الكبير الحجة المفسر، أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي مولاهم، أبو عبد الله ابن ماجه القزويني، ذو التصانيف النافعة والرحلة الواسعة. ولد سنة تسع ومائتين سمع بخراسان، والعراق والحجاز، ومصر، والشام، وغيرها من البلاد جماعةً يطول ذكرهم. روى عن علي بن محمد الطنافسي وجبارة ابن المغلس، ومصعب بن عبد الله الزبيري وعبد الله معاوية الجمحي، وأبي بكر ابن أبي شيبة وخلق كثير مذكورين في 'سننه' وتآليفه. حدث عنه محمد بن\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٨٣).\n(٢) الوافي بالوفيات (٥/ ٢٢٠) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣٦ - ٦٣٧) ووفيات الأعيان (٤/ ٢٧٩) والمنتظم (١٢/ ٢٥٨) وتهذيب الكمال (٢٧/ ٤٠ - ٤٢) والسير (١٣/ ٢٧٧ - ٢٨١) وشذرات الذهب (٢/ ١٦٤) وتهذيب التهذيب (٩/ ٥٣٠ - ٥٣٢).","vol":"4","page":310},{"text":"عيسى الأبهري، وأبو عمرو أحمد بن روح البغدادي، وأبو الحسن القطان ومحمد بن عيسى الصفار وآخرون. صنف 'السنن' و'التاريخ' و'التفسير'. قال ابن ماجه: عرضت هذه 'السنن' على أبي زرعة الرازي فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما في إسناده ضعف أو نحو ذا. قال أبو يعلى الخليلي: ابن ماجه ثقة كبير متفق عليه محتج به، له معرفة وحفظ وارتحل إلى العراقين ومكة والشام ومصر والري لكتب الحديث. مات في رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين. وقيل سنة خمس، قال الذهبي: والأول أصح، وعاش أربعا وستين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1807>موقفه من المبتدعة:</span>\nلقد صنف الإمام ابن ماجه كتابه السنن وهو سادس الكتب الست المشهورة المعتمدة عند جميع المسلمين. ولسلفية هذا الإمام وغيرته عليها، اهتم اهتماما بالغا في إثبات العقيدة السلفية، والرد على المبتدعة المخالفين لها، فاستهل كتابه المبارك بمقدمة مفيدة، بين فيها وجوب اتباع الرسول - ﷺ - واتباع السلف، وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة رضي الله عن الجميع، ثم عقد بابا جيدا ذكر ما ورد فيه من التحذير من البدع والجدل، ثم ذكر بابا آخر في اجتناب الرأي والقياس، ثم عقد بابا للرد على المرجئة سماه الإيمان، ثم القدر للرد على القدرية، ثم فضائل الصحابة للرد على الروافض، ثم عقد بابا للرد على الخوارج أعداء الله، ثم عقد بابا للرد على الجهمية، ذكر فيه أحاديث متنوعة في الصفات كالرؤية والكلام والضحك واليد والقدم","vol":"4","page":311},{"text":"واليمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1808>موقفه من الخوارج:</span>\n- أورد ضمن المقدمة: باب في ذكر الخوارج. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1809>موقفه من المرجئة:</span>\n- بوب ضمن مقدمة سننه: بابا في الإيمان (٢) أسند فيه عدة أحاديث تدل على أن الأعمال تدخل في الإيمان، وعلى أن الإيمان يزيد وينقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1810>موقفه من القدرية:</span>\n- عقد في مقدمة سننه بابا في القدر.\n\nغلامُ خليل (٣) (٢٧٥ هـ)\nالشيخ، العالم، الزاهد، الواعظ، شيخ بغداد، أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن غالب بن خالد بن مرداس، الباهلي البصري، غلام خليل. سكن بغداد، وكان له جلالة عجيبة، وصولة مهيبة، وأمر بالمعروف، وأتباع كثير، وصحة معتقد. روى عن قرة بن حبيب، وسهل بن عثمان، وشيبان، وسليمان الشاذكوني. حدث عنه محمد بن مخلد، وعثمان السماك، وأحمد بن كامل وطائفة. قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: رجل صالح لم يكن عندي\n_________\n(١) (١/ ٥٩ - ٦٢).\n(٢) (١/ ٢٢ - ٢٨).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٧٣) وتاريخ بغداد (٥/ ٧٨ - ٨٠) والمنتظم (١٢/ ٢٦٥ - ٢٦٧) والسير (١٣/ ٢٨٢ - ٢٨٥) وميزان الاعتدال (١/ ١٤١ - ١٤٢) واللسان (١/ ٢٧٢ - ٢٧٤).","vol":"4","page":312},{"text":"ممن يفتعل الحديث. قال أحمد بن كامل القاضي: سنة خمس وسبعين ومائتين توفي أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غالب بن مرداس غلام خليل ببغداد في رجب منها، وحمل في تابوت إلى البصرة وغلقت أسواق مدينة السلام، وخرج الرجال والنساء والصبيان لحضوره والصلاة عليه، فأدرك ذلك بعض الناس وفات بعضهم لسرعة السير به ودفن بالبصرة، وكان فصيحا يعرب الكلام، ويحفظ علما عظيما، ويخضب بالحناء خضابا قانيا، ويقتات بالباقلا صرفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1812>موقفه من الصوفية:</span>\nقد تكلم المحدثون في روايته للحديث وهذا أمر مهم بالنسبة للرواية ونحن يهمنا موقفه العقدي الذي وقفه، لا رواية فيه ولا نقل، وهو منه مباشرة. وقد أجمع المؤرخون على هذا الموقف الذي وقفه.\n- جاء في السير: قال ابن الأعرابي: قدم من واسط غلام خليل، فذكرت له هذه الشناعات -يعني خوض الصوفية- ودقائق الأحوال التي يذمها أهل الأثر، وذكر له قولهم بالمحبة، ويبلغه قول بعضهم: نحن نحب ربنا ويحبنا فأسقط عنا خوفه بغلبة حبه، فكان ينكر هذا الخطأ بخطأ أغلظ منه حتى جعل محبة الله بدعة وكان يقول: الخوف أولى بنا قال: وليس كما توهم بل المحبة والخوف أصلان لا يخلو المؤمن منهما فلم يزل يقص بهم ويحذر منهم ويغري بهم السلطان والعامة ويقول: كان عندنا بالبصرة قوم يقولون بالحلول وقوم يقولون بالإباحة، وقوم يقولون كذا، فانتشر في الأفواه أن ببغداد قوما يقولون بالزندقة، وكانت تميل إليه والدة الموفق، وكذلك الدولة والعوام","vol":"4","page":313},{"text":"لزهده وتقشفه فأمرت المحتسب أن يطيع غلام خليل، فطلب القوم وبث الأعوان في طلبهم وكتبوا فكانوا نيفا وسبعين نفسا، فاختفى عامتهم وبعضهم خلصته العامة وحبس منهم جماعة مدة. (١)\n\" التعليق:\nالذي يغلب على الظن أن ما قيل في غلام خليل من أنه قال المحبة بدعة، أمر لا يصح، لأن هذا رجل درس الكتاب والسنة، فيستبعد أن يصدر منه هذا، ويكون هذا من تلفيق الصوفية عليه، لما علمت من وقوفه ضدهم. فجزاه الله خيرا.\n\nأبو داود السِّجِسْتَانِي (٢) (٢٧٥ هـ)\nالإمام الثبت سيد الحفاظ شيخ السنة سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر، أبو داود الأزدي السجستاني محدث البصرة. ولد سنة اثنتين ومائتين ورحل وجمع وصنف وبرع في هذا الشأن وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين. سمع سليمان بن حرب وابن راهويه وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأمما سواهم. حدث عنه أبو عيسى الترمذي والنسائي، وابنه أبو بكر وأبو عوانة وأبو بشر\n_________\n(١) السير (١٣/ ٢٨٤).\n(٢) الجرح والتعديل (٤/ ١٠١ - ١٠٢) وتاريخ بغداد (٩/ ٥٥ - ٥٩) والمنتظم (١٢/ ٢٦٨ - ٢٧٠) والسير ... (١٣/ ٢٠٣ - ٢٢١) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٩١ - ٥٩٣) والوافي بالوفيات (١٥/ ٣٥٣ - ٣٥٤).","vol":"4","page":314},{"text":"الدولابي. قال محمد بن إسحاق الصاغاني: لين لأبي داود الحديث كما لين لداود الحديد. وقال الحافظ موسى بن هارون: ما رأيت أفضل منه. وقيل كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل. قال الحاكم أبو عبد الله: أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة. قال أبو بكر الخلال: أبو داود الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وتبصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورع مقدم. قال أحمد بن محمد بن ياسين: كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله - ﷺ - وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف، والصلاح والورع من فرسان الحديث. قال أبو حاتم بن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا ونسكا وورعا وإتقانا جمع وصنف وذب عن السنن. قال أبو عبيد الآجري: توفي أبو داود في سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1814>موقفه من المبتدعة:</span>\n- دفاعه عن العقيدة السلفية: لقد ذكر أبو داود في سننه كتابا عظيما، مكونا من اثنين وثلاثين بابا، مشتملا على سبعة وسبعين حديثا ومائة حديث، بين فيها الإمام السنة ورد على جميع المبتدعة من: مرجئة وجهمية وخوارج وشيعة. فأورد ما يدل على زيادة الإيمان وأورد أحاديث الصفات، وذكر الشفاعة وعذاب القبر، وأورد فضل الصحابة عموما والشيخين خصوصا، والتحذير من سب الصحابة رضوان الله عليهم. كما أورد أحاديث عامة تشمل التحذير من جميع أهل الأهواء والبدع. فأبو داود يعتبر من الذين وقفوا ضد المبتدعة ودافعوا عن العقيدة السلفية.","vol":"4","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1815>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال أبو داود -في عبد الرحمن بن صالح الأزدي الشيعي-: ألف كتابا في مثالب الصحابة رجل سوء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1816>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في البداية والنهاية: وهي رابعة بنت إسماعيل مولاة آل عتيك العدوية البصرية العابدة المشهورة، ذكرها أبو نعيم في 'الحلية' و'الرسائل'، وابن الجوزي في 'صفة الصفوة' والشيخ شهاب الدين السهروردي في المعارف، والقشيري، وأثنى عليها أكثر الناس وتكلم فيها أبو داود السجستاني واتهمها بالزندقة فلعله بلغه عنها أمر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1817>موقفه من الجهمية:</span>\n- روى أبو داود بسنده إلى ابن عباس، قال: كان النبي - ﷺ - يعوذ الحسن والحسين \"أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة\" (٣) ثم يقول: كان أبوكم يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق. وقال أبو داود: هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. (٤)\n- وروى أيضا بسنده إلى أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة،\n_________\n(١) الميزان (٢/ ٥٦٩).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ١٩٣).\n(٣) أخرجه: أحمد (١/ ٢٣٦) والبخاري (٦/ ٥٠٣/٣٣٧١) وأبو داود (٥/ ١٠٤ - ١٠٥/ ٤٧٣٧) والترمذي ... (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧/ ٢٠٦٠) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٥٠/١٠٨٤٥) وابن ماجه (٢/ ١١٦٤ - ١١٦٥/ ٣٥٢٥).\n(٤) سنن أبي داود (٥/ ١٠٤ - ١٠٥).","vol":"4","page":316},{"text":"قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١) قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يضع إبهامه على أذنيه والتي تليها على عينه (٢)، قال أبو هريرة: رأيت رسول الله - ﷺ - يقرؤها ويضع إصبعيه، قال ابن يونس: قال المقريء: يعني أن الله سميع بصير يعني أن لله سمعا وبصرا. قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية. (٣)\n- وروى ابن بطة في الإبانة بسنده إلى أبي يحيى الساجي، قال: سمعت أبا داود السجستاني يقول: بين في هذا الحديث أن القرآن كلام الله غير مخلوق، لقول آدم لموسى: أنت موسى نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ فقال المعتزلة: بل أحدث كلاما في شجرة سمعه موسى. قال: فيقال لهم: وقد أحدث الله كلاما لنبينا - ﷺ - في ذراع شاة، فقد استويا في الكلام. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>موقفه من الخوارج:</span>\n- أورد في كتاب السنة من السنن (٥) بابين في قتال الخوارج ضمنها\n_________\n(١) النساء الآية (٥٨).\n(٢) أخرجه: أبو داود (٥/ ٩٦ - ٩٧/ ٤٧٢٨) وصححه ابن حبان (١/ ٤٩٨/٢٦٥) والحاكم (١/ ٢٤) وقال: \"حديث صحيح ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بحرملة بن عمران وأبي يونس والباقون متفق عليهم\". ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في الفتح (١٣/ ٤٦١): سنده قوي على شرط مسلم.\n(٣) سنن أبي داود (٥/ ٩٦ - ٩٧).\n(٤) الإبانة (٢/ ١٤/٣١٠/ ٤٧٦).\n(٥) (٥/ ١١٨ - ١٢٧).","vol":"4","page":317},{"text":"ثلاث عشرة حديثا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1819>موقفه من المرجئة:</span>\n- عقد ضمن كتاب السنة من سننه بابين في الرد على المرجئة ضمنها أحاديث، وهما:\nباب (١٥) في رد الإرجاء.\nباب (١٦) الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه. (١)\nوقال ﵀ في عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد: وكان مرجئا داعية للإرجاء، وما فسد عبد العزيز حتى نشأ ابنه عبد المجيد. وأهل خراسان لا يحدثون عنه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1820>موقفه من القدرية:</span>\n- عن أبي عبد الله المتوثي قال: سمعت أبا داود السجستاني يقول: كان غيلان نصرانيا. (٣)\n- وعقد بابا طويلا في كتاب (السنة)، من السنن في الرد على القدرية.\n_________\n(١) (٥/ ٥٥ - ٦٦/ ٤٦٧٦ - ٤٦٩٠).\n(٢) تهذيب الكمال (١٨/ ٢٧٤).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٠/٢١٧).","vol":"4","page":318},{"text":"بَقِيُّ بن مَخْلَد (١) (٢٧٦ هـ)\nالإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن القرطبي بقي بن مخلد ابن يزيد، صاحب 'التفسير' و'المسند' اللذين لا نظير لهما. مولده في رمضان سنة إحدى ومائتين، وسمع يحيى بن يحيى الليثي ويحيى بن عبد الله بن بكير وأبا مصعب الزهري وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وابن أبي شيبة وبندارا، وطوف الشرق والغرب، وشيوخه مائتان وثمانون ونيف، وروى عن أحمد بن حنبل مسائل وفوائد ولم يرو له شيئا مسندا لكونه كان قد قطع الحديث. وعني بهذا الشأن عناية لا مزيد عليها، وأدخل جزيرة الأندلس علما جما، وبه وبمحمد بن وضاح صارت تلك الناحية دار حديث، وكان مجاب الدعوة. حدث عنه ابنه أحمد، وأيوب بن سليمان المري وأحمد بن عبد الله الأموي وأحمد بن عبد العزيز وعبد الواحد بن حمدون، وهشام بن الوليد الغافقي وآخرون. وكان إماما مجتهدا صالحا ربانيا صادقا مخلصا، رأسا في العلم والعمل، عديم المثل، منقطع القرين يفتي بالأثر، ولا يقلد أحدا. قال ابن أبي خيثمة: ما كنا نسميه إلا المكنسة وهل يحتاج بلد فيه بقي أن يأتي منه إلينا أحد؟ وعن بقي قال: لما رجعت من العراق أجلسني يحيى بن بكير إلى جنبه وسمع مني سبعة أحاديث. وقد تعصبوا على بقي لإظهاره مذهب أهل الأثر فدفعهم عنه أمير الأندلس محمد بن عبد الرحمن المرواني واستنسخ كتبه وقال\n_________\n(١) الصلة (١/ ١١٦ - ١١٩) والسير (١٣/ ٢٨٥ - ٢٩٦) والوافي بالوفيات (١٠/ ١٨٢ - ١٨٣) والمنتظم ... (١٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢٩ - ٦٣١) والبداية والنهاية (١١/ ٦٠ - ٦١) وشذرات الذهب (٢/ ١٦٩) وتاريخ دمشق (١٠/ ٣٥٤ - ٣٥٩).","vol":"4","page":319},{"text":"لبقي: انشر علمك. قال ابن حزم: كان بقي ذا خاصة من أحمد بن حنبل وجاريا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي. وعن بقي قال: كل من رحلت إليه فماشيا على قدمي. توفي لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ومائتين. ومن مناقبه أنه كان من كبار المجاهدين في سبيل الله، يقال شهد سبعين غزوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1822>موقفه من المبتدعة:</span>\n- وقال أبو الوليد بن الفرضي في تاريخه: ملأ بقي بن مخلد الأندلس حديثا، فأنكر عليه أصحابه الأندلسيون: أحمد بن خالد، ومحمد بن الحارث وأبو زيد، ما أدخله من كتب الاختلاف، وغرائب الحديث، فأغروا به السلطان وأخافوه به، ثم إن الله أظهره عليهم، وعصمه منهم، فنشر حديثه وقرأ للناس روايته. ثم تلاه ابن وضاح، فصارت الأندلس دار حديث وإسناد. ومما انفرد به، ولم يدخله سواه مصنف أبي بكر بن أبي شيبة بتمامه، وكتاب الفقه للشافعي بكماله يعني الأم وتاريخ خليفة، وطبقات خليفة، وكتاب سيرة عمر بن عبد العزيز لأحمد بن إبراهيم الدورقي ... وليس لأحد مثل مسنده. (١)\n- قال أسلم بن عبد العزيز: وكان بقي أول من كثر الحديث بالأندلس ونشره، وهاجم به شيوخ الأندلس، فثاروا عليه، لأنهم كان علمهم بالمسائل ومذهب مالك، وكان بقي يفتي بالأثر، فشذ عنهم شذوذا عظيما، فعقدوا\n_________\n(١) السير (١٣/ ٢٨٧).","vol":"4","page":320},{"text":"عليه الشهادات، وبدعوه، ونسبوا إليه الزندقة، وأشياء نزهه الله منها. وكان بقي يقول: لقد غرست لهم بالأندلس غرسا لا يقلع إلا بخروج الدجال. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1823>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في تاريخ علماء الأندلس: عن أحمد بن فقي قال: سمعت أبا عبيدة يقول: حضرت الشيخ يعني بقيا وقد أتاه خليل (٢) فقال له بقي: أسألك عن أربع، فقال: ما هي؟ قال: ما تقول في الميزان؟ قال: عدل الله، ونفى أن تكون له كفتان، قال: ما تقول في الصراط؟ فقال: الطريق، يريد الإسلام، فمن استقام عليه نجا. فقال له: ما تقول في القرآن؟ فلجلج ولم يقل شيئا، وكأنه ذهب إلى أنه مخلوق، فقال له: فما تقول في القدر؟ فقال: أقول إن الخير من عند الله، والشر من عند الرجل، فقال له بقي: والله لولا حالك لأشرت بسفك دمك، ولكن قم، فلا أراك في مجلسي بعد هذا الوقت. (٣)\n\nالقاسم بن محمد البَيَّانِي (٤) (٢٧٦ هـ)\nالإمام المجتهد، الحافظ عالم الأندلس أبو محمد القاسم بن محمد بن القاسم بن محمد ابن يسار مولى الخليفة بن عبد الملك، الأموي الأندلسي\n_________\n(١) السير (١٣/ ٢٩٠ - ٢٩١).\n(٢) وهو خليل بن عبد الملك بن كليب المعتزلي القدري، كان صديقا لابن وضاح فلما تبين له أمره هجره. فلما مات قام جماعة من الفقهاء منهم أبو مروان بن أبي عيسى بإخراج كتبه وإحراقها. انظر تاريخ علماء الأندلس (١/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(٣) تاريخ علماء الأندلس (١/ ١٦٥).\n(٤) الديباج المذهب (٢/ ١٤٣ - ١٤٤) والسير (١٣/ ٣٢٧ - ٣٣٠) والتذكرة (٢/ ٦٤٨) وترتيب المدارك (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٨) والشذرات (٢/ ١٧٠) وتاريخ علماء الأندلس (١/ ٣٥٥ - ٣٥٧).","vol":"4","page":321},{"text":"القرطبي البياني أحد الأعلام. شيخ الفقهاء والمحدثين بالأندلس. غطى معرفتَه بالحديث براعتُه في الفقه والمسائل، وفاق أهل العصر وضرب بإمامته المثل، وصار إماما مجتهدا لا يقلد أحدا، مع قوة ميله إلى مذهب الشافعي وبصره به، فإنه لازم التفقه على الإمامين أبي إبراهيم المزني، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم. مولده بعد سنة عشرين ومائتين.\nروى عن إبراهيم بن محمد الشافعي، وأبي الطاهر بن السرح، وإبراهيم ابن المنذر الحزامي، والحارث بن مسكين، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع، وخلق.\nتفقه به علماء قرطبة، وحدث عنه سعيد بن عثمان الأعناقي، ومحمد ابن عمر بن لبابة، وابنه محمد بن قاسم، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن، وآخرون. قال أحمد بن الجباب: ما رأيت مثل قاسم في الفقه ممن دخل الأندلس من أهل الرحل. قال ابن عبد الحكم: لم يقدم علينا من الأندلس أحد أعلم من قاسم بن محمد، ولقد عاتبته حين رجوعه إلى الأندلس، قلت: أقم عندنا، فإنك تعتقد هنا رئاسة، ويحتاج الناس إليك، فقال: لا بد من الوطن. قال ابن عبد البر: لم يكن أحد ببلدنا أفقه من قاسم بن محمد، وأحمد بن الجباب. قال ابن الفرضي: وكان يلي وثائق الأمير محمد -ملك الأندلس- طول أيامه. مات ﵀ في آخر سنة ست وسبعين ومائتين، هو وبقي بن مخلد في عام، وما خلفا مثلهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1825>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ابن الفرضي: وذهب مذهب الحجة، والنظر وعلم الاختلاف.","vol":"4","page":322},{"text":"وكان يميل لمذهب الشافعي، ولم يكن بالأندلس مثل قاسم في حسن النظر والبصر بالحجة.\n- وقال أيضا: ألف قاسم كتابا في الرد على ابن مزين، والعتبي، وعبد الله بن خالد سماه الرد على المقلدة وكتابا آخر في خبر الواحد. (١)\nقال الذهبي: قلت: وصنف كتاب 'الإيضاح' في الرد على المقلدين. وكان ميالا إلى الآثار. (٢)\n\" التعليق:\nقال جامعه: لعل ظاهرة التقليد المذهبي، كانت فاشية في زمانه، فحاربها وألف هذا الكتاب، ولعلنا نظفر به فنعرف قيمته العلمية.\n\nابن قُتَيْبَة (٣) (٢٧٦ هـ)\nالعلامة الكبير، ذو الفنون، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل المروزي، الكاتب صاحب التصانيف. نزل بغداد وصنف وجمع وبعد صيته. حدث عن إسحاق بن راهويه، ومحمد بن زياد بن عبيد الله الزيادي، وزياد بن يحيى الحساني، وأبي حاتم السجستاني وطائفة. حدث عنه ابنه القاضي أحمد بن عبد الله بديار مصر وعبيد الله السكري، وعبيد الله بن\n_________\n(١) الديباج المذهب (٢/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(٢) السير (١٣/ ٣٢٧ - ٣٢٩) بتصرف، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٤٨).\n(٣) تاريخ بغداد (١٠/ ١٧٠ - ١٧١) والسير (١٣/ ٢٩٦ - ٣٠٢) والمنتظم (١٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٤٢ - ٤٤) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣٣) والبداية والنهاية (١١/ ٥٢) وميزان الاعتدال (٢/ ٥٠٣) واللسان (٣/ ٣٥٧ - ٣٥٩) وشذرات الذهب (٢/ ١٦٩ - ١٧٠).","vol":"4","page":323},{"text":"أحمد بن بكر، وعبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي. قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة دينا فاضلا وهو صاحب التصانيف المشهورة، والكتب المعروفة منها: 'غريب القرآن'، 'غريب الحديث'، 'مشكل القرآن'، 'مشكل الحديث'، 'أدب الكاتب'، 'عيون الأخبار'، 'كتاب المعارف'، 'إعراب القرآن' وغير ذلك. وقد ولي قضاء الدينور، وكان رأسا في علم اللسان العربي والأخبار وأيام الناس. قال السلفي: ابن قتيبة من الثقات وأهل السنة. قال الذهبي: والرجل ليس بصاحب حديث، وإنما هو من كبار العلماء المشهورين، عنده فنون جمة وعلوم مهمة. مات ﵀ في شهر رجب -أول ليلة منه- سنة ست وسبعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1827>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال في كتابه 'تأويل مختلف الحديث': من اعتصم بكتاب الله ﷿، وتمسك بسنة رسول الله - ﷺ -، فقد استضاء بالنور، واستفتح باب الرشد، وطلب الحق من مظانه. وليس يدفع أصحاب الحديث عن ذلك إلا ظالم، لأنهم لا يردون شيئا من أمر الدين إلى استحسان، ولا إلى قياس ونظر، ولا إلى كتب الفلاسفة المتقدمين، ولا إلى أصحاب الكلام المتأخرين. (١)\n- وقال: فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته، وتتبعوه من مظانه، وتقربوا من الله تعالى، باتباعهم سنن رسول الله - ﷺ -، وطلبهم لآثاره وأخباره، برا وبحرا، وشرقا وغربا. يرحل الواحد منهم راجلا\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٨٦).","vol":"4","page":324},{"text":"مقويا في طلب الخبر الواحد، أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها، حتى فهموا صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي. فنبهوا على ذلك حتى نجم الحق بعد أن كان عافيا، وبسق بعد أن كان دارسا، واجتمع بعد أن كان متفرقا، وانقاد للسنن من كان عنها معرضا، وتنبه عليها من كان عنها غافلا، وحكم بقول رسول الله - ﷺ - بعد أن كان يحكم بقول فلان وفلان وإن كان فيه خلاف على رسول الله - ﷺ -. وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف، وطلبهم الغرائب وفي الغريب الداء. ولم يحملوا الضعيف والغريب، لأنهم رأوهما حقا، بل جمعوا الغث والسمين، والصحيح والسقيم، ليميزوا بينهما، ويدلوا عليهما، وقد فعلوا ذلك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1828>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀: ولم يأت أهل التكذيب بهذا وأشباهه، إلا لردهم الغائب عنهم، إلى الحاضر عندهم، وحملهم الأشياء على ما يعرفون من أنفسهم، ومن الحيوان والموات، واستعمالهم حكم ذوي الجثث في الروحانيين. فإذا سمعوا بملائكة، على كواهلها العرش، وأقدامها في الأرض السفلى، استوحشوا من ذلك، لمخالفة ما شاهدوا -وقالوا: كيف تخرق جثث هؤلاء، السموات وما بينهما، والأرضين وما فوقها، من غير أن نرى لذلك أثرا؟ وكيف يكون خلق، له هذه العظمة؟ وكيف تكون أرواحا ولها\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٧٣ - ٧٤).","vol":"4","page":325},{"text":"كواهل وأقدار. وإذا سمعوا بأن جبريل ﵇، مرة أتى النبي - ﷺ - في صورة أعرابي، ومرة في صورة دحية الكلبي، ومرة في صورة شاب، ومرة سد بجناحيه ما بين المشرق والمغرب. قالوا: كيف يتحول من صورة إلى صورة. وكيف يكون مرة، في غاية الصغر، ومرة في غاية الكبر: من غير أن يزاد في جسمه ولا جثته، وأعراضه؟ لأنهم لا يعاينون إلا ما كان كذلك. وإذا سمعوا بأن الشيطان يصل إلى قلب ابن آدم، حتى يوسوس له ويخنس. قالوا: من أين يدخل؟ وهل يجتمع روحان في جسم؟ وكيف يجري مجرى الدم؟ قال أبو محمد: ولو اعتبروا ما غاب عنهم، بما رأوه من قدرة الله جل وعز، لعلموا أن الذي قدر على أن يفجر مياه الأرض كلها إلى البحر، منذ خلق الله الأرض وما عليها، فهي تفضي إليه من غير أن يزيد فيه أو ينقص منه. ولو جعل لنهر منها مثل \"دجلة\" أو \"الفرات\" أو \"النيل\" سبيل إلى ما على وجه الأرض من المدائن والقرى والعمارات والخراب، شهرا، لم يبق على ظهرها شيء إلا هلك، هو الذي قدر على ما أنكروا. -وأن الذي قدر أن يحرك هذه الأرض، على عظمها وكثافتها، وبحارها، وأطوادها، وأنهارها حتى تتصدع الجبال، وحتى تغيض المياه، وحتى ينتقل جبل من مكان إلى مكان، هو الذي لطف لما قدر.\nوأن الذي وسع إنسان العين، مع صغره وضعفه، لإدراك نصف الفلك، على عظمه، حتى رأى النجم من المشرق، ورقيبه من المغرب، وما بينهما، وحتى خرق من الجو، مسيرة خمسمائة عام هو الذي خلق ملكا، ما بين","vol":"4","page":326},{"text":"شحمة أذنه إلى عاتقه، مسيرة خمسمائة عام. فهل ما أنكر إلا بمنزلة ما عرف؟ وهل ما رأى إلا بمنزلة ما لم يره؟ فتعالى الله أحسن الخالقين؟. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1829>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في تأويل مختلف الحديث: قال أبو محمد: ثم نصير إلى هشام بن الحكم فنجده رافضيا غاليا. ويقول في الله تعالى بالأقطار والحدود، والأشبار، وأشياء يتحرج من حكايتها وذكرها، لا خفاء على أهل الكلام بها. ويقول بالإجبار الشديد، الذي لا يبلغه القائلون بالسنة.\nوسأله سائل فقال: أترى الله تعالى -مع رأفته ورحمته وحكمته وعدله- يكلفنا شيئا، ثم يحول بيننا وبينه، ويعذبنا؟ فقال: قد -والله- فعل، ولكنا لا نستطيع أن نتكلم.\nوقال له رجل: يا أبا محمد (٢)، هل تعلم أن عليا خاصم العباس في فدك إلى أبي بكر؟ قال: نعم. قال: فأيهما كان الظالم؟ قال: لم يكن فيهما ظالم. قال: سبحان الله، وكيف يكون هذا؟ قال: هما كالملكين المختصمين إلى داود ﵇، لم يكن فيهما ظالم، إنما أراد أن يعرفاه خطأه وظلمه. كذلك أراد هذان، أن يعرفا أبا بكر خطأه وظلمه. (٣)\n- قال أبو محمد في هارون بن سعد العجلي: وهو جلد جفر، ادعوا أنه كتب فيه لهم الإمام، كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (١٢٧ - ١٢٨).\n(٢) هو هشام بن الحكم.\n(٣) تأويل مختلف الحديث (٤٨).","vol":"4","page":327},{"text":"القيامة. فمن ذلك قولهم في قول الله ﷿: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (١) أنه الإمام، وورث النبي - ﷺ - علمه. وقولهم في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢) أنها عائشة ﵂. وفي قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (٣) أنه طلحة والزبير. وقولهم في الخمر والميسر: إنهما أبو بكر وعمر، ﵄ والجبت والطاغوت: إنهما معاوية وعمرو بن العاص، مع عجائب أرغب عن ذكرها، ويرغب من بلغه كتابنا هذا، عن استماعه ...\nقال أبو محمد: ولا نعلم في أهل البدع والأهواء أحدا ادعى الربوبية لبشر غيرهم. فإن عبد الله بن سبأ ادعى الربوبية لعلي، فأحرق علي أصحابه بالنار، وقال في ذلك:\nلما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا\nولا نعلم أحدا ادعى النبوة لنفسه غيرهم. فإن المختار بن أبي عبيد، ادعى النبوة لنفسه وقال: إن جبريل وميكائيل، يأتيان إلى جهته، فصدقه قوم واتبعوه، وهم الكيسانية. (٤)\n_________\n(١) النمل الآية (١٦).\n(٢) البقرة الآية (٦٧).\n(٣) البقرة الآية (٧٣).\n(٤) تأويل مختلف الحديث (٧١ - ٧٣).","vol":"4","page":328},{"text":"ذكر بعض طعون النظام على الصحابة ﵃ ورد ابن قتيبة عليه:\n- قال أبو محمد: وذكر -أي النظام- قول عمر بن الخطاب ﵁: (لو كان هذا الدين بالقياس، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره) فقال كان الواجب على عمر، العمل بمثل ما قال في الأحكام كلها. وليس ذلك بأعجب من قوله أجرؤكم على الجد أجرؤكم على النار ثم قضى في الجد بمائة قضية مختلفة.\nوذكر قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، حين سئل عن آية من كتاب الله تعالى، فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، أم أين أذهب؟ أم كيف أصنع إذا أنا قلت في آية من كتاب الله تعالى، بغير ما أراد الله. ثم سئل عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا، فمن الله، وإن كان خطأ فمني، هي ما دون الولد والوالد. قال: وهذا خلاف القول الأول ومن استعظم القول بالرأي ذلك الاستعظام، لم يقدم على القول بالرأي هذا الإقدام حتى ينفذ عليه الأحكام. وذكر قول علي كرم الله وجهه، حين سئل عن بقرة قتلت حمارا، فقال: أقول فيها برأيي، فإن وافق رأيي قضاء رسول الله - ﷺ - فذاك، وإلا فقضائي رذل فسل. قال: وقال: من أحب أن يتقحم جراثيم جهنم، فليقل في الجد. ثم قضى فيه بقضايا مختلفة.\nوذكر قول ابن مسعود في حديث، بِرَوْع بنت واشق، أقول فيها برأيي، فإن كان خطأ فمني، وإن كان صوابا، فمن الله تعالى. قال: وهذا هو الحكم بالظن، والقضاء بالشبهة، وإذا كانت الشهادة بالظن حراما، فالقضاء","vol":"4","page":329},{"text":"بالظن أعظم.\nقال: ولو كان ابن مسعود بدل نظره في الفتيا، نظر في الشقي كيف يشقى، والسعيد كيف يسعد، حتى لا يفحش قوله على الله تعالى، ولا يشتد غلطه، لقد كان أولى به. قال: وزعم أن القمر انشق، وأنه رآه. وهذا من الكذب الذي لا خفاء به، لأن الله تعالى لا يشق القمر له وحده، ولا لآخر معه وإنما يشقه ليكون آية للعالمين، وحجة للمرسلين، ومزجرة للعباد، وبرهانا في جميع البلاد. فكيف لم تعرف بذلك العامة، ولم يؤرخ الناس بذلك العام -ولم يذكره شاعر، ولم يسلم عنده كافر، ولم يحتج به مسلم على ملحد؟ قال: ثم جحد من كتاب الله تعالى سورتين، فهبه لم يشهد قراءة النبي - ﷺ - بهما، فهلا استدل بعجيب تأليفهما، وأنهما على نظم سائر القرآن المعجز للبلغاء أن ينظموا نظمه، وأن يحسنوا مثل تأليفه. قال: وما زال يطبق في الركوع إلى أن مات، كأنه لم يصل مع النبي - ﷺ -، أو كان غائبا. وشتم زيد ابن ثابت بأقبح الشتم، لما اختار المسلمون قراءته لأنها آخر العرض. وعاب عثمان ﵁، حين بلغه أنه صلى بـ \"منى\" أربعا، ثم تقدم، فكان أول من صلى أربعا فقيل له في ذلك فقال: الخلاف شر والفرقة شر، وقد عمل بالفرقة في أمور كثيرة ولم يزل يقول في عثمان القول القبيح، منذ اختار قراءة زيد. ورأى قوما من الزط، فقال هؤلاء أشبه من رأيت بالجن، ليلة الجن، ذكر ذلك سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي. وذكر داود عن الشعبي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: كنت مع النبي - ﷺ - ليلة الجن؟ فقال ما شهدها منا أحد، وذكر حذيفة بن اليمان فقال: جعل يحلف لعثمان","vol":"4","page":330},{"text":"على أشياء بالله تعالى ما قالها، وقد سمعوه قالها. فقيل له في ذلك فقال: إني أشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن يذهب كله رواه مسعر بن كدام، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة. وذكر أبا هريرة، فقال أكذبه عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة رضوان الله عليهم.\nوروى حديثا في المشي في الخف الواحد، فبلغ عائشة، فمشت في خف واحد وقالت: لأخالفن أبا هريرة. وروى أن الكلب والمرأة والحمار، تقطع الصلاة. فقالت عائشة ﵂: ربما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي وسط السرير، وأنا على السرير معترضة بينه وبين القبلة. قال: وبلغ عليا أن أبا هريرة يبتدئ بميامنه في الوضوء، وفي اللباس. فدعا بماء فتوضأ، فبدأ بمياسره، وقال: لأخالفن أبا هريرة. وكان من قوله حدثني خليلي، وقال خليلي ورأيت خليلي. فقال له علي: متى كان النبي خليلك، يا أبا هريرة؟ قال: وقد روى \"من أصبح جنبا، فلا صيام له\" فأرسل مروان في ذلك إلى عائشة وحفصة، يسألهما، فقالتا: كان النبي - ﷺ - يصبح جنبا من غير احتلام، ثم يصوم. فقال للرسول: اذهب إلى أبي هريرة، حتى تعلمه. فقال أبو هريرة: إنما حدثني بذلك الفضل بن العباس. فاستشهد ميتا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله - ﷺ -، ولم يسمعه.\nقال أبو محمد: هذا قوله في جِلة أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي عنهم كأنه لم يسمع بقول الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿محمد رسول الله","vol":"4","page":331},{"text":"وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (١) إلى آخر السورة. ولم يسمع بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) ولو كان ما ذكرهم به حقا، لا مخرج منه ولا عذر فيه، ولا تأويل له، إلا ما ذهب إليه، لكان حقيقا بترك ذكره والإعراض عنه، إذ كان قليلا يسيرا، مغمورا في جنب محاسنهم، وكثير مناقبهم، وصحبتهم لرسول الله - ﷺ - وبذلهم مهجهم وأموالهم، في ذات الله تعالى.\nقال أبو محمد: ولا شيء أعجب عندي من ادعائه على عمر بن الخطاب ﵁، أنه قضى في الجد بمائة قضية مختلفة، وهو من أهل النظر وأهل القياس. فهلا اعتبر هذا ونظر فيه، ليعلم أنه يستحيل أن يقضي عمر في أمر واحد بمائة قضية مختلفة. فأين هذه القضايا؟ وأين عشرها ونصف عشرها؟ أما كان في حملة الحديث من يحفظ منها خمسا أو ستا؟ ولو اجتهد مجتهد أن يأتي من القضاء في الجد بجميع ما يمكن فيه، من قول ومن حيلة، ما كان يتيسر له أن يأتي فيه بعشرين قضية. وكيف لم يجعل هذا الحديث، إذ كان مستحيلا، مما ينكر من الحديث ويدفع مما قد أتى به الثقات، وما ذاك إلا لضغن يحتمله على عمر ﵁ وعداوة.\nقال أبو محمد: وأما طعنه على أبي بكر ﵁ بأنه سئل عن آية من كتاب الله تعالى، فاستعظم أن يقول فيها شيئا، ثم قال في الكلالة برأيه.\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) الفتح الآية (١٨).","vol":"4","page":332},{"text":"فإن أبا بكر ﵁ سئل عن شيء من متشابه القرآن العظيم، الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، فأحجم عن القول فيه، مخافة أن يفسره بغير مراد الله تعالى. وأفتى في الكلالة برأيه، لأنه أمر ناب المسلمين، واحتاجوا إليه في مواريثهم، وقد أبيح له اجتهاد الرأي فيما لم يؤثر عن رسول الله - ﷺ - في شيء، ولم يأت له في الكتاب شيء كاشف، وهو إمام المسلمين ومفزعهم فيما ينوبهم، فلم يجد بدا من أن يقول. وكذلك قال عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد ﵃، حين سئلوا، وهم الأئمة والمفزع إليهم عند النوازل. فماذا كان ينبغي له أن يفعلوا عنده، أيدعون النظر في الكلالة وفي الجد، إلى أن يأتي هو وأشباهه، فيتكلموا فيهما.\nثم طعنه على عبد الله بن مسعود ﵁ بقوله: إن القمر انشق، وأنه رأى ذلك، ثم نسبه فيه إلى الكذب. وهذا ليس بإكذاب لابن مسعود، ولكنه بخس لعلم النبوة وإكذاب للقرآن العظيم، لأن الله تعالى يقول: ﴿اقتربت السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١). فإن كان القمر لم ينشق في ذلك الوقت، وكان مراده: سينشق القمر فيما بعد، فما معنى قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٢) بعقب هذا الكلام؟ أليس فيه دليل على أن قوما رأوه منشقا فقالوا: \"هذا سحر مستمر\" من سحره، وحيلة من حيله كما قد كانوا يقولون في غير ذلك من أعلامه وكيف صارت الآية\n_________\n(١) القمر الآية (١).\n(٢) القمر الآية (٢).","vol":"4","page":333},{"text":"من آيات النبي - ﷺ - والعلم من أعلامه لا يجوز عنده أن يراها الواحد والاثنان والنفر دون الجميع. أو ليس قد يجوز أن يخبر الواحد والاثنان والنفر والجميع، كما أخبر مكلم الذئب، بأن ذئبا كلمه، وأخبر آخر بأن بعيرا شكا إليه، وأخبر آخر أن مقبورا لفظته الأرض. وطعنه عليه لجحده سورتين من القرآن العظيم، يعني \"المعوذتين\" فإن لابن مسعود في ذلك سببا، والناس قد يظنون ويزلون، وإذا كان هذا جائزا على النبيين والمرسلين، فهو على غيرهم أجوز. وسببه في تركه، إثباتهما في مصحفه أنه كان يرى النبي - ﷺ - يعوذ بهما الحسن والحسين، ويعوذ غيرهما، كما كان يعوذهما بـ \"أعوذ بكلمات الله التامة\" فظن أنهما ليستا من القرآن، فلم يثبتهما في مصحفه.\nوبنحو هذا السبب أثبت أبي بن كعب في مصحفه، افتتاح دعاء القنوت، وجعله سورتين لأنه كان يرى رسول الله - ﷺ -، يدعو بهما في الصلاة، دعاء دائما، فظن أنه من القرآن. وأما التطبيق فليس من فرض الصلاة، وإنما الفرض، الركوع والسجود، لقول الله ﷿: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ (١). فمن طبق فقد ركع، ومن وضع يديه على ركبتيه، فقد ركع. وإنما وضع اليدين على الركبتين، أو التطبيق من آداب الركوع. وقد كان الاختلاف في آداب الصلاة. فكان منهم من يقعي، ومنهم من يفترش، ومنهم من يتورك. وكل ذلك لا يفسد الصلاة وإن اختلف. وأما نسبته إياه إلى الكذب في حديثه عن النبي - ﷺ -: \"الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد\n_________\n(١) الحج الآية (٧٧).","vol":"4","page":334},{"text":"من سعد في بطن أمه\" (١).\nفكيف يجوز أن يكذب ابن مسعود على رسول الله - ﷺ - في مثل هذا الحديث الجليل المشهور، ويقول حدثني الصادق المصدوق، وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون، ولا ينكره أحد منهم؟ ولأي معنى يكذب مثله على رسول الله - ﷺ - في أمر لا يجتذب به إلى نفسه نفعا، ولا يدفع عنه ضرا، ولا يدنيه من سلطان ولا رعية، ولا يزداد به مالا إلى ماله؟ وكيف يكذب في شيء، قد وافقه على روايته، عدد منهم أبو أمامة عن رسول الله - ﷺ -: \"سبق العلم، وجف القلم، وقضي القضاء، وتم القدر بتحقيق الكتاب، وتصديق الرسل بالسعادة لمن آمن واتقى، والشقاء لمن كذب وكفر\". وقال ﷿: \"ابن آدم بمشيئتي كنت. أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت. أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، وبفضلي ورحمتي أديت إلى فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي\". وهذا الفضل بن عباس بن عبد المطلب يروي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال له: \"يا غلام، احفظ الله يحفظك، وتوكل عليه تجده أمامك، وتعرف إليه في الرخاء، يعرفك في\n_________\n(١) أخرجه: ابن أبن عاصم في السنة (١/ ٧٩/١٧٨) والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٧٩ - ٨٠/ ٧٦) بلفظ: \"ألا إنما الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره\". قال الشيخ الألباني ﵀: \"ضعيف مرفوعا، وإسناده كلهم ثقات رجال مسلم غير أن أبا إسحاق وهو عمرو بن عبد الله السبيعي كان اختلط ثم هو إلى ذلك مدلس، وقد عنعنه. والمحفوظ أنه موقوف على ابن مسعود. قلت: الموقوف أخرجه: مسلم (٤/ ٢٠٣٧/٢٦٤٥) وابن حبان: الإحسان (١٤/ ٥٢ - ٥٣/ ٦١٧٧).\n\nوالحديث أخرجه بلفظ الباب من حديث أبي هريرة مرفوعا: البزار (مختصر زوائد البزار (٢/ ١٥١/١٦٠٠»، والطبراني في الصغير (ص ٢٨٩/ح ٧٦٠)، والآجري (٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩/ ٤٠٥) واللالكائي (٤/ ٦٥٨/١٠٥٧)، قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩٣): \"رواه البزار والطبراني في الصغير ورجال البزار رجال الصحيح\"، وقال ابن حجر في مختصر زوائد البزار: صحيح. وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو. أخرجه ابن أبي عاصم (١/ ٨٣/١٨٨).","vol":"4","page":335},{"text":"الشدة، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة\" (١). وكيف يكذب ابن مسعود في أمر يوافقه عليه الكتاب. يقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٢).\nأي جعل في قلوبهم الإيمان كما قال في الرحمة: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٣) الآية: أي سأجعلها. ومن جعل الله تعالى في قلبه الإيمان، فقد قضى له بالسعادة. وقال ﷿ لرسوله - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤). ولا يجوز أن يكون: إنك لا تسمي من أحببت هاديا، ولكن الله يسمي من يشاء هاديا. وقال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) كما قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى﴾ (٦) ولا يجوز أن يكون سمى فرعون قومه ضالين، وما سماهم مهتدين. وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ\n_________\n(١) رواه عبد بن حميد في مسنده (٦٣٥) عن المثنى بن الصباح عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس به، وليس الفضل. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٠): \"إسناده ضعيف\". أما اللفظ الثابت عن ابن عباس فقد أخرجه: أحمد (١/ ٢٩٣) والترمذي (٤/ ٢٧٥ - ٢٧٦/ ٢٥١٦) وقال: \"حسن صحيح\".\n(٢) المجادلة الآية (٢٢).\n(٣) الأعراف الآية (١٥٦).\n(٤) القصص الآية (٥٦).\n(٥) النحل الآية (٩٣).\n(٦) طه الآية (٧٩).","vol":"4","page":336},{"text":"يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (١). وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) وأشباه هذا في القرآن والحديث، يكثر ويطول. ولم يكن قصدنا في هذا الموضع، الاحتجاج على القدرية، فنذكر ما جاء في الرد عليهم، ونذكر فساد تأويلاتهم واستحالتها، وقد ذكرت هذا في غير موضع، من كتبي في القرآن. وكيف يكذب ابن مسعود في أمر توافقه عليه العرب في الجاهلية والإسلام قال بعض الرجاز:\nيا أيها المضمر هما لا تهم ... إنك إن تقدر لك الحمى تحم\nولو علوت شاهقا من العلم ... كيف توقيك وقد جف القلم\nوقال آخر:\nهي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطا القدر\nوقال لبيد:\nإن تقوى ربنا خير نفل ... وبأمر الله ريثي وعجل\nمن هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل\nوقال الفرزدق:\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢٥).\nالسجدة الآية (١٣).","vol":"4","page":337},{"text":"ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار\nوكانت جنة فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار\nولو ضنت يداي بها ونفسي ... لكان علي للقدر الخيار\nوقال النابغة:\nوليس امرؤ نائلا من هوا ... هـ شيئا إذا هو لم يكتب\nوكيف يكذب ابن مسعود ﵁ في أمر توافقه عليه كتب الله تعالى ... (١)\nقال أبو محمد: وأما حديثه الآخر الذي نسبه فيه إلى الكذب، فقال رأى قوما من الزط، فقال: هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن ثم سئل عن ذلك فقيل له: كنت مع النبي - ﷺ - ليلة الجن؟ فقال ما شهدها منا أحد. فادعى في الحديث الأول أنه شهدها، وأنكر ذلك في الحديث الآخر وتصحيحه الخبرين عنه فكيف يصح هذا عن ابن مسعود، مع ثاقب فهمه، وبارع علمه، وتقدمه في السنة، الذين انتهى إليهم العلم بها، واقتدت بهم الأمة مع خاصته برسول الله - ﷺ - ولطف محله. وكيف يجوز عليه أن يقر بالكذب، هذا الإقرار، فيقول: اليوم شهدت ويقول غدا: لم أشهد؟ ولو جهد عدوه، أن يبلغ منه ما بلغه من نفسه، ما قدر ولو كان به خبل، أو عته، أو آفة، ما زاد على ما وسم به نفسه. وأصحاب الحديث لا يثبتون حديث الزط (٢). وما ذكر من حضوره مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن، وهم القدوة عندنا في المعرفة بصحيح\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٢٠ - ٢٩).\n(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ١٣٤/٢٨٦١) وقال: \"حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه\".","vol":"4","page":338},{"text":"الأخبار وسقيمها، لأنهم أهلها والمعتنون بها وكل ذي صناعة أولى بصناعته. غير أنا لا نشك في بطلان أحد الخبرين لأنه لا يجوز على عبد الله بن مسعود، أنه يخبر الناس عن نفسه بأنه قد كذب، ولا يسقط عندهم مرتبته. ولو فعل ذلك، لقيل له: فلم خبرتنا أمس بأنك شهدت. فإن كان الأمر على ما قال أصحاب الحديث، فقد سقط الخبر الأول، وإن كان الحديثان جميعا صحيحين، فلا أرى الناقل للخبر الثاني إلا وقد أسقط منه حرفا، وهو (غيري) يدلك على ذلك أنه قال: قيل له، أكنت مع النبي - ﷺ - ليلة الجن؟ فقال: ما شهدها أحد منا غيري. فأغفل الراوي (غيري) إما بأنه لم يسمعه، أو بأنه سمعه فنسيه أو بأن الناقل عنه أسقطه.\nوهذا وأشباهه قد يقع ولا يؤمن. ومما يدل على ذلك، أنه قال له: هل كنت مع النبي - ﷺ - ليلة الجن؟ فقال: \"ما شهدها أحد منا\". وليس هذا جوابا لقوله: \"هل كنت\"؟ وإنما هو جواب لقول السائل: \"هل كنت مع النبي - ﷺ - ليلة الجن\". وإذا كان قول السائل: هل كنت مع النبي - ﷺ - ليلة الجن؟ حسن أن يكون الجواب: \"ما شهدها أحد منا غيري\" يؤكد ذلك ما كان من متقدم قوله.\nوأما ما حكاه عن حذيفة أنه حلف على أشياء لعثمان، ما قالها، وقد سمعوه قالها، فقيل له في ذلك. فقال: إني أشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن يذهب كله. فكيف حمل الحديث على أقبح وجوهه، ولم يتطلب له العذر والمخرج، وقد أخبر به وذلك قوله: \"أشتري ديني بعضه ببعض\". أفلا تفهم عنه معناه، وتدبر قوله؟ ولكن عداوته لأصحاب رسول الله - ﷺ -، وما احتمله","vol":"4","page":339},{"text":"من الضغن عليهم، حال بينه وبين النظر، والعداوة والبغض، يعميان ويصمان، كما أن الهوى يعمي ويصم. واعلم رحمك الله أن الكذب والحنث في بعض الأحوال، أولى بالمرء، وأقرب إلى الله من الصدق في القول والبر في اليمين. ألا ترى أن رجلا لو رأى سلطانا ظالما وقادرا قاهرا، يريد سفك دم امرئ مسلم أو معاهد بغير حق، أو استباحة حرمه، أو إحراق منزله، فتخرص قولا كاذبا ينجيه به، أو حلف يمينا فاجرة، كان مأجورا عند الله، مشكورا عند عباده؟. (١)\nوقال أبو محمد: وليس يخلو حذيفة في قوله لعثمان ﵁، ما قال من تورية إلى شيء في يمينه، وقوله، ولم يحك لنا الكلام فنتناوله، وإنما جاء مجملا. وسنضرب له مثلا كأن حذيفة قال: والناس يقولون عند الغضب، أقبح ما يعلمون، وعند الرضا أحسن ما يعلمون. إن عثمان خالف صاحبيه، ووضع الأمور غير مواضعها، ولم يشاور أصحابه في أموره، ودفع المال إلى غير أهله، هذا وأشباهه. فوشى به إلى عثمان ﵁ واش، فغلظ القول وقال: ذكر أنك تقول: إني ظالم خائن، هذا وما أشبهه. فحلف حذيفة، بالله تعالى ما قال ذلك، وصدق حذيفة أنه لم يقل: إن عثمان خائن ظالم وأراد بيمينه، استلال سخيمته، وإطفاء سورة غضبه وكره أن ينطوي على سخطه عليه. وسخط الإمام على رعيته، كسخط الوالد على ولده، والسيد على عبده، والبعل على زوجه. بل سخط الإمام أعظم من\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٣١ - ٣٤).","vol":"4","page":340},{"text":"ذلك حوبا، فاشترى الأعظم من ذلك بالأصغر، وقال: \"أشتري بعض ديني ببعض\".\nوأما طعنه على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعلي وعائشة له. فإن أبا هريرة صحب رسول الله - ﷺ -، نحوا من ثلاث سنين، وأكثر الرواية عنه وعمر بعده نحوا من خمسين سنة. وكانت وفاته، سنة تسع وخمسين، وفيها توفيت أم سلمة، زوج النبي - ﷺ -، وتوفيت عائشة ﵂، قبلهما بسنة. فلما أتى من الرواية عنه، ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الأولين إليه، اتهموه، وأنكروا عليه، وقالوا: كيف سمعت هذا وحدك؟ ومن سمعه معك؟ وكانت عائشة ﵂، أشدهم إنكارا عليه، لتطاول الأيام بها وبه. وكان عمر أيضا، شديدا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم، لا شاهد له عليه. وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يزيد بذلك: أن لا يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب، من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جلة الصحابة، وأهل الخاصة برسول الله - ﷺ - كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه. بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا، كسعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وقال علي ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله - ﷺ - حديثا، نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث، استحلفته، فإن حلف لي صدقته وأن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر. ثم ذكر الحديث. أفما ترى تشديد القوم في الحديث وتوقي من أمسك، كراهية التحريف، أو الزيادة في الرواية، أو","vol":"4","page":341},{"text":"النقصان، لأنهم سمعوه ﵇ يقول: \"من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار\" (١).\nوهكذا روي عن الزبير أنه رواه وقال: أراهم يزيدون فيه \"متعمدا\" والله ما سمعته قال \"متعمدا\". وروى مطرف بن عبد الله، أن عمران بن حصين قال: والله، إن كنت لأرى لو شئت لحدثت عن رسول الله - ﷺ -، يومين متتابعين، ولكن بطأني عن ذلك أن رجالا من أصحاب رسول الله - ﷺ - سمعوا كما سمعت، وشهدوا كما شهدت، ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم، فأعلمك أنهم كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون. فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألزمهم لرسول الله - ﷺ -، لخدمته وشبع بطنه، وكان فقيرا معدما، وأنه لم يكن ليشغله عن رسول الله - ﷺ - غرس الودى ولا الصفق بالأسواق، يعرض أنهم كانوا يتصرفون في التجارات ويلزمون الضياع في أكثر الأوقات، وهو ملازم له لا يفارقه، فعرف ما لم يعرفوا، وحفظ ما لم يحفظوا -أمسكوا عنه وكان مع هذا يقول: قال رسول الله - ﷺ - كذا، وإنما سمعه من الثقة عنده، فحكاه. وكذلك كان ابن عباس يفعل، وغيره من الصحابة، وليس في هذا كذب -بحمد الله- ولا على قائله -إن لم يفهمه السامع- جناح، إن شاء الله. وأما قوله: \"قال خليلي، وسمعت خليلي\". يعني النبي - ﷺ -. وأن عليا ﵁، قال له: \"متى كان خليلك؟ \". فإن الخلة بمعنى الصداقة والمصافاة، وهي درجتان، إحداهما ألطف من الأخرى. كما أن الصحبة درجتان، إحداهما ألطف من الأخرى. ألا ترى\n_________\n(١) الحديث صحيح متواتر فاق رواته الستين راويا. أخرجه: أحمد (٣/ ٩٨) والبخاري (١/ ٢٦٨/١٠٨) ومسلم في مقدمته (١/ ١٠/٢) والترمذي (٥/ ٢٦٦١/٣٥) وابن ماجه (١/ ٣٢/١٣) من طرق عن أنس بن مالك.","vol":"4","page":342},{"text":"أن القائل: أبو بكر صاحب رسول الله - ﷺ -، لا يريد بهذا القول معنى صحبة أصحابه له، لأنهم جميعا صحابة، فأية فضيلة لأبي بكر ﵁ في هذا القول؟ وإنما يريد أنه أخص الناس به.\nوكذلك الأخوة التي جعلها رسول الله - ﷺ - بين أصحابه، هي ألطف من الأخوة التي جعلها الله بين المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) وهكذا الخلة. فمن الخلة التي هي أخص، قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢). وقول رسول الله - ﷺ -: \"لو كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا\" (٣). يريد لاتخذته خليلا، كما اتخذ الله إبراهيم خليلا. وأما الخلة، التي تعم، فهي الخلة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين فقال: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٤). فلما سمع علي أبا هريرة يقول: \"خليلي، وسمعت قال خليلي\" وكان سيء الرأي فيه، قال: \"متى كان خليلك؟ \". يذهب إلى الخلة التي لم يتخذ رسول الله - ﷺ - من جهتها- خليلا، وأنه لو فعل ذلك بأحد، لفعله بأبي بكر ﵁. وذهب أبو هريرة إلى الخلة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين، والولاية، فإن رسول الله - ﷺ - من هذه\n_________\n(١) الحجرات الآية (١٠).\n(٢) النساء الآية (١٢٥).\n(٣) مسلم (١/ ٣٧٧/٥٣٢) من حديث جندب بن عبد الله، وفي الباب حديث ابن مسعود وابن عباس وأبي سعيد وغيرهم.\n(٤) الزخرف الآية (٦٧).","vol":"4","page":343},{"text":"الجهة- خليل كل مؤمن، وولي كل مسلم. وإلى مثل هذا، يذهب في قول رسول الله - ﷺ -: \"من كنت مولاه، فعلي مولاه\" (١) يريد أن الولاية بين رسول الله - ﷺ - وبين المؤمنين، ألطف من الولاية التي بين المؤمنين بعضهم مع بعض، فجعلها لعلي ﵁. ولو لم يرد ذلك، ما كان لعلي في هذا القول فضل، ولا كان في القول دليل على شيء، لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض.\nولأن رسول الله - ﷺ - ولي كل مسلم ولا فرق بين ولي ومولي. وكذلك قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) وقول النبي - ﷺ -: \"أية امرأة نكحت، بغير أمر مولاها، فنكاحها باطل باطل\" (٣). فهذه أقاويل النظام، قد بيناها، وأجبناه عنها. وله أقاويل في أحاديث يدعي عليها، أنها مناقضة للكتاب، وأحاديث يستبشعها من جهة حجة العقل. وذكر أن جهة حجة العقل، قد تنسخ الأخبار، وأحاديث ينقض بعضها بعضا. وسنذكرها فيما بعد إن شاء الله. (٤)\nقال أبو محمد: قالوا حديث يحتج به الروافض في إكفار أصحاب محمد - ﷺ - تسليما: قالوا: رويتم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليردن علي الحوض أقوام، ثم ليختلجن دوني، فأقول: يا رب، أصيحابي أصيحابي. فيقال لي: إنك لا\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي سنة (١٤٥هـ).\n(٢) محمد الآية (١١).\n(٣) أحمد (٦/ ٤٧و١٦٥ - ١٦٦) وأبو داود (٢/ ٥٦٦/٢٠٨٣) والترمذي (٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨/ ١١٠٢) والنسائي في الكبرى (٣/ ٢٨٥/٥٣٩٤) وابن ماجه (١/ ٦٠٥/١٨٧٩) وابن حبان (٩/ ٣٨٤/٤٠٧٤ الإحسان) قال الترمذي: \"هذا حديث حسن\". من طرق عن عائشة ﵂.\n(٤) تأويل مختلف الحديث (٣٧ - ٤٣).","vol":"4","page":344},{"text":"تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم\" (١). قالوا: وهذه حجة للروافض في إكفارهم أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا عليا وأبا ذر، والمقداد، وسلمان وعمار بن ياسر، وحذيفة.\nقال أبو محمد ونحن نقول: إنهم لو تدبروا الحديث، وفهموا ألفاظه، لاستدلوا على أنه لم يرد بذلك إلا القليل. يدلك على ذلك قوله: \"ليردن علي الحوض أقوام\". ولو كان أرادهم جميعا إلا من ذكروا لقال: \"لتردن علي الحوض، ثم لتختلجن دوني\". ألا ترى أن القائل إذا قال: \"أتاني اليوم أقوام من بني تميم، وأقوام من أهل الكوفة\" فإنما يريد قليلا من كثير؟ ولو أراد أنهم أتوه إلا نفرا يسيرا قال: \"أتاني بنو تميم، وأتاني أهل الكوفة\" ولم يجز أن يقول قوم لأن القوم، هم الذين تخلفوا. ويدلك أيضا قوله: \"يارب، أصيحابي\" بالتصغير، وإنما يريد بذلك تقليل العدد، كما تقول: \"مررت بأبيات متفرقة\"، و\"مررت بجميعة\". ونحن نعلم أنه قد كان يشهد مع رسول الله - ﷺ - المشاهد، ويحضر معه المغازي المنافق لطلب المغنم، والرقيق الدين، والمرتاب، والشاك. وقد ارتد بعده أقوام، منهم عيينة بن حصن، ارتد ولحق بطليحة بن خوليد، حين تنبأ وآمن به، فلما هزم طليحة، هرب، فأسره خالد ابن الوليد، وبعث به إلى أبي بكر ﵁ في وثاق، فقدم به المدينة فجعل غلمان المدينة ينخسونه بالجريد، ويضربونه ويقولون: \"أي عدو الله، كفرت بالله بعد إيمانك؟ \". فيقول عدو الله: والله ماكنت آمنت. فلما كلمه\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢٣٥و٢٥٣) والبخاري (٨/ ٣٦٣/٤٦٢٥) ومسلم (٤/ ٢١٩٤/٢٨٦٠) واللفظ لمسلم. والترمذي (٤/ ٥٣٢/٢٤٢٣) والنسائي (٤/ ٤٢٣/٢٠٨٦) من طرق عن ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":345},{"text":"أبو بكر ﵁ رجع إلى الإسلام، فقبل منه، وكتب له أمانا، ولم يزل بعد ذلك رقيق الدين حتى مات. وهو الذي كان أغار على لقاح رسول الله - ﷺ - بالغابة، فقال له الحارث بن عوف: ما جزيت محمدا - ﷺ -، أسمنت في بلاده، ثم غزوته؟ فقال: هو ما ترى. وفيه قال رسول الله - ﷺ -: \"هذا الأحمق المطاع\". ولعيينة بن حصن أشباه، ارتدوا حين ارتدت العرب، فمنهم من رجع وحسن إسلامه.\nومنهم من ثبت على النفاق وقد قال الله ﵎: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (١) الآية. فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه. وأما جميع أصحابه -إلا الستة الذين ذكروا- فكيف يختلجون؟ وقد تقدم قول الله ﵎ فيهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) إلى آخر السورة. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٣).\nقال أبو محمد: وحدثني زيد بن أخزم الطائي، قال: أنا أبو داود، قال: نا قرة بن خالد، عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب، كم كانوا في بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. قال قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال أوهم ﵀هو الذي حدثني، أنهم كانوا خمس\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠١).\n(٢) الفتح الآية (٢٩).\n(٣) الفتح الآية (١٨).","vol":"4","page":346},{"text":"عشرة مائة. فكيف يجوز أن يرضى الله ﷿ عن أقوام، ويحمدهم ويضرب لهم مثلا في التوارة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله - ﷺ -، إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم، وهذا هو شر الكافرين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1830>موقفه من الجهمية:</span>\nكان أبو محمد من خيار الناس وعلمائهم، وكان له الباع الطويل في الكتابة ومعرفة أحوال الناس. ترك آثارا تدل على ذلك، وكتبه 'تأويل مختلف الحديث' و'الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية' تدل على أن الرجل من كبار أهل السنة، واسمع ما قاله فيه الإمام الذهبي.\n- جاء في السير: وقد أنبأني أحمد بن سلامة عن حماد الحراني أنه سمع السلفي ينكر على الحاكم في قوله: لا تجوز الرواية عن ابن قتيبة ويقول: ابن قتيبة من الثقات وأهل السنة ثم قال: لكن الحاكم قصده لأجل المذهب.\nقال الذهبي: عهدي بالحاكم، يميل إلى الكرامية، ثم ما رأيت لأبي محمد في كتاب 'مشكل الحديث' ما يخالف طريقة المثبتة والحنابلة، ومن أن أخبار الصفات تمر ولا تتأول فالله أعلم. (٢)\nمن مواقفه المشرفة ما جاء في تأويل مختلف الحديث:\n- قال أبو محمد: وقد تدبرت -رحمك الله- مقالة أهل الكلام فوجدتهم يقولون على الله مالا يعلمون، ويفتنون الناس بما يأتون، ويبصرون القذى في عيون الناس، وعيونهم تطرف على الأجذاع ويتهمون غيرهم في\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٢٣٣ - ٢٣٥).\n(٢) السير (١٣/ ٢٩٩).","vol":"4","page":347},{"text":"النقل، ولا يتهمون آراءهم في التأويل. ومعاني الكتاب والحديث، وما أودعاه من لطائف الحكمة وغرائب اللغة، لا يدرك بالطفرة والتولد والعرض والجوهر، والكيفية والكمية والآينية. ولو ردوا المشكل منهما، إلى أهل العلم بهما، وضح لهم المنهج، واتسع لهم المخرج. ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة، وحب الأتباع، واعتقاد الإخوان بالمقالات. والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضا. ولو ظهر لهم من يدعي النبوة -مع معرفتهم بأن رسول الله - ﷺ - خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية- لوجد على ذلك أتباعا وأشياعا. وقد كان يجب -مع ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر- أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح، والمهندسون، لأن آلتهم لا تدل إلا على عدد واحد، وإلا على شكل واحد وكما لا يختلف حذاق الأطباء في الماء وفي نبض العروق لأن الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد فما بالهم أكثر الناس اختلافا، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين. فـ\"أبو الهذيل العلاف\" يخالف \"النظام\" و\"النجار\" يخالفهما، و\"هشام ابن الحكم\" يخالفهم، وكذلك \"ثمامة\" و\"مويس\" و\"هاشم الأوقص\" و\"عبيد الله ابن الحسن\" و\"بكر العمى\" و\"حفص\" و\"قبة\" وفلان وفلان. ليس منهم واحد إلا وله مذهب في الدين، يدان برأيه، وله عليه تبع.\n- قال أبو محمد: ولو كان اختلافهم في الفروع والسنن، لاتسع لهم العذر عندنا، -وإن كان لا عذر لهم، مع ما يدعونه لأنفسهم- كما اتسع لأهل الفقه، ووقعت لهم الأسوة بهم. ولكن اختلافهم، في التوحيد، وفي صفات الله تعالى، وفي قدرته، وفي نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار،","vol":"4","page":348},{"text":"وعذاب البرزخ، وفي اللوح، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي إلا بوحي من الله تعالى. ولن يَعدِم هذا مَن رَدَّ مثل هذه الأصول إلى استحسانه ونظره وما أوجبه القياس عنده، لاختلاف الناس في عقولهم وإراداتهم واختياراتهم، فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين حتى يكون كل واحد منهما يختار ما يختاره الآخر، ويرذل ما يرذله الآخر، إلا من جهة التقليد والذي خالف بين مَناظِرهم وهيئاتهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وخطوطهم وآثارهم، حتى فرق القائف بين الأثر والأثر، وبين الأنثى والذكر هو الذي خالف بين آرائهم. والذي خالف بين الآراء هو الذي أراد الاختلاف لهم. ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده ليُعرف كل واحد منهما بصاحبه. فالنور يعرف بالظلمة، والعلم يعرف بالجهل، والخير يعرف بالشر، والنفع يعرف بالضر، والحلو يعرف بالمر لقول الله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) والأزواج الأضداد والأصناف كالذكر والأنثى، واليابس والرطب، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٢) ولو أردنا -رحمك الله- أن ننتقل عن أصحاب الحديث ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام، ونرغب فيهم، لخرجنا من اجتماع إلى تشتت، وعن نظام\n_________\n(١) يس الآية (٣٦).\n(٢) النجم الآية (٤٥).","vol":"4","page":349},{"text":"إلى تفرق، وعن أنس إلى وحشة، وعن اتفاق إلى اختلاف، لأن أصحاب الحديث كلهم مجمعون على أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون.\nوعلى أنه خالق الخير والشر، وعلى أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وعلى أن الله تعالى يرى يوم القيامة، وعلى تقديم الشيخين وعلى الإيمان بعذاب القبر لا يختلفون في هذه الأصول ومن فارقهم في شيء منها، نابذوه وباغضوه وبدعوه وهجروه. وإنما اختلفوا في اللفظ بالقرآن، لغموض وقع في ذلك وكلهم مجمعون على أن القرآن، بكل حال -مقروءا ومكتوبا، ومسموعا، ومحفوظا- غير مخلوق، فهذا الإجماع. (١)\n- قال أبو محمد: فإذا نحن أتينا أصحاب الكلام، لما يزعمون أنهم عليه من معرفة القياس، وحسن النظر، وكمال الإرادة وأردنا أن نتعلق بشيء من مذاهبهم. ونعتقد شيئا من نحلهم، وجدنا \"النظام\" شاطرا من الشطار، يغدو على سكر، ويروح على سكر، ويبيت على جرائرها ويدخل في الأدناس ويرتكب الفواحش والشائنات وهو القائل:\nما زلت آخذ روح الزق في لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح\nحتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرح جسم بلا روح\nثم نجد أصحابه يعدون من خطئه قوله إن الله ﷿ يحدث الدنيا وما فيها، في كل وقت من غير إفنائها. قالوا فالله في قوله يحدث الموجود، ولو جاز إيجاد الموجود، لجاز إعدام المعدوم. وهذا فاحش في ضعف الرأي،\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (١٣ - ١٦).","vol":"4","page":350},{"text":"وسوء الاختيار. وحكوا عنه أنه قال: قد يجوز أن يجمع المسلمون جميعا على الخطأ. قال: ومن ذلك إجماعهم على أن النبي - ﷺ - بعث إلى الناس كافة دون جميع الأنبياء وليس كذلك وكل نبي في الأرض بعثه الله تعالى، فإلى جميع الخلق بعثه، لأن آيات الأنبياء -لشهرتها- تبلغ آفاق الأرض، وعلى كل من بلغه ذلك أن يصدقه ويتبعه. فخالف الرواية عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"بعثت إلى الناس كافة، وبعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي يبعث إلى قومه\" (١) وأول الحديث. وفي مخالفة الرواية وحشة، فكيف بمخالفة الرواية والإجماع لما استحسن. (٢)\nقال أبو محمد: وفسروا القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم. فقال فريق منهم في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٣) أي علمه، وجاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف، وهو قول الشاعر:\nولا يُكَرْسيُّ علمَ الله مخلوقُ\nكأنه عندهم: ولا يعلم علم الله مخلوق.\nوالكرسي غير مهموز، و\"يكرسئ\" مهموز، يستوحشون أن يجعلوا لله تعالى كرسيا، أو سريرا، ويجعلون العرش شيئا آخر. والعرب لا تعرف العرش\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٣٠٤) والبخاري (١/ ٥٧٤/٣٣٥) ومسلم (١/ ٣٧٠ - ٣٧١/ ٥٢١) والنسائي (١/ ٢٢٩ - ٢٣١/ ٤٣٠) من حديث جابر ﵁.\n(٢) تأويل مختلف الحديث (١٧ - ١٩).\n(٣) البقرة الآية (٢٥٥).","vol":"4","page":351},{"text":"إلا السرير، وما عُرِش من السقوف والآبار. يقول الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) أي على السرير. وأمية بن أبي الصلت يقول:\nمجدوا الله وهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا\nبالبناء الأعلى الذي سبق النا ... س وسوى فوق السماء سريرا\nشرجعا ما يناله بصر العين ... ترى دونه الملائك صورا (٢)\n- قال أبو محمد: وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٣) إن اليد، ههنا، النعمة لقول العرب \"لي عند فلان يد\" أي نعمة ومعروف. وليس يجوز أن تكون اليد ههنا، النعمة لأنه قال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ معارضة عما قالوه فيها ثم قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. ولا يجوز أن يكون أراد \"غلت نعمهم، بل نعمتاه مبسوطتان\" لأن النعم لا تغل، ولأن المعروف لا يكنى عنه باليدين، كما يكنى عنه باليد، إلا أن يريد جنسين من المعروف، فيقول: لي عنده يدان. ونعم الله تعالى أكثر من أن يحاط بها. (٤)\n- قال أبو محمد: قالوا: رويتم أن النبي - ﷺ - قال: \"ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته\". (٥)\n_________\n(١) يوسف الآية (١٠٠).\n(٢) تأويل مختلف الحديث (٦٧).\n(٣) المائدة الآية (٦٤).\n(٤) تأويل مختلف الحديث (٧٠).\n(٥) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).","vol":"4","page":352},{"text":"والله تعالى يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢).\nقالوا: وليس يجوز في حجة العقل، أن يكون الخالق يشبه المخلوق، في شيء من الصفات، وقد قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ (٣).\nقالوا: فإن كان هذا الحديث صحيحا، فالرؤية فيه بمعنى العلم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (٤) وقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥).\nقال أبو محمد: ونحن نقول: إن هذا الحديث صحيح، لا يجوز على مثله الكذب، لتتابع الروايات عن الثقات به، من وجوه كثيرة:\nولو كان يجوز أن يكون مثله كذبا، جاز أن يكون كل ما نحن عليه من أمور ديننا في التشهد، الذي لم نعلمه إلا بالخبر، وفي صدقة النعم، وزكاة الناض من الأموال، والطلاق، والعتاق، وأشباه ذلك من الأمور التي وصل إلينا علمها بالخبر، ولم يأت لها بيان في الكتاب - باطلا.\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٠٣).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) الأعراف الآية (١٤٣).\n(٤) الفرقان الآية (٤٥).\n(٥) البقرة الآية (١٠٦) وفي الأصل: \"ألم تر\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"4","page":353},{"text":"وأما قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وقول موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ فليس ناقضا لقول رسول الله - ﷺ -: \"ترون ربكم يوم القيامة\" لأنه أراد -جل وعز- بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في الدنيا.\nوقال لموسى ﵇: \"لن تراني\" يريد: في الدنيا، لأنه -جل وعز- احتجب عن جميع خلقه في الدنيا، ويتجلى لهم يوم الحساب، ويوم الجزاء والقصاص، فيراه المؤمنون كما يرون القمر في ليلة البدر، ولا يختلفون فيه، كما لا يختلفون في القمر.\nولم يقع التشبيه بها على كل حالات القمر، في التدوير، والمسير، والحدود وغير ذلك.\nوإنما وقع التشبيه بها، على أنا ننظر إليه -﷿- كما ننظر إلى القمر ليلة البدر لا يختلف في ذلك، كما لا يختلف في القمر.\nوالعرب، تضرب المثل بالقمر في الشهرة والظهور، فيقولون: \"هذا أبين من الشمس، ومن فلق الصبح، وأشهر من القمر\" قال ذو الرمة:\nوقد بهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا\nوقوله في الحديث: \"لا تضامون في رؤيته\" دليل لأن التضام من الناس يكون في أول الشهر عند طلبهم الهلال، فيجتمعون، ويقول واحد: \"هو ذاك هو ذاك\" ويقول آخر: \"ليس به وليس القمر كذلك\" لأن كل واحد يراه بمكانه، ولا يحتاج إلى أن ينضم إلى غيره لطلبه.","vol":"4","page":354},{"text":"وحديث رسول الله - ﷺ - قاض على الكتاب، ومبين له.\nفلما قال الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الْأَبْصَارُ وجاء عن رسول الله - ﷺ - بالصحيح من الخبر \"ترون ربكم تعالى في القيامة\" لم يخف على ذي فهم ونظر ولب وتمييز، أنه في وقت دون وقت.\nوفي قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أبين الدلالة، على أنه يرى في القيامة.\nولو كان الله تعالى لا يرى في حال من الأحوال، ولا يجوز عليه النظر، لكان موسى ﵇ قد خفي عليه من وصف الله تعالى ما علموه.\nومن قال بأن الله تعالى يدرك بالبصر يوم القيامة، فقد حده عندهم، ومن كان الله تعالى عنده، محدودا، فقد شبهه بالمخلوقين، ومن شبهه عندهم بالخلق، فقد كفر.\nفما يقولون في موسى ﵇ فيما بين أن الله تعالى نبأه، وكلمه من الشجرة إلى الوقت الذي قال له فيه: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أيقضون عليه بأنه كان مشبها لله محددا؟\nلا، لعمر الله، لا يجوز أن يجهل موسى ﵇، من الله ﷿ مثل هذا، لو كان على تقديرهم.\nولكن موسى ﵇، علم أن الله تعالى، يرى يوم القيامة، فسأل الله ﷿ أن يجعل له في الدنيا، ما أجله لأنبيائه وأوليائه يوم القيامة.","vol":"4","page":355},{"text":"فقال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني في الدنيا ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (١).\nأعلمه أن الجبل لا يقوم لتجليه حتى يصير دكا، وأن الجبال إذا ضعفت عن احتمال ذلك، فابن آدم أحرى أن يكون أضعف إلى أن يعطيه الله تعالى يوم القيامة ما يقوى به على النظر، ويكشف عن بصره الغطاء الذي كان في الدنيا.\nوالتجلي: هو الظهور، ومنه يقال: \"جلوت العروس\" إذا أبرزتها و\"جلوت المرآة والسيف\" إذا أظهرتهما من الصدأ.\nوأما قولهم: إن الرؤية في قوله: (ترون ربكم يوم القيامة)، بمعنى العلم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ على كُلِّ شَيْءٍ قديرٍ﴾ (٢). يريد \"ألم تعلم\" فإنه يستحيل، لأنا نعلمه في الدنيا أيضا - فأي فائدة في هذا الخبر إذا كان الأمر في يوم القيامة، وفي الدنيا واحدا.\nوقرأت في الإنجيل أن المسيح ﵇ حين فتح فاه بالوحي قال: \"طوبى للذين يرحمون، فعليهم تكون الرحمة، طوبى للمخلصة قلوبهم، فإنهم الذين يرون الله ﵎\" والله ﵎ يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣).\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٤٣).\n(٢) البقرة الآية (١٠٦) وفي الأصل: \"ألم تر\" والصواب ما أثبتناه.\n(٣) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).","vol":"4","page":356},{"text":"ويقول في قوم سخط عليهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ (١).\nأفما في هذا القول، دليل على أن الوجوه الناضرة، التي هي إلى ربها ناظرة، هي التي لا تحجب إذا حجبت هذه الوجوه؟ فإن قالوا لنا: كيف ذلك النظر والمنظور إليه؟\nقلنا: نحن لا ننتهي في صفاته -ﷻ- إلا إلى حيث انتهى إليه رسول الله - ﷺ -، ولا ندفع ما صح عنه، لأنه لا يقوم في أوهامنا، ولا يستقيم على نظرنا، بل نؤمن بذلك من غير أن نقول فيه بكيفية أو حد، أو أن نقيس على ما جاء، ما لم يأت- ونرجو أن يكون في ذلك من القول والعقد، سبيل النجاة، والتخلص من الأهواء كلها غدا، إن شاء الله تعالى. (٢)\n- قال أبو محمد: قالوا رويتم أن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله ﷿ (٣). فإن كنتم أردتم بالأصابع ههنا، النعم، وكان الحديث صحيحا، فهو مذهب. وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها، فإن ذلك يستحيل لأن الله تعالى لا يوصف بالأعضاء، ولا يشبه بالمخلوقين. وذهبوا في تأويل الأصابع إلى أنه النعم لقول العرب: \"ما أحسن إصبع فلان على ماله\" يريدون أثره، وقال الراعي في وصف إبله:\n_________\n(١) المطففين الآيتان (١٥و١٦).\n(٢) تأويل مختلف الحديث (٢٠٤ - ٢٠٨).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف سفيان بن عيينة سنة (١٩٨هـ) والشافعي سنة (٢٠٤هـ).","vol":"4","page":357},{"text":"ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أمحل الناس أصبعا\nأي: ترى له عليها أثرا حسنا.\nقال أبو محمد: ونحن نقول: إن هذا الحديث صحيح، وإن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث، لأنه ﵇ قال في دعائه: \"يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك\" فقالت له إحدى أزواجه: \"أو تخاف -يا رسول الله- على نفسك؟ \" فقال: \"إن قلب المؤمن، بين أصبعين من أصابع الله ﷿\" (١). فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى، فهو محفوظ بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت، ولم احتج على المرأة التي قالت له: \"أتخاف على نفسك\" بما يؤكد قولها، وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروسا بنعمتين. فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههنا؟ قلنا، هو مثل قوله في الحديث الآخر يحمل الأرض على أصبع (٢)، وكذا على أصبعين. ولا يجوز أن تكون الإصبع -ههنا- نعمة. وكقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٣) ولم يجز ذلك. ولا نقول أصبع كأصابعنا، ولا يد كأيدينا، ولا قبضة كقبضاتنا، لأن كل شيء منه -﷿- لا يشبه شيئا منا. (٤)\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف سفيان بن عيينة سنة (١٩٨هـ) والشافعي سنة (٢٠٤هـ).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف وكيع بن الجراح سنة (١٩٦هـ).\n(٣) الزمر الآية (٦٧).\n(٤) تأويل مختلف الحديث (٢٠٨ - ٢١٠).","vol":"4","page":358},{"text":"قال أبو محمد: قالوا: رويتم عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن\" (١). وينبغي أن تكون الريح عندكم غير مخلوقة، لأنه لا يكون من الرحمن، جل وعز، شيء مخلوق.\nقال أبو محمد: ونحن نقول: إنه لم يرد بالنفس، ما ذهبوا إليه، وإنما أراد أن الريح من فرج الرحمن -﷿- وروحه. يقال: اللهم نفس عني الأذى، وقد فرج الله عن نبيه - ﷺ - بالريح يوم الأحزاب. وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٢). وكذلك قوله: \"إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٤/ ٤٥١ - ٤٥٢/ ٢٢٥٢) وقال: \"حسن صحيح\" والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٣١/١٠٧٦٩) وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٥/ ١٢٣) والطحاوي في المشكل (٢/ ٣٨٠/٩١٨) من طرق عن أبي بن كعب مرفوعًا بلفظ: \"لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا ... \" الحديث. وأخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٢٣٢/١٠٧٧١) والحاكم (٢/ ٢٧٢) وصححه ووافقه الذهبي عن أبي موقوفا بلفظ \"لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن\" وانظر الصحيحة (٢٧٥٦).\n(٢) الأحزاب الآية (٩).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٥٤١) من طريق شبيب أبي روح أن أعرابيًا أتى أبا هريرة فقال: يا أبا هريرة حدثنا عن النبي - ﷺ - فذكر الحديث فقال: قال النبي - ﷺ -: \"ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية وأجد نفس ربكم من قبل اليمن ... \" قال العراقي في تخريج الإحياء (١/ ٢٥٣): \"أخرجه أحمد ورجاله ثقات\"، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٥٦): \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة\".\n\nقلت: ثقة عند ابن حبان فلم يوثقه غيره، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلًا. وخالف شبيبا هذا جمع من الثقات، بل والأئمة الحفاظ كمحمد بن سيرين والأعرج وأبي سلمة بن عبد الرحمن والعلاء بن عبد الرحمن وسالم أبي الغيث وسعيد بن المسيب وأبي صالح السمان، كلهم رووا الحديث عن أبي هريرة دون ذكر: (وأجد نفس ربكم من قبل اليمن). ولهذا قال الشيخ الألباني عنها في الضعيفة (٣/ ٢١٧): \"هي عندي منكرة أو على الأقل شاذة\".\nتنبيه: والحديث دون ذكر هذه الزيادة في الصحيحين.","vol":"4","page":359},{"text":"قال أبو محمد: وهذا من الكناية، لأن معنى هذا، أنه قال: كنت في شدة وكرب وغم من أهل مكة، ففرج الله عني بالأنصار. يعني: أنه يجد الفرج من قبل الأنصار، وهم من اليمن. فالريح من فرج الله تعالى وروحه، كما كان الأنصار من فرج الله تعالى.\nقال أبو محمد: وقد بينت هذا في كتاب 'غريب الحديث' بأكثر من هذا البيان، ولم أجد بدا من ذكره ههنا، ليكون الكتاب جامعا للفن الذي قصدوا له. (١)\n- قال أبو محمد: قالوا: رويتم \"أن كلتا يديه يمين\" (٢)، وهذا يستحيل إن كنتم أردتم باليدين العضوين، وكيف تعقل يدان كلتاهما يمين؟ قال أبو محمد: ونحن نقول: إن هذا الحديث صحيح وليس هو مستحيلا وإنما أراد بذلك معنى التمام والكمال، لأن كل شيء فمياسره تنقص عن ميامنه في القوة والبطش، والتمام. وكانت العرب تحب التيامن، وتكره التياسر، لما في اليمين من التمام، وفي اليسار من النقص، ولذلك قالوا: \"اليمن والشؤم\" فاليمن من اليد: اليمنى، والشؤم من اليد: الشؤمى، وهي اليد اليسرى، وهذا وجه بين. ويجوز أن يريد: العطاء باليدين جميعا، لأن اليمنى هي المعطية. فإذا كانت اليدان يمينين كان العطاء بهما، وقد روي في حديث آخر أن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٢١٢).\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ١٦٠) ومسلم (٣/ ١٤٥٨/١٨٢٧) والنسائي (٨/ ٦١٢ - ٦١٣/ ٥٣٩٤) من طريق عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو ﵄.","vol":"4","page":360},{"text":"قال: \"يمين الله سحاء لا يغيضها شيء الليل والنهار\" (١) أي تصب العطاء ولا ينقصها ذلك، وإلى هذا ذهب المرار، حين قال:\nوإن على الأوانة من عقيل ... فتى كلتا اليدين له يمين (٢)\n- قال أبو محمد: والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع، والعين، وإنما وقع الإلف لتلك، لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه، لأنها لم تأت في القرآن. ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه، بكيفية ولا حد. (٣)\n- قال أبو محمد: قالوا: رويتم أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تسبوا الدهر، فإن الله تعالى هو الدهر\" (٤) فوافقتم في هذه الرواية، الدهرية.\n- قال أبو محمد: ونحن نقول: إن العرب في الجاهلية كانت تقول: \"أصابني الدهر في مالي بكذا، ونالتني قوارع الدهر وبواثقه ومصايبه. ويقول الهرم \"حناني الدهر\" فينسبون كل شيء تجري به أقدار الله ﷿عليهم، من موت أو سقم، أو ثكل، أو هرم، إلى الدهر. ويقولون: لعن الله هذا الدهر، ويسمونه المنون، لأنه جالب المنون عليهم عندهم، والمنون: المنية، قال أبو ذؤيب:\nأَمِنَ المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٣١٣) والبخاري (٨/ ٤٤٩/٤٦٨٦) ومسلم (٢/ ٦٩٠ - ٦٩١/ ٩٩٣) والترمذي (٥/ ٢٣٤/٣٠٤٥) وابن ماجه (١/ ٧١/١٩٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: \"يمين الله ملأى لا يغيضها شيء سحاء الليل والنهار\".\n(٢) تأويل مختلف الحديث (٢١٠ - ٢١١).\n(٣) تأويل مختلف الحديث (٢٢١).\n(٤) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٩٥) ومسلم (٤/ ١٧٦٣/٢٢٤٦ [٥]) والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٥٧/١١٦٨٧) من حديث أبي هريرة.","vol":"4","page":361},{"text":"قال أبو محمد: هكذا أنشدنيه الرياشي عن الأصمعي، عن ابن أبي طرفة الهذلي، عن أبي ذؤيب. والناس يروونه \"وريبها تتوجع\" ويجعلون المنون: المنية، وهذا غلط. ويدلك على ذلك قوله \"والدهر ليس بمعتب من يجزع\" كأنه قال: \"أمن الدهر وريبه تتوجع\" والدهر ليس بمعتب من يجزع\" وقال الله ﷿: ﴿نتربص به ريب الْمَنُونِ﴾ (١) أي ريب الدهر وحوادثه. وكانت العرب تقول: \"لا ألقاك آخر المنون\" أي آخر الدهر. وقد حكى الله ﷿ عن أهل الجاهلية، ما كانوا عليه من نسب أقدار الله ﷿ وأفعاله إلى الدهر فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (٢). فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصايب، ولا تنسبوها إليه، فإن الله، ﷿، هو الذي أصابكم بذلك، لا الدهر، فإذا سببتم الفاعل، وقع السب بالله ﷿\" ألا ترى أن الرجل منهم إذا أصابته نائبة، أو جائحة في مال، أو ولد، أو بدن، فسب فاعل ذلك به، وهو ينوي الدهر، أن المسبوب هو الله ﷿. وسأمثل لهذا الكلام مثالا أقرب به عليك ما تأولت، وإن كان -بحمد الله تعالى قريبا- كأن رجلا يسمى \"زيدا\" أمر عبدا له يسمى \"فتحا\" أن يقتل رجلا، فقتله، فسب الناس فتحا ولعنوه. فقال لهم قائل: \"لا تسبوا فتحا، فإن زيدا هو فتح\". يريد أن زيدا هو القاتل، لأنه هو الذي أمره كأنه قال: إن القاتل زيد، لا فتح.\n_________\n(١) الطور الآية (٣٠).\n(٢) الجاثية الآية (٢٤).","vol":"4","page":362},{"text":"وكذلك الدهر تكون فيه المصايب والنوازل، وهي بأقدار الله ﷿، فيسب الناس الدهر، لكون تلك المصايب والنوازل فيه، وليس له صنع، فيقول قائل: \"لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر\". (١)\n- قال أبو محمد: قالوا: رويتم أن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، فيقول: \"هل من داع فأستجيب له؟ أو مستغفر فأغفر له؟ \" (٢) وينزل عشية عرفة إلى أهل عرفة (٣)، وينزل في ليلة النصف من شعبان (٤).\nوهذا خلاف لقوله تعالى: ﴿مَا يكون من نجوى\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٢٢٢ - ٢٢٤).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٣) أخرجه من حديث جابر - ﵁ -: ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٦٣/٢٨٤٠) وابن حبان (٩/ ١٦٤/٣٨٥٣ الإحسان)، البغوي في شرح السنة (٧/ ١٥٩/١٩٣١) وأبو يعلى (٤/ ٦٩/٢٠٩٠) والبزار \"الكشف\" (٢/ ٢٨/١١٢٨)، وذكره الهيثمي في موضعين: (٣/ ٢٥٣) وقال: \"رواه أبو يعلى وفيه محمد بن مروان العقيلي وثقه ابن معين وابن حبان وفيه بعض كلام وبقية رجاله رجال الصحيح\". و(٤/ ١٧) وقال: \"رواه البزار وإسناده حسن ورجاله ثقات\". قال الشيخ الألباني في الضعيفة (٢/ ١٢٦): \"قلت إنما علة الحديث أبو الزبير فإنه مدلس، وقد عنعنه في جميع الطرق عنه\".\n(٤) أخرجه من حديث عائشة ﵂: أحمد (٦/ ٢٣٨) والترمذي (٣/ ١١٦/٧٣٩) وابن ماجه (١/ ٤٤٤/١٣٨٩) كلهم من طريق حجاج بن أرطأة عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة، وفيه قصة فقدها النبي - ﷺ - ذات ليلة. قال الترمذي عقب الحديث: \"حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمدا يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج بن أرطأة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير.\n\nوللحديث شواهد كثيرة يتقوى بها، انظرها في الصحيحة (٣/ ١٣٥ - ١٣٩/ ١١٤٤) ثم قال عقبها ﵀: \"وجملة القول إن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب، والصحة تثبت بأقل منها عددا، ما دامت سالمة من الضعف الشديد كما هو الشأن في هذا الحديث، فما نقله الشيخ القاسمي ﵀ في إصلاح المساجد (ص.١٠٧) عن أهل التعديل والتجريح أنه ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث يصح، فليس مما ينبغي الاعتماد عليه، ولئن كان أحد منهم أطلق مثل هذا القول فإنما أوتي من قبيل التسرع وعدم وسع الجهد لتتبع الطرق على هذا النحو الذي بين يديك، والله تعالى الموفق\".","vol":"4","page":363},{"text":"ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١) وقوله جل وعز: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٢) وقد أجمع الناس على أنه بكل مكان، ولا يشغله شأن عن شأن.\nقال أبو محمد: ونحن نقول في قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾: إنه معهم بالعلم بما هم عليه، كما تقول للرجل وجهته إلى بلد شاسع، ووكلته بأمر من أمورك: \"احذر التقصير والإغفال لشيء مما تقدمت فيه إليك فإني معك\" تريد، أنه لا يخفى علي تقصيرك أو جدك، للإشراف عليك، والبحث عن أمورك\". وإذا جاز هذا في المخلوق الذي لا يعلم الغيب، فهو في الخالق الذي يعلم الغيب أجوز. وكذلك \"هو بكل مكان\" يراد: لا يخفى عليه شيء، مما في الأماكن، فهو فيها بالعلم بها والإحاطة. وكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه بكل مكان على الحلول مع قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٣) أي: استقر كما\n_________\n(١) المجادلة الآية (٧).\n(٢) الزخرف الآية (٨٤).\n(٣) طه الآية (٥).","vol":"4","page":364},{"text":"قال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ (١) أي استقررت. ومع قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢). وكيف يصعد إليه شيء هو معه؟ أو يرفع إليه عمل، وهو عنده؟ وكيف تعرج الملائكة والروح إليه يوم القيامة؟ وتعرج بمعنى تصعد -يقال: عرج إلى السماء إذا صعد، والله ﷿ \"ذو المعارج\" و\"المعارج\" الدرج. فما هذه الدرج؟ وإلى من تؤدي الأعمال الملائكة، إذا كان بالمحل الأعلى، مثله بالمحل الأدنى؟ ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه، لعلموا أن الله تعالى هو العلي، وهو الأعلى، وهو بالمكان الرفيع، وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه، والأيدي ترفع بالدعاء إليه. ومن العلو يرجى الفرج، ويتوقع النصر، وينزل الرزق. وهنالك الكرسي والعرش والحجب والملائكة.\nيقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٣) وقال في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤) وقيل لهم شهداء، لأنهم يشهدون ملكوت الله تعالى، وأحدهم \"شهيد\" كما يقال: \"عليم\" و\"علماء\" و\"كفيل\" و\"كفلاء\". وقال تعالى: ﴿لَوْ أردنا أن نتخذ لهوًا\n_________\n(١) المؤمنون الآية (٢٨).\nفاطر الآية (١٠).\n(٣) الأنبياء الآيتان (١٩ - ٢٠).\n(٤) آل عمران الآية (١٦٩).","vol":"4","page":365},{"text":"لاتخذناه مِنْ لَدُنَّا﴾ (١) أي: لو أردنا أن نتخذ امرأة وولدا، لاتخذنا ذلك عندنا لا عندكم، لأن زوج الرجل وولده، يكونان عنده وبحضرته، لا عند غيره. والأمم كلها -عربيها وعجميها- تقول: إن الله تعالى في السماء ما تركت على فطرها، ولم تنقل عن ذلك بالتعليم. وفي الحديث إن رجلا أتى رسول الله - ﷺ - بأمة أعجمية للعتق، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"أين الله تعالى؟ \". فقالت: في السماء، قال: \"فمن أنا\" قالت: أنت رسول الله - ﷺ -. فقال ﵊ \"هي مؤمنة\" وأمره بعتقها (٢) -هذا أو نحوه وقال أمية بن أبي الصلت:\nمجدوا الله وهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا\nبالبناء الأعلى الذي سبق النا ... س. وسوى فوق السماء سريرا\nشرجعا ما يناله بصر العيـ ... ـن ترى دونه الملائك صورا\nو\"صور\" جمع \"أصور\" وهو المائل العنق. (٣)\n- قال أبو محمد: ثم نصير إلى الجاحظ، وهو آخر المتكلمين، والمعاير على المتقدمين، وأحسنهم للحجة استثارة، وأشدهم تلطفا، لتعظيم الصغير، حتى يعظم، وتصغير العظيم حتى يصغر، ويبلغ به الاقتدار إلى أن يعمل الشيء ونقيضه، ويحتج لفضل السودان على البيضان. وتجده يحتج مرة للعثمانية على الرافضة، ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنة. ومرة يفضل عليا رضي الله\n_________\n(١) الأنبياء الآية (١٧).\n(٢) سيأتي تخريجه في مواقف أبي عمرو السهروردي سنة (٤٥٨هـ).\n(٣) تأويل مختلف الحديث (٢٧٠ - ٢٧٣).","vol":"4","page":366},{"text":"عنه، ومرة يؤخره، ويقول: قال رسول الله - ﷺ -، ويتبعه قال الجماز، وقال إسماعيل بن غزوان: كذا وكذا من الفواحش. ويجل رسول الله - ﷺ - عن أن يذكر في كتاب ذكرا فيه فكيف في ورقة، أو بعد سطر وسطرين؟ ويعمل كتابا، يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين. فإذا صار إلى الرد عليهم، تجوز في الحجة، كأنه إنما أراد تنبيههم على مالا يعرفون، وتشكيك الضعفة من المسلمين. وتجده يقصد في كتبه للمضاحيك والعبث، يريد بذلك، استمالة الأحداث، وشراب النبيذ. ويستهزئ من الحديث استهزاء، لا يخفى على أهل العلم. كذكره كبد الحوت، وقرن الشيطان، وذكر الحجر الأسود وأنه كان أبيض فسوده المشركون، وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا. ويذكر الصحيفة التي كان فيها المنزل في الرضاع، تحت سرير عائشة، فأكلتها الشاة. وأشياء من أحاديث أهل الكتاب في تنادم الديك والغراب، ودفن الهدهد أمه في رأسه، وتسبيح الضفدع، وطوق الحمامة وأشباه هذا، مما سنذكره فيما بعد، إن شاء الله. وهو -مع هذا- من أكذب الأمة وأوضعهم لحديث، وأنصرهم لباطل. (١)\n- قال أبو محمد: وقالوا في قوله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلًا﴾ (٢) أي فقيرا إلى رحمته، وجعلوه من \"الخلة\" بفتح الخاء، استيحاشا من أن يكون الله تعالى، خليلا لأحد من خلقه واحتجوا بقول زهير:\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٥٩ - ٦٠).\n(٢) النساء الآية (١٢٥).","vol":"4","page":367},{"text":"وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم\nأي إن أتاه فقير. فأي فضيلة في هذا القول لإبراهيم - ﷺ -؟ أما تعلمون أن الناس جميعا، فقراء إلى الله تعالى؟ وهل إبراهيم في \"خليل الله\" إلا كما قيل \"موسى كليم الله\". و\"عيسى روح الله\"؟. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1831>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال أبو محمد: ثم نصير إلى \"بكر\" صاحب البكرية، وهو من أحسنهم حالا في التوقي. فنجده يقول: من سرق حبة من خردل، ثم مات غير تائب من ذلك، فهو خالد في النار، مخلد أبدا، مع اليهود والنصارى.\nوقد وسع الله تعالى للمسلم أن يأكل من مال صديقه، وهو لا يعلم. ووسع لداخل الحائط أن يأكل من ثمره، ولا يحمل. ووسع لابن السبيل إذا مر في سفره بغنم وهو عطشان أن يصيب من رسلها. فكيف يعذب من أخذ حبة من خردل، لا قدر لها، ويخلده في النار أبدا؟. وأي ذنب هو أخذ حبة من خردل، حتى يكون منه توبة، أو يقع فيه إصرار؟ وقد يأخذ الرجل الخلال من حطب أخيه، والمدر من مدره، ويشرب الماء من حوضه، وهذا أعظم قدرا من الحبة.\nوكان يقول: إن الأطفال لا تألم. فإذا سئل، فقيل له: فما باله يبكي إذا قرص أو وقعت عليه شرارة. قال: إنما ذلك عقوبة لأبويه والله تعالى أعدل من أن يؤلم طفلا لا ذنب له. فإذا سئل عن البهيمة وألمها، وهي لا ذنب لها،\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٦٩ - ٧٠).","vol":"4","page":368},{"text":"قال: إنما آلمها الله تعالى لمنفعة ابن آدم لتنساق ولتقف، ولتجري إذا احتاج إلى ذلك منها.\nوكان من العدل -عنده- أن يؤلمها لنفع غيرها وربما قال بغير ذلك، وقد خلطوا في الرواية عنه.\nوكان يقول: شرب نبيذ السقاء الشديد، من السنة، وكذلك أكل الجدي، والمسح على الخفين.\nوالسنة إنما تكون في الدين لا في المأكول والمشروب. ولو أن رجلا لم يأكل البطيخ بالرطب، دهره، وقد أكله رسول الله - ﷺ -، أو لم يأكل القرع، وقد كان يعجب النبي - ﷺ - لم يقل إنه ترك السنة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1832>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀: ثم نصير إلى عبيد الله بن الحسن وقد كان ولي قضاء البصرة -فتهجم- من قبيح مذاهبه، وشدة تناقض قوله على ما هو أولى بأن يكون تناقضا، مما أنكروه. وذلك أنه كان يقول: إن القرآن يدل على الاختلاف. فالقول بالقدر صحيح، وله أصل في الكتاب. والقول بالإجبار صحيح، وله أصل في الكتاب. ومن قال بهذا، فهو مصيب ومن قال بهذا، فهو مصيب. لأن الآية الواحدة، ربما دلت على وجهين مختلفين، واحتملت معنيين متضادين. وسئل يوما، عن أهل القدر وأهل الإجبار، فقال: كل مصيب، هؤلاء قوم عظموا الله، وهؤلاء قوم نزهوا الله. (٢)\n_________\n(١) تأويل مختلف الأحاديث (٤٦ - ٤٧).\n(٢) تأويل مختلف الحديث (٤٤ - ٤٥).","vol":"4","page":369},{"text":"- وقال: وقد يحمل بعضهم الحمية على أن يقول: الجبرية، هم القدرية. ولو كان هذا الاسم يلزمهم، لاستغنوا به عن الجبرية. ولو ساغ هذا لأهل القدر، لساغ مثله للرافضة، والخوارج، والمرجئة وقال كل فريق منهم لأهل الحديث، مثل الذي قالته القدرية. والأسماء لا تقع غير مواقعها، ولا تلزم إلا أهلها. ويستحيل أن تكون الصياقلة، هم الأساكفة، والنجار هو الحداد. والفطرة التي فطر الناس عليها، والنظر، يبطل ما قذفوهم به. أما الفطر، فإن رجلا لو دخل المصر، واستدل على القدرية فيه، أو المرجئة، لدله الصبي والكبير، والمرأة والعجوز، والعامي والخاصي، والحشوة والرعاع، على المسمين بهذا الاسم. ولو استدل على أهل السنة، لدلوه على أصحاب الحديث. ولو مرت جماعة فيهم القدري، والسني، والرافضي، والمرجئي، والخارجي، فقذف رجل القدرية، أو لعنهم، لم يكن المراد بالشتم أو اللعن عندهم، أصحاب الحديث. هذا أمر، لا يدفعه دافع، ولا ينكره منكر. وأما النظر، فإنهم أضافوا القدر إلى أنفسهم، وغيرهم يجعله لله تعالى، دون نفسه. ومدعي الشيء لنفسه، أولى بأن ينسب إليه، ممن جعله لغيره. ولأن الحديث جاءنا، بأنهم مجوس هذه الأمة، وهم أشبه قوم بالمجوس، لأن المجوس تقول بإلهين، وإياهم أراد الله بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١). وقالت القدرية: نحن نفعل مالا يريد الله تعالى، ونقدر على ما لا\n_________\n(١) النحل الآية (٥١).","vol":"4","page":370},{"text":"يقدر. (١)\n- وقال: قالوا: رويتم أن موسى ﵇ كان قدريا، وحاج آدم ﵇ فحجه وأن أبا بكر كان قدريا، وحاج عمر، فحجه عمر.\nقال أبو محمد ونحن نقول: إن هذا تخرص وكذب على الخبر، ولا نعلم أنه جاء في شيء من الحديث أن موسى ﵇ كان قدريا، ولا أن أبا بكر ﵁، كان قدريا. حدثنا أبو الخطاب، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا داود بن أبي هند عن عامر عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"لقي موسى آدم - ﷺ -، فقال: أنت آدم أبو البشر، الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ قال: نعم. فقال: ألست موسى الذي اصطفاك الله على الناس برسالاته وبكلامه؟ قال: بلى. قال: أفليس تجد فيما أنزل عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلنيها؟ قال: بلى، قال: فخصم آدم موسى صلى الله عليهما وسلم\" (٢).\nقال أبو محمد: فأي شيء في هذا القول يدل على أن موسى ﵇ كان قدريا، ونحن نعلم أن كل شيء بقدر الله وقضائه، غير أنا ننسب الأفعال إلى فاعليها، ونحمد المحسن على إحسانه، ونلوم المسيء بإساءته، ونعتد على المذنب بذنوبه. وأما قولهم: \"إن أبا بكر ﵁ كان\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٨١ - ٨٢).\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٨٧ و٣١٤) والبخاري (١١/ ٦١٨/٦٦١٤) ومسلم (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٣/ ٢٦٥٢) وأبو داود (٥/ ٧٦ - ٧٨/ ٤٧٠١) والترمذي (٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧/ ٢١٣٤) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٥/ ١٠٩٨٥ - ١٠٩٨٦) وابن ماجه (١/ ٣١ - ٣٢/ ٨٠).","vol":"4","page":371},{"text":"قدريا\" فهو أيضا تحريف وزيادة في الحديث. وإنما تنازعا في القدر، وهما لا يعلمان، فلما علما كيف ذلك؟ اجتمعا فيه على أمر واحد، كما كانا لا يعلمان أمورا كثيرة من أمر الدين، وأمر التوحيد، حتى أعلمهما رسول الله - ﷺ -، ونزل الكتاب وحدّت السنن، فعلما بعد ذلك. على أن الحديث عن أبي بكر وعمر ﵄ عند أهل الحديث ضعيف، يرويه إسماعيل بن عبد السلام، عن زيد بن عبد الرحمن، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ويرويه رجل من أهل خراسان، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، وهؤلاء لا يعرف أكثرهم. (١)\n\nابن أبي العوَّام (٢) (٢٧٦ هـ)\nالمحدث الإمام، أبو بكر وأبو جعفر محمد بن أحمد بن يزيد بن أبي العوام الرياحي. سمع يزيد بن هارون وعبد الوهاب بن عطاء العقدي، وقريش ابن أنس، وأبا عامر العقدي وجماعة. روى عنه أبو العباس بن عقدة، وإسماعيل الصفار، وأبو بكر الشافعي وابن الهيثم وأبو عبد الله المحاملي وآخرون. قال عبد الله بن أحمد: صدوق ما علمت منه إلا خيرا. مات رحمه الله تعالى لأيام خلون من رمضان سنة ست وسبعين ومائتين.\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (٢٣٥ - ٢٣٧).\n(٢) تاريخ بغداد (١/ ٣٧٢) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٧١ - ٢٨٠/ص.٤٢٣ - ٤٢٤) والأنساب للسمعاني (٣/ ١١١).","vol":"4","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1834>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن أبي العوام: اشهدوا علي أن ديني الذي أدين الله ﷿ به أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن من زعم أن القرآن مخلوق، فهو كافر، وهذه كانت مقالة أبي. (١)\n\nمصعب بن سعيد أبو خيثمة الضرير المصيصي الحراني (٢) (٢٧٧ هـ سنة وفاة أبي حاتم)\nصاحب حديث. سمع زهير بن معاوية، وابن المبارك، وعيسى بن يونس وغيرهم. وعنه أبو حاتم وأبو الدرداء بن منيب، والحسن بن سفيان وخلق. قال أبو حاتم: كان صدوقا. قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالمناكير ويصحف. وهو حراني نزل المصيصة. وذكره ابن حبان في الثقات.\nموقفه من الجهمية:\n- قال أبو خيثمة: الجهمي يفرق بينه وبين امرأته ولا أورثه. (٣)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٢٤٦/ ١٩).\n(٢) الجرح والتعديل (٨/ ٣٠٩) والكامل لابن عدي (٦/ ٣٦٤) وميزان الاعتدال (٤/ ١١٩) والثقات لابن حبان (٩/ ١٧٥) ولسان الميزان (٦/ ٤٣ - ٤٤).\n(٣) الإبانة (٢/ ١٣/١٠١/ ٣١٤).","vol":"4","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1836>هشام بن عبيد (٢٧٧ هـ سنة وفاة أبي حاتم)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1837>موقفه من الجهمية:</span>\n- حدثنا حفص بن عمر، قال: سمعت أبا حاتم الرازي، يقول: قيل لهشام بن عبيد حين أدخل على المأمون كلم بِشْرًا المريسي، فقال: أصلح الله الخليفة لا أحسن كلامه والعالم بكلامه عندنا جاهل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1838>أبو عقيل المروزي (٢٧٧ هـ سنة وفاة أبي حاتم)</span>\nموقفه من الجهمية:\n- وحدثنا أبو القاسم -حفص بن عمر- قال: حدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا أبو عقيل المعروف بشاه المروزي، وقدم علينا من البصرة يريد خراسان، أخبرني أنه رأى بالبصرة رجلا كان يقول: القرآن مخلوق، فالتقى مع رجل من أهل السنة، فابتهلا جميعا، فقال هذا: إن لم يكن القرآن مخلوقا، فمحا الله القرآن من صدري. وقال السني: إن كان هذا القرآن مخلوقا، فمحا الله القرآن من صدري، فأصبح الجهمي وهو يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فإذا أراد أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، لم يجر لسانه، وقال: هيهات هيهات، وأصبح السني قارئا للقرآن كما كان. (٢)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٦/ ٦٩٩).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٣/١١٦ - ١١٧/ ٣٧٩).","vol":"4","page":374},{"text":"يعقوب بن سفيان الفَسَوي (١) (٢٧٧ هـ)\nالإمام، الحافظ، الحجة، الرحال، محدث إقليم فارس، أبو يوسف يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي، من أهل مدينة فسا. ويقال له يعقوب ابن أبي معاوية. مولده في حدود عام تسعين ومائة في دولة الرشيد. وله تاريخ كبير جم الفوائد و\"مشيخته\" في مجلد. سمع أبا عاصم النبيل وعبيد الله بن موسى، والأنصاري، ومكي بن إبراهيم وسعيد بن منصور، وصفوان بن صالح، وطبقتهم. حدث عنه الترمذي، والنسائي، والحسن بن سفيان الفسوي وابن خزيمة، وأبو عوانة الإسفراييني، وغيرهم كثير. روي عن الحافظ أبي عبد الرحمن النهاوندي أنه سمع الفسوي يقول: كتبت عن ألف شيخ وكسر، كلهم ثقات. قال أبو زرعة الدمشقي: قدم علينا رجلان من نبلاء الرجال أحدهما وأجلهما يعقوب بن سفيان أبو يوسف، يعجز أهل العراق أن يروا مثله رجلا، ثم ذكر الثاني: حرب بن إسماعيل الكرماني. مات ﵀ بفسا في سنة سبع وسبعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1840>موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الإمام الكبير هو صاحب المعرفة والتاريخ كان شديدا على المبتدعة كما وصفه ابن حبان.\n- قال فيه: كان ممن جمع وصنف وأكثر مع الورع والنسك والصلابة\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٩/ ٢٠٨) والسير (١٣/ ١٨٠ - ١٨٤) وتهذيب الكمال (٣٢/ ٣٢٤ - ٣٣٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٢ - ٥٨٣) والبداية والنهاية (١١/ ٦٣ - ٦٤) وطبقات الحنابلة (١/ ٤١٦) وتهذيب التهذيب (١١/ ٣٨٥ - ٣٨٩) وشذرات الذهب (٢/ ١٧١).","vol":"4","page":375},{"text":"في السنة. (١)\n- وذكر محقق كتاب: 'المعرفة والتاريخ': \"أن اللالكائي اقتبس منه جملة في كتابه أصول اعتقاد أهل السنة قال وأحسبها من كتاب السنة ليعقوب - على أنه يتابع في عقيدته السلف وأهل الحديث، حيث خرج أحاديث في أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وفي إثبات رؤية الله يوم القيامة، وذم أهل البدع والأهواء والقول بأن الإيمان قول وعمل وأنه يزيد وينقص\". (٢)\n- وقد ذكر المحقق نفسه في الجزء الثالث من كتاب 'المعرفة والتاريخ' نصوصا في العقيدة السلفية، قال: وأحسبها من كتاب السنة. (٣)\n- وللشيخ ﵀ كتاب 'السنة'. (٤)\nقال في السير: وله تاريخ كبير جم الفوائد. (٥)\n- وقال فيها أيضا: وما علمت يعقوب الفسوي إلا سلفيا، وقد صنف كتابا صغيرا في السنة. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1841>موقفه من المرجئة:</span>\n- عن أبي يوسف يعقوب بن سفيان قال: الإيمان عند أهل السنة:\n_________\n(١) الثقات (٩/ ٢٨٧).\n(٢) (١/ ١٧).\n(٣) (٣/ ٣٨٥ - ٤١٦).\n(٤) (١/ ١٨).\n(٥) السير (١٣/ ١٨٠).\n(٦) السير (١٣/ ١٨٣).","vol":"4","page":376},{"text":"الإخلاص لله بالقلوب والألسنة والجوارح، وهو قول وعمل يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة. منهم: أبو بكر الحميدي وعبد الله بن يزيد المقري في نظائرهم بمكة. وإسماعيل بن أبي أويس وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون ومطرف بن عبد الله اليسارى في نظرائهم بالمدينة. ومحمد بن عبد الله الأنصاري والضحاك ابن مخلد وسليمان بن حرب وأبو الوليد الطنافسي وأبو النعمان وعبد الله بن مسلمة في نظرائهم بالبصرة. وعبيد الله بن موسى وأبو نعيم وأحمد بن عبد الله ابن يونس في نظرائهم كثير بالكوفة. وعمر بن عون بن أويس وعاصم بن علي بن عاصم في نظرائهم بواسط. وعبد الله بن صالح كاتب الليث وسعيد ابن أبي مريم والنضر بن عبد الجبار ويحيى بن عبد الله بن بكير وأحمد بن صالح وأصبغ بن الفرج في نظرائهم بمصر. وابن أبي إياس في نظرائهم بعسقلان. وعبد الأعلى بن مسهر وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن وعبد الرحمن ابن إبراهيم في نظائرهم بالشام. وأبو اليمان الحكم بن نافع وحيوة بن شريح في نظرائهم بحمص. ومكي بن إبراهيم وإسحاق بن راهوية وصدقة بن الفضل في نظرائهم بخراسان كلهم يقولون: الإيمان القول والعمل ويطعنون على المرجئة وينكرون قولهم. (١)\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٥/ ١٠٣٥ - ١٠٣٦/ ١٧٥٣).","vol":"4","page":377},{"text":"أبو حاتم الرازي (١) (٢٧٧ هـ)\nالإمام الحافظ الناقد شيخ المحدثين الثبت محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني من تميم بن حنظلة بن يربوع وقيل عرف بالحنظلي لأنه كان يسكن في درب حنظلة بمدينة الري. كان من بحور العلم طوف البلاد وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنف وجرح وعدل وصحح وعلل. كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، مشهورا بالعلم مذكورا بالفضل. مولده سنة خمس وتسعين ومائة وأول كتابه للحديث كان في سنة تسع ومائتين. وهو من نظراء البخاري ومن طبقته ولكنه عمر بعده أزيد من عشرين عاما. سمع محمد بن عبد الله الأنصاري وأبا زيد النحوي وأبا اليمان الحمصي وآدم بن أبي إياس وأبا نعيم وأبا توبة الحلبي وخلقا كثيرا. ويتعذر استقصاء سائر مشايخه فقد قال الخليلي: قال لي أبو حاتم اللبان الحافظ قد جمعت من روى عنه أبو حاتم الرازي فبلغوا قريبا من ثلاثة آلاف. حدث عنه ولده عبد الرحمن، ويونس بن عبد الأعلى وأبو زرعة الرازي والدمشقي، وإبراهيم الحربي وابن أبي الدنيا، والبخاري -فيما قيل- وأبو داود والنسائي والاسفراييني وخلق كثير. قال الخليلي: كان أبو حاتم عالما باختلاف الصحابة وفقه التابعين ومن بعدهم، سمعت جدي وجماعة سمعوا علي بن إبراهيم القطان يقول: ما رأيت مثل أبي حاتم فقلنا له: قد رأيت إبراهيم\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ٣٤٩ - ٣٧٥) والسير (١٣/ ٢٤٧ - ٢٦٣) وتهذيب الكمال (٢٤/ ٣٨١ - ٣٩١) وتاريخ بغداد (٢/ ٧٧٣) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٨٤ - ٢٨٦) والوافي بالوفيات (٢/ ١٨٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٩) والمنتظم (١٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥) وشذرات الذهب (٢/ ١٧١) وتاريخ دمشق (٥٢/ ٣ - ١٦).","vol":"4","page":378},{"text":"الحربي وإسماعيل القاضي، قال: ما رأيت أجمع من أبي حاتم ولا أفضل منه. قال ابن أبي حاتم: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما، وقال بقاؤهما صلاح للمسلمين. قال الحافظ ابن خراش: كان أبو حاتم من أهل الأمانة والمعرفة.\nويحكي ﵀ عن نفسه الكثير أثناء طلبه للعلم ورحلته من أجله، فمن ذلك قوله: أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين -أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد بعد ذلك، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيا ثم إلى الرملة ماشيا ثم إلى دمشق ثم أنطاكية وطرسوس ثم رجعت إلى حمص ثم إلى الرقة ثم ركبت إلى العراق كل هذا في سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة خرجت من الري فدخلت الكوفة في رمضان سنة ثلاث عشرة وجاءنا نعي المقرئ وأنا بالكوفة ثم رحلت ثانيا سنة اثنتين وأربعين ثم رجعت إلى الري سنة خمس وأربعين وحججت رابع حجة في سنة خمس وخمسين. ومناقبه كثيرة رحمه الله تعالى. قال أبو الحسين بن المنادي وغيره مات الحافظ أبو حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين. وقيل عاش ثلاثا وثمانين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1843>موقفه من المبتدعة:</span>\n- عن عبد الرحمن بن حمدان بن المرزبان، قال: قال لي أبو حاتم الرازي: إذا رأيت البغدادي يحب أحمد بن حنبل، فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض يحيى بن معين، فاعلم أنه كذاب. (١)\n_________\n(١) السير (١١/ ٨٣) وطبقات الحنابلة (١/ ٤٠٣).","vol":"4","page":379},{"text":"- قال اللالكائي في أصول الاعتقاد: ووجدت في بعض كتب أبي حاتم محمد بن إدريس ابن المنذر الحنظلي الرازي ﵀، مما سمع منه يقول: مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله - ﷺ - وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان وترك النظر في موضع بدعهم، والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل: أبي عبد الله أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد القاسم بن سلام والشافعي، ولزوم الكتاب والسنة والذب عن الأئمة المتبعة لآثار السلف واختيار ما اختاره أهل السنة من الأئمة في الأمصار مثل: مالك بن أنس في المدينة، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، وسفيان الثوري وحماد بن زياد بالعراق، من الحوادث مما لا يوجد فيه رواية عن النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين.\nوترك رأي الملبسين المموهين المزخرفين الممخرقين الكذابين. وترك النظر في كتب الكرابيسي ومجانبة من يناضل عنه من أصحابه، وشاجرديه (١) مثل: داود الأصبهاني وأشكاله ومتبعيه.\nوالقرآن كلام الله وعلمه وأسماؤه وصفاته وأمره ونهيه وليس بمخلوق بجهة من الجهات. ومن زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر بالله كفرا ينقل عن الملة. ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر. والواقفة واللفظية جهمية. جهمهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل.\nوالاتباع للأثر عن رسول الله - ﷺ - وعن الصحابة والتابعين بعدهم\n_________\n(١) هكذا بالأصل.","vol":"4","page":380},{"text":"بإحسان. وترك كلام المتكلمين وترك مجالستهم وهجرانهم وترك مجالسة من وضع الكتب بالرأي بلا آثار.\nواختيارنا أن الإيمان: قول وعمل إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالأركان، مثل الصلاة والزكاة لمن كان له مال، والحج لمن استطاع إليه سبيلا. وصوم شهر رمضان وجميع فرائض الله التي فرض على عباده: العمل به من الإيمان. والإيمان يزيد وينقص.\nونؤمن بعذاب القبر. وبالحوض المكرم به النبي - ﷺ -. ونؤمن بالمساءلة في القبر. وبالكرام الكاتبين. وبالشفاعة المخصوص بها النبي - ﷺ -. ونترحم على جميع أصحاب النبي - ﷺ - ولا نسب أحدا منهم لقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). والصواب نعتقد ونزعم أن الله على عرشه بائن من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).\nولا نرى الخروج على الأئمة ولا نقاتل في الفتنة ونسمع ونطيع لمن ولاه الله ﷿ أمرنا. ونرى الصلاة والحج والجهاد مع الأئمة ودفع صدقات المواشي إليهم. ونؤمن بما جاءت به الآثار الصحيحة بأنه يخرج قوم\n_________\n(١) الحشر الآية (١٠).\n(٢) الشورى الآية (١١).","vol":"4","page":381},{"text":"من النار من الموحدين بالشفاعة. ونقول: إنا مؤمنون بالله ﷿. وكره سفيان الثوري أن يقول: أنا مؤمن حقا عند الله ومستكمل الإيمان، وكذلك قول الأوزاعي أيضا.\nوعلامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر. وعلامة الجهمية: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة. وعلامة القدرية: أن يسموا أهل السنة مجبرة. وعلامة الزنادقة: أن يسموا أهل الأثر حشوية، ويريدون إبطال الآثار عن رسول الله - ﷺ -.\nوفقنا الله وكل مؤمن لما يحب ويرضى من القول والعمل وصلى الله على محمد وآله وسلم. (١)\n\" التعليق:\nقال أبو عثمان الصابوني ﵀: وكل ذلك عصبية، ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد، وهو أصحاب الحديث. قلت: أنا رأيت أهل البدع في هذه الأسماء التي لقبوا بها أهل السنة، سلكوا معهم مسلك المشركين مع رسول الله - ﷺ -، فإنهم اقتسموا القول فيه: فسماه بعضهم ساحرا، وبعضهم كاهنا، وبعضهم شاعرا، وبعضهم مجنونا، وبعضهم مفتونا، وبعضهم مفتريا مختلقا كذابا، وكان النبي - ﷺ - من تلك المعائب بعيدا بريئا، ولم يكن إلا رسولا مصطفى نبيا، قال الله ﷿: ﴿انْظُرْ كيف ضربوا لَكَ الْأَمْثَالَ\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤/ ٣٢٣).","vol":"4","page":382},{"text":"فضلوا فلا يستطيعون سبيلًا﴾ (١). اهـ (٢)\n- قال أبو حاتم: وأخبرت عن بعض أهل العلم أول ما افترق من هذه الأمة الزنادقة والقدرية والمرجئة والرافضة والحرورية، فهذا جماع الفرق وأصولها ثم تشعبت كل فرقة من هذه الفرق على فرق، وكان جماعها الأصل واختلفوا في الفروع، فكفر بعضهم بعضا، وجهل بعضهم بعضا، فافترقت الزنادقة على إحدى عشرة فرقة، وكان منها المعطلة، ومنها المنانية، وإنما سموا المنانية برجل كان يقال له ماني، كان يدعو إلى الاثنين فزعموا أنه نبيهم وكان في زمن الأكاسرة، فقتله بعضهم. ومنهم: المزدكية لأن رجلا ظهر في زمن الأكاسرة يقال له مزدك. ومنهم العبدكية وإنما سموا العبدكية لأن عبدك هو الذي أحدث لهم هذا الرأي ودعاهم إليه. ومنهم الروحانية وسموا الفكرية، ومنهم الجهمية وهم صنف من المعطلة، وهم أصناف وإنما سموا الجهمية لأن جهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية وهم صنف من العجم كانوا بناحية خراسان، وكانوا شككوه في دينه وفي ربه حتى ترك الصلاة أربعين يوما لا يصلي، فقال: لا أصلي لمن لا أعرف ثم اشتق هذا الكلام، ومنهم السبئية، وهم صنف من العجم يكونون بناحية خراسان وذكر فرقا أخر بصفات مقالاتهم.\nومنهم الحرورية وافترقوا\n_________\n(١) الإسراء الآية (٤٨).\n(٢) عقيدة السلف (ص.٣٠٥ - ٣٠٦).","vol":"4","page":383},{"text":"على ثماني عشرة فرقة وإنما سموا الحرورية لأنهم خرجوا بحروراء أول ما خرجوا، فصنف منهم يقال لهم الأزارقة، وإنما سموا الأزارقة بنافع بن الأزرق، ومنهم النجدية، وإنما سموا النجدية بنجدة، ومنهم الإباضية وإنما سموا الإباضية بعبد الله بن أباض، ومنهم الصفرية، وإنما سموا الصفرية بعبيدة الأصفر، ومنهم: الشمراخية، وإنما سموا الشمراخية بأبي شمراخ رأسهم، ومنهم السرية، وإنما سموا السرية لأنهم زعموا أن دماء قومهم وأموالهم في دار التقية في السر حلال، ومنهم الوليدية، ومنهم العذرية، وسموا بأبي عذرة رأسهم، ومنهم العجردية، وسموا بأبي عجرد رأسهم، ومنهم الثعلبية، سموا بأبي ثعلبة رأسهم، ومنهم الميمونية، سموا بميمون رأسهم، ومنهم الشكية، ومنهم الفضيلية، سموا بفضيل رأسهم، ومنهم الحرانية، ومنهم البيهسية، وسموا بهيصم أبي بيهس رأسهم، ومنهم الفديكية، سموا بأبي فديك وهم اليوم بالبحرين واليمامة ومنهم العطوية سموا بعطية، ومنهم الجعدية، سموا بأبي الجعد، ومنهم الرافضة وافترقوا على ثلاث عشرة فرقة، فمنهم البيانية، سموا ببيان رأسهم وكان يقول إلي أشار الله بقوله: ﴿هذا بيانٌ لِلنَّاسِ﴾ (١) ومنهم السبائية، تسموا بعبد الله بن سبأ، ومنهم المنصورية، سموا بمنصور الكسف، وكان يقول: إلي أشار الله بقوله: ﴿وَإِنْ يروا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ ساقطًا﴾ (٢)، ومنهم الإمامية، ومنهم المختارية، سموا بالمختار، ومنهم الكاملية، ومنهم\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٣٨).\n(٢) الطور الآية (٤٤).","vol":"4","page":384},{"text":"المغيرية، ومنهم الخطابية، سموا بأبي الخطاب، ومنهم الخشبية، ومنهم الزيدية، وذكر فرقا بصفات مقالاتهم ومنهم القدرية، افترقوا على ست عشرة فرقة، ومنهم المفوضة، ومنهم المعتزلة، وذكر صفات مقالاتهم حتى عد ست عشرة فرقة، ومنهم المرجئة وافترقوا على أربع عشرة فرقة فذكر صفات مقالاتهم فرقة فرقة.\nقال ابن بطة: فهذا يا أخي رحمك الله ما ذكره هذا العالم ﵀ من أسماء أهل الأهواء وافتراق مذاهبهم وعداد فرقتهم وإنما ذكر من ذلك ما بلغه ووسعه وانتهى إليه علمه، لا من طريق الاستقصاء والاستيفاء وذلك لأن الإحاطة بهم لا يقدر عليها والتقصي للعلم بهم لا يدرك، وذلك أن كل من خالف الجادة وعدل عن المحجة واعتمد من دينه على ما يستحسنه فيراه ومن مذهبه على ما يختاره ويهواه عدم الاتفاق والائتلاف وكثر عليه أهلها لمباينة الاختلاف لأن الذي خالف بين الناس في مناظرهم وهيآتهم وأجسامهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وحظوظهم كذلك خالف بينهم في عقولهم وآرائهم وأهوائهم وإراداتهم واختياراتهم وشهواتهم، فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين اجتمعا جميعا في الاختيار والإرادة حتى يختار أحدهما ما يختاره الآخر ويرذل ما يرذله إلا من كان على طريق الاتباع واقتفى الأثر والانقياد للأحكام الشرعية والطاعة الديانية، فإن أولئك من عين واحدة شربوا فعليها يردون وعنها يصدرون قد وافق الخلف الغابر للسلف الصادر. (١)\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٨٠ - ٣٨٦).","vol":"4","page":385},{"text":"- عن أبي حاتم الرازي قال: نشر العلم حياته، والبلاغ عن رسول الله - ﷺ - رحمة، يعتصم به كل مؤمن، ويكون حجة على كل مصر به وملحد. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1844>موقفه من الجهمية:</span>\nتقدم نقل عقيدته مع أخيه أبي زرعة فمن شاءها، رجع إلى أبي زرعة في السنة الرابعة والستين بعد المائتين.\n- وعن أبي زرعة وأبي حاتم قالا: من قال إن لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي. (٢)\n- ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم وقاله في سنة نيف وعشرين ومائة. (٣)\n- قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية له: حدثنا أبي وأبو زرعة قال: كان بالبصرة رجل، وأنا مقيم سنة ثلاثين ومئتين، فحدثني عثمان بن عمرو بن الضحاك عنه، أنه قال: إن لم يكن القرآن مخلوقا فمحا الله ما في صدري من القرآن. وكان من قراء القرآن. فنسي القرآن، حتى كان يقال له: قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾ (١) فيقول: معروف، معروف. ولا يتكلم به. قال أبو زرعة: فجهدوا به أن أراه، فلم أره. (٤)\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (١٧).\n(٢) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠/ ٥٩٦).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٢٥/٦٤١).\n(٤) السير (١٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠).","vol":"4","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1845>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال أبو حاتم: هذا مذهبنا واختيارنا، وما نعتقده وندين الله به ونسأله السلامة في الدين والدنيا: أن الإيمان قول وعمل، وتصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، مثل الصلاة، والزكاة لمن كان له مال، والحج لمن استطاع إليه سبيلا، وصوم شهر رمضان، وجميع فرائض الله التي فرض على عباده العمل بها من الإيمان، والإيمان يزيد وينقص. (١)\n\nأبو عيسى الترمذي (٢) (٢٧٩ هـ)\nالإمام الحافظ العلم البارع أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة السُّلَمِي الترمذي الضرير مصنف الجامع والعلل وغير ذلك. ولد في حدود سنة عشر ومائتين، وارتحل فسمع بخراسان والعراق والحرمين ولم يرحل إلى مصر والشام. حدث عن قتيبة بن سعيد وابن راهويه، وإسماعيل بن موسى الفزاري وأبي مصعب الزهري وطبقتهم. وتفقه في الحديث بالبخاري، وقد كتب عنه البخاري حديثا واحدا. حدث عنه مكحول بن الفضل ومحمد بن محمود بن عنبر وأبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب راوي 'الجامع' والهيثم ابن كليب الشاشي الحافظ راوي 'الشمائل' عنه وآخرون. ذكره ابن حبان\n_________\n(١) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٢٨٦).\n(٢) الأنساب (٣/ ٤٥) ووفيات الأعيان (٤/ ٢٧٨) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٢٥٠ - ٢٥٢) والسير (١٣/ ٢٧٠ - ٢٧٧) وميزان الاعتدال (٣/ ٦٧٨) والبداية والنهاية (١١/ ٧١ - ٧٢) والوافي بالوفيات (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٦) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣٣ - ٦٣٥) وشذرات الذهب (٢/ ١٧٤ - ١٧٥).","vol":"4","page":387},{"text":"في كتاب 'الثقات' وقال: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر. قال أبو سعد الإدريسي: كان أبو عيسى يضرب به المثل في الحفظ. وقال الحاكم: سمعت عمر بن علك يقول: مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى، في العلم والحفظ والورع والزهد بكى حتى عمي، وبقي ضريرا سنين. قال أبو عيسى: صنفت هذا الكتاب وعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان هذا الكتاب يعني 'الجامع' في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم. توفي ﵀ في ثالث عشر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بترمذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1847>موقفه من الجهمية:</span>\nدفاعه عن العقيدة السلفية:\nلقد ألف أبو عيسى الترمذي كتابه العظيم، وساق في ثناياه من الأحاديث ما يرد به على جميع المبتدعة، وتكلم على بعضها، فخصص كتابا كبيرا من سننه للرد على القدرية، وآخر للرد على المرجئة سماه كتاب الإيمان، وعقد في الأخير كتابا للمناقب ذكر فيه جملة من الأحاديث في فضائل الصحابة عموما، والشيخين على الخصوص، رادا فيه على الرافضة أعداء الله.\nنموذج من كلام الإمام الترمذي في سننه:\n- قال ﵀ عند حديث: \"إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهره. حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد\" (١)\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٣١) والبخاري (٣/ ٣٥٤/١٤١٠) ومسلم (٢/ ٧٠٢/١٠١٤) والترمذي (٣/ ٤٩/٦٦١) والنسائي (٥/ ٦٠ - ٦١/ ٢٥٢٤) وابن ماجه (١/ ٥٩٠/١٨٤٢) من حديث أبي هريرة.","vol":"4","page":388},{"text":"وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (١) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢). من كتاب الزكاة تحت باب: (ما جاء في فضل الصدقة).\nقال أبو عيسى: \"هذا حديث حسن صحيح\". وقد روي عن عائشة عن النبي - ﷺ - نحو هذا.\nوقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا، ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف؟.\nهكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية، فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر الله ﷿ في غير موضع من كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة.\nوقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه، إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع. فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه.\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٤).\n(٢) البقرة الآية (٢٧٦).","vol":"4","page":389},{"text":"وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها، وهو كما قال الله تعالى في كتابه:﴾  ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). (٢)\n- وقال عند حديث أبي هريرة الطويل من كتاب التفسير وفيه: \"والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دليتم رجلا بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله\". (٣)\nوفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه. علم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1848>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال عقب حديث ابن مسعود: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" (٥): ومعنى هذا الحديث قتاله كفر ليس به كفرا مثل الارتداد عن الإسلام. والحجة في ذلك ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: من قتل متعمدا\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) سنن الترمذي (٣/ ٥٠ - ٥١).\n(٣) جزء من حديث أخرجه: أحمد (٢/ ٣٧٠) والترمذي (٥/ ٣٧٦ - ٣٧٧/ ٣٢٩٨) وابن أبي عاصم في السنة ... (١/ ٢٥٤/٥٧٨) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨/ ٨٤٩) كلهم من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا. قال الترمذي: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة\". وقال البيهقي: \"وفي رواية الحسن عن أبي هريرة ﵁ انقطاع ولا ثبت سماعه من أبي هريرة\".\n(٤) سنن الترمذي (٥/ ٣٧٧).\n(٥) البخاري (١/ ١٤٧/٤٨) ومسلم (١/ ٨١/٦٤) والترمذي (٥/ ٢٢/٢٦٣٥).","vol":"4","page":390},{"text":"فأولياء المقتول بالخيار، إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا، ولو كان القتل كفرا لوجب ... (١) وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء، وغير واحد من أهل العلم قالوا: كفر دون كفر، وفسوق دون فسوق. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1849>موقفه من المرجئة:</span>\nعقد ﵀ كتابا حافلا في الإيمان أورد فيه الأحاديث الدالة على بيان معتقده السلفي، وقد أوضح ذلك بتبويباته لها منها:\nباب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان (٥/ ٩).\nباب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه (٥/ ١٠).\nباب ما جاء أن الحياء من الإيمان (٥/ ١٢).\nباب ما جاء في ترك الصلاة (٥/ ١٤).\nقال عقب أحد أحاديثه: سمعت أبا مصعب المدني يقول: من قال: الإيمان قول يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه (١٤/ ١٥).\nباب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله.\nقال ﵀ معلقا على حديث \"من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار\" (٣): \"ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة، وإن عذبوا بذنوبهم فإنهم لا يخلدون في النار.\n_________\n(١) بياض بالأصل بمقدار ست كلمات.\n(٢) السنن (٥/ ٢٢).\n(٣) مسلم (١/ ٥٧ - ٥٨/ ٢٩) والترمذي (٥/ ٢٣ - ٢٤/ ٢٦٣٨).","vol":"4","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1850>موقفه من القدرية:</span>\n- عقد ﵀ كتابا في جامعه سماه (كتاب القدر): ذكر فيه أبوابا في ذكر القدر والرضا به، والرد على القدرية المكذبين بالقدر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>موقف السلف من أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراز (٢٧٩ ه</span>ـ)\nبيان تصوفه:\nكما قدمنا غير ما مرة، أن هناك طائفة من أهل الحق، تذب عن سنة النبي - ﷺ - وعن عقيدته التي بعث من أجل إبلاغها للناس، فهذا نموذج من أولئك إن شاء الله.\n- جاء في تلبيس إبليس: وقال السراج: وأنكر جماعة من العلماء على أبي سعيد أحمد ابن عيسى الخراز، ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صنفه وهو كتاب: 'السر' ومنه قوله: عبد طائع ما أذن له فلزم التعظيم لله فقدس الله نفسه. (٢)\n- قال الذهبي: ويقال: إنه أول من تكلم في علم الفناء والبقاء، فأي سكتة فاتته، قصد خيرا، فولد أمرا كبيرا، تشبث به كل اتحادي ضال به. (٣)\n_________\n(١) السنن (٤/ ٣٨٦ - ٣٩٩).\n(٢) التلبيس (٢١٠).\n(٣) السير (١٣/ ٤٢٠).","vol":"4","page":392},{"text":"- ومن كلامه: كل باطن يخالفه ظاهر، فهو باطل. (١)\n\nعثمان بن سعيد الدارمي (٢) (٢٨٠ هـ)\nالإمام العلامة الحجة الحافظ الناقد شيخ تلك الديار عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد أبو سعيد التميمي الدارمي، السجستاني صاحب 'المسند' الكبير والتصانيف محدث هراة وتلك البلاد. ولد قبل المائتين بيسير، وطوف الأقاليم في طلب الحديث. سمع نعيم بن حماد وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا بكر بن أبي شيبة وخلقا كثيرا بالحرمين والشام ومصر والعراق والجزيرة وبلاد العجم. وأخذ علم الحديث وعلله عن علي ويحيى وأحمد، وفاق أهل زمانه، وكان لهجا بالسنة بصيرا بالمناظرة جذعا في أعين المبتدعة. صنف كتابا في 'الرد على بشر المريسي' و'الرد على الجهمية' و'المسند' وغيرها. حدث عنه أبو عمرو أحمد بن محمد الحيري ومحمد بن يوسف الهروي وأبو النصر محمد بن محمد الفقيه وخلق كثير من أهل هراة ونيسابور.\nقال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي سمعت أبا الفضل يعقوب ابن إسحاق القراب يقول: ما رأيت مثل عثمان بن سعيد ولا رأى عثمان مثل نفسه أخذ الأدب عن ابن الأعرابي والفقه عن أبي يعقوب البويطي\n_________\n(١) السير (١٣/ ٤٢٠).\n(٢) الجرح والتعديل (٦/ ١٥٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢١ - ٦٢٢) والسير (١٣/ ٣١٩ - ٣٢٦) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٢١) وشذرات الذهب (٢/ ١٧٦).","vol":"4","page":393},{"text":"والحديث عن ابن معين وابن المديني وتقدم في هذه العلوم ﵀. قال محمد بن المنذر شكر: سمعت أبا زرعة الرازي وسألته عن عثمان بن سعيد، فقال: ذاك رزق حسن التصنيف. وقال أبو الفضل الجارودي: كان عثمان ابن سعيد إماما يقتدى به في حياته وبعد مماته. قال الحسن بن صاحب الشاشي: سألت أبا داود السجستاني عن عثمان بن سعيد فقال: منه تعلمنا الحديث. قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن يونس: توفي عثمان الدارمي في ذي الحجة سنة ثمانين ومائتين. رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1853>موقفه من الجهمية:</span>\nهذا الإمام، كان شوكة في حلق المعطلة، أفحمهم بالمعقول والمنقول سجل ذلك في كتبه التي أصبحت مرجعا لمن جاء بعده، فمن قرأ ما كتبه هذا الإمام تبين له دعوى الكذب على شيخ الإسلام، وأنه هو الذي وضع القواعد للأسماء والصفات، وإن كان وقع للشيخ بعض الهفوات في الإثبات، فسبحان من تنزه عن النقص، ولعلو كعب هذا الإمام في العقيدة السلفية حط عليه الشيخ النجدي الكوثري عليه ما يستحق من ربه في مقالاته وتعاليقه، وشق ثيابه ونتف شعوره ولطم وجهه وخدوده، يوم أن سمع بطبع كتب هذا الإمام وغيره من أئمة السلف، فرفع إلى الأزهر شكوى يلوم فيها الأزهر على السماح بطبع مثل هذه الكتب. يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.\nوللشيخ ﵀:\n١ - رد على بشر المريسي.","vol":"4","page":394},{"text":"٢ - الرد على الجهمية، أكثر من النقل منهما شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في كتبهم. وقد طبعا ولله الحمد.\nوقد ألف بعض الباحثين رسالة علمية في جامعة أم القرى بعنوان: 'الدارمي ودفاعه عن العقيدة السلفية'.\nمن درر مواقفه وغوالي أقواله:\n- قال ﵀ في كتابه المعروف بـ 'نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد' قال: وادعى المعارض أيضا: أن قول النبي - ﷺ -: \"إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟ \" (١). قال: فادعى أن الله لا ينزل بنفسه، إنما ينزل أمره ورحمته، وهو على العرش، وبكل مكان من غير زوال، لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول. قال: فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان، لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبي - ﷺ - يحد لنزوله الليل دون النهار، ويؤقت من الليل شطره أو الأسحار؟ أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار، أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا: هل من داع فأجيب؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطي؟ فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله، وهذا\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).","vol":"4","page":395},{"text":"محال عند السفهاء، فكيف عند الفقهاء؟ قد علمتم ذلك، ولكن تكابرون، وما بال رحمته وأمره ينزلان من عنده شطر الليل، ثم لا يمكثان إلا إلى طلوع الفجر، ثم يرفعان؟ لأن رفاعة يرويه يقول في حديثه: \"حتى ينفجر الفجر\" (١). قد علمتم إن شاء الله، أن هذا التأويل أبطل باطل، لا يقبله إلا كل جاهل.\nوأما دعواك أن تفسير \"القيوم\" الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك، فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله - ﷺ - أو عن بعض أصحابه أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء، ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة، ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة إذ فسر نزوله مشروحا منصوصا، ووقت لنزوله وقتا مخصوصا، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا عويصا. (٢)\nوقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب 'الرد على الجهمية': ما الجهمية عندنا من أهل القبلة، بل هؤلاء الجهمية أفحش زندقة، وأظهر كفرا، وأقبح تأويلا لكتاب الله ورد صفاته، من الزنادقة الذين قتلهم علي وحرقهم\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٦) وابن ماجه (١/ ٤٣٥/١٣٦٧) والدارمي (١/ ٣٤٧) والآجري (٢/ ٩٨ - ٩٩/ ٧٥٣) والطيالسي (١٢٩١) كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن رفاعة ﵁. قال الشيخ الألباني في الإرواء (٢/ ١٩٨): \"وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين وصرح يحيى بالتحديث في رواية الآجري\".\n(٢) درء التعارض (٢/ ٤٩ - ٥١).","vol":"4","page":396},{"text":"بالنار. (١)\n- وقال أيضا: أخبر الله أن القرآن كلامه، وادعت الجهمية أنه خلقه، وأخبر الله ﵎ أنه كلم موسى تكليما، وقال هؤلاء: لم يكلمه الله بنفسه، ولم يسمع موسى نفس كلام الله، إنما سمع كلاما خرج إليه من مخلوق، ففي دعواهم دعا مخلوق موسى إلى ربوبيته فقال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ (٢) فقال له موسى في دعواهم: صدقت، ثم أتى فرعون يدعوه إلى ربوبية مخلوق كما أجاب موسى في دعواهم، فما فرق بين موسى وفرعون في الكفر إذا؟ فأي كفر أوضح من هذا؟ وقال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) وقال هؤلاء: ما قال لشيء قط -قولا وكلاما- كن فكان، ولا يقوله أبدا، ولم يخرج منه كلام قط، ولا يخرج، ولا هو يقدر على الكلام في دعواهم، فالصنم في دعواهم والرحمن بمنزلة واحدة في الكلام. (٤)\n- جاء في السير: قال محمد بن إبراهيم الصرام: سمعت عثمان بن سعيد يقول: لا نكيف هذه الصفات، ولا نكذب بها، ولا نفسرها. (٥)\n- وفيها: ومن كلام عثمان -﵀- في كتاب 'النقض' له: اتفقت\n_________\n(١) درء التعارض (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣).\n(٢) طه الآية (١٢).\n(٣) النحل الآية (٤٠).\n(٤) درء التعارض (٢/ ٦٥ - ٦٦).\n(٥) السير (١٣/ ٣٢٤).","vol":"4","page":397},{"text":"الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته. قلت (أي الذهبي): أوضح شيء في هذا الباب قوله ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١). فليمر كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى الشخص عن المراقبة والجدال، وتأويلات المعتزلة، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ (٢). (٣)\n- وفيها: قال يعقوب القراب: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: قد نويت أن لا أحدث عن أحد أجاب إلى خلق القرآن، قال: فتوفي قبل ذلك.\nقلت (أي الذهبي): من أجاب تقية، فلا بأس عليه، وترك حديثه لا ينبغي. (٤)\n\nحرب بن إسماعيل الكَرْمَانِيّ (٥) (٢٨٠ هـ)\nالإمام العلامة الفقيه الحافظ أبو محمد حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني تلميذ الإمام أحمد وصاحبه. رحل وطلب العلم، وأخذ عن\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) آل عمران الآية (٥٣).\n(٣) السير (١٣/ ٣٢٥).\n(٤) السير (١٣/ ٣٢٢).\n(٥) الجرح والتعديل (٣/ ٢٥٣) والسير (١٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦١٣) وشذرات الذهب (٢/ ١٧٦) وطبقات الحنابلة (١/ ١٤٥ - ١٤٦).","vol":"4","page":398},{"text":"أبي الوليد الطيالسي وأبي بكر الحميدي وأبي عبيد وسعيد بن منصور، وإسحاق بن راهويه وطبقتهم. روى عنه القاسم بن محمد الكرماني نزيل طرسوس، وعبد الله بن إسحاق النهاوندي، وعبد الله بن يعقوب الكرماني، وأبو حاتم الرازي رفيقه وأبو بكر الخلال وآخرون. ومسائله من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين ونقل الكثير من المسائل عن أحمد بن حنبل. قال الخلال: كان رجلا جليلا حثني المروذي على الخروج إليه. قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة: كان حرب فقيه البلد وكان السلطان قد جعله على أمر الحكم وغيره في البلد. توفي ﵀ في سنة ثمانين ومائتين. وقد عمر وقارب التسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>موقفه من الجهمية:</span>\n- وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة -التي نقلها عن أحمد وإسحاق وغيرهما، وذكر معها من الآثار عن النبي - ﷺ - والصحابة وغيرهم ما ذكر وهو كتاب كبير صنفه على طريقة 'الموطأ' ونحوه من المصنفات- قال في آخره في الجامع: \"باب القول في المذهب: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم\" وذكر","vol":"4","page":399},{"text":"الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك -إلى أن قال: \"وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك ويسمع ويبصر وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويسخط ويغضب، ويرحم ويعفو ويغفر ويعطي ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، كيف شاء، وكما شاء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) \" -إلى أن قال-: \"ولم يزل الله متكلما عالما فتبارك الله أحسن الخالقين\". (٢)\n- جاء في اجتماع الجيوش: وله مسائل بالسند إليه قال: والماء فوق السماء السابعة والعرش على الماء والله على العرش\n- قال ابن القيم: قلت هذا لفظه في مسائله وحكاه إجماعا لأهل السنة من سائر أهل الأمصار. (٣)\n- وجاء في أصول الاعتقاد: قال عبد الرحمن كتب إلي حرب بن\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) درء التعارض (٢/ ٢٢).\n(٣) اجتماع الجيوش (ص.٢١٤).","vol":"4","page":400},{"text":"إسماعيل الكرماني الحنظلي إن الحق والصواب الواضح المستقيم الذي أدركنا عليه أهل العلم أن من زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا مخلوقة فهو جهمي مبتدع خبيث. (١)\n\nعثمان بن خُرَّزَاد (٢) (٢٨١ هـ)\nالحافظ الحجة الثبت شيخ الإسلام، أبو عمرو بن أبي أحمد وهو عثمان ابن عبد الله بن محمد بن خرزاد الطبري ثم البصري نزيل أنطاكية وعالمها. ولد قبل المائتين. سمع من عفان بن مسلم، وقرة بن حبيب وأبي الوليد الطيالسي وسعيد بن منصور والحكم بن موسى ومسدد وعدة وجمع وصنف. حدث عنه النسائي وأبو حاتم الرازي مع تقدمه- وأبو عوانة في صحيحه ومحمد بن المنذر شكر، وأبو القاسم الطبراني بالإجازة وخلق كثير. قال ابن أبي حاتم: كان رفيق أبي في كتابة الحديث في بعض الجزيرة والشام وهو صدوق أدركته ولم أسمع منه. وقال أبو بكر الأهوازي: أحفظ من رأيت عثمان بن خرزاد. قال ابن منده: كان أحد الحفاظ، وقال الحاكم: ثقة مأمون. قال عثمان ﵀: يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإذا عدمت واحدة فهي نقص يحتاج إلى عقل جيد، ودين، وضبط لما يقول وحذاقة بالصناعة مع أمانة تعرف منه. توفي ﵀ في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين ومائتين.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٩/٥٩٤).\n(٢) تهذيب الكمال (١٩/ ٤١٧ - ٤٢٢) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤) والسير (١٣/ ٣٧٨ - ٣٨١) وشذرات الذهب (٢/ ١٧٧) وتهذيب التهذيب (٧/ ١٣١ - ١٣٢).","vol":"4","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1857>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فقد أعظم الفرية على الله. (١)\n\nعبد الجبار بن خالد السرتي (٢) (٢٨١ هـ)\nالشيخ عبد الجبار بن خالد بن عمران السرتي. سمع من سحنون، ويعد من أكابر أصحابه، وصحب حمديس بن القطان. وسمع منه أبو العرب وابن اللباد وغيرهما.\nقال أبو العرب: كان صالحا، متعبدا، طويل الصلاة، كثير الدعاء، مجتهدا، وكان من عقلاء شيوخ إفريقية. وقال حمديس القطان: ما رأيت أورع من عبد الجبار. وقال أبو عياش: عبد الجبار عالم واسع العلم، فهم نطاق بالحكمة.\nمن كلامه ﵀: من كان همه في الله قل في الدنيا والآخرة غمه. وكان يقول: من سكت سلم، ومن تكلم بذكر الله غنم، ومن خاض أثم.\nتوفي ﵀ سنة إحدى وثمانين ومائتين، وصلى عليه صاحبه حمديس. وكان مولده سنة أربع وتسعين ومائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1859>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال عبد الجبار: من ترك رأيه واتبع السنن والآثار رجي له أن يلحق\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٨٨/٥٨٧).\n(٢) رياض النفوس (١/ ٤٦٣ - ٤٧٠) وترتيب المدارك (٤/ ٣٨٤ - ٣٨٩) وشجرة النور الزكية (١/ ٧١).","vol":"4","page":402},{"text":"غدا بالأبرار، ومن تبع رأيه وترك السنن والآثار خفت غدا أن يكون مأواه النار. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1860>سهل بن عبد الله التستري الصوفي (٢٨٣ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1861>موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الرجل ممن دخل في خزعبلات المتصوفة يأتي التنبيه عليها، إلا أن له أقوالا وافقت ما عليه السلف منها:\n- أنه سئل عن شرائع الإسلام، فقال: وقال العلماء في ذلك وأكثروا ولكن نجمعه كله بكلمتين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢).\nثم نجمعه كله في كلمة واحدة: ﴿مَنْ يطع الرسول فقد أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣)، فمن يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فريضته. (٤)\n- عن أبي القاسم عبد الجبار بن شيراز بن يزيد العبدي، صاحب سهل ابن عبد الله، قال: سمعت سهل بن عبد الله يقول: وقيل له متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟\n_________\n(١) معالم الإيمان (٢/ ١٩١).\n(٢) الحشر الآية (٧).\n(٣) النساء الآية (٨٠).\n(٤) الإبانة (١/ ١/٢٢٢).","vol":"4","page":403},{"text":"قال: إذا عرف من نفسه عشر خصال: لا يترك الجماعة. ولا يسب أصحاب النبي - ﷺ -. ولا يخرج على هذه الأمة بالسيف. ولا يكذب بالقدر. ولا يشك في الإيمان. ولا يماري في الدين. ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب. ولا يترك المسح على الخفين. ولا يترك الجماعة خلف كل وال جار أو عدل. (١)\n\" التعليق:\nهذه الأوصاف التي ذكرها سهل بن عبد الله التستري هي أصول أهل السنة والجماعة، وبدراستها ودراسة تفاصيلها فيها الرد على كثير من الطوائف الضالة، ولا سيما الخوارج الذين عثوا في الأرض فسادا، والذين هم في هذا الزمان شوكة في حلق نشر السنة، لأنهم ملئوا الأمة شغبا وزلازل وقلاقل، فشغلوا الأمة بالفتن وظنوها شجاعة وجهادا، وهي لعمر الله إفسادا وتخريبا وإساءة للإسلام وأهله وإحراجا للدعوة والدعاة، مع ما في الأصول من رد على الرافضة قبحهم الله والمرجئة القاعدين عن الأعمال والخيرات، والمثبطين لكل داع إلى الطاعات، والمعتذرين لكل زنديق خبيث تارك الأوامر والنواهي، مزهدين في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -.\n\n- وفي الحلية بالسند إليه قال: أصولنا ستة: التمسك بالقرآن، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة وأداء\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٢٠٥/٣٢٤).","vol":"4","page":404},{"text":"الحقوق. (١)\n- وفي ذم الكلام عنه: قال في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا على البر والتقوى﴾ على الإيمان والسنة ﴿ولا تَعَاوَنُوا على الْإِثْمِ والعدوان﴾ (٢) قال: الكفر والبدعة. (٣)\n- وفيه: عنه قال: مثل السنة في الدنيا مثل الجنة في الآخرة، من دخل الجنة في الآخرة سلم، ومن دخل السنة في الدنيا سلم. (٤)\n- عن التستري: ﴿قصد السبيل﴾: طريق السنة. ﴿وَمِنْهَا جائرٌ﴾ يعني: إلى النار، وذلك الملل والبدع. (٦)\n- قال سهل التستري: كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء -طاعة كان أو معصية- فهو عيش النفس -يعني: باتباع الهوى- وكل فعل يفعله العبد بالاقتداء، فهو عتاب على النفس -يعني: لأنه لا هوى له فيه-. (٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>موقفه من المشركين:</span>\n- ونقل عنه الذهبي في السير: إنما سمي الزنديق زنديقا، لأنه وزن دق\n_________\n(١) الحلية (١٠/ ١٩٠) والسير (١٣/ ٣٣٢).\n(٢) المائدة الآية (٢).\n(٣) ذم الكلام (٢٧٢).\n(٤) ذم الكلام (٢٧٣).\n(٥) النحل الآية (٩).\n(٦) الاعتصام (١/ ٧٨).\n(٧) الاعتصام (١/ ١٢٦) وهو في الاستقامة (١/ ٢٤٩).","vol":"4","page":405},{"text":"الكلام بمخبول عقله وقياس هوى طبعه، وترك الأثر والاقتداء بالسنة، وتأول القرآن بالهوى، فسبحان من لا تكيفه الأوهام، في كلام نحو هذا. (١)\nبيان صوفيته:\nجاء في تلبيس إبليس: قال السلمي: وحكى رجل عن سهل بن عبد الله التستري أنه يقول إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه وإنه يتكلم عليهم فأنكر ذلك عليه العوام حتى نسبوه إلى القبائح فخرج إلى البصرة فمات بها (٢).\n\" التعليق:\nوالغالب على الظن، أن الذين أنكروا عليه سلفيون، تربوا على عقيدة السلف، وبغضت إليهم البدع والشركيات. هذا في ذلك الزمان، وأما اليوم فلو ادعى أنه يجتمع مع الله ألف مرة في اليوم والنبي - ﷺ - خادمه والصحابة عبيده، لوجد مصدقين به ومؤيدين له والله المستعان.\nوبالمقابل، له كلام من قرأه مجردا عما يروى عنه من الخزعبلات يجده من أحسن ما يكون، ويحكم على صاحبه أنه كان من أئمة السلف، وقد تقدم بعضه، وإليك بقيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: قال إسماعيل بن علي الأبلي: سمعت سهل بن عبد الله بالبصرة في سنة ثمانين ومائتين يقول: العقل وحده لا يدل على قديم أزلي فوق عرش محدث، نصبه الحق دلالة وعلما لنا، لتهتدي القلوب به إليه، ولا\n_________\n(١) السير (١٣/ ٣٣٢).\n(٢) التلبيس (ص ٢٠٧).","vol":"4","page":406},{"text":"تتجاوز ولم يكلف القلوب علم ماهية هويته، فلا كيف لاستوائه عليه، ولا يجوز أن يقال: كيف الاستواء لمن أوجد الاستواء؟ وإنما على المؤمن الرضا والتسليم، لقول النبي - ﷺ -: \"إنه على عرشه\" (١). (٢)\n- وفي أصول الاعتقاد: عنه قال: من قال القرآن مخلوق، فهو كافر بالربوبية لا كافر النعمة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1864>موقفه من المرجئة:</span>\n- سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: هو قول ونية وعمل وسنة، لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1865>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الإبانة: عن سهل بن عبد الله التستري قال: ليس في حكم الله ﷿ أن يملك علم الضر والنفع إلا الله ﷿، ولكن حكم العدل في الخلق إنكار فعل غيرهم من الضر والنفع، وهو حجة الله علينا، أمرنا بما لا\n_________\n(١) أخرجه: الدارمي في الرد على الجهمية (ص.٢٦ - ٢٧) تخريج الألباني، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣/ ١٤٩) والطبراني في الكبير (٩/ ٢٠٢/٨٩٨٧) والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود موقوفا (٢/ ٢٩٠/٨٥١) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٨٦): \"رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح\". وفي الباب أحاديث كثيرة عن جمع من الصحابة بعضها في الصحيحين كلها تفيد أن الله ﷿ فوق العرش.\n(٢) السير (١٣/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٢/ ٢٩٦/٤٦٩).\n(٤) الإبانة (٢/ ٦/٨١٤/ ١١١٦).","vol":"4","page":407},{"text":"نقدر عليه إلا بمعونته، ونهانا عما لا نقدر على تركه والانصراف عنه إلا بعصمته، وألزمنا بالحركة بالمسألة، له المعونة على طاعته وترك مخالفته في إظهار الفقر والفاقة إليه، والتبري من كل سبب واستطاعة دونه؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١)؛ قال فخرجت أفعال العباد في سرهم وظاهرهم على ما سبق من علمه فيهم من غير إجبار منه لهم في ذلك أو في شيء منه، ولا قسر ولا إكراه ولا تعبد ولا أمر، بل بقضاء سابق ومشيئة وتخلية منه لمن شاء كيف شاء لما شاء؛ فله الحجة على الخلق أجمعين؛ قال سهل: فأفعال الخلق وأعمالهم كلها من الله مشيئة، فيها معنيان: فما كان من خير؛ فالله أراد ذلك منهم وأمرهم به ولم يكرههم على فعله، بل وفقهم له وأعانهم عليه، وتولى ذلك الفعل منهم وأثابهم عليه، وما كان من فعل شر؛ فالله ﷿ نهى عنه، ولم يجبر عليه ولم يتول ذلك الفعل، بل أراد العبد به والتخلية بينه وبينه، وشاء كون ذلك قبيحا فاسدا ليكون ما نهى ولا يكون ما أمر، ويظهر العلم السابق فيه فمنهم شقي وسعيد، فهو من الله مشيئة ومن الشيطان تزيين، ومن العبد فعل. (٢)\n- وجاء في أصول الاعتقاد عن سهل بن عبد الله قال: من قال إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون فهو كافر ومن قال أنا مستغن عن الله ﷿ فهو كافر ومن قال إن الله ظالم للعباد فهو كافر. (٣)\n_________\n(١) فاطر الآية (١٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ١١/٢٩٢ - ٢٩٣/ ١٩٤٢).\n(٣) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٦/١٣٢٠).","vol":"4","page":408},{"text":"- وفيه عن محمد بن علي بن حيدرة قال: حدثنا أبو هارون الابلي -وكان ممن صحب سهل بن عبد الله وكان رجلا صالحا وكان يقرينا القرآن في المسجد الجامع- قال: سئل سهل بن عبد الله عن القدر؟ فقال: الإيمان بالقدر فرض والتكذيب به كفر والكلام فيه بدعة والسكوت عنه سنة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1866>ابن خراش الرافضي (٢٨٣ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\n- قال أبو زرعة محمد بن يوسف الحافظ: خرج ابن خراش مثالب الشيخين، وكان رافضيا. (٢)\n\nإبراهيم الحربي (٣) (٢٨٥ هـ)\nالشيخ، الحافظ أبو إسحاق، إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير البغدادي الحربي. ولد سنة ثمان وتسعين ومائة، وطلب العلم وهو حدث، فسمع من أبي نعيم وعبد الله ابن صالح العجلي وعاصم بن علي وأبي عبيد القاسم بن سلام، وتفقه على الإمام أحمد بن حنبل، وكان من أجل أصحابه. وحدث عنه ابن صاعد، وأبو بكر النجاد، وأبو بكر الشافعي وأبو بكر\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٦/١٣٢١).\n(٢) السير (١٣/ ٥٠٩).\n(٣) تاريخ بغداد (٦/ ٢٧ - ٤٠) وطبقات الحنابلة (١/ ٨٦ - ٩٣) والمنتظم (١٢/ ٣٧٩ - ٣٨٦) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٥٦ - ٣٧٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٨١ - ٢٩٠/ص.١٠١).","vol":"4","page":409},{"text":"القطيعي، وعثمان بن السماك، وخلق كثير. قال أبو بكر الخطيب: كان إماما في العلم، رأسا في الزهد، عارفا بالفقه، بصيرا بالأحكام حافظا للحديث، مميزا لعلله، قيما بالأدب، جَمَّاعة للغة. وقال الحاكم: سمعت محمد بن صالح القاضي يقول: لا نعلم أن بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربي في الأدب والفقه والحديث والزهد. وقال السلمي: سألت الدارقطني عن إبراهيم الحربي، فقال: كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه. وقال الحسن بن فهم: لا ترى عيناك مثل الحربي، إمام الدنيا، لقد رأيت وجالست العلماء، فما رأيت رجلا أكمل منه. توفي ﵀ سنة خمس وثمانين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1868>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال محمد بن مخلد العطار: سمعت إبراهيم الحربي يقول: لا أعلم عصابة خيرا من أصحاب الحديث، إنما يغدو أحدهم، ومعه محبرة، فيقول: كيف فعل النبي - ﷺ - وكيف صلى، إياكم أن تجلسوا إلى أهل البدع، فإن الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يفلح. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1869>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال القاضي أبو المطرف بن فطيس: سمعت أبا الحسن المقرئ، سمعت محمد بن جعفر بن محمد بن بيان البغدادي، سمعت إبراهيم الحربي -ولم يكن في وقته مثله- يقول: وقد سئل عن الاسم والمسمى: لي مذ أجالس أهل العلم\n_________\n(١) السير (١٣/ ٣٥٨).","vol":"4","page":410},{"text":"سبعون سنة، ما سمعت أحدا منهم يتكلم في الاسم والمسمى. (١)\n- قال أبو ذر الهروي سمعت أبا طاهر المخلص سمعت أبي: سمعت إبراهيم الحربي، وكان وعدنا أن يمل علينا مسألة في الاسم والمسمى، وكان يجتمع في مجلسه ثلاثون ألف محبرة، وكان إبراهيم مقلا، وكانت له غرفة، يصعد، فيشرف منها على الناس، فيها كوة إلى الشارع، فلما اجتمع الناس، أشرف عليها، فقال لهم: قد كنت وعدتكم أن أملي عليكم في الاسم والمسمى، ثم نظرت فإذا لم يتقدمني في الكلام فيها إمام يقتدى به، فرأيت الكلام فيه بدعة، فقام الناس، وانصرفوا، فلما كان يوم الجمعة، أتاه رجل، وكان إبراهيم لا يقعد إلا وحده، فسأله عن هذه المسألة، فقال، ألم تحضر مجلسنا بالأمس؟ قال: بلى. فقال: أتعرف العلم كله؟ قال: لا. قال: فاجعل هذا مما لم تعرف. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1870>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السير عن إبراهيم بن إسحاق قال: أجمع عقلاء كل ملة أنه من لم يجر مع القدر لم يتهنأ بعيشه. (٣)\n_________\n(١) السير (١٣/ ٣٥٩).\n(٢) السير (١٣/ ٣٦١).\n(٣) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٦٧).","vol":"4","page":411},{"text":"أحمد بن أصرم (١) (٢٨٥ هـ)\nأحمد بن أصرم بن خزيمة بن عباد بن عبد الله بن حسان بن الصحابي عبد الله بن مغفل. حدث عن أحمد بن حنبل وابن معين وعبد الأعلى بن حماد. روى عنه أبو عوانة في صحيحه وابن أبي حاتم والقاسم بن أبي صالح. أثنى عليه أهل العلم لتمسكه بالسنة ودفاعه عنها. قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وسمعت موسى بن اسحاق القاضي يعظم شأنه، ويرفع منزلته. توفي سنة خمس وثمانين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1872>موقفه من المبتدعة:</span>\n- وقال صالح بن أحمد الحافظ: كان ثبتا، شديدا على أصحاب البدع. (٢)\n\nمحمد بن وَضَّاح (٣) (٢٨٦ هـ)\nالإمام الحافظ محدث الأندلس مع بقي، أبو عبد الله محمد بن وضاح بن بَزِيع المَرْوَانِي، مولى صاحب الأندلس عبد الرحمن بن معاوية الداخل. ولد سنة تسع وتسعين ومائة بقرطبة. وسمع يحيى بن يحيى ومحمد بن خالد بالأندلس وإسماعيل بن أبي أويس وأصبغ بن الفرج، وزهير بن عباد،\n_________\n(١) السير (١٣/ ٣٨٤) وتاريخ بغداد (٤/ ٤٤) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٢).\n(٢) السير (١٣/ ٣٨٥).\n(٣) تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٤٦ - ٦٤٨) وميزان الاعتدال (٤/ ٥٩) والوافي بالوفيات (٥/ ١٧٤) واللسان (٥/ ٤١٦ - ٤١٧) وشذرات الذهب (٢/ ١٩٤) والسير (١٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦).","vol":"4","page":412},{"text":"وحرملة، ويعقوب بن كاسب وطبقتهم. وقيل إنه ارتحل قبل ذلك في حياة آدم بن أبي إياس فلم يسمع شيئا وقد ارتحل إلى العراق والشام ومصر، وجمع فأوعى. روى عنه أحمد بن خالد الجباب، وقاسم بن أصبغ، ومحمد بن أيمن وأحمد بن عبادة، ومحمد بن المسور، وخلق. قال ابن الفرضي: كان عالما بالحديث، بصيرا بطرقه وعلله، كثير الحكاية عن العباد، ورعا زاهدا، صبورا على نشر العلم، متعففا، نفع الله أهل الأندلس به، وكان ابن الجباب يعظمه، ويصف عقله وفضله ولا يقدم عليه أحدا، غير أنه ينكر رده لكثير من الحديث. قال: وله خطأ كثير محفوظ عنه، ويغلط ويصحف ولا علم له بالعربية ولا بالفقه. وقال أيضا: رحل إلى المشرق رحلتين فسمع في الثانية خلقا كثيرا من البغداديين والكوفيين والبصريين والشاميين والمصريين والقزوينيين، وعدة شيوخه مائة وستون رجلا، وبه وببقي بن مخلد صارت الأندلس دار حديث.\nتوفي ﵀ سنة ست وثمانين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1874>موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الإمام الكبير، كان له الأثر البالغ في الأوساط العلمية في عصره، وبعده، واتخذ الناس كتابه مرجعا في دفع البدع. وقد نقل العالم الكبير أبو إسحاق الشاطبي الشيء الكثير من كتابه 'الحوادث والبدع' ومن غيره مما نقله هذا الإمام عن أئمة السلف، وخصوصا مالك وأصحابه. وكذلك شيخ","vol":"4","page":413},{"text":"الإسلام ابن تيمية. (١)\nوله ﵀ في العقيدة السلفية:\n١ - 'ما جاء في البدع' وقد طبع مرارا ولله الحمد. وأحسن هذه الطبعات بتحقيق بدر بن عبد الله البدر. (٢)\n٢ - 'النظر إلى الله' مخطوط في مكتبة حسن حسني. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1875>موقفه من التثويب:</span>\n- قال ابن وضاح: وإنما أحدث هذا بالعراق.\nقلت (٤) لابن وضاح: من أول من أحدثه؟ فقال: لا أدري، قلت له: فهل يعمل به بمكة أو بالمدينة أو بمصر أو غيرها من الأمصار؟ فقال: ما سمعته إلا عند بعض الكوفيين والإباضيين، وكان بعضهم يثوب، عند المغرب، كان يؤذن إذا غابت الشمس ثم يؤخر الصلاة حتى تظهر النجوم ثم يثوب وبعضهم يؤذن إذا غابت الحمرة ويؤخر الصلاة حتى يغيب البياض ثم يثوب ويصلي، وبعضهم يؤذن إذا زالت الشمس ويؤخر الصلاة ثم يثوب ويصلي، وكان وكيع هو يفعل ذلك عند صلاة العشاء. (٥)\n- قال ابن وضاح: فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال\n_________\n(١) انظر درء التعارض (١/ ١٩).\n(٢) لعل هذا هو الصواب في تسمية هذا الكتاب، لا ما سماه به شيخ الإسلام، فإن 'الحوادث والبدع' للإمام الطرطوشي.\n(٣) انظر الأعلام للزركلي (٧/ ١٣٣).\n(٤) لعل القائل: هو أصبغ بن مالك راوي الكتاب عنه.\n(٥) ابن وضاح (٨٩).","vol":"4","page":414},{"text":"بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى ومتحبب إليه بما يبغضه عليه ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة. (١)\n- وقال محمد بن وضاح: إنما هلكت بنو إسرائيل على يدي قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على يدي قرائهم وفقهائهم. (٢)\n- قال أصبغ بن مالك: وسمعت محمد بن وضاح يقول غير مرة: كتاب الله قد بدل، وسنة رسول الله - ﷺ - قد غيرت، ودماء قد سفكت، وكرائم قد سبيت، وحدود قد عطلت، وترأس أهل الباطل، وتكلم في الدين من ليس من أهل الدين، وخاف البريء وأمن النطيف، وحكم في أمر المسلمين وسود فيهم من هو مسخوط فيهم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ابن وضاح: ولا يسع أحدا أن يقول: كلام الله قط حتى يقول: ليس بخالق ولا مخلوق ولا ينفعه علم حتى يعلم ويوقن أن القرآن كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق، منه ﷿ بدأ وإليه يعود، ومن قال بغير هذا فقد كفر بالله العظيم. (٤)\n_________\n(١) ابن وضاح (٩٢).\n(٢) ابن وضاح (١٢٦).\n(٣) ابن وضاح (١٧٥).\n(٤) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (٨٦).","vol":"4","page":415},{"text":"ابن أبي عاصم (١) (٢٨٧ هـ)\nأبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني الزاهد حافظ كبير، إمام بارع متبع للآثار كثير التصانيف قدم أصبهان على قضائها، ونشر بها علمه. قالت بنته عاتكة: ولد أبي في شوال سنة ست ومائتين، فسمعته يقول: ما كتبت الحديث حتى صار لي سبع عشرة سنة، وذلك أني تعبدت وأنا صبي، فسألني إنسان عن حديث، فلم أحفظه، فقال لي: ابن أبي عاصم لا تحفظ حديثا؟ فاستأذنت أبي، فأذن لي، فارتحلت. وأمه هي أسماء بنت الحافظ موسى بن إسماعيل التبوذكي فسمع من جده التبوذكي، ومن والده، قاضي حمص. شيوخه: أبو الوليد الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، ومحمد بن كثير وهشام بن عمار وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الأعلى بن حماد وطبقتهم. حدث عنه ابنته أم الضحاك عاتكة، والقاضي أبو أحمد العسال وأحمد بن بندار الشعار، وأبو الشيخ وأبو بكر القباب، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الكسائي وغيرهم. قال أحمد بن محمد المديني البزاز: قدمت البصرة وأحمد بن حنبل حي، فسألت عن أفقههم، فقالوا: ليس بالبصرة أفقه من أحمد بن عمرو بن أبي عاصم. ومن تصانيفه: 'المسند الكبير' نحو خمسين ألف حديث. والآحاد والمثاني، نحو عشرين ألف حديث، و'المختصر من المسند'. مات ﵀ سنة سبع وثمانين ومائتين ليلة الثلاثاء لخمس خلون من ربيع الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1878>موقفه من المبتدعة والرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة:</span>\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ٦٧) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٤٠ - ٦٤١) والوافي بالوفيات (٧/ ٢٦٩ - ٢٧٠) واللسان (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠) وشذرات الذهب (٢/ ١٩٥ - ١٩٦) والسير (١٣/ ٤٣٠ - ٤٣٩).","vol":"4","page":416},{"text":"كتابه 'السنة' ودفاعه عن العقيدة السلفية:\nوهو من أكبر المراجع في العقيدة السلفية، رد فيه على جميع المبتدعة بما فيهم الخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة والمعتزلة وغيرهم وقد كتب الله ولله الحمد أن يطبع وأن يشرف المكتبات الإسلامية العامة والخاصة وكان من حسن حظه أن تولى تخريج أحاديثه -إلا أنه لم يُتمَّه- عالم سلفي لم ينجسه بتعاليق باطلة مغرضة كما وقع لغيره من الكتب التي تولى تحقيقها مبتدعة هذا العصر، فياليت السلفيين ينتبهون من نومهم ويتسابقون إلى تحقيق مثل هذه الكتب، فجزى الله خيرا شيخنا الألباني على ما قام به، وقد قام الشيخ باسم الجوابرة بتحقيق الكتاب تحقيقا علميا وأتم تخريج أحاديثه وطبع في جزءين فجزاه الله خيرا.\n- قال أبو بكر بن أبي عاصم ﵀: سألت عن السنة ما هي؟ والسنة اسم جامع لمعان كثيرة في الأحكام وغير ذلك ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة القول بإثبات القدر، وإن الاستطاعة مع الفعل للفعل والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره وكل طاعة من مطيع فبتوفيق الله له، وكل معصية من عاص فبخذلان الله السابق منه وله، والسعيد من سبقت له السعادة، والشقي من سبقت له الشقاوة، والأشياء غير خارجة من مشيئة الله وإرادته، وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم، خلق لخالقهم، والقرآن كلام الله ﵎ تكلم الله به ليس بمخلوق ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص وإثبات رؤية الله عزوجل يراه أولياؤه","vol":"4","page":417},{"text":"في الآخرة نظر عيان كما جاءت الأخبار، وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب رسول الله - ﷺ - بعده وهو الخليفة خلافة النبوة بويع يوم بويع وهو أفضلهم وهو أحقهم بها، ثم عمر بن الخطاب بعده على مثل ذلك، ثم عثمان بن عفان بعده على مثل ذلك، ثم علي بعده على مثل ذلك رحمة الله عليهم جميعا.\nوأبو بكر الصديق أعلمهم عندي بعد رسول الله - ﷺ - وأفضلهم وأزهدهم وأشجعهم وأسخاهم. ومن الدليل على ذلك قوله في أهل الردة وقد نازله أصحاب النبي - ﷺ - على أن يقبل منهم بعضا فأبى إلا كل ما أوجب الله عليهم أو يقاتلهم ورأى أن الكفر ببعض التنزيل يحل دماءهم فعزم على قتالهم، فعلم أنه الحق. ومن شجاعته كونه مع النبي ﵇ في الغار وهجرته معه معرضا نفسه لقريش وسائر العرب مع قصد المشركين وطلبهم له وما بذلوا فيه من الرغائب، ثم ما ظهر في رأيه ونبله وسخائه أن كان ماله في الجاهلية أربعين ألف أوقية ففرق كله في الإسلام. ومن زهده أن النبي - ﷺ - ندب إلى الصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله إلى النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ -: ما أبقيت لأهلك؟ قال: الله ورسوله. (١)\nولم يفعل هذا أحد منهم، وقال في قصة الكتاب الذي أراد النبي - ﷺ - أن يكتب لهم: يأبى الله ويدفع بالمؤمنين، وسماه الله من السماء الصديق وبويع واتفق المسلمون على بيعته. وعلموا أن الصلاح فيها فسموه خليفة رسول الله وخاطبوه بها. ثم عمر بن الخطاب رحمة الله عليه على مثل سبيل أبي بكر، وما\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٢/ ٣١٢ - ٣١٣/ ١٦٧٨) والترمذي (٥/ ٥٧٤/٣٦٧٥) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".","vol":"4","page":418},{"text":"وصفنا به مع شدته واستقامته وسياسته. ومن ذلك قوله لعيينة والأقرع: إنما كان النبي - ﷺ - يتألفكما والإسلام قليل. قد أغنى الله عنكما، وذكر سير عمر وسياسته كثر. ثم عثمان بن عفان من أعلمهم وأشجعهم وأسخاهم وأجودهم جودا، ومن علمه أن عليا وعبد الرحمن رحمة الله عليهما أشارا في إقامة الحد على أمة حاطب فرأى عمر ذلك معهم. قال: يا أبا عمرو ما تقول؟ قال: لا أرى عليها حدا لأنها تستهل (أو تستحل) به وإنما الحد على من عمله. فقال عمر بعد أن فهم ذلك عنه: صدقت والله إنما الحد على من عمله. وتزوج ابنتي النبي - ﷺ - ولم يجتمع ذلك لأحد قط، ثم أذهنهم ذهنا وأظهرهم عبادة حفظ القرآن على كبر سنه في قلة مدة فكان يقوم به في ليلة واحدة (١). ومن سخائه أن النبي - ﷺ - ندب إلى جيش العسرة فجاء بألف دينار ثم ألف ثم ألف ثم جهز جيش العسرة بأجمع جهازهم. (٢)\nثم علي رحمة الله عليه مثل ذلك في كماله وزهده وعلمه وسخائه. ومن زهده أنه اشتغل في سنة أربعين ألف دينار ففرقها وقميص كرابيس سنبلاني. قال محمد بن كعب القرظي: سمعت عليا يقول: بلغت صدقة مالي أربعين ألف دينار. ومن فضائله التي أبانه الله بها تزويجه بفاطمة وولده الحسن والحسين رحمة الله عليهما وحمله باب خيبر وقتله مرحبا وأشياء يكثر ذكرها.\n_________\n(١) صح النهي عن قراءة القرءان في أقل من ثلاث، وما يروى عن بعض الأئمة من قراءته في أقل من ثلاث يعوزه صحة السند، وعلى فرض صحة السند فالعبرة بموافقة السنة. والله أعلم.\n(٢) أخرجه: أحمد (١/ ٥٩) والترمذي (٥/ ٥٨٣ - ٥٨٤/ ٣٦٩٩) وقال: \"حسن صحيح غريب\"، والنسائي ... (٦/ ٥٤٥ - ٥٤٦/ ٣٦١١) وصححه ابن حبان (١٥/ ٣٤٨/٦٩١٦) وهو عند البخاري معلقا (٥/ ٥١٠/٢٧٧٨).","vol":"4","page":419},{"text":"ثم لكل واحد من أهل الشورى فضائل يكثر ذكرها.\nومما قد ينسب إلى السنة وذلك عندي إيمان نحو عذاب القبر. ومنكر ونكير. والشفاعة. والحوض. والميزان. وحب أصحاب رسول الله - ﷺ - ومعرفة فضائلهم وترك سبهم والطعن عليهم وولايتهم والصلاة على من مات من أهل التوحيد. والترحم على من أصاب ذنبا والرجاء للمذنبين، وترك الوعيد ورد العباد إلى مشيئة الله والخروج من النار يخرج الله من يشاء منها برحمته. والصلاة خلف كل أمير جائر. والصلاة في جماعة والغزو مع كل أمير. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون. (١)\n- وكان ابن أبي عاصم يقول: لا أحب أن يحضر مجلسي مبتدع ولا مدع ولا طعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، ولا منحرف عن الشافعي وأصحاب الحديث. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1879>موقفه من القدرية:</span>\n- أورد في كتابه القيم 'السنة' أبوابا في ذكر القدر والرضا به، والاحتجاج على القدرية ببعض النصوص، جريا على منهج أئمة أهل السنة في الرد على الفرق الضالة المنحرفة عن الجادة، من لدن الصحابة والتابعين وهلم جرّا. (٣)\n_________\n(١) السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٦٤٥ - ٦٤٧).\n(٢) البداية والنهاية (١١/ ٩٠).\n(٣) السنة له (١/ ٥٥ وما بعدها).","vol":"4","page":420},{"text":"المعتضد بالله (١) (٢٨٩ هـ)\nالخليفة، أبو العباس، أحمد بن الموفق بالله ولي العهد أبي أحمد طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد الهاشمي العباسي. ولد في أيام جده سنة اثنتين وأربعين ومائتين. ودخل دمشق سنة إحدى وسبعين لحرب ابن طولون، واستخلف بعد عمه المعتمد في رجب سنة تسع. وكان ملكا مهيبا، شجاعا، جبارا شديد الوطأة، من رجال العالم يقدم على الأسد وحده، وكان أسمر نحيفا، معتدل الخلق، كامل العقل، وكان ذا سياسة عظيمة. قال: والله ما سفكت دما حراما منذ وليت الخلافة. وقد حارب الزنج وله مواقف مشهودة، وفي دولته سكنت الفتنة وكان فتاه بدر على شرطته، وعبيد الله بن سليمان على وزارته ومحمد بن شاه على حرسه، وأسقط المكس، ونشر العدل، وقلل من الظلم، وكان يسمى السفاح الثاني، أحيا رميم الخلافة التي ضعفت من مقتل المتوكل. حارب القرامطة، وغيرهم من الفرق، وكل من خرج عليه .. تزوج قطر الندى أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون. ومات في يوم الجمعة تاسع عشر شهر ربيع الآخر وقيل مات ليلة الاثنين لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين وكانت خلافته أقل من عشر سنين وعاش ستا وأربعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1881>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في البداية والنهاية: وفيها -أي سنة تسع وسبعين ومائتين-\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٤/ ٤٠٣ - ٤٠٧) والمنتظم (١٣/ ٧ - ٨) والكامل لابن الأثير (٧/ ٤٤٤ - ٤٥٢) والوافي بالوفيات (٦/ ٤٢٨ - ٤٣٠) والبداية والنهاية (١١/ ٧٠ - ٩٢) وشذرات الذهب (٢/ ١٩٩ - ٢٠١) والسير (١٣/ ٤٦٣ - ٤٧٩).","vol":"4","page":421},{"text":"نودي ببغداد أن لا يمكن أحد من القصاص والطرقية والمنجمين ومن أشبههم من الجلوس في المساجد ولا في الطرقات، وأن لا تباع كتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس. وذلك بهمة أبي العباس المعتضد سلطان الإسلام. (١)\n\" التعليق:\nجزى الله خيرا هذا الخليفة الذي أعطى هذا الأمر السامي الذي قضى به على كتب البدع. وأما اليوم فقد حظيت هذه الكتب بالتعظيم والتقدير والرواج الكبير. إذ لا توجد مكتبة صغيرة ولا كبيرة، عامة أو خاصة إلا وهي مليئة بهذه الكتب إلا ما شاء الله، بل اتخذت منهجا يدرس للناشئة الغافلة. وأما القرآن وعلومه فخص بأصحاب القبور والتمائم والحروز. وأما الحديث وعلومه فلا ذكر له بين الناس. هذا هو الواقع السائد الآن في العالم الإسلامي إلا ما شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1882>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في البداية والنهاية: وقد أورد ابن الجوزي بإسناده أن المعتضد اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها مقثاة فوقف صاحبها صائحا مستصرخا بالخليفة، فاستدعى به فسأله عن أمره فقال: إن بعض الجيش أخذوا لي شيئا من القثاء وهم من غلمانك. فقال: أتعرفهم؟ فقال نعم. فعرضهم عليه فعرف منهم ثلاثة فأمر الخليفة بتقييدهم وحبسهم، فلما كان الصباح نظر الناس ثلاثة أنفس مصلوبين على جادة الطريق، فاستعظم الناس ذلك واستنكروه\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ٦٩).","vol":"4","page":422},{"text":"وعابوا ذلك على الخليفة وقالوا: قتل ثلاثة بسبب قثاء أخذوه؟ فلما كان بعد قليل أمر الخواص -وهو مسامره- أن ينكر عليه ذلك ويتلطف في مخاطبته في ذلك والأمراء حضور، فدخل عليه ليلة وقد عزم على ذلك ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه، فقال له: إني أعرف أن في نفسك كلاما فما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين وأنا آمن؟ قال: نعم. قلت له: فإن الناس ينكرون عليك تسرعك في سفك الدماء. فقال: والله ما سفكت دما حراما منذ وليت الخلافة إلا بحقه. فقلت له: فعلام قتلت أحمد بن الطيب وقد كان خادمك ولم يظهر له خيانة؟ فقال: ويحك إنه دعاني إلى الإلحاد والكفر بالله فيما بيني وبينه، فلما دعاني إلى ذلك قلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا منتصب في منصبه فأكفر حتى أكون من غير قبيلته. فقتلته على الكفر والزندقة. فقلت له: فما بال الثلاثة الذين قتلتهم على القثاء؟ فقال: والله ما كان هؤلاء الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصا قد قتلوا وأخذوا المال فوجب قتلهم، فبعثت فجئت بهم من السجن فقتلتهم وأريت الناس أنهم الذين أخذوا القثاء، وأردت بذلك أن أرهب الجيش لئلا يفسدوا في الأرض ويتعدوا على الناس ويكفوا عن الأذى. ثم أمر بإخراج أولئك الذين أخذوا القثاء فأطلقهم بعدما استتابهم وخلع عليهم وردهم إلى أرزاقهم. (١)\n- روى أبو العباس بن سريج، عن إسماعيل القاضي قال: دخلت مرة على المعتضد، فدفع إلي كتابا، فنظرت فيه، فإذا قد جمع له فيه الرخص من\n_________\n(١) البداية (١١/ ٩٢ - ٩٣) والسير (١٣/ ٤٦٤)، وأصل الخبر في المنتظم (١٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).","vol":"4","page":423},{"text":"زلل العلماء، فقلت: مصنف هذا زنديق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه. فأمر بالكتاب فأحرق. (١)\nالذهبي يحكي أخبار الفتن من عهد الصحابة إلى عهد المعتضد: وفي سنة ثمان وسبعين: كان أول شأن القرامطة.\nولا ريب أن أول وهن على الأمة قتل خليفتها عثمان صبرا، فهاجت الفتنة، وجرت وقعة الجمل بسببها، ثم وقعة صفين، وجرت سيول الدماء في ذلك. ثم خرجت الخوارج، وكفرت عثمان وعليا، وحاربوا، ودامت حروب الخوارج سنين عدة. ثم هاجت المسودة بخراسان، ومازالوا حتى قلعوا دولة بني أمية، وقامت الدولة الهاشمية بعد قتل أمم لا يحصيهم إلا الله. ثم اقتتل المنصور وعمه عبد الله. ثم خذل عبد الله، وقتل أبو مسلم صاحب الدعوة. ثم خرج ابنا حسن، وكادا أن يتملكا، فقتلا. ثم كان حرب كبير بين الأمين والمأمون، إلى أن قتل الأمين. وفي أثناء ذلك قام غير واحد يطلب الإمامة: فظهر بعد المئتين بابك الخرمي زنديق بأذربيجان، وكان يضرب بفرط شجاعته الأمثال، فأخذ عدة مدائن، وهزم الجيوش إلى أن أسر بحيلة، وقتل.\nولما قتل المتوكل غيلة، ثم قتل المعتز، ثم المستعين والمهتدي، وضعف شأن الخلافة توثب ابنا الصفار إلى أن أخذا خراسان، بعد أن كانا يعملان في\n_________\n(١) السير (١٣/ ٤٦٥).","vol":"4","page":424},{"text":"النحاس، وأقبلا لأخذ العراق وقلع المعتمد.\nوتوثب طرقي داهية بالزنج على البصرة، وأباد العباد ومزق الجيوش، وحاربوه بضع عشرة سنة إلى أن قتل. وكان مارقا، بلغ جنده مئة ألف. فبقي يتشبه بهؤلاء كل من في رأسه رئاسة، ويتحيل على الأمة ليرديهم في دينهم ودنياهم، فتحرك بقرى الكوفة رجل أظهر التعبد والتزهد، وكان يسف الخوص ويؤثر، ويدعو إلى إمام أهل البيت، فتلفق له خلق وتألهوه إلى سنة ست وثمانين، فظهر بالبحرين أبو سعيد الجنابي، وكان قماحا، فصار معه عسكر كبير، ونهبوا وفعلوا القبائح، وتزندقوا، وذهب الأخوان يدعوان إلى المهدي بالمغرب، فثار معهما البربر، إلى أن ملك عبد الله الملقب بالمهدي غالب المغرب، وأظهر الرفض، وأبطن الزندقة، وقام بعده ابنه، ثم ابن ابنه، ثم تملك المعز وأولاده مصر والمغرب واليمن والشام دهرا طويلا فلا حول ولا قوة إلا بالله.\nوفي سنة ثمانين: أخذ المعتضد محمد بن سهل من قواد الزنج فبلغه أنه يدعو إلى هاشمي، فقرره، فقال: لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه. فقتله.\nوعاثت بنو شيبان، فسار المعتضد، فلحقهم بالسن، فقتل وغرق، ومزقهم، وغنم العسكر من مواشيهم ما لا يوصف، حتى أبيع الجمل بخمسة دراهم، وصان نساءهم وذراريهم، ودخل الموصل، فجاءته بنو شيبان، وذلوا فأخذ منهم رهائن، وأعطاهم نساءهم، ومات في السجن المفوض إلى الله، وقيل: كان المعتضد ينادمه في السر.\nقيل: كان لتاجر على أمير مال، فمطله ثم جحده، فقال له صاحب له: قم معي، فأتى بي خياطا في مسجد. فقام معنا إلى الأمير، فلما رآه، هابه،","vol":"4","page":425},{"text":"ووفاني المال، فقلت للخياط: خذ مني ما تريد، فغضب، فقلت له: فحدثني عن سبب خوفه منك، قال: خرجت ليلة، فإذا بتركي قد صاد امرأة مليحة، وهي تتمنع منه وتستغيث، فأنكرت عليه، فضربني، فلما صليت العشاء جمعت أصحابي، وجئت بابه، فخرج في غلمانه، وعرفني، فضربني وشجني، وحملت إلى بيتي، فلما تنصف الليل، قمت فأذنت في المنارة، لكي يظن أن الفجر طلع، فيخلي المرأة، لأنها قالت: زوجي حالف علي بالطلاق أنني لا أبيت عن بيتي، فما نزلت حتى أحاط بي بدر وأعوانه، فأدخلت على المعتضد، فقال: ما هذا الأذان؟ فحدثته بالقصة، فطلب التركي، وجهز المرأة إلى بيتها، وضرب التركي في جوالق حتى مات، ثم قال لي: أنكر المنكر، وما جرى عليك فأذن كما أذنت، فدعوت له، وشاع الخبر، فما خاطبت أحدا في خصمه إلا أطاعني وخاف.\nوفيها: ولد بسلمية القائم محمد بن المهدي العبيدي، الذي تملك هو وأبوه المغرب ...\nوفيها: سار المعتضد إلى الدينور ورجع. ثم قصد الموصل لحرب حمدان ابن حمدون، جد بني حمدان، وكانت الأعراب والأكراد قد تحالفوا وخرجوا، فالتقاهم المعتضد، فهزمهم، فكان من غرق أكثر. ثم قصد ماردين، فهرب منه حمدان، فحاصر ماردين، وتسلمها، ثم ظفر بحمدان، فسجنه، ثم حاصر قلعة للأكراد وأميرهم شداد، فظفر به، وهدمها. وهدم دار الندوة بمكة، وصيرها مسجدا.\nوفي سنة اثنتين وثمانين: أبطل المعتضد وقيد النيران وشعار النيروز ...","vol":"4","page":426},{"text":"وفيها: قتل خمارويه صاحب مصر والشام غلمانه، لأنه راودهم، ثم أخذوا، وصلبوا، وتملك ابنه جيش، فقتلوه بعد يسير، وملكوا أخاه هارون، وقرر على نفسه أن يحمل إلى المعتضد في العام ألف ألف دينار، وخمس مئة ألف دينار.\nوفيها: قتل المعتضد عمه محمدا، لأنه بلغه أنه يكاتب خمارويه.\nوفي سنة ثلاث وثمانين ومئتين: سار المعتضد إلى الموصل، لأجل هارون الشاري، وكان قد عاث وأفسد، وامتدت أيامه، فقال الحسين بن حمدان للمعتضد: إن جئتك به فلي ثلاث حوائج. قال: سمها. قال: تطلق أبي، والحاجتان: أذكرهما إذا أتيت به. قال: لك ذلك، قال: وأريد أن أنتقي ثلاث مئة بطل. قال: نعم. ثم خرج الحسين في طلب هارون، فضايقه في مخاضةٍ، والتقوا، فانهزم أصحاب هارون، واختفى هو، ثم دل عليه أعراب، فأسره الحسين وقدم به، وخلع المعتضد على الحسين، وطوقه وسوره، وعملت الزينة، وأركب هارون فيلا، وازدحم الخلق، حتى سقط كرسي جسر بغداد، وغرق خلق ووصلت تقادم الصفار منها مئتا حمل مال، وكتبت الكتب إلى الأمصار بتوريث ذوي الأرحام.\nوفيها: غلب رافع بن هرثمة على نيسابور، وخطب بها لمحمد بن زيد العلوي، فأقبل الصفار، وحاصره، ثم التقوا، فهزمه الصفار، وساق خلفه إلى خوارزم، فأسر رافعا، وقتله، وبعث برأسه إلى المعتضد، وليس هو بولد لهرثمة ابن أعين، بل ابن زوجته.\nمن زلاته:\nقال ابن جرير: وفي سنة أربع وثمانين ومائتين: عزم المعتضد على لعنة","vol":"4","page":427},{"text":"معاوية على المنابر، فخوفه الوزير، فلم يلتفت، وحسم مادة اجتماع الشيعة وأهل البيت، ومنع القصاص من الكلام جملة، وتجمع الخلق يوم الجمعة لقراءة ما كتب في ذلك، وكان من إنشاء الوزير، فقال يوسف القاضي: راجع أمير المؤمنين. فقال: يا أمير المؤمنين تخاف الفتنة؟ فقال: إن تحركت العامة وضعت السيف فيهم. قال: فما تصنع بالعلوية الذين هم في كل قطر قد خرجوا عليك؟ فإذا سمع الناس هذا من مناقبهم كانوا إليهم أميل وأبسط ألسنة. فأعرض المعتضد عن ذلك. وعقد المعتضد لابنه علي المكتفي، فصلى بالناس يوم النحر.\nوفي سنة ست: سار المعتضد بجيوشه، فنازل آمد، وقد عصى بها ابن الشيخ، فطلب الأمان، فآمنه وفي وسط العام جاء الحمل من الصفار، فمن ذلك أربعة آلاف ألف درهم.\nوفيها: تحارب الصفار وابن أسد صاحب سمرقند، وجرت أمور ثم ظفر ابن أسد بالصفار أسيرا فرفق به، واحترمه، وجاءت رسل المعتضد تحث في إنفاذه، فنفذ، وأدخل بغداد أسيرا على جمل، وسجن بعد مملكة العجم عشرين سنة. ومبدؤه: كان هو وأخوه يعقوب صانعين في ضرب النحاس، وقيل: بل كان عمرو يكري الحمير، فلم يزل مكاريا حتى عظم شأن أخيه يعقوب، فترك الحمير، ولحق به، وكان الصفار يقول: لو شئت أن أعمل على نهر جيحون جسرا من ذهب لفعلت، وكان مطبخي يحمل على ست مئة جمل، وأركب في مئة ألف، ثم صيرني الدهر إلى القيد والذل. فيقال: إنه خنق عند وفاة المعتضد. وبنى المعتضد على البصرة سورا وحصنها.","vol":"4","page":428},{"text":"وظهر بالبحرين رأس القرامطة أبو سعيد الجنابي، وكثرت جموعه، وانضاف إليه بقايا الزنج، وكان كيالا بالبصرة، فقيرا يرفوا الأعدال، وهم يستخفون به، ويسخرون منه، فآل أمره إلى ما آل، وهزم عساكر المعتضد مرات، وفعل العظائم، ثم ذبح في حمام قصره. فخلفه ابنه سليمان الذي أخذ الحجر الأسود، وقتل الحجيج حول الكعبة، وهو جد أبي علي الذي غلب على الشام، وهلك بالرملة في سنة خمس وستين وثلاث مئة.\nوفي سنة سبع: استفحل شأن القرامطة، وأسرفوا في القتل والسبي، والتقى الجنابي وعباس الأمير، فأسره الجنابي، وأسر عامة عسكره، ثم قتل الجميع سوى عباس، فجاء إلى المعتضد وحده في أسوء حال.\nووقع الفناء بأذربيجان، حتى عدمت الأكفان جملة، فكفنوا في اللبود.\nواعتل المعتضد في ربيع الآخر، ثم تماثل، وانتكس، فمات في الشهر، وقام المكتفي لثمان بقين من الشهر، وكان غائبا بالرقة، فنهض بالبيعة له الوزير القاسم بن عبيد الله.\nوعن وصيف الخادم، قال: سمعت المعتضد يقول عند موته:\nتمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا\nولا تأمنن الدهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا\nقتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدوا ولم أمهل على ظنة خلقا\nوأخليت دور الملك من كل بازل ... وشتتهم غربا ومزقتهم شرقا\nفلما بلغت النجم عزا ورفعة ... ودانت رقاب الخلق أجمع لي رقا\nرماني الردى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى","vol":"4","page":429},{"text":"فأفسدت دنياي وديني سفاهة ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى\nفيا ليت شعري بعد موتي ما أرى ... إلى رحمة لله أم ناره ألقى؟ (١)\n\" التعليق:\nقال جامعه: هذا الخليفة كان سيفا مسلولا على الزنادقة بجميع أنواعهم، ففي عهده كانت وقائع الزنج والقرامطة الذين تصدى لهم، والشيعة على اختلاف ألوانهم والجهمية وغيرهم من المبتدعة.\n\n- جاء في السير: السرخسي المسمى أحمد بن محمد، كان مؤدب المعتضد، ثم صار نديمه وصاحب سره ومشورته، وله رئاسة وجلالة كبيرة ...\nثم إن المعتضد انتخى لله، وقتل السرخسي لفلسفته وخبث معتقده، فقيل: إنه تنصل إليه وقال: قد بعت كتب الفلسفة والنجوم والكلام وما عندي سوى كتب الفقه والحديث. فلما خرج، قال المعتضد: والله إني لأعلم أنه زنديق فعل ما زعم رياء. (٢)\n\" التعليق:\nهكذا كان يفعل خلفاء بني العباس بالزنادقة الذين زندقتهم الفلسفة وعلومها. وأما بعض أهل هذا الزمان فأمثال هؤلاء الزنادقة هم أحبابهم وأصدقاؤهم، بل بنوا لهذا الإلحاد كليات، وأعطوا لمن تخرج منها شهادات عليا. برزتهم لنشر إلحادهم في كل مكان باسم أنهم دكاترة وأساتذة\n_________\n(١) السير (١٣/ ٤٦٨ - ٤٧٧).\n(٢) السير (١٣/ ٤٤٩).","vol":"4","page":430},{"text":"جامعيون، ونشروا الإلحاد في البلاد، وسخروا من الطيبين وطردوهم من المدارس والكليات وكل من يشم فيه رائحة الإسلام والتمسك بالسنة يطرد ويبعد سواء كان طالبا أو أستاذا والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1883>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ابن كثير: خرج المعتضد من بغداد قاصدا بلاد الموصل لقتال هارون الشاري الخارجي فظفر به وهزم أصحابه وكتب بذلك إلى بغداد، فلما رجع الخليفة إلى بغداد أمر بصلب هارون الشاري وكان صفريا. فلما صلب قال: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون. (١)\n\nيحيى بن عمر الكِنَانِي (٢) (٢٨٩ هـ)\nيحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الإمام شيخ المالكية، أبو زكريا الكناني الأندلسي الفقيه. ولد بالأندلس سنة ثلاث عشرة ومائتين، وهو من أهل جيان. قال ابن الفرضي: ارتحل وسمع بإفريقية من سحنون وأبي زكريا الحفري، وعون بن يوسف صاحب الدراوردي. وسمع بمصر من يحيى بن بكير وحرملة، وبالمدينة من أبي مصعب وطائفة.\nوكان حافظا للفروع، ثقة ضابطا لكتبه، وكانت الرحلة إليه في وقته،\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ٧٨).\n(٢) اللسان (٦/ ٢٧٠ - ٢٧٢) وترتيب المدارك (٤/ ٣٥٧ - ٣٦٤) والسير (١٣/ ٤٦٢ - ٤٦٣) والديباج المذهب ... (٢/ ٣٥٤) وتاريخ ابن الفرضي (٢/ ١٨١) والأعلام (٨/ ١٦٠) ومعجم المؤلفين (١٣/ ٢١٧).","vol":"4","page":431},{"text":"سكن سوسة في آخر عمره وبها مات. روى عنه سعيد بن عثمان الأعناقي وإبراهيم بن نصر ومحمد بن مسرور وطائفة. قال القاضي أبو الوليد: كان فقيها، حافظا للرأي، ثقة ضابطا لكتبه. قال ابن حارث: كان يحيى متقدما في الحفظ، وسكن القيروان، فشرفت بها منزلته عند العامة والخاصة ورحل الناس إليه لا يروون المدونة والموطأ إلا عنه. قال ابن اللباد: كان من أهل الصيام والقيام، مجاب الدعوة. وقال أبو العباس الأبياني: ما رأيت مثل يحيى بن عمر في علمه وزهده ودعائه وبكائه، فالوصف -والله- يقصر عن ذكر فضله. قال يحيى الكانشي: أنفق يحيى بن عمر في طلب العلم ستة آلاف دينار. من مؤلفاته: 'الرد على الشافعي' و'المنتخبة اختصار المستخرجة' و'الميزان' و'الرؤية' و'الرد على الشكوكية' و'الرد على المرجئة' وغيرها كثير. توفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ومائتين، وعمره ست وسبعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1885>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في معالم الإيمان: كان هناك مسجد في مكان قرب القيروان يسمى \"مسجد السبت\" لأن المتصوفة كانوا يجتمعون فيه في كل سبت، ويذكرون فيه الذكر البدعي، وينشدون الأشعار الصوفية ويخشعون بزعمهم. وكان هذا الإمام شديد الإنكار عليهم ويقول: يا قوم هذا القرآن يتلى والأحاديث النبوية ولا متعظ، ويسمع بيتا من شعر فيبكي، هذا عجب.","vol":"4","page":432},{"text":"وتبعه على هذا الانكار العالم المشهور أبو عمران الفاسي القابسي. (١)\n- وجاء في الحقيقة التاريخية: إلا أن يحيى بن عمر، اعتبر اجتماعهم للذكر والإنشاد بدعة، وأنكر عليهم الإنكار الشديد، وكان يرى هدم المسجد أنفع من وجوده مع البدعة، وقد ألف كتابا في بدعة مسجد السبت، فتصدى الصوفية لإذايته ومشاغبته في حلقات دروسه. (٢)\n\nأبو جعفر حَمْدِيس القطَّان (٣) (٢٨٩ هـ)\nأحمد بن محمد أبو جعفر حمديس القطان. قرأ على سحنون بن سعيد، ورحل إلى مصر والمدينة فلقي أصحاب ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب وغيرهم. وكان من أهل العلم المعروفين بإظهار السنة، والذين لا يخافون في الله لومة لائم، مع الورع والتقوى والصلاح. وقال ابن حارث: كان علما في الفضل، ومثلا في الخير، مع شدة في مذهب أهل السنة. وقال أبو عياش: كان حمديس ورعا، كاملا ثقة مأمونا. قال أبو بكر المالكي: كان فضله أكثر من أن يحمله هذا الكتاب. توفي سنة تسع وثمانين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1887>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في المعالم: وكان لا يسلم على أحد من أهل الأهواء، كثير\n_________\n(١) معالم الإيمان (٢/ ٢٣٨).\n(٢) الحقيقة التاريخية (١٥٣).\n(٣) معالم الإيمان (٢/ ٢٠١) ورياض النفوس (١/ ٤٨٨ - ٤٩٠) وترتيب المدارك (١/ ٥١٨ - ٥٢٠).","vol":"4","page":433},{"text":"التجنب للسلطان. (١)\n- وقيل لحمديس: فلو أن إماما دعا إلى البدعة وأمر بها وبات بالدار؟ قال نجاهده. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1888>موقف السلف من الجنيد (٢٨٩ ه</span>ـ)\nبيان صوفيته:\nقدمنا أن علماء السلف كانوا ولله الحمد سدا منيعا في وجوه المبتدعة، وما تركوا لهم كبيرة ولا صغيرة إلا وكسروها وأحرقوها وهذا الموقف الذي سنذكره منها.\n- جاء في تلبيس إبليس: قال السراج: وكم من مرة قد أخذ الجنيد مع علمه، وشهد عليه بالكفر والزندقة، وكذلك أكثرهم. (٣)\n- ومن سقطاته ما جاء في تلبيس إبليس عنه قال: ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات، لأن التصوف من صفاء المعاملة مع الله ﷾ وأصله التفرق عن الدنيا. (٤)\n_________\n(١) معالم الإيمان (٢/ ٢٠٢).\n(٢) معالم الإيمان (٢/ ٢٠٤).\n(٣) التلبيس (٢١٠).\n(٤) التلبيس (٢٠٨).","vol":"4","page":434},{"text":"\" التعليق:\nهذا ما نقل عنه وكم له من الأقوال لو أردنا أن نستقصي كلامه الباطل لطال بنا المقال. وبالمقابل تجد عنده كلاما من أروع ما يكون، من قرأه مجردا عن بدعهم، يحسبهم من علماء السلف، وكما قلت في سهل، فلا أدري إن كان تاب هؤلاء وكان هذا آخر كلامهم أو هو تناقض أو تغطية على بدعهم فالله أعلم.\n- ومنه ما قال في ذم الكلام: أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب من القلب، والقلب إذا عري عن الهيبة من الله ﷿ عري من الإيمان. (١)\n- ومنه في تلبيس إبليس: عنه قال: مذهبنا هذا مقيد بالأصول: الكتاب والسنة وقال أيضا علمنا منوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به. (٢)\n\" التعليق:\nإذا كان هذا صحيحا فما الحاجة إلى الأوهام والوساوس؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1889>موقف السلف من أبي حمزة الحلولي (٢٨٩ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\n- جاء في حلية الأولياء: عن أبي عبد الله الرملي قال: تكلم أبو حمزة في\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٧١) وفي السير (١٤/ ٦٨) والاستقامة (١/ ١١١).\n(٢) التلبيس (ص ٢٠٨).","vol":"4","page":435},{"text":"جامع طرسوس، فقبلوه، فبينا هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غراب على سطح الجامع، فزعق أبو حمزة، وقال: لبيك لبيك، فنسبوه إلى الزندقة وقالوا: حلولي زنديق فشهدوا وأخرج وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع هذا فرس الزنديق. فذكر أبو عمرو البصري قال اتبعته والناس وراءه يخرجونه من باب الشام فرفع رأسه إلى السماء وقال:\nلك من قلبي المكان المصون ... كل صعب علي فيك يهون (١)\n\nأبو الآذان (٢) (٢٩٠ هـ)\nالحافظ عمر بن إبراهيم بن سليمان البغدادي، أبو بكر المعروف بأبي الآذان، جزري الأصل. روى عن محمد بن المثنى الزَّمِن، ويحيى بن حكيم المقوم وإسماعيل بن مسعود الجحدري ومحمد بن علي بن خلف العطار. وروى عنه النسائي في سننه وابن قانع والطبراني ومظفر بن يحيى وعبد الله بن إسحاق الخراساني وعدة. قال أبو يعلى الخليلي: ثقة، مشهور بالحفظ. وأثنى عليه أبو بكر الإسماعيلي. وقال ابن حجر: ثقة حافظ. توفي ﵀ سنة تسعين ومائتين وله ثلاث وستون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1891>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في السير: قال البرقاني حدثنا أبو بكر الإسماعيلي قال: حكي أن\n_________\n(١) الحلية (١٠/ ٣٢١).\n(٢) تاريخ بغداد (١١/ ٢١٥ - ٢١٦) وتهذيب الكمال (٢١/ ٢٦٧) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٨١ - ٨٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٨١ - ٢٩٠/ص.٢٣١ - ٢٣٢) وتهذيب التهذيب (٧/ ٤٢٤ - ٤٢٥).","vol":"4","page":436},{"text":"أبا الآذان طالت خصومة بينه وبين يهودي أو غيره، فقال له: أدخل يدك ويدي في النار، فمن كان محقا لم تحترق يده، فذكر أن يده لم تحترق، وأن يد اليهودي احترقت. (١)\n\nعبد الله بن الإمام أحمد (٢) (٢٩٠ هـ)\nالإمام الحافظ الناقد الحجة محدث بغداد عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الرحمن ابن شيخ العصر إمام العلماء أبي عبد الله الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي. ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين. روى عن أبيه شيئا كثيرا من جملته 'المسند' كله و'الزهد' وعن يحيى بن عبدويه صاحب شعبة والهيثم بن خارجة ومحمد بن أبي بكر المقدمي وشيبان بن فروخ وطبقتهم ومنعه أبوه من السماع من علي بن الجعد، وأخذ عن ابن معين. حدث عنه النسائي والبغوي وأبو عوانة والمحاملي وقاسم بن أصبغ وأبو بكر الشافعي وخلق كثير. قال عباس الدوري: كنت عند أحمد بن حنبل فدخل ابنه عبد الله فقال لي أحمد: يا عباس إن أبا عبد الرحمن قد وعى علما كثيرا. قال ابن أبي حاتم: كتب إلي عبد الله بمسائل أبيه وبعلل الحديث. قال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه من عبد الله بن أحمد، لأنه سمع منه المسند وهو\n_________\n(١) السير (١٤/ ٨٢).\n(٢) الجرح والتعديل (٥/ ٧) وتاريخ بغداد (٩/ ٣٧٥ - ٣٧٦) وتهذيب الكمال (١٤/ ٢٨٥ - ٢٩٢) والمنتظم (١٣/ ١٧) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٦٥ - ٦٦٦) والبداية والنهاية (١١/ ١٠٣) وتهذيب التهذيب (٥/ ١٤١ - ١٤٣) وشذرات الذهب (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤) والسير (١٣/ ٥١٦ - ٥٢٦) طبقات الحنابلة (١/ ١٨٠ - ١٨٨).","vol":"4","page":437},{"text":"ثلاثون ألفا والتفسير وهو مائة ألف وعشرون ألفا سمع منه ثمانين ألفا والباقي وِجَادَةً وسمع الناسخ والمنسوخ والتاريخ وحديث شعبة والمقدم والمؤخر في كتاب الله، وجواب القرآن والمناسك الكبير والصغير وغير ذلك من التصانيف وحديث الشيوخ. قال: وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والأسماء والكنى والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها. قال الذهبي: ما رأينا أحدا أخبرنا عن وجود هذا التفسير ولا بعضه. قال ابن عدي: نبل عبد الله بن أحمد بأبيه وله في نفسه محل في العلم أحيى علم أبيه من مسنده. قال بدر البغدادي: عبد الله بن أحمد جهبذ ابن جهبذ. قال الخطيب: كان ثقة ثبتا فهما. مات ﵀ سنة تسعين ومائتين يوم الأحد، لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1893>موقفه من المبتدعة:</span>\nسبحان الله، نية الإمام أحمد الصادقة وإخلاصه لعقيدته السلفية، لم يقف الذكر الحسن والثناء المجمع عليه على شخصه المبجل، ولكن تعدى ذلك إلى الذرية الصالحة، فكان هذا الابن البار خير خلف لسلفه، فكان شوكة في حلق المبتدعة، فنفع الله به، وجعله من أعلام رواة السنة، ومسند أبيه أكبر شاهد على ذلك، رغم ما قاله بعض المحدَثين فيه. وأما أعداء العقيدة السلفية، فيفرحون بكل جرح قيل في أئمة السلف، فلا تسأل عما يقوله الشيخ النجدي الشعوبي الجركسي الكوثري، اقرأ مقالاته وتعليقاته إن استطعت لذلك صبرا، فقراءة كلام اليهود والنصارى أهون من قراءة كلامه. نسأل الله العافية.\nولهذا الإمام كتاب من أعظم المصادر السلفية في تتبع المبتدعة، وقد نفعنا الله به في هذا البحث المبارك، فأخذنا منه الشيء الكثير فيما ناسبنا، فرحمة الله عليه، ألا وهو كتاب: 'السنة'.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1894>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الذهبي في سيره: ولعبد الله كتاب: 'الرد على الجهمية'. (١)\n- وقال: وامتنع من الأخذ عن علي بن الجعد لوقفه في مسألة القرآن. (٢)\nقال محقق السير: وهذا من تشدداته التي ورثها من أبيه.\nقلت: ليس هذا تشددا بل هذا هو الواجب إزاء هؤلاء المبتدعة ومن يصف الإمام أحمد بالتشدد فهو صاحب هوى نسأل الله السلامة والعافية.\n_________\n(١) السير (١٣/ ٥٢٣).\n(٢) السير (١٣/ ٥١٧)","vol":"4","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1895>موقفه من القدرية:</span>\nأورد في كتابه 'السنة' فصلا ماتعا عن القدرية وما جاء فيهم من كلام الأئمة الكاشف لكثير من ضلالهم وانحرافهم عن أهل السنة. (١)\n\nأبو العباس الأَبَّار (٢) (٢٩٠ هـ)\nالحافظ المتقن أحمد بن علي بن مسلم، أبو العباس الأبار النخشبي، من علماء الأثر ببغداد. حدث عن مسدد وأمية بن بسطام وعلي بن الجعد\n_________\n(١) السنة له (ص ١١٩ - ١٥٣).\n(٢) تاريخ بغداد (٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧) وطبقات الحنابلة (١/ ٥٢) وتاريخ دمشق (٥/ ٧٢ - ٧٥) وتذكرة الحفاظ ... (٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠) والسير (١٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٨١ - ٢٩٠/ص.٧٣ - ٧٤).","vol":"4","page":439},{"text":"وهشام بن عمار وهدبة، وخلق. وحدث عنه ابن صاعد وأبو بكر القطيعي وأبو بكر النجاد ودعلج وأبو سهل بن زياد وغيرهم. قال الخطيب البغدادي: كان ثقة حافظا متقنا، حسن المذهب. قال جعفر الخلدي: كان الأبار من أزهد الناس، استأذن أمه في الرحلة إلى قتيبة، فلم تأذن له، ثم ماتت، فخرج إلى خراسان، ثم وصل إلى بلخ، وقد مات قتيبة، فكانوا يعزونه على هذا، فقال: هذا ثمرة العلم، إني اخترت رضى الوالدة.\nتوفي ﵀ يوم نصف شعبان سنة تسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>موقفه من المبتدعة:</span>\nوقال أحمد بن جعفر بن سلم: سمعت الأبار يقول: كنت بالأهواز، فرأيت رجلا قد حف شاربه وأظنه قال: قد اشترى كتبا وتعين للفتيا، فذكر له أصحاب الحديث، فقال: ليسوا بشيء، وليس يسوون شيئا. فقلت: أنت لا تحسن تصلي. قال: أنا؟ قلت: نعم، أيش تحفظ عن رسول الله - ﷺ - إذا افتتحت ورفعت يديك؟ فسكت، قلت: فما تحفظ عن رسول الله - ﷺ - إذا سجدت؟ فسكت، فقلت: ألم أقل إنك لا تحسن تصلي؟ فلا تذكر أصحاب الحديث. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1898>عباد بن بشار (٢٩٠ هـ سنة وفاة محمد بن زكريا الغلابي)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>موقفه من الرافضة:</span>\nقال الآجري في الشريعة أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد الأعرابي مما\n_________\n(١) السير (١٣/ ٤٤٤) والكفاية (٤ - ٥).","vol":"4","page":440},{"text":"قرأناه عليه قال: أنشدنا محمد بن زكريا الغلابي، قال: أنشدنا عباد بن بشار:\nحتى متى عبرات العين تنحدر ... والقلب من زفرات الشوق يستعر\nوالنفس طائرة والعين ساهرة ... كيف الرقاد لمن يعتاده السهر\nيا أيها الناس إني ناصح لكم ... كونوا على حذر قد ينفع الحذر\nإني أخاف عليكم أن يحل بكم ... من ربكم غير ما فوقها غير\nما للرافض أضحت بين أظهركم ... تسير آمنة ينزو بها البطر\nتؤذي وتشتم أصحاب النبي وهم ... كانوا الذين بهم يستنزل المطر\nمهاجرون لهم فضل بهجرتهم ... وآخرون هم آووا وهم نصروا\nكيف القرار على من قد تنقصهم ... ظلما وليس لهم في الناس منتصر\nإنا إلى الله من ذل أراده بكم ... ولا مرد لأمر ساقه القدر\nحتى رأيت رجالا لا خلاق لهم ... من الروافض قد ضلوا وما شعروا\nإني أحاذر أن ترضوا مقالتهم ... أولا فهل لكم عذر فتعذروا\nرأى الروافض شتم المهتدين فما ... بعد الشتيمة أمر ليس يغتفر\nلا تقبلوا أبدا عذرا لشاتمهم ... إن الشتيمة أمر ليس يغتفر\nليس الإله براض عنهم أبدا ... ولا الرسول ولا يرضى به البشر\nالناقضون عرى الإسلام ليس لهم ... عند الحقائق إيراد ولا صدر\nوالمنكرون لأهل الفضل فضلهم ... والمفترون عليهم كلما ذكروا\nقد كان عن ذا لهم شغل بأنفسهم ... لو أنهم نظروا فيما به أمروا\nلكن لشقوتهم والحين يصرعهم ... قالوا ببدعتهم قولا به كفروا\nقالوا وقلنا وخير القول أصدقه ... والحق أبلج والبهتان منشمر","vol":"4","page":441},{"text":"وفي علي وما جاء الثقات به ... من قوله عبر لو أغنت العبر\nقال الأمير علي فوق منبره ... والراسخون به في العلم قد حضروا\nخير البرية من بعد النبي أبو ... بكر وأفضلهم من بعده عمر\nوالفضل بعد إلى الرحمن ... يجعله فيمن أحب فإن الله مقتدر\nهذا مقال علي ليس ينكره ... إلا الخليع وإلا الماجن الأشر\nفارضوا مقالته أولا فموعدكم ... نار توقد لا تبقي ولا تذر\nوإن ذكرت لعثمان فضائله ... فلن يكون من الدنيا لها خطر\nوما جهلت عليا في قرابته ... وفي منازل يعشو دونها البصر\nإن المنازل أضحت بين أربعة ... هم الأئمة والأعلام والغرر\nأهل الجنان كما قال الرسول لهم ... وعدا عليه فلا خلف ولا غدر\nوفي الزبير حواري النبي إذا ... عدت مآثره زلفى ومفتخر\nواذكر لطلحة ما قد كنت ذاكره ... حسن البلاء وعند الله مدكر\nإن الروافض تبدي من عداوتها ... أمرا تقصر عنه الروم والخزر\nليست عداوتها فينا بضائرة ... لا بل لها وعليها الشين والضرر\nلا يستطيع شفا نفس فيشفيها ... من الروافض إلا الحية الذكر\nما زال يضربها بالذل خالقها ... حتى تطاير عن أفحاصها الشعر\nداو الروافض بالإذلال إن لها ... داء الجنون إذا هاجت بها المرر\nكل الروافض حمر لا قلوب لها ... صم وعمي فلا سمع ولا بصر\nضلوا السبيل أضل الله سعيهم ... بئس العصابة إن قلوا أو إن كثروا\nشين الحجيج فلا تقوى ولا ورع ... إن الروافض فيها الداء والدبر","vol":"4","page":442},{"text":"لا يقبلون لذي نصح نصيحته ... فيها الحمير وفيها الإبل والبقر\nوالقوم في ظلم سود فلا طلعت ... مع الأنام لهم شمس ولا قمر\nلا يأمنون وكل الناس قد أمنوا ... ولا أمان لهم ما أورق الشجر\nلا بارك الله فيهم لا ولا بقيت ... منهم بحضرتنا أنثى ولا ذكر (١)\n\nمحمد بن حبيب البَزَّار (٢) (٢٩١ هـ)\nأبو عبد الله محمد بن حبيب البزار، أحد الفقهاء. روى عن أحمد بن حنبل وشجاع ابن مخلد، وعنه الحسن بن أبي العنبر وغيره. وقد أثنى عليه أبو بكر الخلال الحنبلي. توفي ﵀ سنة إحدى وتسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1901>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ابن حبيب: ومن قال الحسنى في أصحاب محمد - ﷺ - فقد برئ من النفاق. (٣)\n\nالبُوشَنْجِي (٤) (٢٩١ هـ)\nأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن بن موسى العبدي، الفقيه المالكي، البوشنجي، شيخ أهل الحديث في عصره. ولد في سنة أربع\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٥٧١ - ٥٧٣/ ٢٠٩٢).\n(٢) تاريخ بغداد (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٩٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٩١ - ٣٠٠/ص.٢٥٩).\n(٣) الشريعة (٣/ ٢٣/١٢٩١).\n(٤) تهذيب الكمال (٢٤/ ٣٠٨ - ٣١٤) والسير (١٣/ ٥٨١ - ٥٨٩) والجرح والتعديل (٧/ ١٨٧) والمنتظم (٦/ ٤٨) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٥٧ - ٦٥٩) والوافي بالوفيات (١/ ٣٤٢) وشذرات الذهب (٢/ ٢٠٥) والتقريب (٢/ ٥٠).","vol":"4","page":443},{"text":"ومائتين. وارتحل شرقا وغربا، ولقي الكبار وجمع وصنف وسار ذكره وبعد صيته. روى عن إبراهيم بن حمزة الزبيري، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وأحمد ابن حنبل وغيرهم. وروى عنه محمد بن إسحاق الصاغاني، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وهما أكبر منه، وأبو حامد بن الشرقي، وأبو بكر بن إسحاق الصبغي، وابن خزيمة وغيرهم. قال دعلج: حدثني فقيه من أصحاب داود بن علي أن أبا عبد الله دخل عليهم يوما، وجلس في أخريات الناس، ثم إنه تكلم مع داود فأعجب به، وقال: لعلك أبو عبد الله البوشنجي؟ قال: نعم، فقام إليه وأجلسه إلى جنبه، وقال: قد حضركم من يفيد ولا يستفيد. وقال ابن حجر: ثقة حافظ فقيه. توفي في غرة المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين. وصلى عليه ابن خزيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1903>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال إسحاق بن أبي إسحاق بسمرقند: سمعت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي حين سئل عن الإيمان فقال: الواجب على جميع أهل العلم والإسلام أن يلزموا القصد للاتباع، وأن يجعلوا الأصول التي نزل بها القرآن وأتت بها السنن من الرسول - ﷺ - غايات العقول، ولا يجعلوا العقول غايات الأصول، فإن الله جل وعز ورسوله - ﷺ - قد يفرق بين المشتبهين ويباين بين المجتمعين في المعقول تعبدا وبلوى ومحنة، ومتى ورد على المرء وارد من وجوه العلم لا يبلغه عقله أو تنفر منه نفسه، وينأى عنه فهمه وتبعد عنه معرفته، وقف عنده واعترف بالتقصير عن إدراك علمه وبالجسور عن كنه معرفته، ويعلم أن الله ﷿ ورسوله - ﷺ - لو كشف عن علة ذلك الحادث، وأبان","vol":"4","page":444},{"text":"وأوضح عن سببه وعن المراد من مخرجه لأدركته عقولنا، ولو كان أتى به الحكم من الله ﷿ والأمر بتعبده إيانا مكشوفا بيانه موضوحة علته، لم يكن للعباد بلوى ولا محنة، وإنما المحن الغلاظ والبلوى الشديدة الأمور والفروض التي لا تكشف عللها ليسلم العباد لها تسليما، ويقفوا عندها إيمانا، ولولا ما وصفناه كان الذي سبق إليه فكر العقول منا، أن واجبا في كل ما سأل رسول الله - ﷺ - ربه ﷿ أن يجيبه وأن ينزل عليه فيه شفاءه ليزداد الناس به علما ولملكوته فهما. ولسنا نرى الأمر كذلك، فقد سألوا رسول الله - ﷺ - وسأل رسول الله - ﷺ - ربه ﷿ عن الروح، فما أجابه قال الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) وعلى ذلك خالف ربنا بين ما أنزل من شرايعه وأعلام دينه ومعالم فروضه وعباداته في الأمم الخوالي، فأحل لطائفة ما حرمه على أمة، وحرم على أمة ما أطلقه لغيرها من أمته وحظر على آخرين ما أباحه لسواهم، وكذلك الأمر فيما أنزل من كتبه، وخالف بينهما في أحكامها كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وصحف من مضى من الرسل ليسلم الموفق منهم لأمره ونهيه، فينكفئ المخذول منهم على عقبيه نفارا من التفريق بين المجتمعين، ومن الجمع بين المفترقين، وعلموا أن السلامة فيما أنزل عليهم من الاتباع والتقليد لما أمروا به، والإعراض عن طلب التكييف فيما أحل لهم وعن الغلو والإيغال في التماس نهاياتها للوقوع على أقصى مداخلها،\n_________\n(١) الإسراء الآية (٨٥) ..","vol":"4","page":445},{"text":"إذ كان ذلك لا يبلغ أبدا فإن دون كل بيان بيانا، وفوق كل متعلق أغمض منه، وإذ كان الأمر كذلك فالواجب الوقوف عند المستبهم منه، ومن أجل ذلك أثنى الله ﷿ على الراسخين في العلم بأنهم إذا أفضى ببعضهم الأمر إلى ما جهلوه، آمنوا به ووكلوه إلى الله ﷿، ومن أجل ذلك ذم الله ﷿ للغالين في طلب ما زوى عنهم علمه وطوى علمه وطوى عنهم خبره فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زيغٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يذكر إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١). ومن أجل بعض ما ذكرنا اشتدت الخلفاء المهديون على ذوي الجدل والكلام في الدين، وعلى ذوي المنازعات والخصومات في الإسلام والإيمان، ومتى نجم منهم ناجم في زمن أطفأوه وأخمدوا ذكره ولقوه عقوبته، فمنهم من سيره إلى طرف ومنهم من ألزمه قعر محبس إشفاقا على الدين من فتنته وحذرا على المسلمين من خدعات شبهته، كما فعله الإمام الموفق عمر بن الخطاب ﵁ حين سأله صبيغ عن الذاريات ذروا وأشباهه، فسَيَّره إلى الشام وزجر الناس عن مجالسته. وفعله علي بن أبي طالب ﵁ بعبد الله بن سبأ، فسيره إلى المداين.\nولقد أتى محمد بن سيرين رجل من أهل الكلام فقال، ائذن لي أحدثك بحديث، قال لا أفعل، قال فأتلو عليك آية من كتاب الله، قال ولا هذا، فقيل له في ذلك فقال ابن سيرين لم آمن أن يذكر لي ذكرا يقدح به قلبي، وقد بين الله ما بالعباد إليه حاجة في عاجلهم ومعادهم، وأوضح لهم سبيل النجاة والهلكة، وأمر ونهى\n_________\n(١) آل عمران الآية (٧).","vol":"4","page":446},{"text":"وأحل وحرم وفرض وسن، فما أمر العباد من أمر سلموا بائتماره والعمل عليه، ما نهوا عنه من شيء سلموا بتركه وكذبه، ومتى عتوا عن ظاهر ما أمروا به ونهوا عنه ليبلغوا القصوى من غاية علم أمره ونهيه، لم يؤمن عليه الحيرة ولا غلبة الشبهة على قلبه وفهمه، ومن أجل ذلك قال عبد الله بن مسعود ﵁: وما أنت بمحدث قوما حديثا لا يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. ولقد سأل سائل ابن عباس ﵄ عن آية من كتاب الله فقال: ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر، وقال أيوب السختياني لا تحدثوا الناس بما يجهلون فتضروهم، وما منع الله تعالى رسوله - ﷺ - البيان عن بعض ما سأله إلا وقد علم أن ذلك المنع إعطاء، وأن المنع أجدى على الأمة وأسلم لهم في بدئهم وعاقبتهم، ولولا ذلك لكان من سلف من المشركين والأمم الكافرين برسلهم وأنبيائهم والمنكرين للآيات وصنوف العجائب والبينات معذورين، ولكانت الرسل في ترك إسعاف أممهم مذمومين، ولكان كل ما سألوه من آية دونها آية وفوقها أخرى حتى أفضى بعضهم إلى أن سألوا أن يروا ربهم جهرة، وسأل بعضهم رسولنا من الدليل على أمره تفجير الأنهار والينابيع فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ (١)،\nوما ختمت الآيات فلو كان الأمر في ذلك على عقول البشر، لقد كانوا يرون أن منعهم الدليل على صدق ما أتت به أنبياؤهم ورسلهم من غير نظر لهم، لأن زيادة البيان إلى البيان تسكين النفوس عن نظارها، وطمأنينة القلوب\n_________\n(١) الإسراء الآية (٩٠) ..","vol":"4","page":447},{"text":"وطيب طباع الإيمان، غير أن الله منعهم ما سألوا إذ فوق ما سألوا آيات لا يوقف على منشأها فلم يكن يجب أن لو كان ذلك كذلك إيمان على أحد، حتى يبلغ من غاية معرفة بأمور الله ﷿، ما أحاط به علم الله. ولقد ذكر يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي ﵀ أنه قال: ما من ذنب يلقى الله به عبد بعد الشرك بالله أعظم من أن يلقاه بهذا الكلام قال، فقلت له فإن صاحبنا الليث بن سعد كان يقول: لو رأيت رجلا من أهل الكلام يمشي على الماء فلا تركن إليه، وذكر يونس عن الشافعي قال: مذهبي في أهل الكلام مذهب عمر في صبيغ، نقنع رؤوسهم بالسياط ويسيروا في البلاد. (١)\n- جاء في ذم الكلام: عنه قال: وهذه الفرقة، فتنتهم أقرب إلى بعض قلوب العباد، فلم يؤمن أن يستعينوا بهذه الشبه، ويستغووا بها أمثالهم من المخذولين، من أجل ذلك وجب أن يتشدد على هذه الفرق الخسيسة في التحذير عنهم والنهي عن مجالستهم وعن مجاورتهم وعن الصلاة خلفهم، وعن مخالطتهم، تنكيلا كما فعلت الأئمة الهداة مثل عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وهلم جرا، من نفي أمثالهم وحسم رأيهم عن الأمة، والأمر بتسييرهم عن البلاد وتقنيع رؤوسهم بالسياط، وهذه فرقة مستحقة لمثله. فأما ركون أو إصغاء إلى استفتائهم، وأخذ حديث عنهم، فهو عندي من عظائم أمور الدين. (٢)\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٦٦ - ٢٦٨).\n(٢) ذم الكلام (ص.٢٦٨).","vol":"4","page":448},{"text":"\" التعليق:\nانظر كلام خبير بأهل الضلال، يعرفهم ويعرف شبههم وأباطيلهم وأخطارهم على أمة الإسلام، اقرأ هذه الأحكام الصادرة من هذا الإمام وقارن بينها وبين ما يقوله دعاة اليوم، من أن الكلام في بيان أحوال المبتدعة يفرق الكلمة ويشتت الشمل. وكأن هؤلاء الأئمة لم تكن عندهم كلمة ولا شمل، أو كانوا مغفلين لا يعرفون شيئا عن جمع الكلمة أو تشتيتها. والله المستعان.\n\nأبو العباس ثعلب أحمد بن يحيى (١) (٢٩١ هـ)\nأحمد بن يحيى بن يزيد، أبو العباس الشيباني، العلامة، إمام الكوفيين في النحو، المشهور بثعلب. ولد سنة مئتين، وسمع من محمد بن زياد بن الأعرابي وسلمة بن عاصم والزبير بن بكار ومحمد بن سلام الجمحي. وعنه نفطويه وابن الأنباري والأخفش الصغير، ومحمد بن العباس اليزيدي وأبو عمرو الزاهد غلام ثعلب. قال الخطيب: وكان ثقة حجة، دينا صالحا، مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة، والمعرفة بالغريب ورواية الشعر القديم، مقدما عند الشيوخ مذ هو حدث. وعن الرياشي -وسئل لما رجع من بغداد- فقال: ما رأيت أعلم من الغلام المنبز، يعني ثعلبا. توفي ﵀ سنة إحدى وتسعين\n_________\n(١) طبقات النحويين للزبيدي (٣/ ١٤١) وتاريخ بغداد (٥/ ٢٠٤ - ٢١٢) طبقات الحنابلة (١/ ٨٣ - ٨٤) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٥ - ٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٩١ - ٣٠٠/ص.٨١ - ٨٤) غاية النهاية لابن الجزري ... (١/ ١٤٨ - ١٤٩).","vol":"4","page":449},{"text":"ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1905>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال اللالكائي في أصول الاعتقاد: وجدت بخط أبي الحسن الدارقطني ﵀ عن إسحاق الهادي قال: سمعت أبا العباس ثعلب يقول: استوى أقبل عليه وإن لم يكن معوجا. ﴿ثُمَّ استوى إلى السَّمَاءِ﴾ (١): أقبل. ﴿ثُمَّ استوى على الْعَرْشِ﴾ (٢): علا. واستوى وجهه: اتصل. واستوى القمر: امتلأ. واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى فعلهما وإن لم تتشابه شخوصهما. هذا الذي يعرف من كلام العرب. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1906>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في أصول الاعتقاد: قال أحمد بن يحيى بن ثعلب: القدرية من يزعم أنه يقدر. ونحن نقول: لا نقدر إلا بقدر الله وبعون الله وتوفيق الله وإن لم يفعل ذلك بنا لم نقدر فكيف يكون القدري من زعم أنه لا يقدر؟ هذا محال ضد. قال: ولا أعلم عربيا قدريا. فقيل له: يقع في قلوب العرب القدر؟ قال: معاذ الله ما في العرب إلا مثبت القدر خيره وشره أهل الجاهلية والإسلام ذلك في أشعارهم وكلامهم كثير بين ثم أنشد:\nتجري المقادير على غرز الإبر ... ما تنفذ الإبرة إلا بقدر\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٩).\n(٢) الأعراف الآية (٥٤).\n(٣) أصول الاعتقاد (٣/ ٤٤٣/٦٦٨).","vol":"4","page":450},{"text":"قال وأنشد لامرئ القيس:\nإن الشقاء على الأشقين مكتوب ... .............................\nثم ذكر الشيخ أبو القاسم الحافظ شواهد ذلك فقال: وقال ذو الأصبع العدواني:\nوليس المرء في الشيء من الإبرام والنقض ... إذا يقضي أمر إخاله يقضى ولا يقضى\nوقال لبيد:\nإن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل\nمن هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل\nأحمد الله ولا ند له ... بيده الخير ما شاء فعل\nوقال بعض رجاز الجاهلية:\nهي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطا القدر (١)\n\nإبراهيم الخواص الصوفي (٢) (٢٩١ هـ)\nإبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص أبو إسحاق. أحد شيوخ الصوفية له كتب مصنفة، صاحب أبا عبيد الله المغربي، وروى عنه أبو جعفر الخالدي وغيره. كان أحد المذكورين بالتوكل والسياحات. مات سنة إحدى وتسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1908>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال إبراهيم الخواص: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العالم من اتبع\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٨٠/١٣٠٩).\n(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٧ - ١٠) والأعلام (١/ ٢٨) ومعجم المؤلفين (١/ ٤).","vol":"4","page":451},{"text":"العلم، واستعمله، واقتدى بالسنن، وإن كان قليل العلم. (١)\n- وسئل عن العافية فقال: العافية أربعة أشياء: دين بلا بدعة، وعمل بلا آفة، وقلب بلا شغل، ونفس بلا شهوة. وقال: الصبر: الثبات على أحكام القرآن والسنة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1909>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في ذم الكلام: عنه قال: ما كانت زندقة ولا كفر ولا بدعة ولا جرأة في الدين، إلا من قبل الكلام، والجدال والمراء والعجب، فكيف يجترئ الرجل على الجدال والمراء والله تعالى يقول: ﴿مَا يجادل في آيات اللَّهِ إِلًّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣).اهـ (٤)\n\" التعليق:\nوكيف يجترأ على سلوك وأسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان لم يعرفها الشرع ولا فتحت اللغة لها قاموسا؟ وإنما هو التمحل في إلحاق اشتقاق لها، كابن الزنا، كل واحد يتبرأ منه ولا يلصقه به إلا العقيم الذي يريد أن يتستر به، على أنه ذو ولد، والواقع أنه عقيم. وكذلك اسم الصوفية، لا تجد له اشتقاقا ولا جامدا أي لا مشتق له ولا جامد. وإنما هي وسوسة الهند ورهبنة النصارى.\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١٢٩).\n(٢) الاعتصام (١/ ١٢٩).\n(٣) غافر الآية (٤).\n(٤) ذم الكلام (ص.٢٧٧).","vol":"4","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1910>موقف السلف من القاسم بن عبيد الله الوزير الزنديق (٢٩١ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\n- قال النوفلي: كنت أبغضه لكفره، ولمكروه نالني منه. (١)\n- قال ابن النجار: كان جوادا ممدحا، إلا أنه كان زنديقا. (٢)\n- جاء في السير: قال الصولي: حدثنا شادي المغني قال: كنت عند القاسم وهو يشرب، فقرأ عليه ابن فراس من عهد أردشير، فأعجبه، فقال له ابن فراس: هذا والله -وأومأ إلي- أحسن من بقرة هؤلاء وآل عمرانهم. وجعلا يتضاحكان. قال الصولي: وأخبرنا ابن عبدون: حدثني الوزير عباس ابن الحسن قال: كنت عند القاسم بن عبيد الله، فقرأ قارئ: ﴿كُنْتُمْ خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ (٣) فقال ابن فراس: بنقصان ياء، فوثبت فزعا، فردني القاسم وغمزه، فسكت.\nالصولي: أخبرنا علي بن العباس النوبختي قال: انصرف ابن الرومي الشاعر من عند القاسم بن عبيد الله، فقال لي: ما رأيت مثل حجة أوردها اليوم الوزير في قدم العالم، وذكر أبياتا.\nقال الذهبي: هذه أمور مؤذنة بشقاوة هذا المعثر، نسأل الله خاتمة\n_________\n(١) السير (١٤/ ١٩).\n(٢) السير (١٤/ ١٩).\n(٣) آل عمران الآية (١١٠).","vol":"4","page":453},{"text":"خير. (١)\n\nعمرو بن عثمان الصوفي (٢) (٢٩١ هـ)\nعمرو بن عثمان بن كرب بن غصص شيخ الصوفية أبو عبد الله المكي.\nلقي أبا عبد الله النباجي وأبا سعيد الخراز. وروى الحديث عن محمد بن إسماعيل البخاري ويونس بن عبد الأعلى ومن في طبقتهما. وروى عنه محمد بن أحمد الأصبهاني وأبو الشيخ وجعفر الخلدي. قيل كان من أئمة الفقه، ولما ولي قضاء جدة هجره الجنيد، وكان ينكر عن الحلاج ويذمه.\nومن كلامه: اعلم أن العلم قائد، والخوف سائق، والنفس بين ذلك حرون جموح خداعة رواغة، فاحذرها وراعها بسياسة العلم، وتتبعها بتهديد الخوف يتم لك ما تريد. توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1912>موقفه من المشركين:</span>\nفضحه للحلاج الزنديق:\nجاء في تلبيس إبليس: عن محمد بن يحيى الرازي قال: سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت: بأي شيء وجد عليه الشيخ؟ فقال: قرأت آية من كتاب الله ﷿، فقال: يمكنني أن أقول أو أؤلف مثله وأتكلم به. (٣)\n_________\n(١) السير (١٤/ ١٩ - ٢٠).\n(٢) الحلية (١٠/ ٢٩١ - ٢٩٦) وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٢٣ - ٢٢٥) والمنتظم (٦/ ٩٣) والعقد الثمين (٦/ ١١٤) والشذرات (٢/ ٢٢٥) والسير (١٤/ ٥٧ - ٥٨).\n(٣) تلبيس إبليس (٢١٢) والسير (١٤/ ٣٣٠).","vol":"4","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1913>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال عمرو بن عثمان المكي في كتابه الذي سماه 'التعرف بأحوال العباد والمتعبدين' قال: (باب ما يجيء به الشيطان للتائبين) وذكر أنه يوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل ثم في التوحيد. فقال: من أعظم ما يوسوس في \"التوحيد\" بالتشكيل أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل وقال بعد ذكر حديث الوسوسة: واعلم رحمك الله أن كلما توهمه قلبك، أو سنح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك، من حسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق أو إجمال، أو سنح مسائل أو شخص متمثل: فالله تعالى بغير ذلك، بل هو تعالى أعظم وأجل، وأكبر ألا تسمع لقوله:﴾ ﴿ليس كمثله شيءٌ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَمْ يكن لَهُ كُفُوًا أحدٌ﴾ (٢) أي لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل، أو لم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته؟ وشامخ سلطانه؟ فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك، كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك. فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل، والنظير والكفؤ. فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب -تعالى وتقدس- في كتابه وسنة رسوله محمد - ﷺ -، فقال لك: إذا كان موصوفا بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه، لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك، ويدخلك في صفات الملحدين،\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) الإخلاص الآية (٤).","vol":"4","page":455},{"text":"الزائغين، الجاحدين لصفة الرب تعالى. واعلم -رحمك الله- أن الله تعالى واحد، لا كالآحاد، فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد -إلى أن قال- خلصت له الأسماء السنية فكانت واقعة في تقديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليا، واسما كان منه بريا، ﵎، فكان هاديا سيهدي، وخالقا سيخلق ورازقا سيرزق، وغافرا سيغفر، وفاعلا سيفعل، ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل، فهو يسمى به في جملة فعله.\nكذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١) بمعنى أنه سيجيء، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيء، ويكون المجيء منه موجودا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه، لأن ذلك فعل الربوبية، فيستحسر العقل، وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين، لا معطلا ولا مشبها، وارض لله بما رضي به لنفسه، وقف عند خبره لنفسه مسلما، مستسلما، مصدقا، بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير. إلى أن قال: فهو ﵎ القائل: أنا الله لا الشجرة، الجائي قبل أن يكون جائيا، لا أمره، المتجلي لأوليائه في المعاد، فتبيض به وجوههم، وتفلج به على الجاحدين حجتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان -﵎- الذي كلم موسى تكليما. وأراه من آياته، فسمع موسى كلام الله لأنه قربه نجيا. تقدس أن يكون كلامه مخلوقا\n_________\n(١) الفجر الآية (٢٢).","vol":"4","page":456},{"text":"أو محدثا أو مربوبا، الوارث بخلقه لخلقه، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه -وهو أمره- تعالى وتقدس أن يحل بجسم أو يمازج أو يلاصق به، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، الشائي، له المشيئة، العالم، له العلم، الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة، القريب في قربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يشبه بالناس. إلى أن قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١) القائل: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ (٢) تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء جل عن ذلك علوا كبيرا. (٣)\n\nصالح بن محمد جَزَرَة (٤) (٢٩٣ هـ)\nصالح بن محمد بن عمرو بن حبيب بن حسان بن المنذر بن أبي\n_________\n(١) فاطر الآية (١٠).\n(٢) الملك الآيتان (١٦و١٧) ..\n(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٦٢ - ٦٥).\n(٤) تاريخ بغداد (٩/ ٣٢٢) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٣ - ٣٣) والوافي بالوفيات (١٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠) وشذرات الذهب (٢/ ٢١٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٩١ - ٣٠٠/ ١٦١ - ١٦٧).","vol":"4","page":457},{"text":"الأشرس، الإمام الحافظ، أبو علي الأسدي البغدادي، الملقب بجزرة. ولد سنة خمس ومائتين ببغداد. سمع من سعيد بن سليمان وعلي بن الجعد وأحمد بن حنبل وأبي خيثمة وأبي نصر التمار ويحيى بن معين، وطبقتهم. وحدث عنه مسلم بن الحجاج خارج الصحيح، وأحمد بن سهل والهيثم بن كليب وأبو النضر محمد بن محمد الفقيه وآخرون. قال الدارقطني: كان ثقة حافظا عارفا. وقال الخطيب: وكان حافظا عارفا من أئمة الحديث، وممن يرجع إليه في علم الآثار ومعرفة نقلة الأخبار. وقال أبو سعيد الإدريسي: الحافظ صالح بن محمد جزرة ما أعلم في عصره بالعراق وخراسان في الحفظ مثله، دخل ما وراء النهر، فحدث مدة من حفظه، وما أعلم أخذ عليه مما حدث خطأ، ورأيت أبا أحمد بن عدي يضخم أمره ويعظمه. توفي ﵀ سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وله بضع وثمانون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1915>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: قال بكر بن محمد الصيرفي: سمعت صالحا يقول: كان عبد الله بن عمر بن أبان يمتحن أصحاب الحديث، وكان غاليا في التشيع، فقال لي: من حفر بئر زمزم؟ قلت: معاوية، قال: فمن نقل ترابها؟ قلت: عمرو بن العاص، فصاح في وقام. (١)\n- وفيها: قال علي بن محمد المروزي: حدثنا صالح بن محمد: سمعت عباد بن يعقوب -هو الرواجني الخبيث- يقول: الله أعدل من أن يدخل\n_________\n(١) السير (١٤/ ٢٨).","vol":"4","page":458},{"text":"طلحة والزبير الجنة. قلت: ويلك. ولم؟ قال: لأنهما قاتلا عليا بعد أن بايعاه. (١)\n\nمحمد بن نصر المروزي (٢) (٢٩٤ هـ)\nالإمام الحافظ محمد بن نصر بن الحجاج، أبو عبد الله المروزي. ولد ببغداد سنة اثنتين ومائتين، ونشأ بنيسابور، ومسكنه سمرقند. سمع من يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وعلي بن حجر ومحمد بن عبد الله بن نمير وهدبة ومحمد بن مهران، وجماعة. وحدث عنه ولده إسماعيل بن محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق السمرقندي وأبو العباس السراج وأبو عبد الله محمد بن الأخرم، وخلق كثير. قال الحاكم: هو الفقيه العابد العالم، إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة. وقال الخطيب: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم. وقال ابن حزم: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها وأذكرهم لمعانيها ولأحوال الصحابة، ولا نعلم هذه الصفة أتم منها في محمد بن نصر المروزي. فلو قال قائل: ليس لرسول الله - ﷺ - حديث ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر، لما بعد عن الصدق. وقال الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ، إمام جبل. توفي ﵀ بسمرقند في المحرم سنة أربع وتسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1917>موقفه من المبتدعة:</span>\n_________\n(١) السير (١٤/ ٢٩).\n(٢) تاريخ بغداد (٣/ ٣١٥ - ٣١٨) وطبقات الشافعية (٢/ ٢٠ - ٢٣) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٣ - ٤٠) وتهذيب التهذيب (٩/ ٤٨٩ - ٤٩٠) وشذرات الذهب (٢/ ٢١٦ - ٢١٧).","vol":"4","page":459},{"text":"- قال ﵀ معلقا على حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري أن النبي - ﷺ - قال: \"الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم\" (١): وأما النصيحة لكتاب الله: فشدة حبه، وتعظيم قدره إذ هو كلام الخالق، وشدة الرغبة في فهمه، ثم شدة العناية في تدبره، والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، ويقوم له به بعد ما يفهمه، وكذلك الناصح من القلب، يتفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه عُنِيَ بفهمه، ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه، فكذلك الناصح لكتاب الله يعني يفهمه ليقوم لله بما أمر به كما يحب ويرضى، ثم ينشر ما فهم من العباد، ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه.\nوأما النصيحة للرسول - ﷺ - في حياته: فبذل المجهود في طاعته، ونصرته، ومعاونته، وبذل المال إذا أراده، والمسارعة إلى محبته.\nوأما بعد وفاته فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه، وآدابه وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عن من يدين بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإن كان متدينا بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة، أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه، ولباسه. (٢)\n- وقال ﵀ في كتابه 'السنة' في معرض كلامه عن مسألة النسخ،\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٠٢) ومسلم (١/ ٥٥) وأبو داود (٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤/ ٤٩٤٤) والنسائي (٧/ ١٧٦/٤٢٠٨) عن تميم الداري. والحديث ذكره البخاري تعليقا (١/ ١٨٢).\n(٢) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٩٣).","vol":"4","page":460},{"text":"وذكر أقوال أهل العلم: فقالت هذه الطائفة: بين الله ﵎ أنه أمر نبيه - ﷺ - أن يعلم الناس الكتاب والحكمة، فالحكمة غير الكتاب، وهي: ما سن رسول الله - ﷺ - مما لم يذكر في الكتاب، وكل فرض لا افتراق بينهما، لأن مجيئهما واحد، وكل أمر الله نبيه بتعليمه الخلق، فأوجب عليه الأخذ بالسنة والعمل بها، كما أوجب عليهم العمل بالكتاب فكان معنى كل واحد منهما معنى الآخر، وقد أوجب الله ﷿ طاعة رسوله - ﷺ -، فجعلها مفترضة على خلقه كافتراض طاعته عليهم لا فرقان بينهما في الوجوب، فما أنكرتم أن ينسخ أحدهما بالآخر، لأنه إذا نسخ القرآن بالقرآن، فإنما نسخ ما أمر به بأمره، وكذلك إذا نسخ حكما في القرآن بالسنة، فإنما ينسخ ما أمر به في كتابه بأمره على لسان نبيه - ﷺ -.\nومن فرق بين ذلك، فقد قصر علمه فإن كان إنما يحملهم على ذلك تعظيم القرآن أن ينسخ أحكامه بالسنة، فالقرآن عظيم أعظم من كل شيء، لأنه كلام الله، وليس ينسخ الله كلامه فيبطله، جل عن ذلك، وإنما ينسخ المأمور به بكلامه بمأمور به في سنة نبيه - ﷺ -، فالمأمور بهما متساويان، لأنهما حكمان، والقرآن أعظم من السنة، ولو جاز لمن عظم القرآن، وهو أهل أن يعظم، أن ينكر أن ينسخ الله حكما فيه بحكم في سنة نبيه - ﷺ -، لجاز له أن ينكر أن يفسر القرآن بالسنة، ويوجب أنه لا يجوز أن يترجم القرآن إلا بقرآن منزل مثله، فإن جاز هذا جاز هذا، ففي إقرارهم أن النبي - ﷺ - ترجم القرآن وفسره بسنته، حجة عليهم أنهم ساووا بين القرآن والسنة في هذا المعنى، بل جعلوا السنة أعلى منه وأرفع في قياسهم، إذ كان القرآن لا يعلم بنفسه، وإنما يعلم بالسنة، لأن السنة لا تحتاج أن تفسر","vol":"4","page":461},{"text":"بالقرآن، واحتاج العباد في القرآن إلى أن فسره لهم النبي - ﷺ - بسنته، فقد أقروا بمثل ما أنكروا، لأنهم زعموا أنه لو كان القرآن تنسخه السنة لكان ليس بحجة، إذ كان غيره ينسخه، وإن الله عظم شأنه فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وجعله شفاء لما في الصدور، فأنكروا إذ عظمه الله أن تنسخه سنة نبيه - ﷺ -، ثم أقروا أن عامة أحكام الله فيه وأخباره ومدحه لا تعرف إلا بالسنة.\nقالوا: وأما قول من خالفنا: إنه لو جاز أن ينسخ القرآن بالسنة، لجاز أن ينسخ كل أحكامه، فلا يكون لله فيه حكم يلزم، فإنه يلزمه أعظم من ذلك إذا أقر أنه لم يعرف جمل فرائض الله إلا بتفسير السنة، فكان جائزا أن يجمل الله كل فرض فيه، فلا ينقص منه شيئا حتى يجعل الله النبي - ﷺ - هو المفسر لكل فرض فيه، فلا يكون لله فيه حكم يعرف إلا بالسنة، فقد أقروا بمثل ما قاسوا على من خالفهم، وزادوا معنى هو أكثر، قالوا: لأنا قلنا: إنما ينسخ الله بسنة نبيه - ﷺ - بعض أحكام القرآن، ولا تنسخ أخباره ولا مدحه، وأقروا أن كثيرا من أخبار الله ومدحه فسرها النبي - ﷺ - بسنته، فهذا أكثر في المعنى مما قلنا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1918>موقفه من المرجئة:</span>\n- حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو سلمة الحراني، قال: قال مالك وشريك وأبو بكر بن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٣).\n(٢) السنة (١٠٩ - ١١٠).","vol":"4","page":462},{"text":"ابن سلمة وحماد بن زيد: الإيمان المعرفة والإقرار والعمل، إلا أن حماد بن زيد يفرق بين الإيمان والإسلام، يجعل الإيمان خاصا والإسلام عاما.\nقال أبو عبد الله: قالوا: فلنا في هؤلاء أسوة وبهم قدوة، مع ما يثبت ذلك من النظر، وذلك أن الله جعل اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية ومدحة أوجب عليه الجنة، فقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (١) وقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٢) وقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ الآية (٣) وقال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (٤) وقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٥) وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٦).\nقال: ثم أوجب الله النار على الكبائر، فدل بذلك على أن اسم الإيمان\n_________\n(١) الأحزاب الآيتان (٤٣و٤٤).\n(٢) يونس الآية (٢).\n(٣) الحديد الآية (١٢).\n(٤) التحريم الآية (٨).\n(٥) البقرة الآية (٢٥٧).\n(٦) التوبة الآية (٧٢).","vol":"4","page":463},{"text":"زائل عن من أتى كبيرة، قالوا: ولم نجد الله أوجب الجنة باسم الإسلام، فثبت أن اسم الإسلام له ثابت على حاله، واسم الإيمان زائل عنه.\nفإن قيل لهم في قولهم هذا: ليس الإيمان ضد الكفر.\nقالوا: الكفر ضد لأصل الإيمان، لأن للإيمان أصلا وفرعا، فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر.\nفإن قيل لهم: فالذي زعمتم أن النبي - ﷺ - أزال عنه اسم الإيمان، هل فيه من الإيمان شيء؟!.\nقالوا: نعم، أصله ثابت، ولولا ذلك لكفر، ألم تسمع إلى ابن مسعود أنكر على الذي شهد أنه مؤمن، ثم قال: لكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يخبرك أنه قد آمن من جهة أنه قد صدق، وأنه لا يستحق اسم المؤمن إذ كان يعلم أنه مقصر، لأنه لا يستحق هذا الاسم عنده إلا من أدى ما وجب، وانتهى عما حرم عليه من الموجبات للنار التي هي الكبائر.\nقالوا: فلما أبان الله أن هذا الاسم يستحقه من قد استحق الجنة، وأن الله قد أوجب الجنة عليه، وعلمنا أنا قد آمنا وصدقنا، لأنه لا يخرج من التكذيب إلا بالتصديق، ولسنا بشاكين ولا مكذبين، وعلمنا أنا له عاصون مستوجبون للعذاب، وهو ضد الثواب الذي حكم الله به للمؤمنين على اسم الإيمان، علمنا أنا قد آمنا، وأمسكنا عن الاسم الذي أثبت الله عليه الحكم بالجنة، وهو من الله اسم ثناء وتزكية، وقد نهانا الله أن نزكي أنفسنا، وأمرنا بالخوف على أنفسنا، وأوجب لنا العذاب بعصياننا، فعلمنا أنا لسنا بمستحقين بأن نتسمى مؤمنين، إذ أوجب الله على اسم الإيمان الثناء والتزكية","vol":"4","page":464},{"text":"والرحمة والرأفة والمغفرة والجنة، وأوجب على الكبائر النار، وهذان حكمان يتضادان.\nفإن قيل: فكيف أمسكتم عن اسم الإيمان أن تسموا به، وأنتم تزعمون أن أصل الإيمان في قلوبكم، وهو التصديق بأن الله حق، وما قاله صدق؟!.\nقالوا: إن الله ورسوله وجماعة المسلمين سموا الأشياء بما غلب عليها من الأسماء، فسموا الزاني فاسقا، والقاذف فاسقا، وشارب الخمر فاسقا، ولم يسموا واحدا من هؤلاء متقيا، ولا ورعا، وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقى والورع، وذلك أنه يتقي أن يكفر أو يشرك بالله شيئا، وكذلك يتقي الله أن يترك الغسل من الجنابة أو الصلاة، ويتقي أن يأتي أمه، فهو في جميع ذلك متق، وقد أجمع المسلمون من المخالفين والموافقين أنهم لا يسمونه متقيا، ولا ورعا، إذا كان يأتي بالفجور، فلما أجمعوا أن أصل التقى والورع ثابت فيه، وأنه قد يزيد فيه فروعا بعد الأصل كتورعه عن إتيان المحارم، ثم لا يسمونه متقيا ولا ورعا مع إتيانه بعض الكبائر، وسموه فاسقا وفاجرا مع علمهم أنه قد أتى بعض التقى والورع، فمنعهم من ذلك أن اسم التقى اسم ثناء وتزكية، وأن الله قد أوجب عليه المغفرة والجنة.\nقالوا: فكذلك لا نسميه مؤمنا ونسميه فاسقا زانيا، وإن كان أصل في قلبه اسم الإيمان، لأن الإيمان اسم أثنى الله به على المؤمنين وزكاهم به، فأوجب عليه الجنة، فمن ثم قلنا: \"مسلم\" ولم نقل: \"مؤمن\".\nقالوا: ولو كان أحد من المسلمين الموحدين يستحق أن لا يكون في قلبه إيمان، ولا إسلام من الموحدين، لكان أحق الناس بذلك أهل النار الذين","vol":"4","page":465},{"text":"دخلوها، فلما وجدنا النبي - ﷺ - يخبر أن الله يقول: \"أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان\" ثبت أن شر المسلمين في قلبه إيمان، ولما وجدنا الأمة يحكم عليهم بالأحكام التي ألزمها الله المسلمين، ولا يكفرونهم ولا يشهدون لهم بالجنة، ثبت أنهم مسلمون، إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم أحكام المسلمين، وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين، إذ كان الإسلام ثبتا للملة التي يخرج بها المسلم من جميع الملل، فتزول عنه أسماء الملل، إلا اسم الإسلام، وتثبت أحكام الإسلام عليه، وتزول عنه أحكام جميع الملل.\nفإن قال لهم قائل: لم لم تقولوا: كافرون إن شاء الله، تريدون به كمال الكفر، كما قلتم: مؤمنين ان شاء الله، تريدون به كمال الإيمان؟!.\nقالوا: لأن الكافر منكر للحق، والمؤمن أصلي الإقرار، والإنكار لا أول له ولا آخر، فينتظر به الحقائق.\nوالإيمان أصله التصديق، والإقرار ينتظر به حقائق الأداء لما أقر، والتحقيق لما صدق، ومثل ذلك كمثل رجلين عليهما حق لرجل، فسأل أحدهما حقه، فقال: ليس لك عندي حق، فأنكر وجحد، فلم تبق له منزلة يحقق بها ما قال إذ جحد وأنكر. وسأل الآخر حقه، فقال: نعم، لك علي كذا وكذا، فليس إقراره بالذي يصل إليه بذلك حقه دون أن يوفيه وهو منتظر له أن يحقق ما قال إلا بأداءه، ويصدق إقراره بالوفاء ولو أقر، ثم لم يؤد حقه كان كمن جحده في المعنى، إذا استويا في الترك للأداء، فتحقيق ما قال: أن يؤدي إليه حقه، فإن أدى جزءا منه حقق بعض ما قال، ووفى ببعض ما أقر به، وكلما أدى جزءا ازداد تحقيقا لما أقر به، وعلى المؤمن الأداء أبدا لما","vol":"4","page":466},{"text":"أقر به حتى يموت، فمن ثم قلنا مؤمن إن شاء الله ولم يقل كافر إن شاء الله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1919>موقف السلف من زكرويه القرمطي (٢٩٤ ه</span>ـ)\nبيان فضائحه وتسلطه:\n- قال ابن كثير: ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين. في المحرم من هذه السنة اعترض زكرويه في أصحابه إلى الحجاج من أهل خراسان وهم قافلون من مكة فقتلهم عن آخرهم وأخذ أموالهم وسبى نساءهم فكان قيمة ما أخذه منهم ألفي ألف دينار، وعدة من قتل عشرين ألف إنسان، وكانت نساء القرامطة يطفن بين القتلى من الحجاج وفي أيديهن الآنية من الماء يزعمن أنهن يسقين الجريح العطشان، فمن كلمهن من الجرحى قتلنه وأجهزن عليه، لعنهن الله ولعن أزواجهن.\nذكر مقتل زكرويه لعنه الله:\nلما بلغ الخليفة خبر الحجيج وما أوقع بهم الخبيث جهز إليه جيشا كثيفا فالتقوا معه فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، قتل من القرامطة خلق كثير ولم يبق منهم إلا القليل، وذلك في أول ربيع الأول منها. وضرب رجل زكرويه بالسيف في رأسه فوصلت الضربة إلى دماغه، وأخذ أسيرا فمات بعد خمسة أيام، فشقوا بطنه وصبروه وحملوه في جماعة من رؤوس أصحابه إلى بغداد، واحتوى عسكر الخليفة على ما كان بأيدي القرامطة من الأموال والحواصل،\n_________\n(١) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥١٢ - ٥١٧).","vol":"4","page":467},{"text":"وأمر الخليفة بقتل أصحاب القرمطي، وأن يطاف برأسه في سائر بلاد خراسان، لئلا يمتنع الناس عن الحج. وأطلق من كان بأيدي القرامطة من النساء والصبيان الذين أسروهم. (١)\n\nالمكتفي بالله (٢) (٢٩٥ هـ)\nالخليفة، أبو محمد علي بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل العباسي. ولد سنة أربع وستين ومائتين، وكان يضرب المثل بحسنه في زمانه، وكان رجلا ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير، معتدل الجسم، حسن الخلق، جميل الوجه، أسود الشعر، وافر اللحية عريضها. بويع بالخلافة عند موت والده سنة تسع وثمانين، فاستخلف ستة أعوام ونصفا. قال الصولي: سمعت المكتفي يقول في علته: والله ما آسى إلا على سبعمائة ألف دينار صرفتها من مال المسلمين في أبنية ما احتجت إليها، وكنت مستغنيا عنها، أخاف أن أسأل عنها، وإني أستغفر الله منها. مات المكتفي شابا في ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1921>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن كثير: فيها -أي سنة إحدى وتسعين ومائتين-: جرت وقعة عظيمة بين القرامطة وجند الخليفة فهزموا القرامطة وأسروا رئيسهم الحسين\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ١٠٧ - ١٠٨) والسير (١٣/ ٤٨٤).\n(٢) تاريخ بغداد (١١/ ٣١٦ - ٣١٨) والمنتظم (١٣/ ٧٧) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٧٩ - ٤٨٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٢٩١ - ٣٠٠/ص.٢٠٤ - ٢٠٥) وتاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٧٦).","vol":"4","page":468},{"text":"ابن زكرويه، ذا الشامة، فلما أسر حمل إلى الخليفة في جماعة كثيرة من أصحابه من رؤوسهم، وأدخل بغداد على فيل مشهور، وأمر الخليفة بعمل دفة مرتفعة فأجلس عليها وجيء بأصحابه فجعل يضرب أعناقهم بين يديه وهو ينظر، وقد جعل في فمه خشبة معرتضة مشدودة إلى قفاه، ثم أنزل فضرب مائتي سوط ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوي، ثم أحرق وحمل رأسه على خشبة وطيف به في أرجاء بغداد، وذلك في ربيع الأول منها. (١)\n- جاء في السير: وسار يحيى بن زكرويه القرمطي، وحاصر دمشق، وبها طغج، فضعف عن القرامطة، فقتل يحيى في الحصار، وقام بعده أخوه الحسين، وسار المكتفي بجيوشه إلى الموصل، وتقدمه إلى حلب أبو الأغر، فبيتهم القرمطي، فقتل من المسلمين تسعة آلاف، ووصل المكتفي إلى الرقة، وعظم البلاء بالقرامطة، ثم أوقع بهم العسكر، وهربوا إلى البادية يعيثون وينهبون، وتبعهم الحسين بن حمدان وعدة أمراء يطردونهم، وكان يحيى المقتول يدعي أنه حسيني. رماه بربري بحربة، ثم قتل أخوه الحسين صاحب الشامة. (٢)\n- وقال ابن كثير في حوادث سنة ثلاث وتسعين ومائتين فيها التف على أخي الحسين القرمطي المعروف بذي الشامة الذي قتل في التي قبلها خلائق من القرامطة بطريق الفرات، فعاث بهم في الأرض فسادا، ثم قصد طبرية فامتنعوا منه فدخلها قهرا فقتل بها خلقا كثيرا من الرجال، وأخذ شيئا\n_________\n(١) البداية (١١/ ١٠٤).\n(٢) السير (١٣/ ٤٨١ - ٤٨٢).","vol":"4","page":469},{"text":"كثيرا من الأموال، ثم كر راجعا إلى البادية، ودخلت فرقة أخرى منهم إلى هيت فقتلوا أهلها إلا القليل، وأخذوا منها أموالا جزيلة حملوها على ثلاثة آلاف بعير، فبعث إليهم المكتفي جيشا فقاتلوهم وأخذوا رئيسهم فضربت عنقه. ونبغ رجل من القرامطة يقال له الداعية باليمن، فحاصر صنعاء فدخلها قهرا وقتل خلقا من أهلها، ثم سار إلى بقية مدن اليمن فأكثر الفساد وقتل خلقا من العباد، ثم قاتله أهل صنعاء فظفروا به وهزموه، فأغار على بعض مدنها، وبعث الخليفة إليها مظفر بن حجاج نائبا، فسار إليها فلم يزل بها حتى مات. وفي يوم عيد الأضحى دخلت طائفة من القرامطة إلى الكوفة فنادوا: يا ثارات الحسين -يعنون المصلوب في التي قبلها ببغداد- وشعارهم: يا أحمد يا محمد -يعنون الذين قتلوا معه- فبادر الناس الدخول من المصلى إلى الكوفة فدخلوا خلفهم فرمتهم العامة بالحجارة فقتلوا منهم نحو العشرين رجلا، ورجع الباقون خاسئين. (١)\n\nالحَكَم الخُزَاعِي (٢) (٢٩٥ هـ)\nالحكم بن معبد بن أحمد الخزاعي، الحنفي، أبو عبد الله، فقيه محدث، من أهل أصبهان، صنف كتاب السنة. روى عن محمد بن حميد الرازي، ومحمد ابن المثنى، ونصر بن علي الجهضمي ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني.\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(٢) تاريخ أصبهان (١/ ٣٠١ - ٣٥١) والجواهر المضية في طبقات الحنفية (٢/ ١٤٣) وشذرات الذهب (٢/ ٢١٨) ومعجم المؤلفين (٤/ ٧١).","vol":"4","page":470},{"text":"وروى عنه أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بأبي الشيخ، وأبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الحافظ. تفقه على مذهب الكوفيين، صاحب أدب وغريب، ثقة. توفي سنة خمس وتسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1923>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له من الآثار السلفية كتاب السنة ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض وغيره من كتبه. (١)\nوهذا الإمام من أهل أصبهان، وأهل أصبهان كانت لهم مواقف مشرفة من المبتدعة.\n\nمحمد بن أحمد الترمذي (٢) (٢٩٥ هـ)\nهو الإمام العلامة شيخ الشافعية بالعراق في وقته، أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي. ولد سنة إحدى ومائتين. سكن بغداد وحدث بها عن يحيى بن بكير المصري وغيره، وكان من أهل العلم والزهد، وسمع أيضا يوسف بن عدي وإبراهيم ابن المنذر وعبيد الله القواريري. وحدث عنه أحمد ابن كامل، وأبو القاسم الطبراني، وأبو بكر بن خلاد وغيرهم. قال الدارقطني: ثقة مأمون ناسك. وكان قد اختلط في آخر عمره اختلاطا عظيما\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٢٣) وسماه \"الرد على الجهمية\"، وشذرات الذهب (٢/ ٢١٨) والجواهر المضية (٢/ ٥٣٣) وكشف الظنون (٢/ ١٤٢٦) ومعجم المؤلفين (٤/ ٧١).\n(٢) طبقات الشافعية (١/ ٢٨٨) وتاريخ بغداد (١/ ٣٦٥ - ٣٦٦) والمنتظم (١٣/ ٧٧ - ٧٨) ووفيات الأعيان (٢/ ١٩٥ - ١٩٦) والوافي بالوفيات (٢/ ٧٠) واللسان (٥/ ٤٦) وشذرات الذهب (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١) والسير (١٣/ ٥٤٥ - ٥٤٧).","vol":"4","page":471},{"text":"ولم يكن للشافعية فقيه بالعراق أرأس منه، ولا أشد ورعا، وكان من التقلل على حالة عظيمة يعني في المطعم، فقرا وورعا وصبرا على الفقر، وكان لا يسأل أحدا شيئا. توفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1925>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في طبقات الشافعية: له في المقالات كتاب سماه: 'كتاب اختلاف أهل الصلاة في الأصول' وقف عليه ابن الصلاح وانتقى منه فقال: ومن خطه نقلت أن أبا جعفر قال: ما تعرض في هذا الكتاب لما يختار هو وأنه روى في أوله حديث: تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة (١)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأنه بالغ في الرد على من فضل الغنى على الفقر، وأنه نقل أن فرقة من الشيعة قالوا: أبو بكر وعمر أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ -، غير أن عليا أحب إلينا. قال أبو جعفر: فلحقوا بأهل البدع، حيث ابتدعوا خلاف من مضى. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1926>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال والد أبي حفص بن شاهين: حضرت أبا جعفر، فسئل عن\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٣٢٢) وأبو داود (٥/ ٤/٤٥٩٦) والترمذي (٥/ ٢٥/٢٦٤٠) وقال: \"حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (٢/ ١٣٢١/٣٩٩١) وابن حبان (١٤/ ١٤٠/٦٢٤٧) و(١٥/ ١٢٥/٦٧٣١) والحاكم (١/ ١٢٨) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني في الصحيحة (١/ ٤٠٣): \"فيه نظر، فإن محمد بن عمرو فيه كلام، ولذلك لم يحتج به مسلم وإنما روى له متابعة، وهو حسن الحديث\".\n(٢) طبقات الشافعية (١/ ٢٨٨).","vol":"4","page":472},{"text":"حديث النزول (١)، فقال: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. (٢)\n\nعبد الله بن المعتز (٣) (٢٩٦ هـ)\nالأمير الهاشمي العباسي عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي، أبو العباس البغدادي الأديب الشاعر. ولد سنة تسع وأربعين ومائتين، وتأدب بالمبرد وثعلب وغيرهما، وروى عنه مؤدبه ومحمد بن يحيى الصولي. قال ابن خلكان: كان أديبا بليغا شاعرا مطبوعا مقتدرا على الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ جيد القريحة، حسن الإبداع للمعاني، مخالطا للعلماء والأدباء معدودا من جملتهم. وقال صلاح الدين الصفدي: وكان سني العقيدة منحرفا عن العلويين.\nوفي سنة ست وتسعين خلع المقتدر بالله وبويع لعبد الله بن المعتز، فقال: على شرط أن لا يقتل بسببي رجل مسلم، وكان حول المقتدر خواصه، فلبسوا السلاح، فتفرق عن ابن المعتز جمعه، وخاف، فاختفى، ثم قبض عليه، وقتل سرا في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، ودفن في خرابة بإزاء داره ﵀. ومن شعره:\nيا نفس صبرا لعل الخير عقباك مرت بنا سحرا طير، فقلت لها لكن هو الدهر فألقيه على حذر ... خانتك من بعد طول الأمن دنياك\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٢) السير (١٣/ ٥٤٧).\n(٣) تاريخ بغداد (١٠/ ٩٥ - ١٠١) والمنتظم (١٣/ ٨٤ - ٩٠) ووفيات الأعيان (٣/ ٧٦ - ٨٠) والسير (١٤/ ٤٢ - ٤٤) والبداية والنهاية (١١/ ١١٥ - ١١٧) والوافي بالوفيات (١٧/ ٤٤٧ - ٤٦٧).","vol":"4","page":473},{"text":"طوباك يا ليتني إياك، طوباك\nفرب مثلك تنزو بين أشراك\nومن كلامه: \"العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم\". \"النصح بين الملإ تقريع\". \"لا تستبطئ الإجابة للدعاء وقد سددت طريقه بالذنوب\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1928>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال عبد الله بن المعتز: لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد. (١)\n\nمحمد بن داود (٢) (٢٩٧ هـ)\nمحمد بن داود بن علي الظاهري أبو بكر الفقيه البغدادي. حدث عن أبيه وعباس الدوري وأبي قلابة الرقاشي وأحمد بن أبي خيثمة وطبقتهم. وحدث عنه نفطويه والقاضي أبو عمر محمد بن يوسف وجماعة. كان عالما بارعا أديبا شاعرا فقيها ماهرا وله بصر تام بالحديث، وبأقوال الصحابة كان يجتهد ولا يقلد أحدا. توفي في شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1930>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في تلبيس إبليس: عن أبي القاسم يوسف بن يعقوب النعماني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن داود الفقيه الأصبهاني يقول: إن\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨٩).\n(٢) تاريخ بغداد (٥/ ٢٥٦ - ٢٦٣) والسير (١٣/ ١٠٩ - ١١٦) والوافي بالوفيات (٣/ ٥٨ - ٦١) والبداية والنهاية (١١/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"4","page":474},{"text":"كان ما أنزل الله عزوجل على نبيه - ﷺ - حقا، فما يقوله الحلاج باطل وكان شديدا عليه. (١)\n\nمحمد بن أبي شَيْبَة (٢) (٢٩٧ هـ)\nمحمد بن عثمان بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، أبو جعفر مولى بني عبس من أهل الكوفة. سكن بغداد، وحدث بها عن أبيه وعميه أبي بكر والقاسم، وعن أحمد بن يونس اليربوعي، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ونحوهم. وكان كثير الحديث واسع الرواية ذا معرفة وفهم، وجمع وصنف وله تاريخ كبير، ولم يرزق حظا، بل نالوا منه. روى عنه محمد بن محمد الباغندي، ويحيى بن محمد بن صاعد، وابن السماك، وأبو القاسم الطبراني، والإسماعيلي، وغيرهم. قال أبو الحسين بن المنادي: كنا نسمع الشيوخ يقولون: مات حديث الكوفة لموت محمد بن أبي شيبة ومطين وموسى بن إسحاق وعبيد بن غنام. وقال الذهبي: اتفق موت الأربعة في عام. مات ابن أبي شيبة في جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائتين وقد قارب التسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1932>موقفه من الجهمية:</span>\nوهو غير أبي بكر صاحب المصنف وله كتاب 'العرش' وهو من خيرة الكتب التي في هذا الباب، وقد أخذ منه شيخ الإسلام الشيء الكثير، وشن\n_________\n(١) التلبيس (ص ٢١٣).\n(٢) البداية والنهاية (١١/ ١١٨ - ١١٩) والسير (١٤/ ٢١ - ٢٣) وتاريخ بغداد (٣/ ٤٢ - ٤٧) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٦١ - ٦٦٢) وميزان الاعتدال (٣/ ٦٤٢ - ٦٤٣) واللسان (٥/ ٢٨٠ - ٢٨١) وشذرات الذهب (٢/ ٢٢٦) والمنتظم (١٣/ ١٠٢).","vol":"4","page":475},{"text":"عليه حملة شعواء حامل راية الجهمية الشيخ النجدي الشعوبي الجركسي المسمى \"زاهد الكوثري\" وهو زاهد في السنة والسلف الصالح، في كثير من مقالاته وتعاليقه.\nوقد حقق الكتاب رسالة علمية في الجامعة الإسلامية.\n- قال في كتاب العرش: ذكروا أن الجهمية يقولون ليس بين الله ﷿ وبين خلقه حجاب وأنكروا العرش وأن يكون الله هو فوقه، وفوق السموات، وقالوا: إن الله في كل مكان، وإنه لا يتخلص من خلقه، ولا يتخلص الخلق منه إلا أن يفنيهم أجمع، فلا يبقى من خلقه شيء، وهو مع الآخر، والآخر من خلقه ممتزج به، فإذا أفنى خلقه تخلص منهم وتخلصوا منه ﵎ عما يقولون علوا كبيرا.\nومن قال بهذه المقالة فإلى التعطيل يرجع قولهم.\nوقد علم العالمون أن الله قبل أن يخلق خلقه قد كان متخلصا من خلقه بائنا منهم، فكيف دخل فيهم؟ ﵎ أن يوصف بهذه الصفة. بل هو فوق العرش كما قال، محيط بالعرش، متخلص من خلقه، بائن منه. علمه في خلقه لا يخرجون من علمه، وقد أخبرنا ﷿ أن العرش كان قبل خلق السموات والأرض على الماء، وأخبرنا ﷿ أنه صار من الأرض إلى السماء ومن السماء إلى العرش فاستوى على العرش، قال ﷿: ﴿وكان عَرْشُهُ على الْمَاءِ﴾ (١)، وقال: ﴿قُلْ أئنكم لَتَكْفُرُونَ\n_________\n(١) هود الآية (٧).","vol":"4","page":476},{"text":"بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١).\nثم قال جل وعز: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (٣). ففسرت العلماء قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يعني: علمه.\nوقال ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٤)، فالله تعالى استوى على العرش يرى كل شيء في السموات والأرضين، ويعلم ويسمع كل ذلك بعينه وهو فوق العرش، لا الحجب التي احتجب بها عن خلقه\n_________\n(١) فصلت الآيات (٩ - ١١).\n(٢) المجادلة الآية (٧).\n(٣) الحديد الآية (٤).\n(٤) طه الآية (٥).","vol":"4","page":477},{"text":"تحجبه من أن يرى ويسمع ما في الأرض السفلى، ولكنه خلق الحجب وخلق العرش كما خلق الخلق لما شاء كيف شاء ما يحمله إلا عظمته فقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١)، وقال جل وعز: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢)، وقال ﷿: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٤).\nوأجمع الخلق جميعا أنهم إذا دعوا الله جميعا رفعوا أيديهم إلى السماء، فلو كان الله ﷿ في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو معهم على الأرض.\nثم توافرت الأخبار على أن الله تعالى خلق العرش فاستوى عليه بذاته ثم خلق الأرض والسماوات، فصار من الأرض إلى السماء، ومن السماء إلى العرش.\nفهو فوق السماوات وفوق العرش بذاته متخلصا من خلقه بائنا منهم،\n_________\n(١) السجدة الآية (٥).\n(٢) فاطر الآية (١٠).\n(٣) آل عمران الآية (٥٥).\n(٤) النساء الآيتان (١٥٧و١٥٨).","vol":"4","page":478},{"text":"علمه في خلقه لا يخرجون من علمه. (١)\n\nمحمد بن يحيى المروزي (٢) (٢٩٨ هـ)\nمحمد بن يحيى بن سليمان المروزي ثم البغدادي أبو بكر الشيخ المحدث. سمع عاصم بن علي وأبا عبيد القاسم بن سلام وعلي بن الجعد وغيرهم. وروى عنه النجاد وأبو بكر الشافعي والطبراني وآخرون. قال عنه ابن الجزري: مقرئ محدث مشهور روى القراءة عرضا عن محمد بن سعدان وغيره. وقال الدارقطني: صدوق. مات في شوال سنة ثمان وتسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1934>موقفه من الجهمية:</span>\nقال الذهبي في السير في ترجمة مصعب بن عبد الله بن مصعب: وثقه الدارقطني. ومنهم من تكلم فيه لأجل وقفه في مسألة القرآن. قال أبو بكر المروزي: كان من الواقفة، فقلت له: قد كان وكيع وأبو بكر بن عياش، يقولان: القرآن غير مخلوق، قال: أخطأ وكيع وأبو بكر. قلت: فعندنا عن مالك أنه قال: غير مخلوق، قال: أنا لم أسمعه، قلت: يحكيه إسماعيل بن أبي أويس. قال الحسين بن قهم: كان مصعب إذا سئل عن القرآن، يقف ويعيب من لا يقف. (٣)\n_________\n(١) كتاب العرش (٢٧٦ - ٢٩٢).\n(٢) السير (١٤/ ٤٨ - ٤٩) وتاريخ بغداد (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣) وتهذيب الكمال (٢٦/ ٦١٢ - ٦١٤) وتهذيب التهذيب (٩/ ٥١٠) وغاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧) وشذرات الذهب (٢/ ٢٣١).\n(٣) السير (١١/ ٣٠).","vol":"4","page":479},{"text":"أبو عثمان الحيري الصوفي (١) (٢٩٨ هـ)\nالشيخ المحدث أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد النيسابوري الحيري الصوفي. ولد سنة ثلاثين ومائتين بالري فسمع بها من محمد بن مقاتل الرازي وموسى بن نصر وبالعراق من حميد بن الربيع ومحمد بن إسماعيل الأحمسي وعدة. سمع من أبي جعفر بن حمدان صحيحه المخرج على مسلم بلفظه وكان إذا بلغ سنة لم يستعملها وقف عندها حتى يستعملها. حدث عنه أبو عمرو أحمد بن نصر وأبو عمرو بن مطر وإسماعيل بن نجيد وعدة.\nقال أبو الحسين أحمد بن أبي عثمان توفي أبي لعشر بقين من ربيع الاخر سنة ثمان وتسعين ومائتين وصلى عليه الأمير أبو صالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1936>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال أبو عمرو بن حمدان: سمعته يقول: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه، نطق بالبدعة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تطيعوه تهتدوا﴾ (٢). اهـ (٣)\nقال الذهبي عقبه: وقال تعالى: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهوى فيضلك عن\n_________\n(١) السير (١٤/ ٦٢ - ٦٦) ووفيات الأعيان (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠) والحلية (١٠/ ٢٤٤ - ٢٤٦) والأنساب (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩) وتاريخ بغداد (٩/ ٩٩ - ١٠٢).\n(٢) النور الآية (٥٤).\n(٣) السير (١٤/ ٦٣ - ٦٤) ومجموع الفتاوى (١١/ ٢١٠).","vol":"4","page":480},{"text":"سبيل اللَّهِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1937>موقف السلف من ابن الراوندي الزنديق الكبير (٢٩٨ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\n-جاء في البداية والنهاية: أحد مشاهير الزنادقة، كان أبوه يهوديا فأظهر الإسلام، ويقال إنه حرف التوراة كما عادى ابنه القرآن بالقرآن، وألحد فيه، وصنف كتابا في الرد على القرآن سماه 'الدامغ'. وكتابا في الرد على الشريعة والاعتراض عليها سماه 'الزمردة'، وكتابا يقال له 'التاج' في معنى ذلك وله كتاب 'الفريد' وكتاب 'إمامة المفضول الفاضل' وقد انتصب للرد على كتبه هذه جماعة منهم: الشيخ أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، شيخ المعتزلة في زمانه وقد أجاد في ذلك وكذلك ولده أبو هاشم عبد السلام ابن أبي علي، قال الشيخ أبو علي: قرأت كتاب هذا الملحد الجاهل السفيه ابن الراوندي، فلم أجد فيه إلا السفه والكذب والافتراء قال: وقد وضع كتابا في قدم العالم ونفي الصانع وتصحيح مذهب الدهرية والرد على أهل التوحيد، ووضع كتابا في الرد على محمد رسول الله - ﷺ - في سبعة عشر موضعا، ونسبه إلى الكذب يعني النبي - ﷺ - وطعن على القرآن ووضع كتابا لليهود والنصارى وفضل دينهم على المسلمين والإسلام، يحتج لهم فيها على إبطال نبوة محمد - ﷺ -، إلى غير ذلك من الكتب التي تبين خروجه عن\n_________\n(١) ص الآية (٢٦).","vol":"4","page":481},{"text":"الإسلام. نقل ذلك ابن الجوزي عنه.\nوقد أورد ابن الجوزي في منتظمه طرفا من كلامه وزندقته، وطعنه على الآيات والشريعة، ورد عليه في ذلك وهو أقل وأخس وأذل من أن يلتفت إليه وإلى جهله وكلامه وهذيانه وسفهه وتمويهه. وقد أسند إليه حكايات من المسخرة والاستهتار والكفر والكبائر، منها ما هو صحيح عنه ومنها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثله، وعلى طريقه ومسلكه في الكفر والتستر في المسخرة يخرجونها في قوالب مسخرة وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة، وهذا كثير موجود فيمن يدعي الإسلام وهو منافق، يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١).\nوقد كان أبو عيسى الوراق مصاحبا لابن الراوندي قبحهما الله، فلما علم الناس بأمرهما طلب السلطان أبا عيسى فأودع السجن حتى مات، وأما ابن الراوندي فهرب، فلجأ إلى ابن لاوي اليهودي، وصنف له في مدة مقامه عنده كتابه الذي سماه 'الدامغ للقرآن' فلم يلبث بعده إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه الله. ويقال إنه أخذ وصلب. قال أبو الوفاء بن عقيل: ورأيت في كتاب محقق أنه عاش ستا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في\n_________\n(١) التوبة الآيتان (٦٥و٦٦).","vol":"4","page":482},{"text":"المخازي في هذا العمر القصير لعنه الله وقبحه، ولا رحم عظامه. (١)\nجاء في السير في ترجمته: الملحد، عدو الدين، أبو الحسين أحمد بن يحيى ابن إسحاق الريوندي، صاحب التصانيف في الحط على الملة، وكان يلازم الرافضة والملاحدة، فإذا عوتب قال: إنما أريد أن أعرف أقوالهم. ثم إنه كاشف وناظر، وأبرز الشبه والشكوك. (٢)\nقال ابن الجوزي: وقد كنت أسمع عنه بالعظائم حتى رأيت ما لم يخطر مثله على قلب أن يقوله عاقل، ووقعت على كتبه فمنها: كتاب 'نعت الحكمة'، وكتاب 'قضيب الذهب'، وكتاب 'الزمرد' وكتاب 'التاج'، وكتاب 'الدامغ'، وكتاب 'الفريد'، وكتاب 'إمامة المفضول'.\nوقد نقض عليه هذه الكتب جماعة فأما كتاب نعت الحكمة، وكتاب قضيب الذهب، وكتاب التاج، وكتاب الزمرد والدامغ فنقضها عليه أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، وقد نقض عليه أيضا كتاب الزمرد أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط، ونقض عليه أيضا كتاب إمامة المفضول. (٣)\n- قال ابن عقيل: عجبي كيف لم يقتل وقد صنف الدامغ يدمغ به القرآن، والزمردة يزري فيه على النبوات. (٤)\n- قال ابن الجوزي: وقد نظرت في كتاب الزمرد فرأيت فيه من\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ١٢٠ - ١٢١).\n(٢) السير (١٤/ ٥٩).\n(٣) المنتظم (١٣/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(٤) السير (١٤/ ٦٠).","vol":"4","page":483},{"text":"الهذيان البارد الذي لا يتعلق بشبهه، حتى أنه لعنه الله قال فيه: نجد في كلام أكثم بن صيفي أحسن من ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَرَ﴾ (١) في نظائر لهذا. وفيه أن الأنبياء وقعوا بطلسمات. (٢)\n- قال أبو العباس ابن القاص الفقيه: كان ابن الراوندي لا يستقر على مذهب ولا نحلة، حتى صنف لليهود كتاب النصرة على المسلمين لدراهم أعطيها من يهود. فلما أخذ المال، رام نقضها، فأعطوه مئتي درهم حتى سكت. (٣)\nقال البلخي: لم يكن في نظراء ابن الراوندي مثله في المعقول، وكان أول أمره حسن السيرة، كثير الحياء، ثم انسلخ من ذلك لأسباب، وكان علمه فوق عقله. (٤)\nقال ابن الجوزي: وقد ذكر في كتاب 'الدامغ' من الكفر أشياء تقشعر منها الجلود، غير أني آثرت أن أذكر منها طرفا ليعرف مكان هذا الملحد من الكفر، ويستعاذ بالله سبحانه من الخذلان فمن ذلك أنه قال عن الخالق تعالى عن ذلك: من ليس عنده من الدواء إلا القتل فعل العدو الحنق الغضوب، فما حاجته إلى كتاب ورسول؟ وهذا قول جاهل بالله سبحانه لأنه لا يوصف بالحنق ولا بالحاجة وما عاقب حتى أنذر. وقال لعنه الله ووجدناه يزعم أنه\n_________\n(١) الكوثر الآية (١).\n(٢) المنتظم (١٣/ ١١٠).\n(٣) السير (١٤/ ٦١).\n(٤) السير (١٤/ ٦١).","vol":"4","page":484},{"text":"يعلم الغيب، فيقول: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ ورقةٍ إِلًّا يعلمها﴾ (١) ثم يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عليها إِلًّا لِنَعْلَمَ﴾ (٢). وهذا جهل منه بالتفسير ولغة العرب، وإنما المعنى ليظهر ما علمناه، ومثله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ (٣) أي نعلم ذلك واقعا. وقال بعض العلماء: حتى يعلم أنبياؤنا والمؤمنون به. وقال في قوله: ﴿إِنَّ كيد الشيطان كَانَ ضعيفًا﴾ (٤) أي أضعف له، وقد أخرج آدم وأزل خلقا. وهذا تغفل منه، لأن كيد إبليس تسويل بلا حجة والحجج ترده، ولهذا كان ضعيفا، فلما مالت الطباع إليه آثر وفعل. وقال: من لم يقم بحساب ستة تكلم بها في الجملة فلما صار إلى التفاريق وجدناه قد غلط فيها باثنين وهو قوله: ﴿خَلَقَ الأرض في يومين﴾ (٥) ثم قال: ﴿وقدر فيها أَقْوَاتَهَا في أربعة أيامٍ﴾ (٦) ثم قال: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ (٧)، فعدها هذا المغفل ثمانية ولو نظر في أقوال العلماء لعلم أن المعنى في تتمة أربعة أيام. وقال: في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ ولا تعرى﴾ (٨) وقد جاع\n_________\n(١) الأنعام الآية (٥٩).\n(٢) البقرة الآية (١٤٣).\n(٣) محمد الآية (٣١).\n(٤) النساء الآية (٧٦).\n(٥) فصلت الآية (٩).\n(٦) فصلت الآية (١٠).\n(٧) فصلت الآية (١٢).\n(٨) طه الآية (١١٨) ..","vol":"4","page":485},{"text":"وعري وهذا المغفل الملعون ما فهم أن الأمر مشروط بالوفاء بما عوهد عليه من قوله: ﴿ولا تَقْرَبَا هذه الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) وقال في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يفقهوه﴾ (٢) ثم قال: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾ (٣) فأعظم الخطوب ذكره الرحمة مضموما إلى إهلاكهم. وهذا الأبله الملعون ما علم أنه لما وصف نفسه بالمعاقبة للمذنبين فانزعجت القلوب ضم إلى ذلك ذكر الرحمة بالحلم عن العصاة والإمهال والمسامحة في أكثر الكسب ... قال الملعون: ومن الكذب قوله: ﴿ولقد خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صورناكم ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسجدوا لأدم﴾ (٤) وهذا كان قبل تصوير آدم. وهذا الأحمق الملعون لو طالع أقوال العلماء وفهم سعة اللغة علم أن المعنى خلقنا آدم وصورناه كقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾ (٥). وقال: من فاحش ظلمه قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها﴾ (٦) فعذب جلودا لم تعصه. وهذا الأحمق الملعون لا يفهم أن الجلد آلة للتعذيب، فهو كالحطب يحرق لانضاج غيره، ولا يقال أنه معذب، وقد قال العلماء:\n_________\n(١) البقرة الآية (٣٥).\n(٢) الإسراء الآية (٤٦).\n(٣) الكهف الآية (٥٨).\n(٤) الأعراف الآية (١١).\n(٥) الحاقة الآية (١١).\n(٦) النساء الآية (٥٦).","vol":"4","page":486},{"text":"إن الجلود الثانية هي الأولى أعيدت كما يعاد الميت بعد البلى. قال: وقوله: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أشياء إِنْ تبد لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) وإنما يكره السؤال رديء السلعة لئلا تقع عليه عين التاجر فيفتضح.\nفانظروا إلى عامية هذا الأحمق الملعون وجهله، أتراه قال: لا تسألوا عن الدليل على صحة قولي؟ إنما كانوا يسألون فيقول قائلهم: من أبي؟ فقال: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أشياء﴾ يعني من هذا الجنس، فربما قيل للرجل أبوك فلان وهو غير أبيه الذي يعرف فيفتضح. قال: ولما وصف الجنة، قال: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ (٢) وهو الحليب، ولا يكاد يشتهيه إلا الجياع، وذكر العسل ولا يطلب صرفا، والزنجبيل وليس من لذيذ الأشربة، والسندس يفرش ولا يلبس، وكذلك الاستبرق الغليظ، قال: ومن تخايل أنه في الجنة يلبس هذا الغليظ ويشرب الحليب والزنجبيل صار كعروس الأكراد والنبط. فانظروا إلى لعب هذا الملعون المستهزئ وجهله ومعلوم أن الخطاب إنما هو للعرب وهم يؤثرون ما وصف، كما قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (٣)، ثم إنما وصف أصول الأشياء المتلذذ بها، فالقدرة قد تكون من اللبن أشياء كالمطبوخات وغيرها ومن العسل أشياء يتحلى بها، ثم قال ﷿: ﴿وفيها\n_________\n(١) المائدة الآية (١٠١).\n(٢) محمد الآية (١٥).\n(٣) الواقعة الآيتان (٢٨و٢٩).","vol":"4","page":487},{"text":"ما تشتهيه الأنفس وتلذ الْأَعْيُنُ﴾ (١) وقال: \"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\" (٢) فوصف ما يعرف ويشتهى وضمن ما لا يعرف؛ وقال: إنما أهلك ثمودا لأجل ناقة، وما قدر ناقة؟ وهذا جهل منه الملعون. فإنه إنما أهلكهم لعنادهم وكفرهم في مقابلة المعجزة، لا لإهلاك ناقة. قال: وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٣) ثم قال: ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (٤). ولو فهم أن الإسراف الأول في الخطايا دون الشرك، والثاني في الشرك، وما يتعلق بكل آية يكشف معناها. قال: ووجدناه يفتخر بالفتنة التي ألقاها بينهم كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ (٥) ﴿ولقد فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٦)، ثم أوجب للذين فتنوا المؤمنين عذاب الأبد. وهذا الجاهل الملعون لا يدري أن الفتنة كلمة يختلف معناها في القرآن، فالفتنة معناها: الابتلاء، كالآية الأولى، والفتنة الإحراق كقوله: ﴿فَتَنُوا\n_________\n(١) الزخرف الآية (٧١).\n(٢) أحمد (٢/ ٣١٣) والبخاري (٨/ ٦٦١/٤٧٧٩) ومسلم (٤/ ٢١٧٤/٢٨٢٤) والترمذي (٥/ ٣٢٣/٣١٩٧) وابن ماجه (٢/ ١٤٤٧/٤٣٢٨) من حديث أبي هريرة.\n(٣) الزمر الآية (٥٣) ..\n(٤) غافر الآية (٢٨).\n(٥) الأنعام الآية (٥٣).\n(٦) العنكبوت الآية (٣).","vol":"4","page":488},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال: وقوله: ﴿وَلَهُ أسلم مَنْ في السَّمَاوَاتِ والأرض﴾ (٢) خبر محال، لأنه ليس كل الناس مسلمين، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلًّا يسبح بحمده﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يسجد ما في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأرض﴾ (٤) ولو أن هذا الزنديق الملعون طالع التفسير وكلام العرب لما قال هذا، إنما يتكلم بعاميته وحمقه، وإنما المعنى وله أسلم استسلم والكل منقاد لما قضى به وكل ذليل لأمره، وهو معنى السجود؛ ثم قد تطلق العرب لفظ الكل وتريد البعض كقوله: ﴿تدمر كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٥)\nوقد ذكر الملعون أشياء من هذا الجنس مزجها بسوء الأدب، والانبساط القبيح، والذكر للخالق ﷾ بما لا يصلح أن يذكر به أحد العوام، وما سمعنا أن أحدا عاب الخالق وانبسط كانبساط هذا اللعين قبله ويلومه، لو جحد الخالق كان أصلح له من أن يثبت وجوده، ثم يخاصمه ويعيبه وليس له في شيء مما قاله شبهة، فضلا عن حجة فتذكر ويجاب عنها، وإنما هو خذلان فضحه الله تعالى به في الدنيا، والله تعالى يقابله يوم القيامة مقابلة تزيد على مقابلة إبليس، وإن خالف، لكنه\n_________\n(١) البروج الآية (١٠).\n(٢) آل عمران الآية (٨٣).\n(٣) الإسراء الآية (٤٤).\n(٤) النحل الآية (٤٩).\n(٥) الأحقاف الآية (٢٥) ..","vol":"4","page":489},{"text":"احترم في الخطاب كقوله: ﴿فبعزتك﴾ (١) ولم يواجه بسوء أدب كما واجه هذا اللعين، جمع الله بينهما، وزاد هذا من العذاب. وقد حكينا عن الجبائي أن ابن الريوندي مرض ومات، ورأيت بخط ابن عقيل أنه صلبه بعض السلاطين والله أعلم. (٢)\nفائدة:\nقال الحافظ ابن كثير: وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وقلس عليه ولم يجرحه بشيء، ولا كأن الكلب أكل له عجينا، على عادته في العلماء والشعراء، فالشعراء يطيل تراجمهم، والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم. (٣)\n\" التعليق:\nوهذا الذي يبكي عليه الإمام ابن كثير وابن الجوزي وابن عقيل، وما فعله هذا السلطان الذي لم نحظ باسمه، وكان التقصير مني في التنقيب عليه، ولعل الله يوفق لذلك في فسحة من العمر. نحن الآن نعايشه وأصبح أهله أكثر من الذباب والحشرات المؤذية، وأكثرها من نوع الأفاعي الصحراوية المسمومة سما خاصا بطيئا فيها. ومعاملة أكثر أهل هذا الزمان -الذين يدعون أنهم حماة الإسلام- لهؤلاء الزنادقة من أحسن ما يكون، المساعدة المادية واللقاءات الشخصية المصحوبة بالابتسامة وتهليل سرائر الوجه، كأنه مذهبة\n_________\n(١) ص الآية (٨٢).\n(٢) المنتظم (١٣/ ١١٢ - ١١٧).\n(٣) البداية والنهاية (١١/ ١٢١).","vol":"4","page":490},{"text":"وإعطاؤهم كل ما يحتاجون إليه من رخص لفتح أي مشروع يريدونه لنشر زندقتهم وإلحادهم -جرائد مجلات مطبعات نوادي وكل ما يريدون- فليقارن العاقل اللبيب بين الأمس واليوم، يجد الفرق واضحا والله المستعان.\n\nابن كَيْسَان (١) (٢٩٩ هـ)\nهو أبو الحسن البغدادي محمد بن أحمد بن كيسان النحوي أحد حفاظه والمكثرين منه كان يحفظ طريقة البصريين والكوفيين معا، قال ابن مجاهد: كان ابن كيسان أنحى من الشيخين المبرد وثعلب، وهما من شيوخه له تصانيف في القراءات والغريب والنحو. وكان من جلة النحويين. توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1939>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال أبو عمر: وسمعت ابن كيسان وسأله رجل، فقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال له ابن كيسان: أقول: إن الله أمر وهو الخالق، وأقول: إن العبد مأمور وهو مخلوق، وأقول: إن القرآن أمره لا خالق ولا مخلوق. ثم قال ابن كيسان: هذا مذهب العلماء أهل الإسلام وهو مذهب أحمد بن حنبل وثعلب وأصحاب الحديث. (٢)\n_________\n(١) طبقات النحويين واللغويين (١٥٣) والبداية والنهاية (١١/ ١٢٥) وشذرات الذهب (٢/ ٢٣٢) والوافي بالوفيات (٢/ ٣١ - ٣٢) وتاريخ بغداد (١/ ٣٣٥).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٤/٢٩٢ - ٢٩٣/ ٤٦٢).","vol":"4","page":491},{"text":"ابن البرذون (١) (٢٩٩ هـ)\nإبراهيم بن محمد بن البرذون الضبي أبو إسحاق الإمام المفتي. روى عن أبي عثمان ابن الحداد وعيسى بن مسكين ويحيى بن عمر وجماعة. قال القاضي عياض: كان يقول: إني أتكلم في تسعة عشر فنا من العلم، قال الخراط: كان ابن البرذون بارعا في العلم يذهب مذهب النظر لم يكن في شباب عصره أقوى على الجدل وإقامة الحجة منه. لما جرد للقتل قيل: أترجع عن مذهبك؟ قال: أعن الإسلام أرجع؟ ثم صلب من طرف الشيعة في سنة تسع وتسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1941>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: وكان مناقضا للعراقيين، فدارت عليه دوائر في أيام عبيد الله، وضرب بالسياط، ثم سعوا به عند دخول الشيعي إلى القيروان، وكانت الشيعة تميل إلى العراقيين لموافقتهم لهم في مسألة التفضيل ورخصة مذهبهم، فرفعوا إلى أبي عبد الله الشيعي: أن ابن البرذون وأبا بكر بن هذيل يطعنان في دولتهم، ولا يفضلان عليا. فحبسهما، ثم أمر متولي القيروان أن يضرب ابن هذيل خمس مئة سوط، ويضرب عنق ابن البرذون، فغلط المتولي فقتل ابن هذيل، وضرب ابن البرذون، ثم قتله من الغد. وقيل لابن البرذون لما جرد للقتل: أترجع عن مذهبك؟ قال: أعن الإسلام أرجع؟ ثم صلبا في سنة تسع وتسعين ومئتين. وأمر الشيعي الخبيث أن لا يفتى بمذهب مالك، ولا\n_________\n(١) السير (١٤/ ٢١٥ - ٢١٧) ومعالم الإيمان (٢/ ٢٦١ - ٢٦٥) والديباج المذهب (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧) وترتيب المدارك (٥/ ١١٧ - ١٢١) ورياض النفوس (٢/ ٤٧ - ٥١).","vol":"4","page":492},{"text":"يفتى إلا بمذهب أهل البيت، ويرون إسقاط طلاق البتة، فبقي من يتفقه لمالك إنما يتفقه خفية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1942>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في 'معالم الإيمان' للدباغ: وكان فقيها بارعا في العلم، يذهب مذهب النظر من رجال أبي عثمان سعيد بن الحداد، لم يكن في شباب عصره أقوى على الجدل والمناظرة وإقامة الحجة على المخالفين منه. قلت: ما ذكر هو لفظ المالكي، وكان يقول: نتكلم في تسعة عشر فنا من العلم، وكان شديد التحنك للعراقيين والمناظرة، فدارت عليه بذلك دوائر في دولتهم، ضربه مرة بالسياط محمد بن أسود الصديني إذ كان قاضيا وكان الصديني يصرح بخلق القرآن، ثم سعى عليه العراقيون عند دخول الشيعي القيروان لموافقتهم إياه في مسألة التفضيل ورخصة مذهبهم. (٢)\n\" التعليق:\nهذه البدعة المشئومة لم تترك مكانا إلا ودخلته، وأفسدت أهله، ووجدت من ينصرها ويتعاون مع سلالة اليهود في ضرب علماء المسلمين، فلذا المبتدعة على جميع أنواعهم يؤمنون بالتعاون مع أي إنسان أو فرقة ضالة أو ديانة خارج الإسلام ففي هذه المواقف عبرة لمن اعتبر.\n_________\n(١) السير (١٤/ ٢١٦).\n(٢) معالم الإيمان للدباغ (٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"4","page":493},{"text":"أبو بكر بن هُذَيْل (١) (٢٩٩ هـ)\nالفقيه أبو بكر بن هذيل. سمع من عيسى بن مسكين ويحيى بن عمر وجبلة بن حمود وغيرهم. كان فقيها زاهدا صالحا متقشفا.\nقال أبو الحسن القابسي: كان أبو بكر بن هذيل من المتورعين، وإنما كان عيشه من غزل امرأته، كانت تشتري الكتان، فتغزله، وتنسج منه أبدانا، فتبيعها، فما كان فيها من فضل تقوتا به، واشتريا برأس المال كتانا، فمن ذلك كان عيشهما.\nقتل ابن أبي خنزير أبا بكر بن هذيل بأمر من أبي عبد الله الشيعي مع أبي إسحاق ابن البرذون، وذلك سنة تسع وتسعين ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1944>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في معالم الإيمان: قال المالكي: قال أبو عبد الله محمد بن خراسان: لما وصل عبد الله إلى رقادة أرسل إلى القيروان من أتاه بابن البرذون وابن هذيل فلما وصلا إليه وجداه على سرير ملكه جالسا وعن يمينه أبو عبد الله الشيعي وعن يساره أبو العباس أخوه، فلما وقفا بين يديه قال لهما أبو عبد الله وأبو العباس: أشهد أن هذا رسول الله وأشار إلى عبيد الله، فقالا جميعا بلفظ واحد: والله الذي لا إله إلا هو لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر عن يساره، يقولان إنه رسول الله ما قلنا إنه رسول الله - ﷺ -، فأمر عبيد الله بذبحهما حينئذ جميعا وأمر بربطهما إلى أذناب البغال. (٢)\n_________\n(١) رياض النفوس (٢/ ٤٩ - ٥١) ومعالم الإيمان (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٩) وترتيب المدارك (٥/ ١٢١ - ١٢٣).\n(٢) معالم الإيمان (٢/ ٢٦٣) والسير (١٤/ ٢١٦ - ٢١٧).","vol":"4","page":494},{"text":"وفيها: قتل ابن أبي خنزير أبا بكر بن هذيل بأمر أبي عبد الله الشيعي مع أبي إسحاق ابن البرذون، وذلك أنه أشاع الحجة التي احتج بها ابن البرذون في الناس، من أن عليا كان يقيم الحدود بين يدي عمر ﵄ حتى فهم منه الشيعي أنه قصد نقص علي بذلك هو وابن البرذون، ومذهب أبي العباس الشيعي، مذهب الإمامية، تفضيل علي على سائر الصحابة ويرى أن من تنقصه أو أحدا من نسل فاطمة ﵂ فإنه مباح الدم، فلأجل ذلك قتلهما معا وربطهما إلى أذناب البغال سنة تسع وتسعين كما تقدم. (١)\n\nجبلة بن حمود بن عبد الرحمن (٢) (٢٩٩ هـ)\nجبلة بن حمود بن عبد الرحمن الكوفي أبو يوسف. أسلم جده على يد عثمان بن عفان رضي الله.\nسمع من سحنون وعون وأبي إسحاق البرقي وغيرهم من الإفريقيين والمصريين. وروى عن سحنون المدونة والموطأ والمختلطة. روى عنه أبو العرب وهبة الله بن أبي عقبة وعبد الله بن سعد. وكان من أهل الخير البين والعبادة الظاهرة والورع والزهد. وقال فيه سحنون: إن عاش هذا الشاب فسيكون له نبأ.\nوتوفي سنة تسع وتسعين ومائتين وصلى عليه محمد بن محمد بن سحنون في مصلى العيد لكثرة من اجتمع من الناس، ومولده ﵀ سنة\n_________\n(١) معالم الإيمان (٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(٢) شجرة النور الزكية (١/ ٧٤) وترتيب المدارك (٢/ ٥١٣ - ٥١٧) والديباج المذهب (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤).","vol":"4","page":495},{"text":"عشر ومائتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1946>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في معالم الايمان: كان ﵀ لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم، ولما دخل عبيد الله الشيعي إفرقية ونزل \"رقادة\" ترك جبلة سكن الرباط ونزل القيروان فكلم في ذلك فقال: كنا نحرس عدوا بيننا وبينه البحر والآن حل هذا العدو بساحتنا وهو أشد علينا من ذلك فكان إذا أصبح وصلى الصبح خرج إلى طرف القيروان من ناحية \"رقادة\" معه سيفه وترسه وفرسه وسهامه وجلس محاذيا لرقادة إلى غروب الشمس ثم يرجع إلى داره ويقول: احرس عورات المسلمين منهم فإن رأيت شيئا حركت المسلمين عليهم.\nوكان ينكر على من يخرج من القيروان إلى سوسة ونحوها من الثغور ويقول: جهاد هؤلاء أفضل من جهاد الشرك. قال المالكي: ولم يكن في وقته ﵀ أكثر اجتهادا منه في مجاهدة عبيد الله وشيعته فسلمه الله ﷿ منهم. قال: واتصل به أن بعض أهل القيروان خرجوا ليتلقوا عبيد الله الشيعي تقية من شره ومداراة له فقال جبلة: اللهم لا تسلم من خرج يسلم عليه، واغتم لذلك غما شديدا، فلما انتهوا إلى وادي أبي كريب جردوا وأخذت ثيابهم، فلما عرفوا جبلة بذلك قال: ما غمني فيهم إلا رجل واحد فيه خير لا دنيا له، والرجل هو حماس بن مروان القاضي.\nولما دخل عبيد الله القيروان وخطب أول جمعة وجبلة جالس عند المنبر، فلما سمع كفرهم قام قائما وكشف عن رأسه حتى رآه الناس، وخرج يمشي إلى آخر الجامع وهو يقول: قطعوها قطعهم الله، فما حضرها أحد من أهل","vol":"4","page":496},{"text":"العلم بعد ذلك. (١)\n\" التعليق:\nرحمك الله يا عالم القيروان، ما أطيب نفسك وأغزر علمك بهؤلاء الأخباث الذين عثوا في الأرض الفساد في وقتكم الذي كان يزخر بمثلك من العلماء، وأما الآن فلا علماء ولا عامة ولا غيرة على العقيدة والذين يمثلون اتجاه الإصلاح يغنون للشيعة ويطبلون ويرون إمامة طاغوتهم واجبة على المسلمين. ويعقدون التجمعات والندوات في ما سمي بالتقريب بين السنة والشيعة وهو أجدر بأن يسمى بالتخريب العقائدي لعقيدة السنة عموما والسلفية خصوصا، ومن كان له همة في تتبع الجرائد والمجلات يعلم ما قلته حق اليقين ومن يعش في بحار الغفلة والجهل فلا نكترث به والله المستعان.\n\nإبراهيم بن الحارث العُبَادِي (٢) (الطبقة الثانية عشرة)\nالشيخ الإمام إبراهيم بن الحارث بن مصعب بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري العبادي، أبو إسحاق البغدادي، نزيل طَرْسُوس.\nروى عن إبراهيم بن نصر وأحمد الدورقي وعاصم بن علي الواسطي ويحيى بن معين ومصعب الزبيري بن الصباح، وغيرهم. وروى عنه أبو داود في كتاب المسائل وأبو بكر الأثرم وحرب بن إسماعيل الكرماني وأبو حاتم\n_________\n(١) معالم الإيمان (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(٢) تاريخ بغداد (٣/ ٥٥ - ٥٦) وتهذيب الكمال (٢/ ٦٦ - ٦٧) وتهذيب التهذيب (١/ ١١٣) وطبقات الحنابلة (١/ ٩٤) والمقصد الأرشد (١/ ٢٢١ - ٢٢٢) والتقريب (١/ ٥٤).","vol":"4","page":497},{"text":"الرازي وأبو بكر بن أبي داود.\nقال أبو بكر الخلال: إبراهيم بن الحارث العبادي، رجل من كبار أصحاب أبي عبد الله أحمد بن حنبل، روى عنه أبو بكر الأثرم، وحرب بن إسماعيل، وجماعة من الشيوخ المتقدمين، وكان أبو عبد الله يعظمه ويرفع قدره، ويحتمله في أشياء لايحتمل فيها غيره، يبسطه في الكلام بحضرته، ويتوقف أبو عبد الله عن الجواب في الشيء، فيجيب بحضرة أبي عبد الله، فيعجب أبو عبد الله، ويقول: جزاك الله خيرا يا أبا إسحاق. قال ابن حجر: صدوق من الثانية عشرة.\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1948> موقفه من القدرية:</span>\nروى الخلال بالسند إلى أبي بكر الأثرم قال: قيل لأبي عبد الله أصلي عليه يعني على القدري؟ فلم يجب، فقال العبادي وأبو عبد الله يسمع إذا كان صاحب بدعة فلا يسلم عليه، ولا يصلى خلفه، ولا عليه، فقال أبو عبد الله: عافاك الله يا أبا إسحاق وجزاك خيرا، كالمعجب بقوله. (١)\n\nعبد الله بن محمّد صاحب الأندلس (٢) (٣٠٠ هـ)\nعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأمير أبو محمد صاحب الأندلس وابن ملوكها تملك بعد أخيه المنذر سنة خمس وسبعين، وامتدت دولته وكان من أمراء العدل مثابرًا على الجهاد ملازمًا للصلوات في الجامع، له مواقف\n_________\n(١) السنة للخلال (٥٦١ - ٥٦٢).\n(٢) السير (١٤/ ١٥٥ - ١٥٦) والوافي بالوفيات (١٧/ ٤٦٩ - ٤٧١) والنجوم الزاهرة (٣/ ١٨١) وشذرات الذهب (٢/ ٢٣٣).","vol":"4","page":498},{"text":"مشهودة. وكان ﵀ ذا فقه وأدب. مات في أول ربيع الآخر سنة ثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1950>موقفه من المشركين:</span>\nونقل ابن حزم أن الأمير عبد الله استفتى بقي بن مخلد في الزنديق، فأفتى أنه لا يقتل حتى يستتاب، وذكر حديثًا في ذلك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1951>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في السير: له مواقف مشهودة منها ملحمة \"بلي\" كان ابن حفصون قد حاصر حصن بلي ومعه ثلاثون ألفًا فسار عبد الله في أربعة عشر ألفًا فالتقوا فانهزم ابن حفصون واستحر بجمعه القتل فقل من نجا وكانوا على رأي الخوارج. (٢)\n\nابن خَيْرُون (٣) (٣٠١ هـ)\nمحمد بن خيرون المعافري الإمام أبو جعفر الأندلسي الفرضي، رحل إلى العراق، وأخذ عن محمد بن نصر، ثم عاد إلى القيروان. جاء في معالم الإيمان: وكان فقيهًا صالحًا عابدًا من خيار المسلمين، وكان سبب قتله أنه سعى به القاضي محمد بن عمرو المروذي -قاضي الشيعة- إلى عبيد الله المهدي، فأمر الحسين بن أبي خنزير بقتله، فعذبه إلى أن مات ﵀ سنة\n_________\n(١) السير (١٤/ ١٥٦).\n(٢) السير (١٤/ ١٥٦).\n(٣) السير (١٤/ ٢١٧) ومعالم الإيمان (٢/ ٢٨٨ - ٢٩٢) ورياض النفوس (٢/ ٥٢ - ٥٦).","vol":"4","page":499},{"text":"إحدى وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1954>موقفه من الرافضة:</span>\nحكى الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله تعالى قال: أخبرني من أثق به أنه كان جالسًا -عند ابن أبي خنزير- إذ دخل عليه شيخ ذو هيئة جميلة- وقد علاه اصفرار مع حسن سمت وخشوع، فلما رآه ابن أبي خنزير بكى، فقال له: ما الذي يبكيك؟ قال: السلطان -يعني عبيد الله- وجه إلي يأمرني بدوس هذا الشيخ حتى يموت -يعني ابن خيرون- ثم أمر به فأدخل إلى مجلس، وبطح على ظهره، وطلع السودان فوق سرير، فقفزوا عليه بأرجلهم حتى مات، وذلك من أجل جهاده على دين الله تعالى، وبغضه لبني عبيد. (١)\n\nابن الأخرم (٢) (٣٠١ هـ)\nالإمام الكبير، الحافظ الأثري، أبو جعفر، محمد بن العباس بن أيوب بن الأخرم الأصبهاني الفقيه. ارتحل، وأخذ عن أبي كريب، والمفضل بن غسان الغلابي، وعلي بن حرب وعمار بن خالد وعدة. وعنه أبو أحمد العسال، وأبو الشيخ وأحمد بن إبراهيم بن أفرجة، وغيرهم. كان من الحفاظ مقدما فيهم شديدًا على أهل الزيغ والبدعة، كان ممن يتفقه في الحديث ويفتي به، قطع عن التحديث سنة ست وتسعين لاختلاطه. توفي سنة إحدى وثلاثمائة.\n_________\n(١) المعالم (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠) وهو في السير (١٤/ ٢١٧).\n(٢) تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٤٧ - ٧٤٨) والوافي بالوفيات (٣/ ١٩٠ - ١٩١) وشذرات الذهب (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥) والسير (١٤/ ١٤٤ - ١٤٥) وتاريخ أصبهان (٢/ ١٩٤ - ١٩٥).","vol":"4","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1956>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في سير أعلام النبلاء: وله وصية أكثرها على قواعد السلف يقول فيها: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق فهو كافر. (١)\n\nمحمد بن مَنْدَه (٢) (٣٠١ هـ)\nالإمام الحافظ محمد بن يحيى بن منده، أبو عبد الله العبدي الأصبهاني، جد صاحب التصانيف الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق. ولد في حدود العشرين ومائتين في حياة جدهم منده. سمع أبا كريب وعبد الله بن معاوية الجمحي وسفيان بن وكيع وموسى بن عبد الرحمن بن مهدي وغيرهم. وحدث عنه أبو أحمد العسال وأبو القاسم الطبراني وأبو الشيخ وخلق كثير. قال أبو الشيخ: هو أستاذ شيوخنا وإمامهم. وقال عنه ابن خلكان: كان أحد الحفاظ الثقات، وهم أهل بيت كبير، خرج منه جماعة من العلماء. وقال الذهبي: كان محمد بن يحيى من أوعية العلم. توفي ﵀ في رجب سنة إحدى وثلاثمائة.\nموقفه من الجهمية:\nجاء في ذم الكلام بالسند إليه قال: ليتق امرؤ، وليعتبر بمن تقدم ممن كان القول باللفظ مذهبه ومقالته، كيف خرج من الدنيا مهجورًا مذمومًا\n_________\n(١) السير (١٤/ ١٤٥).\n(٢) طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٤٤٢) وطبقات الحنابلة (١/ ٣٢٨) ووفيات الأعيان (٤/ ٢٨٩) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٨ - ١٩٣) والوافي بالوفيات (٥/ ١٨٩).","vol":"4","page":501},{"text":"مطرودًا من المجالس والبلدان، لاعتقاده القبيح وقوله الشنيع المخالف لدين الله مثل الكرابيسي والشراطي وابن كلاب وابن الأشعري وأمثالهم ممن كان الجدال والكلام طريقه في دين الله ﷿. (١)\n\" التعليق:\nهؤلاء الذين ذكرهم هذا الإمام هم عمدة العقيدة عند القوم وهم المصدر الأساسي، وإن كان فيهم من فيه سنة ووافق أهل السنة في إثبات الصفات على العموم كابن كلاب وخالف في إثبات الصفات الاختيارية، ونقل عنه أنه أول من أنكرها، وتبعه الأشعري بعد خروجه من الاعتزال، وهذا الأخير صرح بعض أهل العلم أنه رجع إلى مذهب السلف، وهذا فيه تسامح كما بين ذلك ابن تيمية في كثير من كتبه أن معرفته بالسنة معرفة إجمالية، ومعرفته بالكلام وأهله معرفة تفصيلية، فكلام الشيخ فيه أقعد وأضبط على خلاف ما نقل عن ابن كثير كما نقله المرتضى في شرح الإحياء.\nوأما الكرابيسي فتقدم ما قاله الإمام أحمد فيه وفي كتبه وإن كان تاب كما روى ذلك الخطيب في 'شرف أصحاب الحديث' كما تقدم. والحاصل أن هذا الإمام لعله أخذ من الاثنين الجانب السلبي وهو الجانب الكلامي وما اعتبر ما لهم من الميل إلى السنة والله أعلم. وعلى كل حال فهذا موقف شريف يحتفظ به لهذا الإمام فجزاه الله أحسن الجزاء.\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٨٢).","vol":"4","page":502},{"text":"ابن الحداد المغربي (١) (٣٠٢ هـ)\nالإمام شيخ المالكية، أبو عثمان، سعيد بن محمد بن صبيح بن الحداد المغربي، صاحب سحنون، وهو أحد المجتهدين، وكان بحرًا في الفروع ورأسًا في لسان العرب بصيرًا بالسنن. كان يذم التقليد، ويقول: هو من نقص العقول، أو دناءة الهمم وكان من رؤوس السنة. قال عنه المالكي: كان عالمًا في الفقه والكلام والذب عن الدين والرد على فرق المخالفين للجماعة، من أذهن الناس وأعلمهم بما قاله الناس. وله مع شيخ المعتزلة الفراء مناظرات بالقيروان، رجع بها عدد من المبتدعة. مال إلى مذهب الشافعي من غير تقليد، وأخذ يسمي المدونة \"المدودة\" فهجره المالكية ثم أحبوه لما قام على أبي عبد الله الشيعي وناظره ونصر السنة. قال موسى بن عبد الرحمن القطان: لو سمعتم سعيد بن الحداد في تلك المحافل -يعني مناظرته للشيعي- وقد اجتمع له جهارة الصوت، وفخامة المنطق وفصاحة اللسان، وصواب المعاني، لتمنيتم أن لا يسكت. ومن كلامه: قال: من طالت صحبته للدنيا وللناس فقد ثقل ظهره، خاب السالون عن الله المتنعمون بالدنيا، من تحبب إلى العباد بالمعاصي بغضه الله إليهم. وقال: ما صد عن الله مثل طلب المحامد، وطلب الرفعة.\nمات سنة اثنتين وثلاثمائة. وله ثلاث وثمانون سنة ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1959>موقفه من المبتدعة:</span>\n- هذا الإمام الكبير كانت له مواقف مشرفة مع أكثر المبتدعة الذين\n_________\n(١) الوافي بالوفيات (١٥/ ١٧٩ - ١٨٠) والشذرات (٢/ ٢٣٨) والسير (١٤/ ٢٠٥ - ٢١٤) ومعالم الإيمان (٢/ ٢٩٥ - ٣١٥) ورياض النفوس (٢/ ٥٧ - ١١٥).","vol":"4","page":503},{"text":"كانوا في عصره، واجههم مواجهة العالم الشجاع بالحجة القاطعة الدامغة، ولم يكن بالضعيف الخائر الخائف، بل كان لا يخاف في الله لومة لائم. وقد ذكر ترجمته ومواقفه غير واحد من المؤرخين والمترجمين، كالقاضي عياض في المدارك وابن خلكان في الوفيات وابن فرحون في الديباج والدباغ في معالم الإيمان والذهبي في كتبه عامة والسير خاصة، فمواقفه من المبتدعة والمقلدة -الذين عششت العنكبوت على عقولهم وفكروا برأي غيرهم- مشرفة نموذجية وإليك بعض ذلك:\n- مع المقلدة:\nقال الذهبي: وكان يذم التقليد ويقول: هو من نقص العقول أو دناءة الهمم، وقيل إنه صنف في الرد على المدونة. (١)\n- كلمة عن الشيخ في محاربة البدع في معالم الإيمان:\nقال: كان يرد على أهل البدع المخالفين للسنة، وله في ذلك مقامات مشهورة وآثار محمودة، ناب عن المسلمين فيها أحسن مناب حتى مثله أهل القيروان بأحمد بن حنبل أيام المحنة، وذلك أن بني عبيد لما ملكوا القيروان أظهروا تبديل مذهب أهل البلد وأجبروا الناس على مذهبهم بطريق المناظرة وإقامة الحجة، وقتلوا رجلين من أصحاب سحنون، فارتاع أهل البلد من ذلك ولجؤوا إلى أبي سعيد (٢) وسألوه التقية فأبى من التقية وقال: قد أربيت على التسعين ومالي في العيش من حاجة، وقتيل الخوراج خير قتيل، ولا بد\n_________\n(١) السير (١٤/ ٢٠٦).\n(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب \"أبي عثمان\".","vol":"4","page":504},{"text":"لي من المناظرة والمناضلة عن الدين وأن أبلغ في ذلك عذرًا. ففعل ذلك وصدق وكان هو المعتمد عليه في مناظرة الشيعي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1960>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: قال أبو بكر بن اللباد: بينا سعيد بن الحداد جالس أتاه رسول عبيد الله، يعني المهدي، قال: فأتيته وأبو جعفر البغدادي واقف فتكلمت بما حضرني فقال: اجلس. فجلست فإذا بكتاب لطيف فقال لأبي جعفر: اعرض الكتاب على الشيخ فإذا حديث غدير خم (٢) قلت: وهو صحيح وقد رويناه فقال عبيد الله: فما للناس لا يكونون عبيدنا؟ قلت أعز الله السيد لم يرد ولاية الرق، بل ولاية الدين قال: هل من شاهد؟ قلت: قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣). فلما لم يكن لنبي لم يكن لغيره قال: انصرف لا ينالك الحر. فتبعني البغدادي فقال: اكتم هذا المجلس ...\nوقيل: إنه سار لتلقي أبي عبد الله الشيعي فقال له: يا شيخ بم كنت تقضي؟ فقال إبراهيم بن يونس: بالكتاب والسنة. قال: فما السنة؟ قال: السنة السنة. قال ابن الحداد: فقلت للشيعي المجلس مشترك أم خاص؟ قال مشترك. فقلت: أصل السنة في كلام العرب المثال، قال الشاعر:\n_________\n(١) معالم الإيمان (٢/ ٢٩٨).\n(٢) أحمد (٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧) ومسلم (٤/ ١٨٧٣/٢٤٠٨ (٣٦» وأبو داود (٥/ ٢٥٥/٤٩٧٣) مختصرًا، والترمذي (٥/ ٦٢٢/٣٧٨٨) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\"، والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٥/٨١٤٨).\n(٣) آل عمران الآية (٧٩).","vol":"4","page":505},{"text":"تريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب\nأي صورة وجه ومثاله، والسنة محصورة في ثلاث: الائتمار بما أمر به النبي - ﷺ - والانتهاء عما نهى عنه والائتساء بما فعل. فقال الشيعي: فإن اختلف عليك النقل وجاءت السنة من طرق؟ قلت: أنظر إلى أصح الخبرين كشهود عدول اختلفوا في شهادة قال: فلو استووا في الثبات؟ قلت: يكون أحدهما ناسخًا للآخر قال: فمن أين قلتم بالقياس؟ قلت: من كتاب الله ﴿يحكم به ذوا عدلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). فالصيد معلومة عينه، فالجزاء أمرنا أن نمثله بشيء من النعم ومثله في تثبيت القياس: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يستنبطونه﴾ (٢). والاستنباط غير منصوص ثم عطف على موسى القطان فقال: أين وجدتم حد الخمر في كتاب الله تقول: اضربوه بالأردية وبالأيدي ثم بالجريد؟ فقلت أنا: إنما حد قياسًا على حد القاذف لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأوجب عليه ما يؤول إليه أمره. قال: أو لم يقل رسول الله - ﷺ -: وأقضاكم علي فساق له موسى تمامه وهو: وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأرأفكم أبو بكر وأشدكم في دين الله عمر (٣) قال: كيف يكون أشدهم وقد هرب بالراية يوم خيبر؟ قال موسى: ما سمعنا بهذا فقلت: إنما تحيز إلى فئة\n_________\n(١) المائدة الآية (٩٥).\n(٢) النساء الآية (٨٣).\n(٣) أخرجه بغير هذا اللفظ: أحمد (٣/ ١٨٤) والترمذي (٥/ ٦٢٣/٣٧٩١) وابن ماجه (١/ ٥٥/١٥٤) والحاكم (٣/ ٤٢٢) وصححه ووافقه الذهبي. وابن حبان (الإحسان ١٦/ ٧٤/٧١٣١).","vol":"4","page":506},{"text":"فليس بفار.\nوقال في ﴿لا تحزن إن اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١): إنما نهاه النبي - ﷺ - عن حزنه لأنه كان مسخوطًا قلت: لم يكن قوله إلا تبشيرًا بأنه آمن على رسول الله - ﷺ - وعلى نفسه فقال: أين نظير ما قلت؟ قلت: قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢). فلم يكن خوفهما من فرعون خوفًا بسخط الله.\nثم قال: يا أهل البلدة: إنكم تبغضون عليا قلت: على مبغضه لعنة الله. فقال: صلى الله عليه. قلت: نعم ورفعت صوتي: - ﷺ - لأن الصلاة في خطاب العرب الرحمة والدعاء قال: ألم يقل رسول الله - ﷺ -: \"أنت مني بمنزلة هارون من موسى\" (٣) قلت: نعم إلا أنه قال: إلا أنه لا نبي بعدي. وهارون كان حجة في حياة موسى، وعلي لم يكن حجة في حياة النبي، وهارون فكان شريكًا أفكان علي شريكًا للنبي - ﷺ - في النبوة؟ وإنما أراد التقريب والوزارة والولاية. قال: أو ليس هو أفضل؟ قلت: أليس الحق متفقًا عليه؟ قال: نعم. قلت: قد ملكت مدائن قبل مدينتنا وهي أعظم مدينة واستفاض عنك أنك لم تكره أحدًا على مذهبك فاسلك بنا مسلك غيرنا، ونهضنا. قال ابن الحداد: ودخلت يومًا على أبي العباس فأجلسني معه في مكانه وهو يقول لرجل:\n_________\n(١) التوبة الآية (٤٠).\n(٢) طه الآية (٤٦).\n(٣) أخرجه: أحمد (١/ ١٨٥) والبخاري (٧/ ٨٩/٣٧٠٦) مختصرًا، ومسلم (٤/ ١٨٧٠/٢٤٠٤) والترمذي (٥/ ٥٩٦/٣٧٢٤) مطوّلًا، وابن ماجه (١/ ٤٥/١٢١).","vol":"4","page":507},{"text":"أليس المتعلم محتاجًا إلى المعلم أبدًا؟ فعرفت أنه يريد الطعن على الصديق في سؤاله عن فرض الجدة فبدرت وقلت: المتعلم قد يكون أعلم من المعلم وأفقه وأفضل لقوله ﵇: رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه (١). ثم معلم الصغار القرآن يكبر أحدهم ثم يصير أعلم من المعلم قال: فاذكر من عام القرآن وخاصه شيئًا؟ قلت قال تعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المشركات﴾ (٢).\nفاحتمل المراد بها العام فقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣). فعلمنا أن مراده بالآية الأولى خاص أراد: ولا تنكحوا المشركات غير الكتابيات من قبلكم حتى يؤمن قال: ومنهن المحصنات؟ قلت: العفائف قال: بل المتزوجات قلت: الإحصان في اللغة: الإحراز فمن أحرز شيئا فقد أحصنه والعتق يحصن المملوك لأنه يحرزه عن أن يجري عليه ما على المماليك والتزويج يحصن الفرج لأنه أحرزه عن أن يكون مباحًا والعفاف إحصان للفرج. قال: ما عندي الإحصان إلا التزويج، قلت له: منزل القرآن يأبى ذلك قال: ﴿ومريم ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (٤) أي: أعفته،\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٥/ ١٨٣) وأبو داود (٤/ ٦٨ - ٦٩/ ٣٦٦٠) والترمذي (٥/ ٣٣/٢٦٥٦) وقال: \"حديث حسن\" وابن ماجه (١/ ٨٤/٢٣٠) من حديث زيد بن ثابت. وأخرجه من حديث ابن مسعود: أحمد (١/ ٤٣٧) والترمذي (٥/ ٣٣/٢٦٥٧) وقال: \"حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه (١/ ٨٥/٢٣٢) وابن حبان (١/ ٢٦٨/٦٦ الإحسان)، ولفظه: \"نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع\".\n(٢) البقرة الآية (٢٢١).\n(٣) المائدة الآية (٥).\n(٤) التحريم الآية (١٢).","vol":"4","page":508},{"text":"وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غير مُسَافِحَاتٍ﴾ (١). عفائف: قال فقد قال في الإماء: ﴿فإذا أُحْصِنَّ﴾ وهن عندك قد يكن عفائف. قلت: سماهن بمتقدم إحصانهن قبل زناهن قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم﴾ (٢). وقد انقطعت العصمة بالموت يريد اللاتي كن أزواجكم قال: يا شيخ، أنت تلوذ قلت: لست ألوذ أنا المجيب لك وأنت الذي تلوذ بمسألة أخرى وصحت: ألا أحد يكتب ما أقول وتقول. قال: فوقى الله شره. وقال: كأنك تقول: أنا أعلم الناس. قلت: أما بديني فنعم. قال: فما تحتاج إلى زيادة فيه؟ قلت: لا قال: فأنت إذا أعلم من موسى: إذ يقول: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ (٣). قال: هذا طعن على نبوة موسى، موسى ما كان محتاجًا إليه في دينه كلا إنما كان العلم الذي عند الخضر دنياويًا: سفينة خرقها وغلامًا قتله وجدارًا أقامه وذلك كله لا يزيد في دين موسى قال: فأنا أسألك.\nقلت: أورد علي الإصدار بالحق بلا مثنوية قال: ما تفسير الله؟ قلت: ذو الإلهية قال: وما هي؟ قلت: الربوبية قال: وما الربوبية؟ قلت المالك الأشياء كلها قال: فقريش في جاهليتها كانت تعرف الله؟ قلت: لا قال: فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٤). قلت: لما أشركوا معه غيره\n_________\n(١) النساء الآية (٢٥).\n(٢) النساء الآية (١٢).\n(٣) الكهف الآية (٦٦).\n(٤) الزمر الآية (٣).","vol":"4","page":509},{"text":"قالوا وإنما يعرف الله من قال: إنه لا شريك له. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (١). فلو كانوا يعبدونه ما قال لا أعبد ما تعبدون إلى أن قال: فقلت: المشركون عبدة الأصنام الذين بعث النبي - ﷺ - إليهم عليا ليقرأ عليهم سورة براءة قال: وما الأصنام قلت: الحجارة قال: والحجارة أتعبد؟ قلت: نعم والعزى كانت تعبد وهي شجرة والشعرى كانت تعبد وهي نجم قال: فالله يقول: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ (٢). فكيف تقول: إنها الحجارة؟ والحجارة لا تهتدي إذا هديت لأنها ليست من ذوات العقول قلت: أخبرنا الله أن الجلود تنطق وليست بذوات عقول قال: نسب إليها النطق مجازًا. قلت: منزل القرآن يأبى ذلك فقال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ (٣). إلى أن قال: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤). وما الفرق بين جسمنا والحجارة؟ ولو لم يعقلنا لم نعقل وكذا الحجارة إذا شاء أن تعقل عقلت. (٥)\n- وجاء في المعالم: روى أبو محمد: عبد الله بن إسحاق بن التبان ﵀ قال: لما اجتمع أبو عثمان: سعيد بن الحداد بأبي عبد الله الشيعي في مجلس\n_________\n(١) الكافرون الآيتان (١و٢).\n(٢) يونس الآية (٣٥).\n(٣) يس الآية (٦٥).\n(٤) فصلت الآية (٢١).\n(٥) السير (١٤/ ٢٠٦ - ٢١٤).","vol":"4","page":510},{"text":"المناظرة -قال له أبو عبد الله: أنتم تفضلون على الخمسة أصحاب الكساء غيرهم- يعني بأصحاب الكساء محمدًا - ﷺ - تسليمًا، والحسن، والحسين، وعليًا، وفاطمة، ويعني بغيرهم أبا بكر. فقال أبو عثمان: أيما أفضل؟ خمسة سادسهم جبريل؟ أو اثنان الله ثالثهما؟ فبهت الشيعي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1961>موقفه من الجهمية:</span>\nقال الذهبي: وله مع شيخ المعتزلة الفراء مناظرات بالقيروان رجع بها عدد من المبتدعة. (٢)\n\nأبو زُرْعَة القاضي (٣) (٣٠٢ هـ)\nالإمام الكبير القاضي أبو زرعة محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة. قل ما روى، أخذ عنه أبو علي الحصائري وغيره. وكان حسن المذهب عفيفًا متثبتًا، ولي قضاء الديار المصرية سنة أربع وثمانين ومائتين، ووليَ قضاء دمشق وقد كان قام مع الملك أحمد بن طولون وخلع من العهد أبا أحمد الموفق. قام عند المنبر بدمشق قبل الجمعة، وقال: أيها الناس أشهدكم أني قد خلعت أبا أحمق كما يخلع الخاتم من الأصبع فالعنوه. وكان له مال كثير وضياع كبار بالشام وكان يوفي عن الغرماء الضعفى. بقي على قضاء مصر ثمان سنين\n_________\n(١) معالم الإيمان (٢/ ٢٩٨).\n(٢) السير (١٤/ ٢٠٦).\n(٣) السير (١٤/ ٢٣١ - ٢٣٣) والوافي بالوفيات (٤/ ٨٢ - ٨٣) والبداية والنهاية (١١/ ١٣١) والنجوم الزاهرة (٣/ ١٨٣ - ١٨٤) وشذرات الذهب (٢/ ٢٣٩).","vol":"4","page":511},{"text":"فصرف. توفي بدمشق سنة اثنتين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1963>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في السير: عن منصور الفقيه قال: كنت عند القاضي أبي زرعة، فذكر الخلفاء، فقلت: أيجوز أن يكون السفيه وكيلًا؟ قال: لا. قلت: فوليًا لامرأة؟ قال: لا. قلت: فخليفة؟ قال: يا أبا الحسن. هذه من مسائل الخوارج. (١)\n\nالنَّسَائي (٢) (٣٠٣ هـ)\nالإمام الحافظ، الثبت أحمد بن شعيب بن علي النسائي أبو عبد الرحمن، شيخ الإسلام ناقد الحديث، صاحب السنن. ولد بنسا سنة خمس عشرة ومائتين، وطلب العلم في صغره. روى عن إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، وسويد بن نصر وخلق كثير. روى عنه أبو بشر الدولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو علي النيسابوري وعدة. قال الذهبي: كان شيخًا مهيبًا. وكان أفقه مشايخ مصر في عصره. قال الدارقطني: كان ابن الحداد أبو بكر كثير الحديث، ولم يحدث عن غير النسائي، وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى. قال ابن يونس: كان النسائي إمامًا حافظًا ثبتًا. قال أبو عليّ\n_________\n(١) السير (١٤/ ٢٣٣).\n(٢) السير (١٤/ ١٢٥ - ١٣٥) والبداية والنهاية (١١/ ١٣١ - ١٣٢) ووفيات الأعيان (١/ ٧٧ - ٧٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٠١ - ٣١٠/ص.١٠٥ - ١٠٩) والوافي بالوفيات (٦/ ٤١٦ - ٤١٧) وتهذيب الكمال (١/ ٣٢٨ - ٣٤٠) وشذرات الذهب (٢/ ٢٣٩ - ٢٤١).","vol":"4","page":512},{"text":"النيسابوريّ الحافظ: ثنا الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائيّ. وقال الدارقطني: أبو عبد الرحمن مقدّم على كلّ من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. وقال: إنه خرج حاجًّا فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال: احملوني إلى مكة، فحمل وتوفي بها. وقال محمد بن المظفر: استشهد بدمشق من جهة الخوارج. وقال أبو سعيد يونس: توفي بفلسطين. قال الذهبي: هذا هو الصحيح. وذلك سنة ثلاث وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1965>موقفه من الرافضة:</span>\nقال عنه محمد بن موسى الماموني: سمعت قومًا ينكرون على أبي عبد الرحمن كتاب الخصائص لعلي ﵁ وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها كثير فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله، ثم إنه صنف بعد ذلك فضائل الصحابة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1966>موقفه من الجهمية:</span>\nقال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوام السعدي: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، أخبرنا إسحاق بن راهويه، حدثنا محمد بن أعين، قال: قلت لابن المبارك: إن فلانًا يقول: من زعم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني﴾ (٢) مخلوق، فهو كافر. فقال ابن المبارك:\n_________\n(١) التذكرة (٢/ ٦٩٩).\n(٢) طه الآية (١٤).","vol":"4","page":513},{"text":"صدق، قال النسائي: بهذا أقول. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1967>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال محمد بن المظفر الحافظ سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار وأنه خرج إلى الغزو مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه والانبساط في المأكل وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1968>موقفه من المرجئة:</span>\nله تبويبات ضمن كتاب الإيمان وشرائعه من المجتبى، منها:\n- ذكر شعب الإيمان (٨/ ٤٨٣).\n- تفاضل أهل الإيمان (٨/ ٤٨٥).\n- زيادة الإيمان (٨/ ٤٨٦).\n- علامة الإيمان (٨/ ٤٨٨).\n\nأبو نصر بن سلاَّم (٣) (٣٠٥ هـ)\nمحمد بن سلاّم أبو نصر البلخي الحنفي. كان فقيهًا مهيبًا زاهدًا معظمًا. له فتاوى واختيارات في الأحكام. توفي ﵀ سنة خمس\n_________\n(١) السير (١٤/ ١٢٧) والتذكرة (٢/ ٧٠٠).\n(٢) التذكرة (٢/ ٧٠٠).\n(٣) الفوائد البهية (١٦٨) والجواهر المضية (٤/ ٩٢ - ٩٣).","vol":"4","page":514},{"text":"وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1970>موقفه من المشركين:</span>\nروى الخطيب بسنده إلى أبي نصر أحمد بن سهل قال: سمعت أبا نصر ابن سلام الفقيه يقول: ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد، ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناده. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1971>موقف السلف من الجبائي المعتزلي (٣٠٣ ه</span>ـ)\nبيان اعتزاله:\nموقف أبي الحسن الأشعري منه:\nقال الذهبي: وأخذ عنه فن الكلام أيضًا أبو الحسن الأشعري، ثم خالفه ونابذه وتسنن. (٢)\n\nأبو خَليفة الفضل بن الحُبَاب (٣) (٣٠٥ هـ)\nالفضل بن الحُبَاب واسم الحباب عمرو بن محمد بن شعيب الجمحي أبو خليفة، الإمام العلامة المحدث الأديب الأخباري، ولد سنة ست\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (٧٣ - ٧٤).\n(٢) السير (١٤/ ١٨٣).\n(٣) السير (١٤/ ٧ - ١١) والبداية والنهاية (١١/ ١٣٧) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٧٠ - ٦٧١) وميزان الاعتدال (٣/ ٣٥٠) وطبقات الحنابلة (١/ ٢٤٩ - ٢٥١) والنجوم الزاهرة (٣/ ١٩٣) وشذرات الذهب (٢/ ٢٤٥).","vol":"4","page":515},{"text":"ومائتين. وعني بهذا الشأن وهو مراهق، فسمع في سنة عشرين ومائتين ولقي الأعلام وكتب علمًا جمًا. روى عن القعنبي ومسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب وخلق. وروى عنه أبو عوانة، وأبو حاتم بن حبان وأبو القاسم الطبراني وآخرون. وكان ثقة صادقًا مأمونًا أديبًا فصيحًا مفوهًا رحل إليه من الآفاق. توفي أبو خليفة سنة خمس وثلاثمائة بالبصرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1973>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني ابن أخت أبي عوانة سمعت أبي يقول لأبي علي النيسابوري الحافظ: دخلت أنا وأبو عوانة البصرة، فقيل: إن أبا خليفة قد هجر، ويدعى عليه أنه قال: القرآن مخلوق. فقال لي أبو عوانة: يا بني لابد أن ندخل عليه. قال: فقال له أبو عوانة: ما تقول في القرآن؟ فاحمر وجهه وسكت، ثم قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر، وأنا تائب إلى الله من كل ذنب إلا الكذب، فإني لم أكذب قط، أستغفر الله. قال: فقام أبو علي إلى أبي، فقبل رأسه. ثم قال أبي: قام أبو عوانة إلى أبي خليفة، فقبل كتفه. (١)\n- وجاء في الطبقات عن علي بن أحمد بن جعفر قال: حضر رجل مجلس أبي خليفة الفضل ابن الحباب الجمحي، فذكر أبا عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل ﵁، فقال أبو خليفة: على أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضوان الله. فهو إمامنا ومن يقتدى به، ونقول بقوله، الواعي للعلم\n_________\n(١) السير (١٤/ ١٠).","vol":"4","page":516},{"text":"المتقن لروايته، الصادق في حكايته، القيم بدين الله ﷿، المستن بسنة رسول الله - ﷺ -، إمام المسلمين، والناصح لإخوانه من المؤمنين، فقال له الرجل: يا أبا خليفة، ما تقول في قوله: القرآن كلام الله غير مخلوق؟ فقال: صدق والله في مقالته. وقمع كل بدعي بمعرفته. قوله الصواب، ومذهبه السداد. هو المأمون على كل الأحوال، والمقتدى به في جميع الفعال. فقال له الرجل: يا أبا خليفة، فمن قال القرآن مخلوق؟ قال: ذاك الرجل ضال مبتدع ألعنه ديانة، وأهجره تقربًا إلى الله ﷿، بذلك قام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁، مقاما لم يقمه أحد من المتقدمين، ولا من المتأخرين. فجزاه الله عن الإسلام وعن أهله أفضل الجزاء. (١)\n\nقاسم بن زكريا المُطَرِّز (٢) (٣٠٥ هـ)\nهو الإمام العلامة المقرئ المحدث الثقة، أبو بكر القاسم بن زكريا بن يحيى البغدادي، المعروف بالمُطَرِّز. حدث عن سويد بن سعيد، ومحمد بن الصباح الجرجرائي، وإسحاق بن موسى الأنصاري وطبقتهم. وحدث عنه أبو حفص الزيات وعبد العزيز بن جعفر الخرقي، ومحمد بن المظفر وعدد كثير. صنف المسند والأبواب، وتصدر للإقراء. توفي ﵀ في صفر سنة خمس وثلاثمائة وهو في عشر التسعين. وكان ثقة مأمونًا، أثنى عليه الدارقطني وغيره.\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ٢٥٠ - ٢٥١).\n(٢) تاريخ بغداد (١٢/ ٤٤١) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ١٤٩ - ١٥٠) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣) وشذرات الذهب (٢/ ٢٤٦).","vol":"4","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1975>موقفه من الرافضة:</span>\nسمعت قاسم بن زكريا المطرز يقول: وردت الكوفة وكتبت عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب فلما فرغت ممن سواه دخلت عليه وكان يمتحن من يسمع منه فقال لي: من حفر البحر؟ فقلت: الله خلق البحر فقال: هو كذلك، ولكن من حفره؟ فقلت: يذكر الشيخ فقال: حفره علي بن أبي طالب ﵁ ثم قال: من أجراه؟ فقلت: الله مجري الأنهار ومنبع العيون، فقال: هو كذلك ولكن من أجرى البحر؟ فقلت: يفيدني الشيخ فقال: أجراه الحسين بن علي، قال: وكان عباد مكفوفًا ورأيت في داره سيفًا معلقًا وحجفة، فقلت: أيها الشيخ لمن هذا السيف؟ فقال: هذا لي أعددته لأقاتل به مع المهدي، قال: فلما فرغت من سماع ما أردت أن أسمعه منه وعزمت على الخروج من البلد دخلت عليه فسألني كما كان يسألني وقال: من حفر البحر؟ فقلت: حفره معاوية وأجراه عمرو بن العاص ثم وليت من بين يديه وجعلت أعدو وجعل يصيح أدركوا الفاسق عدو الله فاقتلوه أو كما قال. (١)\n\nابن مُجَاشِع (٢) (٣٠٥ هـ)\nهو عمران بن موسى بن مجاشع الجرجاني السختياني، أبو إسحاق، الإمام المحدث الحجة الحافظ. سمع من هدبة بن خالد، وشيبان بن فروخ،\n_________\n(١) الكفاية (١٣١ - ١٣٢) والسير (١١/ ٥٣٨).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٣٦ - ١٣٧) وتاريخ جرجان للسهمي (٣٢٢ - ٣٢٣) والعبر (١/ ٢٧٨) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧٦٢ - ٧٦٣).","vol":"4","page":518},{"text":"وإبراهيم ابن المنذر الحزامي، وابني أبي شيبة، وسويد بن سعيد وطبقتهم. وحدث عنه رفيقه إبراهيم بن يوسف الهسنجاني، والحافظ أبو علي النيسابوري، وأبو بكر الإسماعيلي، وخلق كثير. قال الحاكم: هو محدث ثبت مقبول، كثير التصنيف والرحلة. مات ﵀ بجرجان في شهر رجب سنة خمس وثلاثمائة، وهو في عشر المائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1977>موقفه من الجهمية:</span>\nسمعت يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت عمران بن موسى الجرجاني يقول: سمعت سويد بن سعيد يقول: سمعت مالكًا، وشريكًا، وحماد بن زيد، وابن عيينة، والفضيل بن عياض، ومسلم بن خالد، وابن إدريس، وجميع من حملت عنه العلم يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. والقرآن كلام الله من صفة ذاته، غير مخلوق، من قال: إنه مخلوق، فهو كافر. قال عمران: بهذا أدين، وما رأيت محدثًا إلا وهو يقوله. (١)\n\nعَبْدَان عبد الله بن أحمد بن موسى (٢) (٣٠٦ هـ)\nعبدان عبد الله بن أحمد بن موسى، الحافظ الحجة أبو محمد الأهوازي الجواليقي. سمع محمد بن بكار، وأبا بكر بن أبي شيبة، وشيبان بن فروخ. حدث عنه ابن قانع، والطبراني، وأبو بكر الإسماعيلي. قال الحاكم: سمعت أبا\n_________\n(١) السير (١٤/ ١٣٦).\n(٢) السير (١٤/ ١٦٨ - ١٧٣) وتاريخ بغداد (٩/ ٣٧٨) والنجوم الزاهرة (٣/ ١٩٥) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٨٨) وشذرات الذهب (٢/ ٢٤٩).","vol":"4","page":519},{"text":"علي الحافظ يقول: ما رأيت في المشايخ أحفظ من عبدان. وقال حمزة الكناني: سمعت عبدان يقول: دخلت البصرة ثمان عشرة مرة من أجل حديث أيوب السختياني، وجمعت ما يجمعه أصحاب الحديث -يعني من حديث الكبار-.\nتوفي سنة ست وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1979>موقفه من المبتدعة:</span>\nأخرج الخطيب: عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ\". قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: \"النزاع من القبائل\" (١).\nقال عبدان: هم أصحاب الحديث الأوائل. (٢)\n\nابن سُرَيْج (٣) (٣٠٦ هـ)\nالإمام، شيخ الإسلام، فقيه العراقين، أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، القاضي الشافعي، صاحب المصنفات. تفقه على أبي القاسم\n_________\n(١) رواه أحمد وابنه (١/ ٣٩٨) والترمذي (٥/ ١٩/٢٦٢٩) وقال: \"حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه (٢/ ١٣٢٠/٣٩٨٨) والبغوي في شرح السنة (١/ ١١٨/٦٤) وقال: \"حديث صحيح\" قال الشيخ الألباني عقبه: \"هو كما قال، لولا أن أبا إسحاق وهو السبيعي عمرو بن عبد الله مدلس، وقد عنعنه في جميع الطرق عنه، مع كونه كان اختلط\". انظر الصحيحة (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠).\n(٢) شرف أصحاب الحديث (٢٣ - ٢٤).\n(٣) تاريخ بغداد (٤/ ٢٨٧ - ٢٩٠) ووفيات الأعيان (١/ ٦٦ - ٦٧) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨١١ - ٨١٣) والوافي بالوفيات (٧/ ٢٦٠ - ٢٦١) والبداية والنهاية (١١/ ١٢٩) وشذرات الذهب (٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨) والسير (١٤/ ٢٠١ - ٢٠٤).","vol":"4","page":520},{"text":"عثمان ابن بشار الأنماطي الشافعي صاحب المزني. سمع من الحسن بن محمد الزعفراني تلميذ الشافعي، ومن علي بن إشكاب وأحمد بن منصور الرمادي وأبي داود السجستاني وغيرهم. وحدث عنه أبو القاسم الطبراني، وأبو الوليد حسان بن محمد الفقيه وأبو أحمد بن الغطريف الجرجاني وغيرهم. قال أبو الوليد الفقيه: سمعت ابن سريج يقول: قل ما رأيت من المتفقهة من اشتغل بالكلام فأفلح، يفوته الفقه ولا يصل إلى معرفة الكلام. كان ابن سريج يلقب بالباز الأشهب، ولي قضاء شيراز وله من المصنفات أربعمائة مصنف. كان يناظر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، وحكي أنه قال له أبو بكر يومًا: أبلعني ريقي. فقال له: أبلعتك دجلة، وقال له يومًا: أمهلني ساعة. قال: أمهلتك من الساعة إلى قيام الساعة. وقال له يومًا: أكلمك من الرجل فتجيبني من الرأس. فقال له: هكذا البقر إذا جفت أظلافها دهنت قرونها. توفي سنة ست وثلاث مائة، وله سبع وخمسون سنة وستة أشهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1981>موقفه من الجهمية:</span>\nهذا الإمام وأمثاله من الأئمة الذين تشرفوا بنسبتهم إلى الدفاع عن العقيدة السلفية، كان ينبغي أن يكون الاقتداء بهم في هذا الطريق لا بالمتأخرين الذين بعدوا عن السنة، وأصبحت عقائدهم مبنية على طرق كلامية فلسفية وبهؤلاء اقتدى السبكي وابنه عبد الوهاب، حتى أعماهم هذا التقليد العفن وجعلهم يتوهمون ما هم عليه أنه عقيدة أهل الحديث والسلف. ولذا أبرز عبد الوهاب أسنانه في طبقاته وحاول أن يجعل كل سلفي خلفيًا كما فعل في ترجمة الإمام الكرجي وغيره وحملاته على الإمام الذهبي في كثير","vol":"4","page":521},{"text":"من المواضع. ونحن بصدد الحديث على هذا الإمام، فنذكر مواقفه:\n- جاء في ذم الكلام: قيل لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد؟ فقال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتوحيد أهل الباطل: الخوض في الأعراض والأجسام وإنما بعث النبي - ﷺ - بإنكار ذلك. (١)\n\" التعليق:\nرحمك الله يا إمام الشافعية في وقته فهذا الذي تقوله أن النبي - ﷺ - بعث لمحاربته هو التوحيد الذي يعترف به علماء اليوم ويَدْرُسُونَه ويُدَرِّسُونَه في مدارسهم والله المستعان.\n\n- وجاء في اجتماع الجيوش: ذكر أبو القاسم سعد بن علي بن محمد الزنجاني في جوابات المسائل التي سئل عنها بمكة فقال: الحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا وعلى كل حال وصلى الله على محمد المصطفى وعلى الأخيار الطيبين من الأصحاب والآل، سألت أيدك الله تعالى بتوفيقه بيان ما صح لدي، وتأدى حقيقته إلى من سلك مذهب السلف وصالحي الخلف في الصفات الواردة في الكتاب المنزل والسنة المنقولة بالطرق الصحيحة برواية الثقات الأثبات عن النبي - ﷺ - بوجيز من القول واقتصار في الجواب.\nفاستخرت الله ﷾ وأجبت عنه بجواب بعض الأئمة الفقهاء\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٧٤).","vol":"4","page":522},{"text":"وهو: أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج رحمه الله تعالى. وقد سئل عن مثل هذا السؤال فقال:\nأقول وبالله التوفيق: حرام على العقول أن تمثل الله ﷾ وعلى الأوهام أن تحده وعلى الظنون أن تقع وعلى الضمائر أن تعمق وعلى النفوس أن تفكر وعلى الأفكار أن تحيط وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ -. وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانة والسنة والجماعة من السلف الماضين والصحابة والتابعين من الأئمة المهتدين الراشدين المشهورين، إلى زماننا هذا، أن جميع الآي الواردة عن الله تعالى في ذاته وصفاته، والأخبار الصادقة الصادرة عن رسول الله - ﷺ - في الله وفي صفاته التي صححها أهل النقل، وقبلها النقاد الأثبات؛ يجب على المرء المسلم المؤمن الموفق الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وتسليم أمره إلى الله ﷾ كما أمر، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿والأرض جميعًا\n_________\n(١) البقرة الآية (٢١٠).\n(٢) الفجر الآية (٢٢).\n(٣) طه الآية (٥).","vol":"4","page":523},{"text":"قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١)،ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية والنفس واليدين والسمع والبصر والكلام والعين والنظر والإرادة والرضا والغضب والمحبة والكرامة والعناية والقرب والبعد والسخط والاستحياء، والدنوّ كقاب قوسين أو أدنى وصعود الكلام الطيب إليه، وعروج الملائكة والروح إليه، ونزول القرآن منه، وندائه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقوله للملائكة، وقبضه وبسطه وعلمه ووحدانيته وقدرته ومشيئته وصمدانيته وفردانيته وأوليته وآخريته وظاهريته وباطنيته وحياته وبقائه وأزليته وأبديته ونوره وتجليه والوجه، وخلق آدم ﵇ بيده ونحو قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٣)، وسماعه من غيره وسماع غيره منه وغير ذلك من صفاته المتعلقة به المذكورة في الكتاب المنزل على نبيه - ﷺ - وجميع ما لفظ به المصطفى - ﷺ - من صفاته، كغرسه جنته الفردوس بيده، وشجرة طوبى بيده، وخط التوراة بيده، والضحك والتعجب ووضعه القدم على النار فتقول قط قط، وذكر الأصابع والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، وليلة الجمعة وليلة النصف من شعبان وليلة القدر، وغيرته وفرحه بتوبة العبد واحتجابه بالنور وبرداء الكبرياء، وأنه ليس\n_________\n(١) الزمر الآية (٦٧) ..\n(٢) الملك الآية (١٦).\n(٣) الزخرف الآية (٨٤) ..","vol":"4","page":524},{"text":"بأعور، وأنه يعرض عما يكره ولا ينظر إليه، وأن كلتا يديه يمين، واختيار آدم قبضة اليمنى وحديث القبضة، وله كل يوم كذا وكذا نظرة في اللوح المحفوظ، وأنه يوم القيامة يحثو ثلاث حثيات من جهنم فيدخلهم الجنة، ولما خلق آدم ﵊ مسح ظهره بيمينه، فقبض قبضة، فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي أصحاب اليمين وقبض قبضة أخرى وقال: هذه للنار ولا أبالي أصحاب الشمال، ثم ردهم في صلب آدم (١). وحديث القبضة التي يخرج بها من النار قومًا لم يعملوا خيرًا قط، عادوا حممًا فيلقون في نهر من الجنة يقال له نهر الحياة (٢) وحديث خلق آدم على صورته وقوله: \"لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن\" (٣)\nوإثبات الكلام بالحرف والصوت وباللغات وبالكلمات وبالسورن وكلامه تعالى لجبريل والملائكة ولملك الأرحام والرحم ولملك الموت ولرضوان ولمالك ولآدم ولموسى ولمحمد - ﷺ - وللشهداء وللمؤمنين عند الحساب، وفي الجنة ونزول القرآن إلى سماء الدنيا وكون القرآن في المصاحف وما أذن الله لشيء كأَذنه لنبي يتغنى بالقرآن\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٨٦) من حديث عبد الرحمن بن قتادة، وصححه ابن حبان (٢/ ٥٠/٣٣٨) والحاكم (١/ ٣١) ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي (٧/ ١٨٦) وقال: \"رواه أحمد ورجاله ثقات وفي الباب عن عدة من الصحابة كأنس وأبي موسى وحكيم بن حزام وأبي سعيد وابن عمر ومعاذ وغيرهم\".\n(٢) جزء من حديث طويل أخرجه: أحمد (٣/ ١٦ - ١٧و٩٤ - ٩٥) والبخاري (١٣/ ٥١٧ - ٥١٩/ ٧٤٣٩) ومسلم (١/ ١٦٧ - ١٧١/ ١٨٣) والترمذي (٤/ ٦١٥/٢٥٩٨) مختصرًا، والنسائي (٨/ ٤٨٦ - ٤٨٧/ ٥٠٢٥) وابن ماجه (١/ ٢٣/٦٠) من طرق عن أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) سيأتي تخريجه في مواقف البربهاري سنة (٣٢٩هـ) ..","vol":"4","page":525},{"text":"وقوله: لله أشد أذنا لقارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته (١) وأن الله سبحانه يحب العطاس ويكره التثاؤب (٢). وفرغ الله من الرزق والأجل وحديث ذبح الموت ومباهاة الله تعالى وصعود الأقوال والأعمال والأرواح إليه، وحديث معراج الرسول - ﷺ - ببدنه وبيان نفسه ونظره إلى الجنة والنار وبلوغه إلى العرش إلى أن لم يكن بينه وبين الله إلا حجاب العزة وعرض الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام وعرض أعمال الأمة عليه.\nوغير هذا مما صح عنه - ﷺ - من الأخبار المتشابهة الواردة في صفات الله سبحانه ما بلغنا وما لم يبلغنا مما صح عنه اعتقادنا فيه، وفي الآي المتشابهة في القرآن أن نقبلها ولا نردها ولا نتأوله بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها، ولا نفسرها ولا نكيفها، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية ولا نشير إليها بخواطر القلوب ولا بحركات الجوارح بل نطلق ما أطلقه الله ﷿ ونفسر ما فسره النبي - ﷺ - وأصحابه والتابعون والأئمة المرضيون من السلف المعروفين بالدين والأمانة، ونجمع على ما أجمعوا عليه ونمسك عن ما أمسكوا عنه ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهرة تنزيلها لا نقول بتأويل المعتزلة، والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل ونؤمن بها بلا تمثيل ونقول: الإيمان بها واجب والقول بها سنة وابتغاء تأويلها بدعة. آخر كلام أبي العباس بن سريج الذي حكاه أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في أجوبته. (٣)\n\" التعليق:\nماذا يقول أشاعرة الشافعية في هذه العقيدة، هل اخترعها ابن القيم وولد ألفاظها، وهي ثابتة حقًا كما ذكر ابن القيم مرجعه ومستنده. فهذه العقيدة المباركة جمعت الصفات الواردة في القرآن والسنة وما يداخلها من الصفات وقد أوضحها الشيخ وضوحًا لا مزيد عليه. بين ما يتوهم أن مذهب السلف هو التفويض بل بين أن مذهب السلف هو الإثبات وعلى هذا النهج نهج ابن تيمية وابن القيم فماذا يقول المخالفون هل هذا الإمام مسبق بهذا أو هو شيء اخترعه من عنده أو أن هذا تلقاه الخلف عن السلف إلى الصحابة ثم إلى الرسول - ﷺ - والله المستعان.\n- وقال أبو الوليد الفقيه: سمعت ابن سريج يقول: ما رأيت من\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٦/ ١٩) والحاكم (١/ ٥٧٠ - ٥٧١) وصححه وتعقبه الذهبي بقوله بل هو منقطع. أبو عبيد في فضائل القرآن (١/ ٣٣٠) والبيهقي (١٠/ ٢٣٠) والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ١٢٤) وابن عساكر (٦١/ ٣٢١) من طريق إسماعيل بن عبد الله عن فضالة بن عبيد مرفوعًا.\nوأخرجه: أحمد (٦/ ٢٠) وابن حبان (٣/ ٣١/٧٥٤) وابن ماجه (١/ ٤٢٥/١٣٤٠) وقال البوصيري: \"إسناده صحيح\"، وابن عساكر (٦١/ ٣٢١) والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٠١/٧٧٢) والبيهقي (١٠/ ٢٣٠)، البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ١٢٤) كلهم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبد الله عن ميسرة مولى فضالة عن فضالة ابن عبيد مرفوعًا بلفظ \"الله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته\" والحديث ضعفه الشيخ الألباني ﵀ في ضعيف الترغيب (١/ ٤٣٨).\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٦٥) والبخاري (١٠/ ٧٤٠/٦٢٢٣) وأبو داود (٥/ ٢٨٧/٥٠٢٨) والترمذي (٥/ ٨١/٢٧٤٧) والنسائي في الكبرى (٦/ ٦٢/١٠٠٤٣) من طرق عن أبي هريرة ﵁.\n(٣) اجتماع الجيوش (١٥٨ - ١٦٢).","vol":"4","page":null},{"text":"المتفقهة من اشتغل بالكلام فأفلح، يفوته الفقه ولا يصل إلى معرفة الكلام. قال: وكنا نأتي مجلس ابن سريج سنة ثلاث وثلاث مائة فقام إليه شيخ من أهل العلم فقال: أبشر أيها القاضي فإن الله يبعث على كل مائة سنة من يجدد للأمة دينها، والله تعالى بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المائتين الشافعي، وبعثك على رأس الثلاث مائة ثم أنشأ يقول:\nاثنان قد مضيا وبورك فيهما ... عمر الخليفة ثم خلف السودد\nالشافعي الألمعي محمد ... إرث النبوة وابن عم محمد\nأبشر أبا العباس إنك ثالث ... من بعدهم سقيا لنوبة أحمد\nفصاح أبو العباس وبكى وقال: لقد نعى إلي نفسي. قال حسان: فمات القاضي أبو العباس في تلك السنة. كذا في النسخة سنة ثلاث وكأنها سنة ست تصحفت. وقد كان على رأس المائة الرابعة الإمام أبو حامد الإسفراييني ببغداد. (١)\n\nأبو يحيى السَّاجي (٢) (٣٠٧ هـ)\nالإمام الثبت، الحافظ، محدث البصرة وشيخها ومفتيها، أبو يحيى زكريا ابن يحيى بن عبد الرحمن بن بحر بن عدي. البصري الشافعي. سمع أبا الربيع الزهراني وعبيد الله بن معاذ العنبري وهدبة بن خالد القيسي وخلقا بالبصرة\n_________\n(١) التذكرة (٣/ ٨١٢).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ٦٠١) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧٠٩ - ٧١٠) وميزان الاعتدال (٢/ ٧٩) واللسان (٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩) والبداية والنهاية (١١/ ١٤٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ٣٣٤) وشذرات الذهب (٢/ ٢٥٠ - ٢٥١) والسير (١٤/ ١٩٧ - ٢٠٠).","vol":"4","page":528},{"text":"ولم يرحل. وحدث عنه أبو أحمد بن عدي وأبو بكر الإسماعيلي وأبو القاسم الطبراني وخلق. قال الذهبي: وللساجي مصنف جليل في علل الحديث يدل على تبحره وحفظه، ولم تبلغنا أخباره كما في النفس، وقد هم بمن أدخل عليه، فقال الخليلي، سمعت عبد الرحمن بن أحمد الشيرازي الحافظ يقول: سألت ابن عدي عن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن منده فقال: كنا بالبصرة عند زكريا الساجي فقرأ عليه إبراهيم حديثين عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عن مالك، فقلت: هما عن يونس، فأخذ الساجي كتابه فتأمل وقال لي: هو كما قلت، وقال لإبراهيم: ممن أخذت هذا؟ فأحال على بعض أهل البصرة، قال: علي بصاحب الشرطة حتى أسود وجه هذا، فكلموه حتى عفا عنه، ومزق الكتاب. مات بالبصرة سنة سبع وثلاث مائة وهو في عشر التسعين ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1983>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في اجتماع الجيوش الإسلامية عنه قال: القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم أن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء ثم ذكر بقية الاعتقاد، ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء وقال أخذ عن الربيع والمزني وله كتاب اختلاف الفقهاء وكتاب علل الحديث وهو شيخ أبي الحسن الأشعري في الفقه والحديث وذكر ما حكاه أبو نصر السجزي عن أهل الحديث قال: وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن زيد والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون","vol":"4","page":529},{"text":"على أن الله فوق العرش بذاته وأن علمه بكل مكان. (١)\n\nعروس المُؤَذِّن (٢) (٣٠٧ هـ)\nالرجل الصالح المتعبد عروس المؤذن. كان يؤذن بمسجد أبي عياش الفقيه، صاحب سحنون، وكان اسمه منيب. قال صاحب معالم الإيمان: وكان زاهدًا يطحن بيده ويعيش من عمل الحلفاء. قتل -﵀- سنة سبع وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1985>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في معالم الإيمان: وسبب قتله أنه كان يؤذن في مسجد عباس الفقيه صاحب سحنون، فشهد عليه بعض المشارقة أنه لم يقل في آذانه \"حي على خير العمل\"، فقطع لسانه، وعلق بين عينيه، وطيف به القيروان ثم قتل بالمرضاخ. (٣)\n\nالحسن بن مفرج (٤) (٣٠٩ هـ)\nهو الحسن بن مفرج أبو القاسم مولى مهرية بنت الأغلب بن إبراهيم. كان من العباد الزهاد، ينتحل التوكل، كثير الحج والأسفار والتغريب عن\n_________\n(١) اجتماع الجيوش (ص.٢٢٦ - ٢٢٧).\n(٢) رياض النفوس (٢/ ١٥٢) ومعالم الإيمان (٣/ ٥).\n(٣) معالم الإيمان (٣/ ٥).\n(٤) معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٦).","vol":"4","page":530},{"text":"الأوطان. خرج مع جماعة على عبيد الله المهدي، فأخذ وقتل مصلوبًا سنة تسع وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1987>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في معالم الإيمان: قال: مات أبو القاسم شهيدًا قتله عبيد الله المهدي، وكان سبب قتله أنه رأى أمورًا لا يحل المقام عليها لمسلم، فخرج مع جماعة على عبيد الله، فأخذ وقتل معه محمد بن عبد الله السدري، وصلبا جميعًا.\nقال التجيبي: ولما سجن رأى كأنه أتى بقصعة من شهد، فحساها فأصبح يحكيه فقال له رجل: أي شيء هذه الشهادة أتتك؟ فما تضحى نهار ذلك اليوم حتى تقتل فكأنه جزع، فقيل له تكره القدوم إلى الله؟ فوثب كأنه حل من عقال يقول: لبيك لبيك، حتى ضربت عنقه وقال المالكي: قتلا بالرماح وصلبا برملة المهدية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1988>موقف السلف من الحلاّج (٣٠٩ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\nهذا الخبيث هو وأمثاله من زنادقة الصوفية الذين يتسترون بأنهم أهل الولاية وهم الزنادقة ورثة الحلولية والباطنية الذين آلوا على أنفسهم أنهم لا يتركون للإسلام قائمة ولكن الله يحفظ دينه رغم مكائدهم ومن تتبع ما\n_________\n(١) معالم الإيمان (٢/ ٣٥٤).","vol":"4","page":531},{"text":"كتبناه في هذا البحث المبارك ير صدق ذلك في هؤلاء الزنادقة وما فعله المسلمون بهم في كل زمان ومكان، ومهما تستروا يكشف الله أمرهم ويظهروا على حقيقتهم. وهكذا كل مغرض يكون منافقًا مدة ثم ينكشف. وهذا الزنديق قد ساق أخباره غير واحد ممن ألف في التاريخ والطبقات وخصوصًا الذين ألفوا في طبقات الصوفية كأبي عبد الرحمن السلمي والنقاش والشعراني وغيرهم وهم يختلفون فيه ما بين مثبت له وما بين رافض كل حسب مصلحته، وإلا أمثال هؤلاء لا يختلف فيهم اثنان ولا يتناطح فيهم عنزان. وإليك نماذج من زندقته وشعوذته وموقف العلماء والخليفة منه.\n- جاء في السير: بالسند إلى منجم ماهر قال: بلغني خبر الحلاج فجئته كالمسترشد فخاطبني وخاطبته ثم قال: تشهّ الساعة ما شئت حتى أجيئك به. وكنا في بعض بلدان الجبل التي لا يكون فيها الأنهار فقلت: أريد سمكًا طريًا حيًا، فقام فدخل البيت وأغلق بابه وأبطأ ساعة ثم جاءني وقد خاض وحلًا إلى ركبته ومعه سمكة تضطرب، وقال: دعوت الله فأمرني أن أقصد البطائح فجئت بهذه، قال: فعلمت أن هذا حيلة فقلت له: فدعني أدخل البيت فإن لم تنكشف لي حيلة آمنت بك: قال: شأنك، فدخلت البيت وغلقت على نفسي، فلم أجد طريقًا ولا حيلة ثم قلعت من التأزير، ودخلت إلى دار كبيرة فيها بستان عظيم فيه صنوف الأشجار والثمار والريحان، التي هو وقتها وما ليس وقتها مما قد غطي وعتق، واحتيل في بقائه، وإذا الخزائن مفتحة، فيها أنواع الأطعمة وغير ذلك، وإذا بِرْكة كبيرة، فخضتها فإذا رجلي قد سارت بالوحل كرجليه، فقلت: الآن إن خرجت ومعي سمكة قتلني، فصدت سمكة","vol":"4","page":532},{"text":"فلما صرت إلى باب البيت أقبلت أقول: آمنت وصدقت ما ثم حيلة وليس إلا التصديق بك. قال: فخرج وخرجت وعدوت فرأى السمكة معي فعدا خلفي فلحقني فضربت بالسمكة في وجهه وقلت له: أتعبتني حتى مضيت إلى البحر فاستخرجت هذه، فاشتغل بما لحقه من السمكة فلما صرت في الطريق رميت بنفسي لما لحقني من الجزع والفزع فجاء إلي وضاحكني وقال: ادخل فقلت: هيهات. فقال: اسمع والله لئن شئت قتلتك على فراشك، ولكن إن سمعت بهذه الحكاية لأقتلنك. فما حكيتها حتى قتل. (١)\n- وقال ابن كثير: روى الخطيب البغدادي أن الحلاّج بعث رجلًا من خاصة أصحابه وأمره أن يذهب بين يديه إلى بلد من بلاد الجبل، وأن يظهر لهم العبادة والصلاح والزهد، فإذا رآهم قد أقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمي، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح، فإذا سعوا في مداواته، قال لهم: يا جماعة الخير، إنه لا ينفعني شيء مما تفعلون، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد رأى رسول الله - ﷺ - في المنام وهو يقول له: إن شفاءك لا يكون إلا على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وصفته كذا وكذا. وقال له الحلاج: إني سأقدم عليك في ذلك الوقت. فذهب ذلك الرجل إلى تلك البلاد فأقام بها يتعبد ويظهر الصلاح والتنسك ويقرأ القرآن. فأقام مدة على ذلك فاعتقدوه وأحبوه، ثم أظهر لهم أنه قد عمي فمكث حينًا على ذلك، ثم أظهر لهم أنه قد زمن، فسعوا بمداواته\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤).","vol":"4","page":533},{"text":"بكل ممكن فلم ينتج فيه شيء، فقال لهم: يا جماعة الخير هذا الذي تفعلونه معي لا ينتج شيئًا وأنا قد رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام وهو يقول لي: إنّ عافيتك وشفاءك إنما هو على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وكانوا أولًا يقودونه إلى المسجد ثم صاروا يحملونه ويكرمونه [حتى] (١) كان في الوقت الذي ذكر لهم، واتفق هو والحلاج عليه، أقبل الحلاج حتى دخل البلد مختفيًا وعليه ثياب صوف بيض، فدخل المسجد ولزم سارية يتعبد فيه لا يلتف إلى أحد، فعرفه الناس بالصفات التي وصف لهم ذلك العليل، فابتدروا إليه يسلمون عليه ويتمسحون به، ثم جاؤوا إلى ذلك الزّمِن المتعافى فأخبره بخبره، فقال: صفوه لي، فوصفوه له فقال: هذا الذي أخبرني عنه رسول الله - ﷺ - في المنام، وأن شفائي على يديه، اذهبوا بي إليه.\nفحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه فقال: يا أبا عبد الله إني رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام. ثم ذكر له رؤياه، فرفع الحلاج يديه فدعا له ثم تفل من ريقه في كفيه ثم مسح بهما على عينيه ففتحهما كأن لم يكن بهما داء قط فأبصر، ثم أخذ من ريقه فمسح على رجليه فقام من ساعته فمشى كأنه لم يكن به شيء والناس حضور، وأمراء تلك البلاد وكبراؤهم عنده، فضج الناس ضجة عظيمة وكبروا الله وسبحوه وعظموا الحلاج تعظيمًا زائدًا على ما أظهر لهم من الباطل والزور. ثم أقام عندهم مدة يكرمونه ويعظمونه ويودون لو طلب منهم ما عساه أن يطلب من أموالهم. فلما أراد الخروج\n_________\n(١) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"4","page":534},{"text":"عنهم أرادوا أن يجمعوا له مالًا كثيرًا فقال: أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا، وإنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا، ولعل صاحبكم هذا أن يكون له إخوان وأصحاب من الأبدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس، ويحجون ويتصدقون، محتاجين إلى ما يعينهم على ذلك. فقال ذلك الرجل المتزامن المتعافى: صدق الشيخ، قد رد الله علي بصري ومن الله علي بالعافية، لأجعلن بقية عمري في الجهاد في سبيل الله، والحج إلى بيت الله مع إخواننا الأبدال والصالحين الذين نعرفهم، ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم. ثم إن الحلاج خرج عنهم ومكث ذلك الرجل بين أظهرهم مدة إلى أن جمعوا له مالًا كثيرًا ألوفًا من الذهب والفضة، فلما اجتمع له ما أراد ودعهم وخرج عنهم فذهب إلى الحلاج فاقتسما ذلك المال. (١)\n- وقال أيضًا: كان الحلاج متلونًا تارة يلبس المسوح، وتارة يلبس الدراعة، وتارة يلبس القباء، وهو مع كل قوم على مذهبهم: إن كانوا أهل سنة أو رافضة أو معتزلة أو صوفية أو فساقًا أو غيرهم، ولما أقام بالأهواز جعل ينفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القدرة، فسئل الشيخ أبو علي الجبائي عن ذلك فقال: إن هذا كله مما يناله البشر بالحيلة، ولكن أدخلوه بيتًا لا منفذ له ثم سلوه أن يخرج لكم جرزتين من شوك. فلما بلغ ذلك الحلاج تحول من الأهواز. (٢)\n- جاء في السير عن أحمد بن يوسف الأزرق: أن الحلاج لما قدم بغداد\n_________\n(١) البداية (١١/ ١٤٥ - ١٤٦) والسير (١٤/ ٣١٩ - ٣٢٠).\n(٢) البداية (١١/ ١٤٧ - ١٤٨) والسير (١٤/ ٣٢٠).","vol":"4","page":535},{"text":"استغوى خلقًا من الناس والرؤساء، وكان طمعه في الرافضة أقوى لدخوله في طريقهم، فراسل أبا سهل بن نوبخت يستغويه، وكان أبو سهل فطنًا، فقال لرسوله: هذه المعجزات التي يظهرها يمكن فيها الحيل، ولكني رجل غزل، ولا لذة لي أكبر من النساء، وأنا مبتلى بالصلع، فإن جعل لي شعرًا ورد لحيتي سوداء، آمنت بما يدعوني إليه وقلت: إنه باب الإمام، وإن شاء قلت: إنه الإمام، وإن شاء قلت: إنه النبي، وإن شاء قلت: إنه الله. فأيس الحلاج منه وكف. (١)\n- وجاء فيها أيضًا: عن أبي بكر بن سعدان قال: قال لي الحلاج: تؤمن بي حتى أبعث إليك بعصفور أطرح من ذرقها وزن حبة على كذا منا نحاسًا فيصير ذهبًا؟ فقلت له: بل أنت تؤمن بي حتى أبعث إليك بفيل يستلقي فتصير قوائمه في السماء، فإذا أردت أن تخفيه أخفيته في إحدى عينيك. قال: فبهت وسكت.\nويروى أن رجلًا قال للحلاج: أريد تفاحة، ولم يكن وقته، فأومأ بيده إلى الهواء، فأعطاهم تفاحة وقال: هذه من الجنة. فقيل له: فاكهة الجنة غير متغيرة، وهذه فيها دودة. فقال: لأنها خرجت من دار البقاء إلى دار الفناء، فحل بها جزء من البلاء. فانظر إلى ترامي هذا المسكين على الكرامات والخوارق، فنعوذ بالله من الخذلان، فعن عمر ﵁ أنه كان يتعوذ من خشوع النفاق. (٢)\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).\n(٢) السير (١٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥).","vol":"4","page":536},{"text":"- وفيها أيضًا عن زيد القصري قال: كنت بالقدس، إذ دخل الحلاج، وكان يومئذ يشعل فيه قنديل قمامة بدهن البَلَسان، فقام الفقراء إليه يطلبون منه شيئًا، فدخل بهم إلى القمامة، فجلس بين الشمامسة، وكان عليه السواد، فظنوه منهم، فقال لهم: متى يشعل القنديل؟ قالوا: إلى أربع ساعات. فقال: كثير. فأومأ بأصبعه، فقال: الله. فخرجت نار من يده، فأشعلت القنديل، واشتعلت ألف قنديل حواليه، ثم ردت النار إلى أصبعه، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا حنيفي، أقل الحنيفيين، تحبون أن أقيم أو أخرج؟ فقالوا: ما شئت. فقال: أعطوا هؤلاء شيئًا. فأخرجوا بدرة فيها عشرة آلاف درهم للفقراء. فهذه الحكاية وأمثالها ما صح منها فحكمه أنه مخدوم من الجن.\n- قال التنوخي: وحدثني أحمد بن يوسف الأزرق قال: بلغني أن الحلاج كان لا يأكل شيئًا شهرًا، فهالني هذا، وكان بين أبي الفرج وبين روحان الصوفي مودة، وكان محدثًا صالحًا، وكان القصري -غلام الحلاج- زوج أخته، فسألته عن ذلك فقال: أما ما كان الحلاج يفعله فلا أعلم كيف كان يتم له، ولكن صهري القصري قد أخذ نفسه، ودرجها، حتى صار يصبر عن الأكل خمسة عشر يومًا، أقل أو أكثر. وكان يتم له ذلك بحيلة تخفى علي، فلما حبس في جملة الحلاجية، كشفها لي، وقال لي: إن الرصد إذا وقع بالإنسان، وطال فلم تنكشف معه حيلة، ضعف عنه الرصد، ثم لا يزال يضعف كلما لم تنكشف حيلته، حتى يبطل أصلًا، فيتمكن حينئذ من فعل ما يريد، وقد رصدني هؤلاء منذ خمسة عشر يومًا، فما رأوني آكل شيئًا بتة، وهذا نهاية صبري، فخذ رطلًا من الزبيب ورطلا من اللوز، فدقهما،","vol":"4","page":537},{"text":"واجعلهما مثل الكسب وابسطه كالورقة، واجعلها بين ورقتين كدفتر، وخذ الدفتر في يدك مكشوفًا مطويًا ليخفى، وأحضره لي خفية لآكل منه وأشرب الماء في المضمضة، فيكفيني ذلك خمسة عشر يومًا أخرى. فكنت أعمل ذلك له طول حبسه. (١)\nنماذج من زندقته:\n- قال السلمي: وحكي عنه أنه رؤي واقفًا في الموقف، والناس في الدعاء وهو يقول: أنزهك عما قرفك به عبادك، وأبرأ إليك مما وحدك به الموحدون.\nقال الذهبي ﵀: هذا عين الزندقة، فإنه تبرأ مما وحد الله به الموحدون الذين هم الصحابة والتابعون وسائر الأمة، فهل وحدوه تعالى إلا بكلمة الإخلاص التي قال رسول الله - ﷺ -: \"من قالها من قلبه فقد حرم ماله ودمه\" (٢) وهي شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا برئ الصوفي منها فهو ملعون زنديق وهو صوفي الزي والظاهر متستر بالنسب إلى العارفين، وفي الباطن فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل كما كان جماعة في أيام النبي - ﷺ - منتسبين (٣) إلى صحبته وإلى ملته، وهم في الباطن من مردة المنافقين، قد لا يعرفهم نبي الله - ﷺ - ولا يعلم بهم. قال الله تعالى: ﴿ومن أهل\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٣٣ - ٣٣٥).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف أبي بكر الصديق ﵁ سنة (١٣هـ).\n(٣) في الأصل منتسبون والصواب ما أثبتناه.","vol":"4","page":538},{"text":"الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (١) فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فبالأولى أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده ﵇ على العلماء من أمته، فما ينبغي لك يا فقيه أن تبادر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي، كما لا يسوغ لك أن تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله، وانهتك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدل أن من رآه المسلمون صالحًا محسنًا، فهو كذلك، لأنهم شهداء الله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجرًا أو منافقًا أو مبطلًا، فهو كذلك، وأن من كان طائفة من الأمة تضلله، وطائفة من الأمة تثني عليه وتبجله، وطائفة ثالثة تقف فيه وتتورع من الحط عليه، فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة، لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريح ويصفو قلبك من الغل للمؤمنين.\nثم اعلم أن أهل القبلة كلهم، مؤمنهم وفاسقهم، وسنيهم ومبتدعهم -سوى الصحابة- لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصديق فرد الأمة، قد علمت تفرقهم فيه، وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك علي، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون، وكذلك بشر المريسي، وكذلك أحمد بن حنبل،\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠١) ..","vol":"4","page":539},{"text":"والشافعي، والبخاري، والنسائي، وهلم جرًا من الأعيان في الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمام كامل في الخير إلا وثم أناس من جهلة المسلمين ومبتدعيهم يذمونه ويحطون عليه، وما من رأس في البدعة والتجهم والرفض إلا وله أناس ينتصرون له، ويذبون عنه، ويدينون بقوله بهوى وجهل، وإنما العبرة بقول جمهور الأمة الخالين من الهوى والجهل، المتصفين بالورع والعلم، فتدبر -يا عبد الله- نحلة الحلاج الذي هو من رؤوس القرامطة، ودعاة الزندقة، وأنصف وتورع واتق ذلك وحاسب نفسك، فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل وبحق، فتبرأ من نحلته، وإن تبرهن لك والعياذ بالله، أنه كان -والحالة هذه- محقًا هاديًا مهديًا، فجدد إسلامك واستغث بربك أن يوفقك للحق، وأن يثبت قلبك على دينه، فإنما الهدى نور يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله، وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به، أرحت نفسك، ولم يسألك الله عنه أصلًا. (١)\n- ومن زندقته أيضًا قوله: الكفر والإيمان يفترقان من حيث الاسم، فأما من حيث الحقيقة، فلا فرق بينهما.\n- عن جندب بن زاذان، تلميذ الحسين قال: كتب الحسين إلي: باسم الله المتجلي عن كل شيء لمن يشاء، والسلام عليك يا ولدي، ستر الله عنك ظاهر الشريعة، وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر، وحقيقة\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٤٢ - ٣٤٥).","vol":"4","page":540},{"text":"الكفر معرفة جلية، وإني أوصيك أن لا تغتر بالله، ولا تيأس منه ولا ترغب في محبته ولا ترضى أن تكون غير محب ولا تقل بإثباته، ولا تمل إلى نفيه، وإياك والتوحيد، والسلام. (١)\n- وقال الذهبي: قال ابن باكويه: سمعت عيسى بن بزول القزويني يقول: إنه سأل ابن خفيف عن معنى هذه الأبيات:\nسبحان من أظهر ناسوته ... سر سنا لاهوته الثاقب\nثم بدا في خلقه ظاهرا ... في صورة الآكل والشارب\nحتى لقد عاينه خلقه ... كلحظة الحاجب بالحاجب\nفقال ابن خفيف: على قائل ذا لعنة الله. قال: هذا شعر الحسين الحلاج. قال: إن كان هذا اعتقاده، فهو كافر فربما يكون مقولا عليه. (٢)\n- وقال أيضًا: ذكر ابن حوقل قال: ظهر من فارس الحلاج ينتحل النسك والتصوف، فما زال يترقى طبقًا عن طبق حتى آل به الحال إلى أن زعم: أنه من هذب في الطاعة جسمه، وشغل بالأعمال قلبه، وصبر عن اللذات، وامتنع من الشهوات يترق في درج المصافاة، حتى يصفو عن البشرية طبعه، فإذا صفا حل فيه روح الله الذي كان منه إلى عيسى، فيصير مطاعًا، يقول للشيء: كن، فيكون، فكان الحلاج يتعاطى ذلك ويدعو إلى نفسه حتى استمال جماعة من الأمراء والوزراء، وملوك الجزيرة والجبال والعامة، ويقال: إن يده لما قطعت كتب الدم على الأرض: الله الله.\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٥٢ - ٣٥٣).\n(٢) السير (١٤/ ٣٢٥).","vol":"4","page":541},{"text":"قلت -أي الذهبي-: ما صح هذا، ويمكن أن يكون هذا من فعله بحركة زنده. (١)\nوقيل: إن الوزير حامدًا وجد في كتبه: إذا صام الإنسان وواصل ثلاثة أيام وأفطر في رابع يوم على ورقات هندبا أغناه عن صوم رمضان، وإذا صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى الغداة أغنته عن الصلاة بعد ذلك، وإذا تصدق بكذا وكذا أغناه عن الزكاة. (٢)\n- وفي السير والتلبيس: أن ابنة السمري أدخلت على حامد الوزير، فسألها عن الحلاج فقالت: حملني أبي إليه فقال: قد زوجتك من ابني سليمان، وهو مقيم بنيسابور، فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته فصومي يومك واصعدي في آخر النهار إلى السطح، وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه وعلى ملح جريش واستقبليني بوجهك واذكري لي ما أنكرتيه منه فإني أسمع وأرى، قالت: وكنت ليلة نائمة في السطح فأحسست به قد غشيني فانتبهت مذعورة لما كان منه، فقال: إنما جئتك لأوقظك للصلاة، فلما نزلنا قالت ابنته: اسجدي له، فقلت: أو يسجد أحد لغير الله؟! فسمع كلامي، فقال: نعم إله في السماء وإله في الأرض. (٣)\n- وفي السير عن إبراهيم بن شيبان قال: سلم أستاذي أبو عبد الله المغربي على عمرو بن عثمان، فجاراه في مسألة، فجرى في عرض الكلام أن\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٤٧).\n(٢) السير (١٤/ ٣٤٧).\n(٣) السير (١٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨) وتلبيس إبليس (٢١٣).","vol":"4","page":542},{"text":"قال: هاهنا شاب على جبل أبي قبيس. فلما خرجنا من عند عمرو صعدنا إليه، وكان وقت الهاجرة، فدخلنا عليه، فإذا هو جالس في صحن الدار على صخرة في الشمس، والعرق يسيل منه على الصخرة، فلما نظر إليه المغربي رجع وأشار بيده: ارجع. فنزلنا المسجد، فقال لي أبو عبد الله: إن عشت ترى ما يلقى هذا، قد قعد بحمقه يتصبر مع الله. فسألنا عنه، فإذا هو الحلاج. (١)\nوفي سنة إحدى وثلاث مئة أدخل الحلاج بغداد مشهورًا على جمل، قبض عليه بالسوس، وحمل إلى الرائشي، فبعث به إلى بغداد، فصلب حيًا، ونودي عليه: هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه. وقال الفقيه أبو علي بن البناء: كان الحلاج قد ادعى أنه إله، وأنه يقول بحلول اللاهوت في الناسوت، فأحضره الوزير علي بن عيسى فلم يجده -إذ سأله- يحسن القرآن والفقه ولا الحديث. فقال: تعلمك الفرض والطهور أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها. كم تكتب -ويلك- إلى الناس: تبارك ذو النور الشعشعاني؟ ما أحوجك إلى أدب وأمر به فصلب في الجانب الشرقي، ثم في الغربي، ووجد في كتبه: إني مغرق قوم نوح، ومهلك عادًا وثمود. (٢)\n- قال أبو علي التنوخي: أخبرني أبو الحسين بن عياش القاضي عمن أخبره: أنه كان بحضرة حامد بن العباس لما قبض على الحلاج، وقد جيء بكتب وجدت في داره من دعاته في الأطراف يقولون فيها: وقد بذرنا لك في كل أرض ما يزكو فيها، وأجاب قوم إلى أنك الباب -يعني الإمام-\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣١٧).\n(٢) السير (١٤/ ٣٢٧).","vol":"4","page":543},{"text":"وآخرون يعنون أنك صاحب الزمان -يعنون الإمام الذي تنتظره الإمامية- وقوم إلى أنك صاحب الناموس الأكبر -يعنون النبي - ﷺ -، وقوم يعنون أنك هو هو -يعني الله ﷿-. قال: فسئل الحلاج عن تفسير هذه الكتب، فأخذ يدفعه ويقول: هذه الكتب لا أعرفها، هذه مدسوسة علي، ولا أعلم ما فيها، ولا معنى هذا الكلام. وجاؤوا بدفاتر للحلاج فيها أن الإنسان إذا أراد الحج فإنه يكفيه أن يعمد إلى بيت ... وذكر القصة. (١)\n- وقال أبو يعقوب الأقطع: زوجت ابنتي من الحسين بن منصور لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده، فبان لي بعد مدة يسيرة أنه ساحر، محتال كافر.\n- وقال أبو يعقوب النعماني: سمعت أبا بكر محمد بن داود الفقيه يقول: إن كان ما أنزل الله على نبيه حقًا، فما يقول الحلاج باطل. وكان شديدًا عليه.\n- السلمي: سمعت علي بن سعيد الواسطي بالكوفة يقول: ما تجرد أحد على الحلاج وحمل السلطان على قتله كما تجرد له ابن داود. وبلغني أنه لما أخرج إلى القتل تغير وجه حامد بن العباس، فقال له بعض الفقهاء: لا تشكن أيها الوزير، إن كان ما جاء به محمد حقًا، فما يقول هذا باطل.\n- السلمي: سمعت جعفر بن أحمد يقول: سمعت أبا بكر بن أبي سعدان يقول: الحلاج مموه ممخرق.\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٣٦).","vol":"4","page":544},{"text":"- السلمي: سمعت أبا بكر بن غالب يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول: لما أرادوا قتل الحلاج، أحضر لذلك الفقهاء، فسألوه: ما البرهان؟ قال: شواهد يلبسها الحق لأهل الإخلاص، يجذب في النفوس إليها جاذب القبول. فقالوا بأجمعهم: هذا كلام أهل الزندقة.\nقال الذهبي: بل من وزن نفسه، وزمها بالكتاب والسنة، فهو صاحب برهان وحجة، فما أخيب سهم من فاته ذلك.\n- قال ابن الجوزي فيما أنبأوني عنه: إن شيخه أبا بكر الأنصاري أنبأه قال: شهدت أنا وجماعة على أبي الوفاء بن عقيل قال: كنت قد اعتقدت في الحلاج ونصرته في جزء، وأنا تائب إلى الله منه، وقد قتل بإجماع فقهاء عصره، فأصابوا وأخطأ هو وحده. (١)\nومن شعره في الاتحاد:\nيا نسيم الريح قولي للرشا ... لم يزدني الورد إلا عطشا\nروحه روحي وروحي فله ... إن يشا شئت وإن شئت يشا (٢)\n- قال الذهبي: قرأت بخط العلامة تاج الدين الفزاري قال: رأيت في سنة سبع وستين وست مئة كتابًا فيه قصة الحلاج، منه: عن إبراهيم الحلواني قال: دخلت على الحسين بن منصور بين المغرب والعتمة، فوجدته يصلي، فجلست كأنه لم يحس بي، فسمعته يقرأ سورة البقرة، فلما ختمها، ركع وقام في الركوع طويلًا، ثم قام إلى الثانية، قرأ الفاتحة وآل عمران، فلما سلم\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٣٠ - ٣٣١).\n(٢) السير (١٤/ ٣٤٦).","vol":"4","page":545},{"text":"تكلم بأشياء لم أسمعها، ثم أخذ في الدعاء، ورفع صوته كأنه مأخوذ من نفسه وقال: يا إله الآلهة ورب الأرباب ويا من لا تأخذه سنة رد إلي نفسي لئلا يفتتن بي عبادك، يا من هو أنا وأنا هو ولا فرق بين إنيتي وهويتك إلا الحدث والقدم. ثم رفع رأسه ونظر إلي وضحك في وجهي ضحكات، ثم قال لي: يا أبا إسحاق أما ترى إلى ربي ضرب قدمه في حدثي حتى استهلك حدثي في قدمه، فلم تبق لي صفة إلا صفة القدم، ونطقي من تلك الصفة فالخلق كلهم أحداث ينطقون عن حدث ثم إذا نطقت عن القدم ينكرون علي ويشهدون بكفري، وسيسعون إلى قتلي، وهم في ذلك معذورون، وبكل ما يفعلون مأجورون. (١)\n- قال أبو الفرج بن الجوزي: جمعت كتابا سميته: 'القاطع بمحال المحاج بحال الحلاج'. وبلغ من أمره أنهم قالوا: إنه إله، وإنه يحيي الموتى. (٢)\n- قال ابن باكويه: سمعت ابن خفيف يسأل: ما تعتقد في الحلاج؟ قال: أعتقد أنه رجل من المسلمين فقط. فقيل له: قد كفره المشايخ وأكثر المسلمين. فقال: إن كان الذي رأيته منه في الحبس لم يكن توحيدًا، فليس في الدنيا توحيد.\nقال الذهبي: هذا غلط من ابن خفيف، فإن الحلاج عند قتله ما زال يوحد الله ويصيح: الله الله في دمي، فأنا على الإسلام. وتبرأ مما سوى الإسلام. والزنديق فيوحد الله علانية، ولكن الزندقة في سره. والمنافقون فقد\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٥١ - ٣٥٢).\n(٢) السير (١٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧).","vol":"4","page":546},{"text":"كانوا يوحدون ويصومون ويصلون علانية، والنفاق في قلوبهم، والحلاج فما كان حمارًا حتى يظهر الزندقة بإزاء ابن خفيف وأمثاله، بل كان يبوح بذلك لمن استوثق من رباطه، ويمكن أن يكون تزندق في وقت، ومرق وادعى الإلهية، وعمل السحر والمخاريق الباطلة مدة، ثم لما نزل به البلاء ورأى الموت الأحمر أسلم ورجع إلى الحق، والله أعلم بسره، ولكن مقالته نبرأ إلى الله منها، فإنها محض الكفر، نسأل الله العفو والعافية، فإنه يعتقد حلول البارئ -﷿- في بعض الأشراف، تعالى الله عن ذلك. (١)\n- قال ابن زنجي: وحملت دفاتر من دور أصحاب الحلاج فأمرني حامد أن أقرأها والقاضي أبو عمر حاضر، والقاضي أبو الحسين بن الأشناني، فمن ذلك أن الإنسان إذا أراد الحج أفرد في داره بيتًا وطاف به أيام الموسم، ثم جمع ثلاثين يتيمًا وكساهم قميصًا قميصًا وعمل لهم طعامًا طيبًا، فأطعمهم وخدمهم وكساهم، وأعطى لكل واحد سبعة دراهم أو ثلاثة، فإذا فعل ذلك قام له ذلك مقام الحج. فلما قرأ ذلك الفصل التفت القاضي أبو عمر إلى الحلاج وقال له: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري. قال: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب الإخلاص وما فيه هذا. فلما قال أبو عمر كذبت يا حلال الدم، قال له حامد: اكتب بهذا، فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلاج، فألح عليه حامد وقدم له الدواة فكتب بإحلال دمه، وكتب بعده من حضر المجلس، فقال: الحلاج: ظهري حمى\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٥١).","vol":"4","page":547},{"text":"ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا علي واعتقادي الإسلام ومذهبي السنة، فالله الله في دمي ولم يزل يردد هذا القول وهم يكتبون خطوطهم، ثم نهضوا ورد الحلاج إلى الحبس وكتب إلى المقتدر بخبر المجلس، فأبطأ الجواب يومين، فغلظ ذلك على حامد وندم وتخوف فكتب رقعة إلى المقتدر في ذلك ويقول: إن ما جرى في المجلس قد شاع ومتى لم تتبعه قتل هذا افتتن به الناس، ولم يختلف عليه اثنان فعاد الجواب من الغد من جهة مفلح: إذا كان القضاة قد أباحوا دمه فليحضر محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة، ويتقدم بتسليمه وضربه ألف سوط، فإن هلك وإلا ضربت عنقه.\nفسر حامد وأحضر صاحب الشرطة، وأقرأه ذلك، وتقدم إليه بتسليم الحلاج، فامتنع وذكر أنه يتخوف أن ينتزع منه، فبعث معه غلمانه حتى يصيروه إلى مجلسه ووقع الاتفاق على أن يحضر بعد عشاء الآخرة، ومعه جماعة من أصحابه وقوم على بغال موكفة مع سياس فيحمل على واحد منها، ويدخل في غمار القوم، وقال حامد له: إن قال لك: أجري لك الفرات ذهبًا فلا ترفع عنه الضرب.\nفلما كان بعد العشاء، أتى محمد بن عبد الصمد إلى حامد ومعه الرجال والبغال، فتقدم إلى غلمانه بالركوب معه إلى داره، وأخرج له الحلاج فحكى الغلام: أنه لما فتح الباب عنه وأمره بالخروج قال: من عند الوزير؟ قال: محمد ابن عبد الصمد قال: ذهبنا والله. وأخرج فأركب بغلًا، واختلط بجملة الساسة وركب غلمان حامد حوله حتى أوصلوه، فبات عند ابن عبد الصمد ورجاله حول المجلس، فلما أصبح أخرج الحلاج إلى رحبة المجلس وأمر الجلاد","vol":"4","page":548},{"text":"بضربه واجتمع خلائق فضرب تمام ألف سوط وما تأوه، بلى لما بلغ ستمائة سوط قال لابن عبد الصمد: ادع بي إليك فإن عندي نصيحة تعدل فتح قسطنطينية، فقال له محمد: قد قيل لي إنك ستقول أكبر من هذا وليس لي إلى رفع الضرب سبيل.\nثم قطعت يده، ثم رجله ثم حز رأسه، وأحرقت جثته، وحضرت في هذا الوقت راكبًا والجثة تقلب على الجمر، ونصب الرأس يومين ببغداد ثم حمل إلى خراسان وطيف به. (١)\n\" التعليق:\nفرحمة الله عليك يا حامد يا سيد الوزراء، لقد أدركت خطر زندقة الصوفية وفهمت ما هم عليه من الدجل والسحر والشعوذة، فقلت للمسؤول عن الشرطة: لو قال لك يقلب لك الفرات ذهبًا لا تثق به، أو ما هذا معناه، ورحم الله قضاة أمير المؤمنين حيث لم يغتروا بترهات هذا الزنديق ودعواته الكاذبة ورحم الله أمير المؤمنين حيث لم يبال بشعبية هذا الزنديق الذي غرهم بترهاته ودعواته الكاذبة، وكم لنا في هذا الوقت من حلاج، ولكن لا مقتدر ولا حامد ولا أبا عمر ولا أبا الحسين بن الأشناني والله المستعان.\n\n- قال السلمي: وسمعت أبا علي الهمذاني يقول: سألت إبراهيم بن شيبان عن الحلاج، فقال: من أحب أن ينظر إلى ثمرات الدعاوي الفاسدة\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٣٩ - ٣٤١).","vol":"4","page":549},{"text":"فلينظر إلى الحلاج وما صار إليه. (١)\n- وقال أبو عمر بن حيويه: لما أخرج الحلاج ليقتل، مضيت وزاحمت حتى رأيته، فقال لأصحابه: لا يهولنكم، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يومًا. فهذه حكاية صحيحة توضح لك أن الحلاج ممخرق كذاب، حتى عند قتله. وقيل: إنه لما أخرج للقتل أنشد:\nطلبت المستقر بكل أرض ... فلم أر لي بأرض مستقرا\nأطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرا (٢)\n- وعن عثمان بن معاوية -قيم جامع الدينور- قال: بات الحسين بن منصور في هذا الجامع ومعه جماعة، فسأله واحد منهم فقال: يا شيخ ما تقول فيما قال فرعون؟ قال: كلمة حق. قال: فما تقول فيما قال موسى ﵇؟ قال: كلمة حق، لأنهما كلمتان جرتا في الأبد كما أجريتا في الأزل. (٣)\n- وقال أبو عبد الرحمن السلمي عن عمرو بن عثمان المكي: أنه قال: كنت أماشي الحلاج في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا، ففارقته. (٤)\n- وفي السير عنه قال: لو قدرت عليه لقتلته بيدي. (٥)\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣١٧).\n(٢) السير (١٤/ ٣٤٦) والبداية والنهاية (١١/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(٣) السير (١٤/ ٣٥٢).\n(٤) البداية (١١/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(٥) السير (١٤/ ٣٣٠).","vol":"4","page":550},{"text":"- قال النديم: قرأت بخط عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر: كان الحلاج مشعبذًا محتالًا، يتعاطى التصرف، ويدعي كل علم، وكان صفرًا من ذلك، وكان يعرف في الكيمياء، وكان مقدامًا جسورًا على السلاطين، مرتكبًا للعظائم، يروم إقلاب الدول، ويدعي عند أصحابه الإلهية، ويقول بالحلول، ويظهر التشيع للملوك، ومذاهب الصوفية للعامة، وفي تضاعيف ذلك يدعي أن الإلهية حلت فيه، تعالى الله وتقدس عما يقول. (١)\n- وكان يقول للواحد من أصحابه: أنت نوح ولآخر: أنت موسى. ولآخر: أنت محمد. وقال: من رست قدمه في مكان المناجاة، وكوشف بالمباشرة، ولوطف بالمجاورة، وتلذذ بالقرب، وتزين بالأنس، وترشح بمرأى الملكوت، وتوشح بمحاسن الجبروت، وترقى بعد أن توقى، وتحقق بعد أن تمزق، وتمزق بعد أن تزندق وتصرف بعد أن تعرف وخاطب وما راقب وتدلل بعد أن تذلل، ودخل وما استأذن، وقرب لما خرب، وكلم لما كرم، ما قتلوه وما صلبوه. (٢)\n- وجاء في السير: قال أبو بكر بن ممشاذ: حضر عندنا بالدينور رجل معه مخلاة، ففتشوها، فوجدوا فيها كتابًا للحلاج عنوانه: من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان. فوجه إلى بغداد فأحضر وعرض عليه، فقال: هذا خطي وأنا كتبته. فقالوا: كنت تدعي النبوة صرت تدعي الربوبية؟ قال: لا، ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله وأنا؟ فاليد فيه آلة. فقيل: هل\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣١٨).\n(٢) السير (١٤/ ٣٢٧).","vol":"4","page":551},{"text":"معك أحد؟ قال: نعم، ابن عطاء، وأبو محمد الجريري، والشبلي. فأحضر الجريري وسئل، فقال: هذا كافر يقتل من يقول هذا. وسئل الشبلي، فقال: من يقول هذا يمنع. وسئل ابن عطاء، فوافق الحلاج، فكان سبب قتله.\nقال الذهبي: أما أبو العباس بن عطاء فلم يقتل، وكلم الوزير بكلام غليظ لما سأله وقال: ما أنت وهذا، اشتغلت بظلم الناس. فعزره. وقال السلمي: حدثنا محمد بن عبد الله بن شاذان قال: كان الوزير حين أحضر الحلاج للقتل حامد بن العباس، فأمره أن يكتب اعتقاده، فكتب اعتقاده، فعرضه الوزير على الفقهاء ببغداد، فأنكروه، فقيل لحامد: إن ابن عطاء يصوب قوله. فأمر به. فعرض على ابن عطاء، فقال: هذا اعتقاد صحيح، ومن لم يعتقد هذا فهو بلا اعتقاد. فأحضر إلى الوزير، فجاء، وتصدر في المجلس، فغاظ الوزير ذلك، ثم أخرج ذلك الخط فقال: أتصوب هذا؟ قال: نعم، مالك ولهذا؟ عليك بما نصبت له من المصادرة والظلم، مالك وللكلام في هؤلاء السادة؟ فقال الوزير: فَكَّيْهِ. فضُرِب فكاه، فقال أبو العباس: اللهم إنك سلطت هذا علي عقوبة لدخولي عليه. فقال الوزير: خفه يا غلام. فنزع خفه. فقال: دماغَه. فما زال يضرب دماغَه حتى سال الدم من منخريه. ثم قال: الحبس. فقيل: أيها الوزير؟ يتشوش العامة. فحمل إلى منزله. (١)\nضلال أصحاب الحلاج وفساد عقيدتهم ومحاولتهم إغواء الناس بعده:\n- وروى أبو إسحاق البرمكي، عن أبيه، عن جده قال: حضرت بين\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩).","vol":"4","page":552},{"text":"يدي أبي الحسن بن بشار، وعنده أبو العباس الأصبهاني، فذاكره بقصة الحلاج، وأنه لما قتل كتب ابن عطاء إلى ابن الحلاج كتابًا يعزيه عن أبيه، وقال: رحم الله أباك، ونسخ روحه في أطيب الأجساد. فدل هذا على أنه يقول بالتناسخ، فوقع الكتاب في يد حامد، فأحضر أبا العباس بن عطاء وقال: هذا خطك؟ قال: نعم. قال: فإقرارك أعظم. قال: فشيخ يكذب؟ فأمر به، فصفع فقال أبو الحسن بن بشار: إني لأرجو أن يدخل الله حامد بن العباس الجنة بذلك الصفع. (١)\n- قال أبو علي التنوخي: أخبرني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي قال: أخبرني جماعة أن أهل مقالة الحلاج يعتقدون أن اللاهوت الذي كان فيه حالٌّ في ابن له بِتُسْتر، وأن رجلًا فيها هاشم يقال له: أبو عمارة محمد بن عبد الله قد حلت فيه روح محمد - ﷺ -، وهو يخاطب فيهم بسيدنا. (٢)\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله، مثل كتابة دمه على الأرض: الله، الله، وإظهار الفرح بالقتل أو نحو ذلك: فكله كذب. فقد جمع المسلمون أخبار الحلاج في مواضع كثيرة، كما ذكر ثابت بن سنان في أخبار الخلفاء -وقد شهد مقتله- وكما ذكر إسماعيل بن علي الحطفي في تاريخ بغداد -وقد شهد قتله- وكما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه وكما ذكر القاضي أبو يعلى في المعتمد، وكما ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب، وأبو محمد بن حزم\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٢٩).\n(٢) السير (١٤/ ٣٣٢).","vol":"4","page":553},{"text":"وغيرهم، وكما ذكر أبو يوسف القزويني وأبو الفرج بن الجوزي؛ فيما جمعا من أخباره. وقد ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية: أن أكثر المشايخ أخرجوه عن الطريق، ولم يذكره أبو القاسم القشيري في رسالته من المشايخ؛ الذين عدهم من مشايخ الطريق. وما نعلم أحدًا من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير، لا من العلماء ولا من المشايخ؛ ولكن بعض الناس يقف فيه؛ لأنه لم يعرف أمره، وأبلغ من يحسن به الظن يقول: إنه وجب قتله في الظاهر فالقاتل مجاهد والمقتول شهيد، وهذا أيضا خطأ. وقول القائل: إنه قتل ظلمًا قول باطل، فإن وجوب قتله على ما أظهره من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين؛ لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن الإلحاد إلى أصحابه: صار زنديقًا، فلما أخذ وحبس أظهر التوبة، والفقهاء متنازعون في قبول توبة الزنديق فأكثرهم لا يقبلها، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، ووجه في مذهب الشافعي؛ والقول الآخر تقبل توبته. وقد اتفقوا على أنه إذا قتل مثل هذا لا يقال قتل ظلمًا. (١)\n_________\n(١) الفتاوى (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤).","vol":"4","page":554},{"text":"محمد بن جرير الطبري (١) (٣١٠ هـ)\nهو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، الإمام العلم المجتهد أبو جعفر الطبري، عالم العصر، كان ثقة صادقًا حافظًا، إمامًا في التفسير والفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة. له مصنفات بديعة، قل أن ترى العيون مثله. ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، ورحل من آمل طبرستان لما ترعرع وحفظ القرآن. واستقر في أواخر أمره ببغداد. سمع إسماعيل بن موسى السدي، ومحمد بن حميد الرازي، وأحمد بن منيع وغيرهم. حدث عنه أبو القاسم الطبراني وأبو بكر الشافعي وأبو أحمد بن عدي وأحمد بن كامل القاضي وغيرهم. قال الذهبي: وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات، من جاهل وحاسد وملحد، فأما أهل الدين والعلم فغير منكرين علمه، وزهده في الدنيا، ورفضه لها، وقناعته -﵀- بما كان يرد عليه من حصة من ضيعة خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة.\nتوفي ﵀ عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة ثلاثمائة وعشرة.\nقلت: هذا الإمام من الذين بارك الله لهم في عمرهم، فكتبوا من الكتب ما يعجز عن قراءته القارئ المجتهد، فضلًا عن كتابة مثل ما كتب هؤلاء، وقد ترك هذا الإمام تراثًا سلفيًا شكره عليه الأولون والآخرون ومن أهم ذلك التراث:\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٢/ ١٦٢ - ١٦٩) ووفيات الأعيان (١٤/ ١٩١ - ١٩٢) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٠ - ٧١٦) وميزان الاعتدال (٣/ ٤٩٨ - ٤٩٩) والوافي بالوفيات (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٦) واللسان (٥/ ١٠٠ - ١٠٣) والسير (١٤/ ٢٦٧ - ٢٨٢).","vol":"5","page":1},{"text":"- تفسيره الكبير المسمى 'جامع البيان عن تأويل آي القرآن' وقد أبدى فيه المؤلف عقيدة سلفية بنفس طويل بينت ذلك في كتابي 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات' (١) وقد نفع الله به ولله الحمد والمنة.\n- 'صريح السنة' وقد رواه أبو القاسم اللالكائي في 'أصول الاعتقاد' وقد نشر مع مجموعة الشيخ ابن حميد، وهو عبارة عن عقيدة الشيخ، وقد حقق رسالة علمية في الجامعة الإسلامية في مرحلة الإجازة وقد طبع التحقيق.\n- 'تبصير أولي النهى ومعالم الهدى': توجد منه نسخة في دار الكتب المصرية في ٣٩ ورقة، وهو في جامعة سعود رقم ٣٣٠. وقد طبع الكتاب تحت عنوان: 'التبصير في معالم الدين'.\n- وقد ألفت عن الإمام ابن جرير رسالة علمية في جامعة أم القرى في مرحلة الدكتوراه في قسم العقيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1990>موقفه من المبتدعة:</span>\nله ﵀ مواقف جليلة في نصر السنة وقمع البدعة، منها ما جاء في السير: وقيل: إن المكتفي أراد أن يحبس وقفًا تجتمع عليه أقاويل العلماء، فأحضر له ابن جرير، فأملى عليهم كتابًا لذلك، فأخرجت له جائزة، فامتنع من قبولها، فقيل له: لابد من قضاء حاجة. قال: أسأل أمير المؤمنين أن يمنع السؤال يوم الجمعة، ففعل ذلك. (٢)\n_________\n(١) (٢/ ٥١٩ - ٥٦٩).\n(٢) السير (١٤/ ٢٧٠).","vol":"5","page":2},{"text":"\" التعليق:\nلم يكن همه ﵀ في نيل الجاه والمال من السلطان وإنما همه نصر السنة وإزالة البدعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1991>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: عن محمد بن علي بن سهل قال: سمعت محمد بن جرير وهو يكلم ابن صالح الأعلم، وجرى ذكر علي ﵁، ثم قال محمد بن جرير: من قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى، إيش هو؟ قال: مبتدع. فقال ابن جرير إنكارًا عليه: مبتدع مبتدع. هذا يقتل. (١)\n- قال الطبري: لم يكن في أهل الإسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم والمعرفة بالسياسة ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم، فإن قيل كان بعض هؤلاء الستة أفضل من بعض وكان رأي عمر أن الأحق بالخلافة أرضاهم دينًا، وأنه لا تصح ولاية المفضول مع وجود الفاضل، فالجواب أنه لو صرح بالأفضل منهم لكان قد نص على استخلافه، وهو قصد أن لا يتقلد العهدة في ذلك، فجعلها في ستة متقاربين في الفضل، لأنه يتحقق أنهم لا يجتمعون على تولية المفضول، ولا يألون المسلمين نصحا في النظر والشورى، وأن المفضول منهم لا يتقدم على الفاضل، ولا يتكلم في منزلة وغيره أحق بها منه، وعلم رضا الأمة بمن رضي به الستة. (٢)\n_________\n(١) السير (١٤/ ٢٧٥).\n(٢) الفتح (١٣/ ١٩٨).","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1992>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال في صريح السنة: حدثنا أحمد بن كامل قال: سمعت أبا جعفر محمد بن جرير الطبري ما لا أحصي يقول: من قال القرآن مخلوق معتقدًا له فهو كافر حلال الدم والمال ولا يرثه ورثته من المسلمين، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه فقلت له: عمن لا يرثه ورثته من المسلمين؟ قال: عن يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي. قيل للقاضي ابن كامل: فلمن يكون ماله؟ قال: فيئًا للمسلمين. (١)\n- قال ابن جرير في كتاب 'التبصير في معالم الدين': القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرًا، وذلك نحو إخباره تعالى أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله: ﴿بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٢) وأن له وجهًا بقوله: ﴿ويبقى وَجْهُ ربك﴾ (٣) وأنه يضحك بقوله في الحديث: \"لقي الله وهو يضحك إليه\" (٤) و\"أنه ينزل إلى سماء الدنيا\" (٥) لخبر رسوله بذلك، وقال ﵇: \"ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن\" (٦) إلى أن قال: فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله نفسه ورسوله ما لا يثبت حقيقة علمه\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤/ ٥١٤) وانظر صريح السنة (١٨ - ٢٠).\n(٢) المائدة الآية (٦٤).\n(٣) الرحمن الآية (٢٧).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف الشافعي سنة (٢٠٤هـ).\n(٥) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٦) انظر تخريجه في مواقف الإمام الشافعي سنة (٢٠٤هـ).","vol":"5","page":4},{"text":"بالفكر والروية، لا نكفر بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهائها إليه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1993>موقفه من الخوارج:</span>\nقال في كتابه 'التبصير في معالم الدين': وأما الذين نقموا على أهل المعاصي معاصيهم، وشهدوا على المسلمين -بمعصية أتوها، وخطيئة فيما بينهم وبين ربهم تعالى ذكره ركبوها- بالكفر، واستحلوا دماءهم وأموالهم من الخوارج.\nوالذين تبرؤوا من بعض أنبياء الله ورسله، بزعمهم أنهم عصوا الله، فاستحقوا بذلك من الله -جل ثناؤه- العداوة.\nوالذين جحدوا من الفرائض ما جاءت به الحجة من أهل النقل بنقله عن رسول الله - ﷺ - ظاهرًا مستفيضًا قاطعًا للعذر، كالذي أنكروا من وجوب صلاة الظهر والعصر، والذين جحدوا رجم الزاني المحصن الحر من أهل الإسلام، وأوجبوا على الحائض الصلاة في أيام حيضها، ونحو ذلك من الفرائض، فإنهم عندي بما دانوا به من ذلك مرقة من الإسلام، خرجوا على إمام المسلمين أو لم يخرجوا عليه. إذا دانوا بذلك بعد نقل الحجة لهم الجماعة التي لا يجوز في خبرها الخطأ، ولا السهو والكذب.\nوعلى إمام المسلمين استتابتهم مما أظهروا أنهم يدينون به بعد أن يظهروا الديانة به والدعاء إليه، فمن تاب منهم خلى سبيله، ومن لم يتب من ذلك منهم قتله على الردة، لأن من دان بذلك فهو لدين الله -الذي أمر به عباده بما لا نعذر بالجهل به ناشئًا نشأ في أرض الإسلام- جاحد.\n_________\n(١) السير (١٤/ ٢٧٩) وانظر التبصير في معالم الدين (١٣٢ - ١٣٩).","vol":"5","page":5},{"text":"ومن جحد من فرائض الله -﷿- شيئًا بعد قيام الحجة عليه به فهو من ملة الإسلام خارج. (١)\nوقال أيضًا: والذي نقول: معنى ذلك أنهم مؤمنون بالله ورسوله، ولا نقول هم مؤمنون بالإطلاق، لعلل سنذكرها بعد.\nونقول: هم مسلمون بالإطلاق، لأن الإسلام اسم للخضوع والإذعان، فكل مذعن لحكم الإسلام ممن وحد الله وصدق رسوله - ﷺ - بما جاء به من عنده، فهو مسلم.\nونقول: هم مسلمون فسقة عصاة لله ولرسوله. ولا ننزلهم جنة ولا نارًا، ولكنا نقول كما قال الله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢).\nفنقول: هم في مشيئة الله تعالى ذكره، إن شاء أن يعذبهم عذبهم وأدخلهم النار بذنوبهم، وإن شاء عفا عنهم بفضله ورحمته فأدخلهم الجنة، غير أنه إن أدخلهم النار فعاقبهم بها لم يخلدهم فيها، ولكنه يعاقبهم فيها بقدر إجرامهم، ثم يخرجهم بعد عقوبته إياهم بقدر ما استحقوا فيدخلهم الجنة، لأن الله جل ثناؤه وعد على الطاعة الثواب، وأوعد على المعصية العقاب، ووعد أن يمحو بالحسنة السيئة ما لم تكن السيئة شركًا.\nفإذا كان ذلك كذلك فغير جائز أن يبطل بعقاب عبد على معصيته\n_________\n(١) التبصير في معالم الدين (١٦٠ - ١٦٢).\n(٢) النساء الآية (٤٨).","vol":"5","page":6},{"text":"إياه ثوابه على طاعته، لأن ذلك محو بالسيئة الحسنة لا بالحسنة السيئة، وذلك خلاف الوعد الذي وعد عباده، وغير الذي هو به موصوف من العدل والفضل والعفو عن الجرم.\nوالعدل: العقاب على الجرم، والثواب على الطاعة.\nفأما المؤاخذة على الذنب وترك الثواب والجزاء على الطاعة، فلا عدل ولا فضل، وليس من صفته أن يكون خارجًا من إحدى هاتين الصفتين.\nوبعد: فإن الأخبار المروية عن رسول الله - ﷺ - متظاهرة بنقل من يمتنع في نقله الخطأ والسهو والكذب، ويوجب نقله العلم، أنه ذكر أن الله جل ثناؤه يخرج من النار قوما بعد ما امتحشوا وصاروا حممًا، بذنوب كانوا أصابوها في الدنيا ثم يدخلهم الجنة (١). وأنه - ﷺ - قال: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\" (٢). وأنه ﵇ يشفع لأمته إلى ربه -﷿ ذكره- فيقال: أخرج منها منهم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان (٣). في نظائر لما ذكرنا من الأخبار التي إن لم تثبت صحتها لم يصح عنه خبر - ﷺ -. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1994>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في كتابه التبصير في معالم الدين قال: والصواب من القول في ذلك\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٥٦) والبخاري (١/ ٩٨ - ٩٩/ ٢٢) ومسلم (١/ ١٧٢/١٨٤) من حديث يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) تقدم في مواقف جابر بن عبد الله سنة (٧٨هـ).\n(٣) أخرجه من حديث أنس: أحمد (٣/ ١١٦) والبخاري (١٣/ ٥١٩ - ٥٢٠/ ٧٤٤٠) ومسلم (١/ ١٨٠ - ١٨١/ ١٩٣) وابن ماجه (٢/ ١٤٤٢ - ١٤٤٣/ ٤٣١٢).\n(٤) التبصير في معالم الدين (١٨٣ - ١٨٦).","vol":"5","page":7},{"text":"عندنا أن الإيمان اسم للتصديق كما قالته العرب، وجاء به كتاب الله -تعالى ذكره- خبرًا عن إخوة يوسف من قيلهم لأبيهم يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صادقين﴾ (١). بمعنى: ما أنت بمصدق لنا على قيلنا.\nغير أن المعنى الذي يستحق به اسم مؤمن بالإطلاق، هو الجامع لمعاني الإيمان، وذلك أداء جميع فرائض الله -تعالى ذكره- من معرفة وإقرار وعمل.\nوذلك أن العارف المعتقد صحة ما عرف من توحيد الله -تعالى ذكره- وأسمائه وصفاته، مصدق لله في خبره عن وحدانيته وأسمائه وصفاته، فكذلك العارف بنبوة نبي الله - ﷺ -، المعتقد صحة ذلك، وصحة ما جاء به من فرائض الله.\nوذلك أن معارف القلوب عندنا اكتساب العباد وأفعالهم، وكذلك الإقرار باللسان بعد ثبوته، وكذلك العمل بفرائض الله التي فرضها على عباده، تصديق من العامل بعمله ذلك لله -جل ثناؤه-، ورسوله - ﷺ -.\nكما إقراره بوجوب فرض ذلك عليه، تصديق منه لله ورسوله بإقراره أن ذلك له لازم فإذ كل هذه المعاني يستحق على كل واحد منهما على انفراده اسم إيمان.\nوكان العبد مأمورًا بالقيام بجميعها كما هو مأمور ببعضها، وإن كانت العقوبة على تضييع بعضها أغلظ، وفي تضييع بعضها أخف، كان بينا أنه غير جائز تسمية أحد مؤمنا ووصفه به مطلقا من غير وصل إلا لمن استكمل\n_________\n(١) يوسف الآية (١٧).","vol":"5","page":8},{"text":"معاني التصديق الذي هو جماع أداء جميع فرائض الله.\nكما أن العلم الذي يأتي مطلقًا هو العلم بما ينوب أمر الدين.\nفلو أن قائلًا قال لرجل عرف منه نوعًا، وذلك كرجل كان عالمًا بأحكام المواريث دون سائر علوم الدين، فذكره ذاكر عند من يعتقد أن اسم عالم لا يلزمه بالإطلاق في أمر الدين إلا من قلنا: إنه يلزمه، فقال: فلان عالم بالإطلاق ولم يصله، فيقال: فلان عالم بالفرائض أو بأحكام المواريث، كان قد أخطأ في العبارة وأساء في المقالة، لأنه وضع اسم العموم على خاص عند من لا يعلم مراده، وإن كان قائل ذلك أراد الخصوص.\nوإن كان أراد العموم وهو يعلم أن هذا الاسم لا يستحق إلا من كان جامعا علم جميع ما ينوب أمر الدين فقد كذب.\nوكذلك القائل لمن لم يكن جامعًا أداء جميع فرائض الله -عز ذكره- من معرفة وإقرار وعمل: هو مؤمن، إما كاذب، وإما مخطئ في العبارة، مسيء في المقالة، إذا لم يصل قيله: هو مؤمن بما هو به مؤمن، لأن وصفنا من وصفنا بهذه الصفة، وتسميتنا له هذه التسمية بالإطلاق إنما هو للمعاني الثلاثة التي قد ذكرناها.\nفمن لم يكن جامعًا ذلك فإنما له ذلك الاسم بالخصوص، فغير جائز وصف من كان له من صفات الإيمان خاص، ومن أسمائه بعض بصيغة العموم، وتسميته باسم الكل، ولكن الواجب أن يصل الواصف إذا وصف بذلك أن يقول له -إذا عرف وأقر وفرط في العمل- هو مؤمن بالله ورسوله، فإذا أقر بعد المعرفة بلسانه وصدق وعمل ولم تظهر منه موبقة ولم تعرف منه","vol":"5","page":9},{"text":"إلا المحافظة على أداء الفرائض. قيل: هو مؤمن إن شاء الله.\nوإنما وصلنا تسميتنا إياه بذلك بقولنا إن شاء الله، لأنا لا ندري هل هو مؤمن ضيع شيئًا من فرائض الله عز ذكره أم لا، بل سكون قلوبنا إلى أنه لا يخلو من تضييع ذلك أقرب منها إلى اليقين، فإنه غير مضيع شيئًا منها ولا مفرط، فلذلك من وصفناه بالإيمان بالمشيئة إذ كان الاسم المطلق من أسماء الإيمان إنما هو الكمال، فمن لم يكن مكملًا جميع معانيه -والأغلب عندنا أنه لا يكملها أحد- لم يكن مستحقًا اسم ذلك بالإطلاق والعموم الذي هو اسم الكمال، لأن الناقص غير جائز تسميته بالكمال، ولا البعض باسم التام، ولا الجزء باسم الكل. (١)\n- وقال أيضًا: والحق في ذلك عندنا أن يقال: الإيمان يزيد وينتقص، لما وصفنا قبل من أنه معرفة وقول وعمل. وأن جميع فرائض الله تعالى ذكره التي فرضها على عباده من المعاني التي لا يكون العبد مستحقًا اسم مؤمن بالإطلاق إلا بأدائها.\nوإذا كان ذلك كذلك، وكان لا شك أن الناس متفاضلون في الأعمال، مقصر وآخر مقتصد مجتهد ومن هو أشد منه اجتهادًا، كان معلومًا أن المقصر أنقص إيمانًا من المقتصد، وأن المقتصد أزيد منه إيمانًا، وأن المجتهد أزيد إيمانًا من المقتصد والمقصر، وأنهما أنقص منه إيمانًا، إذ كان جميع فرائض الله كما قلنا قبل.\nفكل عامل فمقصر عن الكمال، فلا أحد إلا وهو ناقص الإيمان غير\n_________\n(١) التبصرة (ص.١٩٠ - ١٩٣).","vol":"5","page":10},{"text":"كامله، لأنه لو كمل لأحد منهم كمالا تجوز له الشهادة به، لجازت الشهادة له بالجنة، لأن من أدى جميع فرائض الله فلم يبق عليه منها شيء، واجتنب جميع معاصيه فلم يأت منها شيئًا ثم مات على ذلك، فلا شك أنه من أهل الجنة. ولذلك قال عبد الله بن مسعود في الذي قيل له: إنه قال: إني مؤمن ألا قال: إني من أهل الجنة.\nلأن اسم الإيمان بالإطلاق إنما هو للكمال. ومن كان كاملًا كان من أهل الجنة، غير أن إيمان بعضهم أزيد من إيمان بعض، وإيمان بعض أنقص من إيمان بعض، فالزيادة فيه بزيادة العبد بالقيام باللازم له من ذلك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1995>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀: فإن قال قائل: فهل من معاني المعرفة شيء سوى ما ذكرت؟ قيل: لا.\nفإن قال: فهل يكون عارفًا به من زعم أنه يفعل العبد ما لا يريده ربه ولا يشاء؟ قيل: لا. وقد دللنا فيما وصفناه بالعزة التي لا تشبهها عزة على ذلك. وذلك أنه من لم يعلم أنه لا يكون في سلطان الله -عز ذكره- شيء إلا بمشيئته، ولا يوجد موجود إلا بإرادته، لم يعلمه عزيزًا. وذلك أن من أراد شيئًا فلم يكن وكان ما لم يرد، فإنما هو مقهور ذليل، ومن كان مقهورًا ذليلًا فغير جائز أن يكون موصوفًا بالربوبية.\nفإن قال: فإن من يقول هذا القول يزعم أن إرادة الله ومشيئته: أمره ونهيه، وليس في خلاف العبد الأمر والنهي قهر له؟\n_________\n(١) التبصرة (ص.١٩٧ - ١٩٩).","vol":"5","page":11},{"text":"قيل له: لو كان الأمر كما زعمت، لكان الله تعالى ذكره لم يعم عباده بأمره ونهيه، لأنه يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (١).\nفإن تك المشيئة منه أمرًا، فقد يجب أن يكون من لم يهتد لدين الإسلام لم يدخله الله ﷿ في أمره ونهيه الذي عم به خلقه، وفي عمومه بأمره ونهيه جميعهم، مع ترك أكثرهم قبوله الدليل الواضح على أن قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (٢) إنما معناه: لو شاء الله لجمعهم على دين الإسلام، وإذ كان ذلك كذلك كان بينًا فساد قول من قال: مشيئة الله -تعالى ذكره- أمره ونهيه!. (٣)\n- وقال ﵀: وقال آخرون -وهم جمهور أهل الإثبات وعامة العلماء والمتفقهة من المتقدمين والمتأخرين-: إن الله تعالى ذكره وفق أهل الإيمان للإيمان، وأهل الطاعة للطاعة، وخذل أهل الكفر والمعاصي، فكفروا بربهم، وعصوا أمره.\nقالوا: فالطاعة والمعصية من العباد بسبب من الله -تعالى ذكره- وهو توفيقه للمؤمنين، وباختيار من العبد له.\nقالوا: ولو كان القول كما قالت القدرية، الذين زعموا أن الله -تعالى ذكره- قد فوض إلى خلقه الأمر فهم يفعلون ما شاؤوا، ولبطلت حاجة\n_________\n(١) الأنعام الآية (٣٥).\n(٢) الأنعام الآية (٣٥).\n(٣) التبصير في معالم الدين (ص.١٣٠ - ١٣١).","vol":"5","page":12},{"text":"الخلق إلى الله -تعالى ذكره- في أمر دينه، وارتفعت الرغبة إليه في معونته إياهم على طاعته.\nقالوا: وفي رغبة المؤمنين في كل وقت أن يعينهم على طاعته ويوفقهم ويسددهم، ما يدل على فساد ما قالوا. (١)\n\nأبو بكر الخَلاَّل (٢) (٣١١ هـ)\nهو أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي، أبو بكر المعروف بالخلال، الإمام العلامة الحافظ الفقيه شيخ الحنابلة وعالمهم، له التصانيف الدائرة والكتب السائرة، كالجامع في الفقه وكتاب العلل، وكتاب السنة والطبقات، وتفسير الغريب والأدب وأخلاق أحمد وغير ذلك، مما يدل على إمامته وسعة علمه. سمع من الحسن بن عرفة وسعدان بن نصر وأبي داود السجستاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وصحب أبا بكر المروذي إلى أن مات. وسمع خلقًا غير هؤلاء.\nرحل إلى أقاصي البلاد في جمع مسائل أحمد وسماعها ممن سمعها من أحمد. وكتب عن الكبار والصغار، حتى كتب عن تلامذته وجمع فأوعى. حدث عنه جماعة منهم: أبو بكر عبد العزيز، ومحمد بن المظفر، والحسن بن يوسف الصيرفي.\n_________\n(١) التبصير في معالم الدين (ص.١٧٠ - ١٧١).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٢ - ١٥) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٧٨٥ - ٧٨٦) والبداية والنهاية (١١/ ١٤٨) وتاريخ بغداد (٥/ ١١٢ - ١١٣) والمنتظم (١٣/ ٢٢٠ - ٢٢١) والوافي بالوفيات (٧/ ٩٩ - ١٠٠) وشذرات الذهب (٢/ ٢٦١) والسير (١٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨).","vol":"5","page":13},{"text":"توفي ﵀ في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. وله سبع وسبعون سنة، ودفن إلى جنب قبر المروذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1997>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n'كتاب السنة': مطبوع ومتداول.\nوفيه: قال أبو بكر الخلال: قرأت كتاب السنة بطرسوس مرات في المسجد الجامع وغيره سنين، فلما كان في سنة اثنتين وتسعين قرأته في مسجد الجامع وقرأت فيه ذكر المقام المحمود فبلغني أن قوما ممن طرد إلى طرسوس من أصحاب الترمذي المبتدع (١) أنكروه، وردوا فضيلة رسول الله - ﷺ -، وأظهروا رده، فشهد عليهم الثقات بذلك فهجرناهم وبينا أمرهم، وكتبت إلى شيوخنا ببغداد فكتبوا إلينا هذا الكتاب، فقرأته بطرسوس على أصحابنا مرات ونسخه الناس، وسر الله ﵎ أهل السنة وزادهم سرورًا على ما عندهم من صحته وقبولهم وهذه نسخته:\nبسم الله الرحمن الرحيم. سلام عليكم؛ فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. وأما بعد: فإن كتابكم ورد علينا بشرح ما حدث ببلدكم، وكتبنا إليكم بما تقفون عليه وبالله نستعين وعليه نتوكل في جميع الأمور، وبعد: فنوصيكم وأنفسنا بتقوى الله ﷿ والإحسان، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وتقوى الله ﵎ بها يرزق العباد من حيث لا يحتسبون، وبها يوجب الله تعالى الجنة لأهلها، وبها تحل داره، وبها ينظر إلى\n_________\n(١) أي: الجهم بن صفوان.","vol":"5","page":14},{"text":"وجهه، وبها تنال ولاية الله ﷿، وهي غاية الكرامة، ومنزلة الشرف، ومنهاج الرشد، وجوامع الخير، ومنتهى الإيمان، فأسعدكم الله بطاعته سعادة من رضي عمله، وتولاكم بحفظه وحياطته، وشملكم بستره وعصمكم بتوفيقه، وأيدكم بما أيد به المتقين، وأوصلكم أفضل ميراث الصالحين، وجعلكم لأنعمه من الشاكرين، واستخلصكم بأشرف عبادة العابدين آمين رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وإمام المتقين وعلى أصحاب محمد أجمعين. كتابنا أسعدكم الله، سعادة من رضي عمله، وشكر سعيه، سعادة لا شقاء بعدها جميع أهل السنة والجماعة، فالحمد لله الذي جعلكم أهلا لذلك، وأكرمكم بما يستوجب به ثوابه، ويؤمن من عقابه، والحمد لله في أول كلامنا وآخره كذلك روي عن أبي صالح قال: الحمد لله أول الكلام وآخره، ونبتدي بعد حمد الله ﵎ بالصلاة على محمد نبيه - ﷺ -، رسوله وصفيه، كذلك روى جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ -: \"لا تجعلوني كقدح الراكب، اجعلوني في أول الدعاء ووسط الدعاء وآخر الدعاء\" (١)، فالحمد لله كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرًا.\nأما بعد: فإنه بلغنا ما حدث ببلدكم من نابغ نبغ بالزيغ وقيل الباطل، فأحدث عندكم بدعة اخترعها، وشرع في الدين ما لم يأذن به الله، ففرق جماعتكم بخبيث قوله وسوء لفظه، فلولا ما أمر الله ﷿ به رسوله - ﷺ -\n_________\n(١) رواه البزار (٤/ ٤٥/٣١٥٦) (كشف الأستار) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٥٥): \"رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف\".","vol":"5","page":15},{"text":"من النصح لعامة المسلمين وخاصتهم، وحض عليه في ذلك لوسعنا السكوت ولكن الله ﷿ أخذ ميثاق العلماء ليبيّننّه للناس ولا يكتمونه، وذلك بما روي عن تميم الداري يبلغ به النبي - ﷺ - قال: \"الدين النصيحة\" قالوا: لمن؟ قال: \"لله ولرسوله، ولكتابه ولأئمة المسلمين ولجماعتهم\" (١)، فاعلموا وفقنا الله وإياكم للسداد والرشاد والصواب في المقال بصدق الضمير وصحة العزم بحسن النية، فإنا نرضى لكم من اتباع السنة والقول بها ما نرتضيه لأنفسنا ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢)،فاتقى رجل ربه ونظر لنفسه فأحسن لها الاختيار إذ كانت أعز النفوس عليه، وأولاه منه بذلك بلزوم الاتباع لصالح سلفه من أهل العلم والدين والورع فاقتدى بفعالهم وجعلهم حجة بينه وبين الله ﷿، وقلدهم من دينه ما تحملوا له من ذلك وحذر امرئ أن يبتدع ويخترع بالميل إلى الهوى والقول بالخطأ فيوبق نفسه، ويولغ دينه فيعمه في طغيانه، ويضل في عماية جهله، فبينا هو كذلك لا يستنصح مرشدًا، ولا يطيع مسددًا، أذهبهم عليه أجله وهو كذلك، فنعوذ بالله من ذلك وقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا\n_________\n(١) تقدم تخريجه. انظر مواقف محمد بن نصر المروزي سنة (٢٩٤هـ). والحديث قد ورد في جميع الروايات بلفظ: \"وعامتهم\" بدل \"ولجماعتهم\".\n(٢) هود الآية (٨٨) ..","vol":"5","page":16},{"text":"كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، والذي حمل هذا العدو لله المسلوب أن رد هذا الحديث وخالف الأئمة وأهل العلم وانسلخ من الدين اللجاج والكبر كي يقال: فلان، فنعوذ بالله من الكبر والنفاق والغلو في الدين، والذي حملنا، أكرمكم الله، على الكتاب إليكم ما حدث ببلدكم من رد حديث مجاهد ﵀ ومخالفتهم من قد شهد له رسول الله - ﷺ -.\nقوله - ﷺ -: \"خيركم قرني الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم\" (٢)، فمال أولو الزيغ والنفاق إلى قول الملحدين وبدعة المضلين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وما سبيل هؤلاء إلا النفي عن البلد الذي هم فيه، كما أن صاحبهم المبتدع منفي عن الجامع مطرودًا منه ليس إلى دخوله سبيل وذلك بتوفيق الله ومنه، ومنع السلطان أيده الله إياه عن ذلك معمما أنه مسلوب عقله ملزوم بيته يصيح به الصبيان في كل وقت، وهذا قليل لأهل البدع والأهواء والضلال في جنب الله ﷿، أعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن وسلمنا وإياكم من الأهواء المضلة بمنه وقدرته، وثبتنا وإياكم على السنة والجماعة، واتباع الشيخ أبي عبد الله رحمة الله عليه ورضوانه، فقد كان اضمحل ذكر هذا الترمذي واندرس، وإنما هذا ضرب من التعريض والخوض بالباطل فانتهوا حيث انتهى الله بكم، وأمسكوا عما لم تكلفوا النظر فيه،\n_________\n(١) غافر الآية (٥٦).\n(٢) البخاري (٥/ ٣٢٤/٢٦٥١) ومسلم (٤/ ١٩٦٤/٢٥٣٥) وأبو داود (٥/ ٤٤/٤٦٥٧) والترمذي (٤/ ٤٣٤/٢٢٢٢) من حديث عمران بن حصين.","vol":"5","page":17},{"text":"وضعوا عن أنفسكم ما وضعه الله عنكم ولا تتخذوا آيات الله هزوًا، فمن تكلم في شيء من هذا فإنما يتحكك بدينه ويتولع بنفسه ويتكلف ما لم يتعبده الله به.\nوقد أدب الله ﷿ الخلق فأحسن تأديبهم وأرشدهم فأنعم إرشادهم فقال ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) فاتقوا الله عباد الله واقبلوا وصيته وأمسكوا عن الكلام في هذا، فإن الخوض فيها بدعة وضلالة ما سبقكم بها سابق ولا نطق فيها قبلكم ناطق، فتظنون أنكم اهتديتم لما ضل عنه من كان قبلكم، هيهات هيهات، وليس ينبغي لأهل العلم والمعرفة بالله أن يكونوا كلما تكلم جاهل بجهله أن يجيبوه ويحاجوه ويناظروه، فيشركوه في مأثمة ويخوضوا معه في بحر خطاياه، ولو شاء عمر بن الخطاب أن يناظر صبيغًا ويجمع له أصحاب رسول الله - ﷺ - حتى يناظروه ويحاجوه ويبينوا عليه لفعل، ولكنه قمع جهله وأوجع ضربه ونفاه في جلده، وتركه يتغصص بريقه، وينقطع قلبه حسرة بين ظهراني الناس مطرودًا منفيًا مشردًا لا يُكلم ولا يُجالس، ولا يشفى بالحجة والنظر، بل تركه يختنق على حرته، ولم يبلعه ريقه، ومنع الناس من كلامه ومجالسته، فهكذا حكم كل مَن شرّع في دين الله بما لم يأذن به الله أن يخبر أنه على بدعة وضلالة فيحذر منه وينهى عن كلامه ومجالسته، فاسترشدوا العلم\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٣).","vol":"5","page":18},{"text":"واستحضوا العلماء واقبلوا نصحهم واعلموا أنه لن يزال الجاهل بخير ما وجد عالمًا يقمع جهله ويرده إلى صواب القول والعمل إن مَنّ الله عليه بالقبول، فإذا تكلم الجاهل بجهله وعُدم الناس العالم أن يرد عليه بعلمه فقد تودع من الخلق، وربنا الرحمن المستعان على ما يصفون.\nفالله الله، ثم الله الله يا إخوتاه من أهل السنة والجماعة والمحبة للسلامة والعافية في أنفسكم وأديانكم فإنما هي لحومكم ودماؤكم، لا تعرضون لما نهى الله عنه ﷿ من الجدل والخوض في آيات الله وأكد ذلك رسول الله - ﷺ - وحذر منه وكذلك أئمة الهدى من بعده من أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين ارتضاهم لصحبة نبيه - ﷺ - واختاره لهم، وكذلك التابعون بإحسان في كل عصر وزمان ينهون عن الجدل والخصومات في الدين، ويحذرون من ذلك أشد التحذير حتى كان آخرهم في ذلك أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ وأرضاه، فكان أشد أهل زمانه في ذلك قولًا وأوكده فيه رأيًا وآخذ به على الخلق وأنصحه لهم، صبر في ذلك على البلاء من فتنته الضراء والسراء والشدة والرخاء والضرب الشديد بعد طول الحبس في ضنك الحديد، فبذل لله مهجة نفسه وجاد بالحياة لأهلها، وآثر الموت على أصعب العقوبات يرضى منه على بلوغ ما أوجب الله ﷿ على العلماء من القيام بأمره، ورحمة منه على الخلق وشفقا عليهم فأصبر لعظيم جهد بلاء الدنيا نفسه، واحتمل في ذات الله كل ما عجز الخلق أجمعون عن احتمال مثله أو بعضه أخذ بعنان الحق صابرًا على وعر الطريق وخشونة المسلك، منفردًا بالوحدة عاضًّا على لجام الصواب، جواد لمحبوب العافية لأهلها، إذ","vol":"5","page":19},{"text":"كانوا لا يصلون إليها إلا بفراق السنة؛ فحالف الوحشة وأنس بالوحدة فمضى على سنته على معانقة الحق غير معرج عنه، رضي بالحق صاحبًا وقرينًا ومؤنسًا لا يثنيه عن ذلك خلاف من خالفه ولا عداوة من عاداه، لا تأخذه في الله لومة لائم، لا يزعجه هلع ولا يستميله طمع ولا يزيغه فزع حتى قمع باطل الخلق بما صبره عليه من الأخذ بعنان الحق، لا يستكثر لله الكثير ولا يرضى له من نفسه بالقليل، صابرًا محتسبًا غير مدبر معانقًا لعلم الهدى غير تارك له، حتى أورى زناد الحق فاستضاء به أهل السنة فاتبعوه، وكشف عورات\nالبدع وحذر من أهلها فلم يختلف عليه أحد من أهل العلم حتى رجعوا إلى قوله طوعًا وكرهًا، فدخلوا في الباب الذي خرجوا منه، وعادوا للحق الذي رغبوا عنه، واعترفوا له بفضل ما فضله الله به عليهم، فأقروا له بالإذعان وسمعوا له وأطاعوا إذ كان أتقاهم لله وأنظرهم لخلقه وأدلهم على سبل النجاة وأمنعهم لمواقع الهلكة، فبينا الخلق بضيائه مستترون، يحصي لهم الحق وينفي عنهم الباطل، كما ينفي الكير خبث الحديد، إذ أتاه أمر من الله ﷿ ما أتى من كان قبله من أولياء الله وأهل طاعته، واستأثر الله به ونقله إلى ما عنده فتحيرت من بعده الأدلاء، وتاه الجاهلون في سكرات الخطأ، فكان خلفه رحمة الله عليه من أقام نفسه من بعده ذلك المقام منتصبًا لمذاهبه، ذابًّا عن أهل السنة متشدّدًا على أهل البدع في حقائق الأمور، لا ينعرج عن مذاهبه ولا يدنسه طمع طامع، مؤنس بالوحشة منفرد بالوحدة، صابرًا محتسبًا مبينًا على أهل البدع، مشفقًا على أهل السنة، لا يفزعه ميل من مال إلى غيره، لم يدعه طمع إلى أحد، صبر على الخير والشر،","vol":"5","page":20},{"text":"واثق بمواهب الله له من لزوم أصحابه إياه، قامع لأهل البدع محب لأهل الورع فرحمة الله على أبي بكر المروذي ومغفرته ورضوانه؛ فقد كان وفيًّا لصاحبه مشفقًا على أصحابه لم تر مثله العيون فجزاه الله من صاحب وأستاذ خيرًا، فالزموا من الأمر ما توفى الله ﷿ أبا عبد الله رحمة الله عليه وأبا بكر المروذي، فإنه الدين الواضح وكل ما أحدث هؤلاء فبدعة وضلالة، فاعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم، وعليكم بلزوم السنة وترك البدع وأهلها، فقد كان أحدث هذا الترمذي المبتدع ببلدنا ما اتصل بنا أنه حدث ببلدكم، وهذا أمر قد كان اضمحل وأخمله الله وأخمل أهله وقائله، وليس بموجود في الناس، قد سلب عقله أخزاه الله وأخزى أشياعه، وقد كان الشيوخ سئلوا عنه في حياة أبي بكر ﵀ ومحدثي بغداد والكوفة وغير ذلك فلم يكن منهم\nأحد إلا أنكره، وكره من أمره ما كتبنا به إليكم لتقفوا عليه، فأما ما قال العباس بن محمد الدوري عند سؤالهم إياه عنه ورده حديث مجاهد: ذكر أن هذا الترمذي الذي رد حديث مجاهد ما رآه قط عند محدث ولا يعرفه بالطلب، وإن هذا الحديث لا ينكره إلا مبتدع جهمي، فنحن نسأل الله العافية من بدعته وضلالته فما أعظم ما جاء به هذا من الضلالة والبدع، عمد إلى حديث فيه فضيلة للنبي - ﷺ - فأراد أن يزيله ويتكلم في من رواه، وقد قال النبي - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من ناوأهم\" (١)، ونحن نحذر عن هذا الرجل أن تستمعوا منه وممن قال بقوله أو تصدقوهم في شيء، فإن السنة عندنا إحياء ذكر هذا\n_________\n(١) تقدم تخريجه. انظر مواقف عبد الله بن المبارك سنة (١٨١هـ).","vol":"5","page":21},{"text":"الحديث وما أشبهه مما ترده الجهمية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1998>موقفه من القدرية:</span>\nذكر ﵀ في كتابه 'السنة' أبوابًا في القدر والرد على القدرية، معنونًا لذلك بقوله: \"ذكر القدرية التي ترد على الله جل وعز\" و\"الرد على القدرية وقولهم: إن الله جبر العباد على المعاصي\" و\"الرد على القدرية في قولهم المشيئة والاستطاعة إلينا\". (٢)\n\nمحمد بن خُزَيْمَة (٣) (٣١١ هـ)\nمحمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة، الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام، إمام الأئمة أبو بكر السلمي النيسابوري الشافعي. ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين بنيسابور، ونشأ بها، وطلب الحديث منذ حداثة سنه. سمع من إسحاق بن راهويه، ومحمد بن حميد ولم يحدث عنهما لكونه كتب عنهما في صغره وقبل فهمه وتبصره، وسمع من علي بن حجر وعتبة بن عبد الله المروزي، وأحمد بن إبراهيم الدورقي وغيرهم.\nوحدث عنه البخاري ومسلم في غير الصحيحين، وأبو حاتم البستي وأحمد بن المبارك المستملي.\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٢٢٤ - ٢٣٢).\n(٢) السنة له (٣/ ٥٢٦ - ٥٦٢).\n(٣) الجرح والتعديل (٧/ ١٩٦) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧٢٠ - ٧٣١) والوافي بالوفيات (٢/ ١٩٦) والبداية والنهاية (١١/ ١٤٩) وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣) والسير (١٤/ ٣٦٥ - ٣٨٢).","vol":"5","page":22},{"text":"ومن شجاعته وجرأته: قال أبو بكر بن بالويه: سمعت ابن خزيمة يقول: كنت عند الأمير إسماعيل بن أحمد، فحدث عن أبيه بحديث وهم في إسناده، فرددته عليه، فلما خرجت من عنده قال أبو ذر القاضي: قد كنا نعرف أن هذا خطأ، منذ عشرين سنة، فلم يقدر واحد منا أن يرده عليه، فقلت له: لا يحل لي أن أسمع حديث رسول الله - ﷺ - فيه خطأ أو تحريف فلا أرده. أبو بكر محمد بن جعفر قال: سمعت ابن خزيمة وسئل: من أين أوتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ماء زمزم لما شرب له\" (١) وإني لما شربت سألت الله علما نافعا\". قال أبو حاتم بن حبان التميمي: ما رأيت على وجه الأرض من يحفظ صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها، حتى كأن السنن كلها بين عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط. قال الذهبي: ولابن خزيمة عظمة في النفوس، وجلالة في القلوب لعلمه ودينه، واتباعه السنة. وكتابه في التوحيد مجلد كبير. وقال الحاكم: فضائل إمام الأئمة ابن خزيمة عندي مجموعة في أوراق كثيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابًا سوى المسائل، والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء، قال: وله فقه حديث بريرة في ثلاثة أجزاء.\nتوفي ﵀ سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2000>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال أبو زكرياء يحيى بن محمد العنبري: سمعت ابن خزيمة يقول: ليس\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٥٧) وابن ماجه (٢/ ١٠١٨/٣٠٦٢) وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٢١٠ - ٢١١) من طريق أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: ... فذكره.","vol":"5","page":23},{"text":"لأحد مع رسول الله - ﷺ - قول إذا صح الخبر. (١)\n- عن محمد بن الحسين الآجري قال: سمعت الإمام محمد بن إسحاق ابن خزيمة ﵁ يقول ما لا أحصي من مرة: أنا عبد لأخبار رسول الله - ﷺ -. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2001>موقفه من الرافضة:</span>\n- عن أبي أحمد الدارمي قال: سئل أبو بكر محمد بن إسحاق عن أحاديث لعباد بن يعقوب -أي الرواجيني- فامتنع منها ثم قال: قد كنت أخذت عنه بشريطة والآن فإني أرى أن لا أحدث عنه لغلوه. (٣)\n- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يشهرن أحدكم على أخيه السيف لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من حفر النار\" (٤) قال أبو هريرة: سمعته من سهل بن سعد الساعدي سمعه من رسول الله - ﷺ -. قال أبو بكر -أي ابن خزيمة: فحرصه على العلم يبعثه على سماع خبر لم يسمعه من النبي - ﷺ - منه، وإنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار. إما معطل جهمي يسمع أخباره التي يرونها خلاف مذهبهم الذي هو كفر فيشتمون أبا هريرة ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه تمويها على الرعاء والسفل أن أخباره لا تثبت بها الحجة.\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٧٣) والتذكرة (٢/ ٧٢٨) وإعلام الموقعين (٢/ ٢٨٣).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٢٩٠).\n(٣) الكفاية (١٣٢).\n(٤) أحمد (٢/ ٣١٧) والبخاري (١٣/ ٢٩/٧٠٧٢) ومسلم (٤/ ٢٠٢٠/٢٦١٧) عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: \"لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يديه فيقع في حفرة من النار\".","vol":"5","page":24},{"text":"وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد - ﷺ - ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام إذا سمع أخبار أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - خلاف مذهبهم الذي هو ضلال لم يجد حيلة في دفع أخباره بحجة وبرهان كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة. أو قدري اعتزل الإسلام وأهله وكفر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التي قدرها الله تعالى وقضاها قبل كسب العباد لها إذا نظر إلى أخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي - ﷺ - في إثبات القدر لم يجد بحجة يريد صحة مقالته التي هي كفر وشرك كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها.\nأو جاهل يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانه إذا سمع أخبار أبي هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه وأخباره تقليدًا بلا حجة ولا برهان كلم في أبي هريرة ودفع أخباره التي تخالف مذهبه ويحتج بأخباره على مخالفته إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه، وقد أنكر بعض هذه الفرق على أبي هريرة أخبارًا لم يفهموا معناها أنا ذاكر بعضها بمشيئة الله ﷿. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2002>موقفه من الجهمية:</span>\nهذا الإمام الكبير كان شوكة في حلوق الجهمية وفروعهم من الكلابية وغيرهم، ولهذا حملوا عليه في كتبهم وتعليقاتهم ومن أشهرهم الرازي من المتقدمين ومن المتأخرين حاملو راية الجهمية الكوثري وتلامذته ومحبوه، وقد قيل في تفسير الرازي: فيه كل شيء إلا التفسير، وقد تكلم عليه الحافظ في لسان الميزان بكلمات جامعة. واسمع ما يقوله في تفسيره الذي ملأه بمذهب\n_________\n(١) المستدرك (٣/ ٥١٣).","vol":"5","page":25},{"text":"الجهمية:\nواعلم يعني: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، في أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية الكتاب الذي سماه بالتوحيد وهو في الحقيقة كتاب الشرك. (٢)\nآثار الشيخ السلفية:\n- 'كتاب التوحيد': وهو من أعظم المصادر السلفية، وقد نقم عليه المبتدعة في الماضي والحاضر، وقد تقدم ما ذكره الرازي، وأما الكوثري الحاقد ومدرسته فلا تسأل عن كلامهم في هذا الكتاب فيوم طبع الكتاب لم يتمالكوا أنفسهم بل أرسلوا إلى الأزهر: كيف يسمح بطبع مثل هذه الكتب والله المستعان. وأما كتب الضلال والانحرافات والخرافات فهذه يرقصون لطبعها، وقد طبع الكتاب وأخذ رسالة علمية حققت نسخه وأحاديثه، ولله الحمد والمنّة.\n- جاء في ذم الكلام: عنه قال: من لم يقل إن الله في السماء على العرش استوى، ضربت عنقه وألقيت جيفته على مزبلة بعيدة عن البلد حتى لا يتأذى بنتن ريحها أحد من المسلمين ولا من المعاهدين. (٣)\n- وفيه: سئل ابن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات فقال: بدعة ابتدعوها ولم تكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب الأربعة وأئمة الدين مثل:\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) التفسير الكبير (ج: ٢٧، ص.١٥٠).\n(٣) ذم الكلام (ص.٢٧٢).","vol":"5","page":26},{"text":"مالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى وابن المبارك ومحمد بن يحيى وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف يتكلمون في ذلك، وينهون عن الخوض فيه ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة فإياك والخوض فيه والنظر في كتبهم بحال. (١)\n- وقال أيضًا في كتاب 'مناقب أحمد بن حنبل' في باب الإشارة إلى طريقة في الأصول، لما ذكر كلامه في مسائل القرآن وترتيب البدع التي ظهرت فيه وأنهم قالوا أولا: هو مخلوق، وجرت المحنة المشهورة، ثم مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسي، إلى أن قال: وجاءت طائفة فقالت: لا يتكلم بعد ما تكلم، فيكون كلامه حادثًا، قال: وهذه سحارة أخرى تقذي في الدين غير عين واحدة، فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة، وكانت حينئذ بنيسابور دار الآثار تمد إليها الدانات، وتشد إليها الركائب، ويجلب منها العلم، وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفي والصبغي مع ما جمعا من الحديث والفقه والصدق والورع واللسان، والبيت والقدر لا يستر لوث بالكلام واستمام لأهله، فابن خزيمة في بيت، ومحمد بن إسحاق في بيت، وأبو حامد العرشرقي في بيت، قال: فطار لتلك الفتنة ذلك الإمام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها كأنه منذر جيش، حتى دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر، ولقن في الكتاتيب، ونقش في المحاريب، أن الله متكلم: إن شاء الله تكلم، وإن شاء سكت، فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خيرًا.\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٧٤) والاستقامة (١/ ١٠٨).","vol":"5","page":27},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قلت: هذه القصة التي أشار إليها عن ابن خزيمة مشهورة، ذكرها غير واحد من المصنفين كالحاكم أبي عبد الله في 'تاريخ نيسابور' وغيره، ذكر أنه رفع إلى الإمام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري، وأنهم على مذهب الكلابية، وأبو بكر الإمام شديد على الكلابية. قال: فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم قال: اجتمعنا ليلة عند بعض أهل العلم، وجرى ذكر كلام الله: أقديم لم يزل، أو يثبت عند اختياره تعالى أن يتكلم به؟ فوقع بيننا في ذلك خوض. قال جماعة منا: إن كلام الباري قديم لم يزل، وقال جماعة: إن كلامه قديم، غير أنه لا يثبت إلا باختياره لكلامه. فبكرت أنا إلى أبي علي الثقفي، وأخبرته بما جرى، فقال: من أنكر أنه لم يزل فقد اعتقد أنه محدث، وانتشرت هذه المسألة في البلد، وذهب منصور الطوسي في جماعة معه إلى أبي بكر محمد بن إسحاق وأخبروه بذلك، حتى قال منصور: ألم أقل للشيخ إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية، وهذا مذهبهم، فجمع أبو بكر أصحابه، وقال: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام، ولم يزدهم على هذا في ذلك اليوم، وذكر أنه بعد ذلك خرج على أصحابه، وأنه صنف في الرد عليهم، وأنهم ناقضوه، ونسبوه إلى القول بقول جهم في أن القرآن محدث، وجعلهم هو كلابية. (١)\n- قال الحاكم: سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: الذي أقول به أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، غير مخلوق، ومن قال: إن القرآن أو شيئًا منه ومن وحيه وتنزيله\n_________\n(١) درء التعارض (٢/ ٧٦ - ٧٩) والسير (١٤/ ٣٧٨ - ٣٧٩).","vol":"5","page":28},{"text":"مخلوق، أو يقول: إن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل، أو يقول: إن أفعال الله مخلوقة، أو يقول: إن القرآن محدث، أو يقول: إن شيئًا من صفات الله -صفات الذات- أو اسمًا من أسماء الله مخلوق، فهو عندي جهمي يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، هذا مذهبي ومذهب من رأيت من أهل الأثر في الشرق والغرب من أهل العلم، ومن حكى عني خلاف هذا فهو كاذب باهت، ومن نظر في كتبي المصنفة ظهر له وبان أن الكلابية كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي. (١)\n- وذكر عن ابن خزيمة أنه قال: زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله لا يكرر الكلام، فهم لا يفهمون كتاب الله، فإن الله قد أخبر في نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم، وأنه أمر الملائكة بالسجود له، فكرر هذا الذكر في غير موضع، وكرر ذكر كلامه مع موسى مرة بعد أخرى، وكرر ذكر عيسى بن مريم في مواضع، وحمد نفسه في مواضع فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (٢) و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٣) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) وكرر زيادة على ثلاثين مرة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٥) ولم\n_________\n(١) درء التعارض (٢/ ٧٩) والتذكرة (٢/ ٧٢٦).\n(٢) الكهف الآية (١).\n(٣) الأنعام الآية (١).\n(٤) سبأ الآية (١).\n(٥) سورة الرحمن.","vol":"5","page":29},{"text":"أتوهم أن مسلمًا يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين. (١)\n- قال الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ، سمعت ابن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئًا.\nقلت -أي الذهبي-: من أقر بذلك تصديقًا لكتاب الله، ولأحاديث رسول الله - ﷺ -، وآمن به مفوضًا معناه (٢) إلى الله ورسوله، ولم يخض في التأويل ولا عمق، فهو المسلم المتبع، ومن أنكر ذلك، فلم يدر بثبوت ذلك في الكتاب والسنة فهو مقصر والله يعفو عنه، إذ لم يوجب الله على كل مسلم حفظ ما ورد في ذلك، ومن أنكر ذلك بعد العلم، وقفا غير سبيل السلف الصالح، وتمعقل على النص فأمره إلى الله، نعوذ بالله من الضلال والهوى. وكلام ابن خزيمة هذا -وإن كان حقًا- فهو فج، لا تحتمله نفوس كثيرة من متأخري العلماء. (٣)\n- قال أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه: سمعت ابن خزيمة يقول: القرآن كلام الله تعالى، ومن قال: إنه مخلوق. فهو كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ولا يدفن في مقابر المسلمين. (٤)\n- قال الحاكم: وحدثني عبد الله بن إسحاق الأنماطي المتكلم قال: لم يزل الطوسي بأبي بكر بن خزيمة حتى جرأه على أصحابه، وكان أبو بكر بن\n_________\n(١) درء التعارض (٢/ ٧٩ - ٨١) والسير (١٤/ ٣٨٠) والتذكرة (٢/ ٧٢٦ - ٧٢٧).\n(٢) والذي ينبغي أن يقال: يجب الإيمان باللفظ والمعنى، ويفوض الكيف.\n(٣) السير (١٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤).\n(٤) السير (١٤/ ٣٧٤) والتذكرة (٢/ ٧٢٨ - ٧٢٩).","vol":"5","page":30},{"text":"إسحاق وأبو بكر بن أبي عثمان يردان على أبي بكر ما يمليه، ويحضران مجلس أبي علي الثقفي، فيقرؤون ذلك على الملأ، حتى استحكمت الوحشة. سمعت أبا سعد عبد الرحمن بن أحمد المقرئ، سمعت ابن خزيمة يقول: القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال: شيء منه مخلوق، أو يقول: إن القرآن محدث، فهو جهمي، ومن نظر في كتبي، بان له أن الكلابية -لعنهم الله- كذبة فيما يحكون عني بما هو خلاف أصلي وديانتي، قد عرف أهل الشرق والغرب أنه لم يصنف أحد في التوحيد والقدر وأصول العلم مثل تصنيفي، وقد صح عندي أن هؤلاء -الثقفي والصبغي ويحيى بن منصور- كذبة، قد كذبوا علي في حياتي، فمحرم على كل مقتبسِ علمٍ أن يقبل منهم شيئًا يحكونه عني، وابن أبي عثمان أكذبهم عندي، وأقولهم علي ما لم أقله.\nقلت -أي الذهبي-: ما هؤلاء بكذبة، بل أئمة أثبات، وإنما الشيخ تكلم على حسب ما نقل له عنهم. فقبح الله من ينقل البهتان، ومن يمشي بالنميمة. (١)\n- قال الحاكم: سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق يقول: لما وقع من أمرنا ما وقع، وجد أبو عبد الرحمن ومنصور الطوسي الفرصة في تقرير مذهبهم، واغتنم أبو القاسم، وأبو بكر بن علي، والبردعي السعي في فساد الحال، انتصب أبو عمرو الحيري للتوسط فيما بين الجماعة، وقرر لأبي بكر ابن خزيمة اعترافنا له بالتقدم، وبين له غرض المخالفين في فساد الحال. إلى أن وافقه على أن نجتمع عنده، فدخلت أنا، وأبو علي، وأبو بكر بن أبي عثمان، فقال له أبو\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠) والاستقامة (١/ ١٠٩ - ١١٠).","vol":"5","page":31},{"text":"علي الثقفي: ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟ قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره. حتى طال الخطاب بينه وبين أبي علي في هذا الباب، فقلت: قد جمعت أنا أصول مذاهبنا في طبق، فأخرجت إليه الطبق، فأخذه وما زال يتأمله وينظر فيه، ثم قال: لست أرى هاهنا شيئًا لا أقول به. فسألته أن يكتب عليه خطه أن ذلك مذهبه، فكتب آخر تلك الأحرف، فقلت لأبي عمرو الحيري: احتفظ أنت بهذا الخط حتى ينقطع الكلام، ولا يتهم واحد منا بالزيادة فيه. ثم تفرقنا، فما كان بأسرع من أن قصده أبو فلان وفلان وقالا: إن الأستاذ لم يتأمل ما كتب في ذلك الخط، وقد غدروا بك وغيروا صورة الحال.\nفقبل منهم، فبعث إلى أبي عمرو الحيري لاسترجاع خطه منه، فامتنع عليه أبو عمرو، ولم يرده حتى مات ابن خزيمة، وقد أوصيت أن يدفن معي، فأحاجه بين يدي الله تعالى فيه وهو: القرآن كلام الله تعالى، وصفة من صفات ذاته، ليس شيء من كلامه مخلوق، ولا مفعول، ولا محدث، فمن زعم شيئًا منه مخلوق أو محدث، أو زعم أن الكلام من صفة الفعل، فهو جهمي ضال مبتدع، وأقول: لم يزل الله متكلمًا، والكلام له صفة ذات، ومن زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة، ولم يتكلم إلا ما تكلم به، ثم انقضى كلامه، كفر بالله وأنه ينزل تعالى إلى سماء الدنيا فيقول: \"هل من داع فأجيبه\" فمن زعم أن علمه تنزل أوامره، ضل، ويكلم","vol":"5","page":32},{"text":"عباده بلا كيف ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١) لا كما قالت الجهمية: إنه على الملك احتوى، ولا استولى. وإن الله يخاطب عباده عودًا وبدءًا، ويعيد عليهم قصصه وأمره ونهيه، ومن زعم غير ذلك، فهو ضال مبتدع. وساق سائر الاعتقاد. (٢)\n- وقال ﵀ في مقدمته لكتابه التوحيد: كنت أسمع من بعض أحداث طلاب العلم والحديث ممن لعله كان يحضر مجالس أهل الزيغ والضلالة؛ من الجهمية المعطلة والقدرية المعتزلة ما تخوفت أن يميل بعضهم عن الحق والصواب من القول بالبهت والضلال في هذين الجنسين من العلم؛ بإثبات القول بالقضاء السابق والمقادير النافذة قبل حدوث كسب العباد، والإيمان بجميع صفات الرحمن الخالق جل وعلا مما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبما صح وثبت عن نبينا - ﷺ - بالأسانيد الثابتة الصحيحة بنقل أهل العدالة موصولًا إليه - ﷺ -، فيعلم الناظر في كتابنا هذا ممن وفقه الله تعالى لإدراك الحق والصواب ومَنَّ عليه بالتوفيق لما يحب ويرضى صحة مذهب أهل الآثار في هذين الجنسين من العلم، وبطلان مذاهب أهل الأهواء والبدع الذين هم في ريبهم وضلالتهم يعمهون. وبالله ثقتي وإياه أسترشد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد بدأت كتاب القدر فأمليته وهذا كتاب\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) السير (١٤/ ٣٨٠ - ٣٨١) والتذكرة (٢/ ٧٢٦ - ٧٢٨).","vol":"5","page":33},{"text":"التوحيد. (١)\n- وقال رحمه في كتابه التوحيد: أقول وبالله توفيقي وإياه أسترشد: قد بين الله ﷿ في محكم تنزيله الذي هو مثبت بين الدفتين أن له وجهًا وصفه بالجلال والإكرام والبقاء فقال جل وعلا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢)، ونفى ربنا جل وعلا عن وجهه الهلاك في قوله: ﴿كل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلًّا وَجْهَهُ﴾ (٣)، وزعم بعض جهلة الجهمية أن الله ﷿ إنما وصف في هذه الآية نفسه التي أضاف إليها الجلال بقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٤) وزعمت أن الرب هو ذو الجلال والإكرام لا الوجه.\nقال أبو بكر: أقول وبالله توفيقي هذه دعوى يدعيها جاهل بلغة العرب؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فذكر الوجه مضمومًا في هذا الموضع مرفوعًا، وذكر الرب بخفض الباء بإضافة الوجه، ولو كان قوله ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ مردودًا إلى ذكر الرب في هذا الموضع لكانت القراءة ذي الجلال والإكرام مخفوضًا كما كان الباء\n_________\n(١) التوحيد (٥).\n(٢) الرحمن الآية (٢٧).\n(٣) القصص الآية (٨٨).\n(٤) الرحمن الآية (٧٨).","vol":"5","page":34},{"text":"مخفوضًا في ذكر الرب جل وعلا، ألم تسمع قوله ﵎: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾؛ فلما كان الجلال والإكرام في هذه الآية صفة للرب خَفَضَ \"ذِي\" خَفْضَ الباءِ الذي ذُكر في قوله ﴿ربك﴾؛ ولما كان الوجه في تلك الآية التي كانت صفة الوجه مرفوعة (١) فقال: ﴿ذو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.\nفتفهموا يا ذوي الحجا هذا البيان الذي هو دلالة أن وجه الله صفة من صفات الله صفات الذات، لا أن وجه الله هو الله، أو أن وجهه غيره كما زعمت المعطلة الجهمية؛ لأن وجهه لو كان الله لقرئ ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام، فما لمن لا يفهم هذا القدر من العربية ووضع الكتب على علماء أهل الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم - ﷺ -.\nوزعمت الجهمية عليهم لعائن الله أن أهل السنة ومتبعي الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم - ﷺ - المثبتين لله جل وعلا من صفاته ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله المثبت بين الدفتين وعلى لسان نبيه المصطفى - ﷺ - بنقل العدل فوضوه إليه مشبهة، جهلًا منهم بكتاب ربنا وسنة نبينا محمد - ﷺ -، وقلة معرفتهم بلغة العرب الذين بلغتهم خوطبنا، وقد ذكرنا من الكتاب والسنة ذكر وجه ربنا بما فيه الغنية والكفاية، ونزيده شرحًا؛ فاسمعوا الآن أيها العقلاء ما يذكر من جنس اللغة السائرة بين العرب هل يقع اسم المشبهة على\n_________\n(١) كذا في الأصل.","vol":"5","page":35},{"text":"أهل الآثار ومتبعي السنن؟ نحن نقول وعلماؤنا جميعًا في الأقطار إن لمعبودنا ﷿ وجها كما أعلمنا الله في محكم تنزيله؛ فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك. ونقول: إن لوجه ربنا ﷿ من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية، ونقول: إن وجه ربنا القديم لم يزل بالباقي الذي لا يزال؛ فنفى عنه الهلاك والفناء. ونقول: إن لبني آدم وجوها كتب الله عليها الهلاك، ونفى عنها الجلال والإكرام غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء التي وصف الله بها وجهه، يدرك وجوه بني آدم أبصار أهل الدنيا، لا تحرق لأحد شعرة فما فوقها؛ لنفي السبحات عنها؛ التي بينها نبينا المصطفى - ﷺ - لوجه خالقنا.\nونقول: إن وجوه بني آدم محدثة مخلوقة لم تكن، فكونها الله بعد أن لم تكن مخلوقة أوجدها بعد ما كانت عدمًا، وأن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية تصير جميعًا ميتًا، ثم تصير رميمًا، ثم ينشئها الله بعدما قد صارت رميمًا، فتلقى من النشور والحشر والوقوف بين يدي خالقنا في القيامة، ومن المحاسبة بما قدمت يداه ونسيه في الدنيا ما لا يعلم صفته غير الخالق الباري، ثم إما تصير إلى الجنة منعمة فيها، أو إلى نار معذبة، فهل يخطر يا ذوي الحجا ببال عاقل مركب فيه العقل يفهم لغة العرب ويعرف خطابها ويعلم التشبيه أن هذا الوجه شبيه بذاك الوجه؟ وهل هاهنا أيها العقلاء تشبيه وجه ربنا جل ثناؤه الذي هو كما وصفنا وبينا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم التي ذكرناها ووصفناها غير اتفاق اسم الوجه وإيقاع اسم الوجه على","vol":"5","page":36},{"text":"وجه بني آدم كما سمى الله وجهه وجهًا؟ ولو كان تشبيهًا من علمائنا لكان كل قائل إن لبني آدم وجها، وللخنازير والقردة والكلاب والسباع والحمير والبغال والحيات والعقارب وجوها قد شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب وغيرها مما ذكرت، ولست أحسب أن أعقل الجهمية المعطلة عند نفسه لو قال له أكرم الناس عليه: وجهك يشبه وجه الخنزير والقرد والدُّب والكلب والحمار والبغل ونحو هذا إلا غضب؛ وإلا خرج من سوء الأدب في الفحش من المنطق من الشتم للمشبه وجهه بوجه ما ذكرنا، ولعله بعد يقذفه ويقذف أبويه. ولست أحسب أن عاقلًا يسمع هذا القائل المشبه وجه ابن آدم بوجه ما ذكرنا إلا ويرميه بالكذب والزور والبهت، أو بالعته والخبل، أو يحكم عليه بزوال العقل ورفع القلم عنه؛ لتشبيه وجه ابن آدم بوجه ما ذكرنا.\nفتفكروا يا ذوي الألباب أَوُجوهُ ما ذكرنا أقرب شبهًا بوجوه بني آدم أو وجه خالقنا بوجوه بني آدم؟ فإذا لم تطلق العرب تشبيه وجوه بني آدم بوجوه ما ذكرنا من السباع، واسم الوجه قد يقع على جميع وجوهها كما يقع اسم الوجه على وجوه بني آدم؛ فكيف يلزمنا أن يقال لنا: أنتم مشبهة، ووجوه بني آدم ووجوه ما ذكرنا من السباع والبهائم محدثة كلها مخلوقة قد قضى الله فناءها وهلاكها وقد كانت عدما؛ فكونها الله وخلقها وأحدثها وجميع ما ذكرنا من السباع والبهائم لوجوهها أبصار وخدود وجباه وأنوف وألسنة وأفواه وأسنان وشفاه، ولا يقول مركب فيه العقل لأحد من بني آدم وجهك شبيه بوجه خنزير، ولا عينك شبيهة بعين قرد، ولا فمك فم دب،","vol":"5","page":37},{"text":"ولا شفتاك كشفتي كلب، ولا خدك خد ذئب، إلا على المشاتمة كما يرمي الرامي الإنسان بما ليس فيه؛ فإذ كان ما ذكرنا على ما وصفنا ثبت عند العقلاء وأهل التمييز أن من رمى أهل الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم - ﷺ - بالتشبيه؛ فقد قال الباطل والكذب والزور والبهتان، وخالف الكتاب والسنة، وخرج من لسان العرب.\nوزعمت المعطلة من الجهمية أن معنى الوجه الذي ذكر الله في الآي التي تلونا من كتاب الله وفي الأخبار التي رويناها عن النبي - ﷺ - كما تقول العرب: وجه الكلام ووجه الثوب ووجه الدار، فزعمت -لجهلها- أن معنى قوله: وجه الله كقول العرب وجه الكلام ووجه الدار ووجه الثوب، وزعمت أن الوجوه من صفات المخلوقين؛ وهذه فضيحة في الدعوى، ووقوع في أقبح ما زعموا أنهم يهربون منه؛ فيقال لهم: أفليس كلام بني آدم والثياب والدور مخلوقة؟ فمن زعم منكم أن معنى قوله وجه الله كقول العرب وجه الكلام ووجه الثوب ووجه الدار، أليس قد شبه على أصلكم وجه الله بوجه الموتان؟ لزعمكم -يا جهلة- أن من قال من أهل السنة والآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم - ﷺ -: لله وجه وعينان ونفس، وأن الله يبصر ويرى ويسمع؛ أنه مشبه عندكم خالقه بالمخلوقين، حاش لله أن يكون أحد من أهل السنة والأثر شبه خالقه بأحد من المخلوقين؛ فإن كان على ما زعمتم بجهلكم فأنتم قد شبهتم معبودكم بالموتان. نحن نثبت لخالقنا جل وعلا صفاته التي وصف الله ﷿ بها نفسه في محكم تنزيله أو على لسان نبيه المصطفى - ﷺ - مما ثبت بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه، ونقول كلامًا مفهومًا موزونًا يفهمه كل","vol":"5","page":38},{"text":"عاقل يقول: ليس إيقاع اسم الوجه للخالق البارئ بموجب عند ذوي الحجا والنهى أنه يشبه وجه الخالق بوجوه بني آدم. قد أعلمنا الله جل وعلا في الآي التي تلوناها قبل أن لله وجهًا ذواه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه. وخبرنا في محكم تنزيله أنه يسمع ويرى؛ فقال جل وعلا لكليمه موسى ولأخيه هارون صلوات الله عليهما: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وأرى﴾ (١) وما لا يسمع ولا يبصر كالأصنام التي هي من الموتان، ألم تسمع مخاطبة خليل الله صلوات الله عليه أباه؟ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (٢)، أو لا يعقل -يا ذوي الحجا- من فهم عن الله ﵎ هذا أن خليل الله صلوات الله عليه يوبخ أباه على عبادة ما لا يسمع ولا يبصر، ولو قال الخليل صلوات الله عليه لأبيه: أدعوك إلى ربي الذي لا يسمع ولا يبصر، لأشبه أن يقول: فما الفرق بين معبودك ومعبودي؟ والله قد أثبت لنفسه أنه يسمع ويرى.\nوالمعطلة من الجهمية تنكر كل صفة لله جل وعلا وصف بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه - ﷺ - لجهلهم بالعلم، وقال ﷿: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ\n_________\n(١) طه الآية (٤٦) ..\n(٢) مريم الآية (٤٢).","vol":"5","page":39},{"text":"أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ (١) الآية؛ فأعلم الله ﷿ أن من لا يسمع ولا يعقل كالأنعام؛ بل هم أضل سبيلًا، فمعبود الجهمية عليهم لعائن الله كالأنعام التي لا تسمع ولا تبصر، والله قد ثبت لنفسه أنه يسمع ويرى.\nوالمعطلة من الجهمية تنكر كل صفة لله وصف بها نفسه في محكم تنزيله أو على لسان نبيه - ﷺ - لجهلهم بالعلم وذلك أنهم وجدوا في القرآن أن الله قد أوقع أسماء من أسماء صفاته على بعض خلقه فتوهموا لجهلهم بالعلم أن من وصف الله بتلك الصفة التي وصف الله بها نفسه قد شبهه بخلقه؛ فاسمعوا -يا ذوي الحجا- ما أبين جهل هؤلاء المعطلة، أقول: وجدت الله وصف نفسه في غير موضع من كتابه فأعلم عباده المؤمنين أنه سميع بصير فقال: ﴿وَهُوَ السميع البصير﴾ (٢) وذكر ﷿ الإنسان قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سميعًا بصيرًا﴾ (٣). وأعلمنا جل وعلا أنه يرى فقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فسيرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورسوله﴾ (٤) وقال لموسى وهارون ﵉: ﴿قَالَ لا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وأرى﴾ (٥)، فأعلم ﷿ أنه يرى\n_________\n(١) الفرقان الآيتان (٤٣و٤٤).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) الإنسان الآية (٢).\n(٤) التوبة الآية (١٠٥).\n(٥) طه الآية (٤٦).","vol":"5","page":40},{"text":"أعمال بني آدم وأن رسوله وهو بشر يرى أعمالهم أيضًا، وقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ (١) وبنو آدم يرون أيضًا الطير مسخرات في جو السماء، وقال ﷿: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بأعيننا﴾ (٢) وقال: ﴿تجري بأعيننا﴾ (٣) وقال: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (٤) فثبت ربنا ﷿ لنفسه عينًا وثبت لبني آدم أعينًا فقال: ﴿ترى أعينهم تفيض من الدَّمْعِ﴾ (٥)؛ فقد خبرنا ربنا أن له عينًا وأعلمنا أن لبني آدم أعينًا، وقال لإبليس عليه لعنة الله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تسجد لما خَلَقْتُ بيدي﴾ (٦) وقال: ﴿بَلْ يداه مَبْسُوطَتَانِ ينفق كيف يشاء﴾ (٧) وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٨) فثبت ربنا جل وعلا لنفسه يدين، وخبرنا أن لبني آدم يدين\n_________\n(١) النحل الآية (٧٩).\n(٢) هود الآية (٣٧).\n(٣) القمر الآية (١٤).\n(٤) الطور الآية (٤٨).\n(٥) المائدة الآية (٨٣).\n(٦) ص الآية (٧٥) ..\n(٧) المائدة الآية (٦٤).\n(٨) الزمر الآية (٦٧).","vol":"5","page":41},{"text":"فقال: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم﴾ (١)، وقال: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣) وقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٤) وخبرنا أن ركبان الدواب يستوون على ظهورها. وقال في ذكر سفينة نوح: ﴿واستوت على الجودي﴾ (٥)، أفيلزم -يا ذوي الحجا- عند هؤلاء الفسقة أن من ثبت لله ما ثبت الله في هذه الآي أن يكون مشبهًا خالقه بخلقه؟ حاش لله أن يكون هذا تشبيه كما ادعوا لجهلهم بالعلم، نحن نقول: إن الله سميع بصير كما أعلمنا خالقنا وبارئنا، ونقول من له سمع وبصر من بني آدم فهو سميع بصير، ولا نقول: إن هذا تشبيه المخلوق بالخالق، ونقول: إن لله ﷿ يدين يمينين لا شمال فيهما، قد أعلمنا الله ﵎ أن له يدين، وخبرنا نبينا - ﷺ - أنهما يمينان لا شمال فيهما، ونقول إن من كان من بني آدم سليم الجوارح والأعضاء فله يدان يمين وشمال، لا نقول: إن يد المخلوقين كيد الخالق عز ربنا عن أن تكون يده كيد خلقه. قد سمى الله ﷿ لنا نفسه عزيزًا وسمى بعض الملوك عزيزًا فقال: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٨٢).\n(٢) الحج الآية (١٠).\n(٣) الفتح الآية (١٠).\n(٤) طه الآية (٥).\n(٥) هود الآية (٤٤).","vol":"5","page":42},{"text":"فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ (١)،\nوسمى إخوة يوسف أخاهم يوسف عزيزًا فقالوا: ﴿يا أيها العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا شيخًا كبيرًا﴾ (٢) وقالوا: ﴿يا أيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر﴾ (٣)، فليست عزة خالقنا العزة التي هي صفة من صفات ذاته؛ كعزة المخلوقين الذين أعزهم الله بها، ولو كان كل اسم سمى الله لنا به نفسه، وأوقع ذلك الاسم على بعض خلقه، كان ذلك تشبيه الخالق بالمخلوق على ما توهم هؤلاء الجهلة من الجهمية؛ لكان كل من قرأ القرآن وصدقه بقلبه أنه قرآن ووحي وتنزيل قد شبه خالقه بخلقه، وقد أعلمنا ربنا ﵎ أنه الملك، وسمى بعض عبيده ملكًا فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائتوني بِهِ﴾ (٤) وأعلمنا ﷻ أنه العظيم، وسمى بعض عبيده عظيمًا فقال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٥) وسمى الله بعض خلقه عظيمًا فقال: ﴿وَهُوَ رب الْعَرْشِ العظيم﴾ (٦) فالله العظيم، وأوقع اسم العظيم على عرشه؛ والعرش مخلوق، وربنا الجبار المتكبر فقال: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ\n_________\n(١) يوسف الآية (٣٠) ..\n(٢) يوسف الآية (٧٨).\n(٣) يوسف الآية (٨٨).\n(٤) يوسف الآية (٥٠).\n(٥) الزخرف الآية (٣١).\n(٦) التوبة الآية (١٢٩).","vol":"5","page":43},{"text":"المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ (١)، وسمى بعض الكفار متكبرًا جبارًا فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (٢). وبارئنا جل وعز الحفيظ العليم، وخبرنا أن يوسف ﵇ قال للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عليم﴾ (٤) وقال: ﴿بِغُلَامٍ حليم﴾ (٥) قال: الحليم والعليم اسمان لمعبودنا جل وعلا قد سمى الله بهما بعض بني آدم، ولو لزم -يا ذوي الحجا- أهل السنة والآثار إذ أثبتوا لمعبودهم يدين كما ثبتهما الله لنفسه، وثبتوا له نفسًا عز ربنا وجل، والله سميع بصير يسمع ويرى؛ ما ادعى هؤلاء الجهلة عليهم أنهم مشبهة؛ للزم كل من سمى الله ملكًا أو عزيزًا أو عظيمًا ورؤوفًا ورحيمًا وجبارًا ومتكبرًا أنه قد شبه خالقه ﷿ بخلقه، حاش لله أن يكون من وصف الله جل وعلا بما وصف الله نفسه في كتابه، أو على لسان نبيه المصطفى - ﷺ - مشبهًا خالقه بخلقه.\nفأما احتجاج الجهمية على أهل السنة والآثار في هذا النحو بقوله ﴿ليس كمثل شيءٌ وهو السميع البصير﴾ (٦) فمن القائل: إن\n_________\n(١) الحشر الآية (٢٣).\n(٢) غافر الآية (٣٥).\n(٣) يوسف الآية (٥٥).\n(٤) الذاريات الآية (٢٨) ..\n(٥) الصافات الآية (١٠١).\n(٦) الشورى الآية (١١).","vol":"5","page":44},{"text":"لخالقنا مثلًا أو إن له شبهًا؟ وهذا من التمويه على الرعاع والسفل يموهون بمثل هذا على الجهال يوهمونهم أن من وصف الله بما وصف به نفسه في محكم تنزيله أو على لسان نبيه - ﷺ -، فقد شبه الخالق بالمخلوق، وكيف يكون خلقه مثله -يا ذوي الحجا-؟ يقول الله القديم لم يزل والخلق محدث مربوب، والله الرزاق والخلق مرزوقون، والله الدائم الباقي وخلقه هالك غير باقٍ، والله الغني عن جميع خلقه والخلق كلهم فقراء إلى خالقهم، وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض أسامي الله بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه أن يقال: إنكم شبهتم الله بخلقه؛ إذ أوقعتم بعض أسامي الله على بعض خلقه. وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصاحف، أو محوها من صدور أهل القرآن، أو ترك تلاوتها في المحاريب والكتاتيب، وفي الجدور والبيوت؟ أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه - ﷺ - أنه الملك، وسمى بعض عبيده ملكًا، وخبرنا أنه السلام وسمى تحية المؤمنين بينهم سلامًا في الدنيا وفي الجنة؛ فقال: ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ (١) ونبينا المصطفى - ﷺ - قد كان يقول بعد فراغه من تسليم الصلاة: \"اللهم أنت السلام ومنك السلام\" (٢)، وقال ﷿: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَنْ ألقى إليكم السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٣)؛ فثبت بخبر الله أن الله هو السلام كما في قوله: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٤٤).\n(٢) أخرجه: أحمد (٦/ ١٨٤) ومسلم (١/ ٤١٤/٥٩٢) وأبو داود (٢/ ١٧٦/١٥١٢) والترمذي (٢/ ٩٥ - ٩٦/ ٢٩٨ - ٢٩٩) والنسائي (٣/ ٧٨/١٣٣٧) وابن ماجه (١/ ٢٩٨/٩٢٤) من حديث عائشة ﵂.\n(٣) النساء الآية (٩٤) ..","vol":"5","page":45},{"text":"المهيمن﴾ (١)، وأوقع هذا الاسم على غير الخالق البارئ. وأعلمنا ﷿ أنه المؤمن، وسمى بعض عباده المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ ورسوله﴾ (٣) الآية، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٤) وقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٥)، وقد ذكرنا قبل أن الله خبر أنه سميع بصير، وقد أعلمنا أنه جعل الإنسان سميعًا بصيرًا فقال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦). والله الحكم العدل، وخبرنا نبينا - ﷺ - أن عيسى بن مريم ينزل قبل قيام الساعة \"حكمًا عدلًا، وإمامًا مقسطًا\" (٧)، والمقسط أيضًا اسم من أسامي الله ﷿ في خبر أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - في أسامي الرب ﷿\n_________\n(١) الحشر الآية (٢٣).\n(٢) الأنفال الآية (٢).\n(٣) النور الآية (٦٢).\n(٤) الحجرات الآية (٩).\n(٥) الأحزاب الآية (٣٥).\n(٦) الإنسان الآيتان (١و٢).\n(٧) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٤٠) والبخاري (٤/ ٥٢٠/٢٢٢٢) ومسلم (١/ ١٣٥/١٥٥) والترمذي (٤/ ٤٣٩/٢٢٣٣) وابن ماجه (٢/ ١٣٦٣/٤٠٧٨) من حديث أبي هريرة.","vol":"5","page":46},{"text":"منه: \"والمقسط\" (١)،\nوقال في ذكر الشقاق بين الزوجين: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢)؛ فأوقع اسم الحكم على حكمي الشقاق، والله العدل، وأمر عباده بالعدل والإحسان، والنبي - ﷺ - قد خبر \"أن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ، أو من نور يوم القيامة\" (٣)؛ فاسم المقسط قد أوقعه النبي - ﷺ - على بعض أوليائه الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا، وفي خبر عياض بن حمار أن النبي - ﷺ - قال: \"أهل الجنة ثلاثة عفيف متصدق، وذو سلطان مقسط، ورجل رحيم\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٥/ ٤٩٦/٣٥٠٧) وابن ماجه (٢/ ١٢٦٩/٣٨٦١) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن ... \" وسرد الأسماء في الحديث.\n\nقال البوصيري في الزوائد: \"لم يخرج أحد من الأئمة الستة عدد أسماء الله الحسنى من هذا الوجه ولا من غيره، غير ابن ماجه والترمذي، مع تقديم وتأخير، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب، قال: وإسناد طريق ابن ماجه ضعيف، لضعف عبد الملك بن محمد\".\nوقال الترمذي: \"هذا حديث غريب: حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - ولا نعلم في كثير شيء من الروايات له إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث.\nوأخرجه أيضًا الحاكم (١/ ١٦) وقال: \"هذا حديث قد خرجاه في الصحيحين بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعلة فيه عندهما أن الوليد بن مسلم تفرد بسياقته بطوله، وذكر الأسامي فيه ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعلة\".\nوتعقبه الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٥٨): \"وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط بل الاختلاف فيه والاضطراب وتدليسه واحتمال الإدراج، قال البيهقي: يحتمل أن يكون التعيين وقع من بعض الرواة في الطريقين معًا، ولهذا وقع الاختلاف الشديد بينهما، ولهذا الاحتمال ترك الشيخان تخريج التعيين ... والوليد بن مسلم أوثق من عبد الملك بن محمد الصنعاني، ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج ... \".\n(٢) النساء الآية (٣٥).\n(٣) أخرجه: أحمد (٢/ ١٥٩و١٦٠و٢٠٣) ومسلم (٣/ ١٤٥٨/١٨٢٧) والنسائي (٨/ ٦١٢ - ٦١٣/ ٥٣٩٤) من حديث عبد الله بن عمرو.","vol":"5","page":47},{"text":"رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم\" (١)، حدثناه أبو موسى قال حدثنا محمد بن أبي عدي قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن مطرف عن عياض بن حمار المجاشعي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول، قال أبو بكر: وإن المقسط اسم من أسامي ربنا جل وعلا، وبارئنا الحكيم أواه منيب، وأعلمنا أن نبينا المصطفى محمدًا - ﷺ - رؤوف رحيم؛ فقال في وصفه: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) والله الشكور، وسمى بعض عباده الشكور، والله العلي وقال في مواضع من كتابه يذكر نفسه ﷿: ﴿إِنَّهُ عليٌّ حكيمٌ﴾ (٣)،وقد يسمى بهذا الاسم كثير من الآدميين لم نسمع عالمًا ورعًا زاهدًا فاضلًا فقيهًا ولا جاهلًا أنكر على أحد من الآدميين تسمية ابنه عليًّا، ولا كره أحد منهم هذا الاسم للآدميين، قد دعا النبي المصطفى - ﷺ - علي بن أبي طالب باسمه حين وجه إليه قال: \"ادع لي عليًّا\" (٤). والله الكبير وجميع المسلمين يوقعون اسم الكبير على أشياء ذوات عدد من المخلوقين يوقعون اسم الكبير على الشيخ الكبير وعلى الرئيس وعلى كل عظيم وكبير\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٦٢) ومسلم (٤/ ٢١٩٧ - ٢١٩٨/ ٢٨٦٥) والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٦/٨٠٧٠) من حديث عياض بن حمار ﵁، ورواه أبو داود (٥/ ٢٠٣/٤٨٩٥) وابن ماجه (٢/ ١٣٩٩/٤١٧٩) مختصرًا دون ذكر موضع الشاهد.\n(٢) التوبة الآية (١٢٨).\n(٣) الشورى الآية (٥١) ..\n(٤) أخرجه: البخاري (٦/ ١٣٧ - ١٣٨/ ٢٩٤٢) ومسلم (٤/ ١٨٧٢/٢٤٠٦) وأبو داود (٤/ ٦٩/٣٦٦١) والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٦/٨١٤٩) من حديث سهل بن سعد.","vol":"5","page":48},{"text":"من الحيوان وغيرها، ذكر الله قول إخوة يوسف للملك ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شيخًا كبيرًا﴾ (١)، وقالت الخثعمية للنبي - ﷺ -: \"إن فريضة الله على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا\" (٢) فلم ينكر النبي - ﷺ - عليها تسميتها أباها كبيرًا ولا قال لها: إن الكبير اسم من أسامي الله، وفي قصة شعيب ﴿وَأَبُونَا شيخٌ كبيرٌ﴾ (٣) وربنا ﷿ الكريم والنبي - ﷺ - قد أوقع اسم الكريم على جماعة من الأنبياء فقال: \"إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم\" (٤)، وقال ﷿: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٥) فسمى النبي - ﷺ - كل واحد من هؤلاء الأنبياء كريمًا والله الحكيم، وسمى كتابه حكيمًا فقال: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (٦)، وأهل القبلة يسمون لقمان الحكيم إذ الله أعلم أنه آتاه الحكمة فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (٧)، وكذلك العلماء يقولون: قال الحكيم من الحكماء،\n_________\n(١) يوسف الآية (٧٨).\n(٢) أخرجه: أحمد (١/ ٢١٩) والبخاري (٣/ ٤٨٢/١٥١٣) ومسلم (٢/ ٩٧٣/١٣٣٤) وأبو داود (٢/ ٤٠٠ - ٤٠٢/ ١٨٠٩) والنسائي (٥/ ١٢٤/٢٦٣٤) من حديث ابن عباس ﵄. وفي الباب عن الفضل بن عباس وعلي وبريدة وحصين بن عوف وأبي رزين وسودة.\n(٣) القصص الآية (٢٣).\n(٤) أخرجه: أحمد (٢/ ٩٦) والبخاري (٨/ ٤٦١/٤٦٨٨) من حديث ابن عمر. وفي الباب عن أبي هريرة.\n(٥) لقمان الآية (١٠) ..\n(٦) لقمان الآية (٢).\n(٧) لقمان الآية (١٢).","vol":"5","page":49},{"text":"ويقولون: فلان حكيم من الحكماء. والله جل وعلا الشهيد، وسمى الشهود الذين يشهدون على الحقوق شهودًا فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) وقال أيضًا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٢)، وسمى الله ﷿ ثم نبيه المصطفى - ﷺ - وجميع أهل الصلاة المقتول في سبيل الله شهيدًا. والله الحق فقال ﷿: ﴿فالحق وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ (٣) وقال: ﴿فتعالى اللَّهُ الْمَلِكُ الحق﴾ (٤) وقال ﷿: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ (٥) وقال: ﴿وَبِالْحَقِّ أنزلناه وَبِالْحَقِّ نزل﴾ (٦) وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٧) وقال: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٨) وقال:\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٨٢).\n(٢) النساء الآية (٤١).\n(٣) ص الآية (٨٤).\n(٤) المؤمنون الآية (١١٦).\n(٥) سبأ الآية (٦).\n(٦) الإسراء الآية (١٠٥).\n(٧) محمد الآية (٢).\n(٨) محمد الآية (٣).","vol":"5","page":50},{"text":"﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١) وقال: ﴿الْمُلْكُ يومئذٍ الحق لِلرَّحْمَنِ﴾ (٢) وقال: ﴿ولا يأتونك بِمَثَلٍ إِلًّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ (٣) وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (٤) وقال جل وعلا لنبيه - ﷺ -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٥)؛ فكل صواب وعدل في حكم وفعل ونطق؛ فاسم الحق واقع عليه، وإن كان اسم الحق اسمًا من أسامي ربنا ﷿ لا يمنع أحد من أهل القبلة من العلماء من إيقاع اسم الحق على كل عدل وصواب. والله الوكيل كما قال ﷿: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦)، والعرب لا تمانع بينها من إيقاع اسم الوكيل على من يتوكل لبعض بني آدم، والنبي - ﷺ - في خبر جابر قد قال له: \"اذهب إلى وكيلي بخيبر\" (٧)، وفي أخبار فاطمة بنت قيس في مخاطبتها النبي - ﷺ - لما أعلمته أن زوجها طلقها قالت: \"وأمر\n_________\n(١) الحج الآية (٥٤) ..\n(٢) الفرقان الآية (٢٦).\n(٣) الفرقان الآية (٣٣).\n(٤) الصف الآية (٩).\n(٥) النساء الآية (١٠٥).\n(٦) الأنعام الآية (١٠٢).\n(٧) أخرجه: أبو داود (٤/ ٤٧ - ٤٨/ ٣٦٣٢) والدارقطني (٤/ ١٥٤ - ١٥٥) والبيهقي (٦/ ٨٠) من حديث جابر بن عبد الله ﵄ بلفظ: \"إذا أتيت وكيلي بخيبر\"، والحديث أعله ابن القطان بابن إسحاق وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في ضعيف أبي داود رقم (٧٨٤).","vol":"5","page":51},{"text":"وكيله أن يعطي شيئًا، وأنها استقلت ما أعطاها وكيل زوجها\" (١)، والعجم أيضًا يوقعون اسم الوكيل على من يتوكل لبعض الآدميين كإيقاع العرب سواء.\nوأعلم الله أنه مولى الذين آمنوا في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٣) فأوقع اسم الموالي على العصبة، وقال النبي - ﷺ -: \"من كنت مولاه فعلي مولاه\" (٤)، وقد أمليت هذه الأخبار في فضائل علي ابن أبي طالب. وقال - ﷺ - لزيد بن حارثة لما اشتجر جعفر وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة في ابنة حمزة قال لزيد: \"أنت أخونا ومولانا\" (٥) فأوقع اسم المولى أيضًا على مولى من أسفل كما يقع اسم المولى على المولى من أعلى؛ فكل معتق قد يقع عليه اسم مولى، ويقع على المعتق اسم مولى، وقال - ﷺ - في خبر عائشة: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٦/ ٤١٢) ومسلم (٢/ ١١١٤/١٤٨٠) وأبو داود (٢/ ٧١٢ - ٧١٤/ ٢٢٨٤) والنسائي (٦/ ٣٨٣ - ٣٨٥/ ٣٢٤٥) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس به.\n(٢) محمد الآية (١١).\n(٣) النساء الآية (٣٣).\n(٤) أخرجه: أحمد (١/ ١١٨) والترمذي (٥/ ٥٩١/٣٧١٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ١٣٤/٨٤٧٨) وصححه ابن حبان (١٥/ ٣٧٥ - ٣٧٦/ ٦٩٣١).\n(٥) أخرجه: أحمد (٤/ ٢٩١و٢٩٨) والبخاري (٧/ ٦٣٥/٤٢٥١) ومسلم (٣/ ١٤٠٩/١٧٨٣) وأبو داود (٢/ ٤١٥/١٨٣٢) والترمذي (٣/ ٢٧٥/٩٣٨) مختصرًا، كلهم من طريق أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب ﵁.","vol":"5","page":52},{"text":"فنكاحها باطل\" (١)؛\nفقد أوقع الله ثم رسوله ثم جميع العرب والعجم اسم المولى على بعض المخلوقين، والله جل وعلا الوليّ، وقد سمى الله نبيه - ﷺ - وليًّا فقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٢) الآية، فسمى الله هؤلاء المؤمنين أيضًا الذين وصفهم في هذه الآية أولياء المؤمنين، وأعلمنا أيضًا ربنا ﷿ أن بعض المؤمنين أولياء بعض في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ﴾ (٣) وقال ﷿: ﴿النَّبِيُّ أولى بالمؤمنين من أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤). والله جل وعلا الحي، واسم الحي قد يقع أيضًا على كل ذي روح قبل قبض النفس وخروج الروح منه قبل الموت قال الله ﵎: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (٥) واسم الحي قد يقع أيضًا على الموتان قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٦) وقال الله تعالى:\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٦/ ٤٧و١٦٥ - ١٦٦) وأبو داود (٢/ ٥٦٦/٢٠٨٣) والترمذي (٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨/ ١١٠٢) وقال: \"هذا حديث حسن\". والنسائي في الكبرى (٣/ ٢٨٥/٥٣٩٤) وابن ماجه (١/ ٦٠٥/١٨٧٩) وابن حبان (٩/ ٣٨٤/٤٠٧٤ الإحسان). من طرق عن عائشة ﵂ ..\n(٢) المائدة الآية (٥٥).\n(٣) التوبة الآية (٧١).\n(٤) الأحزاب الآية (٦).\n(٥) الروم الآية (١٩).\n(٦) النحل الآية (٦٥).","vol":"5","page":53},{"text":"﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (١) وقال - ﷺ -: \"من أحيا أرضًا ميتة فهي له\" (٢).\nوالله الواحد وكل ما له عدد من الحيوان والموتان فاسم الواحد قد يقع على كل واحد من جنس منه إذا عد قيل واحد واثنان وثلاثة إلى أن ينتهي العدد إلى ما انتهى إليه وإذا كان واحد من ذلك الجنس قيل: هذا واحد، وكذلك يقال هذا الواحد صفته كذا وكذا، لا تمانع العرب في إيقاع اسم الواحد على ما بينت، وربنا جل وعلا الوالي، وكل من له ولاية من أمر المسلمين فاسم الوالي واقع عليه عند جميع أهل الصلاة من العرب. وخالقنا ﷿ التواب قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٣) وقد سمى الله جميع من تاب من الذنوب توّابًا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٤)، ومعقول عند كل مؤمن أن هذا الاسم الذي هو اسم الله ليس هو على معنى ما سمى الله التائبين به؛ لأن الله إنما أخبر أنه يحب التوابين أي من الذنوب والخطايا، وجل ربنا وعز أن يكون اسم التواب له على المعنى الذي خبر أنه يحب التوابين من المؤمنين. ومعبودنا ﷻ\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٣٠).\n(٢) أحمد (٣/ ٣٠٤) والترمذي (٣/ ٦٦٣ - ٦٦٤/ ١٣٧٩) وقال: \"حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٠٤/٥٧٥٧). وصححه ابن حبان (١١/ ٦١٦/٥٢٠٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\nوأخرجه من حديث سعيد بن زيد: أبو داود (٣/ ٤٥٤/٣٠٧٣) والترمذي (٣/ ٦٦٢ - ٦٦٣/ ١٣٧٨) وقال: \"حسن غريب\". والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٠٥/٥٧٦١). ومن حديث عائشة: أحمد (٦/ ١٢٠) والبخاري (٥/ ٢٢/٢٣٣٥) بلفظ: \"من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق\".\n(٣) النساء الآية (١٦).\n(٤) البقرة الآية (٢٢٢).","vol":"5","page":54},{"text":"الغنيّ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (١) واسم الغني قد يقع على كل من قد أغناه الله تعالى بالمال وقال جل وعلا ذكره: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ (٣)، وقال النبي - ﷺ - عند بعثه معاذًا إلى اليمن: \"أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم\" (٤)، وقال ضمام ابن ثعلبة للنبي - ﷺ -: \"آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتردها على فقرائنا؟ قال: نعم\" (٥).\nوربنا جل وعلا النور، وقد سمى الله بعض خلقه نورًا فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وقال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٦) وقال: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ\n_________\n(١) محمد الآية (٣٨).\n(٢) النور الآية (٣٣).\n(٣) التوبة الآية (٩٣) ..\n(٤) أحمد (١/ ٢٣٣) والبخاري (٣/ ٣٣٣/١٣٩٥) ومسلم (١/ ٥٠/١٩) وأبو داود (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣/ ١٥٨٤) والترمذي (٣/ ٢١/٦٢٥) وقال: \"حديث ابن عباس حديث حسن صحيح\" وأيضًا في: (٤/ ٣٢٣/٢٠١٤) مختصرًا وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٥/ ٥ - ٦/ ٢٤٣٤) وابن ماجه (١/ ٥٦٨/١٧٨٣).\n(٥) أخرجه: أحمد (٣/ ١٦٨) والبخاري (١/ ١٩٧/٦٣) وأبو داود (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧/ ٤٨٦) مختصرًا. والنسائي (٤/ ٤٢٨/٢٠٩١) وابن ماجه (١/ ٤٤٩/١٤٠٢) من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس به.\n\nوأخرج نحوه أحمد (٣/ ١٤٣) والبخاري (١/ ١٩٧) تعليقًا. ومسلم (١/ ٤١ - ٤٢/ ١٢) والترمذي (٣/ ١٤ - ١٥/ ٦١٩) والنسائي (٤/ ٤٢٧/٢٠٩٠) من طريق ثابت عن أنس به.\n(٦) النور الآية (٣٥).","vol":"5","page":55},{"text":"وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (١) وقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (٢)، قال أبو بكر: قد كنت خبرت منذ دهر طويل أن بعض من كان يدعي العلم ممن كان لا يفهم هذا الباب يزعم أنه غير جائز أن يقرأ ﴿اللهُ نَوَّرَ السمواتِ والأرضَ﴾ (٣) وكان يقرأ «اللهُ نَوَّرَ السمواتِ والأرضَ» فبعثت إليه بعض أصحابي، وقلت له: قل له: ما الذي تنكر أن يكون لله ﷿ اسم يسمي الله بذلك الاسم بعض خلقه؟ فقد وجدنا الله قد سمى بعض خلقه بأسماء هي له أسامي. وبعثت له بعض ما قد أمليته في هذا الفصل، وقلت للرسول: قل له: قد روي عن النبي - ﷺ - بالإسناد الذي لا يدفعه عالم بالأخبار ما يثبت أن الله نُور السموات والأرض، قلت: في خبر طاوس عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يدعو: \"اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن\" الحديث بتمامه (٤) قد أمليته في كتاب الدعوات وفي كتاب الصلاة أيضًا، فرجع الرسول فقال: لست أنكر أن يكون الله تعالى نورًا، كما قد بلغني بعد أنه رجع.\nقال أبو بكر: وكل من فهم عن الله خطابه يعلم أن هذه الأسامي التي\n_________\n(١) التحريم الآية (٨).\n(٢) الحديد الآية (١٢).\n(٣) النور الآية (٣٥).\n(٤) أحمد (١/ ٢٩٨و٣٠٨) والبخاري (٣/ ٣/١١٢٠) ومسلم (١/ ٥٣٢ - ٥٣٣/ ٧٦٩) والترمذي (٥/ ٤٤٩/٣٤١٨) والنسائي (٣/ ٢٣١ - ٢٣٢/ ١٦١٨) وابن ماجه (١/ ٤٣٠/١٣٥٥) من حديث ابن عباس.","vol":"5","page":56},{"text":"هي لله تعالى أسامي، بين الله ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه - ﷺ - مما قد أوقع تلك الأسامي على بعض المخلوقين ليس على معنى تشبيه المخلوق بالخالق؛ لأن الأسامي قد تتفق وتختلف المعاني؛ فالنور وإن كان اسمًا لله فقد يقع اسم النور على بعض المخلوقين، فليس معنى النور الذي هو اسم الله في المعنى مثل النور الذي هو خلق لله، قال الله جل وعلا: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، واعلم أيضًا أن لأهل الجنة نورًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وقد أوقع الله اسم النور على معان. وربنا جل وعلا الهادي وقد سمى بعض خلقه هاديًا فقال ﷿ لنبيه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٢) فسمى نبيه - ﷺ - هاديًا وإن كان الهادي اسمًا لله ﷿، والله الوارث قال الله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (٣) وقد سمى الله من يرث من الميت ماله وارثًا فقال ﷿: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٤).\nفتفهّموا يا ذوي الحجا ما يثبت في هذا الفصل تعلموا وتستيقنوا أن لخالقنا ﷿ أسامي قد تقع تلك الأسامي على بعض خلقه في اللفظ لا على المعنى على ما قد ثبت في هذا الفصل من الكتاب والسنة ولغة العرب؛ فإن كان علماء الآثار الذين يصفون الله بما وصف به نفسه وعلى لسان نبيه\n_________\n(١) النور الآية (٣٥).\n(٢) الرعد الآية (٧).\n(٣) الأنبياء الآية (٨٩).\n(٤) البقرة الآية (٢٣٢).","vol":"5","page":57},{"text":"- ﷺ - مشبهة على ما يزعم الجهمية المعطلة؛ فكل أهل القبلة إذا قرؤوا كتاب الله فآمنوا به بإقرار باللسان وتصديق بالقلب، وسموا الله بهذه الأسامي التي سماهم الله بها هم مشبهة، فعود مقالتهم هذه توجب أن على أهل التوحيد الكفر بالقرآن وترك الإيمان به، وتكذيب القرآن بالقلوب، والإنكار بالألسن؛ فأقذر بهذا من مذهب! وأقبح بهذه الوجوه عندهم عليهم لعائن الله، وعلى من ينكر جميع ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله، والكفر بجميع ما ثبت عن نبينا المصطفى - ﷺ - بنقل أهل العدالة موصولًا إليه في صفات الخالق جل وعلا! (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2003>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في كتاب الأباطيل: فخرج من ناحية سجستان بأصحابه -يعني: محمد بن كرّام-، وامتد إلى أرض نيسابور، فاستقبله أهلها بالرحب، وتمسحوا به!! وقبلوه أحسن قبول، وعظمت الفتنة على الخاصة، وأهل العلم به، وأعياهم أمره، فاجتمعوا إلى أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وكان شيخ الوقت غير مدافع، وإمامًا في سائر العلوم الدينية، وكان الساماني ملك الشرق، يكتب إليه: \"إمام الأئمة وحبر هذه الأمة\" فحين استفحل أمر ابن كرام، وانتشر قوله في أعمال نيسابور، كاتب محمد بن إسحاق السلطان، وأن البلية قد عظمت على العامة بهذا الرجل، وأمره يزداد كل يوم انتشارًا، فكتب السلطان إلى نائبه بنيسابور: أن يمتثل جميع ما يأمره به الشيخ محمد بن إسحاق، ولا يخالفه في شيء يشير إليه، فجمع أهل العلم واستشارهم،\n_________\n(١) التوحيد (٢١ - ٣٦).","vol":"5","page":58},{"text":"فقالوا: ليس نجد رأيًا أرشد من رأي الأمير إبراهيم بن الحصين في إخراجه من الناحية. فأمر الأمير بإخراجه، فخرج معه من أماثل نيسابور خلق كثير، قيل: ثمان مائة كنيسة من جلة الناس غير التبع، وامتد على حاله إلى بيت المقدس، وسكن هناك إلى أن مات. (١)\n\nأبو إسحاق الزَّجَّاج (٢) (٣١١ هـ)\nهو إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، البغدادي نحوي زمانه. كان يخرط الزجاج، ثم مال إلى النحو، فلزم المبرد وأخذ عنه، وكان المبرد يقدم الزجاج على جميع أصحابه، ثم أدب القاسم بن عبيد الله الوزير، فكان سبب غناه، ثم كان من ندماء المعتضد. وروى عنه علي بن عبد الله بن المغيرة وغيره. قال الخطيب: كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب وله مصنفات حسان في الأدب. توفي ﵀ في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. وكان آخر ما سمع منه قوله: اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2005>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال،\n_________\n(١) كتاب الأباطيل والمناكير للهمذاني (ص.١٣٩).\n(٢) تاريخ بغداد (٦/ ٨٩ - ٨٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣١١ - ٣٢٠/ص.٤٠٧ - ٤٠٨) والوافي بالوفيات (٥/ ٣٤٧ - ٣٥٠) ووفيات الأعيان (١/ ٤٩ - ٥٠) والبداية والنهاية (١١/ ١٥٩ - ١٦٠) وبغية الوعاة (١/ ٤١١ - ٤١٣).","vol":"5","page":59},{"text":"وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين. (١)\n\nالسَّرَّاج (٢) (٣١٣ هـ)\nمحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الإمام الحافظ الثقة محدث خراسان، أبو العباس الثقفي مولاهم الخراساني، مولده سنة ثماني عشرة ومائتين وقيل غير ذلك. سمع من إسحاق بن سعيد ومحمد بن بكار بن الريان وخلق سواهم. وحدث عنه البخاري، ومسلم خارج الصحيحين، وأبو حاتم الرازي أحد شيوخه، وأبو بكر بن أبي الدنيا وخلق كثير. قال الخطيب: كان من الثقات الأثبات، عني بالحديث وصنف كتبا كثيرة، وهي معروفة. قال الصعلوكي: كنا نقول: السَّرَّاج كالسِّراج، وكان يقول: حدثنا أبو العباس الأوحد في فنه، الأكمل في وزنه. وقال ابن أبي حاتم: أبو العباس السراج صدوق ثقة. توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2007>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: قال أبو عبد الله الحاكم: سمعت أبي يقول: لما ورد\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٥٣٨).\n(٢) تاريخ بغداد (١/ ٢٤٨ - ٢٥٢) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧٣١ - ٧٣٥) والسير (١٤/ ٣٨٨ - ٣٩٨) والوافي بالوفيات (٢/ ١٨٧ - ١٨٨) والبداية والنهاية (١١/ ١٦٤).","vol":"5","page":60},{"text":"الزعفراني، وأظهر خلق القرآن، سمعت السراج يقول: العنوا الزعفراني. فيضج الناس بلعنته. فنزح إلى بخارى. (١)\n- وفيها: قال الحاكم: وسمعت أبا سعيد بن أبي بكر يقول: لما وقع من أمر الكلابية ما وقع بنيسابور، كان أبو العباس السراج، يمتحن أولاد الناس، فلا يحدث أولاد الكلابية، فأقامني في المجلس مرة فقال: قل: أنا أبرأ إلى الله تعالى من الكلابية. فقلت: إن قلت هذا لا يطعمني أبي الخبز، فضحك وقال: دعوا هذا. (٢)\n- عن أحمد بن محمد الخفاف، حدثنا أبو العباس السراج إملاء قال: من لم يقر بأن الله تعالى يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: \"من يسألني فأعطيه\" (٣) فهو زنديق كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.\n\nأبو علي السِّنْجِي (٤) (٣١٥ هـ)\nالحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن مصعب السنجي المروزي. حدث عن علي بن خشرم، ويحيى بن حكيم المقوم وأبي سعيد الأشج. حدث عنه أبو حاتم البستي في كتبه، وزاهر بن أحمد السرخسي، وأحمد بن عبد الله\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٩٤) والتذكرة (٢/ ٧٣٣).\n(٢) السير (١٤/ ٣٩٥) والتذكرة (٢/ ٧٣٣ - ٧٣٤).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٤) السير (١٤/ ٤١٣ - ٤١٥) والأنساب (٣/ ٣١٨) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٠١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣١١ - ٣٢٠/ص.٤٩٢).","vol":"5","page":61},{"text":"النعيمي. قال عنه ابن ماكولا: ما كان بخراسان أحد أكثر حديثًا منه. توفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2009>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: وكان لا يكاد يحدث أهل الرأي؛ لأنهم يسمعون الحديث، ويعدلون عنه إلى القياس. (١)\n\nأبو بكر بن أبي داود (٢) (٣١٦ هـ)\nعبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث، الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد، أبو بكر الحافظ ابن الحافظ السِّجِسْتَاني. ولد بسجستان سنة ثلاثين ومائتين، ونشأ بنيسابور وغيرها. سمع من محمد بن أسلم الطوسي وهو أول شيخ سمع منه. وروى عن أبيه وعمه وعيسى بن حماد زغبة، وأحمد بن صالح وخلق كثير بخراسان والحجاز والعراق ومصر والشام وأصبهان وفارس. وحدث عنه خلق كثير منهم: ابن حبان، وأبو أحمد الحاكم، وأبو الحسن الدارقطني وآخرون. كان أبو بكر من بحور العلم، بحيث إن بعضهم فضله على أبيه، صنف 'السنن' و'المصاحف' و'شريعة المقارئ' و'الناسخ والمنسوخ' و'البعث' وأشياء. كذبه أبوه، وعلق الذهبي قائلا: لعل قول أبيه فيه -إن صح- أراد الكذب في لهجته، لا في الحديث. فإنه حجة فيما ينقله، أو كان\n_________\n(١) السير (١٤/ ٤١٤).\n(٢) تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٤ - ٤٦٨) وطبقات الحنابلة (٢/ ٥١ - ٥٥) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢١ - ٢٣٧) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥) وميزان الاعتدال (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٦).","vol":"5","page":62},{"text":"يكذب ويوري في كلامه، ومن زعم أنه لا يكذب أبدا فهو أرعن، نسأل الله السلامة من عثرة الشباب، ثم إنه شاخ وارعوى، ولزم الصدق والتقى. مات أبو بكر وهو ابن ست وثمانين سنة. وصلى عليه مطلب الهاشمي، ثم أبو عمر حمزة بن القاسم الهاشمي، ودفنوه يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة من سنة ست عشرة وثلاثمائة في مقبرة باب البستان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2011>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال أبو بكر بن أبي داود: أهل الرأي هم أهل البدع.\nوهو القائل في قصيدته في السنة:\nتمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعيًّا لعلك تفلح\nوَدِنْ بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربح\nإلى أن قال:\nودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح\nولا تك من قوم تلهوا بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح\nإذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه ... فأنت على خير تبيت وتصبح\nتنبيه:\nسنورد المنظومة كاملة -بإذن الله- ضمن مواقفه ﵀ من الجهمية. وهي متضمنة الرد على جميع الفرق المنحرفة عن سبيل السلف الصالح فنجد فيها:","vol":"5","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2012>موقفه من الرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة والقدرية:</span>\nقال الآجري في الشريعة:\nوقد كان أبو بكر بن أبي داود ﵀ أنشدنا قصيدة قالها في السنة وهذا موضعها وأنا أذكرها ليزداد بها أهل الحق بصيرة وقوة إن شاء الله: أملى علينا أبو بكر بن أبي داود في مسجد الرصافة في يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة تسع وثلاثمائة فقال تجاوز الله عنه:\nتمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعيًا لعلك تفلح\nوَدِنْ بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربح\nوقل: غيرُ مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا\nولا تغلُ في القرآن بالوقف قائلًا ... كما قال أتباع لجهم وأسجحوا\nولا تقل: القرآن خلقٌ قراءته ...\nوقل يتجلى الله للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفى وربك أوضح\nوليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبَّح\nوقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرح\nرواه جرير عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح\nوقد ينكر الجهمي أيضًا يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنضح\nوقل: ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف جل الواحد المتمدح\nإلى طبق الدنيا يمنّ بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح\nيقول: ألا مستغفرٌ يلقَ غافرًا ... ومستمنحٌ خيرًا ورزقًا فيمنح\nروى ذاك قوم لا يرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا","vol":"5","page":64},{"text":"وقل: إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه قِدْمًا ثم عثمان الأرجَحُ\nورابعهم خير البرية بعدهم ... علي حليف الخير بالخير مُنْجِحُ\nوإنهم والرهط لا ريب فيهم ... على نُجُبِ الفردوس في الخلد\nسعيد وسعد وابن عوف وطلحةٌ ... تسرح وعامرُ فهرٍ والزبير الممدح\nوقل خيرَ قولٍ في الصحابة كلهم ... ولا تك طعانًا تعيب وتجرح\nفقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح آيٌ في الصحابة تمدح\nوبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيح\nولا تُنكِرَنْ جهلًا نكيرًا ومنكرًا ... ولا الحوض والميزان إنك تنصح\nوقل: يخرج الله العظيم بفضله ... من النار أجسادًا من الفحم تطرح\nعلى النهر في الفردوس تحيا بمائه ... كحبة حمل السيل إذ جاء يطفح\nوإن رسول الله للخلق شافعٌ ... وقل في عذاب القبر: حق موضَّحُ\nولا تُكْفِرَنْ أهل الصلاة وإن عصوا ... فكلهم يعصي وذو العرش يصفح\nولا تعتقد رأي الخوارج إنه ... مقال لمن يهواه يردي ويفضح\nولا تك مرجيًّا لعوبًا بدينه ... ألا إنما المرجيّ بالدين يمزح\nوقل: إنما الإيمان قول ونية ... وفعل على قول النبي مصرح\nوينقص طورًا بالمعاصي وتارة ... بطاعته ينمى وفي الوزن يرجح\nودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح\nولا تك من قوم تلهّوا بدينهم إذا ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح\nما اعتقدت الدّهرَ، يا صاحِ، هذه .... فأنت على خير تبيت وتصبح\nثم قال لنا أبو بكر بن أبي داود: هذا قولي وقول أبي وقول أحمد بن","vol":"5","page":65},{"text":"حنبل وقول من أدركنا من أهل العلم ومن لم ندرك ممن بلغنا عنه، فمن قال عليّ غير هذا فقد كذب. (١)\n\nأبو الفضل الجَارُودي الهَرَوِيّ (٢) (٣١٧ هـ)\nالحافظ، الإمام محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمار الجارودي الهروي، سمع أحمد بن نجدة، والحسين بن إدريس، ومعاذ بن المثنى، ومحمد بن المظفر البغدادي، وآخرين. وسمع منه أبو علي الحافظ، وأبو الحسين الحجاجي، وعبد الله بن سعد، ومحمد بن أحمد بن حماد الكوفي، وغيرهم. إمام كبير عارف بعلل الحديث له جزء فيه بضعة وثلاثون حديثًا من الأحاديث التي بين عللها في صحيح مسلم. قتل شهيدًا رحمه الله تعالى على يد القرامطة لعنهم الله وذلك سنة سبع عشرة وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2014>موقفه من الرافضة:</span>\nقال الحاكم: سمعت بكير بن أحمد الحداد بمكة يقول: كأني أنظر إلى الحافظ أبي الفضل محمد بن الحسين وقد أخذته السيوف وهو متعلق بيديه جميعا بحلقتي الباب حتى سقط رأسه على عتبة الكعبة سنة ثلاث وعشرين. كذا أرخ، وإنما كان ذلك في سنة سبع عشرة وثلاث مائة، أرخه جماعة، قتلته القرامطة لعنهم الله وأخاه أحمد وقتلوا حول الحرم ألوفًا من الحجيج\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٥٩١ - ٥٩٣) والطبقات (٢/ ٥٣ - ٥٤) والسير (١٣/ ٢٣٣).\n(٢) تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٣٤ - ٨٣٥) والسير (١٤/ ٥٣٨ - ٥٤٠) والوافي بالوفيات (٢/ ٣٧).","vol":"5","page":66},{"text":"واقتلعوا الحجر وأخذوه معهم. (١)\n\nمحمد بن محمد بن خالد المعروف بالطرزي (٢) (٣١٧ هـ)\nأبو القاسم محمد بن محمد بن خالد القيسي المعروف بالطرزي، القاضي الزاهد مولى بني معبد. سمع من محمد بن سحنون كثيرًا. ولاّه عيسى بن مسكين على مظالم القيروان، وولاّه حماس بعده عشر سنين، ثم ولي قضاء صقلية. وكان شديد الضبط مغيرًا للمنكر. قال ابن حارث الحافظ: صحبناه وقد هرم، وقرأنا عليه بعض كتاب ابن سحنون في خفية، وتوارى لما كنا فيه، يعني خوفًا من بني عبيد الرافضة. وكان كثيرًا ما يتمثل بهذين البيتين:\nإذا خان الأمير وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاء\nفويل للأمير وكاتبيه ... وقاضي الأرض من قاضي السماء\nوكان قليل ذات اليد. امتحن على يد قاضي الشيعة، ضربه في الجامع على رأس الناس، وحبسه مع أهل الجرائم. مات ﵀ ولم يكن له كفن!! وذلك سنة سبع عشرة وثلاثمائة في شهر رمضان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2016>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في المعالم: كانت له محنة؛ ضربه القاضي المروزي هو وابن بطريقة بالسياط عند الجامع، بغضًا منه في أهل السنة وعداوة لعلماء المسلمين!!\nقلت -أي التنوخي-: وزاد غيره وضربه أيضًا هو وابن سلمون القطان\n_________\n(١) التذكرة (٣/ ٨٣٥).\n(٢) معالم الإيمان (٣/ ٩ - ١١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣١١ - ٣٢٠/ص.٥٥٢) وترتيب المدارك (٥/ ١٠٣ - ١٠٥).","vol":"5","page":67},{"text":"والخلافي المحتسب وقومًا مرابطين من أهل تونس وكان قتل المروزي بسببهم، وذلك أن عبيد الله إمام الشيعة لما أتى إلى القيروان من سجلماسة وجده قاضيًا ووجد في سجنه من ذكر، وأظهر أن سببه القدح في الدولة فعزله وعذبه ثم قتله. (١)\n\nمحمد بن الفضل البلخي (٢) (٣١٧ هـ)\nأبو عبد الله محمد بن الفضل بن العباس البلخي نزيل سمرقند. قال أبو نعيم الحافظ: سمع الكثير من قتيبة بن سعيد. من مشايخه أبو بشر محمد بن مهدي وإسماعيل بن نجيد وإبراهيم بن محمد بن عمرويه. روى عنه أبو بكر محمد بن عبد الله الرازي وأبو بكر بن المقرئ.\nمن أقواله: ست خصال يعرف بها الجاهل: الغضب من غير شيء والكلام في غير نفع والعطية في غير موضعها وإفشاء السر والثقة بكل أحد ولا يعرف صديقه من عدوه. وقال: من ذاق حلاوة العلم لم يصبر عنه.\nمات سنة سبع عشرة وثلاث مئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2018>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال محمد بن الفضل البلخي: أعرفهم بالله أشدهم مجاهدة في أوامره، وأتبعهم لسنة نبيه. (٣)\n_________\n(١) المعالم (٣/ ١٠ - ١١).\n(٢) السير (١٤/ ٥٢٣ - ٥٢٦) وشذرات الذهب (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣) والوافي بالوفيات (٤/ ٣٢٢) والحلية (١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣).\n(٣) الاعتصام (١/ ١٢٩).","vol":"5","page":68},{"text":"- وقال أيضا: ذهاب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من التعلم. (١)\n\" التعليق:\nقال الشاطبي عقبه: هذا ما قال، وهو وصف صوفيتنا اليوم، عياذًا بالله.\nوقال الذهبي: هذه نعوت رؤوس العرب والترك، وخلق من جهلة العامة، فلو عملوا بيسير ما عرفوا، لأفلحوا، ولو وقفوا عن العمل بالبدع لوفقوا، ولو فتشوا عن دينهم وسألوا أهل الذكر -لا أهل الحيل والمكر- لسعدوا، بل يعرضون عن التعلم تيهًا وكسلًا، فواحدة من هذه الخلال مردية، فكيف بها إذا اجتمعت؟ فما ظنك إذا انضم إليها كبر وفجور، وإجرام، وتجهرم على الله؟ نسأل الله العافية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2019>موقف السلف من ابن أبي العزاقر (٣١٩ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\n- جاء في السير: الزنديق المعثر، أبو جعفر، محمد بن علي، الشلمغاني الرافضي قال بالتناسخ، وبحلول الإلهية فيه، وأن الله يحل في كل شيء بقدر ما يحتمله، وأنه خلق الشيء وضده، فحل في آدم وفي إبليسه، وكل منهما ضد\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(٢) السير (١٤/ ٥٢٥).","vol":"5","page":69},{"text":"للآخر. وقال: إن الضد أقرب إلى الشيء من شبهه، وإن الله يحل في جسد من يأتي بالكرامات ليدل على أنه هو، وإن الإلهية اجتمعت في نوح وإبليسه، وفي صالح وعاقر الناقة، وفي إبراهيم ونمرود، وعلي وإبليسه. وقال: من احتاج الناس إليه، فهو إله. وسمى موسى ومحمدًا الخائنين، لأن هارون أرسل موسى، وعليًا أرسل محمدًا، فخاناهما. وإن عليًا أمهل محمدًا ثلاث مئة سنة ثم تذهب شريعته. ومن رأيه ترك الصلاة والصوم، وإباحة كل فرج، وأنه لا بد للفاضل أن يَنِيكَ المفضول ليولج فيه النور، ومن امتنع مسخ في الدور الثاني فربط الجهلة وتخرق، وأضل طائفة، فأظهر أمره أبو القاسم الحسين بن روح -رأس الشيعة، الملقب بالباب- إلى صاحب الزمان، فطلب ابن أبي العزاقر، فاختفى، وتسحب إلى الموصل، فأقام هناك سنين، ورجع، فظهر عنه ادعاء الربوبية، واتبعه الوزير حسين بن الوزير القاسم بن عبيد الله بن وهب - وزير المقتدر فيما قيل، وابنا بسطام، وإبراهيم بن أبي عون، فطلبوا، فتغيبوا، فلما كان في شوال من سنة اثنتين وعشرين ظفر الوزير ابن مقلة بهذا، فسجنه، وكبس داره، فوجد فيها رقاعًا وكتبًا مما يدعى عليه، وفيها خطابه بما لا يخاطب به بشر، فعرضت عليه، فأقر أنها خطوطهم، وتنصل مما يقال فيها، وتبرأ منهم، فمد ابن عبدوس يده، فصفعه. وأما ابن أبي عون فمد يده إليه، فارتعدت يده، ثم قبل لحيته ورأسه وقال: إلهي، ورازقي، وسيدي. فقال له الراضي بالله: قد زعمت أنك لا تدعي الإلهية، فما هذا؟ قال: وما علي من قول هذا؟ والله يعلم أنني ما قلت له: إنني إله قط. فقال ابن عبدوس: إنه لم يدع إلهية، إنما ادعى أنه الباب إلى الإمام المنتظر.\nثم إنهم أحضروا مرات","vol":"5","page":70},{"text":"بمحضر الفقهاء والقضاة، ثم في آخر الأمر أفتى العلماء بإباحة دمه، فأحرق في ذي القعدة من السنة، وضرب ابن أبي عون بالسياط، ثم ضربت عنقه وأحرق. (١)\n- وفيها أيضًا: وذكرنا في الحوادث: أن في هذا العام ظهر الشلمغاني. وشلمغان: قرية من قرى واسط. فشاع عنه ادعاء الربوبية، وأنه يحيى الموتى، فأحضره ابن مقلة عند الراضي، فسمع كلامه، وأنكر ما قيل عنه. وقال: لتنزلن العقوبة على الذي باهلني بعد ثلاث، وأكثره تسعة أيام، وإلا فدمي حلال. فضرب ثمانين سوطًا، ثم قتل وصلب. وقتل بسببه وزير المقتدر، الحسين، اتهم بالزندقة. وقتل أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن هلال بن أبي عون الأنباري الكاتب. وقد كان أبو علي الحسين -ويقال: الجمال- وزر للمقتدر في سنة تسع عشرة وثلاث مائة، ولقبوه عميد الدولة، وعزل بعد سبعة أشهر، وسجن، وعقد له مجلس في كائنة الشلمغاني، ونوظر، فظهرت رِقَاعُهُ يخاطب الشلمغاني فيها بالإلهية، وأنه يحييه ويميته، ويسأله أن يغفر له ذنوبه. فأخرجت تلك الرقاع، وشهد جماعة أنه خطه، فضربت عنقه، وطيف برأسه في ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، وعاش ثمانيًا وسبعين سنة. (٢)\n_________\n(١) السير (١٤/ ٥٦٦ - ٥٦٨).\n(٢) السير (١٤/ ٥٦٨).","vol":"5","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2020>موقف السلف من ابن مسرة (٣١٩ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\n- جاء في تاريخ ابن الفرضي: اتهم بالزندقة فخرج فارًا وتردد بالمشرق مدة فاشتغل بملاقاة أهل الجدل وأصحاب الكلام والمعتزلة، ثم انصرف إلى الأندلس فأظهر نسكًا وورعًا واغتر الناس بظاهره، فاختلفوا إليه وسمعوا منه، ثم ظهر الناس على سوء معتقده وقبح (١) مذهبه، فانقبض من كان له إدراك وعلم وتمادى في صحبته آخرون غلب عليهم الجهل فدانوا بنحلته، وكان يقول بالاستطاعة وإنفاذ الوعيد ويحرف التأويل في كثير من القرآن ... وقال عنه ابن حارث: الناس في ابن مسرة فرقتان: فرقة تبلغ به مبلغ الإمامة في العلم والزهد وفرقة تطعن عليه بالبدع لما ظهر من كلامه في الوعد والوعيد وبخروجه عن العلوم المعلومة بأرض الأندلس الجارية على مذهب التقليد والتسليم. (٢)\n\" التعليق:\nما ذكره ابن الفرضي، يدل على محاربة الأندلس للباطنية الزنادقة الذين يعيثون في الأرض فسادًا، وهكذا ينبغي أن يكون العلماء في كل زمان ومكان، وقول ابن الحارث: إن أهل الأندلس كانوا على مذهب التسليم والتقليد، فيقصد بذلك أنهم كانوا على مذهب السلف، وما طرأ من ذلك\n_________\n(١) في المطبوع: فتح، وهو تصحيف.\n(٢) تاريخ ابن الفرضي (٢/ ٤١ - ٤٢).","vol":"5","page":72},{"text":"فهو دخيل، قصده نسف الإسلام من أصله.\n\nالمقتدر بالله (١) (٣٢٠ هـ)\nجعفر بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد طلحة بن المتوكل على الله الهاشمي العباسي البغدادي أبو الفضل أمير المؤمنين. مولده في ليلة الجمعة لثمان بقين من رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين، بويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي سنة خمس وتسعين ومائتين وهو ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام. كان جيد العقل صحيح الرأي ولكنه كان مؤثرًا للشهوات وكان سمحًا متلافًا للأموال، محق ما لا يعد ولا يحصى. وقتل لثلاث بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة. وله ثمان وثلاثون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2022>موقفه من الرافضة:</span>\nتقدم ما فعله المقتدر بالله بالزنديق الحلاج، والآن نحن مع موقف له مع الرافضة إخوان القرامطة:\nجاء في البداية والنهاية: وفي صفر منها -أي سنة ثلاثة عشر وثلاثمائة- بلغ الخليفة أن جماعة من الرافضة يجتمعون في مسجد براثي، فينالون من الصحابة ولا يصلون الجمعة ويكاتبون القرامطة ويدعون إلى محمد بن إسماعيل، الذي ظهر بين الكوفة وبغداد ويدعون أنه المهدي ويتبرأون من المقتدر ومن تبعه، فأمر بالاحتياط عليهم واستفتى العلماء بالمسجد فأفتوا بأنه\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٧/ ٢١٣ - ٢١٩) والسير (١٥/ ٤٣ - ٥٦) والبداية والنهاية (١١/ ١٨١ - ١٨٢) والمنتظم (١٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"5","page":73},{"text":"مسجد ضرار، فضرب من قدر عليه منهم الضرب المبرح ونودي عليهم وأمر بهدم ذلك المسجد المذكور فهدم، هدمه مازوك وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة فدفن فيها جماعة من الموالي. (١)\n\" التعليق:\nجزى الله خيرًا خليفة المسلمين وأثابه على غيرته في عقيدته، وأثاب الفقهاء معه، وما أحسن ما عمله من جعل المسجد مقبرة فهكذا ينبغي الآن للمسلمين أن يهدموا جميع الأوثان التي تعبد من دون الله، ويوضع مكانها حمامات أو مقابر حتى تنسى نسيانًا كليًّا، ويباد الشرك ومظاهره وتختفي، لا التشجيع والتشييد، وإقامة المواسم والذبائح عندها، ولا حول ولا قوة إلا بالله اللهم اهد أمراءنا وعلماءنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2023>موقف السلف من الحكيم الترمذي الصوفي (٣٢٠ ه</span>ـ)\nبيان تصوفه:\n- موقف أهل ترمذ منه:\nقال أبو عبد الرحمن السلمي: أخرجوا الحكيم من ترمذ، وشهدوا عليه بالكفر، وذلك بسبب تصنيفه كتاب: 'ختم الولاية'، وكتاب 'علل الشريعة'، وقالوا: إنه يقول: إن للأولياء خاتمًا كالأنبياء لهم خاتم. وإنه يفضل الولاية\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ١٦٣).","vol":"5","page":74},{"text":"على النبوة، واحتج بحديث: \"يغبطهم النبيون والشهداء\" (١). فقدم بلخ، فقبلوه لموافقته لهم في المذهب. (٢)\n\" التعليق:\nما كفر من أجله، وما أخرج من أجله الحكيم الترمذي فهو اليوم يعد من الولاية والصلاح، وكتابه الذي ألفه وملأه بالكفر والضلال هو مصدر كثير من الطرق الصوفية في دعواهم أن شيخهم هو خاتم الأولياء.\nوقال السلمي: هجر لتصنيفه كتاب: 'ختم الولاية'، و'علل الشريعة'، وليس فيه ما يوجب ذلك، ولكن لبعد فهمهم عنه.\nقال الذهبي: كذا تكلم في السلمي من أجل تأليفه كتاب: 'حقائق التفسير'، فيا ليته لم يؤلفه، فنعوذ بالله من الإشارات الحلاجية، والشطحات البسطامية، وتصوف الاتحادية، فواحزناه على غربة الإسلام والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢). اهـ (٤)\n_________\n(١) أخرجه: النسائي في الكبرى (٦/ ٣٦٢/١١٢٣٦) وصححه ابن حبان (٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣/ ٥٧٣) من حديث أبي هريرة.\n(٢) السير (١٣/ ٤٤١).\n(٣) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٤) السير (١٣/ ٤٤٢).","vol":"5","page":75},{"text":"أبو جعفر الطحاوي (١) (٣٢١ هـ)\nالإمام العلامة الحافظ الكبير صاحب التصانيف البديعة. محدث الديار المصرية وفقيهها، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي الحجري المصري الطحاوي الحنفي. مولده في سنة تسع وثلاثين ومائتين. سمع من عبد الغني بن رفاعة وهارون الأَيلي، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان المرادي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وطبقتهم. وبرز في علم الحديث وفي الفقه وتفقه بالقاضي أحمد بن أبي عمران الحنفي وجمع وصنف. روى عنه أحمد بن القاسم الخشاب وأبو القاسم الطبراني وأبو بكر ابن المقرئ ومحمد بن المظفر الحافظ وخلق سواهم. قال ابن يونس: وكان ثقة ثبتًا فقيهًا لم يُخَلِّفْ مثله. صنف ﵀ 'الآثار' و'معاني الآثار' و'اختلاف العلماء' و'الشروط' و'أحكام القرآن' و'العقيدة الطحاوية' وغيرها. صحب أولًا المزني الشافعي ثم تحول إلى ابن أبي عمران. توفي رحمه الله تعالى في مستهل ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2025>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في لسان الميزان: قال ابن زولاق: وسمعت أبا الحسن علي بن أبي جعفر الطحاوي يقول: سمعت أبي يقول: وذكر فضل أبي عبيد بن جرثومة وفقهه فقال: كان يذاكرني بالمسائل فأجبته يومًا في مسألة فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة، فقلت له: أيها القاضي أو كل ما قاله أبو حنيفة أقول\n_________\n(١) وفيات الأعيان (٦/ ٧١ - ٧٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٢١ - ٣٣٠/ص.٧٧ - ٧٩) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٠٨ - ٨١١) والسير (١٥/ ٢٧ - ٣٣) والبداية والنهاية (١١/ ١٣٢) وشذرات الذهب (٢/ ٢٨٨).","vol":"5","page":76},{"text":"به؟ فقال: ما ظننتك إلا مقلدًا، فقلت له: وهل يقلد إلا عصبي؟! فقال لي: أو غبي. قال: فطارت هذه الكلمة بمصر حتى صارت مثلًا وحفظها الناس. (١)\nآثاره في العقيدة السلفية:\n'عقيدة الإمام الطحاوي': كان لهذه العقيدة الأثر الطيب في المشرق والمغرب، وتناقلها طلبة العلم، وحظيت بعناية فائقة، فشرحت، وحقق شرحها لابن أبي العز، وكان من خير ما حققت به تحقيق الشيخ ناصر الألباني والشيخ شاكر رحمهما الله، وقد اتخذتها الجامعة الإسلامية منهجًا في جميع الكليات، ونفع الله بها الكثير من الطلاب، وقررناها ضمن المنهج العلمي لدور القرآن الكريم ببلادنا المغرب.\nومما جاء فيها من الحث على السنة وذم البدعة:\n- قوله: ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه؛ حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا شاكًّا، لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذبًا.\n- وقوله: ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة.\n- وقوله: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.\n_________\n(١) لسان الميزان (١/ ٢٨٠).","vol":"5","page":77},{"text":"- وقوله: ونرى الجماعة حقًا وصوابًا، والفُرقة زيغًا وعذابًا.\nتنبيه: قال ﵀: والإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان. وهذا هو مذهب الحنفية والماتريدية كما نبه عليه شيخنا الألباني ﵀ فلا بد من زيادة العمل بالأركان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2026>موقفه من الصوفية:</span>\nقال ﵀ في عقيدته: ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء. ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح من رواياتهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2027>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو جعفر الطحاوي في الاعتقاد الذي قال في أوله: ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد ابن الحسن الشيباني قال فيه: وأن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال: ﴿سأصليه سقر﴾ (٢)\n_________\n(١) شرح الطحاوية (ص.٤٩٢و٤٩٤).\n(٢) المدثر الآية (٢٦).","vol":"5","page":78},{"text":"فلمّا أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هذا إلا قول البشر﴾ (١) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2028>موقفه من الخوارج:</span>\nقال في بيان عقيدة أهل السنة: ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله. ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم. (٣)\nوقال أيضًا: وأهل الكبائر من أمة محمد - ﷺ - في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين، وهم في مشيئته وحكمه. إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر ﷿ في كتابه: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٤) وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته. اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به.\nونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم.\n_________\n(١) المدثر الآية (٢٥).\n(٢) العقيدة الطحاوية.\n(٣) العقيدة الطحاوية (٤٠ - ٤١).\n(٤) النساء الآية (٤٨).","vol":"5","page":79},{"text":"ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى.\nولا نرى السيف على أحد من أمة محمد - ﷺ - إلا من وجب عليه السيف.\nولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة.\nونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة.\nونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2029>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀: والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق. وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه. ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له. والخير والشر مقدران على العباد.\nوالاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل. وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ (٢).\n_________\n(١) العقيدة الطحاوية (٤٥ - ٤٨).\n(٢) البقرة الآية (٢٨٦).","vol":"5","page":80},{"text":"وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد.\nولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم وهو تفسير: \"لا حول ولا قوة إلا بالله\"، نقول لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله.\nوكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء، وهو غير ظالم أبدًا تقدس عن كل سوء وحين وتنزه عن كل عيب وشين، ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسألون﴾ (١). اهـ (٢)\n- وقال ﵀: ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن -لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه، ليجعلوه كائنًا- لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه.\nوعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا، ليس فيه ناقض. ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٢) العقيدة الطحاوية (٥١ - ٥٥).","vol":"5","page":81},{"text":"الإيمان. وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فقدره تقديرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قدرًا مقدورًا﴾ (٢).\nفويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا، وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًّا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفّاكًا أثيمًا. (٣)\n- وقال: فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرًا وباطنًا، ونحن براء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه. ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية، مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم، من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء وبالله العصمة والتوفيق. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2030>موقف السلف من المهدي الرافضي عبيد الله أبي محمد (٣٢٢ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\n- قال الذهبي في سيره: عبيد الله أبو محمد، أول من قام من الخلفاء\n_________\n(١) الفرقان الآية (٢).\n(٢) الأحزاب الآية (٣٨).\n(٣) العقيدة الطحاوية (٣٤ - ٣٦).\n(٤) العقيدة الطحاوية (٦١ - ٦٢).","vol":"5","page":82},{"text":"الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام، وأعلنوا بالرفض، وأبطنوا مذهب الإسماعيلية، وبثوا الدعاة، يستغوون الجبلية والجهلة. وادعى هذا المدبر، أنه فاطمي من ذرية جعفر الصادق، فقال: أنا عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد. (١)\n- وفيها: قال أبو الحسن القابسي، صاحب الملخص: إن الذين قتلهم عبيد الله، وبنوه أربعة آلاف في دار النحر في العذاب من عالم وعابد ليردهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت. فقال سهل الشاعر:\nوأحل دار النحر في أغلاله ... من كان ذا تقوى وذا صلوات\nودفن سائرهم في المنستير، وهو بلسان الفرنج: المعبد الكبير، وكانت دولة هذا بضعًا وعشرين سنة. (٢)\n- وفي أيام المهدي، عاثت القرامطة بالبحرين، وأخذوا الحجيج، وقتلوا وسبوا، واستباحوا حرم الله، وقلعوا الحجر الأسود. وكان عبيد الله يكاتبهم، ويحرضهم، قاتله الله. (٣)\n- وفيها: وحكى الوزير القفطي في سيرة بني عبيد، قال: كان أبو عبد الله الشيعي أحد الدواهي، وذلك أنه جمع مشايخ كتامة ليشككهم في الإمام، فقال: إن الإمام كان بلسمية قد نزل عند يهودي عطار يعرف بعبيد، فقام به وكتم أمره، ثم مات عبيد عن ولدين فأسلما هما وأمهما على يد\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٤١ - ١٤٢).\n(٢) السير (١٥/ ١٤٥).\n(٣) السير (١٥/ ١٤٧).","vol":"5","page":83},{"text":"الإمام، وتزوج بها، وبقي مختفيًا. وبقي الأخوان في دكان العطر. فولدت للإمام ابنين، فعند اجتماعي به سألته أي الاثنين إمامي بعدك؟ فقال: من أتاك منهما فهو إمامك. فسيرت أخي لإحضارهما، فوجد أباهما قد مات هو وابنه الواحد. فأتى بهذا. وقد خفت أن يكون أحد ولدي عبيد. فقالوا: وما أنكرت منه؟ قال: إن الإمام يعلم الكائنات قبل وقوعها. وهذا قد دخل معه بولدين. ونص الأمر في الصغير بعده، ومات بعد عشرين يومًا، يعني: الولد. ولو كان إمامًا لعلم بموته. قالوا: ثم ماذا؟ قال: والإمام لا يلبس الحرير والذهب. وهذا قد لبسهما. وليس له أن يطأ إلا ما تحقق أمره. وهذا قد وطئ نساء زيادة الله، يعني: متولي المغرب. قال: فشككت كتامة في أمره، وقالوا: فما ترى؟ قال: قبضه، ثم نسير من يكشف لنا عن أولاد الإمام على الحقيقة. فأجمعوا أمرهم. وخف كبير كتامة فواجه المهدي، وقال: قد شككنا فيك، فائت بآية. فأجابه بأجوبة، قبلها عقله. وقال: إنكم تيقنتم، واليقين لا يزول إلا بيقين لا بشك. وإن الطفل لم يمت، وإنه إمامك، وإنما الأئمة ينتقلون، وقد انتقل لإصلاح جهة أخرى. قال: آمنت، فما لبسك الحرير؟ قال: أنا نائب الشرع أحلل لنفسي ما أريد، وكل الأموال لي، وزيادة الله كان عاصيًا. وأما عبد الله الشيعي وأخوه، فإنهما أخذا يخببان عليه فقتلهما. وخرج عليه خلق من كتامة، فظفر بحيلة وقتلهم. (١)\n- وفيها: فهذا قول، ونرجع إلى قول آخر هو أشهر. فسير -أعني: والد المهدي- أبا عبد الله الشيعي، فأقام باليمن أعوامًا، ثم حج، فصادف\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٤٥ - ١٤٧).","vol":"5","page":84},{"text":"طائفة من كتامة حجاجًا، فنفق عليهم، وأخذوه إلى المغرب، فأضلهم، وكان يقول: إن لظواهر الآيات والأحاديث بواطن، هي كاللب، والظاهر كالقشر، وقال: لكل آية ظهر وبطن!! فمن وقف على علم الباطن؛ فقد ارتقى عن رتبة التكاليف!!!\nوكان أبو عبد الله ذا مكر ودهاء وحيل وربط، وله يد في العلم، فاشتهر بالقيروان، وبايعته البربر، وتألهوه لزهده، فبعث إليه متولي إفريقية يخوفه ويهدده، فما ألوى عليه، فلما هم بقبضه، استنهض الذين تبعوه وحارب فانتصر مرات واستفحل أمره. (١)\n- وفيها: نقل القاضي عياض في ترجمة أبي محمد الكستراتي: أنه سئل عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم أو يقتل؟ فقال: يختار القتل ولا يعذر، ويجب الفرار، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع، لا يجوز.\n- قال القاضي عياض: أجمع العلماء بالقيروان؛ أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2031>أبو علي الروذباري الصوفي (٣٢٢ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2032>موقفه من الصوفية:</span>\nقيل: سئل أبو علي عمن يسمع الملاهي ويقول: هي حلال لي لأني قد\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(٢) السير (١٥/ ١٥١).","vol":"5","page":85},{"text":"وصلت إلى رتبة لا يؤثر فيه اختلاف الأحوال؟ فقال: نعم قد وصل، ولكن إلى سقر. (١)\n\nأبو الحسن الأشعري (٢) (٣٢٤ هـ)\nالإمام صاحب التصانيف الكثيرة في الرد على الملحدة وسائر أصناف المبتدعة، علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل أبو الحسن الأشعري البصري وسكن بغداد، ينتهي نسبه إلى أبي موسى الأشعري، مولده سنة ستين ومائتين وقيل سنة سبعين. أخذ عن أبي خليفة الجمحي وزكريا الساجي وسهل بن نوح وكان يجلس في حلقات أبي إسحاق المروزي الفقيه. وممن أخذ عنه ابن مجاهد وزاهر بن أحمد وأبو الحسن الباهلي. وكان عجبا في الذكاء، وقوة الفهم، ولما برع في معرفة الاعتزال كرهه وتبرأ منه وصعد للناس يوم الجمعة فتاب إلى الله تعالى منه ثم رد على المعتزلة. قال ابن كثير: وذكروا للشيخ أبي الحسن ﵀ ثلاثة أحوال: أولها حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة إليها والحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام وتأويل الجبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك. والحال\n_________\n(١) السير (١٤/ ٥٣٦) والحلية (١٠/ ٣٥٦).\n(٢) تاريخ بغداد (١١/ ٣٤٦ - ٣٤٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٢١ - ٣٣٠/ص.١٥٤ - ١٥٨) والسير (١٥/ ٨٥ - ٩٠) والبداية والنهاية (١١/ ١٩٩) وشذرات الذهب (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥) طبقات الفقهاء الشافعية لابن كثير (١/ ٢٠٨ - ٢١٤).","vol":"5","page":86},{"text":"الثالثة: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريًا على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخِرًا. قال بندار خادم الأشعري: كانت غلة أبي الحسن من ضيعة وقفها جدهم على عقبه فكانت نفقته في السنة سبعة عشرة درهمًا. وله مؤلفات كثيرة أشهرها 'الإبانة' و'مقالات الإسلاميين' و'اللمع' وغيرها. توفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2034>موقفه من المشركين:</span>\nمن تصانيفه في الرد على الملاحدة:\n١ - الفصول في الرد على الملحدين وهو اثنا عشر كتابًا.\n٢ - كتاب جمل مقالات الملحدين.\n٣ - كتاب الفنون في الرد على الملحدين.\n٤ - كتاب في الرد على ابن الراوندي.\n٥ - كتاب القامع في الرد على الخالدي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2035>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ابن كثير: والمقصود أن رسول الله - ﷺ - قدم أبا بكر الصديق إمامًا للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام. قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء. أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله،\n_________\n(١) السير (١٥/ ٨٧ - ٨٨).","vol":"5","page":87},{"text":"فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنًّا، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم مسلمًا\". (١)\nقلت -أي ابن كثير-: وهذا من كلام الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2036>موقفه من الجهمية:</span>\nلقد كتب الكثير من المتقدمين والمتأخرين عن أبي الحسن، ومن أشهرهم أبو القاسم بن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري فيما نسب لأبي الحسن الأشعري.\nوالذي تبين لي أن أبا الحسن رجع عن مذهب الاعتزال، ورد عليه، وهذا أمر مجمع عليه، واعتنق مذهب أهل السنة، ولكن مع بقايا من علم الكلام والتأثر بمذهب المعتزلة، والرجل لم يكن له علم بالحديث ولا أهله، وإن ذكروا في ترجمته أنه تلقى بعض علم الحديث، عن زكريا بن يحيى الساجي، فلعل ذلك كان قليلًا.\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن أبا الحسن عنده علم بالسنة إجمالًا وعلم بالكلام علمًا تفصيليًا، فإذا ذكر مذهب أهل الكلام ذكره على سبيل التفصيل، وإذا ذكر مذهب أهل الحديث ذكره على سبيل الإجمال.\n_________\n(١) مسلم (١/ ٤٦٥/٦٧٣) وأبو داود (١/ ٣٩٠/٥٨٢) والترمذي (١/ ٤٥٨ - ٤٥٩/ ٢٣٥) والنسائي (٢/ ٤١٠ - ٤١١/ ٧٧٩) وابن ماجه (١/ ٣١٣ - ٣١٤/ ٩٨٠) وعلقه البخاري بصيغة الجزم (٢/ ٢٣٤) من حديث أبي مسعود الأنصاري البدري.\n(٢) البداية (٥/ ٢٠٧).","vol":"5","page":88},{"text":"قال الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش: قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: ولما رجع الأشعري من مذهب المعتزلة سلك طريق ابن كلاب ومال في أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها وكان القدماء من أصحاب أحمد كأبي بكر بن عبد العزيز وأبي الحسين التميمي وأمثالهما يذكرونه في كتبهم على طريق الموافق للسنة في الجملة ويذكرون رده على المعتزلة وأبدى تناقضهم ثم ذكر ما بين الأشعري وقدماء أصحابه وبين الحنابلة من التآلف لاسيما بين القاضي أبي بكر بن الباقلاني وبين أبي الفضل ابن التميمي حتى كان ابن الباقلاني يكتب في أجوبته في المسائل كتبه محمد ابن الطيب الحنبلي ويكتب أيضًا الأشعري قال: وعلى العقيدة التي صنفها أبو الفضل التميمي اعتمد البيهقي في الكتاب الذي صنفه في مناقب أحمد: لما ذكر عقيدة أحمد قال: وأما ابن حامد وابن بطة وغيرهما فإنهم مخالفون لأصل قول ابن كلاب قال: والأشعري وأئمة أصحابه كابن الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد والقاضي أبي بكر متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين وإبطال تأويلها ... (١)\nويقول شيخ الإسلام في معرض الكلام على الأشعري ومحبيه ورافضيه: لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة، واعتقد أنه يمكن الجمع بين تلك الأصول، وبين الانتصار للسنة كما فعل في مسألة\n_________\n(١) اجتماع الجيوش (ص.٢٥٩).","vol":"5","page":89},{"text":"الرؤية والكلام، والصفات الخبرية وغير ذلك.\nوالمخالفون له من أهل السنة والحديث ومن المعتزلة والفلاسفة يقولون: إنه متناقض وأن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه أهل السنة، كما أن المعتزلة يتناقضون فيما نصروا فيه دين الإسلام، فإنهم بنوا كثيرًا من الحجج على أصول تناقض كثيرًا من دين الإسلام. بل جمهور المخالفين للأشعري من المثبتة والنفاة يقولون: إنما قاله في مسألة الرؤية والكلام: معلوم الفساد بضرورة العقل. (١)\nوأما في مسألة الإيمان والقدر فقد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع، أن أبا الحسن سلك مسلك المرجئة في مسألة الإيمان، وإن كان حكى عنه قولًا له أنه سلك مسلك السلف لكن الذي أكثر الشيخ من ترديده عن أبي الحسن هو الأول وقد تبناه أشهر أتباعه كالجويني وغيره.\nوأما مسألة القدر فسلك مسلك الجبرية وهذا لم يحك الشيخ فيه خلافًا. وهذا هو الموجود في كتب الأشاعرة ومسألة الكسب من أشهر ما روي عن الأشعري. قال شيخ الإسلام: وأبو الحسن سلك في مسألة الأسماء، والأحكام والقدر مسلك الجهم بن صفوان مسلك المجبرة ومسلك غلاة المرجئة. (٢)\nوقال في معرض الحديث على توبته من الاعتزال: ومال في مسائل\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (ج ١٢/ ص.٢٠٤ - ٢٠٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ٩٦).","vol":"5","page":90},{"text":"العدل والأسماء والأحكام إلى مذهب جهم ونحوه. (١)\nوقال في معرض الكلام على الإيمان: وقال أبو عبد الله الصالحي، إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن له لوازم فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب. وإن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر كان ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته، وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة، وهذا أشهر قولي أبي الحسن الأشعري، وعليه أصحابه، كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي وأمثالهما، ولهذا عدهم أهل المقالات من المرجئة، والقول الآخر عنه كقول السلف وأهل الحديث: إن الإيمان قول وعمل وهو اختيار طائفة من أصحابه ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان. (٢)\nوأما كتاب الإبانة: فهو في الجملة يعتبر من الكتب التي وافقت العقيدة السلفية وبينتها لكن فيه بعض الإجمال وفيه طرق في الإثبات لم تنقل عن السلف فليتنبه عند قراءته، وهذا الكتاب هو عمدة من جعل أبا الحسن، من الذين تراجعوا تراجعًا كاملًا إلى مذهب السلف، وإن كان البعض لا يرى أن أبا الحسن كتب ذلك عن اقتناع كما فعل البربهاري لما دخل عليه أبو الحسن فذكر له أنه ألف الإبانة ورد على المعتزلة فقال له: لا نعرف إلا ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٩٩).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٩).","vol":"5","page":91},{"text":"وأما غلاة الأشعرية فينكرون الكتاب، ويقولون إنما وضع على أبي الحسن وليس له، لكن أثبته من له خبرة بالتراجم والتواريخ ومذهب الأشعري، كابن عساكر والذهبي وشيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، ويقول بعضهم إنما ألفه خوفًا من الحنابلة وهذا القول يردده الشيخ النجدي في كثير من كتبه ومقالاته: محمد زاهد الكوثري. وبقية كتب الأشعري، وإن كان فيها بعض الدفاع عن العقيدة عمومًا، كالموجز والمقالات واللمع في الرد على أهل البدع، وغير ذلك، فليست خاصة بالعقيدة السلفية، فيستفاد منها ما يوافق الدفاع عن العقيدة السلفية ويترك ما لا يوافق ذلك، وهذا القدر فيه كفاية وإلا فالبحث عن الأشعري والأشعرية يحتاج إلى بسط أكثر.\nجاء في مجموع الفتاوى: وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام في كتابه الذي صنفه في 'اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين' وذكر فرق الروافض والخوارج، والمرجئة والمعتزلة وغيرهم. ثم قال 'مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث' جملة. قول أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله وملائكته، وكتبه ورسله، وبما جاء عن الله تعالى، وما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ -، لا يردون شيئًا من ذلك وأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما","vol":"5","page":92},{"text":"قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١) وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بيدي﴾ (٢) وكما قال: ﴿بَلْ يداه مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٣) وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ (٤) وأن له وجهًا كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢٧) (٥). وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج. وأقروا أن لله علمًا كما قال: ﴿أنزله بِعِلْمِهِ﴾ (٦) وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٧) وأثبتوا له السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة وأثبتوا لله القوة كما قال: ﴿أَوَلَمْ يروا أن اللَّهَ الذي خَلَقَهُمْ هُوَ أشد مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٨) وذكر مذهبهم في القدر.\nإلى أن قال: ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في اللفظ والوقف، ومن قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق،\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) ص الآية (٧٥).\n(٣) المائدة الآية (٦٤).\n(٤) القمر الآية (١٤).\n(٥) الرحمن الآية (٢٧).\n(٦) النساء الآية (١٦٦).\n(٧) فاطر الآية (١١).\n(٨) فصلت الآية (١٥).","vol":"5","page":93},{"text":"ويقرون أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون، قال ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ ربهم يومئذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١٥) (١) وذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، إلى أن قال: وينكرون الجدال والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، ويسلمون الروايات الصحيحة كما جاءت به الآثار الصحيحة التي جاءت بها الثقات عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، لا يقولون كيف ولا لم؟ لأن ذلك بدعة عندهم إلى أن قال: ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢) وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ (٣) إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار والنظر في الآثار، والنظر في الفقه، مع الاستكانة والتواضع، وحسن الخلق مع بذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة والشكاية وتفقد المآكل والمشارب. وقال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستسلمون إليه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من\n_________\n(١) المطففين الآية (١٥).\n(٢) الفجر الآية (٢٢).\n(٣) ق الآية (١٦).","vol":"5","page":94},{"text":"قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان.\nوقال الأشعري أيضًا في 'اختلاف أهل القبلة في العرش' فقال: قال أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه استوى على العرش، كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١) ولا نتقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف، وأن له وجهًا كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢)، وأن له يدين كما قال: ﴿خَلَقْتُ بيدي﴾ (٣)، وأن له عينين كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ (٤) وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٥)، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث (٦)، ولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله - ﷺ -. وقالت المعتزلة: إن الله استوى على العرش بمعنى استولى وذكر مقالات أخرى.\nوقال أيضًا أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه 'الإبانة في أصول الديانة' وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه فقال: فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: فإن قال\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) الرحمن الآية (٢٧).\n(٣) ص الآية (٧٥).\n(٤) القمر الآية (١٤).\n(٥) الفجر الآية (٢٢).\n(٦) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).","vol":"5","page":95},{"text":"قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل -نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم. وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ -، لا نرد من ذلك شيئًا، وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن \"محمدًا عبده ورسوله\" أرسله بالهدى ودين الحق \"ليظهره على الدين كله\" وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية، وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١) وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٢) وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بيدي﴾ (٣) وكما قال: ﴿بَلْ يداه مَبْسُوطَتَانِ\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) الرحمن الآية (٢٧).\n(٣) ص الآية (٧٥).","vol":"5","page":96},{"text":"ينفق كيف يشاء﴾ (١) وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ (٢) وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًاّ، وذكر نحوًا مما ذكر في الفرق إلى أن قال: ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانًا، وندين بأن الله يقلب القلوب بين أصبعين من أصابع الله ﷿ (٣)، وأنه ﷿ يضع السموات على أصبع، والأرضين على أصبع (٤)، كما جاءت الرواية الصحيحة عن رسول الله - ﷺ -. إلى أن قال: \"وأن الإيمان\" قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله - ﷺ -، التي رواها الثقات عدلا عن عدل، حتى ينتهي إلى رسول الله -إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا وأن الرب ﷿ يقول: \"هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ \" (٥) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافًا لما قال أهل الزيغ والتضليل: ونعول فيما اختلفنا فيه إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا، وإجماع المسلمين وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم. ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ ربك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٦) وأن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ\n_________\n(١) المائدة الآية (٦٤) ..\n(٢) القمر الآية (١٤).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف سفيان بن عيينة سنة (١٩٨هـ).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف وكيع بن الجراح سنة (١٩٦هـ).\n(٥) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٦) الفجر الآية (٢٢).","vol":"5","page":97},{"text":"أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ (١) وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٢). إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره بابًا بابًا.\nثم تكلم على أن الله يرى واستدل على ذلك ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق واستدل على ذلك ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال لا أقول إنه مخلوق، ولا غير مخلوق، ورد عليه، ثم قال:\nباب ذكر الاستواء على العرش\nفقال: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿بَلْ رفعه الله إليه﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ (٦) وقال تعالى حكاية من فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ\n_________\n(١) ق الآية (١٦).\n(٢) النجم الآيتان (٨و٩).\n(٣) طه الآية (٥).\n(٤) فاطر الآية (١٠).\n(٥) النساء الآية (١٥٨).\n(٦) السجدة الآية (٥).","vol":"5","page":98},{"text":"مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (١) كذب موسى في قوله إن الله فوق السموات، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٢) فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ لأنه مستوٍ على العرش الذي هو فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات وليس إذا قال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أن الله ﷿ ذكر السموات فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ (٣) ولم يرد أن القمر يملؤهن وأنه فيهن جميعًا.\nورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله على عرشه الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض. ثم قال: وقد قال القائلون من المعتزلة، والجهمية، والحرورية أن معنى قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٤) أنه استولى وقهر وملك، وأن الله ﷿ في كل مكان،\n_________\n(١) غافر الآية (٣٦).\n(٢) الملك الآية (١٦).\n(٣) نوح الآية (١٦).\n(٤) طه الآية (٥).","vol":"5","page":99},{"text":"وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء -وهو ﷿ مستولٍ على الأشياء كلها- لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض، وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار، لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها، وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش، دون الأشياء كلها. وذكر دلالات من القرآن والحديث، والإجماع والعقل.\nثم قال: (باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين).\nوذكر الآيات في ذلك ورد على المتأولين لها بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته: مثل قوله: فإن سئلنا أتقولون لله يدان؟ قيل نقول ذلك، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بيدي﴾ (٢).\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج\n_________\n(١) الفتح الآية (١٠).\n(٢) ص الآية (٧٥).","vol":"5","page":100},{"text":"منه ذريته\" (١)،\n\"وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده\" (٢). وقد جاء في الخبر المذكور عن النبي - ﷺ -: \"أن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده\" (٣). وليس يجوز في لسان\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ٤٤ - ٤٥) وأبو داود (٥/ ٧٩ - ٨٠/ ٤٧٠٣) والترمذي (٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩/ ٣٠٧٥)، ابن حبان (١٤/ ٣٧ - ٣٨/ ٦١٦٦) والحاكم (١/ ٢٧) و(٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥) من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، قال عمر بن الخطاب ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - سئل عنها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله خلق آدم، ثم مسح على ظهره بيمينه، فاستخرج عنه ذرية ... \" الحديث. دون زيادة: \"وخلق عدن بيده ... \". وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي في موضع، وقال في موضع آخر: \"فيه إرسال\". وقال الترمذي: \"حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلًا مجهولًا\".\n\nقلت: ويؤيد كلام الترمذي إخراج أبي داود للحديث نفسه (٤٧٠٤) من طريق عمر بن جعثم القرشي قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، قال: كنت عند عمر بن الخطاب بهذا الحديث. وأخرجه أيضًا بهذه الزيادة ابن عبد البر في التمهيد (فتح البر ٢/ ٢٨٨) وقال: \"زيادة من زاد في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ليست حجة: لأن الذي لم يذكره أحفظ، وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقن\". وجملة القول في هذا الحديث، أنه حديث ليس إسناده بالقائم، لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعًا غير معروفين بحمل العلم.\n(٢) انظر الحديث الذي بعده.\n(٣) أخرجه مرسلًا: أبو الشيخ في العظمة (٥/ ١٥٥٥/١٠١٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٢٥/٦٩٢) عن عبد الله بن الحارث قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله ﷿ خلق ثلاثة أشياء بيده، خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، ... \" الحديث. وأخرجه موصولًا: الحاكم (٢/ ٣٩٢) ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٢٤/٦٩١) من طريق علي بن عاصم أنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خلق الله تعالى جنة عدن وغرس أشجارها بيده فقال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون\". قال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ورد عليه الذهبي فقال: \"بل ضعيف\".\nقلت: في إسناده علي بن عاصم قال عنه الحافظ في التقريب: \"صدوق يخطئ ويصر ورمي بالتشيع\".\nوأخرجه أيضًا موقوفًا عن ابن عمر: الدارمي في الرد على المريسي (١/ ٢٦١) وأبو الشيخ في العظمة (٥/ ١٥٥٥/١٠١٨) والحاكم (٢/ ٣١٩) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٢٦/٦٩٣) واللالكائي (٣/ ٤٧٧/٧٣٠) لكن بلفظ: \"خلق الله ﵎ أربعة أشياء بيده: العرش، وجنات عدن، وآدم، والقلم\". وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي. وجود إسناده الشيخ الألباني (انظر مختصر العلو (١٠٥».","vol":"5","page":101},{"text":"العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل عملت كذا بيدي ويريد بها النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهومًا في كلامها، ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل البيان أن يقول القائل: فعلت كذا بيدي ويعني بها النعمة: بطل أن يكون معنى قوله تعالى ﴿بيدي﴾ النعمة. (١)\n- وجاء في السير: بلغنا أن أبا الحسن تاب وصعد منبر البصرة، وقال: إني كنت أقول: بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن الشر فعلي ليس بقدر، وإني تائب معتقد الرد على المعتزلة. (٢)\n- وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة:\nباب الرد على الجهمية في نفيهم علم الله وقدرته\nقال الله ﷿: ﴿أنزله بِعِلْمِهِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٤) وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه، وقال سبحانه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٦) وذكر\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٩٠ - ٩٨).\n(٢) السير (١٥/ ٨٩).\n(٣) النساء الآية (١٦٦).\n(٤) فاطر الآية (١١).\n(٥) هود الآية (١٤).\n(٦) البقرة الآية (٢٥٥).","vol":"5","page":102},{"text":"القوة فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ذو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بنيناها بأييد﴾ (٣) وزعمت الجهمية: أن الله ﷿ لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر، وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم ذلك خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا: لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم. وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل، لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: إن الله تعالى ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية، من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر.\nفصل\nوقد قال رئيس من رؤسائهم -وهو أبو الهذيل العلاف- إن علم الله هو الله، فجعل الله ﷿ علمًا.\nوألزم، فقيل له: إذا قلت: إن علم الله هو الله فقل: يا علم الله اغفر لي وارحمني، فأبى ذلك، فلزمه المناقضة.\n_________\n(١) فصلت الآية (١٥).\n(٢) الذاريات الآية (٥٨).\n(٣) الذاريات الآية (٤٧).","vol":"5","page":103},{"text":"واعلموا رحمكم الله أن من قال: عالم ولا علم كان مناقضًا، كما أن من قال علم ولا عالم كان مناقضًا، وكذلك القول في القدرة، والقادر، والحياة، والحي، والسمع، والبصر، والسميع، والبصير.\nجواب:\nويقال لهم: خبرونا عمن زعم أن الله متكلم قائل آمر ناهٍ لا قول له ولا كلام، ولا أمر له ولا نهي، أليس هو مناقضًا خارجًا عن جملة المسلمين؟\nفلا بد من نعم، فيقال لهم: فكذلك من قال: إن الله عالم ولا علم له كان ذلك مناقضًا خارجًا عن جملة المسلمين.\nوقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهمية والمعتزلة والحرورية على أن لله علما لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء ولا يمنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث، ونازلة تنزل: كل هذا سابق في علم الله، فمن جحد أن لله علمًا، فقد خالف المسلمين، وخرج عن اتفاقهم.\nجواب:\nويقال لهم: إذا كان الله مريدًا أفله إرادة؟\nفإن قالوا: لا، قيل لهم: فإذا أثبتم مريدًا لا إرادة له، فأثبتوا قائلًا لا قول له، وإن أثبتوا الإرادة قيل لهم: فإذا كان المريد لا يكون مريدًا إلا بإرادة فما أنكرتم أن لا يكون العالم عالمًا إلا بعلم؟ وأن يكون لله علم كما أثبتم له إرادة.\nمسألة:\nوقد فرقوا بين العلم والكلام، فقالوا: إن الله ﷿ علم موسى وفرعون، وكلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك يقال: علم موسى الحكمة وفصل","vol":"5","page":104},{"text":"الخطاب، وآتاه النبوة، ولم يعلم ذلك فرعون، فإن كان لله كلام لأنه كلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك لله علم، لأنه علم موسى، ولم يعلم فرعون.\nثم يقال لهم: إذا وجب أن لله كلامًا به كلم موسى دون فرعون إذ كلم موسى دونه، فما أنكرتم إذا علمهما جميعًا؟ أن يكون له علم به علمهما جميعًا.\nثم يقال: قد كلم الله الأشياء بأن قال لها: كوني، وقد أثبتم لله قولًا، فكذلك إن علم الأشياء كلها، فله علم.\nجواب:\nثم يقال لهم: إذا أوجبتم أن لله كلامًا وليس له علم، لأن الكلام أخص من العلم والعلم أعم منه، فقولوا: إن لله قدرة، لأن العلم أعم عندكم من القدرة، لأن من مذاهب القدرية أنهم لا يقولون إن الله يقدر أن يخلق الكفر، فقد أثبتوا القدرة أخص من العلم، فينبغي لهم أن يقولوا على اعتلالهم إن لله قدرة.\nجواب:\nثم قال: أليس الله عالمًا، والوصف له بأنه عالم أعم من الوصف له بأنه متكلم مكلم؟ ثم لم يجب لأن الكلام أخص من أن يكون الله متكلمًا غير عالم، فلم لا قلتم إن الكلام -وإن كان أخص من العلم- لا ينفي أن يكون لله علم، كما لم ينف بخصوص الكلام أن يكون الله عالمًا.\nجواب:\nويقال لهم: من أين علمتم أن الله عالم؟ فإن قالوا: بقوله ﷿: ﴿إِنَّهُ","vol":"5","page":105},{"text":"بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٢) (١)، قيل لهم: ولذلك فقولوا: إن لله علمًا بقوله: ﴿أنزله بِعِلْمِهِ﴾ (٢) وبقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٣) وكذلك قولوا: إن له قوة لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٤) وإن قالوا: قلنا: إن الله عالم لأنه صنع العالم على ما فيه من آثار الحكمة واتساق التدبير.\nقيل لهم: فلم لا قلتم: إن لله علمًا بما ظهر في العالم من حكمه وآثار تدبيره؟ لأن الصنائع الحكمية لا تظهر إلا من ذي علم، كما لا تظهر إلا من عالم، وكذلك لا تظهر إلا من ذي قوة، كما لا تظهر إلا من قادر.\nجواب:\nويقال لهم: إذا نفيتم علم الله فلم لا نفيتم أسماءه؟\nفإن قالوا: كيف ننفي أسماءه وقد ذكرها في كتابه؟\nقيل لهم: فلا تنفوا العلم والقوة، لأنه ﵎ ذكر ذلك في كتابه العزيز.\nجواب آخر:\nويقال لهم: قد علم الله ﷿ نبيه - ﷺ - الشرائع والأحكام، والحلال\n_________\n(١) الشورى الآية (١٢).\n(٢) النساء الآية (١٦٦).\n(٣) فاطر الآية (١١).\n(٤) فصلت الآية (١٥).","vol":"5","page":106},{"text":"والحرام، ولا يجوز أن يعلمه ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز أن يعلم الله نبيه ما لا علم لله به، تعالى الله عن قول الجهمية علوًّا كبيرًا.\nجواب:\nويقال لهم: أليس إذا لعن الله الكافرين فلعنه لهم معنى، ولعن النبي - ﷺ - لهم معنى؟\nفإن قالوا: نعم.\nفيقال لهم: فما أنكرتم من أن الله تعالى إذا علم نبيه - ﷺ - شيئًا فكان للنبي - ﷺ - علم ولله سبحانه علم، وإذا كنا متى أثبتناه غاضبًا على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضيًا عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضىً، وكذلك إذا أثبتناه حيًّا سميعًا بصيرًا فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر.\nجواب:\nويقال لهم: وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك اسم حي اشتق من حياة، واسم سميع اشتق من سمع، واسم بصير اشتق من بصر، ولا تخلو أسماء الله ﷿ من أن تكون مشتقة، إما لإفادة معنى، أو على طريق التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله ﷿ على طريق التلقيب باسم ليس فيه إفادة معنىً، وليس مشتقًا من صفة.\nفإذا قلنا: إن الله ﷿ عالم قادر فليس ذلك تلقيبًا، كقولنا: زيد وعمرو، وعلى هذا إجماع المسلمين.\nوإذا لم يكن ذلك تلقيبًا وكان مشتقًا من علم، فقد وجب إثبات","vol":"5","page":107},{"text":"العلم، وإن كان ذلك لإفادة معنى فلا يختلف ما هو كذا لإفادة معنى وجب. ووجب إذا كان معنى العالم منا أن له علمًا أن يكون: كل عالم فهو ذو علم، كما إذا كان قولي: موجود مفيدًا معنى الإثبات، كان الباري تعالى واجبًا إثباته، لأنه ﷾ موجود.\nجواب:\nويقال للمعتزلة والجهمية والحرورية: أتقولون إن لله علمًا بالأشياء سابقًا فيها، ولوضع كل حامل، وحمل كل أنثى، وبإنزال كل ما أنزل؟\nفإن قالوا: نعم، فقد أثبتوا العلم، ووافقوا.\nوإن قالوا: لا، قيل لهم: هذا جحد منكم لقول الله ﷿: ﴿أنزله بعلمه﴾ (١) ولقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٢) ولقوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٣) وإذا كان قول الله ﷿: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩) (٤) ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ (٥) يوجب أنه عليم يعلم الأشياء كذلك، فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات توجب أن لله علمًا بالأشياء سبحانه وبحمده.\n_________\n(١) النساء الآية (١٦٦).\n(٢) فاطر الآية (١١).\n(٣) هود الآية (١٤).\n(٤) البقرة الآية (٢٩).\n(٥) الأنعام الآية (٥٩).","vol":"5","page":108},{"text":"جواب:\nويقال لهم: أتقولون إن لله ﷿ علمًا بالتفرقة بين أوليائه وأعدائه وهل هو مريد لذلك؟ وهل له إرادة للإيمان إذا أراد الإيمان؟\nفإن قالوا: نعم، فقد وافقوا.\nوإن قالوا: إذا أراد الإيمان فله إرادة.\nقيل لهم: وكذلك إذا فرق بين أوليائه وأعدائه فلا بد من أن يكون له علم بذلك، وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك، وليس للخالق ﷿ علم بذلك؟ هذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضيلة على الخالق، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nجواب:\nويقال لهم: إذا كان من له علم من الخلق أولى بالمنزلة الرفيعة ممن لا علم له، فإذا زعمتم أن الله ﷿ لا علم له لزمكم أن الخلق أعلى مرتبة من الخالق، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nجواب:\nويقال لهم: إذا كان من لا علم له من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، فما أنكرتم من أنه لا بد من إثبات علم الله؟ وإلا ألحقتم به النقصان جل وعز عن قولكم وعلا، ألا ترون أن من لا يعلم من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، ومن قال ذلك في الله ﷿ وصف الله سبحانه بما لا يليق به، فكذلك إذا كان من قيل له من الخلق لا علم له لحقه الجهل والنقصان، وجب أن لا ينفي ذلك عن الله ﷿ لأنه لا يلحقه جهل ولا نقصان.","vol":"5","page":109},{"text":"جواب:\nويقال لهم: هل يجوز أن ينسق الصنائع الحكمية من ليس بعالم؟\nفإن قالوا: ذلك محال ولا يجوز في وجود الصنائع التي تجري على ترتيب ونظام إلا من عالم قادر حي.\nقيل لهم: وكذلك لا يجوز وجود الصنائع الحكمية التي تجري على ترتيب ونظام إلا من ذي علم وقدرة وحياة، فإن جاز ظهورها لا من ذي علم فما أنكرتم من جواز ظهورها لا من عالم قادر حي؟\nوكل مسألة سألناهم عنها في العلم فهي داخلة عليهم في القدرة والحياة والسمع والبصر.\nمسألة:\nوزعمت المعتزلة أن قول الله ﷿: ﴿سميع بصير﴾ (١) معناه عليم، قيل لهم: فإذا قال ﷿: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وأرى﴾ (٢) وقال: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ (٣) فهل معنى ذلك عندكم علم.\nفإن قالوا: نعم.\nقيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله ﴿أسمع وأرى﴾:\n_________\n(١) الحج الآية (٦١).\n(٢) طه الآية (٤٦).\n(٣) المجادلة الآية (١).","vol":"5","page":110},{"text":"أعلم. وأعلم إذ كان معنى ذلك العلم.\nفصل\nونفت المعتزلة صفات رب العالمين، وزعمت أن معنى سميع بصير، أي بمعنى عليم، كما زعمت النصارى أن سمع الله هو بصره وهو رؤيته، وهو كلامه، وهو علمه، وهو ابنه، عز الله وجل تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nفيقال للمعتزلة: إذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى عالم، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم، فإذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى قادر، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم، وإذا زعمتم أن معنى حي معنى قادر، فلم لا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم؟\nفإن قالوا: هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدورًا.\nقيل لهم: ولو كان معنى سميع بصير معنى عالم لكان كل معلوم مسموعًا، وإذا لم يجز ذلك بطل قولكم. (١)\nوكذلك قال في كتاب المقالات: الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، لا صفات له، وأنه لا علم له، ولا قدرة ولا حياة له ولا سمع له ولا بصر له. ولا عزة له ولا جلال له ولا عظمة ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه قال: وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة، الذين يزعمون أن للعالم صانعًا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا\n_________\n(١) الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ص.١١٣ - ١٢١).","vol":"5","page":111},{"text":"قدير، وعبروا عنه بأن قالوا نقول: غير لم يزل ولم يزيدوا على ذلك، غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات، لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره، فأظهروا معناه، فنفوا أن يكون للبارئ علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهر من ذلك ولأفصحوا به، غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك، قال: وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الأباري، كان ينتحل قولهم فزعم أن الباري عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة، وهذا القول الذي هو قول الغالية النفاة للأسماء حقيقة، هو قول القرامطة الباطنية، ومن سبقهم من إخوانهم الصابئية الفلاسفة. (١)\nله من الآثار:\n١ - ذكر في كتابه 'العمدة في الرؤية' مجموعة مصنفات ألفها منها:\n٢ - 'الفصول في الرد على الملحدين' وهو اثنا عشر كتابًا.\n٣ - كتاب 'الصفات' قال: وهو كبير، تكلمنا فيه على أصناف المعتزلة والجهمية.\n٤ - كتاب 'الرؤية بالأبصار'.\n٥ - 'الرد على المجسمة'.\n٦ - كتاب 'اللمع في الرد على أهل البدع'.\n٧ - كتاب 'النقض على الجبائي'.\n٨ - كتاب 'النقض على البلخي'.\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٤٩ - ٥٠).","vol":"5","page":112},{"text":"٩ - كتاب 'جمل مقالات الملحدين'.\n١٠ - قال ﵀: وكتابًا في الصفات هو أكبر كتبنا، نقضنا فيه ما كنا ألفناه قديمًا فيها على تصحيح مذهب المعتزلة لم يؤلف لهم كتاب مثله، ثم أبان الله لنا الحق فرجعنا.\n١١ - كتاب في 'الرد على ابن الراوندي'.\n١٢ - كتاب 'القامع في الرد على الخالدي'.\n١٣ - كتاب 'الفنون في الرد على الملحدين'.\n١٤ - 'الإبانة عن أصول الديانة'.\n١٥ - 'مقالات الإسلاميين'. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2037>موقفه من المرجئة:</span>\nقد قدمنا في مطلع مواقف الشيخ من الجهمية ملخص ما قيل في عقيدته ﵀، ومنها ما يتعلق بمسألة الإيمان؛ وقد ذكرنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية صرح في غير ما موضع أن أبا الحسن سلك مسلك المرجئة في مسألة الإيمان، وإن كان حكى عنه قولًا له؛ أنه سلك مسلك السلف لكن الذي أكثر الشيخ من ترديده عن أبي الحسن هو الأول، وقد تبناه أشهر أتباعه كالجويني وغيره.\nومن أقواله الموافقة لمذهب السلف في مسألة الإيمان ما جاء في كتابه 'الإبانة':\n_________\n(١) انظر السير (١٥/ ٨٧) بتصرف.","vol":"5","page":113},{"text":"الباب الثاني: في إبانة قول أهل الحق والسنة:\nفإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا ﷿، وبسنة نبينا - ﷺ -، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون. وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته، قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون.\nإلى أن قال ﵀: وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله - ﷺ - التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله - ﷺ -. (١)\nوجاء في كتابه 'رسالة إلى أهل الثغر' قوله: وأجمعوا -أي السلف- على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به، ولا جهل به، لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي - ﷺ - وإن كنا جميعًا مؤدين للواجب علينا. (٢)\nوقوله أيضًا: وأجمعوا على ذم سائر أهل البدع والتبري منهم، وهم الروافض والخوارج والمرجئة والقدرية وترك الاختلاط بهم لما روي عن النبي\n_________\n(١) الإبانة (٤٣ - ٤٩).\n(٢) (ص.٢٧٢).","vol":"5","page":114},{"text":"- ﷺ - في ذلك وما أمر به من الإعراض عنهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2038>موقفه من القدرية:</span>\nقال ﵀وهو يرد على المعتزلة-: وأثبتوا، وأيقنوا أن العباد يخلقون الشر، نظيرًا لقول المجوس الذين أثبتوا خالقين: أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر. وزعمت القدرية أن الله ﷿ يخلق الخير، وأن الشيطان يخلق الشر.\nوزعموا أن الله ﷿ يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، خلافًا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وردًا لقول الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئًا إلا وقد شاء الله أن نشاءه، ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقتتلوا﴾ (٤) ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هداها﴾ (٥) ولقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يريد﴾ (٦) ولقوله تعالى مخبرًا عن نبيه شعيب - ﷺ - أنه قال:\n_________\n(١) الأنعام الآية (٦٨).\n(٢) المصدر نفسه (ص.٣٠٧ - ٣٠٩).\n(٣) الإنسان الآية (٣٠).\n(٤) البقرة الآية (٢٥٣).\n(٥) السجدة الآية (١٣).\n(٦) البروج الآية (١٦).","vol":"5","page":115},{"text":"﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١) ولهذا سماهم رسول الله - ﷺ - \"مجوس هذه الأمة\" (٢) لأنهم دانوا بديانة المجوس وضاهوا أقاويلهم. وزعموا أن للخير والشر خالقين، كما زعمت المجوس ذلك، وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله كما قالت المجوس.\nوزعموا أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم دون الله ﷿، ردًّا لقول الله ﷿ لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) وإعراضًا عن القرآن، وعما أجمع عليه أهل الإسلام ... (٤)\nوقال: وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله ﷿ وأن أحدًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا قبل أن يفعله الله.\nولا نستغني عن الله، ولا نقدر على الخروج من علم الله ﷿.\nوأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة له كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥).\nوأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا وهم يخلقون، كما قال: ﴿هَلْ\n_________\n(١) الأعراف الآية (٨٩).\n(٢) سيأتي تخريجه في مواقف محمد بن الحسين الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٣) الأعراف الآية (١٨٨).\n(٤) الإبانة عن أصول الديانة (ص.٣٩ - ٤٠).\n(٥) الصافات الآية (٩٦).","vol":"5","page":116},{"text":"مِنْ خَالِقٍ غير اللَّهِ﴾ (١) وكما قال: ﴿لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون﴾ (٢) وكما قال سبحانه: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ (٣) وكما قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٤) وهذا في كتاب الله كثير. (٥)\nوقال: وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره. وأنا نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره، ونعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن لا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله كما قال ﷿: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٦).اهـ (٧)\nوتناول ﵀ الرد على القدرية في بابين بأكملهما هما الحادي عشر والثاني عشر. (٨)\nوقال: وأجمعوا على أن على جميع الخلق الرضا بأحكام الله التي أمرهم أن يرضوا بها، والتسليم في جميع ذلك لأمره، والصبر على قضائه، والانتهاء إلى طاعته فيما دعاهم إلى فعله أو تركه.\n_________\n(١) فاطر الآية (٣).\n(٢) النحل الآية (٢٠).\n(٣) النحل الآية (١٧).\n(٤) الطور الآية (٣٥).\n(٥) الإبانة عن أصول الديانة (ص.٤٥ - ٤٦).\n(٦) الأعراف الآية (١٨٨).\n(٧) الإبانة عن أصول الديانة (ص.٤٧).\n(٨) الإبانة عن أصول الديانة (ص.١٣٢ إلى ١٦١).","vol":"5","page":117},{"text":"وأجمعوا على أنه عادل في جميع أفعاله وأحكامه ساءنا ذلك، أم سرنا، نفعنا، أو ضرنا.\nوأجمعوا على أنه تعالى قد قدر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (١).\nوأخبر أنه ﷿ يقرع الجاحدين لذلك في جهنم بقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢).\nوأجمعوا على أنه تعالى قسم خلقه فرقتين، فرقة خلقهم للجنة وكتبهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، وفرقة خلقهم للسعير ذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ممتثلين في ذلك لقوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٣).\nولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ\n_________\n(١) القمر الآيتان (٥٢و٥٣).\n(٢) القمر الآيتان (٤٨و٤٩).\n(٣) الأعراف الآية (١٧٩).","vol":"5","page":118},{"text":"عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (١) وقد بين ذلك ما روي عن النبي - ﷺ - في حديث القبضتين (٢).\nوحديث الصادق المصدوق عن عبد الله بن مسعود (٣)، وما قاله النبي - ﷺ - لعمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- حين قال يا رسول الله: أرأيت ما نحن فيه أمر قد فرغ منه، أم أمر مستأنف؟ فقال ﵇: \"بل أمر قد فرغ منه\"، قال عمر: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" (٤) وغير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة.\nوأجمعوا على أن الخلق لا يقدرون على الخروج مما سبق في علم الله فيهم، وإرادته لهم، وعلى أن طاعته تعالى واجبة عليهم فيما أمرهم به، وإن كان السابق من علمه فيهم وإرادته لهم أنهم لا يطيعونه، وأن ترك معصيته لازم لجميعهم، وإن كان السابق في علمه وإرادته أنهم يعصونه، وأنه تعالى يطالبهم بالأمر والنهي، ويحمدهم على الطاعة فيما أمروا به، ويذمهم على المعصية فيما نهوا عنه، وأن جميع ذلك عدل منه تعالى عليهم كما أنه تعالى عادل على من خلقه منهم مع علمه أنه يكفر إذا أمره، وأعطاه القدرة التي يعلم أنها تصيره إلى معصيته، وأنه عدل في تبقيته المؤمنين إلى الوقت الذي يعلم أنهم يكفرون فيه ويرتدون عما كانوا عليه من إيمانهم، وتعذيبهم لهم على الجرم المنقطع بالعذاب الدائم، لأنه ﷿ ملك لجميع ذلك فيهم غير\n_________\n(١) الأنبياء الآية (١٠١).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ سنة (٢٣هـ).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف السلف من عمرو بن عبيد سنة (١٤٤هـ).\n(٤) سيأتي تخريجه في مواقف عبد الرحمن بن ناصر السعدي سنة (١٣٧٦هـ).","vol":"5","page":119},{"text":"محتاج في فعله إلى تمليك غيره له ذلك، حتى يكون جائرا فيه قبل تملكه، بل هو تعالى في فعل جميع ذلك عادل له، وله مالك يفعل ما يشاء، كما قال ﷿: ﴿فعال لما يريد﴾ (١).اهـ (٢)\n\nأبو مُزَاحِم الخَاقَانِي (٣) (٣٢٥ هـ)\nالإمام المقرئ المحدث، أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني البغدادي. سمع عباسًا الدوري، وأبا قلابة الرقاشي، وأبا بكر المروذي. وروى عنه أبو بكر الآجري، وابن أبي هاشم، وأبو عمر بن حيويه. قال عنه الخطيب البغدادي والسمعاني: كان ثقة دينًا من أهل السنة. وقال أبو عمر بن حيويه: كان نقش خاتم أبي مزاحم: \"دن بالسنن، موسى تعن\". وقال عنه ابن الجزري: إمام محدث مقرئ ثقة سني. وقال: هو أول من صنف في التجويد فيما أعلم، وقصيدته الرائية مشهورة، وشرحها الحافظ أبو عمر. مات في ذي الحجة سنة خمس وعشرين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2040>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن محمد بن العباس الخزاز قال: أنشدنا أبو مزاحم الخاقاني لنفسه:\n_________\n(١) البروج الآية (١٦).\n(٢) رسالة إلى أهر ثغر (ص.١٣٨ - ١٤٣).\n(٣) السير (١٥/ ٩٤) وتاريخ بغداد (١٣/ ٥٩) والأنساب للسمعاني (٢/ ٣١٠) وغاية النهاية (٢/ ٣٢٠) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥) وشذرات الذهب (٢/ ٣٠٧).","vol":"5","page":120},{"text":"أهل الكلام وأهل الرأي قد عدموا ... علم الحديث الذي ينجو به الرجل\nلو أنهم عرفوا الآثار ما انحرفوا ... عنها إلى غيرها، لكنهم جهلوا (١)\n\nعبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) (٣٢٧ هـ)\nالعلامة الحافظ الإمام ابن الإمام، صاحب التصانيف، شيخ الإسلام، الناقد أبو محمد عبد الرحمن بن الحافظ الكبير أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي. ولد سنة أربعين ومائتين وارتحل به أبوه، فأدرك الأسانيد العالية. سمع أبا سعيد الأشج، والحسن بن عرفة، وأحمد بن سنان القطان، ويونس بن عبد الأعلى وأبا زرعة، وأخذ علم أبيه، وسمع خلائق بالأقاليم. روى عنه يوسف المَيَانَجي وأبو الشيخ بن حيان وأبو أحمد الحاكم، وعلي بن محمد القصار وآخرون. قال أبو يعلى الخليلي: أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال، صنف في الفقه، واختلاف الصحابة والتابعين. قال علي بن أحمد الفرضي: ما رأيت أحدًا ممن عرف عبد الرحمن ذكر عنه جهالة قط. وكان أبوه يتعجب من عبادته. قال ﵀: لا يستطاع العلم براحة الجسد. صنف الكثير منها: 'الجرح والتعديل' و'الرد على الجهمية' و'التفسير' و'العلل' و'المسند' وغيرها. مات ﵀ في المحرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بالري، وله بضع وثمانون سنة.\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (ص.٧٩).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٥٥) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٢٩ - ٨٣٢) والبداية والنهاية (١١/ ٢٠٣) والسير (١٣/ ٢٦٣ - ٢٦٩) وطبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٨) وشذرات الذهب (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"5","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2042>موقفه من المبتدعة:</span>\nعن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قال: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2043>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - الرد على الجهمية: وقد نقل أبو القاسم اللالكائي في 'أصول الاعتقاد' جملة وافرة منه وكذلك الإمام ابن القيم في 'اجتماع الجيوش'، كما مر معنا في كثير من المواقف. وذكره ابن أبي يعلى في 'طبقات الحنابلة' (٢) وشيخ الإسلام في 'درء التعارض'. (٣)\n٢ - كتاب السنة: ذكره في طبقات الحنابلة. (٤)\n٣ - التفسير: وهو من أهم التفاسير السلفية وقد اعتمده الإمام ابن كثير في تفسيره، ولو جمع ما فيه لكان مجلدًا كبيرًا. ذكره شيخ الإسلام في الدرء ضمن التفاسير السلفية (٥)، وقد وجد مخطوطًا من \"سورة البقرة\" إلى \"سورة يوسف\" وقد أخذ رسائل علمية في جامعة أم القرى.\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة -يعني في أصول الدين- وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٧٥).\n(٢) (٢/ ٥٥).\n(٣) (٦/ ٢٦١).\n(٤) (٢/ ٥٥).\n(٥) (٢/ ٢١).","vol":"5","page":122},{"text":"فقالوا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، ومصرًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذاهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، إلى أن قال: وأن الله على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا. (١)\n\nالإِصْطَخْرِي (٢) (٣٢٨ هـ)\nالإمام القدوة العلامة شيخ الإسلام، أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد، الإصطخري الشافعي فقيه العراق ورفيق ابن سريج. سمع سعدان بن نصر، وحفص بن عمرو الربالي، وأحمد بن منصور الرمادي، وعبّاسًا الدوري، وحنبل بن إسحاق وعدة. وعنه محمد بن المظفر والدارقطني وابن شاهين وآخرون. وتفقه به أئمة.\nقال الخطيب: ولي قضاء قمر وولي حسبة بغداد، فأحرق مكان الملاهي، وكان ورعًا زاهدًا، متقلّلًا من الدنيا، له تصانيف مفيدة منها: كتاب 'أدب القضاء' ليس لأحد مثله. قال المروزي: لما دخلت بغداد لم يكن بها من يستحق أن ندرس عليه إلا ابن سريج وأبو سعيد الإصطخري. مات ﵀ في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وله نيف وثمانون سنة.\n_________\n(١) درء التعارض (٦/ ٢٥٧).\n(٢) تاريخ بغداد (٧/ ٢٦٨ - ٢٧٠) ووفيات الأعيان (٢/ ٧٤ - ٧٥) والسير (١٥/ ٢٥٠ - ٢٥٢) والبداية والنهاية (١١/ ٢٠٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٢١ - ٣٣٠/ص.٢٢٦ - ٢٢٧) وشذرات الذهب (٢/ ٣١٢).","vol":"5","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2045>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في السير: واستفتاه القاهر في الصابئين، فأفتاه بقتلهم لأنهم يعبدون الكواكب، فعزم الخليفة على ذلك، فجمعوا مالًا جزيلًا، وقدموه، ففتر عنهم. (١)\n- وأخرج الهروي: عن أبي الحسين الطبسي قال: سمعت أبا سعيد الاصطخري يقول، وجاءه رجل فقال له أيجوز الاستنجاء بالعظم قال: لا، قال لم؟ قال لأن رسول الله - ﷺ - قال: \"هو زاد إخوانكم من الجن\" (٢)، قال: فقال له الإنس أفضل أم الجن؟ قال: بل الإنس، قال: فلم يجوز الاستنجاء بالماء وهو زاد الإنس، قال: فعدا عليه وأخذ بحلقه وهو يقول: يا زنديق تعارض رسول الله - ﷺ - وجعل يخنقه، فلولا أني أدركته لقتله. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2046>المرتعش الصوفي (٣٢٨ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2047>موقفه من الصوفية:</span>\nمن جيد كلامه: قيل له: فلان يمشي على الماء، قال: عندي أن من مكنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي على الماء. (٤)\n_________\n(١) السير (١٥/ ٢٥٢).\n(٢) أحمد (١/ ٤٣٦) ومسلم (١/ ٣٣٢/٤٥٠) والترمذي (١/ ٢٩/١٨) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن\". وأخرجه أبو داود (١/ ٦٧/٨٥) مختصرًا.\n(٣) ذم الكلام (٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٤) السير (١٥/ ٢٣١).","vol":"5","page":124},{"text":"الراضي أحمد بن المقتدر (١) (٣٢٩ هـ)\nالخليفة محمد وقيل أحمد أبو إسحاق الراضي بالله بن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد بن المتوكل. ولد سنة سبع وتسعين ومائتين وأمه أمة رومية، وكان قصيرًا أسمر نحيفًا، في وجهه طول، استخلف بعد عمه القاهر عندما سملوا القاهر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. قال الخطيب: له فضائل منها أنه آخر خليفة له شعر مدون وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش وآخر خليفة خطب الجمعة وآخر خليفة جالس الندماء، وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين منهم، وكان سمحًا جوادًا أديبًا فصيحًا محبًا للعلماء، ومن شعره:\nكل صفو إلى كدر ... كل أمن إلى حذر\nومصير الشباب للمو ... ت فيه أو الكبر\nدر در المشيب من ... واعظ ينذر البشر\nأيها الآمِلُ الذي ... تاه في لجة الغرر\nتوفي في ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وله اثنتان وثلاثون سنة سوى أشهر، وبويع المتقي لله إبراهيم أخوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2049>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن كثير: وفيها -أي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة- ظهر ببغداد رجل يعرف بأبي جعفر محمد بن علي الشلمغاني، ويقال له ابن\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٢/ ١٤٢ - ١٤٥) والسير (١٥/ ١٠٣ - ١٠٤) والبداية والنهاية (١١/ ١٩٠ - ٢٠٩) والوافي بالوفيات (٢/ ٢٩٧ - ٣٠٠) وشذرات الذهب (٢/ ٣٢٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٢١ - ٣٣٠/ص.٢٦٧ - ٢٦٩).","vol":"5","page":125},{"text":"العرافة، فذكروا عنه أنه يدعي ما كان يدعيه الحلاج من الإلهية، وكانوا قد قبضوا عليه في دولة المقتدر عند حامد بن العباس، واتهم بأنه يقول بالتناسخ فأنكر ذلك. ولما كانت هذه المرة أحضره الراضي وادعى عليه بما كان ذكر عنه فأنكر ثم أقر بأشياء، فأفتى قوم أن دمه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، فأبى أن يتوب، فضرب ثمانين سوطًا، ثم ضربت عنقه وألحق بالحلاج، وقتل معه صاحبه ابن أبي عون لعنه الله. وكان هذا اللعين من جملة من اتبعه وصدقه فيما يزعمه من الكفر. (١)\n- جاء في معجم الأدباء: رسالة في ترجمة ابن أبي عون وهي رسالة طويلة ذكرها ياقوت بين فيها عقيدة هذا الزنديق وشيخه ابن الشلمغاني وأصحابه، وسأقتصر على بعض المقتطفات منها لطول الرسالة ومن شاء الاطلاع عليها كلها فليرجع إلى المصدر الذي ذكرته. قال ياقوت: وقرأت \"بمرو\" رسالة كتبت من بغداد عن أمير المؤمنين الراضي ﵁ إلى أبي الحسين نصر بن أحمد الساماني والي خراسان، بقتل العزاقري لخصت ما يتعلق بابن أبي عون قال فيها بعد أن ذكر أول من أبدع مذهبًا في الإسلام من الرافضة وأهل الأهواء وآخر من اضطر المقتدر بالله ﵀ فانتقم منهم ...\nولما ورث أمير المؤمنين ميراث أوليائه، وأحله الله محل خلفائه اقتدى بسنتهم ... وجعل الغرض الذي يرجو الإصابة بتيممه والمثوبة بتعمده أن يتتبع هذه الطبقة من الكفار ويطهر الأرض من بقيتهم الفجار فبحث عن أخبارهم\n_________\n(١) البداية (١١/ ١٩١).","vol":"5","page":126},{"text":"وأمر بتقصص آثارهم وأن ينهى إليه ما يصح من أمورهم، ويحصل له ما يظهر عليه من جمهورهم فلم يعد أن أحضر أبو علي محمد وزير أمير المؤمنين رجلًا يقال له: محمد بن علي الشلمغاني ويعرف بابن أبي العزاقر، فأعلم أمير المؤمنين أنه من غمار الناس وصغارهم ووجوه الكفار وكبارهم، وأنه قد استزل خلقًا من المسلمين وأشرك طوائف من العَمِهين وأن الطلب قد كان لحقه في الأيام الخالية فلم يدرك، وأودعت المحابس قومًا ممن ضل وأشرك فلما رفع حكمه عنه وأذن في استنقاذ العباد منه واطلع من أبي علي على صفاء نية ونقاء طوية في ابتغاء الأجر وطلابه رضا الله ﷿ واكتسابه والامتعاض من أن ينازع في الإلهية أو يضاهي في الربوبية آنسه بناحيته فاسترسل، وحثه بالمصير إلى حضرته، فتعجل، ففحص أمير المؤمنين عنه، ووكل إليه همه ففتش أمره تفتيش الحائط للمملكة المحامي عن الحوزة القائم بما فوضه الله إليه من رعاية الأمة ووقف أمير المؤمنين على أنه لم يزل يدخل على العقول من كل مدخل ويتوصل إلى ما فيها من كل متوصل، ويعتزى إلى الملة وهو لا يعتقدها وينتمي إلى الخلة وهو عارٍ منها ويدعي العلوم الإلهية وهو عم عنها، ويحقق استخراج الحكم الغامضة وهو جاهل بها ...\nواستظهر أمير المؤمنين بأن تقدم إلى أبي علي بمواقفة هذا اللعين على تمويهاته وقبائح تلبيساته ليكون إقامة أمير المؤمنين حد الله عليه بعد الإمعان في الاستبصار وانكشاف الشبهة فيه عن القلوب والأبصار فتجرد أبو علي في ذلك وتشمر وبلغ منه وما قصر وانثال عليه كل من أطلع على الحقيقة وتعرف جلية الصورة فوقف أبو علي على أن العزاقري يدعي أنه لحق الحق وأنه إله الآلهة الأول القديم الظاهر","vol":"5","page":127},{"text":"الباطن الخالق الرازق التام الموصى إليه، بكل معنى ويدعى بالمسيح كما كانت بنو إسرائيل تسمي الله ﷿ المسيح ويقول: إن الله جل وعلا يحل في كل شيء على قدر ما يحتمل وأنه خلق الضد ليدل به على مضدوده، فمن ذلك أنه حل في آدم ﵇ لما خلقه وفي إبليس وكلاهما لصاحبه يدل عليه لمضادته إياه في معناه وأن الدليل على الحق أفضل من الحق إلى أن قال: ومن احتاج إليه الناس فهو إلاههم ولهذا يستوجب كل كفي أن يسمى الله وأن كل واحد من أشياعه لعنه الله يقول: إنه رب لمن هو دون درجته وأن الرجل منهم يقول: إني رب فلان وفلان رب فلان حتى الانتهاء إلى ابن أبي العزاقر لعنه الله، فيقول أنا رب الأرباب وإله الآلهة لا ربوبية لرب بعدي .. وأنهم يسمون موسى ومحمدا صلى الله عليهما الخائنين لأنهم يدعون أن هارون أرسل موسى ﵉ وأن عليًّا ﵁ أرسل محمدًا - ﷺ - فخاناهما ويزعمون أن عليًّا أمهل النبي - ﷺ - عدة أيام أصحاب الكهف سنين، فإذا انقضت هذه المدة وهي خمسون وثلاثمائة سنة تنقلب الشريعة ... ووجدت رقعة لابن أبي عون هذا بخطه إلى بعض نظرائه يخاطبه فيها كما يخاطب الإنسان ربه ﵎ ويقول في بعض فصولها: لك الحمد وكل شيء وما شئت كان، ربي، ...\nواستفتى أبو علي القضاة والفقهاء في أمر ابن أبي العزاقر وصاحبه هذا الكافر، وسائر من على مذهبه، ممن وجدت له كتب ومخاطبة ومن لم يوجد له ذلك فأفتى من استفتي منهم بقتلهم وأباحوا دماءهم وكتبوا بذلك خطوطهم فأمر أمير المؤمنين بإحضار ابن أبي العزاقر اللعين وابن أبي عون","vol":"5","page":128},{"text":"صاحبه وضريبه وتابعه وأن يجلدا ليراهما من سمع بهما، ويتعظ بما نزل من العذاب بساحتهما، ويتبين من دان بربوبية ابن أبي العزاقر عجزه عن حراسة نفسه وأنه لو كان قادرًا لدفع عن مهجته ولو كان خالقا دفع وكشف الضر عن جسده ولو كان ربا لقبض الأيدي عن نكايته، وجدد أمير المؤمنين الاستظهار والحزم والروية، فيما يمضيه عن العزم، وأحضر عمر بن محمد القاضي بمدينة السلام والعدول بها والفقهاء من أهل مجلسه، وسألهم عما عندهم مما انكشف من أمر ابن أبي العزاقر وأمور أهل دعوته وغيه وضلالته فأقامت الكافة على رأيها في قتله وتطهير الأرض من رجسه ورجس مثله. وزال الشك في ذلك عن أمير المؤمنين بالفتيا وإجماع القاضي والفقهاء وبما وضح من إزلال هذا الضلال المسلمين وإفساد الدين وذلك أعظم وأثقل وزرا من الإفساد في الأرض والسعي فيها بغير الحق، وقد استحق من جرى هذا المجرى القتل فأوعز أمير المؤمنين بصلبه. وصلب ابن أبي عون، بحيث يراهما المنكر والعارف ويلحظهما المجتاز والواقف، فصلبا في أحد جانبي مدينة السلام، ونودي عليهما بما حاولاه من إبطال الشريعة ورأياه من إفساد الديانة، ثم تقدم أمير المؤمنين بقتلهما، ونصب رؤوسهما، وإحراق أجسامهما، ففعل ذلك بمشهد من الخاصة والعامة والنظارة والمارة. (١)\n_________\n(١) معجم الأدباء (١/ ٢٣٨ - ٢٥٣).","vol":"5","page":129},{"text":"الحسن بن علي البَرْبَهَارِيّ (١) (٣٢٩ هـ)\nأبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، شيخ الحنابلة، وشيخ الطائفة في وقته ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع، والمباينة لهم باليد واللسان، وكان له صيت عند السلطان، وقدم عند الأصحاب، وكان أحد الأئمة العارفين، والحفاظ للأصول المأمونين، والثقات المتقنين، وكان قوّالًا بالحق، داعية إلى الأثر، لا يخاف في الله لومة لائم. من شيوخه: أحمد بن محمد ابن الحجاج أبو بكر المرُّوذي، وسهل بن عبد الله التستري. ومن تلامذته: أبو عبد الله بن بطة العكبري، وأحمد بن كامل بن شجرة. وصنف البربهاري مصنفات منها: كتاب 'شرح السنة' الذي ذكر فيه عقيدته ومواقفه من البدع والأهواء. توفي ﵀ في الاستتار في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2051>موقفه من المبتدعة:</span>\n- لم يكن أبو محمد البربهاري ذا علم ومعرفة فقط، ولكن الداعية والمربي على العقيدة السلفية، كان ﵀ تهابه الملوك والحكام لما له من المكانة في نفوس الناس، واسمع ما نقله ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة:\nوكانت للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين كثيرة. وكان المخالفون يغيظون قلب السلطان عليه. ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة في خلافة القاهر ووزيره ابن مقلة، تقدم بالقبض على البربهاري. فاستتر، وقبض على\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ١٨ - ٤٥) والبداية والنهاية (١١/ ١٠١) والوافي بالوفيات (١٢/ ١٤٦ - ١٤٧) وشذرات الذهب (٢/ ٣١٩) والسير (١٥/ ٩٠ - ٩٣).","vol":"5","page":130},{"text":"جماعة من كبار أصحابه وحملوا إلى البصرة وعاقب الله تعالى ابن مقلة على فعله ذلك، بأن أسخط عليه القاهر، وهرب ابن مقلة وعزله القاهر عن وزارته، وطرح في داره النار فقبض على القاهر بالله يوم الأربعاء لست من شهر جمادى الآخرة، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وحبس وخلع، وسملت عيناه في هذا اليوم حتى سالتا جميعًا فعمي ثم تفضل الله تعالى وأعاد البربهاري إلى حشمته وزادت حتى إنه لما توفي أبو عبد الله بن عرفة، المعروف بنفطويه، وحضر جنازته أماثل أبناء الدنيا والدين كان المقدم على جماعتهم في الإمامة البربهاري. وذلك في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. وفي هذه السنة ازدادت حشمة البربهاري وعلت كلمته وظهر أصحابه وانتشروا في الإنكار على المبتدعة، فبلغنا أن البربهاري اجتاز بالجانب الغربي، فعطس فشمته أصحابه فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة وهو في روشنه فسأل عن الحال؟ فأخبر بها فاستهولها، ولم تزل المبتدعة ينقلون قلب الراضي على البربهاري، فتقدم الراضي إلى بدر الحرسي صاحب الشرطة بالركوب والنداء ببغداد: أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان فاستتر وكان ينزل بالجانب الغربي بباب محول، فانتقل إلى الجانب الشرقي مستترًا، فتوفي في الاستتار في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.\n- حدثني محمد بن الحسن المقري قال: حكى لي جدي وجدتي قالا: كان أبو محمد البربهاري قد اختبأ عند أخت توزون بالجانب الشرقي في درب الحمام في شارع درب السلسلة فبقي نحوًا من شهر، فلحقه قيام الدم فقالت أخت توزون لخادمها لما مات البربهاري عندها مستترًا: انظر من","vol":"5","page":131},{"text":"يغسله فجاء بالغاسل فغسله وغلق الباب حتى لا يعلم أحد ووقف يصلي عليه وحده. فطالعت صاحبة المنزل فرأت الدار ملأى رجالًا عليهم ثياب بيض وخضر، فلما سلم، لم تر أحدًا فاستدعت الخادم وقالت: يا حجام أهلكتني مع أخي فقال: يا ستي، رأيت رأيت؟ فقالت: نعم فقال: هذه مفاتيح الباب وهو مغلق فقالت: ادفنوه في بيتي فإذا مت فادفنوني عنده في بيت القبة فدفنوه في دارها فماتت بعده بزمان فدفنت في ذلك المكان ومضى الزمان عليها وصارت تربة وهو بقرب دار المملكة بالمخرم. (١)\n- كلمته القيمة في أصحاب البدع:\nقال ﵀: مثل أصحاب البدع مثل العقارب يدفنون رؤوسهم وأبدانهم في التراب، ويخرجون أذنابهم، فإذا تمكنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع، هم مختفون بين الناس، فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون. (٢)\n- آثاره السلفية:\n'شرح السنة' وهي عقيدة شرح فيها الإمام العقيدة السلفية، وحذر من اتباع الأهواء والآراء المخالفة للسنة.\n- من كلامه رحمه الله تعالى:\nقال: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ومن علينا به، وأخرجنا في خير أمة، فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى، والحفظ مما يكره ويسخط.\nاعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤ - ٤٥).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤).","vol":"5","page":132},{"text":"بالآخر.\nفمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالًاّ مضلًاّ.\nوالأساس الذي تبنى عليه الجماعة وهم: أصحاب محمد - ﷺ -، ورحمهم أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم، فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار.\nوقال عمر بن الخطاب ﵀: لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، فقد بينت الأمور وثبتت الحجة، وانقطع العذر.\nوذلك أن السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله، وتبين للناس، فعلى الناس الاتباع.\nواعلم رحمك الله، أن الدين إنما جاء من قبل الله ﵎، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله فلا تتبع شيئًا بهواك، فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام، فإنه لا حجة لك فقد بين رسول الله - ﷺ - لأمته السنة، وأوضحها لأصحابه، وهم الجماعة، وهم السواد الأعظم، والسواد الأعظم: الحق وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله - ﷺ - في شيء من أمر الدين فقد كفر.\nواعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها، فاحذر المحدثات من الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار.","vol":"5","page":133},{"text":"واحذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرًا يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت دينا يدان بها، فخالف الصراط المستقيم، فخرج من الإسلام.\nفانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر: هل تكلم به أصحاب رسول الله - ﷺ -، أو أحد من العلماء؟ فإن وجدت فيه أثرًا عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء، ولا تختار عليه شيئًا، فتسقط في النار.\nواعلم أن الخروج من الطريق على وجهين: أما أحدهما: فرجل قد زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير، فلا يقتدى بزلته، فإنه هالك.\nوآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين، فهو ضال مضل، شيطان مريد في هذه الأمة، حقيق على من يعرفه أن يحذر الناس منه ويبين للناس قصته، لئلا يقع أحد في بدعته، فيهلك.\nواعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد، حتى يكون متبعًا مصدقًا مسلمًا فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب محمد - ﷺ -، فقد كذبهم، وكفى به فرقة وطعنا عليهم، وهو مبتدع ضال مضل، محدث في الإسلام ما ليس فيه.\nواعلم رحمك الله: أنه ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وإنما هو التصديق بآثار رسول الله - ﷺ - بلا كيف، ولا شرح، لا يقال لم؟ وكيف؟","vol":"5","page":134},{"text":"والكلام والخصومة والجدال والمراء محدث، يقدح الشك في القلب وإن أصاب صاحبه الحق والسنة. (١)\n- وقال: وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها أو ينكر شيئًا من أخبار رسول الله - ﷺ -، فاتهمه على الإسلام، فإنه رجل رديء القول والمذهب، وإنما طعن على رسول الله - ﷺ - وأصحابه، لأنه إنما عرفنا الله، وعرفنا رسول الله - ﷺ -، وعرفنا القرآن، وعرفنا الخير والشر، والدنيا والآخرة بالآثار.\nوأن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن. (٢)\n- وقال: واعلم رحمك الله أنه ما كانت زندقة قط، ولا كفر، ولا شك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام، وأهل الكلام، والجدل، والمراء، والخصومة.\nوالعجب كيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال والله تعالى يقول: ﴿مَا يجادل في أيات اللَّهِ إِلًّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، فعليك بالتسليم، والرضى بالآثار وأهل الآثار، والكف، والسكوت. (٤)\n- وقال: واعلم أنه لم تجيء بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، فمن كان هكذا، فلا دين له، قال الله تبارك\n_________\n(١) شرح السنة للبربهاري (ص.٦٧ - ٧١).\n(٢) شرح السنة للبربهاري (ص.٨٩).\n(٣) غافر الآية (٤).\n(٤) شرح السنة للبربهاري (ص.٩٤ - ٩٥).","vol":"5","page":135},{"text":"وتعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، وهم علماء السوء أصحاب الطمع والبدع.\nواعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة، يهديهم الله، ويهدي بهم غيرهم، ويحيي بهم السنن، فهم الذين وصفهم الله تعالى مع قلتهم عند الاختلاف فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٣) فاستثناهم، فقال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤)، وقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تزال عصابة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون\" (٥).اهـ (٦)\n- وقال: وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس\n_________\n(١) الجاثية الآية (١٧).\n(٢) البقرة الآية (٢١٣).\n(٣) البقرة الآية (٢١٣).\n(٤) البقرة الآية (٢١٣).\n(٥) تقدم تخريجه. انظر مواقف عبد الله بن المبارك سنة (١٨١هـ).\n(٦) شرح السنة للبربهاري (ص.١٠٣ - ١٠٤).","vol":"5","page":136},{"text":"ومنهم فاقتبس. (١)\n- وقال: وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة، وأنس بن مالك، وأسيد بن حضير، فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله، وإذا رأيت الرجل يحب أيوب، وابن عون، ويونس بن عبيد، وعبد الله بن إدريس الأودي، والشعبي، ومالك ابن مغول، ويزيد بن زريع، ومعاذ بن معاذ ووهب بن جرير، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وزائدة بن قدامة، فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل، والحجاج بن المنهال، وأحمد بن نصر، وذكرهم بخير، وقال بقولهم، فاعلم أنه صاحب سنة. (٢)\n- وقال: وإذا ظهر لك من إنسان شيء من البدع، فاحذره، فإن الذي أخفى عنك أكثر مما أظهر.\nوإذا رأيت الرجل من أهل السنة رديء الطريق والمذهب، فاسقًا فاجرًا، صاحب معاصي ضالًا وهو على السنة، فاصحبه، واجلس معه، فإنه ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مجتهدًا في العبادة متقشفًا محترقًا بالعبادة صاحب هوىً، فلا تجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تمش معه في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقته، فتهلك معه.\nورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى، فقال: يا بني من أين جئت؟ قال: من عند فلان، قال: يا بني لأن أراك خرجت من بيت خنثى، أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى\n_________\n(١) شرح السنة للبربهاري (ص.١١١).\n(٢) شرح السنة للبربهاري (ص.١١٩ - ١٢١).","vol":"5","page":137},{"text":"الله يا بني زانيًا فاسقًا سارقًا خائنًا، أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان.\nألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه، وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفر؟\nواحذر ثم احذر أهل زمانك خاصة، وانظر من تجالس، وممن تسمع ومن تصحب، فإن الخلق كأنهم في ردة، إلا من عصمه الله منهم.\nوانظر إذا سمعت الرجل يذكر ابن أبي دؤاد، وبشرًا المريسي وثمامة أو أبا الهذيل، أو هشام الفوطي، أو واحدًا من أتباعهم، وأشياعهم، فاحذره فإنه صاحب بدعة، فإن هؤلاء كانوا على الردة، واترك هذا الرجل الذي ذكرهم بخير، ومن ذكر منهم. (١)\n- وقال: فالله الله في نفسك، وعليك بالأثر وأصحاب الأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد، يعني: للنبي - ﷺ - وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ومن قبلنا لم يدعونا في لبس، فقلدهم واسترح ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2052>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ﵀ في شرح السنة له: واعلم رحمك الله: أن الكلام في الرب تعالى محدث، وهو بدعة وضلالة، ولا يتكلم في الرب، إلا بما وصف به نفسه ﷿ في القرآن، وما بين رسول الله - ﷺ - لأصحابه، فهو جل ثناؤه واحد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣).\n_________\n(١) شرح السنة للبربهاري (ص.١٢٣ - ١٢٦).\n(٢) شرح السنة للبربهاري (ص.١٢٨).\n(٣) الشورى الآية (١١).","vol":"5","page":138},{"text":"ربنا أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السر وأخفى، وعلى عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، لا يخلو من علمه مكان.\nولا يقول في صفات الرب: كيف؟ ولم؟ إلا شاك في الله ﵎.\nوالقرآن كلام الله وتنزيله ونوره، ليس بمخلوق، لأن القرآن من الله، وما كان من الله، فليس بمخلوق، وهكذا قال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفقهاء قبلهما وبعدهما، والمراء فيه كفر.\nوالإيمان بالرؤية يوم القيامة، يرون الله ﷿ بأبصار رؤوسهم وهو يحاسبهم بلا حجاب ولا ترجمان.\nوالإيمان بالميزان يوم القيامة، يوزن فيه الخير والشر، له كفتان ولسان.\nوالإيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير.\nوالإيمان بحوض رسول الله - ﷺ -، ولكل نبي حوض (١)، إلا صالح النبي - ﷺ -، فإن حوضه ضرع ناقته (٢).\nوالإيمان بشفاعة رسول الله - ﷺ - للمذنبين الخاطئين في يوم القيامة، وعلى\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٤/٨٢) والترمذي (٤/ ٥٤٢ - ٥٤٣/ ٢٤٤٣) وابن أبي عاصم (٢/ ٣٤١ - ٣٤٢/ ٧٣٤) والطبراني في الكبير (٧/ ٢١٢/٦٨٨١) من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعًا. قال الترمذي: \"هذا حديث غريب وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح\".\nوللحديث شواهد أوردها الشيخ الألباني في الصحيحة (٤/ ١١٨ - ١٢٠) لعل الحديث يرتقي بها إلى درجة الحسن والله أعلم.\n(٢) أخرجه: العقيلي في الضعفاء (٣/ ٦٤ - ٦٥)، وعنه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٤١٧ - ٤١٨) من طريق عبد الكريم بن كيسان عن سويد بن عمير. قال العقيلي: عبد الكريم بن كيسان مجهول بالنقل حديثه غير محفوظ. وقال ابن الجوزي: \"هذا حديث موضوع لا أصل له\". وقال الذهبي في الميزان (٢/ ٦٤٥): \"عبد الكريم بن كيسان من المجاهيل وحديثه منكر\". ثم ذكر الحديث وقال عقبه: \"قلت هو موضوع، والله أعلم\".","vol":"5","page":139},{"text":"الصراط، ويخرجهم من جوف جهنم، وما من نبي إلا له شفاعة، وكذلك الصديقون والشهداء، والصالحون، ولله بعد ذلك تفضل كثير، فيمن يشاء، والخروج من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمًا.\nوالإيمان بالصراط على جهنم، يأخذ الصراط من شاء الله، ويجوز من شاء الله، ويسقط في جهنم من شاء الله، ولهم أنوار على قدر إيمانهم.\nوالإيمان بالأنبياء والملائكة.\nوالإيمان بأن الجنة حق، والنار حق، مخلوقتان، الجنة في السماء السابعة، وسقفها العرش، والنار تحت أرض السابعة السفلى، وهما مخلوقتان، قد علم الله تعالى عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، لا تفنيان أبدًا، هما مع بقاء الله ﵎ أبد الآبدين، في دهر الداهرين.\nوآدم ﵇ كان في الجنة الباقية المخلوقة، فأخرج منها بعدما عصى الله ﷿.\nوالإيمان بالمسيح الدجال.\nوالإيمان بنزول عيسى بن مريم ﵇، ينزل فيقتل الدجال ويتزوج ويصلي خلف القائم من آل محمد - ﷺ -، ويموت ويدفنه المسلمون. (١)\nوقال: وكل ما سمعت من الآثار مما لم يبلغه عقلك، نحو قول رسول الله - ﷺ -: \"قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿\" (٢).\n_________\n(١) شرح السنة (ص.٧١ - ٧٥).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف سفيان بن عيينة سنة (١٩٨هـ).","vol":"5","page":140},{"text":"وقوله: \"إن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا\" (١)، و\"ينزل يوم عرفة\" (٢). و\"ينزل يوم القيامة\" (٣). و\"جهنم لا يزال يطرح فيها، حتى يضع عليها قدمه جل ثناؤه\" (٤)، وقول الله تعالى للعبد: \"إن مشيت إلي، هرولت إليك\" (٥)، وقوله: \"إن الله ﵎ ينزل يوم عرفة\" وقوله: \"خلق الله آدم على صورته\" (٦)، وقول النبي - ﷺ -: \"رأيت ربي في أحسن صورة\" (٧). وأشباه هذه الأحاديث فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض، لا تفسر شيئًا من هذه بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئًا من هذا بهواه، أو رده، فهو جهمي.\nومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا، فهو كافر بالله ﷿.\nوالفكرة في الله ﵎ بدعة، لقول رسول الله - ﷺ -: \"تفكروا في\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف ابن قتيبة سنة (٢٧٦هـ).\n(٣) سيأتي تخريجه في مواقف إبراهيم بن أحمد بن شاقلا سنة (٣٦٩هـ).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٥) أحمد (٢/ ٢٥١و٤١٣) والبخاري (١٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤/ ٧٤٠٥) ومسلم (٤/ ٢٠٦١/٢٦٧٥) والترمذي (٥/ ٥٤٢/٣٦٠٣) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١٢/٧٧٣٠) وابن ماجه (٢/ ١٢٥٥/١٢٥٦/ ٣٨٢٢) من حديث أبي هريرة.\n(٦) أحمد (٢/ ٣١٥) والبخاري (١١/ ٣/٦٢٢٧) ومسلم (٤/ ٢١٨٣/٢٨٤١) من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام ابن منبه عن أبي هريرة ﵁.\n(٧) أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٠٤/٤٦٩) عن ابن عباس مرفوعًا.\nوأخرجه مطولًا: أحمد (١/ ٣٦٨) والترمذي (٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣/ ٣٢٣٣و٣٢٣٤) من حديث ابن عباس وقال: \"حديث حسن غريب\".\nوالحديث ورد عن جماعة من الصحابة كثوبان وأبي أمامة، وجابر بن سمرة وغيرهم، انظر السنة لابن أبي عاصم (١/ ٤٦٥،٤٦٦،٤٦٧،٤٦٨،٤٧٠و٤٧١) وفي بعض هذه الروايات التصريح بأن الرؤية كانت في المنام.","vol":"5","page":141},{"text":"الخلق، ولا تفكروا في الله\" (١)، فإن الفكرة في الرب، تقدح الشك في القلب. (٢)\nوقال: واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية، حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة، وطعنوا على آثار رسول الله - ﷺ -، وأخذوا بالقياس والرأي، وكفروا من خالفهم، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل، والذي لا علم له، حتى كفروا من حيث لا يعلمون، فهلكت الأمة من وجوه، وكفرت من وجوه، وتزندقت من وجوه، وضلت من وجوه، وتفرقت وابتدعت من وجوه، إلا من ثبت على قول رسول الله - ﷺ -، وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحدًا منهم، ولم يجاوز أمرهم، ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم، وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح، فقلدهم دينه واستراح، وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد، والتقليد لأصحاب محمد - ﷺ -.\nواعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو جهمي، هكذا قال أحمد بن حنبل.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"إن من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، وعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ\" (٣).\nواعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية: أنهم فكروا في الرب ﷿\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف مقاتل بن سليمان سنة (١٥٠هـ).\n(٢) شرح السنة (ص.٨١ - ٨٤).\n(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود (٥/ ١٣/٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٦) وقال: \"صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي.","vol":"5","page":142},{"text":"فأدخلوا: لم؟ وكيف؟ وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم، فجاءوا بالكفر عيانًا، لا يخفى أنه كفر، وكفروا الخلق، واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل.\nوقال بعض العلماء -منهم أحمد بن حنبل ﵁-: الجهمي كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم، لا يرث، ولا يورث، لأنه قال: لا جمعة ولا جماعة، ولا عيدين، ولا صدقة، وقالوا: من لم يقل القرآن مخلوق، فهو كافر، واستحلوا السيف على أمة محمد - ﷺ - وخالفوا من كان قبلهم وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله - ﷺ - ولا أحد من أصحابه، وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع، وأوهنوا الإسلام، وعطلوا الجهاد وعملوا في الفرقة، وخالفوا الآثار، وتكلموا بالمنسوخ، واحتجوا بالمتشابه، فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وقالوا: ليس عذاب قبر، ولا حوض، ولا شفاعة، والجنة والنار لم تخلقا، وأنكروا كثيرًا مما قال رسول الله - ﷺ -، فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه، لأنه من رد آية من كتاب الله، فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثرًا عن رسول الله - ﷺ -، فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم، فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطان معونة على ذلك، ووضعوا السيف، والسوط دون ذلك، فدرس علم السنة والجماعة وأوهنوهما، وصارتا مكتومين لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم، واتخذوا المجالس وأظهروا رأيهم، ووضعوا فيه الكتب، وأطمعوا الناس، وطلبوا لهم الرئاسة، فكانت فتنة عظيمة، لم ينج منها، إلا من عصم الله، فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم، أن يشك في دينه، أو","vol":"5","page":143},{"text":"يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، فصار شاكًا، فهلك الخلق حتى كان أيام جعفر الذي يقال له: المتوكل - فأطفأ الله به البدع، وأظهر به الحق،\nوأظهر به أهل السنة، وطالت ألسنتهم، مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا. (١)\n- وقال: وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك، فاحذر الكلام، وأصحاب الكلام والجدال والمراء والقياس والمناظرة في الدين، فإن استماعك منهم -وإن لم تقبل منهم-، يقدح الشك في القلب، وكفى به قبولًا، فتهلك، وما كانت زندقة قط، ولا بدعة، ولا هوى، ولا ضلالة، إلا من الكلام والجدال والمراء والقياس وهي أبواب البدعة والشكوك والزندقة. (٢)\n- جاء في طبقات الحنابلة: قرأت على علي القرشي عن الحسن الأهوازي قال: سمعت أبا عبد الله الحمراني يقول لما دخل الأشعري إلى بغداد جاء إلى البربهاري فجعل يقول: رددت على الجبائي وعلى أبي هاشم ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس وقلت لهم وقالوا وأكثر الكلام في ذلك. فلما سكت قال البربهاري: ما أدري مما قلت قليلًا ولا كثيرًا، ولا نعرف إلا ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل قال: فخرج من عندي وصنف كتاب الإبانة فلم يقبله منه ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها. (٣)\n_________\n(١) شرح السنة (ص.٩٩ - ١٠٣).\n(٢) شرح السنة (ص.١٢٧ - ١٢٨).\n(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ١٨).","vol":"5","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2053>موقفه من الخوارج:</span>\nقال البربهاري في شرح السنة: ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين؛ فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار وميتته ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان والخروج عليهم وإن جاروا، وذلك قول رسول الله - ﷺ - لأبي ذر الغفاري: \"اصبر وإن كان عبدًا حبشيًا\" (١)، وقوله للأنصار: \"اصبروا حتى تلقوني على الحوض\" (٢). وليس في السنة قتال السلطان فإن فيه فساد الدين والدنيا. ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين في أنفسهم وأموالهم وأهاليهم. وليس له إذا فارقوه أن يطلبهم، ولا يُجهِز على جريحهم، ولا يَأخذ فيئهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مُدبرهم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2054>موقفه من المرجئة:</span>\nقال في شرح السنة له: والإيمان بأن الإيمان قول وعمل، وعمل وقول، ونية وإصابة، يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء. (٤)\nوقال: ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان، حتى يأتي بجميع شرائع\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٧١) ومسلم (٣/ ١٤٦٧/١٨٣٧) وابن ماجه (٢/ ٩٥٥/٢٨٦٢).\n(٢) أحمد (٣/ ٥٧،١٧١) والبخاري (٧/ ١٤٧/٣٧٩٢) ومسلم (٣/ ١٤/٧٤/ ١٨٤٥) من حديث أسيد بن خضير.\n(٣) شرح السنة (ص.٧٨).\n(٤) شرح السنة (ص.٧٥).","vol":"5","page":145},{"text":"الإسلام، فإن قصر في شيء من ذلك، كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى، تام الإيمان أو ناقص الإيمان، إلا ما أظهر لك من تضييع شرائع الإسلام. (١)\nوقال: ومن قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء كله أوله وآخره. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2055>موقفه من القدرية:</span>\nقال ﵀: والرضى بقضاء الله، والصبر على حكم الله، والإيمان بما قال الله ﷿، والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها، قد علم الله ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، لا يخرجون من علم الله، ولا يكون في الأرضين ولا في السماوات إلا ما علم الله ﷿، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا خالق مع الله ﷿. (٣)\nوقال: والكلام والجدال والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق، لأن القدر سر الله، ونهى الرب ﵎ الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى رسول الله - ﷺ - عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان، واعتقاد ما قال رسول الله - ﷺ - في جملة الأشياء، وتسكت عما سوى ذلك. (٤)\n_________\n(١) شرح السنة (ص.٨٠).\n(٢) شرح السنة (ص.١٣٢).\n(٣) شرح السنة (ص.٨٦).\n(٤) شرح السنة (ص.٩٠).","vol":"5","page":146},{"text":"ابن رجاء العُكْبُرِيّ (١) (٣٢٩ هـ)\nعمر بن محمد بن رجاء أبو حفص العكبري. حدث عن عبد الله بن الإمام أحمد وقيس بن إبراهيم وموسى بن حمدون العكبري وغيرهم. روى عنه جماعة منهم أبو عبد الله بن بطة وقال: إذا رأيت العكبري يحب أبا حفص ابن رجاء فاعلم أنه صاحب سنة. قال أبو بكر الخطيب: كان صالحًا دينًا صدوقًا. وقال الذهبي: كان عبدًا صالحًا دينًا، ثقة، كبير القدر، من أئمة الحنابلة. توفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2057>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى قال: وقرأت في بعض كتب أصحابنا: أن ابن رجاء كان إذا مات بعكبرى رجل من الرافضة، فبلغه أن بزازًا باع له كفنًا، أو غاسلًا غسله، أو حاملًا حمله: هجره على ذلك. (٢)\n- وفيها قال محمد بن عبد الله الخياط: كان أبو حفص بن رجاء لا يكلم من يكلم رافضيًّا إلى عشرة. (٣)\n\" التعليق:\nونحن، الروافض يدخلون بيوتنا ونكرمهم ونعظمهم وندين لهم بالولاء، والله ما أدرك حقيقة هؤلاء اليهود إلا السلف، وأما نحن فالعيش أحب إلينا من كل شيء.\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١١/ ٢٣٩) وطبقات الحنابلة (٢/ ٥٦ - ٥٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٢١ - ٣٣٠/ص.٢٦٦).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٥٧).\n(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٥٦).","vol":"5","page":147},{"text":"أبو بكر الصَّيْرَفِي (١) (٣٣٠ هـ)\nالشيخ الفقيه محمد بن عبد الله، أبو بكر الصيرفي البغدادي. تفقه على ابن سريج، وسمع الحديث من أحمد بن منصور الرمادي، وسمع منه علي بن محمد الحلبي. ويقال: كان الصيرفي أعلم بالأصول بعد الشافعي.\nله مصنفات في أصول المذهب وفروعه. قال السبكي: الإمام الجليل الأصولي، أحد أصحاب الوجوه المسفرة عن فضله والمقالات الدالة على جلالة قدره. وقال الخطيب: وكان فهمًا عالمًا.\nتوفي ﵀ في رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2059>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال ابن عدي: سمعت محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي يقول لتلامذته: اعتبروا بالكرابيسي، وبأبي ثور، فالحسين في علمه وحفظه لا يعشره أبو ثور، فتكلم فيه أحمد بن حنبل في باب مسألة اللفظ، فسقط، وأثنى على أبي ثور، فارتفع للزومه للسنة. (٢)\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٥/ ٤٤٩ - ٤٥٠) ووفيات الأعيان (٤/ ١٩٩) والكامل لابن الأثير (٨/ ٣٩٢) وطبقات الشافعية للسبكي (٢/ ١٦٩ - ١٧٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٢١ - ٣٣٠/ص.٢٩٠ - ٢٩١) وطبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير (١/ ٢٦٤).\n(٢) السير (١٢/ ٨٢) وتاريخ بغداد (٨/ ٦٦ - ٦٧).","vol":"5","page":148},{"text":"الحسين المَحَامِلِي (١) (٣٣٠ هـ)\nالقاضي، الإمام، العلامة، الحافظ، الثقة، شيخ بغداد ومحدثها أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبي البغدادي المحاملي. ولد في أول سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأول سماعه في سنة أربع وأربعين. سمع أبا حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي صاحب مالك والبخاري وأحمد بن المقدام العجلي ويعقوب الدورقي، والزبير بن بكار، وطبقتهم ومن بعدهم فأكثر وصنف وجمع وصار أسند أهل العراق مع التصدر للإفادة والفتيا ستين سنة. وروى عنه دعلج بن أحمد، والدارقطني وابن جميع وأبو محمد بن البيع وعدة. قال الداوودي: كان يحضر مجلس المحاملي عشرة آلاف رجل. وقال الخطيب: كان فاضلًا دينًا شهد عند القضاة وله عشرون سنة وولي قضاء الكوفة ستين سنة. عقد بالكوفة سنة سبعين ومائتين في داره مجلسًا للفقه فلم يزل أهل العلم والنظر يختلفون إليه. أملى المحاملي مجلسًا كعادته في ثاني عشر ربيع الآخر من سنة ثلاثين وثلاثمائة ثم مرض ومات بعد أحد عشر يومًا رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2061>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في البداية والنهاية: أنه قد تناظر هو وبعض الشيعة بحضرة بعض الأكابر فجعل الشيعي يذكر مواقف علي يوم بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين وشجاعته. ثم قال للمحاملي: أتعرفها؟ قال: نعم، ولكن أتعرف أنت\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٨/ ١٩ - ٢٣) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٢٤ - ٨٢٦) والسير (١٥/ ٢٥٨ - ٢٦٣) والوافي بالوفيات (١٢/ ٣٤١ - ٣٤٢) والبداية والنهاية (١١/ ٢١٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٢١ - ٣٣٠/ص.٢٨١ - ٢٨٣) وشذرات الذهب (٢/ ٣٢٦).","vol":"5","page":149},{"text":"أين كان الصديق يوم بدر؟ كان مع رسول الله - ﷺ - في العريش بمنزلة الرئيس الذي يحامي عنه، وعلي ﵁ في المبارزة، ولو فرض أنه انهزم أو قتل لم يخزل الجيش بسببه. فأفحم الشيعي. وقال المحاملي وقد قدمه الذين رووا لنا الصلاة والزكاة والوضوء بعد رسول الله - ﷺ - فقدموه عليه حيث لا مال له ولا عبيد ولا عشيرة وقد كان أبو بكر يمنع عن رسول الله - ﷺ - ويجاحف عنه، وإنما قدموه لعلمهم أنه خيرهم فأفحمه أيضًا. (١)\n\nإسحاق بن محمد النهرجوري الصوفي (٢) (٣٣٠ هـ)\nرأس الصوفية في زمانه، من كبار مشايخهم وعلمائهم، صحب سهل ابن عبد الله التستري والجنيد وعمرو بن عثمان. ومع ذلك فقد وقف هذا الموقف الطيب ضد أهل الحلول والاتحاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2063>موقفه من المشركين:</span>\nقال شيخ الإسلام: قال الشيخ أبو يعقوب النهرجوري: هذه الأرواح من أمر الله مخلوقة. خلقها الله من الملكوت، كما خلق آدم من التراب، وكل عبد نسب روحه إلى ذات الله أخرجه ذلك إلى التعطيل، والذين نسبوا الأرواح إلى ذات الله هم أهل الحلول الخارجون إلى الإباحة، وقالوا إذا صفت أرواحنا من أكدار نفوسنا فقد اتصلنا، وصرنا أحرارًا، ووضعت عنا العبودية، وأبيح لنا كل شيء من اللذات من النساء، والأموال وغير ذلك.\n_________\n(١) البداية (١١/ ٢١٧).\n(٢) السير (١٥/ ٢٣٢) وشذرات الذهب (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦) والبداية والنهاية (١١/ ٢١٦) والوافي بالوفيات (٨/ ٤٢٣ - ٤٢٤).","vol":"5","page":150},{"text":"وهم زنادقة هذه الأمة. (١)\n\nعبد الله بن منازل (٢) (٣٣١ هـ)\nعبد الله بن محمد بن منازل أبو محمود النيسابوري. صحب حمدونًا القصار، وحدث بالمسند الصحيح عن أحمد بن سلمة النيسابوري. توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2065>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال أبو محمود عبد الله بن منازل: لم يضيع أحد فريضة من الفرائض؛ إلا ابتلاه الله بتضييع السنن، ولم يبتل بتضييع السنن أحد؛ إلا يوشك أن يبتلى بالبدع. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2066>موقف السلف من القرمطي عدوّ الله أبي طاهر سليمان الزنديق (٣٣٢ ه</span>ـ)\nبيان زندقته وإلحاده:\n- جاء في السير: عدو الله ملك البحرين، أبو طاهر سليمان بن حسن القرمطي الجنابي، الأعرابي الزنديق، الذي سار إلى مكة في سبع مئة فارس. فاستباح الحجيج كلهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، وردم زمزم\n_________\n(١) الفتاوى (٤/ ٢٢١).\n(٢) شذرات الذهب (٢/ ٣٣٠) العبر (١/ ٣١٨).\n(٣) الاعتصام (١/ ١٣٠).","vol":"5","page":151},{"text":"بالقتلى، وصعد على عتبة الكعبة، يصيح:\nأنا بالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا\nفقتل في سكك مكة وما حولها زهاء ثلاثين ألفًا، وسبى الذرية، وأقام بالحرم ستة أيام. بذل السيف في سابع ذي الحجة، ولم يعرف أحد تلك السنة، فلله الأمر. وقتل أمير مكة ابن محارب، وعرى البيت، وأخذ بابه، ورجع إلى بلاد هجر. وقيل: دخل قرمطي سكران على فرس، فصفر له، فبال عند البيت، وضرب الحجر بدبوس هشمه ثم اقتلعه. وأقاموا بمكة أحد عشر يومًا. وبقي الحجر الأسود عندهم نيفًا وعشرين سنة. ويقال: هلك تحته إلى هجر أربعون جملًا، فلما أعيد كان على قعود ضعيف، فسمن. وكان بجكم التركي دفع لهم فيه خمسين ألف دينار، فأبوا، وقالوا: أخذناه بأمر، وما نرده إلا بأمر. وقيل: إن الذي اقتلعه صاح: يا حمير، أنتم قلتم ﴿وَمَنْ دخله كَانَ آَمِنًا﴾ (١) فأين الأمن؟ قال رجل: فاستسلمت، وقلت: إن الله أراد: ومن دخله فأمنوه، فلوى فرسه وما كلمني. وقد وهم السمناني، فقال في 'تاريخه' إن الذي نزع الحجر أبو سعيد الجنابي القرمطي، وإنما هو ابنه أبو طاهر. واتفق أن ابن أبي الساج الأمير نزل بأبي سعيد الجنابي فأكرمه، فلما سار لحربه، بعث يقول: لك علي حق، وأنت في خمس مئة وأنا في ثلاثين ألفًا. فانصرف، فقال للرسول: كم مع صاحبك؟ قال: ثلاثون ألف راكب، قال: ولا ثلاثة، ثم دعا بعبد أسود، فقال له: خرق بطنك بهذه\n_________\n(١) آل عمران الآية (٩٧).","vol":"5","page":152},{"text":"السكين، فبدد مصارينه. وقال لآخر: اغرق في النهر، ففعل، وقال لآخر: اصعد على هذا الحائط، وانزل على مخك، فهلك. فقال للرسول: إن كان معه مثل هؤلاء، وإلا فما معه أحد. (١)\n- قال ابن كثير: وقد سأل بعضهم ههنا سؤالًا. فقال: وقد أحل الله سبحانه بأصحاب الفيل -وكانوا نصارى- ما ذكره في كتابه، ولم يفعلوا بمكة شيئًا مما فعله هؤلاء، ومعلوم أن القرامطة شر من اليهود والنصارى والمجوس، بل ومن عبدة الأصنام، وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد، فهلا عوجلوا بالعذاب والعقوبة، كما عوجل أصحاب الفيل؟ وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارًا لشرف البيت، ولما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم، من البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها وإرسال الرسول منها أهلكهم سريعًا عاجلًا، ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله. وأما هؤلاء القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع وتمهيد القواعد، والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحادًا بالغًا عظيمًا، وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين، بما تبين من كتاب الله وسنة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار، والله سبحانه يمهل ويملي ويستدرج ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، كما قال النبي - ﷺ -:\n_________\n(١) السير (١٥/ ٣٢٠ - ٣٢٢).","vol":"5","page":153},{"text":"\"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" (١)\nثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٢) وقال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٣). وقال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (٤). وقال: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٥). اهـ (٦)\n- وقال الذهبي: قال المراغي: حدثنا أبو عبد الله بن محرم، وكان رسول المقتدر إلى القرمطي، قال: سألته بعد مناظرات عن استحلاله بما فعل بمكة، فأحضر الحجر في الديباج، فلما أبرز كبرت، وأريتهم من تعظيمه والتبرك به على حالة كبيرة، وافتتنت القرامطة بأبي طاهر، وكان أبوه قد أطلعه وحده\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٨/ ٤٥١/٤٦٨٦) ومسلم (٤/ ١٩٩٧ - ١٩٩٨/ ٢٥٨٣) والترمذي (٥/ ٢٦٩/٣١١٠) والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٦٥/١١٢٤٥) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٢/٤٠١٨) كلهم من حديث أبي موسى وفيه: \"ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]\n(٢) إبراهيم الآية (٤٢).\n(٣) آل عمران الآيتان (١٩٦و١٩٧).\n(٤) لقمان الآية (٢٤).\n(٥) يونس الآية (٧٠).\n(٦) البداية والنهاية (١١/ ١٧٣ - ١٧٤).","vol":"5","page":154},{"text":"على كنوز دفنها. فلما تملك، كان يقول: هنا كنز فيحفرون، فإذا هم بالمال. فيفتتنون به وقال مرة: أريد أن أحفر هنا عينًا، قالوا: لا تنبع، فخالفهم، فنبع الماء، فازداد ضلالهم به، وقالوا: هو إله، وقال قوم: هو المسيح، وقيل: نبي. وقد هزم جيوش بغداد غير مرة، وعتا وتمرد.\nقال محمد بن رزام الكوفي: حكى لي ابن حمدان الطبيب، قال: أقمت بالقطيف أعالج مريضًا، فقال لي رجل: إن الله ظهر، فخرجت، فإذا الناس يهرعون إلى دار أبي طاهر، فإذا هو ابن عشرين سنة، شاب مليح عليه عمامة صفراء، وثوب أصفر على فرس أشهب، وإخوته حوله، فصاح: من عرفني عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجنابي. اعلموا أنا كنا وإياكم حميرًا، وقد من الله علينا بهذا وأشار إلى غلام أمرد، فقال: هذا ربنا وإلهنا، وكلنا عباده. فأخذ الناس التراب، فوضعوه على رؤوسهم، ثم قال أبو طاهر: إن الدين قد ظهر وهو دين أبينا آدم، وجميع ما أوصلت إليكم الدعاة باطل من ذكر موسى وعيسى ومحمد، هؤلاء دجالون. وهذا الغلام هو أبو الفضل المجوسي. شرع لهم اللواط، ووطء الأخت، وأمر بقتل من امتنع. فأدخلت عليه وبين يديه عدة رؤوس، فسجدت له، وأبو طاهر والكبراء حوله قيام. فقال لأبي طاهر: الملوك لم تزل تعد الرؤوس في خزائنها. فسلوه كيف بقاؤها؟ فسئلت، فقلت: إلهنا أعلم، ولكني أقول: فجملة الإنسان إذا مات يحتاج كذا وكذا صبرًا وكافورًا. والرأس جزء فيعطى بحسابه. فقال: ما أحسن ما قال. ثم قال الطبيب: ما زلت أسمعهم تلك الأيام يلعنون إبراهيم وموسى ومحمدًا وعليًا. ورأيت مصحفًا مسح بغائط.","vol":"5","page":155},{"text":"وقال أبو الفضل يومًا لكاتبه: اكتب إلى الخليفة، فصل لهم على محمد وكِلْ مِنْ جِراب النورة، قال: والله ما تنبسط يدي لذلك، فافتض أبو الفضل أختًا لأبي طاهر الجنابي، وذبح ولدها في حجرها، ثم قتل زوجها، وهم بقتل أبي طاهر، فاتفق أبو طاهر مع كاتبه ابن سنبر، وآخر عليه فقالا: يا إلهنا، إن والدة أبي طاهر قد ماتت فاحضر لتحشو جوفها نارًا، قال: وكان سنه له، فأتى، فقال: ألا تجيبها؟ قال: لا. فإنها ماتت كافرة فعاوده فارتاب وقال: لا تعجلا علي دعاني أخدم دوابكما إلى أن يأتي أبي، قال ابن سنبر: ويلك هتكتنا، ونحن نرتب هذه الدعوة من ستين سنة. فلو رآك أبوك لقتلك اقتله يا أبا طاهر، قال: أخاف أن يمسخني، فضرب أخو أبي طاهر عنقه، ثم جمع ابن سنبر الناس، وقال: إن هذا الغلام ورد بكذب سرقه من معدن حق، وإنا وجدنا فوقه من ينكحه، وقد كنا نسمع أنه لا بدّ للمؤمنين من فتنة يظهر بعدها حق، فأطفئوا بيوت النيران، وارجعوا عن نكاح الأم، ودعوا اللواط، وعظموا الأنبياء، فضجوا، وقالوا: كل وقت تقولون لنا قولًا. فأنفق أبو طاهر الذهب حتى سكنوا. (١)\nوقال أيضًا: ثم جرت لأبي طاهر مع المسلمين حروب أوهنته. وقتل جنده، وطلب الأمان على أن يرد الحجر، وأن يأخذ عن كل حاج دينارًا ويخفرهم.\nقال الذهبي: ثم هلك بالجدري -لا ﵀- في رمضان سنة اثنتين\n_________\n(١) السير (١٥/ ٣٢٣ - ٣٢٤).","vol":"5","page":156},{"text":"وثلاث مئة (١) بهجر كهلًا. وقام بعده أبو القاسم سعيد. (٢)\n\nأبو العَرَب (٣) (٣٣٣ هـ)\nهو محمد بن أحمد بن تميم بن تمام أبو العرب، المغربي الإفريقي المالكي. كان جده من أمراء إفريقية. وسمع من أصحاب سحنون، وكان حافظًا لمذهب مالك مفتيا، غلب عليه الحديث والرجال. وله تصانيف منها: 'طبقات أهل إفريقية' وكتاب 'المحن' وكتاب 'فضائل مالك' و'فضائل سحنون' و'عباد إفريقية' وكتاب 'التاريخ' في أحد عشر جزءًا. وكان أحد من عقد الخروج على بني عبيد في ثورة أبي يزيد عليهم، هو وأبو سليمان ربيع القطان، وأبو الفضل الممسي، وأبو إسحاق السبائي، وغيرهم.\nقال أبو عبد الله الخراط: كان رجلًا صالحًا ثقة، عالمًا بالسنن والرجال، من أبصر أهل وقته بها، كثير الكتب، حسن التقييد، كريم النفس والخلق، كتب بخطه كثيرًا في الحديث والفقه، يقال: إنه كتب بيده ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة، وشيوخه نيف وعشرون ومائة شيخ.\nتوفي ﵀ لثمان بقين من ذي القعدة، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.\n_________\n(١) والصواب في وفاته ما أثبتناه وهو (٣٣٢هـ).\n(٢) السير (١٥/ ٣٢٥).\n(٣) ترتيب المدارك (٢/ ٤٠ - ٤١) والسير (١٥/ ٣٩٤) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٩) والوافي بالوفيات (٢/ ٣٩) رياض النفوس (٢/ ٣٠٦ - ٣١٢) والديباج المذهب (٢/ ١٩٨ - ١٩٩) وشجرة النور الزكية (١/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"5","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2068>موقفه من الرافضة:</span>\nمر معنا ما فعله بنو عبيد بالعلماء خاصة والمسلمين عامة، من قتل وتعذيب وصلب وتبديل لدين الله، وإحلال المجوسية الشيعية محل السنة الطاهرة، عليهم ما يستحقون من ربهم، وما نزال نتابع مسيرة علمائنا الأخيار الذين شرفوا تاريخنا بمواقفهم ومنهم المؤرخ الكبير أبو العرب محمد بن أحمد ابن تميم وربيع القطان وأبو الفضل عباس المهدي.\nجاء في السير: وكان أحد من عقد الخروج على بني عبيد في ثورة أبي يزيد عليهم ولما حاصروا المهدية سمع الناس على أبي العرب هناك كتابي: الإمامة لمحمد بن سحنون فقال أبو العرب: كتبت بيدي ثلاثة آلاف وخمس مائة كتاب فوالله لقراءة هذين الكتابين هنا أفضل عندي من جميع ما كتبت. (١)\n\nالمَمْسِي (٢) (٣٣٣ هـ)\nالعباس بن عيسى الممسي أبو الفضل الإمام المفتي المالكي العابد. أخذ عن موسى القطان القيرواني وغيره. وكان مناظرًا صاحب حجة. أخذ عنه أبو محمد بن أبي زيد ومحمد بن حارث وأبو بكر الزويلي وأبو الأزهر بن معتب وغيرهم. حج سنة سبع عشرة ورد على الطحاوي في مسألة النبيذ ثم\n_________\n(١) السير (١٥/ ٣٩٥).\n(٢) السير (١٥/ ٣٧٢ - ٣٧٣) وترتيب المدارك (٢/ ٢٦ - ٣٣) والديباج المذهب (٢/ ١٢٩ - ١٣١) ومعالم الإيمان (٣/ ٢٧ - ٣٠) وشجرة النور الزكية (١/ ٨٣) ورياض النفوس (٢/ ٢٩٢ - ٣٠٥).","vol":"5","page":158},{"text":"رجع إلى الغرب، وأقبل على شأنه. قال ابن مخلوف: الفقيه الورع الزاهد الإمام الثقة العابد العالم العامل، صاحب الفضائل الجمة مع فصاحة لسان ونزاهة وعدالة وعلو همة. استشهد ومعه خمس وثمانون رجلًا كلهم فاضل خير في حرب بني عبيد -لعنهم الله-. توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2070>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال الدباغ في معالم الإيمان: وكان أبو الفضل ممن خرج لقتال بني عبيد مع أهل القيروان لما كان يعتقد من كفرهم.\nقلت -أي التنوخي-: قال أبو بكر المالكي رأى أن الخروج مع أبي يزيد الخارجي، وقطع دولة بني عبيد فرضًا، لأن الخوارج من أهل القبلة لا يزول عنهم الإسلام، ويرثون ويورثون، وبنو عبيد ليسوا كذلك، لأنهم مجوس زال عنهم اسم المسلمين، فلا يتوارثون معهم ولا ينتسبون إليهم. (١)\n- جاء في السير: فلما قام أبو يزيد مخلد بن كنداد الأعرج، رأس الخوارج على بني عبيد، خرج هذا الممسي معه في عدد من علماء القيروان لفرط ما عمهم من البلاء، فإن العبيدي كشف أمره وأظهر ما يبطنه حتى نصبوا حسن الضرير السباب في الطرق بأسجاع لقنوه يقول: العنوا الغار وما حوى والكساء وما وعى وغير ذلك، فمن أنكر ضربت عنقه وذلك في أول دولة الثالث إسماعيل، فخرج مخلد الزناتي المذكور صاحب الحمارة، وكان زاهدًا فتحرك لقيامه كل أحد، ففتح البلاد وأخذ مدينة القيروان، لكن عملت الخوارج كل قبيح حتى أتى العلماء أبا يزيد يعيبون عليه، فقال: نهبكم\n_________\n(١) المعالم (٣/ ٢٩) ورياض النفوس (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨).","vol":"5","page":159},{"text":"حلال لنا، فلاطفوه حتى أمرهم بالكف وتحصن العبيدي بالمهدية. وقيل: إن أبا يزيد لما أيقن بالظهور غلبت عليه نفسه الخارجية وقال لأمرائه: إذا لقيتم العبيدية فانهزموا عن القيروانيين حتى ينال منهم عدوهم. ففعلوا ذلك فاستشهد خلق وذلك سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة، فالخوارج أعداء المسلمين وأما العبيدية الباطنية فأعداء الله ورسوله. (١)\n\" التعليق:\nيمر المسلم بهذه الوقائع وهو يبكي على ما وصل إليه المسلمون من ضعف الحال، حتى بدؤوا يتعاونون مع أعداء عقيدتهم، ورغم هذا التعاون فإن العدو خائن، فما فعله الخوارج بهؤلاء الأخيار ينبغي أن يكون عبرة لمن\nجاء بعدهم، فلا ثقة في مبتدع مهما كان نوع بدعته، وأما سلالة اليهود والمجوس فلا تسأل عن عداوتهم.\n\nالخِرَقِي (٢) (٣٣٤ هـ)\nعمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي أبو القاسم العلامة شيخ الحنابلة صاحب المختصر المشهور في المذهب. كان من كبار العلماء تفقه بوالده الحسين صاحب المروذي. قال القاضي أبو يعلى: كانت لأبي القاسم مصنفات كثيرة لم تظهر لأنه خرج من بغداد لما ظهر بها سب الصحابة\n_________\n(١) السير (١٥/ ٣٧٣).\n(٢) السير (١٥/ ٣٦٣ - ٣٦٤) وتاريخ بغداد (١١/ ٢٣٤ - ٢٣٥) وطبقات الحنابلة (٢/ ٧٥ - ١١٨) والعبر (١/ ٣٢٣) ووفيات الأعيان (٣/ ٤٤١) والبداية والنهاية (١١/ ٢٢٨) وشذرات الذهب (٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧).","vol":"5","page":160},{"text":"فأودع كتبه في دار فاحترقت الدار. وقدم دمشق وبها توفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2072>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في طبقات الحنابلة: أنه خرج عن مدينة السلام لما ظهر سب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. (١)\n\nربيع القطان أبو سليمان الصوفي (٢) (٣٣٤ هـ)\nموقفه من الرافضة:\nقال أبو بكر المالكي: وعوتب ربيع في خروجه مع أبي يزيد إلى حرب بني عبيد فقال: وكيف لا أفعل وقد سمعت الكفر بأذني؟ فمن ذلك أني حضرت أشهادًا وكان فيه جمع كثير أهل سنة ومشارقة وكان بالقرب مني أبو قضاعة الداعي، فأتى رجل مشرقي من أهل الشرق ومن أعظم المشارقة فقام إليه رجل مشرقي وقال: إلى هاهنا يا سيدي إلى جانب رسول الله -يعني أبا قضاعة الداعي ويشير بيده إليه- فما أنكر أحد شيئًا من ذلك فكيف ينبغي أن أترك القيام عليهم؟ ووجد بخطه قال: لما كان في رجب سنة إحدى وثلاثين قام الصبي المكوكب يقذف الصحابة ويطعن على النبي - ﷺ - وعلقت عظام رؤوس أكباش وحمير وغيرها على أبواب الحوانيت والدروب عليها قراطيس معلقة فيها أسماء يعنون بها رؤوس الصحابة رضوان الله عليهم فلما\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٧٥).\n(٢) العقيدة السلفية (٢/ ٩٨٥).","vol":"5","page":161},{"text":"رأى ربيع ذلك لم يسعه التأخر عن الخروج عليهم، -وكذلك كان جميع الشيوخ يتأولون ... ولما اجتمعوا للخروج عليهم قال ربيع القطان: أنا أول من يشرع في هذا الأمر ويخرج فيه ويندب المسلمين ويحضهم عليه.\nوتسارع جميع الفقهاء والعباد لذلك فلما كان بالغد خرج ربيع وجماعة الفقهاء ووجوه التجار إلى المصلى بالسلاح الشاك والعدة العجيبة التي لم ير مثلها وضاق بهم الفضاء وتواعد الناس أن ينظروا في الزاد وآلة السفر إلى يوم السبت -وذلك يوم الإثنين- وركب بعض الشيوخ من الموضع إلى الجامع بالسلاح وشقوا السماط بالقيروان وزادوا في استنهاض الناس فلما كان يوم الجمعة اجتمعوا في الجامع وركبوا بالسلاح الكامل وعملوا البنود والطبول وأتوا بالبنود فركزوها قبالة المسجد المعروف بالحدادين وكانت سبعة بنود: الأول أصفر لربيع القطان مكتوب عليه البسملة ومعها لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الثاني -وهو لربيع أصفر أيضًا- نصر من الله وفتح قريب على يد أبي يزيد اللهم انصره على من سب نبيك، وفي الثالث -وهو أصفر أيضا لأبي العرب- بعد البسملة ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (١) وفي الرابع -وهو بند أحمر لأبي الفضل عباس الممسي- لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الخامس -وهو بند أخضر لمروان العابد- بعد البسملة ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ\n_________\n(١) التوبة الآية (١٢).","vol":"5","page":162},{"text":"وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وفي السادس -وهو بند أبيض- بعد البسملة لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الفاروق، وفي السابع -وهو لإبراهيم بن العمشاء وكان أكبر البنود لونه أبيض- لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٢) فلما اجتمع الناس وحضرت صلاة الجمعة طلع الإمام على المنبر -وهو أحمد بن محمد بن أبي الوليد، وكان أبو الفضل الممسي هو الذي أشار به- وخطب خطبة أبلغ فيها، وحرض الناس على الجهاد، وأعلمهم بما لهم فيه من الثواب، وتلا هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٣) الآية وقال: يا أيها الناس جاهدوا من كفر بالله وزعم أنه رب من دون الله وغير أحكام الله ﷿ وسب نبيه وأصحاب نبيه وأزواج نبيه، فبكى الناس بكاءً شديدًا وقال في خطبته: اللهم إن هذا القرمطي الكافر الصنعاني المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية من دون الله جاحدًا لنعمتك كافرًا بربوبيتك طاعنًا على أنبيائك، ورسلك مكذبًا محمدًا نبيّك وخيرتك من خلقك سابًّا لأصحاب نبيك\n_________\n(١) التوبة الآية (١٤).\n(٢) التوبة الآية (٤٠) ..\n(٣) النساء الآية (٩٥).","vol":"5","page":163},{"text":"وأزواج نبيك أمّهات المؤمنين سافكًا لدماء أمته منتهكًا لمحارم أهل ملته افتراءً عليك واغترارًا بحلمك اللهم فالعنه لعنًا وبيلًا واخزه خزيًا طويلًا واغضب عليه بكرة وأصيلًا وأصله جهنم وساءت مصيرًا بعد أن تجعله في دنياه عبرة للسائلين وأحاديث الغابرين وأهلك اللهم متبعه وشتت كلمته وفرق جماعته واكسر شوكته واشف صدور قوم مؤمنين منه ونزل، فجمع الجمعة ركعتين وسلم وقال: إن الخروج غدًا يوم السبت إن شاء الله، وركب ربيع القطان فرسه وعليه آلة الحرب وفي عنقه المصحف وحوله جمع من الناس من أهل القيروان متأهبون معتدون لجهاد أعداء الله عليهم آلة الحرب، فنظر إليهم ربيع القطان فسر بهم وقال: الحمد لله الذي أحياني حتى أدركت عصابة من المؤمنين اجتمعوا لجهاد أعدائك وأعداء نبيك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2074>موقف السلف من القائم بأمر الله (الزنديق) (٣٣٤ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\nجاء في السير: ذكر القاضي عبد الجبار المتكلم، أن القائم أظهر سب الأنبياء وكان مناديه يصيح: العنوا الغار وما حوى. وأباد عدة من العلماء. وكان يراسل قرامطة البحرين، ويأمرهم بإحراق المساجد والمصاحف. فتجمعت الإباضية والبربر على مخلد، وأقبل، وكان ناسكًا قصير الدلق،\n_________\n(١) رياض النفوس (٢/ ٣٣٨ - ٣٤٤) والمعالم (٣/ ٣١ - ٣٣).","vol":"5","page":164},{"text":"يركب حمارًا، لكنهم خوارج، وقام معه خلق من السنة والصلحاء، وكاد أن يتملك العالم، وركزت بنودهم عند جامع القيروان فيها: لا إله إلا الله، لا حكم إلا لله. وبندان أصفران فيهما: نصر من الله وفتح قريب. وبند لمخلد فيه: اللهم انصر وليك على من سب نبيك. وخطبهم أحمد بن أبي الوليد، فحض على الجهاد، ثم ساروا، ونازلوا المهدية. ولما التقوا وأيقن مخلد بالنصر، تحركت نفسه الخارجية، وقال لأصحابه: انكشفوا عن أهل القيروان، حتى ينال منهم عدوهم، ففعلوا ذلك، فاستشهد خمسة وثمانون نفسًا من العلماء والزهاد. (١)\nوفيها: وقد أجمع علماء المغرب على محاربة آل عبيد لما شهروه من الكفر الصراح الذي لا حيلة فيه. وقد رأيت في ذلك تواريخ عدة، يصدق بعضها بعضًا. (٢)\nوفيها: وعوتب بعض العلماء في الخروج مع أبي يزيد الخارجي، فقال: وكيف لا أخرج وقد سمعت الكفر بأذني؟ حضرت عقدًا فيه جمع من سنة ومشارقة، وفيهم أبو قضاعة الداعي، فجاء رئيس، فقال كبير منهم: إلى هنا يا سيدي ارتفع إلى جانب رسول الله يعني: أبا قضاعة، فما نطق أحد. (٣)\nوفيها: وخرج أبو إسحاق الفقيه مع أبي يزيد، وقال: هم أهل القبلة، وأولئك ليسوا أهل قبلة. وهم بنو عدو الله، فإن ظفرنا بهم، لم ندخل تحت\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(٢) السير (١٥/ ١٥٤).\n(٣) السير (١٥/ ١٥٤).","vol":"5","page":165},{"text":"طاعة أبي يزيد، لأنه خارجي. (١)\nوفيها: قال السبائي: إي والله نجد في قتل المبدل للدين. (٢)\n- وفيها: ووجد بخط فقيه. قال: في رجب سنة ٣٣١هـ قام المكوكب يقذف الصحابة، ويطعن على النبي - ﷺ -، وعلقت رؤوس حمير وكباش على الحوانيت، كتب عليها أنها رؤوس صحابة. (٣)\nوفيها: وكان القائم يسمى أيضًا نزارًا، ولما أخذ أكثر بلاد مصر في سنة سبع وثلاثمائة انتدب لحربه جيش المقتدر، عليهم مؤنس، فالتقى الجمعان. فكانت وقعة مشهورة، ثم تقهقر القائم إلى المغرب، ووقع في جيشه الغلاء والوباء وفي خيلهم وتبعه أيامًا جيش المقتدر. (٤)\nوفيها: قال أبو ميسرة الضرير: أدخلني الله في شفاعة أسود رمى هؤلاء القوم بحجر. (٥)\nوفيها: وتسارع الفقهاء والعباد في أهبة كاملة بالطبول والبنود. وخطبهم في الجمعة أحمد بن أبي الوليد، وحرضهم. وقال: جاهدوا من كفر بالله وزعم أنه رب من دون الله، وغير أحكام الله، وسب نبيه وأصحاب نبيه. فبكى الناس بكاءً شديدًا. وقال: اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله، المدعي الربوبية، جاحد لنعمتك، كافر بربوبيتك، طاعن على\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٥٥).\n(٢) السير (١٥/ ١٥٥).\n(٣) السير (١٥/ ١٥٤).\n(٤) السير (١٥/ ١٥٤).\n(٥) السير (١٥/ ١٥٥).","vol":"5","page":166},{"text":"رسلك، مكذب بمحمد نبيك، سافك للدماء. فالعنه لعنًا وبيلًا، واخزه خزيًا طويلًا، واغضب عليه بكرة وأصيلًا. ثم نزل فصلى بهم الجمعة. (١)\nوفيها: وركب ربيع القطان فرسه ملبسًا، وفي عنقه المصحف، وحوله جمع كبير، وهو يتلو آيات جهاد الكفرة. فاستشهد ربيع في خلق من الناس يوم المصاف في صفر سنة أربع وثلاثين. وكان غرض هؤلاء المجوس بني عبيد أخذه حيًا ليعذبوه. قال أبو الحسن القابسي: استشهد معه فضلاء، وأئمة وعباد. (٢)\nوفيها: قال بعض الشعراء في بني عبيد:\nالماكر الغادر الغاوي لشيعته ... شر الزنادق من صحب وتباع\nالعابدين إذًا عجلًا يخاطبهم ... بسحر هاروت من كفر وإبداع\nلو قيل للروم أنتم مثلهم لبكوا ... أو لليهود لسدوا صمخ أسماع (٣)\n\nابن القَاصّ (٤) (٣٣٥ هـ)\nأحمد بن أبي أحمد الطبري أبو العباس الإمام الفقيه شيخ الشافعية ابن القاص تلميذ أبي العباس بن سريج. حدث عن أبي خليفة الجمحي وغيره. له 'شرح حديث أبي عمير' قال ابن خلكان: كان إمام وقته في طبرستان، وكان\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٥٥)، وهو في معالم الإيمان (٣/ ٣٩ - ٤٠) بلفظ تام.\n(٢) السير (١٥/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(٣) السير (١٥/ ١٥٦).\n(٤) السير (١٥/ ٣٧١ - ٣٧٢) والبداية والنهاية (١١/ ٢٣٢) ووفيات الأعيان (١/ ٦٨ - ٦٩) والوافي بالوفيات (٦/ ٢٢٧) والنجوم الزاهرة (٣/ ٢٩٤) وشذرات الذهب (٢/ ٣٣٩).","vol":"5","page":167},{"text":"يعظ الناس. تولى قضاء طرسوس. وكان أبوه يقص على الناس الأخبار والآثار، توفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2076>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص: لا خلاف بين أهل الفقه في قبول خبر الآحاد، إذا عدلت نقلته وسلم من النسخ حكمه، وإن كانوا متنازعين في شرط ذلك، وإنما دفع خبر الآحاد بعض أهل الكلام لعجزه -والله أعلم- عن علم السنن، زعم أنه لا يقبل منها إلا ما تواترت به أخبار من لا يجوز عليه الغلط والنسيان، وهذا عندنا منه ذريعة إلى إبطال سنن المصطفى - ﷺ -، لوجهين: أحدهما: أن ما شرط من ذلك صفة الأمة المعصومة، والأمة إذا تطابقت على شيء وجب القول به وإن لم يأت خبر. والثاني: أنه لو طولب بسنة يتحاكم إليها المتنازعان تواترت عليها أخبار نقلتها وسلمت من خوف النسيان طرقها لم يجد إليها سبيلًا، وكانت شبهته في ذلك أنه وجد أخبار السنن آخرها عمن لا يجوز عليه الغلط والنسيان، وهو النبي - ﷺ -، وكذلك يجب أن يكون أولها وأوسطها عن قوم لا يجوز عليهم الغلط والنسيان. قال أبو العباس: فكان ما اعتذر به ثانيا أفسد من جرمه أولا وأقبح، وذلك أن آخر هذه الأخبار عمن صحت نبوته وصدقت المعجزات قوله، فيلزمه على قود اعتلاله أن لا يقبل من الأخبار، إلا ما روت الأنبياء عن الأنبياء، وقد نطق الكتاب بتصديق ما اجتبيناه من تصديق خبر الآحاد، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا","vol":"5","page":168},{"text":"نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١) واسم الطائفة عند العرب قد يقع على دون العدد المعصوم من الزلل، وقد يلزم الواحد فأكثر قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٢) وقال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) فصح أن هذا الاسم، واقع على العدد القليل. وفيما تلونا وجهان من الحجة: أحدهما: أن أمر الله إياهم بذلك، دليل على أن على المنذرين قبوله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)، ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٥) فكان ذلك دليلًا على قبول قولهما. والوجه الثاني: قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يحذرون﴾، فلولا قيام الحجة عليهم ما استوجبوا الحذر ومعنى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يحذرون﴾،إيجابًا للحذر به -والله أعلم- نظير قوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٦)،\n_________\n(١) التوبة الآية (١٢٢).\n(٢) الحجرات الآية (٩) ..\n(٣) النور الآية (٢).\n(٤) الطلاق الآية (٢).\n(٥) البقرة الآية (٢٨٢).\n(٦) السجدة الآية (٣).","vol":"5","page":169},{"text":"إيجابًا للاهتداء عليهم بذلك. وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) فوجب على العباد أن يعقلوا عن القرآن خطابه حجة لله عليهم. وحجة أخرى: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢) الآية، فكان في أمر الله بالتثبت في خبر الفاسق دلالة واضحة من فحوى الكلام على إمضاء خبر العدل، والفرق بينه وبين خبر الفاسق، فلو كانا سيين في التوقف عنهما لأمر بالتثبت في خبرهما، حتى يبلغ حد التواتر الذي يجب عند المخالفين القول به على مذهبهم، كما رتب في الشهادات، وفصل بينهما بأن جعل الشهادات منوطة بأعدادها، وأطلق الأخبار إطلاقًا، وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ دليل على أن إنفاذنا لقبوله في خبر العدل أصابه بعلم لا بجهل له ولئلا نصبح على ما فعلنا نادمين. والله أعلم. (٣)\n\nمحمد بن أبي المنظور (٤) (٣٣٧ هـ)\nمحمد بن عبد الله بن حسن الأنصاري بن أبي المنظور أبو عبد الله القاضي، أصله من الأندلس رحل إلى المشرق فسمع من القاضي إسماعيل بن\n_________\n(١) الزخرف الآية (٣).\n(٢) الحجرات الآية (٦) ..\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٢٨١ - ٢٨٣).\n(٤) معالم الإيمان (٣/ ٤٤ - ٤٧) وترتيب المدارك (٢/ ٤٣ - ٤٤) ورياض النفوس (٢/ ٣٥٧ - ٣٦١).","vol":"5","page":170},{"text":"إسحاق، ومن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد ومن عبد الله بن محمد بن عبد الله وغيرهم. سمع منه: أحمد بن عبد الرحمن القصري وأبو محمد بن التبان وجعفر بن نظيف وغيرهم. وكان عالمًا ثقة فاضلًا صالحًا لا تأخذه في الله لومة لائم. وله جلالة وسمت وخشوع وتقى، وقبول عند الناس، وعدالة ظاهرة، وأجبره إسماعيل المنصور على القضاء فاشترط عليه أن لا يأخذ لهم صلة ولا يركب لهم دابة ولا يقبل شهادة من طاف بهم أو قاربهم ولا يركب إليهم مهنيا ولا معزيا فأجابه إلى هذا إسماعيل وقبل شرطه. وكان ﵀ قد سار بالعدل في أقضيته وإيثار الحق، لا تأخذه في الله -﷿- لومة لائم. توفي وهو قاضي القيروان يوم السبت لعشر بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وقد نيف على التسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2078>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في السير أن محمد بن أبي المنظور الأنصاري وَلِيَ قضاء القيروان في دولة المنصور صاحب المغرب العبيدي الباطني.\nوكان من كبار أصحاب الحديث، قد لقي إسماعيل القاضي، والحارث ابن أبي أسامة، فقال: بشرط أن لا آخذ رزقًا ولا أركب دابة، فولاه ليتألف الرعية، فأحضر إليه يهودي قد سب (١)، فبطحه، وضربه إلى أن مات تحت الضرب، خاف أن يحكم بقتله فتحل عليه الدولة. (٢)\n_________\n(١) أي النبي ﵌.\n(٢) السير (١٥/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"5","page":171},{"text":"النَّحَّاس (١) (٣٣٨ هـ)\nأحمد بن محمد بن إسماعيل أبو جعفر العلامة إمام العربية المصري النحوي صاحب التصانيف، ارتحل إلى بغداد وأخذ عن الزجاج وكان ينظر في زمانه بابن الأنباري وبنفطويه للمصريين. روى عن محمد بن جعفر بن أعين وبكر بن سهل الدمياطي والحسن بن غليب والحافظ النسائي وغيرهم. وروى عنه أبو بكر محمد بن علي الأدفوي تواليفه. من كتبه: 'إعراب القرآن'، 'كتاب المعاني'، 'الكافي'، وكان من أذكياء العالم. وكان لا يتكبر أن يسأل الفقهاء وأهل النظر عما أشكل عليه في تأليفاته. توفي في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2080>موقفه من الجهمية:</span>\nقال النحاس: أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازًا فإذا قال: ﴿تَكْلِيمًا﴾ وجب أن يكون كلامًا على الحقيقة التي تعقل. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2081>موقف السلف من الفارابي الزنديق (٣٣٩ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\nالزنديق الكبير، الذي هو عند جهلة المثقفين المفكر والفيلسوف!!\n_________\n(١) السير (١٥/ ٤٠١ - ٤٠٢) وطبقات النحويين واللغويين (٢٢٠ - ٢٢١) ووفيات الأعيان (١/ ٩٩ - ١٠٠) والوافي بالوفيات (٧/ ٣٦٢ - ٣٦٤) والبداية والنهاية (١١/ ٢٣٦) وشذرات الذهب (٢/ ٣٤٦).\n(٢) الفتح (١٣/ ٤٧٩).","vol":"5","page":172},{"text":"والفأر أشرف منه وأفضل، هذا الخبيث مع الزنديق الباطني المسمى بابن سينا عظمهما كثير من الملحدين في هذا الوقت، ولخبث هذين الشيطانين قرر الملاحدة تدريس كتبهما وأفكارهما في المدارس والكليات باسم الفكر الإسلامي، حتى في بعض البلاد الإسلامية، حتى يخرج الطالب من الثانوي وهو يحمل شهادة زندقة وإلحاد وتحلل خلقي كامل، إلاّ من عصمه الله، والله المستعان.\nقال ابن كثير عن الفارابي: التركي الفيلسوف، وكان من أعلم الناس بالموسيقى، بحيث كان يتوسل به، وبصناعته إلى الناس في الحاضرين من المستمعين، إن شاء حرك ما يبكي أو يضحك أو ينوم وكان حاذقًا في الفلسفة، ومن كتبه تفقه ابن سينا وكان يقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة، وله مذاهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين، فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين. مات بدمشق فيما قاله ابن الأثير في كامله، ولم أر الحافظ ابن عساكر ذكره في تاريخه لنتنه وقباحته. فالله أعلم. (١)\nقال الذهبي في السير: له تصانيف مشهورة من ابتغى الهدى منها ضل وحار، منها تخرج ابن سينا نسأل الله التوفيق. (٢)\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ٢٣٨).\n(٢) السير (١٥/ ٤١٧).","vol":"5","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2082>القاهر بالله (٣٣٩ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2083>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: ولم يكن القاهر متمكنًا من الأمور، وحكم عليه علي ابن بليق الرافضي الذي عزم على سب معاوية -﵁- على المنابر. فارتجت العراق، وقبض على شيخ الحنابلة البربهاري، ثم قوي القاهر ونهب دور مخالفيه، وطين على ولد أخيه المكتفي بين حيطين، وضرب ابن بليق وسجنه، ثم أمر بذبحه وبذبح أبيه، وذبح بعدهما مؤنسًا الكبير ويمنًا وابن زيرك، وبذل للجند العطاء، وعظم شأنه، ونادى بتحريم الغناء والخمر وكسر الملاهي!! وهو مع ذلك يشرب المطبوخ والسلاف، ويسكر ويسمع القينات!!! (١)\n\nأبو إسحاق المَرْوَزِي (٢) (٣٤٠ هـ)\nأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي، الإمام الكبير شيخ الشافعية، وفقيه بغداد، صاحب أبي العباس بن سريج، وأكبر تلامذته، اشتغل ببغداد دهرًا، وصنف التصانيف، وتخرج به أئمة كأبي زيد المروزي والقاضي أبي حامد مفتي البصرة وعدة. شرح المذهب ولخصه وانتهت إليه رئاسته، ثم ارتحل إلى مصر في أواخر عمره، فأدركه أجله بها فتوفي لتسع خلون من رجب سنة\n_________\n(١) السير (١٥/ ٩٩).\n(٢) السير (١٥/ ٤٢٩ - ٤٣٠) وتاريخ بغداد (٦/ ١١) ووفيات الأعيان (١/ ٢٦ - ٢٧) والعبر (١/ ٣٢٩) وشذرات الذهب (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).","vol":"5","page":174},{"text":"أربعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2085>موقفه من الجهمية:</span>\nصنف المروزي كتابًا في السنة، وقرأه بجامع مصر، وحضره آلاف، فجرت فتنة، فطلبه كافور فاختفى، ثم أدخل إلى كافور، فقال: أما أرسلت إليك أن لا تشهر هذا الكتاب فلا تظهره!؟ وكان فيه ذكر الاستواء، فأنكرته المعتزلة. (١)\n\nالحُبُلِّي (٢) (٣٤١ هـ)\nمحمد بن إسحاق أبو عبد الله الحبلي الإمام الشهيد قاضي برقة. جاء في المعالم: كان ﵀ فقيهًا صالحًا فاضلًا عالمًا نظارًا حسن الأخلاق سمحًا.\nأبى الإفطار بالحساب على مذهب العبيديين، فعلق في الشمس إلى أن مات، ثم صلبوه على خشبة، وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2087>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: الإمام الشهيد قاضي مدينة برقة محمد بن الحبلي أتاه أمير برقة فقال: غدًا العيد، قال: حتى نرى الهلال ولا أفطر الناس وأتقلد إثمهم فقال: بهذا جاء كتاب المنصور، وكان هذا من رأي العبيدية، يفطرون بالحساب، ولا يعتبرون رؤية، فلم ير هلال، فأصبح الأمير بالطبول والبنود وأهبة العيد، فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي، فأمر الأمير رجلًا خطب\n_________\n(١) السير (١٥/ ٤٢٩).\n(٢) السير (١٥/ ٣٧٤) ومعالم الإيمان (٣/ ٤٩) ورياض النفوس (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥).","vol":"5","page":175},{"text":"وكتب بما جرى إلى المنصور فطلب القاضي إليه فأحضر فقال له: تَنَصَّل وأعفو عنك؟ فامتنع، فأمر، فعلق في الشمس إلى أن مات وكان يستغيث العطش، فلم يسق ثم صلبوه على خشبة فلعنة الله على الظالمين. (١)\n\nأحمد بن إسحاق الصِّبْغِي (٢) (٣٤٢ هـ)\nهو الإمام العلامة المفتي المحدث، أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد النيسابوري الشافعي المعروف \"بالصبغي\" بكسر الصاد المهملة وسكون الباء ثم غين معجمة في آخرها ياء نسبة إلى الصبغ والصباغ، وهو ما يصبغ به من الألوان. وقد تصحف إلى \"الضُّبعي\" في كل من 'العبر' للذهبي، و'الطبقات' للسبكي، و'تاريخ الخلفاء' للسيوطي وغيرها. ولد سنة ثمان وخمسين ومائتين. وسمع الفضل بن محمد الشعراني، والحارث بن أبي أسامة، وإسماعيل القاضي، وعلي بن عبد العزيز البغوي. حدث عنه حمزة بن محمد الزيدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وأبو عبد الله الحاكم وخلق كثير. جمع وصنف، وبرع في الفقه، وتميز في علم الحديث. وكان يخلف ابن خزيمة في الفتوى بضع عشرة سنة. قال السمعاني: أحد العلماء المشهورين بالفضل والعلم الواسع. وقال الحاكم: ومن تصانيفه: كتاب 'الأسماء والصفات' وكتاب 'الإيمان' وكتاب 'القدر' وكتاب 'الخلفاء الأربعة' وكتاب 'الرؤية'\n_________\n(١) السير (١٥/ ٣٧٤) ورياض النفوس (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥) ومعالم الإيمان (٣/ ٤٩).\n(٢) طبقات السبكي (٢/ ٨١) والأنساب (٨/ ٣٣ - ٣٤) والوافي بالوفيات (٦/ ٢٣٩) وشذرات الذهب (٢/ ٣٦١) والسير (١٥/ ٤٨٣ - ٤٨٩).","vol":"5","page":176},{"text":"وكتاب 'الأحكام' وكتاب 'الإمامة'. توفي ﵀ في شعبان سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2089>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في ذم الكلام: عن محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه الصبغي يناظر رجلًا فقال: حدثنا فلان، قال له الرجل: دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا؟ فقال له الشيخ: قم يا كافر، فلا يحل لك أن تدخل داري بعد. ثم التفت إلينا فقال: ما قلت لأحد قط لا تدخل داري غير هذا. (١)\n- وفي السير: قال الحاكم: وقد سمعته يخاطب كهلا من أهل (٢) فقال: حدثونا عن سليمان بن حرب فقال له: دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا وأخبرنا؟ فقال: يا هذا لست أشم من كلامك رائحة الإيمان، ولا يحل لك أن تدخل هذه الدار ثم هجره حتى مات. (٣)\n\" التعليق:\nهذه غيرة الأئمة ﵏ على سنة رسول الله - ﷺ - فإذا كان أهل الضلال بلغت بهم الوقاحة وقلة الحياء إلى قولهم: \"دعنا من حدثنا وأخبرنا\"، ودين الأمة كله قائم على سلسلة حدثنا وأخبرنا فلا دين إلا بها ولا عقيدة إلا على طريقها ولا عبادة تصح إلا منها، فكتب السنة كلها والقرآن بكل\n_________\n(١) ذم الكلام (٧٧).\n(٢) كذا في السير، وفي تاريخ الإسلام (حوادث ٣٤١ - ٣٥٠، ص.٢٥٧) وطبقات الشافعية (٢/ ٨١): يخاطب فقيهًا.\n(٣) السير (١٥/ ٤٨٥).","vol":"5","page":177},{"text":"رواياته لا طريق له إلا حدثنا وأخبرنا، فإنكار حدثنا وأخبرنا إنكار لدين الله، فلهذا أغلظ له هذا الإمام القول ووصفه بوصف الكفر. وإطلاق الكفر على الإنسان فيه تفصيل، فمن جحد أو كذب أو رد أو كره أو ذم أو سب أو شتم وكل ما فيه قدح للإسلام أو النبوة أو الرسالة أو القرآن أو السنة مع العلم وإقامة الحجة فكفر مخرج عن الملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2090>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الفتح: ومن طريق أبي بكر الصبغي قال: مذهب أهل السنة في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١) قال بلا كيف والآثار فيه عن السلف كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل. (٢)\n- وفيه: وقد أملى أبو بكر الصبغي الفقيه أحد الأئمة من تلامذته ابن خزيمة اعتقاده وفيه لم يزل الله متكلمًا ولا مثل لكلامه لأنه نفى المثل عن صفاته كما نفى المثل عن ذاته، ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه، فقال: ﴿لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ (٣) وقال: ﴿كل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلًّا وَجْهَهُ﴾ (٤) فاستصوب ذلك ابن خزيمة ورضي به. (٥)\n- قال البيهقي: ما جاء في قول الله ﷿: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ في\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) الفتح (١٣/ ٤٠٧).\n(٣) الكهف الآية (١٠٩).\n(٤) القصص الآية (٨٨).\n(٥) الفتح (١٣/ ٤٩٢).","vol":"5","page":178},{"text":"السَّمَاءِ﴾ (١) قال أبو عبد الله الحافظ قال الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه قد تضع العرب (في) بموضع (على) قال الله ﷿: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ في جذوع النخل﴾ (٣) ومعناه: على الأرض وعلى النخل، فكذلك قوله ﴿في السَّمَاءِ﴾ أي: على العرش فوق السماء، كما صحت الأخبار عن النبي - ﷺ -. قلت: يريد ما مضى من الروايات. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2091>موقفه من القدرية:</span>\nله كتاب 'القدر' وهو رد على القدرية. (٥)\n\nأبو محمد عبد الرحمن بن حَمْدَان (٦) (٣٤٢ هـ)\nالإمام أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان بن المرزبان الهمذاني الجلاب، أحد أركان السنة بهمذان. سمع أبا حاتم الرازي، وإبراهيم بن نصر وأبا بكر ابن أبي الدنيا، وهلال بن العلاء وطبقتهم. وعنه صالح بن أحمد وعبد الرحمن\n_________\n(١) الملك الآية (١٦).\n(٢) التوبة الآية (٢).\n(٣) طه الآية (٧١).\n(٤) الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٢٤).\n(٥) السير (١٥/ ٤٨٥).\n(٦) الإرشاد للخليلي (٢/ ٦٥٨) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٧٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٤١ - ٣٥٠/ص.٢٦٤) وشذرات الذهب (٢/ ٣٦٢).","vol":"5","page":179},{"text":"الأنماطي، وابن منده والحاكم والقاضي عبد الجبار بن أحمد، وآخرون. قال شيرويه الديلمي: كان صدوقًا قدوة، له أتباع. توفي ﵀ سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2093>موقفه من الجهمية:</span>\nعن عبد الرحمن بن حمدان قال: كان معي رفيق بطرسوس وهو أبو علي ابن خالويه، وكان معي في البيت، وكان قد أقبل على كتب الصوري والأنطاكي وأصحاب الكلام في الرقة، وكنت أنهاه فلا ينتهي، حتى كان ذات يوم جاءني فقال: أنا تائب. فقلت: أحدث شيء؟ قال: نعم، رأيت في هذه الليلة كأني دخلت البيت الذي نحن فيه، فوجدت رائحة مسك، فجعلت أتتبع الرائحة حتى وجدته يفوح من المحبرة! فقلت: إن الخير في الحديث. (١)\n\nبكر بن محمد القُشَيْرِي البصري (٢) (٣٤٤ هـ)\nالعلامة أبو الفضل، بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي. ولي القضاء بناحية العراق، وصنف في المذهب كتبًا جليلة. وسمع من أبي مسلم الكجي، وحكى عن سهل التستري. وروى عنه الحسن بن رشيق وعبد الله بن محمد بن أسد الأندلسي. قال الفرغاني: كان بكر من كبار الفقهاء المالكيين بمصر، وتقلد أعمالًا للقضاء، وكان راوية للحديث، وأوله\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ١٦٦ - ١٦٧/ ٣٠٧).\n(٢) ترتيب المدارك (٢/ ١١ - ١٢) والسير (١٥/ ٥٣٧ - ٥٣٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٤١ - ٣٥٠/ص.٢٩٦) والوافي بالوفيات (١٠/ ٢١٧) والديباج المذهب (١/ ٣١٣) وحسن المحاضرة (١/ ٤٥٠).","vol":"5","page":180},{"text":"من البصرة، ثم خرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأدرك فيها رياسة عظيمة وكان قد ولي القضاء ببعض نواحي العراق. توفي ﵀ سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وقد جاوز الثمانين، ودفن بالمقطم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2095>موقفه من القدرية:</span>\nله مؤلف في الرد على القدرية. ذكره الذهبي في السير (١) والصفدي في الوافي بالوفيات. (٢)\n\nمحمد بن عبد الواحد أبو عمر (٣) (٣٤٥ هـ)\nالإمام محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البغدادي أبو عمر الزاهد غلام ثعلب اللغوي المشهور. سمع أحمد بن سعيد الجمال، وأحمد بن عبيد الله النرسي والحارث بن أبي أسامة وإبراهيم بن الهيثم البلدي، ولازم ثعلبًا فأكثر عنه. وحدث عنه ابن منده، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو علي بن شاذان وأبو الحسن بن رزقويه، وجماعة. قال أبو علي التنوخي: من الرواة الذين لم ير قط أحفظ منهم أبو عمر غلام ثعلب، أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة فيما بلغني، حتى اتهموه لسعة حفظه. وقال عبد الواحد بن علي بن برهان: لم\n_________\n(١) السير (١٥/ ٥٣٨).\n(٢) السير (١٠/ ٢١٧).\n(٣) تاريخ بغداد (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٩) وطبقات الحنابلة (٢/ ٦٧ - ٦٩) والمنتظم (١٤/ ١٠٣ - ١٠٦) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٠٨ - ٥١٣) والعبر (١/ ٣٣٦) ولسان الميزان (٥/ ٢٦٨ - ٢٦٩).","vol":"5","page":181},{"text":"يتكلم في اللغة أحد أحسن من كلام أبي عمر الزاهد. وقال الذهبي: كان ثقة، آية في الحفظ والذكاء. وقال ابن كثير: كان كثير العلم والزهد، حافظًا مطيقًا يملي من حفظه شيئًا كثيرًا، ضابطًا لما يحفظه. أثنى عليه اليشكري في قصيدته منها:\nفلو أنني أقسمت ما كنت كاذبًا ... بأن لم ير الراؤون حبرًا يعادله\nإذا قلت شارفنا أواخر علمه ... تفجر حتى قلت هذا أوائله\nتوفي ﵀ سنة خمس وأربعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2097>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في التذكرة أنه كان له جزء قد جمع فيه فضائل معاوية، وكان لا يترك واحدًا منهم يقرأ عليه شيئًا حتى يبتدئ بقراءة ذلك الجزء. (١)\n\nمحمد بن يعقوب بن الأَصَمّ (٢) (٣٤٦ هـ)\nالإمام، المحدث، محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان، أبو العباس الأموي النيسابوري الأصم، ولد المحدث أبي الفضل الوراق. ولد سنة سبع وأربعين ومائتين. سمع من أحمد بن الأزهر والربيع بن سليمان وبحر بن نصر ومحمد بن إسحاق الصغاني، ويحيى بن جعفر وعباس الدوري، وغيرهم. وحدث عنه أبو عبد الله الحاكم وأبو عبد الله بن منده، وأبو عبد الرحمن\n_________\n(١) التذكرة (٣/ ٨٧٤) وطبقات الحنابلة (٢/ ٦٨).\n(٢) الأنساب (١/ ١٧٨) وتاريخ دمشق (٥٦/ ٢٨٧ - ٢٩٦) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٥٢ - ٤٦٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٤١ - ٣٥٠/ص.٣٦٢ - ٣٦٩) وشذرات الذهب (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤).","vol":"5","page":182},{"text":"السلمي، والحافظ أبو علي النيسابوري والإمام أبو بكر الإسماعيلي، وآخرون. وقال الحاكم: كان أبو العباس محدث عصره بلا مدافعة، فإنه حدث في الإسلام ستًا وسبعين سنة، ولم يختلف في صدقه وصحة سماعاته، وضبط أبيه يعقوب الوراق لها، وكان مع ذلك يرجع إلى حسن المذهب والدين، يصلي خمس صلوات في الجماعة، وبلغني أنه أذن سبعين سنة في مسجده، وكان حسن الخلق، سخي النفس، لا يبخل بكل ما يقدر عليه. وقال أيضًا: ما رأينا الرحلة في بلد من بلاد الإسلام أكثر منها إليه يعني أبا العباس الأصم، فقد رأيت جماعة من أهل الأندلس والقيروان وبلاد المغرب على بابه. توفي ﵀ سنة ست وأربعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2099>موقفه من الخوارج:</span>\nعن أبي العباس محمد بن يعقوب بن الأصم قال: طاف خارجيان بالبيت فقال أحدهما لصاحبه: لا يدخل الجنة من هذا الخلق غيري وغيرك، فقال له صاحبه: جنة عرضها كعرض السماء والأرض بنيت لي ولك؟! فقال: نعم. فقال: هي لك. وترك رأيه. (١)\n\nعبد المؤمن بن خَلَف النَّسَفِي (٢) (٣٤٦ هـ)\nهو عبد المؤمن بن خلف بن طفيل، الإمام الحافظ القدوة، أبو يعلى\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٧/ ١٣٠٧/٢٣١٧).\n(٢) تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٦٦ - ٨٦٨) والشذرات (٢/ ٣٧٣) والسير (١٥/ ٤٨٠ - ٤٨٣) والنجوم الزاهرة (٣/ ٣١٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٤١ - ٣٥٠/ص.٣٥٤ - ٣٥٥).","vol":"5","page":183},{"text":"التميمي النسفي. سمع من جده الطفيل بن زيد، وأبي حاتم الرازي، وإسحاق ابن إبراهيم الدبري. وحدث عنه عبد الملك بن مروان الميداني، وأحمد بن عمار ابن عصمة، ويعقوب بن إسحاق وغيرهم. قال الذهبي: وكان أثريًا سُنيًا، ظاهري المذهب، شديدًا على أهل القياس، يتبع كثيرًا أحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه. توفي في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلاثمائة بنسف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2101>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في تذكرة الحفاظ: وبلغنا ولما دخل أبو القاسم الكعبي شيخ المعتزلة نسف أكرموه إلا عبد المؤمن الحافظ فلم يأت إليه قال الكعبي: نحن نأتيه فلما دخل لم يقم الحافظ ولا التفت من محرابه، فكسر الكعبي خجله بأن قال: بالله عليك أيها الشيخ لا تقم. (١)\n\nابن الحَجَّام عبد الله بن أبي هاشم (٢) (٣٤٦ هـ)\nالفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي هاشم مسرور التجيبي، المعروف بابن الحجام المالكي المغربي. ولد سنة ثلاث وستين ومائتين. سمع عيسى بن مسكين وابن أبي سليمان وأبي عياش وحمديس القطان وغيرهم، وسمع منه أبو محمد بن أبي زيد والقابسي ومحمد بن إدريس وأبو عبد الله الصدفي وغيرهم.\n_________\n(١) تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٦٧) والسير (١٥/ ٤٨١).\n(٢) رياض النفوس (٢/ ٤٢٢ - ٤٢٤) ومعالم الإيمان (٣/ ٥٧ - ٥٩) وترتيب المدارك (٥/ ٣٣٠ - ٣٣٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٤١ - ٣٥٠/ص.٣٥ - ٣٥٣) وشجرة النور الزكية (١/ ٨٥) والديباج المذهب (١/ ٤٢٣ - ٤٢٤).","vol":"5","page":184},{"text":"قال أبو عبد الله الخراط: كان أبو محمد ورعًا مسمتًا خاشعًا، رقيق القلب، غزير الدمعة، مهيبًا في نفسه، لا يكاد ينطق أحد في مجلسه بغير الصواب، يشبه في أموره كلها يحيى بن عمر وحمديسًا القطان، حسن التقييد، صحيح الكتب، وكانت كتبه كلها بخطه، وكان كثير التصنيف في أنواع العلوم، كثير الكتب. قال القابسي: ترك أبو محمد هذا سبعة قناطير كلها بخطه إلا كتابين، فكان لا يحتمل أن يراهما، لأجل أنهما ليسا بخطه. وكان سبب موته أنه اصطلى، فنعس، فالتهبت النار ثيابه واحترق، وذلك سنة ست وأربعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2103>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في معالم الإيمان: كان عالمًا صالحًا ورعًا ذا سمت وخشية غزير الدمعة فاضلًا مجانبًا لأهل الهوى والبدع لا يرد السلام عليهم مُهابًا في نفسه لا يكاد أحد ينطق في مجلسه بغير الصواب امتحن في شبيبته على يد محمد بن عمر المرودي ثلاث سنين وأراد قتله فنجاه الله منه وذلك لصرامته في الحق. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2104>أبو محمد بن عبد البصري المالكي (٣٤٧ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2105>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو محمد في كتابه هذا الذي صنفه في أصول السنة والتوحيد، قال: وكان إجماع السلف والخلف، وأئمة الدين وفقهاء المسلمين، من شرق\n_________\n(١) معالم الإيمان (٣/ ٥٧).","vol":"5","page":185},{"text":"وغرب، وسهل وجبل، وسائر أقاليم الإسلام، من مغرب ومصر وشام وعراق وحجاز ويمن وبحر وخراسان مجتمعين على أن عقيدة السنة أربع عشرة خصلة: سبعة متعلقة بالشهادة، وهي مما يدان بها في الدنيا، وسبعة متعلقة بالغيب وهي مما يؤمن بها من أحكام الآخرة. فالتي في دار الدنيا: القول مع الاعتقاد بأن الإيمان: قول وعمل ونية، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأن القرآن غير مخلوق، وتخيير الأربعة على الترتيب، وإثبات الإمامة، وترك الخروج على أحد منهم، والصلاة على من مات من أهل القبلة، وترك المراء والجدل. والمتعلقة بالآخرة: الإيمان بأحكام البرزخ، والآيات التي بين يدي الساعة، والبعث بعد الموت، ورؤية الله تعالى، والإيمان بالحوض والشفاعة والصراط والميزان، وخلود الدارين، فمن خالف شيئًا من هذا فقد خالف اعتقاد السنة والجماعة، وهذا مما لا شبهة فيه بين أصحاب الحديث والفقهاء والعلماء من سائر الأقاليم. (١)\n\nأحمد النَّجَّاد (٢) (٣٤٨ هـ)\nهو الإمام المحدث الحافظ الفقيه المفتي، أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن، البغدادي الحنبلي النجاد، شيخ العراق. سمع أبا داود السجستاني، وإسماعيل القاضي ومحمد بن إسماعيل الترمذي وخلقًا كثيرًا. وحدث عنه أبو\n_________\n(١) درء التعارض (٨/ ٥٠٣).\n(٢) تاريخ بغداد (٤/ ١٨٩ - ١٩٢) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٦٨ - ٨٦٩) وميزان الاعتدال (١/ ١٠١) والوافي بالوفيات (٦/ ٤٠٠) والبداية والنهاية (١١/ ٢٤٩) واللسان (١/ ١٨٠) وشذرات الذهب (٢/ ٣٧٦) والسير (١٥/ ٥٠٢ - ٥٠٥).","vol":"5","page":186},{"text":"بكر القطيعي والدارقطني وابن منده وعدد كثير. وصنف ديوانًا كبيرًا في السنن. قال أبو بكر الخطيب: كان النجاد صدوقًا عارفًا، صنف السنن، وكان له بجامع المنصور حلقة قبل الجمعة للفتوى، وحلقة بعد الجمعة للإملاء. مات في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2107>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n'الرد على من يقول: القرآن مخلوق'؛ وقد حقق رسالة علمية في المرحلة الجامعية للأخ الفاضل رضي الله الهندي وقد طبع الكتاب.\n\nأبو أحمد العَسَّال (١) (٣٤٩ هـ)\nهو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان، القاضي أبو أحمد الأصبهاني الحافظ، المعروف بالعسال. سمع من والده وهو من قدماء شيوخه، وسمع من محمد بن أيوب الرازي وأبي مسلم الكجي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وأمثالهم. وحدث عنه أولاده، وأبو أحمد بن عبد الله بن عدي وأبو عبد الله بن منده، وأبو بكر بن مردويه، وأبو سعيد النقاش وغيرهم. قال ابن مردويه: كان أبو أحمد العسال المعدل يتولى القضاء خليفة لعبد الرحمن بن أحمد الطبري، هو أحد الأئمة في الحديث، فهمًا، وإتقانًا وأمانة. وقال أبو نعيم: أبو أحمد من كبار الناس في المعرفة والإتقان والحفظ، صنف الشيوخ،\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١/ ٢٧٠) والأنساب (٨/ ٤٤٧) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٨٦ - ٨٨٩) والبداية والنهاية (١١/ ٢٥٢) والوافي بالوفيات (٢/ ٤١) وشذرات الذهب (٢/ ٣٨٠ - ٣٨١) والسير (١٦/ ٦ - ١٥).","vol":"5","page":187},{"text":"والتفسير، وعامة المسند، ولي القضاء بأصبهان، مقبول القول. صنف: تفسير القرآن، والتاريخ وتاريخ النساء، وكتاب السنة وكتاب الأمثال وكتاب الرؤية وكتاب الرقائق وأشياء كثيرة. توفي في شهر رمضان من سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2109>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - المعرفة: قال فيه الذهبي في العرش (ص.٥٧): من أجل ما صنف في صفات الرب ﷿، إذا نظر فيه البصير بهذا الشأن علم منزلة مصنفه وجلالته.\n٢ - السنة: ذكرها الذهبي في السير. (١)\n٣ - الرؤية. (٢)\n\nأحمد بن كامل القاضي (٣) (٣٥٠ هـ)\nالإمام أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة، أبو بكر البغدادي القاضي، أحد أصحاب محمد بن جرير الطبري. حدث عن محمد بن سعد العوفي وأبي قلابة الرقاشي، والحسن بن سلام، ومحمد بن مسلمة الواسطي، وطبقتهم.\n_________\n(١) السير (١٦/ ١١).\n(٢) السير (١٦/ ١١).\n(٣) تاريخ بغداد (٤/ ٣٥٧) وميزان الاعتدال (١/ ١٢٠) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٤٤ - ٥٤٦) والوافي بالوفيات (٧/ ٢٩٨) ولسان الميزان (١/ ٢٤٩).","vol":"5","page":188},{"text":"وحدث عنه الدارقطني، وابن رزقويه، وأبو الحسن الحمامي، وأبو العلاء محمد ابن الحسن الوراق. قال الخطيب: كان من العلماء بالأحكام، وعلوم القرآن، والنحو والشعر، وأيام الناس، وتواريخ أصحاب الحديث، وله مصنفات في أكثر ذلك. وقال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله. وقال الذهبي: كان من بحور العلم. توفي ﵀ سنة خمسين وثلاثمائة، وله تسعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2111>موقفه من الجهمية:</span>\nوأخبرنا عبيد الله قال أخبرنا أحمد بن كامل قال حدثني أبو عبد الله الوراق جواز قال: كنت أورق على داود الأصبهاني فكنت عنده يومًا في دهليز مع جماعة من الغرباء فسئل عن القرآن؟ فقال: القرآن الذي قال الله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) وقال: ﴿في كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٢) غير مخلوق. وأما ما بين أظهرنا يمسه الجنب والحائض فهو مخلوق. قال القاضي أحمد بن كامل: وهذا مذهب الناشئ وهو كفر بالله العظيم. صح الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنه: \"نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو\" (٣) فجعل رسول الله - ﷺ - ما كتب في الصحف والمصاحف قرآنًا. فالقرآن على أي وجه تلي وقرئ فهو واحد وهو غير مخلوق. (٤)\n_________\n(١) الواقعة الآية (٧٩).\n(٢) الواقعة الآية (٧٨).\n(٣) أحمد (٢/ ٧) والبخاري (٦/ ١٦٤/٢٩٩٠) ومسلم (٣/ ١٤٩٠/١٨٦٩) وأبو داود (٣/ ٨٢/٢٦١٠) وابن ماجه (٢/ ٩٦١/٢٨٧٩) من حديث ابن عمر.\n(٤) أصول الاعتقاد (٢/ ٣٩٨/٦١٣) وتاريخ بغداد (٨/ ٣٧٤ - ٣٧٥).","vol":"5","page":189},{"text":"أبو بكر الفارسي (١) (٣٥٠ هـ)\nأبو بكر أحمد بن الحسين بن سهل الفارسي. أحد أئمة الشافعية أصحاب الوجوه والمصنفات الزاهرة الأنيقة. وهو أول من درس مذهب الشافعي ببلخ. إمام جليل، تفقه على أبي العباس بن سريج. قال النووي: من أئمة أصحابنا وكبارهم ومتقدميهم وأعلامهم. صنف كتاب: 'العيون على مسائل الربيع'، و'الانتقاد على المزني' و'الخلاف' و'الإجماع'. مات في حدود سنة خمسين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2113>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن تيمية: وقد حكى أبو بكر الفارسي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين على أن حد من سب النبي - ﷺ - القتل، كما أن حد من سب غيره الجلد. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2114>موقف السلف من ابن سالم الصوفي (٣٥٠ ه</span>ـ)\nبيان ضلاله:\nجاء في السير: وله أصحاب يسمون السالمية، هجرهم الناس لألفاظ هجنة أطلقوها وذكروها. (٣)\n_________\n(١) تهذيب الأسماء واللغات (القسم الأول/٢/ ١٩٥) وطبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير (١/ ٢٤٣) وطبقات الشافعية للسبكي (١/ ٢٨٦) والوافي بالوفيات (٦/ ٣٣٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٤١ - ٣٥٠/ص.٤٥٦).\n(٢) الصارم (٩).\n(٣) السير (١٦/ ٢٧٣).","vol":"5","page":190},{"text":"الوزير أبو محمد المُهَلَّبِي (١) (٣٥٢ هـ)\nأبو محمد الحسن بن محمد الأزدي، من ولد المهلب بن أبي صفرة، الوزير المهلبي، استوزره معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه، مكث وزيرًا له ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر. وكان كريمًا فاضلًا، ذا عقل ومروءة، من رجال الدهر حزمًا وعزمًا، وكان مع ذلك أديبًا وشاعرًا، كامل السؤدد، مقربًا للعلماء، قال هلال بن المحسن: كان المهلبي نهاية في سعة الصدر، وبعد الهمة، وكمال المروءة، والإقبال على أهل الأدب، وله نظم مليح، وكان يملأ العيون منظره، والمسامع منطقه، والصدور هيبته، وتقبل النفوس تفصيله وجملته. توفي من علة اشتدت به وهو عائد إلى بغداد، في شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2116>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في البداية والنهاية: رفع إلى الوزير أبي محمد المهلبي رجل من أصحاب أبي جعفر بن أبي العزاقر (٢) الذي كان قتل على الزندقة كما قتل الحلاج. فكان هذا الرجل يدعي ما كان يدعيه ابن أبي العز وقد اتبعه جماعة من الجهلة من أهل بغداد وصدقوه في دعواه الربوبية وأن أرواح الأنبياء والصديقين تنتقل إليهم ووجد في منزله كتب تدل على ذلك، فلما تحقق أنه هالك ادعى أنه شيعي ليحضر عند معز الدولة بن بويه وقد كان معز الدولة\n_________\n(١) السير (١٦/ ١٩٧ - ١٩٨) والبداية والنهاية (١١/ ٢٥٧) والكامل في التاريخ (٨/ ٥٤٦ - ٥٤٧) والمنتظم (١٤/ ١٤٢ - ١٤٣) والعبر (١/ ٣٤٦) وشذرات الذهب (٣/ ٩ - ١٠).\n(٢) في الأصل: أبي جعفر بن أبي العز. وانظر الكامل (٨/ ٤٩٥).","vol":"5","page":191},{"text":"ابن بويه يحب الرافضة قبحه الله، فلما اشتهر عنه ذلك لم يتمكن الوزير منه خوفًا على نفسه من معز الدولة وأن تقوم عليه الشيعة، إنا لله وإنا إليه راجعون. ولكنه احتاط على شيء من أموالهم فكان يسميها أموال الزنادقة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2117>موقف السلف من ابن أبي دارم الرافضي (٣٥٢ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\n- جاء في السير: كان موصوفًا بالحفظ والمعرفة إلا أنه يترفض، قد ألف في الحط على بعض الصحابة، وهو مع ذلك ليس بثقة في النقل. (٢)\n- وفيها: قال محمد بن حماد الحافظ، كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت محسنًا. وفي خبر آخر قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فرعون﴾: عمر، ﴿وَمَنْ قبله﴾: أبو بكر، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾: عائشة، وحفصة. فوافقته، وتركت حديثه.\nقلت -أي الذهبي-: شيخ ضال معثر. (٣)\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ٢٣٨ - ٢٣٩).\n(٢) السير (١٥/ ٥٧٧).\n(٣) السير (١٥/ ٥٧٨).","vol":"5","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2118>موقف السلف من ابن الداعي الشيعي (٣٥٣ ه</span>ـ)\nبيان تشيعه:\n- جاء في السير: برع في الرأي على الإمام أبي الحسن الكرخي، وأخذ علم الكلام عن حسين بن علي البصري، وأفتى ودرس، وولي نقابة الطالبيين في دولة بني بويه، فعدل وحمد، وكان معز الدولة يبالغ في تعظيمه، وتقبيل يده، لعبادته وهيبته، وكان فيه تشيع بلا غلوّ. (١)\n- وفيها: قال أبو علي التنوخي: حدثنا أبو الحسن بن الأزرق، قال: كنت بحضرة الإمام أبي عبد الله بن الداعي، فسأله أبو الحسن المعتزلي عما يقوله في طلحة والزبير؟ فقال: أعتقد أنهما من أهل الجنة، قال: ما الحجة؟ قال: قد رويت توبتهما، والذي هو عمدتي أن الله بشرهما بالجنة، قال: فما تنكر على من زعم أنه ﵇ قال: إنهما من أهل الجنة ومقالته: فلو ماتا لكانا في الجنة، فلما أحدثا زال ذلك، قال: هذا لا يلزم، وذلك أن نقل المسلمين أن بشارة النبي - ﷺ - سبقت لهما، فوجب أن تكون موافاتهما القيامة على عمل يوجب لهما الجنة، وإلا لم يكن ذلك بشارة، فدعا له المعتزلي واستحسن ذلك، ثم قال: ومحال أن يعتقد هذا فيهما، ولا يعتقد مثله في أبي بكر وعمر، إذ البشارة للعشرة. (٢)\n- ثم قال أبو علي التنوخي: رأيت في مجلس أبي عبد الله وقد جاءه\n_________\n(١) السير (١٦/ ١١٥).\n(٢) السير (١٦/ ١١٥).","vol":"5","page":193},{"text":"رجل بفتوى فيمن حلف فطلق امرأته ثلاثًا معًا، فقال له: تريد أن أفتيك بما عندي وعند أهل البيت أو بما يحكيه غيرنا عن أهل البيت؟ فقال: أريد الجميع، قال: أما عندي وعندهم فقد بانت، ولا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك. (١)\n- ثم قال التنوخي: ولم يزل أبو عبد الله ببغداد، وبايعه جماعة على الإمامة، فلم يقدر على الخروج، فلما كان في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة سار معز الدولة إلى الموصل لحرب ابن حمدان، فوجد أبو عبد الله فرصة، فركب يومًا إلى عز الدولة، فخوطب في مجلسه بسبب خلاف بين شريفين خطابًا ظاهرًا استقصاء لفعله، فتألم وخرج مغضبًا، ثم أصلح أمره، ورتب قومًا بخيل خارج بغداد، وأظهر أنه عليل، وحجب عنه الناس، ثم تسحب خفية بابنه الكبير وعليه جبة صوف، وفي صدره مصحف وسيف، فلحق بهوسم من بلاد الديلم، فأطاعته الديلم، وكان أعجمي اللسان، وأمه منهم وتلقب بالمهدي، وكانت أعلامه من حرير أبيض، فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأذنابها خضر، فأقام العدل وتقشف، وقنع بالقوت، وقيل: إنه قال لقواده: أنا على ما ترون، فمتى غيرت أو ادخرت درهمًا، فأنتم في حل من بيعتي، وكان يعظ ويعلمهم، ويحث على الجهاد، ويكتب إلى الأطراف ليبايعوه، وكاتب ركن الدولة، ومعز الدولة في ذلك، فأجابه ركن الدولة بالإمامة، واعتذر من ترك نصرته، ولم يتلقب بإمرة المؤمنين، بل بالإمام المهدي.\n_________\n(١) السير (١٦/ ١١٥ - ١١٦).","vol":"5","page":194},{"text":"قال الذهبي: كان يمتنع من الترحم على معاوية ﵁، ولا يشتم الصحابة. (١)\n\nمَسْلَمَة بن القاسم (٢) (٣٥٣ هـ)\nمسلمة بن القاسم بن إبراهيم، أبو القاسم الأندلسي القرطبي. سمع محمد بن عمر بن لبابة، وأحمد بن موسى التمار، وأبا جعفر الطحاوي، وأبا بكر بن زياد وصالح بن الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي وغيرهم. قال ابن الفرضي: انصرف إلى الأندلس وقد جمع حديثًا كثيرًا، وكف بصره بعد قدومه من المشرق وسمع الناس منه كثيرًا، وسمعت من ينسبه إلى الكذب. وقال ابن حزم: كان أحد المكثرين من الرواية والحديث. قال ابن الفرضي: قال لي محمد بن يحيى بن مفرج: لم يكن كذابًا. وكان ضعيف العقل، وحفظ عليه كلام سوء في التشبيه. وقال الحافظ ابن حجر متعقبًا: هذا رجل كبير القدر ما نسبه إلى التشبيه إلا من عاداه، وله تصانيف في الفن وكانت له رحلة لقي فيها الأكابر.\nتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وهو ابن ستين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2120>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ﵀: كلام الله ﷿ منزل مفروق ليس بخالق ولا مخلوق،\n_________\n(١) السير (١٦/ ١١٦).\n(٢) تاريخ علماء الأندلس (٢/ ١٢٨ - ١٣٠) وميزان الاعتدال (٤/ ١١٢) وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٠) ولسان الميزان (٦/ ٣٥ - ٣٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٥١ - ٣٨٠/ص: ٩٨).","vol":"5","page":195},{"text":"لا تدخل فيه ألفاظنا وإن تلاوتنا له غير مخلوقة لأن التلاوة هي القرآن بعينه، فمن زعم أن التلاوة مخلوقة فقد زعم القرآن مخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن علم الله مخلوق، ومن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2121>موقف السلف من المتنبي (٣٥٤ ه</span>ـ)\nبيان ادعائه:\nقال ابن كثير: وقد كان المتنبي جعفي النسب صليبة منهم، وقد ادعى حين كان مع بني كلب بأرض السماوة قريبًا من حمص أنه علوي، ثم ادعى أنه نبي يوحى إليه، فاتبعه جماعة من جهلتهم وسفلتهم، وزعم أنه أنزل عليه قرآن فمن ذلك قوله: \"والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي خسار، امض على سنتك واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك من ألحد في دينه، وضل عن سبيله\" وهذا من خذلانه وكثرة هذيانه وفشاره، ولو لزم قافية مدحه النافق بالنفاق، والهجاء بالكذب والشقاق، لكان أشعر الشعراء، وأفصح الفصحاء. ولكن أراد بجهله وقلة عقله أن يقول ما يشبه كلام رب العالمين الذي لو اجتمعت الجن والإنس والخلائق أجمعون على أن يأتوا بسورة مثل سورة من أقصر سوره لما\n_________\n(١) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (٨٦ - ٨٧).","vol":"5","page":196},{"text":"استطاعوا. ولما اشتهر خبره بأرض السماوة وأنه قد التف عليه جماعة من أهل الغباوة، خرج إليه نائب حمص من جهة بني الأخشيد وهو الأمير لؤلؤ بيض الله وجهه، فقاتله وشرد شمله، وأسر مذمومًا مدحورًا، وسجن دهرًا طويلًا، فمرض في السجن وأشرف على التلف، فاستحضره واستتابه وكتب عليه كتابًا اعترف فيه ببطلان ما ادعاه من النبوة، وأنه قد تاب من ذلك ورجع إلى دين الإسلام، فأطلق الأمير سراحه فكان بعد ذلك إذا ذكر له هذا يجحده إن أمكنه وإلا اعتذر منه واستحيى، وقد اشتهر بلفظة تدل على كذبه فيما كان ادعاه من الإفك والبهتان، وهي لفظة المتنبي، الدالة على الكذب ولله الحمد والمنة. (١)\n\nمنذر بن سعيد البَلُّوطي (٢) (٣٥٥ هـ)\nمنذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن، أبو الحكم البلوطي الكُزْنِي، قاضي القضاة بقرطبة. سمع من عبيد الله بن يحيى الليثي وأبي المنذر وابن النحاس. وكان يميل إلى رأي داود الظاهري ويحتج له، وولي القضاء في الثغور الشرقية، ثم قضاء الجماعة بقرطبة. قال ابن بشكوال: منذر بن سعيد خطيب بليغ مصقع، لم يكن بالأندلس أخطب منه، مع العلم البارع والمعرفة الكاملة واليقين في العلوم والدين والورع وكثرة الصيام والتهجد والصدع\n_________\n(١) البداية (١١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٢) طبقات النحويين واللغويين (٢٩٥ - ٢٩٦) وتاريخ علماء الأندلس (٢/ ١٤٤ - ١٤٥) وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٧٣ - ١٧٨) ونفح الطيب (١/ ٣٧٢ - ٣٧٦) وشذرات الذهب (٣/ ١٧).","vol":"5","page":197},{"text":"بالحق، كان لا تأخذه في الله لومة لائم. وقال الزبيدي: كان ذا علم بالقرآن، حافظًا لما قالت العلماء في تفسيره وأحكامه ووجوهه في حلاله وحرامه كثير التلاوة له، حاضر الشاهد بآياته. وجاء في النفح: وله كتب مؤلفة في القرآن والسنة والورع، والرد على أهل الأهواء والبدع.\nومن جميل أفعاله: أنه خطب يومًا فأعجبته نفسه، فقال: حتى متى أعظ ولا أتعظ، وأزجر ولا أزدجر، أدل على الطريق المستدلين، وأبقى مع الحائرين، كلا إن هذا لهو البلاء المبين. توفي ﵀ سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وله اثنتان وثمانون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2123>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في السير: وقال ابن عبد البر: حدثت أن رجلًا وجد القاضي منذر ابن سعيد في بعض الأسحار على دكان المسجد، فعرفه، فجلس إليه، وقال: يا سيدي إنك لتغرر بخروجك، وأنت أعظم الحكام، وفي الناس المحكوم عليه والرقيق الدين، فقال: يا أخي وأنى لي بمثل هذه المنزلة؟ وأنى لي بالشهادة، ما أخرج تعرضًا للتغرر، بل أخرج متوكلًا على الله إذ أنا في ذمته. فأعلم أن قدره لا محيد عنه، ولا وزر دونه. (١)\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٧٥ - ١٧٦).","vol":"5","page":198},{"text":"ابن شَعْبَان (١) (٣٥٥ هـ)\nاسمه محمد بن القاسم بن شعبان، أبو إسحاق العماري، المصري، من ولد عمار بن ياسر، يعرف بابن القرطي نسبة إلى بيع القرط. روى عنه محمد ابن أحمد الخلاص وخلف بن القاسم، وعبد الرحمن بن يحيى العطار. قال الذهبي: كان صاحب سنة واتباع وباع مديد في الفقه مع بصر بالأخبار وأيام الناس مع الورع والتقوى وسعة الرواية. قال ابن حجر: وكان سلفي المذهب. توفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2125>موقفه من الجهمية:</span>\nكما قدمنا غير ما مرة، أن دعاة العقيدة السلفية كانوا ينتهزون جميع الفرص لنشر هذه العقيدة المباركة، فكان هذا الإمام منهم، قال الذهبي في السير: وكان صاحب سنة واتباع وباع مديد في الفقه، مع بصر بالأخبار وأيام الناس، مع الورع والتقوى وسعة الرواية. رأيت له تأليفًا في تسمية الرواة عن مالك، أوله: الحمد لله الحميد، ذي الرشد والتسديد، والحمد لله أحق ما بدي، وأولى من شكر الواحد الصمد، جل عن المثل فلا شبه له ولا عدل، عال على عرشه، فهو دان بعلمه، وذكر باقي الخطبة، ولم يكن له عمل طائل في الرواية. (٢)\n_________\n(١) الأنساب (٤/ ٤٧٤) والسير (١٦/ ٧٨ - ٧٩) وترتيب المدارك (٢/ ١٣ - ١٤) وميزان الاعتدال (٤/ ١٤) واللسان (٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩).\n(٢) السير (١٦/ ٧٩).","vol":"5","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2126>موقف السلف من ابن الجعابي (٣٥٥ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\n- جاء في السير: قال أبو عبد الرحمن السلمي: سألت الدارقطني عن ابن الجعابي، فقال: خلط، وذكر مذهبه في التشيع، وكذا نقل أبو عبد الله الحاكم، عن الدارقطني قال: وحدثني ثقة أنه خلى ابن الجعابي نائمًا وكتب على رجله، قال: فكنت أراه ثلاثة أيام لم يمسه الماء. (١)\n- وفيها: وقال محمد بن عبيد الله المسبحي: كان ابن الجعابي المحدث قد صحب قومًا من المتكلمين، فسقط عند كثير من أصحاب الحديث. وصل إلى مصر، ودخل إلى الإخشيد، ثم مضى إلى دمشق، فوقفوا على مذهبه، فشردوه، فخرج هاربًا. (٢)\n\nأبو نصر القاضي (٣) (٣٥٦ هـ)\nيوسف بن عمر بن أبي عمر محمد المالكي ثم الداوودي البغدادي. ولد سنة خمس وثلاثمائة. ولي بعد أبيه وكان من أجود القضاة، ورعًا حاذقًا بالأحكام، متفننًا بارع الأدب. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: ما زال أبو نصر منذ نشأ فتىً نبيلًا نظيفًا جميلًا عفيفًا، متوسطًا في علمه بالفقه حاذقًا\n_________\n(١) السير (١٦/ ٩٠).\n(٢) السير (١٦/ ٩١ - ٩٢).\n(٣) تاريخ بغداد (١٤/ ٣٢٢ - ٣٢٤) وترتيب المدارك (٢/ ٦ - ٧) والسير (١٦/ ٧٧ - ٧٨) والمنتظم (١٤/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"5","page":200},{"text":"بصناعة القضاء، بارعًا في الأدب والكتابة حسن الفصاحة واسع العلم باللغة والشعر، تام الهيئة. توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2128>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: وهو القائل في رسالة: ولسنا نجعل من تصديره في كتبه ومسائله: يقول ابن المسيب والزهري وربيعة كمن تصديره في كتبه: يقول الله ورسوله والإجماع .. هيهات! (١)\n\nمحمد بن أحمد بن حَمْدان (٢) (٣٥٦ هـ)\nمحمد بن أحمد بن حمدان الحافظ أبو العباس الحيري النيسابوري الخوارزمي. ولد سنة ثلاث وسبعين ومائتين. سمع محمد بن أيوب الرازي، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، ومحمد بن عمرو قشمرد. روى عنه أبو بكر البرقاني، وأحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد بن إبراهيم بن قطن.\nوكان حافظًا للقرآن، عارفًا بالحديث والتاريخ والرجال والفقه، كافًا عن الفتوى. وكان مؤتمنًا عند الأمراء والكبراء، وكان ورعًا في معاملاته، كبير القدر، جعل ناظرًا للجامع فعمره. توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة.\nموقفه من المبتدعة:\nجاء في السير: وكان إذا صحّ عنده حديث عمل به ولم يلتفت إلى مذهب. (٣)\n_________\n(١) السير (١٦/ ٧٧).\n(٢) السير (١٦/ ١٩٣ - ١٩٦) وشذرات الذهب (٣/ ٣٨).\n(٣) السير (١٦/ ١٩٥).","vol":"5","page":201},{"text":"معز الدولة (١) (٣٥٦ هـ)\nالسلطان، أبو الحسين أحمد بن أبي شجاع بويه، الديلمي الفارسي. دخل بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فتملكها، ثم دانت له العراق وكانت مدة ملكه العراق اثنتين وعشرين سنة. توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2131>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير أنه كان يتشيع، فقيل: تاب في مرضه، وترضى عن الصحابة، وتصدق، وأعتق، وأراق الخمور، وندم على ما ظلم، ورد المواريث إلى ذوي الأرحام. (٢)\n- قال ابن كثير: أظهر الرفض، فلما أحس بالموت أظهر التوبة وأناب إلى الله ﷿، ورد كثيرًا من المظالم، وتصدق بكثير من ماله، وأعتق طائفة كثيرة من مماليكه، وأراق الخمور، وندم على ما ظلم. وقد اجتمع ببعض العلماء فكلمه في السنة وأخبره أن عليًّا زوج ابنته أم كلثوم من عمر ابن الخطاب فقال: \"والله ما سمعت بهذا قط\"، ورجع إلى السنة ومتابعتها. (٣)\n\nحامد بن محمد الرَّفَّاء (٤) (٣٥٦ هـ)\nالشيخ الإمام أبو عليّ، حامد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن معاذ\n_________\n(١) السير (١٦/ ١٨٩) ووفيات الأعيان (١/ ١٧٤) والبداية والنهاية (١١/ ٢٧٩).\n(٢) السير (١٦/ ١٩٠).\n(٣) البداية والنهاية (١١/ ٢٧٩) بتصرف يسير.\n(٤) تاريخ بغداد (٨/ ١٧٢ - ١٧٤) والمنتظم (١٤/ ١٨٤) وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٦ - ١٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٥١ - ٣٨٠/ص.١٤٠ - ١٤١) وشذرات الذهب (٣/ ١٩).","vol":"5","page":202},{"text":"الهروي الرفاء. سمع من الفضل بن عبد الله اليشكري وعثمان بن سعيد الدارمي وإبراهيم الحربي وعلي بن عبد العزيز البغوي وخلق كثير. وحدث عنه الحاكم وأبو علي بن شاذان وسعيد بن عثمان بن عمار وأبو عثمان سعيد بن العباس القرشي وآخرون. وثقه الخطيب وابن الجوزي وغيرهما، وقال الحافظ أبو بشر الهروي: ثقة صالح. قال الذهبي: واشتهر اسمه، وانتشر حديثه، وكان ذا معرفة وفهم وسعة علم، وغيره أحفظ منه وأحذق بالفن. وانتهى إليه علو الإسناد بهراة. توفي ﵀ بهراة في شهر رمضان سنة ست وخمسين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2133>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال يحيى بن عمار: كان حامد بن محمد الرفاء يحرج على أهل الرأي أن يرووا عنه، ولا يأذن لهم في داره ليسمعوا منه، فأتاه إنسان من رؤساء بلخ، فألحوا عليه، فأذن له، فلما أذن له، دخل عليه لم يرفع به رأسًا، وقال: من أين أنت؟ قال: من بلخ، قال: دار المرجئة! ثم قال لي الرفاء خذ من رد الحميدي، فقرأت له عليه منه شيئًا كثيرًا. (١)\n\nإبراهيم السبائي (٢) (٣٥٦ هـ)\nأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السبائي. مولده سنة سبعين ومئتين. صحب أبا جعفر أحمد بن نصر، وأبا البشر مطر بن يسار، وأبا جعفر\n_________\n(١) ذم الكلام (٤/ ٤٠١ - ٤٠٢/ ١٢٩٠) تحقيق الأنصاري.\n(٢) ترتيب المدارك (٢/ ٦٦) والديباج المذهب (١/ ٢٦٢) وشجرة النور الزكية (١/ ٩٤).","vol":"5","page":203},{"text":"القصري، وغيرهم من أهل العلم. وأخذ عنهم علمًا كثيرًا. وكان العلماء يتذاكرون بحضرته وبمجلسه، كأبي محمد بن أبي زيد وهو الملقي عليهم، وأبي القاسم بن شبلون، والقابسي، وغيرهم. فإذا تنازعوا فصل ما بينهم، فيرجعون إليه، ويستشيرونه في جميع أمورهم. قال المالكي: كان رجلًا صالحًا فاضلًا مشهورًا بالعبادة والاجتهاد كثير الورع وقافًا عن الشبهات ... مجافيًا لأهل البدع، شديد الغلظة عليهم، قليل المداراة لهم. وقال ابن سعدون: ... كان مما شغل به نفسه، ذكر فضل الصحابة والثناء عليهم، لانتشار أمر المشارقة، فما كان أحد يذكر الصحابة إلا في داره. توفي الشيخ أبو إسحاق رحمه الله تعالى لثمان بقين من رجب سنة ست وخمسين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2135>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في معالم الإيمان: كان مباينًا لأهل البدع شديد الغلظة عليهم قليل المداراة لهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2136>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في المعالم: وكان رحمه الله تعالى شديد العداوة لبني عبيد مجاهرًا لهم بالسب والتكفير وسكناه بخارج باب الريح ليس بينه وبين الفحص إلا نصف طوبة وقصب ويبلغ بني عبيد عنه ذلك فلا يقدرون له على شيء وكان ممن خرج عليهم بالوادي المالح وعصمه الله منهم. (٢)\n- وفيه: وذكره معد يومًا فقال: أعد لنا السلاح وتربص بنا الدوائر\n_________\n(١) معالم الإيمان (٣/ ٦٣).\n(٢) المعالم (٣/ ٧١).","vol":"5","page":204},{"text":"وكفرنا وشتمنا، وعلم الناس الجرأة علينا، حتى تناكر الكبير والصغير. (١)\n\nحمزة بن محمد بن علي (٢) (٣٥٧ هـ)\nأبو القاسم حمزة بن محمد بن علي الكِنَانِي الإمام الحافظ، محدث الديار المصرية. ولد سنة خمس وسبعين ومائتين. سمع عمران بن موسى الطيب، ومحمد بن سعيد السراج، وأبا عبد الرحمن النسائي. وحدث عنه الدارقطني، وابن منده، وتمام بن محمد الرازي. وقد أثنى عليه غير واحد من أهل العلم. قال الذهبي: وكان متقنًا مجودًا، ذا تأله وتعبد. وقال أبو عبد الله الحاكم: حمزة المصري هو على تقدمه في معرفة الحديث؛ أحد من يذكر بالزهد والورع والعبادة. وقال الصوري: كان حمزة حافظًا ثبتًا. توفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2138>موقفه من الرافضة:</span>\nروى الذهبي في السير بسنده إلى علي بن عمر الحراني، سمعت حمزة بن محمد الحافظ وجاءه غريب فقال: إن عسكر أبي تميم -يعني المغاربة- قد وصلوا إلى الإسكندرية، فقال: اللهم لا تحيني حتى تريني الرايات الصفر. فمات حمزة، ودخل عسكرهم بعد موته بثلاثة أيام.\nقال الذهبي: هؤلاء عسكر المعز العبيدي الإسماعيلية، تملكوا مصر في هذا الوقت، وبنوا في الحال مدينة القاهرة المعزية، فأماتوا السنة، وأظهروا\n_________\n(١) المعالم (٣/ ٧٣).\n(٢) السير (١٦/ ١٧٩ - ١٨١) والنجوم الزاهرة (٤/ ٢٠) وشذرات الذهب (٣/ ٢٣).","vol":"5","page":205},{"text":"الرفض، ودامت دولتهم أزيد من مائتي عام، حتى أبادهم السلطان صلاح الدين، ونسبهم إلى علي ﵁ غير صحيح. (١)\n\nمحارب المُحَارِبِي (٢) (٣٥٩ هـ)\nمحارب بن محمد بن محارب أبو العلاء القاضي الشافعي المحاربي السدوسي من ولد محارب بن دثار من أهل بغداد. حدث عن جعفر بن محمد ابن الحسن الفريابي وعلي بن إسحاق بن زاطيا وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار. روى عنه عبد الله بن محمد بن إسحاق بن أبي سعد الجواربي. وكان ثقة عالمًا. له مصنف في الرد على المخالفين من القدرية والجهمية والرافضة. توفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2140>موقفه من المبتدعة:</span>\nله كتاب: 'الرد على المخالفين من القدرية والجهمية والرافضة'. (٣)\n\nمحمد بن أحمد الفارسي (٤) (٣٥٩ هـ)\nمحمد بن أحمد بن محمد الفارسي يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن الخراز. سمع من أحمد بن زياد وأحمد بن محمد القصري وعلي بن عبد الله بن أبي\n_________\n(١) السير (١٦/ ١٨٠ - ١٨١).\n(٢) الأنساب (٥/ ٢٠٧) والبداية والنهاية (١١/ ٢٨٦) والمنتظم (١٤/ ٢٠٤).\n(٣) الأنساب (٥/ ٢٠٧).\n(٤) تاريخ ابن الفرضي (٢/ ١١٤).","vol":"5","page":206},{"text":"مطر. روى عنه إسماعيل بن إسحاق وعبيد الله بن الوليد وسليمان بن عبد الرحمن. كان خيرًا فاضلًا متمسكًا بالسنة شديد الإنكار على أهل البدع صلبًا وامتحن في ذلك.\nتوفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2142>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في تاريخ ابن الفرضي: وكان خيرًا فاضلًا متمسكًا بالسنة شديد الإنكار على أهل البدع صلبًا، وامتحن في ذلك. (١)\n\nأبو بكر الآجُرِّي (٢) (٣٦٠ هـ)\nأبو بكر الآجري محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجري الإمام المحدث القدوة شيخ الحرم الشريف. مصنف كتاب 'الشريعة' سمع أبا مسلم الكجي وجعفر بن محمد الفريابي ومحمد بن صالح العكبري وغيرهم. حدث عنه عبد الرحمن بن عمر بن النحاس. والمقرئ أبو الحسن الحمامي وأبو نعيم الحافظ. وكان صدوقًا خيرًا عابدًا صاحب سنة واتباع. قال الخطيب: كان دينًا ثقة. وقال السيوطي: كان عالمًا عاملًا، صاحب سنة، دينًا، ثقة. وثناء الأئمة عليه أكثر. توفي سنة ستين وثلاثمائة.\n_________\n(١) تاريخ ابن الفرضي (٢/ ١١٢).\n(٢) تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٣) والأنساب (١/ ٥٩) والسير (١٦/ ١٣٣ - ١٣٦) والمنتظم (١٤/ ٢٠٨) ووفيات الأعيان (٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣) والوافي بالوفيات (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٣٦) والبداية والنهاية (١١/ ٢٨٨) وطبقات الحفاظ (٣٧٩) وشذرات الذهب (٣/ ٣٥).","vol":"5","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2144>موقفه من المبتدعة:</span>\nآثار الشيخ السلفية:\n١ - كتاب الشريعة: وهو من أعظم المصادر السلفية التي غاظت المبتدعة، فذكروه في كتبهم بأوصاف قبيحة كلها كذب وتدليس وغش، والبادي بذلك الجويني، وتبعه الأشاعرة بعده، كما فعل ذلك القرطبي في الأسنى، وقد رددت عليه وبينت بطلان تأويلاته لصفات الله ﷿ في كتابي: 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات'. (١)\nهذا، وقد لقي كتاب 'الشريعة' عناية فائقة؛ فحقق تحقيقات عدة ولله الحمد والمنة.\nوهو كتاب عظيم فيه علوم نافعة اغتاظ به منافقو الجهمية وأذنابهم.\n٢ - التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة، وقد حقق رسالة علمية بالجامعة الإسلامية.\n- قال محمد بن الحسين ﵀: باب ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة، بل الاتباع وترك الابتداع: إن الله ﷿ بمنه وفضله أخبرنا في كتابه عمن تقدم من أهل الكتابين اليهود والنصارى، أنهم إنما هلكوا لما افترقوا في دينهم وأعلمنا مولانا الكريم، أن الذي حملهم على الفرقة عن الجماعة، والميل إلى الباطل، الذي نهوا عنه إنما هو البغي والحسد بعد أن علموا ما لم يعلم غيرهم، فحملهم شدة البغي والحسد إلى أن صاروا فرقًا فهلكوا، فحذرنا مولانا الكريم أن نكون مثلهم فنهلك كما هلكوا بل أمرنا\n_________\n(١) (٤/ ١٥٧٤ - ١٧٩٦).","vol":"5","page":208},{"text":"﷿ بلزوم الجماعة، ونهانا عن الفرقة، وكذلك حذرنا النبي - ﷺ - من الفرقة وأمرنا بالجماعة، وكذلك حذرنا أئمتنا ممن سلف من علماء المسلمين، كلهم يأمرون بلزوم الجماعة، وينهون عن الفرقة.\nفإن قال قائل: فاذكر لنا ذلك لنحذر ما تقوله. والله الموفق لنا إلى سبيل الرشاد.\nقيل له: سأذكر من ذلك ما حضرني ذكره مبلغ علمي، الذي علمني الله ﷿، نصيحة لإخواني من أهل القرآن، وأهل الحديث، وأهل الفقه، وغيرهم من سائر المسلمين. والله الموفق لما قصدت له، والمعين عليه، إن شاء الله.\nقال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) وقال ﷿: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ\n_________\n(١) البقرة الآية (٢١٣).","vol":"5","page":209},{"text":"وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (١) وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢) وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣) وقال تعالى في سورة يونس: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٤) وقال تعالى في سورة حم عسق: ﴿مَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٥٣).\n(٢) آل عمران الآية (١٩).\n(٣) الأنعام الآية (١٥٩).\n(٤) يونس الآية (٩٣) ..","vol":"5","page":210},{"text":"مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١) وقال تعالى في سورة (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٢).\nقال محمد بن الحسين ﵀: فأعلمنا مولانا الكريم أنهم أوتوا علمًا، فبغى بعضهم على بعض، وحسد بعضهم بعضًا، حتى أخرجهم ذلك إلى أن تفرقوا فهلكوا.\nفإن قال قائل: فأين المواضع من القرآن التي فيها نهانا الله تعالى أن نكون مثلهم، حتى نحذر ما حذرنا مولانا الكريم من الفرقة، بل نلزم الجماعة؟\nقيل له: قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ\n_________\n(١) الشورى الآية (١٤).\n(٢) البينة الآيتان (٤و٥).","vol":"5","page":211},{"text":"النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقال تعالى في سورة الروم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٣) وقال تعالى في سورة حم عسق: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ\n_________\n(١) آل عمران الآيات (١٠٢ - ١٠٥).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) الروم الآيات (٣٠ - ٣٢).","vol":"5","page":212},{"text":"أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١).\nقال محمد بن الحسين ﵀: فهل يكون من البيان أشفى من هذا عند من عقل عن الله تعالى، وتدبر ما به حذره مولاه الكريم من الفرقة؟\nثم اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم: أن الله تعالى قد أعلمنا وإياكم في كتابه، أنه لا بد من أن يكون الاختلاف بين خلقه، ليضل من يشاء، ويهدي من يشاء، جعل الله ﷿ ذلك موعظة يتذكر بها المؤمنون، فيحذرون الفرقة، ويلزمون الجماعة، ويدعون المراء والخصومات في الدين، ويتبعون ولا يبتدعون. فإن قال قائل: أين هذا من كتاب الله تعالى؟ قيل له: قال الله تعالى في سورة هود: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ثم إن الله تعالى أمر نبيه - ﷺ - أن يتبع ما أنزله إليه، ولا يتبع أهواء من تقدم من الأمم فيما اختلفوا فيه. ففعل - ﷺ -، وحذر أمته الاختلاف والإعجاب، واتباع الهوى.\nقال الله تعالى في سورة حم الجاثية:\n_________\n(١) الشورى الآية (١٣).\n(٢) هود الآيات (١١٨ - ١٢٠).","vol":"5","page":213},{"text":"﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال محمد بن الحسين: علامة من أراد الله به خيرًا: سلوك هذا الطريق: كتاب الله، وسنن رسول الله - ﷺ -، وسنن أصحابه ﵃ ومن تبعهم بإحسان، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان من العلماء، مثل الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والقاسم بن سلام، ومن كان على مثل طريقتهم، ومجانبة كل مذهب يذمه هؤلاء العلماء. (٣)\n_________\n(١) الجاثية الآيات (١٦ - ٢٠).\n(٢) الشريعة (١/ ١١٣ - ١١٦).\n(٣) الشريعة (١/ ١٢٤).","vol":"5","page":214},{"text":"- وقال ﵀:\nباب ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة:\nأخبرنا النبي - ﷺ - عن أمة موسى ﵇: \"أنهم اختلفوا على إحدى وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة\". وأخبرنا عن أمة عيسى ﵇: \"أنهم اختلفوا عليه على اثنتين وسبعين ملة، إحدى وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة\". قال - ﷺ -: \"وتعلو أمتي الفريقين جميعًا، تزيد عليهم فرقة واحدة، ثنتان وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة\".\nثم إنه سئل - ﷺ -: من الناجية؟ فقال في حديث: \"ما أنا عليه وأصحابي\" (١).\nوفي حديث قال: \"السواد الأعظم\" (٢).\nوفي حديث قال: \"واحدة في الجنة، وهي الجماعة\" (٣).\nقلت أنا: ومعانيها واحدة إن شاء الله تعالى. (٤)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٦/٢٦٤١) والحاكم (١/ ١٢٨ - ١٢٩) من طريق عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وفيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، قال فيه الحافظ: \"ضعيف في حفظه، ولكن للحديث شواهد كشاهد أبي هريرة ومعاوية وغيرهما\".\n(٢) أخرجه: ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٤/٦٨)، الطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٨/٨٠٣٥) وفي الأوسط (٨/ ٩٨/٧١٩٨) والبيهقي (٨/ ١٨٨) كلهم عن أبي أمامة ﵁. وذكر الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٥٨) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه وفيه أبو غالب وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجال الأوسط ثقات، وكذلك أحد إسنادي الكبير\".\n(٣) رواه أحمد (٤/ ١٠٢) وأبو داود (٥/ ٥ - ٦/ ٤٥٩٧) والحاكم (١/ ١٢٨) من طريق الأزهر بن عبد الله عن أبي عامر عبد الله بن لحي عن معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا. وحسن إسناده الحافظ في تخريج الكشاف، وفي الباب عن أنس ابن مالك وعوف بن مالك الأشجعي ﵄.\n(٤) الشريعة (١/ ١٢٥).","vol":"5","page":215},{"text":"- وقال ﵀: رحم الله عبدًا حذر هذه الفرق، وجانب البدع ولم يبتدع، ولزم الأثر فطلب الطريق المستقيم، واستعان بمولاه الكريم. (١)\nوقال: ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلا يقول: قال رسول الله - ﷺ - في شيء قد ثبت عند العلماء، فعارض إنسان جاهل، فقال: لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله تعالى، قيل له: أنت رجل سوء، وأنت ممن يحذرناك النبي - ﷺ -، وحذر منك العلماء.\nوقيل له: يا جاهل، إن الله أنزل فرائضه جملة، وأمر نبيه - ﷺ - أن يبين للناس ما أنزل إليهم، قال الله ﷿: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) فأقام الله تعالى نبيه ﵇ مقام البيان عنه، وأمر الخلق بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وأمرهم بالانتهاء عما نهاهم عنه، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله - ﷺ - فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) وقال ﷿: ﴿فلا\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٣٢).\n(٢) النحل الآية (٤٤).\n(٣) الحشر الآية (٧).\n(٤) النور الآية (٦٣).","vol":"5","page":216},{"text":"وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) ثم فرض على الخلق طاعته - ﷺ - في نيف وثلاثين موضعًا من كتابه تعالى.\nوقيل لهذا المعارض لسنن رسول الله - ﷺ -: يا جاهل، قال الله تعالى: ﴿وأقيموا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزكاة﴾ (٢) أين تجد في كتاب الله تعالى أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، وأن العشاء الآخرة أربع؟ أين تجد أحكام الصلاة ومواقيتها، وما يصلحها وما يبطلها إلا من سنن النبي - ﷺ -؟ ومثله الزكاة، أين تجد في كتاب الله تعالى من مائتي درهم خمسة دراهم، ومن عشرين دينارًا نصف دينار، ومن أربعين شاة شاة، ومن خمس من الإبل شاة، ومن جميع أحكام الزكاة، أين تجد هذا في كتاب الله تعالى؟\nوكذلك جميع فرائض الله، التي فرضها الله في كتابه، لا يعلم الحكم فيها، إلا بسنن رسول الله - ﷺ -.\nهذا قول علماء المسلمين، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام، ودخل في ملة الملحدين، نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. (٣)\n- وقال ﵀: من كان له علم وعقل، فميز جميع ما تقدم ذكرى\n_________\n(١) النساء الآية (٦٥).\n(٢) البقرة الآية (٤٣).\n(٣) الشريعة (١/ ١٧٦ - ١٧٧).","vol":"5","page":217},{"text":"له من أول الكتاب إلى هذا الموضع علم أنه محتاج إلى العمل به، فإن أراد الله به خيرًا لزم سنن رسول الله - ﷺ -، وما كان عليه الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين في كل عصر، وتعلم العلم لنفسه، لينتفي عنه الجهل، وكان مراده أن يتعلمه لله تعالى ولم يكن مراده أن يتعلمه للمراء والجدال والخصومات، ولا للدنيا، ومن كان هذا مراده، سلم إن شاء الله تعالى من الأهواء والبدع والضلالة، واتبع ما كان عليه من تقدم من أئمة المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم، وسأل الله تعالى أن يوفقه لذلك.\nفإن قال قائل: فإن كان رجل قد علمه الله تعالى علمًا، فجاءه رجل يسأله عن مسألة في الدين، ينازعه فيها ويخاصمه، ترى له أن يناظره، حتى تثبت عليه الحجة، ويرد عليه قوله؟\nقيل له: هذا الذي نهينا عنه، وهو الذي حذرناه من تقدم من أئمة المسلمين.\nفإن قال قائل: فماذا نصنع؟\nقيل له: إن كان الذي يسألك مسألته، مسألة مسترشد إلى طريق الحق لا مناظرة، فأرشده بألطف ما يكون من البيان بالعلم من الكتاب والسنة، وقول الصحابة، وقول أئمة المسلمين، ﵃، وإن كان يريد مناظرتك، ومجادلتك، فهذا الذي كره لك العلماء، فلا تناظره، واحذره على دينك، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين إن كنت لهم متبعًا.\nفإن قال: فندعهم يتكلمون بالباطل، ونسكت عنهم؟\nقيل له: سكوتك عنهم وهجرتك لما تكلموا به أشد عليهم من","vol":"5","page":218},{"text":"مناظرتك لهم كذا قال من تقدم من السلف الصالح من علماء المسلمين. (١)\n- وقال: ألم تسمع، رحمك الله، إلى ما تقدم ذكرنا له من قول أبي قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم.\nأو لم تسمع إلى قول الحسن وقد سأله رجل عن مسألة فقال: ألا تناظرني في الدين؟ فقال له الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أنت أضللت دينك فالتمسه.\nأو لم تسمع إلى قول عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضًا للخصومات أكثر التنقل.\nقال محمد بن الحسين ﵀: فمن اقتدى بهؤلاء الأئمة سلم له دينه إن شاء الله تعالى.\nفإن قال قائل: فإن اضطرني في الأمر وقتا من الأوقات إلى مناظرتهم، وإثبات الحجة عليهم ألا أناظرهم؟\nقيل له: الاضطرار إنما يكون مع إمام له مذهب سوء، فيمتحن الناس، ويدعوهم إلى مذهبه، كفعل من مضى في وقت أحمد بن حنبل: ثلاثة خلفاء امتحنوا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم السوء، فلم يجد العلماء بدًّا من الذب عن الدين، وأرادوا بذلك معرفة العامة الحق من الباطل، فناظروهم ضرورة لا اختيارًا، فأثبت الله تعالى الحق مع أحمد بن حنبل، ومن كان على طريقته، وأذل الله تعالى المعتزلة وفضحهم، وعرفت العامة أن الحق ما كان عليه أحمد\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٩٥ - ١٩٦).","vol":"5","page":219},{"text":"ومن تابعه إلى يوم القيامة.\nأرجو أن يعيذ الله الكريم أهل العلم من أهل السنة والجماعة من محنة تكون أبدًا. (١)\n- وقال: فإن قال قائل: هذا الذي ذكرته وبينته قد عرفناه، فإذا لم تكن مناظرتنا في شيء من الأهواء التي ينكرها أهل الحق، ونهينا عن الجدال والمراء والخصومة فيها، فإن كانت مسألة من الفقه في الأحكام مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والنكاح والطلاق، وما أشبه ذلك من الأحكام، هل لنا مباح أن نناظر فيه ونجادل، أم هو محظور علينا، عرفنا ما يلزم فيه؟ كيف السلامة؟\nقيل له: هذا الذي ذكرته ما أقل من يسلم من المناظرة فيه، حتى لا يلحقه فيه فتنة ولا مأثم، ولا يظفر فيه الشيطان فإن قال: كيف؟ ..\nقيل له: هذا، قد كثر في الناس جدًّا في أهل العلم والفقه في كل بلد يناظر الرجل الرجل يريد مغالبته، ويعلو صوته، والاستظهار عليه بالاحتجاج، فيحمر لذلك وجهه، وتنتفخ أوداجه، ويعلو صوته وكل واحد منهما يحب أن يخطئ صاحبه، وهذا المراد من كل واحد منهما خطأ عظيم، لا يحمد عواقبه ولا يحمده العلماء من العقلاء لأن مرادك أن يخطئ مناظرك: خطأ منك، ومعصية عظيمة، ومراده أن تخطئ: خطأ منه، ومعصية، فمتى يسلم الجميع؟\nفإن قال قائل: فإنما نناظر لتخرج لنا الفائدة؟\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"5","page":220},{"text":"قيل له: هذا كلام ظاهر، وفي الباطن غيره.\nوقيل له: إذا أردت وجه السلامة في المناظرة لطلب الفائدة، كما ذكرت، فإذا كنت أنت حجازيًا، والذي يناظرك عراقيًا، وبينكما مسألة، تقول أنت: حلال. ويقول هو: بل حرام. فإن كنتما تريدان السلامة، وطلب الفائدة، فقل له: رحمك الله، هذه المسألة قد اختلف فيها من تقدم من الشيوخ، فتعال حتى نتناظر فيها مناصحة لا مغالبة فإن يكن الحق فيها معك، اتبعتك، وتركت قولي، وإن يكن الحق معي، اتبعتني، وتركت قولك، لا أريد أن تخطئ ولا أغالبك، ولا تريد أن أخطئ، ولا تغالبني.\nفإن جرى الأمر على هذا فهو حسن جميل، وما أعز هذا في الناس.\nفإذا قال كل واحد منهما: لا نطيق هذا، وصدقا عن أنفسهما.\nقيل لكل واحد منهما: قد عرفت قولك وقول صاحبك وأصحابك واحتجاجهم، وأنت فلا ترجع عن قولك، وترى أن خصمك على الخطأ وقال خصمك كذلك، فما بكما إلى المجادلة والمراء والخصومة حاجة إذا كان كل واحد منكما ليس يريد الرجوع عن مذهبه، وإنما مراد كل واحد منكما أن يخطئ صاحبه، فأنتما آثمان بهذا المراد، أعاذ الله العلماء العقلاء عن مثل هذا المراد.\nفإذا لم تجر المناظرة على المناصحة، فالسكوت أسلم، قد عرفت ما عندك وما عنده، وعرف ما عنده وما عندك. والسلام.\nثم لا نأمن أن يقول لك في مناظرته: قال رسول الله - ﷺ -، فتقول له: هذا حديث ضعيف، أو تقول: لم يقله النبي - ﷺ - كل ذلك، لترد قوله، وهذا","vol":"5","page":221},{"text":"عظيم، وكذلك يقول لك أيضًا، فكل واحد منكما يرد حجة صاحبه بالمخارقة والمغالبة.\nوهذا موجود في كثير ممن رأينا يناظر ويجادل ونتجادل، حتى ربما خرق بعضهم على بعض. هذا الذي خافه النبي - ﷺ - على أمته، وكرهه العلماء ممن تقدم والله أعلم. (١)\n- وقال ﵀: ينبغي لكل من تمسك بما رسمناه في كتابنا هذا -وهو كتاب الشريعة- أن يهجر جميع أهل الأهواء من الخوارج والقدرية والمرجئة والجهمية، وكل من ينسب إلى المعتزلة، وجميع الروافض، وجميع النواصب، وكل من نسبه أئمة المسلمين أنه مبتدع بدعة ضلالة، وصح عنه ذلك، فلا ينبغي أن يكلم ولا يسلم عليه، ولا يجالس ولا يصلى خلفه، ولا يزوج ولا يتزوج إليه من عرفه، ولا يشاركه ولا يعامله ولا يناظره ولا يجادله، بل يذله بالهوان له، وإذا لقيته في طريق أخذت في غيرها إن أمكنك\nوهذا الذي ذكرته لك فقول من تقدم من أئمة المسلمين، وموافق لسنة رسول الله - ﷺ -، فأما الحجة في هجرتهم بالسنة فقصة هجره الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله - ﷺ - في الخروج معه في غزاته بغير عذر، كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، رحمهم الله تعالى، فأمر النبي - ﷺ -\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٢٠١ - ٢٠٢).","vol":"5","page":222},{"text":"بهجرتهم، وأن لا يكلموا، وطردهم حتى نزلت توبتهم من الله ﷿ (١)، وهكذا قصة حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى قريش يحذرهم خروج النبي - ﷺ - إليهم فأمر النبي - ﷺ - بهجرته وطرده، فلما أنزل الله توبته فعاتبه الله تعالى على فعله فتاب عليه (٢)، وقول النبي - ﷺ -: \"أفضل العمل الحب في الله والبغض في الله\" (٣). وضرب عمر بن الخطاب ﵁ لصبيغ، وبعث إلى أهل البصرة أن لا يجالسوه، قال: فلو جاء إلى حلقة ما هي قاموا وتركوه. (٤)\n- وقال ﵀: ينبغي لإمام المسلمين ولأمرائه في كل بلد إذا صح عنده مذهب رجل من أهل الأهواء ممن قد أظهره أن يعاقبه العقوبة الشديدة، فمن استحق منهم أن يقتله قتله، ومن استحق أن يضربه ويحبسه وينكل به فعل به ذلك، ومن استحق أن ينفيه نفاه، وحذر منه الناس.\nفإن قال قائل: وما الحجة فيما قلت؟\nقيل: ما لا تدفعه العلماء ممن نفعه الله ﷿ بالعلم، وذلك أن عمر ابن الخطاب ﵁ جلد صبيغًا التميمي، وكتب إلى عماله: أن\n_________\n(١) رواه: أحمد (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩) والبخاري (٨/ ١٤٢ - ١٤٥/ ٤٤١٨) ومسلم (٤/ ٢١٢٠ - ٢١٢٨/ ٢٧٦٩) هكذا مطولا. وأخرج بعضا منه: أبو داود (٥/ ٧ - ٨/ ٤٦٠٠) والترمذي (٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤/ ٣١٠٢) والنسائي (٢/ ٣٨٦/٧٣٠).\n(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وقصة حاطب في الصحيحين: البخاري (٨/ ٨١٧/٤٨٩٠) ومسلم (٤/ ١٩٤١ - ١٩٤٢/ ٢٤٩٤) وغيرهما دون الأمر بهجره.\n(٣) أخرجه: أحمد (٥/ ١٤٦) وأبو داود (٥/ ٦ - ٧/ ٤٥٩٩). وفيه يزيد بن عطاء ويزيد بن أبي زياد، وهما ضعيفان. وفيه أيضًا الرجل المبهم. لكن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن. قال الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (١٧٢٨) بعد أن ذكر بعض الشواهد للحديث: \"فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن على الأقل. والله أعلم\".\n(٤) الشريعة (٣/ ٥٧٤ - ٥٧٥).","vol":"5","page":223},{"text":"يقيموه حتى ينادي على نفسه، وحرمه عطاءه، وأمر بهجرته، فلم يزل وضيعًا في الناس.\nوهذا علي بن أبي طالب ﵁ قتل بالكوفة في صحراء أحد عشر جماعة ادعوا أنه إلههم، خد لهم في الأرض أخدودًا، وحرقهم بالنار، وقال:\nلما سمعت القول قولًا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا\nوهذا عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن أرطأة في شأن القدرية: تستتيبهم فإن تابوا وإلا فاضرب أعناقهم.\nوقد ضرب هشام بن عبد الملك عنق غيلان وصلبه بعد أن قطع يده، ولم يزل الأمراء بعدهم في كل زمان يسيرون في أهل الأهواء إذا صح عندهم ذلك عاقبوه على حسب ما يرون، لا ينكره العلماء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2145>موقفه من المشركين:</span>\n- قال محمد بن الحسين: من تصفح أمر هذه الأمة من عالم عاقل، علم أن أكثرهم -العام منهم- يجري أمورهم على سنن أهل الكتابين، كما قال النبي - ﷺ - (٢)، وعلى سنن كسرى وقيصر، وعلى سنن أهل الجاهلية، وذلك مثل السلطنة وأحكامهم وأحكام العمال والأمراء وغيرهم، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية، والأكل والشرب والولائم، والمراكب\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٥٨٥).\n(٢) أحمد (٣/ ٨٤) والبخاري (٦/ ٦١٣/٣٤٥٦) ومسلم (٤/ ٢٠٥٤/٢٦٦٩) عن أبي سعيد. وفي الباب عن أبي هريرة وغيره.","vol":"5","page":224},{"text":"والخدم والمجالس والمجالسة، والبيع والشراء، والمكاسب من جهات كثيرة، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها، تجري بينهم على خلاف السنة والكتاب، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا، كما قال النبي - ﷺ -. والله المستعان.\nقال الشيخ حامد الفقي -رحمه الله تعالى رحمة واسعة-: إذا كان هذا في زمان أبي بكر الآجري المتوفى سنة ٣٦٠ من الهجرة فكيف به لو رأى الناس اليوم، وما تتابعوا فيه من تقليد اليهود والنصارى والوثنيين وكل ملحد زنديق في فسوقهم وتمردهم على الله وكتبه ورسله وسننه وآياته، وما جر عليهم ذلك التقليد الأعمى من الانحلال والذلة والصغار، وذهاب ريحهم. وضياع كل ما خلفه لهم آباؤهم من أسباب القوة والسلطان. ولو أن الناس عقلوا عن ربهم وآمنوا بآياته ونعمه ورحمته وحكمته، وآمنوا بما أكرمهم به ربهم وما أعطاهم من هذا الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما حفظ لهم من هدى مختاره ومصطفاه إمام المهتدين عبد الله ورسوله محمد - ﷺ - لو أنهم عقلوا وآمنوا بهذا لانتفعوا بهدى الله، ولنفخ الله فيهم من روح العزة والقوة، ولمكن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ولبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، كما أعطى المسلمين الأولين، ولكن أكثر الناس لا يعقلون، فهم في تقليدهم الأعمى يتخبطون، وفي ضلالهم يعمهون، يجرون في كل شئون حياتهم ذيولًا للفرنجة أعدائهم. فلا ينالون منهم إلا كل ظلم وبغي واستعباد. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (١)\n- وقال الآجري ﵀: فإني أحذر إخواني المؤمنين مذهب الحلولية؛\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٣٥ - ١٣٦).","vol":"5","page":225},{"text":"الذين لعب بهم الشيطان فخرجوا بسوء مذهبهم عن طريق أهل العلم، إلى مذاهب قبيحة، لا يكون إلا في كل مفتون هالك. زعموا أن الله ﷿ حال في كل شيء، حتى أخرجهم سوء مذهبهم إلى أن تكلموا في الله ﷿ بما ينكره العلماء العقلاء، لا يوافق قولهم كتاب ولا سنة. ولا قول الصحابة. ولا قول أئمة المسلمين، وإني لأستوحش أن أذكر قبيح أفعالهم تنزيهًا مني لجلال الله ﷿ وعظمته، كما قال ابن المبارك ﵀: إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. ثم إنهم إذا أنكر عليهم سوء مذهبهم قالوا: لنا حجة من كتاب الله ﷿. فإذا قيل لهم: ما الحجة؟ قالوا: قال الله ﷿: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١) وبقوله ﷿: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) فلبسوا على السامع منهم بما تأولوا، وفسروا القرآن على ما تهوى نفوسهم. فضلوا وأضلوا، فمن سمعهم ممن جهل العلم ظن أن القول كما قالوه، وليس هو كما تأولوه عند أهل العلم.\nوالذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله ﷿ سبحانه على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء،\n_________\n(١) المجادلة الآية (٧).\n(٢) الحديد الآيتان (٣و٤).","vol":"5","page":226},{"text":"قد أحاط علمه بجميع ما خلق في السماوات العلا، وبجميع ما في سبع أرضين وما بينهما وما تحت الثرى، يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم الخطرة والهمة، ويعلم ما توسوس به النفوس، يسمع ويرى، لا يعزب عن الله ﷿ مثقال ذرة في السماوات والأرضين وما بينهن، إلا وقد أحاط علمه به، فهو على عرشه سبحانه العلي الأعلى ترفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها بالليل والنهار. فإن قال قائل: فإيش معنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية ... التي بها يحتجون؟ قيل له: علمه ﷿، والله على عرشه وعلمه محيط بهم، وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم. والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم. فإن قال قائل: كيف؟ قيل: قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال محمد بن الحسين ﵀: ومما يحتج به الحلولية، مما يلبسون به على من لا علم معه يقول الله ﷿: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٣) وقد فسر أهل العلم هذه الآية: هو الأول: قبل كل شيء؛ من\n_________\n(١) المجادلة الآية (٧).\n(٢) الشريعة (٢/ ٦٤ - ٦٦).\n(٣) الحديد الآية (٣).","vol":"5","page":227},{"text":"حياة وموت، والآخر: بعد كل شيء؛ بعد الخلق، وهو الظاهر: فوق كل شيء -يعني ما في السموات- وهو الباطن: دون كل شيء يعلم ما تحت الأرضين، ودل على هذا آخر الآية ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). (٢)\n- وقال محمد بن الحسين ﵀: ومما يلبسون به على من لا علم معه احتجوا بقوله ﷿: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّمَاوَاتِ وفي الأرض﴾ (٣) وبقوله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٤) وهذا كله إنما يطلبون به الفتنة، كما قال الله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٥). وعند أهل العلم من أهل الحق: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (٦) فهو كما قال أهل العلم: مما جاءت به السنن: أن الله ﷿ على عرشه. وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما يسرون وما يعلنون، يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون. وقوله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي\n_________\n(١) الحديد الآية (٣).\n(٢) الشريعة (٢/ ٨١).\n(٣) الأنعام الآية (٣).\n(٤) الزخرف الآية (٨٤).\n(٥) آل عمران الآية (٧).\n(٦) الأنعام الآية (٣).","vol":"5","page":228},{"text":"السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (١) فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السموات، وإله من في الأرض، إله يعبد في السموات، وإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2146>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال الآجري في كتابه الشريعة: فمن صفة من أراد الله ﷿ به خيرًا، وسلم له دينه، ونفعه الله الكريم بالعلم، المحبة لجميع الصحابة، ولأهل بيت رسول الله - ﷺ - ولأزواج رسول الله - ﷺ - والإقتداء بهم، ولا يخرج بفعل ولا بقول عن مذاهبهم، ولا يرغب عن طريقتهم، وإذا اختلفوا في باب من العلم، فقال بعضهم: حلال. وقال الآخر: حرام. نظر أي القولين أشبه بكتاب الله ﷿ وسنة رسول الله - ﷺ - وسأل العلماء عن ذلك إذا قصر علمه، فأخذ به، ولم يخرج عن قول بعضهم، وسأل الله ﷿ السلامة، وترحم على الجميع. (٣)\n- قال محمد بن الحسين: فقد أثبت من بيان خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃- ما إذا نظر فيها المؤمن سره، وزاده محبة للجميع، وإذا نظر فيها رافضي خبيث أو ناصبي ذليل مهين، أسخن الله الكريم بذلك أعينهما في الدنيا والآخرة، لأنهما خالفا الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة -﵃- واتبعا غير سبيل المؤمنين.\n_________\n(١) الزخرف الآية (٨٤).\n(٢) الشريعة (٢/ ٨٢).\n(٣) الشريعة (٢/ ٤٢٤).","vol":"5","page":229},{"text":"قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).\nوقال النبي - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ\" (٢)، فهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃- ومن اتبعهم بإحسان. (٣)\n- قال محمد بن الحسين -﵀-: من علامة من أراد الله -﷿- به خيرًا من المؤمنين وصحة إيمانهم محبتهم لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃-. (٤)\n- وقال -﵀- بعد أن ساق آثارًا في اتباع علي بن أبي طالب في خلافته لسنن أبي بكر وعمر رضي الله عن الجميع: هذا رد على الرافضة الذين خطئ بهم عن طريق الحق، وأسخن الله تعالى أعينهم، ونسبوا علي بن أبي طالب ﵁ إلى ما قد برأه الله ﷿ مما ينحلونه إليه في أبي بكر وعمر ﵄ لو علم علي ﵁ أن الحق في غير ما حكم به أبو بكر لرده، ولم يأخذه في الله لومة لائم، ولكن علم أن الحق هو\n_________\n(١) النساء الآية (١١٥).\n(٢) أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود (٥/ ١٣ - ١٥/ ٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٦) وقال: \"صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي.\n(٣) الشريعة (٣/ ٢٠).\n(٤) الشريعة (٣/ ٢١).","vol":"5","page":230},{"text":"الذي فعله أبو بكر فأجراه على ما فعل أبو بكر ﵄، وكذا فعل عمر في أهل نجران، وكذا لما سن عمر بن الخطاب ﵁ قيام شهر رمضان، وجمع الناس عليه، أحيا بذلك سنة رسول الله - ﷺ - فصلاها الصحابة في جميع البلدان، وصلاها علي بن أبي طالب ﵁ فلما أفضت الخلافة إليه صلاها وأمر بالصلاة، وترحم على عمر ﵁ فقال: نور الله قبرك يا بن الخطاب، كما نورت مساجدنا، وقال: أنا أشرت على عمر بذلك ...\nوهذا رد على الرافضة الذين لا يرون صلاتها، خلافًا على عمر وعثمان وعلي ﵃، وعلى جميع المسلمين. (١)\n- وقال رحمه الله تعالى: ومن أصح الدلائل وأوضح الحجج على كل رافضي مخالف لعلي بن أبي طالب ﵁ أن عليا كرم الله وجهه لم يزل يقرأ بما في مصحف عثمان ﵁ ولم يغير منه حرفًا واحدًا، ولا قدم حرفًا على حرف، ولا أخر ولا زاد فيه ولا نقص، ولا قال: إن عثمان فعل في هذا المصحف شيئًا لي أن أفعل غيره. ما يحفظ عنه شيء من هذا، ﵁، وهكذا ولده ﵁ لم يزالوا يقرءون بما في مصحف عثمان، ﵁، حتى فارقوا الدنيا، وهكذا أصحاب علي ﵁ لم يزالوا يقرئون المسلمين بما في مصحف عثمان ﵁، لا يجوز لقائل أن يقول غير هذا. من قال غير هذا فقد كذب، وأتى بخلاف ما عليه أهل الإسلام.\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٢٧).","vol":"5","page":231},{"text":"قال محمد بن الحسين -﵀-: مرادنا من هذا، أن علي بن أبي طالب ﵁ لم يزل متبعًا لما سنه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ متبعًا لهم يكره ما كرهوا ويحب ما أحبوا، حتى قبضه الله ﷿ شهيدًا الذي لا يحبه إلا مؤمن تقي ولا يبغضه إلا منافق شقي. (١)\n- وقال ﵀: فإن قال قائل: قد ذكرت عن النبي - ﷺ - أنه ذكر فتنة تكون من بعده، ثم قال في عثمان: \"فاتبعوا هذا وأصحابه فإنهم يومئذ على هدي\" (٢). فأخبرنا عن أصحابه من هم؟\nقيل له: أصحابه أصحاب رسول الله - ﷺ - المشهود لهم بالجنة، المذكور نعتهم في التوراة والإنجيل، الذي من أحبهم سعد، ومن أبغضهم شقي.\nفإن قال: فاذكرهم.\nقيل له: علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد ﵃ وسائر الصحابة في وقتهم ﵃، كلهم كانوا على هدي كما قال النبي - ﷺ -، وكلهم أنكر قتله، وكلهم استعظم ما جرى على عثمان ﵁، وشهدوا على قتلته أنهم في النار.\nفإن قال قائل: فمن الذي قتله؟\nقيل له: طوائف أشقاهم الله ﷿ بقتله حسدًا منهم له وبغيًا،\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٣١).\n(٢) أحمد (٤/ ١٠٩) وذكره الهيثمي (٩/ ٨٩) وقال: \"رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح\". وفي الباب حديث مرة بن كعب أخرجه: الترمذي (٥/ ٥٨٦/٣٧٠٤) وقال: \"حسن صحيح\". وفي الباب عن كعب بن عجرة عند ابن ماجه (١/ ٤١/١١١) قال في الزوائد: \"إسناده منقطع\". قال أبو حاتم: \"محمد بن سيرين لم يسمع كعب بن عجرة. وباقي رجاله ثقات\". وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.","vol":"5","page":232},{"text":"وأرادوا الفتنة وأن يوقعوا الضغائن بين أمة محمد - ﷺ -، لما سبق عليهم من الشقوة في الدنيا، ومالهم في الآخرة أعظم.\nفإن قال: فمن أين اجتمعوا على قتله؟\nقيل له: أول ذلك وبدء شأنه أن بعض اليهود يقال له: ابن السوداء، ويعرف بعبد الله بن سبأ لعنة الله عليه زعم أنه أسلم، فأقام بالمدينة فحمله الحسد للنبي - ﷺ - ولصحابته، وللإسلام، فانغمس في المسلمين، كما انغمس ملك اليهود؛ بولس بن شاوذ، في النصارى حتى أضلهم، وفرقهم فرقًا، وصاروا أحزابًا، فلما تمكن فيهم البلاء والكفر تركهم، وقصته تطول، ثم عاد إلى التهود بعد ذلك، فهكذا عبد الله بن سبأ؛ أظهر الإسلام، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصار له أصحاب في الأمصار، ثم أظهر الطعن على الأمراء، ثم أظهر الطعن على عثمان ﵁، ثم طعن على أبي بكر وعمر ﵄، ثم أظهر أنه يتولى عليًا ﵁، وقد أعاذ الله الكريم علي بن أبي طالب وولده وذريته ﵃ من مذهب ابن سبأ وأصحابه السبئية، فلما تمكنت الفتنة والضلال في ابن سبأ وأصحابه، صار إلى الكوفة، فصار له بها أصحاب، ثم ورد إلى البصرة فصار له بها أصحاب ثم ورد إلى مصر، فصار له بها أصحاب، كلهم أهل ضلالة، ثم تواعدوا الوقت، وتكاتبوا ليجتمعوا في موضع، ثم يصيروا كلهم إلى المدينة، ليفتنوا المدينة وأهلها ففعلوا، ثم ساروا إلى المدينة، فقتلوا عثمان ﵁، ومع ذلك فأهل المدينة لا يعلمون حتى وردوا عليهم.\nفإن قال: فلم لم يقاتل عنه أصحاب رسول الله - ﷺ -؟","vol":"5","page":233},{"text":"قيل له: إن عثمان ﵁ وصحابته لم يعلموا حتى فاجأهم الأمر، ولم يكن بالمدينة جيش قد أعد لحرب، فلما فجأهم ذلك اجتهدوا ﵃ في نصرته والذب عنه، فما أطاقوا ذلك وقد عرضوا أنفسهم على نصرته ولو تلفت أنفسهم، فأبى عليهم وقال: أنتم في حل من بيعتي، وفي حرج من نصرتي، وإني لأرجو أن ألقى الله ﷿ سالمًا مظلومًا، وقد خاطب علي بن أبي طالب وطلحة والزبير ﵃ وكثير من الصحابة لهؤلاء القوم بمخاطبة شديدة، وغلظوا لهم في القول، فلما أحسوا أن أصحاب رسول الله - ﷺ - قد أنكروا عليهم؛ أظهرت كل فرقة منهم أنهم يتولون الصحابة، فلزمت فرقة منهم باب علي بن أبي طالب ﵁ وزعمت أنها تتولاه، وقد برأه الله ﷿ منهم، فمنعوه الخروج ولزمت فرقة منهم باب طلحة وزعموا أنهم يتولونه وقد برأه الله ﷿ منهم، ولزمت فرقة منهم باب الزبير وزعموا أنهم يتولونه وقد برأه الله ﷿ منهم، وإنما أرادوا أن يشغلوا الصحابة عن الانتصار لعثمان ﵁، ولبسوا على أهل المدينة أمرهم للمقدور الذي قدره ﷿ أن عثمان يقتل مظلومًا، فورد على الصحابة أمر لا طاقة لهم به، ومع ذلك فقد عرضوا أنفسهم على عثمان ﵁ ليأذن لهم بنصرته مع قلة عددهم، فأبى عليهم، ولو أذن لهم؛ لقاتلوا.\nحدثنا العباس بن أحمد الختلي المعروف بابن أبي شحمة، قال: حدثنا دهثم بن الفضل أبو سعيد الرملي، قال: ثنا المؤمل بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد بن سيرين، قال: لقد كان في","vol":"5","page":234},{"text":"الدار جماعة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم منهم: عبد الله بن عمر والحسن والحسين وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة، الرجل منهم خير من كذا وكذا. يقولون: يا أمير المؤمنين، خل بيننا وبين هؤلاء القوم، فقال: أعزم على كل رجل منكم وإن لي عليه حقا أن لا يهريق في دمًا، وأحرج على كل رجل منكم لما كفاني اليوم نفسه.\nفإن قال قائل: فقد علموا أنه مظلوم، وقد أشرف على القتل، فكان ينبغي لهم أن يقاتلوا عنه، وإن كان قد منعهم.\nقيل له: ما أحسنت القول؛ لأنك تكلمت بغير تمييز.\nفإن قال: ولم؟ قيل: لأن القوم كانوا أصحاب طاعة وفقهم الله تعالى للصواب من القول والعمل، فقد فعلوا ما يجب عليهم من الإنكار بقلوبهم وألسنتهم، وعرضوا أنفسهم لنصرته على حسب طاقتهم، فلما منعهم عثمان ﵁ من نصرته، علموا أن الواجب عليهم السمع والطاعة له، وأنهم إن خالفوه لم يسعهم ذلك، وكان الحق عندهم، فيما رآه عثمان ﵁ وعنهم.\nفإن قال قائل: فلم منعهم عثمان من نصرته وهو مظلوم، وقد علم أن قتالهم عنه نهي عن منكر، وإقامة حق يقيمونه؟\nقيل له: وهذا أيضًا غفلة منك.\nفإن قال: وكيف؟ قيل له: منعه إياهم عن نصرته يحتمل وجوهًا، كلها محمودة.\nأحدها: علمه بأنه مقتول مظلوم لا شك فيه؛ لأن النبي - ﷺ - قد أعلمه","vol":"5","page":235},{"text":"أنك تقتل مظلومًا، فاصبر. فقال: أصبر، فلما أحاطوا به علم أنه مقتول؛ وأن الذي قاله النبي - ﷺ - له حق كما قال لا بد من أن يكون، ثم علم أنه قد وعده من نفسه الصبر، فصبر كما وعد، وكان عنده أن من طلب الانتصار لنفسه والذب عنها فليس هذا بصابر، إذ وعد من نفسه الصبر فهذا وجه.\nووجه آخر: وهو أنه قد علم أن في الصحابة ﵃ قلة عدد، وأن الذين يريدون قتله كثير عددهم، فلو أذن لهم بالحرب لم يأمن أن يتلف من صحابة نبيه بسببه، فوقاهم بنفسه إشفاقًا منه عليهم، لأنه راع والراعي واجب عليه أن يحوط رعيته بكل ما أمكنه، ومع ذلك فقد علم أنه مقتول فصانهم بنفسه، وهذا وجه.\nووجه آخر: وهو أنه لما علم أنها فتنة، وأن الفتنة إذا سل فيها السيف لم يؤمن أن يقتل فيها من لا يستحق؛ فلم يختر لأصحابه أن يسلوا في الفتنة السيف، وهذا أيضا إشفاق منه عليهم، فتنة تعم؛ وتذهب فيها الأموال، وتهتك فيها الحريم، فصانهم عن جميع هذا.\nووجه آخر: يحتمل أن يصبر عن الانتصار لتكون الصحابة ﵃ شهودًا على من ظلمه وخالف أمره وسفك دمه بغير حق، لأن المؤمنين شهداء الله ﷿ في أرضه، ومع ذلك فلم يحب أن يهراق بسببه دم مسلم، ولا يخلف النبي - ﷺ - في أمته بإهراقه دم مسلم، وكذا قال ﵁، فكان عثمان ﵁ بهذا الفعل موفقًا معذورًا رشيدًا، وكان الصحابة ﵃ في عذر، وشقي قاتله. (١)\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ١٦٥ - ١٦٨).","vol":"5","page":236},{"text":"- وقال ﵀: كفى به شقوة لمن سب عثمان أو أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - قوله: \"من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" (١) وقوله - ﷺ - في أصحابه: \"لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد أذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه\" (٢). ولقوله - ﷺ -: \"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه\". (٣)\nوقال ﵀: قلت: والذي يسب عثمان ﵁ لا يضر عثمان، وإنما يضر نفسه. عثمان - ﵁ - قد شهد له النبي - ﷺ - بأنه يقتل شهيدًا مظلومًا، وبشره النبي - ﷺ - بالجنة ﵁ في غير حديث، رواه علي بن أبي طالب - ﵁ -، ورواه عنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - ﵁ -، ورواه عبد الرحمن بن عوف، وجماعة من الصحابة ﵃: أن عثمان - ﵁ -\n_________\n(١) الطبراني (١٢/ ١٤٢/١٢٧٠٩) من حديث ابن عباس. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢١): \"فيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف\". الخطيب في التاريخ (١٤/ ٢٤١) من حديث أنس. وزاد \"لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا\". فيه علي ابن يزيد الصدائي. قال في التقريب: \"فيه لين\". وفيه أيضًا أبو شيبة الجوهري، وهو ضعيف كما في التقريب. ابن أبي عاصم (٢/ ٤٨٣/١٠٠١) عن عطاء مرسلًا دون قوله: \"والملائكة ... \" ورمز له السيوطي في الجامع بالحسن (انظر فيض القدير ٦/ ١٤٦). وقال الشيخ الألباني ﵀بعد أن ذكر طرق وشواهد الحديث-: \"وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي على أقل الدرجات، والله أعلم\" (الصحيحة: ٢٣٤٠).\n(٢) أحمد (٥/ ٥٤و٥٥) والترمذي (٥/ ٦٥٣/٣٨٦٢) وقال: \"هذا حديث غريب\". وصححه ابن حبان (١٦/ ٢٤٤/٧٢٥٦). قال المناوي في فيض القدير (٢/ ٩٨): \"فيه عبد الرحمن بن زياد، قال الذهبي: لا يعرف. وفي الميزان: في الحديث اضطراب\".\n(٣) أحمد (٣/ ١١) والبخاري (٧/ ٢٤/٣٦٧٣) ومسلم (٤/ ١٩٦٧ - ١٩٦٨/ ٢٥٤١) وأبو داود (٥/ ٤٥/٤٦٥٨) والترمذي (٥/ ٦٥٣/٣٨٦١) عن أبي سعيد الخذري.","vol":"5","page":237},{"text":"من أهل الجنة؛ على رغم أنف كل منافق ذليل مهين في الدنيا والآخرة. (١)\n- وقال ﵀: على من قتل الحسين بن علي ﵄ لعنة الله، ولعنة اللاعنين، وعلى من أعان على قتله، وعلى من سب علي بن أبي طالب، وسب الحسن والحسين، أو آذى فاطمة في ولدها، أو آذى أهل بيت رسول الله - ﷺ -، فعليه لعنة الله وغضبه، لا أقام الله الكريم له وزنًا، ولا نالته شفاعة محمد - ﷺ -. (٢)\n- وقال ﵀: والخلفاء الراشدون فهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فمن كان لهم محبًا راضيًا بخلافتهم، متبعا لهم، فهو متبع لكتاب الله ﷿، ولسنة رسوله - ﷺ -، ومن أحب أهل بيت رسول الله - ﷺ - الطيبين، وتولاهم وتعلق بأخلاقهم، وتأدب بأدبهم، فهو على المحجة الواضحة، والطريق المستقيم والأمر الرشيد، ويرجى له النجاة ...\nفإن قال قائل: فما تقول فيمن يزعم أنه محب لأبي بكر وعمر وعثمان، متخلف عن محبة علي بن أبي طالب، ﵃، وعن محبة الحسن والحسين ﵄، غير راض بخلافة علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه؟ هل تنفعه محبة أبي بكر وعمر وعثمان، ﵃؟\nقيل له: معاذ الله، هذه صفة منافق، ليست بصفة مؤمن؛ قال النبي - ﷺ - لعلي بن أبي طالب ﵁: \"لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(٢) الشريعة (٣/ ٣٢٧).","vol":"5","page":238},{"text":"منافق\" (١). وقال ﵇: \"من آذى عليا فقد آذاني\" (٢). وشهد النبي - ﷺ - لعلي ﵁ بالخلافة وشهد له بالجنة، وبأنه شهيد، وأن عليًا ﵁، محب لله ﷿ ولرسوله، وأن الله ﷿ ورسوله - ﷺ - محبان لعلي ﵁، وجميع ما شهد له به رسول الله - ﷺ - من الفضائل التي تقدم ذكرنا لها. وما أخبر النبي - ﷺ - من محبته للحسن والحسين، ﵄، مما تقدم ذكرنا له. فمن لم يحب هؤلاء ويتولهم فعليه لعنة الله في الدنيا والآخرة، وقد بريء منه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃.\nوكذا من زعم أنه يتولى علِيَّ بن أبي طالب، ﵁، ويحب أهل بيته، ويزعم أنه لا يرضى بخلافة أبي بكر وعمر ولا عثمان، ولا يحبهم ويبرأ منهم، ويطعن عليهم، فنشهد بالله يقينًا أن علي بن أبي طالب والحسن والحسين، ﵃، برآء منه لا تنفعه محبتهم حتى يحب أبا بكر وعمر وعثمان، ﵃، كما قال علي بن أبي طالب ﵁ فيما وصفهم به، وذكر فضلهم، وتبرأ ممن لم يحبهم.\nفرضي الله عنه، وعن ذريته الطيبة، هذا طريق العقلاء من المسلمين،\n_________\n(١) أحمد (١/ ٨٤) ومسلم (١/ ٨٦/٧٨) والترمذي (٥/ ٦٠١/٣٧٣٦) والنسائي (٨/ ٤٩٠/٥٠٣٣) وابن ماجه (١/ ٤٢/١١٤) من حديث علي ﵁.\n(٢) أخرجه من حديث: عمرو بن شاس ﵁: أحمد (٣/ ٤٨٣) والحاكم (٣/ ١٢٢) وصححه ووافقه الذهبي. ابن حبان: [الإحسان (١٥/ ٣٦٥/٦٩٢٣)]، البزار (كشف الأستار ٣/ ٢٠٠/٢٥٦١). وذكره الهيثمي (٩/ ١٢٩) وقال: \"رواه أحمد والطبراني والبزار أخصر منه ورجاله ثقات\". ومن حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: أبو يعلى (٢/ ١٠٩/٧٧٠)، البزار (٣/ ٢٠٠/٢٥٦٢) وذكره الهيثمي (٩/ ١٢٩) وقال: \"رواه أبو يعلى والبزار باختصار ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير محمود بن خراش وقنان وهما ثقتان\". وفي الباب عن جابر، قال الشيخ الألباني: \"وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق\" [الصحيحة (٥/ ٣٧٣ - ٣٧٤/ ٢٢٩٥)].","vol":"5","page":239},{"text":"ونعوذ بالله ممن يقذف أهل بيت رسول الله - ﷺ - بالطعن على أبي بكر وعمر وعثمان، ﵃، لقد افترى على أهل البيت وقذفهم بما قد صانهم الله ﷿ عنه.\nوهل عرفت أكثر فضائل أبي بكر وعمر وعثمان؛ إلا مما رواه علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين؟ (١)\n- وقال ﵀: أما بعد؛ فإن سائلًا سأل عن مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وكيف كانت منزلتهم عنده؟ وهل كان متبعا لهم في خلافته بعدهم؟ وهل حفظ عنه شيء من فضائلهم؟ وهل غير في خلافته شيئًا من سيرتهم؟ فأحب السائل أن يعلم من ذلك ما يزيده محبة لجميعهم ﵃ وعن جميع الصحابة -﵃، وعن جميع أزواجه أمهات المؤمنين، وعن جميع أهل البيت- فأجيب السائل إلى الجواب عنه مختصرًا إن شاء الله، والله الموفق للصواب من القول والعمل.\nاعلموا رحمنا الله وإياكم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- لا يحفظ عنه الصحابة ومن تبعهم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين إلا محبة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ في حياتهم وفي خلافتهم وبعد وفاتهم. فأما في خلافتهم فسامع لهم مطيع يحبهم ويحبونه، ويعظم قدرهم ويعظمون قدره، صادق في محبته لهم، مخلص في الطاعة لهم، يجاهد من يجاهدون، ويحب ما يحبون، ويكره ما يكرهون، يستشيرونه في\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣).","vol":"5","page":240},{"text":"النوازل؛ فيشير مشورة ناصح مشفق محب، فكثير من سيرتهم بمشورته جرت، فقبض أبو بكر ﵁ فحزن لفقده حزنًا شديدًا، وقتل عمر ﵁ فبكى عليه بكاءً طويلًا، وقتل عثمان ﵁ ظلمًا؛ فبرأه الله ﷿ من دمه، وكان قتله عنده ظلمًا مبينًا.\nثم ولي الخلافة بعدهم، فعمل بسنتهم، وسار سيرتهم، واتبع آثارهم، وسلك طريقهم، وروى عن رسول الله - ﷺ - فضائلهم، وخطب الناس في غير وقت؛ فذكر شرفهم، وذم من خالفهم، وتبرأ من عدوهم، وأمر باتباع سنتهم وسيرتهم، فرضي الله عنه وعنهم\nوقال ﵀: فلن يحبهم إلا مؤمن تقي، قد وفقه الله ﷿ للحق ولن يتخلف عن محبتهم، أو عن محبة واحد منهم إلا شقي قد خطي به عن طريق الحق؛ ومذهبنا فيهم أنا نقول في الخلافة والتفضيل: أبو بكر؛ ثم عمر؛ ثم عثمان؛ ثم علي ﵃.\nويقال: رحمكم الله أنه لا يجتمع حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلا في قلوب أتقياء هذه الأمة. (١)\n- وقال ﵀: لقد خاب وخسر من أصبح وأمسى وفي قلبه بغض لعائشة ﵂ أو لأحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - أو لأحد من أهل بيت رسول الله - ﷺ - فرضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم. (٢)\n- وقال ﵀: من جاء إلى أصحاب رسول الله - ﷺ - حتى يطعن في\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٤١٢ - ٤١٣).\n(٢) الشريعة (٣/ ٤٩٥).","vol":"5","page":241},{"text":"بعضهم، ويهوى بعضهم، ويذم بعضًا ويمدح بعضًا، فهذا رجل طالب فتنة، وفي الفتنة وقع؛ لأنه واجب عليه محبة الجميع والاستغفار للجميع ﵃ ونفعنا بحبهم، ونحن نزيدك في البيان ليسلم قلبك للجميع وتدع البحث والتنقير عما شجر بينهم. (١)\n- وقال ﵀: لقد خاب وخسر من سب أصحاب رسول الله - ﷺ - لأنه خالف الله ورسوله، ولحقته اللعنة من الله ﷿ ومن رسوله ومن الملائكة ومن جميع المؤمنين، ولا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، لا فريضة ولا تطوعًا، وهو ذليل في الدنيا، وضيع القدر، كثر الله بهم القبور، وأخلى منهم الدور. (٢)\nباب ما جاء في الرافضة وسوء مذهبهم\n- وقال ﵀: أول ما نبتدئ به من ذكرنا في هذا الباب أنا نجل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وفاطمة ﵂، والحسن والحسين ﵄، وعقيل بن أبي طالب ﵁، وأولادهم، وأولاد جعفر الطيار ﵃، وذريتهم الطيبة المباركة، عن مذاهب الرافضة الذين قد خُطيء بهم عن طريق الرشاد.\nأهل بيت رسول الله - ﷺ - أعلى قدرًا وأصوب رأيًا وأعرف بالله ﷿ وبرسوله - ﷺ - مما تنحلهم الرافضة إليه، من سبهم لأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة ﵃.\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٥٣٩ - ٥٤٠).\n(٢) الشريعة (٣/ ٥٥٠).","vol":"5","page":242},{"text":"قد صان الله الكريم علي بن أبي طالب ﵁ ومن ذكرنا من ذريته الطيبة المباركة عما ينحلونهم إليه بالدلائل والبراهين التي تقدمت من ذكرهم ﵃ من أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة وسائر الصحابة إلا بكل جميل، بل هم كلهم عندنا إخوان على سرر متقابلين في الجنة قد نزع الله الكريم من قلوبهم الغل كما قال الله ﷿: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (١) ﵃.\nوقد تقدم ذكرنا لمذهب علي بن أبي طالب ﵁ في أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة ﵃، وما روي عن النبي - ﷺ - من فضائلهم وما ذكر من مناقب أبي بكر وعمر ﵁ عند وفاته، وما ذكر من مناقب عمر ﵁ عند وفاته، وما ذكر من عظم مصيبته بما جرى على عثمان ﵁ من قتله وتبرأ إلى الله ﷿ من قتله، وكذا ولده وذريته الطيبة، ينكرون على الرافضة سوء مذاهبهم ويتبرؤون منهم ويأمرون بمحبة أبي بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة ﵃؛ لأن الرافضة لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويطعنون على السلف، ولا نكاحهم نكاح المسلمين، ولا طلاقهم طلاق المسلمين، وهم أصناف كثيرة.\nمنهم من يقول: إن علي بن أبي طالب ﵁ إله.\n_________\n(١) الحجر الآية (٤٧).","vol":"5","page":243},{"text":"ومنهم من يقول: بل علي كان أحق بالنبوة من محمد، وأن جبريل غلط بالوحي.\nومنهم من يقول: هو نبي بعد النبي - ﷺ -.\nومنهم من يشتم أبا بكر وعمر ويكفرون جميع الصحابة ويقولون: هم في النار إلا ستة.\nومنهم من يرى السيف على المسلمين فإن لم يقدروا خنقوهم حتى يقتلوهم.\nوقد أجل الله الكريم أهل بيت رسول الله - ﷺ - عن مذاهبهم القذرة التي لا تشبه المسلمين.\nوفيهم من يقول بالرجعة، نعوذ بالله ممن ينحل هذا إلى من قد أجلهم الله الكريم وصانهم عنها رضي الله عن أهل البيت وجزاهم عن جميع المسلمين خيرًا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2147>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في الاعتصام: قال الشاطبي بعد ما ذكر حديث: \"وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب ... \" الحديث (٢)، فقال الإمام الآجري العالم السني أبو بكر ﵁: ميزوا هذا الكلام، فإنه لم يقل صرخنا من موعظة، ولا زعقنا ولا طرقنا على\n_________\n(١) الشريعة (٣/ ٥٥٣ - ٥٥٥).\n(٢) أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود (٥/ ١٣/٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٦) وقال: \"صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي.","vol":"5","page":244},{"text":"رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا، ولا زفنا ولا رقصنا كما يفعل كثير من الجهال؛ يصرخون عند المواعظ ويزعقون ويتغاشون. قال: وهذا كله من الشيطان يلعب بهم، وهذا كله بدعة وضلالة، ويقال لمن فعل هذا: اعلم أن النبي - ﷺ - أصدق الناس موعظة وأنصح الناس لأمته وأرق الناس قلبًا وخير الناس من جاء بعده، لا يشك في ذلك عاقل، ما صرخوا عند موعظته ولا زعقوا ولا رقصوا ولا زفنوا، ولو كان هذا صحيحًا لكانوا أحق الناس به أن يفعلوه بين يدي رسول الله - ﷺ -، ولكنه بدعة وباطل ومنكر فاعلم ذلك. انتهى كلامه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2148>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الشريعة:\nباب: ذكر الإيمان بأن القرآن كلام الله تعالى وأن كلامه ليس بمخلوق ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر.\nقال محمد بن الحسين: اعلموا رحمنا الله وإياكم: أن قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحق، ووفقوا للرشاد قديمًا وحديثًا: أن القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق، لأن القرآن من علم الله وعلم الله لا يكون مخلوقًا، تعالى الله عن ذلك. دلّ على ذلك القرآن والسنة، وقول الصحابة -﵃- وقول أئمة المسلمين، لا ينكر هذا إلا جهمي خبيث، والجهمي فعند العلماء كافر، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٣٥٦).","vol":"5","page":245},{"text":"فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (٢) وقال تعالى لنبيه -﵇-: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ (٣) وهو القرآن، وقال لموسى -﵇-: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٤) قال محمد بن الحسين: ومثل هذا في القرآن كثير. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٦). قال محمد بن الحسين -﵀-: لم يزل الله عالمًا متكلمًا سميعًا بصيرًا بصفاته قبل خلق الأشياء، من قال غير هذا كفر.\nوسنذكر من السنن والآثار وقول العلماء الذين لا يستوحش من\n_________\n(١) التوبة الآية (٦).\n(٢) البقرة الآية (٧٥).\n(٣) الأعراف الآية (١٥٨).\n(٤) الأعراف الآية (١٤٤).\n(٥) آل عمران الآية (٦١).\n(٦) البقرة الآية (١٤٥).","vol":"5","page":246},{"text":"ذكرهم ما إذا سمعها من له علم وعقل، زاده علمًا وفهمًا، وإذا سمعها من في قلبه زيغ، فإن أراد الله هدايته إلى طريق الحق رجع عن مذهبه، وإن لم يرجع فالبلاء عليه أعظم. (١)\n- وفيها:\nباب: ذكر النهي عن مذاهب الواقفة:\nقال محمد بن الحسين: وأما الذين قالوا: القرآن كلام الله، ووقفوا فيه وقالوا: لا نقول غير مخلوق، فهؤلاء عند كثير من العلماء ممن رد على من قال بخلق القرآن، قالوا: هؤلاء الواقفة مثل من قال: القرآن مخلوق وأشر، لأنهم شكوا في دينهم ونعوذ بالله ممن يشك في كلام الرب أنه غير مخلوق. (٢)\n- وفيها:\nباب: ذكر اللفظية ومن زعم أن هذا القرآن حكاية للقرآن\nالذي في اللوح المحفوظ كذبوا.\nقال محمد بن الحسين: احذروا رحمكم الله هؤلاء الذين يقولون: إن لفظه بالقرآن مخلوق، وهذا عند أحمد بن حنبل، ومن كان على طريقته: منكر عظيم، وقائل هذا مبتدع، خبيث ولا يكلم، ولا يجالس، ويحذر منه الناس، لا يعرف العلماء غير ما تقدم ذكرنا له، وهو: أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال: مخلوق، فقد كفر. ومن قال: القرآن كلام الله ووقف فهو جهمي ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي أيضًا، كذا قال أحمد\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٢١٤ - ٢١٥).\n(٢) الشريعة (١/ ٢٣٢).","vol":"5","page":247},{"text":"بن حنبل، وغلظ فيه القول جدًا، وكذا من قال: إن هذا القرآن الذي يقرؤه الناس، وهو في المصاحف: حكاية لما في اللوح المحفوظ، فهذا قول منكر، ينكره العلماء. يقال لقائل هذه المقالة: القرآن يكذبك، ويرد قولك، والسنة تكذبك وترد قولك. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) فأخبر الله تعالى: أنه إنما يسمع الناس كلام الله، ولم يقل: حكاية كلام الله. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) (٢) فأخبر أن السامع إنما يسمع القرآن، ولم يقل: حكاية القرآن. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هذا الْقُرْآَنَ يهدي لِلَّتِي هي أَقْوَمُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ\n_________\n(١) التوبة الآية (٦).\n(٢) الأعراف الآية (٢٠٤).\n(٣) الإسراء الآية (٩).","vol":"5","page":248},{"text":"فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (١) ولم يقل يستمعون حكاية القرآن، ولا قالت الجن: إنا سمعنا حكاية القرآن، كما قال: من ابتدع بدعة ضلالة، وأتى بخلاف الكتاب والسنة وبخلاف قول المؤمنين. وقال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تيسر مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (٢) قال محمد بن الحسين: وهذا في القرآن كثير لمن تدبره. وقال النبي: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" (٣) وقال: \"إن الرجل الذي ليس في جوفه من القرآن شيء، كالبيت الخرب\" (٤) وقال: \"مثل القرآن مثل الإبل المعقلة، إن تعاهدها صاحبها أمسكها، وإن تركها ذهبت\" (٥)، وقال - ﷺ -: \"لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو\" (٦) وقال في حديث آخر: \"لا تسافروا بالمصاحف إلى العدو، فإني أخاف أن ينالوها\" (٧) وقال: \"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله -عز\n_________\n(١) الأحقاف الآية (٢٩) ..\n(٢) الجن الآية (١).\n(٣) المزمل الآية (٢٠).\n(٤) أحمد (١/ ٥٨) والبخاري (٩/ ٩١/٥٠٢٧) وأبو داود (٢/ ١٤٧/١٤٥٢) والترمذي (٥/ ١٥٩/٢٩٠٧) وابن ماجه (١/ ٧٦ - ٧٧/ ٢١١) والنسائي في الكبرى (٥/ ١٩/٨٠٣٦) من حديث عثمان بن عفان.\n(٥) أخرجه: أحمد (١/ ٢٢٣) والترمذي (٥/ ١٦٢/٢٩١٣) والحاكم (١/ ٥٥٤) من طريق جرير بن عبد الحميد عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس فذكره. وقال الترمذي: \"حسن صحيح\" وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وتعقبه الذهبي بقوله: \"قلت: قابوس لين\".\n(٦) أخرجه: أحمد (٢/ ٦٤و١١٢) والبخاري (٩/ ٩٧/٥٠٣١) ومسلم (١/ ٥٤٣/٧٨٩) والنسائي (٢/ ٤٩٢/٩٤١) وابن ماجه (٢/ ١٢٤٣/٣٧٨٣) من حديث ابن عمر.\n(٧) انظر تخريجه في مواقف أحمد بن كامل القاضي سنة (٣٥٠هـ).\n(٨) أخرجه أحمد (٢/ ٧٦) وابن أبي داود في المصاحف (٢٠٦) وعلقه البخاري (٦/ ١٦٤) من حديث ابن عمر ﵄ ..","vol":"5","page":249},{"text":"وجل- القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار\" (١).اهـ (٢)\n- وفيها: قال محمد بن الحسين: فينبغي للمسلمين أن يتقوا الله تعالى، ويتعلموا القرآن، ويتعلموا أحكامه، فيحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويعملوا بمحكمه، ويؤمنوا بمتشابهه، ولا يماروا فيه، ويعلموا أنه كلام الله تعالى غير مخلوق. فإن عارضهم إنسان جهمي فقال: مخلوق، أو قال: القرآن كلام الله ووقف، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو قال: هذا القرآن حكاية لما في اللوح المحفوظ. فحكمه أن يهجر ولا يكلم، ولا يصلى خلفه، ويحذر منه. وعليكم بعد ذلك بالسنن عن رسول الله - ﷺ -، وسنن أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وقول التابعين، وقول أئمة المسلمين مع ترك المراء والخصومة والجدال في الدين. فمن كان على هذا الطريق رجوت له من الله تعالى كل خير. (٣)\n- وفيها: قال محمد بن الحسين ﵀: اعلموا وفقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل أن أهل الحق يصفون الله ﷿ بما وصف به نفسه ﷿، وبما وصفه به رسوله - ﷺ -، وبما وصفه به الصحابة ﵃. وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع، ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به: أن الله ﷿ يضحك، وكذا روي عن النبي - ﷺ -، وعن صحابته ولا ينكر هذا إلا من لا يحمد حاله عند أهل الحق. (٤)\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٦و٨٨) والبخاري (١٣/ ٦١٤/٧٥٢٩) ومسلم (١/ ٥٥٨/٨١٥) والترمذي (٤/ ٢٩١/١٩٣٦) والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٧/٨٠٧٢) وابن ماجه (٢/ ١٤٠٨/٤٢٠٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) الشريعة (١/ ٢٣٥ - ٢٣٧).\n(٣) الشريعة (١/ ٢٣٩).\n(٤) الشريعة (٢/ ٥٢).","vol":"5","page":250},{"text":"- وفيها: فإن اعترض جاهل ممن لا علم معه، أو بعض هؤلاء الجهمية الذين لم يوفقوا للرشاد، ولعب بهم الشيطان وحرموا التوفيق فقال: المؤمنون يرون الله يوم القيامة؟ قيل له: نعم، والحمد لله تعالى على ذلك. فإن قال الجهمي: أنا لا أؤمن بهذا. قيل له: كفرت بالله العظيم. فإن قال: وما الحجة. قيل: لأنك رددت القرآن والسنة، وقول الصحابة ﵃، وقول علماء المسلمين، واتبعت غير سبيل المؤمنين، وكنت ممن قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) فأما نص القرآن فقول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢٣) (٢) وقال تعالى وقد أخبرنا عن الكفار أنهم محجوبون عن رؤيته فقال تعالى ذكره: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٣) فدل بهذه الآية: أن المؤمنين ينظرون إلى الله، وأنهم غير محجوبين عن رؤيته، كرامة منه لهم. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٤) فروي أن \"الزيادة\" هي النظر\n_________\n(١) النساء الآية (١١٥).\n(٢) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٣) المطففين الآيات (١٥ - ١٧).\n(٤) يونس الآية (٢٦).","vol":"5","page":251},{"text":"إلى الله تعالى (١). وقال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (٢) واعلم رحمك الله أن عند أهل العلم باللغة أن اللقي هاهنا لا يكون إلا معاينة، يراهم الله تعالى ويرونه، ويسلم عليهم، ويكلمهم ويكلمونه. قال محمد بن الحسين: وقد قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣) وكان مما بينه لأمته في هذه الآيات: أنه أعلمهم في غير حديث: \"إنكم ترون ربكم تعالى\" (٤) روى عنه جماعة من صحابته ﵃، وقبلها العلماء عنهم أحسن القبول، كما قبلوا عنهم علم الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وعلم الحلال والحرام، كذا قبلوا منهم الأخبار: أن المؤمنين يرون الله تعالى، لا يشكون في ذلك، ثم قالوا: من رد هذه الأخبار فقد كفر. (٥)\n- وفيها: فإن اعترض بعض من قد استحوذ عليهم الشيطان، فهم في غيهم يترددون ممن يزعم أن الله ﷿ لا يرى في القيامة، واحتج بقول الله ﷿: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ٣٣٢) ومسلم (١/ ١٦٣/١٨١ [٢٩٨]) والترمذي (٤/ ٥٩٣/٢٥٥٢) وابن ماجه (١/ ٦٧/١٨٧) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤٢٠/٧٧٦٦) عن صهيب بن سنان ﵁.\n(٢) الأحزاب الآيتان (٤٣و٤٤).\n(٣) النحل الآية (٤٤).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٥) الشريعة (٢/ ٦ - ٧).","vol":"5","page":252},{"text":"الْخَبِيرُ﴾ (١) فجحد النظر إلى الله ﷿ بتأويله الخاطئ لهذه الآية. قيل له: يا جاهل، إن الذي أنزل ﷿ عليه القرآن، وجعله الحجة على خلقه، وأمره بالبيان لما أنزل عليه من وحيه، هو أعلم بتأويلها منك يا جهمي، هو الذي قال لنا: \"إنكم سترون ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر\". فقبلنا عنه ما بشرنا به من كرامة ربنا ﷿ على حسب ما تقدم ذكرنا له من الأخبار الصحاح عند أهل الحق من العلم، ثم فسر لنا الصحابة ﵃ بعده، ومن بعدهم من التابعين ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢٣) (٢) فسروه على النظر إلى وجه الله ﷿، وكانوا بتفسير القرآن وبتفسير ما احتججت به من قوله ﷿: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٣) أعرف منك، وأهدى منك سبيلًا، والنبي - ﷺ - فسر لنا قول الله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٤) وكانت الزيادة: النظر إلى وجه الله تعالى، وكذا عند صحابته ﵃، فاستغنى أهل الحق بهذا، مع تواتر الأخبار الصحاح عن النبي - ﷺ - بالنظر إلى وجه الله ﷿، وقبلها أهل العلم أحسن قبول. وكانوا بتأويل الآية التي عارضت بها\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٠٣).\n(٢) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٣) الأنعام الآية (١٠٣).\n(٤) يونس الآية (٢٦).","vol":"5","page":253},{"text":"أهل الحق أعلم منك يا جهمي. فإن قال قائل: فما تأويل قوله ﷿ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (١)؟\nقيل له: معناها عند أهل العلم: أي لا تحيط به الأبصار، ولا تحويه ﷿، وهم يرونه من غير إدراك ولا يشكون في رؤيته، كما يقول الرجل: رأيت السماء وهو صادق، ولم يحط بصره بكل السماء، ولم يدركها، وكما يقول الرجل: رأيت البحر، وهو صادق. ولم يدرك بصره كل البحر، ولم يحط ببصره، هكذا فسره العلماء، إن كنت تعقل. (٢)\n- وفيها: فإنه من ادعى أنه مسلم ثم زعم أن الله ﷿ لم يكلم موسى فقد كفر، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. فإن قال قائل: لم؟ قيل: لأنه رد القرآن وجحده، ورد السنة، وخالف جميع علماء المسلمين، وزاغ عن الحق، وكان ممن قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣) وأما الحجة عليهم من القرآن: فإن الله جل وعز قال في سورة النساء: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ (٤) وقال عز\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٠٣) ..\n(٢) الشريعة (٢/ ٤٩ - ٥٠).\n(٣) النساء الآية (١١٥).\n(٤) النساء الآية (١٦٤).","vol":"5","page":254},{"text":"وجل في سورة الأعراف: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (١) وقال ﷿: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٢) الآية. وقال ﷿ في سورة طه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣) إلى آخر الآيات. وقال ﷿ في سورة النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤)\nوقال ﷿ في سورة القصص: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) وقال ﷿ في سورة والنازعات: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٤٣).\n(٢) الأعراف الآية (١٤٤).\n(٣) طه الآيات (١١ - ١٤).\n(٤) النمل الآيتان (٨و٩) ..\n(٥) القصص الآية (٣٠).","vol":"5","page":255},{"text":"الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (١) قال محمد بن الحسين ﵀: فمن زعم أن الله ﷿ لم يكلم موسى فقد رد نص القرآن، وكفر بالله العظيم. فإن قال منهم قائل: إن الله تعالى خلق كلامًا في الشجرة، فكلم به موسى قيل: هذا هو الكفر، لأنه يزعم أن الكلام مخلوق، تعالى الله ﷿ عن ذلك ويزعم أن مخلوقًا يدعي الربوبية، وهذا من أقبح القول وأسمجه. وقيل له: يا ملحد، هل يجوز لغير الله أن يقول: إنني أنا الله؟ نعوذ بالله أن يكون قائل هذا مسلما، هذا كافر يستتاب، فإن تاب ورجع عن مذهبه السوء وإلا قتله الإمام، فإن لم يقتله الإمام ولم يستتبه وعلم منه أن هذا مذهبه هجر ولم يكلم، ولم يسلم عليه. ولم يصل خلفه، ولم تقبل شهادته. ولم يزوجه المسلم كريمته. (٢)\n- قال محمد بن الحسين ﵀ وهو يتحدث عن نزول الرب سبحانه: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة. وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف، لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله - ﷺ -: أن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة (٣). والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، فكما قبل العلماء عنهم ذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها ضال\n_________\n(١) النازعات الآيتان (١٥و١٦).\n(٢) الشريعة (٢/ ٨٤ - ٨٥).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).","vol":"5","page":256},{"text":"خبيث، يحذرونه ويحذرون منه. (١)\n- وفيها: قال محمد بن الحسين: يقال للجهمي الذي ينكر أن الله خلق آدم بيده: كفرت بالقرآن، ورددت السنة، وخالفت الأمة. فأما القرآن: فإن الله ﷿ لما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس. قال الله ﷿: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (٢) وقال -﷿- في سورة الحجر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ (٣). فحسد إبليس آدم؛ لأن الله ﷿ خلقه بيده، ولم يخلق إبليس بيده. ولما التقى موسى ﵇ مع آدم ﵇ فاحتجا، فكان من حجة موسى لآدم؛ أنه قال: أنت أبونا آدم خلقك الله تعالى بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك. فاحتج موسى على آدم بالكرامة التي خص الله -﷿- بها آدم، مما لم يخص غيره بها: من أن الله ﷿ خلقه بيده، وأمر ملائكته فسجدوا له، فمن أنكر هذا فقد كفر.\n_________\n(١) الشريعة (٢/ ٩٣).\n(٢) ص الآية (٧٥).\n(٣) الحجر الآيات (٢٨ - ٣١).","vol":"5","page":257},{"text":"ثم احتج آدم على موسى، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، وذكر الحديث (١).اهـ (٢)\n- وفيها: قال محمد بن الحسين: اعلموا رحمكم الله، أن المنكر للشفاعة يزعم أن من دخل النار فليس بخارج منها، وهذا مذهب المعتزلة يكذبون بها، وبأشياء سنذكرها إن شاء الله تعالى، مما لها أصل في كتاب الله ﷿، وسنن رسول الله - ﷺ -، وسنن الصحابة ﵃، ومن تبعهم بإحسان، وقول فقهاء المسلمين. فالمعتزلة يخالفون هذا كله، لا يلتفتون إلى سنن رسول الله - ﷺ -، ولا إلى سنن أصحابه ﵃. وإنما يعارضون بمتشابه القرآن، وبما أراهم العقل عندهم، وليس هذا طريق المسلمين، وإنما هذا طريق من قد زاغ عن طريق الحق، وقد لعب به الشيطان. وقد حذرنا الله ﷿ ممن هذه صفته، وحذرناهم النبي - ﷺ -، وحذرناهم أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا. (٣)\n- وفيها: قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: إن المكذب بالشفاعة أخطأ في تأويله خطأ فاحشًا، خرج به عن الكتاب والسنة، وذلك أنه عمد إلى آيات من القرآن نزلت في أهل الكفر، أخبر الله ﷿: أنهم إذا دخلوا النار أنهم غير خارجين منها، فجعلها المكذب بالشفاعة في الموحدين، ولم يلتفت إلى أخبار رسول الله - ﷺ - في إثبات الشفاعة؛ أنها إنما هي لأهل\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف محمد بن خفيف سنة (٣٧١هـ).\n(٢) الشريعة (٢/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(٣) الشريعة (٢/ ١٤٠).","vol":"5","page":258},{"text":"الكبائر، والقرآن يدل على هذا، فخرج بقوله السوء عن جملة ما عليه أهل الإيمان، واتبع غير سبيلهم قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) قال محمد بن الحسين ﵀: فكل من رد سنن رسول الله - ﷺ - وسنن أصحابه فهو ممن شاقق الرسول وعصاه، وعصى الله تعالى بتركه قبول السنن، ولو عقل هذا الملحد وأنصف من نفسه، علم أن أحكام الله ﷿ وجميع ما تعبد به خلقه إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، وقد أمر الله ﷿ نبيه ﵇ أن يبين لخلقه ما أنزله عليه مما تعبدهم به، فقال جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) وقد بين - ﷺ - لأمته جميع ما فرض الله ﷿ عليهم من جميع الأحكام ويبين لهم أمر الدنيا وأمر الآخرة وجميع ما ينبغي أن يؤمنوا به ولم يدعهم جهلة لا يعلمون حتى أعلمهم أمر الموت والقبر وما يلقى المؤمن، وما يلقى الكافر، وأمر المحشر والوقوف وأمر الجنة والنار حالًا بعد حال يعرفه أهل الحق وسنذكر كل باب في موضعه إن شاء الله تعالى. (٣)\n_________\n(١) النساء الآية (١١٥).\n(٢) النحل الآية (٤٤).\n(٣) الشريعة (٢/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"5","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2149>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال محمد بن الحسين: لم يختلف العلماء قديمًا وحديثًا أن الخوارج قوم سوء، عصاة لله تعالى ولرسوله - ﷺ -، وإن صلوا وصاموا، واجتهدوا في العبادة، فليس ذلك بنافع لهم، نعم ويظهرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس ذلك بنافع لهم؛ لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، ويموهون على المسلمين، وقد حذرنا الله تعالى منهم، وحذرنا النبي - ﷺ -، وحذرناهم الخلفاء الراشدون بعده، وحذرناهم الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان. والخوارج هم الشراة الأنجاس الأرجاس، ومن كان على مذهبهم من سائر الخوارج، يتوارثون هذا المذهب قديما وحديثا، ويخرجون على الأئمة والأمراء ويستحلون قتل المسلمين. فأول قرن طلع منهم على عهد رسول الله - ﷺ -: هو رجل طعن على رسول الله - ﷺ -، وهو يقسم الغنائم، فقال: اعدل يا محمد، فما أراك تعدل، فقال - ﷺ -: \"ويلك، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ \" فأراد عمر ﵁ قتله، فمنعه النبي - ﷺ - من قتله وأخبر: \"أن هذا وأصحابا له يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين\" (١). وأمر في غير حديث بقتالهم، وبين فضل من قتلهم أو قتلوه. ثم إنهم بعد ذلك خرجوا من بلدان شتى، واجتمعوا وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قدموا المدينة، فقتلوا عثمان بن عفان ﵁. وقد اجتهد أصحاب رسول الله - ﷺ - ممن كان بالمدينة في أن لا يقتل\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٦٥) والبخاري (٦/ ٧٦٦/٣٦١٠) ومسلم (٢/ ٧٤٤ - ٧٤٥/ ١٠٦٤ (١٤٨» والنسائي في الكبرى (٥/ ١٥٩/٨٥٦٠) وابن ماجه (١/ ٦٠/١٦٩) مختصرًا. من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"5","page":260},{"text":"عثمان، فما أطاقوا على ذلك ﵃، ثم خرجوا بعد ذلك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ولم يرضوا لحكمه.\nوأظهروا قولهم وقالوا: لا حكم إلا لله، فقال علي ﵁: كلمة حق أرادوا بها الباطل. فقاتلهم علي ﵁ فأكرمه الله تعالى بقتلهم، وأخبر عن النبي - ﷺ - بفضل من قتلهم أو قتلوه، وقاتل معه الصحابة فصار سيف علي ﵁ في الخوارج سيف حق إلى أن تقوم الساعة. (١)\n- وقال محمد بن الحسين: فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام عدلًا كان الإمام أو جائرًا، فخرج وجمع جماعة وسل سيفه، واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن، ولا بطول قيامه في الصلاة، ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه مذهب الخوارج. وقد روي عن رسول الله - ﷺ - فيما قلته أخبار لا يدفعها كثير من علماء المسلمين، بل لعله لا يختلف في العلم بها جميع أئمة المسلمين. (٢)\n- وقال محمد بن الحسين: قد ذكرت من التحذير من مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله تعالى عن مذهب الخوارج، ولم ير رأيهم، وصبر على جور الأئمة، وحيف الأمراء، ولم يخرج عليهم بسيفه، وسأل الله تعالى كشف الظلم عنه، وعن المسلمين، ودعا للولاة بالصلاح، وحج معهم، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين، وصلى معهم الجمعة والعيدين، فإن أمروه\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٣٦ - ١٣٨).\n(٢) الشريعة (١/ ١٤٥).","vol":"5","page":261},{"text":"بطاعة فأمكنه أطاعهم، وإن لم يمكنه اعتذر إليهم، وإن أمروه بمعصية لم يطعهم، وإذا دارت الفتن بينهم لزم بيته، وكف لسانه ويده، ولم يهو ما هم فيه، ولم يعن على فتنة، فمن كان هذا وصفه كان على الصراط المستقيم إن شاء الله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2150>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في الشريعة: لا يصح الدين إلا بالتصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، مثل الصلاة، والزكاة والصيام، والحج، والجهاد، وما أشبه ذلك. (٢)\n- وفيها: قال محمد بن الحسين: اعلموا رحمنا الله وإياكم: أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. ثم اعلموا: أنه لا تجزيء المعرفة بالقلب والتصديق، إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزيء معرفة بالقلب، ونطق باللسان، حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال: كان مؤمنًا. دل على ذلك القرآن والسنة، وقول علماء المسلمين. فأما ما لزم القلب من فرض الإيمان فقول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ\n_________\n(١) الشريعة (١/ ١٥٧).\n(٢) الشريعة (١/ ٢٥١).\n(٣) المائدة الآية (٤١).","vol":"5","page":262},{"text":"مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٢) الآية. فهذا مما يدلك على أن على القلب الإيمان، وهو التصديق والمعرفة، ولا ينفع القول إذ لم يكن القلب مصدقًا بما ينطق به اللسان مع العمل، فاعلموا ذلك.\nوأما فرض الإيمان باللسان: فقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (٣) الآية. وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤) الآية. وقال النبي - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأني رسول الله ... \" (٥) وذكر الحديث. فهذا الإيمان باللسان نطقًا فرضًا\n_________\n(١) النحل الآية (١٠٦).\n(٢) الحجرات الآية (١٤).\n(٣) البقرة الآيتان (١٣٦و١٣٧).\n(٤) آل عمران الآية (٨٤).\n(٥) تقدم تخريجه في مواقف الحكم بن عتيبة سنة (١١٥هـ).","vol":"5","page":263},{"text":"واجبًا. وأما الإيمان بما فرض على الجوارح تصديقًا بما آمن به القلب، ونطق به اللسان: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ في غير موضع من القرآن، ومثله فرض الصيام على جميع البدن، ومثله فرض الجهاد بالبدن، وبجميع الجوارح. فالأعمال رحمكم الله بالجوارح: تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بعمله وبجوارحه: مثل الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام والحج والجهاد، وأشباه لهذه، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمنًا، ولم ينفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيبًا منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكرناه تصديقًا منه لإيمانه، وبالله التوفيق. وقد قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ (٢). فقد بين النبي - ﷺ - لأمته شرائع الإيمان: أنها على هذا النعت في أحاديث كثيرة، وقد قال تعالى في كتابه، وبين في غير موضع: أن الإيمان لا يكون إلا بعمل، وبينه النبي - ﷺ - خلاف ما قالت المرجئة، الذين لعب بهم الشيطان.\nقال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿* لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى\n_________\n(١) آل عمران الآية (٨٤).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف الحكم بن عتيبة سنة (١١٥هـ).","vol":"5","page":264},{"text":"الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ والسائلين وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿المتقون﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال محمد بن الحسين: اعلموا رحمنا الله وإياكم يا أهل القرآن، ويا أهل العلم، ويا أهل السنن والآثار، ويا معشر من فقههم الله تعالى في الدين، بعلم الحلال والحرام أنكم إن تدبرتم القرآن، كما أمركم الله تعالى علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله: العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم، وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة، والنجاة من النار، إلا بالإيمان والعمل الصالح. وقرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده، حتى ضم إليه العمل الصالح، الذي قد وفقهم له، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقًا بقلبه، وناطقا بلسانه، وعاملًا بجوارحه لا يخفى على من تدبر القرآن وتصفحه، وجده كما ذكرت.\nواعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم أني قد تصفحت القرآن فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعا من كتاب الله ﷿: أن الله ﵎ لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم،\n_________\n(١) البقرة الآية (١٧٧).\n(٢) الشريعة (١/ ٢٧٤ - ٢٧٦).","vol":"5","page":265},{"text":"وبما وفقهم له من الإيمان به، والعمل الصالح، وهذا رد على من قال: \"الإيمان: المعرفة\" ورد على من قال: \"المعرفة والقول، وإن لم يعمل\" نعوذ بالله من قائل هذا. فإن قال: فاذكر هذا الذي بينته من كتاب الله ﷿، ليستغني غيرك عن التصفح للقرآن. قيل له: نعم، والله تعالى الموفق لذلك، والمعين عليه. قال الله ﵎ في سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ (١) وقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ (٢) وقال ﵎ في سورة آل عمران: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾ (٣)\nوقال ﷿ في سورة النساء: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٥).\n(٢) البقرة الآية (٢٧٧).\n(٣) آل عمران الآيتان (٥٦و٥٧) ..","vol":"5","page":266},{"text":"وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ (١) وقال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣) الآية. وقال ﵎ في سورة المائدة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ (٤) وقال ﷿ في سورة الأنعام: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ\n_________\n(١) النساء الآية (٥٧).\n(٢) النساء الآية (١٢٢).\n(٣) النساء الآيتان (١٧٢و١٧٣).\n(٤) المائدة الآيتان (٩و١٠).","vol":"5","page":267},{"text":"وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾ (١)\nوقال ﷿ في سورة الأعراف: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ (٢) وقال ﷿ في سورة براءة: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الفائزون (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ (٣) وقال ﷿ في سورة براءة أيضًا: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ\n_________\n(١) الأنعام الآية (٤٨) ..\n(٢) الأعراف الآيتان (٤٢و٤٣).\n(٣) براءة الآيات (٢٠ - ٢٢).","vol":"5","page":268},{"text":"وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ (١).\nقال محمد بن الحسين -رحمه الله تعالى-: اعتبروا رحمكم الله بما تسمعون، لم يعطهم مولاهم الكريم هذا الخير كله بالإيمان وحده، حتى ذكر ﷿ هجرتهم وجهادهم بأموالهم وأنفسهم. وقد علمتم أن الله ﷿ ذكر قومًا آمنوا بمكة، ولم يهاجروا مع رسوله - ﷺ - ماذا قال فيهم؟ وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٢) ثم ذكر قومًا آمنوا بمكة وأمكنتهم الهجرة إليه، فلم يهاجروا، فقال فيهم قولًا، هو أعظم من هذا. وهو قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ (٣) ثم عذر جل ذكره من لم يستطع الهجرة ولا النهوض بعد إيمانه، فقال ﷿: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ\n_________\n(١) براءة الآية (٨٨).\n(٢) الأنفال الآية (٧٢).\n(٣) النساء الآية (٩٧).","vol":"5","page":269},{"text":"سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (١) الآية.\nقال محمد بن الحسين -رحمه الله تعالى-: كل هذا يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. ولا يجوز غير هذا (٢)، ردًا على المرجئة، الذين لعب بهم الشيطان. ميزوا هذا تفقهوا، إن شاء الله.\nوقال ﷿ في سورة يونس: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ (٥) وقال تعالى في سورة الرعد: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ\n_________\n(١) النساء الآيتان (٩٨و٩٩).\n(٢) قال محقق الكتاب في (ت) -يعني النسخة التركية-: ولا يجوز غير هذا.\n(٣) يونس الآية (٤).\n(٤) يونس الآية (٩).\n(٥) يونس الآيتان (٦٣و٦٤).","vol":"5","page":270},{"text":"وَحُسْنُ مَآَبٍ (٢٩)﴾ (١) وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾ (٢) وقال تعالى في سورة سبحان: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ (٣)\nوقال تعالى في سورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرائك نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ\n_________\n(١) الرعد الآيتان (٢٨و٢٩).\n(٢) إبراهيم الآية (٢٣).\n(٣) الإسراء الآية (٩) ..\n(٤) الكهف الآيات (١ - ٣).\n(٥) الكهف الآيتان (٣٠و٣١).","vol":"5","page":271},{"text":"آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ (١).\nوقال تعالى في سورة مريم: ﴿* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ (٢) وقال في سورة مريم أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ (٣) وقال تعالى في سورة طه: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ (٥) وقال تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ\n_________\n(١) الكهف الآيتان (١٠٧و١٠٨).\n(٢) مريم الآيتان (٥٩و٦٠).\n(٣) مريم الآية (٩٦).\n(٤) طه الآيتان (٧٥و٧٦).\n(٥) طه الآية (٨٢).","vol":"5","page":272},{"text":"جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾ (١) وقال ﷿: ﴿إِن اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)﴾ (٤)\nوقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ\n_________\n(١) الحج الآية (١٤).\n(٢) الحج الآية (٢٣).\n(٣) الحج الآيتان (٤٩و٥٠).\n(٤) الحج الآية (٥٦) ..\n(٥) العنكبوت الآية (٧).","vol":"5","page":273},{"text":"يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾ (١) وقال تعالى في سورة الروم: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ (٢) وقال تعالى في سورة لقمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ (٣) وقال تعالى في سورة السجدة: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ (٤) وقال تعالى في سورة سبأ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ\n_________\n(١) العنكبوت الآيتان (٥٨و٥٩).\n(٢) الروم الآيتان (١٤و١٥).\n(٣) لقمان الآيتان (٨و٩).\n(٤) السجدة الآيتان (١٨و١٩).\n(٥) سبأ الآية (٤).","vol":"5","page":274},{"text":"آَمِنُونَ (٣٧)﴾ (١)\nوقال تعالى في سورة فاطر: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ (٢) وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٣) وقال تعالى في سورة حم عسق: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٥) وقال تعالى في سورة الزخرف: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾ إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ\n_________\n(١) سبأ الآية (٣٧) ..\n(٢) فاطر الآية (٧).\n(٣) الزمر الآيتان (٧٣و٧٤).\n(٤) الشورى الآية (٢٢).\n(٥) الشورى الآية (٢٣).","vol":"5","page":275},{"text":"الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (١) وقال تعالى في سورة الجاثية: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾ (٢)\nوقال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾ (٣) وقال تعالى في سورة محمد - ﷺ -: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ (٥) وقال في سورة التغابن: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي\n_________\n(١) الزخرف الآيات (٦٧ - ٧٢).\n(٢) الجاثية الآيات (٢٨ - ٣٠) ..\n(٣) الأحقاف الآيتان (١٣و١٤).\n(٤) محمد الآيتان (١و٢).\n(٥) محمد الآية (١٢).","vol":"5","page":276},{"text":"مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ (١) وقال في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢) وقال تعالى في سورة (إذا السماء انشقت): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ (٣) وقال تعالى في سورة البروج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)﴾ (٤)\nوقال تعالى في سورة التين والزيتون: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ (٥) وقال تعالى في سورة البينة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿إِن الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ (٦) وقال ﷿ في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ\n_________\n(١) التغابن الآية (٩).\n(٢) الطلاق الآية (١١).\n(٣) الانشقاق الآية (٢٥).\n(٤) البروج الآية (١١) ..\n(٥) التين الآية (٦).\n(٦) البينة الآيات (١ - ٧).","vol":"5","page":277},{"text":"الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ قال محمد بن الحسين: ميزوا رحمكم الله قول مولاكم الكريم: هل ذكر الإيمان في موضع واحد من القرآن، إلا وقد قرن إليه العمل الصالح؟ وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١) فأخبر تعالى، بأن الكلم الطيب حقيقته أن يرفع إلى الله تعالى بالعمل، إن لم يكن عمل بطل الكلام من قائله، ورد عليه. ولا كلام طيب أجل من التوحيد ولا عمل من أعمال الصالحات أجل من أداء الفرائض. (٢)\n- وقال محمد بن الحسين: من قال: الإيمان قول دون العمل، يقال له: رددت القرآن والسنة، وما عليه جميع العلماء، وخرجت من قول المسلمين، وكفرت بالله العظيم. فإن قال: بم ذا؟ قيل له: إن الله ﷿، أمر المؤمنين بعد أن صدقوا في إيمانهم: أمرهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وفرائض كثيرة، يطول ذكرها، مع شدة خوفهم على التفريط فيها النار والعقوبة الشديدة. فمن زعم أن الله تعالى فرض على المؤمنين ما ذكرنا، ولم يرد منهم العمل، ورضي منهم بالقول، فقد خالف الله ﷿ ورسوله - ﷺ -، فإن الله ﷿ لما تكامل أمر الإسلام بالأعمال قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ\n_________\n(١) فاطر الآية (١٠).\n(٢) الشريعة (١/ ٢٧٧ - ٢٨٤).","vol":"5","page":278},{"text":"لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) وقال النبي - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس» (٢) وقال - ﷺ -: «من ترك الصلاة فقد كفر» (٣).\nقال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: ومن قال: الإيمان: المعرفة، دون القول والعمل، فقد أتى بأعظم من مقالة من قال: الإيمان: قول. ولزمه أن يكون إبليس على قوله مؤمنًا. لأن إبليس قد عرف ربه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ (٤) وقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ (٥) ويلزم أن تكون اليهود لمعرفتهم بالله وبرسوله أن يكونوا مؤمنين، قال الله ﷿: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٦) فقد أخبر ﷿: أنهم يعرفون الله تعالى ورسوله.\nويقال لهم: إيش الفرق بين الإسلام وبين الكفر؟ وقد علمنا أن أهل الكفر قد عرفوا بعقولهم أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما، ولا ينجيهم في ظلمات البر والبحر إلا الله ﷿، وإذا أصابتهم الشدائد لا\n_________\n(١) المائدة الآية (٣).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف البخاري سنة (٢٥٦هـ).\n(٣) أحمد (٥/ ٣٤٦ و٣٥٥) والترمذي (٥/ ٢١/٢٦٢١) والنسائي (١/ ٢٥٠/٤٦٢) وابن ماجه (١/ ٣٤٢/١٠٧٩) من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». وقال الترمذي: \"حسن صحيح غريب\".\n(٤) الحجر الآية (٣٩).\n(٥) الحجر الآية (٣٦).\n(٦) البقرة الآية (١٤٦).","vol":"5","page":279},{"text":"يدعون إلا الله، فعلى قولهم إن الإيمان المعرفة كل هؤلاء مثل من قال: الإيمان: المعرفة. على قائل هذه المقالة الوحشية لعنة الله. بل نقول والحمد لله قولًا يوافق الكتاب والسنة، وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم، وقد تقدم ذكرنا لهم: إن الإيمان معرفة بالقلب تصديقًا يقينًا، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلا بهذه الثلاثة، لا يجزي بعضها عن بعض، والحمد لله على ذلك. (١)\n- وقال رحمه الله تعالى: من قال هذا -أي أن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ﵉-، فلقد أعظم الفرية على الله ﷿، وأتى بضد الحق، وبما ينكره جميع العلماء، لأن قائل هذه المقالة يزعم: أن من قال: لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها، ولا الفواحش أن يرتكبها، وأن عنده: أن البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئًا، والفاجر يكونان سواء، هذا منكر. قال الله ﷿: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (٣) فقل لقائل هذه المقالة النكرة: يا ضال يا مضل، إن الله ﷿ لم يسوِّ بين\n_________\n(١) الشريعة (١/ ٣١٠ - ٣١٢).\n(٢) الجاثية الآية (٢١).\n(٣) ص الآية (٢٨).","vol":"5","page":280},{"text":"الطائفتين من المؤمنين في أعمال الصالحات، حتى فضّل بعضهم على بعض درجات. قال الله ﷿: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (١) فوعدهم الله ﷿ كلهم بالحسنى، بعد أن فضل بعضهم على بعض. وقال ﷿: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ ثم قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٢)\nوكيف يجوز لهذا الملحد في الدين أن يسوي بين إيمانه وإيمان جبريل، وميكائيل، ويزعم أنه مؤمن حقًّا؟ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2151>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀: فإن سائلًا سأل عن مذهبنا في القدر؟ فالجواب في ذلك قبل أن نخبره بمذهبنا: أنا ننصح للسائل، ونعلمه أنه لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث عن القدر، لأن القدر سر من سر الله ﷿، بل الإيمان بما جرت به المقادير من خير أو شر: واجب على العباد أن يؤمنوا به، ثم لا يأمن\n_________\n(١) الحديد الآية (١٠).\n(٢) النساء الآية (٩٥) ..\n(٣) الشريعة (١/ ٣١٣).","vol":"5","page":281},{"text":"العبد أن يبحث عن القدر فيكذب بمقادير الله الجارية على العباد، فيضل عن طريق الحق، قال النبي - ﷺ -: «ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله ﷿، وما أشركت أمة حتى يكون بدو أمرها وشركها التكذيب بالقدر» (١) قال محمد بن الحسين ﵀: ولولا أن الصحابة ﵃ لما بلغهم عن قوم ضلال شردوا عن طريق الحق، وكذبوا بالقدر، فردوا عليهم قولهم، وسبوهم وكفروهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان سبوا من تكلم بالقدر وكذب به ولعنوهم ونهوا عن مجالستهم، وكذلك أئمة المسلمين ينهون عن مجالسة القدرية وعن مناظرتهم. وبينوا للمسلمين قبيح مذاهبهم. فلولا أن هؤلاء ردوا على القدرية لم يسع من بعدهم الكلام على القدر، بل الإيمان بالقدر: خيره وشره، واجب قضاء وقدر، وما قدر يكن، وما لم يقدر لم يكن، فإذا عمل العبد بطاعة الله ﷿، علم أنها بتوفيق الله له فيشكره على ذاك. وإن عمل بمعصيته ندم على ذلك، وعلم أنها بمقدور جرى عليه، فذم نفسه واستغفر الله ﷿. هذا مذهب المسلمين.\nوليس لأحد على الله ﷿ حجة، بل لله الحجة على خلقه. قال الله ﷿: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (٢) ثم اعلموا رحمنا الله وإياكم: أن مذهبنا في القدر أن القدر أن نقول: إن الله عز\n_________\n(١) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ابن أبي عاصم (١/ ١٤١/٣٢٢) والآجري في الشريعة (١/ ٣٨٠/٤٢٥) وابن بطة (٢/ ١٠٧/١٥٢٤)، اللالكائي (٤/ ٦٩٠/١١١٣ و١١١٤). قال الشيخ الألباني ﵀ في رياض الجنة: \"إسناده ضعيف، رجاله ثقات غير يحيى بن القاسم وأبيه فإنهما لا يعرفان، وإن وثقهما ابن حبان. وعمر بن يزيد النصري مختلف فيه\".\n(٢) الأنعام الآية (١٤٩).","vol":"5","page":282},{"text":"وجل خلق الجنة وخلق النار، ولكل واحدة منهما أهلًا، وأقسم بعزته أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ثم خلق آدم ﵇، واستخرج من ظهره كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة. ثم جعلهم فريقين: فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير. وخلق إبليس، وأمره بالسجود لآدم ﵇، وقد علم أنه لا يسجد للمقدور، الذي قد جرى عليه من الشقوة التي قد سبقت في العلم من الله ﷿، لا معارض لله الكريم في حكمه، يفعل في خلقه ما يريد، عدلًا من ربنا قضاؤه وقدره، وخلق آدم وحواء ﵉، للأرض خلقهما، أسكنهما الجنة، وأمرهما أن يأكلا منها رغدًا ما شاءا، ونهاهما عن شجرة واحدة أن لا يقرباها، وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه بأكلهما من الشجرة. فهو ﵎ في الظاهر ينهاهما، وفي الباطن من علمه: قد قدر عليهما أنهما يأكلان منها: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (١) لم يكن لهما بد من أكلهما، سببًا للمعصية، وسببًا لخروجهما من الجنة، إذ كانا للأرض خلقا، وأنه سيغفر لهما بعد المعصية، كل ذلك سابق في علمه، لا يجوز أن يكون شيء يحدث في جميع خلقه، إلا وقد جرى مقدوره به، وأحاط به علمًا قبل كونه أنه سيكون.\nخلق الخلق كما شاء لما شاء، فجعلهم شقيًا وسعيدًا قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، وهم في بطون أمهاتهم، وكتب آجالهم، وكتب أرزاقهم، وكتب أعمالهم، ثم أخرجهم إلى الدنيا، وكل إنسان يسعى فيما كتب له وعليه، ثم بعث رسله،\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٢٣).","vol":"5","page":283},{"text":"وأنزل عليهم وحيه، وأمرهم بالبلاغ لخلقه، فبلغوا رسالات ربهم، ونصحوا قومهم، فمن جرى في مقدور الله ﷿ أن يؤمن آمن، ومن جرى في مقدوره أن يكفر كفر؛ قال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ (١) أحب من أراد من عباده، فشرح صدره للإيمان والإسلام، ومقت آخرين، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلن يهتدوا إذًا أبدًا، يضل من يشاء ويهدي من يشاء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٢)\nالخلق كلهم له، يفعل في خلقه ما يريد، غير ظالم لهم، جل ذكره أن ينسب ربنا إلى الظلم من يأخذ ما ليس له بملك، وأما ربنا تعالى فله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وما تحت الثرى، وله الدنيا والآخرة، جل ذكره، وتقدست أسماؤه، أحب الطاعة من عباده وأمر بها، فجرت ممن أطاعه بتوفيقه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونها من غير محبة منه لها، ولا للأمر بها، تعالى ﷿ عن أن يأمر بالفحشاء، أو يحبها وجل ربنا وعز من أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري، أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه، قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وبعد أن يخلقهم، قبل أن يعملوا قضاءً وقدرًا، قد جرى القلم بأمره تعالى في اللوح المحفوظ بما يكون، من بر أو فجور، يثني على من عمل بطاعته من عبيده، ويضيف العمل إلى العباد، ويعدهم عليه الجزاء العظيم،\n_________\n(١) التغابن الآية (٢).\n(٢) الأنبياء الآية (٢٣) ..","vol":"5","page":284},{"text":"ولولا توفيقه لهم ما عملوا بما استوجبوا به منه الجزاء ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ (١) وكذا ذم قومًا عملوا بمعصيته، وتوعدهم على العمل بها وأضاف العمل إليهم بما عملوا، وذلك بمقدور جرى عليهم، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. (٢)\nوقال ﵀: ثم نذكر ما قالته الأنبياء ﵈ خلاف ما قالته القدرية، قال نوح ﵇ لقومه، لما قالوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾ (٣) وقال شعيب لقومه: قال الله تعالى: ﴿* قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى\n_________\n(١) الجمعة الآية (٤).\n(٢) الشريعة (١/ ٣١٨ - ٣٢٠).\n(٣) هود الآيات (٣٢ - ٣٤).","vol":"5","page":285},{"text":"اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ (١) الآية. وقال شعيب أيضًا لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ (٢). وقال تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ (٣)،\nوقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ (٤) قال الله ﷿: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ (٥).\nوقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ (٦) وقال موسى ﵇ لما دعا على قومه\n_________\n(١) الأعراف الآيتان (٨٨و٨٩).\n(٢) هود الآية (٨٨).\n(٣) يوسف الآية (٢٤) ..\n(٤) يوسف الآية (٣٣).\n(٥) يوسف الآية (٣٤).\n(٦) إبراهيم الآية (٣٥).","vol":"5","page":286},{"text":"فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ (١). وقال تعالى فيما أخبر عن أهل النار: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ (٢). قال محمد بن الحسين: فقد أقر أهل النار: أن الهداية من الله لا من أنفسهم. قال محمد بن الحسين: اعتبروا رحمكم الله قول الأنبياء ﵈، وقول أهل النار، كل ذلك حجة على القدرية. واعلموا رحمكم الله: أن الله ﷿ بعث رسله، وأمرهم بالبلاغ، حجة على من أرسلوا إليهم، فلم يجبهم إلى الإيمان إلا من سبقت له من الله تعالى الهداية. ومن لم يسبق له من الله الهداية، وفي مقدوره أنه شقي من أهل النار، لم يجبهم، وثبت على كفره، وقد أخبركم الله تعالى يا مسلمون بذلك. نعم، وقد حرص نبينا - ﷺ -، والأنبياء من قبله، على هداية أممهم، فما يقع حرصهم، إذا كان في مقدور الله أنهم لا يؤمنون.\n_________\n(١) يونس الآيتان (٨٨و٨٩).\n(٢) إبراهيم الآية (٢١).","vol":"5","page":287},{"text":"فإن قال قائل: بين لنا هذا الفصل من كتاب الله تعالى، فإنا نحتاج إلى معرفته. قيل له: قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ (١) ثم قال لنبيه - ﷺ -: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ (٢). ثم قال لنبيه - ﷺ -، وقد أحب هداية بعض من يحبه، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ (٣) وقال لنبيه - ﷺ - أيضًا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ\n_________\n(١) النحل الآية (٣٦).\n(٢) النحل الآية (٣٧).\n(٣) القصص الآية (٥٦).\n(٤) الأعراف الآية (١٨٨).","vol":"5","page":288},{"text":"يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ (١).\nقال محمد بن الحسين ﵀: كل هذا بين لكم الرب تعالى به أن الأنبياء إنما بعثوا مبشرين ومنذرين، وحجة على الخلق، فمن شاء الله تعالى له الإيمان آمن، ومن لم يشأ له الإيمان لم يؤمن، قد فرغ الله تعالى من كل شيء، قد كتب الطاعة لقوم، وكتب المعصية على قوم، ويرحم أقوامًا بعد معصيتهم إياه، ويتوب عليهم، وقوم لا يرحمهم، ولا يتوب عليهم ﴿لَا يُسئل عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال ﵀: هكذا القدري يقال له: قال الله كذا، وقال: كذا وقال النبي - ﷺ -: كذا، وقال: كذا، وقالت الأنبياء: كذا، وقالت صحابة نبينا: كذا، وقالت أئمة المسلمين: كذا، فلا يسمع ولا يعقل إلا ما هو عليه من مذهبه الخبيث، أعاذنا الله وإياكم من سوء مذهبهم، ورزقنا وإياكم التمسك بالحق، وثبت قلوبنا على شريعة الحق، إنه ذو فضل عظيم، وأعاذنا من زيغ القلوب، فإن المؤمنين قد علموا أن قلوبهم بيد الله، يزيغها إذا شاء عن الحق، ويهديها إذا شاء إلى الحق، من لم يؤمن بهذا كفر. قال الله تعالى فيما أرشد أنبياءه إليه والمؤمنين من الدعاء، أرشدهم في كتابه أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (٤).اهـ (٥)\n_________\n(١) إبراهيم الآية (٤).\n(٢) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٣) الشريعة (١/ ٣٣٥ - ٣٣٧).\n(٤) آل عمران الآية (٨).\n(٥) الشريعة (١/ ٣٣٤).","vol":"5","page":289},{"text":"- وقال ﵀: لقد شقي من خالف هذه الطريقة، وهم القدرية. فإن قال قائل: هم عندك أشقياء؟ قلت: نعم فإن قال قائل: بم ذا؟ قلت: كذا قال رسول الله - ﷺ -، وسماهم مجوس هذه الأمة، وقال: «إن مرضوا، فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» (١).\nاهـ (٢)\n- وقال ﵀: هذه حجتنا على القدرية: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ -، وسنة أصحابه والتابعين لهم بإحسان، وقول أئمة المسلمين، مع تركنا للجدال والمراء والبحث عن القدر، فإنا قد نهينا عنه، وأمرنا بترك مجالسة القدرية، وأن لا نناظرهم، ولا نفاتحهم على سبيل الجدل، بل يهجرون ويهانون ويذلون، ولا يصلى خلف واحد منهم، ولا تقبل شهادتهم ولا يزوج، وإن مرض لم يعد وإن مات لم يحضر جنازته، ولم تجب دعوته في وليمة إن كانت له، فإن جاء مسترشدًا أرشد على معنى النصيحة له، فإن رجع فالحمد لله، وإن عاد إلى باب الجدل والمراء لم نلتفت عليه، وطرد وحذر منه، ولم يكلم ولم يسلم عليه. (٣)\n- وقال: يقال للقدري: يا من لعب به الشيطان، يا من ينكر أن الله\n_________\n(١) أخرجه من حديث ابن عمر: أبو داود (٥/ ٦٦ - ٦٧/ ٤٦٩١) والحاكم (١/ ٨٥) كلاهما من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر به. وأبو حازم لم يسمع من ابن عمر.\n\nوقد تابع عبد العزيز بن أبي حازم زكريا بن منظور، قال: حدثنا أبو حازم عن نافع عن ابن عمر به، أخرجه الآجري في الشريعة (١/ ٣٧٨/٢٢٠). وتابع أبا حازم عمر بن عبد الله مولى غفرة كما عند أحمد (٢/ ١٢٥).\nوللحديث شواهد من حديث أنس وحذيفة وجابر يرتقي بها الحديث إلى الحسن، انظر تخريج السنة لابن أبي عاصم (١/ ١٤٤ - ١٤٥/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\n(٢) الشريعة (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩).\n(٣) الشريعة (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦).","vol":"5","page":290},{"text":"تعالى خلق الشر، أليس إبليس أصل كل شر؟ أليس الله خلقه؟ أليس الله تعالى خلق الشياطين وأرسلهم على من أراد ليضلوهم عن طريق الرشد؟ فأي حجة لك يا قدري؟ يا من قد حرم التوفيق، أليس الله تعالى قال: ﴿* وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ (١)؟ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ (٣)؟.اهـ (٤)\n- وقال: فإن اعترض بعض هؤلاء القدرية بتأويله الخطأ، فقال: قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٥) فيزعم أن السيئة من نفسه، دون أن يكون الله تعالى قضاها وقدرها عليه. قيل له: يا جاهل، إن الذي أنزلت عليه هذه الآية هو أعلم بتأويلها منك، وهو الذي بين لنا جميع ما تقدم ذكرنا له من إثبات القدر، وكذلك\n_________\n(١) فصلت الآية (٢٥).\n(٢) الزخرف الآيتان (٣٦و٣٧).\n(٣) مريم الآية (٨٣).\n(٤) الشريعة (١/ ٤٦٢).\n(٥) النساء الآية (٧٩).","vol":"5","page":291},{"text":"الصحابة الذين شاهدوا التنزيل، ﵃، هم الذين بينوا لنا ولك إثبات المقادير بكل ما هو كائن من خير وشر. وقيل: لو عقلت تأويلها لم تعارض بها، ولعلمت أن الحجة عليك لا لك، فإن قال: كيف؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أليس الله تعالى أصابه بها: خيرًا كان أو شرًا؟ فاعقل يا جاهل. أليس قال الله تعالى: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (٣) وهذا في القرآن كثير.\nألا ترى أن الله تعالى يخبرنا أن كل مصيبة تكون بالعباد من خير أو شر فالله يصيبهم بها، وقد كتب مصابهم في علم قد سبق، وجرى به القلم على حسب ما تقدم ذكرنا له. فاعقلوه يا مسلمون فإن القدري محروم من التوفيق.\nوقد روي: أن هذه الآية التي يحتج بها القدري في قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من\n_________\n(١) يوسف الآية (٥٦).\n(٢) الأعراف الآية (١٠٠).\n(٣) الحديد الآية (٢٢).","vol":"5","page":292},{"text":"سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك» (١).اهـ (٢)\n- وقال ﵀: اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الله تعالى ذكره أمر العباد باتباع صراطه المستقيم، وأن لا يعوجوا عنه يمينًا ولا شمالًا، فقال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٣)، ثم قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ (٤) ففي الظاهر: أنه جل ذكره أمرهم بالاستقامة واتباع سبيله وجعل في الظاهر إليهم المشيئة، ثم أعلمهم بعد ذلك: أنكم لن تشاؤوا إلا أن أشاء أنا لكم ما فيه هدايتكم، وأن مشيئتكم تبع لمشيئتي، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٥). فأعلمهم أن مشيئتهم تبع لمشيئته ﷿.\nوقال ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ (٦) وقال ﷿: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ\n_________\n(١) عزاها السيوطي في الدر (٢/ ٣٣١) إلى ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن مجاهد قال: هي قراءة أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود ... وذكرها القرطبي في تفسيره (٥/ ٢٨٦) وقال: \"فهذه قراءة على التفسير وقد أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديث بذلك عن ابن مسعود وأبي منقطع لأن مجاهدًا لم ير عبد الله ولا أبيًّا\".\n(٢) الشريعة (١/ ٤٦٤ - ٤٦٥).\n(٣) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٤) التكوير الآية (٢٨).\n(٥) التكوير الآية (٢٩).\n(٦) البقرة الآية (١٤٢).","vol":"5","page":293},{"text":"اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ (١).اهـ (٢)\n\nمحمد القَصَّاب (٣) (٣٦٠ هـ)\nمحمد بن عليّ بن محمد القصاب الإمام الحافظ المجاهد أبو أحمد الكرجي. وعرف بالقصاب لكثرة ما قتل من الكفار في مغازيه. حدث عن أبيه أحد أصحاب علي بن حرب، وعن محمد بن العباس، ومحمد بن إبراهيم الطيالسي. وحدث عنه ابناه علي وأبو الفرج عمار، وأبو المنصور مظفر بن محمد بن حسين. وله مصنفات منها: 'ثواب الأعمال' و'السنة' وغيرهما. ومن ثناء العلماء عليه قول بعضهم:\nوفي الكرج الغراء أوحد عصره ... أبو أحمد القصاب غير مغالب\nتصانيفه تبدي فنون علومه ... فلست ترى علمًا له غير شارب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2153>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في السير: وهو القائل في كتاب السنة: كل صفة وصف الله بها\n_________\n(١) البقرة الآية (٢١٣).\n(٢) الشريعة (١/ ٤٦٦ - ٤٦٧).\n(٣) السير (١٦/ ٢١٣ - ٢١٤) والوافي بالوفيات (٤/ ١١٤) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٣٩).","vol":"5","page":294},{"text":"نفسه أو وصفه بها رسوله - ﷺ - فليست صفة مجاز ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها ولقيل معنى البصر كذا ومعنى السمع كذا وفسرت بغير السابق إلى الأفهام. فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل، علم أنها غير محملة على المجاز وإنما هي حق بين.\nالتعليق:\nفهذا العالم الكبير يفسر لنا مذهب السلف في الإثبات ويبطل مزاعم المؤولة والمفوضة الجهلة.\nوله كتاب السنة، ذكره الذهبي في السير. (١)\n\nأبو القاسم الطَّبَرَانِي (٢) (٣٦٠ هـ)\nأبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي الطبراني. الإمام الحافظ الثقة الرحال الجوال محدث الإسلام علم المعمرين. ولد بمدينة عكا سنة ستين ومائتين. قال الذهبي: فأول ارتحاله كان في سنة خمس وسبعين فبقي في الارتحال ولقي الرجال ستة عشر عامًا وكتب عمن أقبل وأدبر وبرع في هذا الشأن وجمع وصنف وعمر دهرًا طويلًا وازدحم عليه المحدثون ورحلوا إليه من الأقطار. روى عن أبي زرعة الدمشقي وعلي بن عبد العزيز البغوي وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهم. روى عنه ابن منده وأبو بكر بن\n_________\n(١) (١٦/ ٢١٣).\n(٢) السير (١٦/ ١١٩ - ١٣٠) ولسان الميزان (٣/ ٧٣ - ٧٥) وميزان الاعتدال (٢/ ١٩٥) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩١٢ - ٩١٧) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٠٧) وطبقات الحنابلة (٢/ ٤٩ - ٥١) والبداية والنهاية (١١/ ٢٨٧ - ٢٨٨).","vol":"5","page":295},{"text":"مردويه وأبو نعيم الأصبهاني. قال ابن الجوزي: كان سليمان من الحفاظ والأشداء في دين الله تعالى وله الحفظ القوي والتصانيف الحسان. وقال أبو بكر محمد بن أبي علي المعدل: الطبراني أشهر من أن يدل على فضله وعلمه، كان واسع العلم كثير التصانيف. توفي سنة ستين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2155>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال ابن الجوزي في المنتظم: كان سليمان من الحفاظ والأشداء في دين الله تعالى. (١)\nله من الآثار السلفية كتاب السنة ذكره غير واحد ممن ترجم له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2156>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ابن منده: ووجدت عن أحمد بن جعفر الفقيه أخبرنا أبو عمر بن عبد الوهاب السلمي، قال: سمعت الطبراني يقول: لما قدم أبو علي بن رستم ابن فارس، دخلت عليه، فدخل عليه بعض الكتاب، فصب على رجله خمس مائة درهم، فلما خرج الكاتب أعطانيها، فلما دخلت بنته أم عدنان، صبت على رجله، خمس مائة، فقمت، فقال: إلى أين؟ قلت: قمت لئلا يقول: جلست لهذا، فقال: ارفع هذه أيضًا، فلما كان آخر أمره، تكلم في أبي بكر وعمر ﵄ ببعض الشيء، فخرجت ولم أعد إليه بعد. (٢)\n_________\n(١) المنتظم (١٤/ ٢٠٦).\n(٢) السير (١٦/ ١٢٤).","vol":"5","page":296},{"text":"أبو بكر عبد العزيز غُلاَم الخَلاَّل (١) (٣٦٣ هـ)\nعبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر المعروف بغلام الخلال. ولد سنة خمس وثمانين ومائتين. سمع من محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن هارون، والحسين بن عبد الله الخرقي. وحدث عنه أحمد بن الجنيد، وبشرى ابن عبد الله، وتفقه به ابن بطة، وأبو حفص العكبرى.\nوكان أحد أهل الفهم، موثوقًا به في العلم، متسع الرواية، مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة مذكورًا بالعبادة، وله مصنفات في العلوم المختلفات. وذكر أبو يعلى أنه كان معظمًا في النفوس، متقدمًا عند الدولة، بارعًا في مذهب الإمام أحمد.\nتوفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2158>موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الإمام رحمه الله تعالى هاجر من داره لما ظهر سب السلف إلى غيرها، وهذا يدل على قوة دينه وصحة عقيدته، ﵀. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2159>موقفه من الرافضة:</span>\nقال أبو بكر عبد العزيز في 'المقنع': فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر فلا يزوج. (٣)\n_________\n(١) السير (١٦/ ١٤٣ - ١٤٥) وتاريخ بغداد (١٠/ ٣٠٩) وطبقات الحنابلة (٢/ ١١٩).\n(٢) انظر طبقات الحنابلة (٢/ ١٢٦).\n(٣) الصارم المسلول (٥٧٣).","vol":"5","page":297},{"text":"محمد بن أحمد النَّابُلْسِي (١) (٣٦٣ هـ)\nأبو بكر محمد بن أحمد بن سهل الرملي ويعرف بابن النابلسي، الإمام القدوة. حدث عن سعيد بن هاشم الطبراني ومحمد بن الحسن بن قتيبة ومحمد ابن أحمد بن شيبان الرملي. روى عنه تمام الرازي، وعبد الوهاب الميداني وعلي بن عمر الحلبي. كان عابدًا صالحًا زاهدًا قوّالًا بالحق، سلخه صاحب مصر المعز. توفي ﵀ سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2161>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: قال أبو ذر الحافظ: سجنه بنو عبيد وصلبوه على السنة سمعت الدارقطني يذكره ويبكي ويقول: كان يقول وهو يسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾ (٢).اهـ (٣)\nقال أبو الفرج بن الجوزي: أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي وكان ينزل الأكواخ فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم، وجب أن يرمي في الروم سهمًا وفينا تسعة قال: ما قلت هذا بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضًا، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور\n_________\n(١) الوافي بالوفيات (٢/ ٤٤ - ٤٥) والسير (١٦/ ١٤٨ - ١٥٠) وشذرات الذهب (٣/ ٤٦) والأنساب (٥/ ٤٤١).\n(٢) الإسراء الآية (٥٨).\n(٣) السير (١٦/ ١٤٨).","vol":"5","page":298},{"text":"الإلهية، فشهره ثم ضربه ثم أمر يهوديًا فسلخه. (١)\nالتعليق:\nما أحسن هذه المواقف وما أفقه أصحابها، وأعلمهم بخبث الروافض ومكائدهم للإسلام والمسلمين، لا كدعاة التقارب بين السنة والشيعة بل المباركين للروافض في كل صغيرة وكبيرة بل دعاة لهم. يشيدون بضلالهم ويدافعون عنهم في جرائدهم ومجلاتهم وحواراتهم، ويناظرون عليهم ويدافعون، على أنه من لو قرأ ما كتبناه في هذه المسيرة لتبينت له مواقف علماء المسلمين ضد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2162>موقف السلف من النعمان الباطني العبيدي (٣٦٣ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\nقال الذهبي في سيره: العلامة المارق، قاضي الدولة العبيدية، أبو حنيفة، النعمان بن محمد بن منصور المغربي.\nكان مالكيًا، فارتد إلى مذهب الباطنية، وصنف له أس الدعوة، ونبذ الدين وراء ظهره، وألف في المناقب والمثالب، ورد على أئمة الدين، وانسلخ من الإسلام، فسحقًا له وبعدًا. ونافق الدولة لا بل وافقهم. وكان ملازمًا للمعز أبي تميم منشئ القاهرة. وله يد طولى في فنون العلوم والفقه\n_________\n(١) السير (١٦/ ١٤٨ - ١٤٩).","vol":"5","page":299},{"text":"والاختلاف، ونفس طويل في البحث، فكان علمه وبالًا عليه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2163>موقف السلف من المعز العبيدي المهدوي (٣٦٥ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\n- جاء في السير: وضربت السكة على الدينار بمصر) وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي خير الوصيين (والوجه الآخر اسم المعز والتاريخ. وأعلن الأذان بحي على خير العمل، ونودي: من مات عن بنت وأخ أو أخت فالمال كله للبنت. فهذا رأي هؤلاء. (٢)\n- وفيها: قيل: إن المنجمين أخبروا المعز أن عليك قطعًا، فأشاروا أن يتخذ سربًا يتوارى فيه سنة ففعل. فلما طالت الغيبة ظن جنده المغاربة أنه رفع، فكان الفارس منهم إذا رأى غمامة، ترجل، ويقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ثم إنه خرج بعد سنة فخرج فما عاش بعدها إلا يسيرًا. (٣)\n- وفيها: قال الذهبي: ظهر هذا الوقت الرفض، وأبدى صفحته، وشمخ بأنفه في مصر والشام والحجاز والغرب بالدولة العبيدية، وبالعراق والجزيرة والعجم ببني بويه، وكان الخليفة المطيع ضعيف الدست والرتبة مع بني بويه. ثم ضعف بدنه، وأصابه فالج وخرس فعزلوه، وأقاموا ابنه الطائع لله. وله\n_________\n(١) السير (١٦/ ١٥٠).\n(٢) السير (١٥/ ١٦٠).\n(٣) السير (١٥/ ١٦٣).","vol":"5","page":300},{"text":"السكة والخطبة، وقليل من الأمور، فكانت مملكة هذا المعز أعظم وأمكن. وكذلك دولة صاحب الأندلس المستنصر بالله المرواني، كانت موطدة مستقلة كوالده الناصر لدين الله الذي ولي خمسين عامًا. وأعلن الأذان بالشام ومصر بحي على خير العمل. فلله الأمر كله. (١)\n- وفيها: وقد جرى على دمشق وغيرها من عساكر المغاربة كل قبيح من القتل والنهب. وفعلوا ما لا يفعله الفرنج. ولولا خوف الإطالة لسقت ما يبكي الأعين. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2164>موقف السلف من النصرآبادي (٣٦٧ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\nجاء في السير: كم من مرة قد ضرب وأهين، وكم حبس فقيل له: إنك تقول: الروح غير مخلوقة، فقال: لا أقول ذا، ولا أقول إنها مخلوقة بل أقول: الروح من أمر ربي، فجهدوا به، فقال: ما أقول إلا ما قال الله. (٣)\nالتعليق:\nما ضرب وأهين إلا من أجل ضلاله وترهاته التي دنس بها علمه وإسلامه، ومن ترهاته الثناء على الذين أجمع أهل العلم على زندقتهم.\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٦٤).\n(٢) السير (١٥/ ١٦٧).\n(٣) السير (١٦/ ٢٦٤).","vol":"5","page":301},{"text":"- وجاء في السير: وقال الحاكم: وسمعته يقول وعوتب في الروح، فقال: إن كان بعد الصديقين موحد فهو الحلاج. (١)\n- ومن ترهاته: قال السلمي: وقيل له: إنك ذهبت إلى الناووس وطفت به وقلت: هذا طوافي فتنقصت بهذا الكعبة قال: لا، ولكنهما مخلوقان، لكن بها فضل ليس هنا، وهذا كمن يكرم كلبًا، لأنه خلق الله، فعوتب في ذلك سنين. (٢)\nالتعليق:\nألا يستحق من يقول هذا الضرب والإهانة بل القتل؟ وهل في الزندقة أعظم من هذا؟! مَنْ مِنَ المسلمين يجيز الطواف بغير بيت الله؟! فهذا القائل لا يشك من له علم بعقيدة التوحيد أنه كافر والله المستعان.\nبيان تصوفه:\nجاء في السير: عن أبي الأسعد بن القشيري قال: ألبسني الخرقة جدي أبو القاسم القشيري ولبسها من الأستاذ أبي علي الدقاق عن أبي القاسم النصرآباذي عن أبي بكر الشبلي عن الجنيد عن سري السقطي عن معروف الكرخي رحمهم الله تعالى.\nقال الذهبي: وما بعد معروف فمنقطع، زعموا أنه أخذ عن داود الطائي وصحب حبيبًا العجمي وصحب الحسن البصري وصحب عليًا رضي\n_________\n(١) السير (١٦/ ٢٦٥).\n(٢) السير (١٦/ ٢٦٤).","vol":"5","page":302},{"text":"الله عنه وصحب النبي - ﷺ -. (١)\nجاء في المقاصد الحسنة: حديث لبس الخرقة الصوفية وكون الحسن البصري لبسها من علي قال ابن دحية وابن الصلاح: إنه باطل، وكذا قال شيخنا -وهو الحافظ ابن حجر- إنه ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف، أن النبي - ﷺ - ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدًا من أصحابه بفعل ذلك، وكل ما يروى في ذلك صريحًا فباطل، قال: ثم إن من الكذب المفترى قول من قال: إن عليًا ألبس الخرقة الحسن البصري، فإن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعًا فضلًا عن أن يلبسه الخرقة ولم يتفرد شيخنا بهذا بل سبقه إليه جماعة حتى من لبسها وألبسها، كالدمياطي والذهبي والهكاري وأبي حيان والعلائي ومغلطاي والعراقي وابن الملقن والأبناسي والبرهان الحلبي وابن ناصر الدين وتكلم عليها في جزء مفرد ... اهـ. (٢)\n\nأبو سعيد السِّيرَافي (٣) (٣٦٨ هـ)\nالحسن بن عبد الله بن المرزبان أبو سعيد السيرافي. حدث عن أبي بكر ابن دريد، وابن زياد النيسابوري، ومحمد بن أبي الأزهر. حدث عنه الحسين\n_________\n(١) السير (١٦/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\n(٢) المقاصد الحسنة (ص ٣٣١).\n(٣) السير (١٦/ ٢٤٧ - ٢٤٩) والأنساب (٣/ ٣٥٧) وتاريخ بغداد (٧/ ٣٤١) والجواهر المضيئة (٢/ ٦٦) والوافي بالوفيات (٢/ ٧٤) وشذرات الذهب (٦٥ - ٦٦).","vol":"5","page":303},{"text":"ابن محمد بن جعفر الجامع، ومحمد بن عبد الواحد، وعلي بن أيوب القمي.\nسكن بغداد وكان من أعيان الحنفية، رأسًا في نحو البصريين، وقرأ القرآن على ابن مجاهد. قال عنه الذهبي: وكان دينًا متورعًا، لا يأكل إلا من كسب يده. وكان وافر الجلالة، كثير التلامذة وكان إمامًا في العربية.\nتوفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2166>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن تيمية: وهذا -أي تعلم اللغة لا تعلم علم المنطق- مما احتج به أبو سعيد السيرافي في مناظرته المشهورة \"لمتى\" الفيلسوف، لما أخذ \"متى\" يمدح المنطق ويزعم احتياج العقلاء إليه. ورد عليه أبو سعيد بعدم الحاجة إليه، وأن الحاجة إنما تدعو إلى تعلم العربية، لأن المعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى اصطلاح خاص، بخلاف اللغة المتقدمة التي يحتاج إليها في معرفة ما يجب معرفته من المعاني، فإنه لا بد فيها من التعلم، ولهذا كان تعلم العربية التي يتوقف فهم القرآن والحديث عليها فرضًا على الكفاية بخلاف المنطق. (١)\n\nأبو الشَّيخ (٢) (٣٦٩ هـ)\nأبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر المعروف بأبي الشيخ، الإمام الحافظ الصادق محدث أصبهان. ولد سنة أربع وسبعين ومائتين. سمع من أبي بكر\n_________\n(١) الفتاوى (٩/ ١٧١) وقد ذكرت المناظرة مختصرة في صون المنطق للسيوطي (١٩٠ - ٢٠٠).\n(٢) السير (١٦/ ٢٧٦ - ٢٨٠) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٥ - ٩٤٧) والشذرات (٣/ ٦٩) وغاية النهاية (١/ ٤٤٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٥١ - ٣٨٠/ص.٤١٨ - ٤٢٠).","vol":"5","page":304},{"text":"أحمد بن عمرو البزار وأبي يعلى الموصلي وجعفر الفريابي وغيرهم. وروى عنه ابن منده وابن مردويه وأبو نعيم الحافظ.\nكان أبو الشيخ من العلماء العاملين، حافظًا عارفًا بالرجال، كثير الحديث، صاحب سنة واتباع. قال أبو بكر الخطيب: كان أبو الشيخ حافظًا ثبتًا متقنًا. وقال أبو القاسم السوذرجاني: هو أحد عباد الله الصالحين، ثقة مأمون. يروى عنه أنه قال: ما عملت فيه حديثًا إلا بعد أن استعملته (يعني كتابه ثواب الأعمال).\nتوفي سنة تسع وستين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2168>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - السنة: قال الشيخ رضا في مقدمة دراسته على كتاب العظمة: وهو في حكم المفقود، ويبدو مما ذكره السمعاني أن له كتابين باسم السنة أحدهما: السنة الكبيرة والثاني: السنة الصغيرة المعروفة بالواضحة.\nوقد ذكره شيخ الإسلام في غير ما موضع من كتبه، ونقل منه جملة. (١)\n٢ - العظمة: وهو كتاب في المخلوقات وعجائبها، ذكر منها العرش والاستواء. ونقل منه ابن القيم في اجتماع الجيوش. وقد حقق وطبع والحمد لله.\n٣ - التفسير: ذكره شيخ الإسلام من ضمن التفاسير السلفية. (٢)\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٩٩) والتحبير للسمعاني (١/ ١٦١ - ١٩٠ - ٣٥١).\n(٢) انظر درء التعارض (٢/ ٢٢).","vol":"5","page":305},{"text":"إبراهيم بن أحمد بن شَاقْلاَ (١) (٣٦٩ هـ)\nأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عمر، البغدادي البزاز المعروف بابن شاقلا. سمع من دعلج السجزي وأبي بكر الشافعي وابن مالك. وروى عنه أبو حفص العكبري وأحمد بن عثمان الكبشي وعبد العزيز غلام الزجاج وكان رأسًا في الأصول والفروع.\nقال الخطيب: قال لي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء: كان رجلًا جليل القدر حسن الهيئة كثير الرواية حسن الكلام في الفقه، غير أنه لم يطل له العمر.\nتوفي سنة تسع وستين وثلاثمائة، وله أربع وخمسون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2170>موقفه من الجهمية:</span>\nمناظرته القيمة ودفاعه عن العقيدة السلفية:\nجاء في طبقات الحنابلة: قرأت بخط الوالد السعيد قال: نقلت من خط أبي بكر بن شاقلا قال: أخبرنا أبو إسحاق بن شاقلا -قراءة عليه- قال: قلت لأبي سليمان الدمشقي: بلغنا أنك حكيت فضيلة الرسول - ﷺ - في ليلة المعراج، وقوله في الخبر «وضع يده بين كتفي فوجدت بردها» فذكر الحديث (٢).\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٦/ ١٧) وشذرات الذهب (٣/ ٦٨) والسير (١٦/ ٢٩٢) وطبقات الحنابلة (٢/ ١٢٨) والوافي بالوفيات (٥/ ٣١٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٥١ - ٣٨٠/ص.٤١٢ - ٤١٣).\n(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٤٣) والترمذي (٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤/ ٣٢٣٥) والحاكم (١/ ٥٢١) عن معاذ بن جبل ﵁. وفيه: «فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي ...» وليس فيه ذكر ليلة المعراج. وقال الترمذي: \"هذا حسن صحيح\". سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وقد ورد ذكر «فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي» في حديث ابن عباس وتقدم تخريجه.","vol":"5","page":306},{"text":"فقال لي: هذا إيمان ونية، لأنه أريد مني روايته. وله عندي معنى غير الظاهر قال: وأنا لا أقول مسه.\nفقلت له: وكذا تقول في آدم لما خلقه بيده؟\nقال: كذا أقول. إن الله ﷿ لا يمس الأشياء.\nفقلت له: سويت بين آدم وسواه فأسقطت فضيلته، وقد قال تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١). قلت له: هذا رويته لأنه أريد منك -على رغمك- وله عندك معنى غير ظاهره، وإلا سلمت الأحاديث التي جاءت في الصفات، ويكون لها معاني غير ظاهرها أو ترد جميعها؟\nفقال لي: مثل أي شيء؟\nفقلت له: مثل الأصابع والساق، والرجل، والسمع والبصر، وجميع الصفات التي جاءت في الأخبار الصحاح حتى إذا سلمتها كلمناك على ما ادعيته من معانيها التي هي غير ظاهرها.\nفقال لي منكرا لقولي: من يقول رجل؟\nفقلت: أبو هريرة عن النبي - ﷺ - (٢).\nفقال: من عن أبي هريرة؟\nفقلت: همام. فقال: من عن همام؟\n_________\n(١) ص الآية (٧٥).\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٣١٤) والبخاري (٨/ ٧٦٥/٤٨٥٠) ومسلم (٤/ ٢١٨٦ - ٢١٨٧/ ٢٨٤٦) [٣٦]) كلهم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة.","vol":"5","page":307},{"text":"فقلت: معمر. فقال: من عن معمر؟\nفقلت: عبد الرزاق. فقال لي: من عن عبد الرزاق؟\nفقلت له: أحمد بن حنبل. فقال لي؟ عبد الرزاق كان رافضيًا.\nفقلت له: من ذكر هذا عن عبد الرزاق؟ فقال لي: يحيى بن معين.\nفقلت له: هذا تخرص على يحيى، إنما قال يحيى: كان يتشيع، ولم يقل رافضيًا. فقال لي: الأعرج عن أبي هريرة بخلاف ما قاله همام.\nقلت له: كيف؟ قال: لأن الأعرج قال: «يضع قدمه».\nفقلت له: ليس هذا ضد ما رواه همام. وإنما قال هذا «قدم» (١) وقال هذا «رجل» وكلاهما واحد. ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع من النبي - ﷺ - مرتين. وحدث به أبو هريرة مرتين فسمع الأعرج منه في إحدى المرتين ذكر «القدم» وسمع منه همام ذكر «الرجل» فقال لي: همام غلط.\nفقلت له: هذا قول من لا يدري.\nثم قال لي: والأصابع في حديث ابن مسعود تقول به؟\nفقلت له: حديث ابن مسعود صحيح من جهة النقل. ورواه الناس ورواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. فقال لي: هذا قاله اليهودي.\nفقلت له: لم ينكر رسول الله - ﷺ - قوله، قد ضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه تصديقًا لقوله. فأنكر أن يكون هذا اللفظ مرويًا من أخبار ابن مسعود.\nفقلت له: بلى، هذا رواه منصور والأعمش جميعًا عن إبراهيم عن أبي عبيدة «أن يهوديًا أتى النبي - ﷺ -، فقال: يا محمد، إن الله ﷿ يمسك\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣/ ٥٣٣/٧٤٤٩) ومسلم (٤/ ٢١٨٦/٢٨٤٦ (٣٥».","vol":"5","page":308},{"text":"السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والخلائق على إصبع، والشجر على إصبع -وروي: والثرى على إصبع- ثم يقول: أنا الملك. فضحك رسول الله - ﷺ -، تصديقًا لما قال الحبر» (١) هكذا رواه الثوري والفضيل بن عياض. فقال لي: قد نزل القرآن بالتكذيب لا بالتصديق. فقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢).\nفقلت له: قد نزل القرآن بالتصديق لا بالتكذيب بدلالة قوله تعالى في سياق الآية: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٣) ثم نزه نفسه ﷿ عما يشرك به من كذب بصفاته فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ (٤) وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ لا يمنع من إثبات الأصابع صفة له، كما ثبتت صفاته التي لا أختلف أنا وأنت فيها ومع هذا: فما قدروا الله حق قدره كذلك أيضًا نثبت الأصابع صفة لذاته ﵎ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ فلما رأى ما لزمه قال: هذا ظن من ابن مسعود أخطأ فيه.\nفقلت له: هذا قول من يروم هدم الإسلام والطعن على الشرع، لأن\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف وكيع بن الجراح سنة (١٩٦هـ).\n(٢) الزمر الآية (٦٧).\n(٣) الزمر الآية (٦٧).\n(٤) الزمر الآية (٦٧).","vol":"5","page":309},{"text":"من زعم أن ابن مسعود ظن ولم يستيقن، فحكى عن النبي - ﷺ - على ظنه فقد جعل إلى هدم الإسلام مقالته هذه، بأن يتجاهل أهل الزيغ فيتهجم على كل خبر جاء عن النبي - ﷺ - لا يوافق مذهبهم فيسقطونه، بأن يقولوا: هذا ظن من الصحابة على رسول الله - ﷺ - إذ لا فرق بين ابن مسعود وسائر الصحابة ﵃. وهذا ضد ما أجمع عليه المسلمون، وقد أكذب القرآن مقالة هذا القائل في الآية التي شهد فيها لابن مسعود بالصدق في جملة الصحابة.\nثم قلت له: والأصابع قد رواها عن النبي - ﷺ - أيضًا أصحابه منهم أنس ابن مالك في حديث الأعمش عن أبي سفيان عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قال قلنا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا؟ قال: نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله ﷿ يقلبها» (١). ثم قال لي: تروي حديث أبي هريرة «خلق آدم على صورته» (٢) ويومئ إلى أنه مخلوق على صورة آدم.\nفقلت له: قال أحمد بن حنبل: من قال إن آدم خلقه الله ﷿ على صورة آدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل خلقه؟ فقال لي: قد جاء الحديث عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «إن الله خلق آدم على صورة آدم».\nفقلت له: هذا كذب على النبي - ﷺ -. فقال لي: بلى، قد جاء في الحديث «طوله ستون ذراعًا» على أنه آدم.\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف بشر بن الحارث سنة (٢٢٧هـ).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف البربهاري سنة (٣٢٩هـ).","vol":"5","page":310},{"text":"فقلت له: قد رد هذا، وليس هو الذي ادعيت على رسول الله - ﷺ -، لأنك قلت عن النبي - ﷺ -: «إن الله خلق آدم على صورة آدم» ثم استدللت بقوله: «ستون ذراعًا» على أنه آدم وهذا خبر جاء عن النبي - ﷺ - من وجهين:\nفأبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - «إن الله خلق آدم على صورته». وروى جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «لا تقبحوا الوجوه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» (١)\nقال أبو إسحاق: وهذا الحديث يذكر عن إسحاق بن راهويه: أنه صحيح مرفوع، وأما أحمد بن حنبل فذكر أن الثوري\n_________\n(١) أخرجه: ابن أبي عاصم (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩/ ٥١٧) وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٥/٤٧) والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٣٠/١٣٥٨٠) والآجري في الشريعة (٢/ ١٠٧/٧٧٠) والحاكم (٢/ ٣١٩) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، اللالكائي (٣/ ٤٧٠/٧١٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٦٤/٦٤٠) كلهم من طرق عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر به.\nوفي الحديث ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة رحمه الله تعالى:\n- إحداهن: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسل الثوري ولم يقل عن ابن عمر.\n- والثانية: أن الأعمش مدلس، لم يذكر أنه سمع من حبيب بن أبي ثابت.\n- والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضًا مدلس، لم يعلم أنه سمع من عطاء، سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد يقول: ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش قال: قال حبيب بن أبي ثابت: لو حدثني رجل عنك بحديث لم أبال أن أرويه عنك، يريد لم أبال أن أدلسه.\n\nوزاد الشيخ الألباني ﵀ علة رابعة فقال في الضعيفة (٣/ ٣١٧): \"قلت: والعلة الرابعة: هي جرير بن عبد الحميد فإنه وإن كان ثقة كما تقدم فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أن البيهقي ذكر في سننه في ثلاثين حديثا لجرير ابن عبد الحميد قال: \"قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ\" قلت: وإن مما يؤكد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم (رقم ٥١٨) بلفظ \"على صورته\" لم يذكر \"الرحمن\" وهذا الصحيح المحفوظ عن النبي - ﷺ - من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة، والمشار إليها آنفًا. وإذا عرفت هذا فلا فائدة كبرى من قول الهيثمي في المجمع (٨/ ١٠٦): \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق بن إسماعيل الطالقاني وهو ثقة، وفيه ضعف\". وكذلك من قول الحافظ في الفتح (٥/ ١٣٩): \"أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات. اهـ","vol":"5","page":311},{"text":"أوقفه على ابن عمر. فكلاهما الحجة فيه على من خالفه فإن كان رفعه صحيحًا إلى النبي - ﷺ -، فقد سقط العذر، وإن كان ابن عمر القائل له فقد اندحض بقول ابن عمر تأويل من حمل قوله «على صورته». قال أبو إسحاق: وهذا لم يجر بيني وبينه وإنما بينته لأصحابي ليفهموه.\nثم قلت له: قوله «خلق آدم على صورته» لا يتأول لآدم على صورة آدم لما قاله أحمد: وأي صورة كانت لآدم قبل خلقه؟ فقد فسد تأويلك من هذا الوجه. وفسد أيضًا بقول ابن عمر عن النبي - ﷺ -: «إن الله خلق آدم على صور الرحمن ﵎».\nوأما الاستدلال بقوله - ﷺ -: «طوله ستون ذراعًا» فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فكان قوله «خلق آدم على صورته» فتم الكلام. ثم قال: «طوله ستون ذراعًا» إخبارًا عن آدم بذلك، على حديث الثوري عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله ﷿ خلق آدم على صورته» ذكرت بدلالة حديث ابن عمر ﵄ وما ذكرته عن أحمد، فقال لي جوابًا عن حديث أنس: «إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها» إنما هما نعمتان.\nفقلت له: هذا الخبر يقول: إن الإصبعين نعمتان؟ واليدين صفة للذات. ولم يتقدمك بهذا أحد إلا عبد الله بن كلاب القطان، الذي انتحلت مذهبه ولا عبرة في التسليم للأصابع والتأويل لها على ما ذكرت أن القلوب بين نعمتين من نعم الله ﷿. ثم قال لي: وهذا مثل روايتكم عن ابن مسعود في قوله ﷿ يوم يكشف عن ساق أن الله ﷿ يكشف عن ساقه يوم القيامة؟","vol":"5","page":312},{"text":"فقلت له: هذا رواه ابن مسعود عن النبي - ﷺ -. فأنكره عن النبي - ﷺ - وقال: هذا من كلام ابن مسعود. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «الشدة». (١)\nفقلت له: إنما نذكر ما جاء عن الصحابة إذا لم نجد عن النبي - ﷺ - فقال لي: تحفظه عن النبي - ﷺ -؟\nقلت: نعم، هذا رواه المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ -: «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، وينزل الله ﷿ في ظلل من الغمام -وذكر الحديث بطوله- وقال فيه: فيأتيهم الله ﵎ فيقول لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: لنا إله. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، بيننا وبينه علامة، إن رأيناها عرفناه قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يكشف عن ساقه قال: فيخر من كان بظهره طبق ويبقى قوم ظهورهم كأنها صياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون». في حديث فيه طول (٢)،\nوقد روي\n_________\n(١) رواه ابن جرير (٢٩/ ٣٨) والحاكم (٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠) وقال: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٨٣ - ١٨٥) عن ابن عباس.\n(٢) أخرجه: عبد الله بن أحمد في السنة (ص.٢٠٦ - ٢٠٩) والطبراني في الكبير (٩/ ٣٥٧ - ٣٦١/ ٩٧٦٣) والبيهقي في البعث والنشور (٣١٤ - ٣١٦/ ٦٥٧) والحاكم (٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢) وقال: \"رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات غير أنهما لم يخرجا أبا خالد الدالاني في الصحيحين لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصحابة، فأما الأئمة المتقدمون فكلهم شهدوا لأبي خالد بالصدق والإتقان، والحديث صحيح ولم يخرجاه، وأبو خالد الدالاني ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة\". وتعقبه الذهبي بقوله: \"ما أنكره حديثا على جودة إسناده، وأبو خالد شيعي منحرف\".\n\nثم إن الذهبي ﵀ قد صححه كما في الأربعين في صفات رب العالمين (ص.١٢١) بقوله: \"وهو حديث صحيح\".\nوأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٤٠ - ٣٤٣) وقال رواه كله الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح، غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة\". وقال الحافظ في المطالب (٤/ ٣٦٥ - ٣٦٧): \"هذا إسناد صحيح متصل رجاله ثقات\".","vol":"5","page":313},{"text":"أيضًا من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ -.\nفقال: أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري؟ فقلت له: هذا في صحيح البخاري فليس من شرطه أبو هارون العبدي لضعفه عنده، وعند أئمة أهل العلم ولم يحضرني إسناده في وقت كلامي له. وأخرجته من صحيح البخاري كما ذكرته -وساقه بسنده- إلى أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي - ﷺ -: «يكشف ربنا ﵎ عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد له في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا» (١) ثم قال لي: وتقول بحديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - «رأيت ربي» (٢)؟ فقلت له: رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -. فقال لي: حماد بن سلمة ضعيف فقلت: من ضعفه؟ فقال لي: يحيى القطان. وقلت له: هذا تخرص على يحيى، لم يقل يحيى هذا، وإلا فمن حدثك؟ فلم يقل من حدثه. وقال لي: أيما أثبت عندك؟ حماد بن سلمة أو سماك؟ قلت: حماد بن سلمة أثبت وسماك مضطرب الحديث. فنازعني في هذا. والذي أجبته به بأن حماد بن سلمة ثقة وسماك مضطرب الحديث هو جواب أحمد فيهما، ولم أدر ما أراد بسماك؟ وخرجنا من ذلك ولم أسأله.\nثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول. فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها. لأن الرسول - ﷺ - لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه. ولكان الصحابة -حين سمعوا ذلك من الرسول - ﷺ - سألوه عن معنى غير\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ١٦ - ١٧) والبخاري (١٣/ ٥١٧ - ٥١٩/ ٧٤٣٩) ومسلم (١/ ١٦٧ - ١٧١/ ١٨٣).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف البربهاري سنة (٣٢٩هـ).","vol":"5","page":314},{"text":"ظاهرها. فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعًا ما قبلوا.\nفقال لي: أنتم المشبهة. فقلت: حاشا لله، المشبه الذي يقول: وجه كوجهي ويد كيدي. فأما نحن فنقول: له وجه كما أثبت لنفسه وجهًا. وله يد كما أثبت لنفسه يدًا. وليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ومن قال هذا فقد سلم ثم قلت له: أنت مذهبك أن كلام الله ﷿ ليس بأمر ولا نهي ولا متشابه ولا ناسخ ولا منسوخ ولا كلامه مسمع. لأن عندك الله ﷿ لا يتكلم بصوت، وأن موسى لم يسمع كلام الله ﷿ بسمعه. وإنما خلق الله ﷿ في موسى فهمًا فهم به. فلما رأى ما عليه في هذا من الشناعة قال: فلعلي أخالف ابن كلاب القطان في هذه المسألة من سائر مذهبه.\nثم قلت له: ومن خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع في سندها ولا جرح في ناقليها، وتجرأ على ردها، فقد تهجم على رد الإسلام لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت.\nفقال لي: الأخبار لا توجب عندي علما. فقلت له: يلزمك على قود مقالتك: أنك لو سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعدًا وسعيدًا وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة بن الجراح يقولون: سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول كذا وكذا أنك لا تعلم أن النبي - ﷺ - قال من ذلك شيئًا، لقولهم سمعنا فلم ينكر من ذلك شيئًا غير الشناعة.\nثم قال لي: أخبار الآحاد في الصفات اغسلها، وهي عندي والتراب سواء، ولا أقول منها إلا بما قام في العقل تصديقه. قلت له: فلم أتعبت نفسك في كتبها وسعيت إلى الشيوخ فيها، وأنصبت نفسك وأتعبتها،","vol":"5","page":315},{"text":"وأسهرت ليلك بما لا تدين الله ﷿ به، ولا تزداد به علمًا؟ فأجابني بأن قال: كتبته حتى أتمم به الأبواب إذا أردت تخريجها. فقلت له: تخرج للمسلمين ما لا تدين به؟ فقال نعم لأعرفه فقلت له: تُعنِّي المسلمين على قود مقالتك والحق في غير ما ذكرت؟ ثم قلت له خرقت الإجماع لأن الأمة بأسرها، اتفقت على نقلها، ولم يكن نقل ذلك عبثًا ولا لعبًا، ولو كان نقلهم لها كترك نقلهم لها لكانوا عابثين وحاشا لله من ذلك. ومن كانت هذه مقالته فقد دخل تحت الوعيد في قوله ﷿: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١).\nولما كانت أخبار الآحاد في الصفات لا توجب عملًا دلّ على أنها موجبة للعلم، فسقط بهذا ما ادعاه من لم ينتفع بعلمه، وتهجم على إسقاط كلام الرسول - ﷺ - بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه، برأيه وظنه.\nثم ذكرت حساب الكفار فقال لي: قد روي عن النبي - ﷺ - حديث أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ -: «إن الكافر ليحاسب حتى يقول: أرحني ولو إلى النار» (٢)\nفهلا قلت به؟ فقلت له: ليس\n_________\n(١) النساء الآية (١١٥).\n(٢) أخرجه: أبو يعلى (٨/ ٣٩٨/٤٩٨٢) وعنه ابن حبان (١٦/ ٣٣٠/٧٣٣٥) والطبراني (١٠/ ٩٩ - ١٠٠/ ١٠٠٨٣) من طريق شريك عن أبي الأحوص عن عبد الله مرفوعًا. وفي إسناده شريك وهو سيئ الحفظ وهو متأخر السماع من أبي إسحاق السبيعي، وهذا الأخير اختلط بآخره. وتابعه إبراهيم بن المهاجر البجلي عن أبي الأحوص به. رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٧/١٠١١٢) وفي الأوسط (٥/ ٢٩٢/٤٥٧٦). وإبراهيم بن المهاجر قال فيه ابن حجر: \"صدوق لين الحفظ\".\n\nوالحديث ذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٣٦) وقال: \"رجال الكبير رجال الصحيح وفي رجال الأوسط محمد بن إسحاق وهو ثقة لكنه مدلس\".","vol":"5","page":316},{"text":"يحل ما روي صحيحًا أو سقيمًا أن نقول به. وإنما تعبدنا بالصحيح دون السقيم. والصحيح معلوم عند أهل النقل بعدالة ناقليه، متصلًا إلى المخبر عنه، والسقيم معلوم بجرح ناقليه وهذا الخبر الذي رويته ورواه إبراهيم بن مهاجر ابن مسمار - يعني: وهو متروك الحديث ضعيف عند أهل العلم، وليس مثل هذا مما تقوم به حجة.\nفقال لي: فأي شيء معك في أنهم لا يحاسبون؟ فقلت له: إن شئت من كتاب الله وإن شئت من سنة رسول الله - ﷺ -، وإن شئت من قول صحابته ﵃. فقال لي منكرًا لقولي في الصحابة من قال هذا؟ فقلت: نعم. قرأت على أبي عيسى إلى أن ذكر الحديث: «من حوسب دخل الجنة».\nيقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ (١) ويقول للآخرين يعني الكفار: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ (٢) ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ (٣).\nفقال لي: قد سمعت هذا الحديث من أبي علي الصواف، فساق سنده إلى عائشة بمثل معناه يعني «من حوسب دخل الجنة» فقال لي: هو المسلم المجرم. فقلت له: جمعت بين ما فرق الله ﷿، لأن الله ﷿ يقول:\n_________\n(١) الانشقاق الآيات (٧ - ٩).\n(٢) الرحمن الآية (٣٩).\n(٣) الرحمن الآية (٤١).","vol":"5","page":317},{"text":"﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (١).\nقال أبو إسحاق: وكان عندنا أن أبا سليمان يقول: إن الكافر والمؤمن يحاسبان. فعلى قوله: إن المؤمن لا يحاسب وإن الكافر يحاسب. وهذه عصبية للكافر، خرج بها عن جملة أهل العلم. قلت له: أنت تتكلم على المسلمين فتحشو أسماعهم بكلام الكلبي الكذاب فيما يخبر عن مراد الله تعالى عن الأمم الخالية، التي لم يشاهدها، ولا يكون عندك هذيان. ثم تجيء إلى مثل حديث إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله -حديث الخبر- فتقول هذا هذيان. وهذا قول من تقلده خرج عندي من الدين وسلك غير طريق المسلمين.\nوهذا ما جرى بيننا إلا ما أخللت به فلم أتيقن حفظه، والله سبحانه الموفق لإدراك الصواب. (٢)\nالتعليق:\nمن قرأ هذه المناظرة المباركة علم قوة السلفيين، وحفظهم لميراث الرسول - ﷺ - وصحابته الكرام، وعلم خبث المبتدعة وضعفهم العلمي وتلاعبهم بدين الله على حسب أهوائهم. وعلم ما علق به المبتدع المسمى عبد الله بن الصديق على كتاب التمهيد لابن عبد البر الجزء السابع على حديث أبي هريرة ﵁ في النزول «ينزل ربنا ...» الحديث (٣) الذي نجسه بتعاليقه الباردة الممقوتة، ينقل أقوال المبتدعة في أحاديث الصفات،\n_________\n(١) القلم الآيتان (٣٥و٣٦).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٢٨ - ١٣٨).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).","vol":"5","page":318},{"text":"ويجتر ما قاله المبتدعة قبله. وهذه المناظرة تكفي في الرد عليه وعلى أمثاله ممن يريدون إحياء مذهب ابن صفوان الترمذي بين المسلمين، والله المستعان. ويكفي المسلمين شره وشر أمثاله من المبتدعة.\n\nبشر بن أحمد الإِسْفَرَاييني (١) (٣٧٠ هـ)\nبشر بن أحمد بن بشر بن محمود الإسفراييني أبو سهل الإمام المحدث الثقة الجوال مسند وقته وأحد الموصوفين بالشهامة والشجاعة. سمع إبراهيم ابن علي الذهلي ومحمد بن محمد بن رجاء وأحمد بن سهل وغيرهم. وعمر وأملى مدة حدث عنه الحاكم والعلاء بن محمد ومحمد بن حميم الفقيه وغيرهم.\nتوفي في شوال سنة سبعين وثلاثمائة. وقد عاش نيفًا وتسعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2172>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في ذم الكلام: عن الأشعث قال: قال رجل لبشر بن أحمد الإسفرايني: إنما أتعلم الكلام لأعرف به الدين. فغضب. وسمعته قال: أو كان السلف من علمائنا كفارًا. (٢)\n_________\n(١) السير (١٦/ ٢٢٨ - ٢٢٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٥١ - ٣٨٠/ص.٤٣٦) والنجوم الزاهرة (٤/ ١٣٩) والعبر (١/ ٣٧١) وشذرات الذهب (٣/ ٧١).\n(٢) ذم الكلام (٢٧٦).","vol":"5","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2173>موقف السلف من أبي بكر الرازي المعتزلي (٣٧٠ ه</span>ـ)\nبيان اعتزاله:\nجاء في السير: وقيل كان ميله إلى الاعتزال في مصنفاته: وقيل كان يميل إلى الاعتزال، وفي تواليفه ما يدل على ذلك في رؤية الله وغيرها، نسأل الله السلامة. (١)\n\nالإسماعيلي (٢) (٣٧١ هـ)\nأحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس أبو بكر، الإمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام الإسماعيلي، ولد سنة سبع وسبعين ومائتين. وكتب الحديث بخطه وهو صبي مميز. روى عن إبراهيم بن زهير الحلواني، وحمزة بن محمد الكاتب، ويوسف بن يعقوب القاضي، وعدة. حدث عنه الحاكم، وأبو بكر البرقاني، وحمزة السهمي، وخلق سواهم. وصنف تصانيف تشهد له بالإمامة في الفقه والحديث، فهو الحبر الإمام الجامع. قال الحاكم: كان الإسماعيلي واحد عصره، وشيخ المحدثين والفقهاء، وأجلهم في الرئاسة والمروءة والسخاء، ولا خلاف بين العلماء من الفريقين وعقلائهم في أبي بكر. وكان مقدما في جميع المجالس. كان إذا حضر مجلسًا لا يقرأ غيره لجودة قراءته.\n_________\n(١) السير (١٦/ ٣٤١).\n(٢) السير (١٦/ ٢٩٢ - ٢٩٦) والمنتظم (١٤/ ٢٨١ - ٢٨٢) والعبر (١/ ٣٧٣) والوافي بالوفيات (٦/ ٢١٣) والبداية والنهاية (١١/ ٣١٧ - ٣١٨) وشذرات الذهب (٣/ ٧٥).","vol":"5","page":320},{"text":"مات في غرة رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2175>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في كتاب اعتقاد أئمة الحديث (١): ويرون مجانبة البدعة والآثام، والفخر، والتكبر، والعجب، والخيانة، والدغل، والسعاية، ويرون كف الأذى وترك الغيبة إلا لمن أظهر بدعة وهوى يدعو إليها، فالقول فيه ليس بغيبة عندهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2176>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n'اعتقاد أئمة الحديث': ذكر الذهبي أوله في السير: أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن بن الفراء أخبرنا الشيخ موفق الدين عبد الله، أخبرنا مسعود بن عبد الواحد، أخبرنا صاعد بن سيار، أخبرنا علي بن محمد الجرجاني، أخبرنا حمزة بن يوسف أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي قال: اعلموا -رحمكم الله- أن مذاهب أهل الحديث: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وقبول ما نطق به كتاب الله وما صحت به الرواية عن رسول الله - ﷺ - لا معدل عن ذلك. ويعتقدون بأن الله مدعو بأسمائه الحسنى وموصوف بصفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه. خلق آدم بيده ويداه مبسوطتان بلا اعتقاد كيف. واستوى على العرش بلا كيف. وذكر سائر الاعتقاد. (٢)\n_________\n(١) (ص.٧٨).\n(٢) السير (١٦/ ٢٩٥) انظر كتاب الاعتقاد (ص.٤٩) فما بعدها.","vol":"5","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2177>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال في اعتقاد أئمة الحديث: ويقولون إن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، من كثرت طاعته أزيد إيمان ممن هو دونه في الطاعة. (١)\n- وقال أيضًا: وقال كثير من أهل السنة والجماعة: إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى الآخر فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر وإن ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمّهم.\nوكثير منهم قالوا: الإسلام والإيمان واحد.\nقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢).\nفلو أن الإيمان غيرُه لم يُقبل، وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (٣)، ومنهم من ذهب إلى أن الإسلام مختصّ بالاستسلام لله والخضوع له والانقياد لحكمه فيما هو مؤمن به، كما قال: ﴿* قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (٤)، وقال:\n_________\n(١) اعتقاد أئمة الحديث (ص.٦٣ - ٦٤).\n(٢) آل عمران الآية (٨٥).\n(٣) الذاريات الآيتان (٣٥و٣٦).\n(٤) الحجرات الآية (١٤).","vol":"5","page":322},{"text":"﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (١). وهذا أيضًا دليل لمن قال هما واحد. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2178>موقفه من القدرية:</span>\nقال ﵀وهو يقرر عقيدة أهل الحديث-: ويقولون ما يقوله المسلمون بأسرهم: (وما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣).\nويقولون لا سبيل لأحد أن يخرج عن علم الله ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله ولا أن يبدل علم الله فإنه العالم لا يجهل ولا يسهو والقادر لا يغلب. (٤)\nوقال: ويقولون إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله ﷿، وأن أكساب العباد كلها مخلوقة لله، وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله ﷿، ولا عذر كما قاله الله ﷿: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥) وقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ\n_________\n(١) الحجرات الآية (١٧).\n(٢) اعتقاد أئمة الحديث (ص.٦٧ - ٦٨). وأورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٦).\n(٣) التكوير الآية (٢٩).\n(٤) اعتقاد أئمة الحديث (ص.٥٧).\n(٥) الأنعام الآية (١٤٩).","vol":"5","page":323},{"text":"تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٢) وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٣)، ومعنى: ﴿نبرأها﴾ أي نخلقها وبلا خلاف في اللغة، وقال مخبرًا عن أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٤) وقال: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٥)، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (٦).\nويقولون إن الخير والشر والحلو والمر، بقضاء من الله ﷿، أمضاه وقدره لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا إلا ما شاء الله، وإنهم فقراء إلى الله ﷿ لا غنى لهم عنه في كل وقت. (٧)\n_________\n(١) الأعراف الآيتان (٢٩و٣٠).\n(٢) الأعراف الآية (١٧٩).\n(٣) الحديد الآية (٢٢).\n(٤) الأعراف الآية (٤٣).\n(٥) الرعد الآية (٣١).\n(٦) هود الآيتان (١١٨و١١٩).\n(٧) اعتقاد أئمة الحديث (ص.٦٠ - ٦٢).","vol":"5","page":324},{"text":"يونس بن سليمان السقاء (١) (٣٧١ هـ)\nيونس بن سليمان السقاء القيرواني. كان لسان أهل السنة في الرد على المخالفين من أهل البدع، فصيح اللسان حلو المناظرة. توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2180>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في معالم الإيمان: كان لسان أهل السنة في الرد على المخالفين من أهل البدع، فصيح اللسان حلو المناظرة. (٢)\n\nعبد الله بن إسحاق بن التَبَّان (٣) (٣٧١ هـ)\nعبد الله بن إسحاق بن التبان، أبو محمد القيرواني المالكي. ولد سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. كان من العلماء الراسخين والفقهاء المبرزين، ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار لعلمه بالذب عن مذهب أهل السنة. وكان من أشد الناس عداوة لبني عبيد. وله مناظرات معهم ومع غيرهم من المبتدعة، ذكر بعضها صاحب معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان. توفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.\n_________\n(١) معالم الإيمان (٣/ ٩٨).\n(٢) معالم الإيمان (٣/ ٩٨).\n(٣) معالم الإيمان (٣/ ٨٨) والسير (١٦/ ٣١٩) وشجرة النور الزكية (١/ ٩٥) والوافي بالوفيات (١٧/ ٦٦) وشذرات الذهب (٣/ ٧٦).","vol":"5","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2182>موقفه من المبتدعة:</span>\nذكر أبو محمد بالمنستير (١) كراهة مالك بن أنس الاجتماع على قراءة القرآن وأن ذلك بدعة، فقال له رجل: كيف تقول إن قراءة القرآن بدعة؟ فقال: لم أقل هذا، فخرج الرجل وصاح: إن ابن التبان قال إن قراءة القرآن بدعة، فزحف الناس من كل جهة منكرين هذا وأتوا حجرته، فبين لهم فمنهم من فهم ومنهم من لم يفهم، ثم حول أبو محمد وجهه للذي شنع عليه وقال له: أفجعت قلبي أفجع الله قلبك أفجعك الله بنفسك وولدك ومالك، فأجيبت دعوة الشيخ فيه.\nقال أبو زيد الدباغ: وفي دعائه بأن يفجعه في نفسه وولده نظر لأنه -أي الابن- لم يظلمه وإنما يدعى على الظالم وحده. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2183>أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي الصوفي (٣٧١ ه</span>ـ)\nبيان تصوفه:\nساير الصوفية في مجاهداتهم ورياضاتهم غير الشرعية وضيق على نفسه بشدة الجوع والعطش، وهذا غلو وإفراط في التعبد ما أنزل الله به من سلطان ومع ذلك فقد رد على المتصوفة لعزوفهم عن العلم والتعلم.\nجاء في السير: قال ابن باكويه: نظر أبو عبد الله بن خفيف يومًا إلى ابن مكتوم وجماعة يكتبون شيئًا، فقال: ما هذا؟ قالوا: نكتب كذا وكذا،\n_________\n(١) المنستير: اسم موضع بإفريقية (تونس حاليا).\n(٢) معالم الإيمان (٣/ ٩٥).","vol":"5","page":326},{"text":"قال: اشتغلوا بتعلم شيء، ولا يغرنكم كلام الصوفية، فإني كنت أخبئ محبرتي في جيب مرقعي، والورق في حجزة سراويلي، وأذهب في الخفية إلى أهل العلم، فإذا علموا به خاصموني، وقالوا: لا يفلح، ثم احتاجوا إلي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2184>موقفه من المبتدعة والرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة والقدرية:</span>\nمعتقده:\nقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه 'اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات' قال في آخر خطبته: فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله ﷿، ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه، قولًا واحدًا وشرعًا ظاهرًا، وهم الذين نقلوا عن رسول الله - ﷺ - ذلك حتى قال: «عليكم بسنتي» (٢) وذكر الحديث. وحديث «لعن الله من أحدث حدثًا» (٣) قال: فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف -وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات كما اختلفوا في الفروع، ولو كان منهم في ذلك اختلاف منهم لنقل إلينا، كما نقل سائر الاختلاف- فاستقر صحة\n_________\n(١) السير (١٦/ ٣٤٦).\n(٢) أخرجه: أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود (٥/ ١٣/٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٦) وقال: \"صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجه: أحمد (١/ ١١٩) مختصرًا، والبخاري (١٣/ ٣٤١ - ٣٤٢/ ٧٣٠٠) ومسلم (٢/ ١١٤٧/١٣٧٠) وأبو داود (٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠/ ٢٠٣٤) والترمذي (٤/ ٣٨١ - ٣٨٢/ ٢١٢٧) والنسائي (٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨/ ٤٧٤٨) وابن ماجه (٢/ ٨٨٧/٢٦٥٨) مختصرًا.","vol":"5","page":327},{"text":"ذلك عند خاصتهم وعامتهم، حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين، حتى نقلوا ذلك قرنًا بعد قرن، لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر، ولله المنة.\nثم إني قائل -وبالله أقول- إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد وذكر الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين، من الصحابة والتابعين، فخاضوا في ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار، ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار، وصار معولهم على أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به، على مخالفة السنة والتعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها ما وافق النفوس، فتأولوا على ما وافق هواهم وصححوا بذلك مذهبهم احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين، ومأخذ المؤمنين، ومنهاج الأولين، خوفًا من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسول الله - ﷺ - أمته ومنع المستجيبين له حتى حذرهم. ثم ذكر أبو عبد الله خروج النبي - ﷺ - وهم يتنازعون في القدر وغضبه (١)، وحديث «لا ألفين أحدكم» (٢) وحديث «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (٣) فإن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه، ثم قال: فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة، ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ١٩٥ - ١٩٦) وابن ماجه (١/ ٣٣/٨٥) قال البوصيري في الزوائد (١/ ٥٣): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص\".\n(٢) أخرجه: أحمد (٦/ ٨) وأبو داود (٥/ ١٢/٤٦٠٥) والترمذي (٥/ ٣٦/٢٦٦٣) وقال: \"حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٦ - ٧/ ١٣) عن أبي رافع.\n(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٦/٢٦٤١) والحاكم (١/ ١٢٨ - ١٢٩) من طريق عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا. وفيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، قال فيه الحافظ: ضعيف في حفظه، ولكن للحديث شواهد، كشاهد أبي هريرة ومعاوية وغيرهما.","vol":"5","page":328},{"text":"التابعين لهم بإحسان، المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة، فيتصل ذلك قرنًا بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة والأمانة الحافظين على الأمة ما لهم وما عليهم من إثبات السنة.\nإلى أن قال: فأول ما نبتدئ له ما أوردنا هذه المسألة من أجلها ذكر أسماء الله ﷿ في كتابه، وما بين - ﷺ - من صفاته في سنته، وما وصف به ﷿ مما سنذكر قول القائلين بذلك، مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك، ومما قد أمرنا بالاستسلام له -إلى أن قال-: ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية والإقرار بالألوهية: أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق، بما بدأ من أسمائه وصفاته، وأكد ﵇ بقوله فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله إلا الله. إلى أن قال بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل. فقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ (١) وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٢) ولصحة ذلك واستقرار ما جاء به المسيح ﵇ فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٣)، وقال ﷿: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٤) وأكد ﵇ صحة إثبات ذلك في سنته فقال:\n_________\n(١) طه الآية (٤١).\n(٢) آل عمران الآية (٢٨).\n(٣) المائدة الآية (١١٦).\n(٤) الأنعام الآية (٥٤).","vol":"5","page":329},{"text":"يقول الله ﷿: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» (١) وقال: «كتب كتابًا بيده على نفسه: إن رحمتي غلبت غضبي» (٢) وقال: «سبحان الله رضى نفسه» (٣)\nوقال في محاجة آدم لموسى: «أنت الذي اصطفاك الله واصطنعك لنفسه» (٤) فقد صرح بظاهر قوله: أنه أثبت لنفسه نفسًا، وأثبت له الرسول ذلك، فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنيًا على ظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥) ثم قال: فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه ﵇، بنقل العدل عن العدل، حتى يتصل به رسول الله - ﷺ -، وإن مما قضى الله علينا في كتابه، ووصف به نفسه، ووردت السنة بصحة ذلك أن قال: ﴿* اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٦) ثم قال عقيب ذلك: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ وبذلك دعاه - ﷺ -: «أنت نور السموات والأرض» (٧) ثم ذكر حديث أبي موسى:\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف البربهاري سنة (٣٢٩هـ).\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٤٢) والبخاري (٦/ ٣٥٢/٣١٩٤) ومسلم (٤/ ٢١٠٧/٢٧٥١) والترمذي (٥/ ٥١٣/٣٥٤٣) وابن ماجه (٢/ ١٤٣٥/٤٢٩٥) من حديث أبي هريرة.\n(٣) أخرجه: أحمد (١/ ٢٥٨) ومسلم (٤/ ٢٠٩٠/٢٧٢٦) وأبو داود (٢/ ١٧١/١٥٠٣) والترمذي (٥/ ٥١٩ - ٥٢٠/ ٣٥٥٥) والنسائي (٣/ ٨٦ - ٨٧/ ١٣٥١) وابن ماجه (٢/ ١٢٥١ - ١٢٥٢/ ٣٨٠٨) من حديث جويرية ..\n(٤) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٨٧و٣١٤) والبخاري (١١/ ٦١٨/٦٦١٤) ومسلم (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٣/ ٢٦٥٢) وأبو داود (٥/ ٧٦ - ٧٨/ ٤٧٠١) والترمذي (٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧/ ٢١٣٤) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٥/ ١٠٩٨٥ - ١٠٩٨٦) وابن ماجه (١/ ٣١ - ٣٢/ ٨٠).\n(٥) الشورى الآية (١١).\n(٦) النور الآية (٣٥).\n(٧) انظر تخريجه في مواقف ابن خزيمة سنة (٣١١هـ).","vol":"5","page":330},{"text":"«حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (١) وقال: سبحات وجهه جلاله ونوره، نقله عن الخليل وأبي عبيد، وقال: قال عبد الله بن مسعود: نور السموات نور وجهه. ثم قال: ومما ورد به النص أنه حي وذكر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢) والحديث: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (٣)\nقال: ومما تعرف الله إلى عباده؛ أن وصف نفسه أن له وجهًا موصوفًا بالجلال والإكرام، فأثبت لنفسه وجهًا -وذكر الآيات. ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم، فقال: في الحديث من أوصاف الله ﷿ لا ينام، موافق لظاهر الكتاب: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٤) وأن له وجهًا موصوفًا بالأنوار، وأن له بصرًا كما علمنا في كتابه\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ٤٠٥) ومسلم (١/ ١٦١ - ١٦٢/ ١٧٩) وابن ماجه (١/ ٧٠ - ٧١/ ١٩٥و١٩٦).\n(٢) البقرة الآية (٢٥٥).\n(٣) أخرجه: الترمذي (٥/ ٥٠٤/٣٥٢٤) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٣٧) من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد حدثنا الرحيل بن معاوية -أخو زهير بن معاوية- عن الرقاشي عن أنس بن مالك. قال الترمذي: \"هذا حديث غريب\" .. والرقاشي هو يزيد بن أبان، ضعيف كما قال في التقريب.\nوالحديث أخرجه أيضًا: الطبراني في الأوسط (٤/ ٣٤٣/٣٥٨٩) وفي الصغير (٤٣٦) وفيه زيادة، عن سلمة بن حرب ابن زياد الكلابي قال: حدثني أبو مدرك حدثني أنس بن مالك.\nوأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٨٠ - ١٨١) وقال: \"وقد ذكر الذهبي سلمة في الميزان فقال: مجهول كشيخه أبي مدرك، وقد وثق ابن حبان سلمة وذكر له هذا الحديث في ترجمته، وفي الميزان أبو مدرك قال الدارقطني متروك، فلا أدري هو أبو مدرك هذا أو غيره، وبقية رجاله ثقات\".\nوله شاهد أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٩) من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود. وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". وتعقبه الذهبي بقوله: عبد الرحمن لم يسمع من أبيه وعبد الرحمن ومن بعده ليسوا بحجة. والحديث بهذا الشاهد حسن، كما بين ذلك الشيخ الألباني في تعليقه على الكلم الطيب (رقم: ١١٨).\n(٤) البقرة الآية (٢٥٥).","vol":"5","page":331},{"text":"أنه سميع بصير. ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه، وفي إثبات السمع والبصر، والآيات الدالة على ذلك. ثم قال: ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين، أن قال: له يدان قد بسطهما بالرحمة، وذكر الأحاديث في ذلك، ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت. ثم ذكر حديث: «يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رجله» وهي رواية البخاري وفي رواية أخرى يضع عليها قدمه (١). ثم رواه مسلم البطين عن ابن عباس: أن الكرسي موضع القدمين وأن العرش لا يقدر قدره إلا الله (٢)،\nوذكر قول مسلم البطين نفسه، وقول السدي، وقول وهب بن منبه، وأبي مالك وبعضهم يقول: موضع قدميه، وبعضهم يقول واضع رجليه عليه. ثم قال: فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي - ﷺ - متداولة في الأقوال، ومحفوظة في الصدر، ولا ينكر خلف عن السلف، ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم، نقلتها الخاصة والعامة\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٢) أخرجه موقوفًا على ابن عباس: عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣٠٤/٥٩٠) وابن أبي شيبة في العرش (٧٩/ ٦١) وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩/ ١٥٤و١٥٦) وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٨٢و٥٨٤/ ٢١٦و٢١٧) والطبراني (١٢/ ٣٩/١٢٤٠٤) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٩٦/٧٥٨) والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٢) وصححه ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٣٢٣) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\". وأخرجه ابن جرير في التفسير (٥/ ٣٩٨/٥٧٩٢) (تحقيق شاكر) موقوفًا على مسلم البطين.\n\nوقد روي هذا الأثر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، أخرجه الخطيب في التاريخ (٩/ ٢٥١) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٢) من طريق شجاع بن مخلد الفلاس حدثنا أبو عاصم عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا. وقال -أي ابن الجوزي-: \"هذا الحديث وهم شجاع بن مخلد في رفعه، فقد رواه أبو مسلم الكجي وأحمد بن منصور الرمادي كلاهما عن أبي عاصم فلم يرفعاه، ورواه عبد الرحمن بن مهدي ووكيع كلاهما عن سفيان فلم يرفعاه. بل وقفاه على ابن عباس وهو الصحيح\".\nوانظر كتابنا المفسرون بين التأويل والإثبات (٤/ ١٦٩٠).","vol":"5","page":332},{"text":"مدونة في كتبهم، إلى أن حدث في آخر الأمة من قلل الله عددهم، ممن حذرنا رسول الله - ﷺ - عن مجالستهم ومكالمتهم، وأمرنا أن لا نعود مرضاهم، ولا نشيع جنائزهم، فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه، وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس، وكفر المتقدمين، وأنكروا على الصحابة والتابعين، وردوا على الأئمة الراشدين، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل. ثم ذكر المأثور عن ابن عباس، وجوابه لنجدة الحروري، ثم حديث \"الصورة\" وذكر أنه صنف فيه كتابًا مفردًا، واختلاف الناس في تأويله. ثم قال: وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل الزيغ وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة -إن شاء الله. ثم ذكر الخلاف في الإمامة واحتج عليها، وذكر اتفاق المهاجرين والأنصار على تقديم \"الصديق\" وأنه أفضل الأمة. ثم قال: وكان الاختلاف في \"خلق الأفعال\" هل هي مقدرة أم لا؟ قال: وقولنا فيها أن أفعال العباد مقدرة معلومة، وذكر إثبات القدر. ثم ذكر الخلاف في أهل الكبائر ومسألة الأسماء والأحكام وقال: قولنا فيها أنهم مؤمنون على الإطلاق وأمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم. وقال: أصل الإيمان موهبة يتولد منها أفعال العباد، فيكون أصل التصديق والإقرار والأعمال، وذكر الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه. وقال: قولنا أنه يزيد وينقص.\nقال: ثم كان الاختلاف في القرآن مخلوقًا وغير مخلوق، فقولنا وقول أئمتنا إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه صفة الله منه بدأ قولًا وإليه يعود حكمًا، ثم ذكر الخلاف في الرؤية وقال: قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد أن الله يرى في القيامة وذكر الحجة.","vol":"5","page":333},{"text":"ثم قال: اعلم رحمك الله أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين في كل الأزمنة وقد بدأت أن أذكر حكام الجمل من العقود. فنقول ونعتقد أن الله ﷿ له عرش، وهو على عرشه فوق سبع سمواته بكل أسمائه وصفاته، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (١) ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٢) ولا نقول إنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه لأنه عالم بما يجري على عباده ثم يعرج إليه. إلى أن قال: ونعتقد أن الله تعالى خلق الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان للبقاء، لا للفناء. إلى أن قال: ونعتقد أن النبي - ﷺ - عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى (٣). إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال: «هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار» ونعتقد أن للرسول - ﷺ - \"حوضًا\" ونعتقد أنه أول شافع وأول مشفع وذكر الصراط والميزان والموت وأن المقتول قتل بأجله واستوفى رزقه.\nإلى أن قال: ومما نعتقده أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيبسط يده فيقول: «ألا هل من سائل» الحديث (٤)، وليلة النصف من شعبان (٥)، وعشية عرفة (٦)، وذكر الحديث في ذلك. قال: ونعتقد أن الله\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) السجدة الآية (٥).\n(٣) أخرجه من حديث أنس: أحمد (٣/ ١٤٨) والبخاري (١/ ٦٠٥/٣٤٩) ومسلم (١/ ١٤٥/١٦٢) والنسائي (١/ ٢٤١ - ٢٤٣/ ٤٤٩) وابن ماجه (١/ ٤٤٨/١٣٩٩).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٥) انظر تخريجه في مواقف ابن قتيبة سنة (٢٧٦هـ).\n(٦) انظر تخريجه في مواقف ابن قتيبة سنة (٢٧٦هـ).","vol":"5","page":334},{"text":"تعالى كلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، وأن الخلة غير الفقر، لا كما قال أهل البدع. ونعتقد أن الله تعالى خص محمدًا - ﷺ - بالرؤية. واتخذه خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا. ونعتقد أن الله تعالى اختص بمفتاح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١) الآية. ونعتقد المسح على الخفين، ثلاثًا للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم، ونعتقد الصبر على السلطان من قريش، ما كان من جور أو عدل، ما أقام الصلاة من الجمع والأعياد. والجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة. والصلاة في الجماعة حيث ينادى لها واجب، إذا لم يكن عذر أو مانع، والتراويح سنة، ونشهد أن من ترك الصلاة عمدًا فهو كافر، والشهادة والبراءة بدعة، والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة، ولا ننزل أحدًا جنة ولا نارًا حتى يكون الله ينزلهم، والمراء والجدال في الدين بدعة.\nونعتقد أن ما شجر بين أصحاب رسول الله - ﷺ - أمرهم إلى الله، ونترحم على عائشة ونترضى عنها، والقول في اللفظ والملفوظ، وكذلك في الاسم والمسمى بدعة، والقول في الإيمان مخلوق، أو غير مخلوق بدعة وأن مما نعتقده: أن الله لا يحل في المرئيات، وأنه المتفرد بكمال أسمائه وصفاته، بائن من خلقه مستوٍ على عرشه، وأن القرآن كلامه غير مخلوق -حيث ما تلي ودرس وحفظ- ونعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلًا واتخذ نبينا محمدًا - ﷺ - خليلًا وحبيبًا، والخلة لهما منه، على خلاف ما قاله المعتزلة: إن الخلة الفقر والحاجة.\n_________\n(١) لقمان الآية (٣٤).","vol":"5","page":335},{"text":"إلى أن قال: والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخلة جائزة عليها الكيف، فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم، وموجودة في التعريف، قد انتفى عنها التشبيه، فالإيمان بها واجب، واسم الكيفية عن ذلك ساقط. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2185>موقف السلف من عضد الدولة الشيعي (٣٧٢ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\nجاء في السير: نقل أنه لما احتضر ما انطلق لسانه إلا بقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ (٢). ومات بعلة الصرع، وكان شيعيًا جلدًا أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال، وأنشأ ببغداد البيمارستان العضدي وهو كامل في معناه، لكنه تلاشى الآن. (٣)\n\nأبو سعيد بن أخي هشام الربعي (٤) (٣٧٣ هـ)\nأبو سعيد خلف بن عمر بن أخي هشام الربعي وقيل: عثمان بن عمر\n_________\n(١) نقلًا عن شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٧١ - ٨٠).\n(٢) الحاقة الآيتان (٢٨و٢٩).\n(٣) السير (١٦/ ٢٥٠).\n(٤) تاريخ الإسلام (حوادث ٣٥١ - ٣٨٠/ص.٤٩٩) ومعالم الإيمان (٣/ ٩٩ - ١٠٤) والديباج (١/ ٣٤٧ - ٣٤٩).","vol":"5","page":336},{"text":"المعروف بابن أخي هشام الربعي، الحناط الفقيه، قرأ على أحمد بن نصر وأبي بكر بن اللباد وأبي القاسم الطرزي، وغيرهم. كان إمام الزمان وواحد الفقهاء في عصره وأعلمهم بمذاهب أهل المدينة ما اختلف فيه وما اتفق عليه. وشيخ المالكية بإفريقية. وكان يجتمع مع أبي الأزهر بن مغيث وأبي محمد بن أبي زيد ويتناظرون. توفي يوم الجمعة السابع من صفر سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2187>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في معالم الإيمان: قال أحمد بن القاضي النعمان: يا أبا سعيد لم تقولون: إن من قذف عائشة يقتل؟ وإنما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) وجلد رسول الله - ﷺ - تسليمًا أهل الإفك ثمانين جلدة، فلم لم تأخذوا بالقرآن، ولا بما فعل النبي - ﷺ - تسليمًا؟ فقال أبو سعيد: قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (٢) وقال: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (٣) فجلد من قذفها قبل البراءة بالقرآن، وبعد القرآن من قذفها فقد رد القرآن، ومن رد حرفًا من القرآن فقد وجب قتله بإجماع. (٤)\n_________\n(١) النور الآية (٤).\n(٢) النور الآية (٢٦).\n(٣) النور الآية (٢٦).\n(٤) المعالم (٣/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"5","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2188>أبو عثمان المغربي الصوفي (٣٧٣ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2189>موقفه من الصوفية:</span>\nهذا الرجل صوفي وله كلمة جيدة في الرد على الصوفية، والقول فيه ما قلنا في الجنيد قبله فلينظر.\nجاء في السير عنه قال: علوم الدقائق علوم الشياطين، وأسلم الطرق من الاغترار لزوم الشريعة. (١)\n\nمحمد المَلَطِي (٢) (٣٧٧ هـ)\nمحمد بن أحمد بن عبد الرحمن أبو الحسين الملطي المقرئ الفقيه نزيل عسقلان. قال الداني: أخذ القراءة عرضًا عن أبي بكر بن مجاهد وأبي بكر بن الأنباري وجماعة مشهورة بالثقة والإتقان، وسمعت إسماعيل بن رجاء يقول: كان أبو الحسين كثير العلم كثير التصنيف في الفقه جيد الشعر. وله قصيدة في وصف القراءة. وقد حدث عن عدي بن عبد الباقي وخيثمة الأطرابلسي وأحمد بن مسعود الوزان. روى عنه إسماعيل بن رجاء وعمر بن أحمد الواسطي وداود بن مصحح وآخرون. توفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2191>موقفه من المبتدعة:</span>\n_________\n(١) السير (١٦/ ٣٢١).\n(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ٣٥١ - ٣٨٠/ص.٦١٥ - ٦١٦) ومعرفة القراء (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤) طبقات الشافعية للسبكي (٢/ ١١٢) وغاية النهاية (٢/ ٦٧).","vol":"5","page":338},{"text":"له من الآثار السلفية:\n'التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع'. وقد طبع الكتاب بحمد الله، وزينه بالنقل عن أئمة السلف كخشيش بن أصرم النسائي، وقد أغضب حامل راية الجهمية في الوقت الحاضر فدنسه بتعاليقه المسمومة على عادته في كل كتاب ينجسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2192>موقفه من المشركين:</span>\nقال ﵀: فافترقت الزنادقة على خمس فرق، وافترقت منها فرقة على ست فرق، فمنهم:\nالمعطلة: الذين يزعمون أن الأشياء كائنة من غير تكوين، وأنه ليس لها مكون ولا مدير، وأن هذا الخلق بمنزلة النبات في الفيافي والقفار، يموت سنة شيء ويحيى سنة شيء وينبت شيء، وأنها تغلب عليها الطبائع الأربعة في أبدانها فإذا غلبت إحداهن قتلته لأنه يموت الصغير ويحيى الكبير، وإن أباه خلقه، وخلق الأب أبوه لا يعرفون آدم، وإن آدم له آباء، تعالى الله عما يقولون.\nومنهم المانوية: يزعمون أن إلهين وخالقين، خالق للخير والنور والضياء وخالق للشر والظلمة والبلاء، نزهوا الله وزعموا أنه لم يخلق الظلمة والبلاء، والهوام والسباع، فجعلوا معه لما نزهوه شريكًا خلق هذه الأشياء، وزعموا أن الله تعالى خلق الروح الجاري في الجسد، فقالوا: ألا ترى الروح إذا فارق الجسد أنتن، وأن الخالق الآخر عندهم خلق الجسد والله لا يخلق نتنًا ولا قذرًا، فجعلوا للخلق كلهم خالقين تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وإنما","vol":"5","page":339},{"text":"سموا مانية لأن رجلًا كان يقال له ماني، زعموا أنه نبيهم، وكان في زمن الأكاسرة فقتله بعضهم. وقد قال الله ﷿ في كتابه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ (١)، فهذان شاهدان.\nومنهم المزدكية: وهم صنف من الزنادقة وذلك أنهم زعموا أن الدنيا خلقها الله خلقًا واحدًا وخلق لها خلقًا واحدًا وهو آدم جعلها له يأكل من طعامها ويشرب من شرابها، ويتلذذ بلذائذها، وينكح نساءها، فلما مات آدم جعلها ميراثًا بين ولده بالسوية، ليس لأحد فضل في مال ولا أهل، فمن قدر على ما في أيدي الناس وتناول نساءهم بسرقة، أوخيانة، أو مكر، أو خلابة، أو بمعنى من المعاني فهو له مباح سائغ وفضول ما في أيدي ذوي الفضل محرم عليهم حتى يصير بالسوية بين العباد سواء، وإنما سموا مزدكية لأنه ظهر في زمن الأكاسرة رجل يقال له 'مزدك' فقال هذه المقالة.\nكذب أعداء الله، والله يقول: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ (٢) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا\n_________\n(١) المؤمنون الآية (٩١).\n(٢) الزخرف الآية (٣٢).","vol":"5","page":340},{"text":"الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ (١).\nومنهم العبدكية: زعموا أن الدنيا كلها حرام محرم لا يحل الأخذ منها إلا القوت، من حين ذهب أئمة العدل، ولا تحل الدنيا إلا بإمام عادل وإلا فهي حرام، ومعاملة أهلها حرام، فحل لك أن تأخذ القوت من الحرام من حيث كان، وإنما سموا العبدكية لأن 'عبدك' وضع لهم هذا ودعاهم إليه وأمرهم بتصديقه.\nكذب أعداء الله، قال الله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) وما أحل الله القوت إلا للمضطرين، ولم تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي، كذا رواه عبد الله بن عمرو، وقال رسول الله: «لغني ولا لذي مرة سوي» (٣).اهـ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2193>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ﵀ في كتابه التنبيه: واعلم أن هؤلاء الفرق من الإمامية\n_________\n(١) النساء الآيتان (٢٩و٣٠).\n(٢) البقرة الآية (٢٧٥).\n(٣) أخرجه: أبو داود (٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦/ ١٦٣٤) والترمذي (٢/ ٤٢/٦٥٢) والحاكم (١/ ٤٠٧) من طريق ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا. وقال الترمذي: \"حسن\". وله شواهد انظرها في الإرواء (٣/ ٣٨١ - ٣٨٥).\n(٤) التنبيه والرد على أهل الأهواء (٩١ - ٩٣).","vol":"5","page":341},{"text":"الذين ذكرناهم ونذكرهم أيضًا؛ كفار غالية، قد خرجوا من التوحيد والإسلام، وسأذكر الحجة عليهم في الحجاج على أصناف الملحدين. (١)\n- وقال: وما قصد هشام -أي ابن الحكم الرافضي- بقوله في الإمامة قصد التشيع ولا محبة أهل البيت، ولكن طلب بذلك هدَّ أركان الإسلام، والتوحيد، والنبوة، فأراد هدمه، وانتحل في التوحيد التشبيه، فهدم ركن التوحيد، وساوى بين الخالق والمخلوق، ثم انتحل محبة أهل البيت ونشر عنهم وطعن على الكتاب والسنة، وكفر الأمة التي هي حجة الله على خلقه بعد وفاة رسول الله - ﷺ - فكفرهم ونسب إليهم الردة والنفاق، فعمل على هدم الإسلام العمل الذي لم يقدم عليه أحد من أعداء الإسلام، فالله يحكم فيه يوم القيامة بسوء كيده.\nفزعم هشام لعنه الله أن النبي ﵊ نص على إمامة علي في حياته بقوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (٢) وبقوله لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (٣)، وبقوله: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» (٤)، وبقوله لعلي: «تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» (٥)، وأنه وصي رسول الله - ﷺ - وخليفته في ذريته وهو خليفة الله في أمته،\n_________\n(١) التنبيه والرد على أهل الأهواء (٢٤).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي سنة (١٤٥هـ).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف سعيد بن محمد الحداد المغربي سنة (٣٠٢هـ).\n(٤) أخرجه الطبراني (١١/ ٦٥ - ٦٦/ ١١٠٦١) والحاكم (٣/ ١٢٦) من حديث ابن عباس وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأبو الصلت ثقة مأمون\". وتعقبه الذهبي في التلخيص بقوله: \"بل موضوع وقال عن أبي الصلت: لا والله لا ثقة ولا مأمون\".\n(٥) أحمد (٣/ ٨٢) والحاكم (٣/ ١٢٢ - ١٢٣) وقال: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي. وابن حبان في صحيحه (الإحسان: ١٥/ ٣٨٥/٦٩٣٧)، قال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٣٣): \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير خطر بن خليفة وهو ثقة\".","vol":"5","page":342},{"text":"وأنه أفضل الأمة وأعلمهم، وأنه لا يجوز عليه السهو ولا الغفلة، ولا الجهل، ولا العجز، وأنه معصوم وأن الله ﷿ نصبه للخلق إماما لكي لا يهملهم، وأن المنصوص على إمامته كالمنصوص على القبلة وسائر الفرائض، وأن الأمة بأسرها من الطبقة الأولى بايعوا أبا بكر الصديق ﵁ فكفروا وارتدوا، وزاغوا عن الدين وأن القرآن نسخ وصعد به إلى السماء لردتهم، وأن السنة لا تثبت بنقلهم إذ هم كفار، وأن القرآن الذي في أيدي الناس قد انتقل ووضع أيام عثمان، وأحرق المصاحف التي كانت قبل. وأن الأمة قد داهنت، وغيرت، وبدلت، ونافقت، لأحقاد كانت لعلي فيهم من قتله آباءهم وعشيرتهم مع النبي - ﷺ - في غزواته.\nوأن أبا بكر الصديق ﵁، وعمر، وعثمان، وطلحة والزبير وعائشة ﵃ أجمعين عندهم من شر الأمة وأكفرها يلعنونهم ويتبرءون منهم، وأنه ما بقي مع علي على الإسلام إلا أربعة: سلمان، وعمار، وأبو ذر، والمقداد بن الأسود، وأن أبا بكر مر بفاطمة ﵉ فرفس في بطنها فأسقطت وكان سبب علتها وموتها، وأنه غصبها فدك، فذكر أشياء كثيرة مما كاد بها الإسلام من المخاريق، والأباطيل والزور، التي لا تجوز عند العلماء، ولا تخفى إلا على أهل العمى والغباء. (١)\n- وقال ﵀ أيضًا: والفرقة الثالثة عشرة من الإمامية: هم الإسماعيلية، يتبرؤون ويتولون، ويقولون بكفر من خالف عليًا، ويقولون\n_________\n(١) التنبيه والرد على أهل الأهواء (٢٤ - ٢٦).","vol":"5","page":343},{"text":"بإمامة الاثني عشر، ويصلون الخمس، ويظهرون التنسك والتأله، والتهجد، والورع. ولهم سجادات وصفرة في الوجوه وعمش في أعينهم من طول البكاء والتأوه على المقتول بكربلاء: الحسين بن علي ورهطه ﵃، ويدفعون زكاتهم وصدقاتهم إلى أئمتهم، ويتحنئون بالحناء، ويلبسون خواتيمهم في أيمانهم، ويشمرون قمصهم وأرديتهم كما تصنع اليهود، ويتحذون بالنعال الصفر، وينوحون على الحسين ﵇، واعتقادهم العدل، والتوحيد، والوعيد، وإحباط الحسنات مع السيئات. ويكبرون على جنائزهم خمسًا، ويأمرون بزيارة قبور السادة.\nوالفرقة الرابعة عشرة من الإمامية: هم أهل قم: قولهم قريب من قول الإسماعيلية غير أنهم يقولون بالجبر والتشبيه يجمعون بين الظهر والعصر في أول الزوال، وبين المغرب والعشاء في جوف الليل آخر وقت المغرب عندهم، ويصلون صلاة الفجر بين طلوع الفجر الأول الذي يسمى ذنب السرحان، ويمسحون في الوضوء بالماء على ظهور أقدامهم وأسفلها، ولهم طعن على السلف، وشتم عظيم حتى يبلغ الواحد منهم أن يأخذ شيئًا أو مثالًا يحشوه تبنًا أو صوفًا يسميه أبا بكر، وعمر، وعثمان ﵃، ويضربه بالعصى حتى يهريه ليشفي بذلك ما في قلبه في الغل للذين آمنوا، مع أشياء يقبح ذكرها من مذاهبهم، مذاهب السفلة العمي إخوة القردة، بل إخوة القردة أفضل منهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2194>موقفه من الجهمية:</span>\n_________\n(١) التنبيه والرد على أهل الأهواء (٣٢ - ٣٣).","vol":"5","page":344},{"text":"- قال ﵀: وأنكر جهم أن يكون لله سمع وبصر، وقد أخبرنا الله ﷿ في كتابه، ووصف نفسه في كتابه قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١)، ثم أخبر عن خلقه فقال ﷿: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ (٢). فهذه صفة من صفات الله أخبرنا أنها في خلقه، غير أنا لا نقول: إن سمعه كسمع الآدميين، ولا بصره كأبصارهم. وقال: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ (٣) وقال: ﴿فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ (٤) وقال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ (٥) وقوله: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ (٦)، وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ (٧)، وقال: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ (٨) وقال: ﴿كَيْ\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) الإنسان الآية (٢).\n(٣) آل عمران الآية (١٨١).\n(٤) الشعراء الآية (١٥).\n(٥) الزخرف الآية (٨٠).\n(٦) مريم الآية (٤٢).\n(٧) طه الآية (٤٦).\n(٨) طه الآية (٣٩).","vol":"5","page":345},{"text":"نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ (١)، وقال: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ (٢)، وقال: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤)، وقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ (٥)،\nوقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٦)، وقال: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٧)، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٨)، وقال: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (٩)، ثم قال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ (١٠) فقد وصف الله من نفسه أشياء جعلها في خلقه والذي يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١١). وإنما أوجب الله على المؤمنين اتباع كتابه وسنة رسوله. (١٢)\n_________\n(١) طه الآيات (٣٣ - ٣٥).\n(٢) الشعراء الآيتان (٢١٨و٢١٩).\n(٣) التوبة الآية (١٠٥).\n(٤) ص الآية (٧٥).\n(٥) الحج الآية (١٠) ..\n(٦) الرحمن الآية (٢٧).\n(٧) البقرة الآية (١٤٤).\n(٨) الفرقان الآية (٥٨).\n(٩) آل عمران الآية (١٦٩).\n(١٠) الدخان الآية (٥٦).\n(١١) الشورى الآية (١١).\n(١٢) التنبيه والرد على أهل الأهواء (١٢١ - ١٢٢).","vol":"5","page":346},{"text":"- وقال ﵀ عن المعتزلة: والطائفة السادسة من مخالفي أهل القبلة هم المعتزلة وهم أرباب الكلام، وأصحاب الجدل، والتمييز، والنظر، والاستنباط، والحجج على من خالفهم وأنواع الكلام، والمفرقون بين علم السمع وعلم العقل، والمنصفون في مناظرة الخصوم، وهم عشرون فرقة، يجتمعون على أصل واحد لا يفارقونه، وعليه يتولون، وبه يتعادون، وإنما اختلفوا في الفروع. (١)\n- وقال: واعلم أن للمعتزلة من الكلام ما لا أستجيز ذكره لأنهم قد خرجوا عن أصول الإسلام إلى فروع الكفر. (٢)\n- وقال: وكيف تدبرت قولهم عرفت جهلهم ووسواسهم، وهوسهم، لأنهم يختلفون في الأجساد والأرواح من الخلق كلهم، إنسهم وجانهم، ولا يدعون ذكر بهيمة، ولا طائر، ولا شيء خلقه الله ﷿ إلا تكلموا عليه، ووضعوا قياسًا، ثم عدلوا عن ذلك كله، فلم يرضوا به، وهم لا يعلمون، فقالت طائفة: بظاهر التنزيل، ورد المتشابه إلى المحكم والترك وهم أهل العراق وبينهم في ذلك خلاف ومنازعات وأشياء تخرج إلى الكفر والتعطيل والتخليط. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2195>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀ في كتابه التنبيه: فأما الفرقة الأولى من الخوارج: فهم المحكمة الذين كانوا يخرجون بسيوفهم في الأسواق فيجتمع الناس على غفلة\n_________\n(١) التنبيه والرد على أهل الأهواء (٣٥ - ٣٦).\n(٢) التنبيه والرد على أهل الأهواء (ص.٤١).\n(٣) التنبيه والرد على أهل الأهواء (ص.٤١).","vol":"5","page":347},{"text":"فينادون: لا حكم إلا لله، ويضعون سيوفهم فيمن يلحقون من الناس، فلا يزالون يقتلون حتى يقتلوا، وكان الواحد منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع أو يقتل، فكان الناس منهم على وجل وفتنة، ولم يبق منهم اليوم أحد على وجه الأرض بحمد الله. فمتى تعرضت هذه الفرقة من الشراة يقال لهم: أخبرونا عن قولكم: \"لا حكم إلا لله\" ماذا تريدون؟ فإنهم يقولون: لا تحكيم في دين الله لأحد من الناس إلا لله، وهم لا يحكمون بينهم حكمًا، فلما حكم أبو موسى الأشعري بين علي ومعاوية ﵃، وخلع عليًا ﵁، قال هؤلاء: علي كفر بجعل الحكم إلى أبي موسى الأشعري ولا حكم إلا لله.\nوالشراة كلهم يكفرون أصحاب المعاصي ومن خالفهم في مذهبهم مع اختلاف أقاويلهم ومذاهبهم.\nيقال لهم: من أين قلتم: لا حكم إلا لله؟ وقد حكم الله الناس في كتابه في غير موضع. قال ﷿ في جزاء الصيد: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ (٢). وقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣) يعني الزوج والزوجة.\n_________\n(١) المائدة الآية (٩٥).\n(٢) النساء الآية (١٢٨).\n(٣) النساء الآية (٣٥).","vol":"5","page":348},{"text":"وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) وأيضًا: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ (٣).\nفهذا محكم القرآن قد جعل أحكامًا كثيرة إلى العلماء، وإلى الأمراء من الناس ينظرون فيه مما لم ينزل بيانه من عند الله. فكيف قلتم: لا حكم إلا لله؟ فإن أبوا هذا الشرح، ومحكم الكتاب ظهر جهلهم. وإن قالوا به تركوا قولهم ورجعوا إلى الحق.\nويقال لهم: لا يحل دم مؤمن يهرق إلا بثلاثة خلال: إما زنى بعد إحصان، أو ارتداد بعد إيمان، أو أن يقتل نفسًا عمدًا فيقتل به (٤)، ثم لم يطلق قتل أحد من أهل القبلة، فبم استحللتم قتل الناس؟ فإن حاولوا حجة لم يجدوها، وإن مروا على جهلهم بغير حجة بان خطؤهم.\nويقال لهم في تكفير الناس: لم كفرتم من أقر بالله ورسوله ودينه ثم أتى كبيرة؟ فإن قالوا: قياسًا على قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ\n_________\n(١) الشورى الآية (١٠).\n(٢) النساء الآية (٥٩).\n(٣) النساء الآية (٨٣).\n(٤) أخرجه من حديث ابن مسعود: أحمد (١/ ٣٨٢) والبخاري (١٢/ ٢٤٧/٦٨٧٨) ومسلم (٣/ ١٣٠٢/١٦٧٦) وأبو داود (٤/ ٥٢٢/٤٣٥٢) والترمذي (٤/ ١٢ - ١٣/ ١٤٠٢) والنسائي (٧/ ٩٠ - ٩١/ ٤٠٢٧) وابن ماجه (٢/ ٨٤٨/٢٥٣٤).","vol":"5","page":349},{"text":"حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (١) ثم قال ﷿: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (٢)، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٣)، فلم يجعل الله بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة، ومن كفر وحبط عمله فهو مشرك، والإيمان رأس الأعمال، وأول الفرائض في عمل، ومن ترك ما أمره الله به فقد حبط عمله وإيمانه، ومن حبط عمله فهو بلا إيمان، والذي لا إيمان له مشرك كافر.\nيقال لهم: أخطأتم القياس وتركتم طريق العلم، وذلك أن الله ﷿ بين في كتابه المحكم أن الفاسق له منزلة بين الإيمان والكفر بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٤)، ولم يقل: إنهم مع فسقهم مؤمنون كما قالت المرجئة، ولا قال إنهم مع فسقهم كفار كما قلتم أنتم، وأثبت لهم اسم الفسق فقط، فهم فساق لا مؤمنون ولا كافرون كما قال الله ﷿ وأجمعت عليه الأمة، والأمة مجمعة على اسم الفسق لأهل الكبائر، وإنما هو اسم ومنزلة بين الكفر والإيمان أجمعت الأمة على ذلك، وإنما ذهب من ذهب إلى تكفير أهل الكبائر من أهل القبلة بعد\n_________\n(١) المائدة الآية (٥).\n(٢) الإنسان الآية (٣).\n(٣) التغابن الآية (٢).\n(٤) النور الآية (٤).","vol":"5","page":350},{"text":"القول بفسقهم. وكذلك المرجئة إنما سموا أهل الكبائر مؤمنين بعد ما سموهم فاسقين لأن الله ﷿ سماهم فاسقين، ولم يتهيأ لهم أن يزيلوا اسم الفسق عنهم، فاجتمعوا على فسقهم، ثم افترقوا إلى غير ذلك.\nويقال لهم أيضًا: لِمَ صيرتم الكبائر والصغائر شيئًا واحدًا؟ والله ﷿ قد فرق بين الصغائر والكبائر بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كبائر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (١)، يعني من لم يعمل الكبائر، فإن حاولوا حجة في تكفير الأمة لم يجدوا. وإن جعلوا الذنوب كلها كبائر لم يجدوا إلى الحجة سبيلًا من عقل ولا سمع. (٢)\n- وقال أيضًا: الحرورية: يقولون بتكفير الأمة ويتبرؤون من الختنين، ويتولون الشيخين، ويسبون، ويستحلون الأموال والفروج، ويأخذون بالقرآن ولا يقولون بالسنة أصلًا، وإذا تطهر منهم الرجل أو المرأة للصلاة لا يبرح ولا يمشي أصلًا حتى يصلي في المكان الذي تطهر فيه، وزعموا أنه إذا مشى الرجل تحرك شرجه وانتقضت طهارته، ويستنجون بالماء، وإذا خرجت منهم الريح لم يتطهروا للصلاة خلافًا لجميع الأمة، ولا يصلون في السراويل، ويقولون: السراويل جب الفقاح، وتقاتل نساؤهم على الخيل مضمرات كما يقاتل رجالهم، وهم بناحية سجستان، وهراة، وخراسان، وهم عالم كثير لا يعرف عددهم إلا الله، وهم أصحاب خيل وشجاعة. (٣)\n_________\n(١) النساء الآية (٣١).\n(٢) التنبيه والرد على أهل الأهواء (٤٧ - ٥٠).\n(٣) التنبيه والرد على أهل الأهواء (٥٣).","vol":"5","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2196>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀ في حديثه عن المرجئة: ومن المرجئة صنف زعموا: أن الإيمان معرفة بالقلب لا فعل باللسان، ولا عمل بالبدن، ومن عرف الله بقلبه أنه لا شيء كمثله، فهو مؤمن وإن صلى نحو المشرق أو المغرب وربط في وسطه زنارًا.\nوقالوا: لو أوجبنا عليه الإقرار باللسان أوجبنا عليه عمل البدن حتى قال بعضهم: الصلاة من ضعف الإيمان، من صلى فقد ضعف إيمانه. (١)\n- وقال: ومنهم صنف زعموا: أن إيمانهم كإيمان جبريل، وميكائيل، والملائكة المقربين والأنبياء.\nقلنا نحن: كيف يمكنهم هذه الدعوى والملائكة لم يعصوا الله، والأنبياء صفوة الله؟ ومنهم صنف زعموا: أنهم مؤمنون مستكملون للإيمان ليس في إيمانهم نقص ولا لبس؛ وإن زنى أحدهم بأمه أو بأخته وارتكب العظائم وأتى الكبائر والفواحش وشرب الخمر وقتل النفس وأكل الحرام والربا وترك الصلاة والزكاة والفرائض كلها، واغتاب، وهمز، ولمز، وتحدث. وهذا هو الجهل القوي، كيف يستكمل الإيمان من خالف شروطه وخصاله وشرائعه؟\nألا ترى أن في كتاب الله إيمانًا مقبولًا وإيمانًا مردودًا؟ فمن أدى حقيقته فقد ادعى علم ما لم يعلم فكيف بمن خالفه أجمع؟ وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري يقولان: قال النبي - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن، ولا يشرب\n_________\n(١) التنبيه والرد على أهل الأهواء (١٤٩).","vol":"5","page":352},{"text":"الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (١). وقال أبو هريرة: إنما الإيمان نزه فمن زنى فارق الإيمان فإن لام نفسه راجعه الإيمان (٢). وقال ابن عباس ﵄: أيما عبد زنى نزع الله منه الإيمان، فإن شاء رده عليه وإن شاء منعه منه (٣).\nومنهم صنف زعموا: أنهم مؤمنون حقًا كحقيقة أهل الجنة الذين وصف الله تحقيقهم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٤) ومن زعم أنه في الجنة فهو في النار ومن زعم أنه عالم فهو جاهل ومن زعم أنه صادق -يعني في إيمان- فهو كاذب.\nومنهم صنف زعموا: أن إيمانهم قائم أبدًا لا يزيد وإن عمل الحسنات العظام، وورع في الدين وترك الحرام وحج البيت دائمًا وصلى أبدًا أو صام. ولا ينقص وإن عمل السيئات والكبائر والفواحش وركب الحرام جاهرًا، أو ترك الصلاة ولم يصم ولم يحج أبدًا.\nقال أهل العلم أجمع: هؤلاء مخالفون للقرآن يقول الله ﷿: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٥) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي سعيد: الطبراني في الأوسط (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥/ ٥٣٨) والبزار (مختصر الزوائد (١/ ١٠٣ - ١٠٤/ ٤٩). قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٠ - ١٠١): \"وفي إسناد الطبراني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وثقه العجلي، وضعفه أحمد وغيره لسوء حفظه\" وقد تقدم الحديث عند الجماعة من حديث أبي هريرة. انظر مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف أبي هريرة سنة (٥٨هـ).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف ابن عباس سنة (٦٨هـ).\n(٤) الأنفال الآية (٤).\n(٥) الفتح الآية (٤).","vol":"5","page":353},{"text":"أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال أيضًا في معرض الحجاج معهم: وينبغي أن يقول لهم: أخبرونا عن الإيمان: ما هو؟ فإن قالوا: (لا ندري) سقطت مواربة كلامهم، وصاروا بمنزلة من يقول الشيء على الجهل، والجاهل لا حجة له، وإن قالوا: (الإيمان هو الإقرار) فقد صدقوا، يقال لهم: فالإقرار يكون باللسان أو بالقلب؟ فإن قالوا: (باللسان فقط) يقال لهم: فالمنافقون الذين أقروا بألسنتهم، وأسروا الشرك، أهو شيء صح لهم الإيمان إذا أقروا بألسنتهم؟ والإيمان عندكم الإقرار باللسان.\nفإن قالوا: (هؤلاء أقروا بألسنتهم وأسروا هذه فلم يصح إيمانهم) نقضوا قولهم؛ لأنهم قد اعترفوا أن القول باللسان لا يصح إلا مع إقرار بالقلب، وإن شك القلب ببعض إقرار اللسان فيجب عليهم حينئذ أن يقولوا: الإيمان قول باللسان وإقرار بالقلب، والإقرار بالقلب عمل، بل هو أصل كل الأعمال التي بالجوارح، لأن الجوارح عن القلب تصدر، وإذا كان كذلك فقد وجب أن يقولوا: إن الإيمان قول وعمل، وينقضوا أصلهم: إن الإيمان قول بلا عمل. وأيضًا إذا أقروا أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب؛ لزمتهم أن يقولوا: وعمل بالجوارح، فإن أبوا أن يقولوا ذلك ردوا إلى الكلام الأول، فبان\n_________\n(١) الحجرات الآية (٢).\n(٢) التنبيه والرد على أهل الأهواء (١٥٣ - ١٥٥).","vol":"5","page":354},{"text":"جهلهم، وإن أجازوا ذلك تركوا قولهم وقالوا: (الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد وينقص). وهذا هو الحق لا يجوز غيره.\nويقال لهم أيضًا: أخبرونا أفترض الله على عباده فرائض فيها أمر ونهى؟ فإن قالوا: (لا) جهلوا وكابروا، وإن قالوا: (نعم) قيل لهم: فما تقولون فيمن أدى إلى الله ما أمر به وانتهى عما نهاه؟ أهو كمن عصاه في أمره ونهيه؟ فإن قالوا: (هما سواء عند الله وعندنا) جعلوا المعصية كالطاعة والطاعة كالمعصية، وهذا جهل وكفر ممن قاله، وإن قالوا: (الطاعة غير المعصية وليس من أطاع الله في أمره ونهيه كمن عصاه) تركوا قولهم وقالوا بالحق.\nويقال لهم: أخبرونا عن قول الله ﵎: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ (٢)، أهذا شيء قاله على حقيقة القول أم على المجاز؟ فإن قالوا: (على المجاز) جعلوا إخبار الله عن وعده على المجاز، وهذا كفر ممن قاله لأن أحدًا لا يتيقن حينئذ بخبره إذا لم يكن له حقيقة وصحة. وإن قالوا: (على حقيقة) يقال لهم: أخبر الله ﷿ أنه لا يستوي عنده الولي والعدو.\n_________\n(١) الجاثية الآية (٢١).\n(٢) العنكبوت الآية (٤).","vol":"5","page":355},{"text":"ويقال لهم: أخبرونا عمن زنا وأتى شيئًا من الكبائر أترون عليه التوبة أم لا؟ فإن قالوا: (لا) بَانَ جهلهم، وإن قالوا: (نعم) قيل لهم: لأي شيء يتوب؟ فإن قالوا: (يقبل الله توبته، ويغفر ذنبه) تركوا قولهم وجعلوا لأهل المعاصي توبة وغفرانًا مما اجترموا، وإن قالوا: (لا يحتاجون إلى غفران ولا توبة عليهم) خرجوا من دين الإسلام وخالفوا الجماعة.\nويقال لهم: فلم قلتم (إن الله يغفر للمصرين بلا توبة) أمن سمع أو عقل؟ فإن في العقل شواهد دالة أن الحكيم لا يستوي عنده وليّه الذي أطاعه وعدوه الذي عصاه، ولا يجوز ذلك في الحكمة.\nويقال لهم: في قولهم: (إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص) ما تقولون فيمن آمن وهو بالله وبدينه عارف، ومن آمن وهو بالله وبدينه جاهل؟ فإن قالوا: (هما سواء). تجاهلوا، وإن قالوا: (المؤمن العارف بالله وبدينه أفضل) تركوا قولهم، وقالوا بالحق: إن الإيمان يزيد بالعمل والعلم، وينقص بنقص العلم والعمل.\nويقال لهم: هل تجعلون بين أهل المعصية، وأهل الطاعة فضلًا؟ فإن قالوا: (لا فضل بينهم) تجاهلوا، وإن قالوا: (نعم) قيل لهم: ما الذي تجعلونه بينهم؟ فإن قالوا: (لأهل الطاعة الوعد والثواب، ولأهل المعصية الوعيد والعقاب) تركوا قولهم الخبيث وقالوا بالحق، وإن قالوا: (لا ندري) تجاهلوا.\nويقال لهم: ما تقولون في قول الله ﵎: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا","vol":"5","page":356},{"text":"يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ (١) أليس عندكم من تصدق بدرهم فله عشر من الحسنات، ومن سرق درهمًا فعليه وزر درهم واحد، فإذا قالوا (نعم)، يقال لهم: فرجل سرق عشرة دراهم وتصدق منها بدرهم أليس له تسع حسنات وعنده تسع الدراهم؟ فإن قالوا: (لا تجزئه صدقة من سرقة لأن السرقة تحبط أجره) تركوا قولهم، وإن قالوا: (تجزئه) زعموا أن من سرق عشرة دراهم وتصدق بدرهم منها فله تسع حسنات وعنده تسع الدراهم لأن الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها، وهذا ربح لا ربح بعده، مع أن على السارق لأموال الناس بسبب سرقته ذنوبًا يعاقب عليها. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2197>موقفه من القدرية:</span>\nله كتاب: 'التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع' عقد فيه بابًا في القدرية وهو قوله: \"باب ذكر القدرية ونعتهم واعتقادهم\" ثم تناول ذلك بالتفصيل فقال: وأما القدرية فهم سبع فرق، وهم أصناف: فصنف منهم يزعمون أن الحسنات والخير من الله، والشر والسيئات من أنفسهم لكي لا ينسبوا إلى الله شيئًا من السيئات والمعاصي، ويتكلمون بأشياء لا أستجيز ذكرها، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. (٣) ثم ساق الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة.\n_________\n(١) الأنعام (١٦٠).\n(٢) التنبيه والرد على أهل الأهواء (٤٤ - ٤٧).\n(٣) التنبيه والرد (ص.١٦٥ - ١٧٧).","vol":"5","page":357},{"text":"أبو أحمد الحاكم الكبير (١) (٣٧٨ هـ)\nالإمام الحافظ العلامة الثبت الجهبذ، محدث خراسان، محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي. صاحب التصانيف، وهو الحاكم الكبير مؤلف كتاب 'الكنى والعلل' وغيرها، ولد في حدود سنة تسعين ومائتين. وطلب الحديث وهو كبير له نيف وعشرون سنة، فسمع من أحمد الماسرجسي وابن خزيمة والباغندي والبغوي وأبي عروبة الحراني وطبقتهم. وروى أيضًا عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، وخلق بالشام والعراق والحجاز والجزيرة وخراسان، وكان من بحور العلم. حدث عنه أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وابن منجويه. قال الحاكم: هو إمام عصره في هذه الصنعة كثير التصانيف. إلى أن قال: وكان مقدمًا في العدالة أولًا ثم ولي القضاء .. ثم أتى نيسابور سنة خمس وأربعين ولزم مسجده ومنزله مفيدًا مقبلًا على العبادة والتصنيف. وقال أيضًا: كان أبو أحمد من الصالحين الثابتين على سنن السلف. توفي في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وله ثلاث وتسعون سنة رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2199>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: قال الحاكم: كان أبو أحمد من الصالحين الثابتين على سنن السلف، ومن المنصفين فيما نعتقده في أهل البيت والصحابة. (٢)\n_________\n(١) تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٧٦ - ٩٧٩) والسير (١٦/ ٣٧٠ - ٣٧٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٥١ - ٣٨٠/ص.٦٣٧ - ٦٣٨) والوافي بالوفيات (١/ ١١٥) والشذرات (٣/ ٩٣)\n(٢) السير (١٦/ ٣٧٢).","vol":"5","page":358},{"text":"أحمد بن عون الله (١) (٣٧٨ هـ)\nالشيخ المحدث أحمد بن عون الله بن حدير بن يحيى القرطبي البزاز، أبو جعفر. ولد سنة ثلاثمائة. حج وسمع من ابن الأعرابي وخيثمة الأطرابلسي وأحمد بن سلمة بن الضحاك وأبي يعقوب الأذرعي، وجماعة كثيرة. روى عنه أبو الوليد بن الفرضي وأبو عمر الطلمنكي، وخلق.\nتوفي رحمه الله تعالى في ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2201>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في السير: كان صدوقًا، صالحًا، شديدًا على المبتدعة، لهجًا بالسنة، صبورًا على الأذى. (٢)\n- قال أبو عبد الله بن مفرج: كان أبو جعفر أحمد بن عون الله محتسبًا على أهل البدع، غليظًا عليهم مذلًاّ لهم، طالبًا لمساوئهم، مسارعًا في مضارهم، شديد الوطاءة عليهم، مشردًا لهم إذا تمكن منهم غير مبقٍ عليهم، وكان كل من كان منهم خائفًا منه على نفسه متوقيًا لا يداهن أحدًا منهم على حال، ولا يسالمه، وإن عثر لأحد منهم على منكر، وشهد عليه عنده بانحراف عن السنة نابذه وفضحه وأعلن بذكره والبراءة منه، وعيره بذكر السوء في المحافل، وأغرى به حتى يهلكه، أو ينزع عن قبيح مذهبه وسوء معتقده، ولم يزل دؤوبًا على هذا جاهدًا فيه ابتغاء وجه الله إلى أن لقي الله\n_________\n(١) تاريخ علماء الأندلس (١/ ٥٤) وتاريخ دمشق (٥/ ١١٧ - ١٢٠) والسير (١٦/ ٣٩٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٥١ - ٣٨٠/ص.٦٢٠) وشجرة النور الزكية (١/ ١٠٠).\n(٢) السير (١٦/ ٣٩٠).","vol":"5","page":359},{"text":"﷿. له في الملحدين آثار مشهورة ووقائع مذكورة. (١)\n\nالنَّسَفِي (٢) (٣٨٠ هـ)\nالشيخ بكر بن محمد بن جعفر أبو عمرو النسفي. راوي صحيح البخاري عن حماد بن شاكر. وروى أيضًا عن محمود بن عنبر. وروى عنه جعفر المستغفري. توفي سنة ثمانين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2203>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال الذهبي: روى عنه جعفر المستغفري وقال: كان كثير التلاوة شديدًا على المبتدعة. (٣)\n\nابن حَيَّوَيْه أبو عمر (٤) (٣٨٢ هـ)\nالإمام المحدث الثقة المسند أبو عمر محمد بن العباس بن محمد بن زكريا ابن يحيى البغدادي، الخزاز بن حيويه، من علماء المحدثين. سمع أبا بكر محمد ابن محمد الباغندي، ومحمد بن خلف بن المرزبان، وأبا القاسم البغوي، وعبيد الله بن عثمان صاحب ابن المديني، وابن أبي داود وطبقتهم. حدث عنه أبو بكر البرقاني، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وأبو محمد الخلال، وعلي بن\n_________\n(١) تاريخ دمشق (٥/ ١١٨).\n(٢) السير (١٦/ ٣٩٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٥١ - ٣٨٠/ص.٦٥٦).\n(٣) السير (١٦/ ٣٩٦).\n(٤) تاريخ بغداد (٣/ ١٢١ - ١٢٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٨١ - ٤٠٠/ص.٥٤ - ٥٥) والسير (١٦/ ٤٠٩ - ٤١٠) والوافي بالوفيات (٣/ ١٩٩) والبداية والنهاية (١١/ ٢٢٣) وشذرات الذهب (٣/ ١٠٤).","vol":"5","page":360},{"text":"المحسن التنوخي وأبو محمد الجوهري وآخرون. روى الكتب المطولة. قال الخطيب: كان ثقة، سألت البرقاني عنه، فقال: ثبت حجة. كتب طول عمره وروى المصنفات الكبار. مولده في خمس وتسعين ومائتين. قال العتيقي: مات في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2205>موقفه من الرافضة:</span>\nقال أبو عمر بن حيويه: كان ابن عقدة يملي مثالب الصحابة فتركت حديثه. (١)\nقال الذهبي: قد رمي ابن عقدة بالتشيع، ولكن روايته لهذا ونحوه، يدل على عدم غلوه في تشيعه، ومن بلغ في الحفظ والآثار مبلغ ابن عقدة، ثم يكون في قلبه غل للسابقين الأولين، فهو معاند أو زنديق. والله أعلم. (٢)\n\nالقَلْعِي أبو محمد عبد الله بن محمد (٣) (٣٨٣ هـ)\nالإمام الحافظ، المجود الزاهد، القدوة المجاهد، أبو محمد، عبد الله بن محمد ابن القاسم بن حزم الأندلسي القلعي. ولد سنة عشرين وثلاثمائة. سمع وهب ابن مسرة، وأبا محمد بن الورد، وعلي بن أبي العقب الدمشقي، وأبا بكر الشافعي، وطبقتهم. وجمع فأوعى. سمع منه أحمد بن عون الله، وابن مفرج\n_________\n(١) التذكرة (٣/ ٨٤١) والسير (١٥/ ٣٥٤).\n(٢) السير (١٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤).\n(٣) تاريخ علماء الأندلس (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦) والسير (١٦/ ٤٤٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٨١ - ٤٠٠/ص.٦٤ - ٦٥) والوافي بالوفيات (١٧/ ٤٩٠) وشذرات الذهب (٣/ ١٠٤ - ١٠٥) والديباج المذهب (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣).","vol":"5","page":361},{"text":"القاضي. قال ابن الفرضي: سمعت منه علمًا كثيرًا. كانت الرحلة إليه، ونفع الله به الخلق وكان زاهدًا شجاعًا. كانوا يشبهونه بسفيان الثوري في زمانه. ولاه المستنصر بالله القضاء، فاستعفى فأعفاه. توفي بقلعة أيوب من الأندلس في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، ﵀ وكان عمره ثلاثًا وستين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2207>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: وبلغنا أنه كان يقف وحده للفئة من المشركين. (١)\n\nأبو حفص بن شَاهِين (٢) (٣٨٥ هـ)\nالحافظ الإمام المفيد المكثر، شيخ العراق، أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي الواعظ المعروف بابن شاهين، صاحب التصانيف. مولده بخط أبيه في صفر سنة سبع وتسعين ومائتين. سمع أبا بكر الباغندي وأبا القاسم البغوي وأبا بكر بن أبي داود، وأبا علي محمد بن سليمان المالكي وطبقتهم. حدث عنه أبو بكر محمد الوراق وأبو سعد الماليني، وأبو محمد الجوهري والحسن بن محمد الخلال، وابنه عبيد الله وخلق كثير. قال الخطيب: صنف ثلاثمائة مصنف. منها 'التفسير' و'المسند' و'التاريخ' و'الزهد'. قال عن نفسه: حسبت ما اشتريت به الحبر إلى هذا الوقت فكان سبعمائة درهم. قال\n_________\n(١) السير (١٦/ ٤٤٥).\n(٢) تاريخ بغداد (١١/ ٢٦٥ - ٢٦٨) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٨٧ - ٩٩٠) والسير (١٦/ ٤٣١ - ٤٣٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٨١ - ٤٠٠/ص.١٠٥ - ١٠٧) والبداية والنهاية (١١/ ٣٣٧) وشذرات الذهب (٣/ ١١٧).","vol":"5","page":362},{"text":"أبو الفتح بن أبي الفوارس: ثقة مأمون صنف ما لم يصنفه أحد. مات في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. عاش تسعًا وثمانين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2209>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في السير عنه: إذا ذكر له مذاهب الفقهاء كالشافعي وغيره يقول: أنا محمدي المذهب. (١)\n- وقوله أيضًا: وإني بريء من كل بدعة؛ من قدر وإرجاء ورفض ونصب واعتزال، واعتقادي في ديني وإمامي في سنتي؛ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، وكل مذهب اعتقده أهل العلم بالسنة مما لم يبلغني فهو مذهبي. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2210>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في 'الكتاب اللطيف' قوله: وأشهد أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2211>موقفه من القدرية:</span>\nافتتح كتابه المفيد: 'الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن' بذكر القدرية وببعض النقول في ذمهم والتنفير من طريقهم الخبيث. (٤)\n_________\n(١) السير (١٦/ ٤٣٣).\n(٢) (ص.٢٥٢).\n(٣) (ص.٢٤٩).\n(٤) (ص.٦٩ - ٧١).","vol":"5","page":363},{"text":"الصاحب الوزير الكبير (١) (٣٨٥ هـ)\nالوزير الكبير العلامة الصاحب أبو القاسم، إسماعيل بن عباد بن عباس الطالقاني الأديب الكاتب، وزير الملك مؤيد الدولة بويه بن ركن الدولة، صحب الوزير أبا الفضل بن العميد ومن ثم شهر بالصاحب. سمع من أبي محمد بن فارس، وأحمد بن كامل. روى عنه أبو العلاء محمد بن حسول، وعبد الملك الرازي، وأبو بكر بن أبي علي الذكواني، وأبو بكر بن المقرئ شيخه. له تصانيف عدة منها: 'المحيط' و'الكافي' و'الإمامة'. كان شيعيًا معتزليًا صلفًا جبارًا ثم تاب. وأخذ خطوط جماعة بصحة توبته. مات ﵀ في صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة عن تسع وخمسين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2213>موقفه من المشركين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2214>موقفه من الفلاسفة:</span>\nقيل: جمع الصاحب من الكتب ما يحتاج في نقلها إلى أربع مئة جمل، ولما عزم على التحديث تاب (٢)، واتخذ لنفسه بيتًا سماه بيت التوبة، واعتكف على الخير أسبوعًا، وأخذ خطوط جماعة بصحة توبته، ثم جلس للإملاء، وحضره الخلق، وكان يتفقد علماء بغداد في السنة بخمسة آلاف دينار، وأدباءها، وكان يبغض من يدخل في الفلسفة. (٣)\n_________\n(١) وفيات الأعيان (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٨١ - ٤٠٠/ص.٩٢ - ٩٨) والسير (١٦/ ٥١١ - ٥١٤) والبداية والنهاية (١١/ ٣٣٥) والشذرات (٣/ ١١٣ - ١١٦)\n(٢) من التشيع والاعتزال ولمز السلف بالحشوية انظر السير (١٦/ ٥١٢).\n(٣) السير (١٦/ ٥١٣).","vol":"5","page":364},{"text":"علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (١) (٣٨٥ هـ)\nأبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي المقرئ المحدث من أهل محلة دار القطن ببغداد. الإمام الحافظ المجود شيخ الإسلام علم الجهابذة. ولد سنة ست وثلاثمائة. سمع من أبي القاسم البغوي وأبي بكر بن أبي داود وأبي طالب أحمد بن نصر الحافظ وخلق كثير. حدث عنه الحافظ أبو عبد الله والحافظ عبد الغني وأبو نعيم الأصبهاني، وخلق سواهم.\nكان من بحور العلم ومن أئمة الدنيا انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله مع التقدم في القراءات وطرقها وقوة المشاركة في الفقه والاختلاف والمغازي وأيام الناس وغير ذلك. وهو أول من صنف القراءات وعقد لها أبوابًا قبل فرش الحروف. قال الخطيب: كان الدارقطني فريد عصره وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علو الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد والاضطلاع من علوم سوى الحديث. قال الصوري: سمعت الحافظ عبد الغني يقول: أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله - ﷺ - ثلاثة: ابن المديني في وقته وموسى ابن هارون -يعني ابن الحمال- في وقته والدارقطني في وقته.\nلم يدخل الدارقطني في علم الكلام ولا الجدال بل كان سلفيًا، ذكره الذهبي.\nتوفي ﵀ سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١٢/ ٣٤ - ٤٠) والسير (١٦/ ٤٤٩ - ٤٦١) والأنساب (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٩) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٩١ - ٩٩٥) والبداية والنهاية (١١/ ٣٣٨) وشذرات الذهب (٣/ ١١٦ - ١١٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٩).","vol":"5","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2216>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: قال الدارقطني: اختلف قوم من أهل بغداد فقال قوم: عثمان أفضل وقال قوم: علي أفضل فتحاكموا إلي فأمسكت وقلت: الإمساك خير. ثم لم أر لديني السكوت وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم وقل لهم: أبو الحسن يقول: عثمان أفضل من علي باتفاق جماعة أصحاب رسول الله - ﷺ -، هذا قول أهل السنة وهو أول عقد يحل في الرفض.\nقال الذهبي: ليس تفضيل علي برفض ولا ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكل من عثمان وعلي ذو فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء ﵄، ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي وإليه نذهب. والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما بلا شك أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة، أبعدهم الله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2217>موقفه من الجهمية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2218>موقفه من علم الكلام:</span>\n- جاء في السير: قال الذهبي: لم يدخل الرجل أبدًا في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيًا، سمع هذا القول منه أبو\n_________\n(١) السير (١٦/ ٤٥٧ - ٤٥٨).","vol":"5","page":366},{"text":"عبد الرحمن السلمي. (١)\nالتعليق:\nكيف يخوض في ذلك، وكان إمام المحدثين في وقته وطبيبهم الخاص، حتى إنه ألف في أصعب علومه -العلل- ومتى عهدت مثل الدارقطني يضيع وقته في علم رفضه السلف قاطبة وأجمعوا على بغضه ومحاربته. فعلمه أغناه عن ترهات المتكلمين وفلسفات المتزندقين، فلله دره وإخوانه ممن شرفوا مسيرتنا هذه.\n- قال السلمي: سمعت الدارقطني يقول: ما شيء أبغض إلي من الكلام. (٢)\n\nعبد الله بن أبي زيد القيرواني (٣) (٣٨٦ هـ)\nأبو محمد عبد الله بن أبي زيد واسم أبي زيد عبد الرحمن القيرواني المالكي ويقال له مالك الصغير. الإمام العلامة القدوة الفقيه عالم أهل المغرب. قال القاضي عياض: حاز رئاسة الدين والدنيا ورحل إليه من الأقطار ونجب أصحابه. وكثر الآخذون عنه. أخذ عن محمد بن مسرور الحجام والعسال وأبي سعيد بن الأعرابي. سمع منه خلق كثير منهم: الفقيه عبد الرحيم بن\n_________\n(١) السير (١٦/ ٤٥٧).\n(٢) التذكرة (٣/ ٩٩٤).\n(٣) شجرة النور الزكية (١/ ٩٦) والديباج المذهب (١/ ٤٢٧ - ٤٣٠) وشذرات الذهب (٣/ ١٣١) والسير (١٧/ ١٠ - ١٣) وترتيب المدارك (٢/ ١٤١ - ١٤٥).","vol":"5","page":367},{"text":"العجوز السبتي والفقيه عبد الله بن غالب السبتي وأبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الخولاني. كان مع عظمته في العلم والعمل ذا بر وإيثار وإنفاق على الطلبة وإحسان. وقال فيه القابسي: هو إمام موثوق به في ديانته وروايته. وكان ﵀ على طريقة السلف في الأصول لا يدري الكلام ولا يتأول. وكان سريع الانقياد والرجوع إلى الحق. توفي ﵀ سنة ست وثمانين وثلاثمائة. ورثاه بعضهم فقال:\nعجبًا أيدري الحاملون لنعشه ... كيف استطاعت حمل بحر مترع\nعلمًا وحكمًا كاملًا وبراعة ... وتقى وحسن سكينة وتورع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2220>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في معالم الإيمان: كان بصيرًا بالرد على أهل الأهواء. (١)\nمن مصنفاته: كتاب 'الثقة بالله والتوكل على الله' وكتاب 'المعرفة والتفسير' وكتاب 'إعجاز القرآن' وكتاب 'النهي عن الجدال'، ورسالته في التوحيد، وكتاب 'من تحرك عند القراءة'. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2221>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في صون المنطق: قال الشيخ نصر المقدسي من أئمة أصحابنا في كتابه الحجة على تارك المحجة، أنبأني أبو محمد عبد الله بن الوليد بن سعد الأنصاري قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه المالكي بالقيروان يقول: رحم الله بني أمية لم يكن فيهم قط خليفة ابتدع في الإسلام بدعة،\n_________\n(١) المعالم (٣/ ١١٠).\n(٢) السير (١٧/ ١١).","vol":"5","page":368},{"text":"وكان أكثر عمالهم وأصحاب ولايتهم العرب، فلما زالت الخلافة عنهم، ودارت إلى بني العباس، قامت دولتهم بالفرس وكانت الرياسة فيهم وفي قلوب أكثر الرؤساء منهم الكفر والبغض للعرب ودولة الإسلام فأحدثوا في الإسلام الحوادث التي تؤذن بهلاك الإسلام. ولولا أن الله ﵎ وعد نبيه - ﷺ - أن ملته وأهلها هم الظاهرون إلى يوم القيامة لأبطلوا الإسلام، ولكنهم قد ثلموه وعوروا أركانه، والله منجز وعده إن شاء الله. فأول الحوادث التي أحدثوها: إخراج كتب اليونانية إلى أرض الإسلام فترجمت بالعربية وشاعت في أيدي المسلمين. وسبب خروجها من أرض الروم إلى بلاد الإسلام: يحيى بن خالد بن برمك وذلك أن كتب اليونانية كانت ببلد الروم وكان ملك الروم خاف على الروم إن نظروا في كتب اليونانية أن يتركوا دين النصرانية ويرجعوا إلى دين اليونانية، وتتشتت كلمتهم وتتفرق جماعتهم. فجمع الكتب في موضع وبنى عليه بناءً مطمسًا بالحجر والجص حتى لا يوصل إليها. فلما أفضت رياسة دولة بني العباس إلى يحيى بن خالد -وكان زنديقًا- بلغه خبر الكتب التي في البناء ببلد الروم فصانع ملك الروم الذي كان في وقته بالهدايا، ولا يلتمس منه حاجة فلما أكثر عليه جمع الملك بطارقته وقال لهم، إن هذا الرجل خادم العرب قد أكثر علي من هداياه ولا يطلب مني حاجة وما أراه إلا يلتمس حاجة، وأخاف أن تكون حاجته تشق علي. وقد شغل بالي فلما جاءه رسول يحيى قال له: قل لصاحبك إن كانت له حاجة فليذكرها.\nفلما أخبر الرسول يحيى رده إليه وقال له: حاجتي الكتب التي تحت البناء يرسلها إِلَيَّ أخرج منها بعض ما أحتاج وأردها إليه. فلما قرأ","vol":"5","page":369},{"text":"الرومي كتابه استطار فرحًا وجمع البطارقة والأساقفة والرهبان وقال لهم: قد كنت ذكرت لكم عن خادم العرب أنه لا يخلو من حاجة وقد أفصح بحاجته وهي أخف الحوائج علي، وقد رأيت رأيًا فاسمعوه فإن رضيتموه أمضيته، وإن رأيتم خلافه تشاورنا في ذلك حتى تتفق كلمتنا. فقالوا: وما هو؟ قال: حاجته الكتب اليونانية يستخرج منها ما أحب ويردها. قالوا: فما رأيك؟ قال: قد علمت أنه ما بنى عليه من كان قبلنا إلا أنه خاف إن وقعت في أيدي النصارى وقرؤوها كان سببًا لهلاك دينهم وتبديد جماعتهم، وأنا أرى أن أبعث بها إليه وأسأله أن لا يردها، يبتلون بها ونسلم نحن من شرها فإني لا آمن أن يكون بعدي من يجترئ على إخراجها إلى الناس فيقعوا فيما خيف عليهم. فقالوا: نعم الرأي رأيت أيها الملك فأمضه. فبعث بالكتب إلى يحيى ابن خالد فلما وصلت إليه جمع عليها كل زنديق وفيلسوف فمما أخرج منها كتاب 'حد المنطق'.\nقال أبو محمد بن أبي زيد: وقل من أمعن النظر في هذا الكتاب وسلم من زندقة.\nقال: ثم جعل يحيى المناظرة في داره والجدال فيما لا ينبغي فيتكلم كل ذي دين في دينه ويجادل عليه آمنًا على نفسه. (١)\nالتعليق:\nانظر هذه الفعلة الشنيعة التي فعلها الزنادقة بالمسلمين، وما يزالون يتجرعون سمومها. لقد أطبق الكلام والمنطق على علوم المسلمين، فما تجد\n_________\n(١) صون المنطق (٦ - ٨).","vol":"5","page":370},{"text":"علمًا من علومهم إلا وسرى فيه شيء من هذا. وأصبح المسلم إذا أراد دراسة علم أصول الفقه أو تفاسير المتأخرين أو بعض متون الفقه أو النحو والبلاغة يدرس هذا العلم الخبيث رغمًا على أنفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2222>موقفه من الجهمية:</span>\nآثار الشيخ السلفية:\nمقدمة الرسالة -وقد أبدى الشيخ في هذه المقدمة عقيدة سلفية أغاظت المبتدعة وضاقوا بها ذرعًا. ولحسن قصد الشيخ في نشر عقيدة السلف، كتب الله لرسالته قبولًا لا نظير له. وقد قامت الجامعة الإسلامية جزاها الله خيرًا بطباعتها وتوزيعها بين المسلمين- وقد انتشرت انتشارًا كبيرًا والحمد لله رب العالمين.\nمن شراحها السلفيين: أبو بكر بن محمد بن وهب المالكي: نقل عنه الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية كلامًا من أحسن ما يكون في العقيدة السلفية. سيأتي معنا إن شاء الله.\nقال الذهبي في السير في ترجمة ابن أبي زيد: وكان ﵀ على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام، ولا يتأول، فنسأل الله التوفيق. (١)\nوفيها قال عبد الله بن الوليد: سمعت أبا محمد بن أبي زيد يسأل ابن سعدي لما جاء من الشرق: أحضرت مجالس الكلام؟ قال: مرتين ولم أعد، فأول مجلس جمعوا الفرق من السنة والمبتدعة واليهود والنصارى والمجوس والدهرية، ولكل فرقة رئيس يتكلم وينصر مذهبه، فإذا جاء رئيس قام الكل\n_________\n(١) السير (١٧/ ١٢).","vol":"5","page":371},{"text":"له، فيقول واحد: تناظروا ولا يحتج أحد بكتابه، ولا بنبيه، فإنا لا نصدق بذلك ولا نقر به. بل هاتوا العقل والقياس، فلما سمعت هذا لم أعد، ثم قيل لي: هاهنا مجلس آخر للكلام، فذهبت فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم سواء، فجعل ابن أبي زيد يتعجب وقال: ذهبت العلماء، وذهبت حرمة الدين.\nقال الذهبي عقبه: فنحمد الله على العافية، فلقد جرى على الإسلام في المائة الرابعة بلاء بالدولة العبيدية بالمغرب، وبالدولة البويهية بالمشرق، وبالأعراب القرامطة، فالأمر لله تعالى. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2223>موقفه من المرجئة:</span>\nقال في الرسالة: وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، ويزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها، فيكون بها النقص وبها الزيادة، ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2224>موقفه من القدرية:</span>\nآثاره السلفية: 'رسالة في الرد على القدرية'. (٣)\n_________\n(١) السير (١٦/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(٢) (ص.٦٢).\n(٣) السير (١٧/ ١١).","vol":"5","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2225>موقف السلف من أبي طالب المكي (٣٨٦ ه</span>ـ)\nبيان تصوفه:\nجاء في تلبيس إبليس: وصنف لهم أبو طالب المكي 'قوت القلوب' فذكر فيه الأحاديث الباطلة، وما لا يستند فيه إلى أصل من صلوات الأيام والليالي، وغير ذلك من الموضوع وذكر فيه الاعتقاد الفاسد. وردد فيه قول: -قال بعض المكاشفين- وهذا كلام فارغ وذكر فيه عن بعض الصوفية: إن الله ﷿ يتجلى في الدنيا لأوليائه. وذكر سند الخطيب إلى محمد بن العلاف. قال: دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم، فانتمى إلى مقالته وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ، فخلط في كلامه فحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوق أضر من الخالق. فبدعه الناس وهجروه فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك. (١)\n\nابن بَطَّة العُكْبُرِي (٢) (٣٨٧ هـ)\nأبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة. الإمام القدوة، العابد الفقيه المحدث شيخ العراق. ولد سنة أربع وثلاثمائة. روى عن أبي القاسم البغوي وابن صاعد والقاضي المحاملي وجماعة. حدث عنه أبو\n_________\n(١) التلبيس (ص.٢٠٤).\n(٢) تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧١ - ٣٧٥) وميزان الاعتدال (٣/ ١٥) والبداية والنهاية (١١/ ٣٤٣ - ٣٤٤) واللسان (٤/ ١١٢ - ١١٥) وشذرات الذهب (٣/ ١٢٢ - ١٢٤) والسير (١٦/ ٥٢٩ - ٥٣٣)","vol":"5","page":373},{"text":"الفتح بن أبي الفوارس وأبو نعيم الأصبهاني وأبو إسحاق البرمكي وآخرون. عن أبي حامد الدلوي قال: لما رجع ابن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة لم ير في سوق ولا رئي مفطرًا إلا في عيد. وكان أمّارًا بالمعروف، لم يبلغه خبر منكر إلا غيره. قال عبد الواحد بن علي العكبري: لم أر في شيوخ الحديث، ولا في غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة. وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة. توفي ﵀ سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2227>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'الإبانة الكبرى': وهو من أعظم المصادر السلفية التي نقلت العقيدة السلفية بإسهاب وطول نفس، وقد كان من أهم المراجع عندنا في هذه المسيرة المباركة، وهذا الإمام لم يكن بالناقل لأقوال السلف فقط، ولكنه يعلق على ذلك بأسلوب متين رصين، يشعر القارئ أنه يعيش مع سلفي غيور على عقيدته. والبكاء ينساب على خده لما يرى من طغيان البدع في زمانه. فماذا عن زمان الناس اليوم حيث أصبحت البدعة هي السنة والسنة هي البدعة. فإلى الله المشتكى من انقلاب الموازين والأحوال، والله المستعان.\n٢ - 'الإبانة الصغرى': وقد حققت وطبعت في رسالة علمية في جامعة أم القرى.\n- فمن أقواله ﵀: فلو أن رجلًا ممن وهب الله له عقلًا صحيحًا وبصرًا نافذًا، فأمعن نظره وردد فكره وتأمل أمر الإسلام وأهله، وسلك بأهله الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد، لتبين له أن الأكثر والأعم الأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم، وارتدوا على أدبارهم، فحادوا عن","vol":"5","page":374},{"text":"المحجة، وانقلبوا عن صحيح الحجة، ولقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، ويستحلون ما كانوا يحرمون، ويعرفون ما كانوا ينكرون، وما هذه رحمكم الله أخلاق المسلمين، ولا أفعال من كانوا على بصيرة في هذا الدين، ولا من أهل الإيمان به واليقين. (١)\n- وقال: فانظروا رحمكم الله من تصحبون، وإلى من تجلسون، واعرفوا كل إنسان بخدنه، وكل أحد بصاحبه، أعاذنا الله وإياكم من صحبة المفتونين، ولا جعلنا وإياكم من إخوان العابثين، ولا من أقران الشياطين، وأستوهب الله لي ولكم عصمة من الضلال وعافية من قبيح الفعال. (٢)\n- وقال: فاعتبروا يا أولي الأبصار! فشتان بين هؤلاء العقلاء السادة الأبرار الأخيار الذين ملئت قلوبهم بالغيرة على إيمانهم والشح على أديانهم، وبين زمان أصبحنا فيه وناس نحن منهم وبين ظهرانيهم، هذا عبد الله بن مغفل صاحب رسول الله - ﷺ - وسيد من ساداتهم يقطع رحمه ويهجر حميمه حين عارضه في حديث رسول الله - ﷺ -، وحلف أيضًا على قطيعته وهجرانه وهو يعلم ما في صلة الأقربين وقطيعة الأهلين. وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء سماه رسول الله - ﷺ - حكيم هذه الأمة، وأبو سعيد الخدري يظعنون عن أوطانهم وينتقلون عن بلدانهم، ويظهرون الهجرة لإخوانهم لأجل من عارض حديث رسول الله - ﷺ -، وتوقف عن استماع سنته، فياليت شعري كيف حالنا عند الله ﷿، ونحن نلقى أهل الزيغ في صباحنا والمساء، يستهزئون\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١/١٨٨).\n(٢) الإبانة (١/ ١/٢٠٦).","vol":"5","page":375},{"text":"بآيات الله، ويعاندون سنة رسول الله - ﷺ -، حائدين عنها، وملحدين فيها، سلمنا الله وإياكم من الزيغ والزلل. (١)\n- وقال: جعلنا الله وإياكم بكتاب الله عاملين، وبسنة نبينا - ﷺ - متمسكين، وللأئمة الخلفاء الراشدين المهديين متبعين، ولآثار سلفنا وعلمائنا مقتفين، وبهدي شيوخنا الصالحين رحمة الله عليهم أجمعين مهتدين، فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه قد جعل في كل زمان فترة من الرسل، ودروسًا للأثر، ثم هو تعالى بلطفه بعباده ورفقه بأهل عنايته ومن سبقت له الرحمة في كتابه لا يخلي كل زمان من بقايا من أهل العلم، وحملة الحجة، يدعون من ضل إلى الهدى، ويذودونهم عن الردى، يصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بعون الله أهل العمى وبسنة رسول الله - ﷺ - أهل الجهالة والغبا. (٢)\n- وقال: فلله در أقوام دقت فطنهم، وصفت أذهانهم، وتعالت بهم الهمم في اتباع نبيهم، وتناهت بهم المحبة حتى اتبعوه هذا الاتباع، فبمثل هدي هؤلاء العقلاء -إخواني- فاهتدوا، ولآثارهم فاقتفوا، ترشدوا وتنصروا وتجبروا. (٣)\n- وقال:\nباب ذكر ما نطق به الكتاب في محكم التنزيل بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة:\nأما بعد: فاعلموا يا إخواني وفقنا الله وإياكم للسداد والائتلاف،\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١/٢٥٩ - ٢٦٠).\n(٢) الإبانة (١/ ١/١٩٧).\n(٣) الإبانة (١/ ١/٢٤٥).","vol":"5","page":376},{"text":"وعصمنا وإياكم من الشتات والاختلاف، أن الله ﷿ قد أعلمنا اختلاف الأمم الماضين قبلنا، وأنهم تفرقوا واختلفوا فتفرقت بهم الطرق، حتى صار بهم الاختلاف إلى الافتراء على الله ﷿ والكذب عليه، والتحريف لكتابه والتعطيل لأحكامه، والتعدي لحدوده، وأعلمنا تعالى أن السبب الذي أخرجهم إلى الفرقة بعد الألفة، والاختلاف بعد الائتلاف، هو شدة الحسد من بعضهم لبعض، وبغي بعضهم على بعض، فأخرجهم ذلك إلى الجحود بالحق بعد معرفته، وردهم البيان الواضح بعد صحته، وكل ذلك وجميعه قد قصه الله ﷿ علينا وأوعز فيه إلينا، وحذرنا من مواقعته وخوفنا من ملابسته. ولقد رأينا ذلك في كثير من أهل عصرنا وطوائف ممن يدعي أنه من أهل ملتنا، وسأتلو عليكم من نبأ ما قد أعلمناه مولانا الكريم، وما قد علمه إخواننا من أهل القرآن وأهل العلم وكتبة الحديث والسنن وما يكون فيه إن شاء الله بصيرة لمن علمه ونسيه، ولمن غفله أو جهله، ويمتحن الله به من خالفه وجحده، بألا يجحده إلا الملحدون، ولا ينكره إلا الزائغون. قال الله ﷿: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ","vol":"5","page":377},{"text":"الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِن اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ\n_________\n(١) البقرة الآية (٢١٣).\n(٢) البقرة الآية (٨٧).\n(٣) آل عمران الآية (١٩).\n(٤) الأنعام الآية (١٥٩).","vol":"5","page":378},{"text":"الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ (٣).\nوقال: إخواني فهذا نبأ قوم فضلهم الله وعلمهم وبصرهم ورفعهم، ومنع ذلك آخرين إصرارهم على البغي عليهم، والحسد لهم، إلى مخالفتهم وعداوتهم ومحاربتهم، فاستنكفوا أن يكونوا لأهل الحق تابعين، وبأهل العلم مقتدين، فصاروا أئمة مضلين، ورؤساء في الإلحاد متبوعين، رجوعًا عن الحق وطلب الرياسة وحبًا للاتباع والاعتقاد والناس في زماننا هذا أسراب كالطير، يتبع بعضهم بعضًا، لو ظهر لهم من يدعي النبوة مع علمهم بأن رسول الله - ﷺ - خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية، لوجد على ذلك أتباعًا وأشياعًا. فقد ذكرت ما حضرني من الآيات التي عاب الله فيها المختلفين، وذم بها الباغين، وأنا الآن أذكر لك الآيات من القرآن التي حذرنا فيها ربنا تعالى من الفرقة\n_________\n(١) يونس الآية (٩٣).\n(٢) الشورى الآية (١٤).\n(٣) البينة الآيتان (٤و٥).","vol":"5","page":379},{"text":"والاختلاف، وأمرنا بلزوم الجماعة والائتلاف، نصيحة لإخواننا وشفقة على أهل مذهبنا، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ (١) .. إلى آخر الآية.\nثم حذرنا من مواقعة ما أتاه من قبلنا من أهل الكتاب فيصيبنا ما أصابهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ (٢).\nفأخبرنا أنهم عن الحق رجعوا ومن بعد البيان اختلفوا، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٣).\n(٢) آل عمران الآية (١٠٥).\n(٣) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٤) الشورى الآية (١٣).","vol":"5","page":380},{"text":"وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ (١).\nفهل بقي رحمكم الله أوضح من هذا البرهان، أو أشفى من هذا البيان؟ وقد أعلمنا الله تعالى أنه قد خلق خلقًا للاختلاف والفرقة، وحذرنا أن نكون كهم لهم واستثنى أهل رحمته لنواظب على المسألة أن يجعلنا منهم فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ (٢).\nثم حذر نبيه - ﷺ - أن يتبع أهل الأهواء المختلفين وآراء المتقدمين فقال ﷿: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٣). وقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٤). وقال: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ\n_________\n(١) الروم الآية (٣٢).\n(٢) هود الآيتان (١١٨و١١٩).\n(٣) المائدة الآية (٤٩).\n(٤) المائدة الآية (٤٨).","vol":"5","page":381},{"text":"الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ (١). وقال ﷿ فيما ذم به المخالفين: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال: فإن قال قائل: قد ذكرت نهي النبي - ﷺ - عن الفرقة وتحذيره أمته ذلك وحضه إياهم على الجماعة والتمسك بالسنة، وقلت إن ذلك هو أصل المسلمين ودعامة الدين، وأن الفرقة الناجية هي واحدة، والفرق المذمومة نيف وسبعون فرقة، ونحن نرى أن هذه الفرقة الناجية أيضًا فيها اختلاف كثير وتباين في المذاهب، ونرى فقهاء المسلمين مختلفين، فلكل واحد منهم قول يقوله ومذهب يذهب إليه وينصره ويعيب من خالفه عليه. فمالك ابن أنس ﵀ إمام وله أصحاب يقولون بقوله ويعيبون من خالفهم،\n_________\n(١) الجاثية الآيات (١٦ - ١٩).\n(٢) المؤمنون الآية (٥٣).\n(٣) الإبانة (١/ ١/٢٧٠ - ٢٧٥).","vol":"5","page":382},{"text":"وكذلك الشافعي ﵀، وكذلك سفيان الثوري ﵀، وطائفة من فقهاء العراق، وكذلك أحمد ابن حنبل ﵀، كل واحد من هؤلاء له مذهب يخالف فيه غيره.\nونرى قومًا من المعتزلة والرافضة وأهل الأهواء يعيبونا بهذا الاختلاف، ويقولون لنا: الحق واحد فكيف يكون في وجهين مختلفين؟ فإني أقول له في جواب هذا السؤال: أما ما تحكيه عن أهل البدع مما يعيبون به أهل التوحيد والإثبات من الاختلاف، فإني قد تدبرت كلامهم في هذا المعنى، فإذا هم ليس الاختلاف يعيبون، ولا له يقصدون، وإنما هم قوم علموا أن أهل الملة وأهل الذمة والملوك والسوقة والخاصة والعامة وأهل الدنيا كافة، إلى الفقهاء يرجعون ولأمرهم يطيعون، وبحكمهم يقضون، في كل ما أشكل عليهم، وفي كل ما يتنازعون فيه فعلى فقهاء المسلمين يعولون، في رجوع الناس إلى فقهائهم، وطاعتهم لعلمائهم ثبات للدين، وإضاءة للسبيل وظهور لسنة الرسول، وكل ذلك ففيه غيظ لأهل الأهواء، واضمحلال للبدع، فهم يوهون أمر الفقهاء، ويضعفون أصولهم، ويطعنون عليهم بالاختلاف، لتخرج الرعية عن طاعتهم، والانقياد لأحكامهم، فيفسد الدين وتترك الصلوات والجماعات، وتبطل الزكوات والصدقات، والحج والجهاد، ويستحل الربا والزنا والخمور والفجور، وما قد ظهر مما لا خفاء به على العقلاء. فأما أهل البدع -يا أخي رحمك الله- فإنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، ويعيبون ما يأتون، ويجحدون ما يعلمون، ويبصرون القذى في عيون غيرهم وعيونهم تطرف على الأجذال، ويتهمون أهل العدالة والأمانة في النقل، ولا يتهمون","vol":"5","page":383},{"text":"آراءهم وأهواءهم على الظن، وهم أكثر الناس اختلافًا، وأشدهم تنافيًا وتباينًا، لا يتفق اثنان من رؤسائهم على قول، ولا يجتمع رجلان من أئمتهم على مذهب.\nفأبو الهذيل يخالف النظام، وحسين النجار يخالفهما، وهشام الفوطي يخالفهم، وثمامة بن أشرس يخالف الكل، وهاشم الأوقص وصالح قبة يخالفانهم، وكل واحد منهم قد انتحل لنفسه دينًا ينصره وربًا يعبده وله على ذلك أصحاب يتبعونه، وكل واحد منهم يكفر من خالفه ويلعن من لا يتبعه، وهم في اختلافهم وتباينهم كاختلاف اليهود والنصارى، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١).\nفاختلافهم كاختلاف اليهود والنصارى، لأن اختلافهم في التوحيد، وفي صفات الله، وفي الكيفية، وفي قدرة الله، وفي عظمته، وفي نعيم الجنة، وفي عذاب النار، وفي البرزخ، وفي اللوح المحفوظ، وفي الرق المنشور، وفي علم الله، وفي القرآن، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي مرسل، إلا بوحي من الله، وليس يعدم من رد العلم في هذه الأشياء إلى رأيه وهواه وقياسه ونظره واختياره؛ من الاختلاف العظيم والتباين الشديد.\nوأما الرافضة فأشد الناس اختلافًا وتباينًا وتطاعنًا فكل واحد منهم يختار مذهبا لنفسه يلعن من خالفه عليه ويكفر من لم يتبعه، وكلهم يقول: إنه لا صلاة ولا صيام ولا جهاد ولا جمعة ولا عيدين ولا نكاح ولا طلاق\n_________\n(١) البقرة الآية (١١٣).","vol":"5","page":384},{"text":"ولا بيع ولا شراء؛ إلا بإمام، وإنه من لا إمام له فلا دين له، ومن لم يعرف إمامه فلا دين له، ثم يختلفون في الأئمة، فالإمامية لها إمام تسوده وتلعن من قال: إن الإمام غيره وتكفره، وكذلك الزيدية لها إمام غير إمام الإمامية. وكذلك الإسماعيلة، وكذلك الكيسانية، والبترية، وكل طائفة تنتحل مذهبًا وإمامًا وتلعن من خالفها عليه وتكفره. ولولا ما نؤثره من صيانة العلم الذي أعلى الله أمره، وشرف قدره، ونزهه أن يخلط به نجاسات أهل الزيغ، وقبيح أقوالهم ومذاهبهم التي تقشعر الجلود من ذكرها، وتجزع النفوس من استماعها، وينزه العقلاء ألفاظهم وأسماعهم عن لفظها؛ لذكرت من ذلك ما فيه عبرة للمعتبرين، ولكنه قد روي عن طلحة بن مصرف ﵀، قال: لولا أني على طهارة لأخبرتكم بما تقوله الروافض.\nوقال ابن المبارك ﵀: إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. ولولا أنك قلت إن أهل الزيغ يطعنون على أئمتنا وعلمائنا باختلافهم، فأحببت أن أعلمك أن الذي أنكروه هم ابتدعوه، وأن الذي عابوه هم استحسنوه، ولولا اختلافهم في أصولهم وعقودهم وإيمانهم ودياناتهم؛ لما دنسنا ألفاظنا بذكر حالهم.\nفأما الاختلاف فهو ينقسم على وجهين: أحدهما اختلاف، الإقرار به إيمان ورحمة وصواب، وهو الاختلاف المحمود الذي نطق به الكتاب ومضت به السنة، ورضيت به الأمة، وذلك في الفروع والأحكام التي أصولها ترجع إلى الإجماع والائتلاف. واختلاف هو كفر وفرقة وسخطة وعذاب يؤول بأهله إلى الشتات، والتضاغن والتباين والعداوة، واستحلال الدم والمال، وهو","vol":"5","page":385},{"text":"اختلاف أهل الزيغ في الأصول والاعتقاد والديانة. فأما اختلاف أهل الزيغ، فقد بينت لك كيف هو، وفيما اختلفوا فيه. وأما اختلاف أهل الشريعة الذي يؤول بأهله إلى الإجماع والألفة، والتواصل والتراحم؛ فإن أهل الإثبات من أهل السنة يجمعون على الإقرار بالتوحيد وبالرسالة؛ بأن الإيمان قول وعمل ونية وبأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومجمعون على أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، وعلى أن الله خالق الخير والشر ومقدرهما، وعلى أن الله يرى في القيامة، وعلى أن الجنة والنار مخلوقتان باقيتان ببقاء الله، وأن الله على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه محيط بالأشياء، وأن الله قديم لا بداية له ولا نهاية ولا غاية، بصفاته التامة، لم يزل عالمًا ناطقًا سميعًا بصيرًا، حيًا حليمًا، قد علم ما يكون قبل أن يكون، وأنه قدر المقادير قبل خلق الأشياء.\nومجمعون على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵈، وعلى تقديم الشيخين، وعلى أن العشرة في الجنة جزمًا وحتمًا لا شك فيه، ومجمعون على الترحم على جميع أصحاب رسول الله - ﷺ -، والاستغفار لهم ولأزواجه وأولاده وأهل بيته، والكف عن ذكرهم إلا بخير، والإمساك وترك النظر فيما شجر بينهم، فهذا وأشباهه مما يطول شرحه لم يزل الناس مذ بعث الله نبيه - ﷺ - إلى وقتنا هذا مجمعين عليه في شرق الأرض وغربها، وبرها وبحرها وسهلها وجبلها، يرويه العلماء رواة الآثار وأصحاب الأخبار، ويعرفه الأدباء والعقلاء، ويجمع على الإقرار به الرجال والنسوان، والشيب والشبان، والأحداث والصبيان، في الحاضرة والبادية، والعرب والعجم، لا يخالف ذلك ولا ينكره ولا يشذ عن الإجماع مع الناس فيه إلا رجل خبيث زائغ، مبتدع","vol":"5","page":386},{"text":"محقور مهجور مدحور، يهجره العلماء ويقطعه العقلاء، إن مرض لم يعودوه، وإن مات لم يشهدوه. ثم أهل الجماعة مجمعون بعد ذلك على أن الصلاة خمس، وعلى أن الطهارة والغسل من الجنابة فرض، وعلى الصيام والزكاة والحج والجهاد، وعلى تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والربا والزنا وقتل النفس المؤمنة بغير حق، وتحريم شهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وما يطول الكتاب بشرحه، ثم اختلفوا بعد إجماعهم على أصل الدين واتفاقهم على شريعة المسلمين، اختلافًا لم يصر بهم إلى فرقة ولا شتات، ولا معاداة ولا تقاطع وتباغض، فاختلفوا في فروع الأحكام والنوافل التابعة للفرائض، فكان لهم وللمسلمين فيه مندوحة، ونفس وفسحة ورحمة، ولم يعب بعضهم على بعض ذلك، ولا أكفره ولا سبه ولا لعنه، ولقد اختلف أصحاب رسول الله - ﷺ - في الأحكام اختلافًا ظاهرًا، علمه بعضهم من بعض، وهم القدوة والأئمة والحجة.\nفكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول: إن الجد يرث ما يرثه الأب ويحجب من يحجبه الأب، فخالفه على ذلك زيد بن ثابت وخالفهما علي بن أبي طالب، وخالفهم ابن مسعود، وخالف ابن عباس جميع أصحاب رسول الله - ﷺ - في مسائل من الفرائض، وكذلك اختلفوا في أبواب من العدة والطلاق، وفي الرهون والديون والوديعة والعارية، وفي المسائل التي المصيب فيها محمود مأجور، والمجتهد فيها برأيه المعتمد للحق إذا أخطأ فمأجور أيضًا، غير مذموم، لأن خطأه لا يخرجه من الملة، ولا يوجب له النار، وبذلك جاءت السنة عن المصطفى - ﷺ -. (١)\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٥٥٣ - ٥٥٩).","vol":"5","page":387},{"text":"- وقال: فاختلاف الفقهاء -يا أخي، رحمك الله- في فروع الأحكام وفضائل السنن رحمة من الله بعباده، والموفق منهم مأجور، والمجتهد في طلب الحق إن أخطأه غير مأزور، وهو يحسن نيته، وكونه في جملة الجماعة في أصل الاعتقاد والشريعة مأجور، قال النبي - ﷺ -: «بعثت بالحنيفية السمحة» (١). وإن تأول متأول من الفقهاء مذهبًا في مسألة من الأحكام خالف فيها الإجماع، وقعد عنه فيها الاتباع، كان منتهى القول بالعتب عليه أخطأت، لا يقال له كفرت ولا جحدت ولا ألحدت، لأن أصله موافق للشريعة وغير خارج عن الجماعة في الديانة. (٢)\n- وقال: فالإصابة في الجماعة توفيق ورضوان، والخطأ في الاجتهاد عفو وغفران، وأهل الأهواء اختلفوا في الله، وفي الكيفية، وفي الأبنية، وفي الصفات، وفي الأسماء، وفي القرآن، وفي قدرة الله، وفي عظمة الله، وفي علم\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٦) والطبراني في الكبير (٨/ ٢١٦/٧٨٦٨) من حديث أبي أمامة. قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٧٩): \"فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف\". وضعفه العراقي في تخريج الإحياء (٥/ ٢٢٠٦/٣٤٨٥) وله شاهد من حديث جابر، أخرجه الخطيب في تاريخه (٧/ ٢٠٩) وأشار له السيوطي في الجامع بالضعف. وآخر مرسل عن حبيب بن أبي ثابت أخرجه ابن سعد (١/ ١٩٢). قال المناوي في فيض القدير (٣/ ٢٠٣): \"لكن له طرق ثلاث ليس يبعد أن لا ينزل بسببها عن درجة (الحسن) \". وله شاهد آخر من حديث عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ - يومئذ (أي يوم لعب الحبشة): «لتعلم يهود في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة». أخرجه أحمد (٦/ ١١٦و٢٣٣) وحسن إسناده السخاوي في المقاصد الحسنة (رقم ٢١٤) وجود إسناده الشيخ الألباني في الصحيحة (٤/ ٤٤٣). وعلق البخاري في صحيحه (١/ ١٢٦): «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». ووصله في الأدب المفرد (رقم ٢٨٧) وأحمد (١/ ٢٣٦) والبزار (كشف ١/ ٥٨ - ٥٩/ ٧٨) والطبراني في الكبير (١١/ ٢٢٧/١١٥٧١).\n(٢) الإبانة (٢/ ٤/٥٦٦).","vol":"5","page":388},{"text":"الله، تعالى الله عما يقول الملحدون علوًّا كبيرًا. (١)\n- وقال: فقد ذكرت من الرواية عن رسول الله - ﷺ -، وما أخبر به من تفرق هذه الأمة، ومضاهاتها في تفرقها اليهود والنصارى والأمم السالفة، ما في بعضه كفاية لأهل الحق والرعاية، فإن قال قائل: قد صح عندنا من كتاب ربنا ومن قول نبينا - ﷺ -؛ أن الأمم الماضية من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا وكفر بعضهم بعضًا ومثل ذلك فقد حل بهذه الأمة، حتى قد كثرت فيهم الأهواء، وأصحاب الآراء والمذاهب، وكل ذلك فقد رأيناه وشاهدناه، فنريد أن نعرف هذه الفرق المذمومة لنجتنبها، ونسأل مولانا الكريم أن يعصمنا منها ويعيذنا مما حل بأهلها، الذين استهوتهم الشياطين، فأصبحوا حيارى، عن طريق الحق صادفين.\nقلت: فاعلم رحمك الله أن لهذه الفرق والمذاهب كلها أصولًا أربعة فكلها عن الحق حائدة، وللإسلام وأهله معاندة، وعن أربعة أصول يتفرقون، ومنها يتشعبون، وإليها يرجعون، ثم تتشعب بهم الطرق وتأخذهم الأهواء، وقبيح الآراء حتى يصيروا في التفرق إلى ما لا يحصى، فأما الأربعة الأصول، التي بها يعرفون، وإليها يرجعون، فهو ما حدثنا أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد وأبو عمر عبيد الله بن محمد بن عبيد بن مسبح العطار وأبو بكر محمد ابن الحسين وأبو يوسف يعقوب بن يوسف، قالوا: حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، قال: حدثنا المسيب بن واضح، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: أصل البدع أربعة: الروافض، والخوارج،\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٤/٥٦٧).","vol":"5","page":389},{"text":"والقدرية، والمرجئة. ثم تتشعب كل فرقة ثماني عشرة طائفة، فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالثة والسبعون الجماعة التي قال رسول الله - ﷺ -: إنها الناجية.\nوحدثنا أبو القاسم حفص بن عمر قال: حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي قال: حدثنا المسيب بن واضح السلمي الحمصي، قال: أتيت يوسف بن أسباط فسلمت عليه وانتسبت إليه، وقلت له: يا أبا محمد إنك بقية أسلاف العلم الماضين وإنك إمام سنة وأنت على من لقيك حجة، ولم آتك لسمع الأحاديث ولكن لأسألك عن تفسيرها، وقد جاء هذا الحديث عن النبي - ﷺ - أن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، فأخبرني مَن هذه الفرق حتى أتوقاها، فقال لي أصلها أربعة: القدرية والمرجئة والشيعة وهم الروافض والخوارج، فثماني عشرة فرقة في القدرية، وثماني عشرة في المرجئة، وثماني عشرة في الخوارج، وثماني عشرة في الشيعة، ثم قال: ألا أحدثك بحديث لعل الله أن ينفعك به، قلت: بلى يرحمك الله، قال: أسلم رجل على عهد عمرو بن مرة فدخل مسجد الكوفة، فجعلت أجلس إلى قوم أصحاب أهواء فكل يدعو إلى هواه، وقد اختلفوا علي فما أدري بأيها أتمسك فقال له عمرو بن مرة: اختلفوا عليك في الله ﷿ أنه ربهم؟ قال: لا، قال: اختلفوا عليك في محمد - ﷺ - أنه نبيهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الكعبة أنها قبلتهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في شهر رمضان أنه صومهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الصلوات الخمس والزكاة والغسل من الجنابة؟ قال: لا، قال: فانظر","vol":"5","page":390},{"text":"هذا الذي اجتمعوا عليه فهو دينك ودينهم فتمسك به وانظر تلك الفرق التي اختلفوا عليك فيها فاتركهم فليست من دينهم في شيء. قال أبو حاتم الرازي: حدثت عن عامر، عن إبراهيم الأصبهاني، قال: حدثنا يعقوب الأشعري، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵁، قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين والنصارى على اثنتين وسبعين وأنتم على ثلاث وسبعين وإن من أضلها وشرها وأخبثها الشيعة الذين يشتمون أبا بكر وعمر ﵄.\nوحدثنا أبو القاسم حفص بن عمر، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن عيسى، قال: قال حفص بن حميد، قلت لعبد الله بن المبارك: على كم افترقت هذه الأمة؟ فقال: الأصل أربع فرق: هم الشيعة، والحرورية، والقدرية، والمرجئة، فافترقت الشيعة على ثنتين وعشرين فرقة وافترقت الحرورية على إحدى وعشرين فرقة وافترقت القدرية على ست عشرة فرقة، وافترقت المرجئة على ثلاث عشرة فرقة. قال: قلت يا أبا عبد الرحمن لم أسمعك تذكر الجهمية، قال: إنما سألتني عن فرق المسلمين. (١)\n- وقال: فقد ذكرت في هذا الباب ما قاله المصطفى - ﷺ - وأمر به أصحابه والتابعين بعدهم بإحسان من لزوم السنة واتباع الآثار ما فيه بلاغ وكفاية لمن شرح الله صدره ووفقه لقبوله، فإن الله ﷿ ضمن لمن أطاع الله ورسوله خير الدنيا والآخرة، فإنه قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٧٦ - ٣٨٠).","vol":"5","page":391},{"text":"فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (١) وتوعد من خالف ذلك وعدل عنه بما نستجير بالله منه ونعوذ به ممن كان موصوفًا به، فإنه قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٢). فرحم الله عبدًا لزم الحذر واقتفى الأثر ولزم الجادة الواضحة وعدل عن البدعة الفاضحة. (٣)\n- وقال: أعاذنا الله وإياكم من الآراء المخترعة والأهواء المتبعة والمذاهب المبتدعة، فإن أهلها خرجوا عن اجتماع إلى شتات، وعن نظام إلى تفرق، وعن أنس إلى وحشة، وعن ائتلاف إلى اختلاف، وعن محبة إلى بغضة، وعن نصيحة وموالاة إلى غش ومعاداة، وعصمنا وإياكم من الانتماء إلى كل اسم خالف الإسلام والسنة. (٤)\n- وقال: اعلموا إخواني أني فكرت في السبب الذي أخرج أقواما من السنة والجماعة واضطرهم إلى البدعة والشناعة وفتح باب البلية على أفئدتهم، وحجب نور الحق عن بصيرتهم، فوجدت ذلك من وجهين: أحدهما: البحث والتنقير وكثرة السؤال عما لا يعني ولا يضر العاقل جهله ولا ينفع المؤمن\n_________\n(١) النساء الآية (٦٩).\n(٢) النساء الآية (١١٥).\n(٣) الإبانة (١/ ٢/٣٦٤ - ٣٦٥).\n(٤) الإبانة (١/ ٢/٣٨٨ - ٣٨٩).","vol":"5","page":392},{"text":"فهمه. والآخر: مجالسة من لا تؤمن فتنته وتفسد القلوب صحبته. (١)\n- وقال: فالعجب يا إخواني رحمكم الله لقوم حيارى تاهت عقولهم عن طرقات الهدى، فذهبت تند محاضره في أودية الردى، تركوا ما قدمه الله ﷿ في وحيه وافترضه على خلقه، وتعبدهم بطلبه وأمرهم بالنظر والعمل به، وأقبلوا على ما لم يجدوه في كتاب ناطق ولا تقدمهم فيه سلف سابق، فشغلوا به وفرغوا له آراءهم وجعلوه دينًا يدعون إليه ويعادون من خالفهم عليه، أما عَلِمَ الزائغون مفاتيح أبواب الكفر ومعالم أسباب الشرك، التكلف لما لم تحط الخلائق به علمًا به، ولم يأت القرآن بتأويله ولا أباحت السنة النظر فيه، فتزيد الناقص الحقير والأحمق الصغير بقوته الضعيفة، وعقله القصير، أن يهجم على سر الله المحجوب، ويتناول علمه بالغيوب، يريدها لنفسه وطوى عليها علمها دون خلقه، فلم يحيطوا من علمها إلا بما شاء، ولا يعلمون منها إلا ما يريد، فكل ما لم ينزل الوحي بذكره، ولم تأت السنة بشرحه من مكنون علم الله ومخزون غيبه، وخفي أقداره فليس للعباد أن يتكلفوا من علمه ما لا يعلمون، ولا يتحملوا من نقله ما لا يطيقون، فإنه لن يعدوا رجل كلف ذلك نظره وقلب فيه فكره أن يكون كالناظرين في عين الشمس ليعرف قدرها، أو كالمرتمي في ظلمات البحور ليدرك قعرها، فليس يزداد على المضي في ذلك إلا بعدًا، ولا على دوام النظر في ذلك إلا تحيرًا، فليقبل المؤمن العاقل ما يعود عليه نفعه، ويترك إشغال نظره وإعمال فكره في محاولة الإحاطة بما لم يكلفه، ومرام الظفر بما لم يطوقه، فيسلك سبيل العافية،\n_________\n(١) الإبانة (١/ ٢/٣٩٠).","vol":"5","page":393},{"text":"ويأخذ بالمندوحة الواسعة، ويلزم الحجة الواضحة، والجادة السابلة، والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به والمخالفة إلى ما ينهى عنه، يقع والله في بحور المنازعة وأمواج المجادلة، ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه والمخالفة لأمره والتعدي لحدوده، والعجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين فإذا هو خصيم مبين، كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه، أما يعلمون أن الله ﷿ قد\nأخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلا الحق، فسبحان الله أنى تؤفكون. حدثني ابن الصواف، قال: سمعت أبي يقول: سمعت بعض العلماء يقول: لو كلف الله هؤلاء ما كلفوه أنفسهم من البحث والتنقير لكان من أعظم ما افترضه عليهم. قال ابن بطة: فالزموا رحمكم الله الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد، والمنهاج الأعظم من معالم دينكم وشرائع توحيدكم التي اجتمع عليها المختلفون، واعتدل عليها المعترفون: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (١). وترك الدخول في الضيق الذي لم نخلق له. اهـ. (٢)\n- وقال: الله الله إخواني يا أهل القرآن، ويا حملة الحديث، لا تنظروا فيما لا سبيل لعقولكم إليه، ولا تسألوا عما لم يتقدمكم السلف الصالح من علمائكم إليه، ولا تكلفوا أنفسكم ما لا قوة بأبدانكم الضعيفة، ولا تنقروا ولا تبحثوا عن مصون الغيب ومكنون العلوم، فإن الله جعل للعقول غاية\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٤٢٠ - ٤٢١).","vol":"5","page":394},{"text":"تنتهي إليها، ونهاية تقصر عندها، فما نطق به الكتاب وجاء به الأثر فقولوه، وما أشكل عليكم فكِلوه إلى عالمه، ولا تحيطوا الأمور بحيط العشوا حنادس الظلماء بلا دليل هاد، ولا ناقد بصير، أتراكم أرجح أحلامًا وأوفر عقولًا من الملائكة المقربين، حين قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال: قد أعلمتك يا أخي -عصمني الله وإياك من الفتن ووقانا وإياك جميع المحن- أن الذي أورد القلوب حمامها، وأورثها الشك بعد اتقائها، هو البحث والتنقير وكثرة السؤال عما لا تؤمن فتنته وقد كفي العقلاء مؤنته، وأن الذي أمرضها بعد صحتها، وسلبها أثواب عافيتها، إنما هو من صحبة من تغر ألفته، وتورد النار في القيامة صحبته. أما البحث والسؤال فقد شرحت لك ما إن أصغيت إليه -مع توفيق الله- عصمك، ولك فيه مقنع وكفاية، وأما الصحبة فسأتلو عليك من نبأ حالها ما إن تمسكت به نفعك، وإن أردت الله الكريم به وفقك، قال الله ﷿ فيما أوصى به نبيه - ﷺ - وحذره منه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ (٣) ثم أذكره ما حذره\n_________\n(١) البقرة الآية (٣٢).\n(٢) الإبانة (١/ ٢/٤٢٣ - ٤٢٤).\n(٣) الأنعام الآية (٦٨).","vol":"5","page":395},{"text":"وأعاد له ذكر ما أنذره فقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال ابن بطة -عقب إيراده لحديث النبي - ﷺ -: «من سمع منكم بخروج الدجال فلينأ عنه ما استطاع فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فما يزال به حتى يتبعه لما يرى من الشبهات» (٣) -: هذا قول الرسول - ﷺ - وهو الصادق المصدوق. فالله الله معشر المسلمين، لا يحملن أحدًا منكم حسن ظنه بنفسه وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء، فيقول أداخله لأناظره أو لأستخرج منه مذهبه، فإنهم أشد فتنة من الدجال، وكلامهم ألصق من الجرب، وأحرق للقلوب من اللهب، ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم ويسبونهم فجالسوهم على سبيل الإنكار والرد عليهم، فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر ودقيق الكفر حتى صبوا إليهم. (٤)\nثم أورد ﵀ آثارًا على ذلك تجدها مبثوثة بحمد الله في هذه\n_________\n(١) النساء الآية (١٤٠).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٤٢٩ - ٤٣٠)\n(٣) تقدم تخريجه. انظر مواقف أحمد بن سنان (٢٥٩هـ).\n(٤) الإبانة (٢/ ٣/٤٧٠).","vol":"5","page":396},{"text":"المسيرة المباركة.\n- وقال ابن بطة: فاعلم يا أخي أني لم أر الجدال والمناقضة والخلاف والمماحلة والأهواء المختلفة والآراء المخترعة من شرائع النبلاء، ولا من أخلاق العقلاء، ولا من مذاهب أهل المروءة، ولا مما حكي لنا عن صالحي هذه الأمة، ولا من سير السلف، ولا من شيمة المرضيين من الخلف، وإنما هو لهو يتعلم ودراية يتفكه بها، ولذة يستراح إليها، ومهارشة العقول، وتذريب اللسان بمحق الأديان، وضراوة على التغالب واستمتاع بظهور حجة المخاصم، وقصد إلى قهر المناظر والمغالطة في القياس، وبهت في المقاولة وتكذيب الآثار، وتسفيه أحلام الأبرار، ومكابرة لنص التنزيل وتهاون بما قاله الرسول، ونقض لعقدة الإجماع، وتشتيت الألفة وتفريق لأهل الملة، وشكوك تدخل على الأمة، وضراوة السلاطة، وتوغير للقلوب، وتوليد للشحناء في النفوس، عصمنا الله وإياكم من ذلك وأعاذنا من مجالسة أهله. (١)\n- وقال: فأهل الأهواء في تكفير بعضهم لبعض مصيبون، لأن اختلافهم في شرائع شرعتها أهواؤهم وديانات استحسنتها آراؤهم، فتفرقت بهم الأهواء وشتت بهم الآراء، وحل بهم البلاء، وحرموا البصيرة والتوفيق، فزلت أقدامهم عن محجة الطريق، فالمخطئ منهم زنديق، والمصيب على غير أصل ولا تحقيق. (٢)\n- وقال: فإن قال قائل: قد حذرتنا الخصومة والمراء والجدال والمناظرة،\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٣١ - ٥٣٢).\n(٢) الإبانة (٢/ ٣/٥٣٥ - ٥٣٦).","vol":"5","page":397},{"text":"وقد علمنا أن هذا هو الحق، وإن هذه سبيل العلماء وطريق الصحابة والعقلاء من المؤمنين والعلماء المستبصرين، فإن جاءني رجل يسألني عن شيء من هذه الأهواء التي قد ظهرت والمذاهب القبيحة التي قد انتشرت، ويخاطبني منها بأشياء يلتمس مني الجواب عليها، وأنا ممن قد وهب الله الكريم لي علمًا بها وبصرًا نافذًا في كشفها، أفأتركه يتكلم بما يريد ولا أجيبه وأخليه وهواه وبدعته، ولا أردّ عليه قبيح مقالته، فإني أقول له: اعلم يا أخي رحمك الله أن الذي تبلى به من أهل هذا الشأن لن يخلو أن يكون واحدًا من ثلاثة: إما رجلًا قد عرفت حسن طريقته وجميل مذهبه ومحبته للسلامة وقصده طريق الاستقامة، وإنما قد طرق سمعه من كلام هؤلاء الذين قد سكنت الشياطين قلوبهم، فهي تنطق بأنواع الكفر على ألسنتهم، وليس يعرف وجه المخرج مما قد بلي به، فسؤاله سؤال مسترشد يلتمس المخرج مما بلي به والشفا مما أوذي (١) إلى علمك حاجته إليك حاجة الصادي إلى الماء الزلال وأنت قد استشعرت طاعته وأمنت مخالفته، فهذا الذي قد افترض عليك توفيقه وإرشاده من حبائل كيد الشياطين، وليكن ما ترشده به وتوقفه عليه من الكتاب والسنة والآثار الصحيحة من علماء الأمة من الصحابة والتابعين، وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، وإياك والتكلف لما لا تعرفه وتمحل الرأي والغوص على دقيق الكلام، فإن ذلك من فعلك بدعة وإن كنت تريد به السنة، فإن إرادتك للحق من غير طريق الحق باطل وكلامك على السنة من غير السنة بدعة، ولا تلتمس لصاحبك الشفاء بسقم نفسك، ولا تطلب\n_________\n(١) قال محقق الإبانة: كذا في ظ: العبارة غير واضحة ولا يوجد هذا الأثر في ت.","vol":"5","page":398},{"text":"صلاحه بفسادك، فإنه لا ينصح الناس من غش نفسه، ومن لا خير فيه لنفسه لا خير فيه لغيره، فمن أراد الله وفقه وسدده ومن اتقى الله أعانه ونصره. (١)\nوقال ابن بطة -عقب أثر الأوزاعي لما سأله محمد بن النضر قال: أآمر بالمعروف؟ قال (الأوزاعي): من يقبل منك؟ -: صدق الأوزاعي ﵀، فهكذا قال علي بن أبي طالب ﵇: \"لا إمرة لمن لا يطاع\". فإذا كان السائل لك هذه أوصافه وجوابك له على النحو الذي قد شرحته فشأنك به، ولا تأل فيه جهدًا فهذه سبيل العلماء الماضين الذين جعلهم الله أعلامًا في هذا الدين فهذا أحد الثلاثة. ورجل آخر يحضر في مجلس أنت فيه حاضر تأمن فيه على نفسك ويكثر ناصروك ومعينوك، فيتكلم بكلام فيه فتنة وبلية على قلوب مستمعيه ليوقع الشك في القلوب لأنه هو ممن في قلبه زيغ يتبع المتشابه ابتغاء الفتنة والبدعة، وقد حضر معك من إخوانك وأهل مذهبك من يسمع كلامه إلا أنه لا حجة عندهم على مقابلته، ولا علم لهم بقبيح ما يأتي به، فإن سكت عنه لم تأمن فتنته بأن يفسد بها قلوب المستمعين، وإدخال الشك على المستبصرين، فهذا أيضًا مما ترد عليه بدعته وخبيث مقالته، وتنشر ما علمك الله من العلم والحكمة، ولا يكن قصدك في الكلام خصومته ولا مناظرته، وليكن قصدك بكلامك خلاص إخوانك من شبكته، فإن خبثاء الملاحدة إنما يبسطون شباك الشياطين ليصيدوا بها المؤمنين، فليكن إقبالك بكلامك ونشر علمك وحكمتك وبشر وجهك وفصيح منطقك على إخوانك، ومن قد حضر معك لا عليه، حتى تقطع أولئك عنه وتحول بينهم\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٤٠ - ٥٤١).","vol":"5","page":399},{"text":"وبين استماع كلامه، بل إن قدرت أن تقطع عليه كلامه بنوع من العلم تحول به وجوه الناس عنه فافعل.\nحدثني أبو صالح قال حدثنا محمد بن داود أبو جعفر البصروي قال حدثنا مثنى بن جامع، قال: سمعت بشر بن الحارث، سئل عن الرجل يكون مع هؤلاء أهل الأهواء في موضع جنازة أو مقبرة فيتكلمون ويعرضون فترى لنا أن نجيبهم، فقال: إن كان معك من لا يعلم فردوا عليه لئلا يرى أولئك أن القول كما يقولون وإن كنتم أنتم وهم فلا تكلموهم ولا تجيبوهم.\nفهذان رجلان قد عرفتك حالهما ولخصت لك وجه الكلام لهما. وثالث مشؤوم قد زاغ قلبه وزلت عن سبيل الرشاد قدمه، فعشيت بصيرته واستحكمت للبدعة نصرته، يجهده أن يشكك في اليقين ويفسد عليك صحيح الدين، فجميع الذي رويناه وكلما حكيناه في هذا الباب لأجله وبسببه، فإنك لن تأتي في باب حصر منه ووجيع مكيدته أبلغ من الإمساك عن جوابه، والإعراض عن خطأ به لأن غرضه من مناظرتك أن يفتنك فتتبعه فيملك وييأس منك، فيشفي غيظه أن يسمعك في دينك ما تكرهه، فأخسئه بالإمساك عنه، وأذلله بالقطيعة له، أليس قد أخبرتك بقول الحسن ﵀ حين قال له القائل: يا أبا سعيد: تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال له الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني فإن كنت قد أضللت دينك فالتمسه. وأخبرتك بقول مالك حين جاءه بعض أهل الأهواء فقال له: أما أنا فعلى بينة من ربي وأما أنت فشاك فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه. فهل يأتي في جواب المخالف من جميع الحجج حجة هي أسخن لعينه ولا أغيظ لقلبه من","vol":"5","page":400},{"text":"مثل هذه الحجة؟ والجواب: أما سمعت قول مصعب بن سعد: لا تجالس مفتونا فإنه لن يخطئك إحدى اثنتين: إما أن يفتنك فتتبعه، وإما أن يؤذيك قبل أن تفارقه. وأيوب السختياني حين قال له الرجل: أكلمك بكلمة، فولى عنه وأشار بإصبعه: ولا نصف كلمة. وعبد الرزاق حين قال لابن أبي يحيى: القلب ضعيف وليس الدين لمن غلب.\nحدثنا أبو طلحة أحمد بن محمد الفزاري، قال: حدثنا عبد الله بن خبيق، قال: حدثنا عبد الله بن داود، قال: قال الأعمش: السكوت جواب. حدثنا ابن دريد، قال: حدثنا الرياشي قال: حدثنا الأصمعي قال: سمعت شبيب بن شيبة يقول: من صبر على كلمة حسمها ومن أجاب عنها استدرها، فإن كنت ممن يريد الاستقامة ويؤثر طريق السلامة فهذه طريق العلماء وسبيل العقلاء، ولك فيما انتهى إليك من علمهم وفعلهم كفاية وهداية، وإن كنت ممن قد زاغ قلبه وزلت قدمه فأنت متحيز إلى فئة الضلالة وحزب الشيطان، قد أنست بما استوحش منه العقلاء ورغبت فيما زهد فيه العلماء، قد جعلت لقوم بطانتك وخزانتك، قد استبشرت جوارحك بلقائهم وأنس قلبك بحديثهم، فقد جعلت ذريعتك إلى مجالستهم وطريقك إلى محادثتهم، أنك تريد بذلك مناظرتهم وإقامة الحجة عليهم ورد بالهم إليهم، فإن تك بهرجتك خفيت على أهل الغفلة من الآدمين فلن يخفى ذلك على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. (١)\n- وقال ابن بطة: فإن قال قائل فهذا النهي والتحذير عن الجدل في\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٤١ - ٥٤٤).","vol":"5","page":401},{"text":"الأهواء والمماراة لأهل البدع قد فهمناه ونرجو أن تكون لنا فيه عظة ومنفعة، فما نصنع بالجدل والحجاج فيما يعرض من مسائل الأحكام في الفقه، فإنا نرى الفقهاء وأهل العلم يتناظرون على ذلك كثيرا في الجوامع والمساجد، ولهم بذلك حلق ومساجد، فإني أقول له: هذا لست أمنعك منه ولكني أذكر لك الأصل الذي بنى المسلمون عليه في هذا المعنى كيف أسسوه ووضعوه، فمن كان ذلك الأصل أصله وهو قصده ومعوله فالحجاج والمناظرة له مباحة وهو مأجور، ثم أنت أمين الله على نفسك فهو المطلع على سرك، فاعلم رحمك الله: أن أصل الدين النصيحة، وليس المسلمون إلى شيء من وجوه النصيحة أفقر ولا أحوج ولا هي لبعضهم على بعض أفرض ولا ألزم من النصيحة في تعليم العلم، الذي هو قوام الدين وبه أديت الفرائض إلى رب العالمين.\nفالذي يلزم المسلمين في مجالسهم ومناظراتهم في أبواب الفقه والأحكام تصحيح النية بالنصيحة واستعمال الإنصاف والعدل ومراد الحق الذي به قامت السماوات والأرض، فمن النصيحة أن تكون تحب صواب مناظرك ويسوؤك خطأه كما تحب الصواب من نفسك ويسوؤك الخطأ منها، فإنك إن لم تكن هكذا كنت غاشًّا لأخيك ولجماعة المسلمين، وكنت محبًا أن يخطأ في دين الله وأن يكذب عليه ولا يصيب الحق في الدين ولا يصدق، فإذا كانت نيتك أن يسرك صواب مناظرك ويسوؤك خطأه فأصاب وأخطأت لم يسؤك الصواب ولم تدفع ما أنت تحبه بل سرك ذلك وتتلقاه بالقبول والسرور والشكر لله ﷿ حين وفق صاحبك لما كنت تحب أن تسمعه منه، فإن أخطأ ساءك ذلك وجعلت همتك التلطف لتزيله عنه، لأنك","vol":"5","page":402},{"text":"رجل من أهل العلم يلزمك النصيحة للمسلمين بقول الحق، فإن كان عندك بذلته وأحببت قبوله، وإن كان عند غيرك قبلته، ومن دَلَّك عليه شكرت له، فإذا كان هذا أصلك وهذه دعواك فأين تذهب عما أنت له طالب وعلى جمعه حريص، ولكنك والله يا أخي تأبى الحق وتنكره إذا سبقك مناظرك إليه وتحتال لإفساد صوابه وتصويب خطئك وتغتاله وتلقي عليه التغاليظ وتظهر التشنيع، ولا سيما إن كان في عينك وعند أهل مجلسك أنه أقل علمًا منك فذاك الذي تجحد صوابه وتكذب حقه، ولعل الأنفة تحملك إذا هو احتج عليك بشيء خالف قولك فقال لك: قال رسول الله - ﷺ -: قلت لم يقله رسول الله فجحدت الحق الذي تعلمه ورددت السنة، فإن كان مما لا يمكنك إنكاره أدخلت على قول رسول الله - ﷺ - علة تغير بها معناه وصرفت الحديث إلى غير وجهه، فإرادتك أن يخطأ صاحبك خطأ منك واغتنامك بصوابه غش فيك وسوء نية في المسلمين.\nفاعلم يا أخي أن من كره الصواب من غيره ونصر الخطأ من نفسه لم يؤمن عليه أن يسلبه الله ما علمه وينسيه ما ذكره، بل يخاف عليه أن يسلبه الله إيمانه، لأن الحق من رسول الله إليك افترض عليك طاعته فمن سمع الحق فأنكره بعد علمه له فهو من المتكبرين على الله، ومن نصر الخطأ فهو من حزب الشيطان، فإن قلت أنت الصواب وأنكره خصمك ورده عليك كان ذلك أعظم لأنفتك وأشد لغيظك وحنقك وتشنيعك وإذاعتك وكل ذلك مخالف للعلم ولا موافق للحق. بلغني عن الحسن بن عبد العزيز الجروي المصري أنه قال: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدًا قط فأحببت أن يخطأ وما في ظني علم إلا وددت أنه عند كل","vol":"5","page":403},{"text":"أحد ولا ينسب إلي. وبلغني عن حرملة بن يحيى، قال: سمعت الشافعي يقول: وددت أن كل علم أعلمه يعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدونني.\nوحدثني أبو صالح محمد بن أحمد، قال: حدثنا أبو الأحوص، قال: سمعت حسينا الزعفراني يقول: سمعت الشافعي يحلف وهو يقول: ما ناظرت أحدًا قط إلا على النصيحة وما ناظرت أحدًا ما فأحببت أن يخطئ، أفهكذا أنت يا أخي بالله عليك؟ إن ادعيت ذلك فقد زعمت أنك خير من الأخيار، وبدل من الأبدال والذي يظهر من أهل وقتنا أنهم يناظرون مغالبة لا مناظرة ومكايدة لا مناصحة، ولربما ظهر من أفعالهم ما قد كثر وانتشر في كثير من البلدان، فمما يظهر من قبيح أفعالهم وما يبلغ بهم حب الغلبة ونصرة الخطأ أن تحمر وجوههم وتدر عروقهم وتنتفخ أوداجهم ويسيل لعابهم، ويزحف بعضهم إلى بعض حتى ربما لعن بعضهم بعضًا، وربما بزق بعضهم على بعض، وربما مد أحدهم يده إلى لحية صاحبه، ولقد شهدت حلقة بعض المتصدرين في جامع المنصور فتناظر أهل مجلسه بحضرته فأخرجهم غيظ المناظرة وحمية المخالفة إلى أن قذف بعضهم زوجة صاحبه ووالدته، فحسبك بهذه الحال بشاعة وشناعة على سفه الناس وجهالهم، فكيف بمن تسمى بالعلم وترشح للإمامة والفتيا، ولقد رأيت المناظرين في قديم الزمان وحديثه فما رأيت ولا حدثت ولا بلغني أن مختلفين تناظرا في شيء ففلجت حجة أحدهما وظهر صوابه وأخطأ الآخر وظهر خطؤه فرجع المخطئ عن خطأه ولا صبا إلى صواب صاحبه ولا افترقا إلا على الاختلاف والمباينة، وكل واحد منهما متمسك بما كان عليه ولربما علم أنه على الخطأ فاجتهد في نصرته، وهذه","vol":"5","page":404},{"text":"أخلاق كلها تخالف الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من علماء الأمة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2228>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀: فإني أجعل أمام القول إيعاز النصيحة إلى إخواني المسلمين، بأن يتمسكوا بكتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، واتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين، الذين شرح الله بالهدى صدورهم، وأنطق بالحكمة ألسنتهم، وضرب عليه سرادق عصمته، وأعاذهم من كيد إبليس وفتنته، وجعلهم رحمة وبركة على من اتبعهم، وأنسًا وحياة لمن سلك طريقهم، وحجة وعمى على من خالفهم. قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٢) وأحذرهم مقالة جهم بن صفوان وشيعته، الذين أزاغ الله قلوبهم، وحجب عن سبل الهدى أبصارهم، حتى افتروا على الله ﷿ بما تقشعر منه الجلود، وأورث القائلين به نار الخلود، فزعموا أن القرآن مخلوق، والقرآن من علم الله تعالى، وفيه صفاته العليا وأسماؤه الحسنى، فمن زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن الله كان ولا علم، ومن زعم أن أسماء الله وصفاته مخلوقة، فقد زعم أن الله مخلوق محدث، وأنه لم يكن ثم كان، تعالى الله عما\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٣/٥٤٥ - ٥٤٨).\n(٢) النساء الآية (١١٥).","vol":"5","page":405},{"text":"تقوله الجهمية الملحدة علوًا كبيرًا، وكلما تقوله وتنتحله، فقد أكذبهم الله ﷿ في كتابه، وفي سنة رسوله - ﷺ -، وفي أقوال أصحابه، وإجماع المسلمين في السابقين والغابرين، لأن الله ﷿ لم يزل عالمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا، تاما بصفاته العليا وأسمائه الحسنى، قبل كون الكون، وقبل خلق الأشياء، لا يدفع ذلك ولا ينكره إلا الضال الجحود الجهمي المكذب بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -.\nوسنذكر من كتاب الله وسنة نبيه وإجماع المسلمين ما دل على كفر الجهمي الخبيث وكذبه، ما إذا سمعه المؤمن العاقل العالم، ازداد به بصيرة وقوة وهداية، وإن سمعه من قد داخله بعض الزيغ والريب، وكان لله فيه حاجة، وأحب خلاصه وهدايته، نجاه ووقاه، وإن كان ممن قد كتبت عليه الشقوة، زاده ذلك عتوًّا وكفرًا وطغيانًا. ونستوفق الله لصواب القول وصالح العلم. (١)\n- وقال: فتفهموا رحمكم الله هذه الأحاديث، فهل يجوز أن يعوذ النبي - ﷺ - بمخلوق ويتعوذ هو ويأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟ وهل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله؟ فيقول: أعيذ نفسي بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالعرش أو بالكرسي أو بالأرض؟ وإذا جاز أن يتعوذ بمخلوق مثله، فليعوذ نفسه وغيره بنفسه فيقول: أعيذك بنفسي. أو ليس قد أوجب عبد الله بن مسعود ﵀ على من حلف بالقرآن بكل آية كفارة؟ فهل يجب على من حلف بمخلوق كفارة؟ (٢)\n- وقال: ومما يحتج به على الجهمي الخبيث الملحد أن يقال له: هل تعلم\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٢١٢ - ٢١٥).\n(٢) الإبانة (١/ ١٢/٢٦٢).","vol":"5","page":406},{"text":"شيئًا مخلوقًا لا يجوز أن يمسه إلا طاهر طهارة تجوز له بها الصلاة؟ فلولا ما شرف الله به القرآن وأنه كلامه وخرج منه، لجاز أن يمسه الطاهر وغير الطاهر، ولكنه غير مخلوق، فمن ثم حظر أن يمس المصحف أو ما كان فيه مكتوب من القرآن إلا طاهر، فقال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال:\nباب ذكر اللفظية والتحذير من رأيهم ومقالاتهم:\nواعلموا رحمكم الله أن صنفًا من الجهمية اعتقدوا بمكر قلوبهم وخبث آرائهم وقبيح أهوائهم؛ أن القرآن مخلوق، فكنوا عن ذلك ببدعة اخترعوها تمويها وبهرجة على العامة، ليخفى كفرهم، ويستغمض إلحادهم على من قل علمه وضعفت نحيزته، فقالوا: إن القرآن الذي تكلم الله به وقاله، فهو كلام الله غير مخلوق، وهذا الذي نتلوه نقرؤه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا ليس هو القرآن الذي هو كلام الله، هذا حكاية لذلك، فما نقرؤه نحن حكاية لذلك القرآن بألفاظنا نحن، وألفاظنا به مخلوقة. فدققوا في كفرهم، واحتالوا لإدخال الكفر على العامة بأغمض مسلك، وأدق مذهب، وأخفى وجه، فلم يخف ذلك بحمد الله وَمَنِّهِ وحسن توفيقه على جهابذة العلماء والنقاد العقلاء، حتى بهرجوا ما دلسوا وكشفوا القناع عن قبيح ما ستروه، فظهر للخاصة والعامة كفرهم وإلحادهم، وكان الذي فطن لذلك وعرف موضع القبيح منه الشيخ الصالح، والإمام العالم العاقل أبو عبد الله -أحمد بن محمد بن حنبل- رحمه\n_________\n(١) الواقعة الآية (٧٩).\n(٢) الإبانة (١/ ١٢/٢٧٥).","vol":"5","page":407},{"text":"الله، وكان بيان كفرهم بينًا واضحًا في كتاب الله ﷿ وسنة نبيه محمد - ﷺ -. وقد كذبهم القرآن والسنة بحمد الله. قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) ولم يقل: حتى يسمع حكاية كلام الله. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٢) فأخبر أن السامع إنما يسمع إلى القرآن، ولم يقل إلى حكاية القرآن. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ (٣) وقال ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ﴾ (٤)\nوقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ﴾ (٥) ولم يقل: إنا سمعنا حكاية قرآن عجب. وقال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ\n_________\n(١) التوبة الآية (٦).\n(٢) الأعراف الآية (٢٠٤).\n(٣) الإسراء الآية (٤٥).\n(٤) الأحقاف الآية (٢٩) ..\n(٥) الجن الآيتان (١و٢).\n(٦) المزمل الآية (٢٠).","vol":"5","page":408},{"text":"فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ولم يقل: من حكاية القرآن. ومثل هذا في القرآن كثير، من تدبره عرفه. وجاء في سنة المصطفى - ﷺ - وكلام الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين رحمة الله عليهم أجمعين ما يوافق القرآن ويضاهيه والحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون. قال النبي - ﷺ -: «إن قريشًا منعتني أن أبلغ كلام ربي» (٣) ولم يقل: حكاية كلام ربي. وقال النبي - ﷺ -: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٤) ولم يقل: من تعلم حكاية القرآن. وقال: «مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن تعاهدها صاحبها، أمسكها، وإن تركها ذهبت» (٥) وقال - ﷺ -: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو» (٦) وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ (٧)\nفنهى أن يمس المصحف إلا طاهر، لأنه كلام رب العالمين، فكل ذلك يسميه الله ﷿ قرآنًا ويسميه النبي - ﷺ - قرآنًا ولا يقول: حكاية القرآن، ولا حكاية كتاب الله، ولا حكاية\n_________\n(١) الإسراء الآية (٤٦).\n(٢) الإسراء الآية (٨٢).\n(٣) انظر مواقف الإمام أحمد سنة (٢٤١هـ).\n(٤) انظر في مواقف محمد بن الحسين سنة (٣٦٠هـ).\n(٥) انظر في مواقف محمد بن الحسين سنة (٣٦٠هـ).\n(٦) انظر مواقف أحمد بن كامل القاضي سنة (٣٥٠هـ).\n(٧) الواقعة الآيات (٧٧ - ٨٠) ..","vol":"5","page":409},{"text":"كلام الله. وقال عبد الله بن مسعود: \"إن هذا القرآن كلام الله، فلا تخلطوا به غيره\". وقال عبد الله أيضًا: \"تعلموا كتاب الله واتلوه، فإن لكم بكل حرف عشر حسنات\"، فهذا ونحوه في القرآن والسنن وقول الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين؛ ما يدل العقلاء على كذب هذه الطائفة من الجهمية الذي احتالوا ودققوا في قولهم: القرآن مخلوق. ولقد جاءت الآثار عن الأئمة الراشدين وفقهاء المسلمين الذين جعلهم الله هداة للمسترشدين، وأنسًا لقلوب العقلاء من المؤمنين مما أمروا به من إعظام القرآن وإكرامه مما فيه، دلالة على أن ما يقرؤه الناس ويتلونه بألسنتهم؛ هو القرآن الذي تكلم الله به، واستودعه اللوح المحفوظ، والرق المنشور، حيث يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال: فبهذه الروايات والآثار التي أثرناها ورويناها عن سلفنا وشيوخنا وأئمتنا؛ نقول، وبهم نقتدي، وبنورهم نستضيء، فهم الأئمة العلماء العقلاء النصحاء، الذين لا يستوحش من ذكرهم، بل تنزل الرحمة إذا نشرت أخبارهم، ورويت آثارهم، فنقول: إن القرآن كلام الله، ووحيه، وتنزيله، وعلم من علمه، فيه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا، غير مخلوق، كيف تصرف وعلى كل حال، لا نقف ولا نشك ولا نرتاب، ومن قال: مخلوق،\n_________\n(١) البروج الآيتان (٢١و٢٢).\n(٢) الطور الآيتان (٢و٣).\n(٣) الإبانة (١/ ١٢/٣١٧ - ٣٢١).","vol":"5","page":410},{"text":"أو قال: كلام الله ووقف، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهؤلاء كلهم جهمية ضلال كفار لا يشك في كفرهم ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو ضال مضل جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع، لا يكلم حتى يرجع عن بدعته ويتوب عن مقالته. فهذا مذهبنا، اتبعنا فيه أئمتنا واقتدينا بشيوخنا رحمة الله عليهم، وهو قول إمامنا أحمد بن حنبل ﵀. (١)\n- وقال: تفهموا رحمكم الله ما جاءت به الأخبار، وما رويناه من الآثار عن السلف الصالحين، وعلماء المسلمين الأئمة العقلاء، الحكماء الورعين، الذين طيب الله أذكارهم، وعلا أقدارهم، وشرف أفعالهم، وجعلهم أنسا لقلوب المستبصرين، ومصابيح للمسترشدين، الذين من تفيأ بظلهم لا يضحى، ومن استضاء بنورهم لا يعمى، ومن اقتفى آثارهم لا يبدع، ومن تعلق بحبالهم لم يقطع، وسوءة لمن عدل عنهم وكان تابعًا ومؤتمًّا بجهم الملعون وشيعته، مثل ضرار، وأبي بكر الأصم، وبشر المريسي، وابن أبي دؤاد، والكرابيسي، وشعيب الحجام، وبرغوث، والنظام، ونظرائهم من رؤساء الكفر، وأئمة الضلال الذين جحدوا القرآن، وأنكروا السنة، وردّوا كتاب الله وسنة رسول الله، وكفروا بهما جهارًا وعمدًا، وعنادًا وحسدًا، وبغيًا وكفرًا، وسأبثك من أخبارهم وسوء مناهجهم وأقوالهم ما فيه معتبر لمن غفل. (٢)\n- وقال: فقد ذكرت من أخبار جهم وشيعته من رؤساء الكفر وأتباعه\n_________\n(١) الإبانة (١/ ١٢/٣٤٥ - ٣٤٦).\n(٢) الإبانة (٢/ ١٣/٨٣ - ٨٤).","vol":"5","page":411},{"text":"من أئمة الضلال الذين انتحلوا الاعتزال إخوان الشياطين وأشباه أسلافهم من عبدة الأوثان من المشركين، ما فيه معتبر للعاقلين ومزدجر للمفترين، وذلك على اختصار من الإكثار، واقتصار على مبلغ وسع السامعين، فإن الذي انتهى إلينا من قبح أخبارهم وسوء مذاهبهم يكثر على الإحصاء، ويطول شرحه للاستقصاء، وطويت من أقوالهم ما تقشعر منه الجلود ولا تثبت لسماعه القلوب، وقد قدمت القول فيما روي عن عبد الله ابن المبارك ﵀، قال: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، وما نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وصدق عبد الله، فإن الذي تجادل عليه هذه الطائفة الضلال، وتتفوه به من قبيح المقال في الله ﷿ تتحوب اليهود والنصارى والمجوس عن التفوه به. (١)\nوقال: فاعلموا رحمكم الله أن رؤساء الكفر والضلال من الجهمية الملحدة ألقت إليهم الشياطين من إخوانهم الخصومة بالمتشابه من القرآن، فزاغت به قلوبهم، فضلوا وأضلوا، فقل للجهمي الضال: هذا كتاب الله ﷿، سماه الله في كتابه قرآنًا وفرقانًا ونورًا وهدىً ووحيًا وتبيانًا وذكرًا وكتابًا وكلامًا وأمرًا وتنزيلًا، وفي كل ذلك يعلمنا أنه كلامه منه ومتصل به. قال الله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ (٢). وقال: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ (٣). فلك في\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٣/١٣٢ - ١٣٣).\n(٢) غافر الآيتان (١و٢).\n(٣) الأحقاف الآيتان (١و٢).","vol":"5","page":412},{"text":"أسمائه التي سماه الله بها كفاية، فقد جهلت وغلوت في دين الله غير الحق، وافتريت على الله الكذب والبهتان حين زعمت أن القرآن مخلوق، وزعمت أن ذلك هو التوحيد، وأنه دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره، وأن من لم يقل بمقالتك ويتبعك على إلحادك وضلالتك فليس بموحد، تكفره وتستحل دمه، فكل ما قلته وابتدعته أيها الجهمي، فقد أكذبك الله ﷿ فيه، ورده عليك هو ورسوله والمسلمون جميعًا من عباد غيره، وإنما التمسنا دعواك هذه في كتاب الله، وفي سنة نبيه - ﷺ -، وفي إجماع المسلمين وصالحي المؤمنين، فلم نجد في ذلك شيئًا مما ادعيته. قال الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (١) ولم يقل: وأن تقولوا: القرآن مخلوق. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢) ولم يقل: وأن تقولوا: القرآن مخلوق. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا ربكم﴾ ...\nإلى قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣) ولم يقل: وأن تقولوا القرآن مخلوق. وقال: ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٢٥).\n(٢) النساء الآية (١٣١).\n(٣) الحج الآيتان (٧٧و٧٨).","vol":"5","page":413},{"text":"وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١) وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ (٣) وقال ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ (٤) وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥) وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٦) وقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ (٧) وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٨) فمثل هذا وشبهه في القرآن كثير، قد قرأناه وفهمناه، فلم نجد لبدعتك هذه فيه ذكرًا ولا أثرًا، ولا دعا الله عباده ولا أمرهم بشيء\n_________\n(١) الشورى الآية (١٣).\n(٢) الروم الآية (٣٠).\n(٣) هود الآيتان (١و٢).\n(٤) البينة الآية (٥).\n(٥) النحل الآية (٨٩).\n(٦) الأنعام الآية (٣٨).\n(٧) يس الآية (١٢).\n(٨) التوبة الآية (١١٥).","vol":"5","page":414},{"text":"مما زعمت أنه توحيده ودينه.\nأفتزعم أن الله ﷿ أغفل هذا أم نسيه حتى ذكرته أنت وأنبهته عليه؟ فقد أكذبك الله ﷿ فقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ (١) وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) أم عساك تزعم أن رسول الله - ﷺ - خان في دينه، وكتم ما أمره بتبليغه؟ فإن في جرأتك على الله وعلى رسوله ما قد قلت ما هو أعظم من هذا وكل ذلك، فقد أكذبك الله فيه. فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر﴾ ... إلى قوله: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (٣) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (٤) وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ (٥) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ\n_________\n(١) مريم الآية (٦٤).\n(٢) الأنعام الآية (٣٨).\n(٣) الأعراف الآيتان (١٥٧و١٥٨).\n(٤) الأنبياء الآية (١٠٧).\n(٥) النحل الآية (٤٤).","vol":"5","page":415},{"text":"رِسَالَتَهُ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾ (٢) وقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ (٣)\nوقالت عائشة: من زعم أن رسول الله - ﷺ - كتم شيئًا مما أنزله الله عليه، فقد أعظم الفرية على الله، يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية (٤). ثم التمسنا هذه الضلالة التي اخترعتها وزعمت أنها الشريعة الواجبة والدين القيم والتوحيد اللازم الذي لا يقبل الله من العباد غيره بأن يقولوا: القرآن مخلوق في سنة المصطفى، وما دعا إليه أمته وقاتل من خالفه عليه، فما وجدنا لذلك أثرًا ولا أمارة ولا دلالة. قال النبي - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (٥) فزعمت أيها الجهمي أنها ست بضلالتك هذه. وقال النبي - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، حرمت علي\n_________\n(١) المائدة الآية (٦٧).\n(٢) العنكبوت الآية (١٨).\n(٣) الحجر الآيتان (٩٤و٩٥) ..\n(٤) أحمد (٦/ ٤٩/٥٠) والبخاري (٨/ ٧٨٠/٤٨٥٥) ومسلم (١/ ١٥٩/١٧٧) والترمذي (٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦/ ٣٠٦٨) والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٧١/١١٥٣٢).\n(٥) أحمد (٢/ ١٤٣) والبخاري (١/ ٦٧ - ٦٨/ ٨) ومسلم (١/ ٤٥/١٦) والترمذي (٥/ ٧/٢٦٠٩) والنسائي (٨/ ٤٨١ - ٤٨٢/ ٥٠١٦) عن ابن عمر.","vol":"5","page":416},{"text":"دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (١). وقال - ﷺ -: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والتارك لدينه، والنفس بالنفس» (٢).\nوقال لوفد عبد القيس حين قدموا عليه، فأمرهم بالإيمان بالله، وقال: «أتدرون ما الإيمان بالله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم» (٣) وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٤) فهذا كتاب الله يكذبك أيها الجهمي، وسنة نبيه وإجماع المؤمنين وسبيلهم تخالفك، وتدل على ضلالتك، وعلى إبطال ما ادعيته من أن قولك: القرآن مخلوق، هو التوحيد والدين الذي شرعه الله لعباده، وبعث به رسوله. فقد بطل الآن ما ادعيته من قولك: إن التوحيد هو أن يقال: القرآن مخلوق، وبان كذبك وبهتانك للعقلاء. فأخبرنا الله ﷿ عن خلق ما خلق من الأشياء،\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٣١١/٧٢٨٤و٧٢٨٥) ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢/ ٢٠) وأبو داود (٢/ ١٩٨/١٥٥٦) والترمذي (٥/ ٥ - ٦/ ٢٦٠٧) والنسائي (٧/ ٨٨/٣٩٨٠).\n(٢) أحمد (١/ ٣٨٢،٤٢٨،٤٤٤) والبخاري (١٢/ ٢٤٧/٦٨٧٨) ومسلم (٣/ ١٣٠٢/١٦٧٦) وأبو داود (٤/ ٥٢٢/٤٣٥٢) والترمذي (٤/ ١٢ - ١٣/ ١٤٠٢) وقال: \"حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح\". والنسائي (٧/ ٩٠ - ٩١/ ٤٠٢٧) وابن ماجه (٢/ ٨٤٧/٢٥٣٤).\n(٣) أحمد (١/ ٢٢٨) والبخاري (١/ ١٧٢/٥٣) ومسلم (١/ ٤٦/١٧) وأبو داود (٤/ ٩٤/٣٦٩٢) والترمذي (٥/ ٩ - ١٠/ ٢٦١١) والنسائي (٨/ ٤٩٥/٥٠٤٦) عن ابن عباس ﵄.\n(٤) النساء الآية (١١٥).","vol":"5","page":417},{"text":"فإنا نحن قد أوجدناك في آيات كثيرة من كتابه وأخبار صحيحة عن رسول الله أن القرآن كلام الله ومنه، وفيه صفاته وأسماؤه، وأنه علم من علمه، وأنه ليس بجائز أن يكون شيء من الله ولا من صفاته، ولا من أسمائه، ولا من علمه، ولا من قدرته، ولا من عظمته، ولا من عزته مخلوقة (١). ورأيناك أيها الجهمي تزعم أنك تنفي التشبيه عن الله بقولك: إن القرآن مخلوق، ورأيناك شبهت الله ﷿ بأضعف ضعيف من خلقه. فإن كلام العباد مخلوق، وأسماءهم مخلوقة، وعلم الناس مخلوق، وقدرتهم وعزتهم مخلوقة، فأنت بالتشبيه أحق وأخلق، وأنت فليس تجد ما قلته من أن القرآن مخلوق في كتاب الله، ولا في سنة نبيه، ولا مأثورًا عن صحابته، ولا عن أحد من أئمة المسلمين.\nفحينئذ لجأ الجهمي إلى آيات من المتشابه جهل علمها، فقال: قلت: ذلك من قول الله ﷿: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٣) وزعم أن كل مجعول مخلوق، فنزع بآية من المتشابه يحتج بها من يريد أن يلحد في تنزيلها، ويبتغي الفتنة في تأويلها. فقلنا إن الله ﷿ قد منعك -أيها الجهمي- الفهم في القرآن حين جعلت كل مجعول مخلوقًا، وأن كل جعل في كتاب الله هو بمعنى خلق، فمن هاهنا بليت بهذه الضلالة القبيحة حين تأولت كتاب الله بجهلك وهوى نفسك وما زينه لك شيطانك وألقاه على لسانك إخوانك، وذلك أنا نجد\n_________\n(١) لعل الصواب: مخلوق.\n(٢) الزخرف الآية (٣).\n(٣) الشورى الآية (٥٢).","vol":"5","page":418},{"text":"الحرف الواحد في كتاب الله ﷿ على لفظ واحد ومعانيه مختلفة في آيات كثيرة، تركنا ذكرها لكثرتها وقصدنا لذكر الآية التي احتججت بها. فـ\"جعل\" في كتاب الله ﷿ على غير معنى: \"خلق\"، فجعل من المخلوقين، على معنى وصف من أوصافهم، وقسم من أقسامهم، و\"جعل\" أيضًا على معنى فعل من أفعالهم لا يكون خلقًا ولا يقوم مقام الخلق، فتفهموا الآن ذلك واعقلوه. قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (٩١)﴾ (١)، وإنما جعل هاهنا بمعنى: وصفوه بغير وصفه، ونسبوه إلى غير معناه حين عضوه وميزوه فقالوا: إنه شعر، وإنه سحر، وإنه قول البشر، وإنه أساطير الأولين. وقال في مثل ذلك: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٣) وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ (٥)\nوقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٦) لا يعني ذلك: ولا تخلقوا. وقال: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ (٧) وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا\n_________\n(١) الحجر الآية (٩١).\n(٢) الأنعام الآية (١٠٠).\n(٣) الزخرف الآية (١٩).\n(٤) النحل الآية (٦٢).\n(٥) النحل الآية (٥٧) ..\n(٦) البقرة الآية (٢٢٤).\n(٧) فصلت الآية (٩).","vol":"5","page":419},{"text":"لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ (١) وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ (٢) فهذا كله \"جعل\" لا يجوز أن يكون على معنى \"خلق\" و\"جعل\" من بني آدم على فعل. قال الله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾ (٣) لا يجوز أن يكون: يخلقون أصابعهم في آذانهم. وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ (٤) لا يجوز أن يكون: خلقه نارًا. وقال: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ (٥) أفيجوز أن يكون خلقهم جذاذًا؟ و\"جعل\" في معنى \"خلق\" في معنى ما كان من الخلق موجودًا محسوسًا، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٦) فجعل هاهنا في معنى خلق لا ينصرف إلى غيره، وذلك أن الظلمات والنور يراهما الناس، وكذلك قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ (٧) وهما موجودان في بني آدم. وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ﴾ (٨) يعني: خلقتا، وهما\n_________\n(١) النحل الآية (٥٦).\n(٢) الرعد الآية (٣٣).\n(٣) البقرة الآية (١٩).\n(٤) الكهف الآية (٩٦).\n(٥) الأنبياء الآية (٥٨).\n(٦) الأنعام الآية (١).\n(٧) الملك الآية (٢٣).\n(٨) الإسراء الآية (١٢).","vol":"5","page":420},{"text":"موجودان معروفان بإقبالهما وإدبارهما، فهل يعرف القرآن بإقبال وإدبار؟ وقال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ (١) معناه خلق، والشمس نور وحر وهي ترى، فهل يمكن ذلك في القرآن؟ وقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾ (٢)\nيعني: خلقت، والمال موجود يوزن ويعد ويحصى ويعرف، فهل يوزن القرآن؟ وقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ (٣) وهي موجودة، يُمشى عليها وتحرث، فهل يمكن مثل ذلك في القرآن؟ فهذا كله على لفظ \"جعل\" ومعناه معنى الخلق. وقد ذكر معنى الجعل منه في مواضع كثيرة على غير معنى الخلق، من ذلك قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سائبة وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (٤) لا يعني: ما خلق الله من بحيرة، لأنه هو خلق البحيرة والسائبة والوصيلة، ولكنه أراد أنه لم يأمر الناس باتخاذ البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. فهذا لفظ \"جعل\" على غير معنى \"خلق\"، وقال تعالى لإبراهيم خليله ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (٥) لا يعني: خالقك، لأن خلقه قد سبق إمامته. وقال لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ\n_________\n(١) نوح الآية (١٦).\n(٢) المدثر الآية (١٢) ..\n(٣) نوح الآية (١٩).\n(٤) المائدة الآية (١٠٣).\n(٥) البقرة الآية (١٢٤).","vol":"5","page":421},{"text":"وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ (١) ولا يعني وخالقوه، لأنه قد كان مخلوقًا، وإنما جعله مرسلًا بعد خلقه. وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا﴾ (٢) لا يعني: رب اخلق هذا البلد، لأن البلد كان مخلوقًا، ألا تراه يقول: هذا البلد؟ وقال: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ (٣) لا يريد: حتى خلقناهم حصيدًا. وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (٤) لا يعني: رب اخلقني. وقال إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (٥) ولم يريدا: واخلقنا مسلمين لك لأن خلقهما قد تقدم قبل قولهما، فهذا ونحوه في القرآن كثير، مما لفظه \"جعل\" على غير معنى \"خلق\".\nوكذلك قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ (٦) إنما جعله عربيًا ليفهم ويبين للذين نزل عليهم من العرب، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ (٧)؟ وقال في موضع آخر: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا\n_________\n(١) القصص الآية (٧).\n(٢) إبراهيم الآية (٣٥).\n(٣) الأنبياء الآية (١٥).\n(٤) إبراهيم الآية (٤٠).\n(٥) البقرة الآية (١٢٨).\n(٦) الزخرف الآية (٣).\n(٧) مريم الآية (٩٧).","vol":"5","page":422},{"text":"أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (١) يقول: أعربي محمد وعجمي كلامه بالقرآن؟ فجعل الله القرآن بلسان عربي مبين. كذلك ألم تسمع قوله: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ (٢) وقال: ﴿قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ (٣) وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ (٤) وأما قوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ (٥) فإنما يعني: أنزلناه نورًا، تصديق ذلك في الآية الأخرى قوله: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ (٦) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ (٧) وقال: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٩) فقد بين لمن عقل وشرح\n_________\n(١) فصلت الآية (٤٤).\n(٢) النحل الآية (١٠٣).\n(٣) فصلت الآية (٣).\n(٤) يوسف الآية (٢).\n(٥) الشورى الآية (٥٢).\n(٦) التغابن الآية (٨).\n(٧) النساء الآية (١٧٤).\n(٨) الأعراف الآية (١٥٧).\n(٩) الأنعام الآية (٩١).","vol":"5","page":423},{"text":"الله صدره للإيمان أن \"جعل\" في كتاب الله على غير معنى \"خلق\"، و\"جعل\" أيضًا بمعنى \"خلق\"، وأن قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ (١) على غير معنى \"خلق\". فبأي حجة وفي أي لغة زعم الجهمي أن كل \"جعل\" على معنى \"خلق\".\nألم يسمع إلى قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئمةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾ (٢)؟ أفترى الجهمي يظن أن قوله: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أئمة﴾ إنما يريد: أن نخلقهم أئمة؟ أفتراه يخلقهم خلقًا آخر بعد خلقهم الأول؟ فهل يكون معنى \"الجعل\" هاهنا معنى \"الخلق\"؟ قال ﷿: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ (٣) لا يعني: ثم خلقنا له جهنم، لأن جهنم قد تقدم خلقها، ولم يرد أنها تخلق حين يفعل العبد ذلك، ولكنه إذا فعل العبد ذلك جعلت داره ومسكنه بعد ما تقدم خلقها. وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ (٤) وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا\n_________\n(١) الزخرف الآية (٣).\n(٢) القصص الآية (٥).\n(٣) الإسراء الآية (١٨).\n(٤) الأنفال الآية (٣٧).","vol":"5","page":424},{"text":"الصَّالِحَاتِ﴾ (١) وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٣) يعني: بني إسرائيل، أفيظن الجهمي الملحد أنما أراد إنما خلق السبت على بني إسرائيل؟ فقد علم العقلاء أن السبت مخلوق في مبتدأ الخلق قبل كون بني إسرائيل، وقبل نوح، وقبل إبراهيم، ولكن معناه: إنما جعل على هؤلاء أن يسبتوا السبت خاصة، فهذا على غير معنى \"خلق\".\nوهذا كثير في القرآن، ولكن الجهمي من الصم البكم الذين لا يعقلون، من الذين ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ (٤)، ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ (٥) فإنما جعل الله القرآن بلسان عربي مبين، وأنزله عربيًا لتفقه العرب، ولتتخذ بذلك عليهم الحجة، فذلك معنى قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ (٦) ولم يرد عربيًا في أصله ولا نسبه، وإنما أراد عربيًا في قراءته. ومن أوضح البيان من تفريق\n_________\n(١) الجاثية الآية (٢١).\n(٢) ص الآية (٢٨).\n(٣) النحل الآية (١٢٤).\n(٤) البقرة الآية (٧٥).\n(٥) الشعراء الآيتان (١٩٨و١٩٩).\n(٦) الزخرف الآية (٣).","vol":"5","page":425},{"text":"الله بين الخلق وبين القرآن أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ (١) ألا تراه يفصل بين القرآن وبين الإنسان، فقال: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ ولو شاء تعالى لقال: خلق الإنسان والقرآن، ولكنه تكلم بالصدق ليفهم وليفصل كما فصله. فخالف ذلك الجهمي وكفر به، وقال على الله تعالى ما لم يجده في كتاب أنزل من السماء، ولا قاله أحد من الأنبياء، ولا روي عن أحد من العلماء، بل وجد وروي خلاف قول الجهمي، حيث عاب الله أقوامًا بمثل فعل الجهمي في هذا، فقال لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (٢) فلما علم أنهم لا يقدرون على أن يروه لمن عبدوا خلقًا في الأرض ولا شرك لهم في السماوات، قال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (٣)\nيعني: من قبل القرآن، أي ائتوني بكتاب من قبل هذا تجدون فيه ما أنتم عليه من عبادة الأوثان، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٤) أي: رواية عن بعض الأنبياء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ (٥)\n_________\n(١) الرحمن الآيات (١ - ٣).\n(٢) الأحقاف الآية (٤).\n(٣) الأحقاف الآية (٤) ..\n(٤) الأحقاف الآية (٤).\n(٥) الأحقاف الآية (٤).","vol":"5","page":426},{"text":"فسلك الجهمي في مذهبه طريق أولئك، وقال في الله وتقول عليه البهتان بغير برهان، وافترى على الله الكذب، وتعدى ما أخذه الله من الميثاق على خلقه حين قال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (١) وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ (٢). ومن أبين البيان وأوضح البرهان من تفريق الله بين الخلق والقرآن قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٣) فتفهموا هذا المعنى، هل تشكون أنه قد دخل في ذلك الخلق كله؟ وهل يجوز لأحد أن يظن أن قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ﴾ أراد أن له بعض الخلق؟ بل قد دخل الخلق كله في الخلق. ثم أخبر أن له أيضًا غير الخلق ليس هو خلقًا، لم يدخل في الخلق وهو ﴿الأمر﴾، فبين أن الأمر خارج من الخلق، فالأمر أمره وكلامه. ومما يوضح ذلك عند من فهم عن الله وعقل أمر الله أنك تجد في كتاب الله ذكر الشيئين المختلفين إذا كانا في موضع فصل بينهما بالواو، وإذا كانا شيئين غير مختلفين لم يفصل بينهما بالواو، فمن ذلك ما هو شيء واحد وأسماؤه مختلفة ومعناه متفق، فلم يفصل بينهما بالواو. وقوله ﷿: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٦٩).\n(٢) الأنعام الآية (٩٣).\n(٣) الأعراف الآية (٥٤).","vol":"5","page":427},{"text":"كَبِيرًا﴾ (١)\nفلم يفصل بالواو حين كان ذلك كله شيئًا واحدًا، ألا ترى أن الأب هو الشيخ الكبير؟ وقال: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ (٢) فلما كان هذا كله نعت شيء واحد لم يفصل بعضه عن بعض بالواو، ثم قال: ﴿وأبكارًا﴾ فلما كان الأبكار غير الثيبات فصل بالواو، لأن الأبكار والثيبات شيئان مختلفان.\nوقال أيضًا فيما هو شيء واحد بأسماء مختلفة ولم يفصله بالواو، وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ (٣) ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ (٤) فلما كان هذا كله شيئًا واحدًا لم يفصل بالواو، وكان غير جائز أن يكون هاهنا واو، فيكون الأول غير الثاني، والثاني غير الثالث. وقال فيما هو شيئان مختلفان: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ والمسلمات ..﴾ (٥) إلى آخر الآية. فلما كان المسلمون غير المسلمات، فصل بالواو، ولا يجوز أن يكون\n_________\n(١) يوسف الآية (٧٨) ..\n(٢) التحريم الآية (٥).\n(٣) الحشر الآية (٢٣).\n(٤) الحشر الآية (٢٤).\n(٥) الأحزاب الآية (٣٥).","vol":"5","page":428},{"text":"المسلمون المسلمات، لأنهما شيئان مختلفان. وقال: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ (١) فلما كانت الصلاة غير النسك، والمحيا غير الممات، فصل بالواو. وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ (٢) ففصل هذا كله بالواو، لاختلاف أجناسه ومعانيه. وقال في هذا المعنى أيضًا: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وحدائق غُلْبًا (٣٠)﴾ (٣) فلما كان كل واحد من هذه غير صاحبه، فصل بالواو، ولما كانت الحدائق غلبًا شيئًا واحدًا، أسقط بينهما الواو.\nوقال أيضًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ (٤) فلما كان الليل غير النهار فصل بالواو. كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (٥) فلما كان الشمس غير القمر، فصل بالواو، وهذا في القرآن كثير، وفي بعض ما ذكرناه كفاية لمن تدبره وعقله وأراد الله توفيقه وهدايته. فكذلك لما كان\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٦٢).\n(٢) فاطر الآيات (١٩ - ٢١).\n(٣) عبس الآيات (٢٧ - ٣٠).\n(٤) الفرقان الآية (٦٢).\n(٥) إبراهيم الآية (٣٣).","vol":"5","page":429},{"text":"الأمر غير الخلق، فصل بالواو، فقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (١) فالأمر أمره وكلامه، والخلق خلق، وبالأمر خلق الخلق، لأن الله ﷿ أمر بما شاء وخلق بما شاء. فزعم الجهمي أن الأمر خلق، والخلق خلق، فكأن معنى قول الله ﷿: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ إنما هو الإله الخلق والخلق، فجمع الجهمي بين ما فصله الله. ولو كان الأمر كما يقول الجهمي، لكان قول جبريل للنبي - ﷺ -. وما نتنزل إلا بخلق ربك، والله يقول: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٢) ومما يدل على أن أمر الله هو كلامه قوله: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ (٣) فيسمي الله القرآن أمره، وفصل بين أمره وخلقه، فتفهموا رحمكم الله، وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ (٤) ولم يقل: عن خلقنا، وقال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٥) ولم يقل بخلقه، لأنها لو قامت بخلقه لما كان ذلك من آيات الله، ولا من معجزات قدرته ولكن من آيات الله أن يقوم المخلوق بالخالق، وبأمر الخالق قام المخلوق. وقال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ (٦) فبدعوة الله\n_________\n(١) الأعراف الآية (٥٤).\n(٢) مريم الآية (٦٤).\n(٣) الطلاق الآية (٥).\n(٤) سبأ الآية (١٢).\n(٥) الروم الآية (٢٥).\n(٦) الروم الآية (٢٥).","vol":"5","page":430},{"text":"يخرجون.\nواحتج الجهمي بآية انتزعها من المتشابه، فقال: أليس قد قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ (١) فهل يدبر إلا مخلوق؟ فهذا أيضًا مما يكون لفظه واحدًا بمعان مختلفة، وجاء مثله في القرآن كثير، فإنما يعني: يدبر أمر الخلق، ولا يجوز أن يدبر كلامه، لأن الله تعالى حكيم عليم، وكلامه حكم، وإنما تدبير الكلام من صفات المخلوقين الذين في كلامهم الخطأ والزلل فهم يدبرون كلامهم مخافة ذلك ويتكلمون بالخطأ ثم يرجعون إلى الصواب، والله ﷿ لا يخطئ، ولا يضل ولا ينسى ولا يدبر كلامه. وقال تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٢) يقول: لله الأمر من قبل الخلق ومن بعد الخلق. وقوله: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ (٣) يعني: هداية هداكم الله بها، والهداية علمه، والعلم منه ومتصل به، كما أن شعاع الشمس متصل بعين الشمس، فإذا غابت عين الشمس ذهب الشعاع، -ولله المثل الأعلى- والله ﷿ هو الدائم الأبدي الأزلي، وعلمه أزلي، وكلامه دائم لا يغيب عن شيء ولا يزول، ثم إن الجهمي ادعى أمرًا آخر ليضل به الضعفاء ومن لا علم عنده، فقال: أخبرونا عن القرآن، هل هو شيء أو لا شيء؟ فلا يجوز أن يكون جوابه: لا شيء، فيقال له: هو شيء، فيظن حينئذ أنه قد ظفر بحجته ووصل\n_________\n(١) يونس الآية (٣).\n(٢) الروم الآية (٤).\n(٣) الطلاق الآية (٥).","vol":"5","page":431},{"text":"إلى بغيته، فيقول: فإن الله يقول: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) والقرآن شيء يقع عليه اسم شيء، وهو مخلوق، لأن الكل يجمع كل شيء. فيقال له: أما قولك إن الكل يجمع كل شيء، فقد رد الله عليك ذلك وأكذبك القرآن، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ (٢) ولله ﷿ نفس لا تدخل في هذا الكل، وكذلك كلامه شيء لا يدخل في الأشياء المخلوقة، كما قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣)\nوقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٤) فإن زعمت أن الله لا نفس له، فقد أكذبك القرآن ورد عليك قولك، قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٥) وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٦) وقال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٧) وقال فيما حكاه عن عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٨) فقد علم من آمن بالله واليوم الآخر أن كتاب الله حق، وما قاله فيه حق، وأن لله\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٠٢).\n(٢) آل عمران الآية (١٨٥).\n(٣) القصص الآية (٨٨) ..\n(٤) الفرقان الآية (٥٨).\n(٥) الأنعام الآية (٥٤).\n(٦) آل عمران الآية (٢٨).\n(٧) طه الآية (٤١).\n(٨) المائدة الآية (١١٦).","vol":"5","page":432},{"text":"نفسًا، وأن نفسه لا تموت، وأن قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ (١) لا تدخل في هذا نفس الله. وكذلك يخرج كلامه من الكلام المخلوق، كما تخرج نفسه من الأنفس التي تموت، وقد فهم من آمن بالله وعقل عن الله أن كلام الله، ونفس الله، وعلم الله، وقدرة الله، وعزة الله، وسلطان الله، وعظمة الله، وحلم الله، وعفو الله، ورفق الله، وكل شيء من صفات الله أعظم الأشياء، وأنها كلها غير مخلوقة، لأنها صفات الخالق ومن الخالق، فليس يدخل في قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) لا كلامه، ولا عزته، ولا قدرته، ولا سلطانه، ولا عظمته، ولا جوده، ولا كرمه، لأن الله تعالى لم يزل بقوله وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته إلهًا واحدًا، وهذه صفاته قديمة بقدمه، أزلية بأزليته دائمة بدوامه، باقية ببقائه، لم يخل ربنا من هذه الصفات طرفة عين، وإنما أبطل الجهمي صفاته يريد بذلك إبطاله.\nوذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء: أحدها: أن يعتقد العبد إِنِّيَّته ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا، الثاني: أن يعتقد وحدانيته، ليكون مباينًا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره. والثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه، إذ قد علمنا أن كثيرًا ممن يقر\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٨٥).\n(٢) الأنعام الآية (١٠٢).","vol":"5","page":433},{"text":"به ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته، فيكون إلحاده في صفاته قادحًا في توحيده. ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة في هذه الثلاث والإيمان بها، فأما دعاؤه إياهم إلى الإقرار بإنّيّته ووحدانيته، فلسنا نذكر هذا هاهنا لطوله وسعة الكلام فيه، ولأن الجهمي يدعي لنفسه الإقرار بهما، وإن كان جحده للصفات قد أبطل دعواه لهما، وأما محاجة الله لخلقه في معنى صفاته التي أمرهم أن يعرفوه بها، فبالآيات التي اقتص فيها أمور بريته في سماواته وأرضيه وما بينهما، وما أخرجها عليهم من حسن القوام وتمام النظام، وختم كل آية منها بذكر علمه وحكمته وعزته وقدرته، مثل قوله ﷿: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (١) فإنه لما ذكر التدبير العجيب الذي دبر به أمرها، أتبع ذلك بأن قال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ (٢)\nفإن هذا خرج في ظاهره مخرج الخبر، وهو في باطنه محاجة بليغة لأن الذي يعقل من تأويله أنه لو لم تكن قدرته نافذة لما جرت هذه الأشياء على ما وجدت عليه، ولو لم يكن علمه سابقًا لما خلقه قبل أن يخلقه، فلما خرج على هذا النظام العجيب، إذ كان مما تدركه العقول أن المتعسف في أفعاله لا يوجد لها قوام ولا انتظام، فهو ﷿ يستشهد لخلقه بآثار صنعته العجيبة، وإتقانه لما خلق، وإحكامه على سابق علمه ونافذ قدرته\n_________\n(١) يس الآيتان (٣٧و٣٨).\n(٢) يس الآية (٣٨) ..","vol":"5","page":434},{"text":"وبليغ حكمته. وكذلك قال ﷿: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ (١) لأنه كما أن عين المصنوع أوجب صانعًا، كذلك ما ظهر في آثار الحكمة والقدرة في الصنعة أوجب حكيمًا قادرًا. وفي دفع آلات الصنعة من العلم والقدرة عليها حتى لا يكون الصانع موصوفا بها، جحد للصانع وإبطال له. وإنما أنكر الجهمي صفات الباري تعالى أراد بذلك إبطاله، ألا ترى أن أصغر خلقه إن أبطلت صنعته بطل؟ فكيف العظيم الذي ليس كمثله شيء؟ ألا ترى أن النخلة لها جذع، وكرب، وليف، وجمار، ولب، وخوص، وهي تسمى نخلة، فإذا قال القائل: نخلة، علم السامع أن النخلة لا تكون إلا بهذا الاسم نخلة، فلو قال: نخلة وجذعها وكربها وليفها وجمارها ولبها وخوصها وتمرها كان محالًا، لأنه يقال: فالنخلة ما هي إذا جعلت هذه الصفات غيرها؟ أرأيت لو قال قائل: إن لي نخلة كريمة، آكل من تمرها، غير أنه ليس لها جذع ولا كرب ولا ليف ولا خوص ولا لب وليس هي خفيفة، وليس هي ثقيلة، أيكون هذا صحيحًا في الكلام؟ أو ليس إنما جوابه أن يقال: إنك لما قلت: نخلة عرفناها بصفاتها، ثم نعت نعتًا نفيت به النخلة. فأنت ممن لا يثبت ما سمى إن كان صادقًا، فلا نخلة لك. فإذا كانت النخلة -في بعد قدرها من العظيم الجليل- تبطل إذا نفيت صفاتها، فليس إنما أراد الجهمي إبطال الربوبية وجحودها.\nفقد تبين في المخلوق أن اسمه جامع لصفاته، وأن صفاته لا تباينه، وإنما أراد الجهمي يقول\n_________\n(١) الملك الآية (٣).","vol":"5","page":435},{"text":"إن صفات الله مخلوقة أن يقول: إن الله كان ولا قدرة، ولا علم، ولا عزة، ولا كلام، ولا اسم حتى خلق ذلك كله، فكان بعد ما خلقه. فإذا أبطل صفاته فقد أبطله، وإذا أبطله في حال من الأحوال فقد أبطله في الأحوال كلها، حتى يقول: إن الله ﷿ لم يزل ولا يزال بصفاته كلها إلهًا واحدًا قديمًا قبل كل شيء، ويبقى بصفاته كلها بعد فناء كل شيء.\nويقال للجهمي فيما احتج به من قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) أن قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ يجمع كل شيء، لأن الكل يجمع كل شيء، أليس قد قال الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢) فهل يهلك ما كان من صفات الله. هل يهلك علم الله فيبقى بلا علم. هل تهلك عزته؟ تعالى ربنا عن ذلك، أليس هذه من الأشياء التي لا تهلك وقد قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ (٣) فقد قال: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فهل فتح عليهم أبواب التوبة، وأبواب الرحمة، وأبواب الطاعة، وأبواب العافية، وأبواب السعادة، وأبواب النجاة مما نزل بهم؟ وهذه كلها مما أغلق أبوابها عنهم، وهي شيء، وقد قال:\n_________\n(١) الرعد الآية (١٦).\n(٢) القصص الآية (٨٨).\n(٣) الأنعام الآية (٤٤).","vol":"5","page":436},{"text":"﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقد قال أيضًا في بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) ولم تؤت ملك سليمان ولم تسخر لها الريح ولا الشياطين، ولم يكن لها شيء مما في ملك سليمان، فقد قال: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال في قصص يوسف: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) وإنما كان ذلك تفصيلًا لكل شيء من قصة يوسف. وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٣) ولم يخلق آدم من الماء وإنما خلقه من تراب، ولم يخلق إبليس من الماء، قال: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ (٤) والملائكة خلقت من نور.\nوقال في الريح التي أرسلت على قوم عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٥) وقد أتت على أشياء لم تدمرها، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (٦) فلم تدمر مساكنهم. ولو أنصف الجهمي الخبيث من نفسه واستمع كلام ربه وسلم لمولاه وأطاعه لتبين له،\n_________\n(١) النمل الآية (٢٣).\n(٢) يوسف الآية (١١١).\n(٣) الأنبياء الآية (٣٠).\n(٤) الحجر الآية (٢٧).\n(٥) الأحقاف الآية (٢٥).\n(٦) الأحقاف الآية (٢٥).","vol":"5","page":437},{"text":"ولكنه من الذين قال الله ﷿: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (١) فالجهمي الضال وكل مبتدع غال أعمى أصم قد حرمت عليه البصيرة فهو لا يسمع إلا ما يهوى، ولا يبصر إلا ما اشتهى، ألم يسمع قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) فأخبر أن القول قبل الشيء لأن إرادته الشيء يكون قبل أن يكون الشيء فأخبر أن إرادة الشيء يكون قبل قوله. وقوله قبل الشيء إذا أراد شيئًا كان بقوله، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ (٣) فالشيء ليس هو أمره، ولكن الشيء كان بأمره سبحانه: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (٥) فأخبرنا أنه شيء وهو تبارك اسمه وتعالى جده أكبر الأشياء، ولا يدخل في الأشياء المخلوقة. فإذا وضح للعقلاء كفر الجهمي وإلحاده، ادعى أمرًا ليفتن به عباد الله الضعفاء من خلقه، فقال: أخبرونا عن القرآن، هل هو الله أو غير الله؟ فإن زعمتم أنه الله، فأنتم تعبدون القرآن، وإن زعمتم\n_________\n(١) النمل الآية (١٤).\n(٢) النحل الآية (٤٠).\n(٣) يس الآية (٨٢).\n(٤) مريم الآية (٣٥).\n(٥) الأنعام الآية (١٩).","vol":"5","page":438},{"text":"أنه غير الله، فما كان غير الله فهو مخلوق. فيظن الجهمي الخبيث أن قد فلجت حجته وعلت بدعته، فإن لم يجبه العالم، ظن أنه قد نال بعض فتنته.\nفالجواب للجهمي في ذلك أن يقال له: القرآن ليس هو الله، لأن القرآن كلام الله، وبذلك سماه الله، قال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١)، وبحسب العاقل العالم من العلم أن يسمي الأشياء بأسمائها التي سماها الله بها، فمن سمى القرآن بالاسم الذي سماه الله به، كان من المهتدين، ومن لم يرض بالله ولا بما سماه به، كان من الضالين وعلى الله من الكاذبين.\nقال الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٢) فهذا من الغلو ومن مسائل الزنادقة، لأن القرآن كلام الله، فمن قال إن القرآن هو الله، فقد جعل الله كلاما وأبطل من تكلم به. ولا يقال إن القرآن غير الله، كما لا يقال إن علم الله غير الله، ولا قدرة الله غير الله، ولا صفات الله غير الله، ولا عزة الله غير الله، ولا سلطان الله غير الله، ولا وجود الله غير الله. ولكن يقال: كلام الله، وعزة الله، وصفات الله، وأسماء الله، وبحسب من زعم أنه من المسلمين ولله من المطيعين، وبكتاب الله من المصدقين، ولأمر الله من المتبعين أن يسمي القرآن بما سماه الله به، فيقول: القرآن كلام الله كما قال تعالى: ﴿يريدون أَنْ\n_________\n(١) التوبة الآية (٦).\n(٢) النساء الآية (١٧١).","vol":"5","page":439},{"text":"يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) ولم يقل: يريدون أن يبدلوا الله، ولم يقل: يريدون أن يبدلوا غير الله. وقال: ﴿بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٢) ولم يقل إن القرآن أنا هو ولا هو غيري، فالقرآن كلام الله فيه أسماؤه وصفاته، فمن قال هو الله، فقد قال إن ملك الله، وسلطان الله، وعزة الله غير الله. ومن قال: إن سلطان الله وعزة الله مخلوق، فقد كفر لأن ملك الله لم يزل ولا يزول، ولا يقال: إن ملك الله هو الله، فلا يجوز أن يقول: يا ملك الله اغفر لنا، يا ملك الله ارحمنا، ولا يقال: إن ملك الله غير الله، فيقع عليه اسم المخلوق، فيبطل دوامه، ومن أبطل دوامه، أبطل مالكه، ولكن يقال: ملك الله من صفات الله، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ (٣) وكذلك عزة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٤)\nيقول: من كان يريد أن يعلم لمن العزة، فإن العزة لله جميعًا، فلا يجوز أن يقال: إن عزة الله مخلوقة، من قال ذلك، فقد كفر لأن الله لم تزل له العزة ولو كانت العزة مخلوقة، لكان بلا عزة قبل أن يخلقها حتى خلقها، فعز بها تعالى ربنا وجل ثناؤه عما يصفه به الملحدون علوًا كبيرًا. ولا يقال: إن عزة الله هي الله، لو جاز ذلك، لكانت رغبة الراغبين ومسألة السائلين أن\n_________\n(١) الفتح الآية (١٥).\n(٢) الأعراف الآية (١٤٤).\n(٣) الملك الآية (١).\n(٤) فاطر الآية (١٠) ..","vol":"5","page":440},{"text":"يقولوا: يا عزة الله عافينا، ويا عزة الله أغنينا، ولا يقال: عزة الله غير الله، ولكن يقال: عزة الله صفة الله، لم يزل ولا يزال الله بصفاته واحدًا. وكذلك علم الله، وحكمة الله، وقدرة الله وجميع صفات الله تعالى، وكذلك كلام الله ﷿. فتفهموا حكم الله، فإن الله لم يزل بصفاته العليا وأسمائه الحسنى عزيزًا، قديرًا، عليمًا، حكيمًا، ملكًا، متكلمًا، قويًا، جبارًا، لم يخلق علمه ولا عزه، ولا جبروته، ولا ملكه، ولا قوته، ولا قدرته، وإنما هذه صفات المخلوقين. والجهمي الخبيث ينفي الصفات عن الله، ويزعم أنه يريد بذلك أن ينفي عن الله التشبيه بخلقه، والجهمي الذي يشبه الله بخلقه لأنه يزعم أن الله ﷿ كان ولا علم، وكان ولا قدرة، وكان ولا عزة، وكان ولا سلطان، وكان ولا اسم حتى خلق لنفسه اسمًا، وهذه كلها صفات المخلوقين، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، لأن المخلوقين من بني آدم، كان ولا علم، خلقه الله جاهلًا ثم علمه. قال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (١) وكان ولا كلام حتى يطلق الله لسانه، وكان ولا قدرة ولا عزة ولا سلطان حتى يقويه الله ويعزه ويسلطه، وهذه كلها صفات المخلوقين. وكل من حدثت صفاته، فمحدث ذاته، ومن حدث ذاته وصفته، فإلى فناء حياته، وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nثم إن الجهمي إذا بطلت حجته فيما ادعاه، ادعى أمرًا آخر فقال: أنا أجد في الكتاب آية تدل على أن القرآن مخلوق، فقيل له: أية آية هي؟ قال: قول الله\n_________\n(١) النحل الآية (٧٨).","vol":"5","page":441},{"text":"﷿: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (١)، أفلا ترون أن كل محدث مخلوق؟ فوهم على الضعفاء والأحداث وأهل الغباوة وموه عليهم، فيقال له: إن الذي لم يزل به عالمًا لا يكون محدثًا، فعلمه أزلي كما أنه هو أزلي، وفعله مضمر في علمه، وإنما يكون محدثًا ما لم يكن به عالمًا حتى علمه، فيقول: إن الله ﷿ لم يزل عالمًا بجميع ما في القرآن قبل أن ينزل القرآن، وقبل أن يأتي به جبريل وينزل به على محمد - ﷺ -. وقد قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢) قبل أن يخلق آدم. وقال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ (٣) يقول: كان إبليس في علم الله كافرًا قبل أن يخلقه، ثم أوحى بما قد علمه من جميع الأشياء. وقد أخبرنا ﷿ عن القرآن، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٤) فنفى عنه أن يكون غير الوحي، وإنما معنى قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذكرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٥) أراد: محدثًا علمه، وخبره، وزجره، وموعظته عند محمد - ﷺ -، وإنما أراد: أن علمك يا محمد ومعرفتك محدث بما أوحي إليك من القرآن، وإنما أراد: أن نزول القرآن عليك يحدث لك ولمن سمعه علم وذكر لم تكونوا تعلمونه. ألم تسمع\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٢).\n(٢) البقرة الآية (٣٠).\n(٣) البقرة الآية (٣٤).\n(٤) النجم الآية (٤).\n(٥) الأنبياء الآية (٢).","vol":"5","page":442},{"text":"إلى قوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (٢)\nوقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ (٣) فأخبر أن الذكر المحدث هو ما يحدث من سامعيه وممن علمه وأنزل عليه، لا أن القرآن محدث عند الله، ولا أن الله كان ولا قرآن، لأن القرآن إنما هو من علم الله، فمن زعم أن القرآن هو بعد، فقد زعم أن الله كان ولا علم ولا معرفة عنده بشيء مما في القرآن ولا اسم له، ولا عزة له، ولا صفة له حتى أحدث القرآن. ولا نقول: إنه فعل الله، ولا يقال: كان الله قبله، ولكن نقول: إن الله لم يزل عالما، لا متى علم ولا كيف علم، وإنما وهمت الجهمية الناس ولبست عليهم بأن يقول: أليس الله الأول قبل كل شيء، وكان ولا شيء، وإنما المعنى في: كان الله قبل كل شيء، قبل السماوات وقبل الأرضين وقبل كل شيء مخلوق، فأما أن نقول قبل علمه، وقبل قدرته، وقبل حكمته، وقبل عظمته، وقبل كبريائه، وقبل جلاله، وقبل نوره، فهذا كلام الزنادقة. وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ فإنما هو ما يحدثه الله عند نبيه، وعند أصحابه، والمؤمنين من\n_________\n(١) النساء الآية (١١٣).\n(٢) الشورى الآية (٥٢) ..\n(٣) طه الآية (١١٣).","vol":"5","page":443},{"text":"عباده، وما يحدثه عندهم من العلم، وما لم يسمعوه، ولم يأتهم به كتاب قبله، ولا جاءهم به رسول. ألم تسمع إلى قوله ﷿: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ (١) وإلى قوله فيما يحدث القرآن في قلوب المؤمنين إذا سمعوه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢) فأعلمنا أن القرآن يحدث نزوله لنا علمًا وذكرًا وخوفًا، فعلم نزوله محدث عندنا وغير محدث عند ربنا ﷿.\nثم إن الجهمي حين بطلت دعواه وظهرت زندقته فيما احتج به، ادعى أمرًا آخر ووهم ولبس على أهل دعوته، فقال: أتزعمون أن الله لم يزل والقرآن؟ فإن زعمتم أن الله لم يزل والقرآن، فقد زعمتم أن الله لم يزل ومعه شيء. فيقال له: إنا لا نقول كما تقول ولا نقول: إن الله لم يزل، والقرآن لم يزل، والكلام لم يزل والعلم ولم يزل والقوة ولم يزل والقدرة، ولكنا نقول كما قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ (٣) وكما قال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤) فنقول: إن الله لم يزل بقوته، وعظمته، وعزته، وعلمه، وجوده، وكرمه، وكبريائه، وعظمته، وسلطانه، متكلمًا، عالمًا، قويًا، عزيزًا، قديرًا، ملكًا، ليست هذه الصفات ولا شيء منها ببائنة منه، ولا منفصلة عنه، ولا تجزؤ ولا تتبعض منه، ولكنها منه\n_________\n(١) الضحى الآية (٧).\n(٢) المائدة الآية (٨٣).\n(٣) الأحزاب الآية (٢٥).\n(٤) يس الآية (٣٨).","vol":"5","page":444},{"text":"وهي صفاته. فكذلك القرآن كلام الله، وكلام الله منه، وبيان ذلك في كتابه: قال الله ﷿: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ (١) وقال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٢) وقال: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ (٣) وقد أخبرنا الله أن الأشياء إنما تكون بكلامه، فقال: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ (٤) وقال: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ (٥) وقال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (٦) فبقول الله ﷿ صار أولئك قردة، وبقوله أمن موسى، وبقوله صارت النار بردًا وسلامًا. ثم إن الجهمي الملعون غالط من لا يعلم بشيء آخر، فقال: قوله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٧)\nفقال: كل ما أتى الله ﷿ بخير منه أو مثله، فهو مخلوق. فكان هذا إنما غالط به الجهمي من لا يعلم، وإنما أراد الله ﷿ بقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يريد بخير لكم، وأسهل عليكم في العمل وأنفع لكم في الفعل. ألا ترى أنه كان ينزل\n_________\n(١) يس الآية (٥٨).\n(٢) السجدة الآية (١٣).\n(٣) الصافات الآية (٣١).\n(٤) الأعراف الآية (١٦٦).\n(٥) طه الآية (٦٨).\n(٦) الأنبياء الآية (٦٩).\n(٧) البقرة الآية (١٠٦) ..","vol":"5","page":445},{"text":"على النبي - ﷺ - الأمر الذي فيه الشدة ثم ينسخه بالسهولة والتخفيف؟ من ذلك أن قيام الليل والصلاة كانت مفروضة فيه على أجزاء معلومة وأوقات من الليل في أجزائه مقسومة، فعلم الله ﷿ ما على العباد في ذلك من الشدة والمشقة وقصور عملهم عن إحصاء ساعات الليل وأجزائه، فنسخها بصلاة النهار وأوقاته. فقال ﷿: ﴿* إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وطائفةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) يقول: علم أن لن تطيقوه، فنسخ ذلك، فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٢) و﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٣) ومن ذلك أن الصيام كان مفروضًا بالليل والنهار، وأن الرجل كان إذا أفطر ونام ثم انتبه، لم يحل له أن يطعم إلى العشاء من القابلة، فنسخ ذلك بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نسائكم﴾ ... إلى قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٤) ومثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٥)\n_________\n(١) المزمل الآية (٢٠).\n(٢) هود الآية (١١٤).\n(٣) الإسراء الآية (٧٨).\n(٤) البقرة الآية (١٨٧).\n(٥) آل عمران الآية (١٠٢) ..","vol":"5","page":446},{"text":"وكان هذا أمرًا لا يبلغه وسع العباد، فنسخ ذلك بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) فهذا ونحوه كثير، تركنا ذكره لئلا يطول الكتاب به، أراد الله ﷿ بنزول الناسخ رفع المنسوخ، وليكون في ذلك خيرة للمؤمنين تخفيفًا عنهم، لا أنه يأتي بقرآن خير من القرآن الأول، وإنما أراد خيرًا لنا وأسهل علينا. ألم تسمع إلى قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (٢)، ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣)، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤)؟ فهذا وشبهه في القرآن كثير، لا أن في القرآن شيئًا خيرًا من شيء، ولو جاز ذلك، لجاز أن يقال: سورة كذا خير من سورة كذا، وسورة كذا شر من سورة كذا. ومما يغالط به الجهمي من لا يعلم قول الله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٥) فقالوا: كل شيء له بين يدين وخلف، فهو مخلوق، فيقال له: إن القرآن ليس شخصًا فيكون له خلف وقدام، وإنما أراد تعالى لا يأتيه التكذيب من بين يديه فيما نزل قبله من التوراة والإنجيل والكتب التي\n_________\n(١) التغابن الآية (١٦).\n(٢) البقرة الآية (١٨٧).\n(٣) المزمل الآية (٢٠).\n(٤) البقرة الآية (١٨٥).\n(٥) فصلت الآية (٤٢).","vol":"5","page":447},{"text":"تقدمت قبله. ﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ يقول: ولا يأتي بعده بكتاب يبطله ولا يكذبه، كما أخبرنا أنه أيضًا مصدق لما كان قبله من الكتب، فقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (١)\nيقال: لما كان قبل الشيء وأمامه بين يديه، وما كان بعده خلفه، وبيان ذلك في كتاب الله: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٢) لا يريد أن للصدقة بين يدين وخلفًا، وإنما أراد قبل نجواكم صدقة. وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (٣) يريد أن يرسل الرياح قبل المطر. وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيد (٤٦)﴾ (٤) يقول: نذير قبل العذاب. وكذلك معناه في ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ (٥) أراد قبله ولا من بعده، ولو كان معنى: من بين يديه ومن خلفه معنى المخلوق، لكان شخصًا له قدام وخلف وظهر وبطن ويدان ورجلان ورأس ولا يمكن ذلك في القرآن، ثم إن الجهمي ادعى أمرًا آخر فقال: إن الله عز\n_________\n(١) الأنعام الآية (٩٢) ..\n(٢) المجادلة الآية (١٢).\n(٣) الأعراف الآية (٥٧).\n(٤) سبأ الآية (٤٦).\n(٥) فصلت الآية (٤٢).","vol":"5","page":448},{"text":"وجل يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ (١) فزعم أن القرآن لا يخلو أن يكون في السماوات أو في الأرض أو فيما بينهما. فيقال له: إن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٢) فالحق الذي خلق به السماوات والأرض وما بينهما هو قوله وكلامه، لأنه هو الحق وقوله الحق، ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾ (٣). وقال: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ (٤) فأخبر بأن الخلق كله كان بالحق والحق قوله وكلامه. وقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ (٥)\nوقال: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٦) يعني قوله وكلامه، فقوله وكلامه قبل السماوات والأرض وما بينهما، فتفهموا رحمكم الله، ولا يستفزنكم الجهمي الخبيث بتغاليطه وتمويهه وتشكيكه ليزلكم عن دينكم، فإن الجهمي لا يألو جهدًا في تكفير الناس وتضليلهم، عصمنا الله وإياكم من فتنته برحمته. ويقال للجهمي: أخبرنا: من أخبرنا أنه خلق السموات والأرض وما بينهما؟ فإذا قال: الله، فيقال له: فجعلت خبر\n_________\n(١) الدخان الآية (٣٨).\n(٢) الحجر الآية (٨٥).\n(٣) ص الآية (٨٤).\n(٤) الأنعام الآية (٧٣).\n(٥) النحل الآية (٣) ..\n(٦) يونس الآية (٥).","vol":"5","page":449},{"text":"الله عن الخلق خلقًا؟ فيقول: نعم. ويقول: إن الخبر عين المخبر، فيقال له: فالخبر مخلوق؟ فيقول: نعم، ويقول: الخبر غير الله، فيقال له: أليس قد تفرد الله بعلم الغيب دون خلقه؟ فيقول: نعم، فيقال له: فالخبر الذي زعمت أنه مخلوق وأنه غير الله، من قال له: أخبر الخلق أن الله خلق السماوات، أليس الله قال له ذلك؟ فإن قال: نعم، فقد أقر أن الله أخبر خلقًا دون خلق، فما يمنعك أن نكون نحن ذلك الخلق الذين أخبرهم أنه هو خلق الخلق؟ وإن قال: إن الله لم يخبر ذلك الخلق ولم يأمره أن يعلم الخلق بذلك، قيل له: فقد أقررت أنه ليس أحد يعلم الغيب إلا الله، وزعمت أن هذا الخبر هو غير الله، فمن أين علم هذا الخبر وهو مخلوق أن الله خلق السماوات والأرض؟ وكيف جاز أن يقول على الله ما لم يعلم ولم يأمره به؟ فعند ذلك يوضح كفر الجهمي وكذبه على الله وقبيح ضلاله، ثم إن الجهمية كذبت الآثار وجحدت الأخبار، وطعنت على الرواة، واتهموا أهل العدالة والأمانة، وانتصحوا أهواءهم وآراءهم، واتخذوا أهواءهم آلهة معبودة وأربابًا مطاعة. فإذا وجدوا حديثًا قد وهم المحدث في روايته وكان في ألفاظ متنه بعض التلبيس والتوهم، انتحلوه دينًا، وجعلوه أصلًا، ووثقوا روايته وإن لم يعرفوه، وصححوه وإن كانوا لا يثبتونه.\nفمن ذلك أنهم احتجوا بحديث رواه محمد بن عبيد عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن الحصين، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كان الله قبل أن يخلق الذكر، ثم خلق الذكر، فكتب فيه","vol":"5","page":450},{"text":"كل شيء» (١) فقالت الجهمية: إن القرآن هو الذكر، والله خلق الذكر، فأما ما احتجوا به من هذا الحديث، فإن أهل العلم وحفاظ الحديث ذكروا أن هذا الحديث وهم فيه محمد بن عبيد وخالف فيه أصحاب الأعمش وكل من رواه عنه. وبذلك احتج أحمد بن حنبل ﵀، فقال: رواه بعده جملة من الثقات، فلم يقولوا: خلق الذكر، ولكن قالوا: كتب في الذكر، والذكر هاهنا غير القرآن، ولكن قلوب الجهمية في أكنة، وعلى أبصارهم غشاوة، فلا يعرفون من الكتاب إلا ما تشابه، ولا يقبلون من الحديث إلا ما ضعف وأشكل. والذكر هاهنا هو اللوح المحفوظ، الذي فيه ذكر كل شيء، ألا ترى أن في لفظ الحديث الذي احتجوا به، قال: فكتب فيه كل شيء أفتراه كتب في كلامه كل شيء، وقد بين الله ذلك في كتابه، وذلك أن الذكر في كتاب الله على لفظ واحد بمعان مختلفة، فقال: ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ (٢) يعني: ذا الشرف. وقال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (٣) يعني: شرفكم. وقال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ (٤) يعني: بخبرهم. ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ٤٣١) والبخاري (٦/ ٣٥١ - ٣٥٢/ ٣١٩١) والترمذي (٥/ ٦٨٨ - ٦٨٩/ ٣٩٥١) دون محل الشاهد، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٦٣/١١٢٤٠) من حديث عمران بن حصين بلفظ: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء». وهو حديث طويل وليس فيه «ثم خلق الذكر».\n(٢) ص الآية (١).\n(٣) الأنبياء الآية (١٠).\n(٤) المؤمنون الآية (٧١).","vol":"5","page":451},{"text":"لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (١) يقول: وإنه لشرف لك ولقومك.\nوقال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢) يعني: الصلاة. وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ (٣) يعني: في اللوح المحفوظ، لا يجوز أن يكون الذكر هاهنا القرآن، لأنه قال: ﴿فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ والزبور قبل القرآن، والذكر أيضًا هو القرآن في غير هذه الآيات، كما أعلمتك، إلا أن الحرف يأتي بلفظ واحد، ومعناه شتى. والجهمي يقصد لما كانت هذه سبيله، فيتأوله على المعنى الذي يوافق هواه، ولا يجعل له وجهًا غيره، والله يكذبه ويرد عليه هواه. ومما وضح به كفر الجهمي ما رده على الله وجحده من كتابه، فزعم أن الله لم يقل شيئًا قط ولا يقول شيئًا أبدًا. فيقال له: فأخبرنا عن كل شيء في القرآن: قال الله وقلنا، ويوم نقول، فقال: إنما هذا كله كما يقول الناس: قال الحائط فسقط، وقالت النخلة فمالت، وقالت النعل فانقطعت، وقالت القدم فزلت، وقالت السماء فهطلت، والنخلة والحائط والسماء لم يقولوا من ذلك شيئًا قط. فرد الجهمي كتاب الله الذي أخبر أنه عربي مبين، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٤) ولسان رسول الله - ﷺ - لسان قرشي، وهم أوضح العرب بيانًا\n_________\n(١) الزخرف الآية (٤٤).\n(٢) الجمعة الآية (٩).\n(٣) الأنبياء الآية (١٠٥).\n(٤) إبراهيم الآية (٤).","vol":"5","page":452},{"text":"وأفصحها لسانًا، وهذا لم ينزل به القرآن ولم يتكلم به فصحاء العرب، فحكموا على الله بما جرى على ألسنة عوام الناس، وشبهوا الله تعالى بالحائط والنخلة والنعل والقدم.\nويقال له: أرأيت من قال: سقط الحائط، وهطلت السماء، وزلت القدم، ونبتت الأرض، ولم يقل: قال الحائط، ولا قالت السماء، وأسقط قال وقالت في هذه الأشياء، أيكون كاذبًا في قوله؟ أم يكون تاركًا للحق في خطابه؟ فإذا قال: ليس بتارك للحق، قيل له: فما تقول في رجل عمد إلى كل قال في القرآن مما حكاه الله عن نفسه أنه قال فمحاه، هل يكون تاركًا للحق أم لا؟ فعندها يبين كفر الجهمي وكذبه. ومما يغالط به الجهمي جهال الناس والذين لا يعلمون، أن يقول: خبرونا عن قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (١) فيقول: خبرونا عن هذا الشيء، أموجود هو أم غير موجود؟ فيقال له: إن معنى قوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ هو في علمه كائن بتكوينه إياه، قال لذلك الذي قد علم أنه كائن مخلوق: كن كما أنت في علمي، فيكون كما علم وشاء، لأنه كان معلومًا غير مخلوق، فصار معلومًا مخلوقًا كما قال وشاء وعلم. ويقال للجهمي: ألست مقرًا بأن الله تعالى إذا أراد شيئًا قال له: كن فكان. فيقول: لا أقول، إنه يقول فيرد كتاب الله، ويكفر به ويقول: لا، ولكنه إذا أراد شيئًا كان، فيقال له: يريد أن تقوم القيامة، وأن يموت الناس كلهم، وأن يبعثوا كلهم، فيكون ذلك بإرادته قبل أن يقال فيكون. وقال\n_________\n(١) يس الآية (٨٢).","vol":"5","page":453},{"text":"الجهمي: إن الله لم يتكلم قط، ولا يتكلم أبدًا. قيل له: من يحاسب الخلق يوم القيامة؟ ومن القائل: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غائبين﴾ (١)؟ ومن القائل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢)؟ ومن القائل: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ (٣)؟\nومن القائل: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٤)؟ ومن القائل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (٥)؟ ومن القائل: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ (٦). ومن القائل: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٧)؟ في أشباه لهذا تكثر على الإحصاء من مخاطبة الله ﷿، فيقول الجهمي: إن الله ﷿ يخلق يوم القيامة لكل إنسان حسابًا، فقيل للجهمي: هذا الخلق هو غير الله؟ فقال: نعم. قيل له: فيقول الله لهذا الخلق: أخبر الناس بأعمالهم؟ فقال: لا يقول له، إن قلت إنه يقول، فقد تكلم، فقلنا: من أين يعلم هذا الخلق ما قد أحصاه\n_________\n(١) الأعراف الآية (٧).\n(٢) الأعراف الآية (٦).\n(٣) الحجر الآيتان (٩٢و٩٣) ..\n(٤) الأعراف الآية (١٤٤).\n(٥) طه الآية (١٤).\n(٦) النمل الآية (٩).\n(٧) المائدة الآية (١١٦).","vol":"5","page":454},{"text":"الله من أعمال بني آدم والغيب لا يعلمه إلا الله؟ فعند ذلك يتبين كفر الجهمي. ثم إن الجهمي ادعى أمرًا آخر ابتغاء الفتنة، فقال: إن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ (١) فعيسى كلمة الله وعيسى مخلوق. فقيل للجهمي: جهلك بكتاب الله وقبيح تأويلك قد صار بك إلى صنوف الكفر، وجعلك تتقلب في فنون الإلحاد، فكيف ساغ لك أن تقيس عيسى بالقرآن؟ وعيسى قد جرت عليه ألفاظ وتقلبت به أحوال لا يشبه شيء منها أحوال القرآن، منها: أن عيسى حملته أمه ووضعته وأرضعته، فكان وليدًا، ورضيعًا، وفطيمًا، وصبيًا، وناشئًا، وكهلًا، وحيًا ناطقًا، وماشيًا، وذاهبًا، وجائيًا، وقائمًا، وقاعدًا، ويصوم ويصلي، وينام ويستيقظ، ويأكل الطعام ويشرب، ويكون منه ما يكون من الحيوان إذا أكل وشرب.\nوبذلك أخبرنا الله تعالى عنه تكذيبًا للنصارى حين قالوا فيه القول الذي يضاهي قولك أيها الجهمي: فقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (٢) فكنى بالطعام عن خروج الحدث، وهو مع هذا مخاطب بالتعبد وبالسؤال والوعد والوعيد، ومحاسب يوم القيامة، وأخبرنا أنه حي وميت ومبعوث، فهل سمعت الله ﷿ وصف\n_________\n(١) النساء الآية (١٧١).\n(٢) المائدة الآية (٧٥).","vol":"5","page":455},{"text":"القرآن بشيء مما وصف عيسى؟ فأما قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ (١) فالكلمة التي ألقاها إلى مريم قوله: \"كن\" فكان عيسى بقوله \"كن\"، وكذا قال ﷿: ﴿إِن مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ (٢) ثم أتبع ذلك بما يزيل عنه وهم المتوهم، فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ (٣) فكلمة الله قوله: \"كن\" والمكون عيسى ﵇، والجهمي حريص على إبطال صفات ربه لإبطال إنيته.\nومما يدعيه الجهمي أنه حجة له في خلق القرآن قوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (٤) فقال الجهمي: فهل يذهب إلا مخلوق؟ وكما قال: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ (٥) فالقرآن يذهب كما ذهب - ﷺ -، فأفحش الجهمي في التأويل وأتى بأنجس الأقاويل، لأن قول الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا\n_________\n(١) النساء الآية (١٧١).\n(٢) آل عمران الآية (٥٩).\n(٣) آل عمران الآية (٦٠).\n(٤) الإسراء الآية (٨٦).\n(٥) الزخرف الآية (٤١).","vol":"5","page":456},{"text":"لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (١) لم يرد أن القرآن يموت كما نموت، إنما يريد: ولئن شئنا لنذهبن بحفظه عن قلبك وتلاوته عن لسانك. أما سمعت ما وعد به من حفظه للقرآن حين يقول: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) فلو أذهب الله القرآن من القلوب، لكان موجودًا محفوظًا عند من استحفظه إياه، ولئن ذهب القرآن في جميع الخلق وأمات الله كل قارئ له، فإن القرآن موجود محفوظ عند الله وفي علمه، وفي اللوح المحفوظ. أما سمعت قول الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٣) وقوله ﷿: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (٤) ومما احتج به الجهمي في خلق القرآن أن قال: أليس القرآن خيرًا؟ فإذا قيل له بلى، قال: أفتقولون إن من الخير ما لم يخلقه الله؟ فيتوهم بجهله أن له في هذه حجة ولا حجة فيه لأجل أن كلام الله خير، وعلم الله خير، وقدرة الله خير، وليس كلام الله ولا قدرته مخلوقين لأن الله لم يزل متكلمًا، فكيف يخلق كلامه؟ ولو كان الله خلق كلامه لخلق علمه وقدرته، فمن زعم ذلك، فقد زعم أن الله كان ولا يتكلم، وكان ولا يعلم، فقالت الجهمية على الله ما لم يعلمه الله ولا ملائكته ولا أنبياؤه ولا أولياؤه، فخالفهم كلهم.\nقال الله ﷿: ﴿وَإِذْ\n_________\n(١) الإسراء الآية (٨٦).\n(٢) الأعلى الآية (٦).\n(٣) الحجر الآية (٩).\n(٤) البروج الآيتان (٢١و٢٢).","vol":"5","page":457},{"text":"قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ (١)، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ (٢)، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣)، ومثل هذا في القرآن كثير. وقول الملائكة: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ (٤) ولم يقولوا ماذا خلق ربك قالوا الحق. وقال جبريل: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ (٥) وقول الله تعالى حين سألت بنو إسرائيل موسى عن أمر البقرة حين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ (٦) فقال موسى ﵇: إنه يقول في غير موضع. وقال أولياء الله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ (٧) وقال أعداء الله في النار: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ (٨) فسمى الله قوله قولًا ولم يسمه خلقًا، وسمت الملائكة قول الله قولًا ولم تسمه خلقًا، وسمت الأنبياء قول الله قولًا ولم تسمه خلقًا، وسمى أهل الجنة قول الله قولًا، ولم يسموه خلقًا، وسمى أهل النار قول الله قولًا ولم يسموه خلقًا، وسمت الجهمية قول\n_________\n(١) البقرة الآية (٣٠).\n(٢) البقرة الآية (٣٤).\n(٣) البقرة الآية (٣٠).\n(٤) سبأ الآية (٢٣).\n(٥) مريم الآية (٢١).\n(٦) البقرة الآية (٦٨).\n(٧) يس الآية (٥٨).\n(٨) الصافات الآية (٣١).","vol":"5","page":458},{"text":"الله خلقًا ولم تسمه قولًا، خلافًا على الله وعلى ملائكته وعلى أنبيائه وعلى أوليائه. ثم إن الجهمية لجأت إلى المغالطة في أحاديث تأولوها موهوا بها على من لا يعرف الحديث، مثل الحديث الذي روي: «يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب فيقول له القرآن: أنا الذي أظمأت نهارك وأسهرت ليلك فيأتي الله فيقول: أي رب تلاني ووعاني وعمل بي» (١).\nوالحديث الآخر: «تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان» (٢) فأخطأ في تأويله وإنما عنى في هذه الأحاديث في قوله: يجيء القرآن وتجيء البقرة وتجيء الصلاة ويجيء الصيام ويجيء ثواب ذلك كله، وكل هذا مبين في الكتاب والسنة. قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (٣) فظاهر اللفظ من هذا أنه يرى الخير والشر، ليس يرى الخير والشر، وإنما يرى ثوابهما والجزاء عليهما من الثواب والعقاب. كما قال ﷿: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٤) وليس يعني أنها تلك الأعمال التي عملتها بهيئتها وكما عملتها من الشر، وإنما تجد الجزاء على ذلك من الثواب والعقاب. كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث بريدة. انظر مواقف إسحاق بن راهويه سنة (٢٣٧هـ).\n(٢) أحمد (٥/ ٢٤٩) ومسلم (١/ ٥٥٣/٨٠٤) من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁.\n(٣) الزلزلة الآيتان (٧و٨).\n(٤) آل عمران الآية (٣٠).","vol":"5","page":459},{"text":"سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (١) فيجوز في الكلام أن يقال: يجيء القرآن، تجيء الصلاة، وتجيء الزكاة، يجيء الصبر، يجيء الشكر، وإنما يجيء ثواب ذلك كله يجزى من عمل السيء بالسوء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (٢) أفترى يرى السرقة والزنا وشرب الخمر وسائر أعمال المعاصي إنما يرى العقاب والعذاب عليهما، وبيان هذا وأمثاله في القرآن كثير. وأما ما جاءت به السنة فقول النبي - ﷺ -: «ظل المؤمن صدقته» (٣)\nفلا شيء أبين من هذا، وقال النبي - ﷺ -: «كل معروف صدقة» (٤)، فإرشادك الضالة صدقة، وتحيتك لأخيك بالسلام صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، ومباضعتك لأهلك صدقة، فكيف يكون الإنسان يوم القيامة في ظل مباضعته لأهله؟ إنما عنى\n_________\n(١) النساء الآية (١٢٣).\n(٢) الزلزلة الآية (٨).\n(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ٢٣٣) عن مرثد بن عبد الله اليزني: حدثني بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته» وصحح إسناده الشيخ الألباني في المشكاة (١٩٢٥).\n\nوورد بلفظ «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس» أو قال: «يحكم بين الناس». أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٤٥) ومن طريقه أحمد (٤/ ١٤٧ - ١٤٨) وأبو يعلى (٣/ ٣٠٠ - ٣٠١/ ١٧٦٦) والبيهقي (٤/ ١٧٧) والطبراني (١٧/ ٢٨٠/٧٧١) من طريق حرملة بن عمران أنه سمع يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ... فذكره.\nوصححه ابن خزيمة (٤/ ٩٤/٢٤٣١) وابن حبان (٨/ ١٠٤/٣٣١٠) والحاكم (١/ ٤١٦) على شرط مسلم ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١١٠) وأدخل فيه الرواية الأولى وقال: \"رواه كله أحمد وروى أبو يعلى والطبراني في الكبير بعضه ورجال أحمد ثقات\".\n(٤) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٨٣) ومسلم (٢/ ٦٩٧/١٠٠٥) وأبو داود (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦/ ٤٩٤٧) من حديث حذيفة.\nوأخرجه أيضًا: أحمد (٣/ ٣٤٤) والبخاري (١٠/ ٥٤٨/٦٠٢١) والترمذي (٤/ ٣٠٦/١٩٧٠) من حديث جابر.","vol":"5","page":460},{"text":"بذلك كله ثواب صدقته، أليس قد قال النبي - ﷺ -: «من أحب أن يظله الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فلينظر معسرًا أو ليدع له» (١) فأعلمك أن الظل من ثواب الأعمال. ومما غالط به الجهمي من لا يعلم أن قال: كل شيء دون الله مخلوق، والقرآن من دون الله، فيقال له في جواب كلامه هذا: إنا لسنا نشك أن كل ما دون الله مخلوق، ولكنا لا نقول إن القرآن من دون الله، ولكنا نقول من كلام الله، ومن علم الله، ومن أسماء الله، ومن صفات الله، ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ (٣) ولم يقل: من دون رب. وقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ (٤) ولا يكون الأمر إلا من آمر، كما لا يكون القول إلا من قائل، ولا يكون الكلام إلا من المتكلم، ولو كان القرآن من دون الله، لما جاز لأحد أن يقول: قال الله، كيف يقوله وهو من دون الله، بل كيف يكون من دونه وهو قاله؟ ومما غالط به الجهمي من لا يعلم، أن قال: إن الله رب القرآن، وكل مربوب فهو مخلوق.\nفاحتج الجهمي بكلمة لم ينزل بها القرآن، ولا جاء بها أثر عن رسول الله - ﷺ -، ولا عن أحد من الصحابة، ولا من بعدهم من التابعين، ولا من فقهاء المسلمين، فيتخذ ذلك حجة، وإنما هي كلمة خفت على ألسن بعض\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٤٢٧) ومسلم (٤/ ٢٣٠١ - ٢٣٠٢/ ٣٠٠٦) مطولًا. وابن ماجه (٢/ ٨٠٨/٢٤١٩) من حديث أبي اليسر.\n(٢) يونس الآية (٣٧).\n(٣) يس الآية (٥٨).\n(٤) الدخان الآيتان (٤و٥).","vol":"5","page":461},{"text":"العوام، وجازت بعض اللغات، فتجافى لهم عنها العلماء، وإنما المعنى في جواز ذلك كما استجازوا أن يقولوا: من رب هذه الدار، وهذا رب هذه الدابة وليس هو خلقها، وكما يقولون: من رب هذا الكلام، ومن رب هذه الرسالة، ومن رب هذا الكتاب، أي: من تكلم بهذا الكلام؟ ومن ألف هذا الكتاب؟ ومن أرسل هذه الرسالة؟ لا أنه خالق الكلام، ولا خالق الكتاب والرسالة. فلذلك، استجاز بعض العوام هذه الكلمة وخفت على ألسنتهم، وإن كان لا أصل لها عمن قوله حجة، وإنما قالوا: يا رب القرآن كقولهم: يا منزل القرآن ويا من تكلم بالقرآن ويا قائل القرآن. فلما كان القرآن من الله منسوبًا إليه، جاز أن يقولوا هذه الكلمة. ومما يبين لك كفر الجهمية وكذبها في دعواها أن كل مربوب \"مخلوق\"، قال الله ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) أفترى ظن الجهمي أن أحبارهم ورهبانهم خلقوهم من دون الله؟ وقال يوسف الصديق: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٢) يعني: عند سيدك. قال الله ﷿: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (٣) ومما غالط به الجهمي من لا علم عنده أن قال: القرآن في اللوح المحفوظ، واللوح محدود، وكل محدود مخلوق على أن الجهمي يجحد اللوح المحفوظ وينكره ويرد كتاب الله ووحيه فيه، ولكنه يقر به في موضع يرجو به\n_________\n(١) التوبة الآية (٣١).\n(٢) يوسف الآية (٤٢).\n(٣) يوسف الآية (٤٢).","vol":"5","page":462},{"text":"الحجة لكفره، فقال الجهمي: إن قول الله ﷿ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (١)\nفقال: إن اللوح بما فيه مخلوق، ولا جائز أن يكون مخلوق فيه غير مخلوق، فقبحوا في التأويل وكفروا بالتنزيل من وجوه كثيرة، وذلك أن القرآن من علم الله، وعلم الله وكلامه وجميع صفاته كل ذلك سابق اللوح المحفوظ قبله وقبل القلم وهكذا. قال ابن عباس ﵀: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فكتب في اللوح المحفوظ» (٢) فكان خلق القلم واللوح بقول الله ﷿ لهما: \"كُونَا\"، فقوله قبل خلقه، وما في اللوح كلامه، وإنما ما في اللوح من القرآن، الخط والكتاب، فأما كلام الله ﷿، فليس بمخلوق، وكذلك قوله ﷿: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾ (٣)، وإنما كرمت ورفعت وطهرت لأنها لكلام الله استودعت. وأما قولهم: إنه لا يكون مخلوق فيه غير مخلوق، فذلك أيضًا يَهُتُّ من كلامهم ويتناقض في حججهم، أما سمعت قول الله ﷿:\n_________\n(١) البروج الآيتان (٢١و٢٢) ..\n(٢) أخرجه البيهقي (٩/ ٣) والحاكم (٢/ ٤٩٨) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. ومثل هذا الكلام لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع، ويؤكد ذلك أن ابن عباس رفعه إلى النبي - ﷺ -. أخرجه: ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٥٠/١٠٨) وفي الأوائل (رقم ٣) وأبو يعلى (٤/ ٢١٧/٢٣٢٩) والبيهقي في السنن (٩/ ٣) وفي الأسماء والصفات (٢/ ٢٣٧/٨٠٣) من طريق أحمد عن ابن المبارك عن رباح بن زيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا. قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة (١/ ٢٥٧/١٣٣):\" وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات من رجال التهذيب\". وله شواهد وقد مر معنا بعضها.\n(٣) عبس الآيتان (١٣و١٤).","vol":"5","page":463},{"text":"﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (١)\nوالسماوات مخلوقة، والله ﷿ غير مخلوق، والله تعالى فيها، فقد بين أن مخلوقًا فيه غير مخلوق، ومن أصل الجهمية ومذاهبها أن الله تعالى يحل في الأشياء كلها وفي الأمكنة، والأمكنة مخلوقة. فلما علم أن الله تعالى هو الخالق لا مخلوق، وكذلك كل ما كان منه لا يكون مخلوقًا، قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٢) فسرها ابن عباس: علمه، فأخبر أن علمه وسع السماوات والأرض، وهل يكون العلم مخلوقًا؟ وإنما يكون مخلوقًا ما لم يكن ثم كان، وربنا لم يزل عالمًا متكلمًا. ومما غالط به الجهمي من لا يعلم: الحديث الذي روي عن ابن مسعود: «ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا شيء أعظم من آية الكرسي» (٣) فتأولوا هذا الحديث على من لا يعلم، وأخطؤوا وغالطوا بالمتشابه من ألفاظ الحديث كما غالطوا بالمتشابه من القرآن، فإذا تفهمه العاقل، وجده واضحًا بيّنًا، فلو كانت آية الكرسي مخلوقة كخلق السماء والأرض والجنة والنار وسائر الأشياء إذا لكانت السماء أعظم منها، ولكانت الجنة أعظم منها، ولكان النار أعظم منها، لقلة حروفها وخفتها على اللسان، وإن السماء والأرض والجنة والنار أطول وأعرض وأوسع وأثقل وأعظم في المنظر، ولا بلغ ذلك كله مبلغ حرف واحد من كلام الله، وإنما أراد عبد الله بن مسعود ﵀ أنه ليس في خلق الله كله ما يبلغ عِظم كلام الله وإن خف، ولا يكون شيء\n_________\n(١) الأنعام الآية (٣) ..\n(٢) البقرة الآية (٢٥٥).\n(٣) تقدم تخريجه. انظر مواقف أحمد بن حنبل سنة (٢٤١هـ).","vol":"5","page":464},{"text":"أعظم من كلام الله، ولن يعظم ذلك الشيء في أعين العباد. ألا ترى أنك تقول: ما خلق الله بالبصرة رجلًا أفضل من سفيان الثوري؟ وسفيان ليس من أهل البصرة، وإنما أردت: ليس بالبصرة مع عظمها وكثرة أهلها مثله ولا من يدانيه في فضله.\nوكقولك: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر» (١) فلم ترد أنه أصدق من النبي - ﷺ -، ولا أصدق من أبي بكر وعمر ومن هو أفضل منه، ولكنه لم يتقدمه أحد في الصدق، وإن فضلوه في غيره. ألم تسمع إلى قول الله ﷿: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (٢) فسمى الله نفسه في الأشياء، وليس هو من الأشياء المخلوقة، تعالى الله علوًا كبيرًا. فكذلك قول عبد الله: \"ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا شيء أعظم من آية الكرسي\" لأن آية الكرسي من كلام الله، وهي آية من كتابه، فليس شيء من عظيم ما خلق يعدل بآية ولا بحرف من كلامه. ألا ترى أن الله قد عظم خلق السماوات والأرض، وجعل ذلك أكبر من غيره من المخلوقات، فقال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (٣)؟ ثم آية الكرسي مع خفتها وقلة حروفها أعظم من ذلك كله، لأنها من كلام الله، وبكلام الله وأمره\n_________\n(١) يشير إلى حديث رواه أحمد (٢/ ١٦٣) والترمذي (٥/ ٦٢٨/٣٨٠١) وحسنه، وابن ماجه (١/ ٥٥/١٥٦) والحاكم (٣/ ٣٤) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. من حديث ابن عمرو.\n(٢) الأنعام الآية (١٩).\n(٣) غافر الآية (٥٧).","vol":"5","page":465},{"text":"قامت السماوات والأرض، وخلقت المخلوقات كلها.\nواعلم أن الجهمي الخبيث يقول في الظاهر: أنا أقول إن القرآن كلام الله، فإذا نصصته، قال: إنما أعني كلام الله مثل ما أقول بيت الله وأرض الله وعبد الله ومسجد الله، فمثل شيئًا لا يشبه ما مثله به، والتمثيل لا يكون إلا مثلًا بمثل، حذو النعل بالنعل، فإن زاد التمثيل عما مثل به أو نقص بطل، ألا ترى أن البيت بني من الأرض، وفي الأرض، وبناه مخلوق، وهدم مرة بعد أخرى، وهو مما يدخل فيه ويخرج عنه، والمسجد مما يخرب ويبيد ويعفو أثره ويزول اسمه، وكذلك الأرض يمشى عليها وتحفر ويدفن فيها، وكذلك عبد الله نطفة، وجنين، ومولود، ورضيع، وفطيم، وصبي، وناشئ، وشاب، وكهل، وشيخ، وآكل، وشارب، وماشي، ومتكلم، وحي، وميت، فهل في ذلك شيء يشبه القرآن؟ ومما يحتج به على الجهمية أن يقال لهم: ألستم تقولون إن الله خلق القرآن؟ فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: فأنتم تقولون: إن كل شيء في القرآن من أسماء الله وصفاته، فهو مخلوق؟ فإنهم يقولون: نعم. فيقال لهم: وتزعمون أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مخلوق، وقوله: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ (١) وأن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ (٢)\nفيقال له: فما تقول فيمن دعا فقال في دعائه: يا خالق الله الرحمن الرحيم اغفر لنا،\n_________\n(١) الحشر الآية (٢٣).\n(٢) سورة الإخلاص ..","vol":"5","page":466},{"text":"كما يقول: يا خالق السماوات والأرض يا خالق العزيز الجبار المتكبر يا خالق الله الصمد يا خالق من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد كما يقال: يا خالق الجنة والنار ويا خالق العرش العظيم ولو كان القرآن مخلوقًا وأسماء الله مخلوقة وصفاته كما زعم الجهمي الملعون وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، لكان من تعظيم الله أن يدعى فيقال: يا خالق القرآن ويا خالق أسمائه وصفاته ويا خالق الله الرحمن الرحيم ويا خالق العزيز الحكيم فهل بلغكم أن مسلمًا أو معاهدًا حلف بهذه اليمين؟ أو ليس إنما جعل الله ﷿ القسم بأسمائه يمينا يبرأ بها المطلوب من الطالب، وجعل الحلف بين الخلق في حقوقهم والأيمان المؤكدة التي يتحوب المؤمنون من الحنث بها هي الحلف بأسماء الله وصفاته، وبذلك حكم حكام المسلمين فيمن ادعى عليه حق أو ادعى لنفسه حقًّا؟ أو ليس ذلك هو قسامة من ادعي عليه قتل النفس أن يحلف في ذلك أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب ... إلى آخر اليمين؟ أفرأيت لو حلف، فقال: وحق السماوات والأرض والبحار والأشجار والجنة والنار، هل كانت هذه اليمين تغني عنه شيئًا أو تبرئه من دعوى حقيرة صغيرة ادعيت عليه، وليس من ادعيت عليه الأموال الخطيرة والحقوق العظيمة ولا بينة عليه، فحلف باسم من أسماء الله وبصفة من صفاته التي هي في القرآن تردد وترجع وتكثر، لبرئ من كل دعوى عليه وطلبه، وكل ذلك لأن أسماء الله وصفاته وكلامه منه وليس شيء من الله مخلوقًا، تعالى الله علوًا كبيرًا. أو ليس من قال: يا خالق الرحمن الرحيم يا خالق الجبار المتكبر فقد أبان زندقته وأراد إبطال الربوبية، وأنه لم يكن من هذا كله شيء حتى خلق، تعالى الله علوًّا كبيرًا.","vol":"5","page":467},{"text":"ويلزم الجهمي في قوله: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم أن يكون قد شبه ربه بالأصنام المتخذة من النحاس والرصاص والحجارة، فتدبروا رحمكم الله نفي الجهمي للكلام عن الله إنما أراد أن يجعل ربه كهذه، فإن الله ﷿ عير قومًا عبدوا من دونه آلهة لا تتكلم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ (١) فزعم الجهمي أن ربه كذا إذا دعي لا يجيب. وقال إبراهيم الخليل ﵇ حين عير قومه بعبادة ما لا ينطق حين قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ (٢) أي: فكيف يكون من لا ينطق إلهًا؟ فلما أسكتهم بذلك وبخهم فقال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ (٣)\nفأي خير عند من لا ينطق ولا ينفع ولا يضر، فإنما يدور الجهمي في كلامه واحتجاجه على إبطال صفات الله ليبطل موضع الضر والنفع والمنع والعطاء، ويأبى الله إلا أن يكذبه ويدحض حجته، فتفكروا رحمكم الله فيما اعتقدته الجهمية وقالته وجادلت فيه ودعت الناس إليه، فإن من رزقه الله فهمًا وعقلًا ووهب له بصرًا نافذًا\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٩٤).\n(٢) الأنبياء الآية (٦٣).\n(٣) الأنبياء الآيتان (٦٦و٦٧) ..","vol":"5","page":468},{"text":"وذهنًا ثاقبًا، علم بحسن قريحته ودقة فطنته أن الجهمية تريد إبطال الربوبية ودفع الإلهية، واستغنى بما يدله عليه عقله وتنبهه عليه فطنته عن تقليد الأئمة القدماء والعلماء والعقلاء الذين قالوا: إن الجهمية زنادقة، وأنهم يدورون على أن ليس في السماء شيء، فإن القائلين لذلك بحمد الله أهل صدق وأمانة وورع وديانة، فإن من أنعم النظر، وجد الأمر كما قالوا، فإن الجهمية قالوا: إن الله ما تكلم قط ولا يتكلم أبدًا، فجحدوا بهذا القول علمه وأسماءه وقدرته وجميع صفاته، لأن من أبطل صفة واحدة، فقد أبطل الصفات كلها، كما أنه من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله. وقالوا: إنه لا يرى في القيامة، فما بالهم لا يألون أن يأتوا بما فيه إبطاله وإبطال البعث والنشور والجنة والنار؟ وقالوا: إن الله ما كلم موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا، ولا هو على عرشه. وقالوا: إن الجنة والنار لم تخلقا بعد، ثم قالوا إنهما إذا خلقتا، فإنهما تبيدان وتفنيان. وقالوا إن أهل القبور لا يعذبون إبطالًا للرجوع بعد الموت.\nوقالوا: إنه لا ميزان، ولا صراط، ولا حوض، ولا شفاعة، ولا كتب، وجحدوا باللوح المحفوظ، وبالرق المنشور، وبالبيت المعمور، فليس حرف واحد من كلامهم يسمعه من يفهمه إلا وقد علم أنه يرجع إلى الإبطال والجحود بجميع ما نزلت به الكتب وجاءت به الرسل، حتى إنهم ليقولون: إن الله ﷿ لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغضب، ولا يرضى، ولا يحب، ولا يكره، ولا يعلم ما يكون إلا بعد أن يكون، وكل ما ادعوه من ذلك وانتحلوه فقد أكذبهم الله فيه ونطق القرآن بكفر من جحده. وقد كان","vol":"5","page":469},{"text":"إبراهيم ﵇ عتب على أبيه فيما احتج به عليه، فقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ (١) فيقولون: إن إبراهيم عاتب أباه، ونقم عليه عبادة من لا يسمع ولا يبصر، ثم دعا أباه إلى عبادة من لا يسمع ولا يبصر، سبحان الله ما أبين كفر قائل هذه المقالة عند من عقل؟ وسيأتي تبيان كفرهم وإيضاح الحجة بالحق عليهم من كتاب ربنا وسنة نبينا - ﷺ - في كل شيء قالوه في مواضعه وأبوابه، وبالله التوفيق. فمما يحتج به على الجهمية أن يقال لهم: أرأيتم إذا مات الخلق كلهم فلم يبق أحد غير الله من القائل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ (٢)؟ وقد مات كل مخلوق، ومات ملك الموت، ثم يرد ربنا تعالى على نفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ (٣)\nفإن قالوا: إن هذا القول مخلوق، فقد زعموا أنه يبقى مخلوق مع الله، وإن قالوا: إن الله لا يقول، ولكنه أخبر بما يدل على عظمته، فقد كذبوا كتاب الله وجحدوا به وردوه، أرأيت أن قائلًا قال: إن الله ﷿ لا يقول يوم القيامة: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ أليس يكون كاذبًا ولكتاب الله رادًّا، فأي كفر أبين من هذا؟ وما يحتج به على الجهمية أن يقال لهم: أخبرونا كيف حال من لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه؟ فإذا قال: هذه أحوال الكفار، وبذلك وصفهم الله، فيقال لهم: فأنتم تزعمون أن هذه أيضًا أحوال\n_________\n(١) مريم الآية (٤٢).\n(٢) غافر الآية (١٦).\n(٣) غافر الآية (١٦) ..","vol":"5","page":470},{"text":"الأنبياء والصديقين والشهداء والمؤمنين من الأولياء والصالحين والبدلاء، فما فضل هؤلاء على الكافرين ولو كان الأنبياء والرسل مع أهل الكفر في هذه المنزلة، من احتجاب الله دونهم وترك كلامهم والنظر إليهم لما كان ذلك داخلًا في وعيد الكفار والتهديد لهم به، ولا كان ذلك بضائر لهم، إذ هم فيه والرسل والأنبياء سواء. ومما يحتج به على الجهمي أن يقال له: من القائل: ﴿يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (١) فإن قالوا: خلق الله خلقًا قال ذلك لموسى، قيل لهم: وقبل ذلك موسى واستجاب لمخلوق من دون الله يقول أنا ربك؟ ويقال له: من القائل: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ (٢)، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ (٣) ومن القائل: يا موسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ (٤)؟\nفإن قال الجهمي: إن هذا ليس من قول الله ﷿، فأتني بكفر أبين من هذا أن يكون مخلوق يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ فإن زعموا أن موسى أجاب ذلك المخلوق وأطاعه، فقد زعموا أن موسى كان يعبد مخلوقًا من دون الله، ولو كان كما يقول الجهمي فكان ذلك المخلوق خلق عندهم ليفهم موسى أن خالقي هو\n_________\n(١) طه الآيتان (١١و١٢).\n(٢) النمل الآية (٩).\n(٣) القصص الآية (٣٠).\n(٤) طه الآية (١٤) ..","vol":"5","page":471},{"text":"الله الذي لا إله إلا هو، فاعبده وأقم الصلاة لذكره. ولو قال الجهمي ذلك أيضًا لتبين كفره، لأن ذلك المخلوق لم يكن ليقول ذلك حتى يؤمر به، فإن قال الجهمي إن ذلك المخلوق قاله من غير أمر يؤمر به، فقد زعم الجهمي أن جميع هذه القصص كذب وافتراء على الله. وإن قال: قد قال ذلك المخلوق بإرادة الله من غير قول، فقد زعم أن ذلك المخلوق يعلم الغيب من دون الله، وأن المخلوق يعلم مراد الله وإن لم يقل هو، وهم يزعمون أن الله لا يعلم ما يكون إلا بعد أن يكون، وأن الخلق يسعون ويتقلبون في أمور مستأنفة لم يشأها الله ولم يعلمها إلا من بعد أن عملوها، ويزعمون هاهنا أن المخلوق يعلم ما يريد الله من غير أن يقوله، والله يقول فيما أخبر عن عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (١) والجهمي يزعم أن الخلق يعلمون ما في نفس الله من غير أن يقوله، وهو لا يعلم ما في نفوسهم حتى يقولوه أو يعملوه، تعالى الله عما يقوله الجهمي علوًّا كبيرًا، فالجهمي يزعم أن المخلوق يعلم الغيب والله لا يعلم، والله ﷿ يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢).\nومما يحتج به على الجهمي قول الله ﷿: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا\n_________\n(١) المائدة الآية (١١٦).\n(٢) النمل الآية (٦٥).","vol":"5","page":472},{"text":"الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ (١) وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ (٢) هل يجوز أن يكون هذا مخلوقًا؟ وهل يجوز لمخلوق من دون الله أن يقول: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ فالجهمي يزعم أن مع الله مخلوقًا خلق الخلق دونه. ومما يحتج به عليه قول الله ﷿: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٣) فأخبره أن أمره قبل الخلق وبعد فناء الخلق، فالأمر هو كلامه الذي يأمر به ويفعل به ما يريد به ويخلق. وقال الله ﷿: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٤) فدخل في قوله: الخلق كل مخلوق، ثم قال: والأمر، ففصل بينهما. وقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ (٥) وقال: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ (٦)\n_________\n(١) الحجر الآيتان (٤٩و٥٠).\n(٢) المدثر الآيات (١١ - ١٧).\n(٣) الروم الآية (٤).\n(٤) الأعراف الآية (٥٤).\n(٥) الدخان الآيتان (٤و٥).\n(٦) سبأ الآية (١٢).","vol":"5","page":473},{"text":"وقال: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٢)\nفهذه كلها لو سمي الأمر فيها باسم الخلق، لم يجز، ألا ترى أنه لا يمكن أن يقول: ألا له الخلق والخلق، لأنه قوله: الخلق يدخل فيه الخلق كله بقوله الخلق، والخلق باطل، لا يجوز أن يقال: فيها يفرق كل أمر حكيم خلقًا من عندنا، ولا يقال: ومن يزغ منهم عن خلقنا، ولا يجوز أن يقال: قل خلق ربي بالقسط، ولا يجوز أن يقال: إن الحكم إلا لله خلق أن لا تعبدوا إلا إياه، ولا يجوز أن يقال: حتى إذا جاء خلقنا. ولو كان معنى الأمر معنى الخلق، جاز في الكلام أن يتكلم بالمعنى، ففي هذا بيان كفر الجهمية فيما ادعوه أن القرآن مخلوق، وسنوضح ما قالوه بابًا بابًا، حتى لا يخفى على مسترشد أراد طريق الحق وأحب أن يسلكها ويزيد العالم بذلك بصيرة، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2229>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال رحمه الله تعالى: أما بعد وفقكم الله فإني مبين لكم شرائع الإيمان التي أكمل الله بها الدين، وسماكم بها المؤمنين وجعلكم إخوة عليها متعاونين، وميز المؤمنين بها من المبتدعين المرجئة الضالين، الذي زعموا أن الإيمان قول بلا عمل، ومعرفة من غير حركة. فإن الله ﷿ قد كذبهم في كتابه وسنة نبيه وإجماع العقلاء والعلماء من عباده، فتدبروا ذلك وتفهموا ما فيه وتبينوا\n_________\n(١) الأعراف الآية (٢٩).\n(٢) مريم الآية (٦٤) ..\n(٣) الإبانة (٢/ ١٣/١٥٠ - ٢٢٠).","vol":"5","page":474},{"text":"علله ومعانيه.\nفاعلموا رحمكم الله أن الإيمان إنما هو نظام اعتقادات صحيحة بأقوال صادقة وأعمال صالحة بنيات خالصة بسنن عادلة وأخلاق فاضلة جمع الله فيها لعباده مصالح دنياهم وآخرتهم ومراشد عاجلهم وآجلهم. (١)\n- وقال: اعلموا رحمكم الله أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به والتصديق له ولرسله ولكتبه وبكل ما جاءت به السنة، وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولًا وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفرضه من الأعمال، لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها، ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بأن يجمعها كلها حتى يكون مؤمنًا بقلبه مقرًا بلسانه عاملًا مجتهدًا بجوارحه، ثم لا يكون أيضًا مع ذلك مؤمنًا حتى يكون موافقًا للسنة في كل ما يقوله ويعمله، متبعًا للكتاب والعلم في جميع أقواله وأعماله، وبكل ما شرحته لكم نزل به القرآن، ومضت به السنة، وأجمع عليه علماء الأمة؛ فأما فرض المعرفة على القلب فما قاله الله ﷿ في سورة المائدة: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٥/٦٢٦).","vol":"5","page":475},{"text":"وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ (١) وقال في سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صدرًا ...﴾ الآية (٢). وقال ﷿: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (٣)\nفهذا بيان ما لزم القلوب من فرض الإيمان لا يرده ولا يخالفه ويجحده إلا ضال مضل. وأما بيان ما فرض على اللسان من الإيمان فهو ما قال الله ﷿ في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (٤) وقال في سورة آل عمران: ﴿قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ\n_________\n(١) المائدة الآية (٤١).\n(٢) النحل الآية (١٠٦).\n(٣) الإسراء الآية (٣٦) ..\n(٤) البقرة الآيتان (١٣٦و١٣٧).","vol":"5","page":476},{"text":"وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى آخر الآية (١). وقال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأني رسول الله» (٢). حدثنا أبو شيبة عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (٣).\nوأما الإيمان بما فرضه الله ﷿ من العمل بالجوارح تصديقًا لما أيقن به القلب ونطق به اللسان فذلك في كتاب الله تعالى يكثر على الإحصاء وأظهر من أن يخفى. قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ (٤) وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٥) في مواضع كثيرة من القرآن أمر الله فيها بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان والجهاد في سبيله وإنفاق الأموال وبذل الأنفس في ذلك، والحج بحركة الأبدان ونفقة الأموال، فهذا\n_________\n(١) آل عمران الآية (٨٤).\n(٢) البخاري (١/ ١٠٢/٢٥) ومسلم (١/ ٥٣/٢٢) من طريق واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر ﵄.\n(٣) رواه: أحمد (٣/ ٣٠٠) ومسلم (١/ ٥٢ - ٥٣/ ٢١ (٣٥» والترمذي (٥/ ٤٠٩/٣٣٤١) والنسائي في الكبرى (٦/ ٥١٤/١١٦٧٠) من طريق أبي الزبير عن جابر مرفوعًا. وأخرجه: مسلم (١/ ٥٢ - ٥٣/ ٢١ (٣٥» والنسائي (٧/ ٩١/٣٩٨٧) وابن ماجه (٢/ ١٢٩٥/٣٩٢٨) من طريق أبي سفيان عن جابر مرفوعًا.\n(٤) الحج الآية (٧٧).\n(٥) البقرة الآية (٤٣).","vol":"5","page":477},{"text":"كله من الإيمان، والعمل به فرض لا يكون المؤمن إلا بتأديته، وكل من تكلم بالإيمان وأظهر الإقرار بالتوحيد وأقر أنه مؤمن بجميع الفرائض غير أنه لا يضره تركها ولا يكون خارجًا من إيمانه إذا هو ترك العمل بها في وقتها مثل الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت مع الاستطاعة وغسل الجنابة، ويرى أن صلاة النهار إن صلاها بالليل أجزاه وصلاة الليل إن صلاها بالنهار أجزته، وإنه إن صام في شوال أجزأه، وإن حج في المحرم أو صفر أجزأه، وأنه متى اغتسل من الجنابة لم يضره تأخيره، ويزعم أنه مع هذا مؤمن مستكمل الإيمان عند الله على مثل إيمان جبريل وميكائيل والملائكة المقربين. فهذا مكذب بالقرآن مخالف لله ولكتابه ولرسله ولشريعة الإسلام، ليس بينه وبين المنافقين الذين وصفهم الله تعالى في كتابه فرق، قد نزع الإيمان من قلوبهم بل لم يدخل الإيمان في قلوبهم كما قال الله ﷿ فيهم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١)\nفكل من ترك شيئا من الفرائض التي فرضها الله ﷿ في كتابه أو أكدها رسول الله - ﷺ - في سنته -على سبيل الجحود لها والتكذيب بها- فهو كافر بين الكفر لا يشك في ذلك عاقل يؤمن بالله واليوم الآخر. ومن أقر بذلك وقاله بلسانه ثم تركه تهاونا ومجونًا أو معتقدًا لرأي المرجئة ومتبعا لمذاهبهم فهو تارك الإيمان ليس في قلبه منه قليل ولا كثير وهو في جملة المنافقين الذين نافقوا رسول الله - ﷺ -، فنزل القرآن بوصفهم وما أعد لهم وإنهم في الدرك\n_________\n(١) الحجرات الآية (١٤) ..","vol":"5","page":478},{"text":"الأسفل من النار، نستجير بالله من مذاهب المرجئة الضالة. (١)\n- وقال ﵀: وفرض الله الإيمان على جوارح ابن آدم وقسمه عليها وفرقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلا وهي موكلة من الإيمان بغير ما وكلت به صاحبتها، فمنها قلبه الذي يعقل به ويتقي به ويفهم به وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره، ومنها لسانه الذي ينطق به ومنها عيناه اللتان ينظر بهما، وسمعه الذي يسمع به، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يخطو بهما ... فليس من هذه جارحة إلا وهي موكلة من الإيمان بغير ما وكلت به صاحبتها بفرض من الله تعالى ينطق به الكتاب ويشهد به علينا. ففرض على القلب غير ما فرض على اللسان، وفرض على اللسان غير ما فرض على العينين، وفرض على العينين غير ما فرض على السمع، وفرض على السمع غير ما فرض على اليدين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه. وأما ما فرض على القلب فالإقرار والإيمان والمعرفة والتصديق والعقل والرضا والتسليم وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحدًا صمدًا لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى من رسول أو كتاب. فأما ما فرض على القلب من الإقرار والمعرفة فقد ذكرناه في أول هذا الكتاب، ونعيده هاهنا فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٦/٧٦٠ - ٧٦٤).","vol":"5","page":479},{"text":"مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (١) وقال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ (٢) وقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) فذلك ما فرضه على القلب من الإقرار والمعرفة والتصديق، وهو رأس الإيمان وهو عمله.\nوفرض على اللسان القول والتعبير عن القلب وما عقد عليه وأقر به. قال الله ﷿: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٥) فهذا ما فرض على اللسان من القول بما عقد عليه وذلك من الإيمان وهو عمل اللسان.\nوأما ما فرض على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله تعالى، فمما فرض على السمع قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٦) وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ\n_________\n(١) النحل الآية (١٠٦).\n(٢) الرعد الآية (٢٨).\n(٣) المائدة الآية (٤١).\n(٤) البقرة الآية (١٣٦).\n(٥) البقرة الآية (٨٣).\n(٦) النساء الآية (١٤٠).","vol":"5","page":480},{"text":"الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (١) وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ (٢) وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (٣) وقال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ (٤) فهذا ما فرض على السمع التنزه عن الاستماع إلى ما لا يحل له وهو عمل السمع وذلك من الإيمان.\nوفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم الله وأن يغض بصره عما لا يحل له مما نهى الله عنه، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (٥) وفرض على الرجال والنساء أن لا ينظروا إلى ما لا يحل لهم، وكل شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية فإنه من النظر.\nثم أخبر تعالى ما فرض على القلب واللسان والسمع والبصر في آية واحدة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (٦) فهذا ما فرض على\n_________\n(١) الزمر الآيتان (١٧و١٨).\n(٢) المؤمنون الآيات (١ - ٣).\n(٣) القصص الآية (٥٥).\n(٤) الفرقان الآية (٧٢).\n(٥) النور الآية (٣٠).\n(٦) الإسراء الآية (٣٦).","vol":"5","page":481},{"text":"العينين والسمع والبصر والفؤاد وهو عملهن وهو من الإيمان وفرض على الفرج أن لا يهتك عما حرم الله عليه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ (٢) ثم أخبر بمعصية السمع والبصر والفؤاد والأيدي والأرجل والجلود في آية واحدة، فقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ (٣) فعنى بالجلود الفروج، فهذا ما فرض على الفروج من الإيمان وهو عمله.\nوفرض على اليدين أن لا يبطش بهما فيما حرم الله عليهما وأن يبطش بهما فيما أمره الله تعالى به من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله والوضوء للصلوات، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٤) فهذا ما فرض على اليدين لأن الطهور نصف الإيمان وهو من عمل اليدين. وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ\n_________\n(١) المؤمنون الآية (٥).\n(٢) الأحزاب الآية (٣٥).\n(٣) فصلت الآية (٢٢).\n(٤) المائدة الآية (٦).","vol":"5","page":482},{"text":"الرِّقَابِ﴾ (١) فهذا ما فرض على اليدين، وصلة الرحم والضرب في سبيل الله وهو من الإيمان.\nوفرض على الرجلين أن لا يمشي بهما في شيء من معاصي الله وأن يستعملا فيما أمر الله تعالى من المشي إلى ما يرضيه، فقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (٢) وقال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ (٣)، وقال فما شهدت به الأيدي والأرجل على أنفسهما يوم القيامة من تضييعها وتركها فرض الله عليها وتعديها ما حرمه عليها: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ (٤) فهذا ما فرض الله على اليدين والرجلين من العمل وهو من الإيمان.\nوفرض على الوجه السجود آناء الليل والنهار في مواقيت الصلوات، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ الآية (٥) فهذه فريضة من الله تعالى جامعة على الوجه واليدين والرجلين. وقال في موضع آخر: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ (٦) يعني بالمساجد ما\n_________\n(١) محمد الآية (٤).\n(٢) لقمان الآية (١٨).\n(٣) لقمان الآية (١٩).\n(٤) يس الآية (٦٥).\n(٥) الحج الآية (٧٧).\n(٦) الجن الآية (١٨).","vol":"5","page":483},{"text":"سجد عليه ابن آدم في صلاته من الجبهة والأنف واليدين والرجلين والركبتين وصدور القدمين.\nوقال فيما فرض الله تعالى على الجوارح كلها من الصلاة والطهور، وذلك أن الله تعالى سمى الصلاة إيمانًا في كتابه، وذلك أن الله تعالى لما صرف نبيه - ﷺ - عن الصلاة إلى بيت المقدس وأمره أن يصلي إلى الكعبة قال المسلمون للنبي - ﷺ -: أرأيتك صلاتنا التي كنا نصلي إلى بيت المقدس ما حالها وما حالنا فيها وحال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى في ذلك قرآنًا ناطقًا، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١) يعني: صلواتكم إلى بيت المقدس، فسمى الله الصلاة إيمانًا (٢). فمن لقي الله حافظًا لجوارحه موفيًا كل جارحة من جوارحه ما فرض الله عليه لقي الله مؤمنًا مستكمل الإيمان، ومن ضيع شيئًا منها وتعدى ما أمر الله به فيها لقي الله تعالى ناقص الإيمان، وهو في مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، ومن جحد شيئًا كان كافرًا.\nقال الشيخ -أي ابن بطة-: فقد أخبر الله تعالى في كتابه في آي كثيرة منه أن هذا الإيمان لا يكون إلا بالعمل وأداء الفرائض بالقلوب والجوارح، وبَيَّنَ ذلك رسول الله - ﷺ - وشرحه في سنته، وأعلمه أمته، وكان مما قال الله تعالى في كتابه مما أعلمنا أن الإيمان هو العمل وأن العمل من الإيمان ما قاله في\n_________\n(١) البقرة الآية (١٤٣).\n(٢) سيأتي تخريجه قريبًا.","vol":"5","page":484},{"text":"سورة البقرة: ﴿* لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ والسائلين وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (١) فانتظمت هذه الآية أوصاف الإيمان وشرائطه من القول والعمل والإخلاص. (٢)\n- وقال ﵀: فقد أنبأنا الله ﷿ في كتابه عن معرفة الإيمان بدلالات القرآن أنه قول وعمل وتصديق ويقين، وأن جميع ما فرضه الله في القرآن شفاء لما في الصدور من الشك والشبهة والريب لما فيه من البيان والبرهان والحق المبين، ولكن الله ﷿ جعله شفاء ورحمة للمؤمنين: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ (٣) فمن لم يشفه القرآن ولم تنفعه السنة وما فيهما من النور والبيان والهدي والضياء، وتنطع وتعمق، وقال برأيه وقاس على الله وعلى رسوله بفعله وهواه، داخل الله في عمله ونازعه في غيبه، ولم يقنع بما كشف له عنه حتى خالف الكتاب والسنة وخرق إجماع\n_________\n(١) البقرة الآية (١٧٧).\n(٢) الإبانة (٢/ ٦/٧٦٥ - ٧٧٢).\n(٣) الإسراء الآية (٨٢).","vol":"5","page":485},{"text":"الأمة وضل ضلالًا بعيدًا وخسر خسرانًا مبينًا، واتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. (١)\n- وقال ﵀: فأي عبد أتعس جدًا ولا أعظم نكدًا ولا أطول شقاءً وعناءً، من عبد حرم البصيرة بنور القرآن والهداية بدلالته والزجر بموعظته. قال الله ﷿ بلسان عربي مبين وقوله الحق والصدق، قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (٢) فالهدي هدي الإيمان وهو القول، والدين هو العمل وجميع الفرائض والشرائع والأحكام ومجانبة الحرام والآثام. فالدين ليس هو خصلة واحدة ولكنه خصال كثيرة من أقوال وأفعال، من فرائض وأحكام، وشرائع وأمر ونهي، فقوله ﷿: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ يجمع ذلك كله حتى صار دينًا قيمًا، فمن كان من أهل الدين عمل بجميع ما فيه، ومن آمن ببعضه وكفر ببعضه لم يكن من أهله. ومن قال: الإيمان قول بلا عمل فليس هو من أهل دين الحق ولا مؤمن ولا مهتد ولا عامل بدين الحق، ولا قابل له، لأن الله ﷿ قد أعلمنا أن كمال الدين بإكمال الفرائض. قال الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٦/٧٧٣).\n(٢) التوبة الآية (٣٣).","vol":"5","page":486},{"text":"عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)\nوذلك أنه لما علم الله ﷿ الصدق منهم في إيمانهم والعمل بجميع ما افترضه عليهم من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت، وما بذلوه من مهج أنفسهم ونفقات أموالهم والخروج عن ديارهم وهجران آبائهم وقطيعة أهليهم وهجران شهواتهم ولذاتهم مما حرمها عليهم، وعلم حقيقة ذلك من قلوبهم بما زينه الله تعالى في قلوبهم وحببه إليهم من طاعته والعمل بأوامره والانتهاء عن زواجره، سمى هذه الأفعال كلها إيمانًا، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ (٢) فاستحقوا اسم الرشاد بإكمال الدين. وذلك أن القوم كانوا في فسحة وسعة ليس يجب عليهم صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا كان حرم عليهم كثيرًا مما هو محرم، وكان اسم الإيمان واقعا عليهم بالتصديق ترفقًا بهم لقرب عهدهم بالجاهلية وجفائها، فجعل الإقرار بالألسن والمعرفة بالقلوب الإيمان المفترض يومئذ، حتى إذا حلت مذاقة الإيمان على ألسنتهم، وحسنت زينته في أعينهم، وتمكنت محبته من قلوبهم، وأشرقت أنوار لبسته عليهم، وحسن استبصارهم فيه، وعظمت فيه رغبتهم، تواترت أوامره فيهم، وتوكدت فرائضه عليهم، واشتدت زواجره ونواهيه. فكلما أحدث لهم فريضة عبادة وزاجرة عن معصية ازدادوا إليه\n_________\n(١) المائدة الآية (٣) ..\n(٢) الحجرات الآيتان (٧و٨).","vol":"5","page":487},{"text":"مسارعة وله طاعة، دعاهم باسم الإيمان وزادهم فيه بصيرة، فقال: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ (١) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢)\nالآية، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣) ثم قال في فرض الجهاد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٤) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٥) ونظائر لهذا في القرآن كثيرة. وقال في النهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (٦) و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٧) و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ\n_________\n(١) الحج الآية (٧٨).\n(٢) المائدة الآية (٦) ..\n(٣) الجمعة الآية (٩).\n(٤) البقرة الآية (٢١٦). (في الأصل: «يا أيها الذين آمنوا كتب ...» وهو خطأ).\n(٥) التوبة الآية (٣٨).\n(٦) آل عمران الآية (١٣٠).\n(٧) المائدة الآية (٩٥).","vol":"5","page":488},{"text":"الشَّيْطَانِ﴾ (١)، فعلى هذا كل مخاطبة كانت منه لهم فيما أمر ونهى وأباح وحظر. وكان اسم الإيمان واقعًا بالإقرار الأول إذا لم يكن هناك فرض غيره، فلما نزلت الشرائع بعد هذا وجب عليهم التزام فرضها والمسارعة إليها كوجوب الأول سواء، لا فرق بينهما، لأنهما جميعًا من عند الله وبأمره وإيجابه. ولقد فرضت الصلاة عليهم بمكة فصلوا نحو بيت المقدس، فلما هاجروا إلى المدينة أقاموا بها يصلون نحوه ثمانية عشر شهرًا، ثم حولت القبلة نحو الكعبة فلو لم يصلوا نحو الكعبة كما أمروا لما أغنى عنهم الإقرار الأول ولا الإيمان المتقدم.\nولقد بلغ بهم الإشفاق في الطاعة والمسارعة إليها أن خافوا على من مات وهو يصلي نحو بيت المقدس قبل تحويل القبلة حتى قال قائلهم: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله ﷿ قرآنًا أزال عنهم ذلك الإشفاق، وأعلمهم به أيضًا أن الصلاة إيمان. فقال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِن اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ (٢).\nحدثنا أبو شيبة عبد العزيز بن جعفر الخوارزمي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الواسطي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «لما توجه رسول الله - ﷺ - إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا يصلون إلى بيت\n_________\n(١) المائدة الآية (٩٠).\n(٢) البقرة الآية (١٤٣).","vol":"5","page":489},{"text":"المقدس؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١)» (٢) وبلغني عن يعقوب الدورقي من غير رواية المحاملي، قال: بلغني عن سفيان، أنه قال: ما علمت أن الصلاة من الإيمان حتى قرأت هذه الآية فالله ﷿ قد جعل الصلاة من الإيمان وسمى العاملين بها مؤمنين، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (٣) ثم نعت وصف الإيمان فيهم ثم ذكر ما وعدهم به عند آخر وصفهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ (٤).\nوالمرجئة تزعم أن الصلاة والزكاة ليستا من الإيمان، فقد أكذبهم الله ﷿ وأبان خلافهم. واعلموا، رحمكم الله، أن الله ﷿ لم يثن على المؤمنين ولم يصف ما أعد لهم من النعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم ولم يخبرهم برضاه عنهم إلا بالعمل الصالح والسعي الرابح، وقرن القول بالعمل والنية بالإخلاص، حتى صار اسم الإيمان مشتملًا على المعاني الثلاثة لا ينفصل بعضها من بعض ولا ينفع بعضها دون بعض حتى صار الإيمان: قولًا باللسان وعملًا بالجوارح ومعرفة بالقلب خلافا لقول المرجئة الضالة الذين\n_________\n(١) البقرة الآية (١٤٣).\n(٢) أحمد (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥) وأبو داود (٥/ ٥٩ - ٦٠/ ٤٦٨٠) والترمذي (٥/ ١٩٢/٢٩٦٤) وقال: \"حسن صحيح\". وابن حبان (الإحسان ٤/ ٦٢٠ - ٦٢١/ ١٧١٧) كلهم بذات الإسناد. ورواية سماك بن حرب عن عكرمة مضطربة، لكن له شاهد من رواية البراء بن عازب يتقوى به عند البخاري (١/ ١٢٨ - ١٢٩/ ٤٠).\n(٣) المؤمنون الآيتان (١و٢).\n(٤) المؤمنون الآيتان (١٠و١١).","vol":"5","page":490},{"text":"زاغت قلوبهم وتلاعبت الشياطين بعقولهم، وذكر الله ﷿ ذلك كله في كتابه والرسول - ﷺ - في سنته. (١)\n- وقال ﵀عقب ذكر آيات في ثناء الله ﷿ على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات، وقد تقدمت-: فتفهموا رحمكم الله هذا الخطاب وتدبروا كلام ربكم ﷿ وانظروا هل ميز الإيمان من العمل أو هل أخبر في شيء من هذه الآيات أنه ورث الجنة لأحد بقوله دون فعله؟ ألا ترون إلى قوله ﷿: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (٢)، ولم يقل بما كنتم تقولون. وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ (٣) ولم يقل: بما قالوا. وقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٤) ولم يقل: أحسن قولًا. وقال في قصة الكفار: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (٥) ولم يقولوا: غير الذي كنا نقول. وقال ﷿: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٦/٧٧٤ - ٧٧٩).\n(٢) الزخرف الآية (٧٢).\n(٣) النجم الآية (٣١).\n(٤) الملك الآية (٢).\n(٥) الأعراف الآية (٥٣).","vol":"5","page":491},{"text":"لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (١) فلم يفرد الإيمان حتى قال: كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله يقول أي بما في كتبه من أمره ونهيه وفرائضه وأحكامه، ثم حكى ذلك عنهم حين صدقهم في قولهم وفعلهم، فقال: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، فيصير الإيمان بذلك كله إيمانًا واحدًا وقولًا واحدًا ولم يفرق بعضه من بعض. فمن زعم أن ما في كتاب الله ﷿ من شرائع الإيمان وأحكامه وفرائضه ليست من الإيمان، وأن التارك لها والمتثاقل عنها مؤمن فقد أعظم الفرية وخالف كتاب الله ونبذ الإسلام وراء ظهره ونقض عهد الله وميثاقه.\nقال الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ (٢)، ثم قال: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ (٣)، ثم قال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (٤)، ثم قال: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾. فجمع\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٨٥).\n(٢) آل عمران الآية (٨١).\n(٣) آل عمران الآية (٨٢).\n(٤) آل عمران الآية (٨٣).","vol":"5","page":492},{"text":"القول والعمل في هذه الآية. [وقال الله ﷿] (١) فمن زعم أنه يقر بالفرائض ولا يؤديها [ويعلمها] (٢) وبتحريم الفواحش والمنكرات ولا ينزجر عنها ولا يتركها وأنه مع ذلك مؤمن فقد كذب بالكتاب وبما جاء به رسوله، ومثله كمثل المنافقين الذين قالوا: ﴿آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) فأكذبهم الله ورد عليهم قولهم وسماهم منافقين، مأواهم الدرك الأسفل من النار، على أن المنافقين أحسن حالًا من المرجئة، لأن المنافقين جحدوا العمل وعملوه، والمرجئة أقروا بالعمل بقولهم وجحدوه بترك العمل به، فمن جحد شيئًا وأقر به بلسانه وعمله ببدنه أحسن حالًا ممن أقر بلسانه وأبى أن يعمله ببدنه، فالمرجئة جاحدون لما هم به مقرون ومكذبون لما هم به مصدقون، فهم أسوأ حالًا من المنافقين. ويح لمن لم يكن القرآن والسنة دليله فما أضل سبيله وأكسف باله وأسوأ حاله.\nحدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا أحمد بن الوليد الفحام، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: حدثنا أبو عبيدة الناجي، أنه سمع الحسن يقول: قال قوم على عهد رسول الله - ﷺ -: إنا لنحب ربنا ﷿ فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ\n_________\n(١) هكذا وقع بالأصل، فإما أن هناك سقط، أو أنها زائدة والسياق بدونها مستقيم، والله أعلم.\n(٢) كذا بالأصل ولعل الصواب، والله أعلم: \"لا يعلمها\".\n(٣) المائدة الآية (٤١).","vol":"5","page":493},{"text":"وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (١) فجعل الله ﷿ اتباع نبيه محمد - ﷺ - علمًا لمحبته، وأكذب من خالفه. ثم جعل على كل قول دليلًا من عمل يصدقه ومن عمل يكذبه، يعلم نبيه - ﷺ - والمؤمنين من عبادة الإيمان: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ (٢) فأعلمه في هذه الآية أن الإيمان بالله هو الإيمان بما أنزل عليه وبما أنزل من قبله على رسل الله، وبما في كتبه من الشرائع والأحكام والفرائض، وأن ذلك هو الإيمان والإسلام، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (٣)، ففي هذا دليل على أن الإيمان قول وعمل ليس ينفصل الإسلام من العمل في هذه الآية، وذلك أن الله ﷿ قد أخبرنا أنه ليس يقبل قولًا إلا بعمل. قال الله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤)\nفأخبرنا ﷿ أنه لا يقبل قولًا طيبًا إلا بعمل صالح، أو عملًا صالحًا إلا بقول طيب، لأنه قال في آية\n_________\n(١) آل عمران الآية (٣١).\n(٢) البقرة الآية (١٣٦).\n(٣) آل عمران الآية (٨٥).\n(٤) فاطر الآية (١٠) ..","vol":"5","page":494},{"text":"أخرى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (١) فلا قول أزكى ولا أطيب من التوحيد، ولا عمل أصلح ولا أفضل من أداء الفرائض واجتناب المحارم. فإذا قال قولًا حسنًا أو عمل عملًا حسنًا رفع الله قوله بعمله، وإذا قال قولًا حسنًا وعمل عملًا سيئًا رد الله قوله على العمل وذلك في كتاب الله ﷿، فأنزل الله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢). (٣)\n- وقال ﵀: وحسبك من كتاب الله ﷿ بآية جمعت كل قول طيب وكل عمل صالح قوله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٤). فإنه جمع في هذه الآية القول والعمل والإخلاص والطاعة لعبادته وطاعته والإيمان به وبكتبه وبرسله وما كانوا عليه من عبادة الله وطاعته، فهل للعبادة التي خلق الله العباد لها عمل غير عمل من الإيمان، فالعبادة من الإيمان هي أو من غير الإيمان؟ فلو كانت العبادة التي خلقهم الله لها قولًا بغير عمل لما أسماها عبادة ولسماها قولًا، ولقال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليقولون، وليس يشك العقلاء أن العبادة خدمة، وأن الخدمة عمل، وأن العامل مع الله ﷿ إنما عمله أداء الفرائض واجتناب المحارم\n_________\n(١) النحل الآية (٩٧).\n(٢) فاطر الآية (١٠).\n(٣) الإبانة (٢/ ٦/٧٨٧ - ٧٩٢).\n(٤) الذاريات الآية (٥٦).","vol":"5","page":495},{"text":"وطاعة الله فيما أمر به من شرائع الدين وأداء الفرائض. قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١) الآية، فهل يخفى على ذي لب سمع هذا الخطاب الذي نزل به نص الكتاب أن اسم الإيمان قد انتظم التصديق بالقول والعمل والمعرفة؟ قال الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٢) وقال لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (٣)\nوقال: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾ (٤) وإقام الصلاة هو العمل، وهو الدين الذي أرسل به المرسلين وأمر به المؤمنين، فما ظنكم رحمكم الله بمن يقول: إن الصلاة ليست\n_________\n(١) الحج الآيتان (٧٧و٧٨).\n(٢) الأنبياء الآية (٢٥).\n(٣) الأنعام الآيتان (١٦٢و١٦٣) ..\n(٤) الأنعام الآيتان (٧١و٧٢).","vol":"5","page":496},{"text":"من الإيمان، والله ﷿ يقول: ﴿* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ (١). فجعل الله من ترك الصلاة مشركًا خارجًا من الإيمان، لأن هذا الخطاب للمؤمنين تحذير لهم أن يتركوا الصلاة فيخرجوا من الإيمان ويكونوا كالمشركين. وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ (٢).\nفقال: من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة، فلم يفرق بين الإيمان وبين الصلاة والزكاة، فمن لم يؤمن لم تنفعه الصلاة، ومن لم يصل لم ينفعه، الإيمان، واستبدل بمحل الصلاة من الإيمان ونزولها منه بالذروة العليا وأن الله ﷿ فرضها بالطهارة بالماء، فلا تجزىء الصلاة إلا بالطهارة، فلما علم الله ﷿ أن عباده يكونون بحيث لا ماء فيه وبحال لا يقدرون معها إلى استعمال الماء فرض عليهم التيمم بالتراب عوضًا من الماء، لئلا يجد أحد في ترك الصلاة مندوحة، ولا في تأخيرها عن وقتها رخصة، وكذلك فرض عليهم الصلاة في حال شدة الخوف ومبارزة العدو فأمرهم بإقامتها على الحال التي هم فيها فعلمهم كيف يؤدونها؛ فهل يكون أحد هو أعظم جهلًا وأقل علمًا وأضل عن سواء السبيل\n_________\n(١) الروم الآية (٣١).\n(٢) التوبة الآية (١٨).","vol":"5","page":497},{"text":"وأشد تكذيبًا لكتاب الله وسنة رسوله وسنة الإيمان وشريعة الإسلام ممن علم أن الله ﷿ قد فرض الصلاة وجعل محلها من الإيمان هذا المحل، وموضعها من الدين هذا الموضع، وألزم عباده إقامتها هذا الإلزام في هذه الأحايين، وأمر بالمحافظة والمواظبة عليها على هذه الشدائد والضرورات، فيخالف ذلك إلى اتباع هواه وإيثاره لرأيه المحدث الذي ضل به عن سواء السبيل وأضل به من اتبعه فصار ممن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا.\nقال الشيخ -أي ابن بطة-: فقد تلوت عليكم من كتاب الله ﷿ ما يدل العقلاء من المؤمنين أن الإيمان قول وعمل وأن من صدق بالقول وترك العمل كان مكذبًا وخارجًا من الإيمان، وأن الله لا يقبل قولًا إلا بعمل ولا عملًا إلا بقول. (١)\n- وفيها أيضًا: فمن صفة أهل العقل والعلم أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله لا على وجه الشك ونعوذ بالله من الشك في الإيمان، لأن الإيمان إقرار لله بالربوبية وخضوع له في العبودية وتصديق له في كل ما قال وأمر ونهى.\nفالشاك في شيء من هذا كافر لا محالة، ولكن الاستثناء يصح من وجهين: أحدهما نفي التزكية لئلا يشهد الإنسان على نفسه بحقائق الإيمان وكوامله، فإن من قطع على نفسه بهذه الأوصاف شهد لها بالجنة وبالرضاء وبالرضوان، ومن شهد لنفسه بهذه الشهادة كان خليقًا بضدها، أرأيت لو أن\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ٦/٧٩٢ - ٧٩٥).","vol":"5","page":498},{"text":"رجلًا شهد عند بعض الحكام على شيء تافه نزر، فقال له الحاكم: لست أعرفك ولكني أسأل عنك ثم أسمع شهادتك، فقال له: إنك لن تسأل عني أعلم بي مني، أنا رجل زكي عدل مأمون رضي جائز الشهادة ثابت العدالة. أليس كان قد أخبر عن نفسه بضعف بصيرته وقلة عقله بما دل الحاكم على رد شهادته وأغناه عن المسألة عنه؟ فما ظنك بمن قطع على نفسه بحقائق الإيمان التي هي من أوصاف النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحكم لنفسه بالخلود في جنات النعيم. ويصح الاستثناء أيضًا من وجه آخر يقع على مستقبل الأعمال ومستأنف الأفعال وعلى الخاتمة وبقية الأعمار، ويريد أني مؤمن إن ختم الله لي بأعمال المؤمنين، وإن كنت عند الله مثبتًا في ديوان أهل الإيمان، وإن كان ما أنا عليه من أفعال المؤمنين أمرًا يدوم لي ويبقى علي حتى ألقى الله به، ولا أدري هل أصبح وأمسي على الإيمان أم لا؟ وبذلك أدب الله نبيه والمؤمنين من عباده. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١) فأنت لا يجوز لك إن كنت ممن يؤمن بالله وتعلم أن قلبك بيده يصرفه كيف شاء أن تقول قولًا جزمًا حتمًا إني أصبح غدًا مؤمنًا ولا تقول إني أصبح غدًا كافرًا ولا منافقًا إلا أن تصل كلامك بالاستثناء فتقول إن شاء الله. فهكذا أوصاف العقلاء من المؤمنين.\nحدثنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، قال: حدثنا موسى\n_________\n(١) الكهف الآيتان (٢٣و٢٤).","vol":"5","page":499},{"text":"-يعني ابن علي- عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ما أحب أن أحلف لا أصبح كافرًا ولا أمسي كافرًا.\nوقال ﵀: والاستثناء أيضًا يكون على اليقين. قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ (١). وقال النبي - ﷺ -: «إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله» (٢). ومر - ﷺ - بأهل القبور فقال: «وإنا بكم إن شاء الله لاحقون» (٣)، وهو يعلم أنه ميت لا محالة.\nولكن الله تعالى بذلك أدب أنبياءه وأولياءه أن لا يقولوا قولا أملوه وخافوه وأحبوه أو كرهوه إلا شرطوا مشيئة الله فيه. قال إبراهيم خليل الرحمن - ﷺ -: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ (٤). وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ (٥). فهذا طريق الأنبياء والعلماء والعقلاء وجميع من مضى من السلف والخلف والمؤمنين من الخلف الذين جعل الله ﷿ الاقتداء بهم هداية وسلامة واستقامة وعافية من الندامة. (٦)\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٧).\n(٢) أحمد (٦/ ٦٧) ومسلم (٢/ ٧٨١/١١١٠) وأبو داود (٢/ ٧٨٢ - ٧٨٣/ ٢٣٨٩) والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٦٢/١١٥٠٠) من حديث عائشة ﵂.\n(٣) مسلم (٢/ ٦٦٩/٩٧٤) وأبو داود (٣/ ٥٥٨ - ٥٥٩/ ٣٢٣٧)، وغيرهما من حديث عائشة. وفي الباب عن أبي هريرة وبريدة الأسلمي ﵄.\n(٤) الأنعام الآية (٨٠).\n(٥) الأعراف الآية (٨٩).\n(٦) الإبانة (٢/ ٧/٨٦٤ - ٨٦٧).","vol":"5","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2230>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ابن بطة: الباب الثاني في ذكر ما أعلمنا الله تعالى في كتابه أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأنه لا يهتدي بالمرسلين والكتب والآيات والبراهين إلا من سبق في علم الله أنه يهديه. -ثم ساق ﵀ مجموعة من الآيات في بيان ذلك- ثم قال: ففي كل هذه الآيات يعلم الله ﷿ عباده المؤمنين أنه هو الهادي المضل، وأن الرسل لا يهتدي بها إلا من هداه الله، ولا يأبى الهداية إلا من أضله الله، ولو كان من اهتدى بالرسل والأنبياء مهتديًا بغير هدايته؛ لكان كل من جاءهم المرسلون مهتدين لأن الرسل بعثوا رحمة للعالمين، ونصيحة لمن أطاعهم من الخليقة أجمعين، فلو كانت الهداية إليهم؛ لما ضل أحد جاءوه. أما سمعت ما أخبرنا مولانا الكريم من نصيحة نبينا - ﷺ - وحرصه على إيماننا حين يقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ (١)، وبالذي أخبرنا به عن خطاب نوح ﵇ لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾ (٢). هذا من أحكام الله وعدله الذي لا يجوز لأحد أن يتفكر فيه ولا يظن فيه بربه غير العدل، وأن يحمل ما جهله من ذلك على\n_________\n(١) التوبة الآية (١٢٨).\n(٢) هود الآية (٣٤).","vol":"5","page":501},{"text":"نفسه ولا يقول كيف بعث الله ﷿ نوحًا إلى قومه وأمره بنصيحتهم ودلالتهم على عبادته والإيمان به وبطاعته، والله يغويهم ويحول بينهم وبين قبول ما جاء به نوح إليهم عن ربه؛ حتى كذبوه وردوا ما جاء به، ولقد حرص نوح في هداية الضال من ولده، ودعا الله أن ينجيه من أهله؛ فما أجيب، وعاتبه الله في ذلك بأغلظ العتاب، حين قال نوح: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ (١)،\nفقال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ (٢). وذلك أن ابن نوح كان ممن سبقت له من الله الشقوة، وكتب في ديوان الضلال الأشقياء، فما أغنت عنه نبوة أبيه ولا شفاعته فيه؛ فنحمد ربنا أن خصنا بعنايته، وابتدأنا بهدايته من غير شفاعة شافع ولا دعوة داع، وإياه نسأل أن يتم ما به ابتدأنا، وأن يمسكنا بعرى الدين الذي إليه هدانا، ولا ينزع منا صالحًا أعطانا. (٣)\n- وقال ﵀: وفرض على المسلمين أن يؤمنوا ويصدقوا بأن علم الله ﷿ قد سبق ونفذ في خلقه قبل أن يخلقهم؛ كيف يخلقهم، وماذا هم عاملون، وإلى ماذا هم صائرون؛ فكتب ذلك في اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب، ويصدق ذلك قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي\n_________\n(١) هود الآية (٤٥) ..\n(٢) هود الآية (٤٦).\n(٣) الإبانة) ١/ ٨/٢٦٤ - ٢٦٥).","vol":"5","page":502},{"text":"السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (١). يقول: أحصى ما هو كائن قبل أن يكون؛ فخلقهم على ذلك العلم السابق فيهم، ثم أرسل بعد العلم بهم والكتاب الرسل إلى بني آدم يدعونهم إلى توحيد الله وطاعته، وينهونهم عن الشرك بالله ومعصيته، يدلك على تصديق ذلك قوله ﷿ لنبيه - ﷺ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٢) فالرسل في الظاهر تدعوهم إلى الله وتأمرهم بعبادته وطاعته، ثم أرسل الشياطين على الكافرين يدعونهم إلى الشرك والمقام على الكفر والمعاصي، كل ذلك ليتم ما علم، ولا يكون إلا ما أمر؛ فسبحان من جعل هذا هكذا وحجب قلوب الخلق ومنعهم على مراده في ذلك وجعله سره المخزون وعلمه المكتوم. ويصدق ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ\n_________\n(١) الحج الآية (٧٠).\n(٢) الأنبياء الآية (٢٥).\n(٣) مريم الآية (٨٣).","vol":"5","page":503},{"text":"بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ (١). أما ترى كيف أعلمنا أن السحر كفر، وأنه أنزله على هاروت وماروت وجعلهما فتنة ليكفر من كتبه كافرًا بفتنتهما، وأن السحر الذي يعلمانه الناس كفر، وأنه لا يضر أحدًا؛ إلا من قد أذن الله أن يضره السحر، وذلك عدل منه سبحانه. وقال ﷿: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿* وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ (٣). وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ (٤).\nقال ابن بطة: فقد أخبرنا الله ﷿ في كتابه وعلى لسان رسوله أنه يرسل الشياطين فتنة للكافرين الذين حق عليهم القول ومن سبقت عليه الشقوة حتى يؤزوهم أزًّا، ويحرضوهم على الكفر تحريضًا، ويزينوا لهم سوء أعمالهم، وكذلك أخبرنا أنه هو تعالى فتن قوم\n_________\n(١) البقرة الآية (١٠٢).\n(٢) الصافات الآيتان (١٦٢و١٦٣).\n(٣) فصلت الآية (٢٥).\n(٤) الزخرف الآيتان (٣٦و٣٧).","vol":"5","page":504},{"text":"موسى حتى عبدوا العجل وضلوا عن سواء السبيل. وقال ﷿: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ (١). وقال ﷿: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (٢). وقال ﷿: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾ (٣). وقال: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٤). قال ابن بطة: فهذا كلام الله ﷿ وإخباره عن فعله في خلقه، يعلمهم أن المفتون من فتنه، والهادي من هداه، والضال من أضله وحال بينه وبين الهدى، وأن الشياطين هو خلقها وسلطها، والسحر هو أنزله على السحرة، وأنه لا يضر أحدًا إلا بإذنه؛ فتعس عبد وانتكس سمع هذا الكلام الفصيح الذي جاء به الرسول الصادق ﵇ من كتاب ربه الناطق فيتصامم عنه ويتغافل، ويتمحل لآرائه وأهوائه المقاييس بالكلام المزخرف والقول المحرف؛ ابتغاء الفتنة وحب الأتباع والأشياع، ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ (٥).اهـ (٦)\n_________\n(١) طه الآية (٨٥).\n(٢) الأنبياء الآية (٣٥).\n(٣) الأعراف الآية (١٦٨).\n(٤) غافر الآية (٣٧).\n(٥) النحل الآية (٢٥).\n(٦) الإبانة (١/ ٨/٢٦٧ - ٢٧١).","vol":"5","page":505},{"text":"- وقال ﵀: فالقدرية المخذولة يسمعون هذا وأضعافه، ويتلونه ويتلى عليهم؛ فتأبى قلوبهم قبوله، ويردونه كله ويجحدونه بغيًا وعلوًا وأنفة من الحق، وتكبرا على الله ﷿ وعلى كتابه وعلى رسوله - ﷺ - وعلى سنته، وللشقوة المكتوبة عليهم؛ فهم لا يسمعون إلا ما وافق أهواءهم، ولا يصدقون من كتاب الله ولا من سنة نبيه؛ إلا ما استحسنته آراؤهم، فهم كما قال الله ﷿: ﴿* وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ (١)، هم كما قال ﷿: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ (٢) وهكذا القدري الخبيث الذي قد سلط الله عليه الشياطين، يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، تزجره بكتاب الله تعالى؛ فلا ينزجر، وسنة رسول الله؛ فلا يذكر. وبقول الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ فلا ينحسر، وتضرب له الأمثال؛ فلا يعتبر، مصر على مذهبه الخبيث النجس الذي خالف فيه رب العالمين والملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين وجميع فقهاء المسلمين، وضارع فيه اليهود والنصارى والمجوس والصابئين؛ فلم يجد أنيسًا في طريقته ولا مصاحبًا على مذهبه غيرهم، أعاذنا الله وإياكم من مذاهب القدرية والأهواء الرديئة والبدع المهلكة المردية، وجعلنا وإياكم للحق مصدقين، وعن الباطل حائدين، وثبتنا\n_________\n(١) الأنعام الآية (١١١).\n(٢) البقرة الآية (١٧١).","vol":"5","page":506},{"text":"وإياكم على الدين الذي رضيه لنفسه واختص به من أحبه من عباده، الذين علموا أن قلوبهم بيده، وهممهم وحركاتهم في قبضته؛ فلا يهمون ولا يتنفسون إلا بمشيئته، فهم فقراء إليه في سلامة ما خولهم من نعمه، ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١) كما أمرهم به من مسألته.\n﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال ﵀: فلو كان الأمر كما تزعم القدرية؛ كانت الحجة قد ظهرت على نوح من قومه، ولقالوا له: إن كان الله هو الذي يريد أن يغوينا؛ فلم أرسلك إلينا، ولم تدعونا إلى خلاف مراد الله لنا؟ ولو كان الأمر كما تزعم هذه الطائفة بقدر الله ومشيئته في خلقه وتزعم أنه يكون ما يريده العبد الضعيف الذليل لنفسه، ولا يكون ما يريده الرب القوي الجليل لعباده؛ فلم حكى الله ﷿ ما قاله نوح لقومه مثنيًا عليه وراضيًا بذلك من قوله؟ وقال شعيب ﵇: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤). ثم قال شعيب في موضع\n_________\n(١) الأنعام الآية (٦٣).\n(٢) آل عمران الآية (٨).\n(٣) الإبانة (١/ ٨/٢٨٢ - ٢٨٣).\n(٤) الأعراف الآية (٨٩).","vol":"5","page":507},{"text":"آخر: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ (١). وقال إبراهيم ﵇ في محاجته لقومه: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ (٢).\nوقال أيضًا فيما حكاه عن إبراهيم وشدة خوفه وإشفاقه على نفسه وولده أن يبلى بعبادة الأصنام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ (٣). وقال فيما أخبر عن يوسف ﵇، ولجئه إلى ربه، وخوفه الفتنة على نفسه إن لم يكن هو المتولي لعصمته: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ (٤)، قال الله ﷿: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ (٥).\nثم أخبرنا تعالى أن العصمة في البداية وإلهامه إياه الدعوة، كانت بالعناية\n_________\n(١) هود الآية (٨٨).\n(٢) الأنعام الآية (٨٠).\n(٣) إبراهيم الآية (٣٥).\n(٤) يوسف الآية (٣٣).\n(٥) يوسف الآية (٣٤).","vol":"5","page":508},{"text":"من مولاه الكريم به؛ فقال: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ (١)، وقال ﷿ فيما أخبر عن موسى حين دعا على فرعون وقومه بأن لا يؤمنوا وعن استجابته له وإعطائه ما سأل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ (٢)، قال الله تعالى: ﴿قد أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ (٣). وقال فيما أعلمه لنوح بكفر قومه وتكذيبهم له: ﴿وأوحى إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ (٤). وقال تعالى فيما أخبر عن أهل النار واعترافهم بأن الهداية من الله ﷿؛ فقال: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ\n_________\n(١) يوسف الآية (٢٤).\n(٢) يونس الآية (٨٨).\n(٣) يونس الآية (٨٩).\n(٤) هود الآية (٣٦).","vol":"5","page":509},{"text":"عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ (١).\nفاعترف أهل النار بأن الله ﷿ منعهم الهداية، وأنه لو هداهم اهتدوا؛ فاسمعوا رحمكم الله إلى كتاب ربكم، وانظروا هل تجدون فيه مطمعًا لما تدعيه القدرية عليه من نفي القدرة والمشيئة والإرادة عنه وإضافة القدرة والمشيئة إلى أنفسهم، وتفهموا قول الأنبياء لقومهم وكلام أهل النار واعتذار بعضهم إلى بعض بمنع الله الهداية لهم، والله ﷿ يحكي ذلك كله عنهم غير مكذب لهم ولا راد ذلك عليهم. واعلموا رحمكم الله أن الله ﷿ أرسل رسله مبشرين ومنذرين وحجة على العالمين، فمن شاء الله تعالى له الإيمان؛ آمن، ومن شاء الله أن يكفر؛ كفر، فلم يجب الرسل إلى دعوتهم ولم يصدقهم برسالتهم إلا من كان في سابق علم الله أنه مرحوم مؤمن، ولم يكذبهم ويرد ما جاءوا به إلا من قد سبق في علم الله أنه شقي كافر، وعلى ذلك جميع أحوال العباد صغيرها وكبيرها، كلها مثبتة في اللوح المحفوظ والرق المنشور قبل خلق الخلق؛ فالأنبياء ليس يهتدي بدعوتهم ولا يؤمن برسالتهم إلا من كان في سابق علم الله أنه مؤمن بهم، ولقد حرص الأنبياء وأحبوا الهداية والإيمان لقوم من أهاليهم وآبائهم وأبنائهم وذوي أرحامهم؛ فما اهتدى منهم إلا من كتب الله له الهداية والإيمان، ولقد عوتبوا في ذلك بأشد العتب، وحسبك بقول نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ (٢)، وبجواب الله\n_________\n(١) إبراهيم الآية (٢١).\n(٢) هود الآية (٤٥).","vol":"5","page":510},{"text":"﷿: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ (١).\nثم أخبرنا بجملة دعوة المسلمين، وبماذا كانت الإجابة من قومهم أجمعين، فقال ﷿ في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ (٢). ثم عزى نبيه - ﷺ - في حرصه على هداية قومه بقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ (٣)، فمن خذله الله بالمعصية؛ فمن ذا الذي نصره بالطاعة؟ ثم قال لنبيه - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ (٤). وقال له أيضًا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ\n_________\n(١) هود الآية (٤٦).\n(٢) النحل الآية (٣٦).\n(٣) النحل الآية (٣٧).\n(٤) القصص الآية (٥٦).","vol":"5","page":511},{"text":"يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ (١). وقال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢).\nفكل هذا يدل العقلاء ويؤمن المؤمنين من عباد الله والعلماء أن الأنبياء إنما بعثوا مبشرين ومنذرين حجة على العالمين، وأن من شاء الله له الإيمان؛ آمن ومن لم يشأ له الإيمان؛ لم يؤمن، وأن ذلك كله مفروغ منه، قد علم ربنا ﷿ المؤمن من الكافر والمطيع من العاصي والشقي من السعيد، وكتب لقوم الإيمان بعد الكفر؛ فآمنوا، ولقوم الكفر بعد الإيمان؛ فكفروا، والطاعة بالتوبة بعد المعصية؛ فتابوا، وعلى آخرين الشقوة؛ فكفروا، فماتوا على كفرهم، وكل ذلك في إمام مبين. (٣)\n- وقال ﵀: فجميع ما قد ذكرته لك واجب على المسلمين معرفته والإيمان به، والإذعان لله ﷿ والإقرار له بالعلم والقدرة، وأنه ليس شيء كان ولا هو كائن إلا وقد علمه الله ﷿ قبل كونه ثم كان بمشيئة الله وقدرته، فمن زعم أن الله ﷿ شاء لعباده الذين جحدوه وكفروا به وعصوه الخير والإيمان به والطاعة له، وأن العباد شاؤوا لأنفسهم الشر والكفر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم في أنفسهم واختيارهم لها خلافا لمشيئته فيهم فكان ما شاؤوا ولم يكن ما شاء الله؛ فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله وأنهم أقدر على ما يريدون منه على ما يريد؛ فأي افتراء\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٨٨).\n(٢) إبراهيم الآية (٤).\n(٣) الإبانة (١/ ٨/٢٨٧ - ٢٩٢).","vol":"5","page":512},{"text":"على الله يكون أكثر من هذا؟ ومن زعم أن أحدًا من الخلق صائر إلى غير ما خلق له وعلمه الله منه؛ فقد نفى قدرة الله ﷿ عن خلقه، وجعل الخلق يقدرون لأنفسهم على ما لا يقدر الله عليه منهم، وهذا إلحاد وتعطيل وإفك على الله ﷿ وكذب وبهتان، ومن زعم أن الزنا ليس بقدر؛ قيل له: أرأيت هذه المرأة التي حملت من الزنا وجاءت بولدها؛ هل شاء الله أن يخلق هذا الولد، وهل مضى هذا في سابق علم الله، وهل كان في الذرية التي أخذها ﷿ من ظهر آدم؟ فإن قال: لا، فقد زعم أن مع الله خالقًا غيره وإلها آخر، وهذا قول يضارع الشرك، بل هو الشرك الصارح، تعالى الله عما تقول الملحدة القدرية علوًّا كبيرًا، ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل مال الحرام ليس بقضاء وقدر من الله؛ لقد زعم أن هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره، وأن ما أخذه وأكله وملكه وتصرف فيه من أحوال الدنيا وأموالها؛ كان إليه وبقدرته؛ يأخذ منها ما يشاء، ويدع ما يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، إن شاء أغنى نفسه؛ أغناها، وإن شاء أن يفقرها؛ أفقرها، وإن أحب أن يكون ملكًا؛ كان، وإن أحب غير ذلك؛ كان، وهذا قول يضارع قول المجوسية، بل ما كانت تقوله الجاهلية، لكنه أكل رزقه، وقضى الله له أن يأكله من الوجه الذي أكله.\nومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر؛ فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله، وأن الله ﷿ كتب للمقتول أجلا علمه وأحصاه وشاء وأراده، وأن قاتله شاء أن يفني عمره ويقطع أجله قبل بلوغ مدته وإحصاء عدته؛ فكان ما أراده القاتل، وبطل ما أحصاه الله وكتبه وعلمه؛ فأي كفر يكون أوضح وأقبح وأنجس وأرجس من هذا؟ بل","vol":"5","page":513},{"text":"ذلك كله بقضاء الله وقدره، وكل ذلك بمشيئته في خلقه وتدبيره فيهم، قد وسعه علمه وأحصاه وجرى في سابق علمه ومسطور كتابه، وهو العدل الحق يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (١) ولا يقال لما فعله وقدره وقضاه كيف؟ ولا لم؟ فمن جحد أن الله ﷿ قد علم أفعال العباد وكل ما هم عاملون؛ فقد ألحد وكفر، ومن أقر بالعلم؛ لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصغر منه و(القما)؛ فالله الضار، النافع، المضل، الهادي؛ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا منازع له في أمره، ولا شريك له في ملكه، ولا غالب له في سلطانه خلافا للقدرية الملحدة. (٢)\n- وقال ﵀: اعلموا رحمكم الله أن القدرية أنكروا قضاء الله وقدره، وجحدوا علمه ومشيئته، وليس لهم فيما ابتدعوه ولا في عظيم ما اقترفوه كتاب يؤمونه، ولا نبي يتبعونه، ولا عالم يقتدون به، وإنما يأتون فيما يفترون بأقوال عن أهوائهم مخترعة وفي أنفسهم مبتدعة؛ فحجتهم داحضة وعليهم غضب ولهم عذاب شديد، يشبهون الله بخلقه، ويضربون لله الأمثال، ويقيسون أحكامه بأحكامهم، ومشيئته بمشيئتهم وربما قيل لبعضهم: من إمامك فيما تنتحله من هذا المذهب الرجس النجس؛ فيدعي أن إمامه في ذلك الحسن ابن أبي الحسن البصري ﵀، فيضيف إلى قبيح كفره وزندقته أن يرمي إمامًا من أئمة المسلمين وسيدًا من ساداتهم وعالمًا من\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٢) الإبانة (٢/ ٩/٤٣ - ٤٥).","vol":"5","page":514},{"text":"علمائهم بالكفر، ويفتري عليه البهتان ويرميه بالإثم والعدوان ليحسن بذلك بدعته عند من قد خصمه وأخزاه. (١)\n- وقال ﵀: فكل ما قد ذكرته لكم يا إخواني رحمكم الله؛ فاعقلوه، وتفهموه، ودينوا لله به، فهو ما نزل به الكتاب الناطق، وقاله النبي الصادق، وأجمع عليه السلف الصالح والأئمة الراشدون من الصحابة والتابعين، والعقلاء، والحكماء من فقهاء المسلمين، واحذروا مذاهب المشائيم القدرية، الذين أزاغ الله قلوبهم؛ فأصمهم وأعمى أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقرا حتى زعموا أن المشيئة إليهم، وأن الخير والشر بأيديهم، وأنهم إن شاؤوا أصلحوا أنفسهم، وإن شاؤوا أفسدوها، وأن الطاعة والمعصية إليهم، فإن شاؤوا عصوا الله وخالفوه فيما لا يشاؤه ولا يريده، حتى ما شاؤوا هم كان، وما شاء الله لا يكون، وما لا يشاؤونه لا يكون، وما لا يشاؤه الله يكون، فإن القدري الملعون لا يقول اللهم اعصمني، ولا اللهم وفقني، ولا يقول اللهم ألهمني رشدي، ولا يقول ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويقول: إن الله لا يزيغ القلوب ولا يضل أحدًا ويجحد القرآن ويعاند الرسول ويخالف إجماع المسلمين، ولا يقول لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا يقول ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون وينكر ذلك على من قاله، ويزعم أن المشيئة إليه والحول والقوة بيديه، وأنه إن شاء أطاع الله وإن شاء عصى، وإن شاء أخذ وإن شاء أعطى، وإن شاء افتقر وإن شاء استغنى. وينكر أن يكون الله ﷿ خالق الشر، وأن الله\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١٠/١٧٩).","vol":"5","page":515},{"text":"شاء أن يكون في الأرض شيء من الشر وهو يعلم أن الله خلق إبليس وهو رأس كل شر، وأن الله علم ذلك منه قبل أن يخلقه، والله تعالى يقول: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ (١)، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٢)، ويقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٣)؛ فالقدري يجحد هذا كله ويزعم أنه يعصي الله قسرًا ويخالفه شاء أم أبى. (٤)\n- وقال ﵀: فجميع ما قد رويناه في هذا الباب يلزم العقلاء الإيمان بالقدر، والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، وترك البحث والتنقير وإسقاط لم وكيف وليت ولولا، فإن هذه كلها اعتراضات من العبد على ربه ومن الجاهل على العالم معارضة من المخلوق الضعيف الذليل على الخالق القوي العزيز، والرضا والتسليم طريق الهدى وسبيل أهل التقوى، ومذهب من شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه، فهو يؤمن بالقدر كله خيره وشره، وأنه واقع بمقدور الله جرى، ومن يعلم أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وسأزيد من بيان الحجة عن الرسول - ﷺ - وصحابته وعن التابعين وفقهاء المسلمين في ترك مجالسة القدرية، ومواضعتهم القول ومناظرتهم، والإعراض عنهم، ما إذا أخذ به العاقل المؤمن نفسه وتأدب به عصم إن شاء الله من فتنة القدرية، وانغلق عنه\n_________\n(١) الفلق الآية (٢).\n(٢) الصافات الآية (٩٦).\n(٣) التغابن الآية (٢).\n(٤) الإبانة (٢/ ١١/٢٨٦ - ٢٨٧).","vol":"5","page":516},{"text":"باب البلية من جهتهم، فإن المجالسة لهم ومناظرتهم تعد، وتفر، وتضر، وتمرض القلوب، وتدنس الأديان، وتفسد الإيمان، وترضي الشيطان وتسخط الرحمن، إلا على سبيل الضرورة عند الحاجة من الرجل العالم العارف الذي كثر علمه وعلت فيه رتبته وغزرت معرفته ودقت فطنته؛ فذلك الذي لا بأس بكلامه لهم عند الحاجة إلى إقامة الحجة عليهم لتقريعهم وتبكيتهم وتهجينهم، وتعريفهم وحشة ما هم فيه من قبيح الضلال، وسيء المقال، وظلمة المذهب، وفساد الاعتقاد، أو لمسترشد مجد في طلب الحق حريص عليه، قد ألقى المقاليد من نفسه وأعطى أزمة قيادها، وبذل الطاعة منها يلتمس الرشاد وسبل السداد، ويرجو النجاة فذلك لا بأس بإرشاده وتوقيفه والصبر على تبصيره حتى يكشف الأغطية عن قلبه، ويخرج من أكنته، ويلزم طريق الاستقامة إلى ربه، وكل ذلك برحمة الله وتوفيقه. (١)\n\nسبكتكين (٢) (٣٨٧ هـ)\nالأمير سبكتكين حاجب معز الدولة بن بويه. كان مقامه ببلخ، وقد ابتنى بها دورًا ومساكن، وكان عادلًا خيّرًا، كثير الجهاد. كانت دولته نحوًا من عشرين سنة، وهي مدة جازت مدة ملك السامانية والسلجوقية. جرت بينه وبين الهنود حروب كثيرة فاتسعت بها رقعته ورسخت في النفوس هيبته.\n_________\n(١) الإبانة (٢/ ١١/٣١٦ - ٣١٧).\n(٢) الكامل (٩/ ١٣٠) ووفيات الأعيان (٥/ ١٧٥ - ١٨٢) والهداية (١١/ ٣٠٠ - ٣٠١) والشذرات (٣/ ٤٨) والسيرج (١٦/ ٥٠٠ - ٥٠١) والوافي بالوفيات (١٥/ ١١٦) والنجوم الزاهرة (٤/ ١٠٨).","vol":"5","page":517},{"text":"تولى بعده ابنه محمود. ذكر الذهبي وابن خلكان وابن الأثير وفاته سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. وذهب الصفدي وابن كثير وابن تغري بردي إلى أنها سنة أربع وستين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2232>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: ولما أخذ طوس أخرب مشهد الرضا وقتل من يزوره. (١)\n\nأبو سليمان الخَطَّابِي (٢) (٣٨٨ هـ)\nأبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي. الإمام العلامة الحافظ اللغوي. ولد سنة بضع عشرة وثلاثمائة. سمع من أبي سعيد بن الأعرابي ومن إسماعيل بن محمد الصفار ومن أبي بكر بن داسة. حدث عنه أبو عبد الله الحاكم وأبو حامد الإسفراييني وأبو عبيد أحمد بن محمد الهروي، وطائفة سواهم.\nقال السلفي: وأما أبو سليمان الشارح لكتاب أبي داود فإذا وقف منصف على مصنفاته واطلع على بديع تصرفاته في مؤلفاته، تحقق إمامته وديانته فيما يورده وأمانته. وكان يشبه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علمًا وأدبًا وزهدًا وورعًا وتدريسًا وتأليفًا. توفي ﵀ سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.\n_________\n(١) السير (١٦/ ٥٠٠).\n(٢) وفيات الأعيان (٢/ ٢١٤ - ٢١٦) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠١٨ - ١٠٢٠) والبداية والنهاية (١١/ ٣٤٦) وشذرات الذهب (٣/ ١٢٧ - ١٢٨) والسير (١٧/ ٢٣ - ٢٨).","vol":"5","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2234>موقفه من المبتدعة والجهمية:</span>\nقال الخطابي: عصمنا الله وإياك من الأهواء المضلة، والآراء المغوية، والفتن المحيرة، ورزقنا وإياك الثبات على السنة والتمسك بها، ولزوم الطريقة المستقيمة التي درج عليها السلف، وانتهجها بعدهم صالحوا الخلف، وجنبنا وإياك مداحض البدع، وبنيات طرقها العادلة عن نهج الحق وسواء الواضحة، وأعاذنا وإياك عن حيرة الجهل وتعاطي الباطل، والقول بما ليس لنا به علم، والدخول فيما لا يعنينا والتكلف لما قد كفينا الخوض فيه، ونهينا عنه، ونفعنا وإياك بما علمنا، وجعله سببا لنجاتنا، ولا جعله وبالا علينا برحمته.\nوقفت على مقالتك، وما وصفته من أمر ناحيتك، وظهور ما ظهر بها من مقالات أهل الكلام، وخوض الخائضين فيها، وميل بعض منتحلي السنة إليها واغترارهم بها، واعتذارهم في ذلك بأن الكلام وقاية للسنة، وجنة لها يذب به عنها، ويذاد بسلاحه عن حريمها، وفهمت ما ذكرت من ضيق صدرك بمجالستهم، وتعذر الأمر عليك في مفارقتهم، لأن موقفك بين أن تسلم لهم ما يدعونه من ذلك فتقبله، وبين أن تقابلهم على ما يزعمونه فترده وتنكره، وكلا الأمرين يصعب عليك، أما القبول فلأن الدين يمنعك منه، ودلائل الكتاب والسنة تحول بينك وبينه، وأما الرد والمقابلة فلأنهم يطالبونك بأدلة العقول، ويؤاخذونك بقوانين الجدل، ولا يقنعون منك بظواهر الأمور، وسألتني أن أمدك بما يحضرني في نصرة الحق من علم وبيان، وفي رد مقالة أولئك من حجة وبرهان، وأن أسلك في ذلك طريقة لا يمكنهم ردها، ولا يسوغ لهم من جهة المعقول إنكارها، فرأيت إسعافك به لازمًا في حق الدين،","vol":"5","page":519},{"text":"وواجب النصيحة لجماعة المسلمين، وأنا أسأل الله أن يوفق لما ضمنت لك منه، وأن يعصم من الزلل فيه، واعلم يا أخي أن هذه الفتنة قد عمت اليوم، وشملت وشاعت في البلاد واستفاضت، ولا يكاد يسلم من رهج غبارها إلا من عصمه الله، وذلك مصداق قول رسول الله - ﷺ -: «إن الدين بدأ غريبًا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء» (١).\nقال: فنحن اليوم في ذلك الزمان وبين أهله، فلا تنكر ما تشاهده منه، وسل الله العافية من البلاء، واحمده على ما وهب لك من السلامة، ثم إني تدبرت هذا الشأن فوجدت عظم السبب فيه أن الشيطان صار بلطيف حيلته يسول لكل من أحس من نفسه بفضل ذكاء وذهن، يوهمه أنه إن رضي في علمه ومذهبه بظاهر من السنة، واقتصر على واضح بيان منها كان أسوة العامة، وعد واحدًا من الجمهور والكافة فإنه قد ضل فهمه واضمحل لفظه وذهنه فحركهم بذلك على التنطع في النظر، والتبدع بمخالفة السنة والأثر، ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء، ويتميزوا في الرتبة عمن يرونه دونهم في الفهم والذكاء، واختدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها، وتاهوا عن حقائقها، ولم يخلصوا منها إلى شفاء نفس، ولا قبلوها بيقين علم، ولما رأوا كتاب الله تعالى ينطق بخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه، ضربوا بعض آياته ببعض وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم، واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم، ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله - ﷺ - ولسننه المأثورة عنه، وردوها\n_________\n(١) تقدم تخريجه. انظر مواقف علي بن المديني سنة (٢٣٤هـ).","vol":"5","page":520},{"text":"على وجوهها وأساءوا في نقلتها القالة، ووجهوا عليهم الظنون، ورموهم بالتزندق، ونسبوهم إلى ضعف المنة، وسوء المعرفة بمعاني ما يروونه من الحديث، والجهل بتأويله، ولو سلكوا سبيل القصد ووقفوا عندما انتهى بهم التوقيف، لوجدوا برد اليقين وروح القلوب، ولكثرت البركة وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور، ولأضاءت فيها مصابيح النور، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nواعلم أن الأئمة الماضين والسلف المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام، وهذا النوع من النظر عجزًا عنه ولا انقطاعًا دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة، وأفهام ثاقبة.\nوكان في زمانهم هذه الشبه والآراء، وهذه النحل والأهواء، وإنما تركوا هذه الطريقة، وأضربوا عنها لما تخوفوه من فتنتها، وحذروه من سوء مغبتها، وقد كانوا على بينة من أمرهم، وعلى بصيرة من دينهم لما هداهم الله له من توفيقه، وشرح به صدورهم من نور معرفته، ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته، وتوقيف السنة وبيانها غنى ومندوحة عما سواهما، وأن الحجة قد وقعت بهما، والعلة أزيحت بمكانهما، فلما تأخر الزمان بأهله وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة، وقلت عنايتهم بها، واعترضهم الملحدون بشبههم، والمتحذلقون بجدلهم، حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام، ولم يدافعوهم بهذا النوع من الجدل لم يقووا ولم يظهروا في الحجاج عليهم، فكان ذلك ضلة من الرأي، وغبنا فيه وخدعة من الشيطان والله المستعان.","vol":"5","page":521},{"text":"فإن قال هؤلاء القوم، فإنكم قد أنكرتم الكلام، ومنعتم استعمال أدلة العقول، فما الذي تعتمدون في صحة أصول دينكم، ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها، وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه، والنبي لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول، وأنتم قد نفيتموها. قلنا: إنا لا ننكر أدلة العقول، والتوصل بها إلى المعارف، ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض، وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها على حدوث العالم، وإثبات الصانع، ونرغب عنها إلى ما هو أوضح بيانا، وأصح برهانا، وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة، وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة، لأنهم لا يثبتون النبوات، ولا يرون لها حقيقة، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء.\nفأما مثبتو النبوات فقد أغناهم الله ﷿ عن ذلك، وكفاهم كلفة المؤنة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها، والإبداع والانقطاع على سالكها.\nوبيان ما ذهب إليه السلف من أئمة المسلمين رحمة الله عليهم في الاستدلال على معرفة الصانع، وإثبات توحيده وصفاته، وسائر ما ادعى أهل الكلام أنه لا يتوصل إليه إلا من الوجه الذي يزعمونه، هو أن الله سبحانه لما أراد إكرام من هداه لمعرفته بعث رسوله محمدًا - ﷺ - إليهم بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. وقال له: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ","vol":"5","page":522},{"text":"إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (١). وقال - ﷺ - في خطبة الوداع وفي مقامات له شتى، وبحضرته عامة أصحابه رضوان الله عليهم: «ألا هل بلغت» (٢)، وكان ما أنزل الله وأمر بتبليغه هو كمال الدين وتمامه لقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣). فلم يترك - ﷺ - شيئًا من أمور الدين، قواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إلا بينه، وبلغه على كماله وتمامه، ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال.\nومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تبرح فيهما الحاجة راهنة أبدا في كل وقت وزمان، ولو أخر فيهما البيان لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إليه.\nوإذا كان الأمر على ما قلنا فقد علمنا أن النبي - ﷺ - لم يدعهم في هذه الأمور إلى الاستدلال بالأعراض، وتعلقها بالجواهر، وانقلابها إذ لا يمكن أحدًا من الناس أن يروي في ذلك عنه، ولا عن واحد من أصحابه من هذا النمط حرفًا واحدًا فما فوقه، لا من طريق تواتر ولا آحاد علم أنهم قد ذهبوا خلاف مذاهب هؤلاء، وسلكوا غير طريقتهم. (٤)\n_________\n(١) المائدة الآية (٦٧).\n(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٧) والبخاري (١/ ٢٦٥/١٠٥) ومسلم (٣/ ١٣٠٥ - ١٣٠٦/ ١٦٧٩) من حديث أبي بكرة.\n(٣) المائدة الآية (٣).\n(٤) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٧١ - ٣٧٦).","vol":"5","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2235>موقفه من المشركين:</span>\nقال الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله.\nأي: سابّ النبي - ﷺ -. (١)\nله من الآثار السلفية:\n'الغنية عن الكلام وأهله' وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في 'درء التعارض' في غير ما موضع وكذا في مجموع الفتاوى والسيوطي في 'صون المنطق' وهو عظيم في بابه ونقل منه جملة طيبة. انظر صون المنطق من الصفحة ٩١ إلى الصفحة ١٠١.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2236>موقفه من المؤولة وغيرهم:</span>\n- قال في الغنية: فأما ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه. والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا يد وسمع، وبصر وما أشبهها فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول: إن معنى اليد القوة أو النعمة.\n_________\n(١) الصارم (٩).","vol":"5","page":524},{"text":"ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار، التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات، لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها، لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات. (١)\nقلت: وعلى هذا جرى الخطابي في باب الأسماء والصفات، إلا أنه أحيانا ينحو منحى الخلف في التأويل لبعض الصفات، كصفة الأصبع والفرح والضحك والعجب.\n- وفيها عنه قال: فهذا قولهم ورأيهم في عامة السلف وجمهور الأئمة وفقهاء الخلف، فلا تشتغل -رحمك الله- بكلامهم، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم، فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه، أو يقاربه، فكل بكل معارض، وبعض ببعض مقابل، وإنما يكون تقدم الواحد منهم، وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان، وحذقه في صنعة الجدل والكلام، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل، على أصول مؤصلة لهم، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم، فهم يطالبونهم بعودها وطردها، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق الجدل منقطعًا، وجعلوه مبطلًا، وحكموا بالفلج لخصمه عليه، والجدل لا يبين به حق، ولا تقوم به حجة. وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين كلتاهما باطل ويكون الحق في ثالثة غيرهما،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٨ - ٥٩).","vol":"5","page":525},{"text":"فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح مذهبه وإن كان مفسدًا به قول خصمه، لأنهما مجتمعان معًا في الخطأ، مشتركان فيه، كقول الشاعر فيهم:\nحجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقًا، وكل كاسر مكسور\n\nوإنما كان الأمر كذلك لأن واحدًا من الفريقين لا يعتمد في مقالته التي ينصرها أصلًا صحيحًا، وإنما هي أوضاع وآراء تتكافأ وتتقابل، فيكثر المقال، ويدوم الاختلاف، ويقل الصواب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (١) فأخبر سبحانه أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده. وهذا من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة، لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل، وذلك صفة الباطل الذي أخبر الله عنه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2237>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال أبو سليمان: وفي هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جملة أجزائها كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها ويدل على ذلك قوله الحياء شعبة من الإيمان فأخبر أن الحياء إحدى تلك الشعب.\n_________\n(١) النساء الآية (٨٢).\n(٢) درء التعارض (٧/ ٣١٣ - ٣١٤) وصون المنطق (٩٩ - ١٠٠).","vol":"5","page":526},{"text":"وفي هذا الباب إثبات التفاضل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاته.\nومعنى قوله الحياء شعبة من الإيمان أن الحياء يقطع صاحبه عن المعاصي ويحجزه عنها فصار بذلك من الإيمان إذ الإيمان بمجموعه ينقسم إلى ائتمار لما أمر الله به وانتهاء عما نهى عنه. (١)\n- وقال في تعليق على قول الزهري في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢) قال: نرى الإسلام الكلمة والإيمان العمل.\nما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة. فأما الزهري فقد ذهب إلى ما حكاه معمر عنه واحتج بالآية، وذهب غيره إلى أن الإيمان والإسلام شيء واحد، واحتج بالآية الأخرى، وهي قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (٣). قال: فدل ذلك على أن المسلمين هم المؤمنون إذ كان الله سبحانه قد وعد أن يخلص المؤمنين من قوم لوط وأن يخرجهم من بين ظهراني من وجب عليه العذاب منهم، ثم أخبر أنه قد فعل ذلك بمن وجده فيهم من المسلمين إنجازا للموعود، فدل الإسلام على الإيمان فثبت أن معناهما واحد وأن المسلمين هم المؤمنون. وقد تكلم في هذا الباب رجلان من كبراء أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى مقالة من هاتين المقالتين، ورد الآخر منهما على المتقدم\n_________\n(١) معالم السنن (٤/ ٢٨٨).\n(٢) الحجرات الآية (١٤).\n(٣) الذاريات الآيتان (٣٥و٣٦).","vol":"5","page":527},{"text":"وصنف عليه كتابًا يبلغ عدد أوراقه المائتين.\nقلت: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق على أحد الوجهين. وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا، وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف عليك شيء منها، وأصل الإيمان التصديق وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد، فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر غير منقاد في الباطن، ولا يكون صادق الباطن وغير منقاد في الظاهر. (١)\n\nعبيد الله بن عبد الله النَّضْرِي (٢) (٣٨٨ هـ)\nعبيد الله بن المحدث عبد الله بن الحسين النضري، القاضي أبو القاسم المروزي، قاضي نسف. حدث عن أبيه. كان رئيسًا فاضلًا، لم يقبل هدية بنسف، وكان في غاية التواضع. ناظر الكرامية وكفرهم بين يدي صاحب غزنة سبكتكين، فقيده وحبسه ثم أطلقه.\nتوفي ﵀ سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2239>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في السير: قال جعفر المستغفري: كان أبو القاسم عبد الله بن عبد الله بن الحسين النضري قاضي مرو ونسف صلب المذهب، فدخل\n_________\n(١) معالم السنن (٤/ ٢٩٠ - ٢٩١).\n(٢) الأنساب (٥/ ٥٠٣) والجواهر المضية (٢/ ٤٩٧) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٣٨١ - ٤٠٠/ص.١٦٨).","vol":"5","page":528},{"text":"صاحب غزنة سبكتكين بلخ، ودعا إلى مناظرة الكرامية، وكان النضري يومئذ قاضيًا ببلخ، فقال سبكتكين: ما تقولون في هؤلاء الزهاد الأولياء؟ فقال: النضري: هؤلاء عندنا كفرة. قال ما تقولون في؟ قال: إن كنت تعتقد مذهبهم، فقولنا فيك كذلك. فوثب، وجعل يضربهم بالدبوس حتى أدماهم، وشج النضري، وقيدهم وسجنهم، ثم أطلقهم خوف الملامة. (١)\n\nمحمد بن أحمد المالكي المعروف بابن خويزمنداد (٢) (٣٩٠ هـ)\nمحمد بن أحمد بن عبد الله، الفقيه أبو بكر بن خويزمنداد الإمام العالم الأصولي، صاحب أبي بكر الأبهري، له مصنفات مفيدة. قال الصفدي: وكان يجانب الكلام وينافر أهله.\nتوفي سنة تسعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2241>موقفه من الجهمية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2242>موقفه من الأشعرية وغيرهم:</span>\nجاء في 'جامع بيان العلم وفضله': وقال -أي ابن خويزمنداد- في كتاب الشهادات: في تأويل قول مالك، لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريًا كان أو غير أشعري ولا تقبل له\n_________\n(١) السير (١٧/ ٤٨٤).\n(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ٣٨١ - ٤٠٠/ص.٢١) والوافي بالوفيات (٢/ ٥٢) والديباج المذهب (٢/ ٢٢٩) وشجرة النور الزكية (١/ ١٠٣).","vol":"5","page":529},{"text":"شهادة في الإسلام أبدًا ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها. (١)\n\nالوليد بن بكر العمري (٢) (٣٩٢ هـ)\nالوليد بن بكر العمري، بن مخلد بن أبي دبار، الحافظ اللغوي، الإمام أبو العباس الغمري «العمري» الأندلسي السرقسطي، أحد الرحالة في الحديث.\nحدث عن علي بن أحمد بن الخصيب بكتاب العجلي في 'معرفة الرجال' وعن الحسن بن رشيق، وغيرهما. وحدث عنه عبد الغني بن سعيد الحافظ وأبو ذر الهروي وأبو الحسن العتيقي وآخرون.\nقال ابن الفرضي: كان إمامًا في الحديث والفقه، عالما باللغة والعربية ... وكان أبو يعلى الفارسي يرفعه ويثني عليه.\nقال الخطيب: كان ثقة أمينًا كثير السماع، سافر الكثير.\nتوفي بالدينور في رجب سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2244>موقفه من الرافضة:</span>\nقال الحسن بن شريح: هو عمري ولكنه دخل إفريقية وبقي ينقط العين -أي يكتبها غمري بغين معجمة- حتى يسلم -يعني من دولة الرفض.\n_________\n(١) جامع بيان العلم (٢/ ٩٤٣) والفتاوى الكبرى (٥/ ٢٤٨).\n(٢) تاريخ بغداد (١٣/ ٤٨١) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٨٠ - ١٠٨١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٨١ - ٤٠٠/ص.٢٧٦ - ٢٧٧) وشذرات الذهب (٣/ ١٤١) والسير (١٧/ ٦٥ - ٦٧).","vol":"5","page":530},{"text":"قال: وهو مؤدبي، وقال: إذا رجعت إلى الأندلس جعلت النقطة التي على العين ضمة. (١)\n\nابن أبي شُرَيْح (٢) (٣٩٢ هـ)\nالإمام المحدث عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى، أبو محمد الأنصاري الهروي، ابن أبي شريح، سيد خراسان في زمانه. ولد بعد الثلاثمائة. وسمع أبا القاسم البغوي ومحمد بن عقيل البلخي ويحيى بن صاعد وإسماعيل الوراق وأحمد بن سعيد الطبري، وخلقا سواهم. وحدث عنه سفيان بن محمد التنوخي وأبو عاصم الفضيل ومحمد بن أبي مسعود الفارسي وأبو صاعد الفضيلي وآخرون. ارتحل به أبوه، وكان صدوقًا، صحيح السماع، صاحب حديث وعلم وجلالة. قال الذهبي: وحديثه اليوم أعلى ما يروى في الدنيا، وقد تدلت شمسه للغروب. توفي ﵀ في صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وله خمس وثمانون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2246>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: أنبأنا جماعة، قالوا: أخبرنا محمد بن مسعود، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا أبو إسماعيل الأنصاري، سمعت محمد بن أحمد البلخي المؤذن، يقول: كنت مع الشيخ أبي محمد بن أبي شريح في طريق\n_________\n(١) التذكرة (٣/ ١٠٨١).\n(٢) السير (١٦/ ٥٢٦ - ٥٢٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٣٨١ - ٤٠٠/ص.٢٦٨ - ٢٦٩) والعبر (١/ ٤٠٠) وشذرات الذهب (٣/ ١٤٠).","vol":"5","page":531},{"text":"غور، فأتاه إنسان في بعض تلك الجبال، فقال: إن امرأتي ولدت لستة أشهر، فقال: هو ولدك، قال رسول الله - ﷺ -: «الولد للفراش» (١)، فعاوده، فرد عليه كذلك، فقال الرجل: أنا لا أقول بهذا، فقال: هذا الغزو، وسل عليه السيف، فأكببنا عليه وقلنا: جاهل لا يدري ما يقول.\nقال الذهبي: كان سبيله أن يوضح له، ويقول: لك أن تنتفي منه باللعان، ولكنه احتمى للسنة وغضب لها. (٢)\n\nأبو محمد الأصيلي (٣) (٣٩٢ هـ)\nعبد الله بن إبراهيم، أبو محمد الأصيلي. الإمام شيخ المالكية وعالم الأندلس. نشأ بأصيلا، وتفقه بقرطبة. سمع ابن المشاط وأبا الطاهر الذهلي، وكتب عن أبي زيد الفقيه وأبي بكر الآجري. وحدث عن الدارقطني، وحدث عنه الدارقطني. جاء في المدارك: كان الأصيلي من حفاظ رأي مالك، والمتكلم على الأصول وترك التقليد، ومن أعلم الناس في الحديث، وأبصرهم بعلله ورجاله ويحض أصحابه عليه. ولا يرى أن من خلا من علمه فقيها على حال. ولما ورد أبو يحيى بن الأشج من أهل المشرق وكان قد روى كتاب البخاري سئل إسماعه فقال: لا يراني الله أحدث به والأصيلي حي أبدًا. فلما مات الأصيلي أسعف.\n_________\n(١) أحمد (٦/ ٣٧) والبخاري (٨/ ٢٩/٤٣٠٣) ومسلم (٢/ ١٠٨٠/١٤٥٧) وأبو داود (٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥/ ٢٢٧٣) والنسائي (٦/ ٤٩١ - ٤٩٢/ ٣٤٨٤) وابن ماجه (١/ ٦٤٦/٢٠٠٤) من حديث عائشة.\n(٢) السير (١٦/ ٥٢٧ - ٥٢٨).\n(٣) السير (١٦/ ٥٦٠) وشذرات الذهب (٣/ ١٤٠) وترتيب المدارك (٢/ ٢٤١) والديباج المذهب (١/ ٤٣٣).","vol":"5","page":532},{"text":"قال القاضي عياض: كان نظير ابن أبي زيد القيرواني وعلى طريقته وهديه.\nله كتاب 'الدلائل إلى أمهات المسائل' شرح به الموطأ ذاكرًا فيه خلاف مالك وأبي حنيفة والشافعي، وله نوادر حديث -خمسة أجزاء- ٠والانتصار، وغير ذلك. توفي ﵀ لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2248>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال عياض: كان من حفاظ مذهب مالك ومن العالمين بالحديث وعلله ورجاله، وكان ينكر الغلو في كرامات الأولياء -ويثبت منها ما صح- ودعاء الصالحين (١).\n\nابن أبي عامر (٢) (٣٩٣ هـ)\nالملك المنصور حاجب الممالك الأندلسية أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر محمد بن وليد القحطاني القائم بأعباء دولة الخليفة المؤيد بالله، هشام ابن الحكم أمير الأندلس، فإن هذا المؤيد استخلف ابن تسع سنين. وردت مقاليد الأمور إلى الحاجب هذا. وكان بطلًا شجاعًا حازمًا سائسًا عالمًا. وقد غزا أبو عامر في مدته نيفًا وخمسين غزوة. دام في المملكة نيفًا وعشرين سنة\n_________\n(١) التذكرة (٣/ ١٠٢٤).\n(٢) السير (١٧/ ١٥ - ١٦) والوافي بالوفيات (٣/ ٣١٢ - ٣١٣) والعبر (١/ ٤٠١) والكامل في التاريخ (٩/ ١٧٦) وشذرات الذهب (٣/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"5","page":533},{"text":"ودانت له الجزيرة وأمنت به وقد وزر له جماعة وكان المؤيد معه صورة بلا معنى بل كان محجوبًا لا يجتمع به أمير ولا كبير، بل كان أبو عامر يدخل عليه ثم يخرج فيقول رسم أمير المؤمنين بكذا وكذا فلا يخالفه أحد، توفي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وكان جوادًا ممدحًا معطاءً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2250>موقفه من المشركين:</span>\nذكر الذهبي عنه أنه عمد إلى خزائن كتب الحَكَم، فأبرز ما فيها، ثم أفرد ما فيها من كتب الفلسفة، فأحرقها بمشهد من العلماء، وطَمَر كثيرًا منها، وكانت كثيرة إلى الغاية، فعله تقبيحًا لرأي المستنصر الحَكَم. (١)\nالتعليق:\nهذا من رجاحة عقل الحاجب، وحسن تدبيره شؤون الأمة، وتحصينه إياها من جميع الأفكار الهدامة، والكل يدرك ما لكتب الفلسفة من الخطر الجسيم على عقيدة الإسلام، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.\n_________\n(١) السير (١٧/ ١٥).","vol":"5","page":534},{"text":"محمد بن إسحاق بن مَنْدَه (١) (٣٩٥ هـ)\nالإمام، الحافظ، الجوال، محدث العصر، أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصفهاني، ولد في سنة عشر وثلاثمائة أو إحدى عشرة. سمع من أبيه، وعم أبيه عبد الرحمن بن يحيى بن منده، ومحمد بن القاسم الكراني، وأبي علي الحسن بن أبي هريرة، وأبي سعيد بن الأعرابي وغيرهم، يصل عددهم إلى ألف وسبعمائة شيخ، وله إجازة من الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره. وحدث عنه شيخه أبو الشيخ، وأبو بكر بن المقرئ، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الله غنجار، وأبو سعد الإدريسي، وتمام الرازي، وأبو نعيم، وأحمد بن الفضل الباطرقاني، وآخرون.\nقال الباطرقاني: حدثنا أبو عبد الله بن منده إمام الأئمة في الحديث لقاه الله رضوانه. وقال الحاكم: التقينا ببخارى في سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وقد زاد زيادة ظاهرة، ثم جاءنا إلى نيسابور سنة خمس وسبعين ذاهبا إلى وطنه، فقال شيخنا أبو علي الحافظ: بنو منده أعلام الحفاظ في الدنيا قديما وحديثا، ألا ترون إلى قريحة أبي عبد الله! وقيل: إن أبا نعيم الحافظ ذكر له ابن منده، فقال: كان جبلا من الجبال. وقال أحمد بن جعفر الحافظ: كتبت عن أزيد من ألف شيخ، ما فيهم أحفظ من ابن منده. وقال شيخ هراة أبو إسماعيل الأنصاري: أبو عبد الله بن منده سيد أهل زمانه. توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.\n_________\n(١) السير (١٧/ ٢٨ - ٤٣) والبداية والنهاية (١١/ ٣٥٩ - ٣٦٠) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣١) وشذرات الذهب (٣/ ١٤٦) والوافي بالوفيات (٢/ ١٩٠ - ١٩١).","vol":"6","page":1},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2252> موقفه من المبتدعة:</span>\nروى القاضي أبو الحسين في الطبقات عن محمد بن إسحاق قال: كتبت عن ألف شيخ وسبعمائة شيخ. وقال: طفت الشرق والغرب مرتين، فلم أتقرب إلى كل مذبذب. ولم أسمع من المبتدعين حديثا واحدا. (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2253> موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - كتاب التوحيد: وقد ذكر فيه ما يتعلق بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات. وقد طبع ولله الحمد.\n٢ - الرد على الجهمية: وقد طبع بتحقيق الشيخ علي ناصر.\n٣ - الرد على اللفظية: ذكره في سير أعلام النبلاء. (٢)\n٤ - السنة، ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة. (٣)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2254> موقفه من المرجئة:</span>\nله كتاب الإيمان: ويعتبر من أهم الكتب في هذا الباب وأوسعها وأحسنها، وقد أفاض في الرد على المرجئة والخوارج، وذكر كل ما يتعلق بالإيمان وشعبه. وقد طبع والحمد لله رب العالمين بتحقيق الشيخ علي ناصر، وهو رسالته العلمية في مرحلة الدكتوراه، وقد أورد ﵀ في مستهل بعض الأبواب كلاما جيدا منه:\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ١٦٧).\n(٢) السير (١٧/ ٤١).\n(٣) (ص.٣٨).","vol":"6","page":2},{"text":"- ذكر ما يدل على أن اسم الإيمان يقع ما ذكر جبريل ﵇ وأن شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت أصل الإيمان وأساسه وأنها بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان.\nقال الله ﵎: ﴿* لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ والسائلين وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (١) وقال ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ (٢).اهـ (٣)\n_________\n(١) البقرة الآية (١٧٧).\n(٢) المؤمنون الآية (١).\n(٣) الإيمان (١/ ٢٩٤).","vol":"6","page":3},{"text":"- ذكر معنى الإيمان ومن وصف الرسول - ﷺ - وأنها بضع وسبعون شعبة وبيان ذلك من الأثر.\nقال الله ﷿: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ﴾ (١) معناه صدق الرسول اهـ. وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (٢) يصدقون اهـ. وقوله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ (٣) لن نصدقك اهـ. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ (٤) لنا يعني بمصدق لنا اهـ. ليكسر أول وآخر فأوله الإقرار وآخره إماطة الأذى عن الطريق كما - ﷺ -.اهـ\nوالعباد يتفاضلون في الإيمان على قدر تعظيم الله في القلوب والإجلال له والمراقبة لله في السر والعلانية، وترك اعتقاد المعاصي فمنها قيل يزيد وينقص. اهـ وذكر عثمان بن عطاء بن أبي مسلم عن أبيه قال: ضرب مثل الإسلام كمثل بعير؛ فرأسه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والإيمان بما هو كائن من بعد الموت والبعث والحساب والجنة والنار والصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج قايمة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، وقد يحمل البعير وهو مجبوب والمجبوب الذي لا سنام له. قال: وقد يحمل البعير الوسق وهو ظالع. اهـ فإن قطع رأس أو كسرت قايم برك البعير فلم ينهض، وأن الفرائض لا تقبل إلا جميعا، لا يقبل الله منها شيء دون شيء.\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٨٥).\n(٢) البقرة الآية (٣).\n(٣) الإسراء الآية (٩٠).\n(٤) يوسف الآية (١٧).","vol":"6","page":4},{"text":"قال: وكان ابن مسعود يقول: لا يقبل نافلة حتى يؤدوا فريضتها. اهـ (١)\n- ذكر الأخبار الدالة على الفرق بين الإيمان والإسلام ومن قال بهذا القول من أئمة أهل الآثار.\nقال الزهري: الإسلام هي الكلمة، والإيمان العمل. اهـ روى أحمد بن حنبل عن منصور بن سلمة أن حماد بن زيد كان يفرق بين الإسلام والإيمان؛ فيجعل الإيمان الموطأ والإسلام عاما. يعني: أن معرفة الإيمان عند الله دون خلقه خاص له، والإسلام عام. قال: وكذلك قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ (٢).اهـ\nوقال عبد الملك الميموني: سألت أحمد بن حنبل أتفرق بين الإيمان والإسلام؟ فقال لي: نعم. قلت له: بأي شيء تحتج؟ فقال لي: قال الله ﷿: ﴿* قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٣). قال: وأقول مؤمن إن شاء الله، وأقول مسلم ولا أستثني. اهـ وقال بهذا القول جماعة من الصحابة والتابعين؛ منهم عبد الله بن عباس والحسن ومحمد بن سيرين. اهـ\nوقال أبو جعفر محمد بن علي -ووصف الإسلام فدور دائرة واسعة-: فهذا الإيمان، ودور دائرة صغيرة وسط الكبيرة، فإذا زنا وسرق خرج من\n_________\n(١) (١/ ٣٠٠ - ٣٠١).\n(٢) فصلت الآية (٣٣).\n(٣) الحجرات الآية (١٤).","vol":"6","page":5},{"text":"الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله ﷿. اهـ وهذا مذهب جماعة من أئمة الآثار. (١)\n- ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد، وأن الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله الله دينا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه، وهو ضد الكفر الذي سخطه ولم يرضه لعباده.\nفقال الله ﷿: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (٢) وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (٤) وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٥)، فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان، وجعله اسم ثناء وتزكية، وأخبر أن من أسلم فهو على نور من ربه وهدى، وأخبر أنه دينه الذي ارتضاه، ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه وسألوه إياه، فقال إبراهيم خليل الرحمن - ﷺ - وإسماعيل - ﷺ - سألا فقالا: ﴿وَاجْعَلْنَا\n_________\n(١) (١/ ٣١١ - ٣١٢).\n(٢) الزمر الآية (٧).\n(٣) المائدة الآية (٣).\n(٤) الأنعام الآية (١٢٥).\n(٥) الزمر الآية (٢٢).","vol":"6","page":6},{"text":"مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (١) وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤) وقال ﷿: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٥) وقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (٦) وقال في موضع: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (٧)\nفحكم الله ﷿ بأن من أسلم فقد اهتدى، ومن آمن فقد اهتدى، فسوى بينهما. وقال في موضع آخر: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾ (٨) وقال في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا\n_________\n(١) البقرة الآية (١٢٨).\n(٢) يوسف الآية (١٠١).\n(٣) آل عمران الآية (٨٥).\n(٤) آل عمران الآية (١٩).\n(٥) البقرة الآية (١٣٦).\n(٦) آل عمران الآية (٢٠).\n(٧) البقرة الآيتان (١٣٦و١٣٧) ..\n(٨) الزخرف الآية (٦٩).","vol":"6","page":7},{"text":"غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (١) وقال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ (٢) وقال: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾ (٣) فدل ذلك على أن من آمن فهو مسلم، وأن من استحق أحد الاسمين استحق الآخر إذا عمل بالطاعات التي آمن بها، فإذا ترك منها شيئا مقرا بوجوبها كان غير مستكمل، فإن جحد منها شيئا كان خارجا من جملة الإيمان والإسلام، وهذا قول من جعل الإسلام على ضربين: إسلام يقين وطاعة، وإسلام استسلام من القتل والسبي، قال الله ﷿: ﴿* قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. (٤)\n- ذكر ما يدل على أن الإيمان هو الطاعات كلها، وأن الله سمى الصلاة في كتابه إيمانا. قال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٥).\nقال أهل التأويل: صلاتكم إلى القبلة الأولى وتصديقكم نبيكم - ﷺ -\n_________\n(١) الزخرف الآيتان (٣٥و٣٦).\n(٢) القصص الآية (٥٣).\n(٣) النمل الآية (٨١).\n(٤) (١/ ٣٢١ - ٣٢٣).\n(٥) البقرة الآية (١٤٣).","vol":"6","page":8},{"text":"واتباعه إلى القبلة الأخرى، أي ليعطيكم أجرهما جميعا. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ (١) قاله علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵄. اهـ وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢) يعني بما أمر الله أن يؤمن به من الطاعات التي سماها على لسان جبريل ﵇ إيمانا وإسلاما، وكذلك من يكفر بمحمد أو بالصلاة أو بالصوم فقد حبط عمله. اهـ وما فسره على لسان نبيه - ﷺ - لوفد عبد قيس (٣) فقال: «أتدرون ما الإيمان؟ ثم فسره فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت».اهـ وقال محمد بن نصر: الإيمان هاهنا عبادة العابدين لله؛ قال الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ (٤).اهـ وقال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ (٥) فالمؤمن هو العابد لله، والعبادة لله هو فعله وهو الإيمان، والخالق هو المعبود الذي خلق المؤمن وعبادته وكل شيء منه، فالخالق بصفاته الكاملة خالق غير مخلوق ولا شيء منه مخلوق. والعباد بصفاتهم وأفعالهم وكل شيء منهم مخلوقون ... وقال ﷿: ﴿إِنَّنَا\n_________\n(١) البقرة الآية (١٤٣).\n(٢) المائدة الآية (٥).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف ابن بطة سنة (٣٨٧هـ).\n(٤) البينة الآية (٥).\n(٥) الزمر الآية (٢).","vol":"6","page":9},{"text":"سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (١) قال بعض أهل التأويل: يعني القرآن. قال: وإنما أراد أن المنادي هو القرآن ليس يعني أن الإيمان هو القرآن، يعنون أنهم سمعوا القرآن يدعو إلى الإيمان فآمنا، فالله هو الداعي إلى الإيمان بكلامه، وهو القرآن.\nفالله الخالق وكلامه صفة له دعا الناس بكلامه إلى الإيمان؛ أي دعاهم إلى أن يؤمنوا بربهم. اهـ فهذا تأويل ما تقدم، لأن مذهب أهل العلم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. اهـ (٢)\nذكر اختلاف أقاويل الناس في الإيمان ما هو؟\nفقالت طائفة من المرجئة: الإيمان فعل القلب دون اللسان. وقالت طائفة منهم: الإيمان فعل اللسان دون القلب، وهم أهل الغلو في الإرجاء. اهـ وقال جمهور أهل الإرجاء: الإيمان هو فعل القلب واللسان جميعا. اهـ وقالت الخوارج: الإيمان فعل الطاعات المفترضة كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح. اهـ وقال آخرون: الإيمان فعل القلب واللسان مع اجتناب الكبائر. اهـ وقال أهل الجماعة: الإيمان هو الطاعات كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح غير أن له أصلا وفرعا؛ فأصله المعرفة بالله والتصديق له وبه وبما جاء من عنده بالقلب واللسان، مع الخضوع له والحب له والخوف منه، والتعظيم له مع ترك التكبر والاستنكاف والمعاندة. فإذا أتى بهذا الأصل فقد دخل في الإيمان، ولزمه اسمه وأحكامه، ولا يكون مستكملا له حتى يأتي بفرعه وفرعه المفترض عليه أو الفرائض، واجتناب المحارم. وقد\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٩٣).\n(٢) (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨).","vol":"6","page":10},{"text":"جاء الخبر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون -أو ستون- شعبة أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١) فجعل الإيمان شعبا بعضها باللسان والشفتين، وبعضها بالقلب، وبعضها بسائر الجوارح. اهـ فشهادة أن لا إله إلا الله فعل اللسان تقول: شهدت أشهد شهادة. اهـ والشهادة فعله بالقلب واللسان لا اختلاف بين المسلمين في ذلك، والحياء في القلب، وإماطة الأذى عن الطريق فعل سائر الجوارح. اهـ (٢)\n- ذكر المثل الذي ضربه الله والنبي - ﷺ - للمؤمن والإيمان.\nقال الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٣) فضربها مثلا لكلمة الإيمان، وجعل لها أصلا وفرعا وثمرا تؤتيه كل حين، فسأل النبي - ﷺ - أصحابه عن معنى هذا المثل من الله فوقعوا في شجر البوادي، فقال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. فقال النبي - ﷺ -: «هي النخلة» (٤). ثم فسر النبي - ﷺ - الإيمان بسنته إذ فهم عن الله مثله: فأخبر أن الإيمان ذو شعب؛ أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، فجعل أصله الإقرار بالقلب واللسان، وجعل شعبه الأعمال. فالذي سمى الإيمان\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٢) (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n(٣) إبراهيم الآيتان (٢٤و٢٥).\n(٤) أخرجه: أحمد (٢/ ١) والبخاري (١/ ١٩٣/٦١) ومسلم (٤/ ٢١٦٤ - ٢١٦٥/ ٢٨١١).","vol":"6","page":11},{"text":"التصديق، هو الذي أخبر أن الإيمان ذو شعب؛ فمن لم يسم الأعمال شعبا من الإيمان كما سماها النبي - ﷺ -، ويجعل له أصلا وشعبا كما جعله الرسول - ﷺ - كما ضرب الله المثل به كان مخالفا له، وليس لأحد أن يفرق بين صفات النبي - ﷺ - للإيمان فيؤمن ببعضها ويكفر ببعضها؛ لأن النبي - ﷺ - حين سأله جبريل ﵇ عن الإيمان بدأ بالشهادة، وقال لوفد عبد قيس: «أتدرون ما الإيمان؟» فبدأ بالشهادة -وهي الكلمة- أصل الإيمان، والشاهد بلا إله إلا الله هو المصدق المقر بقلبه يشهد بها لله بقلبه ولسانه، يبتدئ بشهادة قلبه والإقرار به، ثم يثني بالشهادة بلسانه والإقرار به بنية صادقة يرجع بها إلى قلب مخلص، فذلك المؤمن المسلم ليس كما شهد به المنافقون إذ قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (١)\nقال الله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ فلم يكذب قولهم، ولكن كذبهم من قلوبهم فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ كما قالوا، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ فكذبهم؛ لأنهم قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. فالإسلام الحقيقي ما تقدم وصفه؛ وهو الإيمان والإسلام الذي احتجز به المنافقون من القتل والسبي هو الاستسلام، وبالله التوفيق. اهـ (٢)\n_________\n(١) المنافقون الآية (١) ..\n(٢) (١/ ٣٥٠ - ٣٥١).","vol":"6","page":12},{"text":"- ذكر الأبواب والشعب التي قالها النبي - ﷺ - أنها الإيمان، وأنها قول باللسان ومعرفة بالقلب وعمل بالأركان، التي علمهن جبريل ﵇ الصحابة وكذلك روي عنه من رواية علي بن أبي طالب ﵁ وبين المصطفى مجملها.\nفمن أفعال القلوب: النيات والإرادات، والعلم والمعرفة بالله وبما أمر به، والاعتراف له والتصديق به وبما جاء من عنده، والخضوع له ولأمره، والإجلال والرغبة إليه والرهبة منه، والخوف والرجاء والحب له ولما جاء من عنده، والحب والبغض فيه، والتوكل والصبر والرضاء، والرحمة والحياء،، والنصيحة لله ولرسوله ولكتابه، وإخلاص الأعمال كلها مع سائر أعمال القلب. اهـ\nومن أفعال اللسان: الإقرار بالله وبما جاء من عنده، والشهادة لله بالتوحيد، ولرسوله بالرسالة ولجميع الأنبياء والرسل، ثم التسبيح والتكبير، والتحميد والتهليل، والثناء على الله والصلاة على رسوله، والدعاء وسائر الذكر. اهـ\nثم أفعال سائر الجوارح: من الطاعات والواجبات التي بني عليها الإسلام؛ أولها: إتمام الطهارات كما أمر الله ﷿، ثم الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والزكاة على ما بينه الرسول - ﷺ -، ثم حج البيت من استطاع إليه سبيلا. وترك الصلاة كفر، وكذلك جحود الصوم والزكاة والحج، والجهاد فرض على كفاية مع البر والفاجر. وسائر الأعمال التطوع التي يستحق بفعلها اسم زيادة الإيمان، والأفعال المنهي عنها التي بفعلها","vol":"6","page":13},{"text":"يستحق نقصان الإيمان. اهـ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2255>بديع الزمان الهمذاني (٣٩٨ ه</span>ـ)\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2256> موقفه من الرافضة:</span>\nقال ياقوت في معجم الأدباء (٢): قال البديع يمدح الصحابة ويهجو الخوارزمي (٣) ويجيبه عن قصيدة رويت له في الطعن عليهم:\nوكَّلَني بِالهمِّ والكآبه ... طعانة لعانة سبابه\nللسلف الصالح والصحابه ... أساء سمعا فأساء جابه\nتأملوا يا كبراء الشيعه ... لعشرة الإسلام والشريعه\nأتستحل هذه الوقيعه ... في بيع الكفر وأهل البيعه\nفكيف من صدق بالرساله ... وقام للدين بكل آله\nوأحرز الله يد العُقْيَ له ... ذلكم الصديق لا محاله\nإمام من أجمع في السقيفه ... قطعا عليه أنه الخليفه\nناهيك من آثاره الشريفه ... في رده كيد بني حنيفه\nسل الجبال الشم والبحارا ... وسائل المنبر والمنارا\nواستعلم الآفاق والأقطار ... من أظهر الدين بها شعارا\n_________\n(١) (١/ ٣٦٢).\n(٢) (٢/ ١٩٦ - ٢٠٠).\n(٣) هو أبو بكر ممد بن العباس الخوارزمي، كان رافضيا خبيثا، انظر ترجمته في الوافي بالوفيات للصفدي (٣/ ١٩١ - ١٩٦). وليس هو أبا بكر محمد بن موسى الخوارزمي شيخ الحنفية. انظره فيما يأتي سنة (٤٠٣هـ).","vol":"6","page":14},{"text":"ثم سل الفرس وبيت النار ... من الذي فل شبا الكفار\nهل هذه البيض من الآثار ... إلا لثاني المصطفى في الغار\nوسائل الإسلام من قَوّاه ... وقال إذ لم تقل الأفواه\nواستنجز الوعد فأومى الله ... من قام لما قعدوا إلا هو\nثاني النبي في سني الولاده ... ثانيه في الغارة بعد العاده\nثانيه في الدعوة والشهاده ... ثانيه في القبر بلا وساده\nثانيه في منزلة الزعامه ... نبوة أفضت إلى إمامه\n\nإلى أن قال:\nويلك لم تنبح يا كلب القمر؟ ... ما لك يا مأمون تغتاب عمر\nسيد من صام وحج واعتمر ... صرح بإلحادك لا تمش الخمر\nيا من هجا الصديق والفاروقا ... كيما يقيم عند قوم سوقا\nنفخت يا طبل علينا بوقا ... فما لك اليوم كذا موهوقا\nإنك في الطعن على الشيخين ... والقدح في السيد ذي النورين\nلواهن الظهر سخين العين ... معترضٌ للحين بعد الحين\nهلاّ نهتك الوجنة الموشومه ... عن مشترى الخلد ببئر رومه\nكفى من الغيبة أدنى شمّه ... من استجاز القدحَ في الأئمه\nولم يعظم أمناء الأمه ... فلا تلوموه ولوموا أمّه\nما لك يا نذل وللزّكّيه ... عائشة الراضية المرضيّه\nيا ساقط الغِيرة والحمّيه ... ألم تكن للمصطفى حظِيَّه","vol":"6","page":15},{"text":"محمد بن أبي زَمَنِين (١) (٣٩٩ هـ)\nالإمام القدوة، الزاهد، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد، المري الأندلسي، الألبيري، شيخ قرطبة، ومن المفاخر الغرناطية، ولد في أول سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. كان راسخا في العلم مفننا في الآداب، مقتفيا لآثار السلف، صاحب عبادة وإنابة وتقوى، وكان عارفا بمذهب مالك، بصيرا به. وكان صاحب جد وإخلاص، ومجانبة للأمراء، وكان من حملة الحجة. سمع من وهب بن مسرة وأحمد بن المطرف وأحمد بن الشامة وتفقه بإسحاق بن إبراهيم الطليطلي. وروى عنه أبو عمرو الداني وأبو عمر ابن الحذاء، وجماعة. توفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2258> موقفه من المبتدعة:</span>\nآثاره في العقيدة السلفية:\n١ - 'أصول السنة': وقد نقل منه شيخ الإسلام في كثير من فتاواه. وهو مطبوع متداول.\n٢ - تفسير القرآن: مخطوط في القرويين (٢) اختصره من تفسير يحيى بن سلام التيمي ذكره الذهبي في السير (٣) وهو في الأعلام (٤).\nومن أقواله الطيبة في ذمه للبدعة وثنائه على السنة ما جاء في أصول السنة:\n_________\n(١) ترتيب المدارك (٢/ ٢٥٩ - ٢٦١) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٢٩) والوافي بالوفيات (٣/ ٣٢١) والديباج (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٤) وشذرات الذهب (٣/ ١٥٦) والسير (١٧/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(٢) (٤٠/ ٣٤).\n(٣) (١٧/ ١٨٩).\n(٤) (٦/ ٢٢٧).","vol":"6","page":16},{"text":"- باب في الحض على لزوم السنة واتباع الأئمة:\nاعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن، وأنها لا تدرك بالقياس ولا تؤخذ بالعقول، وإنما هي في الاتباع للأئمة ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة، وقد ذكر الله ﷿ أقواما أحسن الثناء عليهم فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ (١)، وأمر عباده فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال: ولم يزل أهل السنة يعيبون أهل الأهواء المضلة، وينهون عن مجالستهم ويخوفون فتنتهم، ويخبرون بخلاقهم، ولا يرون ذلك غيبة لهم ولا طعنا عليهم. (٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2259> موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ﵀: ومن قول أهل السنة أن يعتقد المرء المحبة لأصحاب النبي - ﷺ - وأن ينشر محاسنهم وفضائلهم، ويمسك عن الخوض فيما دار بينهم. وقد أثنى الله ﷿ في غير موضع من كتابه ثناء أوجب التشريف إليهم\n_________\n(١) الزمر الآيتان (١٧و١٨).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) رياض الجنة في تخريج أصول السنة (ص.٣٥).\n(٤) أصول السنة لابن أبي زمنين (٢٩٣).","vol":"6","page":17},{"text":"بمحبتهم والدعاء لهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١) وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (٢).اهـ (٣)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2260> موقفه من الجهمية:</span>\nقال ﵀ في أصول السنة: ومن قول أهل السنة: إن القرآن كلام الله وتنزيله، ليس بخالق ولا مخلوق، منه ﵎ بدأ، وإليه يعود. (٤)\nوقال: ومن قول أهل السنة: إن الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ (٥) وفي قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (٦) فسبحان من بعد فلا يرى، وقرب\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) الحشر الآيتان (٨و٩).\n(٣) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (٢٦٣).\n(٤) المصدر نفسه (ص.٨٢).\n(٥) طه الآيتان (٥و٦).\n(٦) الحديد الآية (٤).","vol":"6","page":18},{"text":"بعلمه وقدرته فسمع النجوى. (١)\nوقال: ومن قول أهل السنة: إن الله ﷿ ينزل إلى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدا. (٢)\nوقال: ومن قول أهل السنة: إن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، وإنه يحتجب عن الكفار والمشركين فلا يرونه، وقال ﷿: ﴿* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٣) وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٤) وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (٥) فسبحان من ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ (٦).اهـ (٧)\n- وقال: وأهل السنة يؤمنون بالميزان يوم القيامة وقال ﷿: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ (٨) وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ\n_________\n(١) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (ص.٨٨).\n(٢) المصدر نفسه (ص.١١٠).\n(٣) يونس الآية (٢٦).\n(٤) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٥) المطففين الآية (١٥).\n(٦) الأنعام الآية (١٠٣).\n(٧) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (ص.١٢٠).\n(٨) القارعة الآيات (٦ - ٩).","vol":"6","page":19},{"text":"الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ (١).اهـ (٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2261> موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀: وأهل السنة يؤمنون بأن الله ﷿ يدخل ناسا الجنة من أهل التوحيد بعدما مستهم النار برحمته ﵎ اسمه، وبشفاعة الشافعين. (٣)\n- وقال: وأهل السنة لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة، ولا يرون أن تترك الصلاة على من مات منهم وإن كان من أهل الإسراف على نفسه، وقال ﷿ لنبيه ﵊: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤).اهـ (٥)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2262> موقفه من المرجئة:</span>\n- قال: ومن قول أهل السنة: إن الإيمان إخلاص لله بالقلوب، وشهادة بالألسنة، وعمل بالجوارح، على نية حسنة وإصابة السنة. قال ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ (٦)\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٤٧).\n(٢) رياض الجنة بتخريج أصول السنة لابن أبي زمنين (ص.١٦٢).\n(٣) المصدر نفسه (١٨٠).\n(٤) محمد الآية (١٩).\n(٥) أصول السنة (ص.٢٢٤).\n(٦) الحجرات الآية (١٥).","vol":"6","page":20},{"text":"وقال: ﴿* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) ثم وصفهم بأعمالهم فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ -وهم الصائمون- ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ (٢) وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٣) وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤) قال محمد: والإيمان بالله هو باللسان والقلب وتصديق ذلك العمل. فالقول والعمل قرينان لا يقوم أحدهما إلا بصاحبه. (٥)\n- وقال: ومن قول أهل السنة: إن الإيمان درجات ومنازل يتم ويزيد وينقص، ولولا ذلك استوى الناس فيه، ولم يكن للسابق فضل على المسبوق.\n_________\n(١) التوبة الآية (١١١).\n(٢) التوبة الآية (١١٢).\n(٣) التوبة الآية (٥).\n(٤) فاطر الآية (١٠).\n(٥) رياض الجنة بتخريج أصول السنة (٢٠٧).","vol":"6","page":21},{"text":"وبرحمة الله وبتمام الإيمان يدخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة فيه يتفاضلون في الدرجات ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ (١) ومثل هذا في القرآن كثير. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2263>موقفه من القدرية:</span>\nقال محمد بن عبد الله: ومن قول أهل السنة: إن المقادير كلها خيرها وشرها حلوها ومرها من الله ﷿، فإنه خلق الخلق وقد علم ما يعملون وما إليه يصيرون، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وقال ﵎ وهو أصدق القائلين: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ (٤)، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٥)، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٦)، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (٧)، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَن اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٨)،\n_________\n(١) الإسراء الآية (٢١).\n(٢) رياض الجنة بتخريج أصول السنة (٢١١).\n(٣) الأعراف الآية (٥٤).\n(٤) الأحزاب الآية (٣٨).\n(٥) القمر الآية (٤٩).\n(٦) التوبة الآية (٥١).\n(٧) الأنبياء الآية (٣٥).\n(٨) الأنفال الآية (٢٤).","vol":"6","page":22},{"text":"وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ (٣) مثل هذا في القرآن كثير.\nوساق ﵀ نصوصا في الرد على القدرية. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2264>موقف السلف من ابن يونس المنجم (٣٩٩ ه</span>ـ)\nبيان ضلاله:\nقال الذهبي: المنجم الكبير، مصنف 'الزيج الحاكمي'، أبو الحسن علي ابن محدث مصر أبي سعيد عبد الرحمن بن الفقيه أحمد بن شيخ الإسلام يونس ابن عبد الأعلى الصدفي المصري. وأهل التنجيم يخضعون لفضيلة هذا التأليف. وله نظم رائق. لبس مرة ثياب النساء، وضرب بالعود، وبخر، ورقب الزهرة، وكان يلبس تحت العمامة طرطورا، كالبدو، وله إصابات عجيبة تضل الجهلة. وقد عدله القاضي محمد بن النعمان وقبله، فلا حول ولا قوة إلا بالله. (٥)\n_________\n(١) يونس الآية (٩٦).\n(٢) السجدة الآية (١٣).\n(٣) النحل الآية (٣٧).\n(٤) رياض الجنة بتخريج أصول السنة (١٩٧).\n(٥) السير (١٧/ ١٠٩).","vol":"6","page":23},{"text":"وقال في الميزان (١): لا يحل الأخذ عنه؛ فإنه منجم ساحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2265>موقف السلف من أبي حيان التوحيدي (في حدود ٤٠٠ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\nلم يتمالك ابن السبكي أعصابه في ترجمة أبي حيان، فشن حملة على الإمام الذهبي لطعنه وتشنيعه على هذا الزنديق، مع أن الذهبي مسبوق بأئمة فحول ذكروا زندقة هذا الضال. ومن أشهرهم ابن الجوزي، وابن بابي في الخريدة والفريدة وغيرهما ولكن على عادته يتخبط تخبط الحاقد الذي يشتعل نارًا حتى أدت به الوقاحة إلى التجرؤ بالقول بأن علماء الحديث كانوا أشاعرة. وهذا من البهتان والكذب. وما أثبتناه في هذا البحث المبارك يبين أن لا علاقة لهم بالأشعرية، بل المحدثون حاربوا الأشعرية في وقتها المبكر، وما نحن بالبعيدين عن قصة أبي الحسن مع البربهاري (٢)، وسيمر بنا إن شاء الله فحول تصدوا لها تصديًا.\nقال الذهبي ﵀: الضال الملحد أبو حيان علي بن محمد بن العباس، البغدادي الصوفي، صاحب التصانيف الأدبية والفلسفية، ويقال: كان من أعيان الشافعية.\nقال ابن بابي في كتاب الخريدة والفريدة: كان أبو حيان هذا كذابًا،\n_________\n(١) (٣/ ١٣٢).\n(٢) انظر مواقف البربهاري من الجهمية سنة (٣٢٩هـ).","vol":"6","page":24},{"text":"قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان، تعرض لأمور جسام من القدح في الشريعة، والقول بالتعطيل، ولقد وقف سيدنا الوزير الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كان يُدغِلُ ويخفيه من سوء الاعتقاد. فطلبه ليقتله فهرب والتجأ إلى أعدائه ونفَقَ عليهم تزخرفُه وإفكُه. ثم عثروا منه على قبيح دخلته وسوء عقيدته وما يبطنه من الإلحاد ويرومه في الإسلام من الفساد، وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح، ويضيفه إلى السلف الصالح من القبائح. فطلبه الوزير المهلبي فاستتر منه، ومات في الاستتار، وأراح الله. ولم يؤثر عنه إلا مثلبة أو مخزية.\nوقال أبو الفرج بن الجوزي: زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي وأبو حيان التوحيدي وأبو العلاء المعري، وأشدهم على الإسلام هو أبو حيان، لأنهما صرّحا وهو مَجْمَج ولم يصرّح. (١)\nوفيها عنه قال: أناس مضوا تحت التوهم، وظنوا أن الحق معهم وكان الحق وراءهم.\nقال الذهبي: أنت حامل لوائهم. (٢)\n\nشدّاد بن إبراهيم (٣) (٤٠١ هـ)\nأبو نجيب الملقب بالطاهر الجزري، شاعر من شعراء عضد الدولة بن بويه.\n_________\n(١) السير (١٧/ ١١٩ - ١٢٠).\n(٢) السير (١٧/ ١٢١ - ١٢٢).\n(٣) معجم الأدباء (١١/ ٢٧٠ - ٢٧٢) وتتمة يتيمة الدهر لأبي منصور الثعالبي (ص ٥٩) وموسوعة شعراء العرب (٢/ ٦٢٦).","vol":"6","page":25},{"text":"كان دقيق الشعر لطيف الأسلوب عالي السن. توفي سنة إحدى وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2268>موقفه من الصوفية:</span>\nقال:\nأيا جيل التصوف شرَّ جِيلٍ ... لقد جئتم بأمر مستحيل\nأفي القرآن قال لكم إلهي ... كلوا مثل البهائم وارقصوا لي (١)\n\nابن السوسنجردي (٢) (٤٠٢ هـ)\nأحمد بن عبد الله بن الخضر بن مسرور، أبو الحسين المعدل المعروف بابن السوسنجردي. سمع محمد بن عمرو الرزاز وأبا عمرو بن السماك، وأحمد بن سلمان وغيرهم، وكتب الناس عنه بانتخاب محمد بن أبي الفوارس، قال الخطيب: وكان ثقة مأمونا دينا مستورا حسن الاعتقاد شديدا في السنة. توفي في رجب سنة اثنتين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2270>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في طبقات الحنابلة عنه: أنه اجتاز يوما في سوق الكرخ. فسمع سب بعض الصحابة، فجعل على نفسه أن لا يمشي قط في الكرخ. (٣)\n_________\n(١) معجم الأدباء (١١/ ٢٧١).\n(٢) تاريخ بغداد (٤/ ٢٣٧) وطبقات الحنابلة (٢/ ١٦٨ - ١٦٩) والعبر (١/ ٤١٠) والمنتظم (١٥/ ٨٥) وشذرات الذهب (٣/ ١٦٣).\n(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ١٦٩).","vol":"6","page":26},{"text":"الهَرَوَانِي (١) (٤٠٢ هـ)\nمحمد بن عبد الله بن الحسين أبو عبد الله الإمام العلامة شيخ الحنفية القاضي، الجحفي المعروف بالهرواني، تلا لعاصم على أبي العباس محمد بن الحسن وسمع من محمد بن القاسم المحاربي، وعلي بن محمد بن هارون ومحمد ابن جعفر بن رياح الأشجعي. قرأ عليه أبو علي غلام الهراس، وحدث عنه أبو محمد يحيى بن محمد بن الحسن، وأبو الفرج محمد بن أحمد بن علان، ومحمد بن الحسن بن المنثور الجهني وآخرون. قال الخطيب: قال لي العتيقي: ما رأيت بالكوفة مثل القاضي الهرواني. وقال: كان ثقة حدث ببغداد، وكان من عاصره يقول: لم يكن بالكوفة من زمن ابن مسعود إلى وقته أحد أفقه منه. توفي في رجب سنة اثنتين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2272>موقفه من الجهمية:</span>\nمن آثاره السلفية: 'الرد على الجهمية'. (٢)\n\nإبراهيم بن محمد بن حسين (٣) (٤٠٢ هـ)\nالإمام إبراهيم بن محمد بن حسين أبو إسحاق الأموي الطليطلي. سمع بطليطلة ثم رحل إلى قرطبة ثم إلى سائر بلاد الأندلس، ثم رحل إلى المشرق،\n_________\n(١) السير (١٧/ ١٠١ - ١٠٢) وتاريخ بغداد (٥/ ٤٧٢ - ٤٧٣) والعبر (١/ ٤١١ - ٤١٢) وغاية النهاية (٢/ ١٧٧ - ١٧٨) وشذرات الذهب (٣/ ١٦٥).\n(٢) ذكره ابن تيمية في المنهاج (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\n(٣) تاريخ الإسلام (حوادث ٤٠١ - ٤١٠/ص.٥٧) والسير (١٧/ ١٥١) وشذرات الذهب (٣/ ١٦٣) والوافي بالوفيات (٦/ ١٠٣).","vol":"6","page":27},{"text":"فسمع بمصر والحجاز. كان زاهدا فاضلا ناسكا صواما قواما ورعا، كثير التلاوة غلب عليه علم الحديث ومعرفة طرقه. توفي سنة اثنتين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2274>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في تاريخ الإسلام: وكان سنيا نافرا للمبتدعة، هاجرا لهم. (١)\n\nابن الباقلاني (٢) (٤٠٣ هـ)\nالقاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري صاحب التصانيف. سمع أبا بكر القطيعي وأبا محمد بن ماسي وطائفة. حدث عنه الحافظ أبو ذر الهروي وأبو جعفر السمنافي وغيرهم. وكان ثقة إماما بارعا، صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة، والخوارج والجهمية والكرامية. وكان يلقب بسيف السنة ولسان الأمة، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته، وكان له بجامع البصرة حلقة عظيمة.\nقال أبو بكر الخوارزمي: كل مصنف ببغداد إنما ينقل من كتب الناس سوى القاضي أبي بكر فإنما صدره يحوي علمه وعلم الناس.\nوقال أبو محمد البافي: لو أوصى رجل بثلث ماله لأفصح الناس لوجب أن يدفع إلى أبي بكر الأشعري.\nوكانت له مناظرات أفحم فيها النصارى. مات في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة وصلى عليه ابنه حسن، وكانت جنازته مشهودة، وكان\n_________\n(١) تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٤٠١ - ٤١٠/ص.٥٧) والسير (١٧/ ١٥١) والتذكرة (٣/ ١٠٩٢).\n(٢) السير (١٧/ ١٩٠ - ١٩٣) والشذرات (٣/ ١٦٨ - ١٧٠) والمنتظم (١٥/ ٩٦) وتاريخ بغداد (٥/ ٣٧٩ - ٣٨٣).","vol":"6","page":28},{"text":"سيفا على المعتزلة والرافضة والمشبهة، وغالب قواعده على السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2276>موقفه من المشركين:</span>\n- قال شيخ الإسلام: وقد صنف المسلمون في كشف أسرارهم وهتك أستارهم (يعني الملاحدة) كتبا كبارا وصغارا وجاهدوهم باللسان واليد إذ كانوا بذلك أحق من اليهود والنصارى. ولو لم يكن إلا كتاب 'كشف الأسرار وهتك الأستار' للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب (١) ... وذكر كتبا أخرى.\n- وقال أيضا: ولهذا كان مناظرة كثيرة من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية المعروفة عن القاضي أبي بكر بن الطيب لما أرسله المسلمون إلى ملك النصارى بالقسطنطينية، فإنهم عظموه وعرف النصارى قدره، فخافوا أن لا يسجد للملك إذا دخل، فأدخلوه من باب صغير ليدخل منحنيا، ففطن لمكرهم فدخل مستدبرا متلقيا لهم بعجزه، ففعل نقيض ما قصدوه. ولما جلس وكلموه أراد بعضهم القدح في المسلمين، فقال له: ما قيل في عائشة امرأة نبيكم؟ يريد إظهار قول الإفك الذي يقوله من يقوله من الرافضة أيضا، فقال القاضي: ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا: مريم وعائشة، فأما مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج، وأما عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان لها زوج، فأبهت النصارى. وكان مضمون كلامه أن ظهور براءة عائشة أعظم من ظهور براءة مريم، وأن الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة، فإذا كان مع هذا قد ثبت كذب القادحين في مريم، فثبوت\n_________\n(١) الفتاوى (٩/ ١٣٤).","vol":"6","page":29},{"text":"كذب القادحين في عائشة أولى. (١)\n- وفيه عنه: قال القاضي أبو بكر بن الطيب: قد اتفق جميع الباطنية، وكل مصنف لكتاب ورسالة منهم، في ترتيب الدعوة المضلة، على أن من سبيل الداعي إلى دينهم ورجسهم، المجانب لجميع أديان الرسل والشرائع أن يجيب الداعي إليه الناس بما يبين وما يظهر له من أحوالهم ومذاهبهم، وقالوا لكل داع لهم إلى ضلالتهم ما أنا حاك لألفاظهم وصيغة قولهم، بغير زيادة ولا نقصان، ليعلم بذلك كفرهم وعنادهم لسائر الرسل والملل، فقالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما: أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل عليه من جهة ظلم السلف، وقتلهم الحسين، وسبيهم نساءه وذريته، والتبري من تيم وعدي، ومن بني أمية وبني العباس، وأن تكون قائلا بالتشبيه والتجسيم، والبدء، والتناسخ، والرجعة، والغلو، وأن عليا إله يعلم الغيب، مفوض إليه خلق العالم، وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم، فإنهم أسرع إلى إجابتك بهذا الناموس، حتى تتمكن منهم مما تحتاج إليه أنت ومن بعدك، ممن تثق به من أصحابك، فترقيهم إلى حقائق الأشياء حالا فحالا، ولا تجعل كما جعل المسيح ناموسه في زور موسى القول بالتوراة وحفظ السبت، ثم عجل وخرج عن الحد، وكان له ما كان، يعني من قتلهم له، بعد تكذيبهم إياه، وردهم عليه، وتفرقهم عنه. فإذا آنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدا، أوقفته على مثالب علي وولده، وعرفته حقيقة الحق لمن هو، وفيمن هو، وباطل بطلان كل ما عليه أهل ملة\n_________\n(١) المنهاج (٢/ ٥٦ - ٥٧) وانظرها مطولة في ترتيب المدارك (٢/ ٢٠٩ - ٢١٣).","vol":"6","page":30},{"text":"محمد - ﷺ - وغيره من الرسل، ومن وجدته صابئا فأدخله مداخله بالأشانيع وتعظيم الكواكب، فإن ذلك ديننا وجل مذهبنا في أول أمرنا، وأمرهم من جهة الأشانيع يقرب عليك أمره جدا.\nومن وجدته مجوسيا اتفقت معه في الأصل، في الدرجة الرابعة، من تعظيم النار والنور، والشمس والقمر، واتل عليهم أمر السابق، وأنه نهر من الذي يعرفونه، وثالثه المكنون من ظنه الجيد والظلمة المكتوبة، فإنهم مع الصابئين أقرب الأمم إلينا، وأولاهم بنا، لولا يسير صحفوه بجهلهم به \"قالوا\" وإن ظفرت بيهودي فادخل عليه من جهة انتظار المسيح، وأنه المهدي الذي ينتظره المسلمون بعينه، وعظم السبت عندهم، وتقرب إليهم بذلك، وأعلمهم أنه مثل يدل على ممثول، وأن ممثوله يدل على السابع المنتظر، يعنون محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأنه دوره، وأنه هو المسيح، وهو المهدي، وعند معرفته تكون الراحة من الأعمال، وترك التكليفات، كما أمروا بالراحة يوم السبت، وأن راحة السبت هو دلالة على الراحة من التكليف والعبادات في دور السابع المنتظر، وتقرب من قلوبهم بالطعن على النصارى والمسلمين الجهال الحيارى، الذين يزعمون أن عيسى لم يولد ولا أب له، وَقَوِّ في نفوسهم أن يوسف النجار أبوه، وأن مريم أمه، وأن يوسف النجار كان ينال منها ما ينال الرجال من النساء، وما شاكل ذلك، فإنهم لن يلبثوا أن يتبعوك. \"قال\" وإن وجدت المدعى نصرانيا، فادخل عليه بالطعن على اليهود والمسلمين جميعا، وصحة قولهم في الثالوث، وأن الأب والابن وروح القدس صحيح، وعظم الصليب عندهم، وعرفهم تأويله. وإن وجدته مثانيا فإن المثانية تحرك الذي منه يعترف، فداخلهم بالممازجة في","vol":"6","page":31},{"text":"الباب السادس في الدرجة السادسة من حدود البلاغ، التي يصفها من بعد، وامتزج بالنور وبالظلام، فإنك تملكهم بذلك. وإذا آنست من بعضهم رشدا فاكشف له الغطاء. ومتى وقع إليك فيلسوف فقد علمت أن الفلاسفة هم العمدة لنا. وقد أجمعنا نحن وهم على إبطال نواميس الأنبياء، وعلى القول بقدم العالم، لولا ما يخالفنا بعضهم من أن للعالم مدبرا لا يعرفونه. فإن وقع الاتفاق منهم على أنه لا مدبر للعالم، فقد زالت الشبهة بيننا وبينهم.\nوإذا وقع لك ثنوي منهم فبخ بخ، قد ظفرت يداك بمن يقل معه تعبك، والمدخل عليه بإبطال التوحيد، والقول بالسابق والتالي، ورتب له ذلك على ما هو مرسوم لك في أول درجة البلاغ وثانيه وثالثه. وسنصنف لك عنهم من بعد واتخذ غليظ العهود، وتوكيد الأيمان، وشدة المواثيق جنة لك وحصنا، ولا تهجم على مستجيبك بالأشياء الكبار التي يستبشعونها حتى ترقيهم إلى أعلى المراتب: حالا فحالا، وتدرجهم درجة درجة، على ما سنبينه من بعد، وقف بكل فريق حيث احتمالهم، فواحد لا تزيده على التشيع والائتمام بمحمد بن إسماعيل، وأنه حي، لا تجاوز به هذا الحد، لا سيما إن كان مثله ممن يكثر به وبموضع اسمه، وأظهر له العفاف عن الدرهم والدينار، وخفف عليه وطأتك مرة بصلاة السبعين، وحذره الكذب والزنا واللواط وشرب النبيذ، وعليك في أمره بالرفق والمداراة له والتودد، وتصبر له: إن كان هواه متبعا لك تحظ عنده، ويكون لك عونا على دهرك، وعلى من لعله يعاديك من أهل الملل، ولا تأمن أن يتغير عليك بعض أصحابك، ولا تخرجه عن عبادة إلهه، والتدين بشريعة محمد نبيه - ﷺ - والقول بإمامة علي وبنيه إلى محمد بن إسماعيل، وأقم له","vol":"6","page":32},{"text":"دلائل الأسابيع فقط، ودقه بالصوم والصلاة دقا وشدة الاجتهاد، فإنك يومئذ إن أومأت إلى كريمته، فضلا عن ماله، لم يمنعك، وإن أدركته الوفاة فوض إليك ما خلفه، وورثك إياه، ولم ير في العالم من هو أوثق منك، وآخر ترقيه إلى نسخ شريعة محمد، وأن السابع هو الخاتم للرسل، وأنه ينطق كما ينطقون، ويأتي بأمر جديد، وأن محمدا صاحب الدور السادس، وأن عليا لم يكن إماما، وإنما كان سوسا لمحمد، وحسن القول فيه، وإلا سياسية، فإن هذا باب كبير، وعمل عظيم، منه ترقى إلى ما هو أعظم منه، وأكبر منه، ويعينك على زوال ما جاء به من قبلك، من وجوب زوال النبوات، على المنهاج الذي هو عليه، وإياك أن ترتفع من هذا الباب، إلا إلى من تقدر فيه النجابة، وآخر ترقيه من هذا إلى\nمعرفة القرآن ومؤلفه وسببه، وإياك أن تغتر بكثير ممن يبلغ معك إلى هذه المنزلة، فترقيه إلى غيرها: ألا يغلطون المؤانسة والمدارسة، واستحكام الثقة به، فإن ذلك يكون لك عونا على تعطيل النبوات، والكتب التي يدعونها منزلة من عند الله، وآخر ترقيه إلى إعلامه أن القائم قد مات، وأنه يقوم روحانيا، وأن الخلق يرجعون إليه بصور روحانية، تفصل بين العباد بأمر الله ﷿، ويستصفي المؤمنين من الكافرين بصور روحانية، فإن ذلك يكون أيضا عونا لك عند إبلاغه إلى إبطال المعاد الذي يزعمونه، والنشور من القبر. وآخر ترقيه من هذا إلى إبطال أمر الملائكة في السماء، والجن في الأرض، وأنه كان قبل آدم بشر كثير، وتقيم على ذلك الدلائل المرسومة في كتبنا، فإن ذلك مما يعينك وقت بلاغه على تسهيل التعطيل للوحي، والإرسال إلى البشر بملائكة، والرجوع إلى الحق والقول بقدم العالم.","vol":"6","page":33},{"text":"وآخر ترقيه إلى أوائل درجة التوحيد، وتدخل عليه بما تضمنه كتابهم المترجم بكتاب 'الدرس الشافي للنفس' من أنه لا إله ولا صفة ولا موصوف، فإن ذلك يعينك على القول بالإلهية لمستحقها عند البلاغ\"، وإلى ذلك يعنون بهذا أن كل داع منهم يترقى درجة درجة، إلى أن يصير إماما ناطقا، ثم ينقلب إلها روحانيا، على ما سنشرح قولهم فيه من بعد. قالوا: \"ومن بلغته إلى هذه المنزلة فعرفه حسب ما عرفناك من حقيقة أمر الإمام، وأن إسماعيل وأباه محمدا كانا من نوابه، ففي ذلك عون لك على إبطال إمامة علي وولده عند البلاغ، والرجوع إلى القول بالحق\". ثم لا يزال كذلك شيئا فشيئا حتى يبلغ الغاية القصوى على تدريج يصفه عنهم فيما بعد. قال القاضي: \"فهذه وصيتهم جميعا للداعي إلى مذاهبهم، وفيها أوضح دليل لكل عاقل على كفر القوم وإلحادهم، وتصريحهم بإبطال حدوث العالم ومحدثه، وتكذيب ملائكته ورسله، وجحد المعاد والثواب والعقاب.\nوهذا هو الأصل لجميعهم وإنما يتمخرقون بذكر الأول والثاني والناطق والأساس، إلى غير ذلك، ويخدعون به الضعفاء، حتى إذا استجاب لهم مستجيب أخذوه بالقول بالدهر والتعطيل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2277>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: وكان ثقة إماما بارعا، صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة، والخوارج والجهمية والكرامية. (٢)\n- وفيها: قال أبو حاتم محمود بن الحسين القزويني: كان ما يضمره\n_________\n(١) المنهاج (٨/ ٤٧٩ - ٤٨٥).\n(٢) السير (١٧/ ١٩٠).","vol":"6","page":34},{"text":"القاضي أبو بكر الأشعري من الورع والدين أضعاف ما كان يظهره، فقيل له في ذلك، فقال: إنما أظهر ما أظهره غيظا لليهود والنصارى، والمعتزلة والرافضة، لئلا يستحقروا علماء الحق ... وكان سيفا على المعتزلة والرافضة والمشبهة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2278>موقفه من الجهمية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2279>موقفه من المؤولة:</span>\nقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: وقال القاضي أبو بكر \"محمد بن الطيب الباقلاني\" المتكلم -وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده- قال في 'كتاب الإبانة' تصنيفه: فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجها ويدا؟ قيل له قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٢) وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣) فأثبت لنفسه وجها ويدا. فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إن كنتم لا تعقلون وجها ويدا إلا جارحة؟ قلنا لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله ﷾، وكما لا يجب في كل شيء كان قائما بذاته أن يكون جوهرا، لأنا وإياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك،\n_________\n(١) السير (١٧/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(٢) الرحمن الآية (٢٧).\n(٣) ص الآية (٥٧).","vol":"6","page":35},{"text":"وكذلك الجواب لهم إن قالوا: يجب أن يكون علمه وحياته، وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضا واعتلوا بالوجود. وقال: فإن قال فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (١) وقال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢) وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ (٣) قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه، والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. (٤)\n- جاء في السير: قال أبو حاتم محمود بن الحسين القزويني: وكان سيفا على المعتزلة والرافضة والمشبهة، وغالب قواعده على السنة، وقد أمر شيخ الحنابلة أبو الفضل التميمي مناديا يقول بين يدي جنازته: هذا ناصر السنة والدين، والذاب عن الشريعة، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة. ثم كان يزور قبره كل جمعة. قيل: ناظر أبو بكر أبا سعيد الهاروني، فأسهب، ووسع\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) فاطر الآية (١٠).\n(٣) الملك الآية (١٦).\n(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٩٨ - ٩٩).","vol":"6","page":36},{"text":"العبارة، ثم قال للجماعة: إن أعاد ما قلت، قنعت به عن الجواب. فقال الهاروني: بل إن أعاد ما قاله، سلمت له. (١)\n- قال الذهبي: قلت: هو الذي كان ببغداد يناظر عن السنة وطريقة الحديث بالجدل والبرهان، وبالحضرة رؤوس المعتزلة والرافضة والقدرية وألوان البدع، ولهم دولة وظهور بالدولة البويهية، وكان يرد على الكرامية، وينصر الحنابلة عليهم، وبينه وبين أهل الحديث عامر، وإن كانوا قد يختلفون في مسائل دقيقة، فلهذا عامله الدارقطني بالاحترام، وقد ألف كتابا سماه: 'الإبانة' يقول فيه: فإن قيل: فما الدليل على أن لله وجها ويدا؟ قال: قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣) فأثبت تعالى لنفسه وجها ويدا. إلى أن قال: فإن قيل: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه. إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى. فهذا نص كلامه. وقال نحوه في كتاب 'التمهيد' له، وفي كتاب 'الذب عن الأشعري' وقال: قد بينا دين الأمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير.\nقلت: فهذا المنهج هو طريقة السلف، وهو الذي أوضحه أبو الحسن\n_________\n(١) السير (١٧/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(٢) الرحمن الآية (٢٧).\n(٣) ص الآية (٧٥).","vol":"6","page":37},{"text":"وأصحابه، وهو التسليم لنصوص الكتاب والسنة، وبه قال ابن الباقلاني، وابن فورك، والكبار إلى زمن أبي المعالي، ثم زمن الشيخ أبي حامد، فوقع اختلاف وألوان، نسأل الله العفو. (١)\nقال عبد الرحمن الوكيل: وقد سجل الباقلاني: أنه سلفي العقيدة في كتبه الآتية: التمهيد، والإبانة، والحيرة. (٢)\n\nالقَابِسِي (٣) (٤٠٣ هـ)\nعلي بن محمد بن خلف أبو الحسن الإمام الحافظ الفقيه العلامة عالم المغرب القروي القابسي صاحب 'الملخص'. حج وسمع من حمزة بن محمد الكتاني الحافظ، وأبي زيد المروزي، وابن مسرور الدباغ وطائفة. وكان عارفا بالعلل والرجال والفقه والأصول والكلام مصنفا يقظا دينا تقيا، وكان ضريرا وهو من أصح العلماء كتبا. قال حاتم الأطرابلسي: كان أبو الحسن القابسي زاهدا ورعا يقظا لم أر بالقيروان إلا معترفا بفضله. تفقه عليه أبو عمران الفاسي وأبو القاسم اللبيدي وعتيق السوسي وغيرهم. ألف تواليف بديعة. ولد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. وقد أخذ القراءة عرضا بمصر عن أبي الفتح ابن بدهن وأقرأ الناس بالقيروان دهرا، ثم قطع الإقراء لما بلغه أن بعض أصحابه أقرأ الوالي ثم أعمل نفسه في درس الفقه والحديث حتى برع فيهما،\n_________\n(١) السير (١٧/ ٥٥٨).\n(٢) الصفات الإلهية بين السلف والخلف (ص.٥٦).\n(٣) السير (١٧/ ١٥٨ - ١٦٢) ووفيات الأعيان (٣/ ٣٢٠ - ٣٢٢) ومعالم الإيمان (٣/ ١٣٤ - ١٤٣) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٧٩ - ١٠٨٠) والبداية والنهاية (١١/ ٣٧٥) وشذرات الذهب (٣/ ١٦٨).","vol":"6","page":38},{"text":"وصار إمام العصر. أثنى عليه بأكثر من هذا أبو عمرو الداني وقال: كتبنا عنه شيئا كثيرا. توفي في ربيع الأخير بالقيروان سنة ثلاث وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2281>موقفه من الجهمية:</span>\nألف تواليف بديعة ككتاب 'المنقذ من شبه التأويل' وكتاب 'المنبه للفطن من غوائل الفتن' وكتاب 'الاعتقادات' وغير ذلك. (١)\n\nالخَوارِزْمي (٢) (٤٠٣ هـ)\nمحمد بن موسى بن محمد أبو بكر المفتي العلامة شيخ الحنفية الخوارزمي ثم البغدادي، تلميذ أبي بكر أحمد بن علي الرازي. سمع من أبي بكر الشافعي وغيره. روى عنه البرقاني، ومن تلامذته الشريف الرضي والقاضي الصيمري. وما شهد الناس مثله في حسن الفتوى والإصابة فيها، دعي مرارا إلى الحكم فامتنع. قال ابن كثير: وكان ثقة دينا حسن الصلاة على طريقة السلف. توفي ليلة الجمعة الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعمائة.\nموقفه من الجهمية:\nجاء في السير عنه أنه قال: ديننا دين العجائز، لسنا من الكلام في شيء. (٣)\n_________\n(١) السير (١٧/ ١٦٠) والديباج المذهب (٢/ ١٠٢).\n(٢) السير (١٧/ ٢٣٥) والبداية والنهاية (١١/ ٣٧٤ - ٣٧٥) والوافي بالوفيات (٥/ ٩٣) وتاريخ بغداد (٣/ ٢٤٧) وشذرات الذهب (٣/ ١٧٠).\n(٣) السير (١٧/ ٢٣٥).","vol":"6","page":39},{"text":"سهل بن محمد الصُّعْلُوكِي (١) (٤٠٤ هـ)\nالعلامة، شيخ الشافعية بخراسان، الأديب الفقيه، مفتي نيسابور وابن مفتيها، أبو الطيب سهل بن الإمام أبي سهل محمد بن سليمان بن محمد العجلي الحنفي، انتهت إليه رئاسة أصحاب الحديث بعد والده. تفقه على والده، وسمع من محمد بن يعقوب الأصم وأبي علي الرفاه، وأبي عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي. وروى عنه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله وأبو بكر البيهقي وغيرهم.\nدرس الفقه واجتمع إليه الخلق اليوم الخامس من وفاة الأستاذ أبي سهل، وقد تخرج به جماعة من العلماء بنيسابور وسائر مدن خراسان، وتصدر للفتوى والقضاء والتدريس. قال الحاكم: هو من أنظر من رأينا، تخرج به جماعة، وحدث وأملى. قال: وبلغني أنه كان في مجلسه أكثر من خمس مائة محبرة. وقال: كان أبوه يجله، ويقول: سهل والد. وقال أبو إسحاق الشيرازي: كان أبو الطيب فقيها أديبا، جمع رئاسة الدنيا والدين، وأخذ عنه فقهاء نيسابور. له ألفاظ بديعة منها: من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه. وكان بعض العلماء يعد أبا الطيب المجدد للأمة دينها على رأس الأربعمائة.\nتوفي في السنة الرابعة بعد الأربعمائة.\n_________\n(١) السير (١٧/ ٢٠٧ - ٢٠٩) والأنساب (٨/ ٦٤) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦) والبداية والنهاية (١١/ ٣٤٦) وشذرات الذهب (٣/ ١٧٢ - ١٧٣) والوافي بالوفيات (١٦/ ١٢ - ١٣).","vol":"6","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2284>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في ذم الكلام: عنه قال: أقل ما في الكلام من الخسار سقوط هيبة الله من القلب. (١)\n\nأبو حامد الإِسْفَرَايِينِي (٢) (٤٠٦ هـ)\nالأستاذ العلامة، شيخ الإسلام، أبو حامد أحمد بن أبي طاهر محمد بن أحمد الفقيه الإسفراييني، شيخ الشافعية ببغداد. ولد سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. قدم بغداد وهو صغير ابن عشرين سنة. فتفقه على أبي الحسن بن المرزبان وأبي القاسم الداركي، وحدث عن عبد الله بن عدي وأبي بكر الإسماعيلي، وسمع 'السنن' من الدارقطني. وحدث عنه أبو الحسن الماوردي وسليم الرازي وأبو علي السنجي وآخرون. قال الخطيب: حدثونا عن أبي حامد، وكان ثقة، حضرت تدريسه في مسجد ابن المبارك، وسمعت من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة فقيه، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعي لفرح به. وقال أبو إسحاق الشيرازي: سألت أبا عبد الله الصميري: من أنظر من رأيت من الفقهاء؟ فقال: أبو حامد الإسفراييني. قال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات: انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ببغداد. توفي في السنة السادسة بعد الأربعمائة.\n_________\n(١) ذم الكلام (ص.٢٧٨).\n(٢) السير (١٧/ ١٩٣ - ١٩٧) وتاريخ بغداد (٤/ ٣٦٨ - ٣٧٠) والأنساب (١/ ٢٣٨) ووفيات الأعيان (١/ ٧٢ - ٧٤) والوافي بالوفيات (٧/ ٣٥٧ - ٣٥٨) والبداية والنهاية (١٢/ ٣ - ٤) وشذرات الذهب (٣/ ١٧٨ - ١٧٩).","vol":"6","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2286>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في فتاوى شيخ الإسلام: قال الشيخ أبو الحسن -محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي-: وكان الشيخ أبو حامد شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام، قال أبو الحسن: ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرأون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة، منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن علي الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفراييني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما، وأصحابا، إذا سعى إلى الجمعة من قطيعة الكرخ إلى جامع المنصور، ويدخل الرباط المعروف بالروزي المحاذي للجامع ويقبل على من حضر ويقول: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قال أحمد بن حنبل لا كما يقول الباقلاني (١)، وتكرر ذلك منه في جمعات فقيل له في ذلك فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح ويشيع الخبر في البلاد أني بريء مما هم عليه يعني الأشعري، وبريء من مذهب أبي بكر الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية، فيقرءون عليه فيفتنون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة، فيظن ظان أنهم مني تعلموه وأنا قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته.\n_________\n(١) مفهوم هذا الكلام يفيد أن الباقلاني يقول بخلق القرآن، وهذا مخالف لما في كتابه التمهيد (ص.٢٦٨). وهذا أيضا يناقض ما أثبتناه في مواقف الباقلاني سنة (٤٠٣هـ) من المؤولة من هذا الكتاب.","vol":"6","page":42},{"text":"قال الشيخ أبو الحسن: وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه الأصبهاني يقول: سمعت شيخنا الإمام أبا بكر الزاذقاني يقول: كنت في درس الشيخ أبي حامد الإسفراييني وكان ينهى أصحابه عن الكلام وعن الدخول على الباقلاني، فبلغه أن نفرا من أصحابه يدخلون عليه خفية لقراءة الكلام، فظن أني معهم ومنهم وذكر قصة قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لي: يا بني، بلغني أنك تدخل على هذا الرجل يعني الباقلاني، فإياك وإياه فإنه مبتدع يدعو الناس إلى الضلال. وإلا فلا تحضر مجلسي، فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل وتائب إليه، واشهدوا علي أني لا أدخل إليه.\nقال: وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد، أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام متبرقعا خوفا من الشيخ أبي حامد الإسفراييني. قال وأخبرني جماعة من الثقات كتابة منهم القاضي أبو منصور اليعقوبي عن الإمام عبد الله بن محمد بن علي هو شيخ الإسلام الأنصاري قال: سمعت عبد الرحمن بن محمد بن الحسين وهو السلمي يقول: وجدت أبا حامد الإسفراييني وأبا الطيب الصعلوكي وأبا بكر القفال المروزي وأبا منصور الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله. (١)\nالتعليق:\nماذا يقول أشاعرة الشافعية في هذه النصوص، هل تحتمل التأويل فينبغي أن تصرف عن ظاهرها. أو لا يعترفون أن أبا حامد منهم، أو يعتبرونه شاذا\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥).","vol":"6","page":43},{"text":"عنهم، أو أن شيخ الإسلام اخترع هذا من عنده، أو أن عقولهم أرجح من الشيخ أبي حامد وهم أعلم. ولا أدري ماذا يقول الأشاعرة على العموم في هذا العالم المعترف بعلمه عند الخاص والعام. فإذا كان هذا موقف الشيخ مع أبي بكر بن الباقلاني الذي وصفه شيخ الإسلام بأنه من أجل أصحاب الأشعري الذين معهم شيء من السنة والعقيدة السلفية. فماذا يفعل أبو حامد لو عاصر الجويني والغزالي والرازي وابن العربي والباجي وأما المتأخرون فلا نضع عليهم السؤال ... والله المستعان.\nانظر نموذجا من عقيدة الشيخ منقولة من أصول الفقه له في اجتماع الجيوش عند قول الإمام ابن القيم: قول إمام الشافعية في وقته بل هو الشافعي الثاني أبي حامد الإسفراييني: كان من كبار أئمة السنة المثبتين للصفات قال: مذهبي ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وجميع علماء الأمصار أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، وأن جبرائيل ﵇ سمعه من الله -عزوجل-، وحمله إلى محمد - ﷺ -، وسمعه النبي - ﷺ - من جبرائيل ﵇، وسمعه الصحابة -﵃- من محمد - ﷺ -، وأن كل حرف منه كالباء والتاء كلام الله -﷿- ليس بمخلوق. ذكره في كتابه في أصول الفقه، ذكره عنه شيخ الإسلام في الأجوبة المصرية. (١)\n_________\n(١) اجتماع الجيوش (ص.١٧٧) ومجموع الفتاوى (١٢/ ٣٠٦).","vol":"6","page":44},{"text":"أبو بكر محمد بن موهب المالكي (١) (٤٠٦ هـ)\nمحمد بن موهب بن محمد أبو بكر التميمي المعروف بالقبري الحصار، هو جد أبي الوليد الباجي لأمه. كان من العلماء الزهاد والفضلاء، أخذ ببلده ورحل إلى المشرق فصحب أبا محمد بن أبي زيد واختص به. وكان القاضي ابن ذكوان يقدمه على فقهاء وقته، وكان الأصيلي يعرف حقه ويثني عليه. وله تآليف في الفقه مفيدة وشرح لرسالة شيخه. خرج من الأندلس إلى سبتة فأخذ عنه بها حمزة بن إسماعيل وغيره، ثم عاد إلى الأندلس. توفي في جمادى الأولى سنة ست وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2288>موقفه من الجهمية:</span>\nقال في شرحه لرسالة ابن أبي زيد القيرواني: وأما قوله: (إنه فوق عرشه المجيد بذاته) فإن معنى فوق وعلا عند جميع العرب واحد وفي كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - تصديق ذلك. ثم ساق الآيات في إثبات العلو وحديث الجارية إلى أن قال: وقد تأتي 'في' في لغة العرب بمعنى فوق، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (٢) يريد فوقها وعليها وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٣) يريد عليها وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي\n_________\n(١) تاريخ الإسلام (حوادث ٤٠١ - ٤١٠/ ص.١٥٢ - ١٥٣) والديباج المذهب (٢/ ٢٣٤) وشجرة النور الزكية (١/ ١١١).\n(٢) الملك الآية (١٥).\n(٣) طه الآية (٧١).","vol":"6","page":45},{"text":"السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (١) الآيات، قال أهل التأويل العالمون بلغة العرب: يريد فوقها وهو قول مالك مما فهمه عن جماعة ممن أدرك من التابعين مما فهموه عن الصحابة ﵃، مما فهموه عن النبي - ﷺ - أن الله في السماء بمعنى فوقها، وعليها، فلذلك قال الشيخ أبو محمد إنه فوق عرشه المجيد بذاته ثم بين أن علوه على عرشه إنما هو بذاته لأنه بائن عن جميع خلقه بلا كيف وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، إذ لا تحويه الأماكن لأنه أعظم منها وقد كان ولا مكان، ولم يحل بصفاته عما كان إذ لا تجري عليه الأحوال، لكن علوه في استوائه على عرشه هو عندنا بخلاف ما كان قبل أن يستوي على العرش لأنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) و\"ثم\" أبدا لا يكون إلا لاستئناف فعل يصير بينه وبين ما قبله فسحة، إلى أن قال: وقوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٣) فإنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك الذي ظنته المعتزلة ومن قال بقولهم إنه بمعنى الاستيلاء وبعضهم يقول إنه على المجاز دون الحقيقة.\nقال: ويبين سوء تأويلهم في استوائه على عرشه على غير ما تأولوه من الاستيلاء وغيره، ما قد علمه أهل العقول أنه لم يزل مستوليا على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها وكان العرش وغيره في ذلك سواء. فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء\n_________\n(١) الملك الآية (١٦).\n(٢) الحديد الآية (٤).\n(٣) طه الآية (٥).","vol":"6","page":46},{"text":"الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء وملك وقهر وغلبة، وقال: وكذلك بين أيضا أنه على الحقيقة بقوله ﷿: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ (١) فلما رأى المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلق سمواته وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء علموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء ونحوه فأقروا بصفة الاستواء على عرشه وأنه على الحقيقة لا على المجاز لأنه الصادق في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله إذ ليس كمثله شيء من الأشياء. (٢)\n\nابن خلدون البلوي (٣) (٤٠٧ هـ)\nحسن بن خلدون أبو علي البلوي، قرأ على الشيخ أبي الحسن النابلسي. كان البلوي ركنا من أركان أهل السنة. وكان من أهل الكرم يعامل الناس معاملة حسنة وقسم مالا جليلا وفضائله كثيرة، حيث كان يجري النفقة على جماعة من أهل العلم والطلبة ويحضر مائدته جماعة من العلماء والطلبة ويصلهم بالدراهم الكثيرة.\nاستشهد على يد رجال المعز بن باديس سنة سبع وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2290>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في معالم الإيمان أنه كان شديدا على أهل البدع والروافض\n_________\n(١) النساء الآية (١٢٢).\n(٢) اجتماع الجيوش (١٧٣ - ١٧٤).\n(٣) معالم الإيمان (٣/ ١٥١ - ١٥٥).","vol":"6","page":47},{"text":"مغريا بهم. (١)\n- وفيها أن سبب قتله: لما قدم المعز بن باديس القيروان بعد موت أبيه واستفتاح ولايته وذلك يوم الجمعة منتصف محرم عام سبعة وأربعمائة قتلت العامة الرافضة بالقيروان أقبح قتل، وحرقوهم وانتهبوا أموالهم، وهدموا ديارهم، وقتلوا نساءهم وصبيانهم، وجرحوهم بالأرجل، وكانت صيحة من الله سلطها عليهم وخرج الأمر من القيروان إلى المهدية وساير بلادهم، فقتلوا حيث وجدوا وأحرقوا بالنار فلم يترك أحد منهم بمداين إفريقية إلا من اختفى، ولجأت الرافضة إلى مساجد المهدية فقتلوا فيها، وهدموا دار الإمارة وتقدمت العامة بذلك إلى جماعة من أهل السنة ومن غيرهم؛ فلقد حُكِيَ أن العامة جاءت متعلقة برجل اتهموه برأيهم، فمروا به على شيخ من العامة فسألهم عن تعلقهم به فقالوا نسير به إلى الشيخ أبي علي بن خلدون فننظر ما يأمرنا به فقال لهم الشيخ العامي: لا، اقتلوه الآن، فإن كان رافضيا أصبتم، وإن كان سنيا عجلتم بروحه إلى الجنة الآن أو كما قال: فانتقم الله منهم على أيدي عامة المسلمين وقتلوهم كل مقتل، فرعب المعز منهم وأراد كسر شوكتهم فدبر قتل زعيم أهل السنة وشيخ هذه الدعوة، فلما كان يوم الخميس الثاني عشر من شوال من السنة المذكورة أتى عامل القيروان إلى مسجد الشيخ ومعه خيل ورجال ...\nفقتلوا أبا محمد الغرياني الفقيه وآخر بدويا ظانين أنه أبو علي، فلما عرفوا مالوا على أبي علي بسكاكينهم، وجردوا جماعة ممن كان في المسجد\n_________\n(١) المعالم (٣/ ١٥١).","vol":"6","page":48},{"text":"فحملوا أبا علي إلى داره وقد وقعت فيه ثلاث جراحات إحداها في صدغه أخذت إلى قفاه واثنتان في جانبه الأيسر انفذتا مقاتله، توفي في داره بعد العشاء الآخرة وبقي دمه بالمحراب إلى قريب زماننا هذا. (١)\n\nطغان خان (٢) (٤٠٨ هـ)\nأحمد بن طغان خان أبو نصر التركي صاحب تركستان وغيرها. هاجمته جيوش الكفر بعدد هائل فحاربهم وانتصر عليهم انتصارا باهرا. وكانت ملحمة مشهودة، وكان دينا عادلا بطلا شجاعا. توفي بعد رجوعه من تلك المعركة سنة ثمان وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2292>موقفه من المشركين:</span>\nقال الذهبي: قصدته جيوش الصين والخَطَا في جمع ما سمع بمثله حتى قيل: كانوا ثلاث مئة ألف. وكان مريضا فقال: اللهم عافني لأغزوهم، ثم توفني إن شئت. فعوفي، وجمع عساكره وساق فبيتهم، وقتل منهم نحو مئتي ألف، وأسر مئة ألف، وكانت ملحمة مشهودة في سنة ثمان وأربع مئة، ورجع بغنائم لا تحصى إلى بلاساغون، فتوفاه الله عقيب وصوله. (٣)\n_________\n(١) المعالم (٣/ ١٥٣).\n(٢) السير (١٧/ ٢٧٨ - ٢٧٩) والكامل في التاريخ (٩/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(٣) السير (١٧/ ٢٧٨ - ٢٧٩).","vol":"6","page":49},{"text":"أبو بكر بن مردويه (١) (٤١٠ هـ)\nالحافظ، الثبت، العلامة، محدث أصبهان أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الأصبهاني. كان مولده سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. روى عن أبي سهل بن زياد القطان وميمون بن إسحاق وعبد الله بن إسحاق الخراساني ومحمد بن عبد الله بن علم الصفار وطبقتهم. وروى عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن منده وأخوه أبو عمرو عبد الوهاب، وأبو بكر العطار وخلق كثير.\nقال أبو بكر بن أبي علي -وذكر أبا بكر بن مردويه-: هو أكبر من أن ندل عليه وعلى فضله، وعلمه وسيره، وأشهر بالكثرة والثقة من أن يوصف حديثه، أبقاه الله، ومتعه بمحاسنه. وكان من فرسان الحديث، بصيرا بالرجال، فهما يقظا متقنا، كثير الحديث جدا، مليح التصانيف.\nتوفي في السنة العاشرة بعد الأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2294>موقفه من الجهمية:</span>\nآثاره السلفية:\nله تفسير، أكثر من النقل عنه الحافظ ابن كثير وذكره شيخ الإسلام في درء التعارض ضمن التفاسير التي اعتنت بنقل عقيدة السلف. (٢)\n_________\n(١) السير (١٧/ ٣٠٨ - ٣١١) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٥٠ - ١٠٥١) والوافي بالوفيات (٨/ ٢٠١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤١١ - ٤٢٠/ص.٢٠٠) وشذرات الذهب (٣/ ١٩٠).\n(٢) درء التعارض (٢/ ٢٢).","vol":"6","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2295>موقف السلف من الحاكم العبيدي الرافضي (٤١١ ه</span>ـ)\nبيان زندقته وتجبره وتسلطه:\n- قال الذهبي: وكان شيطانا مريدا جبارا عنيدا، كثير التلون، سفاكا للدماء، خبيث النحلة، عظيم المكر جوادا ممدحا، له شأن عجيب، ونبأ غريب، كان فرعون زمانه، يخترع كل وقت أحكاما يلزم الرعية بها. أمر بسب الصحابة ﵃، وبكتابة ذلك على أبواب المساجد والشوارع. وأمر عماله بالسب. (١)\n- وقال: وأنشأ دارا كبيرة ملأها قيودا وأغلالا، وجعل لها سبعة أبواب، وسماها جهنم. فكان من سخط عليه، أسكنه فيها. ولما أمر بحريق مصر، واستباحها، بعث خادمه ليشاهد الحال. فلما رجع، قال: كيف رأيت؟ قال: لو استباحها طاغية الروم ما زاد على ما رأيت، فضرب عنقه. (٢)\n- وقال: وثم اليوم طائفة من طغام الإسماعيلية الذين يحلفون بغيبة الحاكم، ما يعتقدون إلا أنه باق، وأنه سيظهر. نعوذ بالله من الجهل. (٣)\n- وقال ابن كثير: ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة فيها عدم الحاكم بمصر، وذلك أنه لما كان ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال فقد الحاكم بن المعز الفاطمي صاحب مصر، فاستبشر المؤمنون والمسلمون بذلك،\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٧٤).\n(٢) السير (١٥/ ١٧٧).\n(٣) السير (١٥/ ١٨٣).","vol":"6","page":51},{"text":"وذلك لأنه كان جبارا عنيدا، وشيطانا مريدا. ولنذكر شيئا من صفاته القبيحة، وسيرته الملعونة، أخزاه الله.\nكان كثير التلون في أفعاله وأحكامه وأقواله، جائرا، وقد كان يروم أن يدعي الألوهية كما ادعاها فرعون، فكان قد أمر الرعية إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفا، إعظاما لذكره واحتراما لاسمه، فعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجدا له، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم، ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم، وأمر في وقت لأهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كرها، ثم أذن لهم في العود إلى دينهم، وخرب كنائسهم ثم عمرها، وخرب القمامة ثم أعادها، وابتنى المدارس. وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، ثم قتلهم وأخربها، وألزم الناس بغلق الأسواق نهارا، وفتحها ليلا، فامتثلوا ذلك دهرا طويلا، حتى اجتاز مرة برجل يعمل النجارة في أثناء النهار فوقف عليه فقال: ألم أنهكم؟ فقال: يا سيدي لما كان الناس يتعيشون بالنهار كانوا يسهرون بالليل، ولما كانوا يتعيشون بالليل سهروا بالنهار فهذا من جملة السهر، فتبسم وتركه. وأعاد الناس إلى أمرهم الأول، وكل هذا تغيير للرسوم، واختبار لطاعة العامة له، ليرقى في ذلك إلى ما هو أشر وأعظم منه.\nوقد كان يعمل الحسبة بنفسه فكان يدور بنفسه في الأسواق على حمار له -وكان لا يركب إلا حمارا- فمن وجده قد غش في معيشة أمر عبدا أسود معه يقال له","vol":"6","page":52},{"text":"مسعود، أن يفعل به الفاحشة العظمى، وهذا أمر منكر ملعون، لم يسبق إليه، وكان قد منع النساء من الخروج من منازلهن وقطع شجر الأعناب حتى لا يتخذ الناس منها خمرا، ومنعهم من طبخ الملوخية، وأشياء من الرعونات التي من أحسنها منع النساء من الخروج، وكراهة الخمر، وكانت العامة تبغضه كثيرا، ويكتبون له الأوراق بالشتيمة البالغة له ولأسلافه في صورة قصص، فإذا قرأها ازداد غيظا وحنقا عليهم، حتى إن أهل مصر عملوا صورة امرأة من ورق بخفيها وإزارها، وفي يدها قصة من الشتم واللعن والمخالفة شيء كثير، فلما رآها ظنها امرأة، فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها فقرأها فرأى ما فيها، فأغضبه ذلك جدا، فأمر بقتل المرأة، فلما تحققها من ورق ازداد غيظا إلى غيظه، ثم لما وصل إلى القاهرة أمر السودان أن يذهبوا إلى مصر فيحرقوها وينهبوا ما فيها من الأموال والمتاع والحريم، فذهبوا فامتثلوا ما أمرهم به، فقاتلهم أهل مصر قتالا شديدا، ثلاثة أيام، والنار تعمل في الدور والحريم، وهو في كل يوم قبحه الله، يخرج فيقف من بعيد وينظر ويبكي ويقول: من أمر هؤلاء العبيد بهذا؟ ثم اجتمع الناس في الجوامع ورفعوا المصاحف وصاروا إلى الله ﷿، واستغاثوا به، فرق لهم الترك والمشارقة وانحازوا إليهم، وقاتلوا معهم عن حريمهم ودورهم، وتفاقم الحال جدا، ثم ركب الحاكم لعنه الله ففصل بين الفريقين، وكف العبيد عنهم، وكان يظهر التنصل مما فعله العبيد وأنهم ارتكبوا ذلك من غير علمه وإذنه، وكان ينفذ إليهم السلاح ويحثهم على ذلك في الباطن، وما انجلى الأمر حتى احترق من مصر نحو ثلثها، ونهب قريب من نصفها، وسبيت نساء وبنات كثيرة وفعل","vol":"6","page":53},{"text":"معهن الفواحش والمنكرات، حتى إن منهن من قتلت نفسها خوفا من العار والفضيحة، واشترى الرجال منهم من سبي\nلهم من النساء والحريم. قال ابن الجوزي: ثم ازداد ظلم الحاكم حتى عَنَّ له أن يدعي الربوبية، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون: يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت قبحهم الله جميعا. (١)\n\nأحمد بن أبي نصر الصوفي (٢) (٤١٢ هـ)\nالإمام، المحدث، الزاهد، الجوال، أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن حفص بن الخليل، الأنصاري الهروي، الماليني الصوفي، الملقب بطاووس الفقراء. ارتحل في طلب العلم إلى الآفاق ولقي المشايخ وحَصَّلَ وجمع وصَنَّفَ الكتب الطوال والمصنفات الكبار.\nحدث عن أبي أحمد بن عدي، وإسماعيل بن نجيد، وأبي بكر القطيعي، ومحمد بن عبد الله السليطي، وخلق كثير. وحدّث عنه أبو بكر البيهقي، وأبو بكر الخطيب، وتمام الرازي وعبد الغني المصري، وغيرهم.\nقال الخطيب: كان ثقة متقنا صالحا. وقال: أحد الرحالين في طلب الحديث، والمكثرين منه. وقال أبو إسحاق الحبال: كأن الإسناد، كان يمسك له في البلاد حتى يدركه.\nتوفي في السنة الثانية عشرة بعد المائة الرابعة.\n_________\n(١) البداية (١٢/ ١٠ - ١١).\n(٢) تاريخ بغداد (٤/ ٣٧١ - ٣٧٢) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٧٠ - ١٠٧٢) والوافي بالوفيات (٧/ ٣٣٠) والبداية والنهاية (١٢/ ١١) وشذرات الذهب (٣/ ١٩٥) والسير (١٧/ ٣٠١).","vol":"6","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2297>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في ذم الكلام: قال الهروي: سمعت أحمد بن أبي نصر الماليني يقول: دخلت جامع عمرو ابن العاص ﵁ بمصر، في نفر من أصحابي، فلما جلسنا جاء شيخ فقال: أنتم أهل خراسان أهل سنة وهذا هو موضع الأشعرية فقوموا. (١)\nالتعليق:\nيؤخذ من هذا النص، أن هذا الشيخ ميز بين أهل السنة في ذلك العصر، وبين أهل البدع الذين هم الأشعرية. وبعد هذا الزمان انقلبت الموازين، فأطلق على المبتدعة أنهم هم أهل السنة، والسنة ما مرت ببابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2298>موقف السلف من محمد بن الحسين السلمي الصوفي (٤١٢ ه</span>ـ)\nبيان فضائحه الصوفية:\nكان هذا الرجل من كبارهم، وألف لهم كتبا ما تزال عمدة عندهم ومصدرا ومن أشهرها 'طبقات الصوفية' ملأه بكل باطل، و'حقائق التفسير' الذي ستسمع كلام الأئمة فيه.\n- قال الخطيب: وقال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري: كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئا يسيرا،\n_________\n(١) ذم الكلام (٢٨١).","vol":"6","page":55},{"text":"فلما مات الحاكم أبو عبد الله بن البيع حدث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه. قال: وكان يضع للصوفية الأحاديث. (١)\n- وجاء في سير أعلام النبلاء عنه قال: من قال لأستاذه لم؟ لا يفلح أبدا. (٢)\nالتعليق:\nهذه الكلمة التي قالها هذا الرجل، أصبحت قاعدة مقدسة عند الصوفية. وهي عندهم بمنزلة الوحي. واستغلها مشايخهم في ارتكاب كل ما يريدون من قول أو فعل، فإن كان قولا أولوه، وقال: الشيخ يقصد، كذا ويقصد كذا وإن كان فعلا كذلك حتى أصبحوا يعدون فعل الفاحشة من الكرامات. وقد سمعت أنا شخصيا من بعضهم، حتى لو قرر الشيخ الكفر فلا يجوز الاعتراض عليه. وقالوا نظما:\nوسلم للرجال في كل حال ... ولا تغتب ولا ترمي إشاره\nفإن الرجال بحر عميق ... لن تدرك له قراره\n\n- قال الإمام تقي الدين ابن الصلاح في فتاويه: وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر ﵀ أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر. (٣)\n_________\n(١) تاريخ الخطيب (٢/ ٢٤٨).\n(٢) السير (١٧/ ٢٥١).\n(٣) فتاوى ابن الصلاح (١/ ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"6","page":56},{"text":"- وقال الذهبي: وللسلمي سؤالات للدارقطني عن أحوال المشايخ والرواة، سؤال عارف، وفي الجملة ففي تصانيفه أحاديث وحكايات موضوعة وفي حقائق تفسيره أشياء لا تسوغ أصلا، عدها بعض الأئمة من زندقة الباطنية وعدها بعضهم عرفانا وحقيقة نعوذ بالله من الضلال ومن الكلام بهوى فإن الخير كل الخير في متابعة السنة والتمسك بهدي الصحابة والتابعين ﵃. (١)\n- وقيل بلغت تآليف السلمي ألف جزء وحقائقه قرمطة. (٢)\n- وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: ومازال إبليس يخطبهم بفنون البدع، حتى جعلوا لأنفسهم سننا. وجاء أبو عبد الرحمن السلمي، فصنف لهم كتاب: السنن، وجمع لهم حقائق التفسير، فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم، من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم. وإنما حملوه على مذاهبهم، والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن. (٣)\n- وقال ابن تيمية ﵀في معرض الحديث عما كُذِب على جعفر الصادق: حتى نقل عنه أبو عبد الرحمن في 'حقائق التفسير' من الأكاذيب ما نزه الله جعفرا عنه. (٤)\n_________\n(١) السير (١٧/ ٢٥٢).\n(٢) السير (١٧/ ٢٥٥).\n(٣) التلبيس (ص ٢٠٣).\n(٤) المنهاج (٤/ ٥٤).","vol":"6","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2299>موقف السلف من الشيخ المفيد الرافضي (٤١٣ ه</span>ـ)\nبيان ضلالاته:\n- قال فيه الذهبي: عالم الرافضة، صاحب التصانيف، الشيخ المفيد واسمه: محمد بن محمد بن النعمان البغدادي الشيعي، ويعرف بابن المعَلِّم. (١)\n- وقال عنه أيضا: يدور على المكاتب وحوانيت الحاكة، فيتلمح الصبي الفطن، فيستأجره من أبويه -يعني فيضله- قال: وبذلك كثر تلامذته. (٢)\n- قال ابن تيمية في المنهاج: كما صنف المفيد كتابا سماه 'مناسك حج المشاهد' وفيه من الكذب والشرك ما هو من جنس كذب النصارى وشركهم، ومنها تأخير صلاة المغرب، ومضاهاة لليهود، ومنها تحريم ذبائح أهل الكتاب، وتحريم نوع من السمك، وتحريم بعضهم لحم الجمل، واشتراط بعضهم في الطلاق الشهود على الطلاق، وإيجابهم أخذ خمس مكاسب المسلمين، وجعلهم الميراث كله للبنت دون العم وغيره من العصبة، والجمع الدائم بين الصلاتين، ومثل صوم بعضهم بالعدد لا بالهلال، يصومون قبل الهلال ويفطرون قبله، ومثل ذلك من الأحكام التي يعلم علما يقينيا أنها خلاف دين المسلمين، الذي بعث الله به رسوله - ﷺ - وأنزل به كتابه. وقد قدمنا ذكر بعض أمورهم التي هي من أظهر الأمور إنكارا في الشرع والعقل، ولهم مقالات باطلة وإن كان قد وافقهم عليها بعض المتقدمين: مثل إحلال\n_________\n(١) السير (١٧/ ٣٤٤).\n(٢) السير (١٧/ ٣٤٤).","vol":"6","page":58},{"text":"المتعة، وأن الطلاق المعلق بالشرط لا يقع، وإن قصد إيقاعه عند الشرط، وأن الطلاق لا يقع بالكنايات، وأنه يشترط فيه الإشهاد. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2300>علي بن عيسى (٤١٤ هـ سنة وفاة الباشاني)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2301>موقفه من الجهمية:</span>\nعن محمد بن الحسين الباشاني قال: حضرت علي بن عيسى فذكر بين يديه من كلام الكرامية شيء فقال: اسكتوا لا تنجسوا مسجدي. (٢)\n\nابن النَّحَّاس (٣) (٤١٦ هـ)\nالشيخ، الإمام، المحدث، مسند الديار المصرية، أبو محمد عبد الرحمن بن عمر ابن محمد بن سعيد التجيبي المصري المالكي البزاز. ولد سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. سمع من أبي سعيد بن الأعرابي، وأبي طاهر المديني وعلي ابن عبد الله بن أبي مطر وطبقتهما. وحدث عنه الصوري وأبو عمرو الداني وأبو إسحاق الحبال، وخلق. كان أول سماعه وهو ابن ثمان سنين، وكان الخطيب قد عزم على الرحلة إليه، فلم يقض. توفي في السنة السادسة عشرة بعد المائة الرابعة.\n_________\n(١) المنهاج (٣/ ٤١٩ - ٤٢٠).\n(٢) ذم الكلام (٢٧٧) وفيه: الحسين بن محمد الباساني، ولعل الصواب ما أثبتناه. انظر السير (١٧/ ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(٣) السير (١٧/ ٣١٣ - ٣١٤) وشذرات الذهب (٣/ ٢٠٤) والنجوم الزاهرة (٤/ ٢٦٣) وحسن المحاضرة (١/ ٣٧٣) والعبر (١/ ٤٢٨).","vol":"6","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2303>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية: 'رؤية الله' وقد حققه محفوظ الرحمان.\n\nهِبَة الله اللاَّلَكائِي (١) (٤١٨ هـ)\nأبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي، وهو طبري الأصل الحافظ المجود، المفتي الشافعي اللالكائي. درس الفقه على مذهب الشافعي عند أبي حامد الإسفراييني وبرع فيه. سمع من عيسى بن علي الوزير وأبي طاهر المخلص وعلي بن محمد القصار وعدة. وروى عنه أبو بكر الخطيب وابنه محمد بن هبة الله وأبو بكر أحمد بن علي الطريثيثي وعدة.\nقال ابن كثير: كان يفهم ويحفظ، وعني بالحديث فصنف فيه أشياء كثيرة، ولكن عاجلته المنية قبل أن تشتهر كتبه، وله كتاب في السنة وشرفها، وذكر طريقة السلف الصالح في ذلك.\nتوفي سنة ثمان عشرة وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2305>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n'شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة'، وقد طبع الكتاب والحمد لله رب العالمين بتحقيق صديقنا الشيخ أحمد سعد حمدان، ويعتبر الكتاب من أكبر المصادر في العقيدة السلفية وقد نفعنا الله به في هذا البحث المبارك.\n_________\n(١) السير (١٧/ ٤١٩ - ٤٢٠) وتاريخ بغداد (١٣/ ٧٠ - ٧١) والكامل في التاريخ (٩/ ٣٦٤) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٨٣ - ١٠٨٥) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٦) وشذرات الذهب (٣/ ٢١١).","vol":"6","page":60},{"text":"- ومن طيب أقواله فيه ما ذكره في المقدمة قال: أما بعد: فإن أوجب ما على المرء: معرفة اعتقاد الدين وما كلف الله به عباده من فهم توحيده وصفاته وتصديق رسله بالدلائل واليقين والتوصل إلى طرقها والاستدلال عليها بالحجج والبراهين.\nوكان من أعظم مقول وأوضح حجة ومعقول: كتاب الله الحق المبين ثم قول رسول الله - ﷺ - وصحابته الأخيار المتقين ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون ثم التمسك بمجموعها والمقام عليها إلى يوم الدين ثم الاجتناب عن البدع والاستماع إليها مما أحدثها المضلون.\nفهذه الوصايا الموروثة المتبوعة والآثار المحفوظة المنقولة وطرايق الحق المسلوكة والدلائل اللايحة المشهورة والحجج الباهرة المنصورة التي عملت عليها الصحابة والتابعون ومن بعدهم من خاصة الناس وعامتهم من المسلمين واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين.\nثم من اقتدى بهم من الأئمة المهتدين واقتفى آثارهم من المتبعين واجتهد في سلوك سبيل المتقين وكان مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.\nفمن أخذ في مثل هذه المحجة وداوم بهذه الحجج على منهاج الشريعة أمن في دينه التبعة في العاجلة والآجلة، وتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، واتقى بالجنة التي يتقي بمثلها ليتحصن بجملتها ويستعجل بركتها ويحمد عاقبتها في المعاد والمآل إن شاء الله.\nومن أعرض عنها وابتغى الحق في غيرها مما يهواه أو يروم سواها مما تعداه أخطأ اختيار بغيته وأغواه، وسلكه سبيل الضلالة، وأرداه في مهاوي","vol":"6","page":61},{"text":"الهلكة فيما يعترض على كتاب الله وسنة رسوله بضرب الأمثال ودفعهما بأنواع المحال والحيدة عنهما بالقيل والقال مما لم ينزل الله به من سلطان ولا عرفه أهل التأويل واللسان ولا خطر على قلب عاقل بما يقتضيه من برهان ولا انشرح له صدر موحد عن فكر أو عيان فقد استحوذ عليه الشيطان وأحاط به الخذلان وأغواه بعصيان الرحمن حتى كابر نفسه بالزور والبهتان. (١)\n- ثم قال: فما جنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن لهم قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة يموتون من الغيظ كمدا ودردا، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا، حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقا وصاروا لهم إلى هلاك الإسلام دليلا حتى كثرت بينهم المشاجرة وظهرت دعوتهم بالمناظرة وطرقت أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة حتى تقابلت الشبه في الحجج وبلغوا من التدقيق في اللجج فصاروا أقرانا، وأخدانا، وعلى المداهنة خلانا وإخوانا بعد أن كانوا في الله أعداء وأضدادا وفي الهجرة في الله أعوانا يكفرونهم في وجوههم عيانا ويلعنونهم جهارا، وشتان ما بين المنزلتين، وهيهات ما بين المقامين.\nنسأل الله أن يحفظنا من الفتنة في أدياننا وأن يمسكنا بالإسلام والسنة ويعصمنا بهما بفضله ورحمته.\nفهلم الآن إلى تدين المتبعين وسيرة المتمسكين وسبيل المتقدمين بكتاب\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (١/ ٧ - ٩).","vol":"6","page":62},{"text":"الله وسنته والمنادين بشرايعه وحكمته الذين قالوا: ﴿آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ (١). وتنكبوا سبيل المكذبين بصفات الله وتوحيد رب العالمين فاتخذوا كتاب الله إماما وآياته فرقانا، ونصبوا الحق بين أعينهم عيانا وسنن رسول الله - ﷺ - جنة وسلاحا واتخذوا طرقها منهاجا، وجعلوها برهانا فلقوا الحكمة ووقوا من شر الهوى والبدعة، لامتثالهم أمر الله في اتباع الرسول وتركهم الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق.\nيقول الله عزوجل فيما يحث على اتباع دينه، والاعتصام بحبله، والاقتداء برسوله - ﷺ -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ (٢). وقال ﵎: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ\n_________\n(١) آل عمران الآية (٥٣).\n(٢) آل عمران الآية (١٠٣).\n(٣) الزمر الآية (٥٥).","vol":"6","page":63},{"text":"ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (١) وقال: ﴿فَبَشِّرْ عباد (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (٤).\nثم أوجب الله طاعته وطاعة رسوله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أطيعوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿مَنْ أطاع الرسول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٢) الزمر الآيتان (١٧و١٨).\n(٣) آل عمران الآية (٣١).\n(٤) يوسف الآية (١٠٨).\n(٥) الأنفال الآية (٢٠).\n(٦) النساء الآية (٨٠).\n(٧) النور الآية (٥٤).","vol":"6","page":64},{"text":"فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (١) وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائزون (٥٢)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣) قيل في تفسيرها: إلى الكتاب والسنة ثم حذر من خلافه والاعتراض عليه فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (٥) وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٦).\nوروى العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة دمعت منها الأعين ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله موعظة مودع فبما\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٧١).\n(٢) النور الآية (٥٢).\n(٣) النساء الآية (٥٩).\n(٤) النساء الآية (٦٥).\n(٥) الأحزاب الآية (٣٦).\n(٦) النور الآية (٦٣).","vol":"6","page":65},{"text":"تعهد إلينا فقال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة ضلالة». (١)\nوروى عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله - ﷺ - خطا ثم خط خطوطا يمينا وشمالا ثم قال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه -ثم قرأ- ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢)».اهـ (٣)\nوعن ابن مسعود قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.\nفلم نجد في كتاب الله وسنة رسوله وآثار صحابته إلا الحث على الاتباع وذم التكلف والاختراع. فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين وكان أولاهم بهذا الاسم، وأحقهم بهذا الوسم، وأخصهم بهذا الرسم \"أصحاب الحديث\" لاختصاصهم برسول الله - ﷺ -، واتباعهم لقوله وطول ملازمتهم له، وتحملهم علمه، وحفظهم أنفاسه وأفعاله، فأخذوا الإسلام عنه مباشرة، وشرايعه مشاهدة، وأحكامه معاينة من غير واسطة ولا سفير بينهم وبينه واصله. فجاولوها عيانا، وحفظوا عنه شفاها وتلقفوه\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود (٥/ ١٣ - ١٥/ ٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٦) وقال: \"صحيح ليس له علة \". ووافقه الذهبي.\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف الإمام مالك سنة (١٧٩هـ).","vol":"6","page":66},{"text":"من فيه رطبا، وتلقنوه من لسانه عذبا، واعتقدوا جميع ذلك حقا وأخلصوا بذلك من قلوبهم يقينا. فهذا دين أخذ أوله عن رسول الله مشافهة لم يشبه لبس ولا شبهة ثم نقلها العدول عن العدول من غير تحامل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة، والصافة عن الصافة، والجماعة عن الجماعة أخذ كف بكف وتمسك خلف بسلف كالحروف يتلو بعضها بعضا ويتسق آخرها على أولاها رصفا ونظما.\nفهؤلاء الذين تعهدت بنقلهم الشريعة وانحفظت بهم أصول السنة فوجبت لهم بذلك المنة على جميع الأمة والدعوة لهم من الله بالمغفرة فهم حملة علمه، ونقلة دينه، وسفرته بينه وبين أمته، وأمناؤه في تبليغ الوحي عنه فحري أن يكونوا أولى الناس به في حياته ووفاته.\nوكل طائفة من الأمم مرجعها إليهم في صحة حديثه وسقيمه، ومعولها عليهم فيما يختلف فيه من أموره.\nثم كل من اعتقد مذهبا فإلى صاحب مقالته التي أحدثها ينسب وإلى رأيه يستند، إلا أصحاب الحديث فإن صاحب مقالتهم: رسول الله - ﷺ - فهم إليه ينتسبون، وإلى علمه يستندون، وبه يستدلون، وإليه يفزعون وبرأيه يقتدون، وبذلك يفتخرون، وعلى أعداء سنته بقربهم منه يصولون فمن يوازيهم في شرف الذكر؟ ويباهيهم في ساحة الفخر وعلو الاسم؟.\nإذ اسمهم مأخوذ من معاني الكتاب والسنة يشتمل عليهما لتحققهم بهما أو لاختصاصهم بأخذهما فهم مترددون في انتسابهم إلى الحديث بين ما","vol":"6","page":67},{"text":"ذكر الله ﷾ في كتابه فقال تعالى ذكره: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (١) فهو القرآن، فهم حملة القرآن وأهله وقراؤه وحفظته -وبين أن ينتموا إلى حديث رسول الله - ﷺ - فهم نقلته وحملته فلا شك أنهم يستحقون هذا الاسم لوجود المعنيين فيهم لمشاهدتنا أن اقتباس الناس الكتاب والسنة منهم واعتماد البرية في تصحيحهما عليهم لأنا ما سمعنا عن القرون التي قبلنا ولا رأينا نحن في زماننا مبتدعا رأسا في اقراء القرآن وأخذ الناس عنه في زمن من الأزمان ولا ارتفعت لأحد منهم راية في رواية حديث رسول الله - ﷺ - فيما خلت من الأيام ولا اقتدى بهم أحد في دين ولا شريعة من شرايع الإسلام والحمد لله الذي كمل لهذه الطايفة سهام الإسلام وشرفهم بجوامع هذه الأقسام وميزهم من جميع الأنام حيث أعزهم الله بدينه ورفعهم بكتابه وأعلى ذكرهم بسنته وهداهم إلى طريقته وطريقة رسوله فهي الطايفة المنصورة والفرقة الناجية والعصبة الهادية والجماعة العادلة المتمسكة بالسنة التي لا تريد برسول الله - ﷺ - بديلا ولا عن قوله تبديلا ولا عن سنته تحويلا ولا يثنيهم عنها تقلب الأعصار والزمان ولا يلويهم عن سمتها تغير الحدثان ولا يصرفهم عن سمتها ابتداع من كاد الإسلام ليصد عن سبيل الله ويبغيها عوجا ويصدف عن طرقها جدلا ولجاجا ظنا منه كاذبا وتمنيا باطلا: أنه يطفي نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون. (٢)\n_________\n(١) الزمر الآية (٢٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١٩ - ٢٦).","vol":"6","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2306>موقفه من الجهمية:</span>\nقال في مقدمة كتابه 'أصول الاعتقاد' -وهو يتحدث عن المعتزلة-: قوم لم يتدينوا بمعرفة آية من كتاب الله -في تلاوة أو دراية، ولم يتفكروا في معنى آية -ففسروها أو تأولوها على معنى اتباع من سلف من صالح علماء الأمة- إلا على ما أحدثوا من آرائهم الحديثة، ولا اغبرت أقدامهم في طلب سنة أو عرفوا من شرايع الإسلام مسألة.\nفيعد رأي هؤلاء حكمة وعلما وحججا وبراهين، ويعد كتاب الله وسنة رسوله حشوا وتقليدا وحملتها جهالا وبلها، ذلك ظلما وعدوانا وتحكما وطغيانا.\nثم تكفيره للمسلمين بقول هؤلاء إذ لا حجة عندهم بتكفير الأمة إلا مخالفتهم قولهم من غير أن يتبين لهم خطؤهم في كتاب أو سنة.\nوإنما وجه خطئهم عندهم: إعراضهم عما نصبوا من آرائهم لنصرة جدلهم وترك اتباعهم لمقالتهم واستحسانهم لمذاهبهم.\nفهو كما قال الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ (١).\nثم ما قذفوا به المسلمين من التقليد والحشو. ولو كشف لهم عن حقيقة مذاهبهم كانت أصولهم المظلمة وآراؤهم المحدثة وأقاويلهم المنكرة -كانت\n_________\n(١) الحج الآيتان (٨و٩).","vol":"6","page":69},{"text":"بالتقليد أليق، وبما انتحلوها من الحشو أخلق، إذ لا إسناد له في تمذهبه إلى شرع سابق، ولا استناد لما يزعمه إلى قول سلف الأمة باتفاق مخالف أو موافق.\nإذ فخره على مخالفيه بحذقه، واستخراج مذاهبه بعقله وفكره من الدقائق، وأنه لم يسبقه إلى بدعته إلا منافق مارق، أو معاند للشريعة مشاقق. فليس بحقيق من هذه أصوله أن يعيب على من تقلد كتاب الله وسنة رسوله واقتدى بهما، وأذعن لهما، واستسلم لأحكامهما، ولم يعترض عليهما بظن أو تخرص واستحالة أن يطعن عليه، لأن بإجماع المسلمين أنه على طريق الحق أقوم وإلى سبل الرشاد أهدى وأعلم وبنور الاتباع أسعد ومن ظلمة الابتداع وتكلف الاختراع أبعد وأسلم من الذي لا يمكنه التمسك بكتاب الله إلا متأولا ولا الاعتصام بسنة رسول الله - ﷺ - إلا منكرا أو متعجبا ولا الانتساب إلى الصحابة والتابعين والسلف الصالحين إلا متمسخرا مستهزيا. لا شيء عنده إلا مضغ الباطل والتكذب على الله ورسوله والصالحين من عباده. وإنما دينه الضجاج والبقباق والصياح واللقلاق قد نبذ قناع الحياء وراءه وأدرع سربال السفه فاجتابه وكشف بالخلاعة رأسه وتحمل أوزاره وأوزار من أضله بغير علم ألا ساء ما يزرون، فهو كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا","vol":"6","page":70},{"text":"مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ (١).\nفهو في كيد الإسلام وصد أهله عن سبيله ونبز أهل الحق بالألقاب أنهم مجبرة ورمي أولي الفضل من أهل السنة بقلة بصيرة والتشنيع عند الجهال بالباطل والتعدي على القوام بحقوق الله والذابين عن سنته ودينه. فهم كلما أوقدوا نارا لحرب أوليائه أطفأها الله، ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2307>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀: فلم تزل الكلمة مجتمعة والجماعة متوافرة على عهد الصحابة الأول ومن بعدهم من السلف الصالحين حتى نبغت نابغة بصوت غير معروف وكلام غير مألوف في أول إمارة المروانية في القدر وتتكلم فيه حتى سئل عبد الله بن عمر فروى له عن رسول الله - ﷺ - الخبر بإثبات القدر والإيمان به وحذر من خلافه، وأن ابن عمر ممن تكلم بهذا أو اعتقده برئ منه وهم برءاء منه. وكذلك عرض على ابن عباس وأبي سعيد الخدري وغيرهما فقالا له مثل مقالته. وسنذكر هذه الأقاويل بأسانيدها وألفاظها في المواضع التي تقتضيه إن شاء الله.\nثم انطمرت هذه المقالة، وانجحر من أظهرها في جحره، وصار من اعتقدها جليس منزله، وخبأ نفسه في السرداب كالميت في قبره خوفا من القتل والصلب والنكال والسلب من طلب الأئمة لهم لإقامة حدود الله\n_________\n(١) العنكبوت الآيتان (١٢و١٣).\n(٢) أصول الاعتقاد (١/ ١١ - ١٤).","vol":"6","page":71},{"text":"عزوجل فيهم، وقد أقاموا في كثير منهم ونذكر في مواضعه أساميهم وحث العلماء على طلبهم وأمروا المسلمين بمجانبتهم ونهوهم عن مكالمتهم والاستماع إليهم والاختلاط بهم لسلامة أديانهم، وشهروهم عندهم بما انتحلوا من آرائهم الحديثة ومذاهبهم الخبيثة خوفا من مكرهم أن يضلوا مسلما عن دينه بشبهة وامتحان أو بزخرف قول من لسان، وكانت حياتهم كوفاة وأحياؤهم عند الناس كالأموات. المسلمون منهم في راحة، وأديانهم في سلامة، وقلوبهم ساكنة وجوارحهم هادية، وهذا حين كان الإسلام في نضارة، وأمور المسلمين في زيادة. (١)\n- ثم ذكر ﵀ أبوابا في القدر والرد على القدرية معنونا عليها بقوله: (سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله عزوجل وما روى من سنة رسول الله - ﷺ - في إثبات القدر وما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة: أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله عزوجل طاعاتها ومعاصيها).\n(سياق ما روى عن النبي - ﷺ - في أن أول شرك يظهر في الإسلام: القدر).\n(سياق ما روي عن النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين في مجانبة أهل القدر وسائر أهل الأهواء).\n(سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في أن القدرية مجوس هذه الأمة ومن كفرهم وتبرأ منهم) ...\n_________\n(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٥ - ١٧).","vol":"6","page":72},{"text":"(سياق ما روي في منع الصلاة خلف القدرية والتزويج إليهم وأكل ذبائحهم ورد شهادتهم). (١)\n\nأبو إسحاق الإسفراييني (٢) (٤١٨ هـ)\nالإمام العلامة الأوحد، الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني أحد المجتهدين في عصره، وصاحب المصنفات الباهرة، سمع من دعلج السجزي وعبد الخالق بن أبي روبا ومحمد بن يزداد وأبي بكر الإسماعيلي وعدة. وأملى مجالس، حدث عنه: أبو بكر البيهقي وأبو الطيب الطبري وأبو السنابل وعدة.\nوبنيت له بنيسابور مدرسة مشهورة، وكان من المجتهدين في العبادة المبالغين في الورع. قال عنه الحاكم في تاريخه: أبو إسحاق الأصولي الفقيه المتكلم المتقدم في هذه العلوم، انصرف من العراق وقد أقر له العلماء بالتقدم، وبرع في المناظرة لتبحره في العلوم واستجماعه شرائط الإمامة في العربية والفقه والكلام والأصول ومعرفة الكتاب والسنة.\nمات في ثماني عشرة وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2309>موقفه من المشركين:</span>\nمن تصانيفه كتاب 'جامع الخلي في أصول الدين والرد على الملحدين'،\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٥٨٩ - ٨٢٣).\n(٢) السير (١٧/ ٣٥٣ - ٣٥٦) والعبر (١/ ٤٣٠ - ٤٣١) وتبيين كذب المفتري (ص ٢٤٣ - ٢٤٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٦) ووفيات الأعيان (١/ ٢٨) وشذرات الذهب (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠).","vol":"6","page":73},{"text":"في خمس مجلدات. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2310>معمر بن أحمد الأصبهاني الصوفي (٤١٨ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2311>موقفه من الجهمية:</span>\nله عقيدة أسماها 'الوصية من السنة' نقلها صاحب الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة. كما نقل منها شيخ الإسلام في بعض كتبه.\n- وقال ﵀ في وصيته: وأن القرآن كلام الله ﷿، ووحيه وتنزيله، تكلم به وهو غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود، ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر بالله جهمي، ومن وقف في القرآن فقال: لا أقول: مخلوق ولا غير مخلوق فهو واقفي جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو لفظي جهمي، ولفظي بالقرآن وكلامي بالقرآن وقراءتي وتلاوتي للقرآن قرآن، والقرآن حيثما تلي وقرئ وسمع وكتب وحيثما تصرف فهو غير مخلوق. (٢)\n- وقال: وأن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأنه ﷿ مستو على عرشه، بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط، ولا ملاصقة، لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد، الغني عن الخلق، وأن الله سميع بصير، عليم خبير، يتكلم، ويرضى ويسخط، ويضحك ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول:\n_________\n(١) السير (١٧/ ٣٥٣).\n(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٣١ - ٢٣٢).","vol":"6","page":74},{"text":"هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر.\nقال: ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول وتأول فهو مبتدع ضال. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2312>موقف السلف من المسبحي الرافضي (٤٢٠ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\nقال عنه الذهبي: نال دنيا ورتبة من الحاكم. وكان رافضيا منجما، رديء الاعتقاد. (٢)\n\nمحمود بن سُبُكْتِكِين (٣) (٤٢١ هـ)\nسيف الدولة، أبو القاسم محمود بن الأمير ناصر الدولة سبكتكين التركي، صاحب خراسان والهند وغير ذلك. افتتح غزنة، ثم بلاد ما وراء النهر، ثم استولى على سائر خراسان، وعظم ملكه، ودانت له الأمم، وفرض على نفسه غزو الهند كل عام، فافتتح منه بلادا واسعة، وكان على عزم\n_________\n(١) درء التعارض (٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧) والاستقامة (١/ ١٦٨ - ١٦٩) والحجة في بيان المحجة (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣).\n(٢) السير (١٧/ ٣٦٢).\n(٣) السير (١٧/ ٤٨٣ - ٤٩٥) والكامل في التاريخ (٩/ ١٣٩و٣٠١) ووفيات الأعيان (٥/ ١٧٥ - ١٨٢) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٢ - ٣٣) وشذرات الذهب (٣/ ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"6","page":75},{"text":"وصدق في الجهاد. كان مولده سنة إحدى وستين وثلاثمائة. قال عبد الغافر الفارسي: كان صادق النية في إعلاء الدين، مظفرا كثير الغزو، وكان ذكيا بعيد الغور، صائب الرأي، وكان مجلسه مورد العلماء. وقال: قد صنف في أيام محمود وأحواله لحظة لحظة، وكان في الخير ومصالح الرعية يُسِّرَ له الإسار والجنود والهيبة والحشمة مما لم يره أحد. توفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2314>موقفه من المشركين والرافضة:</span>\nأثنى عليه العلماء والمؤرخون، وذكروا له جهاده الكبير في تحطيم الأصنام التي كانت تعبد من دون الله في بلاد العجم.\n- قال شيخ الإسلام في الفتاوى: ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسن ممالك بني جنسه، كان الإسلام والسنة في مملكته أعز، فإنه غزا المشركين من أهل الهند، ونشر من العدل مالم ينشره مثله. فكانت السنة في أيامه ظاهرة، والبدع في أيامه مقموعة. (١)\n- جاء في السير: قال أبو النضر الفامي: لما قدم التاهرتي الداعي من مصر على السلطان يدعوه سرا إلى مذهب الباطنية، وكان التاهرتي يركب بغلا يتلون كل ساعة من كل لون، ففهم السلطان سر دعوتهم، فغضب، وقتل التاهرتي الخبيث، وأهدى بغله إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي؛ شيخ هراة، وقال: كان يركبه رأس الملحدين، فليركبه رأس\n_________\n(١) الفتاوى (٤/ ٢٢).","vol":"6","page":76},{"text":"الموحدين. (١)\n- وقال الذهبي: قرأت بخط الوزير جمال الدين بن علي القفطي في سيرته: قال كاتبه الوزير ابن الميمندي: جاءنا رسول الملك بيدا على سرير كالنعش؛ بأربع قوائم يحمله أربعة. وكان السلطان يعظم أمر الرسل لما يفعله أصحابهم برسله. قال: فحمل على حالته حتى صار بين يديه، فقال له الهندي: أي رجل أنت؟ قال: أدعو إلى الله، وأجاهد من يخالف دين الإسلام. قال: فما تريد منا؟ قال: أن تتركوا عبادة الأصنام، وتلتزموا شروط الدين، وتأكلوا لحم البقر. وتردد بينهما الكلام، حتى خوفه محمود وهدده، وقال الحاجب للهندي: أتدري لمن تخاطب؟ وبين يدي أي سلطان أنت؟ فقال الهندي: إن كان يدعو إلى الله كما يزعم، فليس هذا من شروط ذلك، وإن كان سلطانا قاهرا لا ينصف، فهذا أمر آخر. فقال الوزير: دعوه. ثم ورد الخبر بتشويش خراسان، وضاق على صاحب الهند الأمر، ورأى أن بلاده تخرب، فنفذ رسولا آخر، وتلطف، وقال: إن مفارقة ديننا لا سبيل إليه، وليس هنا مال نصالحك عليه، ولكن نجعل بيننا هدنة، ونكون تحت طاعتك. قال: أريد ألف فيل وألف منا ذهبا. قال: هذا لا قدرة لنا عليه. ثم تقرر بينهما تسليم خمس مئة فيل وثلاثة آلاف من فضة، واقترح محمود على الملك بيدا أن يلبس خلعته، ويشد السيف والمنطقة، ويضرب السكة باسمه. فأجاب، لكنه استعفى من السكة، فكانت الخلعة قباء نسج بالذهب، وعمامة قصب، وسيفا محلى، وفرسا وخفا، وخاتما عليه اسمه، وقال لرسوله: امض\n_________\n(١) السير (١٧/ ٤٨٦).","vol":"6","page":77},{"text":"حتى يلبس ذلك، وينزل إلى الأرض، ويقطع خاتمه وأصبعه، ويسلمها إليك، فذلك علامة التوثقة. قال وكان عند محمود شيء كثير من أصابع الملوك الذين هادنهم. (١)\n- وقال أيضا: ثم بلغ السلطان أن الهنود قالوا: أخرب أكثر بلاد الهند غضب الصنم الكبير سومنات على سائر الأصنام ومن حولها، فعزم على غزو هذا الوثن، وسار يطوي القفار في جيشه إليه، وكانوا يقولون: إنه يرزق ويحيي ويميت ويسمع ويعي، يحجون إليه، ويتحفونه بالنفائس، ويتغالون فيه كثيرا، فتجمع عند هذا الصنم مال يتجاوز الوصف، وكانوا يغسلونه كل يوم بماء وعسل ولبن، وينقلون إليه الماء من نهر حيل مسيرة شهر، وثلاث مئة يحلقون رؤوس حجاجه ولحاهم، وثلاث مئة يغنون. فسار الجيش من غزنة، وقطعوا مفازة صعبة، وكانوا ثلاثين ألف فارس وخلقا من الرجالة والمطوعة، وقوى المطوعة بخمسين ألف دينار، وأنفق في الجيش فوق الكفاية، وارتحل من المليا ثاني يوم الفطر سنة ٤١٦هـ، وقاسوا مشاق، وبقوا لا يجدون الماء إلا بعد ثلاث، غطاهم في يوم ضباب عظيم، فقالت الكفرة: هذا من فعل الإله سومنات.\nثم نازل مدينة أنهلوارة، وهرب منها ملكها إلى جزيرة، فأخرب المسلمون بلده، ودكوها، وبينها وبين الصنم مسيرة شهر في مفاوز، فساروا حتى نازلوا مدينة دبولوارة؛ وهي قبل الصنم بيومين، فأخذت عنوة، وكسرت أصنامها، وهي كثيرة الفواكه، ثم نازلوا سومنات في رابع عشر ذي القعدة، ولها قلعة منيعة على البحر، فوقع الحصار، فنصبت السلالم عليها،\n_________\n(١) السير (١٧/ ٤٨٨ - ٤٨٩).","vol":"6","page":78},{"text":"فهرب المقاتلة إلى الصنم، وتضرعوا له، واشتد الحال وهم يظنون أن الصنم قد غضب عليهم، وكان في بيت عظيم منيع، على أبوابه الستور الديباج، وعلى الصنم من الحلي والجواهر ما لا يوصف، والقناديل تضيء ليلا ونهارا، على رأسه تاج لا يقوم، يندهش منه الناظر، ويجتمع عنده في عيدهم نحو مئة ألف كافر، وهو على عرش بديع الزخرفة؛ علو خمسة أذرع، وطول الصنم عشرة أذرع، وله بيت مال فيه من النفائس والذهب ما لا يحصى، ففرق محمود في الجند معظم ذلك، وزعزع الصنم بالمعاول، فخر صريعا، وكانت فرقة تعتقد أنه منات، وأنه تحول بنفسه في أيام النبوة من ساحل جدة، وحصل بهذا المكان ليقصد ويحج معارضة للكعبة. فلما رآه الكفار صريعا مهينا، تحسروا، وسقط في أيديهم، ثم أحرق حتى صار كلسا، وألقيت النيران في قصور القلعة، وقتل بها خمسون ألفا، ثم سار محمود لأسر الملك بهيم، ودخلوا بالمراكب، فهرب، وافتتح محمود عدة حصون ومدائن، وعاد إلى غزنة، فدخلها في ثامن صفر سنة سبع عشرة، ودانت له الملوك، فكانت مدة الغيبة مئة وثلاثة وستين يوما. (١)\n- وقال أيضا: وكان إلبا على القرامطة والإسماعيلية وعلى المتكلمين. (٢)\n- قال ابن كثير: وفيها -أي سنة عشرين وأربعمائة- ورد كتاب من محمود بن سبكتكين أنه أحل بطائفة من أهل الري من الباطنية والروافض قتلا ذريعا، وصلبا شنيعا، وأنه انتهب أموال رئيسهم رستم بن علي الديلمي،\n_________\n(١) السير (١٧/ ٤٩٠ - ٤٩١).\n(٢) السير (١٧/ ٤٩٢).","vol":"6","page":79},{"text":"فحصل منها ما يقارب ألف ألف دينار، وقد كان في حيازته نحو من خمسين امرأة حرة، وقد ولدن له ثلاثا وثلاثين ولدا بين ذكر وأنثى، وكانوا يرون إباحة ذلك. (١)\n- جاء في التذكرة: وذلك أن السلطان محمودا لما دخل الري وقتل بها الباطنية منع الكل من الوعظ (غير أبي حاتم) وكان من دخل الري يعرض اعتقاده عليه فإن رضيه أذن له في الكلام على الناس وإلا منعه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2315>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في طبقات الحنابلة: بالسند إلى أبي مسعود أحمد بن محمد البجلي الحافظ قال: دخل ابن فورك على السلطان محمود فتناظرا. قال ابن فورك لمحمود: لا يجوز أن تصف الله بالفوقية لأنه يلزمك أن تصفه بالتحتية. لأنه من جاز أن يكون له فوق جاز أن يكون له تحت. فقال محمود: ليس أنا وصفته بالفوقية، فتلزمني أن أصفه بالتحتية وإنما هو وصف نفسه بذلك. قال: فبهت. (٣)\n- جاء في أصول الاعتقاد: وامتثل يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم محمود، يعني ابن سبكتكين، أعز الله نصرته أمر أمير المؤمنين القادر بالله واستن بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفيهم، والأمر باللعن عليهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل\n_________\n(١) البداية (١٢/ ٢٨).\n(٢) التذكرة (٣/ ١١٨٦ والطبقات (٣/ ٥٢).\n(٣) طبقات الحنابلة (٣/ ١٢) والسير (١٧/ ٤٨٧).","vol":"6","page":80},{"text":"البدع، وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك سنة في الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين في الآفاق. (١)\n- وجاء في الدرء: وأظهر السلطان محمود سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر، وأظهر السنة، وتناظر عنده ابن الهيصم وابن فورك في مسألة العلو، فرأى قوة كلام ابن الهيصم، فرجح ذلك، ويقال إنه قال لابن فورك: فلو أردت تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا؟ أو قال: فرق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين المعدوم؟ وأن ابن فورك كتب إلى أبي إسحاق الإسفراييني يطلب الجواب عن ذلك، فلم يكن الجواب إلا أنه لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسما. ومن الناس من يقول: إن السلطان لما ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السم حتى قتله، وتناظر عنده فقهاء الحديث، من أصحاب الشافعي وغيرهم، وفقهاء الرأي، فرأى قوة مذهب أهل الحديث فرجحه، وغزا المشركين بالهند. (٢)\n\nالقاضي عبد الوهاب بن علي البغدادي (٣) (٤٢٢ هـ)\nالإمام القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد، أبو محمد الثغلبي العراقي، الفقيه المالكي. ولد سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ببغداد.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٩/١٣٣٣).\n(٢) درء التعارض (٦/ ٢٥٣).\n(٣) تاريخ بغداد (١١/ ٣١ - ٣٢) وترتيب المدارك (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٥) ووفيات الأعيان (٣/ ٢١٩ - ٢٢٢) والمرتبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا للنباهي (٤٠ - ٤١) وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٢٩ - ٤٣٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٢١ - ٤٣٠/ص.٨٥ - ٨٨).","vol":"6","page":81},{"text":"روى عن الحسين بن محمد بن عبيد العسكري وعمر بن سبنك وأبي حفص بن شاهين وغيرهم.\nقال الخطيب البغدادي: كتبت عنه وكان ثقة ولم نلق من المالكيين أحدا أفقه منه، وكان حسن النظر، جيد العبارة، وتولى القضاء ببادرايا وباكسايا.\nوقال أبو إسحاق الشيرازي: أدركته وسمعته يناظر، وكان قد رأى القاضي الأبهري ولم يسمع منه، وكان فقيها شاعرا متأدبا، وله كتب كثيرة في كل فن من الفقه. وله في خروجه من بغداد:\nسلام على بغداد في كل موطن ... وحق لها مني سلام مضاعف\nفوالله ما فراقتها عن قلى لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف\nولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف\nوكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف\n\nروى عنه جماعة منهم: عبد الحق بن هارون الفقيه وأبو عبد الله المازري وأبو بكر الخطيب والقاضي ابن شماخ الغافقي وغيرهم.\nله كتاب النصرة لمذهب إمام دار الهجرة وكتاب المعونة لدرس مذهب عالم المدينة وشرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني وغيرها.\nتوفي ﵀ سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2317>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال في تعليقه على قول أبي زيد القيرواني: [وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه].","vol":"6","page":82},{"text":"قال القاضي ﵀: إن القلب إذا لم يسبق الشر إليه يقبل ما يرد عليه من الخير أشد تقبل، ولم يكن هناك مانع منه، ولا قاطع دونه، وإذا سبق إليه اعتقاد الشر، احتيج في تقبله الخير إلى تكلفه زوال ما قد تمكن فيه، ومشقته في قطع ما قد استولى عليه، ولهذا أمر ﵇ بأن يؤمر الصبيان بالصلاة لسبع (١)، ليمرنوا عليها ويألفوها، وتسبق إلى قلوبهم حلاوة الإيمان، وتتمكن من أفئدتهم محبة الدين، وهذا حجة لأبي محمد فيما رسمه في هذا الكتاب من تعليم الولدان، ولهذا قال بعض السلف: لا تمكن زائغ القلب من أذنيك، حراسة للقلب أن يطرقه من ذلك ما يخاف أن يعلق به. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2318>موقفه من المشركين:</span>\nقال: أما الكلام في نبوته - ﷺ - وصحة رسالته: فليس من الكلام مع أهل الملة في شيء، وإنما هو كلام مع فرق أهل الكفر الطاعنين على الإسلام وعلى كل ملة، وهم البراهمة وغيرهم ممن ينكر بعث الرسل جملة، ويزعمون أنه محال أن يبعث الصانع جل اسمه رسلا إلى خلقه، وفرق الكتابيين ومن جرى مجراهم من المجوس ومن يقر ببعث الرسل، وينكر بعث نبينا محمد - ﷺ -، مثل اليهود والنصارى وغيرهم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2319>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال معلقا على قول ابن أبي زيد: [وأن خير القرون قرن الذين رأوا\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ١٨٠و١٨٧) وأبو داود (١/ ٣٣٤/٤٩٥) والحاكم (١/ ١٩٧) من حديث عبد الله بن عمرو.\n(٢) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.١٦ - ١٧).\n(٣) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٦٨).","vol":"6","page":83},{"text":"رسول الله - ﷺ - وآمنوا به، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم].\nقال القاضي ﵁: اعلم أن هذا الذي قاله لا خلاف فيه في الجملة، ثم الذي يدل عليه، إجماع الأمة ونصوص القرآن والسنة على فضيلة السبق والترجيح بالتقدم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (١) وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ (٢) وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (٣) الآية، وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٤) الآية: وما اشتهر عن الصحابة من اعتقاد الفضيلة بالسابقة ومقدم الإيمان والهجرة، وأنهم إذا عدوا فضائل الفاضل ومحاسنه ذكروا هجرته وسابقته، وقولهم: والله إنا لنعلم فضلك وسابقتك، ويدلك على فضل السبق على المتأخر: تسميته تعالى لمن جاء بعدهم بأنهم تابعون وترتيبه إياهم بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وتسميتهم بذلك يقتضي فضيلة السابقين\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٠).\n(٢) الواقعة الآيتان (١٠و١١).\n(٣) الحديد الآية (١٠).\n(٤) الحشر الآية (٩).","vol":"6","page":84},{"text":"عليهم، وكذلك كانت الصحابة تقول: أبو بكر السابق، وعمر المصلي، ويدل عليه الخبر المشهور، وهو قوله - ﷺ -: «خيركم القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١)\nويدل عليه قوله - ﷺ -: «ليلني ذوو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢).اهـ (٣)\n- وقال في قوله: [ولا يذكر أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا بأحسن الذكر، والإمساك عما شجر بينهم]: هذا لأن الله تعالى ورسوله - ﷺ - أوجب علينا تعظيمهم وموالاتهم ومدحهم والثناء عليهم وتفضيلهم وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿محمدٌ رسول اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٥) الآية، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (٧) وقوله\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي بكر الخلال سنة (٣١١هـ) ..\n(٢) أخرجه: أحمد (١/ ٤٥٧) ومسلم (٣٢٣/ ٤٣٢ [١٢٣]) وأبو داود (١/ ٤٣٦/٦٧٤) والترمذي (١/ ٤٤٠ - ٤٤١/ ٢٢٨) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٣) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.١٢٤ - ١٢٥).\n(٤) الأنفال الآية (٦٤).\n(٥) الفتح الآية (٢٩).\n(٦) الحشر الآية (٩).\n(٧) التوبة الآية (١١١).","vol":"6","page":85},{"text":"تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (٢) وكل هذا مدح وثناء وتعظيم وتشريف، فوجب علينا إمساك ذلك فيهم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2320>موقفه من الجهمية:</span>\nواعلم أن الوصف له تعالى بالاستواء اتباع النص، وتسليم للشرع، وتصديق لما وصف نفسه تعالى به، ولا يجوز أن يثبت له كيفية، لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي ﵇ فيه بشيء، ولا سألته الصحابة عنه، ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسيم، وإلى قدم الأجسام، وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام، وقد أجمل مالك ﵀ الجواب عن سؤال من سأله: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، ثم أمر بإخراج السائل. (٤)\n- وقال معلقا على قوله: [له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة ...]\nقال القاضي ﵁: اعلم أن هذا الذي قاله ﵀، هو الدين\n_________\n(١) آل عمران الآية (١١٠).\n(٢) التوبة الآية (١٠٠).\n(٣) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.١٣٥ - ١٣٦).\n(٤) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٢٨).","vol":"6","page":86},{"text":"الصحيح، والمذهب المستقيم، الذي من حاد عنه ابتدع وضل، وفيه رد على المبتدعة والرافضة وغيرهم من ضروب المبتدعة النافين لصفات ذاته تعالى من علمه وقدرته، وسائر صفاته، والزاعمين أنه لا علم له، ولا قدرة ولا حياة، والجاعلين كلامه من صفات فعله، وأنه بمثابة سائر الأعراض التي تبيد وتفنى، وأنه من جنس كلام البشر ولغات الأمم، والقائلين بأن الله تعالى كان في أزله بلا اسم ولا صفة، وأن عباده هم الذين خلقوا له الأسماء والصفات، والبغداديون منهم الذين انتهى علمهم في هذا الوقت إلى طريق البلخي: أن الله ليس بسميع بصير على الحقيقة، وأن وصفه نفسه بذلك مجاز واتساع، وعلى معنى العلم له، دون أن يكون سميعا على الحقيقة أو بصيرا، ردا لقوله سبحانه: ﴿إن اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾، وقوله تعالى منبها على وجوب ذلك، ومنع نفيه عنه، مخبرا عن إبراهيم ﵇ (القائل) لأبيه على عبادة الأصنام: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ (١) فسوى بين الله وبين الأصنام، فكان لأبي إبراهيم على قوله أن يقول له في جواب هذا: فَإلاَهُكَ لايسمع ولا يبصر ... (٢)\n- وقال القاضي ﵀: فأما قوله: [إنه تعالى كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته]، إلى آخر ما قاله في ذلك، فهو الكلام في أن القرآن غير مخلوق، وهو إجماع كافة أهل السنة وأئمة الملة، قبل الجهمية، ومن نشأ\n_________\n(١) مريم الآية (٤٢).\n(٢) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٢٩ - ٣٠).","vol":"6","page":87},{"text":"بعدهم من أتباعهم المبتدعة. (١)\n- وقال في الشفاعة: فمذهب أهل السنة وأئمة الملة، والأخبار متواترة به على المعنى وإن اختلفت ألفاظه ... ثم ذكر بعض الأحاديث وقال: ومن المعتزلة من يتأول أخبار الشفاعة ولا يقدم على ردها وجحدها كما يفعل إخوانه، وقد تأولوها على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه أراد أن الشفاعة لمن واقع الصغائر وهو مجتنب للكبائر، وهذا لا معنى له، لأن صاحب الصغيرة إذا فعلها مع اجتناب الكبائر لم يستحق العقاب، ومتى عوقب كان عندهم ظلما وجورا، فما معنى الشفاعة في أن لا يعذب من لا يستحق العذاب؟ وهل هذا إلا قول بالشفاعة في أن لا يظلم تعالى ولا يجور. وهذا تكلف يحمل النفس على رد الشرع وجحد السنة.\nوالتأويل الثاني: أن الشفاعة لمرتكب الكبائر التائب منها، والنادم على فعلها، وهذا تلو الأول في السقوط، لأن التوبة سقطت لاستحقاق العقاب، فأي تأثير للشفاعة؟!\nوالثالث -وهو أقربها-: إن قالوا: إن الشفاعة للمؤمنين المجانبين للكبائر، وليست شفاعة في إسقاط عقاب مستحق عليهم، لكن في الزيادة لهم في الثواب على قدر ما استحقوه بأعمالهم. وهذا ادعاء لما لم يرد به خبر ولا شرع، ورد لما ورد، لأن الشفاعة التي وردت بها الأخبار، إنما هي في\n_________\n(١) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٣٤).","vol":"6","page":88},{"text":"القرآن لأهل الكبائر والرغبة إلى الله في العفو عنهم والتجاوز، وهذا غير ما قالوه، والكلام هنا في هذه الشفاعة التي هذا مقصودها فنحن نثبتها، وهم ينفونها، فما تأولوه ليس يخرجهم عن ردها، والله أعلم. (١)\n- قال القاضي ﵀: [قوله: إن الله خلق الجنة والنار]: هذا قول سلف الأمة وأئمة الحديث والسنة، وأنها الجنة التي كان بها آدم، وأهبط منها، وهي جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون في الآخرة. وقد دل عليه الكتاب والسنة. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (٢) وهذا يفيد كونها مخلوقة، وأنه قد سكنها وأخرج منها. وقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ وإن كانت لم تخلق لكان هابطا من غيرها لا هابطا منها، وخالف المعتزلة في ذلك إلى مذاهب تخالف ما وصفناه، واعلم أنهم ليس يقدمون على إنكار ذلك، وأن الله خلق جنة أسكن بها آدم نبيه وزوجته، ولكن يقولون: ليست هي دار الخلد وجنة المأوى.\nإلى أن قال: ودليل أهل السنة على خلقهما، قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٣) فإن قالوا: لسنا ننكر أن الله تعالى خلق جنة ونارا، ولكن الخلاف هل هي جنة المأوى التي وعد الله عباده، أو غيرها؟ قلنا: عنه جوابان:\n_________\n(١) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٨٠ - ٨١).\n(٢) البقرة الآيتان (٣٥و٣٦).\n(٣) البقرة الآية (٣٥) والأعراف الآية (١٩).","vol":"6","page":89},{"text":"أحدهما: أنه لا يعرف في الشرع لا في الكتاب ولا في السنة، ولا عن أحد من السلف: أن الله خلق جنة غير الجنة التي ذكر أنه أعدها لأوليائه، فمن ادعى جنة غيرها احتاج إلى دليل سمعي، لأن العقل لا مجال له في ذلك، وإنما تتأولون أنتم هذا التأويل لا بتوقيف ولا بسمع منكم.\nوالثاني: أنه لو كان الأمر على ما قلتموه لكان قوله: الجنة والإشارة إليها بلام التعريف يفيد: المعهودة، ولا جنة معهودة في الشرع إلا التي وعدها الله لأوليائه. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿* وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (١) وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني وجودها. (٢)\n- وقال: وأما الدليل على وجود (٣) رؤيته تعالى في الآخرة، فهو السمع المحض الذي لا مجال للعقل فيه، وهو أدلة الكتاب والسنة المتواترة فيها، منها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٤) قال أصحابنا: والنظر في كتاب الله يرد على وجوه: منها النظر بمعنى التفكر والاعتبار، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ (٥) وقوله تعالى:\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٣٣).\n(٢) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٨٢ - ٨٤).\n(٣) قال في هامشه: كذا، ولعلها \"وجوب\". (م. ب).\n(٤) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٥) الغاشية الآية (١٧).","vol":"6","page":90},{"text":"﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ (١) وما إلى ذلك، يريد: أفلم يعتبروا ويتفكروا. ومنها: النظر بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ (٢) أي منتظرة، ومنها: الإنظار، وهو الإمهال، كقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٣) يريد: أمهلونا، وهو يقرب من معنى ما قبله، ومن أصحابنا من يخرج هذه الأقسام من مجملات القول نظرا، ومنها التعطف والرحمة كقوله تعالى: ﴿ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (٤) يريد: ولا يتعطف عليهم، ومنها: رؤية البصر كقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (٥) يريد: انظرها بعينك.\nوالقسم الأول غير جائز، لأن الآخرة ليست بدار اعتبار وتفكر، وكذلك الانتظار، لأن ذلك يوجب إضمارا في الظاهر ونقله إلى المجاز بغير دليل، لأن ما ينتظر فيه ليس بمذكور، والظاهر يوجب تعلق النظر به تعالى، وكذلك القسم الثالث، وهو الإنظار، لأنه لا يجوز أن يقال: قد أنظرنا ربنا وأمهلنا، وكذلك القسم الآخر الذي هو التعطف والرحمة، لا يجوز أن يقع منها لله تعالى، فلم يبق إلا ما قلناه من رؤية البصر، ووجه آخر، وهو أن النظر إذا قرن بما لذكر الوجه والبصر\n_________\n(١) ق الآية (٦).\n(٢) النمل الآية (٣٥).\n(٣) الحديد الآية (١٣).\n(٤) آل عمران الآية (٧٧).\n(٥) البقرة الآية (٢٥٩).","vol":"6","page":91},{"text":"عدي بحرف الجر الذي هو قولك إن لم يكن المراد به إلا رؤية البصر، ألا ترى أن نظر الاعتبار إذا عدي بِـ (إلى) لم يقرن بالوجه أو البصر، وكذلك نظر التعطف والرحمة وغيره، وقد تأولوه على أن المراد به: ثواب ربها منتظرة، وهذا باطل من وجوه، أحدها: إن ثواب الله غيره، والظاهر يوجب أن يكون النظر إليه لا إلى غيره، والثاني: يعود إلى أن النظر بمعنى الانتظار، وذلك ما قد أبنا عن فساده، ومنها: الحديث المأثور، والخبر المشهور بالنقل المتواتر أنه - ﷺ - قال: «إنكم ترون ربكم، لا تضامون في رؤيته، كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونها سحاب» (١) وهذا الحديث مروي من عدة طرق، وألفاظ مختلفة ومعنى متفق، ورواه نيف وعشرون نفسا من الصحابة، وذكرهم أهل النقل. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2321>موقفه من الخوارج:</span>\nقال معلقا على قول ابن أبي زيد: [إن مات مصرا على الكبائر فأمره إلى الله، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه، فإنه إن عذبه أخرجه إلى جنته] إلى آخر ما قاله: فإنه صحيح على ما ذكره، وهو مذهب أهل السنة، والمخالف فيه أكثر فرق أهل البدعة، وهم المعتزلة والخوارج والشراة، ولهذا سميت المعتزلة، لأنهم انفردوا بالبصرة، واعتزلوا عن مجالس أهل الحديث والسنة لما عقدوه بينهم من البدعة، وهم: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وغيرهم ممن تبعهم، واعتزلوا عن أئمة الدين وخافوا أن يظهر عليهم علماء المسلمين، وركبوا في ذلك ما كان طريقا لأهل الكبائر إلى الإصرار واليأس من مغفرة\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٢) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٩٢ - ٩٤).","vol":"6","page":92},{"text":"ربهم ردا لقوله تعالى: ﴿* قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وأمثال هذه الآيات، ولما اجتاز أبو عمرو بن العلاء بعمرو بن عبيد بالبصرة، وهو يتكلم في الوعيد وإثباته، ومنع غفران الله لأهله، قال له أبو عمرو: من العجمة أتيتم، أما علمت أن الكريم إذا وعد وفى، وإذا توعد عفا، ثم أنشده:\nوإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\n\nفلم يكن عند عمرو من الجواب أكثر من الإعنات والتعلق بعبارة لا طائل فيها. (٣)\nإلى أن قال: الدليل على جواز الغفران لأهل الكبائر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) استثنى الشرك من المعاصي، وجعل غفران ما دونه متعلقا بمشيئته، ويدل عليه قوله عزوجل: ﴿* قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٥). وهذا أيضا نص فيما عدا\n_________\n(١) الزمر الآية (٥٣).\n(٢) النساء الآية (٤٨) والآية (١١٦).\n(٣) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٧٥).\n(٤) النساء الآية (٤٨) و(١١٦).\n(٥) الزمر الآية (٥٣).","vol":"6","page":93},{"text":"الكفر والشرك الذي أخبر أنه لا يغفره، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كبائر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١) والكبائر في هذا الموضع هي الكفر والشرك، بدليل الآية الأخرى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) والسيآت المرادة في هذا الموضع: ما دون الشرك به، ويدل عليه قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ (٣) فاستثنى الكافر ممن يلحقهم الروح من دونهم من مذنبي أهل الملة على الرجاء، ولهذه الآيات أمثال يطول تتبعها ويعوز جمعها، فثبت بما ذكرنا من الظواهر: جواز الغفران لأهل الكبار. فإن قالوا: فقد وردت ظواهر تعارض ما ذكرتموه، منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿هم فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥) في نظائر لذلك، والقرآن لا يتناقض.\n_________\n(١) النساء الآية (٣١).\n(٢) النساء الآية (٤٨) والآية (١١٦).\n(٣) يوسف الآية (٨٧).\n(٤) النساء الآية (١٤).\n(٥) يونس الآية (٢٧).","vol":"6","page":94},{"text":"فالجواب: أنه ليس في هذا تعارض ولا تناقض، لأن هذه الآية مقصورة على الشرك الذي أخبر أنه لا يغفره، وأنه يغفر ما دونه للظواهر التي تلونها، ونفرض الكلام في أن الإيمان الذي مع الفاسق، والطاعات لا يحبطه ما ركبه من الكبائر، وأنه يستحق عليه الجزاء بإخبار الله عن ذلك، والذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) ولا حسنة أعلى وأشرف من الإقرار بتوحيد الله، والإيمان به وبرسوله وشريعته وكتابه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إني لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ (٤) في نظائر ذلك، فدل على أن المؤمن يجازى بإيمانه وطاعته، ويثاب عليها من غير تخصيص لكون من وجد منه ذلك غير عاص بارتكاب الكبائر التي لا تخرجه عن الإيمان. (٥)\n- وقال في تعليقه على ابن أبي زيد: [ولا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة]:\nقال القاضي: وهذا كما قال، فالمذنبون من أهل الملة مؤمنون مذنبون، ولا يخرجون بذنوبهم من الإسلام ولا عن الإيمان، ولا تحبط ذنوبهم إيمانهم،\n_________\n(١) هود الآية (١١٤).\n(٢) آل عمران الآية (١٩٥)\n(٣) الأنعام الآية (١٦٠).\n(٤) الزلزلة الآية (٧).\n(٥) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٧٧ - ٧٨).","vol":"6","page":95},{"text":"هذا قول أئمة السنة، وسلف الأمة، وقالت الخوارج: إن كل ذنب كفر يخرج به صاحبه من الإسلام، وقالت المعتزلة: إن الكبائر يخرج بها صاحبها من الإيمان إلى منزلة بين المنزلتين لا يسمى مؤمنا ولا كافرا، وقال بعضهم: يسمى منافقا، والذي يدل عليه الدليل أن اسم الإيمان لا يزول عنه بتفسيقه، وأن فسقه لا يخرجه عن كونه مصدقا بالله وبرسوله وكتبه وشرائعه، وعن اعتقاده، لكون ما ركبه إثما ومعصية، فإذا كانت حقيقة الإيمان ما وصفناه، وكان هذا موجودا مع فعل الفاسق، وجب أن لا ينفيه. (١)\n- وفي قوله: [والسمع والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم]:\nقال القاضي ﵀: هذا لقوله عزوجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) فعم ولاة الأمر من العلماء والأمراء، وإن قلنا: إن إطلاق أولي الأمر يختص الإمامة ومن يلي الحرب والتدبير، كانت الآية مقصورة عليهم؛ وكيف كان الأمر فقد ثبت مما أردناه، وقوله: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ (٤) فأمر بالرد اليهم عند التنازع\n_________\n(١) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.١٠٧).\n(٢) النساء الآية (٥٩).\n(٣) التغابن الآية (١٦).\n(٤) النساء الآية (٨٣).","vol":"6","page":96},{"text":"والاختلاف، وذلك يعم وصف طاعتهم في أمور الدين والدنيا، وقوله - ﷺ -: «لو ولي عليكم مجدع فاسمعوا له وأطيعوا» (١) وقوله - ﷺ -: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة قيد شبر مات ميتة جاهلية» (٢) ولأن ذلك إجماع الصحابة، ولأنها كانت تأمر به وتحض عليه، وتحذر من الخلاف على الأئمة وتنهى عن الشقاق عليهم والاخلال بطاعتهم، وترى ذلك من أوجب أمور الدين، وألزم أحكام الشرع. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2322>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال في شرح عقيدة الإمام ابن أبي زيد القيرواني عند قوله: [وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقص الأعمال، فيكون فيها النقصان وبها الزيادة، ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل]: هذا الذي قاله هو مذهب أهل السنة والسلف الصالح، والذي يدل على أن اعتقاد القلب وإخلاصه إيمان: أن الإيمان في اللغة التصديق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (٤) أي مصدق لنا، وقال: ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٥) أي صدقنا به، وقال تعالى\n_________\n(١) تقدم في مواقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سنة (٢٣هـ).\n(٢) أحمد (٢/ ٢٩٦) ومسلم (٣/ ٤٧٧/١٨٤٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٣) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.١٣٧).\n(٤) يوسف الآية (١٧).\n(٥) النور الآية (٤٧).","vol":"6","page":97},{"text":"عن الأعراب: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ (١) أي لم تصدقوا بقلوبكم، ثم القول باللسان إيمان إذا قصد به التعبير عما في القلب، فإن لم يقارنه ذلك لم يكن إيمانًا، لأنه حينئذ يكون حكاية لكلام الغير، أو لغوا وعبثا، ولذلك قلنا في اليهودي: إنه إذا لفظ بالشهادتين مع الإكراه، أو قاصدا به الحكاية عن غيره، أنه لا يكون ذلك إيمانا منه لما لم يقارنه تصديق القلب، وكذلك العمل بالجوارح الصادر عن تصديق القلب على ما روي في الحديث، وجاء في الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، إلا أن زيادته بالطاعة ونقصانه بالمعصية، لا يبلغ به نقصان ارتفاع بالجملة حتى ينتفي اسمه وحكمه، فيكون حرفه التصديق مقارنا للمعاصي بالجوارح كافرا؛ لأنه يسمى إيمانا لما يشبه التصديق، فلا يجب أن يرتفع بارتفاعه، ونحن نذكر هذا الفصل، وقد توقف مالك ﵁ عن الكلام في نقصانه، وعلى القول الذي يقول: يريد به نقص الكمال دون إحباط الأعمال، لأن ذلك لا يكون إلا بانتفاء التصديق. (٣)\n- وقال عند قوله [ولا قول ولا عمل إلا بنية]: هذا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) فنفى أن يكون ما لم يخلص له\n_________\n(١) الحجرات الآية (١٤).\n(٢) البقرة الآية (١٤٣).\n(٣) شرح عقيدة الإمام ابن أبي زيد القيرواني (ص.١٠٤ - ١٠٥).\n(٤) البينة الآية (٥).","vol":"6","page":98},{"text":"عبادة، والإخلاص هو القصد إليه بالفعل، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١) فأخبر أن العمل موقوف على النية، وأنه يجازى عليه على حسب ما ينوى به، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ (٢) فأمر أن لا يلتفت إلى ما يقولونه بألسنتهم إذ في قلوبهم خلافه، فدل على أن المعول على النية دون اللسان، وقال النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» الحديث (٣)، فربط الأعمال بالنيات، ومفهوم هذا أن الانتفاع بالأعمال والاعتداد بها يكون بالنية، وأن النية هي عماد الأعمال ومعلولها، كقولهم: إنما الطائر بجناحيه، وإنما الرعية بإمامها، يريدون: أن ذلك هو عمادها، وكذلك قولهم: إنما الأعمال بخواتيمها، وبين هذا قوله - ﷺ - في آخر الحديث: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» وهذا خرج على سبب: وهو أن رجلا خرج إلى المدينة يظهر الهجرة وقصده أن يتزوج امرأة، فأخبر النبي - ﷺ - أن المجازاة على الأعمال الخالصة وهي مما ينويه الإنسان ويقصد له. (٤)\n_________\n(١) الحج الآية (٣٧).\n(٢) النساء الآية (٦٣).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف الإمام الشافعي سنة (٢٠٤هـ).\n(٤) شرح عقيدة الإمام ابن أبي زيد القيرواني (ص.١٠٥ - ١٠٦).","vol":"6","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2323>موقفه من القدرية:</span>\nقال القاضي عند شرحه لقول ابن أبي زيد: والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا. ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره، لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (١).\nقال القاضي ﵁: هذا الذي قاله، هو قول أهل السنة وأئمة الحديث، ومذهب السلف الصالح، والأخبار متواترة باللفظ الذي عبر به، وهو قوله - ﷺ -: «لن يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن لصيبه، وأن كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس» (٢) وفيه أخبار كثيرة مسندة وموقوفة على الصحابة والتابعين، لولا تعذر جمعها للشغل بالسفر، وضيق الوقت به لذكرنا طرقها واستقصينا جميع ما ورد منها، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣) فعم ولم يخص. وقال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ (٤) وقد زعمت القدرية المعتزلة: أن الله تعالى\n_________\n(١) الملك الآية (١٤).\n(٢) سيأتي تخريجه في مواقف ابن رجب الحنبلي سنة (٧٩٧هـ).\n(٣) القمر الآية (٤٩).\n(٤) المرسلات الآية (٢٣).","vol":"6","page":100},{"text":"لم يقدر المعاصي ولا الشر، وأن ذلك جار في خلقه وسلطانه بغير قدرة الله ولا بإرادته، فنفوه عن الله، وأثبتوا لأنفسهم تقدير ذلك، والتفرد بملكه والقدرة عليه دون ربهم، حتى قال بعض طواغيتهم: إنه لو كان طفل على حاجز بين الجنة والنار، لما كان الله موصوفا بالقدرة على طرحه إلى الجنة، وإبليس موصوف بالقدرة على طرحه إلى النار، وأن الله لا يوصف بالقدرة على ذلك، وزعموا أن خلاف هذا كفر وشرك، واستوجبوا بذلك هذه التسمية التي أجمع المسلمون على كفر من باد بموجبها، والأخبار متواترة بتكفير القدرية وإخراجهم من الإسلام وإضافتهم إلى أصناف الكفر، وأن جميع ما يتصرف العباد فيه من خير وشر، وطاعة ومعصية بقدر سابق من الله ﷾، وبتكذيب من نفى ذلك وتكفيره، فمن متواتر الأخبار ومستفيضها: قوله - ﷺ -: «القدرية مجوس هذه الأمة» (١) ...\nثم أطال في شرح كلام المصنف وساق كثيرا من الأدلة على ذلك (٢) مقررا بذلك كله منهج السلف في هذا الباب الذي زاغ فيه القدرية عن الصواب، نسأل الله حسن المآب. (٣)\n- قال ابن أبي زيد القيرواني: [أو يكون لأحد عنه غنى].\nقال القاضي ﵀ معلقا: اعلم أن هذا رد على المعتزلة وغيرهم من المبتدعة في قولهم: إنهم مستطيعون لأفعالهم قبل أن يحدثوها، وقادرون على\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف محمد بن الحسين الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٢) من (ص.٣٨) إلى (ص.٦٦).\n(٣) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٣٨ - ٣٩).","vol":"6","page":101},{"text":"إيجادها قبل إيجادها، ومستغنون عن ربهم في حال اختراعهم لها أن يقدرهم عليها، لأنهم لا حاجة لهم في تلك الحال بل هم مستغنون عنه، وهذا هو الضلال الذي لا شبهة فيه والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (١) ويقول: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وهذا يعم سائر أحوالهم، ويقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (٣) ولم يقل في حال دون حال، ومن جهة العقول: فلأن الأدلة قد دلت على استحالة بقاء الأعراض كلها على اختلاف أجناسها من القدر وغيرها، فلو كانت موجودة قبل الفعل لم يخل أن تبقى إلى أن يفعل الفعل بها، وهذا يوجب ما قد قام الدليل على استحالة مردها لها أو يعدم مثل ذلك، وهذا أيضا محال، لأنه يؤدي إلى أن يوقع الفعل بقدرة معدومة، وذلك باطل. (٤)\n\nيحيى بن عمّار (٥) (٤٢٢ هـ)\nيحيى بن عمار بن يحيى بن عمار بن العنبس الإمام المحدث الواعظ شيخ سجستان أبو زكريا الشيباني نزيل هراة. حدث عن حامد بن محمد الرفاء\n_________\n(١) محمد الآية (٣٨).\n(٢) فاطر الآية (١٥).\n(٣) الفاتحة الآية (٥).\n(٤) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير (ص.٥٥ - ٥٦).\n(٥) السير (١٧/ ٤٨١ - ٤٨٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٢١ - ٤٣٠/ص.٩٧ - ٩٩) والعبر (١/ ٤٣٩) وشذرات الذهب (٣/ ٢٢٦).","vol":"6","page":102},{"text":"وعبد الله بن عدي بن حمدويه وأخيه محمد بن عدي وعدة. روى عنه أبو نصر الطبسي، وأبو محمد عبد الواحد الهروي، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد وآخرون. كان متحرقا على المبتدعة والجهمية. وكان فصيحا مفوها حسن الموعظة رأسا في التفسير وكان من كبار المذكرين تحول إلى هراة فعظم بها جدا، وتخرج به أبو إسماعيل الأنصاري. توفي في ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. وصلى عليه الإمام عمر بن إبراهيم الزاهد وكانت جنازته مشهودة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2325>موقفه من الجهمية:</span>\nللإمام يحيى رسالة في السنة. نقل منها الحافظ ابن القيم في اجتماع الجيوش ما يتعلق بمسألة الاستواء.\n- جاء في اجتماع الجيوش عنه قال في رسالته في السنة بعد كلام: بل نقول: هو بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل شيء وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء، وهو معنى قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (١) ورسالته موجودة مشهورة. (٢)\nقلت: لعلنا نظفر بها ونستفيد من علومها.\n- جاء في السير: وكان متحرقا على المبتدعة والجهمية بحيث يؤول به ذلك إلى تجاوز طريقة السلف، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، إلا أنه كان له\n_________\n(١) الحديد الآية (٤).\n(٢) اجتماع الجيوش (ص.٢٥٤).","vol":"6","page":103},{"text":"جلالة عجيبة بهراة وأتباع وأنصار. (١)\n- وقال أبو إسماعيل: سمعت يحيى بن عمار يقول: العلوم خمسة، علم هو حياة الدين وهو علم التوحيد، وعلم هو قوت الدين وهو العظة والذكر، وعلم هو دواء الدين وهو الفقه، وعلم هو داء الدين وهو أخبار ما وقع بين السلف، وعلم هو هلاك الدين وهو الكلام. قلت -أي الذهبي-: وعلم الأوائل. (٢)\n- وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث. (٣)\n\nالقادر بالله (٤) (٤٢٢ هـ)\nالخليفة أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر العباس أبو العباس مولده سنة ست وثلاثين وثلاثمائة كان دينا عالما متعبدا وقورا من جلة الخلفاء وأمثلهم تفقه على أبي بشر أحمد بن محمد الهروي. قال الخطيب: كان من الدين وإدامة التهجد وكثرة الصدقات على صفة اشتهرت عنه وعرف بها عند كل أحد مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد. صنف كتابا في الأصول ذكر فيه فضل الصحابة وإكفار المعتزلة القائلين بخلق القرآن. عاش سبعا وثمانين سنة\n_________\n(١) السير (١٧/ ٤٨١).\n(٢) السير (١٧/ ٤٨٢).\n(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٩).\n(٤) السير (١٥/ ١٢٧ - ١٣٧) والوافي بالوفيات (٦/ ٢٢٩ - ٢٤١) وتاريخ بغداد (٤/ ٣٧ - ٣٨) والعبر (١/ ٤٣٨) وشذرات الذهب (٣/ ٢٢١ - ٢٢٣).","vol":"6","page":104},{"text":"إلا شهرا وثمانية أيام ولم يبلغ أحد من الخلفاء قبله هذا العمر، ولا قام في الخلافة هذه المدة توفي ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2327>موقفه من المبتدعة:</span>\nلقد كان هذا الخليفة من خيرة خلفاء بني العباس إذ حمى العقيدة حماية يشكره عليها رب العالمين ويثيبه بجنته إن شاء الله تعالى. فقد طرد الرافضة أعداء الله وأعداء رسوله - ﷺ -، ونبذ المعتزلة والجهمية والأشاعرة وجميع أهل البدع. ولم يكتف بفعله وأمره، بل كتب اعتقادا قرأه على العلماء والفقهاء، وأخذ عليهم خطوطهم بالموافقة على الاعتقاد حتى يكون رسميا متفقا عليه. وهاك الاعتقاد من المنتظم؛ قال ابن الجوزي ﵀: (أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد الفراء قال: أخرج الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين أبو جعفر بن القادر بالله في سنة نيف وثلاثين وأربعمائة الاعتقاد القادري، الذي ذكره القادر، فقرئ في الديوان وحضر الزهاد والعلماء، وممن حضر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني فكتب خطه تحته قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه أن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر، وهو: يجب على الإنسان أن يعلم أن الله ﷿ وحده لا شريك له لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك، وهو أول لم يزل وآخر لا يزال، قادر على كل شيء غير عاجز عن شيء، إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، غني غير محتاج إلى شيء، لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة","vol":"6","page":105},{"text":"ولا نوم، يطعم ولا يطعم، لا يستوحش من وحدة ولا يأنس بشيء، وهو الغني عن كل شيء، لا تخلفه الدهور والأزمان وكيف تغيره الدهور والأزمان وهو خالق الدهور والأزمان والليل والنهار والضوء والظلمة والسماوات والأرض وما فيها من أنواع الخلق والبر والبحر وما فيهما وكل شيء حي أو موات أو جماد.\nكان ربنا وحده لا شيء معه ولا مكان يحويه فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجته إليه فاستوى عليه كيف شاء وأراد لا استقرار راحة كما يستريح الخلق. وهو مدبر السموات والأرضين ومدبر ما فيهما ومن في البر والبحر ولا مدبر غيره ولا حافظ سواه، يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ويميتهم ويحييهم، والخلق كلهم عاجزون والملائكة والنبيون والمرسلون والخلق كلهم أجمعون، وهو القادر بقدرة والعالم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع والمبصر ببصر يعرف صفتهما من نفسه لا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين. لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه ﵇، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله - ﷺ - فهي صفة حقيقية لا مجازية. ويعلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق تكلم به تكليما، وأنزله على رسوله - ﷺ - على لسان جبريل بعد ما سمعه جبريل منه، فتلاه جبريل على محمد - ﷺ -، وتلاه محمد على أصحابه، وتلاه أصحابه على الأمة. ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقا لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخلوق، فبكل حال متلوا ومحفوظا ومكتوبا ومسموعا؛ ومن قال إنه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم","vol":"6","page":106},{"text":"بعد الاستتابة منه.\nويعلم أن الإيمان قول وعمل ونية، وقول باللسان وعمل بالأركان والجوارح وتصديق به، يزيد وينقص: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو ذو أجزاء وشعب؛ فأرفع أجزائه لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. والإنسان لا يدري كيف هو مكتوب عند الله ولا بماذا يختم له، فلذلك يقول: مؤمن إن شاء الله، وأرجو أن أكون مؤمنا، ولا يضره الاستثناء والرجاء، ولا يكون بهما شاكا ولا مرتابا؛ لأنه يريد بذلك ما هو مغيب عنه عن أمر آخرته وخاتمته. وكل شيء يتقرب به إلى الله تعالى ويعمل لخالص وجهه من أنواع الطاعات فرائضه وسننه وفضائله فهو كله من الإيمان، منسوب إليه. ولا يكون للإيمان نهاية أبدا؛ لأنه لا نهاية للفضائل ولا للمتبوع في الفرائض أبدا.\nويجب أن يحب الصحابة من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم ونعلم أنهم خير الخلق بعد رسول الله - ﷺ -، وأن خيرهم كلهم وأفضلهم بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃، ويشهد للعشرة بالجنة، ويترحم على أزواج رسول الله - ﷺ -، ومن سب سيدتنا عائشة ﵂ فلا حظ له في الإسلام، ولا يقول في معاوية ﵁ إلا خيرا، ولا يدخل في شيء شجر بينهم، ويترحم على جماعتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا","vol":"6","page":107},{"text":"غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (١). وقال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ (٢).\nولا يكفر بترك شيء من الفرائض غير الصلاة المكتوبة وحدها؛ فإنه من تركها من غير عذر وهو صحيح فارغ حتى يخرج وقت الأخرى فهو كافر، وإن لم يجحدها لقوله - ﷺ -: «بين العبد والكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر» (٣)، ولا يزال كافرا حتى يندم ويعيدها؛ فإن مات قبل أن يندم ويعيد أو يضمر أن يعيد لم يصل عليه، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، وسائر الأعمال لا يكفر بتركها وإن كان يفسق حتى يجحدها.\nثم قال: هذا قول أهل السنة والجماعة الذي من تمسك به كان على الحق المبين وعلى منهاج الدين والطريق المستقيم، ورجي به النجاة من النار ودخول الجنة إن شاء الله تعالى. وقال النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم» (٤)، وقال ﵇: «أيما عبد جاءته موعظة من الله تعالى في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه فإن قبلها يشكر، وإلا كانت حجة عليه من الله يزداد بها إثما\n_________\n(١) الحشر الآية (١٠).\n(٢) الحجر الآية (٤٧).\n(٣) مسلم (١/ ٨٨/٨٢) وأبو داود (٥/ ٥٨ - ٥٩/ ٤٦٧٨) والترمذي (٥/ ١٤ - ١٥/ ٢٦٢٠) والنسائي (١/ ٢٥١/٤٦٣) وابن ماجه (١/ ٣٤٢/١٠٧٨) من حديث جابر.\n(٤) تقدم تخريجه ص ضمن مواقف محمد بن نصر المروزي سنة (٢٩٤هـ).","vol":"6","page":108},{"text":"ويزاد بها من الله سخطا» (١). جعلنا الله لآلائه من الشاكرين ولنعمائه ذاكرين وبالسنة معتصمين وغفر لنا ولجميع المسلمين. (٢)\nالتعليق:\nمن قرأ هذا الاعتقاد علم ما كان عليه هؤلاء الخلفاء في الجمع بين العلم والحكم، ومن أمعن فيه النظر يجده يرد على جميع المبتدعة، بما فيهم المعتزلة والشيعة وغيرهم. ومن أمعن النظر يرى شدة اهتمام هؤلاء الخلفاء بالعقيدة السلفية ولم يكن همهم هو الاشتغال بملذات الحياة وشهواتها، ويرى على الاعتقاد نفس الصالحين العالمين بما يجري في رعاياهم من الدخل. ومن قارن بين الأمس واليوم ومخاطبة الحكام لرعاياهم يجد همهم اليوم هو السعي في تثبيت الحاكم نفسه في نفوس رعيته. وأما الأمس فترى الحاكم يثبت عقيدته في نفس رعيته، لا كلام في معيشة ولا في غيرها مما يعد إغراء فقط للرعية، إلا من شاء الله، فليكن البصير بهذا على بينة.\nاستتابته لأهل البدع:\nجاء في أصول الاعتقاد: قال الشيخ أبو القاسم الطبري الحافظ ﵀: واستتاب أمير المؤمنين القادر بالله -حرس الله مهجته وأمد بالتوفيق أموره ووفقه من القول والعمل بما يرضي مليكه- فقهاء المعتزلة الحنفية في\n_________\n(١) أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٣٦) والبيهقي في الشعب (٦/ ٢٩/٧٤١٠) من حديث عطية بن بشر وقال العراقي في تخريج الأحياء (٣/ ١٣٦٨): \"رواه ابن أبي الدنيا في مواعظ الخلفاء وفيه أحمد بن عبيد بن ناصح\"، وعزاه الألباني لابن عساكر عن عطية بن قيس وقال: \"ضعيف\". ضعيف الجامع (٢٢٤٥).\n(٢) المنتظم (١٥/ ٢٧٩ - ٢٨٢).","vol":"6","page":109},{"text":"سنة ثمان وأربعمائة فأظهروا الرجوع وتبرؤوا من الاعتزال.\nثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام والسنة، وأخذ خطوطهم بذلك وأنهم مهما خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم.\nوامتثل يمين الدولة وأمين الملة: أبو القاسم محمود أعز الله نصرته أمر أمير المؤمنين القادر بالله، واستن بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفيهم، والأمر باللعن عليهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع وطردهم عن ديارهم.\nوصار ذلك سنة في الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين في الآفاق. وجرى ذلك على يدي الحاجب أبي الحسن علي بن عبد الصمد ﵀، في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة تمم الله ذلك وثبته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. (١)\nالتعليق:\nإن قراءة مثل هذه المواقف تسلي السلفي وتفرج ما به من غموم وحزن على ما نحن فيه من بدع ومبتدعة ملئت بهم الأرض. فلعل الله ييسر للمسلمين مثل هذا الخليفة العادل يزيل عنهم الضيم ويرجع المسلمين إلى صدرهم الأول عقيدة نقية وعبادة سنية، وسلوكا نبويا يجلب الراحة والاطمئنان.\n_________\n(١) أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٩ - ٨٠٠/ ١٣٣٣).","vol":"6","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2328>موقفه من الرافضة:</span>\nكان أمير المؤمنين من أكبر الخلفاء الرافضين للرفض كيفما كان شكله ونوعه، ولم يفرق بين الغالية والمتساهلة، ولكن الرفض المطلق. انظر إلى فعلته بكتاب الداعي الذي أرسله الحاكم الرافضي:\n- جاء في السير: وبعث ابن سبكتكين إلى القادر بأنه ورد إليه الداعي من الحاكم يدعوه إلى طاعته فخرق كتابه وبصق عليه. (١)\n- وفيها: وفي هذا الوقت انبثت دعاة الحاكم في الأطراف، فأمر القادر بعمل محضر يتضمن القدح في نسب العبيدية، وأنهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرمي، فشهدوا جميعا أن الناجم بمصر منصور بن نزار الحاكم حكم الله عليه بالبوار، وأن جدهم لما صار إلى الغرب تسمى بالمهدي عبيد الله، وهو وسلفه أرجاس أنجاس خوارج أدعياء، وأنتم تعلمون أن أحدا من الطالبيين لم يتوقف عن إطلاق القول بأنهم أدعياء، وأن هذا الناجم وسلفه كفار زنادقة، ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية. (٢)\n- وفيها: واستتاب القادر فقهاء المعتزلة، فتبرؤا من الاعتزال والرفض، وأخذت خطوطهم بذلك. (٣)\n- وفيها: وامتثل ابن سبكتكين أمر القادر، فبث السنة بممالكه، وتهدد\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٣٣).\n(٢) السير (١٥/ ١٣٢).\n(٣) السير (١٥/ ١٣٤).","vol":"6","page":111},{"text":"بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة، والمشبهة والجهمية والمعتزلة. ولعنوا على المنابر. (١)\nالتعليق:\nولم يكتف القادر بالله بعمله الشخصي مع الروافض أعداء الله، بل جمع لذلك أهل العلم المعتبرين في ذلك الوقت، وما يزال هؤلاء العلماء هم العمدة كل واحد في فنه وتخصصه، فجزاه الله وجزاهم خيرا على هذا الميراث الدائم الذي سيثابون عليه إن شاء الله، تقبل الله منه ومنهم.\n- جاء في المنتظم: وفي هذا الشهر كتب في ديوان الخلافة محاضر في معنى الذين بمصر والقدح في أنسابهم ومذاهبهم، وكانت نسخة ما قرئ منها ببغداد وأخذت فيه خطوط الأشراف والقضاة والفقهاء والصالحين والمعدلين والثقات والأماثل بما عندهم من العلم والمعرفة بنسب الديصانية وهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرمي، أحزاب الكافرين ونطف الشياطين شهادة متقرب إلى الله جلت عظمته وممتعض للدين والإسلام ومعتقد إظهار ما أوجب الله تعالى على العلماء أن يبينوه للناس ولا يكتمونه، شهدوا جميعا أن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم حكم الله عليه بالبوار والدمار والخزي والنكال والاستئصال بن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد لا أسعده الله، فإنه لما صار إلى الغرب تسمى بعبيد الله وتلقب بالمهدي ومن تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس عليه وعليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين،\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٣٥).","vol":"6","page":112},{"text":"أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب ولا يتعلقون منه بسبب، وأنه منزه عن باطلهم، وأن الذي ادعوه من الانتساب إليه باطل وزور، وأنهم لا يعلمون أن أحدا من أهل بيوتات الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم أدعياء، وقد كان هذا الانكار لباطلهم ودعواهم شائعا بالحرمين، وفي أول أمرهم بالغرب منتشرا انتشارا يمنع من أن يتدلس على أحد كذبهم أو يذهب وهم إلى تصديقهم، وأن هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفار فساق فجار ملحدون زنادقة معطلون، وللإسلام جاحدون، ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمور، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية. وكتب في ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعمائة.\nوقد كتب خطه في المحضر خلق كثير من العلويين: المرتضى والرضي وابن الأزرق الموسوي وأبو طاهر بن أبي الطيب ومحمد بن محمد بن عمر وابن أبي يعلى ومن القضاة: أبو محمد بن الأكفاني وأبو القاسم الخرزي وأبو العباس السوري. ومن الفقهاء أبو حامد الاسفراييني وأبو محمد الكشفلي وأبو الحسين القدوري وأبو عبد الله الصيمري وأبو عبد الله البيضاوي وأبو علي بن حمكان ومن الشهداء: أبو القاسم التنوخي وقرئ بالبصرة وكتب فيه خلق كثير. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2329>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الذهبي في سيره: وصنف كتابا في الأصول، ذكر فيه فضل الصحابة، وإكفار من قال: بخلق القرآن. وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل\n_________\n(١) المنتظم (١٥/ ٨٢ - ٨٣).","vol":"6","page":113},{"text":"جمعة في حلقة أصحاب الحديث، ويحضره الناس مدة خلافته، وهي إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر. (١)\n- وقال: واستتاب القادر فقهاء المعتزلة، فتبرؤوا من الاعتزال والرفض، وأخذت خطوطهم بذلك. (٢)\n- وقال: وامتثل ابن سبكتكين أمر القادر، فبث السنة بممالكه، وتهدد بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة، والمشبهة والجهمية والمعتزلة. ولعنوا على المنابر. (٣)\n\nالفَشِيدَيْزَجي (٤) (٤٢٤ هـ)\nالحسين بن الخضر بن محمد البخاري أبو علي قاضي بخارى نعمان زمانه، انتهت إليه إمامة أهل الرأي وقد قدم بغداد وتفقه وناظر وسمع من أبي الفضل الزهري وسمع ببخارى من أبي عمرو محمد بن محمد بن صابر. وانتشر له التلامذة وآخر من حدث عنه سبطه علي بن محمد البخاري. ولأبي علي سماع من ابن شبويه وجعفر بن فناكي. توفي في شعبان سنة أربع وعشرين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2331>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: قيل: ناظره الشريف المرتضى الشيعي في خبر: ما تركنا\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٢٨).\n(٢) السير (١٥/ ١٣٤).\n(٣) السير (١٥/ ١٣٥).\n(٤) السير (١٧/ ٤٢٤ - ٤٢٦) والوافي بالوفيات (١٢/ ٣٦١) والعبر (١/ ٤٤١) والأنساب (٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨) وشذرات الذهب (٣/ ٢٢٧).","vol":"6","page":114},{"text":"صدقة. فقال للمرتضى: إذا صيرت \"ما\" نافية، خلا الحديث من فائدة، فكل أحد يدري أن الميت يرثه أقرباؤه، ولا تكون تركته صدقة. ولكن لما كان المصطفى بخلاف الأمة، بين ذلك، وقال: «ما تركناه صدقة» (١).اهـ (٢)\n\nالمنيني (٣) (٤٢٦ هـ)\nمحمد بن رزق الله بن عبيد الله المنيني الأسود أبو بكر الإمام المقرئ خطيب منين، سمع علي بن أبي العقب وأبا عبد الله محمد بن إبراهيم والحسين ابن أحمد بن أبي ثابت وأبا علي بن آدم. وروى عنه أبو الوليد الدربندي وعبد العزيز الكتاني وأبو القاسم بن أبي العلاء وآخرون. وكان المنيني يحفظ القرآن بأحرف. قال الحافظ الدربندي: كان من ثقات المسلمين. مات سنة ست وعشرين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2333>موقفه من الرافضة:</span>\nقال الدربندي: لم يكن في جميع الشام من يكنى بأبي بكر غيره، وكان ثقة. قال الذهبي: وكذا لم يكن يوجد بمصر منذ تملك بنو عبيد أحد يكنى بأبي بكر، وكانت الدنيا تغلي بهم رفضا وجهلا. (٤)\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢٥) والبخاري (٩/ ٦٢٧/٥٣٥٨) ومسلم (٣/ ١٣٧٧/١٧٥٧ (٤٩» وأبو داود (٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦/ ٢٩٦٣) والترمذي (٤/ ١٣٥ - ١٣٦/ ١٦١٠) والنسائي (٧/ ١٥٣ - ١٥٤/ ٤١٥٩) من طرق عن مالك بن أوس ﵁.\n(٢) السير (١٧/ ٤٢٥).\n(٣) السير (١٧/ ٤٥٢ - ٤٥٣) والوافي بالوفيات (٣/ ٧٠) والعبر (١/ ٤٤٣) والأنساب (٥/ ٤٠١) وشذرات الذهب (٣/ ٢٣٠).\n(٤) السير (١٧/ ٤٥٣).","vol":"6","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2334>الظاهر لإعزاز دين الله العبيدي الرافضي الخبيث الدعي (٤٢٧ ه</span>ـ)\nفي ولاية هذا الخبيث حاول بعض العبيديين تهديم البيت.\n- جاء في السير: قال المحدث محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي الكوفي: في سنة ثلاث عشرة لما صليت الجمعة والركب بعد بمنى، قام رجل، فضرب الحجر الأسود بدبوس ثلاثا، وقال: إلى متى يعبد الحجر فيمنعني محمد مما أفعله؟ فإني اليوم أهدم هذا البيت، فاتقاه الناس، وكاد يفلت، وكان أشقر، أحمر، جسيما، تام القامة، وكان على باب المسجد عشرة فرسان على أن ينصروه. فاحتسب رجل، فوجأه بخنجر، وتكاثروا عليه، فأحرق، وقتل جماعة من أصحابه وثارت الفتنة، فقتل نحو العشرين، ونهب المصريون وقيل: أخذ أربعة من أصحابه، فأقروا بأنهم مائة تبايعوا على ذلك، فضربت أعناق الأربعة، وتهشم وجه الحجر. وتساقط منه شظايا. وخرج مكسره أسمر إلى صفرة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2335>موقف السلف من ابن سينا الفيلسوف وضلاله (٤٢٨ ه</span>ـ)\n- قال الذهبي: قد سقت في 'تاريخ الإسلام' أشياء اختصرتها، وهو رأس الفلاسفة الإسلامية، لم يأت بعد الفارابي مثله، فالحمد لله على الإسلام والسنة. وله كتاب 'الشفاء' وغيره، وأشياء لا تحتمل، وقد كفره الغزالي في\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٨٥ - ١٨٦) وهو في المنتظم لابن الجوزي (١٥/ ١٥٤) بسياق أتم.","vol":"6","page":116},{"text":"كتاب 'المنقذ من الضلال' وكفر الفارابي. (١)\n- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان ضلال ابن سينا: وابن سينا تكلم في أشياء من الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع، لم يتكلم فيها سلفه، ولا وصلت إليها عقولهم ولا بلغتها علومهم، فإنه استفادها من المسلمين، وإن كان إنما أخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية. وكان هو وأهل بيته وأتباعهم معروفين عند المسلمين بالإلحاد، وأحسن ما يظهرون دين الرفض وهم في الباطن يبطنون الكفر المحض ...\nوالمقصود هنا: أن ابن سينا أخبر عن نفسه أن أهل بيته وأباه وأخاه كانوا من هؤلاء الملاحدة، وأنه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذلك، فإنه كان يسمعهم يذكرون العقل والنفس، وهؤلاء المسلمون الذين ينتسب إليهم، هم مع الإلحاد الظاهر والكفر الباطن، أعلم بالله من سلفه الفلاسفة: كأرسطو وأتباعه، فإن أولئك ليس عندهم من العلم بالله ما عند عباد مشركي العرب ما هو خير منه ...\nوابن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين، وكان قد تلقى ما تلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة، أراد أن يجمع بين ما عرفه بعقله من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه. ومما أحدثه: مثل كلامه في النبوات وأسرار الآيات والمنامات، بل وكلامه في بعض الطبيعيات، وكلامه في واجب الوجود ونحو ذلك. (٢)\n_________\n(١) السير (١٧/ ٥٣٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (٩/ ١٣٣ - ١٣٥) باختصار.","vol":"6","page":117},{"text":"- وقال: والمعنى الثالث، الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله، قالوا: نقول العالم محدث، أي معلول لعلة قديمة أزلية أوجبته، فلم يزل معها، وسموا هذا الحدوث الذاتي وغيره: الحدوث الزماني. والتعبير بلفظ \"الحدوث\" عن هذا المعنى لا يعرف عن أحد من أهل اللغات، لا العرب ولا غيرهم، إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعنى. والقول بأن العالم محدث بهذا المعنى فقط ليس قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم، ولا أمة من الأمم العظيمة، ولا طائفة من الطوائف المشهورة التي اشتهرت مقالاتها في عموم الناس، بحيث كان أهل مدينة على هذا القول، وإنما يقول هذا طوائف قليلة مغمورة في الناس.\nوهذا القول، إنما هو معروف عن طائفة من المتفلسفة المليين، كابن سينا وأمثاله. وقد يحكون هذا القول عن أرسطو، وقوله الذي في كتبه: أن العالم قديم، وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه، ويقولون: إنه محدث، ولم يثبت في كتبه للعالم فاعلا موجبا له بذاته، وإنما أثبت له علة يتحرك للتشبه بها، ثم جاء الذين أرادوا إصلاح قوله فجعلوا العلة أولى لغيرها، كما جعلها الفارابي وغيره، ثم جعلها بعض الناس آمرة للفلك بالحركة، لكن يتحرك للتشبه بها كما يتحرك العاشق للمعشوق، وإن كان لا شعور له ولا قصد، وجعلوه مدبرا بهذا الاعتبار -كما فعل ابن رشد وابن سينا- جعلوه موجبا بالذات لما سواه، وجعلوا ما سواه ممكنا. (١)\n- وقال: وهذه الطرق التي أخذها ابن سينا عن المتكلمين، من المعتزلة\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"6","page":118},{"text":"ونحوهم، وخلطها بكلام سلفه الفلاسفة، صار بسبب ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة، يستطيل بها على المسلمين، ويجعل القول الذي قاله هؤلاء هو قول المسلمين. وليس الأمر كذلك، وإنما هو قول مبتدعتهم، وهكذا عمل إخوانه القرامطة الباطنية: صاروا يلزمون كل طائفة من طوائف المسلمين بالقدر الذي وافقوهم عليه مما هو مخالف للنصوص، ويلزمونهم بطرد ذلك القول حتى يخرجوهم عن الإسلام بالكلية.\nولهذا كان لهؤلاء وأمثالهم نصيب من حال المرتدين، الذين قال الله تعالي فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم﴾ (١). ولهذا آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى عبادة الأوثان، والشرك بالرحمن، مثل دعوة الكواكب والسجود لها، أو التصنيف في ذلك، كما صنفه الرازي وغيره في ذلك. (٢)\n- وقال: وهذا الذي ذكرته يجده من اعتبره في كتب ابن سينا كالإشارات وغيرها، ويتبين للفاضل أنه إنما بنى إلحاده في قدم العالم على نفي الصفات، فإنهم لما نفوا الصفات والأفعال القائمة بذاته، وسموا ذلك توحيدا، ووافقهم ابن سينا على تقرير هذا النفي الذي سموه توحيدا، بين امتناع القول بحدوث العالم مع هذا الأصل، وأظهر تناقضهم. ولكن قوله في قدم العالم\n_________\n(١) المائدة الآية (٥٤).\n(٢) درء التعارض (٨/ ٢٣٩).","vol":"6","page":119},{"text":"أفسد من قولهم، ويمكن إظهار تناقض قوله، أكثر من إظهار تناقض أقوالهم. فلهذا تجده في مسألة قدم العالم يردد القول فيها، ويحكي كلام الطائفتين وحجتهم كأنه أجنبي، ويحيل الترجيح بينهما إلى نظر الناظر، مع ظهور ترجيحه لقول القائلين بالقدم. وأما مسألة نفي الصفات فيجزم بها، ويجعلها من المقطوع به الذي لا تردد فيه، فإنهم يوافقون عليها، وهو بها تمكن من الاحتجاج عليهم في قدم العالم، وبها تمكن من إنكار المعاد، وتحريف الكلم عن مواضعه، وقال: نقول في النصوص الواردة في المعاد كما قلتم في النصوص الواردة في الصفات، وقال: كما أن الكتب الإلهية ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في التوحيد، يعني التوحيد الذي وافقته عليه المعتزلة، وهو نفي الصفات بناء على نفي التجسيم والتركيب؛ فكذلك ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في أمر المعاد. وبنى ذلك على أن الإفصاح بحقيقة الأمر لا يمكن خطاب الجمهور به، وإنما يخاطبون بنوع من التخييل والتمثيل الذي ينتفعون به فيه، كما تقدم كلامه. وهذا كلام الملاحدة الباطنية الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته، وكان منتهى أمرهم تعطيل الخالق، وتكذيب رسله، وإبطال دينه. ودخل في ذلك باطنية الصوفية، أهل الحلول والاتحاد، وسموه تحقيقا ومعرفة وتوحيدا. ومنتهى أمرهم هو إلحاد باطنية الشيعة، وهو أنه ليس إلا الفلك وما حواه وما وراء ذلك شيء. (١)\n- وقال: ليس مراد ابن سينا بالتوحيد: التوحيد الذي جاءت به الرسل، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، مع ما يتضمنه من أنه لا رب\n_________\n(١) درء التعارض (٨/ ٢٤١ - ٢٤٣).","vol":"6","page":120},{"text":"لشيء من الممكنات سواه، فإن إخوانه من الفلاسفة من أبعد الناس عن هذا التوحيد، إذ فيهم من الإشراك بالله تعالى، وعبادة ما سواه، وإضافة التأثيرات إلى غيره، بل ما هو معلوم لكل من عرف حالهم، ولازم قولهم إخراج الحوادث كلها عن فعله. وإنما مقصوده التوحيد الذي يذكره في كتبه: وهو نفي الصفات، وهو الذي شارك فيه المعتزلة وسموه أيضا توحيدا. وهذا النفي الذي سموه توحيدا، لم ينزل به كتاب، ولا بعث به رسول، ولا كان عليه أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هو مخالف لصريح المعقول، مع مخالفته لصحيح المنقول. (١)\n- وقال: وحدثني غير مرة رجل، وكان من أهل الفضل والذكاء والمعرفة والدين، أنه كان قد قرأ على شخص سماه لي، وهو من أكابر أهل الكلام والنظر، دروسا من 'المحصل' لابن الخطيب، وأشياء من 'إشارات' ابن سينا. قال: فرأيت حالي قد تغير. وكان له نور وهدى، ورؤيت له منامات سيئة، فرآه صاحب النسخة بحال سيئة، فقص عليه الرؤيا، فقال: هي من كتابك. و'إشارات' ابن سينا يعرف جمهور المسلمين الذين يعرفون دين الإسلام أن فيها إلحادا كثيرا، بخلاف 'المحصل' يظن كثير من الناس أن فيه بحوثا تحصل المقصود. قال فكتبت عليه:\nمحصل في أصول الدين حاصله ... من بعد تحصيله أصل بلا دين\nأصل الضلالات والشك المبين فما ... فيه فأكثره وحي الشياطين\n_________\n(١) درء التعارض (٨/ ٢٤٦ - ٢٤٧).","vol":"6","page":121},{"text":"قلت: وقد سئلت أن أكتب على 'المحصل' ما يعرف به الحق فيما ذكره، فكتبت من ذلك ما ليس هذا موضعه.\nوكذلك تكلمت على ما في 'الإشارات' في مواضع أخر. (١)\n\nالحسن بن شهاب أبو علي العُكْبُرِي (٢) (٤٢٨ هـ)\nالحسن بن شهاب بن الحسن بن علي، أبو علي العكبري الحنبلي. مولده سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. سمع من أبي علي بن الصواف، وأبي بكر ابن خلاد وأبي بكر القطيعي وغيرهم. وسمع منه أبو بكر الخطيب، وعيسى ابن أحمد الهمداني. شيخ جليل معمر طلب الحديث وهو كبير وكان يضرب المثل بحسن كتابته. برع في المذهب، وكان من أئمة الفقه والعربية والشعر. وثقه أبو بكر البرقاني. مات ابن شهاب في رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2337>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ابن أبي يعلى في الطبقات: قرأت بخط أبي القاسم قال: سمعت أبا الحسن الزاهد يقول: سمعت أبا علي ابن شهاب يقول: أقام أخي أبو الخطاب معي في الدار عشرين سنة ما كلمته. وأشار إلى أنه ينسب إلى الرفض. (٣)\n_________\n(١) المنهاج (٥/ ٤٣٣ - ٤٣٤).\n(٢) تاريخ بغداد (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠) وطبقات الحنابلة (٢/ ١٨٦ - ١٨٧) والسير (١٧/ ٥٤٢ - ٥٤٣) والوافي بالوفيات (١٢/ ٥٥) والبداية والنهاية (١٢/ ٤٣ - ٤٤).\n(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ١٨٧).","vol":"6","page":122},{"text":"أبو علي بن أبي موسى الهاشمي (١) (٤٢٨ هـ)\nمحمد بن أحمد بن أبي موسى الشريف أبو علي الهاشمي البغدادي. مولده في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. سمع محمد بن المظفر وأبا الحسين بن سمعون وغيرهما، وسمع منه أبو بكر الخطيب والقاضي أبو يعلى بن الفراء وتفقه به، وأبو الحسين بن الطيوري وآخرون. كان سامي الذكر، شيخ الحنابلة عديم النظير، صاحب التصانيف المذكورة، له وجاهة عند الخليفتين القادر والقائم، صنف الإرشاد في المذهب، كانت حلقته بجامع المنصور، يفتي ويشهد. مات في يوم الأحد الثالث من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2339>موقفه من المشركين:</span>\nقال شيخ الإسلام: قال القاضي الشريف أبو علي بن أبي موسى في 'الإرشاد' وهو ممن يعتمد نقله: ومن سب رسول الله - ﷺ - قتل ولم يستتب، ومن سبه - ﷺ - من أهل الذمة قتل وإن أسلم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2340>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ابن أبي موسى: ومن سب السلف من الروافض فليس بكفؤ ولا يزوج، ومن رمى عائشة ﵂ بما برأها الله منه فقد مرق من الدين،\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١/ ٣٥٤) وطبقات الحنابلة (٢/ ١٨٢ - ١٨٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٢١ - ٤٣٠/ص.٢٤٠) والوافي بالوفيات (٢/ ٦٣ - ٦٤) والبداية (١١/ ٤٤).\n(٢) الصارم (٣١٠).","vol":"6","page":123},{"text":"ولم ينعقد له نكاح على مسلمة، إلا أن يتوب ويظهر توبته. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2341>موقفه من الجهمية:</span>\nعقيدته السلفية:\nجاء في طبقات الحنابلة: عنه قال: باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات: حقيقة الإيمان عند أهل الأديان: الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان: أن الله تعالى واحد أحد فرد صمد لا يغيره الأبد ليس له والد ولا ولد وأنه سميع بصير بديع قدير حكيم خبير علي كبير ولي نصير قوي مجير، ليس له شبيه ولا نظير ولا عون ولا ظهير ولا شريك ولا وزير ولا ند ولا مشير، سبق الأشياء فهو قديم لا كقدمها، وعلم كون وجودها في نهاية عدمها، لم تملكه الخواطر فتكيفه ولم تدركه الأبصار فتصفه، ولم يخل من علمه مكان فيقع به التأيين ولم يقدمه زمان فينطلق عليه التأوين، ولم يتقدمه دهر ولا حين ولا كان قبله كون ولا تكوين. ولا تجرى ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ولا يدخل في الأمثال والأشكال صفاته كذاته ليس بجسم في صفاته جل أن يشبه بمبتدعاته أو يضاف إلى مصنوعاته ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢)، أراد ما الخلق فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه ولو أراد أن يطيعوه جميعا لأطاعوه، خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم. لا سمي له في أرضه وسمواته، على\n_________\n(١) الصارم (٥٧١).\n(٢) الشورى الآية (١١).","vol":"6","page":124},{"text":"العرش استوى وعلى الملك احتوى وعلمه محيط بالأشياء. كذلك سئل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ عن قوله ﷿: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١) فقال: علمه.\nوالقرآن كلام الله تعالى وصفة من صفات ذاته غير مخلوق ولا محدث كلام رب العالمين في صدور الحافظين وعلى ألسن الناطقين وفي أسماع السامعين وأكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، برهانه ظاهر وحكمه قاهر ومعجزه باهر، وأن الله ﷿ كلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما وأنه خلق النفوس وسواها وألهمها فجورها وتقواها.\nوالإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن مع كل عبد رقيبا وعتيدا وحفيظا وشهيدا يكتبان حسناته ويحصيان سيآته وأن كل مؤمن وكافر وبر وفاجر، يعاين عمله عند حضور منيته ويعلم مصيره قبل ميتته. وأن منكرا ونكيرا إلى كل أحد ينزلان -سوى النبيين- فيسألان ويمتحنان عما يعتقده من الأديان. وأن المؤمن يخبر في قبره بالنعيم والكافر يعذب بالعذاب الأليم، وأنه لا محيص لمخلوق من القدر المقدور ولن يتجاوز ما خط في اللوح المسطور وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. وأنه جل اسمه يعيد خلقهم كما بدأهم ويحشرهم كما ابتدأهم من صفائح القبور وبطون الحيتان في تخوم البحور وأجواف السباع وحواصل النسور. وأن الله\n_________\n(١) المجادلة الآية (٧).","vol":"6","page":125},{"text":"تعالى يتجلى في القيامة لعباده الأبرار فيرونه بالعيون والأبصار وأنه يخرج أقواما من النار فيسكنهم الجنة دار القرار، وأنه يقبل شفاعة محمد المختار في أهل الكبائر والأوزار. وأن الميزان حق، توضع فيه أعمال العباد فمن ثقلت موازينه نجا من النار ومن خفت موازينه أدخل جهنم وبئس القرار. وأن الصراط حق يجوزه الأبرار، وأن حوض رسول الله - ﷺ - حق يرده المؤمنون ويذاذ عنه الكفار. وأن الإيمان غير مخلوق فهو قول وإخلاص بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. وأن محمدا - ﷺ - خاتم النبيين وأفضل المرسلين وأمته خير الأمم أجمعين وأفضلهم: القرن الذين شاهدوه وآمنوا به وصدقوه وأفضل القرن الذي صحبوه: أربع عشرة مائة بايعوه بيعة الرضوان وأفضلهم: أهل بدر إذ نصروه وأفضلهم: أربعون في الدار كنفوه وأفضلهم: عشرة عزروه ووقروه شهد لهم بالجنة وقبض وهو عنهم راض وأفضل هؤلاء العشرة الأبرار: الخلفاء الراشدون المهديون الأربعة الأخيار، وأفضل الأربعة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵈ وأفضل القرون القرن الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم. ثم الذين يتبعونهم.\nوأن نتولى أصحاب محمد - ﷺ - بأسرهم، ولا نبحث عن اختلافهم في أمرهم ونمسك عن الخوض في ذكرهم إلا بإحسان الذكر لهم. وأن نتولى أهل القبلة ممن ولي حرب المسلمين على ما كان فيهم من علي وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية رضوان الله عليهم ولا ندخل فيما شجر بينهم اتباعا لقول رب العالمين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ","vol":"6","page":126},{"text":"لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (١). (٢)\n\nالإمام الكبير أبو عمر الطَّلْمَنْكِي (٣) (٤٢٩ هـ)\nأبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى لب بن يحيى، المحدث، الحافظ، الأثري، المعافري الأندلسي الطلمنكي، نزيل قرطبة، وطلمنكة مدينة بالأندلس. حدث عن أبي بكر الزبيدي، وأبي الحسن الأنطاكي وأبي محمد الباجي وأبي عيسى الليثي وابن أبي زيد وعدة. وأخذ القراءة عن الأنطاكي وابن غلبون ومحمد بن الحسين بن النعمان. وحدث عنه أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وعبد الله بن سهل المقرئ وعدة.\nقال ابن بشكوال: كان سيفا مجردا على أهل الأهواء والبدع، قامعا لهم، غيورا على الشريعة، شديدا في ذات الله، أقرأ الناس محتسبا، وأسمع الحديث، والتزم للإمامة بمسجد منعة، ثم خرج، وتحول في الثغر، وانتفع الناس بعلمه، وقصد بلده في آخر عمره، فتوفي بها. أدخل الأندلس علما جما نافعا، وكان عجبا في حفظ علوم القرآن، قراآته ولغته وإعرابه وأحكامه ومنسوخه ومعانيه.\n_________\n(١) الحشر الآية (١٠).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٨٣ - ١٨٥).\n(٣) السير (١٧/ ٥٦٦ - ٥٦٩) والوافي بالوفيات (٨/ ٣٢ - ٣٣) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٩٨ - ١١٠٠) وشذرات الذهب (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤)","vol":"6","page":127},{"text":"توفي في ذي الحجة، سنة تسع وعشرين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2343>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان هذا الإمام سيفا مسلولا على أهل البدع، وبارك الله له في العمر فعمر، وترك آثارا سلفية، وكتب الله له الذكر الحسن على ألسنة الموحدين، أما المبتدعة فكلامهم فيه يرفع الله به الدرجات هو وأمثاله ممن سلوا سيوفهم القلمية والكلامية ضد المبتدعة.\nقال عنه ابن بشكوال: كان سيفا مجردا على أهل الأهواء والبدع، قامعا لهم، غيورا على الشريعة، شديدا في ذات الله، أقرأ الناس محتسبا، وأسمع الحديث، والتزم للإمامة لمسجد منعة. (١)\nوقول الإمام الذهبي: عاش تسعين عاما سوى أشهر وقد امتحن لفرط إنكاره، وقام عليه طائفة من أضداده، وشهدوا عليه بأنه حروري يرى وضع السيف في صالحي المسلمين، وكان الشهود عليه خمسة عشر فقيها، فنصره قاضي سرقسطة في سنة خمس وعشرين وأربعمائة وأشهد على نفسه بإسقاط الشهود وهو القاضي محمد بن عبد الله بن قرنون. (٢)\nآثاره السلفية:\n١ - 'الوصول إلى معرفة الأصول'. ذكره غير واحد وذكره شيخ الإسلام في الدرء. (٣)\n_________\n(١) الصلة (١/ ٤٥) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٩٩).\n(٢) السير (١٧/ ٥٦٨).\n(٣) (٦/ ٢٥٠).","vol":"6","page":128},{"text":"٢ - 'كتاب السنة'. ذكره الذهبي في السير وقال: رآه في مجلدين وقال عامته جيد وفي بعض تبويبه ما لا يوافق عليه أبدا مثل باب الجنب لله، وذكر فيه ﴿يَا حَسْرَتَا على مَا فَرَّطْتُ فِي جنب اللَّهِ﴾ (١) فهذه زلة عالم.\nهذا إذا لم يكن كتابه هذا هو 'الوصول' وإلا فهما كتابان. (٢)\n٣ - 'الرد على الباطنية'. ذكره الذهبي وذكر جملة منه قال: ومنهم قوم تعبدوا بغير علم، وزعموا أنهم يرون الجنة كل ليلة، ويأكلون من ثمارها، وتنزل عليهم الحور العين، وأنهم يلوذون بالعرش، ويرون الله بغير واسطة، ويجالسونه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2344>موقفه من الجهمية:</span>\nقال الشيخ أبو عمر الطلمنكي المالكي، أحد أئمة وقته بالأندلس، في كتاب 'الوصول إلى معرفة الأصول' قال: وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٤) ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء.\nوقال أيضا: قال أهل السنة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٥) أن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز. (٦)\n_________\n(١) الزمر الآية (٥٦).\n(٢) (١٧/ ٥٦٩).\n(٣) السير (١٧/ ٥٦٩).\n(٤) الحديد الآية (٤).\n(٥) طه الآية (٥).\n(٦) درء التعارض (٦/ ٢٥٠) ومجموع الفتاوى (٣/ ٢١٩ - ٢٢٠).","vol":"6","page":129},{"text":"أبو نعيم الأصبهاني (١) (٤٣٠ هـ)\nأحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، الحافظ، العلامة، أبو نعيم الأصبهاني، أحد الأعلام. ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. سمع من أبي أحمد العسال وأبي القاسم الطبراني وأبي بكر القطيعي وأبي أحمد الحاكم وأبي بكر الآجري، وخلق كثير. وروى عنه أبو بكر الخطيب وأبو سعد الماليني، وأبو بكر بن أبي علي الهمداني، وأبو علي الوخشي، وعدة.\nقال أبو محمد السمرقندي: سمعت أبا بكر الخطيب يقول: لم أر أحدا أطلق عليه اسم الحفظ غير رجلين، أبو نعيم الأصبهاني وأبو حازم العبدويي.\nوقال أحمد ابن محمد بن مردويه: كان أبو نعيم في وقته مرحولا إليه. ولم يكن في أفق من الآفاق أسند ولا أحفظ منه، كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، فكان كل يوم نوبة واحد منهم يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر، فإذا قام إلى داره، ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزء، وكان لا يضجر.\nوقال حمزة بن العباس العلوي: كان أصحاب الحديث يقولون: بقي أبو نعيم أربع عشرة سنة بلا نظير، لا يوجد شرقا ولا غربا أعلى منه إسنادا ولا أحفظ منه.\nتوفي في العشرين من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة وله أربع وتسعون سنة.\n_________\n(١) معجم المؤلفين (١/ ٢٨٢) والسير (١٧/ ٤٥٣ - ٤٦٤) والكامل في التاريخ (٩/ ٤٦٦) ووفيات الأعيان (١/ ٩١ - ٩٢) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٩٢ - ١٠٩٨) والوافي بالوفيات (٧/ ٨١ - ٨٤) والبداية والنهاية (٢/ ٤٨ - ٤٩) ولسان الميزان (١/ ٢٠١) وشذرات الذهب (٣/ ٢٤٥).","vol":"6","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2346>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال أبو نعيم عقب حديث: «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم صلاة علي» (١):\nوهذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها. لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله - ﷺ - أكثر مما يعرف لهذه العصابة نسخا وذكرا. (٢)\n_________\n(١) أخرجه: ابن أبي شيبة في مسنده (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨/ ٣٠٦) في المصنف (٦/ ٣٢٥/٣١٧٨٨) ومن طريقه أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١٧٧) وأبو يعلى (٨/ ٤٢٧ - ٤٢٨/ ٥٠١١) وابن حبان (٣/ ١٩٢/٩١١) والخطيب في شرف أصحاب الحديث (رقم ٦٣) وأخرجه الطبراني (١٠/ ١٧ - ١٨/ ٩٨٠٠) والبزار (البحر الزخار ٤/ ٢٧٨/١٤٤٦) كلهم من طريق خالد بن مخلد نا موسى بن يعقوب الزمعي قال أخبرني عبد الله بن كيسان قال أخبرني عبد الله بن شداد بن الهاد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود به. وفي إسناده عبد الله بن كيسان، قال فيه ابن القطان (الوهم والإيهام ٣/ ٦١٣/١٤٢٢): \"وعبد الله بن كيسان لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه إلا موسى بن يعقوب الزمعي وقال ابن حجر في التقريب: مقبول، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا\".\nقال الألباني في تخريج المشكاة (١/ ٢٩١): \"وإسناده ضعيف، فيه عبد الله بن كيسان، لم يوثقه غير ابن حبان. وموسى بن يعقوب اختلف فيه، فضعفه ابن المديني\"، وقال النسائي: \"ليس بالقوي\"، وقال أحمد: \"لا يعجبني حديثه\" وقال الدارقطني في العلل (٥/ ١١٣): \"والاضطراب فيه من موسى بن يعقوب ولا يحتج به\". وقال ابن حجر في التقريب: \"صدوق سيء الحفظ\".\nقلت: وقد وقع الاختلاف في إسناده.\n\nفرواه الترمذي (٢/ ٣٥٤/٤٨٤) وقال: \"حسن غريب\"، والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١٧٧) والبغوي في شرح السنة (٣/ ١٩٦ - ١٩٧/ ٦٨٦) والبزار (البحر الزخار ٥/ ١٩٠/١٧٨٩). لم يذكروا الواسطة بين عبد الله بن شداد وبين عبد الله بن مسعود، وقد بين هذا الاختلاف الدارقطني في العلل (٥/ ١١١ - ١١٣). وهناك اختلاف آخر في إسناده، فقد ذكر البخاري في تاريخه (٥/ ١٧٧) إسنادين آخرين: الأول: من طريق موسى عن عبد الله بن كيسان عن عتبة بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود به. الثاني: من طريق قاسم بن أبي زياد عن عبد الله بن كيسان عن سعيد بن أبي سعيد عن عتبة بن مسعود أو عبد الله بن مسعود به، ولذلك حكم عليه الدارقطني في العلل بالاضطراب.\n(٢) شرف أصحاب الحديث (٣٥).","vol":"6","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2347>موقفه من الجهمية:</span>\nكان هذا الإمام سلفيا في عقيدة الأسماء والصفات، يتبين ذلك من عقيدته التي ألفها، وقد نقل منها شيخ الإسلام في الدرء والفتاوى، وكذلك الحافظ ابن القيم والحافظ الذهبي في العلو.\nوأما التصوف فكان صوفيا حتى إنه ألف كتابه المشهور المسمى 'الحلية' وذكر فيه جملة من السلف هم بريئون مما عمل. وإليك نموذجا من عقيدته.\n- جاء في مختصر العلو: طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه: أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة لا يزول ولا يحول، لم يزل عالما بعلم بصيرا ببصر سميعا بسمع متكلما بكلام، ثم أحدث الأشياء من غير شيء وأن القرآن كلام الله وكذلك سائر كتبه المنزلة. كلامه غير مخلوق وأن القرآن في جميع الجهات مقروءا ومتلوا ومحفوظا ومسموعا ومكتوبا وملفوظا كلام الله حقيقة، لا حكاية ولا ترجمة وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق وأن الواقفة واللفظية من الجهمية وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية وأن الجهمي عندهم كافر إلى أن قال: وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه. (١)\n- وقال أبو طاهر السلفي: سمعت أبا العلاء محمد بن عبد الجبار\n_________\n(١) مختصر العلو (ص.٢٦١) ومجموع الفتاوى (٥/ ٦٠).","vol":"6","page":132},{"text":"الفرساني يقول: حضرت مجلس أبي بكر بن أبي علي الذكواني المعدل في صغري مع أبي، فلما فرغ من إملائه، قال إنسان: من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم، فليقم. وكان أبو نعيم في ذلك الوقت مهجورا بسبب المذهب، وكان بين الأشعرية والحنابلة تعصب زائد يؤدي إلى فتنة، وقيل وقال، وصداع طويل، فقام إليه أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام، وكاد الرجل يقتل. قلت -أي الذهبي-: ما هؤلاء بأصحاب الحديث، بل فجرة جهلة، أبعد الله شرهم. (١)\nقلت: وأما التصوف فيؤيد ما ذكرناه ما قاله الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس: وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب الحلية. وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة، ولم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وسادات الصحابة ﵃. فذكر عنهم فيه العجب، وذكر منهم شريحا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل. (٢)\n\nأبو عمران الفاسي (٣) (٤٣٠ هـ)\nموسى بن عيسى بن أبي حاج واسمه يحج الإمام أبو عمران الفاسي الدار البربري الفقيه المالكي نزيل القيروان ولد هو وابن عبد البر في عام واحد سنة ثمان وستين وثلاثمائة. سمع من عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر\n_________\n(١) السير (١٧/ ٤٥٩).\n(٢) التلبيس (ص.٢٠٤).\n(٣) ترتيب المدارك (٢/ ٢٨٠ - ٢٨٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٢١ - ٤٣٠/ص.٢٩٩ - ٣٠١) والسير (١٧/ ٥٤٥ - ٥٤٨).","vol":"6","page":133},{"text":"وأحمد ابن القاسم التاهرتي، وتفقه بأبي الحسن القابسي وهو أكبر تلامذته، تخرج بهذا الإمام خلق من الفقهاء والعلماء.\nكان أبو عمران من أعلم الناس وأحفظهم جمع الفقه إلى الحديث ومعرفة معانيه. وكان يقرأ القراءات ويجودها مع معرفته بالرجال والجرح والتعديل. وقال ابن بشكوال: أقرأ الناس مدة بالقيروان، ثم ترك الإقراء ودرس الفقه وروى الحديث.\nتوفي ﵀ في ثالث عشر رمضان من سنة ثلاثين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2349>موقفه من المشركين:</span>\nقال الذهبي: وحكى القاضي عياض قال: حدث في القيروان مسألة في الكفار، هل يعرفون الله تعالى أم لا؟ فوقع فيها اختلاف العلماء، ووقعت في ألسنة العامة، وكثر المراء، واقتتلوا في الأسواق إلى أن ذهبوا إلى أبي عمران الفاسي، فقال: إن أنصتم، علمتكم. قالوا: نعم. قال: لا يكلمني إلا رجل، ويسمع الباقون. فنصبوا واحدا، فقال له: أرأيت لو لقيت رجلا، فقلت له: أتعرف أبا عمران الفاسي؟ قال: نعم. فقلت له: صفه لي. قال: هو بقال في سوق كذا، ويسكن سبتة، أكان يعرفني؟ فقال: لا. فقال: لو لقيت آخر فسألته كما سألت الأول، فقال: أعرفه، يدرس العلم، ويفتي، ويسكن بغرب الشماط، أكان يعرفني؟ قال: نعم. قال: فكذلك الكافر قال: لربه صاحبة وولد، وأنه جسم، فلم يعرف الله ولا وصفه بصفته بخلاف المؤمن. فقالوا: شفيتنا. ودعوا له، ولم يخوضوا بَعْدُ في المسألة. (١)\n_________\n(١) السير (١٧/ ٥٤٦ - ٥٤٧).","vol":"6","page":134},{"text":"جعفر المُسْتَغْفِرِي (١) (٤٣٢ هـ)\nأبو العباس، جعفر بن محمد بن المعتز بن محمد بن المستغفر بن الفتح النسفي، الإمام، الحافظ، العلامة، صاحب التصانيف الكثيرة، كان مولده بعد الخمسين والثلاثمائة بيسير. حدث عن زاهر بن أحمد السرخسي، وإبراهيم بن لقمان، وأبي سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي، وخلق كثير. وحدث عنه الحسن بن عبد الملك النسفي، والحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ، وآخرون. وكان محدث ما وراء النهر في زمانه. مات بنسف سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة عن ثمانين سنة، ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2351>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في الأنساب للسمعاني: عنه قال: لا أستجيز الرواية عنه، لأنه كان داعية إلى الاعتزال -يريد شيخ المعتزلة عبد الله بن أحمد الكعبي-. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2352>موقف السلف من أبي ذر الهروي (٤٣٤ ه</span>ـ)\nدخول علم الكلام إلى بلاد المغرب والأندلس:\nقدمنا غير ما مرة أن العقيدة السلفية هي عقيدة الصدر الأول، ولا يعرفون غيرها لأنها هي المتلقاة عن صاحب الشرع. ولذا كانت البلاد التي\n_________\n(١) السير (١٧/ ٥٦٤ - ٥٦٥) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٠٢ - ١١٠٣) والوافي بالوفيات (١١/ ١٤٩ - ١٥٠) وشذرات الذهب (٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠) ومعجم المؤلفين (٣/ ١٥٠) وكشف الظنون (١/ ٢٩٦ - ٣٠٨).\n(٢) الأنساب (١/ ٤٤٤).","vol":"6","page":135},{"text":"يفتحونها أو يدخلونها ويسلم أهلها لا ينشر فيها إلا العقيدة السلفية. ولكن بعد دخول طاغوت الكلام الذي عكر الجو، وأفسده وجد له دعاة ينشرونه في البلاد التي كانت لا تعرف إلا العقيدة السلفية. وبلاد المغرب والأندلس من البلاد التي فتحها الصدر الأول ونشر فيها عقيدة السلف.\n- يقول المؤرخ الكبير الذهبي في كتاب السير في ترجمة أبي ذر الهروي: أخذ الكلام ورأي أبي الحسن عن القاضي أبي بكر بن الطيب، وبث ذلك بمكة، وحمله عنه المغاربة إلى المغرب والأندلس، وقبل ذلك كانت علماء المغرب لا يدخلون في الكلام؛ بل يتقنون الفقه أو الحديث أو العربية، ولا يخوضون في المعقولات وعلى ذلك كان الأصيلي وأبو الوليد بن الفرضي وأبو عمر الطلمنكي ومكي القيسي وأبو عمرو الداني وأبو عمر بن عبد البر والعلماء. (١)\nقلت: وهذا ما يؤكده المؤرخ المغربي الكبير؛ أبو العباس أحمد الناصري في كتاب الاستقصا وهو يتحدث عن حال أهل المغرب قال: وأما حالهم في الأصول والاعتقادات، فبعد أن طهرهم الله تعالى من نزعة الخارجية أولا والرافضية ثانيا، أقاموا على مذهب أهل السنة والجماعة مقلدين للجمهور من السلف -يعني متبعون لهم﵃ في الإيمان بالمتشابه وعدم التعرض له بالتأويل مع التنزيه عن الظاهر، وهو والله أحسن المذاهب وأسلمها ولله در القائل:\n_________\n(١) السير (١٧/ ٥٥٧).","vol":"6","page":136},{"text":"عقيدتنا أن ليس مثل صفاته ... ولا ذاته شيء، عقيدة صائب\nنسلم آيات الصفات بأسرها ... وأخبارها للظاهر المتقارب\nونؤيس عنها كنه فهم عقولنا ... وتأويلنا، فعل اللبيب المراقب\nونركب للتسليم سفنا، فإنها ... لتسليم دين المرء خير المراكب\nواستمر الحال على ذلك مدة إلى أن ظهر محمد بن تومرت مهدي الموحدين في صدر المائة السادسة فرحل إلى المشرق وأخذ عن علمائه مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ومتأخري أصحابه من الجزم بعقيدة السلف مع تأويل المتشابه من الكتاب والسنة، وتخريجه على ما عرف في كلام العرب من فنون مجازاتها وضروب بلاغتها، مما يوافق عليه النقل والشرع ويسلمه العقل والطبع ثم عاد محمد بن تومرت إلى المغرب، ودعا الناس إلى سلوك هذه الطريقة وجزم بتضليل من خالفها بل بتكفيره، وسمى أتباعه الموحدين تعريضا بأن من خالف طريقته ليس بموحد وجعل ذلك ذريعة إلى الانتزاء على ملك المغرب حسب ما تقف عليه مفصلا بعد إن شاء الله، لكنه ما أتى بطريقة الأشعري خالصة بل مزجها بشيء من الخارجية والشيعية حسبما يعلم ذلك بإمعان النظر في أقواله وأحواله وأحوال خلفائه من بعده، ومن ذلك الوقت أقبل علماء المغرب على تعاطي مذهب الأشعري وتقريره وتحريره درسا وتأليفا إلى الآن وإن كان قد ظهر بالمغرب قبل ابن تومرت فظهورا ما والله أعلم. (١)\n_________\n(١) الاستقصا (١/ ١٤٠ - ١٤١).","vol":"6","page":137},{"text":"من تصانيفه:\nقال الذهبي: ولأبي ذر الهروي مصنف في الصفات على منوال كتاب أبي بكر البيهقي بحدثنا وأخبرنا. (١)\n\nالمُهَلَّب بن أحمد بن أَسِيد (٢) (٤٣٥ هـ)\nالمهلب بن أحمد بن أبي صفرة أبو القاسم الأندلسي، سكن المرية، وصحب الأصيلي، وسمع منه، وتفقه معه، وسمع من غيره عن شيوخ الأندلس ثم رحل إلى القيروان ومصر وسمع من جماعة منهم أبو الحسن القابسي، وأبو ذر الهروي وحدث عنه القاضي بن المرابط، وأبو عمر بن الحذاء، وأبو العباس الدلائي. وكان من أهل العلم الراسخين فيه، والمتفننين في الفقه والحديث.\nقال أبو عمر بن الحذاء: كان أذهن من لقيته وأفصحهم وأفهمهم. له شرح واختصار لصحيح البخاري سماه: 'كتاب النصيح في اختصار الصحيح'.\nتوفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2354>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال الحافظ في فتح الباري: قال المهلب: هذا الباب والذي قبله -يعني باب (إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة) وباب (قول النبي - ﷺ -: «لتتبعن\n_________\n(١) السير (١٧/ ٥٥٩).\n(٢) ترتيب المدارك (٢/ ٣١٣) وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٧٩) وشذرات الذهب (٣/ ٢٥٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٣١ - ٤٤٠/ص.٤٢٢) وشجرة النور الزكية (١/ ١١٤) والديباج المذهب (٢/ ٣٤٦).","vol":"6","page":138},{"text":"سنن من كان قبلكم» (١) - في معنى التحذير من الضلال، واجتناب البدع ومحدثات الأمور في الدين، والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2355>موقف السلف من المرتضى الشريف الرافضي الخبيث (٤٣٦ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\nجاء في السير: قال ابن حزم: الإمامية كلهم على أن القرآن مبدل، وفيه زيادة ونقص سوى المرتضى، فإنه كفر من قال ذلك، وكذلك صاحباه أبو يعلى الطوسي، وأبو القاسم الرازي.\nقال الذهبي: وفي تواليفه سب أصحاب رسول الله - ﷺ - فنعوذ بالله من علم لا ينفع. (٣)\nقال ابن كثير ناقلا عن ابن الجوزي: وأعجب منها -أي من أقواله ومذاهبه العجيبة- ذم الصحابة ﵃. ثم سرد -أي ابن الجوزي- من كلامه شيئا قبيحا في تكفير عمر بن الخطاب وعثمان وعائشة وحفصة ﵃ وأخزاه الله وأمثاله من الأرجاس الأنجاس، أهل الرفض والارتكاس، إن لم يكن تاب؛ فقد روى ابن الجوزي قال: أنبأنا ابن ناصر عن أبي الحسن بن الطيوري قال سمعت أبا القاسم بن برهان يقول: دخلت\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف علي بن المديني سنة (٢٣٤هـ).\n(٢) الفتح (١٣/ ٣٠٢).\n(٣) السير (١٧/ ٥٩٠).","vol":"6","page":139},{"text":"على الشريف المرتضى وإذا هو قد حول وجهه إلى الجدار وهو يقول: أبو بكر وعمر ولِّيا فعدلا واسترحما فرحما؛ فأنا أقول: ارتدا بعدما أسلما؟ قال: فقمت عنه فما بلغت عتبة داره حتى سمعت الزعقة عليه. (١)\n\nمكي بن أبي طالب (٢) (٤٣٧ هـ)\nأبو محمد مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم القرطبي، ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. سمع من أبي محمد بن أبي زيد وأبي الحسن القابسي وأحمد بن فراس المكي وعدة، تلا عليه خلق منهم: عبد الله بن سهل ومحمد بن أحمد بن مطرف، كان من أوعية العلم مع الدين والسكينة والفهم، غلب عليه علم القرآن وكان من الراسخين فيه. وكان خيرا فاضلا، متدينا، متواضعا، مشهورا بالصلاح، أقرأ بجامع قرطبة، وعظم اسمه، وبعد صيته. قال ابن بشكوال: قلده أبو الحزم جَهْوَر خطابة قرطبة.\nتوفي ﵀ في المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2357>موقفه من القدرية:</span>\nقال الحافظ في الفتح: وقال مكي بن أبي طالب في إعراب القرآن له قالت المعتزلة (ما) في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٣) موصولة فرارا من أن\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ٥٧) وانظر المنتظم (١٥/ ٢٩٤ - ٣٠٠).\n(٢) ترتيب المدارك (٢/ ٣٠٤) ووفيات الأعيان (٥/ ٢٧٤ - ٢٧٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٣١ - ٤٤٠/ص.٤٥٢ - ٤٥٥) والسير (١٧/ ٥٩١ - ٥٩٣).\n(٣) الصافات الآية (٩٦).","vol":"6","page":140},{"text":"يقروا بعموم الخلق لله تعالى، يريدون أنه خلق الأشياء التي تنحت منها الأصنام، وأما الأعمال والحركات فإنها غير داخلة في خلق الله، وزعموا أنهم أرادوا بذلك تنزيه الله تعالى عن خلق الشر، ورد عليهم أهل السنة بأن الله تعالى خلق إبليس وهو الشر كله، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ (١) فأثبت أنه خلق الشر، وأطبق القراء حتى أهل الشذوذ على إضافة شر إلى \"ما\" إلا عمرو بن عبيد رأس الاعتزال فقرأها بتنوين شر ليصحح مذهبه، وهو محجوج بإجماع من قبله على قراءتها بالإضافة، قال: وإذا تقرر أن الله خالق كل شيء من خير وشر وجب أن تكون \"ما\" مصدرية، والمعنى خلقكم وخلق عملكم انتهى. (٢)\n\nعبد الله بن يوسف الجُوَيْنِي (٣) (٤٣٨ هـ)\nشيخ الشافعية، أبو محمد، عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه، الطائي السنبسي الجويني، والد إمام الحرمين. وجوين ناحية كبيرة من نواحي نيسابور تشتمل على قرى كثيرة. سمع وتفقه على أبي الطيب الصعلوكي وأبي بكر القفال وأبي نعيم الاسفراييني وطائفة. وروى عنه ابنه أبو المعالي، وعلي بن أحمد بن الأحزم وسهل بن إبراهيم المسجدي\n_________\n(١) الفلق الآيتان (١و٢).\n(٢) فتح الباري (١٣/ ٥٢٩).\n(٣) السير (١٧/ ٦١٧ - ٦١٨) والكامل في التاريخ (٩/ ٥٣٥) ووفيات الأعيان (٣/ ٤٧ - ٤٨) والبداية والنهاية (١٢/ ٥٩) وشذرات الذهب (٣/ ٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"6","page":141},{"text":"وغيرهم. كان فقيها مدققا محققا، نحويا مفسرا، مجتهدا في العبادة، مهيبا بين التلامذة، صاحب جد ووقار وسكينة. قال ابن شهبة في طبقاته: كان يلقب ركن الإسلام. وقال أبو عثمان الصابوني: لو كان الشيخ أبو محمد في بني إسرائيل لنقلت إلينا شمائله، وافتخروا به. توفي في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2359>موقفه من الجهمية:</span>\nهذا والد أبي المعالي عبد الملك المشهور بإمام الحرمين، وإذا أطلق الجويني انصرف إلى الابن. وكان الوالد بحرا في شتى العلوم كما بين ذلك ابن السبكي في طبقاته، وهو كغيره في وقته تربى على الأشعرية وتلقى العلوم على مشايخها، وبصيرته بنصوص القرآن والسنة والفطرة السلفية جعلته يتوقف ويشك في صحة ما يقوله مشايخ الأشاعرة من التأويل والتعطيل. ثم أخيرا هداه الله وشرح صدره لعقيدة السلف، فكتب في ذلك رسالته التي بين فيها أعظم المسائل في العقيدة السلفية وهي إثبات الفوقية والاستواء والحرف والصوت لله رب العالمين.\nوهذه الرسالة طبعت منفردة ومع مجموعة الرسائل المنيرية.\nوأما ابنه عبد الملك فسبح في بحر الأشعرية وتخبط مدة طويلة من الزمن، ثم رجع وكتب رجوعه في العقيدة النظامية، ولكن إلى عقيدة التفويض. انظر الصفات الإلهية بين الخلف والسلف. (١)\nنموذج من رسالة الجويني الوالد:\n_________\n(١) (ص.٨٢ وما بعدها).","vol":"6","page":142},{"text":"وبعد أن ذكر خطبة الرسالة قال: وبعد، فهذه نصيحة كتبتها إلى إخواني في الله أهل الصدق والصفاء والإخلاص والوفاء لما تعين علي من محبتهم في الله ونصيحتهم في صفات الله ﷿، فإن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه. وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي قال: بايعت رسول الله - ﷺ - على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (١). وعن تميم الداري أن النبي - ﷺ - قال: «الدين النصيحة» ثلاثا، قال: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢). أعرفهم أيدهم الله تعالى بتأييده ووفقهم لطاعته ومزيده أنني كنت برهة من الدهر متحيرا في ثلاث مسائل: مسألة الصفات، ومسألة الفوقية، ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد، وكنت متحيرا في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها أو إمرارها والوقوف فيها أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، فأجد النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - ناطقة منبئة بحقائق هذه الصفات وكذلك في إثبات العلو والفوقية وكذلك في الحرف والصوت.\nثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستواء بالقهر والاستيلاء ويؤول النزول بنزول الأمر\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٣٦٥) والبخاري (١/ ١٨٢ - ١٨٣/ ٥٧) ومسلم (١/ ٧٥/٥٦) والترمذي (٤/ ٢٨٦/١٩٢٥) ورواه أبو داود (٥/ ٢٣٤/٤٩٤٥) والنسائي (٧/ ١٥٨ - ١٥٩/ ٤١٦٨) كلاهما بلفظ: «... على السمع والطاعة وأن أنصح لكل مسلم».\n(٢) أخرجه: أحمد (٤/ ١٠٢) ومسلم (١/ ٧٤/٥٥) وأبو داود (٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤/ ٤٩٤٤) والنسائي (٧/ ١٧٦/٤٢٠٨) عن تميم الداري. والحديث ذكره البخاري تعليقا (١/ ١٨٢). قال ابن حجر في الفتح: \"هذا الحديث أورده المصنف هنا ترجمة باب، ولم يخرجه مسندا في هذا الكتاب لكونه على غير شرطه، ونبه بإيراده على صلاحيته في الجملة\".","vol":"6","page":143},{"text":"ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم وأمثال ذلك ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائما بالذات بلا حرف ولا صوت ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.\nوممن ذهب إلى هذه الأقوال وبعضها، قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين، لأني على مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه عرفت فرائض ديني وأحكامه فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال، وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام لفضلهم وعلمهم ثم إنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها، وأجد الكدر والظلمة منها وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقرونا بها. فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره.\nوكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول مخافة الحصر والتشبيه ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني وأجد الرسول - ﷺ - قد صرح بها مخبرا عن ربه واصفا له بها، وأعلم بالاضطرار أنه - ﷺ - كان يحضر في مجلسه: الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي والجافي، ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها لا نصا ولا ظاهرا مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء مشايخي الفقهاء المتكلمين، مثل تأويلهم الاستيلاء بالاستواء ونزول الأمر للنزول وغير ذلك ولم أجد عنه - ﷺ - أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لديه من الفوقية واليدين وغيرها، ولم ينقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني","vol":"6","page":144},{"text":"أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها مثل فوقية المرئية ويد النعمة والقدرة وغير ذلك. وأجد الله ﷿ يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (١) .. ثم ذكر آيات الاستواء وأحاديثه ثم قال -فصل-: إذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلصنا من شبه التأويل وعماوة التعطيل وحماقة التشبيه والتمثيل وأثبتنا علو ربنا سبحانه وفوقيته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته والحق واضح في ذلك والصدور تنشرح له فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره، والوقوف في ذلك جهل وعي مع كون أن الرب تعالى وصف لنا نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة فمن وفقه الله تعالى للإثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف فقد وقع على الأمر المطلوب منه إن شاء الله تعالى.\nثم قال -فصل-: والذي شرح الله صدري في حال هؤلاء الشيوخ الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء، والنزول بنزول الأمر واليدين بالنعمتين والقدرتين هو علمي بأنهم ما فهموا في صفات الرب تعالى إلا ما يليق بالمخلوقين، فما فهموا عن الله استواء يليق به ولا نزولا يليق به ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف ولا تشبيه فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه وعطلوا ما وصف الله تعالى نفسه به. (٢)\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) مجموعة الرسائل المنيرية (١/ ١٧٥ - ١٨١).","vol":"6","page":145},{"text":"التعليق:\nماذا يقول علماء الأشاعرة في هذه الرسالة السلفية؟ هل اخترعت على الجويني أم هي حقيقة من تأليفه ينبغي أن يؤول ما فيها أو يرفض لأنه لا يتفق والعقيدة الأشعرية. والله إن هذا لهو الحق المبين مهما كان الأمر ومهما قيل.\nانظر رحمك الله إلى عبارات هذا الإمام في التأويل والتشبيه يستطيع شيخ الإسلام ومن سار على طريقه أن يعبر أكثر من هذا التعبير في الوصف بالعماوة والحماقة؟ فهذا تعبير لا مزيد عليه. وابن تيمية إنما يشرح كلام أمثال هؤلاء الفحول ويبينها لا غير، إذا فليرجع أئمة الأشاعرة إلى عقيدة السلف ويكفنوا عقيدة أهل اليونان ويرموها في مكان سحيق حتى لا يتأذى الناس بشرها. أو يندبون خدودهم على مثل هذه العقائد السلفية من أئمة كانوا فحولا في العقيدة الأشعرية، فنرجو الله أن يرجع بإخواننا إلى الصراط المستقيم إنه سميع مجيب.\n\nمحمد بن علي الصوري (١) (٤٤١ هـ)\nالإمام الحافظ الحجة، أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الشامي الصوري ولد سنة ست أو سبع وسبعين وثلاثمائة. سمع محمد بن أحمد بن جميع الصيداوي، ومحمد بن عبد الصمد الزرافي وعبد الغني بن سعيد المصري. وحدث عنه شيخه الحافظ عبد الغني، وأبو بكر الخطيب، والقاضي أبو عبد الله\n_________\n(١) السير (١٧/ ٦٢٧ - ٦٣١) وتاريخ بغداد (٣/ ١٠٣) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١١٤) والأنساب (٣/ ٥٦٥).","vol":"6","page":146},{"text":"الدامغاني، قال الخطيب: كان الصوري من أحرص الناس على الحديث. قال أبو الحسين بن الطيوري: كتبت عن عدة، فما رأيت فيهم أحفظ من الصوري، كان يكتب بفرد عين، وكان متفننا يعرف من كل علم، وقوله حجة، وعنه أخذ الخطيب علم الحديث. قال الذهبي: كان من أئمة السنة وله شعر رائق.\nتوفي سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2361>موقفه من المبتدعة:</span>\nروى له الخطيب أبياتا في أهل الحديث وهي:\nقل لمن عاند الحديث وأضحى ... عائبا أهله ومن يدعيه\nأبعلم تقول هذا أبن لي ... أم بجهل فالجهل خلق السفيه\nأيعاب الذين هم حفظوا الديـ ... ـن من الترهات والتمويه\nوإلى قولهم وما قد رووه ... راجع كل عالم وفقيه (١)\n\nالقزويني الحربي (٢) (٤٤٢ هـ)\nالإمام القدوة شيخ العراق أبو الحسن، علي بن عمر بن محمد البغدادي الحربي الزاهد، سمع أبا حفص بن الزيات وأبا بكر بن شاذان والقاضي أبا الحسن الجراحي وطبقتهم وأملى عدة مجالس، حدث عنه: الخطيب وابن\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (٧٧ - ٧٨).\n(٢) السير (١٧/ ٦٠٩ - ٦١٣) والعبر (١/ ٤٥٩) والبداية والنهاية (١٢/ ٦٦) والنجوم الزاهرة (٥/ ٤٩) وشذرات الذهب (٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩).","vol":"6","page":147},{"text":"خيرون وأبو الوليد الباجي وخلق.\nقال الخطيب: كتبنا عنه، وكان أحد الزهاد، ومن عباد الله الصالحين، يقرئ القرآن، ويروي الحديث، ولا يخرج من بيته إلا للصلاة.\nعليه بعض المؤاخذات فيما حكي عنه من مبالغات في بعض الكرامات كشهوده عرفة وهو ببغداد!!!\nتوفي سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2363>موقفه من المبتدعة:</span>\nمن آثاره السلفية: 'السنة' ذكره في 'الحجة في بيان المحجة'. (١)\n\nعثمان أبو عمرو الدَّانِي (٢) (٤٤٤ هـ)\nالإمام، الحافظ، عالم الأندلس، أبو عمرو، عثمان بن سعيد بن عثمان ابن سعيد بن عمر الأموي مولاهم القرطبي المقرئ، الداني، ويعرف قديما بابن الصيرفي، والداني: نسبة إلى دانية، مدينة بالأندلس.\nكان مولده سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. سمع أبا مسلم محمد بن أحمد الكاتب وأحمد بن فراس المكي وعبد الرحمن بن عثمان القشيري الزاهد وعدة. وحدث عنه وقرأ عليه عدد كثير، منهم ولده أبو العباس وخلف بن إبراهيم الطليطلي.\n_________\n(١) (ص.١٧١).\n(٢) السير (١٨/ ٧٧ - ٨٥) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٢٠ - ١١٢١) والديباج المذهب (٢/ ٨٤ - ٨٥) وشذرات الذهب (٣/ ٢٧٢) وشجرة النور الزكية (١/ ١١٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٤١ - ٤٥٠/ص.٩٧ - ١٠١).","vol":"6","page":148},{"text":"قال ابن بشكوال: كان أبو عمرو أحد الأئمة في علم القرآن، رواياته وتفسيره ومعانيه، وطرقه وإعرابه، وجمع في ذلك كله تواليف حسانا مفيدة، وله معرفة بالحديث وطرقه، وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسن الخط، جيد الضبط، من أهل الذكاء والحفظ، والتفنن في العلم، دينا فاضلا، ورعا سنيا.\nقال الذهبي: إلى أبي عمرو المنتهى في تحرير علم القراءات وعلم المصاحف، مع البراعة في علم الحديث والتفسير والنحو، وغير ذلك.\nمات سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ودفن بمقبرة دانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2365>موقفه من المبتدعة والجهمية والرافضة والخوارج والمرجئة:</span>\nكان أبو عمرو الداني من كبار العلماء في بلاد الأندلس، من الله عليه بدراسة عقيدة السلف، وبدا ذلك عليه في أرجوزته المسماة بالمنبهة فذكر في مطلعها عقيدة أصول البدع وبينها. وعلى كل حال، فأبو عمرو في هذه الأرجوزة دافع عن عقيدة السلف. وكان صاحب سنة كما قال فيه الذهبي.\nدفاعه عن العقيدة السلفية في أرجوزته المنبهة:\nالقول في عقود السنة:\nومن عقود السنة الايمان ... بكل ما جاء به القرآن\nوبالحديث المسند المروي ... عن الأئمة عن النبي\nوأن ربنا قديم لم يزل ... وهو دائم إلى غير أجل\nليس له شبه ولا نظير ... ولا شريك لا ولا وزير\nولا له ند ولا عديل ... ولا انتقال لا ولا تحويل\nولا له صاحبة ولا ولد ... بل هو فرد صمد وتر أحد","vol":"6","page":149},{"text":"كان وما كان شيء قبله ... أجل ولا شيء يكون مثله\nجل عن الوصف وكيف كانا ... سبحانه من بارئ سبحانا\nكلم موسى عنده تكليما ... ولم يزل مدبرا حكيما\nكلامه وقوله قديم ... وهو فوق عرشه العظيم\nوالقول من كتابه المفضل ... بأنه كلامه المنزل\nعلى رسوله النبي الصادق ... ليس بمخلوق ولا بخالق\nمن قال فيه انه مخلوق ... أو محدث فقوله مروق\nوالوقف فيه بدعة مضلة ... ومثل ذاك اللفظ عند الجلة\nكلا الفريقين من الجهمية ... الواقفون فيه واللفظية\nهو القرآن لا يسوغ فيه ... مقال ذي الشك وذي التمويه\nبل الذي أجمع أهل السنة ... عليه كابن حنبل ذي المحنة\nونظرائه من الأئمة ... ذوي التقى سرج هذه الأمة\nأهون بقول جهم الخسيس ... وواصل وبشر المريسي\nذي السخف والجهل وذي العناد ... ومعمر وابن أبي دؤاد\nوابن عبيد شيخ الاعتزال ... وشارع البدع والضلال\nوالجاحظ القادح في الاسلام ... وجبت هذه الأمة النظام\nوالفاسق المعروف بالجبائي ... ونجله السفيه ذي الخناء\nواللاحقي وأبي الهذيل ... مؤيد الزيغ بكل ويل\nوذي العمى ضرار المرتاب ... وشبههم من أهل الارتياب\nجميعهم قد غالط الجهالا ... وأظهر البدعة والضلال","vol":"6","page":150},{"text":"وعد ذاك شرعة ودينا ... فمنهم لله قد برينا\nوعن قريب منهم ينقم ... ومن مضى من مجهم سيندم\nوبعد فالايمان قول وعمل ... ونية عن ذاك ليس ينفصل\nهو على ثلاثة مبني ... خلاف ما يقوله المرجي\nوتارة يزيد بالتشمير ... وتارة ينتقص بالتقصير\n\nالقول في حب أصحاب النبي - ﷺ -:\nما كان من عصيان أو من طاعة ... فماله فيه من استطاعة\nبل للإله العلم والقضية ... في كل شيء وله المشيئة\nوحب أصحاب النبي فرض ... ومدحهم تزلف وقرض\nوأفضل الصحابة الصديق ... وبعده المهذب الفاروق\nوبعده عثمان ذو النورين ... وبعده علي أبو السبطين\nوبعد هؤلاء باقي العشرة ... الأتقياء المرتضين البررة\nأهل الخشوع والتقى والخوف ... طلحة والزبير وابن عوف\nثمت سعد بعدهم وعامر ... ثم سعيد بن نفيل العاشر\nوسائر الصحب فهم أبرار ... منتخبون سادة أخيار\nوربنا جللهم إنعامه ... وخصهم بالفضل والكرامه\nوالسمع والطاعة للأئمة ... مفترض على جميع الأمة\nوهم على ما جاء من قريش ... بذا أدين الله طول عيشي\nوأمراؤهم كلهم في الطاعة ... هذا الذي تقوله الجماعة\nمن مات وهو لا يرى إماما ... فقد هوى إذ فارق الاسلاما ...","vol":"6","page":151},{"text":"ومن يمت منا على العصيان ... فهو في مشيئة الرحمان\nان شاء عذب وان شاء غفر ... وليس يصلى النار إلا من كفر\nوالنار والجنة قد خلقتا ... وللخلود دائما أعدتا\nفالمومنون في النعيم سرمدا ... والجاحدون في العذاب أبدا\nوكل ما أحدثه أهل البدع ... فبدعة مضلة لا تتبع\nوالبدع الأصول فاعلم أربعة ... قول الشراة مذهب ما أفظعه\nأخسس بهم وما به قد جاءوا ... والرفض والقدر والإرجاء\nوكل فرقة فقد تفرقت ... على ثماني عشرة تمزقت\nفاستكملت صدقا بغير مين ... فرقهم سبعين واثنتين\nوهي التي في مسند الأخبار ... بأنها بجمعها في النار\nكذا رويناه عن أولينا ... فالزم هديت الواضح المبينا\n\nالقول في باقي العقود:\nومن صريح السنة الاقرار ... بكل ما صحت به الآثار\nفمن صحيح ما أتى به الأثر ... وشاع في الناس قديما وانتشر\nنزول ربنا بلا امتراء ... في كل ليلة إلى السماء\nبغير ما حد ولا تكييف ... سبحانه من قادر لطيف\nورؤية المهيمن الجبار ... وأنه نراه بالأبصار\nيوم القيامة بلا ازدحام ... وضغطة القبر على المقبور ... كرؤية البدر بلا غمام ... وفتنة المنجر والمنكر\nونحو هذا من أصول الدين ... كالجائي في الصفات واليمين","vol":"6","page":152},{"text":"وكالذي جاء من البيان ... في الحوض والصراط والميزان\nوالعرش والكرسى والحساب ... والعرض والثواب والعقاب\nوالكتب والسؤال والشفاعة ... في كل عاص تارك للطاعة\nمن الموحدين أهل القبلة ... إذ كلهم مستمسك بالملة\nفيتمتعون في الجنان ... بعد خروجهم من النيران\nكما أتى ذلك في الأنباء ... بعدا لأهل الزيغ والأهواء\nماذا يردون من الآثار ... فهم كما جاء كلاب النار\nيعطلون شرعة الاسلام ... وما لهم في الدين من إمام\nكم أحدثوا من بدعة في الدين ... وأنكروا من خبر يقين\nوحرفوا من محكم التنزيل ... واخترعوا من باطل التأويل\nوزخرفوا من كذب وزور ... واستهزءوا بالوارد المسطور\nعن النبي وعن الكرام ... أصحابه في العقد والأحكام\nقد أنكروا سخفا نزول عيسى ... وشأنه تعسا لهم وبؤسا\nوأنكروا الدجال والاشراطا ... وأسقطوا جميعها اسقاطا\nفالحمد لله الذي هدانا ... لواضح السنة واجتبانا\nفهذه عقود أهل السنة ... فالتزمنها وارجون الجنة (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2366>موقفه من القدرية:</span>\nله فصل جيد في 'الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات\n_________\n(١) أطروحة دكتوراه للشيخ الحسن وجاج (٢/ ٣٤٧ - ٣٦٦ مخطوط).","vol":"6","page":153},{"text":"وأصول الديانات' تحدث فيه عن القدر على مذهب أهل السنة فقال: ومن قولهم: إن الأقدار كلها خيرها وشرها، حلوها ومرها: قد علمها ﵎ وقدرها، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. وكذا جميع الأعمال قد علمها وكونها وأحصاها وكتبها في اللوح المحفوظ، فكلها بقضائه جارية وعلى من سعد أو شقي في بطن أمه ماضية، لا محيص لخلقه عن إرادته، ولا عمل من خير ولا شر إلا مشيئته.\nوقال عز من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ (١). ومشيئته ﵎، ومحبته، ورضاه، ورحمته وغضبه، وسخطه، وولايته، وعداوته هو أجمع راجع إلى إرادته.\nوالإرادة صفة لذاته غير مخلوقة، وهو يريد بها لكل حادث في سمائه وأرضه، مما ينفرد سبحانه بالقدرة على إيجاده.\nوما يجعله منه كسبا لعباده من خير وشر، ونفع وضر، وهوى وضلال، وطاعة، وعصيان، ولا يكون حادث إلا بإرادته، ولا يخرج مخلوق عن مشيئته. وما شاء كونه كان. وما لم يشأ لم يكن. يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لا مضل لمن هداه، ولا هادي لمن أضله، كما أخبر عن نفسه في قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ\n_________\n(١) يس الآية (١٢).\n(٢) الكهف الآية (١٧).","vol":"6","page":154},{"text":"فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ (١). وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ (٢)، وقال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٤) وقال: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥) وقال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يتكبرون فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٦) عن الإيمان بها بالخذلان المانع منه.\nوقال مخبرا عن موسى ﵇: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (٧)، وقال: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ (٨)، وقال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٩) الآية، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ\n_________\n(١) الزمر الآيتان (٣٦و٣٧).\n(٢) النحل الآية (٣٧).\n(٣) المدثر الآية (٣١).\n(٤) إبراهيم الآية (٢٧).\n(٥) الأنعام الآية (٣٩).\n(٦) الأعراف الآية (١٤٦).\n(٧) الأعراف الآية (١٥٥).\n(٨) الفتح الآية (١١).\n(٩) المائدة الآية (٤١).","vol":"6","page":155},{"text":"يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (١) الآية. وقال مخبرا عن نوح ﵇: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ (٢) أي: يضلكم. وقال: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ في آي كثيرة. فهو ﷻ موفق أهل محبته وولايته لطاعته، وخاذل أهل معصيته، وذلك كله عدل من تدبيره وكلمته.\nوكذا ما يبتليهم به ويقضيه عليهم من خير وشر، ونفع وضر، وغنى وفقر، وألم ولذة، وسقم وصحة، وضلال وهداية، هو عدل منه في جميعهم: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٣) ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (٦) وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٧) الآية.\nوقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ (٨) الآية. فجعل ﵎\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢٥).\n(٢) هود الآية (٣٤).\n(٣) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٤) الأنعام الآية (١٤٩).\n(٥) يونس الآية (٩٩).\n(٦) الأنعام الآية (٣٥).\n(٧) السجدة الآية (١٣).\n(٨) يونس الآية (٢٥).","vol":"6","page":156},{"text":"الدعاء عموما، والهداية خصوصا. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (١) أي: للحال اليسرى، وهي العمل بالطاعة. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٢) أي: للحال العسرى، وهي العمل بالمعصية. وقال - ﷺ -: «كل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة» ثم تلا الآيتين. (٣)\nفالمؤمنون بالتوفيق آثروا الإيمان، وأقدرهم الله عزوجل عليه، وعلى ترك الكفر. والكافرون بالخذلان آثروا الكفر وأقدرهم الله تعالى عليه وعلى ترك الإيمان. ومعنى قوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (٤) إن قوما من ثمود آمنوا ثم ارتدوا فاستحبوا العمى على الهدى، أي: اختاروا الكفر على الإيمان.\nومعنى قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥) الخصوص يريد بعضهم وهم الذين علم أنهم يعبدونه، لأنه قال في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ\n_________\n(١) الليل الآيات (٥ - ٧).\n(٢) الليل الآيات (٨ - ١٠).\n(٣) سيأتي تخريجه في مواقف عبد الرحمن بن ناصر السعدي سنة (١٣٧٦هـ).\n(٤) فصلت الآية (١٧).\n(٥) الذاريات الآية (٥٦).","vol":"6","page":157},{"text":"ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (١) ومن ذرأه لجنهم لم يخلقه لعبادته.\nوقال مجاهد: معنى ﴿ليعبدون﴾ ليعرفون. أي: ليعرفوا أن لهم خالقا ورازقا، وقوله عزوجل: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ (٢) الحسنة هاهنا: الخصب والغنيمة، والسيئة: الجدب والنكبة، لأنهم كانوا يتشاءمون بالأنبياء ﵈ كما أخبر بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ يعني الرخاء والعافية ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: بحق أصابتنا ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني بلاء وشدة ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ فقال الله تعالى رادا عليهم متعجبا من قولهم: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٣) ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ أي: يقولون: ما أصابك ﴿مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٤)، وإضمار القول في القرآن والكلام كثير. قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٧٩).\n(٢) النساء الآية (٧٨).\n(٣) الأعراف الآية (١٣١).\n(٤) النساء الآية (٧٩).","vol":"6","page":158},{"text":"كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١) أي: يقولون: سلام عليكم. ومثله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ (٢) أي: يقولون: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ (٣) أي: يقولون: أخرجوا. ومثله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ (٤) أي: يقولون: ما نعبدهم، فكذلك ما تقدم سواء. (٥)\n\nعبيد الله أبو نصر السِّجْزِي (٦) (٤٤٤ هـ)\nالإمام العالم، شيخ السنة، أبو نصر، عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي البكري، نزيل مصر. سمع من أبي عبد الله الحاكم وأبي أحمد الفرضي وطبقتهما. وحدث عنه أبو إسحاق الحبال وسهل بن بشر الإسفراييني وخلق. كان متقنا مكثرا بصيرا بالحديث والسنة، واسع الرحلة. قال محمد بن طاهر: سألت الحافظ أبا إسحاق الحبال عن أبي نصر السجزي، وأبي عبد الله\n_________\n(١) الرعد الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٢) آل عمران الآية (١٩١).\n(٣) الأنعام الآية (٩٣).\n(٤) الزمر الآية (٣).\n(٥) الرسالة الوافية (ص.٦٣ - ٦٨).\n(٦) السير (١٧/ ٦٥٤ - ٦٥٧) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١١٨ - ١١٢٠) والعقد الثمين (٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨) وشذرات الذهب (٣/ ٢٧١ - ٢٧٢).","vol":"6","page":159},{"text":"الصوري، أيهما أحفظ؟ فقال: كان السجزي أحفظ من خمسين مثل الصوري. صنف 'الإبانة الكبرى' في أن القرآن غير مخلوق، وهو مجلد كبير دال على سعة علم الرجل بفن الأثر. توفي أبو نصر بمكة، في المحرم سنة أربع وأربعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2368>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'الإبانة في مسألة القرآن'، ذكره شيخ الإسلام في كثير من كتبه ونقل منه.\n٢ - 'الرد على من أنكر الحرف والصوت'، حقق رسالة علمية في مرحلة الماجستير قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بتحقيق الأخ الفاضل محمد باكريم الزهراني.\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وقال السجزي في 'الإبانة' وأئمتنا كالثوري، ومالك، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن المبارك، والفضيل، وأحمد وإسحاق: متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأنه يغضب، ويرضى ويتكلم بما شاء. فمن خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء، وهم منه برءاء. (١)\n- وقال شيخ الإسلام أيضا في الدرء: وقال الحافظ أبو نصر السجزي في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد في الواجب من القول في\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٢).","vol":"6","page":160},{"text":"القرآن: اعلموا -أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والأشعري وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم، بل أخس حالا منهم في الباطن، من أن الكلام لا يكون إلا حرفا وصوتا ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت به اللغات، وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة وأصوات مقطعة، وقالت -يعني علماء العربية-: الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل زيد وعمرو، والفعل مثل جاء وذهب، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد، وما شاكل ذلك، فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفا وصوتا، فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعما منهم أنها أخبار آحاد وهي لا توجب علما، وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله تعالى، لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون، وحكم الصفة الذاتية حكم الذات. قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له، أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما نقول: (خلق الله، وعبد الله، وفعل الله). قال: فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا","vol":"6","page":161},{"text":"الإلزام، لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها، وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل.\nفالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة: المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما سمي ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام معنى قائم بذات المتكلم، فمنهم من اقتصر على هذا القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد، فزاد فيه \"تنافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه من الكلام\" ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم، وإثبات اللغة فيه تشبيه، وتعلقوا بشبه، منها قول الأخطل:\nإن البيان من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا\n\nفغيروه، وقالوا: \"إن الكلام من الفؤاد\" وزعموا أن لهم حجة على مقالتهم في قول الله تعالى: ﴿ويقولون فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ (١) وفي قول الله ﷿: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ (٢).\nواحتجوا بقول العرب: \"أرى في نفسك كلاما، وفي وجهك كلاما\" فألجأهم الضيق مما دخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم\n_________\n(١) المجادلة الآية (٨).\n(٢) يوسف الآية (٧٧).","vol":"6","page":162},{"text":"متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام.\nوهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه، ومن علم منه خرق إجماع الكافة ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر، بل يجانب ويُقمع. (١)\n- وفيه أيضا: قال أبو نصر: خاطبني بعض الأشعرية يوما في هذا الفصل، وقال: التجزؤ على القديم غير جائز، فقلت له: أتقر بأن الله أسمع موسى كلامه على الحقيقة بلا ترجمان؟ فقال: نعم -وهم يطلقون ذلك، ويموهون على من لم يخبر مذهبهم- وحقيقة سماع كلام الله من ذاته، على أصل الأشعري، محال، لأن سماع الخلق -على ما جبلوا عليه من البنية، وأجروا عليه من العادة- لا يكون ألبتة إلا لما هو صوت أو في معنى الصوت، وإذا لم يكن كذلك كان الواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم، وهما يقومان في وقت مقام السماع، لحصول العلم بهما كما يحصل بالسماع، وربما سمي ذلك سماعا على التجوز لقربه من معناه، فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري. قال: فقلت لمخاطبي الأشعري: قد علمنا جميعا أن حقيقة السماع لكلام الله منه على أصلكم محال، وليس ههنا من تتقيه وتخشى تشنيعه، وإنما مذهبك أن الله يفهم من شاء كلامه بلطيفة منه، حتى يصير عالما متيقنا بأن الذي فهمه كلام الله، والذي أريد أن ألزمك وارد على الفهم وروده على السماع، فدع التمويه،\n_________\n(١) درء التعارض (٢/ ٨٣ - ٨٦).","vol":"6","page":163},{"text":"ودع المصانعة. ما تقول في موسى ﵇ حيث كلمه الله. أفهم كلام الله مطلقا أم مقيدا؟ فتلكأ قليلا، ثم قال: ما تريد بهذا؟ فقلت: دع إرادتي وأجب بما عندك، فأبى وقال: ما تريد بهذا؟ فقلت: أريد أنك إن قلت: إنه ﵇ فهم كلام الله مطلقا اقتضى أن لا يكون لله كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه موسى، وهذا يؤول إلى الكفر، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (١)\nولو جاز ذلك لصار من فهم كلام الله عالما بالغيب وبما في نفس الله تعالى، وقد نفى الله تعالى ذلك بما أخبر به عن عيسى ﵇ أنه يقول: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ (٢) وإذا لم يجز إطلاقه، وألجئت إلى أن تقول: \"أفهمه الله ما شاء من كلامه\" دخلت في التبعيض الذي هربت منه، وكفرت من قال به، ويكون مخالفك أسعد منك، لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل الله ﷿ ومن قبل رسول الله - ﷺ - وأنت أبيت أن تقبل ذلك، وادعيت أن الواجب، المصير إلى حكم العقل في هذا الباب، وقد ردك العقل إلى موافقة النص خاسئا. فقال: هذا يحتاج إلى تأمل، وقطع الكلام. (٣)\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٥٥) ..\n(٢) المائدة الآية (١١٦).\n(٣) درء التعارض (٢/ ٩٠ - ٩٢).","vol":"6","page":164},{"text":"الحسن الأهوازي (١) (٤٤٦ هـ)\nالشيخ أبو علي، الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد بن هرمز، مقرئ الشام، ولد سنة اثنتين وستين وثلاث مئة.\nسكن دمشق، وقرأ القرآن بروايات كثيرة، وصنف كتبا في القراءات.\nقال الكتاني: كان حسن التصنيف في القراءات مكثرا من الحديث وفي إسناده القراءات غرائب، كان يذكر أنه أخذها رواية وتلاوة، وإن شيوخها أخذوها كذلك وقال: انتهت إليه الرياسة في القراءات ما رأيت منه إلا خيرا.\nقال ابن الجزري: وانتصب للكلام في الإمام أبي الحسن الأشعري فبالغ الأشعرية في الحطِّ عليه مع أنه إمام جليل القدر، أستاذ في الفن، ولكنه لا يخلو من أغاليط وسهو وكثرة الشره أوقع الناس في الكلام فيه، ولكنه ذكر الحافظ أبو طاهر السلفي في معجمه قال: سمعت أبا البركات الخدير بن الحسن الحازمي صاحبنا بدمشق يقول: سمعت الشريف النسيب علي بن إبراهيم العلوي يقول: أبو علي الأهوازي ثقة ثقة.\nوقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ولقد تلقى الناس رواياته بالقبول، وكان يقرئ بدمشق من بعد سنة أربعمائة وذلك في حياة بعض شيوخه.\nتوفي أبو علي في رابع ذي الحجة سنة ست وأربعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2370>موقفه من الجهمية:</span>\n- هذا الرجل اشتهر بحملته على الأشعري والأشعرية، وألف تأليفا في\n_________\n(١) السير (١٨/ ١٣) وميزان الاعتدال (١/ ٥١٢ - ٥١٣) ولسان الميزان (٢/ ٢٣٧ - ٢٤٠) وشذرات الذهب (٣/ ٢٧٤). غاية النهاية (١/ ٢٢٠ - ٢٢٢).","vol":"6","page":165},{"text":"ثلبه وله كتاب في الصفات قال الذهبي عنه: لو لم يجمعه لكان خيرا له. (١)\n- وله شرح البيان في عقود أهل الإيمان - قال ابن عساكر أودعه أحاديث منكرة. (٢)\nالتعليق:\nأخاف أن يكون التحامل على الحسن الأهوازي من قبل الأشاعرة لأنه كما قدمنا كان كثير الحط على الأشعري. فيدخل عليه في كتبه ما ليس منها وينسب إليه، كما فعل ابن الجويني لما ذكر كتاب الآجري وصفه بأوصاف لا علاقة لها بالكتاب ولا وجود لها.\n\nحكم بن محمد بن حكم بن إِفْرانك (٣) (٤٤٧ هـ)\nحكم بن محمد بن حكم بن إفرانك، أبو العاص الجذامي القرطبي. حدث عن أبي بكر بن المهندس، وإبراهيم بن علي التمار، وعبد المنعم بن غلبون. وروى عنه أبو زوان الطنبي، وأبو علي الغساني. قال عنه الغساني: كان رجلا صالحا ثقة مسندا، صلبا في السنة، مشددا على أهل البدع، عفيفا ورعا. توفي ﵀ في ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2372>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: قال الغساني: كان رجلا صالحا، ثقة مسندا، صلبا في\n_________\n(١) الميزان (١/ ٥١٢).\n(٢) تاريخ دمشق (١٣/ ١٤٥).\n(٣) السير (١٧/ ٦٥٩ - ٦٦٠) وشذرات الذهب (٣/ ٢٨٧).","vol":"6","page":166},{"text":"السنة، مشددا على أهل البدع. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2373>موقف السلف من القادسي الرافضي (٤٤٧ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\nقال أبو بكر الخطيب: حضرته يوم الجمعة بعد الإملاء، وطالبته بأن يريني أصوله، فدفع إلي عن ابن شاذان وغيره أصولا كان سماعه فيها صحيحًا، ولم يدفع إلي عن ابن مالك شيئا، فقلت له: أرني أصلك عن ابن مالك. فقال: أنا لا يشك في سماعي من ابن مالك، أسمعني منه خالي هبة الله ابن سلامة المفسر 'المسند' كله. فقلت له: لا تروين هاهنا شيئا إلا بعد أن تحضر أصولك وتوقف عليها أصحاب الحديث، فانقطع عن حضور الجامع بعد هذا القول، ومضى إلى مسجد براثا فأملى فيه، وكانت الرافضة تجتمع هناك، وقال لهم: قد منعني النواصب أن أروي في جامع المنصور فضائل أهل البيت. ثم جلس في مسجد الشرقية واجتمعت إليه الرافضة ولهم إذ ذاك قوة، وكلمتهم ظاهرة، فأملى عليهم العجائب من الأحاديث الموضوعة في الطعن على السلف. (٢)\n_________\n(١) السير (١٧/ ٦٦٠).\n(٢) تاريخ بغداد (٨/ ١٧) وانظر السير (١٨/ ١١ - ١٢).","vol":"6","page":167},{"text":"أبو عثمان الصابوني (١) (٤٤٩ هـ)\nشيخ الإسلام، إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الواعظ، المفسر، المصنف، أحد الأعلام. ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. حدث عن أبي طاهر بن خزيمة، والحاكم أبي عبد الله الحافظ وأبي علي السرخسي وأبي عبد الرحمن السلمي، وخلق سواهم. وروى عنه عبد العزيز الكتاني والبيهقي، وأبو القاسم بن أبي العلاء وغيرهم. قدم دمشق حاجا سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وحدث بها وذكر. قال أبو بكر البيهقي: أخبرنا إمام المسلمين حقا وشيخ الإسلام صدقا أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني بحكاية ذكرها. وقال عبد الغافر الفارسي: رزق العز والجاه في الدين والدنيا، وكان جمالا للبلد، زينا للمحافل والمجالس، مقبولا عند الموافق والمخالف، مجمعا على أنه عديم النظير، وسيف السنة، ودامغ أهل البدعة. وقال أيضا: قرأت في كتاب كتبه زين الإسلام من طوس في التعزية لشيخ الإسلام: أليس لم يجسر مفتر أن يكذب على رسول الله - ﷺ - في وقته؟ أليست السنة كانت بمكانه منصورة، والبدعة لفرط حشمته مقهورة؟ أليس كان داعيا إلى الله، هاديا عباد الله، شابا لا صبوة له، كهلا لا كبوة له، شيخا لا هفوة له؟ يا أصحاب المحابر، وطئوا رحالكم، قد غيب من كان عليه إلمامكم، ويا أرباب المنابر، أعظم الله أجوركم، فقد مضى سيدكم وإمامكم. وقال الكتاني: ما رأيت\n_________\n(١) شذرات الذهب (٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣) والسير (١٨/ ٤٠ - ٤٤) والأنساب (٣/ ٥٠٦) والكامل في التاريخ (٩/ ٦٣٨) والوافي بالوفيات (٩/ ١٤٣ - ١٤٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٨١ - ٨٢) وطبقات الشافعية للسبكي (٣/ ١١٧) وغاية النهاية (١/ ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"6","page":168},{"text":"شيخا في معنى أبي عثمان زهدا وعلما، كان يحفظ من كل فن لا يقعد به شيء، وكان يحفظ التفسير من كتب كثيرة، وكان من حفاظ الحديث. توفي ﵀ سنة تسع وأربعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2375>موقفه من المبتدعة:</span>\nآثاره السلفية: مصنف 'عقيدة السلف وأصحاب الحديث'.\n\"ما رآه منصف إلا اعترف له\" قاله في السير (١) وقد طبع منفردا ومع الرسائل المنيرية. وقد ذكره شيخ الإسلام في كتبه. انظر الدرء. (٢)\nومما جاء فيه مما يبين نصره للسنة وأهلها:\n- قال ﵀ عن السلف وأصحاب الحديث: ويتحابون في الدين ويتباغضون فيه، ويتقون الجدال في الله والخصومات فيه، ويجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات، ويقتدون بالنبي - ﷺ -، وبأصحابه الذين هم كالنجوم بأيهم اقتدوا اهتدوا، كما كان رسول الله - ﷺ - يقوله فيهم (٣)، ويقتدون بالسلف الصالحين، من أئمة الدين وعلماء المسلمين، ويتمسكون بما كانوا به متمسكين، من الدين المتين والحق المبين.\nويبغضون أهل البدع، الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم،\n_________\n(١) (١٨/ ٤٣).\n(٢) (٢/ ٢٦).\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في جامعه (٢/ ٩٢٥/١٧٦٠) وابن حزم في الأحكام (٦/ ٨٢) من طريق سلام بن سليم قال: حدثنا الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا به، وقال ابن عبد البر: \"هذا اسناد لا تقوم به حجة لأن الحارث بن غصين مجهول\". وقال ابن حبان: \"سلام بن سليم يروى الموضوعات كأنه المتعمد لها\". وقال ابن حزم: \"يروي الموضوعات، وهذا منها بلا شك\" وروي نحوه عن ابن عباس وعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله انظرها في الضعيفة (١/رقم ٥٨ - ٦١).","vol":"6","page":169},{"text":"ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم، التي إذا مرت بالآذان، وقرت في القلوب ضرت، وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت، وفيه أنزل الله عزوجل قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١).\nوعلامات البدع على أهلها ظاهرة بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي - ﷺ -، واحتقارهم لهم، وتسميتهم إياهم حشوية، وجهلة، وظاهرية، ومشبهة. اعتقادا منهم في أخبار رسول الله - ﷺ - أنها بمعزل عن العلم، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم، من نتائج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير العاطلة، وحججهم بل شبههم الداحضة الباطلة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ (٢)، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ (٣).اهـ (٤)\n- وقال أيضا: وإحدى علامات أهل السنة: حبهم لأئمة السنة وعلمائها، وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأئمة البدع، الذين يدعون إلى\n_________\n(١) الأنعام الآية (٦٨).\n(٢) محمد الآية (٢٣).\n(٣) الحج الآية (١٨).\n(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص.٢٩٨ - ٢٩٩).","vol":"6","page":170},{"text":"النار، ويدلون أصحابهم على دار البوار.\nوقد زين الله سبحانه قلوب أهل السنة، ونورها بحب علماء السنة، فضلا منه ﷻ ومنة.\nأخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، أسكنه الله وإيانا الجنة، ثنا محمد بن إبراهيم بن الفضل المزكى، ثنا أحمد بن سلمة، قرأ علينا أبو رجاء قتيبة بن سعيد كتاب 'الإيمان' له، فكان في آخره: فإذا رأيت الرجل يحب سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وشعبة، وابن المبارك، وأبا الأحوص، وشريكا، ووكيعا، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، فاعلم أنه صاحب سنة. قال أحمد بن سلمة ﵀: فألحقت بخطي تحته: ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، فلما انتهى إلى هذا الموضع نظر إلينا أهل نيسابور وقال: هؤلاء القوم يتعصبون ليحيى بن يحيى، فقلنا له: يا أبا رجاء ما يحيى بن يحيى؟ قال: رجل صالح إمام المسلمين، وإسحاق بن إبراهيم إمام، وأحمد بن حنبل أكبر ممن سميتهم كلهم.\nوأنا ألحقت بهؤلاء الذين ذكرهم قتيبة ﵀، أن من أحبهم فهو صاحب سنة، من أئمة أهل الحديث الذين بهم يقتدون، وبهديهم يهتدون، ومن جملتهم ومتبعيهم وشيعتهم أنفسهم يعدون، وفي اتباعهم آثارهم يجدون، جماعة آخرين: منهم: محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، الإمام المقدم، والسيد المعظم، العظيم المنة على أهل الإسلام والسنة، الموفق الملقن الملهم المسدد، الذي عمل في دين الله وسنة رسوله - ﷺ - من النصر لهما والذب عنهما- ما لم يعمله أحد من علماء عصره، ومن بعدهم.","vol":"6","page":171},{"text":"ومنهم الذين كانوا قبل الشافعي ﵀: كسعيد بن جبير، والزهري، والشعبي، ... والتيمي.\nومن بعدهم: كالليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وسفيان بن عيينة الهلالي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وأيوب، وابن عون، ونظرائهم.\nومن بعدهم: مثل يزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وجرير بن عبد الحميد.\nومن بعدهم: مثل محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، وأبي داود السجستاني، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم، وابنه، ومحمد بن مسلم بن وارة، ومحمد بن أسلم الطوسي، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة -الذي كان يدعى إمام الأئمة، ولعمري كان إمام الأئمة في عصره ووقته-، وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل البستي وجدَّيَّ منْ قِبَلِ أَبَوَيَّ: أبي سعيد يحيى بن منصور الزاهد الهروي، وعدي بن حمدويه الصابوني، وولديه سيفي السنة أبي عبد الله الصابوني، وأبي عبد الرحمن الصابوني. وغيرهم من أئمة السنة، الذين كانوا متمسكين بها، ناصرين لها، داعين إليها، دالين عليها.\nوهذه الجمل التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم، لم يخالف فيها بعضهم، بل أجمعوا عليها كلها، واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع، وإذلالهم وإخزائهم، وإبعادهم وإقصائهم، والتباعد منهم، ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم، والتقرب إلى الله عزوجل بمجانبتهم ومهاجرتهم.\nوأنا -بفضل الله عزوجل- متبع لآثارهم، مستضيء بأنوارهم، ناصح","vol":"6","page":172},{"text":"إخواني وأصحابي ألا يزيغوا عن منارهم، ولا يتبعوا غير أقوالهم، ولا يشتغلوا بهذه المحدثات من البدع، التي اشتهرت فيما بين المسلمين، وظهرت وانتشرت، ولو جرت واحدة منها على لسان واحد في عصر أولئك الأئمة لهجروه، وبدعوه، ولكذبوه، وأصابوه بكل سوء ومكروه.\nولا يغرن إخواني -حفظهم الله- كثرة أهل البدع، ووفور عددهم، فإن ذلك من أمارات اقتراب الساعة، إذ الرسول المصطفى - ﷺ - قال: «إن من علامات الساعة واقترابها أن يقل العلم ويكثر الجهل» (١) والعلم هو السنة والجهل هو البدعة.\nومن تمسك اليوم بسنة رسول الله - ﷺ - وعمل بها واستقام عليها، ودعا بالسنة إليها، كان أجره أوفر وأكثر من أجر من جرى على هذه الجملة، في أوائل الإسلام والملة، إذ الرسول المصطفى - ﷺ - قال: «له أجر خمسين» فقيل: خمسين منهم؟ قال: «بل منكم» (٢). وإنما قال - ﷺ - ذلك لمن يعمل بسنته عند فساد أمته. اهـ (٣)\nومن أقواله ﵀: ما ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2376>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في عقيدة السلف له أنه قال: ويشهدون ويعتقدون أن أفضل\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٢١٣ - ٢١٤) والبخاري (١/ ٢٣٥/٨٠) ومسلم (٤/ ٢٠٥٦/٢٦٧١) والترمذي (٤/ ٤٢٦/٢٢٠٥) وابن ماجه (٢/ ١٣٤٣/٤٠٤٥) من حديث أنس.\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف علي بن المديني سنة (٢٣٤هـ).\n(٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص.٣٠٧ - ٣١٨).\n(٤) الاقتضاء (٢/ ٦١٢).","vol":"6","page":173},{"text":"أصحاب رسول الله - ﷺ - أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأنهم الخلفاء الراشدون، الذين ذكر رسول الله - ﷺ - خلافتهم بقوله -فيما رواه سعيد بن جمهان عن سفينة-: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» (١) وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض، على ما أخبر عنه الرسول - ﷺ -.\nويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله - ﷺ - لديننا فرضيناه لدنيانا، يعني أنه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضات بالناس أيام مرضه -وهي الدين- فرضيناه خليفة للرسول - ﷺ - علينا في أمور دنيانا.\nوقولهم: قدمك رسول الله - ﷺ - فمن ذا الذي يؤخرك وأرادوا أنه - ﷺ - قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه، فصلينا وراءك بأمره، فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك؟.\nوكان رسول الله - ﷺ - يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته، بما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا، فانتفعوا بمكانه والله، وارتفعوا به وارتفقوا، حتى قال أبو هريرة ﵁: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف لما عبد الله، ولما قيل له: مه يا أبا هريرة، قام بحجة صحة قوله فصدقوه فيه وأقروا به.\nثم خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه باستخلاف أبي بكر ﵁ إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده، وإنجاز الله سبحانه -بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه- وعده.\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف سفينة أبي عبد الرحمن (توفي بعد ٧٠هـ).","vol":"6","page":174},{"text":"ثم خلافة عثمان ﵁ بإجماع أهل الشورى، وإجماع الأصحاب كافة، ورضاهم به، حتى جعل الأمر إليه.\nثم خلافة علي ﵁، ببيعة الصحابة إياه، عرفه ورآه كل منهم ﵃ أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة، ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه.\nفكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين، الذين نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام، وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله عزوجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ (١) الآية، وفي قوله: ﴿أشداء عَلَى الْكُفَّارِ﴾ (٢).\nفمن أحبهم وتولاهم ودعا لهم، ورعى حقهم وعرف فضلهم فاز في الفائزين، ومن أبغضهم وسبهم ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض، والخوارج، لعنهم الله، فقد هلك في الهالكين. قال رسول الله - ﷺ -: «لا تسبوا أصحابي،\n_________\n(١) النور الآية (٥٥).\n(٢) الفتح الآية (٢٩).","vol":"6","page":175},{"text":"فمن سبهم فعليه لعنة الله». (١)\nوقال: «من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله» (٢). (٣)\n- وفيها عنه أيضا قال: ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله - ﷺ -، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبا لهم، ونقصا فيهم.\nويرون الترحم على جميعهم، والموالاة لكافتهم. وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه ﵅، والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2377>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ﵀: أصحاب الحديث -حفظ الله تعالى أحياءهم ورحم أمواتهم- يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول - ﷺ - بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله - ﷺ -، على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلت العدول الثقات عنه،\n_________\n(١) ابن عدي في الكامل (١/ ٣٧٧) بلفظ: \"إن الناس يكثرون وأصحابي يقلون فلا تسبوهم فمن سبهم فلعنه الله\". وفي إسناده أبو الربيع السمان أشعث بن سعيد. قال في التقريب \"متروك\". وأخرجه الخطيب في التاريخ (٣/ ١٤٩) ينحوه. وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية. كذبوه كما في التقريب. قال ابن عدي: \"ولا أعلم من روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، غير أبي الربيع السمان، ومحمد بن الفضل بن عطية، عن عمرو\".\n(٢) أحمد (٥/ ٥٤/٥٨)، الترمذي (٥/ ٦٥٣/٣٨٦٢) وقال: \"هذا حديث غريب\". وابن حبان (١٦/ ٢٤٤/٧٢٥٦). قال المناوي في فيض القدير (٢/ ٩٨): \"فيه عبد الرحمن بن زياد\"، قال الذهبي: \"لا يعرف\". وفي الميزان: \"في الحديث اضطراب\". وانظر الضعيفة (٢٩٠١).\n(٣) عقيدة السلف (٢٨٩ - ٢٩٤).\n(٤) عقيدة السلف (٢٩٤).","vol":"6","page":176},{"text":"ويثبتون له ﷻ ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ -، ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون إنه خلق آدم بيديه، كما نص سبحانه عليه في قوله -عز من قائل-: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة، الجهمية -أهلكهم الله- ولا يكيفونهما، بكيف، أو شبهها- بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة -خذلهم الله-.\nوقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف، والتشبيه، والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله ﷿: ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢).\nوكما ورد القرآن بذكر اليدين بقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣)، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٤)، ووردت الأخبار الصحاح عن رسول الله - ﷺ - بذكر اليد، كخبر محاجة موسى وآدم، وقوله له:\n_________\n(١) ص الآية (٧٥).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) ص الآية (٧٥).\n(٤) المائدة الآية (٦٤).","vol":"6","page":177},{"text":"«خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته» (١)، ومثل قوله - ﷺ -: «لا أجعل صالح ذرية من خلقته بيدي كمن قلت له: كن فكان» (٢)،\nوقوله - ﷺ -: «خلق الله الفردوس بيده» (٣) ...].\nوكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت به الأخبار الصحاح، من السمع، والبصر والعين، والوجه، والعلم، والقوة والقدرة، والعزة والعظمة، والإرادة والمشيئة، والقول والكلام، والرضى والسخط، والحب والبغض، والفرح والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله صلى الله - ﷺ -، من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر يستنكر، ويجرون على\n_________\n(١) تقدم تخريجه. انظر مواقف أمير المؤمنين هارون الرشيد سنة (١٩٣هـ).\n(٢) رواه الطبراني في الأوسط (٧/ ٩٩ - ١٠٠/ ٦١٦٩) عن عبد الله بن عمرو ﵄. وفيه طلحة بن زيد، قال الهيثمي في المجمع (١/ ٨٢): \"كذاب\". ورواه في الكبير كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٥١) والمجمع (١/ ٨٢). وفيه إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي. قال الهيثمي: \"كذاب متروك\". ورواه عثمان بن سعيد في النقض على المريسي (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧). وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف. ورواه ابن عساكر (٥٢/ ١٣٩) من حديث أنس في ترجمة محمد بن أيوب بن الحسن أبي بكر ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. ورواه من حديث الأنصاري البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٢١ - ١٢٢/ ٦٨٨) وعبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٤٦٩/١٠٦٥) والأنصاري لا يدرى هل هو صحابي أم تابعي.\n\nوبالجملة فأسانيد الحديث كلها واهية خلا إسناد عبد الله بن أحمد. والحديث ضعفه شارح الطحاوية سندا ومتنا (ص.٣٠٦).\n(٣) رواه أبو نعيم في صفة الجنة رقم (٢٣) والدارقطني في الصفات رقم (٢٨) وأبو الشيخ في العظمة (٥/ ١٥٥٥/١٠١٧) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٢٥/٦٩٢) من حديث عبد الله بن الحارث بلفظ: «غرس الفردوس بيده». قال البيهقي: \"هذا مرسل\".","vol":"6","page":178},{"text":"الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ (١).\nويشهد أهل الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله، وكتابه، ووحيه، وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم.\nوالقرآن -الذي هو كلام الله ووحيه- هو الذي نزل به جبريل على الرسول - ﷺ - قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا، كما قال ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ (٢).\nوهو الذي بلغه الرسول - ﷺ - أمته، كما أمر به في قوله تعالى: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣)، فكان الذي بلغهم -بأمر الله تعالى- كلامه ﷿، وفيه قال - ﷺ -: «أتمنعونني أن أبلغ كلام ربي». (٤)\nوهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف، كيفما تصرف بقراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تلي وفي\n_________\n(١) آل عمران الآية (٧).\n(٢) الشعراء الآيات (١٩٢ - ١٩٥).\n(٣) المائدة الآية (٦٧).\n(٤) سيأتي تخريجه. انظر مواقف يحيى بن سالم العمراني سنة (٥٥٨هـ).","vol":"6","page":179},{"text":"أي موضع قرئ وكتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم، وغيرها، كله كلام الله ﷻ غير مخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم. (١)\n- وقال: ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله سبحانه فوق سبع سمواته، على عرشه مستو، كما نطق به كتابه، في قوله ﷿ في سورة الأعراف: ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢). وقوله في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (٣). وقوله في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٤). وقوله في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ (٥). وقوله في سورة السجدة: ﴿الرحمن اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٦). وقوله في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ\n_________\n(١) عقيدة السلف (١٦٠ - ١٦٦).\n(٢) الأعراف الآية (٥٤).\n(٣) يونس الآية (٣).\n(٤) الرعد الآية (٢).\n(٥) الفرقان الآية (٥٩).\n(٦) السجدة الآية (٤).","vol":"6","page":180},{"text":"اسْتَوَى (٥)﴾ (١).\nوأخبر الله سبحانه عن فرعون اللعين أنه قال لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (٢). وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى ﵇ يذكر أن ربه في السماء، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يعني في قوله: إن في السماء إلها، وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته.\nيثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به، ويصدقون الرب ﷻ في خبره، ويطلقون ما أطلقه ﷾، من استوائه على عرشه، ويمرونه على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله، ويقولون: ﴿آمنا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ (٣)، كما أخبر الله تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون ذلك ورضي منهم فأثنى عليهم به. (٤)\n- وقال أيضا: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) غافر الآيتان (٣٦و٣٧).\n(٣) آل عمران الآية (٧).\n(٤) عقيدة السلف (١٧٥ - ١٧٦).","vol":"6","page":181},{"text":"تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله - ﷺ -، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله.\nوكذلك يثبتون ما أنزله الله -عز اسمه- في كتابه، من ذكر المجيء، والإتيان، المذكورين في قوله ﷿: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (١)، وقوله عز اسمه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- قال شيخ الإسلام: قلت: فلما صح خبر النزول عن الرسول - ﷺ - (٤) أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول، على ما قاله رسول الله - ﷺ -، ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه ولم يبحثوا عن كيفيته، إذ لا سبيل إليها بحال، وعلموا وتحققوا، واعتقدوا أن صفات الله سبحانه، لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة، والمعطلة، علوا كبيرا، ولعنهم لعنا كبيرا. (٥)\n- وقال: ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ بأبصارهم، وينظرون إليه، على ما ورد به الخبر الصحيح، عن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) البقرة الآية (٢١٠).\n(٢) الفجر الآية (٢٢).\n(٣) عقيدة السلف (١٩١ - ١٩٢).\n(٤) تقدم تخريجه ضمن مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٥) عقيدة السلف (ص.٢٣٢).","vol":"6","page":182},{"text":"في قوله: «إنكم ترون ربكم، كما ترون القمر ليلة البدر» (١). (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2378>موقفه من الخوارج:</span>\n- جاء في عقيدة السلف له قال: ويعتقد أهل السنة: أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة، صغائر وكبائر، فإنه لا يكفر بها. وإن خرج عن الدنيا، غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله عزوجل: إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة، سالما غانما، غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه، ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار. وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار. (٣)\n- وقال فيها أيضا: ويرى أصحاب الحديث الجمعة، والعيدين، وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم، برا كان، أو فاجرا. ويرون جهاد الكفرة معهم، وإن كانوا جورة فجرة. ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح. ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف. ويرون قتال الفئة الباغية، حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل. (٤)\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث أبي هريرة ضمن مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٢) عقيدة السلف (ص.٢٦٣).\n(٣) عقيدة السلف (٢٧٦).\n(٤) عقيدة السلف (٢٩٤).","vol":"6","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2379>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀ في كتابه عقيدة السلف: ومن مذهب أهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. (١)\n- وقال أيضا: فمن كانت طاعته وحسناته أكثر، فإنه أكمل إيمانا ممن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2380>موقفه من القدرية:</span>\nقال في عقيدته: ويشهد أهل السنة ويعتقدون: أن الخير والشر، والنفع والضر بقضاء الله وقدره. لا مرد لها ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله له لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله لم يقدروا. على ما ورد به خبر عبد الله بن عباس، عن النبي - ﷺ - (٣). قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٤) الآية.\nومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه أنه لا يضاف إلى الله تعالى ما يتوهم منه نقص على الانفراد فيقال: يا خالق القردة والخنازير، والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا\n_________\n(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص.٢٦٤).\n(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص.٢٧١).\n(٣) أحمد (١/ ٢٩٣) والترمذي (٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦/ ٢٥١٦) من حديث ابن عباس، وقال: \"حسن صحيح\".\n(٤) يونس الآية (١٠٧).","vol":"6","page":184},{"text":"والرب خالقه وفي ذلك ورد قول رسول الله - ﷺ - في دعاء الاستفتاح «تباركت وتعاليت، والشر ليس إليك». (١)\nومعناه والله أعلم، والشر ليس مما يضاف إليك إفرادا وقصدا، حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر، ويا مقدر الشر، وإن كان الخالق والمقدر لهما جميعا. لذلك أضاف الخضر ﵇ إرادة العيب إلى نفسه. فقال فيما أخبر الله عنه في قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (٢) ولما ذكر الخير والبر والرحمة، أضاف إرادتها إلى الله عزوجل فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣). ولذلك قال مخبرا عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ (٤) فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه وإن كان الجميع منه.\nومن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الله عزوجل مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، ولم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء أن لا يعصى ما خلق إبليس. فكفر الكافرين، وإيمان\n_________\n(١) أخرجه من حديث علي: أحمد (١/ ١٠٢،١٠٣) ومسلم (١/ ٥٣٤ - ٥٣٦/ ٧٧١) وأبو داود (١/ ٤٨١ - ٤٨٢/ ٧٦٠) والترمذي (٥/ ٤٥٣ - ٤٥٤/ ٣٤٢٢) والنسائي (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨/ ٨٩٦).\n(٢) الكهف الآية (٧٩).\n(٣) الكهف الآية (٨٢).\n(٤) الشعراء الآية (٨٠).","vol":"6","page":185},{"text":"المؤمنين، بقضائه ﷾ وقدره، وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه.\nويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية.\nقال الله عزوجل: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِن اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (١).\nويعتقد ويشهد أصحاب الحديث: أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحد بم يختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار، لأن ذلك مغيب عنهم، لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان. (٢)\n\nابن بطال علي بن خلف (٣) (٤٤٩ هـ)\nالعلامة أبو الحسن علي بن خلف بن بطال البكري، القرطبي، ثم البلنسي، ويعرف بابن اللجام، أصلهم من قرطبة وأخرجتهم الفتنة إلى بلنسية. أخذ عن أبي عمر الطلمنكي، وابن عفيف وأبي المطرف القنازعي، ويونس بن مغيث وغيرهم. روى عنه أبو داود المقرئ، وعبد الرحمن بن بشر وغيرهم. قال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة عني بالحديث العناية\n_________\n(١) الزمر الآية (٧).\n(٢) عقيدة السلف (ص.٢٨٤ - ٢٨٦).\n(٣) ترتيب المدارك (٢/ ٣٦٥) والديباج المذهب (٢/ ١٠٥ - ١٠٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٤١ - ٤٥٠/ص.٢٣٣) والسير (١٨/ ٤٧) وشذرات الذهب (٣/ ٢٨٣).","vol":"6","page":186},{"text":"التامة شرح 'الصحيح' في عدة أسفار رواه الناس عنه، واستقضي بحصن لورقة. له كتاب في 'الزهد والرقائق'. كان ﵀ من علماء المالكية الكبار. توفي في صفر سنة تسع وأربعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2382>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في الفتح نقلا من كتاب ابن بطال قال: ويؤخذ منه (يعني حديث عمر لما جعل الأمر بعده شورى) بطلان قول الرافضة وغيرهم أن النبي - ﷺ - نص على أن الإمامة في أشخاص بأعيانهم، إذ لو كان كذلك لما أطاعوا عمر في جعلها شورى، ولقال قائل منهم ما وجه التشاور في أمر كفيناه ببيان الله لنا على لسان رسوله، ففي رضا الجميع بما أمرهم به دليل على أن الذي كان عندهم من العهد في الإمامة أوصاف من وجدت فيه استحقها، وإدراكها يقع بالاجتهاد، وفيه أن الجماعة الموثوق بديانتهم إذا عقدوا عقد الخلافة لشخص بعد التشاور والاجتهاد لم يكن لغيرهم أن يحل ذلك العقد، إذ لو كان العقد لا يصح إلا باجتماع الجميع، لقال قائل لا معنى لتخصيص هؤلاء الستة، فلما لم يعترض منهم معترض بل رضوا وبايعوا، دل ذلك على صحة ما قلناه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2383>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الفتح: قال ابن بطال اختلف الناس في الاستواء المذكور هنا فقالت المعتزلة معناه الاستيلاء بالقهر والغلبة واحتجوا بقول الشاعر:\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ١٩٨).","vol":"6","page":187},{"text":"قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\nوقالت الجسمية معناه الاستقرار، وقال بعض أهل السنة معناه ارتفع، وبعضهم معناه علا، وبعضهم معناه الملك والقدرة ومنه استوت له الممالك، يقال لمن أطاعه أهل البلاد، وقيل معنى الاستواء التمام والفراغ من فعل الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ (١) فعلى هذا فمعنى استوى على العرش أتم الخلق، وخص لفظ العرش لكونه أعظم الأشياء وقيل أن \"على\" في قوله على العرش بمعنى: إلى، فالمراد على هذا انتهى إلى العرش أي فيما يتعلق بالعرش لأنه خلق الخلق شيئا بعد شيء، ثم قال ابن بطال: فأما قول المعتزلة فإنه فاسد لأنه لم يزل قاهرا غالبا مستوليا، وقوله: ﴿ثم اسْتَوَى﴾ يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، ولازم تأويلهم أنه كان مغالبا فيه فاستولى عليه بقهر من غالبه، وهذا منتف عن الله سبحانه، وأما قول المجسمة ففاسد أيضا، لأن الاستقرار من صفات الأجسام ويلزم منه الحلول والتناهي، وهو محال في حق الله تعالى، ولائق بالمخلوقات لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ (٢) وقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (٣) قال: وأما تفسير استوى: علا فهو صحيح وهو المذهب الحق، وقول أهل السنة لأن الله سبحانه\n_________\n(١) القصص الآية (١٤).\n(٢) المؤمنون الآية (٢٨).\n(٣) الزخرف الآية (١٣).","vol":"6","page":188},{"text":"وصف نفسه بالعلي، وقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ (١) وهي صفة من صفات الذات. (٢)\n- وفيه قال ابن بطال: ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة، وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثا وحالا في مكان، وأولوا قوله ﴿ناظرة﴾ بمنتظرة وهو خطأ لأنه لا يتعدى بإلى. (٣)\n- قال ابن بطال: غرضه الرد على المعتزلة في زعمهم أن أمر الله مخلوق، فتبين أن الأمر هو قوله تعالى للشيء كن فيكون بأمره له وأن أمره وقوله بمعنى واحد، وأنه يقول كن حقيقة، وأن الأمر غير الخلق لعطفه عليه بالواو. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2384>موقفه من الخوارج:</span>\nقال ابن بطال في حديث ابن عباس مرفوعا: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية» (٥): في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته\n_________\n(١) الزمر الآية (٦٧).\n(٢) الفتح (١٣/ ٤٠٥ - ٤٠٦).\n(٣) الفتح (١٣/ ٤٢٦).\n(٤) الفتح (١٣/ ٤٤٤).\n(٥) أحمد (١/ ٢٧٥،٢٩٧،٣١٠) والبخاري (١٣/ ٦/٧٠٥٤) ومسلم (٣/ ١٤٧٧/١٨٤٩).","vol":"6","page":189},{"text":"خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها. (١)\n- وقال ابن بطال في حديث أبي هريرة مرفوعا: «هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش ...» (٢): وفي هذا الحديث أيضا حجة لما تقدم من ترك القيام على السلطان ولو جار، لأنه - ﷺ - أعلم أبا هريرة بأسماء هؤلاء وأسماء آبائهم ولم يأمرهم بالخروج عليهم مع إخباره أن هلاك الأمة على أيديهم لكون الخروج أشد في الهلاك وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم، فاختار أخف المفسدتين وأيسر الأمرين. (٣)\n- وقال أيضا في حديث حذيفة «كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير ...» (٤):\nفيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم «دعاة على أبواب جهنم» ولم يقل فيهم «تعرف وتنكر» كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة. (٥)\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٧).\n(٢) أحمد (٢/ ٣٢٤) والبخاري (٦/ ٧٦٠/٣٦٠٥).\n(٣) الفتح (١٣/ ١١).\n(٤) البخاري (٦/ ٧٦٣ - ٧٦٤/ ٣٦٠٦) ومسلم (٣/ ١٤٧٥ - ١٤٧٦/ ١٨٤٧) وابن ماجه (٢/ ١٣١٧/٣٩٧٩) من طريق بسر بن عبيد الله الحضرمي قال: حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة ابن اليمان يقول: فذكره.\n\nوأخرجه: أحمد (٥/ ٣٨٦ - ٣٨٧) وأبو داود (٤/ ٤٤٧/٤٢٤٦) وابن حبان (الإحسان ١٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩/ ٥٩٦٣) من طرق عن سليمان بن المغيرة عن حميد عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكري في رهط ... فذكره.\n(٥) الفتح (١٣/ ٣٧).","vol":"6","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2385>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من كتاب الله من ذكر الزيادة في الإيمان وبيان ذلك أنه من لم تحصل له بذلك الزيادة، فإيمانه أنقص من إيمان من حصلت له.\nفإن قيل: إن الإيمان في اللغة التصديق وبذلك نطق القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ (١) أي: ما أنت بمصدق يعني: في إخبارهم عن أكل الذئب ليوسف فلا ينقص التصديق.\nقال المهلب: فالجواب في ذلك أن التصديق وإن كان يسمى إيمانًا في اللغة، فإن التصديق يكمل بالطاعات كلها، فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان من كمال إيمانه، وبهذه الجملة يزيد الإيمان وبنقصانها ينقص.\nألا ترى قول عمر بن عبد العزيز أن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان، ومتى زادت زاد الإيمان كمالًا، هذا توسط القول في الإيمان.\nوأما التصديق بالله وبرسله فلا ينقص؛ ولذلك توقف مالك في بعض الروايات عنه عن القول بالنقصان فيه، إذ لا يجوز نقصان التصديق؛ لأنه إن نقص صار شكا، وانتقل عن اسم الإيمان.\n_________\n(١) يوسف الآية (١٧).","vol":"6","page":191},{"text":"وقال بعض العلماء: إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب. وقد قال مالك بنقصان الإيمان مثل قول جماعة أهل السنة، ذكر أحمد بن خالد قال: حدثنا عبيد بن محمد بصنعاء قال: حدثنا مسلمة بن شبيب ومحمد بن يزيد قالا: سمعت عبد الرزاق يقول: سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الله بن عمر، والأوزاعي، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. ومن غير رواية عبد الرزاق وهو قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي.\nوحكى الطبري: أنه قول الحسن البصري، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك.\nفإن قيل: قد تقدم من قولكم أن الإيمان في اللغة التصديق، وأنه لا ينقص، فكيف يكون الإيمان قولا وعملا؟\nقيل: كذلك نقول: التصديق في نفسه لا ينقص إلا أنه لا يتم بغير عمل، إلا لرجل أسلم ثم مات في حين إسلامه قبل أن يدرك العمل فهذا معذور؛ لأنه لم يتوجه إليه فرض الأمر والنهي ولا لزمه. وأما من لزمه فرض الأمر والنهي فلا يتم تصديقه لقوله إلا بفعله.\nقال الطبري: ألا ترى أن من وعد عدة ثم أنجز وعده وحقق بالفعل قوله، أنه يقال: صدق فلان قوله بفعله، فالتصديق يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، والمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو","vol":"6","page":192},{"text":"إتيانه بهذه المعاني الثلاثة، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه أنه لا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من توحيد ربه أنه غير مستحق اسم مؤمن، وكذلك لو أقر بالله وبرسله ولم يعمل الفرائض لا يسمى مؤمنا بالإطلاق، وإن كان في كلام العرب قد يجوز أن يسمى بالتصديق مؤمنا فغير مستحق ذلك في حكم الله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١)، فأخبر تعالى أن المؤمن على الحقيقة من كانت هذه صفته، دون من قال ولم يعمل وضيع ما أمر به وفرط. (٢)\n- وقال أيضا: تفاضل المؤمنين في أعمالهم لا شك فيه، وأن الذي خرج من النار بما في قلبه من مقدار حبة من خردل من إيمان معلوم أنه كان ممن انتهك المحارم وارتكب الكبائر، ولم تفِ طاعته لله عند الموازنة بمعاصيه.\nومَن أطاع الله وقام بما وجب عليه وبرئ من مظالم العباد: فلا شك أن عمله أفضل من عمل الرجل المنتهك.\nوقد مثَّل ذلك ﵇ بالقمص التي كانت تبلغ الثدي، وبقميص\n_________\n(١) الأنفال الآيات (٢ - ٤).\n(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٥٦ - ٥٨).","vol":"6","page":193},{"text":"عمر الذي كان يجرُّه (١). ومعلوم أن عمل عمر في إيمانه أفضل من عمل من بلغ قميصه ثدييه.\nفإيمانه أفضل من إيمانه بما زاد عليه من العمل. وتأويله ﵇ ذلك بالدين يدل أن الإيمان الواقع على العمل يُسمى دينًا، كالإيمان الواقع على القول.\nوهذا يرد قول أهل البدع الذين يزعمون أن إيمان المذنبين كإيمان جبريل، وأنه لا تفاضل في الإيمان، وقولهم غلط لا يخفى؛ لأن الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وسائر الخلق يملُّون ويفترون.\nفكيف يبلغ أحد منهم منزلتهم في العمل. وفي كتاب الله حجة لتفاضل المؤمنين في الإيمان؛ وذلك أن إبراهيم سأل ربه تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى، فطلب المعاينة التي هي أعلى منازل العلم التي تسكن النفوس إليها، وتقع الطمأنينة بها، ولا يجوز أن نظن بإبراهيم خليل الله ونبيه أنه حين سأل المعاينة لم يكن مؤمنًا، أو أنه اعترضه شك في إيمانه.\nوالدليل على صحة هذا قوله لربه حين قال له: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٢)، فأوجب لنفسه الإيمان قبل أن يعاين ما طلب معاينته، وعَذَرَه الله تعالى في طلب ذلك؛ لأن المعاينة أشفى ويهجم على النفوس منها ما لا يهجم من الخبر.\nألا ترى أن موسى حين كلمه ربه لم يشك أن الله هو المتكلم له،\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٨٦) والبخاري (١/ ١٠٠/٢٣) ومسلم (٤/ ١٨٥٩/٢٣٩٠) والترمذي (٤/ ٤٦٧ - ٤٦٨/ ٢٢٦٨) والنسائي (٨/ ٤٦٧/٥٠٢٦) كلهم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٢) البقرة الآية (٢٦٠).","vol":"6","page":194},{"text":"ولكن طلب ما هو أرفع من ذلك وهي المعاينة، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (١)، فأعلمه ربه أنه لا يجوز أن تقع عليه حاسة البصر، وأنه لا تدركه الأبصار بما أراه الله من الآيات في الجبل الذي صار دكا بتجليه له تعالى.\nومما يشبه هذا المعنى أن الله تعالى أخبر موسى عن بني إسرائيل بعبادة العجل، فلم يشك في صدق خبره، فلما رجع إلى قومه وعاين حالهم حدث في نفسه من الإنكار والتغيير ما لم يحدث بالخبر، فألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه.\nوقد نبّه ﵇ على ذلك فقال: «ليس الخبر كالمعاينة» (٢). (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2386>موقف السلف من أبي العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان (٤٤٩ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\n- قال عنه ابن عقيل: من العجائب أن المعري أظهر ما أظهر من الكفر البارد الذي لا يبلغ منه مبلغ شبهات الملحدين، بل قصر فيه كل التقصير، وسقط من عيون الكل، ثم اعتذر بأن لقوله باطنا، وأنه مسلم في الباطن، فلا عقل له ولا دين ... (٤)\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٤٣).\n(٢) أخرجه: أحمد (١/ ٢١٥ و٢٧١) والحاكم (٢/ ٣٢١) وصححه ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان (١٤/ ٩٦/٦٢١٣) من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) شرح البخاري لابن بطال (١/ ٧٤ - ٧٥).\n(٤) المنتظم (١٦/ ٢٣).","vol":"6","page":195},{"text":"- قال ابن الجوزي: وقد رأيت للمعري كتابا سماه 'الفصول والغايات' يعارض به السور والآيات، وهو كلام في نهاية الركة والبرودة، فسبحان من أعمى بصره وبصيرته. (١)\n- أشعاره عديدة، وأفكاره فيها ليست سديدة، فيها خبث وزندقة وإلحاد منها ما ذكره ابن كثير في البداية نقلا عن ابن الجوزي:\nإذا كان لا يحظى برزقك عاقل فلاذنب يارب السماء على امرىء ... وترزق مجنونا وترزق أحمقا\nرأى منك ما لا يشتهي فتزندقا\n\nوقوله:\nألا إن البرية في ضلال ... وقد نظر اللبيب لما اعتراها\nتقدم صاحب التوراة موسى ... وأوقع في الخسار من افتراها\nفقال رجاله وحي أتاه ... وقال الناظرون بل افتراها\nوما حجي إلى أحجار بيت ... كروس الحمرتشرف في ذراها\nإذا رجع الحليم إلى حجاه ... تهاون بالمذاهب وازدراها\n\nوقوله:\nعفت الحنيفة والنصارى اهتدت ... ويهود جارت والمجوس مضلله\nاثنان أهل الأرض ذو عقل بلا ... دين وآخر ذو دين ولا عقل له\n_________\n(١) المنتظم (١٦/ ٢٤).","vol":"6","page":196},{"text":"وقوله:\nفلا تحسب مقال الرسل حقا ... ولكن قول زور سطروه\nفكان الناس في عيش رغيد ... فجاؤوا بالمحال فكدروه\n\nوقلت أنا -أي ابن كثير- معارضة عليه:\nفلا تحسب مقال الرسل زورا ... ولكن قول حق بلغوه\nوكان الناس في جهل عظيم ... فجاؤوا بالبيان فأوضحوه\n\nوقوله:\nإن الشرائع ألقت بيننا إحنا ... وأورثتنا أفانين العداوات\nوهل أبيح نساء الروم عن عرض ... للعرب إلا بأحكام النبوات\n\nوقوله:\nوما حمدي لآدم أو بنيه ... وأشهد أن كلهم خسيس\n\nوقوله:\nأفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما ... دياناتكم مكرا من القدما\n\nوقوله:\nصرف الزمان مفرق الالفين ... فاحكم إلهي بين ذاك وبيني\nونهيت عن قتل النفوس تعمدا ... وبعثت تقبضها مع الملكين\nوزعمت أن لها معادا ثانيا ... ما كان أغناها عن الحالين","vol":"6","page":197},{"text":"وقوله:\nضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا\nتحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعود له سبك\n\nوقوله:\nأمور تستخف بها حلوم ... وما يدري الفتى لمن الثبور\nكتاب محمد وكتاب موسى ... وإنجيل ابن مريم والزبور\n\nوقوله:\nقالت معاشرلم يبعث إلهكم ... إلى البرية عيساها ولا موسى\nوإنما جعلوا الرحمن مأكلة ... وصيروا دينهم في الناس ناموسا\n\nوذكر ابن الجوزي وغيره أشياء كثيرة من شعره تدل على كفره، بل كل واحدة من هذه الأشياء تدل على كفره، وزندقته وانحلاله، ويقال إنه أوصى أن يكتب على قبره:\nهذا جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد\n\nمعناه أن أباه بتزوجه لأمه أوقعه في هذه الدار، حتى صار بسبب ذلك إلى ما إليه صار، وهو لم يجن على أحد بهذه الجناية، وهذا كله كفر وإلحاد قبحه الله. (١)\n_________\n(١) البداية (١٢/ ٧٩ - ٨١).","vol":"6","page":198},{"text":"أبو القاسم بن المسلمة (١) (٤٥٠ هـ)\nالوزير القائم بأمر الله، الصدر المعظم، أبو القاسم علي بن الحسن بن الشيخ أبي الفرج بن المسلمة. استكتبه القائم ثم استوزره وكان عزيزا عليه جدا. وكان من خيار الوزراء العادلين. ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة. وسمع من جده وابن أبي مسلم الفرضي، وإسماعيل الصرصري. حدث عنه الخطيب، وكان خصيصا به، وقال: اجتمع فيه من الآلات ما لم يجتمع في أحد قبله مع سداد مذهب ووفور عقل وأصالة رأي.\nكان من علماء الكبراء ونبلائهم. وقد مكث في الوزارة ثنتي عشرة سنة وشهرا، ثم قتله البساسيري بعدما شهره وذلك سنة خمسين وأربعمائة. وله من العمر ثنتان وخمسون سنة وخمسة أشهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2388>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في البداية والنهاية: وأمر رئيس الرؤساء -أبو القاسم- الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض، لما كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه، فقتل على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره. (٢)\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١١/ ٣٩١ - ٣٩٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٤١ - ٤٥٠/ص.٢٥٠ - ٢٥٢) والسير (١٨/ ٢١٦ - ٢١٨) والبداية والنهاية (١٢/ ٨٦).\n(٢) البداية والنهاية (١٢/ ٧٣).","vol":"6","page":199},{"text":"عبد الله بن ياسين (١) (٤٥١ هـ)\nالفقيه أبو محمد، عبد الله بن ياسين بن مكو الجزولي المصمودي، ذو الأنباء العظيمة، والقصص الغريبة، القائم بدعوة المرابطين وجامع شملهم، وصاحب الدعوة الإصلاحية فيهم، كان من طلبة العلم بالسوس \"بدار المرابطين\". قال القاضي عياض: ولقد ذكر أنه ضرب بالسوط أبا بكر بن عمر وهو إذ ذاك أمير المسلمين، لحق تعين عليه عنده، والكل له مطيع، وسيرته في أموره هناك وتقريراته معروفة، محفوظة، يتأثر عليها مشيخة المرابطين، ويحفظون في فتاويه وأجوبته ما لا يعدلون عنه. توفي سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. ودفن بموضع يعرف بكريفلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2390>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في الاستقصا: وكان أبو بكر بن عمر رجلا صالحا ورعا فجعل على مقدمته ابن عمه يوسف بن تاشفين اللمتوني، ثم سار حتى انتهى إلى بلاد السوس. فغزا جزولة من قبائلها وفتح مدينة ماسة وتارودانت قاعدة بلاد السوس وكان بها قوم من الرافضة يقال لهم: البجلية نسبة إلى علي بن عبد الله البجلي الرافضي. كان سقط إلى بلاد السوس أيام قيام عبيد الله الشيعي بإفريقية فأشاع هنالك مذهب الرافضة فتوارثوه عنه جيلا بعد جيل وعضوا عليه، فكانوا لا يرون الحق إلا ما في يدهم فقاتلهم عبد الله بن ياسين وأبو بكر بن عمر حتى فتحوا مدينة تارودانت عنوة، وقتلوا بها خلقا كثيرا،\n_________\n(١) الاستقصا (٢/ ٧ - ١٨) والأعلام للزركلي (٤/ ١٤٤) وترتيب المدارك (٢/ ٣٣٣).","vol":"6","page":200},{"text":"ورجع من بقي منهم إلى مذهب السنة والجماعة. (١)\nالتعليق:\nوهكذا الرافضة مثل الذباب لا يتركون مكانا إلا دخلوه. فجزى الله هذا القائد خيرا إذ أبادهم وأراح المسلمين من شرهم.\n\nابن حزم (٢) (٤٥٦ هـ)\nالإمام العلامة الحافظ الفقيه المجتهد أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم اليزيدي القرطبي الظاهري صاحب التصانيف كان جدهم خلف أول من دخل إلى الأندلس في صحابة عبد الرحمن الداخل. ولد بقرطبة في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. وسمع من أبي عمر بن الحسور، ويحيى بن مسعود بن وجه الجنة ويوسف بن عبد الله القاضي وابن عبد البر وغيرهم. وروى عنه أبو عبد الله الحميدي فأكثر وابنه أبو رافع الفضل وطائفة.\nكان شافعيا ثم انتقل إلى القول بالظاهر ونفي القول بالقياس وتمسك بالعموم والبراءة الأصلية، وكان صاحب فنون فيه دين وتورع وتزهد وتحر للصدق. وزر للمستظهر بالله ثم نبذ الوزارة وأقبل على العلم. له عدة مصنفات منها: 'الإيصال إلى فهم كتاب الخصال' و'الأحكام' و'المحلى' و'الفصل' وعدة.\n_________\n(١) الاستقصا (٢/ ١٤).\n(٢) وفيات الأعيان (٣/ ٣٢٥ - ٣٣٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٥١ - ٤٦٠/ص.٤٠٣ - ٤١٧) والسير (١٨/ ١٨٤ - ٢١٢) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٤٦ - ١١٥٥) والبداية والنهاية (١٢/ ٩٨) وشذرات الذهب (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠).","vol":"6","page":201},{"text":"وقال صاحب بن أحمد: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة. ومع هذا، فقد أخطأ ﵀ في غير ما مسألة في العقيدة حتى قال ابن عبد الهادي: ولكن تبين لي منه أنه جهمي جلد، لا يثبت معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل، كالخالق والحق، وسائر الأسماء عنده لا يدل على معنى أصلا كالرحيم والعليم والقدير، بل العلم عنده هو القدرة، والقدرة هي العلم، وهما عين الذات. وقال ابن كثير: وكان مع هذا من أشد الناس تأويلا في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات.\nوقال الذهبي ﵀: ولي أنا ميل إلى أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أكفره، ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين.\nقال أبو الخطاب بن دحية: كان ابن حزم قد برص من أكل اللبان وأصابه زمانة وعاش اثنتين وسبعين سنة إلا شهرا.\nتوفي ليومين بقيا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2392>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ابن حزم: والواجب إذا اختلف الناس أو نازع واحد في مسألة ما أن يرجع إلى القرآن وسنة رسول الله - ﷺ - لا إلى شيء غيرهما ولا يجوز الرجوع إلى عمل أهل المدينة ولا غيرهم.\nبرهان ذلك قول الله عزوجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ","vol":"6","page":202},{"text":"وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (١) فصح أنه لا يحل الرد عند التنازع إلى شيء غير كلام الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - وفي هذا تحريم الرجوع إلى قول أحد دون رسول الله - ﷺ - لأن من رجع إلى قول إنسان دونه ﵇ فقد خالف أمر الله تعالى بالرد إليه وإلى رسوله لا سيما مع تعليقه تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ ولم يأمر الله تعالى بالرجوع إلى قول بعض المؤمنين دون جميعهم، وقد كان الخلفاء ﵃ كأبي بكر وعمر وعثمان بالمدينة وعمالهم باليمن ومكة وسائر البلاد وعمال عمر بالبصرة والكوفة ومصر والشام.\nومن الباطل المتيقن الممتنع الذي لا يمكن أن يكونوا ﵃ طووا علم الواجب والحلال والحرام عن سائر الأمصار واختصوا به أهل المدينة فهذه صفة سوء قد أعاذهم الله تعالى منها وقد عمل ملوك بني أمية بإسقاط بعض التكبير من الصلاة وبتقديم الخطبة على الصلاة في العيدين حتى فشا ذلك في الأرض فصح أنه لا حجة في عمل أحد دون رسول الله - ﷺ -. (٢)\n- وقال ﵀: ولا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا وعلى كل أحد من الاجتهاد حسب طاقته، فمن سأل عن دينه فإنما يريد معرفة ما ألزمه الله عزوجل في هذا الدين، ففرض عليه إن كان أجهل البرية أن يسأل\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) المحلى (١/ ٥٥/٩٩).","vol":"6","page":203},{"text":"عن أعلم أهل موضعه بالدين الذي جاء به رسول الله - ﷺ -، فإذا دل عليه سأله، فإذا أفتاه قال له: هكذا قال الله عزوجل ورسوله؟ فإن قال له نعم أخذ بذلك وعمل به أبدا، وإن قال له هذا رأيي أو هذا قياس أو هذا قول فلان وذكر له صاحبا (١) أو تابعا أو فقيها قديما أو حديثا أو سكت أو انتهره أو قال له لا أدري، فلا يحل له أن يأخذ بقوله ولكنه يسأل غيره.\nبرهان ذلك قول الله عزوجل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) فلم يأمرنا عزوجل قط بطاعة بعض أولي الأمر، فمن قلد عالما أو جماعة علماء فلم يطع الله تعالى ولا رسوله - ﷺ - ولا أولي الأمر، وإذا لم يرد إلى من ذكرنا فقد خالف أمر الله عزوجل ولم يأمر الله عزوجل قط بطاعة بعض أولي الأمر دون بعض.\nفإن قيل: فإن الله عزوجل قال: ﴿فسألوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ (٤). قلنا: نعم ولم يأمر الله عزوجل أن يقبل من النافر للتفقه في الدين رأيه، ولا أن يطاع أهل الذكر في رأيهم ولا في دين يشرعونه لم يأذن به الله عزوجل وإنما أمر تعالى أن يسأل أهل الذكر عما يعلمونه في الذكر الوارد من عند الله تعالى فقط لا\n_________\n(١) هذا مذهب ابن حزم في رد قول الصحابي، والراجح أن قول الصحابي حجة ما لم يخالف. انظر إعلام الموقعين (٤/ ١١٨ فما بعدها).\n(٢) النساء الآية (٥٩).\n(٣) النحل الآية (٤٣).\n(٤) التوبة الآية (١٢٢).","vol":"6","page":204},{"text":"عمن قاله من لا سمع له ولا طاعة، وإنما أمر الله تعالى بقبول نذارة النافر للتفقه في الدين فيما تفقه فيه من دين الله تعالى الذي أتى به رسول الله - ﷺ - لا في دين لم يشرعه الله عزوجل، ومن ادعى وجود تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل وقال قولا لم يأت به قط نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل لأنه قول بلا دليل، بل البرهان قد جاء بإبطاله، قال تعالى ذاما لقوم قالوا: ﴿إنا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ (١) والاجتهاد إنما معناه بلوغ الجهد في طلب دين الله عزوجل الذي أوجبه على عباده، وبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أن المسلم لا يكون مسلما إلا حتى يقر بأن الله تعالى إلهه لا إله غيره وأن محمدا هو رسول الله - ﷺ - بهذا الدين إليه وإلى غيره، فإذ لا شك في هذا فكل سائل في الأرض عن نازلة في دينه فإنما يسأل عما حكم الله تعالى به في هذه النازلة، فإذ لا شك في هذا ففرض عليه أن يسأل إذا سمع فتيا: أهذا حكم الله وحكم رسوله - ﷺ -؟ وهذا لا يعجز عنه من يدري ما الاسلام ولو أنه كما جلب من قوقوا وبالله تعالى التوفيق. (٢)\n- وقال ﵀: والمجتهد المخطئ أفضل عند الله تعالى من المقلد المصيب، هذا في أهل الإسلام خاصة، وأما غير أهل الإسلام فلا عذر للمجتهد المستدل ولا للمقلد، وكلاهما هالك.\nبرهان هذا ما ذكرناه آنفا باسناده من قول رسول الله - ﷺ - «إذا اجتهد\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٦٧).\n(٢) المحلى (١/ ٦٦ - ٦٧/ ١٠٣).","vol":"6","page":205},{"text":"الحاكم فأخطأ فله أجر» (١) وذم الله التقليد جملة، فالمقلد عاص والمجتهد مأجور، وليس من اتبع رسول الله - ﷺ - مقلدا لأنه فعل ما أمره الله تعالى به، وإنما المقلد من اتبع من دون رسول الله - ﷺ - لأنه فعل ما لم يأمره الله تعالى به، وأما غير أهل الإسلام فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال ﵀: والحق من الأقوال في واحد منها وسائرها خطأ. وبالله تعالى التوفيق.\nقال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿ولو كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (٥) وذم الله الاختلاف فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿تبيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٨) فصح أن الحق\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥) والبخاري (١٣/ ٣٩٣/٧٣٥٢) ومسلم (٣/ ١٣٤٢/١٧١٦) وأبو داود (٤/ ٦ - ٧/ ٣٥٧٤) والترمذي (٣/ ٦١٥/١٣٢٦) وابن ماجه (٢/ ٧٧٢/٢٣١٤).\n(٢) آل عمران الآية (٨٥).\n(٣) المحلى (١/ ٦٩ - ٧٠/ ١٠٨).\n(٤) يونس الآية (٣٢).\n(٥) النساء الآية (٨٢).\n(٦) آل عمران الآية (١٠٥).\n(٧) الأنفال الآية (٤٦).\n(٨) النحل الآية (٨٩).","vol":"6","page":206},{"text":"في الأقوال ما حكم الله تعالى به فيه، وهو واحد لا يختلف، وأن الخطأ ما لم يكن من عند الله عزوجل. ومن ادعى أن الأقوال كلها حق وأن كل مجتهد مصيب فقد قال قولا لم يأت به قرآن ولا سنة ولا اجماع ولا معقول، وما كان هكذا فهو باطل، ويبطله أيضا قول رسول الله - ﷺ -: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر» فنص ﵊ أن المجتهد قد يخطئ، ومن قال: إن الناس لم يكلفوا إلا اجتهادهم فقد أخطأ، بل ما كلفوا إلا إصابة ما أمر الله به قال الله عزوجل: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (١) فافترض عزوجل اتباع ما أنزل الينا وأن لا نتبع غيره وأن لا نتعدى حدوده، وإنما أجر المجتهد المخطئ أجرا واحدا على نيته في طلب الحق فقط، ولم يأثم إذا حرم الإصابة، فلو أصاب الحق أجر أجرا آخر كما قال ﵇: «إنه إذا أصاب أجر أجرا ثانيا».\nحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد أخبرنا ابراهيم بن أحمد الفربري حدثنا البخاري حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا حيوة بن شريح حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن ابراهيم بن الحرث عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص انه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». ولا يحل الحكم بالظن أصلا لقول الله تعالى: ﴿إِنْ\n_________\n(١) الأعراف الآية (٣).","vol":"6","page":207},{"text":"يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ (١) ولقول رسول الله - ﷺ - «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (٢) وبالله تعالى التوفيق. (٣)\n- ومن شعره يصف ما أحرق له من كتبه ابن عباد قوله:\nفإن تَحْرِقوا القِرْطَاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري\nيسير معي حيث استقلت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبري\nدعوني من إحراق رَقّ وكاغد ... وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري\nوإلا فعودوا في المكاتب بدأة ... فكم دون ما تبغون لله من ستر\nكذاك النصارى يحرقون إذا علت ... أكفهم القرآن في مدن الثغر (٤)\n\n- وقال:\nأشهد الله والملائكة أني ... لا أرى الرأي والمقاييس دينا\nحاش لله أن أقول سوى ما ... جاء في النص والهدى مستبينا\nكيف يخفى على البصائر هذا ... وهو كالشمس شهرة ويقينا (٥)\n\nفقال الذهبي مجيبا له:\n_________\n(١) النجم الآية (٢٨).\n(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٤/ ٣١٢) والبخاري (٩/ ٢٤٨/٥١٤٣) ومسلم (٤/ ١٩٨٥/٢٥٦٣) وأبو داود (٥/ ٢١٦ - ٢١٧/ ٤٩١٧) والترمذي (٤/ ٣١٣/١٩٨٨).\n(٣) المحلى (١/ ٧٠ - ٧١/ ١٠٩).\n(٤) السير (١٨/ ٢٠٥).\n(٥) السير (١٨/ ٢٠٥ - ٢٠٦).","vol":"6","page":208},{"text":"لو سلمتم من العموم الذي ... نعلم قطعا تخصيصه ويقينا\nوترطبتم فكم قد يبستم ... لرأينا لكم شفوفا مبينا\n\n- وله:\nأنائم أنت عن كتب الحديث وما ... أتى عن المصطفى فيها من الدين\nكمسلم والبخاري اللذين هما ... شدا عرى الدين في نقل وتبيين\nأولى بأجر وتعظيم ومحمدة ... يا من هدى بهما اجعلني كمثلهما ... من كل قول أتى من رأي سحنون في نصر دينك محضا غير مفتون (١)\n\n- وقال:\nقالوا تحفظ فإن الناس قد كثرت ... أقوالهم وأقاويل الورى محن\nفقلت: هل عيبهم لي غير أني ... لا أقول بالرأي إذ في رأيهم فتن\nوأنني مولع بالنص لست إلى ... سواه أنحو ولا في نصره أهن\nلا أنثني لمقاييس يقال بها ... في الدين بل حسبي القرآن والسنن\nيا برد ذا القول في قلبي وفي كبدي ... ويا سروري به لو أنهم فطنوا\nدعهم يعضوا على صم الحصى كمدا ... من مات من قوله عندي له كفن (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2393>موقفه من المشركين:</span>\nمن مواقفه الجليلة رده المفحم على قصيدة الأرمني المرتد:\nقال ابن كثير: وها أنا أذكر القصيدة الأرمنية المخذولة الملعونة، وأتبعها بالفريدة الإسلامية المنصورة الميمونة قال المرتد الكافر الأرمني على لسان\n_________\n(١) السير (١٨/ ٢٠٩).\n(٢) السير (١٨/ ٢١٢).","vol":"6","page":209},{"text":"ملكه لعنهما الله وأهل ملتهم أجمعين أكتعين أبتعين أبصعين آمين يا رب العالمين. ومن خط ابن عساكر كتبتها، وقد نقلوها من كتاب صلة الصلة للفرغاني:\nمن الملك الطهر المسيحي مالك ... إلى خلف الأملاك من آل هاشم\nإلى الملك الفضل المطيع أخي العلا ... ومن يرتجى للمعضلات العظائم\nأما سمعت أذناك ما أنا صانع ... ولكن دهاك الوهن عن فعل حازم\nفإن تك عما قد تقلدت نائما ... فإني عما همني غير نائم\nثغوركم لم يبق فيها لوهنكم ... وضعفكم إلا رسوم المعالم\nفتحنا الثغور الأرمنية كلها ... بفتيان صدق كالليوث الضراغم\nونحن صلبنا الخيل تعلك لجمها ... وتبلغ منها قضمها للشكائم\nإلى كل ثغر بالجزيرة آهل ... إلى جند قنسرينكم فالعواصم\nوملطية مع سميساط وكركر ... وفي البحر أضعاف الفتوح التواخم\nوبالحدث الحمراء جالت عساكري ... وكيسوم بعد الجعفري للمعالم\nوكم قد ذللنا من أعزة أهلها ... فصاروا لنا من بين عبد وخادم\nوسد سروج إذ خربنا بجمعنا ... لنا رتبة تعلو على كل قائم\nوأهل الرها لاذوا بنا وتحزبوا وصبح رأس العين منا بطارق ... بمنديل مولى جل عن وصف آدمي ببيض غزوناها بضرب الجماجم\nودارا وميافارقين وأزرنا ... أذقناهم بالخيل طعم العلاقم\nواقريطش جازت إليها مراكبي ... على ظهر بحر مزبد متلاطم\nفحزتم أسرى وسيقت نساؤهم ... ذوات الشعور المسبلات النواعم","vol":"6","page":210},{"text":"هناك فتحنا عين زربة عنوة ... نعم وأبدنا كل طاغ وظالم\nإلى حلب حتى استبحنا حريمها ... وهدم منها سورها كل هادم\nأخذنا النسا ثم البنات نسوقهم ... وصبيانهم مثل المماليك خادم\nوقد فر عنها سيف دولة دينكم ... وناصركم منا على رغم راغم\nوملنا على طرسوس ميلة حازم ... أذقنا لمن فيها لحز الحلاقم\nفكم ذات عز حرة علوية ... منعمة الأطراف ريا المعاصم\nسبينا فسقنا خاضعات حواسرا ... بغير مهور لا ولا حكم حاكم\nوكم من قتيل قد تركنا مجندلا ... يصب دما بين اللها واللهازم\nوكم وقعة في الدرب أفنت كماتك ... وسقناهم قسرا كسوق البهائم\nوملنا على أرياحكم وحريمها ... مدوخة تحت العجاج السواهم\nفأهوت أعاليها وبدل رسمها ... من الأنس وحشا بعد بيض نواعم\nإذا صاح فيها البوم جاوبه الصدى ... وأتبعه في الربع نوح الحمائم\nوإنطاك لم تبعد علي وإنني ... سأفتحها يوما بهتك المحارم\nومسكن آبائي دمشق فإنني ... سأرجع فيها ملكنا تحت خاتمي\nومصر سأفتحها بسيفي عنوة وأجزي كافورا بما يستحقه ... ألا شمروا يا أهل حمدان شمروا ... وآخذ أموالي بها وبهائمي ... بمشط ومقراض وقص محاجم أتتكم جيوش الروم مثل الغمائم\nفإن تهربوا تنجوا كراما وتسلموا ... من الملك الصادي بقتل المسالم\nكذاك نصيبين وموصلها إلى ... جزيرة آبائي وملك الأقادم\nسأفتح سامرا وكوثا وعكبرا ... وتكريتها مع ماردين العواصم","vol":"6","page":211},{"text":"وأقتل أهليها الرجال بأسرها ... وأغنم أموالا بها وحرائم\nألا شمروا يا أهل بغداد ويلكم ... فكلكم مستضعف غير رائم\nرضيتم بحكم الديلمي ورفضه ... فصرتم عبيدا للعبيد الديالمي\nويا قاطني الرملات ويلكم ارجعوا ... إلى أرض صنعا راعيين البهائم\nوعودوا إلى أرض الحجاز أذلة ... وخلوا بلاد الروم أهل المكارم\nسألقي جيوشا نحو بغداد سائرا ... إلى باب طاق حيث دار القماقم\nوأحرق أعلاها وأهدم سورها ... وأسبي ذراريها على رغم راغم\nوأحرز أموالا بها وأسرة ... وأقتل من فيها بسيف النقائم\nوأسري بجيشي نحو أهواز مسرعا ... لإحراز ديباج وخز السواسم\nوأشعلها نهبا وأهدم قصورها ... وأسبي ذراريها كفعل الأقادم\nومنها إلى شيراز والري فاعلموا ... خراسان قصري والجيوش بحارم\nإلى شاس بلخ بعدها وخواتها ... وفرغانة مع مروها والمخازم\nوسابور أهدمها وأهدم حصونها ... وأوردها يوما كيوم السمائم\nوكرمان لا أنسى سجستان كلها ... وكابلها النائي وملك الأعاجم\nأسير بجندي نحو بصرتها التي ... لها بحر عج رائع متلازم\nإلى واسط وسط العراق وكوفة ... كما كان يوما جندنا ذو العزائم\nوأخرج منها نحو مكة مسرعا ... أجر جيوشا كالليالي السواجم\nفأملكها دهرا عزيزا مسلما ... أقيم بها للحق كرسي عالم\nوأحوي نجدا كلها وتهامها ... وسرا واتهام مذحج وقحاطم\nوأغزو يمانا كلها وزبيدها ... وصنعاءها مع صعدة والتهائم","vol":"6","page":212},{"text":"فأتركها أيضا خرابا بلاقعا ... خلاء من الأهلين أهل نعائم\nوأحوي أموال اليمانين كلها ... وما جمع القرماط يوم محارم\nأعود إلى القدس التي شرفت بنا ... بعز مكين ثابت الأصل قائم\nوأعلو سريري للسجود معظما ... وتبقى ملوك الأرض مثل الخوادم\nهنالك تخلو الأرض من كل مسلم ... لكل نقي الدين أغلف زاعم\nنصرنا عليكم حين جارت ولاتكم ... وأعلنتموا بالمنكرات العظائم\nقضاتكم باعوا القضاء بدينهم ... كبيع ابن يعقوب ببخس الدراهم\nعدو لكم بالزور يشهد ظاهرا ... وبالإفك والبرطيل مع كل قائم\nسأفتح أرض الله شرقا ومغربا ... وأنشر دينا للصليب بصارمي\nفعيسى علا فوق السموات عرشه ... يفوز الذي والاه يوم التخاصم\nوصاحبكم بالترب أودى به الثرى ... فصار رفاتا بين تلك الرمائم\nتناولتم أصحابه بعد موته ... بسب وقذف وانتهاك المحارم\nهذا آخرها لعن الله ناظمها وأسكنه النار، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ (١) يوم يدعو ناظمها ثبورا ويصلى نارا سعيرا، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ\n_________\n(١) غافر الآية (٥٢).","vol":"6","page":213},{"text":"خَذُولًا (٢٩)﴾ (١) إن كان مات كافرا.\nوهذا جوابها لأبي محمد بن حزم الفقيه الظاهري الأندلسي قالها ارتجالا حين بلغته هذه الملعونة غضبا لله ولرسوله ولدينه كما ذكر ذلك من رآه، فرحمه الله وأكرم مثواه وغفر له خطاياه. (٢)\nمن المحتمي بالله رب العوالم ... ودين رسول الله من آل هاشم\nمحمد الهادي إلى الله بالتقى ... وبالرشد والإسلام أفضل قائم\nعليه من الله السلام مرددا ... إلى أن يوافي الحشر كل العوالم\nإلى قائل بالإفك جهلا وضلة ... عن النقفور المفتري في الأعاجم\nدعوت إماما ليس من أمرائه ... بكفيه إلا كالرسوم الطواسم\nدهته الدواهي في خلافته كما ... دهت قبله الأملاك دهم الدواهم\nولا عجب من نكبة أو ملمة ... تصيب كريم الجد ابن الأكارم\nولو أنه في حال ماضي جدوده ... لجرعتم منه سموم الأراقم\nعسى عطفة لله في أهل دينه ... تجدد منه دارسات المعالم\nفخرتم بما لو كان فيكم حقيقة ... لكان بفضل الله أحكم حاكم\nإذن لاعترتكم خجلة عند ذكره ... وأخرس منكم كل فاه مخاصم\nسلبناكم كَرًّا ففزتم بغرة ... من الكر أفعال الضعاف العزائم\nفطرتم سرورا عند ذاك ونشوة ... كفعل المهين الناقص المتعالم\nوما ذاك إلا في تضاعيف عقله ... عريقا وصرف الدهر جم الملاحم\n_________\n(١) الفرقان الآيات (٢٧ - ٢٩).\n(٢) البداية والنهاية (١١/ ٢٦٠ - ٢٦٩).","vol":"6","page":214},{"text":"ولما تنازعنا الأمور تخاذلا ... ودانت لأهل الجهل دولة ظالم\nوقد شعلت فينا الخلائف فتنة ... لعُبدانهم مع تُركهم والدلائم\nبكفر أياديهم وجحد حقوقهم ... بمن رفعوه من حضيض البهائم\nوثبتم على أطرافنا عند ذاكم ... وثوب لصوص عند غفلة نائم\nألم تنتزع منكم بأعظم قوة ... جميع بلاد الشام ضربة لازم\nومصرا وأرض القيروان بأسرها ... وأندلسا قسرا بضرب الجماجم\nألم ننتزع منكم على ضعف حالنا ... صقلية في بحرها المتلاطم\nمشاهد تقديساتكم وبيوتها ... لنا وبأيدينا على رغم راغم\nأما بيت لحم والقمامة بعدها ... بأيدي رجال المسلمين الأعاظم\nوسركيسكم في أرض اسكندرية ... وكرسيكم في القدس في أدرثاكم\nضممناكم قسرا برغم أنوفكم ... وكرسي قسطنطينية في المعادم\nولابد من عود الجميع بأسره ... إلينا بعز قاهر متعاظم\nأليس يزيدٌ حل وسط دياركم ... على باب قسطنطينية بالصوارم\nومسلمة قد داسها بعد ذاكم ... بجيش تهام قد دوى بالضراغم\nوأخدمكم بالذل مسجدنا الذي ... بنى فيكم في عصره المتقادم\nإلى جنب قصر الملك من دار ملككم ... ألا هذه حق صرامة صارم\nوأدى لهارون الرشيد مليككم ... رفادة مغلوب وجزية غارم\nسلبناكم مصرا شهودٌ بقوة ... حبانا بها الرحمن أرحم راحم\nإلى بيت يعقوب وأرباب دومة ... إلى لجة البحر المحيط المحاوم\nفهل سرتم في أرضنا قط جمعة ... أبى الله ذا كم يا بقايا الهزائم","vol":"6","page":215},{"text":"فمالكم إلا الأماني وحدها ... بضائع نوكى تلك أحلام نائم\nرويدا فما بعد الخلافة نورها ... وسفر مغير أوجوه الهواشم\nوحينئذ تدرون كيف قراركم ... إذا صدمتكم خيل جيش مصادم\nعلى سالف العادات منا ومنكم ... ليالي بهم في عداد الغنائم\nسبيتم سبايا يحصر العد دونها ... وسبيكم فينا كقطر الغمائم\nفلو رام خلق عدها رام معجزا ... وأنى بتعداد لرش الحمائم\nبابني حميدان وكافور صلتم ... أرذال أنجاس قصارالمعاصم\nدعي وحجام سطوتم عليهما ... وما قدرهم مصاص دم المحاجم\nفهلا على دميانة قبل ذلك أو ... على محل أرباض رماة الضراغم\nليالي قادوكم كما اقتادكم ... أقيال جرجان بحز الحلاقم\nوساقوا على رسل بنات ملوككم ... سبايا كما سيقت ظباء الصرائم\nولكن سلوا عنا هرقلا ومن خلى ... لكم من ملوك مكرمين قماقم\nيخبركم عنا التنوخ وقيصر ... وكم قد سبينا من نساء كرائم\nوعما فتحنا من منيع بلادكم ... وعما أقمنا فيكم من مآتم\nودع كل نذل مفتر لا تعده ... إماما ولا الدعوى له بالتقادم\nفهيهات سامرا وتكريت منكم ... إلى جبل تلكم أماني هائم\nمنى يتمناها الضعيف ودونها ... نظائرها ... وحز الغلاصم\nتريدون بغداد سوقا جديدة ... مسيرة شهر للفنيق القواصم\nمحلة أهل الزهد والعلم والتقى ... ومنزلة يختارها كل عالم\nدعوا الرملة الصهباء عنكم فدونها ... من المسلمين الغر كل مقاوم","vol":"6","page":216},{"text":"ودون دمشق جمع جيش كأنه ... سحائب طير ينتحي بالقوادم\nوضرب يلقي الكفر كل مذلة ... كما ضرب السِّكِّي بِيض الدراهمِ\nومن دون أكناف الحجاز جحافل ... كقطر الغيوم الهائلات السواجم\nبها من بني عدنان كل سميدع ... ومن حي قحطان كرام العمائم\nولو قد لقيتم من قضاعة كبة ... لقيتم ضراما في يبيس الهشائم\nإذا أصبحوكم ذكَّروكم بما خلا ... لهم معكم من صادق متلاحم\nزمان يقودون الصوافن نحوكم ... فجئتم ضمانا أنكم في الغنائم\nسيأتيكم منهم قريبا عصائب ... تنسيكم تذكار أخذ العواصم\nوأموالكم حل لهم ودماؤكم ... بها يشتفي حر الصدور الحوايم\nوأرضيكم حقا سيقتسمونها ... كما فعلوا دهرا بعدل المقاسم\nولو طرقتكم من خراسان عصبة ... وشيراز والري الملاح القوائم\nلما كان منكم عند ذلك غير ما ... عهدنا لكم: ذل وعض الأباهم\nفقد طالما زاروكم في دياركم ... مسيرة عام بالخيول الصوادم\nفأما سجستان وكرمان بالأولى ... وكابل حلوان بلاد المراهم\nوفي فارس والسوس جمع عرمرم ... وفي أصبهان كل أروع عارم\nفلو قد أتاكم جمعهم لغدوتم ... فرائس كالآساد فوق البهائم\nوبالبصرة الغراء والكوفة التي ... سمت وبآدي واسط بالعظائم\nجموع تسامي الرمل عدا وكثرة ... فما أحد عادوه منهم بسالم\nومن دون بيت الله في مكة التي ... حباها بمجد للبرايا مراحم\nمحل جميع الأرض منها تيقنا ... محلة سفل الخف من فص خاتم","vol":"6","page":217},{"text":"دفاع من الرحمن عنها بحقها ... فما هو عنها رد طرف برائم\nبها وقع الأحبوش هلكى وفيلهم ... بحصباء طير في ذرى الجو حائم\nوجمع كجمع البحر ماض عرمرم ... حمى بنية البطحاء ذات المحارم\nومن دون قبر المصطفى وسط طيبة ... جموع كمسود من الليل فاحم\nيقودهم جيش الملائكة العلى ... دفاعا ودفعا عن مصل وصائم\nفلو قد لقيناكم لعدتم رمائما ... كما فرق الإعصار عظم البهائم\nوباليمن الممنوع فتيان غارة ... إذا مالقوكم كنتم كالمطاعم\nوفي جانبي أرض اليمامة عصبة ... معاذر أمجاد طوال البراجم\nونستفتكم والقرمطيين دولة ... تقووا بميمون التقية حازم\nخليفة حق ينصر الدين حكمه ... ولا يتقي في الله لومة لائم\nإلى ولد العباس تنمي جدوده ... بفخر عميم مزبد الموج ناعم\nملوك جرى بالنصر طائر سعدهم ... فأهلا بماض منهم وبقادم\nمحلهم في مسجد القدس أو لدى ... منازل بغداد محل المكارم\nوإن كان من عليا عدي وتيمها ... ومن أسد هذا الصلاح الحضارم\nفأهلا وسهلا ثم نعمى ومرحبا بهم ... من خيار سالفين أقادم\nهم نصروا الإسلام نصرا مؤزرا ... وهم فتحوا البلدان فتح المراغم\nرويدا فوعد الله بالصدق وارد ... بتجريع أهل الكفر طعم العلاقم\nسنفتح قسطنطينية وذواتها ... ونجعلكم فوق النسور القعاشم\nونفتح أرض الصين والهند عنوة ... بجيش لأرض الترك والخزر حاطم\nمواعيد للرحمن فينا صحيحة وليست ... كآمال العقول السواقم","vol":"6","page":218},{"text":"ونملك أقصى أرضكم وبلادكم ... ونلزمكم ذل الحراب المخارم\nإلى أن ترى الإسلام قد عم حكمه ... جميع الأراضي بالجيوش الصوارم\nأتقرن يا مخذول دينا مثلثا ... بعيدا عن المعقول بادي المآثم\nتدين لمخلوق يدين لغيره ... فيالك سحقا ليس يخفى لعالم\nأناجيلكم مصنوعة قد تشابهت ... كلام الأولى فيها أتوا بالعظائم\nوعود صليب ما تزالون سجدا ... له يا عقول الهاملات السوائم\nتدينون تضلالا بصلب إلهكم ... بأيدي يهود أرذلين الآثم\nإلى ملة الإسلام توحيد ربنا ... فما دين ذي دين لها بمقاوم\nوصدق رسالات الذي جاء بالهدى ... محمد الآتي برفع المظالم\nوأذعنت الأملاك طوعا لدينه ... ببرهان صدق طاهر في المواسم\nكما دان في صنعاء مالك دولة ... وأهل عمان حيث رهط الجهاضم\nوسائر أملاك اليمانين أسلموا ... ومن بلد البحرين قوم اللهازم\nأجابوا لدين الله لا من مخافة ... ولا رغبة يحظى بها كف عادم\nفحلوا عرى التيجان طوعا ورغبة ... بحق يقين بالبراهين فاحم\nوحاباه بالنصر المكين إلهه ... وصير من عاداه تحت المناسم\nفقير وحيد لم تعنه عشيرة ... ولا دفعوا عنه شتيمة شاتم\nولا عنده مال عتيد لناصر ... ولا دفع مرهوب ولا لمسالم\nولا وعد الأنصار مالا يخصهم ... بلى كان معصوما لأقدر عاصم\nولم تنهه في الحق قوة آسر ... ولا مكنت من جسمه يد ظالم\nكما يفتري إفكا وزورا وضلة ... على وجه عيسى منكم كل لاطم","vol":"6","page":219},{"text":"على أنكم قد قتلتموا هو ربكم ... فيا لضلال في القيامة عائم\nأبى الله أن يدعى له ابن وصاحب ... ستلقى دعاة الكفر حالة نادم\nولكنه عبد نبي مكرم ... من الناس مخلوق ولا قول زاعم\nأيلطم وجه الرب؟ تبا لدينكم ... لقد فقتم في قولكم كل ظالم\nوكم آية أبدى النبي محمد ... وكم علم أبداه للشرك حاطم\nتساوى جميع الناس في نصر حقه ... بلى ولكل في العطا حال خادم\nفعرب وأحبوش وفرس وبربر ... وكرديهم قد فاز قدح المراحم\nوقبط وأنباط وخزر وديلم ... وروم رموكم دونه بالقواصم\nأبوا كفر أسلاف لهم فتمنعوا ... فآبوا بحظ في السعادة لازم\nبه دخلوا في ملة الحق كلهم ... ودانوا لأحكام الإله اللوازم\nبه صح تفسير المنام الذي أتى ... به دانيال قبله حتم حاتم\nوهند وسند أسلموا وتدينوا ... بدين الهدى رفض لدين الأعاجم\nوشق له بدر السموات آية ... وأشبع من صاع له كل طاعم\nوسالت عيون الماء في وسط كفه ... فأروى به جيشا كثيرا هماهم\nوجاء بما تقضي العقول بصدقه ... ولا كدعاء غير ذات قوائم\nعليه سلام الله ما ذر شارق ... تعقبه ظلماء أسحم قاتم\nبراهينه كالشمس لا مثل قولكم ... وتخليطكم في جوهر وأقانم\nلنا كل علم من قديم ومحدث ... وأنتم حمير داميات المحازم\nأتيتم بشعر بارد متخاذل ... ضعيف معاني النظم جم البلاعم\nفدونكها كالعقد فيه زمرد ... ودر وياقوت بإحكام حاكم","vol":"6","page":220},{"text":"وجاء في ميزان الاعتدال: قال ابن حزم: قالت فرقة عادية بنبوة المغيرة ابن سعيد وكان لعنه الله مولى بجيلة. وكان لعنه الله يقول: إن معبوده على صورة رجل على رأسه تاج وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء. وإنه لما أراد أن يخلق تكلم باسمه فطار فوقع على تاجه، ثم كتب بأصبعه أعمال العباد. فلما رأى المعاصي ارفض عرقا، فاجتمع من عرقه بحران ملح وعذب؛ وخلق الكفار من البحر الملح. تعالى الله عما يقول. وحاكي الكفر ليس بكافر؛ فإن الله ﵎ قص علينا في كتابه صريح كفر النصارى واليهود، وفرعون ونمرود، وغيرهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2394>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال الذهبي في سيره: وكان في هذا الحين المتكلم البارع هشام بن الحكم الكوفي الرافضي المشبه المعثر، وله نظر وجدل، وتواليف كثيرة. قال ابن حزم: جمهور متكلمي الرافضة كهشام بن الحكم، وتلميذه أبي علي الصكاك وغيرهما يقولون بأن علم الله محدث، وأنه لم يعلم شيئا في الأزل، فأحدث لنفسه علما. قال: وقال هشام بن الحكم في مناظرته لأبي الهذيل: إن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه. قال: وكان داود الجواربي من كبار متكلميهم يزعم أن ربه لحم ودم على صورة الآدمي. قال: ولا يختلفون في رد الشمس لعلي مرتين. ومن قول كلهم: إن القرآن مبدل زيد فيه ونقص منه إلا الشريف المرتضى وصاحبيه. قال النديم: هو من أصحاب جعفر\n_________\n(١) الميزان (٤/ ١٦٢).","vol":"6","page":221},{"text":"الصادق، هذب المذهب، وفتق الكلام في الإمامة. (١)\n- قال في الملل والنحل: ومن قول الإمامية كلها قديما وحديثا أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه، ونقص منه كثير، وبدل منه كثير حاشا علي بن الحسن بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي ابن الحسن بن علي بن أبي طالب. وكان إماميا يظاهر بالاعتزال مع ذلك؛ فإنه كان ينكر هذا القول ويكفر من قاله، وكذلك صاحباه أبو يعلى ميلاد الطوسي وأبو القاسم الرازي.\nقال أبو محمد: القول بأن بين اللوحين تبديلا كفر صحيح وتكذيب لرسول الله - ﷺ -. وقالت طائفة من الكيسانية بتناسح الأرواح، وبهذا يقول السيد الحميري الشاعر لعنه الله؛ ويبلغ الأمر بمن يذهب إلى هذا إلى أن يأخذ أحدهم البغل أو الحمار فيعذبه ويضربه ويعطشه ويجيعه على أن روح أبي بكر وعمر ﵄ فيه، فاعجبوا لهذا الحمق الذي لا نظير له. وما الذي خص هذا البغل الشقي أو الحمار المسكين بنقله الروح إليه دون سائر البغال والحمير. وكذلك يفعلون بالعنز على أن روح أم المؤمنين عائشة -﵂- فيها ... (٢)\n- ثم ذكر من سخافاتهم إلى أن قال: فهذه مذاهب الإمامية، وهي المتوسطة في الغلو من فرق الشيعة، وأما الغالية من الشيعة فهم قسمان: قسم أوجبت النبوة بعد النبي - ﷺ - لغيره، والقسم الثاني أوجبوا الإلهية لغير الله عز\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٤٣ - ٥٤٤).\n(٢) الملل والنحل (٤/ ١٨٢).","vol":"6","page":222},{"text":"وجل فلحقوا بالنصارى واليهود وكفروا أشنع الكفر، فالطائفة التي أوجبت النبوة بعد النبي - ﷺ - فرق؛ فمنهم الغرابية وقولهم إن محمدا - ﷺ - كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وإن الله ﷿ بعث جبريل ﵇ بالوحي إلى علي فغلط جبريل بمحمد ولا لوم على جبريل في ذلك لأنه غلط. وقالت طائفة منهم بل تعمد ذلك جبريل، وكفروه ولعنوه لعنهم الله.\nقال أبو محمد: فهل سمع بأضعف عقولا وأتم رقاعة من قوم يقولون إن محمدا - ﷺ - كان يشبه علي بن أبي طالب، فيا للناس أين يقع شبه ابن أربعين سنة من صبي ابن إحدى عشرة سنة حتى يغلط به جبريل ﵇، ثم محمد ﵇ فوق الربعة، إلى الطول، قويم القناة، كث اللحية، أدلج العينين، ممتلي الساقين - ﷺ -، قليل شعر الجسد، أفرع. وعليّ دون الربعة إلى القصر، منكب شديد الانكباب كأنه كسر ثم جبر، عظيم اللحية قد ملأت صدره من منكب إلى منكب إذ التحي (١) ثقيل العينين دقيق الساقين أصلع عظيم الصلع ليس في رأسه شعر إلا في مؤخره يسير، كثير شعر اللحية. فاعجبوا لحمق هذه الطبقة، ثم لو جاز أن يغلط جبريل -وحاشا لروح القدس الأمين-كيف غفل الله ﷿ عن تقويمه وتنبيهه؟ وتركه على غلطه ثلاثا وعشرين سنة، ثم أظرف من هذا كله، من أخبرهم بهذا الخبر؟ ومن خرفهم بهذه الخرافة وهذا لا يعرفه إلا من شاهد أمر الله تعالى لجبريل ﵇، ثم شاهد خلافه، فعلى هؤلاء لعنة الله ولعنة اللاعنين ولعنة الناس أجمعين ما دام لله في عالمه خلق. وفرقة قالت بنبوة علي، وفرقة قالت بأن\n_________\n(١) كذا في الأصل.","vol":"6","page":223},{"text":"علي بن أبي طالب والحسن والحسين ﵃ وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد ابن علي والحسن بن محمد والمنتظر بن الحسن أنبياء كلهم. وفرقة قالت بنبوة محمد بن إسماعيل بن جعفر فقط، وهم طائفة من القرامطة. وفرقة قالت بنبوة علي وبنيه الثلاثة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية فقط، وهم طائفة من الكيسانية، وقد حام المختار حول أن يدعي النبوة لنفسه، وسجع إسجاعا وأنذر بالغيوب عن الله، واتبعه على ذلك طوائف من الشيعة الملعونة. وقال بإمامة محمد بن الحنفية.\nوفرقة قالت بنبوة المغيرة بن سعيد مولى بجيلة بالكوفة، وهو الذي أحرقه خالد بن عبد الله القسري بالنار، وكان لعنه الله يقول: إن معبوده صورة رجل على رأسه تاج، وإن أعضاءه على عدد حرف الهجا؛ الألف للساقين ونحو ذلك مما لا ينطلق لسان ذي شعبة من دين به. تعالى الله عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2395>موقفه من الخوارج:</span>\n- له كتاب 'الفصل في الملل والأهواء والنحل' بيَّن فيه زيغ الفرق الضالة كالخوارج فشنع عليهم ﵀ وبين زيف أصولهم، وتشتت جمعهم إلى طرائق قددا كل منها مناقضة للأخرى. (٢)\n- قال فيه: من وافق الخوارج من إنكار التحكيم وتكفير أصحاب الكبائر والقول بالخروج على أئمة الجور وأن أصحاب الكبائر مخلدون في\n_________\n(١) الملل والنحل (٤/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(٢) انظر الفصل (٤/ ١٨٨ - ١٩٢).","vol":"6","page":224},{"text":"النار وأن الإمامة جائزة في غير قريش فهو خارجي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون خالفهم فيما ذكرنا فليس خارجيا. (١)\nوقال: ويكون من المتأولين قوم لا يعذرون ولا أجر لهم كما روينا من طريق البخاري نا عمر بن حفص بن غياث نا أبي نا الأعمش نا خيثمة نا سويد بن غفلة قال: قال علي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة» (٢). وروينا من طريق مسلم نا محمد بن المثنى نا محمد بن أبي عدي عن سليمان هو الأعمش عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق هم شر الخلق -أو من شر الخلق- تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق. وذكر الحديث (٣). قال أبو محمد: ففي هذا الحديث نص جلي بما قلنا وهو أن النبي - ﷺ - ذكر هؤلاء القوم فذمهم أشد الذم، وأنهم من شر الخلق وأنهم يخرجون في فرقة من الناس، فصح أن أولئك أيضا مفترقون وأن الطائفة المذمومة تقتلها أدنى الطائفتين المفترقتين إلى الحق.\nفجعل ﵇ في الافتراق تفاضلا وجعل إحدى الطائفتين المفترقتين لها دنو من الحق وإن كانت الأخرى أولى به، ولم يجعل للثالثة شيئا\n_________\n(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ١١٣).\n(٢) البخاري (١٢/ ٣٥٠/٦٩٣٠) ومسلم (٢/ ٧٤٦ - ٧٤٧/ ١٠٦٦).\n(٣) مسلم (٢/ ٧٤٥/١٠٦٥).","vol":"6","page":225},{"text":"من الدنو إلى الحق فصح أن التأويل يختلف؛ فأي طائفة تأولت في بغيتها طمسا لشيء من السنة كمن قام برأي الخوارج ليخرج الأمر عن قريش أو ليرد الناس إلى القول بإبطال الرجم أو تكفير أهل الذنوب أو استقراض المسلمين أو قتل الأطفال والنساء وإظهار القول بإبطال القدر أو إبطال الرؤية أو إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئا إلا حتى يكون أو إلى البراءة عن بعض الصحابة أو إبطال الشفاعة أو إلى إبطال العمل بالسنن الثابتة عن رسول الله - ﷺ - ودعا إلى الرد إلى من دون رسول الله - ﷺ - أو إلى المنع من الزكاة أو من أداء حق من مسلم أو حق لله تعالى فهؤلاء لا يعذرون بالتأويل الفاسد لأنها جهالة تامة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2396>موقفه من المرجئة:</span>\nقال في 'الفصل': غلاة المرجئية طائفتان إحداهما الطائفة القائلة بأن الإيمان قول باللسان وان اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن عند الله ﷿ ولي له ﷿ من أهل الجنة، وهذا قول محمد بن كرام السجستاني وأصحابه وهو بخراسان وبيت المقدس، والثانية الطائفة القائلة أن الإيمان عقد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية وعبد الأوثان أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام وعبد الصليب وأعلن التثليت في دار الإسلام ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله ﷿ ولي لله ﷿ من أهل الجنة. وهذا قول محرز جهم بن صفوان السمرقندي مولى بني راسب كاتب الحارث ابن سريج التميمي أيام قيامه على نصر بن سيار بخراسان وقول أبي الحسن\n_________\n(١) المحلى (١١/ ٩٧ - ٩٨).","vol":"6","page":226},{"text":"علي بن إسماعيل بن أبي اليسر الأشعري البصري وأصحابهما ... -إلى أن قال ﵀ - ... وقالت طائفة من الكرامية: المنافقون مؤمنون مشركون من أهل النار. وقالت طائفة منهم أيضًا: من آمن بالله وكفر بالنبي - ﷺ - فهو مؤمن كافر معًا ليس مؤمنًا على الإطلاق ولا كافرًا على الإطلاق. وقال مقاتل بن سليمان وكان من كبار المرجئة: لا يضر مع الإيمان سيئة جلت أو قلت أصلا، ولا ينفع مع الشرك حسنة أصلًا. (١)\n\nأحداث السنة الثامنة والخمسين بعد الأربعمائة (٤٥٨ هـ)\nجاء في البداية والنهاية: ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة\nفي يوم عاشوراء أغلق أهل الكرخ دكاكينهم وأحضروا نساء ينحن على الحسين كما جرت به عادتهم السالفة في بدعتهم المتقدمة الخالفة، فحين وقع ذلك أنكرته العامة، وطلب الخليفة أبا الغنائم وأنكر عليه ذلك، فاعتذر إليه بأنه لم يعلم به، وأنه حين علم أزاله، وتردد أهل الكرخ إلى الديوان يعتذرون من ذلك، وخرج التوقيع بكفر من سب الصحابة وأظهر البدع. (٢)\nالتعليق:\nهذا حين كان عامة المسلمين لهم دين وعقيدة، أما الآن فلا دين ولا عقيدة، شغلهم الشاغل هو الانهماك في الملذات مهما كانت حراما أو حلالا، ففتن الناس في بيوتهم بأنواع الملاهي التي سلطها أعداء الله على المسلمين\n_________\n(١) الفصل (٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(٢) البداية والنهاية (١٢/ ٩٩).","vol":"6","page":227},{"text":"وشغلوهم بها فكيف يكون هؤلاء آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فضلا عن الغيرة على عقيدتهم إلا من شاء الله إخلاصه فهو مخلص وقلبه يشتعل نارا لما يرى من منكرات.\n\nالإمام القاضي أبو يعلى (١) (٤٥٨ هـ)\nمحمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد، أبو يعلى المعروف بابن الفراء البغدادي الحنبلي. ولد سنة ثمانين وثلاثمائة. حدث عن أبي القاسم بن حبابة وعلي بن معروف البزاز، وعلي بن عمر الحربي وخلق. وحدث عنه الخطيب البغدادي وأبو الوفاء بن عقيل وأبو علي الأهوازي.\nقال أبو بكر الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة. قال ابن الجوزي: كان من سادات الثقات، وشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله بن ماكولا والدامغاني، فقبلا شهادته وتولى النظر في الحكم بحريم دار الخلافة، وكان إماما في الفقه، له التصانيف الحسان الكثيرة، في مذهب أحمد، ودرس وأفتى سنين، وانتهى إليه المذهب. وكان متعففا، نزه النفس، كبير القدر، ذا عبادة وتهجد، وملازمة للتصنيف، مع الجلالة والمهابة، ولم تكن له يد طولى في معرفة الحديث.\nتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ودفن في مقبرة باب حرب.\n_________\n(١) السير (١٨/ ٨٩ - ٩٢) وتاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦) وطبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣ - ٢٣٠) والأنساب (٤/ ٣٥١ - ٣٥٢) والكامل في التاريخ (١٠/ ٥٢) والوافي بالوفيات (٣/ ٧ - ٨) والبداية والنهاية (١٢/ ١٠١) وشذرات الذهب (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧).","vol":"6","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2398>موقفه من المشركين:</span>\n- قال شيخ الإسلام: قال القاضي في سابِّ النبي - ﷺ -: فإنه لا تقبل توبته، ويتحتم قتله، ولا يخير الإمام في قتله وتركه؛ لأن قذف النبي - ﷺ - حق لميت فلا يسقط بالتوبة كقذف الآدمي. (١)\n- وقال أيضا: قال القاضي في 'المجرد' وغيره من أصحابنا: والردة تحصل بجحد الشهادتين، وبالتعريض بسب الله ﵎، وبسب النبي - ﷺ -. (٢)\nآثاره السلفية: 'الرد على الباطنية'. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2399>موقفه من الرافضة:</span>\nقال القاضي أبو يعلى: الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة: إن كان مستحلا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر، سواء كفرهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم. (٤)\nآثاره السلفية: كتاب 'إثبات إمامة الخلفاء الأربعة'. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2400>موقفه من الجهمية:</span>\nآثاره السلفية:\nلقد ألف الشيخ جملة من الكتب في العقيدة السلفية كل واحد منها يعتبر ردا على طائفة معينة من أهل البدع. وقد ذكر ابنه في الطبقات جملة\n_________\n(١) الصارم (٢٧٦).\n(٢) الصارم (٣٠٩).\n(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٥).\n(٤) الصارم (٥٧٢).\n(٥) ذكره ابنه في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٥).","vol":"6","page":229},{"text":"من عقائد الشيخ لكنها مفرقة فمن شاء رجع إليها. وإليك الآن آثاره السلفية.\n١ - 'الرد على المجسمة'. (١)\n٢ - 'القطع على خلود الكفار في النار'. (٢)\n٣ - 'الكلام في الاستواء'. (٣)\n٤ - 'الرد على الكرامية'. (٤)\n٥ - 'الرد على الأشعرية'. (٥)\n٦ - 'إبطال التأويلات لأخبار الصفات'. (٦) ولشيخ الإسلام عليه ملاحظات ذكرها في درء التعارض.\nفي كتابه 'إبطال التأويلات' بعد المقدمة وذكر مواقف الناس من الصفات: واعلم أنه لا يجوز رد هذه الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية والواجب حملها على ظاهرها وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه\n_________\n(١) ذكره في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٥) والذهبي في السير (١٨/ ٩١).\n(٢) ذكره ابنه في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٥).\n(٣) ذكره في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٥) والذهبي في السير (١٨/ ٩١).\n(٤) ذكره في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٥) والذهبي في السير (١٨/ ٩١).\n(٥) ذكره ابنه في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٥).\n(٦) ذكره ابن تيمية في درء التعارض (٥/ ٢٣٧) والذهبي في السير (١٨/ ٩٠).","vol":"6","page":230},{"text":"الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2401>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال: وقد اختلف الناس في الفاسق الملي، فذهب الخوارج إلى أن الفاسق يكون كافرا بكل معصية، ومنهم من يكفره بالكبائر دون غيرها.\nوحكي عن الحسن وعمرو بن عبيد أنه يكون منافقا.\nوقالت المعتزلة: \"لا يكون مؤمنا ولا كافرا، ولكن يكون فاسقا\"، فسلبوه اسم الإيمان في الجملة وجعلوا له منزلة بين المنزلتين، وقيل: إن أول من قال هذا عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وبه سموا معتزلة.\nوقالت الأشعرية: \"هو مؤمن كامل الإيمان\"، وبنوا هذا على أن الإيمان عندهم هو التصديق، وأن ترك الطاعات وارتكاب المحظورات لا يؤثر في التصديق.\nفالدلالة على بطلان قول الخوارج في قولهم: \"يكون كافرا\" أشياء، منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، فأثبت أن غير الشرك مغفور، فلو كانت الكبائر كفرا لم تكن مغفورة لأنها كفر. وأيضا قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ\n_________\n(١) إبطال التأويلات (١/ ٤٣ - ٤٤).\n(٢) النساء الآيتان (٤٨) والآية (١١٦).","vol":"6","page":231},{"text":"وَالْعِصْيَانَ﴾ (١)، فجعل المعاصي ضروبا وعطف بعضها على بعض فوجب أن يكون بعضها ليس بكفر، وإلا لم يكن للعطف معنى ويكون تكرارا وعطف الشيء على نفسه. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كبائر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٣)، وهذا يدل على أنه يغفر له ما دون الكبائر، وعند بعضهم هو كافر بجميع ذلك.\nوأيضا فإن الله تعالى أوجب على القاذف الجلد إذا لم يأت بالشهود، وأوجب رد شهادته وسماه فاسقا، ولو كان ذلك كفرا لم ينه عن رد شهادته لأن ذلك من الأحكام التي لا تصح إلا مع الحياة، والكفر يمنع بقاء الحياة.\nوكذلك أمر الله تعالى من يرمي زوجته باللعان، ولو كان ذلك كفرا لم يصح ذلك من جهات:\nأحدها: أنه كان يجب أن لا يكون راميا لزوجته لأنها إن كانت زانية فقد بانت منه على قولهم وإن لم تكن كذلك فقد بانت برميه لها وذلك كفر، فكان يجب أن يكون راميا لأجنبية.\nالثاني: ما كان يجب أن تقف الفرقة بينهما على اللعان لأن أحدهما قد كفر وارتد على قولهم، فكان يجب أن تكون قد بانت منه وفي ذلك خروج\n_________\n(١) الحجرات الآية (٧).\n(٢) النساء الآية (٣١).\n(٣) النجم الآية (٣٢).","vol":"6","page":232},{"text":"عن الإجماع.\nالثالث: أن القصد باللعان إذا لم يكن ولد إزالة الفراش وقد زال على قولهم فلا وجه للتعبد باللعان.\nوأيضا الحديث المشهور عن النبي - ﷺ - رواه أبو سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون، ولكن أناس تمسهم النار بذنوبهم -أو قال- بخطاياهم، ليميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فيلقون على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة في حميل السيل». (١)\nوأيضا فإنه إجماع الصحابة وذلك أنهم نسبوا الكفر إلى مانع الزكاة وقاتلوه وحكموا عليه بالردة، ولم يفعلوا مثل ذلك بمن ظهر منه الكبائر، ولو كان الجميع كفرا لسووا بين الجميع.\nوأيضا فإن القول بالكفر في جميع المعاصي يوجب تكفير الأنبياء صلوات الله عليهم، لأنه قد وجد منهم وقوع الصغائر.\nوأيضا فإن الكفر يختص بأحكام لا توجد في مرتكب الكبائر منها انقطاع التوارث بين المسلم والكافر، ومنها امتناع المناكحة ولا يثبت ذلك بين مرتكب الكبائر وبين من لم يرتكبها. فإن منعوا ذلك وقالوا أثبت ذلك فالإجماع يحجهم لأنه قد كان في أيام الخلفاء من يقدم على الشراب والفسق فيقام عليه الحد ولم يفرق بينه وبين امرأته، ولا منعوه من التوارث وظهر\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ١١،٢٠،٧٩) ومسلم (١/ ١٧٢/١٨٤) وابن ماجه (٢/ ١٤٤١/٤٣٠٩). وأصله عند البخاري (١/ ٩٨ - ٩٩/ ٢٢).","vol":"6","page":233},{"text":"ذلك في أيام علي ﵇ ولم يقض بذلك فدل على فساد قولهم.\nواحتجوا في ذلك بأشياء، منها: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (١)، فدل على أن كل مكلف ليس بمؤمن فهو كافر.\nوالجواب: أن الآية تدل على أن بعضا من خلقه كافر وبعضه مؤمن، وهذا لا يمنع أن يكون هناك ثالث كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (٢)، ولم يمنع ذلك أن يكون فيهم من يمشي على أكثر من ذلك وهو الشنظان، وعلى أنا نقول بظاهرها وأن الخلق مؤمن وكافر، وعندنا هذا مؤمن في الحقيقة لكنه ناقص الإيمان ونقصانه لا يسلبه الاسم لأن إقدامه على المعاصي لا يخرجه من كونه مؤمنا بإيمانه لأن أحد الأمرين لا ينفي الآخر.\nواحتج بقوله تعالى: ﴿وهل نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ (٣) فدل على أن الذي يجازى بالنار هو الكفور وهذا ممن يجازى به.\nوالجواب: أنه محمول على الجزاء الذي تقدم ذكره وهو قصة سبأ لأنه\n_________\n(١) التغابن الآية (٢).\n(٢) النور الآية (٤٥).\n(٣) سبأ الآية (١٧).","vol":"6","page":234},{"text":"جل وعز قال: ﴿فأرسلنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ (١). وقد أجرى سبحانه العادة بأنه لا يجازي بالجزاء المعجل في دار الدنيا على جهة الاستئصال إلا من كفر وكذب بالرسل.\nواحتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (٢)، فدل على أنه لا منزلة للمكلف إلا هذين وكذلك قوله تعالى: ﴿قال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (٣).\nوالجواب: أن الفاسق لا يمتنع أن يكون شاكرا، فليس هو بخارج عن هذين الأمرين، لأن إقدامه على الزنا والقتل لا يخرجه من كونه شاكرا لنعمه لأن أحد الأمرين لا ينافي الآخر.\nواحتج بقوله تعالى: ﴿ولله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (٤)، فدل على أن ترك الحج كفر.\n_________\n(١) سبأ الآيتان (١٦و١٧).\n(٢) الإنسان الآية (٣).\n(٣) النمل الآية (٤٠).\n(٤) آل عمران الآية (٩٧).","vol":"6","page":235},{"text":"والجواب: أنه محمول على جحد الإيجاب للحج، وهذا هو الظاهر، لأن الذي تقدم إيجابه فوجب أن يكون ذلك كفرا بما أوجب عليه، يبين صحة هذا أنه لا فائدة لتخصيصه الحج بذلك وغيره من الطاعات إذا تركه كفرا عنده.\nواحتج بقوله تعالى: ﴿ومن لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١) وظاهر هذا يوجب إكفار أئمة الجور وهذا قولنا.\nوالجواب: أن المراد بتلك اليهود، يبين ذلك أنه جل وعز ذكر اليهود فقال: ﴿فإن جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ ثم قال بعد: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ ثم لم يقطع ذكرهم بل قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (٢). فإذا كانت القصة أولها وآخرها في اليهود حملت عليهم.\nواحتج بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٤).\n(٢) المائدة الآيات (٤٢ - ٤٦).","vol":"6","page":236},{"text":"الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾ (١) دل على أن كل من يدخل النار لابد من أن يكون كافرا.\nوالجواب: أنه محمول على من خفت موازينه بكفره أنهم في جهنم خالدون.\nواحتج بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢). فنرى أن كل من يسود وجهه لابد من أن يكون كافرا، لأن أهل النار لابد أن يكون هذا وصفهم.\nوالجواب: أنا لا نسلم أن أهل الكبائر لابد أن تسود وجوههم لأنهم معرضون للغفران. وهكذا الجواب عن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ (٣).\nوذلك أنا لا نقطع عليهم بالغبرة والقترة حتى يدخلوا تحت اسم الكفر.\n_________\n(١) المؤمنون الآيات (١٠٢ - ١٠٥).\n(٢) آل عمران الآية (١٠٦).\n(٣) عبس الآيات (٣٨ - ٤٢).","vol":"6","page":237},{"text":"واحتج بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ (١)، فدل على أن كل من يدخل النار من الفساق لا يكون إلا كافرا.\nوالجواب: أن المراد بالفاسق ها هنا الكافر، لأن الفاسق الملي لا يأوي النار عندنا.\nواحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (٢).\nوالجواب: أنا لا نسلم أنه معرض عن ذكر ربه لوجود الإيمان الذي فيه، فعلم أن المراد به الكافر.\nواحتج بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ (٣) فدل أنه لا فاسق إلا كافر.\n_________\n(١) السجدة الآيات (١٨ - ٢٠).\n(٢) طه الآية (١٢٤).\n(٣) النور الآية (٥٥).","vol":"6","page":238},{"text":"والجواب: أن الآية واردة فيمن ارتد، لأنه قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ثم قال: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ (١). ومن هذه حاله فهو كافر.\nواحتج بقوله تعالى مخبرا عن إبليس: ﴿فبعزتك لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (٢). فدل على أن من لم يكن مخلصا فهو كافر.\nوالجواب: أنه لا يدل على ذلك، بل يجوز أن يكون مؤمنا فاسقا.\nواحتج بأنه إذا كان ﷿ قد أمر بالصلاة والزكاة كأمره بالمعرفة والتوحيد وتصديق الرسول ثم كان مضيع هذه الأمور كافرا، كذلك مضيع الفرائض، ولأن منكر أحدهما يكفر كما يكفر منكر الآخر.\nوالجواب: أن هذه المعرفة وتصديق الرسل هو أصل الإيمان وبه كان مؤمنا في صدر الإسلام وإنما زيد فيه بالعبادات فهو أعظم من غيره من المأمورات فلا يجب أن يلحق بما دونه كما لم يجب أن تلحق الكبائر بالصغائر في باب التأثم والوعيد، ومن قال أن قدرهما في العقاب سواء لزمه أن يقول أن قدرهما في الثواب سواء، ولوجب أن لا يتفاضل المطيعون في الطاعات\n_________\n(١) النور الآية (٥٥).\n(٢) ص الآيتان (٨٢و٨٣).","vol":"6","page":239},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (١).\nواحتج بأن جميع المعاصي طاعة لإبليس، لأنه يدعو إلى جميعها وطاعته عبادة له ولا يكون ذلك إلا كفرا.\nوالجواب: أنه ليس إذا كان طاعة له كان عبادة لأن العبادة هي الخضوع والتعظيم والإجلال، وهذا غير موجود ممن أطاع إبليس يبين صحة هذا أنه ليس كل طاعة لله هي عبادة له كالنظر في معرفة الله قبل لزومها، ولأن هذا يوجب أن تكون طاعة الولد لوالده عبادة له لأنه قد أطاعه، وأحد لا يقول هذا.\nواحتج بأن ولاية الله تعالى من جهة الدين لابد أن تكون إيمانا وجب أن تكون كل عداوة من جهة الدين لابد من أن تكون كفرا والفسق عداوة من جهة الدين.\nوالجواب: إنا لسنا نقول في كل طاعة أنها ولاية، ولا في كل معصية أنها عداوة، ولهذا لا نقول في معاصي الأنبياء الصغائر أنها عداوة لله ولا في طاعة الكافر أنها ولاية، وإنما صار بذلك من أهل الثواب والعقاب من جهة الدين.\nواحتج بأنه قد ثبت أن سلم النبي - ﷺ - سلم للمؤمنين وحربه حرب للمؤمنين، ثم ثبت أن سلمه إيمان كذلك سلم المؤمنين فيجب أن يكون\n_________\n(١) الحديد الآية (١٠).","vol":"6","page":240},{"text":"حربهم كحرب النبي كفرا. قالوا: \"وهذا يوجب أن سائر البغاة ومن يحارب المؤمنين أن يكون كافرا\"، قالوا: \"وهو مذهبنا\".\nوالجواب: أن حرب النبي - ﷺ - إنما كان كفرا لا لأنه ذنب ومعصية، لكن لأنه استخفاف به والاستخفاف بالرسول كفر، وحرب المؤمن استخفاف به والاستخفاف بالمؤمن لا يجب أن يكون كفرا، فلهذا فرقنا فيهما. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2402>موقفه من المرجئة:</span>\nقال في مسائل الإيمان: إن حقيقة الإيمان في اللغة وأصل الوضع: تصديق القلب المتضمن للعلم بالمصدق به. وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب الإبانة الصغير فقال: الإيمان اسم ومعناه التصديق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ (٢)، يريد بمصدق لنا.\nوأما حده في الشرع فهو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة، فالباطنة أعمال القلب وهو تصديق القلب، والظاهرة هي أفعال البدن الواجبات والمندوبات، وقد نص أحمد على هذا في مواضع:\nفقال في رواية أبي الحارث: السنة أن تقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.\nوكذلك قال في رواية محمد بن موسى: الإيمان قول وعمل يزيد\n_________\n(١) مسائل الإيمان (٣٢٣ - ٣٥٣).\n(٢) يوسف الآية (١٧).","vol":"6","page":241},{"text":"وينقص، وإذا عملت الحسن زاد وإذا ضيعت نقص، والإيمان لا يكون إلا بعمل.\nوكذلك قال في رواية المروذي: قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢)، وهذا من الإيمان، فالإيمان قول وعمل والزيادة في العمل والنقصان في الزنا وإذا زنا وسرق.\nوكذلك قال في كتابه إلى أبي عبد الرحيم محمد بن أحمد بن الجواح الجوزجاني رواية أبي بكر المروزي ومحمد بن حاتم المروزي: من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد زعم أنه من شيئين. وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرا مصدقا بما عرف فهو من ثلاثة أشياء فإن جحد وقال لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد قال عظيما ولا أحسب أحدا يدفع المعرفة والتصديق كذلك العمل مع هذه الأشياء، وقد سأل وفد عبد القيس رسول الله - ﷺ - عن الإيمان فقال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم» (٣)، فجعل ذلك كله من الإيمان. وقال\n_________\n(١) التوبة الآية (١١).\n(٢) البقرة الآية (٤٣).\n(٣) سيأتي تخريجه ضمن مواقف ابن الصلاح سنة (٦٤٣هـ).","vol":"6","page":242},{"text":"النبي - ﷺ -: «الحياء من الإيمان» (١)، وقال: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» (٢)، وقال: «البذاذة من الإيمان» (٣)، وقال: «الإيمان بضع وسبعون بابا فأدناه إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلا الله» (٤) مع أشياء كثيرة. وذكر الكلام بطوله. وهذا ظاهر من كلام أحمد.\nوإن الإيمان الشرعي جميع الطاعات الباطنة والظاهرة، الواجبة والمندوبة، وهذا قول أكثر المعتزلة.\nوقال منهم أبو هاشم والجبائي: إن ذلك مختص بالواجبات دون التطوع.\nوقال ابن قتيبة في غريب القرآن: من صفاته المؤمن إلى أن قال: وأما إيمان العبد بالله فتصديقه به قولا وعقدا وعملا. قال: وقد سمى الله الصلاة إيمانا، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٥) يعنى صلاتكم إلى بيت المقدس.\nوقالت الأشعرية: \"الإيمان هو التصديق في اللغة والشريعة جميعا وأن الأفعال والأعمال من شرائع الإيمان لا من نفس الإيمان\".\nوقال المرجئة والكرامية: \"الإيمان هو التصديق باللسان، وهو الإقرار\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٢) أحمد (٥٠٩) وأبو داود (٥/ ٦٠/٤٦٨٩) والترمذي (٣/ ٤٦٦/١١٦٢) وقال: \"حسن صحيح\" والحاكم (١/ ٣) وابن حبان (الإحسان ٢/ ٢٢٧/٤٧٩) من حديث أبي هريرة وفي الباب عن عائشة وابن عباس.\n(٣) أبو داود (٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤/ ٤١٦١٩) ابن ماجه (٢/ ١٣٧٩/٤١١٨) والحاكم (١/ ٩) من حديث أبي أمامة.\n(٤) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٥) البقرة الآية (١٤٣).","vol":"6","page":243},{"text":"بالشهادتين دون طمأنينة القلب\".\nويفيد هذا أن الأفعال ليست من الإيمان ولا من شرائعه وأنه إذا أتى بالشهادتين فهو كامل الإيمان وإن لم يأت بالأفعال.\nوقال الجهمية: \"الإيمان هو المعرفة بالله فحسب\".\nوالأدلة على أن الطاعات إيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١) فبين أن جميع ما تقدم مما به يصير المؤمن مؤمنا. وقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) إلى آخر الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وإنما عنى به الصلاة التي استقبلوا بها بيت المقدس، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ (٣) فدل\n_________\n(١) الأنفال الآيتان (٢و٣).\n(٢) المؤمنون الآيتان (١و٢).\n(٣) التوبة الآية (٧١).","vol":"6","page":244},{"text":"على أن كل ذلك مما يصير المؤمن مؤمنا.\nفإن قيل: ذكر الصلاة والزكاة والأمر بالمعروف من شرائع الإيمان يعني من أحكامه الواجب فعلها فيه لا أنها من نفس الإيمان أو نحمل ذلك على أنه سماه إيمانا على طريق المجاز أو نحمل ذلك على أنها من الإيمان يعني دالة عليه لأنه يستدل بها على تصديقه.\nقيل: أما قولك إنها من شرائعه فإن أردت به أنها من واجباته فهو معنى قولنا إنها من الإيمان وأنه بوجودها يكمل إيمانه وبعدمها ينقص، فيحصل الخلاف بيننا في عبارة يبين هذا أن شرائع الشيء منه ولهذا يقال شريعة محمد - ﷺ - وشريعة موسى ﵇ وذلك عبارة عن جميع أوامره ونواهيه.\nوأما قولهم إنا نحمله على أنه دال على الإيمان فلا يصح لأن هذه الأفعال توجد من الكافر ولا تدل على إيمانه.\nوأما حمله على المجاز فالأصل في كلام الله تعالى الحقيقة والمجاز يحتاج إلى دليل ولأنه قال في بعضها: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، وهذا تأكيد بوصفه الإيمان بذلك.\nويدل عليه أيضا ما روي بالأسانيد الصحاح ما يدل على ذلك فروى أحمد بإسناده في كتاب الإيمان عن النعمان بن مرة أن رجلا ذكر عند النبي - ﷺ - بحياء فقال: «إن الإيمان ذو شعب وإن الحياء شعبة من الإيمان». (١)\nوروى أيضا بإسناده عن ابن عباس قال: إن وفد عبد القيس لما قدموا\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).","vol":"6","page":245},{"text":"على رسول الله - ﷺ - أمرهم بالإيمان بالله ﷿ قال: «أتدرون ما الإيمان بالله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم» (١) ...\nفإن قيل: هذه الأخبار كلها تدل على أن الخصال المذكورة من شرائع الإيمان لا أنها من نفس الإيمان أو على أنها دالة عليه. أو نقول سماها إيمانا على طريق المجاز، أو نحمل ذلك على أنها من الإيمان يعنى دالة عليه لأنه يستدل بها على تصديقه. قيل: قد أجبنا عن هذا فيما تقدم.\nفإن قيل: نحمل قوله: «الإيمان بضع وسبعون خصلة» أراد به الإسلام فعبر عن الإسلام بالإيمان وأحدهما غير الآخر.\nألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا﴾ أَسْلَمْنَا (٢) وفي حديث جبريل: ما الإيمان؟ ما الإسلام؟ فنحمل الخبر على الإسلام الذي لم يحصل معه طمأنينة القلب.\nويحتمل أن يكون قوله: «بضع وسبعون خصلة» يرجع إلى التصديق بمخبراته بالعلم به وبصفاته الأزلية وما يجوز عليه والاقرار بنبوة رسوله والعلم به وقد يبلغ ذلك بضع وسبعون خصلة، وعلى أن قوله: «أعلاها قول لا إله إلا الله» ليس فيه قول باللسان فنحن نحمله على الشهادة بالقلب والاعتراف\n_________\n(١) سيأتي تخريجه ضمن مواقف ابن الصلاح سنة (٦٤٣هـ).\n(٢) الحجرات الآية (١٤).","vol":"6","page":246},{"text":"بالقلب.\nقيل: أما حمله على الإسلام الذي لم يحصل معه طمأنينة القلب لا يصح لأن ذلك ليس بإسلام لأن الإسلام لا يحصل بعدم التصديق.\nأما قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ معناه استسلمنا لتسلم أموالنا. وليس المراد به الإسلام يدل على ذلك أن هذه الآية نزلت في جهينة ومزينة وأسلم وغفار وأشجع كانت منازلهم بين مكة والمدينة فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا النبي - ﷺ - قالوا: آمنا ليأمنوا على دمائهم وأموالهم. فلما سار النبي - ﷺ - إلى الحديبية مر بهم فاستنفرهم معه فلم يسيروا معه فنزلت فيهم الآية.\nوعلى أن الإسلام في الشرع عبارة عن الشهادتين ولهذا لو حلف لا أسلمت فشهد الشهادتين حنث. وإذا كان عبارة عن ذلك لم يصح حمل الخبر عليه.\nأما قوله: إنني أحمله على الإيمان الذي هو التصديق دون القول باللسان والفعل بالبدن فلا يصح أيضا لأنه قال: «أعلاها قول لا إله إلا الله»، وإطلاق الأمر بالشهادتين في الشرع ينصرف إلى القول باللسان فلهذا قال النبي - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله». (١)\nوقوله: «إذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى شهادة أن لا إله\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٣١١/٧٢٨٤و٧٢٨٥) ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢/ ٢٠) وأبو داود (٢/ ١٩٨/١٥٥٦) والترمذي (٥/ ٥ - ٦/ ٢٦٠٧) والنسائي (٧/ ٨٨/٣٩٨٠) من حديث أبي هريرة.","vol":"6","page":247},{"text":"إلا الله» (١)، وغير ذلك، فإنه ينصرف إلى القول باللسان، كذلك ها هنا وعلى أن التصديق لا يتنوع والخبر يقتضي أقوالا وأفعالا متنوعة.\nفإن قيل: فاختلاف العدد في هذه الأخبار يدل على أنها متناقضة.\nقيل: أجاب أبو عبيد عن هذا في كتاب الإيمان فقال: نزول الفرائض بالإيمان متفرقا فكلما نزلت واحدة ألحق رسول الله عددها بالإيمان حتى جاوز ذلك سبعين خلة وليست هذه الزيادة بخلاف ما قبله إنما تلك دعائم وأصول، وهذه فروعها وزيادات في شعب الإيمان، فنرى -والله أعلم- إن هذا القول هو آخر ما وصف به رسول الله - ﷺ - الإيمان لأن العدد تناها إليه وبه كملت خصاله والمصدق له قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) فروى طارق بن شهاب أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه: إنكم لتقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، فذكر هذه الآية فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت وأي يوم أنزلت، أنزلت بعرفة ورسول الله - ﷺ - واقف بعرفة (٣).اهـ (٤)\n_________\n(١) أحمد (٣٥٢) ومسلم (٣/ ١٣٥٦ - ١٣٥٨/ ١٧٣١) وأبو داود (٣/ ٨٣ - ٨٥/ ٢٦١٣) والترمذي (٤/ ١٣٨ - ١٣٩/ ١٦١٧) وابن ماجه (٢/ ٩٥٣ - ٩٥٤/ ٢٨٥٨).\n(٢) المائدة الآية (٣).\n(٣) البخاري (١/ ١٤١/٤٥) ومسلم (٤/ ٢٣١٢/٣٠١٧) والترمذي (٥/ ٢٣٣/٣٠٤٣) وقال: \"حسن صحيح\". النسائي (٥/ ٢٧٧/٣٠٠٢).\n(٤) (ص.١٥١ - ١٨٤).","vol":"6","page":248},{"text":"البيهقي (١) (٤٥٨ هـ)\nالإمام الحافظ، العلامة، أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى أبو بكر البيهقي، شيخ خراسان وصاحب التصانيف. وبيهق هي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخا منها. ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. سمع من أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي وأبي عبد الله الحاكم وأبي عبد الرحمن السلمي وخلق سواهم. وروى عنه أبو إسماعيل الأنصاري بالإجازة، وأبو زكريا بن مندة الحافظ، وأبو عبد الله الفراوي، وطائفة سواهم. قال عبد الغافر بن إسماعيل: أبو بكر الفقيه، الحافظ الأصولي، الدين، الورع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، وقال: كان البيهقي على سيرة العلماء، قانعا باليسير متجملا في زهده وورعه. قال أبو المعالي الجويني: ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه. توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ودفن ببيهق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2404>موقفه من الجهمية:</span>\nخلف آثارا سلفية جيدة غير أنه هو في حد ذاته لم يتخذ السلفية منهجا له، فالأشعرية هي الغالبة عليه وأحيانا يميل إلى مذهب السلف كما هو واضح في كتابه الأسماء والصفات. فليكن القارئ على حذر منه،\n_________\n(١) شذرات الذهب (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥) والسير (١٨/ ١٦٣ - ١٧٠) والأنساب (١/ ٤٣٨) والكامل في التاريخ (١٠/ ٥٢) ووفيات الأعيان (١/ ٧٥ - ٧٦) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٢ - ١١٣٥) والوافي بالوفيات (٦/ ٣٥٤) والبداية والنهاية (١٢/ ١٠٠).","vol":"6","page":249},{"text":"وليستفد من كتبه ما يناسب العقيدة السلفية. ولقد أشبع الأستاذ الفاضل: أحمد بن عطية الزهراني في كتابه: 'البيهقي وموقفه من الإلهيات' القول عنه.\nوكتبه التي في العقيدة:\n١ - 'الأسماء والصفات' طبع بتحقيق حامل راية الجهمية وقد عبث فيه كما يحلو له، وقد طبع مؤخرا في مجلدين، بتحقيق عبد الله محمد الحاشدي وقدم له الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ﵀.\n٢ - 'الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد'. طبع.\n٣ - 'البعث والنشور'. حقق رسالة علمية في الجامعة الإسلامية.\n٤ - 'إثبات عذاب القبر'. قال الزهراني ويوجد من هذا الكتاب نسخة مخطوطة بمكتبة أحمد الثالث ضمن مكتبة المتحف بإستنبول ضمن مجموعة رقمها: ٤٢٨٨.\n٥ - 'الجامع لشعب الإيمان' وهو كتاب كبير ملأه البيهقي بكل ما هب ودب من صحيح وسقيم ودجل وخرافة وأشعرية. وقد وزع رسائل علمية في الجامعة الإسلامية.\n٦ - 'دلائل النبوة' وقد طبع والحمد لله.\n٧ - 'الزهد الكبير' وقد طبع.\nقال البيهقي في 'كتاب الاعتقاد' القرآن كلام الله وكلام الله صفة من صفات ذاته، وليس شيء من صفات ذاته مخلوقا ولا محدثا ولا حادثا. قال","vol":"6","page":250},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ (١) فلو كان القرآن مخلوقا لكان مخلوقا بكن ويستحيل أن يكون قول الله لشيء بقول لأنه يوجب قولا ثانيا وثالثا فيتسلسل وهو فاسد، وقال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ (٢) فخص القرآن بالتعليم لأنه كلامه وصفته، وخص الإنسان بالتخليق لأنه خلقه ومصنوعه، ولولا ذلك لقال خلق القرآن والإنسان، وقال الله تعالى: ﴿وكلم اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (٣) ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم قائما بغيره، وقال الله تعالى: ﴿* وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ (٤) الآية، فلو كان لا يوجد إلا مخلوقا في شيء مخلوق لم يكن لاشتراط الوجوه المذكورة في الآية معنى لاستواء جميع الخلق في سماعه عن غير الله فبطل قول الجهمية أنه مخلوق في غير الله، ويلزمهم في قولهم أن الله خلق كلاما في شجرة كلم به موسى أن يكون من سمع كلام الله من ملك أو نبي أفضل في سماع الكلام من موسى، ويلزمهم أن تكون الشجرة هي المتكلمة بما ذكر الله أنه كلم به موسى وهو قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (٥) وقد أنكر الله تعالى قول\n_________\n(١) النحل الآية (٤٠).\n(٢) الرحمن الآيات (١ - ٣).\n(٣) النساء الآية (١٦٤).\n(٤) الشورى الآية (٥١).\n(٥) طه الآية (١٤).","vol":"6","page":251},{"text":"المشركين ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ (١)،\nولا يعترض بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ (٢) لأن معناه قول تلقاه عن رسول كريم كقوله تعالى: ﴿فأجره حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٣) ولا بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ (٤) لأن معناه سميناه قرآنا، وهو كقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ (٥) وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ (٦) وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٧) فالمراد أن تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه، وبهذا احتج الإمام أحمد. (٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2405>موقفه من الخوارج:</span>\nلقد ضمن كتاب قتال أهل البغي من سننه أبوابا في الخوارج منها:\nباب ما جاء في قتال أهل البغي والخوارج. (٩)\nباب لا يبدأ الخوارج بالقتال حتى يسألوا ما نقموا ثم يؤمروا بالعود ثم\n_________\n(١) المدثر الآية (٢٥) ..\n(٢) التكوير الآية (١٩).\n(٣) التوبة الآية (٦).\n(٤) الزخرف الآية (٣).\n(٥) الواقعة الآية (٨٢).\n(٦) النحل الآية (٦٢).\n(٧) الأنبياء الآية (٢).\n(٨) الفتح (١٣/ ٤٥٤) بتصرف من الحافظ وانظر الاعتقاد للبيهقي (ص.٩٤ - ٩٨).\n(٩) السنن الكبرى (٨/ ١٦٨ - ١٧٢).","vol":"6","page":252},{"text":"يؤذنوا بالحرب. (١)\nباب أهل البغي إذا فاؤوا لم يتبع مدبرهم ولم يقتل أسيرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يستمتع بشيء من أموالهم. (٢)\nباب الرجل يقتل واحدا من المسلمين على التأويل أو جماعة غير ممتنعين يقتلون واحدا كان عليهم القصاص. (٣)\nباب القوم يظهرون رأي الخوارج لم يحل به قتالهم. (٤)\nباب الخوارج يعتزلون جماعة الناس ويقتلون واليهم من جهة الإمام العادل قبل أن ينصبوا إماما ويعتقدوا ويظهروا حكما مخالفا لحكمه كان في ذلك عليهم القصاص. (٥)\nباب المقتول من أهل البغي يغسل ويصلى عليه. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2406>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في كتاب الاعتقاد: باب: القول في الإيمان. قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ\n_________\n(١) السنن الكبرى (٨/ ١٧٨ - ١٨١).\n(٢) السنن الكبرى (٨/ ١٨١ - ١٨٣).\n(٣) السنن الكبرى (٨/ ١٨٣).\n(٤) السنن الكبرى (٨/ ١٨٤).\n(٥) السنن الكبرى (٨/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(٦) السنن الكبرى (٨/ ١٨٥).","vol":"6","page":253},{"text":"الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١). فأخبر أن المؤمنين هم الذين جمعوا هذه الأعمال التي بعضها يقع في القلب، وبعضها باللسان، وبعضها بهما وسائر البدن، وبعضها بهما أو بأحدهما وبالمال، وفيما ذكره الله من هذه الأعمال تنبيه على ما لم يذكره، وأخبر بزيادة إيمانهم بتلاوة آياته عليهم، وفي كل ذلك دلالة على أن هذه الأعمال وما نبّه بها عليه من جوامع الإيمان، وأن الإيمان يزيد، وإذا قَبِلَ الزيادة قبل النقصان.\nوبهذه الآية وما في معناها من الكتاب والسنة ذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن اسم الإيمان لجميع الطاعات فرضها ونفلها، وأنها على ثلاثة أقسام:\nفقسم يُكفَّر بتركه، وهو اعتقاد ما يجب اعتقاده، والإقرار بما اعتقده.\nوقسم يُفسَّق بتركه أو يعصي ولا يكفر به إذا لم يجحده، وهو مفروض الطاعات كالصلاة والزكاة والصيام والحج واجتناب المحارم.\nوقسم يكون بتركه مخطئًا للأفضل غير فاسق ولا كافر، وهو ما يكون من العبادات تطوعًا.\nواختلفوا في كيفية تسمية جميع ذلك إيمانًا.\nفمنهم من قال: جميع ذلك إيمان بالله ﵎ وبرسوله - ﷺ -، لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وكل طاعة تصديق لأن أحدًا لا يطيع من لا\n_________\n(١) الأنفال الآيات (٢ - ٤).","vol":"6","page":254},{"text":"يُثبِتُهُ ولا يثبت أمره.\nومنهم من قال: الاعتقاد والإقرار إيمان بالله وبرسوله - ﷺ -، وبسائر الطاعات إيمان لله ولرسوله، فيكون التصديق بالله إثباته والاعتراف بوجوده، والتصديق له قبول شرائعه واتباع فرائضه على أنها صواب وحكمة وعدل، وكذلك التصديق بالنبي - ﷺ -، والتصديق له، وقد ذكرنا بيانه ودليله في كتاب الإيمان، وفي كتاب الجامع، ونحن نذكر هاهنا طرفًا من ذلك.\nأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا أبو عامر، عن إسرائيل، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قيل للنبي - ﷺ -: أرأيت الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١). (٢)\nورواه أيضا البراء بن عازب أتمّ منه. (٣)\nوفي هذا دلالة على أنه سمّى صلاتهم إلى بيت المقدس إيمانًا، وإذا ثبت ذلك في الصلاة، ثبت ذلك في سائر الطاعات، وقد سمى رسول الله - ﷺ - الطهور إيمانًا. فقال في حديث أبي مالك الأشعري عنه: «الطُّهور شطر\n_________\n(١) البقرة الآية (١٤٣).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٩٥) وأبو داود (٥/ ٥٩ - ٦٠/ ٤٦٨٠) والترمذي (٥/ ١٩٢/٢٩٦٤).\n(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ٢٨٣) والبخاري (١/ ١٢٨ - ١٢٩/ ٤٠) ومسلم (١/ ٣٧٤/٥٢٥) والترمذي (٢/ ١٦٩ - ١٧٠/ ٣٤٠) والنسائي (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣/ ٤٨٧) وابن ماجه (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣/ ١٠١٠).\nأخرجه: أحمد (٥/ ٣٤٢ و٣٤٣ - ٣٤٤) ومسلم (١/ ٢٠٣/٢٢٣) والترمذي (٥/ ٥٠١/٣٥١٧) وقال: \"هذا حديث صحيح\". والنسائي (٥/ ٨/٢٤٣٦) وفي الكبرى (٢/ ٥/٢٢١٧) وابن ماجه (١/ ١٠٢ - ١٠٣/ ٢٨٠).","vol":"6","page":255},{"text":"الإيمان) ...» (١) ثم ساقه بسنده. (٢)\nوقال: والأحاديث في تسمية شرائع الإسلام إيمانًا، وأن الإيمان والإسلام عبارتان عن دين واحد إذا كان الإسلام حقيقة، ولم يكن بمعنى الاستسلام، وأن الإيمان يزيد وينقص سوى ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا هاهنا كفاية.\nوقد روينا في ذلك عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم عن عبد الله بن رواحة، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وعمّار بن ياسر، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وعثمان بن حُنيف، وعُمير بن حبيب، وجندب، وعقبة بن عامر ﵃.\nثم من التابعين وأتباعهم، عن جماعة يكثر تعدادهم.\nوهو قول فقهاء الأمصار ﵏: مالك بن أنس، والأوزاعي، وسفيان بن سعيد الثوري، وسفيان بن عيينة، وحمّاد بن زيد، وحمّاد بن سلمة، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وغيرهم من أهل الحديث.\nورويناه عن قتيبة بن سعيد، عن أبي يوسف القاضي.\nوكل ذلك مذكور في كتاب الإيمان. (٣)\nوقال أيضا: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثني الزبير بن\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٤٢ و٣٤٣ - ٣٤٤) ومسلم (١/ ٢٠٣/٢٢٣) والترمذي (٥/ ٥٠١/٣٥١٧) وقال: \"هذا حديث صحيح\". والنسائي (٥/ ٨/٢٤٣٦) وفي الكبرى (٢/ ٥/٢٢١٧) وابن ماجه (١/ ١٠٢ - ١٠٣/ ٢٨٠).\n(٢) الاعتقاد للبيهقي (ص.٢٨٧ - ٢٩٠).\n(٣) الاعتقاد للبيهقي (ص.٢٩٥ - ٢٩٦).","vol":"6","page":256},{"text":"عبد الواحد الحافظ بأسدآباد قال: حدثني يوسف بن عبد الأحد قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.\nقال الشيخ ﵀: وأما الاستثناء في الإيمان، فقد كان يستثني جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وإنما رجع استثناؤهم إلى كمال الإيمان وإلى بقائهم على إيمانهم في ثاني الحال، فأما أصل الإيمان، فكانوا لا يشكون في وجوده في الحال، وبأن يتغير حال إنسان في الإيمان، ولم يمنع كونه مؤمن بأنه في الحال قبل التغير، والله أعلم.\nوقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو أحمد الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن شادل الهاشمي، حدثنا أحمد بن نصر المقرئ الزاهد، حدثنا عبد الله بن عبد الجبار الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن تمام بن نجيح قال: سأل رجل الحسن البصري عن الإيمان فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١). فوالله ما أدري منهم أنا أم لا؟\n_________\n(١) الأنفال الآيات (٢ - ٤).","vol":"6","page":257},{"text":"فلم يتوقف الحسن في أصل إيمانه في الحال، وإنما توقف في كماله الذي وعد الله -﷿- لأهله الجنة بقوله: ﴿لهم دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ (١).\nأخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، أخبرنا بشر بن أحمد المهرجاني، حدثنا داود بن الحسين البيهقي، سمعت محمد بن مقاتل المروزي وسعيد بن يعقوب، قالا: حدثنا المؤمل بن إسماعيل قال: سمعت الثوري يقول: قد خالفنا المرجئة في ثلاث: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل.\nونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص.\nونحن نقول: أهل القبلة عندنا مؤمنون وأما عند الله فالله أعلم، وهم يقولون: نحن عند الله مؤمنون.\nفسفيان الثوري ﵀ أخبر عن أهل السنة أنهم لا يقطعون بكونهم مؤمنين عند الله يعني: في ثاني الحال، لأن الله تعالى يعلم الغيب، فهو عالم بما يَصير إليه حال العبد ثم يموت عليه، ونحن لا نعلمه فَنَكِل الأمر فيما لا نعلمه إلى عالمه خوفًا من سوء العاقبة، ونستثني على هذا المعنى، ونرجو من الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والأحاديث التي وردت في جريان القلم بما هو كائن، ورجوع كل إنسان إلى ما كتب له من الشقاوة والسعادة، وموته عليه، مانعة من قطع القول بما يكون في العاقبة،\n_________\n(١) الأنفال الآية (٤).","vol":"6","page":258},{"text":"حاملة على الاستثناء، وعلى الخوف من تبدل الحالة، والله يعصمنا من ذلك بفضله وسعة رحمته. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2407>موقفه من القدرية:</span>\nقال في كتاب الاعتقاد له (باب القول في خلق الأفعال): قال الله عزوجل: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، فدخل فيه الأعيان والأفعال من الخير والشر. وقال: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣). فنفى أن يكون خالق غيره، ونفى أن يكون شيء سواه غير مخلوق. فلو كانت الأفعال غير مخلوقة، لكان الله سبحانه خالق بعض الأشياء دون جميعها، وهذا خلاف الآية.\nومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان، فلو كان الله خالق الأعيان، والناس خالقي الأفعال، لكان خلق الناس أكثر من خلقه، ولكانوا أتم قوة منه، وأولى بصفة المدح من ربهم سبحانه، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٤). فأخبر أن أعمالهم مخلوقة لله عزوجل.\nأخبرنا أبو عبد الله الحافظ: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب: ثنا محمد ابن عبيد الله بن المنادي: ثنا يونس بن محمد: ثنا شيبان، عن قتادة في قوله:\n_________\n(١) الاعتقاد للبيهقي (ص.٢٩٦ - ٢٩٩).\n(٢) غافر الآية (٦٢).\n(٣) الرعد الآية (١٦).\n(٤) الصافات الآية (٩٦).","vol":"6","page":259},{"text":"﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ (١). قال: الأصنام. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٢). قال: خلقكم وخلق ما تعملون بأيديكم.\nقلنا: ولأن الله تعالى قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ (٣). فامتدح بالقولين جميعا، فكما لا يخرج شيء من علمه، لا يخرج شيء غيره من خلقه. ولأنه قال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (٤) فأخبر أن قولهم وسرهم وجهرهم خلقه، وهو بجميع ذلك عليم. وقال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ (٥). كما قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾ (٦). فكما كان مميتا محييا، بأن خلق الموت والحياة، كان مضحكا مبكيا، بأن خلق الضحك والبكاء. وقد يضحك الكافر سرورا بقتل المسلمين، وهو منه كفر، وقد يبكي حزنا بظهور المسلمين، وهو منه كفر. فثبت أن الأفعال كلها خيرها وشرها، صادرة عن خلقه وإحداثه إياها. (٧)\n_________\n(١) الصافات الآية (٩٥).\n(٢) الصافات الآية (٩٦).\n(٣) الأنعام الآية (١٠١).\n(٤) الملك الآيتان (١٣و١٤).\n(٥) النجم الآية (٤٣).\n(٦) النجم الآية (٤٤).\n(٧) الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد (ص.١٤٢ - ١٤٣).","vol":"6","page":260},{"text":"وله فصل في الرد على القدرية في كتابه شعب الإيمان طبع في رسالة مستقلة.\n\nالسهروردي (١) (٤٥٨ سنة وفاة البيهقي وهو من أقرانه)\nالإمام أبو عمرو عثمان بن أبي الحسن بن الحسين السهروردي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2409>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية: كتاب في أصول الدين، ذكره ابن القيم ونقل منه ما يتعلق بمسألة الاستواء، وكلامه من أجود ما يكون.\nقال عنه الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش: له كتاب في أصول الدين قال في أوله: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام على الأديان. وزين أهله بزينة الإيمان. وجعل السنة عصمة أهل الهداية. ومجانبتها إمارة أهل الغواية، وأعز أهلها بالاستقامة، ووصل عزهم بالقيامة، وصلى الله على محمد وسلم وعلى آله أجمعين. وبعد.\nفإن الله تعالى لما جعل الإسلام ركن الهدى، والسنة سبب النجاة من الردى، ولم يجعل من ابتغى غير الإسلام دينا هاديا، ولا من انتحل غير الإسلام نحلة ناجيا، جمعت أصول السنة الناجي أهلها التي لا يسع الجاهل نكرها، ولا العالم جهلها، ومن سلك غيرها من المسالك. فهو في أودية البدع هالك.\nإلى أن قال: ودعاني إلى جمع هذا المختصر في اعتقاد السنة على مذهب\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص.١٦٩).","vol":"6","page":261},{"text":"الشافعي وأصحاب الحديث، إذ هم أمراء العلم، وأئمة الإسلام قول النبي - ﷺ - «تكون البدع في آخر الزمان محنة، فإذا كان كذلك فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على نبيه محمد - ﷺ -» (١)، ثم ساق الكلام في الصفات إلى أن قال:\nفصل: ومن صفاته ﵎ فوقيته واستواؤه على عرشه بذاته، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسول الله - ﷺ - بلا كيف.\nودليله قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (٣). وقوله تعالى في خمس مواضع: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. وقوله تعالى في قصة عيسى ﵇: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٤).\nوساق آيات العلو ثم قال: وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا في أن الله سبحانه مستو على عرشه، وعرشه فوق سبع سمواته، ثم ذكر كلام عبد الله بن المبارك: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته على عرشه بائن من خلقه، وساق قول ابن خزيمة: من لم يقر بأن الله تعالى فوق عرشه\n_________\n(١) ابن عساكر (٥٤/ ٨٠) من طريق خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن معاذ مرفوعا بلفظ: «إذا ظهرت البدع، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فلينشره فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمد - ﷺ -». والحديث ضعفه الشيخ الألباني ﵀ (انظر الضعيفة ١٥٠٦).\n(٢) طه الآية (٥).\n(٣) الفرقان الآية (٥٩).\n(٤) آل عمران الآية (٥٥).","vol":"6","page":262},{"text":"قد استوى فوق سبع سمواته، فهو كافر. بإسناده من كتاب معرفة علوم الحديث، ومن كتاب تاريخ نيسابور للحاكم ... ثم قال: وإمامنا في الأصول والفروع أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى ورضي عنه- احتج في كتابه المبسوط على المخالف في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة، وأن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها بخبر معاوية بن الحكم السلمي -﵁-، وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة، وسأل النبي - ﷺ - ليعرف أنها مؤمنة أم لا، فقال لها: «أين ربك؟» فأشارت إلى السماء، إذ كانت أعجمية، فقال لها: «من أنا؟» فأشارت إليه وإلى السماء، تعني أنك رسول الله الذي في السماء، فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (١) فحكم رسول الله - ﷺ - بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. هذا لفظه. (٢)\n\nملك المغرب أبو بكر بن عمر (٣) (٤٦٢ هـ)\nأبو بكر بن عمر اللمتوني البربري ظهر بعد الأربعين وأربعمائة. بايعه الفقيه عبد الله بن ياسين، ولقبوه بأمير المسلمين، وقام معه طائفة من قومه (لمتونة) وطائفة من قبيلة جدالة وحرضهم ابن ياسين على الجهاد وسماهم\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٤٤٧) ومسلم (١/ ٣٨١ - ٣٨٢/ ٥٣٧) وأبو داود (١/ ٥٧٠ - ٥٧١/ ٩٣٠) والنسائي (٣/ ١٩ - ٢٢/ ١٢١٧) وفي الكبرى (١/ ٣٦٢/١١٤١) من حديث معاوية بن الحكم.\n(٢) اجتماع الجيوش (١٦٩ - ١٧١).\n(٣) وفيات الأعيان (٧/ ١١٣) والكامل (٩/ ٦١٨ - ٦٢٢) وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٢٥ - ٤٣٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٦١ - ٤٧٠/ص.٧٩ - ٨٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٧٤و١٤٣).","vol":"6","page":263},{"text":"المرابطين. وقام بالجهاد ودانت له الصحراء. ثم ضاقت الصحراء بهم وأرادوا إعلان الحق وأن يسيروا إلى الأندلس للغزو، فأتوا السوس (وعاصمتها طنجة) فحاربهم أهلها فقتل ابن ياسين وانهزم أبو بكر بن عمر. ثم انتصر بعد ذلك. وتمكن من سجلماسة أيضا. فاستناب أبو بكر عليها يوسف بن تاشفين ابن عمه. ورجع هو إلى الصحراء وخطب لنفسه. وقال صاحب \"المغرب عن سيرة ملك المغرب\": إن أبا بكر بن عمر كان رجلا ساذجا خير الطباع مؤثرا لبلاده المغرب غير ميال إلى الرفاهية. توفي ﵀ بالصحراء في سنة اثنتين وستين وأربعمائة، فتملك بعده ابن تاشفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2411>موقفه من المشركين:</span>\nقال الذهبي: ظهر بعد الأربعين وأربع مئة، فذكر علي بن أبي فنون قاضي مراكش أن جوهرا -رجلا من المرابطين- قدم من الصحراء إلى بلاد المغرب ليحج- والصحراء برية واسعة جنوبي فاس وتلمسان، متصلة بأرض السودان، ويذكر لمتونة أنهم من حمير نزلوا في الجاهلية بهذه البراري، وأول ما فشا فيهم الإسلام في حدود سنة أربع مئة، ثم آمن سائرهم، وسار إليهم من يذكر لهم جملا من الشريعة، فحسن إسلامهم -ثم حج الفقيه المذكور، وكان دينا خيرا، فمر بفقيه يقرئ مذهب مالك -ولعله أبو عمران الفاسي بالقيروان- فجالسه وحج، ورجع إليه، ثم قال: يا فقيه ما عندنا في الصحراء من العلم إلا الشهادتين والصلاة في بعضنا. قال: خذ معك من يعلمهم الدين. قال جوهر: نعم وعلي كرامته. فقال لابن أخيه: يا عمر اذهب مع هذا. فامتنع، فقال لعبد الله بن ياسين: اذهب معه. فأرسله. وكان عالما قوي","vol":"6","page":264},{"text":"النفس، فأتيا لمتونة، فأخذ جوهر بزمام جمل ابن ياسين تعظيما له، فأقبلت المشيخة يهنئونه بالسلامة، وقالوا: من ذا؟ قال: حامل السنة. فأكرموه، وفيهم أبو بكر بن عمر، فذكر لهم قواعد الإسلام، وفهمهم، فقالوا: أما الصلاة والزكاة فقريب، وأما من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنى يجلد، فلا نلتزمه، فاذهب، فأخذ جوهر بزمام راحلته، ومضيا. وفي تلك الصحاري المتصلة بإقليم السودان قبائل ينسبون إلى حمير، ويذكرون أن أجدادهم خرجوا من اليمن زمن الصديق، فأتوا مصر، ثم غزوا المغرب مع موسى بن نصير، ثم أحبوا الصحراء وهم: لمتونة، وجدالة، ولمطة، وإينيصر، ومسوفة. قال: فانتهيا إلى جدالة، قبيلة جوهر، فاستجاب بعضهم، فقال ابن ياسين للذين أطاعوه: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الجاحدين، وقد تحزبوا لكم، فانصبوا راية وأميرا. قال جوهر: فأنت أميرنا. قال: لا، أنا حامل أمانة الشرع، بل أنت الأمير.\nقال: لو فعلت لتسلطت قبيلتي، وعاثوا، قال: فهذا أبو بكر بن عمر رأس لمتونة، فسر إليه، واعرض عليه الأمر، إلى أن قال: فبايعوا أبا بكر، ولقبوه: أمير المسلمين، وقام معه طائفة من قومه وطائفة من جدالة، وحرضهم ابن ياسين على الجهاد، وسماهم المرابطين، فثارت عليهم القبائل، فاستمالهم أبو بكر وكثر جمعه، وبقي أشرار، فتحيلوا عليهم حتى زربوهم في مكان، وحصروهم، فهلكوا جوعا، وضعفوا، فقتلوهم، واستفحل أمر أبي بكر بن عمر، ودانت له الصحراء، ونشأ حول ابن ياسين جماعة فقهاء وصلحاء، وظهر الإسلام هناك. وأما جوهر، فلزم الخير والتعبد، ورأى أنه لا وضع له، فتألم، وشرع في إفساد الكبار، فعقدوا له مجلسا، ثم","vol":"6","page":265},{"text":"أوجبوا قتله بحكم أنه شق العصا، فقال: وأنا أحب لقاء الله. فصلى ركعتين، وقتل. وكثرت المرابطون، وقتلوا، ونهبوا، وعاثوا، وبلغت الأخبار إلى ذلك الفقيه بما فعل ابن ياسين، فاسترجع وندم، وكتب إليه ينكر عليه كثرة القتل والسبي، فأجاب يعتذر بأن هؤلاء كانوا جاهلية يزنون، ويغير بعضهم على بعض، وما تجاوزت الشرع فيهم.\nوفي سنة خمسين وأربع مئة قحطت بلادهم، وماتت مواشيهم، فأمر ابن ياسين ضعفاءهم بالمسير إلى السوس وأخذ الزكاة، فقدم سجلماسة منهم سبع مئة، وسألوا الزكاة، فجمعوا لهم مالا، فرجعوا به، ثم ضاقت الصحراء بهم، وأرادوا إعلان الحق، وأن يسيروا إلى الأندلس للغزو، فأتوا السوس، فحاربهم أهلها، فقتل عبد الله بن ياسين، وانهزم أبو بكر بن عمر، ثم حشد وجمع وأقبل، فالتقوه، فانتصر، وأخذ أسلابهم، وقوي جأشه، ثم نازل سجلماسة، وطالب أهلها بالزكاة، فبرز لحربهم مسعود الأمير، وطالت بينهم الحرب مرات، ثم قتلوا مسعودا، وملكوا سجلماسة، فاستناب أبو بكر عليها يوسف بن تاشفين ابن عمه، فأحسن السيرة، وذلك في سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة، ورجع الملك أبو بكر إلى الصحراء، ثم قدم سجلماسة، وخطب لنفسه، واستعمل عليها ابن أخيه، وجهز جيشه مع ابن تاشفين، فافتتح السوس، وكان ابن تاشفين ذا هيئة شجاعا، سائسا. توفي الملك أبو بكر اللمتوني بالصحراء في سنة اثنتين وستين وأربع مئة، فتملك بعده ابن تاشفين، ودانت له الأمم. (١)\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٢٥ - ٤٢٨).","vol":"6","page":266},{"text":"ابن عبد البر (١) (٤٦٣ هـ)\nالإمام، شيخ الإسلام، حافظ المغرب، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي. ولد سنة ثمان وستين وثلاثمائة. حدث عن خلف بن القاسم وعبد الوارث بن سفيان وعبد الله بن محمد بن عبد المؤمن وسعيد بن نصر، وعدة. وحدث عنه أبو محمد بن حزم، والحافظ أبو عبد الله الحميدي، وأبو علي الغساني.\nقال أبو الوليد الباجي: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر في الحديث، وقال: أبو عمر أحفظ أهل المغرب. وقال الحميدي: أبو عمر فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف، وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع. وقال الذهبي: كان إماما دينا، ثقة، متقنا، علامة، متبحرا، صاحب سنة واتباع. وقال: كان في أصول الديانة على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه ﵏.\nمن تصانيفه كتاب 'التمهيد' و'الاستذكار' و'الاستيعاب' و'جامع بيان العلم' وغيرهما كثير. وقال ابن حزم عن التمهيد: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه.\nتوفي بشاطبة سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن خمس وتسعين سنة وخمسة أيام، ﵀.\n_________\n(١) السير (١٨/ ١٥٣ - ١٦٣) وترتيب المدارك (٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣) ووفيات الأعيان (٧/ ٦٦ - ٧٢) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٢٨ - ١١٣٢) والبداية والنهاية (١٢/ ١١١) والديباج المذهب (٢/ ٣٦٧ - ٣٧٠) وشذرات الذهب (٣/ ٣١٤ - ٣١٦).","vol":"6","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2413>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في التمهيد: مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب، أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله - ﷺ - نهى عن مثل هذا، إلا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بهذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله - ﷺ - ويخبرني عن رأيه لا أساكنك أرضا أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر فذكر ذلك له، فكتب عمر إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن. (١)\nثم ساق أبو عمر بسنده أن عبادة أنكر على معاوية شيئا فقال: لا أساكنك بأرض أنت بها ورحل إلى المدينة فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره فقال: ارجع إلى مكانك فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمارة لك عليه.\nقال أبو عمر: فقول عبادة: لا أساكنك بأرض أنت بها، وقول أبي الدرداء، على ما في حديث زيد بن أسلم يحتمل أن يكون القائل ذلك قد خاف على نفسه الفتنة لبقائه بأرض ينفذ فيها في العلم قول خلاف الحق عنده، وربما كان ذلك منه أنفة لمجاورة من رد عليه سنة علمها من سنن رسول الله - ﷺ - برأيه، وقد تضيق صدور العلماء عند مثل هذا، وهو عندهم عظيم: رد السنن بالرأي.\nوجائز للمرء أن يهجر من خاف الضلال عليه، ولم يسمع منه، ولم\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي الدرداء سنة (٣٢هـ).","vol":"6","page":268},{"text":"يطعه، وخاف أن يضل غيره، وليس هذا من الهجرة المكروهة؛ ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين أحدث في تخلفه عن تبوك ما أحدث، حتى تاب الله عليه (١)، وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع، وهجرته، وقطع الكلام معه. وقد حلف ابن مسعود أن لا يكلم رجلا رآه يضحك في جنازة:\nأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا عبد الملك بن بحر، قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا العباس بن الوليد، قال: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، عن رجل من عبس، أن ابن مسعود رأى رجلا يضحك في جنازة، فقال: تضحك وأنت في جنازة؟ والله لا أكلمك أبدا.\nوغير نكير أن يجهل معاوية ما قد علم أبو الدرداء وعبادة؛ فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم. (٢)\n- وقال ﵀ عقب إيراده لحديث: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» (٣): وفيه الحض على الاعتصام والتمسك بحبل الله في حال اجتماع وائتلاف، وحبل الله في هذا الموضع\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩) والبخاري (٨/ ٤٣٦/٤٦٧٧) ومسلم (٤/ ٢١٢٠ - ٢١٢٨/ ٢٧٦٩) وأخرجه أبو داود (٢/ ٦٥٢/٢٢٠٢) والترمذي (٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤/ ٣١٠٢) والنسائي (٦/ ٤٦٤ - ٤٦٥/ ٣٤٢٣) مختصرا.\n(٢) فتح البر (١/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(٣) أحمد (٢/ ٣٢٧) ومسلم (٣/ ١٣٤٠/١٧١٥) عن أبي هريرة.","vol":"6","page":269},{"text":"فيه قولان: أحدهما: كتاب الله، والآخر: الجماعة -ولا جماعة إلا بإمام. وهو -عندي- معنى متداخل متقارب، لأن كتاب الله يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة، قال الله -عزوجل-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (١) الآية. وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢).اهـ (٣)\n- قال أبو عمر: ليس أحد من خلق الله إلا وهو يوخذ من قوله، ويترك، إلا النبي - ﷺ -، فإنه لا يترك من قوله، إلا ما تركه هو ونسخه، قولا أو عملا، والحجة فيما قال - ﷺ -، وليس في قول غيره حجة ... (٤)\n- قال أبو عمر: يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسول الله - ﷺ - لم أحصها، والذي قلدته قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلم مني. قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله - ﷺ - أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم؟ ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه، فإن قال: \"قلدته لأني أعلم أنه على صواب\". قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع؟ فإن قال: \"نعم\" أبطل\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٥).\n(٢) آل عمران الآية (١٠٣).\n(٣) فتح البر (١/ ١٢٠).\n(٤) فتح البر (٩/ ٣٣٦).","vol":"6","page":270},{"text":"التقليد، وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال: \"قلدته لأنه أعلم مني\" قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا، ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك، فإن قال: \"قلدته لأنه أعلم الناس\" قيل له: فإنه إذا أعلم من الصحابة، وكفى بقول مثل هذا قبحا. فإن قال: \"أنا أقلد بعض الصحابة\" قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم؟ ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله، على أن القول لا يصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.\nوقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار قال: عن القاسم عن مالك قال: ليس كلما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه، لقول الله ﷿: ﴿الذين يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (١) فإن قال: \"قصري وقلة علمي يحملني على التقليد\" قيل له: أما من قلد فيما ينزل به من أحكام شريعته عالما يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور، لأنه قد أدى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة، لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك، ولكن من كانت هذه حاله هل تجوز له الفتيا في شرائع دين الله فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويصيرها إلى غير ما كانت في يديه بقول لا يعرف صحته ولا قام الدليل عليه، وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في\n_________\n(١) الزمر الآية (١٨).","vol":"6","page":271},{"text":"ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه فيه؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بهذا جهلا وردا للقرآن وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١) وقال: ﴿أتقولون عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (٢) وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ولم يتيقن فليس بعلم وإنما هو ظن والظن لا يغني من الحق شيئا. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2414>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ابن عبد البر: وكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه -والله أعلم، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم مثل الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم يبدلون. (٤)\n- قال أبو عمر: الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ -. (٥)\n- قال أبو عمر: ومن أوكد آلات السنن المعينة عليها، والمؤدية إلى حفظها، معرفة الذين نقلوها عن نبيهم - ﷺ - إلى الناس كافة، وحفظوها عليه،\n_________\n(١) الإسراء الآية (٣٦).\n(٢) الأعراف الآية (٢٨).\n(٣) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٩٤ - ٩٩٦).\n(٤) التمهيد (٢٠/ ٢٦٢) وانظر فتح البر (١/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(٥) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٦٨).","vol":"6","page":272},{"text":"وبلغوها عنه، وهم صحابته الحواريون الذين وعوها وأدوها ناصحين محسنين، حتى كمل بما نقلوه الدين، وثبتت بهم حجة الله تعالى على المسلمين، فهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عزوجل عليهم وثناء رسوله ﵇، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منه. قال الله تعالى ذكره: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (١) الآية. فهذه صفة من بادر إلى تصديقه والإيمان به، وآزره ونصره، ولصق به وصحبه، وليس كذلك جميع من رآه ولا جميع من آمن به، وسترى منازلهم من الدين والإيمان، وفضائل ذوي الفضل والتقدم منهم، فالله قد فضل بعض النبيين على بعض، وكذلك سائر المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وقال عزوجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) ... الآية. (٣)\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) التوبة الآية (١٠٠).\n(٣) مقدمة الاستيعاب (١/ ١ - ٢).","vol":"6","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2415>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال رحمه في الاستذكار: وفي حديث سويد بن النعمان (١) إباحة اتخاذ الزاد في السفر، وفي ذلك رد على الصوفية الذين يقولون: لا ندخر بعد، فإن غدا له رزق جديد. (٢)\n- وقال في التمهيد: وفي هذا الحديث دليل على أن الصالحين والفضلاء لا يستغنون عن الزاد في سفرهم، وهو يبطل مذهب الصوفية الذين لا يدخرون لغد. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2416>موقفه من الجهمية:</span>\nهذا الإمام أجمع الناس على علمه وحفظه وتبحره في كل الفنون، وأصبح مرجعا لمن جاء بعده، وترك تراثا قيما شكره عليه الأولون والآخرون، لما فيه من جواهر غالية. وركز في كتابين له على بيان العقيدة السلفية: جامع بيان العلم وفضله وهو من أحسن المراجع في هذا الباب، وكتاب التمهيد ذكر فيه عقيدة كاملة بحججها وبراهينها، وشبه المبتدعة وردها والجواب عنها. وسألخص ما جاء في التمهيد حتى يكون أنموذجا ومثالا لما يقول. وذلك في سياق حديث أبي هريرة «ينزل ربنا إلى السماء\n_________\n(١) وهو \"أنه خرج مع رسول الله - ﷺ - عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء نزل رسول الله - ﷺ - فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل رسول الله - ﷺ - وأكلنا ... \".\nأخرجه: أحمد (٣/ ٤٦٢) والبخاري (١/ ٤١٢/٢٠٩) والنسائي (١/ ١١٧/١٨٦) وابن ماجه (١/ ١٦٥/٤٩٢).\n(٢) الاستذكار (٢/ ١٥١).\n(٣) فتح البر (٣/ ٣٧٩).","vol":"6","page":274},{"text":"الدنيا ...» الحديث). (١)\n- قال أبو عمر: وفيه دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله ﷿ في كل مكان، وليس على العرش. والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك، قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٢) ثم ساق الآيات التي تدل على استواء الله على عرشه ثم قال: وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد وهو الواحد الصمد. ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله ﷿ إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿استوى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت\n_________\n(١) تقدم من حديث أبي هريرة ضمن مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٢) طه الآية (٥).","vol":"6","page":275},{"text":"فوق الدابة واستويت فوق البيت وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد.\nقال أبو عمر: الاستواء: الاستقرار في العلو وبهذا خاطبنا الله ﷿ وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (١) وقال: ﴿واستوت عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٢) وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ (٣) وقال الشاعر:\nفأوردتهم ماء بفيفاء قفرة ... وقد حلق النجم اليماني فاستوى\n\nوهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى: لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النضر بن شميل وكان ثقة مأمونا جليلا في علم الديانة واللغة قال: حدثني الخليل وحسبك بالخليل قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استووا! فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال. قال: فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا. قال الخليل: هو من قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٤) فصعدنا إليه فقال: هل لكم في خبز فطير ولبن هجير وماء نمير؟ فقلنا الساعة فارقناه فقال: سلاما فلم ندر ما قال، فقال الأعرابي: إنه\n_________\n(١) الزخرف الآية (١٣).\n(٢) هود الآية (٤٤).\n(٣) المؤمنون الآية (٢٨).\n(٤) فصلت الآية (١١).","vol":"6","page":276},{"text":"سالمكم متاركة لا خير فيها ولا شر قال الخليل: هو من قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ (١). (٢)\nشبه الجهمية والجواب عليها:\nوأما نزع من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن واقد الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٣): على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان فالجواب عن هذا: أن هذا حديث منكر عن ابن عباس ونقلته مجهولون ضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث لو عقلوا أوأنصفوا؟ أما سمعوا الله ﷿ حيث يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (٤)، فدل على أن موسى ﵇ كان يقول: إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبا.\n_________\n(١) الفرقان الآية (٦٣).\n(٢) التمهيد (٧/ ١٢٩ - ١٣٢) وانظر فتح البر (٢/ ٧ - ١٠).\n(٣) طه الآية (٥).\n(٤) غافر الآيتان (٣٦و٣٧).","vol":"6","page":277},{"text":"فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد\nمليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد\n\nوهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت وفيه يقول في وصف الملائكة:\nفمن حامل إحدى قوائم عرشه ... ولولا إله الخلق كلوا وأبلدوا\nقيام على الأقدام عانون تحته ... فرائصهم من شدة الخوف ترعد\nقال أبو عمر: فإن احتجوا بقول الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (١) وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ (٢) وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣). وزعموا أن الله ﵎ في كل مكان بنفسه وذاته ﵎ قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة: أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض وكذلك قال أهل العلم بالتفسير. فظاهر التنزيل يشهد على أنه على العرش، والاختلاف في ذلك بيننا فقط وأسعد الناس به من ساعده الظاهر، وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فالإجماع والاتفاق قد بين المراد بأنه معبود من أهل الأرض فتدبر هذا، فإنه قاطع إن شاء الله. ومن\n_________\n(١) الزخرف الآية (٨٤).\n(٢) الأنعام الآية (٣).\n(٣) المجادلة الآية (٧).","vol":"6","page":278},{"text":"الحجة أيضا في أنه ﷿ على العرش فوق السماوات السبع: أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎ وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال - ﷺ - للأَمَة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة فاختبرها رسول الله - ﷺ - بأن قال لها: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء ثم قال لها: «من أنا؟» قالت: رسول الله قال: «أعتقها، فإنها مؤمنة» (١) فاكتفى رسول الله - ﷺ - منها برفعها رأسها إلى السماء ...\nثم قال: وأما احتجاجهم: لو كان في مكان لأشبه المخلوقات لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته مخلوق فشيء لا يلزم ولا معنى له لأنه ﷿ ليس كمثله شيء من خلقه ولا يقاس بشيء من بريته، لا يدرك بقياس ولا يقاس بالناس، لا إله إلا هو كان قبل كل شيء، ثم خلق الأمكنة والسماوات والأرض وما بينهما، وهو الباقي بعد كل شيء وخالق كل شيء لا شريك له. وقد قال المسلمون وكل ذي عقل: إنه لا يعقل كائن لا في مكان ما وما ليس في مكان فهو عدم. وقد صح في المعقول وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم فكيف يقاس على شيء من خلقه؟ أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا الذي لا يبلغ من وصفه إلا إلى ما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه ورسوله، أو اجتمعت عليه الأمة الحنيفية عنه. فإن قال قائل منهم: إنا وصفنا ربنا أنه\n_________\n(١) تقدم تخريجه صمن مواقف أبي عمرو عثمان السهروردي سنة (٤٥٨هـ).","vol":"6","page":279},{"text":"كان لا في مكان ثم خلق الأماكن فصار في مكان وفي ذلك إقرار منا بالتغيير والانتقال، إذ زال عن صفته في الأزل وصار في مكان دون مكان، قيل له: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان وانتقل إلى صفة هي الكون في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك وانتقل من لا مكان إلى كل مكان، وهذا لا ينفك منه لأنه إن زعم أنه في الأزل في كل مكان كما هو الآن فقد أوجب الأماكن والأشياء موجودة معه في أزله وهذا فاسد. فإن قيل: فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان؟ قيل له: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانا وكذلك نقله لا يوجب مكانا، وليس في ذلك كالخلق لأن كون ما كونه يوجب مكانا من الخلق ونقلته توجب مكانا، ويصير منتقلا من مكان إلى مكان والله ﷿ ليس كذلك لأنه في الأزل غير كائن في مكان وكذلك نقلته لا توجب مكانا وهذا ما لا تقدر العقول على دفعه ولكنا نقول: استوى من لا مكان إلى مكان ولا نقول انتقل وإن كان المعنى في ذلك واحدا.\nألا ترى أنا نقول: له عرش ولا نقول له سرير ومعناهما واحد: ونقول: هو الحكيم ولا نقول: هو العاقل ونقول: خليل إبراهيم ولا نقول: صديق إبراهيم وإن كان المعنى في ذلك كله واحدا لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه على ما تقدم ذكرنا له من وصفه لنفسه لا شريك له، ولا ندفع ما وصف به نفسه لأنه دفع للقرآن وقد قال الله عز","vol":"6","page":280},{"text":"وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (١) وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا، فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ولو اعتبرت ذلك بقولهم: جاءت فلانا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك. مما هو موجود نازل به ولا مجيء، لبان لك وبالله العصمة والتوفيق.\nفإن قال: إنه لا يكون مستويا على مكان إلا مقرونا بالتكييف؛ قيل: قد يكون الاستواء واجبا والتكييف مرتفع وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقرونا بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحا في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفيته على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه ...\nقال أبو عمر: وأما احتجاجهم بقوله ﷿: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢) فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التآويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.\n_________\n(١) الفجر الآية (٢٢).\n(٢) المجادلة الآية (٧).","vol":"6","page":281},{"text":"ثم قال أبو عمر بعد كلام وسياق لأحاديث بعض الصفات: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله. ثم قال أبو عمر بعد سياق لمجموعة من الصفات: الذي أقول: إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجا، علم أن الله ﷿ لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة ودلائل الرسالة لا من قبل حركة ولا من باب الكل والبعض ولا من باب كان ويكون. ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبا في الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه لازما، ما أضاعوه ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم ولو كان ذلك من عملهم مشهورا أو من أخلاقهم معروفا لاستفاض عنهم ولشهروا به كما شهروا بالقرآن والروايات.\nثم قال أبو عمر بعد سوق رواية أحاديث الرؤية: وأهل البدع المخالفون لنا في هذا التأويل يقولون: إن من جوز مثل هذا وأمكن عنده فقد كفر، فيلزمهم تكفير موسى نبي الله - ﷺ - وكفى بتكفيره كفرا وجهلا. (١)\n_________\n(١) التمهيد (٧/ ١٣٢ - ١٥٥) وانظر فتح البر (٢/ ١٠ - ٣١).","vol":"6","page":282},{"text":"التعليق:\nما أدري ماذا يقول متعصبة الأشاعرة المنتسبون إلى المالكية خصوصا والأشاعرة عموما في كلام هذا الإمام، هل سيعدونه مشبها أو حنبليا متعصبا أو حشويا متبلدا، أو سيضعون الرمال فوق هذه الوديان والبحار المنسابة بالحق ونور النبوة المتوارث، فلا أدري كم يكفيهم من مقدار لسد ذلك وتغطيته، أو سيقولون إن أبا عمر لم يكن في العلم والحفظ بذلك. أو سيقولون: إن حافظ المشرق والمغرب أعلم بمذاهب الناس وأكثرهم فهما لها، فالحق معه وهذا الذي قرره ينبغي لكل مسلم يؤمن بنبوة محمد - ﷺ - أن يتبعه وهذا هو الظن بهم إن شاء الله وبأمثالهم ممن يطلب الحق ويبحث عنه.\nبقية آراء ومواقف أبي عمر:\n- جاء في جامع بيان العلم وفضله بعد أن ساق قول مالك في بدعة الكلام قال: والذي قاله مالك ﵀، عليه جماعة الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى، وإنما خالف ذلك أهل البدع -المعتزلة وسائر الفرق- وأما الجماعة على ما قال مالك ﵀، إلا أن يضطر أحد إلى الكلام فلا يسعه السكوت إذا طمع برد الباطل وصرف صاحبه عن مذهبه أو خشي ضلال عامة أو نحو هذا. (١)\n- وفيه قال ﵀: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء وإنما\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٣٨).","vol":"6","page":283},{"text":"العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم. (١)\n- وجاء فيه عنه قال ﵀: وتناظر القوم وتجادلوا في الفقه ونهوا عن الجدال في الاعتقاد لأنه يؤول إلى الانسلاخ من الدين. ألا ترى مناظرة بشر في قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢) قال: هو بذاته في كل مكان فقال له خصمه: فهو في قلنسوتك وفي حشك وفي جوف حمارك، تعالى الله عما يقولون. حكى ذلك وكيع.\nوأنا والله أكره أن أحكي كلامهم قبحهم الله. (٣)\n- وفيه قال ﵀: في الكلام على الصفات: رواها السلف وسكتوا عنها وهم كانوا أعمق الناس علما وأوسعهم فهما وأقلهم تكلفا ولم يكن سكوتهم عن عي فمن لم يسعه ما وسعهم فقد خاب وخسر. (٤)\n- وجاء فيه عند الكلام على الصفات: ليس في الاعتقاد في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصا في كتاب الله أو صح عن رسول الله - ﷺ - أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه. (٥)\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٢).\n(٢) المجادلة الآية (٧).\n(٣) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٨).\n(٤) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٦).\n(٥) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٣).","vol":"6","page":284},{"text":"آثاره السلفية:\n١ - 'كتاب الشواهد في إثبات خبر الواحد'.\n٢ - 'كتاب الإنصاف في أسماء الله تعالى'. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2417>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال أبو عمر: كان للخوارج مع خروجهم تأويلات في القرآن ومذاهب سوء مفارقة لسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، الذين أخذوا الكتاب والسنة عنهم، وتفقهوا معهم، فخالفوا في تأويلهم مذاهبهم الصحابة والتابعين وكفروهم، وأوجبوا على الحائض الصلاة، ودفعوا رجم المحصن الزاني، ومنهم من دفع الظهر والعصر، وكفروا المسلمين بالمعاصي، واستحلوا بالذنوب دماءهم، وكان خروجهم فيما زعموا -تغييرا للمنكر ورد الباطل- فكان ما جاءوا به أعظم المنكر وأشد الباطل إلى قبيح مذاهبهم، مما قد وقفنا على أكثرها، وليس هذا والحمد لله موضع ذكرها، فهذا أصل أمر الخوارج، وأول خروجهم كان على علي ﵁ فقتلهم بالنهروان، ثم بقيت منهم بقايا من أنسابهم ومن غير أنسابهم على مذاهبهم، يتناسلون ويعتقدون مذاهبهم، وهم بحمد الله -مع الجماعة مستترون بسوء مذهبهم، غير مظهرين لذلك ولا ظاهرين به- والحمد لله، وكان للقوم صلاة بالليل والنهار، وصيام، يحتقر الناس أعمالهم عندها، وكانوا يتلون القرآن آناء الله والنهار، ولم يكن يتجاوز حناجرهم ولا تراقيهم، لأنهم كانوا يتأولونه بغير علم بالسنة المبينة، فكانوا قد حرموا فهمه\n_________\n(١) التذكرة (٣/ ١١٢٩).","vol":"6","page":285},{"text":"والأجر على تلاوته، فهذا والله أعلم -معنى قوله: لا يجاوز حناجرهم- يقول: لا ينتفعون بقراءته، كما لا ينتفع الآكل والشارب من المأكول والمشروب بما لا يجاوز حنجرته.\nوقد قيل: إن معنى ذلك: أنهم كانوا يتلونه بألسنتهم ولا تعتقده قلوبهم، وهذا إنما هو في المنافقين. (١)\nحكم من شق عصا المسلمين:\n- قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن من شق العصا وفارق الجماعة، وشهر على المسلمين السلاح، وأخاف السبيل، وأفسد بالقتل والسلب، فقتلهم وإراقة دمائهم واجب، لأن هذا من الفساد العظيم في الأرض، والفساد في الأرض موجب لإراقة الدماء بإجماع، إلا أن يتوب فاعل ذلك من قبل أن يقدر عليه، والانهزام عندهم ضرب من التوبة، وكذلك من عجز عن القتال، لم يقتل إلا بما وجب عليه قبل ذلك. ومن أهل الحديث طائفة تراهم كفارا على ظواهر الأحاديث فيهم مثل قوله - ﷺ -: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (٢) ومثل قوله: «يمرقون من الدين» (٣)، وهي آثار يعارضها غيرها فيمن لا يشرك بالله شيئا، ويريد بعمله وجهه، -وإن أخطأ في حكمه واجتهاده- والنظر يشهد أن الكفر لا يكون إلا بضد الحال التي يكون بها\n_________\n(١) فتح البر (١/ ٤٥٨ - ٤٥٩).\n(٢) أحمد (٢/ ٣٢٩) والبخاري (١٢/ ١٩٢/٦٨٧٣) ومسلم (١/ ٩٨/٩٨ - ٩٩ - ١٠٠ - ١٠١) عن جمع من الصحابة ﵃، منهم ابن عمر وأبو موسى وأبو هريرة وغيرهم.\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي سعيد الخدري سنة (٦٣هـ).","vol":"6","page":286},{"text":"الإيمان، لأنهما ضدان. (١)\n- وقال ﵀: والمعنى فيه (٢) عند أهل الفقه والأثر: أهل السنة والجماعة: النهي عن أن يكفر المسلم أخاه المسلم بذنب، أو تأويل لا يخرجه من الإسلام عند الجميع، فورد النهي عن تكفير المسلم في هذا الحديث وغيره بلفظ الخبر دون لفظ النهي، وهذا موجود في القرآن والسنة، ومعروف في لسان العرب.\nوفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول رسول الله - ﷺ -: «من قال لرجل يا كافر فقد باء بها أحدهما» (٣)، قال: أرى ذلك في الحرورية، فقلت له: أفتراهم بذلك كفارا؟ فقال: ما أدري ما هذا؟ ومثل قوله - ﷺ -: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، قوله - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٤)، وقوله - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٥) وقوله: «لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» (٦). ومثل هذا كثير من الآثار التي وردت بلفظ التغليظ، وليست على ظاهرها عند أهل\n_________\n(١) فتح البر (١/ ٤٧٣).\n(٢) أي حديث ابن عمر مرفوعا: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بهما أحدهما». أخرجه: أحمد (٢/ ١١و١٨و٤٤) والبخاري (١٠/ ٥١٤/٦١٠٤) ومسلم (١/ ٧٩/١١١ [٦٠]) والترمذي (٥/ ٢٢/٢٦٣٧).\n(٣) انظر الذي قبله.\n(٤) أحمد (١/ ٤٣٩) والبخاري (١/ ١١٠/٤٨) ومسلم (١/ ٨١/١١٦ - ١١٧) والترمذي (٤/ ٣٥٣/١٩٨٣) والنسائي (٧/ ١٣٧ - ١٣٩/ ٤١١٥ - ٤١٢٤) وابن ماجه (١/ ٢٨/٦٩) عن ابن مسعود وسعد وأبي هريرة ﵃.\n(٥) البخاري (١/ ٢١٧/١٢١) ومسلم (١/ ٨١/١١٨) وأبو داود (٥/ ٦٣/٤٦٨٦) والترمذي (٤/ ٤٨٦/٢١٩٣) والنسائي (٧/ ١٢٦ - ١٢٨/ ٤١٣٥ - ٤١٤٣) وابن ماجه (٢/ ١٣٠٠/٣٩٤٢) عن جماعة من الصحابة: جرير، ابن عمر، ابن عباس ... ﵃.\n(٦) البخاري (١٢/ ٥٤/٦٧٦٨) ومسلم (١/ ٨٠/١١٣).","vol":"6","page":287},{"text":"الحق والعلم، لأصول تدفعها أقوى منها من الكتاب والسنة المجتمع عليها، والآثار الثابتة أيضا من جهة الإسناد، وهذا باب يتسع القول فيه ويكثر، فنذكر منه ههنا ما فيه كفاية -إن شاء الله-، وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب، فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين.\nواحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها، مثل قوله ﷿: ﴿ومن لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١) وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ (٢) وقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ (٣) وقوله: ﴿إن هم إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ (٤) وقوله: ﴿وهم يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (٥) ونحو هذا. وروي عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿ومن لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ قال: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر. وقد أوضحنا معنى الكفر في اللغة في مواضع من هذا الكتاب، والحجة عليهم قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٤).\n(٢) الحجرات الآية (٢).\n(٣) الجاثية الآية (٣٢).\n(٤) الزخرف الآية (٢٠).\n(٥) الكهف الآية (١٠٤).","vol":"6","page":288},{"text":"يَشَاءُ﴾ (١). ومعلوم أن هذا بعد الموت لمن لم يتب، لأن الشرك ممن تاب منه -قبل الموت- وانتهى عنه غفر له، كما تغفر الذنوب كلها بالتوبة جميعا، قال الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢).\nوقد وردت آيات في القرآن محكمات، تدل أنه لا يكفر أحد إلا بعد العلم والعناد، منها قول الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ (٣) و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾ (٤) وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ (٥) وقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٦) وقوله: ﴿مهما تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾، ثم قال على إثر ذلك: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ\n_________\n(١) النساء الآية (٤٨) والآية (١١٦).\n(٢) الأنفال الآية (٣٨).\n(٣) آل عمران الآية (٧١).\n(٤) آل عمران الآية (٧٠).\n(٥) آل عمران الآية (٧٥).\n(٦) النساء الآية (١٥٣).","vol":"6","page":289},{"text":"كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ (١)، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ (٢)، ثم ذكر الأمم فقال: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ (٥)﴾ (٣) ثم ذكر الأمم فقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ (٤)\nولذلك قال: ﴿تشابهت قُلُوبُهُمْ﴾ (٥). ﴿وخضتم كَالَّذِي خَاضُوا﴾ (٦). وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (٧)، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا\n_________\n(١) الأعراف الآيات (١٣٢ - ١٣٥).\n(٢) المؤمنون الآية (٧٦).\n(٣) غافر الآية (٥).\n(٤) الذاريات الآيتان (٥٢و٥٣) ..\n(٥) البقرة الآية (١١٨).\n(٦) التوبة الآية (٦٩).\n(٧) الصف الآية (٥).","vol":"6","page":290},{"text":"بَيْنَهُمْ﴾ (١) وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (٢) وقال: ﴿بل جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ (٣) وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٤) وقال: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ (٥) وقال: ﴿فلما جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٦) وقال: ﴿وشاقوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ (٧) وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (٨) إلى آيات كثيرة في معنى ما ذكرنا، كلها تدل على معاندة الكفار، وأنهم إنما كفروا بالمعاندة والاستكبار، وقال ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (٩) وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (١٠)، وقوله - ﷺ -: «من مات لا يشرك بالله\n_________\n(١) الشورى الآية (١٤).\n(٢) البقرة الآية (٢٢).\n(٣) المؤمنون الآية (٧٠).\n(٤) الجاثية الآية (٢٣).\n(٥) التوبة الآية (١٧).\n(٦) فاطر الآيتان (٤٢و٤٣).\n(٧) محمد الآية (٣٢).\n(٨) النمل الآية (١٤).\n(٩) الإسراء الآية (١٥).\n(١٠) التوبة الآية (١١٥).","vol":"6","page":291},{"text":"شيئا دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله شيئا فهو في النار» (١).\nوجعل الله ﷿ في بعض الكبائر حدودا جعلها طهرة، وفرض كفارات في كتابه للذنوب من التقرب إليه بما يرضيه، فجعل على القاذف جلد ثمانين إن لم يأت بأربعة شهداء، ولم يجعله بقذفه كافرا، وجعل على الزاني مائة، وذلك طهرة له، كما قال - ﷺ - في التي رجمها: «لقد خرجت من ذنوبها كيوم ولدتها أمها». وقال - ﷺ -: «من أقيم عليه الحد فهو له كفارة، ومن لم يقم عليه حده فأمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» (٢) وما لم يجعل فيه حدا فرض فيه التوبة منه، والخروج عنه إن كان ظلما لعباده، وليس في شيء من السنن المجتمع عليها ما يدل على تكفير أحد بذنب، وقد أحاط العلم بأن العقوبات على الذنوب كفارات، وجاءت بذلك السنن الثابتة عن رسول الله - ﷺ - كما جاءت بكفارة الأيمان والظهار والفطر في رمضان، وأجمع علماء المسلمين أن الكافر لا يرث المسلم، وأجمعوا أن المذنب -وإن مات مصرا- يرثه ورثته، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين. وقال - ﷺ -: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا ونسك نسكنا فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم» (٣)، وقال - ﷺ -: «الندم توبة» (٤) رواه عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) البخاري (٣/ ١١٠/١٢٣٧) ومسلم (١/ ٩٤/٩٢).\n(٢) الدارمي (٢/ ١٨٢) وذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٦٨) وقال: \"رواه الطبراني وأحمد بنحوه وفيه راو لم يسم وهو ابن خزيمة، وبقية رجاله ثقات\".\n(٣) البخاري (٢/ ٤٤٨/٩٥٥) ومسلم (٣/ ١٥٥٣/١٩٦١).\n(٤) أحمد (١/ ٣٧٦ - ٤٢٣ - ٤٣٣) وابن ماجه (٢/ ١٤٢٠/٤٢٥٢) والحاكم (٤/ ٢٤٣) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وأقره الذهبي.","vol":"6","page":292},{"text":"وقال: - ﷺ - «ليس أحد من خلق الله إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، إلا يحيى بن زكرياء» (١)،\nوقال - ﷺ -: «لولا أنكم تذنبون وتستغفرون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم، إن الله يحب أن يغفر لعباده» (٢).\nومن هذا قول الأول:\nإن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما\n\nفهذه الأصول كلها تشهد على أن الذنوب لا يكفر بها أحد، وهذا يبين لك أن قوله - ﷺ -: «من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما»، أنه ليس على ظاهره، وأن المعنى فيه النهي عن أن يقول أحد لأخيه: كافر، أو يا كافر.\nقيل لجابر بن عبد الله: يا أبا محمد، هل كنتم تسمون شيئا من الذنوب كفرا أو شركا أو نفاقا؟ قال: معاذ الله، ولكنا نقول: مؤمنين مذنبين، روي ذلك عن جابر من وجوه، ومن حديث الأعمش عن أبي سفيان قال: قلت لجابر: أكنتم تقولون لأحد من أهل القبلة: كافر؟ قال: لا، قلت: فمشرك؟ قال: معاذ الله، وفزع!.\nوقد قال جماعة من أهل العلم في قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ (٣)، هو قول الرجل لأخيه: يا كافر، يا فاسق، وهذا موافق لهذا الحديث، فالقرآن والسنة ينهيان عن\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢٥٤ - ٢٩٢ - ٢٩٥ - ٣٠١ - ٣٢٠) وفيه علي بن زيد ..\n(٢) أحمد (٥/ ٤١٤) ومسلم (٤/ ٢١٠٥/٢٧٤٨) والترمذي (٥/ ٥١٢/٣٥٣٩).\n(٣) الحجرات الآية (١١).","vol":"6","page":293},{"text":"تفسيق المسلم وتكفيره ببيان لا إشكال فيه.\nومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له، أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنبا أو تأول تأويلا، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام، لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر، أو سنة ثابتة لا معارض لها.\nوقد اتفق أهل السنة والجماعة -وهم أهل الفقه والأثر- على أن أحدا لا يخرجه ذنبه -وإن عظم- من الإسلام، وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أوقام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة. (١)\n- قال ﵀: وأما قوله: «وأن لا ننازع الأمر أهله» (٢)، فاختلف الناس في ذلك، فقال قائلون: أهله أهل العدل والإحسان والفضل والدين، فهؤلاء لا ينازعون لأنهم أهله، وأما أهل الجور والفسق والظلم، فليسوا له بأهل، ألا ترى إلى قول الله عزوجل لإبراهيم ﵇ قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ (٣) وإلى منازعة الظالم الجائر، ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج. وأما\n_________\n(١) فتح البر (١/ ٤٧٥ - ٤٨٠).\n(٢) أحمد (٣/ ٤٤١) والبخاري (١٣/ ٢٣٨/٧٢٠٠) ومسلم (٣/ ١٤٧٠/١٧٠٩) والنسائي (٧/ ١٥٥/٤١٦٠) وابن ماجه (٢/ ٩٥٧/٢٨٦٦) من حديث عبادة بن الصامت.\n(٣) البقرة الآية (١٢٤).","vol":"6","page":294},{"text":"أهل الحق وهم أهل السنة، فقالوا: هذا هو الاختيار: أن يكون الإمام فاضلا عدلا محسنا، فإن لم يكن، فالصبر على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه، لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحمل على هراق الدماء وشن الغارات والفساد في الأرض، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه، والأصول تشهد والعقل والدين أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك، وكل إمام يقيم الجمعة والعيد، ويجاهد العدو ويقيم الحدود على أهل العداء، وينصف الناس من مظالمهم بعضهم لبعض، وتسكن له الدهماء وتأمن به السبل، فواجب طاعته في كل ما يأمر به من الصلاح أو من المباح. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2418>موقفه من المرجئة:</span>\nقال في 'التمهيد': أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانا قالوا إنما الإيمان التصديق والإقرار، ومنهم من زاد والمعرفة. -ثم ذكر ما احتجوا به ... - إلى أن قال: وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك بن أنس، والليث ابن سعد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي، وأبو جعفر الطبري، ومن سلك سبيلهم؛ فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان\n_________\n(١) فتح البر (١/ ١١١).","vol":"6","page":295},{"text":"وهو الإقرار واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة قالوا: وكل مايطاع الله ﷿ به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم، وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر. ألا ترى إلى قول رسول الله - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (١) يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر -إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام- من قرابتهم المؤمنين الذين ليسوا (٢)\nبتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم، أوضح الدلائل على صحة قولنا: أن مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك، وليس بكافر كما زعمت الخوارج في تكفيرهم المذنبين، وقد جعل الله في ارتكاب الكبائر حدودا، جعلها كفارة وتطهيرا كما جاء في حديث عبادة عن النبي - ﷺ -: «فمن واقع منها شيئا -يعني من الكبائر- وأقيم عليه الحد فهو له كفارة، ومن لا فأمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» (٣). وليس هذا حكم الكافر لأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).\n(٢) في التمهيد: (آمنوا) والتصويب من مجموع الفتاوى (٧/ ٣٣٠) ..\n(٣) البخاري (١/ ٨٧/١٨).","vol":"6","page":296},{"text":"والإيمان مراتب بعضها فوق بعض، فليس الناقص فيها كالكامل، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) أي: إنما المؤمن حق الإيمان من كانت هذه صفته، ولذلك قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٢). ومثل هذه الآية في القرآن كثير.\nوكذلك قوله - ﷺ -: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» (٣) أن هو المؤمن المسلم حقا. ومن هذا قوله - ﷺ -: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» (٤) ومعلوم معمول أنه لا يكون هذا أكمل حتى يكون غيره أنقص، وكذلك قوله - ﷺ -: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (٥) وقوله: «لا إيمان لمن لا صلاة له ولا من لا\n_________\n(١) الأنفال الآية (٢).\n(٢) الأنفال الآية (٤).\n(٣) الترمذي (٥/ ١٨/٢٦٢٧) وقال: \"حسن صحيح\". والنسائي (٨/ ٤٧٩/٥٠١٠) والحاكم (١/ ١٠) وقال: \"قد اتفقا على إخراج طرق حديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» ولم يخرجا هذه الزيادة وهي صحيحة على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي.\n(٤) أحمد (٢/ ٢٥٠، ٤٧٢) وأبو داود (٥/ ٦٠/٤٦٨٢) والترمذي (٣/ ٤٦٦/١١٦٢) وقال: \"حسن صحيح\". والحاكم (١/ ٣) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٥) أحمد (٤/ ٢٨٦) من حديث البراء. وابن أبي شيبة (٦/ ١٧٢/٣٠٤٤٣) من حديث ابن مسعود. وله طرق لا تخلوا من مقال، أوردها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٢٨) وقال: \"فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن على الأقل، والله أعلم\".","vol":"6","page":297},{"text":"أمانة له» (١) كل ذلك يدل على أنه ليس بإيمان كامل، وأن بعض الإيمان أوثق عروة وأكمل من بعض، كما قال: «ليس المسكين بالطواف عليكم» الحديث (٢) يريد ليس الطواف بالمسكين حقا، لأن ثم من هو أشد مسكنة منه، وهو الذي لا يسأل الناس ويتعفف. ويدلك على ذلك قول عائشة: إن المسكين ليقف على بابي ... الحديث.\nوروى مجاهد بن جبر وأبو صالح السمان جميعا عن عبد الله بن جمرة عن كعب قال: «من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنح لله فقد استكمل الإيمان» (٣).\nومن الدلائل على أن الإيمان قول وعمل كما قالت الجماعة والجمهور، قول الله ﷿: ﴿وما كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٤).لم يختلف المفسرون أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانا، ومثل هذا القول: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿أولئك هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (٥).\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٣٥) وابن حبان (١/ ٤٢٣/١٩٥) والبغوي في شرح السنة (١/ ٧٤/٣٨) وحسنه. وفي الباب من حديث أبي أمامة وابن مسعود ﵄.\n(٢) أحمد (١/ ٣٨٤) والبخاري (٣/ ٤٣٣/١٤٧٦) والنسائي (٥/ ٨٩/٢٥٧٠).\n(٣) ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (١٣٣) موقوفا عليه، وقد ورد مرفوعا من حديث أبي أمامة عند أبي داود (٥/ ٦٠/٤٦٨١)، ومن حديث سعد بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عند أحمد (٣/ ٤٤٠)، والترمذي (٤/ ٥٧٨/٢٥٢١) وحسنه. والحاكم (٢/ ١٦٤) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(٤) البقرة الآية (١٤٣).\n(٥) البقرة الآية (١٧٧).","vol":"6","page":298},{"text":"وأما من السنة فكثير جدا، من ذلك قوله - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» (١) وقد كان معاذ بن جبل يقول لأصحابه: تعالوا بنا نؤمن ساعة. (٢) أي: نذكر الله. فجعل ذكر الله من الإيمان، ومثل هذا حديث طلحة ابن عبيد الله: أن أعرابيا سأل رسول الله - ﷺ - عن الإسلام فقال: «خمس صلوات ...» الحديث (٣) ... -إلى أن قال- وعلى أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، جماعة أهل الآثار؛ والفقهاء من أهل الفتوى بالأمصار وقد روى ابن القاسم عن مالك أن الإيمان يزيد ووقف في نقصانه. وروى عنه عبد الرزاق ومعن (٤) بن عيسى وابن نافع وابن وهب أنه يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث، والحمد لله. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2419>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀: وجملة القول في القدر أنه سر الله لا يدرك بجدال ولا نظر ولا تشفى منه خصومة ولا احتجاج، وحسب المؤمن من القدر أن يعلم أن الله لا يقوم شيء دون إرادته، ولا يكون شيء إلا بمشيئته، له الخلق\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٢٦) والبخاري (١/ ٦٨/٨) ومسلم (١/ ٤٥/٢٢) والنسائي (٨/ ٤٨١ - ٤٨٢/ ٥٠١٦) من حديث ابن عمر.\n(٢) تقدم في مواقفه ﵁.\n(٣) البخاري (١/ ١٤٢/٤٦) ومسلم (١/ ٤٠/٨) وأبو داود (١/ ٢٤٢/٣٩١) والنسائي (١/ ٢٤٦/٤٥٧).\n(٤) في التمهيد معمر بن عيسى وهو تحريف والتصويب ما أثبتناه من مجموع الفتاوى (٧/ ٣٣١).\n(٥) فتح البر (١/ ٤٣٢ - ٤٤٥)، ونقله عن ابن عبد البر شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٧/ ٣٣٠ - ٣٣١).","vol":"6","page":299},{"text":"والأمر كله لا شريك له، نظام ذلك قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١). وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢). وحسب المؤمن من القدر، أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولا يكلف نفسا إلا وسعها، وهو الرحمن الرحيم فمن رد على الله تعالى خبره في الوجهين أو في أحدهما كان عنادا، وكفرا، وقد تظاهرت الآثار في التسليم للقدر والنهي عن الجدل فيه، والاستسلام له والإقرار بخيره وشره والعلم بعدل مقدره وحكمته. وفي نقض عزائم الانسان برهان فيما قلنا، وتبيان، والله المستعان. (٣)\n- وقال ﵀شارحا لحديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها» (٤) -: في هذا الخبر من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به، فإنما لها ما سبق به القدر عليها، لا ينقصها طلاق ضرتها شيئا مما جرى به القدر لها ولا يزيدها. وقال الأخفش: كأنه يريد أن تفرغ صحفة تلك من خير الزوج وتأخذه هي وحدها.\nقال أبو عمر: وهذا الحديث من أحسن أحاديث القدر عند أهل العلم\n_________\n(١) الإنسان الآية (٣٠).\n(٢) القمر الآية (٤٩).\n(٣) التمهيد (فتح البر ٢/ ١٩٦).\n(٤) أحمد (٢/ ٤٨٩) والبخاري (١١/ ٦٠٤/٦٦٠١) ومسلم (٢/ ١٠٣٣/١٤١٣) وأبو داود (٢/ ٦٣٠/٢١٧٦) والنسائي (٦/ ٣٨٠ - ٣٨١/ ٣٢٣٩).","vol":"6","page":300},{"text":"والسنة، وفيه أن المرء لا يناله إلا ما قدر له.\nقال الله عزوجل: ﴿قل لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (١). والأمر في هذا واضح لمن هداه الله، والحمد لله. (٢)\n- وقال -تعليقا على حديث مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم، عن طاوس اليماني أنه قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: كل شيء بقدر. قال طاوس: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز» (٣) -: وفي هذا الحديث أدل الدلائل وأوضحها على أن الشر والخير كل من عند الله، وهوخالقهما لا شريك له، ولا إله غيره، لأن العجز شر، ولوكان خيرا ما استعاذ منه رسول الله - ﷺ - ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - قد استعاذ من الكسل والعجز والجبن والدين، ومحال أن يستعيذ من الخير، وفي قول الله عزوجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (٤) كفاية لمن وفق، وقال عزوجل: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥).اهـ (٦)\n_________\n(١) التوبة الآية (٥١).\n(٢) التمهيد (فتح البر ٢/ ٢٧٣).\n(٣) أحمد (٢/ ١١٠) ومسلم (٤/ ٢٠٤٥/٢٦٥٥).\n(٤) الفلق الآيتان (١و٢).\n(٥) النحل الآية (٩٣). فاطر الآية (٨).\n(٦) التمهيد (فتح البر ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨).","vol":"6","page":301},{"text":"- وقال ﵀: قال الله عزوجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١). وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). فليس لأحد مشيئة تنفذ، إلا أن تنفذ منها مشيئة الله تعالى، وإنما يجرى الخلق فيما سبق من علم الله. والقدر سر الله لا يدرك بجدال، ولايشفى منه مقال، والحجاج فيه مرتجة، لا يفتح شيء منها إلا بكسر شيء وغلقه، وقد تظاهرت الآثار، وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار، الطيبين الأبرار، بالاستسلام والانقياد والاقرار، بأن علم الله سابق، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٣).اهـ (٤)\n\nالخطيب البغدادي (٥) (٤٦٣ هـ)\nأحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو بكر الخطيب البغدادي، العلامة المفتي، الحافظ الناقد، محدث الوقت. ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. سمع من القاضي أبي عبد الله القضاعي، وأبي نعيم الحافظ\n_________\n(١) القمر الآية (٤٩).\n(٢) التكوير الآية (٢٩).\n(٣) فصلت الآية (٤٦).\n(٤) التمهيد (فتح البر ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(٥) السير (١٨/ ٢٧٠ - ٢٩٧) والأنساب (٢/ ٣٨٤) والكامل في التاريخ (١٠/ ٦٨) ووفيات الأعيان (١/ ٩٢ - ٩٣) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٥ - ١١٤٦) والوافي بالوفيات (٧/ ١٩٠ - ١٩٩) والبداية والنهاية (١٢/ ١٠٨ - ١١٠) وشذرات الذهب (٣/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"6","page":302},{"text":"وابن ماكولا، وغيرهم كثير. وحدث عنه أبو بكر البرقاني وأبو الفضل بن خيرون والحميدي وخلق يطول ذكرهم. قال السلفي: سألت شجاعا الذهلي عن الخطيب، فقال: إمام مصنف حافظ، لم ندرك مثله. قال الذهبي: طلب هذا الشأن ورحل فيه إلى الأقاليم وبرع، وصنف وجمع وسارت بتصانيفه الركبان وتقدم في عامة فنون الحديث. وقال ابن السمعاني: كان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة، صنف قريبا من مائة مصنف، صارت عمدة لأهل الحديث. وقال: كان الخطيب مهيبا وقورا، ثقة متحريا، حجة حسن الخط، كثير الضبط، فصيحا، ختم به الحفاظ. وقال ابن ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظا واتقانا وضبطا لحديث رسول الله - ﷺ -. وقال أبو إسحاق الشيرازي الفقيه: أبو بكر الخطيب يشبه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه. وقال مؤتمن الساجي: ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني مثل الخطيب. توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2421>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال في مطلع كتابه 'شرف أصحاب الحديث': أما بعد، وفقكم الله لعمل الخيرات، وعصمنا وإياكم من اقتحام البدع والشبهات، فقد وقفنا على ما ذكرتم من عيب المبتدعة لأهل السنن والآثار، وطعنهم على من شغل نفسه بسماع الأحاديث وحفظ الأخبار، وتكذيبهم بصحيح ما نقله إلى الأمة الأئمة الصادقون، واستهزائهم بأهل الحق فيما وضعه عليهم الملحدون؛","vol":"6","page":303},{"text":"﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بهم وَيَمُدُّهُمْ في طغيانهم يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ (١). وليس ذلك عجيبا من متبعي الهوى ومن أضلهم الله عن سلوك سبيل الهدى.\nومن واضح شأنهم الدال على خذلانهم: صدوفهم عن النظر في أحكام القرآن، وتركهم الحجاج بآياته الواضحة البرهان، واطراحهم السنن من ورائهم، وتحكمهم في الدين بآرائهم. فالحدث منهوم بالغزل، وذو السن مفتون بالكلام والجدل، قد جعل دينه غرضا للخصومات، وأرسل نفسه في مراتع الهلكات، ومناه الشيطان دفع الحق بالشبهات، إن عرض عليه بعض كتب الأحكام المتعلقة بآثار نبينا عليه أفضل السلام، نبذها جانبا، وولى ذاهبا عن النظر فيها، يسخر من حاملها وراويها، معاندة منه للدين وطعنا على أئمة المسلمين. ثم هو يفتخر على العوام بذهاب عمره في درس الكلام، ويرى جميعهم ضالين سواه، ويعتقد أن ليس ينجو إلا إياه؛ لخروجه زعم عن حد التقليد وانتسابه إلى القول بالعدل والتوحيد؛ وتوحيده إذا اعتبر كان شركا وإلحادا؛ لأنه يجعل لله من خلقه شركاء وأندادا، وعدله عدول عن نهج الصواب الى خلاف محكم السنة والكتاب. وكم يرى البائس المسكين إذا ابتلي بحادثة في الدين يسعى إلى الفقيه يستفتيه ويعمل على ما يقوله ويرويه راجعا إلى التقليد بعد فراره منه، وملتزما حكمه بعد صدوفه عنه، وعسى أن يكون في حكم حادثته من الخلاف ما يحتاج إلى إنعام النظر فيه والاستكشاف، فكيف استحل التقليد بعد تحريمه، وهون الإثم فيه بعد\n_________\n(١) البقرة الآية (١٥).","vol":"6","page":304},{"text":"تعظيمه، ولقد كان رفضه ما لا ينفعه في الآخرة والأولى واشتغاله بأحكام الشريعة أحرى وأولى. (١)\nالتعليق:\nانظر رحمك الله إلى هذا الإمام كيف صور حالة المبتدع الأخلاقية والنفسية، وما ثمن العلم الذي يحمله وما ثمن العلم الذي يجهله. علم يقود إلى الشرك والعياذ بالله، وجهل بالضروريات من أمور الدين. ومع هذه الفضائح، صاحبه يفتخر به على الأقران وكان الأولى به الخجل والتحسر والندم. وعلم لو مضى فيه قليلا من العمر لنور الله بصيرته فعرف به ربه ودينه والله المستعان.\n- قال أبو بكر: ولو أن صاحب الرأي المذموم شغل نفسه بما ينفعه من العلوم، وطلب سنن رسول رب العالمين، واقتفى آثار الفقهاء والمحدثين، لوجد في ذلك ما يغنيه عما سواه، واكتفى بالأثر عن رأيه الذي رآه؛ لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد، وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين، تعالى عن مقالات الملحدين، والإخبار عن صفات الجنة والنار، وما أعد الله تعالى فيهما للمتقين والفجار، وما خلق الله في الأرضين والسموات من صنوف العجائب وعظيم الآيات، وذكر الملائكة المقربين، ونعت الصافين والمسبحين. وفي الحديث قصص الأنبياء، وأخبار الزهاد والأولياء، ومواعظ البلغاء، وكلام الفقهاء، وسير ملوك العرب\n_________\n(١) شرف أصحاب الحديث (٣ - ٥).","vol":"6","page":305},{"text":"والعجم، وأقاصيص المتقدمين من الأمم، وشرح مغازي الرسول - ﷺ - وسراياه وجمل أحكامه وقضاياه، وخطبه وعظاته، وأعلامه ومعجزاته، وعدة أزواجه وأولاده وأصهاره وأصحابه، وذكر فضائلهم ومآثرهم، وشرح أخبارهم ومناقبهم، ومبلغ أعمارهم، وبيان أنسابهم. وفيه تفسير القرآن العظيم، وما فيه من النبأ والذكر الحكيم، وأقاويل الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم، وتسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم من الأئمة الخالفين والفقهاء المجتهدين. وقد جعل الله تعالى أهله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي - ﷺ - وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة؛ وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته.\nإذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع، فما حكموا به، فهو المقبول المسموع. ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن. وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم. وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر. من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذلهم الله. لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم. المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم","vol":"6","page":306},{"text":"حسير ﴿وإن اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال: ولعمري إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرا على خلاف الرأي، ومجانبته خلافا بعيدا، فما يجد المسلمون بدا من اتباعها والانقياد لها، ولمثل ذلك ورع أهل العلم والدين فكفهم عن الرأي، ودلهم على غوره وغورته، ... ولكن السنن من الإسلام، بحيث جعلها الله، هي ملاك الدين وقيامه الذي بني عليه الإسلام، وأي قول أجسم وأعظم خطرا مما قال رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع حين خطب الناس فقال: «وقد تركت فيكم أيها الناس ما إن اعتصتم به فلن تضلوا أبدا أمرا بينا: كتاب الله وسنة نبيه» (٣). فقرن رسول الله - ﷺ - بينهما، وأيم الله إن كنا لنلتقط السنن من أهل الفقه والثقة، ونتعلمها شبيها بتعليمنا آي القرآن، وما برح من أدركنا من أهل الفضل والفقه من خيار الناس يعيبون أهل الجدل والتنقيب ومن (٤) - أخذ بالرأي أشد العيب، وينهوننا عن لقائهم ومجالستهم، ويحذروننا مقاربتهم أشد التحذير، ويخبروننا أنهم أهل ضلال وتحريف، بتأويل كتاب الله وسنن رسول الله - ﷺ -، وما توفي رسول الله - ﷺ -، حتى كره المسائل وناحية التنقيب والبحث عن الأمور وزجر عن ذلك وحذره المسلمين في غير موطن حتى كان من قوله - ﷺ - كراهية ذلك أن قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من\n_________\n(١) الحج الآية (٣٩).\n(٢) الشرف (٧ - ٩).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي الزناد عبد الله بن ذكوان سنة (١٣٠هـ).\n(٤) زيادة اقتضاها المعنى.","vol":"6","page":307},{"text":"قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (١). فأي أمر أكف لمن يعقل عن التنقيب من هذا؟.\nولم يبلغ الناس يوم قيل لهم هذا القول من الكشف عن الأمور جزءا من مائة جزء مما بلغوا اليوم، وهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بأخذهم بالجدل، والتفكير في دينهم، فهم كل يوم على دين ضلال وشبهة جديدة لا يقيمون على دين، وإن أعجبهم إلا نقلهم الجدل والتفكير إلى دين سواه، ولو لزموا السنن وأمر المسلمين وتركوا الجدل لقطعوا عنهم الشك، وأخذوا بالأمر الذي حضهم عليه رسول الله - ﷺ -، ورضيه لهم، ولكنهم تكلفوا ما قد كفوا مؤنته وحملوا على عقولهم من النظر في أمر الله ما قصرت عنه عقولهم، وحق لها أن تقصر عنه وتحسر دونه، فهنالك تورطوا وأين ما أعطى الله العباد من العلم في قلته وزهادته مما تناولوا، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (٢)، وقد قص الله تعالى ما عير -أو غير هذه الكلمة- به موسى ﵇، من أمر الرجل الذي لقيه فقال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ (٣)،\nفكان منه في خرقه السفينة، وقتله الغلام، وبنائه الجدار، ما قد قال الله تعالى\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي الزناد سنة (١٣٠هـ).\n(٢) الإسراء الآية (٨٥).\n(٣) الكهف الآية (٦٥) ..","vol":"6","page":308},{"text":"في كتابه، فأنكر موسى ذلك عليه، وجاءه ذلك في ظاهر الأمر منكرا لا تعرفه القلوب، ولا يهتدي له التفكير، حتى كشف الله ذلك لموسى فعرفه، وكذلك ما جاء من سنن الإسلام وشرائع الدين التي لا توافق الرأي، ولا تهتدي لها العقول، ولو كشف للناس عن أصولها لجاءت للناس واضحة بينة غير مشكلة على مثل ما جاء عليه أمر السفينة وأمر الغلام وأمر الجدار، فإن ما جاء به محمد - ﷺ - كالذي جاء به موسى يعتبر بعضه ببعض، ويشبه بعضه بعضا، ومن أجهل وأضل وأقل معرفة بحق الله وحق رسوله وبنور الإسلام وبرهانه ممن قال لا أقبل سنة ولا أمرا مضى من أمر المسلمين حتى يكشف لي غيبه وأعرف أصوله؟ أو لم يقل ذلك بلسانه، فكان عليه رأيه وفعله، ويقول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2422>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في الكفاية عنه قال: كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي - ﷺ - لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله - ﷺ -، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن. (٣)\n_________\n(١) النساء الآية (٦٥).\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٣٩٣ - ٣٩٦) وقد مر معنا بطوله في مواقف أبي الزناد عبد الله بن ذكوان سنة (١٣٠هـ).\n(٣) الكفاية (ص.٤٦).","vol":"6","page":309},{"text":"- وفيها قال: وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال الصحابة كانت مرضية إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم، وسفك بعضهم دماء بعض فصار أهل تلك الحروب ساقطي العدالة، ولما اختلطوا بأهل النزاهة وجب البحث عن أمور الرواة منهم، وليس في أهل الدين، والمتحققين بالعلم من يصرف إليهم خبر ما لا يحتمل نوعا من التأويل وضربا من الاجتهاد فهم بمثابة المخالفين من الفقهاء المجتهدين في تأويل الأحكام لإشكال الأمر والتباسه، ويجب أن يكونوا على الأصل الذي قدمناه من حال العدالة والرضا، إذ لم يثبت ما يزيل ذلك عنهم. (١)\n- قال الخطيب في الحسن بن محمد بن أشناس المتوكلي الحمامي: رافضي خبيث كتبت عنه؛ كان يقرأ على الشيعة مثالب الصحابة. (٢)\n- قال الخطيب في عيسى بن مهران المستعطف: كان من شياطين الرافضة ومردتهم، وقع إلي كتاب من تصنيفه في الطعن على الصحابة وتكفيرهم، فلقد قف شعري وعظم تعجبي مما فيه من الموضوعات والبلايا. (٣)\n- وقال الخطيب: وتجوز فتاوى أهل الأهواء، ومن لم تخرجه بدعته إلى فسق، فأما الشراة والرافضة الذين يشتمون الصحابة، ويسبون السلف الصالح، فإن فتاويهم مرذولة، وأقاويلهم غير مقبولة. (٤)\n_________\n(١) الكفاية (ص.٤٩).\n(٢) الميزان (١/ ٥٢١).\n(٣) الميزان (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(٤) الفقيه والمتفقه (٢/ ٣٣٣).","vol":"6","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2423>موقفه من القادسي الرافضي:</span>\nقال أبو بكر الخطيب: حضرته يوم الجمعة بعد الإملاء، وطالبته بأن يريني أصوله، فدفع إلي عن ابن شاذان وغيره أصولا كان سماعه فيها صحيحًا، ولم يدفع إلي عن ابن مالك شيئا، فقلت له: أرني أصلك عن ابن مالك. فقال: أنا لا يشك في سماعي من ابن مالك، أسمعني منه خالي هبة الله ابن سلامة المفسر 'المسند' كله. فقلت له: لا تروين هاهنا شيئا إلا بعد أن تحضر أصولك وتوقف عليها أصحاب الحديث، فانقطع عن حضور الجامع بعد هذا القول، ومضى إلى مسجد براثا فأملى فيه، وكانت الرافضة تجتمع هناك، وقال لهم: قد منعني النواصب أن أروي في جامع المنصور فضائل أهل البيت. ثم جلس في مسجد الشرقية واجتمعت إليه الرافضة ولهم إذ ذاك قوة، وكلمتهم ظاهرة، فأملى عليهم العجائب من الأحاديث الموضوعة في الطعن على السلف. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2424>موقفه من الجهمية:</span>\nعقيدة الخطيب ودفاعه عن العقيدة السلفية:\nجاء في مقدمة مختصر العلو: قال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: وهنا يطيب لي بهذه المناسبة أن أنقل من بعض المخطوطات فصلا رائعا من كلام بعض علماء السلف مما لم يطبع حتى الآن -فيما علمت- وهو للخطيب البغدادي الحافظ المؤرخ المشهور، وقد ذكر المصنف طرفا\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٨/ ١٧) وانظر السير (١٨/ ١١ - ١٢).","vol":"6","page":311},{"text":"منه في ترجمته كما يأتي فرأيت أن أذكره هنا بنصه إتماما للحجة على الخلف الذين يتوهم الكثير منهم أن القول بوجوب الإيمان بحقائق الصفات ومعانيها كما يليق بالله تعالى هو مذهب تفرد به ابن تيمية ومن اقتدوا به فيها، ولم يعلموا أنه ﵀ تابع لهم في ذلك وإنما فضله في بيانه وشرحه له وإقامة الأدلة عليه بالمنقول والمعقول، ودفع الشبهات عنه، وإلا فهو سلفي المعتقد وهو الواجب على كل مسلم ولذلك بادرنا إلى نشر كتاب الذهبي هذا الذي بين يديك لتعلم به ما قد يكون خافيا عليك كما خفي على غيرك. فكان ذلك سببا قويا من أسباب الابتعاد عن العقيدة السلفية والطريقة المحمدية.\nقال الحافظ الخطيب رحمه الله تعالى: أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف رضوان الله عليهم اثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحققها من المثبتين قوم فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله بين الغالي فيه والمقصر عنه. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوما أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: لله تعالى يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة ولا أن معنى السمع والبصر: العلم ولا نقول: إنها","vol":"6","page":312},{"text":"جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها ووجب نفي التشبيه عنها لقوله ﵎: ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) وقوله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ (٢)\nولما تعلق أهل البدع على عيب أهل النقل برواياتهم هذه الأحاديث، ولبسوا على من ضعف علمه، بأنهم يروون ما لا يليق بالتوحيد ولا يصح في الدين، ورموهم بكفر أهل التشبيه وغفلة أهل التعطيل، أجيبوا بأن في كتاب الله تعالى آيات محكمات يفهم منها المراد بظاهرها وآيات متشابهات لا يوقف على معناها إلا بردها إلى المحكم، ويجب تصديق الكل والإيمان بالجميع فكذلك أخبار الرسول - ﷺ - جارية هذا المجرى ومنزلة على هذا التنزيل، يرد المتشابه منها إلى المحكم ويقبل الجميع، وتنقسم الأحاديث المروية في الصفات ثلاثة أقسام: منها أخبار ثابتة أجمع أئمة النقل على صحتها لاستفاضتها وعدالة ناقليها فيجب قبولها والإيمان بها، مع حفظ القلب أن يسبق إليه اعتقاد ما يقتضي تشبيها لله بخلقه، ووصفه بما لا يليق به من الجوارح والأدوات والتغير والحركات. القسم الثاني: أخبار ساقطة بأسانيد واهية وألفاظ شنيعة أجمع أهل العلم بالنقل على بطولها فهذه لا يجوز الاشتغال بها ولا التعريج عليها. والقسم الثالث: أخبار اختلف أهل العلم في أحوال نقلتها فقبلهم البعض دون\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) الإخلاص الآية (٤) ..","vol":"6","page":313},{"text":"الكل، فهذه يجب الاجتهاد والنظر فيها لتلحق بأهل القبول أو تجعل في حيز الفساد والبطول. (١)\nقلت: وهذه العقيدة التي نقل الشيخ، من مخطوطات الظاهرية، نقل الذهبي بعضها في سير أعلام النبلاء. (٢)\nالتعليق:\nأليس هذا هو الذي سماه شيخ الإسلام في الحموية بعنوان: الأصلان والمثلان، ثم فصل القول ﵀ في ذلك، فأين ابن تيمية والخطيب؟ الأول عاش في القرن الخامس والثاني عاش في القرن الثامن؟ ويقرر الثاني ما قرره الأول، وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لأنه ما ثبت ولا وجدنا أحدا ولا سمعنا أن فلانا تاب من العقيدة السلفية ولكن العكس، التاريخ والتراجم طافحة بتوبة فلان كان على مذهب المتكلمين أو الفلاسفة. فلذا السلفي يكون ثابت العقيدة، ثابت المواقف، غير متلون ولا متقلب كما قال هرقل لما سأل أبا سفيان عن أصحاب رسول الله: أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. قال: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. (٣)\n_________\n(١) مختصر العلو (٤٦ - ٤٨) والتذكرة (٣/ ١١٤٢ - ١١٤٣).\n(٢) السير (١٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(٣) أحمد (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣) والبخاري (١/ ٤٢/٧) ومسلم (٣/ ١٣٩٣/١٧٧٣) مطولا والترمذي (٥/ ٦٥ - ٦٦/ ٢٧١٧) والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٦٥/٨٨٤٥) مختصرًا.","vol":"6","page":314},{"text":"القائم بأمر الله (١) (٤٦٧ هـ)\nأمير المؤمنين، القائم بأمر الله، أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد العباسي البغدادي. مولده في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. بويع سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. ونكب سنة خمسين في كائنة البساسيري ففر إلى البرية في ذمام أمير للعرب ثم عاد إلى خلافته بعد عام. كان أبيض وسيما، عالما مهيبا فيه دين وعدل. وكان ذا حظ من تعبد وصيام وتهجد وكان تاركا للملاهي ﵀ وكانت خلافته خمسا وأربعين سنة. وغسله شيخ الحنابلة أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي وعاش ستا وسبعين سنة، وبويع بعده ابن ابنه المقتدي بالله. توفي في شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2426>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في البداية: وفيها -أي سنة تسع وعشرين وأربعمائة- استدعى الخليفة بالقضاة والفقهاء وأحضر جاثليق النصارى ورأس جالوت اليهود، وألزموا بالغيار (٢).اهـ (٣)\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٩/ ٣٩٩ - ٤٠٤) وطبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٠) والكامل في التاريخ (١٠/ ٩٤ - ٩٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٦١ - ٤٧٠/ص.٢٢٦ - ٢٣١) والسير (١٨/ ٣٠٧ - ٣١٨) والبداية والنهاية (١٢/ ١١٧) وشذرات الذهب (٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧).\n(٢) الغيار: مخالفة المسلمين باللباس.\n(٣) البداية (١٢/ ٤٦)","vol":"6","page":315},{"text":"الداوودي عبد الرحمن بن محمد (١) (٤٦٧ هـ)\nالإمام العلامة الورع القدوة، جمال الإسلام مسند الوقت، أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد الداوودي البوشنجي. مولده في ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. سمع 'الصحيح' و'مسند عبد بن حميد' وتفسيره ومسند الدارمي من أبي محمد بن حمويه السرخسي، وتفرد في الدنيا بعلو ذلك. وسمع من عبد الرحمن بن أبي شريح وأبي عبد الله الحاكم وابن الصلت وتفقه على أبي حامد وأبي بكر القفال وعلى أبي الطيب الصعلوكي. قيل: إنه كان يتقوت بما يحمل إليه من ملك له ببوشنج ويبالغ في الورع ومحاسنه جمة ومن شعره:\nرب تقبل عملي ... أصلح أموري كلها ... ولا تخيب أملي\nقبل حلول الأجل\n\nقال السلفي سألت المؤتمن عن الداوودي فقال: كان من سادات رجال خراسان، ترك أكل الحيوانات وما يخرج منها، منذ دخل التركمان ديارهم. وقال أبو سعد السمعاني: له قدم في التقوى راسخ. وقال: فضله في الفنون مشهور، وذكره في الكتب مسطور، وأيامه غرر، وكلامه درر. توفي ﵀ ببوشنج في شوال سنة سبع وستين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2428>موقفه من الخوارج:</span>\nونقل ابن التين عن الداوودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور\n_________\n(١) المنتظم (١٦/ ١٦٨ - ١٦٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٦١ - ٤٧٠/ص.٢٣٢ - ٢٣٦) والسير (١٨/ ٢٢٢ - ٢٢٦) والبداية والنهاية (١٢/ ١٢١) وشذرات الذهب (٣/ ٣٢٧).","vol":"6","page":316},{"text":"أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر. (١)\n\nعبيد الله بن محمد بن الحسين الفَرَّاء (٢) (٤٦٩ هـ)\nأبو القاسم عبيد الله بن محمد بن الحسين الفراء الأخ الأكبر لصاحب طبقات الحنابلة. ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. وسمع الحديث من أبي محمد الجوهري، وجده لأمه جابر بن ياسين، وأبي الحسين بن المهتدي. ورحل إلى الآفاق في طلب العلم. وكان ذا عفة وديانة وصيانة. وكان له معرفة بالجرح والتعديل وأسماء الرجال والكنى وكان حسن الخط صحيحا، فهما لقراءة الحديث. توفي سنة تسع وستين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2430>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في طبقات الحنابلة: ولما ظهرت البدع في سنة تسع وستين وأربعمائة هاجر من بلدنا إلى حرم الله وكانت وفاته في مضيه إلى مكة، بموضع يعرف بمعدن النقرة، في أواخر ذي القعدة من هذه السنة. (٣)\n\nأبو منصور الديلمي (٤) (٤٦٩ هـ)\nاسبهندوست بن محمد بن الحسن أبو منصور الديلمي، الشاعر، لقي أبا\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٨).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٦).\n(٤) المنتظم (١٦/ ١٨٤ - ١٨٥) والبداية والنهاية (١٢/ ١٢٣ - ١٢٤) والكامل لابن الأثير (١٠/ ١٠٦) والنجوم الزاهرة (٥/ ١٠٤).","vol":"6","page":317},{"text":"عبد الله بن الحجاج وعبد العزيز بن نباتة، وغيرهما من الشعراء وكان شيعيا يهجو الصحابة وغيرهم، فتاب كما في قصيدته التي ذكر فيها اعتقاده، وهي قصيدة طويلة جدا، اقتطف منها كل من ترجم له.\nتوفي سنة تسع وستين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2432>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في المنتظم: شاعر مجود لقي أبا عبد الله بن الحجاج، وعبد العزيز ابن نباتة، وغيرهما من الشعراء، وكان يتشيع ثم تاب من ذلك.\nوذكر توبته في قصيدة يقول فيها:\nلاح الهدى فجلا عن الأبصار ... كالليل يجلوه ضياء نهار\nورأت سبيل الرشد عيني بعدما ... غطى عليها الجهل بالأستار\nلابد فاعلم للفتى من توبة ... قبل الرحيل إلى ديار بوار\nيمحو بها ما قد مضى من ذنبه ... وينال عفو إلهه الغفار\nيا رب إني قد أتيتك تائبا ... من زلتي يا عالم الأسرار\nوعلمت أنهم هداة قادة ... وأئمة مثل النجوم دراري\nوعدلت عما كنت معتقدا له والسيد الصديق والعدل الرضى ... في الصحب صحب نبيه المختار عمر وعثمان شهيد الدار\nوعلي الطهر المفضل بعدهم ... سيف الإله وقاتل الفجار\nصحب النبي الغُرِّ بَلْ خلفاؤه ... فينا بأمر الواحد القهار\nرحماء بينهم بذاك صفاتهم ... وردت أشداء على الكفار\nوتراهم من راكعين وسجد ... يستغفرون الله بالأسحار","vol":"6","page":318},{"text":"أيقنت حقا أن من والاهم ... سيفوز بالحسنى بدار قرار\nفعدلت نحوهم مقرا بالولا ... ومخالفا للعصبة الأشرار\nمترجيا عفو الإله ومحوه ... ما قدمته يدي من الأوزار\nوإذا سئلت عن اعتقادي قلت ما ... كانت عليه مذاهب الأبرار\nوأقول خير الناس بعد محمد ... صديقه وأنيسه في الغار\nثم الثلاثة بعده خير الورى ... أكرم بهم من سادة أطهار\nهذا اعتقادي والذي أرجو به ... فوزي وعتقي من عذاب النار\n\nأبو عبد الله محمد بن جعفر الكوفي (١) (٤٧٠ هـ)\nأبو عبد الله محمد بن جعفر الكوفي، كان فقيه القيروان وعالمها في زمانه، وكان فصيحا لسنا سنيا مباينا لأهل البدع شديدا عليهم. وجرت عليه محنة ذكر سببها صاحب معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ففر على إثرها من القيروان ونزل مصر ثم الشام بعدها وتوفي هنالك سنة سبعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2434>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في معالم الإيمان: كان فصيحا لسنا، سنيا مباينا لأهل البدع، شديدا عليهم. ولما أمر المعز بن باديس بلعنة عبيد الله في الخطب وذلك في يوم عيد الفطر من سنة أربعين وأربعمائة، خطب القاضي محمد بن جعفر هذا\n_________\n(١) معالم الإيمان (٣/ ١٩٦).","vol":"6","page":319},{"text":"فقال -بعد ذكر ما جرت العادة به في خطبة الفطر-: اللهم والعن الفسقة الكفار المرائين الفجار، أعداء الدين وأنصار الشياطين، المخالفين لأمرك والناقضين لعهدك، المتبعين غير سبيلك والمبدلين لكتابك، اللهم العنهم لعنا وبيلا، واخزهم خزيا عريضا طويلا، اللهم وإن مولانا وسيدنا أبا تمام المعز بن باديس بن المنصور القائم بدينك، والناصر لسنة نبيك، والرافع للواء أولئك، يقول مصدقا لكتابك وتابعا لأمرك، مباينا لمن غير الدين وسلك غير سبيل المرشدين المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ (١)، (هكذا بإسقاط \"قل\" من أول السورة وترك \"لكم دينكم ولي دين\" لتعلق الأمر بالمراد)، وأمر السلطان خطيب جامع القيروان أن يفعل مثل ذلك على المنبر في الجمع في كل خطبة، وهذا دليل على فصاحته ومباينته لأهل البدع ومحبته لأهل السنة، وجرت عليه محنة أعقبها التأخر عن قضائهم، والزهد في جوارهم. (٢)\n\nالمظفر بن الأفطس (٣) (٤٧٠ هـ)\nأبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلمة التجيبي، سلطان الثغر\n_________\n(١) الكافرون الآيات (١ - ٥).\n(٢) معالم الإيمان (٣/ ١٩٦ - ١٩٧).\n(٣) الكامل في التاريخ (٩/ ٢٨٨) ووفيات الأعيان (٧/ ١٢٣) والسير (١٨/ ٥٩٤ - ٥٩٦) والوافي بالوفيات (٣/ ٣٢٣).","vol":"6","page":320},{"text":"الشمالي من الأندلس، ودار ملكه بطليوس. كان رأسا في العلم والأدب والشجاعة والرأي فكان منافرا للروم شجى في حلوقهم لا ينفس لهم مخنقا ولا يوجد لهم إلى الظهور عليه مرتقى. له تفسير للقرآن كبير. كان مع استغراقه في الجهاد لا يفتر عن العلم، ولا يترك العدل، صنع مدرسة يجلس فيها كل جمعة ويحضره العلماء. وكان يبيت في منظرة له، فإذا سمع صوتا وجه أعوانا لكشف الخبر لا ينام إلا قليلا.\nتوفي بعد السبعين وأربعمائة أو قبلها، قاله الذهبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2436>موقفه من المشركين:</span>\n- قال الذهبي: كان رأسا في العلم والأدب والشجاعة والرأي، فكان مناغرا للروم، شجى في حلوقهم، لا ينفس لهم مخنقا، ولا يوجد لهم إلى الظهور عليه مرتقى، ... ومن نثره -وقد غنم بلاد شلمنكة وهي مجاورته، فكتب إلى المعتمد بالله يفخر، وينكت عليه بمسالمته للروم، فقيل: إنه حصل من هذه الغزوة ألف جارية حسناء من بنات الأصفر-: من يصد صيدا فليصد كما صيدي، صيدي الغزالة من مرابض الأسد. أيها الملك إن الروم إذا لم تغز غزت، ولو تعاقدنا تعاقد الأولياء المخلصين فللنا حدهم، وأذللنا جدهم، ورأي السيد المعتمد على الله سراجٌ تضيء به ظلمات المنى. (١)\n- وقال: وكان كاتبه الوزير أبو محمد عبد الله بن النحوي أحد البلغاء، فكتب أذفونش -لعنه الله- يرعد ويبرق، فأجاب: وصل إلى الملك المظفر من عظيم الروم كتاب مدع في المقادير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ويفرق،\n_________\n(١) السير (١٨/ ٥٩٤ - ٥٩٥).","vol":"6","page":321},{"text":"ويهدد بالجنود الوافرة، ولم يدر أن لله جنودا أعز بهم الإسلام، وأظهر بهم دين نبينا ﵊، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، فأما تعييرك للمسلمين فيما وهن من أحوالهم، فبالذنوب المركوبة، والفرق المنكوبة، ولو اتفقت كلمتنا علمت أي صائب أذقناك، كما كانت آباؤك مع آبائنا، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك، أهدى ابنته إليه مع الذخائر التي كانت تفد في كل عام عليه، ونحن فإن قَلَّتْ أعدادُنا، وعدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر تخوضه، ولا صعب تروضه، إلا سيوف يشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في يومك، وبالله وملائكته (١) نتقوى عليك، ليس لنا سواه مطلب، ولا إلى غيره مهرب، وهل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، شهادة، أو نصر عزيز. (٢)\n\nعبد الرحمن بن مَنْدَه (٣) (٤٧٠ هـ)\nالشيخ الإمام، المحدث، المفيد الكبير، المصنف، أبو القاسم عبد الرحمن ابن الحافظ الكبير أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني. ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. كان صاحب خلق وفتوة وسخاء وبهاء. قال ابن رجب: وكان متمسكا بالسنة، معرضا عن أهل\n_________\n(١) كان الاولى أن يقول: وبالله ثم بملائكته نتقوى عليك.\n(٢) السير (١٨/ ٥٩٥ - ٥٩٦)\n(٣) السير (١٨/ ٣٤٩ - ٣٥٥) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٦ - ٣١) والكامل في التاريخ (١٠/ ١٠٨) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٦٥ - ١١٧٠) وفوات الوفيات (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩) والبداية والنهاية (١٢/ ١٢٦) وشذرات الذهب (٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨) والمنتظم (١٦/ ١٩٤ - ١٩٥).","vol":"6","page":322},{"text":"البدع، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم. قال القاضي أبو الحسين: لم يكن في عصره وبلده مثله في ورعه وزهده وصيانته، وحاله أظهر من ذلك. من أقواله: علامة الرضاء إجابة الله ﵎ من حيث دعا بالكتاب والسنة، وعلامة الورع: الخروج من الشبهات بالأخبار والآيات، وعلامة القناعة: السكوت على الكتاب والسنة في الوقوف عند الشبهة، وعلامة الإخلاص: زيادة السر على الإعلان في إيثار قول الله تعالى وقول رسوله - ﷺ - على الأقاويل كلها بالإيمان والاحتساب، وعلامة الصبر: حبس النفس في استحكام الدرس بالكتاب والسنة، وعلامة التسليم: الثقة بالله الحكيم في قوله، والسكون إلى الله العليم بقول رسوله - ﷺ - في جميع الأشياء. توفي في سادس عشر شوال سنة سبعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2438>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ابن أبي يعلى: وكان قدوة أهل السنة بأصبهان، وشيخهم في وقته، وكان مجتهدا متبعا آثار النبي - ﷺ -، ويحرض الناس عليها، وكان شديدا على أهل البدع، مباينا لهم. وما كان في عصره وبلده مثله في ورعه، وزهده وصيانته. وحاله أظهر من ذلك. (١)\n- وقال ابن رجب: وكان متمسكا بالسنة، معرضا عن أهل البدع، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم. (٢)\n- وقال أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب: كان عمي سيفا على أهل\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٢).\n(٢) طبقات الحنابلة (٣/ ٢٧).","vol":"6","page":323},{"text":"البدع وهو أكبر من أن يثني عليه مثلي. (١)\n- وله تصانيف كثيرة، وردود جمة على المبتدعين والمنحرفين في الصفات وغيرها. (٢)\n- جاء في السير عنه قال: قد عجبت من حالي، فإني وجدت أكثر من لقيته إن صدقته فيما يقوله مداراة له سماني موافقا، وإن وقفت في حرف من قوله أوفى شيء من فعله سماني مخالفا، وإن ذكرت في واحد منهما أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك، سماني خارجيا، وإن قرئ علي حديث في التوحيد سماني مشبها، وإن كان في الرؤية سماني سالميا ... -إلى أن قال-: وأنا متمسك بالكتاب والسنة، متبرئ إلى الله من الشبه والمثل والند والضد والأعضاء والجسم والآلات، ومن كل ما ينسبه الناسبون إٍلَيَّ، ويدعيه المدعون عليَّ، من أن أقول في الله تعالى شيئا من ذلك، أو قلته، أو أراه، أو أتوهمه، أو أصفه به. (٣)\nالتعليق:\nهذا الإمام يحكي حاله مع أهل زمنه الذين لا يتورعون في نبزه بالألقاب؛ فكل صاحب هوى يرميه بوصمة عار. وسبحان الله! التاريخ يعيد نفسه، فأهل هذا الزمن على هذا المنوال، وعلى المرء -كما قال هذا الإمام- أن يتمسك بالكتاب والسنة ولا عليه من لمز فلان وعلان.\n_________\n(١) التذكرة (٣/ ١١٦٦).\n(٢) طبقات الحنابلة (٣/ ٢٨).\n(٣) السير (١٨/ ٣٥١) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٦٧).","vol":"6","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2439>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n- الرد على الجهمية: ذكره في طبقات الحنابلة (١). ونقل منه قولة تكتب بماء الذهب وهي (التأويل عند أصحاب الحديث نوع من التكذيب). (٢)\n\nعبد الخالق بن عيسى الشريف أبو جعفر (٣) (٤٧٠ هـ)\nالإمام شيخ الحنبلية، أبو جعفر، عبد الخالق بن أبي موسى عيسى بن أحمد، الهاشمي، العباسي، الحنبلي، البغدادي. قال ابن الجوزي: ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة. وكان عالما، فقيها، ورعا عابدا زاهدا، قوالا بالحق لا يحابي أحدا، ولا تأخذه في الله لومة لائم. قال ابن السمعاني: إمام الحنابلة في عصره بلا مدافعة، مليح التدريس، حسن الكلام في المناظرة، ورع زاهد، متقن عالم بأحكام القرآن والفرائض، مرضي الطريقة. قال ابن رجب: وكان شديد القول واللسان على أهل البدع ولم تزل كلمته عالية عليهم. وكان له المنزلة والصيت عند الخاص والعام وعند الحاكم والمحكوم، معظما عندهم، زاهدا في الدنيا إلى الغاية، قائما في إنكار المنكرات بيده ولسانه، مجتهدا في ذلك. وإذا ذكرت فتنة ابن القشيري والصدع بالحق فيها فلا ينصرف ذلك\n_________\n(١) (٣/ ٢٩).\n(٢) (٣/ ٣١).\n(٣) السير (١٨/ ٥٤٦ - ٥٤٨) والبداية والنهاية (١٢/ ١٢٧ - ١٢٨) وطبقات الحنابلة (٣/ ١٥ - ٢٦) وشذرات الذهب (٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧) والمنتظم (١٦/ ١٩٥ - ١٩٧).","vol":"6","page":325},{"text":"إلا إليه، وقد أخذ في هذه الفتنة وحبس أياما. توفي ليلة الخميس للنصف من صفر، سنة سبعين بعد الأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2441>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال ابن أبي يعلى: وكان إذا بلغه منكر قد ظهر عظم عليه ذلك جدا، وعرف فيه الكراهة الشديدة، وكان شديد القول واللسان في أصحاب البدع، والقمع لباطلهم، ودحض كلمتهم وإبطالها.\nولم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه متظاهرين على أهل البدع، لا يرد يدهم عنهم أحد. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2442>موقفه من الجهمية:</span>\nكان هذا الإمام يضرب به المثل في الزهد والورع، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان شوكة في حلق المبتدعة، وكان له المنزلة والصيت عند الخاص والعام وعند الحاكم والمحكوم. وإذا ذكرت فتنة ابن القشيري والصدع بالحق فيها فلا ينصرف إلا إلى الشريف أبي جعفر وسنوردها إن شاء الله.\nجاء في طبقات الحنابلة: (وفي سنة ستين وأربعمائة كان أبو علي بن الوليد -شيخ المعتزلة- قد عزم على إظهار مذهبه، لأجل موت الشيخ الأجل أبي منصور بن يوسف، فقام الشريف أبو جعفر، وعبر إلى جامع المنصور هو وأهل مذهبه وسائر الفقهاء وأعيان أهل الحديث وبلغوا ذلك. ففرح أهل\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٨).","vol":"6","page":326},{"text":"السنة بذلك وقرأوا كتاب التوحيد لابن خزيمة ثم حضروا الديوان وسألوا إخراج الاعتقاد الذي جمعه الخليفة القادر فأجيبوا إلى ذلك وقرئ هناك بمحضر من الجميع واتفقوا على لعن من خالفه وتكفيره). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2443>موقفه من فتنة ابن القشيري:</span>\nجاء في طبقات الحنابلة: ومضمون ذلك أن أبا نصر بن القشيري ورد بغداد سنة تسع وستين وأربعمائة، وجلس في النظامية، وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، وكان يتعصب له أبو سعد الصوفي، ومال إلى نصره أبو إسحاق الشيرازي، وكتب إلى نظام الملك الوزير يشكو الحنابلة، ويسأله المعونة فاتفق جماعة من أتباعه على الهجوم على الشريف أبي جعفر في مسجده والإيقاع به، فرتب الشريف جماعة أعدهم لرد خصومة إن وقعت. فلما وصل أولئك إلى باب المسجد رماهم هؤلاء بالآجر. فوقعت الفتنة وقتل من أولئك رجل من العامة وجرح آخرون وأخذت ثياب .. وأغلق أتباع ابن القشيري أبواب سوق مدرسة النظام، وصاحوا: المستنصر بالله يا منصور -يعنون العبيدي صاحب مصر- وقصدوا بذلك التشنيع على الخليفة العباسي وأنه ممالئ للحنابلة، لاسيما والشريف أبو جعفر ابن عمه. وغضب أبو إسحاق وأظهر التأهب للسفر، وكاتب فقهاء الشافعية نظام الملك لما جرى فورد كتابه بالامتعاض من ذلك والغضب لتسلط الحنابلة على الطائفة الأخرى. وكان الخليفة يخاف من السلطان ووزيره نظام الملك ويداريهما. وحكى أبو المعالي صالح بن شافع عن شيخه أبي الفتح الحلواني وغيره. ممن\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٣/ ١٩).","vol":"6","page":327},{"text":"شاهد الحال أن الخليفة لما خاف من تشنيع الشافعية عليه عند النظام أمر الوزير أن يجيل الفكر فيما تنحسم به الفتنة، فاستدعى الشريف أبا جعفر بجماعة من الرؤساء منهم ابن جردة، فتلطفوا به حتى حضر في الليل وحضر أبو إسحاق وأبو سعد الصوفي وأبو نصر ابن القشيري، فلما حضر الشريف عظمه الوزير ورفعه وقال: إن أمير المؤمنين ساءه ما جرى من اختلاف المسلمين في عقائدهم وهؤلاء يصالحونك على ما تريد وأمرهم بالدنو من الشريف فقام إليه أبو إسحاق وكان يتردد في أيام المناظرة إلى مسجده بدرب المطبخ فقال: أنا ذاك الذي تعرف وهذه كتبي في أصول الفقه أقول فيها خلافا للأشعرية ثم قبل رأسه.\nفقال له الشريف: قد كان ما تقول إلا أنك لما كنت فقيرا لم تظهر لنا ما في نفسك فلما جاء الأعوان والسلطان وخواجا بزرك -يعني النظام- أبديت ما كان مخفيا، ثم قام أبو سعد الصوفي فقبل يد الشريف وتلطف به فالتفت مغضبا وقال: أيها الشيخ إن الفقهاء إذا تكلموا في مسائل الأصول فلهم فيها مدخل، وأما أنت فصاحب لهو وسماع وتعبير فمن زاحمك على ذلك حتى داخلت المتكلمين، والفقهاء فأقمت سوق التعصب؟ ثم قام ابن القشيري -وكان أقلهم احتراما للشريف- فقال الشريف: من هذا؟ فقيل: أبو نصر بن القشيري فقال لو جاز أن يشكر أحد على بدعته لكان هذا الشاب، لأنه باد هنا بما في نفسه ولم ينافقنا كما فعل هذان، ثم التفت إلى الوزير فقال: أي صلح يكون بيننا؟ إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو دنيا أو تنازع في ملك. فأما هؤلاء القوم فإنهم يزعمون أنا كفار، ونحن نزعم أن من لا يعتقد ما نعتقده كان كافرا، فأي","vol":"6","page":328},{"text":"صلح بيننا؟ وهذا الإمام يصدع المسلمين وقد كان جداه -القائم والقادر- أخرجا اعتقادهما للناس، وقرئ عليهم في دواوينهم وحمله عنهم الخراسانيون والحجيج إلى أطراف الأرض ونحن على اعتقادهما. وأنهى الوزير إلى الخليفة ما جرى وخرج في الجواب: عرف ما أنهيته من حضور ابن العم -كثر الله في الأولياء مثله- وحضور من حضر من أهل العلم والحمد لله الذي جمع الكلمة وضم الألفة، فليؤذن للجماعة في الانصراف وليقل لابن أبي موسى: أنه قد أفرد له موضع قريب من الخدمة ليراجع في كثير من الأمور المهمة وليتبرك بمكانه، فلما سمع الشريف هذا قال: فعلتموها. فحمل إلى موضع أفرد له بدار الخلافة وكان الناس يدخلون عليه مدة مديدة ثم قيل له: قد كثر استطراق الناس دار الخلافة فاقتصر على من تعين دخوله فقال: مالي غرض في دخول أحد علي، فامتنع الناس.\nثم إن الشريف مرض مرضا أثر في رجليه فانتفختا. فيقال: إن بعض المتفقهة من الأعداء ترك له في مداسه سما والله تعالى أعلم. ثم إن أبا نصر بن القشيري أخرج من بغداد وأمر بملازمة بلده لقطع الفتنة وذلك نفي في الحقيقة. قال ابن النجار: كوتب نظام الملك الوزير بأن يأمره بالرجوع إلى وطنه وقطع هذه الثائرة، فبعث واستحضره وأمره بلزوم وطنه فأقام به إلى حين وفاته. (١)\nالتعليق:\nما يستفاد من هذا الحادث:\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٣/ ١٩ - ٢٢).","vol":"6","page":329},{"text":"- ما كان يمثله السلفيون من قوة حسية ومعنوية وعلمية.\n- حسن قصد السلفيين وسلامة فطرتهم، وبالمقابل كيد المبتدعة ومكرهم.\n- ما كان عليه معظم خلفاء بني العباس من حسن العقيدة.\n- الصلح في أمر الدنيا جائز، وأما العقيدة فلا بيع فيها ولا شراء ولا مصالحة.\n- منقبة للشريف أبي جعفر.\n\nالملك أقسيس (١) (٤٧١ هـ)\nهو أَتْسِز بن أوق الخوارزمي، صاحب دمشق، كان يلقب بالمعظم، وكانت تسميه العامة بأقسيس. قال ابن كثير: وكان من خيار الملوك وأجودهم سيرة وأصحهم سريرة، أزال الرفض عن أهل الشام، وأبطل الأذان بحي على خير العمل، وأمر بالترضي عن الصحابة أجمعين. قال ابن عساكر: ولي دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة بعد حصاره إياها دفعات، وأقام بها الدعوة لبني العباس، وتغلب على أكثر الشام، وقصد مصر ليأخذها فلم يتم له ذلك ثم رجع إلى دمشق، ووجه المصريون إليه عسكرا ثقيلا فلما خاف من ظفرهم به راسل تتش بن ألب أرسلان يستنجد به، فقدم دمشق سنة إحدى وسبعين وأربعمائة فغلب على البلد، وقتل أتسز لإحدى عشرة خلت من شهر ربيع الآخر من هذه السنة واستقام الأمر لتتش.\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٣١ - ٤٣٢) والكامل في التاريخ (١٠/ ٩٩ - ١٠٠) والوافي بالوفيات (٦/ ١٩٥) والبداية والنهاية (١٢/ ١٢٧) وتاريخ دمشق لابن عساكر (٧/ ٣٤٨).","vol":"6","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2445>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في البداية والنهاية: وقد كان إقسيس هذا ... من خيار الملوك وأجودهم سيرة، وأصحهم سريرة، أزال الرفض عن أهل الشام، وأبطل الأذان بحي على خير العمل، وأمر بالترضي عن الصحابة أجمعين. (١)\n\nسعد بن علي الزَّنْجاني (٢) (٤٧١ هـ)\nسعد بن علي بن محمد بن علي بن حسين، أبو القاسم الزنجاني الحافظ. ولد في حدود سنة ثمانين وثلاثمائة. سمع أبا عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف وأبا الحسن الحبان وعلي بن سلامة وعبد الرحمن بن ياسر والحسين بن ميمون الصدفي وجماعة. وروى عنه أبو بكر الخطيب وأبو المظفر السمعاني ومحمد ابن طاهر المقدسي وهبة الله بن فاخر، وآخرون. قال أبو سعد: كان أبو القاسم حافظا، متقنا، ثقة، ورعا، كثير العبادة. وقال محمد بن طاهر: ما رأيت مثله، سمعت أبا إسحاق الحبال يقول: لم يكن في الدنيا مثل أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني في الفضل.\nوقال الذهبي: وقد كان الحافظ سعد بن علي هذا من رؤوس أهل السنة وأئمة الأثر وممن يعادي الكلام وأهله، ويذم الآراء والأهواء. وله قصيدة مشهورة في السنة. وسئل إسماعيل الطلحي عنه فقال: إمام كبير\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ١٢٧).\n(٢) الأنساب (٣/ ١٦٨) والمنتظم (١٦/ ٢٠١) والسير (١٨/ ٣٨٥ - ٣٨٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٧١ - ٤٨٠/ ٤٥ - ٤٩) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٧٤ - ١١٧٨) والوافي بالوفيات (١٥/ ١٨٠) وشذرات الذهب (٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠).","vol":"6","page":331},{"text":"عارف بالسنة. توفي ﵀ سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وقيل سنة سبعين بمكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2447>موقفه من المبتدعة والجهمية:</span>\nقال الذهبي في التذكرة: وقد كان الحافظ سعد بن علي هذا من رؤوس أهل السنة وأئمة الأثر وممن يعادي الكلام وأهله ويذم الآراء والأهواء فنسأل الله أن يختم لنا بخير وأن يتوفانا على الإيمان والسنة، فلقد قل من يتمسك بمحض السنة بل تراه يثني على السنة وأهلها وقد تلطخ ببدع الكلام ويجسر على الخوض في أسماء الله وصفاته وبادر إلى نفيها وبالغ بزعمه في التنزيه، وإنما كمال التنزيه تعظيم الرب ﷿ ونعته بما وصف به نفسه تعالى. (١)\nله من الآثار السلفية:\nقصيدة أبدى عقيدته السلفية فيها، ونقل منها الإمام ابن القيم في اجتماع الجيوش (٢) والذهبي في السير (٣) وهي من أبلغ القصائد، قال ﵀:\nتدبر كلام الله واعتمد الخبر ... ودع عنك رأيا لا يلائمه الأثر\nونهج الهدى فالزمه واقتد بالألى ... هم شهدوا التنزيل علك تنجبر\nوكن موقنا أنا وكل مكلف ... أمرنا بقفو الحق والأخذ بالحذر\nوحكم فيما بيننا قول مالك ... قدير حليم عالم الغيب مقتدر\nسميع بصير واحد متكلم ... مريد لما يجري على الخلق من قدر\n_________\n(١) التذكرة (٣/ ١١٧٧ - ١١٧٨).\n(٢) (١٧٩ - ١٨٠).\n(٣) (١٨/ ٣٨٧ - ٣٨٩).","vol":"6","page":332},{"text":"فمن خالف الوحي المبين بعقله ... فذاك امرء قد خاب حقا وقد خسر\nوفي ترك أمر المصطفى فتنة فذر ... خلاف الذي قد قاله واتل واعتبر (١)\n\nإلى أن قال:\nوما أجمعت فيه الصحابة حجة ... وتلك سبيل المؤمنين لمن سبر\nففي الأحذ بالإجماع فاعلم سعادة ... كما في شذوذ القول نوع من الخطر\n\nوفي اجتماع الجيوش:\nتمسك بحبل الله واتبع الأثر ... ودع عنك رأيا لا يلائمه خبر\nثم قال ابن القيم: وقال في شرح هذه القصيدة: والصواب عند أهل الحق أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وكان عرشه على الماء مخلوقا قبل خلق السماوات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض على ما ورد به النص ونطق به القرآن، وليس معنى استوائه أنه ملكه واستولى عليه لأنه كان مستوليا عليه قبل ذلك وهو أحدثه، لأنه مالك جميع الخلائق ومستول عليها، وليس معنى الاستواء أيضا أنه ماس العرش أو اعتمد عليه أو طابقه فإن كل ذلك ممتنع في وصفه جل ذكره ولكنه مستو بذاته على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه. (٢)\n_________\n(١) السير (١٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨).\n(٢) اجتماع الجيوش (ص.١٨٠).","vol":"6","page":333},{"text":"ابن البناء (١) (٤٧١ هـ)\nالحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادي أبو علي الإمام العالم المفتي المحدث، صاحب التآليف، سمع من هلال الحفار وأبي الفتح بن أبي الفوارس وعبد الله بن يحيى السكري وطبقتهم، فأكثر وأحسن. روى عنه أحمد ابن ظفر المغازلي وأبو منصور عبد الرحمن القزاز وآخرون وقد تلا بالروايات على أبي الحسن الحمامي، وعلق الفقه والخلاف عن القاضي أبي يعلى قديما، واشتغل في حياته وصنف في الفقه والأصول والحديث، وكان له حلقة للفتوى وحلقة للوعظ وكان شديدا على المخالفين. قال القفطي: كان مشارا إليه في القراءات واللغة والحديث. وقال شجاع الذهلي: كان أحد القراء المجودين سمعنا منه قطعة من تصانيفه. توفي في رجب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2449>موقفه من المبتدعة:</span>\nآثاره السلفية:\n١ - 'المختار في أصول السنة' وهو عبارة عن مختصر لشريعة الآجري، وهو مطبوع ومتداول.\n٢ - 'شرح قصيدة ابن أبي داود في السنة'. (٢) وكان أديبا شديدا على أهل الأهواء. (٣)\n٣ - 'شرف أصحاب الحديث'، ذكره ابن رجب في ذيل الطبقات (٤) والعليمي في الدر المنضد (٥).\n٤ - 'كتاب مفرد في الاثنين والسبعين فرقة'، ذكره المؤلف نفسه في كتابه المختار في أصول السنة (٦) (حيث قال: وقد أفردت كتابا بالاثنين وسبعين فرقة ومذاهبهم وبعض أدلتهم، وأجبت على جميع ذلك بحمد الله ومنه إن شاء الله.\n٥ - 'كتاب في السنة'، وهو جزآن يشتمل على خمسين بابا. وقد ذكره المؤلف في كتاب المختار (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2450>موقفه من المشركين:</span>\nقال شيخ الإسلام: وقال أبو علي ابن البناء في 'الخصال والأقسام' له: ومن سب النبي ﵊ وجب قتله، ولا تقبل توبته، وإن كان كافرا فأسلم فالصحيح من المذهب أنه يقتل أيضا ولا يستتاب. قال: ومذهب مالك كمذهبنا. (٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2451>موقفه من الجهمية والقدرية:</span>\nقال ﵀: وأما القدرية والمعتزلة وأنواعهم فينكرون الصراط والميزان والكرسي وفزع يوم القيامة، ونعيم القبر، وعذابه، وسؤال منكر ونكير\n_________\n(١) السير (١٨/ ٣٨٠ - ٣٨٢) والوافي بالوفيات (١١/ ٣٨١ - ٣٨٣) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٧٦ - ١١٧٧) والعبر (٢/ ٥) والمنتظم (١٦/ ٢٠٠ - ٢٠١) وشذرات الذهب (٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩).\n(٢) طبقات الحنابلة (٣/ ٣٥).\n(٣) طبقات الحنابلة (٣/ ٣٣).\n(٤) (١/ ٣٥).\n(٥) (١/ ٢٠٩).\n(٦) (ص.٩١ - ٩٢).\n(٧) (ص.١٥٠).\n(٨) الصارم (٣١٠ - ٣١١).","vol":"6","page":null},{"text":"وضغطة القبر، وخلق الجنة والنار والحور العين، وقالوا: ليس للنبي - ﷺ - يوم القيامة شفاعة، ولا له حوض، وكذبوا بالأخبار الواردة في ذلك، وقالوا: لا يجوز أن يرى الله عزوجل أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة لا مؤمن ولا كافر، وقالوا: كلام الله محدث مخلوق، وقالوا: أسماء الله مخلوقة، وما كان له اسم حتى خلق له الخلق اسما، ويبقى عند عدم الخلق بلا اسم ولا صفة، وقالوا: يجوز أن يقال: بأن الله قادر على الظلم والكذب وغيرهما من القبائح، وقال الجبائي: يجوز أن يقال: بأن الله محبل نساء العالمين، وقالوا: يجب على الله أن يعوض الثواب والجزاء، وأهل السنة يقولون ذلك تفضل منه غير واجب عليه.\nوعندنا جميع أفعال العباد خلق لله تعالى كسب لهم خيرها وشرها، وعند القدرية هي خلق لهم لا رب لها ولا إله، وعندنا صانع العالم واحد، وعندهم عدد كثير يشركونه في الصنعة والخلق. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2452>موقف السلف من ابن العجوز محمد بن عبد الرحمن (٤٧٤ ه</span>ـ)\nبيان زندقته وتحريفه لكلام الله:\nقال الذهبي: لقي أبا إسحاق التونسي بالقيروان، وعليه وعلى ابن البريا كانت العمدة في الفتوى، وكانت بينهما إحن، فجرت محنة للفظة قالها أبو عبد الله، قرأ الخطيب: (وأعدوا لهم ما استطعتم من) عدة، بدل: (قوة) (٢)\n_________\n(١) المختار في أصول السنة له (ص.٨٧).\n(٢) الأنفال الآية (٦٠).","vol":"6","page":336},{"text":"فقال: الوزن واحد. فكفروه، وأفتوا باستتابته، وسجن. (١)\n\nأحمد بن علي بن عبد الله المقرئ أبو الخطاب (٢) (٤٧٦ هـ)\nأحمد بن علي بن عبد الله المقرئ الصوفي أبو الخطاب البغدادي. ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة قرأ على أبي الحسن الحمامي وغيره. تلا على الحمامي المذكور بالسبع وقرأ عليه خلق كثير منهم أبو الفضل بن المهتدي وهبة الله بن المجلى وغيرهما. وروى عنه الحديث أبو بكر بن عبد الباقي وله مصنف في السبعة وقصيدة في السنة وقصيدة في عدد الآي وكان من شيوخ الإقراء ببغداد المشهورين بتجويد القراءة وتحسينها. توفي يوم الثلاثاء سادس وعشرين رمضان سنة ست وسبعين وأربعمائة ودفن بباب حرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2454>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ﵀:\nوإن كتاب الله ليس بمحدث ... على ألسن تتلو، وفي الصدر يجمع\nوما كتب الحفاظ في كل مصحف ... كذلك إن أبصرت، أوكنت تسمع\nوللجبل الرحمن لما بدا ... له تدكدك خوفا كالشطى يتقطع\nوكلم موسى ربه فوق عرشه ... على الطور تكليما، فما زال يخضع (٣)\n_________\n(١) السير (١٨/ ٥٥١).\n(٢) ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٤٥ - ٤٨) وغاية النهاية (١/ ٨٥) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧) وتاريخ الإسلام (٣٢/ ١٨٣) وشذرات الذهب (٣/ ٣٥٣).\n(٣) ذيل الطبقات (١/ ٤٧).","vol":"6","page":337},{"text":"أبو الفتح عبد الوهاب ابن جَلَبَة (١) (٤٧٦ هـ)\nعبد الوهاب بن أحمد بن جلبة الحراني أبو الفتح مفتي حران وقاضيها، تفقه بالقاضي أبي يعلى بن الفراء، وكتب تصانيفه وسمع من أبي علي بن شاذان وأبي بكر البرقاني والحسن بن شهاب العكبري. أخذ عنه مكي الرميلي والرحالة، وكان ولي قضاء حران نيابة من أبي يعلى. درس ووعظ وخطب ونشر السنة.\nقتله ابن قريش العقيلي في سنة ست وسبعين وأربعمائة. عند قيام أهل حران على ابن قريش لما أظهر سب الصحابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2456>موقفه من المبتدعة والرافضة:</span>\n- قال ابن أبي يعلى: واختار الله العظيم له الشهادة على يدي ابن قريش العقيلي في سنة ست وسبعين وأربعمائة، عند اضطراب أهل حران على ابن قريش. لما أظهر سب السلف بها. (٢)\n- جاء في السير: وكان ولي قضاء حران نيابة من أبي يعلى. درس ووعظ وخطب ونشر السنة.\n_________\n(١) السير (١٨/ ٥٦٠ - ٥٦١) والعبر (٢/ ٩) والكامل في التاريخ (١٠/ ١٢٩ - ١٣٠) وشذرات الذهب (٣/ ٣٥٢).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٥) والسير (١٨/ ٥٦١) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٤٣).","vol":"6","page":338},{"text":"أبو إسحاق الشِّيرَازِي (١) (٤٧٦ هـ)\nالشيخ الإمام، القدوة، المجتهد، شيخ الإسلام، أبو إسحاق إبراهيم بن علي ابن يوسف، الفيروز أبادي، الشيرازي الشافعي. ولد سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. وقيل سنة ست وتسعين. سمع من أبي علي بن شاذان، وأبي بكر البرقاني، ومحمد بن عبيد الله الخرجوشي. وعنه الخطيب، وأبو الوليد الباجي، والحميدي وآخرون. قال ابن كثير: كان زاهدا عابدا ورعا، كبير القدر معظما محترما إماما في الفقه والأصول والحديث وفنون كثيرة، وله المصنفات الكثيرة النافعة. قال أبو بكر الشاشي: أبو إسحاق حجة الله على أئمة العصر. وقال الموفق الحنفي: أبو إسحاق أمير المؤمنين في الفقهاء. وقال شيرويه الديلمي: وكان ثقة فقيها زاهدا في الدنيا على التحقيق أوحد زمانه. وقال الذهلي: إمام أصحاب الشافعي والمقدم عليهم في وقته ببغداد، كان ثقة، ورعا، صالحا، عالما بالخلاف علما لا يشاركه فيه أحد. وقال القاضي ابن هانئ: إمامان ما اتفق لهما الحج، أبو إسحاق وأبو عبد الله الدامغاني، أما أبو إسحاق فكان فقيرا، ولو أراده لحملوه على الأعناق ... توفي سنة ست وسبعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2458>موقفه من الجهمية:</span>\nلقد اختلفت الآراء في أبي إسحاق، هل هو سلفي أو أشعري، والذي رجحه الكثير من الباحثين أنه كان على عقيدة السلف. وقد ذكر الدكتور\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٥٢ - ٤٦٤) والأنساب (٩/ ٣٦١ - ٣٦٢) والمنتظم (١٦/ ٢٢٨ - ٢٣١) والكامل في التاريخ (١٠/ ١٣٢ - ١٣٣) ووفيات الأعيان (١/ ٢٩ - ٣١) والوافي بالوفيات (٦/ ٦٢ - ٦٦) والبداية والنهاية (١٢/ ١٣٣) وشذرات الذهب (٣/ ٣٤٩ - ٣٥١).","vol":"6","page":339},{"text":"زكريا عبد الرزاق في مقدمة تحقيقه لكتاب النكت في المسائل المختلف فيها بين الشافعي وأبي حنيفة مرجحات ثمانية لسلفية الشيخ، ثم عقد فصلا للجواب عن شبه من ادعى أنه أشعري وكذلك الدكتور عبد المجيد التركي في مقدمته لكتاب 'الوصول إلى مسائل الأصول' للشيخ أبي إسحاق فقال: (والمرجح أن ابن الصباغ لم يكن يقول بمقالة الأشاعرة، وإنما كان على غرار الشيرازي على عقيدة السلف الصالح ويبدو هذا من خلال كتابه الوحيد الذي وصل إلينا من كامل كتبه -أي كتاب الطريق السالم-).\nومن أكبر المرجحات ما تركه من الآثار السلفية: 'عقيدة السلف'.\nكان الشيخ أبو إسحاق يقول: إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة. (١)\n\nعبد الله بن عطاء الهروي (٢) (٤٧٦ هـ)\nعبد الله بن عطاء بن عبد الله الإبراهيمي الهروي المحدث الحافظ أبو محمد. أحد الحفاظ المشهورين الرحالين سمع من عبد الواحد المليحي وشيخ الإسلام الأنصاري ومن عبد الرحمن وعبد الوهاب ابني منده وجماعة. وكتب بخطه الكثير وخرج التخاريج وحدث.\nروى عنه أبو محمد سبط الخياط وأبو بكر بن الزعفراني وآخر من\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٧).\n(٢) ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٤٤ - ٤٥) وشذرات الذهب (٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣) والميزان (٢/ ٤٦٢) واللسان (٣/ ٣١٦) والمنتظم (١٦/ ٢٣١ - ٢٣٢).","vol":"6","page":340},{"text":"روى عنه أبو المعالي بن النحاس ووثقه طائفة من حفاظ وقته في الحديث منهم المؤتمن الساجي.\nقال شهردار الديلمي عنه كان صدوقا حافظا متقنا واعظا حسن التذكير.\nوقال يحيى بن منده: كان أحد من يفهم الحديث ويحفظ صحيح النقل كثير الكتابة حسن الفهم وكان واعظا حسن التذكير.\nوتوفي في طريق مكة بعد عوده منها على يومين من البصرة سنة ست وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2460>موقفه من الجهمية:</span>\nقال خميس الجوزي: رأيته ببغداد ملتحقا بأصحابنا، ومتخصصا بالحنابلة، يخرج لهم الأحاديث المتعلقة بالصفات، ويرويها لهم. وأضداده من الأشعرية يقولون: هو يضعها. وما علمت فيه ذلك. وكان يعرفه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2461>موقف السلف من البكري أبي بكر عتيق الأشعري (٤٧٦ ه</span>ـ)\nبيان فضائحه الأشعرية:\nجاء في السير: وفد على النظام الوزير -أي البكري-،فنفق عليه، وكتب له توقيعا بأن يعظ بجوامع بغداد، فقدم وجلس، واحتفل الخلق، فذكر\n_________\n(١) ذيل الطبقات (١/ ٤٥).","vol":"6","page":341},{"text":"الحنابلة، وحط وبالغ، ونبزهم بالتجسيم، فهاجت الفتنة، وغلت بها المراجل، وكفر هؤلاء هؤلاء، ولما عزم على الجلوس بجامع المنصور، قال نقيب النقباء: قفوا حتى أنقل أهلي، فلابد من قتل ونهب. ثم أغلقت أبواب الجامع، وصعد البكري، وحوله الترك بالقسي، ولقب بعلم السنة، فتعرض لأصحابه طائفة من الحنابلة، فشدت الدولة منه، وكبست دور بني القاضي ابن الفراء، وأخذت كتبهم، وفيها كتاب في الصفات، فكان يقرأ بين يدي البكري، وهو يشنع ويشغب، ثم خرج البكري إلى المعسكر متشكيا من عميد بغداد أبي الفتح بن أبي الليث. وقيل: إنه وعظ وعظم الإمام أحمد، ثم تلا: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (١) فجاءته حصاة ثم أخرى، فكشف النقيب عن الحال فكانوا ناسا من الهاشميين حنابلة قد تخبؤوا في بطانة السقف، فعاقبهم النقيب، ثم رجع البكري عليلا، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربعمائة. (٢)\nالتعليق:\nمن هذه الحادثة يستفاد:\n- ما كان عليه نظام الملك من نصرة لعقيدة الأشاعرة.\n- جرأة الأشاعرة على أهل الإثبات.\n- مصادرة كتب السلف.\n_________\n(١) البقرة الآية (١٠٢).\n(٢) السير (١٨/ ٥٦١ - ٥٦٢).","vol":"6","page":342},{"text":"- تمسك السلفيين بعقيدتهم مهما كان المقابل.\n- تشويه الأشاعرة لأهل الإثبات ومحاولة التستر وراء الإمام أحمد وهو بريء منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2462>موقف السلف من مسعود بن ناصر (٤٧٧ ه</span>ـ)\nبيان ضلاله في باب القدر:\nقال أبو بكر بن الخاضبة: وكان مسعود قدريا، سمعته يقرأ الحديث، فلما أتى على حديث أبي هريرة: «احتج آدم وموسى» (١) في الحديث، وقال: «فحج آدم موسى» فجعل موسى فاعلا وآدم محجوجا، نوزع في ذلك وجرت قصة. (٢)\n\nعبد الملك الجُوَيْنِي (٣) (٤٧٨ هـ)\nإمام الحرمين، الإمام الكبير، شيخ الشافعية، أبو المعالي، عبد الملك بن الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني، ثم النيسابوري، ضياء الدين الشافعي، صاحب التصانيف. ولد في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة. سمع من والده، وأبي حسان محمد بن أحمد المزكي، وأبي\n_________\n(١) تقدم في مواقف هارون الرشيد سنة (١٩٣هـ).\n(٢) المنتظم (١٦/ ٢٣٨) والتذكرة (٤/ ١٢١٧).\n(٣) السير (١٨/ ٤٦٨ - ٤٧٧) والأنساب (٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧) والمنتظم (١٦/ ٢٤٤ - ٢٤٧) والكامل في التاريخ (١٠/ ١٤٥) ووفيات الأعيان (١/ ١٦٧ - ١٧٠) والبداية والنهاية (١٢/ ١٣٦ - ١٣٧) والعقد الثمين (٥/ ١٢٧ - ١٢٨) وشذرات الذهب (٣/ ٣٥٨ - ٣٦٢).","vol":"6","page":343},{"text":"عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز النبلي وآخرين. وعنه جماعة منهم أبو عبد الله الفراوي، وزاهر الشمامي، وأحمد بن سهل المسجدي. سمع الحديث الكثير في البلاد وفي بغداد، وخرج إلى الحجاز فأقام بمكة أربع سنين، وعاد إلى نيسابور فجلس للتدريس ثلاثين سنة، وقد سلم إليه التدريس والمحراب والمنبر والخطابة ومجلس التذكير يوم الجمعة، وكان يحضر درسه كل يوم نحو ثلاثمائة، وتخرج به جماعة من الأكابر، حتى درسوا في حياته. قال أبو إسحاق الفيروز أبادي: تمتعوا من هذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني أبا المعالي الجويني. كان من أئمة أهل الكلام، فتاب منه وتبرأ من أهله، ورجع إلى مذهب السلف. توفي ﵀ ليلة الأربعاء بعد العشاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2464>موقفه من الجهمية:</span>\nهذا الرجل تركه أبوه وعمره عشرون سنة مع أن أباه رجع إلى عقيدة السلف ونبذ الأشعرية، ولا أدري كيف لم يستفد عبد الملك من أبيه عبد الله الذي تقدم الحديث عنه. والمهم أن أبا المعالي تربى على الأشعرية وعلم الكلام وترعرع في ذلك، حتى أصبح العمدة عند الأشاعرة على الخصوص وعند علماء الكلام على العموم، وألف لهم كتبا أصبحت المصدر الأول للعقيدة الأشعرية، منها 'الإرشاد' وقد طبع، و'الشامل' وهو الذي سماه شيخ الإسلام بـ'زبور الأشاعرة'، والحق أنه قطع الطريق على الأشعري وأصحابه، وأصبحت العقيدة الأشعرية مستمدة على ما قعده أبو المعالي. والكلام على أبي المعالي يحتاج إلى تأليف خاص، والمهم عندنا الإشارة إلى المواقف السلفية،","vol":"6","page":344},{"text":"ومن كان واقفا عقبة أمام العقيدة السلفية، فكان هذا الرجل من أكبر العقبات التي واجهت العقيدة السلفية واسمع ما يقوله في السلف وكتبهم.\nقال أبو المعالي: إن أئمة السنة وأخيار الأمة بعد صحب رسول الله - ﷺ - ورضي عنهم، لم يودع أحد منهم كتابه الأخبار المتشابهات، فلم يورد مالك ﵁ في الموطأ منها شيئا مما أورده الآجري وأمثاله، وكذلك الشافعي وأبو حنيفة وسفيان والليث والثوري ولم يفتوا بنقل المشكلات.\nونبغت ناشئة ضروا بنقل المشكلات وتدوين المتشابهات، وتبويب أبواب ورسم تراجم على ترتيب فطرة المخلوقات، ورسموا بابا في ضحك الباري، وبابا في نزوله وانتقاله وعروجه ودخوله وخروجه، وبابا في إثبات الأضراس، وبابا في خلق الله آدم على صورة الرحمن، وبابا في إثبات القدم والشعر القطط، وبابا في إثبات الأصوات والنغمات، تعالى الله عن قول الزائغين.\nقال: وليس يعتمد جمع هذه الأبواب وتمهيد هذه الأنساب إلا مشبه على التحقيق أو متلاعب زنديق. (١)\nالتعليق:\nانظر إلى هذا الحقد على السلف وكتبهم حتى جعله يخترع ما لم يوجد، ولا خطر ببال، وأين هذه الدعاوى في كتاب الآجري الذي مثل به. ودعواه أن الأئمة لم يوردوا شيئا من أحاديث الصفات جهل واضح. وقد\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٢٩١).","vol":"6","page":345},{"text":"بين شيخ الإسلام ذلك بيانا مفصلا في الفتاوى الكبرى. (١)\nوكانت بضاعة أبي المعالي في الحديث قليلة وربما منعدمة.\nيقول الإمام الذهبي: كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع وأصول المذهب وقوة مناظرته، لا يدري الحديث كما يليق به، لا متنا ولا إسنادا. ذكر في كتاب البرهان حديث معاذ في القياس فقال: هو مدون في الصحاح متفق على صحته. (٢)\nالتعليق:\nفمن كان حاله كما وصف الذهبي، هل له أن يقول إن الأئمة لم يوردوا شيئا من أحاديث الصفات. فكل فن له أربابه، ومن تكلم فيما لا يحسنه كان ساقط الحجة.\nوقوعه في الحيرة لمخالفة عقيدة السلف في العلو:\n- قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهمذاني مجلس وعظ أبي المعالي، فقال: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه. فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها، ما قال عارف قط: يا ألله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا، أو قال: فهل عندك دواء لدفع هذه الضرورة التي نجدها؟ قال: يا حبيبي ما ثم إلا الحيرة. ولطم على رأسه، ونزل، وبقي\n_________\n(١) (٥/ ٢٩٢ - ٣٠٧).\n(٢) السير (١٨/ ٤٧١).","vol":"6","page":346},{"text":"وقت عجيب، وقال فيما بعد: حيرني الهمذاني. (١)\n- ونقل أن أبا المعالي تاب ورجع إلى عقيدة السلف نحسن الظن به أنه رجع في نيته إلى عقيدة السلف، ولكن العبارة التي يستدل بها من قال إنه رجع في كتابه المسمى العقيدة النظامية، والعبارة عبارة عن التعبير عن التفويض لا عن الإثبات وهذه هي العبارة بعينها من العقيدة النظامية قال: اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق فحواها فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في القرآن وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقد اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الأمة حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة وقد درج صحب الرسول - ﷺ - على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة ... (٢)\n- ومن أقواله في رجوعه عن الكلام إلى الحديث والآثار ما جاء في السير: قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب -وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي في الكلام- فقال: سمعت أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا: لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به.\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٧٤ - ٤٧٥).\n(٢) العقيدة النظامية (ص.٢٣) والسير (١٨/ ٤٧٣).","vol":"6","page":347},{"text":"- وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور. (١)\n- قال ابن الجوزي: وكان أبو المعالي الجويني يقول لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك في طلب الحق وهربا من التقليد والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني. وكان يقول لأصحابه يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به. (٢)\n- قال المازري في شرح 'البرهان' في قوله: إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات: وددت لو محوتها بدمي. وقيل: لم يقل بهذه المسألة تصريحا، بل ألزم بها لأنه قال بمسألة الاسترسال فيما ليس بمتناه من نعيم أهل الجنة، فالله أعلم. قلت -أي الذهبي-: هذه هفوة اعتزال، هجر أبو المعالي عليها، وحلف أبو القاسم القشيري لا يكلمه، ونفي بسببها، فجاور وتعبد، وتاب - ولله الحمد- منها، كما أنه في الآخر رجح مذهب السلف في الصفات\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٧٤) ومجموع الفتاوى (٥/ ١١).\n(٢) تلبيس إبليس (١٠٤ - ١٠٥).","vol":"6","page":348},{"text":"وأقره. (١)\n- قال الفقيه الغانم الموشيلي: سمعت الإمام أبا المعالي يقول لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2465>موقف السلف من مسلم بن قريش صاحب الموصل (٤٧٨ ه</span>ـ)\nبيان رفضه وتسلطه:\nجاء في السير: السلطان شرف الدولة، أبو المكارم، مسلم بن ملك العرب قريش بن بدران بن الملك حسام الدولة مقلد بن المسيب بن رافع العقيلي.\nكان يترفض كأبيه. ونهب أبوه دور الخلافة في فتنة البساسيري، وأجار القائم بأمر الله. ومات سنة ثلاث وخمسين كهلا، فولي ابنه ديار ربيعة ومضر، وتملك حلب، وأخذ الأتاوة من بلاد الروم، وحاصر دمشق، وكاد أن يأخذها، فنزع أهل حران طاعته، فبادر إليها، فحاربوه، فافتتحها، وبذل السيف في السنة بها، وأظهر سب الصحابة، ودانت له العرب، ورام الإستيلاء على بغداد بعد طغرلبك، وكان يجيد النظم، وله سطوة وسياسة وعدل بعنف، وكان يعطي جزية بلاده للعلوية. عمر سور الموصل وشيدها. ثم إنه عمل المصاف مع سلطان الروم سليمان بن قتلمش في سنة ٤٧٨ بظاهر\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٧٢).\n(٢) السير (١٨/ ٤٧٣).","vol":"6","page":349},{"text":"أنطاكية، فقتل مسلم وله بضع وأربعون سنة. وقيل: بل خنقه خادم في الحمام. وملكوا أخاه إبراهيم، وله سيرة طويلة وحروب وعجائب. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2466>شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ ه</span>ـ)\nكان هذا الإمام سدا منيعا في وجوه المبتدعة، برز ذلك في شخصه وكتبه ومناظراته، لقد عرض على السيف خمس مرات ومع ذلك رزقه الله الصمود في وجه من أراد أن يجعله أشعريا أو كلابيا. ولأبي إسماعيل أخطاء تمنينا وتمنى أهل العلم قبلنا عدم صدورها من الشيخ يتمثل ذلك في كتابه: 'منازل السائرين' ذكر فيه أشياء يتبرأ السلف منها، وربما فيه ما يؤدي إلى الحلول. وقد قال الإمام الذهبي في 'منازل السائرين': فيه أشياء مطربة وفيه أشياء مشكلة ومن تأمله لاح له ما أشرت إليه. (٢)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلام له على إبطال أن الله في كل مكان: وإن قالوا بحلوله بذاته في قلوب العارفين كان هذا قولا بالحلول الخالص وقد وقع في ذلك طائفة من الصوفية حتى صاحب: 'منازل السائرين' في توحيده المذكور في آخر المنازل في مثل هذا الحلول. (٣)\nوقال الذهبي: ورأيت أهل الاتحاد يعظمون كلامه في منازل السائرين ويدعون أنه موافقهم، ذائق لوجدهم، ورامز لتصوفهم الفلسفي، وأنى يكون\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٨٢ - ٤٨٣).\n(٢) السير (١٨/ ٥٠٩).\n(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٣٠).","vol":"6","page":350},{"text":"ذلك وهو من دعاة السنة وعصبة آثار السلف؟. (١)\nوقال أيضًا: ... فإن طائفة من صوفة الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في منازل السائرين وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم، كلا بل هو رجل أثري، لهج بإثبات نصوص الصفات، منافر للكلام وأهله جدًا. (٢)\nوقال ابن رجب: وقد اعتنى بشرح كتابه منازل السائرين جماعة، وهو كثير الإشارة إلى مقام الفناء في توحيد الربوبية، واضمحلال ما سوى الله تعالى في الشهود لا في الوجود. فيتوهم فيه أنه يشير إلى الاتحاد حتى انتحله قوم من الاتحادية، وعظموه لذلك. وذمه قوم من أهل السنة، وقدحوا فيه بذلك. وقد برأه الله من الاتحاد. وقد انتصر له شيخنا أبو عبد الله ابن القيم في كتابه الذي شرح فيه المنازل، وبين أن حمل كلامه على قواعد الاتحاد زور وباطل. (٣)\nوإليك نماذج من مواقف شيخ الإسلام الهروي من الجهمية:\nمحن الشيخ:\n- قال شيخ الإسلام الهروي: ثم إني لا أعلم أني سمعت في عمري بشرا واحدا في بلدتنا يقر على نفسه بذلك المذهب أو يصرح بشيء من الكلام، وهو يعرفه أو يظهر شيئا من كتبهم إلا من أحد وجوه أربعة:\nأحدها: أن يكون رجل عُلِم منه أنه قرأ الكلام فهو يحلف أنه إنما قرأه ليصول به على خصم لا ليدين به دينا.\n_________\n(١) تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٨٣).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥١٠).\n(٣) ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٦٧).","vol":"6","page":351},{"text":"والثاني: رجل أخذ عن أستاذ متهم به فهو يحلف بالله أنه إنما أخذ عنه الفقه لا الكلام.\nوالثالث: قوم لحقهم داء من الصحبة حتى لحظتهم الأعين بالهوان بصحبة أهل التهمة والركون إليهم، فهم إذا خلوا يتناجون، وإذا برزوا يتهاجون.\nوالرابع: رجل ظهر عليه شيء من كتب الكلام بخطه أو قراءته أو أخذه حيا أو ميتا، فكلهم يحمل من أعباء الذل والهجران والطرد ما لا يحمل عيار ولا يعالجه ماجن ولا مخنث، ولا مريضهم يعاد ولا جنائزهم تشيع، على أنك لا تعدم منهم قلة الورع وقسوة القلب، وقلة الورد وسوء الصلاة والاستخفاف بالسنة والتهاون بالحديث والوضع من أهله وترك الجماعات والشماتة بفواجع أهل السنة والهزوء بهم. وقد سمعت بعض المتهمين يقول: وما الكلام كل ما خرج من الفم من النطق فهو كلام، فهو والله حمق ظاهر أن يكون يلبسه بالشافعي الإمام المطلبي باعترائه الكاذب إليه، وزعمه الباهت عليه، وهو من أشد خلق الله تعالى على المتكلمين وأثقلهم عليه، كما نظمنا عنه من أقاويله الغر في ذمهم، ثم هذا المراوغ يدعي أنه لا يدري ما الكلام، وهؤلاء أئمة الإسلام. وكل هذا التحذير وإيذانه قديما بالضرر الكبير، فليبرزوا به إذا من الخباء، وليخرجوا الطبل من الكساء ويقيموا الخطأ على أولئك السادة الهداة، وليشيروا بنا إلى كل مسلم أدركه في الكلام رشد، أو لقي به خيرا، فلا والله لا دين المتناجين دين، ولا رأي","vol":"6","page":352},{"text":"المتسترين متين. (١)\n- قال ابن تيمية: وشيخ الإسلام، وإن كان ﵀ من أشد الناس مباينة للجهمية في الصفات، وقد صنف كتابه 'الفاروق في الفرق بين المثبتة والمعطلة' وصنف كتاب 'تكفير الجهمية'وصنف كتاب 'ذم الكلام وأهله' وزاد في هذا الباب، حتى صار يوصف بالغلو في الإثبات للصفات، لكنه في القدر على رأي الجهمية، نفاة الحكم والأسباب. (٢)\n- جاء في سير أعلام النبلاء: قال ابن طاهر: سمعته يقول: عرضت على السيف خمس مرات لا يقال لي ارجع عن مذهبك، لكن يقال اسكت عمن خالفك. فأقول لا أسكت. (٣)\nوقال الحافظ أبو النضر الفامي: كان شيخ الإسلام أبو إسماعيل بكر الزمان وواسطة عقد المعاني وصورة الإقبال في فنون الفضائل وأنواع المحاسن منها، نصرة الدين والسنة من غير مداهنة ولا مراقبة لسلطان ولا وزير، وقد قاسى بذلك قصد الحساد في كل وقت وسعوا في روحه مرارا وعمدوا إلى إهلاكه أطوارا، فوقاه الله شرهم، وجعل قصدهم أقوى سبب لارتفاع شأنه. (٤)\n- وسمعت خادمه أحمد بن أميرجه يقول: حضرت مع الشيخ للسلام على الوزير نظام الملك، وكان أصحابنا كلفوه الخروج إليه وذلك بعد المحنة ورجوعه إلى وطنه من بلخ -يعني أنه كان قد غرب- قال: فلما دخل عليه\n_________\n(١) ذم الكلام (٤/ ٤٢٥ - ٤٢٨ الأنصاري).\n(٢) المنهاج (٥/ ٣٥٨).\n(٣) السير (١٨/ ٥٠٩) وطبقات الحنابلة (١/ ٥٣ - ٥٤).\n(٤) السير (١٨/ ٥١٠).","vol":"6","page":353},{"text":"أكرمه وبجله وكان هناك أئمة من الفريقين فاتفقوا على أن يسألوه بين يدي الوزير فقال العلوي الدبوسي: يأذن الشيخ الإمام أن يسأل؟ قال: سل؟ قال: لم تلعن أبا الحسن الأشعري؟ فسكت الشيخ وأطرق الوزير. فلما كان بعد ساعة قال الوزير: أجبه؟ فقال: لا أعرف أبا الحسن وإنما ألعن من لم يعتقد أن الله في السماء وأن القرآن في المصحف ويقول: إن النبي - ﷺ - اليوم ليس بنبي. ثم قام وانصرف فلم يمكن أحدا أن يتكلم من هيبته فقال الوزير للسائل: هذا أردتم، أن نسمع ما كان يذكره بهراة بآذاننا وما عسى أن أفعل به؟ ثم بعث إليه بصلة وخلع فلم يقبلها وسافر من فوره إلى هراة. (١)\n- قال: وسمعت أصحابنا بهراة يقولون: لما قدم السلطان ألب أرسلان هراة في بعض قدماته اجتمع مشائخ البلد ورؤساؤه، ودخلوا على أبي إسماعيل وسلموا عليه، وقالوا ورد السلطان ونحن على عزم أن نخرج ونسلم عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسلام عليك، وكانوا قد تواطؤوا على أن حملوا معهم صنما من نحاس صغيرا وجعلوه في المحراب تحت سجادة الشيخ وخرجوا وقام الشيخ إلى خلوته ودخلوا على السلطان واستغاثوا من الأنصاري وأنه مجسم وأنه يترك في محرابه صنما يزعم أن الله تعالى على صورته وإن بعث السلطان الآن يجده. فعظم ذلك على السلطان وبعث غلاما وجماعة فدخلوا وقصدوا المحراب فأخذوا الصنم فألقى الغلام الصنم فبعث السلطان من أحضر الأنصاري فأتى فرأى الصنم والعلماء وقد اشتد غضب السلطان فقال له السلطان: ما هذا؟ قال: صنم يعمل من الصفر شبه اللعبة. قال: لست عن ذا\n_________\n(١) السير (١٨/ ٥١١) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٥٤ - ٥٥).","vol":"6","page":354},{"text":"أسألك. قال: فعم يسألني السلطان؟ قال: إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا وأنك تقول: إن الله على صورته. فقال شيخ الإسلام بصولة وصوت جهوري: سبحانك هذا بهتان عظيم. فوقع في قلب السلطان أنهم كذبوا عليه فأمر به فأخرج إلى داره مكرما وقال لهم: اصدقوني وهددهم فقالوا: نحن في يدي هذا في بلية من استيلائه علينا بالعامة فأردنا أن نقطع شره عنا. فأمر بهم ووكل بهم وصادرهم وأخذ منهم وأهانهم. (١)\nالتعليق:\nهكذا مكائد المبتدعة في كل زمان ومكان، لا يراقبون الله ولا يخافونه، فالرجل ينافح عن مذهب السلف ويدافع عنه، وهم يتهمونه بالتشبيه والتمثيل وتصل بهم الوقاحة إلى ما فعلوا. ولكن الله لطيف بعباده وهو للظالمين بالمرصاد مهما علا شأنهم وارتفع.\nمناظرات الشيخ وفحمه للخصم:\n- قال ابن طاهر: حكى لي أصحابنا، أن السلطان ألب أرسلان قدم هراة ومعه وزيره نظام الملك، فاجتمع إليه أئمة الحنفية وأئمة الشافعية للشكوى من الأنصاري ومطالبته بالمناظرة، فاستدعاه الوزير فلما حضر قال: إن هؤلاء قد اجتمعوا لمناظرتك فإن يكن الحق معك رجعوا إلى مذهبك، وإن يكن الحق معهم رجعت أو تسكت عنهم، فوثب الأنصاري وقال: أناظر على ما في كمي قال: وما في كمك؟ قال: كتاب الله -وأشار إلى كمه\n_________\n(١) السير (١٨/ ٥١٢) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٥٥ - ٥٦).","vol":"6","page":355},{"text":"اليمين- وسنة رسوله -وأشار إلى كمه اليسار- وكان فيه: الصحيحان فنظر الوزير إليهم مستفهما لهم؟ فلم يكن فيهم من ناظره من هذا الطريق. (١)\n- وجاء في ذيل طبقات الحنابلة: وذكر الرهاوي أن الحسين بن محمد الكتبي، ذكر في تاريخه أن مسعود ابن محمود بن سبكتكين قدم هراة سنة ثلاثين وأربعمائة فاستحضر شيخ الإسلام وقال له: أتقول: إن الله ﷿ يضع قدمه في النار؟ فقال: أطال الله بقاء السلطان المعظم إن الله ﷿ لا يتضرر بالنار والنار لا تضره، والرسول لا يكذب عليه وعلماء هذه الأمة لا يتزيدون في ما يروون عنه، ويسندون إليه فاستحسن جوابه ورده مكرما. (٢)\nالتعليق:\nكان السلاح عند علماء السلف الكتاب والسنة. فما وافقهما استعانوا به، وما خالفهما نبذوه وراءهم ظهريا. والأمر إلى يومنا هذا كذلك، فمن تمسك بالكتاب والسنة وطلب الحجة منهما تجده دائما هو القوي والغالب مهما كان شأن المناظر، ومن قصر فيهما يكون كل واحد بحسبه، فعلمه بهما يفيده بقدر ذلك وجهله بهما يجعله مذموما مدحورا.\n- جاء في السير: قال المؤتمن وسمعته يقول: تركت الحيري لله، قال: وإنما تركه لأنه سمع منه شيئا يخالف السنة.\nقال الإمام الذهبي: كان يدري الكلام على رأي الأشعري وكان شيخ الإسلام أثريا قحا، ينال من المتكلمة فلهذا أعرض عن الحيري، والحيري فثقة\n_________\n(١) السير (١٨/ ٥١٠ - ٥١١) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٥٤).\n(٢) ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٥٧).","vol":"6","page":356},{"text":"عالم. (١)\n- وجاء في طبقات الحنابلة: وكان شديدا على الأشعرية. (٢)\nولشيخ الإسلام قصيدة نونية طويلة مشهورة ذكر فيها أصول السنة. (٣)\nآثار الشيخ السلفية:\n١ - 'الفاروق في الصفات': نقل منه ابن القيم في اجتماع الجيوش (٤)، وشيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى (٥) والمنهاج (٦)، وقال فيه الإمام الذهبي: غالب ما رواه في كتاب 'الفاروق' صحاح وحسان وفيه باب إثبات استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة بائنا من خلقه، من الكتاب والسنة ... (٧)\n٢ - 'ذم الكلام': وهو من خيرة المصادر السلفية، وتوجد منه نسخة في الجامعة الإسلامية، ونسخة أخرى في تركيا، وقد سجل رسالة علمية بالجامعة الإسلامية: قسم العقيدة من قبل الطالب عبد الرحمان الشبلي، في مرحلة الماجستير -وقد نفعنا الله به في هذا البحث المبارك- وأكثر من النقل عنه العلماء في كتبهم. ولخصه السيوطي في صون المنطق وهو أشهر من أن يعرف به.\n٣ - 'الأربعون في أصول الدين'، وقد طبع الكتاب بحمد الله بتحقيق الشيخ علي ناصر فقيهي.\n_________\n(١) السير (١٨/ ٥٠٦) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٨٦) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٥١).\n(٢) ذيل الطبقات (٢/ ٢٤٧).\n(٣) ذيل الطبقات (١/ ٥٣).\n(٤) (ص.٢٥٣ - ٢٥٤).\n(٥) (٥/ ٤٩).\n(٦) (٥/ ٣٥٨).\n(٧) السير (١٨/ ٥١٤).","vol":"6","page":357},{"text":"٤ - 'الرد على الجهمية'، ذكره شيخ الإسلام في المنهاج. (١)\nالسنة الثانية والثمانون بعد الأربعمائة\nفضائح الشيعة وموقف المسلمين منهم (٤٨٢ هـ)\nجاء في البداية والنهاية: ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وأربعمائة، وفيها كانت فتن عظيمة بين الروافض والسنة ورفعوا المصاحف، وجرت حروب طويلة وقتل فيها خلق كثير، نقل ابن الجوزي في المنتظم من خط ابن عقيل، أنه قتل في هذه السنة قريب من مائتي رجل قال: وسب أهل الكرخ الصحابة وأزواج النبي - ﷺ -. فلعنة الله على من فعل ذلك من أهل الكرخ. وإنما حكيت هذا ليعلم ما في طوايا الروافض من الخبث والبغض لدين الإسلام وأهله ومن العداوة الباطنة الكامنة في قلوبهم لله ولرسوله وشريعته. (٢)\nالتعليق:\nلا أدري ماذا يقول دعاة التقارب في مثل هذه الوقائع المؤلمة، وماذا يقولون في تعبير الإمام ابن كثير هذا: هل هو جاهل بالوقائع التاريخية أو بالأحكام الشرعية، أو لا يعرف الفرق بين السنة والشيعة ومدى إمكانية التقارب بينهما. كل هذه أسئلة ينبغي لها أن توضع، ويجد دعاة التقارب لها جوابا حتى يقنعونا بفكرتهم الفاشلة التي منطلقها الضعف والخور، أو الأغراض الشخصية والمذهبية ...\n_________\n(١) (٥/ ٣٥٨).\n(٢) البداية والنهاية (١٢/ ١٤٤).","vol":"6","page":358},{"text":"الحَبَّال (١) (٤٨٢ هـ)\nإبراهيم بن سعيد بن عبد الله النعماني أبو إسحاق الإمام الحافظ المتقن العالم المصري الكتبي الوراق الحبال، ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. وسمع من الحافظ عبد الغني بن سعيد في سنة سبع وأربعمائة. فكان آخر من سمع منه، وسمع من أحمد بن عبد العزيز بن ثرثال ومن أبي محمد عبد الرحمن بن عمر بن النحاس ومحمد بن الفضل بن نظيف وخلق سواهم. وكان يتجر في الكتب ويخبرها، وحصل من الأصول والأجزاء ما لا يوصف كثرة. روى عنه أبو عبد الله الحميدي وإبراهيم بن الحسن العلوي النقيب ومحمد بن إبراهيم البكري وعدة.\nقال ابن ماكولا: كان الحبال ثقة ثبتا ورعا خيرا. قال ابن طاهر: رأيت الحبال وما رأيت أتقن منه.\nمات سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة وله إحدى وتسعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2468>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: وكانت الدولة الباطنية قد منعوه من التحديث، وأخافوه، وهددوه، فامتنع من الرواية، ولم ينتشر له كبير شيء. قال القاضي أبو علي الصدفي: منعت من الدخول إليه إلا بشرط أن لا يسمعني، ولا يكتب إجازة، فأول ما فاتحته الكلام خلط في كلامه، وأجابني على غير سؤالي حذرا من أن أكون مدسوسا عليه، حتى بسطته، وأعلمته أني أندلسي\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٩٥ - ٥٠٣) والعبر (٢/ ١٥) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٩١ - ١١٩٦) والوافي بالوفيات (٥/ ٣٥٥) والنجوم الزاهرة (٥/ ١٢٩) وشذرات الذهب (٣/ ٣٥٦).","vol":"6","page":359},{"text":"أريد الحج، فأجاز لي لفظا، وامتنع من غير ذلك.\n- قال الذهبي: قبح الله دولة أماتت السنة ورواية الأثارة النبوية، وأحيت الرفض والضلال، وبثت دعاتها في النواحي تغوي الناس، ويدعونهم إلى نحلة الإسماعيلية، فبهم ضلت جبلية الشام، وتعثروا، فنحمد الله على السلامة في الدين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2469>موقف السلف من أبي منصور بن شكرويه الأشعري (٤٨٢ ه</span>ـ)\nبيان أشعريته:\nقال السمعاني: سألت أبا سعد البغدادي عن أبي منصور بن شكرويه، فقال: كان أشعريا، لا يسلم علينا، ولا نسلم عليه، ولكنه كان صحيح السماع. (٢)\n\nنِظَام الملك (٣) (٤٨٥ هـ)\nالحسن بن علي بن إسحاق الطوسي أبو علي الوزير الكبير نظام الملك، عاقل سائس خبير سعيد متدين، محتشم عامر المجلس بالقراء والفقهاء، أنشأ\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٩٧).\n(٢) السير (١٨/ ٤٩٤).\n(٣) السير (١٩/ ٩٤ - ٩٦) والمنتظم (١٦/ ٣٠٢ - ٣٠٧) ووفيات الأعيان (٢/ ١٢٨ - ١٣١) والوافي بالوفيات (١٢/ ١٢٣ - ١٢٧) والبداية والنهاية (١٢/ ١٤٩ - ١٥١) وشذرات الذهب (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٥).","vol":"6","page":360},{"text":"المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور وأخرى بطوس. ورغب في العلم وأدر على الطلبة الصلات وأملى الحديث وبعد صيته، تنقلت به الأحوال إلى أن وزر للسلطان ألب أرسلان ثم لابنه ملكشاه، فدبر ممالكه على أتم ما ينبغي وخفف المظالم ورفق بالرعايا. سمع من القشيري وأبي مسلم بن مهربزد وأبي حامد الأزهري. روى عنه علي بن طراد الزينبي ونصر بن نصر العكبري وجماعة. وكان فيه تمشعر وفيه خير وتقوى وميل إلى الصالحين وخضوع لموعظتهم يعجبه من يبين له عيوب نفسه فينكسر ويبكي. قتله باطني في هيئة صوفي ليلة الجمعة سنة خمس وثمانين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2471>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: مولده في سنة ثمان وأربع مئة، وقتل صائما في رمضان، أتاه باطني في هيئة صوفي يناوله قصة، فأخذها منه، فضربه بالسكين في فؤاده، فتلف، وقتلوا قاتله، وذلك ليلة جمعة سنة خمس وثمانين وأربعمائة، بقرب نهاوند، وكان آخر قوله: لا تقتلوا قاتلي، قد عفوت، لا إله إلا الله. (١)\n\nأبو الفرج عبد الواحد بن محمد (٢) (٤٨٦ هـ)\nالإمام العلم، القدوة، سيد الوعاظ، شيخ الإسلام أبو الفرج عبد الواحد ابن علي الأنصاري الشيرازي الأصل، الحراني المولد الدمشقي المقر.\n_________\n(١) السير (١٩/ ٩٥).\n(٢) السير (١٩/ ٥١ - ٥٣) وطبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩) والكامل (١٠/ ٢٢٨) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٩٩) وشذرات الذهب (٣/ ٣٧٨).","vol":"6","page":361},{"text":"سمع من أبي الحسن بن السمسار، وأبي عثمان الصابوني، وعبد الرزاق ابن الفضل الكلاعي وآخرين.\nقال ابن أبي يعلى: كانت له كرامات ظاهرة ووقعات مع الأشاعرة، وظهر عليهم بالحجة في مجالس السلاطين ببلاد الشام.\nقال ابن العماد: وكان إماما عارفا بالفقه والأصول صاحب حال وعبادة وتأله.\nتوفي ﵀ في ذي الحجة سنة ست وثمانين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2473>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في السير: قال أبو الحسين بن الفراء: وكانت له كرامات ظاهرة ووقعات مع الأشاعرة وظهر عليهم بالحجة في مجلس السلاطين بالشام. (١)\n- قال ابن أبي يعلى: وكان أبو الفرج ناصرا لاعتقادنا متجردا في نشره، مبطلا لتأويلات أخبار الصفات. (٢)\nوله من الآثار السلفية:\nكتاب 'التبصرة في أصول الدين'، والكتاب مخطوط وهو في مكتبتي، أخذته من جامعة سعود بالرياض. وقد سجل رسالة علمية في مرحلة الماجستير في جامعة الإمام وفيه مباحث قيمة.\n_________\n(١) السير (١٩/ ٥٢) وطبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٨).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٩).","vol":"6","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2474>هبة الله بن عبد الوارث (٤٨٦ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2475>موقفه من الصوفية:</span>\nقال أبو نصر الفاشاني: كنت إذا أتيت هبة الله بالرباط، أخرجني إلى الصحراء، وقال: اقرأ هنا، فالصوفية يتبرمون بمن يشتغل بالعلم والحديث، يقولون: يشوشون علينا أوقاتنا. (١)\nالتعليق:\nما حاجتهم إلى العلم، وهم يعتمدون على الكشف والعلم المباشر، الذي يحصل بطريق الفتح، كما في كتاب 'الإبريز' للمسمى عبد العزيز الدباغ. وكما ذكر الغزالي في الإحياء وغيرهما مما سيأتي إن شاء الله.\n\nابن الأخضر (٢) (٤٨٦ هـ)\nعلي بن محمد بن محمد بن يحيى بن شعيب الشيباني بن الأخضر أبو الحسن الشيخ العالم الخطيب المسند. ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. سمع أبا أحمد بن أبي مسلم الفرضي وأبا عمر بن مهدي وأبا الحسن بن رزقويه وغيرهم. روى عنه إسماعيل بن محمد الحافظ وأبو نصر الغازي وأبو سعد بن البغدادي ونصر الله بن محمد مفتي دمشق وعدة. وكان فقيها خطيبا بالأنبار عمر وارتحل الناس إليه. قال السمعاني: كان ثقة نبيلا صدوقا معمرا مسندا\n_________\n(١) السير (١٩/ ١٩).\n(٢) السير (١٨/ ٦٠٥ - ٦٠٦) والمنتظم (١٤/ ٨) والبداية والنهاية (١٢/ ١٥٥) وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٩٩) وشذرات الذهب (٣/ ٣٧٩).","vol":"6","page":363},{"text":"انتشرت رواياته في الآفاق. أمره البساسيري أن يخطب للمستنصر، فلما خطب دعا للقائم، فأمر البساسيري بقطع يده على المنبر. توفي في شوال سنة ست وثمانين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2477>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: قال صالح بن علي بن الخطيب الأنباري: أمر البساسيري -الرافضي- جدنا عليا الخطيب أن يخطب للمستنصر صاحب مصر، فلما خطب، دعا للقائم، ولم يمتثل أمر البساسيري، فأمر بقطع يده على المنبر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2478>موقف السلف من صاحب سمرقند الزنديق (٤٨٧ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\nجاء في السير: الخان أحمد، كان جبارا مارقا، قام عليه الأمراء، وأمسكوه، ثم عقدوا له مجلسا، فادعوا أنه زنديق، فجحد، فأقاموا الشهود عليه بعظائم، فأفتى الفقهاء بقتله، فخنقوه، وسلطنوا بعده ابن عمه مسعودا سنة سبع وثمانين وأربعمائة. (٢)\nالتعليق:\nنقرأ مثل هذه الوقائع ونبكي الدم على أحوالنا: كم من الزنادقة الذين يحتاجون إلى تنفيذ الحدود فيهم؟ والله المستعان.\n_________\n(١) السير (١٨/ ٦٠٦).\n(٢) السير (١٩/ ١٢٧ - ١٢٨).","vol":"6","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2479>موقف السلف من المستنصر العبيدي الرافضي (٤٨٧ ه</span>ـ)\nبيان رفضه:\n- جاء في السير: وكان ناصر الدولة، يظهر التسنن، ويعيب المستنصر لخبث رفضه وعقيدته. (١)\n- وفيها: مات المستنصر في ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وقد قارب السبعين. وكان سب الصحابة فاشيا في أيامه، والسنة غريبة مكتومة، حتى إنهم منعوا الحافظ أبا إسحاق الحبال من رواية الحديث، وهددوه، فامتنع. ثم قام بعد المستنصر ابنه أحمد. (٢)\n\nالحُمَيْدِي (٣) (٤٨٨ هـ)\nالإمام الحافظ شيخ المحدثين محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله أبو عبد الله الأزدي الحميدي الأندلسي. ولد قبل سنة عشرين وأربعمائة. لازم أبا محمد علي بن أحمد بن حزم، فأكثر عنه، وأخذ عن أبي عمر بن عبد البر وارتحل إلى مصر والحجاز والعراق وسمع الحديث هنالك من طائفة من أهل الحديث. حدث عنه الحافظ أبو عامر العبدري، ومحمد بن طرخان التركي وغيرهما.\nقال عنه يحيى بن إبراهيم السلماسي: كان ورعا تقيا إماما في\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٩١).\n(٢) السير (١٥/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(٣) السير (١٩/ ١٢٠ - ١٢٧) ونفح الطيب (٢/ ١١٢) ومعجم الأدباء (١٨/ ٢٨٢) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢١٨).","vol":"6","page":365},{"text":"الحديث ... على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسنة. قال أحمد ابن محمد المقري: كان إماما من أئمة المسلمين في حفظه ومعرفته واتقانه وثقته ونبله وديانته. ومن نظمه:\nطريق الزهد أفضل ما طريق ... وتقوى الله تأدية الحقوق\nفثق بالله يكفك واستعنه ... يعنك وذر بنيات الطريق\n\nوقال أيضا:\nلقاء الناس ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال\nفأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال\n\nتوفي ﵀ سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2481>موقفه من المبتدعة:</span>\nله أبيات يبين فيها منهجه السلفي:\nكتاب الله ﷿ قولي ... وما صحت به الآثار ديني\nوما اتفق الجميع عليه بدءا ... وعودا فهو عن حق مبين\nفدع ما صد عن هذي وخذها ... تكن منها على عين اليقين (١)\n\nوقال ﵀:\nزين الفقيه حديث يستضيء به ... عند الحجاج وإلا كان في ظلم\nإن تاه ذو مذهب في قفر مشكلة ... لاح الحديث له في الوقت كالعلم (٢)\n\nوقال أيضا:\n_________\n(١) السير (١٩/ ١٢٧).\n(٢) الإلماع (ص.٤٠).","vol":"6","page":366},{"text":"الناس نبت، وأرباب العلوم معا ... روض، وأهل الحديث الماء والزهر\nمن كان قول رسول الله حاكمه ... فلا شهود له إلا الأولى ذكروا (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2482>موقف السلف من أبي يوسف القزويني المعتزلي (٤٨٨ ه</span>ـ)\nبيان اعتزاله:\nمن تآليفه التي بث فيها اعتزاله:\nقال السمعاني: كان أحد الفضلاء المقدمين، جمع 'التفسير' الكبير الذي لم ير في التفاسير أكبر منه، ولا أجمع للفوائد، لولا أنه مزجه بالاعتزال، وبث فيه معتقده، ولم يتبع نهج السلف. أقام بمصر سنين، وحصل أحمالا من الكتب، وحملها إلى بغداد وكان داعية إلى الاعتزال. وقال ابن عساكر: سكن طرابلس مدة. سمعت الحسين بن محمد البلخي يقول: إن أبا يوسف صنف 'التفسير' في ثلاث مئة مجلد ونيف. وقال: من قرأه علي وهبت له النسخة. فلم يقرأه أحد. (٢)\nقال ابن عقيل في 'فنونه': قدم علينا من مصر القاضي أبو يوسف القزويني، وكان يفتخر بالاعتزال، ويتوسع في قدح العلماء، وله جرأة، وكان إذا قصد باب نظام الملك، يقول: استأذنوا لأبي يوسف المعتزلي. وكان طويل اللسان بعلم تارة، وبسفه تارة، لم يكن محققا إلا في التفسير، فإنه لهج بذلك\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(٢) السير (١٨/ ٦١٧).","vol":"6","page":367},{"text":"حتى جمع كتابا بلغ خمس مئة مجلد، فيه العجائب، رأيت منه مجلدة في آية واحدة، وهي: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ (١) فذكر السحر والملوك الذين نفق عليهم السحر، وتأثيراته وأنواعه. (٢)\nنصره لمذهب الاعتزال وبغضه السلف:\nقال أبو علي بن سكرة: أبو يوسف كان معتزليا داعية يقول: لم يبق من ينصر هذا المذهب غيري، وكان قد أسن، وكاد أن يخفى في مجلسه، وله لسان شاب، ذكر لي أن 'تفسيره' ثلاث مئة مجلد، منها سبعة في سورة الفاتحة. وكان عنده جزء من حديث أبي حاتم الرازي، عن الأنصاري، فقرأت عليه بعضه، عن القاضي عبد الجبار، عن رجل عنه، قرأته لولدي شيخنا ابن سوار المقرئ، وقرأت لهما جزءا من حديث المحاملي، وسمعه في سنة تسع وتسعين وثلاث مئة وهو ابن أربع سنين أو نحوها. وكان لا يسالم أحدا من السلف، ويقول لنا: اخرجوا تدخل الملائكة. (٣)\n\nأبو المظفر منصور بن محمد السَّمْعاني (٤) (٤٨٩ هـ)\nإمام عصره بلا مدافعة، وعديم النظير في فنه بلا منازعة، مفتي خراسان،\n_________\n(١) البقرة الآية (١٠٢).\n(٢) السير (١٨/ ٦١٨).\n(٣) السير (١٨/ ٦١٩ - ٦٢٠).\n(٤) السير (١٩/ ١١٤ - ١١٩) والأنساب (٧/ ١٣٩ - ١٤٠) والمنتظم (١٧/ ٣٧ - ٣٨) ووفيات الأعيان (٣/ ٢١١) والبداية والنهاية (١٢/ ١٦٤) وشذرات الذهب (٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤).","vol":"6","page":368},{"text":"شيخ الشافعية، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار التميمي، السمعاني، المروزي. ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة. سمع بمرو أباه، وأبا غانم أحمد ابن علي الكراعي، وأبا بكر محمد بن عبد الصمد الترابي وآخرين. وعنه أولاده، وعمر بن محمد السرخسي، ومحمد بن أبي بكر السنجي وأبو نصر الغازي وغيرهم.\nقال عبد الغافر في تاريخه: هو وحيد عصره في وقته فضلا، وطريقة، وزهدا وورعا، من بيت العلم والزهد، تفقه بأبيه، وصار من فحول أهل النظر، وأخذ يطالع كتب الحديث، وحج ورجع، وترك طريقته التي ناظر عليها ثلاثين سنة، وتحول شافعيا. له تصانيف عديدة، وكان شوكا في أعين المخالفين وحجة لأهل السنة. وكان مناظرا فقيها. قال الإمام أبو علي بن الصفار: إذا ناظرت أبا المظفر، فكأني أناظر رجلا من أئمة التابعين، مما أرى عليه من آثار الصالحين. وقال حفيده في الأنساب: لا أقدر أن أصف بعض مناقبه، ومن طالع تصانيفه وأنصف، عرف محله من العلم.\nتوفي ﵀ في ربيع الأول سنة تسع وثمانين بعد الأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2484>موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الإمام ممن شاع صيته وبارك الله له في العمر وجعل من نسله العلماء، ألف تراثا عظيما سلفيا، يقول الذهبي عنه: تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة وكان شوكا في أعين المخالفين وحجة لأهل السنة. (١)\nآثاره السلفية:\n_________\n(١) السير (١٩/ ١١٦).","vol":"6","page":369},{"text":"١ - 'الانتصار لأهل الحديث'، ذكره حفيده في الأنساب (١) والذهبي في السير (٢) وذكره السيوطي في صون المنطق ولخصه (٣) وذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٤) وابن الجوزي في المنتظم. (٥)\n٢ - 'التفسير'، مطبوع متداول وذكره حفيده في الأنساب (٦). وقد نحا فيه نحو السلف.\n٣ - 'منهاج أهل السنة'، ذكره حفيده في الأنساب. (٧)\n٤ - 'تقويم الأدلة'، ذكره شيخ الإسلام في منهاج السنة (٨) وقال: نقل فيه الإجماع من علماء السنة أن أبا بكر أعلم من علي.\nوله من المواقف الطيبة والكلام البليغ الذي مَن قرأه عرف قيمة الرجل العلمية والسلفية منها على سبيل المثال ما ذكره في كتابه 'الانتصار لأهل الحديث':\nقال السيوطي: قال في كتابه 'الانتصار لأهل الحديث': قد لهج بذم أصحاب الحديث صنفان: أهل الكلام، وأهل الرأي. فهم في كل وقت يقصدونهم بالثلب والعيب وينسبونهم إلى الجهل وقلة العلم، واتباع السواد\n_________\n(١) (٣/ ٢٩٩).\n(٢) (١٩/ ١١٧).\n(٣) (١٤٧ - ١٨٣).\n(٤) (١/ ١٧٣).\n(٥) (١٧/ ٣٨).\n(٦) (٣/ ٢٩٩).\n(٧) (٣/ ٢٩٩).\n(٨) (٧/ ٥٠٢).","vol":"6","page":370},{"text":"على البياض، وقالوا غثاء وغثر، وزوامل أسفار، وقالوا أقاصيص وحكايات وأخبار، وربما قرأوا ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (١). وفي الحقيقة: ما ثلموا إلا دينهم ولا سعوا إلا في هلاك أنفسهم، وما للأساكفة وصوغ الحلي وصناعة البز، وما للحدادين وتقليب العطر والنظر في الجواهر. أما يكفيهم صدأ الحديد، ونفخ في الكير وشواظ الذيل والوجه وغبرة في الحدقة، وما لأهل الكلام ونقد حملة الأخبار، وما أحسن قول من قال:\nبلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين\nينيلك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون\n\nلكن الحق عزيز، وكل مع عزته يدعيه. ودعواهم الحق تحجبهم عن مراجعة الحق. نعم إن على الباطل ظلمة وإن على الحق نورا، ولا يبصر نور الحق إلا من حشى قلبه بالنور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (٢) فالمتخبط في ظلمات الهوى والمتردي في مهاوي الهلكة، والمتعسف في المقال لا يوفق للعود إلى الحق، ولا يرشد إلى طريق الهدى ليظهر وعورة مسلكه وعز جانبه، وتأبيه إلا على أهله ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ (٣).\n- ثم قال (باب الحث على السنة، والجماعة، والاتباع، وكراهة التفرق\n_________\n(١) الجمعة الآية (٥).\n(٢) النور الآية (٤٠).\n(٣) الأنعام الآية (١٠٨).","vol":"6","page":371},{"text":"والابتداع): اعلم أن الله تعالى أمر خلقه بلزوم الجماعة، ونهاهم عن الفرقة، وندبهم إلى الاتباع، وحثهم عليه، وذم الابتداع، وأوعدهم عليه، وذلك بين في كتابه وسنة رسوله، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وقال: ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٢). وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٣) وأمر تعالى باتباع النبي - ﷺ - في آيات من كتابه. وقد وردت الأحاديث حاثة على لزوم سنته واجتناب كل بدعة. (٤)\n- ثم قال: فهؤلاء الأئمة هم المرجوع إليهم في أمر الدين وبيان الشرع ومن سلك طريقا في الاسلام بعدهم فإياهم يتبع وبهم يقتدى وموافقتهم تتحرى، فلا يجوز لمسلم أن يظن بهم ظن السوء وإنهم قالوا ذلك عن جهل وقلة علم وخبرة في الدين وما هذا إلا من الغل الذي أمر الله بالاستعاذة منه فقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (٥) فتبين لنا أن الطريق عند\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٣).\n(٢) الشورى الآية (١٣).\n(٣) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٤) صون المنطق (ص.١٤٧ - ١٤٩).\n(٥) الحشر الآية (١٠).","vol":"6","page":372},{"text":"الأئمة الهادية اتباع السلف والاقتداء بهم دون الرجوع إلى الآراء. (١)\n- ثم قال: واعلم أنك متى تدبرت سيرة الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح وجدتهم ينهون عن جدال أهل البدعة بأبلغ النهي، ولا يرون رد كلامهم بدلائل العقل، وإنما كانوا إذا سمعوا بواحد من أهل البدعة أظهروا التبري منه، ونهوا الناس عن مجالسته ومحاورته والكلام معه، وربما نهوا عن النظر إليه. وقد قالوا: إذا رأيت مبتدعا في طريق فخذ في طريق آخر. ولقد ظهرت هذه الأهواء الأربع التي هي رأس الأهواء، أعني القدر والإرجاء، ورأي الحرورية والرافضة في آخر زمان الصحابة. فكان إذا بلغهم أمرهم أمروا بما ذكرنا ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه جادلهم بدلائل العقل، أو أمر بذلك، وقد كانوا إلى عهد رسول الله - ﷺ - أقرب. وقد شاهدوا الوحي والتنزيل وعدلهم الله في القرآن، وشهد لهم بالصدق وشهد لهم النبي - ﷺ - بالخيرية في الدين. وكانت طاعتهم أجل، وقلوبهم أسلم، وصدورهم أطهر، وعلمهم أوفر، وكانوا من الهوى والبدع أبعد. ولو كان طريق الرد على المبتدعة هو الكلام ودلائل العقل والجدال معهم لاشتغلوا به وأمروا بذلك وندبوا إليه، وإنما ظهرت المجادلات في الدين والخصومات بعد مضي قرن التابعين ومن يليهم، حين ظهر الكذب، وفشت شهادات الزور، وشاع الجهل، واندرس أمر السنة بعض الاندراس، وأتى على الناس زمان حذر منه النبي - ﷺ - والصحابة من بعده. ولقد صدق إبراهيم النخعي حيث يقول: إن القوم لم يؤخر عنهم شيء خبي لكم لفضل عندكم، وإنما كان غايتهم\n_________\n(١) صون المنطق (ص.١٥١).","vol":"6","page":373},{"text":"التبري، وإظهار المجانبة، والأمر بالتباعد، والمشهور عن ابن عمر أنه لما بلغه قول أهل القدر قال: أبلغوهم أنى منهم بريء، ولو وجدت أعوانا لجاهدتهم، وقال ابن عباس: لو رأيت بعضهم لضربت رأسه. وأتى رجل علي بن أبي طالب، فقال: أخبرني عن القدر، قال طريق مظلم فلا تسلكه، قال أخبرني عن القدر. قال بحر عميق فلا تلجه.\nقال أخبرني عن القدر، قال سر الله فلا تكلفه، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: يستتاب القدري، فإن تاب وإلا نفي من بلاد المسلمين. وقال عمر بن عبد العزيز: ينبغي أن نتقدم إليهم فيما أحدثوا من القدر، فإن كفوا وإلا استلت ألسنتهم من أقفيتهم استلالا. فهذا طريق القوم في أمر البدع وأهلها. قال رجل من أهل البدع لأيوب السختياني: يا أبا بكر أسألك عن كلمة، فولى وهو يقول ولا نصف كلمة. وقال ابن طاووس لابن له، وتكلم رجل من أهل البدع: يا بني أدخل أصبعيك في أذنيك، ثم قال اشدد اشدد، وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات، أكثر التنقل. وقال رجل للحكم بن عتيبة: ما حمل أهل الأهواء على هواهم؟ قال الخصومات. وقال معاوية بن قرة -وكان أبوه من أصحاب النبي - ﷺ -: إياكم وهذه الخصومات فإنها تحبط الأعمال. وقال أبو قلابة وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ -: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات، ولا تكلموهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث. قال: لا. قالا نقرأ عليك آية من كتاب الله. قال لا لتقومان أو لأقومن.","vol":"6","page":374},{"text":"وكانوا يقولون إن القلب ضعيف، وإنا نخاف إن استمعت منهم شيئا أن يميل قلبك إلى قولهم. وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: اعلموا أن اتباع الكتاب والسنة أسلم، والخوض في أمر الدين بالمنازعة والرد حرام. والاجتناب عنه سلامة. وأرجو أن يجوز القياس على الأصل الثابت من العالم الفطن المتيقظ. ولا تكاد تجد شيئا من تأويل الكتاب مخالفا لسنة النبي - ﷺ - إذا صحت الرواية، وعامة تاركي العلم والسنة وأصحاب الأهواء والرأي والمقاييس لثقل السنة عليهم ولا أعرف حديثين يخالف أحدهما الآخر، ولكل ما روي من الأحاديث المختلفة معان يعلمها أهل العلم بها.\nفهذا الذي نقلناه طريقة السلف وما كانوا عليه. واعلم أن الأئمة الماضين وأولي العلم من المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام وهذا النوع من النظر عجزا عنه، ولا انقطاعا دونه. وقد كانوا ذوي عقول وافرة وأفهام ثاقبة. وقد كانت هذه الفتن قد وقعت في زمانهم، وظهرت. وإنما تركوا هذه الطريقة، وأضربوا عنها لما تخوفوه من فتنتها، وعلموه من سوء عاقبتها وسيء مغبتها، وقد كانوا على بينة من أمورهم وعلى بصيرة من دينهم، لما هداهم الله بنوره، وشرح صدورهم بضياء معرفته، فرأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته، وتوقيف السنة وبيانها غناء ومندوحة مما سواها، وأن الحجة قد وقعت وتمت بهما، وأن العلة والشبهة قد أزيحت بمكانهما، فلما تأخر الزمان بأهله وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة، وقلت عنايتهم بها، واعترضهم الملحدون بشبههم، والطاعنون في الدين بجدلهم، حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام ودلائل العقل، لم يقووا عليهم،","vol":"6","page":375},{"text":"ولم يظهروا في الحجاج عليهم فكان ذلك ضلة من الرأي، وخدعة من الشيطان. فلو سلكوا سبيل القصد، ووقفوا عند ما انتهى بهم التوقيف لوجدوا برد اليقين، وروح القلوب، ولكثرت البركة، وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور، وأضاءت فيها مصابيح النور، وإنما وقعوا فيما وقعوا فيه عند أهل الحق بعد ما تدبروا. وظهر لهم بتوفيق الله سبب ذلك، وهو أن الشيطان صار اليوم بلطيف حيلته يسول لكل من أحس من نفسه زيادة فهم، وفضل ذكاء وذهن يوهمه أنه إن رضي في عمله ومذهبه بظاهر من السنة، واقتصر على واضح بيان منها، كان أسوة العامة، وعد واحدا من الجمهور والكافة. وأنه قد ضل فهمه، واضمحل عقله وذهنه، فحركهم بذلك على التنطع في النظر والتبدع لمخالفة السنة والأثر، ليمتازوا بذلك عن طبقة الدهماء، ويتبينوا في الرتبة عمن يرونه دونهم في الفهم والذكاء.\nفاختدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها، وتاهوا عن حقائقها، ولم يخلصوا منها إلى شفا نفس ولا قبلوه بيقين علم. ولما رأوا كتاب الله ينطق بخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليه بباطل ما اعتقدوه، ضربوا بعض آياته ببعض، وتأولوها على ما يسنح لهم في عقولهم، واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم. ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله - ﷺ - ولسنته المأثورة عنه، وردوها على وجوهها. وأساءوا في نقلتها القالة، ووجهوا عليهم الظنون، ورموهم بالتزيد، ونسبوهم إلى ضعف المنة، وسوء المعرفة بمعاني ما يرونه من الحديث. ولو أنهم أحسنوا الظن بسلفهم، وآثروا متابعتهم، وسلموا حيث سلموا، وطلبوا المعاني حيث طلبوا،","vol":"6","page":376},{"text":"واجتهدوا في رد الهوى وخداع الشيطان لانشرحت صدورهم، وظهر لهم من برد اليقين وروح المعرفة، وضياء التسليم ما ظهر لسلفهم، وبرز لهم من أعلام الحق ما كان مكشوفا لهم غير أن الحق عزيز، والدين غريب والزمان مفتن ﴿ومن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (١).اهـ (٢)\nثم قال: والذي يزيد ما قلناه إيضاحا: أن النبي - ﷺ - حين سئل عن الفرقة الناجية. قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٣)، بمعنى من كان على ما أنا عليه وأصحابي، فلا بد من تعرف ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وليس طريق معرفتنا إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك. وقد قال النبي - ﷺ -: «لا تنازعوا الأمر أهله» (٤) فكما يرجع في معرفة مذاهب الفقهاء، الذين صاروا قدوة في هذه الأمة إلى أهل الفقه، ويرجع في معرفة اللغة إلى أهل اللغة، ويرجع في معرفة النحو إلى أهل النحو، فكذلك يجب أن يرجع في معرفة ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه إلى أهل النقل والرواية، لأنهم عنوا بهذا الشأن، واشتغلوا بحفظه والتفحص عنه ونقله، ولولاهم لاندرس علم النبي - ﷺ -، ولم يقف أحد على سنته وطريقته. فإن قال قائل: إن أهل الفقه مجمعون على قول الفقهاء وطريق كل واحد منهم في الفروع. وأهل النحو مجمعون على طريق البصريين والكوفيين في النحو وكذلك أهل الكلام مجمعون على\n_________\n(١) النور الآية (٤٠).\n(٢) صون المنطق (١٥٣ - ١٥٧).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٤) الطبراني (١٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨/ ٦٢١) والطحاوي في المشكل (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢/ ١١٨٥) والحاكم (١/ ٩٦) من حديث العرباض بن سارية وقال: \"صحيح على شرطهما، ولا أعرف له علة\" ووافقه الذهبي.","vol":"6","page":377},{"text":"طريق كل واحد منهم: من متقدميهم وسلفهم. فأما ما يرجع إلى العقائد فلم يجتمع أهل الإسلام على ما كان رسول الله - ﷺ - عليه وأصحابه، بل كل فريق يدعي دينه وينتسب إلى ملته ويقول نحن الذين تمسكنا بملة رسول الله - ﷺ - واتبعنا طريقته، ومن كان على غير ما نحن عليه، فهو مبتدع صاحب هوى، فلم يجز اعتبار الذي تنازعنا فيه بما قلتم.\nالجواب: أن كل فريق من المبتدعة إنما يدعي أن الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله - ﷺ -، لأنهم كلهم يدعون شريعة الإسلام، ملتزمون في الظاهر شعائرها، يرون أن ما جاء به محمد - ﷺ - هو الحق، غير أن الطرق تفرقت بهم بعد ذلك، وأحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فزعم كل فريق أنه هو المتمسك بشريعة الإسلام، وأن الحق الذي قام به رسول الله - ﷺ - هو الذي يعتقده وينتحله، غير أن الله تعالى أبى أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة، إلا مع أهل الحديث والآثار، لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفا عن سلف، وقرنا عن قرن، إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون عن أصحاب رسول الله - ﷺ - وأخذه أصحاب رسول الله - ﷺ - عن رسول الله - ﷺ -، ولا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله - ﷺ - الناس من الدين المستقيم، والصراط القويم إلا هذا الطريق، الذي سلكه أصحاب الحديث، وأما سائر الفرق فطلبوا الدين لا بطريقه، لأنهم رجعوا إلى معقولهم، وخواطرهم، وآرائهم. فطلبوا الدين من قبله، فإذا سمعوا شيئا من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم، فإن استقام قبلوه، وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستنكرة،","vol":"6","page":378},{"text":"فحادوا عن الحق، وزاغوا عنه ونبذوا الدين وراء ظهورهم، وجعلوا السنة تحت أقدامهم، تعالى الله عما يصفون.\nوأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم وطلبوا الدين من قبلهما وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم، عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقا لهما قبلوه، وشكروا الله عزوجل حيث أراهم ذلك ووقفهم عليه، وإن وجدوه مخالفا لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل، وهذا معنى قول أبي سليمان الداراني، وهو واحد زمانه في المعرفة: ما حدثتني نفسي بشيء إلا طلبت منه شاهدين من الكتاب والسنة، فإن أتى بهما وإلا رددته في نحره (١). أو كلام هذا معناه، ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد وفعلهم واحد لا ترى بينهم اختلافا ولا تفرقا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء من قلب واحد وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا. قال الله تعالى:\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف أبي سليمان الصوفي.","vol":"6","page":379},{"text":"﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (٢)\nوأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيتهم متفرقين مختلفين وشيعا وأحزابا لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضا، بل يترقون إلى التكفير، يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره. تراهم أبدا في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم ولما تتفق كلماتهم، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ (٣). أو ما سمعت أن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللقب يكفر البغداديون منهم البصريين والبصريون منهم البغداديين ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي ابنه أبا هاشم وأصحاب أبي هاشم يكفرون أباه أبا علي وكذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم. إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين يكفر بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم وسائر المبتدعة بمثابتهم، وهل على الباطل دليل أظهر من هذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا\n_________\n(١) النساء الآية (٨٢).\n(٢) آل عمران الآية (١٠٣) ..\n(٣) الحشر الآية (١٤).","vol":"6","page":380},{"text":"شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل فأورثهم الاتفاق والايتلاف، وأهل البدعة أخذوا الدين من المعقولات والآراء فأورثهم الافتراق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلما يختلف، وإن اختلف في لفظ أو كلمة فذلك اختلاف لا يضر الدين ولا يقدح فيه. وأما دلائل العقل فقلما يتفق بل عقل كل واحد يري صاحبه غير ما يرى الآخر وهذا بين والحمد لله. وبهذا يظهر مفارقة الاختلاف في مذاهب الفروع اختلاف العقائد في الأصول فإنا وجدنا أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي عنهم من بعده واختلفوا في أحكام الدين، فلم يفترقوا ولم يصيروا شيعا.\nلأنهم لم يفارقوا الدين ونظروا فيما أذن لهم فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة، مثل مسألة الحد والمشتركة وذوي الأرحام ومسألة الحرام وفي أمهات الأولاد، وغير ذلك مما يكثر تعداده من مسائل البيوع والنكاح والطلاق، وكذلك في مسائل كثيرة من باب الطهارة وهيآت الصلاة وسائر العبادات. فصاروا باختلافهم في هذه الأشياء محمودين، وكان هذا النوع من الاختلاف رحمة من الله لهذه الأمة حيث أيدهم باليقين، ثم وسع على العلماء النظر فيما لم يجدوا حكمه في التنزيل والسنة فكانوا مع هذا الاختلاف، أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام ولم ينقطع عنهم نظام الألفة. فلما حدثت هذه الأهواء المردية الداعية صاحبها إلى النار ظهرت العداوة وتباينوا\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٩).","vol":"6","page":381},{"text":"وصاروا أحزابا، فانقطعت الأخوة في الدين، وسقطت الألفة، فهذا يدل على أن هذا التباين والفرقة إنما حدثت من المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان فألقاها على أفواه أوليائه ليختلفوا ويرمي بعضهم بعضا بالكفر. فكل مسألة حدثت في الإسلام فخاض فيها الناس، فتفرقوا واختلفوا فلم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضا ولا تفرقا وبقيت بينهم الألفة والنصيحة والمودة والرحمة والشفقة، علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام يحل النظر فيها، والأخذ بقول من تلك الأقوال لا يوجب تبديعا ولا تكفيرا كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين مع بقاء الألفة والمودة، وكل مسألة حدثت فاختلفوا فيها فأورث اختلافهم في ذلك التولي والإعراض والتدابر والتقاطع، وربما ارتقى إلى التكفير علمت أن ذلك ليس من أمر الدين في شيء بل يجب على كل ذي عقل أن يجتنبها ويعرض عن الخوض فيها لأن الله شرط تمسكنا بالإسلام أنا نصبح في ذلك إخوانا، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (١).\nفإن قال قائل: إن الخوض في مسائل القدر، والصفات، وشرط الإيمان يورث التقاطع والتدابر والاختلاف فيجب طرحها والإعراض عنها على ما زعمتم.\nالجواب: إنما قلنا هذا في المسائل المحدثة، فأما الإيمان في هذه المسائل من شرط أصل الدين، فلابد من قبولها على نحو ما ثبت فيه النقل عن رسول الله\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٣).","vol":"6","page":382},{"text":"- ﷺ - وأصحابه، ولا يجوز لنا الإعراض عن نقلها وروايتها وبيانها لتفرق الناس في ذلك كما في أصل الإسلام والدعاء إلى التوحيد، وإظهار الشهادتين، وقد ظهر بما قدمنا، وذكرنا بحمد الله ومنه أن الطريق المستقيم مع أهل الحديث، وأن الحق ما نقلوه ورووه، ومن تدبر ما كتبناه وأعطى من قلبه النصفة وأعرض عن هواه واستمع وأصغى بقلب حاضر، وكان مسترشدا مستهديا ولم يكن متعنتا وأمده الله بنور اليقين عرف صحة جميع ما قلناه ولم يخف عليه شيء من ذلك، والله الموفق ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2485>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في المنهاج: وقد نقل غير واحد الإجماع على أن أبا بكر أعلم من علي، منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني المروزي أحد أئمة الشافعية، وذكر في كتابه 'تقويم الأدلة' الإجماع من علماء السنة: أن أبا بكر أعلم من علي، كيف وأبو بكر كان بحضرة النبي - ﷺ - يفتي ويأمر وينهى ويخطب، كما كان يفعل ذلك إذا خرج النبي - ﷺ - هو وإياه- يدعو الناس إلى الإسلام، ولما هاجرا، ويوم حنين، وغير ذلك من المشاهد، وهو ساكت يقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيره. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2486>موقفه من الجهمية:</span>\n_________\n(١) الأنعام الآية (٣٩).\n(٢) صون المنطق (١٦٥ - ١٧٠) والحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٢٢ - ٢٣٠).\n(٣) منهاج السنة (٧/ ٥٠٢).","vol":"6","page":383},{"text":"هذا الإمام ممن شاع صيته، وبارك الله له في العمر، وجعل من نسله العلماء، ألف تراثا عظيما سلفيا، يقول الذهبي عنه: تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكا في أعين المخالفين وحجة لأهل السنة. (١)\nوله من المواقف الطيبة والكلام البليغ الذي من قرأه عرف قيمة الرجل العلمية والسلفية، وعلى سبيل المثال، ما نقله الحافظ في الفتح من موقفه من الأشاعرة والمتكلمين عموما.\n- جاء في فتح الباري: قال الحافظ عند قول البخاري: باب قول الله تعالى: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢).\nواستدل أبو المظفر بن السمعاني بآيات الباب وأحاديثه على فساد طريقة المتكلمين في تقسيم الأشياء إلى جسم وجوهر وعرض، قالوا: فالجسم، ما اجتمع من الافتراق، والجوهر ما حمل العرض، والعرض: مالا يقوم بنفسه، وجعلوا الروح من الأعراض، وردوا الأخبار في خلق الروح قبل الجسد والعقل قبل الخلق، واعتمدوا على حدسهم وما يؤدي إليه نظرهم ثم يعرضون عليه النصوص، فما وافقه قبلوه وما خالفه ردوه، ثم ساق هذه الآيات ونظائرها من الأمر بالتبليغ، قال وكان مما أمر بتبليغه التوحيد بل هو أصل ما أمر به فلم يترك شيئا من أمور الدين، أصوله وقواعده وشرائعه، إلا بلغه ثم لم\n_________\n(١) السير (١٩/ ١١٦).\n(٢) المائدة الآية (٦٧).","vol":"6","page":384},{"text":"يدع إلى الاستدلال بما تمسكوا به من الجوهر والعرض، ولا يوجد عنه ولا عن أحد من أصحابه من ذلك حرف واحد فما فوقه، فعرف بذلك أنهم ذهبوا خلاف مذهبهم، وسلكوا غير سبيلهم، بطريق محدث مخترع لم يكن عليه رسول الله - ﷺ - ولا أصحابه ﵃، ويلزم من سلوكه العود على السلف بالطعن والقدح، ونسبتهم إلى قلة المعرفة، واشتباه الطرق، فالحذر من الاشتغال بكلامهم، والاكتراث بمقالاتهم فإنها سريعة التهافت كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا وتجد لخصومهم عليه كلاما يوازنه أو يقاربه فكل بكل مقابل، وبعض ببعض معارض، وحسبك من قبيح ما يلزم من طريقتهم أنا إذا جرينا على ما قالوه، وألزمنا الناس بما ذكروه، لزم من ذلك تكفير العوام جميعا لأنهم لا يعرفون إلا الاتباع المجرد، ولو عرض عليهم هذا الطريق ما فهمه أكثرهم، فضلا عن أن يصير منهم صاحب نظر، وإنما غاية توحيدهم التزام ما وجدوا عليه أئمتهم في عقائد الدين، والعض عليها بالنواجذ والمواظبة على وظائف العبادات وملازمة الأذكار بقلوب سليمة طاهرة عن الشبه والشكوك، فتراهم لا يحيدون عما اعتقدوه ولو قطعوا إربا إربا، فهنيئا لهم هذا اليقين، وطوبى لهم هذه السلامة.\nفإذا كفر هؤلاء وهم السواد الأعظم وجمهور الأمة فما هذا إلا طي بساط الإسلام وهدم منار الدين والله المستعان. (١)\n\nالتعليق:\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٥٠٧).","vol":"6","page":385},{"text":"هذا الكلام فيه البيان الكافي لمن يعقل عن الله وعن رسوله وعن السلف الصالح الذين يتكلمون من مشكاة النبوة. فأين الذين يتبجحون، ويقولون: إن ابن تيمية وابن القيم هما اللذان أحدثا هذه الطرق، التي اعتمد عليها السلفيون.\nفهذا الإمام بعيد عن الشيخين بعد الثرى من الثريا، فهما -كما يزعمون- حنابلة وهذا الإمام شافعي، وهما عاشا في القرن الثامن، وهو عاش في القرن الخامس، وكلامه ﵁ في الإنكار على الأشاعرة والمتكلمين، ربما كان أشد في اللهجة من كلام الشيخين، وإن كانت طريقة الشيخين أكثر تفصيلا، ولكن هذه شذرة من شجرة هذا الإمام فمن رجع إلى كتابه: الانتصار لأهل الحديث، الذي لخصه السيوطي في 'صون المنطق' لرأى كلام الرجل السلفي بحق، وهذا الكتاب أحد تراث الشيخ السلفي.\n\n- قال الحافظ في الفتح: وقال أبو المظفر بن السمعاني: تعقب بعض أهل الكلام قول من قال إن السلف من الصحابة والتابعين لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل في التوحيد، بأنهم لم يشتغلوا بالتعريفات في أحكام الحوادث، وقد قبل الفقهاء ذلك واستحسنوه فدونوه في كتبهم، فكذلك علم الكلام، ويمتاز علم الكلام بأنه يتضمن الرد على الملحدين وأهل الأهواء، وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ ويثبت اليقين لأهل الحق وقد علم الكل أن الكتاب لم تعلم حقيته، والنبي لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقل، وأجاب: أما أولا فإن الشارع والسلف الصالح نهوا عن الابتداع وأمروا بالاتباع، وصح عن السلف","vol":"6","page":386},{"text":"أنهم نهوا عن علم الكلام وعدوه ذريعة للشك والارتياب ... (١)\n- وقال الحافظ أيضا: وقال أبو المظفر بن السمعاني أيضا ما ملخصه: إن العقل لا يوجب شيئا ولا يحرم شيئا، ولا حظ له في شيء من ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم، ما وجب على أحد شيء، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (٢) وقوله: ﴿لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣) وغير ذلك من الآيات. فمن زعم أن دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام إنما كانت لبيان الفروع، لزمه أن يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء، وكفى بهذا ضلالا، ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك حتى لا يصح إسلام إلا بطريقه، مع قطع النظر عن السمعيات لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب والأحاديث الصحيحة التي تواترت ولو بالطريق المعنوي، ولو كان كما يقول أولئك لبطلت السمعيات التي لا مجال للعقل فيها أو أكثرها، بل يجب الإيمان بما ثبت من السمعيات، فان عقلناه فبتوفيق الله، وإلا اكتفينا باعتقاد حقيقته على وفق مراد الله ﷾. انتهى. (٤)\n- وجاء في كتاب الحجة للأصبهاني عن أبي المظفر أنه قال: واعلم: أن\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٣٥٢).\n(٢) الإسراء الآية (١٥).\n(٣) النساء الآية (١٦٥).\n(٤) الفتح (١٣/ ٣٥٣).","vol":"6","page":387},{"text":"فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعا للمعقول، وأما أهل السنة، قالوا: الأصل في الدين الاتباع والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء، ولو كان الدين بني على المعقول لجاز للمؤمنين أن لا يقبلوا شيئا حتى يعقلوا. ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله، وما تعبد الناس به من اعتقاده، وكذلك ما ظهر بين المسلمين، وتداولوه بينهم، ونقلوه عن سلفهم، إلى أن أسندوه إلى رسول الله - ﷺ - من ذكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والحوض، والميزان، والصراط، وصفات الجنة، وصفات النار وتخليد الفريقين فيهما، أمور لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئا من أمور الدين، وعقلناه، وفهمناه، فلله الحمد في ذلك والشكر، ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به، وصدقنا، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته، وقال الله تعالى في مثل هذا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٢)\nثم نقول لهذا القائل الذي يقول: بني ديننا على العقل، وأمرنا باتباعه: أخبرنا إذا أتاك\n_________\n(١) الإسراء الآية (٨٥).\n(٢) البقرة الآية (٢٥٥) ..","vol":"6","page":388},{"text":"أمر من الله يخالف عقلك فبأيهما تأخذ؟ بالذي تعقل، أو بالذي تؤمر؟ فإن قال: بالذي أعقل، فقد أخطأ، وترك سبيل الإسلام وإن قال: آخذ بالذي جاء من عند الله، فقد ترك قوله: وإنما علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانا وتصديقا، وما لم نعقله قبلناه استسلاما وتسليما، وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم. فنسأل الله التوفيق فيه، والثبات عليه، وأن يتوفانا على ملة رسوله - ﷺ - بمنه وفضله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2487>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀ في تفسيره: والإيمان في الشريعة يشتمل على الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان. (٢)\n- وقال أيضا: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٣) أي: صلاتكم فجعل الصلاة إيمانا، وهذا دليل على المرجئة، حيث لم يجعلوا الصلاة من الإيمان، وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2488>موقفه من القدرية:</span>\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٢٠ - ٣٢٢).\n(٢) تفسير القرآن (١/ ٤٣).\n(٣) البقرة الآية (١٤٣).\n(٤) تفسير القرآن (١/ ١٥٠).","vol":"6","page":389},{"text":"آثاره السلفية:\n'الرد على القدرية': ذكره حفيده في الأنساب (١) والذهبي في السير. (٢)\n- قال أبو القاسم الأصبهاني في كتابه 'الحجة': قال أبو المظفر السمعاني: قد ذكرنا أن سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من قبل الكتاب والسنة، دون محض القياس، ومجرد المعقول فمن عدل عن التوقيف في هذا الباب، ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا وصل إلى ما يطمئن به القلب. وذلك لأن القدر سر من سر الله وعلم من علمه. ضربت دونه الأستار، وكفت عليه الأزرار، واختص الله به علام الغيوب، حجبه عن عقول البشر ومعارفهم، لما علم من الحكمة. وسبيلنا أن ننتهي إلى ما حد لنا فيه، وأن لا نتجاوز إلى ما وراءه. فالبحث عنه تكلف، والاقتحام فيه تعمق وتهور.\nقال: وجماع هذا الباب أن يعلم أن الله تعالى طوى عن العالم علم ما قضاه وقدره على عباده، فلم يطلع عليه نبيا مرسلا، ولا ملكا مقربا، لأنه خلقهم ليتعبدهم، ويمتحنهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (٣). وقد نقلنا عن علي ﵁: أنه خلقهم ليأمرهم بالعبادة.\nفلو كشف لهم عن سر ما قضى وقدر لهم وعليهم في عواقب أمورهم لافتتنوا، وفتروا عن العمل، واتكلوا على مصير الأمر في العاقبة فيكون\n_________\n(١) (٣/ ٢٩٩).\n(٢) (١٩/ ١١٧).\n(٣) الذاريات الآية (٥٦).","vol":"6","page":390},{"text":"قصاراهم عند ذلك أمن أو قنوط. وفي ذلك بطلان العبادة وسقوط الخوف والرجاء. فلطف الله سبحانه بعباده وحجب عنهم علم القضاء والقدر، وعلقهم بين الخوف والرجاء، والطمع والوجل: ليبلو سعيهم واجتهادهم، وليميز الله الخبيث من الطيب، ولله الحجة البالغة. (١)\n\nنصر بن إبراهيم (٢) (٤٩٠ هـ)\nنصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود المقدسي أبو الفتح شيخ الإسلام العلامة القدوة الفقيه المحدث صاحب التصانيف والأمالي ولد قبل سنة عشر وأربعمائة، وارتحل إلى دمشق قبل الثلاثين فسمع صحيح البخاري من أبي الحسن بن السمسار صاحب الفقيه أبي زيد المروزي وسمع من عبد الرحمن بن الطبيز وأبي الحسن محمد بن عوف المزني، وابن سلوان وطبقتهم. حدث عنه الخطيب وهو من شيوخه ومكي الرميلي ومحمد بن طاهر وخلق كثير.\nوكان فقيها إماما زاهدا عاملا لم يقبل صلة من أحد بدمشق. حكى ناصر النجار وكان يخدمه من زهده وتقلله وتركه الشهوات أشياء عجيبة. قال نصر: درست على الفقيه سليم الرازي من سنة سبع وثلاثين وأربعمائة إلى سنة أربعين ما فاتني منها درس ولا وجعت إلا يوما واحدا وعوفيت. وجرى على منهاج السلف من التقشف، وتجنب السلاطين ورفض الطمع،\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٠ - ٣١).\n(٢) السير (١٩/ ١٣٦ - ١٤٣) وشذرات الذهب (٣/ ٣٩٥ - ٣٩٦) تهذيب الأسماء واللغات (القسم الأول/٢/ ١٢٥ - ١٢٦).","vol":"6","page":391},{"text":"والاجتزاء باليسير مما يصل إليه من غلة أرض له كانت بنابلس، وكانت أوقاته كلها مستغرقة في عمل الخير إما في نشر علم وإما في صلاح عمل. توفي في المحرم سنة تسعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2490>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في الاعتصام: قال ابن العربي: وقد كان قال لي أصحابنا النصرية بالمسجد الأقصى: إن شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي اجتمع برئيس من الشيعة، فشكا إليه فساد الخلق، وأن هذا لا يصلح إلا بخروج الإمام المنتظر، فقال نصر: هل لخروجه ميقات أم لا؟ قال الشيعي: نعم. قال له أبو الفتح: ومعلوم هو أو مجهول؟ قال: معلوم. قال نصر: ومتى يكون؟ قال: إذا فسد الخلق. قال أبو الفتح: فهل تحبسونه عن الخلق وقد فسد جميعهم إلا أنتم، فلو فسدتم؛ لخرج، فأسرعوا به وأطلقوه من سجنه وعجلوا بالرجوع إلى مذهبنا، فبهت. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2491>موقفه من الجهمية:</span>\nقال شيخ الإسلام في الدرء: وقال الشيخ نصر المقدسي الشافعي الشيخ المشهور في كتاب 'الحجة' له: إن قال قائل: قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من اتباع كتاب الله وسنة رسوله، وما أجمع عليه الأئمة والعلماء، والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة، فاذكر مذاهبهم وما أجمعوا عليه من اعتقادهم، وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم. فالجواب: أن الذي\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٢٠٥).","vol":"6","page":392},{"text":"أدركت عليه أهل العلم ومن لقيتهم وأخذت عنهم، ومن بلغني قوله من غيرهم ... فذكر جمل اعتقاد أهل السنة وفيه: أن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، كما قال في كتابه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (١)، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ (٢).اهـ (٣)\nله من الآثار السلفية:\n'الحجة على تارك المحجة': ذُكِرَ في السير (٤) وشذرات الذهب (٥) ودرء التعارض (٦) وهدية العارفين. (٧)\nوهو كتاب مفقود تتبعت الكثير من الفهارس ولم أجد له خبرا. فلعل الله ييسر وجوده فيما بعد إن كان له وجود. وله مختصر في مخطوطات الجامعة الإسلامية، وقد سجل رسالة علمية وهو تحت التحقيق بإشراف الشيخ الفاضل عبد المحسن بن حمد العباد.\n\nابن جَزْلَة (٨) (٤٩٣ هـ)\n_________\n(١) الطلاق الآية (١٢).\n(٢) الجن الآية (٢٨).\n(٣) درء التعارض (٦/ ٢٥١).\n(٤) (١٩/ ١٣٧).\n(٥) (٣/ ٣٩٦).\n(٦) (٦/ ٢٥١).\n(٧) (٢/ ٤٩٠).\n(٨) السير (١٩/ ١٨٨) ووفيات الأعيان (٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨) والبداية والنهاية (١٢/ ١٧٠) والمنتظم (١٧/ ٦١) والنجوم الزاهرة (٥/ ١٦٦) والكامل في التاريخ (١٠/ ٣٠٢).","vol":"6","page":393},{"text":"يحيى بن عيسى بن جزلة أبو علي البغدادي إمام الطب كان نصرانيا فأسلم في كهولته على يد قاضي القضاة الدامغاني وقيل على أبي علي بن الوليد المعتزلي، وحسن إسلامه، وصنف يرد على النصارى. ثم كان يطبب الناس بعد ذلك بلا أجر وربما ركب لهم الأدوية من ماله تبرعا، وكان يتفقد الفقراء ويحسن إليهم، ووقف كتبه قبل وفاته.\nوتوفي في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2493>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن خلكان: وصنف رسالة في الرد على النصارى وبيان عوار مذاهبهم، ومدح فيها الإسلام وأقام الحجة على أنه الدين الحق، وذكر فيها ما قرأه في التوراة والإنجيل من ظهور النبي - ﷺ -، وأنه نبي مبعوث وأن اليهود والنصارى أخفوا ذلك ولم يظهروه، ثم ذكر فيها معايب اليهود والنصارى. وهي رسالة حسنة أجاد فيها. (١)\n\nحوادث أربع وتسعين وأربعمائة (٤٩٤ هـ)\nوقال ابن كثير في حوادث سنة أربع وتسعين وأربعمائة: عظم الخطب بأصبهان ونواحيها بالباطنية فقتل السلطان منهم خلقا كثيرا، وأبيحت ديارهم وأموالهم للعامة، ونودي فيهم إن كل من قدرتم عليه منهم فاقتلوه وخذوا ماله، وكانوا قد استحوذوا على قلاع كثيرة، وأول قلعة ملكوها في\n_________\n(١) وفيات الأعيان (٦/ ٢٦٧).","vol":"6","page":394},{"text":"سنة ثلاث وثمانين، وكان الذي ملكها الحسن بن صباح، أحد دعاتهم، وكان قد دخل مصر وتعلم من الزنادقة الذين بها، ثم صار إلى تلك النواحي ببلاد أصبهان، وكان لا يدعو إليه من الناس إلا غبيا جاهلا، لا يعرف يمينه من شماله، ثم يطعمه العسل بالجوز والشونيز، حتى يحرق مزاجه ويفسد دماغه، ثم يذكر له أشياء من أخبار أهل البيت، ويكذب له من أقاويل الرافضة الضلال، أنهم ظلموا ومنعوا حقهم الذي أوجبه الله لهم ورسوله، ثم يقول له فإذا كانت الخوارج تقاتل بني أمية لعلي، فأنت أحق أن تقاتل في نصرة إمامك علي بن أبي طالب، ولا يزال يسقيه العسل وأمثاله ويرقيه حتى يستجيب له ويصير أطوع له من أمه وأبيه، ويظهر له أشياء من المخرقة والنيرنجيات والحيل التي لا تروج إلا على الجهال، حتى التف عليه بشر كثير، وجم غفير، وقد بعث إليه السلطان ملكشاه يتهدده وينهاه عن ذلك، وبعث إليه بفتاوى العلماء، فلما قرأ الكتاب بحضرة الرسول قال لمن حوله من الشباب: إني أريد أن أرسل منكم رسولا إلى مولاه، فاشرأبت وجوه الحاضرين، ثم قال لشاب منهم: اقتل نفسك، فأخرج سكينا فضرب بها غلصمته فسقط ميتا، وقال لآخر منهم: ألق نفسك من هذا الموضع، فرمى نفسه من رأس القلعة إلى أسفل خندقها فتقطع. ثم قال لرسول السلطان. هذا الجواب. فمنها امتنع السلطان من مراسلته. (١)\n\nمحمد بن الفرج الطَّلاَعِي (٢) (٤٩٧ هـ)\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ١٧٠ - ١٧١).\n(٢) السير (١٩/ ١٩٩ - ٢٠٢) وشذرات الذهب (٣/ ٤٠٧) وشجرة النور الزكية (١/ ١٢٣).","vol":"6","page":395},{"text":"الشيخ الإمام القدوة أبو عبد الله محمد بن الفرج القرطبي المالكي. ولد سنة أربع وأربعمائة. حدث عن يونس بن عبد الله القاضي، ومكي بن أبي طالب، وأبي عبد الله بن عابد. وروى عنه أبو جعفر البطروجي، ومحمد بن عبد الخالق الخزرجي، ومحمد بن عبد الله بن خليل. وكان رأسا في العلم والعمل قوالا بالحق رحل الناس إليه من الأقطار لسماع الموطأ والمدونة لعلوه في ذلك. قال عنه الذهبي: كان ذا دين وخير وفضل، وطول صلاة، قوالا للحق وإن أوذي لا تأخذه في الله لومة لائم، معظما عند الخاصة والعامة. قال ابن بشكوال: هو بقية الشيوخ الأكابر في وقته، وزعيم المفتين بحضرته. توفي سنة سبع وتسعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2495>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: قال القاضي عياض: كان صالحا، قوالا للحق، شديدا على المبتدعة.\nوفيها: وكان شديدا على أهل البدع، مجانبا لمن يخوض في غير الحديث. (١)\n\nالسلطان بركياروق (٢) (٤٩٨ هـ)\nبركياروق السلطان ركن الدين بن ملكشاه أبو المظفر، أحد الملوك\n_________\n(١) السير (١٩/ ٢٠٠).\n(٢) المنتظم (١٧/ ٩٣) والسير (١٩/ ١٩٥ - ١٩٦) والبداية والنهاية (١٢/ ١٧٥ - ١٧٦) وشذرات الذهب (٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨) والوافي بالوفيات (١٠/ ١٢١ - ١٢٢) والنجوم الزاهرة (٥/ ١٩١).","vol":"6","page":396},{"text":"السلجوقية، ولي بعد موت أبيه وهو حدث، له ثلاث عشرة سنة. وكان شابا شهما شجاعا فيه كرم وحلم، لم يكن فيه عيب سوى ملازمته للشراب والإدمان عليه. مات ببروجرد في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2497>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن الأثير: وفي هذه السنة -أي سنة أربع وتسعين وأربعمائة- أمر السلطان بركياروق بقتل الباطنية، وهم الإسماعيلية، وهم الذين كانوا قديما يسمون القرامطة. (١)\nجاء في المنتظم: قتل السلطان بركيارق خلقا من الباطنية ممن تحقق مذهبه. ومن اتهم به، فبلغت عدتهم ثمانمائة ونيفا، ووقع التتبع لأموال من قتل منهم، فوجد لأحدهم سبعون بيتا من الزوالي المحفور، وكتب بذلك كتاب إلى الخليفة، فتقدم بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك المذهب، ولم يتجاسر أحد أن يشفع في أحد لئلا يظن ميله إلى ذلك المذهب، وزاد تتبع العوام لكل من أرادوا، وصار كل من في نفسه شيء من إنسان يرميه بهذا المذهب، فيقصد وينهب حتى حسم هذا الأمر فانحسم، وأول ماعرف من أحوال الباطنية في أيام ملك شاه جلال الدولة، فإنهم اجتمعوا فصلوا صلاة العيد في ساوة، ففطن بهم الشحنة، فأخذهم وحبسهم، ثم أطلقهم، ثم اغتالوا مؤذنا من أهل ساوة، فاجتهدوا أن يدخل معهم فلم يفعل، فخافوا أن ينم عليهم فاغتالوه فقتلوه، فبلغ الخبر إلى نظام الملك، وتقدم بأخذ من يتهم بقتله فقتل\n_________\n(١) الكامل (١٠/ ٣١٣)","vol":"6","page":397},{"text":"المتهم، وكان نجارا، فكانت أول فتكة لهم قتل نظام الملك وكانوا يقولون: قتلتم منا نجارا، وقتلنا به نظام الملك، فاستفحل أمرهم بأصبهان لما مات ملك شاه، فآل الأمر إلى أنهم كانوا يسرقون الإنسان فيقتلونه ويلقونه في البئر، فكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد إلى منزله يئسوا منه، وفتش الناس المواضع، فوجدوا امرأة في دار الأزج فوق حصير، فأزالوها تحت الحصير أربعين قتيلا، فقتلوا المرأة، وأخربوا الدار والمحلة، وكان يجلس رجل ضرير على باب الزقاق الذي فيه الدار، فإذا مر به إنسان سأله أن يقوده خطوات إلى الزقاق، فإذا حصل هناك جذبه من في الدار، واستولوا عليه، فجد المسلمون في طلبهم بأصبهان، وقتلوا منهم خلقا كثير. (١)\n\nيوسف بن تاشفين (٢) (٥٠٠ هـ)\nيوسف بن تاشفين أبو يعقوب اللمتوني أمير المسلمين الملثم البربري، بنى مراكش وصيرها دار ملكه، قال ابن الأثير: وكان حسن السيرة خيرا، عادلا يميل إلى أهل الدين والعلم، ويكرمهم ويصدر عن رأيهم وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام. قال ابن خلكان: وكان حازما سائسا للأمور، ضابطا لمصالح مملكته مؤثرا لأهل العلم والدين، كثير المشورة لهم. وكان رجلا شجاعا مقداما، استقدمه ملوك الأندلس لغزو الفرنج فعبر البحر\n_________\n(١) المنتظم (١٧/ ٦٢ - ٦٣).\n(٢) السير (١٩/ ٢٥٢ - ٢٥٤) والكامل في التاريخ (١٠/ ٤١٧ - ٤١٨) ووفيات الأعيان (٧/ ١١٢ - ١٣٠) والعبر (٢/ ٣٩) والنجوم الزاهرة (٥/ ١٩٥) وشذرات الذهب (٣/ ٤١٢ - ٤١٣).","vol":"6","page":398},{"text":"وكانوا قد جاءوا بجيوش كثيرة فسحقهم ثم تملك الأندلس بعد ذلك فجمع الفقهاء وأحسن إليهم فقالوا له: ينبغي أن تكون ولايتك من الخليفة لتجب طاعتك على الكافة فأرسل إلى الخليفة المستظهر بالله يخبره بما فتح من بلاد الفرنج ويطلب تقليدا بولاية البلاد فكتب له تقليدا من ديوان الخلافة بما أراد ولقب أمير المسلمين وبقي على ملكه إلى سنة خمسمائة فتوفي وملك بعده البلاد ولده علي بن يوسف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2499>موقفه من المشركين:</span>\nقال الذهبي: قال ابن خلكان: كان الأذفونش قد قوي أمره، وكانت الملوك بالأندلس يصالحونه، ويحملون إليه ضرائب، وأخذ طليطلة في سنة ثمان وسبعين بعد حصار شديد، من القادر بن ذي النون، فكان ذلك أول وهن دخل من الفرنج على المسلمين، وكان المعتمد يؤدي إليه، فلما تمكن لم يقبل الضريبة، وتهدده، وطلب منه أن يسلم حصونا، فضرب الرسول، وقتل من معه، فتحرك اللعين، واجتمع العلماء، واتفقوا على أن يكاتبوا الأمير أبا يعقوب بن تاشفين صاحب مراكش لينجدهم، فعبر ابن تاشفين بجيوشه إلى الجزيرة، ثم اجتمع بالمعتمد، وأقبلت المطوعة من النواحي وركب الأذفونش في أربعين ألف فارس، وكتب إلى ابن تاشفين يتهدده، فكتب في ظهر كتابه: \"الذي يكون ستراه\" ثم التقى الجمعان، واصطدم الجبلان بالزلاقة من أرض بطليوس، فانهزم الكلب، واستؤصل جمعه، وقل من نجا، في رمضان سنة تسع وسبعين، وجرح المعتمد في بدنه ووجهه، وشهد له بالشجاعة والإقدام،","vol":"6","page":399},{"text":"وغنم المسلمون ما لا يوصف ... (١)\n\nالسَّرَّاج (٢) (٥٠٠ هـ)\nالشيخ الإمام أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسن البغدادي، السراج القارئ. ولد سنة ست عشرة وأربعمائة. سمع أبا علي بن شاذان وأبا محمد الخلال والحافظ أبا نصر عبيد الله السجزي وأبا بكر الخطيب، وعدة. وحدث عنه ابنه ثعلب ومحمد بن ناصر وأبو طاهر السلفي وإسماعيل بن السمرقندي وعبد الوهاب الأنماطي.\nقال السلفي: كان ممن يفتخر برؤيته ورواياته لديانته ودرايته. وقال ابن ناصر: كان ثقة مأمونا، عالما فهما صالحا. وقال أبو بكر ابن العربي: ثقة، عالم مقرئ، له أدب ظاهر واختصاص بالخطب. وقال أبو علي الصدفي: هو شيخ فاضل، جميل وسيم، مشهور يفهم، عنده لغة وقراءات، وكان الغالب عليه الشعر.\nتوفي ﵀ في صفر سنة خمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2501>موقفه من المبتدعة:</span>\nمن شعره قوله:\nقتل الذين بجهلهم ... أضحوا يعيبون المحابر\n_________\n(١) السير (١٩/ ٦١ - ٦٢).\n(٢) المنتظم (١٧/ ١٠٢ - ١٠٣) والسير (١٩/ ٢٢٨ - ٢٣١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٤٩١ - ٥٠٠/ص.٣١٥) والوافي بالوفيات (١١/ ٩٢ - ٩٣) والبداية والنهاية (١٢/ ١٧٩ - ١٨٠).","vol":"6","page":400},{"text":"والحاملين لها من الـ ... أيدي بمجتمع الأساور\nلولا المحابر والمقا ... لم والصحائف والدفاتر\nوالحافظون شريعة الـ ... والناقلون حديثه عن ... لرأيت من بشع الضلا ... ـمبعوث من خير العشائر\nكل يقول بجهله ... كابر ثبت وكابر ... ل عساكرا تتلو عساكر\nسميتهم أهل الحديث ... والله للمظلوم ناصر\nهم حشو جنات النعيم ... أولي النهي وأولي البصائر\nرفقاء أحمد كلهم ... على الأسرة والمنابر\nعن حوضه ريان صادر (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2502>موقف السلف من أحمد بن غطاش الباطني (٥٠٠ ه</span>ـ)\nبيان زندقته:\nجاء في السير: طاغية الإسماعيلية، هو الرئيس أحمد بن عبد الملك بن غطاش العجمي.\nكان أبوه من كبار دعاة الباطنية، ومن أذكياء الأدباء، له بلاغة وسرعة جواب، استغوى جماعة، ثم هلك، وخلفه في الرياسة ابنه هذا، فكان جاهلا، لكنه شجاع مطاع، تجمع له أتباع، وتحيلوا، حتى ملكوا قلعة أصبهان التي\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ١٧٩ - ١٨٠).","vol":"6","page":401},{"text":"غرم عليها السلطان ملكشاه ألفي ألف دينار، وصاروا يقطعون السبل، والتف عليهم كل فاجر، ودام البلاء بهم عشر سنين، حتى نازلهم محمد بن ملكشاه أشهرا، فجاعوا، ونزل كثير منهم بالأمان، وعصى ابن غطاش في برج أياما، وجرت أمور طويلة، ثم أخذ وسلخ، وتأمر على الباطنية بعده ابن صباح، وكانوا بلاء على المسلمين، وقتلوا عددا من الأعيان بشغل السكين. (١)\nوقال ابن الجوزي: كان هذا ابن عطاش في أول أمره طبيبا، فأخذ أبوه في أيام طغرلبك لأجل مذهبه، فأراد قتله فأظهر التوبة ومضى إلى الري، وصاحب أبا علي النيسابوري وهو متقدمهم هناك وصاهره وصنف رسالة في الدعاء إلى هذا المذهب سماها (العقيقة). ومات في سواد الري. (٢)\n\nالرُّويَانِي (٣) (٥٠١ هـ)\nالقاضي، العلامة، أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني الطبري الشافعي. ولد سنة خمس عشرة وأربعمائة. سمع أبا منصور محمد بن عبد الرحمن الطبري وشيخ الإسلام أبا عثمان الصابوني وأبا نصر أحمد بن محمد البلخي وجده أبا العباس أحمد بن محمد الروياني وعدة. وحدث عنه أبو طاهر السلفي وإسماعيل بن محمد التيمي وأبو الفتوح الطائي. تفقه ببخارى\n_________\n(١) السير (١٩/ ٢٦٧).\n(٢) المنتظم (١٧/ ١٠٢).\n(٣) المنتظم (١٧/ ١١٣) والسير (١٩/ ٢٦٠ - ٢٦٢) وتهذيب الأسماء واللغات (القسم الأول/٢/ ٢٧٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٠١ - ٥١٠/ص.٦٢ - ٦٣) والبداية والنهاية (١٢/ ١٨٢) وطبقات الشافعية لابن كثير (٢/ ٥٢٤ - ٥٢٦) وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥).","vol":"6","page":402},{"text":"مدة، وبرع في المذهب حتى قال العماد محمد بن أبي سعد صدر الري في عصره: أبو المحاسن القاضي شافعي عصره. وكان يقول: لو احترقت كتب الشافعي أمليتها من حفظي. وقال السبكي: كان يلقب فخر الإسلام، وله الجاه العريض في تلك الديار والعلم الغزير والدين المتين، والمصنفات السائرة في الآفاق، والشهرة بحفظ المذهب يضرب المثل باسمه في ذلك. قتل سنة إحدى وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2505>موقفه من المشركين:</span>\nقال الذهبي: قال معمر بن الفاخر: قتل بجامع آمل يوم جمعة حادي عشر المحرم، قتلته الملاحدة يعني الإسماعيلية. (١)\n\nالغزالي (٢) (٥٠٥ هـ)\nمحمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي أبو حامد الغزالي الشيخ الإمام صاحب التصانيف والذكاء، لازم إمام الحرمين فبرع في الفقه في مدة قريبة ومهر في الكلام والجدل، تعاطى الفلسفة وخاض فيها وليس له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وقد ألف في الرد عليهم كتاب التهافت، ووقع في بعض ضلالهم وغلا فيها حتى قال عنه أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع. ودخل\n_________\n(١) السير (١٩/ ٢٦٢).\n(٢) السير (١٩/ ٣٢٢ - ٣٤٦) والمنتظم (١٧/ ١٢٤ - ١٢٧) والكامل في التاريخ (١٠/ ٤٩١) ووفيات الأعيان (٤/ ٢١٦ - ٢١٩) والوافي بالوفيات (١/ ٢٧٣ - ٢٧٧) والبداية (١٢/ ١٨٥ - ١٨٦).","vol":"6","page":403},{"text":"التصوف وصنف فيه أغلب تواليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع وساءت به الظنون حتى أمر سلطان المغرب ابن تاشفين بحرق كتبه بفتوى الفقهاء. كان من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه وساد في شبيبته حتى إنه درس بالنظامية ببغداد في سنة أربع وثمانين وله أربع وثلاثون سنة فحضر عنده رؤوس العلماء فتعجبوا من فصاحته واطلاعه. رحل إلى دمشق وبيت المقدس مدة ثم إلى نيسابور فدرس بنظاميتها ثم عاد إلى طوس فأقام بها وابتنى رباطا واتخذ دارا حسنة وغرس فيها بستانا أنيقا ورجع عما كان فيه من الكلام والفلسفة والتصوف وأقبل على تلاوة القرآن وحفظ الأحاديث الصحاح، حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. وكانت وفاته يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة.\nإن الكلام على الغزالي يحتاج إلى تفصيل أكثر لما فيه من تشعب. ويكفينا نحن في بحثنا هذا الإشارة، لأن القصد بيان المواقف السلفية والعقبات التي تعرضت لها العقيدة السلفية. وكان أبو حامد هذا من الذين كان ضررهم على العقيدة الإسلامية على العموم واضحا، ولا ينكر هذا إلا مكابر أو معاند، أو صاحب هوى. فما يزال المسلمون يتجرعون سموم كتبه التي خلفها ما بين باطنية مدسوسة أو ظاهرة. وقد هيأ الله لهذه الأمة من يفضح مثل هذه الأباطيل. فمن المضنون به على غير أهله إلى مشكاة الأنوار إلى إحياء علوم الدين ومع الأسف قد انتشرت كتبه المليئة بالضلال انتشارا فاحشا لا نظير له، وقد فرح بها الدجاجلة والمغرضون.","vol":"6","page":404},{"text":"أما المضنون به على غير أهله فقد أفرد بالرد عليه كتاب مستقل، وسيمر بنا إن شاء الله. وقد بين شيخ الإسلام في غير ما موضع من كتبه ما فيه من الضلال وأكتفي بنقل عبارة له في درء التعارض: كصاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها ومن مشى خلفه من القائلين بالوحدة المطلقة والاتحاد. (١)\nوأما مشكاة الأنوار فقد ردَّ عليها الشيخ في كثير من كتبه، انظر الدرء. (٢)\nوأما إحياء علوم الدين فقد رد عليه جماعة من أهل العلم عددهم يفوق الحصر، وقد أمر سلطان مراكش ابن تاشفين بحرقه بفتوى أهل العلم في عصره. وسيمر بنا ذلك إن شاء الله.\nنماذج من مواقف العلماء من أبي حامد وكتبه:\nقال الغزالي: وحد الاقتصاد بين هذا وهذا دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع. ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هم عليه ونظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فيه فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه وما خالف أولوه. فأما من يأخذ هذه الأمور كلها من السمع فلا يستقر له قدم.\nقال شيخ الإسلام: هذا الكلام مضمونه أنه لا يستفاد من خبر الرسول - ﷺ - شيء من الأمور العلمية، بل إنما يدرك ذلك كل إنسان بما حصل له من المشاهدة والنور والمكاشفة. وهذان أصلان للإلحاد، فإن كل ذي مكاشفة\n_________\n(١) (٥/ ٨٢).\n(٢) (١/ ٣١٧) و(٥/ ٣٥٤) و(٦/ ٢٢٣).","vol":"6","page":405},{"text":"إن لم يزنها بالكتاب والسنة وإلا دخل في الضلالات. (١)\nوقال الإمام ابن الجوزي في التلبيس: وجاء أبو حامد الغزالي، فصنف لهم كتاب الإحياء على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه، وقال: إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله ﷿، ولم يرد هذه المعروفات. وهذا من جنس كلام الباطنية. وقال في كتابه المفصح بالأحوال: إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق. (٢)\nالتعليق:\nقال جامعه: هذه نقطة من بحر، وكم كنت أتمنى أن تفرد هذه الكتب بالرد والبيان في رسائل علمية جامعية مركزة حتى يعلم الناس خبثها وما فيها من السموم والأفاعي المفتكة. (٣)\n- قال الذهبي في السير: وأدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام، ومزال الأقدام، ولله سر في خلقه. (٤)\n- وفيها قال: ومما نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في\n_________\n(١) درء التعارض (٥/ ٣٤٨).\n(٢) التلبيس (ص.٢٠٥).\n(٣) وقد يسر الله إخراج كتاب في بيان ضلالات ما في الإحياء تحت عنوان: 'الأسباب الحقيقية لحرق إحياء علوم الدين' فليراجعه من أراد الاستزادة، والله الموفق للصواب.\n(٤) السير (١٩/ ٣٢٣).","vol":"6","page":406},{"text":"كتاب كيمياء السعادة والعلوم وشرح بعض الصور والمسائل بحيث لا توافق مراسم الشرع وظواهر ما عليه قواعد الملة، وكان الأولى به -والحق أحق ما يقال- ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح له، فإن العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج، فإذا سمعوا شيئا من ذلك، تخيلوا منه ما هو المضر بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل. (١)\nوفيها: ولأبي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب رياض الأفهام في مناقب أهل البيت قال: ذكر أبو حامد في كتابه سر العالمين وكشف ما في الدارين فقال في حديث: «من كنت مولاه، فعلي مولاه» (٢) إن عمر قال لعلي: بخ بخ، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضى، ثم بعد هذا غلب عليه الهوى حبا للرياسة، وعقد البنود، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون، وسرد كثيرا من هذا الكلام الفسل الذي تزعمه الإمامية، وما أدري ما عذره في هذا؟ والظاهر أنه رجع عنه، وتبع الحق، فإن الرجل من بحور العلم، والله أعلم. هذا إن لم يكن هذا وضع هذا وما ذاك ببعيد، ففي هذا التأليف بلايا لا تتطبب، وقال في أوله: إنه قرأه عليه محمد بن تومرت المغربي سرا بالنظامية، قال: وتوسمت فيه الملك.\nقال الذهبي: قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب التهافت، وكشف\n_________\n(١) السير (١٩/ ٣٢٦).\n(٢) أخرجه: أحمد (١/ ١١٨) والترمذي (٥/ ٥٩١/٣٧١٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ١٣٤/٨٤٧٨)، وصححه ابن حبان (١٥/ ٣٧٥ - ٣٧٦/ ٦٩٣١).","vol":"6","page":407},{"text":"عوارهم، ووافقهم في مواضع ظنا منه أن ذلك حق، أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب رسائل إخوان الصفا وهو داء عضال، وجرب مرد، وسم قتال، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف. فالحذار الحذار من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل، وإلا وقعتم في الحيرة، فمن رام النجاة والفوز، فليلزم العبودية، وليدمن الاستغاثة بالله، وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام وأن يتوفى على إيمان الصحابة، وسادة التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يغفر له وينجو إن شاء الله.\nوقال أبو عمرو بن الصلاح: فصل لبيان أشياء مهمة أنكرت على أبي حامد: ففي تواليفه أشياء لم يرتضها أهل مذهبه من الشذوذ، منها قوله في المنطق: هو مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط به، فلا ثقة له بمعلوم أصلا. قال: فهذا مردود، إذ كل صحيح الذهن منطقي بالطبع، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأسا. (١)\n- وفيها أيضا: وقد رأيت كتاب الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء للمازري، أوله: الحمد لله الذي أنار الحق وأداله، وأبار الباطل وأزاله، ثم أورد المازري أشياء مما نقده على أبي حامد، يقول: ولقد أعجب من قوم مالكية يرون مالكا الإمام يهرب من التحديد، ويجانب أن يرسم رسما، وإن كان فيه أثر ما، أو قياس ما، تورعا وتحفظا من الفتوى فيما يحمل الناس عليه، ثم يستحسنون من رجل فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له، وفيه كثير\n_________\n(١) السير (١٩/ ٣٢٨ - ٣٢٩).","vol":"6","page":408},{"text":"من الآثار عن النبي - ﷺ - لفق فيه الثابت بغير الثابت، وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار، كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا يجوز إطلاقها لشناعتها، وإن أخذت معانيها على ظواهرها، كانت كالرموز إلى قدح الملحدين. (١)\n- وفيها: وقال: وذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فيجلس فارغ القلب، مجموع الهم يقول: الله الله الله، على الدوام، فليفرغ قلبه، ولا يشتغل بتلاوة ولا كتب حديث. قال: فإذا بلغ هذا الحد، التزم الخلوة في بيت مظلم، وتدثر بكسائه، فحينئذ يسمع نداء الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ (٢) و﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ (٣).\nقال الذهبي: سيد الخلق إنما سمع (يا أيها المدثر) من جبريل عن الله، وهذا الأحمق لم يسمع نداء الحق أبدا، بل سمع شيطانا، أو سمع شيئا لا حقيقة من طيش دماغه، والتوفيق في الاعتصام بالسنة والإجماع. (٤)\n- وفيها: قال أبو بكر بن العربي في شرح الأسماء الحسنى: قال شيخنا أبو حامد قولا عظيما انتقده عليه العلماء، فقال: وليس في قدرة الله أبدع من هذا العالم في الإتقان والحكمة، ولو كان في القدرة أبدع أو أحكم منه ولم\n_________\n(١) السير (١٩/ ٣٣٠).\n(٢) المدثر الآية (١).\n(٣) المزمل الآية (١).\n(٤) السير (١٩/ ٣٣٣ - ٣٣٤).","vol":"6","page":409},{"text":"يفعله، لكان ذلك منه قضاء للجود، وذلك محال. ثم قال: والجواب أنه باعد في اعتقاد عموم القدرة ونفي النهاية عن تقدير المقدورات المتعلقة بها، ولكن في تفاصيل هذا العالم المخلوق، لا في سواه، وهذا رأي فلسفي قصدت به الفلاسفة قلب الحقائق، ونسبت الإتقان إلى الحياة مثلا، والوجود إلى السمع والبصر، حتى لا يبقى في القلوب سبيل إلى الصواب، وأجمعت الأمة على خلاف هذا الاعتقاد، وقالت عن بكرة أبيها: إن المقدورات لا نهاية لها لكل مقدر الوجود، لا لكل حاصل الوجود، إذ القدرة صالحة، ثم قال: وهذه وهلةٌ لاَ لَعًا لَها، ومزلة لا تماسك فيها، ونحن وإن كنا نقطة من بحره، فإنا لا نرد عليه إلا بقوله.\nقال الذهبي: كذا فليكن الرد بأدب وسكينة. (١)\n- وفيها: ولأبي الحسن بن سكر رد على الغزالي في مجلد سماه: إحياء ميت الأحياء في الرد على كتاب الإحياء. (٢)\n- وفيها: وللإمام محمد بن علي المازري الصقلي كلام على الإحياء يدل على إمامته، يقول: وقد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم بإحياء علوم الدين، وذكرتم أن آراء الناس فيه قد اختلفت، فطائفة انتصرت وتعصبت لإشهاره، وطائفة حذرت منه ونفرت، وطائفة لكتبه أحرقت، وكاتبني أهل المشرق أيضا يسألوني، ولم يتقدم لي قراءة هذا الكتاب سوى نبذ منه، فإن نفس الله في العمر، مددت فيه الأنفاس، وأزلت\n_________\n(١) السير (١٩/ ٣٣٧).\n(٢) السير (١٩/ ٣٤٢).","vol":"6","page":410},{"text":"عن القلوب الالتباس: اعلموا أن هذا رأيت تلامذته، فكل منهم حكى لي نوعا من حاله ما قام مقام العيان، فأنا أقتصر على ذكر حاله، وحال كتابه ... وأما مذاهب الصوفية، فلا أدري على من عول فيها، لكني رأيت فيما علق بعض أصحابه أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي، وعندي أنه عليه عول في مذهب التصوف ... وفي الإحياء من الواهيات كثير. قال: وعادة المتورعين أن لا يقولوا: قال مالك، وقال الشافعي، فيما لم يثبت عندهم. ثم قال: ويستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له ... ثم قال: وقال: من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن البارئ قديم، مات مسلما إجماعا. قال: فمن تساهل في حكاية الإجماع في مثل هذا الذي الأقرب أن يكون الإجماع في خلافه، فحقيق أن لا يوثق بما روى، ورأيت له في الجزء الأول يقول: إن في علومه ما لا يسوغ أن يودع في كتاب، فليت شعري أحق هو أو باطل؟. فإن كان باطلا، فصدق، وإن كان حقا، وهو مراده بلا شك، فَلِمَ لا يودع في الكتب، ألغموضه ودقته؟. فإن كان هو فهمه، فما المانع أن يفهمه غيره؟ (١)\n- وذكر شيخ الإسلام في المنهاج رجوع أبي حامد الغزالي من الكلام والتصوف قال: وكذلك أبو حامد في آخر عمره استقر أمره على الوقف والحيرة، بعد أن نظر فيما كان عنده من طرق النظار: أهل الكلام والفلسفة، وسلك ما تبين له من طرق العبادة والرياضة والزهد، وفي آخر عمره اشتغل\n_________\n(١) السير (١٩/ ٣٤٠ - ٣٤٢).","vol":"6","page":411},{"text":"بالحديث: بالبخاري ومسلم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2507>موقفه من المشركين:</span>\n- قال شيخ الإسلام: قال أبو حامد الغزالي عن الفلسفة: هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها، وإن بعض الظن إثم.\nقال ابن تيمية عقبه: فإن ما يقوم عليه الدليل، من الرياضي ونحوه، كثير التعب قليل الفائدة، لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى، وما لم يقم عليه الدليل فظنون وأباطيل. (٢)\n- وقال الشاطبي: قال أبو حامد ﵀: ينبغي أن يعرف الإنسان أن رتبة هذه الفرقة هي أخس من رتبة كل فرقة من فرق الضلال، إذ لا تجد فرقة تنقض مذهبها بنفس المذهب سوى هذه التي هي الباطنية، إذ مذهبها إبطال النظر وتغيير الألفاظ عن موضوعاتها بدعوى الرمز، وكل ما يتصور أن تنطق به ألسنتهم، فإما نظر أو نقل، أما النظر؛ فقد أبطلوه، وأما النقل؛ فقد جوزوا أن يراد باللفظ غير موضوعه، فلا يبقى لهم معتصم، والتوفيق بيد الله. (٣)\n- وقال شيخ الإسلام: وصنف كتابا سماه 'القسطاس المستقيم'، ذكر فيه خمس موازين: الثلاث الحمليات؛ والشرطي المتصل، والشرطي المنفصل. وغير عباراتها إلى أمثلة أخذها من كلام المسلمين وذكر أنه خاطب بذلك\n_________\n(١) المنهاج (٥/ ٢٦٩).\n(٢) درء التعارض (٥/ ٧١).\n(٣) الاعتصام (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥).","vol":"6","page":412},{"text":"بعض أهل التعليم، وصنف كتابا في تهافتهم، وبين كفرهم بسبب مسألة قدم العالم وإنكار العلم بالجزئيات وإنكار المعاد؛ وبين في آخر كتبه؛ أن طريقهم فاسدة، لا توصل إلى يقين، وذمها أكثر مما ذم طريقة المتكلمين. وكان أولا يذكر في كتبه كثيرا من كلامهم: إما بعبارتهم، وإما بعبارة أخرى. ثم في آخر أمره بالغ في ذمهم، وبين أن طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريق المتكلمين. (١)\nوقال الشيخ أيضا: وصرح الغزالي بأن قتل من ادعى أن رتبة الولاية أعلى من رتبة النبوة أحب إليه من قتل مائة كافر، لأن ضرر هذا في الدين أعظم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2508>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في مجموع الفتاوى: قال أبو حامد الغزالي -في كتابه الذي صنفه في الرد عليهم (أي على الإسماعيلية) - ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2509>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو حامد الغزالي: أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام. (٤)\n\nالمعمر بن علي أبو سعد البغدادي (٥) (٥٠٦ هـ)\n_________\n(١) الفتاوى (٩/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٣).\n(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٠).\n(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨).\n(٥) السير (١٩/ ٤٥١ - ٤٥٢) وذيل طبقات الحنابلة (٣/ ١٠٧ - ١١٠) وشذرات الذهب (٤/ ١٤ - ١٥) وتاريخ الإسلام (٣٥/ ١٥٠) والمنتظم (١٧/ ١٣٠ - ١٣٢) والبداية والنهاية (١٢/ ١٨٧).","vol":"6","page":413},{"text":"المفتي الواعظ الكبير أبو سعد المعمر بن علي بن المعمر بن أبي عمامة البغدادي الحنبلي. ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائة. وسمع من ابن غيلان والحسن بن محمد الخلال وأبي القاسم التنوخي وروى اليسير. حدث عنه ابن ناصر وأبو المعمر الأنصاري. قال ابن النجار: درس الفقه على شيوخ زمانه وأفتى وناظر وحفظ من الآداب والشعر والنوادر في الجد والهزل ما لم يحفظه غيره. وانفرد بالوعظ وانتفعوا بمجالسه فكان يبكي الناس ويضحكهم، وله قبول عظيم عند الخاص والعام. مات في ربيع الأول سنة ست وخمسمائة وشيعه خلق كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2511>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في ذيل طبقات الحنابلة: وكان في زمن أبي علي بن الوليد شيخ المعتزلة، يجلس في مجلسه، ويلعن المعتزلة. (١)\n\nالأَبيوَرْدِي (٢) (٥٠٧ هـ)\nالعلامة أبو المظفر محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد الأموي، الأبيوردي اللغوي، الشاعر المشهور. سمع إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي وأبا بكر بن خلف الشيرازي. وأخذ العربية عن عبد القاهر الجرجاني. وروى عنه\n_________\n(١) ذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٠٧).\n(٢) المنتظم (١٧/ ١٣٥ - ١٣٦) والأنساب (١/ ٧٩ - ٨٠) ووفيات الأعيان (٤/ ٤٤٤ - ٤٤٩) وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٢٨٣ - ٢٩٢) وطبقات الشافعية الكبرى (٤/ ٦٢ - ٦٣) والوافي بالوفيات (٢/ ٩١ - ٩٣).","vol":"6","page":414},{"text":"ابن طاهر المقدسي وأبو الفتوح الطائي وأبو طاهر السلفي، وجماعة.\nقال السلفي: كان الأبيوردي -والله- من أهل الدين والخير والصلاح والثقة. وقال عبد الغافر: فخر العرب أبو المظفر الأبيوردي الكوفني، الرئيس الأديب، الكاتب النسابة من مفاخر العصر وأفاضل الدهر، له الفضائل الرائقة والفصول الفائقة والتصانيف المعجزة، والتواليف المعجبة. وقال أبو زكريا بن منده: فخر الرؤساء أفضل الدولة، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، متصرف في فنون جمة من العلوم، عارف بأنساب العرب، فصيح الكلام، حاذق في تصنيف الكتاب. قال الذهبي: هو ريان من العلوم، موصوف بالدين والورع إلا أنه تياه، معجب بنفسه، قد قتله حب السؤدد.\nتوفي ﵀ سنة سبع وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2513>موقفه من الجهمية:</span>\nقال يحيى بن منده: سئل الأديب أبو المظفر عن أحاديث الصفات، فقال: تقر وتمر.\n\nالنَّسيب أبو القاسم (١) (٥٠٨ هـ)\nالشيخ الإمام، النسيب أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس، الحسيني الدمشقي الخطيب، مولده سنة أربع وعشرين وأربعمائة. حدث عن أبيه وعمه أبي البركات وأبي علي الأهوازي وأبي بكر الخطيب وسليم بن أيوب\n_________\n(١) تاريخ دمشق (٤١/ ٢٤٤ - ٢٤٧) والكامل في التاريخ (١٠/ ٥٠٨) وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٥٨ - ٣٦٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٠١ - ٥١٠/ص.٢٠٩) وشذرات الذهب (٤/ ٢١).","vol":"6","page":415},{"text":"وأبي القاسم الحنائي. وروى عنه هبة الله الأكفاني وأبو المعالي بن صابر، وأبو القاسم والصائن ابنا ابن عساكر وخلق سواهم.\nقال ابن عساكر: كان مكثرا ثقة، وله أصول بخطوط الوراقين، وكان متسننا، وسبب تسننه مؤدبه أبو عمران الصقلي وكثرة سماعه للحديث. وقال الذهبي: كان صدرا، نبيلا، مرضيا، ثقة، محدثا، مهيبا، سنيا، ممدوحا بكل لسان.\nتوفي ﵀ سنة ثمان وخمسمائة. ودفن بالمقبرة الفخرية في المصلى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2515>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: قال ابن عساكر: وكانت له جنازة عظيمة، وأوصى أن يصلي عليه جمال الإسلام أبو الحسن الفقيه، وأن يسنم قبره، وأن لا يتولاه أحد من الشيعة. (١)\n\nابن حَمْدِين (٢) (٥٠٨ هـ)\nمحمد بن علي بن محمد بن عبد العزيز أبو عبد الله العلامة قاضي الجماعة الأندلسي، صاحب فنون ومعارف وتصانيف ولي القضاء ليوسف بن تاشفين الملك، فسار أحسن سيرة وحمل عن أبيه. روى عنه القاضي عياض وعظمه، ولي قضاء قرطبة، وله إجازة من أبي عمر بن عبد البر وأبي العباس ابن دلهاث وتفقه بأبيه وبمحمد بن عتاب وحاتم بن محمد وكان ذكيا بارعا في العلم\n_________\n(١) السير (١٩/ ٣٦٠) وهو في تاريخ دمشق (٤١/ ٢٤٧).\n(٢) السير (١٩/ ٤٢٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٠١ - ٥١٠/ص.٢١٢ - ٢١٣).","vol":"6","page":416},{"text":"متفننا أصوليا لغويا شاعرا حميد الأحكام. وقال القاضي عياض: أجل رجال الأندلس وزعيمها في وقته ومقدمها جلالة ووجاهة وفهما ونباهة ... تقلد الشورى بقرطبة لأول الدولة المرابطية. توفي سنة ثمان وخمسمائة في محرم لثلاث بقين منه عن تسع وستين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2517>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في السير: وكان يحط على الإمام أبي حامد في طريقة التصوف وألف في الرد عليه. (١)\n- وفيها أيضا: وقال قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن حمدين القرطبي: إن بعض من يعظ ممن كان ينتحل رسم الفقه، ثم تبرأ منه شغفا بالشرعة الغزالية، والنحلة الصوفية، أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد إمام بدعتهم، فأين هو من شنع مناكيره، ومضاليل أساطيره المباينة للدين؟! وزعم أن هذا من علم المعاملة المفضي إلى علم المكاشفة الواقع بهم على سر الربوبية الذي لا يسفر عن قناعه، ولا يفوز باطلاعه إلا من تمطى إليه ثبج ضلالته التي رفع لهم أعلامها، وشرع أحكامها. قال أبو حامد: وأدنى النصيب من هذا العلم التصديق به، وأقل عقوبته أن لا يرزق المنكر منه شيئا، فاعرض قوله على قوله، ولا يشتغل بقراءة قرآن، ولا بكتب حديث، لأن ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كم جبته، والتدثر بكسائه، فيسمع نداء الحق، فهو يقول: ذروا ما كان السلف عليه، وبادروا ما آمركم به. (٢)\n_________\n(١) السير (١٩/ ٤٢٢).\n(٢) السير (١٩/ ٣٣٢).","vol":"6","page":417},{"text":"أبو الخطاب محفوظ بن أحمد (١) (٥١٠ هـ)\nالإمام العلامة، أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني ثم البغدادي الأزجي. ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. سمع أبا محمد الجوهري وأبا طالب العشاري وأبا يعلى محمد بن الحسين بن الفراء وغيرهم. وروى عنه ابن ناصر وأبو المعمر الأنصاري وأبو الكرم بن الغسال، وجماعة من الأئمة.\nقال أبو الكرم بن الشهرزوري: كان إلكيا إذا رأى أبا الخطاب الكلوذاني مقبلا قال: قد جاء الجبل.\nوقال السمعاني: أحد الفقهاء، وكان مفتيا، فاضلا، ورعا، دينا غزير الفضل، وافر العقل، وكان له شعر رقيق.\nوقال الذهبي: كان أبو الخطاب من محاسن العلماء، خيرا صادقا حسن الخلق، حلو النادرة، من أذكياء الرجال، روى الكثير، وطلب الحديث وكتبه.\nتوفي ﵀ سنة عشر وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2519>موقفه من الجهمية والرافضة والمرجئة والقدرية:</span>\nقال أبو الخطاب ﵀:\n_________\n(١) الأنساب (٥/ ٩٠) والمنتظم (١٧/ ١٥٢ - ١٥٥) والسير (١٩/ ٣٤٨ - ٣٥٠) وذيل طبقات الحنابلة (٣/ ١١٦ - ١٢٧) والنجوم الزاهرة (٥/ ٢١٢) وشذرات الذهب (٤/ ٢٧ - ٢٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٠١ - ٥١٠/ص.٢٥١ - ٢٥٣).","vol":"6","page":418},{"text":"دع عنك تذكار الخليط المنجد ... والشوق نحو الآنسات الخرد\nوالنوح في أطلال سعدى إنما ... تذكار سعدى شغل من لم يسعد\nواسمع مقالي إن أردت تخلصا ... يوم الحساب وخذ بهديي تهتد\nواقصد فإني قد قصدت موفقا ... نهج ابن حنبل الإمام الأوحد\nخير البرية بعد صحب محمد ... والتابعين إمام كل موحد\nذي العلم والرأي الأصيل ومن حوى ... شرفا علا فوق السها والفرقد\nواعلم بأني قد نظمت مسائلا ... لم آل فيها النصح غير مقلد\nوأجبت عن تسآل كل مهذب ... ذي صولة عند الجدال مسود\nهجر الرقاد وبات ساهر ليله ... ذي همة لا يستلذ بمرقد\nقوم طعامهم دراسة علمهم ... يتسابقون إلى العلا والسؤدد\nقالوا بما عرف المكلف ربه؟ ... فأجبت بالنظر الصحيح المرشد\nقالوا فهل رب الخلائق واحد؟ ... قلت الكمال لربنا المتفرد\nقالوا فهل لله عندك مشبه؟ ... قلت المشبه في الجحيم الموصد\nقالوا فهل تصف الإله؟ أبن لنا ... قلت الصفات لذي الجلال السرمد\nقالوا فهل تلك الصفات قديمة ... كالذات؟ قلت كذاك لم تتجدد\nقالوا فأنت تراه جسما مثلنا؟ ... قلت المجسم عندنا كالملحد\nقالوا فهل هو في الأماكن كلها؟ ... فأجبت بل في العلو مذهب أحمد\nقالوا أتزعم أن على العرش استوى ... قلت الصواب كذاك أخبر سيدي\nقالوا فما معنى استواه أبن لنا ... فأجبتهم هذا سؤال المعتدي\nقالوا النزول؟ فقلت ناقلة له ... قوم تمسكهم بشرع محمد","vol":"6","page":419},{"text":"قالوا فكيف نزوله؟ فأجبتهم ... لم ينقل التكييف لي في مسند\nقالوا فينظر بالعيون؟ أبن لنا ... فأجبت رؤيته لمن هو مهتدي\nقالوا فهل لله علم؟ قلت ما ... من عالم إلا بعلم مرتدي\nقالوا فيوصف أنه متكلم؟ ... قلت السكوت نقيصة المتوحد\nقالوا فما القرآن؟ قلت كلامه ... من غير ما حدث وغير تجدد\nقالوا الذي نتلوه؟ قلت كلامه ... لا ريب فيه عند كل مسدد\nقالوا فأفعال العباد؟ فقلت ما ... من خالق غير الإله الأمجد\nقالوا فهل فعل القبيح مراده؟ ... قلت الإرادة كلها للسيد\nلو لم يرده لكان ذاك نقيصة ... سبحانه عن أن يعجز في الردي\nقالوا فما الإيمان؟ قلت مجاوبا ... عمل وتصديق بغير تبلد\nقالوا فمن بعد النبي خليفة؟ ... قلت الموحد قبل كل موحد\nحاميه في يوم العريش ومن له ... في الغار مسعد يا له من مسعد\nخير الصحابة والقرابة كلهم ... ذاك المؤيد قبل كل مؤيد\nقالوا فمن صديق أحمد؟ قلت من ... تصديقه بين الورى لم يجحد\nقالوا فمن تالي أبي بكر الرضا؟ ... قلت الإمارة في الإمام الأزهد\nفاروق أحمد والمهذب بعده ... نصر الشريعة باللسان وباليد\nقالوا فثالثهم؟ فقلت مسارعا ... من بايع المختار عنه باليد\nصهر النبي على ابنتيه ومن حوى ... فضلين فضل تلاوة وتهجد\nأعني ابن عفان الشهيد ومن دعي ... في الناس ذا النورين صهر محمد\nقالوا فرابعهم؟ فقلت مبادرا ... من جاز دونهم أخوة أحمد","vol":"6","page":420},{"text":"زوج البتول وخير من وطئ الحصى ... بعد الثلاثة والكريم المحتد\nأعني أبا الحسن الإمام ومن له ... بين الآنام فضائل لم تجحد\nولعم سيدنا النبي مناقب ... لو عددت لم تنحصر بتعدد\nأعني أبا الفضل الذي استسقى به ... عمر أوان الجدب بين الشهد\nذاك الهمام أبو الخلائف كلهم ... نسقا إلى المستظهر بن المقتدي\nصلى الإله عليه ما هبت صبا ... وعلى بنيه الراكعين السجد\nوأدام دولتهم علينا سرمدا ... ما حن في الأسحار كل مغرد\nقالوا أبان الكلوذاني الهدى ... قلت الذي فوق السماء مؤيدي (١)\n\nوله أيضا:\nومذ كنت من أصحاب أحمد لم أزل ... أناضل عن أعراضهم وأحامي\nوما صدني عن نصرة الحق مطمع ... ولا كنت زنديقا حليف خصام\nولا خير في دنيا تنال بذلة ... ولا في حياة أولعت بسقام\nومن جانب الأطماع عز وإنما ... مذلته تطلابه لحطام\n\nأبو شجاع السلطان صاحب العراق (٢) (٥١١ هـ)\nمحمد بن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان التركي السلجوقي أبو\n_________\n(١) المنتظم (١٧/ ١٥٣ - ١٥٥).\n(٢) السير (١٩/ ٥٠٦ - ٥٠٧) والمنتظم (١٧/ ١٥٩) والكامل في التاريخ (١٠/ ٥٢٥ - ٥٢٧) ووفيات الأعيان (٥/ ٧١) والوافي بالوفيات (٥/ ٦٢) والبداية والنهاية (١٢/ ١٩٣) وشذرات الذهب (٤/ ٣٠).","vol":"6","page":421},{"text":"شجاع الملك صاحب العراق، لما مات أبوه سنة خمس وثمانين وأربعمائة، اقتسموا الأقاليم، وكانت نزاعات بينه وبين أخويه ثم عظم شأن محمد وتفرد بالسلطنة، ودانت له البلاد وكان أخوه يخطب له بخراسان، وقد كان محمد فحل آل سلجوق وله بر في الجملة وحسن سيرة مشوبة، فمن عدله أنه أبطل ببغداد المكس والضرائب ومنع من استخدام يهودي أو نصراني، وكسا في نهار أربعمائة فقير وكان قد كف مماليكه عن الظلم. ملك العراق وخراسان وغير ذلك من البلاد الشاسعة والأقاليم الواسعة، كان من خيار الملوك وأحسنهم سيرة، عادلا رحيما سهل الأخلاق محمود العشرة، لما حضرته الوفاة استدعى ولده محمودا وضمه إليه وبكى كل منهما، ثم أمره بالجلوس على سرير المملكة وعمره إذ ذاك أربعة عشر سنة فحكم بعد وفاة أبيه سنة إحدى عشرة وخمسمائة. توفي السلطان محمد عن تسع وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأيام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2521>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن كثير: ومما وقع في هذه السنة -أي خمسمائة- من الحوادث أن السلطان محمد بن ملكشاه حاصر قلاعا كثيرة من حصون الباطنية، فافتتح منها أماكن كثيرة وقتل خلقا منهم، منها قلعة حصينة كان أبوه قد بناها بالقرب من أصبهان في رأس جبل منيع هناك ... أنفق عليها ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار، ثم استحوذ عليها بعد ذلك رجل من الباطنية يقال له أحمد","vol":"6","page":422},{"text":"ابن عبد الله بن عطاء، فتعب المسلمون بسببها، فحاصرها ابنه السلطان محمد سنة حتى افتتحها، وسلخ هذا الرجل، وحشا جلده تبنا وقطع رأسه وطاف به في الأقاليم، ثم نقض هذه القلعة حجرا حجرا، وألقت امرأته نفسها من أعلى القلعة فتلفت، وهلك ما كان معها من الجواهر النفيسة، وكان الناس يتشاءمون بهذه القلعة يقولون: كان دليلها كلبا والمشير بها كافرا والمتحصن بها زنديقا. (١)\n- وجاء في السير: وقد حارب الإسماعلية وأباد منهم وأخذ منهم قلعة أصبهان وقتل ابن غطاش ملكهم. (٢)\n\nابن عَقِيل (٣) (٥١٣ هـ)\nعلي بن عقيل بن محمد أبو الوفاء الإمام العلامة البحر شيخ الحنابلة صاحب التصانيف المفيدة. ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وسمع أبا بكر ابن بشران وأبا الفتح بن شيطا وأبا محمد الجوهري، وتلا بالعشر على ابن شيطا وأخذ العربية على أبي القاسم بن برهان وأخذ علم العقليات على شيخي الاعتزال أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان فانحرف عن السنة، وكان يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب فربما لامه بعض أصحابه فلا\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ١٧٨).\n(٢) السير (١٩/ ٥٠٧).\n(٣) السير (١٩/ ٤٤٣ - ٤٥١) وطبقات الحنابلة (٢/ ٢٥٩) والمنتظم (١٧/ ١٧٩ - ١٨٢) والكامل في التاريخ (١٠/ ٥٦١) وميزان الاعتدال (٣/ ١٤٦) والبداية والنهاية (١٢/ ١٩٧) ولسان الميزان (٤/ ٢٤٣ - ٢٤٤) وشذرات الذهب (٤/ ٣٥ - ٤٠).","vol":"6","page":423},{"text":"يلوي عليهم. فلهذا برز على أقرانه وساد أهل زمانه في فنون كثيرة مع صيانة وديانة وحسن صورة وكثرة اشتغال وكان فيه شيء من الاعتزال. قال ابن حجر: ثم أشهد على نفسه أنه تاب عن ذلك، وصحت توبته ثم صنف في الرد عليهم، وقد أثنى عليه أهل عصره ومن بعدهم. حدث عنه أبو حفص المغازلي وأبو المعمر الأنصاري وأبو طاهر السلفي وابن ناصر وآخرون. قال السلفي: ما رأت عيني مثل أبي الوفاء بن عقيل الفقيه ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه وحسن إيراده وبلاغة كلامه وقوة حجته. كان يقول: عصمني الله في شبابي بأنواع من العصمة وقصر محبتي على العلم، وما خالطت لعابا قط ولا عاشرت إلا أمثالي من طلاب العلم. توفي بكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. وصلى عليه ابن شافع بجامع القصر وكان الجمع ما لا يحصى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2523>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن الجوزي: قال أبو الوفاء علي بن عقيل ﵁: صبئت قلوب أهل الإلحاد لانتشار كلمة الحق وثبوت الشرائع بين الخلق والامتثال لأوامرها كابن الراوندي ومن شاكله كأبي العلاء. ثم مع ذلك لا يرون لمقالتهم نباهة ولا أثرا بل الجوامع تتدفق زحاما والأذانات تملأ أسماعهم بالتعظيم لشأن النبي - ﷺ - والإقرار بما جاء به، وإنفاق الأموال والأنفس في الحج مع ركوب الأخطار ومعاناة الأسفار ومفارقة الأهل والأولاد. فجعل بعضهم يندس في أهل النقل فيضع المفاسد على الأسانيد، ويضع السير والأخبار، وبعضهم يروي ما يقارب المعجزات من ذكر خواص في أحجار","vol":"6","page":424},{"text":"وخوارق العادات في بعض البلاد وأخبار عن الغيوب عن كثير من الكهنة والمنجمين ويبالغ في تقرير ذلك حتى قالوا إن سطيحا قال في الخبيء الذي خبئ له: حبة بر، في إحليل مهر. والأسود كان يعظ ويقول الشيء قبل كونه. وههنا اليوم معزمون يكلمون الجني الذي في باطن المجنون فيكلمهم بما كان ويكون وما شاكل ذلك من الخرافات فمن رأى مثل هذا قال بقلة عقله وقلة تلمحه لقصد هؤلاء الملحدة وهل ما جاءت به النبوات إلا مقارب هذا، وليس قول الكاهن. حبة بر في إحليل مهر، وقد أخفيت كل الإخفاء بأكثر من قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ (١) وهل بقي لهذا وقع في القلوب وهذا التقويم ينطق بالمنع من الركوب اليوم، وهل ترك تلمح هذا إلا النبي، والله ما قصدوا بذلك إلا قصدا ظاهرا ولمحوا إلا لمحا جليا، فقالوا تعالوا نكثر الجولان في البلاد والأشخاص والنجوم والخواص فلا يخلو مع الكثرة من مصادفة الاتفاق لواحدة من هذه. فيصدق بها الكل ويبطل أن يكون ما جاء به الأنبياء خرقا للعادات. ثم دس قوم من الصوفية أن فلانا أهوى بإنائه إلى دجلة فامتلأ ذهبا فصار هذا كالعادة بطريق الكرامات من المتصوفين.\nوبطريق العادات في حق المنجمين وبطريق الخواص في حق الطبائعيين. وبطريق الكهانة في حق المعزمين والعرافين. فأي حكم بقي لقول عيسى ﵇. ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ وأي خرق بقي للعادات وهل العادات إلا استمرار الوجود وكثرة الحصول.\n_________\n(١) آل عمران الآية (٤٩).","vol":"6","page":425},{"text":"فإذا نبههم العاقل المتدين على ما في هذا من الفساد، قال الصوفي: أتنكر كرامات الأولياء، وقال أهل الخواص: أتنكر المغناطيس الذي يجذب الحديد، والنعامة تبلع النار فتسكت عن جحد ما لم يكن لأجل ما كان، فويل للمحق معهم. هذا، والباطنية من جانب والمنجمون من جانب مع أرباب المناصب لا يحلون ولا يعقدون إلا بقولهم فسبحان من يحفظ هذه الملة ويعلي كلمتها حتى إن كل الطوائف تحت قهرها إقبالا من الله ﷿ على حراسة النبوات وقمعا لأهل المحال. (١)\n- وقال ابن رجب: وكتب ابن عقيل إلى السلطان جلال الدولة (ملكشاه) وقد كانت الباطنية أفسدوا عقيدته، ودعوه إلى إنكار الصانع: أيها الملك، اعلم أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس، فإذا فقدوه جحدوه. وهذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة. وذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس، ولم يجحدها العقل، ولا يمكننا جحدها لقيام دلالة العقل على إثباتها. فإن قال لك أحد من هؤلاء: لا تثبت إلا ما ترى. فمن هاهنا دخل الإلحاد على جهال العوام، الذين يستثقلون الأمر والنهي، وهم يرون أن لنا هذه الأجساد الطويلة العميقة، التي تنمي ولا تفسد، وتقبل الأغذية وتصدر عنها الأعمال المحكمة، كالطب، والهندسة. فعلموا أن ذلك صادر عن أمر وراء هذه الأجساد المستحيلة، وهو الروح والعقل. فإذا سألناهم: هل أدركتم هذين الأمرين بشيء من إحساسكم قالوا: لا، لكننا أدركناهما من طريق الاستدلال بما صدر عنهما من التأثيرات، قلنا: فما لكم\n_________\n(١) التلبيس (٨٥ - ٨٧).","vol":"6","page":426},{"text":"جحدتم الإله، حيث فقدتموه حسا، مع ما صدر عنه من إنشاء الرياح والنجوم، وإدارة الأفلاك، وإنبات الزرع، وتقليب الأزمنة؟ وكما أن لهذا الجسد عقلا وروحا بهما قوامه ولا يدركهما الحس، لكن شهدت بهما أدلة العقل من حيث الآثار، كذلك الله سبحانه -وله المثل الأعلى- ثبت بالعقل، لمشاهدة الإحساس من آثار صنائعه، وإتقان أفعاله. وأرسل هذا الفصل إلى السلطان مع بعض خواصه. قال: فحكى لي أنه أعاده عليه فاستحسنه، وهش إليه، ولعن أولئك، وكشف إليه ما يقولون له. (١)\n- وجاء في البداية والنهاية: وفي شوال قتل رجل باطني عند باب النوبي، كان قد شهد عليه عدلان: أحدهما ابن عقيل، أنه دعاهما إلى مذهبه فجعل يقول: أتقتلونني وأنا أقول لا إله إلا الله؟ فقال ابن عقيل: قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (٢) الآية وما بعدها. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2524>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في التلبيس: قال ابن عقيل: الظاهر أن من وضع مذهب الرافضة قصد الطعن في أصل الدين والنبوة، وذلك أن الذي جاء به رسول الله - ﷺ - أمر غائب عنا، وإنما نثق في ذلك بنقل السلف وجودة نظر الناظرين إلى ذلك منهم. فكأننا نظرنا إذ نظر لنا من نثق بدينه وعقله. فإذا قال قائل: إنهم أول ما بدأوا بعد موته بظلم أهل بيته في الخلافة وابنته في إرثها وما هذا\n_________\n(١) ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(٢) غافر الآية (٨٤).\n(٣) البداية والنهاية (١٢/ ١٦٤ - ١٦٥).","vol":"6","page":427},{"text":"إلا لسوء اعتقاد في المتوفى. فإن الاعتقادات الصحيحة سيما في الأنبياء توجب حفظ قوانينهم بعدهم لا سيما في أهليهم وذريتهم. فإذا قالت الرافضة إن القوم استحلوا هذا بعده خابت آمالنا في الشرع لأنه ليس بيننا وبينه إلا النقل عنهم والثقة بهم. فإذا كان هذا محصول ما حصل لهم بعد موته خبنا في المنقول. وزالت ثقتنا فيما عولنا عليه من اتباع ذوي العقول. ولم نأمن أن يكون القوم لم يروا ما يوجب اتباعه. فراعوه مدة الحياة وانقلبوا عن شريعته بعد الوفاة ولم يبق على دينه إلا الأقل من أهله فطاحت الاعتقادات، وضعفت النفوس عن قبول الروايات في الأصل وهو المعجزات، فهذا من أعظم المحن على الشريعة. (١)\nالتعليق:\nانظر هذا الإمام الحنبلي كيف عبر عن أصل الرفض. وهذا الذي ذكره لا يشك فيه من له علم بأحوال القوم، قاتلهم الله وأخزاهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2525>موقفه من الصوفية والجهمية:</span>\n- جاء في تلبيس إبليس: وقال ابن عقيل: عَبَّرت الصوفية عن الحرام بعبارات غيروا لها الأسماء مع حصول المعنى، فقالوا في الاجتماع على الطيبة والغناء والخنكرة: أوقات. وقالوا في المردان: شب. وفي المعشوقة: أخت. وفي المحبة: مريدة. وفي الرقص والطرب: وجد، وفي مناخ اللهو والبطالة: رباط. وهذا التغيير للأسماء لا يباح. (٢)\n_________\n(١) تلبيس إبليس (ص.١٢٠).\n(٢) التلبيس (٤٢٤).","vol":"6","page":428},{"text":"- وفيه عنه قال: والصوفية يوهمون التشبيه. فأكثر كلامهم يشير إلى إسقاط السفارة والنبوات. فإذا قالوا عن أصحاب الحديث، قالوا: أخذوا علمهم ميتا عن ميت. فقد طعنوا في النبوات وعولوا على الواقع. ومتى أزري على طريق سقط الأخذ به. ومن قال حدثني قلبي عن ربي فقد صرح أنه غني عن الرسول، ومن صرح بذلك فقد كفر. فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة، ومن رأيناه يزري على النقل علمنا أنه قد عطل أمر الشرع. وما يؤمن هذا القائل (حدثني قلبي عن ربي) أن يكون ذلك من إلقاء الشياطين. فقد قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم﴾ (١). وهذا هو الظاهر لأنه ترك الدليل المعصوم وعول على ما يلقى في قلبه الذي لم يثبت حراسته من الوساوس، وهؤلاء يسمون ما يقربهم خاطرا. قال: والخوارج على الشريعة كثير إلا أن الله ﷿ يؤيدها بالنقلة الحفاظ الذابين عن الشريعة حفظها لأصلها، وبالفقهاء لمعانيها: وهم سلاطين العلماء لا يتركون لكذاب رأسا ترتفع.\n- قال ابن عقيل: والناس يقولون إذا أحب الله خراب بيت تاجر: عاشر الصوفية قال وأنا أقول: وخراب دينه. لأن الصوفية قد أجازوا لُبْس النساء الخرقة من الرجال الأجانب فإذا حضروا السماع والطرب فربما جرى في خلال ذلك مغازلات واستخلاء بعض الأشخاص ببعض، فصارت الدعوة عرسا للشخصين فلا يخرج إلا وقد تعلق قلب شخص بشخص، ومال طبع\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢١).","vol":"6","page":429},{"text":"إلى طبع وتتغير المرأة على زوجها، فإن طابت نفس الزوج سمي بالديوث، وإن حبسها طلبت الفرقة إلى من تلبس منه المرقعة والاختلاط بمن لا يضيق الخنق ولا يحجر على الطباع. ويقال: تبات فلانة وألبسها الشيخ الخرقة وقد صارت من بناته. ولم يقنعوا أن يقولوا هذا لعب وخطأ، حتى قالوا هذا من مقامات الرجال وجرت على هذه السنون وبرد حكم الكتاب والسنة في القلوب. (١)\n- قال ابن الجوزي في المنتظم في ترجمة حماد بن مسلم الصوفي: وكان ابن عقيل ينفر الناس عنه، حتى إنه بلغه أنه يعطي كل من يشكو إليه الحصى لوزة وزبيبة ليأكلها فيبرأ. فبعث إليه ابن عقيل إن عدت إلى مثل هذا ضربت عنقك. (٢)\nالتعليق:\nوقد أسهب القول ﵀ في بيان ضلال الصوفية وخطرهم، جاعلا مقارنة بينهم وبين أهل الكلام من الجهمية وغيرهم كما سيأتي قريبا.\nكان هذا الإمام آية في الذكاء والصبر على طلب العلم. وحكوا في ترجمته أن له كتابا اسمه: الفنون قال الذهبي في سيره (٣) وهو أزيد من أربع مئة مجلد، حشد فيه كل ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة وما يسنح له من الدقائق والغوامض، وما يسمعه من العجائب والحوادث.\nوذكر في ترجمته في الطبقات أنه مال إلى مذهب المعتزلة وهجر بسبب\n_________\n(١) التلبيس (٤٥٢).\n(٢) المنتظم (١٧/ ٢٦٦).\n(٣) (١٩/ ٤٤٥).","vol":"6","page":430},{"text":"ذلك. وأحضر وتاب على ملأ منهم، وأعلن توبته وبراءته من الحلاج، وبين أنه كان مقتنعا بأهل البدع وذكر براءته منهم ونقتطف له بعض المواقف التي توافق طريقة السلف.\n- جاء في ذيل طبقات الحنابلة: أنه قال: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا، وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت.\nوذكر عنه أنه قال: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب. وقد حكى هذا عنه القرطبي في شرح مسلم. وله من الكلام في السنة والانتصار لها والرد على المتكلمين شيء كثير وقد صنف في ذلك مصنفًا. (١)\nالتعليق:\nهذه الكلمات من إمام مجرب ذكي، لها وزنها وقيمتها العلمية، فهل للسادة الأشاعرة أن يعتبروا بهذا الإمام ويقتنعوا بعقيدة أبي بكر وعمر، ولا يضيعوا الأوقات في تحليل الجوهر والعرض، مع أن النظريات العلمية أبطلت وهم الجوهر والعرض، وبينت تحليل الخلايا إلى أصغر جزء.\n- وقال: فصل: المتكلمون وقفوا النظر في الشرع بأدلة العقول فتفلسفوا واعتمد الصوفية المتوهمة على واقعهم فتكهنوا لأن الفلاسفة\n_________\n(١) ذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٥٢).","vol":"6","page":431},{"text":"اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم، والكهان اعتمدوا على ما يلقى إليهم من الاطلاع، وجميعا خوارج على الشرائع، هذا يتجاسر أن يتكلم في المسائل التي فيها صريح نقل بما يخالف ذلك المنقول، بمقتضى ما يزعم أنه يجب في العقل، وهذا يقول: قال لي قلبي عن ربي، فلا على هؤلاء أصبحت، ولا على هؤلاء أمسيت، لا كان مذهب جاء على غير طريق السفراء والرسل، يريد تعلم بيان الشرائع، وبطلان المذاهب والتوهمات، والطرايق المخترعات، هل لعلم الصوفية عمل في إباحة دم أو فرج، أو تحريم معاملة، أو فتوى معمول بها في عبادة أو معاقدة؟ أو للمتكلمين بحكم الكلام حاكم ينفذ حكمه في بلد أو رستاق؟ أو تصيب للمتوهمة فتاوى وأحكام؟ إنما أهل الدولة الإسلامية والشريعة المحمدية المحدثون والفقهاء: هؤلاء يروون أحاديث الشرع، وينفون الكذب عن النقل، ويحمون النقل عن الاختلاف. وهؤلاء المفتون ينفون عن الأخبار تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، هم الذين سماهم النبي - ﷺ -: الحملة العدول، فقال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين» (١).\nفالخارج -وإن خفقت بنوده، وكثرت جموعه، وسمي بالملك- يبعد أن يضرب له دينار أو درهم، أو\n_________\n(١) أخرجه البزار (١/ ٨٦/١٤٣ كشف الأستار) وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٥٩) عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة مرفوعا. وأخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٥٦) وابن عدي في الكامل (١/ ١٤٦) وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٥٨ - ٥٩) والخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص.٢٩) والبيهقي (١٠/ ٢٠٩) عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرسلا .. قال القسطلاني في إرشاد الساري (١/ ١٣): وهذا الحديث رواه من الصحابة علي وابن عمر وابن عمرو وابن مسعود وابن عباس وجابر بن سمرة ومعاذ وأبو هريرة ﵃ وأورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة كما صرح به الدارقطني وأبو نعيم وابن عبد البر، لكن يمكن أن يتقوى بتعدد طرقه ويكون حسنا كما جزم به ابن كيكلدي العلائي.","vol":"6","page":432},{"text":"يخطب له على منبر، أو تكون أموره إلا على المغالطة والمخالسة، بينا هو على حاله يتضعضع لكتاب الملك، ويتخشى من أن يقابله بقتال، أو يصافه بحرب، لأن في نفس الخارجي بقية من انخساس الباطل، وللملك -وإن قل جمعه- صولة الحق، وكذلك البرخشتي مع الطبيب المقيم: هذا مختار يطلب من الأدوية ما يسكن الألم في الحال، ويضع على الأمراض الأدوية الجواد العاملة بسرعة، فيأخذ العطية والخلعة لسكون الألم وإزالة المرض، ويصبح على أرض أخرى، ومنزل بعيد، وطبه مجازفة، لأنه يأمن الموافقة والمعاينة. والأطباء المقيمون يلامون على تطويل العلاج، وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المتركبة دون الحادة، لأن الحادة من الأدوية، وإن عجلت سكون الألم، فإنها غير مأمونة الغوائل، ولا سليمة العواقب، لأن ما تعطي الأدوية الحادة من السكون إنما هو لغلبة المرض، وحيثما غلبت الأمراض أوهت قوى المحل الذي حلته الأمراض، فهو كما قيل: الدواء للبدن كالصابون للثوب ينقيه ويبليه، كذلك كلما احتد الصابون وجاد أخلق الثوب، فكذلك الفقهاء والمحدثون يقصرون عن إزالة الشبه لأنهم عن النقل يتكلمون، وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ويقللون، فهم حال الأجوبة ينظرون في العاقبة، والمبتدعة والمتوهمة يتهجمون، كتهجم البرخشتي، فعلومهم فرح ساعة، ليس لعلومهم ثبات، فإن اشتبه على قوم ما دلسه الصوفية عليهم من قول النبي - ﷺ -: «إن في أمتي محدثين ومكلمين» (١) وهو ما يلقى من الفراسات\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٣٣٩) والبخاري (٧/ ٥٢/٣٦٨٩) والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٠/٨١٢٠) كلهم أخرجه من حديث أبي هريرة. وفي الباب من حديث عائشة ﵂.","vol":"6","page":433},{"text":"والدرايات، كما نطق به عمر. قيل لهم: لو نطق عمر برأيه ولم يصدقه الوحي على لسان السفير، لما التفت إلى واقعته، ولا يبتنى الشرع على فراسته.\nألا تراه لما مات السفير قال من هو أعلى طبقة منه: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ (١) وقال في الكلالة ما قال. يقول الصديق هذا، وأسلم اليوم لشيخ رباط يخلو بأمرد في سمعه، ويسمع الغناء من أمرد وحرة، ويأكل من الحرام شبعة، ويرقص كما تشمس الخيل، لا يسأل الفقهاء، ولا يبني أمره على النقل، يقول بواقعة، ويقول أتباعه: الشيخ يسلم إليه طريقته، وأي طريقة مع الشرع؟ وهل أبقت الشريعة لقائل قولا؟ وهل جاءت إلا بهدم العوايد ونقض الطرايق؟ ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين. هؤلاء يفسدون العقول بتوهمات شبهات العقول، وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان، يحبون البطالات، والاجتماع على اللذات، وسماع الأصوات المشوشات للمعايش والطاعات، وأولئك يجرئون الشباب والأحداث، على البحث وكثرة السؤال والاعتراضات، وتتبع الشرع بالمناقضات. وما عرفنا للسلف الصالح أعمال هؤلاء الصوفية، بل كانت أحوالهم الجد لا الهزل، ولا أحوال المتكلمين: لا التكشف ولا البحث، بل كانوا عبيد تسليم وتحكيم في المعتقدات، وجد وتشهير في الأعمال والطاعات، فنصيحتي لإخواني من المؤمنين الموحدين أن\n_________\n(١) ضعيف. أخرجه: أبو عبيد في فضائل القرآن (٢/ ٢١١/٨٤٢) وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٣) والبيهقي في الشعب (٢/ ٤٢٤) وهو منقطع كما حكم عليه ابن حجر في الفتح (١٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧) وابن كثير في التفسير «١/ ١١) تحقيق سامي السلامة).","vol":"6","page":434},{"text":"لا يقرع أبكار قلوبهم كلام المتكلمين، ولا تصغى مسامعهم إلى خرافات المتصوفين، بل الشغل بالمعايش أولى من بطالة المتصوفة، والوقوف مع الظواهر أولى من توغل المنتحلة للكلام. وقد خبرت طريقة الفريقين: غاية هؤلاء الشك، وغاية هؤلاء الشطح.\nوالمتكلمون عندي خير من المتصوفة، لأن المتكلمين مرادهم مع التحقيق مزيد الشكوك في بعض الأشخاص، ومؤدى المتصوفة إلى توهم الإشكال، والتشبيه هو الغاية في الإبطال، بل هو حقيقة المحال، مما يسقط المشايخ من عيني، وإن نبلوا في أعين الناس أقدارا وأنسابا، وعلوما وأخطارا، إلا قول القائل منهم إذا خوطب بمقتضى الشرع: عادتي كذا وكذا، يشير إلى طريقة قد قننها لنفسه، تخرج عن سمت الشرع، فذاك مختلق طريقة، وكل مختلق مبتدع، ولو كان في ترك النوافل، لأن الاستمرار على ترك السنن خذلان. قال أحمد ﵁ وقد سئل عن رجل استمر على ترك الوتر: هذا رجل سوء. أنا أنصح بحكم العلم والتجارب: إياك أن تتبع شيخا يقتدي بنفسه، ولا يكون له إمام يعزي إليه ما يدعوك إليه، ويتصل ذلك بشيخ إلى شيخ إلى السفير - ﷺ -، الله الله، الثقة بالأشخاص ضلال، والركون إلى الآراء ابتداع، اللين والانطباع في الطريقة مع السنة، أحب إلي من الخشونة والانقباض مع البدعة، الله لا يتقرب إليه بالامتناع مما لم يمنع منه، كما لا يتقرب إليه بأعمال لم يأمر بها. أصحاب الحديث رسل السفير: الفقهاء المترجمون لما أراد السفير من معاني كتابه، ولا يتم اتباع إلا بمنقول، ولا يتم فهم المنقول إلا بترجمان، وما عداهما تكلف لا يفيد. وإلى هذين القسمين انقسم أصحاب رسول الله - ﷺ -: نقلة وفقهاء، ولا نعرف فيهم","vol":"6","page":435},{"text":"ثالثا. أصحاب أسواق وصفقات وتجارات، لا ربط ولا مناخ للبطالات، يا أصحاب المخالطات والمعاملات، عليكم بالورع، يا أصحاب الزوايا والانقطاعات عليكم بحسم مواد الطمع. يا طراق المبتدئين إياكم واستحسان طرائق أهل التوهم والخدع، ليس السني عندي المحب لمعاوية ويزيد، ولا لأبي بكر وعمر، ولا الشيعة عندي من زار المشاهد، وأنشد المراثي والقصايد.\nالسني عندي من تتبع آثار الرسول فعمل بها بحسب ما يفتيه الفقهاء، واحتذى الرسم، واتبع الأمر وكف عن النهي، وتنزه عن الشبه، ووقف عند الشك، وتفرغ من كل علم خالف النقل، وإن كانت له طلاوة في السمع، وقبول في القلب، ليس قلبك معيارا على الشرع، ما لله طائفة أجل من قوم حدثوا عنه، وما أحدثوا وعولوا على ما رووا، ولا على ما رأوا، الصبر على الرواية مقام الصديقين. قال الخضر للسفير: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ (١) لأن مستحسنا برأيه ومستقبحا برأيه لا يتبع، لأنه قد بان لك بنص القرآن أن استحسان عقل السفير الكليم واستقباحه ما كان على القانون الصحيح، حتى كشف له عن العذر فيما كان استقبحه. (٢)\nمخالطته للمعتزلة ونهي السلف له عن ذلك:\nثم قال: وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علما نافعا.\nقال الذهبي: كانوا ينهونه عن مجالسة المعتزلة، ويأبى حتى وقع في\n_________\n(١) الكهف الآية (٦٧).\n(٢) درء التعارض (٨/ ٦١ - ٦٨) والصواعق المرسلة (٤/ ١٣٤٢ - ١٣٤٩).","vol":"6","page":436},{"text":"حبائلهم وتجسر على تأويل النصوص نسأل الله السلامة. (١)\nتلبسه بمذهب الاعتزال وتوبته منه:\nوفي تاريخ ابن الأثير قال: كان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على ابن الوليد، فأراد الحنابلة قتله، فاستجار بباب المراتب عدة سنين، ثم أظهر التوبة. (٢)\nقال ابن رجب ﵀: والأذية التي ذكرها من أصحابه له، وطلبهم منه هجران جماعة من العلماء، نذكر بعض شرحها، وذلك أن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخي المعتزلة. وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات ﵀.\nففي سنة إحدى وستين اطلعوا له على كتب فيها شيء من تعظيم المعتزلة، والترحم على الحلاج وغير ذلك. ووقف على ذلك الشريف أبو جعفر وغيره، فاشتد ذلك عليهم، وطلبوا أذاه، فاختفى. ثم التجأ إلى دار السلطان، ولم يزل أمره في تخبيط إلى سنة خمس وستين، فحضر في أولها إلى الديوان، ومعه جماعة من الأصحاب، فاصطلحوا ولم يحضر الشريف أبو جعفر؛ لأنه كان عاتبا على ولاة الأمر بسبب إنكار منكر قد سبق ذكره في ترجمته. فمضى ابن عقيل إلى بيت الشريف وصالحه وكتب خطه:\n_________\n(١) السير (١٩/ ٤٤٧).\n(٢) السير (١٩/ ٤٤٨).","vol":"6","page":437},{"text":"يقول علي بن عقيل بن محمد: إني أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم، وما كنت علقته، ووجد بخطي من مذاهبهم وضلالتهم، فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته. ولا تحل كتابته، ولا قراءته، ولا اعتقاده.\nوإنني علقت مسألة الليل في جملة ذلك. وإن قوما قالوا: هو أجساد سود. وقلت: الصحيح: ما سمعته من الشيخ أبي علي، وأنه قال: هو عدم ولا يسمى جسما، ولا شيئا أصلا. واعتقدت أنا ذلك. وأنا تائب إلى الله تعالى منهم. واعتقدت في الحلاج أنه من أهل الدين والزهد والكرامات، ونصرت ذلك في جزء عملته. وأنا تائب إلى الله تعالى منه، وأنه قتل بإجماع علماء عصره، وأصابوا في ذلك، وأخطأ هو. ومع ذلك فإني أستغفر الله تعالى، وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة، والمبتدعة، وغير ذلك، والترحم عليهم، والتعظيم لهم؛ فإن ذلك كله حرام. ولا يحل لمسلم فعله؛ لقول النبي - ﷺ -: «من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام». (١)\nوقد كان الشريف أبو جعفر، ومن كان معه من الشيوخ، والأتباع، سادتي وإخواني -حرسهم الله تعالى- مصيبين في الإنكار علي؛ لما شاهدوه بخطي من الكتب التي أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقق أني كنت مخطئا غير مصيب. ومتى حفظ علي ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار: فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك. وأشهدت الله وملائكته وأولي العلم، على ذلك غير مجبر، ولا مكره وباطني وظاهري -يعلم الله تعالى- في ذلك سواء. قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ (٢). وكتب يوم الأربعاء عاشر محرم سنة خمس وستين وأربعمائة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2526>موقفه من المرجئة:</span>\nقال ابن عقيل: ما أشبه أن يكون واضع الإرجاء زنديقا، فإن صلاح العالم بإثبات الوعيد واعتقاد الجزاء. (٤)\n\nموقف السلف من\nابن القشيري (٥١٤ هـ)\nفتنته مع الحنابلة بسبب تعصبه للأشاعرة:\nوحج، فوعظ\n_________\n(١) رواه ابن عدي (٢/ ٣٢٤) وابن عساكر (١٤/ ٤) والهروي في ذم الكلام (ص:٢١٩) وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦) وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٩٩) من حديث عائشة ﵂. وفيه الحسن بن يحيى الخشني. قال ابن حبان: منكر الحديث جدا يروي عن الثقات ما لا أصل له. وحكم على الحديث بالبطلان والوضع. وتابعه الليث بن سعد عند ابن عساكر (٢٦/ ٤٥٦) والهروي (ص:٢١٩) وفي السند إليه العباس بن يوسف الشِّكْلي وهو مجهول الحال. وروي الحديث عن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن بُسْر ﵃. قال ابن الجوزي: \"هذه الأحاديث كلها باطلة موضوعة على رسول الله - ﷺ - \".\n(٢) المائدة الآية (٩٥).\n(٣) ذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(٤) تلبيس إبليس (ص.١٠٣).","vol":"6","page":null},{"text":"ببغداد، وبالغ في التعصب للأشاعرة، والغض من الحنابلة، فقامت الفتنة على ساق، واشتد الخطب، وشمر لذلك أبو سعد أحمد بن محمد الصوفي عن ساق الجد، وبلغ الأمر إلى السيف، واختبطت بغداد، وظهر مبادر البلاء، ثم حج ثانيا، وجلس، والفتنة تغلي مراجلها، وكتب ولاة الأمر إلى نظام الملك ليطلب أبا نصر بن القشيري إلى الحضرة إطفاء للنائرة، فلما وفد عليه، أكرمه وعظمه، وأشار عليه بالرجوع إلى نيسابور، فرجع، ولزم الطريق المستقيم، ثم ندب إلى الوعظ والتدريس، فأجاب، ثم فتر أمره، وضعف بدنه، وأصابه فالج، فاعتقل لسانه إلا عن الذكر نحوا من شهر، ومات. (١)\nوقد تقدمت قصته مطولة مع أبي جعفر عبد الخالق بن عيسى الشريف (سنة ٤٧٠هـ).\n_________\n(١) السير (١٩/ ٤٢٥).","vol":"6","page":440},{"text":"البَغَوِي (١) (٥١٦ هـ)\nالحسين بن مسعود بن محمد البغوي أبو محمد الشيخ الإمام العلامة القدوة الحافظ شيخ الإسلام محيي السنة المفسر صاحب التصانيف الجليلة، تفقه على شيخ الشافعية، القاضي حسين بن محمد وسمع من أبي عمر عبد الواحد المليحي وأبي الحسن محمد بن محمد وعبد الرحمن بن محمد الداودي وغيرهم. حدث عنه أبو منصور محمد بن أسعد العطاري وأبو الفتوح محمد ابن محمد الطائي وأبو المكارم فضل الله بن محمد وآخرون. كان سيدا إماما عالما علامة زاهدا قانعا باليسير، بورك له في تصانيفه ورزق فيها القبول التام لحسن قصده وصدق نيته وتنافس العلماء في تحصيلها، وكان على منهاج السلف حالا وعقدا، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة. قال السبكي: قل أن رأيناه يختار شيئا إلا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره، هذا مع اختصار كلامه وهو يدل على نبل كثير وهو حري بذلك فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه، توفي بمرو الروذ في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة. ودفن بجانب شيخه القاضي حسين وعاش بضعا وسبعين سنة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2528> موقفه من المبتدعة:</span>\n- له كتاب: شرح السنة.\nقال ﵀ مبينا الغاية من جمعه لهذا الكتاب: والقصد بهذا الجمع -مع وقوع الكفاية بما عملوه (أي علماء السلف)، وحصول الغنية فيما فعلوه-\n_________\n(١) السير (١٩/ ٤٣٩ - ٤٤٣) ووفيات الأعيان (٢/ ١٣٦ - ١٣٧) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٥٧ - ١٢٥٩) والوافي بالوفيات (١٣/ ٢٦) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٠٦) وشذرات الذهب (٤/ ٤٨).","vol":"7","page":1},{"text":"الاقتداء بأفعالهم، والانتظام في سلك أحد طرفيه متصل بصدر النبوة، والدخول في غمار قوم جدوا في إقامة الدين، واجتهدوا في إحياء السنة، شغفا بهم، وحبا لطريقتهم -وإن قصرت في العمل عن مبلغ سعيهم- طمعا في موعود الله ﷾ على لسان رسوله - ﷺ - أن «المرء مع من أحب» (١)، ولأني رأيت أعلام الدين عادت إلى الدروس، وغلب على أهل الزمان هوى النفوس، فلم يبق من الدين إلا الرسم، ولا من العلم إلا الاسم، حتى تصور الباطل عند أكثر أهل الزمان بصورة الحق، والجهل بصورة العلم، وظهر فيهم تحقيق قول الرسول - ﷺ -: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». (٢)\nولما كان الأمر على ما وصفته لك، أردت أن أجدد لأمر العلم ذكرا، لعله ينشط فيه راغب متنبه، أو ينبعث له واقف متثبط، فأكون كمن يسعى لإيقاد سراج في ظلمة مطبقة، فيهتدي به متحير أو يقع على الطريق مسترشد، فلا يخيب من الساعي سعيه، ولا يضيع حظه، والله المستعان وعليه التكلان، وهو حسبي ونعم الوكيل. (٣)\n- وقال ﵀: (باب مجانبة أهل الأهواء): قال الله سبحانه\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٩٢) والبخاري (١٠/ ٦٧٧/٦١٦٧) ومسلم (٤/ ٢٠٣٢/٢٦٣٩) وأبو داود (٥/ ٣٤٥/٥١٢٧) والترمذي (٤/ ٥١٣/٢٣٨٥) من حديث أنس ﵁.\n(٢) أخرجه: البخاري (١٣/ ٣٤٩/٧٣٠٧) ومسلم (٤/ ٢٠٥٨/٢٦٧٣) والترمذي (٥/ ٣٠ - ٣١/ ٢٦٥٢) وابن ماجه (١/ ٢٠/٥٢).\n(٣) شرح السنة (١/ ٣ - ٤).","vol":"7","page":2},{"text":"وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (١) وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (٢) وقال عزوجل: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ (٣) وقال الله عزوجل: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ (٤) أي: صاروا أحزابا وفرقا على غير دين ولا مذهب، وقيل: اختلفوا في الاعتقاد والمذاهب.\nوقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ (٥) قال: الأيدي: القوة في العمل، والأبصار: بصراء بما هم فيه من دينهم.\nقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: الحلال والحرام. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يصدق بعضها بعضا، كقوله ﷾: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ (٦) وكقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ (٧) وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ\n_________\n(١) الأنعام الآية (٦٨).\n(٢) الكهف الآية (٢٨).\n(٣) الجاثية الآية (١٧).\n(٤) المؤمنون الآية (٥٣).\n(٥) ص الآية (٤٥).\n(٦) البقرة الآية (٢٦).\n(٧) يونس الآية (١٠٠).","vol":"7","page":3},{"text":"اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (١) .. -ثم ساق بسنده- عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ (٢)، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». هذا حديث متفق على صحته ... (٣)\nوقوله: ﴿آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ أي: غير منسوخات، وقوله: ﴿آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (٤) أي: المحكم، وقوله: ﴿أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (٥) أي: أحكمت بالأمر والنهي، والحلال والحرام، ثم فصلت بالوعد والوعيد. وقيل: المحكم: هو الذي يعرف بظاهره معناه. وأما المتشابه، ففيه أقاويل: أحدها -ما قال الخطابي وجماعة-: ما اشتبه منه، فلم يُتلق معناه من لفظه،\n_________\n(١) محمد الآية (١٧).\n(٢) آل عمران الآية (٧).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف الإمام أحمد سنة (٢٤١هـ).\n(٤) يونس الآية (١).\n(٥) هود الآية (١).","vol":"7","page":4},{"text":"وذلك عن ضربين: أحدهما: إذا رد إلى المحكم عرف معناه، والآخر: ما لا سبيل إلى معرفة كنهه، والوقوف على حقيقته، ولا يعلمه إلا الله، وهو الذي يتبعه أهل الزيغ يبتغون تأويله، كالإيمان بالقدر والمشيئة، وعلم الصفات ونحوها مما لم نتعبد به، ولم يكشف لنا عن سره، فالمتبع لها مبتغ للفتنة، لأنه لا ينتهي منه إلى حد تسكن إليه نفسه، والفتنة: الغلو في التأويل المظلم.\nوقوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: معظمه، يقال لمعظم الطريق: أم الطريق، وقوله عزوجل: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ (١) أي: في معظمها. (٢)\n- وقال (٣): (باب ثواب من دعا إلى هدى أو أحيا سنة وإثم من ابتدع أو دعا إليها): قال الله ﷾: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٤)، وقال الله ﷾: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾ (٥)، وقال الله عزوجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٦)، وقال الله تعالى:\n_________\n(١) القصص الآية (٥٩).\n(٢) شرح السنة (١/ ٢١٩ - ٢٢٢).\n(٣) شرح السنة (١/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(٤) النحل الآية (١٢٥).\n(٥) الحج الآية (٦٧).\n(٦) يوسف الآية (١٠٨).","vol":"7","page":5},{"text":"﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ (١) قال: أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا.\nوقال الله ﷾: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (٢) أي بنبيهم، وقيل: بكتابهم، وقيل: بإمامهم الذي اقتدوا به.\nوقال الله عزوجل: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ (٤) قال عبد الله بن مسعود: ما قدمت من خير، وما أخرت من سنة استن بها بعده، فله مثل أجر من اتبعه، أو سيئة فعليه مثل وزر من عمل بها.\nوكذلك قوله ﷾: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ (٥).\nأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن الطيسفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، ثنا أحمد بن علي الكشميهني، نا علي بن حجر، نا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل\n_________\n(١) الفرقان الآية (٧٤).\n(٢) الإسراء الآية (٧١).\n(٣) النحل الآية (٢٥).\n(٤) الانفطار الآية (٥).\n(٥) القيامة الآية (١٣).","vol":"7","page":6},{"text":"أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن علي بن حجر. (١)\nوقال (٢): (باب الاعتصام بالكتاب والسنة): قال الله ﷾: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ (٣) وقال الله ﷾: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٤) حبل الله: عهده، وقال أبو عبيد: الاعتصام بحبل الله: هو اتباع القرآن، وترك الفرقة.\nوقال الله ﷾: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥) يعني: اتبعوا القرآن كما قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (٦) وقال الله ﷾: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ (٧) قال الحسن: تدبر آياته، اتباعه والعمل بعلمه، ما هو بحفظ\n_________\n(١) مسلم (٤/ ٢٠٦٠/٢٦٧٤) وأبو داود (٥/ ١٥ - ١٦/ ٤٦٠٩) والترمذي (٥/ ٤٢/٢٦٧٤) وابن ماجه (١/ ٧٥/٢٠٦).\n(٢) شرح السنة (١/ ١٨٩ - ١٩٢).\n(٣) المائدة الآيتان (١٥و١٦).\n(٤) آل عمران الآية (١٠٣).\n(٥) الزمر الآية (٥٥).\n(٦) الزمر الآية (٢٣).\n(٧) ص الآية (٢٩).","vol":"7","page":7},{"text":"حروفه، وإضاعة حدوده.\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ (١) قال: يعملون به حق عمل به.\nوقال جل ذكره: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ (٢) يعني: هذا القرآن ذو بلاغ، أي ذو بيان كاف، والبلاغة: هي البيان الكافي.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ (٣) أي: لا يتفكرون فيعتبروا، يقال: تدبرت الأمر: إذا نظرت في أدباره وعواقبه.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ (٤) أي: لم يتفهموا ما خوطبوا به في القرآن. وقال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ (٥) أي: تذكرا.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (٦) قيل: معناه: من يعرض عن ذكر القرآن وما فيه من الحكم إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم نعاقبه بشيطان نقيضه له حتى يضله ويلازمه قرينا له.\n_________\n(١) البقرة الآية (١٢١).\n(٢) إبراهيم الآية (٥٢).\n(٣) النساء الآية (٨٢).\n(٤) المؤمنون الآية (٦٨).\n(٥) طه الآية (١١٣).\n(٦) الزخرف الآية (٣٦).","vol":"7","page":8},{"text":"وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١) وقال مجاهد: أمروا أن يدعوه في لين وتواضع، وقيل: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم لأمر أو نهي، كدعاء بعضكم بعضا تجيبون إذا شئتم، وتمتنعون إذا شئتم.\nوسأل رجل مالكا مسألة، فقال مالك: قال رسول الله - ﷺ -: ... فقال الرجل: أرأيت؟ قال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾. (٢)\nوقال الله ﷾: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ (٣) أي: مستقيما.\nوقال الله ﷿: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ (٤) أي: تبيين الطريق المستقيم، والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة ﴿وَمِنْهَا جائر﴾ أي: طريق غير قاصد.\nوقال الله ﷾: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٥)\n_________\n(١) النور الآية (٦٣).\n(٢) النور الآية (٦٣).\n(٣) الأنعام الآية (١٦١).\n(٤) النحل الآية (٩).\n(٥) النساء الآية (٨٠).","vol":"7","page":9},{"text":"﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (١) وقال الله ﷾: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. (٢)\nوقال الله ﷾: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (٣) أي: الاختيار. وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤) أي: قدوة، يقال: تأسى به، أي: اتبع فعله، واقتدى به، ويقال للتعزية: التأسية، كأنه يقول: قد أصاب فلانا ما أصابك، فصبر، فتأس به واقتد.\nثم احتج من السنة بأحاديث كثيرة، منها حديث العرباض بن سارية فقال ﵀ (٥): وقوله: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا» (٦) إشارة إلى ظهور البدع والأهواء -والله أعلم- فأمر بلزوم سنته، وسنة الخلفاء الراشدين، والتمسك بها بأبلغ وجوه الجد، ومجانبة ما أحدث على خلافها.\n- وقال ﵀: (باب رد البدع والأهواء): قال الله ﷾: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٧)، وقال الله تعالى:\n_________\n(١) النور الآية (٥٤).\n(٢) الحشر الآية (٧).\n(٣) الأحزاب الآية (٣٦)\n(٤) الأحزاب الآية (٢١).\n(٥) شرح السنة (١/ ٢٠٦).\n(٦) تقدم تخريجه في مواقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سنة (٢٣هـ).\n(٧) القصص الآية (٥٠).","vol":"7","page":10},{"text":"﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال الله ﷿: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، أي: على علم أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوه بغيا، أي: للبغي.\nوقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ (٣)، قيل: العوج فيما لا شخص له، يقال: في الأمر والدين عوج بكسر العين، وفي الجدار والشجر: عوج بفتح العين.\nوقال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٤)، هم أهل البدع والأهواء، وقال الله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٥)، أي: زينته وحسنه بترقيش الكذب، ومنه قوله ﷾: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ (٦)، أي: تزينت بألوان نباتها، والزخرف: كمال حسن الشيء. (٧)\n- وقال ﵀: قد أخبر النبي - ﷺ - عن افتراق هذه الأمة، وظهور\n_________\n(١) ص الآية (٢٦).\n(٢) البقرة الآية (٢١٣).\n(٣) الأعراف الآية (٤٥).\n(٤) الأنعام الآية (١٥٩).\n(٥) الأنعام الآية (١١٢).\n(٦) يونس الآية (٢٤).\n(٧) شرح السنة (١/ ٢١٠ - ٢١١).","vol":"7","page":11},{"text":"الأهواء والبدع فيهم، وحكم بالنجاة لمن اتبع سنته، وسنة أصحابه ﵃، فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلا يتعاطى شيئا من الأهواء والبدع معتقدا، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره، ويتبرأ منه، ويتركه حيا وميتا، فلا يسلم عليه إذا لقيه ولا يجيبه إذا ابتدأ إلى أن يترك بدعته، ويراجع الحق. والنهي عن الهجران فوق الثلاث فيما يقع بين الرجلين من التقصير في حقوق الصحبة والعشرة دون ما كان ذلك في حق الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة إلى أن يتوبوا. (١)\n- وقال عقب إيراده لقصة الثلاثة الذين خلفوا (٢): وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد، وكان رسول الله - ﷺ - خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن الخروج معه، فأمر بهجرانهم إلى أن أنزل الله توبتهم، وعرف رسول الله - ﷺ - براءتهم، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم. (٣)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2529> موقفه من المشركين:</span>\n- أورد ﵀ في (باب قتل المرتد) (٤) حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من بدل دينه فاقتلوه». وحديث عكرمة قال: لما بلغ ابن عباس أن عليا حرق المرتدين أو الزنادقة، قال: لو كنت أنا، لم أحرقهم\n_________\n(١) شرح السنة (١/ ٢٢٤).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف ابن عبد البر سنة (٤٦٣هـ).\n(٣) شرح السنة (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(٤) شرح السنة (١٠/ ٢٣٧ - ٢٤١).","vol":"7","page":12},{"text":"ولقتلتهم، لقول رسول الله - ﷺ -: «من بدل دينه فاقتلوه» ولم أحرقهم لقول رسول الله - ﷺ -: «لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله». (١)\nثم قال: والعمل على هذا عند أهل العلم أن المسلم إذا ارتد عن دينه يقتل، واختلفوا في استتابته، فذهب بعضهم إلى أنه لا يستتاب، يروى ذلك عن الحسن وطاووس، وإليه ذهب عبيد بن عمير، وقال عطاء: إن كان أصله مسلما، فارتد لا يستتاب، وإن كان مشركا فأسلم، ثم ارتد، فإنه يستتاب. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يقتل حتى يستتاب، إلا أنهم اختلفوا في مدة الاستتابة، فذهب قوم -وهو القياس- أنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل مكانه، وهو أظهر قولي الشافعي، ويروى ذلك عن معاذ وأبي موسى، وقال الزهري: يستتاب ثلاث مرات، فإن تاب، وإلا ضرب عنقه، وقال أصحاب الرأي: ثلاث مرات في ثلاثة أيام. وذهب بعضهم إلى أنه يتأنى به ثلاثا لعله يرجع، وإليه ذهب عمر ﵁، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال مالك: أرى الثلاث حسنا.\nواختلفوا في المرأة إذا ارتدت عن الإسلام، فذهبت طائفة إلى أنها تقتل كالرجل، وهو قول الأوزاعي والشافعي، وأحمد وإسحاق، وذهبت طائفة إلى أنها تحبس ولا تقتل، وهو قول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي.\nواختلف أهل العلم في قتل الساحر، روي عن عمرو بن دينار أنه سمع\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سنة (٤٠هـ).","vol":"7","page":13},{"text":"بجالة يقول: كتب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر (١). وروي عن حفصة زوج النبي - ﷺ - أن جارية لها سحرتها، فأمرت بها فقتلت (٢). وإلى هذا ذهب جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم من أهل العلم، وهو قول مالك، وسئل الزهري أعلى من سحر من أهل العهد قتل؟ قال: بلغنا أن رسول الله - ﷺ - صنع به ذلك، فلم يقتل من صنعه، وكان من أهل الكتاب.\nوعند الشافعي يقتل الساحر إن كان ما يسحر به كفرا إن لم يتب، فإن لم يبلغ عمله الكفر، فلا يقتل، وتعلم السحر لا يكون كفرا عنده إلا أن يعتقد قلب الأعيان منه، وذهب قوم إلا أن تعلمه كفر، وهو قول أصحاب الرأي.\nولو قتل الساحر رجلا بسحره وأقر: أني سحرته، وسحري يقتل غالبا، فيجب عليه القود عند الشافعي، وعند أصحاب الرأي: لا يجب به القود، ولو قال: سحري قد يقتل، وقد لا يقتل، فهو شبه عمد، وإن قال: أخطأت إليه من غيره، فهو خطأ تجب به الدية مخففة، وتكون في ماله، لأنه ثبت باعترافه إلا أن تصدقه العاقلة، فتكون عليهم. ولو قاتل أهل الإسلام أهل الردة، فلا يجب على المسلمين ضمان ما أتلفوا على أهل الردة من نفس ومال. واختلفوا في أهل الردة هل يجب عليهم ضمان ما أتلفوا على المسلمين في حال القتال من نفس ومال؟ فقد روي عن أبي بكر أنه قال لقوم جاؤوه تائبين: تدون\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٩٠ - ١٩١) وأبو داود (٣/ ٤٣١ - ٤٣٢/ ٣٠٤٣) وأخرجه مختصرا: البخاري (٦/ ٣١٦/٣١٥٦ - ٣١٥٧) والترمذي (٤/ ١٢٤ - ١٢٥/ ١٥٨٦) وحسنه. والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥/ ٨٧٦٨).\n(٢) رواه مالك بلاغا في كتاب العقول (٢/ ٨٧١/١٤) ووصله عبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ١٨٠ - ١٨١/ ١٨٧٤٧) وابن أبي شيبة (١٠/ ١٣٥ - ١٣٦/ ٩٠٢٩) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٦).","vol":"7","page":14},{"text":"قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: لا نأخذ لقتلانا دية، فرأى أبو بكر عليهم الضمان، وهو أصح قولي الشافعي. وأما قول عمر: \"فلا نأخذ لقتلانا دية\". فيحتمل أنه ذهب إلى أنه لا ضمان عليهم على خلاف رأي أبي بكر، كما لا يجب على أهل الحرب ضمان ما أتلفوا على المسلمين ويحتمل أنه كان يرى رأي أبي بكر في وجوب الضمان غير أنه رأى الإعراض عنه ترغيبا لهم في الثبات على الإسلام. قال شعبة: سألت الحكم عن العبد يأبق، فيلحق بأرض الشرك؟ قال: لا تزوج امرأته، وسألت حمادا، فقال: تزوج امرأته.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2530> موقفه من الرافضة:</span>\nقال ﵀ (١) تحت حديث العرباض (٢): والحديث يدل على تفضيل الخلفاء الراشدين على من سواهم من الصحابة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فهؤلاء أفضل الناس بعد النبيين والمرسلين صلى الله عليهم، وترتيبهم في الفضل، كترتيبهم في الخلافة، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وكما خص النبي - ﷺ - هؤلاء من بين الصحابة باتباع سنتهم، فقد خص من بينهم أبا بكر وعمر في حديث حذيفة عن النبي ﵇ قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر». (٣)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2531> موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀: الأصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز\n_________\n(١) شرح السنة (١/ ٢٠٨).\n(٢) تقدم قريبا.\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سنة (٢٣هـ).","vol":"7","page":15},{"text":"وجل (١)، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح. قال الله ﷾ لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ (٢) وقال الله ﷿: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ (٣) وقال الله ﷾: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٤) وقال الله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٥) وقال ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٦) وقال: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٧)، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٨)، ﴿هَلْ\n_________\n(١) يشير إلى حديث ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغ ... أخرجه: أحمد (٤/ ١٨٢) وابن ماجه (١/ ٧٢/١٩٩) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١٤/٧٧٣٨) وصححه ابن حبان «٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣/ ٩٤٣) الإحسان) والحاكم (١/ ٧٠٦ - ٧٠٧/ ١٩٢٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(٢) طه الآية (٤١).\n(٣) طه الآية (٣٩).\n(٤) القصص الآية (٨٨).\n(٥) الرحمن الآية (٢٧).\n(٦) المائدة الآية (٦٤).\n(٧) ص الآية (٧٥).\n(٨) الزمر الآية (٦٧).","vol":"7","page":16},{"text":"يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ (١) وقال الله ﷾: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٢) وقال الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٣) وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (٤)\nوقال رسول الله - ﷺ -: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر» (٥) وروى أنس عن النبي - ﷺ - قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه» (٦)، وفي رواية أبي هريرة: «حتى يضع الله رجله» (٧) وفي حديث أبي هريرة في آخر من يخرج من النار: «فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة» (٨) وفي حديث جابر: «فيتجلى لهم يضحك» (٩) وفي حديث أنس وغيره: «الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يسقط على بعيره وقد أضله في أرض\n_________\n(١) البقرة الآية (٢١٠).\n(٢) الفجر الآية (٢٢).\n(٣) طه الآية (٥).\n(٤) الفرقان الآية (٥٩) ..\n(٥) تقدم من حديث أبي هريرة. انظر مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٦) تقدم تخريجه. انظر مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٧) تقدم تخريجه. انظر مواقف إبراهيم بن أحمد بن شاقلا سنة (٣٦٩هـ).\n(٨) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦) والبخاري (١١/ ٥٤٣ - ٥٤٤/ ٦٥٧٣) ومسلم (١/ ١٦٣ - ١٦٧/ ١٨٢). وفي الباب عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري.\n(٩) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد (٣/ ٣٤٥) ومسلم (١/ ١٧٧/١٩١).","vol":"7","page":17},{"text":"فلاة» (١) فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها معرضا فيها عن التأويل، مجتنبا عن التشبيه، معتقدا أن الباري ﷾ لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢)\nوعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعا بالإيمان والقبول، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله ﷿، كما أخبر الله ﷾ عن الراسخين في العلم، فقال ﷿: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣).اهـ (٤)\n- وقال أيضا: (باب الرد على من قال بخلق القرآن): قال الله ﷾: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٥) فالقرآن كلام الله ووحيه، وتنزيله وصفته، ليس بخالق، ولا مخلوق، ولا محدث ولا حادث، مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب، متلو بالألسن، مسموع بالآذان، قال الله\n_________\n(١) أخرجه من حديث أنس: أحمد (٣/ ٢١٣) والبخاري (١١/ ١٢٣/٦٣٠٩) ومسلم (٤/ ٢١٠٤ - ٢١٠٥/ ٢٧٤٧). وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة وغيرهما.\n(٢) الشورى الآية (١١) ..\n(٣) آل عمران الآية (٧).\n(٤) شرح السنة للبغوي (١/ ١٦٨ - ١٧١).\n(٥) الجاثية الآية (٢٩).","vol":"7","page":18},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١) وقال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (٤) وقال الله ﷾: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٥) وقال الله عزوجل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ (٦) وقال الله عزوجل لرسوله - ﷺ -: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ﴾ (٧) وقال الله عزوجل: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٨) وقال الله عزوجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ (٩) وقال ابن عباس: لولا أن يسره على لسان الآدميين ما استطاع\n_________\n(١) الحجر الآية (٩).\n(٢) ص الآية (٢٩).\n(٣) الطور الآيات (١ - ٣).\n(٤) البروج الآيتان (٢١و٢٢).\n(٥) العنكبوت الآية (٤٩).\n(٦) الشعراء الآيتان (١٩٣و١٩٤).\n(٧) النمل الآيتان (٩١و٩٢)\n(٨) الأحزاب الآية (٣٤).\n(٩) القمر الآية (١٧).","vol":"7","page":19},{"text":"أحد أن يتكلم بكلام الله. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١)\nوقال عزوجل: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ﴾ (٢) وقال عزوجل: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٤) ليس ذلك حدث الخلق، إنما هو حدوث أمر، كما قال الله عزوجل: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ (٥) وقال ابن مسعود عن النبي - ﷺ -: «إن الله يحدث من أمره شيئا، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» (٦). وقوله عزوجل: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٧) يريد: ذكر القرآن لهم، وتلاوته عليهم، وعلمهم به، كل ذلك محدث، فالمذكور المتلو المعلوم غير محدث، كما أن ذكر العبد لله محدث، والمذكور غير محدث. وروي عن ابن عباس ﵁ في قوله عزوجل:\n_________\n(١) التوبة الآية (٦) ..\n(٢) الأحقاف الآية (٢٩).\n(٣) الجن الآيتان (١و٢)\n(٤) الأنبياء الآية (٢).\n(٥) الطلاق الآية (١).\n(٦) أخرجه أحمد (١/ ٣٧٧) والبخاري (١٣/ ٦٠٧) تعيلقا وأبو داود (١/ ٥٦٧ - ٥٦٨/ ٩٢٤) والنسائي (٣/ ٢٣/١٢٢٠) وصححه ابن حبان (٦/ ١٥ - ١٦/ ٢٢٤٣).\n(٧) الأنبياء الآية (٢).","vol":"7","page":20},{"text":"﴿قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (١) قال: غير مخلوق. وقال سفيان بن عيينة: بين الله الخلق من الأمر، فقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ (٣) فلم يجمع القرآن مع الإنسان في الخلق، بل أوقع اسم الخلق على الإنسان، والتعليم على القرآن. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (٤)\nوقال الله عزوجل: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٥). عن أبي هريرة أن رجلا من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة، فقال رسول الله - ﷺ -: «من أي شيء؟» قال: لدغتني عقرب، قال رسول الله - ﷺ -: «أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق، لم يضرك إن شاء الله» (٦). هذا حديث صحيح أخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي صالح.\nوفي هذا الحديث وفي أمثاله مما جاء فيه الاستعاذة بكلمات الله دليل\n_________\n(١) الزمر الآية (٢٨).\n(٢) الأعراف الآية (٥٤).\n(٣) الرحمن الآيات (١ - ٣).\n(٤) الكهف الآية (١٠٩) ..\n(٥) لقمان الآية (٢٧).\n(٦) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٥٧) ومسلم (٤/ ٢٠٨١) وأبو داود (٤/ ٢٢١/٣٨٩٨) والترمذي في الدعوات كما في التحفة (١٠/ ٤٨/٣٨٣٩) (سقط الحديث من طبعة الشيخ أحمد شاكر وأثبتناه من تحفة الأحوذي) والنسائي في الكبرى (٦/ ١٥٢/١٠٤٥٢) وابن ماجه (٢/ ١١٦٢/٣٥١٨). وفي الباب عن خولة بنت حكيم ﵂.","vol":"7","page":21},{"text":"على أن كلام الله غير مخلوق، لأن النبي - ﷺ - استعاذ به، كما استعاذ بالله، فقال - ﷺ -: ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (١) وقال: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ (٢) وقال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». واستعاذ بصفاته، كما جاء في دعاء المشتكي: «قل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد» (٣) ولم يكن النبي - ﷺ - يستعيذ بمخلوق من مخلوق.\nوبلغني عن أحمد بن حنبل رحمه أنه كان يستدل بقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات» على أن القرآن غير مخلوق، لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص. وقيل: كلمات الله في هذا الحديث: القرآن، وروي عن عكرمة قال: صلى ابن عباس على جنازة، فقال رجل من القوم: اللهم رب القرآن العظيم اغفر لي، فقال ابن عباس: لا تقل مثل هذا، إن القرآن منه بدأ وإليه يعود.\nوقد مضى سلف هذه الأمة، وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله، ووحيه ليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلالة وبدعة، لم يتكلم بها أحد في عهد الصحابة والتابعين ﵏، وخالف الجماعة الجعد بن درهم، فقتله خالد بن عبد الله القسري بذلك، فخطب بواسط في يوم أضحى، وقال: ارجعوا أيها الناس فضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد ابن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما،\n_________\n(١) المؤمنون الآيتان (٩٧و٩٨).\n(٢) الفلق الآية (١).\n(٣) أخرجه من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي: أحمد (٤/ ٢١) ومسلم (٤/ ١٧٢٨/٢٢٠٢) وأبو داود (٤/ ٢١٧/٣٨٩١) والترمذي (٤/ ٣٥٥/٢٠٨٠) وابن ماجه (٢/ ١١٦٣/٣٥٢٢) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩/ ١٠٨٣٩).","vol":"7","page":22},{"text":"سبحانه وتعالى عما يقول الجعد. ثم نزل فذبحه.\nوكان الجهم بن صفوان صاحب الجهمية أخذ هذا الكلام من الجعد بن درهم. (١)\n- قال ﵀: واتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه.\nسأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبي في الكتاب والأعرابي، واله عما سوى ذلك.\nوقال أيضا: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.\nوقال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول - ﷺ - البلاغ، وعلينا التسليم.\nوقال مالك بن أنس: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.\nروى عبد الرحمن بن مهدي عن مالك: لو كان الكلام علما، لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل.\nوسئل سفيان الثوري عن الكلام فقال: دع الباطل، أين أنت عن الحق، اتبع السنة، ودع البدعة. وقال: وجدت الأمر الاتباع، وقال: عليكم بما عليه\n_________\n(١) شرح السنة للبغوي (١/ ١٨١ - ١٨٦).","vol":"7","page":23},{"text":"الجمالون والنساء في البيوت، والصبيان في الكتاب من الإقرار والعمل.\nقال الربيع عن الشافعي: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء.\nوقال يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي: لأن يبتلى المرء بما نهى الله عنه خلا الشرك بالله خير له من أن يبتليه بالكلام.\nوقال أبو ثور عن الشافعي: ما ارتدى أحد الكلام فأفلح.\nوقال الحسن بن محمد بن الصباح: سمعت الشافعي يقول: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام.\nوقال الربيع عن الشافعي: لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر، وكان فيها كتب الكلام، لم يدخل في الوصية، لأنه ليس من العلم. وقال: لو أوصى لأهل العلم، لم يدخل أهل الكلام.\nوقال يحيى بن سعيد: سمعت أبا عبيد يقول: جمع النبي - ﷺ - جميع أمر الآخرة في كلمة: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (١) وجميع أمر الدنيا في كلمة: «إنما الأعمال بالنيات» (٢) يدخلان في كل باب. (٣)\n- وقال معقبا على الخطابي الذي أول صفتي الفرح والضحك بالرضى: والمتقدمون من أهل الحديث فهموا من هذه الأحاديث ما وقع الترغيب فيه من\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف الخلال سنة (٣١١هـ).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف الإمام الشافعي سنة (٢٠٤هـ).\n(٣) شرح السنة (١/ ٢١٦ - ٢١٨).","vol":"7","page":24},{"text":"الأعمال والإخبار عن فضل الله عزوجل، وأثبتوا هذه الصفات لله عزوجل، ولم يشتغلوا بتفسيرها مع اعتقادهم أن الله ﷾ منزه عن صفات المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١).اهـ (٢)\n- قال ﵀: (باب الرد على الجمهية): قال الله ﷾: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣)، سمى الله نفسه شيئا. وقال الله عزوجل: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (٤) وسمى النبي - ﷺ - القرآن شيئا، فقال لرجل: «أمعك من القرآن شيء؟» قال: نعم. (٥)\nوساق بسنده عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات، فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، ولكنه يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٦).اهـ (٧)\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) شرح السنة (٥/ ٨٨).\n(٣) القصص الآية (٨٨).\n(٤) الأنعام الآية (١٩).\n(٥) أحمد (٥/ ٣٣٦) والبخاري (٩/ ٢٥٦/٥١٤٩) ومسلم (٢/ ١٠٤٠ - ١٠٤١/ ١٤٢٥) وأبو داود (٢/ ٥٨٦ - ٥٨٧/ ٢١١١) والترمذي (٣/ ٤٢١ - ٤٢٢/ ١١١٤) وقال: \"حديث حسن صحيح\". والنسائي (٦/ ٤٣٢ - ٤٣٣/ ٣٣٥٩) وابن ماجه (١/ ٦٠٨/١٨٨٩) مختصرا.\n(٦) أحمد (٤/ ٤٠٥) ومسلم (١/ ١٦١ - ١٦٢/ ١٧٩) وابن ماجه (١/ ٧٠/١٩٥).\n(٧) شرح السنة (١/ ١٧٢).","vol":"7","page":25},{"text":"- وقال ﵀فيما يجب علينا اتجاه الأحاديث المروية عن النبي - ﷺ -: والواجب فيه وفي أمثاله الإيمان بما جاء في الحديث، والتلسيم وترك التصرف فيه بالعقل، والله الموفق.\nوعلى العبد أن يعتقد أن الله ﷾ عظيم له عظمة، كبير له كبرياء، عزيز له عزة، حي له حياة، باق له بقاء، عالم وله علم، ومتكلم وله كلام، قوي له قوة، وقادر وله قدرة، وسميع وله سمع، بصير له بصر. قال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ (١) وقال الله عزوجل: ﴿وَأَن اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣) وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾ (٤) وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٥) وقال النبي - ﷺ - عن الله عزوجل: «وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله» (٦). وقال الله سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٧) ﴿وَعَنَتِ\n_________\n(١) الواقعة الآية (٧٤).\n(٢) الحج الآية (٦٢).\n(٣) الجاثية الآية (٣٧).\n(٤) الفتح الآية (٧).\n(٥) فاطر الآية (١٠).\n(٦) جزء من حديث الشفاعة الطويل وقد تقدم تخريجه ضمن مواقف السلف من عمرو بن عبيد سنة (١٤٤هـ).\n(٧) غافر الآية (٦٥).","vol":"7","page":26},{"text":"الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (١) وقال الله ﷾: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (٢) وقال الله عزوجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣) وقال الله عزوجل: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ (٤) وقال عزوجل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ (٥) وقال ﵎: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٦) وقال عزوجل: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ (٧)\nوقال عزوجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (٩) وقال عزوجل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١٠) وقال جل ذكره: ﴿إِن اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ (١١) وقال\n_________\n(١) طه الآية (١١١).\n(٢) الرحمن الآية (٢٧).\n(٣) القصص الآية (٨٨).\n(٤) سبأ الآية (٣).\n(٥) النساء الآية (١٧).\n(٦) النساء الآية (١٦٦).\n(٧) فاطر الآية (١١) ..\n(٨) البقرة الآية (٢٥٥).\n(٩) النساء الآية (١٦٤).\n(١٠) الفتح الآية (١٥).\n(١١) الحج الآية (٤٠).","vol":"7","page":27},{"text":"عزوجل: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (١) وقال عزوجل: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ (٢) وقال ﷾: ﴿إِن اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ (٣) وقال عزوجل: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ (٤) وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٦) وقال عزوجل: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٧) وقال النبي - ﷺ -: «حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٨). ويجب أن يعتقد أن الله عز اسمه قديم بجميع أسمائه وصفاته، لا يجوز له اسم حادث، ولا صفة حادثة، كان الله خالقا ولا مخلوق، وربا ولا مربوب، ومالكا ولا مملوك، كما هو الآخر قبل فناء العالم، والوارث قبل فناء الخلق، والباعث قبل مجيء البعث، ومالك يوم الدين قبل مجيء يوم القيامة. وأسماء الله تعالى لا تشبه أسماء العباد، لأن أفعال الله تعالى مشتقة من أسمائه، وأسماء العباد مشتقة من أفعالهم، قال النبي - ﷺ -: «يقول الله ﷾: أنا\n_________\n(١) الذاريات الآية (٥٨).\n(٢) الأنعام الآية (٦٥).\n(٣) البقرة الآية (٢٠)\n(٤) القمر الآية (٥٥).\n(٥) النساء الآية (١٣٤).\n(٦) المجادلة الآية (١).\n(٧) طه الآية (٤٦).\n(٨) تقدم تخريجه قريبا.","vol":"7","page":28},{"text":"الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي» (١)\nفبين أن أفعاله مشتقة من أسمائه، فلا يجوز أن يحدث له اسم بحدوث فعله، ولا يعتقد في صفات الله تعالى أنها هو ولا غيره، بل هي صفات له أزلية، لم يزل جل ذكره، ولا يزال موصوفا بما وصف به نفسه، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. (٢)\n- له من الآثار السلفية:\n١ - مقدمة جيدة في شرح السنة، وله فيها مواقف طيبة من الجهمية وغيرهم.\n٢ - تفسيره. فيه سلفية وتأويل قد بينته في كتابي 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات'. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2532>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀ (٤): (باب من مات لا يشرك بالله شيئا): قال الله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥). وأما قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٩٤) وأبو داود (٢/ ٣٢٨/١٦٩٤) والترمذي (٤/ ٢٧٨/١٩٠٧) وصححه .. وابن حبان (٢/ ١٨٦ - ١٨٧/ ٤٤٣) والحاكم (٤/ ١٥٧ - ١٥٨) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٢) شرح السنة (١/ ١٧٧ - ١٨٠).\n(٣) (٢/ ٥٨٧ - ٦٠٤).\n(٤) شرح السنة (١/ ٩٢).\n(٥) النساء الآية (٤٨).","vol":"7","page":29},{"text":"جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (١) قيل: نزل هذا في رجل قتل مسلما ثم ارتد، وقيل: معناه: فجزاؤه جهنم إن جازاه ولم يعف عنه، فقوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ خبر لا يقع فيه خلف، وقوله ﷾: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وعيد يرجى فيه العفو.\nقال الله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ...﴾ (٢) إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٣).\n- ثم ساق طائفة من الأحاديث إلى أن قال: اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئا منها، فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت في البيعة (٤). واختلفوا في ترك الصلاة المفروضة عمدا، فكفره بعضهم، ولم يكفره\n_________\n(١) النساء الآية (٩٣).\n(٢) الفرقان الآية (٦٨).\n(٣) الفرقان الآية (٧٠).\n(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤٤١) والبخاري (١٣/ ٦/٧٠٥٥و٧٠٥٦) ومسلم (٣/ ١٤٧٠/١٧٠٩) والنسائي (٧/ ١٥٧/٤١٦٤) وابن ماجه (٢/ ٩٥٧/٢٨٦٦).","vol":"7","page":30},{"text":"الآخرون. (١)\n- وقال ﵀: كتاب قتال أهل البغي (باب قتال الخوارج والملحدين): -ثم ساق بسنده أحاديث قتال الخوارج، وقد تقدمت معنا مرارا- ثم قال (٢): إذا بغت طائفة من المسلمين، وخرجت على إمام العدل بتأويل محتمل، ونصبت إماما، وامتنعت عن طاعة إمام العدل، يبعث الإمام إليهم، فيسألهم: ما تنقمون؟ فإن ذكروا مظلمة، أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة بينة، يقول لهم: عودوا إلى طاعتي لتكون كلمتكم، وكلمة أهل دين الله على المشركين واحدة، فإن امتنعوا يدعوهم إلى المناظرة، وإن امتنعوا عن المناظرة، أو ناظروا، وظهرت الحجة عليهم، فأصروا على بغيهم، يقاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته، قال الله ﷾: ﴿وَإِنْ طائفتان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣). وسئل علي عن أهل النهروان أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا، قيل: منافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا، فقاتلناهم.\nوما أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى في القتال من نفس أو مال، فلا\n_________\n(١) شرح السنة (١/ ١٠٣).\n(٢) المصدر نفسه (١٠/ ٢٣٥ - ٢٣٧).\n(٣) الحجرات الآية (٩).","vol":"7","page":31},{"text":"ضمان فيه على قول الأكثرين، وهو قول الشافعي في الجديد، ومذهب أصحاب الرأي. قال الشافعي: أمر الله ﷾ أن يصلح بينهم بالعدل، ولم يذكر تباعة في دم ولا مال، فأشبه هذا أن تكون التباعات في الدماء والجراح، وما تلف من الأموال ساقطة بينهم، كما قال ابن شهاب: كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول، وأتلفت فيها أموال، ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم، وجرى الحكم عليهم، فما علمت اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه. وقال في القديم: ما أتلفت الفئة الباغية على العادلة من نفس أو مال، ضمنوه، فأما ما أتلفت إحداهما على الأخرى في غير حال القتال، فيجب ضمانه مالا كان أو نفسا بالاتفاق.\nومن ولي من أهل البغي ظهره في الحرب هاربا، لا يتبع، وكذلك لو أثخن واحد، أو أسر، فلا يقتل، نادى منادي علي يوم الجمل: ألا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح يريد: لا يجهز عليه، أي: لا يقتل، وأتي علي يوم صفين بأسير، فقال له علي: لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين، فخلى سبيله. قال حماد عن إبراهيم: لولا أن عليا قاتل أهل القبلة لم يدر أحد كيف يقاتلهم.\nوإذا استولى أهل البغي على بلد، فأخذوا صدقات أهلها لا يثنى عليهم، وينفذ قضاء قاضيهم، وتقبل شهادة عدولهم، وإنما تثبت هذه الأحكام في حقهم باجتماع ثلاث شرائط:\nأحدها: أن يكون لهم قوة ومنعة.\nوالثاني: أن يكون لهم تأويل محتمل.","vol":"7","page":32},{"text":"والثالث: أن ينصبوا إماما بينهم، فلو فقد شرط من هذه الشرائط، فحكمهم حكم قطاع الطريق في المؤاخذة بضمان ما أتلفوا، ورد قضائهم، وجرح شاهدهم.\nقال الشافعي: ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج، وتجنبوا الجماعات، وأكفروهم، لم يحل بذلك قتالهم، بلغنا أن عليا ﵁، سمع رجلا يقول: لا حكم إلا لله في ناحية المسجد، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال.\nقال الشافعي: ولو قتلوا واليهم أو غيره قبل أن ينصبوا إماما، ويظهروا حكما مخالفا لحكم الإمام، كان عليهم في ذلك القصاص. قد أسلموا وأطاعوا واليا عليهم من قبل علي ﵁، ثم قتلوه، فأرسل إليهم علي: أن ادفعوا إلينا قاتله نقتله به، قالوا: كلنا قتله، قال: فاستسلموا نحكم عليكم، قالوا: لا، فسار إليهم فقاتلهم، فأصاب أكثرهم.\nومنع النبي - ﷺ - عمر من قتل ذي الخويصرة، لأنه لم يجتمع فيه ما يبيح قتله. وفيه دليل على أن من توجه عليه التعزير لحق الله ﷾، جاز للإمام تركه، والإعراض عنه. (١)\n- وقال ﵀: ثم هم مع هجرانهم كفوا عن إطلاق اسم الكفر على أحد من أهل القبلة، لأن النبي - ﷺ - جعلهم كلهم من أمته. (٢)\n_________\n(١) شرح السنة (١٠/ ٢٢٤).\n(٢) شرح السنة (١/ ٢٢٧).","vol":"7","page":33},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2533> موقفه من المرجئة:</span>\n- قال في شرح السنة: اتفق الصحابة والتابعون، فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان، لقوله ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ (١) فجعل الأعمال كلها إيمانا، وكما نطق به حديث أبي هريرة. (٢)\nوقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء ... (٣)\nإلى أن قال: واتفقوا على تفاضل أهل الإيمان في الإيمان وتباينهم في درجاته، قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.\nوقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة.\nوكرهوا أن يقول الرجل: أنا مؤمن حقا، بل يقول: أنا مؤمن، ويجوز\n_________\n(١) الأنفال الآيتان (٢و٣).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة ﵁: أحمد (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤) والبخاري (٣/ ٤١٥/١٤٦٢) ومسلم (١/ ٨٧/١٣٢ [٨٠]) والترمذي (٥/ ١١ - ١٢/ ٢٦١٣) والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٠٠ - ٤٠١/ ٩٢٧١) وفي الباب عن غير واحد من الصحابة.","vol":"7","page":34},{"text":"أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لا على معنى الشك في إيمانه واعتقاده من حيث علمه بنفسه، فإنه فيه على يقين وبصيرة، بل على معنى الخوف من سوء العاقبة، وخفاء علم الله تعالى فيه عليه، فإن أمر السعادة والشقاوة يبتني على ما يعلم الله من عبده، ويختم عليه أمره، لا على ما يعلمه العبد من نفسه، والاستثناء يكون في المستقبل، وفيما خفي عليه أمره، لا فيما مضى وظهر، فإنه لا يسوغ في اللغة لمن تيقن أنه قد أكل وشرب أن يقول: أكلت إن شاء الله، وشربت إن شاء الله، ويصح أن يقول: آكل وأشرب إن شاء الله.\nولو قال: أنا مؤمن من غير استثناء يجوز، لأنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، مقر بها من غير شك. (١)\n- وقال ﵀: جعل النبي - ﷺ - في هذا الحديث الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين، ولذلك قال: «ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم» (٢) والتصديق والعمل يتناولها اسم الإيمان والإسلام جميعًا، يدل عليه قوله ﷾: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣) ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ\n_________\n(١) شرح السنة (١/ ٣٨ - ٤١).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف الطوسي سنة (٢٤٢هـ).\n(٣) آل عمران الآية (١٩).\n(٤) المائدة الآية (٣).","vol":"7","page":35},{"text":"دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١) فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولن يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2534>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀: (باب الإيمان بالقدر): قال الله ﷾ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ (٣) وقال الله عزوجل: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ (٤) وقال النبي - ﷺ -: «وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٥). -ثم ساق بسنده أحاديث- منها: عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر» (٦). زاد عبيد الله: «خيره وشره». وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (٧). وعن أبي هريرة قال: قال\n_________\n(١) آل عمران الآية (٨٥).\n(٢) شرح السنة (١/ ١٠ - ١١).\n(٣) الأحزاب الآية (٣٨).\n(٤) الفرقان الآية (٢).\n(٥) تقدم تخريجه قريبا وهو حديث جبرائيل.\n(٦) أحمد (١/ ٩٧) والترمذي (٤/ ٣٩٣/٢١٤٥) وابن ماجه (١/ ٣٢/٨١) وابن حبان (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥/ ١٧٨) والحاكم (١/ ٣٢ - ٣٣) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\n(٧) أحمد (٢/ ١٦٩) ومسلم (٤/ ٢٠٤٤/٢٦٥٣) والترمذي (٤/ ٣٩٨ - ٣٩٩/ ٢١٥٦) وقال: \"حسن صحيح\".","vol":"7","page":36},{"text":"رسول الله - ﷺ -: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى». (١)\nثم ختم الباب قائلا: الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد، خيرها وشرها، كتبها عليهم في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم، قال الله ﷾: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٢) وقال الله عزوجل: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) وقال عزوجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٤) فالإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، كلها بقضاء الله وقدره، وإرادته ومشيئته، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة، ووعد عليهما بالثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية، وأوعد عليهما العقاب، قال ﷾: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (٥) وقال الله ﷾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف هارون الرشيد سنة (١٩١هـ).\n(٢) الصافات الآية (٩٦).\n(٣) الرعد الآية (١٦).\n(٤) القمر الآية (٤٩).\n(٥) إبراهيم الآية (٢٧).","vol":"7","page":37},{"text":"يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ (١) ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ (٢) وقال عزوجل: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (٣) قال ابن عباس: الحرج: موضع الشجر الملتف لا تصل الراعية إليه، فقلب الكافر لا تصل إليه الحكمة، وكل ضيق حرج وحرج.\nوقال الله ﷾: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) أي طبع عليها، فلا تعقل ولا تعي خيرا، ومعنى الختم: التغطية على الشيء، والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء. وقال جل ذكره: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ (٥) قيل: المستور هاهنا بمعنى الساتر. والحجاب: الطبع. وقال ﷾: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. (٦)\nفالعبد له كسب، وكسبه مخلوق يخلقه الله حالة ما يكسب، والقدر سر من أسرار الله لم يطلع عليه ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق بالعقل، بل يعتقد أن الله ﷾ خلق الخلق،\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٥٣).\n(٢) الحج الآية (١٨).\n(٣) الأنعام الآية (١٢٥).\n(٤) البقرة الآية (٧).\n(٥) الإسراء الآية (٤٥).\n(٦) الزمر الآية (٧).","vol":"7","page":38},{"text":"فجعلهم فريقين: أهل يمين خلقهم للنعيم فضلا، وأهل شمال خلقهم للجحيم عدلا.\nقال الله ﷾: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (١) وقال الله ﷾: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٢) قال سعيد بن جبير: ما قدر لهم من الخير والشر، ومن الشقوة والسعادة، وقال الله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾ (٣) قال مجاهد: بمضلين ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ (٤) إلا من كتب الله أنه يصلى الجحيم، وقال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ (٥) قال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (٦) وقال ﷾: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (٧) وقيل في قوله ﷾: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ (٨) أي طريق الخير،\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٧٩).\n(٢) الأعراف الآية (٣٧).\n(٣) الصافات الآية (١٦٢).\n(٤) الصافات الآية (١٦٣).\n(٥) الأعراف الآية (٢٩).\n(٦) الأعراف الآية (٣٠).\n(٧) الإنسان الآية (٣).\n(٨) البلد الآية (١٠).","vol":"7","page":39},{"text":"وطريق الشر. وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس ويروى هذا مرفوعا.\nوقال الله ﷾: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ (١) فنسأل الله التوفيق لطيب المكتسب، ونعوذ به من سوء المنقلب بفضله. (٢)\n- وقال: (باب وعيد القدرية): ثم ساق بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركو قريش إلى النبي - ﷺ - يخاصمونه في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٤). هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي كريب عن وكيع عن سفيان الثوري (٥). قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ قيل: في أمر يسعر، أي: يلهب. وقال الأزهري: يقال: ناقة مسعورة، إذا كان بها جنون، وقيل: سعر: جمع سعير. (٦)\n_________\n(١) السجدة الآية (١٣).\n(٢) شرح السنة (١/ ١٢٢ - ١٤٥).\n(٣) القمر الآية (٤٧).\n(٤) القمر الآية (٤٩)\n(٥) أخرجه: أحمد (٢/ ٤٤٤و٤٧٦) ومسلم (٤/ ٢٠٤٦/٢٦٥٦) والترمذي (٤/ ٣٩٩/٢١٥٧) وابن ماجه (١/ ٣٢/٨٣).\n(٦) شرح السنة (١/ ١٥٠ - ١٥١).","vol":"7","page":40},{"text":"السنة الثامنة عشرة بعد الخمسمائة (٥١٨ هـ)\nفضائح الباطنية وموقف المسلمين منهم:\nقال ابن كثير: ثم دخلت ثمان عشرة وخمسمائة فيها ظهرت الباطنية بآمد فقاتلهم أهلها فقتلوا منهم سبعمائة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2535>موقف السلف من أسعد بن أبي روح الرافضي (قبل ٥٢٠ ه</span>ـ)\nقال الذهبي: رأس الرفض بالشام، القاضي أبو الفضل أسعد بن أحمد بن أبي روح الأطرابلسي، صاحب التصانيف. أخذ عن ابن البراج، وسكن صيدا إلى أن أخذتها الفرنج، فقتل بها. (٢)\n\nالبُرْسُقِي (٣) (٥٢٠ هـ)\nالملك آقسُنْقُر مملوك بُرْسُق غلام السلطان طُغْرُلْبَك قسيم الدولة أبو سعيد، ولي الموصل والرحبة، وقد ولي شحنكية بغداد، وكان تركيا جيد السيرة محافظا على الصلوات في أوقاتها، كثير البر والصدقات إلى الفقراء، كثير الإحسان إلى الرعايا، ولاه السلطان محمد بعدما استقرت له السلطنة\n_________\n(١) البداية (١٢/ ٢٠٧).\n(٢) السير (١٩/ ٤٩٩).\n(٣) السير (١٩/ ٥١٠ - ٥١٢) والمنتظم (١٧/ ٢٣٠) والكامل في التاريخ (١٠/ ٦٣٣ - ٦٣٥) ووفيات الأعيان (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٠٩) وشذرات الذهب (٤/ ٦١).","vol":"7","page":41},{"text":"وتقدم إليه بالتجهز إلى الموصل والاستعداد لقتال الفرنج بالشام، فوصل إلى الموصل فملكها وغزا ودفع الفرنج عن حلب ثم عاد إلى الموصل، وكان خيرا يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله، وكان من خير الولاة كثير التهجد من الليل، وكان من كبراء الدولة السلجوقية، وله شهرة كبيرة بينهم، قتلته الباطنية بجامع الموصل يوم الجمعة التاسع من ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة. وكانوا قد جلسوا له في الجامع بزي الصوفية، فلما انفتل من صلاته قاموا إليه وأثخنوه جراحا، وذلك لأنه كان تصدى لاستئصال شأفتهم وتتبعهم وقتل منهم عصبة كبيرة ﵀.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2537> موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: وكان قد أباد في الإسماعيلية فشد عليه عشرة بالجامع فقتل بيده منهم ثلاثة. (١)\n\nالطُّرْطُوشِي (٢) (٥٢٠ هـ)\nمحمد بن الوليد بن خلف أبو بكر الطرطوشي الإمام العلامة، القدوة الزاهد، شيخ المالكية الفقيه، لازم القاضي أبا الوليد الباجي بسرقسطة، وسمع بالبصرة من أبي علي التستري وسمع ببغداد من قاضيها أبي عبد الله الدامغاني ورزق الله التميمي، وأبي عبد الله الحميدي وغيرهم، حدث عنه أبو طاهر\n_________\n(١) السير (١٩/ ٥١١).\n(٢) السير (١٩/ ٤٩٠ - ٤٩٦) والأنساب (٤/ ٦٨) ووفيات الأعيان (٤/ ٢٦٢ - ٢٦٥) والوافي بالوفيات (٥/ ١٧٥) والديباج المذهب (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٨) وشذرات الذهب (٤/ ٦٢).","vol":"7","page":42},{"text":"السلفي والفقيه سلار بن المقدم وجوهر بن لؤلؤ المقرئ وآخرون.\nقال ابن بشكوال: كان إماما عالما زاهدا ورعا دينا متواضعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا باليسير، سكن الشام مدة ودرس بها، وبعد صيته هناك وأخذ عنه الناس هناك علما كثيرا، وكان سديد السيرة مشتغلا بما يعنيه ملاذا للغرباء والفقهاء. استقر بالإسكندرية ينشر العلم، ويفقه الناس بأمور دينهم، يصلح ما أفسده العبيديون، وكان ﵀ قد أوذي من الأفضل الوزير العبيدي. وبقي كذلك إلى أن قتل الأفضل وولي مكانه المأمون بن البطائحي، فأكرم الشيخ إكراما كثيرا.\nتوفي بالإسكندرية في جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2539>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان هذا الإمام من الموفقين المهديين -نفع الله به وبعلمه- وترك تراثا في العقيدة السلفية، استفاد منه أهل المغرب والمشرق وكانت له مواقف جيدة في العقيدة.\nآثاره السلفية:\n١ - 'رسالة في الرد على إحياء علوم الدين للغزالي'.\nالمصدر: ذكرها في السير. (١)\n٢ - 'الحوادث والبدع' وقد طبع غير ما مرة.\n٣ - 'الرد على اليهود'.\nالمصدر: ذكره الذهبي في سيره. (٢)\n_________\n(١) (١٩/ ٤٩٤).\n(٢) (١٩/ ٤٩٤).","vol":"7","page":43},{"text":"من مواقفه ﵀:\n- قال ﵀: فإن قيل لنا: فما أصل البدعة؟\nقلنا: أصل هذه الكلمة من الاختراع، وهو الشيء يُحدث من غير أصل سبق، ولا مثال احتُذي، ولا أُلِفَ مثلُهُ.\nومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢)؛ أي: لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض.\nوهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح. (٣)\n- وقال: اعلم أن علماءنا ﵃ قالوا: أصول البدع أربعة، وسائر الأصناف الاثنتين وسبعين فرقة عن هؤلاء تفرّقوا وتشعّبوا، وهم: الخوارج -وهي أول فرقة خرجت على عليّ بن أبي طالب ﵁- والروافض، والقدرية، والمرجئة.\nولم يرد علماؤنا أن أصل كل بدعة من هؤلاء الأربع تفرعت وتشعّبت على مقتضى أصل البدع، حتى كملت ثلاثة وسبعين فرقة؛ فإن ذلك لعله لم يدخل في الوجود إلى الآن، وإنما أرادوا أن كل بدعة وضلالة لا تكاد توجد إلا في هذه الأربع فرق، وإن لم تكن البدعة الثانية فرعًا للأولى وشعبة من\n_________\n(١) البقرة الآية (١١٧).\n(٢) الأحقاف الآية (٩).\n(٣) كتاب الحوادث والبدع (ص.٣٩ - ٤٠).","vol":"7","page":44},{"text":"شعبها، بل هي بدعة مستقلّة بنفسها، ليست من الأولى بسبب. (١)\n- ثم ذكر ما أحدثه الناس عند ختم القرآن فقال: وأعظم من ذلك ما يوجد اليوم في هذا الختم من اختلاط الرجال والنساء وازدحامهم، وتلاصق أجساد بعضهم ببعض، حتى بلغني أن رجلًا ضمّ امرأة من خلفها فعبث بها في مزدحم الناس! (٢)\n- وقال: فأما ما أحدثه الناس من الخطب في أعقاب الختم؛ فقال مالك: ليس ختم القرآن بسنة لقيام رمضان ...\nوقال مالك في المدوّنة: الأمر في رمضان الصلاة، وليس بالقصص بالدعاء. (٣)\nفتأملوا -رحمكم الله-، فقد نهى مالك أن يقصّ أحد في رمضان بالدعاء، وحكى أن الأمر المعمول به في المدينة إنما هو الصلاة من غير قصص ولا دعاء.\n- وقال: وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائمًا؟ فقال: ليس بصواب، ولا أحب لأحد أن يفعله.\nفعلقّ بقوله: اعلم أن الحرف الذي يدور عليه هذا المذهب إنما هو حماية الذرائع، وألا يزاد في الفروض ولا في السنن المسنّنة، وألا يُعتقد أيضًا في النوافل المبتدأة أنها سنن مؤقتة. (٤)\n_________\n(١) كتاب الحوادث والبدع (ص.٣٣ - ٣٤).\n(٢) كتاب الحوادث والبدع (ص.٤٦).\n(٣) كتاب الحوادث والبدع (ص.٦٤ - ٦٥).\n(٤) كتاب الحوادث والبدع (ص.٦٦).","vol":"7","page":45},{"text":"- وقال وهو يرد على من يستدل للمحدثات بشيوع ذلك عند الناس -وهو ما يعبر عنه ما جرى به العمل-: فصل في الكلام على فريق من العامّة وأهل التقليد قالوا: إن هذا الأمر شائع ذائع في أقاليم أهل الإسلام وأقطار أهل الأرض، حتى قال بعض الأغبياء: إن القيروان كانت دار العلم بالمغرب، ولم يزل هذا الأمر بها فاشيًا، لا مُنكر له!!\nفالجواب أن نقول: شيعوعة الفعل وانتشاره لا يدلّ على جوازه؛ كما أن كتمه لا يدل على منعه.\nألا ترى أن بيع الباقلاّء في قشرته شائع في أقطار أهل الإسلام وعند الشافعي لا يجوز؟\nوالاستئجار على الحج شائع في بلاد الإسلام وعند أبي حنيفة لا يجوز؟\nواقتعاط العمائم شائع في أهل الإسلام، وهو بدعة منكرة.\nوالاقتعاط: هو التعمّم دون الحنك ...\nوإسبال الثوب تحت الكعبين شائع في بلاد أهل الإسلام، وهو حرام لا يجوز؟\nوأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضبًا، فقالت له: مالك؟ فقال: (والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد - ﷺ -؛ إلا أنهم يصلّون جميعًا)، وما روينا هنالك من الآثار!!\nفإنهم لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟!","vol":"7","page":46},{"text":"وأما من تعلّق بفعل أهل القيروان؛ فهذا غبي يستدعي الأدب دون المراجعة!\nفنقول لهؤلاء الأغبياء: إن مالك بن أنس رأى إجماع أهل المدينة حجة، فردّه عليه سائر فقهاء الأمصار، هذا وهو بلد رسول الله - ﷺ -، وعرصة الوحي، ودار النبوة، ومعدن العلم، فكيف بالقيروان؟!\nوأيضًا؛ فإنما كان يكون فيه مُتَعلَّق لو نقلتُمْ عن علماء القيروان أنهم أفتوا بهذا؛ لأن الاقتداء إنما يكون بالعلماء لا بالعوامّ، وهذا ما لا ينقلونه أبدًا، وإنما كان يفعله العوامّ والغوغاء، فإنكارنا عليهم كإنكارنا عليكم.\nوالدليل على هذا أن الفتيا بالقيروان إنما كانت على مذهب أهل المدينة، وقد كان القوم من أشدّ الناس تمسّكًا بمذهب مالك، فكان علماؤنا إنما يقومون في رمضان في بيوتهم؛ لقول مالك: (قيام الرجل في بيته لمن قوي عليه أحبّ إليّ)، وكان الغالب عليهم الورع والاتباع، وقد قال لهم في المدوّنة: (ليس الشأن في رمضان القصص بالدعاء)، فيبعد من حالهم أن يحدثوا هذه البدعة، وينصبوا المنابر، ويخطبوا عند الختم!\nولو كان هذا؛ لشاع وانتشر، وكان يضبطه طلبة العلم، والخَلَف عن السّلف، فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا أحد ممن يعتقد علمه، ولا ممن هو في عداد العلماء؛ علم أن هذه حكاية العوامّ والغوغاء.\nثم يقال لهم: بمَ تنفصلون ممن يعارضكم بشكل آخر من جنسه، فيقول لكم: إن قرطبة أعظم من القيروان، وهي دار العلم والخلافة -فقد فَضَلَت القيروان بالخلافة-، ثم لم يُعهد فيها قطّ خطبةٌ ولا منبر ولا دعاء ولا","vol":"7","page":47},{"text":"اجتماع عند ختم القرآن في رمضان؟\nفإن قيل: فهل يأثم فاعل ذلك؟\nفالجواب أن يقال: أما إن كان ذلك على وجه السلامة من اللغط، ولم يكن إلا الرجال، أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض، يستمعون الذكر، ولم تُنتهك فيه شعائر الرحمن؛ فهذه البدعة التي كرهها مالك.\nوأما إن كان على الوجه الذي يجري في هذا الزمان؛ من اختلاط الرجال والنساء، ومضامة أجسامهم، ومزاحمة من في قلبه مرض من أهل الريبة، ومعانقة بعضهم لبعض -كما حكي لنا أن رجلًا وُجد يطأ امرأة وهم وقوف في زحام الناس! وحكت لنا امرأة أن رجلًا واقعها فما حال بينهما إلا الثياب! وأمثال ذلك من الفسق واللغط-؛ فهذا فسوق، فيُفسّق الذي يكون سببًا لاجتماعهم.\nفإن قيل: أليس روى عبد الرزاق في التفسير: (أن أنس بن مالك كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله)؟\nقلنا: فهذا هو الحجة عليكم؛ فإنه كان يصلّي في بيته، ويجمع أهله عند الختم، فأين هذا من نصبكم المنابر، وتلفيق الخطب على رؤوس الأشهاد، فيختلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء، وتكثر الزعقات والصياح، ويختلط الأمر، ويذهب بهاء الإسلام ووقار الإيمان؟!\nوأيضًا؛ فإنه ما روي أنه دعا، وإنما جمع أهله فحسبُ. (١)\n- وقال: فصل في بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة\n_________\n(١) كتاب الحوادث والبدع (ص.٧١ - ٧٦).","vol":"7","page":48},{"text":"المسلمين: روى مسلم في الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم؛ اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». (١)\nفتدبّر هذا الحديث؛ فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قطّ من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قِبل أنه إذا مات علماؤهم؛ أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قِبله.\nوقد صرّف عمر هذا المعنى تصريفًا، فقال: (ما خان أمين قطّ، ولكنه اؤتمن غير أمين فخان).\nونحن نقول: ما ابتدع عالم قطّ، ولكنه استُفتي من ليس بعالم؛ فضلّ وأضلّ. (٢)\n- وقال: الباب الرابع في نقل غرائب البدع وإنكار العلماء لها:\nفمن ذلك البدع المحدثة في الكتاب العزيز من الألحان والتطريب: قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ (٣)؛ يعني: فصِّلْهُ تفصيلًا، وبيِّنْهُ تبيينًا، وترسَّل فيه ترسيلًا، ولا تعجل في قراءته، وهو من قول العرب: ثغر رَتِلٌ ورَتْلٌ؛ إذا كان مُفْلجًا ذا فُرج.\nقال مالك: (ولا تعجبني القراءة بالألحان، ولا أحبها في رمضان ولا في غيره؛ لأنه يشبه الغناء، ويُضحك بالقرآن، فيُقال: فلان أقرأُ من فلان).\n_________\n(١) تقدم في مواقف البغوي سنة (٥١٦هـ).\n(٢) كتاب الحوادث والبدع (ص.٧٦ - ٧٧).\n(٣) المزمل الآية (٤).","vol":"7","page":49},{"text":"وبلغني أن الجواري يُعلَّمن ذلك كما يُعلمن الغناء! أترى هذا من القراءة التي كان يقرأ بها رسول الله - ﷺ -؟!. (١)\n- وقال: ومما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه؛ دون التفقه فيه ... وهذا هو حال المقرئين في هذه الأعصر؛ فإنك تجد أحدهم يروي القرآن بمائة رواية، ويُثقِّف حروفه تثقيف القدح، وهو أجهل الجاهلين بأحكامه، فلو سألته عن حقيقة النّيّة في الوضوء، ومحلّها، وعزوبها، ورفضها، وتفريقها على أعضاء الوضوء؛ لم يخرج جوابًا، وهو يتلو عُمُرَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢).\nبل لو سألته عن أوّل درجة، فقلت له: أمر الله تعالى على الوجوب هو؟ أم على الندب والاستحباب؟ أم على الوقف؟ أم على الإباحة؟ فطلبته بفهم هذه الدقائق ووجوهها وترتيبها؛ لم يجد جوابًا!. (٣)\n- وعقد فصلًا نقل فيه أقوال الأئمة ببدعية ما أحدث الناس من الاجتماع في المساجد والدعاء يوم عرفة ثم قال: فاعلموا رحمكم الله أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولم يمنعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله\n_________\n(١) كتاب الحوادث والبدع (ص.٨٣ - ٨٤).\n(٢) المائدة الآية (٦).\n(٣) كتاب الحوادث والبدع (ص.٩٦ - ٩٨).","vol":"7","page":50},{"text":"تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوامّ أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يُدخل في الدين ما ليس منه.\nوقد كنت ببيت المقدس، فإذا كان يوم عرفة؛ حُبس أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم كأنه موطن عرفة!\nوكنت أسمع هناك سماعًا فاشيًا منهم: أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات؛ فإنها تعدل حجة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام!!. (١)\n- وقال: ومن البدع اجتماع الناس بأرض الأندلس على ابتياع الحلوى ليلة سبع وعشرين من رمضان.\nوكذلك على إقامة 'يَنَير' بابتياع الفواكه؛ كالعجم، وإقامة العنصرة، وخميس إبريل؛ بشراء المجبّنات والإسفنج، وهي من الأطعمة المبتدعة، وخروج الرجال جميعًا أو أشتاتًا مع النساء مختلطين للتفرّج.\nوكذلك يفعلون في أيام العيد، ويخرجون للمصلّى، ويقمن فيه الخيم للتفرج لا للصلاة.\nودخول الحمام للنساء مع الكتابيات بغير مئزر، والمسلمين مع الكفار في الحمام ...\nورجع الناس ينافسون في الضحية؛ للافتخار، لا للسنة، ولا لطلب\n_________\n(١) كتاب الحوادث والبدع (ص.١٢٧ - ١٢٨).","vol":"7","page":51},{"text":"الأجر، بل لإقامة الدنيا.\nومن البدع قراءة القارئ يوم الجمعة عشرًا من القرآن عند خروج السلطان، وكذلك الدعاء بعد الصلاة، وقراءة الحزب في جماعة، وقراءة سورة الكهف بعد العصر في المسجد في جماعة، وكذلك قول من يقول عند قيام الإمام في المحراب قبل تكبيرة الإحرام: اللهم أقِمْها وأدِمْها ما دامت السماوات والأرض! وهذا دعاء المحال؛ لأن ما بقي لقيام الساعة أقل مما مضى؛ بدليل قوله - ﷺ -: «بُعثتُ أنا والساعة كهاتين» (١)، وقرن السبابة والوسطى. (٢)\n- وقد ردّ على من يتعلق بحديث: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله» الحديث (٣)، للقراءة الجماعية بقوله: والسّرّ فيه أن قوله - ﷺ -: «يتلونه ويتدارسونه» خطاب عربيّ، ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة قد اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم، ورجل واحد يقرأ القرآن؛ لجاز أن يقولوا: هؤلاء جماعة يقرؤون القرآن ويتدارسونه. وإن كانوا كلهم سكوتًا.\nوكذلك لو مرّ العربيّ بجماعة اجتمعوا لتدريس العلم والتفقه فيه ولسماع حديث رسول الله - ﷺ -؛ لجاز أن يقول: هذه جماعة يدرسون العلم،\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٢٤) والبخاري (١١/ ٤٢٢/٦٥٠٤) ومسلم (٤/ ٢٢٦٨/٢٩٥١) والترمذي (٤/ ٤٣٠/٢٢١٤) من حديث أنس ﵁.\n(٢) كتاب الحوادث والبدع (ص.١٥٠ - ١٥٣).\n(٣) أحمد (٢/ ٢٥٢) ومسلم (٤/ ٢٠٧٤/٢٦٩٩) وأبو داود (٢/ ١٤٨ - ١٤٩/ ١٤٥٥) والترمذي (٥/ ١٧٩/٢٩٤٥) والنسائي في الكبرى (٤/ ٣٠٩/٧٢٨٧) وابن ماجه (١/ ٨٢/٢٢٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"7","page":52},{"text":"ويقرؤون العلم والحديث، وإن كان القارئ واحدًا. (١)\n- وقال في المآتم: والمأتم: هو الاجتماع في الصّبحة، وهو بدعة منكرة لم يُنقل فيه شيء.\nوكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والسابع والشهر والسنة، فهو طامّة.\nوقد بلغني عن الشيخ أبي عمران الفاسيّ -وكان من أئمة المسلمين- أن بعض أصحابه حضر صبحة، فهجره شهرين وبعض الثالث، حتى استعان الرجل عليه، فقبله وراجعه، وأظنه استتابه ألا يعود.\nفأما ما يوقد فيها من الشمع والبخور؛ فتبذير وسرف، وإن أنفقه الوصيّ من مال التركة؛ ضمنه، وسقطت به عدالته، واستأنف الحاكم النظر في الوصاية. (٢)\n- وقال ﵀: اعلم أن ما حدث في سائر أقطار بلاد أهل الإسلام من هذه المنكرات والبدع لا مطمع لأحد في حصرها، لأنها خطأ وباطل، والخطأ لا تنحصر سبله، ولا تتحصل طرقه، فاخط كيف شئت، وإنما الذي تنحصر مداركه وتنضبط مآخذه، فهو الحق، لأنه أمر واحد مقصود، يمكن إعمال الفكر والخواطر في استخراجه.\nوما مثل هذا إلا كالرامي للهدف، فإن طرق الإصابة تنحصر وتتحصل من إحكام الآلات، وأسباب النزع، وتسديد السهم.\n_________\n(١) كتاب الحوادث والبدع (ص.١٦٧).\n(٢) كتاب الحوادث والبدع (ص.١٧٥ - ١٧٦).","vol":"7","page":53},{"text":"فأما من أراد أن يخطئ الهدف، فجهات الأخطاء لا تنحصر ولا تنضبط. (١)\n- وقال: فأما أصحاب الألحان؛ فإنما حدثوا في القرن الرابع؛ منهم: محمد بن سعيد صاحب الألحان، والكرماني، والهيثم، وأبان ... فكانوا مهجورين عند العلماء، فنقلوا القراءة إلى أوضاع لحون الأغاني، فمدوا المقصور، وقصروا الممدود، وحركوا الساكن، وسكنوا المتحرك، وزادوا في الحرف، ونقصوا منه، وجزموا المتحرك، وحركوا المجزوم؛ لاستيفاء نغمات الأغاني المطربة ... ومن ألحانهم في القرآن: النبطي، والرومي، والحساني، والمكي، والإسكندراني، والمصري، والكاروندي، والراعي، والديباجي، والياقوتي، والعروسي، والزّرجون، والمرجي والمجوسي، والزنجي، والمُنمنم، والسِّندي، وغيرها؛ كرهنا ذكر التطويل بها.\nفهذه أسماء ابتدعوها في كتاب الله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٢).\nفالتالي منهم والسامع لا يقصدون فهم معانيه؛ من أمر، أو نهي، أو وعد، أو وعيد، أو وعظ، أو تخويف، أو ضرب مثل، أو اقتضاء حكم، أو غير ذلك مما أنزل به القرآن، وإنما هو للذة، والطرب، والنغمات، والألحان؛ كنقر الأوتار، وأصوات المزامير؛ كما قال الله ﷿ يذمّ قريشًا: ﴿وَمَا\n_________\n(١) الحوادث والبدع (ص.٢٢).\n(٢) النجم الآية (٢٣).","vol":"7","page":54},{"text":"كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (١).\nوإنما أنزل القرآن لتُتدبّر آياته وتفهم معانيه:\nقال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ (٣). وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٤).\nوهذا يمنع أن يقرأ بالألحان المطرِّبة والمشبِّهة للأغاني؛ لأن ذلك يُثمر ضدَّ الخشوع، ونقيضَ الخوف والوجل.\nوقوله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (٥).\nوهذا يفيد الأمر بتلاوته على هذا الوجه، وأن بكاءهم إنما كان مما فهموا من معانيه، لا من نغمات القارئ.\nفأين هذا من دقّ الرِّجل، وثني العطف، وتحريك الرأس، والصياح، والزعق، والمكاء، والتصدية؟!\n_________\n(١) الأنفال الآية (٣٥).\n(٢) ص الآية (٢٩).\n(٣) النساء الآية (٨٢).\n(٤) الأنفال الآية (٢).\n(٥) المائدة الآية (٨٢).","vol":"7","page":55},{"text":"قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (١).\nفليت شعري! ما الذي يورث خشية الله تعالى؟! أألحان الكرماني ونغمات الترمذي، أو فهم معانيه، وتدبر آياته، واستخلاص حكمه وعجائب مضمونه؟!. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2540>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀: فانظروا -رحمكم الله- أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق؛ فهي ذات أنواط؛ فاقطعوها. (٣)\n- وقال: ولا يُتمسّح بقبر النبيّ - ﷺ -، ولا يَمسح كذلك المنبر، ولكن يدنو من المنبر، فيُسلّم على النبيّ - ﷺ -، ثم يدعو مستقبلًا القبلة؛ يُولّيه ظهره -وقيل: لا يوليه ظهره- ويصلّي ركعتين قبل السلام عليه.\nوقيل: واسعٌ أن يسلم عليه قبل أن يركع. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2541>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في الفكر السامي: ... وكان راضيا من الدنيا بالقليل لورعه، ثم سكن الأسكندرية وتزوج امرأة موسرة، وهبت له دارا سكن أعلاها\n_________\n(١) الحشر الآية (٢١).\n(٢) كتاب الحوادث والبدع (ص.٨٤ - ٨٨).\n(٣) الحوادث والبدع (ص.٣٨ - ٣٩).\n(٤) كتاب الحوادث والبدع (ص.١٥٦ - ١٥٧).","vol":"7","page":56},{"text":"وجعل أسفلها مدرسة للطلبة، وكان نزوله بالأسكندرية بعد قتل بني عبيد لعلمائها فنشر العلم بها وأحيا معالمه بعد ما تعطلت دروسه وكان يقول: إن سألني الله عن المقام بالأسكندرية مع ما هي عليه من تعطيل الجمعة وغير ذلك من المناكر التي كانت أيام العبيديين أقول له: وجدت قوما ضلالا فكنت سبب هدايتهم. وهكذا ينبغي للعلماء، بل يجب عليهم هداية الخلق ولا يجوز لهم الهجرة إلا إذا يئسوا الهداية أو خافوا الفتنة على أنفسهم أو دينهم. وامتحنه العبيديون بإخراجه منها وملازمة الفسطاط. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2542>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في السير: أنبأنا ابن علان عن الخشوعي عن الطرطوشي أنه كتب هذه الرسالة جوابا عن سائل سأله من الأندلس عن حقيقة أمر مؤلف الإحياء، فكتب إلى عبد الله بن مظفر: سلام عليك فإني رأيت أبا حامد وكلمته فوجدته امرءا وافر الفهم والعقل وممارسة للعلوم، وكان ذلك معظم زمانه، ثم خالف عن طريق العلماء ودخل في غمار العمال، ثم تصوف فهجر العلوم وأهلها ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان، ثم سابها وجعل يطعن على الفقهاء بمذاهب الفلاسفة ورموز الحلاج وجعل ينتحي عن الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين.\nقال الحافظ أبو محمد: إن محمد بن الوليد هذا، ذكر في غير هذه الرسالة: كتاب الإحياء. قال: وهو -لعمر الله أشبه بإماتة علوم الدين. ثم رجعنا إلى تمام الرسالة.\n_________\n(١) الفكر السامي (٢/ ٢٢٠).","vol":"7","page":57},{"text":"قال: فلما عمل كتابه الإحياء، عمد فتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها ولا خبير بمعرفتها. فسقط على أم رأسه، فلا في علماء المسلمين قر، ولا في أحوال الزاهدين استقر، ثم شحن كتابه بالكذب على رسول الله - ﷺ -، فلا أعلم كتابا على وجه بسيط الأرض أكثر كذبا على الرسول منه، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة ورموز الحلاج ومعاني رسائل إخوان الصفا وهم يرون النبوة اكتسابا، فليس النبي عندهم أكثر من شخص فاضل تخلق بمحاسن الأخلاق وجانب سفسافها، وساس نفسه حتى لا تغلبه شهوة، ثم ساق الخلق بتلك الأخلاق. وأنكروا أن يكون الله يبعث إلى الخلق رسولا، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق. ولقد شرف الله الإسلام وأوضح حججه، وقطع العذر بالأدلة، وما مثل من نصر الإسلام بمذاهب الفلاسفة والآراء المنطقية إلا كمن يغسل الثوب بالبول، ثم يسوق الكلام سوقا يرعد فيه ويبرق ويمني ويشوق، حتى إذا تشوفت له النفوس قال: هذا من علم المعاملة وما وراءه من علم المكاشفة، لا يجوز تسطيره في الكتب ويقول: هذا من سر الصدر الذي نهينا عن إفشائه. وهذا فعل الباطنية وأهل الدغل والدخل في الدين، يستقل الموجود ويعلق النفوس بالمفقود، وهو تشويش لعقائد القلوب، وتوهين لما عليه كلمة الجماعة فلئن كان الرجل يعتقد ما سطره، لم يبعد تكفيره وإن كان لا يعتقده فما أقرب تضليله.\nوأما ما ذكرت من إحراق الكتاب، فلعمري إذا انتشر بين من لا معرفة له بسمومه القاتلة، خيف عليهم أن يعتقدوا إِذًا صحة ما فيه، فكان تحريقه في معنى ما حرقته الصحابة من صحف المصاحف التي تخالف","vol":"7","page":58},{"text":"المصحف العثماني. (١)\nالتعليق:\nيا من يقرؤون لدعاة التخريف في العصر الحاضر، اقرأوا كلمة عالم خبير، له معرفة بالعلوم الشرعية والباع الطويل. إذا تكلم في واحد منها يظن أنه لا يحسن غيره. ماذا يقول في كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي؟ هل تصدقه أو تصدق سعيد حوى في كتابه 'تربيتنا الروحية' وأمثاله كثير، والله المستعان.\n\n- جاء في الصاعقة المحرقة: سأله بعضهم فقال: ما تقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية أنه يجتمع من الرجال فيكثرون من ذكر الله وذكر محمد - ﷺ -، ثم إنهم يرقصون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا رحمكم الله.\nالجواب: رحمك الله، مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول ما أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون. فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة، ويشغلون به المسلمين (٢) عن كتاب الله.\n_________\n(١) السير (١٩/ ٤٩٤ - ٤٩٦).\n(٢) في الأصل المسلمون، والصواب ما أثبتناه.","vol":"7","page":59},{"text":"وإنما كان مجلس النبي - ﷺ - وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار. فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم. هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من المسلمين وبالله التوفيق. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2543>موقفه من القدرية:</span>\nذكر حديث افتراق الأمة (٢) ومثل بالقدرية فقال: وبيان ذلك بالمثال: أن القدر أصل من أصول البدع، ثم اختلف أهله في مسائل من شعب القدر، وفي مسائل لا تعلق لها بالقدر، فجميعهم متفقون أن أفعال العباد خلقٌ لهم من دون الله تعالى، ثم اختلفوا في فرع من فروع القدر:\nفقال أكثرهم: لا يكون فعل بين فاعلين! وقال بعضهم -وهو المِرْدار-: يجوز فعلٌ بين فاعلين مخلوقين على التولّد. وأحال مثله بين القديم والمُحدَث.\nثم اختلفوا فيما لا يعود إلى القدر في مسائل كثيرة؛ كاختلافهم في الصلاح والأصلح: فقال البغداديون منهم: يجب على الله -تعالى عن قولهم- فعلُ الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم، ولا يجوز في حكمته تبقية وجهٍ ممكن به الصلاح العاجل والآجل؛ إلا وعليه فعلُ أقصى ما يقدِرُ عليه في استصلاح عباده.\nقالوا: وواجبٌ على الله -تعالى- ابتداءُ الخلق الذين علم أنه يُكلِّفهم،\n_________\n(١) الصاعقة المحرقة (٣٤). انظر المعيار المعرب (١١/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف الإمام أحمد سنة (٢٤١هـ).","vol":"7","page":60},{"text":"ويجب عليه إكمال عقولهم وأقدارهم، وإزاحة عللهم!\nوقال البصريون منهم: لا يجب على الله -تعالى- إكمال عقولهم، ولا أن يؤتيهم أسبابَ التكليف.\nوقال البغداديون منهم: يجب على الله -تعالى عن قولهم- عقاب العصاة إذا لم يتوبوا، والمغفرة من غير توبة سفهٌ من الغافر! وأبى البصريون ذلك.\nوابتدع جعفر بن مبشِّر من القدرية بدعةً، فقال: من استحضر امرأة ليتزوجها، فوثب عليها، فوطئها بلا وليّ ولا شهود ولا رضىً ولا عقد؛ حلّ له ذلك!. وخالفه في ذلك سَلَفه، وخالفه خَلَفُهُ.\nوقال ثُمامة بن أشرسَ: إن الله -تعالى- يُصيّر الكفار والملحدين وأطفال المشركين والمؤمنين والمجانين ترابًا يوم القيامة؛ لا يُعذبهم، ولا يُعوّضهم! وقوله هذا في الكفار والملحدين خرقٌ لإجماع الأمة؛ من أهل الإثبات، وأهل القدر، وغيرهم. (١)\n\nأبو الوليد ابن رشد (٢) (٥٢٠ هـ)\nالإمام العلامة شيخ المالكية، قاضي الجماعة بقرطبة، أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي جد ابن رشد الفيلسوف. ولد سنة\n_________\n(١) كتاب الحوادث والبدع (ص.٣٤ - ٣٥).\n(٢) السير (١٩/ ٥٠١ - ٥٠٢) وتاريخ الإسلام (٣٥/ ٤٤٣ - ٤٤٤) والديباج المذهب (٢/ ٢٤٨ - ٢٥٠) وشذرات الذهب (٤/ ٦٢) وشجرة النور الزكية (١/ ١٢٩).","vol":"7","page":61},{"text":"خمس وخمسين وأربعمائة. وتفقه بأبي جعفر أحمد بن رزق وسمع الجياني وأبا عبد الله بن فرج وأبا مروان بن سراج. وأجاز له أبو العباس بن دلهاث. قال ابن بشكوال: كان فقيها عالما، حافظا للفقه مقدما فيه على جميع أهل عصره، عارفا بالفتوى بصيرا بأقوال أئمة المالكية، نافذا في علم الفرائض والأصول، من أهل الرياسة في العلم والبراعة والفهم مع الدين والفضل والوقار والحلم والسمت الحسن.\nكانت الدراية أغلب عليه من الرواية كثير التصانيف. وله ثناء على أئمة الأشاعرة كما في مسائله (١). مات في ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة وصلى عليه ابنه أبو القاسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2545>موقفه من القدرية:</span>\nله مواقف من القدرية والرد على ضلالهم حذا فيها حذو الأئمة الأعلام.\n- جاء في كتاب 'البيان والتحصيل': وسمعت مالكا يقول لرجل سألتني أمس عن القدر؟ فقال له الرجل: نعم، قال: يقول الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) حقت كلمته ليملأن جهنم منهم، فلابد من أن يكون ما قال.\nقال محمد بن رشد: هذه الآية بينة في الرد على أهل القدر كما قال،\n_________\n(١) (١/ ٧١٦ - ٧١٨)\n(٢) السجدة الآية (١٣).","vol":"7","page":62},{"text":"وذلك أنهم يقولون إن الله تعالى أمر عباده بالطاعة وأرادها منهم ونهاهم عن المعصية ولم يردها منهم، فلم يكن ما أراد من الطاعة وكان ما لم يرد من المعصية، لأن العباد عندهم خالقون لأفعالهم بمشيئتهم وإرادتهم دون إرادة ربهم وخالقهم، وذلك ضلال بين وكفر صريح عند أكثر العلماء، لأنهم يلحقون العجز بالله تعالى في أن يكون ما لا يريد، ويريد ما لا يكون، والجهل به أيضا لأنهم إذا كانوا هم الخالقون لأفعالهم بمشيئتهم، فلا يعلم وقوعها منهم على قولهم حتى يفعلوها، وهذا كفر صريح وتكذيب لقوله تعالى في غير ما آية من كتابه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (١) وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) وقال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤) وقال: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥) وقال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (٦) والآيات في الرد عليهم أكثر من أن تحصى وأبين من أن تخفى، وقد قال عون بن معمر سمعت سعيد ابن أبي عروبة وكان يترهب بمذهب أهل القدر يقول: ما في\n_________\n(١) يونس الآية (٩٩).\n(٢) الأنعام الآية (١٢٥).\n(٣) الإنسان الآية (٣٠).\n(٤) الرعد الآية (١٦).\n(٥) الصافات الآية (٩٦).\n(٦) الملك الآية (١٤).","vol":"7","page":63},{"text":"القرآن آية أشد علي من قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (١)\nقال: فقلت القرآن يشق عليك؟ والله لا أكلمك أبدا فما كلمته حتى مات، فرحم الله عون بن معمر، والآثار في ذلك عن النبي - ﷺ - متواترة لا تحصى، من ذلك قوله: «كل شيء بقدر» (٢)، وقوله: «لا تسأل المرأة طلاق أختها ولتنكح فإنما لها ما قدر لها» (٣) وقوله - ﷺ -: «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون»، فقال رجل ففيم العمل؟ فقال رسول الله: «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار» (٤)، وقول آدم لموسى في حديث محاجته: أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق (٥) وبالله التوفيق. (٦)\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٥٥) ..\n(٢) انظر تخريجه في مواقف ابن عبد البر سنة (٤٦٣هـ).\n(٣) تقدم في مواقف ابن عبد البر سنة (٤٦٣هـ).\n(٤) أحمد (٤/ ١٨٦) من حديث عبد الرحمن بن قتادة وصححه ابن حبان (٢/ ٥٠/٣٣٨) والحاكم (١/ ٣١) ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي (٧/ ١٨٦) وقال: \"رواه أحمد ورجاله ثقات\"، وفي الباب عن عدة من الصحابة كأنس وأبي موسى وحكيم بن حزام وأبي سعيد وابن عمر ومعاذ وغيرهم.\n(٥) تقدم في مواقف هارون الرشيد سنة (١٩٣هـ).\n(٦) البيان والتحصيل (١٦/ ٣٦٥ - ٣٦٧).","vol":"7","page":64},{"text":"- وقال: سئل مالك عن القدرية فقال قوم سوء فلا تجالسوهم، قيل ولا نصلي وراءهم؟ قال: نعم، وقال سحنون: كان ابن غانم يقول في كراهية مجالسة أهل الأهواء: أرأيت لو أن أحدكم قعد إلى سارق في كمه بضاعة أما كان يختزنها منه خوفا أن يغتاله فيها فلا يجد بدا أن يقول نعم، قال: فدينكم أولى بأن تحرزوه وتتحفظوا به.\nوسئل عن الرجل يكون بينه وبين الرجل من أهل القدر في ذلك منازعة حتى يبقى يأتيه القدري فيأخذ بيده وتتصل إليه، فقال: إن كان جاء نازعا تاركا لذلك فليقبل منه ذلك وليكلمه وإن لم يكن جاء لذلك فإني أراه في سعة من ترك كلامه، قيل له: إنه قديتشبت ويتعلق ويأخذ بيدي ويسألني الكلام؟ فقال: لا أرى بأسا أن يترك كلامه.\nقال محمد بن رشد: قول مالك في هذه الرواية في أهل القدر إنهم قوم سوء فلا يجالسوا ولا يصلي وراءهم، نص منه على أنهم لا يكفروا باعتقادهم خلاف ظاهر قوله في أول رسم من سماع ابن القاسم آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (١) الآية، قال فأي كلام أبين من هذا، قال ابن القاسم: ورأيته تأولها على أهل الأهواء، فالقدرية عند عامة العلماء كفار، لأنهم نسبوا إلى الله تعالى العجز والجهل في قولهم إن الله لم يقدر المعاصي ولا الشر، وإن ذلك جار في خلقه وسلطانه بغير قدرته ولا إرادته، فنفوا القدرة والإرادة في ذلك\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٦).","vol":"7","page":65},{"text":"عن الله تعالى ونسبوها لأنفسهم حتى قال بعض طواغيتهم: إنه لو كان طفل على حاجز بين الجنة والنار لكان الله تعالى موصوفا بالقدرة على طرحه إلى الجنة وإبليس موصوفا بالقدرة على طرحه في النار، وأن الله لا يوصف بالقدرة على ذلك، وزعموا أن خلاف هذا كفر وشرك، وعند بعضهم قوم سوء ضلال؛ لأنهم خالفوا أهل السنة والجماعة في عقود الدين؛ لأن الله تعالى أضلهم وأغواهم ولم يرد هداهم وعمى بصائرهم عن الحق ولم يرد شرح صدورهم له كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ﴾ (١) الآية وقد تواترت الآثار بإخراجهم عن الإسلام وإضافتهم إلى أصناف الكفر، من ذلك قول النبي - ﷺ -: «القدرية مجوس هذه الأمة» (٢) و«القدرية نصارى هذه الأمة» وقوله: «صنفان من أمتي ليس لهم نصيب في الإسلام المرجئة والقدرية» (٣)،\nوقوله: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية لا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا»، وقوله - ﷺ -: «اتقوا هذه القدرية؛ فإنها شعبة من النصرانية» (٤) ومن مثل هذا ونحوه كثير، وقد نهى مالك عن مجالستهم وإن لم يرهم كفارا بما لقولهم على هذه الرواية لوجوه ثلاثة، أحدها: أنهم إن لم يكونوا كفارا فهم زائغون ضلال يجب التبرؤ منهم وبغضهم في الله؛ لأن\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢٥).\n(٢) تقدم في مواقف محمد بن الحسين الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٣) تقدم في مواقف سفيان الثوري سنة (١٦١هـ) ..\n(٤) أخرجه بلفظ: «اتقوا هذا القدر ...» ابن أبي عاصم (١/ ١٤٦/٣٣٢) واللالكائي (٤/ ٦٩٧/١١٢٨) وابن عدي (٥/ ١٩٤) والطبراني (١١/ ٢٦٢/١١٦٨٠) كلهم من طريق نزار بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس، قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٠٢): \"وفيه نزار بن حيان وهو ضعيف\"، وقال الشيخ الألباني: \"ضعيف جدا\" (الضعيفة ١٧٨٦).","vol":"7","page":66},{"text":"البغض في الله والحب فيه من الإيمان، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ الآية، وهم ممن حاد الله ورسوله باعتقادهم الفاسد الذي خرجوا به عن الملة في قول كافة الأمة، والوجه الثاني: مخافة أن يعرض بنفسه سوء الظن بمجالستهم فيظن به أنه يميل إلى هواهم، والثالث: مخافة أن يستمع كلامهم فيدخل عليه شك في اعتقاده بشبههم وكفى من التحرير عن ذلك المثل الصحيح الذي ضربه مالك في رواية ابن غانم عنه ونهى عن الصلاة خلفهم على مقتضى هذه الرواية من أنهم كفار لأنهم وإن لم يكونوا كفارا هم زائغون ضلال ... (١)\nوردد ذلك مرارا كلما جاء ذكرهم كما في (١٧/ ٢٦٥و٥٠٣و٥٧٥) و(١٨/ ١٤٩و٢١٠). (٢)\n\nأبو العز القَلاَنِسِي (٣) (٥٢١ هـ)\nالإمام الكبير شيخ القراء أبو العز محمد بن الحسين بن بندار الواسطي القلانسي، صاحب التصانيف في القراءات مقرئ العراق. ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. وتلا بالعشرة على أبي علي غلام الهراس، وأخذ أيضا عن أبي القاسم الهذلي، وأبي جعفر بن المسلمة، وقرأ ختمة لعاصم على أبي الفوارس الأواني. كان بصيرا بالقراءات وعللها وغوامضها عارفا بطرقها عالي\n_________\n(١) البيان والتحصيل (١٦/ ٣٨٠ - ٣٨٢).\n(٢) من كتابه البيان والتحصيل.\n(٣) المنتظم (١٠/ ٨) والسير (١٩/ ٤٩٦ - ٤٩٨) وميزان الاعتدال (٣/ ٥٢٥) والوافي بالوفيات (٣/ ٤) وغاية النهاية (٢/ ١٢٨ - ١٢٩) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٤٧٣ - ٤٧٥) وشذرات الذهب (٤/ ٦٤).","vol":"7","page":67},{"text":"الإسناد. وتصدر للإقراء دهرا ورحل إليه من الأقطار.\nقال السلفي: سألت خميسا الحوزي عن أبي العز، فقال: هو أحد الأئمة الأعيان في علوم القرآن، برع في القراءات، وسمع من جماعة، وهو جيد النقل ذو فهم فيما يقوله. توفي ﵀ في شوال سنة إحدى وعشرين وخمسمائة بواسط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2547>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: قال السمعاني: قرأ عليه عالم من الناس، ورحل إليه من الأقطار، وسمعت عبد الوهاب الأنماطي يسيء الثناء عليه، ونسبه إلى الرفض، ثم وجدت لأبي العز أبياتا في فضيلة الصحابة. (١)\n- أنشد أبو العز القلانسي:\nإن من لم يقدم الصديقا ... لم يكن لي حتى الممات صديقا\nوالذي لا يقول قولي في الفا ... روق أهوى لشخصه تفريقا\nوبنار الجحيم باغض عثما ... ن ويهوي منها مكانا سحيقا\nمن يوالي عندي عليا وعادا ... هم جميعا عددته زنديقا (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2548>موقف السلف من المهدي بن تومرت (٥٢٤ ه</span>ـ)\nكان هذا الرجل قنبلة مشؤومة على العقيدة السلفية. ارتحل من المغرب\n_________\n(١) السير (١٩/ ٤٩٧).\n(٢) لسان الميزان (٥/ ١٤٤).","vol":"7","page":68},{"text":"إلى المشرق والتقى بعلماء أشاعرة مع ما تعلمه من مكر الشيعة الباطنية. فرجع إلى المغرب ونفسه تتشوق إلى الرئاسة وحب الظهور. فدخل المغرب وهو يحمل في رأسه كل حيلة ومكر وخداع. فادعى أنه الإمام المعصوم. واستخدم في ذلك أنواع الدجل حتى إنه يحكى عنه أنه كان يتفق مع مجموعة فينومهم في القبور ويأتيهم، ويأمرهم بالقيام من قبورهم فيخرجون، ثم يقتلهم حتى لا يخبرون عن دجله. وتذرع أيضا بعقيدة مزج فيها الأشعرية والاعتزال وسماها عقيدة الموحدين. وسمى العقيدة السلفية التي كان عليها المرابطون عقيدة التجسيم على عادة المبتدعة في تشويه العقيدة السلفية.\nجاء في السير: قال اليسع ابن حزم: سمى ابن تومرت المرابطين بالمجسمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلا بتنزيه الله تعالى عما لا يجب وصفه بما يجب له، مع ترك خوضهم عما تقصر العقول عن فهمه ... فكفرهم ابن تومرت لجهلهم العرض والجوهر، وأن من لم يعرف ذلك لم يعرف المخلوق من الخالق، وبأن من لم يهاجر إليه ويقاتل معه فإنه حلال الدم والحريم، وذكر أن غضبه لله وقيامه حسبة. (١)\nجاء في المنهاج: وأصحاب ابن تومرت الذي ادعى أنه المهدي يقولون: إنه معصوم، ويقولون في خطبة الجمعة: الإمام المعصوم والمهدي المعلوم، ويقال: إنهم قتلوا بعض من أنكر أن يكون معصوما.\nومعلوم أن كل هذه الأقوال مخالفة لدين الإسلام: للكتاب والسنة\n_________\n(١) السير (١٩/ ٥٥٠ - ٥٥١).","vol":"7","page":69},{"text":"وإجماع سلف الأمة وأئمتها. فإن الله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) الآية، فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، فمن أثبت شخصا معصوما غير الرسول، أوجب رد ما تنازعوا فيه إليه، لأنه لايقول عنده إلا الحق كالرسول. وهذا خلاف القرآن.\nوأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد. والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ (٣) فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، فالرسول - ﷺ - هو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) النساء الآية (٦٩).\n(٣) الجن الآية (٢٣).","vol":"7","page":70},{"text":"عباده إلى شقي وسعيد، فمن اتبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي. وليست هذه المرتبة لغيره.\nولهذا اتفق أهل العلم -أهل الكتاب والسنة- على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى عليه وسلم، فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فإنه المعصوم الذي لاينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ (١) وهو الذي يمتحن به الناس في قبورهم، فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ويقال: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى فّآمنا به واتبعناه. ولو ذكر بدل الرسول من ذكره من الصحابة والأئمة والتابعين والعلماء لم ينفعه ذلك، ولا يمتحن في قبره بشخص غير الرسول. (٢)\nوجاء في السير: وسار ابن تومرت إلى أغمات، فنزلوا على الفقيه عبد الحق المصمودي، فأكرمهم، فاستشاروه، فقال: هنا لا يحميكم هذا الموضع، فعليكم بتينمل فهي يوم عنا، وهو أحصن الأماكن، فأقيموا به برهة كي ينسى ذكركم. فتجدد لابن تومرت بهذا الاسم ذكر لما عنده، فلما\n_________\n(١) الأعراف الآية (٦).\n(٢) المنهاج (٦/ ١٨٩ - ١٩١).","vol":"7","page":71},{"text":"رآهم أهل الجبل على تلك الصورة، علموا أنهم طلبة علم، فأنزلوهم، وأقبلوا عليهم، ثم تسامع به أهل الجبل، فتسارعوا إليهم، فكان ابن تومرت من رأى فيه جلادة، عرض عليه ما في نفسه، فإن أسرع إليه، أضافه إلى خواصه، وإن سكت، أعرض عنه، وكان كهولهم ينهون شبانهم ويحذرونهم وطالت المدة، ثم كثر أتباعه من جبال درن، وهو جبل الثلج، وطريقه وعر ضيق.\nقال اليسع في 'تاريخه': لا أعلم مكانا أحصن من تينملل لأنها بين جبلين، ولا يصل إليهما إلا الفارس، وربما نزل عن فرسه في أماكن صعبة، وفي مواضع يعبر على خشبة، فإذا أزيلت الخشبة، انقطع الدرب، وهي مسافة يوم، فشرع أتباعه يغيرون ويقتلون، وكثروا وقووا، ثم غدر بأهل تينملل الذين آووه، وأمر خواصه، فوضعوا فيهم السيف، فقال له الفقيه الإفريقي أحد العشرة من خواصه: ما هذا؟! قوم أكرمونا وأنزلونا نقتلهم!! فقال لأصحابه: هذا شك في عصمتي، فاقتلوه فقتل.\nقال اليسع: وكل ما أذكره من حال المصامدة، فقد شاهدته، أو أخذته متواترا، وكان في وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمرابط أو تلمساني أن يحرقوه.\nفلما كان عام تسعة عشر وخمس مائة، خرج يوما، فقال: تعلمون أن البشير -يريد الونشريسي- رجل أمي، ولا يثبت على دابة، فقد جعله الله مبشرا لكم، مطلعا على أسراركم، وهو آية لكم، قد حفظ القرآن، وتعلم الركوب، وقال: اقرأ، فقرأ الختمة في أربعة أيام، وركب حصانا وساقه، فبهتوا، وعدوها آية لغباوتهم، فقام خطيبا، وتلا: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ","vol":"7","page":72},{"text":"الطَّيِّبِ﴾ (١)، وتلا: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ (٢)، فهذا البشير مطلع على الأنفس، ملهم، ونبيكم - ﷺ - يقول: «إن في هذه الأمة محدثين، وإن عمر منهم» (٣) وقد صحبنا أقوام أطلعه الله على سرهم، ولا بد من النظر في أمرهم، وتيمم العدل فيهم، ثم نودي في جبال المصامدة: من كان مطيعا للإمام، فليأت، فأقبلوا يهرعون، فكانوا يعرضون على البشير، فيخرج قوما على يمينه، ويعدهم من أهل الجنة، وقوما على يساره، فيقول: هؤلاء شاكون في الأمر، وكان يؤتى بالرجل منهم، فيقول: هذا تائب ردوه على اليمين تاب البارحة، فيعترف بما قال، واتفقت له فيهم عجائب، حتى كان يطلق أهل اليسار، وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل، فلا يفر منهم أحد، وإذا تجمع منهم عدة، قتلهم قراباتهم حتى يقتل الأخ أخاه.\nقال: فالذي صح عندي أنهم قتل منهم سبعون ألفا على هذه الصفة، ويسمونه التمييز، فلما كمل التمييز، وجه جموعه مع البشير نحو أغمات، فالتقاهم المرابطون، فهزمهم المرابطون، وثبت خلق من المصامدة، فقتلوا، وجرح عمر الهنتاتي، عدة جراحات، فحمل على أعناقهم مثخنا، فقال لهم البشير: إنه لا يموت حتى تفتح البلاد، ثم بعد مدة، فتح عينيه، وسلم، فلما أتوا، عزاهم ابن تومرت، وقال: يوم بيوم، وكذلك حرب الرسل. (٤)\n_________\n(١) الأنفال الآية (٣٧).\n(٢) آل عمران الآية (١١٠).\n(٣) أحمد (٢/ ٣٣٩) والبخاري (٧/ ٥٢/٣٦٨٩) والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٠/٨١٢٠) كلهم أخرجه من حديث أبي هريرة. وفي الباب من حديث عائشة ﵂.\n(٤) السير (١٩/ ٥٤٤ - ٥٤٧).","vol":"7","page":73},{"text":"وفيها: قال عبد الواحد المراكشي: وكان جل ما يدعو إليه الاعتقاد على رأي الأشعري، وكان أهل الغرب ينافرون هذه العلوم، فجمع متولي فاس الفقهاء، وناظروه، فظهر، ووجد جوا خاليا، وقوما لا يدرون الكلام، فأشاروا على الأمير بإخراجه، فسار إلى مراكش، فبعثوا بخبره إلى ابن تاشفين، فجمع له الفقهاء، فناظره ابن وهيب الفيلسوف، فاستشعر ذكاءه وقوة نفسه، فأشار على ابن تاشفين بقتله، وقال: إن وقع إلى المصامدة، قوي شره، فخاف الله فيه، فقال: فاحبسه، قال: كيف أحبس مسلما لم يتعين لنا عليه حق؟ بل يسافر، فذهب ونزل بتينمل، ومنه ظهر، وبه دفن، فبث في المصامدة العلم، ودعاهم إلى الأمر بالمعروف، واستمالهم، وأخذ يشوق إلى المهدي، ويروي أحاديث فيه، فلما توثق منهم قال: أنا هو، وأنا محمد بن عبد الله، وساق نسبا له إلى علي، فبايعوه، وألف لهم كتاب 'أعز ما يطلب'، ووافق المعتزلة في شيء، والأشعرية في شيء، وكان فيه تشيع، ورتب أصحابه، فمنهم العشرة، فهم أول من لباه، ثم الخمسين، وكان يسميهم المؤمنين، ويقول: ما في الأرض من يؤمن إيمانكم، وأنتم العصابة الذين عنى النبي - ﷺ - بقوله: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين» (١)\nوأنتم تفتحون الروم، وتقتلون الدجال، ومنكم الذي يؤم بعيسى، وحدثهم بجزئيات اتفق وقوع أكثرها، فعظمت فتنة القوم به حتى قتلوا أبناءهم وإخوتهم لقسوتهم وغلظ طباعهم، وإقدامهم على الدماء، فبعث جيشا، وقال: اقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الدين، فادعوهم إلى إماتة المنكر وإزالة البدع، والإقرار بالمهدي\n_________\n(١) مسلم (٣/ ١٥٢٥/١٩٢٥) من حديث سعد أبي وقاص ..","vol":"7","page":74},{"text":"المعصوم، فإن أجابوا، فهم إخوانكم، وإلا فالسنة قد أباحت لكم قتالهم، فسار بهم عبد المؤمن يقصد مراكش، فالتقاه الزبير بن أمير المسلمين، فكلموهم بالدعوة، فردوا أقبح رد، ثم انهزمت المصامدة، وقتل منهم ملحمة، فلما بلغ الخبر ابن تومرت، قال: أنجى عبد المؤمن؟ قيل: نعم، قال: لم يفقد أحد، وهون عليهم، وقال: قتلاكم شهداء. (١)\nوفيها: وأهل العشرة هم: عبد المؤمن، والهزرجي، وعمر بن يحيى الهنتاتي، وعبد الله البشير، وعبد الواحد الزواوي طير الجنة، وعبد الله بن أبي بكر، وعمر بن أرناق، وواسنار أبو محمد، وإبراهيم بن جامع، وآخر.\nوفي أول سنة أربع وعشرين؛ جهز عشرين ألف مقاتل عليهم البشير، وعبد المؤمن بعد أمور يطول شرحها، فالتقى الجمعان، واستحر القتل بالموحدين، وقتل البشير، ودام الحرب إلى الليل، فصلى بهم عبد المؤمن صلاة الخوف، ثم تحيز بمن بقي إلى بستان يعرف بالبحيرة، فراح منهم تحت السيف ثلاثة عشر ألفا، وكان ابن تومرت مريضا، فأوصى باتباع عبد المؤمن، وعقد له، ولقبه أمير المؤمنين، وقال: هو الذي يفتح البلاد، فاعضدوه بأنفسكم وأموالكم، ثم مات في آخر سنة أربع وعشرين وخمس مائة. (٢)\nوخلاصة القول إن ابن تومرت أحدث بدعا شنيعة لم تكن بأرض المغرب منها:\n١ - فرض العقيدة الأشعرية الممزوجة بالاعتزال بالسيف؛ وقد تقدم قول اليسع.\n_________\n(١) السير (١٩/ ٥٤٨ - ٥٤٩).\n(٢) السير (١٩/ ٥٥٠).","vol":"7","page":75},{"text":"٢ - بدعة المهدية والإمام المعصوم.\n٣ - بدعة الحزب بعد صلاة المغرب والصبح، وهذه البدعة ما تزال إلى يومنا هذا، وقد وضعت لها أوقاف في جميع بلاد المغرب. (١)\n٤ - بدعة \"أصبح ولله الحمد\" في الأذان، ومجموعة من البدع الأخرى. (٢)\n\nالقاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى بن الفَرَّاء (٣) (٥٢٦ هـ)\nالإمام العلامة الفقيه القاضي، أبو الحسين محمد بن القاضي الكبير أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء الحنبلي البغدادي. ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. سمع أباه، وأبا جعفر بن المسلمة، وأبا بكر الخطيب، وأبا المظفر هناد النسفي، وعدة. وأجاز له أبو محمد الجوهري، وتفقه بعد موت أبيه، وبرع وناظر، ودرس وصنف، وكان يبالغ في السنة، ويلهج بالصفة وجمع طبقات الفقهاء الحنابلة. حدث عنه السلفي، وابن عساكر، وأبو موسى المديني، ومظفر بن البري وعدة. قال ابن النجار: تميز وصنف في الأصلين والخلاف والمذهب وكان دينا ثقة حميد السيرة. قال ابن الجوزي: كان يبيت في داره بباب المراتب وحده، فعلم من كان يخدمه بأن له مالا فذبحوه ليلا، وأخذوا المال ليلة عاشوراء سنة ست وعشرين وخمسمائة، ثم وقعوا بهم فقتلوا.\n_________\n(١) انظر الاعتصام (٢/ ٥٨٥).\n(٢) انظر الاعتصام (١/ ٣٢٧).\n(٣) المنتظم (١٧/ ٢٧٤) والسير (١٩/ ٦٠١ - ٦٠٢) والوافي بالوفيات (١/ ١٥٩ - ١٦٠) والبداية والنهاية (١٢/ ٢١٩) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٧٦ - ١٧٧) وشذرات الذهب (٤/ ٧٩).","vol":"7","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2550>موقفه من المبتدعة:</span>\nآثاره السلفية:\n١ - 'طبقات الحنابلة' وهو مطبوع مشهور.\n٢ - 'إيضاح الأدلة في الرد على الفرق الضالة المضلة'.\n٣ - 'الرد على زائفي الاعتقادات في منعهم من سماع الآيات'.\n٤ - 'شرف الاتباع وسرف الابتداع'.\nالمصدر: ذيل طبقات الحنابلة. (١)\n- قال ﵀ وهو يتحدث عن فضائل أحمد بن حنبل: الثالثة: أنه ما أحبه أحد -إما محب صادق، وإما عدو منافق- إلا وانتفت عنه الظنون، وأضيفت إليه السنن. ولا انزوى عنه رفضا، وأظهر له عنادا وبغضا، إلا واتفقت الألسن على ضلالته، وسفه في عقله وجهالته، وقد قدمنا قول الشافعي: من أبغض أحمد بن حنبل فقد كفر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2551>موقفه من الرافضة:</span>\nله كتاب: تنزيه معاوية بن أبي سفيان.\nذكره في ذيل طبقات الحنابلة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2552>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال السلفي: كان أبو الحسين متعصبا في مذهبه، وكان كثيرا ما\n_________\n(١) (١/ ١٧٧).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ١٥).\n(٣) (١/ ١٧٧).","vol":"7","page":77},{"text":"يتكلم في الأشاعرة ويسمعهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، وله تصانيف في مذهبه، وكان دينا ثقة ثبتا، سمعنا منه. (١)\n- قال القاضي أبو الحسين ﵀: حسبك لشيخي الإسلام، وإمامي الهدى، وخليفتي رسول الله - ﷺ - الهاديين الراشدين، وتوقفهما وإحجامهما عن تفسير آية من كتاب الله ﷿، وهما أعلم الخلق بالله ﷿، بعد رسول الله - ﷺ -، وبرسوله، وبكتاب الله وتأويله، فماذا عسى أن نقول في جسارة المعتزلة، والأشاعرة، وبقية المتكلمين الضالين في تأويل صفات الرحمن ﷿، التي نطق بها القرآن ونقلها الأئمة الأثبات، والعلماء الثقات؟ (٢)\n- وقال: ومعتقدنا ومعتقد الوالد السعيد، ومن تقدمه من أئمتنا: مبني على حرفين: السكوت عن \"لم؟ \" في أفعاله ﷿، وعن \"كيف؟ \" في أوصافه ﵎. (٣)\n\nتاج الملوك (٤) (٥٢٦ هـ)\nصاحب دمشق تاج الملوك بوري بن صاحب دمشق الأتابك طغتكين مولى السلطان تتش السلجوقي. كان ذا علم وحلم وكرم، له أثر كبير في قتل الإسماعيلية. ولد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. قال ابن الأثير: وكان\n_________\n(١) السير (١٩/ ٦٠٢).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٤٨).\n(٣) الطبقات (٢/ ٢٢٦).\n(٤) السير (١٩/ ٥٧٣ - ٥٧٥) والكامل في التاريخ (١٠/ ٦٧٩ - ٦٨٠) والوافي بالوفيات (١٠/ ٣٢٢) والبداية والنهاية (١٢/ ٢١٨) والنجوم الزاهرة (٥/ ٢٤٩) وشذرات الذهب (٤/ ٧٨).","vol":"7","page":78},{"text":"بوري كثير الجهاد شجاعا مقداما سد مسد أبيه وفاق عليه، وكان ممدحا، أكثر الشعراء مدائحه لا سيما ابن الخياط. توفي على إثر جرح اشتد عليه وأضعفه كان من تحايل الإسماعيلية على قتله فأصابه بعضهم بسكين، ثم توفي بعد في رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2554>موقفه من المشركين:</span>\n- قال الذهبي: كان عجبا في الجهاد، لا يفتر من غزو الفرنج، ولو كان له عسكر كثير، لاستأصل الفرنج. (١)\n- جاء في السير: تملك بعد أبيه في صفر سنة اثنين وعشرين، وكان ذا حلم وكرم، له أثر كبير في قتل وزيره والإسماعيلية.\nولما علم ابن صباح صاحب الألموت بما جرى على أشياعه الإسماعيلية بدمشق، تنمر، وندب طائفة لقتل تاج الملوك، فعين اثنين بشربوشين في زي الجند، ثم قدما، فاجتمعا بناس منهم أجناد، وتحيلا على أن صارا من السلحدانة، وضمنوهما، ثم وثبا عليه فقتلاه. قال أبو يعلى ابن القلانسي: وثبوا عليه في خامس جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين، فضربه الواحد بالسيف قصد رأسه، فجرحه في رقبته جرحا سليما، وضربه الآخر بسكين في خاصرته، فمرت بين الجلد واللحم. (٢)\n_________\n(١) السير (١٩/ ٥٧٥).\n(٢) السير (١٩/ ٥٧٤).","vol":"7","page":79},{"text":"أبو الحسن ابن الزَّاغُونِي (١) (٥٢٧ هـ)\nالإمام العلامة، شيخ الحنابلة، ذو الفنون، أبو الحسن علي بن عبيد الله ابن نصر بن عبيد الله بن سهل بن الزاغوني البغدادي، صاحب التصانيف. ولد سنة خمس وخمسين وأربعمائة. وسمع من أبي جعفر بن المسلمة، وعبد الصمد بن المأمون، وابن النقور، وعدد كثير. وعني بالحديث وقرأ الكثير. حدث عنه السلفي، وابن ناصر وابن عساكر، وابن الجوزي وعدة. وكان من بحور العلم، كثير التصانيف، يرجع إلى دين وتقوى وزهد وعبادة. قال الذهبي: كان إماما فقيها، متبحرا في الأصول والفروع، متفننا، واعظا، مناظرا، ثقة، مشهورا بالصلاح. قال ابن الجوزي: مات في سابع عشر المحرم سنة سبع وعشرين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2556>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن الزاغوني في قصيدة له:\nإني سأذكر عقد ديني صادقا ... نهج ابن حنبل الإمام الأوحد\n\nمنها:\nعال على العرش الرفيع بذاته ... سبحانه عن قول غاو ملحد (٢)\n_________\n(١) المنتظم (١٨/ ٢٧٨ - ٢٧٩) والكامل في التاريخ (١١/ ٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٢١ - ٥٣٠/ص.١٥٤ - ١٥٦) والسير (١٩/ ٦٠٥ - ٦٠٧) وشذرات الذهب (٤/ ٨٠ - ٨١).\n(٢) السير (١٩/ ٦٠٦).","vol":"7","page":80},{"text":"مَرْدَنِيش المغربي (١) (٥٢٧ هـ)\nمحمد الجذامي أبو عبد الله مردنيش المغربي الزاهد المجاهد، ولمردنيش مغازي ومواقف مشهودة وفضائل، وهو جد الملك محمد بن سعد بن محمد صاحب شرق الأندلس. كان معه عدة رجال أبطال يغير بهم يمنة ويسرة وكانوا يحرثون على خيلهم كما يحرث أهل الثغر، وكان أمير المسلمين ابن تاشفين يمدهم بالمال والآلات ويبرهم. توفي سنة سبع وعشرين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2558>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: فمن عجيب ما صح عندي من مغازيه -يقول ذلك اليسع بن حزم- أنه أغار يوما، فغنم غنيمة كثيرة، واجتمع عليه من الروم أكثر من ألف فارس، فقال لأصحابه وكانوا ثلاث مئة فارس: ما ترون؟ فقالوا: نشغلهم بترك الغنيمة. فقال: ألم يقل القائل: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢) فقال له ابن مورين: يا رئيس، الله قال هذا. فقال: الله يقول هذا وتقعدون عن لقائهم؟ قال: فثبتوا، فهزموا الروم. (٣)\n_________\n(١) المنتظم (١٧/ ٢٧٨ - ٢٧٩) والكامل في التاريخ (١١/ ٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٢١ - ٥٣٠/ص.١٥٤ - ١٥٦) والسير (١٩/ ٦٠٥ - ٦٠٧) وشذرات الذهب (٤/ ٨٠ - ٨١).\n(٢) الأنفال الآية (٦٥).\n(٣) السير (٢٠/ ٢٣٣).","vol":"7","page":81},{"text":"المسترشد بالله (١) (٥٢٩ هـ)\nالمسترشد بالله الفضل بن المستظهر بالله أبو منصور أمير المؤمنين. ولد في شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة في أيام المقتدي. سمع في سنة أربع وتسعين من أبي الحسن ابن العلاف وسمع من أبي القاسم بن بيان ومن مؤدبه أبي البركات ابن السيبي. روى عنه وزيره علي بن طراد وحمزة ابن علي الرازي وإسماعيل بن الملقب. له خط بديع ونثر صنيع ونظم جيد مع دين ورأي وشهامة وشجاعة، وكان خليقا للإمامة قليل النظير. كان يتنسك في أول زمنه، وختم القرآن وتفقه. لم يكن في الخلفاء من كتب أحسن منه وكان يستدرك على كتابه، ويصلح أغاليط في كتبهم. ألب عليه الباطنية جماعة من الملاحدة فقتلوه في يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2560>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن النجار: أنشدنا هبة الله بن الحسن بن السبط حفظا للمسترشد بالله:\nقالوا تقيم وقد أحا ... ط بك العدو ولا تفر\nفأجبتهم المرء ما لم ... يتعظ بالوعظ غر\nلا نلت خيرا ما حييت ... ولا عداني الدهر شر\nإن كنت أعلم أن غير ... الله ينفع أو يضر\n_________\n(١) السير (١٩/ ٥٦١ - ٥٦٨) والمنتظم (١٧/ ٢٩٤ - ٢٩٩) والكامل في التاريخ (١١/ ٢٧ - ٢٨) والعبر (٢/ ٧١) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٢٢ - ٢٢٤) وشذرات الذهب (٤/ ٨٦ - ٨٨).","vol":"7","page":82},{"text":"وله:\nأنا الأشقر الموعود بي في الملاحم ... ومن يملك الدنيا بغير مزاحم\nستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضى ... بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي\n\nوقيل: إنه قال لما أسر مستشهدا:\nولا عجبا للأسد إن ظفرت بها ... كلاب الأعادي من فصيح وأعجم\nفحربة وحشي سقت حمزة الردى ... وموت علي من حسام ابن ملجم (١)\n\n- قتل الباطنية له:\nنقل ابن كثير ما حدث بين الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود ثم قال: فلما كان مستهل ذي الحجة جاءت الرسل من جهة الملك سنجر إلى ابن أخيه يستحثه على الإحسان إلى الخليفة، وأن يبادر إلى سرعة رده إلى وطنه، وأرسل مع الرسل جيشا ليكونوا في خدمة الخليفة إلى بغداد فصحب الجيش عشرة من الباطنية، فلما وصل الجيش حملوا على الخليفة فقتلوه في خيمته وقطعوه قطعا، ولم يلحق الناس منه إلا الرسوم، وقتلوا معه أصحابه منهم عبيد الله بن سكينة، ثم أخذ أولئك الباطنية فأحرقوا قبحهم الله، وقيل: إنهم كانوا مجهزين لقتله فالله أعلم. (٢)\n_________\n(١) السير (١٩/ ٥٦٢ - ٥٦٣).\n(٢) البداية والنهاية (١٢/ ٢٢٣).","vol":"7","page":83},{"text":"أبو جعفر الهَمذَانِي (١) (٥٣١ هـ)\nأبو جعفر محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمذاني، الحافظ الصدوق، رحل وروى عن ابن النقور وأبي صالح المؤذن، والفضل بن المحب وطبقتهم بخراسان والعراق والحجاز والنواحي. قال ابن السمعاني: ما أعرف أن أحدا في عصره سمع أكثر منه. توفي في ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2562>موقفه من الجهمية:</span>\nنقل الذهبي في العلو عن أبي جعفر بن أبي علي قال: سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٢) فقال: كان الله ولا عرش -وجعل يتخبط في الكلام- فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما نريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق ومن التحت، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة، وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد، ونزل، ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة. فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون:\n_________\n(١) العبر (٢/ ٧٥) وشذرات الذهب (٤/ ٩٧) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٣١ - ٥٤٠/ص.٢٥١ - ٢٥٢) والسير (٢٠/ ١٠١ - ١٠٢).\n(٢) طه الآية (٥).","vol":"7","page":84},{"text":"سمعناه يقول: حيرني الهمذاني. (١)\n\nمحمد بن عبد الملك الكَرَجِي (٢) (٥٣٢ هـ)\nمحمد بن عبد الملك بن محمد أبو الحسن الكرجي، فقيه، محدث، مفسر أديب، شاعر، ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة بالكرج، وسمع بها، وبهمذان وأصبهان وبغداد، ومن شيوخه في الحديث مكي بن علان الكرجي وأبو القاسم علي بن أحمد الرزازة، وأبو علي محمد بن سعيد بن نبهان وغيرهم. وروى عنه ابن السمعاني وأبو موسى المدني وجماعة، وصنف تصانيف كثيرة، منها: الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول، وتفسير ومؤلف في الفقه الشافعي، وكان لا يقنت في الفجر، ويقول: لم يصح في ذلك حديث، وقد كان إمامنا الشافعي، يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي الحائط. وقد كان حسن الصورة، جميل المعاشرة، قال ابن السمعاني: رأيته بالكرج، إمام، ورع، فقيه، مفت، محدث، خير، أديب شاعر. أفنى عمره في جمع العلم ونشره. توفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2564>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى: ومن ذلك: ما ذكره شيخ الحرمين: أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي في كتابه الذي سماه\n_________\n(١) مختصر العلو (ص.٢٧٦ - ٢٧٧).\n(٢) المنتظم (١٧/ ٣٣١ - ٣٣٢) وطبقات الشافعية (٤/ ٨١ - ٨٦) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٢٩) وشذرات الذهب (٤/ ١٠٠) ومعجم المؤلفين (١٠/ ٢٥٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٣١ - ٥٤٠/ص.٢٩٤ - ٢٩٦).","vol":"7","page":85},{"text":"'الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع والفضول' وكان من أئمة الشافعية -ذكر فيه من كلام الشافعي، ومالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري -صاحب الصحيح- وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحق بن راهويه في أصول السنة ما يعرف به اعتقادهم. وذكر في تراجمهم ما فيه تنبيه على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام، وذكر أنه اقتصر في النقل عنهم -دون غيرهم- لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوع شرقا وغربا إلى مذاهبهم، ولأنهم أجمع لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم، وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها: من جودة الحفظ والبصيرة، والفطنة والمعرفة بالكتاب والسنة، والإجماع والسند والرجال، والأحوال، ولغات العرب، ومواضعها، والتاريخ، والناسخ والمنسوخ، والمنقول والمعقول، والصحيح، والمدخول في الصدق، والصلابة، وظهور الأمانة، والديانة ممن سواهم.\nقال: وإن قصر واحد منهم في سبب منها جبر تقصيره قرب عصره من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم، فإن غيرهم من الأئمة -وإن كانوا في منصب الإمامة- لكن أخلوا ببعض ما أشرت إليه مجملا من شرائطها، إذ ليس هذا موضعا لبيانها. قال: ووجه ثالث لا بد من أن نبين فيه، فنقول: إن في النقل عن هؤلاء إلزاما للحجة على كل من ينتحل مذهب إمام يخالفه في العقيدة، فإن أحدهما لا محالة يضلل صاحبه، أو يبدعه، أو يكفره، فانتحال مذهبه -مع مخالفته له في العقيدة- مستنكر، والله شرعا وطبعا، فمن قال: أنا شافعي الشرع، أشعري الاعتقاد،","vol":"7","page":86},{"text":"قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد، إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد. ومن قال: أنا حنبلي في الفروع، معتزلي في الأصول، قلنا: قد ضللت إذا عن سواء السبيل فيما تزعمه، إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد.\nقال: وقد افتتن أيضا خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية، وهذه والله سبة وعار، وفلتة تعود بالوبال والنكال وسوء الدار، على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة الكبار، فإن مذهبهم ما رويناه من تكفيرهم: الجهمية، والمعتزلة والقدرية والواقفية، وتكفيرهم اللفظية. وبسط الكلام في مسألة اللفظ، إلى أن قال: فأما غير ما ذكرناه من الأئمة: فلم ينتحل أحد مذهبهم، فلذلك لم نتعرض للنقل عنهم. قال: فإن قيل: فهلا اقتصرتم إذا على النقل عمن شاع مذهبه وانتحل اختياره من أصحاب الحديث، وهم الأئمة: الشافعي، ومالك، والثوري، وأحمد، إذ لا نرى أحدا ينتحل مذهب الأوزاعي والليث وسائرهم؟\nقلنا: لأن من ذكرناه من الأئمة -سوى هؤلاء- أرباب المذاهب في الجملة، إذ كانوا قدوة في عصرهم، ثم اندرجت مذاهبهم الآخرة تحت مذاهب الأئمة المعتبرة. وذلك أن ابن عيينة كان قدوة، ولكن لم يصنف في الذي كان يختاره من الأحكام، وإنما صنف أصحابه، وهم الشافعي، وأحمد وإسحق، فاندرج مذهبه تحت مذاهبهم. وأما الليث بن سعد فلم يقم أصحابه بمذهبه، قال الشافعي: لم يرزق الأصحاب إلا أن قوله يوافق قول مالك أو قول الثوري لا يخطئهما، فاندرج مذهبه تحت مذهبهما. وأما الأوزاعي فلا نرى له في أعم المسائل قولا إلا ويوافق قول مالك أو قول","vol":"7","page":87},{"text":"الثوري، أو قول الشافعي: فاندرج اختياره أيضا تحت اختيار هؤلاء، وكذلك اختيار إسحق يندرج تحت مذهب أحمد لتوافقهما.\nقال: فإن قيل: فمن أين وقعت على هذا التفصيل والبيان في اندراج مذاهب هؤلاء تحت مذاهب الأئمة؟ قلت: من التعليقة للشيخ أبي حامد الاسفرائيني، التي هي ديوان الشرائع، وأم البدائع: في بيان الأحكام، ومذاهب العلماء الأعلام، وأصول الحجج العظام، في المختلف والمؤتلف.\nقال: وأما اختيار أبي زرعة، وأبي حاتم في الصلاة والأحكام -مما قرأته وسمعته من مجموعيهما- فهو موافق لقول أحمد ومندرج تحته وذلك مشهور. وأما البخاري فلم أر له اختيارا، ولكن سمعت محمد بن طاهر الحافظ يقول: استنبط البخاري في الاختيارات مسائل موافقة لمذهب أحمد وإسحاق. فلهذه المعاني نقلنا عن الجماعة الذين سميناهم دون غيرهم، إذ هم أرباب المذاهب في الجملة، ولهم أهلية الاقتداء بهم لحيازتهم شرائط الإمامة، وليس من سواهم في درجتهم، وإن كانوا أئمة كبراء قد ساروا بسيرهم.\nثم ذكر بعد ذلك الفصل الثاني عشر: في ذكر خلاصة تحوي مناصيص الأئمة بعد أن أفرد لكل منهم فصلا- قال: لما تتبعت أصول ما صح لي روايته، فعثرت فيها بما قد ذكرت من عقائد الأئمة، فرتبتها عند ذلك على ترتيب الفصول التي أثبتها، وافتتحت كل فصل بنيف من المحامد، يكون لإمامتهم إحدى الشواهد، داعية إلى اتباعهم، ووجوب وفاقهم، وتحريم خلافهم وشقاقهم، فإن اتباع من ذكرناه من الأئمة في الأصول في زماننا بمنزلة اتباع الإجماع الذي يبلغنا عن الصحابة والتابعين، إذ لا يسع مسلما","vol":"7","page":88},{"text":"خلافه، ولا يعذر فيه فإن الحق لا يخرج عنهم، لأنهم الأدلاء، وأرباب مذاهب هذه الأمة، والصدور والسادة، والعلماء القادة، أولوا الدين والديانة، والصدق والأمانة، والعلم الوافر، والاجتهاد الظاهر، ولهذا المعنى اقتدوا بهم في الفروع، فجعلوهم فيها وسائل بينهم وبين الله، حتى صاروا أرباب المذاهب في المشارق والمغارب، فليرضوا كذلك بهم في الأصول فيما بينهم وبين ربهم وبما نصوا عليه ودعوا إليه.\nقال: فإنا نعلم قطعا أنهم أعرف قطعا بما صح من معتقد رسول الله - ﷺ - وأصحابه من بعده، لجودة معارفهم وحيازتهم شرائط الإمامة ولقرب عصرهم من الرسول - ﷺ - وأصحابه، كما بيناه في أول الكتاب.\nقال: ثم أردت -ووافق مرادي سؤال بعض الإخوان- أن أذكر خلاصة مناصيصهم متضمنة بعض ألفاظهم. فإنها أقرب إلى الحفظ، وهي اللباب لما ينطوي عليه الكتاب، فاستعنت بمن عليه التكلان، وقلت: إن الذي آثرناه من مناصيصهم يجمعه فصلان:\nأحدهما: في بيان السنة وفضلها.\nوالثاني: في هجران البدعة وأهلها.\nأما الفصل الأول: فاعلم أن السنة طريقة رسول الله - ﷺ -، والتسنن بسلوكها وإصابتها، وهي أقسام ثلاثة: أقوال، وأعمال، وعقائد. فالأقوال: نحو الأذكار والتسبيحات المأثورة. والأفعال: مثل سنن الصلاة والصيام والصدقات المذكورة، ونحو السير المرضية، والآداب المحكية، فهذان القسمان في عداد التأكيد والاستحباب، واكتساب الأجر والثواب. والقسم الثالث:","vol":"7","page":89},{"text":"سنة العقائد، وهي من الإيمان إحدى القواعد.\nقال: وهاأنذا أذكر بعون الله خلاصة ما نقلته عنهم مفرقا، وأضيف إليه ما دون في كتب الأصول مما لم يبلغني عنهم مطلقا، وأرتبها مرشحة، وببعض مناصيصهم موشحة، بأوجز لفظ على قدر وسعي، ليسهل حفظه على من يريد أن يعي، فأقول: ليعلم المستن أن سنة العقائد على ثلاثة أضرب: ضرب يتعلق بأسماء الله، وذاته، وصفاته. وضرب يتعلق برسول الله - ﷺ - وصحبه ومعجزاته، وضرب يتعلق بأهل الإسلام في أولاهم وأخراهم.\nأما الضرب الأول: فلنعتقد أن لله أسماء وصفات قديمة غير مخلوقة، جاء بها كتابه، وأخبر بها الرسول أصحابه، فيما رواه الثقات، وصححه النقاد الأثبات، ودل القرآن المبين والحديث الصحيح المتين على ثبوتها. قال رحمه الله تعالى: وهي أن الله تعالى أول لم يزل، وآخر لا يزال، أحد قديم وصمد كريم، عليم حليم علي عظيم، رفيع مجيد، وله بطش شديد، وهو يبدئ ويعيد، فعال لما يريد، قوي قدير، منيع نصير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) إلى سائر أسمائه وصفاته من النفس، والوجه، والعين، والقدم، واليدين، والعلم، والنظر، والسمع، والبصر، والإرادة، والمشيئة، والرضى، والغضب، والمحبة، والضحك، والعجب، والاستحياء، والغيرة، والكراهة، والسخط، والقبض، والبسط، والقرب، والدنو، والفوقية والعلو والكلام، والسلام، والقول، والنداء والتجلي واللقاء والنزول،\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).","vol":"7","page":90},{"text":"والصعود والاستواء، وأنه تعالى في السماء، وأنه على عرشه بائن من خلقه. قال مالك: إن الله في السماء وعلمه في كل مكان، وقال عبد الله بن المبارك: نعرف ربنا فوق سبع سمواته على العرش بائنا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه ههنا- وأشار إلى الأرض وقال سفيان الثوري: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) قال: علمه. قال الشافعي: إنه على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، قال أحمد: إنه مستو على العرش عالم بكل مكان، وإنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وإنه يأتي يوم القيامة كيف شاء، وإنه يعلو على كرسيه، والإيمان بالعرش والكرسي وما ورد فيهما من الآيات والأخبار.\nثم ذكر الأدلة من السنة على ذلك ثم قال: إلى غيرها من الأحاديث، هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا فيها وفي الآي الواردة في الصفات: أنا نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها، ولا نعطلها ولا نتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نعمل رأينا وفكرنا فيها، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها بل نؤمن بها ونكل علمها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم. روينا عن إسحاق أنه قال: لا نزيل صفة مما وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها الرسول عن جهتها، لا بكلام ولا بإرادة، إنما يلزم المسلم الأداء ويوقن بقلبه أن ما وصف الله به نفسه في القرآن إنما هي صفاته، ولا يعقل نبي مرسل، ولا ملك مقرب تلك\n_________\n(١) الحديد الآية (٤).","vol":"7","page":91},{"text":"الصفات إلا بالأسماء التي عرفهم الرب ﷿. فأما أن يدرك أحد من بني آدم تلك الصفات فلا يدركه أحد. وكما روينا عن مالك، والأوزاعي وسفيان، والليث وأحمد بن حنبل أنهم قالوا في الأحاديث في الرؤية والنزول: أمروها كما جاءت وكما روي عن محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- أنه قال في الأحاديث التي جاءت: «إن الله يهبط إلى السماء الدنيا» (١) ونحو هذا من الأحاديث: إن هذه الأحاديث قد رواها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها. ولا نفسرها انتهى كلام الكرجي ﵀. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2565>موقفه من الجهمية:</span>\nهذا الإمام كان من كبار سيوف السنة المهندين، أعطاه الله قوة البيان وفصاحة اللسان وقوة البلاغة، يعرف ذلك من قرأ له الأبيات التي سنذكرها إن شاء الله، وهذا الإمام من الأئمة الذين أغضبوا الشيخ النجدي -الكوثري- وحمل عليهم، فذكره في السيف الصقيل بأبشع الألقاب، وأما ابن السبكي فلا تسأل عن حماقته وتأويله البارد ورده السمج على القصيدة الرائعة التي تسمى عروس القصائد. وهي من خيرة الآثار التي خلفها الشيخ. وهاك نزرا يسيرا منها:\nجاء في طبقات الشافعية: ثم قال ابن السمعاني وله قصيدة تائية في السنة شرح فيها اعتقاده واعتقاد السلف تزيد على مائتي بيت، قرأتها عليه في داره بالكرج.\n_________\n(١) تقدم من حديث أبي هريرة. انظر مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٥ - ١٨٦).","vol":"7","page":92},{"text":"ثم قال السبكي: فاعلم أنا وقفنا على قصيدة تعزى إلى هذا الشيخ وتلقب بـ: عروس القصائد في شموس العقائد.\nمنها:\nعقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب\n\nومنها:\nففي كرج والله من خوف أهلها ... يذوب بها البدعي يا شر ذائب\nيموت ولا يقوى لإظهار بدعة ... مخافة جز الرأس من كل جانب\n\nومنها:\nطرائق تجسيم وطرق تجهم ... وسبل اعتزال مثل نسج العناكب\nوفي قدر والرفض طرق عمية ... وما قيل في الإرجاء من نعب ناعب\nوخبث مقال الأشعري تخنث ... يضاهي تلويه تلوى الشغازب\nيزين هذا الأشعري مقاله ... ويشبه بالسم يا شر آشب\nفينفي تفاصيلا ويثبت جملة ... كناقضة من بعد شد الذوائب\nيؤول آيات الصفات برأيه ... فجرأته في الدين جرأة خارب\nويجزم بالتأويل في سنن الهدى ... ويخلب أغمارا فاسئم بخالب\n\nومنها:\nولم يك ذا علم ودين وإنما ... بضاعته كانت مخوق مداعب\nوكان كلاميا بالأحشاء موته ... تأسوا بموت ماته ذو السوائب","vol":"7","page":93},{"text":"ومنها:\nكذا كل رأس للضلالة قد مضى ... بقتل وصلب باللحى والشوارب\nكجعد وجهم والمريسي بعده ... وذا الأشعري المبتلى شر دائب\n\nومنها:\nمعايبهم توفي على مدح غيرهم ... وذا المبتلى المفتون عيب المعايب (١)\n\nالتعليق:\nانظر رحمك الله إلى هذا النفس السلفي القوي في هذه الأبيات، ثم انظر إلى أول الأبيات، كيف يعبر الشيخ عن حالة السلفيين في بلاده كرج، وأنهم أهل البلاد، وأن المبتدعة أذلة خاسئون، وأنه بمجرد ظهورهم تجز رؤوسهم، فكانت البدع مقموعة، وانقلب الحال والله المستعان.\nوذكر رؤوس المبتدعة وأوصافهم وعاقبة أمرهم، غير أن ذكر الشيخ للأشعري بتلك الأوصاف التي لا يحق أن يرمى بها بعد أن نبذ التأويل ورجع إلى مذهب السلف، فلعل الشيخ لم تبلغه توبته فقال فيه ما قال.\nوللشيخ كتاب مهم بين فيه عقيدة السلف ومذاهبهم سماه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع والفضول، ذكره شيخ الإسلام في غير ما موضع من كتبه، ونقل منه جملة كبيرة. انظر مجموع الفتاوى. (٢)\nوكذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية قال ﵀: وله\n_________\n(١) طبقات الشافعية (٤/ ٨٢ - ٨٥).\n(٢) (٤/ ١٧٥ - ١٨٦).","vol":"7","page":94},{"text":"مصنفات كثيرة منها 'الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول'، يذكر فيه مذاهب السلف في باب الاعتقاد. (١)\n\nإسماعيل بن محمد بن الفضل التَّيْمِي الأصبهاني (٢) (٥٣٥ هـ)\nالملقب بـ 'قوام السنة'\nالإمام، العلامة، الحافظ، شيخ الإسلام، أبو القاسم، إسماعيل بن محمد ابن الفضل التيمي الأصبهاني الملقب بقوام السنة، مصنف الترغيب والترهيب. ولد سنة سبع وخمسين وأربعمائة. سمع: أبا عمرو عبد الوهاب بن أبي عبد الله ابن منده، وعائشة بنت الحسن، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، وغيرهم بأصبهان، وخلقا ببغداد وبنيسابور وسمع بمكة، وجاور سنة، وأملى وصنف وجرح وعدل. حدث عنه أبو سعد السمعاني، وأبو العلاء الهمذاني، وأبو طاهر السلفي، وأبو القاسم ابن عساكر، وأبو موسى المديني وغيرهم. قال أبو موسى المديني: أبو القاسم إسماعيل الحافظ، إمام أئمة وقته وأستاذ علماء عصره، وقدوة أهل السنة في زمانه، وكان أبوه صالحا ورعا، وأمه كانت من ذرية طلحة بن عبيد الله التيمي، أحد العشرة ﵃. وقال أيضا: ولا أعلم أحدا عاب عليه قولا ولا فعلا، ولا عانده أحد إلا نصره الله. وكان نزه النفس عن المطامع، لا يدخل على السلاطين، ولا على من اتصل بهم، قد\n_________\n(١) (١٢/ ٢٢٩).\n(٢) السير (٢٠/ ٨٠ - ٨٨) والأنساب (٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩) والمنتظم (١٨/ ١٠) والكامل في التاريخ (١١/ ٨٠) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٧٧ - ١٢٨٢) والوافي بالوفيات (٩/ ٢١١) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٣٣) وشذرات الذهب (٤/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"7","page":95},{"text":"أخلى دارا من ملكه لأهل العلم مع خفة ذات يده، ولو أعطاه الرجل الدنيا بأسرها لم يرتفع عنده، وقال الحافظ يحيى بن منده: كان أبو القاسم حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، قليل الكلام، ليس في وقته مثله. توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2567>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀: وحين رأيت قوام الإسلام بالتمسك بالسنة، ورأيت البدعة قد كثرت، والوقيعة في أهل السنة قد فشت، ورأيت اتباع السنة عند قوم نقيصة، والخوض في الكلام درجة رفيعة، رأيت أن أملي كتابا في السنة يعتمد عليه من قصد الاتباع وجانب الابتداع، وأبين فيه اعتقاد أئمة السلف وأهل السنة في الأمصار، والراسخين في العلم في الأقطار، ليلزم المرء اتباع الأئمة الماضين، ويجانب طريقة المبتدعين، ويكون من صالحي الخلف لصالحي السلف، وسميته كتاب 'الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة'. أعاذنا الله من مخالفة السنة ولزوم الابتداع، وجعلنا ممن يلزم طريق الاتباع وصلى الله على محمد أفضل صلاة وأزكاها وأطيبها وأنماها، وأحيانا على ملته، وأماتنا على سنته، وحشرنا في زمرته، إنه المنعم الوهاب. (١)\n- وقال ﵀: قوله: ما أنا عليه وأصحابي (٢) الذي كان عليه - ﷺ - وأصحابه ما مضى عليه أئمة الدين المشهورون في الآفاق. (٣)\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٨٣ - ٨٤).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٣) الحجة في بيان المحجة ١/ ١٠٩).","vol":"7","page":96},{"text":"- وقال: ثم من السنة ترك الرأي والقياس في الدين، وترك الجدال والخصومات، وترك مفاتحة القدرية وأصحاب الكلام، وترك النظر في كتب الكلام وكتب النجوم، فهذه السنة التي اجتمعت عليها الأئمة، وهي مأخوذة عن رسول الله - ﷺ - بأمر الله ﵎ قال الله ﷿: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١) وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). فأمر الله ﷿ رسوله بالبلاغ فقال: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٤) فبلغ رسول الله - ﷺ - الرسالة، ودعا إلى الله ﷿ بالكتاب والسنة، فأمر الناس باتباع الصحابة العالمين بالله، وأولي الأمر من العلماء من بعدهم لقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٥). فأفضل العلماء بعد رسول الله - ﷺ - من أولي الأمر: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، ثم الأكابر فالأكابر من العشرة وغيرهم من الصحابة الذين أبان رسول الله - ﷺ - فضائلهم، وأمر\n_________\n(١) التغابن الآية (١٢).\n(٢) النساء الآية (٨٠).\n(٣) الحشر الآية (٧).\n(٤) المائدة الآية (٦٧).\n(٥) النساء الآية (٥٩).","vol":"7","page":97},{"text":"بالاقتداء بهم، فقال ﵇: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر». (١)\nوقال ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». (٢)\nفأخذ رسول الله - ﷺ - السنة عن الله ﷿، وأخذ الصحابة عن رسول الله - ﷺ -، وأخذ التابعون عن الصحابة وهؤلاء الصحابة الذين أشار إليهم رسول الله - ﷺ - بالاقتداء بهم، ثم أشار الصحابة إلى التابعين بعدهم. (٣)\n- وقال: فمن نظر بعين الإنصاف، علم أنه لا يكون أحد أسوأ مذهبا ممن يدع قول الله وقول رسول الله - ﷺ -، وقول الصحابة رضوان الله عليهم، وقول العلماء والفقهاء بعدهم، ممن يبني مذهبه ودينه على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ -، وتبع من ليس بعالم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -، كيف لا يأمن أن يكون متبعا للشيطان أعاذنا الله من متابعة الشيطان. (٤)\n- وقال: ولا يجوز مجالسة أهل المعاصي الذين ظهر فسقهم، ولا مجالسة أهل البدع الذين ظهرت بدعهم، ولا يجوز دخول الحمام إلا بمئزر، والحب في الله والبغض في الله من الإيمان. (٥)\n- وقال: ومن صفة أهل السنة الأخذ بكتاب الله ﷿، وبأحاديث\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٣٨٢و٣٨٥و٤٠٢) والترمذي (٥/ ٥٦٩/٣٦٦٢) وابن ماجه (١/ ٣٧/٩٧) وابن حبان (١٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨/ ٦٩٠٢) والحاكم (٣/ ٧٥) من طرق عن ربعي بن حراش عن حذيفة مرفوعا. قال الترمذي: \"حديث حسن، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه\". وقال الحاكم بعد ذكره طرق هذا الحديث: \"فثبت بما ذكرنا صحة هذا الحديث\"، ووافقه الذهبي ..\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي عثمان الصابوني سنة (٤٤٩هـ).\n(٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٣٥ - ٢٣٧).\n(٤) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣١١).\n(٥) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٦٧).","vol":"7","page":98},{"text":"رسول الله - ﷺ -، وبأحاديث أصحاب رسول الله - ﷺ -، وترك الرأي والابتداع. (١)\n- وقال: قال أهل اللغة: السنة: السيرة والطريقة. فقولهم فلان على السنة ومن أهل السنة، أي هو موافق للتنزيل والأثر في الفعل والقول، ولأن السنة لا تكون مع مخالفة الله ومخالفة رسوله. فإن قيل كل فرقة تنتحل اتباع السنة، وتنسب مخالفيها إلى خلاف الحق، فما الدليل على أنكم أهلها دون من خالفكم؟\nقلنا: الدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢). فأمر باتباعه وطاعته فيما أمر ونهى.\nوقال النبي - ﷺ -: «عليكم بسنتي» (٣)، و«من رغب عن سنتي فليس مني». (٤)\nوعرفنا سنته بالآثار المروية بالأسانيد الصحيحة، وهذه الفرقة الذين هم أصحاب الحديث لها أطلب، وفيها أرغب ولصحاحها أتبع. فعلمنا بالكتاب والسنة أنهم أهلها دون سائر الفرق لأن مدعي كل صناعة إذا لم يكن معه دلالة من صناعته يكون مبطلا في دعواه، وإنما يستدل على صناعته كل صاحب صنعة بآلته فإذا رأيت الرجل فتح باب دكانه، وبين يديه الكير،\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٦٩).\n(٢) الحشر الآية (٧).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٤) أحمد (٣/ ٢٤١و٢٥٩) والبخاري (٩/ ١٢٩/٥٠٦٣) ومسلم (٢/ ١٠٢٠/١٤٠١) والنسائي (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩/ ٣٢١٧) من حديث أنس.","vol":"7","page":99},{"text":"والمطرقة، والسندان، علمت أنه حداد، وإذا رأيت بين يديه الإبرة، والمقراض علمته أنه خياط، وكذلك ما أشبه هذا، ومتى قال صاحب التمر لصاحب العطر: أنا عطار. قال له: كذبت، أنا هو وشهد له بذلك كل من أبصره من العامة. وقد وجدنا أصحابنا دخلوا في طلب الآثار التي تدل على سنن النبي - ﷺ - فأخذوها من معادنها وجمعوها من مظانها وحفظوها، ودعوا إلى اتباعها. وعابوا من خالفها وكثرت عندهم وفي أيديهم، حتى اشتهروا بها كما اشتهر البزاز ببزه، والتمار بتمره والعطار بعطره، ورأينا قوما تنكبوا معرفتها واتباعها، وطعنوا فيها وزهدوا الناس في جمعها ونشرها، وضربوا لها ولأهلها أسوأ الأمثال، فعلمنا بهذه الدلائل أن هؤلاء الراغبين فيها، وفي جمعها، وحفظها، واتباعها أولى بها من سائر الفرق الذين تنكبوها لأن الإتباع عند العلماء هو الأخذ بسنن النبي - ﷺ - التي صحت عنه التي أمر بالأخذ بما أمر، والانتهاء عما نهى وهذه دلالة ظاهرة لأهل السنة باستحقاقهم هذا الاسم دون من اتبع الرأي والهوى.\nفإن قيل: الأمر كما قلت، غير أن كل فرقة تحتج لمذهبها بحجة، قيل: من احتج بحديث ضعيف في معارضة حديث صحيح، أو حديث مرسل في معارضة حديث مسند، أو احتج بقول تابعي في معارضة قول النبي - ﷺ - لا يتساويان. فإن من اتبع قول الرسول - ﷺ - فقد استمسك بما هو الحجة قطعا، ومن احتج بالثابت القوي أحسن حالا ممن احتج بالواهي الضعيف، وبهذا استبان الاتباع من غيره، لأن صاحب السنة لا يتبع إلا ما هو الأقوى،","vol":"7","page":100},{"text":"وأصحاب الأهواء وصاحب الهوى يتبع ما يهوى. (١)\n- وقال: قال بعض علماء السنة: كل من صح عنده شيء من أمر رسول الله - ﷺ - ونهيه، صغيره وكبيره، بلا معارض له يعرفه من حديثه أو ناسخ له، ثم قال: قال رسول الله - ﷺ - كذا، وأنا أقول بخلافه؛ فقد تكلم بعظيم، وإن كان ذلك الشيء مما لا يضل الرجل بتركه؛ لأن أدنى معاندة النبي - ﷺ - في أدنى شيء من أمره ونهيه عظيم، فمن قبل عن النبي - ﷺ -؛ فإنما يقبل عن الله، ومن رد عليه؛ فإنما يرد على الله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢).\nوقول من قال: تعرض السنة على القرآن؛ فإن وافقت ظاهره وإلا استعملنا ظاهر القرآن وتركنا الحديث، فهذا جهل؛ لأن سنة رسول الله - ﷺ - مع كتاب الله عزوجل تقام مقام البيان عن الله عزوجل، ليس شيء من سنن رسول الله - ﷺ - يخالف كتاب الله؛ لأن الله عزوجل أعلم خلقه أن رسول الله - ﷺ - يهدي إلى صراط مستقيم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ (٣)؛ وليس لنا مع سنة رسول الله - ﷺ - من الأمر شيء إلا الاتباع والتسليم، ولا يعرض على قياس، ولا غيره، وكل ما سواها من قول الآدميين تبع لها، ولا عذر لأحد يتعمد ترك السنة، ويذهب إلى غيرها؛ لأنه لا حجة لقول أحد مع قول\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٦).\n(٢) النساء الآية (٨٠).\n(٣) الشورى الآية (٥٢).","vol":"7","page":101},{"text":"رسول الله - ﷺ - إذا صح.\nفإذا لم يوجد في الحادثة عن رسول الله - ﷺ - شيء ووجد فيها عن أصحابه ﵃ شيء فهم الأئمة بعده والحجة، اعتبارا بكتاب الله وبأخبار رسول الله - ﷺ - لما وصفهم في كتابه من الخير والصدق والأمانة، وأنه ﵃ وعن من اتبعهم بإحسان وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) واختلف المفسرون في أولي الأمر فقال بعضهم: هم العلماء، وقال بعضهم: هم الأمراء، وكل هذا قد اجتمع في أصحاب رسول الله - ﷺ - كان فيهم الأمراء، والخلفاء، والعلماء والفقهاء. قال الله ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) أخبر الله عزوجل أنه ﵃ ورضي أعمالهم ورضي عمن اتبعهم بإحسان، فهم القدوة في الدين بعد رسول الله - ﷺ - بإصابة الحق وأقربهم إلى التوفيق لما يقرب إلى رضاه، وكذلك وصفهم الرسول الله - ﷺ - فقال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٣).اهـ (٤)\n- وقال: وينبغي للمرء أن يحذر محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة،\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) التوبة الآية (١٠٠).\n(٣) أخرجه: أحمد (١/ ٤٣٤) والبخاري (٥/ ٣٢٤/٢٦٥٢) ومسلم (٤/ ١٩٦٣/٢٥٣٣ [٢١٢]) والترمذي (٥/ ٦٥٢/٣٨٥٩) وابن ماجه (٢/ ٧٩١/٢٣٦٢) عن ابن مسعود.\n(٤) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٩)","vol":"7","page":102},{"text":"والسنة إنما هي التصديق لآثار رسول الله - ﷺ -، وترك معارضتها بكيف، ولم، والكلام والخصومات في الدين، والجدال محدث وهو يوقع الشك في القلوب، ويمنع من معرفة الحق والصواب، وليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو الاتباع، والاستعمال. يقتدى بالصحابة، والتابعين وإن كان قليل العلم، ومن خالف الصحابة والتابعين فهو ضال وإن كان كثير العلم. (١)\n- وقال: قال بعض علماء أهل السنة: نحن لا نرى الكلام، والخوض في الدين والمراء والخصومات، فمهما وقع الخلاف في مسألة رجعنا إلى كتاب الله عزوجل، وإلى سنة رسوله - ﷺ -، وإلى قول الأئمة، فإن لم نجد ذلك في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، ولم يقله الصحابة والتابعون، سكتنا عن ذلك ووكلنا علمه إلى الله تعالى، لأن الله تعالى أمرنا بذلك فقال عز من قائل: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال: وعلى المرء محبة أهل السنة، أي موضع كانوا رجاء محبة الله له، كما قال رسول الله - ﷺ -: «وجبت محبتي للمتاحبين فيّ والمتجالسين فيّ والمتلاقين فيّ» (٤)، وعليه بغض أهل البدع أي موضع كانوا حتى يكون ممن\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨).\n(٢) النساء الآية (٥٩).\n(٣) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٢).\n(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٧) ومالك في الموطأ (٢/ ٩٥٣ - ٩٥٤) وابن حبان (٢/ ٣٣٥/٥٧٥) والطبراني ... (٢٠/ ٨٠ - ٨١/ ١٥٠،١٥٢،١٥٣) والحاكم (٤/ ١٦٨،١٦٩،١٧٠) من طرق عن أبي ادريس الخولاني عن معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «قال الله ﵎: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في والمتزاورين في» وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.","vol":"7","page":103},{"text":"أحب في الله وأبغض في الله، ولمحبة أهل السنة علامة، ولبغض أهل البدعة علامة. فإذا رأيت الرجل يذكر مالك بن أنس، وسفيان بن سعيد الثوري، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن إدريس الشافعي، والأئمة المرضيين بخير، فاعلم أنه من أهل السنة. وإذا رأيت الرجل يخاصم في دين الله ويجادل في كتاب الله فإذا قيل له: قال رسول الله - ﷺ -، قال: حسبنا كتاب الله، فاعلم أنه صاحب بدعة، وإذا رأيت الرجل إذا قيل له لم لا تكتب الحديث؟ يقول: العقل أولى، فاعلم أنه صاحب بدعة، وإذا رأيته يمدح الفلسفة والهندسة ويمدح الذين ألفوا الكتب فيها فاعلم أنه ضال، وإذا رأيت الرجل يسمي أهل الحديث حشوية، أو مشبهة، أو ناصبة فاعلم أنه مبتدع، وإذا رأيت الرجل ينفي صفات الله، أو يشبهها بصفات المخلوقين فاعلم أنه ضال.\nقال علماء أهل السنة: ليس في الدنيا مبتدع إلا وقد نزع حلاوة الحديث من قلبه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2568>موقفه من الرافضة:</span>\nعقد ﵀ في كتابه 'الحجة' فصولا في فضل الصحابة ﵃ خصوصا الخلفاء الأربعة، ومعاوية وعائشة، وحث على حبهم رضوان الله عليهم ونشر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم والكف عن مساوئهم. (٢)\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٥٠٠ - ٥٠١).\n(٢) انظر الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣١٩ - ٣٧٨).","vol":"7","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2569>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في الحجة في بيان المحجة: قال بعض علماء أهل السنة: ويجب الإيمان بصفات الله تعالى كقوله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (١)، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿﵃﴾ (٥). وقول النبي - ﷺ -: «ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا» (٦) رواه ثلاثة وعشرون من الصحابة، سبعة عشر رجلا وست نساء. وكقوله - ﷺ -: «ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن». (٧) فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله - ﷺ -؛ فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره ونفي الكيفية والتشبيه عنه، وقد نفى قوم الصفات فأبطلوا ما أثبته الله تعالى، وتأولها قوم على خلاف الظاهر، فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التعطيل والتشبيه، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين؛ لأن دين الله تعالى بين الغالي والمقصر عنه.\nوالأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات،\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) ص الآية (٧٥).\n(٣) القمر الآية (١٤).\n(٤) النور الآية (٩).\n(٥) البينة الآية (٨).\n(٦) تقدم من حديث أبي هريرة. انظر مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٧) تقدم تخريجه. انظر مواقف سفيان بن عيينة سنة (١٩٨هـ).","vol":"7","page":105},{"text":"وإثبات الله تعالى إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فإذا قلنا يد، وسمع، وبصر، ونحوها؛ فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه ولم يقل: معنى اليد القوة، ولا معنى السمع والبصر: العلم والإدراك، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار، ونقول إنما وجب إثباتها؛ لأن الشرع ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١)، كذلك قال علماء السلف في أخبار الصفات: أمروها كما جاءت. فإن قيل: فكيف يصح الإيمان بما لا يحيط علمنا بحقيقته؟ أو كيف يتعاطى وصف شيء لا درك له في عقولنا؟\nفالجواب، أن إيماننا صحيح بحق ما كلفنا منها، وعلمنا محيط بالأمر الذي ألزمناه فيها وإن لم نعرف لما تحتها حقيقة كافية، كما قد أمرنا أن نؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والجنة ونعيمها، والنار وأليم عذابها، ومعلوم أنا لا نحيط علما بكل شيء منها على التفصيل، وإنما كلفنا الإيمان بها جملة واحدة، ألا ترى أنا لا نعرف أسماء عدة من الأنبياء وكثير من الملائكة، ولا يمكننا أن نحصي عددهم، ولا أن نحيط بصفاتهم، ولا نعلم خواص معانيهم، ثم لم يكن ذلك قادحا في إيماننا بما أمرنا أن نؤمن به من أمرهم.\nوقد قال النبي - ﷺ - في صفة الجنة: يقول الله تعالى: «أعددت لعبادي\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).","vol":"7","page":106},{"text":"الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١).اهـ (٢)\n- وفيها: قال بعض علماء أهل السنة: أما بعد فإني وجدت جماعة من مشائخ السلف وكثيرا ممن تبعهم من الخلف ممن عليهم المعتمد في أبواب الديانة، وبهم القدوة في استعمال السنة قد أظهروا\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٤٦٦) والبخاري (٦/ ٣٩١ - ٣٩٢/ ٣٢٤٤) ومسلم (٤/ ٢١٧٤/٢٨٢٤) والترمذي (٥/ ٣٢٣/٣١٩٧) وابن ماجه (٢/ ١٤٤٧/٤٣٢٨) كلهم من حديث أبي هريرة.\n(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٨٧ - ٢٨٩).","vol":"7","page":107},{"text":"اعتقادهم، وما انطوت عليه ضمائرهم في معاني السنن ليقتدي بهم المقتفي، وذلك حين فشت البدع في البلدان وكثرت دواعيها في الزمان، فحينئذ وقع الاضطرار إلى الكشف والبيان ليهتدي بها المسترشد في الخلف، كما فاز لها من مضى من السلف، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتقين، وأن يعصمنا من اختراع المبتدعين، وأنا أذكر بتوفيق الله تعالى جماعة من أئمتنا من السلف ممن شرعوا في هذه المعاني فمنهم أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري فإنه قد أظهر اعتقاده، ومذهبه في السنة في غير موضع، وقد أملاه على شعيب بن حرب.\nومنهم أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي فإنه قد أجاب في اعتقاده حين سئل عنه كما رواه محمد بن إسحاق الثقفي، ومنهم أبو عمرو عبد الرحمن ابن عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام فإنه قد أظهر اعتقاده في زمانه، ورواه ابن إسحاق الفزاري. ومنهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك إمام خراسان، والفضيل بن عياض، ووكيع بن الجراح، ويوسف بن أسباط، قد أظهروا اعتقادهم، ومذاهبهم بالسنن، ومنهم شريك بن عبد الله النخعي، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو إسحاق الفزاري، ومنهم أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المديني إمام دار الهجرة وفقيه الحرمين فانه قد أظهر اعتقاده في باب الإيمان والقرآن، ومنهم أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي سيد الفقهاء في زمانه، ومنهم أبو عبيد القاسم بن سلام، والنضر بن شميل، وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي من تلاميذ الشافعي، أظهر اعتقاده حين ظهرت المحنة في باب القرآن، ومنهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل سيد أهل الحديث في زمانه، وأفضل من تورع في عصره وأوانه، قد أظهر اعتقاده ودعا الناس إليه وثبت في المحنة، وبالغ فيه غاية المبالغة، ومنهم الشيخ الزاهد الفاضل زهير بن نعيم البابي السجستاني، له اعتقاد في رسالة كتبها إلى بعض إخوانه.\nثم ذكر طائفة من العلماء ممن ألف في الاعتقاد، إلى أن قال ﵀: وكان أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي من أفاضل من بخراسان من العلماء والفقهاء أملى اعتقادا له قال: وينبغي لمن من الله بعلم الهداية والكرامة بالسنة ممن بقي من الخلف القدوة ممن مضى من السلف، وأن مذهبنا ومذهب أئمتنا من أهل الأثر: أن نقول أن الله ﷿ أحد لا شريك له، ولا ضد له ولا ند له ولا شبيه له، إلها واحدا أحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يشرك في حكمه أحدا.\nقال: ونؤمن بصفاته أنه كما وصف نفسه في كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ونؤمن بما ثبت عن رسول الله - ﷺ - من صفاته ﷻ بنقل العدول، والأسانيد المتصلة التي","vol":"7","page":108},{"text":"اجتمع عليها أهل المعرفة بالنقل أنها صحيحة ثابتة عن نبي الله - ﷺ -، ونطلقها بألفاظها كما أطلقها، وتعتقد عليها ضمائرنا بصدق وإخلاص أنها كما قال - ﷺ -، ولا نكيف صفات الله ﷿، ولا نفسرها تفسير أهل التكييف والتشبيه، ولا نضرب لها الأمثال، بل نتلقاها بحسن القبول تصديقا، ونطلق ألفاظها تصريحا، كما قال الله ﷿ في كتابه، وكما قال رسول الله - ﷺ -، ونقول: إن صفات الله ﷿ كلها غير مخلوقة، ليس من كلامه وعلمه وصفاته شيء مخلوق، جل الله تعالى عن صفات المخلوقين. والكيف عن صفات الله مرفوع.\nونقول كما قال السلف من أهل العلم الزهري وغيره: على الله البيان، وعلى رسول الله البلاغ، وعلينا التسليم، ونؤدي أحاديث رسول الله - ﷺ - كما سمعنا، ولا نقول في صفات الله كما قالت الجهمية والمعطلة، بل نثبت صفات الله تعالى بإيمان وتصديق.\nقال الأوزاعي: أقروا أحاديث رسول الله - ﷺ -، وأمروها كما جاءت.\nوقال سفيان الثوري: إني لآخذ الحديث على ثلاثة أوجه: آخذ الحديث على وجه أتخذه دينا، ومن وجه آخر لا أتركه وأتحرج أن أتخذه دينا أو فقها، وآخذه من وجه لا أتخذه دينا، وإنما آخذه لأعرفه. (١)\n- وقال ﵀ أيضا: أجمع المسلمون أن القرآن كلام الله، وإذا صح أنه كلام الله صح أنه صفة لله تعالى، وأنه ﷿ موصوف به، وهذه الصفة لازمة لذاته. تقول العرب: زيد متكلم، فالمتكلم صفة له، إلا أن\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٧).","vol":"7","page":109},{"text":"حقيقة هذه الصفة الكلام، وإذا كان كذلك، كان القرآن كلام الله وكانت هذه الصفة لازمة له أزلية. والدليل على أن الكلام لا يفارق المتكلم، أنه لو كان يفارقه لم يكن للمتكلم إلا كلمة واحدة، فإذا تكلم بها لم يبق له كلام، فلما كان المتكلم قادرا على كلمات كثيرة بعد كلمة، دل على أن تلك الكلمات فروع لكلامه الذي هو صفة له ملازمة. والدليل على أن القرآن غير مخلوق: أنه كلام الله، وكلام الله سبب إلى خلق الأشياء. قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ (١). أي أردنا خلقه، وإيجاده، وإظهاره.\nفقوله: كن، كلام الله وصفته، والصفة التي منها يتفرع الخلق والفعل وبها يتكون المخلوق لا تكون مخلوقة، ولا يكون مثلها للمخلوق. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2570>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀: ويجوز الزيادة والنقصان في الإيمان، وزيادته بفعل الطاعات، ونقصانه بتركها، وفعل المعاصي، خلافا لمن قال: الإيمان معرفة القلب وتصديقه، وهما عرضان من الأعراض، والزيادة والنقصان لا تجوز على الأعراض. (٣)\n- وقال: ولا يتساوى إيمان جميع المكلفين من الملائكة والأنبياء ومن دونهم من الشهداء والصديقين، بل يتفاضلون بقدر رتبهم في الطاعات خلافا\n_________\n(١) النحل الآية (٤٠).\n(٢) الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٩٣).\n(٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٥).","vol":"7","page":110},{"text":"لمن قال: الإيمان هو التصديق بالقلب، وإنما يقع التفاضل في العلم بأصناف أدلته، وقد ذكرنا أن الطاعات من الإيمان. (١)\n- ثم قال: ويكره لمن حصل منه الإيمان أن يقول: أنا مؤمن حقا ومؤمن عند الله، ولكن يقول: أنا مؤمن أرجو أو مؤمن إن شاء الله، أو يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، وليس هذا على طريق الشك في إيمانه، لكنه على معنى أنه لا يضبط أنه قد أتى بجميع ما أمر به، وترك جميع ما نهي عنه، خلافا لقول من قال: إذا علم من نفسه أنه مؤمن جاز أن يقول: أنا مؤمن حقا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2571>موقفه من القدرية:</span>\n- قال مبينا وهاء حجج القدرية: قد تمسك أهل القدر بآيات جهلوا معانيها، وحملوها على غير وجوهها، وجعلوها ذريعة لبدعتهم، وأهوائهم، ومعانيها عند أهل الحق ظاهرة على ما يوافق العقائد الصحيحة، منها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٣).\nوفي قراءة عبد الله: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك) وقيل في التفسير: القول هنا مضمر كأنه قال: (ويقولون ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك).\nويدل على هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٦).\n(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩).\n(٣) النساء الآية (٧٩).","vol":"7","page":111},{"text":"الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ (١).\nوقيل نزلت على سبب: وهو ما فعل الرماة يوم أحد من إخلالهم بالمكان الذي أمرهم رسول الله - ﷺ - بملازمته. فالحسنة ما أصابوا من القتل والسبي والغنائم من الكفار. والسيئة ما أصيب منهم من القتل والجرح.\nونحن إن جعلنا أفعال العباد من الله خلقا ومشيئة وتقديرا، فهي من العباد فعل وكسب. وبهذا المعنى صحت إضافة الأفعال إلى العباد وتحققت منهم الأعمال.\nوقد ورد في الكتاب الدلائل على كل واحد من هذين، فاتبعنا القرآن وجرينا معه بما دل عليه من أن الأعمال مخلوقة لله تعالى مكتسبة من العباد.\nفالآية الأولى وهي قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ دلت على أنها من الله خلقا وتقديرا وقضاء. والآية الثانية دلت على أنها من العباد كسبا وفعلا. وعلى هذا يحمل جميع ما ورد في القرآن من تحقيق أعمال العباد، وإثبات أفعالهم، وإضافتهم إليهم. (٢)\n\nمحمد بن عبد الباقي البغدادي (٣) (٥٣٥ هـ)\nالشيخ الإمام محمد بن عبد الباقي بن محمد، أبو بكر الأنصاري الكعبي\n_________\n(١) النساء الآية (٧٨).\n(٢) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٦٢ - ٦٤).\n(٣) المنتظم (١٨/ ١٣ - ١٥) والأنساب (٥/ ٤٩٥) وتاريخ دمشق (٥٤/ ٦٨ - ٧٠) والكامل في التاريخ (١١/ ٨٠) والسير (٢٠/ ٢٣ - ٢٨) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٩٢ - ١٩٨) ولسان الميزان (٥/ ٢٤١ - ٢٤٣).","vol":"7","page":112},{"text":"البغدادي البصري البزاز، قاضي المرستان. كان أبوه يعرف بصهر هبة المقرئ، وكان شيخا صالحا محدثا. ولد الشيخ أبو بكر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. سمعه أبوه من أبي إسحاق البرمكي وعلي بن عيسى الباقلاني وغيرهما وسمع بمصر من أبي إسحاق الحبال، وأجاز له أبو القاسم التنوخي وأبو الفتح بن شيطا المقرئ وأبو عبد الله القضاعي. وروى عنه أبو القاسم ابن عساكر وأبو سعد السمعاني وابن الجوزي وأبو موسى المديني وغيرهم.\nقال ابن الجوزي: وكان حسن الصورة، حلو المنطق، مليح المعاشرة. وقال أيضا: وكان ثقة فهما ثبتا حجة متفننا في علوم كثيرة، متفردا في علم الفرائض.\nوقال ابن السمعاني: كان أسند شيخ بقي على وجه الأرض، وكانت إليه الرحلة من الأقطار. عارفا بالعلوم، متقنا حسن الكلام، ما رأيت أجمع للفنون منه، نظر في كل علم، وبرع في الحساب والفرائض. توفي ﵀ سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وله بضع وتسعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2573>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في ذيل طبقات الحنابلة: قال ابن السمعاني: وسمعته يقول: أسرتني الروم، وبقيت في الأسر سنة ونصفا، وكان خمسة أشهر الغل في عنقي، والسلاسل على يدي ورجلي. وكانوا يقولون لي: قل المسيح ابن الله، حتى نفعل ونصنع في حقك، فامتنعت وما قلت. (١)\n_________\n(١) ذيل الطبقات (٣/ ١٩٣).","vol":"7","page":113},{"text":"عبد الوهاب بن عبد الواحد الشيرازي (١) (٥٣٦ هـ)\nالشيخ الإمام، العلامة، الواعظ، شيخ الحنابلة بدمشق، أبو القاسم، عبد الوهاب بن أجل الحنابلة الشيخ أبي الفرج عبد الواحد بن محمد، الأنصاري الشيرازي الأصل الدمشقي، تفقه على أبيه، وحدث بالإجازة عن أبي طالب بن يوسف، وصار له القبول الزائد في الوعظ، وزادت حشمته ورئاسته، وبعثه الملك بوري رسولا إلى المسترشد بالله يستصرخ به على غزو الفرنج وأنهم أخذوا كثيرا من الشام، وقف المدرسة الكبرى شمالي جامع دمشق، وكان ذا لسن وفصاحة وصورة كبيرة. أثنى عليه السلفي ووثقه، سمع من أبيه.\nوقال أبو يعلى حمزة القلانسي: كان على الطريقة المرضية، والخلال الرضية ووفور العلم، وحسن الوعظ، وقوة الدين، وكان يوم دفنه يوما مشهودا من كثرة المشيعين له والباكين عليه، مات في صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وكان يناظر على قواعد عقائد الحنابلة، جرى بينه وبين الفقيه الغندلاوي بحوث وسب، وكان الغندلاوي أشعريا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2575>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'البرهان في أصول الدين' ذكره ابن مفلح في المقصد الأرشد (٢)\n_________\n(١) السير (٢٠/ ١٠٣ - ١٠٤) وشذرات الذهب (٤/ ١١٣ - ١١٤).\n(٢) (٢/ ١٤٧).","vol":"7","page":114},{"text":"والعليمي في الدر المنضد (١) وابن رجب في ذيل الطبقات (٢). وعلى عادة ابن رجب ﵀، أن من كان فيه اعتزال أو أي انحراف يذكره له وينبه عليه، ومن كان موافقا لعقيدة السلف يترجم له ويطريه أو يذكره ذكرا عاديا. وهذا الإمام منهم. ويؤكد أنه كان على عقيدة السلف كتابه الآتي:\n٢ - 'رسالة في الرد على الأشعرية' ذكرها في ذيل طبقات الحنابلة. (٣)\n\nالمازري (٤) (٥٣٦ هـ)\nالشيخ الإمام الفقيه محمد بن علي بن عمر التيمي، أبو عبد الله المازري، الفقيه المالكي، أحد الأعلام. ومازر بليدة بجزيرة صقلية. كان من كبار أئمة زمانه وآخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر. أخذ عن أبي الحسن اللخمي وعبد الحميد الصائغ وغيرهما. وأخذ عنه أبو حفص الميانشي وأبو محمد البرجيني وابن الحداد المهدوي وأبو عبد الله الشلبي وأبو الحسن صالح بن أبي القاسم وأبو الحسن ابن المقرئ وغيرهم.\nوممن أخذ عنه بالإجازة القاضي عياض وأبو بكر بن أبي جمرة وأبو بكر بن الخير وابن رشد الحفيد. كان ﵀ واسع الباع في العلم والاطلاع، حسن الخلق، مليح المجلس، كثير الحكايات وإنشاد قطع الشعر،\n_________\n(١) (١/ ٢٤٩).\n(٢) (١/ ١٩٩).\n(٣) (١/ ١٩٩).\n(٤) الوافي بالوفيات (٤/ ١٥١) والديباج المذهب (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٢) وشجرة النور الزكية (١/ ١٢٧ - ١٢٨) وشذرات الذهب (٤/ ١١٤).","vol":"7","page":115},{"text":"مع علم بالطب.\nقال الصفدي: أخبرني من أنسيته عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى أنه كان يقول: ما رأيت أعجب من هذا -يعني المازري- لأي شيء ما ادعى الاجتهاد.\nله تآليف تدل على إمامته منها: كتاب المعلم بفوائد مسلم، وكتاب الرد على الإحياء للغزالي سماه الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء، وكتاب التعليقة على المدونة، وكتاب إيضاح المحصول من برهان الأصول لأبي المعالي الجويني، وكتاب الواضح في قطع لسان الكلب النابح وغيرها.\nإلا أن مما يؤاخذ على المازري أشعريته الواضحة، وكتابه المعلم خير دليل على ذلك، فكلما مر فيه على صفة من صفات الله تعالى إلا وجنح فيها إلى التأويل المذموم. توفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وقد نيف على الثمانين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2577>موقفه من الصوفية:</span>\nقال ﵀ في كتابه الكشف والإنباء من كتاب الإحياء: ولقد أعجب من قوم مالكية يرون مالكا الإمام يهرب من التحديد، ويجانب أن يرسم رسما وإن كان فيه أثر ما أو قياس ما تورعا وتحفظا من الفتوى فيما يحمل الناس عليه، ثم يستحسنون من رجل فتاوى مبناها على مالا حقيقة له، وفيه كثير من الآثار عن النبي - ﷺ - لفق فيه الثابت بغير الثابت، وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا","vol":"7","page":116},{"text":"يجوز إطلاقها لشناعتها وإن أخذت معانيها على ظواهرها كانت كالرموز إلى قدح الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلا بتعسف على اللفظ مما لا يتكلف العلماء مثله إلا في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه المانعة من جهله وكذبه إلى طلب التأويل. (١)\n\nالأمير علي بن يوسف بن تاشفين (٢) (٥٣٧ هـ)\nالسلطان، صاحب المغرب، أمير المسلمين، أبو الحسن، علي بن يوسف ابن تاشفين. تولى بعد أبيه سنة خمسمائة. وكان حسن السيرة، جيد الطوية، عادلا، نزها، حتى كان إلى أن يعد من الزهاد المتبتلين أقرب، وأدخل من أن يعد من الملوك. واشتد إيثاره لأهل العلم والدين، وكان إذا ولى أحدا من قضاته، كان فيما يعهد إليه أن لا يقطع أمرا دون أن يكون بمحضر أربعة من أعيان الفقهاء، يشاورهم في ذلك الأمر، وإن صغر، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما. وكان إذا وعظه أحدهم خشع عند استماع الموعظة، ولان قلبه لها، وظهر ذلك عليه. ودان أهل زمانه بعدم الخوض في علم الكلام وأنه بدعة، واعتنى بعلم الرسائل والإنشاء، وعمر. وابتلي بنواب ظلمة، ثم خرج عليه ابن تومرت وحاربه وقوي عليه وأخذ البلاد، ومات رحمة الله عليه سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.\n_________\n(١) نقلا عن الذهبي في السير (١٩/ ٣٣٠).\n(٢) السير (٢٠/ ١٢٤ - ١٢٥) ووفيات الأعيان (٥/ ٤٩و٧/ ١٢٣ - ١٢٦) والعبر (٢/ ٨٣) وشذرات الذهب (٤/ ١١٥) والاستقصا (٢/ ٦١ - ٦٨) والكامل في التاريخ (١٠/ ٤١٧).","vol":"7","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2579>موقفه من الصوفية:</span>\nتقدم ما ذكره الذهبي في أمره بإحراق كتب أبي حامد، وهذا أمر قد أجمع عليه المؤرخون، بل قد ذكر في المغرب أنه أمر بإحراق كتاب كل بدعة، ولم يقتصر على إحراق الإحياء فقط. وهذا الأمر شكره عليه الأولون والآخرون، ولكن كما تقدم في موقف البربهاري: مثل أصحاب البدع مثل العقارب، يدفنون رؤوسهم وأبدانهم في التراب، ويخرجون أذنابهم، فإذا تمكنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع هم مختفون بين الناس، فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون، فرغم المجهودات التي بذلها علماء السلف في دحض البدع، ما تزال إلى الآن بادية أعناقها، فاتحة فمها تريد ابتلاع كل من يدعو الناس إلى الرجوع إلى مذهب السلف، ولعل الله ييسر لها سيفا مهندا فيكسر الفم ويقطعه شقين، ويرميه إلى الكلاب تتناحر عليه. والله المستعان.\nجاء في الفكر السامي: وكان علي بن يوسف واقفا كأبيه عند إشارة الفقهاء وأهل العلم قد رد جميع الأحكام إليهم، فلما أفتوه بإحراق كتاب الإحياء كتب إلى أهل مملكته في سائر الأمصار والأقطار بأن يبحث عن نسخ الإحياء بحثا أكيدا، ويحرق ما عثر عليه منها، فجمع من نسخها عدد كثير ببلاد الأندلس، ووضعت بصحن جامع قرطبة، وصب عليها الزيت ثم أوقد عليها بالنار. وكذا فعل بما ألفي من نسخها بمراكش، وتوالى الإحراق عليها في سائر بلاد المغرب.\nوفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة توفي الشيخ الفقيه أبو العباس أحمد ابن محمد ... وسعي به إلى أمير المسلمين علي بن يوسف فأمر بإشخاصه إلى","vol":"7","page":118},{"text":"حضرة مراكش. (١)\nالتعليق:\nهكذا كان هذا الملك الصالح مع مبتدعة الصوفية وغيرهم، فما فعله مع أبي العباس أحمد بن محمد بن العريف، ينبغي أن يفعل بكل مبتدع حتى يقف عند حده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2580>موقفه من الجهمية:</span>\nكان ملوك المرابطين من خيرة الناس في عقائدهم، لم يبتلوا بما ابتلي به غيرهم من رفض أو كلام. وكانوا سدا منيعا في وجوه الفلاسفة والمتكلمين وزنادقة المتصوفة، لولا غلوهم في التمسك بالمذهب المالكي. وسنرى إن شاء الله مواقفهم المشرفة التي تبعث على السرور.\n- جاء في المعجب لعبد الواحد المراكشي: ... ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين -أي علي بن يوسف- تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين. وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد في أشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله. (٢)\n- وجاء في السير: ... وأهينت الفلسفة ومج الكلام ومقت، واستحكم في ذهن علي أن الكلام بدعة ما عرفه السلف، فأسرف في ذلك،\n_________\n(١) الفكر السامي (٢/ ٧٥ - ٧٦).\n(٢) المعجب (ص.٢٥٤ - ٢٥٥).","vol":"7","page":119},{"text":"وكتب يتهدد ويأمر بإحراق الكتب وكتب يأمر بإحراق تواليف الشيخ أبي حامد وتوعد بالقتل من كتمها. (١)\n\nعباس صاحب الري (٢) (٥٤١ هـ)\nكان عباس من غلمان السلطان محمود، حسن السيرة، عادلا في رعيته، كثير الجهاد للباطنية، قتل منهم خلقا كثيرا، وحكي أنه ما شرب الخمر قط ولا زنى. قتله السلطان مسعود سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وتأسف الناس عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2582>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن كثير: وقد كان عباس من الشجعان المشهورين، قاتل الباطنية مع مخدومه جوهر، فلم يزل يقتل منهم حتى بنى مئذنة من رؤوسهم بمدينة الري. (٣)\n\nعبد الله بن علي سبط الخياط (٤) (٥٤١ هـ)\nهو أبو محمد عبد الله بن علي بن أحمد الإمام العلامة مقرئ العراق النحوي، سبط الإمام الزاهد أبي منصور الخياط. ولد سنة أربع وستين\n_________\n(١) السير (٢٠/ ١٢٤).\n(٢) البداية (١٢/ ٢٣٨) والمنتظم (١٨/ ٥٢ - ٥٣) والكامل في التاريخ (١١/ ١١٦ - ١١٧).\n(٣) البداية والنهاية (١٢/ ٢٣٧).\n(٤) السير (٢٠/ ١٣٠) ومعرفة القراء الكبار (١/ ٤٩٤ - ٤٩٧/ت ٤٤٣) وغاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥).","vol":"7","page":120},{"text":"وأربعمائة. تلقى القرآن من أبي الحسن بن الفاعوس. وسمع من أبي الحسين ابن النقور وأبي منصور محمد العكبري ورزق الله التميمي وعدة. وتلا بالروايات على جده أبي منصور الخياط، وأبي الخطاب بن الجراح، وثابت بن بندار وأبي العز القلانسي وغيرهم. وتصدر للإقراء وصنف الكتب الشهيرة كالمبهج والإيجاز والكفاية وغيرها.\nحدث عنه ابن عساكر والسمعاني وابن الجوزي وخلق. توفي ﵀ في الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. قال فيه الإمام الذهبي: كان إماما محققا، واسع العلم، متين الديانة، قليل المثل، وكان أطيب أهل زمانه صوتا بالقرآن على كبر السن.\nومن شعره:\nكتبت علوما ثم أيقنت أنني فإن كنت عند الله فيها مخلصا وإن كانت الأخرى فبالله فاسألوا ... سأبلى ويبقى ما كتبت من العلم\nفذاك لعمر الله قصدي في الحكم\nإلهي غفرانا من الذنب والجرم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2584>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في ذيل الطبقات عنه قال:\nالفقه علم به الأديان ترتفع ... ثم الحديث إذا ما رمته فرج ... ثم الكلام فذره، فهو زندقة ... والنحو عز به الإنسان ينتفع\nمن كل معنى به الإنسان يبتدع\nوخرقه فهو خرق ليس يرتفع (١)\n_________\n(١) ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢١١).","vol":"7","page":121},{"text":"- وله أيضا:\nظهرت في الأنام بدعة قوم عطلوا وصفه، وحادوا عن الحق ... جحدوا الله والقرآن المبينا\nجميعا، وخالفوه يقينا (١)\n\nأبو الحسن الآبَنُوسِي (٢) (٥٤٢ هـ)\nالفقيه المفتي العابد، أبو الحسن أحمد بن الإمام المحدث أبي محمد عبد الله ابن علي بن الآبنوسي، البغدادي الشافعي الوكيل. ولد سنة ست وستين وأربعمائة. سمع أبا القاسم ابن البسري، وإسماعيل بن مسعدة، وأبا نصر الزينبي وعدة، وتفقه على القاضي الحموي (أبي بكر ابن المظفر). روى عنه السمعاني وابن عساكر والكندي وسليمان الموصلي وآخر من روى عنه بنته شرف النساء. وكان ثقة مصنفا على سنن السلف، والتقشف وسبيل أهل السنة في الاعتقاد، وكان يخلو بالأذكار والأوراد من بكرة إلى وقت الظهر ثم يقرأ عليه بعد الظهر، وكان عالي السند. توفي ثامن ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2586>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال الذهبي: ونظر في الاعتزال، ثم أنقذه الله وتسنن. ثم قال: جمع\n_________\n(١) ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢١٢).\n(٢) المنتظم (١٨/ ٥٧) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٩٤) وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٦٢ - ١٦٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٤١ - ٥٥٠/ص.٩٨ - ٩٩) والوافي بالوفيات (٧/ ١١٤) طبقات الشافعية للسبكي (٤/ ٣٩) وشذرات الذهب (٤/ ١٣٠).","vol":"7","page":122},{"text":"وصنف، ودعا إلى السنة. (١)\n- قال ابن الجوزي في المنتظم: وصحب شيخنا أبا الحسن ابن الزاغوني، فحمله على السنة بعد أن كان معتزليا، وكانت له اليد الحسنة في المذهب والخلاف والفرائض والحساب والشروط، وكان ثقة مصنفا على سنن السلف والتقشف وسبيل أهل السنة في الاعتقاد، وكان ينابذ من أصحاب الشافعي من يخالف ذلك من المتكلمين. (٢)\n\nابن عياض المجاهد (٣) (٥٤٢ هـ)\nعبد الله وقيل عبد الرحمن أبو محمد بن عياض المجاهد في\n_________\n(١) السير (١٩/ ٢٧٩).\n(٢) المنتظم (١٨/ ٥٧).\n(٣) السير (٢٠/ ٢٣٧ - ٢٣٩) ونفح الطيب (٤/ ٤٦٥) وتاريخ ابن خلدون (٤/ ٣٥٧).","vol":"7","page":123},{"text":"سبيل الله، فارس الأندلس، وبطلها المشهور، اتفق عليه أهل شرق الأندلس. قال عبد الواحد المراكشي: كان من الصالحين الكبار، فإذا ركب الخيل لا يقوم له أحد. كان النصارى يعدونه بمائة فارس، فحمى الله به الناحية مدة إلى أن توفي. وله مواقف مشهودة، وكان فارس الإسلام في زمانه. قال عنه اليسع ابن حزم: أشجع من ركب الخيل وأفرس من سام الروم الويل. توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بسبب سهم أصابه في النخاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2588>موقفه من المشركين:</span>\nوقال اليسع بن حزم في أخبار المغرب: حدثني الأمير الملك المجاهد في سبيل الله أبو محمد عبد الله بن عياض أشجع من ركب الخيل، وأفرس من سام الروم الويل، قال: نزلت محلة الفرنج علينا، فكانوا إذا رمونا بالنبل صار حائلا بيننا وبين الشمس كالجراد، والذي صح عندنا أن عدد خيلهم مئة ألف فارس، ومن الرجل مئتا ألف أو أزيد، وكنا نعد على مقربة من سورنا أربع مئة خيمة ديباج أو نحوها نحقق هذا، فاشتد علينا الحصار، فخرجنا في مئتي فارس، فشققنا الروم نقتل فيهم، ولجأنا إلى حصن الزيتونة قاصدين بلنسية، قال اليسع: قال لي مسعود بن عز الناس: أبصرت ابن عياض وهو شاب حدث، وقد صارع روميا غلب جميع من في بلاد الأندلس، فجاءه الرومي، فدفعه ابن عياض عن نفسه دفعة حسبت أن الرومي انتفضت أوصاله، ثم أمسك بخاصرة الرومي حتى رأيت الدم تحت أصابع ابن عياض، ثم رفعه، وألقى به الأرض، فطار دماغه. وله قصة أخرى: وذلك أنه وقف فارس من جملة خيالة الروم على لارِدَة، وطلب المبارزة، فخرج ابن عياض عليه قميص طويل الكم قد أدخل فيه حجرا مدحرجا، وربط رأس الكم، وتقلد سيفه، والرومي شاك في سلاحه، فحمل عليه ابن عياض، فطعنه الرومي في الطارقة، فنشب الرمح، فأطلقها ابن عياض من يده، وبادر فضرب الرومي بكمه، فنثر دماغه، فعجبنا وكبرنا، فاشتهر ذكره على صغر سنه، وأما أنا فحضرت معه أيام مملكته حروبا، كان حجر لا يؤثر فيه، وكان في هيئته كأنه برج غريب الخلقة. قال مسعود: ولما وصلنا الزيتونة بعد قضاء حوائجنا، جئنا لاردة في السحر، فوقعنا في خيام العدو المحيط بالبلد، فجعلنا نضرب على الطوارق ونصيح، فنفرت الخيل، ونحن نقتل من","vol":"7","page":124},{"text":"لقيناه، فدخلنا البلد سالمين. قلت: ولابن عياض مواقف مشهودة، وكان فارس الإسلام في زمانه، لعله بقي إلى بعد الأربعين وخمس مئة، وقام بعده خادمه محمد بن سعد بن مردنيش، استخلفه عند موته على الناس، فدامت أيامه إلى سنة ثمان وستين وخمس مئة.\nقال اليسع في تاريخ المغرب -وقد خدم ابن عياض، وصار كاتبا له- فذكر أن ابن عياض التقى البرشلوني، وانتصر المسلمون، فلما انفصل المصاف، قصد المسلمون الماء ليشربوا، وتجرد ابن عياض من درعه، ونحو الخمس مئة من الروم في غابة عند الماء، فالتفت ابن عياض إلى أصحابه أن ارموا الروم بالنبل، فجاءه سهم في فقار ظهره، فأخرج منه بعد قتل أولئك الخمس مئة، وإذا بالسهم قد أصاب النخاع، فوصل مرسية، وتوفي بعد ولايته إياها أربع سنين، ووجد المسلمون لفقده. (١)\n\nالحسين بن إبراهيم الجَوْزَقَانِي (٢) (٥٤٣ هـ)\nالإمام الحافظ أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن حسين بن جعفر الهمذاني الجوزقاني، مصنف كتاب الأباطيل. روى عن أبي الغنائم شيرويه الديلمي وابن طاهر المقدسي وحمد بن نصر ويحيى بن مندة وجماعة. حدث عنه عبد الرزاق الجيلي وابن أخته نجيب بن غانم الطيان وغيرهما. قال ابن النجار: كتب وحصل وصنف عدة كتب في علم الحديث، منها كتاب\n_________\n(١) السير (٢٠/ ٢٣٧ - ٢٣٩).\n(٢) السير (٢٠/ ١٧٧ - ١٧٨) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٠٨ - ١٣٠٩) والوافي بالوفيات (١٢/ ٣١٥ - ٣١٦) ولسان الميزان (٢/ ٢٦٩ - ٢٧١) وشذرات الذهب (٤/ ١٣٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٤١ - ٥٥٠/ص.١٤٠ - ١٤١).","vol":"7","page":125},{"text":"الموضوعات، أجاد تصنيفه، روى لنا عنه عبد الرزاق الجيلي. توفي ﵀ في سادس عشر رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وهو في السفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2590>موقفه من المرجئة:</span>\n- له كتاب الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير، قال فيه عن محمد ابن كرام وضلالاته:\nواعلم يا أخي، وفقك الله للخيرات، أن أبا عبد الله ابن كرام كان من نواحي سجستان من قرية يقال لها الحروي، وكان يتعبد ويظهر الزهد والتقشف والتخلي والتقلل، وذلك في أصحابه إلى اليوم حيث كانوا من أرض خراسان وغيرها من البلاد. وأكثر ظهورهم بنيسابور وأعمالها، وببيت المقدس منهم طائفة قد عكفوا على قبره، مال إليهم كثير من العامة لاجتهادهم وظلف عيشهم. وكان يقول: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والمعرفة ليست من الإيمان، والإيمان باللسان مجرد عن عقد القلب، وعمل الأركان، فمن أقر بلسانه بكلمة التوحيد، فهو مؤمن حقا، وإن اعتقد بقلبه الكفر والتثليث وضيع جميع قوانين الشريعة وتركها، وأتى كل فاحشة وكبيرة وارتكبها، إلا أنه مقر بلسانه بكلمة التوحيد، فهو مؤمن موحد ولي الله من أهل الجنة، وأنه لا تضره سيئة، مع إقراره بالوحدانية كما لا تنفعه حسنة مع إظهار الشرك بالله عزوجل. فلزمهم من هذا القول أن المنافقين مؤمنون حقا، وقد أكذبهم الله تعالى في غير موضوع من كتابه، وحقق أنه جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا. وذكر ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ","vol":"7","page":126},{"text":"النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ (١). وغير ذلك من الآيات المنصوص الوارد فيهم. (٢)\n\nأبو بكر ابن العربي (٣) (٥٤٣ هـ)\nمحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو بكر ابن العربي الإمام العلامة الحافظ القاضي الأندلسي صاحب التصانيف، سأله ابن بشكوال عن مولده فقال: في سنة ثمان وستين وأربعمائة. سمع من خاله الحسن بن عمر الهوزني وطائفة بالأندلس، ارتحل مع أبيه وسمعا ببغداد من طراد بن محمد الزينبي وأبي عبد الله النعالي وأبي الخطاب ابن البطر وغيرهم. وتفقه بأبي حامد الغزالي وأبي بكر الشاشي والتبريزي وجماعة. رجع إلى الأندلس بعد أن دفن أباه في رحلته، وصنف وجمع، وفي فنون العلم برع وكان فصيحا خطيبا بليغا. حدث عنه عبد الخالق بن أحمد اليوسفي وأحمد بن خلف الإشبيلي والحسن ابن علي القرطبي وعدد كثير. وتخرج به أئمة، وكان ثاقب الذهن عذب المنطق كريم الشمائل كامل السؤدد، ولي قضاء إشبيلية فحمدت سياسته ثم عزل، وأقبل على نشر العلم وتدوينه. كان ممن يقال: إنه بلغ رتبة الاجتهاد. توفي بفاس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.\n_________\n(١) النساء الآية (١٤٥).\n(٢) (ص.١٣٨).\n(٣) السير (٢٠/ ١٩٧ - ٢٠٤) ووفيات الأعيان (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧) والوافي بالوفيات (٣/ ٣٣٠) والديباج المذهب (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٦) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦) والعبر (٢/ ٩٢ - ٩٣) والنجوم الزاهرة (٥/ ٣٠٢) وشذرات الذهب (٤/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"7","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2592>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في الاعتصام عنه: خرجت من بلادي على الفطرة، فلم ألق في طريقي إلا مهتديا، حتى بلغت هذه الطائفة -يعني: الإمامية والباطنية من فرق الشيعة-، فهي أول بدعة لقيت، فلو فجأتني بدعة مشبهة، كالقول بالمخلوق، أو نفي الصفات، أو الإرجاء، لم آمن. فلما رأيت حماقاتهم، أقمت على حذر، وترددت فيها على أقوام أهل عقائد سليمة، ولبثت بينهم ثمانية أشهر.\nثم خرجت إلى الشام، فوردت بيت المقدس، فألفيت فيها ثماني وعشرين حلقة ومدرستين -مدرسة الشافعية بباب الأسباط، وأخرى للحنفية-، وكان فيها من رؤوس العلماء ورؤوس المبتدعة ومن أحبار اليهود والنصارى كثير، فوعيت العلم، وناظرت كل طائفة بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري وغيره من أهل السنة.\nثم نزلت إلى الساحل لأغراض، وكان مملوءا من هذه النحل الباطنية والإمامية، فطفت في مدن الساحل لتلك الأغراض نحوا من خمسة أشهر، ونزلت عكا، وكان رأس الإمامية بها حينئذ أبو الفتح العكي، وبها من أهل السنة شيخ يقال له الفقيه الديبقي.\nفاجتمعت بأبي الفتح في مجلسه وأنا ابن العشرين، فلما رآني صغير السن كثير العلم متدربا؛ ولع بي، وفيهم -لعمر الله، وإن كانوا على باطل- انطباع وإنصاف وإقرار بالفضل إذا ظهر، فكان لا يفارقني، ويساومني الجدال، ولا يفاترني، فتكلمت على مذهب الإمامية والقول بالتعميم من","vol":"7","page":128},{"text":"المعصوم بما يطول ذكره. ومن جملة ذلك أنهم يقولون: إن لله في عباده أسرارا وأحكاما، والعقل لا يستقل بدركها، فلا يعرف ذلك إلا من قبل إمام معصوم. فقلت لهم: أمات الإمام المبلغ عن الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلد؟ فقال لي: مات -وليس هذا بمذهبه، ولكنه تستر معي-. فقلت: هل خلفه أحد؟ فقال: خلفه وصيه علي. قلت: فهل قضى بالحق وأنفذه؟ قال: لم يتمكن لغلبة المعاند. قلت: فهل أنفذه حين قدر؟ قال: منعته التقية ولم تفارقه إلى الموت؛ إلا أنها كانت تقوى تارة وتضعف أخرى، فلم يمكن إلا المداراة؛ لئلا ينفتح عليه أبواب الاختلال. قلت: وهذه المداراة حق أم لا؟ فقال: باطل أباحته الضرورة. قلت: فأين العصمة؟ قال: إنما تغني العصمة مع القدرة. قلت: فمن بعده إلى الآن وجدوا القدرة أم لا؟ قال: لا. قلت: فالدين مهمل، والحق مجهول مخمل؟ قال: سيظهر. قلت: بمن؟ قال: بالإمام المنتظر. قلت: لعله الدجال؟ فما بقي أحد إلا ضحك. وقطعنا الكلام على غرض مني؛ لأني خفت أن ألجمه فينتقم مني في بلاده.\nثم قلت: ومن أعجب ما في هذا الكلام: أن الإمام إذا أوعز إلى من لا قدرة له؛ فقد ضيع، فلا عصمة له! وأعجب منه أن الباري تعالى -على مذهبه- إذا علم أنه لا علم إلا بمعلم، وأرسله عاجزا مضطربا لا يمكنه أن يقول ما علم؛ فكأنه ما علمه وما بعثه، وهذا عجز منه وجور، لاسيما على مذهبهم! فرأوا من الكلام ما لم يمكنهم أن يقوموا معه بقائمة. وشاع الحديث، فرأى رئيس الباطنية المسمين بالإسماعيلية أن يجتمع معي، فجاءني أبو الفتح إلى مجلس الفقيه الديبقي، وقال: إن رئيس الإسماعيلية رغب في الكلام معك. فقلت: أنا مشغول.","vol":"7","page":129},{"text":"فقال: هنا موضع مرتب قد جاء إليه، وهو محرس الطبرانيين، مسجد في قصر على البحر، وتحامل علي، فقمت ما بين حشمة وحسبة، ودخلت قصر المحرس، وطلعنا إليه، فوجدتهم قد اجتمعوا في زاوية المحرس الشرقية، فرأيت النكر في وجوههم، فسلمت، ثم قصدت جهة المحراب، فركعت عنده ركعتين لا عمل لي فيهما إلا تدبير القول معهم والخلاص منهم. فلعمر الذي قضى علي بالإقبال إلى أن أحدثكم؛ إن كنت رجوت الخروج عن ذلك المجلس أبدا، ولقد كنت أنظر في البحر يضرب في حجارة سود محددة تحت طاقات المحرس، فأقول: هذا قبري الذي يدفنوني فيه، وأنشد في سري:\nألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا ... سوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان؟\n\nوهي كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري التي أنقدني الله منها.\nفلما سلمت؛ استقبلتهم، وسألتهم عن أحوالهم عادة، وقد اجتمعت إلي نفسي، وقلت: أشرف ميتة في أشرف موطن أناضل فيه عن الدين. فقال لي أبو الفتح -وأشار إلى فتى حسن الوجه-: هذا سيد الطائفة ومقدمها، فدعوت له، فسكت، فبدرني وقال: قد بلغتني مجالستك وانتهى إِليَّ كلامك، وأنت تقول: قال الله وفعل! فأي شيء هو الله الذي تدعو إليه؟! أخبرني واخرج عن هذه المخرقة التي جازت لك على هذه الطائفة الضعيفة -وقد احتد نفسا، وامتلأ غيظا، وجثا على ركبتيه، ولم أشك أنه لا يتم الكلام إلا وقد اختطفني أصحابه قبل الجواب. فعمدت -بتوفيق الله- إلى كنانتي،","vol":"7","page":130},{"text":"واستخرجت منها سهما أصاب حبة قلبه، فسقط لليدين والفم. (١)\nوانظر بقية المناظرة في المرجع نفسه فهي شيقة تبرز عمق علم السلف ﵏ وتوقد ذكائهم.\n- وجاء في العواصم: وهذه حقيقة مذهبهم (أي الروافض)، أن الكل منهم (أي الصحابة) كفرة، لأن من مذهبهم التكفير بالذنوب. وكذلك تقول هذه الطائفة التي تسمى بالإمامية: إن كل عاص بكبيرة كافر، على رسم القدرية، ولا أعصى من الخلفاء المذكورين (وهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃) ومن ساعدهم على أمرهم، وأصحاب محمد ﵌ أحرص الناس على دنيا، وأقلهم حماية على دين، وأهدمهم لقاعدة وشريعة.\nقال القاضي أبو بكر: يكفيك من شر سماعه، فكيف التململ به. خمسمائة عام عدا إلى يوم مقالي هذا -لا ينقص منها يوما ولا يزيد يوما- وهو مهل شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وماذا يرجى بعد التمام إلا النقص؟\nما رضيت النصارى واليهود في أصحاب موسى وعيسى ما رضيت الروافض في أصحاب محمد ﵌ حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل. فما يرجى من هؤلاء، وما يستبقى منهم؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ١٩٨ - ٢٠٢).","vol":"7","page":131},{"text":"لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (١)، وهذا قول صدق، ووعد حق. وقد انقرض عصرهم ولا خليفة فيهم ولا تمكين، ولا أمن ولا سكون، إلا في ظلم وتعد وغصب وهرج وتشتيت وإثارة ثائرة. (٢)\n\nالقاضي عياض (٣) (٥٤٤ هـ)\nالإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي، ثم السبتي المالكي. ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة. رحل إلى الأندلس وروى عن القاضي أبي علي ابن سكرة الصدفي ولازمه، وعن أبي بحر بن العاص وعدة. وتفقه بأبي عبد الله محمد بن عيسى التميمي والقاضي محمد المسيلي. واستبحر من العلوم، وجمع وألف، وسارت بتصانيفه الركبان، واشتهر اسمه في الآفاق. ولي القاضي عياض القضاء مرارا، في سبتة أولا، ثم في غرناطة، ثم في سبتة مرة أخرى، ثم بقرية داي ببادية تادلا في الشمال\n_________\n(١) النور الآية (٥٥).\n(٢) العواصم من القواصم (١٨٧ - ١٩٢).\n(٣) وفيات الأعيان (٣/ ٤٨٣ - ٤٨٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٤١ - ٥٥٠/ص.١٩٨ - ٢٠١) والسير (٢٠/ ٢١٢ - ٢١٨) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٠٤ - ١٣٠٧) والديباج المذهب (٢/ ٤٦ - ٥١) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٤١) وشذرات الذهب (٤/ ١٣٨ - ١٣٩).","vol":"7","page":132},{"text":"الغربي من مراكش. قال ابن بشكوال: هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم. ومن مؤلفاته: الشفا في شرف المصطفى وترتيب المدارك والعقيدة وشرح حديث أم زرع ومشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار، والإكمال في شرح صحيح مسلم. قال ابن خلكان: هو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم. وقال صاحب النجوم الزاهرة: كان إماما، حافظا، محدثا، فقيها، متبحرا، صنف التصانيف المفيدة، وانتشر اسمه في الآفاق وبعد صيته. حدث عنه ابن بشكوال وولده محمد وأبو جعفر بن القصير وعدة. توفي رحمه الله تعالى في ليلة الجمعة نصف الليلة التاسعة من جمادى الآخر ودفن بمراكش سنة أربع وأربعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2594>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال في الشفا (١): فصل [في وجوب اتباعه، وامتثال أمره، والاقتداء بهديه].\nوأما وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهديه، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ\n_________\n(١) (٢/ ٥٤٢ - ٥٥١).\n(٢) آل عمران الآية (٣١).","vol":"7","page":133},{"text":"وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (١)، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢)، أي ينقادون لحكمك يقال: سلم، واستسلم، إذا انقاد. وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾ (٣). قال محمد بن علي الترمذي: الأسوة في الرسول الاقتداء به، والاتباع لسنته، وترك مخالفته في قول وفعل. وقال غير واحد من المفسرين بمعناه. وقيل: هو عتاب للمتخلفين عنه.\nوقال سهل في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) قال: بمتابعة السنة، فأمرهم تعالى بذلك، ووعدهم الاهتداء باتباعه، لأن الله تعالى أرسله بالهدى ودين الحق ليزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويهديهم إلى صراط مستقيم، ووعدهم محبته تعالى في الآية الأخرى ومغفرته إذا اتبعوه، وآثروه على أهوائهم، وما تجنح إليه نفوسهم، وأن صحة إيمانهم بانقيادهم له، ورضاهم بحكمه، وترك الاعتراض عليه. وروي عن الحسن أن أقواما قالوا: يا\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٥٨).\n(٢) النساء الآية (٦٥).\n(٣) الممتحنة الآية (٦).\n(٤) الفاتحة الآية (٧).","vol":"7","page":134},{"text":"رسول الله، إنا نحب الله. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (١). وروي أن الآية نزلت في كعب بن الأشرف وغيره، وأنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أشد حبا لله، فأنزل الله الآية. وقال الزجاج: معناه إن كنتم تحبون الله أن تقصدوا طاعته، فافعلوا ما أمركم به، إذ محبة العبد لله والرسول طاعته لهما، ورضاه بما أمرا، ومحبة الله لهم عفوه عنهم، وإنعامه عليهم برحمته. (٢)\nويقال: الحب من الله عصمة وتوفيق، ومن العباد طاعة، كما قال القائل:\nتعصي الإله وأنت تظهر حبه ... لو كان حبك صادقا لأطعته ... هذا لعمري في القياس بديع\nإن المحب لمن يحب مطيع\n-ثم ساق بسنده- عن العرباض بن سارية في حديثه في موعظة النبي - ﷺ - أنه قال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٣). زاد في حديث جابر بمعناه: «وكل ضلالة في النار» (٤). وفي حديث أبي رافع عنه - ﷺ -: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو\n_________\n(١) آل عمران الآية (٣١).\n(٢) هذا مع إثبات صفة المحبة له سبحانه.\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف عمر بن الخطاب ﵁ سنة (٢٣هـ).\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف القاسم بن محمد سنة (١٠٦هـ).","vol":"7","page":135},{"text":"نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». (١)\nوفي حديث عائشة ﵂: صنع رسول الله - ﷺ - شيئا ترخص فيه فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فحمد الله، ثم قال: «ما بال قوم يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية». (٢)\n- وقال (٣): فصل [في أن مخالفة أمره وتبديل سنته ضلال]\nومخالفة أمره وتبديل سنته ضلال وبدعة متوعد من الله تعالى عليه بالخذلان والعذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٤)، وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٥).\n-ثم ساق بسنده- عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى المقبرة .. وذكر الحديث في صفة أمته، وفيه: «فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك. فأقول:\n_________\n(١) أحمد (٦/ ٨) بلفظ: «لأعرفن» وأبو داود (٥/ ١٢/٤٦٠٥) والترمذي (٥/ ٣٦/٢٦٦٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجة (١/ ٦ - ٧/ ١٣) والحاكم (١/ ١٠٨ - ١٠٩) وصححه على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤٥) والبخاري (١٠/ ٦٢٨/٦١٠١) ومسلم (٤/ ١٨٢٩/٢٣٥٦) والنسائي في الكبرى (٦/ ٦٧/١٠٠٦٣) من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂.\n(٣) الشفا (٢/ ٥٥٩ - ٥٦٢).\n(٤) النور الآية (٦٣).\n(٥) النساء الآية (١١٥).","vol":"7","page":136},{"text":"فسحقا، فسحقا، فسحقا» (١). وروى أنس أن النبي - ﷺ - قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» (٢)، وقال: «من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (٣)، وروى ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (٤). زاد في حديث المقدام: «ألا وإن ما حرم رسول الله - ﷺ - مثل ما حرم الله» (٥) ...\nوقال - ﷺ -: «هلك المتنطعون» (٦). وقال أبو بكر الصديق ﵁: (لست تاركا شيئا كان رسول الله - ﷺ - يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ). (٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2595>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في الشفا: وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة، كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي - ﷺ -، إذ لم تقدم عليا. وكفرت عليا، إذ لم يتقدم ويطلب\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٠و٤٠٨) ومسلم (١/ ٢١٨/٢٤٩) وأبو داود (٣/ ٥٥٨/٣٢٣٧) مختصرا والنسائي (١/ ١٠١ - ١٠٢/ ١٥٠) وابن ماجة (٢/ ١٤٣٩/٤٣٠٦).\n(٢) أحمد (٣/ ٢٤١و٢٥٩) والبخاري (٩/ ١٢٩/٥٠٦٣) ومسلم (٢/ ١٠٢٠/١٤٠١) والنسائي (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩/ ٣٢١٧).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف الخلال سنة (٣١١هـ).\n(٤) تقدم تخريجه قريبا.\n(٥) سيأتي تخريجه ضمن مواقف علي محفوظ سنة (١٣٦١هـ).\n(٦) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٦) ومسلم (٤/ ٢٠٥٥/٢٦٧٠) وأبو داود (٥/ ١٥/٤٦٠٨) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n(٧) تقدم في مواقفه ﵁ من المبتدعة سنة (١٣هـ).","vol":"7","page":137},{"text":"حقه في التقديم، فهؤلاء قد كفروا من وجوه، لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها، إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن، إذ ناقلوه كفرة على زعمهم، وإلى هذا -والله أعلم- أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة. ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي - ﷺ - على مقتضى قولهم وزعمهم أنه عهد إلى علي ﵁، وهو يعلم أنه يكفر بعده على قولهم، لعنة الله عليهم، وصلى الله على رسوله وآله. (١)\n- وفيه: وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم: إن الأئمة أفضل من الأنبياء. (٢)\n- قال الذهبي: بلغني أنه -أي القاضي عياض- قتل بالرماح لكونه أنكر عصمة ابن تومرت. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2596>موقفه من الجهمية:</span>\nقال الحافظ في الفتح: وقال القاضي عياض -معلقا على أحاديث خروج الدجال-: في هذه الأحاديث حجة لأهل السنة في صحة وجود الدجال، وأنه شخص معين يبتلي الله به العباد ويقدره على أشياء كإحياء الميت الذي يقتله، وظهور الخصب والأنهار، والجنة والنار، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وكل ذلك بمشيئة الله، ثم يعجزه الله فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ثم يبطل أمره ويقتله\n_________\n(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ١٠٧٢).\n(٢) الشفا (٢/ ١٠٧٨).\n(٣) السير (٢٠/ ٢١٧).","vol":"7","page":138},{"text":"عيسى بن مريم. وقد خالف في ذلك بعض الخوارج والمعتزلة والجهمية فأنكروا وجوده وردوا الأحاديث الصحيحة، وذهب طوائف منهم كالجبائي إلى أنه صحيح الوجود، لكن كل الذي معه مخاريق وخيالات لا حقيقة لها، وألجأهم إلى ذلك أنه لو كان ما معه بطريق الحقيقة لم يوثق بمعجزات الأنبياء، وهو غلط منهم، لأنه لم يدع النبوة فتكون الخوارق تدل على صدقه، وإنما ادعى الالهية وصورة حاله تكذبه لعجزه ونقصه، فلا يغتر به إلا رعاع الناس إما لشدة الحاجة والفاقة، وإما تقية وخوفا من أذاه وشره مع سرعة مروره في الأرض، فلا يمكث حتى يتأمل الضعفاء حاله، فمن صدقه في تلك الحال لم يلزم منه بطلان معجزات الأنبياء، ولهذا يقول له الذي يحييه بعد أن يقتله، ما ازددت فيك إلا بصيرة. (١)\nقلت -أي ابن حجر-: ولا يعكر على ذلك ما ورد في حديث أبي أمامة عند ابن ماجه أنه يبدأ فيقول أنا نبي، ثم يثني فيقول أنا ربكم (٢) فإنه يحمل على أنه إنما يظهر الخوارق بعد قوله الثاني. (٣)\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ١٠٥).\n(٢) رواه ابن ماجه (٢/ ١٣٥٩ - ١٣٦٠/ ٤٠٧٧) بسند منقطع فيحيى بن أبي عمرو السيباني روايته عن الصحابة مرسلة. ورواه موصولا: أبو داود (٤/ ٤٩٧/٤٣٢٢) ولم يسق لفظه. والآجري في الشريعة (ص.٣٧٥ - ٣٧٦)، وليس عنده موضع الشاهد. وعبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٤٤٩/١٠٠٨). وابن أبي عاصم في السنة رقم (٣٩١) و(٤٢٩). واللالكائي (٣/ ٥٤٥ - ٥٤٦/ ٨٥١). ورجاله ثقات. وعمرو بن عبد الله الحضرمي وثقه ابن حبان (٥/ ١٧٩) والعجلي (٢/ ١٧٩) والفسوي (٢/ ٤٣٧). ورواه ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٤٥٩/٢٧٠) والحاكم (٤/ ٥٣٦ - ٥٣٧) وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي وفيه عطاء بن مسلم الخراساني وهو ضعيف من قبل حفظه، لكن تابعه ضمرة بن ربيعة عند أبي داود وغيره.\n(٣) الفتح (١٣/ ١٠٥).","vol":"7","page":139},{"text":"الشهرستاني (١) (٥٤٩ هـ)\nمحمد بن عبد الكريم بن أحمد أبو الفتح الشهرستاني، شيخ أهل الكلام والحكمة. برع في الفقه على الإمام أحمد الخوافي، وأخذ الكلام عن أبي نصر ابن القشيري. صنف كتاب نهاية الإقدام في علم الكلام وكتاب الملل والنحل وغيرها. كان متهما بالميل إلى أهل البدع -يعني الإسماعيلية- والدعوة إليهم ولضلالاتهم. وقال الخوارزمي صاحب الكافي: لولا تخليطه في الاعتقاد وميله إلى أهل الزيغ والإلحاد لكان هو الإمام في الإسلام. وقد حكى شيخ الإسلام توبته في منهاج السنة. مات بشهرستان سنة تسع وأربعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2598>موقفه من الجهمية:</span>\nتوبته من الكلام وتعليق ابن تيمية عليه: وكذلك الشهرستاني، مع أنه كان من أخبر هؤلاء المتكلمين بالمقالات والاختلاف، وصنف فيها كتابه المعروف بنهاية الإقدام في علم الكلام وقال: قد أشار علي من إشارته غنم، وطاعته حتم، أن أذكر له من مشكلات الأصول ما أشكل على ذوي العقول، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير صرم، لعمري:\nلقد طفت المعاهد كلها فلم أر إلا واضعا كف حائر ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم\nعلى ذقن أو قارعا سن نادم\n\nفأخبر أنه لم يجد إلا حائرا شاكا مرتابا، أو من اعتقد ثم ندم لما تبين له خطؤه. فالأول في الجهل البسيط: كظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده\n_________\n(١) السير (٢٠/ ٢٨٦ - ٢٨٨) ولسان الميزان (٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤) وشذرات الذهب (٤/ ١٤٩).","vol":"7","page":140},{"text":"لم يكد يراها وهذا دخل في الجهل المركب، ثم تبين له أنه جهل فندم ولهذا تجده في المسائل يذكر أقوال الفرق وحججهم ولا يكاد يرجح شيئا للحيرة. (١)\n\nأبو الفضل ابن ناصر (٢) (٥٥٠ هـ)\nمحمد بن ناصر بن علي بن عمر السلامي أبو الفضل الإمام المحدث الحافظ. ولد سنة سبع وستين وأربعمائة. وربي يتيما في كفالة جده لأمه الفقيه أبي حكيم الخبري، لقنه القرآن، وسمعه من أبي القاسم علي بن أحمد البسري وأبي طاهر الأنباري، ثم طلب وسمع من عاصم بن الحسن ومالك بن أحمد البانياسي وأبي الغنائم بن أبي عثمان ورزق الله التميمي وخلق كثير، وقرأ ما لا يوصف كثرة وحصل الأصول وجمع وألف وبعد صيته وكان فصيحا مليح القراءة قوي العربية جم الفضائل. تفرد بإجازات عالية. روى عنه ابن طاهر وأبو عامر العبدري وأبو الفرج ابن الجوزي وآخرون. قال ابن الجوزي: كان شيخنا ثقة حافظا ضابطا من أهل السنة لا مغمز فيه. وقال ابن النجار: كان ثقة ثبتا حسن الطريقة متدينا فقيرا متعففا نظيفا نزها وقف كتبه. ورجع عن الأشعرية.\nتوفي في ثامن عشر شعبان سنة خمسين وخمسمائة.\n_________\n(١) المنهاج (٥/ ٢٦٩ - ٢٧٠).\n(٢) السير (٢٠/ ٢٦٥ - ٢٧١) والمنتظم (١٨/ ١٠٣ - ١٠٤) ووفيات الأعيان (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤) والوافي بالوفيات (٥/ ١٠٤ - ١٠٦) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٥٠) والعبر (٢/ ٩٩) وشذرات الذهب (٤/ ١٥٥ - ١٥٦).","vol":"7","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2600>موقفه من الجهمية:</span>\nرجوعه عن الأشعرية:\nقال ابن النجار: قرأت بخط ابن ناصر وأخبرنيه عنه سماعا يحيى بن الحسين قال: بقيت سنين لا أدخل مسجد أبي منصور الخياط، واشتغلت بالأدب على التبريزي، فجئت يوما لأقرأ الحديث على الخياط، فقال: يا بني، تركت قراءة القرآن، واشتغلت بغيره؟ عد، واقرأ علي ليكون لك إسناد، فعدت إليه في سنة اثنتين وتسعين، وكنت أقول كثيرا: اللهم بين لي أي المذاهب خير. وكنت مرارا قد مضيت إلى القيرواني المتكلم في كتاب التمهيد للباقلاني، وكأن من يردني عن ذلك. قال: فرأيت في المنام كأني قد دخلت المسجد إلى الشيخ أبي منصور، وبجنبه رجل عليه ثياب بيض ورداء على عمامته يشبه الثياب الريفية، دري اللون، عليه نور وبهاء، فسلمت، وجلست بين أيديهما، ووقع في نفسي للرجل هيبة وأنه رسول الله - ﷺ -، فلما جلست التفت إلي، فقال لي: عليك بمذهب هذا الشيخ، عليك بمذهب هذا الشيخ. ثلاث مرات، فانتبهت مرعوبا، وجسمي يرجف، فقصصت ذلك على والدتي، وبكرت إلى الشيخ لأقرأ عليه، فقصصت عليه الرؤيا، فقال: يا ولدي، ما مذهب الشافعي إلا حسن، ولا أقول لك: اتركه، ولكن لا تعتقد اعتقاد الأشعري. فقلت: ما أريد أن أكون نصفين، وأنا أشهدك، وأشهد الجماعة أني منذ اليوم على مذهب أحمد بن حنبل في الأصول والفروع. فقال لي: وفقك الله. ثم أخذت في سماع كتب أحمد ومسائله والتفقه على مذهبه،","vol":"7","page":142},{"text":"وذلك في رمضان سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2601>موقف السلف من أبي مسعود عبد الجليل بن محمد كوتاه الجهمي (٥٥٣ ه</span>ـ)\nموقف شيخه أبي القاسم إسماعيل بن محمد منه:\nقال السمعاني: لما وردت أصبهان كان ما يخرج من داره إلا لحاجة مهمة، كان شيخه إسماعيل الحافظ هجره، ومنعه من حضور مجلسه لمسألة جرت في النزول، وكان كوتاه يقول: النزول بالذات، فأنكر إسماعيل هذا، وأمره بالرجوع عنه، فما فعل. (٢)\nتعليق الإمام الذهبي:\nومسألة النزول فالإيمان به واجب، وترك الخوض في لوازمه أولى، وهو سبيل السلف، فما قال هذا: نزوله بذاته، إلا إرغاما لمن تأوله، وقال: نزوله إلى السماء بالعلم فقط. نعوذ بالله من المراء في الدين. وكذا قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (٣) ونحوه، فنقول: جاء، وينزل، وننهى عن القول: ينزل بذاته، كما لا نقول: ينزل بعلمه، بل نسكت ولا نتفاصح على الرسول - ﷺ - بعبارات مبتدعة والله أعلم. (٤)\n_________\n(١) السير (٢٠/ ٢٦٩ - ٢٧٠).\n(٢) السير (٢٠/ ٣٣٠).\n(٣) الفجر الآية (٢٢).\n(٤) السير (٢٠/ ٣٣١).","vol":"7","page":143},{"text":"ابن نَاجِيَة أحمد بن أبي المعالي (١) (٥٥٤ هـ)\nالعلامة أبو القاسم أحمد بن أبي المعالي المعروف بابن ناجية. سمع أبا عبد الله بن البسري، وأبا الحسين بن الطيوري. روى عنه ابن سكينة وابن الأخضر. كان فقيها فاضلا دينا حسن الكلام في المسائل، حلو المنطق في الوعظ، تفقه على أبي الخطاب الكلوذاني وبرع في الفقه. وقال صدقة بن الحسين: كان شيخا كبيرا قد نيف على الثمانين، فقيها مناظرا عارفا، له مخالطة بالفقهاء. توفي سنة أربع وخمسين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2603>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: قال السمعاني: فقيه دين، حلو الوعظ، تفقه على أبي الخطاب، ثم تحول حنفيا، ثم شافعيا وقال لي: أنا اليوم متبع للدليل، ما أقلد أحدا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2604>موقف السلف من علي بن المهدي الخارجي (٥٥٤ ه</span>ـ)\nقال عمارة اليمني: لازمته سنة، وتركت التفقه، ونسكت، فأعادني أبي إلى المدرسة، فكنت أزوره في الشهر، فلما استفحل أمره تركته، ولم يزل من سنة ٥٣٠هـ يعظ ويخوف في القرى، ويحج على نجيب، وأطلقت له السيدة أم فاتك ولأقاربه خراج أملاكهم، فتمولوا إلى أن صار جمعه نحو أربعين ألف\n_________\n(١) السير (٢٠/ ٣١٥) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٣٢) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٥٨) والوافي بالوفيات (٧/ ١١٢).\n(٢) السير (٢٠/ ٣١٥).","vol":"7","page":144},{"text":"مقاتل، وحارب، وكان يقول: دنا الوقت، أزف الأمر، كأنكم بما أقول لكم عيانا، ثم ثار ببلاد خولان، وعاث وسبى، وأهلك الناس، ثم لقيته عند الداعي بجبلة سنة تسع وأربعين يستنجد به، فأبى، ثم دبر على قتل وزير آل فاتك، ثم زحف إلى زبيد، فقاتله أهلها نيفا وسبعين زحفا، وقتل خلائق من الفريقين، ثم قتل فاتك متولي زبيد، وأخذها ابن مهدي في رجب سنة أربع وخمسين وخمس مائة، فما متع، وهلك بعد ثلاثة أشهر، وقام بعده ابنه عبد النبي، وعظم، حتى استولى على سائر اليمن، وجمع أموالا لا تحصى، وكان حنفي المذهب -أعني الأب- يرى التكفير بالمعاصي، ويستحل وطء سبايا من خالفه، ويعتقد فيه قومه فوق اعتقاد الخلق في نبيهم. قال وحكي لي عنه أنه لم يثق بيمين من يصحبه حتى يذبح ولده أو أخاه، وكان يقتل بالتعذيب في الشمس، ولا يشفع أحد عنده، وليس لأحد من عسكره فرس يملكه ولا سلاح، بل الكل عنده إلى وقت الحرب، والمنهزم منهم يقتل جزما، والسكران يقتل، ومن زنى أو سمع غناء يقتل، ومن تأخر عن صلاة الجماعة قتل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2605>موقف السلف من وزير مصر الملك أبي الغارات الرافضي (٥٥٦ ه</span>ـ)\nجاء في السير: قال الشريف الجواني: كان في نصر المذهب كالسكة المحماة لا يفرى فريه، ولا يبارى عبقريه، وكان يجمع العلماء، ويناظرهم على\n_________\n(١) السير (٢٠/ ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"7","page":145},{"text":"الإمامة.\nقال الذهبي: صنف في الرفض والقدر.\nولقد قال لعلي بن الزبد لما ضجت الغوغاء يوم خلافة العاضد وهو حدث: يا علي، ترى هؤلاء القوادين دعاة الإسماعيلية يقولون: ما يموت الإمام حتى ينصها في آخر، وما علموا أني من ساعة كنت أستعرض لهم خليفة كما أستعرض الغنم. (١)\n\nيحيى بن سالم العمراني (٢) (٥٥٨ هـ)\nيحيى بن سالم بن سعد ين يحيى الفقيه أبو الخير العمراني، صاحب كتاب البيان، وله تصانيف مفيدة، نشر العلم باليمن، ورحل الناس إليه وتفقهوا عليه، وكان إماما زاهدا ورعا عالما خيرا مشهور الاسم بعيد الصيت عارفا بالفقه وأصوله، له رد على القدرية والأشعرية. توفي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2607>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ﵀ في الانتصار: اختلف الناس في الإمامة بعد رسول الله - ﷺ -، فذهب أهل الحديث وعلماء السلف أن الإمام الحق بعد رسول الله - ﷺ - هو أبو بكر الصديق ﵁، وأن إمامته ثبتت بعقد الصحابة رضي الله\n_________\n(١) السير (٢٠/ ٣٩٨ - ٣٩٩).\n(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ٥١ - ٥٦٠/ص.٢٧٧ - ٢٧٨) والسير (٢٠/ ٣٧٧ - ٣٧٨) والأعلام (٨/ ١٤٦) وشذرات الذهب (٤/ ١٨٥ - ١٨٦).","vol":"7","page":146},{"text":"عنهم الإمامة له بظواهر أدلة استنبطوها من قول النبي - ﷺ -، ولم ينص النبي صلى عليه وسلم على إمامته ولا عهد بها إليه ولا إلى أحد من الصحابة، وأنه هو أحق الناس بالإمامة في وقته، وأن الإمام الحق بعده هو عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵃، ودرجاتهم في الفضل على درجاتهم في الإمامة.\nوقالت الخوارج بإمامة أبي بكر وعمر وبإمامة عثمان إلى الوقت الذي ادعوا أنه أحدث، وبإمامة علي بن أبي طالب إلى أن حكم وتبرءوا منهما بعد ذلك.\nوادعت فرقة منهم يقال لهم البكرية منسوبة إلى شيخ لهم يسمى بكرا أن النبي - ﷺ - وصى بالإمامة إلى أبي بكر ﵁ ونص عليه.\nوقالت المعتزلة بإمامة أبي بكر وعمر وفسقوا عثمان وعليا وقاتلي عثمان وخاذليه وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية وأبا موسى الأشعري. وقال أستاذهم عمرو بن عبيد: لو شهد عندي علي بن أبي طالب على شراك نعل ما قبلت شهادته.\nوذهب فرقة الراوندية إلى أن الإمامة للعباس بن عبد المطلب، وقد نص عليه النبي - ﷺ -.\nوقالت الروافض والشيعة بإمامة علي بن أبي طالب، فادعوا أن النبي - ﷺ - نص على إمامته نصا لا يحتمل التأويل، ورفضوا إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وكفروا الصحابة كلهم إلا أربعة: علي بن أبي طالب وأبا ذر والمقداد وسلمان الفارسي.\nثم افترقت الرافضة والشيعة في الإمامة بعد علي ﵁ على","vol":"7","page":147},{"text":"ثلاث فرق. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2608>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀ موضحا اعتقاده في القرآن: فإن كلام الله هو القرآن، وهو هذه السور التي هي آيات لها أول وآخر، وهو القرآن المنزل بلسان العرب تكلم الله به بحروف لا كحروفنا وصوت يسمع لا كأصواتنا، وهو صفة لله قديم بقدمه غير مخلوق.\nوقال جهم والمعتزلة والقدرية: هو مخلوق ولا يتصور على أصلهم أن ما يتلونه من القرآن يصفونه بأنه مخلوق لله كسائر مخلوقاته من السماء والأرض، وهما من الأجسام، بل هو خلق لهم كخلقهم لجميع أقوالهم التي ينطقون بها من الشعر والنثر وسائر الكلام.\nوقالت الكلابية والأشعرية: كلام الله الذي ليس بمخلوق هو معنى قائم بنفسه لا يفارق ذاته، وهذا القرآن المتلو المسموع عبارة وحكاية عن الكلام القائم بنفسه، وكذلك القول عندهم في كلام البشر هو معنى قائم بذات المتكلم. وهذه الحروف والأصوات المسموعة منهم عبارة عن المعنى القائم بالذات لا تسمى كلاما حقيقة بل مجازا أو توسعا. والأشعرية موافقة للمعتزلة في أن هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق.\nوزعم قوم أن هذا القرآن كلام الله ووقفوا، وقالوا: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وهم الواقفة. (٢)\n_________\n(١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٣/ ٨٢٤ - ٨٢٦).\n(٢) الانتصار في الرد على المعتزلة (٢/ ٥٤١ - ٥٤٥).","vol":"7","page":148},{"text":"- ثم قال ﵀: إذا تقرر ما ذكرنا أن القرآن غير مخلوق، وأن القرآن عند أصحاب الحديث هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد - ﷺ -، وهو القرآن العربي، السور والآيات المتلو باللسان والمسموع بالآذان المعقول بالأذهان المحفوظ في الصدور المكتوب بالمصاحف بالسطور له أول وآخر وبعض، فمن قال بخلقه فهو كافر كفرا يخرجه عن الملة، لما تقدم ذكره في الفصل قبل هذا، وقد وافقنا الأشعرية على أن القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه فهو كافر، وردوا على قولة المعتزلة والقدرية إنه مخلوق.\nإلا أن الأشعرية قالوا: كلام الله الحقيقي هو معنى قائم في نفسه لا يفارقه، لا يدخل كلامه النظم والتأليف والتعاقب، ولا يكون بحرف وصوت ولا يتكلم الله بالعربية ولا بغيرها من اللغات، وليس له أول ولا آخر ولا بعض، بل هو شيء واحد لم ينزله الله على نبينا محمد - ﷺ -، ولا على أحد من الأنبياء، ولا يتلى ولا يكتب، ولم يسمعه أحد إلا موسى ﵇، وهذه السور والآيات عبارة وحكاية عن كلام الله وتسمى قرآنا، وكذلك التوراة عبارة عن كلام الله بلغة موسى وقومه، والإنجيل عبارة عن كلام الله بلغة عيسى وقومه. فادعوا أن كلام الله غير القرآن وأن القرآن غير كلام الله. فقولهم إن القرآن غير مخلوق تلاعب وخلف من الكلام. (١)\n- ثم تحدث عن مسألة الاستواء فقال: عند أصحاب الحديث والسنة أن الله سبحانه بذاته، بائن عن خلقه، على العرش استوى فوق السموات، غير مماس له، وعلمه محيط بالأشياء كلها.\n_________\n(١) الانتصار في الرد على المعتزلة (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥).","vol":"7","page":149},{"text":"وقالت الكرامية: إنه مماس للعرش.\nوقالت المعتزلة: إن ذات الله بكل مكان حتى بالحشوش وأجواف الحيوان.\nقيل لبشر المريسي فهو في جوف حمارك هذا؟ قال: نعم، وهذا قول الحلولية وهو كفر صريح لا إشكال فيه.\nوقالت الأشعرية: لا يجوز وصفه بأنه على العرش ولا في السماء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2609>موقفه من الخوارج:</span>\nقال في الانتصار: ومذهب أهل السنة أن الموحدين لا يكفرون بفعل شيء من المعاصي الصغائر والكبائر، وإذا عملوا الكبائر وتابوا لم تضرهم، وإن ماتوا قبل التوبة منها فأمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم عليها وإن شاء غفرها لهم، وإن عذب العباد على الصغائر لم يكن ظالما لهم بذلك.\nوقالت المرجئة: لا يوصف الله بأنه يعذب عباده على ذنب غير الكفر.\nوقالت الخوارج: من أذنب متعمدا كفر بالله سواء فعل صغيرة أو كبيرة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2610>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀ في كتابه الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: وعند أهل السنة والحديث أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية،\n_________\n(١) الانتصار في الرد على المعتزلة (٢/ ٦٠٧ - ٦٠٩).\n(٢) الانتصار في الرد على المعتزلة (٣/ ٦٦٦ - ٦٦٨).","vol":"7","page":150},{"text":"وأهل الإيمان على مراتب. (١)\n- وقال: وقالت المرجئة والكرامية وأهل الزيغ من القدرية وغيرهم: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإن إيمان الأنبياء كإيمان سائر العصاة من الخلق. (٢)\n- وقال: ويلزم المرجئة الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل أن إبليس مؤمن لأن الله أخبر أنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ (٣) وقال: ﴿رب فَأَنْظِرْنِي﴾ (٤) فأخبر الله أنه قال بلسانه أن له ربا، ويلزم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان معرفة بلا قول ولا عمل أن اليهود مؤمنون لأن الله تعالى أخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٥) وقد علمنا أن الكفار عرفوا بعقولهم أن الله خلقهم وأنه خلق السماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٦) ويعرفون أيضا أنه لا ينجيهم من ظلمات البر والبحر إلا الله، ويدعون إلى الله أن ينجيهم وبذلك أخبر الله عنهم. (٧)\n- وقال: واحتجت الأشعرية ومن قال إن الإيمان هو التصديق\n_________\n(١) (٣/ ٧٦٢).\n(٢) (٣/ ٧٦٣).\n(٣) الحجر الآية (٣٩).\n(٤) الحجر الآية (٣٦).\n(٥) البقرة الآية (١٤٦).\n(٦) لقمان الآية (٢٥).\n(٧) (٣/ ٧٩٥).","vol":"7","page":151},{"text":"بالقلب لا غير بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (١) أي بمصدق لنا، وبقول الناس: فلا يؤمن بعذاب القبر وبالشفاعة وما أشبهها، وأراد به التصديق.\nوالجواب: أنا لا ننكر أن هذا حد الإيمان في اللغة. وأما في الشرع فهو أشرف خصال الإيمان، ولا يمتنع أن يكون للشيء اسم في اللغة واسم في الشرع، وإذا ورد الشرع به فإنه يجب حمله على ما تقرر اسمه في الشرع كالصلاة فإنها في اللغة المراد بها الدعاء، وهي في الشرع عبارة عن هذه الأفعال المشروعة في الصلاة، وكذلك الصيام فهو في اللغة اسم للإمساك عن جميع الأشياء، وهو في الشرع اسم للإمساك عن أشياء مخصوصة، والزكاة في اللغة اسم للزيادة، وهي في الشرع اسم لأخذ شيء من المال، والحج في اللغة القصد، وهو في الشرع اسم لهذه الأفعال المشروعة، والغائط في اللغة اسم للموضع المطمئن، وفي الشرع اسم لما يخرج من الإنسان، وإذا ورد الشرع بشيء من هذه الأشياء، فإنما يحمل على ما تقرر في الشرع لا على مقتضاه في اللغة.\nواحتجت المرجئة ومن قال إن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب دون الأعمال بالأخبار المشهورة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة». (٢)\nوبما روى عبادة بن الصامت أن النبي - ﷺ - قال: «من شهد أن لا إله إلا\n_________\n(١) يوسف الآية (١٧).\n(٢) أخرجه من حديث معاذ ﵁: أحمد (٥/ ٢٤٧) وأبو داود (٣/ ٤٨٦/٣١١٦) والحاكم (١/ ٣٥١) وصححه ووافقه الذهبي. وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه: ابن حبان (الإحسان ٧/ ٢٧٢/٣٠٠٤). وليس في شيء من الروايات محمد رسول الله.","vol":"7","page":152},{"text":"الله وأن محمدا رسول الله حرم على النار». (١)\nوالجواب عن هذه الأخبار من وجهين: أحدهما: أن نقول كما قال الزهري: (الأخبار كانت قبل نزول الفرائض والأمر والنهي). والثاني: أن نقول هذا خبر عما يؤول إليه أمر الموحدين بأن الله سيدخل الموحدين الجنة، وإن عذبهم فبذنوبهم، ولا يخلدون في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة والقدرية. وقد أخبر الله سبحانه في القرآن أنه إنما يدخل العباد الجنة بالإيمان والعمل في آيات كثيرة منها في البقرة، قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (٤)، وفي النساء قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٣١٨) ومسلم (١/ ٥٧ - ٥٨/ ٢٩) والترمذي (٥/ ٢٣ - ٢٤/ ٢٦٣٨) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٧٧/١٠٩٦٧).\n(٢) البقرة الآية (٢٥).\n(٣) البقرة الآية (٢٧٧).\n(٤) آل عمران الآية (٥٧).\n(٥) النساء الآية (١٢٢).","vol":"7","page":153},{"text":"الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١)، وفي المائدة قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ (٢)، وفي الأنعام قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾ (٣)،\nوفي الأعراف قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ (٤)، وهذا كثير في القرآن وآخره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (٥)، ولم يذكر الله في القرآن دخول الجنة بغير عمل، بل أخبر أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وأخبر أنه لا يغفر الشرك، فالقرآن لا يتناقض وإنما يؤيد بعضه بعضا. (٦)\n_________\n(١) النساء الآية (١٧٣).\n(٢) المائدة الآية (٩).\n(٣) الأنعام الآية (٤٨) ..\n(٤) الأعراف الآيتان (٤٢و٤٣).\n(٥) العصر الآيتان (٢و٣).\n(٦) (٣/ ٧٥٦ - ٧٥٩).","vol":"7","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2611>موقفه من القدرية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'السنة' ذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش ونقل منه ما يتعلق بموضعه.\n٢ - 'الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار'، وقد طبع في ثلاث مجلدات.\nوسبب تأليفه أن العمراني ألف رسالة بين فيها عقيدة أهل السنة فجعلها نصيحة للمسلمين وتحذيرا لهم مما أظهره القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام الزيدي من الاعتزال والكلام في القدر، فحرر هذا الأخير ردا على العمراني سماه الدامغ للباطل من مذهب الحنابل، فألف العمراني كتابه هذا ردا عليه وعلى الطوائف المبتدعة المخالفة لمعتقد أهل السنة. وضمنه فصولا جيدة ننقل منها أمثلة:\n- قال: ولم يزل العلماء يردون على القدرية أقوالهم ويبطلون استدلالهم ويكشفون تلبيسهم ويظهرون تدليسهم، وبذلك أخبر النبي - ﷺ - بقوله: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». (١) ولا تزول الشبه عن قلوب العامة إلا من حيث دخلت وقد كان - ﷺ - يزيل الشبه من حيث علم دخولها. (٢)\n_________\n(١) أخرجه البزار (١/ ٨٦/١٤٣ كشف الأستار)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٥٩) عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة مرفوعا. وأخرجه العقيلي في الضفعاء (٤/ ٢٥٦) وابن عدي في الكامل (١/ ١٤٦) وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٥٨ - ٥٩) والخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص.٢٩) والبيهقي (١٠/ ٢٠٩) عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرسلا. قال القسطلاني في إرشاد الساري (١/ ١٣): \"وهذا الحديث رواه من الصحابة علي وابن عمر وابن عمرو وابن مسعود وابن عباس وجابر بن سمرة ومعاذ وأبو هريرة ﵃، وأورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة كما صرح به الدارقطني وأبو نعيم وابن عبد البر لكن يمكن أن يتقوى بتعدد طرقه ويكون حسنا كما جزم به ابن كيكلدى العلائي\".\n(٢) الانتصار (١/ ٩٤).","vol":"7","page":155},{"text":"- وقال: وقد أدخلت المعتزلة، والقدرية على الإسلام وأهله شبها في الدين ليموهوا بها على العوام، ومن لا خبرة له بأصولهم التي بنوا عليها أقوالهم، فاتبعوا متشابه القرآن وأولوا القرآن على خلاف ما نقل عن الصحابة والتابعين المشهورين بالتفسير، لينفقوا بذلك أقوالهم، فهم أشد الفرق ضررا على أصحاب الحديث، ثم بعدهم الأشعرية. لأنهم أظهروا الرد على المعتزلة وهم قائلون بقولهم.\nفاستخرت الله سبحانه على كشف تلبيسهم، وإظهار تدليسهم بهذا الكتاب، وجعلته فصولا كل فصل فيه يشتمل على ذكر فائدة منفردة ليقرب على قارئه أخذ الفائدة منه، وقدمت ذكر مذاهب أصحاب الحديث جملة، ثم الأصول التي بنى أصحاب الحديث أقوالهم عليها، وبينت انسلاخ القدرية منها. (١)\nوقال: فالمعتزلة والقدرية عن سنن النبي - ﷺ - بمعزل لوجوه:\nأحدها: أنهم يطعنون على الصحابة ﵃ الذين بايعوا أبا بكر وعمر وينسبونهم إلى الظلم لعلي ﵁، وقد أمرنا النبي - ﷺ - بالاقتداء بهم جميعا والأخذ عنهم.\nوالثاني: أنهم يطعنون على أصحاب الحديث بعدهم، وقد صرح هذا الرجل المعترض بدامغه هذا، فقال: أصحاب الحديث حمال أسفار أو أسمار. وهم الواسطة بيننا وبين نبينا ولم يتصل إلينا القرآن الذي هو أصل السنة إلا منهم.\nوالثالث: أن السنة فرع للقرآن، لأن نبوة النبي - ﷺ - إنما ثبتت بثبوت\n_________\n(١) الانتصار (١/ ٩٥ - ٩٦).","vol":"7","page":156},{"text":"معجزته ولا معجزة له فينا باقية إلى يوم القيامة إلا القرآن الذي هو كلام الله القديم. وإذا كان القرآن عند القدرية مخلوقا كسائر كلامهم لم يثبت فرعه، وهو السنة.\nوالرابع: أن المعروف منهم اجتناب النقل والرواية عن المشهورين بالنقل، ولا عندهم كتب فيها سند صحيح كنحو الكتب المشهورة في الأمصار كالبخاري ومسلم والترمذي، وسنن أبي داود وغير ذلك من التصانيف التي أجمع أئمة الأمصار على روايتها والاحتجاج بها، وإنما عندهم خطب وكتب مزخرفة ينسبونها إلى أهل البيت وهم عنها برآء، كما اشتهر عنهم من القول بخلافها، ومعتمدهم كلام المتكلمين في الأعراض والجواهر والأجسام.\nوالوجه الخامس: أن القدرية إذا روي لهم خبر عن النبي - ﷺ - عارضوه بخبر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله وعلى عقولكم؛ فإن وافق ذلك وإلا فارموا به». (١)\nوهذا الخبر ليس بصحيح؛ لأنا لو عرضناه على كتاب الله لم نجد ما يوافقه، ولو عرضنا الأخبار المروية عن النبي - ﷺ - في مواقيت الصلاة وأعداد الركعات وغير ذلك من الأحكام التي نقلت عن النبي - ﷺ - نقلا متواترا وأجمع\n_________\n(١) لم أجده بلفظ: «وعلى عقولكم» وأخرجه بدون هذه الزيادة: الطبراني في الكبير (١٢/ ٣١٦/١٣٢٢٤) من طريق أبي حاضر عن الوضين عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - قال: فذكره بنحوه. وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٥) وقال بعد عزوه للطبراني: \"وفيه أبو حاضر عبد الملك بن عبد ربه وهو منكر الحديث\". وتعقب الشيخ الألباني الهيثمي في قوله هذا بأن أبا حاضر هذا ليس هو عبد الملك بن عبد ربه. وأبو حاضر هذا عداده في المجهولين ذكر ذلك ابن عبد البر في الاستغناء (ترجمة ١٥٤٨) وكذا الذهبي في الميزان وابن حجر في اللسان. والحديث أعله الشيخ الألباني في الضعيفة (١٠٨٨) بأربع علل. وفي الباب عن أبي هريرة وعلي بن أبي طالب وغيرهما.","vol":"7","page":157},{"text":"العلماء عليها على كتاب الله أو على العقل لم نجد ما يوافقها، فعلم بذلك أن هذا الخبر لا أصل له، وإنما دعاهم إلى ذلك عجزهم عن ضبط الأحاديث. (١)\nوقال: ومما خالفت به القدرية والمعتزلة الكتاب والسنة وأهل الحديث وركبت العناد فيه أن قالوا: ليس لله حياة ولا علم ولا إرادة ولا قوة ولا سمع ولا بصر ولا كلام وردوا ما جاء به القرآن من إثبات الوجه واليدين لله.\nقال هذا الرجل (٢) بخطبة دامغه المنقلب عليه: استغنى الله بذاته عن كل مجهول من الأشياء ومعروف لا يحتاج في الاتصاف بأوصاف الكمال والاستحقاق لا سيما العزة والجلال.\nوهذا متابعة منه لأسلافه من المعتزلة في نفي هذه الصفات عن الله، ونسب أهل السنة لما وصفوه بذلك إلى الكذب.\nواستدل على قوله هذا بأن قال: كأنهم لم يسمعوا الله يقول وهو أصدق القائلين: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ (٣).\nودليلنا على إثبات هذه الصفات لله تعالى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ\n_________\n(١) الانتصار (١/ ١٠٩ - ١١٣).\n(٢) يقصد القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام في كتابه: 'الدامغ للباطل من مذاهب الحنابل'.\n(٣) يونس الآية (٦٨).\n(٤) فاطر الآية (١١).","vol":"7","page":158},{"text":"بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غائبين (٧)﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (٢). والقوة القدرة (٣) وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَن اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٥). والدليل على إثبات الكلام له قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦)، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٧). وقال النبي - ﷺ -: «من ينصرني حتى أبلغ كلام ربي» (٨). والدليل على إثبات السمع والبصر ما أخبر الله عن إبراهيم أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ (٩). ولو كان إله إبراهيم لا يسمع ولا يبصر لكان دليله منقلبا عليه. وقال النبي - ﷺ - في دعائه: «يا من وسع سمعه الأصوات». (١٠)\n_________\n(١) الأعراف الآية (٧).\n(٢) الذاريات الآية (٥٨).\n(٣) بل القوة صفة من صفات الله تعالى الثابتة له من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل.\n(٤) فصلت الآية (١٥).\n(٥) البقرة الآية (١٦٥).\n(٦) التوبة الآية (٦).\n(٧) الفتح الآية (١٥).\n(٨) أحمد (٣/ ٣٢٢) وأبو داود (٥/ ١٠٣/٤٧٣٤) والترمذي (٥/ ١٦٨/٢٩٢٥) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١١/٧٧٢٧) وابن ماجه (١/ ٧٣/٢٠١) وصححه ابن حبان (١٤/ ١٧٢ - ١٧٤/ ٦٢٧٤) كلهم من حديث جابر.\n(٩) مريم الآية (٤٢).\n(١٠) لم أعثر عليه مرفوعا إلى النبي - ﷺ -، وإنما ثبت من قول عائشة ﵂ في قصة المجادلة بلفظ: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات .. أخرجه: أحمد (٦/ ٤٦) والبخاري تعليقا (١٣/ ٤٦٠) والنسائي (٦/ ٤٨٠/٣٤٦٠) وابن ماجه (١/ ٦٧/١٨٨) والحاكم (٢/ ٤٨١) وصححه ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في تغليق التعليق (٥/ ٣٣٩): \"هذا حديث صحيح\".","vol":"7","page":159},{"text":"والدليل على إثبات الحياة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، فوصف الله سبحانه نفسه بأنه يسمع ويبصر ويتكلم وأنه حي، وحقيقة الموصوف بصفة ثبوت الصفة له، وليس بين الموصوف بهذه الصفات وبين الموصوف بضدها وهي: الموت والعجز والجهل والعمى والصمم والخرس فرق إلا ثبوت هذه الصفات وعدمها، كما أنه موصوف بالوجود لئلا يكون موصوفا بضده وهو العدم، وأما إثبات الوجه واليدين فإنه إثبات صفة لا إثبات جارحة له كما أثبتته المجسمة.\nولا نفسر ذلك كما فسرته الأشعرية، ولا ننفي ذلك كما نفته القدرية. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٣). وقال الله لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤)، وأراد الله بذلك إظهار الفضيلة لآدم على إبليس. (٥)\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٥٥).\n(٢) القصص الآية (٨٨).\n(٣) الرحمن الآية (٢٧).\n(٤) ص الآية (٧٥).\n(٥) الانتصار (١/ ١٣٤ - ١٣٦).","vol":"7","page":160},{"text":"ابن هُبَيْرَة (١) (٥٦٠ هـ)\nالوزير الكامل الإمام العادل العالم أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي، ولد بقرية بني أوقر، قرية قريبة من بغداد سنة تسع وتسعين وأربعمائة. ودخل بغداد في صباه وطلب العلم، فسمع الحديث من عثمان بن ملة، وعبد الوهاب الأنماطي، وتفقه بأبي الحسين ابن القاضي أبي يعلى، ومهر في اللغة، وكان عارفا بالمذهب. قال عنه الذهبي: كان سلفيا، أثريا، دينا خيرا متعبدا وقورا، متواضعا بارا بالعلماء، مكبا مع أعباء الوزارة على العلم وتدوينه. وقال عنه ابن كثير: كان من خيار الوزراء وأحسنهم سيرة، وأبعدهم عن الظلم. ومن شعره ﵀:\nتمسك بتقوى الله، فالمرء لا يبقى ولا تظلمن الناس ما في أيديهم تعود فعال الخير جمعا فكل ما ... وكل امرئ ما قدمت يده يلقى\nولا تذكرن إفكا ولا تحسدن خلقا\nتعوده الإنسان صار له خلقا\n\nوله كتاب 'الإفصاح' شرح فيه الجمع بين الصحيحين للحميدي. توفي سنة ستين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2613>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان من خيار عباد الله، تولى الوزارة فنفع الله به أهل السنة فرفعهم وأكرمهم، وواظب على طلب العلم ومجالسة العلماء. وكان مثالا في الورع، يعرف ذلك من قرأ سيرته وترجمته.\n_________\n(١) السير (٢٠/ ٤٢٦ - ٤٣٢) والمنتظم (١٨/ ١٦٦ - ١٦٧) والكامل في التاريخ (١١/ ٣٢١) ووفيات الأعيان (٦/ ٢٣٠ - ٢٤٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩) وشذرات الذهب (٤/ ١٩١ - ١٩٧) وطبقات الحنابلة (٣/ ٢٥١ - ٢٨٩).","vol":"7","page":161},{"text":"- قال ابن الجوزي: وكان متشددا في اتباع السنة وسير السلف ... فكان يجتهد في اتباع الصواب ويحذر من الظلم. (١)\n- وجاء في الطبقات أنه قال: من مكايد الشيطان: تنفيره عباد الله من تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعا.\nومنها: أن يخرج جوالب الفتن مخرج التشدد في الدين.\nومنها: أن يقيم أوثانا في المعنى تعبد من دون الله، مثل أن يبين الحق، فيقول: ليس هذا مذهبنا، تقليدا للمعظم عنده، قد قدمه على الحق. (٢)\n- وقال عقب حديث ابن مسعود: «إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، و﴿إِن مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ (٣)» (٤): وهدي النبي - ﷺ - طريقته، والهدي: الطريقة؛ ففي هذا الحديث دليل على أن من أحدث في الدين شيئا لم يفعله رسول الله - ﷺ -، فإنه خارج عن أن يسمى أحسن، بل الذي فعله رسول الله - ﷺ - هو الأحسن.\nوقوله: «شر الأمور محدثاتها»، إنما ذكر الأمور بالألف واللام المعرفتين، لأنه يعني بذلك الأمور التي حررها رسول الله - ﷺ -، فكل ما أحدث بعد\n_________\n(١) المنتظم (١٨/ ١٦٦ - ١٦٧).\n(٢) طبقات الحنابلة (٣/ ٢٧٣).\n(٣) الأنعام الآية (١٣٤).\n(٤) أخرجه البخاري (١٣/ ٣١٠/٧٢٧٧).","vol":"7","page":162},{"text":"رسول الله - ﷺ - فيما حرره فهو شر. (١)\n- وقال عقب حديث أبي ذر: قال رسول الله - ﷺ -: «إن بعدي من أمتي -أو سيكون بعدي من أمتي- قوم، يقرأون القرآن، لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة». (٢)\nقال: وقوله: «لا يعودون فيه»، فإن هذا مما نخاف منه كثيرا على أهل البدع؛ فإن كل مبتدع بدعة لا يرى أنه فيها على ضلال فيعود إلى الحق، وليس في الذنوب ذنب لايستغفر منه صاحبه إلا البدعة؛ لأنه يراها دينا وقربة، فهو لا يستغفر منها، ولا أرى هذا ينصرف إلا إلى أهل البدع، فإنهم يخرجون من الدين بالبدعة ثم لا يعودون إليه؛ لأنهم لا يرون قبح ما هم عليه من الضلالة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2614>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في طبقات الحنابلة قال: والله ما نترك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الرافضة، نحن أحق به منهم، لأنه منا ونحن منه. (٤)\n- وجاء في البداية: وفيها أي سنة إحدى وستين وخمسمائة أظهر الروافض سب الصحابة وتظاهروا بأشياء منكرة، ولم يكونوا يتمكنون منها\n_________\n(١) الإفصاح عن معاني الصحاح (٢/ ٨١ - ٨٢).\n(٢) أحمد (٥/ ٣١) ومسلم (٢/ ٧٥٠/١٠٦٧) وابن ماجه (١/ ٦٠/١٧٠).\n(٣) الإفصاح عن معاني الصحاح (٢/ ١٨٩ - ١٩٠).\n(٤) طبقات الحنابلة (٣/ ٢٧٣).","vol":"7","page":163},{"text":"في هذه الأعصار المتقدمة خوفا من ابن هبيرة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2615>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في ذيل طبقات الحنابلة عنه قال: تفكرت في أخبار الصفات، فرأيت الصحابة والتابعين سكتوا عن تفسيرها مع قوة علمهم، فنظرت السبب في سكوتهم، فإذا هو قوة هيبة للموصوف، ولأن تفسيرها لا يتأتى إلا بضرب الأمثال لله، وقد قال ﷿: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٢). قال: وكان يقول: لا يفسر على الحقيقة ولا على المجاز. لأن حملها على الحقيقة تشبيه وعلى المجاز بدعة.\nوقال: ولا نترك الشافعي مع الأشعرية، فإنا أحق به منهم. (٣)\nالتعليق:\nما أدري ماذا يقصد بقوله: ولا يفسر على الحقيقة، فإن كان يقصد التفويض فبئس الرأي، وإن كان يقصد التشبيه، فهذا هو المظنون به، لأن العبارات السابقة واللاحقة تدل على أنه يقصد نفي الكيفية. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2616>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال في شرحه لحديث علي ﵁ «... فيهم رجل مخدج اليد ...» الحديث (٤). فيه من الفقه توفر الثواب في قتل الخوارج، وأنه بلغ إلى\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ٢٦٩).\n(٢) النحل الآية (٧٤).\n(٣) ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٧٣).\n(٤) مسلم (١٠٦٦).","vol":"7","page":164},{"text":"أن خاف علي ﵁ أن يبطر أصحابه إذا أخبرهم بثوابهم في قتلهم، وإنما ذكر هذه لئلا يرى أحد في وقت ظهور مثلهم أن قتال المشركين أولى من قتالهم، بل قتالهم على هذا الكلام أولى من قتال المشركين، لأن في ذلك حفظ رأس مال الإسلام، وقتال المشركين هو طلب ربح في الإسلام. (١)\n- وقال في حديث زيد بن وهب «... أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ...» الحديث. (٢) وأن هؤلاء إنما أتوا من الغلو في الدين، وكونهم جفت طباعهم حتى ظنوا أن الدين كله إهانة النفوس للقتل، وأكل الجشب، ولبس الخشن وغير ذلك، فرأوا الصبر على القتل ظانين أن ذلك مما يقربهم عند الله ﷿، وكان ذلك غلطا منهم، وسوء تدبير؛ فإن الحق هو ما شرعه الله ﷿ في الحنيفية السمحة السهلة، وأن يكونوا أشداء على الكفار، رحماء بينهم، وإني لأخاف على كثير ممن يتظاهر بالزهد والانقطاع في زماننا هذا، وأن يكونوا قد بلغوا في الجهل ومخالفة الحق إلى نحو طبقة هؤلاء من كونهم يرون الإنكار على السلطان والهجران لدار الإمام قربة يزعمونها، وفضيلة يدَّعونها، إلا أنهم ليسوا أهل شوكة ولا لهم قلوب تثبت في الحرب، ولذلك نما أمرهم، وإن الحق إعانة الخلافة فيما فرضه الله لها. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2617>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀: وفيه أيضًا من الفقه أن الإيمان درجة ومقام في\n_________\n(١) الإفصاح (١/ ٢٨٠).\n(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٧٤٨/١٠٦٦ (١٥٦».\n(٣) الإفصاح (١/ ٢٨٢).","vol":"7","page":165},{"text":"الإسلام، وأنه لا يوصف بالألف واللام اللتين للتعريف إلا أن يكون إيمانًا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره. (١)\n- وقال أيضا: في هذا الحديث من الفقه أن الغلول يجانب الإيمان، ويكذب دعوى من يدعي أن الإيمان يكون مع الغلول، لأن الغالّ يكون خائنًا خيانة لم يجاهر فيها سوى الله ﷿، فلو كان مؤمنًا به لم يكن ليخفي من الناس ما يجاهر الله ﷿ به، فاستدل رسول الله - ﷺ - أن من يخرج إلى الجهاد في سبيل الله مخاطرًا بنفسه معرضًا لها للشهادة ثم يغلُّ شملة أو غير شملة، فإن غلوله ذلك مكذب لما ادعاه من إيمانه؛ ولذلك قال: «إني رأيته في النار في بردة غلّها» (٢)، ولذلك أمر عمر فنادى: «إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون». (٣)\n- قال ﵀ وهو يشرح حديث وفد عبد القيس (٤): في هذا الحديث من الفقه أنه يدل على أن الإيمان قول وعمل. (٥)\n- قال ﵀ تحت حديث «لا يزني الزاني وهو مؤمن» (٦): وقد دل الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، وخروجه من العبد وعوده إليه. (٧)\n_________\n(١) الإفصاح (١/ ٢٠٠).\n(٢) أخرجه: أحمد (١/ ٣٠) ومسلم (١/ ١٠٧ - ١٠٨/ ١١٤) والترمذي (٤/ ١١٨/١٥٧٤) من حديث عمر ﵁.\n(٣) الإفصاح (١/ ٢٠٢).\n(٤) سيأتي تخريجه في مواقف ابن الصلاح سنة (٦٤٣هـ).\n(٥) الإفصاح (٣/ ٩٥).\n(٦) تقدم تخريجه في مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).\n(٧) الإفصاح (٣/ ٢٠٩).","vol":"7","page":166},{"text":"ابن الحُطَيْئَة أحمد بن عبد الله (١) (٥٦٠ هـ)\nالشيخ الإمام العلامة القدوة شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام اللخمي المغربي الفاسي المقرئ الناسخ ابن الحطيئة. مولده بفاس سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. وحج ولقي الكبار، وتلا بالسبع على أبي القاسم بن الفحام الصقلي وابن بليمة، ومحمد الحضرمي. وسمع من أبي الحسن بن مشرف، وأبي عبد الله الحضرمي، وأبي بكر الطرطوشي. حدث عنه أبو طاهر السلفي، وصنيعة الملك ابن حيدرة، وشجاع المدلجي، والأثير محمد بن محمد بن بنان، وابن قادوس. وأحكم العربية والفقه، وخطه مرغوب فيه لإتقانه، كان لا يقبل من أحد شيئا، مع العلم والعمل والخوف والإخلاص. سكن مصر ودخل الشام. قال السِّلفي: كان ابن الحطيئة رأسا في القراءات. وقال المدلجي: كان شيخنا ابن الحطيئة شديدا في دين الله فظا غليظا على أعداء الله. توفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة ستين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2619>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير عن شجاع المدلجي: لقد كان يحضر مجلسه داعي الدعاة مع عظم سلطانه ونفوذ أمره، فما يحتشمه، ولا يكرمه، ويقول: أحمق الناس في مسألة كذا وكذا الروافض، خالفوا الكتاب والسنة، وكفروا بالله، وكنت عنده يوما في مسجده بشرف مصر، وقد حضره بعض وزراء المصريين أظنه ابن عباس، فاستسقى في مجلسه، فأتاه بعض غلمانه بإناء فضة،\n_________\n(١) وفيات الأعيان (١/ ١٧٠ - ١٧١) ومعرفة القراء الكبار (٢/ ٥٢٦) والوافي بالوفيات (٧/ ١٢١ - ١٢٢) والسير (٢٠/ ٣٤٤ - ٣٤٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٥١ - ٥٦٠/ص.٢٩٦ - ٢٩٩) وشذرات الذهب (٤/ ١٨٨).","vol":"7","page":167},{"text":"فلما رآه ابن الحطيئة وضع يده على فؤاده، وصرخ صرخة ملأت المسجد، وقال: واحراها على كبدي، أتشرب في مجلس يقرأ فيه حديث رسول الله - ﷺ - في آنية الفضة؟. لا والله لا تفعل، وطرد الغلام، فخرج، وطلب الشيخ كوزا، فجيء بكوز قد تثلم، فشرب، واستحيى من الشيخ، فرأيته والله كما قال الله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ (١).اهـ (٢)\n- وفيها: وذكرنا في طبقات القراء أن الناس بقوا بمصر ثلاثة أشهر بلا قاض في سنة ثلاث وثلاثين، فوقع اختيار الدولة على الشيخ أبي العباس، فاشترط عليهم شروطا صعبة، منها أنه لا يقضي بمذهبهم -يعني الرفض، فلم يجيبوا إلا أن يقضي على مذهب الإمامية. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2620>عبد القادر الجيلي (٥٦١ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2621>موقفه من الجهمية:</span>\nهذا الرجل كان من الحنابلة المشهورين، لكنه تأثر بالفكر الصوفي المنحرف فخرج عن تمسكه بالسنة إلى الابتداع في دين الله، وذكر كلاما في كتابه 'الغنية' يشمئز منه السلفي، ومن كذّب فليرجع إلى الكتاب فهو مطبوع مبذول. وقد انتشر صيته في البلاد الإسلامية، وأصبحت له طريقة تلقن باسم الصوفية ولأصحابها مميزات وأوراد وأحزاب وأحوال، الله أعلم\n_________\n(١) إبراهيم الآية (١٧).\n(٢) السير (٢٠/ ٣٤٦).\n(٣) السير (٢٠/ ٣٤٧).","vol":"7","page":168},{"text":"بصحتها عن الشيخ الجيلي. ووقع فيه غلو من قبل الأتباع، من سمعه ترتعد فرائصه من الفزع.\nجاء في ذيل طبقات الحنابلة: ولكن قد جمع المقرئ أبو الحسن الشطنوفي المصري في أخبار الشيخ عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات وكتب فيها الطم والرم وكفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع.\nوقد رأيت بعض هذا الكتاب، ولا يطيب على قلبي أن أعتمد على شيء مما فيه، فأنقل منه إلا ما كان مشهورا معروفا من غير هذا الكتاب، وذلك لكثرة ما فيه من الروايات عن المجهولين وفيه من الشطح والطامات والدعاوى والكلام الباطل ما لا يحصى ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر ﵀. ثم وجدت الكمال جعفر الأدفوي قد ذكر: أن الشطنوفي نفسه كان متهما في ما يحكيه من هذا الكتاب بعينه. (١)\nوأما عقيدته في الأسماء والصفات فهو سلفي، وقد ذكر عقيدته في كتاب الغنية.\n- جاء في ذيل طبقات الحنابلة: وكان متمسكا في مسائل الصفات والقدر ونحوهما بالسنة، بالغا في الرد على من خالفها، قال في كتابه الغنية المشهور: وهو بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك محيط علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢). ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ\n_________\n(١) ذيل الطبقات (١/ ٢٩٣).\n(٢) فاطر الآية (١٠).","vol":"7","page":169},{"text":"السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ (١). ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان بل يقال: إنه في السماء على العرش كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٢). وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش. (٣)\n- قال الذهبي في السير: قال شيخنا الحافظ أبو الحسين علي بن محمد: سمعت الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام الفقيه الشافعي يقول: ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلا الشيخ عبد القادر، فقيل له: هذا مع اعتقاده، فكيف هذا؟ فقال: لازم المذهب ليس بمذهب.\nقلت -أي الذهبي-: يشير إلى إثباته صفة العلو ونحو ذلك، ومذهب الحنابلة في ذلك معلوم، يمشون خلف ما ثبت عن إمامهم ﵀ إلا من يشذ منهم، وتوسع في العبارة. (٤)\n\nابن الكِيزَانِي (٥) (٥٦٢ هـ)\nالإمام المقرئ، الزاهد الأثري، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن ثابت\n_________\n(١) السجدة الآية (٥).\n(٢) طه الآية (٥).\n(٣) ذيل الطبقات (١/ ٢٩٦).\n(٤) السير (٢٠/ ٤٤٣).\n(٥) السير (٢٠/ ٤٥٤) ووفيات الأعيان (٤/ ٤٦١ - ٤٦٢) والوافي بالوفيات (١/ ٣٤٧) والنجوم الزاهرة (٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨).","vol":"7","page":170},{"text":"المصري، الكيزاني، له تلامذة وأصحاب، وكلام في السنة، وله شعر كثير وأكثره في الزهد، وقال ابن خلكان: كان زاهدا ورعا، وقال صاحب مرآة الزمان: كان زاهدا قنوعا من الدنيا باليسير فصيحا. توفي سنة اثنتين وستين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2623>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في طبقات ابن السبكي: وكان ابن الكيزاني -رجل من المشبهة- مدفونا عند الشافعي ﵁: فقال الخبوشاني: لا يكون صديق وزنديق في موضع واحد. وجعل ينبش ويرمي عظامه وعظام الموتى الذين حوله من أتباعه. وتعصبت المشبهة عليه ولم يبال بهم، وما زال حتى بنى القبر. ثم قال ابن السبكي: ولعل من يقف على كلام شيخنا الذهبي في هذا الموضع من ترجمة الخبوشاني فلا يحفل به وبقوله في ابن الكيزاني: إنه من أهل السنة.\nفالذهبي ﵀ متعصب جلد، وهو شيخنا وله علينا حقوق إلا أن حق الله مقدم على حقه، والذي نقوله أنه لا ينبغي أن يسمع كلامه في حنفي ولا شافعي، ولا تؤخذ تراجمهم من كتبه فإنه يتعصب عليهم كثيرا. والله تعالى أعلم. (١)\nالتعليق:\nإذا لم تستح فاصنع ما شئت. فهل يجوز هذا الفعل مع الكافر، فضلا\n_________\n(١) طبقات الشافعية (٤/ ١٩١).","vol":"7","page":171},{"text":"عن المسلم، فضلا عن السلفي. فلا أدري كيف يجيب ابن السبكي عن هذا، ولعلي بالقارئ قد استأنس بعبارة ابن السبكي في أهل السنة بوصفهم بالمشبهة، كالذي تعود على سماع نباح الكلاب، فلا يلتفت إليها مهما رفعت صوتها وصولتها، يحذرنا من سماعنا للذهبي الذي أجمعت الأمة على إمامته في معظم الفنون الشرعية، ويريد منا أن نصغي آذاننا لضلاله. فليعلم ابن السبكي أن الإمام ابن الكيزاني لا يضره ما فعله التعصب الأشعري. وأرجو الله أن يجعله من أهل الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2624>موقف السلف من العاضد لدين الله العبيدي الرافضي (٥٦٧ ه</span>ـ)\n- جاء في السير: قال القاضي شمس الدين بن خلكان: كان إذا رأى سنيا استحل دمه. (١)\n- وفيها: هلك العاضد يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمس مائة بذرب مفرط. وقيل مات غما لما سمع بقطع خطبته وإقامة الدعوة للمستضيء. وقيل: سقي، وقيل: مص خاتما له مسموما. وكانت الدعوة المذكورة أقيمت في أول جمعة من المحرم، وتسلم صلاح الدين القصر بما حوى من النفائس والأموال، وقبض أيضا على أولاد العاضد وآله، فسجنهم في بيت من القصر، وقمع غلمانهم وأنصارهم، وعفى آثارهم.\n_________\n(١) السير (١٥/ ٢٠٨).","vol":"7","page":172},{"text":"قال العماد الكاتب: وهم الآن محصورون محسورون لم يظهروا. وقد نقصوا وتقلصوا، وانتقى صلاح الدين ما أحب من الذخائر، وأطلق البيع بعد في ما بقي، فاستمر البيع فيها مدة عشر سنين.\nومن كتاب من إنشاء القاضي الفاضل إلى بغداد: وقد توالت الفتوح غربا، ويمنا وشاما. وصارت البلاد، والدهر حرما حراما، وأضحى الدين واحدا بعد أن كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها صما وعميانا، والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة. ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسموا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا، وقطع دابرهم، ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدا وقتلا، وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا، وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ولا الليل عن السير إليهم بنائم. (١)\nقال ابن خلكان: أخبرني عالم أن العاضد رأى في نومه كأن عقربا خرجت إليه من مسجد عرف بها فلدغته، فلما استيقظ طلب معبرا، فقال: ينالك مكروه من رجل مقيم بالمسجد فسأل عن المسجد، وقال للوالي عنه، فأتي بفقير، فسأله من أين هو؟ وفيما قدم، فرأى منه صدقا ودينا. فقال: ادع لنا ياشيخ، وخلى سبيله، ورجع إلى المسجد، فلما غلب صلاح الدين على مصر، عزم على خلع العاضد، فقال ابن خلكان: استفتى الفقهاء، فأفتوا بجواز خلعه لما هو من انحلال العقيدة والاستهتار، فكان أكثرهم مبالغة في الفتيا\n_________\n(١) السير (١٥/ ٢١٣ - ٢١٥).","vol":"7","page":173},{"text":"ذاك، وهو الشيخ نجم الدين الخبوشاني، فإنه عدد مساوئ هؤلاء، وسلب عنهم الإيمان. (١)\n- وكانوا أربعة عشر متخلفا لا خليفة، والعاضد في اللغة أيضا القاطع، فكان هذا عاضدا لدولة أهل بيته. (٢)\n- وفيها: قال أبو شامة: كان منهم ثلاثة بإفريقية: المهدي، والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر آخرهم العاضد، ثم قال: يدعون الشرف ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي، حتى اشتهر لهم ذلك، وقيل: الدولة العلوية، والدولة الفاطمية، وإنما هي الدولة اليهودية أو المجوسية الملحدة الباطنية.\nثم قال: ذكر ذلك جماعة من العلماء الأكابر، وأن نسبهم غير صحيح. بل المعروف أنهم بنو عبيد. وكان والد عبيد من نسل القداح المجوسي الملحد. قال: وقيل: والده يهودي من أهل سلمية. وعبيد كان اسمه سعيدا، فغيره بعبيد الله لما دخل إلى المغرب، وادعى نسبا ذكر بطلانه جماعة من علماء الأنساب، ثم ترقى، وتملك، وبنى المهدية. قال: وكان زنديقا خبيثا، ونشأت ذريته على ذلك. وبقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها.\nقال الذهبي: وكانت دولتهم مائتي سنة وثمانيا وستين سنة، وقد صنف القاضي أبو بكر بن الباقلاني كتاب 'كشف أسرار الباطنية' فافتتحه ببطلان انتسابهم إلى الإمام علي، وكذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي. (٣)\n_________\n(١) السير (١٥/ ٢١٢).\n(٢) السير (١٥/ ٢١١ - ٢١٢).\n(٣) السير (١٥/ ٢١٣).","vol":"7","page":174},{"text":"الملك العادل نور الدين محمود (١) (٥٦٩ هـ)\nصاحب الشام، الملك العادل، نور الدين، ناصر أمير المؤمنين، تقي الملوك، ليث الإسلام، أبو القاسم، محمود بن الأتابك. ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة. تملك حلب بعد وفاة أبيه، وكان نور الدين حامل رايَتَي العدل والجهاد، قل أن ترى العيون مثله، حاصر دمشق ثم تملكها، وافتتح حصونا كثيرة، وهزم الفرنج مرات عديدة، وأظهر السنة بحلب وقمع الرافضة، وبنى المدارس والمساجد، وأبطل المكوس، وأنصف الرعية، ووقف على الضعفاء والأيتام والمجاورين، وأمر بتكميل سور المدينة النبوية، واستخراج العين بأُحُد، دفنها السيل، ووقف كتبا كثيرة مثمنة.\nوكان بطلا شجاعا، وافر الهيبة، ذا تعبد وخوف وورع، وكان يتعرض للشهادة، سمعه كاتبه أبو اليسر يسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير، وكان يميل إلى التواضع وحب العلماء والصلحاء، وكان زاهدا عابدا، متمسكا بالشرع، مجاهدا، له من المناقب ما يستغرق الوصف.\nتوفي ﵀ سنة تسع وستين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2626>موقفه من المشركين والرافضة:</span>\n- جاء في البداية والنهاية: وأظهر ببلاده السنة وأمات البدعة، وأمر\n_________\n(١) السير (٢٠/ ٥٣١ - ٥٣٩) والمنتظم (١٨/ ٢٠٩ - ٢١٠) والكامل في التاريخ (١١/ ٤٠٢ - ٤٠٥) ووفيات الأعيان (٥/ ١٨٤ - ١٨٩) البداية (١٢/ ٢٩٧ - ٣٠٦) وشذرات الذهب (٤/ ٢٢٨ - ٢٣١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٦١ - ٥٧٠/ص.٣٧٠ - ٣٨٧).","vol":"7","page":175},{"text":"بالتأذين بحي على الصلاة حي على الفلاح، ولم يكن يؤذن بهما في دولة أبيه وجده، وإنما كان يؤذن بحي على خير العمل. لأن شعار الرفض كان ظاهرا بها، وأقام الحدود وفتح الحصون، وكسر الفرنج مرارا عديدة، واستنقذ من أيديهم معاقل كثيرة من الحصون المنيعة التي كانوا قد استحوذوا عليها من معاقل المسلمين. (١)\n- وجاء في السير: افتتح أولا حصونا كثيرة، وفامية، والراوندان، وقلعة إلبيرة، وعزاز، وتل باشر، ومرعش، وعين تاب، وهزم البرنس صاحب أنطاكية، وقتله في ثلاثة آلاف من الفرنج، وأظهر السنة بحلب وقمع الرافضة. (٢)\n- وفيها: وكانت الفرنج قد استضرت على دمشق، وجعلوا عليها قطيعة، وأتاه أمير الجيوش شاور مستجيرا به، فأكرمه، وبعث معه جيشا ليرد إلى منصبه، فانتصر، لكنه تخابث وتلاءم، ثم استنجد بالفرنج، ثم جهز نور الدين ﵀ جيشا لجبا مع نائبه أسد الدين شيركوه، فافتتح مصر، وقهر دولتها الرافضية، وهربت منه الفرنج، وقتل شاور، وصفت الديار المصرية لشيركوه نائب نور الدين، ثم لصلاح الدين، فأباد العبيديين، واستأصلهم، وأقام الدعوة العباسية. (٣)\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ٢٩٨).\n(٢) السير (٢٠/ ٥٣٢).\n(٣) السير (٢٠/ ٥٣٣).","vol":"7","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2627>موقف السلف من الحسن بن ضافي الرتكي الرافضي (٥٦٩ ه</span>ـ)\nجاء في البداية: كان من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيا خبيثا متعصبا للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه، حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها، ودفن بداره ثم نقل إلى مقابر قريش فلله الحمد والمنة. وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحا شديدا، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحدا منهم إلا يحمد الله، فغضب الشيعة من ذلك، ونشأت بينهم فتنة بسبب ذلك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2628>موقف السلف من المعبد لغير الله: عبد النبي الزنديق (٥٦٩ ه</span>ـ)\nقال الذهبي: فقام بعده (أي بعد أبيه الباطني) عبد النبي هذا، ففعل كأبيه، وسبى الحريم، وتزندق، وبنى على قبر أبيه المهدي قبة عظيمة، وزخرفها، وعمل أستار الحرير عليها وقناديل الذهب، وأمر الناس بالحج إليها، وأن يحمل كل أحد إليها مالا، ولم يدع أحد زيارتها إلا وقتله، ومنعهم من حج بيت الله، فتجمع بها أموال لا تحصى، وانهمك في الفواحش إلى أن أخذه الله على يد شمس الدولة أخي السلطان صلاح الدين، عذبه، ثم قتله، وأخذ خزائنه، فلله الحمد على مصرع هذا الزنديق، وكان ذلك في قرب سنة\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ٢٩٢).","vol":"7","page":177},{"text":"سبعين وخمسمائة فإن مضي شمس الدولة توران شاه إلى اليمن وأخذها كان في سنة تسع وستين، فأسر هذا المجرم، وشنقه، وتملك زبيد وعدن وصنعاء، ولعبد النبي أخبار في الجبروت والعتو، فلا ﵀. (١)\n\nعضد الدين (٢) (٥٧٣ هـ)\nوزير العراق، الأوحد المعظم، عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله ابن هبة الله بن مظفر بن الوزير الكبير البغدادي. ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة. وسمع من هبة الله بن الحصين وعبيد الله بن محمد بن البيهقي وزاهر بن طاهر. حدث عنه حفيده داود بن علي وغيره.\nوكان أولا أستاذ دار المقتفي والمستنجد، ثم وزر للإمام المستضيء، وكان جوادا سريا مهيبا كبير القدر. فيه مروءة وإكرام للعلماء، وكان يشتغل هو وأولاده بالحديث والفقه والأدب، وكان الناس معهم في سعة. قتل سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2630>موقفه من المشركين:</span>\nقال الذهبي: وقد عزل ثم أعيد، وتمكن ثم تهيأ للحج، وخرج في رابع ذي القعدة في موكب عظيم، فضربه باطني على باب قَطُفْتا أربع ضربات، ومات ليومه من سنة ثلاث وسبعين، وكان قد هيأ ست مئة جَمل، سَبَّل\n_________\n(١) السير (٢٠/ ٥٨٣).\n(٢) المنتظم (١٨/ ٢٤٦) والكامل في التاريخ (١١/ ١٨٢) والسير (٢١/ ٧٥ - ٧٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٧١ - ٥٨٠/ص.١٣٠ - ١٣٣) والبداية والنهاية (١٢/ ٣١٨) والوافي بالوفيات (٣/ ٢٣٥) وشذرات الذهب (٤/ ٢٤٥).","vol":"7","page":178},{"text":"منها مئة، صاح الباطني: مظلوم مظلوم وتقرب، فزجره الغلمان، فقال: دعوه، فتقدم إليه، فضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني، وسقط وانكشف رأسه، فغطى رأسه بكمه، وضرب الباطني بسيف، فعاد وضربَ الوزيرَ، فهبَّروه بالسيوف، وكان معه اثنان فأُحرِقوا، وحُمِل الوزير إلى دارٍ، وجرح الحاجب، وكان الوزير قد رأى في النوم أنه معانق عثمان ﵁، وحكى عنه ابنه أنه اغتسل قبل خروجه، وقال: هذا غسل الإسلام، فإنني مقتول بلا شك. ثم مات بعد الظهر، ومات الحاجب بالليل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2631>موقف السلف من صدقة بن حسين (٥٧٥ ه</span>ـ)\nقال ابن الجوزي: يظهر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته، وكان لا ينضبط، وله ميل إلى الفلاسفة، قال لي مرة: أنا الآن أخاصم فلك الفلك. وقال لي القاضي أبو يعلى الصغير: مذ كتب صدقة 'الشفاء' لابن سينا تغير. وقال للظهير الحنفي: إني لأفرح بتعثيري لأن الصانع يقصدني. (٢)\n_________\n(١) السير (٢١/ ٧٦)\n(٢) السير (٢١/ ٦٧) والمنتظم (١٨/ ٢٤٣).","vol":"7","page":179},{"text":"المستضيء بأمر الله (١) (٥٧٥ هـ)\nالخليفة أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي الهاشمي العباسي من الأئمة الموفقين. ولد سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وبويع بالخلافة وقت موت أبيه في ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة. واستوزر عضد الدين أبا الفرج.\nكان كثير السخاء، حسن السيرة، ذا حلم وأناة ورأفة وبر وصدقات، وأمر برفع المكوس ورد المظالم. وفرق مالا عظيما على الهاشميين. وفي خلافته زالت دولة العبيدية بمصر. وخطب له باليمن وبرقة وبلاد الترك، ودانت له الملوك، وضعف بدولته الرفض ببغداد وبمصر، وظهرت السنة، وحصل الأمن.\nمات رحمه الله تعالى في شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وبايعوا بعده ولده الناصر لدين الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2633>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال الحافظ ابن كثير في البداية: وكان من خيار الخلفاء، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، مزيلا عن الناس المكوسات والضرائب، مبطلا للبدع والمعائب، وكان حليما وقورا كريما. (٢)\n_________\n(١) المنتظم (١٨/ ١٩٠ وما بعدها) والكامل في التاريخ (١١/ ٤٥٩) والسير (٢١/ ٦٨ - ٧٢) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٧١ - ٥٨٠/ص.١٦٥ - ١٦٨) والوافي بالوفيات (١٢/ ٣٠٩ - ٣١١) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٢٥) وشذرات الذهب (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١).\n(٢) البداية والنهاية (١٢/ ٣٢٥).","vol":"7","page":180},{"text":"أبو طاهر السِّلَفِي (١) (٥٧٦ هـ)\nهو الإمام العلامة المحدث الحافظ المفتي، شيخ الإسلام شرف المعمرين، أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني، ويلقب جده أحمد بسِلَفَة، وهو الغليظ الشفة، ولد الحافظ أبو طاهر سنة خمس وسبعين وأربعمائة أو قبلها بسنة. كان إماما مقرءا، محمودا، ومحدثا، حافظا، جهبذا، وفقيها متقنا، ونحويا ماهرا، ولغويا محققا، ثقة فيما ينقله، حجة، ثبتا، انتهى إليه علو الإسناد في البلاد. سمع الحديث الكثير ورحل في طلبه إلى الآفاق، ومن شيوخه محمد بن عبد الرحمن المديني، وأحمد بن عبد الرحمن اليزدي، وأبو مسعود محمد بن عبد الله السوذرجاني وغيرهم، وجالس في الفقه إلكيا الهراسي، وأخذ الأدب عن أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي، وبقي في الرحلة ثمانية عشر عاما، يكتب الحديث والفقه والأدب، ثم استوطن الإسكندرية إلى أن مات. وحدث عنه الحافظ ابن طاهر المقدسي وعبد الغني المقدسي وعمر بن عبد المجيد الميانشي وغيرهم.\nقال ابن السمعاني: هو ثقة ورع، متقن، متيقظ، حافظ، فهم، له حفظ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه. وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: وكان له عند ملوك مصر الجاه والكلمة النافذة مع مخالفة لهم في المذهب. وتوفي سنة ست وسبعين وخمسمائة.\n_________\n(١) السير (٢١/ ٥ - ٣٩) والكامل في التاريخ (١١/ ١٩١) ووفيات الأعيان (١/ ١٠٥) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٩٨) وميزان الاعتدال (١/ ١٥٥) والوافي بالوفيات (٧/ ٣٥١) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٢٨) واللسان (١/ ٢٩٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٧١ - ٥٨٠/ص.١٩٥ - ٢٠٧).","vol":"7","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2635>موقفه من المبتدعة:</span>\n- هذا الحافظ الكبير رغم إمامته العلمية في الحديث وعلومه، وما أكثر ما نقل عنه ابن الصلاح في مقدمته في علم المصطلح، لم يسلم من لسان الشيخ النجدي الذي جعله الله من سلالة أبي بن خلف، لا يترك أحدا اختار منهج السلف منهجه إلا ونال منه، ولكن الله إذا أراد بعبد خيرا هيأ له من يطعن فيه، حتى تعظم حسناته وتوضع الأوزار على الساب والشاتم، وإليك قصيدة هذا الإمام. وهي قصيدة طويلة نأخذ منها ما يتعلق بموضوعنا، ذكرها الذهبي في السير:\nوها أنا شارع في شرح ديني ... ووصف عقيدتي وخفي حالي\nوأجهد في البيان بقدر وسعي ... وتخليص العقول من العقال\nبشعر لا كشعر بل كسحر ... ولفظ كالشمول بل الشمال\nفلست الدهر إمعة وما أن ... أزل ولا أزول لذي النزال\nفلا تصحب سوى السني دينا ... لتحمد ما نصحتك في المآل\nوجانب كل مبتدع تراه ... فما إن عندهم غير المحال\nودع آراء أهل الزيغ رأسا ... ولا تغررك حذلقة الرذال\nفليس يدوم للبدعي رأي ... ومن أين المقر لذي ارتحال\nيوافي حائرا في كل حال ... وقد خلى طريق الاعتدال\nويترك دائبا رأيا لرأي ... ومنه كذا سريع الانتقال\nوعمدة ما يدين به سفاها ... فأحداث من أبواب الجدال\nوقول أئمة الزيغ الذي لا ... يشابهه سوى الداء العضال","vol":"7","page":182},{"text":"كمعبد المضلل في هواه ... وواصل أو كغيلان المحال\nوجعد ثم جهم وابن حرب ... حمير يستحقون المخالي\nوثور كاسمه أو شئت فاقلب ... وحفص الفرد قرد ذي افتعال\nوبشر لا أرى بشرى فمنه ... تولد كل شر واختلال\nوأتباع بن كلاب كلاب ... على التحقيق هم من شر آل\nكذاك أبو الهذيل وكان مولى ... لعبد القيس قد شان الموالي\nولا تنس ابن أشرس المكنى ... أبا معن ثمامة فهو غالي\nولا ابن الحارث البصري ذاك الـ ... مضل على اجتهاد واحتفال\nولا الكوفي أعنيه ضرار بـ ... ـن عمرو فهو للبصري تالي\nكذاك ابن الأصم ومن قفاه ... من أوباش البهاشمة النغال\nوعمرو هكذا أعني بن بحر ... وغيرهم من أصحاب الشمال\nفرأي أولاء ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال\nوكل هوى ومحدثة ضلال ... ضعيف في الحقيقة كالخيال\nفهذا ما أدين به إلهي ... تعالى عن شبيه أو مثال\nوما نافاه من خدع وزور ... ومن بدع فلم يخطر ببالي\n\nقال الذهبي عقبها: صدق الناظم ﵀ وأجاد، فلأن يعيش المسلم أخرس أبكم خير له من أن يمتلأ باطنه كلاما وفلسفة. (١)\n- قال الحافظ عبد القادر: وكان السلفي آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر\n_________\n(١) السير (٢١/ ٣٤ - ٣٦).","vol":"7","page":183},{"text":"حتى إنه قد أزال من جواره منكرات كثيرة. ورأيته يوما وقد جاء جماعة من المقرئين بالألحان، فأرادوا أن يقرأوا فمنعهم من ذلك وقال: هذه القراءة بدعة بل اقرأوا ترتيلا فقرأوا كما أمرهم. (١)\nالتعليق:\nهذا الموقف من هذا السلفي يرد على جميع باعة القرآن والمتلاعبين به في كل وقت وزمان، ولو عاش إلى وقتنا هذا لرأى العجب العجاب والله المستعان.\n- وقال ﵀:\nإن علم الحديث علم رجال ... تركوا الابتداع للاتباع\nفإذا جن ليلهم كتبوه ... وإذا أصبحوا غدوا للسماع (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2636>موقفه من الجهمية:</span>\nمن أبياته في العقيدة السلفية:\nضل المجسم والمعطل مثله ... عن نهج الحق المبين ضلالا\nوأبى أماثلهم بنكر لا رعوا ... من معشر قد حاولوا الاشكالا\nغدوا يقيسون الأمور برأيهم ... ويدلسون على الورى الأقوالا\nفالأولون تعذروا الحق الذي ... قد حده في وصف الإله تعالى\nوتصوروه صورة من جنسنا ... جسما وليس الله عز مثالا\nوالآخرون يعطلون ما جاء في الـ ... ـقرآن أقبح بالمقال مقالا\n_________\n(١) السير (٢١/ ٢٥).\n(٢) السير (٢١/ ٣٦).","vol":"7","page":184},{"text":"وأبوا حديث المصطفى أن يقبلوا ... ورأوه حشوا لا يفيد منالا (١)\n\nالإمام السُّهَيْلِي (٢) (٥٨١ هـ)\nالحافظ العلامة، البارع أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد. ولد سنة بضع وخمسمائة. وكف بصره وهو ابن سبع عشرة سنة. أخذ القراءات عن أبي داود الصغير سليمان بن يحيى، وسمع من أبي عبد الله ابن معمر والقاضي أبي بكر بن العربي وشريح بن محمد. وله مصنفات منها: الروض الأنف كالشرح للسيرة النبوية، جمع بين الرواية والدراية، وحمل الناس عنه، وقد استدعي من مالقة إلى مراكش ليأخذوا عنه، سمع منه أبو الخطاب بن دحية والحافظ أبو محمد القرطبي وجماعة. قال ابن دحية: كان يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش فطلبه وأحسن إليه، وقال أبو جعفر بن الزبير: كان السهيلي واسع المعرفة غزير العلم نحويا متقدما لغويا عالما بالتفسير وصناعة الحديث عارفا بالرجال والأنساب. توفي بمراكش في إحدى وثمانين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2638>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في درء التعارض عنه ﵁ قال: أعوذ بالله من قياس\n_________\n(١) طبقات الشافعية (٤/ ٤٦).\n(٢) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٤٨) والاستقصا (١/ ١٨٧) والسير (٢١/ ١٥٧) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠) والأعلام (٣/ ٣١٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٨١ - ٥٩٠/ص.١١٣ - ١١٦).","vol":"7","page":185},{"text":"فلسفي وخيال صوفي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2639>موقفه من الجهمية والقدرية:</span>\nقال السهيلي في نتائج الفكر: اعلم أن (ما) إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه عمل أو صنع أو فعل وذلك الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري -﷾- فلا يصح وقوعها إلا على مصدر، لإجماع العقلاء من الأنام، في الجاهلية والإسلام، على أن أفعال الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام، لا تقول: عملت جبلا، ولا: صنعت جملا ولا حديدا، ولا حجرا، ولا ترابا ولا شجرا، فإذا ثبت ذلك وقلت: أعجبني ما عملت وما فعلت زيد، فإنما تعني الحدث. فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٢) إلا قول أهل السنة: إن المعنى: والله خلقكم وأعمالكم. ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول، لأنهم زعموا أن (ما) واقعة على الأصنام والحجارة التي كانوا ينحتونها، وقالوا: تقدير الكلام: خلقكم والأصنام التي تعملون، إنكارا منهم بأن تكون أعمالنا مخلوقة لله سبحانه. واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوه، لأنه قد تقدم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ (٣)، فما واقعة على الحجارة المنحوتة، ولا يصح غير هذا من جهة النحو ولا من جهة المعنى، أما النحو فقد تقدم أن ما لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا.\n_________\n(١) درء التعارض (٥/ ٣٥٧).\n(٢) الصافات الآية (٩٦).\n(٣) الصافات الآية (٩٥).","vol":"7","page":186},{"text":"وأما المعنى فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت، وإنما كانوا يعبدون المنحوت. فلما ثبت هذا وجب أن تكون الآية التي هي رد عليهم وتقييد لهم كذلك ما فيها واقعة على الحجارة المنحوتة والأصنام المعبودة، فيكون التقدير: أتعبدون حجارة تنحتونها، والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون؟ هذا كله، معنى قول المعتزلة، وشرح ما شبهوا به، والنظم على تأويل أهل الحق أبدع والحجة أقطع والمعنى لا يصح غيره.\nوالذي ذهبوا إليه فاسد لا يصح بحال، لأنهم مجمعون معنا على أن أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام.\nفإن قيل: فقد تقول: عملت الصحفة، وصنعت الجفنة، وكذلك الأصنام معمولة على هذا؟\nقلنا: لا يتعلق الفعل فيما ذكرتم إلا بالصورة التي هي التأليف والتركيب، وهي نفس العمل، وأما الجوهر المؤلف المركب فليس بمعمول لنا، فقد رجع العمل والفعل إلى الأحداث دون الجوهر. وهذا إجماع منا ومنهم، فلا يصح حملهم على غير ذلك، وأما ما زعموا من حسن النظم وإعجاز الكلام فهو ظاهر، وتأويلنا معدوم في تأويلهم، لأن الآية وردت في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق، وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون، فقال: أتعبدون ما تنحتون، أي: ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون، وتدعون عبادة من خلقكم وأعمالكم التي تعملون، ولو لم يضف خلق الأعمال إليه في الآية، وقد نسبها بالمجاز إليهم، لما قامت له حجة عليهم من نفس الكلام، لأنه كان يجعلهم خالقين لأعمالهم، وهو خالق","vol":"7","page":187},{"text":"لأجناس أخر، فيشركهم معه في الخلق -تعالى الله عن قول الزائغين، ولا ولعا لعثرات المبطلين- فما أدحض حجتهم وما أوهى قواعد مذهبهم، وما أبين الحق لمن اتبعه .. نسأل الله الكريم أن يجعلنا من أتباع الحق وحزبه، وأن يعصمنا من شبه الباطل وريبه. (١)\n\nعبد المغيث بن زهير (٢) (٥٨٣ هـ)\nالشيخ الإمام عبد المغيث بن زهير بن زهير بن علوي، أبو العز بن أبي حرب البغدادي الحربي. ولد سنة خمسمائة. سمع أبا القاسم بن الحصين وأبا العز بن كادش وأبا غالب بن البناء وهبة الله بن الطبر.\nوروى عنه الشيخ الموفق والحافظ عبد الغني والبهاء المقدسي وأبو عبد الله الدبيثي وغيرهم.\nقال ابن رجب: كان صالحا متدينا، صدوقا أمينا، حسن الطريقة، جميل السيرة، حميد الأخلاق، مجتهدا في اتباع السنة والآثار، منظورا إليه بعين الديانة والأمانة. وقال الحافظ المنذري: اجتهد في طلب الحديث، وجمعه وصنف وأفاد، وحدث بالكثير. صنف كتابا في فضائل يزيد، أتى فيه بالعجائب، ورد عليه أبو الفرج بن الجوزي. قال الذهبي: ولو لم يصنفه لكان خيرا له. ثم إن الخليفة الناصر لما بلغه نهي الشيخ عبد المغيث عن لعنة يزيد قصده متنكرا،\n_________\n(١) نتائج الفكر (١٤٧ - ١٤٩).\n(٢) الكامل لابن الأثير (١١/ ٥٦٢ - ٥٦٣) وسير أعلام النبلاء (٢١/ ١٥٩ - ١٦١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٨١ - ٥٩٠/ص.١٥٥ - ١٥٧) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٥٠) وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٣٥٤ - ٣٥٨) وشذرات الذهب (٤/ ٢٧٥ - ٢٧٦).","vol":"7","page":188},{"text":"وسأله عن ذلك، فعرفه الشيخ ولم يعلمه بأنه قد عرفه، فسأله الخليفة عن يزيد أيلعن أم لا؟ فقال: لا أسوغ لعنه لأني لو فتحت هذا الباب لأفضى الناس إلى لعن خليفتنا، فقال الخليفة: ولم؟ قال: لأنه يفعل أشياء منكرة كثيرة، منها كذا وكذا، ثم شرع يعدد على الخليفة أفعاله القبيحة، وما يقع منه من المنكر لينزجر عنها، فتركه الخليفة وخرج من عنده وقد أثر كلامه فيه، وانتفع به. توفي ﵀ في الثالث والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2641>موقفه من الصوفية:</span>\nله كتاب الدليل الواضح في النهي عن ارتكاب الهوى الفاضح، يشتمل على تحريم الغناء وآلات اللهو، وذكر فيه: تحريم الدف بكل حال في العرس وغيره. (١)\n\nابن أبي عصرون (٢) (٥٨٥ هـ)\nالشيخ الإمام العلامة، الفقيه البارع، شيخ الشافعية، عالم أهل الشام، أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله، ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. تفقه على المرتضى الشهرزوري، وأخذ القراءات عن أبي عبد الله الحسين بن محمد البارع وأبي بكر المزرفي، سمع من أبي القاسم بن الحصين وجماعة، وولي قضاء دمشق وحران وسنجار وديار ربيعة، ودرس وأقرأ القراءات والفقه،\n_________\n(١) ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٣٥٧).\n(٢) السير (٢١/ ١٢٥ - ١٢٩) والكامل في التاريخ (١٢/ ١٨) ووفيات الأعيان (٣/ ٥٣) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٥٥) وشذرات الذهب (٤/ ٢٨٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٨١ - ٥٩٠/ص.٢١٧ - ٢٢٠).","vol":"7","page":189},{"text":"واشتهر ذكره، وعظم قدره، ومن تأليفه: كتاب التنبيه في معرفة الأحكام، وكتاب فوائد المهذب وغيرهما. وانتفع به خلق كثير، وانتهت إليه رئاسة المذهب، ومن شعره:\nأؤمل أن أحيا وفي كل ساعة ... وما أنا إلا مثلهم غير أن لي ... تمر بي الموتى تهز نعوشها\nبقايا ليال في الزمان أعيشها\n\nوحدث عنه موفق الدين ابن قدامة، والقاضي أبو نصر بن الشيرازي، والعماد أبو بكر عبد الله بن النحاس. توفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2643>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في طبقات الشافعية الكبرى: قال شيخنا الذهبي وقد سئل عنه الشيخ الموفق فقال: كان إمام أصحاب الشافعي في عصره، وكان يذكر الدرس في رواية الدولعي ويصلي صلاة حسنة، ويتم الركوع والسجود، ثم تولى القضاء في آخر عمره وعمي، وسمعنا درسه مع أخي أبي عمر، وانقطعنا عنه، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعد انقطاعنا فقال: لم انقطعتم عني؟ فقلت: إن أناسا يقولون: إنك أشعري. فقال: والله ما أنا بأشعري. هذا معنى الحكاية. (١)\nالتعليق:\nانظر إلى اهتمام هؤلاء العلماء بالعقيدة السلفية، فعندهم من لم يكن سلفيا لا ينبغي أن يحضر في درسه، ولا يتلقى عنه العلم، مهما كان شأنه. ثم\n_________\n(١) السير (٢١/ ١٢٩) وطبقات الشافعية (٤/ ٢٣٨ - ٢٣٩).","vol":"7","page":190},{"text":"انظر إلى جواب هذا الإمام الكبير، ما أفصحه، ولا تلتفت إلى مهاترات ابن السبكي فإنه كالأحمق، لا يدري ما يقول نرجو الله له المغفرة.\n\nابن صَصْرَى (١) (٥٨٦ هـ)\nالإمام العلامة الحافظ المجود البارع، الرئيس النبيل أبو المواهب، الحسين ابن العدل أبي البركات هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسين بن صصرى التغلبي البلدي الأصل الدمشقي، الشافعي. ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.\nسمع من جده، والفقيه المصيصي وعبدان بن رزين، وعدة. ولازم الحافظ ابن عساكر وأكثر عنه وتخرج به. وارتحل وسمع بحماة وبحلب وبالموصل وببغداد وغيرها. جمع المعجم وصنف التصانيف منها: رباعيات التابعين وفضائل الصحابة وعوالي ابن عيينة، وكان ثقة متقنا، مستقيم الطريقة، لين الجانب، سمحا، كريما. مات رحمه الله تعالى سنة ست وثمانين وخمسمائة. وله تسع وأربعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2645>موقفه من الرافضة:</span>\nصنف كتابا في فضائل الصحابة. (٢)\n_________\n(١) السير (٢١/ ٢٦٤ - ٢٦٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٨١ - ٥٩٠/ص.٢٣٧ - ٢٣٨) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٥٨) والوافي بالوفيات (١٢/ ٢٩٢ - ٢٩٤) وشذرات الذهب (٤/ ٢٨٥).\n(٢) السير (٢١/ ٢٦٥).","vol":"7","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2646>موقف السلف من السهروردي شهاب الدين يحيى بن حبش الفيلسوف (٥٨٦ ه</span>ـ)\nقال شيخ الإسلام: وأما القدماء -أرسطو وأمثاله- فليس لهم في النبوة كلام محصل. والواحد من هؤلاء يطلب أن يصير نبيا، كما كان السهروردي المقتول يطلب أن يصير نبيا، وكان قد جمع بين النظر والتأله، وسلك نحوا من مسلك الباطنية، وجمع بين فلسفة الفرس واليونان، وعظم أمر الأنوار، وقرب دين المجوس الأول، وهي نسخة الباطنية الإسماعيلية، وكان له يد في السحر والسيمياء، فقتله المسلمون على الزندقة بحلب في زمن صلاح الدين. (١)\nقال ابن خلكان: وكان يتهم بالانحلال والتعطيل ويعتقد مذهب الأوائل اشتهر ذلك عنه، وأفتى علماء حلب بقتله، وأشدهم الزين والمجد ابنا جهبل.\nقال الذهبي عقبه: أحسنوا وأصابوا. (٢)\n\nنصر بن منصور النُّمَيْرِي (٣) (٥٨٨ هـ)\nالأمير الأديب، أبو المرهف نصر بن منصور بن حسن النميري، وأمه بنَّةُ بنت سالم بن مالك ابن صاحب الموصل بدران بن مقلد العقيلي. ولد\n_________\n(١) المنهاج (٨/ ٢٤ - ٢٥).\n(٢) السير (٢١/ ٢١٠ - ٢١١).\n(٣) وفيات الأعيان (٥/ ٣٨٣) والسير (٢١/ ٢١٣ - ٢١٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٨١ - ٥٩٠/ص.٣١١ - ٣١٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٧٥) وشذرات الذهب (٤/ ٢٩٥).","vol":"7","page":192},{"text":"بالرافقة سنة إحدى وخمسمائة. وقال الشعر وهو مراهق وله ديوان، ضعف بصره بالجدري. قدم بغداد، وحفظ القرآن وتفقه لأحمد وقرأ العربية على أبي منصور بن الجواليقي. وسمع من ابن الحصين وأبي بكر الأنصاري، ويحيى الفارقي وعبد الرحمن الأنماطي. صحب الصالحين والأخيار ومدح الخلفاء وكان فصيح القول، حسن المعاني، وفيه دين وتسنن. روى عنه عثمان بن مقبل، ويوسف بن خليل، وآخرون. وهو القائل:\nيزهدني في جميع الأنام ... وهل عرف الناس ذو نهية ... هم الناس ما لم يجربهم ... وليتك تسلم حال البعاد ... قلة إنصاف من يصحب\nفأمسى له فيهم مأرب\nوطلس الذئاب إذا جربوا\nمنهم، فكيف إذا قربوا؟\n\nمات في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2648>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في البداية: وله ديوان شعر كبير حسن، وقد سئل مرة عن مذهبه واعتقاده فأنشأ يقول:\nأحب عليا والبتول وولدها وأبرأ ممن نال عثمان بالأذى ويعجبني أهل الحديث لصدقهم ... ولا أجحد الشيخين فضل التقدم\nكما أتبرأ من ولاء ابن ملجم\nفلست إلى قوم سواهم بمنتمي (١)\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ٣٧٥) وهو في سير أعلام النبلاء (٢١/ ٢١٤) وشذرات الذهب (٤/ ٢٩٦).","vol":"7","page":193},{"text":"صلاح الدين الأيّوبي (١) (٥٨٩ هـ)\nالسلطان صلاح الدين يوسف بن الأمير نجم الدين، أبو المظفر الملك الناصر. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. سمع من أبي طاهر السلفي والفقيه علي بن بنت أبي سعد وأبي الطاهر بن عوف وغيرهم. وروى عنه يونس ابن محمد الفارقي والعماد الكاتب. أمره نور الدين وبعثه مع عمه إلى مصر فقهر بني عبيد ومحا دولتهم. قال الذهبي: وكان خليقا للإمارة مهيبا شجاعا حازما مجاهدا كثير الغزو عالي الهمة، كانت دولته نيفا وعشرين سنة. تملك بعد نور الدين واتسعت بلاده وفتح اليمن وغيرها وسار إلى دمشق، فأخذها من ابن نور الدين وكثيرا من النواحي والأقطار. ثم حاصر القدس وجد في ذلك فأخذها بالأمان، فقامت قيامة الفرنج وأقبلوا كقطع الليل المظلم برا وبحرا، فحاصرهم ودام عليهم نيفا وعشرين شهرا وما فكوا حتى أخذوها. ومحاسن صلاح الدين جمة لا سيما الجهاد ومحافله آهلة بالفضلاء، ويؤثر سماع الأحاديث بالأسانيد، حليما مقيلا للعثرة تقيا نقيا وفيا صفيا. توفي بقلعة دمشق بعد الصبح من يوم الأربعاء في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2650>موقفه من المشركين:</span>\n- قال الذهبي: وفيها -أي سنة ٥٨٥ هـ - وفي المقبلة: كان الحصار الذي لم يسمع بمثله أبدا على عكا، كان السلطان قد افتتحها وأسكنها\n_________\n(١) السير (٢١/ ٢٧٨ - ٢٩١) ووفيات الأعيان (٧/ ١٣٩ - ٢٠٥) والبداية والنهاية (١٣/ ٣ - ٨) والنجوم الزاهرة (٦/ ٢٠ - ٦١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٨١ - ٥٩٠/ص.٣٥١ - ٣٦٧) والعبر (٢/ ١٥٤) وشذرات الذهب (٤/ ٢٩٨ - ٣٠٠).","vol":"7","page":194},{"text":"المسلمين، فأقبلت الفرنج برا وبحرا من كل فج عميق، فأحاطوا بها، وسار صلاح الدين فيدفعهم، فما تزعزعوا ولا فكروا بل أنشأوا سورا وخندقا على معسكرهم، وجرت غير وقعة، وقتل خلق كثير يحتاج بسط ذلك إلى جزء، وامتدت المنازلة والمطاولة والمقاتلة نيفا وعشرين شهرا، وكانت الأمداد تأتي العدو من أقصى البحار، واستنجد صلاح الدين بالخليفة وغيره، حتى إنه نفذ رسولا إلى صاحب المغرب يعقوب المؤمني يستجيشه فما نفع، وكل بلاء النصارى ذهاب بيت المقدس منهم. قال ابن الأثير: لبس القسوس السواد حزنا على القدس، وأخذهم بترك القدس وركب بهم البحر يستنفرون الفرنج، وصوروا المسيح وقد ضربه النبي - ﷺ - وجرحه، فعظم هذا المنظر على النصارى، وحشدوا وجمعوا من الرجال والأموال ما لا يحصى، فحدثني كردي كان يغير مع الفرنج بحصن الأكراد أنهم أخذوه معهم في البحر، قال: فانتهى بنا الطواف إلى رومية، فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني الأربعة فضة. قال ابن الأثير: فخرجوا على الصعب والذلول برا وبحرا، ولولا لطف الله بإهلاك ملك الألمان وإلا لكان يقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين. قلت: كانت عساكر العدو فوق المئتي ألف، ولكن هلكوا جوعا ووباء وهلكت دوابهم، وجافت الأرض بهم، وكانوا قد ساروا فمروا علىجهة القسطنطينية ثم على ممالك الروم تقتل وتسبي، والتقاه سلطان الروم فكسره ملك الألمان، وهجم قونية فاستباحها، ثم هادنه ابن قلج رسلان ومروا على بلاد سيس ووقع فيهم الفناء فمات الملك وقام ابنه.\nقلت: قتل من العدو في بعض المصافات الكبيرة التي جرت في حصار عكا في يوم اثنا عشر ألفا وخمس مئة،","vol":"7","page":195},{"text":"والتقوا مرة أخرى فقتل منهم ستة آلاف، وعمروا على عكا برجين من أخشاب عاتية، البرج سبع طبقات فيها مسامير كبار يكون المسمار نصف قنطار، وصفحوا البرج بالحديد، فبقي منظرا مهولا، ودفعوا البرج ببكر تحته حتى ألصقوه بسور عكا وبقي أعلى منها بكثير فسلط عليه أهل عكا المجانيق حتى خلخلوه، ثم رموه بقدرة نفط فاشتعل مع أنه كان عليه لبود منقوعة بالخل تمنع عمل النفط، فأوقد وجعل الملاعين يرمون نفوسهم منه وكان يوما مشهودا، ثم عملوا كبشا عظيما رأسه قناطير مقنطرة من حديد ليدفعوه على السور فيخرقه فلما دحرجوه وقارب السور ساخ في الرمل لعظمه، وهد الكلاب بدنة وبرجا فسد المسلمون ذلك وأحكموه في ليلة، وكان السلطان يكون أول راكب وآخر نازل في هذين العامين، ومرض وأشرف على التلف ثم عوفي. قال العماد: حزر ما قتل من العدو فكان أكثر من مئة ألف.\nومن إنشاء الفاضل إلى الديوان وهم على عكا: يمدهم البحر بمراكب أكثر من أمواجه، ويخرج لنا أمر من أجاجه، وقد زر هذا العدو عليه من الخنادق دروعا، واستجن من الجنونات بحصون، فصار مصحرا ممتنعا حاسرا مدرعا، وأصحابنا قد أثرت فيهم المدة الطويلة في استطاعتهم لا في طاعتهم، وفي أجوالهم لا في شجاعتهم فنقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة، ونرجو على يد أمير المؤمنين الإجابة، وقد حرم باباهم لعنه الله كل مباح واستخرج منهم كل مذخور، وأغلق دونهم الكنائس، ولبسوا الحداد، وحكم أن لا يزالوا كذلك أو يستخلصوا المقبرة، فيا عصبة نبينا - ﷺ - اخلفه في أمته بما تطمئن به مضاجعه، ووفه الحق فينا، فها نحن عندك ودائعه، ولولا أن في التصريح ما","vol":"7","page":196},{"text":"يعود على العدالة بالتجريح لقال الخادم ما يبكي العيون وينكي القلوب، ولكنه صابر محتسب وللنصر مرتقب، رب لا أملك إلا نفسي وهاهي في سبيلك مبذولة، وأخي وقد هاجر هجرة نرجوها مقبولة، وولدي وقد بذلت للعدو صفحات وجوههم، ونقف عند هذا الحد ولله الأمر من قبل ومن بعد. ومن كتاب إلى الديوان: قد بلي الإسلام منهم بقوم استطابوا الموت، وفارقوا الأهل طاعة لقسيسهم، وغيرة لمعبدهم، وتهالكا على قمامتهم، حتى لسارت ملكة منهم بخمس مئة مقاتل التزمت بنفقاتهم، فأخذها المسلمون برجالها بقرب الإسكندرية، فذوات المقانع مقنعات دارعات تحمل الطوارق والقبطاريات، ووجدنا منهم عدة بين القتلى، وبابا رومية حكم بأن من لا يتوجه إلى القدس فهو محرم لا منكح له ولا مطعم، فلهذا يتهافتون على الورود ويتهالكون على يومهم الموعود، وقال لهم إنني واصل في الربيع جامع على استنفار الجميع، وإذا نهض فلا يقعد عنه أحد، ويقبل معه كل من قال: لله ولد.\nومن كتاب: ومعاذ الله أن يفتح الله علينا البلاد ثم يغلقها، وأن يسلم على يدينا القدس ثم ننصره، ثم معاذ الله أن نغلب عن النصر أو أن نغلب عن الصبر ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ (١).\nولست بقرم هازم لنظيره ... ولكنه الإسلام للشرك هازم\n\nإلى أن قال: والمشهور الآن أن ملك الألمان خرج في مئتي ألف وأنه\n_________\n(١) محمد الآية (٣٥).","vol":"7","page":197},{"text":"الآن في دون خمسة آلاف. (١)\n- وقال الذهبي أيضا: وكان نور الدين قد أَمَّره، وبعثه في عسكره مع عمه أسد الدين شيركوه، فحكم شيركوه على مصر، فما لبث أن توفي، فقام بعده صلاح الدين، ودانت له العساكر، وقهر بني عبيد، ومحا دولتهم، واستولى على قصر القاهرة بما حوى من الأمتعة والنفائس، منها الجبل الياقوت الذي وزنه سبعة عشر درهما؛ قال مؤلف الكامل ابن الأثير: أنا رأيته ووزنته. (٢)\n- وقال: قال ابن واصل في حصار عزاز: كانت لجاويلي خيمة كان السلطان يحضر فيها، ويحض الرجال، فحضر باطنية في زي الأجناد، فقفز عليه واحد ضربه بسكين، لولا المغفر الزرد الذي تحت القلنسوة، لقتله فأمسك السلطان يد الباطني بيديه، فبقي يضرب في عنق السلطان ضربا ضعيفا، والزرد تمنع، وبادر الأمير بازكوج، فأمسك السكين، فجرحته، وما سيبها الباطني حتى بضعوه، ووثب آخر، فوثب عليه ابن منكلان، فجرحه الباطني في جنبه، فمات، وقتل الباطني، وقفز ثالث، فأمسكه الأمير علي بن أبي الفوارس، فضمه تحت إبطه، فطعنه صاحب حمص، فقتله، وركب السلطان إلى مخيمه، ودمه يسيل على خده، واحتجب في بيت خشب، وعرض جنده، فمن أنكره أبعده. (٣)\n_________\n(١) السير (٢٢/ ٢٠٩ - ٢١٢).\n(٢) السير (٢١/ ٢٧٩).\n(٣) السير (٢١/ ٢٨١ - ٢٨٢).","vol":"7","page":198},{"text":"- وقال ابن كثير: وكان يحب سماع القرآن والحديث والعلم، ويواظب على سماع الحديث، حتى إنه يسمع في بعض مصافه جزء وهو بين الصفين فكان يتبحبح بذلك ويقول: هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثا، وكان ذلك بإشارة العماد الكاتب. وكان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، وكان كثير التعظيم لشرائع الدين. كان قد صحب ولده الظاهر وهو بحلب شاب يقال له الشهاب السهروردي، وكان يعرف الكيميا وشيئا من الشعبذة والأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولد السلطان الظاهر، وقربه وأحبه، وخالف فيه حملة الشرع، فكتب إليه أن يقتله لا محالة، فصلبه عن أمر والده وشهره، ويقال بل حبسه بين حيطين حتى مات كمدا، وذلك في سنة ست وثمانين وخمسمائة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2651>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال الذهبي ﵀: تلاشى أمر العاضد مع صلاح الدين إلى أن خلعه، وخطب لبني العباس، واستأصل شأفة بني عبيد، ومحق دولة الرفض. (٢)\n- جاء في البداية والنهاية: وفيها -أي سنة ست وستين وخمسمائة هجرية- عزل صلاح الدين قضاة مصر لأنهم كانوا شيعة، وولي قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الشافعي، فاستناب في سائر المعاملات قضاة شافعية، وبنى مدرسة للشافعية، وأخرى للمالكية. (٣)\n_________\n(١) البداية (١٣/ ٦).\n(٢) السير (١٥/ ٢١١ - ٢١٢).\n(٣) البداية (١٢/ ٢٨٢).","vol":"7","page":199},{"text":"- وفيها: قطع صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل من ديار مصر كلها. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2652>موقف السلف من سنان بن سليمان الباطني (٥٨٩ ه</span>ـ)\nقال الذهبي عنه: راشد الدين، كبير الإسماعيلية وطاغوتهم ... الباطني صاحب الدعوة الترارية. (٢)\nقال ابن العديم في 'تاريخه': أخبرني شيخ أدرك سنانا أنه كان بصريا يعلم الصبيان، وأنه مر وهو طالع إلى الحصون على حمار، فأراد أهل إقميناس أخذ حماره، فبعد جهد تركوه، ثم آل أمره إلى أن تملك عدة قلاع. أوصى يوما أتباعه، فقال: عليكم بالصفاء بعضكم لبعض، لا يمنعن أحدكم أخاه شيئا له، فأخذ هذا بنت هذا، وأخذ هذا أخت هذا سفاحا، وسموا نفوسهم الصفاة، فاستدعاهم سنان مرة، وقتل خلقا منهم.\nقال ابن العديم: تمكن في الحصون، وانقادوا له. وأخبرني علي بن الهواري أن صلاح الدين سير رسولا إلى سنان يتهدده، فقال للرسول: سأريك الرجال الذين ألقاه بهم، فأشار إلى جماعة أن يرموا أنفسهم من أهل الحصن من أعلاه، فألقوا نفوسهم فهلكوا.\nقال: وبلغني أنه أحل لهم وطء أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم، وأسقط عنهم\n_________\n(١) البداية (١٢/ ٢٨٣).\n(٢) السير (٢١/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"7","page":200},{"text":"صوم رمضان.\nقال: وقرأت بخط أبي غالب بن الحصين أن في محرم سنة تسع وثمانين هلك سنان صاحب الدعوة بحصن الكهف، وكان رجلا عظيما خفي الكيد، بعيد الهمة، عظيم المخاريق، ذا قدرة على الإغواء، وخديعة القلوب، وكتمان السر، واستخدام الطغام والغفلة في أغراضه الفاسدة. وأصله من قرى البصرة، خدم رؤساء الإسماعيلية بألموت، وراض نفسه بعلوم الفلاسفة، وقرأ كثيرا من كتب الجدل والمغالطة ورسائل إخوان الصفاء، والفلسفة الإقناعية المشوقة لا المبرهنة، وبنى بالشام حصونا، وتوثب على حصون، ووعر مسالكها، وسالمته الأنام، وخافته الملوك من أجل هجوم أتباعه بالسكين، دام له الأمر نيفا وثلاثين سنة، وقد سير إليه داعي الدعاة من قلعة ألموت جماعة غير مرة ليقتلوه لاستبداده بالرئاسة، فكان سنان يقتلهم، وبعضهم يخدعه، فيصير من أتباعه.\nقال: وقرأت على حسين الرازي في 'تاريخه' قال: حدثني معين الدين مودود الحاجب أنه حضر عند الإسماعيلية في سنة اثنتين وخمسين، فخلا بسنان، وسأله فقال: نشأت بالبصرة، وكان أبي من مقدميها، فوقع هذا الأمر في قلبي، فجرى لي مع إخوتي أمر، فخرجت بغير زاد ولا ركوب، فتوصلت إلى الألموت، وبها إلكيا محمد بن صباح، وله ابنان حسن وحسين، فأقعدني معهما في المكتب، وكان يبرني برهما، ويساويني بهما، ثم مات، وولي حسن بن محمد، فنفذني إلى الشام، فخرجت مثل خروجي من البصرة، وكان قد أمرني بأوامر، وحملني رسائل، فدخلت مسجد التمارين بالموصل، ثم سرت إلى الرقة، فأديت رسالته إلى رجل، فزودني، واكترى لي بهيمة إلى","vol":"7","page":201},{"text":"حلب، ولقيت آخر برسالته، فزودني إلى الكهف، وكان الأمر أن أقيم هنا، فأقمت حتى مات الشيخ أبو محمد صاحب الأمر، فولي بعده خواجا علي بغير نص، بل باتفاق جماعة، ثم اتفق الرئيس أبو منصور ابن الشيخ أبي محمد والرئيس فهد، فبعثوا من قتل خواجا، وبقي الأمر شورى، فجاء الأمر من الألموت بقتل قاتله وإطلاق فهد، وقرئت الوصية على الجماعة، وهي:\nهذا عهد عهدناه إلى الرئيس ناصر الدين سنان، وأمرناه بقراءته على الرفاق والإخوان، أعاذكم الله من الاختلاف واتباع الأهواء، إذ ذاك فتنة الأولين، وبلاء الآخرين، وعبرة للمعتبرين، من تبرأ من أعداء الله وأعداء وليه ودينه، عليه موالاة أولياء الله، والاتحاد بالوحدة سنة جوامع الكلم، كلمة الله والتوحيد والإخلاص، لا إله إلا الله عروة الله الوثقى، وحبله المتين، ألا فتمسكوا به، واعتصموا به، فبه صلاح الأولين، وفلاح الآخرين، أجمعوا آراءكم لتعليم شخص معين بنص من الله ووليه، فتلقوا ما يلقيه إليكم من أوامره ونواهيه بقبول، فلا وربك لا تؤمنون حتى تحكموه فيما شجر بينكم ثم لا تجدوا في أنفسكم حرجا مما قضى وتسلموا تسليما، فذلك الاتحاد بالوحدة التي هي آية الحق المنجية من المهالك، المؤدية إلى السعادة، إذ الكثرة علامة الباطل المؤدية إلى الشقاوة المخزية، فنعوذ بالله من زواله، وبالواحد من آلهة شتى، وبالوحدة من الكثرة، وبالنص والتعليم من الأدواء والأهواء، وبالحق من الباطل، وبالآخرة الباقية من الدنيا الملعونة، إلا ما أريد به وجه الله، فتزودوا منها للأخرى، وخير الزاد التقوى، أطيعوا أميركم ولو كان عبدا حبشيا. (١)\n_________\n(١) السير (٢١/ ١٨٥ - ١٨٨).","vol":"7","page":202},{"text":"الشاطبي القاسم بن فِيرُّهْ (١) (٥٩٠ هـ)\nالشيخ الإمام، سيد القراء، أبو محمد وأبو القاسم القاسم بن فِيرُّهْ بن خلف بن أحمد الرعيني الأندلسي الشاطبي، الضرير، المقرئ، ناظم الشاطبية وغيرها. ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. سمع من السلفي، وقرأ ببلده بالسبع على أبي عبد الله بن أبي العاص النفري، وارتحل إلى بلنسية، فقرأ على أبي الحسن بن هذيل. وسمع منه أبو الحسن بن خيرة ومحمد بن يحيى الجنجالي وأبو بكر بن وضاح وأبو محمد بن عبد الوارث المعروف بابن فار اللبن وغيرهم. تصدر للإقراء بمصر، فعظم شأنه، وبعد صيته، وانتهت إليه الرئاسة في الإقراء. قال الذهبي: وكان إماما علامة، نبيلا، محققا، ذكيا، واسع المحفوظ، كثير الفنون، بارعا في القراءات وعللها، حافظا للحديث، كثير العناية به، أستاذا في العربية. وقال ابن كثير: وكان دينا خاشعا ناسكا كثير الوقار، لا يتكلم فيما لا يعنيه. سارت الركبان بقصيدتيه حرز الأماني والرائية، وخضع لهما فحول الشعراء وحذاق القراء، وقيل: إنه كان يحفظ وقر بعير من الكتب. توفي ﵀ بمصر في جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2654>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال أبو شامة في 'الباعث على إنكار البدع والحوادث' في معرض بيان إنكار السلف للصلوات المبتدعة: وعهدي بأن مثل هذه الصلوات لا يحافظ\n_________\n(١) وفيات الأعيان (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٦) ومعرفة القراء الكبار (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٥) والسير (٢١/ ٢٦١ - ٢٦٤) والبداية والنهاية (١٣/ ١١ - ١٢) وغاية النهاية (٢/ ٢٠ - ٢٣) وحسن المحاضرة (١/ ٤٩٦ - ٤٩٧) وشذرات الذهب (٤/ ٣٠١ - ٣٠٣).","vol":"7","page":203},{"text":"عليها إلا عامي جاهل، وإن أهل العلم مطبقون على إنكارها كما حدثنا الشيخ أبو الحسن العلامة قال: كنت جالسا بعد المغرب، عند الشيخ أبي القاسم بن فِيْرُّه الشاطبي رحمه الله تعالى، وحدثني بحجرته التي كان يقرأ فيها القرآن، بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة، من الديار المصرية، والناس يصلون صلاة الرغائب بالمدرسة، وأصواتهم تبلغنا، فلما فرغوا منها، سمعت الشيخ الشاطبي يقول: لا إله إلا الله، فرغت البدعة، فرغت البدعة مرتين.\nقلت: وكان هذا الشيخ الشاطبي جامعا بين العلم والعمل، وليا من أولياء الله تعالى، ذا كرامات مشهورة، وقد بينت من أحواله في أول شرح قصيدته في القراءات.\nوقد حدثني عنه شيخنا المذكور، أنه قال: ما أتكلم كلمة إلا لله.\nفما أراد الشاطبي ﵀ بهذا الكلام إلا إعلام صاحبه، بأنها بدعة، نصحا لله ولدينه. (١)\n\nالطالقاني (٢) (٥٩٠ هـ)\nأحمد بن إسماعيل بن يوسف، أبو الخير الطالقاني القزويني، الفقيه الشافعي، الواعظ رضي الدين أحد الأعلام. ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بقزوين. وتفقه على الفقيه أبي بكر بن ملكداذ بن علي العمركي ثم ارتحل إلى\n_________\n(١) الباعث (٢٢٣ - ٢٢٤).\n(٢) السير (٢١/ ١٩٠ - ١٩٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ٥٨١ - ٥٩٠هـ/ص.٣٦٨ - ٣٧٢) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٥٦) والنجوم الزاهرة (٦/ ١٣٤و١٣٦) وشذرات الذهب (٤/ ٣٠٠) والبداية والنهاية (١٣/ ١١).","vol":"7","page":204},{"text":"نيسابور. وسمع من الكثير من أبيه وأبي الحسن بن علي الشافعي القزويني وخلق. قال ابن النجار: كان رئيس أصحاب الشافعي وكان إماما في المذهب، والخلاف والأصول والتفسير والوعظ. حدث بالكتب الكبار كصحيح مسلم ومسند إسحاق وتاريخ نيسابور للحاكم والسنن الكبير للبيهقي ودلائل النبوة والبعث والنشور له أيضا.\nرد إلى بلده فأقام مشتغلا بالعبادة إلى أن توفي في المحرم سنة تسعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2656>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في السير: قال الموفق: كان يعمل في اليوم والليلة ما يعجز المجتهد عنه في شهر، وظهر التشيع في زمانه بسبب ابن الصاحب، فالتمس العامة منه على المنبر يوم عاشوراء أن يلعن يزيد، فامتنع، فهموا بقتله مرات، فلم يرع، ولا زل، وسار إلى قزوين، وضجع لهم ابن الجوزي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2657>موقفه من الجهمية:</span>\nذكر له ابن العماد كتابا لعله يصلح مرجعا يستفيد منه السلفي وهو: التبيان في مسائل القرآن ردا على الحلولية والجهمية. انظر الشذرات. (٢)\nتنبيه: قال ابن كثير عنه في البداية: وكان يذهب إلى قول الأشعري في الأصول. (٣)\n_________\n(١) السير (٢١/ ١٩٣) والبداية (١٣/ ١١).\n(٢) (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١).\n(٣) البداية (١٣/ ١١).","vol":"7","page":205},{"text":"يعقوب المنصور (١) (٥٩٥ هـ)\nالسلطان الكبير، الملقب بأمير المؤمنين المنصور، أبو يوسف يعقوب بن السلطان يوسف بن السلطان عبد المؤمن. عقدوا له بالأمر سنة ثمانين وخمسمائة عند مهلك أبيه، فكان سنه يومئذ ثنتين وثلاثين سنة. وكان فارسا شجاعا، قوي الفراسة، خبيرا بالأمور، خليقا للإمارة، ينطوي على دين وخير وتأله ورزانة، أبطل الخمر في ممالكه، وتوعد عليها فعدمت. وكان يجمع الأيتام في العام، فيأمر للصبي بدينار وثوب ورغيف، وكان يعود المرضى في الجمعة، وكان يقصد لفضله ولعدله ولبذله وحسن معتقده، وكانت مجالسه مزينة بحضور العلماء والفضلاء، تفتتح بالتلاوة ثم بالحديث، وكان يجيد حفظ القرآن ويحفظ الحديث، ويتكلم في الفقه، ويناظر وينسبونه إلى مذهب الظاهر، وله فتاوى، وصنف في العبادات. توفي سنة خمس وتسعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2659>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الاستقصا: كان المنصور يشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس، وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر، وقتل العمال الذين تشكوهم الرعايا، وأمر برفض فروع الفقه وإحراق كتب المذاهب، وأن الفقهاء لا يفتون إلا من الكتاب والسنة النبوية، ولا يقلدون أحدا من الأئمة المجتهدين، بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم\n_________\n(١) السير (٢١/ ٣١١ - ٣١٩) ووفيات الأعيان (٧/ ٣ - ١٩) والاستقصا (٢/ ١٥٨) والبداية والنهاية (١٣/ ٢٢) وشذرات الذهب (٤/ ٣٢١) والأعلام (٨/ ٢٠٣).","vol":"7","page":206},{"text":"القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس. (١)\n- وجاء في السير: قال عبد الواحد بن علي: كنت بفاس، فشهدت الأحمال يؤتى بها فتحرق، وتهدد على الاشتغال بالفروع، وأمر الحفاظ بجمع كتاب في الصلاة من الكتب الخمسة والموطأ، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند البزار، وسنن الدارقطني، وسنن البيهقي، كما جمع ابن تومرت في الطهارة. ثم كان يملي ذلك بنفسه على كبار دولته، وحفظ ذلك خلق، فكان لمن يحفظه عطاء وخلعة. -إلى أن قال-: وكان قصده محو مذهب مالك من البلاد، وحمل الناس على الظاهر، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، فلم يظهراه، فأخبرني غير واحد أن ابن الجد أخبرهم قال: دخلت على أمير المؤمنين يوسف، فوجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال: أنا أنظر في هذه الآراء التي أحدثت في الدين، أرأيت المسألة فيها أقوال، ففي أيها الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له، فقطع كلامي، وقال: ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى (سنن أبي داود) أو هذا وأشار إلى السيف. (٢)\n- وكان لا يقول بالعصمة في ابن تومرت.\nوسأل فقيها: ما قرأت؟ قال: تواليف الإمام (٣)، قال: فزورني، وقال: ما كذا يقول الطالب، حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت من السنة،\n_________\n(١) الاستقصا (٢/ ٢٠٠).\n(٢) السير (٢١/ ٣١٣ - ٣١٤). وانظر المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص.٤٠٠ - ٤٠٢).\n(٣) يعني ابن تومرت.","vol":"7","page":207},{"text":"ثم بعد ذا قل ما شئت. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2660>موقفه من المشركين:</span>\n- قال الإمام الذهبي: وكان ابن رشد الحفيد قد هذب له كتاب الحيوان. وقال: الزرافة رأيتها عند ملك البربر، كذا قال غير مهتبل، فأحنقهم هذا، ثم سعى فيه من يناوئه عند يعقوب، فأروه بخطه حاكيا عن الفلاسفة أن الزهرة أحد الآلهة، فطلبه، فقال: أهذا خطك؟ فأنكر، فقال: لعن الله من كتبه، وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أقامه مهانا، وأحرق كتب الفلسفة سوى الطب والهندسة. (٢)\n- وقال أيضا: قيل: إن الأدفنش كتب إليه يهدده، ويعنفه، ويطلب منه بعض البلاد، ويقول: وأنت تماطل نفسك، وتقدم رجلا وتؤخر أخرى، فما أدري الجبن بطأ بك، أو التكذيب بما وعدك نبيك؟ فلما قرأ الكتاب، تنمر، وغضب، ومزقه، وكتب على رقعة منه: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ (٣) الآية، الجواب ما ترى لا ما تسمع.\nولا كتب إلا المشرفية عندنا ... ولا رسل إلا للخميس العرمرم\n\nثم استنفر سائر الناس، وحشد، وجمع، حتى احتوى ديوان جيشه على مئة ألف، ومن المطوعة مثلهم، وعدى إلى الأندلس، فتمت الملحمة الكبرى،\n_________\n(١) السير (٢١/ ٣١٦).\n(٢) السير (٢١/ ٣١٧).\n(٣) النمل الآية (٣٧).","vol":"7","page":208},{"text":"ونزل النصر والظفر، فقيل غنموا ستين ألف زردية. قال ابن الأثير: قتل من العدو مائة ألف وستة وأربعون ألفا، ومن المسلمين عشرون ألفا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2661>موقف السلف من ابن رشد الحفيد (٥٩٥ ه</span>ـ)\nجاء في السير: قال شيخ الشيوخ ابن حمويه: لما دخلت البلاد، سألت عن ابن رشد، فقيل: إنه مهجور في بيته من جهة الخليفة يعقوب، لا يدخل إليه أحد؛ لأنه رفعت عنه أقوال ردية، ونسبت إليه العلوم المهجورة، ومات محبوسا بداره بمراكش في أواخر سنة أربع ... أو خمس. (٢)\n\nالشهاب الطوسي (٣) (٥٩٦ هـ)\nمحمد بن محمود بن محمد الشهاب الطوسي أبو الفتح الفقيه الشافعي، نزيل مصر، إمام مفت علامة مشهور، ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.\nحدث عن أبي الوقت السجزي وغيره. روى عنه الإمام بهاء الدين ابن الجميزي وشهاب الدين القوصي. سافر إلى مصر وأظهر مذهب الأشعري، وثارت عليه الحنابلة، وكان يجري بينه وبين زين الدين بن نجية العجائب من السباب ونحوه. قاله أبو شامة.\n_________\n(١) السير (٢١/ ٣١٨ - ٣١٩).\n(٢) السير (٢١/ ٣٠٩).\n(٣) تاريخ الإسلام (٤٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨) والسير (٢١/ ٣٨٧ - ٣٨٨) والشذرات (٤/ ٣٢٧ - ٣٢٨).","vol":"7","page":209},{"text":"جرى له مع العادل ومع ابن شكر قضايا عجيبة لما تعرضوا لأوقاف المدارس فذب عن الناس وثبت. مات بمصر سنة ست وتسعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2663>موقفه من المشركين:</span>\nقال الذهبي: قال الإمام أبو شامة: وبلغني أنه سئل: أيما أفضل دم الحسين، أو دم الحلاج؟ فاستعظم ذلك، قالوا: فدم الحلاج كتب على الأرض: الله، الله، ولا كذلك دم الحسين؟ قال: المتهم يحتاج إلى تزكية.\nقلت: -أي الذهبي- لم يصح هذا عن دم الحلاج، وليسا سواء: فالحسين ﵁ شهيد قتل بسيف أهل الشر، والحلاج فقتل على الزندقة بسيف أهل الشرع. (١)\n\nالعِمَاد الكَاتِب (٢) (٥٩٧ هـ)\nالقاضي الإمام، العلامة المفتي، المنشيء البليغ، الوزير عماد الدين، أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد بن محمد الأصبهاني الكاتب، ويعرف بابن أخي العزيز. ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان وقدم بغداد وهو ابن عشرين سنة، وتفقه وبرع في الفقه على أبي منصور بن الرزاز وأتقن الخلاف والنحو والأدب والنظم. وسمع من أبي منصور بن خيرون والمبارك السمذي وأبي القاسم بن الصباغ وطائفة. وسمع بالثغر من السلفي وغيره. روى عنه\n_________\n(١) السير (٢١/ ٣٨٨).\n(٢) الكامل في التاريخ (١٢/ ١٧١) ووفيات الأعيان (٥/ ١٤٧ - ١٥٣) والسير (٢١/ ٣٤٥ - ٣٥٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٩١ - ٦٠٠/ص.٣١٦ - ٣٢٣) وشذرات الذهب (٤/ ٣٣٢).","vol":"7","page":210},{"text":"ابن خليل، والشهاب القوصي، والعز الإربلي، وآخرون. اتصل بابن هبيرة ثم اتصل بالدولة وخدم بالإنشاء الملك نور الدين. صنف كتاب خريدة القصر وجريدة العصر والبرق الشامي. قال ابن البزوري في تاريخه: العماد إمام البلغاء، شمس الشعراء، وقطب رحى الفضلاء، أشرقت فضائله وأنارت، وأنجدت الركبان بأخباره وأغارت، هو في الفصاحة قس دهره، وفي البلاغة سحبان عصره، فاق الأنام طُرّا، نظما ونثرا. توفي رحمه الله تعالى في أول رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2665>موقفه من الرافضة:</span>\nومما نظمه العماد في ذلك (أي في وفاة العاضد العبيدي ودعوة صلاح الدين):\nتوفي العاضد الدعي فما ... يفتح ذو بدعة بمصر فما\nوعصر فرعونها انقضى وغدا ... يوسفها في الأمور محتكما\nقد طفئت جمرة الغواة وقد ... داخ من الشرك كل ما اضطرما\nوصار شمل الصلاح ملتئما ... بها وعقد السداد منتظما\nلما غدا مشعرا شعار بني الـ ... ـعباس حقا والباطل اكتتما\nوبات داعي التوحيد منتظرا ... ومن دعاة الإشراك منتقما\nوظل أهل الضلال في ظلل ... داجية من غبائة وعمى\nوارتكس الجاهلون في ظلم ... لما أضاءت منابر العلما\nوعاد بالمستضيء معتليا ... بناء حق بعدما كان منهدما\nأعيدت الدولة التي اضطهدت ... وانتصر الدين بعدما اهتضما","vol":"7","page":211},{"text":"واهتز عطف الإسلام من جلل ... وافتر ثغر الإسلام وابتسما\nواستبشرت أوجه الهدى فرحا ... فليقرع الكفر سنه ندما\nعاد حريم الأعداء منتهك الـ ... ـحمى وفي الطغاة منقسما\nقصور أهل القصور أخربها ... عامر بيت من الكمال سما\nأزعج بعد السكوت ساكنها ... ومات ذلا وأنفه رغما (١)\n\nابن الجَوْزِي (٢) (٥٩٧ هـ)\nالشيخ الإمام عبد الرحمن بن علي بن محمد، جمال الدين، أبو الفرج بن الجوزي القرشي التيمي البغدادي، صاحب التصانيف المشهورة. ولد سنة تسع أو عشر وخمسمائة، وعرف جدهم بالجوزي لجوزة في وسط داره بواسط، ولم يكن بواسط جوزة سواها. سمع من ابن الحصين وأبي الحسن الزاغوني وابن ناصر وأبي الوقت وأبي السعادات المتوكلي وغيرهم. وروى عنه ابنه محيي الدين يوسف وسبطه شمس الدين الواعظ والشيخ الموفق والحافظ عبد الغني وابن النجار وآخرون. قيل كان يحضر مجلسه مائة ألف نفس. برع في العلوم، وتفرد بالمنثور والمنظوم، وفاق على أدباء مصره وعلا على فضلاء دهره، ولم يترك فنا من الفنون إلا وله فيه مصنف. قال سيف الدين بن المجد: وما رأيت أحدا يعتمد عليه في دينه وعلمه وعقله راضيا عنه.\n_________\n(١) البداية (١٢/ ٢٨٤).\n(٢) وفيات الأعيان (٣/ ١٤٠ - ١٤٢) والسير (٢١/ ٣٦٥ - ٣٨٤) وتاريخ الإسلام (حوادث٥٩١ - ٦٠٠/ص.٢٨٧ - ٣٠٤) والوافي بالوفيات (١٨/ ١٨٦ - ١٩٤) والنجوم الزاهرة (٦/ ١٧٤) وشذرات الذهب (٤/ ٣٢٩ - ٣٣١)","vol":"7","page":212},{"text":"قال جدي ﵀: كان أبو المظفر بن حمدي أحد العدول والمشار إليهم ببغداد ينكر على ابن الجوزي كثيرا كلمات يخالف فيها السنة. قال الذهبي: وكلامه في السنة مضطرب، تراه في وقت سنيا، وفي وقت متجهما محرفا للنصوص، والله يرحمه ويغفر له. نالته محنة في أواخر عمره، فحبس بواسط، وما أطلق إلا بعد خمس سنين. توفي ﵀ في الثالث عشر من رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2667>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀ في كتابه النفيس 'تلبيس إبليس': واعلم أن الأنبياء جاؤوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي، وتوافقوا على منهاج لم يختلف. فأقبل الشيطان يخلط بالبيان شبهًا، وبالدواء سمًّا، وبالسبيل الواضح جردًا مضلا، وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة، وبدع قبيحة، فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام، ويحرمون السائبة والبحيرة والوصيلة والحام، ويرون وأد البنات، ويمنعونهن الميراث، إلى غير ذلك من الضلال الذي سوله لهم إبليس فابتعث الله ﷾ محمدًا - ﷺ -، فرفع المقابح، وشرع المصالح. فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره، سالمين من العدوّ وغروره. فلما انسلخ نهار وجودهم. أقبلت أغباش الظلمات، فعادت الأهواء تنشئ بدعًا، وتضيق سبيلًا ما زال متسعًا، ففرق الأكثرون دينهم وكانوا شيعًا، ونهض إبليس يلبس ويزخرف ويفرق ويؤلف، وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل، فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح.\nفرأيت أن أحذر من مكايده، وأدلّ على مصايده. فإن في تعريف الشر","vol":"7","page":213},{"text":"تحذيرًا عن الوقوع فيه. (١)\n- قال ﵀: دخل إبليس على هذه الأمة في عقائدها من طريقين:\nأحدهما: التقليد للآباء والأسلاف.\nوالثاني: الخوض فيما لا يدرك غوره ويعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه، فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التخليط.\nفأما الطريق الأول، فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه والصواب قد يخفى والتقليد سليم. وقد ضل في هذا الطريق خلق كثير وبه هلاك عامة الناس، فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم فضلوا، وكذلك أهل الجاهلية. واعلم أن العلة التي بها مدحوا التقليد بها يذم، لأنه إذا كانت الأدلة تشتبه والصواب يخفى وجب هجر التقليد لئلا يوقع في ضلال. وقد ذم الله ﷾ الواقفين مع تقليد آبائهم وأسلافهم فقال ﷿: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ﴾ (٢) المعنى أتتبعونهم؟ وقد قال ﷿: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ (٣). قال المصنف: اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه. وفي التقليد إبطال منفعة العقل لأنه إنما خلق للتأمل والتدبر، وقبيح بمن\n_________\n(١) تلبيس إبليس (ص.١٠ - ١١).\n(٢) الزخرف الآيتان (٢٣و٢٤).\n(٣) الصافات الآيتان (٦٩و٧٠).","vol":"7","page":214},{"text":"أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة. واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر بما قال، وهذا عين الضلال، لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل كما قال علي ﵁ للحارث بن حوط وقد قال له: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ فقال له: يا حارث إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يُعْرَف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. (١)\n- وقال: واعلم أن من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه، كان كمن ينظر إلى ماجرى على يد المسيح صلوات الله عليه من الأمور الخارقة ولم ينظر إليه فادعى فيه الإلهية. ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام، لم يعطه إلا ما يستحقه. (٢)\n- وقال: فإن قال قائل: قد مدحت السنة وذممت البدعة، فما السنة وما البدعة؟ فإنا نرى أن كل مبتدع في زعمنا يزعم أنه من أهل السنة؟ (فالجواب): أن السنة في اللغة الطريق، ولا ريب في أن أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله - ﷺ - وآثار أصحابه هم أهل السنة، لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله - ﷺ - وأصحابه.\nوالبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابتدع. والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة، وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان. فإن\n_________\n(١) التلبيس (١٠٠ - ١٠١).\n(٢) التلبيس (٢٠٩).","vol":"7","page":215},{"text":"ابتدع شيء لا يخالف الشريعة ولا يوجب التعاطي عليها؛ فقد كان جمهور السلف يكرهونه، وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزا، حفظا للأصل وهو الاتباع. (١)\n- وقال ﵀: قد بينا أن القوم كانوا يتحذرون من كل بدعة وإن لم يكن بها بأس لئلا يحدثوا ما لم يكن. وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة ولا يتعاطى عليها، فلم يروا بفعلها بأسا، كما روي أن الناس كانوا يصلون في رمضان وحدانا، وكان الرجل يصلي فيصلي بصلاته الجماعة، فجمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب ﵁، فلما خرج فرآهم قال: نعمت البدعة هذه، لأن صلاة الجماعة مشروعة. وإنما قال الحسن في القصص: نعمت البدعة، كم من أخ يستفاد، ودعوة مستجابة؛ لأن الوعظ مشروع، ومتى أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذم.\nفأما إذا كانت البدعة كالمتمم فقد اعتقد نقص الشريعة، وإن كانت مضادة فهي أعظم.\nفقد بان بما ذكرنا أن أهل السنة هم المتبعون، وأن أهل البدعة هم المظهرون شيئا لم يكن قبل ولا مستند له، ولهذا استتروا ببدعتهم، ولم يكتم أهل السنة مذهبهم، فكلمتهم ظاهرة ومذهبهم مشهور والعاقبة لهم. (٢)\n- وبالسند إلى محمد بن الفضل العباسي قال: كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو يقرأ علينا كتاب الجرح والتعديل، فقال: أظهر أحوال أهل\n_________\n(١) تلبيس إبليس (٢٤ - ٢٥).\n(٢) تلبيس إبليس (٢٦).","vol":"7","page":216},{"text":"العلم من كان منهم ثقة أو غير ثقة. فقال له يوسف بن الحسين: استحييت إليك يا أبا محمد، كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مئة سنة أو مئتي سنة، وأنت تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض، فبكى عبد الرحمن، وقال: يا أبا يعقوب، لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب، لم أصنفه.\nقال ابن الجوزي: عفا الله عن ابن أبي حاتم، فإنه لو كان فقيها، لرد عليه كما رد الإمام أحمد على أبي تراب، ولولا الجرح والتعديل، من أين كان يعرف الصحيح من الباطل؟ ثم كون القوم في الجنة لا يمنع أن نذكرهم بما فيهم. وتسمية ذلك غيبة حديث سوء.\nثم من لا يدري الجرح والتعديل كيف هو يزكي كلامه؟ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2668>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀: اعلم أن القوم -أي الباطنية- أرادوا الانسلال من الدين، فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية والثنوية وملحدة الفلاسفة في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع وتكذيب الرسل وجحد البعث وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون، ورأوا أمر محمد - ﷺ - قد استطار في الأقطار، وأنهم قد عجزوا عن مقاومته فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أزكاهم عقلا وأتحفهم رأيا وأقبلهم للمحالات والتصديق بالأكاذيب وهم الروافض، فنتحصن بالانتساب إليهم، ونتودد\n_________\n(١) تلبيس إبليس (٤٠٩).","vol":"7","page":217},{"text":"إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة. فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخداع عن الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن وأن المنخدع بظواهرها أحمق وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق. ثم قالوا: وطريقنا أن نختار رجلا ممن يساعد على المذهب ويزعم أنه من أهل البيت وأنه يجب على كل الخلق كافة متابعته ويتعين عليهم طاعته لكونه خليفة رسول الله - ﷺ -، والمعصوم من الخطأ والزلل من جهة الله ﷿، ثم لا تظهر هذه الدعوة على القرب من جوار هذا الخليفة الذي وسمناه بالعصمة، فإن قرب الدار يهتك الأستار. وإذا بعدت الشقة وطالت المسافة فمتى يقدر المستجيب للدعوة أن يفتش عن حال الإمام أو يطلع على حقيقة أمره. وقصدهم بهذا كله الملك والاستيلاء على أموال الناس، والانتقام منهم لما عاملوهم به من سفك دمائهم ونهب أموالهم قديما، فهذا غاية مقصودهم ومبدأ أمرهم. (١)\n- وقال ﵀: فانظر كيف تلاعب الشيطان بهؤلاء وذهب بعقولهم فنحتوا بأيديهم ما عبدوه، وما أحسن ما عاب الحق ﷾ أصنامهم فقال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ\n_________\n(١) التلبيس (١٢٨ - ١٢٩).","vol":"7","page":218},{"text":"أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (١). وكانت الإشارة إلى العباد، أي: أنتم تمشون وتبطشون وتبصرون وتسمعون والأصنام عاجزة عن ذلك وهي جماد وهم حيوان فكيف عبد التّامُّ النّاقصَ. ولو تفكروا لعلموا أن الإله يصنع الأشياء ولا يُصنع، ويجمع وليس بمجموع، وتقوم الأشياء به ولا يقوم بها، وإنما ينبغي للإنسان أن يعبد من صنعه لا ما صنعه. وما خيل إليهم أن الأصنام تشفع فخيال ليس فيه شبهة يتعلق بها. (٢)\n- وقال مبيّنًا سخف الفلاسفة ومن ضاهاهم: وقد لبس إبليس على أقوام من أهل ملتنا فدخل عليهم من باب قوة ذكائهم وفطنتهم، فأراهم أن الصواب اتباع الفلاسفة لكونهم حكماء قد صدرت منهم أفعال وأقوال دلت على نهاية الذكاء وكمال الفطنة، كما ينقل من حكمة سقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وجالينوس، وهؤلاء كانت لهم علوم هندسية ومنطقية وطبيعية واستخرجوا بفطنهم أمورًا خفية إلا أنهم لما تكلموا في الإلهيات خلطوا؛ ولذلك اختلفوا فيها ولم يختلفوا في الحسيات والهندسيات. وقد ذكرنا جنس تخليطهم في معتقداتهم.\nوسبب تخليطهم أن قوى البشر لا تدرك العلوم إلا جملة، والرجوع فيها إلى الشرائع. وقد حكي لهؤلاء المتأخرين في أمتنا أن أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصانع، ويدفعون الشرائع ويعتقدونها نواميس وحيلًا، فصدقوا فيما حكي لهم عنهم، ورفضوا شعار الدين وأهملوا الصلوات ولابسوا\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٩٥).\n(٢) تلبيس إبليس (ص.٧٧ - ٧٨).","vol":"7","page":219},{"text":"المحذورات واستهانوا بحدود الشرع وخلعوا ربقة الإسلام، فاليهود والنصارى أعذر منهم لكونهم متمسكين بشرائع دلت عليها معجزات، والمبتدعة في الدين أعذر منهم لأنهم يدعون النظر في الأدلة، وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلا علمهم بأن الفلاسفة كانوا حكماء. أتراهم ما علموا أن الأنبياء كانوا حكماء وزيادة؟\nوما قد حكي لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصانع محال؛ فإن أكثر القوم يثبتون الصانع ولا ينكرون النبوات وإنما أهملوا النظر فيها وشذ منهم قليل، فتبعوا الدهرية الذين فسدت أفهامهم بالمرة، وقد رأينا من المتفلسفة من أمتنا جماعة لم يكسبهم التفلسف إلا التحير، فلا هم يعملون بمقتضاه ولا بمقتضى الإسلام؛ بل فيهم من يصوم رمضان ويصلي، ثم يأخذ في الاعتراض على الخالق وعلى النبوات، ويتكلم في إنكار بعث الأجساد ولا يكاد يرى منهم أحد إلا ضربه الفقر فَأَضَرَّ بِهِ، فهو عامة زمانه في تسخط على الأقدار والاعتراض على المقدر، حتى قال لي بعضهم: أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك. وكان يقول أشعارًا كثيرة في هذا المعنى، فمنها قوله في صفة الدنيا قال:\nأتراها صنعة من غير صانع ... أم تراها رمية من رام\n\nوقوله:\nواحيرتا من وجود ما تقدمه ... منا اختيار ولا علم فيقتبس\nكأنه في عماء ما يخلصنا ... منه ذكاء ولا عقل ولا شرس\nونحن في ظلمة ما إن لها قمر ... فيها يضيء ولا شمس ولا قبس","vol":"7","page":220},{"text":"مدلهين حيارى قد تكنفنا ... جهل يجهمنا في وجهه عبس\nفالفعل فيه بلا ريب ولا عمل ... والقول فيه كلام كله هوس\nولما كانت الفلاسفة قريبًا من زمان شريعتنا، والرهبنة كذلك، مدّ بعض أهل ملتنا يده إلى التمسك بهذه وبعضهم مدّ يده إلى التمسك بهذه، فترى كثيرًا من الحمقى إذا نظروا في باب الاعتقاد تفلسفوا، وإذا نظروا في باب التزهد ترهبنوا، فنسأل الله ثباتًا على ملتنا وسلامة من عدونا، إنه ولي الإجابة. (١)\n- وقال: قد لبس على خلق كثير فجحدوا البعث، واستهولوا الإعادة بعد البلاء، وأقام لهم شبهتين:\nإحداهما: أنه أراهم ضعف المادة.\nوالثانية: اختلاط الأجزاء المتفرقة في أعماق الأرض. قالوا: وقد يأكل الحيوان الحيوان فكيف يتهيأ إعادته؟ وقد حكى القرآن شبهتهم فقال تعالى في الأولى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾ (٢). وقال في الثانية: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٣). وهذا كان مذهب أكثر الجاهلية، قال قائلهم:\n_________\n(١) تلبيس إبليس (ص.٦٣ - ٦٥).\n(٢) المؤمنون الآيتان (٣٥و٣٦).\n(٣) السجدة الآية (١٠).","vol":"7","page":221},{"text":"يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام\n\nوقال آخر (وهو أبو العلاء المعريّ):\nحياة ثم موت ثم بعث ... حديث خرافة يا أم عمرو\n\nوالجواب عن شبهتهم الأولى: أن ضعف المادة في الثاني وهو التراب يدفعه كون البداية من نطفة ومضغة وعلقة: ثم أصل الآدميين وهو آدم من تراب على أن الله ﷾ لم يخلق شيئًا مستحسنًا إلا من مادة سخيفة. فإنه أخرج هذا الآدمي من نطفة، والطاووس من البيضة المدرة والطرفة الخضراء من الحبة العفنة.\nفالنظر ينبغي أن يكون إلى قوة الفاعل وقدرته لا إلى ضعف المواد. وبالنظر إلى قدرته يحصل جواب الشبهة الثانية، ثم قد أرانا كالأنموذج في جمع التمزق فإن سحالة الذهب المتفرقة في التراب الكثير إذا أُلقي عليها قليل من زئبق اجتمع الذهب مع تبدده، فكيف بالقدرة الإلهية التي من تأثيرها خلق كل شيء لا من شيء، على أنا لو قدرنا أن نحيل هذا التراب ما استحالت إليه الأبدان لم يصر بنفسه، لأن الآدمي بنفسه لا ببدنه؛ فإنه ينحل ويسمن، ويهزل ويتغير من صغر إلى كبر وهو هو، ومن أعجب الأدلة على البعث أن الله ﷿ قد أظهر على يدي أنبيائه ما هو أعظم من البعث وهو قلب العصا حية حيوانًا، وأخرج ناقة من صخرة، وأظهر حقيقة البعث على يدي عيسى صلوات الله وسلامه عليه. (١)\n_________\n(١) تلبيس إبليس (ص.٩٧ - ٩٨).","vol":"7","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2669>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: وقام إليه رجل بغيض، فقال: يا سيدي: نريد كلمة ننقلها عنك، أيما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال: اجلس، فجلس، ثم قام، فأعاد مقالته، فأقعده، ثم قام، فقال: اقعد، فأنت أفضل من كل أحد. (١)\n- وفيها: سئل ابن الجوزي والخليفة يسمع: من أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ -؟ قال: أفضلهم بعده من كانت بنته تحته. وهذا جواب جيد يصدق على أبي بكر وعلى علي. (٢)\n- وفيها: وقد نالته محنة في أواخر عمره، ووشوا به إلى الخليفة الناصر عنه بأمر اختلف في حقيقته، فجاء من شتمه، وأهانه، وأخذه قبضا باليد، وختم على داره، وشتت عياله، ثم أقعد في سفينة إلى مدينة واسط، فحبس بها في بيت حرج، وبقي هو يغسل ثوبه، ويطبخ الشيء، فبقي على ذلك خمس سنين ما دخل فيها حماما. قام عليه الركن عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر، وكان ابن الجوزي لا ينصف الشيخ عبد القادر، ويغض من قدره، فأبغضه أولاده، ووزر صاحبهم ابن القصاب، وقد كان الركن رديء المعتقد، متفلسفا، فأحرقت كتبه بإشارة ابن الجوزي، وأخذت مدرستهم، فأعطيت لابن الجوزي، فانسم الركن، وقد كان ابن القصاب الوزير يترفض، فأتاه الركن، وقال: أين أنت عن ابن الجوزي الناصبي؟! وهو أيضا من أولاد أبي بكر، فصرف الركن في الشيخ، فجاء وأهانه، وأخذه معه\n_________\n(١) السير (٢١/ ٣٧١).\n(٢) السير (٢٢/ ٢٠٠).","vol":"7","page":223},{"text":"في مركب، وعلى الشيخ غلالة بلا سراويل، وعلى رأسه تخفيفة، وقد كان ناظر واسط شيعيا أيضا، فقال له الركن: مكني من هذا الفاعل لأرميه في مطمورة، فزجره، وقال: يا زنديق، أفعل هذا بمجرد قولك؟ هات خط أمير المؤمنين، والله لو كان على مذهبي، لبذلت روحي في خدمته، فرد الركن إلى بغداد. وكان السبب في خلاص الشيخ أن ولده يوسف نشأ واشتغل، وعمل في هذه المدة الوعظ وهو صبي، وتوصل حتى شفعت أم الخليفة، وأطلقت الشيخ، وأتى إليه ابنه يوسف، فخرج، وما رد من واسط حتى قرأ هو وابنه بتلقينه بالعشر على ابن الباقلاني، وسن الشيخ نحو الثمانين، فانظر إلى هذه الهمة العالية. (١)\n- وقال في التلبيس: وكما لبس إبليس على هؤلاء الخوارج حتى قاتلوا علي بن أبي طالب. حمل آخرين على الغلو في حبه. فزادوه على الحد، فمنهم من كان يقول هو الإله. ومنهم من يقول هو خير من الأنبياء. ومنهم من حمله على سب أبي بكر وعمر، حتى إن بعضهم كفر أبا بكر وعمر إلى غير ذلك من المذاهب السخيفة التي يرغب عن تضييع الزمان بذكرها. (٢)\n- وفيه: وغلو الرافضة في حب علي ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه. (٣)\n_________\n(١) السير (٢١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).\n(٢) تلبيس إبليس (ص.١١٨).\n(٣) تلبيس إبليس (ص.١٢٠).","vol":"7","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2670>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال ﵀: وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين، ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة، وحاصلها أن التصوف عندهم رياضة النفس، ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة، وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الأخرى. والحديث بإسناد عن الطوسي يقول سمعت أبا بكر بن المثاقف يقول: سألت الجنيد بن محمد عن التصوف، فقال: الخروج عن كل خلق رديء، والدخول في كل خلق سني، وبإسناد عن عبد الواحد بن بكر قال: سمعت محمد بن خفيف يقول: قال رويم: كل الخلق قعدوا على الرسوم، وقعدت هذه الطائفة على الحقائق. وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع، وهم طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق.\nقال المصنف: وعلى هذا كان أوائل القوم فلبس إبليس عليهم في أشياء، ثم لبس على من بعدهم من تابعيهم، فكلما مضى قرن زاد طمعه في القرن الثاني، فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن.\nوكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات. فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة فرفضوا ما يصلح أبدانهم. وشبهوا المال بالعقارب، ونسوا أنه خلق للمصالح، وبالغوا في الحمل على النفوس، حتى إنه كان فيهم من لا يضطجع. وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم","vol":"7","page":225},{"text":"على غير الجادة. وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري.\nثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات، وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي. وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة. ثم ما زال الأمر ينمي والأشياخ يضعون لهم أوضاعًا ويتكلمون بواقعاتهم. ويتفق بعدهم عن العلماء لا بل رؤيتهم ما هم فيه أو في العلوم حتى سموه العلم الباطن وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر. ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه فكأنهم تخايلوا شخصًا مستحسن الصورة فهاموا به. وهؤلاء بين الكفر والبدعة ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق، ففسدت عقائدهم. فمن هؤلاء من قال بالحلول، ومنهم من قال بالاتحاد. وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننًا، وجاء أبو عبد الرحمن السلمي فصنف لهم كتاب السنن وجمع لهم حقائق التفسير، فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم. وإنما حملوه على مذاهبهم. والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن. وقد أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري: كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئًا يسيرًا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله بن البيع حدث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين","vol":"7","page":226},{"text":"وبأشياء كثيرة سواه. وكان يضع للصوفية الأحاديث.\nقال المصنف: وصنف لهم أبو نصر السراج كتابًا سماه لمع الصوفية ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى. وصنف لهم أبو طالب المكي قوت القلوب فذكر فيه الأحاديث الباطلة، وما لا يستند فيه إلى أصل من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوع، وذكر فيه الاعتقاد الفاسد. وردد فيه قول -قال بعض المكاشفين- وهذا كلام فارغ، وذكر فيه عن بعض الصوفية أن الله ﷿ يتجلى في الدنيا لأوليائه. أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: قال أبو طاهر محمد بن العلاف: دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم فانتمى إلى مقالته وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ، فخلط في كلامه فحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوق أضر من الخالق. فبدعه الناس وهجروه فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك، قال الخطيب: وصنف أبو طالب المكي كتابًا سماه قوت القلوب على لسان الصوفية وذكر فيه أشياء منكرة مستبشعة في الصفات.\nقال المصنف: وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب الحلية. وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة، ولم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وسادات الصحابة ﵃. فذكر عنهم فيه العجب، وذكر منهم شريحًا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل. وكذلك ذكر السلمي في طبقات الصوفية الفضيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفًا الكرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار","vol":"7","page":227},{"text":"إلى أنهم من الزهاد.\nفالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد، ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره، وصنف لهم عبد الكريم بن هوازن القشيري كتاب الرسالة فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء والبقاء، والقبض والبسط، والوقت والحال، والوجد والوجود، والجمع والتفرقة، والصحو والسكر، والذوق والشرب، والمحو والإثبات، والتجلي والمحاضرة، والمكاشفة واللوائح، والطوالع واللوامع، والتكوين والتمكين، والشريعة والحقيقة إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء، وتفسيره أعجب منه.\nوجاء محمد بن طاهر المقدسي فصنف لهم صفوة التصوف، فذكر فيه أشياء يستحي العاقل من ذكرها، سنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.\nوكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول: كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحة: قال وصنف كتابًا في جواز النظر إلى المرد، أورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال: رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها. فقيل له: تصلي عليها. فقال: صلى الله عليها وعلى كل مليح. قال شيخنا ابن ناصر: وليس ابن طاهر بمن يحتج به، وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب الإحياء على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه. وقال: إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله","vol":"7","page":228},{"text":"﷿ ولم يرد هذه المعروفات. وهذا من جنس كلام الباطنية. وقال في كتابه المفصح بالأحوال: إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتًا ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق.\nقال المصنف: وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء قلة علمهم بالسنن والإسلام والآثار، وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم. وإنما استحسنوها لأنه قد ثبت في النفوس مدح الزهد، وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة، ولا كلامًا أرق من كلامهم، وفي سير السلف نوع خشونة. ثم إن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد وفي ضمنها الراحة والسماع، والطباع تميل إليها. وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء فصاروا أصدقاء. (١)\n- وقال أيضًا: تأملت أحوال الصوفية والزهاد، فرأيت أكثرها منحرفًا عن الشريعة؛ بين جهل بالشرع، وابتداع بالرأي؛ يستدلون بآيات لا يفهمون معناها، وبأحاديث لها أسباب، وجمهورها لا يثبت.\nفمن ذلك أنهم سمعوا في القرآن العزيز: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ (٢)، ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ (٣)، ثم سمعوا في\n_________\n(١) تلبيس إبليس (ص.٢٠١ - ٢٠٦).\n(٢) آل عمران الآية (١٨٥).\n(٣) الحديد الآية (٢٠).","vol":"7","page":229},{"text":"الحديث: «للدنيا أهون على الله من شاة ميتة على أهلها» (١)؛ فبالغوا في هجرها من غير بحث عن حقيقتها! وذلك أنه ما لم يُعرف حقيقةُ الشيء؛ فلا يجوز أن يُمدح ولا أن يُذمّ.\nفإذا بحثنا عن الدنيا؛ رأينا هذه الأرض البسيطة التي جُعلت قرارًا للخلق؛ تخرج منها أقواتهم، ويُدفن فيها أمواتهم. ومثل هذا لا يذمّ لموضع المصلحة فيه. ورأينا ما عليها من ماء وزرع وحيوان؛ كله لمصالح الآدمي، وفيه حفظ لسبب بقائه، ورأينا بقاء الآدمي سببًا لمعرفة ربه وطاعته إياه وخدمته. وما كان سببًا لبقاء العارف العابد يُمدح ولا يُذمّ. فبان لنا أنّ الذّمّ إنما هو لأفعال الجاهل أو العاصي في الدنيا. فإنه إذا اقتنى المال المباح، وأدّى زكاته؛ لم يُلَمْ؛ فقد علم ما خلّف الزبير وابن عوف وغيرهما. وبلغت صدقة عليّ ﵁ أربعين ألفًا. وخلّف ابن مسعود تسعين ألفًا. وكان الليث ابن سعد يستغل كل سنة عشرين ألفًا. وكان سفيان يتجر بمال. وكان ابن مهديّ يستغلّ كل سنة ألفي دينار.\nوإن أكثر من النكاح والسراري؛ كان ممدوحًا لا مذمومًا: فقد كان للنبي - ﷺ - زوجات وسراريّ. وجمهور الصحابة كانوا على الإكثار في ذلك. وكان لعليّ بن أبي طالب ﵁ أربع حرائر وسبع عشرة أمة. وتزوج ولده الحسن نحوًا من أربع مئة. فإن طلب التزوج للأولاد؛ فهو الغاية في التعبد، وإن أراد التلذذ؛ فمباح، يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى؛ من\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٣٦٥) والبخاري في الأدب المفرد (٩٦٢) ومسلم (٤/ ٢٢٧٢/٢٩٥٧) وأبو داود (١/ ١٣٠/١٨٦) عن جابر بن عبد الله ﵁.","vol":"7","page":230},{"text":"إعفاف نفسه والمرأة ... إلى غير ذلك.\nوقد أنفق موسى ﵇ من عمره الشريف عشر سنين في مهر ابنة شعيب. فلولا أن النكاح من أفضل الأشياء؛ لما ذهب كثير من زمان الأنبياء فيه.\nوقد قال ابن عباس ﵄: (خيار هذه الأمة أكثرها نساءً). (١) وكان يطأ جارية له، وينزل في أخرى. وقالت سرية الربيع بن خثيم: كان الربيع يعزل.\nوأما المطعم؛ فالمراد منه تقوية هذا البدن لخدمة الله ﷿، وحق على ذي الناقة أن يكرمها لتحمله.\nوقد كان النبي - ﷺ - يأكل ما وجد؛ فإن وجد اللحم؛ أكله، ويأكل لحم الدجاج، وأحب الأشياء إليه الحلوى والعسل، وما نُقل عنه أنه امتنع من مباح.\nوجيء علي ﵁ بفالوذج، فأكل منه، وقال: ما هذا؟ قالوا: يوم النوروز. فقال: نَوْرِزونا كل يوم.\nوإنما يُكره الأكل فوق الشبع، واللبس على وجه الاختيال والبَطَر.\nوقد اقتنع أقوام بالدون من ذلك؛ لأن الحلال الصافي لا يكاد يمكن فيه تحصيل المراد، وإلا فقد لبس النبي - ﷺ - حلة اشتريت له بسبعة وعشرين بعيرًا، وكان لتميم الداري حلة اشتريت له بألف درهم يصلي فيها بالليل.\nفجاء أقوام، فأظهروا التزهد، وابتكروا طريقة زينها لهم الهوى، ثم\n_________\n(١) البخاري (٩/ ١٤٠/٥٠٦٩).","vol":"7","page":231},{"text":"تطلبوا لها الدليل، وإنما ينبغي للإنسان أن يتبع الدليل، لا أن يتبع طريقًا ويتطلب دليلها! ثم انقسموا:\nفمنهم متصنع في الظاهر، ليث الشرى في الباطن، يتناول في خلواته الشهوات، وينعكف على اللذات، ويُري الناس بزيّه أنه متصوف متزهد، وما تزهد إلا القميص، وإذا نظر إلى أحواله؛ فعنده كبر فرعون. ومنهم سليم الباطن؛ إلا أنه في الشرع جاهل. ومنهم من تصدر، وصنف، فاقتدى به الجاهلون في هذه الطريقة، وكانوا كعمي اتبعوا أعمى، ولو أنهم تلمّحوا للأمر الأول الذي كان عليه الرسول - ﷺ - والصحابة ﵃؛ لما زلّوا.\nولقد كان جماعة من المحققين لا يبالون بمعظَّم في النفوس إذا حاد عن الشريعة، بل يوسعونه لومًا.\nفنُقل عن أحمد أنه قال له المروزي: ما تقول في النكاح؟ فقال: سنة النبي - ﷺ -. فقال: فقد قال إبراهيم. قال: فصاح بي وقال: جئتنا ببُنيّات الطريق؟\nوقيل له: إن سريًّا السقطيّ قال: لما خلق الله تعالى الحروف؛ وقف الألف وسجدت الباء. فقال: نفّروا الناس عنه.\nواعلم أن المحقق لا يهوله اسم معظم؛ كما قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: أتظن أن طلحة والزبير كانا على الباطل؟ فقال له: إن الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق؛ تعرفْ أهله.\nولعمري؛ إنه قد وقر في النفوس تعظيم أقوام؛ فإذا نُقل عنهم شيء،","vol":"7","page":232},{"text":"فسمعه جاهل بالشرع؛ قبله؛ لتعظيمهم في نفسه. كما ينقل عن أبي يزيد ﵁ أنه قال: تراعنت علي نفسي، فحلفت لا أشرب الماء سنة. وهذا إذا صحّ عنه؛ كان خطأ قبيحًا وزلة فاحشة؛ لأن الماء ينفذ الأغذية إلى البدن، ولا يقوم مقامه شيء؛ فإذا لم يشرب؛ فقد سعى في أذى بدنه، وقد كان يُستعذب الماء لرسول الله - ﷺ -.\nأفترى هذا فعل من يعلم أن نفسه ليست له، وأنه لا يجوز التصرف فيها إلا عن إذن مالكها؟!\nوكذلك ينقلون عن بعض الصوفية أنه قال: سرتُ إلى مكة على طريق التوكل حافيًا، فكانت الشوكة تدخل في رجلي، فأحكها بالأرض ولا أرفعها، وكان عليَّ مِسْحٌ، فكانت عيني إذا آلمتني؛ أدلكها بالمسح، فذهبت إحدى عينيّ.\nوأمثال هذا كثير، وربما حملها القصاص على الكرامات، وعظموها عند العوامّ، فيخايل لهم أن فاعل هذا أعلى مرتبة من الشافعي وأحمد!!\nولعمري؛ إن هذا من أعظم الذنوب وأقبح العيوب: لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١). وقال النبي ﵊: «إن لنفسك عليك حقًّا» (٢).\nوقد طلب أبو بكر ﵁ في طريق الهجرة للنبي - ﷺ - ظلًاّ، حتى\n_________\n(١) النساء الآية (٢٩).\n(٢) جزء من حديث رواه أحمد (٢/ ٢٠٠) والبخاري (٣/ ٤٨/١١٥٣) ومسلم (٢/ ٨١٦/١١٥٩ [١٨٨]) والنسائي (٤/ ٥٢٧ - ٥٢٨/ ٢٣٩٠) من طرق عن عبد الله بن عمرو ﵁.","vol":"7","page":233},{"text":"رأى صخرة، ففرش له في ظلها.\nوقد نُقل عن قدماء هذه الأمة بدايات هذا التفريط، وكان سببه من وجهين: أحدهما: الجهل بالعلم. والثاني: قرب العهد بالرهبانية. وقد كان الحسن يعيب فرقدًا السبخي ومالك بن دينار في زهدهما، فرُئِي عنده طعام فيه لحم، فقال: لا رغيفَيْ مالك، ولا صَحْنَيْ فرقد.\nورأى على فرقد كساء، فقال: يا فرقد! إن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية.\nوكم قد زوّق قاصّ مجلسه بذكر أقوام خرجوا إلى السياحة بلا زاد ولا ماء، وهو لا يعلم أن هذا من أقبح الأفعال، وأن الله تعالى لا يجرب عليه؛ فربما سمعه جاهل من التائبين، فخرج، فمات في الطريق، فصار للقائل نصيب من إثمه!!\nوكم يروون عن ذي النون: أنه لقي امرأة في السياحة، فكلمها وكلمته، وينسون الأحاديث الصحاح: «لا يحلّ لامرأة أن تسافر يومًا وليلةً إلا بمحرم» (١)!!\nوكم ينقلون أن أقوامًا مشوا على الماء؛ وقد قال إبراهيم الحربيّ: لا يصحّ أنّ أحدًا مشى على الماء قطً! فإذا سمعوا هذا؛ قالوا: أتُنكرون كرامات الأولياء الصالحين؟! فنقول: لسنا من المنكرين لها، بل نتّبع ما صحّ،\n_________\n(١) رواه: أحمد (٢/ ٢٣٦) والبخاري (٢/ ٧٢٠/١٠٨٨) ومسلم (٢/ ٩٧٧/١٣٣٩ [٤٢١]) وأبو داود (٢/ ٣٤٧/١٧٢٤) والترمذي (٣/ ٤٧٣/١١٧٠) عن أبي هريرة ﵁. وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما ﵃.","vol":"7","page":234},{"text":"والصالحون هم الذين يتّبعون الشرع ولا يتعبّدون بآرائهم. وفي الحديث: «إنّ بني إسرائيل شدّدوا فشدّد الله عليهم» (١).\nوكم يحثّون على الفقر، حتى حملوا أقوامًا على إخراج أموالهم، ثم آل بهم الأمر: إما إلى التّسخّط عند الحاجة، وإما إلى التّعرضّ بسؤال الناس!\nوكم تأذّى مسلم بأمرهم الناس بالتقلّل! وقد قال النبي - ﷺ -: «ثلثٌ طعام، وثلث شراب، وثلث نفس» (٢)؛ فما قنعوا حتى أمروا بالمبالغة في التقلل.\nفحكى أبو طالب المكي في 'قوت القلوب': أن فيهم من كان يزن قوته بكَرَبَة رطبة؛ ففي كل ليلة يذهب من رطوبتها قليل! وكنت أنا ممّن اقتدى بقوله في الصّبا، فضاق المعي، وأوجب ذلك مرض سنين! أفترى هذا شيئًا تقتضيه الحكمة أو ندب إليه الشرع؟! وإنما مطية الآدمي قُواه؛ فإذا سعى في تقليلها؛ ضعف عن العبادة.\nولا تقولن: الحصول على الحلال المحض مستحيل؛ لذلك وجب الزهد؛ تجنبًا للشبهات؛ فإن المؤمن حسبه أن يتحرى في كسبه هو الحلال، ولا عليه من الأصول التي نبتت منها هذه الأموال؛ فإنا لو دخلنا ديار الروم، فوجدنا أثمان الخمور وأجرة الفجور؛ كان لنا حلالًا بوصف الغنيمة.\nأفتُريد حلالًا على معنى أن الحبّة من الذهب لم تنتقل مذ خرجت من\n_________\n(١) رواه أبو داود (٥/ ٢٠٩ - ٢١٠/ ٤٩٠٤) من حديث أنس بن مالك ﵁ بلفظ: «... لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد عليكم، فإن قومًا شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم ...».\nوقد ضعّفه ابن القيّم ﵀ في تهذيب السنن (انظر مختصر سنن أبي داود للمنذري (٧/ ٢٢٧ - ٢٢٨».\n(٢) رواه: أحمد (٤/ ١٣٢) والترمذي (٤/ ٥٠٩ - ٥١٠/ ٢٣٨٠) وقال: \"حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (٢/ ١١١١/٣٣٤٩) من حديث المقدام بن معديكرب.","vol":"7","page":235},{"text":"المعدن على وجه لا يجوز؟! فهذا شيء لم ينظر فيه رسول الله - ﷺ -. أَوَلَيس قد سمعت أن الصدقة عليه حرام، فلما تُصدق على بريرة بلحم، فأهدته؛ جاز له أكل تلك العين لتغيُّر الوصف. وقد قال أحمد بن حنبل: أكره التقلل من الطعام؛ فإن أقوامًا فعلوه؛ فعجزوا عن الفرائض. وهذا صحيح؛ فإن المتقلل لا يزال يتقلل إلى أن يعجز عن النوافل، ثم الفرائض، ثم يعجز عن مباشرة أهله وإعفافهم، وعن بذل القوى في الكسب لهم، وعن فعل خير قد كان يفعله.\nولا يهولنك ما تسمعه من الأحاديث التي تحثّ على الجوع، فإن المراد بها: إما الحث على الصوم، وإما النهي عن مقاومة الشبع؛ فأما تنقيص المطعم على الدوام؛ فمؤثر في القوى؛ فلا يجوز.\nثم في هؤلاء المذمومين من يرى هجر اللحم، والنبي - ﷺ - كان يود أن يأكله كل يوم.\nواسمع مني بلا محاباة: لا تحتجنّ عليّ بأسماء الرجال، فتقول: قال بشر، وقال إبراهيم بن أدهم؛ فإن من احتجّ بالرسول - ﷺ - وأصحابه رضوان الله عليهم أقوى حجّة. على أن لأفعال أولئك وجوهًا نحملها عليهم بحسن الظّنّ ... وهل الناس إلا صاحب أثر يتّبعُهُ، أو فقيه يفهم مراد الشرع ويُفتي به؟! نعوذ بالله من الجهل وتعظيم الأسلاف تقليدًا لهم بغير دليل! فإن من ورد المشرب الأول؛ رأى سائر المشارب كدرة.\nوالمحنة العظمى مدائح العوامّ؛ فكم غرّت! كما قال علي ﵁: ما أبقى خفق النعال وراء الحمقى من عقولهم شيئًا.\nولقد رأينا وسمعنا من العوامّ أنهم يمدحون الشخص، فيقولون: لا ينام","vol":"7","page":236},{"text":"الليل، ولا يفطر النهار، ولا يعرف زوجة، ولا يذوق من شهوات الدنيا شيئًا؛ قد نحل جسمه، ودق عظمه، حتى إنه يصلي قاعدًا؛ فهو خير من العلماء الذين يأكلون ويتمتعون! ذلك مبلغهم من العلم! ولو فقهوا؛ علموا أن الدنيا لو اجتمعت في لقمة، فتناولها عالم يفتي عن الله ويخبر بشريعته؛ كانت فتوى واحدة منه يرشد بها إلى الله تعالى خيرًا وأفضل من عبادة ذلك العابد باقي عمره. وقد قال ابن عباس ﵄: فقيه واحد أشدّ على إبليس من ألف عابد.\nومن سمع هذا الكلام؛ فلا يظنّنّ أنني أمدح من لا يعمل بعلمه، وإنما أمدح العاملين بالعلم، وهم أعلم بمصالح أنفسهم؛ فقد كان فيهم من يصلح على خشن العيش؛ كأحمد بن حنبل، وكان فيهم من يستعمل رقيق العيش؛ كسفيان الثوري مع ورعه، ومالك مع تدينه، والشافعي مع قوة فقهه.\nولا ينبغي أن يطالب الإنسان بما يقوى عليه غيره فيضعف هو عنه؛ فإن الإنسان أعرف بصلاح نفسه.\nوقد قالت رابعة: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج؛ فكله.\nولا تكوننّ أيها السامع ممّن يرى صور الزهد؛ فربّ متنعّم لا يريد التنعم، وإنما يقصد المصلحة، وليس كل بدن يقوى على الخشونة، خصوصًا من قد لاقى الكدّ وأجهده الفكر، أو أمضّه الفقر؛ فإنه إن لم يرفق بنفسه؛ ترك واجبًا عليه من الرفق بها.\nفهذه جملة؛ لو شرحتُها بذكر الأخبار والمنقولات؛ لطالت، غير أني","vol":"7","page":237},{"text":"سطرتها على عجل حين جالت في خاطري. والله وليّ النفع برحمته. (١)\n- قال في تلبيس إبليس: ومن تلبيسه على الزهاد: إعراضهم عن العلم شغلا بالزهد، فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وبيان ذلك: أن الزاهد لا يتعدى نفعه عتبة بابه والعالم نفعه متعد. وكم قد رد إلى الصواب من متعبد. ومن تلبيسه عليهم: أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات، فمنهم من لا يزيد على خبز الشعير. ومنهم من لا يذوق الفاكهة. ومنهم من يقلل المطعم حتى ييبس بدنه، ويعذب نفسه بلبس الصوف، ويمنعها الماء البارد. وما هذه طريقة الرسول - ﷺ - ولا طريق أصحابه وأتباعهم. (٢)\n- وفيه أيضا قال مخاطبا الصوفية: وإنما خدعكم الشيطان فصرتم عبيد شهواتكم، ولم تقفوا حتى قلتم هذه الحقيقة. وأنتم زنادقة في زي عباد، شرهين في زي زهاد، مشبهة تعتقدون أن الله ﷿ يعشق ويهام فيه. ويؤلف ويؤنس به، وبئس التوهم، لأن الله ﷿ خلق الذوات مشاكلة، لأن أصولها مشاكلة فهي تتوانس وتتوالم بأصولها العنصرية وتراكيبها المثلية في الأشكال الحديثة، فمن ههنا جاء التلاؤم والميل وعشق بعضهم بعضا، وعلى قدر التقارب في الصورة يتأكد الأنس. (٣)\n- وفيه أيضا قال: اعلم أن أول تلبيس إبليس على الناس صدهم عن العلم لأن العلم نور، فإذا أطفأ مصابيحهم خبطهم في الظلم كيف شاء. وقد\n_________\n(١) صيد الخاطر (ص.٦١ - ٧٩).\n(٢) التلبيس (١٨٦).\n(٣) التلبيس (٣٠٢).","vol":"7","page":238},{"text":"دخل على الصوفية في هذا الفن من أبواب. أحدها أنه منع جمهورهم من العلم أصلا، وأراهم أنه يحتاج إلى تعب وكلف فحسن عندهم الراحة، فلبسوا المراقع وجلسوا على بساط البطالة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2671>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال في معرض ذكره لتلبيس إبليس على هذه الأمة في العقائد والديانات: فإن إبليس لما تمكن من الأغبياء فورطهم في التقليد وساقهم سوق البهائم. ثم رأى خلقا فيهم نوع ذكاء وفطنة فاستغواهم على قدر تمكنه منهم، فمنهم من قبح عنده الجمود على التقليد وأمره بالنظر، ثم استغوى كلا من هؤلاء بفن فمنهم من أراه أن الوقوف مع ظواهر الشرائع عجز. فساقهم إلى مذهب الفلاسفة، ولم يزل بهؤلاء حتى أخرجهم عن الإسلام. وقد سبق ذكرهم في الرد على الفلاسفة. ومن هؤلاء من حسن له أن لا يعتقد إلا ما أدركته حواسه. فيقال لهؤلاء: بالحواس علمتم صحة قولكم؟ فإن قالوا: نعم كابروا، لأن حواسنا لم تدرك ما قالوا، إذ ما يدرك بالحواس لا يقع فيه خلاف، وإن قالوا بغير الحواس، ناقضوا قولهم. ومنهم من نفره إبليس عن التقليد وحسن له الخوض في علم الكلام والنظر في أوضاع الفلاسفة ليخرج بزعمه عن غمار العوام. وقد تنوعت أحوال المتكلمين وأفضى الكلام بأكثرهم إلى الشكوك وببعضهم إلى الإلحاد.\nولم تسكت القدماء من فقهاء هذه الأمة عن الكلام عجزا ولكنهم رأوا أنه لا يروي غليلا ثم يرد الصحيح عليلا فأمسكوا عنه ونهوا عن الخوض\n_________\n(١) التلبيس (٣٨٩).","vol":"7","page":239},{"text":"فيه.\nثم قال: قلت وكيف لا يذم الكلام وقد أفضى بالمعتزلة إلى أنهم قالوا: إن الله ﷿ يعلم جمل الأشياء ولا يعلم تفاصيلها. وقال جهم بن صفوان، علم الله وقدرته وحياته محدثة. وقال أبو محمد النوبختي عن جهم أنه قال: إن الله ﷿ ليس بشيء. وقال أبو علي الجبائي وأبو هاشم ومن تابعهما من البصريين: المعدوم شيء وذات ونفس وجوهر وبياض وصفرة وحمرة، وإن الباري ﷾ لا يقدر على جعل الذات ذاتا ولا العرض عرضا ولا الجوهر جوهرا وإنما هو قادر على إخراج الذات من العدم إلى الوجود. (١)\n- وقال أيضا: قلت أعوذ بالله من نظر وعلوم أوجبت هذه المذاهب القبيحة. وقد زعم أرباب الكلام أنه لا يتم الإيمان إلا بمعرفة ما رتبوه وهؤلاء على خطأ لأن الرسول - ﷺ - أمر بالإيمان ولم يأمر ببحث المتكلمين، ودرجت الصحابة الذين شهد لهم الشارع بأنهم خير الناس على ذلك. (٢)\n- وقال: فإن قال قائل قد عبت طريق المقلدين في الأصول وطريق المتكلمين، فما الطريق السليم من تلبيس إبليس؟ فالجواب أنه ما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه وتابعوهم بإحسان من إثبات الخالق سبحانه وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار من غير تفسير ولا بحث عما ليس في قوة البشر إدراكه، وأن القرآن كلام الله غير\n_________\n(١) التلبيس (١٠٢ - ١٠٣).\n(٢) التلبيس (١٠٤).","vol":"7","page":240},{"text":"مخلوق. (١)\n- وقال يوما: أهل الكلام يقولون: ما في السماء رب، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، ثلاث عورات لكم. (٢)\nوقال ﵀: ليس على العوامّ أضرّ من سماعهم علم الكلام. وإنما ينبغي أن يُحذر العوامّ من سماعه والخوض فيه، كما يُحذر الصبيّ من شاطئ النهر خوف الغرق.\nوربما ظنّ العامّيّ أن له قوة يدرك بها هذا، وهو فاسد؛ فإنه قد زلّ في هذا خلقٌ من العلماء؛ فكيف العوامّ؟!\nوما رأيت أحمق من جمهور قصاص زماننا؛ فإنه يحضر عندهم العوامّ الغُشم، فلا ينهونهم عن خمر وزنى وغيبة، ولا يعلِّمونهم أركان الصلاة ووظائف التعبّد، بل يملؤون الزمان بذكر الاستواء وتأويل الصفات، وأن الكلام قائم بالذات، فيتأذى بذلك مَن كان قلبه سليمًا.\nوإنما على العامّيّ أن يؤمن بالأصول الخمسة؛ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآٍخر، ويقنع بما قال السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق، والاستواء حق، والكيف مجهول.\nوليعلم أن رسول الله - ﷺ - لم يكلّف الأعراب سوى مجرّد الإيمان، ولم تتكلّم الصحابة في الجواهر والأعراض؛ فمن مات على طريقهم؛ مات مؤمنًا سليمًا من بدعة. ومن تعرّض لساحل البحر، وهو لا يحسن السباحة؛\n_________\n(١) التلبيس (١٠٨ - ١٠٩).\n(٢) السير (٢١/ ٣٧٦).","vol":"7","page":241},{"text":"فالظاهر غرقه. (١)\n- وقال: ثم نظر إبليس، فرأى في المسلمين قومًا فيهم فطنة، فأراهم أن الوقوف على ظواهر الشريعة حالة يشاركهم فيها العوامّ، فحسّن لهم علوم الكلام، وصاروا يحتجّون بقول بقراط وجالينوس وفيثاغورس!! وهؤلاء ليسوا بمتشرِّعين، ولا تبعوا نبينا - ﷺ -، وإنما قالوا بمقتضى ما سوّلت لهم أنفسهم.\nوقد كان السلف إذا نشأ لأحدهم ولد؛ شغلوه بحفظ القرآن وسماع الحديث، فيثبت الإيمان في قلبه؛ فقد توانى الناس عن هذا، فصار الولد الفطن يتشاغل بعلوم الأوائل، وينبذ أحاديث الرسول - ﷺ -، ويقول: أخبار آحادٍ! وأصحاب الحديث عندهم يسمّون: حشويّة!!\nويعتقد هؤلاء أن العلم الدقيق علم الطفرة والهيولى والجزء الذي لا يتجزّأ ... ثم يتصاعدون إلى الكلام في صفات الخالق، فيدفعون ما صحّ عن رسول الله - ﷺ - بواقعاتهم:\nفيقول المعتزلة: إن الله لا يُرى؛ لأن المرئيّ يكون في جهة! ويخالفون قول رسول الله - ﷺ -: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تُضامون في رؤيته»؛ فأوجب هذا الحديث إيثار رؤيته وإن عجزنا عن فهم كيفيّتها.\nوقد عُزِلَ هؤلاء الأغبياء عن التشاغل بالقرآن، وقالوا: مخلوقٌ! فزالت حُرمته من القلوب. وعن السنة، وقالوا: أخبارُ آحادٍ! وإنما مذاهبهم السّرقة من بقراط وجالينوس.\n_________\n(١) صيد الخاطر (ص.٥٦٩).","vol":"7","page":242},{"text":"وقد استفاد من تبع الفلاسفة أنه يرفِّه نفسَه عن تعب الصلاة والصوم! وقد كان كبار العلماء يذمّون علم الكلام، حتى قال الشافعي: حكمي فيهم أن يُركبوا على البغال، ويشهروا، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واشتغل بالكلام.\nوقد آل بهم الأمر إلى أن اعتقدوا أن من لم يعرف تحرير دليل التوحيد فليس بمسلم!!\nفاللهَ اللهَ من مخالطة المبتدعة، وعليكم بالكتاب والسنة؛ ترشُدوا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2672>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀: أول الخوارج وأقبحهم حالةً ذو الخويصرة أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب ثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا محمد ابن فضيل ثنا عمارة بن القعقاع عن ابن أبي يعمر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ من اليمن إلى رسول الله - ﷺ - بذهبة في أديم مقروظ لم تخلص من ترابها، فقسمها رسول الله - ﷺ - بين أربعة بين زيد الخيل والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة أو عامر بن الطفيل شك عمارة فوجد من ذلك بعض أصحابه والأنصار وغيرهم، فقال رسول الله - ﷺ -: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً؟» ثم أتاه رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين ناتئ الجبهة كث اللحية مشمر الإزار محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا رسول الله! فرفع رأسه إليه فقال: «ويحك أليس أحق الناس أن يتقي الله أنا؟» ثم\n_________\n(١) صيد الخاطر (ص.٧٦٠ - ٧٦٢).","vol":"7","page":243},{"text":"أدبر فقال خالد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه، فقال رسول الله - ﷺ -: «فلعله يصلي». فقال: إنه ربّ مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله - ﷺ -: «إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم». ثم نظر إليه النبي - ﷺ - وهو مقفٍ فقال: «إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كم يمرق السهم من الرميّة». (١)\nقال المصنف: هذا الرجل يقال له ذو الخويصرة التميمي، وفي لفظ أنه قال له: اعدل! فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟» فهذا أول خارجي خرج في الإسلام، وآفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله - ﷺ -. وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. وذلك أنه لما طالت الحرب بين معاوية وعلي ﵄ رفع أصحاب معاوية المصاحف ودعوا أصحاب علي إلى ما فيها، وقال: تبعثون منكم رجلًا ونبعث منا رجلًا. ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله ﷿. فقال الناس قد رضينا. فبعثوا عمرو بن العاص فقال أصحاب علي: ابعث أبا موسى. فقال علي: لا أرى أن أوليّ أبا موسى، هذا ابن عباس. قالوا: لا يزيد رجلًا منك. فبعث أبا موسى وأخر القضاء إلى رمضان. فقال عروة بن أذينة: تحكمون في أمر الله الرجال، لا حكم إلا لله. ورجع علي من صفين، فدخل الكوفة ولم تدخل معه الخوارج؛ فأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفًا؛ وقالوا: لا حكم إلا لله. وكان ذلك أول ظهورهم ونادى مناديهم أن أمير القتال شبيب بن ربعي التميمي وأمير\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤ - ٥) والبخاري (٨/ ٨٤/٤٣٥١) ومسلم [٢/ ٧٤١ - ٧٤٢/ ١٠٦٤ (١٤٣و١٤٤)] بهذا اللفظ.","vol":"7","page":244},{"text":"الصلاة عبد الله بن الكوا اليشكري. وكانت الخوارج تتعبد إلا أن اعتقادهم أنهم أعلم من علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهذا مرض صعب. (١)\n- وقال: ولهم قصص تطول ومذاهب عجيبة لهم، لم أر التطويل بذكرها، وإنما المقصود النظر في حيل إبليس وتلبيسه على هؤلاء الحمقى الذين عملوا بواقعاتهم، واعتقدوا أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على الخطأ ومن معه من المهاجرين والأنصار على الخطأ، وأنهم على الصواب. واستحلوا دماء الأطفال ولم يستحلوا أكل ثمرة بغير ثمنها وتعبوا في العبادات وسهروا، وجزع ابن ملجم عند قطع لسانه من فوات الذكر. واستحل قتل علي كرم الله وجهه.\nثم شهروا السيوف على المسلمين، ولا أعجب من اقتناع هؤلاء بعلمهم واعتقادهم أنهم أعلم من علي ﵁، فقد قال ذو الخويصرة لرسول الله - ﷺ -: اعدل فما عدلت! وما كان إبليس ليهتدي إلى هذه المخازي نعوذ بالله من الخذلان. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2673>موقفه من القدرية:</span>\nقال ﵀: ينبغي للمؤمن أن يعلم أن الله سبحانه مالك حكيم لا يعبث، وهذا العلم يوجب نفي الاعتراض على القدر. وقد لهج خلقٌ بالاعتراض قدحًا في الحكمة، وذلك كفر. وأولهم إبليس في قوله: ﴿خَلَقْتَنِي\n_________\n(١) تلبيس إبليس (ص.١١٠ - ١١٢).\n(٢) تلبيس إبليس (ص.١١٦ - ١١٧).","vol":"7","page":245},{"text":"مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ (١)! ومعنى قوله: إن تفضيلك الطين على النار ليس بحكمة!! وقد رأيت من كان فقيهًا دأبه الاعتراض! وهذا لأن المعترض ينظر إلى صورة الفعل، ولو أن صورة الفعل صدرت من مخلوق مثلنا؛ حَسُنَ أن يُعترض عليه؛ فأما من نقصت الأفهام عن مطالعة حكمته؛ فاعتراض الناقص الجاهل عليه جنون.\nفأما اعتراض الخلعاء؛ فدائم؛ لأنهم يريدون جريان الأمور على أغراضهم؛ فمتى انكسر لأحدهم غرض؛ اعترض. وفيهم من يتعدى إلى ذكر الموت، فيقول: بنى ونقض!! وكان لنا رفيق؛ قرأ القرآن والقراءات، وسمع الحديث الكثير، ثم وقع في الذنوب، وعاش أكثر من سبعين سنة، فلما نزل به الموت؛ ذُكر لي أنه قال: قد ضاقت الدنيا إلا من روحي!! ومن هذا الجنس سمعتُ شخصًا يقول عند الموت: ربّي يظلمني!!\nوهذا كثير! ويُكره أن يُحكى كلامُ الخلعاء في جنونهم واعتراضاتهم الباردة.\nولو فهموا أن الدنيا ميدان مسابقة ومارستان صبر ليبين بذلك أثرُ الخالق؛ لما اعترضوا، والذي طلبوه من السلامة وبلوغ الأغراض أمامهم لو فهموا؛ فَهُمْ كالزورجاري يتلوّث بالطين؛ فإذا فرغ لبس ثياب النظافة.\nولما أريد نقضُ هذا البدن الذي لا يصلح للبقاء نُحّيت عنه النفس الشريفة، وبُني بناء لا يقبل الدوام.\n_________\n(١) ص الآية (٧٦).","vol":"7","page":246},{"text":"وبعد هذا؛ فقُلْ للمعترض: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾ (١).\nقل له إن اعترض: لم يمنع ذلك جريان القدر، وإن سلّم: جرى القدر؛ فلأن يجريَ وهو مأجور خيرٌ من أن يجري وهو مأزور. (٢)\n\nلُؤْلُؤ العَادِلِي (٣) (٥٩٨ هـ)\nلؤلؤ صاحب الحاجب العادلي من أبطال الإسلام وكبار الدولة. قال الموفق عبد اللطيف البغدادي: كان شيخا أرمنيا في الأصل من أجناد القصر، وخدم مع صلاح الدين مقدما للأصطول، وكان حيثما توجه فتح وانتصر وغنم. إلى أن قال: وكان يتصدق كل يوم باثني عشر ألف رغيف مع قدور الطعام. وكان يضعّف ذلك في رمضان، ويضع ثلاثة مراكب كل مركب طوله عشرون ذراعا مملوء طعاما ويدخل الفقراء أفواجا. حارب الإفرنج -أي الصليبيين الذين أرادوا احتلال المدينة النبوية- وأسرهم، وتولى قتلهم الفقهاء والصالحون.\nتوفي ﵀ بمصر في صفر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2675>موقفه من المشركين:</span>\n_________\n(١) الحج الآية (١٥).\n(٢) صيد الخاطر (ص.٧٦٨ - ٧٧٠).\n(٣) تاريخ الإسلام (حوادث ٥٩١ - ٦٠٠/ص.٣٦٣ - ٣٦٥) والسير (٢١/ ٣٨٤ - ٣٨٥) وشذرات الذهب (٤/ ٣٣٦) والبداية والنهاية (١٣/ ٢٦).","vol":"7","page":247},{"text":"قال الذهبي: وقيل: إن الملاعين (يعني الصليبيين) التجؤوا منه إلى جبل، فترجل، وصعد إليهم في تسعة أجناد، فألقي في قلوبهم الرعب، وطلبوا منه الأمان، وقتلوا بمصر، تولى قتلهم العلماء والصالحون. (١)\n\nأبو الحسن ابن نُجَيَّة (٢) (٥٩٩ هـ)\nالشيخ الواعظ الفقيه، زين الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا الدمشقي الحنبلي المشهور بابن نجية. ولد سنة ثمان وخمسمائة وسمع من علي ابن أحمد بن قبيس المالكي، ومن خاله شرف الإسلام، عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الحنبلي، وسعد الخير الأنصاري، وتزوج بابنته المسندة فاطمة. حدث عنه ابن خليل، والشيخ الضياء، ومحمد ابن البهاء. وكان صدرا محتشما نبيلا، ذا جاه ورياسة وسؤدد. قال عنه ابن النجار: كان متدينا، حميد السيرة. وقال أبو شامة: كان كبير القدر. توفي سنة تسع وتسعين وخمسمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2677>موقفه من الجهمية:</span>\nقال أبو شامة: كان يجري بينه وبين الشهاب الطوسي العجائب، لأنه كان حنبليا وكان الشهاب أشعريا واعظا. جلس ابن نجية يوما في جامع القرافة، فوقع عليه وعلى جماعة سقف، فعمل الطوسي فصلا ذكر فيه ﴿فَخَرَّ\n_________\n(١) السير (٢١/ ٣٨٥).\n(٢) السير (٢١/ ٣٩٣ - ٣٩٦) والبداية والنهاية (١٣/ ٣٩) والنجوم الزاهرة (٦/ ١٨٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٥٩١ - ٦٠٠/ص.٣٩٨ - ٤٠٠).","vol":"7","page":248},{"text":"عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (١).\nجاء يوما كلب يشق الصفوف في مجلس ابن نجية، فقال: هذا من هناك، وأشار إلى جهة الطوسي. (٢)\n\nمحمد بن سام بن حسين الغُورِي صاحب غَزْنَة (٣) (٥٩٩ هـ)\nالسلطان أبو الفتح محمد بن سام بن حسين الغوري، غياث الدين، صاحب غزنة، أخو السلطان شهاب الدين.\nقال ابن البزوري: كان ملكا عادلا، وللمال باذلا. محسنا إلى رعيته، رؤوفا بهم في حكمه وسياسته، كانت به ثغور الأيام باسمة، وكلها بوجوده مواسم، قرب العلماء، وأحب الفضلاء، وبنى المساجد والربط والمدارس، وأدر الصدقات.\nقال ابن الأثير: وكان عادلا سخيا، قرب العلماء، وبنى المدارس والمساجد، وكان مظفرا في حروبه لم ينكسر له عسكر. وكان ذا دهاء ومكر وكرم. أسقط المكوس ولم يتعرض لمال أحد. وكان من مات بلا وارث تصدق بما خلفه. وكان فيه فضل وأدب. وقد نسخ عدة مصاحف، لم يبد منه تعصب لمذهب.\nوقال ابن كثير: وكان غياث الدين عاقلا حازما شجاعا، لم تكسر له\n_________\n(١) النحل الآية (٢٦).\n(٢) السير (٢١/ ٣٩٥).\n(٣) الكامل لابن الأثير (١٢/ ١٨٠ - ١٨٢) وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٢٠ - ٣٢٢) وتاريخ الإسلام (حوادث٥٩١ - ٦٠٠/ص.٤٠٤ - ٤٠٦) وتاريخ ابن الوردي (٢/ ١٧٣) والبداية والنهاية (١٣/ ٣٨) وشذرات الذهب (٤/ ٣٤٢).","vol":"7","page":249},{"text":"راية مع كثرة حروبه، وكان شافعي المذهب، ابتنى مدرسة هائلة للشافعية، وكانت سيرته حسنة في غاية الجودة. توفي ﵀ في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فتملك بعده أخوه السلطان شهاب الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2679>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان يقول: التعصب في المذاهب قبيح. (١)\n\nأبو البركات التكريتي (٢) (٥٩٩ هـ)\nمحمد بن أحمد بن سعيد أبو البركات التكريتي المؤيد، له معرفة بالأدب والشعر.\nموقفه من المبتدعة:\nجاء في إرشاد الأريب -وهو الكتاب المعروف بمعجم الأدباء-:\nوكان الوجيه ﵀ حنبليا ثم صار حنفيا، فلما درس النحو بالنظامية صار شافعيا، فقال فيه المؤيد أبو البركات محمد بن أبي الفرج التكريتي ثم البغدادي وكان أحد تلامذته، وسمعته من لفظه غير مرة:\nألا مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائل\nتمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوزتك المآكل\nوما اخترت دين الشافعي تدينا ... ولكنما تهوى الذي هو حاصل\n_________\n(١) السير (٢١/ ٣٢١).\n(٢) ذيل تاريخ بغداد (١٥/ ١٠) وذكره الحافظ ابن كثير في وفيات سنة (٥٩٩هـ) من البداية والنهاية (١٣/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"7","page":250},{"text":"وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل (١)\n\nأبو محمد اليمني (٢) (من القرن السادس الهجري)\nمن علماء اليمن من القرن السادس الهجري. له كتاب عقائد الثلاث والسبعين فرقة، كان راسخ العلم، واسع الاطلاع في شتى فنون العلم، يدل على ذلك مناقشاته العلمية لآراء الفرق وعقائدها. من كلامه ﵀: فإني أذكر لك مقالة الفرقة الهادية المهدية، أهل السنة والجماعة وهم أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وداود وأحمد رحمهم الله تعالى، وهم فرقة واحدة، لأنهم مجمعون على الأصول وإن كانوا مختلفين في الفروع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2682>موقفه من الجهمية:</span>\nقال في كتابه عقائد الثلاث والسبعين فرقة وهو يتحدث عن قول المعتزلة في القرآن: زعموا أنه مخلوق ليس بكلام الله تعالى، واحتجوا بقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٣) قالوا: فذكر الله تعالى أنه محدث، وكل محدث مخلوق، واحتجاجهم في هذا احتجاج فاسد؛ لأن الله تعالى ما عنى بهذا القرآن نفسه أنه محدث، وإنما الحوادث التي يأتي بها النبي - ﷺ - من المواعظ والأحكام فيه، أي: ما يأتيهم من موعظة من حكم فيه محدث إلا\n_________\n(١) إرشاد الأريب لياقوت الحموي (١٧/ ٦٦ - ٦٧) والسير (٢٢/ ٨٨) والبداية والنهاية (١٣/ ٣٩ - ٤٠) والكامل في التاريخ (١٢/ ٣١٢) وذيل تاريخ بغداد (١٥/ ١٠).\n(٢) مقدمة كتابه عقائد الثلاث والسبعين فرقة تحقيق محمد الغامدي (١/ ١ - ١٨).\n(٣) الأنبياء الآيتان (٢و٣).","vol":"7","page":251},{"text":"استمعوه بآذانهم ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: لم يعملوا به، ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ أي: غافلة عنه، فهذا المعنى، لا ما ذهبوا إليه والله تعالى أعلم.\nفأما القرآن عندنا فغير محدث فيكون مخلوقا، بل هو كلام الله تعالى منه بدا وإليه يعود، والكلام من الذات، والذات قديمة لا نهاية لها، بدليل قوله ﷾: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (١)، وبقوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ (٢) فذكر أنه علمه ولم يخلقه كالإنسان، ففرق بين الخلق والتعليم، لأن الإنسان من خلقه، والقرآن من علمه، وفيه أسماؤه، كالرحمن الرحيم وغير ذلك، فلو كان القرآن مخلوقا كما ذهبوا إليه، لوجب أن تكون أسماؤه مخلوقة لأنها منه، وإذا لم يجز أن تكون مخلوقة فقد صح أن القرآن غير مخلوق، وبطل ما ذهبوا إليه، وفي هذا كفاية والحمد لله. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2683>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀ في معرض ذكره لفرق الخوارج: واعلم أن هذه الفرق اجتمعت على أشياء، وانفرد بعضها عن بعض بأشياء، فالذي اجتمعت عليه القول بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان إلى وقت الحدث، وعلي إلى وقت التحكيم، وقالوا: من أتى كبيرة مما وعد الله تعالى عليها العذاب فهو كافر،\n_________\n(١) النساء الآية (١٦٤).\n(٢) الرحمن الآيات (١ - ٣).\n(٣) عقائد الثلاث والسبعين فرقة (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦).","vol":"7","page":252},{"text":"ومن نظر نظرة إلى امرأة أجنبية أو قبلها فهو مشرك.\nقال صاحب الكتاب (١): وهذا باطل، لأنه لو كان كافرا كما ذكروا لوجب عليه ضرب عنقه لأنه قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٢). وهو عندهم لا يجوز قتله، قالوا: ومن زنى وهو بكر، أو سرق ما يجب به القطع، وأقيم به الحد استتيب فإن تاب وإلا قتل، وهذا أيضا خلاف قول الله حيث يقول: ﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (٣) هذا ما اجتمعوا عليه، فأما ما انفردوا به، فإن نافع بن الأزرق أحد شيوخهم وعظمائهم، انفرد هو وفرقته بإباحة قتل الأطفال والعميان والعرجان والعجائز والمرضى، وحتى إنهم كانوا يطرحون الأطفال في قدور الأقط وهي تغلي، واستحلوا الأمانات، فبلغ ذلك نجدة ابن عامر أحد الخوارج أيضا فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإني يوم فارقتك، وأنت لليتيم كالأب الرحيم، وللضعيف كالأخ في البر، لا تأخذك في الله لومة لائم ولا ترضى معونة ظالم، فقد شريت نفسك في طاعة ربك ابتغاء رضوانه، فأصبت من الحق عينيه، فحزن ذلك الشيطان فأغواك، ولم يكن أحد أثقل عليه وطأة منك ومن أصحابك، واستمالك فأغواك فغويت حين كفرت الذين عذرهم الله تعالى في كتابه من قُعَّدِ المسلمين وضعفهم، فقال عز من\n_________\n(١) أي أبو محمد اليمني.\n(٢) محمد الآية (٤).\n(٣) النساء الآية (١٦).","vol":"7","page":253},{"text":"قائل: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١) واستحللت أنت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن قتلهم (٢).\nثم كان من رأيك أن لا تؤدي الأمانة إلى أهلها فاتق الله يا نافع، وانظر لنفسك فإن الله بالمرصاد، وحكمه العدل، وقوله الفصل والسلام.\nقال مصنف هذا الكتاب (٣): نجدة هذا، وفرقته أشبه فرق الخوارج، فكتب إليه نافع بن الأزرق بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فقد أتاني كتابك تقر عيني فيه، وتذكرني وتنصح لي، فتزجرني وتصف ما كنت عليه من الحق، وكنت أوثره من الصواب، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعبت علي ما تماديت به من إكفار القعد وقتل الأطفال، واستحلال الأمانات، وسأفسر لك إن شاء الله تعالى: أما هؤلاء القعدة، فليسوا كمن ذكرت ممن كان على عهد رسول الله - ﷺ -، لأن هؤلاء كانوا بمكة -حرسها الله- مقهورين لا يجدون إلى الهرب سبيلا، وهؤلاء بخلافهم، وأما الأطفال فإن نبي الله نوحا - ﷺ - كان أعرف بالله مني ومنك،\n_________\n(١) براءة الآية (٩١).\n(٢) الطبراني في الكبير (١١/ ٣٣٠/١١٩٠٦) وفي الأوسط (٣/ ١٥ - ١٦/ ٢٠١٨) والبزار في مسنده (٣/ ٣٢/٢١٧٣ كشف الأستار) .. قال الهيثمي (٧/ ٢١٨): \"رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه هلال بن خباب وهو ثقة، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح\". وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد البزار (٢/ ١٦١ - ١٦٢/ ١٦١٩).\n(٣) أي أبو محمد اليمني.","vol":"7","page":254},{"text":"حيث قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ (١)، فسماهم بالكفر وهم أطفال، فكيف جاز ذلك في قوم نوح، ولا يجوز ذلك في قومنا، وما بيننا وبينهم إلا السيف، وأما استحلال الأمانات ممن خالفنا، فإن الله تعالى أحل لنا ذمة أموالهم، كما أحل لنا دماءهم، فاتقوا الله يا نجدة، وراجع نفسك لا عذر لك إلا بالتوبة، ولا يسعك خذلاننا والقعود عنا والسلام على من أقر بالحق وعمل به. (٢)\n- وقال أبو محمد أيضا: فاعلم أيدك الله وأرشدك للصواب أن الناس افترقوا في الإمامة على فرق شتى، قالت الخوارج ومن لف لفيفها بإمامة أبي بكر ﵁ ابتداء، وعمر بعده، وعثمان إلى وقت الحدث، وعلي إلى وقت التحكيم، وتولوهم وأثنوا عليهم خيرا، وقبلوا أقوالهم وأعمالهم بأحسن قبول، وذكروهم بأحمد ذكر، وأمسكوا عن عثمان من وقت الحدث، ورفضوا إمامة علي من وقت التحكيم، وقالوا: حكمتم الرجال في دين الله تعالى، وتبرؤوا منه، وذكروه بأقبح ذكر، وقالوا: شك في دينه، وهو الحيران الذي ذكره الله تعالى في كتابه، وحملوا قوله وحكمه على البطلان والعصيان. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2684>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀: الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب وعمل\n_________\n(١) نوح الآيتان (٢٦و٢٧).\n(٢) عقائد الثلاث والسبعين فرقة (١/ ٢٠ - ٢٣).\n(٣) عقائد الثلاث والسبعين فرقة (١/ ٨١).","vol":"7","page":255},{"text":"بالجوارح، وكل خصلة من خصال الطاعات المفروضة إيمان. فعلى هذا الإيمان عندهم التصديق، وموضعه القلب والمعبر عنه باللسان، وظاهر الدليل عليه بعد الإقرار شهادة الأركان وهي ثلاثة أشياء: شهادة، واعتقاد، وعمل، فالشهادة تحقن الدم وتمنع المال وتوجب أحكام الله، والعمل يوجب الديانة والعدالة، وهذان ظاهران يوجبان الظاهرة الشريعة، فأما العقيدة فإنها تظهرها الآخرة، لأنها خفية لا يعلمها إلا الله، فمن ترك العقيدة بالقلب وأظهر الشهادة فهو منافق، ومن اعتقدها بقلبه وعبر عنها لسانه وترك العمل بالفرائض عصيانا منه فهو فاسق غير خارج بذلك عن إيمانه، لكنه يكون ناقصا، وتجري عليه أحكام المسلمين، اللهم إلا إن تركها وهو جاحد بوجوبها: فهو كافر حلال الدم ويجب قتله. وأما من اعتقد بقلبه أن الله وحده لا شريك له وأثبته معرفة ووجودا، كما قال أبو جعفر بن محمد ﵁ للأعرابي الذي قال له: رأيت الله حين عبدته؟ قال: ما كنت لأعبد ما لم أره، قال له الأعرابي: فكيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة الأعيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواس ولا يشبه بالناس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجور في القضيات، ذلك الله الذي لا اله إلا هو. قال الأعرابي: الله أعلم حيث يجعل رسالته.\nفعلى هذا لئن عبر عنه لسانه بما تقدم ذكره، وعمل بجوارحه ما فرض عليه، وصدق بما جاء من عند ربه على لسان نبيه - ﷺ - أنه صواب وحكمة وعدل، وأن الطاعة له فيها لازمة، واجتنب الكبائر الموبقة: فهو مؤمن حقا، يزيد إيمانه بالطاعات وينقص بالمعاصي، فيستحق بالطاعات الثواب، ويأمن","vol":"7","page":256},{"text":"بترك المعاصي العذاب والعقاب، لكنه يكون بين حالين: خائفا لربه بما أوعد من العقوبات، راجيا له بما وعد من العفو، فيكون بين مخافة ورجا. (١)\nوذكر ﵀ الأدلة على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.\n- وقال أيضا: وأما كسر ما ذهبوا إليه من أن الإيمان لا ينقص بالمعاصي ولا يزداد بالطاعات فغير مسلم لهم، بل يكسره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (٢) فذكر الله تعالى الزيادة في الإيمان بأفعال الخير، وذكر نقص الإيمان بالمعاصي بقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (٣)، فمنع من المساواة بينهم لأن عملهم السيئات نقص في إيمانهم.\nوقال أيضا عز من قائل: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (٤)، حاشا الله ما هم سواء كما قالت المرجئة، وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا\n_________\n(١) عقائد الثلاث والسبعين فرقة (١/ ٣١٣ - ٣١٤).\n(٢) الأنفال الآية (٢).\n(٣) الجاثية الآية (٢١).\n(٤) ص الآية (٢٨).","vol":"7","page":257},{"text":"لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ (١)، فمنع المساواة بينهم. وقالت المرجئة: بل هم سواء. معاذ الله أن نقول بهذا، وأن نجعل إيمان المطهرين الأبرار كإيمان الفجار الفاسقين، ولهذا حكي أن المرجئة يهود هذه الأمة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (٢) أفليس هذا نقصا؟\nوقال أيضا عز من قائل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣)، أفليس قد أخرجهم عن إيمانهم إذا لم يرضوا بقضيته - ﷺ -، وقد ذكر إيمانهم بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\nوالمرجئة ترد على الله قضيته وحكمه الذي حكم به، فيزعمون أن إيمانهم كإيمان جبرائيل ﵇، كذبوا وأفكوا، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٤) أفليس إذا أكلوها بينهم بالباطل نقصهم إيمانهم؟ ثم تواعدهم على إثر ذلك فقال: ﴿وَمَنْ\n_________\n(١) السجدة الآية (١٨).\n(٢) النساء الآية (١٠).\n(٣) النساء الآية (٦٥).\n(٤) النساء الآية (٢٩).","vol":"7","page":258},{"text":"يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ (١).\nوقال عز من قائل في قاعدة اليتامى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ (٢) أفليس الحوب نقصا في الإيمان؟ وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ (٣)، أفليس هذا إن فعله فاعله نقصا في إيمانه، والمرجئة تقول بخلاف هذا، وأن عندهم من قتل أو سرق أو زنا أو نكح ابنته أو أخته أو بعض جميع ما ذكر الله تعالى تحريمهن، [وعدت من مضى عليها، وتوعد من عملها في هذه الآية بعذابها ونارها] (٤)، مؤمن كإيمان الملائكة والنبيين صلى الله تعالى عليهم أجمعين. هل هذا إلا كفر عظيم؟!!.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥) أفليس قد سماهم مسلمين مؤمنين؟ وأمرهم أن يتركوا ما بقي\n_________\n(١) النساء الآية (٣٠).\n(٢) النساء الآية (٢).\n(٣) النساء الآية (٢٢).\n(٤) قال محققه: هكذا النص في الأصل وفي النسخة (ر)، والكلام مستقيم بدونه فلعله ورد خطأ، أو أن في الكلام نقصا.\n(٥) البقرة الآيتان (٢٧٨و٢٧٩).","vol":"7","page":259},{"text":"من الربا، فيكون ذلك لهم زيادة في إيمانهم إذا أطاعوا، ونقصا لهم إذا عصوا ولم يتركوه؟.\nوقال أيضا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (١) أفليس كسب الخير يزيد في الإيمان، وكسب المعصية ينقص منه؟\nوقال أيضا عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ (٢). أفليس هذا دليلا على أنهم إذا فعلوا الفاحشة نقص ذلك من إيمانهم فلم يدخلهم الجنة؟ فإن استغفروا عنها وتابوا غفر لهم وأدخلهم الجنة لأنهم ازدادوا في إيمانهم بالتوبة عنها.\nثم سرد الأدلة من السنة على ذلك. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2685>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀ في شأن فرقة القدرية: قالوا: قضاء الله وقدره في\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٨).\n(٢) آل عمران الآيتان (١٣٥و١٣٦).\n(٣) عقائد الثلاث والسبعين فرقة (١/ ٣٠٦ - ٣١٠).","vol":"7","page":260},{"text":"معاصي عباده منهم دونه، وأنه تعالى يريد منهم ما لا يكون، ويكون منهم ما لا يريد، وأنه لم يخلق أفعال العباد بل هم الخالقون لها دونه، وأن العبد مخير يفعل ما يشاء من خير وشر، ليس لله تعالى في فعله صنع، قالوا: ولأنه لو كان له صنع في فعل عبده لما سأله عنه، ولو أنه سأله عنه لكان جورا منه، قالوا: والعبد إذا تغذا بغذاء حرام ليس من رزق ربه، بل هو من رزق نفسه، قالوا: وقد يقتل الإنسان دون أجله، قالوا: وعلم الله تعالى سابق غير سابق، والعباد يشاؤون لأنفسهم ما لا يشاء ربهم لهم، وأنهم قادرون على الخروج من علمه، وأنهم يجعلون لأنفسهم قوة يفعلون بها ما أرادوا، وأن أمر الاستطاعة إليهم دون ربهم. (١)\n- ثم قال: وغلا قوم منهم غلوا شديدا إلى أن قالوا: إن الله عزوجل لا يعلم الشيء قبل أن يكون، وكذبوا، بل هو سبحانه يعلم الشيء الذي يكون قبل أن يكون، ويعلم ما لا يكون أن كيف كان لو كان يكون (٢)\nثم ذكر الأدلة على ذلك.\n- وقد أطال النفس ﵀ في الاحتجاج بينه وبين القدرية من الكتاب والسنة وأقوال السلف وكنموذج على ذلك قوله: فإن قال: فإنما عنى بالإرادة خلق الطاعة دون خلق المعصية.\nقيل: قولك هذا كقول المجوس لأنهم أثبتوا خالقين: أحدهما يخلق الخير وهو الله تعالى، والثاني يخلق الشر وهو الشيطان لعنه الله، وهذا رد على\n_________\n(١) عقائد الثلاث والسبعين فرقة (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥).\n(٢) عقائد الثلاث والسبعين فرقة (١/ ٣٥٥).","vol":"7","page":261},{"text":"القرآن لأنه تعالى يقول لرسوله - ﷺ -: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ (١)، فذكر أنه خالق الشر لا خالق له سواه، وأنت تقول بخلافه من أنه خلق الخير وغيره خلق الشر، وليس في قوله تعالى نقص ولا تقصير ولا استثناء، فيكون خالق الشيء دون الشيء، بل هو خالق كل شيء كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، وهذه آية عامة لا خاصة.\nفإن قال: فيلزمكم على هذا أن إبليس اللعين وهو شيطان رجيم، وكل كافر ومشرك مستوجب للعذاب داخل في رحمة الله تعالى، لأنه يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣) فما تراهم إلا قد دخلوا في رحمته، لأنهم شيء، ونحن مجمعون وإياكم أنهم غير داخلين في رحمته.\nقيل: هذا تمويه بين وتأويل فاسد، لأنه سبحانه استثنى من الآية من لا يدخل في رحمته بقوله سبحانه: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ\n_________\n(١) الفلق الآيات (١ - ٥).\n(٢) غافر الآية (٦٢).\n(٣) الأعراف الآية (١٥٦).","vol":"7","page":262},{"text":"النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١)، وإبليس ومن ذكرت لا يعملون بهذا فخرجوا من الرحمة. والآية التي ذكرناها ما فيها استثناء ولا نقص ولا تقصير، فافهم هذا أرشدك الله، ففيه كفاية لكسر تمويهك والحمد لله.\nفإن زاد واعترض ولم يقنع بما مضى، وقال: ألستم تقولون: إن الله رضي من عباده المعصية وأرادها منهم؟ فكيف يعذبهم على ما قد مضى منهم؟\nقيل له: لسنا نقول: إنه أمر بها ولا رضي، لأنه يقول سبحانه: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (٢)، بل نقول: أراد المعصية منهم إرادة كتب وعلم سابق، لا إرادة أمر ولا خير ورضى، لأن الخلق لا يقدرون أن يخرجوا من علمه الذي هو قد علم أنه سيكون منهم، ولا على اكتسابه إلا بمعونته، فالذي يوجد منهم من الطاعات بهداه وتوفيقه ولطفه، والذي تركوا من المعاصي بعصمته وتسديده، والذي كان منهم من فعل المعصية بخذلانه وإرادته ومشيئته، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما شاء، لأنه لا يكون في سلطانه ما لا يريد وما لا يشاء، ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَمَا\n_________\n(١) الأعراف الآيتان (١٥٦و١٥٧).\n(٢) الزمر الآية (٧).","vol":"7","page":263},{"text":"تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (١).اهـ (٢)\nوذكر غيرها من الأدلة.\n\nعبد الغني المقدسي (٣) (٦٠٠ هـ)\nالإمام العالم الحافظ الكبير الصادق القدوة العابد الأثري المتبع عالم الحفاظ، تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وهو أكبر من أخيه الشيخ الموفق بن قدامة، ومن شيوخه: أبو طاهر السلفي، وأبو الفتح بن البطي، وهبة الله بن هلال الدقاق، وله مصنفات كثيرة، منها: الكمال في معرفة الرجال، والصفات، والتوحيد، والاقتصاد في الاعتقاد، ومناقب الصحابة وغيرها كثير.\nقال ضياء الدين: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يسأل عن حديث إلا ذكره وبينه، وذكر صحته أو سقمه، وقال إسماعيل بن ظفر: قال رجل للحافظ عبد الغني: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر لصدق.\nوقال التاج الكندي: لم يكن بعد الدارقطني مثل الحافظ عبد الغني. وقال الموفق: كان الحافظ لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه. وقال الضياء: ما\n_________\n(١) التكوير الآية (٢٩).\n(٢) عقائد الثلاث والسبعين فرقة (١/ ٣٧٢ - ٣٧٤).\n(٣) السير (٢١/ ٤٤٣ - ٤٧١) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٧٢ - ١٣٨٠) والبداية والنهاية (١٣/ ٤٢ - ٤٣) وشذرات الذهب (٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦).","vol":"7","page":264},{"text":"أعرف أحدا من أهل السنة رآه إلا أحبه ومدحه كثيرا، سمعت محمود بن سلامة الحراني بأصبهان قال: كان الحافظ يصطف الناس في السوق ينظرون إليه، ولو أقام بأصبهان مدة وأراد أن يملكها لملكها.\nتوفي ﵀ سنة ستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2687>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: قال الشيخ الموفق: كان رفيقي وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وقيامهم عليه، ورزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها. (١)\n- وقال ابن النجار: وكان كثير العبادة ورعا متمسكا بالسنة على قانون السلف. (٢)\n- وقال الضياء: وكان المبتدعة قد أوغروا صدر العادل على الحافظ وتكلموا فيه عنده وكان بعضهم يقول: ربما يقتله إذا دخل عليه، فسمعت أن بعضهم بذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار. قال الضياء: سمعت أبا بكر ابن أحمد الطحان يقول: جعلوا الملاهي عند درج جيرون، فجاء الحافظ فكسر كثيرا منها وصعد المنبر، فجاءه رسول القاضي يطلبه ليناظره في الدف والشبابة فقال: ذاك حرام ولا أمشي إليه إن كان له حاجة يجيء هو، قال فعاد الرسول فقال: لا بد من مجيئك قد عطلت هذه الأشياء على السلطان،\n_________\n(١) التذكرة (٤/ ١٣٧٦) والسير (٢١/ ٤٥٣).\n(٢) التذكرة (٤/ ١٣٧٣).","vol":"7","page":265},{"text":"فقال: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان، فمضى الرسول فخفنا من فتنة، فما أتى أحد بعد. (١)\n- وقال في حديثه عن أهل السنة: ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة المردية الردية، فحازوا بذلك الرتبة السنية، والمنزلة العلية. (٢)\n- وقال: فالزم -رحمك الله- ما ذكرت لك من كتاب ربك العزيز، وكلام نبيك الكريم، ولا تحد عنه ولا تبتغ الهدى في غيره، ولا تغتر بزخارف المبطلين، وآراء المتكلفين، فإن الرشد والهدى والفوز والرضا فيما جاء من عند الله ورسوله، لا فيما أحدثه المحدثون، وأتى به المتنطعون من آرائهم المضمحلة، ونتائج عقولهم الفاسدة، وارض بكتاب الله وسنة رسوله عوضا من قول كل قائل، وزخرف وباطل. (٣)\n- وقال في خاتمة كتابه 'الاقتصاد في الاعتقاد': فهذه جملة مختصرة من القرآن والسنة، وآثار من سلف، فالزمها، وما كان مثلها مما صح عن الله ورسوله، وصالح سلف الأمة ممن حصل الاتفاق عليه من خيار الأمة، ودع أقوال من كان عندهم محقورا مهجورا، مبعدا مدحورا، ومذموما ملوما، وإن اغتر كثير من المتأخرين بأقوالهم وجنحوا إلى اتباعهم، فلا تغتر بكثرة أهل الباطل. (٤)\n_________\n(١) التذكرة (٤/ ١٣٧٧).\n(٢) الاقتصاد في الاعتقاد (ص.٨٠).\n(٣) الاقتصاد في الاعتقاد (ص.٢٠٥ - ٢٠٧).\n(٤) الاقتصاد في الاعتقاد (ص.٢٢١).","vol":"7","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2688>موقفه من المشركين:</span>\nقال الذهبي نقلا عن الضياء: وسمعت الحافظ يقول: أضافني رجل بأصبهان، فلما تعشينا كان عنده رجل أكل معنا، فلما قمنا إلى الصلاة لم يصل، فقلت: ما له؟ قالوا: هذا رجل شمسي، فضاق صدري، وقلت للرجل: ما أضفتني إلا مع كافر، قال: إنه كاتب، ولنا عنده راحة، ثم قمت بالليل أصلي وذاك يستمع، فلما سمع القرآن تزفر، ثم أسلم بعد أيام، وقال: لما سمعتك تقرأ، وقع الإسلام في قلبي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2689>موقفه من الرافضة:</span>\n- ألف في ذكر فضائل الصحابة كتابه 'مناقب الصحابة' ذكره الإمام الذهبي في السير. (٢)\n- وقال في الاقتصاد: ونعتقد أن خير هذه الأمة وأفضلها بعد رسول الله - ﷺ - صاحبه الأخص، وأخوه في الإسلام، ورفيقه في الهجرة والغار أبو بكر الصديق، وزيره في حياته، وخليفته بعد وفاته، عبد الله ابن عثمان عتيق بن أبي قحافة. ثم بعده الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب الذي أعز الله به وأظهر الدين. ثم بعده ذو النورين أبو عبد الله عثمان بن عفان الذي جمع القرآن وأظهر العدل والإحسان. ثم ابن عم رسول الله - ﷺ - وختنه علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم. فهؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.\nثم الستة الباقون من العشرة: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام،\n_________\n(١) السير (٢١/ ٤٥٣).\n(٢) (٢١/ ٤٤٨).","vol":"7","page":267},{"text":"وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح رضوان الله عليهم.\nفهؤلاء العشرة الكرام البررة الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة (١)، فنشهد لهم بها كما شهد لهم بها، اتباعا لقوله وامتثالا لأمره اهـ. ثم ذكر بعضا ممن شهد لهم بالجنة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2690>موقفه من الجهمية:</span>\nلقد مضت سنة الله تعالى في خلقه على هذا الإمام بالامتحان والاختبار في عقيدته. وكان ممن شرفه الله بالصبر في سبيل عقيدته السلفية، وكان من خيرة الأمثلة في ذلك.\n- جاء في ذيل طبقات الحنابلة: اجتمع الشافعية والحنفية والمالكية عند المعظم عيسى والصارم برغش والي القلعة، وكانا يجلسان بدار العدل للنظر في المظالم. قال: وكان ما اشتهر من إحضار اعتقاد الحنابلة، وموافقة أولاد الفقيه نجم الدين الحنبلي الجماعة، وإصرار الفقيه عبد الغني المقدسي على لزوم ما ظهر به من اعتقاده وهو الجهة والاستواء والحرف. وأجمع الفقهاء على الفتوى بكفره وأنه مبتدع لا يجوز أن يترك بين المسلمين ولا يحل لولي الأمر أن يمكنه من المقام معهم، وسأل أن يمهل ثلاثة أيام لينفصل عن البلد فأجيب.\nوذكر غيره: أنهم أخذوا عليه مواضع منها قوله: ولا أنزهه تنزيها ينفي حقيقة\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٨٧) وأبو داود (٥/ ٣٩/٤٦٤٩) والترمذي (٥/ ٦٠٩/٣٧٥٧) وقال: \"حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ٥٥/٨١٥٠) وابن ماجة (١/ ٤٨/١٣٣) من طرق عن سعيد بن زيد ﵁.\n(٢) الاقتصاد في الاعتقاد (ص.١٩٨ - ٢٠٣).","vol":"7","page":268},{"text":"النزول. ومنها قوله: كان الله ولا مكان وليس هو اليوم على ما كان. ومنها مسألة الحرف والصوت. فقالوا له: إذا لم يكن على ما قد كان فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزهه تنزيها تنفي حقيقة النزول فقد أجزت عليه الانتقال. وأما الحرف والصوت فإنه لم يصح عن إمامك الذي تنتمي إليه فيه شيء، وإنما المنقول عنه: أنه كلام الله ﷿ غير مخلوق. وارتفعت الأصوات فقال له صارم الدين: كل هؤلاء على ضلال وأنت على الحق؟ قال: نعم.\nثم ذكر معهم من الصلاة بالجامع قال: فخرج عبد الغني إلى بعلبك ثم سافر إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، وكتب أهل مصر إلى الصفي بن شكر وزير العادل: أنه قد أفسد عقائد الناس، ويذكر التجسيم على رؤوس الأشهاد، فكتب إلى والي مصر بنفيه إلى المغرب فمات قبل وصول الكتاب. (١)\nالتعليق:\nانظر ما كان يعمله علماء الأشاعرة بالعلماء السلفيين: لا رحمة ولا شفقة ولا رجوع إلى النصوص ولا إلى أثر السلف، فعلى الأقل ينبغي أن يكون مخطئا، مع العلم أنه هو صاحب الحق، ولكن العصبية تعمي صاحبها حتى لا يميز ما يقول ويفعل، والله المستعان.\nوأما الإمام، فرزقه الله الثبات، فلم يبال لا بالحاكم ولا بالمحكوم ولا بمن يوقد له نار الفتنة. فهنيئا لك يا عالم السلف، أثابك الله ورفع بما لقيته في سبيل عقيدتك الدرجات.\n_________\n(١) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٢٢).","vol":"7","page":269},{"text":"- جاء في السير: عن عبد الله بن أبي الحسن الجبائي بأصبهان قال: أبو نعيم قد أخذ على ابن منده أشياء في كتاب الصحابة فكان الحافظ أبو موسى يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه الذي في الصحابة فما كان يجسر، فلما قدم الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك، قال: فأخذ على أبي نعيم نحوا من مئتين وتسعين موضعا، فلما سمع بذلك الصدر الخجندي طلب عبد الغني وأراد هلاكه، فاختفى. وسمعت محمود بن سلامة يقول: ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلا في إزار، وذلك أن بيت الخجندي أشاعرة، كانوا يتعصبون لأبي نعيم، وكانوا رؤساء البلد. (١)\n- قال ابن النجار: سمعت يوسف بن خليل بحلب يقول عن عبد الغني: كان ثقة، ثبتا، دينا، مأمونا، حسن التصنيف، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، دعي إلى أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فأبى، فمنع من التحديث بدمشق، فسافر إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات. (٢)\n- قال الضياء: وسمعت بعض أصحابنا يقول: إن الحافظ أمر أن يكتب اعتقاده، فكتب: أقول كذا؛ لقول الله كذا، وأقول كذا؛ لقول رسول الله - ﷺ - كذا، حتى فرغ من المسائل التي يخالفون فيها، فلما وقف عليها الملك الكامل، قال: إيش في هذا؟ يقول بقول الله ﷿، وقول رسوله - ﷺ -. قال: فخلى عنه. (٣)\n- قال في كتابه الاقتصاد (٤): اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف، وخيار\n_________\n(١) السير (٢١/ ٤٥٨ - ٤٥٩).\n(٢) ذيل الطبقات (٢/ ١٩ - ٢٠) والتذكرة (٤/ ١٣٧٣).\n(٣) ذيل الطبقات (٢/ ٢٦) والتذكرة (٤/ ١٣٨٠).\n(٤) (ص.٧٦ - ٧٩).","vol":"7","page":270},{"text":"الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ﷿، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه له ولا نظير، ولا عدل ولا مثل.\nوأنه ﷿ موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (١)، وصح بها النقل عن نبيه وخيرته من خلقه محمد سيد البشر، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الملة، وأوضح المحجة، وأكمل الدين، وقمع الكافرين، ولم يدع لملحد مجالا، ولا لقائل مقالا.\nفروى طارق بن شهاب قال: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر يهود نزلت نعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢).\nفقال: إني لأعلم اليوم الذي نزلت والمكان، نزلت على رسول الله - ﷺ - ونحن بعرفة عشية جمعة. (٣)\n_________\n(١) فصلت الآية (٤٢).\n(٢) المائدة الآية (٣).\n(٣) أخرجه البخاري (١/ ١٤١/٤٥) ومسلم (٤/ ٢٣١٢/٣٠١٧ [٥،٤،٣]) والترمذي (٥/ ٢٣٣/٣٠٤٣) وقال: \"حسن صحيح\". والنسائي (٥/ ٢٧٧/٣٠٠٢).","vol":"7","page":271},{"text":"فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمروه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة المردية الردية، فحازوا بذلك الرتبة السنية، والمنزلة العلية. (١)\n- وقال في الكتاب نفسه: والقرآن كلام الله ﷿، ووحيه، وتنزيله، والمسموع من القاري كلام الله ﷿، قال الله عزوجل: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٢) وإنما سمعه من التالي. وقال الله عزوجل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٣) وقال عزوجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٤) وقال عزوجل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ (٥) وهو محفوظ في الصدور، كما قال عزوجل: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٦) وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور\n_________\n(١) الاقتصاد في الاعتقاد (٧٨ - ٨٠).\n(٢) التوبة الآية (٦).\n(٣) الفتح الآية (١٥).\n(٤) الحجر الآية (٩).\n(٥) الشعراء الآيتان (١٩٢و١٩٤).\n(٦) العنكبوت الآية (٤٩).","vol":"7","page":272},{"text":"الرجال من النعم من عقله» (١). وهو مكتوب في المصاحف منظور بالأعين، قال الله عزوجل: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ (٢) وقال عزوجل: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (٣).\nوروى عبد الله بن عمر: أن النبي - ﷺ - نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو. (٤)\nوقال عثمان بن عفان ﵁: (ما أحب أن يأتي علي يوم وليلة حتى أنظر في كلام الله عزوجل) يعني القراءة في المصحف.\nوقال عبد الله بن أبي مليكة: كان عكرمة بن أبي جهل ﵁ يأخذ المصحف فيضعه على وجهه فيقول: كتاب ربي عزوجل وكلام ربي عزوجل). وأجمع أئمة السلف، والمقتدى بهم من الخلف على أنه غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر. (٥)\n- وقال: فمن صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، ونطق بها كتابه، وأخبر بها نبيه أنه مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه فقال عز من قائل في\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٦٤و١١٢) والبخاري (٩/ ٩٧/٥٠٣١) ومسلم (١/ ٥٤٣/٧٨٩) والنسائي (٢/ ٤٩٢/٩٤١) وابن ماجه (٢/ ١٢٤٣/٣٧٨٣) من حديث ابن عمر ﵁.\n(٢) الطور الآيات (١ - ٣).\n(٣) الواقعة الآيات (٧٧ - ٧٩).\n(٤) أحمد (٢/ ٧) والبخاري (٦/ ١٦٤/٢٩٩٠) ومسلم (٣/ ١٤٩٠/١٨٦٩) وأبو داود (٣/ ٨٢/٢٦١٠) وابن ماجة (٢/ ٩٦١/٢٨٧٩).\n(٥) الاقتصاد في الاعتقاد (١٣٢ - ١٣٦).","vol":"7","page":273},{"text":"سورة الأعراف: ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١). وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢). وقال في سورة الرعد: ﴿الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٣). وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٤). وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (٥). وقال في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٦). فهذه سبعة مواضع أخبر الله فيها سبحانه أنه على العرش. (٧)\nثم ذكر عدة أحاديث وختمها بقوله (٨): وروى معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال لجاريته: «أين الله؟ قالت: في السماء،\n_________\n(١) الأعراف الآية (٥٤).\n(٢) يونس الآية (٣).\n(٣) الرعد الآية (٢).\n(٤) طه الآية (٥).\n(٥) الفرقان الآية (٥٩).\n(٦) السجدة الآية (٤).\n(٧) الاقتصاد في الاعتقاد (ص.٨٠ - ٨٢).\n(٨) المصدر السابق (ص.٨٨ - ٨٩).","vol":"7","page":274},{"text":"قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة». رواه مسلم (١) ابن الحجاج وأبو داود (٢)، وأبو عبد الرحمن النسائي (٣).\nومن أجهل جهلا، وأسخف عقلا، وأضل سبيلا ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشرعية بقوله: أين الله؟!\n- وقال: ومن الصفات التي نطق بها القرآن، وصحت بها الأخبار: الوجه. قال الله عزوجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٤) وقال عزوجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٥). وروى أبو موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عزوجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (٦).\nوروى أبو موسى قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بأربع\n_________\n(١) (١/ ٣٨١ - ٣٨٤/ ٥٣٧).\n(٢) (١/ ٥٧٠/٩٣٠).\n(٣) (٣/ ١٩ - ٢٢/ ١٢١٧).\n(٤) القصص الآية (٨٨).\n(٥) الرحمن الآية (٢٧).\n(٦) أحمد (٤/ ٤١٦) والدارمي (٢/ ٣٣٣) والطيالسي (٥٢٩) والبيهقي في البعث (٢٣٩) من طريق أبي قدامة الحارث ابن عبيد الإيادي عن أبي عمران الجوني عن أبي بكر عن أبي موسى عن أبيه به. وفي آخره ذكر الأنهار التي تجشب من الجنة.\n\nوأبو قدامة متكلم في حفظه وقد ضعفه غير واحد، ولكن قال الساجي: صدوق عنده مناكير وقال الحافظ في التقريب: \"صدوق يخطئ\". ومما ينكر عليه في هذا الحديث أوله: «جنات الفردوس أربع» وآخره. فقد خالف عبد العزيز بن عبد الصمد فرواه بلفظ: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب ...» الحديث. أخرجه أحمد (٤/ ٤١١) والبخاري (١٣/ ٥٢٠/٧٤٤٤) ومسلم (١/ ١٦٣/٢٩٦) والترمذي (٤/ ٦٧٣/٢٥٢٨) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١٩ - ٤٢٠/ ٧٧٦٥) وابن ماجة (١/ ٦٦/١٨٦).","vol":"7","page":275},{"text":"فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» ثم قرأ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (١) رواه مسلم. (٢)\nفهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات.\nوتواترت الأخبار، وصحت الآثار (٣) بأن الله ﷿ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيجب الإيمان به، والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول. (٤)\n- وقال: ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان. قال الله ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٥) وقال ﷿: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٦). وروى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - قال: التقى آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا،\n_________\n(١) النمل الآية (٨).\n(٢) أحمد (٤/ ٣٩٥و٤٠١) ومسلم (١/ ١٦١/١٧٩ [٢٩٥]) وابن ماجة (١/ ٧٠/١٩٥).\n(٣) منها حديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٨) والبخاري (٣/ ٣٦/١١٤٥) ومسلم (١/ ٥٢/٧٥٨) وأبو داود (٢/ ٧٧/١٣١٥) والترمذي (٢/ ٣٠٧/٤٤٦) والنسائي في الكبرى (٦/ ١٢٣/١٠٣١١) وابن ماجه (١/ ٤٣٥/١٣٦٦).\n(٤) الاقتصاد في الاعتقاد (ص.٩٦ - ١٠٠).\n(٥) المائدة الآية (٦٤).\n(٦) ص الآية (٧٥).","vol":"7","page":276},{"text":"خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة. فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليما، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ (١)؟ قال: بأربعين سنة، قال: فتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال النبي - ﷺ -: «فحج آدم موسى». (٢)\nفلا نقول: يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل، بل نؤمن بذلك ونثبت له الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ولا يصح حمل اليدين على القدرتين، فإن قدرة الله ﷿ واحدة، ولا على النعمتين، فإن نعم الله ﷿ لا تحصى، كما قال ﷿: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٣) وكل ما قال الله ﷿ في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل، مثل المحبة، والمشيئة والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضا، وسائر ما صح عن الله ورسوله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين واستوحشت منها نفوس المعطلين. (٤)\n_________\n(١) طه الآية (١٢١).\n(٢) أحمد (٢/ ٢٤٨،٢٦٨،٢٨٧) والبخاري (٨/ ٥٥٤ - ٥٥٥/ ٤٧٣٦و٤٧٣٨) ومسلم (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٣/ ٢٦٥٢) وأبو داود (٥/ ٧٦ - ٧٨/ ٤٧٠١) والترمذي (٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧/ ٢١٣٤) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٨٤ - ٢٨٥/ ١٠٩٨٥ - ١٠٩٨٦) وابن ماجة (١/ ٣١ - ٣٢/ ٨٠).\n(٣) إبراهيم الآية (٣٤).\n(٤) الاقتصاد في الاعتقاد (ص.١١٢ - ١٢٢).","vol":"7","page":277},{"text":"- وقال: وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله تعالى يرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله - ﷺ -، قال الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (١). وروى جرير ابن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسا ليلة مع رسول الله - ﷺ - فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: «إنكم سترون ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ (٢). وفي رواية: «سترون ربكم عيانا» (٣). وروى صهيب عن النبي - ﷺ - قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا لم تروه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلا: ﴿* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٤) رواه مسلم (٥). وقال مالك بن أنس ﵁: (الناس ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة). وقال أحمد بن حنبل:\n_________\n(١) القيامة الآيتان (٢٢و٢٣).\n(٢) ق الآية (٣٩).\n(٣) أحمد (٤/ ٣٦٢) والبخاري (٢/ ٦٦/٥٧٣) ومسلم (١/ ٤٣٩/٦٣٣ [٢١١]) وأبو داود (٥/ ٩٧ - ٩٨/ ٤٧٢٩) والترمذي (٤/ ٥٩٢ - ٥٩٣/ ٢٥٥١) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١٩/٧٧٦٢) وابن ماجه (١/ ٦٣/١٧٧).\n(٤) يونس الآية (٢٦).\n(٥) أحمد (٤/ ٣٣٢) ومسلم (١/ ١٦٣/١٨١ [٢٩٨]) والترمذي (٤/ ٥٩٣/٢٥٥٢) والنسائي في الكبرى (٤/ ٤٢٠/٧٧٦٦) وابن ماجه (١/ ٦٧/١٨٧) عن صهيب ﵁.","vol":"7","page":278},{"text":"\"من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر\".\nومن مذهب أهل الحق أن الله ﷿ لم يزل متكلما بكلام مسموع، مفهوم، قال الله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (١). وروى عدي بن حاتم قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، ثم ينظر أيمن منه فلا ينظر إلا شيئا قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل». (٢)\nوروى جابر بن عبد الله قال: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام قال رسول الله - ﷺ -: «يا جابر، ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى، قال: وما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، كلم أباك كفاحا، قال: يا عبد الله تمن علي أعطيك، قال: يا رب، تحييني فأقتل فيك ثانية، قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: فأبلغ من ورائي. فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (٣). رواه ابن ماجة (٤).اهـ (٥)\n- وقال: ويعتقد أهل السنة ويؤمنون أن النبي - ﷺ - يشفع يوم القيامة لأهل\n_________\n(١) النساء الآية (١٦٤).\n(٢) أحمد (٤/ ٢٥٦) والبخاري (١١/ ٤٨٨/٦٥٣٩) ومسلم (٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤/ ١٠١٦ [٦٧]) والترمذي (٤/ ٥٢٨/٢٤١٥) وابن ماجه (١/ ٦٦/١٨٥).\n(٣) آل عمران الآية (١٦٩).\n(٤) أحمد (٣/ ٣٦١) والترمذي (٥/ ٢١٤ - ٢١٥/ ٣٠١٠) وابن ماجه (١/ ٦٨/١٩٠) وصححه ابن حبان (١٥/ ٤٩٠ - ٤٩١/ ٧٠٢٢ الإحسان) والحاكم (٢/ ١١٩ - ١٢٠) و(٣/ ٢٠١ - ٢٠٤).\n(٥) الاقتصاد في الاعتقاد (ص.١٢٥ - ١٣٢).","vol":"7","page":279},{"text":"الجمع كلهم شفاعة عامة، ويشفع في المذنبين من أمته فيخرجهم من النار بعدما احترقوا. كما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد إن شاء الله أن أختبي دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». (١) اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2691>موقفه من المرجئة:</span>\nقال في كتابه 'الاقتصاد في الاعتقاد': والإيمان بأن الإيمان قول وعمل ونية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٣). وقال ﷿: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤). وقال ﷿: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٥). وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «الإيمان بضع وسبعون»، وفي رواية: «بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان»، ولمسلم وأبي داود: «فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». (٦)\nوالاستثناء في الإيمان سنة ماضية، فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ قال: إن شاء الله. روي ذلك عن عبد الله بن مسعود وعلقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وأبي وائل شقيق بن سلمة، ومسروق بن الأجدع، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي،\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٢٧٥) والبخاري (١١/ ١١٥/٦٣٠٤) ومسلم (١/ ١٨٠/١٩٨) وابن ماجه (٢/ ١٤٤٠/٤٣٠٧).\n(٢) الاقتصاد (ص.١٦٤ - ١٦٥).\n(٣) التوبة الآية (١٢٤).\n(٤) الفتح الآية (٤).\n(٥) المدثر الآية (٣١).\n(٦) تقدم تخريجه في مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).","vol":"7","page":280},{"text":"ومغيرة بن مقسم الضبي، وفضيل بن عياض وغيرهم. وهذا استثناء على يقين، قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2692>موقفه من القدرية:</span>\nقال ﵀: وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، قليله وكثيره، بقضاء الله وقدره، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يجري خير وشر إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلا، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلا، فهو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٣).\nقال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٥)، وقال ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٦). (٧)\nثم ساق أدلة أخرى على ذلك.\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٧).\n(٢) (ص.١٨١ - ١٨٦).\n(٣) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٤) الأعراف الآية (١٧٩).\n(٥) السجدة الآية (١٣).\n(٦) القمر الآية (٤٩).\n(٧) الاقتصاد في الاعتقاد (ص.١٥١ - ١٥٢).","vol":"7","page":281},{"text":"الغُورِي شهاب الدين (١) (٦٠٢ هـ)\nأبو المظفر محمد بن سام أخو السلطان الكبير أبي الفتح. كان بطلا شجاعا مهيبا جيد السيرة، يحكم بالشرع. وينصف الضعيف والمظلوم، وكان يحضر عنده العلماء.\nقال الذهبي: بلغنا أن فخر الدين الرازي وعظ مرة عنده، فقال: يا سلطان العالم، لا سلطانك يبقى، ولا تلبيس الرازي يبقى ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَن الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ (٢) قال: فانتحب السلطان بالبكاء. عظم شأنه وعلا محله وأحبه أمراء الغورية. قتلته الباطنية في شعبان سنة اثنتين وستمائة، رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2695>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن كثير: ثم دخلت سنة ثنتين وستمائة فيها وقعت حرب عظيمة بين شهاب الدين محمد بن سام الغوري صاحب غزنة وبين بني بوكر أصحاب الجبل الجودي، وكانوا قد ارتدوا عن الإسلام فقاتلهم وكسرهم وغنم منهم شيئا كثيرا لا يعد ولا يوصف، فاتبعه بعضهم حتى قتله غيلة في ليلة مستهل شعبان منها بعد العشاء، وكان ﵀ من أجود الملوك سيرة وأعقلهم وأثبتهم في الحرب. (٣)\n_________\n(١) السير (٢١/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٠١ - ٦١٠/ص.٨٨ - ٩٠) والكامل في التاريخ (١٢/ ١٨٩) والبداية والنهاية (١٣/ ٤٧) والشذرات (٥/ ٧).\n(٢) غافر الآية (٤٣).\n(٣) البداية (١٣/ ٤٧).","vol":"7","page":282},{"text":"فخر الدين الرازي (١) (٦٠٦ هـ)\nالعلامة الكبير ذو الفنون فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي. ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة. اشتغل على أبيه الإمام ضياء الدين خطيب الري، ثم الزين قصد الكمال السمياني فاشتغل عليه مدة، وانتشرت تواليفه في البلاد شرقا وغربا، وكان يتوقد ذكاء، وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر.\nقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: حدثني القطب الطوغاني مرتين أنه سمع الفخر الرازي يقول: ليتني لم أشتغل بالكلام، وبكى. وقال ﵀ في وصيته لما احتضر: ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن.\nتوفي سنة ست وستمائة.\nتوبته من الكلام وبراءته منه:\nهذا الرجل معروف بعداوته لعقيدة السلف الصالح، وألف الكتب في ذلك، وألف التفسير وبسط فيه المذهب الأشعري بسطا، وقد تكلمت عليه في كتابي 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات'. (٢)\nوله كذلك 'تأسيس التقديس' وهو عبارة عن جمع لحجج الجهمية والدفاع عنها، وقد قيض الله له من ألقمه حجرا فرد عليه في تلبيس الجهمية،\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٥٠٠ - ٥٠١) والكامل في التاريخ (١٢/ ١٢٠) ووفيات الأعيان (٤/ ٢٤٨ - ٢٥٢) والوافي بالوفيات (٤/ ٢٤٨ - ٢٥٩) والبداية والنهاية (١٣/ ٦٠ - ٦١) واللسان (٤/ ٤٢٦) وشذرات الذهب (٥/ ٢١) وميزان الاعتدال (٣/ ٣٤٠).\n(٢) (٢/ ٩١١ - ٩٥٩).","vol":"7","page":283},{"text":"وكتبه في هذا كثيرة، ولكن قد يمن الله على المرء بالهداية فيتوب ويرجع عما كان عليه من الخطأ، ولعل هذا هو الذي حصل للرازي.\nقال شيخ الإسلام: وأنشد أبو عبد الله الرازي في غير موضع من كتبه مثل كتاب أقسام اللذات لما ذكر أن هذا العلم أشرف العلوم، وأنه ثلاث مقامات: العلم بالذات، والصفات، والأفعال، وعلى كل مقام عقدة، فعلم الذات عليه عقدة: هل الوجود هو الماهية أو زائد على الماهية؟ وعلم الصفات عليه عقدة: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وعلم الأفعال عليه عقدة: هل الفعل مقارن للذات أو متأخر عنها؟ ثم قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب، أو ذاق من هذا الشراب؟ ثم أنشد:\nنهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال\nولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\n\nلقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (١)، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢) وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣)\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) فاطر الآية (١٠).\n(٣) الشورى الآية (١١).","vol":"7","page":284},{"text":"﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (١)، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ (٢)، ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي. (٣)\nونقل عنه ابن القيم في اجتماع الجيوش من كتابه أقسام اللذات كلاما يدل على رجوعه، وقال ابن القيم إنه آخر ما ألف. قال: واعلم أن بعد التوغل في هذه المضايق والتعمق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق، رأيت الأصوب الأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق والاستدلال بأقسام أجسام السماوات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل، فأقرأ في التنزيل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٦) وأقرأ في الإثبات قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٨) وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٩)\n_________\n(١) طه الآية (١١٠).\n(٢) مريم الآية (٦٥).\n(٣) درء التعارض (١/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(٤) محمد الآية (٣٨).\n(٥) الشورى الآية (١١).\n(٦) الإخلاص الآية (١).\n(٧) طه الآية (٥).\n(٨) النحل الآية (٥٠).\n(٩) فاطر الآية (١٠).","vol":"7","page":285},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) وفي تنزيهه عما لا ينبغي قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢) الآية. وعلى هذا القانون فقس. (٣)\nالتعليق:\nكان الرازي إذا سمع مثل هذه الآيات كأنك أشعلت فيه نارا، فيحترق لإثبات الفوقية والاستواء، ويأتي بكل ما أوتي لإبطال الفوقية والاستواء، ويأتي بكل تأويلاته الباردة ويصورها كأنها جبال من الحجج، فيفرعها ويجزئها، لكنه تاب ورجع عفا الله عنه وغفر له. وله وصية كذلك تثبت توبته ذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام (٤) والسبكي في طبقات الشافعية (٥) وغيرهما. وإثباتي للرازي في هذا البحث حتى يتعرف القراء عليه وعلى رجوعه.\nقال الحافظ في الفتح: وذكر الفخر الرازي في المطالب العالية أن قول من قال: إنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره، هو أصح الأقوال نقلا وعقلا. (٦)\n_________\n(١) النساء الآية (٧٨).\n(٢) النساء الآية (٧٩).\n(٣) اجتماع الجيوش (ص.٢٧٤ - ٢٧٥).\n(٤) في حوادث (٦٠١ - ٦١٠هـ) (ص.٢٢٠ - ٢٢٢).\n(٥) (٥/ ٣٧ - ٣٨).\n(٦) الفتح (١٣/ ٤٥٥).","vol":"7","page":286},{"text":"أبو عمر بن قُدَامة (١) (٦٠٧ هـ)\nمحمد بن أحمد بن محمد بن قدامة أبو عمر المقدسي الإمام الفقيه المقرئ المحدث الزاهد. مولده في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية جماعيل من عمل نابلس، وتحول إلى دمشق مع أسرته فسكنوا سفح قاسيون. سمع أباه وأبا المكارم ابن هلال وسلمان بن علي الرحبي وغيرهم. حدث عنه أخوه موفق الدين وابناه عبد الله وعبد الرحمن والضياء وغيرهم. وكتب وقرأ وحصل وتقدم وكان من العلماء العاملين. كان لا يسمع دعاء إلا ويحفظه في الغالب ويدعو به، ولا حديثا إلا وعمل به، ولا صلاة إلا صلاها، وكان قدوة صالحا عديم النظير كبير القدر والمروءة والصفات الحميدة. لكن تذكر له بعض المبالغات في بعض العبادات. قال الصريفيني: ما رأيت أحدا قط ليس عنده تكلف غير الشيخ أبي عمر.\nتوفي عشية الاثنين في الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة سبع وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2698>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في البداية والنهاية: ثم شرع أبو المظفر في ذكر فضائل أبي عمر ومناقبه وكراماته وما رآه هو وغيره من أحواله الصالحة. قال: وكان على مذهب السلف الصالح سمتا وهديا، وكان حسن العقيدة متمسكا بالكتاب والسنة والآثار المروية، يمرها كما جاءت من غير طعن على أئمة الدين وعلماء المسلمين. وكان ينهى عن صحبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصالحين الذين هم على سنة سيد المرسلين وخاتم النبيين، وربما أنشدني لنفسه في ذلك:\n_________\n(١) السير (٢٢/ ٥ - ٩) والوافي بالوفيات (٢/ ١١٦) والبداية والنهاية (١٣/ ٦٦) والنجوم الزاهرة (٦/ ٢٠١ - ٢٠٢) والعبر (٢/ ١٨٣ - ١٨٤) وشذرات الذهب (٥/ ٢٧ - ٣٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٠١ - ٦١٠/ص.٢٦٦ - ٢٧٨).","vol":"7","page":287},{"text":"أوصيكم بالقول في القرآن ... بقول أهل الحق والإتقان\nليس بمخلوق ولا بفان ... لكن كلام الملك الديان\nآياته مشرقة المعاني ... متلوة لله باللسان\nمحفوظة في الصدر والجنان ... مكتوبة في الصحف بالبنان\nوالقول في الصفات يا إخواني ... كالذات والعلم مع البيان\nإمرارها من غير ما كفران ... من غير تشبيه ولا عطلان (١)\n\nالأمير صارم الدين برغش (٢) (سنة ٦٠٨ هـ)\nفيها -أي سنة خمس وتسعين وخمسمائة- ادعى رجل أعجمي بدمشق أنه عيسى ابن مريم، فأمر الأمير صارم الدين برغش نائب القلعة بصلبه عند حمام العماد الكاتب، خارج باب الفرج مقابل الطاحون التي بين البابين، وقد باد هذا الحمام قديما، وبعد صلبه بيومين ثارت العامة على الروافض وعمدوا إلى قبر رجل منهم بباب الصغير يقال له وثاب فنبشوه وصلبوه مع كلبين. (٣)\n\nعبد الجليل القصري (٤) (٦٠٨ هـ)\nأبو محمد عبد الجليل بن موسى بن عبد الجليل. من مدينة القصر الكبير بالمغرب\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٣/ ٦٦) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٥٩).\n(٢) جاء في تاريخ الإسلام (حوادث ٦٠١ - ٦١٠/ص.٢٩٠): بزغش (بالزاي) بدل برغش (بالراء).\n(٣) تاريخ الإسلام (حوادث ٥٩١ - ٥٩٥/ص.٢٥) والبداية والنهاية (١٣/ ٢٢).\n(٤) تاريخ الإسلام (٤٣/ ٢٩٥) والسير (٢٢/ ١١).","vol":"7","page":288},{"text":"الأقصى. قال الذهبي: الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو محمد الأنصاري الأوسي الأندلسي القرطبي، شهر بالقصري لنزوله قصر عبد الكريم وهو قصر كتامة، حمل الموطأ عن أبي الحسن بن حنين الكناني محدث فاس، وصحب الشيخ أبا الحسن بن غالب الزاهد بالقصر ولازمه، وكان رأسًا في العلم والعمل منقطع القرين.\nله: 'تفسير للقرآن'، و'شعب الإيمان'، و'شرح الأسماء الحسنى'، و'الأسئلة والأجوبة'، و'شرح مشكل الحديث' ... وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2701>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال في مقدمة كتابه 'شرح مشكل الحديث': الحمد لله الذي فات بعلوّه على الأشياء مواقع رجم المتوهّمين، فارتفع عن أن يحوي كنه عظمته رويّات المتفكّرين، وليس له مثل فيكون بالخلق مشبهًا، ومازال عند أهل العلم عن ذلك منزَّهًا، وكذب العادلون إذ شبّهوه بأصنافهم، وحلّوه بحلية المخلوقين بأوهامهم، ولم تحط به الصفات فيكون بإدراكها إياه بالحدود متناهيًا، وجلّ الله الذي ليس كمثله شيء عن صفات المخلوقين متعاليا، وصلى الله على النبي محمد الذي لم يزل إلى ربه داعيًا، وبالحق آمرًا وناهيًا، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا.\nوبعد حمد الله وشكره فهذا كتاب أذكر فيه ما تيسّر من معاني مشكل حديث النبي - ﷺ - وأقوال الناس فيه، وبالله نستعين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\nاعلم أن الناس انقسموا في المشكل على أقسام ترجع بالحصر إلى أربعة: مبطل معطّل للذات من الصفات، ومشبّه لباريه بخلقه في الجوارح والأدوات، ومتأوّل لها على حسب ما وهب له الوهّاب، ومُمِرٍّ لها كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل.","vol":"7","page":289},{"text":"وهذا القسم الأخير هو اعتقاد الجمّ الغفير. إلا أن قولهم: (أمرّوها كما جاءت) يحتمل معنيين:\nأحدهما: يعتقِدُ إثباتها من غير تفهم لها.\nوالآخر: إثباتها كما جاءت مع فهمها، أي: يفهم الشيء على ما هو عليه، وهذا الغاية القصوى في الفهم والتوفيق لمن أُعطيه من أهل الإنابة والتحقيق. وقد نطق الأيمة الذين أُمروا بإمرارها كما جاءت بذلك في أقوالهم كمالك ﵀ في الاستواء حيث قال -مجيبًا للسائل عن الاستواء-: (الاستواء معلوم، والكيف غير معقول). فأخبر أن الاستواء معلوم، والمعلوم مفهوم بلا شكّ. وكذلك الأوزاعي قد أجاب في حديث النزول أيضًا جوابًا يُنبئ عن فهمه له، واعتقاده فيه. وقال أبو عيسى الترمذي ﵀: قال أهل العلم في حديث الصفات مثل ما ورد في حديث النزول، وذكر الرجل، والقدم، واليدين، وما أشبهه: يُؤمَن بهذا كله، ولا يُتوهَّم، ولا يُقال كيف، ولا لم، مع اعتقاد التمجيد والتنزيه عن التمثيل والتشبيه، وينسبون من أنكرها إلى الجهمية؛ لأن جهمًا ردّها، والصحيح إمرارها كما جاءت، وبه قال الفقهاء مالك والشافعي وسفيان الثوري وابن عيينة وابن المبارك، وإلى ذلك ذهب البخاري وجميع المحدِّثين، وأهل العلم من السنة والجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم، إلا أن الظن بهؤلاء أنهم فهموها على ما هي عليه. وفهم الشيء على ما هو عليه هو الغاية القصوى. ويكون معنى قولهم: (أمرّوها كما جاءت) نفي التعطيل، ونفي التشبيه، ونفي التأويل الخارج عن الحق. فهذه","vol":"7","page":290},{"text":"ثلاثة أقسام مذمومة، والقسم الرابع هو الحق هو الإمرار لها كما جاءت. (١)\n- وقال: فكل ما وصف الباري ﷿ به نفسه وأضافه إليه فهو الكمال واجب اعتقاده. وفي وصفه سبحانه لنفسه بما وصف به نفي لضدّه، وتنزيه عنه؛ لأنه عيب وعور ونقص. فكل من نفى الصفات، فقد نفى عن الله الكمال، وأضاف إليه العيب والنقص والعور. ومن أثبتها وشبّهها بصفات الخلق، فكذلك أيضًا؛ فإن من أوصافه عدم التشبّه، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢)، فكذلك صفاته لا تشبه الخلق. فنفي الصفات إلحاد، وتشبيهها بالمحدثات إلحاد. فكما أخطأت المشبِّهة، ضلت المعطِّلة. والصراط المستقيم بينهما، وهو إثبات ونفي معًا، أي: إثبات الصفات لله ﷿، ونفي الجسمية والمثلية عنها. (٣)\n\nالقاضي إبراهيم بن نصر (٤) (٦١٠ هـ)\nإبراهيم بن نصر بن عسكر، قاضي السلامية أبو إسحاق، الملقب ظهير الدين، الشافعي الموصلي. تفقه على القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس، وسمع منه، وقدم بغداد وسمع بها، وأخذ بإربل عن أبي البركات عبد الرحمن ابن محمد الأنباري النحوي. وولي قضاء السلامية (وهي بلدة بأعمال الموصل).\n_________\n(١) شرح مشكل الحديث (مخطوط).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) شرح مشكل الحديث (مخطوط).\n(٤) وفيات الأعيان (١/ ٣٧ - ٣٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٠١ - ٦١٠/ص.٣٥٩) والبداية والنهاية (١٣/ ٧٢).","vol":"7","page":291},{"text":"قال ابن خلكان: كان فقيها فاضلا، أصله من العراق من السندية.\nله شعر جيد، منه:\nجود الكريم إذا ما كان عن عدة ... وقد تأخر لم يسلم من الكدر\nإن السحائب لا تجدي بوارقها ... نفعا إذا هي لم تمطر على الأثر\nوما طال الوعد مذموم وإن سمحت ... يداه من بعد طول المطل بالبدر\nيا دوحة الجود لا عتب على رجل ... يهزها وهو محتاج إلى الثمر\n\nتوفي ﵀ يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر عام عشر وستمائة بالسلامية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2703>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في البداية والنهاية: من شعره، في شيخ له زاوية، وفي أصحابه يقال له مكي:\nألا قل لمكي قول النصوح ... وحق النصيحة أن تستمع\nمتى سمع الناس في دينهم ... بأن الغنا سنة تتبع\nوأن يأكل المرء أكل البعير ... ويرقص في الجمع حتى يقع\nولو كان طاوي الحشا جائعا ... لما دار من طرب واستمع\nوقالوا: سكرنا بحب الإله ... وما أسكر القوم إلا القصع\nكذاك الحمير إذا أخصبت ... يهيجها ريها والشبع\nتراهم يهزوا لحاهم إذا ... ترنم حاديهم بالبدع\nفيصرخ هذا وهذا يئن ... و«يس» لو تليت ما انصدع (١)\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٣/ ٧٢).","vol":"7","page":292},{"text":"أبو الحسن علي بن الأَنْجَب (١) (٦١١ هـ)\nالإمام الحافظ أبو الحسن علي بن القاضي الأنجب أبي المكارم اللخمي المقدسي الأصل، الإسكندراني المولد، الفقيه المالكي، القاضي. ولد ليلة السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. تفقه على أبي طاهر السلفي وأبي طاهر بن عوف وأبي عبيد نعمة الله بن زيادة الله الغفاري وأحمد بن الحافظ أبي العلاء العطار وغيرهم. وأخذ عنه أبو محمد المنذري والرشيد العطار والمجد علي بن وهب بن دقيق العيد المالكي وغيرهم.\nقال عنه المنذري: كان متورعا حسن الأخلاق، كثير الإغضاء، جماعا لفنون من العلم. وقال عنه ابن خلكان: كان فقيها فاضلا في مذهب الإمام مالك ﵁، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه. وقال الذهبي: كان ذا دين وورع وتصون وعدالة وأخلاق رضية، ومشاركة في الفضل قوية.\nتوفي في مستهل شعبان بالقاهرة سنة إحدى عشرة وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2705>موقفه من المبتدعة:</span>\nمن شعره:\nأيا نفس بالمأثور عن خير مرسل ... وأصحابه والتابعين تمسكي\nعساكي إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من عرف له أن تمسكي\nوخافي غدا يوم الحساب جهنما ... إذا لفحت نيرانها أن تمسكي (٢)\n_________\n(١) التكملة للمنذري (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧) ووفيات الأعيان (٣/ ٢٩٠ - ٢٩٢) والبداية والنهاية (١٣/ ٧٤ - ٧٥) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٦٦ - ٦٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦١١ - ٦٢٠/ص.٧٩ - ٨١) وحسن المحاضرة (١/ ٣٥٤).\n(٢) البداية (١٣/ ٧٤).","vol":"7","page":293},{"text":"الكِنْدِي (١) (٦١٣ هـ)\nالعلامة زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن، تاج الدين، أبو اليمن الكندي البغدادي المقرئ النحوي اللغوي. ولد في شعبان سنة عشرين وخمسمائة. حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وكمل القراءات العشر وله عشر سنين. أخذ عن شيخه أبي محمد سبط أبي منصور الخياط، والقاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي وابن الجواليقي وغيرهم، وحدث عنه الحافظ عبد الغني والشيخ الموفق والبرزالي والضياء وابن نقطة.\nقال ابن نقطة: كان الكندي مكرما للغرباء، حسن الأخلاق، فيه مزاح، وكان من أبناء الدنيا المشتغلين بها وبإيثار مجالسة أهلها، وكان ثقة في الحديث والقراءات، صحيح السماع، سامحه الله. وقال الإمام موفق الدين: كان الكندي إماما في القراءة والعربية، انتهى إليه علو الإسناد في الحديث، وانتقل إلى مذهب أبي حنيفة من أجل الدنيا إلا أنه كان على السنة. أنشد ﵀ في قتل عمارة اليمني حين كان مالأ الكفرة والملحدين على قتل الملك صلاح الدين:\nعمارة في الإسلام أبدى خيانة ... وحالف فيها بيعة وصليبا\nفأمسى شريك الشرك في بغض أحمد ... وأصبح في حب الصليب صليبا\nوكان طبيب الملتقى إن عجمته ... تجد منه عودا في النفاق صليبا\n\nتوفي ﵀ سنة ثلاث عشرة وستمائة بدمشق.\n_________\n(١) الكامل في التاريخ (١٢/ ٣١٥) وتاريخ ابن الوردي (٢/ ١٩٢ - ١٩٣) ووفيات الأعيان (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٢) والجواهر المضيئة (٢/ ٢١٦ - ٢١٧) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٤ - ٤١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦١١ - ٦٢٠/ص.١٤١ - ١٤٧) والبداية والنهاية (١٣/ ٧٨ - ٨١).","vol":"7","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2707>موقفه من المشركين:</span>\nقال الذهبي: ومن شعر التاج الكندي:\nدع المنجم يكبو في ضلالته ... إن ادعى علم ما يجري به الفلك\nتفرد الله بالعلم القديم فلا ال ... إنسان يشركه فيه ولا الملك\nأعد للرزق من أشراكه شركا ... وبئست العدتان: الشرك والشرك (١)\n\nالغَزْنَوِي (٢) (٦١٨ هـ)\nأحمد بن علي بن الحسين، أبو الفتح الغزنوي الأصل، البغدادي. ولد في التاسع من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. روى عن أبي الحسن بن صرما والأرموي وأبي سعد بن البغدادي. وروى عنه ليث بن الحافظ بن نقطة وابن النجار. وقال الدبيثي: لما بلغ أوان الرواية، واحتيج إليه لم يقم بالواجب، ولا أحب ذلك لميله إلى غيره وشنئه له، ولم يكن محمود الطريقة، وسمعنا منه على ما فيه. توفي ﵀ في رمضان سنة ثمان عشرة وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2709>موقفه من الرافضة والجهمية:</span>\nجاء في السير: قال ابن نقطة: هو مشهور بين العوام برذائل ونقائص من شرب ورفض، ثم سئل وأنا أسمع عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر، وعمن يسب الصحابة، فقال: كافر، وعمن يستحل شرب الخمر -وقيل: إنهم\n_________\n(١) السير (٢٢/ ٤٠).\n(٢) التكملة للمنذري (٣/ ٥٩ - ٦٠) والسير (٢٢/ ١٠٣ - ١٠٤) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦١١ - ٦٢٠/ص.٣٩٠ - ٣٩١) وميزان الاعتدال (١/ ١٢٢ - ١٢٣) ولسان الميزان (١/ ٢٣٢).","vol":"7","page":295},{"text":"يعنونك بذلك-، فقال: أنا بريء من ذلك، وكتب خطه بالبراءة.\nقال الذهبي: لعله تاب وارعوى. (١)\n\nعبد الله بن أحمد بن قدامة (٢) (٦٢٠ هـ)\nالشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي صاحب المغني، عالم أهل الشام في زمانه. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، حفظ القرآن ولزم الاشتغال بطلب العلم من صغره، وسمع من هبة الله بن الحسن الدقاق، وأبي الفتح بن البطي، وأبي زرعة وغيرهم. وحدث عنه الجمال أبو موسى بن الحافظ، وابن نقطة، والضياء، وأبو شامة. وكان من بحور العلم وأذكياء العالم، قال ابن النجار: كان إمام الحنابلة بدمشق، وكان ثقة حجة نبيلا، غزير الفضل، نزها، ورعا عابدا، على قانون السلف. قال أبو بكر بن محمد ابن غنيمة: ما أعرف أحدا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق. وصفه البهاء بالشجاعة وقال: كان يتقدم إلى العدو وجرح في كفه وكان يرامي العدو.\nصنف الشيخ ﵀ التصانيف الكثيرة الحسنة في المذهب، فروعا وأصولا، وفي الحديث، واللغة، والزهد، والرقائق. وتوفي سنة عشرين وستمائة.\n_________\n(١) السير (٢٢/ ١٠٤).\n(٢) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٣) والسير (٢٢/ ١٦٥ - ١٧٣) وفوات الوفيات (٢/ ١٥٨ - ١٥٩) والبداية والنهاية (١٣/ ١٠٧ - ١٠٩) وشذرات الذهب (٥/ ٨٨ - ٩٢) والوافي (١٧/ ٣٧ - ٣٩).","vol":"7","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2711>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال عبد الله بن قدامة المقدسي في كتابه 'لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد' تحت عنوان: (الترغيب في السنة والتحذير من البدعة): وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي - ﷺ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١).اهـ (٢)\n- وقال: ومن السنة: هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة. (٣)\n- وقال: نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله - ﷺ - في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله، آمين. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2712>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في طبقات الحنابلة: سئل عن خلافة أبي بكر: ثبتت بالنص أو بالقياس؟ فأجاب ابن المتقنة: ثبتت بإجماع الصحابة واتفاقهم. فكتب الشيخ\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٢) لمعة الاعتقاد (٣٩).\n(٣) لمعة الاعتقاد (١٥٩).\n(٤) لمعة الاعتقاد (١٦٤).","vol":"7","page":297},{"text":"الموفق (أي ابن قدامة): ثبتت بنص النبي - ﷺ -، في أخبار كثيرة، ذكر بعضها. (١)\nله من الآثار السلفية: فضائل الصحابة.\nذكره الذهبي في سيره (٢) وذكره ابن رجب في ذيل الطبقات (٣) قال: وأظنه (منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2713>موقفه من الجهمية:</span>\nترك هذا الإمام تراثا سلفيا قيما سلك فيه طريقة السلف ولم يرض بغيرها بديلا، فرضي الله عنه وأرضاه.\n- جاء في ذيل الطبقات: وتصانيفه في أصول الدين في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار وبالأسانيد، كما هي طريقة الإمام أحمد وأئمة الحديث، ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام ولو كان بالرد عليهم. وهذه طريقة أحمد والمتقدمين. وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء في الكتاب والسنة من الصفات من غير تفسير ولا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تأويل ولا تعطيل. (٤)\n- قال في كتاب 'إثبات صفة العلو': أما بعد، فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء ﵊، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء،\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٤/ ١٤٦).\n(٢) (٢٢/ ١٦٨).\n(٣) (٤/ ١٣٩).\n(٤) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٩).","vol":"7","page":298},{"text":"وتواترت الأخبار في ذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله -﷿- عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزا في طبائع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون عندها للدعاء أيديهم، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم سبحانه، وينطقون بذلك بألسنتهم، لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته.\n- وقال في عقيدته: ومن السنة قول النبي - ﷺ -: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا» (١) وقوله - ﷺ -: «لله أفرح بتوبة عبده» (٢) وقوله - ﷺ -: «يعجب ربك». (٣)\nإلى أن قال: فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده، ولا نجحده، ولا نعتقد فيه تشبيهه بصفات المخلوقين ولا سمات المحدثين، بل نؤمن بلفظه، ونترك التعرض لمعناه، قراءته تفسيره، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٥).\n_________\n(١) تقدم من حديث أبي هريرة. انظر مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٨٣) والبخاري (١١/ ١٢٣/٦٣٠٨) ومسلم (٤/ ٢١٠٣/٢٧٤٤) والترمذي (٤/ ٥٦٨/٢٤٩٨) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وفي الباب عن النعمان بن بشير وأبي هريرة وأنس بن مالك والبراء بن عازب ﵃.\n(٣) أحمد (٤/ ١٤٥و١٥٧ - ١٥٨) وأبو داود (٢/ ٩/١٢٠٣) والنسائي (٢/ ٣٤٨/٦٦٥) وابن حبان (٤/ ٥٤٥/١٦٦٠ الإحسان) عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يعجب ربك من راعي الغنم في رأس الشظية ..» الحديث.\nوفي الباب عن أبي هريرة وغيره. وانظرها في السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٤٩ - ٢٥١).\n(٤) طه الآية (٥).\n(٥) الملك الآية (١٦).","vol":"7","page":299},{"text":"وقول النبي - ﷺ -: «ربنا الذي في السماء» (١) وقوله للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: اعتقها إنها مؤمنة. رواه مالك بن أنس وغيره من الأئمة. (٢)\nوروى أبو داود في سننه أن النبي - ﷺ - قال: «إن بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا» (٣) وذكر الحديث إلى أن قال: وفوق ذلك العرش، والله تعالى فوق ذلك نؤمن بذلك ونتلقاه بالقبول من غير رد له ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تأويل، ولا نتعرض له بكيف. ولما سئل مالك بن أنس -﵁- فقيل له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٤) كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأخرج. (٥)\nآثاره السلفية:\n١ - 'مسألة العلو': ذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش (٦) وذكره ابن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤/ ٢١٨/٣٨٩٢) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٥٧/١٠٨٧٧) والحاكم (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤) وقال: قد احتج الشيخان بجميع رواة هذا الحديث، غير زيادة بن محمد وهو شيخ من أهل مصر قليل الحديث وقال الذهبي في التلخيص: \"قال البخاري وغيره: منكر الحديث. وفي الباب عن فضالة بن عبيد الأنصاري\".\n(٢) تقدم تخريجه. انظر مواقف أبي عمرو السهروردي سنة (٤٥٨هـ).\n(٣) أحمد (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧) وأبو داود (٥/ ٩٣ - ٩٤/ ٤٧٢٣) والترمذي (٥/ ٣٩٥ - ٣٩٦/ ٣٣٢٠) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\". وابن ماجه (١/ ٦٩/١٩٣) والحاكم (٢/ ٢٨٨،٤١٢) عن العباس بن عبد المطلب ﵁، وصحح إسناده. وتعقبه الذهبي بقوله: \"يحيى واه\" يعني: يحيى بن العلاء، وهو متروك متهم. وهذا سند ضعيف. قال الذهبي في الميزان: \"عبد الله بن عميرة فيه جهالة. قال البخاري: لا يعرف له سماع من الأحنف بن قيس\".\n(٤) طه الآية (٥).\n(٥) اجتماع الجيوش (١٧٥ - ١٧٧).\n(٦) (١٧٥ - ١٧٦).","vol":"7","page":300},{"text":"رجب في ذيل طبقات الحنابلة (١) وذكره الذهبي في السير (٢).\n٢ - 'ذم التأويل': طبع مفردا محققا، ومع مجموعة.\n٣ - 'مسألة تحريم النظر في كتب الكلام': ذكره ابن رجب في ذيل الطبقات (٣).\n٤ - 'الاعتقاد': وقد طبع وهو عبارة عن رسالة صغيرة تسمى بـ'لمعة الاعتقاد'. نشرتها المكتبة السلفية بمصر، وقد شرحها الشيخ العثيمين ﵀.\n٥ - 'البرهان في مسألة القرآن': ذكره الذهبي في سيره (٤) وذكره ابن رجب في ذيل الطبقات (٥).\n٦ - 'جواب مسألة وردت من صرخد في القرآن': ذكره ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (٦).\n٧ - 'رسالة إلى الشيخ فخر الدين ابن تيمية في تخليد أهل البدع في النار': ذكرها ابن رجب في ذيل الطبقات (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2714>موقفه من الخوارج:</span>\nقال في المغني: كتاب قتال أهل البغي: والأصل في هذا الباب قول الله\n_________\n(١) (٢/ ١٣٩).\n(٢) (٢٢/ ١٦٨).\n(٣) (٢/ ١٣٩).\n(٤) (٢٢/ ١٦٨).\n(٥) (٤/ ١٣٩).\n(٦) (٢/ ١٣٩).\n(٧) (٢/ ١٣٩).","vol":"7","page":301},{"text":"سبحانه: ﴿وَإِنْ طائفتان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١) ففيها خمس فوائد:\nأحدها: أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، فإنه سماهم مؤمنين.\nالثانية: أنه أوجب قتالهم.\nالثالثة: أنه أسقط قتالهم إذا قاموا إلى أمر الله.\nالرابعة: أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم.\nالخامسة: أن الآية أفادت جواز قتال كل من منع حقا عليه. وروى عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أعطى إماما صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» رواه مسلم (٢). وروى عرفجة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ستكون هنات وهنات ورفع صوته: ألا ومن خرج على أمتي وهم جميع، فاضربوا عنقه بالسيف، كائنا من كان» (٣). فكل من ثبتت إمامته، وجبت طاعته وحرم الخروج عليه وقتاله؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ\n_________\n(١) الحجرات الآيات (٢ - ١٠).\n(٢) أحمد (٢/ ١٦١ - ١٩١ - ١٩٣) ومسلم (٣/ ١٤٧٢ - ١٤٧٣/ ١٨٤٤) وأبو داود (٤/ ٤٤٨/٤٢٤٨) والنسائي (٧/ ١٧٢ - ١٧٣/ ٤٢٠٢) وابن ماجه (٢/ ١٣٠٦ - ١٣٠٧/ ٣٩٥٦).\n(٣) أحمد (٤/ ٣٤١) ومسلم (٣/ ١٤٧٩/١٨٥٢) وأبو داود (٥/ ١٢٠/٤٧٦٢).","vol":"7","page":302},{"text":"وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١). وروى عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله (٢). وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، فمات فميتته جاهلية». رواه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة وأبي ذر وابن عباس كلها بمعنى واحد (٣).\nوأجمعت الصحابة ﵃ على قتال البغاة، فإن أبا بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة، وعلي قاتل أهل الجمل وصفين وأهل النهروان. والخارجون عن قبضة الإمام أصناف أربعة:\nأحدهما: قوم امتنعوا وخرجوا عن طاعته وخرجوا عن قبضته بغير تأويل، فهؤلاء قطاع طريق ساعون في الأرض بالفساد، يأتي حكمهم في باب مفرد.\nالثاني: قوم لهم تأويل، إلا أنهم نفر يسير لا منعة لهم، كالواحد والاثنين والعشرة ونحوهم، فهؤلاء قطاع طريق، في قول أكثر أصحابنا، وهو مذهب الشافعي؛ لأن ابن ملجم لما جرح عليا قال للحسن: إن برئت رأيت رأيي، وإن مت فلا تمثلوا به. فلم يثبت لفعله حكم البغاة. ولأننا لو أثبتنا للعدد اليسير حكم\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) أحمد (٣/ ٤٤١) و(٥/ ٣١٤ - ٣١٨ - ٣١٩ - ٣٢١) والبخاري (١٣/ ٢٣٨/٧١٩٩ - ٧٢٠٠) ومسلم (٣/ ١٤٧٠/١٧٠٩) والنسائي (٧/ ١٥٥ - ١٥٦/ ٤١٦٠ - ٤١٦١) وابن ماجه (٢/ ٩٥٧/٢٨٦٦).\n(٣) الصواب أن ابن عبد البر قال: (وروي من حديث ...) ولم يسقها بسنده كما يفهم من كلام ابن قدامة. انظر (١/ ١٣٠ فتح البر). أما حديث أبي هريرة فرواه: أحمد (٢/ ٢٦٩) ومسلم (٣/ ١٤٧٦/١٨٤٨) والنسائي (٧/ ١٣٩/٤١٢٥). وأما حديث ابن عباس فرواه: أحمد (١/ ٢٧٥) والبخاري (١٣/ ١٥٢/٧١٤٣) ومسلم (٣/ ١٤٧٧/١٨٤٩) .. وأما حديث أبي ذر فرواه: أحمد (٥/ ١٨٠) وأبو داود (٥/ ١١٨/٤٧٥٨) وابن أبي عاصم (٨٩٢ - ١٠٥٣) والحاكم (١/ ١١٧).","vol":"7","page":303},{"text":"البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه، أفضى إلى إتلاف أموال الناس. وقال أبو بكر: لا فرق بين الكثير والقليل، وحكم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام.\nالثالث: الخوارج الذين يكفرون بالذنب، ويكفرون عثمان وعليا وطلحة والزبير وكثيرا من الصحابة، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم، إلا من خرج معهم، فظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين أنهم بغاة، حكمهم حكمهم. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث. ومالك يرى استتابتهم، فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم لا على كفرهم. وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون، حكمهم حكم المرتدين، وتباح دماؤهم وأموالهم، فإن تحيزوا في مكان وكانت لهم منعة وشوكة؛ صاروا أهل حرب كسائر الكفار، وإن كانوا في قبضة الإمام استتابهم كاستتابة المرتدين، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، وكانت أموالهم فيئا، لا يرثهم ورثتهم المسلمين، لما روى أبو سعيد قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يخرج قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في القدح فلا يرى شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا، ويتمارى في الفوق» رواه مالك في موطئه والبخاري في صحيحه (١)، وهو حديث صحيح ثابت الإسناد، وفي لفظ قال: «يخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون\n_________\n(١) الموطأ (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥/ ١٠) والبخاري (٦/ ٧٦٦/٣٦١٠) ومسلم (٢/ ٧٤٥/١٠٦٥).","vol":"7","page":304},{"text":"القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة» رواه البخاري (١). وروي معناه من وجوه: خرج هذا السهم نقيا خاليا من الدم والفرث لم يتعلق منها بشيء كذلك خروج هؤلاء من الدين يعني الخوارج.\nوعن أبي أمامة أنه رأى رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال: كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٢) إلى آخر الآية، فقيل له: أنت سمعته من رسول الله - ﷺ -؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه. قال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه ابن ماجه عن سهل عن ابن عيينة عن أبي غالب أنه سمع أبا أمامة يقول: «شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوا، كلاب أهل النار، كلاب أهل النار، كلاب أهل النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا»، قلت: يا أبا أمامة هذا شيء تقوله، قال: بل سمعت رسول الله - ﷺ - (٣). وعن علي ﵁، في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ (٤) قال: هم أهل النهروان (٥). وعن أبي سعيد في حديث آخر عن النبي - ﷺ - قال: هم شر الخلق\n_________\n(١) البخاري (١٢/ ٣٥٠/٦٩٣٠) ومسلم (٢/ ٧٤٦ - ٧٤٧/ ١٠٦٦ (١٥٤» من حديث علي ﵁.\n(٢) آل عمران الآية (١٠٦).\n(٣) تقدم انظر مواقف أبي أمامة سنة (٨٦هـ).\n(٤) الكهف الآية (١٠٣).\n(٥) أخرجه الحاكم كما في الفتح (٨/ ٥٤٣) وعبد الرزاق في التفسير (٢/ ٤١٣).","vol":"7","page":305},{"text":"والخليقة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. وقال: لا يجاوز إيمانهم حناجرهم.\nوأكثر الفقهاء على أنهم بغاة، ولا يرون تكفيرهم. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم وجعلهم كالمرتدين. وقال ابن عبد البر: في الحديث الذي رَوَيناه: قوله: يتمارى في الفوق. يدل على أنه لم يكفرهم؛ لأنهم علقوا من الإسلام بشيء، بحيث يشك في خروجهم منه. (١)\nوروي عن علي أنه لما قاتل أهل النهر قال لأصحابه: لا تبدؤوهم بالقتال. وبعث إليهم: أقيدونا بعبد الله بن خباب. قالوا: كلنا قتله. فحينئذ استحل قتالهم لإقرارهم على أنفسهم بما يوجب قتلهم. وذكر ابن عبد البر: عن علي ﵁، أنه سئل عن أهل النهر أكفارهم؟ قال: من الكفر فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما هم؟ قال: هم قوم أصابتهم فتنة، فعموا فيها وصموا، وبغوا علينا، (وحاربونا) (٢) وقاتلونا فقاتلناهم (٣). ولما جرحه ابن ملجم، قال للحسن: أحسنوا إساره، فإن عشت فأنا ولي دمي، وإن مت فضربة كضربتي. وهذا رأي عمر بن عبد العزيز فيهم، وكثير من العلماء. والصحيح إن شاء الله، أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداء، والإجازة على جريحهم، لأمر النبي - ﷺ - بقتلهم، ووعده بالثواب من قتلهم، فإن عليا ﵁ قال: لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد - ﷺ -؛ ولأن بدعتهم وسوء فعلهم يقتضي حل دمائهم، بدليل ما أخبر به النبي - ﷺ - من عظم ذنبهم، وأنهم شر\n_________\n(١) انظر فتح البر (١/ ٤٦١).\n(٢) زيادة من التمهيد.\n(٣) انظر فتح البر (١/ ٤٦٩).","vol":"7","page":306},{"text":"الخلق والخليقة، وأنهم يمرقون من الدين، وأنهم كلاب النار، وحثه على قتلهم، وإخباره بأنه لو أدركهم لقتلهم قتل عاد، فلا يجوز إلحاقهم بمن أمر النبي - ﷺ - بالكف عنهم، وتورع كثير من أصحاب رسول الله - ﷺ - عن قتالهم، ولا بدعة فيهم.\nالصنف الرابع: قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعه لتأويل سائغ، وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين نذكر في هذا الباب حكمهم، وواجب على الناس معونة إمامهم في قتال البغاة؛ لما ذكرنا في أول الباب؛ ولأنهم لو تركوا معونته لقهره أهل البغي، وظهر الفساد في الأرض. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2715>موقفه من المرجئة:</span>\nله كتاب في معتقد السلف سماه: 'لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد' قال فيه:\nفصل: الإيمان قول وعمل: والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ (٢). فجعل عبادة الله تعالى وإخلاص القلب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كله من الدين. وقال رسول الله - ﷺ -: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٣).\n_________\n(١) المغني (١٢/ ٢٣٧ - ٢٤٢).\n(٢) البينة الآية (٥).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).","vol":"7","page":307},{"text":"فجعل القول والعمل من الإيمان، وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ (٢). وقال رسول الله - ﷺ -: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من الإيمان» (٣) فجعله متفاضلا. (٤)\nوقال: وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع؛ كالرافضة، والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة، والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2716>موقفه من القدرية:</span>\nله من الآثار السلفية: 'القدر' ذكره الذهبي في السير (٦) وابن رجب في ذيل الطبقات. (٧)\n\nإبراهيم بن عثمان بن دِرْبَاس (٨) (٦٢٢ هـ)\nالإمام المحدث جلال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن عيسى ابن درباس الماراني الكردي المصري. سمع من فاطمة بنت سعد الخير،\n_________\n(١) التوبة الآية (١٢٤).\n(٢) الفتح الآية (٤).\n(٣) أحمد (٣/ ١١٦) والبخاري (١/ ١٣٨ - ١٣٩/ ٤٤) ومسلم (١/ ١٨٢/١٩٣ (٣٢٥) والترمذي (٤/ ٦١٣/٢٥٩٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (٢/ ١٤٤٢ - ١٤٤٣/ ٤٣١٢).\n(٤) (ص.٩٨).\n(٥) (ص.١٦١).\n(٦) (٢٢/ ١٦٨).\n(٧) (٤/ ١٣٩).\n(٨) تاريخ الإسلام (حوادث ٦٢١ - ٦٣٠/ص.٩٨ - ٩٩) والسير (٢٢/ ٢٩٠).","vol":"7","page":308},{"text":"والأرتاحي وابن طبرزد، والمؤيد الطوسي وخلق. وروى عنه الحافظ عبد العظيم وغيره. كان عارفا بمذهب الشافعي وكان خيرا صالحا زاهدا قانعا مقلا مقبلا على شأنه. توفي ﵀ سنة اثنتين وعشرين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2718>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في مجموع الفتاوى: وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءا سماه: تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب. وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب أهل السنة بلقب افتراه -يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد- كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي بألقاب افتروها.\nفالروافض تسميهم نواصب، والقدرية يسمونهم مجبرة، والمرجئة تسميهم شكاكا، والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية، ونوابت وغثاء، وغثرا، إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي النبي - ﷺ - تارة مجنونا، وتارة شاعرا، وتارة كاهنا، وتارة مفتريا. (١)\n\nالمعظم عيسى بن محمد (٢) (٦٢٤ هـ)\nالسلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى بن محمد الحنفي الفقيه صاحب دمشق. مولده بالقصر من القاهرة في سنة ست وسبعين وخمسمائة. نشأ بالشام، وحفظ القرآن، وتفقه وبرع في المذهب. لازم تاج الدين\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١١١).\n(٢) وفيات الأعيان (٣/ ٤٩٤ - ٤٩٦) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٢١ - ٦٣٠/ص.٢٠٣ - ٢٠٦) والسير (٢٢/ ١٢٠ - ١٢٢).","vol":"7","page":309},{"text":"الكندي مدة وسمع من عمر بن طبرزد وغيره. كان يوصف بالشجاعة والكرم والتواضع وكان عالما بعدة علوم. نفق سوق العلم في أيامه.\nتوفي ﵀ في سلخ ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2720>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: قال: اعتقادي في الأصول ما سطره الطحاوي. وأوصى أن لا يبنى على قبره. (١)\nالتعليق:\nأصاب ووافق السنة، وكذا فليكن سلاطين المسلمين، وله هنات ذكرها الذهبي في السير نسأل الله أن يغفرها له.\n\nالمَنْجَنِيقِي (٢) (٦٢٦ هـ)\nالشاعر المشهور أبو يوسف يعقوب بن صابر بن بركات الحراني ثم البغدادي، نجم الدين المنجنيقي. ولد سنة أربع وخمسين وخمسمائة. روى عن أبي منصور بن الشطرنجي وأبي المظفر بن السمرقندي، وكتب عنه ابن الحاجب وغيره. كان شيخا لطيفا، كثير التواضع والتودد، شريف النفس، طيب المحاورة، بديع النظم وكان ذا منزلة عظيمة عند الإمام الناصر. توفي في صفر سنة ست وعشرين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2722>موقفه من الصوفية:</span>\nأنشد في الصوفية:\n_________\n(١) السير (٢٢/ ١٢٢).\n(٢) التكملة للمنذري (٣/ ٢٤٢) ووفيات الأعيان (٧/ ٣٥ - ٤٦) والسير (٢٢/ ٣٠٩ - ٣١٠) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٢١ - ٦٣٠/ص.٢٧١ - ٢٧٢) والبداية والنهاية (١٣/ ١٢٥) وشذرات الذهب (٥/ ١٢٠).","vol":"7","page":310},{"text":"قد لبس الصوف لترك الصفا ... مشايخ العصر لشرب العصير\nالرقص والشاهد من شأنهم ... شر طويل تحت ذيل قصير (١)\n\nابن القطان (٢) (٦٢٨ هـ)\nالشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد المجود القاضي أبو الحسن علي بن محمد ابن عبد الملك الحميري الكتامي المغربي الفاسي المالكي المعروف بابن القطان. سمع أبا عبد الله بن الفخار فأكثر عنه وأبا الحسن بن النقرات وأبا ذر الخشني وطائفة.\nقال الحافظ ابن مسدي: كان من أئمة هذا الشأن قصري الأصل مراكشي الدار، كان شيخ شيوخ أهل العلم في الدولة المؤمنية، فتمكن من الكتب وبلغ غاية الأمنية. وقال الأبار: كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله وأشدهم عناية بالرواية. قال الذهبي: علقت من تأليفه كتاب 'الوهم والإيهام' فوائد تدل على قوة ذكائه، وسيلان ذهنه، وبصره بالعلل.\nتوفي في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2724>موقفه من الخوارج:</span>\nقال الشوكاني (٣): قال ابن القطان: الإجماع عندنا إجماع أهل العلم، فأما من كان من أهل الأهواء فلا مدخل له فيه. قال قال أصحابنا في الخوارج: لا\n_________\n(١) وفيات الأعيان (٧/ ٣٩).\n(٢) السير (٢٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧) وشذرات الذهب (٥/ ١٢٨) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٠٥ - ١٤٠٧) وتاريخ الإسلام (٤٥/ ٣٢١ - ٣٢٢) والأعلام (٤/ ٣٣١) ومعجم المؤلفين (٧/ ٢١٣).\n(٣) إرشاد الفحول (ص.١٤٧).","vol":"7","page":311},{"text":"مدخل لهم في الإجماع والاختلاف لأنهم ليس لهم أصل ينقلون عنه لأنهم يكفرون سلفنا الذين أخذنا عنهم أصل الدين.\n\nالموفق النحوي (١) (٦٢٩ هـ)\nالشيخ الإمام أبو محمد عبد اللطيف ابن الفقيه يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد الموصلي ثم البغدادي الشافعي نزيل حلب، يعرف بابن اللباد. ولد ببغداد سنة سبع وخمسين وخمسمائة. سمع من أبي زرعة المقدسي وشُهْدَة الكاتبة وأبي الحسين عبد الحق، وحدث عنه البرزالي والمنذري والشهاب القوصي.\nقال ابن نقطة: كان حسن الخلق، جميل الأمر، عالما بالنحو والغريبين، له يد في الطب. وهو من بيت العلم والحديث.\nومن كلامه: ينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصدر الأول، فاقرأ سيرة النبي - ﷺ -، وتتبع أفعاله وأحواله، واقتف آثاره، وتشبه به ما أمكنك، وإذا وقفت على سيرته في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه ويقظته وتمرضه وتمتعه وتطيبه، ومعاملته مع ربه ومع أزواجه وأصحابه وأعدائه، وفعلت اليسير من ذلك، فأنت السعيد كل السعيد.\nتوفي سنة تسع وعشرين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2726>موقفه من الجهمية:</span>\nآثاره السلفية:\n_________\n(١) التكملة للمنذري (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨) والسير (٢٢/ ٣٢٠ - ٣٢٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٢١ - ٦٣٠/ص.٣٥٣) وطبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٣٢) وطبقات الشافعية لابن كثير (٢/ ٨١٧ - ٨١٩).","vol":"7","page":312},{"text":"من تصانيفه: الرد على الفخر الرازي في تفسير سورة الإخلاص فيه رد على الأشاعرة. وله مصنفات كثيرة منها: غريب الحديث، الواضحة في إعراب الفاتحة ومقالة في الرد على اليهود والنصارى. (١)\n\nإدريس بن يعقوب المنصور (٢) (٦٣٠ هـ)\nالسلطان الملك المأمون أمير المؤمنين أبو العلاء إدريس بن السلطان يعقوب المنصور، كان بطلا شجاعا مهيبا، فقيها، علامة. خطب له بالخلافة بالأندلس، سنة إحدى وعشرين وستمائة، ثم خلص له الأمر وبايعه كافة الموحدين، وخطب له بحضرة مراكش، وكان جريئا وافر الجلالة، وأزال ذكر ابن تومرت من الخطبة، وأبطل القول بعصمته. مات في الغزو سنة ثلاثين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2728>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الاعتصام: وقد كان السلطان أبو العلاء إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي منهم (٣)، ظهر له قبح ما هم عليه من هذه الابتداعات، فأمر -حين استقر بمراكش- خليفته بإزالة جميع ما ابتدع من قبله، وكتب بذلك رسالة إلى الأقطار يأمر فيها بتغيير تلك السنة، ويوصي بتقوى الله والاستعانة به، والتوكل عليه، وأنه قد نبذ الباطل وأظهر الحق، وأن لا مهدي إلا عيسى، وأن ما ادّعوه أنه المهدي بدعة أزالها وأسقط اسم\n_________\n(١) السير (٢٢/ ٣٢٣).\n(٢) شذرات الذهب (٥/ ١٣٥) والسير (٢٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣) والاستقصا (٢/ ٢٣١).\n(٣) أي أتباع ابن تومرت الذي ادعى أنه المهدي المنتظر.","vol":"7","page":313},{"text":"من لا تثبت عصمته. (١)\nالتعليق:\nرحمك الله يا أمير المؤمنين وجزاك الله خيرا على فعلك المبارك الذي كان أبوك يريد تنفيذه ولكن ادخر لك هذا الأجر، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على سعة علمك وشجاعتك، حيث لم تخش أحدا في إبطال هذه الضلالات، وأدركت أنها مجرد خداع للعامة.\nتنبيه: عيسى ﵇ ليس هو المهدي المنتظر، والحديث الوارد في ذلك، قال عنه الذهبي: منكر. وقال الصغاني: موضوع. وثبتت أحاديث في المهدي نؤمن بها وليس هذا موضع بسطها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2729>السهروردي (٦٣٠ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2730>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير: قال ابن النجار: أملى في آخر عمره كتابا في الرد على الفلاسفة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2731>موقفه من الجهمية:</span>\nهذا الرجل، وإن كان صوفيا في سلوكه فقد كان سلفيا في عقيدة الأسماء والصفات، له كتاب 'عقيدة أولي التقى'؛ نقل منه الحافظ في الفتح نموذجا طيبا وإليك النموذج:\n- جاء في الفتح: قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب\n_________\n(١) (١/ ٣٢٧).\n(٢) السير (٢٢/ ٣٧٦).","vol":"7","page":314},{"text":"العقيدة له: أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله الاستواء والنزول والنفس واليد والعين فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل، إذ لولا إخبار الله ورسوله، ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى. قال الطيبي: هذا هو المذهب المعتمد، وبه يقول السلف الصالح. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2732>الآمدي (٦٣١ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2733>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن تيمية في درء التعارض: وذكر الثقة عن هذا الآمدي أنه قال: \"أمعنت النظر في الكلام وما استفدت منه شيئا إلا ما عليه العوام\" أو كلاما هذا معناه. (٢)\n\nنصر بن عبد الرزاق (٣) (٦٣٣ هـ)\nابن شيخ الإسلام عبد القادر بن أبي صالح. الإمام العالم، الأوحد القاضي عماد الدين أبو صالح ولد الحافظ الزاهد أبي بكر، الجيلي ثم البغدادي الأزجي الحنبلي. ولد في سنة أربع وستين وخمسمائة في ربيع الآخر. سمع من أبويه وعلي بن عساكر البطائحي، وخديجة بنت النهرواني وشُهْدَة الكاتبة، ومسلم ابن ثابت وعدة. تفقه على والده وأبي الفتح ابن المني ودرس وأفتى. حدث عنه\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٣٩٠).\n(٢) درء التعارض (٣/ ٢٦٢).\n(٣) السير (٢٢/ ٣٩٦ - ٣٩٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٣١ - ٦٤٠/ص.١٧٣ - ١٧٥) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ١٨٩ - ١٩٢) وشذرات الذهب (٥/ ١٦١ - ١٦٢).","vol":"7","page":315},{"text":"ابن الدبيثي، وابن النجار، وابن النابلسي وأبو الحسن بن بليان وعدة.\nجمع الأربعين لنفسه ودرس بمدرسة جده وبالمدرسة الشاطئة وتكلم في الوعظ، وولي القضاء للظاهر بأمر الله، وفي أوائل دولة المستنصر سار السيرة الحسنة، وسلك الطريقة المستقيمة، وأقام ناموس الشرع، ولم يحاب أحدا في دين الله ثم عزل. قال الضياء: هو فقيه كريم النفس خير.\nتوفي ﵀ في سادس عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2735>موقفه من المشركين:</span>\nقال الذهبي: قال ابن النجار: سمعته يقول: كنت في دار الوزير القمي، وهناك جماعة، إذ دخل رجل ذو هيئة، فقاموا له وخدموه، فقمت وظننته بعض الفقهاء، فقيل: هذا ابن كرم اليهودي عامل دار الضرب، فقلت له: تعال إلى هنا، فجاء ووقف، فقلت: ويلك، توهمتك فقيها فقمت إكراما لك، ولست -ويلك- عندي بهذه الصفة، ثم كررت ذلك عليه، وهو قائم يقول: الله يحفظك الله يبقيك ثم قلت له: اخسأ هناك بعيدا عنا، فذهب.\nقال: وحدثني أبو صالح أنه رُسِم له برزق من الخليفة، وأنه زار يومئذ قبر الإمام أحمد، فقيل لي: دفع رسمك إلى ابن توما النصراني، فامض إليه فخذه، فقلت: والله لا أمضي ولا أطلبه. فبقي ذلك الذهب عنده إلى أن قتل إلى لعنة الله في السنة الأخرى، وأُخِذ الذهب من داره، فنفذ إِليَّ. (١)\n_________\n(١) السير (٢٢/ ٣٩٨).","vol":"7","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2736>أبو الخطاب ابن دحية (٦٣٣ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-2737>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال أبو شامة: وأنبأنا الحافظ أبو الخطاب ابن دحية قال في كتاب 'أداء ما وجب': وقد روى الناس الاغفال في صلاة ليلة النصف من شعبان، أحاديث موضوعة، وواحدا مقطوعا وكلفوا عباد الله بالأحاديث الموضوعة فوق طاقتهم من صلاة مائة ركعة، في كل ركعة الحمد لله مرة و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ عشر مرات، فينصرفون وقد غلبهم النوم فتفوتهم صلاة الصبح التي ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله». (١)\nوقال في كتاب 'ما جاء في شهر شعبان' من تأليفه أيضا: قال أهل التعديل والتجريح: ليس في حديث النصف من شعبان حديث يصح، فتحفظوا عباد الله من مفتر، يروي لكم حديثا يسوقه في معرض الخير، فاستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعا من الرسول - ﷺ -، فإذا صح أنه كذب خرج عن المشروعية وكان مستعمله من خدم الشيطان لاستعماله حديثا على رسول الله - ﷺ - لم ينزل الله به من سلطان.\nثم قال: ومما أحدثه المبتدعون، وخرجوا به عما وسمه المتشرعون، وجروا فيه على سنن المجوس، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا: الوقيد ليلة النصف من شعبان، ولم يصح فيها شيء عن رسول الله - ﷺ -، ولا نطق بالصلاة فيها والإيقاد ذو صدق من الرواة، وما أحدثه إلا متلاعب بالشريعة المحمدية،\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٣١٣) ومسلم (١/ ٤٥٤/٦٥٧) والترمذي (١/ ٤٣٤/٢٢٢) من حديث جندب بن سفيان البجلي.","vol":"7","page":317},{"text":"راغب في دين المجوسية، لأن النار معبودهم. وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة فأدخلوا في دين الإسلام ما يموهون به على الطغام، وهو جعلهم الإيقاد في شعبان، كأنه سنة من سنن الإيمان ومقصودهم عبادة النيران، وإقامة دينهم، وهو أخس الأديان، حتى إذا صلى المسلمون، وركعوا وسجدوا، كان ذلك إلى النار التي أوقدوا، ومضت على ذلك السنون والأعصار، وتبعت بغداد فيه سائر الأمصار، هذا مع ما يجتمع في تلك الليلة من الرجال والنساء واختلاطهم، فالواجب على السلطان منعهم، وعلى العالم ردعهم. وإنما شرف شعبان بأن رسول الله - ﷺ - كان يصومه، فقد صح الحديث في صيامه - ﷺ - شعبان كله أو أكثره (١) والله أعلم. (٢)\n\nإسحاق بن محمد العلثي (٣) (٦٣٤ هـ)\nإسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي الزاهد القدوة أبو الفضل، ويقال: أبو محمد، ابن عم طلحة بن المظفر. سمع من أبي الفتح بن شاتيل، وقرأ بنفسه على ابن كليب وابن الأخضر. وحدث وسمع منه جماعة، وكان قدوة صالحا زاهدا، فقيها عالما، أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر، لا يخاف أحدا إلا الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم. أنكر على الخليفة الناصر فمن دونه وواجه الخليفة الناصر وصدعه بالحق. قال ناصح الدين بن الحنبلي: هو\n_________\n(١) أحمد (٦/ ١٢٨) والبخاري (٤/ ٢٦٧/١٩٧٠) ومسلم (٢/ ٨٠٩ - ٨١١/ ١١٥٦) وأبو داود (٢/ ٨١٣/٢٤٣٤) والنسائي (٤/ ٤٥٩ - ٤٦٠/ ٢١٧٨) وابن ماجه (١/ ٥٤٥ - ٥٤٦/ ١٧١٠).\n(٢) الباعث (ص.١٢٦ - ١٢٩).\n(٣) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٥) وشذرات الذهب (٥/ ١٢٣).","vol":"7","page":318},{"text":"اليوم شيخ العراق، والقائم بالإنكار على الفقهاء والفقراء وغيرهم فيما ترخصوا فيه. وقال المنذري: قيل: إنه لم يكن في زمانه أكثر إنكارا للمنكر منه، وحبس على ذلك مدة. وقال ابن رجب: وله رسائل كثيرة إلى الأعيان بالإنكار عليهم والنصح لهم. ورأيت بخطه كتابا أرسله إلى الخليفة ببغداد. وأرسل أيضا إلى الشيخ علي بن إدريس الزاهد -صاحب الشيخ عبد القادر- رسالة طويلة، تتضمن إنكار الرقص والسماع والمبالغة في ذلك. وله في معنى ذلك عدة رسائل إلى غير واحد، وأرسل رسالة طويلة إلى الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي بالإنكار عليه فيما يقع في كلامه من الميل إلى أهل التأويل. توفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة بالعلث ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2739>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في ذيل طبقات الحنابلة: من عبيد الله إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي إلى عبد الرحمن بن الجوزي حمانا الله وإياه من الاستكبار عن قبول النصائح ووفقنا وإياه لاتباع السلف الصالح وبصرنا بالسنة السنية، ولا حرمنا الاهتداء باللفظات النبوية، وأعاذنا من الابتداع في الشريعة المحمدية فلا حاجة إلى ذلك فقد تركنا على بيضاء نقية. وأكمل الله لنا الدين، وأغنانا عن آراء المتنطعين، ففي كتاب الله وسنة رسوله مقنع لكل من رغب أو رهب، ورزقنا الله الاعتقاد السليم ولا حرمنا التوفيق، فإذا حرمه العبد لم ينفع التعليم، وعرفنا أقدار نفوسنا وهدانا الصراط المستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفوق كل ذي علم عليم. وبعد حمد الله سبحانه والصلاة على رسوله، فلا","vol":"7","page":319},{"text":"يخفى أن «الدين النصيحة» (١)، خصوصا للمولى الكريم والرب الرحيم، فكم قد زل قلم وعثر قدم وزلق متكلم، ولا يحيطون به علما قال عز من قائل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ (٢).\nوأنت يا عبد الرحمن فما يزال يبلغ عنك ويسمع منك ويشاهد في كتبك المسموعة عليك، تذكر كثيرا ممن كان قبلك من العلماء بالخطإ، اعتقادا منك أنك تصدع بالحق، من غير محاباة، ولابد من الجريان في ميدان النصح: إما لتنتفع إن هداك الله، وإما لتركيب حجة الله عليك. ويحذر الناس قولك الفاسد، ولا يغرك كثرة اطلاعك على العلوم، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه لا فقه له، ورب بحر كدر ونهر صاف، فلست بأعلم من الرسول حيث قال له الإمام عمر: أتصلي على ابن أبي؟ فنزل القرآن: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (٣).\nولو كان لا ينكر من قل علمه على من كثر علمه إذا لتعطل الأمر بالمعروف وصرنا كبني إسرائيل حيث قال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٤).\nبل ينكر المفضول على الفاضل وينكر الفاجر على الولي -على تقدير\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٢) ومسلم (١/ ٧٤/٥٥) وأبو داود (٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤/ ٤٩٤٤) والنسائي (٧/ ١٧٦/٤٢٠٨) عن تميم الداري. والحديث ذكره البخاري تعليقا (١/ ١٨٢). قال ابن حجر في الفتح: \"هذا الحديث أورده المصنف هنا ترجمة باب، ولم يخرجه مسندا في هذا الكتاب لكونه على غير شرطه، ونبه بإيراده على صلاحيته في الجملة\".\n(٢) الحج الآية (٨).\n(٣) التوبة الآية (٨٤). والحديث أخرجه أحمد (١/ ١٦) والبخاري (٣/ ٢٩٢/١٣٦٦) والترمذي (٥/ ٢٦٠ - ٢٦١/ ٣٠٩٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\". والنسائي (٤/ ٣٧٠/١٩٦٥) كلهم من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول ... فذكره. وفي الباب عن عبد الله عمر ﵄.\n(٤) المائدة الآية (٧٩).","vol":"7","page":320},{"text":"معرفة الولي- وإلا فابن التنقا ليطلب وابن السمندل ليجلب - إلى أن قال:\nواعلم أنه قد كثر النكير عليك من العلماء والفضلاء والأخيار في الآفاق بمقالتك الفاسدة في الصفات، وقد أبانوا وهاء مقالتك، وحكوا عنك أنك أبيت النصيحة، فعندك من الأقوال التي لا تليق بالسنة ما يضيق الوقت عن ذكرها، فذكر عنك أنك ذكرت في الملائكة المقربين، الكرام الكاتبين، فصلا زعمت أنه مواعظ، وهو تشقيق وتفهيق، وتكلف بشع، خلا أحاديث رسول الله - ﷺ -، وكلام السلف الصالح الذي لا يخالف سنة، فعمدت وجعلتها مناظرة معهم. فمن أذن لك في ذلك؟ وهم مستغفرون للذين آمنوا ولا يستكبرون عن عبادة الله. وقد قرن شهادته بشهادتهم قبل أولي العلم، وما علينا كان الآدمي أفضل منهم أم لا، فتلك مسألة أخرى.\nفشرعت تقول: إذا ثارت نار الحسد فمن يطفيها؟ وفي الغيبة ما فيها، مع كلام غث. أليس منا فلان؟ ومنا فلان؟ ومنا الأنبياء والأولياء. من فعل هذا من السلف قبلك؟ ولو قال لك قائل من الملائكة: أليس منكم فرعون وهامان؟ أليس منكم من ادعى الربوبية؟.\nفعمن أخذت هذه الأقوال المحدثة، والعبارات المزوقة، التي لا طائل تحتها وقد شغلت بها الناس عن الاشتغال بالعلم النافع. أحدهم قد أنسي القرآن وهو يعيد فضل الملائكة ومناظرتهم، ويتكلم به في الآفاق.\nفأين الوعظ والتذكير من هذه الأقوال الشنيعة البشعة؟\nثم تعرضت لصفات الخالق تعالى، كأنها صدرت لا من صدر سكن فيه احتشام العلي العظيم، ولا أملاها قلب مليء بالهيبة والتعظيم، بل من واقعات","vol":"7","page":321},{"text":"النفوس البهرجية الزيوف. وزعمت أن طائفة من أهل السنة والأخيار تلقوها وما فهموا. وحاشاهم من ذلك. بل كفوا عن الثرثرة والتشدق، لا عجزا -بحمد الله- عن الجدال والخصام، ولا جهلا بطرق الكلام. وإنما أمسكوا عن الخوض في ذلك عن علم ودراية، لا عن جهل وعماية.\nوالعجب ممن ينتحل مذهب السلف، ولا يرى الخوض في الكلام. ثم يقدم على تفسير ما لم يره أولا، ويقول: إذا قلنا كذا أدى إلى كذا، ويقيس ما ثبت من صفات الخالق على ما لم يثبت عنده. فهذا الذي نهيت عنه.\nوكيف تنقض عهدك وقولك بقول فلان وفلان من المتأخرين؟ فلا تشمت بنا المبتدعة فيقولون: تنسبوننا إلى البدع وأنتم أكثر بدعا منا، أفلا تنظرون إلى قول من اعتقدتم سلامة عقده، وتثبتون معرفته وفضله؟ كيف أقول ما لم يقل، فكيف يجوز أن تتبع المتكلمين في آرائهم، وتخوض مع الخائضين فيما خاضوا فيه، ثم تنكر عليهم؟ هذا من العجب العجيب. ولو أن مخلوقا وصف مخلوقا مثله بصفات من غير رؤية ولا خبر صادق، لكان كاذبا في إخباره. فكيف تصفون الله سبحانه بشيء ما وقفتم على صحته، بل بالظنون والواقعات، وتنفون الصفات التي رضيها لنفسه، وأخبر بها رسوله بنقل الثقات الأثبات، بيحتمل، ويحتمل.\nثم لك في الكتاب الذي أسميته الكشف لمشكل الصحيحين مقالات عجيبة، تارة تحكيها عن الخطابي وغيره من المتأخرين، أطلع هؤلاء على الغيب؟ وأنتم تقولون: لا يجوز التقليد في هذا، ثم ذكره فلان، ذكره ابن عقيل، فنريد الدليل من الذاكر أيضا، فهو مجرد دعوى، وليس الكلام في الله","vol":"7","page":322},{"text":"وصفاته بالهين ليلقى إلى مجاري الظنون - إلى أن قال:\nإذا أردت: كان ابن عقيل العالم، وإذا أردت: صار لا يفهم، أوهيت مقالته لما أردت. ثم قال:\nوذكرت الكلام المحدث على الحديث، ثم قلت: والذي يقع لي. فبهذا تقدم على الله، وتقول: قال علماؤنا، والذي يقع لي. تتكلمون في الله ﷿ بواقعاتكم تخبرون عن صفاته؟ ثم ما كفاك حتى قلت: هذا من تحريف بعض الرواة. تحكما من غير دليل. وما رويت عن ثقة آخر أنه قال: قد غيره الراوي فلا ينبغي بالرواة العدول: أنهم حرفوا، ولو جوزتم لهم الرواية بالمعنى، فهم أقرب إلى الإصابة منكم. وأهل البدع إذا كلما رويتم حديثا ينفرون منه، يقولون: يحتمل أنه من تغيير بعض الرواة. فإذا كان المذكور في الصحيح المنقول من تحريف بعض الرواة، فقولكم ورأيكم في هذا يحتمل أنه من رأي بعض الغواة.\nوتقول: قد انزعج الخطابي لهذه الألفاظ. فما الذي أزعجه دون غيره؟ ونراك تبني شيئا ثم تنقضه، وتقول قد قال فلان وفلان، وتنسب ذلك إلى إمامنا أحمد -﵁- ومذهبه معروف في السكوت عن مثل هذا ولا يفسره، بل صحح الحديث، ومنع من تأويله.\nوكثير ممن أخذ عنك العلم إذا رجع إلى بيته علم بما في عيبته من العيب، وذم مقالتك وأبطلها. وقد سمعنا عنك ذلك من أعيان أصحابك المحبوبين عندك، الذين مدحتهم بالعلم، ولا غرض لهم فيك، بل أدوا النصيحة إلى عباد الله، ولك القول وضده منصوران. وكل ذلك بناء على الواقعات والخواطر.\nوتدعي أن الأصحاب خلطوا في الصفات، فقد قبحت أكثر منهم، وما وسعتك","vol":"7","page":323},{"text":"السنة. فاتق الله سبحانه. ولا تتكلم فيه برأيك فهذا خبر غيب، لا يسمع إلا من الرسول المعصوم، فقد نصبتم حربا للأحاديث الصحيحة. والذين نقلوها نقلوا شرائع الإسلام.\nثم لك قصيدة مسموعة عليك في سائر الآفاق، اعتقدها قوم، وماتوا بخلاف اعتقادك الآن فيما يبلغ عنك، وسمع منك، منها:\nولو رأيت النار هبت، فعدت ... تحرق أهل البغي والعناد\nوكلما ألقى فيها حطمت ... وأهلكته، وهي في ازدياد\nفيضع الجبار فيها قدما ... جلت عن التشبيه بالأجساد\nفتنزوي من هيبته وتمتلي ... فلو سمعت صوتها ينادي\nحسبي حسبي قد كفاني ما أرى ... من هيبة أذهبت اشتداد\nفاحذر مقال مبتدع في قوله ... يروم تأويلا بكل وادي\n\nفكيف هذه الأقوال وما معناها؟ فإنا نخاف أن تحدث لنا قولا ثالثا، فيذهب الاعتقاد الأول باطلا. لقد آذيت عباد الله وأضللتهم، وصار شغلك نقل الأقوال فحسب، وابن عقيل سامحه الله قد حكي عنه أنه تاب بمحضر من علماء وقته من مثل هذه الأقوال، بمدينة السلام -عمرها الله بالإسلام والسنة- فهو بريء على هذا التقدير مما يوجد بخطه أو ينسب إليه من التأويلات والأقوال المخالفة للكتاب والسنة.\nوأنا وافدة الناس والعلماء والحفاظ إليك، فإما أن تنتهي عن هذه المقالات وتتوب التوبة النصوح كما تاب غيرك، وإلا كشفوا للناس أمرك، وسيروا ذلك في البلاد، وبينوا وجه الأقوال الغثة، وهذا أمر تشور فيه وقضي بليل، والأرض لا تخلو من قائم لله بحجة، والجرح لا شك مقدم على","vol":"7","page":324},{"text":"التعديل. والله على ما نقول وكيل وقد أعذر من أنذر.\nوإذا تأولت الصفات على اللغة، وسوغته لنفسك وأبيت النصيحة، فليس هو مذهب الإمام الكبير أحمد بن حنبل قدس الله روحه، فلا يمكنك الانتساب إليه بهذا، فاختر لنفسك مذهبا إن مكنت من ذلك، ومازال أصحابنا يجهرون بصريح الحق في كل وقت، ولو ضربوا بالسيوف لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون بشناعة مشنع، ولا كذب كاذب، ولهم من الاسم العذب الهني وتركهم الدنيا وإعراضهم عنها اشتغالا بالآخرة، ما هو معلوم معروف.\nولقد سودت وجوهنا بمقالتك الفاسدة، وانفرادك بنفسك كأنك جبار من الجبابرة. ولا كرامة لك ولا نعمى، ولا نمكنك من الجهر بمخالفة السنة، ولو استقبل من الرأي ما استدبر: لم يحك عنك كلام في السهل ولا في الجبل، ولكن قدر الله وما شاء فعل، بيننا وبينك كتاب الله وسنة رسوله قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). ولم يقل: إلى ابن الجوزي، وترى كل من أنكر عليك نسبته إلى الجهل، ففضل الله أوتيته وحدك؟ وإذا جهلت الناس فمن يشهد لك أنك عالم؟ ومن أجهل منك، حيث لا تصغى إلى نصيحة ناصح؟ وتقول: من كان فلان، ومن كان فلان؟ من الأئمة الذين وصل العلم إليك عنهم من أنت إذا؟ فلقد استراح من خاف مقام ربه، وأحجم عن الخوض فيما لا يعلم لئلا يندم.\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).","vol":"7","page":325},{"text":"فانتبه يا مسكين، قبل الممات، وحسن القول والعمل، فقد قرب الأجل، لله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (١)\nالتعليق:\nيستفاد من هذه الرسالة المباركة الأمور الآتية.\n- ما كان عليه علماء السلف من الاعتناء بعقيدتهم السلفية.\n- النصيحة والحرص عليها مهما كان المنصوح، صغيرا أو كبيرا، عالما أو جاهلا، حاكما أو محكوما.\n- تذكير الإنسان بنسبته إلى أبيه إن كان ذا أصل، أو جماعته أو عقيدته وتبيين خطر الانحراف عن هذا الأصل الطيب.\n- النصيحة تكون مصحوبة بالبيان الكافي للمنصوح، وبيان وجه الخطأ والصواب.\n- ما كان عليه أصحاب الإمام أحمد من التمسك بالعقيدة السلفية.\n- ذكر الشواهد الماضية وعواقبها للاعتبار والتذكير فقط.\n- فضل الإمام العلثي، وما كان عليه من قوة العلم والدين والعقيدة والاتباع لمنهج السلف.\n- حالة ابن الجوزي، وبيان اضطرابه وتقلبه وعدم ثباته، وهذا يفسر لنا ما ألفه في العقيدة وخصوصا كتابه المنشور 'دفع شبه التشبيه' وأما تفسير زاد المسير فقد بينت حاله في كتابي 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٤/ ٢٠٥ - ٢١١).","vol":"7","page":326},{"text":"الصفات'. (١)\n- رصانة أسلوب السلف وقوة حججهم وقيامهم لله بما يجب.\n\nالأشرف موسى بن العادل (٢) (٦٣٥ هـ)\nصاحب دمشق السلطان الملك الأشرف مظفر الدين أبو الفتح موسى شاه أرمن بن العادل. ولد بالقاهرة سنة ست وسبعين وخمسمائة. فهو من أقران أخيه المعظم. روى عن ابن طبرزد وحدث عنه أيضا القوصي في معجمه وسمع الصحيح في ثمانية أيام من ابن الزبيدي. تملك القدس ثم خلاط ثم دمشق فعدل وخفف الجور وأحبته الرعية. وكان فيه دين وخوف من الله على لعبه. وكان جوادا سمحا، فارسا شجاعا، لديه فضيلة. وكان سلطانا كريما حليما واسع الصدر كريم الأخلاق كثير العطاء، لا يوجد في خزانته شيء من المال مع اتساع مملكته، ولا تزال عليه الديون للتجار وغيرهم. وكان مليح الهيئة، حلو الشمائل. قيل ما هزمت له راية. وكان له عكوف على الملاهي والمسكر عفا الله عنه. ويبالغ في الخضوع للفقراء ويزورهم ويعطيهم، ويبعث في رمضان بالحلاوات إلى أماكن الفقراء، ويشارك في صنائع وله فهم وذكاء وسياسة. قال سبط ابن الجوزي: كان الأشرف يحضر مجالسي بحران وبخلاط ودمشق وكان ملكا عفيفا، قال لي: ما مددت عيني\n_________\n(١) (٢/ ٨٤٦ - ٨٥٩).\n(٢) السير (٢٢/ ١٢٢ - ١٢٧) ووفيات الأعيان (٥/ ٣٣٠ - ٣٣٦) والبداية والنهاية (١٣/ ١٥٧ - ١٥٩) وشذرات الذهب (٥/ ١٧٥ - ١٧٧).","vol":"7","page":327},{"text":"إلى حريم أحد قط ولا ذكر ولا أنثى. وكان يميل إلى أهل الخير والصلاح ويحسن الاعتقاد فيهم، وبنى بدمشق دار حديث، فوض تدريسها إلى الشيخ تقي الدين عثمان المعروف بابن الصلاح. وقد تاب الأشرف في مرضه وابتهل، وأكثر الذكر والاستغفار، مات في رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله فيما قيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2741>موقفه من الجهمية:</span>\n- جاء في البداية والنهاية: ولما ملك دمشق في سنة ست وعشرين وستمائة، نادى مناديه فيها أن لا يشتغل أحد من الفقهاء بشيء من العلوم سوى التفسير والحديث والفقه، ومن اشتغل بالمنطق وعلوم الأوائل نفي من البلد. (١)\n- وفي السير: وكان للأشرف ميل إلى المحدثين والحنابلة، قال ابن واصل: وقعت فتنة بين الشافعية والحنابلة بسبب العقائد. قال وتعصب الشيخ عز الدين بن عبد السلام على الحنابلة، وجرت خبطة حتى كتب عز الدين ﵀ إلى الأشرف يقع فيهم وأن الناصح ساعد على فتح باب السلامة لعسكر الظاهر والأفضل، عندما حاصروا العادل فكتب الأشرف: يا عز الدين الفتنة ساكنة لعن الله مثيرها. (٢)\n- وفيها: قال: وكان أولاد العادل كلهم يكرهونه لما اشتهر عنه من علم الأوائل والمنطق، وكان يدخل على المعظم فلا يتحرك له، فقلت: قم له عوضا عني، فقال: ما يقبله قلبي. ومع ذا ولاه تدريس العزيزية، فلما مات\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٣/ ١٥٨).\n(٢) السير (٢٢/ ١٢٦).","vol":"7","page":328},{"text":"أخرجه منها الأشرف، ونادى في المدارس: من ذكر غير التفسير والفقه، أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيته، فأقام السيف -هو سيف الدين علي بن أبي علي- خاملا في بيته إلى أن مات، ودفن بتربته بقاسيون. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2742>موقف السلف من ابن عربي الحاتمي (٦٣٨ ه</span>ـ)\nقال عنه الذهبي في السير: ... ثم تزهد وتفرد وتعبد وتوحد وسافر وتجرد، وأتهم وأنجد، وعمل الخلوات وعلق شيئا كثيرا في تصوف أهل الوحدة. (٢)\nجاء في المنهاج: قال ابن عربي في 'الفصوص': وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأنبياء، وما يراه أحد من الأنبياء إلا من مشكاة خاتم الأنبياء، وما يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة خاتم الأولياء؛ حتى إن الرسل إذ رأوه لا يرونه -إذا رأوه- إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة -أعني رسالة التشريع ونبوته- تنقطعان، وأما الولاية فلا تنقطع أبدا. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف بمن دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل، ومن وجه يكون أعلى.\nقال: ولما مثل النبي - ﷺ - النبوة بالحائط من اللَّبِن، فرآها قد كملت إلا\n_________\n(١) السير (٢٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦).\n(٢) السير (٢٣/ ٤٨).","vol":"7","page":329},{"text":"موضع لبنة، فكان هو - ﷺ - موضع اللبنة (١). وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله النبي - ﷺ -، ويرى نفسه في الحائط موضع لبِنتين، ويرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين، فيكمل الحائط. والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أن الحائط لبنة من ذهب ولبنة من فضة، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه، لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلابد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن؛ فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول. (٢)\nوقال ابن تيمية أيضا: ولهذا ادعى أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحى به إلى الأنبياء. والنبي عنده يأخذ من المَلَك الذي يوحى به إلى الرسل، لأن النبي عنده يأخذ من الخيالات التي تمثلت في نفسه لما صورت له المعاني العقلية في الصور الخيالية، وتلك الصور عنده هي الملائكة، وهي بزعمه تأخذ عن عقله المجرد قبل أن تصير خيالا، ولهذا يفضل الولاية على النبوة، ويقول:\nمقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي (٣)\n\nقال الذهبي: ومن أردإ تواليفه كتاب الفصوص، فإن كان لا كفر فيه\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٩٨) والبخاري (٦/ ٦٩٣/٣٥٣٥) ومسلم (٤/ ١٧٩٠/٢٢٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين».\n(٢) المنهاج (٥/ ٣٣٦ - ٣٣٨).\n(٣) المنهاج (٨/ ٢٢).","vol":"7","page":330},{"text":"فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة، فواغوثاه بالله.\nوقال: ولا ريب أن كثيرا من عباراته له تأويل إلا كتاب الفصوص. (١)\nقال ابن تيمية: وهذا الذي ذكره الجنيد من الفرق بين القديم والمحدث والفرق بين المأمور والمحظور بهما يزول ما وقع فيه كثير من الصوفية من هذا الضلال، ولهذا كان الضلال منهم يذمون الجنيد على ذلك، كابن عربي وأمثاله، فإن له كتابا سماه 'الإسرا إلى المقام الأسرى' مضمونه حديث نفس ووساوس شيطان حصلت في نفسه، جعل ذلك معراجا كمعراج الأنبياء، وأخذ يعيب على الجنيد وعلى غيره من الشيوخ ما ذكروه وعاب على الجنيد قوله: \"التوحيد إفراد الحدوث عن القدم\" وقال: \"قلت له يا جنيد ما يميز بين الشيئين إلا من كان خارجا عنهما، وأنت إما قديم أو محدث، فكيف تميز؟ \" وهذا جهل منه؛ فإن المميز بين الشيئين هو الذي يعرف أن هذا غير هذا، ليس من شرطه أن يكون ثالثا، بل كل إنسان يميز بين نفسه وبين غيره وليس هو ثالثا. والرب سبحانه يميز بين نفسه وبين غيره وليس هناك ثالث. (٢)\nوجاء في السير: وقد حكى العلامة ابن دقيق العيد شيخنا أنه سمع الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول عن ابن العربي: شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا. (٣)\nومواقف سلفنا ﵏ كثيرة هذا بعضها، وسيأتي معنا بقية أخرى بإذن الله.\n_________\n(١) السير (٢٣/ ٤٩).\n(٢) المنهاج (٥/ ٣٤٠ - ٣٤١).\n(٣) السير (٢٣/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"7","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2743>موقف السلف من الرفيع الفيلسوف الدهري (٦٤٢ ه</span>ـ)\nقال الذهبي: وقال سبط الجوزي: حدثني جماعة أعيان أن الرفيع كان فاسد العقيدة دهريا يجيئ إلى الجمعة سكران، وأن داره مثل الحانة. وحكى لي جماعة أن الوزير السامري بعث به في الليل على بغل بأكاف إلى قلعة بعلبك ونفذ به إلى مغارة أفقه فأهلكه بها، وترك أياما بلا أكل، وأشهد على نفسه ببيع أملاكه للسامري، وأنه لما عاين الموت قال: دعوني أصل، فصلى فرفسه داود من رأس شقيف فما وصل حتى تقطع، وقيل: بل تعلق ذيله بسن الجبل، فضربوه بالحجارة حتى مات. وقال رئيس النيرب: سلم الرفيع إلي وإلى سيف النقمة داود، فوصلنا به إلى شقيف فيه عين ماء فقال: دعوني أغتسل، فاغتسل وصلى ودعا فدفعه داود فما وصل إلا وقد تلف، وذلك في أول سنة اثنتين وأربعين وستمائة. (١)\n\nمحمد بن عبد الواحد المقدسي (٢) (٦٤٣ هـ)\nالحافظ الكبير ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدي المقدسي الصالحي الحنبلي، الشيخ الإمام الحافظ القدوة المحقق المجود الحجة بقية السلف صاحب التصانيف\n_________\n(١) السير (٢٣/ ١١٠ - ١١١).\n(٢) السير (٢٣/ ١٢٦ - ١٣٠) والوافي بالوفيات (٤/ ٦٥ - ٦٦) والبداية والنهاية (١٣/ ١٨١) وشذرات الذهب (٥/ ٢٢٤) وفوات الوفيات (٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧).","vol":"7","page":332},{"text":"والرحلة الواسعة. شهرته تغني عن الإطناب في ذكره والإسهاب في أمره. ولد في خامس جمادى الآخرة سنة تسع وستين وخمسمائة بالدير المبارك بقاسيون.\nسمع من عبد الرحمن بن علي الخرقي وأبي القاسم البوصيري والقاسم ابن أبي المطهر الصيدلاني وأبي المظفر بن السمعاني وخلق كثير. وسمع منه: ابن نقطة وزكي الدين البرزالي وعبد الله بن أبي الطاهر المقدسي، وزينب بنت عبد الله بن الرضي وعدة.\nقال الحافظ محب الدين بن النجار في تاريخه: كتبت عنه ببغداد ونيسابور ودمشق، وهو حافظ متقن ثبت ثقة صدوق نبيل حجة عالم بالحديث وأحوال الرجال، وله مجموعات وتخريجات، وهو ورع تقي زاهد عابد محتاط في أكل الحلال مجاهد في سبيل الله، ولعمري ما رأت عيناي مثله في نزاهته وعفته وحسن سيرته وطريقته في طلب العلم.\nقال الذهبي ﵀: ولم يزل ملازما للعلم والرواية والتأليف إلى أن مات، وتصانيفه نافعة مهذبة، أنشأ مدرسة إلى جانب الجامع المظفري، وكان يبني فيها بيده. ويتقنع باليسير، ويجتهد في فعل الخير، ونشر السنة، وفيه تعبد وانجماع عن الناس، وكان كثير البر والمواساة، دائم التهجد، أمارا بالمعروف، بهي النظر، مليح الشيبة، محببا إلى الموافق والمخالف، مشتغلا بنفسه ﵁.\nتوفي يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة بسفح قاسيون ودفن به رحمه الله تعالى.","vol":"7","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2745>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال ﵀: وقد أعلم النبي - ﷺ -: أن كل محدثة بدعة (١)، وأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة (٢)، وأن هذه الأمة تتبع سنن من قبلها شبرا بشبر وذراعا بذارع. (٣)\nوقد كثر في زماننا هذا البدع، فظهرت وعمل بها خلق كثير من الناس، وزاولها طريقا إلى الله تعالى، فمن ذلك:\nحضور الغناء والمزامير والرقص، ومؤاخاة النسوان، والحضور مع المُردان، حتى إن بعضهم ليرى ذلك أفضل من الصلاة وقراءة القرآن، فنعوذ بالله من الخذلان، ونستعينه على أداء الشكر وكثرة الذكر في جميع الأحيان، ونسأله بكرمه أن لا يجعل للشيطان علينا سلطانا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (٤) الآية. (٥)\nآثاره السلفية:\n'الأمر باتباع السنن واجتناب البدع'. وهو مطبوع في جزء صغير بتحقيق الشيخ علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي.\n_________\n(١) تقدم تخريجه مطولا ضمن مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف يوسف بن أسباط سنة (١٩٥هـ).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف علي بن المديني سنة (٢٣٤هـ).\n(٤) المائدة الآية (٤١).\n(٥) اتباع السنن واجتناب البدع (٤١).","vol":"7","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2746>موقفه من الرافضة:</span>\nله كتاب: 'النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب'. وهو مطبوع ومتداول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2747>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'جزء في أحاديث الحرف والصوت'.\n٢ - 'صفة النار'. جزءان\n٣ - 'صفة الجنة'. ثلاثة أجزاء.\nوذكر هذه جميعا ابن رجب في ذيل الطبقات (١).\n٤ - ذكر الحوض: ذكره الذهبي في السير (٢) وابن رجب في ذيل الطبقات (٣) وسماه طرق حديث الحوض النبوي.\n\nعبد الله بن محمد الحنبلي (٤) (٦٤٣ هـ)\nالمحدث الحافظ أبو منصور عبد الله بن أبي الفضل محمد بن أبي محمد بن الوليد البغدادي أحد المكثرين والرحالين. سمع من عبد العزيز بن الأخضر وابن منينا والحافظ عبد القادر الرهاوي، وخلق. وأجاز لسليمان بن حمزة الحاكم،\n_________\n(١) (٢/ ٢٣٩).\n(٢) (٢٣/ ١٢٨).\n(٣) (٢/ ٢٣٩).\n(٤) السير (٢٣/ ٢١٣ - ٢١٤) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٢) وشذرات الذهب (٥/ ٢١٩) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٣) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٤١ - ٦٥٠/ص.١٧٢ - ١٧٣).","vol":"7","page":335},{"text":"وأبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم وعيسى المطعم وغيرهم من المتأخرين. قال الشريف أبو العباس الحسيني: كان حافظا مفيدا، أسمع الناس الكثير بقراءته، وكان مشهورا بسرعة القراءة وجودتها، وجمع وحدث. قال الذهبي: وهو من أئمة السنة له تواليف.\nتوفي في ثالث جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة ببغداد رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2749>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\nرسالة إلى السامري صاحب المستوعب، ينكر عليه فيها تأويله لبعض الصفات وقوله: إن أخبار الآحاد لا تثبت بها الصفات. (١)\n\nابن الصّلاح (٢) (٦٤٣ هـ)\nالإمام، الحافظ، العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الكردي الشهرزوري الموصلي الشافعي. ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة بشرخان. سمع من أبي المظفر بن السمعاني بمرو ومن الإمامين فخر الدين بن عساكر وموفق الدين بن قدامة وعدة بدمشق. وحدث عنه الإمام شمس الدين بن نوح المقدسي والمحدث عبد الله بن يحيى\n_________\n(١) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٣).\n(٢) السير (٢٣/ ١٤٠ - ١٤٤) ووفيات الأعيان (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٥) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٠ - ١٤٣٣) والبداية والنهاية (١٣/ ١٧٩ - ١٨٠) وشذرات الذهب (٥/ ٢٢١).","vol":"7","page":336},{"text":"الجزائري وكمال الدين أحمد بن أبي الفتح الشيباني وغيرهم. درس بالمدرسة الصلاحية ببيت المقدس مديدة ثم بالرواحية بدمشق مدة ثم بالأشرفية وكان شيخها ثم الشامية الصغرى. واشتغل وأفتى وجمع وألف، وتخرج به الأصحاب وكان من كبار الأئمة. ذكره المحدث عمر بن الحاجب في معجمه فقال: إمام ورع وافر العقل، حسن السمت، متبحر في الأصول والفروع، بالغ في الطلب حتى صار يضرب به المثل، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة. قال الذهبي: كان ذا جلالة عجيبة، ووقار وهيبة، وفصاحة، وعلم نافع، وكان متين الديانة سلفي الجملة، صحيح النحلة، كافا عن الخوض في مزلات الأقدام، مؤمنا بالله، وبما جاء عن الله من أسمائه ونعوته، حسن البزة، وافر الحرمة، إلى أن قال ﵀: وكان مع تبحره في الفقه مجودا لما ينقله، قوي المادة من اللغة والعربية، متفننا في الحديث متصونا، مكبا على العلم عديم النظير في زمانه. توفي ﵀ يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2751>موقفه من المشركين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2752>موقفه من كتب الفلسفة والمنطق:</span>\nجاء في فتاوى ابن الصلاح: مسألة: فيمن يشتغل بالمنطق والفلسفة تعليما وتعلما، وهل المنطق جملة وتفصيلا مما أباح الشارع تعليمه وتعلمه؟ والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون والسلف الصالحون ذكروا ذلك أو أباحوا الاشتغال به أو سوغوا الاشتغال به أم لا؟\nوهل يجوز أن يستعمل في إثبات الأحكام الشرعية الاصطلاحات","vol":"7","page":337},{"text":"المنطقية أم لا؟\nوهل الأحكام الشرعية مفتقرة إلى ذلك في إثباتها أم لا؟ وما الواجب على من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهرا به ما الذي يجب على سلطان الوقت في أمره؟\nوإذا وجد في بعض البلاد شخص من أهل الفلسفة معروفا بتعليمها وإقرائها والتصنيف فيها وهو مدرس في مدرسة من مدارس العلم، فهل يجب على سلطان تلك البلاد عزله وكفاية الناس شره؟\nأجاب ﵁: الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان، وأي فن أخزى من فن يعمي صاحبه -أظلم قلبه- عن نبوة نبينا - ﷺ - كلما ذكره ذاكر، وكلما غفل عن ذكره غافل مع انتشار آياته المستبينة، ومعجزاته المستنيرة، حتى لقد انتدب بعض العلماء لاستقصائها فجمع منها ألف معجزة، وعددناه مقصرا، إذ فوق ذلك بأضعاف لا تحصى، فإنها ليست محصورة على ما وجد منها في عصره - ﷺ - بل لم تزل تتجدد بعده - ﷺ - على تعاقب العصور ...\nوأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين، وسائر من يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه","vol":"7","page":338},{"text":"وطهرهم من أوضاره.\nوأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة وليس بالأحكام الشرعية.\nوالحمد لله، فالافتقار إلى المنطق أصلا، وما يزعمه المنطقي للمنطق من أمر الحد والبرهان فقعاقع قد أغنى الله عنها بالطريق الأقوم، والسبيل الأسلم الأطهر كل صحيح الذهن، لا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية، ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحار الحقائق والدقائق علماؤها حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة، ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها، فقد خدعه الشيطان ومكر به، فالواجب على السلطان -أعزه الله وأعز به الإسلام وأهله- أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم، ويعاقب على الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلاسفة على السيف أوالإسلام، لتخمد نارهم، وتنمحي آثارها وآثارهم، يسر الله ذلك وعجله، ومن أوجب هذا الواجب عزل من كان مدرس مدرسة من أهل الفلسفة والتصنيف فيها والإقراء لها، ثم سجنه وإلزامه منزله، ومن زعم أنه غير معتقد لعقائدهم، فإن حاله يكذبه، والطريق في قلع الشر قلع أصوله وانتصاب مثله مدرسا من العظائم جملة، والله ﵎ ولي التوفيق والعصمة وهو أعلم. (١)\nالتعليق:\nاختص الله تعالى بإحياء الموتى من قبورهم وجعله آية لبعض الأنبياء،\n_________\n(١) فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٠٩ - ٢١٢).","vol":"7","page":339},{"text":"وإلا أحيينا ابن الصلاح من قبره وتجولنا به في العالم الإسلامي، وأوقفناه على جامعة انتدبت نفسها للقيام بهذه المهمة التي سل سيفه من أجلها، ولعقدنا له لقاءات مع آلاف الناس الذين يتبنون هذا الفكر الشاذ المحير والمتحير، ولمررنا به على أكبر المدارس غير التي تقدم ذكرها، والتي نصبت نفسها حامية للعلوم الشرعية، لكن جعلت من أهم مناهجها المنطق والفلسفة بل لا تدرس العقيدة، على هذا السبيل الأزهر والزيتونة والقرويين ولأوقفناه على آلاف المكتبات الخاصة والعامة، ولرأى ما يسوؤه من الحال والاعتناء بهذه العلوم الكافرة، وما أدري ماذا سيفعل الشيخ بشهادة الدكتوراه وما دونها من الشواهد في هذا الباب، التي تخول لصاحبها التدريس في الجامعات لنشر كفره وإلحاده بين أبناء الأمة الإسلامية حتى يعم الإلحاد في أرباع المعمورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2753>موقفه من الجهمية:</span>\nقال شيخ الإسلام: إن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا. مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحرا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان من أحسنهم إسلاما وأمثلهم اعتقادا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2754>موقفه من المرجئة:</span>\nجاء في مجموع الفتاوى: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قوله - ﷺ -: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله» إلى آخره؛ «والإيمان أن تؤمن بالله\n_________\n(١) الفتاوى (٩/ ٧).","vol":"7","page":340},{"text":"وملائكته وكتبه ورسله» إلى آخره (١). قال: هذا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر، وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الأربع لكونها أظهر شعائر الإسلام ومعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بحل قيد انقياده أو انحلاله. ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث. وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، مقومات ومتممات وحافظات له، ولهذا فسر النبي - ﷺ - الإيمان في حديث وفد عبد القيس (٢) بالشهادتين، والصلاة والزكاة، والصوم، وإعطاء الخمس من المغنم؛ ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة، لأن اسم الشيء الكامل يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٣) واسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق، ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام.\nقال: فخرج مما ذكرناه وحققناه أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان؛ وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، قال: فهذا تحقيق واف بالتوفيق بين متفرقات النصوص الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون؛ وما\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف محمد بن أسلم الطوسي سنة (٢٤٢هـ).\n(٢) أحمد (١/ ٢٢٨) والبخاري (١/ ١٧٢/٥٣) ومسلم (١/ ٤٦/١٧) وأبو داود (٤/ ٩٤/٣٦٩٢) والترمذي (٥/ ٩ - ١٠/ ٢٦١١) والنسائي (٨/ ٤٩٥/٥٠٤٦) عن ابن عباس ﵄.\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).","vol":"7","page":341},{"text":"حققناه من ذلك موافق لمذاهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2755>موقفه من القدرية:</span>\nجاء في فتاويه: مسألة: فيمن يعتقد أن في ملك الله ﷾ ما لا يرضاه ولا يريده فهل هو مخطئ أو مصيب في هذا القول والاعتقاد أم لا؟.\nأجاب -﵁-: أصاب في قوله أنه يوجد ما لا يرضاه ﵎ مثل الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (٢) وضل وابتدع في قوله: أنه يوجد ما لا يريده، بل ذلك محال، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وفرق بين الرضا والإرادة، ثم ما لكم والخوض في هذا البحر المغرق. عليكم بالعمل ففيه شغل شاغل والله أعلم. (٣)\n\nأحمد بن عيسى بن قدامة المقدسي (٤) (٦٤٣ هـ)\nالإمام الحافظ المتقن سيف الدين أبو العباس أحمد بن مجد الدين عيسى ابن الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي. ولد سنة خمس وستمائة.\nوسمع أبا اليمن الكندي وابن ملاعب وأحمد بن عبد الله السلمي\n_________\n(١) الفتاوى (٧/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(٢) الزمر الآية (٧).\n(٣) فتاوى ومسائل ابن الصلاح (١/ ٢١٤ - ٢١٥).\n(٤) السير (٢٣/ ١١٨ - ١١٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٤١ - ٦٥٠/ص.١٥٢ - ١٥٣) والذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤١) والوافي بالوفيات (٧/ ٢٧٣) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٤٩ - ١٤٤٧) وشذرات الذهب (٥/ ٢١٧).","vol":"7","page":342},{"text":"العطار وابن أبي لقمة، وتخرج بخاله الحافظ ضياء الدين. رحل إلى بغداد، وصنف وخرج، وكان ثقة حجة، بصيرا بالحديث ورجاله، عاملا بالأثر، صاحب عبادة وتهجد وإنابة. روى عنه أبو بكر أحمد بن محمد الدشتي وغيره.\nقال الذهبي: وكان ثقة ثبتا، ذكيا، سلفيا، تقيا، ذا ورع وتقوى، ومحاسنه جمة، وتعبد وتأله، ومروءة تامة، وقول بالحق، ونهي عن المنكر، ولو عاش لساد في العلم والعدل، فرحمه الله تعالى. توفي في أول شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة بسفح قاسيون، وله ثمان وثلاثون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2757>موقفه من الصوفية:</span>\nقال الذهبي: ألف السيف رحمه الله تعالى مجلدا كبيرا في الرد على الحافظ محمد بن طاهر المقدسي لإباحته للسماع، وفي أماكن من كتاب ابن طاهر في صفوة أهل التصوف، وقد اختصرت هذا الكتاب على مقدار الربع، وانتفعت كثيرا بتعاليق الحافظ سيف الدين. (١)\nوله أيضا مصنف في الاعتقاد، فيه آثار كثيرة وفوائد. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2758>موقف بدر الدين صاحب الموصل من ابن عدي الضال الصوفي (٦٤٤ ه</span>ـ)\nقال الذهبي: كان هذا من رجال العالم دهاء وهمة وسموا، له فضيلة وأدب وتواليف في التصوف الفاسد، وله أتباع لا ينحصرون وجلالة عجيبة.\n_________\n(١) التذكرة (٤/ ١٤٤٧) وانظر ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٢٤١).\n(٢) ذيل الطبقات (٤/ ٢٤١).","vol":"7","page":343},{"text":"بلغ من تعظيمهم له أن واعظا أتاه فتكلم بين يديه، فبكى تاج العارفين وغشي عليه، فوثب كردي، وذبح الواعظ، فأفاق الشيخ فرأى الواعظ يختبط في دمه، فقال: أيش هذا؟ فقالوا: أي شيء هذا من الكلاب حتى يبكي سيدي الشيخ. وزاد تمكن الشيخ حتى خاف منه بدر الدين صاحب الموصل، فتحيل عليه حتى اصطاده، وخنقه بالموصل؛ خوفا من غائلته. وهناك جهلة يعتقدون أن الشيخ حسنا لا بد أن يرجع إلى الدنيا، وكان يلوح في نظمه بالإلحاد، ويزعم أنه رأى رب العزة عيانا، واعتقاده ضلالة. (١)\n\nأبو عبد الله الطَّرَّاز (٢) (٦٤٥ هـ)\nالإمام العلامة المقرئ محمد بن سعيد بن علي بن يوسف، أبو عبد الله الأنصاري الأندلسي الغرناطي، يعرف بالطراز. سمع أبا القاسم بن سمحون وعلي بن جابر وطائفة، وأجاز له أبو اليمن الكندي. روى عنه أبو عبد الله الطنجالي، وحميد القرطبي، وأبو إسحاق البلفيقي والكاتب أبو الحسن بن فرج.\nقال ابن الزبير: وكان ضابطا متقنا، ومفيدا حافلا، بارع الخط، حسن الوراقة، عارفا بالأسانيد والطرق والرجال وطبقاتهم، مقدما عارفا بالقراءات، مشاركا في علوم العربية والفقه والأصول، كاتبا نبيلا، مجموعا فاضلا\n_________\n(١) السير (٢٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(٢) السير (٢٣/ ٢٥٨ - ٢٦١) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٤١ - ٦٥٠/ص.٢٩٣) والديباج المذهب (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٩) وغاية النهاية (٢/ ١٤٤) وشجرة النور الزكية (١/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"7","page":344},{"text":"متخلقا، ثقة عدلا، كتب بخطه كثيرا وأمهات. وقال ابن فرحون: كان رحمه الله تعالى مقرئا جليلا، ومحدثا حافلا، به ختم بالمغرب هذا الباب ألبتة. تجرد آخر عمره إلى كتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض، وكان قد تركه في مبيضته، فجمع عليه أصولا حافلة وأمهات هائلة من الأغربة وكتب اللغات، وعكف على ذلك مدة، وبالغ في البحث والتفتيش، حتى تخلص الكتاب على أتم وجه، وبرزت محاسنه. توفي ﵀ في شوال سنة خمس وأربعين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2760>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير أنه وصى أن لا يقرأ على قبره ولا يبنى عليه، وكان ممن وضع الله له ودا في قلوب عباده، معظما عند جميع الناس خصوصا في غير بلده، ولقد كان من أشد الناس غيرة على السنة وأهلها وأبغضهم في أهل الأهواء والبدع. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2761>موقف السلف من الحريري علي بن أبي الحسن (٦٤٥ ه</span>ـ)\nقال الذهبي: قرأت بخط السيف الحافظ: كان الحريري من أفتن شيء وأضره على الإسلام، تظهر منه الزندقة والاستهزاء بالشرع، بلغني من الثقات أشياء يستعظم ذكرها من الزندقة والجرأة على الله، وكان مستخفا بأمر الصلوات. وحدثني أبو إسحاق الصريفيني، قال: قلت للحريري: ما الحجة في\n_________\n(١) السير (٢٣/ ٢٦٠).","vol":"7","page":345},{"text":"الرقص؟ قال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ (١) وكان يطعم وينفق ويتبعه كل مريب. شهد عليه خلق كثير بما يوجب القتل، ولم يقدم السلطان على قتله، بل سجنه مرتين ... وعندي مجموع من كلام الشيخ الحريري، فيه: إذا دخل مريدي بلاد الروم، وتنصر، وأكل الخنزير، وشرب الخمر كان في شغلي. وسأله رجل: أي الطرق أقرب إلى الله؟ قال: اترك السير وقد وصلت. وقال لأصحابه: بايعوني على أن نموت يهود ونحشر إلى النار حتى لا يصحبني أحد لعلة. وقال: لو قدم علي من قتل ولدي وهو بذلك طيب وجدني أطيب منه ... وقال علي بن أنجب في تاريخه: الفقير الحريري شيخ عجيب، كان يعاشر الأحداث، كان يقال عنه: إنه مباحي ولم تكن له مراقبة، كان يخرب، والفقهاء ينكرون فعله، وكان له قبول عظيم. وروي عن الحريري: لو ضربنا عنقك على هذا القول ولعناك لاعتقدنا أنا مصيبون ... (٢)\n\nيوسف بن خليل (٣) (٦٤٨ هـ)\nالإمام المحدث الصادق الرحالة شيخ المحدثين راوية الإسلام أبو الحجاج شمس الدين يوسف بن خليل بن قراجا عبد الله الدمشقي الأدمي الإسكاف،\n_________\n(١) الزلزلة الآية (١).\n(٢) السير (٢٣/ ٢٢٤ - ٢٢٦).\n(٣) السير (٢٣/ ١٥١ - ١٥٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٤١ - ٦٥٠/ص.٤٠٦ - ٤٠٨) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤١٠) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥) وشذرات الذهب (٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤).","vol":"7","page":346},{"text":"نزيل حلب وشيخها. ولد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وتشاغل بطلب الرزق حتى كبر وقارب الثلاثين ثم بعد ذلك حبب إليه الحديث. وعني بالرواية وسمع الكثير، وكتب بخطه المتقن شيئا كثيرا. وكان ذا علم حسن ومعرفة جيدة ومشاركة قوية في الإسناد والمتن. سمع من يحيى الثقفي ومحمد بن صدقة وأبي طاهر الخشوعي وأقرانهم، وصحب الحافظ عبد الغني وتخرج به مدة. ورحل إلى البلدان، وسمع بها. حدث عنه الحافظ بن الأنماطي، والبرزالي والقوصي، وابن العديم وابنه وعدة. وكان حسن الأخلاق مرضي السيرة، خرج لنفسه الثمانيات، وأجزاء عوالي كعوالي هشام بن عروة والأعمش وما اجتمع فيه أربعة من الصحابة، وكان ينطوي على سنة وخير، روى كتبا كبارا للمتقدمين، وانقطع بموته سماع أشياء كثيرة لخراب أصبهان. توفي رحمه الله تعالى في عاشر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وستمائة وله ثلاث وتسعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2763>موقفه من الصوفية:</span>\nقال الذهبي: بلغني أنه كان يذم الحريري (الصوفي) وطريقة أصحابه. (١)\n\nعلي بن محمد الشَّارِي (٢) (٦٤٩ هـ)\nالإمام الحافظ المقرئ شيخ المغرب، علي بن محمد بن يحيى، أبو الحسن الغافقي الشاري ثم السبتي، نزيل مالقة. وشارة: بليدة من عمل مرسية، شرق\n_________\n(١) السير (٢٣/ ١٥٤).\n(٢) السير (٢٣/ ٢٧٥ - ٢٧٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٤١ - ٦٥٠/ص.٤٢٤ - ٤٢٥) وغاية النهاية (١/ ٥٧٤ - ٥٧٥) والوافي بالوفيات (٢٢/ ٩٥).","vol":"7","page":347},{"text":"الأندلس. ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. قرأ القراءات إلا بعضها على والده وعلى يحيى بن محمد الهوزني وأبي محمد بن عبيد الله الحجري، وأخذ العربية من أبي ذر الخشني وأبي الحسن بن خروف، وأجاز له الإمام أبو زيد السهيلي. وروى عنه أبو جعفر بن الزبير وأثنى عليه، وسمع منه شيئا كثيرا. قال تلميذه ابن الزبير: وكان ثقة، متحريا، ضابطا عارفا بالأسانيد والرجال والطرق، بقية صالحة وذخيرة نافعة، رحلت إليه فقرأت عليه كثيرا، وتلوت عليه ... حسن النية، من أهل المروءة والفضل التام والدين القويم، منصفا، متواضعا، حسن الظن بالمسلمين، محبا في الحديث وأهله. وقال ابن رشيد: أحيا الشاري بسبتة العلم حيا وميتا، وحصل الكتب بأغلى الأثمان، وكان له عظمة في النفوس. توفي ﵀ بمالقة في التاسع والعشرين من رمضان سنة تسع وأربعين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2765>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في السير: كان منافرا لأهل البدع والأهواء، معروفا بذلك ... محبا في الحديث وأهله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2766>موقف السلف من الخونجي محمد بن ناماور (٦٤٩ ه</span>ـ)\nقال ابن تيمية ﵀: والخونجي المصنف في أسرار المنطق الذي سمى كتابه 'كشف الأسرار' يقول لما حضره الموت: أموت ولم أعرف شيئا إلا أن\n_________\n(١) السير (٢٣/ ٢٧٦).","vol":"7","page":348},{"text":"الممكن يفتقر إلى الممتنع، ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت ولم أعرف شيئا - حكاه عنه التلمساني وذكر أنه سمعه منه وقت الموت. (١)\nالتعليق:\nانظر رحمك الله إلى مآل سعي هؤلاء، كيف اغتر المساكين باتباع سراب حسبوه ماء. فجعلوا -زيفا- ينهلون منه ويرتوون، حتى إذا حضرهم الموت التفتوا يمينا وشمالا فلم يجدوا شيئا، فوجدوا الله عنده فوفاهم الحساب. نسأل الله السلامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2767>موقف السلف من سبط ابن الجوزي يوسف بن قزغلي وتلبسه بالرفض (٦٥٤ ه</span>ـ)\nجاء في المنهاج: ... وإن أرادَ سبَطه يوسف بن قزغلي صاحب التاريخ المسمى بـ 'مرآة الزمان' وصاحب الكتاب المصنف في 'الاثنى عشر' الذي سماه 'إعلام الخواص'، فهذا الرجل يذكر في مصنفاته أنواعا من الغث والسمين، ويحتج في أغراضه بأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة، وكان يصنف بحسب مقاصد الناس: يصنف للشيعة ما يناسبهم ليعوضوه بذلك، ويُصنف على مذهب أبي حنيفة لبعض الملوك لينال بذلك أغراضه، فكانت طريقته طريقة الواعظ الذي قيل له: ما مذهبك؟ قال: في أي مدينة؟\nولهذا يوجد في بعض كتبه (ثلب) الخلفاء الراشدين وغيرهم من\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ١٦٢).","vol":"7","page":349},{"text":"الصحابة رضوان الله عليهم لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة، ويوجد في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم. (١)\nوجاء في الميزان: وما أظنه بثقة فيما ينقله، بل يجنف ويجازف، ثم إنه ترفض، وله مؤلف في ذلك. نسأل الله العافية.\nمات سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق، قال الشيخ محيي الدين السوسي: لما بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال: لا ﵀، كان رافضيا. (٢)\n\nالمُرْسِي (٣) (٦٥٥ هـ)\nالإمام العلامة البارع القدوة المفسر المحدث النحوي ذو الفنون شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل السلمي المرسي الأندلسي. ولد بمرسية في أول سنة تسعين وخمسمائة. سمع الموطأ من المحدث الحجري، وسمع من ابن الفرس، وحج ثم أكثر الأسفار، وسمع من عدة مشايخ، وكتب وجمع من الكتب النفيسة كثيرا، ومهما فتح به عليه صرفه في ثمن الكتب، وكان متضلعا في العلم جيد الفهم، متين الديانة. حدث عنه ابن النجار والدمياطي والقاضي الحنبلي والفزاري وأبو الفضل الإربلي وعدة. وكان زاهدا متورعا كثير العبادة. قال أبو شامة: كان متقنا،\n_________\n(١) منهاج السنة (٤/ ٩٧ - ٩٨).\n(٢) ميزان الاعتدال (٤/ ٤٧١).\n(٣) معجم الأدباء (١٨/ ٢٠٩ - ٢١٣) والسير (٢٣/ ٣١٢ - ٣١٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٥١ - ٦٦٠/ص.٢١١ - ٢١٤) والوافي بالوفيات (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥) وشذرات الذهب (٥/ ٢٦٩).","vol":"7","page":350},{"text":"محقق البحث، كثير الحج، مقتصدا في أموره. وقال عمر بن الحاجب: سألت الحافظ بن عبد الواحد عن المرسي فقال: فقيه، مناظر نحوي، من أهل السنة، صحبنا في الرحلة، وما رأينا منه إلا خيرا. توفي رحمه الله تعالى في ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2769>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ابن النجار: أنشدني لنفسه:\nمن كان يرغب في النجاة فما له ... غير اتباع المصطفى فيما أتى\nذاك السبيل المستقيم وغيره ... سبل الضلالة والغواية والردى\nفاتبع كتاب الله والسنن التي ... صحت فذاك إن اتبعت هو الهدى\nودع السؤال بلم وكيف فإنه ... باب يجر ذوي البصيرة للعمى\nالدين ما قال الرسول وصحبه ... والتابعون ومن مناهجهم قفا (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2770>موقف السلف من ابن أبي الحديد أبي حامد عبد الحميد بن عبد الله (٦٥٥ ه</span>ـ)\nقال شيخ الإسلام: وكان ابن أبي الحديد البغدادي من فضلاء الشيعة المعتزلة المتفلسفة، وله أشعار في هذا الباب، كقوله:\nفيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقضى عمري\nسافرت فيك العقول، فما ... ربحت إلا أذى السفر\n_________\n(١) السير (٢٣/ ٣١٤).","vol":"7","page":351},{"text":"فلحى الله الألى زعموا ... أنك المعروف بالنظر\nكذبوا، إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر\n\nهذا مع إنشاده:\nوحقك لو أدخلتني النار قلت ... للذين بها: قد كنت ممن يحبه\nوأفنيت عمري في علوم كثيرة ... وما بغيتي إلا رضاه وقربه\nأما قلتم: من كان فينا مجاهدا ... سيكرم مثواه ويعذب شربه؟\nأما رد شك ابن الخطيب وزيغه ... وتمويهه في الدين إذ جل خطبه\nوآية حب الصب أن يعذب الأسى ... إذا كان من يهوى عليه يصبه (١)\n\nالصرصري (٢) (٦٥٦ هـ)\nالشيخ العلامة القدوة أبو زكرياء يحيى بن يوسف بن يحيى الصرصري الأصل، نسبة إلى صرصر بفتح الصادين المهملتين، قرية على فرسخين من بغداد. ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. قرأ القرآن بالروايات على أصحاب ابن عساكر البطائحي وسمع الحديث من الشيخ علي بن إدريس اليعقوبي الزاهد، وأجاز له الشيخ عبد المغيث الحربي وغيره. وسمع منه الحافظ الدمياطي وحدث عنه وذكره في معجمه. إليه المنتهى في معرفة اللغة وحسن الشعر وديوانه، ومدائحه سائرة وكان حسان وقته، وكان ذكيا يتوقد نورا، وكان\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ١٦١).\n(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ٦٥١ - ٦٦٠/ ٣٠٣ - ٣٠٦) وفوات الوفيات (٤/ ٢٩٨ - ٣١٩) والبداية (١٣/ ٢١١) وشذرات اللذهب (٥/ ٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"7","page":352},{"text":"ينظم على البديهة سريعا أشياء حسنة فصيحة بليغة، وقد نظم الكافي الذي ألفه موفق الدين ابن قدامة ومختصر الخرقي، ويقال إنه كان يحفظ صحاح الجوهري بتمامه في اللغة. وكان صالحا قدوة كثير التلاوة عظيم الاجتهاد، صبورا قنوعا، وكان شديدا في السنة، منحرفا على المخالفين لها، وشعره مملوء بذكر أصول السنة ومدح أهلها وذم مخالفيها. وتوفي ﵀ مقتولا سنة ست وخمسين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2772>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ﵀ في داليته التي أولها:\nواها لفرط حرارة لا تبرد ... ولواعج بين الحشا تتوقد\nفي كل يوم سنة مدروسة ... بين الأنام وبدعة تتجدد\nصدق النبي ولم يزل متسربلا ... بالصدق إذ يعد الجميل ويوعد\nإذ قال يفترق الضلال ثلاثة ... زيدت على السبعين قولا يسند\nوقضى بأسباب النجاة لفرقة ... تسعى بسنة مهتدين وتحفد\nفإن ابتغيت إلى النجاة وسيلة ... فاقبل مقالة ناصح يتقلد\nإياك والبدع المضلة إنها ... تهدي إلى نار الجحيم وتورد\nوعليك بالسنن المنيرة فاقفها ... فهي المحجة والطريق الأقصد\nفالأكثرون بمبدعات عقولهم ... نبذوا الهدى فتنصروا وتهودوا\nمنهم أناس في الضلال تجمعوا ... وبسب أصحاب النبي تفردوا\nقد فارقوا جمع الهدى وجماعة الإسـ ... ـلام واجتنبوا الهدى وتمردوا\nبالله يا أنصار دين محمد ... نوجوا على الدين الحنيف وعددوا","vol":"7","page":353},{"text":"لعبت بدينكم الروافض جهرة ... وتألبوا في دحضه وتحشدوا\nنصبوا حبائلهم بكل بلية ... وتغلظوا في المعضلات وشددوا\nورموا خيار الخلق بالكذب الذي ... هم أهله، لا من رموه وأفسدوا\nعابوا الصحاب وهم أجل مراتبا ... في الفخر في أفق السماء وأمجد\nولرتبة الصديق جف لسانهم ... يبغون وهي من التناول أبعد\nأو ما هو السباق في عرف العلى ... ولقد زكى من قبل منه المحتد\nولقد أشار بذكره رب العلى ... فثناؤه في المكرمات مسدد\nنطق الكتاب بمجده الأعلى ففي ... آي الحديد مناقب لا تنفد\n(لا يستوي منكم) وفيها مقنع ... و(الليل) يثبت فضله ويؤكد\nو(براءة) تثني بصحبته وهل ... يزرى على الصديق إلا ملحد\nأو ما هو الأتقى الذي استولى عـ ... ـلى الإخلاص طارف ماله والمتلد\nلما مضى لسبيله خير الورى ... وحوى شمائله صفيح ملحد\nمنع الأعاريب الزكاة لفقده ... وارتد منهم حائر متردد\nوتوقدت نار الضلال وخالطت ... إبليس أطماع كوامن رصد\nفرمى أبو بكر بصدق عزيمة ... وثبات إيمان ورأي يحمد\nفتمزقت عصب الضلال وأشرقت ... شمس الهدى وتقوم المتأود\nوهو الموفق للصواب كأنما ... ملك يصوب قوله ويسدد\nبوفاقه آي الكتاب تنزلت ... وبفضله نطق المشفع أحمد\nلو كان من بعدي نبيا كنته ... خبرا صحيحا في الرواية يسند\nوبعدله الأمثال تضرب في الورى ... وفتوحه في كل قطر توجد","vol":"7","page":354},{"text":"وتمام فضلها جوار المصطفى ... في تربة فيها الملائك تحشد\nوتعمقوا في سب عثمان الذي ... ألفاه كُفُوًا لابنتيه محمد\nولبيعة الرضوان مد شماله ... عوض اليمين وهي منه أوكد\nوحباه في بدر بسهم مجاهد ... إذ فاته بالعذر ذاك المشهد\nمن هذه من بعض غر صفاته ... ما ضره ما قال فيه الحسد\nثم ادعوا حب الإمام المرتضى ... هيهات مطلبهم عليهم يبعد\nأنى وقد جحدوا الذين بفضلهم ... أثنى أبو الحسن الإمام السيد\nما في علاه مقالة لمخالف ... فمسائل الإجماع فيه تعقد\nولنحن أولى بالإمام وحبه ... عقد ندين به الإله مؤكد\nوولاؤه لا يستقيم ببغضهم ... واضرب لهم مثلا يغيظ ويكمد\nمثل الذي جحد ابن مريم وادعى ... حب الكليم وتلك دعوى تفسد\nوبقذف عائشة الطهور تجشموا ... أمرا تظل له الفرائص ترعد\nتنزيهها في سبع عشرة آية ... والرافضي بضد ذلك يشهد\nلو أن أمر المسلمين إليهم ... لم يبق في هذي البسيطة مسجد\nولو استطاعوا لا سعت بمرامهم ... قدم ولا امتدت بكفهم يد\nلم يبق للإسلام ما بين الورى ... علم يسود ولا لواء يعقد\nعلقوا بحبل الكفر واعتصموا به ... والعالقون بحبله لم يسعدوا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2773>موقفه من الجهمية:</span>\nكان يحيى الصرصري من الشعراء، وله قصائد كثيرة ذكر بعضها ابن","vol":"7","page":355},{"text":"القيم في اجتماع الجيوش. (١)\nقال ﵀ في قصيدته اللامية التي نظم فيها اعتقاد الشافعي -﵁- التي أولها:\nأيشعر حزب الجهم ذاك المضلل ... بأني حرب للعدى غير أفكل\nتشن عليهم غيرتي وحميتي ... لدين الهدى غارات أشوس مقبل\nفوقع قريضي في صميم قلوبهم ... أشد عليهم من سنان ومنصل\nأفوق عليهم حين أنظر نحوهم ... مقاتل تصمي منهم كل مقتل\nهم انحرفوا عن منهج الحق سالكي ... مهالك من تحريفهم والتأول\nلقد برئ الحبر ابن إدريس منهم ... براءة موسى من يهود محول\nويعقد عند الشافعي يمين مَنْ ... غدا حالفا بالمصحف المتقبل\nفهذا دليل منه إذ كان لا يرى ... انعقادا بمخلوق لخلق مؤبل\nومذهبه في الاستواء كمالك ... وكالسلف الأبرار أهل التفضل\nومستويا بالذات من فوق عرشه ... ولا تقل: استولى، فمن قال يبطل\nفذلك زنديق يقابل قسوة ... لذي خطل راوي لعيب معطل\nوهو بان منه خلقه وهو بائن ... من الخلق، محض للخفي مع الجلي\nوأقرب من حبل الوريد مفسِّرا ... وما كان معناه به العلم فاعقل\nعلا في السماء الله فوق عباده ... دليلك في القرآن غير مقلل\nوإثبات إيمان الجويرية اتخذ ... دليلا عليه مسند غير مرسل (٢)\n_________\n(١) (٢٨٠ - ٢٨٦).\n(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٨٢).","vol":"7","page":356},{"text":"وقال ﵀ في قصيدته اللامية يهجو ابن خنفر الجهمي الخبيث:\nنبذ الكتاب وراء ظهر واقتدى ... شيخ الضلالة للصفات يعطل\nوعقيدة الملعون أن المصحف المكنـ ... ـون منبوذ تطؤه الأرجل\nما قالت الكفار مثل مقالته ... وكذا النصارى واليهود الضلل\nآل الجحود به إلى واد لظى ... للغاية السفلى فبئس الموئل\nوزعمت أن الحنبلي مجسم ... حاشا لمثل الحنبلي يمثل\nبل يورد الأخبار إذ كانت تصححها ... الرواة عن الثقات وتنقل\nإن المهيمن ليس تمضي ليلة ... إلا وفي الأسحار فيها ينزل\nقد قالها خير الورى في صحبه ... لم ينكروا هذا ولم يتأولوا\nوتقبلوها مع غزارة علمهم ... أفأنت أم تلك العصابة أعقل (١)\n\nوقال ﵀ في داليته (٢):\nوأشدهم كفرا جهول يدعي ... علم الأصول وفاسق متزهد\nفَهُمُو وإن وهنوا أشد مضرة ... في الدين من فأر السفين وأفسد\nوإذا سألت فقيههم عن مذهب ... قال: اعتزال في الشريعة يلحد\nكالخائض الرمضاء أقلقه اللظى ... منها ففر إلى جحيم يوقد\nإن المقال بالاعتزال لخطة ... عمياء حل بها الغواة المرد\nهجموا على سبل الهدى بعقولهم ... ليلا فعاثوا في الديار وأفسدوا\nصم إذا ذكر الحديث لديهم ... نفروا كأن لم يسمعوه وأبعدوا\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٨٣).\n(٢) اجتماع الجيوش (٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"7","page":357},{"text":"واضرب لهم مثل الحمير إذا رأت ... أسد العرين فهن منهم شردوا\n\nإلى أن قال:\nوالجاحد الجهمي أسوأ منهما ... حالا وأخبث في القياس وأفسد\nأمسى لرب العرش قال منزها ... من أن يكون عليه رب يعبد\nونفى القرآن برأيه والمصحف ... الأعلى المطهر عنده يتوسد\nوإذا ذكرت له على العرش استوى ... قال: هو استولى، يحيل ويخلد\nفإلى من الأيدي تمد تضرعا ... وبأي شيء في الدجى يتهجد\nومن الذي هو للقضاء منزل ... وإليه أعمال البرية تصعد\nوبما ينزل جبرائيل مصدقا ... ولأي معجزة الخصوم تبلد\nومن الذي استولى عليه بقهره ... إن كان فوق العرش ضد أيد\nجلت صفات الحق عن تأويلهم ... وتقدست عما يقول الملحد\nلما نفوا تنزيهه بقياسهم ... ضلوا وفاتهم الطريق الأرشد\nويقول: لا سمع ولا بصر ولا ... وجه لربك، ذي الجلال ولا يد\nمن كان هذا وصفه لإلهه ... فأراه للأصنام سرا يسجد\nالحق أثبتها بنص كتابه ... ورسوله، وعدا المنافق يجحد\nفمن الذي أولى بأخذ كلامه ... جهم أم الله العلي الأمجد\nوالصحب لم يتأولوا لسماعها ... فهم إلى التأويل أم هو أرشد\nهو مشرك ويظن جهلا أنه ... في نفي أوصاف الإله موحد\nيدعو من اتبع الحديث مشبها ... هيهات ليس مشبها من يسند\nلكنه يروي الحديث كما أتى ... من غير تأويل ولا يتردد","vol":"7","page":358},{"text":"وإذا العقائد بالضلال تخالفت ... فعقيدة المهدي أحمد أحمد\nهي حجة الله المنيرة فاعتصم ... بحبالها لا يلهينك مفسد\nإن ابن حنبل اهتدى لما اقتدى ... ومخالفوه لزيغهم لم يهتدوا\nما زال يقفو راشدا أثر الهدى ... ويروم أسباب النجاة ويجهد\nحتى ارتقى في الدين أشرف ذروة ... ما فوقها لمن ابتغاها مصعد\nنصر الهدى إذ لم يقل ما لم يقل ... في فتنة نيرانها تتوقد\nما صده ضرب السياط ولا ثنى ... عزماته ماضي الغرار مهند\nفهناه حب ليس فيه تعصب ... لكن محبة مخلص يتودد\nوودادنا للشافعي ومالك ... وأبي حنيفة ليس فيه تردد\n\nأبو العباس بن عمر القرطبي (١) (٦٥٦ هـ)\nالفقيه المحدث أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر، أبو العباس ضياء الدين الأنصاري القرطبي. ولد بقرطبة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وسمع بها من علي بن محمد اليحصبي وأبي محمد بن عبد الله بن سليمان بن حوط الله، وبتلمسان من محمد بن عبد الرحمن التجيبي، وبمصر من أبي إبراهيم عوض بن محمود تقي الدين.\nقال الذهبي: كان بارعا في الفقه والعربية، عارفا بالحديث. وقال ابن فرحون: كان من الأئمة المشهورين والعلماء المعروفين، جامعا لمعرفة علوم،\n_________\n(١) تاريخ الإسلام (حوادث ٦٥١ - ٦٦٠/ص.٢٢٤ - ٢٢٦) والوافي بالوفيات (٧/ ٢٦٤ - ٢٦٥) والديباج المذهب (١/ ٢٤٠) والبداية والنهاية (١٣/ ٢٢٦) وشذرات الذهب (٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤).","vol":"7","page":359},{"text":"منها: علم الحديث والفقه والعربية وغير ذلك. أخذ عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المفسر وأبو محمد عبد المؤمن الدمياطي وأبو الحسن بن يحيى القرشي. له كتاب المفهم في شرح ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم وتلخيص صحيح مسلم ومختصر البخاري والإعلام بمعجزات النبي - ﷺ - وغيرها.\nتنبيه: سقط القرطبي في حمأة التأويل على عادة الأشاعرة، فأول صفة العلو واليد والإصبع وغيرها.\nتوفي ﵀ بالإسكندرية في رابع عشر ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2775>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال في مسألة قراءة القرآن بالألحان: وقد أجاز ذلك أبو حنيفة وجماعة من السلف، وقال بجوازه الشافعي في التحزين وكرهه مالك وأكثر العلماء، ولا يشك في أن موضع الخلاف في هذه المسألة إنما هو فيما إذا لم يغير التلحين لفظ القرآن بزيادة أو نقصان، أو ينبهم معناه بترديد الأصوات، والتقطيعات، وتكرر النغمات، حتى لا يفهم السامع ما يقرؤه القارئ، فهذا مما لا يشك فيه أنه حرام فأما إذا سلم من تلك الأمور، وحذا به حذو أساليب الغناء والتطريب، والتحزين فهو الذي اختلف فيه، فنقول: إن ذلك لا يجوز لوجهين:\nأحدهما: أن كيفية قراءة القرآن نقلت إلينا نقلًا متواترًا، وليس فيها شيء مما يشبه التلحين، ولا أساليب إنشاد الأشعار، فينبغي ألا يجوز غيرها، وإنما قلنا ذلك، لأنا قرأنا القرآن على مشايخنا، وهم العدد الكثير، والجم","vol":"7","page":360},{"text":"الغفير، ومشايخنا على مشايخهم، وهكذا إلى العصر الكريم، وتلقينا عنهم كيفية قراءته بالمشافهة، فلو كان التلحين فيه مشروعًا لتعلموه من مشايخهم، ولنقلوه عنهم، كما نقلوا عنهم المد والقصر وما بين اللفظين والإمالة والفتح والإدغام والإظهار، وكيفية إخراج الحروف على مخارجها، فإنه لما نقله الخلف عن السلف وعلموا عليه اتصل ذلك لنا وتلقناه عنهم، وهذا جاء مع توفر الدواعي على النقل وكثرة المتعمقين من القراء الغالين في كيفية قراءته، ومع ذلك فلم ينقل عن أحد من القراء المشاهير ولا عن الرواة عنهم شيء من ذلك، فدل ذلك على أن تلحين القرآن ما كان معروفًا عندهم، ولا معمولًا به فيما بينهم، فوجب ألا يعمل به، ولا يعرج عليه، فإنه أمر محدث، «وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١)، كما قاله - ﷺ -. (٢)\n- وقال في رده لشبهة النظر إلى المعنى، وهو أنه قراءته بالألحان ينشط السامع، وتطيب له القراءة فينتفي عنه الملل ... قال: إنا لا نسلم أن كل ما استخرج خشوعًا ورقّةً وبكاءً يكون مندوبًا إليه ولا مباحًا، فإن ذلك ينتقض بالأوتار وبعض المزامير، والندب في النياحة فإنها تستخرج كل ذلك، وهي محرمة.\nسلمنا ذلك، لكنها تجر أيضًا إلى أمور ممنوعة كما سيأتي، وإذا أمكن أن يحصل منها مصلحة ومفسدة، وليست إحداهما راجحة منع الكل اتقاءً للمفسدة، وترجيحًا لجانبها فينبغي أن لا يكون التطريب بالقرآن مشروعًا.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف القاسم بن محمد سنة (١٠٦هـ).\n(٢) كشف القناع (ص.١١٣ - ١١٤).","vol":"7","page":361},{"text":"سلمنا أن كل ما ذكروه من الاستدلال بالنوعين صحيح، لكنهما إنما يفيدان غلبة الظن فإنها ظواهر وقياس، غير أنهما في مقابلة المتواتر المقطوع به، وهو مما قدمناه من أن كيفية القراءة المتواترة ليس فيها تلحين ولا تطريب، فلا يكون ذلك مشروعًا، فإنها زيادة على القدر المتواتر إذ لم يقرأ بها النبي - ﷺ - ولا على من نقل القرآن عنه فيكون مقطوعًا بنفيها، وبهذه الطريق قطعنا بنفي صلاة سادسة، وبنفي ركعة رابعة في المغرب، إذ قد نقل كل ذلك بالعمل المتواتر، فليلزم نفي غيره، والله أعلم.\nوأما الوجه الثاني: من الوجهين السابقين، فهو أن قراءة القرآن بألحان الشعر تؤدي إلى أمور ممنوعة فيكون ممنوعًا.\nأولها: الزيادة والنقصان في القرآن، وذلك أن التلحين لا بد فيه من ترنين وتمطيط، وذلك يقتضي الزيادة في المدات، والحروف ولا بد فيه من تقطيع وتقصير وذلك يقتضي النقصان.\nوثانيها: تشبيه القرآن بالغناء الذي هو لهو ولعب وهزل، وقد نزه الله تعالى القرآن عن كل ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ (١).\nوثالثها: تشبيهه بالشعر، وقد نزهه الله عن الشعر وأحواله بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ (٢) وبقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ\n_________\n(١) الطارق الآيتان (١٣و١٤).\n(٢) الحاقة الآيتان (٤٠و٤١).","vol":"7","page":362},{"text":"الشِّعْرَ﴾ (١).\nورابعها: أنه يؤدي إلى إبهام معانيه، وإعجامها على سامعيه، فقد سمعنا التلحين له ولم نعرف ما يقولون إلا بعد أن سمعنا كلمة أو كلمتين من القرآن، فعرفنا أن الذي يغنونه قرآن وحاشى المجيز للقراءة بالألحان من الفقهاء أن يجيز تلك القراءة الشنعاء، ولو سمع عمر بن الخطاب تلك القراءة مرة لعلا دماغ قارئها بالدرة، فقد ثبت بتلك المسائل ما ذهب إليه مالك. (٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2776> موقفه من الصوفية:</span>\n- لقد أفرد الشيخ ﵀ كتاب 'كشف القناع عن حكم الوجد والسماع' في الرد على هذه الطائفة فقال في خطبته:\nفاعلم وفقنا الله وإياك، إن شياطين الإنس والجان، من الزنادقة والبطالين المجان، لم يزالوا يعادون أهل الأديان على مرّ الحقب، وتوالي الأزمان، من غير فتور ولا توان، يلقون الشبه على العلماء، ويستذلون أغمار الضعفاء، فأما العلماء فلا يزالون كاشفين عن تمويههم، ومظهرين تلبيس تضليلهم، فكلما هبت رياح الباطل أسكنها زعازع الدلائل، كل ذلك وفاء بمضمون ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ (٣).\nوأما الضعفاء، فقد تم للشياطين والزنادقة عليهم مرامهم، وأصمتهم سهامهم، وجرت عليهم أحكامهم، فهم يسلكون بهم أيه سلكوا، ويهلكونهم\n_________\n(١) يس الآية (٦٩).\n(٢) كشف القناع (ص.١١٨ - ١٢٠).\n(٣) الأعراف الآية (١٨١).","vol":"7","page":363},{"text":"فيمن أهلكوا، حتى وسموهم وهم لا يشعرون بسمة الرعاع الغثر الذين لا يعقلون، فلما تمت عليهم حيل مكرهم، وحصلوا في قبضتهم، وأسرهم، وضحكوا منهم، وسخروا بهم، حتى انتهى الحال بطائفة من المنتمين إلى الخير، والعبادة، والزهد، والإرادة، إلى أن اعتقدوا أن الرقص بالأكمام، والاهتزاز بالأردان، على صلاصل الطارات، وتقطيع المزامير والشبابات، بأرق الأصوات والتلحينات، من أفضل العبادات، وأجلّ القربات، وزعموا أن ذلك يحصل لهم من المشاهدات السنية، والأذواق الحالية، والمكاشفات الإلهية، ما لا يصفه واصف، ولا يدرك كنهه إلا عارف، فجعلوا ذلك شعارهم، ودثارهم، وقطعوا في ذلك ليلهم ونهارهم، واكتفوا بذلك عن المجاهدات والأوراد، بل قالوا: قد وصلنا إلى المطلوب، وظفرنا بالمراد، وسموا ذلك بالسماع، وأتوا في ذلك بما تنفر عنه العقول، وتمجه الأسماع، وهذه كلها نتائج الجهل الصميم، والفهم السقيم، والطبع غير المستقيم، الجانح عن الخيرات والعبادات، الجانح إلى اللهو والشهوات، مع تزيين الشياطين المطيعة وتسويل النفوس المردية، وحيل الزنادقة المضنية، والعصمة من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. (١)\n- وقال في السماع عند الصوفية: فأما الصوفية: فمتقدموهم كانوا يطلقون السماع على فهم يقع لأحدهم بغتة، يكون عنده وجد وغيبة، سواء كان ذلك في نظم أو نثر أو غيرهما، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-. وأما عند الملقبين اليوم بالصوفية في هذه الديار، فهو عبارة عن مجموع أمور\n_________\n(١) كشف القناع عن حكم الوجد والسماع (ص.٤٠ - ٤٢).","vol":"7","page":364},{"text":"جديرة بالإنكار وذلك أنهم يستدعون المعروفين بصنعة الغناء، وإن كانوا مشتهرين بالمفاسد والفحشاء ومعهم آلات اللهو المعروفة عند أهل البطالة والمجون واللغو، كالمزامير، والشبابات، والصلاصل والطارات، حتى إذا غصت المجالس بسكانها وأحضرت الأطعمة والحلاوات بألوانها، فأكلوا ملء بطونهم حتى لا يجدوا مساغًا لنفسهم ولا لمغنيهم، قد شغلهم استلذاذ تلك المآكل والنهم الذي هو أشغل شاغل عن اتقاء الحرام وخبث المواكل، فاندفع المغنون بتلك الأصوات والنغمات، وحركوا على مطابقته تلك المزامير والآلات، فحينئذٍ يذهب الحياء والوقار، ويختلط الشيوخ بالصغار، ويقوم الحاضرون على قدم، ويطربون طرب من شرب بنت الكرم، مع بنات الكرم فمنهم المشير بالأكمام والمتحرك بالأردان، والراقص رقص المجان، ومنهم من يكون له زعيق وزئير، و﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ (١)، لاسيما إن كان هناك شاهد، فكلهم له ساجد، وعليه متواجد ولحظ النفس الشهوانية واجد، ولتقوى الله والحياء منه فاقد، فيا للإسلام لهذا الداء العقام، كيف يرتاب أحد من عقلاء الأنام في أن مجموع هذا السماع حرام، وأن حضوره من الذنوب العظام، وإن هؤلاء على القطع والبت، كما قال الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٢) لكن من غلبت عليه الأهواء، ركب عميا، وخبط خبط عشواء، ومن منع الأسماع والأبصار،\n_________\n(١) لقمان الآية (١٩).\n(٢) المائدة الآية (٤٢).","vol":"7","page":365},{"text":"استوى في حقه الليل والنهار، نسأل الله تعالى الوقاية من الخذلان، وكفاية أحوال المبتدعين المجان.\nتنبيه: لا يخفى أن هذا السماع الذي وصفناه بجملته لا يختلف في تحريمه وفحشه، لكنا نشرع -إن شاء الله- في بيان أحكام أفراد مسائله على التفصيل، ونذكرها مسألة مسألة، فنبين منها الصحيح من السقيم، والمعوج من المستقيم، والزلال من الآل، والحرام من الحلال، فإنه قد يخالف حكم الجملة حكم الأفراد، ومن الله المعونة والإمداد، والتوفيق إلى الحق والإرشاد. (١)\n- وقال: إن الغناء على الصفة التي ذكرناها، يجر إلى ما يجر إليه الخمر من المفاسد فيكون حرامًا كالخمر، وإنما قلنا ذلك، لأنه يذهب الحياء والوقار، ويخل بالعقول والفعال وكل ذلك مشاهد لمن يحضره، وذلك أنك ترى الرجل الكبير القدر العظيم المنصب على سمة العقلاء، ووقار الفضلاء وأبهة أهل الدين، وسيماء المتقين، حتى إذا حضره ولابس أهله، زال حياؤه ووقاره، وبدأ تغيره واصفراره، فيبعث بيديه ويجبذ صاحبه ويجره إليه، ويضرب برجليه، ويهز منكبيه، حتى إذا أخذ السماع منه مأخذه وخالطه وأشربه، قام فرقص رقص المجان، وتعاطى حركات المخانيث والنسوان، وربما يصعق ويصيح ويغط، ولا غطيط الذبيح، ويتغشاه غشاوات حتى يظن أنه قد مات، وقد لا يرجع إلى عقله إلا بعد أوقات، وربما ضيع واجبات، أو فرط في صلوات، حتى إذا أفاق من غشيته، وصحا من سكرته، وعاد إلى حياته وهيئته، وذكر له ما كان منه في تلك الحال خجل من ذلك، ولا خجلة من\n_________\n(١) كشف القناع عن حكم الوجد والسماع (ص.٤٤ - ٤٦).","vol":"7","page":366},{"text":"قبيح الفعال، وهذه أفعال الخمر، فيلزم أن يحكم بتحريمه كما يحكم بتحريمها والله أعلم.\nفإن أنكر منكر أن يكون الأمر كما ذكرنا فليشاهده حتى يصح له ما وصفناه وكيف ينكر ما يشهد به العيان، ويعرفه من المباشرين له كل إنسان وقد مضى على ذلك في وصاياهم الحكماء ونظمه في شعرهم الشعراء، ولذلك قال يزيد بن الوليد: (يا بني أمية إياكم والغناء فإنه يزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر ويفعل كفعل المسكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا).\nوعلى هذا المعنى نبه النبي - ﷺ - بقوله لأنجشة الحادي: «رويدك رفقًا بالقوارير» (١) قال الراوي يعني ضعفة النساء، مع أنه حداء ليس فيه من الطرب ما في الغناء الذي فرضنا الكلام فيه، وقد صرح بعض الشعراء بهذا المعنى فقال وغنى:\nأتذكر ليلة وقد اجتمعنا ... على طيب السماع إلى الصباح\nودارت بيننا كأس الأغاني ... فأسكرت النفوس بغير راح\nفلم ترفيهم إلا نشاوى ... سرورًا والسرور هناك صاح\nإذا لبى أخو اللذات فيه ... ينادى اللهو حي على السماح\nولم نملك سوى المهجات شيئًا ... أرقناها لألحاظ ملاح (٢)\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٢٥٢) والبخاري (١٠/ ٧٢٥/٦٢١٠) ومسلم (٤/ ١٨١١/٢٣٢٣ (٧٠» من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٢) كشف القناع (ص.٩٣ - ٩٦).","vol":"7","page":367},{"text":"- وقال في الوجد والتواجد: التواجد: استدعاء الوجد لضرب من الاختيار، وذلك أنهم إذا اجتمعوا للسماع فمنهم المتكلف حركة ظاهرة مستجلبًا بذلك حضور باطنه فيميل يمينًا وشمالًا، ويترنح يمينًا وشمالًا ويحرك رأسه ومنكبيه، ويضرب صدره، ويصفق بيديه إلى أن يستغرقه -بزعمه- الوجد فيغيب عن الوجد بما يلوح له من المشاهد والشهود، حتى إذا أفاق من غشيته أخذ يخبر بما لاح له في مشاهدته، فمنهم من ينطق بمثل ما منعه الكليم، ومنهم من يصرح بنفس المكالمة والتكليم، ومنهم من يشير إلى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ (١)، ويرمز إلى ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ (٢)، وربما صرح بعضهم بنفي التعداد وقضى بالاتحاد.\nقال الشيخ -﵀-: وهذه أفعال مليمة واجتماعات ذميمة، وأحوال صادة عن اعتقادات سقيمة، فما هي إلا أهواء دحيضة وعقول مريضة، ودعوى عريضة ويدلك على ما ذكرناه، أن رسول الله - ﷺ - وأصحابه والتابعين لهم بإحسان لم يكونوا على شيء من تلك الأساليب والطرائق، ولا اقتحموا تلك المهامه والمضايق، ولا نطقوا بتلك العبارات، ولا ارتضوا تلك الإشارات، ولا اجتمعوا لذلك، ولا حوموا على شيء مما هنالك، مع أنهم قدوة العارفين، وخيرة الله من العالمين، الفاهمون عن الله، الآخذون عن رسول الله - ﷺ - الذين اختارهم له لحمل أمانته وبيان شريعته، فلو كان الأمر على\n_________\n(١) الإسراء الآية (١).\n(٢) النجم الآية (١٠).","vol":"7","page":368},{"text":"ما اخترعه أصحاب التواجد، لكان أولئك الملأ أول سابق إليه وأول واجد، وتناطقوا بتلك العبارات، وأشاروا بتلك الإشارات، ولفشا ذلك في السابقين المتشرعين، كما فشا في المتأخرين المبتدعين، فلما لم يكن شيء من ذلك، علمنا أنه من المحدثات التي هي بدع وضلالات. (١)\n- قال في الفصل الثاني في بيان سماع السلف وأحوالهم عنده: اعلم وقانا الله وإياك بدع المبتدعين، ونزغات الزائغين أن سماع رسول الله - ﷺ - وأصحابه، إنما كان القرآن، فإياه يتدارسون وفيه يتفاوضون، ومعانيه يتفهمون، يستعذبونه في صلواتهم، ويأنسون به في خلواتهم، ويتمسكون به في محاولاتهم ويلجؤون إليه في جميع حالاتهم، فإذا سمعوه أنصتوا إليه كما أمروا، وإذا قرؤوه تدبروا واعتبروا، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واقتبسوا أحكامه، يتخلقون بأخلاقه، ويعملون على وفاقه، علمًا منهم بأنه طريق النجاة ونيل الدرجات، وتلاوته أفضل العبادات، وأجل القربات، فإنه حبل الله المتين، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه دعا إلى صراط مستقيم، هكذا قاله من ﵊ والتسليم (٢)، وكان لهم عند سماعه من الأحوال ما قاله ذو الجلال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ\n_________\n(١) كشف القناع (ص.١٥٣ - ١٥٤).\n(٢) حديث الحارث الأعور في فضل القرآن، وهو حديث ضعيف. أخرجه: الترمذي «٥/ ١٨٥ - ١٥٩) ٢٩٠٦) وقال: \"هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول وفي الحارث مقال\". والدارمي (٢/ ٤٣٥).","vol":"7","page":369},{"text":"إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣)\nوقال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (٦)، وقال تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا\n_________\n(١) الأنفال الآية (٢).\n(٢) التوبة الآية (١٢٤).\n(٣) الزمر الآية (٢٣) ..\n(٤) الرعد الآيتان (٢٨و٢٩).\n(٥) المائدة الآية (٨٣).\n(٦) الإسراء الآيات (١٠٧ - ١٠٩).","vol":"7","page":370},{"text":"فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ (١) الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (٢).\nوفي الصحيح: أنه - ﷺ - كان إذا صلى وقرأ سمع له أزيز كأزيز المرجل (٣)، وقرأ عليه عبد الله بن مسعود سورة النساء، حتى إذا بلغ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ (٤) دمعت عينا رسول الله - ﷺ - وقال له: حسبك (٥)، وفيه عن حذيفة أنه صلى معه ليلة فقرأ فافتتح البقرة، قال حذيفة فقلت: يركع عند المائة، فمضى فقلت عند المائتين فمضى حتى ختمها ثم افتتح بسورة النساء حتى كملها ثم افتتح سورة آل عمران فختمها يقرأ مترسلًا كلما مر بآية فيه تسبيح سبح، وإذا مر بآية فيها سؤال سأل، وإذا مر بآية فيها تعوذ تعوذ. (٦)\nوفي كتاب أبي داود أنه - ﷺ - قام ليلة بقوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ\n_________\n(١) الأحقاف الآية (٢٩).\n(٢) الأعراف الآية (٢٠٤).\n(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ٢٥،٢٦) وأبو داود (١/ ٥٥٧/٩٠٤) والنسائي (٣/ ١٨/١٢١٣) وصححه ابن حبان (٣/ ٣٠ - ٣١/ ٧٥٣) والحاكم (١/ ٢٦٤) ووافقه الذهبي من حديث عبد الله بن الشخير.\n(٤) النساء الآية (٤١).\n(٥) تقدم تخريجه في مواقف ابن مسعود ﵁ سنة (٣٢هـ) (في ترجمته).\n(٦) أخرجه من حديث حذيفة: أحمد (٥/ ٣٨٤) ومسلم (١/ ٥٣٦/٧٧٢) والنسائي (٣/ ٢٥٠/١٦٦٣).\nوأخرجه مختصرًا: أبو داود «١/ ٥٤٣) ٨٧١) والترمذي (٢/ ٤٨ - ٤٩/ ٢٦٢ - ٢٦٣) وقال: \"حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٤٢٩/١٣٥١).","vol":"7","page":371},{"text":"عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (١) فما زال يكررها حتى أصبح (٢)، ثم قرأها في صلاة الصبح ...\nوقد ثبت أن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - كان في سرية فبات ربيئة لأصحابه فقام يصلي فجاءه العدو فرماه بسهم فأصابه فلم يتحرك من موضعه ولم يقطع صلاته، ثم رماه بسهم آخر فلم يقطع صلاته، ثم رماه فلم يقطع حتى أكمل السورة وسلم وأعلم أصحابه فعدلوه على ذلك فقال ما معناه: والله لو أتى على نفسي ما قطعت تلك السورة لأني وجدت حلاوتها. (٣)\nوقد تقدم من حديث العرباض بن سارية أنه قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. (٤)\nوفي حديث حنظلة الأسيدي أنه لقيه أبو بكر وهو يقول: نافق حنظلة، فقال: مالك؟ فقال: نكون عند رسول الله - ﷺ - يذكرنا بالجنة والنار كأنهما رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا، فقال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقا إلى النبي - ﷺ -\n_________\n(١) المائدة الآية (١١٨).\n(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ١٧٠و١٧٧) والنسائي (٢/ ٥١٩/١٠٠٩) وابن ماجه (١/ ٤٢٩/١٣٥٠) وقال البوصيري في الزوائد: \"إسناده صحيح ورجاله ثقات\". وصححه الحاكم (١/ ٢٤١). ووافقه الذهبي من حديث أبي ذر ﵁.\n(٣) علقه البخاري (١/ ٣٧١ (الفتح» ووصله أحمد (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤،٣٥٩) وأبو داود (١/ ١٣٦ - ١٣٧/ ١٩٨) وصححه ابن حبان (٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦/ ١٠٩٦) وابن خزيمة (١/ ٢٤ - ٢٥/ ٣٦) والحاكم (١/ ١٥٦ - ١٥٧) ووافقه الذهبي من حديث جابر ﵁. وانظر صحيح أبي داود (١/ ٣٥٧).\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ سنة (٢٣هـ).","vol":"7","page":372},{"text":"فأخبراه فقال النبي - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على طرقكم وفي فرشكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة». (١)\nفهذا سمعهم وسماعهم، وشرعهم وشراعهم، ليس فيه شيء من اللهو واللعب، ولا بين أحوالهم وأحوال المجان والمخانيث تشابه ولا سبب. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2777>موقفه من الجهمية:</span>\nقال القرطبي في المفهم في شرح حديث «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (٣): وهذا الخصم المبغوض عند الله تعالى هو الذي يقصد بخصومته: مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشبه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله، وسنة نبيه - ﷺ -، وسلف أمته إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية، أو مناقشات لفظية ترد بشبهها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم، لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء المتكلمين قد ارتكبوا أنواعا من المحال لا يرتضيها البله، ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيز الجواهر، والأكوان،\n_________\n(١) تقدم في مواقف أبي بكر الصديق ﵁ سنة (١٣هـ).\n(٢) كشف القناع (ص.١٧٩ - ١٨٤).\n(٣) أحمد (٦/ ٥٥) والبخاري (٥/ ١٣٤/٢٤٥٧) ومسلم (٤/ ٢٠٥٤/٢٦٦٨) والترمذي (٥/ ١٩٨/٢٩٧٦) والنسائي (٨/ ٦٣٩/٥٤٣٨) عن عائشة ﵂.","vol":"7","page":373},{"text":"والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم فيه بحث واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتقديرها، واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات، أو غيرها، وأن الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؟ وإذا كان منقسما فهل ينقسم بالأنواع، أو بالأوصاف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور؟ ثم إذا انعدم المأمور فهل يبقى ذلك التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلا هو عين الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي - ﷺ - ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإن العقول لها حد تقف عنده، وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، ولا فرق بين البحث في كيفية الذات، وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ\nكَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) ولا تبادر بالإنكار فعل الأغبياء الأغمار، فإنك قد حجبت عن كيفية حقيقة نفسك مع علمك بوجودها، وعن كيفية إدراكاتك، مع أنك تدرك بها. وإذا عجزت عن إدراك كيفية ما بين جنبيك، فأنت عن إدراك ما ليس كذلك أعجز.\nوغاية علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء أن يقطعوا بوجود فاعل هذه المصنوعات منزه عن صفاتها، مقدس عن أحوالها، موصوف بصفات الكمال اللائق به.\nثم مهما أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه، وأسمائه قبلناه،\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).","vol":"7","page":374},{"text":"واعتقدناه، وما لم يتعرضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه. هذه طريقة السلف، وما سواها مهاو وتلف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر الشغل، والدين قد فرغ منه، ليس بأمر يؤتكف على النظر فيه. وقال مالك: ليس هذا الجدال من الدين في شيء، وقال: كان يقال: لا تمكن زائغ القلب من أذنك، فإنك لا تدري ما يعلقك من ذلك. وقال الشافعي: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في علم الكلام. وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمى، أو غير المسمى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دين له. قال: وحكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، علماء الكلام زنادقة. وقال ابن عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة ﵃ ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن. وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وأصل ذلك: أنهم ما قنعوا بما بعثت به الشرائع، وطلبوا الحقائق، وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله من الحكم التي انفرد بها، ولو لم يكن في الجدال إلا أن النبي - ﷺ - قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما خرجه","vol":"7","page":375},{"text":"الترمذي: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» (١).\nاهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2778>موقفه من الخوارج:</span>\nقال: في قوله - ﷺ -: «سبق الفرث والدم». وبظاهر هذا التشبيه تمسك من حكم بتكفيرهم من أئمتنا. وقد توقف في تكفيرهم كثير من العلماء لقوله - ﷺ -: «فيتمارى في الفوق» وهذا يقضي بأنه يشك في أمرهم فيتوقف فيهم، وكأن القول الأول أظهر من الحديث. فعلى القول بتكفيرهم: يقاتلون، ويقتلون، وتسبى أموالهم. وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج. وعلى قول من لا يكفرهم: لا يجهز على جريحهم، ولا يتبع منهزمهم. ولا تقتل أسراهم ولا تستباح أموالهم. وكل هذا إذا خالفوا المسلمين، وشقوا عصاهم، ونصبوا راية الحرب. فأما من استتر ببدعته منهم، ولم ينصب راية الحرب؛ ولم يخرج عن الجماعة: فهل يقتل بعد الاستتابة، أو لا يقتل؟ وإنما يجتهد في رد بدعته، ورده عنها. اختلف في ذلك. وسبب الخلاف في تكفير من هذه حاله: أن باب التكفير باب خطير، أقدم عليه كثير من الناس فسقطوا، وتوقف فيه الفحول فسلموا، ولا نعدل بالسلامة شيئا. (٣)\nوقال: وقوله: «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان» هذا منه - ﷺ - إخبار عن أمر غيب وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان دليلا من أدلة نبوته\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٢٥٢؛٢٥٦) والترمذي (٥/ ٣٥٣/٣٢٥٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ١٩/٤٨) والحاكم (٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، من حديث أبي أمامة ﵁ ..\n(٢) المفهم (٦/ ٦٩٠ - ٦٩٢).\n(٣) المفهم (٣/ ١١٠ - ١١١).","vol":"7","page":376},{"text":"- ﷺ -، وذلك: أنهم لما حكموا بكفر من خرجوا عليه من المسلمين، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة، وقالوا: نفي لهم بذمتهم. وعدلوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين. وهذا كله من آثار عبادات الجهال الذين لم يشرح الله صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق، ولا صحبهم في حالهم ذلك توفيق. وكفى بذلك: أن مقدمهم رد على رسول الله - ﷺ - أمره، ونسبه إلى الجور، ولو تبصر لأبصر عن قرب أنه لا يتصور الظلم والجور في حق رسول الله - ﷺ -، كما لا يتصور في حق الله تعالى؛ إذ الموجودات كلها ملك لله تعالى، ولا يستحق أحد عليه حقا، فلا يتصور في حقه شيء من ذلك. والرسول - ﷺ - مبلغ حكم الله تعالى، فلا يتصور في حقه من ذلك ما لا يتصور في حق مرسله. ويكفيك من جهلهم وغلوهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله - ﷺ - بصحة إيمانه، وبأنه من أهل الجنة، كعلي وغيره من صحابة رسول الله - ﷺ -؛ مع ما وقع في الشريعة، وعلم على القطع والثبات من شهادات الله ورسوله لهم، وثنائه على علي والصحابة عموما وخصوصا. (١)\nوقال: وقوله: «محلقة رؤوسهم» وفي حديث آخر: «سيماهم التحليق» أي: جعلوا ذلك علامة لهم على رفضهم زينة الدنيا. وشعارا ليعرفوا به، كما يفعل البعض من رهبان النصارى يفحصون عن أوساط رؤوسهم. وقد جاء في وصفهم مرفوعا: «سيماهم التسبيد» أي: الحلق يقال: سبد رأسه؛ إذا حلقه. وهذا كله منهم جهل بما يزهد فيه، وما لا يزهد فيه، وابتداع منهم في\n_________\n(١) المفهم (٣/ ١١٤ - ١١٥).","vol":"7","page":377},{"text":"دين الله تعالى شيئا كان النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدون وأتباعهم على خلافه. فلم يرو عن واحد منهم: أنهم اتسموا بذلك، ولا حلقوا رؤوسهم، في غير إحلال، ولا حاجة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2779>موقفه من المرجئة:</span>\nقال ﵀: ولأهل العلم فيه تأويلان:\nأحدهما: أن هذا العموم يراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من أهل الكبائر، ممن يشاء الله تعالى أن يغفر له ابتداء؛ من غير توبة كانت منهم ولا سبب يقتضي ذلك، غير محض كرم الله تعالى وفضله، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). وهذا على مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للمبتدعة المانعين تَفَضُّلَ الله تعالى بذلك، وهو مذهب مردود بالأدلة القطعية العقلية والنقلية، وبَسْط ذلك في علم الكلام.\nوثانيهما: أنهم لا يُحجبون عن الجنة بعد الخروج من النار. وتكون فائدته الإخبار بخلود كل من دخل الجنة فيها، وأنه لا يُحجب عنها، ولا عن شيء من نعيمها، والله تعالى أعلم. (٣)\nوقال: ومن باب: لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد من استيقان القلب\nهذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين: إن التلفظ\n_________\n(١) المفهم (٣/ ١٢٢).\n(٢) النساء الآية (٤٨).\n(٣) المفهم (١/ ١٩٩ - ٢٠٠).","vol":"7","page":378},{"text":"بالشهادتين كاف في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده، بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطل قطعًا. (١)\nوقال أيضا: وقوله في حديث معاذ: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرّمه الله على النار» (٢) هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم عن جميع رواته فيما علمته، وقد زاد البخاري فيه: «صدقًا من قلبه» وهي زيادة حسنة تنص على صحة ما تضمّنته الترجمة المتقدمة، وعلى فساد مذهب المرجئة كما قد قدّمناه. (٣)\nوقال: قوله ﵊ وقد سُئل عن أفضل الأعمال: «الإيمان بالله» يدل على أن الإيمان من جملة الأعمال وهو داخل فيها، وهو إطلاق صحيح لغة وشرعا، فإنه عمل القلب وكسبه، وقد بينا أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وأنه منقسم إلى ما يكون عن برهان وعن غير برهان، ولا يُلتفت لخلاف مَن قال: إن الإيمان لا يُسمى عملًا؛ لجهله بما ذكرناه، ولا يخفى أن الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال كلها؛ لأنه متقدم عليها، وشرط في صحتها، ولأنه من الصفات المتعلقة، وشرفها بحسب متعلقاتها، ومتعلق الإيمان هو الله تعالى وكتبه ورسله. ولا أشرف من ذلك، فلا أشرف في الأعمال من الإيمان ولا أفضل منه. (٤)\n_________\n(١) المفهم (١/ ٢٠٤).\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ٣٠٠ - ٣٠١/ ١٢٨) ومسلم (١/ ٦١/٣٢).\n(٣) المفهم (١/ ٢٠٨).\n(٤) المفهم (١/ ٢٧٥).","vol":"7","page":379},{"text":"وقال: قوله: «اعط فلانًا فإنه مؤمن فقال: \"أو مسلم\"» دليل على صحة ما قدمناه من الفرق بين حقيقتي الإيمان والإسلام، وأن الإيمان من أعمال الباطن، وأن الإسلام من أعمال الجوارح الظاهرة، وفيه رد على غلاة المرجئة والكرامية؛ حيث حكموا بصحة الإيمان لمن نطق بالشهادتين وإن لم يعتقد بقلبه، وهو قول باطل قطعا؛ لأنه تسويغ للنفاق، وفيه حجة لمن يقول: \"أنا مؤمن\" بغير استثناء، وهي مسألة اختلف فيها السلف، فمنهم المجيز والمانع، وسبب الخلاف النظر إلى الحال أو إلى المآل، فمن مَنَعَ خاف من حصول شك في الحال أو تزكية، ومن أجاز صرف الاستثناء إلى الاستقبال، وهو غيب في الحال، إذ لا يدري بما يختم له، والصواب: الجواز إذا أمن الشك والتزكية، فإنه تفويض إلى الله تعالى. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2780>موقف السلف من الوزير ابن العلقمي الرافضي (٦٥٦ ه</span>ـ)\nجاء في البداية والنهاية: ... وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي، وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة، نهبت فيها الكرخ ومحلة الرافضة، حتى نهبت دور قرابات الوزير. فاشتد حنقه على ذلك فكان هذا مما أهاجه على أن دبر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع، الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد،\n_________\n(١) المفهم (١/ ٣٦٦).","vol":"7","page":380},{"text":"وإلى هذه الأوقات. ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه فاجتمع بالسلطان هولاكو خان -لعنه الله- ثم أعاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة. فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية، ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هلاكوخان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونهبت وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هولاكو فسأله عن أشياء كثيرة، فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خوجة نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة فأحضر من دار الخلافة شيئا كثيرا من الذهب والحلي والمصاغي والجواهر والأشياء النفيسة. وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة. وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك. وحسنوا له قتل الخليفة. فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله. ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي والمولى نصير الدين الطوسي.\nوكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الألموت وانتزع من أيدي الاسماعيلية، وكان النصير وزير لشمس الشموس ... ثم ذكر الشيخ المصيبة","vol":"7","page":381},{"text":"مفصلة والله المستعان. (١)\nوجاء في السير: وعمل ابن العلقمي على ترك الجمعات، وأن يبني مدرسة على مذهب الرافضة، فما بلغ أمله، وأقيمت الجمعات. (٢)\nالتعليق:\nهل هناك درس أكبر من هذا الذي لقنه \"فضيلة الإمام\" ابن العلقمي مع فضيلة نصير الطوسي للمسلمين؟ هل يجوز للمسلمين أن يغفلوا هذه الحقائق التاريخية ويتجاهلونها ويأتي مثقفوهم ويقولون: الشيعة إخواننا والفرق بيننا وبينهم يسير كالفرق بين الشافعي والمالكي؟! وهذا أيضا فيه عقوبة للخليفة كيف يثق بهؤلاء ويقربهم إليه ويعتمدهم ويجعلهم في مرتبة الوزارة ولم يلتفت إلى خبث هذا المجرم وما يفعله بعسكر الخليفة؟\nوقد عبر الحافظ ابن كثير عن ذلك فقال: وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبا من مائة ألف مقاتل، منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعا منه أن يزيل السنة بالكلية، وأن يظهر البدعة الرافضة، وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتين والله غالب على أمره، وقد رد كيده\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٣/ ٢١٤ - ٢١٥).\n(٢) السير (٢٣/ ١٨٣).","vol":"7","page":382},{"text":"في نحره وأذله بعد العزة القعساء وجعله \"حوشكاشا\" للتتار بعد ما كان وزيرا للخلفاء، واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال، فالحكم لله العلي الكبير رب الأرض والسماء. (١)\nالتعليق:\nسبحان الله! التاريخ تتكرر حوادثه وتتشابه أفعاله وأقواله، ويصرفها الله كيف يشاء، الآن الروافض يخدعون عامة المسلمين في كل البلاد: تعالوا نتعاون على إزالة إسرائيل من القدس. ولغفلة الناس يحسبونهم صادقين، والحقيقة: تعالوا معنا حتى نمحي السنة من وجه الأرض، ونقيم المجوسية متعاونة مع اليهودية والنصرانية والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2781>موقف السلف من يوسف القميني (٦٥٧ ه</span>ـ)\nجاء في السير: الشيخ يوسف القميني الموله بدمشق، كان للناس في هذا اعتقاد زائد لما يسمعون من مكاشفته التي تجري على لسانه كما يتم للكاهن سواء في نطقه بالمغيبات. كان يأوي إلى القمامين والمزابل التي هي مأوى الشياطين، ويمشي حافيا، ويكنس الزبل بثيابه النجسة ببوله، ويترنح في مشيه، وله أكمام طوال، ورأسه مكشوف، والصبيان يعبثون به، وكان طويل السكوت، قليل التبسم، يأوي إلى قمين حمام نور الدين، وقد صار باطنه\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٣/ ٢١٥).","vol":"7","page":383},{"text":"مأوى لقرينه، ويجري فيه مجرى الدم، ويتكلم فيخضع له كل تالف ويعتقد أنه ولي لله، فلا قوة إلا بالله. وقد رأيت غير واحد من هذا النمط الذين زال عقلهم أو نقص يتقلبون في النجاسات، ولا يصلون، ولا يصومون، وبالفحش ينطقون، ولهم كشف كما والله للرهبان كشف وكما للساحر كشف وكما لمن يصرع كشف، وكمالمن يأكل الحية ويدخل النار حال مع ارتكابه للفواحش، فوالله ما ارتبطوا على مسيلمة والأسود إلا لإتيانهم بالمغيبات. (١)\n\nالملك المظفر قُطُز (٢) (٦٥٨ هـ)\nالسلطان الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد الله المعزي التركي. كان أكبر مماليك المعز أيبك التركماني ثم صار نائب السلطنة لولده المنصور، وكان بطلا شجاعا، مقداما حازما حسن التدبير، يرجع إلى دين وإسلام وخير، قال الذهبي: وله اليد البيضاء في جهاد التتار. وكان محببا إلى الرعية، حسن السيرة، ناصحا للإسلام وأهله، بويع في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة. بعدما دهم التتار الشام، فعزل الصبي من الملك (المنصور). وثب عليه بعض الأمراء وهو راجع إلى مصر فقتل في سادس عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة. ولم يكمل سنة في السلطنة ﵀.\n_________\n(١) السير (٢٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣).\n(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ٦٥١ - ٦٦٠/ص.٣٥٢ - ٣٥٥) والسير (٢٣/ ٢٠٠ - ٢٠١) والبداية والنهاية (١٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩) وشذرات الذهب (٥/ ٢٩٣) والنجوم الزاهرة (٧/ ٧٢ وما بعدها).","vol":"7","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2783>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن كثير: والمقصود أن المظفر قطز لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة، وأنهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر بعد تمهيد ملكهم بالشام، بادرهم قبل أن يبادروه وبرز إليهم وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، فخرج في عساكره وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول وعليهم كتبغانوين، وكان إذ ذاك في البقاع فاستشار الأشرف صاحب حمص والمجير ابن الزكي، فأشاروا عليه بأنه لا قبل له بالمظفر حتى يستمد هولاكو، فأبى إلا أن يناجزه سريعا، فساروا إليه وسار المظفر إليهم، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، فاقتتلوا قتالا عظيما، فكانت النصرة ولله الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة وقتل أمير المغول كتبغانوين وجماعة من بيته، وقد قيل إن الذي قتل كتبغانوين الأمير جمال الدين آقوش الشمسي، واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع، وقد قاتل الملك المنصور صاحب حماه مع الملك المظفر قتالا شديدا، وكذلك الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، وكان أتابك العسكر، وقد أسر من جماعة كتبغانوين الملك السعيد بن العزيز بن العادل، فأمر المظفر بضرب عنقه، واستأمن الأشرف صاحب حمص، وكان مع التتار، وقد جعله هولاكو خان نائبا على الشام كله، فأمنه الملك المظفر ورد إليه حمص، وكذلك رد حماه إلى المنصور وزاده المعرة وغيرها، وأطلق سلمية للأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع أمير العرب، واتبع الأمير بيبرس البندقداري وجماعة من","vol":"7","page":385},{"text":"الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب، وهرب من بدمشق منهم يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان.\nفتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم ويستفكون الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه، فجاوبتها دق البشائر من القلعة، وفرح المؤمنون بنصر الله فرحا شديدا، وأيد الله الإسلام وأهله تأييدا، وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين، وظهر دين الله وهم كارهون، فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب، فانتهبوا ما فيها وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها، فاحترق دور كثيرة إلى النصارى، وملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، وأحرق بعض كنيسة اليعاقبة، وهمت طائفة بنهب اليهود، فقيل لهم إنه لم يكن منهم من الطغيان كما كان من عبدة الصلبان، وقتلت العامة وسط الجامع شيخا رافضيا كان مصانعا للتتار على أموال الناس يقال له الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجي، كان خبيث الطوية مشرقيا ممالئا لهم على أموال المسلمين قبحه الله، وقتلوا جماعة مثله من المنافقين فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. (١)\n\nالكامل ناصر الدين محمد بن شهاب الدين (٢) (٦٥٨ هـ)\nالملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك، المظفر شهاب الدين، غازي\n_________\n(١) البداية (١٣/ ٢٣٤).\n(٢) تاريخ الإسلام (حوادث ٦٥١ - ٦٦٠/ص.٣٦٦ - ٣٦٨) والسير (٢٣/ ٢٠١ - ٢٠٢) والوافي بالوفيات (٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧) وشذرات الذهب (٥/ ٢٩٥) والنجوم الزاهرة (٧/ ٩١).","vol":"7","page":386},{"text":"ابن السلطان، الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب. تملك ميافارقين وغيرها بعد أبيه سنة خمس وأربعين وستمائة. وكان شابا عاقلا شجاعا مهيبا محسنا إلى رعيته، مجاهدا غازيا، دينا تقيا، حميد الطريقة. حاصره عسكر هولاكو نحوا من عشرين شهرا. وقتل رحمه الله تعالى على يد اللعين هولاكو -بعد ما سب هولاكو وبصق في وجهه- سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان شديد البأس قوي النفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2785>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في السير عن الشيخ محمود بن عبد الكريم الفارقي قال: سار الكامل إلى قلاع بنواحي آمد فأخذها، ثم نقل إليها أهله، وكان أبي في خدمته، فرحل بنا إلى قلعة منها، فعبرت التتار علينا، فاستنزلوا أهل الملك الكامل بالأمان من قلعة أخرى، وردوا بهم علينا، وأنا صبي مميز، وحاصروا ميافارقين أشهرا، فنزل عليهم الثلج، وهلك بعضهم، وكان الكامل يبرز إليهم ويقاتلهم، وينكي فيهم فهابوه، ثم بنوا عليهم سورا بإزاء البلد بأبرجة، ونفدت الأقوات، حتى كان الرجل يموت فيؤكل، ووقع فيهم الموت، وفتر عنهم التتار وصابروهم، فخرج إليهم غلام أو أكثر، وجلوا للتتار أمر البلد، فما صدقوا، ثم قربوا من السور وبقوا أياما لا يجسرون على الهجوم، فدلى إليهم مملوك للكامل حبالا فطلعوا إلى السور فبقوا أسبوعا لا يجسرون، وبقي بالبلد نحو التسعين بعد ألوف من الناس، فدخلت التتار دار الكامل وأمنوه، وأتوا به هولاكو بالرها، فإذا هو يشرب الخمر، فناول الكامل كأسا فأبى، وقال: هذا حرام، فقال لامرأته: ناوليه أنت، فناولته فأبى، وشتم وبصق -فيما","vol":"7","page":387},{"text":"قيل- في وجه هولاكو. وكان الكامل ممن سار قبل ذلك، ورأى القان الكبير، وفي اصطلاحهم من رأى وجه القان لا يقتل، فلما واجه هولاكو بهذا استشاط غضبا وقتله. ثم قال: وكان الكامل شديد البأس، قوي النفس، لم ينقهر للتتار بحيث إنهم أخذوا أولاده من حصنهم، وأتوه بهم إلى تحت سور ميافارقين، وكلموه أن يسلم البلد بالأمان فقال: ما لكم عندي إلا السيف. (١)\n\nالعز بن عبد السلام (٢) (٦٦٠ هـ)\nالشيخ عز الدين بن عبد السلام أبو محمدالسلمي الدمشقي الشافعي، شيخ المذهب، ومفيد أهله، ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة. سمع الحديث من الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر، وشيخ الشيوخ عبد اللطيف بن إسماعيل بن أبي سعد البغدادي، وعمر بن محمد بن طبرزد، وحنبل بن عبد الله الرصافي وغيرهم. وسمع منه تلامذته شيخ الإسلام ابن دقيق العيد وهو الذي لقب الشيخ عز الدين سلطان العلماء، والإمام علاء الدين أبو الحين الباجي والشيخ تاج الدين ابن الفركاح والحافظ أبو محمد الدمياطي وغيرهم.\nقرأ الأصول على الآمدي وبرع في الفقه والأصول والعربية، وفاق الأقران والأضراب، وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه واختلاف أقوال الناس ومآخذهم، وبلغ رتبة الاجتهاد. ورحل إليه الطلبة من\n_________\n(١) السير (٢٣/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(٢) البداية (١٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦) وشذرات الذهب (٥/ ٣٠١ - ٣٠٢) وطبقات الشافعية (٥/ ٨٠).","vol":"7","page":388},{"text":"سائر البلاد، وصنف التصانيف المفيدة. وكان لطيفا ظريفا يستشهد بالأشعار مع الزهد والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلابة في الدين، وعزل نفسه من القضاء في آخر حياته، وعزله السلطان من الخطابة، فلزم بيته. وبالجملة فشهرته تغني عن الإطناب في وصفه. له مؤلفات عديدة، تظهر عليها آثار الأشعرية والتصوف، منها كتابه قواعد الأحكام وكتاب ملحة الاعتقاد. وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية عليه ذلك، رحم الله الجميع.\nتوفي ﵀ بمصر في جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، وحضر جنازته الخاص والعام، ولما بلغ السلطان خبر موته قال: لم يستقر ملكي إلا الساعة لأنه لو أمر الناس فيَّ بما أراد لبادروا إلى امتثال أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2787>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في الاعتصام: ونص أيضا عز الدين بن عبد السلام على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة. (١)\n- وجاء في الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة الدمشقي: واتفق أن ولي الخطابة والإمامة بجامع دمشق حرسها الله تعالى في سنة سبع وثلاثين وستمائة، أحق الناس بها يومئذ الفقيه المفتي، ناصر السنة، مظهر الحق؛ أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام أيده الله بحراسة، وقواه على طاعته، فجرى في إحياء السنن وإماتة البدع على عادته، فلما قرب دخول شهر رجب، أظهر للناس أمر صلاة الرغائب، وأنها بدعة منكرة، وأن حديثها كذب على رسول الله - ﷺ -، وخطب بذلك على المنبر يوم جمعة، وأعلم الناس أنه لا يصليها،\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٣٦).","vol":"7","page":389},{"text":"ونهاهم عن صلاتها، ووضع في ذلك جزءا لطيفا سماه 'الترغيب عن صلاة الرغائب'. حذر الناس فيه من ركوب البدع، والتقرب إلى الله تعالى بما لم يشرع، وأراد فطام الناس عنها قولا وفعلا، فشق ذلك على العوام، وكثير من المتميزين الطغام، اغترارا منهم بمجرد كونها صلاة -فهي طاعة وقربة، فلماذا ينهى عنها- وركونا إلى ذلك الحديث الباطل، وشق على سلطان البلد وأتباعه إبطالها، فصنف لهم بعض مفتي البلد جزءا في تقريرها، وتحسين حالها، وإلحاقها بالبدع الحسنة من جهة كونها صلاة، ورام نقض رد الجزء في تصنيفه هذا، فرد عليه الفقيه أبو محمد أحسن رد، وبين أنه هو الذي أفتى فيما تقدم بالفتيتين المقدم ذكرهما، فخالف ما كان أفتى به أولا، وجاء بما وافق هوى السلطان، وعوام الزمان، وهو من العلماء الصالحين، والأئمة المفتين ولكن الله تعالى قال: وهو أصدق القائلين: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ (١) ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (٢) ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ (٣).اهـ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2788>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في نقض المنطق عنه قال: ولا يجوز شغل المساجد بالغناء والرقص ومخالطة المردان، ويعزر فاعله تعزيرا بليغا رادعا. وأما لبس الحلق والدمالج\n_________\n(١) الكهف الآية (٧).\n(٢) محمد الآية (٤).\n(٣) الفرقان الآية (٢٠).\n(٤) الباعث (١٤٩).","vol":"7","page":390},{"text":"والسلاسل والأغلال، والتختم بالحديد والنحاس فبدعة وشهرة. وشر الأمور محدثاتها، وهي لهم في الدنيا، وهي لباس أهل النار، وهي لهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك، ولا يجوز السجود لغير الله من الأحياء والأموات، ولا تقبيل القبور، ويعزر فاعله. ومن لعن أحدا من المسلمين عزر على ذلك تعزيرا بليغا. والمؤمن لا يكون لعَّانا، وما أقربه من عود اللعنة عليه. قال: ولا تحل الصلاة عند القبور، ولا المشي عليها من الرجال والنساء، ولا تعمل مساجد للصلاة فإنه اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١).اهـ (٢)\nتنبيه: هذا الرجل اشتهر بالعلم، وسماه من كتب في ترجمته: سلطان العلماء. وقد أطال ابن السبكي في ترجمته في طبقات الشافعية. غير أنه لم يكن سلفيا في عقيدة الأسماء والصفات. وله أفعال مع الصوفية تدل على اقتناعه بهم. وكان معروفا بعداوته للحنابلة. وكثير ممن ألف في البدع وتأييدها يعتمد عليه في تقسيم البدع إلى الأحكام الخمسة المعروفة، وهو تقسيم باطل لا معنى له، مصادم لعموم النصوص. وقد رده الشاطبي في الاعتصام وغيره من أهل العلم.\n_________\n(١) سيأتي تخريجه قريبا.\n(٢) نقض المنطق (١٤ - ١٥).","vol":"7","page":391},{"text":"عبد الرزاق أبو محمد الجزري (١) (٦٦١ هـ)\nعبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف الجزري أبو محمد، الإمام الحافظ، مولده برأس عين الخابور سنة تسع وثمانين وخمسمائة. سمع من عبد العزيز ابن منينا وطبقته، وأبي اليمن الكندي وطبقته، وأبي المجد القزويني وغيرهم، وسمع منه: ولده العدل شمس الدين محمد والدمياطي في معجمه وغير واحد. صنف تفسيرا حسنا روى فيه بأسانيده، وكان إماما محدثا فقيها أديبا شاعرا دينا صالحا وافر الحرمة. ولي مشيخة دار الحديث بالموصل توفي في سنة إحدى وستين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2790>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ابن رجب: وكان متمسكا بالسنة والآثار، ويصدع بالسنة عند المخالفين من الرافضة وغيرهم. (٢)\n\nأبو البقاء النَّابُلْسِي (٣) (٦٦٣ هـ)\nخالد بن يوسف بن سعد بن الحسن بن مفرج بن بكار أبو البقاء النابلسي ثم الدمشقي. ولد بنابلس سنة خمس وثمانين وخمسمائة. سمع من بهاء الدين القاسم بن عساكر ومحمد بن الخصيب وحنبل وطائفة. روى عنه\n_________\n(١) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٥٢ - ١٤٥٥) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٦١ - ٦٧٠/ص.٧٢ - ٧٤) والبداية والنهاية (١٣/ ٢٥٤) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٦).\n(٢) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٢٧٥).\n(٣) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٤٧ - ١٤٤٨) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٦١ - ٦٧٠/ص.١٤٥ - ١٤٧) وفوات الوفيات (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤) والبداية والنهاية (١٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠).","vol":"7","page":392},{"text":"الشيخ محيي الدين النووي، والشيخ تاج الدين الفزاري، وأخوه الخطيب شرف الدين، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد. كتب وحصل الأصول النفيسة، ونظر في اللغة والعربية، كان إماما متقنا ذكيا فطنا ظريفا، عالما بصناعة الحديث، حافظا لأسماء الرجال، وكان حسن الأخلاق، حلو النادرة صاحب مزاح ونوادر. قال ابن جماعة: أحد المحدثين المشهورين والحفاظ المعروفين، كان خيرا صالحا، حسن الأخلاق، ملازما لقراءة الحديث والنظر في الأسانيد. توفي ﵀ في سلخ جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2792>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في المنهاج: وكان من أهل العلم أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسى ﵀، سأله بعض الشيعة عن قتال علي الجن، فقال: أنتم معشر الشيعة ليس لكم عقل، أيما أفضل عندكم: عمر أو علي؟ فقالوا: بل علي. فقال: إذا كان الجمهور يروون عن النبي صلى عليه وسلم أنه قال لعمر: ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك (١) فإذا كان الشيطان يهرب من عمر، فكيف يقاتل عليا؟ (٢)\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٧١،١٨٢،١٨٧) والبخاري (٦/ ٤١٧/٣٢٩٤) ومسلم (٤/ ١٨٦٣ - ١٨٦٤/ ٢٣٩٦) والنسائي في عمل اليوم والليلة (٢٣١ - ٢٣٢/ح٢٠٧).\n(٢) منهاج السنة (٨/ ١٦٢).","vol":"7","page":393},{"text":"أبو شَامَة الدِّمَشْقِي (١) (٦٦٥ هـ)\nعبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان، أبو شامة المقدسي الأصل، الدمشقي الشافعي الفقيه المقرئ النحوي المؤرخ، صاحب التصانيف، ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة بدمشق، وسمي بأبي شامة لشامة كبيرة كانت فوق حاجبه الأيسر. سمع من موفق الدين المقدسي، وداود بن ملاعب، وأحمد بن عبد الله السلمي، وكريمة عز الدين بن عبد السلام، وطائفة. وسمع منه الشيخ أحمد اللبان، وبرهان الدين الإسكندراني، وشرف الدين الفراوي الخطيب، وجماعة. ختم القرآن وله دون عشر سنين، وأتقن فن القراءة على السخاوي، وله ست عشرة سنة، وسمع الكثير حتى عد في الحفاظ، وكان مع براعته في العلوم متواضعا، تاركا للتكلف، ثقة في النقل؛ وبالجملة فلم يكن في وقته مثله في نفسه وديانته، وعفته وأمانته، ولي مشيخة الإقراء بالتربة الأشرفية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، ووقف كتبه بخزانة العادلية، وشرط أن لا تخرج، فاحترقت جملة وجرت له محنة في سابع جمادى الآخرة سنة خمس وستين وستمائة، توفي من جرائها في تاسع عشر رمضان ﵀ رحمة واسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2794>موقفه من المبتدعة:</span>\nله كتاب 'الباعث على إنكار البدع والحوادث'، وهو وإن كان فيه بعض ما يخالف عقيدة السلف كقوله بالمولد. فهو كتاب يمكن أن يستفيد\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٦٠) وفوات الوفيات (٢/ ٢٦٩) وشذرات الذهب (٥/ ٣١٨ - ٣١٩) وتاريخ الإسلام (حوادث ٦٦١ - ٦٧٠/ص.١٩٤ - ١٩٧).","vol":"7","page":394},{"text":"منه السلفي في ذم البدع.\nوقد طبع الكتاب مرارا.\n- قال فيه: وقد حذر النبي - ﷺ - وأصحابه فمن بعدهم أهل زمانهم البدع ومحدثات الأمور، وأمروهم بالاتباع الذي فيه النجاة من كل محذور، وجاء في كتاب الله تعالى من الأمر بالاتباع ما يرتفع معه النزاع. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٢). وهذا نص فيما نحن فيه. (٣)\n- وقال: ومن اتباع سنة رسول الله - ﷺ - وسنة الخلفاء الراشدين -﵃ أجمعين- إنكار المنكر، وإحياء السنن، وإماتة البدع، ففي ذلك أفضل أجر، وأجمل ذكر. (٤)\n- وقال: فقد بان ووضح -بتوفيق الله تعالى- صحة إنكار من أنكر شيئا من هذه البدع، وإن كان صلاة ومسجدا، ولا مبالاة بشناعة جاهل\n_________\n(١) آل عمران الآية (٣١).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) الباعث (٥٣).\n(٤) الباعث (٧٦).","vol":"7","page":395},{"text":"يقول: كيف يؤمر بتبطيل صلاة وتخريب مسجد، فما وازنه إلا وزان من يقول: كيف يؤمر بتخريب مسجد، إذا سمع أن النبي - ﷺ - خرب مسجد الضرار (١)، ومن يقول كيف ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وإذا سمع حديث علي ﵁ المخرج في الصحيح: نهاني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ القرآن في الركوع والسجود (٢).\nفاتباع السنة أولى من اقتحام البدعة، وإن كانت صلاة في الصورة، فبركة اتباع السنة أكثر فائدة، وأعظم أجرا. (٣)\n- وقال: ومما ابتدع وروي به، واستميلت قلوب الجهال والعوام بسببه: التماوت في المشي والكلام، حتى صار ذلك شعارا لمن يريد أن يظن فيه التنسك والتورع، فليعلم أن الدين خلاف ذلك، وهو ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه ثم السلف الصالح. (٤)\n\nمحمد بن أحمد القرطبي (٥) (٦٧١ هـ)\nمحمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي المالكي أبو\n_________\n(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور لابن اسحاق وابن مردويه من حديث أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري، وابن عباس.\n(٢) مسلم (١/ ٣٤٨/٤٨٠) وأبو داود (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣/ ٤٠٤٤و٤٠٤٥) والترمذي (٢/ ٤٩ - ٥٠/ ٢٦٤) والنسائي (٢/ ٥٣١ - ٥٣٢/ ١٠٣٩ - ١٠٤٣).\n(٣) الباعث (٢١٤ - ٢١٥).\n(٤) الباعث (٢٤٥).\n(٥) الديباج المذهب (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩) ونفح الطيب (٢/ ٢١٠ - ٢١٢) وشذرات الذهب (٥/ ٣٣٥) والوافي بالوفيات (٢/ ١٢٢ - ١٢٣) وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ٦٥ - ٦٦).","vol":"7","page":396},{"text":"عبد الله القرطبي -صاحب التفسير- كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعينهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف. سمع من ابن رواج، ومن ابن الجميزي، والشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي شارح مسلم ولم يتمه. وروى عنه ولده شهاب الدين أحمد.\nقال الذهبي: إمام متقن متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على إمامته، وكثرة اطلاعه ووفور فضله. وكان القرطبي ﵀ أشعري العقيدة في باب الأسماء والصفات، وعمدته في ذلك كبار الأشاعرة كالجويني وابن الباقلاني والرازي وغيرهم.\nمن مؤلفاته: الجامع لأحكام القرآن، الكتاب الأسنى في أسماء الله الحسنى، التذكار في أفضل الأذكار، والتذكرة بأمور الآخرة وغيرها. توفي في شوال من سنة إحدى وسبعين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2796>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في الجامع لأحكام القرآن: الثامنة: اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع كما قاله مَن بَعُد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبي - ﷺ - نكح تسعا، وجمع بينهن في عصمته. والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة: الرافضة وبعض أهل الظاهر، فجعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثلاث ورباع.\nوذهب بعض أهل الظاهر أيضا إلى أقبح منها، فقالوا بإباحة الجمع بين","vol":"7","page":397},{"text":"ثمان عشرة، تمسكا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع، فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع. وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع. وأخرج مالك في موطئه، والنسائي والدارقطني في سننهما أن النبي - ﷺ - قال لغيلان بن سلمة (١) الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة: «اختر منهن أربعا وفارق سائرهن» (٢). في كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «اختر منهن أربعا» (٣). (٤)\nوقال في شرح قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ الآية (٥) من سورة الفتح: الخامسة: روى أبو عروة الزبيريّ من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلًا ينتقص من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ حتى بلغ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (٦). فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على\n_________\n(١) في الاصل: بن أمية والصواب ما أثبتناه.\n(٢) مالك (٢/ ٥٨٦/٧٦) عن ابن شهاب مرسلا. ووصله أحمد (٢/ ١٣،١٤) والترمذي (٣/ ٤٣٥/١١٢٨) وابن ماجه (١/ ٦٢٨/١٩٥٣)، وعزاه الحافظ في التلخيص للنسائي (٣/ ١٦٩)، وصححه ابن حبان (٩/ ٤٦٥ - ٤٦٦/ ٤١٥٧).\n(٣) أبو داود (٢/ ٦٧٧/٢٢٤١) وابن ماجه (١/ ٦٢٨/١٩٥٢) وحسنه الشيخ الألباني ﵀ بمجموع طرقه. انظر الإرواء (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦).\n(٤) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٣).\n(٥) رقم (٢٩).\n(٦) الفتح الآية (٢٩).","vol":"7","page":398},{"text":"أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - فقد أصابته هذه الآية؛ ذكره الخطيب أبو بكر.\nقلت: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله. فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردّ على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين؛ قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) الآية. وقال: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم، والشهادة لهم بالصدق والفلاح؛ قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٣). وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ (٤)، ثم قال عزّ من قائل: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (٥). وهذا كله مع علمه ﵎ بحالهم ومآل أمرهم، وقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) الفتح الآية (١٨).\n(٣) الأحزاب الآية (٢٣).\n(٤) الحشر الآية (٨).\n(٥) الحشر الآية (٩).","vol":"7","page":399},{"text":"«خير الناس قرني ثم الذين يلونهم» وقال: «لا تسبّوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا لم يدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصيفه». قال أبو عبيد: معناه لم يدرك مدّ أحدهم إذا تصدق به ولا نصف المد؛ فالنصيف هو النصف هنا. وكذلك يقال للعُشْرِ عَشِير، وللخُمس خَميس، وللتسع تَسيع، وللثّمن ثَمين، وللسّبع سَبيع، وللسّدس سَدِيس، وللرّبع رَبيع، ولم تقل العرب للثّلث ثليث ...\nوالأحاديث بهذا المعنى كثيرة؛ فحذارِ من الوقوع في أحد منهم، كما فعل مَن طعن في الدين فقال: إن المُعوِّذتين ليستا من القرآن، وما صحّ حديث عن رسول الله - ﷺ - في تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل إلا عن عقبة بن عامر، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها، فروايته مطّرحة. وهذا ردّ لما ذكرناه من الكتاب والسنة، وإبطالٌ لما نقلته لنا الصحابة من الملة. فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجُهَني ممن روى لنا الشريعة في الصحيحين البخاري ومسلم وغيرهما، فهو ممن مدحهم الله ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم مغفرة وأجرًا عظيمًا. فمن نسبه أو واحدًا من الصحابة إلى كذب فهو خارج عن الشريعة، مبطل للقرآن طاعن على رسول الله - ﷺ -. ومتى ألحِق واحد منهم تكذيبًا فقد سُبّ؛ لأنه لا عار ولا عيب بعد الكفر بالله أعظمُ من الكذب، وقد لعن رسول الله - ﷺ - من سبّ أصحابه؛ فالمكذّب لأصغرهم -ولا صغير فيهم- داخل في لعنة الله التي شهد بها رسول الله - ﷺ -، وألزمها كلَّ مَن سبّ واحدًا من أصحابه أو طعن عليه.\nوعن عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعَلَت أصواتهم، فاحتج","vol":"7","page":400},{"text":"بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ -؛ فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يُقبل هذا الحديث على رسول الله - ﷺ -؛ لأن أبا هريرة مُتَّهم فيما يرويه، وصرّحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونصر قولهم فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله - ﷺ -، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي - ﷺ - وغيره؛ فنظر إليّ الرشيد نظر مُغْضِب، وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب؛ فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنّط وتكفّن فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيّك، وأجللت نبيّك أن يطعن على أصحابه، فسَلِّمْني منه. فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسيّ من ذهب، حاسر عن ذراعيه، بيده السيف وبين يديه النِّطْع؛ فلما بَصُرَ بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقّاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به؛ فقلت: يا أمير المؤمنين؛ إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله - ﷺ - وعلى ما جاء به؛ إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كلّه مردود غير مقبول؛ فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله! وأمر لي بعشرة آلاف درهم.\nقلت: فالصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخِيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله. هذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة. وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم؛ فيلزم البحث عن عدالتهم. ومنهم من فرق بين حالهم في","vol":"7","page":401},{"text":"بُداءة الأمر فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك؛ ثم تغيّرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء؛ فلا بدّ من البحث. وهذا مردود؛ فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعليّ وطلحة والزبير وغيرهم ﵃ ممن أثنى الله عليهم وزكّاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: ﴿مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (١). وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القُدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيّهم بإخباره لهم بذلك. وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم؛ إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب. وسيأتي الكلام في تلك الأمور في سورة الحجرات مبيّنة إن شاء الله تعالى.\n\nعلي بن وضاح الشهراياني (٢) (٦٧٢ هـ)\nكمال الدين أبو الحسن بن أبي بكر علي بن محمد بن محمد بن أبي سعيد بن وضاح الشهراياني، نزيل بغداد، الفقيه الحنبلي. ولد في رجب سنة إحدى وتسعين وخمسمائة بشهرايان. سمع الصحيحين وغيرهما من عدة شيوخ، وسمع منه ابن حصين الفخري، والحافظ الدمياطي، وأبو الحسن البندنيجي، وإبراهيم الجعبري المقرئ، وخلق كثير.\nقال ابن رجب: عني بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الحسن، وسمع الكتب الكبار، واشتغل بالعلم ببغداد، وتفقه وبرع في العربية، وشارك\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) شذرات الذهب (٥/ ٣٣٦) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٢٨٢).","vol":"7","page":402},{"text":"في فنون من العلم. وقال الإمام صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق: كان شيخا صالحا، منور الوجه، كيسا، طيب الأخلاق، سمح النفس، صحب المشايخ والصالحين، وكان عالما بالفقه والفرائض والأحاديث. وله إجازات من جماعة كثيرين، منهم الشيخ موفق الدين ابن قدامة، وأبو محمد بن عمرو بن الصلاح وغيرهما.\nتوفي ﵀، ليلة الجمعة ثالث صفر سنة اثنتين وسبعين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2798>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n'الدليل الواضح في اقتفاء نهج السلف الصالح'.\nذكره في ذيل الطبقات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2799>موقفه من المشركين:</span>\nمن آثاره: 'الرد على أهل الإلحاد'. (٢)\n\nالإمام النووي (٣) (٦٧٦ هـ)\nالإمام الحافظ محيي الدين يحيى بن شرف بن مرا بن حسن، أبو زكريا الحزامي النووي، ذو التصانيف النافعة. ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة بقرية نوى من أعمال دمشق بالشام. قال الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي: رأيت\n_________\n(١) (٤/ ٢٨٣).\n(٢) ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٢٨٣).\n(٣) السير (١٧/ ٣٢١ - ٣٢٤) [دار الفكر]، تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين لابن العطار، المنهل العذب الروي في ترجمة الإمام النووي للسخاوي، المنهاج السوي في ترجمة الإمام النووي للسيوطي، البداية والنهاية (١٣/ ٢٩٤) وشذرات الذهب (٥/ ٣٥٤ - ٣٥٥). وانظر الردود والتعقبات للشيخ مشهور سلمان.","vol":"7","page":403},{"text":"الشيخ محيي الدين -وهو ابن عشر سنين- بنوى، والصبيان يكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم، ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، فوقع في قلبي محبته، وجعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن.\nحفظ القرآن وقد ناهز الاحتلام، وحفظ كتاب التنبيه وشيئا من المهذب، وكلاهما للشيرازي. أخذ عن الشيخ إسحاق بن أحمد المغربي، وعبد الرحمن بن نوح المقدسي، وأبي حفص عمر بن أسعد الرَّبعَي، والشيخ أبي البقاء النابلسي وغيرهم. قال عنه الذهبي: أكب على طلب العلم ليلا ونهارا اشتغالا، فضرب به المثل، وهجر النوم إلا عن غلبة، وضبط أوقاته إلا بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة، أو التردد إلى الشيوخ، وترك كل رفاهية وتنعم، مع تقوى وقناعة وورع وحسن مراقبة لله في السر والعلانية.\nوذكر الشيخ أبو الحسن علي بن العطار أن الشيخ محيي الدين ذكر له أنه كان يقرأ كل يوم اثنتي عشر درسا على المشايخ، شرحا وتصحيحا، درسين في الوسيط، ودرسا في المهذب، ودرسا في الجمع بين الصحيحين، ودرسا في صحيح مسلم، ودرسا في اللمع لابن جني في النحو، ودرسا في إصلاح المنطق لابن السكيت في اللغة، ودرسا في التصريف، ودرسا في أصول الفقه، ودرسا في أسماء الرجال، ودرسا في أصول الدين. وكان يعلق جميع ما يتعلق بها من شرح لمشكل، وتوضيح لعبارة، وضبط لغة وبيان لغريب.\nتخرج به جماعة من العلماء منهم: أبو عبد الله محمد بن أبي إسحاق الكناني، وابن النقيب، وأحمد بن فرح الإشبيلي، وسليمان بن هلال الجعفري وغيرهم. درس في المدرسة الإقبالية نيابة عن الشيخ أحمد بن خلكان، وولي","vol":"7","page":404},{"text":"مشيخة دار الحديث الأشرفية حتى وفاته سنة ست وسبعين وستمائة للهجرة.\nمن مؤلفاته ﵀ شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين، والمجموع شرح المهذب، والأذكار، وروضة الطالبين وغيرها.\nتنبيه: أول النووي ﵀ بعض الصفات لا سيما الفعلية منها، وفوض معناها، ونسب هذا القول إلى جمهور السلف، وخاصة في شرحه على صحيح مسلم. لذلك قال الذهبي: إن مذهبه في الصفات السمعية السكوت، وإمراراها كما جاءت، وربما تأول قليلا في شرح مسلم. وقال السخاوي: وصرح اليافعي والتاج السبكي رحمهما الله أنه أشعري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2801>موقفه من الخوارج:</span>\nقال ﵀: قولها: (حرورية أنت) (١) هو بفتح المهملة وضم الراء الأولى وهي: نسبة الى حروراء، وهي قرية بقرب الكوفة، قال السمعاني: هو موضع على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به قال الهروى تعاقدوا في هذه القرية فنسبوا إليها. فمعنى قول عائشة ﵂، أن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف إجماع المسلمين، وهذا الاستفهام الذي استفهمته عائشة هو استفهام إنكار، أي هذه طريقة الحرورية، وبئست الطريقة. (٢)\nوقال: وأما قوله - ﷺ -: «والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٣) فهو عام في\n_________\n(١) تقدم ضمن مواقف عائشة ﵂ سنة (٥٧هـ).\n(٢) شرح مسلم (٤/ ٢٤).\n(٣) تقدم ضمن مواقف الأوزاعي سنة (١٥٧هـ).","vol":"7","page":405},{"text":"كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام، قال العلماء: ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما، وكذا الخوارج، والله أعلم. (١)\nوقال أيضا: قوله: «نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ» (٢) فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين، وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه، ولم يخالف فيه إلا الخوارج فإنهم أنكروا على علي التحكيم وأقام الحجة عليهم. (٣)\nوقال: الباب الثاني: في قتال البغاة.\nوفيه أطراف: الأول في صفتهم. الباغي في اصطلاح العلماء: هو المخالف للإمام العدل، الخارج عن طاعته بامتناعه من أداء واجب عليه أو غيره بشرطه الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، قال العلماء: ويجب قتال البغاة، ولا يكفرون بالبغي، وإذا رجع الباغي إلى الطاعة قبلت توبته، وترك قتاله، وأجمعت الصحابة ﵃ على قتال البغاة، ثم أطلق الأصحاب القول بأن البغي ليس باسم ذم، وبأن الباغين ليسوا بفسقة، كما أنهم ليسوا بكفرة، لكنهم مخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل، ومنهم من يسميهم عصاة، ولا يسميهم فسقة ويقول: ليس كل معصية بفسق، والتشديدات الواردة في الخروج عن طاعة الإمام، وفي مخالفته كحديث «من حمل علينا السلاح فليس منا» (٤) وحديث\n_________\n(١) شرح مسلم (١١/ ١٣٧).\n(٢) تقدم ضمن مواقف سعد بن معاذ ﵁ سنة (٥هـ).\n(٣) شرح مسلم (١٢/ ٧٩).\n(٤) تقدم ضمن مواقف عوف بن أبي جميلة سنة (١٤٦هـ).","vol":"7","page":406},{"text":"«من فارق الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (١)، وحديث «من خرج من الطاعة والجماعة فميتته جاهلية» (٢) كلها محمولة على من خرج عن الطاعة وخالف الإمام بلا عذر ولا تأويل.\nفصل: الذين يخالفون الإمام بالخروج عليه وترك الانقياد، والامتناع من أداء الحقوق ينقسمون إلى بغاة وغيرهم، ولكل واحد من الصنفين أحكام خاصة، فنصف البغاة بما يتميزون به، ونذكر في ضمنهم غيرهم من المخالفين. أما البغاة فتعتبر فيهم خصلتان: إحداهما: أن يكون لهم تأويل يعتقدون بسببه جواز الخروج على الإمام، أو منع الحق المتوجه عليهم، فلو خرج قوم عن الطاعة ومنعوا الحق بلا تأويل، سواء كان حدا أو قصاصا أو مالا لله تعالى أو للآدميين، عنادا أو مكابرة، ولم يتعلقوا بتأويل فليس لهم أحكام البغاة، وكذا المرتدون، ثم التأويل للبغاة إن كان بطلانه مظنونا فهو معتبر، وإن كان بطلانه مقطوعا به فوجهان: أوفقهما لإطلاق الأكثرين أنه لا يعتبر كتأويل المرتدين وشبهتهم، والثاني: يعتبر، ويكفي تغليظهم فيه، وقد يغلط الإنسان في القطعيات.\nفرع: الخوارج صنف من المبتدعة، يعتقدون أن من فعل كبيرة كفر وخلد في النار، ويطعنون لذلك في الأئمة ولا يحضرون معهم الجمعات والجماعات، قال الشافعي وجماهير الأصحاب ﵃: لو أظهر قوم رأي الخوارج وتجنبوا الجماعات، وكفروا الإمام ومن معه، فإن لم يقاتلوا\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٧٨/١٨٥١).\n(٢) تقدم ضمن مواقف القاضي عبد الوهاب سنة (٤٢٢هـ).","vol":"7","page":407},{"text":"وكانوا في قبضة الإمام لم يقتلوا، ولم يقاتلوا، ثم إن صرحوا بسب الإمام أو غيره من أهل العدل عزروا، وإن عرضوا ففي تعزيرهم وجهان:\nقلت: أصحهما لا يعزرون قاله الجرجاني، وقطع به صاحب التنبيه. والله أعلم، ولو بعث الإمام إليهم واليا فقتلوه فعليهم القصاص. وهل يتحتم قتل قاتله كقاطع الطريق لأنه شهر السلاح أم لا لأنه لم يقصد إخافة الطريق؟ وجهان، قلت: أصحهما لا يتحتم، والله أعلم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2802>موقفه من المرجئة:</span>\nقال ﵀: أهم ما يذكر في الباب اختلاف العلماء في الإيمان والإسلام وعمومهما وخصوصهما، وأن الإيمان يزيد وينقص أم لا، وأن الأعمال من الإيمان أم لا، وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين القول في كل ما ذكرناه.\nثم ساق أقوال الخطابي والبغوي وابن بطال وابن الصلاح وغيرهم، ثم قال: فإذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف وأئمة الخلف، فهي متظاهرة متطابقة على كون الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة كان شكًا وكفرًا. قال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها. قالوا: وفي هذا توفيق بين ظاهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون،\n_________\n(١) روضة الطالبين وعمدة المفتين (١٠/ ٥٠ - ٥١).","vol":"7","page":408},{"text":"وهذا الذي قاله هؤلاء، وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال. وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم، فليسوا كذلك. فهذا مما لا يمكن إنكاره ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول أنه على إيمان جبريل وميكائيل. والله أعلم.\nوأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١) أجمعوا على أن المراد صلاتكم، وأما الأحاديث فستمر بك في هذا الكتاب منها جمل مستكثرات، والله أعلم. (٢)\n\nطه بن إبراهيم الهمذاني (٣) (٦٧٧ هـ)\nطه بن إبراهيم بن أبي بكر، الشيخ جمال الدين أبو محمد الإربلي، الفقيه\n_________\n(١) البقرة الآية (١٤٣).\n(٢) شرح مسلم (١/ ١٢٩ - ١٣٣).\n(٣) فوات الوفيات (٢/ ١٣٠ - ١٣١) والبداية والنهاية (١٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨) والنجوم الزاهرة (٧/ ٢٨١) وشذرات الذهب (٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨).","vol":"7","page":409},{"text":"الشافعي. ولد بإربل سنة بضع وتسعين وخمسمائة. سمع محمد بن عمار وغيره، وروى عنه الدمياطي والدواداري وغيرهما، كان أديبا فاضلا شاعرا، ومات في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2804>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن كثير: من إنشاده:\nدع النجوم لطرقي يعيش بها ... إن النبي وأصحاب النبي نهوا ... وبالعزيمة فانهض أيها الملك\nعن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا (١)\n\nعبد الساتر بن عبد الحميد الحنبلي (٢) (٦٧٩ هـ)\nالإمام الفقيه تقي الدين أبو الفضل عبد الساتر بن عبد الحميد بن محمد ابن ماضي المقدسي الحنبلي. ولد سنة ثمان وستمائة. سمع موسى بن عبد القادر، والشيخ الموفق وجماعة. روى عنه ابن الخباز وخطيب أفرى علي الكتاني.\nقال الإمام الذهبي: رأيت له مصنفا في الصفات غالبه جيد. وقال: تلطخ بالتجسيم وكان بريئا منه. لكنه كان لهجا بإيراد الصفات، والتحرش بالخصوم، ومن صير ذلك ديدنه رمي بالتجسيم، كما أن من تتبع غرائب الحديث كذب.\nيحكي عنه المبغضون أشياء لا تصح نعوذ بالله منها. مات سنة تسع\n_________\n(١) البداية (١٣/ ٢٩٧).\n(٢) السير (١٧/ ٣١٣) والعبر (٢/ ٣١٠) وشذرات الذهب (٥/ ٣٦٣ - ٣٦٤).","vol":"7","page":410},{"text":"وسبعين وستمائة، عن نيف وسبعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2806>موقفه من الجهمية:</span>\nقال الذهبي: حدثني الشيخ إبراهيم بن بركات أن بعض الأشعرية قال لعبد الساتر: يا شيخ أنت تقول إن الله استوى على العرش؟ فقال: لا والله، لكن الله تعالى قاله، والرسول ﵇ بلغه، وأنا صدقته وأنت رددته، فبهت ذلك الرجل. (١)\nجاء في ذيل طبقات الحنابلة: عني بالسنة. وجمع فيها. وناظر الخصوم وكفرهم. وكان صاحب جرأة، وتحرق على الأشعرية، فرموه بالتجسيم. قال الذهبي: ورأيت له مصنفا في الصفات. فلم أر به بأسا. (٢)\n\nالصاحب علاء الدين صاحب الديوان (٣) (٦٨١ هـ)\nعَطَا مَلِك بن محمد بهاء الدين بن محمد الجويني الخراساني، علاء الدين، صاحب ديوان بغداد. أخو الصاحب والوزير شمس الدين. تأدب بخراسان، ولزم النظم والنثر، والمكارم والسؤدد، وكان فيه عدل ورفق بالرعية حيث أسقط المغارم عن الفلاحين، ولمَّ شعث الناس، وعُمِّرت بغداد به، وكان له إحسان إلى الفقهاء والفضلاء. وقيل في كرمه وجوده الشيء الكثير حتى\n_________\n(١) السير (١٧/ ٣١٣).\n(٢) ذيل الطبقات (٢/ ٢٩٩).\n(٣) السير (الجزء المفقود/٣٣٣ - ٣٣٥) وفوات الوفيات (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣) والسلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (٢/ ١٥٦و١٦٤) والعبر (٢/ ٣١٨) وشذرات الذهب (٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣).","vol":"7","page":411},{"text":"قال بعض الناس: كانت بغداد أيام الصاحب علاء الدين أجود ما كانت أيام الخليفة. ولما عاد منكوتمر (من أبناء هولاكوخان) مهزوما من الشام، حُمِل علاء الدين معهم إلى همذان، وهناك مات أبغا ومنكوتمر واختفى الأخوان علاء الدين وشمس الدين، فتوفي علاء الدين بعد الخفية بشهر سنة إحدى وثمانين وستمائة وقيل سنة ثلاث وثمانين، ثم ظفر أرغون (الملك الجديد) بالوزير شمس الدين فقتله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2808>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن كثير: وفيها -أي سنة ستة وستين وستمائة- قتل الصاحبُ علاء الدين صاحب الديوان ببغداد ابن الخشكري النعماني الشاعر، وذلك أنه اشتهر عنه أشياء عظيمة، منها أنه يعتقد فضل شعره على القرآن المجيد، واتفق أن الصاحب انحدر إلى واسط فلما كان بالنعمانية، حضر ابن الخشكري عنده وأنشده قصيدة قد قالها فيه، فبينما هو ينشدها بين يديه إذ أذن المؤذن فاستنصته الصاحب، فقال ابن الخشكري: يا مولانا اسمع شيئا جديدا، وأعرض عن شيء له سنين، فثبت عند الصاحب ما كان يقال عنده عنه، ثم باسطه وأظهر أنه لا ينكر عليه شيئا مما قال حتى استعلم ما عنده، فإذا هو زنديق، فلما ركب قال لإنسان معه: استفرده في أثناء الطريق واقتله، فسايره ذلك الرجل حتى إذا انقطع عن الناس قال لجماعة معه: أنزلوه عن فرسه كالمداعب له، فأنزلوه وهو يشتمهم ويلعنهم، ثم قال انزعوا عنه ثيابه، فسلبوها وهو يخاصمهم ويقول: إنكم أجلاف، وإن هذا لعب بارد، ثم قال:","vol":"7","page":412},{"text":"اضربوا عنقه، فتقدم إليه أحدهم فضربه بسيفه فأبان رأسه. (١)\n- وقال أيضا: وفيها -أي سنة اثنتين وسبعين وستمائة- فوض ملك التتار إلى علاء الدين صاحب الديوان ببغداد النظر في تستر وأعمالها، فسار إليها ليتصفح أحوالها فوجد بها شابا من أولاد التجار يقال له لي قد قرأ القرآن وشيئا من الفقه والإشارات لابن سينا، ونظر في النجوم، ثم ادعى أنه عيسى بن مريم، وصدقه على ذلك جماعة من جهلة تلك الناحية، وقد أسقط لهم من الفرائض صلاة العصر وعشاء الآخرة، فاستحضره وسأله عن ذلك فرآه ذكيا، إنما يفعل ذلك عن قصد، فأمر به فقتل بين يديه جزاه الله خيرا، وأمر العوام فنهبوا أمتعته وأمتعة العوام ممن كان اتبعه. (٢)\n\nمحمد بن أحمد القَسْطَلاَنِي (٣) (٦٨٦ هـ)\nمحمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن ميمون، الإمام قطب الدين القسطلاني أبو بكر التَّوْزَرِي الأصل، المصري، ثم المكي، ثم المالكي الشافعي. ولد بمصر سنة أربع عشرة وستمائة. وسمع من ابن البناء، وابن الزبيدي ومحمد بن نصر بن الحصري، وطائفة كثيرة. وروى عنه الدمياطي، والمزي، والبرزالي، وخلق. كان شيخا عالما زاهدا عابدا، كريم النفس، كثير الإيثار، حسن الأخلاق، قليل المثال، ولي مشيخة الكاملية إلى\n_________\n(١) البداية (١٣/ ٢٦٧).\n(٢) البداية (١٣/ ٢٨١).\n(٣) الوافي بالوفيات (٢/ ١٣٢ - ١٣٤) وفوات الوفيات (٣/ ٣١٠ - ٣١٢) والبداية والنهاية (١٣/ ٣٢٨) وشذرات الذهب (٥/ ٣٩٧).","vol":"7","page":413},{"text":"أن مات ﵀ سنة ست وثمانين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2810>موقفه من المشركين:</span>\nذكر شيخ الإسلام عن أبي الحسن علي بن قرباص: أنه دخل على الشيخ قطب الدين بن القسطلاني، فوجده يصنف كتابا. فقال: ما هذا؟ فقال: هذا في الرد على ابن سبعين، وابن الفارض وأبي الحسن الجزلي، والعفيف التلمساني. (١)\n\nابن النفيس علي بن أبي الحزم (٢) (٦٨٧ هـ)\nإمام الطب علاء الدين بن أبي الحزم بن النفيس القرشي الدمشقي الطبيب صاحب التصانيف. ولد بدمشق واشتغل على المهذب الدخوار شيخ الأطباء. وساد أهل زمانه، وكان لا يضاهى ولا يجارى في هذا الشأن استبحارا واستكثارا واستنباطا واستحضارا. ذكره الإمام أبو حيان فقال: كان يصنف من صدره من غير مراجعة. قرأت عليه جملة من الهداية وكان يقررها أحسن تقرير، وصنف في الفقه وأصوله وفي العربية وفي الحديث وعلم البيان.\nقيل: أشير عليه أن يتداوي بخمر فقال: لا ألقى الله وفي بطني منه شيء. توفي سنة سبع وثمانين وستمائة.\nموقفه من المشركين:\nقال شيخ الإسلام: كان ابن النفيس المتطبب الفاضل يقول: ليس إلا\n_________\n(١) الفتاوى (٢/ ٢٤٣).\n(٢) السير (١٧/ ٢٣٨ - ٢٣٩) والنجوم الزاهرة (٧/ ٣٧٧) والسلوك (٢/ ٢٠٩) والشذرات (٥/ ٤٠١) والبداية والنهاية (١٣/ ٣٣١) والعبر (٢/ ٣٢٥).","vol":"7","page":414},{"text":"مذهبان: مذهب أهل الحديث، أو مذهب الفلاسفة، فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف.\nقال ابن تيمية عقيبه: يعني أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسول وأولئك جعلوا الجميع تخييلا وتوهيما ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة، فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة. (١)\n\nإبراهيم بن معضاد (٢) (٦٨٧ هـ)\nأبو إسحاق إبراهيم بن معضاد الجعبري الزاهد الواعظ المذكر. سمع الحديث من أبي الحسن السخاوي بالشام، وقدم القاهرة، وحدث بها فسمع منه أبو حيان شيخ ابن عماد الحنبلي.\nكان لكلامه وقع في القلوب لصدقه وإخلاصه وصدعه بالحق. مات سنة سبع وثمانين وستمائة عن سبع وثمانين سنة وشهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2813>موقفه من الصوفية:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان الشيخ إبراهيم بن معضاد يقول -لمن رآه من هؤلاء كاليونسية والأحمدية- يا خنازير. يا أبناء الخنازير. ما أرى لله ورسوله عندكم رائحة ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ٢٠٣).\n(٢) العبر (٢/ ٣٢٥) وشذرات الذهب (٥/ ٣٩٩ - ٤٠٠).","vol":"7","page":415},{"text":"صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ (١) كل منهم يريد أن يحدثه قلبه عن ربه فيأخذ عن الله بلا واسطة الرسول ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢).اهـ (٣)\n\nالأمير نوروز (٤) (٦٩٦ هـ)\nنوروز نائب القان غازان محمود. كان دينا مسلما عالي الهمة، وهو الذي اجتهد وحرص وبالغ في أمر غازان حتى أسلم وملكه البلاد. ثم إنه وقع بينهما ما وقع مما أدى إلى قتل الأمير نوروز ﵀ سنة ست وتسعين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2815>موقفه من المشركين:</span>\nقال ابن تيمية: كلما قوى الإسلام في المغل وغيرهم من الترك ضعف أمر هؤلاء لفرط معاداتهم للإسلام وأهله، ولهذا كانوا من أنقص الناس منزلة عند الأمير نوروز المجاهد في سبيل الله الشهيد، الذي دعا ملك المغل غازان إلى الإسلام، والتزم له أن ينصره إذا أسلم، وقتل المشركين الذين لم يسلموا من البخشية السحرة وغيرهم، وهدم البذخانات، وكسر الأصنام، ومزق\n_________\n(١) المدثر الآية (٥٢).\n(٢) الأنعام الآية (١٢٤).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٢٤).\n(٤) أعيان العصر (٤/ ٢١٣٤ - ٢١٣٥).","vol":"7","page":416},{"text":"سدنتها كل ممزق، وألزم اليهود والنصارى بالجزية والصغار، وبسببه ظهر الإسلام في المغل وأتباعهم. (١)\n\nهبة الله القِفْطِي (٢) (٦٩٧ هـ)\nالقاضي أبو القاسم بهاء الدين هبة الله بن عبد الله بن سيد الكل القفطي نسبة إلى فقط بلد بصعيد مصر، واختلف في مولده فقيل سنة ستمائة أو إحدى وستمائة، وقيل في أواخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ولعل الأقرب إحدى وستمائة -كما في طبقات الشافعية-.\nسمع من الشيخ مجد الدين القشيري، والإمام شمس الدين الأصبهاني، والفقيه أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة، وغيرهم، وسمع منه تقي الدين ابن دقيق العيد، والدشناوي، وطلحة بن تقي الدين القشيري وغيرهم.\nبرع في الفقه والأصول والنحو والفرائض والجبر والمقابلة والحديث وانتفع به الناس، وتخرجت به الطلبة، وولي قضاء أسنا وتدريس المدرسة المعزية بها، وترك القضاء أخيرا، واستمر على العلم والعبادة إلى أن توفي ﵀ بأسنا سنة سبع وتسعين وستمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2817>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في شذرات الذهب: وولى قضاء أسنا، وتدريس المدرسة المعزية بها، وكانت أسنا مشحونة بالروافض، فقام في نصرة السنة وأصلح الله به\n_________\n(١) المنهاج (٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨).\n(٢) شذرات الذهب (٥/ ٤٣٩) طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٦٣) وكشف الظنون (٢/ ١٩٥٥).","vol":"7","page":417},{"text":"خلقا، وهمت الروافض بقتله فحماه الله منهم. (١)\nوله من الآثار:\n١ - 'النصائح المفترضة في فضائح الرافضة'.\nالمصدر: كشف الظنون (٢) وطبقات الشافعية لابن السبكي (٣).\n٢ - 'الأنباء المستطابة في فضائل الصحابة والقرابة'.\nالمصدر: كشف الظنون (٤) وطبقات الشافعية لابن السبكي (٥).\n\nالدباغ القيرواني (٦) (٦٩٩ هـ)\nعبد الرحمن بن محمد بن علي، أبو زيد الأنصاري الأسيدي القيرواني المعروف بالدباغ. ولد سنة خمس وستمائة. أخذ عن أعلام منهم: والده، وأبو عبد الله المعروف بالحنفي، وعن أبي عمر عثمان بن سفيان المعروف بابن شقر، وأبي المكارم محمد بن أحمد بن يوسف بن موسى، وغيرهم. وهم أكثر من ثمانين شيخا، وله برنامج فيه أسماؤهم وما روى عنهم.\nقال العبدري في رحلته: لقيته يوم ورودنا القيروان، فرأيت شيخا زكيا حصيفا، ذا سمت وهيئة وسكون ظاهر، محبا لأهل العلم، حسن الرجاء، بر\n_________\n(١) شذرات الذهب (٥/ ٤٣٩ - ٤٤٠).\n(٢) (٢/ ١٩٥٥).\n(٣) (٥/ ١٦٤).\n(٤) (١/ ١٧١).\n(٥) (٥/ ١٦٤).\n(٦) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٨٩) وشجرة النور الزكية (١/ ١٩٣) والحال السندسية في الأخبار التونسية (١/ ٢٤٩ - ٢٥٦) والأعلام للزركلي (٣/ ٣٢٩).","vol":"7","page":418},{"text":"اللقاء، لم يؤثر الكبر في جسمه على علو سنه، ولا تغير شيء من ذهنه وحواسه.\nله من المؤلفات: 'معالم الإيمان وروضات الرضوان في مناقب المشهورين من صلحاء القيروان'، وتاريخ ملوك الإسلام، وجلاء الأفكار في مناقب الأنصار وغيرها.\nتوفي ﵀ سنة تسع وتسعين وستمائة عن أربع وتسعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2819>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال في معالم الإيمان: وأما فضل القيروان عموما فمعلوم على تعاقب الزمان، متداول بين الأمم لا يختلف فيه اثنان، ناهيك من قوم سلفهم الأول أفاضل الصحابة والتابعين الذين فتح الله بهم أقطار المغارب، وجالت في أرجائه منهم أفضل الجيوش والكتائب، وعلى أيديهم أسلم سائره، وانتصفت من طائفة الكفر جنود الحق وعساكره، وأما من جاء بعدهم فعلماء الدين، والقدوة لسائر المسلمين، مصابيح الظلام، وأئمة الاقتداء، وهم الذين كانت تشد إليهم الإبل، وبالجملة فالذي كان أهل القيروان عليه قديما من قوة الإيمان بالله، والانتصار للحق، والصبر على الأذى في الله، والجهاد لإعزاز الدين، والقيام بالرد على أهل الأهواء بالدلائل القاطعة. والحجج الدامغة لتثبيت عقائد عامة الموحدين، فقد ناضلوا بالسيوف، وجادلوا باللسان في تقرير الدين وتثبيت قواعد اليقين، فذلك كله شيء لا يسعه ديوان، ولا يمليه لسان، قد امتحنوا باستيلاء الخوارج عليهم من الصفرية والإباضية، وكذلك امتحنوا بخلق القرآن في زمن الواثق، وعزم محمد بن الأغلب على قتل محمد","vol":"7","page":419},{"text":"ابن سعيد، فما زالوا على اعتقاد أهل السنة، وصبروا على الأذى في دين الله وما زادهم إلا يقينا وبصيرة في دينهم، ولما استولى العبيديون على إفريقية وانضافت إليهم طوائف كثيرة من أهل الشيع الغالبة، قدموا عليهم من البلاد متوسلين إليهم بحب أهل البيت والتعصب لهم، حتى ولوهم الولايات ورفعوا منازلهم، ثم أظهروا مذهبهم الفاسد في سب الصحابة رضوان الله عليهم وتبديل الشرائع والإضرار بأهل السنة، مثل محمد بن عمر المروزي لعنه الله، وعبد الله بن محمد الكاتب، ومحمد بن أبي سعيد، حتى كشف الله أستارهم فقتلوا بالعذاب، وبعد ذلك هجم أهل القيروان على هؤلاء الأشرار بعد ما تولى المعز بن باديس، فقتلوهم عن آخرهم وطهر الله القيروان من رجسهم والحمد لله رب العالمين.\nولم يزل أهل القيروان في جهاد مع الفرق الضالة والفئة المارقة، ولم يزل الشيخ الأوحد أبو عثمان سعيد بن الحداد، وأبو محمد عبد الله بن إسحاق التبان، يناظران على مذهب أهل السنة ويرون ذلك من أعظم الجهاد، حتى أخمد الله نارهم، وقل عددهم، وظهر حزب الحق، وأعلا الله كلمته، والحمد لله رب العالمين. (١)\n\nأبو محمد ابن أبي جمرة (٢) (٦٩٩ هـ)\nعبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، أبو محمد\n_________\n(١) معالم الإيمان (١/ ٢٤ - ٢٥).\n(٢) البداية والنهاية (١٣/ ٣٦٦) وشجرة النور الزكية (١/ ١٩٩) والأعلام للزركلي (٤/ ٨٩).","vol":"7","page":420},{"text":"المحدث الراوية المقرئ. أخذ عن جماعة منهم أبو الحسن الزيات، وأخذ عنه صاحب المدخل ابن الحاج.\nله جمع النهاية اختصر به صحيح البخاري، وشرحه بهجة النفوس.\nقال عنه ابن كثير: كان قوالا بالحق، أمارا بالمعروف، ونهاء عن المنكر.\nوله ميل إلى التصوف واضح خصوصا في كتابه بهجة النفوس.\nتوفي ﵀ سنة تسع وتسعين وستمائة هجرية، وقيل سنة خمس وتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2821>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال في كتابه 'بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها'، وهو شرح مختصر صحيح البخاري المسمى جمع النهاية في بدء الخير والغاية -ويظهر من خلال هذا الشرح صوفية الرجل- وله كلمات في الذب عن السنة وذم البدعة، منها ما قاله عند شرح حديث: «إن الله ﵎ إذا أحب عبدا نادى جبريل إن الله قد أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في السماء إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في أهل الأرض» (١): ويؤخذ بقوة الكلام من مفهوم هذا الحديث الندب على توفية أفعال البر على اختلاف أنواعها من فرض وسنة وندب إلى غير ذلك من أنواعه، إذ أن بذلك يحصل للعبد بفضل الله هذه المنزلة الرفيعة ويفهم منه أيضا كثرة الحذر وشدة النهي عن المعاصي والبدع التي بها يحرم العبد هذه\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٥١٤) والبخاري (٦/ ٣٧٣/٣٢٠٩) ومسلم (٤/ ٢٠٣٠/٢٦٣٧) والترمذي (٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨/ ٣١٦١) من حديث أبي هريرة.","vol":"7","page":421},{"text":"المنزلة الجليلة. (١)\n\nأحمد بن إبراهيم (٢) (٧٠٨ هـ)\nالحافظ أحمد بن إبراهيم بن الزبير، أبو جعفر الأندلسي النحوي. ولد سنة سبع وعشرين وستمائة. وتلا بالسبع على أبي الحسن الشاري، وسمع منه ومن إسحاق بن إبراهيم الطوسي والمؤرخ أحمد بن يوسف بن فرتون وأبي الوليد إسماعيل بن يحيى الأزدي وأبي الحسين بن السراج وغيرهم، وبه تخرج أبو حيان. قال ابن ناصر الدين: كان نحويا حافظا علامة، أستاذ القراء ثقة عمدة. وقال الكمال جعفر: كان ثقة قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قامعا لأهل البدع، وله مع ملوك عصره وقائع وكان معظما عند الخاصة والعامة، حسن التعلم ناصحا. توفي ﵀ سنة ثمان وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2824>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في البدر الطالع: من مناقبه أن الفازاري الساحر ادعى النبوة فقام عليه فاستظهر عليه بتقربه إلى أميرها بالسحر، وأوذي أبو جعفر فتحول إلى غرناطة، فاتفق قدوم الفازاري رسولا من أمير (مالقه)، فاجتمع أبو جعفر بصاحب غرناطة، ووصف له حال الفازاري، فأذن له إذا انصرف بجواب رسالته أن يخرج إليه ببعض أهل البلد، ويطالبه من نائب الشرع، ففعل، فثبت عليه الحد، وحكم بقتله، فضرب بالسيف فلم يؤثر فيه. فقال أبو جعفر\n_________\n(١) بهجة النفوس (٤/ ٢٨٢).\n(٢) العبر (٢/ ٣٦٥) والدرر الكامنة (١/ ٨٤ - ٨٦) والبدر الطالع (١/ ٣٣ - ٣٥) وشذرات الذهب (٦/ ١٦).","vol":"7","page":422},{"text":"جردوه، فجردوه فوجدوا جسده مكتوبا فغسل، ثم وجد تحت لسانه حجرا لطيفا فنزعه، فعمل فيه السيف فقتله. قال بعض من ترجمه -أي أحمد بن إبراهيم الأندلسي- كان ثقة قائما بالمعروف والنهي عن المنكر، دامغا لأهل البدع. وله مع ملوك عصره وقائع، وكان معظما عند الخاصة والعامة. (١)\n\nمسعود بن أحمد (٢) (٧١١ هـ)\nسعد الدين مسعود بن أحمد بن مسعود أبو محمد وأبو عبد الرحمن، الحافظ قاضي الحنابلة الحارثي، ولد سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين وستمائة. سمع بمصر من الرضى بن البرهان، والنجيب الحراثي، وجماعة من أصحاب البوصيري وطبقته، وبالإسكندرية من عثمان بن عوف، وابن الفرات، وبدمشق من أبي زكريا بن الصيرفي، وخلق من هذه الطبقة. سمع منه: إسماعيل ابن الخباز -وهو أسن منه- وأبو الحجاج المزي وأبو محمد البرزالي. عني بالحديث. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير، وخرج لجماعة من الشيوخ معاجم، ودرس بعدة أماكن، كالمنصورية، وجامع الحاكم، وولي القضاء سنتين ونصفا، وكان سنيا أثريا، متمسكا بالحديث، قال الذهبي: وكان عارفا بمذهبه ثقة متقنا صيتا مليح الشكل، فصيح العبارة، وافر التجمل، كبير القدر حج غير مرة وشرح بعض السنن لأبي داود. وانتقل إلى الله في سحر يوم الأربعاء رابع\n_________\n(١) البدر الطالع (١/ ٣٤ - ٣٥) والدرر الكامنة (١/ ٨٥ - ٨٦).\n(٢) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٦٢) وشذرات الذهب (٦/ ٢٨ - ٢٩) والبداية والنهاية (١٤/ ٦٧) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٩٥).","vol":"7","page":423},{"text":"عشر ذي الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالقاهرة ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2826>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في العقد الثمين عنه قال: الحمد لله، ما ذكر من الكلام المنسوب إلى الكتاب المذكور -أي الفصوص- يتضمن الكفر. ومن صدق به فقد تضمن تصديقه بما هو كفر يجب في ذلك الرجوع عنه، والتلفظ بالشهادتين عنده. وحق على كل من سمع ذلك إنكاره. ويجب محو ذلك وما كان مثله وقريبا منه من هذا الكتاب، ولا يترك بحيث يطلع عليه، فإن في ذلك ضررا عظيما على من لم يستحكم الإيمان في قلبه، وربما كان في الكتاب تمويهات وعبارات مزخرفة وإشارات إلى ذلك لا يعرفه كل أحد فيعظم الضرر. وكل هذه التمويهات ضلالات وزندقة. والحق إنما هو في اتباع كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -. وقول القائل: إنه أخرج الكتاب بإذن رسول الله - ﷺ - بمنام رآه، فكذب منه على رؤياه للنبي - ﷺ -. (١)\n\nمحمد بن يوسف الجَزَرِي (٢) (٧١١ هـ)\nمحمد بن يوسف بن عبد الله بن محمود الجزري المصري أبو عبد الله. ولد في حدود سنة ثلاثين وقيل سبع وثلاثين وستمائة بجزيرة ابن عمر. سمع من الشيخ شمس الدين الأصبهاني شارح المحصول في العقليات، ومن أبي المعالي أحمد بن إسحاق الأبرقوهي. وسمع منه: السبكي، وانتفع به الناس. كان\n_________\n(١) العقد الثمين (٢/ ٢٨٤).\n(٢) طبقات الشافعية (٦/ ٣١) والوافي بالوفيات (٥/ ٢٦٣) الدرر الكامنة (٤/ ٢٩٩) وشذرات الذهب (٦/ ٤٢).","vol":"7","page":424},{"text":"خطيبا بالجامع الصالحي بمصر ثم بالجامع الطولوني وكان إماما في الأصلين والفقه والنحو والمنطق والبيان والطب ودرس بالمعزية والشريفية، وانتصب للإقراء فكان لا يفرغ لنفسه ساعة واحدة، ويقرأ عليه المسلمون واليهود والنصارى، وكان حسن الصورة مليح الشكل حلو العبارة كريم الأخلاق يسعى في قضاء حوائج الناس، ويبذل جاهه لمن يقصده. توفي بمصر في سادس ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2828>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في العقد الثمين عنه قال -في الرد على ابن عربي الصوفي-: الحمد لله. قوله: فإن آدم ﵇ إنما سمي إنسانا، تشبيه وكذب باطل، وحكمه بصحة عبادة قوم نوح للأصنام كفر لا يقر قائله عليه. وقوله: إن الحق المنزه هو الخلق المشبه، كلام باطل متناقض، وهو كفر. وقوله في قوم هود: إنهم حصلوا في عين القرب، افتراء على الله ورد لقوله فيهم. وقوله: زال البعد وصيرورة جهنم في حقهم نعيما، كذب وتكذيب للشرائع، بل الحق ما أخبر الله به من بقائهم في العذاب.\nوأما من يصدقه فيما قاله -لعلمه بما قال- فحكمه كحكمه من التضليل والتكفير إن كان عالما، فإن كان ممن لا علم له فإن قال ذلك جهلا عرف بحقيقة ذلك، ويجب تعليمه وردعه عنه مهما أمكن، وإنكاره الوعيد في حق سائر العبيد كذب ورد لإجماع المسلمين، وإنجاز من الله ﷿ للعقوبة، فقد دلت الشريعة دلالة ناطقة أن لابد من عذاب طائفة من عصاة المؤمنين،","vol":"7","page":425},{"text":"ومنكر ذلك يكفر عصمنا الله من سوء الاعتقاد وإنكار المعاد والله أعلم. (١)\nالتعليق:\nمن قرأ هذا الجواب -الذي يثلج الصدر على كتاب الفصوص للزنديق ابن عربي- يحمد الله تعالى على وجود أمثال هؤلاء العلماء القائمين لله بالحق، والرادين للباطل مهما كان قائله، ويكشفون حاله سواء تلبس بولاية أو صوفية أو حب آل البيت إلى غير ذلك من الأشكال التي يتلبس بها المبتدعة، فعليك يا ابن عربي ما تستحق من ربك، لقد ضل بك خلق كثير في كل وقت وحين وما يزال المثقفون الآن والدعاة يقولون: الولي الكبير سيدي ابن عربي. هداهم الله للتعرف على عقيدتهم الحقة.\n\nعماد الدين الحزامي (٢) (٧١١ هـ)\nأحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن عماد الدين أبو العباس الشيخ القدوة ابن شيخ الحزامية الواسطي الشافعي. ولد في حادي عشر أو ثاني عشر ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة بشرقي واسط. اجتمع بالفقهاء بواسط كالشيخ عز الدين الفاروتي وغيره، وصاحب الشيخ تقي الدين ابن تيمية حين قدم دمشق واستفاد منه. كان يقرأ الكافي على الشيخ مجد الدين الحراني، وكتب عنه الذهبي والبرزالي، وسمع منه جماعة من شيوخ ابن رجب وغيرهم. تفقه وتأدب ولقي المشايخ وتزهد وتعبد. كان ابن تيمية ﵀\n_________\n(١) العقد الثمين (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\n(٢) طبقات الحنابلة (٤/ ٣٥٨ - ٣٦٠) وشذرات الذهب (٦/ ٢٤ - ٢٥).","vol":"7","page":426},{"text":"يعظمه ويجله، وكتب إليه كتابا من مصر أوله: إلى شيخنا الإمام العارف القدوة السالك. كان ذا ورع وإخلاص ومنابذة للاتحادية وذوي العقول والمبتدعة، وكان داعية إلى السنة، وكان يتقوت من النسخ، ولا يكتب إلا مقدار ما يدفع به الضرورة، وكان أبوه شيخ الطائفة الأحمدية، ونشأ بينهم، وتأثر بهم في تصوفهم إلى أن وفق له شيخ الإسلام ابن تيمية، فدله على مطالعة السيرة النبوية، وأقبل على مطالعة كتب الحديث والسنة والآثار، فتخلى عن جميع أحوالهم وطرائقهم وسلوكهم، واقتفى آثار رسول الله - ﷺ - وهديه. وكان محبا لأهل الحديث، معظما لهم، وأوقاته محفوظة. ولم يزل على ذلك إلى أن توفي آخر نهار السبت سادس عشر ربيع الآخر سنة إحدى عشر وسبعمائة بالمارستان الصغير بدمشق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2830>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في ذيل طبقات الحنابلة: وكان أبوه شيخ الطائفة الأحمدية، ونشأ الشيخ عماد الدين بينهم، وألهمه الله من صغره طلب الحق ومحبته، والنفور عن البدع وأهلها، فاجتمع بالفقهاء بواسط كالشيخ عز الدين الفاروتي وغيره. وقرأ شيئا من الفقه على مذهب الشافعي.\nثم دخل بغداد، وصحب بها طوائف من الفقهاء، وحج واجتمع بمكة بجماعة منهم. وأقام بالقاهرة مدة ببعض خوانقها، وخالط طوائف الفقهاء، ولم يسكن قلبه إلى شيء من الطوائف المحدثة. واجتمع بالإسكندرية بالطائفة الشاذلية، فوجد عندهم ما يطلبه من لوايح المعرفة، والمحبة والسلوك، فأخذ ذلك عنهم، ... واقتفى طريقتهم وهديهم.","vol":"7","page":427},{"text":"ثم قدم دمشق، فرأى الشيخ تقي الدين ابن تيمية وصاحبه، فدله على مطالعة السيرة النبوية، فأقبل على سيرة ابن إسحاق تهذيب ابن هشام، فلخصها واختصرها، وأقبل على مطالعة كتب الحديث والسنة والآثار، وتخلى من جميع طرائقه وأحواله، وأذواقه وسلوكه، واقتفى آثار الرسول - ﷺ - وهديه، وطرائقه المأثورة عنه في كتب السنن والآثار، واعتنى بأمر السنة أصولا وفروعا، وشرع في الرد على طوائف المبتدعة الذين خالطهم وعرفهم من الاتحادية وغيرهم، وبين عوراتهم، وكشف أستارهم. (١)\nله من الآثار:\nجزء في الرد على الاتحادية والمبتدعة، انظر ذيل طبقات الحنابلة (٢).\n\nأم زينب فاطمة بنت عباس (٣) (٧١٤ هـ)\nفاطمة بنت عباس بن أبي الفتح البغدادية أم زينب الواعظة العالمة المسندة المفتية، الخيرة الصالحة، المتقنة المحققة الكاملة الفاضلة، الواحدة في عصرها، والفريدة في دهرها، المقصودة في كل ناحية. أخذت عن الشيخ شمس الدين بن أبي عمر وغيره من المقادسة، وكانت تحضر مجلس الشيخ ابن تيمية وتستفيد منه وانتفع بها نساء أهل دمشق حيث ختّمت كثيرا منهن القرآن. كان ابن تيمية يثني عليها ويتعجب من حرصها وذكائها ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيرا من المغني، وأنه كان يستعد لها من كثرة مسائلها وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها. وكانت آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، وقل من أنجب من النساء مثلها. توفيت ليلة عرفة سنة أربع عشرة وسبعمائة، رحمها الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2832>موقفها من الصوفية:</span>\nجاء في البداية والنهاية: ... وكانت من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم على الأحمدية في مواخاتهم النساء والمردان. وتنكر أحوالهم وأصول أهل البدع وغيرهم، وتفعل من ذلك ما لا تقدر عليه الرجال. وقد كانت تحضر مجلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعتُ الشيخ تقي الدين يثني عليها ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها\n_________\n(١) ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٣٥٩).\n(٢) (٤/ ٣٦٠).\n(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٧٤ - ٧٥) وشذرات الذهب (٦/ ٣٤) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨) والدرر الكامنة (٣/ ٢٢٦).","vol":"7","page":428},{"text":"أنها كانت تستحضر كثيرا من المغني أو أكثره، وأنه كان يستعد لها من كثرة مسائلها وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها، وهي التي خَتَّمَتْ نساء كثيرا القرآن، منهن أم زوجتي عائشة بنت صديق زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وهي التي أقرأت ابنتها زوجتي أمة الرحيم زينب رحمهن الله وأكرمهن برحمته وجنته آمين. (١)\nالتعليق:\nوالحمد لله الذي أوجد حتى من النساء من يدافع عن العقيدة السلفية. وغير هذه الصالحة كثيرات، ولكن لعل المؤرخين بخلوا بنقلهن إلينا. ذلك\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"7","page":429},{"text":"فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2833>موقف السلف من محمد بن الحسن الزنديق (٧١٧ ه</span>ـ)\nجاء في البداية والنهاية: وفي هذه السنة خرجت النصيرية عن الطاعة وكان من بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدعي علي بن أبي طالب فاطر السماوات والأرض، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وخرج يكفر المسلمين، وأن النصيرية على الحق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار النصيرية الضلال، وعين لكل إنسان منهم تقدمة ألف، وبلادا كثيرة ونيابات، وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلوا خلقا من أهلها، وخرجوا منها يقولون لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان، وسبوا الشيخين، وصاح أهل البلد وا إسلاماه، وا سلطاناه، وا أميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد، وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله ﷿، فجمع هذا الضال تلك الأموال فقسمها على أصحابه وأتباعه قبحهم الله أجمعين. وقال لهم: لم يبق للمسلمين ذكر ولا دولة، ولو لم يبق معي سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلها. ونادى في تلك البلاد: إن بالمقاسمة بالعشر لا غير ليرغب فيه، وأمر أصحابه بخراب المساجد واتخاذها خمارات، وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين: قل لا إله إلا علي، واسجد لإلهك المهدي، الذي يحيي ويميت حتى يحقن دمك، ويكتب لك فرمان، وتجهزوا","vol":"7","page":430},{"text":"وعملوا أمرا عظيما جدا، فجردت إليهم العساكر فهزموهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وجما غفيرا، وقتل المهدي أضلهم، وهو يكون يوم القيامة مقدمهم إلى عذاب السعير، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ (١).اهـ (٢)\n\nمحمد بن قوام (٣) (٧١٨ هـ)\nالشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح عمر بن أبي بكر بن قوام البالسي. ولد سنة خمسين وستمائة ببالس. سمع من أصحاب ابن طبرزد. قال ابن كثير: كان حسن العقيدة وطويته صحيحة، محبا للحديث وآثار السلف. وقال الذهبي: كان محمود الطريقة، متين الديانة. وقال: كان ذا همة وجلادة وذكر وعبادة، لكنه أَضَرَّ وثقل سمعه. توفي ﵀ سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وحضر جنازته خلق كثير، من جملتهم شيخ الإسلام ابن تيمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2835>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في البداية والنهاية: قام الشيخ محمد بن قوام ومعه جماعة من الصالحين على ابن زهرة المغربي الذي كان يتكلم بالكلاسة، وكتبوا عليه\n_________\n(١) الحج الآيتان (٣و٤).\n(٢) البداية (١٤/ ٨٥ - ٨٦).\n(٣) العبر (٢/ ٣٨٤) والبداية والنهاية (١٤/ ٩١ - ٩٢) والدرر الكامنة (٤/ ١٢٤) وشذرات الذهب (٦/ ٤٩).","vol":"7","page":431},{"text":"محضرا يتضمن استهانته بالمصحف، وأنه يتكلم في أهل العلم، فأحضر إلى دار العدل، فاستسلم وحقن دمه وعزر تعزيرا بليغا عنيفا وطيف به في البلد باطنه وظاهره، وهو مكشوف الرأس ووجهه مقلوب وظهره مضروب، ينادى عليه هذا جزاء من يتكلم في العلم بغير معرفة، ثم حبس وأطلق فهرب إلى القاهرة، ثم عاد على البريد في شعبان ورجع إلى ما كان عليه. (١)\n\nمحمد بن حَنَش (٢) (٧١٩ هـ)\nمحمد بن يحيى بن أحمد بن حنش اليماني. ولد بعد سنة خمسين وستمائة. وقرأ على علماء عصره حتى برع في فنون عدة وبلغ رتبة الاجتهاد وأخذ عنه جماعة من أكابر العلماء كالإمام محمد بن المطهر، وله مصنفات. وكان زاهدا عابدا فصيح العبارة سريع الجواب، مستحضرا للفنون محققا في جميع مباحثه توفي سنة تسع عشرة وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2837>موقفه من المشركين:</span>\nآثاره السلفية:\n'القاطعة في الرد على الباطنية'. (٣)\n_________\n(١) البداية (١٤/ ٦٨).\n(٢) البدر الطالع (٢/ ٢٧٧) الأعلام (٧/ ١٣٨) ومعجم المؤلفين (١٢/ ٩٨).\n(٣) البدر الطالع (٢/ ٢٧٧).","vol":"7","page":432},{"text":"شرف الدين أبو عبد الله ابن النجيح (١) (٧٢٣ هـ)\nمحمد بن سعد الله بن عبد الأحد شرف الدين أبو عبد الله الحراني المعروف بابن النجيح الحنبلي. سمع من الفطر بن البخاري وزينب بنت مكي وتفقه ولازم ابن تيمية وأذن له. طلب الحديث وقرأ بنفسه وتفقه وأفتى. كان صحيح الذهن جيد المشاركة في العلوم، من خيار الناس وعقلائهم وعلمائهم. كان مع شيخ الإسلام في مواطن كبار صعبة، لا يستطيع الإقدام عليها إلا الأبطال الخلص الخواص، وسجن معه، وقد كان هذا الرجل في نفسه وعند الناس جيدا مشكور السيرة جيد العقل والفهم عظيم الديانة والزهد. ولهذا كانت عاقبته هذه الموتة عقيب الحج في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة بوادي بني سالم، وحمل إلى المدينة النبوية على أعناق الرجال ودفن بالبقيع ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2839>موقفه من المبتدعة:</span>\nمحنته وصبره على عقيدته السلفية:\nقال الحافظ ابن كثير: قد صحب شيخَنا العلامة تقي الدين بن تيمية، وكان معه في مواطن كبار صعبة لا يستطيع الإقدام عليها إلا الأبطال الخلص الخواص، وسجن معه، وكان من أكبر خدامه وخواص أصحابه، ينال فيه الأذى وأوذي بسببه مرات ... (٢)\n_________\n(١) الدرر الكامنة (٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤) وشذرات الذهب (٦/ ٦١) والبداية والنهاية (١٤/ ١١٤) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٧٦).\n(٢) (١٤/ ١١٤).","vol":"7","page":433},{"text":"شهاب الدين ابن مري (١) (كان حيا سنة ٧٢٥ هـ)\nالشيخ أحمد بن محمد بن مري شهاب الدين البعلبكي الحنبلي. كان ﵀ في بداية أمره منحرفا عن شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم اجتمع به فأحبه، وأصبح من المدافعين عنه، وعن عقيدته السلفية. رحل إلى مصر واجتمع بالأمير بدر الدين خبكلي بن الباب فأذن له بالتحديث بجامع الأمير شرف الدين حسين بن جندربحكر جوهر النوبي وحدث أيضا بجامع عمرو ابن العاص. وقعت له محنة مع العوام، فمنعه القاضي المالكي من الجلوس في سادس عشر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وسبعمائة، ثم حبس وضرب ثم سفر وأهله إلى بلد الخليل. وكان يتردد على دمشق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2841>موقفه من المبتدعة:</span>\nمحنته بسبب عقيدته السلفية:\nجاء في البداية والنهاية: وفيها منع الشيخ شهاب الدين بن مري البعلبكي من الكلام على الناس بمصر على طريقة الشيخ تقي الدين ابن تيمية. وعزره القاضي المالكي بسبب الاستغاثة وحضر المذكور بين يدي السلطان وأثنى عليه جماعة من الأمراء ثم سُفِّرَ إلى الشام بأهله فنزل ببلاد الخليل، ثم انتزح إلى بلاد الشرق، وأقام بسنجار وماردين ومعاملتهما يتكلم ويعظ الناس إلى أن مات. (٢)\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ١٢١) وأعيان العصر (١/ ٢٣١) والدرر الكامنة (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣).\n(٢) (١٤/ ١٢١).","vol":"7","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2842>موقفه من المشركين والصوفية:</span>\nمحنته بسبب عقيدته السلفية:\nجاء في الدرر الكامنة: أحمد بن محمد بن مري البعلي الحنبلي كان منحرفا عن ابن تيمية، ثم اجتمع به، فأحبه وتتلمذ له وكتب مصنفاته، وسلك طريقه في الحط على الصوفية، ثم إنه تكلم في مسألة التوسل بالنبي - ﷺ - وفي مسألة الزيارة وغيرهما على طريق ابن تيمية فوثب به جماعة من العامة ومن يتعصب للصوفية وأرادوا قتله فهرب فرفعوا أمره إلى القاضي المالكي تقي الدين الأخنائي فطلبه وتغيب عنه فأرسل إليه وأحضره وسجنه ومنعه من الجلوس وذلك بعد أن عقد له مجلس بين يدي السلطان وذلك في ربيع الآخر سنة ٧٢٥هـ فأثنى عليه بدر الدين ابن جنكلي وبدر الدين ابن جماعة وغيرهما من الأمراء، وعارضهم الأمير -إيدمر- الحظيري، فحط عليه وعلى شيخه وتفاوض هو وجنكلي حتى كادت تكون فتنة ففوض السلطان الأمر لأرغون النائب فأغلظ القول للفخر ناظر الجيش وذكر أنه يسعى للصوفية بغير علم، وأنهم تعصبوا عليه بالباطل فآل الأمر إلى تمكين المالكي منه، فضربه بحضرته ضربا مبرحا حتى أدماه ثم شهره على حمار أركبه مقلوبا ثم نودي عليه: هذا جزاء من يتكلم في حق رسول الله - ﷺ -، فكادت العامة تقتله ثم أعيد إلى السجن ثم شفع فيه، فآل أمره إلى أن سفر من القاهرة إلى الخليل فرحل بأهله وأقام به ... (١)\n_________\n(١) الدرر الكامنة (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"7","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2843>موقف السلف من الزنادقة (٧٢٦ ه</span>ـ)\nجاء في البداية والنهاية: وفي يوم الثلاثاء حادي عشرين ربيع الأول بكرة ضربت عنق ناصر بن الشرف أبي الفضل بن إسماعيل بن الهيثي بسوق الخيل على كفره واستهانته واستهتاره بآيات الله، وصحبته الزنادقة كالنجم ابن خلكان، والشمس محمد الباجريقي، وابن المعمار البغدادي، وكل فيهم انحلال وزندقة مشهور بها بين الناس. قال الشيخ علم الدين البرزالي: وربما زاد هذا المذكور المضروب العنق عليهم بالكفر والتلاعب بدين الإسلام، والاستهانة بالنبوة والقرآن. قال وحضر قتله العلماء والأكابر وأعيان الدولة. قال: وكان هذا الرجل في أول أمره قد حفظ التنبيه، وكان يقرأ في الختم بصوت حسن. وعنده نباهة وفهم، وكان منزلا في المدارس والترب، ثم إنه انسلخ من ذلك جميعه، وكان قتله عزا للإسلام وذلا للزنادقة وأهل البدع. قلت: وقد شهدت قتله، وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية حاضرا يومئذ، وقد أتاه وقرعه على ما كان يصدر منه قبل قتله، ثم ضربت عنقه وأنا شاهد ذلك. (١)\nالتعليق:\nجزى الله خيرا علماء المسلمين وأمراءهم الذين ما تركوا زنديقا إلا صلبوه أو ضربوا عنقه إلا من هرب وفلت. واليوم لو أردت أن تطبق حد\n_________\n(١) البداية (١٤/ ١٢٧).","vol":"7","page":436},{"text":"الزندقة في بلاد المسلمين التي عطلت الحدود الشرعية بالكلية إلا من شاء الله منها، فلا أدري كم يصفو لك من هذا؟! لأن الإلحاد الذي هو أكبر الزندقة يدرس في المدارس، وما أهداف الشيوعيين والاشتراكيين والبعثيين وأذنابهم إلا نشره في المجتمعات الإسلامية. ولهذا هم لا يحبون أن يسمعوا شيئا يسمى إسلاما، لأن فيه تطبيق حد الزندقة على أمثالهم ممن يأكلون دريهمات روسيا والصين وغيرها من دول الزندقة.\n\nشرف الدين ابن تيمية (١) (٧٢٧ هـ)\nعبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تيمية الحراني شرف الدين أبو محمد الدمشقي أخو الشيخ الإمام العلامة تقي الدين. ولد في حادي عشر محرم سنة ست وستين وستمائة بحران. سمع من ابن أبي اليسر وابن علان وابن الصيرفي وابن أبي عمر وخلق كثير وسمع منه الطلبة. ذكره الذهبي في معجم شيوخه. فقال: كان إماما بارعا، فقيها عارفا بالمذهب وأصوله وأصول الديانات، عارفا بدقائق العربية، وبالفرائض والحساب والهيئة، كثير المحفوظ، له مشاركة جيدة في الحديث، ومشاهير الأئمة والحوادث، ويعرف قطعة كثيرة من السيرة، وكان متقنا للمناظرة وقواعدها، والخلاف. وكان حلو المحاضرة متواضعا، كثير العبادة والخير ذا حظ من صدق وإخلاص وتوجه وعرفان، وانقطاع بالكلية عن الناس، قانعا\n_________\n(١) الدرر الكامنة (٢/ ٢٦٦) وشذرات الذهب (٦/ ٧٦) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٢) والوافي بالوفيات (١٧/ ٢٤٠).","vol":"7","page":437},{"text":"بيسير اللباس. سمع المسند والصحيحين وكتب السنن، وكان كثير العبادة والتأله، والمراقبة والخوف من الله تعالى. سئل عنه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني فقال: هو بارع في فنون عديدة من الفقه، والنحو والأصول، ملازم لأنواع الخير، وتعليم العلم، حسن العبارة قوي في دينه، جيد التفقه مستحضر لمذهبه، مليح البحث، صحيح الذهن، قوي الفهم، رحمه الله تعالى. وكان أخوه يتأدب معه ويحترمه. تمرض أياما ومات يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة بدمشق. وكانت جنازته مشهودة، وحمل على الرؤوس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2845>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في البداية والنهاية: وفي هذا الشهر يوم الخميس السابع والعشرين منه -يعني من ذي الحجة سنة ست وسبعمائة- طلب أخوا الشيخ تقي الدين: شرف الدين وزين الدين من الحبس إلى مجلس نائب السلطان: سلار وحضر ابن مخلوف المالكي، وطال بينهم كلام كثير، فظهر شرف الدين بالحجة على القاضي المالكي بالنقل والدليل والمعرفة، وخطأه في مواضع ادعى فيها دعاوى باطلة، وكان الكلام في مسألة العرش ومسألة الكلام وفي مسألة النزول. (١)\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ٤٥).","vol":"7","page":438},{"text":"شيخ الإسلام ابن تيمية (١) (٧٢٨ هـ)\nإن يكن في أمة محمد - ﷺ - مجددون -وهم فيها- فمن أفضلهم شيخ الإسلام ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم، جدد الله به السنة وأمات به البدعة. أحيا ما اندثر من آثار السلف، ولم يكن من أصحاب الزوايا وأرباب الصوامع التكايا، ولكن كان إماما معلما، أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر باليد واللسان والقلب. فتح الله به قلوبا غلفا، وآذانا صما، فجعل الله له ذكرا في الأولين والآخرين، وكان حقا من أئمة الدين، الذين يدعون إلى الحق وبه يعدلون، وأثمرت دعوته تلامذة أبرارا، حملوا رسالته ونشروا دعوته، وكانوا فحولا في الحفظ والفقه والدعوة إلى العقيدة السلفية. بذل نفسه في سبيل الله، وهانت عليه حتى مات في السجن في سبيل عقيدته السلفية.\nوقد أشبع الباحثون في القديم والحديث شخصية الشيخ دراسة وبحثا، سواء منهم الأعداء أو المحبون، المسلمون أو الكافرون، حتى إنه بلغني أن جامعة باريز الغربية خصصت مستشرقا لدراسة شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد سجلت فيه رسائل علمية في عدة جامعات، ونيلت بها درجات علمية في الدكتوراه والماجستير. وقد كتب كثير من الكتاب في جزئيات من المسائل التي تناولها الشيخ في كثير من بحوثه وفتاواه، كالتصوف والتأويل والفلسفة وغير ذلك مما هو معروف. لكن ينبغي للقارئ أن يكون على حذر من هؤلاء الكتاب، فإن المُحْدثين منهم أكثرهم غير سلفيين، كصاحب\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ١٤١ - ١٤٦) والرد الوافر (٥٦ - ٢٢٥) والوافي بالوفيات (٧/ ١٥ - ٣٣) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٩٦ - ١٤٩٨) والدرر الكامنة (١/ ١٤٤ - ١٦٠) وشذرات الذهب (٦/ ٨٠ - ٨٦) والبدر الطالع (١/ ٦٣ - ٧٢).","vol":"8","page":1},{"text":"'المدرسة السلفية' وهي رسالة علمية في جامعة الأزهر، فإنها من أخبث ما كتب عن الشيخ وقواعده السلفية. وإن أطال الله في العمر، ألقمته حجرا. ولعل بعض طلبة العلم النشيطين يسبقني إلى ذلك.\nونقول في التعريف به على وجه الاختصار: هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني شيخ الإسلام، أبو العباس، الإمام العالم المفسر الفقيه المجتهد الحافظ المحدث، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط. ولد في ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران. سمع من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عبدان وشمس الدين الحنبلي وابن أبي الخير وابن علان وخلق كثير، وقرأ بنفسه الكثير، وطلب الحديث واشتغل بالعلوم حتى صار من الأئمة الأعلام؛ كان عالما باختلاف العلماء، وأعرف الناس بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه وغيره، متضلعا في الأصول والفروع والنحو واللغة، وله التصانيف الكثيرة.\nقال الذهبي: وبرع في التفسير والحديث والاختلاف والأصلين، وكان يتوقد ذكاء، ما رأيت أسرع انتزاعا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضارا لمتون الأحاديث وعزوها إلى الصحيح أو المسند أو السنن، كأن ذلك نصب عينيه وعلى طرف لسانه. قال: وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه، وأما أصول الدين، ومعرفة أقوال الخوارج والروافض والمعتزلة والمبتدعة، فكان لا يشق فيها غباره، مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط، والشجاعة المفرطة، والفراغ عن ملاذ النفس.","vol":"8","page":2},{"text":"قال الحافظ المزي: ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، ولا أتبع لهما منه.\nوقال ابن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد.\nوقال ابن عبد الهادي: الشيخ الإمام الرباني، إمام الأئمة، ومفتي الأمة، وبحر العلوم، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريد العصر، وحيد الدهر، شيخ الإسلام، بركة الأنام، علامة الزمان، وترجمان القرآن، علم الزهاد، وأوحد العباد، قامع المبتدعين، وآخر المجتهدين.\nوقال ابن كثير: وبالجملة؛ كان -﵀- من كبار العلماء، وممن يخطئ ويصيب، ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، وخطؤه أيضا مغفور له. توفي رحمه الله تعالى محبوسا في قلعة دمشق سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2847> موقفه من المبتدعة:</span>\nفمن أقواله ﵀:\n- اعلم أن هذه القاعدة وهي: الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته، قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها. وذلك أن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة وقبيحة. بدليل قول عمر ﵁ في صلاة التراويح (نعمت البدعة هذه) وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله - ﷺ -، وليست بمكروهة، أو هي حسنة، للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس؛ وربما يضم إلى ذلك","vol":"8","page":3},{"text":"من لم يحكم أصول العلم، ما عليه كثير من الناس من كثير من العادات ونحوها، فيجعل هذا أيضا من الدلائل على حسن بعض البدع: إما بأن يجعل ما اعتاد هو ومن يعرفه إجماعا، وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك، أو يستنكر تركه لما اعتاده بمثابة من ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾ (١). وما أكثر ما قد يحتج بعض من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها؛ والغرض: أن هذه النصوص الدالة على ذم البدع معارضة بما دل على حسن بعض البدع إما من الأدلة الشرعية الصحيحة، أو من حجج بعض الناس التي يعتمد عليها بعض الجاهلين، أو المتأولين في الجملة. ثم هؤلاء المعارضون لهم هنا مقامان:\nأحدهما: أن يقولوا: إذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح، فالقبيح ما نهى عنه الشارع، وما سكت عنه من البدع فليس بقبيح؛ بل قد يكون حسنا، فهذا مما يقوله بعضهم.\nالمقام الثاني: أن يقال عن بدعة معينة: هذه البدعة حسنة، لأن فيها من المصلحة كيت وكيت. وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة.\nوالجواب: أما القول: «إن شر الأمور محدثاتها، وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، والتحذير من الأمور المحدثات. فهذا نص رسول الله - ﷺ - (٢)، فلا\n_________\n(١) المائدة الآية (١٠٤).\n(٢) سيأتي تخريجه قريبا.","vol":"8","page":4},{"text":"يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم.\nوأما المعارضات فالجواب عنها بأحد جوابين: إما أن يقال: إن ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظا لا خصوص فيه. وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم، والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص.\nفمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم، احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص، وإلا كان ذلك العموم اللفظي المعنوي موجبا للنهي. ثم المخصص هو الأدلة الشرعية، من الكتاب والسنة والإجماع، نصا واستنباطا، وأما عادة بعض البلاد، أو أكثرها، أو قول كثير من العلماء، أو العباد، أو أكثرهم ونحو ذلك، فليس مما يصلح أن يكون معارضا لكلام رسول الله - ﷺ -، حتى يعارض به. ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها، بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها، فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل، ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة، وما يجوز دعوى الإجماع بعمل بلد، أو بلاد من بلاد المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟! وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم كما هي حجة على غيرهم، مع ما أوتوه من العلم والإيمان، فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة، أو من قيدته العامة، أو قوم مترأسون بالجهالة، لم يرسخوا في العلم، لا يعدون من أولي الأمر، ولا يصلحون للشورى، ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله، أو قد دخل معهم","vol":"8","page":5},{"text":"فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل، عن غير روية، أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكون فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين؟!\nوالاحتجاج بمثل هذه الحجج، والجواب عنها معلوم أنه ليس طريقة أهل العلم، لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق كثير من الناس، حتى من المنتسبين إلى العلم والدين، وقد يبدي ذو العلم والدين فيها مستندا آخر من الأدلة الشرعية، والله يعلم أن قوله بها وعمله لها ليس مستندا إلى ما أبداه من الحجة الشرعية، وإن كانت شبهة، وإنما هو مستند إلى أمور ليست مأخوذة عن الله ورسوله، من أنواع المستندات التي يستند إليها غير أولي العلم والإيمان، وإنما يذكر الحجة الشرعية حجة على غيره، ودفعا لمن يناظره.\nوالمجادلة المحمودة، إنما هي إبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال، وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل، فنوع من النفاق في العلم والجدل، والكلام والعمل.\nوأيضا فلا يجوز حمل قوله - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة» على البدعة التي نهى عنه بخصوصها، لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث، فإن ما نهى عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي، قد علم بذلك النهي أنه قبيح محرم، سواء كان بدعة أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر في الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه، سواء كان مفعولا على عهد رسول الله - ﷺ - أو لم يكن، وما نهى عنه، فهو منكر، سواء كان بدعة أو لم يكن، صار وصف البدعة عديم التأثير، لا يدل وجوده على القبح، ولا عدمه على الحسن، بل يكون قوله: «كل بدعة ضلالة» بمنزلة قوله: كل عادة ضلالة. أو: كل ما عليه العرب أو","vol":"8","page":6},{"text":"العجم فهو ضلالة. ويراد بذلك: أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة .. وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد، وليس من نوع التأويل السائغ، وفيه من المفاسد أشياء. (١)\nثم ذكر هذه المفاسد من خمسة أوجه في المقام الأول في الرد عليهم ثم بسط القول في المقام الثاني إلى أن قال:\nولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله - ﷺ - الكلية، وهي قوله: «كل بدعة ضلالة» بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة. فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل، بل الذي يقال فيما ثبت أنه حسن من الأعمال التي قد يقال هي بدعة-: إن هذا العمل المعين -مثلا- ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث، أو إن اندرج لكنه مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا، الذي هو أقوى من العموم، مع أن الجواب الأول أجود. وهذا الجواب فيه نظر: فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من رسول الله - ﷺ - بهذه الكلمة الجامعة، فلا يعدل عن مقصده -بأبي هو وأمي﵊. (٢)\n- وقال: وكذلك ما يحدثه بعض الناس: إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇، وإما محبة للنبي - ﷺ - وتعظيما. والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع -من اتخاذ مولد النبي - ﷺ - عيدا (٣). مع\n_________\n(١) الاقتضاء (٢/ ٥٨٢ - ٥٨٦).\n(٢) الاقتضاء (٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨).\n(٣) هذا القول لا يسلم لشيخ الإسلام ﵀ وقد رد عليه الشيخ حامد الفقي ضمن تعليقه على الاقتضاء ونقلنا رده هذا في مواقفه ﵁ فلينظر هناك.","vol":"8","page":7},{"text":"اختلاف الناس في مولده- فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه. ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا، لكان السلف ﵃ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته، وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنا وظاهرا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حراصا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول، عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها. (١)\n- وقال: ودين الإسلام مبني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب، فيعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان. فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان العاملون بها مسلمين، وكذلك شريعة الإنجيل.\nوكذلك في أول الإسلام لما كان النبي - ﷺ - يصلي إلى بيت المقدس،\n_________\n(١) الاقتضاء (٢/ ٦١٥ - ٦١٦).","vol":"8","page":8},{"text":"كانت صلاته إليه من الإسلام، ولما أمر بالتوجه إلى الكعبة كانت الصلاة إليها من الإسلام، والعدول عنها إلى الصخرة خروجا عن دين الإسلام. فكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد - ﷺ - بما شرعه الله من واجب ومستحب فليس بمسلم. (١)\n- وقال: والبدع دهليز الكفر والنفاق، كما أن التشيع دهليز الرفض، والرفض دهليز القرمطة والتعطيل، فالكلام الذي فيه تجهم هو دهليز التجهم، والتجهم دهليز الزندقة والتعطيل. (٢)\n- وقال: وتارة يجعلون -يعني أهل الكلام- إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف، ويقولون: (طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم)، فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان، والتحقيق والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه، أو الخطأ والجهل؛ وغايتهم عندهم: أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط.\nولا ريب أن هذا شعبة من الرفض، فإنه وإن لم يكن تكفيرا للسلف -كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج- ولا تفسيقا لهم -كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم- كان تجهيلا لهم وتخطئة وتضليلا، ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصي، وإن لم يكن فسقا، فزعما: أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة؛ ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١/ ١٨٩ - ١٩٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٣٠).","vol":"8","page":9},{"text":"والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة -في الأعمال والأقوال والاعتقاد، وغيرها من كل فضيلة، أن خيرها-: القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي - ﷺ - من غير وجه (١)، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة: من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل. هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأضله الله على علم؛ كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات. فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد: أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)، وقال غيره: (عليكم بآثار من سلف فإنهم جاءوا بما يكفي وما يشفي، ولم يحدث بعدهم خير كامنٌ لم يعلموه). (٢)\n- وقال: ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة؛ ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ فلا يعتمدون لا على السنة، ولا على إجماع السلف وآثارهم؛ وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف إسماعيل الأصبهاني سنة (٥٣٥هـ).\n(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"8","page":10},{"text":"رؤوسهم، وهذه طريقة الملاحدة أيضا؛ إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة، وكتب الأدب واللغة، وأما كتب القرآن والحديث والآثار، فلا يلتفتون إليها. هؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء إذ هي عندهم لا تفيد العلم، وأولئك يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبي - ﷺ - وأصحابه. (١)\n- وقال: وأهل السنة في الإسلام؛ كأهل الإسلام في الملل؛ وذلك أن كل أمة غير المسلمين فهم ضالون، وإنما يضلهم علماؤهم؛ فعلماؤهم شرارهم، والمسلمون على هدى، وإنما يتبين الهدى بعلمائهم، فعلماؤهم خيارهم؛ وكذلك أهل السنة، أئمتهم خيار الأمة؛ وأئمة أهل البدع، أضر على الأمة من أهل الذنوب. ولهذا أمر النبي - ﷺ - بقتل الخوارج، ونهى عن قتال الولاة الظلمة، وأولئك لهم نهمة في العلم والعبادة؛ فصار يعرض لهم من الوساوس التي تضلهم -وهم يظنونها هدى، فيطيعونها- ما لا يعرض لغيرهم، ومن سلم من ذلك منهم كان من أئمة المتقين مصابيح الهدى، وينابيع العلم. (٢)\n- وقال: فالمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، ومتفقون على أن من أطاع الله ورسوله فإنه يدخل الجنة ولا يعذب، وعلى أن من لم يؤمن بأن محمدا رسول الله - ﷺ - إليه فهو كافر، وأمثال هذه الأمور التي هي أصول الدين، وقواعد الإيمان التي اتفق\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ١١٩).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥).","vol":"8","page":11},{"text":"عليها المنتسبون إلى الإسلام والإيمان، فتنازعهم بعد هذا في بعض أحكام الوعيد أو بعض معاني بعض الأسماء أمر خفيف بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه، مع أن المخالفين للحق البين من الكتاب والسنة هم عند جمهور الأمة معروفون بالبدعة، مشهود عليهم بالضلالة، ليس لهم في الأمة لسان صدق ولا قبول عام، كالخوارج والروافض والقدرية ونحوهم. وإنما تنازع أهل العلم والسنة في أمور دقيقة تخفى على أكثر الناس؛ ولكن يجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله. (١)\n- وقال: ومن البدع المنكرة: تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم، كما يقولون: هذا زرع البدعي ونحو ذلك، فإن هذا عظيم لوجهين:\nأحدهما: أن تلك الطائفة الأخرى قد لا يكون فيها من البدعة أعظم مما في الطائفة المكفرة لها، بل تكون بدعة المكفرة أغلظ أو نحوها أو دونها. وهذا حال عامة أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضا، فإنه إن قدر أن المبتدع يكفر، كفر هؤلاء وهؤلاء. وإن قدر أنه لم يكفر لم يكفر هؤلاء ولا هؤلاء، فكون إحدى الطائفتين تكفر الأخرى ولا تكفر طائفتها، هو من الجهل والظلم، وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٧).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٩).","vol":"8","page":12},{"text":"والثاني: أنه لو فرض أن إحدى الطائفتين مختصة بالبدعة لم يكن لأهل السنة أن يكفروا كل من قال قولا أخطأ فيه، فإن الله سبحانه قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١) وثبت في الصحيح أن الله قال: «قد فعلت» (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (٣) وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان» وهو حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره. (٤)\nوأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولا\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٨٦).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٣٣) ومسلم (١/ ١١٦/١٢٦) والترمذي (٥/ ٢٠٦/٢٩٩٢) والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٠٧/١١٠٥٩) من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) الأحزاب الآية (٥).\n(٤) أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٥٩/٢٠٤٥) من طريق الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا: وقال البوصيري: \"إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع بدليل زيادة عبيد بن عمير في الطريق الثاني -يشير إلى طريق الطحاوي والبيهقي والحاكم- وليس ببعيد أن يكون السقط من جهة الوليد بن مسلم فإنه كان يدلس\". وقال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٠١ - ٢٠٢): \"وأخرجه الفضل بن جعفر التيمي في فوائده بالإسناد الذي أخرجه به ابن ماجه ورجاله ثقات إلا أنه أعل بعلة غير قادحة فإنه من رواية الوليد عن الأوزاعي عن عطاء عنه، وقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي فزاد (عبيد بن عمير) بين عطاء وابن عباس\". وأخرجه أيضا الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٩٥) والدارقطني (٤/ ١٧٠ - ١٧١) وابن حبان (١٦/ ٢٠٢/٧٢١٩) والطبراني في الصغير (١/ ٢٨٢/٧٥٢) والبيهقي (٧/ ٣٥٦) والحاكم (٢/ ١٩٨) وابن حزم في الأحكام (٥/ ١٤٩) من طريق بشر بن بكر وأيوب بن سويد قالا: ثنا الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن ابن عباس به. وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي\". والحديث حسنه النووي في الأربعين وأقره الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ٢٨١) .. وقال البيهقي: \"جود إسناده بشر بن بكر وهو من الثقات\". وللحديث شواهد ذكرها الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٦٤ - ٦٥) وابن رجب في شرح الأربعين (٣٦١) والسخاوي في المقاصد الحسنة (٢٢٨ - ٢٣٠) وقال: \"ومجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلا\".","vol":"8","page":13},{"text":"أخطأ فيه أنه يكفر بذلك، وإن كان قوله مخالفا للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع. (١)\n- وقال: فيحتاج العبد أن ينفي عنه شيئين: الآراء الفاسدة، والأهواء الفاسدة، فيعلم أن الحكمة والعدل فيما اقتضاه علمه وحكمته، لا فيما اقتضاه علم العبد وحكمته، ويكون هواه تبعا لما أمر الله به، فلا يكون له مع أمر الله وحكمه هوى يخالف ذلك. قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢)، وقد روي عنه - ﷺ - أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (٣) رواه أبو حاتم في صحيحه. وفي الصحيح أن عمر قال له: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من نفسي. قال: «الآن يا عمر» (٤). وفي الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٥) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٨٤ - ٦٨٥).\n(٢) النساء الآية (٦٥).\n(٣) سيأتي تخريجه في مواقف ابن كثير سنة (٧٧٤هـ).\n(٤) أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٣و٣٣٦) والبخاري (١١/ ٦٤١/٦٦٣٢).\n(٥) أخرجه أحمد (٣/ ١٧٧و٢٧٥) والبخاري (١/ ٨٠/١٥) ومسلم (١/ ٦٧/٤٤) والنسائي (٨/ ٤٨٨/٥٠٢٨) وابن ماجه (١/ ٢٦/٦٧ من حديث أنس ﵁.","vol":"8","page":14},{"text":"وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١)\nفإذا كان الإيمان لا يحصل حتى يحكم العبد رسوله ويسلم له، ويكون هواه تبعا لما جاء به، ويكون الرسول والجهاد في سبيله مقدما على حب الإنسان نفسه وماله وأهله، فكيف في تحكيمه الله تعالى والتسليم له؟! (٢)\n- وقال: وقد كتبت في غير هذا الموضع أن المحافظة على عموم قول النبي - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة» متعين، وأنه يجب العمل بعمومه، وأن من أخذ يصنف البدع إلى حسن وقبيح، ويجعل ذلك ذريعة إلى أن لا يحتج بالبدعة على النهي فقد أخطأ، كما يفعل طائفة من المتفقهة، والمتكلمة، والمتصوفة، والمتعبدة؛ إذا نهوا عن العبادات المبتدعة والكلام في التدين المبتدع ادعوا أن لا بدعة مكروهة إلا ما نهى عنه، فيعود الحديث إلى أن يقال: كل ما نهى عنه أو كل ما حرم أو كل ما خالف نص النبوة فهو ضلالة وهذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان، بل كل ما لم يشرع من الدين فهو ضلالة. (٣)\n- وقال: فما أمر به آخر أهل السنة من أن داعية أهل البدع يهجر فلا يستشهد ولا يروى عنه، ولا يستفتى ولا يصلى خلفه، قد يكون من هذا الباب؛ فإن هجره تعزير له وعقوبة له جزاء لمنع الناس من ذلك الذنب الذي هو بدعة أو غيرها، وإن كان في نفس الأمر تائبا أو معذورا؛ إذ الهجرة\n_________\n(١) براءة الآية (٢٤) ..\n(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٨).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧٠ - ٣٧١).","vol":"8","page":15},{"text":"مقصودها أحد شيئين: إما ترك الذنوب المهجورة وأصحابها، وإما عقوبة فاعلها ونكاله. (١)\n- وقال: وكل من دعا إلى شيء من الدين بلا أصل من كتاب الله وسنة رسوله، فقد دعا إلى بدعة وضلالة. والإنسان في نظره مع نفسه ومناظرته لغيره إذا اعتصم بالكتاب والسنة هداه الله إلى صراطه المستقيم، فإن الشريعة مثل سفينة نوح ﵇: من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (٣). وكان النبي - ﷺ - يقول في خطبته: «إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٤). وقال - ﷺ - في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في سياق حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله تعالى» (٥). وفي الصحيح: «أنه قيل لعبد الله بن أبي أوفى: هل وصى رسول الله - ﷺ - بشيء؟ قال: لا، قيل: فلم، وقد كتب الوصية على الناس؟\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧٦ - ٣٧٧).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) الأعراف الآية (٣).\n(٤) سيأتي تخريجه قريبا.\n(٥) أخرجه مسلم: (٢/ ٨٩٠/١٢١٨) وأبو داود (٢/ ٤٦٢/١٩٠٥) وابن ماجه (٢/ ١٠٢٥/٣٠٧٤) كلهم من حديث جابر الطويل في حجة الوداع بلفظ \" ... وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ ... \".","vol":"8","page":16},{"text":"قال: «وصى بكتاب الله» (١).\nوقد قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣)، ومثل هذا كثير. وأما إذا كان الإنسان في مقام الدعوة لغيره والبيان له، وفي مقام النظر أيضا، فعليه أن يعتصم أيضا بالكتاب والسنة، ويدعو إلى ذلك، وله أن يتكلم مع ذلك، ويبين الحق الذي جاء به الرسول بالأقيسة العقلية والأمثال المضروبة، فهذه طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة. (٤)\n- وقال: وقد ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - كان يقول في خطبته: «إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٥). فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ٣٨١) والبخاري (٥/ ٤٤٨/٢٧٤٠) ومسلم (٣/ ١٢٥٦/١٦٣٤) والترمذي (٤/ ٣٧٦/٢١١٩) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\". والنسائي (٦/ ٥٥٠/٣٦٢٢) وابن ماجه (٢/ ٩٠٠/٢٦٩٦).\n(٢) البقرة الآية (٢١٣).\n(٣) النساء الآية (٥٩).\n(٤) درء التعارض (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(٥) أحمد (٣/ ٣١٠ - ٣١١و٣١٩و٣٧١) ومسلم (٢/ ٥٩٢/٨٦٧) والنسائي (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠/ ١٥٧٧) وابن ماجه (١/ ١٧/٤٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.","vol":"8","page":17},{"text":"الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته، ويوالي عليها ويعادي، غير النبي - ﷺ -، ولا ينصب لهم كلاما يوالى عليه ويعادى، غير كلام الله تعالى ورسوله - ﷺ - وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما يفرقون به بين الأمة، يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون. (١)\n- وقال في مناظرته للبطائحية: وذكرت ذم المبتدعة، فقلت: روى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في خطبته: «إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٢). وفي السنن عن العرباض بن سارية قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - خطبة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» وفي رواية: «وكل ضلالة في النار» (٣).\nفقال لي: البدعة مثل الزنا، وروى حديثا في ذم الزنا، فقلت: هذا\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ٢٧٢) ومجموع الفتاوى (٢٠/ ١٦٤) بنحوه.\n(٢) تقدم تخريجه قريبا.\n(٣) انظر تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).","vol":"8","page":18},{"text":"حديث موضوع على رسول الله - ﷺ -، والزنا معصية، والبدعة شر من المعصية، كما قال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وكان قد قال بعضهم: نحن نتوب الناس، فقلت: مماذا تتوبونهم؟ قال: من قطع الطريق، والسرقة، ونحو ذلك. فقلت: حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد تتويبكم؛ فإنهم كانوا فساقا يعتقدون تحريم ماهم عليه، ويرجون رحمة الله، ويتوبون إليه، أو ينوون التوبة، فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام، يحبون ما يبغضه الله، ويبغضون ما يحبه الله. وبينت أن هذه البدع التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي.\nقلت مخاطبا للأمير والحاضرين: أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب: أن رجلا كان يدعى حمارا، وكان يشرب الخمر، وكان يضحك النبي - ﷺ -، وكان كلما أتي به النبي - ﷺ - جلده الحد، فلعنه رجل مرة، وقال: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي - ﷺ -؟! فقال النبي - ﷺ -: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله». (١) قلت: فهذا رجل كثير الشرب للخمر، ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله شهد له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك ونهى عن لعنه.\nوأما المبتدع فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما -دخل حديث بعضهم في بعض- أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقسم، فجاءه رجل ناتئ الجبين، كث\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٢/ ٨٩/٦٧٨٠).","vol":"8","page":19},{"text":"اللحية، محلوق الرأس، بين عينيه أثر السجود، وقال ما قال. فقال النبي - ﷺ -: «يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» وفي رواية: «لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل» وفي رواية: «شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه». (١)\nقلت: فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، وما هم عليه من العبادة والزهادة، أمر النبي - ﷺ - بقتلهم، وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي - ﷺ -، وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته، وأظن أني ذكرت قول الشافعي: لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله، خير من أن يبتلى بشيء من هذه الأهواء. فلما ظهر قبح البدع في الإسلام، وأنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنهم مبتدعون بدعا منكرة، فيكون حالهم أسوأ من حال الزاني والسارق وشارب الخمر، أخذ شيخهم عبد الله يقول: يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز -يعني أتباع أحمد ابن الرفاعي-، فقلت منكرا بكلام غليظ: ويحك، أي شيء هو الجناب العزيز، وجناب من خالفه أولى بالعز يا ذا (٢) الزرجنة تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله؟! فقال: يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم، فقلت: مثل ما أحرقني\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٦٨و٧٣) والبخاري (٨/ ٨٤/٤٣٥١) ومسلم (٢/ ٧٤١ - ٧٤٢/ ١٠٦٤) وأبو داود (٥/ ١٢١ - ١٢٢/ ٤٧٦٤) والنسائي (٥/ ٩٢ - ٩٣/ ٢٥٧٧).\n(٢) بالأصل \"يا ذو\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"8","page":20},{"text":"الرافضة لما قصدت الصعود إليهم وصار جميع الناس يخوفوني منهم ومن شرهم، ويقول أصحابهم: إن لهم سرا مع الله، فنصر الله وأعان عليهم، وكان الأمراء الحاضرون قد عرفوا بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجبل.\nوقلت لهم: يا شبه الرافضة، يا بيت الكذب -فإن فيهم من الغلو، والشرك، والمروق عن الشريعة، ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم، وفيهم من الكذب ما قد يقاربون به الرافضة في ذلك، أو يساوونهم، أو يزيدون عليهم، فإنهم من أكذب الطوائف، حتى قيل فيهم: لا تقولوا أكذب من اليهود على الله، ولكن قولوا أكذب من الأحمدية على شيخهم- وقلت لهم: أنا كافر بكم وبأحوالكم، ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ (١).\nولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة، أخذوا يطلبون مني كتبا صحيحة ليهتدوا بها، فبذلت لهم ذلك. وأعيد الكلام: أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه، وأعاد الأمير هذا الكلام، واستقر الكلام على ذلك. والحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. (٢)\n- وقال: فالبدع تكون في أولها شبرا، ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرعا وأميالا وفراسخ. (٣)\n- وقال: فعلى المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة، وأن يجتهد في أن يعرف ما أخبر به الرسول وأمر به علما يقينيا؛ وحينئذ فلا يدع المحكم المعلوم\n_________\n(١) هود الآية (٥٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧١ - ٤٧٥).\n(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٢٥).","vol":"8","page":21},{"text":"للمشتبه المجهول، فإن مثال ذلك: مثل من كان سائرا إلى مكة في طريق معروفة لا شك أنها توصله إلى مكة إذا سلكها، فعدل عنها إلى طريق مجهولة لا يعرفها، ولا يعرف منتهاها؛ وهذا مثال من عدل عن الكتاب والسنة إلى كلام من لا يدري هل يوافق الكتاب والسنة أو يخالف ذلك.\nوأما من عارض الكتاب والسنة بما يخالف ذلك فهو بمنزلة من كان يسير على الطريق المعروفة إلى مكة؛ فذهب إلى طريق قبرص يطلب الوصول منها إلى مكة، فإن هذا حال من ترك المعلوم من الكتاب والسنة، إلى ما يخالف ذلك من كلام زيد وعمرو كائنا من كان، فإن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ -، وقد رأيت في هذا الباب من عجائب الأمور مالا يحصيه إلا العليم بذات الصدور!! (١)\n- وقال: وإنما المقصود هنا التنبيه على الجمل، فإن كثيرا من الناس يقرأ كتبا مصنفة في أصول الدين وأصول الفقه بل في تفسير القرآن والحديث ولا يجد فيها القول الموافق للكتاب والسنة الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول، بل يجد أقوالا كل منها فيه نوع من الفساد والتناقض، فيحار ما الذي يؤمن به في هذا الباب؟! وما الذي جاء به الرسول، وما هو الحق والصدق، إذ لم يجد في تلك الأقوال ما يحصل به ذلك؟! وإنما الهدى فيما جاء به الرسول الذي قال الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩).","vol":"8","page":22},{"text":"الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال: ومن علم أن الرسول أعلم الخلق بالحق، وأفصح الخلق في البيان، وأنصح الخلق للخلق، علم أنه قد اجتمع في حقه: كمال العلم بالحق، وكمال القدرة على بيانه، وكمال الإرادة له، ومع كمال العلم والقدرة والإرادة يجب وجود المطلوب على أكمل وجه، فيعلم أن كلامه أبلغ ما يكون، وأتم ما يكون، وأعظم ما يكون بيانا لما بينه في الدين من أمور الإلهية وغير ذلك. فمن وقر هذا في قلبه لم يقدر على تحريف النصوص بمثل هذه التأويلات التي إذا تدبرت وجد من أرادها بذلك القول من أبعد الناس عما يجب اتصاف الرسول به، وعلم أن من سلك هذا المسلك فإنما هو لنقص ما أوتيه من العلم والإيمان، وقد قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣). فنسأل الله أن يجعلنا وإخواننا ممن رفع درجاته من أهل العلم والإيمان. (٤)\n- وقال: فلا تجد قط مبتدعا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه. (٥)\n_________\n(١) الشورى الآيتان (٥٢و٥٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٢).\n(٣) المجادلة الآية (١١).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٢٩).\n(٥) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٦١ - ١٦٢).","vol":"8","page":23},{"text":"- وقال: ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقا، أو اعتقادا زعم أن الإيمان لا يتم إلا به، مع العلم بأن الرسول لم يذكره، وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين، وما لم يعلم أنه خالفها فقد لا يسمى بدعة. (١)\n- وقال: ويجب أن يعلم: أن الأمور المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب عما يعارضها جوابا قاطعا لا شبهة فيه؛ بخلاف ما يسلكه من يسلكه من أهل الكلام، فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين.\nوقد أوجب الله على المؤمنين: الإيمان بالرسول والجهاد معه، ومن الإيمان به تصديقه في كل ما أخبر به، ومن الجهاد معه دفع كل من عارض ما جاء به وألحد في أسماء الله وآياته. (٢)\n- وقال: ولهذا تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون إنه من العقليات المعلومة بصريح العقل، فتجد أتباع أرسطو طاليس يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات والإلهيات، مع أن كثيرا منهم قد يرى بعقله نقيض ما قاله أرسطو، وتجده لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته، أو ينسب النقص في الفهم إلى نفسه، مع أنه يعلم أهل العقل المتصفون بصريح العقل أن في المنطق من الخطأ البين ما لا ريب فيه؛ كما ذكر في غير هذا الموضع. وأما\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٦٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٦٤ - ١٦٥).","vol":"8","page":24},{"text":"كلامه وكلام أتباعه: كالإسكندر الأفروديسي، وبرقلس، وثامسطيوس، والفارابي، وابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن رشد الحفيد، وأمثالهم في الإلهيات، فما فيه من الخطأ الكثير، والتقصير العظيم، ظاهر لجمهور عقلاء بني آدم، بل في كلامهم من التناقض ما لا يكاد يستقصى.\nوكذلك أتباع رؤوس المقالات التي ذهب إليها من ذهب من أهل القبلة، وإن كان فيها ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ففيها أيضا من مخالفة العقل الصريح ما لا يعلمه إلا الله، كأتباع أبي الهذيل العلاف، وأبي إسحاق النظام، وأبي القاسم الكعبي، وأبي علي، وأبي هاشم، وأبي الحسين البصري، وأمثالهم.\nوكذلك أتباع من هو أقرب إلى السنة من هؤلاء، كأتباع حسين النجار، وضرار بن عمرو، مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث الذي ناظر أحمد بن حنبل، ومثل حفص الفرد الذي كان يناظر الشافعي.\nوكذلك أتباع متكلمي أهل الإثبات كأتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد ابن كلاب وأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن كرام، وأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وغيرهم.\nبل هذا موجود في أتباع أئمة الفقهاء، وأئمة شيوخ العبادة، كأصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم، تجد أحدهم دائما يجد في كلامهم ما يراه هو باطلا، وهو يتوقف في رد ذلك، لاعتقاده أن إمامه أكمل منه عقلا وعلما ودينا، هذا مع علم كل من هؤلاء أن متبوعه ليس بمعصوم، وأن الخطأ جائز عليه، ولا تجد أحدا من هؤلاء يقول: إذا تعارض","vol":"8","page":25},{"text":"قولي وقول متبوعي قدمت قولي مطلقا، لكنه إذا تبين له أحيانا الحق في نقيض قول متبوعه، أو أن نقيضه أرجح منه قدمه، لاعتقاده أن الخطأ جائز عليه. فكيف يجوز أن يقال: إن في كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة الثابتة عنه ما يعلم زيد وعمرو بعقله أنه باطل؟! وأن يكون كل من اشتبه عليه شيء مما أخبر به النبي - ﷺ - قدم رأيه على نص الرسول - ﷺ - في أنباء الغيب التي ضل فيها عامة من دخل فيها بمجرد رأيه، بدون الاستهداء بهدى الله، والاستضاءة بنور الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، مع علم كل أحد بقصوره وتقصيره في هذا الباب، وبما وقع فيه من أصحابه وغير أصحابه من الاضطراب. (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2848> موقفه من المشركين:</span>\nكان الشيخ ﵁ معارضا للشرك ومظاهره، وكم له من الأيادي البيضاء في ذلك بالفعل وباللسان وبالقلم، وسأذكر نماذج من فعله بيده الشريفة ثم نعرج على ذكر المحنة.\n- جاء في البداية والنهاية: وفي هذا الشهر بعينه -أي رجب-، راح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مسجد التاريخ وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت بنهر قلوط تزار وينذر لها، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيما. وبهذا وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة وكذلك بكلامه في ابن عربي وأتباعه، فحسد على ذلك وعودي، ومع هذا لم تأخذه في الله لومة لائم ولا\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ١٥١ - ١٥٥).","vol":"8","page":26},{"text":"بالى، ولم يصلوا إليه بمكروه، وأكثر ما نالوا منه الحبس، مع أنه لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام ولم يتوجه لهم عليه ما يشين وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه. (١)\n- قال ابن كثير: وفي مستهل ذي الحجة ركب الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه جماعة من أصحابه إلى جبل الجرد والكسروانيين ومعه نقيب الأشراف زين الدين بن عدنان، فاستتابوا خلقا منهم، وألزموهم بشرائع الإسلام ورجع مؤيدا منصورا. (٢)\n- وجاء في الكواكب الدرية: (ذكر حبس الشيخ بقلعة دمشق إلى أن مات فيها) قالوا: لما كان سنة ست وعشرين وسبعمائة، وقع الكلام في مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى قبور الأنبياء والصالحين، وكثر القيل والقال بسبب العثور على جواب الشيخ الآتي، وعظم التشنيع على الشيخ، وحرف عليه، ونقل عنه ما لم يقله، وحصلت فتنة طار شررها في الآفاق، واشتد الأمر، وخيف على الشيخ من كيد القائمين في هذه القضية بالديار الشامية والمصرية، وضعف من أصحاب الشيخ من كان عنده قوة، وجبن منهم من كانت له همة.\nوأما الشيخ ﵀ فكان ثابت الجأش، قوي القلب، وظهر صدق توكله واعتماده على ربه.\nولقد اجتمع جماعة معروفون بدمشق وضربوا مشورة في حق الشيخ،\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ٣٦).\n(٢) البداية (١٤/ ٣٧).","vol":"8","page":27},{"text":"فقال أحدهم: ينفى. فنفي القائل.\nوقال آخر: يقطع لسانه، فقطع لسان القائل. وقال آخر: يعزر، فعزر القائل.\nوقال آخر يحبس فحبس القائل، أخبر بذلك من حضر هذه المشورة وهو كاره لها.\nواجتمع جماعة آخرون بمصر، وقاموا في هذه القضية قياما عظيما، واجتمعوا بالسلطان، وأجمعوا أمرهم على قتل الشيخ، فلم يوافقهم السلطان على ذلك، وأرضى خاطرهم بالأمر بحبسه.\nفلما كان يوم الاثنين سادس شعبان من السنة المذكورة، ورد مرسوم السلطان بأن يكون في القلعة، وأحضر للشيخ مركوب، فأظهر السرور بذلك، وقال: أنا كنت منتظرا ذلك، وهذا فيه خير عظيم، فركب إلى القلعة، وأخليت له قاعة حسنة، وأجري إليها الماء، ورسم له بالإقامة فيها، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه بإذن السلطان، ورسم له بما يقوم بكفايته.\nوفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور، قرئ بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد بذلك، وبمنعه من الفتيا ... (١)\nثم ذكر السؤال الذي وجه إلى الشيخ، وأجوبة الشيخ على السؤال، وهي معروفة بحمد الله فلا نطيل بنقلها.\nوله من المواقف المنثورة في كتبه ما يشرف هذه المسيرة التاريخية:\n- وقال ﵀ في بيان ضلال ابن سينا: وابن سينا تكلم في أشياء\n_________\n(١) الكواكب الدرية (١٤٨ - ١٤٩).","vol":"8","page":28},{"text":"من الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع، لم يتكلم فيها سلفه، ولا وصلت إليها عقولهم ولا بلغتها علومهم، فإنه استفادها من المسلمين، وإن كان إنما أخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية. وكان هو وأهل بيته وأتباعهم معروفين عند المسلمين بالإلحاد، وأحسن ما يظهرون دين الرفض وهم في الباطن يبطنون الكفر المحض ...\nوالمقصود هنا: أن ابن سينا أخبر عن نفسه أن أهل بيته وأباه وأخاه كانوا من هؤلاء الملاحدة، وأنه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذلك، فإنه كان يسمعهم يذكرون العقل والنفس، وهؤلاء المسلمون الذين ينتسب إليهم، هم مع الإلحاد الظاهر والكفر الباطن، أعلم بالله من سلفه الفلاسفة: كأرسطو وأتباعه، فإن أولئك ليس عندهم من العلم بالله ما عند عباد مشركي العرب ما هو خير منه ...\nوابن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين، وكان قد تلقى ما تلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة، أراد أن يجمع بين ما عرفه بعقله من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه. ومما أحدثه: مثل كلامه في النبوات وأسرار الآيات والمنامات، بل وكلامه في بعض الطبيعيات، وكلامه في واجب الوجود ونحو ذلك. (١)\n- وقال: والمعنى الثالث، الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله، قالوا: نقول العالم محدث، أي معلول لعلة قديمة أزلية أوجبته، فلم يزل معها، وسموا هذا الحدوث الذاتي وغيره: الحدوث الزماني. والتعبير بلفظ \"الحدوث\"\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٩/ ١٣٣ - ١٣٥) باختصار.","vol":"8","page":29},{"text":"عن هذا المعنى لا يعرف عن أحد من أهل اللغات، لا العرب ولا غيرهم، إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعنى. والقول بأن العالم محدث بهذا المعنى فقط ليس قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم، ولا أمة من الأمم العظيمة، ولا طائفة من الطوائف المشهورة التي اشتهرت مقالاتها في عموم الناس، بحيث كان أهل مدينة على هذا القول، وإنما يقول هذا طوائف قليلة مغمورة في الناس.\nوهذا القول، إنما هو معروف عن طائفة من المتفلسفة المليين، كابن سينا وأمثاله. وقد يحكون هذا القول عن أرسطو، وقوله الذي في كتبه: أن العالم قديم، وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه، ويقولون: إنه محدث، ولم يثبت في كتبه للعالم فاعلا موجبا له بذاته، وإنما أثبت له علة يتحرك للتشبه بها، ثم جاء الذين أرادوا إصلاح قوله فجعلوا العلة أولى لغيرها، كما جعلها الفارابي وغيره، ثم جعلها بعض الناس آمرة للفلك بالحركة، لكن يتحرك للتشبه بها كما يتحرك العاشق للمعشوق، وإن كان لا شعور له ولا قصد، وجعلوه مدبرا بهذا الاعتبار -كما فعل ابن رشد وابن سينا- جعلوه موجبا بالذات لما سواه، وجعلوا ما سواه ممكنا. (١)\n- وقال: وهذه الطرق التي أخذها ابن سينا عن المتكلمين، من المعتزلة ونحوهم، وخلطها بكلام سلفه الفلاسفة، صار بسبب ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة، يستطيل بها على المسلمين، ويجعل القول الذي قاله هؤلاء هو قول المسلمين. وليس الأمر كذلك، وإنما هو قول مبتدعتهم،\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"8","page":30},{"text":"وهكذا عمل إخوانه القرامطة الباطنية: صاروا يلزمون كل طائفة من طوائف المسلمين بالقدر الذي وافقوهم عليه مما هو مخالف للنصوص، ويلزمونهم بطرد ذلك القول حتى يخرجوهم عن الإسلام بالكلية.\nولهذا كان لهؤلاء وأمثالهم نصيب من حال المرتدين، الذين قال الله تعالي فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم﴾ (١). ولهذا آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى عبادة الأوثان، والشرك بالرحمن، مثل دعوة الكواكب والسجود لها، أو التصنيف في ذلك، كما صنفه الرازي وغيره في ذلك. (٢)\n- وقال: وهذا الذي ذكرته يجده من اعتبره في كتب ابن سينا كالإشارات وغيرها، ويتبين للفاضل أنه إنما بنى إلحاده في قدم العالم على نفي الصفات، فإنهم لما نفوا الصفات والأفعال القائمة بذاته، وسموا ذلك توحيدا، ووافقهم ابن سينا على تقرير هذا النفي الذي سموه توحيدا، بين امتناع القول بحدوث العالم مع هذا الأصل، وأظهر تناقضهم. ولكن قوله في قدم العالم أفسد من قولهم، ويمكن إظهار تناقض قوله، أكثر من إظهار تناقض أقوالهم. فلهذا تجده في مسألة قدم العالم يردد القول فيها، ويحكي كلام الطائفتين وحجتهم كأنه أجنبي، ويحيل الترجيح بينهما إلى نظر الناظر، مع ظهور\n_________\n(١) المائدة الآية (٥٤).\n(٢) درء التعارض (٨/ ٢٣٩).","vol":"8","page":31},{"text":"ترجيحه لقول القائلين بالقدم. وأما مسألة نفي الصفات فيجزم بها، ويجعلها من المقطوع به الذي لا تردد فيه، فإنهم يوافقون عليها، وهو بها تمكن من الاحتجاج عليهم في قدم العالم، وبها تمكن من إنكار المعاد، وتحريف الكلم عن مواضعه، وقال: نقول في النصوص الواردة في المعاد كما قلتم في النصوص الواردة في الصفات، وقال: كما أن الكتب الإلهية ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في التوحيد، يعني التوحيد الذي وافقته عليه المعتزلة، وهو نفي الصفات بناء على نفي التجسيم والتركيب؛ فكذلك ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في أمر المعاد. وبنى ذلك على أن الإفصاح بحقيقة الأمر لا يمكن خطاب الجمهور به، وإنما يخاطبون بنوع من التخييل والتمثيل الذي ينتفعون به فيه، كما تقدم كلامه.\nوهذا كلام الملاحدة الباطنية الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته، وكان منتهى أمرهم تعطيل الخالق، وتكذيب رسله، وإبطال دينه. ودخل في ذلك باطنية الصوفية، أهل الحلول والاتحاد، وسموه تحقيقا ومعرفة وتوحيدا. ومنتهى أمرهم هو إلحاد باطنية الشيعة، وهو أنه ليس إلا الفلك وما حواه وما وراء ذلك شيء. (١)\n- وقال: ليس مراد ابن سينا بالتوحيد: التوحيد الذي جاءت به الرسل، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، مع ما يتضمنه من أنه لا رب لشيء من الممكنات سواه، فإن إخوانه من الفلاسفة من أبعد الناس عن هذا التوحيد، إذ فيهم من الإشراك بالله تعالى، وعبادة ما سواه، وإضافة التأثيرات\n_________\n(١) درء التعارض (٨/ ٢٤١ - ٢٤٣).","vol":"8","page":32},{"text":"إلى غيره، بل ما هو معلوم لكل من عرف حالهم، ولازم قولهم إخراج الحوادث كلها عن فعله.\nوإنما مقصوده التوحيد الذي يذكره في كتبه: وهو نفي الصفات، وهو الذي شارك فيه المعتزلة وسموه أيضا توحيدا. وهذا النفي الذي سموه توحيدا، لم ينزل به كتاب، ولا بعث به رسول، ولا كان عليه أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هو مخالف لصريح المعقول، مع مخالفته لصحيح المنقول. (١)\n- وقال: وحدثني غير مرة رجل، وكان من أهل الفضل والذكاء والمعرفة والدين، أنه كان قد قرأ على شخص سماه لي، وهو من أكابر أهل الكلام والنظر، دروسا من 'المحصل' لابن الخطيب، وأشياء من 'إشارات' ابن سينا. قال: فرأيت حالي قد تغير. وكان له نور وهدى، ورؤيت له منامات سيئة، فرآه صاحب النسخة بحال سيئة، فقص عليه الرؤيا، فقال: هي من كتابك.\nو'إشارات' ابن سينا يعرف جمهور المسلمين الذين يعرفون دين الإسلام أن فيها إلحادا كثيرا، بخلاف 'المحصل' يظن كثير من الناس أن فيه بحوثا تحصل المقصود. قال فكتبت عليه:\nمحصل في أصول الدين حاصله أصل الضلالات والشك المبين فما ... من بعد تحصيله أصل بلا دين\nفيه فأكثره وحي الشياطين\n\nقلت: وقد سئلت أن أكتب على 'المحصل' ما يعرف به الحق فيما\n_________\n(١) درء التعارض (٨/ ٢٤٦ - ٢٤٧).","vol":"8","page":33},{"text":"ذكره، فكتبت من ذلك ما ليس هذا موضعه. وكذلك تكلمت على ما في 'الإشارات' في مواضع أخر. (١)\n- وقال: والمقصود هنا: أن 'الزنديق' في عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي - ﷺ -. وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينا من الأديان: كدين اليهود والنصارى أو غيرهم. أو كان معطلا جاحدا للصانع والمعاد والأعمال الصالحة.\nومن الناس من يقول: 'الزنديق' هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس؛ ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه: هو الأول؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره. وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان، بقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٢)، وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر، كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (٣).\n_________\n(١) المنهاج (٥/ ٤٣٣ - ٤٣٤).\n(٢) التوبة الآية (٣٧).\n(٣) النحل الآية (٨٨).","vol":"8","page":34},{"text":"فهذا \"أصل\" ينبغي معرفته فإنه مهم في هذا الباب. فإن كثيرا ممن تكلم في \"مسائل الإيمان والكفر\" -لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم؛ بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. ومن تدبر هذا، علم أن كثيرا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنا مخطئا جاهلا ضالا عن بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -، وقد يكون منافقا زنديقا، يظهر خلاف ما يبطن. (١)\n- قال: فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، وإن خالف أمر الله ورسوله فقد جعله ندا، وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح، ويدعوه ويستغيث به، ويوالي أولياءه، ويعادي أعداءه، مع إيجابه طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، ويحلله ويحرمه، ويقيمه مقام الله ورسوله، فهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال: وكان يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف الإسلام في وقته، أعني الفيلسوف الذي في الإسلام، وإلا فليس الفلاسفة من المسلمين. كما\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٧١ - ٤٧٢).\n(٢) البقرة الآية (١٦٥).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٦٧).","vol":"8","page":35},{"text":"قالوا لبعض أعيان القضاة الذين كانوا في زماننا: ابن سينا من فلاسفة الإسلام؟ فقال: ليس للإسلام فلاسفة ... (١)\n- وقال: إياك والنظر في كتب أهل الفلسفة الذين يزعمون فيها أنه كلما قوي نور الحق وبرهانه في القلوب خفي عن المعرفة، كما يبهر ضوء الشمس عيون الخفافيش بالنهار. فاحذر مثل هؤلاء، وعليك بصحبة أتباع الرسل المؤيدين بنور الهدى وبراهين الإيمان، أصحاب البصائر في الشبهات والشهوات، الفارقين بين الواردات الرحمانية والشيطانية، العالمين العاملين ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وسئل عن 'كتب المنطق'. فأجاب: أما 'كتب المنطق' فتلك لا تشتمل على علم يؤمر به شرعا، وإن كان قد أدى اجتهاد بعض الناس إلى أنه فرض على الكفاية. وقال بعض الناس: إن العلوم لا تقوم إلا به، كما ذكر ذلك أبو حامد. فهذا غلط عظيم عقلا وشرعا:\nأما عقلا: فإن جميع عقلاء بني آدم من جميع أصناف المتكلمين في العلم حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني.\nوأما شرعا: فإنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على أهل العلم والإيمان.\nوأما هو في نفسه فبعضه حق، وبعضه باطل، والحق الذي فيه كثير منه\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٩/ ١٨٦).\n(٢) المجادلة الآية (٢٢).\n(٣) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٩٧).","vol":"8","page":36},{"text":"أو أكثره لا يحتاج إليه، والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به، والبليد لا ينتفع به، والذكي لا يحتاج إليه، ومضرته على من لم يكن خبيرا بعلوم الأنبياء أكثر من نفعه، فإن فيه من القواعد السلبية الفاسدة ما راجت على كثير من الفضلاء، وكانت سبب نفاقهم، وفساد علومهم.\nوقول من قال إنه كله حق كلام باطل، بل في كلامهم في الحد والصفات الذاتية والعرضية، وأقسام القياس والبرهان ومواده من الفساد ما قد بيناه في غير هذا الموضع، وقد بين ذلك علماء المسلمين والله أعلم. (١)\n- وقال: وأصل هذا الباب أن يقال: الإقسام على الله بشيء من المخلوقات، أو السؤال له به، إما أن يكون مأمورا به إيجابا أو استحبابا، أو منهيا عنه نهي تحريم أو كراهة، أو مباحا لا مأمورا به ولا منهيا عنه.\nوإذا قيل: إن ذلك مأمور به أو مباح، فإما أن يفرق بين مخلوق ومخلوق، أو يقال: بل يشرع بالمخلوقات المعظمة أو ببعضها. فمن قال: إن هذا مأمور به أو مباح في المخلوقات جميعها، لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجن فهذا لا يقوله مسلم.\nفإن قال: بل يسأل بالمخلوقات المعظمة كالمخلوقات التي أقسم بها في كتابه، لزم من هذا أن يسأل بالليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى، والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها، ويسأل الله تعالى ويقسم عليه بالخنس الجوار الكنس، والليل إذا عسعس،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٩/ ٢٦٩ - ٢٧٠).","vol":"8","page":37},{"text":"والصبح إذا تنفس، ويسأل بالذاريات ذروا، فالحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، فالمقسمات أمرا، ويسأل بالطور، وكتاب مسطور، في رق منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، ويسأل ويقسم عليه بالصافات صفا، وسائر ما أقسم الله به في كتابه.\nفإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته. فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته، وعلمه وقدرته، ومشيئته ورحمته، وحكمته وعظمته وعزته. فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه. ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع. بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات وذكروا إجماع الصحابة على ذلك؛ بل ذلك شرك منهي عنه.\nومن سأل الله بها، لزمه أن يسأله بكل ذكر وأنثى، وبكل نفس ألهمها فجورها وتقواها، ويسأله بالرياح، والسحاب، والكواكب، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، والتين، والزيتون، وطور سينين، ويسأله بالبلد الأمين مكة، ويسأله حينئذ بالبيت، والصفا والمروة، وعرفة، ومزدلفة، ومنى، وغير ذلك من المخلوقات، ويلزم أن يسأله بالمخلوقات التي عبدت من دون الله؛ كالشمس، والقمر، والكواكب، والملائكة، والمسيح، والعزير، وغير ذلك مما عبد من دون الله، ومما لم يعبد من دونه.\nومعلوم أن السؤال لله بهذه المخلوقات، أو الإقسام عليه بها من أعظم البدع المنكرة في دين الإسلام، ومما يظهر قبحه للخاص والعام. ويلزم من ذلك أن يقسم على الله تعالى بالإقسام والعزائم التي تكتب في الحروز","vol":"8","page":38},{"text":"والهياكل التي تكتبها الطرقية والمعزمون؛ بل ويقال: إذا جاز السؤال والإقسام على الله بها فعلى المخلوقات أولى، فحينئذ تكون العزائم، والإقسام التي يقسم بها، على الجن مشروعة في دين الإسلام. وهذا الكلام يستلزم الكفر والخروج من دين الإسلام، بل ومن دين الأنبياء أجمعين.\nوإن قال قائل: بل أنا أسأله أو أقسم عليه بمعظم دون معظم من المخلوقات، إما الأنبياء دون غيرهم، أو نبي دون غيره، كما جوز بعضهم الحلف بذلك، أو بالأنبياء والصالحين دون غيرهم.\nقيل له: بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض، فكلها مشتركة في أنه لا يجعل شيء منها ندا لله تعالى، فلا يعبد ولا يتوكل عليه، ولا يخشى، ولا يتقى، ولا يصام له، ولا يسجد له، ولا يرغب إليه، ولا يقسم بمخلوق، كما ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت» (١) وقال: «لاتحلفوا إلا بالله» (٢)، وفي السنن عنه أنه قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٣).\nفقد ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة عن النبي - ﷺ - أنه لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات، لا فرق في ذلك بين\n_________\n(١) أحمد (٢/ ١١ و١٧) والبخاري (١١/ ٦٤٩/٦٦٤٦) ومسلم (٣/ ١٢٦٦/١٦٤٦ (٣» وأبو داود (٣/ ٥٦٩/٣٢٤٩) والترمذي (٤/ ٩٣/١٥٣٤) والنسائي (٧/ ٧و٨/ ٣٧٧٥) وابن ماجه (١/ ٦٧٧/٢٠٩٤) من حديث عمر ﵁.\n(٢) أخرجه بهذا اللفظ: أبو داود (٣/ ٥٦٩/٣٢٤٨) والنسائي (٧/ ٨/٣٧٧٨) من حديث أبي هريرة. وصححه ابن حبان (١٠/ ١٩٩/٤٣٥٧).\n(٣) أحمد (٢/ ١٢٥) وأبو داود (٣/ ٥٧٠/٣٢٥١) والترمذي (٤/ ٩٣ - ٩٤/ ١٥٣٥) وقال: \"حديث حسن\".\n\nوصححه ابن حبان (١٠/ ١٩٩ - ٢٠٠/ ٤٣٥٨) والحاكم (١/ ١٨) و(٤/ ٢٩٧) وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي.","vol":"8","page":39},{"text":"الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم، ولا فرق بين نبي ونبي. (١)\n- وقال: واعلم أن القائلين بقدم الروح صنفان:\nصنف من الصابئة الفلاسفة، يقولون: هي قديمة أزلية لكن ليست من ذات الرب، كما يقولون ذلك في العقول والنفوس الفلكية، ويزعم من دخل من أهل الملل فيهم أنها هي الملائكة.\nوصنف من زنادقة هذه الأمة وضلالها -من المتصوفة والمتكلمة والمحدثة- يزعمون أنها من ذات الله، وهؤلاء أشر قولا من أولئك، وهؤلاء جعلوا الآدمي نصفين: نصف لاهوت، وهو روحه. ونصف ناسوت، وهو جسده، نصفه رب ونصفه عبد. وقد كفر الله النصارى بنحو من هذا القول في المسيح، فكيف بمن يعم ذلك في كل أحد حتى في فرعون وهامان وقارون؟ وكلما دل على أن الإنسان عبد مخلوق مربوب، وأن الله ربه وخالقه ومالكه وإلهه، فهو يدل على أن روحه مخلوقة. (٢)\n- وقال: وتحرير القول فيه: إن الساب -أي للنبي - ﷺ - إن كان مسلما: فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن راهويه وغيره، وإن كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك وأهل المدينة، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث. (٣)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٩ - ٢٩١).\n(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(٣) الصارم المسلول (١٠).","vol":"8","page":40},{"text":"- وقال: أما من اقترن بسبه -أي الصحابة- دعوى أن عليا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبرئيل في الرسالة؛ فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم. وأما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم -مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك- فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم. وأما من لعن وقبح مطلقا فهذا محل الخلاف فيهم؛ لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا، أو أنهم فسقوا عامتهم؛ فهذا لا ريب أيضا في كفره، لأنه كذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا، فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وأن هذه الآية التي هي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١)، وخيرها هو القرن الأول، كان عامتهم كفارا أو فساقا، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم\n_________\n(١) آل عمران الآية (١١٠).","vol":"8","page":41},{"text":"بالاضطرار من دين الإسلام. ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال، فإنه يتبين أنه زنديق، وعامة الزنادقة إنما يستترون بمذهبهم، وقد ظهرت لله فيهم مثلات، وتواتر النقل بأن وجوههم تمسخ خنازير في المحيا والممات، وجمع العلماء ما بلغهم في ذلك، وممن صنف فيه الحافظ الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي كتابه في النهي عن سب الأصحاب، وما جاء فيه من الإثم والعقاب.\nوبالجملة فمن أصناف السابة من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره، ومنهم من تردد فيه. (١)\n- وقال شيخ الإسلام ﵀: والقائلون بوحدة الوجود حقيقة قولهم هو قول ملاحدة الدهرية الطبيعية الذين يقولون: ما ثم موجود إلا هذا العالم المشهود، وهو واجب بنفسه. وهو القول الذي أظهره فرعون، لكن هؤلاء ينازعون أولئك في الاسم، فأولئك يسمون هذا الموجود بأسماء الله، وهؤلاء لا يسمونه بأسماء الله، وأولئك يحسبون أن الإله الذي أخبرت عنه الرسل هو هذا الموجود، وأولئك لا يقولون هذا، وأولئك لهم توجه إلى الوجود المطلق، وأولئك ليس لهم توجه إليه. وفساد قول هؤلاء يعرف بوجوه منها: العلم بما يشاهد حدوثه كالمطر والسحاب والحيوان والنبات والمعدن، وغير ذلك من الصور والأعراض، فإن هذه يمتنع أن يكون وجودها واجبا لكونها كانت معدومة، ويمتنع أن تكون ممتنعة لكونها وجدت. فهذه مما يعلم بالضرورة أنها ممكنة، ليست واجبة ولا ممتنعة. (٢)\n_________\n(١) الصارم المسلول (٥٩٠ - ٥٩١).\n(٢) درء التعارض (٣/ ١٦٣ - ١٦٤).","vol":"8","page":42},{"text":"- وقال: وكلام ابن عربي صاحب 'فصوص الحكم'، وأمثاله من الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، يدور على ذلك لمن فهمه، ولكن يسمون هذا العالم الله. فمذهبهم في الحقيقة مذهب المعطلة، كفرعون وأمثاله، ولكن هؤلاء يطلقون عليه هذا الاسم، بخلاف أولئك. وأيضا فقد يكون جهال هؤلاء وعوامهم يعتقدون أنهم يثبتون خالقا مباينا للمخلوق، مع قولهم بالوحدة والاتحاد، كما رأينا منهم طوائف، مع ما دخلوا فيه من العلم والدين، لا يعرفون حقيقة مذهب هؤلاء، لما في ظاهره من الإقرار بالصانع ورسله ودينه. وإنما يعرف ذلك من كان ذكيا خبيرا بحقيقة مذهبهم، ومن كان كذلك فهو أحد رجلين: إما مؤمن عليم، علم أن هذا يناقض الحق، وينافي دين الإسلام؛ فذمهم وعاداهم. وإما زنديق منافق، علم حقيقة أمرهم، وأظهر ما يظهرون، وكان من أئمتهم. فهذا وأمثاله من جنس آل فرعون، الذين جعلوا أئمة يدعون إلى النار. والأول من أتباع الرسل والأنبياء، كآل إبراهيم، الذين جعلهم الله أئمة يهدون بأمره. (١)\n- وقال: ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء -أي الأشاعرة- يضع كل فريق لأنفسهم قانونا فيما جاءت به الأنبياء عن الله، فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن عقولهم عرفته، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعا له؛ فما وافق قانونهم قبلوه، وما خالفه لم يتبعوه. وهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم، وردوا نصوص التوراة والإنجيل إليها، لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من\n_________\n(١) درء التعارض (٨/ ٢٤٣ - ٢٤٤).","vol":"8","page":43},{"text":"نصوص الأنبياء، أو ما بلغهم عنهم، وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل، كسائر الغالطين ممن يحتج بالسمعيات، فإن غلطه إما في الإسناد وإما في المتن؛ وأما هؤلاء فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم، وقد غلطوا في الرأي والعقل. فالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء، لكن النصارى يشبههم من ابتدع بدعة بفهمه الفاسد من النصوص، أو بتصديقه النقل الكاذب عن الرسول، كالخوارج والوعيدية والمرجئة والإمامية وغيرهم، بخلاف بدعة الجهمية والفلاسفة، فإنها مبنية على ما يقرون هم بأنه مخالف للمعروف من كلام الأنبياء، وأولئك يظنون أن ما ابتدعوه هو المعروف من كلام الأنبياء؛ وأنه صحيح عندهم. (١)\n- وقال: بل نقول قولا عاما كليا: إن النصوص الثابتة عن الرسول - ﷺ - لم يعارضها قط صريح معقول، فضلا عن أن يكون مقدما عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات، مبناها على معان متشابهة، وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية، لا براهين عقلية. (٢)\n- وقال: وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع، بل هم أعظم اختلافا من جميع طوائف المسلمين واليهود والنصارى. والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم، وبينه وبين سلفه من النزاع والاختلاف ما يطول وصفه، ثم بين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه. وأما سائر طوائف الفلاسفة، فلو حكي اختلافهم في علم الهيئة\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ٦ - ٨).\n(٢) درء التعارض (١/ ١٥٥ - ١٥٦).","vol":"8","page":44},{"text":"وحده لكان أعظم من اختلاف كل طائفة من طوائف أهل القبلة، والهيئة علم رياضي حسابي هو من أصح علومهم، فإذا كان هذا اختلافهم فيه فكيف باختلافهم في الطبيعيات أو المنطق؟ فكيف بالإلهيات؟ (١)\n- وقال: وقد ابتدعت القرامطة الباطنية تفسيرا آخر، كما ذكره أبو حامد في بعض مصنفاته، كمشكاة الأنوار وغيرها: أن الكواكب والشمس والقمر: هي النفس والعقل الفعال والعقل الأول ونحو ذلك. (٢)\n- قال: إن كثيرا من المبتدعة منافقون النفاق الأكبر، وأولئك كفار في الدرك الأسفل من النار، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون، بل أصل هذه البدع هو من المنافقين الزنادقة، ممن يكون أصل زندقته عن الصابئين والمشركين، هؤلاء كفار في الباطن، ومن علم حاله فهو كافر في الظاهر أيضا.\nوأصل ضلال هؤلاء الإعراض عما جاء به الرسول من الكتاب والحكمة، وابتغاء الهدى في خلاف ذلك، فمن كان هذا أصله فهو بعد بلاغ الرسالة كافر لا ريب فيه، مثل من يرى أن الرسالة للعامة دون الخاصة، كما يقوله قوم من المتفلسفة، وغالية المتكلمة والمتصوفة، أو يرى أنه رسول إلى بعض الناس دون بعض، كما يقوله كثير من اليهود والنصارى. (٣)\n- وقال: إذ صاحب كتاب 'مشكاة الأنوار' إنما بنى كلامه على\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ١٥٧ - ١٥٨).\n(٢) درء التعارض (١/ ٣١٥).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧).","vol":"8","page":45},{"text":"أصول هؤلاء الملاحدة، وجعل ما يفيض على النفوس من المعارف من جنس خطاب الله ﷿ لموسى بن عمران النبي - ﷺ -، كما تقوله القرامطة الباطنية ونحوهم من المتفلسفة، وجعل \"خلع النعلين\" الذي خوطب به موسى صلوات الله عليه وسلامه إشارة إلى ترك الدنيا والآخرة، وإن كان قد يقرر خلع النعلين حقيقة، لكن جعل هذا إشارة إلى أن من خلع الدنيا والآخرة فقد حصل له ذلك الخطاب الإلهي. وهو من جنس قول من يقول: إن النبوة مكتسبة، ولهذا كان أكابر هؤلاء يطمعون في النبوة، فكان السهروردي المقتول يقول: لا أموت حتى يقال لي: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ (١) وكان ابن سبعين يقول: لقد زَرَب ابن آمنة حيث قال: «لا نبي بعدي»، ولما جعل خلع النعلين إشارة إلى ذلك، أخذ ذلك ابن قسي ونحوه ووضع كتابه في: 'خلع النعلين، واقتباس النور من موضع القدمين' من مثل هذا الكلام. ومن هنا دخل أهل الإلحاد من أهل الحلول والوحدة والاتحاد، حتى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق ﷾، كما فعل صاحب 'الفصوص' ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما من الملاحدة المنتسبين إلى التصوف والتحقيق.\nوهم من جنس الملاحدة المنتسبين إلى التشيع، لكن تظاهر هؤلاء من أقوال شيوخ الصوفية وأهل المعرفة بما التبس به حالهم على كثير من أهل العلم المنتسبين إلى العلم والدين، بخلاف أولئك الذين تظاهروا بمذهب التشيع، فإن نفور الجمهور عن مذهب الرافضة مما نفر الجمهور عن\n_________\n(١) المدثر الآية (٢).","vol":"8","page":46},{"text":"مثل هؤلاء، بخلاف جنس أهل الفقر والزهد، ومن يدخل في ذلك من متكلم ومتصوف وفقير وناسك وغير هؤلاء، فإنهم لمشاركتهم الجمهور في الانتساب إلى السنة والجماعة، يخفى من إلحاد الملحد الداخل فيهم ما لا يخفى من إلحاد ملاحدة الشيعة، وإن كان إلحاد الملحد منهم أحيانا قد يكون أعظم، كما حدثني نقيب الأشراف أنه قال للعفيف التلمساني: أنت نصيري، فقال: نصير جزء مني. والكلام على بسط هذا له موضع آخر غير هذا. (١)\n- وقال: فقد أوجب الله تعالى على المؤمنين الإيمان بالرسول والجهاد معه، ومن الإيمان به: تصديقه في كل ما أخبر به، ومن الجهاد معه دفع كل من عارض ما جاء به، وألحد في أسماء الله وآياته.\nوهؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة، الذين ذمهم السلف والأئمة، لا قاموا بكمال الإيمان ولا بكمال الجهاد، بل أخذوا يناظرون أقواما من الكفار وأهل البدع -الذين هم أبعد عن السنة منهم- بطريق لا يتم إلا برد بعض ما جاء به الرسول، وهي لا تقطع أولئك الكفار بالمعقول، فلا آمنوا بما جاء به الرسول حق الإيمان، ولا جاهدوا الكفار حق الجهاد، وأخذوا يقولون إنه لا يمكن الإيمان بالرسول ولا جهاد الكفار، والرد على أهل الإلحاد والبدع إلا بما سلكناه من المعقولات، وإن ما عارض هذه المعقولات من السمعيات يجب رده -تكذيبا أو تأويلا أو تفويضا- لأنها أصل السمعيات.\nوإذا حقق الأمر عليهم، وجد الأمر بالعكس، وأنه لا يتم الإيمان\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ٣١٧ - ٣١٩).","vol":"8","page":47},{"text":"بالرسول والجهاد لأعدائه، إلا بالمعقول الصريح المناقض لما ادعوه من العقليات، وتبين أن المعقول الصريح مطابق لما جاء به الرسول، لا يناقضه ولا يعارضه، وأنه بذلك تبطل حجج الملاحدة، وينقطع الكفار، فتحصل مطابقة العقل للسمع، وانتصار أهل العلم والإيمان على أهل الضلال والإلحاد، ويحصل بذلك الإيمان بكل ما جاء به الرسول، واتباع صريح المعقول، والتمييز بين البينات والشبهات. (١)\n- وقال ﵀: ومن تدبر كلام هؤلاء الطوائف -بعضهم مع بعض- تبين له أنهم لا يعتصمون فيما يخالفون به الكتاب والسنة إلا بحجة جدلية يسلمها بعضهم لبعض، وآخر منتهاهم: حجة يحتجون بها في إثبات حدوث العالم لقيام الأكوان به أو الأعراض، ونحو ذلك من الحجج التي هي أصل الكلام المحدث، الذي ذمه السلف والأئمة، وقالوا: إنه جهل، وإن حكم أهله: \"أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام\". ولكن من عرف حقائق ما انتهى إليه هؤلاء الفضلاء الأذكياء، ازداد بصيرة وعلما ويقينا بما جاء به الرسول - ﷺ -، وبأن ما يعارضون به الكتاب والسنة من كلامهم الذي يسمونه عقليات: هي من هذا الجنس الذي لا ينفق إلا بما فيه من الألفاظ المجملة المشتبهة، مع من قلت معرفته بما جاء به الرسول وبطرق إثبات ذلك، ويتوهم أن بمثل هذا الكلام يثبت معرفة الله وصدق رسله، وأن الطعن في ذلك طعن فيما به يصير العبد مؤمنا، فيتعجل رد كثير مما جاء به الرسول - ﷺ - لظنه أنه بهذا\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤).","vol":"8","page":48},{"text":"الرد يصير مصدقا للرسول في الباقي. وإذا أمعن النظر تبين له أنه كلما ازداد تصديقا لمثل هذا الكلام ازداد نفاقا وردا لما جاء به الرسول، وكلما ازداد معرفة بحقيقة هذا الكلام وفساده ازداد إيمانا وعلما بحقيقة ما جاء به الرسول، ولهذا قال من قال من الأئمة: (قل أحد نظر في الكلام إلا تزندق، وكان في قلبه غل على أهل الإسلام) بل قالوا: (علماء الكلام زنادقة). (١)\n- وقال في كلام أهل الكلام المذموم: يطولون في الحدود والأدلة بما لا يحتاج التعريف والبيان إليه، ثم يكون ما طولوا به مانعا من التعريف والبيان، فيكونون مثل من يريد الحج من الشام فيذهب إلى الهند ليحج من هناك فينقطع عليه الطريق، فلم يصل إلى مكة. (٢)\n- وقال: والمقصود هنا أن هؤلاء الذين يدعون أن كمال النفس هو الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات، هذا اضطرابهم في أشرف المعلومات الموجودات، بل فيما لا تنجو النفوس إلا بمعرفته وعبادته، ولكن لما سلموا للفلاسفة أصولهم الفاسدة، تورطوا معهم في مجاراتهم، وصاروا يجرونهم كما يجر الملاحدة الباطنية الناس صنفا صنفا.\nوالفلسفة هي باطن الباطنية، ولهذا صار في هؤلاء نوع من الإلحاد، فقل أن يسلم من دخل مع هؤلاء من نوع من الإلحاد، في أسماء الله وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه. (٣)\n_________\n(١) درء التعارض (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(٢) درء التعارض (٣/ ١٩١ - ١٩٢).\n(٣) درء التعارض (٣/ ٢٦٩).","vol":"8","page":49},{"text":"- وقال: ليتأمل اللبيب كلام هؤلاء الذين يدعون من الحذق والتحقيق ما يدفعون به ما جاءت به الرسل، كيف يتكلمون في غاية حكمتهم، ونهاية فلسفتهم بما يشبه كلام المجانين، ويجعلون الحق المعلوم بالضرورة مردودا، والباطل الذي يعلم بطلانه بالضرورة مقبولا، بكلام فيه تلبيس وتدليس. (١)\n- وقال ﵀يبين أن الرد على أهل الباطل من أعظم الجهاد-: والمناظرة تارة تكون بين الحق والباطل، وتارة بين القولين الباطلين لتبيين بطلانهما، أو بطلان أحدهما، أو كون أحدهما أشد بطلانا من الآخر، فإن هذا ينتفع به كثيرا في أقوال أهل الكلام والفلسفة وأمثالهم، ممن يقول أحدهم القول الفاسد وينكر على منازعه ما هو أقرب منه إلى الصواب، فيبين أن قول منازعه أحق بالصحة إن كان قوله صحيحا، وأن قوله أحق بالفساد إن كان قول منازعه فاسدا، لتنقطع بذلك حجة الباطل، فإن هذا أمر مهم، إذ كان المبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم، فإن بيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين، فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت، ولكن صالوا عليها صول المحاربين لله ولرسوله، فإذا دفع صيالهم، وبين ضلالهم، كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله. (٢)\n_________\n(١) درء التعارض (٣/ ٤٢٧).\n(٢) درء التعارض (٤/ ٢٠٦).","vol":"8","page":50},{"text":"- وقال ﵀يبين أن عامة أهل الكلام مقلدة-: فمن تبحر في المعقولات، وميز بين البينات والشبهات، تبين به أن العقل الصريح أعظم الأشياء موافقة لما جاء به الرسول، وكلما عظمت معرفة الرجل بذلك، عظمت موافقته للرسول.\nولكن دخلت الشبهة في ذلك بأن قوما كان لهم ذكاء تميزوا به في أنواع من العلوم: إما طبيعية كالحساب والطب، وإما شرعية كالفقه مثلا. وأما الأمور الإلهية فلم يكن لهم بها خبرة كخبرتهم بذلك، وهي أعظم المطالب، وأجل المقاصد، فخاضوا فيها بحسب أحوالهم، وقالوا فيها مقالات بعبارات طويلة مشتبهة، لعل كثيرا من أئمة المتكلمين بها لا يحصلون حقائق تلك الكلمات، ولو طالبتهم بتحقيقها لم يكن عندهم إلا الرجوع إلى تقليد أسلافهم فيها.\nوهذا موجود في منطق اليونان وإلهياتهم، وكلام أهل الكلام من هذه الأمة وغيرهم، يتكلم رأس الطائفة كأرسطو مثلا بكلام، وأمثاله من اليونان بكلام، وأبى الهذيل والنظام وأمثالهما من متكلمة أهل الإسلام بكلام، ويبقى ذلك الكلام دائرا في الأتباع، يدرسونه كما يدرس المؤمنون كلام الله، وأكثر من يتكلم به لا يفهمه. وكلما كانت العبارة أبعد عن الفهم كانوا لها أشد تعظيما، وهذا حال الأمم الضالة، كلما كان الشيء مجهولا كانوا أشد له تعظيما، كما يعظم الرافضة المنتظر، الذي ليس لهم منه حس ولا خبر، ولا وقعوا له على عين ولا أثر. وكذلك تعظيم الجهال من المتصوفة ونحوهم للغوث وخاتم الأولياء، ونحو ذلك مما لا يعرفون له حقيقة. وكذلك النصارى","vol":"8","page":51},{"text":"تعظم ما هو من هذا الباب. وهكذا الفلاسفة تجد أحدهم إذا سمع أئمته يقولون: الصفات الذاتية والعرضية، والمقوم والمقسم، والمادة والهيولي، والتركيب من الكم ومن الكيف، وأنواع ذلك من العبارات، عظمها قبل أن يتصور معانيها، ثم إذا طلب معرفتها لم يكن عنه في كثير منها إلا التقليد لهم. ولهذا كان فيها من الكلام الباطل المقرون بالحق ما شاء الله، ويسمونها عقليات، وإنما هي عندهم تقليديات، قلدوا فيها ناسا يعلمون أنهم ليسوا معصومين، وإذا بين لأحدهم فسادها لم يكن عنده ما يدفع ذلك، بل ينفي تعظيمه المطلق لرؤوس تلك المقالة، ثم يعارض ما تبين لعقله فيقول: كيف يظن بأرسطو وابن سينا وأبي الهذيل، أو أبي علي الجبائي ونحو هؤلاء أن يخفى عليه مثل هذا؟! أو أن يقول مثل هذا؟! وهو مع هذا يرى أن الذين قلدوا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١) قد بخسوا أنفسهم حظها من العقل والمعرفة والتمييز، ورضوا بقبول قول لا يعلمون حقيقته، وهو مع هذا يقبل أقوالا لا يعلم حقيقتها، وقائلين يعلم أنهم يخطئون ويصيبون.\nوهذا القدر قد تبينته من الطوائف المخالفين للكتاب والسنة -ولو في أدنى شيء ممن رأيت كتبهم، وممن خاطبتهم، وممن بلغني أخبارهم- إذا أقيمت على أحدهم الحجة العقلية التي يجب على طريقته قبولها، ولم يجد له ما يدفعها به، فر إلى التقليد، ولجأ إلى قول شيوخه، وقد كان في أول الأمر\n_________\n(١) النجم الآية (٤).","vol":"8","page":52},{"text":"يدعو إلى النظر والمناظرة، والاعتصام بالعقليات، والإعراض عن الشرعيات. ثم إنه في آخر الأمر لا حصل له علم من الشرعيات ولا من العقليات، بل هو كما قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ (١). وكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ (٢). وكما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ (٣). وكما قال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (٤). وكما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ (٥)\nوكما قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ\n_________\n(١) الحج الآية (٣).\n(٢) الحج الآية (٨).\n(٣) الأنعام الآية (١١٠).\n(٤) الفرقان الآية (٤٤).\n(٥) الفرقان الآيتان (٢٧و٢٩) ..","vol":"8","page":53},{"text":"يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ (١). وهذه النصوص فيها نصيب لكل من اتبع أحدا من الرؤوس فيما يخالف الكتاب والسنة، سواء كانوا من رؤوس أهل النظر والكلام والمعقول والفلسفة، أو رؤوس أهل الفقه والكلام في الأحكام الشرعية، أو من رؤوس أهل العبادة والزهادة والتأله والتصوف، أو من رؤوس أهل الملك والإمارة والحكم والولاية والقضاء. ولست تجد أحدا من هؤلاء إلا متناقضا، وهو نفسه يخالف قول ذلك المتبوع الذي عظمه في موضع آخر، إذ لا يصلح أمر دنياه ودينه بموافقة ذلك المتبوع، لتناقض أوامره. بخلاف ما جاء من عند الله، فإنه متفق مؤتلف، فيه صلاح أحوال العباد، في المعاش والمعاد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال: فعند هؤلاء كلام الأنبياء وخطابهم في أشرف المعارف وأعظم العلوم، يمرض ولا يشفي، ويضل ولا يهدي، ويضر ولا ينفع، ويفسد ولا يصلح، ولا يزكي النفوس ويعلمها الكتاب والحكمة، بل يدسي النفوس ويوقعها في الضلال والشبهة، بل يكون كلام من يسفسط تارة ويبين أخرى،\n_________\n(١) الأحزاب الآيات (٦٦ - ٦٨).\n(٢) النساء الآية (٨٢).\n(٣) درء التعارض (٥/ ٣١٥ - ٣١٨).","vol":"8","page":54},{"text":"-كما يوجد في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة، كابن الخطيب وابن سينا وابن عربي وأمثالهم- خيرا من كلام الله وكلام رسله، فلا يكون خير الكلام كلام الله، ولا أصدق الحديث حديثه، بل يكون بعض قرآن مسيلمة الكذاب الذي ليس فيه كذب في نفسه، -وإن كانت نسبته إلى الله كذبا، ولكنه مما لا يفيد كقوله: الفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، إن ذلك من خلق ربنا الجليل- عند هؤلاء الملاحدة خيرا من كلام الله، الذي وصف به نفسه، ووصف به ملائكته، واليوم الآخر، وخيرا من كلام رسوله، لأن قرآن مسيلمة وإن لم تكن فيه فائدة ولا منفعة، فلا مضرة فيه ولا فساد، بل يضحك المستمع كما يضحك الناس من أمثاله. وكلام الله ورسوله عند هؤلاء أضل الخلق وأفسد عقولهم، وأديانهم، وأوجب أن يعتقدوا نقيض الحق في الإيمان بالله ورسوله، أو يشكوا ويرتابوا في الحق، أو يكونوا -إذا عرفوا بعقلهم- تعبوا تعبا عظيما في صرف الكلام عن مدلوله ومقتضاه، وصرف الخلق عن اعتقاد مضمونه وفحواه، ومعاداة من يقر بذلك، وهم السواد الأعظم من أتباع الرسل. (١)\n- وقال: وهم فيما خاضوا فيه من العقليات المعارضة للنصوص، في حيرة وشبهة وشك، من كان منهم فاضلا ذكيا قد عرف نهايات إقدامهم، كان في حيرة وشك، ومن كان منهم لم يصل إلى الغاية كان مقلدا لهؤلاء، فهو يدع تقليد النبي المعصوم، وإجماع المؤمنين المعصوم، ويقلد رؤوس الكلام المخالف للكتاب والسنة، الذين هم في شك وحيرة، ولهذا لا يوجد أحد من\n_________\n(١) درء التعارض (٥/ ٣٦٤ - ٣٦٥).","vol":"8","page":55},{"text":"هؤلاء إلا وهو: إما حائر شاك، وإما متناقض يقول قولا ويقول ما يناقضه، فيلزم بطلان أحد القولين أو كلاهما، لا يخرجون عن الجهل البسيط مع كثرة النظر والكلام، أو عن الجهل المركب الذي هو ظنون كاذبة، وعقائد غير مطابقة، وإن كانوا يسمون ذلك براهين عقلية، وأدلة يقينية، فهم أنفسهم ونظراؤهم يقدحون فيها، ويبينون أنها شبهات فاسدة، وحجج عن الحق حائدة.\nوهذا الأمر يعرفه كل من كان خبيرا بحال هؤلاء، بخلاف أتباع الرسول - ﷺ - المتبعين له، فإنهم ينكشف لهم أن ما جاء به الرسول، هو الموافق لصريح المعقول، وهو الحق الذي لا اختلاف فيه ولا تناقض. (١)\n- وقال: وهذا موجود في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة: متقدميهم ومتأخريهم إلى كتب الرازي والآمدي ونحوها، وليس فيها من أمهات الأصول الكلية والإلهية القول الذي هو الحق، بل تجد كل ما يذكرونه من المسائل وأقوال الناس فيها، إما أن يكون الكل خطأ، وإما أن يذكروا القول الصواب من حيث الجملة، مثل إطلاق القول بإثبات الصانع، وأنه لا إله إلا هو، وأن محمدا رسول الله، لكن لا يعطون هذا القول حقه: لا تصورا ولا تصديقا، فلا يحققون المعنى الثابت في نفس الأمر من ذلك، ولا يذكرون الأدلة الدالة على الحق، وربما بسطوا الكلام في بعض المسائل الجزئية التي لا ينتفع بها وحدها، بل قد لا يحتاج إليها. وأما المطالب العالية، والمقاصد السامية، من معرفة الله تعالى والإيمان به وملائكته وكتبه ورسله واليوم\n_________\n(١) درء التعارض (٧/ ٢٨٣ - ٢٨٤).","vol":"8","page":56},{"text":"الآخر، فلا يعرفونه كما يجب، وكما أخبر به الرسول - ﷺ -، ولا يذكرون من ذلك ما يطابق صحيح المنقول ولا صريح المعقول. (١)\n- وقال: ومعلوم عند كل من عرف دين الإسلام أن المصريين -بني عبيد الباطنية- كالحاكم وأمثاله، الذين هم سادة أهل بيته، من أعظم الناس نفاقا وإلحادا في الإسلام، وأبعد الناس عن الرسول - ﷺ - نسبا ودينا، بل وأبعد الناس عن صريح المعقول وصحيح المنقول، فليس لهم سمع ولا عقل. وقولهم في الصفات صريح قول جهم، بل وشرا منه، وزادوا عليه من التكذيب بالحق والبعث والشرائع ما لم يقله الجهم، تلقيا عن سلفهم الدهرية، وأخذوا ما نطق به الرسول في الإيمان بالله واليوم الآخر والشرائع، فجعلوا لها بواطن يعلم علماء المسلمين بالاضطرار أنها مخالفة لدين الرسول - ﷺ -. فأصحاب 'الإشارات'، هم من جنس هؤلاء، لكن يتفاوتون في التكذيب والإلحاد. (٢)\n- وقال في رده على مذهب الرازي ومن سار عليه: فيقال: من العجائب، بل من أعظم المصائب، أن يجعل مثل هذا الهذيان برهانا في هذا المذهب، الذي حقيقته أن الله لم يخلق شيئا، بل الحوادث تحدث بلا خالق، وفي إبطال أديان أهل الملل وسائر العقلاء من الأولين والآخرين. لكن هذه الحجج الباطلة وأمثالها لما صارت تصد كثيرا من أفاضل الناس وعقلائهم وعلمائهم عن الحق المحض الموافق لصريح المعقول وصحيح المنقول، بل تخرج أصحابها عن العقل والدين، كخروج الشعرة من العجين، إما بالجحد\n_________\n(١) درء التعارض (٩/ ٦٧ - ٦٨).\n(٢) درء التعارض (١٠/ ٦٠ - ٦١).","vol":"8","page":57},{"text":"والتكذيب، وإما بالشك والريب؛ احتجنا إلى بيان بطلانها، للحاجة إلى مجاهدة أهلها، وبيان فسادها من أصلها، إذ كان فيها من الضرر بالعقول والأديان، ما لا يحيط به إلا الرحمن. (١)\n- وقال: والولي على أصله الفاسد -يعني ابن عربي- يأخذ عن الله بلا واسطة، لأنه يأخذ عن عقله، وهذا عندهم هو الأخذ عن الله بلا واسطة، إذ ليس عندهم ملائكة منفصلة تنزل بالوحي، والرب عندهم ليس هو موجودا مباينا للمخلوقات، بل هو وجود مطلق، أو مشروط بنفي الأمور الثبوتية عن الله، أو نفي الأمور الثبوتية والسلبية، وقد يقولون: هو وجود المخلوقات أو حال فيها، أو لا هذا ولا هذا. فهذا عندهم غاية كل رسول ونبي: النبوة عندهم الأخذ عن القوة المتخيلة التي صورت المعاني العقلية في المثل الخيالية، ويسمونها القوة القدسية، فلهذا جعلوا الولاية فوق النبوة. وهؤلاء من جنس القرامطة الباطنية الملاحدة، لكن هؤلاء ظهروا في قالب التصوف والتنسك ودعوى التحقيق والتأله، وأولئك ظهروا في قالب التشيع والموالاة، فأولئك يعظمون شيوخهم حتى يجعلوهم أفضل من الأنبياء، وقد يعظمون الولاية حتى يجعلوها أفضل من النبوة، وهؤلاء -يعني الروافض- يعظمون أمر الإمامة، حتى قد يجعلون الأئمة أعظم من الأنبياء، والإمام أعظم من النبي، كما يقوله الإسماعيلية. وكلاهما أساطين الفلاسفة الذين يجعلون النبي فيلسوفا، ويقولون: إنه يختص بقوة قدسية، ثم منهم من يفضل النبي على الفيلسوف، ومنهم من يفضل الفيلسوف على النبي، ويزعمون أن النبوة مكتسبة، وهؤلاء يقولون:\n_________\n(١) المنهاج (١/ ٢٥٩).","vol":"8","page":58},{"text":"إن النبوة عبارة عن ثلاث صفات، من حصلت له فهو نبي: أن يكون له قوة قدسية حدسية ينال بها العلم بلا تعلم، وأن تكون نفسه قوية لها تأثير في هيولي العالم، وأن يكون له قوة يتخيل بها ما يعقله، ومرئيا في نفسه، ومسموعا في نفسه. هذا كلام ابن سينا وأمثاله في النبوة، وعنه أخذ ذلك الغزالي في كتبه 'المضنون به على غير أهلها'. (١)\n- وجاء في مجموع الفتاوى: وحدثني الثقة أنه قرأ عليه 'فصوص الحكم' لابن عربي، وكان يظنه من كلام أولياء الله العارفين. فلما قرأه رآه يخالف القرآن، قال: فقلت له: هذا الكلام يخالف القرآن فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا، وكان يقول ثبت عندنا في الكشف ما يخالف صريح المعقول، وحدثني من كان معه ومع آخر نظير له، فمرا على كلب أجرب ميت بالطريق عند دار الطعم، فقال له رفيقه: هذا أيضا هو ذات الله؟ فقال: وهل ثم شيء خارج عنها؟ نعم، الجميع في ذاته.\nوهؤلاء حقيقة قولهم هو قول فرعون، لكن فرعون ما كان يخاف أحدا فينافقه، فلم يثبت الخالق وإن كان في الباطن مقرا به، وكان يعرف أنه ليس هو إلا مخلوق، لكن حب العلو في الأرض، والظلم دعاه إلى الجحود والإنكار كما قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ\n_________\n(١) المنهاج (٨/ ٢٢ - ٢٤).","vol":"8","page":59},{"text":"كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ (١).\nوأما هؤلاء، فهم من وجه ينافقون المسلمين، فلا يمكنهم إظهار جحود الصانع، ومن وجه هم ضلال، يحسبون أنهم على حق وأن الخالق هو المخلوق، فكان قولهم هو قول فرعون، لكن فرعون كان معاندا مظهرا للجحود والعناد، وهؤلاء إما جهال ضلال، وإما منافقون مبطنون الإلحاد والجحود، يوافقون المسلمين في الظاهر. وحدثني الشيخ \"عبد السيد\" الذي كان قاضي اليهود ثم أسلم، وكان من أصدق الناس، ومن خيار المسلمين وأحسنهم إسلاما، أنه كان يجتمع بشيخ منهم يقال له: الشرف البلاسي يطلب منه المعرفة والعلم. قال: فدعاني إلى هذا المذهب، فقلت له: قولكم يشبه قول فرعون. قال: ونحن على قول فرعون. فقلت لعبد السيد: واعترف لك بهذا؟ قال: نعم، وكان عبد السيد إذ ذاك قد ذاكرني بهذا المذهب فقلت له: هذا مذهب فاسد وهو يؤول إلى قول فرعون فحدثني بهذا، فقلت له: ما ظننت أنهم يعترفون بأنهم على قول فرعون، لكن مع إقرار الخصم ما يحتاج إلى بينة، قال عبد السيد: فقلت له: لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون فقال: ولم؟ قلت: لأن موسى أغرق فرعون فانقطع، واحتج عليه بالظهور الكوني، فقلت لعبد السيد -وكان هذا قبل أن يسلم-: نفعتك اليهودية يهودي خير من فرعوني. (٢)\n_________\n(١) النمل الآيتان (١٣و١٤).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٨٦ - ١٨٨).","vol":"8","page":60},{"text":"كلمة الشيخ في تائية ابن الفارض:\nجاء في نقض المنطق: وابن الفارض -من متأخري الاتحادية- صاحب القصيدة التائية المعروفة بنظم السلوك، وقد نظم فيها الاتحاد نظما رائق اللفظ، فهو أخبث من لحم خنزير في صينية من ذهب، وما أحسن تسميتها بنظم الشكوك. الله أعلم بها وبما اشتملت عليه، وقد نفقت كثيرا، وبالغ أهل العصر في تحسينها والاعتداد بما فيها من الاتحاد. (١)\n؟ التعليق:\nهذه القصيدة اليوم، هي قرآن كثير من المتصوفة، ينشدونها في محافلهم وموالدهم وأمكنة بدعهم، ويعتبرون ذلك من أعظم الذكر، وأحيانا يرفقونها باسم الله على حسب تغنيهم.\n- وله رسالة بعنوان 'الرد الأقوم على ما في فصوص الحكم' تكلم فيها عن ابن عربي وكتبه وأصحابه. وقد لخصه التقي الفاسي في كتابه 'العقد الثمين' ومن تلخيصه أنقل: قال الفاسي: ثم قال ابن تيمية: فإن صاحب هذا الكتاب المذكور الذي هو 'فصوص الحكم' وأمثاله، مثل صاحبه الصدر القونوي التلمساني، وابن سبعين، والششتري، وأتباعهم، مذهبهم الذي هم عليه أن الوجود واحد، ويسمون أهل وحدة الوجود، ويدعون التحقيق والعرفان، وهم يجعلون وجود الخالق عين وجود المخلوقات، فكل ما تتصف به المخلوقات من\n_________\n(١) نقض المنطق (ص.٦٢).","vol":"8","page":61},{"text":"حسن وقبيح، ومدح وذم، إنما المتصف به عندهم عين الخالق.\nثم قال ابن تيمية: ويكفيك بكفرهم أن من أخف أقوالهم: إن فرعون مات مؤمنا بريئا من الذنوب، كما قال -يعني ابن عربي-: وكان موسى قرة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق، فقبضه طاهرا مطهرا، ليس فيه شيء من الخبث قبل أن كتب عليه شيء من الآثام، والإسلام يجب ما قبله. وقد علم بالاضطرار من دين أهل الملل: المسلمين واليهود والنصارى أن فرعون من أكفر الخلق.\nواستدل ابن تيمية على ذلك بما تقوم به الحجة، ثم قال: فإذا جاءوا إلى أعظم عدو لله من الإنس والجن، أو من هو من أعظم أعدائه، فجعلوه مصيبا محقا فيما كفره به الله، علم أن ما قالوه أعظم من كفر اليهود والنصارى، فكيف بسائر مقالاتهم؟\nوقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا إنه حال في كل مكان، فكان مما أنكروه عليهم، أنه كيف يكون في البطون والحشوش والأخلية، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فكيف من جعله نفس وجود البطون والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار؟\nثم قال ابن تيمية: وأين المشبهة المجسمة من هؤلاء؟ فإن أولئك غاية كفرهم أن جعلوه مثل المخلوقات، لكن يقولون: هو قديم وهي محدثة، وهؤلاء جعلوه عين المحدثات، وجعلوه نفس المصنوعات، ووصفوه بجميع النقائص والآفات التي يوصف بها كل فاجر وكافر وكل شيطان، وكل سبع","vol":"8","page":62},{"text":"وكل حية من الحيات، فتعالى الله عن إفكهم وضلالهم، ثم قال: وهؤلاء يقولون إن النصارى إنما كفروا لتخصيصهم حيث قالوا: إن الله هو المسيح، فكل ما قالته النصارى في المسيح يقولونه في الله ﷾، ومعلوم شتم النصارى لله وكفرهم به، وكفر النصارى جزء من كفر هؤلاء، ولما قرأوا هذا الكتاب المذكور على أفضل متأخريهم، قال له قائل: إن هذا الكتاب يخالف القرآن، فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا هذا، يعني أن القرآن يفرق بين الرب والعبد، وحقيقة التوحيد عندهم أن الرب هو العبد، فقال له قائل: فأي فرق بين زوجتي وبنتي؟ قال: لا فرق، لكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم، وهؤلاء إذا قيل: مقالتهم إنها كفر، لم يفهم هذا اللفظ حالها، فإن الكفر جنس تحته أنواع متفاوتة، بل كفر كل كافر جزء من كفرهم، ولهذا قيل لرئيسهم: أنت نصيري، قال: نصير جزء مني.\nثم قال ابن تيمية: وقد علم المسلمون واليهود والنصارى بالاضطرار من دين المسلمين، أن من قال عن أحد من البشر: إنه جزء من الله، فإنه كافر في جميع الملل، إذ النصارى لم تقل هذا، وإن كان قولهم من أعظم الكفر، لم يقل أحد إن عين المخلوقات هي أجزاء الخالق، ولا إن الخالق هو المخلوق، ولا إن الحق المنزه هو الخلق المشبه، وكذلك قوله: إن المشركين لو تركوا عبادة الأصنام لجهلوا من الخلق المشبه، وكذلك قوله: إن المشركين لو تركوا عبادة الأصنام لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا منها، هو من الكفر المعلوم بالاضطرار بين جميع الملل، فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا","vol":"8","page":63},{"text":"عن عبادة الأصنام، وكفروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام، وكل معبود سوى الله كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١) واستدل على ذلك بآيات أخر.\nثم قال: فمن قال: إن عباد الأصنام لو تركوهم لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا منها أكفر من اليهود والنصارى، ومن لم يكفرهم فهو أكفر من اليهود والنصارى، فإن اليهود والنصارى يكفرون عباد الأصنام، فكيف من يجعل تارك عبادة الأصنام جاهلا من الحق بقدر ما ترك منها، مع قوله: فإن العالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حين عبد، فإن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوة المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود، بل هو أعظم كفرا من كفر عباد الأصنام، فإن أولئك اتخذوهم شفعاء ووسائط كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ\n_________\n(١) الممتحنة الآية (٤).\n(٢) الزمر الآية (٣).","vol":"8","page":64},{"text":"كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ (١).\nوكانوا مقرين بأن الله خالق السموات والأرض وخالق الأصنام كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢). واستدل على ذلك بغير هذه الآية.\nثم قال: وهؤلاء أعظم كفرا من جهة أن هؤلاء جعلوا عابد الأصنام عابدا لله لا عابدا لغيره، وأن الأصنام من الله تعالى بمنزلة أعضاء الإنسان من الإنسان، ومنزلة قوى النفس من النفس، وعباد الأصنام اعترفوا بأنها غيره وأنها مخلوقة. ومن جهة أن عباد الأصنام من العرب كانوا مقرين بأن للسماوات والأرض ربا غيرهما هو خالقهما، وهؤلاء ليس عندهم للسماوات والأرض وسائر المخلوقات مغاير للسماوات والأرض وسائر المخلوقات، بل المخلوق هو الخالق. ولهذا جعل أهل قوم عاد وغيرهم من الكفار على صراط مستقيم، وجعلهم في القرب، وجعل أهل النار يتنعمون في النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة، وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن قوم عاد وثمود وفرعون وقومه وسائر من قص الله تعالى قصته من أعداء الله تعالى، وأنهم معذبون في الآخرة، وأن الله لعنهم وغضب عليهم، فمن أثنى عليهم وجعلهم من المقربين ومن أهل النعيم فهو أكفر من اليهود والنصارى.\nوهذه الفتوى لا تحتمل بسط كلام هؤلاء وبيان كفرهم وإلحادهم،\n_________\n(١) الزمر الآية (٤٣).\n(٢) الزمر الآية (٣٨).","vol":"8","page":65},{"text":"فإنهم من جنس القرامطة الباطنية الإسماعيلية الذين كانوا أكفر من اليهود والنصارى، وأن قولهم يتضمن الكفر بجميع الكتب والرسل ...\nوفي كتبه مثل الفتوحات المكية وأمثالها من الأكاذيب ما لا يخفى على لبيب، ثم قال: لم أصف عشر ما يذكرونه من الكفر، ولكن هؤلاء التبس أمرهم على من لا يعرف حالهم، كما التبس أمر القرامطة الباطنية لما ادعوا أنهم فاطميون، وانتسبوا إلى التشيع، فصار المتشيعون مائلين إليهم غير عالمين بباطن كفرهم، ولهذا كان من مال إليهم أحد رجلين: إما زنديقا منافقا أو جاهلا ضالا، وهكذا هؤلاء الاتحادية، فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم، ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة، فإنه من أعظم الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وهم الذين يبهمون قولهم ومخالفتهم لدين الإسلام، ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم أو عظم كتبهم، أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم وأخذ يعتذر عنهم أو لهم بأن هذا الكلام لا يدرى ما هو، ومن قال إنه صنف هذا الكتاب وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق، بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشائخ والعلماء والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فسادا، ويصدون عن سبيل الله، فضررهم في الدين أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم ويترك دينهم، كقطاع الطرق، وكالتتار الذين يأخذون أموالهم ويبقون على دينهم ولا يستهين بهم من لم يعرفهم، فضلالهم وإضلالهم أطم","vol":"8","page":66},{"text":"وأعظم من أن يوصف.\nثم قال: ومن كان محسنا للظن بهم، وادعى أنه لم يعرف حالهم عرف حالهم، فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار، وإلا ألحق بهم وجعل منهم، وأما من قال: لكلامهم تأويل يوافق الشريعة، فإنه من رؤوسهم وأئمتهم، فإنه إن كان ذكيا، فإنه يعرف كذب نفسه فيما قال، وإن كان معتقدا لهذا باطنا وظاهرا، فهو أكفر من النصارى. (١)\n؟ التعليق:\nلله درك يا شيخ الإسلام، ما أحسن هذه الأحكام النابعة عن علم واستقراء، لا عن جهل وعاطفة. فإن هؤلاء الذين وصفت حالهم وبينت لنا وللمسلمين وحكامهم كيف ينبغي أن نتعامل معهم. فإن كتبهم ملأت أسواق المسلمين، ومكتباتهم، وصار الرجل يوصي صاحبه باقتناء 'الفتوحات المكية' و'فصوص الحكم' بل كتب ذلك في الجرائد والمجلات. فلا أدري متى ينتبه المسلمون من هذه الغفلة، ومتى يخرجون من هذه الجهالة العمياء، يلقبون هذا الزنديق بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر. وكل ما ورد من ألفاظ كفرية أولوها وزعموا أنهم هم أصحاب الذوق.\n\n- وقال في حديثه عن القبوريين: وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم، واستنزلهم عن إخلاص الدين لله إلى أنواع من الشرك، فيقصدون بالسفر والزيارة والرجاء لغير الله، والرغبة إليه ويشدون الرحال:\n_________\n(١) العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٣).","vol":"8","page":67},{"text":"إما إلى قبر لنبي أو صاحب أو صالح. أو من يظن أنه نبي، أو صاحب أو صالح. داعين له راغبين إليه. إلى أن قال: ومن أكابرهم من يقول: (الكعبة في الصلاة قبلة العامة، والصلاة إلى قبر الشيخ فلان -مع استدبار الكعبة- قبلة الخاصة) وهذا وأمثاله من الكفر الصريح باتفاق علماء المسلمين. (١)\n- وقال: من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء. وكلا الأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة. وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث والآثار (٢)، إذ الغرض القاعدة الكلية، وإن كان تحريم ذلك ذكره غير واحد من علماء الطوائف: من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولهذا كان السلف من الصحابة والتابعين يبالغون في المنع مما يجر إلى مثل هذا. (٣)\n- وقال: ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضرا أنه استجار بفلان، ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر، ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين، أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر، وبإجماع المسلمين أن النبي - ﷺ - لم يشرع هذا لأمته.\n_________\n(١) الاقتضاء (٢/ ٨٤١ - ٨٤٣).\n(٢) وقد ذكر ﵀ بعضها قبل هذا، فلتنظر هنالك.\n(٣) الاقتضاء (١/ ٢٩٥).","vol":"8","page":68},{"text":"وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئا من ذلك، بل أهل الكتاب ليس عندهم عن الأنبياء نقل بذلك، كما أن المسلمين ليس عندهم عن نبيهم نقل بذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها: أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي - ﷺ - عند قبره أن يشفع له، أو يدعو لأمته، أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين.\nوكان أصحابه يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول - ﷺ -، ولا قبر الخليل، ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم؛ بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين. (١)\n- وقال: وأما الزيارة البدعية: فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء. فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة، لم يشرعها النبي - ﷺ -، ولا فعلها الصحابة، لا عند قبر النبي - ﷺ -، ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١/ ١٦١ - ١٦٢).","vol":"8","page":69},{"text":"ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم مثل أن يتخذ قبورهم مساجد لكان ذلك محرما منهيا عنه، ولكان صاحبه متعرضا لغضب الله ولعنته كما قال النبي - ﷺ -: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) وقال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا» (٢). وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٣).\nفإذا كان هذا محرما، وهو سبب لسخط الرب ولعنته، فكيف بمن يقصد دعاء الميت، والدعاء عنده وبه، واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات، ونيل الطلبات، وقضاء الحاجات، وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان في الناس، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم ظهر الشرك بسبب تعظيم قبور صالحيهم. (٤)\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٦) وابن سعد (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢) وأبو يعلى (١٢/ ٣٣ - ٣٤/ ٦٦٨١) والحميدي (٢/ ٤٤٥/١٠٢٥) وأبو نعيم (٧/ ٣١٧) كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعا، وتمامه: لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وصحح إسناده الشيخ الألباني في تحذير الساجد (٢٥) وأورد له شاهدين مرسلين: الأول عن زيد بن أسلم، والآخر عن عطاء. قال ابن عبد البر تعليقا على مرسل عطاء في التمهيد (فتح البر: ١/ ٢٨١): \"فهذا الحديث صحيح عند من قال بمراسيل الثقات\".\n(٢) أحمد (٢/ ٢٨٤) والبخاري (١/ ٧٠٠/٤٣٧) ومسلم (١/ ٣٧٦/٥٣٠) وأبو داود (٣/ ٥٥٣/٣٢٢٧) والنسائي (٤/ ٤٠١/٢٠٤٦) وفي الكبرى (٤/ ٢٥٧/٧٠٩٢) من طرق عن أبي هريرة.\n(٣) أخرجه مسلم (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨/ ٥٣٢) من حديث جندب بن عبد الله.\n(٤) مجموع الفتاوى (١/ ١٦٦ - ١٦٧).","vol":"8","page":70},{"text":"- وقال: وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة؛ فهذا لا نعرفه قولا لأحد. وبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلا وإنما هو تخويف لا حقيقة له، وهذا من أقوال الملاحدة والكفار. وربما احتج بعضهم بقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ (١) فيقال لهذا: التخويف إنما يكون تخويفا إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوف، فإن لم يكن هناك ما يمكن وقوعه امتنع التخويف، لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بما لا حقيقة له، كما توهم الصبي الصغير. ومعلوم أن مثل هذا لا يحصل به تخوف للعقلاء المميزين، لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مخوف زال الخوف، وهذا شبيه بما تقول \"الملاحدة\" المتفلسفة والقرامطة ونحوهم: من أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن، وإنما هي أمثال مضروبة لتفهم حال النفس بعد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له، فإنما يعلق لمصلحتهم في الدنيا، إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريقة. و\"هذا القول\" مع أنه معلوم الفساد بالضرورة من دين الرسل؛ فلو كان الأمر كذلك لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون ذلك، وإذا علموه زالت محافظتهم على الأمر والنهي، كما يصيب خواص ملاحدة المتفلسفة والقرامطة من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم، فإن البارع منهم في العلم والمعرفة يزول عنه عندهم الأمر والنهي، وتباح له المحظورات، وتسقط عنه الواجبات، فتظهر أضغانهم، فتنكشف\n_________\n(١) الزمر الآية (١٦).","vol":"8","page":71},{"text":"أسرارهم، ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم الباطن، حتى سموهم باطنية؛ لإبطانهم خلاف ما يظهرون.\nفلو كان -والعياذ بالله- دين الرسل كذلك لكان خواصه قد عرفوه، وأظهروا باطنه، وكان عند أهل المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره، وأخبر الناس بمقاصده ومراداته، كانوا أعظم الأمة لزوما لطاعة أمره -سرا وعلانية- ومحافظة على ذلك إلى الموت، وكل من كان منهم إليه وبه أخص وبباطنه أعلم -كأبي بكر وعمر كانوا أعظمهم لزوما للطاعة سرا وعلانية، ومحافظة على أداء الواجب، واجتناب المحرم، باطنا وظاهرا، وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ملاحدة المتصوفة الذين يجعلون فعل المأمور وترك المحظور واجبا على السالك حتى يصير عارفا محققا في زعمهم؛ وحينئذ يسقط عنه التكليف، ويتأولون على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (١) زاعمين أن اليقين هو ما يدعونه من المعرفة، واليقين هنا الموت، وما بعده، كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضين (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال: وقد يقول أحدهم: العارف شهد أولا الطاعة والمعصية، ثم\n_________\n(١) الحجر الآية (٩٩).\n(٢) المدثر الآيات (٤٥ - ٤٨).\n(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠١ - ٥٠٣).","vol":"8","page":72},{"text":"شهد طاعة بلا معصية -يريد بذلك طاعة القدر- كقول بعض شيوخهم: أنا كافر برب يعصى، وقيل له عن بعض الظالمين: هذا ماله حرام، فقال: إن كان عصى الأمر، فقد أطاع الإرادة. ثم ينتقلون \"إلى المشهد الثالث\" لا طاعة ولا معصية، وهو مشهد أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود، وهذا غاية إلحاد المبتدعة جهمية الصوفية، كما أن القرمطة آخر إلحاد الشيعة، وكلا الإلحادين يتقاربان. وفيها من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركي العرب. (١)\n- وقال: و'المتفلسفة' أسوأ حالا من اليهود والنصارى، فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء وضلالهم، وبين فجور هؤلاء وظلمهم، فصار فيهم من الجهل والظلم ما ليس في اليهود ولا النصارى، حيث جعلوا السعادة في مجرد أن يعلموا الحقائق حتى يصير الإنسان عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود، ثم لم ينالوا من معرفة الله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وخلقه وأمره إلا شيئا نزرا قليلا، فكان جهلهم أعظم من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم، وكانوا مترددين بين الجهل البسيط والجهل المركب؛ فإن كلامهم في الطبيعيات والرياضيات لا يفيد كمال النفس وصلاحها، وإنما يحصل ذلك بالعلم الإلهي، وكلامهم فيه: لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. فإن كلامهم في \"واجب الوجود\" ما بين حق قليل، وباطل فاسد كثير، وكذلك في \"العقول\" و\"النفوس\" التي تزعم أتباعهم من أهل الملل، أنها الملائكة التي أخبرت بها الرسل؛ وليس الأمر كذلك، بل\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٤).","vol":"8","page":73},{"text":"زعمهم أن هؤلاء هم الملائكة من جنس زعمهم أن واجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، مع اعترافهم بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان، وكذلك كلامهم في العقول والنفوس يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان، ثم فيه من الشرك بالله وإثبات رب مبدع لجميع العالم سواه -لكنه معلول له- وإثبات رب مبدع لكل ما تحت فلك القمر هو معلول الرب، فوقه ذلك الرب معلول لرب فوقه، ما هو أقبح من كلام النصارى في قولهم: إن المسيح ابن الله، بكثير كثير. (١)\n- وقال: وأما قول الشاعر:\nإذا بلغ الصب الكمال من الهوى فشاهد حقا حين يشهده الهوى ... وغاب عن المذكور في سطوة الذكر\nبأن صلاة العارفين من الكفر\nفهذا الكلام -مع أنه كفر- هو كلام جاهل لا يتصور ما يقول، فإن الفناء والغيب؛ هو أن يغيب بالمذكور عن الذكر، وبالمعروف عن المعرفة، وبالمعبود عن العبادة؛ حتى يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل، وهذا مقام الفناء الذي يعرض لكثير من السالكين، لعجزهم عن كمال الشهود المطابق للحقيقة، بخلاف الفناء الشرعي، فمضمونه الفناء بعبادته عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، فإن هذا تحقيق التوحيد والإيمان. (٢)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٨٦ - ٥٨٧).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٣).","vol":"8","page":74},{"text":"- وقال: وأما 'الإيمان بالرسول' فهو المهم، إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه، إذ هو الطريق إلى الله سبحانه؛ ولهذا كان ركنا الإسلام: 'أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله'. ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار، لا مجرد التصديق. والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد- تصديق الرسول فيما أخبر، والانقياد له فيما أمر، كما أن الإقرار بالله هو الاعتراف به والعبادة له؛ فالنفاق يقع كثيرا في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته. والكفر: هو عدم الإيمان، سواء كان معه تكذيب أو استكبار، أو إباء أو إعراض؛ فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر. ثم هنا \"نفاقان\": نفاق لأهل العلم والكلام، ونفاق لأهل العمل والعبادة-.\nفأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه: فأن لا يرى وجوب تصديق الرسول فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر -علما وعملا- وأنه يجوز تصديقه وطاعته؛ لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدا، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته؛ إما بطريق الفلسفة والصبو، أو بطريق التهود والتنصر، كما هو قول الصابئة الفلاسفة في هذه المسألة وفي غيرها؛ فإنهم وإن صدقوه وأطاعوه فإنهم لا يعتقدون وجوب ذلك على جميع أهل الأرض؛ بحيث يكون التارك لتصديقه وطاعته معذبا؛ بل يرون ذلك مثل التمسك بمذهب إمام أو طريقة شيخ أو طاعة ملك؛ وهذا","vol":"8","page":75},{"text":"دين التتار ومن دخل معهم.\nأما النفاق الذي هو دون هذا، فأن يطلب العلم لله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، كما يبتلى بالأول كثير من المتكلمة، وبالثاني كثير من المتصوفة، فهم يعتقدون أنه يجب تصديقه أو تجب طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك، بل يسلكون مسلكا آخر: إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجد؛ وإما من جهة التقليد؛ وما جاء عن الرسول إما أن يعرضوا عنه، وإما أن يردوه إلى ما سلكوه؛ فانظر نفاق هذين الصنفين مع اعترافهم باطنا وظاهرا بأن محمدا أكمل الخلق، وأفضل الخلق، وأنه رسول، وأنه أعلم الناس، لكن إذا لم يوجبوا متابعته وسوغوا ترك متابعته كفروا، وهذا كثير جدا لكن بسط الكلام في حكم هؤلاء له موضع غير هذا. (١)\n- وقال: كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله، فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف، وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة، واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى وبعضهم عبد مناة وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله، من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله.\nونظير تسمية النصارى عبد المسيح. فغير النبي - ﷺ - ذلك وعبدهم لله وحده، فسمى جماعات من أصحابه: عبد الله وعبد الرحمن، كما سمى عبد الرحمن بن عوف ونحو هذا، وكما سمى أبا معاوية وكان اسمه عبد العزى\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨ - ٦٤٠).","vol":"8","page":76},{"text":"فسماه عبد الرحمن، وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبد القيوم.\nونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابهيهم الغالين في المشائخ، فيقال هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس أو غلام ابن الرفاعي أو الحريري ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله، كما قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح، وفي نفوس المشركين من آلهتهم رجاء وخشية، وقد يتوبون لهم، كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة، والنصارى للمسيح أو لبعض القديسين.\nوشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده: تعبيد الخلق لربهم كما سنه رسول الله - ﷺ -، وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية، وعامة ما سمى به النبي - ﷺ -، عبد الله وعبد الرحمن. كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) فإن هذين الاسمين هما أصل بقية أسماء الله تعالى. وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى، وكذلك أهل بيتنا؛ غلب على أسمائهم التعبيد لله، كعبد الله؛ وعبد الرحمن، وعبد الغني؛ والسلام؛ والقاهر؛ واللطيف؛ والحكيم؛ والعزيز؛ والرحيم؛ والمحسن؛ والأحد؛ والواحد، والقادر؛ والكريم؛ والملك؛ والحق. وقد ثبت في صحيح مسلم عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن النبي - ﷺ - قال: «أحب الأسماء\n_________\n(١) الإسراء الآية (١١٠).","vol":"8","page":77},{"text":"إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة» (١) وكان من شعار أصحاب رسول الله - ﷺ - معه في الحروب: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، كما قالوا يوم بدر؛ وحنين؛ والفتح؛ والطائف؛ فكان شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. (٢)\n- وقال: فما أعلم أحدا من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام والفلسفة، إلا ولا بد أن يتناقض، فيحيل ما أوجب نظيره ويوجب ما أحال نظيره، إذ كلامهم من عند غير الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (٣). والصواب ما عليه أئمة الهدى، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث، ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم والإيمان، والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات، فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يعرض عنها فيكون من باب: الذين إذا ذكروا بآيات ربهم يخرون عليها صما وعميانا، ولا يترك تدبر القرآن فيكون من باب: الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني. فهذا أحد الوجهين وهو منع أن تكون هذه من المتشابه. (٤)\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٤) ومسلم (٣/ ١٦٨٢/٢١٣٢) وأبو داود (٥/ ٢٣٦/٤٩٤٩) والترمذي (٥/ ١٢١/٢٨٣٣) وحسنه. وابن ماجه (٢/ ١٢٢٩/٣٧٢٨) من حديث ابن عمر.\n(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٧٨ - ٣٨٠).\n(٣) النساء الآية (٨٢).\n(٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٥).","vol":"8","page":78},{"text":"- وقال ﵀ في أبي معشر البلخي: وأبو معشر البلخي له 'مصحف القمر' يذكر فيه من الكفريات والسحريات ما يناسب الاستعاذة منه. (١)\n- وقال في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ (٢): بين سبحانه ضلال الذين يدعون المخلوق من الملائكة والأنبياء وغيرهم، فبين أن المخلوقين لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ثم بين أنه لا شركة لهم، ثم بين أنه لا عون له ولا ظهير، لأن أهل الشرك يشبهون الخالق بالمخلوق، كما يقول بعضهم إذا كانت لك حاجة: استوح الشيخ فلانا فإنك تجده، أو توجه إلى ضريحه خطوات وناد: يا شيخ، تقضى حاجتك. وهذا غلط لا يحل فعله، وإن كان من هؤلاء الداعين لغير الله من يرى صورة المدعو أحيانا، فذلك شيطان يمثل له، كما وقع مثل هذا لعدد كثير. ونظير هذا، قول بعض الجهال من أتباع الشيخ عدي وغيره: كل رزق لا يجيء على يد الشيخ لا أريده.\nوالعجب من ذي عقل سليم يستوحي من هو ميت، ويستغيث به، -ولا يستغيث بالحي الذي لا يموت-، فيقول أحدهم: إذا كانت لك حاجة إلى ملك توسلت إليه بأعوانه، فهكذا يتوسل إليه بالشيوخ. وهذا كلام أهل الشرك والضلال، فإن الملك لا يعلم حوائج رعيته، ولا يقدر على قضائها وحده، ولا\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٥٠٧).\n(٢) سبأ الآية (٢٢).","vol":"8","page":79},{"text":"يريد ذلك إلا لغرض يحصل له بسبب ذلك، والله أعلم بكل شيء، يعلم السر وأخفى، وهو على كل شيء قدير، فالأسباب منه وإليه. (١)\n- وقال في استعانة الإنس بالشياطين: والإنسان إذا فسدت نفسه أو مزاجه يشتهي ما يضره ويلتذ به، بل يعشق ذلك عشقا يفسد عقله ودينه، وخلقه وبدنه وماله. والشيطان هو نفسه خبيث، فإذا تقرب صاحب العزائم والأقسام، وكتب الروحانيات السحرية، وأمثال ذلك إليهم بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم، فيقضون بعض أغراضه، كمن يعطي غيره مالا ليقتل من يريد قتله، أو يعينه على فاحشة، أو ينال معه فاحشة. ولهذا كثير من هذه الأمور يكتبون فيها كلام الله -بالنجاسة- وقد يقلبون حروف كلام الله ﷿، إما حروف الفاتحة، وإما حروف قل هو الله أحد، وإما -غيرهما- إما دم وإما غيره، وإما بغير نجاسة. ويكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان، أو يتكلمون بذلك. فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم على بعض أغراضهم: إما تغوير ماء من المياه، وإما أن يحمل في الهواء إلى بعض الأمكنة، وإما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس، كما تسرقه الشياطين من أموال الخائنين، ومن لم يذكر اسم الله عليه وتأتي به، وإما غير ذلك. وأعرف في كل نوع من هذه الأنواع من الأمور المعينة، ومن وقعت له ممن أعرفه، ما يطول حكايته، فإنهم كثيرون جدا. (٢)\n- وقال: والمقصود أن أهل الضلال والبدع الذين فيهم زهد وعبادة\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٢٢ - ٣٢٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٣٤ - ٣٥).","vol":"8","page":80},{"text":"على غير الوجه الشرعي، ولهم أحيانا مكاشفات، ولهم تأثيرات يأوون كثيرا إلى مواضع الشياطين التي نهي عن الصلاة فيها، لأن الشياطين تتنزل عليهم بها، وتخاطبهم الشياطين ببعض الأمور كما تخاطب الكهان، وكما كانت تدخل في الأصنام وتكلم عابدي الأصنام، وتعينهم في بعض المطالب كما تعين السحرة، وكما تعين عباد الأصنام، وعباد الشمس والقمر والكواكب، إذا عبدوها بالعبادات التي يظنون أنها تناسبها، من تسبيح لها ولباس وبخور وغير ذلك، فإنه قد تنزل عليهم شياطين يسمونها روحانية الكواكب، وقد تقضي بعض حوائجهم، إما قتل بعض أعدائهم أو إمراضه، وإما جلب بعض من يهوونه، وإما إحضار بعض المال، ولكن الضرر الذي يحصل لهم بذلك أعظم من النفع، بل قد يكون أضعاف أضعاف النفع. (١)\n- وقال: وأبو حامد الغزالي لما ذكر في كتابه طرق الناس في التأويل، وأن الفلاسفة زادوا فيه حتى انحلوا، وأن الحق بين جمود الحنابلة وبين انحلال الفلاسفة، وأن ذلك لا يعرف من جهة السمع بل تعرف الحق بنور يقذف في قلبك، ثم ينظر في السمع: فما وافق ذلك قبلته وإلا فلا. وكان مقصوده بالفلاسفة المتأولين خيار الفلاسفة، وهم الذين يعظمون الرسول عن أن يكذب للمصلحة، ولكن هؤلاء وقعوا في نظير ما فروا منه، نسبوه إلى التلبيس والتعمية وإضلال الخلق، بل إلى أن يظهر الباطل ويكتم الحق.\nوابن سينا وأمثاله لما عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات الفلسفية، بل قد عرفوا أنه أراد مفهوم الخطاب: سلك مسلك التخييل،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٤١ - ٤٢).","vol":"8","page":81},{"text":"وقال: إنه خاطب الجمهور بما يخيل إليهم، مع علمه أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك. فهؤلاء يقولون: إن الرسل كذبوا للمصلحة.\nوهذا طريق ابن رشد الحفيد وأمثاله من الباطنية فالذين عظموا الرسل من هؤلاء عن الكذب نسبوهم إلى التلبيس والإضلال، والذين أقروا بأنهم بينوا الحق قالوا: إنهم كذبوا للمصلحة.\nوأما أهل العلم والإيمان فمتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا الحق، وأنهم بينوه، مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق، فهم الصادقون المصدوقون علموا الحق وبينوه، فمن قال: إنهم كذبوا للمصلحة، فهو من إخوان المكذبين للرسل، لكن هذا لما رأى ما عملوا من الخير والعدل في العالم لم يمكنه أن يقول: كذبوا لطلب العلو والفساد، بل قال: كذبوا لمصلحة الخلق، كما يحكى عن ابن التومرت وأمثاله.\nولهذا كان هؤلاء لا يفرقون بين النبي والساحر إلا من جهة حسن القصد، فإن النبي يقصد الخير، والساحر يقصد الشر، وإلا فلكل منهما خوارق هي عندهم قوى نفسانية، وكلاهما عندهم يكذب، لكن الساحر يكذب للعلو والفساد، والنبي عندهم يكذب للمصلحة، إذ لم يمكنه إقامة العدل فيهم إلا بنوع من الكذب. (١)\n- وقال: قد تدبرت عامة ما يذكره المتفلسفة والمتكلمة والدلائل العقلية فوجدت دلائل الكتاب والسنة تأتي بخلاصته الصافية عن الكدر، وتأتي بأشياء لم يهتدوا لها، وتحذف ما وقع منهم من الشبهات والأباطيل مع\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"8","page":82},{"text":"كثرتها واضطرابها. (١)\n- وقال: فالبدع الكثيرة التي حصلت في المتأخرين من العباد والزهاد والفقراء والصوفية، لم يكن عامتها في زمن التابعين وتابعيهم، بخلاف أقوال أهل البدع القولية فإنها ظهرت في عصر الصحابة والتابعين، فعلم أن الشبهة فيها أقوى وأهلها أعقل، وأما بدع هؤلاء فأهلها أجهل وهم أبعد عن متابعة الرسول. ولهذا يوجد في هؤلاء من يدعي الإلهية والحلول والاتحاد، ومن يدعي أنه أفضل من الرسول وأنه مستغن عن الرسول، وأن لهم إلى الله طرقا غير طريق الرسول، وهذا ليس من جنس بدع المسلمين، بل من جنس بدع الملاحدة من المتفلسفة ونحوهم، وأولئك قد عرف الناس أنهم ليسوا مسلمين، وهؤلاء يدعون أنهم أولياء الله مع هذه الأقوال التي لا يقولها إلا من هو أكفر من اليهود والنصارى، وكثير منهم أو أكثرهم لا يعرف أن ذلك مخالفة للرسول، بل عند طائفة منهم أن أهل الصفة قاتلوا الرسول وأقرهم على ذلك، وعند آخرين أن الرسول أمر أن يذهب ليسلم عليهم ويطلب الدعاء منهم، وأنهم لم يأذنوا له وقالوا: اذهب إلى من أرسلت إليهم، وأنه رجع إلى ربه فأمره أن يتواضع ويقول: خويدمكم جاء ليسلم عليكم، فجبروا قلبه وأذنوا له بالدخول. فمع اعتقادهم هذا الكفر العظيم الذي لا يعتقده يهودي ولا نصراني يقر بأنه رسول الله إلى الأميين، يقولون: إن الرسول أقرهم على ذلك واعترف به، واعترف أنهم خواص الله، وأن الله يخاطبهم بدون الرسول، لم يحوجهم إليه كبعض خواص الملك مع وزرائه، ويحتجون بقصة الخضر مع\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٢ - ٢٣٣).","vol":"8","page":83},{"text":"موسى، وهي حجة عليهم لا لهم، من وجوه كثيرة قد بسطت في موضع آخر. (١)\n- وقال: والمقصود هنا إنما كان التنبيه على طرق الطوائف في إثبات الصانع، وأن ما يذكره أهل البدع من المتكلمة والمتفلسفة؛ فإما أن يكون طويلا لا يحتاج إليه، أو ناقصا لا يحصل المقصود، وأن الطرق التي جاءت بها الرسل هي أكمل الطرق وأقربها وأنفعها، وأن ما في الفطرة المكملة بالشرعة المنزلة يغني عن هذه الأمور المحدثة، وأن سالكيها يفوتهم من كمال المعرفة بصفات الله تعالى وأفعاله ما ينقصون به عن أهل الإيمان نقصا عظيما إذا عذروا بالجهل، وإلا كانوا من المستحقين للعذاب، إذا خالفوا النص الذي قامت عليهم به الحجة، فهم بين محروم ومأثوم. (٢)\n- وقال: ونوح ﵇ أقام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى التوحيد، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، كما ثبت ذلك في الصحيح (٣)، ومحمد - ﷺ - خاتم الرسل، وكلا المرسلين بعث إلى مشركين يعبدون هذه الأصنام التي صورت على صور الصالحين من البشر، والمقصود بعبادتها عبادة أولئك الصالحين.\nوكذلك المشركون من أهل الكتاب ومن مبتدعة هذه الأمة وضلالها هذا غاية شركهم، فإن النصارى يصورون في الكنائس صور من يعظمونه\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٧٥ - ٢٧٦).\n(٢) درء التعارض (٨/ ٢٣٨).\n(٣) أحمد (٣/ ١١٦) والبخاري (١٣/ ٥١٩ - ٥٢٠/ ٧٤٤٠) ومسلم (١/ ١٨٠ - ١٨١/ ١٩٣) وابن ماجة (٢/ ١٤٤٢ - ١٤٤٣/ ٤٣١٢) من حديث أنس ﵁.","vol":"8","page":84},{"text":"من الإنس غير عيسى وأمه: مثل مارجرجس وغيره من القداديس، ويعبدون تلك الصور، ويسألونها ويدعونها ويقربون لها القرابين، وينذرون لها النذور، ويقولون: هذه تذكرنا بأولئك الصالحين. والشياطين تضلهم كما كانت تضل المشركين: تارة بأن يتمثل الشيطان في صورة ذلك الشخص الذي يدعى ويعبد، فيظن داعيه أنه قد أتى، أو يظن أن الله صور ملكا على صورته، فإن النصراني مثلا يدعو في الأسر وغيره مارجرجس أو غيره فيراه قد أتاه في الهواء، وكذلك آخر غيره، وقد سألوا بعض بطارقتهم عن هذا كيف يوجد في هذه الأماكن، فقال: هذه ملائكة يخلقهم الله على صورته تغيث من يدعوه، وإنما تلك شياطين أضلت المشركين.\nوهكذا كثير من أهل البدع والضلال والشرك المنتسبين إلى هذه الأمة، فإن أحدهم يدعو ويستغيث بشيخه الذي يعظمه وهو ميت، أو يستغيث به عند قبره ويسأله، وقد ينذر له نذرا ونحو ذلك، ويرى ذلك الشخص قد أتاه في الهواء ودفع عنه بعض ما يكره، أو كلمه ببعض ما سأله عنه، ونحو ذلك فيظنه الشيخ نفسه أتى إن كان حيا، حتى إني أعرف من هؤلاء جماعات يأتون إلى الشيخ نفسه الذي استغاثوا به وقد رأوه أتاهم في الهواء فيذكرون ذلك له. هؤلاء يأتون إلى هذا الشيخ، وهؤلاء يأتون إلى هذا الشيخ، فتارة يكون الشيخ نفسه لم يكن يعلم بتلك القضية، فإن كان يحب الرياسة سكت وأوهم أنه نفسه أتاهم وأغاثهم، وإن كان فيه صدق مع جهل وضلال قال: هذا ملك صوره الله على صورتي. وجعل هذا من كرامات الصالحين، وجعله عمدة لمن يستغيث بالصالحين، ويتخذهم أربابا، وأنهم إذا استغاثوا بهم بعث","vol":"8","page":85},{"text":"الله ملائكة على صورهم تغيث المستغيث بهم.\nولهذا أعرف غير واحد من الشيوخ الأكابر الذين فيهم صدق وزهد وعبادة لما ظنوا هذا من كرامات الصالحين صار أحدهم يوصى مريديه يقول: إذا كانت لأحدكم حاجة فليستغث بي، وليستنجدني وليستوصني، ويقول: أنا أفعل بعد موتي ما كنت أفعل في حياتي، وهو لا يعرف أن تلك شياطين تصورت على صورته لتضله، وتضل أتباعه، فتحسن لهم الإشراك بالله، ودعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، وأنها قد تلقي في قلبه أنا نفعل بعد موتك بأصحابك ما كنا نفعل بهم في حياتك، فيظن هذا من خطاب إلهي ألقي في قلبه، فيأمر أصحابه بذلك. وأعرف من هؤلاء من كان له شياطين تخدمه في حياته بأنواع الخدم، مثل خطاب أصحابه المستغيثين به، وإعانتهم، وغير ذلك، فلما مات صاروا يأتون أحدهم في صورة الشيخ، ويشعرونه أنه لم يمت، ويرسلون إلى أصحابه رسائل بخطاب، وقد كان يجتمع بي بعض أتباع هذا الشيخ، وكان فيه زهد وعبادة، وكان يحبني ويحب هذا الشيخ، ويظن أن هذا من الكرامات، وأن الشيخ لم يمت، وذكر لي الكلام الذي أرسله إليه بعد موته فقرأه فإذا هو كلام الشياطين بعينه، وقد ذكر لي غير واحد ممن أعرفهم أنهم استغاثوا بي فرأوني في الهواء وقد أتيتهم وخلصتهم من تلك الشدائد، مثل من أحاط به النصارى الأرمن ليأخذوه، وآخر قد أحاط به العدو ومعه كتب ملطفات من مناصحين لو اطلعوا على ما معه لقتلوه، ونحو ذلك، فذكرت لهم أني ما دريت بما جرى أصلا، وحلفت لهم على ذلك حتى لا يظنوا أني كتمت ذلك كما تكتم الكرامات، وأنا قد علمت أن الذي","vol":"8","page":86},{"text":"فعلوه ليس بمشروع، بل هو شرك وبدعة، ثم تبين لي فيما بعد، وبينت لهم أن هذه شياطين تتصور على صورة المستغاث به.\nوحكى لي غير واحد من أصحاب الشيوخ أنه جرى لمن استغاث بهم مثل ذلك، وحكى خلق كثير أنهم استغاثوا بأحياء وأموات فرأوا مثل ذلك، واستفاض هذا حتى عرف أن هذا من الشياطين، والشياطين تغوي الإنسان بحسب الإمكان، فإن كان ممن لا يعرف دين الإسلام أوقعته في الشرك الظاهر، والكفر المحض، فأمرته أن لا يذكر الله، وأن يسجد للشيطان، ويذبح له، وأمرته أن يأكل الميتة والدم ويفعل الفواحش، وهذا يجري كثيرا في بلاد الكفر المحض، وبلاد فيها كفر وإسلام ضعيف، ويجري في بعض مدائن الإسلام في المواضع التي يضعف إيمان أصحابه، حتى قد جرى ذلك في مصر والشام على أنواع يطول وصفها، وهو في أرض الشرق قبل ظهور الإسلام في التتار كثير جدا، وكلما ظهر فيهم الإسلام وعرفوا حقيقته، قلت آثار الشياطين فيهم، وإن كان مسلما يختار الفواحش والظلم أعانته على الظلم والفواحش، وهذا كثير جدا أكثر من الذي قبله في البلاد التي في أهلها إسلام وجاهلية، وبر وفجور. وإن كان الشيخ فيه إسلام وديانة ولكن عنده قلة معرفة بحقيقة ما بعث الله به رسوله - ﷺ -، وقد عرف من حيث الجملة أن لأولياء الله كرامات، وهو لا يعرف كمال الولاية، وأنها الإيمان والتقوى واتباع الرسل باطنا وظاهرا، أو يعرف ذلك مجملا ولا يعرف من حقائق الإيمان الباطن وشرائع الإسلام الظاهرة ما يفرق به بين الأحوال الرحمانية، وبين النفسانية والشيطانية، كما أن الرؤيا ثلاثة أقسام: رؤيا من الله، ورؤيا","vol":"8","page":87},{"text":"مما يحدث المرء به نفسه في اليقظة فيراه في المنام، ورؤيا من الشيطان. (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2849> موقفه من الرافضة:</span>\nقال الشيخ مرعي: فصل في توجه الشيخ إلى مصر ومحنته بها:\n- وسبب محنته وابتلائه قيامه في الله، والرد على أهل البدع والعقائد الفاسدة على غزو الكسروانيين الروافض وغيرهم من الدروز والنصيرية. وغزاهم بمن معه من المسلمين. وفتح بلادهم. وكاتب السلطان فيهم بحسم مادة شيوخهم الذين يضلونهم، والأمر بإقامة شعائر الإسلام وقراءة الأحاديث ونشر السنة ببلادهم كما مر ذكره. وكان استئصالهم في المحرم سنة خمس وسبعمائة. (٢)\n- جاء في درء التعارض: وأما أئمة العرب وغيرهم من أتباع الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، كفضلاء الصحابة، مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عباس، ومن لا يحصي عدده إلا الله تعالى، فهل سمع في الأولين، والآخرين، بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بقوم كانوا أتم عقولا وأكمل أذهانا وأصح معرفة وأحسن علما من هؤلاء؟ فهم كما قال فيهم عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٥٦ - ٤٥٩).\n(٢) الكواكب الدرية في مناقب ابن تيمية (ص.١٢٦).","vol":"8","page":88},{"text":"لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وما طمع أهل الإلحاد في هؤلاء إلا بجهل أهل البدع، كالرافضة والمتكلمين من المعتزلة ونحوهم. (١)\n- جاء في مجموع الفتاوى: والمقصود بهذا الأصل -أي طاعة الأنبياء والرسل طاعة مطلقة- أن من نصب إماما فأوجب طاعته مطلقا اعتقادا أو حالا فقد ضل في ذلك، كأئمة الضلال الرافضة الإمامية، حيث جعلوا في كل وقت إماما معصوما تجب طاعته، فإنه لا معصوم بعد الرسول، ولا تجب طاعة أحد بعده في كل شيء، والذين عينوهم من أهل البيت، منهم من كان خليفة راشدا تجب طاعته كطاعة الخلفاء قبله، وهو علي. ومنهم أئمة في العلم والدين يجب لهم ما يجب لنظرائهم من أئمة العلم والدين، كعلي بن الحسين، وأبي جعفر الباقر، وجعفر بن محمد الصادق. ومنهم دون ذلك. (٢)\n- وجاء في الفتاوى الكبرى: فإن التجهم والرفض هما أعظم البدع أو من أعظم البدع التي أحدثت في الإسلام، ولهذا كان الزنادقة المحضة مثل الملاحدة من القرامطة ونحوهم إنما يتسترون بهذين بالتجهم والتشيع. (٣)\n- وجاء في المنهاج: وهذا بين، فإن الملاحدة من الباطنية الإسماعيلية وغيرهم، والغلاة النصيرية وغير النصيرية، إنما يظهرون التشيع، وهم في الباطن أكفر من اليهود والنصارى. فدل ذلك على أن التشيع دهليز الكفر\n_________\n(١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٦٩).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٦٩).\n(٣) الفتاوى الكبرى (٥/ ٤٧).","vol":"8","page":89},{"text":"والنفاق. (١)\n- قال شيخ الإسلام في أثناء رده على ابن المطهر الرافضي: الثالث: أن يقال: الذين أدخلوا في دين الله ما ليس منه وحرفوا أحكام الشريعة، ليسوا في طائفة أكثر منهم في الرافضة، فإنهم أدخلوا في دين الله من الكذب على رسول الله - ﷺ - ما لم يكذبه غيرهم، وردوا من الصدق ما لم يرده غيرهم، وحرفوا القرآن تحريفا لم يحرفه غيرهم، مثل قولهم: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ (٢) نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة. وقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (٣) علي وفاطمة، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ (٤): الحسن والحسين، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ (٥): علي بن أبي طالب، ﴿* إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ﴾ (٦): هم آل أبي طالب واسم أبي طالب عمران، ﴿فَقَاتِلُوا أئمة الْكُفْرِ﴾ (٧):\n_________\n(١) منهاج السنة (٨/ ٤٨٦).\n(٢) المائدة الآية (٥٥).\n(٣) الرحمن الآية (١٩).\n(٤) الرحمن الآية (٢٢).\n(٥) يس الآية (١٢).\n(٦) آل عمران الآية (٣٣).\n(٧) التوبة الآية (١٢).","vol":"8","page":90},{"text":"طلحة والزبير، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ﴾ (١) هم: بنوا أمية، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢): عائشة و﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣): لئن أشركت بين أبي بكر وعلي في الولاية.\nوكل هذا وأمثاله وجدته في كتبهم، ثم من هذا دخلت الإسماعيلية والنصيرية في تأويل الواجبات والمحرمات، فهم أئمة التأويل، الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه. ومن تدبر ما عندهم وجد فيه من الكذب في المنقولات، والتكذيب بالحق منها، والتحريف لمعانيها، ما لا يوجد في صنف من المسلمين. فهم قطعا أدخلوا في دين الله ما ليس منه أكثر من كل أحد، وحرفوا كتابه تحريفا لم يصل غيرهم إلى قريب منه. (٤)\nوقال في رده على الحِلِّي الرافضي الذي يحتج بمن عرف بالإلحاد والزندقة:\n- وفيه: فمن يقدح في مثل أبي بكر وعمر وعثمان، وغيرهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ويطعن على مثل مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأتباعهم، ويعيرهم بغلطات بعضهم في مثل إباحة الشطرنج والغناء، كيف يليق به أن يحتج لمذهبه بقول مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا\n_________\n(١) الإسراء الآية (٦٠).\n(٢) البقرة الآية (٦٧).\n(٣) الزمر الآية (٦٥).\n(٤) منهاج السنة (٣/ ٤٠٣ - ٤٠٥).","vol":"8","page":91},{"text":"يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويستحلون المحرمات المجمع على تحريمها، كالفواحش والخمر، في مثل شهر رمضان، الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وخرقوا سياج الشرائع، واستخفوا بحرمات الدين، وسلكوا غير طريق المؤمنين، فهم كما قيل فيهم:\nالدين يشكو بلية ... لا يشهدون صلاة ... ولا ترى الشرع إلا ... ويؤثرون عليه ... من فرقة فلسفية\nإلا لأجل التقية\nسياسة مدنية\nمناهجا فلسفية\n\nولكن هذا حال الرافضة: دائما يعادون أولياء الله المتقين، من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، ويوالون الكفار والمنافقين. فإن أعظم الناس نفاقا في المنتسبين إلى الإسلام هم الملاحدة الباطنية الإسماعيلية، فمن احتج بأقوالهم في نصرة قوله، مع ما تقدم من طعنه على أقوال أئمة المسلمين، كان من أعظم الناس موالاة لأهل النفاق، ومعاداة لأهل الإيمان.\nومن العجب أن هذا المصنف الرافضي الخبيث الكذاب المفتري، يذكر أبا بكر وعمر وعثمان، وسائر السابقين الأولين والتابعين، وسائر أئمة المسلمين -من أهل العلم والدين- بالعظائم التي يفتريها عليهم هو وإخوانه، ويجيء إلى من قد اشتهر عند المسلمين بمحادته لله ورسوله، فيقول: \"قال شيخنا الأعظم\"، ويقول: \"قدس الله روحه\" مع شهادته بالكفر عليه وعلى","vol":"8","page":92},{"text":"أمثاله، ومع لعنة طائفته لخيار المؤمنين من الأولين والآخرين.\nوهؤلاء داخلون في معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ (١).\nفإن هؤلاء الإمامية أوتوا نصيبا من الكتاب، إذ كانوا مقرين ببعض ما في الكتاب المنزل، وفيهم شعبة من الإيمان بالجبت وهو السحر، والطاغوت وهو [ما] يعبد من دون الله، فإنهم يعظمون الفلسفة المتضمنة لذلك، ويرون الدعاء والعبادة للموتى، واتخاذ المساجد على القبور، ويجعلون السفر إليها حجا له مناسك، ويقولون: \"مناسك حج المشاهد\".\nوحدثني الثقات أن فيهم من يرون الحج إليها أعظم من الحج إلى البيت العتيق، فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله، وهذا من أعظم الإيمان بالطاغوت.\nوهم يقولون لمن يقرون بكفره من القائلين بقدم العالم ودعوة الكواكب، والمسوغين للشرك، هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، فإنهم فضلوا هؤلاء الملاحدة المشركين على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وليس هذا ببدع من الرافضة، فقد عرف\n_________\n(١) النساء الآيتان (٥١و٥٢).","vol":"8","page":93},{"text":"من موالاتهم لليهود والنصارى والمشركين، ومعاونتهم على قتال المسلمين، ما يعرفه الخاص والعام، حتى قيل: إنه ما اقتتل يهودي ومسلم، ولا نصراني ومسلم، ولا مشرك ومسلم، إلا كان الرافضي مع اليهودي والنصراني والمشرك. (١)\n- وفيه: وذلك أن أول هذه الأمة هم الذين قاموا بالدين تصديقا وعلما، وعملا وتبليغا، فالطعن فيهم طعن في الدين، موجب للإعراض عما بعث الله به النبيين.\nوهذا كان مقصود أول من أظهر بدعة التشيع، فإنما كان قصده الصد عن سبيل الله، وإبطال ما جاءت به الرسل عن الله. ولهذا كانوا يظهرون ذلك بحسب ضعف الملة، فظهر في الملاحدة حقيقة هذه البدع المضلة، لكن راج كثير منها على من ليس من المنافقين الملحدين، لنوع من الشبهة والجهالة المخلوطة بهوى، فقبل معه الضلالة، وهذا أصل كل باطل. (٢)\n- وفيه: ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد رافضي، بل كلهم متفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم، وكتبهم كلها شاهدة بذلك، وهذه كتب الطوائف كلها تنطق بذلك، مع أنه لا أحد يلجئهم إلى ذكر الرافضة، وذكر جهلهم وضلالهم. وهم دائما يذكرون من جهل الرافضة وضلالهم ما يعلم معه بالاضطرار أنهم يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم، وأبعد طوائف الأمة عن الهدى. كيف\n_________\n(١) منهاج السنة (٣/ ٤٤٩ - ٤٥٢).\n(٢) منهاج السنة (١/ ١٨).","vol":"8","page":94},{"text":"ومذهب هؤلاء الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة، فإنهم جهمية قدرية رافضة. وكلام السلف والعلماء في ذم كل صنف من هذه الأصناف لا يحصيه إلا الله، والكتب مشحونة بذلك، ككتب الحديث والآثار والفقه والتفسير والأصول والفروع وغير ذلك، وهؤلاء الثلاثة شر من غيرهم من أهل البدع كالمرجئة والحرورية.\nوالله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم، ما علمت رجلا له في الأمة لسان صدق يتهم بمذهب الإمامية، فضلا عن أن يقال: إنه يعتقده في الباطن. (١)\n- وفيه: وليس في شيوخ الرافضة إمام في شيء من علوم الإسلام، لا علم الحديث ولا الفقه ولا التفسير ولا القرآن، بل شيوخ الرافضة إما جاهل وإما زنديق، كشيوخ أهل الكتاب. (٢)\n- وفيه: ولا يطعن على أبي بكر وعمر ﵄ إلا أحد رجلين:\nإما رجل منافق زنديق ملحد عدو للإسلام، يتوصل بالطعن فيهما إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام، وهذا حال المعلم الأول للرافضة، أول من ابتدع الرفض، وحال أئمة الباطنية.\nوإما جاهل مفرط في الجهل والهوى، وهو الغالب على عامة الشيعة،\n_________\n(١) منهاج السنة (٤/ ١٣٠ - ١٣١).\n(٢) منهاج السنة (٧/ ٢٨٦ - ٢٨٧).","vol":"8","page":95},{"text":"إذا كانوا مسلمين في الباطن. (١)\n- وفيه: والبدع مشتقة من الكفر، فما من قول مبتدع إلا وفيه شعبة من شعب الكفر.\nوكما أنه لم يكن في القرون أكمل من قرن الصحابة، فليس في الطوائف بعدهم أكمل من أتباعهم. فكل من كان للحديث والسنة وآثار الصحابة أتبع كان أكمل، وكانت تلك الطائفة أولى بالاجتماع والهدى والاعتصام بحبل الله، وأبعد عن التفرق والاختلاف والفتنة. وكل من بعد عن ذلك كان أبعد عن الرحمة، وأدخل في الفتنة.\nفليس الضلال والغي في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في الرافضة، كما أن الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث والسنة المحضة، الذين لا ينتصرون إلا لرسول الله - ﷺ -، فإنهم خاصته، وهو إمامهم المطلق الذي لا يغضبون لقول غيرهم إلا إذا اتبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله.\nوإذا كان الصحابة، ثم أهل الحديث والسنة المحضة، أولى بالهدى ودين الحق، وأبعد الطوائف عن الضلال والغي، فالرافضة بالعكس. (٢)\n- وفيه: [و] الكلام في تفضيل الصحابة يتقى فيه نقص أحد عن رتبته أو الغض من درجته، أو دخول الهوى والفرية في ذلك، كما فعلت الرافضة\n_________\n(١) منهاج السنة (٦/ ١١٥).\n(٢) منهاج السنة (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩).","vol":"8","page":96},{"text":"والنواصب الذين يبخسون بعض الصحابة حقوقهم. (١)\n- وفيه: ولولا أن هذا المعتدي الظالم قد اعتدى على خيار أولياء الله، وسادات أهل الأرض، خير خلق الله بعد النبيين اعتداء يقدح في الدين، ويسلط الكفار والمنافقين، ويورث الشبه والضعف عند كثير من المؤمنين لم يكن بنا حاجة إلى كشف أسراره، وهتك أستاره، والله حسيبه وحسيب أمثاله. (٢)\n- وجاء في الاقتضاء: والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، ولهذا كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب، كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم، حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها اسمه فيعطلونها عن الجماعات والجمعات، ويعمرون المشاهد التي على القبور التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها، والله سبحانه في كتابه إنما أمر بعمارة المساجد لا المشاهد، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (٣) ولم يقل مشاهد الله وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤) ولم يقل عند\n_________\n(١) منهاج السنة (٧/ ٢٥٧).\n(٢) منهاج السنة (٧/ ٢٩٢).\n(٣) البقرة الآية (١١٤).\n(٤) الأعراف الآية (٢٩).","vol":"8","page":97},{"text":"كل مشهد. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ (١) ولم يقل مشاهد الله. بل المشاهد إنما يعمرها من يخشى غير الله ويرجو غير الله، ولا يعمرها إلا من فيه نوع من الشرك، وقال الله تعالى: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٢)،\nوقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ (٤) ولم يقل: وأن المشاهد لله.\n_________\n(١) التوبة الآيتان (١٧و١٨).\n(٢) الحج الآية (٤٠) ..\n(٣) النور الآيات (٣٦ - ٣٨).\n(٤) الجن الآية (١٨).","vol":"8","page":98},{"text":"وكذلك سنة رسول الله - ﷺ - الثابتة كقوله في الحديث الصحيح: «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة» (١) ولم يقل مشهدا، وقال أيضا في الحديث: «صلاة الرجل في المسجد تفضل عن صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين صلاة» (٢) وقال في الحديث الصحيح: «من تطهر في بيته فأحسن الطهور، ثم خرج إلى المسجد لا تنهزه إلا الصلاة، كانت خطواته إحداهما ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة. فإذا جلس ينتظر الصلاة فالعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث» (٣). وهذا مما علم بالتواتر والضرورة من دين الرسول - ﷺ -، فإنه أمر بعمارة المساجد والصلاة فيها، ولم يأمر ببناء مشهد لا على قبر نبي، ولا غير قبر نبي، ولا على مقام نبي.\nولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم في بلاد الإسلام، لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا خراسان ولا مصر ولا المغرب مسجد مبني على قبر، ولا مشهد يقصد للزيارة أصلا، ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي، لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي - ﷺ -، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون\n_________\n(١) أحمد (١/ ٧٠) والبخاري (١/ ٧١٦/٤٥٠) ومسلم (١/ ٣٧٨/٥٣٣) والترمذي (٢/ ١٣٤/٣١٨) وابن ماجه (١/ ٢٤٣/٧٣٦) كلهم من حديث عثمان بن عفان. وفي الباب عن عمرو بن عبسة وجابر وعلي وأبي ذر وعمر ﵃.\n(٢) أحمد (٢/ ٢٥٢) والبخاري (٢/ ١٦٦ - ١٦٧/ ٦٤٧) ومسلم (١/ ٤٥٩/٦٤٩) وأبو داود (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩/ ٥٥٩) والترمذي (١/ ٤٢١/٢١٦) وابن ماجه (١/ ٢٥٨/٧٨٦).\n(٣) أحمد (٢/ ٢٥٢) والبخاري (٢/ ١٦٦ - ١٦٧/ ٦٤٧) ومسلم (١/ ٤٥٩/٦٤٩) وأبو داود (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩/ ٥٥٩) والترمذي (٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠/ ٦٠٣) وابن ماجه (١/ ١٠٣/٢٨١).","vol":"8","page":99},{"text":"على النبي - ﷺ - وعلى صاحبيه، واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي - ﷺ - لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصا عنه، وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه. (١)\n- وقال ﵀: ولهذا يوجد ذلك في الرافضة أكثر مما يوجد في غيرهم، لأنهم أجهل من غيرهم، وأكثر شركا وبدعا، ولهذا يعظمون المشاهد أعظم من غيرهم، ويخربون المساجد أكثر من غيرهم، فالمساجد لا يصلون فيها جمعة ولا جماعة، ولا يصلون فيها إن صلوا إلا أفرادا، وأما المشاهد فيعظمونها أكثر من المساجد، حتى قد يرون أن زيارتها أولى من حج بيت الله الحرام، ويسمونها الحج الأكبر، وصنف ابن المفيد منهم كتابا سماه 'مناسك حج المشاهد' وذكر فيه من الأكاذيب والأقوال ما لا يوجد في سائر الطوائف، وإن كان في غيرهم أيضا نوع من الشرك والكذب والبدع، لكن هو فيهم أكثر، وكلما كان الرجل أتبع لمحمد - ﷺ -، كان أعظم توحيدا لله وإخلاصا له في الدين، وإذا بعد عن متابعته نقص من دينه بحسب ذلك، فإذا كثر بعده عنه ظهر فيه من الشرك والبدع ما لا يظهر فيمن هو أقرب منه إلى اتباع الرسول. (٢) ثم ذكر نحوا مما سبق نقله عنه آنفا.\n- وقال في أصل مذهب الرافضة: فإن الذي ابتدع الرفض كان يهوديا أظهر الإسلام نفاقا، ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها في أصل الإيمان.\n_________\n(١) الاقتضاء (٢/ ٧٥١ - ٧٥٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٩٧ - ٤٩٨).","vol":"8","page":100},{"text":"ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة. فإنه يكون الرجل واقفا، ثم يصير مفضلا، ثم يصير سبابا، ثم يصير غاليا، ثم يصير جاحدا معطلا. ولهذا انضمت إلى الرافضة أئمة الزنادقة، من الإسماعيلية والنصيرية، وأنواعهم من القرامطة والباطنية والدرزية، وأمثالهم من طوائف الزندقة، والنفاق.\nفإن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول قدح في الرسول ﵇، كما قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله - ﷺ - إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2850>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال ﵀: ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد - ﷺ - من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد؛ وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدا رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب. فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض، فكانوا كفارا بذلك، وكذلك هذا الذي يقول: إن محمدا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن، آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر، وهو أكفر من أولئك، لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩).","vol":"8","page":101},{"text":"فإذا ادعى المدعي أن محمدا - ﷺ - إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة، فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض الآخر، وهذا شر ممن يقول: أومن ببعض، وأكفر ببعض، ولا يدعى أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين.\nوهؤلاء الملاحدة يدعون أن (الولاية) أفضل من (النبوة) ويلبسون على الناس فيقولون: ولايته أفضل من نبوته وينشدون:\nمقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي\n\nويقولون: نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم ولا موسى، فضلا عن أن يماثله هؤلاء الملحدون. (١)\n- وقال أيضا: فإن ابن عربي وأمثاله، وإن ادعوا أنهم من الصوفية، فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم، فضلا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة. (٢)\n- وقال: والغلو في الأمة وقع في طائفتين: طائفة من ضلال الشيعة الذين يعتقدون في الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية، وطائفة من جهال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك في الأنبياء والصالحين؛ فمن توهم في نبينا أو غيره من الأنبياء شيئا من الألوهية والربوبية؛ فهو من جنس النصارى وإنما حقوق\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٢٢٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٢٣٣).","vol":"8","page":102},{"text":"الأنبياء ما جاء به الكتاب والسنة عنهم. (١)\nوقال: فكل من كان من أهل الإلهام والخطاب والمكاشفة، لم يكن أفضل من عمر، فعليه أن يسلك سبيله في الاعتصام بالكتاب والسنة تبعا لما جاء به الرسول، لا يجعل ما جاء به الرسول تبعا لما ورد عليه.\nوهؤلاء الذين أخطأوا وضلوا وتركوا ذلك واستغنوا بما ورد عليهم، وظنوا أن ذلك يغنيهم عن اتباع العلم المنقول. وصار أحدهم يقول: أخذوا علمهم ميتا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، فيقال له: أما ما نقله الثقات عن المعصوم فهو حق، ولولا النقل المعصوم لكنت أنت وأمثالك إما من المشركين، وإما من اليهود والنصارى. وأما ما ورد عليك فمن أين لك أنه وحي من الله؟ ومن أين لك أنه ليس من وحي الشيطان؟ (٢)\n- وقال: ومن هؤلاء الحلولية والاتحادية من يخص الحلول والاتحاد ببعض الأشخاص، إما ببعض الأنبياء كالمسيح، أو ببعض الصحابة كقول الغالية في علي، أو ببعض الشيوخ كالحلاجية ونحوهم، أو ببعض الملوك، أو ببعض الصور، كصور المردان. ويقول أحدهم: إنما أنظر إلى صفات خالقي، وأشهدها في هذه الصورة، والكفر في هذا القول أبين من أن يخفى على من يؤمن بالله ورسوله. ولو قال مثل هذا الكلام في نبي كريم لكان كافرا، فكيف إذا قاله في صبي أمرد! فقبح الله طائفة يكون معبودها من جنس موطوئها. (٣)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١/ ٦٦).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٧٤).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٢٤).","vol":"8","page":103},{"text":"- وجاء في الكواكب الدرية: ولما كان تاسع جمادى الأولى من سنة خمس، بالغ الشيخ في الرد على الفقراء الأحمدية والرفاعية بسبب خروجهم عن الشريعة بعد أن حضروا لنائب السلطنة، وشكوا من الشيخ، وطلبوا أن يسلم لهم حالهم، وأن لا يعارضهم، ولا ينكر عليهم. وطلبوا حضور الشيخ فلما حضر وقع بينهم كلام كثير فقال الشيخ -في كلام طويل-: إنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر، والسلوك، ويوجد في بعضهم من التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة، والكشف والتصرف، فيوجد في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر والبدع في الإسلام، والإعراض عن كثير مما جاء به الرسول - ﷺ -، والكذب والتلبيس وإظهار المخارق الكاذبة، مثل ملامسة النار والحيات، وإظهار الدم واللادن والزعفران وماء الورد والعسل وغير ذلك، وإن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة كطلي أجسامهم لدخول النار بدهن الضفادع، وباطن قشر النرنج، وحجر الطلق، وغير ذلك من الحيل وقال لهم بحضرة نائب السلطنة: أدخل أنا وهم النار، ومن احترق فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار بالحمام، فلما زيفهم الشيخ وأظهر تلبيسهم. قال: حتى لو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين، وطرتم في الهواء ومشيتم على الماء لا عبرة بذلك مع مخالفة الشرع، فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت، وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج، ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون، وليس لأحد","vol":"8","page":104},{"text":"الخروج عن الشريعة ولا عن كتاب الله وسنة رسوله. (١)\n- وفي البداية والنهاية زيادة في القصة: ... فابتدر شيخ المنيبع الشيخ صالح وقال: نحن أحوالنا إنما تنفق عند التتار، ليست تنفق عند الشرع، فضبط الحاضرون عليه تلك الكلمة، وكثر الإنكار عليهم من كل أحد، ثم اتفق الحال على أنهم يخلعون الأطواق الحديد من رقابهم، وأن من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه. وصنف الشيخ جزءا في طريقة الأحمدية، وبين فيه أحوالهم ومسالكهم وتخيلاتهم وما في طريقتهم من مقبول ومردود بالكتاب، وأظهر الله السنة على يديه، وأخمد بدعتهم ولله الحمد والمنة. (٢)\nالتعليق:\nفلله در الشيخ ما أكثر علمه بأحوال الدجاجلة الذين يلبسون على الناس بهذه الخزعبلات، التي أكثرها مستند إلى السحر والشيطان، وأحواله الكاذبة. وما أكثرها في زماننا هذا، وأكثر رواجها على علماء المسلمين، وعامتهم يعدونها من الكرامات لأولياء الله، فيجد هؤلاء الشياطين كل التقدير والاحترام والله المستعان.\n\n- وفي الكواكب الدرية: وقال الحافظ الذهبي: أقام بمصر يقرئ العلم واجتمع خلق عنده، إلى أن تكلم في الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، وهم ابن سبعين وابن عربي والقونوي وأشباههم، فتحزب عليه صوفية وفقراء\n_________\n(١) الكواكب (ص.١٢٦ - ١٢٧).\n(٢) البداية والنهاية (١٤/ ٣٨).","vol":"8","page":105},{"text":"وسعوا فيه، واجتمع خلائق من أهل الخوانق والربط والزوايا واتفقوا على أن يشتكوا الشيخ للسلطان، فطلع منهم خلق إلى القلعة وخلق تحت القلعة، وكانت لهم ضجة شديدة حتى قال السلطان: ما لهؤلاء؟ فقيل له: جاءوا من أجل الشيخ ابن تيمية يشكون منه، ويقولون: إنه يسب مشايخهم ويضع من قدرهم عند الناس، واستعانوا فيه وجلبوا عليه، ودخلوا على الأمراء في أمره، ولم يبقوا ممكنا. وأمر أن يعقد له مجلس بدار العدل، فعقد له يوم الثلاثاء في عشر شوال الأول سنة سبع وسبعمائة، وظهر في ذلك المجلس من علم الشيخ وشجاعته وقوة قلبه وصدق توكله وبيان حجته ما يتجاوز الوصف، وكان وقتا مشهودا ...\nوذكر علم الدين البرزالي وغيره، أن في شوال من سنة سبع وسبعمائة، شكا شيخ الصوفية بالقاهرة كريم الدين الآملي وابن عطاء، وجماعة نحو الخمسمائة من الشيخ تقي الدين وكلامه في ابن عربي وغيره، إلى الدولة فخيروه بين الإقامة بدمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس. فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزما ما شرط، فأجابهم. فأركبوه خيل البريد ليلة ثامن عشر شوال، ثم أرسل خلفه من الغد بريد آخر، فرده على مرحلة من مصر، ورأوا مصلحتهم في اعتقاله، وحضر عند قاضي القضاة بحضور جماعة من الفقهاء، فقال بعضهم له: ما ترضى الدولة إلا بالحبس. فقال قاضي القضاة: وفيه مصلحة له، واستناب شمس الدين التونسي المالكي، وأذن أن يحكم عليه بالحبس، فامتنع وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى","vol":"8","page":106},{"text":"الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال نور الدين، فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس. فأرسل إلى حبس القضاة بحارة الديلم، وأجلس في الموضع الذي جلس فيه تقي الدين ابن بنت الأعز لما حبس، وأذن في أن يكون عنده من يخدمه، وكان كل ذلك بإشارة الشيخ نصر المنبجي ووجاهته في الدولة. (١)\nالتعليق:\nهكذا يظلم الشيخ بالسجون، مع اعترافهم أن الحق معه، ولكن إرضاء الغوغاء والحمقى يفعل ما يفعل، ولإخلاص الشيخ لعقيدته السلفية جعل الله له الفرج من كل ضيق. وكان السجن أفضل له، حتى تفرغ التفرغ الكامل، واستجمع ذهنه. ففتح الله عليه من جواهر العلم والفهم ما لم يصل له أن لو كان في بيته جالسا: كما صرح بذلك هو نفسه ﵁.\n- وقال ﵀: وأما الرقص فلم يأمر الله به ولا رسوله، ولا أحد من الأئمة بل قد قال الله في كتابه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ (٢) وقال في كتابه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (٣) أي: بسكينة، ووقار.\nوإنما عبادة المسلمين الركوع والسجود، بل الدف والرقص في الطابق\n_________\n(١) الكواكب (ص.١٣٣ - ١٣٤).\n(٢) لقمان الآية (١٩).\n(٣) الفرقان الآية (٦٣).","vol":"8","page":107},{"text":"لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا أحد من سلف الأمة، بل أمروا بالقرآن في الصلاة والسكينة. ولو ورد على الإنسان حال يغلب فيها حتى يخرج إلى حالة خارجة عن المشروع، وكان ذلك الحال بسبب مشروع. كسماع القرآن ونحوه، سلم إليه ذلك الحال كما تقدم، فأما إذا تكلف من الأسباب ما لم يؤمر به، مع علمه بأنه يوقعه فيما لا يصلح له: مثل شرب الخمر، مع علمه أنها تسكره، وإذا قال: ورد علي الحال، وأنا سكران قيل له: إذا كان السبب محظورا، لم يكن السكران معذورا.\nفهذه الأحوال الفاسدة من كان فيها صادقا فهو مبتدع ضال، من جنس خفراء العدو، وأعوان الظلمة، من ذوي الأحوال الفاسدة الذين ضارعوا عباد النصارى والمشركين والصابئين في بعض ما لهم من الأحوال، ومن كان كاذبا فهو منافق ضال. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2851>موقفه من الجهمية:</span>\nإن مواقف الشيخ مع هذه النحلة وفروعها متعددة، وكتبه طافحة بالرد عليهم وتفنيد آرائهم بالحجج البينات من صحيح المنقول وصريح المعقول. نقتطف بعضا منها:\n- قال: وأما الذي أقوله الآن وأكتبه -وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس-: إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها. وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٥٩٩ - ٦٠٠).","vol":"8","page":108},{"text":"الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد -إلى ساعتي هذه- عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات، أو أحاديث الصفات، بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله. وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير. (١)\n- نموذج من مناظراته في العقيدة الواسطية ﵁:\nقال: أما بعد: فقد سئلت غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة، في أمر الاعتقاد، بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد لما سعى إليه قوم من الجهمية والاتحادية والرافضة وغيرهم من ذوي الأحقاد.\nفأمر الأمير بجمع القضاة الأربعة، قضاة المذاهب الأربعة وغيرهم من نوابهم والمفتين والمشائخ، ممن له حرمة وبه اعتداد، وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة. فقال لي: هذا المجلس عقد لك، فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك، وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد. وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك.\nفقلت: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله ورسوله - ﷺ -، وما أجمع عليه سلف الأمة. فما كان في القرآن وجب\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٤).","vol":"8","page":109},{"text":"اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم.\nوأما الكتب، فما كتبت إلى أحد كتابا ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني من أهل الديار المصرية وغيرهم، وكان قد بلغني أنه زور علي كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير: أستاذ دار السلطان، يتضمن ذكر عقيدة محرفة ولم أعلم بحقيقته، لكن علمت أنه مكذوب.\nوكان يرد علي من مصر وغيرها من يسألني عن مسائل في الاعتقاد وغيره، فأجيبه بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.\nفقال: نريد أن تكتب لنا عقيدتك. فقلت: اكتبوا. فأمر الشيخ كمال الدين أن يكتب، فكتب له جمل الاعتقاد في أبواب الصفات والقدر ومسائل الإيمان والوعيد والإمامة والتفضيل.\nوهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة: الإيمان بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ -، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.\nوالإيمان بأن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه أمر بالطاعة، وأحبها ورضيها، ونهى عن المعصية وكرهها. والعبد فاعل حقيقة، والله خالق فعله، وأن الإيمان والدين قول وعمل، يزيد وينقص، وأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بالذنوب ولا نخلد في النار من أهل الإيمان أحدا، وأن الخلفاء بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر،","vol":"8","page":110},{"text":"ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ومن قدم عليا على عثمان: فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وذكرت هذا أو نحوه، فإني الآن قد بعد عهدي، ولم أحفظ لفظ ما أمليته، لكنه كتب إذ ذاك.\nثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقواما يكذبون علي، كما قد كذبوا علي غير مرة. وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون: كتم بعضه أو داهن ودارى. فأنا أحضر عقيدة مكتوبة من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام.\nوقلت قبل حضورها كلاما قد بعد عهدي به، وغضبت غضبا شديدا، لكني أذكر أني قلت: أنا أعلم أن أقواما كذبوا علي وقالوا للسلطان أشياء، وتكلمت بكلام احتجت إليه، مثل أن قلت: من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيري؟ ومن الذي أوضح دلائله وبينه؟ وجاهد أعداءه وأقامه لما مال؟ حين تخلى عنه كل أحد ولا أحد ينطق بحجته، ولا أحد يجاهد عنه. وقمت مظهرا لحجته، مجاهدا عنه مرغبا فيه؟.\nفإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام في، فكيف يصنعون بغيري؟ ولو أن يهوديا طلب من السلطان الإنصاف، لوجب عليه أن ينصفه. وأنا قد أعفو عن حقي وقد لا أعفو، بل قد أطلب الإنصاف منه، وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون ليوافقوا على افترائهم. وقلت كلاما أطول من هذا الجنس، لكن بعد عهدي به، فأشار الأمير إلى كاتب الدرج محي الدين بأن يكتب ذلك.","vol":"8","page":111},{"text":"وقلت أيضا: كل من خالفني في شيء مما كتبته، فأنا أعلم بمذهبه منه، وما أدري هل قلت هذا قبل حضورها أو بعده؟ لكنني قلت أيضا بعد حضورها وقراءتها: ما ذكرت فيها فصلا إلا وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة، وكل جملة فيها خلاف لطائفة من الطوائف. ثم أرسلت من أحضرها ومعها كراريس بخطي من المنزل. فحضرت العقيدة الواسطية.\nوقلت لهم: هذه كان سبب كتابتها أنه قدم علي من أرض واسط بعض قضاة نواحيها، شيخ يقال له: 'رضى الدين الواسطي' من أصحاب الشافعي، قدم علينا حاجا، وكان من أهل الخير والدين. وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد، وفي دولة التتار من غلبة الجهل والظلم، ودروس الدين والعلم. وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته. فاستعفيت من ذلك وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة، فخذ بعض عقائد أئمة السنة. فألح في السؤال وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت، فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر. وقد انتشرت بها نسخ كثيرة في مصر والعراق وغيرهما.\nفأشار الأمير بأن لا أقرأها أنا لرفع الريبة، وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين، فقرأها على الحاضرين حرفا حرفا، والجماعة الحاضرون يسمعونها، ويورد المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء، والأمير أيضا يسأل عن مواضع فيها. وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى ما قد علم الناس بعضه، وبعضه بسبب الاعتقاد، وبعضه بغير ذلك.\nولا يمكن ذكر ما جرى من الكلام والمناظرات في هذه المجالس فإنه","vol":"8","page":112},{"text":"كثير لا ينضبط. فكان مما اعترض علي بعضهم -لما ذكر في أولها، ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فقال:- ما المراد بالتحريف والتعطيل؟ ومقصوده: أن هذا ينفي التأويل، الذي أثبته أهل التأويل، الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، إما وجوبا وإما جوازا.\nفقلت: تحريف الكلم عن مواضعه كما ذمه الله تعالى في كتابه، وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى، مثل تأويل بعض الجهمية لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ أي جرحه بأظافير الحكمة تجريحا، ومثل تأويلات القرامطة، والباطنية وغيرهم من الجهمية، والرافضة، والقدرية، وغيرهم. فسكت وفي نفسه ما فيها. (١) ثم ذكر بقية المناظرة فلتنظر هناك.\nالتعليق:\nهذه المناظرة تعتبر وثيقة تاريخية كبرى في تاريخ العقيدة السلفية. ويستفاد منها:\n* ما كان عليه الشيخ من التعظيم والتقدير في نفوس الجميع: الأمير والمأمور.\n* اهتمام أولي الأمر في ذلك الوقت بأمور العقيدة، بينما الآن ربما لو تكلم شخص بمثل هذه الأمور، لأصبح مهزلة وسخرية في أعين أولي الأمر إلا من شاء الله.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٠ - ١٦٥).","vol":"8","page":113},{"text":"* تصوير المجتمع الذي كان يغلي بالمبتدعة الذين امتهنوا التزوير على كبار السلفيين في ذلك الوقت.\n* سبب تأليف العقيدة الواسطية.\n- وقال: إن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه وينفونه عن الله من صفاته وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات، بل كل معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به الرسول - ﷺ -. والألفاظ المبتدعة ليس لها ضابط، بل كل قوم يريدون بها معنى غير المعنى الذي أراده أولئك، كلفظ الجسم، والجهة، والحيز، والجبر ونحو ذلك؛ بخلاف ألفاظ الرسول فإن مراده بها يعلم كما يعلم مراده بسائر ألفاظه، ولو يعلم الرجل مراده لوجب عليه الإيمان بما قاله مجملا. ولو قدر معنى صحيح -والرسول - ﷺ - لم يخبر به- لم يحل لأحد أن يدخله في دين المسلمين، بخلاف ما أخبر به الرسول - ﷺ - فإن التصديق به واجب.\nوالأقوال المبتدعة تضمنت تكذيب كثير مما جاء به الرسول - ﷺ -، وذلك يعرفه من عرف مراد الرسول - ﷺ - ومراد أصحاب تلك الأقوال المبتدعة. ولما انتشر الكلام المحدث، ودخل فيه ما يناقض الكتاب والسنة، وصاروا يعارضون به الكتاب والسنة؛ صار بيان مرادهم بتلك الألفاظ وما احتجوا به لذلك من لغة وعقل يبين للمؤمن ما يمنعه أن يقع في البدعة والضلال، أو يخلص منها -إن كان قد وقع- ويدفع عن نفسه في الباطن والظاهر ما","vol":"8","page":114},{"text":"يعارض إيمانه بالرسول - ﷺ - من ذلك. (١)\n- وقال في رده على المعتزلة والأشعرية: ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء، علم قطعا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته، وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله؛ ولهذا كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه، ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة؛ والأشعرية مخانيث المعتزلة. وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث، ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب 'الإبانة' الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة وينفتح بذلك أبواب شر، والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير. (٢)\n- وقال: ولهذا يوجد كثيرا في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور، أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين، بخلاف النصوص الإلهية فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون\n_________\n(١) الفتاوى (٥/ ٤٣٢ - ٤٣٣).\n(٢) الفتاوى (٦/ ٣٥٩ - ٣٦٠).","vol":"8","page":115},{"text":"كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المحدثة المجملة المتشابهة ممنوعا من إطلاقها: نفيا وإثباتا، لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا تبين المعنى أثبت حقه ونفي باطله، بخلاف كلام الله ورسوله، فإنه حق يجب قبوله، وإن لم يفهم معناه، وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه. وأما المختلفون في الكتاب المخالفون له المتفقون على مفارقته، فتجعل كل طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه، وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات، التي لا يجوز اتباعها، بل يتعين حملها على ما وافق أصلهم الذي ابتدعوه، أو الإعراض عنها وترك التدبر لها. (١)\n- وقال: وبيان أن كل من أثبت ما أثبته الرسول ونفى ما نفاه كان أولى بالمعقول الصريح، كما كان أولى بالمنقول الصحيح؛ وأن من خالف صحيح المنقول فقد خالف أيضا صريح المعقول، وكان أولى بمن قال الله فيه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ (٢). (٣)\n- وقال: قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ\n_________\n(١) درء التعارض (١/ ٧٦ - ٧٧).\n(٢) الملك الآية (١٠).\n(٣) درء التعارض (١/ ١٠٠).","vol":"8","page":116},{"text":"فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١). فأنزل الله الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه، إذ لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النزاع والاختلاف على الإطلاق إلا بكتاب منزل من السماء، ولا ريب أن بعض الناس قد يعلم بعقله ما لا يعلمه غيره، وإن لم يمكنه بيان ذلك لغيره، ولكن ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط. وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع. وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد وغير ذلك، ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ (٢)\n- وقال: وقولك: إنه يتعالى عن ذلك، فلا ريب أنه يتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ومنازعك يقول: إنك أنت الظالم المفتري على الله، الذي سلبته صفات الكمال، ووصفته بصفة الجهل، وقلت فيه المحال، وألحدت في أسمائه وآياته إلحاد طائفتك الضلال. وأما أهل الإثبات فوصفوه بصفات الكمال، ووافقوا صريح المنقول عن الأنبياء والمرسلين، وما فطر الله عليه عباده أجمعين، وما دلت عليه صرائح عقول الآدميين، ووصفوا ربهم بأنه\n_________\n(١) البقرة الآية (٢١٣).\n(٢) درء التعارض (١/ ١٤٧).","vol":"8","page":117},{"text":"يسمع كلامهم، ويرى أعيانهم، ويسمع سرهم ونجواهم. وأنت وصفت رب العالمين بنقيض ذلك، ولم تجعل له علما سوى المخلوقات. والمخلوقات ليست علما باتفاق أهل الفطر السليمات، فتعالى الملك الحق عن قولك، وقول أمثالك المفترين الملحدين، أعداء الأنبياء شياطين الإنس، الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. وأنت فليس لك دليل أصلا ينفي ذلك، فإن قيام ما يتعلق بمشيئته وقدرته بذاته، لا دليل لك على نفيه، إلا ما تنفي به الصفات، كما نفيت العلم. (١)\n- وقال: وهذه الطرق التي يسلكها نفاة الجسم وأمثالهم، أحسن أحوالها أن تكون عوجاء طويلة، قد تهلك، وقد توصل، إذ لو كانت مستقيمة موصلة، لم يعدل عنها السلف، فكيف إذا تيقن أنها مهلكة؟ (٢)\nمحنة الشيخ بسبب العقيدة الحموية:\n- جاء في الكواكب الدرية: وقال الشيخ علم الدين: وفي شهر ربيع أول من سنة ثمان وتسعين وستمائة، وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية. وكان الشروع فيها من أول الشهر واستمرت إلى آخر الشهر.\nوملخصها: أنه كتب جوابا لسؤال سئل عنه من (حماة) في الصفات. فذكر فيه مذهب السلف ورجحه على مذهب المتكلمين. وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين. واجتمع به سيف الدين \"جاغان\" في حال نيابته\n_________\n(١) درء التعارض (١٠/ ٧٦ - ٧٧).\n(٢) درء التعارض (١٠/ ٣١٦).","vol":"8","page":118},{"text":"بدمشق، وقيامه مقام نائب السلطنة. وامتثل أمره. وقبل قوله والتمس منه كثرة الاجتماع به. فحصل بسبب ذلك ضيق لجماعته، مع ما كان عنده قبل ذلك من كراهية الشيخ وما ألمهم بظهوره وذكره الحسن. فانضاف شيء إلى أشياء، ولم يجدوا مساغا إلى الكلام فيه، لزهده وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه وجودة أجوبته وفتاويه، وما يظهر فيها من غزارة العلم وجودة الفهم. فعمدوا إلى الكلام في العقيدة لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف. ويعتقدونه الصواب. فأخذوا الجواب الذي كتبه، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء واحدا واحدا. وأغروا خواطرهم وحرفوا الكلام وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم وحاشاه من ذلك. ووافقهم على ذلك جلال الدين الحنفي قاضي الحنفية يومئذ. ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفية وطلب حضوره. وأرسل إليه فلم يحضر، وأرسل إليه في الجواب إن العقائد ليس أمرها إليك، وإن السلطان إنما ولاك لتحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي\". فوصلت إليه هذه الرسالة فأوغروا خاطره، وشوشوا قلبه وقالوا: لم يحضر ورد عليك. فأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة. فنودي في بعض البلد. ثم بادر سيف الدين \"جاغان\" وأرسل طائفة فضرب المنادي وجماعة ممن حوله وأخرق بهم. فرجعوا مضروبين في غاية الإهانة. ثم طلب سيف الدين من قام في ذلك وسعى فيه. فدارت الرسل والأعوان عليهم في البلد فاختفوا. (١)\n_________\n(١) الكواكب الدرية (١١٣ - ١١٤).","vol":"8","page":119},{"text":"التعليق:\nوهكذا ينصر الله الحق ويحقه، مهما تضامن أهل البدع وتعاونوا على الإثم والعدوان، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِن اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾. (١)\n\nولشيخ الإسلام مواقف من أهل الكلام كثيرة مشهورة ولآلئ جمة منثورة منها:\n- قال: فإن التجهم والرفض هما أعظم البدع أو من أعظم البدع التي أحدثت في الإسلام. ولهذا كان الزنادقة المحضة مثل الملاحدة من القرامطة ونحوهم إنما يتسترون بهذين بالتجهم والتشيع. (٢)\n- وقال: ولما ظهرت الجهمية -المنكرة لمباينة الله وعلوه على خلقه- افترق الناس في هذا الباب على أربعة أقوال:\nفالسلف والأئمة يقولون: إن الله فوق سماواته، مستو على عرشه بائن من خلقه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، وكما علم المباينة والعلو بالمعقول الصريح، الموافق للمنقول الصحيح، وكما فطر الله على ذلك خلقه، من إقرارهم به، وقصدهم إياه ﷾.\nوالقول الثاني قول معطلة الجهمية ونفاتهم، وهم الذين يقولون: لا هو داخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين له، ولا محايث له، فينفون الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما، كما يقول ذلك أكثر المعتزلة،\n_________\n(١) الحج الآية (٤٠).\n(٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٤٧).","vol":"8","page":120},{"text":"ومن وافقهم من غيرهم.\nوالقول الثالث قول حلولية الجهمية، الذين يقولون: إنه بذاته في كل مكان، كما يقول ذلك النجارية -أتباع حسين النجار- وغيرهم من الجهمية، وهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد: من جنس هؤلاء، فإن الحلول أغلب على عباد الجهمية وصوفيتهم وعامتهم، والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم، كما قيل: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء. وذلك لأن العبادة تتضمن الطلب والقصد، والإرادة والمحبة، وهذا لا يتعلق بمعدوم، فإن القلب يطلب موجودا، فإذا لم يطلب ما فوق العالم طلب ما هو فيه. وأما الكلام والعلم والنظر فيتعلق بموجود ومعدوم، فإذا كان أهل الكلام والنظر يصفون الرب بصفات السلب والنفي-التي لا يوصف بها إلا المعدوم- لم يكن مجرد العلم والكلام ينافي عدم المعبود المذكور، بخلاف القصد والإرادة والعبادة، فإنه ينافي عدم المعبود. ولهذا تجد الواحد من هؤلاء -عند نظره وبحثه- يميل إلى النفي، وعند عبادته وتصوفه يميل إلى الحلول، وإذا قيل له هذا ينافي ذلك قال: هذا مقتضى عقلي ونظري، وذاك مقتضى ذوقي ومعرفتي، ومعلوم أن الذوق والوجد إن لم يكن موافقا للعقل والنظر، وإلا لزم فسادهما أو فساد أحدهما.\nوالقول الرابع قول من يقول: إن الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان، وهذا قول طوائف من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ وأمثاله، وقد ذكر الأشعري في المقالات هذا عن طوائف، ويوجد في كلام السالمية -كأبي طالب المكي وأتباعه: كأبي الحكم بن برجان وأمثاله- ما","vol":"8","page":121},{"text":"يشير إلى نحو من هذا، كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا. وفي الجملة فالقول بالحلول أو ما يناسبه وقع فيه كثير من متأخري الصوفية، ولهذا كان أئمة القوم يحذرون منه كما في قول الجنيد -لما سئل عن التوحيد- فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم. فبين أن التوحيد أن يميز بين القديم والمحدث. (١)\n- وقال: (فالجهمية) النفاة الذين يقولون: لا هو داخل العالم ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت، لا يقولون بعلوه ولا بفوقيته، بل الجميع عندهم متأول أو مفوض، وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص، كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرهم، إلا الجهمية فإنه ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه من النفي. (٢)\n- وقال: وفي القرآن من ذكر الاصطفاء والاجتباء والتقريب والمناجاة والمناداة والخلة ونحو ذلك ما هو كثير، وكذلك في السنة. وهذا مما اتفق عليه قدماء أهل السنة والجماعة، وأهل المعرفة والعبادة والعلم والإيمان. وخالف في حقيقته قوم من الملحدة المنافقين المضارعين للصابئين ومن وافقهم، والمضارعين لليهود والنصارى، من الجهمية أو من فيه تجهم، وإن كان الغالب عليه السنة. فتارة ينكرون أن الله يخالل أحدا، أو يحب أحدا، أو يواد أحدا، أو يكلم أحدا، أو يتكلم، ويحرفون الكلم عن مواضعه، فيفسرون ذلك تارة بإحسانه إلى عباده، وتارة بإرادته الإحسان إليهم، وتارة ينكرون أن الله يحب أو يخالل. ويحرفون الكلم عن مواضعه في محبة العبد له، بأنه إرادة\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٩).\n(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢).","vol":"8","page":122},{"text":"طاعته، أو محبته على إحسانه. (١)\n- وقال: فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله تعالى خلق بيده، وأن يداه مبسوطتان، وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله - ﷺ - وأولي الأمر لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ \"جهم بن صفوان\" بعد انقراض عصر الصحابة فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه \"بشر بن غياث\" ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق. وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا - ﷺ - كل شيء حتى \"الخراءة\" ويقول: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به» (٢) «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (٣) ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه.؟\nوكيف يجوز للسلف أن يقولوا: أمروها كما جاءت مع أن معناها المجازي هو المراد\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٢٧/١٦١٧٩) وهناد في الزهد (١/ ٢٨١/٤٩٤) والبغوي (١٤/ ٣٠٣ - ٣٠٥/ ٤١١١و٤١١٣) والحاكم (٢/ ٤) وابن أبي الدنيا في القناعة كما في الفتح (١/ ٢٦) من طرق عن عبد الله بن مسعود ﵁. ورواه ابن خزيمة في حديث علي بن حجر رقم (٣٨٦) والبيهقي (٧/ ٧٦) والبغوي (١٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣/ ٤١١٠) من حديث المطلب بن عبد الله ﵁. ورواه الطبراني في الكبير (٢/ ١٥٥/١٦٤٧) من حديث أبي ذر ﵁. والحديث صححه الألباني ﵀ في الصحيحة (رقم:١٨٠٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٦) وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) وأصله عند أبي داود (٥/ ١٣/٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حديث حسن صحيح\". وابن حبان (١/ ١٧٨/٥) والحاكم (١/ ٩٥) وقال: \"صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي، من حديث العرباض بن سارية.","vol":"8","page":123},{"text":"وهو شيء لا يفهمه العرب، حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار؟ (١)\n- وقال: فلا مجاز في القرآن. بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث لم ينطق به السلف. (٢)\n- وقال: فالجهمية القائلون بأنه بذاته في كل مكان، أو بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، لا يصفونه بالعلو دون السفول، فإنه إذا كان في مكان، فالأمكنة منها عال وسافل. فهو في العالي عال، وفي السافل سافل. بل إذا قالوا إنه في كل مكان فجعلوا الأمكنة كلها محال له ظروفا وأوعية جعلوها في الحقيقة أعلى منه. فإن المحل يحوي الحال، والظرف والوعاء يحوي المظروف الذي فيه، والحاوي فوق المحوي. والسلف والأئمة وسائر علماء السنة إذا قالوا: \"إنه فوق العرش، وإنه في السماء فوق كل شيء\"، لا يقولون إن هناك شيئا يحويه أو يحصره، أو يكون محلا له أو ظرفا ووعاء ﷾ عن ذلك، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغن عن كل شيء، وكل شيء مفتقر إليه، هو عال على كل شيء، وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته، وكل مخلوق مفتقر إليه، وهو غني عن العرش وعن كل مخلوق. (٣)\n- وقال: قوله: كان ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبو العباس\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ١١٣).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٠٠).","vol":"8","page":124},{"text":"القلانسي وغيرهم يثبتون مباينة الخالق للمخلوق وعلوه بنفسه فوق المخلوقات، وكان ابن كلاب وأتباعه يقولون: إن العلو على المخلوقات صفة عقلية تعلم بالعقل، وأما استواؤه على العرش فهو من الصفات السمعية الخبرية التي لا تعلم إلا بالخبر، وكذلك الأشعري يثبت الصفات بالشرع تارة وبالعقل أخرى، ولهذا يثبت العلو ونحوه مما تنفيه المعتزلة، ويثبت الاستواء على العرش، ويرد على من تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش، بخلاف أتباع صاحب 'الإرشاد' فإنهم سلكوا طريقة المعتزلة، فلم يثبتوا الصفات إلا بالعقل، وكان الأشعري وأئمة أصحابه يقولون: إنهم يحتجون بالعقل لما عرف ثبوته بالسمع، فالشرع هو الذي يعتمد عليه في أصول الدين، والعقل عاضد له معاون. فصار هؤلاء يسلكون ما يسلكه من سلكه من أهل الكلام المعتزلة ونحوهم فيقولون: إن الشرع لا يعتمد عليه فيما وصف الله به وما لا يوصف، وإنما يعتمد في ذلك عندهم على عقلهم، ثم ما لم يثبته إما أن ينفوه وإما أن يقفوا فيه. ومن هنا طمع فيهم المعتزلة، وطمعت الفلاسفة في الطائفتين، بإعراض قلوبهم عما جاء به الرسول، وعن طلب الهدى من جهته، وجعل هؤلاء يعارضون بين العقل والشرع كفعل المعتزلة والفلاسفة، ولم يكن الأشعري وأئمة أصحابه على هذا، بل كانوا موافقين لسائر أهل السنة في وجوب تصديق ما جاء به الشرع مطلقا، والقدح فيما يعارضه، ولم يكونوا يقولون: \"إنه لا يرجع إلى السمع في الصفات\"، ولا يقولون: \"الأدلة السمعية لا تفيد اليقين\" بل كل هذا مما أحدثه المتأخرون الذين مالوا إلى الاعتزال والفلسفة من أتباعهم.\nوذلك لأن الأشعري صرح","vol":"8","page":125},{"text":"بأن تصديق الرسول - ﷺ - ليس موقوفا على دليل الأعراض، وأن الاستدلال به على حدوث العالم من البدع المحرمة في دين الرسل، وكذلك غيره ممن يوافقه على نفي الأفعال القائمة به قد يقول: إن هذا الدليل دليل الأعراض صحيح، لكن الاستدلال به بدعة، ولا حاجة إليه، فهؤلاء لا يقولون: إن دلالة السمع موقوفة عليه، لكن المعتزلة القائلون بأن دلالة السمع موقوفة على صحته صرحوا بأنه لا يستدل بأقوال الرسول على ما يجب ويمتنع من الصفات، بل ولا الأفعال، وصرحوا بأنه لا يجوز الاحتجاج على ذلك بالكتاب والسنة، وإن وافق العقل، فكيف إذا خالفه؟ وهذه الطريقة هي التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك كصاحب 'الإرشاد' وأتباعه، وهؤلاء يردون دلالة الكتاب والسنة، تارة يصرحون بأنا وإن علمنا مراد الرسول فليس قوله مما يجوز أن يحتج به في مسائل الصفات، لأن قوله إنما يدل بعد ثبوت صدقه الموقوف على مسائل الصفات، وتارة يقولون: إنما لم يدل لأنا لا نعلم مراده لتطرق الاحتمالات إلى الأدلة السمعية، وتارة يطعنون في الأخبار.\nفهذه الطرق الثلاث التي وافقوا فيها الجهمية ونحوهم من المبتدعة: أسقطوا بها حرمة الكتاب والرسول عندهم، وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حتى يقولوا إنهم لم يحققوا أصول الدين كما حققناها، وربما اعتذروا عنهم بأنهم كانوا مشتغلين بالجهاد، ولهم من جنس هذا الكلام الذي يوافقون به الرافضة ونحوهم من أهل البدع، ويخالفون به الكتاب والسنة والإجماع، مما ليس هذا موضع بسطه، وإنما نبهنا على أصول دينهم وحقائق أقوالهم، وغايتهم أنهم يدعون في أصول الدين المخالفة للكتاب والسنة المعقول والكلام، وكلامهم","vol":"8","page":126},{"text":"فيه من التناقض والفساد ما ضارعوا به أهل الإلحاد، فهم من جنس الرافضة؛ لا عقل صريح ولا نقل صحيح، بل منتهاهم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات، وهذا منتهى كل مبتدع خالف شيئا من الكتاب والسنة، حتى في المسائل العملية والقضايا الفقهية. (١)\n- وقال: وقوله: وقد رأيت من أتباع الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من يقول أقوالا ويكفر من خالفها، وتكون الأقوال المخالفة هي أقوال أئمتهم بعينها، كما أنهم كثيرا ما ينكرون أقوالا ويكفرون من يقولها، وتكون منصوصة عن النبي - ﷺ -، لكثرة ما وقع من الاشتباه والاضطراب في هذا الباب، ولأن شبه الجهمية النفاة أثرت في قلوب كثير من الناس، حتى صار الحق الذي جاء به الرسول -وهو المطابق للمعقول- لا يخطر ببالهم ولا يتصورونه، وصار في لوازم ذلك من العلم الدقيق ما لا يفهمه كثير من الناس، والمعنى المفهوم يعبر عنه بعبارات فيها إجمال وإبهام يقع بسببها نزاع وخصام. والله تعالى يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- قال: وقد تدبرت كتب الاختلاف التي يذكر فيها مقالات الناس إما\n_________\n(١) درء التعارض (٢/ ١٢ - ١٥).\n(٢) الحشر الآية (١٠).\n(٣) درء التعارض (٢/ ٣٠٨).","vol":"8","page":127},{"text":"نقلا مجردا، مثل كتاب'المقالات' لأبي الحسن الأشعري، وكتاب 'الملل والنحل' للشهرستاني، ولأبي عيسى الوراق، أو مع انتصار لبعض الأقوال، كسائر ما صنفه أهل الكلام على اختلاف طبقاتهم -فرأيت عامة الاختلاف التي فيها من الاختلاف المذموم، وأما الحق الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه، وكان عليه سلف الأمة- فلا يوجد فيها في جميع مسائل الاختلاف، بل يذكر أحدهم في المسألة عدة أقوال، والقول الذي جاء به الكتاب والسنة لا يذكرونه، وليس ذلك لأنهم يعرفونه ولا يذكرونه، بل لا يعرفونه.\nولهذا كان السلف والأئمة يذمون هذا الكلام، ولهذا يوجد الحاذق منهم المنصف الذي غرضه الحق في آخر عمره يصرح بالحيرة والشك، إذ لم يجد في الاختلافات التي نظر فيها وناظر ما هو حق محض. وكثير منهم يترك الجميع ويرجع إلى دين العامة الذي عليه العجائز والأعراب.\nكما قال أبو المعالي وقت السياق: (لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه. والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي).\nوكذلك أبو حامد في آخر عمره استقر أمره على الوقف والحيرة، بعد أن نظر فيما كان عنده من طرق النظار: أهل الكلام والفلسفة، وسلك ما تبين له من طرق العبادة والرياضة والزهد، وفي آخر عمره اشتغل بالحديث: بالبخاري ومسلم.\nوكذلك الشهرستاني، مع أنه كان من أخبر هؤلاء المتكلمين بالمقالات","vol":"8","page":128},{"text":"والاختلاف، وصنف فيها كتابه المعروف بـ'نهاية الإقدام' في علم الكلام وقال: (قد أشار علي من إشارته غنم، وطاعته حتم، أن أذكر له من مشكلات الأصول، ما أشكل على ذوي العقول، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم، لعمري:\nلقد طفت في تلك المعاهد كلها فلم أر إلا واضعا كف حائر ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم\nعلى ذقن أو قارعا سن نادم\n\nفأخبر أنه لم يجد إلا حائرا شاكا مرتابا، أو من اعتقد ثم ندم لما تبين له خطؤه. فالأول في الجهل البسيط: كظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكن يراها، وهذا دخل في الجهل المركب، ثم تبين له أنه جهل فندم، ولهذا تجده في المسائل يذكر أقوال الفرق وحججهم، ولا يكاد يرجح شيئا للحيرة.\nوكذلك الآمدي الغالب عليه الوقف والحيرة.\nوأما الرازي فهو في الكتاب الواحد، بل في الموضع الواحد منه؛ ينصر قولا، وفي موضع آخر منه -أو من كتاب آخر-؛ ينصر نقيضه!! ولهذا استقر أمره على الحيرة والشك. ولهذا لما ذكر أن أكمل العلوم العلم بالله وبصفاته وأفعاله؛ ذكر على أن كلا منهما إشكال. وقد ذكرت كلامه، وبينت ما أشكل عليه وعلى هؤلاء في مواضع.\nفإن الله قد أرسل رسله بالحق، وخلق عباده على الفطرة، فمن كمل فطرته بما أرسل الله به رسله؛ وجد الهدى واليقين الذي لا ريب فيه، ولم يتناقض. لكن هؤلاء أفسدوا فطرتهم العقلية وشرعتهم السمعية، بما حصل لهم من الشبهات والاختلاف، الذي لم يهتدوا معه إلى الحق، كما قد ذكر","vol":"8","page":129},{"text":"تفصيل ذلك في موضع غير هذا.\nوالمقصود هنا أنه لما ذكر ذلك قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب، ومن الذي ذاق هذا الشراب؟\nنهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال\nولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\n\nوقال: (لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٢) واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٣) ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (٤) ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي).\nوهو صادق فيما أخبر به أنه لم يستفد من بحوثه في الطرق الكلامية والفلسفية سوى أن جمع قيل وقالوا، وأنه لم يجد فيها ما يشفي عليلا، ولا يروي غليلا، فإن من تدبر كتبه كلها لم يجد فيها مسألة واحدة من مسائل أصول الدين موافقة للحق الذي يدل عليه المنقول والمعقول، بل يذكر في\n_________\n(١) فاطر الآية (١٠).\n(٢) طه الآية (٥).\n(٣) الشورى الآية (١١).\n(٤) طه الآية (١١٠).","vol":"8","page":130},{"text":"المسألة عدة أقوال، والقول الحق لا يعرفه فلا يذكره. وهكذا غيره من أهل الكلام والفلسفة، ليس هذا من خصائصه، فإن الحق واحد، ولا يخرج عما جاءت به الرسل، وهو الموافق لصريح العقل: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١). وهؤلاء لا يعرفون ذلك، بل هم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، وهم مختلفون في الكتاب ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال: وقد تدبرت عامة ما رأيته من كلام السلف -مع كثرة البحث عنه، وكثرة ما رأيته من ذلك- هل كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أو أحد منهم على ما ذكرته من هذه الأقوال التي وجدتها في كتب أهل الكلام: من الجهمية والقدرية ومن تلقى ذلك عنهم: مثل دعوى الجهمية أن الأمور المتماثلة يأمر الله بأحدها وينهى عن الآخر لا لسبب ولا لحكمة، أو أن الأقوال المتماثلة والأعمال المتماثلة من كل وجه يجعل الله ثواب بعضها أكثر من الآخر بلا سبب ولا حكمة. ونحو ذلك مما يقولونه: كقولهم إن كلام الله كله متماثل، وإن كان الأجر في بعضه أعظم، فما وجدت في كلام السلف ما يوافق ذلك، بل يصرحون بالحكم والأسباب، وبيان ما في المأمور به من الصفات الحسنة المناسبة للأمر به، وما في المنهي\n_________\n(١) الروم الآية (٣٠).\n(٢) البقرة الآية (١٧٦).\n(٣) المنهاج (٥/ ٢٦٨ - ٢٧٢).","vol":"8","page":131},{"text":"عنه من الصفات السيئة المناسبة للنهي عنه، ومن تفضيل بعض الأقوال والأعمال في نفسها على بعض. ولم أر عن أحد منهم قط أنه خالف النصوص الدالة على ذلك، ولا استشكل ذلك، ولا تأوله على مفهومه، مع أنه يوجد عنهم في كثير من الآيات والأحاديث استشكال واشتباه، وتفسيرها على أقوال مختلفة قد يكون بعضها خطأ. والصواب هو القول الآخر، وما وجدتهم في مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (١) وقول النبي - ﷺ - لأُبَيّ «أي آية في كتاب الله أعظم» (٢)\nوقوله في الفاتحة: «لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها» (٣) ونحو ذلك إلا مقرين لذلك قائلين بموجبه. والنبي - ﷺ - سأل أبيا: «أي آية في كتاب الله أعظم؟» فأجابه أُبَي بأنها آية الكرسي فضرب بيده في صدره وقال: «ليهنك العلم أبا المنذر» (٤) ولم يستشكل أُبَي ولا غيره السؤال عن كون بعض القرآن أعظم من بعض، بل شهد النبي - ﷺ - بالعلم لمن عرف فضل بعضه على بعض وعرف أفضل الآيات. (٥)\n_________\n(١) الزمر الآية (٢٣).\n(٢) سيأتي تخريجه ..\n(٣) أحمد (٢/ ٤١٢ - ٤١٣) وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٥/ ١١٤ - ١١٥) والترمذي (٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨/ ٣١٢٥) والنسائي (٢/ ٤٧٧/٩١٣) وابن خزيمة (١/ ٢٥٢/٥٠١) وابن حبان (الإحسان) (٣/ ٥٣/٧٧٥) والحاكم (١/ ٥٥٧) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي، وأخرجه الترمذي في موضع آخر (٥/ ١٤٣ - ١٤٤/ ٢٨٧٥) مطولا وقال: \"حديث حسن صحيح\"، من حديث أبي هريرة عن أبي بن كعب ﵁.\n(٤) أحمد (٥/ ١٤١ - ١٤٢) ومسلم (١/ ٥٥٦/٨١٠) وأبو داود (٢/ ١٥١/١٤٦٠).\n(٥) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"8","page":132},{"text":"- وقال: والألفاظ نوعان: نوع يوجد في كلام الله ورسوله، ونوع لا يوجد في كلام الله ورسوله. فيعرف معنى الأول، ويجعل ذلك المعنى هو الأصل، ويعرف ما يعنيه الناس بالثاني، ويرد إلى الأول، هذا طريق أهل الهدى والسنة. وطريق أهل الضلال والبدع بالعكس، يجعلون الألفاظ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تبعا لها، فيردونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم، ويقولون: نحن نفسر القرآن بالعقل واللغة، يعنون أنهم يعتقدون معنى بعقلهم ورأيهم، ثم يتأولون القرآن عليه بما يمكنهم من التأويلات والتفسيرات المتضمنة لتحريف الكلم عن مواضعه، ولهذا قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس. وقال: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس. وهذه الطريق يشترك فيها جميع أهل البدع الكبار والصغار، فهي طريق الجهمية والمعتزلة ومن دخل في التأويل من الفلاسفة والباطنية الملاحدة. (١)\n- وقال: ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرا، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٥٥ - ٣٥٦).","vol":"8","page":133},{"text":"اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال وهو يتحدث عن امتحان ابن تومرت: ... وإنه كان لهم يسمونه يوم الفرقان، فرق فيه بين أهل الجنة وأهل النار بزعمه، فصار كل من علموا أنه من أوليائهم جعلوه من أهل الجنة، وعصموا دمه، ومن علموا أنه من أعدائهم جعلوه من أهل النار، فاستحلوا دمه، واستحل دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية، الذين كانوا من أهل الكتاب والسنة على مذهب مالك وأهل المدينة، يقرؤون القرآن والحديث كالصحيحين، والموطأ وغير ذلك، والفقه على مذهب أهل المدينة، فزعم أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل المقالة، ولا يعرف عن أحد من أصحاب مالك إظهار القول بالتشبيه والتجسيم. واستحل أيضا أموالهم، وغير ذلك من المحرمات بهذا التأويل ونحوه، من جنس ما كانت تستحله الجهمية المعطلة -كالفلاسفة والمعتزلة، وسائر نفاة الصفات- من أهل السنة والجماعة، لما امتحنوا الناس في \"خلافة المأمون\" وأظهروا القول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، ونفوا أن يكون لله علم، أو قدرة أو كلام أو مشيئة أو شيء من الصفات القائمة بذاته. وصار كل من وافقهم على هذا التعطيل عصموا دمه وماله، وولوه الولايات وأعطوه الرزق من بيت المال، وقبلوا شهادته وافتدوه من الأسر، ومن لم يوافقهم على أن القرآن مخلوق وما يتبع ذلك من بدعهم قتلوه، أو حبسوه أو ضربوه أو منعوه العطاء من بيت المال، ولم يولوه ولاية،\n_________\n(١) البقرة الآية (١٧٦).\n(٢) درء التعارض (٢/ ٣٠١).","vol":"8","page":134},{"text":"ولم يقبلوا له شهادة، ولم يفدوه من الكفار، يقولون: هذا مشبه، هذا مجسم، لقوله: \"إن الله يرى في الآخرة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله استوى على العرش، ونحو ذلك. فدامت هذه المحنة على المسلمين بضع عشرة سنة، في أواخر خلافة المأمون، وخلافة أخيه المعتصم، والواثق بن المعتصم، ثم إن الله تعالى كشف الغمة عن الأمة، في ولاية المتوكل على الله، الذي جعل الله عامة خلفاء بني العباس من ذريته دون ذرية الذين أقاموا المحنة لأهل السنة. (١)\nبدعة القول بخلق القرآن:\n- قال ﵀: وإنما القول المتواتر عن أئمة السلف أنهم قالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنهم أنكروا مقالة الجهمية الذين جعلوا القرآن مخلوقا منفصلا عن الله، بل كفروا من قال ذلك، والكتب الموجودة فيها ألفاظهم بأسانيدها وغير أسانيدها كثيرة، مثل: كتاب 'الرد على الجهمية' للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، و'الرد على الجهمية' لعبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري، و'الرد على الجهمية' للحكم بن معبد الخزاعي، وكتاب 'السنة' لعبد الله بن أحمد بن حنبل، و'السنة' لحنبل ابن عم الإمام أحمد، و'السنة' لأبي داود السجستاني، و'السنة' للأثرم، و'السنة' لأبي بكر الخلال، و'السنة والرد على أهل الأهواء' لخشيش بن أصرم، و'الرد على الجهمية' لعثمان بن سعيد الدارمي، و'نقض عثمان بن سعيد، على الجهمي الكاذب العنيد، فيما افترى على الله في التوحيد'، و'كتاب التوحيد' لابن خزيمة، و'السنة' للطبراني ولأبي الشيخ الأصبهاني، و'شرح أصول السنة' لأبي القاسم\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٨ - ٤٧٩).","vol":"8","page":135},{"text":"اللالكائي، و'الإبانة' لأبي عبد الله بن بطة، وكتب أبي عبد الله بن منده، و'السنة' لأبي ذر الهروي، و'الأسماء والصفات' للبيهقي، و'الأصول' لأبي عمر الطلمنكي، و'الفاروق' لأبي إسماعيل الأنصاري، و'الحجة' لأبي القاسم التيمي، إلى غير ذلك من المصنفات التي يطول تعدادها، التي يذكر مصنفوها العلماء الثقات مذاهب السلف بالأسانيد الثابتة عنهم بألفاظهم الكثيرة المتواترة التي تعرف منها أقوالهم، مع أنه من حين محنة الجهمية لأهل السنة -التي جرت في زمن أحمد بن حنبل لما صبر فيها الإمام أحمد، وقام بإظهار السنة، والصبر على محنة الجهمية حتى نصر الله الإسلام والسنة وأطفأ نار تلك الفتنة- ظهر في ديار الإسلام وانتشر بين الخاص والعام أن مذهب أهل السنة والحديث المتبعين للسلف من الصحابة والتابعين: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الذين أحدثوا في الإسلام القول بأن القرآن\nمخلوق هم الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، ومن اتبعه من المعتزلة وغيرهم من أصناف الجهمية، لم يقل هذا القول أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان. فهذا القول هو القول المعروف عن أهل السنة والجماعة، وهو القول بأن القرآن كلام الله وهو غير مخلوق. (١)\n- وقال: وكلام الله ثابت في مصاحف المسلمين لا كلام غيره، فمن قال: إن الذي في المصحف ليس كلام الله، بل كلام غيره فهو ملحد مارق. ومن زعم أن كلام الله فارق ذاته وانتقل إلى غيره كما كتب في المصاحف أو أن المداد قديم أزلي فهو أيضا ملحد مارق، بل كلام المخلوقين يكتب في\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٧٤ - ٧٦).","vol":"8","page":136},{"text":"الأوراق وهو لم يفارق ذواتهم، فكيف لا يعقل مثل هذا في كلام الله تعالى؟ (١)\n- وقال: وأما إطلاق القول بأن الله لم يكلم موسى، فهذه مناقضة لنص القرآن، فهو أعظم من القول بأن القرآن مخلوق، وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإنه أنكر نص القرآن، وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله، والذي يقول القرآن مخلوق هو في المعنى موافق له، فلذلك كفره السلف. (٢)\n- وقال: وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وهو سبحانه غني عن العرش وعن سائر المخلوقات لا يفتقر إلى شيء من مخلوقاته، بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة العرش. (٣)\n- وقال: لو قال القائل: إذا قلنا: إنه مستو على عرشه حقيقة لزم التجسيم والله منزه عنه، فيقال له: هذا المعنى الذي سميته تجسيما ونفيته هو لازم لك إذا قلت: إن له علما حقيقة وقدرة حقيقة وسمعا حقيقة، وبصرا حقيقة، وكلاما حقيقة وكذلك سائر ما أثبته من الصفات، فإن هذه الصفات هي في حقنا أعراض قائمة بجسم، فإذا كنت تثبتها لله تعالى مع تنزيهك له عن مماثلة المخلوقات، وما يدخل في ذلك من التجسيم: فكذلك القول في الاستواء، ولا فرق.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٧٦).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٠٨).\n(٣) مجموع الفتاوى (١/ ٣٦٧).","vol":"8","page":137},{"text":"فإن قلت: أهل اللغة إنما وضعوا هذه الألفاظ لما يختص به المخلوق فلا يكون حقيقة في غير ذلك. قلت: ولكن هذا خطأ بإجماع الأمم: مسلمهم وكافرهم، وبإجماع أهل اللغات، فضلا عن أهل الشرائع والديانات، وهذا نظير قول من يقول: إن لفظ الوجه إنما يستعمل حقيقة في وجه الإنسان دون وجه الحيوان والملك والجني، أو لفظ العلم إنما استعمل حقيقة في علم الإنسان دون علم الملك والجني، ونحو ذلك، بل قد بينا أن أسماء الصفات عند أهل اللغة بحسب ما تضاف إليه، فالقدر المشترك أن نسبة كل صفة إلى موصوفها كنسبة تلك الصفة إلى موصوفها، فالقدر المشترك هو النسبة، فنسبة علم الملك والجني ووجوههما إليه كنسبة علم الإنسان ووجهه إليه، وهكذا في سائر الصفات. (١)\n- وقال: ولهذا ذكر غير واحد إجماع السلف على أن الله ليس في جوف السماوات. ولكن طائفة من الناس قد يقولون: إنه ينزل ويكون العرش فوقه، ويقولون: إنه في جوف السماء، وإنه قد تحيط به المخلوقات وتكون أكبر منه. وهؤلاء ضلال جهال، مخالفون لصريح المعقول وصحيح المنقول، كما أن النفاة الذين يقولون: ليس داخل العالم ولا خارجه جهال ضلال، مخالفون لصريح المعقول وصحيح المنقول. فالحلولية والمعطلة متقابلان. (٢)\n- وسئل شيخ الإسلام عن قوله - ﷺ - فيما يروي عن ربه ﷿:\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١٨ - ٢١٩).\n(٢) درء التعارض (٧/ ٧).","vol":"8","page":138},{"text":"«وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته» (١) ما معنى تردد الله؟\nفأجاب: هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد رد هذا الكلام طائفة، وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد.\nوالتحقيق: أن كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس، وأجهلهم وأسوئهم أدبا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله - ﷺ - عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور، لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل، فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه، كما قيل:\nالشيب كره وكره أن أفارقه ... فاعجب لشيء على البغضاء محبوب\n_________\n(١) البخاري (١١/ ٤١٤/٦٥٠٢).","vol":"8","page":139},{"text":"وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح «حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره» (١) وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٢) الآية. ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث، فإنه قال: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبا للحق محبا له، يتقرب إليه أولا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة بحيث يحب ما يحبه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه. والله ﷾ قد قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادا للحق من وجه مكروها من وجه، وهذا حقيقة التردد وهو: أن يكون الشيء الواحد مرادا من وجه مكروها من وجه، وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٢٦٠) والبخاري (١١/ ٣٨٨/٦٤٨٧) ومسلم (٤/ ٢١٧٤/٢٨٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) البقرة الآية (٢١٦).","vol":"8","page":140},{"text":"ويريد مساءته. (١)\nقوله في الشفاعة:\n- قال: فالشفاعة نوعان:\nأحدهما: الشفاعة التي نفاها الله تعالى كالتي أثبتها المشركون، ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة وضلالهم، وهي شرك.\nوالثاني: أن يشفع الشفيع بإذن الله. وهذه التي أثبتها الله تعالى لعباده الصالحين، ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتي ويسجد. قال: «فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقال: أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع» (٢) فإذا أذن له في الشفاعة شفع - ﷺ - لمن أراد الله أن يشفع فيه. (٣)\n- وقال: وله - ﷺ - ثلاث شفاعات:\nأما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف، حتى يقضي بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم الشفاعة، حتى تنتهي إليه.\nوأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.\nوأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن يستحق النار، وهذه الشفاعة له\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩ - ١٣١).\n(٢) تقدم ضمن مواقفه ﵀ من الصوفية.\n(٣) مجموع الفتاوى (١/ ٣٣٢).","vol":"8","page":141},{"text":"ولسائر النبيين، والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، ويخرج الله تعالى من النار أقواما بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما فيدخلهم الجنة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2852>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال شيخ الإسلام ﵀: فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزما من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح لم يكن مشروعا، وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من أهل الأهواء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي أعظم فسادا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يدفع أدنى الفسادين بأعلاهما، بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما، كما قال النبي - ﷺ -: «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» (٢).اهـ (٣)\n- وقال: وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق؛ يتبعون الرسول فلا يبتدعون. ومن اجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه. وأهل البدع -مثل الخوارج- يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٧ - ١٤٨).\n(٢) أحمد (٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥) وأبو داود (٥/ ٢١٨/٤٩١٩) والترمذي (٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣/ ٢٥٠٩) وقال: \"هذا حديث صحيح\". البخاري في الأدب المفرد (٣٩١).\n(٣) الاستقامة (١/ ٣٣٠).","vol":"8","page":142},{"text":"ويستحلون دمه. وهؤلاء كل منهم يرد بدعة الآخرين، ولكن هو أيضا مبتدع، فيرد بدعة ببدعة، وباطلا بباطل. (١)\n- وقال: أول البدع ظهورا في الإسلام وأظهرها ذما في السنة والآثار: بدعة الحرورية المارقة، فإن أولهم قال للنبي - ﷺ - في وجهه: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل (٢)، وأمر النبي - ﷺ - بقتلهم وقتالهم (٣)، وقاتلهم أصحاب النبي - ﷺ - مع أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب. والأحاديث عن النبي - ﷺ - مستفيضة بوصفهم وذمهم والأمر بقتالهم، قال أحمد بن حنبل: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه قال النبي - ﷺ -: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة». (٤)\nولهم خاصتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمتهم: أحدهما: خروجهم عن السنة، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، أو ما ليس بحسنة حسنة، وهذا هو الذي أظهروه في وجه النبي - ﷺ - حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: «اعدل فإنك لم تعدل»، حتى قال له النبي - ﷺ -: «ويلك. ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل». فقوله: فإنك لم تعدل جعل منه لفعل النبي - ﷺ - سفها وترك عدل، وقوله: \"اعدل\" أمر له بما\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٩٦).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٣) أحمد (٣/ ٦٨ و٧٣) والبخاري (٨/ ٨٤/٤٣٥١) ومسلم (٢/ ٧٤١ - ٧٤٢/ ١٠٦٤) وأبو داود (٥/ ١٢١ - ١٢٢/ ٤٧٦٤) والنسائي (٥/ ٩٢ - ٩٣/ ٢٥٧٧) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(٤) تقدم تخريجه قريبا.","vol":"8","page":143},{"text":"اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح، وهذا الوصف تشترك فيه البدع المخالفة للسنة، فقائلها لا بد أن يثبت ما نفته السنة، وينفي ما أثبتته السنة، ويحسن ما قبحته السنة، أو يقبح ما حسنت السنة، وإلا لم يكن بدعة، وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل؛ لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المعلومة. والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف -بزعمهم- ظاهر القرآن. وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا؛ فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه، كما يحكى عن عمرو بن عبيد في حديث الصادق المصدوق. وإنما يدفعون عن نفوسهم الحجة: إما برد النقل، وإما بتأويل المنقول، فيطعنون تارة في الإسناد وتارة في المتن، وإلا فهم ليسوا متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول، بل ولا بحقيقة القرآن.\nالفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات. ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام حرب ودارهم هي دار الإيمان. وكذلك يقول جمهور الرافضة؛ وجمهور المعتزلة؛ والجهمية؛ وطائفة من غلاة المنتسبة إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم. فهذا أصل البدع التي ثبت بنص سنة رسول الله - ﷺ - وإجماع السلف أنها بدعة، وهو جعل العفو سيئة وجعل السيئة كفرا. (١)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٧١ - ٧٣).","vol":"8","page":144},{"text":"- وقال: فالطاعن في شيء من حكمه أو قسمه -كالخوارج- طاعن في كتاب الله مخالف لسنة رسول الله - ﷺ -، مفارق لجماعة المسلمين، وكان شيطان الخوارج مقموعا لما كان المسلمون مجتمعين في عهد الخلفاء الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، فلما افترقت الأمة في خلافة علي ﵁، وجد شيطان الخوارج موضع الخروج، فخرجوا وكفروا عليا ومعاوية ومن والاهما، فقاتلهم أولى الطائفتين بالحق علي بن أبي طالب، كما ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من الناس، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (١).اهـ (٢)\n- قال: والخوارج إنما تأولوا آيات من القرآن على ما اعتقدوه، وجعلوا من خالف ذلك كافرا؛ لاعتقادهم أنه خالف القرآن، فمن ابتدع أقوالا ليس لها أصل في القرآن، وجعل من خالفها كافرا، كان قوله شرا من قول الخوارج. (٣)\n- وقال: ومن أصول أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج. (٤)\n- وقال: والخوارج المارقون الذين أمر النبي بقتالهم، قاتلهم أمير المؤمنين\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٣٢،٩٧) ومسلم (٢/ ٧٤٥/١٠٦٥ (١٥٠» وأبو داود (٥/ ٥٠/٤٦٦٧).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٨٨ - ٨٩).\n(٣) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٦٤).\n(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١).","vol":"8","page":145},{"text":"علي بن أبي طالب، أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم.\nوإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه.\nوالأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض، لا تحل إلا بإذن الله ورسوله. (١)\n- وقال: فإن علي بن أبى طالب هو الذي قاتل المارقين وهم الخوارج الحرورية الذين كانوا من شيعة علي، ثم خرجوا عليه وكفروه وكفروا من والاه ونصبوا له العداوة، وقاتلوه ومن معه وهم الذين أخبر عنهم النبي - ﷺ - في الأحاديث الصحيحة المستفيضة، بل المتواترة حيث قال فيهم «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٨٢).","vol":"8","page":146},{"text":"لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله يوم القيامة، آيتهم أن فيهم رجلا مخدج اليدين، له عضل عليها شعرات تدردر» (١). وهؤلاء هم الذين نصبوا العداوة لعلي ومن والاه، وهم الذين استحلوا قتله وجعلوه كافرا، وقتله أحد رؤوسهم: عبد الرحمن بن ملجم المرادي. فهؤلاء النواصب الخوارج المارقون إذ قالوا: إن عثمان وعلي بن أبي طالب ومن معهما كانوا كفارا مرتدين، فإن من حجة المسلمين عليهم ما تواتر من إيمان الصحابة، وما ثبت بالكتاب والسنة الصحيحة من مدح الله تعالى لهم، وثناء الله عليهم، ورضاه عنهم، وإخباره بأنهم من أهل الجنة، ونحو ذلك من النصوص، ومن لم يقبل هذه الحجج، لم يمكنه أن يثبت إيمان علي ابن أبي طالب وأمثاله. (٢)\n- وقال: والمقصود هنا أن يتبين أن هؤلاء الطوائف المحاربين لجماعة المسلمين من الرافضة ونحوهم، هم شر من الخوارج الذين نص النبي - ﷺ - على قتالهم ورغب فيه. وهذا متفق عليه بين علماء الإسلام العارفين بحقيقته. ثم منهم من يرى أن لفظ الرسول - ﷺ - شمل الجميع، ومنهم من يرى أنهم دخلوا من باب التنبيه والفحوى، أو من باب كونهم في معناهم. فإن الحديث روي بألفاظ متنوعة، ففي الصحيحين -واللفظ للبخاري- عن علي بن أبى طالب ﵁ أنه قال: «إذا حدثتكم عن رسول الله حديثا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله يقول: سيخرج قوم في آخر الزمان\n_________\n(١) مسلم (٢/ ٧٤٨ - ٧٤٩/ ١٠٦٦ (١٥٦» وأبو داود (٥/ ١٢٥/٤٧٦٨).\n(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٦٧ - ٤٦٨).","vol":"8","page":147},{"text":"أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة» (١). وفى صحيح مسلم عن زيد بن وهب: أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي -﵁- الذين ساروا إلى الخوارج. فقال علي: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض». والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم؛ فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس. فسيروا على اسم الله وذكر الحديث إلى آخره. (٢)\nوفي مسلم (٣) أيضا: عن عبد الله بن رافع كاتب علي ﵁، أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي قالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله - ﷺ - وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم -وأشار إلى حلقه- من\n_________\n(١) أحمد (١/ ٨١) والبخاري (١٢/ ٣٥٠/٦٩٣٠) ومسلم (٢/ ٧٤٦ - ٧٤٧/ ١٠٦٦ (١٥٤».\n(٢) تقدم قريبا.\n(٣) (٢/ ٧٤٩/١٠٦٦ (١٥٧».","vol":"8","page":148},{"text":"أبغض خلق الله إليه، منهم رجل أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي. فلما قتلهم علي بن طالب قال: انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا. فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا. ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. وهذه العلامة التي ذكرها النبي - ﷺ - هي علامة أول من يخرج منهم، ليسوا مخصوصين بأولئك القوم. فإنه قد أخبر في غير هذا الحديث أنهم «لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال» (١). وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر.\nوأيضا فالصفات إلى وصفها تعم غير ذلك العسكر، ولهذا كان الصحابة يروون الحديث مطلقا مثل ما في الصحيحين عن أبى سلمة وعطاء ابن يسار أنهما أتيا أبا سعيد فسألاه عن الحرورية، هل سمعت رسول الله يذكرها؟ قال: لا أدرى؟ ولكن رسول الله - ﷺ - يقول يخرج في هذه الأمة -ولم يقل منها- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم -أو حلوقهم- يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى فى الفوقة هل علق بها شيء من الدم؟\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي برزة ﵁: أحمد (٤/ ٤٢١ - ٤٢٢،٤٢٤ - ٤٢٥) والطيالسي (٩٢٣) والنسائي (٧/ ١٣٦ - ١٣٧/ ٤١١٤) وقال: \"شريك بن شهاب ليس بذلك المشهور\". والحاكم (٢/ ١٤٦ - ١٤٧) وصححه على شرط مسلم وسكت عنه الذهبي. وقد أورد شريكا في الميزان (٢/ ٢٦٩) ثم قال: \"بصري لا يعرف إلا برواية الأزرق بن قيس عنه\".\nويشهد له حديث ابن عمر وفيه: \" ... فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم فطوبى لمن قتلهم أو طوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قطعه الله ﷿، فردد ذلك رسول الله - ﷺ - عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع\". أخرجه: أحمد (٢/ ٨٤) وابن ماجه (١/ ٦١ - ٦٢/ ١٧٤). قال البوصيري في الزوائد: \"إسناده صحيح، وقد احتج البخاري بجميع رواته\". وهو عند الطبراني كما في المجمع (٦/ ٢٣٠) وحسن الهيثمي إسناده.","vol":"8","page":149},{"text":"اللفظ لمسلم (١). وفى الصحيحين أيضا عن أبى سعيد قال: بينما النبي - ﷺ - يقسم، جاء عبد الله ذو الخويصرة التميمي -وفى راوية: أتاه ذو الخويصرة رجل من بنى تميم- فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل. قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. قال عمر بن الخطاب: ايذن لي فأضرب عنقه. قال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه -وهو قدحه- فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذة فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم. وذكر ما في الحديث. (٢)\nفهؤلاء أصل ضلالهم: اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم. ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا. ثم يرتبون على الكفر أحكاما ابتدعوها.\nفهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم، فى كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام، حتى مرقوا منه كما مرق السهم من الرمية، وفى الصحيحين في حديث أبى سعيد: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٣). وهذا نعت سائر الخارجين\n_________\n(١) البخاري (١٢/ ٣٥٠/٦٩٣١) ومسلم (٢/ ٧٤٣ - ٧٤٤/ ١٠٦٤ (١٤٧».\n(٢) البخاري (٦/ ٧٦٦/٣٦١٠) ومسلم (٢/ ٧٤٤/١٠٦٤ (١٤٨».\n(٣) البخاري (٦/ ٤٦٣ - ٤٦٤/ ٣٣٤٤) ومسلم (٢/ ٧٤١ - ٧٤٢/ ١٠٦٤).","vol":"8","page":150},{"text":"كالرافضة ونحوهم، فإنهم يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين؛ لأن المرتد شر من غيره. وفى حديث أبى سعيد: أن النبي - ﷺ - ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون فى فرقة من الناس، سيماهم التحليق. قال: «هم شر الخلق أو من شر الخلق تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» (١). وهذه السيما سيما أولهم كما كان ذو الثدية؛ لأن هذا وصف لازم لهم.\nوأخرجا في الصحيحين حديثهم من حديث سهل بن حنيف بهذا المعنى (٢). ورواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر (٣)، ورواه مسلم من حديث أبى ذر ورافع بن عمرو (٤)، وجابر بن عبد الله (٥)، وغيرهم. وروى النسائي عن أبى برزة أنه قيل له: هل سمعت رسول الله يذكر الخوارج؟ قال: نعم، سمعت رسول الله - ﷺ - بأذني ورأيته بعيني: أن رسول الله - ﷺ - أتى بمال فقسمه، فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله، ولم يعط من وراءه شيئا، فقام رجل من ورائه، فقال: يا محمد! ما عدلت في القسمة -رجل أسود مطموم الشعر، عليه ثوبان أبيضان- فغضب رسول الله - ﷺ - غضبا شديدا، وقال له: «والله لا تجدون بعدى رجلا هو أعدل مني. ثم قال: يخرج في آخر الزمان\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٧٦٦/٣٦١٠) و(١٣/ ٦٥٥/٧٥٦٢) ومسلم (٢/ ٧٤٥/١٠٦٥).\n(٢) البخاري (١٢/ ٣٦٠/٦٩٣٤) ومسلم (٢/ ٧٥٠/١٠٦٨).\n(٣) البخاري (١٢/ ٣٥٠/٦٩٣٢).\n(٤) سيأتي لفظه من كلام الشيخ.\n(٥) أحمد (٣/ ٣٥٣) ومسلم (٢/ ٧٤٠/١٠٦٣) والبخاري مختصرا (٦/ ٢٩٢/٣١٣٨) والنسائي في الكبرى (٥/ ٣١/٨٠٨٧،٨٠٨٨) وابن ماجه في المقدمة (١/ ٦١/١٧٢).","vol":"8","page":151},{"text":"قوم كأن هذا منهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال. فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليقة» (١). وفى صحيح مسلم، عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن بعدي من أمتي -أو سيكون بعدي من أمتي- قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة. قال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري -أخا الحكم بن عمرو الغفاري- قلت: ما حديث سمعته من أبى ذر كذا وكذا؟ فذكرت له الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله» (٢).\nفهذه المعاني موجودة في أولئك القوم الذين قتلهم علي -﵁- وفى غيرهم. وإنما قولنا: إن عليا قاتل الخوارج بأمر رسول الله - ﷺ - مثل ما يقال: إن النبي - ﷺ - قاتل الكفار، أي قاتل جنس الكفار، وإن كان الكفر أنواعا مختلفة. وكذلك الشرك أنواع مختلفة، وإن لم تكن الآلهة التي كانت العرب تعبدها هي التي تعبدها الهند والصين والترك؛ لكن يجمعهم لفظ الشرك ومعناه.\nوكذلك الخروج والمروق يتناول كل من كان فى معنى أولئك، ويجب قتالهم بأمر النبي - ﷺ -، كما وجب قتال أولئك. (٣)\n_________\n(١) تقدم تخريجه قريبا.\n(٢) مسلم (٢/ ٧٥٠/١٠٦٧).\n(٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٩٤ - ٤٩٩).","vol":"8","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2853>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في مجموع الفتاوى: إن المرجئة لما عدلوا عن معرفة كلام الله ورسوله، أخذوا يتكلمون في مسمى الإيمان والإسلام وغيرهما بطرق ابتدعوها، مثل أن يقولوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، والرسول إنما خاطب الناس بلغة العرب لم يغيرها، فيكون مراده بالإيمان التصديق؛ ثم قالوا: والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان، أو بالقلب، فالأعمال ليست من الإيمان، ثم عمدتهم في أن الإيمان هو التصديق قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ (١) أي بمصدق لنا. فيقال لهم: (اسم الإيمان) قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ، وهو أصل الدين، وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور؛ ويفرق بين السعداء والأشقياء، ومن يوالى ومن يعادى، والدين كله تابع لهذا؛ وكل مسلم محتاج إلى معرفة ذلك؛ أفيجوز أن يكون الرسول قد أهمل بيان هذا كله. ووكله إلى هاتين المقدمتين؟ ومعلوم أن الشاهد الذي استشهدوا به على أن الإيمان هو التصديق أنه من القرآن. ونقل معنى الإيمان متواتر عن النبي - ﷺ - أعظم من تواتر لفظ الكلمة، فإن الإيمان يحتاج إلى معرفة جميع الأمة فينقلونه، بخلاف كلمة من سورة. فأكثر المؤمنين لم يكونوا يحفظون هذه السورة، فلا يجوز أن يجعل بيان أصل الدين مبنيا على مثل هذه المقدمات، ولهذا كثر النزاع والاضطراب بين الذين عدلوا عن صراط الله المستقيم، وسلكوا السبل، وصاروا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ومن\n_________\n(١) يوسف الآية (١٧).","vol":"8","page":153},{"text":"الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، فهذا كلام عام مطلق. ثم يقال: \"هاتان المقدمتان\" كلاهما ممنوعة، فمن الذي قال: إن لفظ الإيمان مرادف للفظ التصديق؟ وهب أن المعنى يصح إذا استعمل في هذا الموضع، فلم قلت: إنه يوجب الترادف؟ ولو قلت: ما أنت بمسلم لنا، ما أنت بمؤمن لنا، صح المعنى، لكن لم قلت: إن هذا هو المراد بلفظ مؤمن؟ وإذا قال الله: (أقيموا الصلاة).\nولو قال القائل: أتموا الصلاة، ولازموا الصلاة، التزموا الصلاة، افعلوا الصلاة، كان المعنى صحيحا، لكن لا يدل هذا على معنى: أقيموا. فكون اللفظ يرادف اللفظ؛ يراد دلالته على ذلك. (١)\n- وقال: ومن قال: بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له؛ أو جزءا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئا خطئا بينا، وهذه بدعة الإرجاء، التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف، والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها. (٢)\n- وقال ﵀ في التدمرية: والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر، لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنا، لكنه يخلد في النار فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم، وأما في الصفات والقدر والوعيد فهم أشبه من أكثر\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٨٨ - ٢٩٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٢١).","vol":"8","page":154},{"text":"طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة. (١)\n- وقال: والمأثور عن الصحابة، وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه. (٢)\n- وقال: والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان، وقالوا إن الإيمان يتماثل الناس فيه، ولا ريب أن قولهم بتساوي إيمان الناس من أفحش الخطأ، بل لا يتساوى الناس في التصديق، ولا في الحب، ولا في الخشية، ولا في العلم، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة. (٣)\n- وقال: والتفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة:\nأحدها: الأعمال الظاهرة، فإن الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان. فالنفاة يقولون هو من ثمرات الإيمان ومقتضاه، فأدخل فيه مجازا بهذا الاعتبار، وهذا معنى زيادة الإيمان عندهم ونقصه، أي زيادة ثمراته ونقصانها، فيقال قد تقدم أن هذا من لوازم الإيمان وموجباته، فإنه يمتنع أن يكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر، وأما كونه لازما أو جزءا منه، فهذا يختلف بحسب حال استعمال لفظ الإيمان\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٥)\n(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٥ - ٥٥٦).","vol":"8","page":155},{"text":"مفردا أو مقرونا بلفظ الإسلام، والعمل كما تقدم.\nوأما قولهم: الزيادة في العمل الظاهر لا في موجبه ومقتضيه فهذا غلط، فإن التفاضل معلول الأشياء، ومقتضاها يقتضي تفاضلها في أنفسها، وإلا فإذا تماثلت الأسباب الموجبة، لزم تماثل موجبها ومقتضاها، فتفاضل الناس في الأعمال الظاهرة يقتضي تفاضلهم في موجب ذلك ومقتضيه، ومن هذا يتبين:\nالوجه الثاني: في زيادة الإيمان ونقصه، وهو زيادة أعمال القلوب ونقصها، فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن، أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه والتوكل عليه والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء، والكبر، والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق والنصح لهم، ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية، وفي الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» (١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٠٣) والبخاري (١/ ٨٢/١٦) ومسلم (١/ ٦٦/٤٣) والترمذي (٥/ ١٦/٢٦٢٤) والنسائي (٨/ ٤٧١ - ٤٧٢/ ٥٠٠٣) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٨ - ١٣٣٩/ ٤٠٣٣) من حديث أنس ﵁.","vol":"8","page":156},{"text":"فَتَرَبَّصُوا﴾ (١). وقال رسول الله - ﷺ -: «والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده» (٢) وقال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٣) وقال له عمر يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: فلأنت أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر».\nوهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح، وفيها بيان تفاضل الحب والخشية وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (٤) وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة، ولهذا كان أهل المعرفة من أعظم الناس قولا بدخول الزيادة والنقصان فيه، لما يجدون من ذلك في أنفسهم، ومن هذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (٥) وإنما زادهم طمأنينة وسكونا.\n_________\n(١) التوبة الآية (٢٤).\n(٢) أحمد (٦/ ١٨١) والبخاري (١٣/ ٣٤٢/٧٣٠١) ومسلم (٤/ ١٨٢٩/٢٣٥٦) عن عائشة ﵂.\n(٣) أحمد (٣/ ١٧٧و٢٧٥) والبخاري (١/ ٨٠/١٥) ومسلم (١/ ٦٧/٤٤) والنسائي (٨/ ٤٨٨/٥٠٢٨) وابن ماجه (١/ ٢٦/٦٧) من حديث أنس ﵁.\n(٤) البقرة الآية (١٦٥).\n(٥) آل عمران الآية (١٧٣).","vol":"8","page":157},{"text":"وقال - ﷺ -: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» (١).اهـ (٢)\n- وقال: الاستثناء في الإيمان سنة عند أصحابنا، وأكثر أهل السنة، وقالت المرجئة والمعتزلة، لا يجوز الاستثناء فيه بل هو شك، والاستثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، أو إن كنت تريد الإيمان الذي يعصم دمي فنعم، وإن كنت تريد ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) فالله أعلم. (٤)\n- وقال: وطوائف \"أهل الأهواء\" من الخوارج والمعتزلة، والجهمية والمرجئة، كراميهم وغير كراميهم يقولون: إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، ومنهم من يدعي الإجماع على ذلك، وقد ذكر أبو الحسن في بعض كتبه الإجماع على ذلك، ومن هنا غلطوا فيه، وخالفوا فيه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان مع مخالفة صريح المعقول؛ بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب ومعصية يستحق بها العقاب، ولا يكون الشخص الواحد محمودا من وجه مذموما من وجه، ولا محبوبا مدعوا له من وجه مسخوطا ملعونا من وجه، ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعا عندهم، بل من دخل\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٤٧٢) وأبو داود (٥/ ٦٠/٤٦٨٢) والترمذي (٣/ ٤٦٦/١١٦٢) وقال: \"حديث حسن صحيح\". الحاكم (١/ ٣) وصححه ووافقه الذهبي. ابن حبان الإحسان (٢/ ٢٢٧/٤٧٩) من حديث أبي هريرة ﵁. وفي الباب عن عائشة وابن عباس وغيرهم.\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٦٢ - ٥٦٤).\n(٣) الأنفال الآية (٢).\n(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٦٦).","vol":"8","page":158},{"text":"إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار، أو الشفاعة في أحد من أهل النار. وحكي عن غالية المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل، لكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك. وأما أهل السنة والجماعة والصحابة، والتابعون لهم بإحسان؛ وسائر طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء والكرامية والكلابية والأشعرية، والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم فيقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار، ثم يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهذا الشخص الذي له سيئات عذب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة باتفاق، فإن هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه؛ لكن تنازعوا في اسمه، فقالت المرجئة: جهميتهم وغير جهميتهم: هو مؤمن كامل الإيمان. وأهل السنة والجماعة على أنه مؤمن ناقص الإيمان، ولولا ذلك لما عذب، كما أنه ناقص البر والتقوى باتفاق المسلمين وهل يطلق عليه اسم مؤمن؟ هذا فيه القولان، والصحيح التفصيل. فإذا سئل عن أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة. قيل: هو مؤمن، وكذلك إذا سئل عن دخوله في خطاب المؤمنين.\nوأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة. قيل: ليس هذا النوع من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار إن لم يغفر الله له ذنوبه، ولهذا قال من قال: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان، والذين لا يسمونه مؤمنا من أهل السنة ومن المعتزلة يقولون: اسم الفسوق ينافي اسم الإيمان لقوله: ﴿بِئْسَ","vol":"8","page":159},{"text":"الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ (١) وقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ (٢) وقد قال النبي - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٣).اهـ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2854>موقفه من القدرية:</span>\nلقد أجاد شيخ الإسلام القول في بيان اعتقاد الفرقة الناجية في مسائل القدر ضمن العقيدة الواسطية.\n- قال ﵀: وتؤمن الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين:\nفالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق: فأول ما خلق الله القلم، قال له: أكتب. قال: ما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (٥). فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم\n_________\n(١) الحجرات الآية (١١).\n(٢) السجدة الآية (١٨).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف أبي وائل شقيق بن سلمة سنة (٨٢هـ).\n(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٥٣ - ٣٥٥).\n(٥) أحمد (٥/ ٣١٧) من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه فذكره. قال الشيخ الألباني ﵀ في 'ظلال الجنة' (١/ ٤٨): \"وإسناده لا بأس به في الشواهد رجاله ثقات غير ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ لكنه يتقوى بما قبله وما بعده\" -يعني من كتاب 'السنة' لابن أبي عاصم-. وأخرجه أبو داود (٥/ ٧٦/٤٧٠٠) من طريق إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة قال: قال عبادة بن الصامت لابنه. فذكره. والترمذي (٤/ ٣٩٨/٢١٥٥) وقال: \"وهذا حديث غريب من هذا الوجه\". وفيه قصة طويلة. وأخرجه أيضا في (٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥/ ٣٣١٩) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".","vol":"8","page":160},{"text":"يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال ﷾: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (١) وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (٢).\nوهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: أكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد (٣)، ونحو ذلك، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديما، ومنكره اليوم قليل.\nوأما الدرجة الثانية: فهو مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشية الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه ﷾ على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره ولا رب سواه. ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله،\n_________\n(١) الحج الآية (٧٠).\n(٢) الحديد الآية (٢٢).\n(٣) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٢و٤٣٠) والبخاري (٦/ ٣٧٣/٣٢٠٨) ومسلم (٤/ ٢٠٣٦) وأبو داود (٥/ ٨٢ - ٨٣/ ٤٧٠٨) والترمذي (٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩/ ٢١٣٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٢٩/٧٦).","vol":"8","page":161},{"text":"ونهاهم عن معصيته. وهو سبحانه يحب المتقين، والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد.\nوالعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (١).\nوهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية، الذين سماهم النبي - ﷺ - مجوس هذه الأمة (٢)، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويُخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها. (٣)\n- وجاء في مجموع الفتاوى عنه قال: فإن الله سبحانه قد فرق بالقرآن وبالإيمان بين أمره الديني وخلقه الكوني. فإن الله سبحانه خالق كل شيء، ورب كل شيء ومليكه، سواء في ذلك الذوات وصفاتها وأفعالها، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته شيء، ولا يكون شيء إلا بمشيئته.\nوقد كذب ببعض ذلك القدرية المجوسية من هذه الأمة وغيرها، وهم\n_________\n(١) التكوير الآيتان (٢٨و٢٩).\n(٢) تقدم في مواقف محمد بن الحسين الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٨ - ١٥٠).","vol":"8","page":162},{"text":"الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس والبهائم، ولا يقدر على أن يفعل بعباده من الخير أكثر مما فعله بهم، بل ولا على أفعالهم، فليس هو على كل شيء قدير، أو أن ما كان من السيئات فهو واقع على خلاف مشيئته وإرادته. وهم ضلال مبتدعة، مخالفون للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولما عرف بالعقل والذوق.\nثم إنه قابلهم قوم شر منهم، وهم القدرية المشركية، الذين رأوا الأفعال واقعة بمشيئته وقدرته، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) ولو كره الله شيئا لأزاله، وما في العالم إلا ما يحبه الله ويرضاه، وما ثم عاص، وأنا كافر برب يعصى، وإن كان هذا قد عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، وربما استدلوا بالجبر، وجعلوا العبد مجبورا، والمجبور معذور، والفعل لله فيه لا له، فلا لوم عليه. فهؤلاء كافرون بكتب الله ورسله، وبأمر الله ونهيه، وثوابه وعقابه، ووعده ووعيده، ودينه وشرعه، كفرا لا ريب فيه، وهم أكفر من اليهود والنصارى، بل أكفر من الصابئة والبراهمة الذين يقولون بالسياسات العقلية. فإن هؤلاء كافرون بالديانات والشرائع الإلهية، وبالآيات والسياسات العقلية. وأما الأولون: ففي تكفيرهم تفصيل ليس هذا موضعه. وهؤلاء أعداء الله وأعداء جميع رسله، بل أعداء جميع عقلاء بني آدم، بل أعداء أنفسهم، فإن هذا القول لا يمكن أحدا أن يطرده، ولا يعمل به ساعة من زمان، إذ لازمه: أن لا يدفع ظلم ظالم، ولا\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٤٨).","vol":"8","page":163},{"text":"يعاقب معتد، ولا يعاقب مسيء لا بمثل إساءته، ولا بأكثر منها. (١)\n- وفيها: ولا يوجد أحد يحتج بالقدر في ترك الواجب وفعل المحرم، إلا وهو متناقض، لا يجعله حجة في مخالفة هواه، بل يعادي من آذاه وإن كان محقا، ويحب من وافقه على غرضه وإن كان عدوا لله، فيكون حبه وبغضه، وموالاته ومعاداته، بحسب هواه وغرضه وذوق نفسه ووجده، لا بحسب أمر الله ونهيه، ومحبته وبغضه، وولايته وعداوته. إذ لا يمكنه أن يجعل القدر حجة لكل أحد. فإن هذا مستلزم للفساد، الذي لا صلاح معه، والشر الذي لا خير فيه، إذ لو جاز أن يحتج كل أحد بالقدر لما عوقب معتد، ولا اقتص من ظالم باغ، ولا أخذ لمظلوم حقه من ظالمه، ولفعل كل أحد ما يشتهيه، من غير معارض يعارضه فيه، وهذا فيه من الفساد: ما لا يعلمه إلا رب العباد. (٢)\n- وفيها سؤال في القدر أورده أحد علماء الذميين فقال:\nأيا علماء الدين، ذمي دينكم ... تحير دلوه بأوضح حجة\nإذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي؟\nدعاني، وسد الباب عني، فهل إلى ... دخولي سبيل؟ بينوا لي قضيتي\nقضى بضلالي ثم قال: ارض بالقضا ... فما أنا راض بالذي فيه شقوتي\nفإن كنت بالمقضي يا قوم راضيا ... فربي لا يرضى بشؤم بليتي\nفهل لي رضا ما ليس يرضاه سيدي؟ ... فقد حرت دلوني على كشف حيرتي\nإذا شاء ربي الكفر مني مشيئة ... فهل أنا عاص في اتباع المشيئة؟\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢/ ٣٠١).","vol":"8","page":164},{"text":"وهل لي اختيار أن أخالف حكمه؟ ... فبالله فاشفوا بالبراهين غلتي\n\nفأجاب شيخ الإسلام الشيخ الإمام العالم العلامة أحمد بن تيمية مرتجلا (١):\nالحمد لله رب العالمين:\nسؤالك يا هذا سؤال معاند ... مخاصم رب العرش، باري البرية\nفهذا سؤال خاصم الملأ العلا ... قديما به إبليس، أصل البلية\nومن يك خصما للمهيمن يرجعن ... على أم رأس هاويا في الحفيرة\nويدعى خصوم الله يوم معادهم ... إلى النار طرا، معشر القدرية\nسواء نفوه، أو سعوا ليخاصموا ... به الله أو ماروا به للشريعة\nوأصل ضلال الخلق من كل فرقة ... هو الخوض في فعل الإله بعلة\nفإنهم لم يفهموا حكمة له ... فصاروا على نوع من الجاهلية\nفإن جميع الكون أوجب فعله ... مشيئة رب الخلق باري الخليقة\nوذات إله الخلق واجبة بما ... لها من صفات واجبات قديمة\nمشيئته مع علمه، ثم قدرة ... لوازم ذات الله قاضي القضية\nوإبداعه ما شاء من مبدعاته ... بها حكمة فيه وأنواع رحمة\nولسنا إذا قلنا جرت بمشيئة ... من المنكري آياته المستقيمة\nبل الحق أن الحكم لله وحده ... له الخلق والأمر الذي في الشريعة\nهو الملك المحمود في كل حالة ... له الملك من غير انتقاص بشركة\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٨/ ٢٤٥ - ٢٥٥).","vol":"8","page":165},{"text":"فما شاء مولانا الإله فإنه ... يكون، وما لا لا يكون بحيلة\nوقدرته لا نقص فيها، وحكمه ... يعم فلا تخصيص في ذي القضية\nأريد بذا أن الحوادث كلها ... بقدرته كانت، ومحض المشيئة\nومالكنا في كل ما قد أراده ... له الحمد حمدا يعتلي كل مدحة\nفإن له في الخلق رحمته سرت ... ومن حكم فوق العقول الحكيمة\nأمورا يحار العقل فيها إذا رأى ... من الحكم العليا وكل عجيبة\nفنؤمن أن الله عز بقدرة ... وخلق وإبرام لحكم المشيئة\nفنثبت هذا كله لإلهنا وهذا ... ونثبت ما في ذاك من كل حكمة\nمقام طالما عجز الألى ... نفوه وكروا راجعين بحيرة\nوتحقيق ما فيه بتبيين غوره ... وتحرير حق الحق في ذي الحقيقة\nهو المطلب الأقصى لوراد بحره ... وذا عسر في نظم هذي القصيدة\nلحاجته إلى بيان محقق ... لأوصاف مولانا الإله الكريمة\nوأسمائه الحسنى، وأحكام دينه ... وأفعاله في كل هذي الخليقة\nوهذا بحمد الله قد بان ظاهرا ... وإلهامه للخلق أفضل نعمة\nوقد قيل في هذا وخط كتابه ... بيان شفاء للنفوس السقيمة\nفقولك: لم قد شاء؟ مثل سؤال ... يقول: فلم قد كان في الأزلية؟\nمن وذاك سؤال يبطل العقل وجهه ... وتحريمه قد جاء في كل شرعة\nوفي الكون تخصيص كثير يدل من ... له نوع عقل: أنه بإرادة\nوإصداره عن واحد بعد واحد ... أو القول بالتجويز رمية حيرة\nولا ريب في تعليق كل مسبب ... بما قبله من علة موجبية","vol":"8","page":166},{"text":"بل الشأن في الأسباب، أسباب ما ... وإصدارها عن حكم محض المشيئة\nترى وقولك: لم شاء الإله؟ هو ... أزل عقول الخلق في قعر حفرة\nالذي فإن المجوس القائلين بخالق ... لنفع، ورب مبدع للمضرة\nسؤالهم عن علة السر، أوقعت ... أوائلهم في شبهة الثنوية\nوإن ملاحيد الفلاسفة الألى ... يقولون بالفعل القديم لعلة\nبغوا علة للكون بعد انعدامه ... فلم يجدوا ذاكم، فضلوا بضلة\nوإن مبادي الشر في كل أمة ... ذوي ملة ميمونة نبوية\nبخوضهمو في ذاكم صار شركهم ... وجاء دروس البينات بفترة\nويكفيك نقضا: أن ما قد سألته ... من العذر مردود لدى كل فطرة\nفأنت تعيب الطاعنين جميعهم ... عليك، وترميهم بكل مذمة\nوتنحل من والاك صفوة مودة ... وتبغض من ناواك من كل فرقة\nوحالهم في كل قول وفعلة ... كحالك يا هذا بأرجح حجة\nوهبك كففت اللوم عن كل كافر ... وكل غوي خارج عن محجة\nفيلزمك الإعراض عن كل ظالم ... على الناس في نفس، ومال، وحرمة\nولا تغضبن يوما على سافك دما ... ولا سارق مالا لصاحب فاقة\nولا شاتم عرضا مصونا وإن علا ... ولا ناكح فرجا على وجه غية\nولا قاطع للناس نهج سبيلهم ... ولا مفسد في الأرض في كل وجهة\nولا شاهد بالزور إفكا وفرية ... ولا قاذف للمحصنات بزنية\nولا مهلك للحرث والنسل عامدا ... ولا حاكم للعالمين برشوة\nوكف لسان اللوم عن كل مفسد ... ولا تأخذن ذا جرمة بعقوبة","vol":"8","page":167},{"text":"وسهل سبيل الكاذبين تعمدا ... على ربهم، من كل جاء بفرية\nوإن قصدوا إضلال من يستجيبهم ... بروم فساد النوع، ثم الرياسة\nوجادل عن الملعون، فرعون، إذ ... فأغرق في اليم انتقاما بغضبة\nطغى وكل كفور مشرك بإلهه ... وآخر طاغ كافر بنبوة\nكعاد، ونمروذ، وقوم لصالح ... وقوم لنوح، ثم أصحاب الأيكة\nوخاصم لموسى، ثم سائر من أتى ... من الأنبياء محييا للشريعة\nعلى كونهم قد جاهدوا الناس إذ ... ونالوا من المعاصي بليغ العقوبة\nبغوا وإلا فكل الخلق في كل لفظة ... ولحظة عين، أو تحرك شعرة\nوبطشة كف، أو تخطي قديمة ... وكل حراك، بل وكل سكينة\nهمو تحت أقدار الإله وحكمه ... كما أنت فيما قد أتيت بحجة\nوهبك رفعت اللوم عن كل فاعل ... فعال ردى، طردا لهذي المقيسة\nفهل يمكن رفع الملام جميعه ... عن الناس طرا عند كل قبيحة\nوترك عقوبات الذين قد اعتدوا ... وترك الورى الإنصاف بين الرعية\nفلا تُضْمَنَنْ نفس ومال بمثله ... ولا يعقبن عاد بمثل الجريمة\nوهل في عقول الناس أو في طباعهم ... قبول لقول النذل: ما وجه حيلتي؟\nويكفيك نقضا: ما بجسم ابن آدم ... صبي، ومجنون، وكل بهيمة\nمن الألم المقضي في غير حيلة ... وفيما يشاء الله أكمل حكمة\nإذا كان في هذا له حكمة، فما ... يظن بخلق الفعل، ثم العقوبة؟\nوكيف، ومن هذا عذاب مولد ... عن الفعل، فعل العبد عند الطبيعة؟\nكآكل سم، أوجب الموت أكله ... وكل بتقدير لرب البرية","vol":"8","page":168},{"text":"فكفرك يا هذا، كسم أكلته ... وتعذيب نار. مثل جرعة غصة\nألست ترى في هذه الدار من جنى ... يعاقب إما بالقضا أو بشرعة؟\nولا عذر للجاني بتقدير خالق ... كذلك في الأخرى بلا مثنوية\nوتقدير رب الخلق للذنب موجب ... لتقدير عقبى الذنب إلا بتوبة\nوما كان من جنس المتاب لرفعه ... عواقب أفعال العباد الخبيثة\nكخير به تمحى الذنوب. ودعوة ... تجاب من الجاني، ورب شفاعة\nوقول حليف الشر: إني مقدر ... علي كقول الذئب: هذي طبيعتي\nوتقديره للفعل يجلب نقمة ... كتقديره الأشياء طرا بعلة\nفهل يَنْفَعَنْ عذر الملوم. بأنه ... كذا طبعه أم هل يقال لعثرة؟\nأم الذم والتعذيب أوكد للذي ... طبيعته فعلا لشرور الشنيعة؟\nفإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى ... ينجيك من نار الإله العظيمة\nفدونك رب الخلق، فاقصده ضارعا ... مريدا لأن يهديك نحو الحقيقة\nوذلل قياد النفس للحق، واسمعن ... ولا تعرضن عن فكرة مستقيمة\nوما بان من حق فلا تتركنه ... ولا تعص من يدعو لأقوم شرعة\nودع دين ذا العادات، لا تتبعنه ... وعج عن سبيل الأمة الغضبية\nومن ضل عن حق فلا تقفونه ... وزن ما عليه الناسب المعدلية\nهنالك تبدو طالعات من الهدى ... تبشر من قد جاء بالحنيفية\nبملة إبراهيم، ذاك إمامنا ... ودين رسول الله خير البرية\nفلا يقبل الرحمن دينا سوى الذي ... به جاءت الرسل الكرام السجية\nوقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي ... حوى كل خير في عموم الرسالة","vol":"8","page":169},{"text":"وأخبر عن رب العباد بأن من ... غدا عنه في الأخرى بأقبح خيبة\nفهذي دلالات العباد لحائر ... وأما هداه فهو فعل الربوبة\nوفقد الهدى عند الورى لا يفيد ... غدا عنه، بل يجزي بلا وجه حجة\nمن وحجة محتج بتقدير ربه ... تزيد عذابا، كاحتجاج مريضة\nوأما رضانا بالقضاء فإنما ... أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة\nكسقم وفقر ثم ذل وغربة ... وما كان من مؤذ، بدون جريمة\nفأما الأفاعيل التي كرهت لنا ... فلا ترتضى، مسخوطة لمشيئة\nوقد قال قوم من أولي العلم: لا ... بفعل المعاصي والذنوب الكبيرة\nرضا وقال فريق: نرتضي بقضائه ... ولا نرتضي المقضي أقبح خصلة\nوقال فريق نرتضي بإضافة ... إليه. وما فينا فنلقى بسخطة\nكما أنها للرب خلق، وأنها ... لمخلوقة ليست كفعل الغريزة\nفنرضى من الوجه الذي هو خلقه ... ونسخط من وجه اكتساب الخطيئة\nومعصية العبد المكلف تركه ... لما أمر المولى وإن بمشيئة\nفإن إله الخلق حق مقاله ... بأن العباد في جحيم وجنة\nكما أنهم في هذه الدار هكذا ... بل البهم في الآلام أيضا ونعمة\nوحكمته العليا اقتضت ما اقتضت من الـ ... ـفروق بعلم ثم أيد ورحمة\nيسوق أولي التعذيب بالسبب ... يقدره نحو العذاب بعزة\nالذي ويهدي أولي التنعيم نحو ... بأعمال صدق في رجاء وخشية\nنعيمهم وأمر إله الخلق بين ما به ... يسوق أولي التنعيم نحو السعادة\nفمن كان من أهل السعادة أثرت ... أوامره فيه بتيسير صنعة","vol":"8","page":170},{"text":"ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل ... بأمر ولا نهي بتقدير شقوة\nولا مخرج للعبد عما به قضى ... ولكنه مختار حسن وسوأة\nفليس بمجبور عديم الإرادة ... ولكنه شاء بخلق الإرادة\nومن أعجب الأشياء: خلق مشيئة ... بها صار مختار الهدى بالضلالة\nفقولك: هل أختار تركا لحكمة؟ ... كقولك: هل أختار ترك المشيئة؟\nوأختار أن لا أختار فعل ضلالة ... ولو نلت هذا الترك فزت بتوبة\nوذا ممكن، لكنه متوقف ... على ما يشاء الله من ذي المشيئة\nفدونك، فافهم ما به قد أجبت من ... معان، إذا انحلت بفهم غريزة\nأشارت إلى أصل يشير إلى الهدى ... ولله رب الخلق أكمل مدحة\nوصلى إله الخلق، ﷻ ... على المصطفى المختار خير البرية\nالتعليق:\nقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في الدرة البهية عن هذه المنظومة: وهذا النظم: قد أتى فيه الشيخ بالعجب العجاب، وبين الحق الصريح، وكشف الشكوك والشبهات التي طالما خالطت قلوب أذكياء العلماء، وحيرت كثيرا من أهل العلم الفضلاء. (١)\n- قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: ومن أقر بالشرع، والأمر والنهي، والحسن والقبح، دون القدر وخلق الأفعال -كما عليه المعتزلة- فهو\n_________\n(١) الدرة البهية (ص.١١).","vol":"8","page":171},{"text":"من القدرية المجوسية الذين شابهوا المجوس، وللمعتزلة من مشابهة المجوس واليهود نصيب وافر.\nومن أقر بالقضاء والقدر وخلق الأفعال وعموم الربوبية، وأنكر المعروف والمنكر، والهدى والضلال، والحسنات والسيئات، ففيه شبه من المشركين والصابئة. وكان الجهم بن صفوان ومن اتبعه كذلك لما ناظر أهل الهند، كما كان المعتزلة كذلك لما ناظروا المجوس (الفرس)، والمجوس أرجح من المشركين. فإن من أنكر الأمر والنهي، أو لم يقر بذلك، فهو مشرك صريح كافر -أكفر من اليهود والنصارى والمجوس- كما يوجد ذلك في كثير من المتكلمة والمتصوفة -أهل الإباحة ونحوهم. (١)\n- وقال في حديثه عن إرادة الله: وإرادته قسمان: إرادة أمر وتشريع، وإرادة قضاء وتقدير.\nفالقسم الأول: إنما يتعلق بالطاعات دون المعاصي، سواء وقعت أو لم تقع. كما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣).\nوأما القسم الثاني: وهو إرادة التقدير، فهي شاملة لجميع الكائنات،\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٦/ ٢٣٨ - ٢٣٩).\n(٢) النساء الآية (٢٦).\n(٣) البقرة الآية (١٨٥).","vol":"8","page":172},{"text":"محيطة بجميع الحادثات، وقد أراد من العالم ما هم فاعلوه بهذا المعنى لا بالمعنى الأول، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (١) وفي قوله: وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ (٢) وفي قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ونظائره كثيرة.\nوهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي، دون ما لم يحدث، كما أن الأولى تتناول الطاعات حدثت أو لم تحدث، والسعيد من أراد منه تقديرا ما أراد به تشريعا، والعبد الشقي من أراد به تقديرا ما لم يرد به تشريعا، والحكم يجري على وفق هاتين الإرادتين، فمن نظر إلى الأعمال بهاتين العينين كان بصيرا، ومن نظر إلى القدر دون الشرع أو الشرع دون القدر كان أعور، مثل قريش الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ (٣).\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢٥).\n(٢) هود الآية (٣٤).\n(٣) الأنعام الآية (١٤٨).","vol":"8","page":173},{"text":"فإن هؤلاء اعتقدوا أن كل ما شاء الله وجوده وكونه وهي -الإرادة القدرية- فقد أمر به ورضيه دون الإرادة الشرعية، ثم رأوا أن شركهم بغير شرع مما قد شاء الله وجوده قالوا: فيكون قد رضيه وأمر به، قال الله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ بالشرائع من الأمر والنهي ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ بأن الله شرع الشرك وتحريم ما حرمتموه. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾ في هذا ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾ وهو توهمكم أن كل ما قدره فقد شرعه ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ أي تكذبون وتفترون بإبطال شريعته، ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (١) على خلقه حين أرسل الرسل إليهم فدعوهم إلى توحيده وشريعته، ومع هذا فلو شاء هدى الخلق أجمعين إلى متابعة شريعته، لكنه يمن على من يشاء فيهديه فضلا منه وإحسانا، ويحرم من يشاء، لأن المتفضل له أن يتفضل، له أن لا يتفضل، فترك تفضله على من حرمه عدل منه وقسط، وله في ذلك حكمة بالغة.\nوهو يعاقب الخلق على مخالفة أمره وإرداته الشرعية، وإن كان ذلك بإرادته القدرية، فإن القدر كما جرى بالمعصية جرى أيضا بعقابها، كما أنه سبحانه قد يقدر على العبد أمراضا تعقبه آلاما، فالمرض بقدره والألم بقدره، فإذا قال العبد: قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب، كان بمنزلة قول المريض قد تقدمت الإرداة بالمرض فلا أتألم، وقد تقدمت الإرادة بأكل الحار فلا يحم مزاجي، أو قد تقدمت بالضرب فلا يتألم المضروب، وهذا مع أنه جهل فإنه لا ينفع صاحبه، بل اعتلاله بالقدر ذنب ثان يعاقب عليه أيضا، وإنما اعتل بالقدر إبليس حيث قال: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) وأما آدم فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٣).\nفمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم -﵇- أو نحوه. ومن أراد شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار. ومثله مثل رجل طار إلى داره شرارة نار، فقال له العقلاء: أطفئها لئلا تحرق المنزل، فأخذ يقول: من أين كانت؟ هذه ريح ألقتها، وأنا لا ذنب لي في هذه النار، فما زال يتعلل بهذه العلل حتى استعرت وانتشرت وأحرقت الدار وما فيها، هذه حال من شرع يحيل الذنوب على المقادير، ولا يردها بالاستغفار والمعاذير. بل حاله أسوأ من ذلك بالذنب الذي فعله، بخلاف الشرارة فإنه لا فعل له فيها. والله سبحانه يوفقنا وإياكم وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه، فإنها لا تنال طاعته إلا بمعونته، ولا تترك معصيته إلا بعصمته. (٤)\n- وقال: إن الناس -في باب خلق الرب وأمره ولم فعل ذلك- على\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٤٩).\n(٢) الحجر الآية (٣٩).\n(٣) الأعراف الآية (٢٣).\n(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ١٩٧ - ٢٠٠).","vol":"8","page":null},{"text":"طرفين ووسط: فالقدرية من المعتزلة وغيرهم قصدوا تعظيم الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحا من الأفعال وظلما، فأنكروا عموم قدرته ومشيئته، ولم يجعلوه خالقا لكل شيء، ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، بل قالوا: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم بالقياس على أنفسهم، وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق، فضلوا وأضلوا.\nوقابلهم الجهمية الغلاة في الجبر، فأنكروا حكمة الله ورحمته، وقالوا: لم يخلق لحكمة، ولم يأمر بحكمة، وليس في القرآن \"لام كي\" لا في خلقه ولا في أمره. وزعموا أن قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) و﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٤) وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٥) -وأمثال ذلك- إنما اللام فيه لام العاقبة كقوله:\n_________\n(١) الجاثية الآية (١٣).\n(٢) البقرة الآية (٢٩).\n(٣) النجم الآية (٣١).\n(٤) البقرة الآية (١٨٥).\n(٥) النساء الآية (١٦٥).","vol":"8","page":176},{"text":"﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١) وقول القائل: \"لدوا للموت وابنوا للخراب\". ولم يعلموا أن لام العاقبة إنما تصح ممن يكون جاهلا بعاقبة فعله كفرعون الذي لم يكن يدري ما ينتهي إليه أمر موسى، أو ممن يكون عاجزا عن رد عاقبة فعله، كعجز بني آدم عن دفع الموت عن أنفسهم والخراب عن ديارهم، فأما من هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وهو مريد لكل ما خلق: فيمتنع في حقه لام العاقبة التي تتضمن نفي العلم أو نفي القدرة. (٢)\n\nتاج الدين الفاكهاني (٣) (٧٣١ هـ)\nتاج الدين عمر بن عالم بن سالم اللخمي الإسكندري العلامة النحوي والفقيه المالكي. سمع علي بن طرخان والمكين الأسمر وعتيق العمري. ولد سنة أربع وخمسين وستمائة. قال ابن فرحون: وكان فقيها فاضلا، متفننا في الحديث، والفقه، والأصول، والعربية والأدب، وكان على حظ وافر من الدين المتين، والصلاح العظيم، واتباع السلف الصالح، حسن الأخلاق، صحب جماعة من الأولياء، وتخلق بأخلاقهم، وتأدب بآدابهم وحج غير مرة، وحدث ببعض مصنفاته. وقال البرزالي: رجل جيد كثير البر والتودد والتواضع من بيت كبير. توفي ﵀ سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.\n_________\n(١) القصص الآية (٨).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٩٩ - ١٠١).\n(٣) الديباج المذهب (٢/ ٨٠) والدرر الكامنة (٣/ ١٧٨ - ١٧٩) وشذرات الذهب (٦/ ٩٦ - ٩٧).","vol":"8","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2856>موقفه من المبتدعة:</span>\nبدعة المولد النبوي:\nله رسالة لطيفة في هذه البدعة سماها 'المورد في عمل المولد' وهي مطبوعة بتحقيق أبي الحارث الحلبي. وهذا نصها، قال الفاكهاني ﵀: الحمد لله الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين، وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين، ويسر لنا اقتفاء آثار السلف الصالحين، حتى امتلأت قلوبنا بأنوار علم الشرع وقواطع الحق المبين، وطهر سرائرنا من حدث الحوادث والابتداع في الدين.\nأحمده على ما من به من أنوار اليقين، وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدا - ﷺ - عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، - ﷺ - وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، صلاة دائمة إلى يوم الدين.\nأما بعد: فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول، ويسمونه المولد: هل له أصل في الدين؟؟\nوقصدوا الجواب عن ذلك مبينا، والإيضاح عنه معينا.\nفقلت وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين. بل هو بدعة، أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون، بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا:\nإما أن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، أو مكروها، أو محرما.","vol":"8","page":178},{"text":"وهو ليس بواجب إجماعا، ولا مندوبا، لأن حقيقة المندوب: ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون -فيما علمت- وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت.\nولا جائز أن يكون مباحا، لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين.\nفلم يبق إلا أن يكون مكروها، أو حراما، وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين:\nأحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الآثام: فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة، وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام، سرج الأزمنة، وزين الأمكنة.\nوالثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف.\nلا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل، من الدفوف، والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الغانيات، إما مختلطات بهن أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف.","vol":"8","page":179},{"text":"وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (١).\nوهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان.\nوإنما يحل ذلك بنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب. وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات.\nفإنا لله وإنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ.\nولله در شيخنا القشيري رحمه الله تعالى حيث يقول فيما أجازناه:\nقد عرف المنكر واستنكر الـ وصار أهل العلم في وهدة حادوا عن الحق فما للذي فقلت للأبرار أهل التقى ... لا تنكروا أحوالكم قد أتت ... ـمعروف في أيامنا الصعبه\nوصار أهل الجهل في رتبه\nسادوا به فيما مضى نسبه\nوالدين لما اشتدت الكربه\nنوبتكم في زمن الغربه\n\nولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب.\nهذا مع أن الشهر الذي ولد فيه - ﷺ - وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر\n_________\n(١) الفجر الآية (١٤).","vol":"8","page":180},{"text":"الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه.\nوهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول.\nالتعليق:\nهذه البدعة التي أحدثها الروافض ومن كان على شاكلتهم حاربها علماء السلف في كل وقت، وسيمر بنا إن شاء الله بعضهم، وكلام هذا الإمام يستحق أن يكتب بماء الذهب، حيث ذكر أن هذا المولد لا أصل له في دين الله إن خلا من المظاهر الشركية ومن سائر المحرمات؛ من أكل مال بالباطل، ومن وجود اختلاط، ومن وجود زنا ولواط، وتغن بالفحش. ومن زابور هذه المواسم ما يقول صاحبه مخاطبا النبي - ﷺ -:\nفإن من جودك الدنيا وضرتها يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... ومن علومك علم اللوح والقلم\nسواك عند حلول الحادث العمم\n\nوقوله:\nهذه علتي وأنت طبيبي ... ليس يخفى عليك في القلب داء\n\nوقوله:\nوكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم\n\nوهكذا لو اجتنبت الصلوات المصحوبة بالشرك، التي يصفون فيها النبي - ﷺ - بأوصاف شركية، لو قام - ﷺ - من قبره لقاتلهم كما كان يقاتل المشركين أعداء الله، لكان الحكم في ذلك كما ذكر هذا الإمام.","vol":"8","page":181},{"text":"إبراهيم بن عمر الجُعْبُرِي (١) (٧٣٢ هـ)\nإبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل بن أبي العباس، الشيخ العلامة، برهان الدين الجعبري، أبو إسحاق السلفي بفتحتين نسبة إلى طريقة السلف. ولد سنة أربعين وستمائة بقلعة جعبر. تلا ببغداد بالسبع على أبي الحسن الوجوهي، وقرأ على تاج الدين بن يونس وغيرهما. اشتغل ببغداد، وقدم دمشق وأقام ببلد الخليل نحو أربعين سنة.\nقال عنه ابن كثير: كان من المشايخ المشهورين بالفضائل والرياسة والخير والديانة والعفة والصيانة. وقال الذهبي: كان ساكنا وقورا ذكيا واسع العلم. صنف في القراءات والحديث والأصول والعربية والتاريخ وغير ذلك. توفي ﵀ في رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة.\nوكان يكتب بخطه -السَّلَفِي- فسئل عن ذلك: فقال بالفتح نسبة إلى طريق السلف. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2858>موقفه من المشركين:</span>\nقال شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى: وحدثني تاج الدين الأنباري، الفقيه المصري الفاضل، أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري يقول: رأيت ابن عربي شيخا مخضوب اللحية، وهو شيخ نجس، يكفر بكل كتاب أنزله الله، وكل نبي أرسله الله ... وحدثني عن الشيخ إبراهيم الجعبري: أنه\n_________\n(١) معجم شيوخ الذهبي (١١٦ - ١١٧) والبداية والنهاية (١٤/ ١٦٧ - ١٦٨) وغاية النهاية (١/ ٢١) وفوات الوفيات (١/ ٣٩) والدرر الكامنة (١/ ٥٠) والوافي بالوفيات (٦/ ٧٣ - ٧٦) ومعرفة القراء (٢/ ٧٤٣).\n(٢) انظر الدرر الكامنة (١/ ٥١).","vol":"8","page":182},{"text":"حضر ابن الفارض عند الموت وهو ينشد:\nإن كان منزلي في الحب عندكم أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي\nواليوم أحسبها أضغاث أحلام\n\nوحدثني الفقيه الفاضل تاج الدين الأنباري، أنه سمع الشيخ إبراهيم الجعبري يقول: رأيت في منامي ابن عربي، وابن الفارض، وهما شيخان أعميان يمشيان ويتعثران، ويقولان كيف الطريق؟ أين الطريق؟ (١)\n\nعبد الرحمن القرامزي (٢) (٧٣٢ هـ)\nعبد الرحمن بن أبي محمد بن سلطان القرامزي الفقيه العابد أبو محمد وأبو الفرج. ولد سنة أربع وأربعين وستمائة تقريبا، وقرأ بالراويات على الشيخ، الصقلي، وسمع من ابن عبد الدائم وابن النشبي والمجد بن عساكر وجماعة، وتفقه في المذهب، ثم تزهد وأقبل على العبادة والطاعة، وملازمة الجامع، وكثرة الصلوات به، واشتهر بذلك، وصار له قبول وقدر عند الأكابر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2860>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في ذيل طبقات الحنابلة: وكان قوي النفس لا يقوم لأحد. وله محبون. ومن حسناته أنه كان من اللعانين للاتحادية. (٣)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٤٦).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٤١٦) والدرر الكامنة (٢/ ٣٤٦) ومعجم شيوخ الذهبي (١/ ٣٨٠ - ٣٨١) والمقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد (٢/ ١٠٩).\n(٣) (٤/ ٤١٦).","vol":"8","page":183},{"text":"بدر الدين بن جماعة (١) (٧٣٣ هـ)\nالعالم شيخ الإسلام بدر الدين أبو عبد الله بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الحموي ثم المصري الشافعي. ولد سنة تسع وثلاثين وستمائة. روى عن جملة من الأئمة منهم: الرشيد العطار وابن عزون، وابن أبي اليسر، وأجاز له جماعة منهم ابن سلمة وابن البرادعي. سمع الحديث واشتغل بالعلم، وحصل علوما متعددة، وتقدم وساد أقرانه، وكان قوي المشاركة في علوم الحديث والفقه والأصول والتفسير. تولى القضاء ومناصب أخرى. من أشعاره:\nأعم خلائق الإنسان نفعا ... وأقربها إلى ما فيه راحه\nأداء أمانة وعفاف نفس ... وصدق مقالة وسماح راحه\n\nتوفي ﵀ سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2862>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في العقد الثمين في الرد على ابن عربي من قول ابن جماعة: هذه الفصول المذكورة، وما أشبهها من هذا الباب بدعة وضلالة ومنكر وجهالة، لا يصغي إليها ولا يعرج عليها ذو دين، ثم قال: وحاشا رسول الله - ﷺ -، يأذن في المنام بما يخالف ويعاند الإسلام، بل ذلك من وسواس الشيطان ومحنته وتلاعبه برأيه وفتنته.\nوقوله في آدم: إنه إنسان العين تشبيه لله تعالى بخلقه. وكذلك قوله الحق المنزه، هو الخلق المشبه، إن أراد بالحق رب العالمين فقد صرح بالتشبيه وتغالى\n_________\n(١) ذيل طبقات الحفاظ (١٠٧ - ١٠٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٠٥ - ١٠٦) والوافي بالوفيات (٢/ ١٨ - ٢٠) وفوات الوفيات (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨) والبداية والنهاية (١٤/ ١٧١) وطبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٢٣٠ - ٢٣٢).","vol":"8","page":184},{"text":"فيه. وأما إنكاره ما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد فهو كافر به عند علماء أهل التوحيد، وكذلك قوله في قوم نوح وهود، قول لغو باطل مردود. وإعدام ذلك وما شابه هذه الأبواب من نسخ هذا الكتاب من أوضح طرق الصواب، فإنها ألفاظ مزوقة وعبارات عن معان غير محققة. وإحداث في الدين ما ليس منه. فحكمه رده والإعراض عنه. (١)\n\nابن سيد الناس (٢) (٧٣٤ هـ)\nمحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس الشيخ الإمام العلامة الحافظ المحدث الأديب الناظم الناثر فتح الدين أبو الفتح، كان حافظا بارعا أديبا متفننا بليغا، حسن المحاورة، لطيف العبارة، فصيح الألفاظ، كامل الأدوات، جيد الفكرة، صحيح الذهن، لا تمل محاضرته. ولد في رابع عشر ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وستمائة. وشيوخه كثر، منهم: أبو الفتح بن دقيق العيد، وأبو الحسن الغرافي وبهاء الدين بن النحاس. ومن تلاميذه المسند أبو الفرج الغزي، وصلاح الدين الصفدي، وأم محمد رقية ابنة علي، وغيرهم. قال البرزالي: كان أحد الأعيان معرفة وإتقانا وحفظا للحديث، وتفهما في علله، وأسانيده، عالما بصحيحه وسقيمه، مستحضرا للسيرة، له حظ في العربية، حسن التصنيف. قال ابن ناصر: كان إماما، حافظا عجيبا،\n_________\n(١) العقد الثمين (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(٢) شذرات الذهب (٦/ ١٠٨ - ١٠٩) وطبقات الشافعية للسبكي (٦/ ٢٩ - ٣١) والدرر الكامنة (٤/ ٢٠٨ - ٢١٣) والوافي بالوفيات (١/ ٢٨٩ - ٣١١) والبداية والنهاية (١٤/ ١٧٨) وذيل طبقات الحفاظ (١٦ - ١٨).","vol":"8","page":185},{"text":"مصنفا، بارعا، شاعرا أديبا. توفي ﵀ في يوم السبت حادي عشر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2864>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\nالعقيدة السلفية الموضوعة على الآي والأخبار والاقتفاء بالآثار النبوية.\nذكرها ابن كثير في البداية والنهاية. (١)\n\nمحمد بن محمد بن الحاج (٢) (٧٣٧ هـ)\nمحمد بن محمد، أبو عبد الله العبدري الفاسي نزيل مصر. يعرف بابن الحاج، واشتهر بالزهد والورع، وكان فقيها عارفا بمذهب مالك. أخذ العلم عن أعلام منهم: أبو إسحاق المطماطي، وصحب أبا محمد بن أبي جمرة وانتفع به. وأخذ عنه الشيخ عبد الله المنوفي والشيخ خليل وغيرهما. صنف كتاب المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات، وبين فيه البدع المختلفة والعوائد المنتحلة، لكنه للأسف وقع في ما حذر منه، وجوز بعض البدع الشركية، كزيارة القبور، والتوسل بالأولياء، وطلب تفريج الكربات عند زيارة قبور الصالحين، والتوسل بذات النبي - ﷺ -، وقد نبه على مواضع هذه البدع في المدخل الشيخ الفاضل محمد بن عبد الرحمن الخميس في رسالة قيمة بعنوان: المنخل لغربلة خرافات ابن الحاج في المدخل. توفي ابن الحاج بالقاهرة\n_________\n(١) (١٤/ ١٧٨).\n(٢) مقدمة المدخل (١/ ٢) وشجرة النور الزكية (١/ ٢١٨) والديباج (٢/ ٣٢١).","vol":"8","page":186},{"text":"سنة سبع وثلاثين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2866>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار ما ذكر في الترجمة: المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات وهو مطبوع طبعات متعددة، وفي وقت مبكر، وفيه ما يستفاد منه غير أنه فيه ما يحذر منه، ففيه كما ذكرت آنفا من دعوات صريحة إلى بعض البدع المنكرة لا سيما بدع القبورية وخرافاتهم وشركياتهم، فليكن القارئ منه على حذر، فإن الكتاب مشهور في الأوساط العلمية.\nوقد تتبعه -كما ذكرت- أخونا الفاضل محمد بن عبد الرحمن الخميس، وأبان المواطن التي ينبغي أن تُحْذَرَ منه، في جزء صغير سماه 'المنخل لغربلة خرافات ابن الحاج في المدخل' وأتبع كل خرافة بما يناسب من التعليق فجزاه الله خيرا، ورأيت أن أورد هنا من هذه الخرافات شاهدا على ما قلنا:\nجاء في المدخل: وكذلك يدعو عند هذه القبور عند نازلة نزلت به أو بالمسلمين، ويتضرع إلى الله تعالى في زوالها وكشفها عنه وعنهم. وهذه صفة زيارة القبور عموما، فإن كان الميت المزار ممن ترجى بركته، فيتوسل إلى الله تعالى به، وكذلك يتوسل الزائر بمن يراه الميت (١) ممن ترجى بركته إلى النبي - ﷺ -، بل يبدأ بالتوسل إلى الله تعالى بالنبي - ﷺ -، إذ هو العمدة في التوسل، والأصل في هذا كله، والمشرع له، فيتوسل به - ﷺ - وبمن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. (٢)\n_________\n(١) هكذا بالأصل.\n(٢) المدخل (١/ ٢٤٨).","vol":"8","page":187},{"text":"وقال: ... ثم يتوسل بتلك المقابر، أعني بالصالحين منهم في قضاء حوائجه، ومغفرة ذنوبه، ثم يدعو لنفسه ولوالديه ولمشايخه ولأقاربه ولأهل تلك المقابر ولأموات المسلمين ولأحيائهم وذريتهم إلى يوم الدين، ولمن غاب عنه من إخوانه، ويجأر إلى الله تعالى بالدعاء عندهم، ويكثر التوسل بهم إلى الله تعالى، لأنه ﷾ اجتباهم وشرفهم وكرمهم، فكما نفع بهم في الدنيا ففي الآخرة أكثر. فمن أراد حاجة فليذهب إليهم ويتوسل بهم، فإنهم الواسطة بين الله تعالى وخلقه. (١)\nوقال: ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله من زيارة القبور فيما ذكر من الآداب، وهو في زيارة العلماء والصلحاء ومن يتبرك بهم.\nوأما عظيم جناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فيأتي إليهم الزائر ويتعين عليه قصدهم من الأماكن البعيدة، فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والانكسار والمسكنة والفقر والفاقة والحاجة والاضطرار والخضوع، ويحضر قلبه وخاطره إليهم، وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره، لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون، ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله، ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم، ثم يترحم على التابعين بإحسان إلى يوم الدين، ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه، ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم، ويجزم بالإجابة ببركتهم، ويقوي حسن ظنه في ذلك فإنهم باب الله المفتوح.\nوجرت سنته ﷾ في قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم،\n_________\n(١) المدخل (١/ ٢٤٩).","vol":"8","page":188},{"text":"ومن عجز عن الوصول إليهم، فليرسل بالسلام عليهم، ويذكر ما يحتاج إليه من حوائجه، ومغفرة ذنوبه، وستر عيوبه إلى غير ذلك، فإنهم السادة الكرام، والكرام لا يردون من سألهم، ولا من توسل بهم، ولا من قصدهم، ولا من لجأ إليهم.\nهذا الكلام في زيارة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام عموما ... (١)\nوهكذا استرسل الشيخ ﵀ في هذا الهذيان، الذي أغنانا عنه الأئمة بالبيان، وكشفوا ما فيه من الغلط والانحراف، والمعصوم من عصمه الله، والله المستعان.\n\nالسلطان الناصر محمد بن قلاوون (٢) (٧٤١ هـ)\nالملك الناصر محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي بن المنصور. ولد سنة أربع وثمانين وستمائة. سمع من ست الوزراء وابن الشحنة، ووجدت له إجازة بخط البرزالي من ابن مشرف وعيسى المغاري وجماعة.\nقال ابن جحر: كان مطاعا مهيبا عارفا بالأمور، يعظم أهل العلم والمناصب الشرعية؛ لا يقرر فيها إلا من يكون أهلا لها، ويتحرى لذلك ويبحث عنه.\nكانت وفاته في تاسع عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين سبعمائة\n_________\n(١) المدخل (١/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(٢) البداية والنهاية (١٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣) وذيل العبر (٢/ ٤٣١) والدرر الكامنة (٤/ ١٤٤ - ١٤٨) وشذرات الذهب (٦/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"8","page":189},{"text":"بالقلعة، وصلى عليه عزالدين ابن جماعة القاضي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2868>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في البداية والنهاية: قال البرزالي: وفي نصف شعبان أمر السلطان بتسليم المنجمين إلى والي القاهرة فضربوا وحبسوا لإفسادهم حال النساء، فمات منهم أربعة تحت العقوبة، ثلاثة من المسلمين ونصراني، وكتب إلي بذلك الشيخ أبو بكر الرحبي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2869>موقف السلف من الدكاكي الزنديق (٧٤١ ه</span>ـ)\nإدعاؤه الإلهية وتنقصه الأنبياء:\n- قال ابن كثير: وفي يوم الثلاثاء سلخ شهر شوال، عقد مجلس في دار العدل بدار السعادة، وحضرته يومئذ واجتمع القضاة والأعيان على العادة، وأحضر يومئذ عثمان الدكاكي قبحه الله تعالى، وادعي عليه بعظائم من القول لم يؤثر مثلها عن الحلاج ولا عن ابن أبي العزاقر الشلمغاني، وقامت عليه البينة بدعوى الإلهية لعنه الله، وأشياء أخر من التنقيص بالأنبياء ومخالطته أرباب الريب من الباجريقية وغيرهم من الاتحادية عليهم لعائن الله، ووقع منه في المجلس من إساءة الأدب على القاضي الحنبلي وتضمن ذلك تكفيره من المالكية أيضا، وادعى أن له دوافع وقوادح في بعض الشهود، فرد إلى السجن\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ١٦٩).","vol":"8","page":190},{"text":"مقيدا مغلولا مقبوحا، أمكن الله منه بقوته وتأييده، ثم لما كان يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي القعدة أحضر عثمان الدكاكي المذكور إلى دار السعادة، وأقيم بين يدي الأمراء والقضاة وسئل عن القوادح في الشهود فعجز فلم يقدر، وعجز عن ذلك فتوجه عليه الحكم، فسئل القاضي المالكي الحكم عليه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم حكم بإراقة دمه وإن تاب، فأخذ المذكور فضربت رقبته بدمشق بسوق الخيل، ونودي عليه: هذا جزاء من يكون على مذهب الاتحادية، وكان يوما مشهودا بدار السعادة، حضر خلق من الأعيان والمشايخ، وحضر شيخنا جمال الدين المزي الحافظ، وشيخنا الحافظ شمس الدين الذهبي، وتكلما وحرضا في القضية جدا، وشهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة، وكذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وخرج القضاة الثلاثة المالكي والحنفي والحنبلي، وهم نفذوا حكمه في المجلس فحضروا قتل المذكور، وكنت مباشرا لجميع ذلك من أوله إلى آخره. (١)\n\nأبو الحجاج جمال الدين المِزِّي (٢) (٧٤٢ هـ)\nيوسف بن عبد الرحمن بن يوسف الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الفريد الرحلة، إمام المحدثين جمال الدين أبو الحجاج المزي بن الزكي\n_________\n(١) البداية (١٤/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(٢) أعيان العصر (٤/ ٢٢٠٩ - ٢٢١٥) والدرر الكامنة (٤/ ٤٥٧) وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٩٨) وشذرات الذهب (٦/ ١٣٦ - ١٣٧) والبداية والنهاية (١٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤) وفهرست الفهارس (١/ ١٠٧) وفوات الوفيات (٤/ ٣٥٣ - ٣٥٥) وطبقات الشافعية للسبكي (٦/ ٢٥١ - ٢٦٧).","vol":"8","page":191},{"text":"القضاعي الكلبي الحلبي المولد، خاتمة الحفاظ ناقد الأسانيد والألفاظ. ولد في عاشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة. حفظ القرآن في صباه وتفقه للشافعي مدة وعني بشيء من الأصول. سمع أصحاب طبرزد والكندي وابن الحرستاني. سمع منه شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، وابن سيد الناس والذهبي، وغيرهم. وبه تخرج علم الدين البرزالي وابن عبد الهادي وعلاء الدين مغلطاي وآخرون.\nقال الصفدي: كان شيخنا الحجة جمال الدين أبو الحجاج شيخ الزمان، وحافظ العصر وناقد الأوان، لو عاصره ابن ماكولا، كان له مشروبا ومأكولا، وجعل هذا الأمر إليه موكولا. وقال أيضا ناقلا عن شيخه ابن سيد الناس في حق المزي: ووجدت بدمشق الإمام المعظم والحاكم الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم، أبا الحجاج المزي بحر هذا العلم الزاخر، القائل من رآه كم ترك الأوائل للأواخر، أحفظ الناس للتراجم، وأعلم الناس بالرواة من أعارب وأعاجم، لا يخص بمعرفته مصرا دون مصر، ولا يتفرد علمه بأهل عصر دون عصر، معتمدا آثار السلف الصالح، مجتهدا فيما نيط به في حفظ السنة من النصائح، معرضا عن الدنيا وأشباهها.\nتوفي ﵀ في ثاني عشر شهر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2871>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال عنه الذهبي: وكان مأمون الصحبة، حسن المذاكرة، خيِّر الطوية، محبا للآثار، معظما لطريقة السلف، جيد المعتقد، وكان اغتر في شبيبته وصحب العفيف التلمساني، فلما تبين له ضلاله هجره، وتبرأ منه،","vol":"8","page":192},{"text":"وكان أوذي مرة واختفى بسبب إسماعه لتاريخ الخطيب، وأوذي أخرى بسبب قراءته كتاب خلق أفعال العباد. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2872>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في تذكرة الحفاظ: وقد لزم في وقت صحبة العفيف التلمساني فلما تبين له انحلاله واتحاده تبرأ منه وحط عليه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2873>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في الدرر الكامنة: قال الذهبي: وكان يترخص في الأداء من غير الأصل ويصلح من حفظه. ويسامح في دمج القارئ ولغط السامعين ويعتمد في ذلك الإجازة. وكان يتمثل بقول ابن منده: يكفيك من الحديث شمه.\nوأوذي مرة في سنة خمس بعد السبعمائة بسبب ابن تيمية، لأنه لما وقعت المناظرة له مع الشافعية وبحث مع الصفي الهندي ثم ابن الزملكاني بالقصر الأبلق، شرع المزي يقرأ كتاب خلق أفعال العباد للبخاري، وفيه فصل في الرد على الجهمية، فغضب بعض وقالوا: نحن المقصودون بهذا، فبلغ ذلك القاضي الشافعي يومئذ فأمر بسجنه، فتوجه ابن تيمية وأخرجه من السجن، فغضب النائب فأعيد، ثم أفرج عنه، وأمر النائب وهو الأفرم بأن ينادي بأن من يتكلم في العقائد يقتل. (٣)\n_________\n(١) ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة (٤/ ٤٦١) والصفدي في أعيان العصر (٤/ ٢٢١٢).\n(٢) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٩٩).\n(٣) الدرر الكامنة (٤/ ٤٥٨). انظر السير (١٧/ ٥٥١) طبعة دار الفكر.","vol":"8","page":193},{"text":"محمد بن عبد الهادي (١) (٧٤٤ هـ)\nالإمام الأوحد، الحافظ ذو الفنون شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الجماعلي الأصل، ثم الصالحي، الحنبلي. ولد في شهر رجب سنة خمس وسبعمائة. من شيوخه القاضي تقي الدين أبو الفضل المقدسي وابن عبد الدائم، وسعد الدين بن سعد، وشيخ الإسلام ابن تيمية والمزي. ومن تلاميذه إسماعيل بن يوسف المقرئ وشمس الدين محمد بن المحب الصالحي المعروف بالصامت ومحمد بن علي الطوسي، وزين الدين العراقي.\nقال الصفدي: الإمام القاضي المفنن الذكي النحرير شمس الدين الحنبلي ... كان ذهنه صافيا وفكره بالمعضلات وافيا، جيد المباحث، أطرب في نقله من المثاني والمثالث، صحيح الانتقاد، مليح الأخذ والإيراد. وقال ابن كثير: الإمام العلامة الناقد البارع في فنون العلوم شمس الدين ... حصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار، وتفنن في الحديث والنحو والتصريف والفقه والتفسير والأصلين والتاريخ والقراءات، وله مجاميع وتعاليق مفيدة كثيرة، وكان حافظا جيدا لأسماء الرجال وطرق الحديث، عارفا بالجرح والتعديل، بصيرا بعلل الحديث، حسن الفهم له، جيد المذاكرة صحيح الذهن، مستقيما على طريقة السلف واتباع الكتاب والسنة، مثابرا على فعل الخيرات.\nتوفي ﵀ سنة أربع وأربعين وسبعمائة.\n_________\n(١) شذرات الذهب (٦/ ١٤١) والبداية والنهاية (١٤/ ٢٢١ - ٢٢٢) والوافي بالوفيات (٢/ ١٦١ - ١٦٢) وأعيان العصر (٣/ ١٥٤٧ - ١٥٤٨) والدرر الكامنة (٣/ ٣٣١ - ٣٣٢) والبدر الطالع (٢/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"8","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2875>موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الإمام العَلَم على قصر عمره نهل علما غزيرا، وكان ﵀ سيفا مسلولا على المبتدعة، وقد تصدى لأكبر مبتدع في عصره ألا وهو السبكي، بل وألف في الرد عليه كتابا مستقلا أسماه الصارم المنكي -فأزعج به المبتدعة الأقدمين والمحدثين، حتى إنهم لخبثهم وحقدهم الدفين حاولوا مناقشة كلمة \"المنكي\"- وهو من الكتب السلفية التي لو كتبت بماء الذهب لَعُدَّ في حقها رخيصا، لما حواه في طياته من بيان لخبث المبتدعة عموما وحيلهم ومكرهم وتمويهاتهم، وهو مطبوع بحمد الله.\n- قال في مطلعه: أما بعد: فإني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاة الشافعية في الرد على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية في مسألة شد الرحال وإعمال المطيّ إلى القبور، وذكر أنه كان قد سماه 'شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة' ثم زعم أنه اختار أن يسميه 'شفاء السقام في زيارة خير الأنام' فوجدت كتابه مشتملًا على تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة والآثار القوية المقبولة وتحريفها عن مواضعها وصرفها عن ظاهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة. ورأيت مؤلف هذا الكتاب المذكور رجلًا مماريًا معجبًا برأيه متبعًا لهواه، ذاهبًا في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة والآراء الساقطة، صائرًا في أشياء مما يعتمده إلى الشبه المخيلة والحجج الداحضة، وربما خرق الإجماع في مواضع لم يسبق إليها ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها.","vol":"8","page":195},{"text":"وهو في الجملة لون عجيب وبناء غريب؛ تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك المجتهدين، فيكون مخطئًا في ذلك الاجتهاد، ومرة يزعم فيما يقوله ويدعيه أنه من جملة المقلدين، فيكون من قلده مخطئًا في ذلك الاعتقاد، نسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا ويرزقنا الهداية والسداد. (١)\n- إلى أن قال: فلما وقفت على هذا الكتاب المذكور أحببت أن أنبه على ما وقع فيه من الأمور المنكرة والأشياء المردودة؛ وخلط الحق بالباطل لئلا يغتر بذلك بعض من يقف عليه ممن لا خبرة له بحقائق الدين، مع أن كثيرًا مما فيه من الوهم والخطأ يعرفه خلق من المبتدئين في العلم بأدنى تأمل ولله الحمد، ولو نوقش مؤلف هذا الكتاب على جميع ما اشتمل عليه من الظلم والعدوان والخطأ والخبط والتخليط والغلو والتشنيع والتلبيس، لطال الخطاب، ولبلغ الجواب مجلدات، ولكن التنبيه على القليل مرشد إلى معرفة الكثير لمن له أدنى فهم والله المستعان. (٢)\n- وقال: أن تعظيمه - ﷺ - هو موافقته في محبة ما يحب وكراهة ما يكره، والرضا بما يرضى به، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والمبادرة إلى ما رغب فيه والبعد عما حذر منه، وأن لا يتقدم بين يديه ولا يقدم على قوله قول أحد سواه، ولا يعارض ما جاء به بمعقول، ثم يقدم المعقول عليه كما يقوله أئمة هذا المعترض الذين تلقى عنهم أصول دينه، وقدم آراءهم وهو أحسن ظنونهم على كلام الله ورسوله. ثم ينسب ورثة الرسول الواقفين مع\n_________\n(١) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص.٦ - ٧).\n(٢) الصارم المنكي (ص.٩).","vol":"8","page":196},{"text":"أقواله المخالفين لما خالفها إلى ترك التعظيم، وأي إخلال بتعظيم، وأي تنقص فوق من عزل كلام الرسول عن إفادة اليقين، وقدم عليه آراء الرجال، وزعم أن العقل يعارض ما جاء به، وأن الواجب تقديم المعقول، وآراء الرجال على قوله. (١)\n- إلى أن قال: أن هذا الذي يفعله عباد القبور من المقاصد والوسائل ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح، وهم أبعد الناس منه، فالتعظيم بالقلب ما يتبع اعتقاد كونه رسولًا من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين ويصدق هذه المحبة أمران.\nأحدهما: تجريد التوحيد، فإنه - ﷺ - كان أحرص الخلق على تجريده حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، ونهى عن عبادة الله بالتقرب إليه بالنوافل من الصلوات في الأوقات التي يسجد فيها عباد الشمس لها، بل قبل ذلك الوقت بعد أن تصلى الصبح والعصر لئلا يتشبه الموحدون بهم في وقت عبادتهم، ونهى أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان؛ ونهى أن يحلف بغير الله، وأخبر أن ذلك شرك ونهى أن يصلى إلى القبر، أو يتخذ مسجدًا، أو عيدًا، أو يوقد عليها سراج، وذم من شرك بين اسمه واسم ربه تعالى في لفظ واحد، فقال له: بئس الخطيب أنت، بل مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحى النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره - ﷺ - بقوله وفعله وهديه، وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه - ﷺ - بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه.\n_________\n(١) الصارم المنكي (ص.٣٣٩).","vol":"8","page":197},{"text":"الثاني: تجريد متابعته وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين وفروعه والرضا بحكمه والانقياد له والتسليم والإعراض عمن خالفه وعدم الالتفات إليه حتى يكون وحده الحاكم المتبع المقبول قوله، كما كان ربه تعالى وحده المعبود المألوه المخوف المرجو المستغاث به المتوكل عليه الذي إليه الرغبة والرهبة؛ وإليه الوجهة والعمل الذي يؤمل وحده لكشف الشدائد وتفريج الكربات ومغفرة الذنوب؛ الذي خلق الخلق وحده ورزقهم وحده وأحياهم وحده، وأماتهم وحده ويبعثهم وحده ويغفر ويرحم ويهدي ويضل ويسعد ويشقي وحده، وليس لغيره من الأمر شيء كائنًا من كان بل الأمر كله لله ...\nفهذا هو التعظيم الحق المطابق لحال المعظم النافع للمعظم في معاشه ومعاده الذي هو لازم إيمانه وملزومه؛ وأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير؛ فكما أن المقصر المفرط تارك لتعظيمه، فالغالي المفرط كذلك، وكل منهما شر من الآخر من وجه دون وجه؛ وأولياؤه سلكوا بين ذلك قوامًا؛ وأما التعظيم بالجوارح فهو العمل بطاعته والسعي في إظهار دينه، وإعلاء كلماته ونصر ما جاء به وجهاد ما خالفه.\nوبالجملة: فالتعظيم النافع هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله وفيه وتحكيمه وحده والرضا بحكمه، وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله: فما وافقها من قول الرسول قبله وما خالفها رده أو تأوله، أو أعرض عنه، والله سبحانه","vol":"8","page":198},{"text":"يشهد وكفى به شهيدًا وملائكته ورسله وأولياؤه أن عباد القبور وخصوم الموحدين ليسوا كذلك، وهم يشهدون على أنفسهم بذلك.\nوما كان لهم أن ينصروا دينه ورسوله - ﷺ - شاهدين على أنفسهم بتقديم آراء شيوخهم، وأقوال متبوعهم على قوله؛ وأنه لا يستفاد من كلامه يقين؛ وأنه إذا عارضه الرجال قدمت عليه؛ وكان الحكم ما تحكم به؛ أفلا يستحي من الله من العقلاء من هذا حاله في أصول دينه وفرعه أن يتستر بتعظيم القبر ليوهم الجهال أنه معظم لرسوله ناصر له منتصر له ممن ترك تعظيمه وتنقصه؛ ويأبى الله ذلك ورسوله - ﷺ - والمؤمنون ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ (١)، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ (٢).اهـ (٣)\nومن كتبه السلفية كذلك:\n- 'طبقات الحفاظ'، لا يزال مخطوطا.\n- 'العقود الدرية في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية'، وقد طبع بتحقيق الشيخ حامد الفقي ﵀.\n_________\n(١) الأنفال الآية (٣٤).\n(٢) التوبة الآية (١٠٥).\n(٣) الصارم المنكي (ص.٣٤١ - ٣٤٣).","vol":"8","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2876>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀ ضمن رده على السبكي: والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر غيره ويدعونهم ويتخذونهم أندادا من أهل معصيته ومخالفته لا من أهل طاعته وموافقته، فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه، وإن ظنوا أن هذا من موالاته ومحبته كما يظن النصارى أن ما هم عليه من الغلو في المسيح والتبرك به من جنس محبته وموالاته، وكذلك دعاؤهم للأنبياء الموتى كإبراهيم وموسى وغيرهما ﵈، ويظنون أن هذا من محبتهم وموالاتهم، وإنما هو من جنس معاداتهم، ولهذا يتبرؤون منهم يوم القيامة.\nوكذلك الرسول - ﷺ - يتبرأ ممن عصاه، وإن كان قصده تعظيمه والغلو فيه، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾ (١) فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرؤوا من كل معبود غير الله ومن كل من عبده، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا\n_________\n(١) الشعراء الآيات (٢١٤ - ٢١٦).","vol":"8","page":200},{"text":"بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١) وكذلك سائر الموتى ليس في مجرد رؤية قبورهم ما يوجب لهم زيادة المحبة إلا لمن عرف أحوالهم بدون ذلك فيتذكر أحوالهم فيحبهم، والرسول - ﷺ - يذكر المسلمون أحواله ومحاسنه وفضائله، وما من الله به عليه، وما من على أمته، فبذلك يزداد حبهم له وتعظيمهم له، لا بنفس رؤية القبر.\nولهذا تجد العاكفين على قبور الأنبياء والصالحين من أبعد الناس عن سيرتهم ومتابعتهم، وإنما قصد جمهورهم التأكل والترأس بهم، فيذكرون فضائلهم ليحصل لهم بذلك رئاسة، أو مأكلة لا ليزدادوا هم حبا وخيرا.\nوفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد» (٢).\nوما ذكره هذا من فضائله فبعض ما يستحقه - ﷺ -، والأمر فوق ما ذكره أضعافا مضاعفة، لكن هذا يوجب إيماننا به وطاعتنا له، واتباع سنته والتأسي به، والاقتداء به ومحبتنا له وتعظيمنا له، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، فإن هذا هو طريق النجاة والسعادة، وهو سبيل الحق ووسيلتهم إلى الله تعالى، ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره، والشرك بالله واتباع غير سبيل\n_________\n(١) الممتحنة الآية (٤).\n(٢) أحمد (١/ ٤٠٥) وابن حبان (٦/ ٩٤/٢٣٢٥) وابن خزيمة (٢/ ٦ - ٧/ ٧٨٩) والطبراني (١٠/ ١٨٨/١٠٤١٣) والبزار (٤/ ١٥١/٣٤٢٠) من حديث ابن مسعود. وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٧): \"رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن\". وقال في موضع آخر (٨/ ١٣): \"رواه البزار بإسنادين في أحدهما عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح\". وقال ابن تيمية في الاقتضاء (٣٣٠): \"إسناده جيد\". والشطر الأول من الحديث رواه البخاري معلقا (١٣/ ١٧).","vol":"8","page":201},{"text":"المؤمنين السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان، وهو - ﷺ - قد قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (١)، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا» (٢)، وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» (٣). وقال: «خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد - ﷺ - وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٤)، وقال: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (٥)\nإلى غير ذلك من الأدلة التي تبين أن الحجاج إلى القبور هم من المخالفين للرسول - ﷺ - الخارجين عن شريعته وسنته، لا من الموافقين له المطيعين له. (٦)\n- وقال: وقد ذكر العلماء ما ذكره وهب في قصة الخليل وليس فيه شيء من هذا، ولكن أهل الضلال افتروا آثارا مكذوبة على الرسول وعلى الصحابة والتابعين توافق بدعهم، وقد رووا عن أهل البيت وغيرهم من\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٢٣٤) والبخاري (٣/ ٨١/١١٨٩) ومسلم (٢/ ١٠١٤/١٣٩٧) وأبو داود (٢/ ٥٢٩/٢٠٣٣) والنسائي (٢/ ٣٦٨/٦٩٩) وابن ماجه (١/ ٤٥٢/١٤٠٩) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٣٤) والبخاري (١/ ٧٠٠/٤٣٥ - ٤٣٦) ومسلم (١/ ٣٧٧/٥٣١) والنسائي (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١/ ٧٠٢) من حديث عائشة وابن عباس ﵄.\n(٣) أنظر تخريجه ضمن مواقف حسين بن مهدي النعيمي سنة (١١٨٧هـ).\n(٤) أحمد (٣/ ٣١٠ - ٣١١ و٣١٩ و٣٧١) ومسلم (٢/ ٥٩٢/٨٦٧) والنسائي (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠/ ١٥٧٧) وابن ماجه (١/ ١٧/٤٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\n(٥) أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود (٥/ ١٣/٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٦) وقال: \"صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي ..\n(٦) الصارم المنكي (٧٥ - ٧٧).","vol":"8","page":202},{"text":"الأكاذيب ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وغرض أولئك الحج إلى قبر علي، أو الحسين، أو إلى قبور الأئمة كموسى والجواد، وغيرهما من الأئمة الأحد عشر، فإن الثاني عشر دخل السرداب عندهم، وهو حي إلى الآن ينتظر، ليس لهم غرض في الحج إلى قبر الخليل، وهؤلاء من جنس المشركين الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا، فلكل قوم هدى يخالف هدى الآخرين قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ (١).\nوهؤلاء تارة يجعلون الحج إلى قبورهم أفضل من الحج، وتارة نظير الحج، وتارة بدلا عن الحج. (٢)\n- وقال: والمقصود هنا أن نعرف ما كان عليه السلف من الفرق بين ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه، وبين سلام التحية الموجب للرد الذي يشترك فيه كل مؤمن حي، ويرد فيه على الكافر، ولهذا كان الصحابة بالمدينة على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إذا دخلوا المسجد لصلاة، أو\n_________\n(١) الروم الآيات (٣٠ - ٣٢).\n(٢) الصارم المنكي (٨٤).","vol":"8","page":203},{"text":"اعتكاف، أو تعليم، أو تعلم، أو ذكر لله دعاء له ونحو ذلك مما شرع في المساجد لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك ولا يقفون خارج الحجرة، كما لم يكونوا يدخلون الحجرة أيضا لزيارة قبره، فلم يكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره، لا من المسجد خارج الحجرة ولا داخل الحجرة، ولا كانوا أيضا يأتون من بيوتهم لمجرد زيارة قبره، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه، وبينوا أن السلف لم يفعلوها كما ذكره مالك في المبسوط، وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما، قيل لمالك: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك أي يقفون على قبر النبي - ﷺ - فيصلون عليه ويدعون له ولأبي بكر وعمر، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة والأيام المرة والمرتين، أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني هذا عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.\nفقد كره مالك ﵀ هذا وبين أنه لم يبلغه عن أهل العلم بالمدينة، ولا عن صدر هذه الأمة وأولها وهم الصحابة، وإن ذلك يكره لأهل المدينة إلا عند السفر، ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد وغيرهم، بل هم في ذلك ليسوا بدون سائر الأمصار، فإذا لم يكره لأولئك زيارة القبور، بل يستحب لهم زيارتها عند جمهور العلماء، كما","vol":"8","page":204},{"text":"كان النبي - ﷺ - يفعل، فأهل المدينة أولى أن لا يكره لهم، بل يستحب لهم زيارة القبور كما يستحب لغيرهم، اقتداء بالنبي - ﷺ -، ولكن قبر النبي - ﷺ - خص بالمنع شرعا وحسا كما دفن في الحجرة، ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة كما يزار سائر القبور، فيصل الزائر إلى عند القبر، وقبر النبي - ﷺ - ليس كذلك، فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن، وهذا لعلو قدره وشرفه، لا لكون غيره أفضل منه، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين، فضلا عن الصحابة والتابعين، وعلماء المسلمين؛ بالمدينة وغيرها. (١)\n- وقال: والمقصود أن الصحابة ﵃ لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل به غيرهم من أهل البدع، الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، وجهلوا السنة إذا رأوا أو سمعوا أمورا من الخوارق، فظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين، وكانت من أفعال الشياطين؛ كما أضل النصارى، وأهل البدع بمثل ذلك، فهم يتبعون المتشابه من الكتاب ويدعون المحكم، ولذلك يتمسكون بالمتشابه من الحجج العقلية والحسية، كما يسمع ويرى أمورا فيظن أنه رحماني، وإنما هو شيطاني، ويدعون البين الحق الذي لا إجمال فيه، ولذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل في صورته، ويغيث من استغاث به، أو أن يحمل إليهم صوتا يشبه صوته، لأن الذين رأوه قد علموا أن هذا شرك لا يحل، ولهذا أيضا لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم لأصحابه: إذا كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبري، ولا تستغيثوا بي لا في محياي ولا في مماتي، كما جرى مثل هذا لكثير من المتأخرين، ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم\n_________\n(١) الصارم المنكي (١١٥ - ١١٦).","vol":"8","page":205},{"text":"ويقول: أنا من رجال الغيب، أو الأوتاد الأربعة، أو من السبعة أو الأربعين، أو يقول له: أنت منهم، إذ كان هذا عندهم من الباطل الذي لا حقيقة له، ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم فيقول: أنا رسول الله ويخاطبه عند القبر، كما وقع ذلك لكثير ممن بعدهم عند قبره وقبر غيره وعند غير القبور، كما يقع كثير من ذلك للمشركين، وأهل الكتاب يرون بعد الموت من يعظمونه، فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم، والنصارى يرون من يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم، والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه إما النبي - ﷺ -، وإما غيره من الأنبياء يقظة ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم، ومنهم من يخيل له أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي - ﷺ -، وعانقه هو وصاحباه، ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام إلى مكان بعيد.\nوهذا وأمثاله أعرف ممن وقع له هذا وأشباهه عددا كثيرا، وقد حدثني بما وقع له في ذلك، وبما أخبر به غيره من الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم.\nوهذا موجود عند خلق كثير، كما هو موجود عند النصارى والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يعتقد أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه أضل من فعل به ذلك، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله، ومن كان أقل علما قال له: ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهرا، ومن عنده علم بها لا يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيد فائدة في دينه،","vol":"8","page":206},{"text":"بل يضله عن بعض ما كان يعرفه، فإن هذا فعل الشياطين، وهو وإن ظن أنه استفاد شيئا فالذي خسره من دينه أكثر، ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة أن الخضر أتاه ولا موسى ولا عيسى، ولا أنه سمع رد النبي - ﷺ -.\nوابن عمر كان يسلم، ولم يقل قط أنه سمع الرد، وكذلك التابعون وتابعوهم، وإنما حدث هذا في بعض المتأخرين، وكذلك لم يكن أحد من الصحابة يأتيه فيسأله عند القبر عن بعض ما تنازعوا فيه وأشكل عليهم من العلم لا خلفاؤه الأربعة ولا غيرهم، مع أنهم أخص الناس به، حتى ابنته فاطمة، لم يطمع الشيطان أن يقول لها: اذهبي إلى قبره، فسليه هل يورث، كما إنهم أيضا لم يطمع الشيطان فيهم فيقول لهم: اطلبوا منه أن يدعو لكم بالمطر لما أجدبوا، ولا قال: اطلبوا منه أن يستنصر لكم، ولا أن يستغفر كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم، وأن يستغفر لهم، فلم يطمع الشيطان فيهم بعد موته أن يطلبوا منه ذلك، ولا طمع بذلك في القرون الثلاثة، وإنما ظهرت هذه الضلالات ممن قل علمه بالتوحيد والسنة فأضله الشيطان، كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.\nوكذلك لم يطمع الشيطان أن يطير بأحدهم في الهواء، ولا أن يقطع به الأرض في مدة قريبة كما يقع مثل هذا لكثير من المتأخرين، لأن الأسفار التي كانوا يسافرونها كانت طاعات، كسفر الحج والعمرة والجهاد، وهم يثابون على كل خطوة يخطونها فيه، وكلما بعدت المسافة كان الأجر أعظم، كالذي يخرج من بيته إلى المسجد فخطواته إحداهما ترفع درجة، والأخرى","vol":"8","page":207},{"text":"تحط خطيئة، فلم يمكن الشيطان أن يفوتهم ذلك الأجر بأن يحملهم في الهواء أو يؤزهم في الأرض أزا حتى يقطعوا المسافة بسرعة، وقد علموا أن النبي - ﷺ - إنما أسرى به الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته، وأنه أراه من آياته الكبرى، وكان هذا من خصائصه، فليس لمن بعده مثل هذا المعراج، ولكن الشياطين تخيل إليه معاريج شيطانية، كما خيلها لجماعة من المتأخرين.\nلكن المقصود أن يعرف أن الصحابة خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء، فما ظهر فيمن بعدهم ممن يظن أنها فضيلة للمتأخرين، ولم تكن فيهم، فإنها من الشيطان وهي نقيصة لا فضيلة سواء كانت من جنس العلوم، أو من جنس العبادات، أو من جنس الخوارق والآيات، أو من جنس السياسة والملك، بل خير الناس بعدهم أتبعهم لهم.\nقال ابن مسعود ﵁: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد - ﷺ - أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، وبسط هذا له موضع آخر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2877>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀: واعلم أن السلف الصالح ومن سلك سبيلهم من الخلف متفقون على إثبات نزول الرب ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا،\n_________\n(١) الصارم المنكي (٣٠٠ - ٣٠٣).","vol":"8","page":208},{"text":"وكذلك هم مجمعون على إثبات الإتيان والمجيء وسائر ما ورد من الصفات في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ولم يثبت عن أحد من السلف أنه تأول شيئًا من ذلك.\nوأما المعتزلة والجهمية فإنهم يردون ذلك ولا يقبلونه، وحديث النزول متواتر عن رسول الله - ﷺ -. قال عثمان بن سعيد الدارمي: هو أغيظ حديث للجهمية. وقال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته. (١)\n\nالذهبي (٢) (٧٤٨ هـ)\nمحمد بن أحمد بن عثمان الشيخ الإمام الحافظ الهمام، مفيد الشام، ومؤرخ الإسلام، ناقد المحدثين وإمام المعدلين والمجرحين، شمس الدين أبو عبد الله، التركماني الفارقي الأصل الدمشقي. ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وأجمع من ترجم له أنه حافظ عصره الذي تضرب له أكباد الإبل من شتى الأمصار. اسم على مسمى، فهو ذهبي استضاء به المسلمون عامة، والمحدثون خاصة، والسلفيون خاصة الخاصة، ترك ميراثا كبيرا في الحديث والرجال، وهو من مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية باعترافه في تصريحاته في كثير من تآليفه. أسهم في الدفاع عن العقيدة السلفية بمؤلفاته الجيدة كالعلو والعرش، وأما مؤلفاته العامة فما تأتي مناسبة إلا وينتصر للعقيدة السلفية ويرد\n_________\n(١) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص.٢٢٠).\n(٢) طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٢١٦) والدرر الكامنة (٣/ ٣٣٦ - ٣٣٨) والرد الوافر (٦٥ - ٧٣).","vol":"8","page":209},{"text":"على المخالفين لها.\nقال تاج الدين السبكي في طبقاته: اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ بينهم عموم وخصوص: المزي، والبرزالي، والذهبي، والشيخ الوالد، لا خامس لهم في عصرهم، فأما أستاذنا أبو عبد الله فنظير لا نظير له، وكبير هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، وَذَهَبُ العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها أخبار من حضرها، وكان محط رحال المعنت، ومنتهى رغبات من تعنت.\nقال ابن ناصر: كان إماما في القراءات، فقيها في النظريات له دربة بمذاهب الأئمة وأرباب المقالات، قائما بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف. أنشدونا عنه لنفسه:\nالفقه قال الله قال رسوله وحذار من نصب الخلاف جهالة ... إن صح والإجماع فاجهد فيه\nبين النبي وبين رأي فقيه\n\nوله المؤلفات المفيدة والمختصرات الحسنة، والمصنفات السديدة. توفي رحمه الله تعالى عام ثمان وأربعين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2879>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀ في تذكرة الحفاظ وهو يتكلم عن عزة السنن وخمود البدع في الطبقة الخامسة: وفي زمان هذه الطبقة كان الإسلام وأهله في عز تام، وعلم غزير وأعلام الجهاد منثورة، والسنن مشهورة، والبدع مكبوتة، والقوالون بالحق كثير، والعباد متوافرون، والناس في بُلَهْنِيَّةٍ من العيش بالأمن، وكثرة الجيوش المحمدية من أقصى المغرب وجزيرة الأندلس، وإلى قريب","vol":"8","page":210},{"text":"مملكة الخطا، وبعض الهند وإلى الحبشة. (١)\n- قال ﵀ في السير: كانت الأهواء والبدع خاملة في زمن الليث ومالك والأوزاعي، والسنن ظاهرة عزيزة. فأما في زمن أحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد فظهرت البدعة، وامتحن أئمة الأثر، ورفع أهل الأهواء رؤوسهم بدخول الدولة معهم، فاحتاج العلماء إلى مجادلتهم بالكتاب والسنة، ثم كثر ذلك واحتج عليهم العلماء أيضا بالمعقول، فطال الجدال واشتد النزاع وتولدت الشبه. نسأل الله العافية. (٢)\n- وقال: هذه مسألة كبيرة، وهي: القدري والمعتزلي والجهمي والرافضي، إذا علم صدقه في الحديث وتقواه، ولم يكن داعيا إلى بدعته، فالذي عليه أكثر العلماء، قبول روايته والعمل بحديثه، وترددوا في الداعية هل يؤخذ عنه؟ فذهب كثير من الحفاظ إلى تجنب حديثه وهجرانه، وقال بعضهم: إذا علمنا صدقه وكان داعية ووجدنا عنده سنة تفرد بها فكيف يسوغ لنا ترك تلك السنة؟ فجميع تصرفات أئمة الحديث تؤذن بأن المبتدع إذا لم تبح بدعته خروجه من دائرة الإسلام، ولم تبح دمه فإن قبول ما رواه سائغ.\nوهذه المسألة لم تتبرهن لي كما ينبغي، والذي اتضح لي منها: أن من دخل في بدعة ولم يعد من رؤوسها، ولا أمعن فيها، يقبل حديثه كما مثل الحافظ أبو زكريا بأولئك المذكورين، وحديثهم في كتب الإسلام لصدقهم\n_________\n(١) تذكرة الحفاظ (١/ ٢٤٤).\n(٢) (٨/ ١٤٤).","vol":"8","page":211},{"text":"وحفظهم. (١)\n- وقال: أنبئت عن أبي جعفر الطرسوسي عن ابن طاهر قال: لو أن محدثا من سائر الفرق أراد أن يروي حديثا واحدا بإسناد إلى رسول الله - ﷺ - يوافقه الكل في عقده، لم يسلم له ذلك، وأدى إلى انقطاع الزوائد رأسا، فكان اعتمادهم في العدالة على صحة السماع والثقة من الذي يروى عنه، وأن يكون عاقلا مميزا.\nقال الذهبي: العمدة في ذلك صدق المسلم الراوي، فإن كان ذا بدعة أخذ عنه، والإعراض عنه أولى، ولا ينبغي الأخذ عن معروف بكبيرة، والله أعلم. (٢)\n- وقال: فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة؟\nوجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى؛ كغلو التشيع أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق. فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة.\nثم بدعة كبرى؛ كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر ﵄، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة.\n_________\n(١) السير (٧/ ١٥٤).\n(٢) السير (١٩/ ٣٦٨).","vol":"8","page":212},{"text":"وأيضا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلا صادقا ولا مأمونا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله حاشا وكلا. (١)\n- وقال: كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائما في خلافة أبي بكر وعمر. فلما استشهد قفل باب الفتنة عمر ﵁، وانكسر الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذبح صبرا. وتفرقت الكلمة وتمت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين. فظهرت الخوارج، وكفرت سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.\nوفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المئتين، فظهر المأمون الخليفة- وكان ذكيا متكلما، له نظر في المعقول- فاستجلب كتب الأوائل، وعرب حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخب ووضع، ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها، بل والشيعة، فإنه كان كذلك. وآل به الحال إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن العلماء، فلم يمهل. وهلك لعامه، وخلى بعده شرا وبلاء في الدين. فإن الأمة مازالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، لا يعرفون غير ذلك، حتى نبغ لهم القول بأنه كلام الله مخلوق مجعول، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف، كبيت الله وناقة الله. فأنكر ذلك العلماء، ولم تكن الجهمية يظهرون\n_________\n(١) الميزان (١/ ٥ - ٦).","vol":"8","page":213},{"text":"في دولة المهدي والرشيد والأمين فلما ولي المأمون، كان منهم وأظهر المقالة. (١)\n- قال الذهبي: غلاة المعتزلة وغلاة الشيعة وغلاة الحنابلة وغلاة الأشاعرة وغلاة المرجئة وغلاة الجهمية وغلاة الكرامية، قد ماجت بهم الدنيا وكثروا، وفيهم أذكياء وعباد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن. (٢)\n- وقال: فيا لله العجب من عالم يقلد دينه إماما بعينه في كل ما قال، مع علمه بما يرد على مذهب إمامه من النصوص النبوية، فلا قوة إلا بالله. (٣)\n- وقال: وقد روي من وجوه متعددة، أن أبا بكر بن عياش مكث نحوا من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة.\nفعلق الذهبي على هذا القول: وهذه عبادة يخضع لها، ولكن متابعة السنة أولى. فقد صح أن النبي - ﷺ - نهى عبد الله بن عمرو أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث. وقال ﵇: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» (٤). (٥)\n_________\n(١) السير (١١/ ٢٣٦).\n(٢) السير (٢٠/ ٤٥ - ٤٦).\n(٣) التذكرة (١/ ١٦).\n(٤) أخرجه: أحمد (٢/ ١٦٤،١٨٩،١٩٥) وأبو داود (٢/ ١١٣،١١٦/ ١٣٩٠ - ١٣٩٤) والترمذي (٥/ ١٨٢/٢٩٤٩) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٥/٨٠٦٧) وابن ماجه (١/ ٤٢٨/١٣٤٧) وابن حبان (الإحسان ٣/ ٣٥/٧٥٨) كلهم من طريق يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال فذكره\". وأصله عند البخاري (٩/ ١١٦/٥٠٥٤) ومسلم (٢/ ٨١٢ - ٨١٣/ ١١٥٩).\n(٥) السير (٨/ ٥٠٣).","vol":"8","page":214},{"text":"- وقال: قال الحاكم: وسمعت الصبغي يقول: صام أبو عمرو الخفاف الدهر نيفا وثلاثين سنة. قلت: ليته أفطر وصام، فما خفي والله عليه النهي عن صيام الدهر (١). ولكن له سلف، ولو صاموا أفضل الصوم، للزموا صوم داود ﵇. (٢)\n- وساق بالسند إلى علي ﵁: (أن النبي - ﷺ - نهى أن يرفع الرجل صوته بالقرآن قبل العشاء وبعدها، يغلط أصحابه في الصلاة، والقوم يصلون) (٣).\nقال الذهبي: هذا حديث صالح الإسناد، فيه النهي عن قراءة الأسباع التي في المساجد وقت صلوات الناس فيها، ففي ذلك تشويش بين على المصلين، هذا إذا قرؤوا قراءة جائزة مرتلة، فإن كانت قراءتهم دمجا وهذرمة وبلعا للكلمات، فهذا حرام مكرر، فقد -والله- عم الفساد، وظهرت البدع، وخفيت السنن، وقل القوال بالحق، بل لو نطق العالم بصدق وإخلاص، لعارضه عدة من علماء الوقت، ولمقتوه وجهلوه، فلا حول ولا\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ١٦٤) والبخاري (٤/ ٢٧٧/١٩٧٧) ومسلم (٢/ ٨١٤ - ٨١٥/ ١١٥٩ [١٨٦]) والنسائي (٤/ ٥٢١ - ٥٢٢/ ٢٣٧٦) وابن ماجه (١/ ٥٤٤/١٧٠٦) كلهم من طريق أبي العباس عن عبد الله بن عمرو.\n(٢) السير (١٣/ ٥٦١).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٨٨) وأبو يعلى (١/ ٣٨٤/٤٩٧) من طريق أبي إسحاق عن الحارث عن علي مرفوعا. وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٦٥) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى وفيه الحارث وهو ضعيف\". لكن معنى الحديث صح من وجه آخر. أخرجه أحمد (٣/ ٩٤). أبو داود (٢/ ٨٣/١٣٣٢) من حديث أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله - ﷺ - في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة». وصححه ابن خزيمة (٢/ ١٩٠/١١٦٢) وقال الشيخ الألباني في الصحيحة (٤/ ١٣٣ - ١٣٤/ ١٦٠٣) بعد أن ذكر سند أبي داود: \"وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين\".","vol":"8","page":215},{"text":"قوة إلا بالله. (١)\n- ثم ساق أن أبا غسان كان عند علي بن الجعد فذكروا حديث: «إن ابني هذا سيد» (٢)، قال: \"ما جعله الله سيدا\".\nقال الذهبي معلقا: أبو غسان لا أعرف حاله، فإن كان قد صدق، فلعل ابن الجعد قد تاب من هذه الورطة، بل جعله سيدا على رغم أنف كل جاهل، فإن من أصر على مثل هذا من الرد على سيد البشر، يكفر بلا مثنوية (٣).اهـ (٤)\n- وساق بالسند إلى محمد بن يحيى النيسابوري، حين بلغه وفاة أحمد، يقول: ينبغي لكل أهل دار ببغداد أن يقيموا عليه النياحة في دورهم.\nقال الذهبي: تكلم الذهلي بمقتضى الحزن لا بمقتضى الشرع. (٥)\n- وقال: قال أبو نعيم الحافظ -وهو يتحدث عن محمد بن الفضل البلخي الصوفي-: سمع الكثير من قتيبة بن سعيد. وسمعت محمد بن عبد الله الرازي بنسا أنه سمعه يقول: ذهاب الإسلام من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من العلم.\n_________\n(١) السير (١٤/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٧ - ٣٨) والبخاري (٥/ ٣٨٤/٢٧٠٤) وأبو داود (٥/ ٤٨ - ٤٩/ ٤٦٦٢) والترمذي (٥/ ٦١٦/٣٧٧٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٣/ ١١٨ - ١١٩/ ١٤٠٩) من طرق عن الحسن أنه سمع أبا بكرة يقول: فذكر الحديث.\n(٣) أي: بلا استثناء. (قاله في اللسان ١٤/ ١٢٤).\n(٤) السير (١٠/ ٤٦٤).\n(٥) السير (١١/ ٢٠٣ - ٢٠٤).","vol":"8","page":216},{"text":"قال الذهبي: هذه نعوت رؤوس العرب والترك، وخلق من جهلة العامة، فلو عملوا بيسير ما عرفوا، لأفلحوا، ولو وقفوا عن العمل بالبدع لوفقوا، ولو فتشوا عن دينهم وسألوا أهل الذكر -لا أهل الحيل والمكر- لسعدوا، بل يعرضون عن التعلم تيها وكسلا، فواحدة من هذه الخلال مردية، فكيف بها إذا اجتمعت؟ فما ظنك إذا انضم إليها كبر، وفجور، وإجرام، وتجهرم على الله؟ نسأل الله العافية. (١)\n- قال الذهبي في ترجمة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ: صدوق، كان بعد الخمسمائة لكنه كان يقول: الروح قديمة على رأي جهال الجبالنة، وشبهتهم قوله تعالى: ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٢) قالوا: وأمره تعالى قديم، وهو شيء غير خلقه وتلوا ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٣) ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (٤).\nوهذا من أردى البدع وأضلها، فقد علم الناس أن الحيوانات كلها مخلوقة، وأجسادها وأرواحها. (٥)\n- وقال في آخر ترجمة إمام الحرمين أبي المعالي: توفي في الخامس والعشرين من ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وأربع مئة ودفن في داره، ثم نقل\n_________\n(١) السير (١٤/ ٥٢٥).\n(٢) الإسراء الآية (٨٥).\n(٣) الأعراف الآية (٥٤).\n(٤) الشورى الآية (٥٢).\n(٥) ميزان الاعتدال (١/ ٨٦ - ٨٧) وأشار إليه في السير (١٩/ ٥٢٠).","vol":"8","page":217},{"text":"بعد سنين إلى مقبرة الحسين، فدفن بجنب والده، وكسروا منبره، وغلقت الأسواق، ورثي بقصائد، وكان له نحو من أربعمائة تلميذ، كسروا محابرهم وأقلامهم وأقاموا حولا، ووضعت المناديل عن الرؤوس عاما، بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه، وكانت الطلبة يطوفون في البلد نائحين عليه، مبالغين في الصياح والجزع.\nقال الذهبي: هذا كان من زي الأعاجم لا من فعل العلماء المتبعين. (١)\n- وقال: كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية، لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى، كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ﵃ أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (٢) فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٧٦).\n(٢) الحشر الآية (١٠).","vol":"8","page":218},{"text":"في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة، وحمزة وجعفر ومعاذ وزيد، وأمهات المؤمنين، وبنات نبينا - ﷺ -، وأهل بدر مع كونهم على مراتب، ثم الأفضل بعدهم مثل أبي الدرداء وسلمان الفارسي وابن عمر وسائر أهل بيعة الرضوان الذين ﵃ بنص آية سورة الفتح، ثم عموم المهاجرين والأنصار، كخالد بن الوليد والعباس وعبد الله بن عمرو، وهذه الحلبة، ثم سائر من صحب رسول الله - ﷺ - وجاهد معه، أو حج معه، أو سمع منه، ﵃ أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله - ﷺ - المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية وسائر الصحابيات.\nفأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك، فلا نعرج عليه، ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب الروافض رواية الأباطيل، أو رد ما في الصحاح والمسانيد، ومتى إفاقة من به سُكْران (١)؟\nثم قد تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض، وتحاربوا وجرت أمور لا يمكن شرحها، فلا فائدة في بثها، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ولحوم العلماء مسمومة، وما نقل من ذلك لتبيين غلط العالم، وكثرة وهمه، أو نقص حفظه، فليس من هذا النمط، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن، والحسن من الضعيف.\n_________\n(١) هذا عجز بيت وهو:\nسكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران","vol":"8","page":219},{"text":"وإمامنا (١)، فبحمد الله ثبت في الحديث، حافظ لما وعى، عديم الغلط (٢)، موصوف بالإتقان، متين الديانة، فمن نال منه بجهل وهوى ممن علم أنه منافس له، فقد ظلم نفسه، ومقتته العلماء، ولاح لكل حافظ تحامله، وجر الناس برجله، ومن أثنى عليه، واعترف بإمامته وإتقانه، وهم أهل العقد والحل قديما وحديثا، فقد أصابوا، وأجملوا، وهدوا، ووفقوا.\nوأما أئمتنا اليوم وحكامنا، فإذا أعدموا ما وجد من قدح بهوى، فقد يقال: أحسنوا ووفقوا، وطاعتهم في ذلك مفترضة لما قد رأوه من حسم مادة الباطل والشر.\nوبكل حال؛ فالجهال والضلال قد تكلموا في خيار الصحابة. وفي الحديث الثابت: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدا، وإنه ليرزقهم ويعافيهم» (٣).\nوقد كنت وقفت على بعض كلام المغاربة في الإمام ﵀، فكانت فائدتي من ذلك تضعيف حال من تعرض إلى الإمام، ولله الحمد.\nولا ريب أن الإمام لما سكن مصر، وخالف أقرانه من المالكية، ووهى بعض فروعهم بدلائل السنة، وخالف شيخه في مسائل، تألموا منه، ونالوا منه، وجرت بينهم وحشة، غفر الله للكل، وقد اعترف الإمام سحنون، وقال: لم يكن في الشافعي بدعة. فصدق والله، فرحم الله الشافعي، وأين مثل\n_________\n(١) يعني الشافعي.\n(٢) قوله: عديم الغلط فيه إطراء زائد.\n(٣) أخرجه: البخاري (١٠/ ٦٢٦/٦٠٩٩) ومسلم (٤/ ٢١٦٠/٢٨٠٤) كلاهما من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: فذكره.","vol":"8","page":220},{"text":"الشافعي والله في صدقه، وشرفه، ونبله، وسعة علمه، وفرط ذكائه، ونصره للحق، وكثرة مناقبه، رحمه الله تعالى. (١)\n- وقال: وممن كان بعد المئتين من رؤوس المتكلمين والمعتزلة، بشر بن غياث المريسي العدوي، مولى آل زيد بن الخطاب، وأبو سهل بشر بن المعتمر الكوفي الأبرص، من كبار المعتزلة ومصنفيهم، وأبو معن ثمامة بن أشرس النميري البصري، وأبو الهذيل محمد بن العلاف البصري، وأبو إسحاق إبراهيم بن سيار البصري النظام، وهشام بن الحكم الكوفي الرافضي المجسم، وضرار بن عمرو الذي تنسب الضرارية إليه، وأبو المعتمر معمر بن عباد وقيل: معمر بن عمرو البصري العطار، وهشام بن عمرو الفوطي، وداود الجواربي، والوليد بن أبان الكرابيسي، وابن كيسان الأصم، وأبو موسى الفراء البغدادي، وأبو موسى البصري الملقب بالمرداز، وجعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، وآخرون.\nنعوذ بالله من البدع، وأن نقول على الله ما لا نعلم. (٢)\n- وقال: وأصل \"المدونة\" أسئلة. سألها أسد بن الفرات لابن القاسم. فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيرا، وأسقط، ثم رتبها سحنون، وبوبها. واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته، مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها، بل رأي محض. وحكوا أن سحنون في أواخر الأمر علم عليها، وهم بإسقاطها وتهذيب \"المدونة\"، فأدركته المنية ﵀.\n_________\n(١) السير (١٠/ ٩٢ - ٩٥).\n(٢) السير (١٠/ ٤٤١).","vol":"8","page":221},{"text":"فكبراء المالكية، يعرفون تلك المسائل، ويقررون منها ما قدروا عليه، ويوهنون ما ضعف دليله. فهي لها أسوة بغيرها من دوواين الفقه. وكل أحد فيؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب ذاك القبر - ﷺ - تسليما. فالعلم بحر بلا ساحل، وهو مفرق في الأمة، موجود لمن التمسه. (١)\n- وقال: قال الشيخ محي الدين النواوي -وهو يتحدث عن محمد بن إبراهيم بن المنذر-: له من التحقيق في كتبه ما لا يقاربه فيه أحد، وهو في نهاية من التمكن من معرفة الحديث، وله اختيار، فلا يتقيد في الاختيار بمذهب بعينه، بل يدور مع ظهور الدليل.\nقال الذهبي: ما يتقيد بمذهب واحد إلا مَنْ هو قاصر في التمكن من العلم كأكثر علماء زماننا، أو من هو متعصب، وهذا الإمام فهو من حملة الحجة، جار في مضمار ابن جرير، وابن سريج، وتلك الحلبة ﵏. (٢)\n- وقال في الطبقة التاسعة من تذكرة الحفاظ: ولقد كان في هذا العصر وما قاربه من أئمة الحديث النبوي خلق كثير، وما ذكرنا عشرهم هنا، وأكثرهم مذكورون في تاريخي. وكذلك كان في هذا الوقت خلق من أئمة أهل الرأي والفروع، وعدد من أساطين المعتزلة والشيعة وأصحاب الكلام، الذين مشوا وراء المعقول وأعرضوا عما عليه السلف من التمسك بالآثار النبوية، وظهر في الفقهاء التقليد وتناقص الاجتهاد، فسبحان من له الخلق والأمر.\n_________\n(١) السير (١٢/ ٦٨).\n(٢) السير (١٤/ ٤٩١).","vol":"8","page":222},{"text":"فبالله عليك يا شيخ، ارفق بنفسك، والزم الإنصاف ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشزر، ولا ترمقنهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا، حاشا وكلا، فما في من سميت أحد، ولله الحمد إلا وهو بصير بالدين، عالم بسبيل النجاة، وليس في كبار محدثي زماننا؛ أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال أن أعوزك المقال: من أحمد؟! وما ابن المديني؟! وأي شيء أبو زرعة وأبو داود؟! هؤلاء محدثون ولا يدرون ما الفقه؟! وما أصوله؟! ولا يفقهون الرأي، ولا علم لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا خبرة لهم بالبرهان والمنطق، ولا يعرفون الله تعالى بالدليل، ولا هم من فقهاء الملة. فاسكت بحلم أو انطق بعلم، فالعلم النافع هو النافع -كذا- ما جاء عن أمثال هؤلاء، ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن ولا أنت، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل، فمن اتقى الله راقب الله واعترف بنقصه، ومن تكلم بالجاه وبالجهل أو بالشر والبلوى، فأعرض عنه وذره في غيه فعقباه إلى وبال. نسأل الله العفو والسلامة. (١)\nالتعليق:\nهذا كان في زمن الذهبي، الذي عاش مع الفحول والحفاظ في كل فن، مع ذلك أورد هذه الإيرادات، فماذا يكون في زمننا هذا الذي عم فيه البلاء؟ -نسأل الله العافية- ونطق فيه الرويبضة، وتمشيخ فيه الجهال، ولقب السفلة بالفقهاء، وعقدت لهم المجالس، ووضعت لهم الدور والمدارس والجامعات؛\n_________\n(١) تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢٧ - ٦٢٨).","vol":"8","page":223},{"text":"لينشروا جهلهم وينثروا حقدهم على السنة وأهلها، وضيق فيه على أهل الحق الذين ليس لهم إلا الله معينا، فهو حسبنا وعليه توكلنا، وكفى به حسيبا ووكيلا ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2880>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀: وقد كان بعض الزنادقة، والطغام من التناسخية، اعتقدوا أن الباري ﷾، حل في أبي مسلم الخراساني المقتول، عندما رأوا من تجبره، واستيلائه على الممالك، وسفك للدماء. (٢)\n- وقال ﵀: وقد نهى ﵇ أن يبنى على القبور، ولو اندفن الناس في بيوتهم، لصارت المقبرة والبيوت شيئا واحدا، والصلاة في المقبرة، فمنهي عنها نهي كراهية، أو نهي تحريم، وقد قال ﵇: «أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة» (٣). فناسب ذلك ألا تتخذ المساكن قبورا. وأما دفنه في بيت عائشة صلوات الله عليه وسلامه فمختص به، كما خص ببسط قطيفة تحته في لحده، وكما خص بأن صلوا عليه فرادى بلا إمام، فكان هو إمامهم حيا وميتا في الدنيا والآخرة، وكما خص بتأخير دفنه يومين، ويكره تأخير أمته، لأنه هو أمن عليه التغير بخلافنا، ثم إنهم أخروه حتى صلوا كلهم عليه داخل بيته، فطال لذلك الأمر، ولأنهم ترددوا شطر اليوم الأول في موته\n_________\n(١) الطلاق الآية (٣).\n(٢) السير (٦/ ٦٧).\n(٣) جزء من حديث طويل أخرجه: البخاري (٢/ ٢٧٣/٧٣١) ومسلم (١/ ٥٣٩/٧٨١) وأبو داود (٢/ ١٤٥/١٤٤٧) والترمذي (٢/ ٣١٢/٤٥٠) مختصرا. والنسائي (٣/ ٢١٩ - ٢٢٠/ ١٥٩٨) من حديث زيد بن ثابت ﵁.","vol":"8","page":224},{"text":"حتى قدم أبو بكر الصديق من السنح، فهذا كان سبب التأخير. (١)\n- وقال ﵀ في شأن الفلسفة: قال سعيد بن عفير: ما رأيت أخطب منه على هذه الأعواد -يعني إسماعيل بن صالح- كان جامعا لكل سؤدد، ويعرف الفلسفة، وضرب العود، والنجوم.\nقلت: علمه هذا الجهل خير منه. (٢)\n- وقال: ولجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف، - يعني السيدة نفيسة -ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العبيدية. (٣)\n- وقال ﵀ تعليقا على قول الإمام أحمد في هشام بن عمار: طيَّاش خفيف.\nقلت: أما قول الإمام فيه: طياش، فلأنه بلغه عنه أنه قال في خطبته: الحمد لله الذي تجلى لخلقه بخلقه. فهذه الكلمة لا ينبغي إطلاقها، وإن كان لها معنى صحيح، لكن يحتج بها الحلولي والاتحادي. وما بلغنا أنه ﷾ تجلى لشيء إلا بجبل الطور، فصيره دكا. وفي تجليه لنبينا - ﷺ - اختلاف، أنكرته عائشة، وأثبته ابن عباس. (٤)\n- وقال ﵀: فتنة الزنج كانت عظيمة، وذلك أن بعض الشياطين الدهاة، كان طرقيا أو مؤدبا، له نظر في الشعر والأخبار، ويظهر من حاله\n_________\n(١) السير (٨/ ٢٩ - ٣٠).\n(٢) السير (٨/ ٣٥٩).\n(٣) السير (١٠/ ١٠٦).\n(٤) السير (١١/ ٤٣١ - ٤٣٢).","vol":"8","page":225},{"text":"الزندقة والمروق، ادعى أنه علوي، ودعا إلى نفسه، فالتف عليه قطاع طريق، والعبيد السود من غلمان أهل البصرة، حتى صار في عدة، وتحيلوا وحصلوا سيوفا وعصيا، ثم ثاروا على أطراف البلد فبدعوا وقتلوا، وقووا، وانضم إليهم كل مجرم، واستفحل الشر بهم؛ فسار جيش من العراق لحربهم، فكسروا الجيش، وأخذوا البصرة، واستباحوها، واشتد الخطب، وصار قائدهم الخبيث في جيش وأهبة كاملة، وعزم على أخذ بغداد، وبنى لنفسه مدينة عظيمة، وحار الخليفة المعتمد في نفسه، ودام البلاء بهذا الخبيث المارق ثلاث عشرة سنة، وهابته الجيوش، وجرت معه ملاحم ووقعات يطول شرحها. قد ذكرها المؤرخون إلى أن قتل. فالزنج هم عبارة عن عبيد البصرة الذين ثاروا معه. لا بارك الله فيهم. (١)\n- وقال أيضا في خبيث الزنج: وكاد الخبيث أن يملك الدنيا، وكان كذابا ممخرقا ماكرا شجاعا داهية، ادعى أنه بعث إلى الخلق فرد الرسالة. وكان يدعي علم الغيب، لعنه الله. ودخلت سنة تسع [أي سنة ٢٥٩هـ]، فعرض الموفق جيشه بواسط، وأما الخبيث فدخل البطائح، وبثق حوله الأنهار وتحصن، فهجم عليه الموفق، وأحرق وقتل فيهم، واستنقذ من السبايا، ورد إلى بغداد، فسار خبيث الزنج إلى الأهواز، فوضع السيف، وقتل نحوا من خمسين ألفا، وسبى أربعين ألفا، فسار لحربه موسى بن بغا فتحاربا بضعة عشر شهرا، وذهب تحت السيف خلائق من الفريقين. فإنا لله، وإنا إليه\n_________\n(١) السير (١٢/ ٣٧٥).","vol":"8","page":226},{"text":"راجعون. (١)\n- قال السلمي: وحكي عنه -أي الحلاج- أنه رئي واقفا في الموقف والناس في الدعاء، وهو يقول: أنزهك عما قرفك به عبادك، وأبرأ إليك مما وحدك به الموحدون.\nقال الذهبي عقبه: هذا عين الزندقة، فإنه تبرأ مما وحد الله به الموحدون الذين هم الصحابة والتابعون وسائر الأمة، فهل وحدوه تعالى إلا بكلمة الإخلاص التي قال رسول الله - ﷺ -: «من قالها من قلبه فقد حرم ماله ودمه» (٢) وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا برئ الصوفي منها، فهو ملعون زنديق، وهو صوفي الزي والظاهر، متستر بالنسب إلى العارفين، وفي الباطن فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل، كما كان جماعة في أيام النبي - ﷺ - منتسبون إلى صحبته وإلى ملته، وهم في الباطن من مردة المنافقين، قد لا يعرفهم نبي الله - ﷺ -، ولا يعلم بهم. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (٣) فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فبالأولى أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده ﵇ على العلماء من أمته، فما ينبغي لك يا فقيه أن\n_________\n(١) السير (١٢/ ٥٤٢).\n(٢) رواه مسلم (١/ ٥٣/٢٣) من حديث طارق بن أشيم ﵁.\n(٣) التوبة الآية (١٠١).","vol":"8","page":227},{"text":"تبادر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي، كما لا يسوغ لك أن تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله، وانهتك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدل أن من رآه المسلمون صالحا محسنا، فهو كذلك، لأنهم شهداء الله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجرا أو منافقا أو مبطلا، فهو كذلك، وأن من كان طائفة من الأمة تضلله، وطائفة من الأمة تثني عليه وتبجله، وطائفة ثالثة تقف فيه وتتورع من الحط عليه، فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة، لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريح ويصفو قلبك من الغل للمؤمنين.\nثم اعلم أن أهل القبلة كلهم، مؤمنهم وفاسقهم، وسنيهم ومبتدعهم -سوى الصحابة- لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج، ولم يجمعوا علىمسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصديق فرد الأمة، قد علمت تفرقهم فيه، وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك علي، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون، وكذلك بشر المريسي، وكذلك أحمد بن حنبل، والشافعي، والبخاري، والنسائي، وهلم جرا من الأعيان في الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمام كامل في الخير إلا وثم أناس من جهلة المسلمين ومبتدعيهم يذمونه ويحطون عليه، وما من رأس في البدعة والتجهم والرفض إلا وله أناس ينتصرون له، ويذبون عنه، ويدينون بقوله بهوى وجهل، وإنما العبرة بقول جمهور الأمة الخالين من الهوى والجهل، المتصفين بالورع والعلم، -فتدبر- يا عبد الله- نحلة الحلاج الذي هو من رؤوس القرامطة، ودعاة الزندقة، وأنصف وتورع واتق ذلك، وحاسب","vol":"8","page":228},{"text":"نفسك، فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل وبحق، فتبرأ من نحلته، وإن تبرهن لك والعياذ بالله، أنه كان -والحالة هذه- محقا هاديا مهديا، فجدد إسلامك واستغث بربك أن يوفقك للحق، وأن يثبت قلبك على دينه، فإنما الهدى نور يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله، وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به، أرحت نفسك، ولم يسألك الله عنه أصلا. (١)\n- وجاء في السير: قال ابن باكويه: سمعت ابن خفيف يسأل: ما تعتقد في الحلاج؟ قال: أعتقد أنه رجل من المسلمين فقط. فقيل له: قد كفره المشايخ وأكثر المسلمين. فقال: إن كان الذي رأيته منه في الحبس لم يكن توحيدا، فليس في الدنيا توحيد.\nقال الذهبي عقبه: هذا غلط من ابن خفيف، فإن الحلاج عند قتله ما زال يوحد الله ويصيح: الله الله في دمي، فأنا على الإسلام. وتبرأ مما سوى الإسلام. والزنديق فيوحد الله علانية، ولكن الزندقة في سره. والمنافقون فقد كانوا يوحدون ويصومون ويصلون علانية، والنفاق في قلوبهم، والحلاج فما كان حمارا حتى يظهر الزندقة بإزاء ابن خفيف وأمثاله، بل كان يبوح بذلك لمن استوثق من رباطه، ويمكن أن يكون تزندق في وقت، ومرق وادعى الإلهية، وعمل السحر والمخاريق الباطلة مدة، ثم لما نزل به البلاء ورأى الموت الأحمر أسلم ورجع إلى الحق، والله أعلم بسره، ولكن مقالته نبرأ إلى الله منها، فإنها محض الكفر، نسأل الله العفو والعافية، فإنه يعتقد حلول البارئ -عز\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٤٢ - ٣٤٥).","vol":"8","page":229},{"text":"وجل- في بعض الأشراف، تعالى الله عن ذلك. (١)\n- وقال ﵀: وهو رأس الفلاسفة الإسلامية -أي ابن سينا- لم يأت بعد الفارابي مثله، فالحمد لله على الإسلام والسنة. وله كتاب 'الشفاء' وغيره، وأشياء لا تحتمل، وقد كفره الغزالي في كتاب 'المنقذ من الضلال'، وكفر الفارابي. (٢)\n- وقال وهو يتحدث عن أبي العلاء: ومن أردإ تواليفه 'رسالة الغفران' في مجلد، قد احتوت على مزدكة وفراغ، و'رسالة الملائكة'، و'رسالة الطير' على ذلك الأنموذج، وديوانه 'سقط الزند' مشهور، وله 'لزوم ما لا يلزم' من نظمه. (٣)\n- وقال عنه أيضا: قيل: إنه أوصى أن يكتب على قبره:\nهذا جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد\nقال الذهبي عقبه: الفلاسفة يعدون اتخاذ الولد وإخراجه إلى الدنيا جناية عليه، ويظهر لي من حال هذا المخذول أنه متحير لم يجزم بنحلة. اللهم فاحفظ علينا إيماننا. (٤)\n- وقال في رتن الهندي: شيخ كبير من أبناء التسعين. تجرأ على الله، وزعم بقلة حياء أنه من الصحابة، وأنه ابن ست مئة سنة وخمسين سنة، فراج\n_________\n(١) السير (١٤/ ٣٥١).\n(٢) السير (١٧/ ٥٣٥).\n(٣) السير (١٨/ ٢٥).\n(٤) السير (١٨/ ٣٦).","vol":"8","page":230},{"text":"أمره على من لا يدري. وقد أفردته في جزء، وهتكت باطله. (١)\n- وقال في ابن الفارض: شاعر الوقت شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي ثم المصري صاحب الاتحاد الذي قد ملأ به التائية. توفي سنة اثنتين وثلاثين، وله ست وخمسون سنة ... فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما في العالم زندقة ولا ضلال، اللهم ألهمنا التقوى، وأعذنا من الهوى، فيا أئمة الدين ألا تغضبون لله؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله. (٢)\n- وقال في الحسن بن الصباح الإسماعيلي الملقب بألكيا، صاحب الدعوة النزارية وجَدُّ أصحاب قلعة ألموت:\nكان من كبار الزنادقة، ومن دهاة العالم، وله أخبار يطول شرحها لخصتها في تاريخي الكبير، في حوادث سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وأصله من مرو، وقد أكثر التطواف ما بين مصر إلى بلد كاشغر؛ يغوي الخلق ويضل الجهلة، إلى أن صار منه ما صار. وكان قوي المشاركة في الفلسفة والهندسة، كثير المكر والحيل، بعيد الغور، لا بارك الله فيه. (٣)\n- وقال في الحسين بن عبد الله بن سيناء، أبي علي الرئيس: ما أعلمه روى شيئا من العلم، ولو روى لما حلت الرواية عنه؛ لأنه فلسفي النحلة ضال. (٤)\n_________\n(١) السير (٢٢/ ٣٦٧).\n(٢) السير (٢٢/ ٣٦٨).\n(٣) الميزان (١/ ٥٠٠).\n(٤) الميزان (١/ ٥٣٩).","vol":"8","page":231},{"text":"- وجاء في الميزان: قال ابن معين: كان عبد المجيد أصلح كتب ابن علية عن ابن جريج، فقيل ليحيى: كان عبد المجيد بهذا المحل؟ فقال: كان عالما بكتب ابن جريج، إلا أنه لم يكن يبذل نفسه للحديث. ونقم على عبد المجيد أنه أفتى الرشيد بقتل وكيع؛ والحديث حدثناه قتيبة، حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهي -أن رسول الله - ﷺ - لما مات لم يدفن حتى ربا بطنه وانثنت خنصراه (١). قال قتيبة: حدث به وكيع بمكة، وكان سنة حج فيها الرشيد؛ فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة وعبد المجيد فقال: يجب أن يقتل، فإنه لم يرو هذا إلا وفي قلبه غش للنبي - ﷺ -. فسأل الرشيد سفيان، فقال: لا يجب عليه القتل، رجل سمع حديثا فرواه، والمدينة شديدة الحر. توفي النبي - ﷺ - يوم الاثنين فترك إلى ليلة الأربعاء؛ فمن ذلك تغير.\nقال الذهبي عقبه: النبي - ﷺ - سيد البشر، (وهو بشر) يأكل ويشرب وينام، ويقضي حاجته، ويمرض ويتداوى، ويتسوك ليطيب فمه؛ فهو في هذا كسائر المؤمنين، فلما مات -بأبي هو وأمي - ﷺ - عمل به كما يعمل بالبشر من الغسل والتنظيف والكفن واللحد والدفن، لكن ما زال طيبا مطيبا، حيا وميتا، وارتخاء أصابعه المقدسة، وانثناؤها، وربو بطنه ليس معنا نص على انتفائه؛ والحي قد يحصل له ريح وينتفخ منه جوفه، فلا يعد هذا -إن كان قد وقع- عيبا؛ وإنما معنا نص على أنه لا يبلى، وأن الله حرم على الأرض أن\n_________\n(١) رواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٤٤) وذكره الذهبي في السير (٩/ ١٦٠) وقال: \"خبر منكر ومنقطع\".","vol":"8","page":232},{"text":"تأكل أجساد الأنبياء ﵈ (١)؛ بل ويقع هذا لبعض الشهداء ﵃. أما من روى حديث عبد الله البهي ليغض به من منصب رسول الله - ﷺ - فهذا زنديق، بل لو روى الشخص حديث: إن النبي - ﷺ - سحر (٢)،\nوحاول بذلك تنقصا كفر وتزندق؛ وكذا لو روى حديث أنه سلم من اثنتين (٣)، وقال: ما درى كم صلى يقصد بقوله شينه ونحو ذلك كفر؛ فإن النبي - ﷺ - قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون (٤)؛ فالغلو والإطراء منهي عنه، والأدب والتوقير واجب، فإذا اشتبه الإطراء بالتوقير توقف العالم وتورع، وسأل من هو أعلم منه حتى يتبين له الحق، فيقول به، وإلا فالسكوت واسع له، ويكفيه التوقير المنصوص عليه في أحاديث لا تحصى، وكذا يكفيه مجانبة الغلو الذي ارتكبه النصارى في عيسى؛ ما رضوا له بالنبوة حتى رفعوه إلى الإلهية وإلى الوالدية، وانتهكوا رتبة الربوبية الصمدية، فضلوا وخسروا؛ فإن إطراء رسول\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٨) وأبو داود (١/ ٦٣٥/١٠٤٧) واللفظ له. والنسائي (٣/ ١٠١ - ١٠٢/ ١٣٧٣) وابن ماجه (١/ ٣٤٥/١٠٨٥) من حديث أوس بن أوس قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي. قال: قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون بليت، فقال: إن الله ﷿ حرم على الأرض أجساد الأنبياء. وصححه ابن خزيمة (٣/ ١١٨/١٧٣٣) وابن حبان (٣/ ١٩٠ - ١٩١/ ٩١٠) والحاكم (١/ ٢٧٨) على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.\n(٢) أحمد (٦/ ٦٣ - ٩٦) والبخاري (١٠/ ٢٧٢/٥٧٦٣) ومسلم (٤/ ١٧١٩ - ١٧٢٠/ ٢١٨٩) من حديث عائشة ﵂ ..\n(٣) أحمد (٢/ ٢٤٨) والبخاري (٢/ ٢٦١/٧١٤) ومسلم (١/ ٤٠٣/٥٧٣) وأبو داود (١/ ٦١٢ - ٦١٤/ ١٠٠٨) والترمذي (٢/ ٢٤٧/٣٩٩) والنسائي (٣/ ٢٦ - ٢٧/ ١٢٢٤) وابن ماجه (١/ ٣٨٣/١٢١٤) من حديث أبي هريرة.\n(٤) أحمد (١/ ٤٢٤) والبخاري (١/ ٦٦٣/٤٠١) ومسلم (١/ ٤٠٠/٥٧٢) وأبو داود (١/ ٦٢٠/١٠٢٠) والنسائي (٣/ ٣٣/١٢٤١) وابن ماجه (١/ ٣٨٠/١٢٠٣) من حديث عبد الله بن مسعود.","vol":"8","page":233},{"text":"الله - ﷺ - يؤدي إلى إساءة الأدب على الرب. نسأل الله تعالى أن يعصمنا بالتقوى، وأن يحفظ علينا حبنا للنبي - ﷺ - كما يرضى. (١)\n- وقال ﵀: وكذلك من أمعن النظر في 'فصوص الحكم'، أو أنعم التأمل لاح له العجب؛ فإن الذكي إذا تأمل من ذلك الأقوال والنظائر والأشباه؛ فهو أحد رجلين: إما من الاتحادية في الباطن، وإما من المؤمنين بالله الذين يعدون أن هذه النحلة من أكفر الكفر. نسأل الله العفو، وأن يكتب الإيمان في قلوبنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فوالله لأن يعيش المسلم جاهلا خلف البقر! لا يعرف من العلم شيئا سوى سور من القرآن، يصلي بها الصلوات، ويؤمن بالله وباليوم الآخر؛ خير له بكثير من هذا العرفان! وهذه الحقائق! ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2881>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في السير: بعد ذكره لترجمة الفأفاء ﵀ قال: وكان الناس في الصدر الأول بعد وقعة صفين على أقسام: أهل سنة، وهم أولوا العلم، وهم محبون للصحابة كافون عن الخوض في ما شجر بينهم؛ كسعد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأمم. ثم شيعة يتوالون وينالون ممن حاربوا عليا ويقولون: إنهم مسلمون بغاة ظلمة. ثم نواصب: وهم الذين حاربوا عليا يوم صفين، ويقرون بإسلام علي وسابقيه ويقولون: خذل الخليفة عثمان. فما علمت في ذلك الزمان شيعيا كفر معاوية وحزبه، ولا ناصبيا كفر عليا\n_________\n(١) الميزان (٢/ ٦٤٩ - ٦٥٠).\n(٢) الميزان (٣/ ٦٦٠).","vol":"8","page":234},{"text":"وحزبه، بل دخلوا في سب وبغض، ثم صار اليوم شيعة زماننا يكفرون الصحابة، ويبرؤون منهم جهلا وعدوانا، ويتعدون إلى الصديق قاتلهم الله. وأما نواصب وقتنا فقليل، وما علمت فيهم من يكفر عليا ولا صحابيا. (١)\n- وقال في موضع آخر من السير: وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإما قد ولدوا في الشام على حبه، وتربى أولادهم على ذلك، وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة وعدد كثير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق ونشأوا على النصب نعوذ بالله من الهوى، كما قد نشأ جيش علي - ﵁ - ورعيته -إلا الخوارج منهم- على حبه والقيام معه وبغض من بغى عليه والتبري منهم، وغلا خلق منهم في التشيع، فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم لا يكاد يشاهد فيه إلا غاليا في الحب مفرطا في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية، الذي أوجدنا في زمن قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصرنا فعذرنا، واستغفرنا وأحببنا باقتصاد، وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة أو بخطأ إن شاء الله مغفور، وقلنا كما علمنا الله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (٢). وترضينا أيضا عمن اعتزل الفريقين كسعد بن أبي وقاص وابن\n_________\n(١) السير (٥/ ٣٧٤).\n(٢) الحشر الآية (١٠).","vol":"8","page":235},{"text":"عمر ومحمد بن مسلمة وسعيد بن زيد وخلق، وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليا وكفروا الفريقين. فالخوارج كلاب النار قد مرقوا من الدين، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان. (١)\n- وفيها: قال في ترجمة ابن السمسار: مات ابن السمسار في صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وقد كمل التسعين، وتفرد بالرواية عن ابن أبي العقب وطائفة، ولعل تشيعه كان تقية لا سجية، فإنه من بيت الحديث، ولكن غلت الشام في زمنه بالرفض، بل ومصر والمغرب بالدولة العبيدية، بل والعراق وبعض العجم بالدولة البويهية، واشتد البلاء دهرا، وشمخت الغلاة بأنفها، وتواخى الرفض والاعتزال حينئذ والناس على دين الملك، نسأل الله السلامة في الدين. (٢)\n- وفيها: وضاع أمر الإسلام بدولة بني بويه وبني عبيد الرافضة، وتركوا الجهاد، وهاجت نصارى الروم وأخذوا المدائن وقتلوا وسبوا. (٣)\nالتعليق:\nهكذا كان حال شيعة الأمس، وأما اليوم فيخدعون الناس بشعارات كاذبة، أنهم سيحررون القدس من اليهود، ولكن على طريق احتلال العالم الإسلامي وملئه بالرفض والتشيع، ولا يبقى في أمة الإسلام إلا من يتقرب إلى\n_________\n(١) السير (٣/ ١٢٨).\n(٢) السير (١٧/ ٥٠٧).\n(٣) السير (١٦/ ٢٣٢).","vol":"8","page":236},{"text":"الله بسب خيرة الأمة، فهناك يحرر المجوس القدس من اليهود، ولا يدري المغفلون الذين ينخدعون بشعاراتهم أنهم أنجس من اليهود وأمريكا.\n\n- وجاء في السير أيضا: وكان جوهر -الأمير أبو الحسن الرومي- هذا حسن السيرة في الرعايا، عاقلا أديبا، شجاعا مهيبا، لكنه على نحلة بني عبيد التي ظاهرها الرفض وباطنها الانحلال، وعموم جيوشهم بربر وأهل زعارة وشر، لا سيما من تزندق منهم، فكانوا في معنى الكفرة، فيا ما ذاق المسلمون منهم من القتل والنهب وسبي الحريم، ولا سيما في أوائل دولتهم، حتى إن أهل صور قاموا عليهم وقتلوا فيهم، فهربوا حتى إن أهل صور استنجدوا بنصارى الروم فجاءوا في المراكب، وكان أهل صور قد لحقهم من المغاربة من الظلم والجور وأخذ الحريم من الحمامات والطرق أمر كبير. (١)\n- وقال في ترجمة أبي بكر بن النابلسي: لا يوصف ما قلب هؤلاء العبيدية الدين ظهرا لبطن، واستولوا على المغرب ثم على مصر والشام وسبوا الصحابة. (٢)\n- وقال ﵀: فهذا ما تيسر من سيرة العشرة، وهم أفضل قريش، وأفضل السابقين المهاجرين، وأفضل البدريين، وأفضل أصحاب الشجرة، وسادة هذه الأمة في الدنيا والآخرة. فأبعد الله الرافضة، ما أغواهم وأشد هواهم، كيف اعترفوا بفضل واحد منهم وبخسوا التسعة حقهم، وافتروا\n_________\n(١) السير (١٦/ ٤٦٨).\n(٢) السير (١٦/ ١٤٩).","vol":"8","page":237},{"text":"عليهم بأنهم كتموا النص في علي أنه الخليفة؟! فوالله ما جرى من ذلك شيء، وأنهم زوروا الأمر عنه بزعمهم وخالفوا نبيهم وبادروا إلى بيعة رجل من بني تيم، يتجر ويتكسب، لا لرغبة في أمواله ولا لرهبة من عشيرته ورجاله، ويحك أيفعل هذا من له مسكة عقل؟ ولو جاز هذا على واحد لما جاز على الجماعة، ولو جاز وقوعه من جماعة لاستحال وقوعه والحالة هذه من ألوف من سادة المهاجرين والأنصار وفرسان الأمة وأبطال الإسلام، لكن لا حيلة في برء الرفض فإنه داء مزمن، والهدى نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فلا قوة إلا بالله. (١)\nالتعليق:\nانظر هداك الله إلى هذا النص المبارك، وهذا الرد المفحم على أعداء الله، فهل هناك حجة أكثر وضوحا من هذه، فمن قرأ سيرة هؤلاء الأفاضل، كيف يخطر في باله أنهم ينزلون إلى هذا التصور الخسيس الذي أنزلهم له هؤلاء المجوس! ويرد على تصورهم أن الرسول - ﷺ - ترضى على المنافقين وبشر بالجنة المنافقين، وكل ما ورد من النصوص في فضلهم فهو في المنافقين، ولكن كما قال الشيخ: الرفض داء مزمن لا برء له إلا بالسيف، وأما الحجة والبرهان فلا تنفع مع هؤلاء، والله المستعان.\n\n- جاء في السير في ترجمة الرواجني المبتدع بعد كلامه من لم يبرأ في صلاته كل يوم من أعداء آل محمد حشر معهم.\n_________\n(١) السير (١/ ١٤٠ - ١٤١).","vol":"8","page":238},{"text":"قال الذهبي: هذا الكلام مبدأ الرفض بل نكف ونستغفر للأمة، فإن آل محمد في إِيَّاهُمْ قد عادى بعضهم بعضا، واقتتلوا على الملك، وتمت عظائم فمن أيهم نبرأ؟! (١)\nالتعليق:\nما أحسن هذا الكلام وما ألزمه للخصم، فمن نحب ونرفض، والسلف هم الوسط في هذا الباب وغيره، فترحموا على الجميع وأحبوا الجميع، واستغفروا للمسيء وهنئوا المصيب، والله المستعان.\n\n- وجاء في السير في ترجمة محمد بن الحسن العسكري قال ﵀ رادا على دعوى المهدية المتخيلة من دخول سرداب وغياب وانتظار:\nنعوذ بالله من زوال العقل، فلو فرضنا وقوع ذلك في سالف الدهر، فمن الذي رآه؟ ومن الذي نعتمد عليه في إخباره بحياته؟ ومن الذي نص لنا على عصمته وأنه يعلم كل شيء؟ هذا هوس بين، إن سلطناه على العقول ضلت وتحيرت، بل جوزت كل باطل. أعاذنا الله وإياكم من الاحتجاج بالمحال والكذب، أورد الحق الصحيح كما هو ديدن الإمامية. (٢)\n- وجاء في الميزان: فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليا ﵁، وتعرض لسبهم. والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة،\n_________\n(١) السير (١١/ ٥٣٧ - ٥٣٨).\n(٢) السير (١٣/ ١٢٢).","vol":"8","page":239},{"text":"ويتبرأ من الشيخين أيضا، فهذا ضال معثر. (١)\n- وفيه: علي بن الحسين (العلوي الحسيني الشريف المرتضى المتكلم الرافضي المعتزلي، صاحب التصانيف. حدث عن سهل الديباجي، والمرزباني، وغيرهما. وولي نقابة العلوية، ومات سنة ست وثلاثين وأربعمائة، عن إحدى وثمانين سنة؛ وهو المتهم بوضع كتاب نهج البلاغة، وله مشاركة قوية في العلوم، ومن طالع كتابه نهج البلاغة، جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي ﵁، ففيه السب الصراح والحط على السيدين أبي بكر وعمر ﵄، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين، جزم بأن الكتاب أكثره باطل. (٢)\n- وقال ﵀ في ترجمة ابن خراش: هذا والله الشيخ المعثر الذي ضل سعيه، فإنه كان حافظ زمانه، وله الرحلة الواسعة، والاطلاع الكثير والإحاطة، وبعد هذا فما انتفع بعلمه، فلا عَتْب على حمير الرافضة وحواثر جَزِّين ومشغَرَا. (٣)\n- وقال في التذكرة في ترجمته أيضا: جهلة الرافضة لم يدروا الحديث ولا السيرة ولا كيف ثم، فأما أنت أيها الحافظ البارع الذي شربت بولك إن صدقت في الترحال، فما عذرك عند الله؟ مع خبرتك بالأمور، فأنت زنديق\n_________\n(١) الميزان (١/ ٦).\n(٢) الميزان (٣/ ١٢٤).\n(٣) الميزان (٢/ ٦٠٠).","vol":"8","page":240},{"text":"معاند للحق فلا رضي الله عنك. (١)\n- وفي الميزان: عمران بن مسلم الفزاري، كوفي. عن مجاهد، وعطية. وعنه الفضل السيناني، وأبو نعيم.\nقال أبو أحمد الزبيري: رافضي، كأنه جرو كلب.\nقال الذهبي: خراء الكلاب كالرافضي. (٢)\n- وجاء في السير: قال الذهبي: لم يكن سعيد -يعني: ابن زيد- متأخرا عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة، وإنما تركه عمر ﵁، لئلا يبقى له فيه شائبة حظ، لأنه ختنه وابن عمه، ولو ذكره في أهل الشورى لقال الرافضي: حابى ابن عمه. فأخرج منها ولده وعصبته. فكذلك فليكن العمل لله. (٣)\n- وفيها: قال في ترجمة مسطح بن أثاثة المذكور في قصة الإفك:\nإياك يا جري أن تنظر إلى هذا البدري شزرا لهفوة بدت منه، فإنها قد غفرت، وهو من أهل الجنة. وإياك يا رافضي أن تلوح بقذف أم المؤمنين بعد نزول النص في براءتها فتجب لك النار. (٤)\n- وفيها: وكان تزويجه - ﷺ - بها -أي عائشة ﵂- إثر وفاة خديجة، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد، ثم دخل بسودة، فتفرد بها ثلاثة أعوام حتى بنى بعائشة في شوال بعد وقعة بدر. فما تزوج بكرا سواها،\n_________\n(١) التذكرة (٢/ ٦٨٥).\n(٢) الميزان (٣/ ٢٤٢).\n(٣) السير (١/ ١٣٨).\n(٤) السير (١/ ١٨٨).","vol":"8","page":241},{"text":"وأحبها حبا شديدا كان يتظاهر به، بحيث إن عمرو بن العاص، وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة، سأل النبي - ﷺ -: أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: «عائشة» قال: فمن الرجال؟ قال: «أبوها» (١).\nوهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان ﵇ ليحب إلا طيبا. وقد قال: «لو كنت متخذا خليلا من هذه الأمة، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام أفضل» (٢) فأحب أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله - ﷺ -، فهو حري أن يكون بغيضا إلى الله ورسوله.\nوحبه ﵇ لعائشة كان أمرا مستفيضا، ألا تراهم كيف كانوا يتحرون بهداياهم يومها تقربا إلى مرضاته. (٣)\n- وصح من حديث عمارة بن عمير، قال: جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، فأتيناهم وهو يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حية تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخر عبيد الله، فمكثت هُنية، ثم خرجت، وغابت، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا.\nقال الذهبي: الشيعي لا يطيب عيشه حتى يلعن هذا ودونه، ونحن\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٢٠٣) والبخاري (٧/ ٢٢/٣٦٦٢) ومسلم (٤/ ١٨٥٦/٢٣٨٤) والترمذي (٥/ ٦٦٣/٣٨٨٥) والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٦/٨١٠٦).\n(٢) أحمد (١/ ٢٧٠) والبخاري (١/ ٧٣٤/٤٦٦) عن ابن عباس ﵄، وفي الباب عن ابن مسعود وأبي سعيد اخدري وابن الزبير وأبي المعالي الأنصاري وجندب وأبي هريرة - ﵃ -.\n(٣) السير (٢/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"8","page":242},{"text":"نبغضهم في الله، ونبرأ منهم ولا نلعنهم، وأمرهم إلى الله. (١)\n- وفيها: قال ابن سعد: أنبأنا محمد بن الصلت، حدثنا ربيع بن منذر، عن أبيه قال: كنا مع ابن الحنفية، فأراد أن يتوضأ، فنزع خفيه، ومسح على قدميه.\nقال الذهبي: هذا قد يتعلق به الإمامية وبظاهر الآية، لكن غسل الرجلين شرع لازم بينه لنا الرسول -اللهم صل عليه- وقال: «ويل للأعقاب من النار» (٢) وعليه عمل الأمة ولا اعتبار بمن شذ. قال رافضي: فأنتم ترون مسح موضع ثلاث شعرات بل شعرة من الرأس يجزئ، والنص فلا يحتمل هذا، ولا يسمى من اقتصر عليه ماسحا لرأسه عرفا، ولا رأينا النبي - ﷺ -، ولا أحدا من أصحابه اجتزأ بذلك ولا جوزه. فالجواب: أن الباء للتبعيض في قوله: ﴿برؤوسكم﴾ (٣) وليس هذا الموضع يحتمل تقرير هذه المسألة. (٤)\n- وفيها: قال في ترجمة أبي جعفر الباقر: وكان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد، والشرف، والثقة، والرزانة، وكان أهلا للخلافة. وهو أحد الأئمة الاثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية وتقول بعصمتهم وبمعرفتهم بجميع الدين. فلا عصمة إلا للملائكة والنبيين، وكل أحد يصيب ويخطئ، ويؤخذ من قوله ويترك سوى النبي - ﷺ - فإنه معصوم، مؤيد بالوحي.\n_________\n(١) السير (٣/ ٥٤٩).\n(٢) أحمد (٢/ ٢٢٨ - ٢٨٤ - ٤٠٦ - ٤٦٧) والبخاري (١/ ٣٥٤/١٦٥) ومسلم (١/ ٢١٤/٢٤٢) والترمذي (١/ ٥٨/٤١) والنسائي (١/ ٨٢/١١٠) كلهم أخرجه من حديث أبي هريرة، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة وغيرهما.\n(٣) المائدة الآية (٦).\n(٤) السير (٤/ ١٢٧).","vol":"8","page":243},{"text":"قال ابن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر وابنه جعفرا عن أبي بكر وعمر، فقالا لي: يا سالم، تولهما وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى.\nكان سالم فيه تشيع ظاهر، ومع هذا فيبث هذا القول الحق، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل، وكذلك ناقلها ابن فضيل، شيعي ثقة. فعثر الله شيعة زماننا ما أغرقهم في الجهل والكذب، فينالون من الشيخين وزيري المصطفى - ﷺ -، ويحملون هذا القول من الباقر والصادق على التقية.\nوروى إسحاق الأزرق، عن بسام الصيرفي، قال: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر، فقال: والله إني لأتولاهما وأستغفر لهما، وما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما. (١)\n- وفيها: عن حنان بن سدير، سمعت جعفر بن محمد، وسئل عن أبي بكر وعمر، فقال: إنك تسألني عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنة.\nوعن عمرو بن قيس الملائي، سمعت جعفر بن محمد يقول: برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر.\nقال الذهبي: هذا القول متواتر عن جعفر الصادق، وأشهد بالله إنه لبار في قوله غير منافق لأحد، فقبح الله الرافضة. (٢)\n- وفيها: قال وكيع: حسن بن صالح عندي إمام. فقيل له: إنه لا\n_________\n(١) السير (٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣).\n(٢) السير (٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠).","vol":"8","page":244},{"text":"يترحم على عثمان. فقال: أفتترحم أنت على الحجاج؟\nقال الذهبي: لا بارك الله في هذا المثال. ومراده: أن ترك الترحم سكوت، والساكت لا ينسب إليه قول، ولكن من سكت عن ترحم مثل الشهيد أمير المؤمنين عثمان فإن فيه شيئا من تشيع، فمن نطق فيه بغض وتنقص فهو شيعي جلد يؤدب، وإن ترقى إلى الشيخين بذم، فهو رافضي خبيث، وكذا من تعرض للإمام علي بذم، فهو ناصبي يعزر، فإن كفره، فهو خارجي مارق، بل سبيلنا أن نستغفر للكل ونحبهم، ونكف عما شجر بينهم. (١)\n- وفيها: وروى أبو داود الرهاوي، أنه سمع شريكا يقول: علي خير البشر، فمن أبى فقد كفر.\nقال الذهبي: ما ثبت هذا عنه. ومعناه حق. يعني: خير بشر زمانه، وأما خيرهم مطلقا، فهذا لا يقوله مسلم. (٢)\n- وفيها: قال الذهبي في عبيد الله بن موسى: كان صاحب عبادة وليل، صحب حمزة، وتخلق بآدابه، إلا في التشيع المشؤوم، فإنه أخذه عن أهل بلده المؤسس على البدعة. (٣)\n- وفيها: عن زر، عن علي ﵁، قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي إلي، أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا\n_________\n(١) السير (٧/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(٢) السير (٨/ ٢٠٥).\n(٣) السير (٩/ ٥٥٥).","vol":"8","page":245},{"text":"منافق (١).\nغريب عن شعبة، والمشهور حديث الأعمش عن عدي.\nفمعناه أن حب علي من الإيمان، وبغضه من النفاق، فالإيمان ذو شعب، وكذلك النفاق يتشعب، فلا يقول عاقل: إن مجرد حبه يصير الرجل به مؤمنا مطلقا، ولا بمجرد بغضه يصير به الموحد منافقا خالصا. فمن أحبه وأبغض أبا بكر، كان في منزلة من أبغضه وأحب أبا بكر، فبغضهما ضلال ونفاق، وحبهما هدى وإيمان، والحديث ففي صحيح مسلم. (٢)\n- وفيها: وقد ذكره أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة معاوية، فقال: كان أبو عروبة غاليا في التشيع، شديد الميل على بني أمية.\nقال الذهبي: كل من أحب الشيخين فليس بغال، بلى من تعرض لهما بشيء من تنقص، فإنه رافضي غال، فإن سب، فهو من شرار الرافضة، فإن كفر، فقد باء بالكفر، واستحق الخزي، وأبو عروبة فمن أين يجيئه الغلو، وهو صاحب حديث وحراني؟ بلى لعله ينال من المروانية فيعذر. (٣)\n- قال الذهبي في الحاكم بأمر الله (صاحب مصر): وكان شيطانا مريدا جبارا عنيدا، كثير التلون، سفاكا للدماء، خبيث النحلة، عظيم المكر جوادا ممدحا، له شأن عجيب، ونبأ غريب، كان فرعون زمانه، يخترع كل وقت أحكاما يلزم الرعية بها. أمر بسب الصحابة ﵃، وبكتابة ذلك\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٢) السير (١٢/ ٥٠٩ - ٥١٠).\n(٣) السير (١٤/ ٥١١).","vol":"8","page":246},{"text":"على أبواب المساجد والشوارع. وأمر عماله بالسب. (١)\n- وفيها قال: ليس تفضيل علي برفض ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكل من عثمان وعلي ذو فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء ﵄، ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي، وإليه نذهب. والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما بلا شك أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة، أبعدهم الله. (٢)\n- قال في التذكرة: فيا أخي إن أحببت أن تعرف هذا الإمام -يعني عمر ابن الخطاب- حق المعرفة فعليك بكتابي 'نعم السمر في سيرة عمر'، فإنه فارق فيصل بين المسلم والرافضي، فوالله ما يغض من عمر إلا جاهل دائص، أو رافضي فاجر وأين مثل أبي حفص فما دار الفلك على مثل شكل عمر، وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب. (٣)\n- وقال في ترجمة محمد بن النعمان الأحول: عراقي شيعي جلد، يلقبه الشيعة بمؤمن الطاق. يعد من أصحاب جعفر بن محمد. صنف كتاب\n_________\n(١) السير (١٥/ ١٧٤).\n(٢) السير (١٦/ ٤٥٧ - ٤٥٨).\n(٣) التذكرة (١/ ٦).","vol":"8","page":247},{"text":"'الإمامة' وكتاب 'الرد على المعتزلة' وكتاب 'طلحة وعائشة' وكتاب 'المعرفة' وكتاب 'في أيام هارون الرشيد'. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2882>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في السير في ترجمة القرميسيني قال: علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغالطة والزندقة.\nقال الذهبي: صدقت والله، فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية، أطلقه بعضهم فدخل من بابه كل إلحادي وكل زنديق، وقالوا: ما سوى الله باطل فَانٍ، والله تعالى هو الباقي وهو هذه الكائنات، وما ثم شيء غيره، ويقول شاعرهم:\nوما أنت غير الكون ... بل أنت عينه\nويقول الآخر: وما ثم إلا الله ليس سواه.\nفانظر إلى هذا المروق والضلال، بل كل ما سوى الله محدث موجود. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (٢). وإنما أراد قدماء الصوفية بالفناء نسيان المخلوقات وتركها وفناء النفس عن التشاغل بما سوى الله، ولا يسلم إليهم هذا أيضا، بل أمرنا الله ورسوله بالتشاغل بالمخلوقات ورؤيتها والإقبال عليها وتعظيم خالقها، وقال تعالى:\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٥٣).\n(٢) السجدة الآية (٤).","vol":"8","page":248},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) وقال: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢).\nوقال ﵇: «حبب إلي النساء والطيب» (٣). وقال: «كأنك علمت حبنا للحم». (٤)\nوكان يحب عائشة ويحب أباها (٥) ويحب أسامة (٦) ويحب سبطيه (٧) ويحب\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٨٥).\n(٢) يونس الآية (١٠١).\n(٣) أحمد (٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥) والنسائي (٧/ ٧٢/٣٩٤٩) والحاكم (٢/ ١٦٠) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي. وأخرجه: البيهقي (٧/ ٧٨) من حديث أنس.\n(٤) رواه أحمد (٣/ ٣٠٣،٣٩٧ - ٣٩٨) والدارمي (١/ ٢٤) من طريقين عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر ﵁. وأصل الحديث عند: أبي داود (٢/ ١٨٥/١٥٣٣) والنسائي في الكبرى (٦/ ١١٢/١٠٢٥٦) وغيرهما. وصححه ابن حبان (٣/ ١٩٧/٩١٦).\n(٥) أحمد (٤/ ٢٠٣) والبخاري (٧/ ٢٢/٣٦٦٢) ومسلم (٤/ ١٨٥٦/٢٣٨٤) والترمذي (٥/ ٦٦٣/٣٨٨٥) والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٦/٨١٠٦).\n(٦) عن أسامة بن زيد ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه كان يأخذه والحسن ويقول: اللهم أحبهما فإني أحبهما. أخرجه: أحمد (٥/ ٢١٠) والبخاري (٧/ ١١٠/٣٧٣٥) واللفظ له. النسائي في الكبرى (٥/ ٥٣/٨١٨٣).\n(٧) عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره: فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهما أن دعو. هما فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره قال: من أحبني فليحب هذين. أخرجه: النسائي في الكبرى (٥/ ٥٠/٨١٧٠) والطبراني (٣/ ٤٠/٢٦٤٤) وأبو يعلى (٨/ ٤٣٤/٥٠١٧) والبزار (٥/ ٢٢٦/١٨٣٣و١٨٣٤ البحر الزخار). ابن حبان (١٥/ ٤٢٦ - ٤٢٧/ ٦٩٧٠ الإحسان) وابن خزيمة (٢/ ٤٨/٨٨٧). قال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٧٩ - ١٨٠): \"رواه أبو يعلى والبزار والطبراني باختصار، ورجال أبي يعلى ثقات وفي بعضهم خلاف\".","vol":"8","page":249},{"text":"الحلواء والعسل (١) ويحب جبل أحد (٢) ويحب وطنه (٣)\nويحب الأنصار (٤) إلى أشياء لا تحصى مما لا يغني المؤمن عنها قط. (٥)\n- وقال بعد كلام في ترجمة ابن الأعرابي: إي والله، دققوا وعمقوا وخاضوا في أسرار عظيمة، ما معهم على دعواهم فيها سوى ظن وخيال، ولا وجود لتلك الأحوال من الفناء والمحو والصحو والسكر إلا مجرد خطرات ووساوس، ما تفوه بعباراتهم صديق ولا صاحب ولا إمام من التابعين، فإن طالبتهم بدعاويهم مقتوك وقالوا: محجوب، وإن سلمت لهم قيادك تخبط ما معك من الإيمان، وهبط بك الحال على الحيرة والمحال، ورمقت العباد بعين المقت، وأهل القرآن والحديث بعين البعد، وقلت: مساكين محجوبون، فلا\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٦/ ٥٩) والبخاري (١٠/ ٧٧/٥٥٩٩) ومسلم (٢/ ١١٠١ - ١١٠٢/ ١٤٧٤ (٢١» مطولا. والترمذي (٤/ ٢٤١/١٨٣١) وقال: \"حديث حسن صحيح غريب\". وأبو داود (٤/ ١٠٦ - ١٠٧/ ٣٧١٥) والنسائي في الكبرى (٤/ ٣٧٠/٧٥٦٢) وابن ماجه (٢/ ١١٠٤/٣٣٢٣) من حديث عائشة ﵂.\n(٢) أحمد (٣/ ١٤٩) والبخاري (٧/ ٤٨٠/٤٠٨٣) ومسلم (٢/ ١٠١١/١٣٩٣) والترمذي (٥/ ٦٧٨/٣٩٢٢) من حديث أنس ﵁. ورواه البخاري معلقا (٣/ ٤٣٨) من حديث سهل بن سعد. وفي الباب عن أبي حميد وسويد بن عامر وغيرهما.\n(٣) كأنه يشير إلى ما رواه: أحمد (٤/ ٣٠٥) والترمذي (٥/ ٦٧٩/٣٩٢٥) والنسائي في الكبرى (٢/ ٤٧٩/٤٢٥٢) وابن ماجه (٢/ ١٠٣٧/٣١٠٨) والحاكم (٣/ ٧) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي .. ابن حبان (٩/ ٢٢/٣٧٠٨) كلهم من طريق الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع النبي - ﷺ - وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ﷿ ولولا أني أخرجت منك ما خرجت».\n(٤) عن أنس ﵁ قال: رأى النبي - ﷺ - النساء والصبيان -مقبلين قال: حسبت أنه قال من عرس- فقام النبي - ﷺ - ممثلا فقال: «اللهم أنتم من أحب الناس إلي». قالها ثلاث مرار. رواه: أحمد (٣/ ١٧٥ - ١٧٦) والبخاري (٧/ ١٤٢ - ١٤٣/ ٣٧٨٥) ومسلم (٤/ ١٩٤٨/٢٥٠٨).\n(٥) السير (١٥/ ٣٩٣ - ٣٩٤).","vol":"8","page":250},{"text":"حول ولا قوة إلا بالله. فإنما التصوف والتأله والسلوك والسير والمحبة؛ ما جاء عن أصحاب محمد - ﷺ - من الرضى عن الله، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشريعة من التلاوة بترتيل وتدبر، والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت وإفطار وقت، وبذل المعروف، وكثرة الإيثار، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزز على الكافرين، ومع هذا فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١).\nالتعليق:\nكان الصحابة يهتدون بهدي محمد - ﷺ -، ويحتذون حذوه قدر ما يستطيعون، وكذلك السلف من بعدهم، الذين نهجوا نهجهم واقتدوا بسيرتهم، فأما ما ذكره الشيخ من نسبة التصوف إلى الصحابة فهذه هفوة منه، فهذا الاسم لا ينبغي أن يطلق في حقهم، فهم أشرف من ذلك، وهذا من مخترعات الرهبان ومن سار على دربهم.\n- وقال في ترجمة \"كرز\" بعد أن حكى زهده وعبادته: هكذا كان زهاد السلف وعبادهم أصحاب خوف وخشوع، وتعبد وقنوع، ولا يدخلون في الدنيا وشهواتها، ولا في عبارات أحدثها المتأخرون من الفناء والمحو والاصطلام والاتحاد، وأشباه ذلك مما لا يسوغه كبار العلماء، فنسأل الله التوفيق والإخلاص ولزوم الاتباع. (٢)\n_________\n(١) السير (١٥/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(٢) السير (٦/ ٨٦).","vol":"8","page":251},{"text":"- وقال بعد كلام في الجوع والسهر في ترجمة أحمد بن أبي الحواري: الطريقة المثلى هي المحمدية وهو الأخذ من الطيبات، وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (١). وقد قال النبي - ﷺ -: «لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وآتي النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢) فلم يشرع لنا الرهبانية ولا التمزق ولا الوصال بل ولا صوم الدهر، ودين الإسلام يسر وحنيفية سمحة، فليأكل المسلم من الطيب إذا أمكنه كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣). وقد كان النساء أحب شيء إلى نبينا - ﷺ -، وكذلك اللحم والحلواء والعسل والشراب الحلو البارد والمسك، وهو أفضل الخلق وأحبهم إلى الله تعالى.\nثم العابد العري من العلم متى زهد وتبتل وجاع وخلا بنفسه وترك اللحم والثمار واقتصر على الدقة والكسرة صفت حواسه ولطفت، ولازمته خطرات النفس، وسمع خطابا يتولد من الجوع والسهر لا وجود لذلك الخطاب -والله- في الخارج وولج الشيطان في باطنه، وخرج فيعتقد أنه قد وصل وخوطب وارتقى، فيتمكن منه الشيطان ويوسوس له، فينظر إلى المؤمنين بعين الازدراء ويتذكر ذنوبهم وينظر إلى نفسه بعين الكمال، وربما آل\n_________\n(١) المؤمنون الآية (٥١).\n(٢) أحمد (٣/ ٢٨٥) والبخاري (٩/ ١٢٩/٥٠٦٣) ومسلم (٢/ ١٠٢٠/١٤٠١) والنسائي (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩/ ٣٢١٧) من حديث أنس. وليس عند البخاري ذكر أكل اللحم وعند الباقين ذكره في كلام النفر.\n(٣) الطلاق الآية (٧).","vol":"8","page":252},{"text":"به الأمر إلى أن يعتقد أنه ولي صاحب كرامات وتمكن، وربما حصل له شك، وتزلزل إيمانه، فالخلوة والجوع أبو جاد الترهب، وليس ذلك من شريعتنا في شيء، بلى، السلوك الكامل هو الورع في القوت، والورع في المنطق وحفظ اللسان، وملازمة الذكر، وترك مخالطة العامة، والبكاء على الخطيئة والتلاوة بالترتيل والتدبر، ومقت النفس وذمها في ذات الله، والإكثار من الصوم المشروع، ودوام التهجد، والتواضع للمسلمين، وصلة الرحم والسماحة وكثرة البشر، والانفاق مع الخصاصة، وقول الحق المر برفق وتؤدة، والأمر بالعرف والأخذ بالعفو والإعراض عن الجاهلين، والرباط بالثغر، وجهاد العدو، وحج البيت، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السحر، فهذه شمائل الأولياء وصفات المحمديين أماتنا الله على محبتهم. (١)\n- قال ﵀ في ترجمة الأنصاري كما في السير: قد انتفع به خلق وجهل آخرون، فإن طائفة من صوفة الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في منازل السائرين وينتحلونه ويزعمون أنه موافقهم. كلا بل هو رجل أثري لهج بإثبات نصوص الصفات، منافر للكلام وأهله جدا، وفي منازله إشارات إلى المحو والفناء، وإنما مراده بذلك الفناء، هو الغيبة عن شهود السوى ولم يرد محو السوى في الخارج، وياليته لا صنف ذلك، فما أحلى تصوف الصحابة والتابعين؛ ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله وذلوا له، وتوكلوا عليه وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صراط\n_________\n(١) السير (١٢/ ٨٩ - ٩١).","vol":"8","page":253},{"text":"مستقيم. (١)\nالتعليق:\nقال جامعه غفر الله له: إضافته التصوف إلى الصحابة قد نبهنا عليه في التعليق السالف فلينظر.\n\n- قال الذهبي في ترجمة محمد بن منصور الطوسي: متى رأيت الصوفي مكبا على الحديث فثق به، ومتى رأيته نائيا عن الحديث فلا تفرح به، لاسيما إذا انضاف إلى جهله بالحديث عكوف على ترهات الصوفية، ورموز الباطنية، نسأل الله السلامة، كما قال ابن المبارك:\nوهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها (٢)\n\n- وقال في ترجمة ابن عطاء: ثبت الله علينا عقولنا وإيماننا، فمن تسبب في زوال عقله بجوع، ورياضة صعبة، وخلوة، فقد عصى وأثم، وضاهى من أزال عقله بعض يوم بسكر. فما أحسن التقيد بمتابعة السنن والعلم. (٣)\n- وقال: قال مكي بن عمر البيع: سمعت محمد بن عيسى يقول: صام طاهر أربعين يوما أربعين مرة، فآخر أربعين عملها صام على قشر الدخن، فَلِيُبْسِه قرع رأسه، واختلط في عقله، ولم أر أكثر مجاهدة منه.\nقال الذهبي: فعل هذه الأربعينات حرام قطعا، فعقباها موت من الخور\n_________\n(١) السير (١٨/ ٥١٠).\n(٢) السير (١٢/ ٢١٣).\n(٣) السير (١٤/ ٢٥٦).","vol":"8","page":254},{"text":"أو جنون واختلاط، أو جفاف يوجب للمرء سماع خطاب لا وجود له أبدا في الخارج، فيظن صاحبه أنه خطاب إِلِّي (١). كلا والله. (٢)\n- وقال: قيل: إنه عمل له خلوة، فبقي خمسين يوما لا يأكل شيئا. وقد قلنا: إن هذا الجوع المفرط لا يسوغ، فإذا كان سرد الصيام والوصال قد نهي عنهما، فما الظن؟ وقد قال نبينا - ﷺ -: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع» (٣). ثم قل من عمل هذه الخلوات المبتدعة إلا واضطرب، وفسد عقله، وجف دماغه، ورأى مرأى، وسمع خطابا لا وجود له في الخارج، فإن كان متمكنا من العلم والإيمان، فلعله ينجو بذلك من تزلزل توحيده، وإن كان جاهلا بالسنن وبقواعد الإيمان، تزلزل توحيده، وطمع فيه الشيطان، وادعى الوصول، وبقي على مزلة قدم، وربما تزندق، وقال أنا هو. نعوذ بالله من النفس الأمارة، ومن الهوى، ونسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا آمين. (٤)\n- وقال ﵀: أما 'الإحياء' ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علما نافعا، تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن، وفسره الرسول - ﷺ - قولا وفعلا، ولم يأت نهي عنه، قال ﵇: «من\n_________\n(١) أي إلهي.\n(٢) السير (١٧/ ٣٩١).\n(٣) أبو داود (٢/ ١٩١/١٥٤٧) والنسائي (٨/ ٦٥٦/٥٤٨٣) وابن ماجه (٢/ ١١١٣/٣٣٥٤) وابن حبان (٣/ ٣٠٤/١٠٢٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) السير (١٧/ ٥٧٦ - ٥٧٧).","vol":"8","page":255},{"text":"رغب عن سنتي، فليس مني» (١)، فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في الصحيحين، وسنن النسائي، ورياض النواوي وأذكاره، تفلح وتنجح، وإياك وآراء عباد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات، وجوع الرهبان، وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فواغوثاه بالله، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم. (٢)\n- وفي السير: وقال ابن هلالة: جلست عنده -أي نجم الدين الكبرى - في الخلوة مرارا، وشاهدت أمورا عجيبة، وسمعت من يخاطبني بأشياء حسنة.\nقال الذهبي: لا وجود لمن خاطبك في خلوتك مع جوعك المفرط، بل هو سماع كلام في الدماغ الذي قد طاش وفاش وبقي قرعة، كما يتم للمبرسم والمغمور بالحمى والمجنون، فاجزم بهذا واعبد الله بالسنن الثابتة تفلح. (٣)\n- وقال في ترجمة يونس بن يوسف بن مساعد الشيباني المخارقي الجزري القنيي الزاهد: أحد الأعلام، شيخ اليونسية أولي الزعارة والشطح والخواثة وخفة العقل. كان ذا كشف وحال، ولم يكن عنده كبير علم، وله شطح، وشعر ملحون ينظمه على لسان الربوبية، وبعضه كأنه كذب، والله أعلم بسره، فلا يغتر المسلم بكشف ولا بحال ولا بإخبار عن مغيب، فابن\n_________\n(١) تقدم تخريجه قريبا.\n(٢) السير (١٩/ ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(٣) السير (٢٢/ ١١٢).","vol":"8","page":256},{"text":"صائد وإخوانه الكهنة لهم خوارق، والرهبان فيهم من قد تمزق جوعا وخلوة ومراقبة على غير أساس ولا توحيد، فصفت كدورات أنفسهم وكاشفوا وفشروا، ولا قدوة إلا في أهل الصفوة وأرباب الولاية المنوطة بالعلم والسنن، فنسأل الله إيمان المتقين، وتأله المخلصين، فكثير من المشايخ نتوقف في أمرهم حتى يتبرهن لنا أمرهم، وبالله الاستعانة. (١)\n- وقال في محمد بن إبراهيم الفخر الفارسي الصوفي: ومن تصانيفه كتاب الأسرار، وسر الأسكار، جمع فيه بين الحقيقة والشريعة فتكلف، وقال ما لا ينبغي. وله كتاب مطية النقل وعطية العقل في علم الكلام، وكتاب الفرق بين الصوفي والفقير، وكتاب جمحة النهى في لمحة المها. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2883>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال في السير: والمعتزلة تقول: لو أن المحدثين تركوا ألف حديث في الصفات والأسماء والرؤية والنزول لأصابوا. والقدرية تقول: لو أنهم تركوا سبعين حديثا في إثبات القدر. والرافضة تقول: لو أن الجمهور تركوا من الأحاديث التي يدعون صحتها ألف حديث لأصابوا، وكثير من ذوي الرأي يردون أحاديث شافه بها الحافظ المفتي المجتهد أبو هريرة رسول الله - ﷺ -، ويزعمون أنه ما كان فقيها، ويأتوننا بأحاديث ساقطة أو لا يعرف لها، إسناد أصلا محتجين بها.\nقلنا: وللكل موقف بين يدي الله تعالى. يا سبحان الله، أحاديث رؤية\n_________\n(١) السير (٢٢/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(٢) الميزان (٣/ ٤٥٢).","vol":"8","page":257},{"text":"الله في الآخرة متواترة، والقرآن مصدق لها، فأين الإنصاف؟ (١)\nالتعليق:\nما ذكره الإمام الذهبي من أمنية هؤلاء المبتدعة، معناه رفض السنة من أَلِفِها إلى يائها، والعيش على الهوى والتخبط حتى تصير حالة أرباب هذا التصور الفاسد شرا من حالة عباد الأصنام في الجاهلية. نسأل الله العافية.\n\n- قال في ترجمة علي بن عبيد الله: وله تصانيف فيها أشياء من بحوث المعتزلة بدعوه بها، لكونه نصرها وما هذا من خصائصه، بل قل من أمعن النظر في علم الكلام إلا وأداه اجتهاده إلى القول بما يخالف محض السنة، ولهذا ذم علماء السلف النظر في علم الأوائل، فإن علم الكلام مولد من علم الحكماء الدهرية، فمن رام الجمع بين علم الأنبياء ﵈، وبين علم الفلاسفة بذكائه، لابد وأن يخالف هؤلاء وهؤلاء. ومن كف ومشى خلف ما جاءت به الرسل من إطلاق ما أطلقوا ولم يتحذلق ولا عمق، فإنهم صلوات الله عليهم أطلقوا وما عمقوا، فقد سلك طريق السلف الصالح، وسلم له دينه ويقينه. نسأل الله السلامة في الدين. (٢)\nالتعليق:\nلله درك يا محدث الشام. ويا مؤرخ الإسلام، كم لك من الحسنات، وكم لك من الحكم، وهذه منها. غير أن الذين بعدوا عن السنة في هذا\n_________\n(١) السير (١٠/ ٤٥٥).\n(٢) الميزان (٣/ ١٤٤).","vol":"8","page":258},{"text":"الزمان لا يعترفون إلا بمن تضلع في علم الكلام، وأما علم الأنبياء فيرونه علم الجهال لأن الأنبياء في نظرهم ما بعثوا إلا للجهال، نسأل الله العافية.\n\n- قال في السير معلقا على قول أبي قربة: إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال.\nقلت أنا: وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث الآحاد، وهات (العقل)؟ فاعلم أنه أبو جهل. وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد، فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر أو قد حل فيه فإن جبنت منه فاهرب، وإلا فاصرعه وابرك على صدره واقرأ عليه آية الكرسي واخنقه. (١)\nالتعليق:\nوهل بعد هذا الوصف من وصف؟ ولو نطق أحدنا في هذا الزمان بهذه العبارات، لعد من كبار المتنطعين والمتشددين، فانظر -هداك الله- إلى هذه العبارات التي تستحق أن تكتب بماء الذهب، وهو فيها رخيص، والحمد لله رب العالمين.\n\n- جاء في السير قال: قلت: الجهمية يقولون: إن الباري تعالى في كل مكان، والسلف يقولون: إن علم الباري في كل مكان، ويحتجون بقوله\n_________\n(١) السير (٤/ ٤٧٢).","vol":"8","page":259},{"text":"تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١)، يعني بالعلم. ويقولون: إنه على عرشه استوى كما نطق به القرآن والسنة.\nوقال الأوزاعي وهو إمام وقته: كنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته، ومعلوم عند أهل العلم من الطوائف أن مذهب السلف، إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تأويل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تكييف، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات المقدسة، وقد علم المسلمون أن ذات الباري موجودة حقيقة لا مثل لها، وكذلك صفاته تعالى موجودة لا مثل لها. (٢)\n- جاء في السير: قال -عند قول أبي يوسف: العلم بالخصومات والكلام جهل- مثاله شبه وإشكالات من نتائج أفكار أهل الكلام، تورد في الجدال على آيات الصفات وأحاديثها، فيكفر هذا هذا، وينشأ الاعتزال والتجهم والتجسيم وكل بلاء. نسأل الله العافية. (٣)\n- وفيها أيضا: قال -بعد كلام نعيم بن حماد: من شبه الله بخلقه فقد كفر-: قلت: هذا الكلام حق نعوذ بالله من التشبيه، ومن إنكار أحاديث الصفات، فما ينكر الثابت منها من فقه، وإنما بعد الإيمان بها هنا مقامان مذمومان:\n_________\n(١) الحديد الآية (٤).\n(٢) السير (٨/ ٤٠٢).\n(٣) السير (٨/ ٥٣٩).","vol":"8","page":260},{"text":"تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب، فما أولها السلف ولا حرفوا ألفاظها عن مواضعها، بل آمنوا بها وأمروها كما جاءت.\nالمقام الثاني: المبالغة في إثباتها وتصورها من جنس صفات البشر وتشكلها في الذهن، فهذا جهل وضلال. وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف ﷿ لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه مع قوله لنا في تنزيله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١). فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية الباري تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدسة نقر بها ونعتقد أنها حق ولا نمثلها أصلا ولا نتشكلها. (٢)\n- جاء في السير: قال ﵀: ومسألة النزول، فالإيمان به واجب، وترك الخوض في لوازمه أولى، وهو سبيل السلف، فما قال هذا: نزوله بذاته، إلا إرغاما لمن تأوله وقال: نزوله إلى السماء بالعلم فقط. نعوذ بالله من المراء في الدين.\nوكذا قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (٣) ونحوه فنقول: جاء وينزل، وننهى عن القول: ينزل بذاته، كما لا نقول: ينزل بعلمه، بل نسكت ولا نتفاصح على الرسول - ﷺ - بعبارات مبتدعة والله أعلم. (٤)\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) السير (١٠/ ٦١٠).\n(٣) الفجر الآية (٢٢).\n(٤) السير (٢٠/ ٣٣١).","vol":"8","page":261},{"text":"التعليق:\nينبغي أن يفهم مراد الشيخ، فالمقصود عنده إثبات الصفة كما ورد بذلك النص دون زيادة، فالله تعالى ينزل كما يشاء ومتى يشاء وكيف يشاء بدون تحديد الكيفية.\n\n- جاء في السير: قال أبو عبيد: -وذكر الباب الذي يروى فيه الرؤية والكرسي موضع القدمين وضحك ربنا وأين كان ربنا- فقال: هذه أحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف يضحك وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره.\nقال الذهبي: قلت: قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم، وما أبقوا ممكنا، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلا، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغا أو حتما، لبادروا إليه، فعلم قطعا أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك ونسكت اقتداء بالسلف، معتقدين أنها صفات لله تعالى، استأثر الله بعلم حقائقها وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطق بها، والرسول - ﷺ - بلغ وما تعرض لتأويل، مع كون الباري قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) فعلينا الإيمان\n_________\n(١) النحل الآية (٤٤).","vol":"8","page":262},{"text":"والتسليم للنصوص، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. (١)\n- وفيها قال: -بعد كلام أبي العباس السراج في من أنكر الصفات أنه زنديق كافر- قلت: لا يكفر إلا إن علم أن الرسول - ﷺ - قاله، فإن جحد بعد ذلك فهو معاند نسأل الله الهدى، وإن اعترف أن هذا حق ولكن لا أخوض في معانيه فقد أحسن، وإن آمن وأول ذلك كله أو تأول بعضه فهو طريقة معروفة. (٢)\n- قال ﵀: هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول، قد صحت بها النصوص، ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة، ولا التنازع فيها، فإن في ذلك محاولة للرد على الله ورسوله، أو حوما على التكييف أو التعطيل. (٣)\n- وقال: قلت: بل قولهم إنه ﷿ في السماء وفي الأرض لا امتياز للسماء، وقول عموم أمة محمد - ﷺ -: إن الله في السماء يطلقون ذلك وفق ما جاءت النصوص بإطلاقه، ولا يخوضون في تأويلات المتكلمين، مع جزم الكل بأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٤).اهـ (٥)\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٠٥ - ٥٠٦).\n(٢) السير (١٤/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\n(٣) السير (١١/ ٣٧٦).\n(٤) الشورى الآية (١١).\n(٥) السير (١١/ ٧٠ - ٧١).","vol":"8","page":263},{"text":"- جاء في السير: ذكر كلاما بعد حديث رأيت ربي (١) ثم قال: والذي دل عليه الدليل عدم الرؤية مع إمكانها، فنقف عن هذه المسألة، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. فإثبات ذلك أو نفيه صعب والوقوف سبيل السلامة والله أعلم. وإذا ثبت شيء قلنا به، ولا نعنف من أثبت الرؤية لنبينا في الدنيا ولا من نفاها بل نقول: الله ورسوله أعلم. بلى، نعنف ونبدع من أنكر الرؤية في الآخرة، إذ رؤية الله في الآخرة ثبت بنصوص متوافرة. (٢)\n- قال أبو جعفر العقيلي في ترجمة عبد الله بن ذكوان: حدثنا مقدام بن داود، حدثنا الحارث بن مسكين، وابن أبي الغمر، قالا: حدثنا ابن القاسم قال: سألت مالكا عمن يحدث بالحديث الذي قالوا: «إن الله خلق آدم على صورته» (٣) فأنكر ذلك إنكارا شديدا، ونهى أن يتحدث به أحد، فقيل: إن ناسا من أهل العلم يتحدثون به قال: من هم؟ قيل: ابن عجلان، عن أبي الزناد، فقال: لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء، ولم يكن عالما، ولم يزل أبو الزناد عاملا لهؤلاء حتى مات، وكان صاحب عمال يتبعهم. قلت: الخبر لم ينفرد به ابن عجلان، بل ولا أبو الزناد، فقد رواه شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد، ورواه قتادة عن أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة، ورواه ابن لهيعة عن الأعرج وأبي يونس عن أبي هريرة، ورواه معمر عن همام عن أبي هريرة، وصح أيضا من حديث ابن عمر. وقد قال إسحاق بن راهويه\n_________\n(١) تقدم انظر مواقف البربهاري سنة (٣٢٩هـ).\n(٢) السير (١٠/ ١١٤).\n(٣) تقدم تخريجه بألفاظ مختلفة. انظر مواقف البربهاري سنة (٣٢٩هـ).","vol":"8","page":264},{"text":"عالم خراسان: صح هذا عن رسول الله - ﷺ -. فهذا الصحيح مخرج في كتابي البخاري ومسلم. فنؤمن به ونفوض ونسلم، ولا نخوض فيما لا يعنينا، مع علمنا بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. (١)\n- جاء في السير: عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قال: «إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أردت أخا لي في قرية كذا وكذا. قال: هل له عليك من نعمة تربها؟ قال: لا، إلا أني أحبه في الله. قال: إني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه» (٢). أخرجه مسلم عن عبد الأعلى، فوافقناه بعلو، وهو من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت، وشاهده في القرآن وفي الحديث كثير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) وقال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ (٤).اهـ (٥)\n- قال في واصل بن عطاء: واصل بن عطاء البصري، الغزال المتكلم، البليغ المتشدق، الذي كان يلثغ بالراء. فلبلاغته هجر الراء وتجنبها في خطابه. سمع من الحسن البصري وغيره. وقال أبو الفتح الأزدي: رجل سوء كافر. قلت: كان من أجلاد المعتزلة، ولد سنة ثمانين بالمدينة، ومما قيل فيه:\n_________\n(١) السير (٥/ ٤٤٩ - ٤٥٠).\n(٢) أحمد (٢/ ٢٩٢) ومسلم (٤/ ١٩٨٨/٢٥٦٧).\n(٣) آل عمران الآية (٣١).\n(٤) النساء الآية (١٢٥).\n(٥) السير (٧/ ٤٥٤ - ٤٥٥).","vol":"8","page":265},{"text":"ويجعل البر قمحا في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر\nولم يطق مطرا في القول يجعله ... فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر\n\nوله من التصانيف: كتاب أصناف المرجئة، وكتاب التوبة، وكتاب معاني القرآن. وكان يتوقف في عدالة أهل الجمل، ويقول: إحدى الطائفتين فسقت لا بعينها، فلو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم. مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. (١)\n- وقال في ضرار بن عمرو: نعم، ومن رؤوس المعتزلة ضرار بن عمرو، شيخ الضرارية. فمن نحلته قال: يمكن أن يكون جميع الأمة في الباطن كفارا لجواز ذلك على كل فرد منهم. ويقول: الأجسام إنما هي أعراض مجتمعة، وإن النار لا حر فيها، ولا في الثلج برد، ولا في العسل حلاوة، وإنما يخلق ذلك عند الذوق واللمس. (٢)\n- وقال في أبي الهذيل المعتزلي: ورأس المعتزلة أبو الهذيل، محمد بن الهذيل البصري العلاف، صاحب التصانيف، الذي زعم أن نعيم الجنة وعذاب النار ينتهي بحيث إن حركات أهل الجنة تسكن، حتى لا ينطقون بكلمة، وأنكر الصفات المقدسة حتى العلم والقدرة، وقال: هما الله، وأن لِمَا يقدر الله عليه نهاية وآخرا، وأن للقدرة نهاية لو خرجت إلى الفعل، فإن خرجت لم تقدر على خلق ذرة أصلا. وهذا كفر وإلحاد. (٣)\n_________\n(١) الميزان (٤/ ٣٢٩).\n(٢) السير (١٠/ ٥٤٤ - ٥٤٦).\n(٣) السير (١٠/ ٥٤٢ - ٥٤٣).","vol":"8","page":266},{"text":"- وقال في أبي المعتمر معمر بن عمرو: وقيل: ابن عباد، البصري السلمي مولاهم العطار، المعتزلي. وكان يقول: في العالم أشياء موجودة لا نهاية لها، ولا لها عند الله عدد ولا مقدار. فهذا ضلال، يرده قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ (١) وقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ (٢) ولذلك قامت عليه المعتزلة بالبصرة، ففر إلى بغداد، واختفى عند إبراهيم ابن السندي. وكان يزعم أن الله لم يخلق لونا، ولا طولا، ولا عرضا، ولا عمقا، ولا رائحة، ولا حسنا، ولا قبحا، ولا سمعا ولا بصرا، بل ذلك فعل الأجسام بطباعها، فعورض بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (٣) فقال: المراد خلق الإماتة والإحياء، وقال: النفس ليست جسما ولا عرضا، ولا تلاصق شيئا ولا تباينه، ولا تسكن. وكان بينه وبين النظام مناظرات ومنازعات، وله تصانيف في الكلام. وهلك فيما ورخه محمد بن إسحاق النديم سنة خمس عشرة ومئتين. (٤)\n- وقال في الجهم بن صفوان: أبو محرز الراسبي، مولاهم، السمرقندي، الكاتب المتكلم، أس الضلالة، ورأس الجهمية، كان صاحب ذكاء وجدال، كتب للأمير حارث بن سريج التميمي. وكان ينكر الصفات، وينزه الباري عنها بزعمه، ويقول بخلق القرآن. ويقول: إن الله في الأمكنة\n_________\n(١) الجن الآية (٢٨).\n(٢) الرعد الآية (٨).\n(٣) الملك الآية (٢).\n(٤) السير (١٠/ ٥٤٦).","vol":"8","page":267},{"text":"كلها. قال ابن حزم: كان يخالف مقاتلا في التجسيم. وكان يقول: الإيمان عقد بالقلب، وإن تلفظ بالكفر. قيل: إن سلم بن أحوز قتل الجهم، لإنكاره أن الله كلم موسى. (١)\n- وقال في إبراهيم بن إسماعيل بن علية: ولابن علية ابن آخر، جهمي شيطان، اسمه إبراهيم بن إسماعيل، كان يقول بخلق القرآن، ويناظر. (٢)\n- وقال في بشر المريسي: ونظر في الكلام، فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرد القول بخلق القرآن، ودعا إليه، حتى كان عين الجهمية في عصره وعالمهم، فمقته أهل العلم، وكفره عدة، ولم يدرك جهم بن صفوان بل تلقف مقالاته من أتباعه. (٣)\n- وقال في هشام بن عمرو: أبو محمد الفوطي، المعتزلي، الكوفي، مولى بني شيبان. صاحب ذكاء وجدال وبدعة ووبال. أخذ عنه عباد بن سلمان وغيره. ونهى عن قول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ وقال: لا يعذب الله كافرا بالنار، ولا يحيي أرضا بمطر، ولا يهدي ولا يضل، ويقول: يعذبون في النار لا بها، ويحيي الأرض عند المطر لا به، وأن معنى: نعم الوكيل، أي المتوكل عليه. قال المبرد: قال رجل لهشام الفوطي: كم تعد من السنين؟ قال: من واحد إلى أكثر من ألف. قال: لم أرد هذا، كم لك من السن؟ قال: اثنان وثلاثون سنا. قال: كم لك من السنين؟ قال: ما هي لي،\n_________\n(١) السير (٦/ ٢٦ - ٢٧).\n(٢) السير (٩/ ١١٣).\n(٣) السير (١٠/ ٢٠٠).","vol":"8","page":268},{"text":"كلها لله. قال: فما سنك؟ قال: عظم. قال: فابن كم أنت؟ قال: ابن أم وأب. قال: فكم أتى عليك؟ قال: لو أتى علي شيء لقتلني، قال: ويحك، فكيف أقول؟ قال: قل: كم مضى من عمرك.\nقلت: هذا غاية ما عند هؤلاء المتقعرين من العلم، عبارات وشقاشق لا يعبأ الله بها، يحرفون بها الكلم عن مواضعه قديما وحديثا، فنعوذ بالله من الكلام وأهله. (١)\n- وقال في أبي موسى عيسى بن صبيح: الملقب بالمرداز، البصري، من كبار المعتزلة أرباب التصانيف الغزيرة. أخذ عن بشر بن المعتمر، وتزهد وتعبد، وتفرد بمسائل ممقوتة، وزعم أن الرب يقدر على الظلم والكذب، ولكن لا يفعله. وقال بكفر من قال: القرآن قديم، وبكفر من قال: أفعالنا مخلوقة، وقال برؤية الله، وكفر من أنكرها، حتى إن رجلا قال له: فالجنة التي عرضها السماوات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاث؟ فسكت. ذكره قاضي حماة شهاب الدين إبراهيم في كتاب 'الفرق'، وأنه مات سنة ست وعشرين ومئتين. (٢)\n- وقال في برغوث: وهو رأس البدعة، أبو عبد الله محمد بن عيسى الجهمي. أحد من كان يناظر الإمام أحمد وقت المحنة. صنف كتاب 'الاستطاعة' وكتاب 'المقالات' وكتاب 'الاجتهاد' وكتاب 'الرد على جعفر\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٤٧).\n(٢) السير (١٠/ ٥٤٨).","vol":"8","page":269},{"text":"بن حرب' وكتاب 'المضاهاة'. (١)\n- وقال في أبي سعد السمان: نقل الإمام الذهبي عن ابن عساكر في ترجمة السمان أنه قال: وكان يذهب مذهب الحسن البصري، ومذهب الشيخ أبي هاشم، ودخل الشام والحجاز والمغرب، وقرأ على ثلاثة آلاف شيخ، وقصد أصبهان في آخر عمره لطلب الحديث.\nقال: وكان يقال في مدحه: إنه ما شاهد مثل نفسه، كان تاريخ الزمان وشيخ الإسلام.\nقلت -أي الذهبي-: وذكر أشياء في وصفه، وأنى يوصف من قد اعتزل وابتدع، وبالكتاب والسنة فقل ما انتفع. فهذا عبرة، والتوفيق فمن الله وحده.\nهتف الذكاء وقال لست بنافع ... إلا بتوفيق من الوهاب\nوأما قول القائل: كان يذهب مذهب الحسن، فمردود، قد كانت هفوة في ذلك من الحسن، وثبت أنه رجع عنها ولله الحمد. وأما أبو هاشم الجبائي، وأبوه أبو علي فمن رؤوس المعتزلة، ومن الجهلة بآثار النبوة، برعوا في الفلسفة والكلام، وما شموا رائحة الإسلام، ولو تغرغر أبو سعد بحلاوة الإسلام، لانتفع بالحديث. فنسأل الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا وتوحيدنا. (٢)\n- وقال في ابن الوليد: وكان ذا زهد وورع وقناعة. شاخ فكان ينقض من خشب بيته ما يمونه، وكان يلبس القطني الخام، وكان داعية إلى\n_________\n(١) السير (١٠/ ٥٥٤).\n(٢) السير (١٨/ ٥٨ - ٥٩).","vol":"8","page":270},{"text":"الاعتزال، وبه انحرف ابن عقيل. مات في ذي الحجة، سنة ثمان وسبعين وأربع مئة، وكان يدري المنطق جيدا. وما تنفع الآداب والبحث والذكاء، وصاحبها هاو بها في جهنم. (١)\n- وقال: ومن رؤوس المعتزلة البغداديين العلامة أبو موسى الفراء، ومات سنة ست وعشرين ومئتين، أرخه المسعودي.\nومنهم ابن كيسان الأصم، قديم تخرج به إبراهيم ابن علية في الكلام. ومنهم جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، وأبو غفار، وحسين النجار، والرقاش، وأبو سعيد بن كلاب، وقاسم بن الخليل الدمشقي صاحب التفسير، وثمامة بن أشرس النميري، وأشباههم ممن كان ذكاؤهم وبالا عليهم، ثم بينهم من الاختلاف والخباط أمر لا يخفى على أهل التقوى، فلا عقولهم اجتمعت، ولا اعتنوا بالآثار النبوية، كما اعتنى أئمة الهدى ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال في أبي القاسم عبد الواحد بن برهان العكبري: وكان يميل إلى مذهب مرجئة المعتزلة، ويعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار. (٤)\nقال الذهبي: حجته في خروج الكفار هو مفهوم العدد من قوله:\n_________\n(١) السير (١٨/ ٤٩٠).\n(٢) الأنعام الآية (٨١).\n(٣) السير (١٠/ ٥٥٥ - ٥٥٦).\n(٤) السير (١٨/ ١٢٥).","vol":"8","page":271},{"text":"﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ (١) ولا ينفعه ذلك لعموم قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ (٢) ولقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٣) إلى غير ذلك، وفي المسألة بحث عندي أفردتها في جزء. (٤)\n- وقال في محمد بن كرام: محمد بن كرام السجستاني المبتدع، شيخ الكرامية، كان زاهدا عابدا ربانيا، بعيد الصيت، كثير الأصحاب، ولكنه يروي الواهيات كما قال ابن حبان. خذل حتى التقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها، ثم جالس الجويباري، وابن تميم، ولعلهما قد وضعا مئة ألف حديث، وأخذ التقشف عن أحمد بن حرب. قلت: كان يقول: الإيمان هو نطق اللسان بالتوحيد، مجرد عن عقد قلب، وعمل جوارح. وقال خلق من الأتباع له: بأن الباري جسم لا كالأجسام، وأن النبي تجوز منه الكبائر سوى الكذب. وقد سجن ابن كرام، ثم نفي. وكان ناشفا عابدا، قليل العلم. قال الحاكم: مكث في سجن نيسابور ثماني سنين، ومات بأرض بيت المقدس سنة خمس وخمسين ومئتين. وكانت الكرامية كثيرين بخراسان. ولهم تصانيف، ثم قلوا وتلاشوا. نعوذ بالله من الأهواء. (٥)\n- عن أحمد الدورقي: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في هؤلاء الذين\n_________\n(١) النبأ الآية (٢٣).\n(٢) البقرة الآية (١٦٧).\n(٣) النساء الآية (١٦٩).\n(٤) السير (١٨/ ١٢٦).\n(٥) السير (١١/ ٥٢٣ - ٥٢٤).","vol":"8","page":272},{"text":"يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق؟ فرأيته استوى واجتمع، وقال: هذا شر من قول الجهمية. من زعم هذا، فقد زعم أن جبريل تكلم به بمخلوق، وجاء إلى النبي - ﷺ - بمخلوق.\nقال الإمام الذهبي ﵀: فقد كان هذا الإمام - أي أحمد بن محمد ابن حنبل- لا يرى الخوض في هذا البحث خوفا من أن يتذرع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى. آمنا بالله تعالى، وبملائكته، وبكتبه، ورسله، وأقداره، والبعث، والعرض على الله يوم الدين. ولو بسط هذا السطر، وحرر وقرر بأدلته لجاء في خمس مجلدات، بل ذلك موجود مشروح لمن رامه، والقرآن فيه شفاء ورحمة للمؤمنين، ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب، القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق، وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه. فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. والله أعلم. (١)\nقال الحافظ أبو بكر الأعين: مشايخ خرسان ثلاثة: قتيبة وعلي بن حجر ومحمد بن مهران الرازي. ورجالها أربعة: عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي ومحمد بن إسماعيل البخاري -قبل أن يظهر منه ما ظهر- ومحمد\n_________\n(١) السير (١١/ ٢٩٠).","vol":"8","page":273},{"text":"ابن يحيى وأبو رزعة.\nقلت: هذه دقة من الأعين، والذي ظهر من محمد -يعني البخاري- أمر خفيف من المسائل التي اختلف فيها الأئمة في القول في القرآن، وتسمى مسألة أفعال التالين، فجمهور الأئمة والسلف والخلف على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. وبهذا ندين الله تعالى، وبدعوا من خالف ذلك، وذهبت الجهمية والمعتزلة، والمأمون، وأحمد بن أبي دؤاد القاضي، وخلق من المتكلمين والرافضة إلى أن القرآن كلام الله المنزل مخلوق. وقالوا: الله خالق كل شيء، والقرآن شيء. وقالوا: تعالى الله أن يوصف بأنه متكلم. وجرت محنة القرآن، وعظم البلاء، وضرب أحمد بن حنبل بالسياط ليقول ذلك، نسأل الله السلامة في الدين. ثم نشأت طائفة، فقالوا: كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، ولكن ألفاظنا به مخلوقة، يعنون: تلفظهم وأصواتهم به، وكتابتهم له ونحو ذلك، وهو حسين الكرابيسي، ومن تبعه، فأنكر ذلك الإمام أحمد، وأئمة الحديث، وبالغ الإمام أحمد في الحط عليهم، وثبت عنه أن قال: اللفظية جهمية. وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي. ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع، وسد باب الخوض في هذا. وقال أيضا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن، فهو جهمي. وقالت طائفة: القرآن محدث كداود الظاهري ومن تبعه، فبدعهم الإمام أحمد، وأنكر ذلك، وثبت على الجزم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه من علم الله، وكَفَّر من قال بخلقه وبدَّع من قال بحدوثه، وبدع من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، ولم يأت عنه ولا عن السلف القول: بأن القرآن قديم. ما تفوه أحد","vol":"8","page":274},{"text":"منهم بهذا. فقولنا: قديم: من العبارات المحدثة المبتدعة. كما أن قولنا: هو محدث بدعة. وأما البخاري فكان من كبار الأئمة الأذكياء، فقال: ما قلت: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم، وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله غير مخلوق.\nوصنف في ذلك كتاب 'أفعال العباد' مجلد، فأنكر عليه طائفة، وما فهموا مرامه كالذهلي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي بكر الأعين، وغيرهم. ثم ظهر بعد ذلك مقالة الكلابية، والأشعرية، وقالوا: القرآن معنى قائم بالنفس، وإنما هذا المنزل حكايته وعبارته ودال عليه. وقالوا: هذا المتلو معدود متعاقب، وكلام الله تعالى لا يجوز عليه التعاقب، ولا التعدد. بل هو شيء واحد قائم بالذات المقدسة، واتسع المقال في ذلك، ولزم منه أمور وألوان، تركها -والله- من حسن الإيمان وبالله نتأيد. (١)\n-وقال في السير: قال عبد الله بن أحمد: فترحم عليه أبي -أي أبو بكر الأعين-، وقال: إني لأغبطه، مات وما يعرف إلا الحديث، لم يكن صاحب كلام.\nقلت: هكذا كان أئمة السلف، لا يرون الدخول في الكلام، ولا الجدال. بل يستفرغون وسعهم في الكتاب والسنة، والتفقه فيهما، ويتبعون ولا يتنطعون. (٢)\n- أخبرنا الإمام أبو الحسين علي بن محمد، أخبرنا جعفر بن علي،\n_________\n(١) السير (١١/ ٥١٠ - ٥١١).\n(٢) السير (١٢/ ١٢٠).","vol":"8","page":275},{"text":"أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ، أخبرنا ثابت بن بندار، أخبرنا أبو بكر البرقاني، قرأنا على أبي العباس بن حمدان، حدثكم محمد بن نعيم قال: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، وحيث تصرف، ولا نرى الكلام فيما أحدثوا فتكلموا في الأصوات والأقلام والحبر والورق، وما أحدثوا من المتلي والمُتلى والمقرئ، فكل هذا عندنا بدعة، ومن زعم أن القرآن محدث، فهو عندنا جهمي لا يشك فيه ولا يمترى.\nقال الذهبي: كذا قال: المتلي والمتلى، ومراده المتلي والتلاوة، والمقرئ والقراءة. ومذهب السلف وأئمة الدين أن القرآن العظيم المنزل كلام الله تعالى غير مخلوق. ومذهب المعتزلة أنه مخلوق، وأنه كلام الله تعالى على حد قولهم: عيسى كلمة الله، وناقة الله، أي إضافة ملك.\nومذهب داود وطائفة أنه كلام الله، وأنه محدث مع قولهم بأنه غير مخلوق.\nوقال آخرون من الحنابلة وغيرهم: هو كلام الله قديم غير محدث، ولا مخلوق. وقالوا: إذا لم يكن مخلوقا فهو قديم. ونوزعوا في هذا المعنى وفي إطلاقه.\nوقال آخرون: هو كلام الله مجازا، وهو دال على القرآن القديم القائم بالنفس.\nوهنا بحوث وجدال لا نخوض فيها أصلا. والقول هو ما بدأنا به، وعليه نص أزيد من ثلاث مئة إمام. وعليه امتحن الإمام أحمد، وضرب","vol":"8","page":276},{"text":"بالسياط ﵀. (١)\n- قال الذهبي -عقب قول ابن منده في مسألة الإيمان: صرح محمد بن نصر في كتاب الإيمان بأن الإيمان مخلوق، وأن الإقرار والشهادة وقراءة القرآن بلفظه مخلوق، ثم قال: وهجره على ذلك علماء وقته وخالفه أئمة خراسان والعراق-:\nقلت: الخوض في ذلك لا يجوز، وكذلك لا يجوز أن يقال: الإيمان، والإقرار، والقراءة، والتلفظ بالقرآن غير مخلوق، فإن الله خلق العباد وأعمالهم، والإيمان: فقول وعمل، والقراءة والتلفظ: من كسب القارئ، والمقروء الملفوظ: هو كلام الله ووحيه وتنزيله، وهو غير مخلوق، وكذلك كلمة الإيمان، وهي قول \"لا إله إلا الله، محمد رسول الله\" داخلة في القرآن، وما كان من القرآن فليس بمخلوق، والتكلم بها من فعلنا، وأفعالنا مخلوقة، ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له، قمنا عليه، وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة. (٢)\n- وقال: قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق والثاني باطل، فالحق أن يقول: إنه سميع بصير، مريد متكلم، حي عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليما، واتخذ إبراهيم خليلا، وأمثال\n_________\n(١) السير (١٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(٢) السير (١٤/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"8","page":277},{"text":"ذلك، فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويل يخالف ذلك. والظاهر الآخر وهو الباطل، والضلال: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه، تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له، ولا ضد له، ولا نظير له، ولا مثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي، والله أعلم. (١)\n- قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي صاحب مرآة الزمان: وفي ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمس مئة كان ما اشتهر من أمر الحافظ عبد الغني وإصراره على ما ظهر من اعتقاده وإجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره، وأنه مبتدع لا يجوز أن يترك بين المسلمين، فسأل أن يمهل ثلاثة أيام لينفصل عن البلد فأجيب.\nقلت -أي الذهبي-: قد بَلَوت على أبي المظفر المجازفة وقلة الورع فيما يؤرخه والله الموعد، وكان يترفض، رأيت له مصنفا في ذلك فيه دواه، ولو أجمعت الفقهاء على تكفيره كما زعم لما وسعهم إبقاؤه حيا، فقد كان على مقالته بدمشق أخوه الشيخ العماد والشيخ موفق الدين، وأخوه القدوة الشيخ أبو عمر، والعلامة شمس الدين البخاري، وسائر الحنابلة، وعدة من أهل الأثر، وكان بالبلد أيضا خلق من العلماء لا يكفرونه، نعم، ولا يصرحون بما أطلقه من العبارة لما ضايقوه، ولو كف عن تلك العبارات، وقال بما وردت به النصوص لأجاد ولسلم، فهو الأولى، فما في توسيع العبارات الموهمة خير،\n_________\n(١) السير (١٩/ ٤٤٩).","vol":"8","page":278},{"text":"وأسوأ شيء قاله أنه ضلل العلماء الحاضرين، وأنه على الحق، فقال كلمة فيها شر وفساد وإثارة للبلاء، رحم الله الجميع وغفر لهم، فما قصدهم إلا تعظيم الباري ﷿ من الطرفين، ولكن الأكمل في التعظيم والتنزيه الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنة، وهذا هو مذهب السلف ﵃. وبكل حال فالحافظ عبد الغني من أهل الدين والعلم والتأله والصدع بالحق، ومحاسنه كثيرة، فنعوذ بالله من الهوى والمراء والعصبية والافتراء، ونبرأ من كل مجسم ومعطل. (١)\n- وقال ﵀: وقد سئل أبو القاسم التيمي ﵀: هل يجوز أن يقال: لله حد أو لا؟ وهل جرى هذا الخلاف في السلف؟ فأجاب: هذه مسألة أستعفي من الجواب عنها لغموضها، وقلة وقوفي على غرض السائل منها، لكني أشير إلى بعض ما بلغني، تكلم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة، محصولها أن حد كل شيء موضع بينونته عن غيره، فإن كان غرض القائل: ليس لله حد: لا يحيط علم الحقائق به، فهو مصيب، وإن كان غرضه بذلك: لا يحيط علمه تعالى بنفسه فهو ضال، أو كان غرضه أن الله بذاته في كل مكان فهو أيضا ضال. قلت -أي الذهبي-: الصواب الكف عن إطلاق ذلك، إذ لم يأت فيه نص، ولو فرضنا أن المعنى صحيح، فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله خوفا من أن يدخل القلب شيء من البدعة، اللهم احفظ علينا إيماننا. (٢)\n_________\n(١) السير (٢١/ ٤٦٤).\n(٢) السير (٢٠/ ٨٥ - ٨٦).","vol":"8","page":279},{"text":"- وقال -يعني الغزالي-: ميزان الأعمال معيار يعبر عنه بالميزان، وإن كان لا يساوي ميزان الأعمال ميزان الجسم الثقيل، كميزان الشمس، وكالمسطرة التي هي ميزان السطور، وكالعروض ميزان الشعر.\nقلت: بل ميزان الأعمال له كفتان، كما جاء في الصحيح (١)، وهذا المعتقد -يشير إلى ما نقله الغزالي- غالبه صحيح، وفيه مما لم أفهمه، وبعضه فيه نزاع بين أهل المذاهب، ويكفي المسلم في الإيمان أن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والبعث بعد الموت، وأن الله ليس كمثله شيء أصلا، وأن ما ورد من صفاته المقدسة حق، يمر كما جاء، وأن القرآن كلام الله وتنزيله، وأنه غير مخلوق، إلى أمثال ذلك مما أجمعت عليه الأمة، ولا عبرة بمن شذ منهم، فإن اختلفت الأمة في شيء من مشكل أصول دينهم، لزمنا فيه الصمت، وفوضناه إلى الله، وقلنا: الله ورسوله أعلم، ووسعنا فيه السكوت. فرحم الله الإمام أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول. (٢)\n- وهو القائل في كتاب السنة -أي القصاب-: كل صفة وصف الله بها نفسه أو وصف بها نبيه فهي صفة حقيقة لا مجازا. قلت: نعم، لو كانت\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٢١٣؛٢٢١ - ٢٢٢) والترمذي (٥/ ٢٥/٢٦٣٩) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\" وابن ماجه (٢/ ١٤٣٧/٤٣٠٠) وابن حبان (١/ ٤٦١ - ٤٦٢/ ٢٢٥ الإحسان) والحاكم (١/ ٦؛٥٢٩) وقال في الموطن الأول: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي، وقال في الموطن الثاني: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. كلهم من طرق عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله - ﷺ -. فذكر حديث البطاقة.\n(٢) السير (١٩/ ٣٤٥ - ٣٤٦).","vol":"8","page":280},{"text":"صفاته مجازا لتحتم تأويلها ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ومعنى الحياة كذا، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إمرارها بلا تأويل، علم أنها غير محمولة على المجاز وأنها حق بين. (١)\n- وقد امتحن صاحب الترجمة -يعني رُوَيم- في نوبة غلام خليل، وقال عنه: أنا سمعته يقول: ليس بيني وبين الله حجاب. ففر إلى الشام واختفى زمانا.\nوأما الحجاب: فقول يسوغ باعتبار أن الله لا يحجبه شيء قط عن رؤية خلقه، وأما نحن فمحجوبون عنه في الدنيا، وأما الكفار فمحجوبون عنه في الدارين. أما إطلاق الحجب، فقد صح «أن حجابه النور» (٢) فنؤمن بذلك، ولا نجادل، بل نقف. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2884>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، ذاك المعثر الخارجي، ليس بأهل أن يروى عنه؛ وما أظن له رواية، وكان عابدا قانتا لله، لكنه ختم بشر، فقتل أمير المؤمنين عليا متقربا إلى الله بدمه بزعمه، فقطعت أربعته ولسانه، وسملت عيناه، ثم أحرق. نسأل الله العفو والعافية. (٤)\n- وجاء في ميزان الاعتدال عن عبد الله بن عمرو، قال: يأتي على الناس زمان يجتمعون في مساجدهم ليس فيهم مؤمن.\n_________\n(١) التذكرة (٣/ ٩٣٩).\n(٢) تقدم تخريجه من حديث أبي موسى. انظر مواقف محمد بن خفيف سنة (٣٧١هـ).\n(٣) السير (١٤/ ٢٣٥).\n(٤) الميزان (٢/ ٥٩٢).","vol":"8","page":281},{"text":"قال الذهبي رحمه: ومعناه أي مؤمن كامل الإيمان، فأراد: ليس فيهم مؤمن سليم من النفاق، بحيث أنه غير مرتكب صفات النفاق من إدمان الكذب والخيانة، وخلف الوعد والفجور والغدر، وغير ذلك. ونحن اليوم نرى الأمة من الناس من أعراب الدولة يجتمعون في المسجد وما فيهم مؤمن، بل ونحن منهم. نسأل الله توبة وإنابة إليه؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (١). وهذا باب واسع ينبغي للشخص أن يترفق فيه بأمة محمد - ﷺ -، فلا يسلبهم الإيمان والإسلام، كفعل الخوارج والمعتزلة المكفرة أهل القبلة بالكبائر، ولا ننعتهم بالإيمان الكامل كما فعلت المرجئة، فالمسلم هو من سلم المسلمون من لسانه ويده. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2885>موقفه من المرجئة:</span>\n- جاء في السير: قال هارون الحمال: \"ما رأيت أخشع لله من وكيع، وكان عبد المجيد أخشع منه\".\nقال الذهبي عقبه: خشوع وكيع مع إمامته في السنة جعله مقدما، بخلاف خشوع هذا المرجئ -عفا الله عنه- أعاذنا الله وإياكم من مخالفة السنة، وقد كان على الإرجاء عدد كثير من علماء الأمة، فهلا عد مذهبا، وهو قولهم: أنا مؤمن حقا عند الله الساعة مع اعترافهم بأنهم لا يدرون بما يموت عليه المسلم من كفر أو إيمان، وهذه قولة خفيفة، وإنما الصعب من\n_________\n(١) الحجرات الآية (١٤).\n(٢) الميزان (٣/ ٣٩).","vol":"8","page":282},{"text":"قول غلاة المرجئة: إن الإيمان هو الاعتقاد بالأفئدة، وإن تارك الصلاة والزكاة وشارب الخمر وقاتل الأنفس والزاني وجميع هؤلاء يكونون مؤمنين كاملي الإيمان، ولا يدخلون النار، ولا يعذبون أبدا، فردوا أحاديث الشفاعة المتواترة وجسروا كل فاسق وقاطع طريق على الموبقات، نعوذ بالله من الخذلان. (١)\n- وفيها: بعد ذكر حديث «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب ...» (٢) قال الذهبي: وفيه دليل على أن النفاق يتبعض ويتشعب، كما أن الإيمان ذو شعب ويزيد وينقص، فالكامل الإيمان من اتصف بفعل الخيرات، وترك المنكرات، وله قرب ماحية لذنوبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٣)، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ (٤) ودون هؤلاء خلق من المؤمنين، الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ودونهم عصاة المسلمين، ففيهم إيمان ينجون به من خلود عذاب الله تعالى، وبالشفاعة. ألا تسمع إلى\n_________\n(١) السير (٩/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\n(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٣٥٧) والبخاري (١/ ١٢٠/٣٣) ومسلم (١/ ٧٨/٥٩) والترمذي (٥/ ٢٠/٢٦٣١) والنسائي (٨/ ٤٩١/٥٠٣٦).\n(٣) الأنفال الآيات (٢ - ٤).\n(٤) المؤمنون الآيات (١ - ١١).","vol":"8","page":283},{"text":"الحديث المتواتر: «أنه يخرج من النار من في قلبه وزن ذرة من إيمان» (١).\nوكذلك شعب النفاق من الكذب، والخيانة، والفجور، والغدر، والرياء، وطلب العلم ليقال، وحب الرئاسة والمشيخة، وموادة الفجار والنصارى. فمن ارتكبها كلها وكان في قلبه غل النبي - ﷺ - أو حرج من قضاياه، أو يصوم رمضان غير محتسب، أو يجوز أن دين النصاري أو اليهود دين مليح ويميل إليهم؛ فهذا لا ترتب في أنه كامل النفاق، وأنه في الدرك الأسفل من النار، وصفاته الممقوتة عديدة في الكتاب والسنة من قيامه إلى الصلاة كسلان، وأدائه الزكاة وهو كاره، وإن عامل الناس فبالمكر والخديعة، قد اتخذ إسلامه جنة، نعوذ بالله من النفاق، فقد خافه سادة الصحابة على نفوسهم.\nفإن كان فيه شعبة من نفاق الأعمال، فله قسط من المقت حتى يدعها ويتوب منها، أما من كان في قلبه شك من الإيمان بالله ورسوله، فهذا ليس بمسلم، وهو من أصحاب النار، كما أن من في قلبه جزم بالإيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه وبالمعاد، وإن اقتحم الكبائر فإنه ليس بكافر، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٢).\nوهذه مسألة كبيرة جليلة قد صنف فيها العلماء كتبا، وجمع فيها الإمام\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٩٤) والبخاري (١٣/ ٥١٧ - ٥١٩/ ٧٤٣٩) ومسلم (١/ ١٦٧ - ١٧١/ ١٨٣) والترمذي (٤/ ٦١٥/٢٥٩٨) وقال: \"حديث حسن صحيح\". والنسائي (٨/ ٤٨٦ - ٤٨٧/ ٥٠٢٥) وابن ماجه (١/ ٢٣/٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(٢) التغابن الآية (٢).","vol":"8","page":284},{"text":"أبو العباس شيخنا مجلدا حافلا قد اختصرته. نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا حتى نوافيه به. (١)\n- قال معمر: قلت لحماد: كنت رأسا، وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا، قال: إني أن أكون تابعا في الحق خير من أن أكون رأسا في الباطل.\nقال الذهبي: يشير معمر إلى أنه تحول مرجئا إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرار باللسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي إن شاء الله، وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض، نسأل الله العافية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2886>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في السير: وقد كان المنصور يعظم ابن عبيد ويقول:\nكلكم يمشي رويد ... كلكم يطلب صيد\nغير عمرو بن عبيد\nقال الذهبي: اغتر بزهده وإخلاصه، وأغفل بدعته. (٣)\n- وفيها قال: وكان عبد الواحد -بن زيد البصري- صاحب فنون، داخلا في معاني المحبة والخصوص، قد بقي عليه شيء من رؤية الاكتساب، وفي ذلك شيء من أصول أهل القدر، فإن عندهم: لا نجاة إلا بعمل. فأما\n_________\n(١) السير (١١/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\n(٢) السير (٥/ ٢٣٣).\n(٣) السير (٦/ ١٠٥).","vol":"8","page":285},{"text":"أهل السنة فيحضون على الاجتهاد في العمل، وليس به النجاة وحده دون رحمة الله. وكان عبد الواحد لا يطلق: إن الله يضل العباد، تنزيها له، وهذه بدعة. (١)\n- وفيها: عن أبي عوانة قال: دخلت على همام بن يحيى وهو مريض، أعوده، فقال لي: يا أبا عوانة، ادع الله أن لا يميتني حتى يبلغ ولدي الصغار. فقلت: إن الأجل قد فرغ منه، فقال لي: أنت بعد في ضلالك.\nقال الذهبي: بئس المقال هذا، بل كل شيء بقدر سابق، ولكن وإن كان الأجل قد فرغ منه، فإن الدعاء بطول البقاء قد صح. دعا الرسول - ﷺ - لخادمه أنس بطول العمر (٢)،\nوالله يمحو ما يشاء ويثبت. فقد يكون طول العمر في علم الله مشروطا بدعاء مجاب، كما أن طيران العمر قد يكون بأسباب جعلها من جور وعسف، و«لا يرد القضاء إلا الدعاء» (٣) والكتاب الأول، فلا يتغير. (٤)\n_________\n(١) السير (٧/ ١٨٠).\n(٢) أخرجه بلفظ: «وأطل عمره»: البخاري في الأدب المفرد (٦٥٣) (انظر صحيح الأدب (٢٤٣ - ٢٤٤» وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٩) والفسوي في المعرفة (٢/ ٥٣٢).\n\nوأخرجه بدونها: أحمد (٣/ ١٠٨) والبخاري (١١/ ١٧٤/٦٣٤٤) ومسلم (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨/ ٦٦٠) والترمذي (٥/ ٦٣٩ - ٦٤٠/ ٣٨٢٧).\n(٣) أخرج هذا اللفظ من حديث سلمان: الترمذي (٤/ ٣٩٠/٢١٣٩) والشهاب القضاعي في مسنده (٢/ ٣٦ - ٣٧/ ٨٣٢ و٨٣٣) وهو حديث حسن للشاهد من حديث ثوبان وهو عند: أحمد (٥/ ٢٧٧،٢٨٠،٢٨٢) وابن ماجه (١/ ٣٥/٩٠) والحاكم (١/ ٤٩٣). قال البوصيري في الزوائد (١/ ٥٤): \"وسألت شيخنا أبا الفضل العراقي ﵀ عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن\". وفي حديث ثوبان زيادة «وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب ...» وهي ضعيفة (انظر الصحيحة (١/ ١٥٤).\n(٤) السير (٨/ ٢١٩ - ٢٢٠).","vol":"8","page":286},{"text":"- وفيها: قال في عبد الوارث بن سعيد: وكان عالما مجودا، من فصحاء أهل زمانه، ومن أهل الدين والورع، إلا أنه قدري مبتدع. (١)\n- وقال ﵀ في النظام: شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف، أبو إسحاق إبراهيم بن سيار مولى آل الحارث بن عباد الضبعي البصري المتكلم. تكلم في القدر، وانفرد بمسائل، وهو شيخ الجاحظ. وكان يقول: إن الله لا يقدر على الظلم ولا الشر، ولو كان قادرا، لكنا لا نأمن وقع ذلك، وإن الناس يقدرون على الظلم، وصرح بأن الله لا يقدر على إخراج أحد من جهنم، وأنه ليس يقدر على أصلح مما خلق.\nقال الذهبي: القرآن والعقل الصحيح يكذبان هؤلاء، ويزجرانهم عن القول بلا علم، ولم يكن النظام ممن نفعه العلم والفهم، وقد كفره جماعة. وقال بعضهم: كان النظام على دين البراهمة المنكرين للنبوة والبعث، ويخفي ذلك. (٢)\n\nأبو فارس عبد العزيز بن محمد (٣) (٧٥٠ هـ)\nالعالم الصالح والإمام الفاضل أبو فارس عبد العزيز بن محمد القروي الفاسي. أكبر تلاميذ أبي الحسن الصغير ومن المكثرين عنه، وعنه أخذ أبو عمران العبدوسي وغيره. له تقييد على المدونة. جاء في الفكر السامي: قال\n_________\n(١) السير (٨/ ٣٠١).\n(٢) السير (١٠/ ٥٤١ - ٥٤٢).\n(٣) شجرة النور الزكية (١/ ٢٢١) والفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (٤/ ٢٨٤).","vol":"8","page":287},{"text":"السلطان أبو الحسن المريني للمترجم: وليناك مع عامل الزكاة، فقال له: أما تستحيي من الله، تأخذ لقبا من ألقاب الشريعة، وتضعه على مغرم من المغارم، فضربه السلطان بسكين مغمد كان يعتاد حمله بيده، ثم تحلل منه فسامحه.\nتوفي ﵀ سنة خمسين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2888>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في المعيار المعرب: وسئل الشيخ الصالح أبو فارس عبد العزيز بن محمد القيرواني تلميذ سيدي أبي الحسن الصغير عن قوم تسموا بالفقراء يجتمعون على الرقص والغنا، فإذا فرغوا من ذلك أكلوا طعاما كانوا أعدوه للمبيت عليه، ثم يصلون ذلك بقراءة عشر من القرآن والذكر، ثم يغنون ويرقصون ويبكون، ويزعمون في ذلك كله أنهم على قربة وطاعة، ويدعون الناس إلى ذلك، ويطعنون على من لم يأخذ بذلك من أهل العلم، ونساء اقتفين في ذلك أثرهم، وعملن في ذلك على نحو عملهم. وقوم استحسنوا ذلك وصوبوا فيه رأيهم. فما الحكم فيهم وفيمن رأى رأيهم هل تجوز إمامتهم وتقبل شهادتهم أم لا؟ بينوا لنا ذلك.\nفأجاب: بأن قال: الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة على محمد خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين، أكرمكم الله وإيانا بتقواه، ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، لاتباع سنة نبينا محمد - ﷺ - حتى نلقاه، قد وقفنا على ما رستم (١) وتصفحنا فصوله. فالجواب فيه ما قاله بعض أيمة الدين، من علماء المسلمين\n_________\n(١) كذا بالأصل ولعلها: رسمتم.","vol":"8","page":288},{"text":"الناصحين، حين سئلوا عن ذلك، من أن رسول الله - ﷺ - أخبر: أن بني إسرائيل افترقت على اثنين وسبعين فرقة، وأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة اثنان وسبعون في النار وواحدة في الجنة (١)، وقد ظهر ما أخبر به - ﷺ - من افتراق أمته على هذه الفرق، وتبين صدقه - ﷺ - وتحقق. ولم يكن أحد في مغربنا من هذه الطوائف فيما سلف، إلى أن ظهرت هذه الطائفة الأمية الجاهلة الغبية، الذين ولعوا بجمع أقوام جهال فتصدوا إلى العوام الذين صدورهم سالمة، وعقولهم قاصرة، فدخلوا عليهم من طريق الدين، وأنهم لهم من الناصحين وأن هذه الطريق التي هم عليها هي طريق المحبين، فصاروا يحضونهم على التوبة والإيثار والمحبة وصدق الأخوة، وإماتة الحظوظ والشهوة وتفريغ القلب إلى الله بكلية، وصرفه إليه بالقصد والنية. وهذه الخصال محمودة في الدين فاضلة، إلا أن الذي في ضمنه على مذاهب القوم سموم قاتلة، وطامات هائلة. وهذه الطائفة أشد ضررا على المسلمين من مردة الشياطين، وهي أصعب الطوائف للعلاج، وأبعدها عن فهم طرق الاحتجاج، لأنهم أول أصل أصلوه في مذهبهم، بغض العلماء والتنفير عنهم، ويزعمون أنهم عندهم قطاع الطريق المحجوبون بعلمهم عن رتبة التحقيق، فمن كان هذه حالته، سقطت مكالمته. وبعدت معالجته، فليس للكلام معه فائدة، والمتكلم معه يضرب في حديد بارد.\nوإنما كلامنا مع من لم ينغمس في خابيتهم، ولم يسقط في مهواتهم، لعله يسلم من عاديتهم، وينجو من غاويتهم.\nواعلموا أن هذه البدعة في فساد عقائد العوام، أسرع من سريان السم\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف يوسف بن أسباط سنة (١٩٥هـ).","vol":"8","page":289},{"text":"في الأجسام، وأنها أضر في الدين من الزنى والسرقة وسائر المعاصي والآثام، فإن هذه المعاصي كلها معلوم قبحها، عند من يرتكبها ويجتلبها، فلا يلبس مرتكبها على أحد، وترجى له التوبة منها والإقلاع عنها. وصاحب هذه البدعة يرى أنها أفضل الطاعات، وأعلى القربات، فباب التوبة عنده مسدود، وهو عنه شرود مطرود. فكيف ترجى له منها التوبة، وهو يعتقد أنها طاعة وقربة، بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (١)، وممن قال فيهم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ (٢). ثم ضرر المعاصي إنما هي في أعمال الجوارح الظاهرة، وضرر هذه البدع إنما هي في الأصول التي هي العقائد الباطنة، فإذا فسد الأصل، ذهب الفرع والأصل، وإذا فسد الفرع بقي الأصل يرجى أن ينجبر الفرع وإن لم ينجبر الفرع، لم تذهب منفعة الأصل. ثم إن الذي يغوي الناس ويدعوهم إلى بدعته، يكون عليه وزره ووزر من استن بسنته، قال الله العظيم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ\n_________\n(١) الكهف الآيتان (١٠٣ و١٠٤).\n(٢) فاطر الآية (٨).","vol":"8","page":290},{"text":"أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ (١)\nوقال رسول الله - ﷺ -: «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٢). ولا تنشأ هذه العلل إلا من مرض في القلب خفي، أو حمق جلي، فاحذروها واحذروا أهلها. ولا تغتروا بهم ولو أنهم يطيرون في الهواء، ويمشون على الماء، فإن ذلك فتنة لمن أراد الله فتنته، وعلم شقوته. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٣). فلا يغتر أحدكم بما يظهر من الأوهام والخيالات، من أهل البدع والضلالات، ويعتقد بأنها كرامات، بل هي شرك وحبالات، نصبها الشيطان ليقتنص بها معتقد البدع ومرتكب الشهوات، وإنما تكون من الله الكرامة لمن ظهرت منه الاستقامة، وإنما تكون الاستقامة باتباع الكتاب والسنة، والعمل بما كان عليه سلف هذه الأمة، فمن لم يسلك طريقهم، ولم يتبع سبيلهم، فهو ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ (٤).اهـ (٥)\n_________\n(١) العنكبوت الآية (١٣) ..\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف صديق حسن خان سنة (١٣٠٧هـ).\n(٣) المائدة الآية (٤١).\n(٤) النساء الآية (١١٥).\n(٥) المعيار المعرب (١١/ ٢٩ - ٣٢).","vol":"8","page":291},{"text":"محمد بن منظور (١) (٧٥٠ هـ)\nمحمد بن عبيد الله بن محمد بن يوسف بن منظور القيسي أبو بكر المالقي وأصله من إشبيلية. قرأ على الأستاذ أبي محمد بن السداد الباهلي، وسمع على مالك بن المرحل وأبي عبد الله بن الأديب وأبي عبد الله بن رشد وأبي العباس بن خميس وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أمين الأقشهري الفارسي وغيرهم.\nولي قضاء طرابلس وكان صدرا رئيسا فاضلا في الأدب، مليح الإنشاء، كان عارفا بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة. وله تصانيف منها: 'التبر المسبوك في شعر الخلفاء والملوك' و'خواص سور القرآن' و'الرد على المضنون به على غير أهله' و'أربعون حديثا في الرقائق بأسانيدها' و'نوازل أبي عبد الله بن منظور' وله شعر مقبول.\nوكانت وفاته في صفر سنة خمسين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2890>موقفه من الصوفية:</span>\n- له الرد على المضنون به على غير أهله للغزالي ذكره في الدرر الكامنة. (٢)\n_________\n(١) الدرر الكامنة (٤/ ٣٧) والأعلام (٦/ ٢٦٠).\n(٢) (٤/ ٣٧).","vol":"8","page":292},{"text":"العلامة ابن القيم (١) (٧٥١ هـ)\nالشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي بل المجتهد المطلق المفسر النحوي الأصولي، الشهير بابن قيم الجوزية، وإمامها. ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة. وسمع الحديث واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة لا سيما علم التفسير والحديث والأصلين. سمع من التقي سليمان وأبي بكر بن عبد الدائم وابن الشيرازي وإسماعيل بن مكتوم وطبقتهم. وقرأ الفقه على المجد الحراني وشيخ الإسلام ابن تيمية وقرأ أيضا على ابن أبي الفتح والصفي الهندي وعدة. ولما عاد الشيخ تقي الدين ابن تيمية من مصر سنة اثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ فأخذ عنه علما جما. فصار فريدا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلا ونهارا. قال ابن كثير: وكان حسن القراءة والخلق، كثير التودد لا يحسد أحدا ولا يؤذيه، ولا يستعيبه ولا يحقد على أحد، وكنت من أصحب الناس له، وأحب الناس إليه، ولا أعرف في هذا العالم من زماننا أكثر عبادة منه. وقال ابن رجب: كان ﵀ ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علما، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان أعلم منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧) والدرر الكامنة (٣/ ٤٠٠ - ٤٠٣) والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥) والدر المنضد للعليمي (٢/ ٥٢١ - ٥٢٣) وشذرات الذهب (٦/ ١٦٨ - ١٧٠) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧ - ٤٥٢).","vol":"8","page":293},{"text":"أر في معناه مثله. وقال ابن حجر: كان جريء الجنان، واسع العلم، عارفا بالخلاف ومذاهب السلف. وقال الشوكاني: برع في شتى العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتبحر في معرفة مذاهب السلف. وله مصنفات قيمة بلغت ستا وتسعين مؤلفا، منها: 'زاد المعاد' و'إعلام الموقعين' و'بدائع الفوائد' وغيرها. مات رحمه الله تعالى في ثالث عشر من شهر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وعاش ستين سنة وكانت جنازته حافلة جدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2892>موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الإمام أحد التلامذة البررة لشيخ الإسلام ابن تيمية. نفعه الله بشيخ الإسلام فاستفاد منه العلم والعمل، أحيا كتب الشيخ ودعوته بعد وفاته ودافع عن العقيدة السلفية بقدر ما استطاع، ألف في ذلك الكتب القيمة التي سارت بها الركبان واستفاد منها الأنام، ولم يكن كغيره بالناقل المار الجامع، ولكن كان الناقد الفقيه المحلل. إذا تكلم في مسألة يظن القارئ له أنه لا يحسن غيرها لما يراه من كثرة العلم والحجج وكأنه بحر تتلاطم أمواجه لا تقف أمامه حبيبات الرمال (المبتدعة)، وكأن السنة والكتاب وضعت بين عينيه يأخذ منهما ما يشاء، إن تكلم في اللغة فهو الخليل فيها، وإن تكلم في التفسير فابن جرير قرينه، وإن تكلم في الحديث فالبخاري زميله. وهكذا في كل فن يقارن بأكبر أربابه. ولما له من هذه المكانة، اعترف بفضله وعلمه وحفظه كل من ترجم له حتى الأقران الذين يغلب عليهم التنافس، إلا من في قلبه مرض، فهؤلاء لا يُؤبَه لهم ولا لكلامهم، على حَدِّ قول القائل: القافلة تسير والكلاب تنبح، وكما جاء في الرسالة: ولا يستنجى من ريح.","vol":"8","page":294},{"text":"فالشعوبي الخبيث الذي سخر لسانه في ثلب أئمة السلف، وعلى رأسهم الإمامان الحافظان الكبيران ابن تيمية وابن القيم -قد استوفى الشيخ الفاضل بكر أبو زيد الكلام في الرد على هذا المذموم في كتابه القيم 'ابن القيم وآثاره'، وقد طبع الكتاب واستفاد الناس منه فجزاه الله خيرا. والكلام على الإمام ابن القيم شيق جدا، وأكتفي بالإشارة في ذلك.\n- جاء في الدرر الكامنة: وكان جريء الجنان واسع العلم عارفا بالخلاف ومذاهب السلف، وغلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك. وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه. وكان له حظ عند الأمراء المصريين، واعتقل مع ابن تيمية بالقلعة بعد أن أهين وطيف به على جمل مضروبا بالدرة، فلما مات أفرج عنه، وامتحن مرة أخرى بسبب فتاوى ابن تيمية، وكان ينال من علماء عصره وينالون منه. قال الذهبي في المختص: حبس مرة لإنكاره شد الرحل لزيارة قبر الخليل، ثم تصدر للأشغال ونشر العلم. (١)\nله آثار سلفية تدل على غزارة علمه وقد بينتها في كتابي 'المصادر العلمية في الدفاع عن العقيدة السلفية' والحمد لله رب العالمين.\nومن أقواله ﵀:\n- وكل من أصل أصلا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها؛ فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلا غير ما جاء به الرسول، فهو أصلهم الذي عليه يعولون، وجنتهم التي إليها\n_________\n(١) الدرر الكامنة (٣/ ٤٠١) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٨).","vol":"8","page":295},{"text":"يرجعون. (١)\n- وقال: وذكر الصراط المستقيم مفردا، معرفا تعريفين: تعريفا باللام، وتعريفا بالإضافة. وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه صراط واحد. وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها، كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢) فوحد لفظ الصراط وسبيله. وجمع السبل المخالفة له. وقال ابن مسعود: خط لنا رسول الله - ﷺ - خطا، وقال: «هذا سبيل الله»، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره، وقال: «هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿أن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ \" (٣). وهذا لأن الطريق الموصل إلى الله واحد؛ وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق. ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متصل بالله، موصل إلى الله.\n_________\n(١) شفاء العليل (١/ ٤٨).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف الإمام مالك سنة (١٧٩هـ).","vol":"8","page":296},{"text":"قال الله تعالى: ﴿هذا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال: ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه، مريدا لسلوك طريق مرافقه فيها في غاية القلة والعزة. والنفوس مجبولة على وحشة التفرد، وعلى الأنس بالرفيق، نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم هم الذين: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣). فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له. وهم الذين أنعم الله عليهم، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم. فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له. فإنهم هم الأقلون قدرا، وإن كانوا الأكثرين عددا، كما قال بعض السلف: عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين. وإياك وطريق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين (٤). وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق. واحرص على اللحاق بهم. وغض الطرف عمن سواهم. فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا. وإذا صاحوا بك في طريق سيرك، فلا تلتفت إليهم. فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك. وقد ضربت لذلك مثلين. فليكونا منك على بال:\n_________\n(١) الحجر الآية (٤١).\n(٢) مدارج السالكين (١/ ١٤ - ١٥).\n(٣) النساء الآية (٦٩).\n(٤) تقدم من قول الفضيل بن عياض ﵀.","vol":"8","page":297},{"text":"المثل الأول: رجل خرج من بيته إلى الصلاة، لا يريد غيرها. فعرض له في طريقه شيطان من شياطين الإنس، فألقى عليه كلاما يؤذيه فوقف ورد عليه وتماسكا فربما كان شيطان الإنس أقوى منه، فقهره، ومنعه عن الوصول إلى المسجد حتى فاتته الصلاة. وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس، ولكن اشتغل بمهاوشته عن الصف الأول، وكمال إدراك الجماعة. فإن التفت إليه أطمعه في نفسه، وربما فترت عزيمته. فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز بقدر التفاته أو أكثر، فإن أعرض عنه واشتغل بما هو بصدده، وخاف فوت الصلاة أو الوقت، لم يبلغ عدوه منه ما شاء.\nالمثل الثاني: الظبي أشد سعيا من الكلب، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه، فيدركه الكلب فيأخذه.\nوالقصد: أن في ذكر هذا الرفيق، ما يزيل وحشة التفرد، ويحث على السير والتشمير للحاق بهم.\nوهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت: «اللهم اهدني فيمن هديت» (١) أي أدخلني في هذه الزمرة، واجعلني رفيقا لهم ومعهم. (٢)\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ١٩٩،٢٠٠) وأبو داود (٢/ ١٣٣ - ١٣٤/ ١٤٢٥) والترمذي (٢/ ٣٢٨/٤٦٤) وقال: \"هذا حديث حسن\". والنسائي (٣/ ٢٧٥/١٧٤٤ - ١٧٤٥) وابن ماجه (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣/ ١١٧٨) وابن خزيمة (٢/ ١٥١ - ١٥٢/ ١٠٩٥ - ١٠٩٦) وابن حبان (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩/ ٧٢٢) وفي (٣/ ٢٢٥/٩٤٥) والحاكم (٣/ ١٧٢) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إلا أن محمد بن جعفر ابن أبي كثير قد خالف إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة في إسناده\" كلهم من طريق أبي الحوراء عن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله - ﷺ - كلمات أقولهن في قنوت الوتر فذكره.\n(٢) مدارج السالكين (١/ ٢١ - ٢٢).","vol":"8","page":298},{"text":"- وقال: ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (١).\nوهذا دليل قاطع على أنه يجب رد موارد النزاع في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله إلى الله ورسوله، لا إلى أحد غير الله ورسوله، فمن أحال الرد على غيرهما فقد ضاد أمر الله، ومن دعا عند النزاع إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد دعا بدعوى الجاهلية، فلا يدخل العبد في الإيمان حتى يرد كل ما تنازع فيه المتنازعون إلى الله ورسوله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ وهذا مما ذكرناه آنفا شرط ينتفي المشروط بانتفائه، فدل على أن من حكم غير الله ورسوله في موارد مقتضى النزاع كان خارجا من مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر، وحسبك بهذه الآية القاصمة العاصمة بيانا وشفاء، فإنها قاصمة لظهور المخالفين لها، عاصمة للمتمسكين بها الممتثلين لما أمرت به، قال الله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِن اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).\nوقد اتفق السلف والخلف على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته. (٣)\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) الأنفال الآية (٤٢).\n(٣) الرسالة التبوكية (١٣٣ - ١٣٤).","vol":"8","page":299},{"text":"- وقال: وقال تعالى لرسوله - ﷺ -: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (١).\nفهذا نص صريح في أن هدى الرسول - ﷺ - إنما حصل بالوحي، فيا عجبا كيف يحصل الهدى لغيره من الآراء والعقول المختلفة والأقوال المضطربة؟ ولكن من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.\nفأي ضلال أعظم من ضلال من يزعم أن الهداية لا تحصل بالوحي، ثم يحيل فيها على عقل فلان ورأي فلتان؟ وقول زيد وعمرو؟ فلقد عظمت نعمة الله على عبد عافاه من هذه البلية العظمى والمصيبة الكبرى، والحمد لله رب العالمين.\nوقال تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (٢).\nفأمر سبحانه باتباع ما أنزل على رسوله، ونهى عن اتباع غيره، فما هو إلا اتباع المنزل، أو اتباع أولياء من دونه، فإنه لم يجعل بينهما واسطة، فكل من لا يتبع الوحي فإنما اتبع الباطل، واتبع أولياء من دون الله، وهذا بحمد الله ظاهر لا خفاء به. (٣)\n_________\n(١) سبأ الآية (٥٠).\n(٢) الأعراف الآيات (١ - ٣).\n(٣) الرسالة التبوكية (١٤١ - ١٤٢).","vol":"8","page":300},{"text":"- وقال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَن اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ﴾ تُحْشَرُونَ (١)، فتضمنت هذه الآية أمورا، أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات. فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرا وباطنا. فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان. ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول، فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول. (٢)\n- وقال: قال الله تعالى: ﴿وكذلك نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (٤). الآية.\nوالله تعالى قد بين في كتابه سبيل المؤمنين مفصلة، وسبيل المجرمين مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء وأعمال\n_________\n(١) الأنفال الآية (٢٤).\n(٢) الفوائد (١١٤ - ١١٥).\n(٣) الأنعام الآية (٥٥).\n(٤) النساء الآية (١١٥).","vol":"8","page":301},{"text":"هؤلاء، وأولياء هؤلاء، وأولياء هؤلاء، وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء والأسباب التي خذل بها هؤلاء، وجلا سبحانه الأمرين في كتابه وكشفهما وأوضحهما وبينهما غاية البيان، حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام.\nفالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلى مقصوده والطريق الموصل إلى الهلكة. فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس وأنصحهم لهم وهم الأدلاء الهداة، وبذلك برز الصحابة على جميع من أتى بعدهم إلى يوم القيامة، فإنهم نشأوا في سبيل الضلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلى الهلاك وعرفوها مفصلة، ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى وصراط الله المستقيم، فخرجوا من الظلمة الشديدة إلى النور التام، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الظلم إلى العدل، ومن الحيرة والعمى إلى الهدى والبصائر، فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به، ومقدار ما كانوا فيه. فإن الضد يظهر حسنه الضد، وإنما تتبين الأشياء بأضدادها. فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه، ونفرة وبغضا لما انتقلوا عنه، وكانوا أحب الناس في التوحيد والإيمان والإسلام وأبغض الناس في ضده، عالمين بالسبيل على التفصيل.\nوأما من جاء بعد الصحابة، فمنهم من نشأ في الإسلام غير عالم تفصيل ضده، فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين، فإن اللبس إنما يقع إذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما كما قال عمر بن الخطاب: إنما","vol":"8","page":302},{"text":"تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا من كمال علم عمر ﵁، فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها، وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول - ﷺ - فإنه من الجاهلية، فإنها منسوبة إلى الجهل، وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل.\nفمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل، أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها وكفر من خالفها واستحل منه ما حرمه الله ورسوله كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها.\nوالناس في هذا الموضع أربع فرق:\nالفرقة الأولى: من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علما وعملا، وهؤلاء أعلم الخلق.\nالفرقة الثانية: من عميت عنه السبيلان من أشباه الأنعام. وهؤلاء بسبيل المجرمين أحضر ولها أسلك.\nالفرقة الثالثة: من صرف عنايته إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدها فهو يعرف ضدها من حيث الجملة والمخالفة، وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين فهو باطل وإن لم يتصوره على التفصيل، بل إذا سمع شيئا مما خالف سبيل المؤمنين صرف سمعه عنه ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه،","vol":"8","page":303},{"text":"وهو بمنزلة من سلمت نفسه من إرادة الشهوات فلم تخطر بقلبه ولم تدعه إليها نفسه، بخلاف الفرقة الأولى، فإنهم يعرفونها وتميل إليها نفوسهم ويجاهدونها على تركها لله.\nوقد كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسألة أيهما أفضل: رجل لم تخطر له الشهوات ولم تمر بباله، أو رجل نازعته إليها نفسه فتركها لله؟ فكتب عمر: إن الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله عزوجل من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم.\nوهكذا من عرف البدع والشرك والباطل وطرقه فأبغضها لله وحذرها وحذر منها ودفعها عن نفسه ولم يدعها تخدش وجه إيمانه ولاتورثه شبهة ولا شكا، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له، وكراهة لها ونفرة عنها، أفضل ممن لا تخطر بباله ولا تمر بقلبه. فإنه كلما مرت بقلبه وتصورت له ازداد محبة للحق ومعرفة بقدره وسرورا به، فيقوى إيمانه به. كما أن صاحب خواطر الشهوات والمعاصي كلما مرت به فرغب عنها إلى ضدها ازداد محبة لضدها ورغبة فيه وطلبا له وحرصا عليه، فما ابتلى الله سبحانه عبده المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي وميل نفسه إليها إلا ليسوقه بها إلى محبة ما هو أفضل منها وخير له وأنفع وأدوم، وليجاهد نفسه على تركها له سبحانه فتورثه تلك المجاهدة الوصول إلى المحبوب الأعلى. فكلما نازعته نفسه إلى تلك الشهوات واشتدت إرادته لها وشوقه إليها، صرف ذلك الشوق والإرادة والمحبة إلى النوع العالي الدائم، فكان طلبه له أشد وحرصه عليه أتم، بخلاف النفس الباردة الخالية من ذلك، فإنها وإن كانت طالبة للأعلى لكن بين","vol":"8","page":304},{"text":"الطلبين فرق عظيم. ألا ترى أن من مشى إلى محبوبه على الجمر والشوك أعظم ممن مشى إليه راكبا على النجائب، فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها إلى غيره، فهو سبحانه يبتلي عبده بالشهوات، إما حجابا له عنه، أوحاجبا له يوصله إلى رضاه وقربه وكرامته.\nالفرقة الرابعة: فرقة عرفت سبيل الشر والبدع والكفر مفصلة، وسبيل المؤمنين مجملة، وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع، فعرفها على التفصيل ولم يعرف ما جاء به الرسول كذلك، بل عرفه معرفة مجملة وإن تفصلت له في بعض الأشياء. ومن تأمل كتبهم رأى ذلك عيانا. وكذلك من كان عارفا بطرق الشر والظلم والفساد على التفصيل سالكا لها، إذا تاب ورجع عنها إلى سبيل الأبرار يكون علمه بها مجملا غير عارف بها على التفصيل معرفة من أفنى عمره في تصرفها وسلوكها.\nوالمقصود أن الله سبحانه يحب أن تعرف سبيل أعدائه لتجتنب وتبغض، كما يحب أن تعرف سبيل أوليائه لتحب وتسلك. وفي هذه المعرفة من الفوائد والأسرار ما لا يعلمه إلا الله من معرفة عموم ربوبيته سبحانه وحكمته وكمال أسمائه وصفاته وتعلقها بمتعلقاتها واقتفائها لآثارها وموجباتها. وذلك من أعظم الدلالة على ربوبيته وملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه، والله أعلم. (١)\n_________\n(١) الفوائد (١٤٢ - ١٤٥).","vol":"8","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2893>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀: ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار، وغيرة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك. ولكن ما لجرح بميت إيلام، فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم.\nفلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعا سجدا يبتغون فضلا من الميت ورضوانا، وقد ملئوا أكفهم خيبة وخسرانا، فلغير الله، بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولى العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام، الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت","vol":"8","page":306},{"text":"الحرام، ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود. ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: لا، ولو بحجك كل عام.\nهذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم، إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال. وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح، كما تقدم. وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه لما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه. وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته. والشر والضلال في معصيته ومخالفته. (١)\n- وقال: فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا، لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله - ﷺ - بالأمصار عدد\n_________\n(١) إغاثة اللهفان (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥).","vol":"8","page":307},{"text":"كثير وهم متوافرون. فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استسقى به، ولا استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه.\nوحينئذ، فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا يكون، فإن كان أفضل، فكيف خفي علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، وتظفر به الخلوف علما وعملا؟ ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبت بكل سبب، وإن كان فيه كراهة، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه؟ هذا محال طبعا وشرعا.\nفتعين القسم الآخر. وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ولا مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد. ومثل هذا مما لا يشرعه الله ورسوله ألبتة، بل استحباب الدعاء عندها شرع عبادة لم يشرعها الله. ولم ينزل بها سلطانا. وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير. (١)\nوقال: ومن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب لأهل الشرك قبر معظم يعظمه الناس، ثم يجعله وثنا يعبد من دون الله، ثم يوحي إلى أوليائه: أن من نهى عن عبادته واتخاذه عيدا وجعله وثنا فقد تنقصه، وهضم حقه، فيسعى\n_________\n(١) إغاثة اللهفان (١/ ٣١٩ - ٣٢٠).","vol":"8","page":308},{"text":"الجاهلون المشركون في قتله وعقوبته ويكفرونه. وذنبه عند أهل الشرك: أمره بما أمر الله به ورسوله، ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله من جعله وثنا وعيدا، وإيقاد السرج عليه، وبناء المساجد والقباب عليه وتجصيصه، وإشادته وتقبيله، واستلامه، ودعائه، أو الدعاء به، أو السفر إليه، أو الاستعانة به من دون الله، مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله: من تجريد التوحيد به وأن لا يعبد إلا الله، فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية. وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، وسرى ذلك في نفوس الجهال والطغام، وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم ونفروا الناس عنهم. ووالوا أهل الشرك وعظموها. وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله. ويأبى الله ذلك. فما كانوا أولياءه. إن أولياؤه إلا المتبعون له الموافقون له، العارفون بما جاء به، الداعون إليه، لا المتشبعون بما لم يعطوا، لابسو ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن سنة نبيهم، ويبغونها عوجا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط الله المستقيم -صراط أهل نعمته ورحمته وكرامته- أن النهي عن اتخاذ القبور أوثانا وأعيادا وأنصابا، والنهي عن اتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها، والسفر إليها، والنذر لها، واستلامها، وتقبيلها، وتعفير الجباه في عرصاتها غض من أصحابها، ولا تنقيص لهم، ولا تنقص. كما يحسبه أهل الشرك والضلال. بل ذلك من إكرامهم وتعظيمهم واحترامهم ومتابعتهم فيما يحبونه، وتجنب ما يكرهونه.\nفأنت والله وليهم","vol":"8","page":309},{"text":"ومحبهم، وناصر طريقتهم وسنتهم، وعلى هديهم ومنهاجهم. وهؤلاء المشركون أعصى الناس لهم، وأبعدهم من هديهم ومتابعتهم. كالنصارى مع المسيح، واليهود مع موسى، والرافضة مع علي، وأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١) و﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٢).\nفاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه، وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هي باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع، والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم، دون عبادة قبورهم، والعكوف عليها، واتخاذها أعيادا. فإن من اقتفى آثارهم كان متسببا إلى تكثير أجورهم باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتباعهم فإذا أعرض عما دعوا إليه، واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر. فأي تعظيم لهم واحترام في هذا؟.\nوإنما اشتغل كثير من الناس بأنواع من العبادات المبتدعة التي يكرهها الله ورسوله. لإعراضهم عن المشروع أو بعضه، وإن قاموا بصورته الظاهرة فقد هجروا حقيقته المقصودة منه، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عارفا بما اشتملت عليه من الكلم الطيب والعمل الصالح،\n_________\n(١) التوبة الآية (٧١).\n(٢) التوبة الآية (٦٧).","vol":"8","page":310},{"text":"مهتما بها كل الاهتمام، أغنته عن الشرك، وكل من قصر فيها أو في بعضها تجد فيه من الشرك بحسب ذلك. (١)\n- وقال: ومن بعض حقوق الله على عبده رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان، والسيف والسنان، والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان، وكان انتهى إلينا مسائل أوردها بعض الكفار الملحدين على بعض المسلمين فلم يصادف عنده ما يشفيه، ولا وقع دواؤه على الداء الذي فيه، وظن المسلم أنه بضربه يداويه، فسطا به ضربا وقال هذا هو الجواب، فقال الكافر: صدق أصحابنا في قولهم: إن دين الإسلام إنما قام بالسيف لا بالكتاب، فتفرقا وهذا ضارب وهذا مضروب، وضاعت الحجة بين الطالب والمطلوب، فشمر المجيب ساعد العزم، ونهض على ساق الجد، وقام لله قيام مستعين به مفوض إليه متكل عليه في موافقة مرضاته، ولم يقل مقالة العجزة الجهال: إنما الكفار يعاملون بالجلاد دون الجدال، وهذا فرار من الزحف، وإخلاد إلى العجز والضعف، وقد أمر الله بمجادلة الكفار بعد دعوتهم، إقامة للحجة وإزاحة للعذر ﴿ليهلك مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (٢) والسيف إنما جاء منفذا للحجة، مقوما للمعاند، وحدا للجاحد، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ\n_________\n(١) إغاثة اللهفان (١/ ٣٣٠ - ٣٣١).\n(٢) الأنفال الآية (٤٢).","vol":"8","page":311},{"text":"وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ (١) فدين الإسلام قام بالكتاب الهادي ونفذه السيف الماضي.\nفما هو إلا الوحي أو حد مرهف ... يقيم ضباه أخدعي كل مائل\nفهذا شفاء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء الداء من كل جاهل (٢)\n- وقال: وقد ذكرنا اتفاق أمة الضلال وعباد الصليب على مسبة رب العالمين أقبح مسبة، على ما يعلم بطلانه بصريح العقل، فإن خفي عليهم أن هذا مسبة الله، وأن العقل يحكم ببطلانه وبفساده من أول وهلة لم يكثر على تلك العقول السخيفة أن تسب بشرا أرسله الله، وتجحد نبوته، وتكابر ما دل عليه صريح العقل من صدقه وصحة رسالته، فلو قالوا فيه ما قالوا لم يبلغ بعض قولهم في رب الأرض والسموات الذي صاروا به ضحكة بين جميع أصناف بني آدم، فأمة أطبقت على أن الإله الحق -سبحانه عما يقولون- صلب وصفع وسمر ووضع الشوك على رأسه ودفن في التراب، ثم قام في اليوم الثالث وصعد وجلس على عرشه يدبر أمر السموات والأرض، لا يكثر عليها أن تطبق على جحد نبوة من جاء بسبها ولعنها ومحاربتها وإبداء معايبها والنداء على كفرها بالله ورسوله، والشهادة على براءة المسيح منها ومعاداته لها، ثم قاتلها وأذلها وأخرجها من ديارها وضرب عليها الجزية،\n_________\n(١) الحديد الآية (٢٥).\n(٢) هداية الحيارى (ص.٣١ - ٣٢).","vol":"8","page":312},{"text":"وأخبر أنها من أهل الجحيم خالدة مخلدة لا يغفر الله لها وأنها شر من الحمير، بل هي شر الدواب عند الله. (١)\n- وقال ﵀: وكيف ينكر لأمة أطبقت على صلب معبودها وإلهها ثم عمدت إلى الصليب فعبدته وعظمته، وكان ينبغي لها أن تحرق كل صليب تقدر على إحراقه، وأن تهينه غاية الإهانة إذ صلب عليه إلهها الذي يقولون تارة: إنه الله، وتارة يقولون إنه ابنه، وتارة يقولون ثالث ثلاثة، فجحدت حق خالقها وكفرت به أعظم كفر وسبته أقبح مسبة، أن تجحد حق عبده ورسوله وتكفر به، وكيف يكثر على أمة قالت في رب الأرض والسموات أنه ينزل من السماء ليكلم الخلق بذاته لئلا يكون لهم حجة عليه، فأراد أن يقطع حجتهم بتكليمه لهم بذاته لترتفع المعاذير عمن ضيع عهده بعد ما كلمه بذاته فهبط بذاته من السماء، والتحم في بطن مريم، فأخذ منها حجابا، وهو مخلوق من طريق الجسم، وخالق من طريق النفس، وهو الذي خلق جسمه وخلق أمه، وأمه كانت من قبله بالناسوت، وهو كان من قبلها باللاهوت، وهو الإله التام والإنسان التام، ومن تمام رحمته ﵎ على عباده أنه رضي بإراقة دمه عنهم على خشبة الصليب، فمكن أعداءه اليهود من نفسه ليتم سخطه عليهم، فأخذوه وصلبوه وصفعوه وبصقوا في وجهه، وتوجوه بتاج من الشوك على رأسه، وغار دمه في أصبعه لأنه لو وقع منه شيء إلى الأرض ليبس كلما كان على وجهها، فنبت في موضع صلبه النوار، ولما لم يكن في الحكمة الأزلية أن ينتقم الله من عبده العاصي الذي ظلمه أو\n_________\n(١) هداية الحيارى (ص ٤٧ - ٤٨).","vol":"8","page":313},{"text":"استهان بقدره لاعتلاء منزلة الرب وسقوط منزلة العبد، أراد سبحانه أن ينتصف من الإنسان الذي هو إله مثله، فانتصف من خطيئة آدم بصلب عيسى المسيح الذي هو إله مساو له في الإلهية، فصلب ابن الله الذي هو الله في الساعة التاسعة من يوم الجمعة، هذه ألفاظهم في كتبهم؟ فأمة أطبقت على هذا في معبودها، كيف يكثر عليها أن تقول في عبده ورسوله أنه ساحر وكاذب وملك مسلط ونحو هذا؟. (١)\n- وقال: فيا معشر المثلثة وعباد الصليب، أخبرونا من كان الممسك للسماوات والأرض حين كان ربها وخالقها مربوطا على خشبة الصليب، وقد شدت يداه ورجلاه بالحبال وسمرت اليد التي أتقنت العوالم، فهل بقيت السماوات والأرض خلوا من إلهها وفاطرها وقد جرى عليه هذا الأمر العظيم؟ أم تقولون استخلف على تدبيرها غيره وهبط عن عرشه لربط نفسه على خشبة الصليب وليذوق حر المسامير وليوجب اللعنة على نفسه حيث قال في التوراة: ملعون من تعلق بالصليب. أم تقولون: كان هو المدبر لها في تلك الحال، فكيف وقد مات ودفن؟ أم تقولون -وهو حقيقة قولكم- لا ندري، ولكن هذا في الكتب وقد قاله الآباء وهم القدوة، والجواب عليهم، فنقول لكم وللآباء معاشر المثلثة عباد الصليب، ما الذي دلكم على إلهية المسيح؟ فإن كنتم استدللتم عليها بالقبض من أعدائه عليه وسوقه إلى خشبة الصليب وعلى رأسه تاج من الشوك وهم يبصقون في وجهه ويصفعونه ثم أركبوه ذلك المركب الشنيع، وشدوا يديه ورجليه بالحبال، وضربوا فيها\n_________\n(١) هداية الحيارى (ص ٤٨ - ٤٩).","vol":"8","page":314},{"text":"المسامير وهو يستغيث، وتعلق ثم فاضت نفسه وأودع ضريحه، فما أصحه من استدلال عند أمثالكم ممن هم أضل من الأنعام؟ وهم عار على جميع الأنام، وإن قلتم إنما استدللنا على كونه إلها بأنه لم يولد من البشر، ولو كان مخلوقا لكان مولودا من البشر، فإن كان هذا الاستدلال صحيحا فآدم إله المسيح، وهو أحق بأن يكون إلها منه لأنه لا أم له ولا أب، والمسيح له أم، وحواء أيضا اجعلوها إلها خامسا لأنها لا أم لها وهي أعجب من خلق المسيح؟ والله سبحانه قد نوع خلق آدم وبنيه إظهارا لقدرته وأنه يفعل ما يشاء، فخلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر لا من أنثى، وخلق عبده المسيح من أنثى لا من ذكر، وخلق سائر النوع من ذكر وأنثى. وإن قلتم: استدللنا على كونه إلها بأنه أحيا الموتى، ولا يحييهم إلا الله.\nفاجعلوا موسى إلها آخر، فإنه أتى من ذلك بشيء لم يأت المسيح بنظيره ولا ما يقاربه، وهو جعل الخشبة حيوانا عظيما ثعبانا، فهذا أبلغ وأعجب من إعادة الحياة إلى جسم كانت فيه أولا، فإن قلتم هذا غير إحياء الموتى، فهذا اليسع النبي أتى بإحياء الموتى وهم يقرون بذلك، وكذلك إيليا النبي أيضا أحيا صبيا بإذن الله، وهذا موسى قد أحيا بإذن الله السبعين الذين ماتوا من قومه، وفي كتبكم من ذلك كثير عن الأنبياء والحواريين: فهل صار أحد منهم إلها بذلك؟ وإن قلتم جعلناه إلها للعجائب التي ظهرت على يديه، فعجائب موسى أعجب وأعجب، وهذا إيليا النبي بارك على دقيق العجوز ودهنها فلم ينفد ما في جرابها من الدقيق وما في قارورتها من الدهن سبع سنين، وإن جعلتموه إلها لكونه أطعم من الأرغفة اليسيرة آلافا من الناس فهذا موسى قد","vol":"8","page":315},{"text":"أطعم أمته أربعين سنة من المن والسلوى؟ وهذا محمد بن عبد الله قد أطعم العسكر كله من زاد يسير جدا حتى شبعوا وملؤوا أوعيتهم (١)، وسقاهم كلهم من ماء يسير لا يملأ اليد حتى ملؤوا كل سقاء في العسكر (٢)،\nوهذا منقول عنه بالتواتر؟ وإن قلتم جعلناه إلها لأنه صاح بالبحر فسكنت أمواجه، فقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق اثنى عشر طريقا وقام الماء بين الطرق كالحيطان، وفجر من الحجر الصلد اثني عشر عينا سارحة، وإن جعلتموه إلها لأنه أبرأ الأكمه والأبرص، فإحياء الموتى أعجب من ذلك، وآيات موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أعجب من ذلك، وإن جعلتموه إلها لأنه ادعى ذلك فلا يخلو إما أن يكون الأمر كما تقولون عنه، أو يكون إنما ادعى العبودية والافتقار وأنه مربوب مصنوع مخلوق، فإن كان كما ادعيتم عليه فهو أخو المسيح الدجال، وليس بمؤمن ولا صادق فضلا عن أن يكون نبيا كريما وجزاؤه جهنم وبئس المصير، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ (٣) وكل من ادعى الإلهية من دون الله فهو من أعظم أعداء الله كفرعون ونمرود وأمثالهما من أعداء الله، فأخرجتم المسيح عن كرامة الله ونبوته ورسالته وجعلتموه من أعظم أعداء الله، ولهذا كنتم أشد الناس عداوة للمسيح في صورة محب موال! ومن أعظم ما يعرف به كذب المسيح الدجال أنه يدعي الإلهية، فيبعث الله عبده ورسوله مسيح\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢) ومسلم (١/ ٥٥ - ٥٦/ ٢٧) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أحمد (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨) ومسلم (٤/ ١٧٨٤/٧٠٦) من حديث معاذ ..\n(٣) الأنبياء الآية (٢٩).","vol":"8","page":316},{"text":"الهدى ابن مريم فيقتله، ويظهر للخلائق أنه كان كاذبا مفتريا، ولو كان إلها لم يقتل فضلا عن أن يصلب ويسمر ويبصق في وجهه، وإن كان المسيح إنما ادعى أنه عبد ونبي ورسول كما شهدت به الأناجيل كلها ودل عليه العقل والفطرة وشهدتم أنتم له بالإلهية -وهذا هو الواقع- فلم تأتوا على إلهيته ببينة غير تكذيبه في دعواه، وقد ذكرتم عنه في أناجيلكم في مواضع عديدة ما يصرح بعبوديته وأنه مربوب مخلوق، وأنه ابن البشر، وأنه لم يدع غير النبوة والرسالة، فكذبتموه في ذلك كله وصدقتم من كذب على الله وعليه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2894>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال: ولما كان التلقي عنه ﵌ على نوعين: نوع بوساطة ونوع بغير وساطة، وكان التلقي بلا وساطة حظ أصحابه الذين حازوا قصبات السباق، واستولوا على الأمد، فلا طمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن المبرز من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم، والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال، فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟ وأي خطة رشد لم يستولوا عليها؟ تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبا صافيا زلالا، وأيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالا، فتحوا القلوب بعدلهم بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان، وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصا صافيا، وكان سندهم فيه عن نبيهم ﵌ عن جبريل عن رب العالمين سندا\n_________\n(١) هداية الحيارى (٢٧٥ - ٢٧٩).","vol":"8","page":317},{"text":"صحيحا عاليا. وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدنا إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم، فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم، ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد، وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد، وكانوا بالنسبة إلى من قبلهم كما قال أصدق القائلين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (١٤)﴾ (١) ثم جاءت الأئمة من القرن الرابع المفضل في إحدى الروايتين، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد (٢) وابن مسعود (٣)\nوأبي هريرة (٤) وعائشة (٥) وعمران بن حصين (٦)، فسلكوا على آثارهم اقتصاصا، واقتبسوا هذا الأمر عن مشكاتهم اقتباسا، وكان دين الله سبحانه أجل في صدورهم، وأعظم في نفوسهم، من أن يقدموا عليه رأيا أو معقولا أو تقليدا أو قياسا، فطار لهم الثناء الحسن في العالمين، وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين، ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من\n_________\n(١) الواقعة الآيتان (١٣ - ١٤).\n(٢) أخرجه: البخاري (٦/ ١١٠/٢٨٩٧) ومسلم (٤/ ١٩٦٢/٢٥٣٢) وورد عند مسلم في رواية ذكر القرن الرابع. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٦): \"وهذه رواية شاذة، وأكثر الروايات مقتصر على الثلاثة\".\n(٣) رواه البخاري (٥/ ٣٢٤/٢٦٥٢) ومسلم (٤/ ١٩٦٢ - ١٩٦٣/ ٢٥٣٣) والترمذي (٥/ ٦٥٢/٣٨٥٩) والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٩٤ - ٤٩٥/ ٦٠٣١) وابن ماجه (٢/ ٧٩١/٢٣٦٢) ..\n(٤) رواه أحمد (٢/ ٢٢٨) ومسلم (٤/ ١٩٦٣ - ١٩٦٤/ ٢٥٣٤).\n(٥) رواه أحمد (٦/ ١٥٦) ومسلم (٤/ ١٩٦٥/٢٥٣٦).\n(٦) رواه البخاري (٥/ ٣٢٤/٢٦٥١) ومسلم (٤/ ١٩٦٤/٢٥٣٥) والترمذي (٤/ ٤٣٤/٢٢٢١)، وورد ذكر القرن الرابع من حديث عمران خارج الصحيحين ومن حديث غيره أيضًا كما تقدم بعض ذلك، ولا يصح شيء من ذلك كما حققه الشيخ الألباني ﵀ في الضعيفة برقم (٣٥٦٩)، والله أعلم.","vol":"8","page":318},{"text":"أتباعهم، ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم، زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل بأُخْذته طاروا إليه زرافات ووحدانا، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألونه عما قال برهانا، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس، أو يعارضوها برأي أو قياس. (١)\n-وفيه: وكذلك المشركون على اختلاف شركهم، إذا جرد لهم التوحيد وتليت عليهم النصوص المبطلة لشركهم اشمأزت قلوبهم، وثقلت عليهم، ولو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا، ولذلك تجد أعداء أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا سمعوا نصوص الثناء على الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله - ﷺ - ثقل ذلك عليهم جدا، وأنكرته قلوبهم، وهذا كله شبه ظاهر، ومثل محقق من إخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه الله لهم بالماء، فإنهم لما تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم. (٢)\n- وفيه أيضا: وأما علي بن أبي طالب ﵇ فانتشرت أحكامه وفتاويه، ولكن قاتل الله الشيعة؛ فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه، ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته، وأصحاب عبد الله بن مسعود: كعبيدة السلماني وشريح وأبي وائل ونحوهم، وكان ﵁ وكرم وجهه\n_________\n(١) إعلام الموقعين (١/ ٥ - ٧).\n(٢) إعلام الموقعين (١/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"8","page":319},{"text":"يشكو عدم حملة العلم الذي أودعه كما قال: إن ههنا علما لو أصبت له حملة. (١)\n- وجاء في مدارج السالكين: فصل في بيان تضمنها للرد على الرافضة وذلك من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها.\nووجه تضمنه إبطال قولهم: أنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام \"منعم عليهم\" وهم أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه. و\"مغضوب عليهم\" وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه. و\"ضالون\" وهم الذين جهلوه فأخطأوه. فكل من كان أعرف للحق، وأتبع له: كان أولى بالصراط المستقيم.\nولا ريب أن أصحاب رسول الله - ﷺ -، ورضي الله عنهم: هم أولى بهذه الصفة من الروافض. فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنهم جهلوا الحق وعرفه الروافض، أو رفضوه وتمسك به الروافض.\nثم إنا رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما. فرأينا أصحاب رسول الله - ﷺ - فتحوا بلاد الكفر، وقلبوها بلاد إسلام. وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم والهدى. فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط المستقيم. ورأينا الرافضة بالعكس في كل زمان ومكان. فإنه قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام. وكم جروا على الإسلام وأهله من بلية! وهل عاثت سيوف المشركين عباد الأصنام -من عسكر هولاكو\n_________\n(١) إعلام الموقعين (١/ ٢١).","vol":"8","page":320},{"text":"وذويه من التتار- إلا من تحت رءوسهم؟ وهل عطلت المساجد، وحرقت المصاحف، وقتل سروات المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم، إلا بسببهم ومن جرائهم؟ ومظاهرتهم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة، وآثارهم في الدين معلومة.\nفأي الفريقين أحق بالصراط المستقيم؟ وأيهم أحق بالغضب والضلال، إن كنتم تعلمون؟.\nولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله: بأبي بكر وعمر، وأصحاب رسول الله - ﷺ -، ورضي الله عنهم، وهو كما فسروه. فإنه صراطهم الذي كانوا عليه. وهو عين صراط نبيهم. وهم الذين أنعم الله عليهم، وغضب على أعدائهم، وحكم لأعدائهم بالضلال، وقال أبو العالية -رفيع الرياحي- والحسن البصري، وهما من أجل التابعين: \"الصراط المستقيم: رسول الله - ﷺ - وصاحباه\". وقال أبو العالية أيضا في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١): \"هم آل رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر وعمر\" وهذا حق. فإن آله وأبا بكر وعمر على طريق واحدة. ولا خلاف بينهم، وموالاة بعضهم بعضا، وثناؤهم عليهما، ومحاربة من حاربا، ومسالمة من سالما معلومة عند الأمة. خاصها وعامها. وقال زيد بن أسلم: \"الذين أنعم الله عليهم: هم رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر\".\nولا ريب أن المنعم عليهم: هم أتباعه، والمغضوب عليهم: هم\n_________\n(١) الفاتحة الآية (٧).","vol":"8","page":321},{"text":"الخارجون عن أتباعه، وأتبع الأمة له وأطوعهم: أصحابه وأهل بيته. وأتبع الصحابة له: السمع والبصر، أبو بكر وعمر. وأشد الأمة مخالفة له: هم الرافضة، فخلافهم له معلوم عند جميع فرق الأمة. ولهذا يبغضون السنة وأهلها، ويعادونها ويعادون أهلها. فهم أعداء سنته - ﷺ -. وأهل بيته وأتباعه من بنيهم أكمل ميراثا بل هم ورثته حقا.\nفقد تبين أن الصراط المستقيم: طريق أصحابه وأتباعه. وطريق أهل الغضب والضلال: طريق الرافضة.\nوبهذا الطريق بعينها - يرد على الخوارج. فإن معاداتهم الصحابة معروفة. (١)\n- وجاء في الصواعق المرسلة: السبب الثالث: أن يعزو المتأول تأويله وبدعته إلى جليل القدر، نبيه الذكر من العقلاء، أو من آل البيت النبوي، أو من حل له في الأمة ثناء جميل ولسان صدق ليحليه بذلك في قلوب الأغمار والجهال، فإن من شأن الناس تعظيم كلام من يعظم قدره في نفوسهم، وأن يتلقوه بالقبول والميل إليه، وكلما كان ذلك القائل أعظم في نفوسهم، كان قبولهم لكلامه أتم، حتى إنهم ليقدمونه على كلام الله ورسوله ويقولون: هو أعلم بالله ورسوله منا. وبهذه الطريق توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية إلى تنفيق باطلهم وتأويلاتهم حتى أضافوها إلى أهل بيت رسول الله - ﷺ - لما علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم وموالاتهم وإجلالهم، فانتموا إليهم وأظهروا من محبتهم وموالاتهم واللهج بذكرهم\n_________\n(١) مدارج السالكين (١/ ٧٢ - ٧٤).","vol":"8","page":322},{"text":"وذكر مناقبهم ما خيل إلى السامع أنهم أولياؤهم وأولى الناس بهم، ثم نَفَّقوا باطلهم وإفكهم بنسبته إليهم. فلا إله إلا الله، كم من زندقة وإلحاد وبدعة وضلالة قد نفقت في الوجود بنسبتها إليهم وهم براء منها براءة الأنبياء من التجهم والتعطيل، وبراءة المسيح من عبادة الصليب والتثليت، وبراءة رسول الله - ﷺ - من البدع والضلالات. (١)\n- وجاء في مفتاح دار السعادة: وحجج الله لا تقوم بخفي مستور -أي مهدي الرافضة- لا يقع العالم له على خبر، ولا ينتفعون به في شيء أصلا، فلا جاهل يتعلم منه، ولا ضال يهتدي به، ولا خائف يأمن به، ولا ذليل يتعزز به، فأي حجة لله قامت بمن لا يرى له شخص، ولا يسمع منه كلمة، ولا يعلم له مكان، ولا سيما على أصول القائلين به، فإن الذي دعاهم إلى ذلك أنهم قالوا: لا بد منه في اللطف بالمكلفين وانقطاع حجتهم عن الله.\nفيا لله العجب، أي لطف حصل بهذا المعدوم المعصوم؟ وأي حجة أثبتم للخلق على ربهم بأصلكم الباطل؟ فإن هذا المعدوم إذا لم يكن لهم سبيل قط إلى لقائه والاهتداء به، فهل في تكليف ما لا يطاق أبلغ من هذا؟ هل في العذر والحجة أبلغ من هذا؟\nفالذي فررتم منه وقعتم في شر منه، وكنتم في ذلك كما قيل:\nالمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار\n\nولكن أبى الله إلا أن يفضح من تنقص بالصحابة الأخيار وبسادة هذه\n_________\n(١) الصواعق المرسلة (٢/ ٤٤١ - ٤٤٣).","vol":"8","page":323},{"text":"الأمة، وأن يري الناس عورته ويغريه بكشفها، ونعوذ بالله من الخذلان.\nولقد أحسن القائل:\nما آن للسرداب أن يلد الذي فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... حملتموه بزعمكم ما آنا\nثلثتم العنقاء والغيلانا (١)\n\n- وفيه: ولهذا كان الصحابة أعرف الأمة بالإسلام وتفاصيله، وأبوابه وطرقه، وأشد الناس رغبة فيه، ومحبة له، وجهادا لأعدائه، وتكلما بأعلامه، وتحذيرا من خلافه، لكمال علمهم بضده، فجاءهم الإسلام كل خصلة منه مضادة لكل خصلة مما كانوا عليه، فازدادوا له معرفة وحبا، وفيه جهادا، بمعرفتهم بضده، وذلك بمنزلة من كان في حصر شديد وضيق ومرض وفقر وخوف ووحشة، فقيض الله له من نقله منه إلى فضاء وسعة وأمن وعافية وغنى وبهجة ومسرة، فإنه يزداد سروره وغبطته ومحبته بما نقل إليه بحسب معرفته بما كان فيه. (٢)\n- وقال في فضل أبي بكر الصديق ﵁:\nنطقت بفضله الآيات والأخبار، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، فيا مبغضيه في قلوبكم من ذكره نار، كلما تليت فضائله علا عليهم الصغار. أترى لم يسمع الروافض الكفار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (٣)؟ دعي إلى الإسلام فما تلعثم ولا أبى، وسار على المحجة فما زل ولا\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣).\n(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(٣) التوبة الآية (٤٠).","vol":"8","page":324},{"text":"كبا، وصبر في مدته من مدى العدى على وقع الشبا، وأكثر في الإنفاق فما قلل حتى تخلل بالعبا.\nتالله لقد زاد على السبك في كل دينار دينار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.\nمن كان قرين النبي في شبابه؟ من ذا الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه؟ من الذي أفتى بحضرته سريعا في جوابه؟ من أول من صلى معه؟ من آخر من صلى به؟ من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟ فاعرفوا حق الجار.\nنهض يوم الردة بفهم واستيقاظ، وأبان من نص الكتاب معنى دق عن حديد الألحاظ. فالمحب يفرح بفضائله والمبغض يغتاظ. حسرة الرافضي أن يفر من مجلس ذكره، ولكن أين الفرار؟.\nكم وقى الرسول بالمال والنفس، وكان أخص به في حياته وهو ضجيعه في الرمس. فضائله جلية وهي خلية عن اللبس، يا عجبا، من يغطي عين ضوء الشمس في نصف النهار، لقد دخلا غارا لا يسكنه لابث، فاستوحش الصديق من خوف الحوادث، فقال الرسول: ما ظنك باثنين والله الثالث (١). فنزلت السكينة فارتفع خوف الحادث. فزال القلق وطاب عيش الماكث. فقام مؤذن النصر ينادي على رؤوس منائر الأمصار ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.\n_________\n(١) ثبت هذا عند أحمد (١/ ٤) والبخاري (٧/ ١٠/٣٦٥٣) ومسلم (٤/ ١٨٥٤/٢٣٨١) والترمذي (٥/ ٢٦٠/٣٠٩٦) من رواية أنس عن أبي بكر ﵄.","vol":"8","page":325},{"text":"حبه والله رأس الحنيفية، وبغضه يدل على خبث الطوية. فهو خير الصحابة والقرابة والحجة على ذلك قوية. لولا صحة إمامته ما قيل ابن الحنفية. مهلا مهلا، فإن دم الروافض قد فار.\nوالله ما أحببناه لهوانا، ولا نعتقد في غيره هوانا، ولكن أخذنا بقول علي وكفانا: \"رضيك رسول الله لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا\". تالله لقد أخذت من الروافض بالثأر. تالله لقد وجب حق الصديق علينا، فنحن نقضي بمدائحه ونقر بما نقر به من السنى عينا، فمن كان رافضيا فلا يعد إلينا وليقل لي أعذار. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2895>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال ﵀ في إغاثة اللهفان في معرض كلامه عن مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم: ومن كيده: ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقا إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن؛ فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق والتجافي عما عليه أهل الدنيا، وأهل الرياسة والفقهاء وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذي جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له من أنواع الباطل، وخيله للنفس حتى جعله\n_________\n(١) الفوائد (ص.٩٥ - ٩٧).","vol":"8","page":326},{"text":"كالمشاهد كشفا وعيانا. فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل قالوا: لكم العلم الظاهر، ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة، وعندنا باطن الحقيقة، ولكم القشور ولنا اللباب. فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسنة والآثار كما ينسلخ الليل من النهار، ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات، وأوهمهم أنها من الآيات البينات، وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات وتعريفات، فلا تعرض على السنة والقرآن، ولا تعامل إلا بالقبول والإذعان، فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات، وأنواع الهذيان. وكلما ازدادوا بعدا وإعراضا عن القرآن وما جاء به الرسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم. (١)\n- وقال ﵀: ومن كيده: أنه يحسن إلى أرباب التخلي والزهد والرياضة العمل بها حسهم وواقعهم دون تحكيم أمر الشارع، ويقولون: القلب إذا كان محفوظا مع الله كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطأ، وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم.\nفإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحماني، وشيطانية، ونفسانية؛ كالرؤيا، فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما بلغ، فمعه شيطانه ونفسه لا يفارقانه إلى الموت، والشيطان يجري منه مجرى الدم، والعصمة إنما هي للرسل صلوات الله وسلامه عليهم الذين هم وسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، ومن عداهم يصيب ويخطىء، وليس بحجة على الخلق.\n_________\n(١) (١/ ١٨٨ - ١٨٩).","vol":"8","page":327},{"text":"وقد كان سيد المحدثين الملهمين عمر بن الخطاب -﵁- يقول الشيء فيرده عليه من هو دونه، فيتبين له الخطأ فيرجع إليه، وكان يعرض هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليها ولا يحكم بها ولا يعمل بها. وهؤلاء الجهال يرى أحدهم أدنى شيء فيحكم هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليهما؛ ويقول حدثني قلبي عن ربي، ونحن أخذنا عن الحي الذي لا يموت وأنتم أخذتم عن الوسائط، ونحن أخذنا بالحقائق وأنتم أخذتم الرسوم، وأمثال ذلك من الكلام الذي هو كفر وإلحاد، وغاية صاحبه أن يكون جاهلا يعذر بجهله، حتى قيل لبعض هؤلاء، ألا تذهب فتسمع الحديث من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الملك الخلاق؟!.\nوهذا غاية الجهل؛ فإن الذي سمع من الملك الخلاق: موسى بن عمران كليم الرحمن، وأما هذا وأمثاله فلم يحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول، وهو يدعي أنه يسمع الخطاب من مرسله، فيستغني به عن ظاهر العلم، ولعل الذي يخاطبهم هو الشيطان، أو نفسه الجاهلة، أو هما مجتمعين ومنفردين.\nومن ظن أنه يستغني عما جاء به الرسول بما يلقى في قلبه من الخواطر والهواجس فهو من أعظم الناس كفرا. وكذلك إن ظن أنه يكتفي بهذا تارة وبهذا تارة، فما يلقي في القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه إن لم يعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان. (١)\n_________\n(١) إغاثة اللهفان (١/ ١٩٢ - ١٩٣).","vol":"8","page":328},{"text":"- وقال ﵀: ومن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها مكرا منه وغرورا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه، فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورا؛ فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك، وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها أعظم ما يفعله حميا الكؤوس.\nفلغير الله، بل للشيطان قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق، حتى إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز في صدورهم وخزا، وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزا، فطورا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالدباب ترقص وسيط الديار، فيا رحمتا للسقوف والأرض من دك تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام، ويا شماتة أعداء الإسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام قضوا حياتهم لذة وطربا، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن، لو سمع","vol":"8","page":329},{"text":"أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكنا، ولا أزعج له قاطنا، ولا أثار فيه وجدا، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندا؛ حتى إذا تلي عليه قرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت. فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟! وهذه الأذواق والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد؟! وهذه الأحوال السنيات عند تلاوة السور والآيات؟! ولكن كل امرىء يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدرا وشرعا، والمشاكلة سبب الميل عقلا وطبعا، فمن أين هذا الإخاء والنسب؟ لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللا؟ ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ (١) ولقد أحسن القائل:\nتلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة ... لكنه إطراق ساه لاهي\nوأتى الغناء فكالحمير تناهقوا ... والله ما رقصوا لأجل الله\nدف ومزمار ونغمة شادن ... فمتى رأيت عبادة بملاهي؟\nثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهي\n_________\n(١) الكهف الآية (٥٠).","vol":"8","page":330},{"text":"سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى ... زجرا وتخويفا بفعل مناهي\nورأوه أعظم قاطع للنفس عن ... شهواتها يا ذبحها المتناهي\nوأتى السماع موافقا أغراضها ... فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه\nأين المساعد للهوى من قاطع ... أسبابه عند الجهول الساهي؟\nإن لم يكن خمر الجسوم فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهي\nفانظر إلى النشوان عند شرابه ... وانظر إلى النسوان عند ملاهي\nوانظر إلى تمزيق ذا أثوابه ... من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي\n\nواحكم فأي الخمرتين أحق بالتحريم والتأثيم عند الله. وقال آخر:\nبرئنا إلى الله من معشر ... بهم مرض من سماع الغنا\nوكم قلت يا قوم أنتم على ... شفا جرف ما به من بنا\nشفا جرف تحته هوة ... إلى درك كم به من عنا\nوتكرار ذا النصح منا لهم ... لنعذر فيهم إلى ربنا\nفلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله في أمرنا\nفعشنا على سنة المصطفى ... وماتوا على تنتنا تنتنا\n\nولم يزل أنصار الإسلام وأئمة الهدى تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض، وتحذر من سلوك سبيلهم، واقتفاء آثارهم من جميع طوائف الملة. (١)\n- وقال: قال أبو بكر الطرطوشي: وهذه الطائفة مخالفة لجماعة\n_________\n(١) إغاثة اللهفان (١/ ٣٤٤ - ٣٤٦).","vol":"8","page":331},{"text":"المسلمين، لأنهم جعلوا الغناء دينا وطاعة، ورأت إعلانه في المساجد والجوامع وسائر البقاع الشريفة، والمشاهد الكريمة. وليس في الأمة من رأى هذا الرأي.\nقلت: ومن أعظم المنكرات تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله في المسجد الأقصى عشية عرفة، ويقيمونه أيضا في مسجد الخيف أيام منى، وقد أخرجناهم منه بالضرب والنفي مرارا، ورأيتهم يقيمونه بالمسجد الحرام نفسه والناس في الطواف، فاستدعيت حزب الله وفرقنا شملهم، ورأيتهم يقيمونه بعرفات والناس في الدعاء والتضرع والابتهال والضجيج إلى الله، وهم في هذا السماع الملعون باليراع والدف والغناء.\nفإقرار هذه الطائفة على ذلك فسق يقدح في عدالة من أقرهم ومنصبه الديني. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2896>موقفه من الجهمية:</span>\nلقد كان قلم هذا الإمام سيلا جرارا ينقض به أركان أهل الضلال على اختلاف مشاربهم وتنوع مرامهم، ومن أولئك: الجهمية المقيتة فقد تصدى لها الشيخ ﵀ مبينا عوار أفكارها البائرة، وزيف أصولها الجائرة، بما ألفه من كتبه التي انتشرت في الآفاق منها:\n١ - القصيدة النونية -المسماة 'الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية'- وهي من أعظم القصائد وأطولها في العقيدة السلفية. واعتناء السلفيين بها قليل، بحيث لا يوجد إلى الآن -فيما أعلم- شرح واف بمقاصدها. وغاية ما هنالك شرح ابن عيسى، وشرح الشيخ الهراس. ويقال:\n_________\n(١) إغاثة اللهفان (١/ ٣٥٣).","vol":"8","page":332},{"text":"إن للآلوسي شرحا عليها. وللشيخ عبد الرحمن السعدي توضيح مختصر بمقاصدها. فعسى أن تمتد بنا الحياة حتى نرى لها شرحا يثلج الصدر.\n٢ - 'اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية' وهو من أنفع الكتب في بابه قد استوفى المؤلف فيه أدلة العلو من جميع الطبقات، وقد نفعنا الله به في هذه المسيرة المباركة. والكتاب طبع مرارا والحمد لله رب العالمين.\n٣ - 'الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة' وهو من أنفع الكتب في العقيدة السلفية. ولم تر عيني مثله ولا رأيت أحدا حكى عن أحد أنه ألف مثل هذا الكتاب أو يقاربه. وقد استهله المؤلف بفصول نافعة، ثم بين التأويل وبطلانه وبين التأويل عند السلف. وأتى على بنيان هذا الطاغوت حتى خر من فوقه. ثم طاغوت المجاز، ثم أتى بأمثلة من الصفات التي أولها المؤولون وبين بطلان ذلك. وفي الكتاب بحوث قيمة في اعتماد السلف على العقل والنقل وأن الخلف لا النقل اتبعوا ولا بالعقل اهتدوا.\n- قال ﵀ في أعلام الموقعين: وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة إذا سمعوا شيئا من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين، كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، ويقول مخنثهم: سدوا عنا هذا الباب، واقرءوا شيئا غير هذا، وترى قلوبهم مولية وهم يجمحون لثقل معرفة الرب ﷾ وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم. (١)\n_________\n(١) أعلام الموقعين (١/ ١٥١).","vol":"8","page":333},{"text":"ومن دُرَرِ أقواله ﵀:\n- قال في الصواعق مبينا وسطية أهل السنة في باب الصفات: وهدى الله أصحاب سواء السبيل: للطريقة المثلى فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها، وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين، كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين وقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل. (١)\n- وقال مبينا تضارب أهل التأويل واختلافهم في المسألة الواحدة على أقوال شتى لاختلاف مدارك عقولهم: لا ريب أن الله سبحانه وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء وأخبر عن نفسه بأفعال، فسمى نفسه بالرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، إلى سائر ما ذكر من أسمائه الحسنى، ووصف نفسه بما ذكره من الصفات، كسورة الإخلاص، وأول الحديد، وأول طه وغير ذلك، ووصف نفسه بأنه يحب، ويكره، ويمقت، ويرضى، ويغضب، ويأسف، ويسخط، ويجيء، ويأتي، وينزل إلى سماء الدنيا، وأنه استوى على عرشه، وأن له علما، وحياة، وقدرة، وإرادة، وسمعا، وبصرا، ووجها، وأن له يدين، وأنه فوق عباده، وأن\n_________\n(١) الصواعق المرسلة (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦).","vol":"8","page":334},{"text":"الملائكة تعرج إليه، وتنزل بالأمر من عنده، وأنه قريب، وأنه مع المحسنين، ومع الصابرين، ومع المتقين، وأن السموات مطويات بيمينه.\nووصفه رسوله بأنه يفرح، ويضحك، وأن قلوب العباد بين أصابعه، وغير ذلك مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، فيقال للمتأول: هل تتأول هذا كله على خلاف ظاهره، وتمنع حمله على حقيقته، أم تقر الجميع على ظاهره، وحقيقته؟ أم تفرق بين بعض ذلك، وبعضه؟.\nفإن تأولت الجميع وحملته على خلاف حقيقته، كان ذلك عنادا ظاهرا وكفرا صراحا، وجحدا للربوبية، وحينئذ فلا تستقر لك قدم على إثبات ذات الرب تعالى، ولا صفة من صفاته، ولا فعل من أفعاله، فإن أعطيت هذا من نفسك ولم تستهجنه التحقت بإخوانك الدهرية الملاحدة الذين لا يثبتون للعالم خالقا ولا ربا.\nفإن قلت: بل أثبت أن للعالم صانعا وخالقا ولكن لا أصفه بصفة تقع على خلقه وحيث وصف بما يقع على المخلوق أتأوله.\nقيل لك فهذه الأسماء الحسنى والصفات التي وصف بها نفسه، هل تدل على معان ثابتة هي حق في نفسها أم لا تدل؟\nفإن نفيت دلالتها على معنى ثابت كان ذلك غاية التعطيل. وإن أثبت دلالتها على معان هي حق ثابت قيل لك فما الذي سوغ لك تأويل بعضها دون بعض، وما الفرق بين ما أثبته ونفيته، وسكت عن إثباته ونفيه، من جهة السمع أو العقل.\nودلالة النصوص على أن له سمعا، وبصرا، وعلما، وقدرة، وإرادة،","vol":"8","page":335},{"text":"وحياة، وكلاما، كدلالتها على أن له رحمة، ومحبة، وغضبا، ورضى، وفرحا، وضحكا، ووجها، ويدين، فدلالة النصوص على ذلك سواء، فلم نفيت حقيقة رحمته، ومحبته، ورضاه، وغضبه، وفرحه، وضحكه، وأولتها بنفس الإرادة. فإن قلت: لأن إثبات الإرادة، والمشيئة لا يستلزم تشبيها وتجسيما، وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم التشبيه، والتجسيم، فإنها لا تعقل إلا في الأجسام، فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان، والمحبة ميل النفس لجلب ما ينفعها، والغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام، والفرح انبساط دم القلب لورود ما يسره عليه. قيل لك وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها، ودفع ما يضرها، وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أعراض قائمة بالأجسام في الشاهد، فإن العلم انطباع صورة المعلوم في نفس العالم، أو صفة عرضية قائمة به، وكذلك السمع، والبصر، والحياة، أعراض قائمة بالموصوف، فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه. فإن قلت: لأني أثبتها على وجه لا يماثل صفاتنا ولا يشابهها، قيل لك: فهلا أثبت الجميع على وجه لا يماثل صفات المخلوقين ولا يشابهها، ولم فهمت من إطلاق هذا التشبيه والتجسيم، وفهمت من إطلاق ذلك التنزيه والتوحيد، وهلا قلت أثبت له وجها ومحبة وغضبا ورضى وضحكا ليس من جنس صفات المخلوقين. فإن قلت هذا لا يعقل، قيل لك: فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ومشيئة ليست من جنس صفات المخلوقين.\nفإن قلت: أنا أفرق بين ما يتأول وبين ما لا يتأول، بأن ما دل العقل على ثبوته يمتنع تأويله كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر، وما لا يدل عليه","vol":"8","page":336},{"text":"العقل يجب أو يسوغ تأويله كالوجه واليد والضحك والفرح والغضب والرضى. فإن الفعل المحكم دل على قدرة الفاعل، وإحكامه دل على علمه. والتخصيص دل على الإرادة، فيمتنع مخالفة ما دل عليه صريح العقل.\nقيل لك أولا، وكذلك الإنعام والإحسان وكشف الضر وتفريج الكربات دل على الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة سواء. والتخصيص بالكرامة، والاصطفاء، والاجتباء، دال على المحبة كدلالة ما ذكرت على الإرادة. والإهانة، والطرد، والإبعاد، والحرمان دال على المقت والبغض، كدلالة ضده على الحب والرضى.\nوالعقوبة، والبطش، والانتقام دال على الغضب كدلالة ضده على الرضى.\nويقال ثانيا: هب أن العقل لا يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتها، فإنه لا ينفيها. والسمع دليل مستقل بنفسه، بل الطمأنينة إليه في هذا الباب أعظم من الطمأنينة إلى مجرد العقل، فما الذي يسوغ لك نفي مدلوله.\nويقال لك ثالثا: إن كان ظاهر النصوص يقتضي تشبيها أو تجسيما فهو يقتضيه في الجميع، فأول الجميع، وإن كان لا يقتضي ذلك لم يجز تأويل شيء منه، وإن زعمت أن بعضها يقتضيه وبعضها لا يقتضيه، طولبت بالفرق بين الأمرين وعادت المطالبة جذعا.\nولما تفطن بعضهم لتعذر الفرق قال: ما دل عليه الإجماع كالصفات السبع لا يتأول وما لم يدل عليه إجماع فإنه يتأول. وهذا كما تراه من أفسد الفروق، فإن مضمونه أن الإجماع أثبت ما يدل على التجسيم والتشبيه،","vol":"8","page":337},{"text":"ولولا ذلك لتأولناه، فقد اعترفوا بانعقاد الإجماع على التشبيه والتجسيم.\nوهذا قدح في الإجماع، فإنه لا ينعقد على باطل.\nثم يقال: إن كان الإجماع قد انعقد على إثبات هذه الصفات -وظاهرها يقتضي التجسيم والتشبيه- بطل نفيكم لذلك، وإن لم ينعقد عليها بطل التفريق به.\nثم يقال: خصومكم من المعتزلة لم يجمعوا معكم على إثبات هذه الصفات، فإن قلتم: انعقد الإجماع قبلهم. قيل: صدقتم والله. والذين أجمعوا قبلهم على هذه الصفات، أجمعوا على إثبات سائر الصفات، ولم يخصوها بسبع، بل تخصيصها بسبع خلاف قول السلف، وقول الجهمية والمعتزلة، فالناس كانوا طائفتين سلفية وجهمية، فحدثت الطائفة السبعية واشتقت قولا بين القولين فلا للسلف اتبعوا ولا مع الجهمية بقوا. (١)\n- وقال: وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول ما يخالف نحلتها ومذهبها، فالعيار على ما يتأول، وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه، والقواعد التي أصلتها فما وافقها أقروه ولم يتأولوه وما خالفها فإن أمكنهم دفعه وإلا تأولوه. ولهذا لما أصلت الرافضة عداوة الصحابة ردوا كل ما جاء في فضائلهم والثناء عليهم أو تأولوه. ولما أصلت الجهمية أن الله لا يتكلم ولا يكلم أحدا، ولا يرى بالأبصار، ولا هو فوق عرشه مبائن لخلقه، ولا له صفة تقوم به، أولوا كل ما خالف ما أصلوه. (٢)\n_________\n(١) الصواعق المرسلة (١/ ٢٢٠ - ٢٢٦).\n(٢) الصواعق المرسلة (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"8","page":338},{"text":"- وقال في إلزام أهل التعطيل بالتعطيل في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه:\nهذا فصل بديع لمن تأمله، يعلم به أن المتأولين لم يستفيدوا بتأويلهم إلا تعطيل حقائق النصوص، والتلاعب بها وانتهاك حرمتها، وأنهم لم يتخلصوا مما ظنوه محذورا، بل هو لازم لهم فيما فروا إليه كلزومه فيما فروا منه، بل قد يقعون فيما هو أعظم محذورا كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء، فرارا من التحيز والحصر، ثم قالوا هو في كل مكان بذاته، فنزهوه عن استوائه على عرشه، ومباينته لخلقه، وجعلوه في أجواف البيوت، والآبار، والأواني، والأمكنة التي يرغب عن ذكرها، فهؤلاء قدماء الجهمية، فلما علم متأخروهم فساد ذلك، قالوا ليس وراء العالم، ولا فوق العرش، إلا العدم المحض، وليس هناك رب يعبد، ولا إله يصلى له ويسجد، ولا هو أيضا في العالم، فجعلوا نسبته إلى العرش كنسبته إلى أخس مكان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ... والمقصود أن المتأول يفر من أمر فيقع في نظيره.\nمثاله: إذا تأول المحبة، والرحمة، والرضى، والغضب، والمقت، بالإرادة، قيل له يلزمك في الإرادة ما لزمك في هذه الصفات كما تقدم تقريره. (١)\n- وقال في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها، فجمعوا بين التشبيه والتعطيل:\nهذا الفصل من عجيب أمر المتأولين، فإنهم فهموا من النصوص الباطل الذي لا يجوز إرادته، ثم أخرجوها عن معناها الحق المراد منها، فأساءوا الظن\n_________\n(١) الصواعق المرسلة (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥).","vol":"8","page":339},{"text":"بها وبالمتكلم بها، وعطلوها عن حقائقها التي هي عين كمال الموصوف بها. ونقتصر من ذلك على مثال ذكره بعض الجهمية ونذكر ما عليه فيه.\nقال الجهمي: ورد في القرآن ذكر الوجه، وذكر الأعين، وذكر العين الواحدة، وذكر الجنب الواحد، وذكر الساق الواحد، وذكر الأيدي، وذكر اليدين، وذكر اليد الواحدة فلو أخذنا بالظاهر لزمنا إثبات شخص له وجه وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة، وله جنب واحد عليه أيد كثيرة، وله ساق واحد، ولا يرى في الدنيا شخص، أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة، ولا يظن أن عاقلا يرى أن يصف ربه بهذه الصفة.\nقال السني المعظم لحرمات كلام الله: قد ادعيت أيها الجهمي أن ظاهر القرآن، الذي هو حجة الله على عباده، والذي هو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وأفصحه، وهو الذي هدى الله به عباده، وجعله شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، ولم ينزل كتاب من السماء أهدى منه، ولا أحسن ولا أكمل، فانتهكت حرمته وَعَضَهْتَهُ، ونسبته إلى أقبح النقص والعيب، فادعيت أن ظاهره ومدلوله إثبات شخص له وجه وفيه أعين كثيرة، وله جنب واحد، وعليه أيد كثيرة، وله ساق واحد. فادعيت أن ظاهر ما وصف الله به نفسه في كتابه يدل على هذه الصفة الشنيعة المستقبحة، فيكون سبحانه قد وصف نفسه بأشنع الصفات في ظاهر كلامه، فأي طعن في القرآن أعظم من طعن من يجعل هذا ظاهره ومدلوله، وهل هذا إلا من جنس قول الذين جعلوا القرآن عضين، فعضهوه بالباطل وقالوا هو سحر أو شعر، أو كذب مفترى، بل هذا أقبح من قولهم من وجه: فإن أولئك أقروا بعظمة","vol":"8","page":340},{"text":"الكلام وشرف قدره وعلوه وجلالته، حتى قال فيه رأس الكفر \"والله إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لجنى، وإنه ليعلو وما يعلى، وما يشبه كلام البشر\".\nولم يدع أعداء الرسول، الذين جاهروه بالمحاربة، والعداوة، أن ظاهر كلامه أبطل الباطل، وأبين المحال، وهو وصف الخالق سبحانه بأقبح الهيئات والصور، ولو كان ذلك ظاهر القرآن، لكان ذلك من أقرب الطرق لهم إلى الطعن فيه، وقالوا: كيف يدعونا إلى عبادة رب له وجه عليه عيون كثيرة، وجنب واحد، وساق واحد، وأيد كثيرة، فكيف كانوا يسكتون له على ذلك، وهم يوردون عليه ما هو أقل من هذا بكثير.\nثم استطرد في الرد عليهم من أحد عشر وجها (١). فليرجع إليها من شاء الاستفادة.\n- وقال ﵀ في القصيدة النونية (٢):\nفصل في بيان أن المصيبة التي حلت بأهل التعطيل والكفران من جهة الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان:\nيا قوم أصل بلائكم أسماء لم ... ينزل بها الرحمن من سلطان\nهي عكستكم غاية التعكيس واقتـ ... ـلعت دياركم من الأركان\nفتهدمت تلك القصور وأوحشت ... منكم ربوع العلم والإيمان\nوالذنب ذنبكم قبلتم لفظها ... من غير تفصيل ولا فرقان\n_________\n(١) الصواعق المرسلة (١/ ٢٣٨ - ٢٤١).\n(٢) شرح القصيدة النونية (٢/ ١٦٥ - ١٧١) (هراس).","vol":"8","page":341},{"text":"وهي التي اشتملت على أمرين من ... حق وأمر واضح البطلان\nسميتم عرش المهيمن حيزا ... والاستواء تحيزا بمكان\nوجعلتم فوق السموات العلى ... جهة وسقتم نفي ذا بوزان\nوجعلتم الإثبات تشبيها وتجـ ... ـسيما وهذا غاية البهتان\nوجعلتم الموصوف جسما قابل الأ ... عراض والأكوان والألوان\nوجعلتم أوصافه عرضا وهـ ... ـذا كله جسر إلى النكران\nوكذاك سميتم حلول حوادث ... أفعاله تلقيب ذي عدوان\nإذ تنفر الأسماع من ذا اللفظ نفـ ... ـرتها من التشبيه والنقصان\nفكسوتم أفعاله لفظ الحوا ... دث ثم قلتم قول ذي بطلان\nليست تقوم به الحوادث والمرا ... د النفي للأفعال للديان\nفإذا انتفت أفعاله وصفات ... وكلامه وعلو ذي السلطان\nفبأي شيء كان ربا عندكم ... يا فرقة التحقيق والعرفان\nوالقصد نفي فعاله عنه بذا التـ ... ـلقيب فعل الشاعر الفتان\nوكذاك حكمة ربنا سميتم ... عللا وأغراضا وذان اسمان\nلا يشعران بل ضدها ... فيهون حينئذ على الأذهان\nنفي الصفات وحكمة الخلاق والأ ... فعال إنكارا لهذا الشان\nوكذا استواء الرب فوق العر ... ش قلتم أنه التركيب ذو بطلان\nوكذاك وجه الرب ﷻ ... وكذاك لفظ يد ولفظ يدان\nسميتم ذا كله الأعضاء بل ... سميتموه جوارح الإنسان\nوسطوتم بالنفي حينئذ عليـ ... ـه كنفينا للعيب مع نقصان","vol":"8","page":342},{"text":"قلتم ننزهه عن الأعراض والأ ... غراض والأبعاض والجثمان\nوعن الحوادث أن تحل بذاته ... سبحانه من طارق الحدثان ...\nوالقصد نفي صفاته وفعاله ... والاستواء وحكمة الرحمن\nوالناس أكثرهم بسجن اللفظ مسـ ... ـجونون خوف معرة السبحان\nوالكل لا الفرد يقبل مذهبا ... في قالب ويرده في ثان\nوالقصد أن الذات والأوصاف والـ ... أفعال لا تنفى بذا الهذيان\nسموه ما شئتم فليس الشأن في الـ ... أسماء بل في مقصد ومعان\nكم ذا توسلتم بلفظ الجسم ... والتجسيم للتعطيل والكفران\nوجعلتموه الترس إن قلنا لكم ... الله فوق العرش والأكوان\nقلتم لنا جسم على جسم تعا ... لى الله عن جسم وعن جثمان\nوكذاك إن قلنا القرآن كلامه ... منه بدا لم يبد من إنسان\nكلا ولا ملك ولا لوح ولـ ... ـكن قاله الرحمن قول بيان\nقلتم لنا أن الكلام قيامه ... بالجسم أيضا وهو ذا حدثان\nعرض يقوم بغير جسم لم يكن ... هذا بمعقول لذي الأذهان\nوكذاك حين نقول ينزل ربنا ... في ثلث ليل وآخر أو ثان\nقلتم لنا أن النزول لغير أجـ ... ـسام محال ليس ذا إمكان\nوكذاك إن قلنا يرى سبحانه ... قلتم أجسم كي يرى بعيان\nأم كان ذا جهة تعالى ربنا ... عن ذا فليس يراه من إنسان\nما إذا قلنا له وجه كما ... في النص أو قلنا كذاك يدان\nوكذاك إن قلنا كما في النص أ ... ن القلب بين أصابع الرحمن","vol":"8","page":343},{"text":"وكذاك إن قلنا الأصابع فوقها ... كل العوالم وهي ذو رجفان\nوكذاك إن قلنا يداه لأرضه ... وسمائه في الحشر قابضتان\nوكذاك إن قلنا سيكشف ساقه ... فيخر ذاك الجمع للأذقان\nوكذاك إن قلنا يجيء لفصله ... بين العباد بعدل ذي سلطان\nقامت قيامتكم كذاك قيامة الآ ... تي بهذا القول في الرحمن\nوالله لو قلنا الذي قال الصحا ... بة والألى من بعدهم بلسان\nلرجمتمونا بالحجارة إن قدر ... تم بعد رجم الشتم والعدوان\nوالله قد كفرتم من قال بعـ ... ـض مقالهم يا أمة العدوان\nوجعلتم الجسم الذي قدرتم ... بطلانه طاغوت ذا البطلان\n\nوله ﵀ غيرها من الأقوال السنية في نصر الطريقة السلفية يضيق المقام بذكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2897>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال في تعليقه على سنن أبي داود: والذي صح عن النبي - ﷺ - ذمهم من طوائف أهل البدع: هم الخوارج. فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح. لأن مقالتهم حدثت في زمن النبي - ﷺ - وكلمه رئيسهم (١). (٢)\nوقال: ومن اعترض على الكتاب والسنة بنوع تأويل من قياس أو ذوق أو عقل أو حال ففيه شبه من الخوارج أتباع ذي الخويصرة. (٣)\n_________\n(١) يشير إلى حديث ذي الخويصرة، وقد تقدم في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٢) مختصر سنن أبي داود (٧/ ٦١).\n(٣) الصواعق المرسلة (١/ ٣٠٨).","vol":"8","page":344},{"text":"- وقال: فمن الكبائر تكفير من لم يكفره الله ورسوله، وإذا كان النبي - ﷺ - قد أمر بقتال الخوارج، وأخبر أنهم شر قتلى تحت أديم السماء، وأنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ودينهم تكفير المسلمين بالذنوب، فكيف من كفرهم بالسنة ومخالفة آراء الرجال لها وتحكيمها والتحاكم إليها. (١)\n- وقال: والصحيح: أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكُفْرَيْنِ، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم. فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر. وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. وإن جهله وأخطأه: فهذا مخطىء، له حكم المخطئين. (٢)\n- وقال: وها هنا أصل آخر: وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، هذا من أعظم أصول أهل السنة، وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل، وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة.\nقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ (٣) فأثبت لهم إيمانا به سبحانه مع الشرك. وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ\n_________\n(١) إعلام الموقعين (٤/ ٤٠٥).\n(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧).\n(٣) يوسف الآية (١٠٦).","vol":"8","page":345},{"text":"تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فأثبت لهم إسلاما وطاعة لله ورسوله مع نفي الإيمان عنهم، وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). وهؤلاء ليسوا منافقين في أصح القولين، بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله، وليسوا مؤمنين، وإن كان معهم جزء من الإيمان، أخرجهم من الكفر. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2898>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال في حاشيته على سنن أبي داود تعليقا على قوله - ﷺ -: «لا يزني الزاني ...» (٤) الحديث: وفي لفظ في الصحيحين «ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن -وزاد مسلم- ولا يغل حين يغل وهو مؤمن، فإياكم إياكم».\nوزاد أبو بكر البزار فيه في المسند «ينزع الإيمان من قلبه. فإن تاب تاب الله عليه».\nوأخرج البخاري في صحيحه (٥) عن ابن عباس ﵄ قال:\n_________\n(١) الحجرات الآية (١٤).\n(٢) الحجرات الآية (١٥).\n(٣) كتاب الصلاة وحكم تاركها (ص.٦٠).\n(٤) تقدم تخريجه ضمن مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).\n(٥) البخاري (١٢/ ١٣٦/٦٨٠٩) والنسائي في الكبرى (٤/ ٢٦٨/٧١٣٥).","vol":"8","page":346},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: «لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن، ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن» قال عكرمة: \"قلت لابن عباس: كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: هكذا -وشبك بين أصابعه، ثم أخرجها- فإن تاب عاد إليه هكذا -وشبك بين أصابعه\".\nوروى ابن صخر في الفوائد من حديث محمد بن خالد المخزومي عن سفيان الثوري عن زبيد اليامي عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: «اليقين الإيمان كله» وذكره البخاري في صحيحه موقوفًا على ابن مسعود. (١)\nوفي صحيح مسلم عن أبي قتادة «أن رسول الله - ﷺ - قام فيهم. فذكر الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال» الحديث (٢).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله». قال: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». (٣)\nوفي لفظ: «إيمان بالله ورسوله» وترجم عليه البخاري: (باب من قال: إن الإيمان هو العمل. لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ\n_________\n(١) تقدم ضمن مواقفه سنة (٣٢هـ).\n(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٩٧) ومسلم (٣/ ١٥٠١/١٨٨٥) والترمذي (٤/ ١٨٤/١٧١٢) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٦/ ٣٤١/٣١٥٦).\n(٣) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٦٤) والبخاري (١/ ١٠٥/٢٦) ومسلم (١/ ٨٨/٨٣) والنسائي (٨/ ٤٦٩/٥٠٠٠).","vol":"8","page":347},{"text":"تَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢): عن قول لا إله إلا الله).\nوفي الصحيحين عن أبي ذر الغفاري قال: «قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله» الحديث. (٣)\nوروى البزار في مسنده من حديث عمار بن ياسر عن النبي - ﷺ -: «ثلاث من جمعهن، فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار». (٤)\nوذكره البخاري في صحيحه عن عائشة من قولها.\nوقال البخاري قال معاذ: (اجلس بنا نؤمن ساعة) (٥) وقال البخاري في الصحيح: (باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان، وعلم الساعة وبيان النبي - ﷺ - له، ثم قال «جاء جبريل يعلمكم دينكم» فجعل ذلك كله دينًا). (٦)\n_________\n(١) الزخرف الآية (٧٢).\n(٢) الحجر الآيتان (٩٢ و٩٣).\n(٣) أخرجه: أحمد (٥/ ١٦٣) والبخاري (٥/ ١٨٥/٢٥١٨) ومسلم (١/ ٨٩/٨٤) والنسائي في الكبرى (٣/ ١٧٢/٤٨٩٤) وابن ماجه (٢/ ٨٤٣/٢٥٢٣).\n(٤) تقدم تخريجه موقوفا ضمن مواقفه سنة (٣٧هـ). وأما المرفوع فقال الحافظ في الفتح (١/ ١١٢): \"استغربه البزار، وقال أبو زرعة: هو خطأ. قلت: وهو معلول من حيث صناعة الإسناد، لأن عبد الرزاق تغير بآخرة، وسماع هؤلاء منه في حال تغيره، إلا أن مثله لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع. وقد رويناه مرفوعا من وجه آخر عن عمار أخرجه الطبراني في الكبير وفي إسناده ضعف، وله شواهد أخرى بينتها في تعليق التعليق\".\n(٥) تقدم ضمن مواقفه سنة (١٨هـ).\n(٦) كتاب الإيمان (١/ ١٥٣).","vol":"8","page":348},{"text":"وما بين النبي - ﷺ - لوفد عبد القيس من الإيمان (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢) وفي حديث الشفاعة المتفق على صحته: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» وفي لفظ: «مثقال دينار من إيمان» وفي لفظ: «مثقال شعيرة من إيمان» وفي لفظ: «مثقال خردلة من إيمان» وفي لفظ: «انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان» وفي لفظ: «إذا كان يوم القيامة شفعت، فقلت: يا رب، أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة من إيمان، فيدخلون. ثم أقول: أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء. قال أنس: كأني أنظر إلى أصابع رسول الله - ﷺ -».\nوفي لفظ عن أنس عن النبي - ﷺ -: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة. ثم قال: يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة. ثم يخرج من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة».\nوترجم البخاري على هذا الحديث: (باب زيادة الإيمان ونقصانه وقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (٣) وقال: ﴿ويزداد الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٤) وقال:\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف ابن الصلاح سنة (٦٤٣هـ).\n(٢) آل عمران الآية (٨٥).\n(٣) الكهف الآية (١٣).\n(٤) المدثر الآية (٣١).","vol":"8","page":349},{"text":"﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص).\nوكل هذه الألفاظ التي ذكرناها في الصحيحين، أو أحدهما. (٢)\nوالمراد بالخير في حديث أنس الإيمان، فإنه هو الذي يخرج به من النار. وكل هذه النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل في أن نفس الإيمان القائم بالقلب يقبل الزيادة والنقصان، وبعضهم أرجح من بعض.\nوقال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: \"أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم من أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل\". (٣)\nوقال البخاري أيضًا: (باب الصلاة من الإيمان وقوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٤) يعني صلاتكم عند البيت) ثم ذكر حديث تحويل القبلة. (٥)\nوأقدم من روي عنه زيادة الإيمان ونقصانه من الصحابة: عمير بن\n_________\n(١) المائدة الآية (٣).\n(٢) أحمد (٣/ ١١٦) والبخاري (١/ ١٣٨ - ١٣٩/ ٤٤) وله أطراف، ومسلم (١/ ١٨٢/١٩٣ [٣٢٥]) والترمذي (٤/ ٦١٣/٢٥٩٣) وابن ماجه (٢/ ١٤٤٢ - ١٤٤٣/ ٤٣١٢).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقفه سنة (١١٧هـ).\n(٤) البقرة الآية (١٤٣).\n(٥) أخرجه من حديث البراء بن عازب ﵁: أحمد (٤/ ٣٠٤) والبخاري (١/ ١٢٨/٤٠) ومسلم (١/ ٣٧٤/٥٢٥) والترمذي (٢/ ١٦٩ - ١٧٠/ ٣٤٠) وقال: \"حديث البراء حديث حسن صحيح\". والنسائي (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣/ ٤٨٧و٤٨٨) وابن ماجه (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣/ ١٠١٠).","vol":"8","page":350},{"text":"حبيب الخطمي. (١)\n- وقال تمثيلًا لقاعدة الأمر المطلق ومطلق الأمر: إن من بعض أمثلة هذه القاعدة: الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فالإيمان المطلق لا يطلق إلا على الكامل الكمال المأمور به، ومطلق الإيمان يطلق على الناقص والكامل، ولهذا نفى النبي - ﷺ - الإيمان المطلق عن الزاني وشارب الخمر والسارق، ولم ينف عنه مطلق الإيمان لئلا يدخل في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ (٢) ولا في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ (٣) ولا في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٤) إلى آخر الآيات ويدخل في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٥) وفي قوله: ﴿وَإِنْ طائفتان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٦) وفي قوله: «لا يقتل مؤمن بكافر» (٧) وأمثال ذلك. فلهذا كان قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٨) نفيًا للإيمان المطلق\n_________\n(١) مختصر سنن أبي داود (٧/ ٥٣ - ٥٦).\n(٢) آل عمران الآية (٦٧).\n(٣) المؤمنون الآية (١).\n(٤) الأنفال الآية (٢).\n(٥) النساء الآية (٩١).\n(٦) الحجرات الآية (٩).\n(٧) أخرجه: أحمد (١/ ٧٩) والبخاري (١/ ٢٧١/١١١) والترمذي (٤/ ١٧/١٤١٢) وقال: \"حديث حسن صحيح\" والنسائي (٨/ ٣٩٢/٤٧٥٨) وابن ماجه (٢/ ٨٨٧/٢٦٥٨) من حديث علي ﵁.\n(٨) الحجرات الآية (١٤).","vol":"8","page":351},{"text":"لا لمطلق الإيمان لوجوه منها: أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا أسلمنا والمنافق لا يقال له ذلك. ومنها أنها قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ ولم يقل: قال المنافقون، ومنها، أن هؤلاء الجفاة الذين نادوا رسول الله - ﷺ - من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاء، لا نفاقا وكفرا. ومنها أنه قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١)\nولم ينف دخول الإسلام في قلوبهم، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى الإيمان. ومنها أن الله تعالى قال: ﴿وإن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ (٢) أي لا ينقصكم والمنافق لا طاعة له. ومنها أنه قال: ﴿يمنون عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ (٣) فأثبت لهم إسلاما ونهاهم أن يمنوا على رسول الله - ﷺ -، ولو لم يكن إسلاما صحيحا لقال لم تسلموا بل أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٤) لما لم تطابق شهادتهم اعتقادهم. ومنها أنه قال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ (٥) ولو كانوا منافقين لما من عليهم. ومنها أنه قال: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ\n_________\n(١) الحجرات الآية (١٤) ..\n(٢) الحجرات الآية (١٤).\n(٣) الحجرات الآية (١٧).\n(٤) المنافقون الآية (١).\n(٥) الحجرات الآية (١٧).","vol":"8","page":352},{"text":"لِلْإِيمَانِ﴾ ولا ينافي هذا قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ فإنه نفى الإيمان المطلق ومن عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمن لمطلق الإيمان. ومنها أن النبي - ﷺ - لما قسم القسم قال له سعد أعطيت فلانا وتركت فلانا وهو مؤمن، فقال أو مسلم ثلاث مرات (١) وأثبت له الإسلام دون الإيمان. وفي الآية أسرار بديعة ليس هذا موضعها. والمقصود الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان. فالإيمان المطلق يمنع دخول النار، ومطلق الإيمان يمنع الخلود فيها. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2899>موقفه من القدرية:</span>\nلقد أبلى ﵀ البلاء الحسن في الدفاع عن المنهج السلفي والرد على مناهج أهل البدع والزيغ والضلال، فكانت القدرية الخاسئة من جملة أهل الأهواء الذين رد عليهم وبين ﵀ زيف أقوالهم وشبههم، فدحضها ﵀ كلها وذلك في كتابه 'شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل'.\n- قال في مقدمته: ولما كانت معرفة الصواب في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل واقعة في مرتبة الحاجة، بل في مرتبة الضرورة، اجتهدت في جمع هذا الكتاب وتهذيبه وتحريره وتقريبه، فجاء فردا في معناه بديعا في مغزاه، وسميته: 'شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل'\n_________\n(١) أحمد (١/ ١٧٦) والبخاري (١/ ١٠٨/٢٧) ومسلم (١/ ١٣٢/١٥٠) وأبو داود (٥/ ٦٢ - ٦٣/ ٤٦٨٥) والنسائي (٨/ ٤٧٧ - ٤٧٨/ ٥٠٠٧) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه.\n(٢) بدائع الفوائد (٤/ ١٦ - ١٧).","vol":"8","page":353},{"text":"وجعلته أبوابا. (١)\n- قال ﵀: أما بعد، فإن أهم ما يجب معرفته على المكلف النبيل، فضلا عن الفاضل الجليل، ما ورد في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، فهو من أسنى المقاصد، والإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الدين المبين وختامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان، التي يرجع إليها، ويدور في جميع تصاريفه عليها، فالعدل قوام الملك، والحكمة مظهر الحمد، والتوحيد متضمن لنهاية الحكمة وكمال النعمة. ولا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فبالقدر والحكمة ظهر خلقه وشرعه المبين ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.\nوقد سلك جماهير العقلاء في هذا الباب في كل واد، وأخذوا في كل طريق، وتولجوا كل مضيق، وركبوا كل صعب وذلول، وقصدوا الوصول إلى معرفته، والوقوف على حقيقته، وتكلمت فيه الأمم قديما وحديثا، وساروا للوصول إلى مغزاه سيرا حثيثا، وخاضت فيه الفرق على تباينها واختلافها، وصنف فيه المصنفون الكتب على تنوع أصنافها.\nفلا أحد إلا وهو يحدث نفسه بهذا الشأن، ويطلب الوصول فيه إلى حقيقة العرفان، فتراه إما مترددا فيه مع نفسه، أو مناظرا لبني جنسه، وكل قد اختار لنفسه قولا لا يعتقد الصواب في سواه، ولا يرتضي إلا إياه. وكلهم -إلا من تمسك بالوحي- عن طريق الصواب مردود، وباب الهدى في وجهه مسدود، تحسى علما غير طائل، وارتوى من ماء آجن، قد طاف على أبواب الأفكار،\n_________\n(١) شفاء العليل (١/ ٢٢).","vol":"8","page":354},{"text":"ففاز بأخس الآراء والمطالب، فرح بما عنده من العلم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وقدم آراء من أحسن به الظن على الوحي المنزل المشروع، والنص المرفوع، حيران يأتم بكل حيران، يحسب كل سراب ماء، فهو طول عمره ظمآن، ينادى إلى الصواب من مكان بعيد، أقبل إلى الهدى فلا يستجيب إلى يوم الوعيد، قد فرح بما عنده من الضلال وقنع بأنواع الباطل وأصناف المحال، منعه الكفر الذي اعتقده هدى، وما هو ببالغه عن الهداة المهتدين، ولسان حاله أو قاله يقول: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَن اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (١).\nولما كان الكلام في هذا الباب نفيا وإثباتا موقوفا على الخبر عن أسماء الله وصفاته وأفعاله وخلقه وأمره، فأسعد الناس بالصواب فيه من تلقى ذلك من مشكاة الوحي المبين، ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهوكين، وتشكيكات المشككين، وتكلفات المتنطعين، واستمطر ديم الهداية من كلمات أعلم الخلق برب العالمين، فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفت وشفت وجمعت وفرقت وأوضحت وبينت وحلت محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن.\nثم تلاه أصحابه من بعده على نهجه المستقيم، وطريقه القويم، فجاءت كلماتهم كافية شافية مختصرة نافعة، لقرب العهد ومباشرة التلقي من تلك المشكاة التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى.\n_________\n(١) الأنعام الآية (٥٣).","vol":"8","page":355},{"text":"ثم سلك آثارهم التابعون لهم بإحسان، فاقتفوا طريقهم، وركبوا منهاجهم، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا على ما كانوا عليه.\nثم نبغ في عهدهم وأواخر عهد الصحابة القدرية مجوس هذه الأمة، الذين يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، فمن شاء هدى نفسه، ومن شاء أضلها، ومن شاء بخسها حظها وأهملها، ومن شاء وفقها للخير وكملها، كل ذلك مردود إلى مشيئة العبد ومقتطع من مشيئة العزيز الحميد. فأثبتوا في ملكه ما لا يشاء، وفي مشيئته ما لا يكون.\nثم جاء خلف هذا السلف فقرروا ما أسسه أولئك من نفي القدر وسموه عدلا، وزادوا عليه نفي صفاته سبحانه وحقائق أسمائه وسموه توحيدا.\nفالعدل عندهم إخراج أفعال الملائكة والإنس والجن وحركاتهم وأقوالهم وإراداتهم من قدرته ومشيئته وخلقه.\nوالتوحيد عند متأخريهم تعطيله عن صفات كماله ونعوت جلاله، وأنه لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة تقوم به ولا كلام، ما تكلم ولا يتكلم، ولا أمر ولا يأمر، ولا قال ولا يقول، إن ذلك إلا أصوات وحروف مخلوقة منه في الهواء أو في محل مخلوق، ولا استوى على عرشه فوق سماواته، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا ينزل الأمر والوحي من عنده، وليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد، ما فوقه إلا العدم المحض والنفي الصرف، فهذا توحيدهم وذاك عدلهم.","vol":"8","page":356},{"text":"ثم نبغت طائفة أخرى من القدرية فنفت فعل العبد وقدرته واختياره، وزعمت أن حركته الاختيارية -ولا اختيار- كحركة الأشجار عند هبوب الرياح وكحركات الأمواج، وأنه على الطاعة والمعصية مجبور، وأنه غير ميسر لما خلق له، بل هو عليه مقسور ومجبور.\nثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مقتدين، ولمنهاجهم مقتفين، فقرروا هذا المذهب وانتموا إليه وحققوه وزادوا عليه أن تكاليف الرب تعالى لعباده كلها تكليف ما لا يطاق، وأنها في الحقيقة كتكليف المقعد أن يرقى إلى السبع الطباق، فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد ولا هو له بمقدور، وإنما هو تكليف بفعل من هو متفرد بالخلق وهو على كل شيء قدير، فكلف عباده بأفعاله وليسوا عليها قادرين، ثم عاقبهم عليها وليسوا في الحقيقة فاعلين.\nثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العباد، فقالوا: ليس في الكون معصية ألبتة، إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد. كما قيل:\nأصبحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات\n\nولاموا بعض هؤلاء على فعله فقال: إن كنت عصيت أمره فقد أطعت إرادته، ومطيع الإرادة غير ملوم، وهو في الحقيقة غير مذموم. وقرر محققوهم من المتكلمين هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحد، فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبه.\nوأخبرني شيخ الإسلام قدس الله روحه أنه لام بعض هذه الطائفة على","vol":"8","page":357},{"text":"محبة ما يبغضه الله ورسوله فقال له الملوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أبغض منه؟ قال الشيخ: فقلت له: إذا كان قد سخط على أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمهم فواليتهم أنت وأحببتهم وأحببت أفعالهم ورضيتها تكون مواليا له أو معاديا؟ قال: فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة.\nوزعمت هذه الفرقة أنهم بذلك للسنة ناصرون، وللقدر مثبتون، ولأقوال أهل البدع مبطلون. هذا وقد طووا بساط التكليف، وطففوا في الميزان غاية التطفيف، وحملوا ذنوبهم على الأقدار، وبرأوا أنفسهم في الحقيقة من فعل الذنوب والأوزار، وقالوا إنها في الحقيقة فعل الخلاق العليم، وإذا سمع المنزه لربه هذا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، فالشر ليس إليك والخير كله في يديك.\nلقد ظنت هذه الطائفة بالله أسوأ الظن، ونسبته إلى أقبح الظلم. وقالوا إن أوامر الرب ونواهيه كتكليف العبد أن يرقى فوق السموات، وكتكليف الميت إحياء الأموات، والله يعذب عباده أشد العذاب على فعل ما لا يقدرون على تركه وعلى ترك ما لا يقدرون على فعله، بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور، وليس أحد ميسر له بل هو عليه مقهور ونرى العازف منهم ينشد مترنما، ومن ربه متشكيا ومتظلما:\nألقاه في اليم مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء\n\nوليس عند القوم في نفس الأمر سبب، ولا غاية، ولا حكمة، ولا قوة في الأجسام، ولا طبيعة ولا غريزة، فليس في الماء قوة التبريد، ولا في النار","vol":"8","page":358},{"text":"قوة التسخين، ولا في الأغذية قوة الغذاء، ولا في الأدوية قوة الدواء، ولا في العين قوة الإبصار، ولا في الأذن قوة السماع، ولا في الأنف قوة الشم، ولا في الحيوان قوة فاعلة ولا جاذبة، ولا ممسكة ولا دافعة، والرب تعالى لم يفعل شيئا بشيء ولا شيئا لشيء، فليس في أفعاله باء تسبيب ولا لام تعليل، وما ورد من ذلك فمحمول على باء المصاحبة ولام العاقبة. (١)\n- وقال في معرض ذكره لحديث احتجاج آدم وموسى (٢): وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك، وقال: لو صح لبطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذ صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه.\nوهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته، فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته، لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله - ﷺ - أنه قاله، وحكموا بصحته، فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن. (٣)\n- وقال: وتأمل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم\n_________\n(١) شفاء العليل (١/ ١٧ - ٢١).\n(٢) تقدم في مواقف ابن قتيبة سنة (٢٧٦هـ).\n(٣) شفاء العليل (١/ ٤٦).","vol":"8","page":359},{"text":"بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله، وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: ﴿قل فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١).\nفأخبر سبحانه أن الحجة له عليهم برسله وكتبه، وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك، واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه، ثم قرر تمام الحجة بقوله: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (٢) فإن هذا يتضمن أنه المتفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه، وأنه لا رب غيره ولا إله سواه، فكيف يعبدون معه إلها غيره؟.\nفإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم، وأن الأمر كله لله، وأن كل شيء ما خلا الله باطل، فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد، فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك. فكانت حجة الله البالغة وحجتهم الداحضة، وبالله التوفيق.\nإذا عرفت هذا، فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه، وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته، بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم، فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المعصية والمحنة التي نالت\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٤٩).\n(٢) الأنعام الآية (١٤٩).","vol":"8","page":360},{"text":"الذرية، ولهذا قال له: (أخرجتنا ونفسك من الجنة) وفي لفظ (خيبتنا).\nفاحتج آدم بالقدر على المصيبة، وقال: إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي، والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب، أي أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة.\nإلى أن قال: ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل. (١)\n- وقال: والفرقة الثانية غلاة القدرية الذين اتفق السلف على كفرهم، وحكموا بقتلهم، الذين يقولون: لا يعلم أعمال العباد حتى يعملوها، ولم يعلمها قبل ذلك ولا كتبها ولا قدرها، فضلا عن أن يكون شاءها وكونها. وقول هؤلاء معلوم البطلان بالضرورة من أديان جميع المرسلين، وكتب الله المنزلة. وكلام الرسول - ﷺ - مملوء بتكذيبهم وإبطال قولهم، وإثبات عموم علمه الذي لا يشاركه فيه خلقه، ولا يحيطون بشيء منه إلا بما شاء أن يطلعهم عليه ويعلمهم به. وما أخفاه عنهم ولم يطلعهم عليه ولا نسبة لما عرفوه إليه إلا دون نسبة قطرة واحدة إلى البحار كلها، كما قال الخضر لموسى، وهما أعلم أهل الأرض حينئذ: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر. (٢)\n_________\n(١) شفاء العليل (١/ ٥٥ - ٥٧).\n(٢) جزء من حديث طويل لابن عباس أخرجه: أحمد (٥/ ١١٧ - ١١٨) والبخاري (٨/ ٥٢٢ - ٥٢٣/ ٤٧٢٥) ومسلم (٤/ ١٨٤٧ - ١٨٥٠/ ٢٣٨٠) والترمذي (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٢/ ٣١٤٩).","vol":"8","page":361},{"text":"ويكفي أن ما يتكلم به من علمه لو قدر أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض كلها من أول الدهر إلى آخره أقلام يكتب به ما يتكلم به مما يعلمه لنفدت البحار وفنيت الأقلام ولم تنفد كلماته. فنسبة علوم الخلائق إلى علمه سبحانه كنسبة قدرتهم إلى قدرته، وغناهم إلى غناه، وحكمتهم إلى حكمته. وإذا كان أعلم الخلق على الإطلاق يقول: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». (١)\nويقول في دعاء الاستخارة: «فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب» (٢). ويقول سبحانه للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٣).\nويقول سبحانه لأعلم الأمم وهم أمة محمد - ﷺ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ (٤). ويقول لأهل الكتاب: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥). وتقول رسله\n_________\n(١) أحمد (٦/ ٥٨،٢٠١) ومسلم (١/ ٣٥٢/٤٨٦) وأبو داود (١/ ٥٤٧/٨٧٩) والترمذي (٥/ ٥٢٤/٣٥٦٦) والنسائي (٢/ ٥٥٨/١٠٩٩) وابن ماجه (٢/ ١٢٦٢ - ١٢٦٣/ ٣٨٤١) كلهم أخرجه من حديث عائشة.\n(٢) أخرجه من حديث جابر بن عبد الله: أحمد (٣/ ٣٤٤) والبخاري (١١/ ٢١٨ - ٢١٩/ ٦٣٨٢) وأبو داود (٢/ ١٨٧ - ١٨٨/ ١٥٣٨) والترمذي (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦/ ٤٨٠) والنسائي (٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩/ ٣٢٥٣) وابن ماجه (١/ ٤٤٠/١٣٨٣).\n(٣) البقرة الآية (٣٠).\n(٤) البقرة الآية (٢١٦).\n(٥) الإسراء الآية (٨٥).","vol":"8","page":362},{"text":"يوم القيامة حين يسألهم ماذا أجبتم: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (١).\nوهذا هو الأدب المطابق للحق في نفس الأمر، فإن علومهم وعلوم الخلائق تضمحل وتتلاشى في علمه سبحانه كما يضمحل ضوء السراج الضعيف في عين الشمس. فمن أظلم الظلم وأبين الجهل وأقبح القبيح وأعظم القحة والجراءة أن يعترض من لا نسبة لعلمه إلى علوم الناس التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل التي لا نسبة لها إلى علم رب العالمين عليه، ويقدح في حكمته، ويظن أن الصواب والأولى أن يكون غير ما جرى به قلمه وسبق به علمه، وأن يكون الأمر بخلاف ذلك. فسبحان الله رب العالمين تنزيها لربوبيته وإلهيته وعظمته وجلاله عما لا يليق به من كل ما نسبه إليه الجاهلون الظالمون. (٢)\n- وقال: والقول الحق في هذه الأقوال كيوم الجمعة في الأيام أضل الله عنه أهل الكتابين قبل هذه الأمة وهداهم إليه كما قال النبي - ﷺ - في الجمعة: «أضل الله عنها من كان قبلنا فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى». (٣)\nونحن هكذا نقول بحمد الله، ومنه القول الوسط الصواب لنا، وإنكار الفاعل بالمشيئة والاختيار لأعداء الرسل، وإنكار الحكمة والمصلحة والتعليل والأسباب للجهمية والجبرية، وإنكار عموم القدرة والمشيئة العائدة إلى الرب\n_________\n(١) المائدة الآية (١٠٩).\n(٢) شفاء العليل (٢/ ٧٩ - ٨١).\n(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: مسلم (٢/ ٥٨٦/٨٥٦) والنسائي (٣/ ٩٧/١٣٦٧) وابن ماجه (١/ ٣٤٤/١٠٨٣).","vol":"8","page":363},{"text":"سبحانه من محبته وكراهته وموجب حمده ومقتضى أسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها للقدرية المجوسية.\nونحن نبرأ إلى الله من هذه الأقوال وقائلها، إلا من حق تتضمنه مقالة كل فرقة منهم فنحن به قائلون، وإليه منقادون، وله ذاهبون. (١)\n\nعمر بن عمران البِلاَلِي (٢) (٧٥٤ هـ)\nعمر بن عمران بن صدقة البلالي نسبة إلى بلال بن الوليد بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي زين الدين البدوي. ولد سنة خمس وثمانين وستمائة. وسمع الصحيح على ابن الشحنة، وسمع من عبد العزيز بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر. وسمع منه ابن رجب، وذكره في معجمه وقال: رأيته ببغداد بالمستنصرية وجرت له قصة مع ملك التتار. وقدم دمشق، واتفقت له كائنة فسجن بقلعة دمشق حين كان الشيخ ابن تيمية بها وأقام بعده مسجونا خمس سنين ثم أطلق. توفي ﵀ سنة أربع وخمسين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2901>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في الدرر الكامنة: ... وجرت له قصة مع ملك التتار، وذلك أنه اتهمه بمكاتبة المصريين بأخبارهم، فألقاه إلى الكلاب ومعه آخر، فأكلت الكلاب رفيقه ولم تؤذه، وكان في تلك الحالة ملازما للذكر فعظم في أعينهم\n_________\n(١) شفاء العليل (٢/ ٧٩).\n(٢) الدرر الكامنة (٣/ ١٨١)","vol":"8","page":364},{"text":"وأكرموه، وأقام معهم مدة يجاهد الرافضة والمبتدعة، ثم قدم دمشق، واتفقت له كائنة فسجن بقلعة دمشق، حيث كان الشيخ ابن تيمية بها، وأقام بعده مسجونا خمس سنين ثم أطلق. وذكر أن ابن تيمية أنشده وهما في الاعتقال:\nلا تُفكرن وثق بالله أن له يأتيك من لطفه ما ليس تعرفه ... ألطافا دقت عن الأذهان والفطن\nحتى تظن الذي قد كان لم يكن (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2902>موقف سلطان الوقت من محمد بن عبد المعطي المخرف (٧٦٠ ه</span>ـ)\nجاء في الدرر الكامنة: وشهدوا عليه بأمور لا تليق بالحكام من أهل العلم، منها أنه كان إذا دخل الحجرة للزيارة يقبل الأرض، وسقطات كثيرة فأمر السلطان بعزله. (٢)\nالتعليق:\nرحم الله هذا السلطان حيث عزل هذا الرجل الخرافي القبوري، الذي يفعل فعل المشركين الذين يتمسحون بالأحجار والأشجار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2903>موقف السلف من محمد زبالة الزنديق (٧٦١ ه</span>ـ)\nجاء في البداية والنهاية: وفي يوم الإثنين السادس والعشرين منه، قتل\n_________\n(١) الدرر الكامنة (٣/ ١٨١).\n(٢) الدرر الكامنة (٤/ ٣١).","vol":"8","page":365},{"text":"محمد المدعو زبالة الذي بهتار لابن معبد على ما صدر منه من سب النبي - ﷺ - ودعواه أشياء كفرية، وذكر عنه أنه كان يكثر الصلاة والصيام، ومع هذا يصدر منه أحوال بشعة في حق أبي بكر وعمر وعائشة أم المؤمنين، وفي حق النبي - ﷺ -، فضربت عنقه أيضا في هذا اليوم في سوق الخيل ولله الحمد والمنة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2904>موقف السلف من عثمان بن محمد الدقاق الزنديق (٧٦١ ه</span>ـ)\nجاء في البداية والنهاية: وفي يوم الجمعة السادس عشر منه قتل عثمان ابن محمد المعروف بابن دبادب الدقاق بالحديد على ما شهد عليه به جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، أنه كان يكثر من شتم الرسول - ﷺ -، فرفع إلى الحاكم المالكي وادعى عليه فأظهر التجابن، ثم استقر أمره على أن قتل قبحه الله وأبعده ولا رحمه. (٢)\n\nالملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (٣) (٧٦٢ هـ)\nالسلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، بويع بالسلطنة بعد أخيه المظفر حاجي في رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، واستمر حتى\n_________\n(١) البداية (١٤/ ٢٨٦).\n(٢) البداية (١٤/ ٢٨٦).\n(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٢٩١ - ٢٩٢) والوافي بالوفيات (١٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧) والدرر الكامنة (٢/ ٣٨) والعقد الثمين (٤/ ١٨٠) وأعيان العصر (٢/ ٦١٥ - ٦١٩) والنجوم الزاهرة (١٠/ ١٨٧).","vol":"8","page":366},{"text":"خلع سنة اثنتين وخمسين بأخيه الصالح صلاح الدين، ثم أعيد إلى السلطنة بعد خلع هذا الأخير سنة خمس وخمسين وسبعمائة. قال ابن حجر: كان الناصر حسنُ مُفْرِطًا في الذكاء ضابطا لما يحصل له، ولما خلع وسجن اشتغل بالعلم كثيرا حتى نسخ دلائل النبوة للبيهقي بخطه، توفي مقتولا سنة اثنتين وستين وسبعمائة على يد الأمير يلبغا الخاصكي، وبويع بعده ابن أخيه المنصور محمد ابن المظفر حاجي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2906>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في البداية والنهاية: ومن العجائب والغرائب التي لم يتفق مثلها، ولم يقع من نحو مائتي سنة وأكثر، أنه بطل الوقيد بجامع دمشق في ليلة النصف من شعبان، فلم يزد في وقيده قنديل واحد على عادة لياليه في سائر السنة ولله الحمد والمنة. وفرح أهل العلم بذلك وأهل الديانة، وشكروا الله تعالى على تبطيل هذه البدعة الشنعاء، التي كان يتولد بسببها شرور كثيرة بالبلد، والاستيجار بالجامع الأموي، وكان ذلك بمرسوم السلطان الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون خلد الله ملكه، وشيد أركانه. وكان الساعي لذلك بالديار المصرية الأمير حسام الدين أبو بكر بن النجيبي بيض الله وجهه، وقد كان مقيما في هذا الحين بالديار المصرية، وقد كنت رأيت عنده فتيا عليها خط الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والشيخ كمال الدين ابن الزملكاني، وغيرهما في إبطال هذه البدعة، فأنفذ الله ذلك ولله الحمد والمنة. وقد كانت هذه البدعة قد استقرت بين أظهر الناس من نحو سنة خمسين وأربعمائة وإلى زماننا هذا، وكم سعى فيها من فقيه وقاض","vol":"8","page":367},{"text":"ومفت، وعالم وعابد، وأمير وزاهد، ونائب سلطنة وغيرهم، ولم ييسر الله ذلك إلا في عامنا هذا، والمسؤول من الله إطالة عمر هذا السلطان، ليعلم الجهلة الذين استقر في أذهانهم إذا أبطل هذا الوقيد في عام يموت سلطان الوقت، وكان هذا لا حقيقة له ولا دليل عليه إلا مجرد الوهم والخيال. (١)\nالتعليق:\nوقد استجاب الله ﷿ دعوة الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، فعاش السلطان بعد هذه الواقعة أحد عشر عاما.\nونحن نقول لو أن الله ﷿ قدر موت هذا السلطان في العام نفسه الذي أزال فيه هذه البدعة، لم يلق ذلك في قلوبنا ريبا ولا شكا أن هذه بدعة منكرة، وما ردنا ذلك عن بيان بطلانها والسعي في إزالتها وغيرها من البدع المنكرة، ولا نخاف عقبى إزالة هذه البدع. فهذه عقيدتنا لقول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ (٢).\nوالله ﷿ كافينا وناصرنا عليهم لقوله ﷿: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (٣)، ونعلم علما جازما أن ملء الدنيا من هؤلاء المبتدعة وشياطينهم ليس لهم على المؤمنين سبيل،\n_________\n(١) البداية (١٤/ ٢٤٧).\n(٢) آل عمران الآية (١٧٥).\n(٣) الزمر الآية (٣٦).","vol":"8","page":368},{"text":"وأن كيدهم ضعيف لقول الله ﷿: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ (٢)، وأن النصرة والغلبة حسا ومعنى تكون لله ﷿ ولرسله، وأتباع رسله، قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِن اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (٤)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ (٦).\nوننكر على المبتدعة بدعهم وضلالهم، فإن أصابنا شيء فبما كسبت أيدينا\n_________\n(١) النساء الآية (٧٦).\n(٢) المجادلة الآية (١٩).\n(٣) المجادلة الآية (٢١).\n(٤) الحج الآية (٤٠).\n(٥) محمد الآيات (٧ - ٩).\n(٦) غافر الآيتان (٥١و٥٢).","vol":"8","page":369},{"text":"لا بتعرضنا وإنكارنا لهذه البدع، ونرى أن المبتدعة -أعداء السنة- ما علا شأنهم إلا وسفل وانقطع، قال ﷿: ﴿إِن شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (١). فالواجب على أهل الحق أن ينكروا البدع ما ظهر منها وما بطن وألا يخافوا في الله لومة لائم، والله واقيهم، قال ﷿: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ (٢) وأن يصبروا على ما ينالهم من الأذى، قال ﷿: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾ (٣)؛ فإن أرانا الله ﷿ عقوبتهم في الدنيا فذاك، وإن توفانا فإليه نرجع فيجزي المبتدعة وأذنابهم بأعمالهم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2907>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في الخطط: وفي شهر ذي القعدة سنة إحدى وستين وسبعمائة. حضر السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون بخانقاه أبيه الملك الناصر في ناحية سرياقوس خارج القاهرة. ومد له شيخ الشيوخ سماطا، كان من جملة من وقف عليه بين يدي السلطان الشريف علي شيخ زاوية القلندرية\n_________\n(١) الكوثر الآية (٣).\n(٢) غافر الآية (٤٥).\n(٣) غافر الآية (٧٧).\n(٤) إبراهيم الآية (٤٢).\n(٥) الأنعام الآية (١٣٢).","vol":"8","page":370},{"text":"هذه، فاستدعاه السلطان وأنكر عليه حلق لحيته واستتابه، وكتب له توقيعا سلطانيا منع فيه هذه الطائفة من تحليق لحاهم، وأن من تظاهر بهذه البدعة قوبل على فعله المحرم، وأن يكون شيخا على طائفته كما كان ما دام وداموا متمسكين بالسنة النبوية، وهذه البدعة لها منذ ظهرت ما يزيد على أربعمائة سنة، وأول ما ظهرت بدمشق في سنة بضع عشرة وستمائة. وكتب إلى بلاد الشام بإلزام القلندرية بترك زي الأعاجم والمجوس ولا يمكن أحد من الدخول إلى بلاد الشام حتى يترك هذا الزي المبتدع واللباس المستبشع، ومن لا يلتزم بذلك يعزر شرعا، ويقلع من قراره قلعا. فنودي بذلك في دمشق وأرجائها يوم الأربعاء سادس عشر ذي الحجة. (١)\nالتعليق:\nهؤلاء السلاطين لو يسر الله لهم من يدلهم على السنة لكانوا خير مثال في تطبيقها، ولكن علماء السوء تسلطوا عليهم فدلوهم على البدع. فبنوا الزوايا وعمروها، ومع ذلك نحتفظ لهم ببعض المواقف كهذا الذي معنا.\n\nجمال الدين بن إدريس الأنباري (٢) (٧٦٥ هـ)\nالقاضي جمال الدين أبو حفص عمر بن عبد المحسن بن إدريس الأنباري ثم البغدادي، وقد ينسب إلى جده، ووهم من جعلهما شخصين. محتسب\n_________\n(١) الخطط (٢/ ٤٣٣).\n(٢) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧) وشذرات الذهب (٦/ ٢٠٤) والمقصد الأرشد (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٦) والدر المنضد (٢/ ٥٣٩) والدرر الكامنة (٣/ ١٥٤ و١٧٣) والسحب الوابلة (٢/ ٧٩٠ - ٧٩١).","vol":"8","page":371},{"text":"بغداد وقاضي الحنابلة بها. الإمام الفاضل قرأ على البابصري وغيره، وتفقه حتى مهر في المذهب ونصره، وأقام السنة وقمع البدعة ببغداد وأزال المنكرات، وكان إماما في الترسل والنظم، وله نظم في مسائل الفرائض. قتله الروافض سنة خمس وستين وسبعمائة ﵀ وتأسف عليه أهل بغداد، لحبهم له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2909>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في ذيل طبقات الحنابلة: فإنه نصر المذهب وأقام السنة وقمع البدعة ببغداد، وأزال المنكرات، وارتفع حتى لم يكن في المذهب أجمل منه في زمانه. ثم وزر لكبير بعض الرافضة فظفروا به، وعاقبوه مدة فصبر، ثم إن أعداءه أهلكهم الله تعالى عاجلا بعد استشهاده، وفرح أهل بغداد بهلاكهم وذلك عقيب موته في سنة خمس وستين وسبعمائة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2910>موقف السلف من محمود بن إبراهيم الشيرازي الرافضي (٧٦٦ ه</span>ـ)\nجاء في البداية والنهاية: وفي يوم الخميس سابع عشرة أول النهار وجد رجل بالجامع الأموي، اسمه محمود بن إبراهيم الشيرازي وهو يسب الشيخين ويصرح بلعنتهما. فرفع إلى القاضي المالكي قاضي القضاة جمال الدين المسلاتي، فاستتابه عن ذلك وأحضر الضراب فأول ضربة قال: لا إله إلا الله\n_________\n(١) ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧) ونحوه في البداية (١٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥).","vol":"8","page":372},{"text":"علي ولي الله. ولما ضرب الثانية لعن أبا بكر وعمر فالتهمه العامة، فأوسعوه ضربا مبرحا بحيث كاد يهلك. فجعل القاضي يستكفهم عنه فلم يستطع ذلك. فجعل الرافضي يسب ويلعن الصحابة وقال: كانوا على الضلال. فعند ذلك حمل إلى نائب السلطنة وشهد عليه قوله بأنهم كانوا على الضلالة، فعند ذلك حكم عليه القاضي بإراقة دمه فأخذ إلى ظاهر البلد فضربت عنقه وأحرقته العامة قبحه الله. (١)\nالتعليق:\nجزى الله خيرا علماء الإسلام على هذه المواقف المشرفة التي سيؤجرون عليها عند ربهم. ولا أدري لو أحياهم الله إلى وقتنا هذا كيف تكون مواقفهم مع هذه الكثرة الكاثرة من الرافضة التي تنسب نفسها إلى الإسلام وهي إلى المجوسية أنسب؟\n\nجمال الدين المسلاتي (٢) (٧٧١ هـ)\nالقاضي محمد بن عبد الرحيم بن علي بن عبد الملك السلمي المسلاتي، جمال الدين ابن زين الدين المالكي. سمع من ابن مخلوف وابن المنير وأبي حيان والقونوي وغيرهم. ولي نيابة الحكم بدمشق، ثم استقر بالقضاء أكثر من عشرين سنة. صاهر السبكي، وكان ﵀ عالما فاضلا، ينظم وينثر. وكانت له مواقف مشرفة من أهل البدع والضلال. توفي بمصر في ثالث عشر\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ٣٢٥).\n(٢) السلوك للمقريزي (٤/ ٣٣٨) والنجوم الزاهرة (١١/ ١٠٩ - ١١٠) والدرر الكامنة (٤/ ١١ - ١٢).","vol":"8","page":373},{"text":"ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2912>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في البداية والنهاية: وفي يوم الأربعاء حادي عشر رجب الفرد من هذه السنة -أي ست وخمسين وسبعمائة- حكم القاضي المالكي، وهو قاضي القضاة جمال الدين المسلاتي بقتل نصراني من قرية الرأس من معاملة بعلبك، اسمه داود بن سالم، ثبت عليه بمجلس الحكم في بعلبك أنه اعترف بما شهد عليه أحمد بن نور الدين علي بن غازي من قرية اللبوة من الكلام السيء الذي نال به من رسول الله - ﷺ -، وسبه وقذفه بكلام لا يليق ذكره، فقتل لعنه الله يومئذ بعد أذان العصر بسوق الخيل وحرقه الناس وشفى الله صدور قوم مؤمنين ولله الحمد والمنة. (١)\n\nالحافظ ابن كثير (٢) (٧٧٤ هـ)\nالإمام العلامة، ثقة المحدثين وعمدة المؤرخين وعلم المفسرين، الحافظ الكبير، عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصري ثم الدمشقي الفقيه الشافعي. ولد سنة سبعمائة، وقدم دمشق وله سبع سنين مع أخيه بعد موت أبيه. تفقه بالبرهان الفزاري والكمال بن قاضي شهبة، ثم صاهر المزي ولازمه وصحب ابن تيمية، وسمع من ابن\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ٢٦٥).\n(٢) شذرات الذهب (٦/ ٢٣١ - ٢٣٢) والدرر الكامنة (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤) والبدر الطالع (١/ ١٥٣) والرد الوافر (١٥٤) والنجوم الزاهرة (١١/ ١٢٣ - ١٢٤).","vol":"8","page":374},{"text":"عساكر. وكان ﵀ جيد الحفظ والفهم، مستقل الرأي، يدور مع الدليل حيث دار ولا يتعصب لمذهب. قال عنه الذهبي: الإمام المحدث المفتي البارع فقيه متفنن، محدث متقن، مفسر نقال. وقال تلميذه شهاب الدين بن حجي: كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث وأعرفهم بتخريجها ورجالها، وصحيحها وسقيمها. وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك. وكان يستحضر كثيرا من التفسير والتاريخ، قليل النسيان. وكان فقيها جيد الفهم صحيح الذهن. وقال الحافظ ابن حجر: ولازم المزي، وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته، وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه، وامتحن بسببه، وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته. وقال ابن حبيب: إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بأقواله وشنف، وحدث وأفاد، وطارت فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، انتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير. وهو القائل:\nتمر بنا الأيام تترى وإنما ... نساق إلى الآجال والعين تنظر\nفلا عائد ذاك الشباب الذي مضى ... ولا زائل هذا المشيب المكدر\n\nله مؤلفات كثيرة كـ'التفسير' و'البداية والنهاية' و'جامع المسانيد والسنن' وغير ذلك.\nتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2914>موقفه من المبتدعة:</span>\n- ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن قيم","vol":"8","page":375},{"text":"الجوزية، نقلا عن الذهبي في المعجم المختص أنه وقع بينه وبين ابن كثير منازعة في تدريس الناس، فقال له ابن كثير أنت تكرهني لأنني أشعري، فقال له: لو كان من رأسك إلى قدمك شعر ما صدقك الناس في قولك أنك أشعري، وشيخك ابن تيمية. (١)\n- قال رحمه الله تعالى تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (٢): فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأي ولا قول، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣). وفي الحديث: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (٤) ولهذا شدد في\n_________\n(١) الدرر الكامنة (١/ ٥٨).\n(٢) الأحزاب الآية (٣٦).\n(٣) النساء الآية (٦٥).\n(٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٢/١٥) وابن بطة في الإبانة (١/ ٣٨٧ - ٣٨٨/ ٢٧٩) من طيق نعيم بن حماد حدثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا بعض مشيختنا هشام أو غيره، عن محمد بن سيرين عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو مرفوعا. ونعيم بن حماد، قال الحافظ في التقريب: \"صدوق يخطئ كثيرا\". وقال ابن رجب في جامع العلوم: \"تصحيح هذا الحديث بعيد جدا\".","vol":"8","page":376},{"text":"خلاف ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١)، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال ﵀: فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم رسول الله - ﷺ - غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجئوه بهذه المقالة، فقال قائلهم -وهو ذو الخويصرة- بقر الله خاصرته -: اعدل فإنك لم تعدل. فقال له رسول الله - ﷺ -: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟! ...» فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب -وفي رواية خالد بن الوليد- رسول الله - ﷺ - في قتله، فقال: «دعه فإنه يخرج من ضئضىء هذا -أي من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم» (٤).\nثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٣٦).\n(٢) النور الآية (٦٣).\n(٣) تفسير ابن كثير (٦/ ٤١٩).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف ابن تيمية سنة (٧٢٨هـ).","vol":"8","page":377},{"text":"المصدوق في قوله: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي» (١) أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة. اهـ (٢)\n- وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ (٣): ثم قال آمرا لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: خالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب الله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء -بل المرسلون، بل أولو العزم منهم- في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه والدخول في طاعته واتباع شريعته. (٤)\n- وقال عند قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٥): أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٧).\n(٣) آل عمران الآية (٣٢).\n(٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٥).\n(٥) آل عمران الآية (١٠٣).","vol":"8","page":378},{"text":"مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثا، قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». (١)\nوقد ضمنت لهم العصمة، عند اتفاقهم من الخطأ كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضا، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة (فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه) (٢).اهـ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2915>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ابن كثير في ترجمة السيدة نفيسة: وكانت وفاتها في شهر رمضان من هذه السنة -أي سنة ثمان ومئتين- فيما ذكره ابن خلكان قال: ولأهل مصر فيها اعتقاد (أي السيدة نفيسة).\n- قال ابن كثير وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها، وفي غيرها كثيرا جدا، ولا سيما عوام مصر فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز، وربما\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف ابن عبد البر سنة (٤٦٣هـ).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٧٤).","vol":"8","page":379},{"text":"نسبها بعضهم إلى زين العابدين وليست من سلالته. والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات. وأصل عبادة الأصنام من المغالات في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي - ﷺ - بتسوية القبور وطمسها (١). والمغالاة في البشر حرام، ومن زعم أنها تفك من الخشب، أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك؛ رحمها الله وأكرمها. (٢)\n- وقال أيضا وهو يتحدث عن حوادث (سنة تسع وثمانين ومائتين للهجرة): فيها عاثت القرامطة بسواد الكوفة، فظفر بعض العمال بطائفة منهم فبعث برئيسهم إلى المعتضد وهو أبو الفوارس، فنال من العباس بين يدي الخليفة فأمر به فقلعت أضراسه وخلعت يداه ثم قطعتا مع رجليه، ثم قتل وصلب ببغداد.\nوفيها قصدت القرامطة دمشق في جحفل عظيم فقاتلهم نائبها طغج بن جف من جهة هارون بن خمارويه، فهزموه مرات متعددة، وتفاقم الحال بهم، وكان ذلك بسفارة يحيى بن زكرويه ابن بهرويه الذي ادعى عند القرامطة أنه محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد كذب في ذلك، وزعم لهم أنه قد اتبعه على أمره مائة ألف، وأن ناقته مأمورة حيث ما توجهت به نصر على أهل تلك الجهة. فراج ذلك عندهم ولقبوه الشيخ، واتبعه طائفة من بني الأصبغ، وسموا بالفاطميين. وقد بعث إليهم الخليفة جيشا كثيفا فهزموه، ثم اجتازوا بالرصافة\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف فضالة بن عبيد سنة (٥٣هـ).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٢٧٤).","vol":"8","page":380},{"text":"فأحرقوا جامعها، ولم يجتازوا بقرية إلا نهبوها، ولم يزل ذلك دأبهم حتى وصلوا إلى دمشق فقاتلهم نائبها فهزموه مرات وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا، وانتهبوا من أموالها شيئا كثيرا. فإنا لله وإنا إليه راجعون. (١)\n- وقال عن الفارابي: وكان حاذقا في الفلسفة، ومن كتبه تفقه ابن سينا، وكان يقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة، وله مذاهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين، فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين. مات بدمشق فيما قاله ابن الأثير في كامله، ولم أر الحافظ ابن عساكر ذكره في تاريخه لنتنه وقباحته فالله أعلم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2916>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال في البداية والنهاية: في يوم الاثنين السادس عشر من جمادى الأولى، اجتاز رجل من الروافض من أهل الحلة بجامع دمشق، وهو يسب أول من ظلم آل محمد، ويكرر ذلك لا يفتر، ولم يصل مع الناس ولا صلى على الجنازة الحاضرة، على أن الناس في الصلاة، وهو يكرر ذلك ويرفع صوته به، فلما فرغنا من الصلاة نبهت عليه الناس، فأخذوه وإذا قاضى القضاة الشافعي في تلك الجنازة حاضر مع الناس. فجئت إليه واستنطقته، من الذي ظلم آل محمد؟ فقال: أبو بكر الصديق، ثم قال جهرة والناس يسمعون: لعن الله أبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد، فأعاد ذلك مرتين، فأمر به\n_________\n(١) البداية والنهاية (١١/ ٩١ - ٩٢).\n(٢) البداية والنهاية (١١/ ٢٣٨).","vol":"8","page":381},{"text":"الحاكم إلى السجن، ثم استحضره المالكي وجلده بالسياط، وهو مع ذلك يصرخ بالسب واللعن والكلام الذي لا يصدر إلا عن شقي، واسم هذا اللعين، علي بن أبي الفضل بن محمد بن حسين بن كثير قبحه الله وأخزاه، ثم لما كان يوم الخميس سابع عشرة، عقد له مجلس بدار السعادة، وحضر القضاة الأربعة، وطلب إلى هنالك فقدر الله أن حكم نائب المالكي بقتله، فأخذ سريعا فضرب عنقه تحت القلعة وحرقه العامة وطافوا برأسه البلد، ونادوا عليه هذا جزاء من سب أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقد ناظرت هذا الجاهل بدار القاضي المالكي، وإذا عنده شيء مما يقوله الرافضة الغلاة وقد تلقى عن أصحاب ابن مطهر أشياء في الكفر والزندقة قبحه الله وإياهم. (١)\n- وقال ﵀ في الكلام على الروافض العبيديين: وقد كانت مدة ملك الفاطميين مائتين وثمانين سنة وكسرا، فصاروا كأمس الذاهب، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ (٢). وكان أول من ملك منهم المهدي. وكان من سلمية حدادا اسمه عبيد، وكان يهوديا فدخل بلاد المغرب وتسمى بعبيد الله وادعى أنه شريف علوي فاطمي. وقال عن نفسه: إنه المهدي كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء والأئمة بعد الأربعمائة، كما قد بسطنا ذلك فيما تقدم. والمقصود أن هذا الدعي الكذاب راج له ما افتراه في تلك البلاد، ووازره جماعة من الجهلة وصارت له دولة وصولة. ثم تمكن إلى أن بنى مدينة سماها\n_________\n(١) البداية (١٤/ ٢٦٢).\n(٢) هود الآية (٩٥).","vol":"8","page":382},{"text":"المهدية نسبة إليه. وصار ملكا مطاعا، يظهر الرفض، وينطوي على الكفر المحض، ثم كان من بعده ابنه القائم محمد، ثم ابنه المنصور إسماعيل ثم ابنه المعز معد، وهو أول من دخل ديار مصر منهم، وبنيت له القاهرة المعزية والقصران، ثم ابنه العزيز نزار، ثم ابنه الحاكم منصور ثم ابنه الطاهر علي، ثم ابنه المستنصر معد، ثم ابنه المستعلي أحمد، ثم ابنه الآمر منصور، ثم ابن عمه الحافظ عبد المجيد، ثم ابنه الظافر إسماعيل، ثم الفائز عيسى، ثم ابن عمه العاضد عبد الله وهو آخرهم، فجملتهم أربعة عشر ملكا، ومدتهم مائتان ونيف وثمانون سنة. وكذلك عدة خلفاء بني أمية أربعة عشر أيضا، ولكن كانت مدتهم نيفا وثمانين سنة.\nوقد نظمت أسماء هؤلاء وهؤلاء بأرجوزة تابعة لأرجوزة بني العباس عند انقضاء دولتهم ببغداد في سنة ست وخمسين وستمائة -كما سيأتي- وقد كان الفاطميون أغنى الخلفاء وأكثرهم مالا، وكانوا من أغنى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، وتغلب الفرنج على سواحل الشام بكماله حتى أخذوا القدس ونابلس وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وكرك الشوبك وطبرية وبانياس وصور وعكة وصيدا وبيروت وصفد وطرابلس وأنطاكيا، وجميع ما والى ذلك إلى بلاد إياس وسيس. واستحوذوا على بلاد آمد والرها ورأس العين، وبلاد شتى غير ذلك. وقتلوا من المسلمين خلقا وأُمَمًا لا يحصيهم إلا الله، وسبوا ذراري المسلمين من النساء والولدان مما لا يحد ولا يوصف. وكل","vol":"8","page":383},{"text":"هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها وصارت دار إسلام، وأخذوا من أموال المسلمين ما لا يحد ولا يوصف، وكادوا أن يتغلبوا على دمشق ولكن الله سلم. وحين زالت أيامهم وانتقض إبرامهم، أعاد الله ﷿ هذه البلاد كلها إلى المسلمين بحوله وقوته وجوده ورحمته. وقد قال الشاعر المعروف عرقلة:\nأصبح الملك بعد آل علي ... مشرقا بالملوك من آل شادي\nوغدا الشرق يحسد الغر ... ب للقوم فمصر تزهو على بغداد\nما حووها إلا بعزم وحزم ... وصليل الفولاذ في الأكباد\nلا كفرعون والعزيز ومن ... كان بها كالخطيب والأستاذ\n\nقال أبو شامة: يعني بالأستاذ كافور الإخشيدي، وقوله: آل علي، يعني الفاطميين على زعمهم ولم يكونوا فاطميين وإنما كانوا ينسبون إلى عبيد، وكان اسمه سعيدا وكان يهوديا حدادا بسلمية، ثم ذكر ما ذكرناه من كلام الأئمة فيهم وطعنهم في نسبهم.\nقال: وقد استقصيت الكلام في مختصر تاريخ دمشق في ترجمة عبد الرحمن بن إلياس، ثم ذكر في الروضتين في هذا الموضع أشياء كثيرة في غضون ما سقته من قبائحهم وما كانوا يجهرون به في بعض الأحيان من الكفريات، وقد تقدم من ذلك شيء كثير في تراجمهم.\nقال أبو شامة: وقد أفردت كتابا سميته: 'كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد'. وكذا صنف العلماء في الرد عليهم كتبا كثيرة من أجل ما وضع في ذلك: كتاب القاضي أبو بكر الباقلاني الذي","vol":"8","page":384},{"text":"سماه: 'كشف الأسرار وهتك الأستار'. وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في بني أيوب يمدحهم على ما فعلوه بديار مصر:\nأبدتم من بنى دولة الكفر من ... بني عبيد بمصر إن هذا هو الفضل\nزنادقة شيعية باطنية ... مجوس وما في الصالحين لهم أصل ليستروا سابور عمهم الجهل (١)\nيسرون كفرا، يظهرون تشيعا\n\nالتعليق:\nانظر حمانا الله وإياك من الرفض وأهله كيف كانت مواقف سلفنا الصالح معهم، هل كانت المسالمة والصمت الدائم، أو الذوبان في أحضانهم والتصفيق والتطبيل لهم في كل صغيرة وكبيرة، وادعاء أن الفرق بيننا وبينهم كالفرق بين الحنفي والشافعي، والتقارب بيننا وبينهم واجب، أو كان هؤلاء الفحول الأخيار لا يفهمون الرافضة، أو كانوا مؤجرين من قبل أحد حتى يتكلموا بلسانه وعقليته وشهوته على حسب ما يريد؟!\nأم هو الصمود والوقوف في وجوه هؤلاء الكفرة الملاحدة بالسيف واللسان والقلب والجنان والكتاب والتعبير الصادق، كشف كامل لحقيقة الرافضة نسبا وسلالة؟! ولا التفات لما قاله عبد الرحمن بن خلدون والمقريزي، فهذه من سقطاتهم، وقد عاب عليهم جميع المؤرخين، وتعجبوا من حالهم. وفق الله أهل العلم في هذا الزمان للائتساء بسلفهم في كل صغير وكبير.\nوقال أيضا: وفيها كتبت العامة من الروافض على أبواب المساجد لعنة\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ٢٨٦ - ٢٨٨).","vol":"8","page":385},{"text":"معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -، وكتبوا أيضا: ولعن الله من غصب فاطمة حقها، وكانوا يلعنون أبا بكر، ومن أخرج العباس من الشورى، يعنون عمر، ومن نفى أبا ذر -يعنون عثمان- رضي الله عن الصحابة، وعلى من لعنهم لعنة الله، ولعنوا من منع من دفن الحسن عند جده يعنون مروان بن الحكم، ولما بلغ ذلك جميعه معز الدولة لم ينكره ولم يغيره، ثم بلغه أن أهل السنة محوا ذلك وكتبوا عوضه لعن الله الظالمين لآل محمد من الأولين والآخرين، والتصريح باسم معاوية في اللعن، فأمر بكتب ذلك، قبحه الله وقبح شيعته من الروافض، لا جرم أن هؤلاء لا ينصرون، وكذلك سيف الدولة بن حمدان بحلب فيه تشيع وميل إلى الروافض، لاجرم أن الله لا ينصر أمثال هؤلاء، بل يديل عليهم أعداءهم لمتابعتهم أهواءهم، وتقليدهم سادتهم وكبراءهم وآبائهم وتركهم أنبياءهم وعلماءهم، ولهذا لما ملك الفاطميون بلاد مصر والشام، وكان فيهم الرفض وغيره، استحوذ الفرنج على سواحل الشام وبلاد الشام كلها، حتى بيت المقدس، ولم يبق مع المسلمين سوى حلب وحمص وحماة ودمشق وبعض أعمالها، وجميع السواحل وغيرها مع الإفرنج، والنواقيس النصرانية والطقوس الإنجيلية تضرب في شواهق الحصون والقلاع، وتكفر في أماكن الإيمان من المساجد وغيرها من شريف البقاع، والناس معهم في حصر عظيم، وضيق من الدين، وأهل هذه المدن التي في يد المسلمين في خوف شديد في ليلهم ونهارهم من الفرنج، فإنا لله وإنا إليه راجعون وكل ذلك من بعض عقوبات المعاصي والذنوب، وإظهار سب خير الخلق بعد الأنبياء. (١)\n_________\n(١) البداية (١١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).","vol":"8","page":386},{"text":"- وفيها: وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية (١)، وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين وعمار مع علي وأهل العراق كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه. وقد كان علي أحق بالأمر من معاوية، ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشيعة وغيرهم، لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيبا، بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر؛ ومن زاد في هذا الحديث بعد «تقتلك الفئة الباغية»: «لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة» فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله - ﷺ -، فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل والله أعلم. وأما قوله: «يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار»، فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة. وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر إمام برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة، فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه والله أعلم. (٢)\n- وفيها: وفي الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه. قال: خطبنا علي بن أبي طالب ﵁. فقال: \"من زعم أن عندنا شيئا نقرأه ليس في كتاب الله وهذه الصحيفة -لصحيفة معلقة في سيفه فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات- فقد كذب\". وفيها قال: قال رسول\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف الإمام أحمد سنة (٢٤١هـ).\n(٢) البداية (٣/ ٢١٦).","vol":"8","page":387},{"text":"الله - ﷺ -: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» (١). وهذا الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما عن علي ﵁ يرد على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول الله - ﷺ - أوصى إليه بالخلافة، ولو كان الأمر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة، فإنهم كانوا أطوع لله ورسوله في حياته وبعد وفاته من أن يفتأتوا عليه فيقدموا غير من قدمه ويؤخروا من قدمه بنصه، حاشا وكلا ولما، ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور والتواطئ على معاندة الرسول - ﷺ - ومضادتهم في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام وكفر بإجماع الأئمة الأعلام، وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام.\nثم لو كان مع علي بن أبي طالب ﵁ نص فلم لا كان يحتج به على الصحابة على إثبات إمارته عليهم وإمامته لهم، فإن لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز، والعاجز لا يصلح للإمارة وإن كان يقدر ولم يفعله فهو خائن،\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ١١٩) مختصرًا. البخاري (١٣/ ٣٤١ - ٣٤٢/ ٧٣٠٠) ومسلم (٢/ ١١٤٧/١٣٧٠) وأبو داود (٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠/ ٢٠٣٤) والترمذي (٤/ ٣٨١ - ٣٨٢ - ٢١٢٧) والنسائي (٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨/ ٤٧٤٨) وابن ماجه (٢/ ٨٨٧/٢٦٥٨) مختصرًا.","vol":"8","page":388},{"text":"والخائن الفاسق مسلوب معزول عن الإمارة، وإن لم يعلم بوجود النص فهو جاهل، ثم وقد عرفه وعلمه من بعده هذا محال وافتراء وجهل وضلال. وإنما يحسن هذا في أذهان الجهلة الطغام، والمغتربين من الأنام، يزينه لهم الشيطان بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد التحكم والهذيان، والإفك والبهتان، عياذا بالله مما هم فيه من التخليط والخذلان، والتخبيط والكفران، وملاذا بالله بالتمسك بالسنة والقرآن، والوفاة على الإسلام والإيمان، والموافاة على الثبات والإيقان، وتثقيل الميزان، والنجاة من النيران، والفوز بالجنان، إنه كريم منان رحيم رحمن. (١)\n- وفيها: وأما تغضب فاطمة ﵂ وأرضاها على أبي بكر ﵁ وأرضاه فما أدري ما وجهه، فإن كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث فقد اعتذر إليها بعذر يجب قبوله، وهو ما رواه عن أبيها رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» (٢) وهي ممن تنقاد لنص الشارع الذي خفي عليها قبل سؤالها الميراث، كما خفي على أزواج النبي - ﷺ - حتى أخبرتهن عائشة بذلك ووافقتها عليه، وليس يظن بفاطمة ﵂ أنها علمت أنها اتهمت الصديق ﵁ فيما أخبرها به، حاشاها وحاشاه من ذلك، كيف وقد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب، وعثمان ابن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وأبو\n_________\n(١) البداية (٥/ ٢٢١).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف الفشيديزجي سنة (٤٢٤هـ).","vol":"8","page":389},{"text":"هريرة، وعائشة ﵃ أجمعين كما سنبينه قريبا. ولو تفرد بروايته الصديق ﵁ لوجب على جميع أهل الأرض قبول روايته والانقياد له في ذلك، وإن كان غضبها لأجل ما سألت الصديق إذ كانت هذه الأراضي صدقة لا ميراثا أن يكون زوجها ينظر فيها، فقد اعتذر بما حاصله أنه لما كان خليفة رسول الله - ﷺ - فهو يرى أن فرضا عليه أن يعمل بما كان يعمله رسول الله - ﷺ -، ويلي ما كان يليه رسول الله، ولهذا قال: \"وإني والله لا أدع أمرا كان يصنعه فيه رسول الله - ﷺ - إلا صنعته\"، قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت.\nوهذا الهجران والحالة هذه فتح على فرقة الرافضة شرا عريضا، وجهلا طويلا، وأدخلوا أنفسهم بسببه فيما لا يعنيهم، ولو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة، وفرقة مرذولة، يتمسكون بالمتشابه، ويتركون الأمور المحكمة المقدرة عند أئمة الإسلام، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار ﵃ وأرضاهم أجمعين. (١)\n- وفيها قال ابن كثير: وما يتوهمه بعض العوام، بل هو مشهور بين كثير منهم، أن عليا هو الساقي على الحوض، فليس له أصل ولم يجئ من طريق مرضي يعتمد عليه، والذي ثبت أن رسول الله - ﷺ - هو الذي يسقي الناس. وهكذا الحديث الوارد في أنه (ليس أحد يأتي يوم القيامة راكبا إلا أربعة رسول الله - ﷺ - على البراق، وصالح على ناقته، وحمزة على العضباء،\n_________\n(١) البداية (٥/ ٢٥٠).","vol":"8","page":390},{"text":"وعلي على ناقة من فوق الجنة رافعا صوته بالتهليل)، وكذلك (ما في أفواه الناس من اليمين بعلي يقول أحدهم: خذ بعلي، أعطني بعلي)، ونحو ذلك، كل ذلك لا أصل له بل ذلك من نزعات الروافض ومقالاتهم، ولا يصح من شيء من الوجوه، وهو من وضع الرافضة، ويخشى على من اعتاد ذلك سلب الإيمان عند الموت، ومن حلف بغير الله فقد أشرك. (١)\nوفيها: وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه في حدود الأربعمائة وما حولها، فكانت الدبادب تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، ويذر الرماد والتبن في الطرقات والأسواق، وتعلق المسوح على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء، وكثير منهم لا يشرب الماء لَيْلَتَئِذٍ موافقة للحسين لأنه قتل عطشانا. ثم تخرج النساء حاسرات عن وجوههن ينحن ويلطمن وجوههن وصدورهن، حافيات في الأسواق، إلى غير ذلك من البدع الشنيعة، والأهواء الفظيعة، والهتائك المخترعة، وإنما يريدون بهذا وأشباهه أن يشنعوا على دولة بني أمية، لأنه قتل في دولتهم.\nوقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام، فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم، ويتخذون ذلك اليوم عيدا يصنعون فيه أنواع الأطعمة، ويظهرون السرور والفرح، يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم.\nوقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها، وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم\n_________\n(١) البداية (٧/ ٣٦٨ - ٣٦٩).","vol":"8","page":391},{"text":"الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه (١) وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاث المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الأمة كلها بكمالها وتتهم على نبيها - ﷺ -، فليس الأمر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الأئمة قديما وحديثا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة.\nفلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون من الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه. وليس كل ذلك الجيش كان راضيا بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبرا عن نفسه بذلك. وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك، والله أعلم.\nفكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله ﵁، فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة، وابن بنت رسول الله - ﷺ - التي هي أفضل بناته،\n_________\n(١) وهو قوله - ﷺ - من حديث عرفجة: «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان». وفي رواية: «من أتاكم، وأمركم جميع، على رجل واحد منكم، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه». رواه أحمد (٥/ ٢٤) ومسلم (٣/ ١٤٧٩ - ١٤٨٠/ ١٨٥٢) وأبو داود (٥/ ١٢٠/٤٧٦٢) والنسائي (٧/ ١٠٦ - ١٠٨/ ٤٠٣٢ و٤٠٣٣ و٤٠٣٤).","vol":"8","page":392},{"text":"وقد كان عابدا وشجاعا وسخيا، ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتما كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتما، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي، قتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتما، وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتما، ورسول الله - ﷺ - سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتما يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين؛ ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك. (١)\n- وفيها: ففيها -أي سنة اثنتين وعشرين ومائة- كان مقتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان سبب ذلك أنه لما أخذ البيعة ممن بايعه من أهل الكوفة، أمرهم في أول هذه السنة بالخروج والتأهب له، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك. فانطلق رجل يقال له سليمان بن سراقة إلى\n_________\n(١) البداية (٨/ ٢٠٤ - ٢٠٥).","vol":"8","page":393},{"text":"يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره -وهو بالحيرة يومئذ- خبر زيد بن علي هذا ومن معه من أهل الكوفة، فبعث يوسف بن عمر يتطلبه ويلح في طلبه، فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له: ما قولك يرحمك الله في أبي بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذا بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذا؟ قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وإحياء السنن وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيرا لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل. فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه، فلهذا سموا الرافضة من يومئذ، ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية، وغالب أهل الكوفة منهم رافضة، وغالب أهل مكة إلى اليوم على مذهب الزيدية، وفي مذهبهم حق، وهو تعديل الشيخين، وباطل وهو اعتقاد تقديم علي عليهما، وليس علي مقدما عليهما، بل ولا عثمان على أصح قولي أهل السنة الثابتة، والآثار الصحيحة الثابتة عن الصحابة. (١)\n- وفيها: إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة أبو هاشم الحميري الملقب بالسيد، كان من الشعراء المشهورين المبرزين فيه، ولكنه كان رافضيا خبيثا، وشيعيا غثيثا، وكان ممن يشرب الخمر ويقول بالرجعة -أي بالدور-\n_________\n(١) البداية (٩/ ٣٤٢).","vol":"8","page":394},{"text":"قال يوما لرجل: أقرضني دينارا ولك عندي مائة دينار إذا رجعنا إلى الدنيا. فقال له الرجل: إني أخشى أن تعود كلبا أو خنزيرا فيذهب ديناري.\nوكان قبحه الله يسب الصحابة في شعره. قال الأصمعي: ولولا ذلك ما قدمت عليه أحدا في طبقته، ولا سيما الشيخين وابنيهما. وقد أورد ابن الجوزي شيئا من شعره في ذلك كرهت أن أذكره لبشاعته وشناعته، وقد اسود وجهه عند الموت وأصابه كرب شديد جدا. ولما مات لم يدفنوه لسبه الصحابة ﵃. (١)\n- وفيها: وليسوا بالاثني عشر الذين يدعون إمامتهم الرافضة، فإن هؤلاء الذين يزعمون لم يل أمور الناس منهم إلا علي بن أبي طالب وابنه الحسن، وآخرهم في زعمهم المهدي المنتظر في زعمهم بسرداب سامرا، وليس له وجود، ولا عين، ولا أثر، بل هؤلاء من الأئمة الاثني عشر المخبر عنهم في الحديث، الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا خلاف بين الأئمة على كلا القولين لأهل السنة في تفسير الاثني عشر. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2917>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀: وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين: أن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن، وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع، وهو الفلك الأثير، ويقال: الأطلس. وقد رد ذلك عليهم\n_________\n(١) البداية (١٠/ ١٧٩).\n(٢) البداية (٦/ ٢٥٤).","vol":"8","page":395},{"text":"آخرون.\n- وروى ابن جرير من طريق جويبر، عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش. والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله ابن خليفة، عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم ... وهذه الآيات (١) وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح إمرارها كما جاءت، من غير تكييف ولا تشبيه. (٢)\n- وقال في البداية: وكان الأخطل من نصارى العرب المتنصرة، قبحه الله وأبعد مثواه، وهو الذي أنشد بشر بن مروان قصيدته التي يقول فيها:\nقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\nوهذا البيت تستدل به الجهمية على أن الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وليست في بيت هذا النصراني حجة ولا دليل على ذلك، ولا أراد الله ﷿ باستوائه على عرشه استيلاءه عليه، تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا، فإنه إنما يقال استوى على الشيء: إذا كان ذلك الشيء عاصيا عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء بشر على العراق، واستيلاء عبد الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، وعرش الرب لم يكن ممتنعا عليه نَفَسا واحدا، حتى يقال استوى عليه، أو معنى الاستواء الاستيلاء، ولا تجد أضعف من حجج الجهمية، حتى أداهم\n_________\n(١) يعني آية الكرسي.\n(٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٤٥٨ - ٤٥٩).","vol":"8","page":396},{"text":"الإفلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح وليس فيه حجة والله أعلم. (١)\n- وقال أيضا: وفيها -أي سنة إحدى وثلاثين ومائتين- قدم خاقان الخادم من بلاد الروم وقد تم الصلح والمفاداة بينه وبين الروم، وقدم معه جماعة من رؤوس الثغور، فأمر الواثق بامتحانهم بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة، فأجابوا إلا أربعة، فأمر بضرب أعناقهم إن لم يجيبوا بالقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة. وأمر الواثق أيضا بامتحان الأسارى الذين فودوا من أسر الفرنج بالقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة؛ فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فودي وإلا ترك في أيدي الكفار، وهذه بدعة صلعاء، شنعاء عمياء صماء، لا مستند لها من كتاب ولا سنة ولا عقل صحيح، بل الكتاب والسنة والعقل الصحيح بخلافها كما هو مقرر في موضعه. وبالله المستعان. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2918>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀ في البداية والنهاية: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم. وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج إنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا\n_________\n(١) البداية والنهاية (٩/ ٢٧٣).\n(٢) البداية والنهاية (١٠/ ٣٢٠).","vol":"8","page":397},{"text":"وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ ولقائه فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ (١) والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطئوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم -ممن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها- فيوافوهم إليها. ويكون اجتماعهم عليها.\nفقال لهم زيد بن حصن الطائي: إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشا لا تطيقونه وسيمنعوها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات، ولكن اخرجوا وحدانا لئلا يفطن بكم، فكتبوا كتابا عاما إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يدا واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وحدانا لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسموات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السماوات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسئول أن يعصمنا منه بحوله وقوته إنه مجيب الدعوات، وقد تدارك جماعة\n_________\n(١) لكهف الآيات (١٠٣ - ١٠٥).","vol":"8","page":398},{"text":"من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم وأنبوهم ووبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة، ومنهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنهروان وصارت لهم شوكة ومنعة، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة وعندهم أنهم متقربون بذلك؟ فهم لا يصطلى لهم بنار، ولا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر، وبالله المستعان. (١)\n- وفيها: إن قال قائل: كيف وقع قتل عثمان ﵁ بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة ﵃؟ فجوابه من وجوه:\nأحدها: أن كثيرا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينا، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة: إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة. وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع والله أعلم.\nالثاني: أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، ولكن لما وقع التضييق الشديد، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية.\nالثالث: أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام\n_________\n(١) البداية (٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧).","vol":"8","page":399},{"text":"الحج، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لما اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم.\nالرابع: أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبا من ألفي مقاتل من الأبطال، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة، ومع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجيء إلا ومعه السيف، يضعه على حبوته إذا احتبى، والخوارج محدقون بدار عثمان - ﵁ -، وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، ولكن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان - ﵁ -، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجيء الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان - ﵁ -، بل كلهم كرهه، ومقته، وسب من فعله، ولكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الأمر، كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم. (١)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-2919> موقفه من عبد الرحمن بن الأشعث ومن بايع له:</span>\nقال ﵀: والعجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة وليس من قريش، وإنما هو كندي من اليمن، وقد اجتمع الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم الصديق\n_________\n(١) البداية (٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"8","page":400},{"text":"بالحديث في ذلك، حتى إن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين فأبى الصديق عليهم ذلك، ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة الذي دعا إلى ذلك أولا ثم رجع عنه، كما قررنا ذلك فيما تقدم، فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالإمارة على المسلمين من سنين فيعزلونه وهو من صلبية قريش ويبايعون لرجل كندي بيعة لم يتفق عليها أهل الحل والعقد؟! ولهذا لما كانت هذه زلة وفلتة نشأ بسببها شر كبير هلك فيه خلق كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2920>موقفه من القدرية:</span>\nقال ﵀ في تفسيره: وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢) كقوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣) وكقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٤) أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل تبرمها. وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة. وقد تكلمنا على هذا المقام مفصلا وما ورد فيه من الأحاديث في شرح\n_________\n(١) البداية والنهاية (٩/ ٥٧ - ٥٨).\n(٢) القمر الآية (٤٩).\n(٣) الفرقان الآية (٢).\n(٤) الأعلى الآيات (١ - ٣).","vol":"8","page":401},{"text":"كتاب الإيمان من صحيح البخاري ﵀. (١)\n\nجمال الدين أبو المظفر يوسف بن محمد السرمرِي (٢) (٧٧٦ هـ)\nالشيخ الإمام العلامة الحافظ ذو الفنون البديعة والمصنفات النافعة، جمال الدين أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد العبادي ثم العقيلي السرمري نزيل دمشق الحنبلي. ولد في رجب سنة ست وتسعين وستمائة بسر من رأى، وتفقه ببغداد على الشيخ صفي الدين عبد المؤمن وغيره، ثم قدم دمشق وتوفي بها.\nمن تصانيفه: 'نظم مختصر ابن رزين في الفقه' و'نظم الغريب في علوم الحديث' لأبيه. قال ابن حجي: رأيت بخطه ما صورته: مؤلفاتي تزيد على مائة مصنف كبار وصغار في بضعة وعشرين علما. أخذ عنه ابن رافع مع تقدمه عليه وحدث عنه.\nتوفي في جمادى الأولى سنة ست وسبعين وسبعمائة بدمشق رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2922>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في الرد الوافر: ومن مؤلفاته النظامية، كتاب 'الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية'. (٣)\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٦٩).\n(٢) الرد الوافر (ص.٢١٦) والشذرات (٦/ ٢٤٩) والدر المنضد (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥) والسحب الوابلة (٣/ ١١٨١ - ١١٨٨).\n(٣) الرد الوافر (٢١٦).","vol":"8","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2923>موقفه من الرافضة:</span>\nمن تصانيفه: 'غيث السحابة في فضل الصحابة'.\n\nالكرماني محمد بن يوسف (١) (٧٨٦ هـ)\nمحمد بن يوسف بن علي الكرماني ثم البغدادي. ولد في جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة. وأخذ عن أبيه بهاء الدين وجماعة ببلده، ثم ارتحل إلى شيراز فأخذ عن القاضي عضد الدين ولازمه اثنتي عشرة سنة حتى قرأ عليه تصانيفه، ثم حج واستوطن بغداد ودخل الشام ومصر. وشرح البخاري، وسمعه بالجامع الأزهر من لفظ المحدث ناصر الدين الفارقي .. وسمى شرحه بالكواكب الدراري. سمع منه جماعة منهم القاضي محب الدين البغدادي وولده يحيى الكرماني. وصنف في العربية وغيرها. قال الشيخ شهاب الدين بن حجي: تصدى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة، وكان مقبلا على شأنه لا يتردد إلى أبناء الدنيا، قانعا باليسير، ملازما للعلم مع التواضع والبر بأهل العلم.\nتوفي رحمه الله تعالى راجعا من الحج في المحرم سنة ست وثمانين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2925>موقفه من القدرية:</span>\nقال عقب ترجمة البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا\n_________\n(١) الدرر الكامنة (٤/ ٣١٠ - ٣١١) وشذرات الذهب (٦/ ٢٩٤).","vol":"8","page":403},{"text":"تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (١): المراد بيان كون أفعال العباد بخلق الله تعالى، إذ لو كانت أفعالهم بخلقهم لكانوا أندادا لله وشركاء له في الخلق، ولهذا عطف ما ذكر عليه، وتضمن الرد على الجهمية في قولهم: لا قدرة للعبد أصلا، وعلى المعتزلة حيث قالوا: لا دخل لقدرة الله تعالى فيها، والمذهب الحق أن لا جبر ولا قدر بل أمر بين أمرين. (٢)\n\nأبو إسحاق الشاطبي (٣) (٧٩٠ هـ)\nأبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي، الشهير بالشاطبي. أصولي حافظ محدث، لغوي مفسر مع الصلاح والعفة، والورع واتباع السنة واجتناب البدع. قيل ولد سنة عشرين وسبعمائة. نشأ بغرناطة، وأخذ عن أئمة منهم: ابن الفخار وأبو عبد الله البلنسي وأبو القاسم الشريف السبتي وأبو عبد الله الشريف التلمساني والإمام المقري وعدة. وعنه أبو بكر بن عاصم، وأخوه أبو يحيى محمد بن عاصم، وأبو عبد الله محمد البياني. كان ﵀ من العلماء العاملين المجاهدين في إظهار الدين وإبطال البدع وإماتتها. قال أحمد التنبكتي: الإمام العلامة المحقق القدوة، الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليا، مفسرا، فقيها، محدثا، لغويا ... من أفراد العلماء المحققين الأثبات، وأكابر الأئمة المتفننين الثقات، له القدم الراسخ، والإمامة\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٢).\n(٢) الفتح (١٣/ ٤٩١).\n(٣) معجم المؤلفين (١/ ١١٨) والأعلام (١/ ٧٥) وشجرة النور الزكية (١/ ٢٣١) وفهرس الفهارس (١/ ١٩١).","vol":"8","page":404},{"text":"العظمى في الفنون، من التحري والتحقيق، له استنباطات جليلة، ودقائق منيفة، وفوائد لطيفة، وأبحاث شريفة، وقواعد محررة محققة، وبالجملة فقدره في العلوم فوق ما يذكر، وتحليته في التحقيق فوق ما يشتهر. وقال أيضا: كان ثبتا ورعا صالحا زاهدا سنيا إماما مطلقا، على قدم راسخ من الصلاح والعفة والتحري والورع. وقال محمد مخلوف: العلامة المؤلف المحقق النظار، أحد الجهابذة الأخيار، وكان له القدم الراسخ في سائر الفنون والمعارف. له تآليف نفيسة منها: 'الاعتصام' و'الموافقات' و'المجالس' شرح فيه كتاب البيوع من صحيح البخاري و'الإفادات والإنشاءات' وغيرها. توفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة تسعين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2927>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية: كتاب 'الاعتصام' وهو من أنفع الكتب في العقيدة السلفية. لم تر العين مثله في مناقشة البدع والمبتدعة، وقد نفعنا الله به في هذا البحث المبارك. وهو مع الأسف لم يتمه صاحبه، وقد أتمَّه أحد علماء اليمن، فلعلنا نظفر بالتتمة، وهو كغيره من الكتب، قد تقع فيه بعض الهفوات، وكان ينبغي أن يكون على علم بهذه الأمور، فقد جعل إثبات الصفات لله رب العالمين من البدع، قال ما لفظه: ومثاله في ملة الإسلام مذهب الظاهرية في إثبات الجوارح للرب، المنزه عن النقائص، من العين واليد والرجل والوجه المحسوسات والجهة، وغير ذلك من الثابت للمحدثات.\nولعل العذر للشيخ أنه لم يفهم تفاصيل مذهب السلف في إثبات الصفات لله رب العالمين، فوقع في هذا الخلط وهذه التعابير المشينة. والله","vol":"8","page":405},{"text":"المستعان.\nوالكتاب مطبوع متداول غصة في حلق المبتدعة حتى إنهم بدؤوا يؤلفون بعض الكتب الركيكة السمجة ويسمونها بأسماء، كصاحب 'إتقان الصنعة في تعريف البدعة' (١) وهو أحق أن يسمى كتاب: 'الدعوة إلى البدعة' وكل ما فيه غث ليس فيه شيء من العلم، وإنما هو سباب وشتم وتنقيص من مكانة العلماء ومحاولة جعل الصحابة من كبار المبتدعة، وحاشاهم من ذلك. وتعرض لهذا الكتاب -الاعتصام- بنقد بارد لا يدل على إنصاف ولا علم.\nوكذلك: \"عزت\" الذي ألف كتاب البدعة وصار له رواج في الأسواق، وهو أحق كذلك أن يسمى: الدعوة إلى بعض البدع، كالمولد وغيره، وقد أشاد بكتابه حتى جعل من قرأ المقدمة يشعر وكأنه حصل على علم لم يسبق به، وجعل الاعتصام بالمقارنة مع كتابه لا يساوي شيئا والله المستعان.\nومن أقوال الإمام الشاطبي ﵀ في نصر السنة وذم البدعة:\n- قال في الاعتصام: ثم استمر مزيد الإسلام، واستقام طريقه على مدة حياة النبي - ﷺ -، ومن بعد موته، وأكثر قرن الصحابة ﵃ ...\nإلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة، وأصغوا إلى البدع المضلة، كبدعة القدر، وبدعة الخوارج، وهي التي نبه عليها الحديث بقوله: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم» (٢)،\n_________\n(١) لعبد الله بن الصديق الغماري.\n(٢) انظر تخريجه في مواقف ابن تيمية سنة (٧٢٨هـ).","vol":"8","page":406},{"text":"يعني: لا يتفقهون فيه، بل يأخذونه على الظاهر، كما بينه حديث ابن عمر الآتي بحول الله، وهذا كله في آخر عهد الصحابة.\nثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق - ﷺ - في قوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (١).\nوفي الحديث الآخر: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب، لاتبعتموهم». قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟. قال: «فمن؟» (٢).\nوهذا أعم من الأول، فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص بأهل الأهواء، وهذا الثاني عام في المخالفات، ويدل على ذلك من الحديث قوله: «حتى لو دخلوا في جحر ضب، لاتبعتموهم».\nوكل صاحب مخالفة، فمن شأنه أن يدعو غيره إليها، ويحض سواه عليها، إذ التأسي في الأفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجبلة، وبسببه تقع من المخالف المخالفة، وتحصل من الموافق المؤالفة، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين. (٣)\n- وقال فيه أيضا: وهذه سنة الله في الخلق، أن أهل الحق في جنب أهل\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف علي بن المديني سنة (٢٣٤هـ).\n(٣) الاعتصام (١/ ٢٨ - ٢٩).","vol":"8","page":407},{"text":"الباطل قليل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ (٢)، ولينجز الله ما وعد به نبيه - ﷺ - من عود وصف الغربة إليه، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا، وتصير السنة بدعة والبدعة سنة، فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف كما كان أولا يقام على أهل البدعة، طمعا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال؛ ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها -على كثرتها- على مخالفة السنة عادة وسمعا، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله، غير أنهم -لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء، استدعاء إلى موافقتهم- لا يزالون في جهاد ونزاع، ومدافعة وقراع، آناء الليل والنهار، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل، ويثيبهم الثواب العظيم. (٣)\n- وقال أيضا: ومن الآيات قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٤). فالصراط المستقيم: هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة. والسبل: هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن\n_________\n(١) يوسف الآية (١٠٣).\n(٢) سبأ الآية (١٣).\n(٣) الاعتصام (١/ ٣٠ - ٣١).\n(٤) الأنعام الآية (١٥٣).","vol":"8","page":408},{"text":"الصراط المستقيم، وهم أهل البدع، ليس المراد سبل المعاصي، لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات. ويدل على هذا ما روى إسماعيل عن سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله، قال: «خط لنا رسول الله - ﷺ - يوما -وخط لنا سليمان- خطا طويلا، وخط عن يمينه وعن يساره فقال: هذا سبيل الله ثم خط لنا خطوطا عن يمينه ويساره وقال: هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ -يعني: الخطوط- ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)».اهـ (٢)\n- وقال عقب حديث العرباض بن سارية ﵁ (٣): فقرن ﵇كما ترى- سنة الخلفاء الراشدين بسنته، وأن من اتباع سنته اتباع سنتهم، وأن المحدثات خلاف ذلك، ليس منها في شيء، لأنهم ﵃ فيما سنوه: إما متبعون لسنة نبيهم ﵇ نفسها، وإما متبعون لما فهموا من سنته - ﷺ - في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله، لا زائد على ذلك. (٤)\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف الإمام مالك سنة (١٧٩هـ).\n(٢) الاعتصام (١/ ٧٥ - ٧٦).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٤) الاعتصام (١/ ١١٨).","vol":"8","page":409},{"text":"- وقال: والشواهد في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن الهين عند الناس من البدع شديد وليس بهين، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال: فقيل: ما خان أمين قط، ولكنه ائتمن غير أمين، فخان. قال: ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتي من ليس بعالم، فضل وأضل. (٣)\n- وقال: إن الإحداث في الشريعة إنما يقع: إما من جهة الجهل، وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق، وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة. (٤)\n- وقال: ولقد زل بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال أقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سواء السبيل.\nولنذكر لذلك عشرة أمثلة: (فذكرها تِبَاعًا فمنها قوله):\nوالعاشر: رأي أهل التحسين والتقبيح العقليين، فإن محصول مذهبهم تحكيم عقول الرجال دون الشرع، وهو أصل من الأصول التي بنى عليها أهل الابتداع في الدين، بحيث إن الشرع، إن وافق آراءهم قبلوه، وإلا ردوه.\nفالحاصل مما تقدم أن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل\n_________\n(١) النور الآية (١٥).\n(٢) الاعتصام (٢/ ٥٣٧).\n(٣) الاعتصام (٢/ ٦٨٠).\n(٤) الاعتصام (٢/ ٨٠٤).","vol":"8","page":410},{"text":"للحكم الشرعي المطلوب شرعا ضلال، وما توفيقي إلا بالله، وإن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره.\nثم نقول: إن هذا مذهب أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومن رأى سيرهم والنقل عنهم وطالع أحوالهم، علم ذلك علما يقينا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2928>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في الموافقات: وأصحابه - ﷺ - الذين عرفوا مقاصد الشريعة فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصلوها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مبادئها وغاياتها، وعنوا بعد ذلك باطراح الآمال، وشفعوا العلم بإصلاح الأعمال، وسابقوا إلى الخيرات فسبقوا، وسارعوا إلى الصالحات فما لُحِقوا، إلى أن طلع في آفاق بصائرهم شمس الفرقان، وأشرق في قلوبهم نور الإيقان، فظهرت ينابيع الحكم منها على اللسان، فهم أهل الإسلام والإيمان والإحسان، وكيف لا وقد كانوا أول من قرع ذلك الباب، فصاروا خاصة الخاصة ولباب اللباب، ونجوما يهتدي بأنوارهم أولو الألباب؟ ﵃ وعن الذين خلفوهم قدوة للمقتدين، وأسوة للمهتدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. (٢)\n- وفيها: ومن هنالك لم يسمع أهل السنة دعوى الرافضة أن النبي - ﷺ - نص على عليّ أنه الخليفة بعده، لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليل على بطلانه أو عدم اعتباره، لأن الصحابة لا تجتمع على خطأ، وكثيرا ما\n_________\n(١) الاعتصام (٢/ ٨٦٣ - ٨٧٢) باختصار.\n(٢) الموافقات (١/ ٧).","vol":"8","page":411},{"text":"تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة، يحملونهما مذاهبهم، ويغبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء. (١)\n- وفيها: وحكى بعض العلماء أن عبيد الله الشيعي المسمى بالمهدي حين ملك إفريقية واستولى عليها، كان له صاحبان من كتامة ينتصر بهما على أمره، وكان أحدهما يسمى بنصر الله، والآخر بالفتح، فكان يقول لهما: أنتما اللذان ذكركما الله في كتابه فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٢). قالوا: وقد كان عمل ذلك في آيات من كتاب الله تعالى: فبدل قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٣) بقوله: كتامة خير أمة أخرجت للناس، ومن كان في عقله لا يقول مثل هذا، لأن المتسميين بنصر الله والفتح المذكورين إنما وجدا بعد مئين من السنين من وفاة رسول الله - ﷺ -، فيصير المعنى: إذا مت يا محمد ثم خلق هذان، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ﴾ (٤) الآية فأي تناقض وراء هذا الإفك الذي افتراه الشيعي قاتله الله؟. (٥)\n- وقال خلال سرده لأدلة الرجوع إلى سنة الصحابة ﵃:\n_________\n(١) الموافقات (٣/ ٢٨١).\n(٢) النصر الآية (١).\n(٣) آل عمران الآية (١١٠).\n(٤) النصر الآية (٢).\n(٥) الموافقات (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧).","vol":"8","page":412},{"text":"الرابع: ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبتهم وذم من أبغضهم، وأن من أحبهم فقد أحب النبي - ﷺ -، ومن أبغضهم فقد أبغض النبي ﵊، وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه أو حاوروه فقط، إذ لا مزية في ذلك، وإنما هو لشدة متابعتهم له، وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتخذ قدوة، وتجعل سيرته قبلة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2929>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في المعيار المعرب: وسئل الشيخ أبو إسحاق الشاطبي عن حال طائفة ينتمون إلى التصوف والفقر، يجتمعون في كثير من الليالي عند واحد من الناس، فيفتتحون المجلس بشيء من الذكر على صوت واحد، ثم ينتقلون بعد ذلك إلى الغنا والضرب بالأكف والشطح هكذا إلى آخر الليل، ويأكلون في أثناء ذلك طعاما يعده لهم صاحب المنزل، ويحضر معهم بعض الفقهاء، فإذا تكلم معهم في أفعالهم تلك يقولون: لو كانت هذه الأفعال مذمومة أو محرمة شرعا لما حضرها الفقهاء.\nفأجاب بما نصه:\nالحمد لله كما يجب لجلاله، والصلاة على محمد وعلى آله. سألت وفقني الله وإياك عن قوم يتسمون بالفقراء، يجتمعون في بعض الليالي، ويأخذون في الذكر، ثم في الغناء والضرب بالأكف والشطح إلى آخر الليل. وأن اجتماعهم على إمامين من أيمة ذلك الموضع يتوسمان بوسم الشيوخ في\n_________\n(١) الموافقات (٤/ ٤٦٢ - ٤٦٣).","vol":"8","page":413},{"text":"تلك الطريقة، وذكرت أن كل من يجزر عن ذلك الفعل، يحتج بحضور الفقهاء معهم، ولو كان حراما أو مكروها لم يحضروا معهم.\nوالجواب والله الموفق للصواب: إن اجتماعهم للذكر على صوت واحد إحدى البدع المحدثات التي لم تكن في زمن رسول الله - ﷺ - ولا في زمن الصحابة ولا من بعدهم، ولا عرف ذلك قط في شريعة محمد ﵇، بل هو من البدع التي سماها رسول الله - ﷺ - ضلالة، وهي مردودة. ففي الصحيح أنه ﵇ قال: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (١). يعني فهو مردود وغير مقبول، فذلك الذكر الذي يذكرونه غير مقبول. وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو مردود» (٢) وفي الصحيح أنه - ﷺ - كان يقول في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (٣). وفي رواية «وكل محدثة بدعة وكل بدعة في النار». وهذا الحديث يدل على أن صاحب البدعة في النار. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\nوعن الحسن البصري أنه سئل وقيل له: ما ترى في مجلسنا هذا؟ قوم من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد نجتمع في بيت هذا يوما فنقرأ كتاب الله وندعو الله ربنا، ونصلي على النبي - ﷺ - وندعو لأنفسنا ولعامة\n_________\n(١) أحمد (٦/ ٢٤٠) والبخاري (٥/ ٣٧٧/٢٦٩٧) ومسلم (٣/ ١٣٤٣/١٧١٨) وأبو داود (٥/ ١٢/٤٦٠٦) وابن ماجه (١/ ٧/١٤) من حديث عائشة ﵂.\n(٢) أحمد (٦/ ١٨٠) ومسلم (٣/ ١٣٤٣ - ١٣٤٤/ ١٧١٨ (١٨».\n(٣) أحمد (٣/ ٣١٠ - ٣١١) ومسلم (٢/ ٥٩٢/٨٦٧) والنسائي (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠/ ١٥٧٧) وابن ماجه (١/ ١٧/٤٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.","vol":"8","page":414},{"text":"المسلمين. قال: فنهى الحسن عن ذلك أشد النهي، لأنه لم يكن من عمل الصحابة ولا التابعين. وكل ما لم يكن عليه عمل السلف الصالح، فليس من الدين، فقد كانوا أحرص على الخير من هؤلاء، ولو كان فيه خير لفعلوه. وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١).\nقال مالك بن أنس: فما لم يكن يومئذ دينا لم يكن اليوم دينا. وإنما يعبد الله بما شرع. وهذا الاجتماع لم يكن مشروعا قط فلا يصح أن يعبد الله به. وأما الغنا والشطح فمذمومان على ألسنة السلف الصالح. فعن الضحاك: الغنا مفسدة للقلب مسخطة للرب. وقال المحاسبي: الغنا حرام كالميتة.\nوسئل مالك بن أنس عن الغنا الذي يفعل بالمدينة، فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. وهذا محمول على غنا النساء. وأما الرجال فغناؤهم مذموم أيضا، بحيث إذا داوم أحد على فعله أو سماعه سقطت عدالته لما فيه من إسقاط المروءة ومخالفة السلف. حكى عياض عن التنيسي أنه قال: كنا عند مالك وأصحابه حوله. فقال رجل من أهل نصيبين: يا أبا عبد الله عندنا قوم يقال لهم الصوفية، يأكلون كثيرا، ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون، فقال مالك: أصبيان هم؟ قال: لا. أمجانين هم؟ قال: لا، قوم مشايخ، وغير ذلك عقلاء. فقال مالك: ما سمعت أحدا من أهل السلام (٢) يفعل هذا.\nانظر كيف أنكر مالك وهو إمام السنة أن يكون في أهل الإسلام من\n_________\n(١) المائدة الآية (٣).\n(٢) هكذا في الأصل ولعله: الإسلام.","vol":"8","page":415},{"text":"يفعل هذا إلا أن يكون مجنونا وصبيا!! فهذا بين أنه ليس من شأن الإسلام ثم يقال: ولو فعلوه على جهة اللعب كما يفعله الصبي لكان أخف عليهم مع ما فيه من إسقاط الحشمة وإذهاب المروءة، وترك هدى أهل الإسلام وأرباب العقول، لكنهم يفعلونه على جهة التقرب إلى الله والتعبد به. وأن فاعله أفضل من تاركه. هذا أدهى وأمر، حيث يعتقدون أن اللهو واللعب عبادة، وذلك من أعظم البدع المحرمات، الموقعة في الضلالة، الموجبة للنار والعياذ بالله.\nوأما ما ذكرتم من شأن الفقيهين الإمامين، فليسا بفقيهين إذا كانا يحضران شيئا من ذلك. وحضورهما ذلك على الانتصاب إلى المشيخة قادح في عدالتهما فلا يصلى خلف واحد منهما حتى يتوبا إلى الله من ذلك، ويظهر عليما أثر التوبة، فإنه لا تجوز الصلاة خلف أهل البدع نص على ذلك العلماء.\nوعلى الجملة، فواجب على من كان قادرا على تغيير ذلك المنكر الفاحش، القيام بتغيره وإخماد نار الفتنة، فإن البدع في الدين هلاك. وهي في الدين أعظم من السم في الأبدان والله الواقي بفضله. والسلام على من يقف على هذا من كاتبه: إبراهيم الشاطبي. (١) اهـ\n_________\n(١) المعيار المعرب (١١/ ٣٩ - ٤٢).","vol":"8","page":416},{"text":"الملك الهندي فيروز (١) (٧٩٠ هـ)\nأبو المظفر فيروز شاه بن رجب من أسرة آل تغلق. تولى -باتفاق الأمراء- بعد وفاة ابن عمه محمد شاه، وكان في بلاد السند فقدم إلى دهلي (٢)، واستقل بالملك. كان من خيار السلاطين ومن كبار المصلحين، بنى المساجد والمدارس والمستشفيات وأقام الحصون. ومن المساجد التي عمرها مسجد كبير في دهلي. ومن مدارسه المدرسة الفيروزشاهية، كما أسس مدينة فيروزأباد ومدينة كابنور. واستمر حكمه حتى عام تسعين وسبعمائة رحمه الله تعالى.\nكان هذا الملك من خيرة ملوك الهند سيرة وعقيدة ووعيا للإسلام، وأكثر الملوك تفهما. ذكر مسعود الندوي في تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند أن له كتابا بين فيه خطته وأعماله التي سار عليها إلا أن عليه ملاحظات وقعت له بسبب الجهل. ويهمنا أن نذكر له بعض المواقف الطيبة التي توافق أهداف العقيدة السلفية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2931>موقفه من الزنادقة والمشركين:</span>\nجاء في 'تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند'، قال: سادسًا: ظهرت فئة من الإباحية والملاحدة تدعو الناس إلى الزندقة والإلحاد، وكان ديدنهم أن يجتمعوا في الليالي ويتعاطوا الخمور ويحسبونها تعبدًا منهم. وكانوا يأتون فيها بأمهاتهم وأخواتهم ونسائهم، يهتكون فيها أعراضهن ويتجاسرون على\n_________\n(١) التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر (٧/ ٢٢٩).\n(٢) كذا في الأصل ولعله: دلْهي.","vol":"8","page":417},{"text":"اقتراف الكبائر الشنيعة، ولا يفرقون في ذلك بين المحرمات والمحصنات، وإنما يباشر الرجل منهم كل من وصلت يده إليهن من النساء المحتشدة في تلك الأندية والليالي. فأمرنا بضرب أعناق رؤوسهم وشياطينهم وعاقبنا الآخرين بالحبس والجلاء وأنواع أخرى من التعذيب حتى لم تبق لهم عين ولا أثر.\nسابعًا: نبتت جماعة من الملاحدة تظاهرت بالتقشف والزهد في الدنيا، وكان على رأسهم رجل اسمه أحمد البهاري، يدعي الألوهية وتبعه على ذلك عدد غير قليل من مريديه ...\nفلما تحققنا من خبرهم وعرفنا من أمرهم ما صاروا إليه أخذنا رؤساءهم بذلك وجزيناهم بما يستحقونه من الحبس والتعذيب، وشردنا أتباعهم في البلاد كل مشرد حتى يتخلص العباد من شرهم ويكونوا في مأمن من ضلالاتهم.\nثامنًا: رجل ادعى النبوءة وتلقب بالمهدي في دلهي، فتبعه خلق كثير واستفحل أمره وعظم شره حتى جيء به إلينا، فاعترف بالإثم غير هياب ولا وجل فأمرنا بقتله وقتل كل من يقتفي أثره وتقطيع لحومهم وأجسادهم إربًا إربًا. وبذلك جعلناهم مثلًا لكل من ينفخ في أوداجه شيطان الغرور فيجترئ على الزندقة والإلحاد والدعوة إليهما.\nفانطفأت جذوة الشر ونجا الناس من ضلالاتهم. فالحمد لله الذي تفضل علي بنعمته أن وفقني لمقاومة تيار الشرور واجتثاث شجر البدع والمنكرات وهداني إلى إحياء السنن السنية. فمن استحسن هذه الطريقة واختار لنفسه هذه الجادة المستقيمة فليخترها وليؤثرها على غيرها. وإني أرجو بذلك حسن","vol":"8","page":418},{"text":"الجزاء في الدار الآخرة.\nفإن الدال على الخير كفاعله «ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من سار عليها من بعده» كما ورد في الحديث (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2932>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في 'تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند' عند سرده لأعماله، قال: خامسا: شرعت الروافض في نشر عقائدها الباطلة ودعوة الناس إليها، واستعانوا في مهمتهم الواهية هذه بتأليف كتب ورسائل. وكذلك تجرأوا على إطالة لسان القدح في الخلفاء الراشدين وعائشة الصديقة أم المؤمنين ﵃، والطعن في سائر علمائنا ومشايخنا وقذفهم بالسباب المقذع الموجع، وغيرهما من أفعالهم الشنيعة التي يندى لها جبين المروءة والإنسانية ... فأخذناهم بأعمالهم المنكرة أخذا، وعاقبناهم عقابا، وأمرنا بإحراق كتبهم على مرأى من الناس ومسمع حتى انعدمت هذه الطائفة عن بكرة أبيها. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2933>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في 'تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند'، قال: تاسعًا: رجل من المتصوفة في كجرات اشتهر \"بالشيخ\" بين أتباعه ومريديه، وانخدعت نفسه بترهات الصوفية الوجودية، وجعل يجاهر بكلمات هي للكفر أقرب منها للإيمان.\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ٣٥٧) ومسلم (٤/ ٢٠٥٩ - ٢٠٦٠/ ٢٦٧٤) والترمذي (٥/ ٤٢ - ٤٣/ ٢٦٧٥) والنسائي (٥/ ٧٩ - ٨٠/ ٢٥٥٣) وابن ماجه (١/ ٧٤/٢٠٣) من حديث جرير بن عبد الله ﵁.\n(٢) تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (ص.٣٣ - ٣٥).\n(٣) تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (ص.٣٣).","vol":"8","page":419},{"text":"وبلغ من سفاهة رأيه وعدم تضلعه في تعاليم الدين أن يقول كلمة \"أن الحق\" ويشير على مريديه أن يقولوا: \"أنت أنت\" كلما خرجت من فيه هذه الكلمة \"أن الحق\" وأيضًا كان يقول: \"أن الملك الذي لا يموت\"، وكذلك ألف رسالة كلها كفر وزندقة. فأمرنا، فأتي به إلينا مقيدًا بالسلاسل. ولما تحققنا من ضلالته ودعوته الناس إليها، ولم يبق عندنا في ذلك أدنى شك عاقبناه بما يستحقه، وأمرنا بإحراق كتابه الذي ملأه كفرًا وضلالًا حتى اندفع هذا الشر أيضًا، وأصبح المسلمون والمؤمنون بتوحيد الله ﷿ في مأمن من هذه الفتنة العمياء.\nهذا برض من عد، وغيض من فيض من ترهات المتصوفة الوجودية، وأقاويلهم الباطلة المعادية للكتاب العزيز والسنة النبوية، اطلع عليه فيروز تغلق فكبح جماحه وأراد أن يقضي عليه قضاء لا حياة بعده.\nلكن فتنة \"وحدة الوجود\" وما ينشأ عنها من الضلالات، كانت قد عمت البلاد وقتئذ واستولت على قلوب المتصوفة، وأخذت بمجامع ألبابهم ورسخت في أذهانهم أي رسوخ. وما كان اضطهاد رجل واحد منهم وعقابه ليهدأ من ثائر هذه الفتنة أو يفل من حدها. إلا أن فيروز تغلق ومن نحا نحوه من الأمراء والملوك مجزيون على أعمالهم ونياتهم، سواء نجحوا في مهمتهم أو لم ينجحوا. (١)\nالتعليق:\nجزى الله هذا الملك خيرا على هذه المواقف، ما أحسن ما عمل مع\n_________\n(١) تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (ص.٣٥ - ٣٦).","vol":"8","page":420},{"text":"هؤلاء الملاحدة الذين كان ضررهم على الأمة بالغا. فعسى الله أن يرزق المسلمين أمثال هؤلاء الأبطال.\n\nابن أبي العز الحنفي (١) (٧٩٢ هـ)\nالإمام العلامة صدر الدين، أبو الحسن علي بن علاء الدين علي بن محمد، المعروف بابن أبي العز، الأذرعي الأصل، الدمشقي الصالحي الحنفي. ولد في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وسبع مائة.\nنشأ في ظل أسرة كان لها علو شأن في مجال العلم والدعوة، متزعمة للمذهب الحنفي في دمشق، فأبوه هو القاضي علاء الدين علي بن أبي العز الحنفي، خطيب جامع الأفرم، وجده هو القاضي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي العز، كان من مشايخ الحنفية وأئمتهم، وهو أول من خطب بجامع الأفرم ودرس بالمعظمية والقليجية والظاهرية، وكذا أبو جده محمد بن أبي العز، كان مدرسا بالمرشدية، وكان فيه صلاح.\nأما عن مشايخه، فالمتتبع لكتاب 'شرح العقيدة الطحاوية' يجده كثير النقول عن الأئمة السلفيين كالإمام ابن القيم وشيخه ابن تيمية وكذا ابن كثير، وقد وصف هذا الأخير بأنه شيخه في أكثر من موضع من شرحه.\nله عدة مؤلفات منها: 'شرحه على العقيدة الطحاوية' و'التنبيه على مشكلات الهداية' و'النور اللامع في ما يعمل به في الجامع' و'رسالة في الاتباع' وغيرها.\n_________\n(١) إنباء الغمر (٣/ ٥٠) وشذرات الذهب (٦/ ٣٢٦) وهدية العارفين (١/ ٧٢٦) وكشف الظنون (ص.١١٤٣).","vol":"8","page":421},{"text":"امتحن ﵀ في أواخر حياته، عندما اعترض على ابن أيبك الشاعر الذي مدح النبي - ﷺ - بقصيدة لامية على وزن \"بانت سعاد\" فأنكر أمورا: منها التوسل به والقدح في عصمته وغير ذلك، فرفع الأمر إلى السلطان، وعقد له عدة مجالس مع فقهاء عصره، وسئل عما أراد بما كتب فقال: ما أردت إلا تعظيم جانب النبي - ﷺ - وامتثال أمره، فحكم بحبسه. فبقي ﵀ بعد هذه الواقعة ملازما بيته إلى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة للهجرة، حيث أعيد إلى وظائفه بأمر من الأمير سيف الدين، فخطب بجامع الأفرم ودرس بالجوهرية.\nوفي سنة ثنتين وتسعيين وسبعمائة توفي الشيخ ﵀ رحمة واسعة، ودفن بسفح قاسيون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2935>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال ﵀ في 'الاتباع': الواجب في مسائل النزاع الرد إلى الله والرسول؛ قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). والرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته. وأهل التقليد لا يفعلون ذلك، بل يأخذ أحدهم بما يجد في كتب أصحاب ذلك الإمام الذي قلده، ولا يلتفت إلى قول من خالفه كائنا من كان. ونص ذلك الإمام والكتب عنده بمنزلة نص الشارع. وكثيرا ما يكون ذلك النص من كلام بعض الأصحاب في الفتاوى، ولم يكن لذلك\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).","vol":"8","page":422},{"text":"الإمام في تلك المسألة قول منقول. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2936>موقفه من الصوفية:</span>\nقال ﵀ شارحا قول الإمام الطحاوي: ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵇ ...\nيشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع. فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (٢). قال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. وقال بعضهم: ما ترك بعضهم شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه. والأمر كما قال: فإنه إذا لم يكن متبعا للأمر الذي جاء به الرسول كان يعمل بإرادة نفسه فيكون متبعا لهواه بغير هدى من الله، وهذا غش النفس، وهو من الكبر، فإنه شبيه بقول الذين قالوا: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ\n_________\n(١) (ص.٢٠).\n(٢) آل عمران الآية (٣١).","vol":"8","page":423},{"text":"حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١)\nوكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة وتصفية نفسه إلى ما وصلت اليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم، ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء! ومنهم من يقول إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء! ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء! ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون، وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه ليس له صانع مباين له، لكن هذا يقول: هو الله! وفرعون أظهر الإنكار بالكلية لكن كان فرعون في الباطن اعرف بالله منهم، فإنه كان مثبتا للصانع، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق، كابن عربي وأمثاله! وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل الى تغييره قال: النبوة ختمت لكن الولاية لم تختم! وادعى من الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها كما قال:\nمقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي\nوهذا قلب للشريعة، فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ (٢) والنبوة أخص من الولاية،\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢٤) ..\n(٢) يونس الآيتان (٦٢و٦٣).","vol":"8","page":424},{"text":"والرسالة أخص من النبوة. (١)\n- وقال ﵀: ويقول بعض الناس: الفقراء يسلم إليهم حالهم! وهذا كلام باطل بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قبل وما خالفها رد، كما قال النبي - ﷺ -: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢) فلا طريقة إلا طريقة الرسول، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا. ومن لم يكن له مصدقا فيما أخبر ملتزما لطاعته فيما أمر في الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان، لم يكن مؤمنا، فضلا عن أن يكون وليا لله تعالى، ولو طار في الهواء، ومشى على الماء، وأنفق من الغيب، وأخرج الذهب من الخشب، ولو حصل له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل! فإنه لا يكون مع تركه الفعل المأمور وعزل المحظور إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله تعالى، المقربة الى سخطه وعذابه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2937>موقفه من الخوارج:</span>\nقال ﵀ في شرحه على العقيدة الطحاوية: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب\n_________\n(١) شرح الطحاوية (ص ٤٩٢ - ٤٩٣).\n(٢) تقدم تخريجها في مواقف الشاطبي سنة (٧٩٠هـ).\n(٣) شرح الطحاوية (ص٥٠٧).","vol":"8","page":425},{"text":"لمن عمله.\n- ... يشير الشيخ ﵀ بهذا الكلام إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب.\nواعلم -رحمك الله وإيانا- أن باب التكفير وعدم التكفير، باب عظمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه دلائلهم. فالناس فيه، في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر، أو المخالفة لذلك في اعتقادهم، على طرفين ووسط، من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية.\nفطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدا، فتنفي التكفير نفيا عاما، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين. وأيضا: فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك، فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كافرا مرتدا. والنفاق والردة مظنتها البدع والفجور، كما ذكره الخلال في كتاب السنة، بسنده إلى محمد بن سيرين، أنه قال: إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء، وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ","vol":"8","page":426},{"text":"حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١) ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما تفعله الخوارج. وفرق بين النفي العام ونفي العموم. والواجب إنما هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب. ولهذا -والله اعلم- قيده الشيخ ﵀ بقوله: ما لم يستحله، وفي قوله: ما لم يستحله، إشارة إلى أن مراده من هذا النفي العام لكل ذنب من الذنوب العملية لا العلمية. وفيه إشكال فإن الشارع لم يكتف من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل، وليس العمل مقصورا على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع. إلا أن يضمن قوله: يستحله، بمعنى يعتقده، أو نحو ذلك. (٢)\nوقال: فقوله: وأهل الكبائر من أمة محمد - ﷺ - في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، رد لقول الخوارج والمعتزلة، القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار. لكن الخوارج تقول بتكفيرهم، والمعتزلة بخروجهم عن الإيمان، لا بدخولهم في الكفر، بل لهم منزلة بين منزلتين، كما تقدم عند الكلام على قول الشيخ ﵀: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله. (٣)\n- وقال: فقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم\n_________\n(١) الأنعام الآية (٦٨).\n(٢) (ص.٣١٦ - ٣١٧).\n(٣) شرح الطحاوية (ص.٣٧٠).","vol":"8","page":427},{"text":"يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) كيف قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله. وأعاد الفعل مع الرسول لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله. وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) الشورى الآية (٣٠).\n(٣) آل عمران الآية (١٦٥).\n(٤) النساء الآية (٧٩).","vol":"8","page":428},{"text":"نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ (١) فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم، فليتركوا الظلم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2938>موقفه من المرجئة:</span>\nقال ﵀: اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة ﵏ وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين: إلى أنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي ﵀: أنه الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان. ومنهم من يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي، وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي ﵀، ويروى عن أبي حنيفة ﵁. وذهب الكرّامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، فالمنافقون عندهم مؤمنون كاملو الإيمان، ولكنهم يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي أوعدهم الله به! وقولهم ظاهر الفساد. وذهب الجهم بن صفوان وأبو الحسن الصالحي أحدُ رؤساء القدرية - إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب! وهذا القول أظهر فسادًا مما قبله! فإن لازمه أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين، فإنهم عرفوا صدق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، ولم يؤمنوا بهما، ولهذا قال موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢٩).\n(٢) المصدر نفسه (ص.٣٨١).","vol":"8","page":429},{"text":"بصائر﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ (٢). وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي - ﷺ - كما يعرفون أبناءهم، ولم يكونوا مؤمنين به، بل كافرين به، معادين له، وكذلك أبو طالب عنده يكون مؤمنًا، فإنه قال:\nولقد علمتُ بأن دين محمد ... لولا الملامة أو حذار مسبَّة ... من خير أديان البرية دينا\nلوجدتَني سمحًا بذاك مبينا\nبل إبليس يكون عند الجهم مؤمنًا كامل الإيمان! فإنه لم يجهل ربه، بل هو عارف به، ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ (٣). ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ (٤). ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ (٥). والكفر عند الجهم هو الجهل بالرب تعالى، ولا أحد أجهل منه بربه! فإنه جعله الوجود المطلق، وسلب عنه جميع صفاته، ولا جهل أكبر من هذا، فيكون كافرًا بشهادته على نفسه! وبين هذه المذاهب مذاهب أخر، بتفاصيل وقيود، أعرضتُ عن ذكرها اختصارًا، ذكر هذه المذاهب أبو المعين النسفي في 'تبصرة الأدلة' وغيره. (٦)\n_________\n(١) الإسراء الآية (١٠٢).\n(٢) النمل الآية (١٤).\n(٣) الحجر الآية (٣٦).\n(٤) الحجر الآية (٣٩).\n(٥) ص الآية (٨٢).\n(٦) شرح الطحاوية (ص.٣٣٢ - ٣٣٣).","vol":"8","page":430},{"text":"وقال أيضًا: ... ولا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل، وأعني بالقول: التصديق بالقلب والإقرار باللسان، وهذا الذي يُعنى به عند إطلاق قولهم: الإيمان قول وعمل. لكن هذا المطلوب من العباد: هل يشمله اسم الإيمان؟ أم الإيمان أحدُهما، وهو القول وحده، والعمل مغاير له لا يشمله اسم الإيمان عند إفراده بالذكر، وإن أطلق عليهما كان مجازًا؟ هذا محل النزاع. وقد أجمعوا على أنه لو صدق بقلبه وأقر بلسانه، وامتنع عن العمل بجوارحه: أنه عاص لله ورسوله، مستحق للوعيد، لكن فيمن يقول: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان مَن قال: لما كان الإيمان شيئا واحدًا فإيماني كإيمان أبي بكر الصديق وعمر ﵄! بل قال: كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبرائيل وميكائيل ﵈!! وهذا غلوّ منه. فإن الكفر مع الإيمان كالعمى مع البصر، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه، فمنهم الأخفش والأعشى، ومن يرى الخط الثخين، دون الدقيق إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن قرب زائد على العادة، وآخر بضده. (١)\nوقال ﵀: وأما زيادة الإيمان من جهة الإجمال والتفصيل: فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل أحد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه خبره، كما في حق النجاشي وأمثاله. وأما الزيادة بالعمل والتصديق المستلزم لعمل القلب والجوارح: فهو أكمل من التصديق الذي لا يستلزمه، فالعلم الذي يعمل به\n_________\n(١) شرح الطحاوية (٣٣٣ - ٣٣٤).","vol":"8","page":431},{"text":"صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم. ولهذا قال النبي - ﷺ -: «ليس المخبر كالمعايِن» (١) وموسى ﵇ لما أخبِر أن قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها، وليس ذلك لشك موسى في خبر الله، لكن المخبَر، وإن جزم بصدق المخبِر، فقد لا يتصور المخبَر به نفسه، كما يتصوره إذا عاينه، كما قال إبراهيم الخليل صلوات الله على نبينا محمد وعليه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٢). وأيضًا: فمن وجب عليه الحج والزكاة مثلا، يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمِر به، ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره الإيمان به إلا مجملا، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل. وكذلك الرجل أول ما يُسلم، إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمِروا به من الإيمان. ولا شك أن من قام بقلبه التصديق الجازم، الذي لا يقوى على معارضته شهوة ولا شبهة: لا تقع معه معصية، ولولا ما حصل له من الشهوة والشبهة أو إحداهما لما عصى، بل يشتغل قلبه ذلك الوقت بما يواقعه من المعصية، فيغيبُ عنه التصديق والوعيد فيعصي.\nولهذا -والله أعلم- قال - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ٢١٥ - ٢٧١) والحاكم (٢/ ٣٢١) وصححه ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان (١٤/ ٩٦/٦٢١٣) من حديث ابن عباس.\n(٢) البقرة الآية (٢٦٠).","vol":"8","page":432},{"text":"مؤمن»، الحديث (١). فهو حين يزني يغيب عنه تصديقه بحرمة الزنا، وإن بقي أصل التصديق في قلبه، ثم يعاوده. فإن المتقين كما وصفهم الله بقوله: ﴿إِن الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ (٢). قال ليث عن مجاهد: هو الرجل يَهُمّ بالذنب فيذكر الله فيدعه. والشهوة والغضب مبدأ السيئات، فإذا أبصر رجع. ثم قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ (٣)، أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون. قال ابن عباس: لا الإنس تقصر عن السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم. فإذا لم يبصر بقي قلبه في عمى، والشيطان يمده في غيِّه، وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب، فذلك النور والإبصار، وتلك الخشية والخوف تخرج من قلبه. وهذا كما أن الإنسان يغمض عينه فلا يرى، وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب، بما يغشاه من رَيْن الذنوب، لا يبصر الحق وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر. وجاء هذا المعنى مرفوعا إلى النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا زنا العبد نُزع منه الإيمان، فإذا تاب أعيد إليه». (٤)\nإذا كان النزاع في هذه المسألة بين أهل السنة نزاعًا لفظيًا، فلا محذور\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).\n(٢) الأعراف الآية (٢٠١).\n(٣) الأعراف الآية (٢٠٢).\n(٤) أخرجه: أبو داود (٥/ ٦٦/٤٦٩٠) والحاكم (١/ ٢٢) من حديث أبي هريرة وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وصححه أيضًا الحافظ في الفتح (١٢/ ٧٢).","vol":"8","page":433},{"text":"فيه، سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى والافتراق بسبب ذلك، وأن يصير ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم، وإلى ظهور الفسق والمعاصي، بأن يقول: أنا مؤمن مسلم حقا كامل الإيمان والإسلام ولي من أولياء الله! فلا يبالي بما يكون منه من المعاصي. وبهذا المعنى قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله! وهذا باطل قطعا. (١)\nوقال أيضًا: والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية كثيرة جدا منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢). ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (٣). ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٤). ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٥). ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٦). وكيف يقال في هذه الآية والتي قبلها إن الزيادة باعتبار زيادة\n_________\n(١) شرح الطحاوية (ص.٣٣٥).\n(٢) الأنفال الآية (٢).\n(٣) مريم الآية (٧٦).\n(٤) المدثر الآية (٣١).\n(٥) الفتح الآية (٤).\n(٦) آل عمران الآية (١٧٣).","vol":"8","page":434},{"text":"المؤمن به؟ فهل في قول الناس: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ زيادة مشروع؟ وهل في إنزال السكينة على قلوب المؤمنين زيادة مشروع؟ وإنما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين مرجعهم من الحديبية ليزدادوا إيمانًا ويقينًا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ (٢) ...\nوقد وصف النبي - ﷺ -، النساء بنقصان العقل والدين (٣).\nوقال - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٤). والمراد نفي الكمال، ونظائره كثيرة، وحديث شُعب الإيمان، وحديث الشفاعة، وأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فكيف يقال بعد هذا: إن إيمان أهل السموات والأرض سواء؟! وإنما التفاضل بينهم بمعان أخر غير الإيمان؟! وكلام الصحابة ﵃\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٦٧).\n(٢) التوبة الآيتان (١٢٤ و١٢٥).\n(٣) أخرجه: البخاري (١/ ٥٣٤/٣٠٤) ومسلم (١/ ٨٧/٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n\nوفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة ﵃.\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية سنة (٧٢٨هـ).","vol":"8","page":435},{"text":"في هذا المعنى كثير أيضا. منه: قول أبي الدرداء ﵁: \"من فِقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فِقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينتقص\" (١)، وكان عمر ﵁ يقول لأصحابه: \"هلموا نزدد إيمانًا\"، فيذكرون الله تعالى ﷿. وكان ابن مسعود ﵁ يقول في دعائه: \"اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا\" (٢). وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول لرجل: \"اجلس بنا نؤمن ساعة\" (٣). ومثله عن عبد الله بن رواحة ﵁. وصح عن عمار ابن ياسر ﵁ أنه قال: \"ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: إنصاف من نفسه، والإنفاق من إقتار، وبذل السلام للعالم\" ذكره البخاري ﵀ في صحيحه (٤). وفي هذا المقدار كفاية وبالله التوفيق. (٥)\n\nعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٦) (٧٩٥ هـ)\nعبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الدمشقي الحنبلي، الشيخ المحدث الحافظ الشهير بابن رجب. ولد ببغداد سنة ست وسبعمائة. سمع من محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز، وإبراهيم بن داود العطار وأبي الفتح\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقفه سنة (٣٢هـ).\n(٢) تقدم ضمن مواقفه سنة (٣٢هـ).\n(٣) تقدم ضمن مواقفه سنة (١٨هـ).\n(٤) تقدم ضمن مواقفه سنة (٣٧هـ). تخرج الموقوف منه أما المرفوع متقدم ضمن مواقف ابن القيم سنة (٧٥١هـ).\n(٥) شرح الطحاوية (ص.٣٤٢ - ٣٤٤).\n(٦) الدرر الكامنة (٢/ ٣٢١) والبدر الطالع (١/ ٣٢٨) وإنباء الغمر بأبناء العمر (٣/ ١٧٥ - ١٧٦) وشذرات الذهب (٦/ ٣٣٩) والأعلام (٣/ ٢٩٥) والرد الوافر (١٠٦) والسحب الوابلة (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٦).","vol":"8","page":436},{"text":"الميدومي وغيرهم. قال ابن حجي: أتقن الفن -أي فن الحديث- وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق. قال ابن ناصر الدين: أحد الأئمة الزهاد والعلماء العباد. وقال ابن حجر: مهر في فنون الحديث أسماء ورجالا، وعللا وطرقا واطلاعا على معانيه، صنف شرح الترمذي فأجاد فيه في نحو عشرة أسفار وشرح قطعة كبيرة من البخاري وشرح الأربعين للنووي، وعمل وظائف الأيام سماه 'اللطائف' وعمل طبقات الحنابلة ذيلا على طبقات ابن أبي يعلى. وقال العليمي: لازم مجالس الشيخ شمس الدين ابن القيم إلى أن مات، وكان أحد الأئمة الكبار، والحفاظ والعلماء والزهاد والأخيار، وكانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة نافعة، اجتمعت الفرق عليه ومالت القلوب بالمحبة إليه، وزهده وورعه فائق الحد. توفي ﵀ سنة خمس وتسعين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2940>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'فضل علم السلف على علم الخلف': وهو عبارة عن رسالة صغيرة طبعت محققة في الكويت.\n٢ - 'الكلام على لا إله إلا الله' طبع، وهو عبارة كذلك عن رسالة صغيرة.\n٣ - 'صفة النار' طبع.\n٤ - 'فتح الباري شرح صحيح البخاري'، طبع محققا في مصر. قال عنه ابن عبد الهادي: (وشرح قطعة من البخاري إلى كتاب الجنائز، وهي من","vol":"8","page":437},{"text":"عجائب الدهر ولو كمل كان من العجائب).\nله مواقف مشرفة منها على سبيل المثال ما ذكره في جامع العلوم والحكم:\n- قال عقب حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١): هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها كما أن حديث: «الأعمال بالنيات» (٢) ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء. (٣)\n- وقال عند شرح حديث «الدين النصيحة» (٤): ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله -وهو مما يختص به العلماء- رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها، ومن ذلك بيان ما صح من حديث النبي - ﷺ -، وما لم يصح منه بتبين حال رواته ومن تقبل رواياته منهم ومن لا تقبل، وبيان غلط من غلط من ثقاتهم\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٦/ ٢٤٠) والبخاري (٥/ ٣٧٧/٢٦٩٧) ومسلم (٣/ ١٣٤٣/١٧١٨) وأبو داود (٥/ ١٢/٤٦٠٦) وابن ماجه (١/ ٧/١٤) كلهم من حديث عائشة ﵂ مرفوعا.\n(٢) أخرجه: أحمد (١/ ٢٥) والبخاري (١/ ١١/١) ومسلم (٣/ ١٥١٥ - ١٥١٦/ ١٩٠٧) وأبو داود (٢/ ٦٥١ - ٦٥٢/ ٢٢٠١) والترمذي (٤/ ١٥٤/١٦٤٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (١/ ٦٢ - ٦٣/ ٧٥) وابن ماجه (٢/ ١٤١٣/٤٢٢٧) من حديث عمر ﵁.\n(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٧٦).\n(٤) انظر تخريجه في مواقف محمد بن نصر المروزي سنة (٢٩٤هـ).","vol":"8","page":438},{"text":"الذين تقبل روايتهم. (١)\n- وقال في شرح حديث العرباض بن سارية (٢): وفي أمره - ﷺ - باتباع سنته، وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عموما دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة، كاتباع سنته، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور. (٣)\n- وقال أيضا: فقوله - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (٤)، فكل من أحدث شيئا، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة.\nوأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية. فمن ذلك: قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه. وروي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة. وروي أن أبي بن كعب قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر: قد علمت، ولكنه حسن. ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢١).\n(٤) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"8","page":439},{"text":"الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي - ﷺ - كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه (١)، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا، وهو - ﷺ - صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللا بأنه خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به (٢)، وهذا قد أمن بعده - ﷺ -.\nوروي عنه أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر (٣).\nومنها أنه - ﷺ - أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي.\nومن ذلك: أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقره علي، واستمر عمل المسلمين عليه، وروي عن ابن عمر أنه قال: هو بدعة، ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام رمضان.\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٨١) والبخاري (٤/ ٣١٤/٢٠٠٨ - ٢٠٠٩) ومسلم (١/ ٥٢٣/٧٥٩ [١٧٤]) وأبو داود (٢/ ١٠٢ - ١٠٣/ ١٣٧١) والترمذي (٣/ ١٧١ - ١٧٢/ ٨٠٨) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٣/ ٢٢٣/١٦٠١ - ١٦٠٢) كلهم من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة ثم يقول: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). وقد ورد من حديث عائشة ﵂ في قصة التأخر عن الناس وفي آخره (وكان رسول الله - ﷺ - يرغبهم في قيام شهر رمضان) الحديث، أخرجه ابن حبان (الإحسان ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤/ ١٤١).\n(٢) أخرجه: البخاري (٣/ ١٢ - ١٣/ ١١٢٩) ومسلم (١/ ٥٢٤/٧٦١) وأبو داود (٢/ ١٠٤/١٣٧٣) والنسائي (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤/ ١٦٠٣) كلهم من طريق عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - صلى في المسجد ذات ليلة ... فذكره.\n(٣) أخرجه: أبو داود (٢/ ١٠٥/١٣٧٥). الترمذي (٣/ ١٦٩/٨٠٦) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". النسائي (٣/ ٩٣/١٣٦٣). ابن ماجه (١/ ٤٢٠ - ٤٢١/ ١٣٢٧) كلهم من طريق جبير بن نفير عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله - ﷺ - فذكر الحديث.","vol":"8","page":440},{"text":"ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت، وقال لأبي بكر وعمر: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي - ﷺ -؟ ثم علم أنه مصلحة، فوافق على جمعه، وقد كان النبي - ﷺ - يأمر بكتابة الوحي (١)، ولا فرق بين أن يكتب مفرقا أو مجموعا، بل جمعه صار أصلح.\nوكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف واحد وإعدامه لما خالفه خشية تفرق الأمة، وقد استحسنه علي وأكثر الصحابة، وكان ذلك عين المصلحة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2941>موقفه من الصوفية:</span>\nله كتاب: 'نزهة الأسماع في مسألة السماع'. ومما جاء فيه: أن يقع استماع الغناء بآلات اللهو أو بدونها على وجه التقرب إلى الله تعالى وتحريك القلوب إلى محبته، والأنس به والشوق إلى لقائه، وهذا هو الذي يدعيه كثير من أهل السلوك ومن يتشبه بهم ممن ليس منهم، وإنما يستتر بهم ويتوصل بذلك إلى بلوغ غرض نفسه من نيل لذته، فهذا المتشبه بهم مخادع ملبس،\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ١٦٢،١٩٢) وأبو داود (٤/ ٦٠ - ٦١/ ٣٦٤٦) والحاكم (١/ ١٠٥ - ١٠٦) وقال: \"رواة هذا الحديث قد احتجا بهم عن آخرهم غير الوليد هذا، وأظنه الوليد بن أبي الوليد الشامي، فإنه الوليد بن عبد الله. وقد علمت على أبيه الكتبة. فإن كان كذلك فقد احتج مسلم به وقد صحت الرواية عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال: قيدوا العلم بالكتاب\" ووافقه الذهبي. وقال العراقي كما في تخريج الإحياء (٤/ ١٨٠٤/٢٨٥٧): \"رواه أبو داود بنحوه بإسناد صحيح\". وقال الحافظ في الفتح: (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧): بعد عزوه لأحمد وأبي داود: \"ولهذا طرق أخرى عن عبد الله بن عمرو يقوي بعضها بعضا\" كلهم من طريق الوليد بن عبد الله عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - ﷺ - أريد حفظه ... الحديث وفيه: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق» وفي الباب أحاديث في كتابة الوحي غير هذا.\n(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).","vol":"8","page":441},{"text":"وفساد حاله أظهر من أن يخفى على أحد؛ وأما الصادقون في دعواهم ذلك -وقليل ما هم- فإنهم ملبوس عليهم حيث تقربوا إلى الله بما لم يشرعه الله، واتخذوا دينا لم يأذن الله فيه، فلهم نصيب ممن قال الله فيه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (١).\nوالمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق باليد، كذلك قال غير واحد من السلف.\nوقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢).\nفإنه إنما يتقرب إلى الله بما يشرع التقرب به إليه على لسان رسوله، فأما ما نهي عنه فالتقرب به إليه مضادة لله في أمره.\nقال القاضي أبو الطيب الطبري ﵀ في كتابه في السماع: (اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع المسلمين، فإنه ليس فيهم من جعل السماع دينا وطاعة، ولا أرى إعلانه في المساجد والجوامع، وحيث كان من البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة، وكان مذهب هذه الطائفة مخالفا لما اجتمعت عليه العلماء؛ ونعوذ بالله من سوء الفتن). انتهى ما ذكره، ولا ريب أن التقرب إلى الله بسماع الغناء الملحن لا سيما مع آلات اللهو مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام بل ومن سائر شرائع المسلمين أنه ليس مما يتقرب به إلى الله ولا\n_________\n(١) الأنفال الآية (٣٥).\n(٢) الشورى الآية (٢١).","vol":"8","page":442},{"text":"مما تزكى به النفوس وتطهر به، فإن الله تعالى شرع على ألسنة الرسل كلها ما تزكو به النفوس وتطهر من أدناسها وأوضارها، ولم يشرع على لسان أحد من الرسل في ملة من الملل أشياء من ذلك، وإنما يأمر بتزكية النفوس بذلك من لا يتقيد بمتابعة الرسل من أتباع الفلاسفة، كما يأمرون بعشق الصور، وذلك كله مما تحيى به النفوس الأمارة بالسوء لما لها فيه من الحظ، ويقوى به الهوى وتموت به القلوب المتصلة بعلام الغيوب، وتبعد به عنه، فغلط هؤلاء واشتبه عليهم حظوظ النفوس وشهواتها بأقوات القلوب الطاهرة والأرواح الزكية المعلقة بالمحل الأعلى. واشتبه الأمر في ذلك أيضا على طوائف من المسلمين بعد انقراض القرون الفاضلة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2942>موقفه من الجهمية:</span>\nذكر في رسالته اللطيفة 'فضل علم السلف على الخلف' أبحاثا منيفة منها قوله وهو يتحدث عن الكلام في الصفات: ومن ذلك أعني محدثات الأمور: ما أحدثه المعتزلة ومن حذا حذوهم من الكلام في ذات الله وصفاته بأدلة العقول، وهو أشد خطرا من الكلام في القدر، لأن الكلام في القدر كلام في أفعاله وهذا كلام في ذاته وصفاته.\nوينقسم هؤلاء إلى قسمين:\nأحدهما: من نفى كثيرا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده التشبيه بالمخلوقين كقول المعتزلة: لو رؤي لكان جسما، ووافقهم من\n_________\n(١) نزهة الأسماع (ص ٨٠ - ٨٢).","vol":"8","page":443},{"text":"نفى الاستواء فنفوا لهذه الشبهة. وهذا طريق المعتزلة والجهمية. وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم. وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.\nوالثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر، ورد على أولئك مقالتهم، كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم، وتابعه طائفة من المحدثين قديما وحديثا، وهو أيضا مسلك الكرامية، فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظا وإما معنى.\nومنهم من أثبت لله صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.\nوقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه، ومنهم من استحل قتله، منهم مكي بن إبراهيم شيخ البخاري وغيره.\nوالصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة، خصوصا الإمام أحمد، ولا خوض في معانيها ولا ضرب مثل من الأمثال لها.\nوإن كان بعض من كان قريبا من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئا من ذلك اتباعا لطريقة مقاتل، فلا يقتدى به في ذلك، إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ونحوهم.","vol":"8","page":444},{"text":"وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلمين فضلا عن كلام الفلاسفة، ولم يدخل ذلك في كلام من سلم من قدح وجرح.\nوقد قال أبو زرعة الرازي: كل من كان عنده علم فلم يصن علمه واحتاج في نشره إلى شيء من الكلام فلستم منه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2943>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀: وهذه المسائل -أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق- مسائل عظيمة جدا، فإن الله ﷿ علق بهذه الأسماء السعادة، والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة، حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم. (٢)\n- وقال: وقد صح عن النبي - ﷺ - الأمر بقتال الخوارج وقتلهم. وقد اختلف العلماء في حكمهم.\nفمنهم من قال: هم كفار، فيكون قتلهم لكفرهم.\nومنهم من قال: إنما يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين وتكفيرهم لهم، وهو قول مالك وطائفة من أصحابنا، وأجازوا الأبتداء بقتالهم والإجهاز على جريحهم.\nومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه، قوتلوا، وإن أظهروه ولم\n_________\n(١) فضل علم السلف (٢٨ - ٣١).\n(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١١٤).","vol":"8","page":445},{"text":"يدعوا إليه لم يقاتلوا، وهو نص عن أحمد وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة.\nومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدءوا بقتالنا، وإنما يبيح قتالهم من سفك دماء ونحوه، كما روي عن على ﵁ (١)، وهو قول الشافعي وكثير من أصحابنا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2944>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال في جامع العلوم والحكم عند شرحه لحديث جبريل (٣): فإن قيل: فقد فرق النبي - ﷺ - في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان، وجعل الأعمال كلها من الإسلام لا من الإيمان، والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان؛ وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم.\nوأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارا شديدا. وممن أنكر ذلك على قائله، وجعله قولا محدثا: سعيد بن جبير، وميمون بن مهران، وقتادة، وأيوب السختياني، وإبراهيم النخعي، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وقال الثوري: هو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره (٤). وقال\n_________\n(١) تقدم مرارا.\n(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٨).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف محمد بن أسلم الطوسي سنة (٢٤٢هـ).\n(٤) تقدم ضمن مواقفه سنة (١٦١هـ).","vol":"8","page":446},{"text":"الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل. (١)\nوكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها، استكمل الإيمان. ومن لم يستكملها، لم يستكمل الإيمان، ذكره البخاري في صحيحه. (٢)\nقيل: الأمر على ما ذكره، وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٣).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال لوفد عبد القيس: «آمركم بأربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس» (٤).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله،\n_________\n(١) تقدم ضمن مواقفه سنة (١٥٧هـ).\n(٢) تقدم ضمن مواقف عمر بن عبد العزيز سنة (١٠١هـ).\n(٣) الأنفال الآيات (٢ - ٤).\n(٤) تقدم تخريجه ضمن مواقف ابن الصلاح سنة (٦٤٣هـ).","vol":"8","page":447},{"text":"وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١) ولفظه لمسلم.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (٢). فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمى الإيمان، لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها، لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته.\nوأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبي - ﷺ - بينهما، وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام دون مسمى الإيمان، فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره، صار دالا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما، دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر، دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات، والآخر على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان: إذا أفرد أحدهما، دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما، دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي. (٣)\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).\n(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٤ - ١٠٦).","vol":"8","page":448},{"text":"- وقال ﵀ في فتح الباري شرح صحيح البخاري: وأكثر العلماء قالوا: هو قول وعمل. وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث. وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه، وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضا.\nوقال الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل، وحكاه غير واحد من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة. وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة: الفضيل بن عياض، ووكيع بن الجراح.\nوممن روي عنه أن الإيمان قول وعمل:\nالحسن، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والزهري، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وغيرهم، حتى قال كثير منهم:\nإن الرقبة المؤمنة لا تجزىء في الكفارة حتى يؤخذ منها الإقرار وهو الصلاة والصيام، منهم: الشعبي، والنخعي، وأحمد في رواية.\nوخالف في ذلك طوائف من علماء أهل الكوفة والبصرة وغيره، وأخرجوا الأعمال من الإيمان وقالوا: الإيمان: المعرفة مع القول.\nوحدث بعدهم من يقول: المعرفة خاصة، ومن يقول: الإيمان: القول خاصة.\nوالبخاري عبر عنه بأنه: قول وفعل.\nوالفعل: من الناس من يقول: هو مرادف للعمل.","vol":"8","page":449},{"text":"ومنهم من يقول: هو أعم من العمل.\nفمن هؤلاء من قال: الفعل يدخل فيه القول وعمل الجوارح، والعمل لا يدخل فيه القول عند الإطلاق. (١)\nوقال فيه أيضا: وقد تلا البخاري الآيات التي فيها ذكر زيادة الإيمان، وقد استدل بها على زيادة الإيمان أئمة السلف قديما، منهم: عطاء بن أبي رباح فمن بعده.\nوتلا البخاري -أيضا- الآيات التي ذكر فيها زيادة الهدى؛ فإن المراد بالهدى هنا: فعل الطاعات كما قال تعالى بعد وصف المتقين بالإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم وبالإيمان بما أنزل إلى محمد وإلى من قبله وباليقين بالآخرة، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٢)، فسمى ذلك كله هدى، فمن زادت طاعاته فقد زاد هداه.\nولما كان الإيمان يدخل فيه المعرفة بالقلب والقول والعمل كله كانت: زيادته بزيادة الأعمال، ونقصانه بنقصانها. وقد صرح بذلك كثير من السلف فقالوا: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nفأما زيادة الإيمان بزيادة القول ونقصانه بنقصانه: فهو كالعمل بالجوارح -أيضا-؛ فإن من زاد ذكره لله وتلاوته لكتابه زاد إيمانه، ومن ترك الذكر الواجب بلسانه نقص إيمانه. (٣)\n_________\n(١) (١/ ٥ - ٦).\n(٢) البقرة الآية (٥).\n(٣) المصدر السابق (١/ ٨ - ٩).","vol":"8","page":450},{"text":"وقال: واليقين: هو العلم الحاصل للقلب بعد النظر والاستدلال، فيوجب قوم التصديق حتى ينفي الريب، ويوجب طمأنينة القلب بالإيمان وسكونه وارتياحه به، وقد جعله ابن مسعود الإيمان كله. وكذا قال الشعبي أيضا.\nوهذا مما يتعلق به من يقول: إن الإيمان هو مجرد التصديق؛ حيث جعل اليقين: الإيمان كله، فحصره في اليقين؛ ولكن لم يرد ابن مسعود أن ينفي الأعمال من الإيمان؛ إنما مراده: أن اليقين هو أصل الإيمان كله، فإذا أيقن القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر انبعثت الجوارح كلها للاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة فنشأ ذلك كله عن اليقين.\nقال الحسن البصري: ما طلبت الجنة إلا باليقين، ولا هرب من النار إلا باليقين، ولا أديت الفرائض إلا باليقين، ولا صبر على الحق إلا باليقين.\nوقال سفيان الثوري: لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطارت القلوب اشتياقا إلى الجنة وخوفا من النار. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2945>موقفه من القدرية:</span>\nقال ﵀: قوله - ﷺ -: «فلو أن الخلق جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه» (٢). هذه رواية الإمام أحمد، ورواية الترمذي بهذا المعنى أيضا، والمراد: أن ما يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه، فكله مقدر\n_________\n(١) المصدر السابق (١/ ١٥).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف أبي عثمان الصابوني سنة (٤٤٩هـ).","vol":"8","page":451},{"text":"عليه، ولا يصيب العبد إلا ما كتب له من ذلك في الكتاب السابق، ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعا.\nوقد دل القرآن على مثل هذا في قوله عزوجل: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (١)، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٢)، وقوله: ﴿قل لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٣).\nوخرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال: «إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه». (٤)\nوخرج أبو داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت، عن النبي - ﷺ - معنى ذلك أيضا.\nواعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب\n_________\n(١) التوبة الآية (٥١).\n(٢) الحديد الآية (٢٢).\n(٣) آل عمران الآية (١٥٤).\n(٤) رواه أحمد (٦/ ٤٤١) قال الهيثمي (٧/ ١٩٧): \"رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات، ورواه الطبراني في الأوسط\".","vol":"8","page":452},{"text":"ذلك للعبد توحيد ربه عزوجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن علم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعا، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال الله ﷿: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١).\nقوله - ﷺ -: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا» يعني: أن ما أصاب العبد من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه إذا صبر عليها، كان له في الصبر خير كثير.\nوفي رواية عمر مولى غفرة وغيره عن ابن عباس زيادة أخرى قبل هذا الكلام، وهي: «فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين، فافعل، وإن لم\n_________\n(١) الزمر الآية (٣٨).","vol":"8","page":453},{"text":"تستطع، فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا». (١)\nوفي رواية أخرى من رواية علي بن عباس عن أبيه، لكن إسنادها ضعيف، زيادة أخرى بعد هذا، وهي: قلت: يا رسول الله، كيف أصنع باليقين؟ قال: «أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإذا أنت أحكمت باب اليقين» (٢). ومعنى هذا أن حصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يعين العبد على أن ترضى نفسه بما أصابه، فمن استطاع أن يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور، فليفعل، فإن لم يستطع الرضا، فإن في الصبر على المكروه خيرا كثيرا.\nفهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب:\nإحداهما: أن يرضى بذلك، وهذه درجة عالية رفيعة جدا، قال الله ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٣). قال علقمة: هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى.\nوخرج الترمذي من حديث أنس عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله إذا أحب\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ٢٠٣/١٠٠٠٠) وهناد في الزهد (١/ ٣٠٤/٥٣٦) وله طريق آخر عن ابن عباس من رواية عبد الملك بن عمير عنه أخرجها الحاكم (٣/ ٥٤١) وقال: \"إن الشيخين ﵄ لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين ... \" وأقره الذهبي وزاد: \"لأن القداح قال أبو حاتم: متروك، والآخر مختلف فيه، وعبد الملك لم يسمع من ابن عباس فيما أرى\". انظر الضعيفة (٥١٠٧).\n(٢) انظر الذي قبله.\n(٣) التغابن الآية (١١).","vol":"8","page":454},{"text":"قوما ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (١)، وكان النبي - ﷺ - يقول في دعائه: «أسألك الرضا بعد القضاء» (٢).\nومما يدعو المؤمن إلى الرضا بالقضاء تحقيق إيمانه بمعنى قول النبي - ﷺ -: «لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء شكر، كان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، كان خيرا له، وليس ذلك إلا للمؤمن» (٣).\nوجاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فسأله أن يوصيه وصية جامعة موجزة، فقال: «لا تتهم الله في قضائه» (٤).\nقال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط، فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر. فمن وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشه كله في نعيم وسرور، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥١٩/٢٣٩٦) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٨/٤٠٣١). وقال الترمذي: \"حسن غريب\".\n(٢) أخرجه النسائي (٣/ ٦٢/١٣٠٤) وصححه ابن حبان (٥/ ٣٠٤ - ٣٠٥/ ١٩٧١) والحاكم (١/ ٥٢٤ - ٥٢٥). وأخرجه أحمد (٤/ ٢٦٤) دون ذكر محل الشاهد. كلهم من حديث عمار بن ياسر مطولا.\n(٣) سيأتي تخريجه في مواقف محمد بن صالح العثيمين سنة (١٤٢١هـ).\n(٤) أخرجه من حديث عبادة بن الصامت: أحمد (٥/ ٣١٨ - ٣١٩). قال البوصيري في (مختصر اتحاف السادة المهرة رقم:١): \"رواه أبو يعلى الموصلي واللفظ له وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل والطبرني بإسناد حسن\"، وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٢٨٩).","vol":"8","page":455},{"text":"صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (١)، قال بعض السلف: الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة. وقال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين ...\nوالدرجة الثانية: أن يصبر على البلاء، وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء، فالرضا فضل مندوب إليه، مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير كثير، فإن الله أمر به، ووعد عليه جزيل الأجر. قال الله عزوجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣). قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن.\nوالفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر: كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق. (٤)\n_________\n(١) النحل الآية (٩٧).\n(٢) الزمر الآية (١٠).\n(٣) البقرة الآيات (١٥٥ - ١٥٧).\n(٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٣ - ٤٨٨).","vol":"8","page":456},{"text":"إبراهيم بن داود الآمدي (١) (٧٩٧ هـ)\nإبراهيم بن داود بن عبد الله الآمدي ثم الدمشقي برهان الدين. مات أبوه وهو صغير على دين النصرانية فحمله وصيه الشيخ عبد الله الدمشقي وأحضره مجلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية فأسلم على يده وصحبه، ثم صحب أصحابه وأخذ عنهم، وتفقه على مذهب الشافعي، وسمع الحديث. روى عن إبراهيم بن الخيمي والحسن بن عبد الرحمن الإربلي وشمس الدين بن السراج وغيرهم. كان دينا خيرا فاضلا. توفي سنة سبع وتسعين وسبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2947>موقفه من المبتدعة:</span>\nمحنته ومناظرته على عقيدته السلفية:\nقال في الدرر الكامنة: قلت له مرة: أخبركم رضي الله عنكم وعن والديكم، فنظر إلي منكرا وقال: ما كانا على الإسلام. وكان ممتحنا بحب ابن تيمية، ونسخ غالب تصانيفه بخطه، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر برياضة وتؤدة، ويناظر في مسائل ابن تيمية من غير مماراة. (٢)\nالتعليق:\nهذا من أعمال الشيخ ابن تيمية المباركة؛ حيث أسلم على يديه، وبقي سلفيا يناظر على العقيدة السلفية، فرضي الله عنك يا شيخ الإسلام، يا أبا العباس ورضي عن المترجم له.\n_________\n(١) الدرر الكامنة (١/ ٢٥ - ٢٦) وشذرات الذهب (٦/ ٣٤٧).\n(٢) (١/ ٢٥ - ٢٦).","vol":"8","page":457},{"text":"محمد بن عرفة (١) (٨٠٣ هـ)\nأبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عرفة الوَرْغَمِي التونسي المالكي، شيخ الإسلام بالمغرب. ولد سنة ست عشرة وسبعمائة. روى عن المحدث أبي عبد الله بن جابر الوادي والفقيه القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام وأبي عبد الله محمد بن محمد بن حسين بن سلمة الأنصاري. لم يرض لنفسه الدخول في الولايات، بل اقتصر على الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة، وانقطع للاشتغال بالعلم والتصدر لتجويد القراءات. وصار المرجوع إليه بالمغرب. قال ابن ظهيرة: برع في الأصول والفروع والعربية والمعاني والبيان والفرائض والحساب، وسمع من الوادي آشى الصحيحين، وكان رأسا في العبادة والزهد والورع ملازما للشغل بالعلم، رحل إليه الناس وانتفعوا به ولم يكن بالعربية من يجري مجراه في التحقيق ولا من اجتمع له في العلوم ما اجتمع له، وكانت الفتوى تأتي إليه من مسافة شهر. له أوقاف جزيلة في وجوه البر وفكاك الأسارى، ومناقبه عديدة وفضائله كثيرة.\nتوفي ﵀ سنة ثلاث وثمانمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2950>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في العقد الثمين: وقد سئل عنه -أي عن ابن عربي- وعن شيء من كلامه شيخنا العلامة أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي المالكي، عالم إفريقية بالمغرب. فقال ما معناه: من نُسب إليه هذا الكلام، لا\n_________\n(١) الشذرات (٧/ ٣٨) والبدر الطالع (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦) والديباج المذهب (٢/ ٣٣١ - ٣٣٣) والأعلام (٧/ ٤٣).","vol":"8","page":458},{"text":"ليشك مسلم منصف في فسقه وضلاله وزندقته. (١)\n\nسراج الدين البُلْقِينِي (٢) (٨٠٥ هـ)\nعمر بن رسلان بن بصير، السراج البلقيني ثم القاهري الشافعي. ولد سنة أربع وعشرين وسبعمائة ببلقينة، فحفظ بها القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ المحرر في الفقه والكافية لابن مالك في النحو، ومختصر ابن الحاجب في الأصول، والشاطبية في القراءات. سمع من الميدومي وابن القماح وابن عقيل وابن عدلان وغيرهم، وأجاز له من دمشق الحافظان المزي والذهبي وغيرهما، وفاق الأقران واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، ووقع الاتفاق على أنه أحفظ أهل عصره وأوسعهم معارفا وأكثرهم علوما، وكان معظما عند الأكابر عظيم السمعة عند العوام، إذا ذكر البلقيني خضعت الرقاب. قال ابن حجي: كان أحفظ الناس لمذهب الشافعي واشتهر بذلك وطبقة شيوخه موجودون، قدم علينا دمشق قاضيا وهو كهل فبهر الناس بحفظه وحسن عبارته وجودة معرفته، وخضع له الشيوخ في ذلك الوقت واعترفوا بفضله، ثم رجع وتصدى للفتيا فكان معول الناس عليه في ذلك وكثرت طلبته، فنفعوا وأفتوا ودرسوا وصاروا شيوخ بلادهم وهو حي. قال برهان الدين المحدث: رأيته فريد دهره فلم تر عيناي أحفظ للفقه ولأحاديث الأحكام منه.\n_________\n(١) العقد الثمين (٢/ ٢٨٨).\n(٢) شذرات الذهب (٧/ ٥١) والبدر الطالع (١/ ٥٠٦) وإنباء الغمر بأبناء العمر (٥/ ١٠٧ - ١٠٩) والضوء اللامع (٦/ ٨٥ - ٩٠).","vol":"8","page":459},{"text":"قال له ابن كثير: أذكرتنا سمت ابن تيمية. وكذلك قال له ابن شيخ الجبل: ما رأيت بعد ابن تيمية أحفظ منك. أخذ عنه حافظ دمشق ابن ناصر الدين والحافظ ابن حجر وغيرهما.\nتوفي ﵀ سنة خمس وثمانمائة بالقاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2952>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في العقد الثمين: وقد سمعت صاحبنا الحافظ الحجة القاضي شهاب الدين أبا الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، وهو الآن المشار إليه بالتقدم في علم الحديث -أمتع الله بحياته- يقول: إنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني شيئا من كلام ابن عربي المشكل. وسأله عن ابن عربي فقال له شيخنا البلقيني: هو كافر. (١)\n\nالهيثمي (٢) (٨٠٧ هـ)\nعلي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر نور الدين أبو الحسن الهيثمي. ولد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة قرأ القرآن وهو نشأ ثم صحب الزين العراقي وهو بالغ ولم يفارقه سفرا وحضرا. وسمع من ابن عبد الهادي والميدومي ومحمد بن إسماعيل بن الملوك ومحمد بن عبد الله النعامني وغيرهم. كان إماما عالما حافظا زاهدا متواضعا متوددا إلى الناس ذا عبادة وتقشف وورع. وهو أشهر من ألف في الزوائد. فمن ذلك مجمع الزوائد، ومجمع\n_________\n(١) العقد الثمين (٢/ ٢٨٨).\n(٢) الضوء اللامع (٥/ ٢٠٠ - ٢٠٣) وشذرات الذهب (٧/ ٧٠) وذيل تذكرة الحفاظ (٥/ ٢٣٩ - ٢٤٤).","vol":"8","page":460},{"text":"البحرين، والبدر المنير في زوائد المعجم الكبير، وغاية المقصد في زوائد أحمد، والمقصد الأعلى في زوائد أبي يعلى، وموارد الظمآن وغيرها.\nتوفي في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان سنة سبع وثمانمائة بالقاهرة ودفن من الغد خارج باب البرقية منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2954>موقفه من الجهمية:</span>\nقال الهيثمي تعليقا على بعض الأحاديث: رواه الطبراني وفيه عمرو بن عبيد وهو من أعداء الله. (١)\n\nأحمد الناشري (٢) (٨١٥ هـ)\nالشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن علي بن محمد الناشري، أبو العباس الزبيدي اليمني الشافعي. ولد سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. سمع الحديث من أبيه والمجد الشيرازي وطائفة. ولي قضاء زبيد وأعمالها فراعى الحق في أحكامه فتعصبوا عليه فعزل.\nتفقه به جمع كثيرون في المملكة اليمنية منهم الموفق علي بن أبي بكر الناشري وولده الجمال محمد الطيب، والجمال بن الخياط والكمال موسى بن محمد الضجاعي وغيرهم.\nانتهت إليه ﵀ رئاسة الفتوى ببلده، وكان شديدا على الصوفية\n_________\n(١) المجمع (٤/ ٢٨٨).\n(٢) الضوء اللامع (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨) وإنباء الغمر (٧/ ٨٠ - ٨١) وذيل الدرر الكامنة (ص.١٥٨ - ١٥٩) وشذرات الذهب (٧/ ١٠٩).","vol":"8","page":461},{"text":"وكانت لهم شوكة قائمة، ومع ذلك فكان لا يفتر عن الإنكار والرد عليهم.\nقال عنه السخاوي: وكان عالما عاملا فقيها، كاملا فريدا تقيا ذكيا، غاية في الحفظ وجودة النظر في الفقه ودقائقه، مقصودا من الآفاق بحيث ازدحم عليه الخلائق.\nوقال ابن حجر: اجتمعت به واستفدت منه بزبيد، ونعم الشيخ كان.\nمات ﵀ سنة خمس عشرة وثمانمائة، وقد جاوز السبيعن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2956>موقفه من الصوفية:</span>\n- جاء في الضوء اللامع: وجرت له مع الصوفية بزبيد، لما أنكر عليهم الاشتغال بكتب ابن عربي واعتقاد ما فيها، لاسيما الفصوص. وشق ذلك على أكابرهم فتعصبوا عليه بسبب ذلك والتمسوا من السلطان منعه من التعرض لهم، وكان للسطان فيه حسن اعتقاد، فلم يزده إلا حمية لله ولرسوله صلى على الله عليه وسلم، ولقب في وقته لذلك بناصر السنة وقامع المبتدعة. (١)\n- وفيه: وعمل كتابا حافلا بين فيه فساد عقيدة ابن عربي ومن ينتمي إليه. (٢)\n_________\n(١) الضوء اللامع (١/ ٢٥٧/٢٥٨).\n(٢) المصدر السابق (١/ ٢٥٨).","vol":"8","page":462},{"text":"أبو زرعة العراقي (١) (٨٢٦ هـ)\nأحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي الإمام ابن الإمام، والحافظ ابن الحافظ، وشيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام، الشافعي ويعرف كأبيه بابن العراقي. ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة بالقاهرة. سمع من أبي الحرم القلانسي وأبي الحسن العرضي وأبي البقاء السبكي والبهاء بن خليل والبهاء ابن عقيل وغيرهم. تدرب بوالده في الحديث وفنونه وكذا في غيره من فقه وأصول وعربية ومعان وبيان، وبرع في جميع ذلك. وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس. كان من خير أهل عصره بشاشة وصلابة في الحكم وقياما في الحق وطلاقة وجه وحسن خلق وطيب عشرة. قال التقي الفاسي: هو أكثر فقهاء عصرنا هذا حفظا للفقه وتعليقا له وتخريجا، وفتاويه على كثرتها مستحسنة، ومعرفته للتفسير والعربية والأصول متقنة، وأما الحديث فأوتي فيه حسن الرواية وعظيم الدراية في فنونه. وقال الجمال بن موسى: الإمام العلامة الفريد، شيخ الحفاظ، هو أشهر من أن يوصف. وقال البدر العيني: كان عالما فاضلا، له تصانيف في الأصول والفروع وفي شرح الأحاديث، ويد طولى في الإفتاء، كان آخر الأئمة الشافعية بالديار المصرية، له مصنفات كثيرة. توفي ﵀ سنة ست وعشرين وثمانمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2958>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في العقد الثمين: وسئل عنه -أي ابن عربي- شيخنا العلامة المحقق\n_________\n(١) شذرات الذهب (٧/ ١٧٣) والبدر الطالع (١/ ٧٢ - ٧٤) والضوء اللامع (١/ ٣٣٦ - ٣٤٤) وإنباء الغمر بأبناء العمر (٨/ ٢١ - ٢٢).","vol":"8","page":463},{"text":"الحافظ المفتي المصنف أبو زرعة أحمد بن شيخنا الحافظ العراقي الشافعي -أبقاه الله تعالى- فقال: لا شك في اشتمال: 'الفصوص' المشهورة على الكفر الصريح الذي لا يُشك فيه، وكذلك 'فتوحاته المكية'. فإن صح صدور ذلك عنه واستمر عليه إلى وفاته فهو كافر مخلد في النار بلا شك. (١)\n\nتقي الدين الفاسي (٢) (٨٣٢ هـ)\nمحمد بن أحمد بن علي يكنى أبا عبد الله وأبا الطيب وبها اشتهر أخيرا، ويلقب تقي الدين الحسيني الفاسي المكي القاضي المالكي. ولد في ليلة الجمعة العشرين من ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعائة بمكة.\nحفظ القرآن من سن مبكرة وصلى بالناس التراويح بمقام الحنابلة بالمسجد الحرام. ودرس عدة متون في صغره منها الأربعين النووية وكتاب الرسالة لابن أبي زيد وعمدة الأحكام ومختصر ابن الحاجب والألفية لابن مالك والورقات.\nوحبب إليه سماع الحديث فسمع على المسند أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن صديق الدمشقي المعروف بابن الرسام المنتخب من مسند عبد بن حميد ثم صحيح البخاري ومسند الدارمي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه وعدة أجزاء. كما أنه سمع على شهاب الدين القرافي صحيح مسلم وجامع الترمذي وسنن\n_________\n(١) العقد الثمين (٢/ ٢٩٤).\n(٢) العقد الثمين (٢/ ٤٤ - ٧١) والضوء اللامع (٧/ ١٨ - ٢٠) وطبقات الحفاظ (ص.٥٤٤ - ٥٤٥) وإنباء الغمر (٨/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"8","page":464},{"text":"أبي داود. وعلى القاضي علي بن أحمد النويري الموطأ لمالك برواية يحيى بن يحيى. وقرأ على العراقي شرحه لألفيته في الحديث المسماة بالتبصرة. كما أنه قرأ على البلقيني وابن الملقن والهيثمي والتنوخي وغيرهم. واعتنى بأخبار بلده فأحيا معالمها وأوضع مجاهلها وترجم أعيانها فكتب لها تاريخا حافلا.\nقال ابن حجر: رافقني في السماع كثيرا بمصر والشام واليمن وغيرها، وكنت أوده وأعظمه وأقوم معه في مهماته، ولقد سائني موته وأسفت على فقد مثله.\nمات ﵀ ثالث شوال سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة بمكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2960>موقفه من المشركين:</span>\nله العقد الثمين ضمنه مبحثا نفيسا جدا في عقيدة ابن عربي الطائي وأقوال أهل العلم فيه، مبينا ضلاله وكفره وزيغه عن الصراط السوي المستقيم. (١)\n\nابن الجزري (٢) (٨٣٣ هـ)\nالإمام المقرئ محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف بن الجزري، شمس الدين أبو الخير العمري الدمشقي ثم الشيرازي. ولد في ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بدمشق.\n_________\n(١) ينظر العقد الثمين (٢/ ٢٧٧ - ٣٠٠).\n(٢) غاية النهاية في طبقات القراء للمترجم (٢/ ٢٤٧ - ٢٥١) والضوء اللامع (٩/ ٢٥٥ - ٢٦٠) وإنباء الغمر بأبناء العمر (٨/ ٢٤٥ - ٢٤٨).","vol":"8","page":465},{"text":"وحفظ القرآن سنة أربع وستين وصلى به سنة خمس، ولهج بطلب الحديث وبرز في القراآت، وذكر أن ابن الخباز أجاز له، واتهم في ذلك، واحتمله السخاوي لأنه خال جده.\nسمع الحديث من جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري وغيرهم، وأفرد القراآت على أبي محمد بن السلار وأحمد بن إبراهيم بن الطحان وأحمد بن رجب وغيرهم، وأجاز له وأذن له بالإفتاء الشيخ أبو الفداء ابن كثير والشيخ ضياء الدين والشيخ البلقيني. تصدى للإقراء تحت النسر من الجامع الأموي سنين، وولي مشيخة الإقراء بالعادلية، ثم مشيخة دار الحديث الأشرفية، ثم مشيخة تربة أم الصالح بعد شيخه ابن السلار. وولي قضاء الشام وكان يلقب في بلاده الإمام الأعظم.\nووصفه ابن حجر بالحافظ الإمام المقرئ، وقال: إنه كان مثريا وشكلا حسنا وفصيحا بليغا كثير الإحسان لأهل الحجاز، انتهت إليه رياسة علم القراآت في الممالك، وممن أخذ عنه القراآت ابنه أبو بكر أحمد والشيخ محمود ابن الحسين الشيرازي والشيخ أبو بكر الحموي والشيخ أحمد بن محمود الحجازي والمحب محمد بن أحمد بن الهائم وغيرهم.\nصنف كتاب 'الحصن الحصين' في الأدعية، لهج به أهل اليمن واستكثروه وتنافسوا في تحصيله وروايته، وحصل له رواج عظيم، وذيل طبقات القراء للذهبي وجمع النشر في القراآت العشر، وله كتاب أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب والجوهرة في النحو وغيرهما كثير.\nوكانت وفاته بشيراز في ضحوة الجمعة لخمس خلون من ربيع الأول","vol":"8","page":466},{"text":"سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة للهجرة فرحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2962>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ﵀ في النشر: ومنها ما يكون حجة لأهل الحق ودفعا لأهل الزيغ كقراءة ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ (١) بكسر اللام وردت عن ابن كثير وغيره وهي من أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الدار الآخرة. (٢)\n\nشرف الدين ابن المقري (٣) (٨٣٧ هـ)\nأبو محمد إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله اليمني الشافعي المعروف بابن المقري. عالم البلاد اليمنية وإمامها ومفتيها. تفقه على جمال الدين شارح التنبيه وغيره، وقرأ في عدة فنون وبرز في جميعها وفاق أهل عصره وطال صيته واشتهر ذكره ومهر في صناعة النظم والنثر.\nقال ابن حجر: وله تصانيف وحذق تام ونظر مليح، ما رأيت باليمن أذكى منه.\nوقال الموفق الخزرجي: إنه كان فقيها محققا بحاثا مدققا مشاركا في كثير من العلوم والاشتغال بالمنثور والمنظوم، إن نظم أعجب وأعجز، وإن نثر أجاد وأوجز، فهو المبرز على أترابه والمقدم على أقرانه وأصحابه. كان رحمه\n_________\n(١) الإنسان الآية (٢٠).\n(٢) النشر (١/ ٢٩).\n(٣) شذرات الذهب (٧/ ٢٢٠ - ٢٢٢) والبدر الطالع (١/ ١٤٢ - ١٤٥) وإنباء الغمر (٨/ ٣٠٩) والضوء اللامع (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٥).","vol":"8","page":467},{"text":"الله إماما في الفقه والعربية والمنطق والأصول، وله اليد الطولى في الأدب نظما ونثرا، وكان متفردا بالذكاء وقوة الفهم وجودة الفكر، وكان ينكر نحلة ابن عربي وأتباعه، وبينه وبين متبعيه معارك وله في ذلك رسالتان وقصائد كثيرة.\nتوفي سنة سبع وثلاثين وثمانمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2964>موقفه من المشركين:</span>\nلهذا الإمام قصيدة من أجمل القصائد في بيان زندقة ابن عربي وكفره، وهي قصيدة بليغة، ينبغي لمن وقف عليها أن يحفظها حتى تكون زندقة هذا الضال معروفة محفوظة. وإليك بعض القصيدة منقولا من العقد الثمين.\nقال التقي الفاسي: وقد بين شيخنا فاضل اليمن شرف الدين إسماعيل ابن أبي بكر المعروف بابن المقري الشافعي من حال ابن عربي مالم يبينه غيره، لأن جماعة من صوفية زبيد أوهموا من ليس له كثير نباهة علو مرتبة ابن عربي ونفي العيب عن كلامه. وذكر ذلك شيخنا ابن المقري مع شيء من حال الصوفية المشار إليهم في قصيدة طويلة من نظمه فقال فيما أنشدنيه إجازة (١):\nألا يا رسول الله غارة ثائر ... غيور على حرماته والشعائر\nيحاط بها الإسلام ممن يكيده ... ويرميه من تلبيسه بالفواقر\nفقد حدثت بالمسلمين حوادث ... كبار المعاصي عندها كالصغائر ...\nحوتهن كتب حارب الله ربها ... وغر بها من غر بين الحواضر\nتجاسر فيها ابن العريبي واجترى ... على الله فيما قال كل التجاسر\nوقال بأن الرب والعبد واحد ... فربي مربوبي بغير تعاير\n_________\n(١) العقد الثمين (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٨).","vol":"8","page":468},{"text":"وأنكر تكليفا إذ العبد عنده ... إله وعبد فهو إنكار حائر\nوخطأ إلا من يرى الخلق صورة ... وهوية لله عند التناظر\nوقال تجلى الحق في كل صورة ... تجلى عليها فهي إحدى المظاهر\nوأنكر أن الله يغني عن الورى ... ويغنون عنه لاستواء المقادر\nكما ظل في التهليل يهزا بنفيه ... وإثباته مستجملا للمغاير\nوقال الذي ينفيه عين الذي ... أتى به مثبتا لا غير عند التجاور\nفأفسد معنى ما به الناس أسلموا ... وألغاه إلغا بينات التهاتر\nفسبحان رب العرش عما يقوله ... أعاديه من أمثال هذي الكبائر\nفقال عذاب الله عذب وربنا ... ينعم في نيرانه كل فاجر\nوقال بأن الله لم يعص في الورى ... فما ثم محتاج لعاف وغافر\nوقال مراد الله وفق لأمره ... فما كافر إلا مطيع الأوامر\nوكل امرئ عند المهيمن مرتضى ... سعيد فما عاص لديه بخاسر\nوقال يموت الكافرون جميعهم ... وقد آمنوا غير المفاجا المبادر\nوما خص بالإيمان فرعون وحده ... لدى موته بل عم كل الكوافر\nفكذبه يا هذا تكن خير مؤمن ... وإلا فصدقه تكن شر كافر\nوأثنى على من لم يجب نوحا إذ دعا ... إلى ترك ود أو سواع وناسر\nوسمى جهولا من يطاوع أمره ... على تركها قول الكفور المجاهر\nولم ير بالطوفان إغراق قومه ... ورد على من قال رد المناكر\nوقال بلى قد أغرقوا في معارف ... من العلم والباري لهم خير ناصر\nكما قال فازت عاد بالقرب واللقا ... من الله في الدنيا وفي اليوم الآخر","vol":"8","page":469},{"text":"وقد أخبر الباري بلعنته لهم ... وإبعادهم فاعجب له من مكابر\nوصدق فرعونا وصحح قوله: ... أنا الرب الأعلى وارتضى كل سامر\nوأثنى على فرعون بالعلم والذكا ... وقال بموسى عجلة المتدابر\nوقال خليل الله في الذبح واهم ... ورؤيا ابنه تحتاج تعبير عابر\nيعظم أهل الكفر والأنبياء ... لا يعاملهم إلا بحط المقادر\nويثني على الأصنام خيرا ولا يرى ... لها عابدا ممن عصى أمر آمر\nوكم من جراءات على الله قالها ... وتحريف آيات لسوء تفاسر\nولم يبق كفرا لم يلابسه عامدا ... ولم يتورط فيه غير محاذر\nوقال سيأتينا من الصين خاتم ... من الأولياء للأولياء الأكابر\nله رتبة فوق النبي ورتبة ... له دونه فاعجب لهذا التنافر\nفرتبته العليا تقول لأخذه ... عن الله لا وحيا بتوسيط آخر\nورتبته الدنيا تقول لأنه ... من التابعية في الأمور الظواهر\nوقال اتباع المصطفى ليس واضعا ... لمقداره الأعلى وليس بحاقر\nفإن تدن منه لاتباع فإنه ... يرى منه أعلى من وجوه أواخر\nترى حال نقصان له في اتباعه ... لأحمد حتى جا بهذه المعاذر\nفلا قدس الرحمان شخصا يحبه ... على ما يرى من قبح هذي المخابر\nوقال بأن الأنبياء جميعهم ... بمشكاة هذا تستضى في الدياجر\nوقال فقال الله بي بعد مدة ... بأنك أنت الختم رب المفاخر\nأتاني ابتدا بيضاء سطر ربنا ... بإنفاذه في العالمين أو أمري\nوقال فلا تشغلك عني ولاية ... وكن كل شهر طول عمرك زائري","vol":"8","page":470},{"text":"فرفدك أجزلنا وقصدك لم يخب ... لدينا فهل أبصرت يابن الأخاير\nبأكذب من هذا وأكفر في الورى ... وأجرا على غشيان هذى الفواطر\nفلا يدعوا من صدقوه ولاية ... وقد ختمت فليؤخذوا بالأقادر\nفيا لعباد الله ماثم ذو حجا ... به بعض تمييز بقلب وناظر\nإذا كان ذو كفر مطيعا كمؤمن ... فلا فرق فينا بين بر وفاجر\nكما قال هذا إن كل أوامر ... من الله جاءت فهي وفق المقادر\nفلم بعثت رسل وسنت شرائع ... وأنزل الله بهذي الزواجر\nأيخلع منكم ربقة الدين عاقل ... بقول غريق في الضلالة حائر\nويترك ما جاءت به الرسل من هدى ... لأقوال هذا الفيلسوف المغادر\nفيا محسني ظنا بما في 'فصوصه' ... وما في فتوحات الشرور الدوائر\nعليكم بدين الله لا تصبحوا غدا ... مساعر نار قبحت من مساعر\nفليس عذاب الله عذبا كمثل ما ... يمنيكم بعض الشيوخ المدابر\nولكن أليم مثل ما قال ربنا ... به الجلد إن ينضج يبدل بآخر\nغدا يعلمون الصادق القول منهما ... إذا لم يتوبوا اليوم علم مباشر\nويبدو لكم غير الذي يعدونكم ... بأن عذاب الله ليس بضائر\nويحكم رب العرش بين محمد ... ومن سن علم الباطل المتهاتر\nومن جا بدين مفترى غير دينه ... فأهلك أغمارا به كالأباقر\nفلا تخدعن المسلمين عن الهدى ... وما للنبي المصطفى من مآثر\nولا تؤثروا غير النبي على النبي ... فليس كنور الصبح ظلما الدياجر\nدعو كل ذي قول لقول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر","vol":"8","page":471},{"text":"وأما رجالات الفصوص فإنهم ... يعومون في بحر من الكفر زاخر\nإذا راح بالربح المتابع أحمدا ... على هديه راحوا بصفقة خاسر\nسيحكي لهم فرعون في دار خلده ... بإسلامه المقبول عند التجاور\nويا أيها الصوفي خف من فصوصه وخذ نهج سهل والجنيد وصالح ... خواتم سوء غيرها في الخناصر\nعلى الشرع كانوا ليس فيهم لوحدة ... وقوم مضوا مثل النجوم الزواهر\nرجال رأوا ما لدار دار إقامة ... ولا لحلول الحق ذكر لذاكر\nفأحيوا لياليهم صلاة وبيتوا ... لقوم ولكن بلغة للمسافر\nمخافة يوم مستطير بشره ... بها خوف رب العرش صوم البواكر\nفقد نحلت أجسادهم وأذابها ... عبوس المحيا قمطرير المظاهر\nأولئك أهل الله فالزم طريقهم ... قيام لياليهم وصوم الهواجر\nوعد عن دواعي الابتداع الكوافر\n\nالتعليق:\nقول ابن المقري: وخذ نهج سهل والجنيد وصالح، فيه دعوة إلى اتباع هؤلاء المتصوفة، والواجب الدعوة إلى الاستنان بالنبي - ﷺ - وأصحابه أبرِّ هذه الأمة قلوبا وأعمقِها علما وأقلها تكلفا وبالصالحين بعدهم المتمسكين بهديهم.\n\nابن الوزير (١) (٨٤٠ هـ)\nالشيخ الإمام محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى المعروف بابن\n_________\n(١) البدر الطالع (٢/ ٨١ - ٩٣) وإنباء الغمر (٧/ ٣٧٢) والضوء اللامع (٦/ ٢٧٢) والأعلام (٥/ ٣٠٠) ومقدمة كتاب العواصم والقواصم (١/ ١٢ - ٨١) والتاج المكلل لصديق حسن خان (ص.٣٤٠ - ٣٤٧).","vol":"8","page":472},{"text":"الوزير اليماني. ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة بهجرة الظهراوين من شَظَب شمال غرب صنعاء. نشأ في بيت علم ودين، فقرأ على أخيه الهادي بن إبراهيم ومحمد بن حمزة وعلي بن محمد بن أبي القاسم وغيرهم. اشتغل في أول طلبه بعلم الكلام والجدال ثم تحول إلى علوم الكتاب والسنة فانشرح صدره وصلح أمره. رحل إلى تعز ثم إلى مكة.\nكان ﵀ من أبرز علماء اليمن المجتهدين على الإطلاق، تبحر في جميع العلوم وفاق الأقران، واشتهر صيته وبعد ذكره وطار علمه في الأقطار. كان بينه وبين بعض علماء عصره منازعات وردود، وذلك لذبه عن سنة النبي - ﷺ - وتمسكه بها، قال ﵀:\nيا حبذا يوم القيامة شهرتي ... بين الخلائق في المقام الأحمد\nلمحبتي سنن الرسول وأنني ... فيها عصيت معنفي ومفندي\nوتركت فيها جيرتي وعشيرتي ... ومحل أترابي وموضع مولدي\nقال أحمد بن عبد الله الوزير: له في علوم الاجتهاد المحل الأعلى، والقدح المعلى، وبلغ مبلغ الأوائل، بل زاد واستدرك، واختار وصنف، وألف وأفاد وجمع وقيد، وبنى وشيد، وكان اجتهاده اجتهادا كاملا مطلقا، لا كاجتهاد بعض المتأخرين. وقال عبد الرحمن العطاب: الإمام الحافظ أبو عبد الله شيخ العلوم وإمامها، ومن في يديه زمامها، قلد فيها وما قلد، وألفى جيد الزمان عاطلا فطوقه بالمحاسن وقلد، صنف في سائر فنونها، وألف كتبا تقدم فيها وما تخلف، وله في حديث النبي - ﷺ - الباع المديد، والشأو البعيد الذي ما عليه مزيد. وقال الحافظ ابن حجر عند ترجمته لأخيه الهادي: وله أخ يقال له","vol":"8","page":473},{"text":"محمد بن إبراهيم مقبل على الاشتغال بالحديث شديد الميل إلى السنة بخلاف أهل بيته.\nقال الإمام الشوكاني: ولو لقيه الحافظ ابن حجر بعد أن تبحر في العلوم لأطال عنان قلمه في الثناء عليه. وقال أيضا: لو قلت: إن اليمن لم ينجب مثله لم أبعد عن الصواب. له مؤلفات عديدة مفيدة منها: 'إيثار الحق على الخلق' وهو آخر مؤلفاته، و'العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم' ومختصره 'الروض الباسم' وغيرها.\nتوفي ﵀ في الرابع والعشرين من محرم سنة أربعين وثمانمائة، وله من العمر أربع وستون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2966>موقفه من المبتدعة:</span>\nفمن مواقفه الطيبة قال في 'إيثار الحق':\n- فإن قيل: فمن أين جاء الاختلاف الشديد؟ فاعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما، فتأمل ذلك بإنصاف وشد عليه يديك. وهذان الأمران الباطلان هما:\nالزيادة في الدين بإثبات ما لم يذكره الله تعالى ورسله ﵈ من مهمات الدين الواجبة.\nوالنقص منه بنفي بعض ما ذكره الله تعالى ورسله من ذلك بالتأويل الباطل. (١)\n- وقال: فاعلم أن معظم ابتداع المبتدعين من أهل الإسلام، راجع إلى\n_________\n(١) إيثار الحق على الخلق (٨٥).","vol":"8","page":474},{"text":"هذين الأمرين الباطلين، الواضح بطلانهما كما تقدم. وهما الزيادة في الدين والنقص منه، ثم يلحق بهما التصرف فيه بالعبارات المبتدعة بعد رسول الله - ﷺ -. (١)\n- وقال: أما الأمر الأول: وهو الزيادة في الدين، فسببه تجويز خلو كتب الله تعالى وسنن رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام عن بيان بعض مهمات الدين اكتفاء بدرك العقول لها، ولو بالنظر الدقيق، ليكون ثبوتها بعد رسول الله - ﷺ - بطريق النظر العقلي. هذا مذهب أهل الكلام، ومذهب أهل الأثر أنه ممنوع. (٢)\n- وقال: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣). واتفق أهل الإسلام على أن المراد بالرد إلى الله ورسوله الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولو لم يكونا وافيين ببيان مهمات الدين ما أمرهم الله بالرجوع إليهما عند الاختلاف. (٤)\n- وقال: والمسلم بالفطرة ينكر هذه البدع، وبالرسوخ في علم الحديث يعلم بالضرورة حدوثها وأن عصر النبوة والصحابة بريء منها. (٥)\n- وقال: بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم والاستحسان لبدعتهم وربما كان أجر ذلك عقوبة على ما اختاروه أول مرة من ذلك كما حكى الله تعالى ذلك في قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ\n_________\n(١) إيثار الحق على الخلق (١٠٠).\n(٢) إيثار الحق على الخلق (١٠٣).\n(٣) النساء الآية (٥٩).\n(٤) إيثار الحق على الخلق (١٠٧).\n(٥) إيثار الحق على الخلق (١٣٠).","vol":"8","page":475},{"text":"بِكُفْرِهِمْ﴾ (١). وهي من عجائب العقوبات الربانية. والمحذرات من المؤاخذات الخفية: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ (٢).\nوقد كثرت الآثار في أن إعجاب المرء بنفسه من المهلكات كما في حديث أبي ثعلبة الخشني عند (د ت) (٣)، وعن ابن عمر مرفوعا: «ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه». (٤)\n_________\n(١) البقرة الآية (٩٣).\n(٢) آل عمران (٥٤).\n(٣) أخرجه: أبو داود (٤/ ٥١٢/٤٣٤١) والترمذي (٥/ ٢٤٠/٣٠٥٨) وقال: \"حسن غريب\". وابن ماجه (٢/ ١٣٣٠ - ١٣٣١/ ٤٠١٤) وابن حبان (٢/ ١٠٨ - ١٠٩/ ٣٨٥ الإحسان) وصححه الحاكم (٤/ ٣٢٢) ووافقه الذهبي.\n(٤) أخرجه من حديث ابن عمر: الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٥١ - ٣٥٢/ ٥٧٥٠) من طريق الوليد بن عبد الواحد التميمي عن ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. وقال الطبراني عقبه: \"لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن جبير إلا عطاء بن دينار، ولا عن عطاء إلا ابن لهيعة، تفرد به الوليد بن عبد الواحد، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد\". وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٩٠ - ٩١) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة ومن لا يعرف\". قال المناوي في الفيض (٣/ ٣٠٨): \"قال العلاء: سنده ضعيف. وعده في الميزان من المناكير\".\n\nوأخرجه من حديث أنس: العقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ٤٤٧) والدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٣/ ٢٥٦ - ٢٦٢/ ٨٩٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٢١٤ - ٢١٥/ ٣٢٥) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٣)، والهروي في ذم الكلام (ص.٣١٠) والخرائطي في مساوئ الأخلاق (ص.١٤٤ حديث رقم:٣٦٧) والبيهقي في الشعب (١/ ٤٧١/٧٤٥) والبزار (كشف الأستار ١/ ٦٠/٨١) وقال: \"قال البزار: وهذا لم يروه هكذا إلا الفضل ولا عنه إلا أيوب\". كلهم من طرق عن أيوب بن عتبة عن الفضل بن بكر العبدي عن قتادة عن أنس عن رسول الله - ﷺ - فذكره. وقال العقيلي عقبه: \"وقد روي عن أنس من غير هذا الوجه وعن غير أنس بأسانيد فيها لين\" وقال قبله: \"الفضل بن بكر العبدي عن قتادة ولا يتابع عليه من وجه يثبت\". وقال أبو نعيم في الحلية: \"هذا حديث غريب من حديث قتادة، ورواه عكرمة بن إبراهيم عن هشام عن يحيى ابن أبي كثير عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه\".\nوقال الذهبي عن الفضل بن بكر في الميزان (٣/ ٣٤٩): \"الفضل بن بكر عن قتادة لا يعرف وحديثه منكر\" ثم ذكر له هذا الحديث. والحديث ضعف إسناده العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١٩٠٢/٣٠١٦).\nوأخرجه: البزار (كشف الأستار ١/ ٥٩ - ٦٠/ ٨٠) وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (١/ ١٠٢/٣٣) و(٢/ ٤٠٣/٥٢٥) والهروي في ذم الكلام (ص.٣١٠ - ٣١١) وأبو نعيم (٦/ ٢٦٨ - ٢٦٩) كلهم من طريق زائدة ابن=","vol":"8","page":476},{"text":"وعن أنس وابن عباس وابن أبي أوفى كلهم عن النبي - ﷺ - وآله مثل\n_________\n= أبي الرقاد عن زياد النميري عن أنس رفعه. وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٩١) وقال بعد عزوه للبزار والطبراني في الأوسط ببعضه: \"وفيه زائدة بن أبي الرقاد وزياد النميري وكلاهما مختلف في الاحتجاج به\".\nوأخرجه: الطبراني في الأوسط (٦/ ٢١٤ - ٢١٥/ ٥٤٤٨) وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٦٣) كلهم من طريق حميد بن الحكم قال: سمعت الحسن، يقول حدثنا أنس بن مالك. قال الطبراني عقبه: \"لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا حميد بن الحكم تفرد به محمد بن عرعرة\". وإسناده ضعيف جدا فإن حميد بن الحكم هذا قال عنه ابن حبان: \"منكر الحديث جدا\".\nوأخرجه: ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/ ٥٦٨/٩٦١) من طريق يغنم بن سالم عن أنس رفعه. ويغنم كان يضع على أنس كما في المجروحين (٢/ ٤٩٨). وقال ابن يونس: \"حدث عن أنس فكذب\". وقال الذهبي كما في الميزان (٤/ ٤٥٩): \"أتى عن أنس بعجائب\".\nوأخرجه من حديث ابن عباس: ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٨٢) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١٩) والهروي في ذم الكلام (ص.٣١١) عن شيبان بن فروخ عن عيسى بن ميمون عن محمد بن كعب عنه بذكر المهلكات فقط. وعيسى هذا الظاهر أنه المديني وهو منكر الحديث كما قال البخاري في التاريخ الكبير (٦/ت:٢٧٨١). وأخرجه: البزار (كشف الأستار ١/ ٦٠/٨٢) من طريق محمد بن عون الخراساني عن محمد بن زيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٩٢) وقال بعد عزوه للبزار: \"وفي سنده محمد بن عون الخراساني وهو ضعيف جدا\".\nوأخرجه من حديث ابن أبي أوفى: البزار (كشف الأستار ١/ ٦٠/٨٣) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٩٢): \"وفي سند ابن أبي أوفى محمد بن عون الخراساني وهو ضعيف جدا\".\nوأخرجه من حديث أبي هريرة: الهروي في ذم الكلام (ص.٣١١) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١/ ١٧٤/٣٤٦) من طريق سعيد بن سعيد عن عبد الله ابن سعيد عن أبيه عنه بذكر المهلكات. وعبد الله بن سعيد متروك واتهم.\nوأخرجه: البيهقي في الشعب (٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣/ ٧٢٥٢) من طريق عبيد الله بن محمد حدثني بكر بن سليم الصواف عن أبي حازم عن الأعرج عن أبي هريرة رفعه بذكر المنجيات والمهلكات. وفيه بكر بن سليم الصواف قال عنه ابن عدي في الكامل: (٢/ ٤٦٢): \"يحدث عن أبي حازم عن سهل بن سعد وعن غيره ما لا يوافقه أحد عليه\". وحديثه هذا من هذا الباب. وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧): \"شيخ يكتب حديثه\". وقال المنذري في الترغيب (١/ ٢٨٦) بعد عزوه للبزار والبيهقي عن أنس: \"وهو مروي عن جماعة من الصحابة، وأسانيده وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال، فهو بمجموعها حسن إن شاء الله تعالى\" ووافقه الشيخ الألباني ﵀ في السلسلة الصحيحة (رقم:١٨٠٢). وهذه الطرق كما ترى كلها شديدة الضعف والجبر إنما يكون في الضعف اليسير والله أعلم.","vol":"8","page":477},{"text":"ذلك، رواها الهيثمي في مجمعه، ودليل العقوبة في ذلك أنك ترى أهل الضلال أشد عجبا وتيها وتهليكا للناس واستحقارا لهم، نسأل الله العفو والمعافاة من ذلك كله. (١)\n- وله قصيدة دالية طويلة يعتز فيها بالتمسك بالكتاب والسنة فمنها:\nقالوا: الأدلة ليس تخفى جملة ... قلنا لهم: ذا قول من لم ينقد\nإن كان للإسلام عشر دعائم ... فانقص من العشر الدعائم أو زد\nتجد الزيادة في الدليل محالة ... والنقص للبرهان أعظم مفسد\nيا لائمي في مذهبي بالله قل ... لم زدت في الإسلام ما لم يعهد\nما للسنين قضت ولم ينطق بذا ... خير البرية مرة في مشهد؟\nأو لم يكن أولى بتبيين الهدى ... والمشكلات لأحمر ولأسود\nما كان أحمد في المرا متدربا ... كلا، ولا للمشكلات بمورد\nبل كان يأمر بالجهاد لكل من ... جحد الدليل وكل باغ معتد\nحتى استقام الدين وانتعش الهدى ... بالمشرفية والقنا المتقصد\nقامت شريعته لكل مجرب ... ماضي المضارب لا يكل مجلد\nوكذاك أهل البيت ما زالوا على ... منهاجه من قائم أو سيد (٢)\n\nإلى أن قال:\nوكذا الصحابة والذين يلونهم ... سل كل تاريخ بذاك ومسند\nوكذلك الفقهاء قالوا وامتحن ... قولي وسل كتب التراجم وانقد\n_________\n(١) إيثار الحق على الخلق (٣٨٥ - ٣٨٦).\n(٢) من مقدمة العواصم والقواصم (١/ ٣٥ - ٣٦).","vol":"8","page":478},{"text":"ما كنت بدعا في الذي قد قلته ... يا لائمي فدع الغواية ترشد\nوإذا أبيت وكنت لا تدري فقم ... عن مجلس العلما وقف بالمربد\nفلأجهرن بما علمت فإن أعش ... أنصح وإن أقضي فغير مخلد\nهذا وما اخترت العتيق لحيرتي ... في الغامضات، ولا لفرط تبلد\nفأنا الذي أفنيت شرخ شبيبتي ... في بحث كل محقق ومجود\nوالافتخار مذمة مني فسل ... عني المشايخ فالمشايخ شهدي\nوإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فافهم فتلك كناية عن سؤددي\nوإذا شككت بأن تلك فضيلة ... فاستقر -ويحك- وصف كل محسد\nفلحسدي ما في الضمائر منهم ... أبدا ولي ما هم عليه حسدي (١)\n\n- وقال في 'الروض الباسم':\nفإذا عرفت هذا تبين لك أن المحدثين هم الذين اختصوا بالذب عن السنن النبوية والمعارف الأثرية، وحموا حماها من أكاذيب الحشوية، وصنفوا كتب الموضوعات، وناقشوا في دقائق الأوهام حفاظ الثقات، وعملوا في ذلك أعمالا عظيمة، وقطعوا فيها أعمارا طويلة، وقسموا الكلام فيه في أربعة فنون:\nأحدها: معرفة العلل.\nوثانيها: معرفة الرجال.\nوثالثها: معرفة علوم الحديث.\n_________\n(١) العواصم والقواصم (١/ ٣٧).","vol":"8","page":479},{"text":"ورابعها: معرفة الحديث وطرقه.\nواشتملت هذه الفنون من المعارف النبوية والقواعد العلمية على ما يضطر كل عارف إلى أنهم أتم الخلق عناية بحماية علم الحديث عن التبديل والتحريف، وأنهم الجهابذة النقاد بعلم المتن والإسناد، فإنهم الذين بينوا أنواع الحديث التي اختلف في قبولها أهل العلم، مثل التدليس والإعضال، والاضطراب والإعلال، والنكارة والإرسال، والوصل والقطع، والوقف والرفع، وغير ذلك من علوم الحديث الغزيرة، وفوائده العزيزة، ولأمر ما سارت تصانيفهم فيه سير الكواكب، وانتفع بكلامهم فيه الولي الصادق والعدو المناصب، والمتهم لهم بحشو الأحاديث واختلاق الأباطيل في الحديث لا يكون من أهل العقول التامة، دع عنك أهل المعارف من الخاصة، وذلك أنه لا خفاء على العاقل أن أئمة الفن لا يكونون هم المتهمين فيه، إذ لو كان كذلك لبطل العلم بالمرة، فإنا لو اتهمنا النحاة في النحو واللغويين في اللغة، والفقهاء في الفقه، والأطباء في الطب لم يتعلم جاهل ولا تداوى مريض. فيا هذا من للحديث إذا ترك أهله؟ فلو عدمت تآليفهم فيه وتحقيقهم لألفاظه ومعانيه، لأظلمت الدنيا على طالبه وأوحشت المسائل على مريده.\nيا هذا، فكر لم سموا أهل الحديث، ولم سمي أهل الكلام بذلك، وكذلك أهل النحو وسائر الفنون؟! فإن كان أهل الحديث قد سموا بذلك عندك مع عدم معرفتهم به وكذبهم فيه فهلا جوزت مثل ذلك في سائر أهل الفنون، بل في سائر أهل الصناعات، بل في جميع أهل الأسماء المشتقات، فيجوز أن يسمى الفقيه نحويا والمتكلم عروضيا والغني فقيرا والصغير كبيرا.","vol":"8","page":480},{"text":"وهذا ما لا يقول به عاقل، ولا يرتضيه أحد من أهل الباطل!!\nومن أحب أن يعرف حق المحدثين واجتهادهم في التحري للمسلمين فليطالع تآليف نقادهم في الرجال والعلل والأحكام، مثل 'ميزان الاعتدال في نقد الرجال' للذهبي، و'التهذيب' للمزي، و'العلل' للدارقطني، و'علوم الحديث' لابن الصلاح وزين الدين العراقي وغير ذلك، ثم ليطالع بعد ذلك كتب الصحاح والسنن لاحظا لما فيها من اختيار أصح الأسانيد، والإشارة إلى مهمات ما يتعلق بالأحاديث من العلل القادحة والمرجحات الواضحة. ثم ليوازن بينها وبين سائر مصنفات الفرق في الحديث، يجد الفرق بين التصانيف واضحا، والبون بين الرجال نازحا، ومن موازين الإنصاف العادلة وأدلة الأوصاف الفاضلة أنك تراهم يضعفون الضعيف من فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ويصدعون بالحق في ذلك، وكذلك يضعفون ما يدل على مذهبهم متى كان ضعيفا، ويضعفون كثيرا من علمائهم إذا كانوا ضعفاء، نصيحة منهم للمسلمين واحتياطا في أمر الدين.\nوهذه إشارة مختصرة دعا إلى ذكرها تعريف من أنكر الجليات، ودافع ما هو كالمعارف الأوليات، إذ من المعلوم أن أهل الحديث اسم لمن عني به وانقطع في طلبه، كما قال بعضهم:\nإن علم الحديث علم رجال ... فإذا جن ليلهم كتبوه ... تركوا الابتداع للاتباع\nوإذا أصبحوا غدوا للسماع\nفهؤلاء هم أهل الحديث من أي مذهب كانوا، وكذلك أهل العربية وأهل اللغة، فإن أهل كل فن هم أهل المعرفة فيه، والتحقيق لألفاظه ومعانيه،","vol":"8","page":481},{"text":"وقد ذكر أئمة الحديث ما يتقضى ذلك، فإنهم يجمعون على أن أبا عبد الله الحاكم بن البيع من أئمة الحديث مع معرفتهم أنه من الشيعة، وقد ذكروا في كتب الرجال كثيرا من أئمة الحديث، ورواة الصحيح منسوبا إلى البدع. وبهذا يزداد قول المعترض بطلانا في نسبة المحدثين إلى الحشوية، ويظهر له أنه قد نسب إلى الحشو جماعة من أهل مذهبه وسائر الفرق، بل نسبة ذلك إلى خير القرون، فإن المتمكن من الآثار النبوية هم خير الفرق الإسلامية، لأنهم أشبه الخلق خلقا وسيرة وعقيدة برسول الله - ﷺ -.\nوالمحدث إن كان مراعيا للسنة مجانبا للبدعة ملاحظا لما كان عليه السلف فهو جدير بإجماع من يعتد به بصحة ما هو عليه وقوة ما استند إليه، وإن كان من بعض الفرق المبتدعة، فهو خير تلك الفرقة وأشبههم خلقا وسيرة برسول الله - ﷺ -، وهذا هو الغالب، ولا عبرة بالنادر ولا بمن ليس من أهل الديانة، فنسبة خير الفرق إلى شر فرقة وتلقيبهم بأخس لقب من التهافت في مهاوي الضلال، والخبط في تيه الوبال.\nويلحق بهذا فائدة تزيد ما ذكرناه تحقيقا وتزيد أئمة الحديث توثيقا، وهي أن من المشهور بتجويز الكذب في الحديث من الحشوية الطائفة المعروفة بالكرامية، وقد يطلق الرازي نسبة هذا إلى الكرامية، وحققه الإمام أبو بكر محمد بن منصور السمعاني فنسبه إلى بعضهم فيما لا يتعلق بالأحكام مما يتعلق بالترغيب والترهيب، والمحدثون براء من هذه الطائفة، وقد تكلموا عليهم في غير كتاب؛ ممن تكلم عليهم الذهبي في 'ميزان الاعتدال' فإنه قال في ترجمة ابن كرام شيخ هذه الطائفة ما لفظه: محمد بن كرام العابد المتكلم،","vol":"8","page":482},{"text":"ساقط الحديث على بدعته، أكثر عن أحمد الجويباري ومحمد بن تميم السعدي وكانا كذابين، قال ابن حبان: خذل حتى التقط من المذاهب أرذلها ومن الأحاديث أوهاها (١). وقال أبو العباس: شهدت البخاري ودفع إليه كتاب من ابن كرام يسأله عن أحاديث، منها الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. فكتب البخاري على ظهر كتابه: من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل. وقال ابن حبان: جعل ابن كرام الإيمان قولا بلا معرفة. وقال ابن حزم: قال ابن كرام: الإيمان قول باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه. قال شيخ أهل الحديث الذهبي: هذا منافق محض في الدرك الأسفل من النار، فإيش ينفع ابن كرام أن نسميه مؤمنا؟ قال الذهبي: وقد سجن ابن كرام لبدعته بنيسابور ثمانية أعوام. وقد سقت أخباره في تاريخي الكبير. انتهى كلامه.\nفيا من لا يفرق بين الحشوى والمحدث، انظر إلى نصوص أئمة الحفاظ في إنكار مذهب ابن كرام في رواية الأحاديث الواهية وفي القول بالإرجاء، وقد نص البخاري على أن راوي الحديث المقدم الذي هو حجة المرجئة يستوجب الضرب الشديد والحبس الطويل، وعن قريب تأتي نسبتك للإرجاء إلى المحدثين، وقل لي من الذي حبس ابن كرام في نيسابور على بدعته، ولمن كانت الشوكة في نيسابور في ذلك العصر وهو بعد المائتين؟ فإن قلت: إنك إنما أسميت المحدثين بالحشوية لكون الحشوية من فرقهم والجامع لهم ردهم لمذهب الشيعة والمعتزلة، قلت: ليس هذا مما يعتذر به، فإن المنصور بالله روى\n_________\n(١) في الأصل: \"أوهاما\" والتصحيح من \"الميزان\".","vol":"8","page":483},{"text":"عن المطرفية وهم من فرق الزيدية أنهم يستجيزون الكذب في الحديث في نصرة ما اعتقدوه حقا، وذكر أنهم صرحوا له بذلك في المناظرة، وقد صح عنهم من البدع ما هو شر من هذا. وكذلك الحسينية قد صح وتواتر عنهم أنهم يفضلون الحسين ابن القاسم العياني على رسول الله - ﷺ -، وهم من فرق الزيدية، والزيدية يكفرون هاتين الطائفتين، فكما لم تلزم الزيدية بشيء من هذه البدع، لقول بعض جهالهم بها مع إنكارهم على من قالها، فكذلك لا يلزم أهل الحديث كل بدعة قيلت في بلادهم وقالها من وافقهم في بعض عقائدهم، فزن الأشياء بالموازين العلمية وتعرف من الحشوية، واحذر أن تكون من هذه الفرقة الغوية، لقبولك لكثير من الأحاديث الفرية، المدسوسة في الأحاديث المروية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2967>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في إيثار الحق على الخلق: وكذلك دلت النصوص المتواترة على وجوب حب أصحاب رسول الله - ﷺ - وآله، ورضي الله عنهم وأرضاهم، وتعظيمهم وتكريمهم، واحترامهم وتوقيرهم، ورفع منزلتهم والاحتجاج بإجماعهم، والاستنان بآثارهم، واعتقاد ما نطق به القرآن الكريم، والذكر الحكيم، من أنهم خير أمة أخرجت للناس وفيهم يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا\n_________\n(١) الروض الباسم (ص.١٨٠ - ١٨٤)","vol":"8","page":484},{"text":"مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (١) الآية. (٢)\n- وجاء في الروض الباسم عنه قال: فإن قلت: فما الفرق بين مذهب الشيعة وأهل الحديث في الصحابة؟ قلت: من وجوه:\nالأول: في الخلافة وهو معروف.\nوالثاني: أن أهل الحديث يحملون من أظهر التأويل من الصحابة على أنه متأول.\nالثالث: أن أهل الحديث لا يكرهون العاصي من الصحابة، وإنما يكرهون معصيته، ويحبونه لإسلامه وصحبته، ويترحمون عليه ويترضون عنه ويذكرون ما له من الفضائل ولا يسبونه ولا يؤذونه، وتفصيل المقاصد والحجج مما لا يتسع له هذا الموضع. (٣)\n- وقال عند قوله - ﷺ - لعلي بن أبي طالب: «لايحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق» (٤): على أن بغض علي ﵁ إنما كان علامة للنفاق في أول الإسلام، فإن المنافقين كانوا يبغضون من فيه قوة على الحرب لكراهتهم لقوة الإسلام، ولذلك جاء في الحديث أيضا: إن بغض الأنصار علامة النفاق (٥) لهذا المعنى، وكذلك حبهم وحب علي كان في ذلك\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) إيثار الحق على الخلق (ص.٤١٧).\n(٣) الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم (ص.١٩١ - ١٩٢).\n(٤) تقدم تخريجه ضمن مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٥) أحمد (٣/ ١٣٤،٢٤٩) والبخاري (١/ ٨٥/١٧) ومسلم (١/ ٨٥/٧٤).","vol":"8","page":485},{"text":"الزمان علامة للإيمان لهذا المعنى.\nوأما في الأعصار المتأخرة عن أول الإسلام فلا يدل على ذلك، فإن الخوارج يبغضون عليا ويكفرونه، مع الإجماع على أنهم غير منافقين وأن ذنبهم عظيم، ومروقهم من الإسلام منصوص، والباطنية يحبونه مع الإجماع على كفرهم، وكذلك الروافض يحبونه مع ضلالهم وفسوقهم نعوذ بالله. (١)\n\nسبط ابن العجمي إبراهيم بن محمد أبو الوفاء (٢) (٨٤١ هـ)\nبرهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل سبط ابن العجمي الطرابلسي، الشيخ الإمام الحافظ الحلبي الشافعي. ولد سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة بالجلوم، مات أبوه وهو صغير جدا فكفلته أمه، وحفظ القرآن وقرأ القراءات على عدة شيوخ. سمع من الحافظ ابن المحب وصلاح الدين ابن أبي عمر والحافظ زين الدين العراقي وغيرهم. وسمع منه ابن حجر وابن ناصر الدين وغيرهما.\nقال البقاعي: إنه كان على طريقة السلف في التوسط في العيش وفي الانقطاع عن الناس لا سيما أهل الدنيا، عالما بغريب الحديث، شديد الاطلاع على المتون، بارعا في معرفة العلل، إذا حفظ شيئا لا يكاد يخرج من ذهنه. وقال السخاوي: كان إماما علامة حافظا خيرا دينا ورعا متواضعا،\n_________\n(١) الروض الباسم (ص.٢١٥ - ٢١٦).\n(٢) الضوء اللامع (١/ ١٣٨ - ١٤٥) والبدر الطالع (١/ ٢٨ - ٣٠) وشذرات الذهب (٧/ ٢٣٧ - ٢٣٨) والأعلام (١/ ٦٥).","vol":"8","page":486},{"text":"وافر العقل حسن الأخلاق.\nألف التآليف المفيدة الحسنة الدالة على سعة علمه واطلاعه. توفي ﵀ سنة إحدى وأربعين وثمانمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2969>موقفه من المبتدعة:</span>\nدفاعه عن شيخ السلفيين في وقته وبعده:\nجاء في الضوء اللامع: ولما دخل التقي الحصني (١) حلب، بلغني أنه لم يتوجه لزيارته -أي سبط- لكونه كان ينكر مشافهة على لابسي الأثواب النفيسة على الهيئة المبتدعة وعلى المتقشفين، ولا يعدو حال الناس ذلك. فتحامى قصده. فما وسع الشيخ إلا المجيء إليه. فوجده نائما بالمدرسة الشرفية، فجلس حتى انتبه، ثم سلم عليه فقال له: لعلك التقي الحصني فقال: أنا أبو بكر. ثم سأله عن شيوخه فسماهم له فقال: إن شيوخك الذين سميتهم هم عبيد ابن تيمية أو عبيد من أخذ عنه، فما بالك تحط أنت عليه. فما وسع التقي إلا أن أخذ نعله وانصرف ولم يجسر يرد عليه. ولم يزل على جلالته وعلو مكانته حتى مات مطعونا في يوم الاثنين. سادس عشر شوال سنة إحدى وأربعين بحلب ولم يغب له عقل بل مات وهو يتلو. (٢)\nالتعليق:\n١ - هذا النص يدل دلالة واضحة على حب هذا المحدث الكبير لشيخ الإسلام، فسياق القصة من أولها إلى آخرها يدل على ذلك.\n_________\n(١) كان من الذين يطعنون في ابن تيمية ويصرحون بكفره.\n(٢) الضوء اللامع (١/ ١٤٥).","vol":"8","page":487},{"text":"٢ - عدم ذهابه لزيارة أكبر عدو للسلفية في وقته، على شهرته، واحتفاء أمثاله به. ولو كان من السلفيين لذهب الشيخ إليه، وكان في مقدمة من يستقبله ويعتبر ذلك شرفا له.\n٣ - سؤاله له بتلك الصيغة مما يدل على احتقاره له وعدم المبالاة به.\n٤ - عدم الاعتراف بشيوخ المخرف وأنهم في مرتبة العبيد، أو أقل.\n٥ - المقارنة بين شيوخ المخرف ونسبتهم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية.\n٦ - تأنيبه للمخرف وأن هذا الفعل الذي يفعله لا يليق به، وأن قدر شيخ الإسلام لا يدانيه مثل هذا المخرف.\n٧ - إغلاظه القول للمخرف فانصرف ذليلا حقيرا.\n\nابن ناصر الدين الدمشقي (١) (٨٤٢ هـ)\nالشيخ المحدث أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الدمشقي الشافعي الشهير بابن ناصر الدين. ولد في العشر الأول من المحرم سنة سبع وسبعين وسبعمائة بدمشق وبها نشأ وحفظ القرآن وعدة متون في صغره، وحبب إليه علم الحديث، فوجه همته إليه وعكف ليله ونهاره عليه. سمع من بدر الدين بن قوام ومحمد بن عوض الابناسي وقرأ على ابن حجر وقرأ ابن حجر عليه. وأجاز له من القاهرة الحافظ الزين العراقي والسراج ابن الملقن وغيرهما.\nكان إماما علامة حافظا كثير الحياء سليم الصدر حسن الأخلاق دائم\n_________\n(١) شذرات الذهب (٧/ ٢٤٣ - ٢٤٤) والبدر الطالع (٢/ ١٩٨ - ١٩٩) والضوء اللامع (٨/ ١٠٣ - ١٠٦) والنجوم الزاهرة (١٥/ ٤٦٥) والأعلام (٦/ ٢٣٧) وجلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص.٤٠).","vol":"8","page":488},{"text":"الفكر متواضعا محببا إلى الناس حسن البشر والود لطيف المحاضرة والمحادثة بحيث لا تمل مجالسته. ذكره المقريزي فقال: طلب الحديث فصار حافظ بلاد الشام بغير منازع، وصنف عدة مصنفات، ولم يخلف في الشام بعده مثله. وأثنى عليه البرهان الحلبي بقوله: الشيخ الإمام المحدث الفاضل الحافظ، إلى أن قال: وقد اجتمعت به فوجدته رجلا كيسا متواضعا من أهل العلم وهو الآن محدث دمشق وحافظها. وقال المحب بن نصر الله: لم يكن بالشام في علم الحديث آخر مثله ولا قريب منه.\nخرج في ربيع الثاني سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة مع جماعة لقسم قرية من قرى دمشق، فسمهم أهلها، فتوفي ودفن بمقابر العقيبة عند والده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2971>موقفه من المبتدعة:</span>\n- ' الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر'، والكتاب مطبوع متداول. جمع فيه من أقوال فحول العلماء الذين شهدوا لشيخ الإسلام بالإمامة والفضل.\n- 'إتحاف السامع بافتتاح الجامع في فضل الحديث وأهله'، ذكره في كشف الظنون (١) وقال: ذكر فيه فضل الحديث وأهله وفضل الصحيحين وتدريسه. أوله: \"الحمد لله الذي افتتح كتابه بعد ذكر اسمه .. \" وذكره البغدادي في هدية العارفين. (٢)\nمن مواقفه الطيبة ما جاء في الرد الوافر:\n_________\n(١) (١/ ٦).\n(٢) (٢/ ١٩٣).","vol":"8","page":489},{"text":"- قال: فالواجب على كل مسلم اتباع السنة المحمدية، واقتفاء الآثار النبوية الأحمدية، التي منها: التمسك بسنة الخلفاء الراشدين، والتبرك (١) بآثار الأئمة المهديين، ولقد أقام الناس على ذلك بعد عصر النبوة زمانا، تابعين للشريعة النبوية احتسابا وإيمانا. كما أشار إليه الإمام أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي في كتاب: 'الحجة'، فقال: وقد كان الناس على ذلك زمانا بعده، إذ كان فيهم العلماء، وأهل المعرفة بالله من الفهماء، من أراد تغيير الحق منعوه، ومن ابتدع بدعة زجروه، وإن زاغ عن الواجب قوموه، وبينوا له رشده وفهموه، فلما ذهب العلماء من الحكماء ركب كل أحد هواه، فابتدع ما أحب وارتضاه، وناظر أهل الحق عليه، ودعاهم بجهله إليه، وزخرف لهم القول بالباطل فتزين به، وصار ذلك عندهم دينا يكفر من خالفه، ويلعن من باينه، وساعده على ذلك من لا علم له من العوام، ويوقع به الظنة والاتهام، ووجد على ذلك الجهال أعوانا، ومن أعداء العلم أخدانا، أتباع كل ناعق، ومجيب كل زاعق، لا يرجعون فيه إلى دين، ولا يعتمدون على يقين، قد تمكنت لهم به الرئاسة، فزادهم ذلك في الباطل نفاسة، تزينوا به للعامة، ونسوا شدائد يوم الطامة.\nثم روى الشيخ نصر بإسناده إلى محمد بن عبد الله ابن أبي الثلج، قال: حدثنا الهيثم بن خارجة، ثنا هيثم بن عمران العبسي، سمعت إسماعيل بن عبيد الله المخزومي يقول: ينبغي لنا أن نتحفظ ما جاءنا عن رسول الله - ﷺ -، فإن الله عز\n_________\n(١) لعله يقصد الاهتداء بما أثر عن الأئمة المهديين وهو الموافق لسياق الكلام.","vol":"8","page":490},{"text":"وجل قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) فهو بمنزلة القرآن. (٢)\n\nتقي الدين المقريزي (٣) (٨٤٥ هـ)\nالإمام المؤرخ أحمد بن علي بن عبد القادر أبو العباس تقي الدين الحسيني العبيدي، البعلي الأصل، القاهري المقريزي -نسبة لحارة في بعلبك تعرف بحارة المقارزة. ولد سنة ست وستين وسبعمائة بالقاهرة. نشأ نشأة حسنة، فحفظ القرآن وسمع من جماعة من الشيوخ كالآمدي والبلقيني والعراقي والهيثمي والتنوخي وغيرهم. ولي الحسبة والخطابة والإمامة مرات في القاهرة. كان إماما بارعا مفننا متقنا ضابطا دينا خيرا محبا لأهل السنة يميل إلى الحديث والعمل به حتى نسب إلى الظاهر، حسن الصحبة حلو المحاضرة. وكان متبحرا في التاريخ على اختلاف أنواعه، ومؤلفاته تشهد له بذلك. قال السخاوي: وقد قرأت بخطه أن تصانيفه زادت على مائتي مجلدة كبار، وأن شيوخه بلغت ستمائة نفس. وقال الحافظ ابن حجر: له النظم الفائق، والنثر الرائق، والتصانيف الباهرة، وخصوصا في تاريخ القاهرة، فإنه أحيا معالمها وأوضح مجاهلها، وجدد مآثرها وترجم أعيانها. وقال أيضا: أولع بالتاريخ\n_________\n(١) الحشر الآية (٧).\n(٢) (ص.٢٩ - ٣٠).\n(٣) شذرات الذهب (٧/ ٢٥٤ - ٢٥٥) والبدر الطالع (١/ ٧٩) وإنباء الغمر (٩/ ١٧٠ - ١٧٢) والضوء اللامع (٢/ ٢١ - ٢٥) والأعلام (١/ ١٧٧ - ١٧٨).","vol":"8","page":491},{"text":"فجمع منه شيئا كثيرا وصنف فيه كتبا، وكان لكثرة ولعه به يحفظ كثيرا منه. توفي ﵀ سنة خمس وأربعين وثمانمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2973>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال في الخطط: القسم الثاني: فرق أهل الإسلام الذين عناهم النبي - ﷺ - بقوله: «ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة: ثنتان وسبعون هالكة وواحدة ناجية» وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (١) ... واعلم أن فرق المسلمين خمسة: أهل السنة والمرجئة والمعتزلة والشيعة والخوارج، وقد افترقت كل فرقة منها على فرق. فأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا ونبذ يسيرة من الاعتقادات، وبقية الفرق الأربع منها من يخالف أهل السنة الخلاف البعيد، ومنهم من يخالفهم الخلاف القريب فأقرب فرق المرجئة من قال: الإيمان إنما هو التصديق بالقلب واللسان معا فقط، وأن الأعمال إنما هي فرائض الإيمان وشرائعه فقط، وأبعدهم أصحاب جهم بن صفوان ومحمد بن كرام. وأقرب فرق المعتزلة أصحاب الحسين النجار وبشر بن غياث المريسي، وأبعدهم أصحاب أبي الهذيل العلاف وأقرب مذاهب الشيعة أصحاب الحسن ابن صالح بن حي، وأبعدهم الإمامية؛ وأما الغالية فليسوا بمسلمين ولكنهم أهل ردة وشرك. وأقرب فرق الخوارج أصحاب عبد الله بن يزيد الإباضي،\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف يوسف بن أسباط سنة (١٩٥هـ).","vol":"8","page":492},{"text":"وأبعدهم الأزارقة. وأما البطيخية ومن جحد شيئا من القرآن أو فارق الإجماع من العجاردة وغيرهم فكفار بإجماع الأمة. وقد انحصرت الفرق الهالكة في عشر طوائف -ثم ذكرها-. (١)\n- وقال: والحق الذي لا ريب فيه أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجوهر لا سر تحته، وهو كله لازم كل أحد لا مسامحة فيه، ولم يكتم رسول الله - ﷺ - من الشريعة ولا كلمة، ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو ولد عمٍّ على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده - ﷺ - سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه؛ ولو كتم شيئا لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر بإجماع الأمة. وأصل كل بدعة في الدين البعد عن كلام السلف والانحراف عن اعتقاد الصدر الأول. (٢)\n- وقال: واعلم أنك إذا تأملت جميع طوائف الضلال والبدع وجدت أصل ضلالهم راجعا إلى شيئين:\nأحدهما: الظن بالله ظن السوء.\nوالثاني: لم يقدروا الرب حق قدره. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2974>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في الخطط له: هذا وقد كان المأمون عبد الله بن هارون الرشيد سابع خلفاء بني العباس ببغداد لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى بلاد الروم\n_________\n(١) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار \"المعروف بالخطط المقريزية\" (٢/ ٣٤٥).\n(٢) الخطط (٢/ ٣٦٢).\n(٣) تجريد التوحيد المفيد (ص.٤٩ - ٥٠).","vol":"8","page":493},{"text":"من عرَّب له كتب الفلاسفة وأتاه بها في أعوام بضع عشرة سنة ومائتين من سني الهجرة، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجر على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفرا إلى كفرهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2975>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في الخطط: وقام في زمنه -أي علي بن أبي طالب﵁ عبد الله بن وهب بن سبأ المعروف بابن السوداء السبأي، وأحدث القول بوصية رسول الله - ﷺ - لعلي بالإمامة من بعده، فهو وصي رسول الله - ﷺ - وخليفته على أمته من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي بعد موته إلى الدنيا، وبرجعة رسول الله - ﷺ - أيضا، وزعم أن عليا لم يقتل وأنه حي، وأن فيه الجزء الإلهي، وأنه هو الذي يجيء في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، وأنه لابد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا. ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة وصاروا يقولون بالوقف يعنون أن الإمامة موقوفة على أناس معينين، كقول الإمامية بأنها في الأئمة الاثني عشر، وقول الإسماعلية بأنها في ولد إسماعيل بن جعفر الصادق. وعنه أيضا أخذوا القول بفيئة الإمام والقول برجعته بعد الموت إلى الدنيا كما تعتقده الإمامية إلى اليوم في صاحب السرداب، وهو القول بتناسخ الأرواح. وعنه أخذوا أيضا القول بأن الجزء\n_________\n(١) الخطط (٢/ ٣٥٧).","vol":"8","page":494},{"text":"الإلهي يحل في الأئمة بعد علي بن أبي طالب، وأنهم بذلك استحقوا الإمامة بطريق الوجوب كما استحق آدم ﵇ سجود الملائكة، وعلى هذا الرأي كان اعتقاد دعاة الخلفاء الفاطميين ببلاد مصر. وابن سبأ هذا هو الذي أثار فتنة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ حتى قتل كما ذكر في ترجمة ابن سبأ من كتاب التاريخ الكبير المقفى، وكان له عدة أتباع في عامة الأمصار وأصحاب كثيرون في معظم الأقطار، فكثرت لذلك الشيعة وصاروا ضدا للخوارج وما زال أمرهم يقوى وعددهم يكثر. (١)\n- وقال: واعلم أن السبب في خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام، أن الفرس كانت من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسها بحيث أنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب عند الفرس أقل الأمم خطرا تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله تعالى الحق، وكان من قائميهم شنفاد واشنيس والمقفع وبابك وغيرهم، وقبل هؤلاء رام ذلك عمار الملقب خداشا، وأبو مسلم السروح، فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع. فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله - ﷺ -، واستبشاع ظلم علي بن أبي طالب ﵁، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى. فقوم أدخلوهم إلى القول بأن رجلا ينتظر يدعى المهدي\n_________\n(١) الخطط (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧).","vol":"8","page":495},{"text":"عنده حقيقة الدين، إذ لا يجوز أن يؤخذ الدين عن كفار إذ نسبوا أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى الكفر. وقوم خرجوا إلى القول بادعاء النبوة لقوم سموهم به، وقوم سلكوا بهم إلى القول بالحلول وسقوط الشرائع، وآخرون تلاعبوا بهم فأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كل يوم وليلة، وآخرون قالوا: بل هي سبع عشرة صلاة في كل صلاة خمس عشرة ركعة، وهو قول عبد الله بن عمرو بن الحارث الكندي قبل أن يصير خارجيا صفريا. وقد أظهر عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي الإسلام، ليكيد أهله، فكان هو أصل إثارة الناس على عثمان بن عفان ﵁، وأحرق علي ﵁ منهم طوائف أعلنوا بإلهيته، ومن هذه الأصول حدثت الإسماعيلية والقرامطة.\nوالحق الذي لا ريب فيه أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه وجوهر لا سر تحته، وهو كله لازم كل أحد لا مسامحة فيه، ولم يكتم رسول الله - ﷺ - من الشريعة ولا كلمة، ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو ولد عم على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده - ﷺ - سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتم شيئا لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا، فهو كافر بإجماع الأمة. وأصل كل بدعة في الدين البعد عن كلام السلف والانحراف عن اعتقاد الصدر الأول، حتى بالغ القدري في القدر، فجعل العبد خالقا لأفعاله، وبالغ الجبري في مقابلته، فسلب عنه الفعل والاختيار، وبالغ المعطل في التنزيه فسلب عن الله تعالى صفات الجلال ونعوت الكمال، وبالغ المشبه في مقابلته، فجعله كواحد من البشر، وبالغ المرجئ في سلب العقاب، وبالغ المعتزلي في التخليد في العذاب،","vol":"8","page":496},{"text":"وبالغ الناصبي في دفع علي ﵁ عن الإمامة، وبالغت الغلاة حتى جعلوه إلها، وبالغ السني في تقديم أبي بكر ﵁، وبالغ الرافضي في تأخيره حتى كفره، وميدان الظن واسع وحكم الوهم غالب، فتعارضت الظنون وكثرت الأوهام وبلغ كل فريق في الشر والعناد والبغي والفساد إلى أقصى غاية وأبعد نهاية، وتباغضوا وتلاعنوا، واستحلوا الأموال واستباحوا الدماء، وانتصروا بالدول، واستعانوا بالملوك، فلو كان أحدهم إذا بالغ في أمر نازع الآخر في القرب منه، فإن الظن لا يبعد عن الظن كثيرا، ولا ينتهي في المنازعة إلى الطرف الآخر من طرفي التقابل، لكنهم أبوا إلا ما قدمنا ذكره من التدابر والتقاطع، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك. (١)\nالتعليق:\nيتلخص من هذه الكلمة المباركة الأمور الآتية:\n١ - السبب في خروج الطوائف عن ملة الإسلام. ومكائد المنافقين الذين أظهروا إسلامهم خداعا.\n٢ - ليس في الإسلام ظاهر وباطن، بل كله ظاهر يشترك في فهمه والعمل به كل على قدر استطاعته.\n٣ - لم يخص الرسول - ﷺ - أحدا بشيء من شرعه، بل بلغه للجميع القريب والبعيد والأحمر والأسود، كلهم سواء. ومن قال غير هذا فهو كافر مرتد.\n٤ - بيان أصل البدع والسبب في وجودها: البعد عن كلام السلف والانحراف عن اعتقاد الصدر الأول.\n_________\n(١) الخطط (٢/ ٣٦٢).","vol":"8","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2976>موقفه من الجهمية:</span>\nهذا المؤرخ الكبير كان من أفاضل علماء زمانه. له اطلاع واسع وباع طويل ومعرفة واسعة بالعقيدة السلفية والخلفية، وقد أبدى في كتابه الخطط إعجابا بالعقيدة السلفية وبين أنها عقيدة الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فقال:\n- فصل: اعلم أن الله سبحانه طلب من الخلق معرفته بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (١) قال ابن عباس وغيره: يعرفون، فخلق تعالى الخلق، وتعرف إليهم بألسنة الشرائع المنزلة، فعرفه من عرفه سبحانه منهم على ما عرفهم فيما تعرف به إليهم، وقد كان الناس قبل إنزال الشرائع ببعثة الرسل ﵈ علمهم بالله تعالى إنما هو بطريق التنزيه له عن سمات الحدوث وعن التركيب وعن الافتقار، ويصفونه سبحانه بالاقتدار المطلق، وهذا التنزيه هو المشهور عقلا، ولا يتعداه عقل أصلا.\nفلما أنزل الله شريعته على رسوله محمد - ﷺ -، وأكمل دينه، كان سبيل العارف بالله أن يجمع في معرفته بالله بين معرفتين إحداهما المعرفة التي تقتضيها الأدلة العقلية والأخرى المعرفة التي جاءت بها الإخبارات الإلهية وأن يرد علم ذلك إلى الله تعالى ويؤمن به وبكل ما جاءت به الشريعة على الوجه الذي أراده الله تعالى من غير تأويل بفكره، ولا تحكم فيه برأيه، وذلك أن الشرائع إنما أنزلها الله تعالى لعدم استقلال العقول البشرية بإدراك حقائق الأشياء على ما\n_________\n(١) الذاريات الآية (٥٦).","vol":"8","page":498},{"text":"هي عليه في علم الله وأنى لها ذلك؟! وقد تقيدت بما عندها من إطلاق ما هنالك، فإن وهبها علما بمراده من الأوضاع الشرعية، ومنحها الإطلاع على حكمه في ذلك كان من فضله تعالى، فلا يضيف العارف هذه المنة إلى فكره، فإن تنزيهه لربه تعالى بفكره يجب أن يكون مطابقا لما أنزله سبحانه على لسان رسوله - ﷺ - من الكتاب والسنة وإلا فهو تعالى منزه عن تنزيه عقول البشر بأفكارها، فإنها مقيدة بأوطارها، فتنزيهها كذلك مقيد بحسبها، وبموجب أحكامها وآثارها، إلا إذا خلت عن الهوى فإنها حينئذ يكشف الله لها الغطاء عن بصائرها ويهديها إلى الحق فتنزه الله تعالى عن التنزيهات العرفية بالأفكار العادية، وقد أجمع المسلمون قاطبة على جواز رواية الأحاديث الواردة في الصفات ونقلها وتبليغها من غير خلاف بينهم في ذلك، ثم أجمع أهل الحق منهم على أن هذه الأحاديث مصروفة عن احتمال مشابهة الخلق، لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١)\nولقول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ وهذه السورة يقال لها سورة الإخلاص، وقد عظم رسول الله - ﷺ - شأنها ورغب أمته في تلاوتها حتى جعلها تعدل ثلث القرآن، من أجل أنها شاهدة بتنزيه الله تعالى وعدم الشبه والمثل له سبحانه، وسميت سورة الإخلاص لاشتمالها على إخلاص التوحيد لله عن أن\n_________\n(١) الشورى الآية (١١) ..","vol":"8","page":499},{"text":"يشوبه ميل إلى تشبيهه بالخلق، وأما الكاف التي في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فإنها زائدة وقد تقرر أن الكاف والمثل في كلام العرب أتيا للتشبيه، فجمعهما الله تعالى ثم نفى بهما عنه ذلك، فإذا ثبت إجماع المسلمين على جواز رواية هذه الأحاديث ونقلها، مع إجماعهم على أنها مصروفة عن التشبيه، لم يبق في تعظيم الله تعالى بذكرها إلا نفي التعطيل، لكون أعداء المرسلين سموا ربهم سبحانه أسماء؛ نفوا فيها صفاته العلا، فقال قوم من الكفار: هو طبيعة، وقال آخرون منهم: هو علة، إلى غير ذلك من إلحادهم في أسمائه سبحانه.\nفقال رسول الله - ﷺ - هذه الأحاديث المشتملة على ذكر صفات الله العلا، ونقلها عنه أصحابه البررة، ثم نقلها عنهم أئمة المسلمين حتى انتهت إلينا، وكل منهم يرويها بصفتها من غير تأويل لشيء منها، مع علمنا أنهم كانوا يعتقدون أن الله ﷾ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ ففهمنا من ذلك أن الله تعالى أراد بما نطق به رسوله - ﷺ - من هذه الأحاديث، وتناولها عنه الصحابة ﵃ وبلغوها لأمته، أن يغص بها في حلوق الكافرين، وأن يكون ذكرها نكتا في قلب كل ضال معطل مبتدع، يقفو أثر المبتدعة من أهل الطبائع وعباد العلل، فلذلك وصف الله تعالى نفسه الكريمة بها في كتابه، ووصفه رسول الله - ﷺ - أيضا بما صح عنه وثبت، فدل على أن المؤمن إذا اعتقد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، كان ذكره","vol":"8","page":500},{"text":"لهذه الأحاديث تمكين الإثبات، وشجا في حلوق المعطلة. وقد قال الشافعي ﵀: الإثبات أمكن؛ نقله الخطابي. ولم يبلغنا عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم أنهم أولوا هذه الأحاديث، والذي يمنع من تأويلها إجلال الله تعالى عن أن تضرب له الأمثال، وأنه إذا أنزل القرآن بصفة من صفات الله كقوله سبحانه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) فإن نفس تلاوة هذا يفهم منها السامع المعنى المراد به، وكذا قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٢) عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إياه إلى البخل.\nفقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فإن نفس تلاوة هذا، مبينة للمعنى المقصود، وأيضا فإن تأويل هذه الأحاديث يحتاج أن يضرب لله تعالى فيها المثل، نحو قولهم في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٣) الاستواء الاستيلاء كقولك استوى الأمير على البلد وأنشدوا:\nقد استوى بشر على العراق\nفلزمهم تشبيه الباري تعالى ببشر، وأهل الإثبات نزهوا جلال الله عن أن يشبهوه بالأجسام حقيقة ولا مجازا، وعلموا مع ذلك أن هذا النطق يشتمل على كلمات متداولة بين الخالق وخلقه، وتحرجوا أن يقولوا مشتركة لأن الله لا شريك له، ولذلك لم يتأول السلف شيئا من أحاديث الصفات مع\n_________\n(١) الفتح الآية (١٠).\n(٢) المائدة الآية (٦٤).\n(٣) طه الآية (٥).","vol":"8","page":501},{"text":"علمنا قطعا أنها عندهم مصروفة عما يسبق إليه ظنون الجهال من مشابهتها لصفات المخلوقين، وتأمل تجد الله تعالى لما ذكر المخلوقات المتولدة من الذكر والأنثى في قوله سبحانه: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ (١) علم سبحانه ما يخطر بقلوب الخلق فقال عز من قائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢).اهـ (٣)\nالتعليق:\nيتلخص من هذه العقيدة المباركة الأمور الآتية:\n١ - سلفية الشيخ ودفاعه عن العقيدة السلفية، وأنها هي الأصل، وهي الموافقة للفطرة السليمة. وما سوى ذلك طارئ وحادث.\n٢ - معرفة الله بالفطرة والشرائع مفصلة ومبية لذلك.\n٣ - آيات الصفات وأحاديثها جاءت ردا على المعطلة والملاحدة في القديم والحديث، وهي العمدة في معرفة الله، فهي ترد وهم الطبائعيين وخيالات المتفلسفين وأوهام المعطلين.\n٤ - لازم التأويل التشبيه، ولا يمكن أن يكون تأويل إلا بذلك.\n- وفيها أيضا: اعلم أن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه محمدا - ﷺ -\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) الخطط (٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢).","vol":"8","page":502},{"text":"رسولا إلى الناس جميعا، وصف لهم ربهم ﷾ بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه - ﷺ - الروح الأمين، وبما أوحى إليه ربه تعالى؛ فلم يسأله - ﷺ - أحد من العرب بأسرهم قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه - ﷺ - عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر ونهي، وكما سألوه - ﷺ - عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه - ﷺ - في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب، وأحوال القيامة والملاحم والفتن، ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها، ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد - ﷺ -، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات، نعم ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية: من العلم والقدرة، والحياة والإرادة، والسمع والبصر، والكلام والجلال، والإكرام والجود والإنعام، والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقا واحدا، وهكذا أثبتوا ﵃ ما أطلقه الله سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا ﵃ بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل","vol":"8","page":503},{"text":"شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء\nالصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوة محمد - ﷺ - سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئا من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة. (١)\n- وفيها: وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال منذ زمن الحسن بن الحسين البصري ﵀ بعد المائتين من سني الهجرة، وصنفوا فيه مسائل في العدل والتوحيد وإثبات أفعال العباد، وأن الله تعالى لا يخلق الشر، وجهروا بأن الله لا يرى في الآخرة، وأنكروا عذاب القبر على البدن، وأعلنوا بأن القرآن مخلوق محدث، إلى غير ذلك من مسائلهم؛ فتبعهم خلائق في بدعهم، وأكثروا من التصنيف في نصرة مذهبهم بالطرق الجدلية، فنهى أيمة الإسلام عن مذهبهم، وذموا علم الكلام وهجروا من ينتحله، ولم يزل أمر المعتزلة يقوى وأتباعهم تكثر ومذهبهم ينتشر في الأرض. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2977>موقفه من الخوارج:</span>\nقال: وحدث أيضا في زمن الصحابة ﵃ مذهب الخوارج، وصرحوا بالتكفير بالذنب والخروج على الإمام وقتاله، فناظرهم عبد الله بن عباس ﵄ فلم يرجعوا إلى الحق، وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وقتل منهم جماعة كما هو معروف في كتب الأخبار. ودخل في دعوة الخوارج خلق كثير، ورمى جماعة من أئمة الإسلام\n_________\n(١) الخطط (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧).\n(٢) الخطط (٢/ ٣٥٧).","vol":"8","page":504},{"text":"بأنهم يذهبون إلى مذهبهم، وعد منهم غير واحد من رواة الحديث كما هو معروف عند أهله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2978>موقفه من المرجئة:</span>\nقال: واعلم أن العبادة أربع قواعد، وهي: التحقيق بما يحب الله ورسوله ويرضاه، وقيام ذلك بالقلب واللسان والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع، فأصحاب العبادة حقا هم أصحابها.\nفقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله تعالى عن نفسه وأخبر رسوله عن ربه من أسمائه وصفاته وأفعاله، وملائكته ولقائه وما أشبه ذلك.\nوقول اللسان: الإخبار عنه بذلك والدعاء إليه، والذب عنه وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره تعالى وتبليغ أمره.\nوعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه، والإنابة والخوف، والرجاء والإخلاص، والصبر على أوامره ونواهيه، وإقراره والرضاء به وله وعنه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، والإخبات إليه والطمأنينة، ونحو ذلك من أعمال القلوب التي فرضها آكد من فرض أعمال الجوارح، ومستحبها إلى الله تعالى أحب من مستحب أعمال الجوارح.\nوأما أعمال الجوارح فكالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك، فقول العبد في صلواته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ التزام أحكام هذه الأربعة وإقرار بها.\n_________\n(١) الخطط (٢/ ٣٥٦).","vol":"8","page":505},{"text":"وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ طلب الإعانة عليها والتوفيق لها.\nوقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ متضمن للأمرين على التفصيل، وإلهام القيام بهما، وسلوك طريق السالكين إلى الله تعالى، والله الموفق بمنه وكرمه، والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده وآله وصحبه ووارثيه وحزبه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2979>موقفه من القدرية:</span>\nقال ﵀: قضى عصر الصحابة ﵃ على هذا -أي على ما تركهم عليه النبي - ﷺ - من الحق الذي أنزل عليه- إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر وأن الأمر أنفة -أي أن الله تعالى لم يقدر على خلقه شيئا مما هم عليه-. وكان أول من قال بالقدر في الإسلام معبد بن خالد الجهني، وكان يجالس الحسن بن الحسين البصري، فتكلم في القدر بالبصرة، وسلك أهل البصرة مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، وأخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له أبو يونس سنسويه ويعرف بالأسواري. فلما عظمت الفتنة به عذبه الحجاج وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان سنة ثمانين؛ ولما بلغ عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ مقالة معبد في القدر تبرأ من القدرية، واقتدى بمعبد في بدعته هذه جماعة، وأخذ السلف ﵏ في ذم القدرية وحذروا منهم كما هو معروف في كتب الحديث. وكان عطاء بن يسار قاضيا يرى القدر وكان يأتي هو ومعبد\n_________\n(١) تجريد التوحيد المفيد (ص.٨٢ - ٨٤).","vol":"8","page":506},{"text":"الجهني إلى الحسن البصري فيقولان له: إن هؤلاء يسفكون الدماء، ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله، فقال: كذب أعداء الله، فطعن عليه بهذا ومثله. (١)\n\nابن حجر العسقلاني (٢) (٨٥٢ هـ)\nشيخ الإسلام أمير المؤمنين في الحديث حافظ العصر شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجر -وهو لقب لبعض آبائه- الكناني العسقلاني الأصل، المصري المولد والمنشأ، الشافعي. ولد في ثاني عشر شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بالقاهرة ونشأ بها يتيما في كنف أحد أوصيائه الزكي الخروبي. فحفظ القرآن وتولع بالنظم. ثم حبب الله إليه طلب الحديث فأقبل عليه، ورحل من أجله إلى قوص ثم إلى الإسكندرية والحجاز واليمن والشام. ودرس على عدة شيوخ بلغوا ستمائة نفس، منهم: البلقيني وابن الملقن والعراقي والهيثمي ومحمد المنبجي وعدة. واجتمع له من ذلك ما لم يجتمع لغيره. وأدرك من الشيوخ جماعة كل واحد رأس في فنه الذي اشتهر به. تتلمذ عليه السخاوي والسيوطي والديلمي وابن مرزوق وغيرهم.\nمؤلفاته كثيرة مشهورة وصلت إلى أكثر من مائة وخمسين مؤلفا منها: 'شرح البخاري' و'تهذيب التهذيب' و'التقريب' و'الإصابة' و'لسان الميزان'\n_________\n(١) الخطط (٢/ ٣٥٦).\n(٢) النجوم الزاهرة (١٥/ ٥٣٢ - ٥٣٤) والضوء اللامع (٢/ ٣٦ - ٤٠) وفهرس الفهارس (١/ ٣٢١ - ٣٣٧) وحسن المحاضرة (١/ ٣٦٣ - ٣٦٦) والبدر الطالع (١/ ٨٧ - ٩٢) وشذرات الذهب (٧/ ٢٧٠ - ٢٧٣) ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٠ - ٢١).","vol":"8","page":507},{"text":"و'الدرر الكامنة'. وكان رحمه الله تعالى كثير الصوم ملازما للعبادة واقتفاء السلف الصالح، وأوقاته مقسمة للطلبة مع كثرة المطالعة والتصنيف والإفتاء والتدريس. أثنى عليه جمع من أهل العلم، وخصه بعضهم بالترجمة كالإمام السخاوي في كتابه 'الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر'.\nقال البرهان الحلبي: ما رأينا مثله. وقال العلامة التقي الفاسي: هو أحفظ أهل العصر للأحاديث والآثار وأسماء الرجال، المتقدمين منهم والمتأخرين، والعالي من ذلك والنازل، وصنف عدة تصانيف في علل الأحاديث، وبراعته حسنة في الفقه وغيره، ويبدي في دروسه للفقه أشياء حسنة. وقال أيضا: إن الله لا يستحيي من الحق، ما رأينا مثل الشيخ شهاب الدين ابن حجر، قيل له: ولا شيخكم العراقي، قال: ولا العراقي، ﵏. وقال محدث الحجاز نجم الدين بن فهد: كان ﵀ فريد عصره ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال وأحوال الرواة والجرح والتعديل والناسخ والمنسوخ والمشكلات، تشد إليه الرحال في معرفة ذلك.\nتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت ثامن عشر ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2981>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال في شرحه حديث حذيفة: «كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ -","vol":"8","page":508},{"text":"عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني» (١): يؤخذ منه ذم من جعل للدين أصلا خلاف الكتاب والسنة وجعلهما فرعا لذلك الأصل الذي ابتدعوه، وفيه وجوب رد الباطل وكل ما خالف الهدي النبوي ولو قاله من قاله من رفيع أو وضيع. (٢)\n- وقال في شرحه حديث ابن عباس: «أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين ..» (٣): فيه تخطئة من يقيم بين أهل المعصية باختياره لا لقصد صحيح من إنكار عليهم مثلا أو رجاء إنقاذ مسلم من هلكة، وأن القادر على التحول عنهم لا يعذر. (٤)\n- وقال في شرحه حديث عبد الله بن عمر (٥) وذكروا له نجدا فقال - ﷺ -: «هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان»، فأخبر - ﷺ - أن الفتنة تكون من تلك الناحية فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة. (٦)\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٦/ ٧٦٣ - ٧٦٤/ ٣٦٠٦) ومسلم (٣/ ١٤٧٥ - ١٤٧٦/ ١٨٤٧) وابن ماجه (٢/ ١٣١٧/٣٩٧٩) من طريق بسر بن عبيد الله الحضرمي قال: حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: فذكره.\nوأخرجه: أحمد (٥/ ٣٨٦ - ٣٨٧) وأبو داود (٤/ ٤٤٧/٤٢٤٦) وابن حبان (الإحسان ١٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩/ ٥٩٦٣) من طرق عن سليمان بن المغيرة عن حميد عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكري في رهط ... فذكره.\n(٢) الفتح (١٣/ ٣٧).\n(٣) أخرجه: البخاري (١٣/ ٤٧/٧٠٨٥).\n(٤) الفتح (١٣/ ٣٨).\n(٥) أخرجه: أحمد (٢/ ١١٨) والبخاري (٢/ ٦٦٢/١٠٣٧) والترمذي (٥/ ٦٨٩/٣٩٥٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث ابن عون\".\n(٦) الفتح (١٣/ ٤٧).","vol":"8","page":509},{"text":"- وقال: وأما قوله في حديث العرباض (١): «فإن كل بدعة ضلالة» بعد قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور» فإنه يدل على: أن المحدث يسمى بدعة. وقوله: «كل بدعة ضلالة»: قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها، أما منطوقها فكأن يقال: \"حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة\" فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى، فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان، وأنتجتا المطلوب، والمراد بقوله «كل بدعة ضلالة» ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2982>موقفه من المشركين:</span>\n- قال في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٣) ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان أو رضي فهو منهم، ويؤيده أمره - ﷺ - بالإسراع في الخروج من ديار ثمود (٤).اهـ (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2983>موقفه من الرافضة:</span>\nجاء في الفتح:\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٢) الفتح (١٣/ ٢٥٤).\n(٣) النساء الآية (١٤٠).\n(٤) أحمد (٢/ ٩ و٥٨ و٧٢) والبخاري (٦/ ٤٦٧/٣٣٨١) ومسلم (٤/ ٢٢٨٦/٢٩٨٠ (٣٩» من حديث ابن عمر.\n(٥) الفتح (١٣/ ٦١).","vol":"8","page":510},{"text":"- واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وأن المصيب يؤجر أجرين. (١)\n- وقال عند حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة ...» الحديث (٢): قوله: «كلهم يزعم أنه رسول الله» ظاهر في أن كلا منهم يدعي النبوة، وهذا هو السر في قوله في آخر الحديث الماضي «وإني خاتم النبيين» (٣) ويحتمل أن يكون الذين يدعون النبوة منهم ما ذكر من الثلاثين أو نحوها، وأن من زاد على العدد المذكور يكون كذابا فقط لكن يدعو إلى الضلالة، كغلاة الرافضة، والباطنية، وأهل الوحدة، والحلولية، وسائر الفرق الدعاة إلى ما يعلم بالضرورة أنه خلاف ما جاء به محمد رسول الله - ﷺ -، ويؤيده أن في حديث علي عند أحمد، \"فقال علي لعبد الله بن الكواء: وإنك لمنهم\" وابن الكواء لم\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٣٤).\n(٢) أحمد (٢/ ٣١٣ - ٥٣٠) والبخاري (٦/ ٧٦٤/٣٦٠٩) و(١٣/ ١٠٢/٧١٢١) ومسلم (٤/ ٢٢٣٩ - ٢٢٤٠/ ١٥٧) وأبو داود (٤/ ٥٠٦ - ٥٠٧/ ٤٣٣٣) والترمذي (٤/ ٤٣٢/٢٢١٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ - ورواه ابن ماجه (٢/ ١٣٠٤/٣٩٥٢) من حديث ثوبان - ﵁ -.\n(٣) ذكره في شرح قوله - ﷺ -: (قريب من ثلاثين). من رواية حذيفة «سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون: منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي» أخرجه: أحمد (٥/ ٣٩٦) والطبراني في الكبير (٣/ ١٨٨/٣٠٢٦) والأوسط (٦/ ٢١٤/٥٤٤٦) والبزار (٧/ ٢٩٤/٢٨٨٨) البحر الزخار) مختصرًا. وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٣٢) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح\". وجود إسناده الحافظ في الفتح (١٣/ ١٠٨).","vol":"8","page":511},{"text":"يدع النبوة وإنما كان يغلو في الرفض. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2984>موقفه من الصوفية:</span>\nقال ﵀: المراد بتوحيد الله تعالى الشهادة بأنه إله واحد، وهذا الذي يسميه بعض غلاة الصوفية توحيد العامة، وقد ادعى طائفتان في تفسير التوحيد أمرين اخترعوهما، أحدهما: تفسير المعتزلة كما تقدم، ثانيهما: غلاة الصوفية، فإن أكابرهم لما تكلموا في مسألة المحو والفناء، وكان مرادهم بذلك المبالغة في الرضا والتسليم وتفويض الأمر، بالغ بعضهم حتى ضاهى المرجئة في نفي نسبة الفعل إلى العبد، وجر ذلك بعضهم إلى معذرة العصاة، ثم غلا بعضهم فعذر الكفار، ثم غلا بعضهم فزعم أن المراد بالتوحيد اعتقاد وحدة الوجود. (٢)\n- وقال ﵀: واستدل جماعة من الصوفية بحديث الباب (٣) على إباحة الغناء وسماعه بآلة، وبغير آلة، ويكفى في رد ذلك تصريح عائشة في الحديث الذي في الباب بعده بقولها: \"وليستا بمغنيتين\" فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبته لهما باللفظ، لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي تسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيا وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. (٤)\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ١٠٨).\n(٢) الفتح (١٣/ ٣٤٨).\n(٣) أي حديث عائشة قالت: دخل علي رسول الله - ﷺ - وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ... الحديث. أخرجه أحمد (٦/ ٨٤) والبخاري (٢/ ٥٥٩/٩٤٩ - ٩٥٠) ومسلم (٢/ ٦٠٩/٨٩٢ (١٩» والنسائي (٣/ ٢١٨/١٥٩٦).\n(٤) فتح الباري (٢/ ٥٦٢).","vol":"8","page":512},{"text":"- وقال أيضا: واستدل قوم من الصوفية بحديث الباب (١) على جواز الرقص وسماع آلات الملاهي، وطعن فيه الجمهور باختلاف المقصدين. فإن لعب الحبشة بحرابهم كان للتمرين على الحرب فلا يحتج به للرقص في اللهو والله أعلم. (٢)\n- وقال ﵀ في شرحه لحديث: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» (٣): وقد تمسك بهذا الحديث بعض الجهلة من أهل التجلي والرياضة فقالوا: القلب إذا كان محفوظا مع الله كانت خواطره معصومة من الخطأ. وتعقب ذلك أهل التحقيق من أهل الطريق فقالوا: لا يلتفت إلى شيء من ذلك إلا إذا وافق الكتاب والسنة، والعصمة إنما هي للأنبياء ومن عاداهم فقد يخطأ، فقد كان عمر ﵁ رأس الملهمين ومع ذلك فكان ربما رأى الرأي فيخبره بعض الصحابة بخلافه فيرجع إليه ويترك رأيه، فمن ظن أنه يكتفي بما يقع في خاطره عما جاء به الرسول ﵊ فقد ارتكب أعظم الخطأ، وأما من بالغ منهم فقال: حدثني قلبي عن ربي فإنه أشد خطأ، فإنه لا يأمن أن يكون قلبه إنما حدثه عن الشيطان والله المستعان. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2985>موقفه من الجهمية:</span>\n- وقد شاع فاشيا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير فاقتضى الاتفاق منهم على القبول. (٥)\n_________\n(١) يعني حديث الحبشة.\n(٢) فتح الباري (٦/ ٦٨٦).\n(٣) أخرجه البخاري (١١/ ٤١٤/٦٥٠٢) عن أبي هريرة ﵁.\n(٤) فتح الباري (١١/ ٤١٩ - ٤٢٠).\n(٥) الفتح (١٣/ ٢٣٤).","vol":"8","page":513},{"text":"- واعترض بعض المخالفين بأن إرسالهم -يعني معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري ﵄- إنما كان لقبض الزكاة والفتيا ونحو ذلك وهي مكابرة، فإن العلم حاصل بإرسال الأمراء لأعم من قبض الزكاة وإبلاغ الأحكام وغير ذلك، ولو لم يشتهر من ذلك إلا تأمير معاذ بن جبل وأمره له وقوله له: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب فأعلمهم أن الله فرض عليهم» (١) إلخ، والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد منهم كانوا يتحاكمون إلى الذي أمر عليهم ويقبلون خبره، ويعتمدون عليه من غير التفات إلى قرينة، وفي أحاديث هذا الباب كثير من ذلك. واحتج بعض الأئمة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢) مع أنه كان رسولا إلى الناس كافة ويجب عليه تبليغهم، فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة لتعذر خطاب جميع الناس شفاها، وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم، وهو مسلك جيد ينضم إلى ما احتج به الشافعي ثم البخاري ... ومن حيث النظر أن الرسول ﵊ بعث لتبليغ الأحكام، وصدق خبر الواحد ممكن فيجب العمل به احتياطا، وأن إصابة الظن بخبر الصدوق غالبة، ووقوع الخطأ فيه نادر، فلا تترك المصلحة الغالبة خشية المفسدة النادرة. (٣)\n- وفيه: وقد نقل بعض العلماء لقبول خبر الواحد: أن كل صاحب وتابع سئل عن نازلة في الدين فأخبر السائل بما عنده فيها من الحكم أنه لم\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف ابن خزيمة سنة (٣١١هـ).\n(٢) المائدة الآية (٦٧).\n(٣) الفتح (١٣/ ٢٣٥).","vol":"8","page":514},{"text":"يشترط عليه أحد منهم أن لا يعمل بما أخبره به من ذلك حتى يسأل غيره فضلا عن أن يسأل الكواف، بل كان كل منهم يخبره بما عنده فيعمل بمقتضاه ولا ينكر عليه ذلك، فدل على اتفاقهم على وجوب العمل بخبر الواحد. (١)\n- وفيه: وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف، وإن لم يكن له منه بد فليكتف منه بقدر الحاجة، ويجعل الأول المقصود بالأصالة والله الموفق. (٢)\n- وفيه: وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة، وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات. حتى قالوا إن القرآن ليس كلام الله وأنه مخلوق. (٣)\n- وفيه: والعجب أن من اشترط ذلك من أهل الكلام ينكرون التقليد، وهم أول داع إليه حتى استقر في الأذهان أن من أنكر قاعدة من القواعد التي\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٢٣٨).\n(٢) الفتح (١٣/ ٢٥٣).\n(٣) الفتح (١٣/ ٣٤٥).","vol":"8","page":515},{"text":"أصلوها فهو مبتدع ولو لم يفهمها ولم يعرف مأخذها؛ وهذا هو محض التقليد، فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول ﵊ في معرفة الله تعالى، والقول بإيمان من قلدهم. وكفى بهذا ضلالا وما مثلهم إلا كما قال بعض السلف: إنهم كمثل قوم كانوا سفرا فوقعوا في فلاة ليس فيها ما يقوم به البدن من المأكول والمشروب ورأوا فيها طرقا شتى فانقسموا قسمين: فقسم وجدوا من قال لهم أنا عارف بهذه الطرق وطريق النجاة منها واحدة فاتبعوني فيها تنجوا فتبعوه فنجوا، وتخلفت عنه طائفة فأقاموا إلى أن وقفوا على أمارة ظهر لهم أن في العمل بها النجاة فعملوا بها فنجوا، وقسم هجموا بغير مرشد ولا أمارة فهلكوا، فليست نجاة من اتبع المرشد بدون نجاة من أخذ بالأمارة إن لم تكن أولى منها. (١)\n- وفيه: واحتج المعتزلي بأن السمع ينشأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب المفروش في أصل الصماخ والله منزه عن الجوارح، وأجيب بأنها عادة أجراها الله تعالى فيمن يكون حيا فيخلقه الله عند وصول الهواء إلى المحل المذكور، والله ﷾ يسمع المسموعات بدون الوسائط وكذا يرى المرئيات بدون المقابلة وخروج الشعاع، فذات الباري مع كونه حيا موجودا لا تشبه الذوات، فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصفات. (٢)\n- وفيه: وبأن أصل ما ذكروه -أي أهل الكلام- قياس الغائب على الشاهد وهو أصل كل خبط، والصواب الإمساك عن أمثال هذه المباحث\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٣٥٤).\n(٢) الفتح (١٣/ ٣٧٣).","vol":"8","page":516},{"text":"والتفويض إلى الله في جميعها، والاكتفاء بالإيمان بكل ما أوجب الله في كتابه أو على لسان نبيه إثباته له أو تنزيهه عنه على طريق الإجمال وبالله التوفيق، ولو لم يكن في ترجيح التفويض على التأويل إلا أن صاحب التأويل ليس جازما بتأويله بخلاف صاحب التفويض. (١)\n-وقال: قوله: «وأنا معه إذا ذكرني» (٢) أي بعلمي، وهو كقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٣) والمعية المذكورة أخص من المعية التي في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٤).اهـ (٥)\n- وفيه: وليس قولنا إن الله على العرش أي مماس له أو متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته بل هو خبر جاء به التوقيف، فقلنا له به ونفينا عنه التكييف، إذ ليس كمثله شيء وبالله التوفيق. (٦)\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٣٨٣).\n(٢) أحمد (٢/ ٢٥١؛٤١٣) والبخاري (١٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤/ ٧٤٠٥) ومسلم (٤/ ٢٠٦١/٢٦٧٥) والترمذي (٥/ ٥٤٢/٣٦٠٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" والنسائي في الكبرى (٤/ ٤١٢/٧٧٣٠) وابن ماجه (٢/ ١٢٥٥ - ١٢٥٦/ ٣٨٢٢).\n(٣) طه الآية (٤٦).\n(٤) المجادلة الآية (٧).\n(٥) الفتح (١٣/ ٣٨٦).\n(٦) الفتح (١٣/ ٤١٣).","vol":"8","page":517},{"text":"- وفيه: وفي الحديث (١) إثبات الشفاعة، وأنكرها الخوارج والمعتزلة، وهي أنواع أثبتها أهل السنة، منها: الخلاص من هول الموقف، وهي خاصة بمحمد رسول الله المصطفى - ﷺ - كما تقدم بيان ذلك واضحا في الرقاق، وهذه لا ينكرها أحد من فرق الأمة. ومنها: الشفاعة في قوم يدخلون الجنة بغير حساب، وخص هذه المعتزلة بمن لا تبعة عليه. ومنها: الشفاعة في رفع الدرجات، ولا خلاف في وقوعها. ومنها: الشفاعة في إخراج قوم من النار عصاة أدخلوها بذنوبهم وهذه التي أنكروها، وقد ثبتت بها الأخبار الكثيرة، وأطبق أهل السنة على قبولها وبالله التوفيق. (٢)\n- وفيه: قال الأئمة: هذه الآية -أي قوله تعالى: ﴿وكلم اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (٣) - أقوى ما ورد في الرد على المعتزلة. (٤)\nتنبيه:\nلابن حجر ﵀ تأويلات لجملة من صفات الله ﷿ منها تأويله:\n- صفة العين. (٥)\n- صفة الوجه: قال في قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا\n_________\n(١) أي حديث: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة في صفوان ...» الحديث. أخرجه: البخاري (١٣/ ٥٥٥/٧٤٨١) وأبو داود (٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩/ ٣٩٨٩) والترمذي (٥/ ٣٣٧/٣٢٢٣) وابن ماجه (١/ ٦٩ - ٧٠/ ١٩٤) عن أبي هريرة ﵁.\n(٢) الفتح (١٣/ ٤٥٩ - ٤٦٠).\n(٣) النساء الآية (١٦٤).\n(٤) الفتح (١٣/ ٤٧٩).\n(٥) انظر الفتح (١٣/ ٣٨٩).","vol":"8","page":518},{"text":"وَجْهَهُ﴾ والمراد بالوجه الذات ... (١)\n- كما تردد في الصوت بين التفويض والتأويل. (٢)\n- تبنيه لقول الأشاعرة في القرآن ونفيه الصوت والحرف. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2986>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال الحافظ عقب حديث أبي بكرة «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار» (٤): قال العلماء: معنى كونهما في النار أنهما يستحقان ذلك ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين، وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلا. وقيل هو محمول على من استحل ذلك، ولا حجة فيه للخوارج ومن قال من المعتزلة بأن أهل المعاصي مخلدون في النار لأنه لا يلزم من قوله: \"فهما في النار\" استمرار بقائهما فيها. (٥)\n- وقال في شرح حديث ابن عمر أنه لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي - ﷺ - يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة (٦)، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله\n_________\n(١) انظر الفتح (١٣/ ٤٠٢).\n(٢) انظر الفتح (١٣/ ٤٥٨).\n(٣) انظر الفتح (١٣/ ٤٩٣ - ٤٩٤).\n(٤) أحمد (٥/ ٤٣) والبخاري (١/ ١١٥/٣١) ومسلم (٤/ ٢٢١٤/٢٨٨٨ (١٥» وأبو داود (٤/ ٤٦٢/٤٢٦٨) والنسائي (٧/ ١٤٢/٤١٣٢). وأخرجه ابن ماجه (٢/ ١٣١١/٣٩٦٥) بمعناه. عن أبي بكرة. وورد أيضا عن عدة من الصحابة.\n(٥) الفتح (١٣/ ٣٣).\n(٦) أحمد (٢/ ٤٨،٩٦) والبخاري (١٣/ ٨٥/٧١١١) ومسلم (٣/ ١٣٦٠/١٧٣٥ (١٠» وأبو داود (٣/ ١٨٨/٢٧٥٦) والترمذي (٤/ ١٢٢/١٥٨١) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".","vol":"8","page":519},{"text":"ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه.\nوفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه وأنه لا ينخلع بالفسق. (١)\n- وقال: أما الخوارج فهم: جمع خارجة أي طائفة، وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين، وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعي في الشرح الكبير أنهم خرجوا على علي ﵁ حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ﵁ ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لرضاه بقتله أو مواطأته إياهم، كذا قال. وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الأخبار فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان بل كانوا ينكرون عليه أشياء ويتبرءون منه، وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان فطعنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن المراد منه ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك، فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير، فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليا فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة فاتفقوا على طلب قتلة عثمان، وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك،\n_________\n(١) الفتح (١٣/ ٧١ - ٧٢).","vol":"8","page":520},{"text":"فبلغ عليا فخرج إليهم فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة، وانتصر علي وقتل طلحة في المعركة وقتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة، فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق. ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك وكان أمير الشام إذ ذاك، وكان علي أرسل اليه لأن يبايع له أهل الشام، فاعتل بأن عثمان قتل مظلوما وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته، وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، ويلتمس من علي أن يمكنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك.\nوعلي يقول: ادخل فيما دخل فيه الناس وحاكمهم إلي أحكم فيهم بالحق، فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبا قتال أهل الشام، فخرج معاوية في أهل الشام قاصدا إلى قتاله، فالتقيا بصفين فدامت الحرب بينهما أشهرا، وكاد أهل الشام أن ينكسروا فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى، وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاوية، فترك جمع كثير ممن كان مع علي وخصوصا القراء القتال بسبب ذلك تدينا، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) الآية، فراسلوا أهل الشام في ذلك، فقالوا: ابعثوا حكما منكم وحكما منا، ويحضر معهما من لم يباشر القتال، فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب علي ومن معه إلى ذلك وأنكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارج، وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام: هذا ما قضى عليه\n_________\n(١) آل عمران الآية (٢٣).","vol":"8","page":521},{"text":"أمير المؤمنين علي معاوية فامتنع أهل الشام من ذلك وقالوا أكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب علي إلى ذلك فأنكره عليه الخوارج أيضا، ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق، ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم، فرجع معاوية إلى الشام ورجع علي إلى الكوفة، ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وقيل ستة آلاف، ونزلوا مكانا يقال له حروراء بفتح المهملة وراءين الأولى مضمومة، ومن ثم قيل لهم: الحرورية.\nوكان كبيرهم عبد الله بن الكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري، وشبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي فأرسل إليهم علي ابن عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم علي، فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن عليا تاب من الحكومة ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك عليا فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: \"لكم علينا ثلاث: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا\".\nوخرجوا شيئا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم في الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب، ثم راسلهم أيضا فأرادوا قتل رسوله، ثم اجتمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم يكفر ويباح دمه وماله وأهله، وانتقلوا إلى الفعل. فاستعرضوا الناس، فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومر بهم عبد الله بن خباب بن","vol":"8","page":522},{"text":"الأرت وكان واليا لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سرية وهي حامل، فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد، فبلغ عليا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم بالنهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة، ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة.\nفهذا ملخص أول أمرهم، ثم انضم إلى من بقى منهم من مال إلى رأيهم فكانوا مختفين في خلافة علي حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل عليا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح، ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة، فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له النجيلة، ثم كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق طول مدة معاوية وولده يزيد، وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراق وولى الخلافة عبد الله ابن الزبير وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام ثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع الشام إلى مصر، فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نجدة بن عامر، وزاد نجدة على معتقد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم، وعظم البلاء بهم، وتوسعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الابط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرا، وإن لم يكن قادرا فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقا، وفتكوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقا بغير دعوة منهم، ومنهم من","vol":"8","page":523},{"text":"يدعو أولا ثم يفتك، ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على قتالهم، فطاولهم حتى ظفر بهم وتقلل جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب. وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف -بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء واسمه لوط بن يحيى- كتابا لخصه الطبري في تاريخه.\nوصنف في أخبارهم أيضا الهيثم بن عدي كتابا، ومحمد بن قدامة الجوهري -أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح- كتابا كبيرا، وجمع أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه 'الكامل'، لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله. قال القاضي أبو بكر بن العربي: الخوارج صنفان: أحدهما يزعم أن عثمان وعليا وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضى بالتحكيم كفار. والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدا. وقال غيره: بل الصنف الأول مفرع عن الصنف الثاني، لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2987>موقفه من المرجئة:</span>\nقال ﵀: قوله: (وهو) أي الإيمان (قول وفعل ويزيد وينقص) وفي رواية الكشميهني: \"قول وعمل\" وهو اللفظ الوارد عن السلف الذين أطلقوا ذلك، ووهم ابن التين فظن أن قوله (وهو) إلى آخره مرفوع لما رآه معطوفًا، وليس ذلك مراد المصنف، وإن كان ذلك ورد بإسناد ضعيف. والكلام هنا في مقامين: أحدهما كونه قولًا وعملًا، والثاني: كونه يزيد وينقص. فأما\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ٣٥١ - ٣٥٣).","vol":"8","page":524},{"text":"القول: فالمراد به النطق بالشهادتين، وأما العمل: فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح، ليدخل الاعتقاد والعبادات. ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى، فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان. وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله. ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص كما سيأتي. والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط. والكرامية قالوا: هو نطق فقط. والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد. والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله. وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى. أما بالنظر إلى ما عندنا: فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعل فعل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته. وأثبتت المعتزلة الواسطة. فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر.\nوأما المقام الثاني: فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص. وأنكر ذلك أكثر المتكلمين وقالوا: متى قبل ذلك كان شكا. قال الشيخ محيي الدين: والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصدّيق أقوى من إيمان غيره بحيث لا يعتريه الشبهة. ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض","vol":"8","page":525},{"text":"الأحيان الإيمان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها. وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه: 'تعظيم قدر الصلاة' عن جماعة من الأئمة نحو ذلك، وما نقل عن السلف صرح به عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري ومالك ابن أنس والأوزاعي وابن جريج ومعمر وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم. وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في 'كتاب السنة' عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم من الأئمة، وروى بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وأطنب ابن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين، وكل من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين. وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السنة والجماعة، وقال الحاكم في مناقب الشافعي: حدثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وأخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي من الحلية (١) من وجه آخر عن الربيع وزاد: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ثم تلا: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٢) الآية.\nثم شرع المصنف يستدل لذلك بآيات من القرآن مصرحة بالزيادة،\n_________\n(١) (٩/ ١١٤ - ١١٥).\n(٢) المدثر الآية (٣١).","vol":"8","page":526},{"text":"وبثبوتها يثبت المقابل، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2988>موقفه من القدرية:</span>\n- قال في الفتح: وأما قوله في الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ (٢) فقد تمسك بها المعتزلة، وقالوا إن فيها ردا على أهل السنة. والجواب أن أهل السنة تمسكوا بأصل قامت عليه البراهين: وهو أن الله خالق كل مخلوق، ويستحيل أن يخلق المخلوق شيئا، والإرادة شرط في الخلق ويستحيل ثبوت المشروط بدون شرطه، فلما عاند المشركون المعقول وكذبوا المنقول الذي جاءتهم به الرسل وألزموا الحجة بذلك تمسكوا بالمشيئة والقدر السابق، وهي حجة مردودة لأن القدر لا تبطل به الشريعة وجريان الأحكام على العباد بأكسابهم فمن قدر عليه بالمعصية كان ذلك علامة على أنه قدر عليه العقاب إلا أن يشاء أن يغفر له من غير المشركين، ومن قدر عليه بالطاعة كان ذلك علامة على أنه قدر عليه بالثواب، وحرف المسألة أن المعتزلة قاسوا الخالق على المخلوق وهو باطل، لأن المخلوق لو عاقب من يطيعه من أتباعه عد ظالما لكونه ليس مالكا له بالحقيقة، والخالق لو عذب من يطيعه لم يعد ظالما لأن الجميع ملكه فله الأمر كله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل. (٣)\n_________\n(١) فتح الباري (١/ ٦٤ - ٦٥).\n(٢) الأنعام الآية (١٤٨).\n(٣) الفتح (١٣/ ٤٤٩).","vol":"8","page":527},{"text":"- وقال: قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) هذه الآية مما تمسك بها المعتزلة لقولهم فقالوا: هذا يدل على أنه لا يريد المعصية، وتعقب بأن معنى إرادة اليسر التخيير بين الصوم في السفر ومع المرض، والإفطار بشرطه. وإرادة العسر المنفية الإلزام بالصوم في السفر في جميع الحالات، فالإلزام هو الذي لا يقع لأنه لا يريده وبهذا تظهر الحكمة في تأخيرها عن الحديث المذكور والفصل بين آيات المشيئة وآيات الإرادة، وقد تكرر ذكر الإرادة في القرآن في مواضع كثيرة أيضا، وقد اتفق أهل السنة على أنه لا يقع إلا ما يريده الله تعالى، وأنه مريد لجميع الكائنات وإن لم يكن آمرا بها. وقالت المعتزلة لا يريد الشر لأنه لو أراده لطلبه، وزعموا أن الأمر نفس الإرادة، وشنعوا على أهل السنة أنه يلزمهم أن يقولوا إن الفحشاء مرادة لله وينبغي أن ينزه عنها، وانفصل أهل السنة عن ذلك بأن الله تعالى قد يريد الشيء ليعاقب عليه، ولثبوت أنه خلق النار وخلق لها أهلا، وخلق الجنة وخلق لها أهلا؛ وألزموا المعتزلة بأنهم جعلوا أنه يقع في ملكه ما لا يريد. (٢)\n- وقال: والمراد هنا الإشارة إلى أن من زعم أنه يخلق فعل نفسه يكون كمن جعل لله ندا، وقد ورد فيه الوعيد الشديد فيكون اعتقاده حراما. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2989>الجزولي وضلاله (٨٧٠ ه</span>ـ)\n_________\n(١) البقرة الآية (١٨٥).\n(٢) الفتح (١٣/ ٤٥١).\n(٣) الفتح (١٣/ ٤٩٥).","vol":"8","page":528},{"text":"ذكر صاحب 'الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام' نقولًا للجزولي يظهر منها إغراقه في التصوف والضلال منها قوله:\nقال ﵁: رأيت النبي - ﷺ - فقال لي: أنا زين المرسلين، وأنت زين الأولياء. (١)\nوقال ﵁: معشرَ الإخوان ليس هنا معكم إلا جسمي، وأما أنا قد مشيت إليه وصرت معه، معشر الإخوان تهت ووصلت وصولًا لم يصله أحد قطّ. (٢)\nوقال ﵁: قيل لي: يا عبدي، من أراد أن ينظر في وجه أبي بكر الصديق ﵁ فلينظر في وجهك، وقال ﵁: لا تقولوا رحمكم الله إني آخذ العلم من الأرض أو من السماء، بل آخذه من الملك الحقّ من غير أرض ولا سماء، وقال ﵁: معشر المريدين انظروا إلى مولاكم وهو معي ليس لي نظر إلا فيه، كماله قد عمّ صدري وعم حياتي وعمني طول حياتي، كماله قد أفناني عما سواه، وقال ﵁: معشر المريدين فرّحوني بتعظيم ربي وإجلاله وجماله، أنا معه وأنتم لم تشتغلوا بشيء، غبت في أنوار كماله ومشاهدة جلاله وجماله، ألا لعنة الله على من عبر عن مقام غير مقامه. (٣)\nوقال ﵁: يا من كان ينظر إليّ في الأرض فانظر إلي في\n_________\n(١) الإعلام بمن حلّ مراكش وأغمات من الأعلام (ص.٤٧).\n(٢) الإعلام (ص.٤٧).\n(٣) الإعلام (ص.٤٧ - ٤٨).","vol":"8","page":529},{"text":"السماء وفي العرش وفوق ذلك، أما علمتم أن الأقطاب تحتاج إليهم جميع المكونات هم في مقام النبوة يفشون السر، يا من كان سعيدًا فعليك بالمشي إليهم ولو كان من بغداد، المشي إليهم نور ورحمة وسر في القلوب. (١)\nوقال: ليس العزيز من تعزز بالقبيلة وحسب الجاه، وإنما العزيز من تعزز بالشرف والنسب، أنا شريف في النسب، جدي رسول الله - ﷺ -، وأنا أقرب إليه من كل ما خلق الله، وعنايتي في الأزل مصبوغة بالذهب والفضة، يا من أراد الذهب والفضة فعليك باتباعنا، ومن تبعنا يسكن في أعلى عليين في دار الدنيا والآخرة، ودولتنا كانت الأمم الماضون تدعو أن يلحقوا بها، ولكن لا يلحق بها إلا من سبقت له السعادة، ودولتنا دولة المجتهدين المجاهدين في سبيل الله القاتلين أعداء الله، ملوك الأرض كلها في يدي وتحت قدمي، معشر المسلمين أما علمتم أن المصطفى - ﷺ - قريب مني وحكمه في يدي، من تبعني فهو متبع له، ومن لم يتبعني فليس بمتبع له، سمعته - ﷺ - يقول: أنت المهدي، من أراد أن يسعد فليأت إليك، معشر المسلمين كونوا من أمة المصطفى - ﷺ -، ولا تكونوا من أعدائه بالتكذيب والنكران والغش والخيانة، معشر المسلمين خلق الله لكم من يهديكم في آخر الزمان فاحمدوه، معشر المسلمين لا يبغضنا على دين الله ﷿ إلا من ليس له دنيا ولا آخرة، ولا يحسدنا على طاعة الله ﷿ إلا من ليس له حظ عند الله ﷿، وقال ﵁: قيل لي يا عبدي خصصتك بعنايتي في الأزل، فلا أحد يصل إلى عنايتك، يا عبدي سيادتك على أهل المشرق والمغرب الماضين والباقين، يا عبدي وصلتك إلى\n_________\n(١) الإعلام (ص.٤٨).","vol":"8","page":530},{"text":"مقام لا يصل إليه أحد من الواصلين، وقال ﵁: قيل لي: يا عبدي تاهت العقول فيما أعطيتك، وما بقي لك عندي أكثر وأعظم من قبل إقدامك بالحب والشوق أُثبته يوم القيامة بالعفو والصفح، يا عبدي تنافست الأولياء فيما أعطيتهم ولا يبلغ أحد ما أعطيتك من كرامتي، يا عبدي لو كانت الملائكة كتابا، والأشجار أقلاما، والبحار مدادًا، لا يكتبون من أحوالك السنية إلا مقدار ما يكتب الولد الصغير في اللوح من الأسطار، يا عبدي لا يبلغ أحد مقامك من\nأوليائي، سبق ذلك في علم الغيب عندي، وعزتي وجلالي لأعطيتك يوم القيامة حكما على أوليائي. (١)\nوقال ﵁: قيل لي: يا عبدي فضلتك على جميع خلقي بكثرة صلاتك على نبيي يا عبدي من أطاعك من الأولياء فقد أطاعني ومن عصاك من الأولياء فقد عصاني، ومن تكبر عليك من أولياء الزمان سلبته من نوري. (٢)\nثم ذكر له كرامات منها قوله:\nمن كرامات القطب الجزولي ﵁ أن بعض من احترم به لما أخرج كرهًا عليه من ضريحه الشريف رأى بعضهم مناما الشيخ رمى بيدي ورجلي من أخرجه في طنجير يغلي بباب قبته، فأصبح المجترئ المذكور معطَّل الجوارح المذكورة وما زال يُبلى بالمصائب والعياذ بالله من التجرئ على أوليائه، فإن الله تعالى يغارُ لهم، وهذه القضية وقعت في عصرنا، أصحبنا الله\n_________\n(١) الإعلام (ص.٤٨ - ٤٩).\n(٢) الإعلام (ص.٥١).","vol":"8","page":531},{"text":"تعالى السلامة والعافية في الدارين، وأدام ستره علينا آمين. (١)\nوقال: وقد ذكر في 'تحفة الإخوان' العلامة الطاهري ما نصه: ومن كراماته ﵁ ما أخبرني سيدي ومولاي قاسم في هذا المعنى: قال لي ﵀: كنت أعرف رجلًا من أصحاب سيدي محمد بن ناصر ﵀، وكان أخذ عنه ولازمه إلى أن مات، فلم يستخلف من بعده أحدًا، لا ولده سيدي أحمد ولا غيره، وظهر له أنه حصل على شيء وأنه استغنى عن معرفة الأشياخ، فتولته الشياطين، وصحبه الجان، وجعلوا ينصحونه في زعمه ويطلعونه على العجائب مما هو مخصوص بجنسهم، ويطوفونه على قبائلهم حتى كان يعرف جمًّا غفيرا منهم، فركن لذلك وفُتن به، وشغله عن ورده وعبادته، وجعل يكثر من لغو الكلام والفضول ويهرتل ولا يعلم ما يقول، قال مولاي قاسم ﵀: فكان ذلك الرجل يحدثني بما وقع له لما تحقق ذلك من نفسه، ولما سبق له من السعادة ببركة شيخه، قال لي: لما اشتد علي الحال جعلت أرقى على الآكام والجبال وأنادي بأعلى صوتي: الغياث الغياث يا أولياء الله، الغياث الغياث، تشفعت لكم برسول الله - ﷺ - ويذكر ويعيّن كل من يعرف من الأولياء باسمه، ويكثر من النداء على شيخه، قال فبينما أنادي في بعض الأيام إذ أقبلت علي كتيبة من الخيل، فلما دنت مني جاءني عدو من الجن كان يعرفني وخطفني ووضعني على عنقه وفرّ بي أمامهم، فجعلت الكتيبة من الخيل تتبعنا وهو يسبق أمامهم وهم في طلبه، يسمع جريهم وصياحهم وجعلوا يتأخرون عنا زمرًا زمرًا حتى لم يبق في طلبنا إلا أربعة\n_________\n(١) الإعلام (ص.٩٣).","vol":"8","page":532},{"text":"رجال؛ اثنان منهم على فرسين أحدهما أدهم والآخر أشهب، واثنان طائران. قال: فخاض بي البحر فخاضوا في طلبه فخرج إلى البر فتبعونا، فلما تحقق الهلاك وتعذر له منهم الفكاك رماني وفر أمامهم، فلحقوه وقتلوه وجاؤوا بي.\nفقلت لهم: نشدتكم الله أخبروني من أنتم الذين تفضل الله علي بهم؟ قال: فقال له صاحب الفرس الأشهب: أنا عبد السلام بن مشيش، وقال صاحب الأدهم: أنا أبو يعزى، وقال أحد الطيور: أنا محمد بن سليمان الجزولي أو قال: أبو سلهام، الشك من مولاي قاسم ﵀، قال: والغالب على ظني أنه قال: أبو سلهام، وقال الرابع: أنا عبد الله بن إبراهيم -يعني شيخنا مولانا عبد الله الشريف- نفعنا به وحشرنا في زمرته. انتهى ما كتبت في 'إظهار الكمال'. (١)\nوله كتاب 'دلائل الخيرات' جمع فيه من الحديث الضعيف والمكذوب ومن الصلوات المبتدعة صيغةً وعددًا الشيء الكثير ووصف النبي - ﷺ - بأسماء وأوصاف لم ترد في الكتاب ولا في السنة إلى كثير من العقائد الباطلة التي بثها في كتابه كقوله بوحدة الوجود وكتوسله بالمخلوقات وذلك مبسوط في كتابنا 'وقفات مع الكتاب المسمى بدلائل الخيرات' وهو مطبوع متداول فليرجع إليه من شاء الوقوف على ذلك.\nوإليك بعض النماذج من هذا الكتاب المشؤوم:\nقال في الدلائل مقرِّرًا لعقيدة وحدة الوجود (٢): اللهم جدد من صلواتك\n_________\n(١) الإعلام (ص.٩٦ - ٩٧).\n(٢) (ص.٣٨).","vol":"8","page":533},{"text":"التامات وتحياتك الزاكيات على الذي أقمته لك ظلًاّ، وجعلته لحوائج خلقك قبلة ومحِلًاّ، وأظهرته بصورتك، واخترته مستوى لتجليك، ومنزلًا لتنفيذ أوامرك ونواهيك في أرضك وسمواتك، وواسطة بينك وبين مكوَّناتك. (١)\nوقال وهو يتوسل بالمخلوقات: أسألك بحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام والمشعر الحرام وقبر نبيك ﵇. (٢)\nوقال وهو يمجد الله بزعمه: يا أزلي يا أبدي يا دهري يا ديمومي. (٣)\nوقال وهو يصف النبي - ﷺ - بأوصاف لا تليق إلا بالله: اللهم صل على مجلي الظلمة اللهم صل على مولي النعمة اللهم صل على موتي الرحمة. (٤)\nووصفه أيضًا بقوله: محيي، مدعو، مجيب، متين، غوث، غياث، جبار، مهيمن، شاف، كاشف الكرب، رافع الرتب، صاحب الفرج، حق، عفو، وكيل.\nوسماه أيضًا بأسماء لم ترد في الكتاب ولا في السنة، بل بعضها مستهجن لا يقره عاقل كتسميته بأحيد، رسول الراحة، إكليل، حريص عليكم، معلوم، شهير، سراج، مصباح، هدى، قدم صدق، رحمة، بشرى، غيث، عروة وثقى، حزب الله، النجم الثاقب، أجير، مبرّ، مقدس، روح القدس، روح الحق، روح القسط، موصول، مفتاح، دليل الخيرات، مصحح الحسنات، مقيل العثرات، صفوح عن الزلات، صاحب القدم، صاحب الإزار، صاحب الرداء، صاحب القضيب، أذن خير، عين النعيم، عين الغرّ،\n_________\n(١) انظر كتب ليست من الإسلام للإستانبولي (ص.٢٨).\n(٢) الدلائل (ص.١٢٢ - ١٢٣).\n(٣) الدلائل (ص.١٥٢).\n(٤) الدلائل (ص.٦٢).","vol":"8","page":534},{"text":"عز العرب، ... إلخ. (١)\n\nإبراهيم بن عمر البِقَاعِي (٢) (٨٨٥ هـ)\nالإمام الكبير برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّبَاط البقاعي، الشافعي المحدث المفسر، الإمام العلامة المؤرخ. ولد سنة تسع وثمانمائة بقرية من عمل البقاع، ونشأ بها ثم تحول إلى دمشق ثم فارقها ودخل بيت المقدس ثم القاهرة. قرأ على التاج بن بهادر في الفقه والنحو. وعلى ابن الجزري القراءات، وأخذ عن ابن ناصر الدين وابن حجر والعماد بن شرف وغيرهم.\nوبرع في جميع العلوم، وفاق الأقران، وناظر وانتقد حتى على شيوخه، وصنف تصانيف عديدة من أجلها: 'نظم الدرر في تناسب الآي والسور' و'الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل' و'القول المألوف في الرد على منكر المعروف' و'تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي'.\nوقد تعرض رحمه الله تعالى لعدة محن وشدائد ومناهدة العظائم من معاصريه.\nوتوفي رحمه الله تعالى بعد أن تفتت كبده في ليلة السبت ثامن عشر رجب سنة خمس وثمانين وثمانمائة.\n_________\n(١) الدلائل (ص.٢٦ - ٣٣).\n(٢) الضوء اللامع (١/ ١٠١ - ١١١) وفهرس الفهارس (٢/ ٦١٩ - ٦٢٠) والبدر الطالع (١/ ١٩ - ٢٢) وشذرات الذهب (٧/ ٣٣٩ - ٣٤٠) ومعجم المؤلفين (١/ ٧١) والأعلام (١/ ٥٦).","vol":"8","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2991>موقفه من الصوفية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي'.\n٢ - 'تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد' وطبع الكتابان تحت عنوان: 'مصرع التصوف' بتحقيق عبد الرحمن الوكيل ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2993>ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ ه</span>ـ)\nهذا الشخص معروف بالتصوف مما أورثه عداوة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن له كلمات جيدة في القبورية وفي فضح الروافض وبيان ضلالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2994>موقفه من المشركين:</span>\n- قال في الزواجر: ومن الكبائر اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانا، والطواف بها واستلامها والصلاة إليها. (١)\n- وقال: وأما اتخاذها أوثانا فجاء النهي عنه بقوله - ﷺ -: «لا تتخذوا قبري وثنا يعبد بعدي» (٢) أي لا تعظموه تعظيم غيركم لأوثانهم\n_________\n(١) الزواجر عن اقتراف الكبائر (١/ ٣٢٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٦) وابن سعد (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢) وأبو يعلى (١٢/ ٣٣ - ٣٤/ ٦٦٨١) والحميدي (٢/ ٤٤٥/١٠٢٥) وأبو نعيم (٧/ ٣١٧) كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعا، وتمامه: «لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وصحح إسناده الشيخ الألباني في تحذير الساجد (٢٥) وأورد له شاهدين مرسلين: الأول عن زيد بن أسلم، والآخر عن عطاء. قال ابن عبد البر تعليقا على مرسل عطاء في التمهيد (فتح البر: ١/ ٢٨١): \"فهذا الحديث صحيح عند من قال بمراسيل الثقات\".","vol":"8","page":536},{"text":"بالسجود له أو نحوه ... قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا بها عين المحادة لله ورسوله، وإبداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها، ثم إجماعا: فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة محمول على غير ذلك إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي - ﷺ - لعن فاعله، ويجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله - ﷺ -، لأنه نهى عن ذلك وأمر - ﷺ - بهدم القبور المشرفة. وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2995>موقفه من الرافضة:</span>\n- له كتاب 'الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين أهل الابتداع والضلال والزندقة' وله رسالة أخرى ملحقة بالصواعق بعنوان 'تطهير الجنان واللسان عن الخطر والتفوه بثلب سيدنا معاوية بن أبي سفيان'.\n- قال في الصواعق: اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم. (٢)\n- وقال في الزواجر: عد ما ذكر -أي بغض الأنصار وشتم واحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين- كبيرتين هو ما صرح به غير واحد وهو ظاهر، وقد صرح الشيخان وغيرهما أن سب الصحابة كبيرة، قال الجلال\n_________\n(١) الزواجر (١/ ٣٢٨).\n(٢) (٢/ ٦٠٣).","vol":"8","page":537},{"text":"البلقيني: وهو [أي سب الصحابة] داخل تحت مفارقة الجماعة، وهو الابتداع المدلول عليه بترك السنة، فمن سب الصحابة ﵃ أتى كبيرة بلا نزاع. (١)\n- وقال أيضا: فقد نص الله تعالى على أنه رضي عن الصحابة في غير آية قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ (٢) فمن سبهم أو واحدا منهم فقد بارز الله بالمحاربة، ومن بارز الله بالمحاربة أهلكه وخذله، ومن ثم قال العلماء: إذا ذكر الصحابة بسوء كإضافة عيب إليهم وجب الإمساك عن الخوض في ذلك، بل ويجب إنكاره باليد ثم اللسان ثم القلب على حسب الاستطاعة كسائر المنكرات، بل هذا من أشرها وأقبحها، ومن ثم أكد النبي - ﷺ - التحذير من ذلك بقوله: «الله الله» أي احذروا الله أي عقابه وعذابه على حد قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وكما تقول لمن تراه مشرفا على الوقوع في نار عظيمة: النار النار أي احذرها. وتأمل أعظم فضائلهم ومناقبهم التي نوه بها - ﷺ - حيث جعل محبتهم محبة له وبغضهم بغضا له، وناهيك بذلك جلالة لهم وشرفا، فحبهم\n_________\n(١) (٢/ ٥٠٩).\n(٢) التوبة الآية (١٠٠).","vol":"8","page":538},{"text":"عنوان محبته وبغضهم عنوان بغضه. ثم قال: وإنما يعرف فضائل الصحابة من تدبر سيرهم معه - ﷺ - وآثارهم الحميدة في الإسلام في حياته وبعد مماته، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله وأفضله، فقد جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا الدين وأظهروا شرائع الإسلام ولولا ذلك منهم ما وصل إلينا قرآن ولا سنة ولا أصل ولا فرع، فمن طعن فيهم فقد كاد أن يمرق من الملة؛ لأن الطعن فيهم يؤدي إلى انطماس نورها: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ (١)\nوإلى عدم الطمأنينة والإذعان؛ لثناء الله ورسوله عليهم، وإلى الطعن في الله وفي رسوله؛ إذ هم الوسائط بيننا وبين رسول الله - ﷺ -، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والإزراء بالناقل إزراء بالمنقول عنه، وهذا ظاهر لمن تدبره، وقد سلمت عقيدته من النفاق والغلو والزندقة، فالواجب على من أحب الله ورسوله؛ حب من قام بما أمر الله ورسوله به، وأوضحه وبلغه لمن بعده، وأداه جميع حقوقه، والصحابة هم القائمون بأعباء ذلك كله. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2996>عبد الوهاب الشعراني: ترهاته ومخازيه (٩٧٣ ه</span>ـ)\nكان هذا الرجل من أكابر مخرّفي الصوفية -في القرن العاشر- الذين تخرّج على أيديهم فئام من الجهلة، يُساقون سَوق النَّعَم، ولا يدري المساكين إلى أين؟\n_________\n(١) التوبة الآية (٣٢) ..\n(٢) الزواجر (٢/ ٥١٠ - ٥١١).","vol":"8","page":539},{"text":"له مصنفات في التصوف، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قِبَله الخسران والنقمة. قامت دعوته على مناقضة التوحيد، ونشر الشرك، وكتبه خير شاهد بذلك.\nولولا أمانة حماية التوحيد؛ لما سطرتُ ما سطرت، ولما أضعت الوقت في قراءة مثل هذه الكتب التي تفسد على المرء دينه ودنياه.\nويكفي القارئ المنصف -مريدَ الحق- نماذج نذكرها من مخازي هذا الشعراني، يتبين له من خلالها صدق ما نقول.\nولا يهولنك -أخي- ما قد تسمعُه من الألقاب التي تضفى على مثل هذا الرجل، كالإمام، والهيكل الصمداني، والقطب الرباني، وغيرها، فإنما هي ألقاب عارية عن المضمون، وشعارات واهية لا تنبئ عن المكنون. فكن أخا الإسلام منها على حذر! وفرَّ منها تنجُ من الشرر!\nولنأخذ على سبيل المثال كتابه الطبقات، ولنُجِلِ النظر فيه، لنرى هل هذا الكتاب يطابق اسمه مسماه؟ أم العكس؟\nفاسم الكتاب: 'لواقح الأنوار في طبقات الأخيار'، وهو عبارة عن تراجم صنعها مؤلفه لأئمة طريقته ومشايخهم، وأقحم -غير مبالٍ- تراجم بعض الصحب والتابعين، وزمرة من أئمة الحديث المجتهدين، وختمها بشيوخ وقته الذين عاصرهم.\nوقد ضمن التراجم ألوانًا من الشرك، وأنواعًا من الكفر والزندقة، وشذوذًا في السلوك والأخلاق.\nأقول: كيف طاب لهذا الجرّيء أن يجمع بين خير الناس بعد النبيين،","vol":"8","page":540},{"text":"وبين شرهم من الزنادقة الهالكين كابن عربي وابن الفارض وابن سبعين وغيرهم، تلبيسًا منه وتدليسًا.\nوالعجب ادعاؤه اتباع سنن المحَدِّثين ومنهجهم في انتقاء هذه الأخبار، فلم يروِ -كما زعم- في كتابه هذا إلا ما صح بالسند الصحيح عند القوم. وما أدري أين يتجلى انتقاؤه المزعوم؟ أَكُلُّ هذه الطّامّات العقدية والتعبدية والخلقية منتقاة؟ فماذا لو لم ينتقِ!!\nوإليك أخي القارئ أقوال الشعراني في كتابه، ولا تعجل بالإنكار علينا إلا بعد قراءتك لهذه الأقوال. وقارنها بأقوال من تشبّع بالكتاب والسنة من الصحب ومن اتبعهم بإحسان، تجد البون شاسعًا، رغم ما زعمه الشعراني في مقدمة طبقاته من أن القوم ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا من طريق الكتاب والسنة وتشبثهم بهما.\n١ - مشاركة أولياء الشعراني لله ﷿ في التصريف والتدبير:\nقال الشعراني:\n- وكان ﵁ يقول: فقدت قلبي منذ عشرين سنة مع الله تعالى، وتركت قولي للشيء كن فيكون منذ عشرين سنة أدبًا مع الله ﷿ ... (١)\n- وكان ﵁ يقول: النقباء ثلاثمائة، والنجباء سبعون، والأبدال أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب، والنجباء مصر، والأبدال بالشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، والغوث مسكنه بمكة. فإذا عرض حاجة\n_________\n(١) الطبقات (١/ ١٠٢).","vol":"8","page":541},{"text":"من أمر العامة ابتهل فيها النقباء ثم النجباء ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العمد ثم الغوث. (١)\n- ... مات ﵁ عن أربعين مريدًا كلهم من أرباب الأحوال. وحكى أنه لما مات اجتمع هؤلاء المريدون في روضة تجاه زاويته، فجعل كل منهم يأخذ من تلك الروضة قبضة من بنائها، ويتنفس عليها فتزهر من جميع الأزهار المختلفة الألوان من أصفر وأخضر وأزرق وأبيض وغير ذلك، حتى أقرّ بعضهم لبعض بالتمكين والتصريف. (٢)\n- وكان يقول: إن العبد إذا تمكن من الأحوال بلغ محل القرب من الله تعالى، وصارت همته خارقة للسبع السماوات، وصارت الأرضون كالخلخال برجله، وصار صفة من صفات الحق جل وعلا، لا يعجزه شيء، وصار الحق تعالى يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، قال ويدل لما قلناه ما ورد في بعض الكتب الإلهية، يقول الله ﷿: يا بني آدم أطيعوني أطعكم، واختاروني أختركم، وارضوا عني أرض عنكم، وأحبوني أحبكم، وراقبوني أراقبكم، وأجعلكم تقولون للشيء كن فيكون. (٣)\n- ومنهم الشيخ سويد السنجاري ﵁ ... وهو أحد من ملكه الله تعالى التصرف في العالم، وجمع له بين علمي الشريعة والحقيقة. (٤)\n- ومنهم الشيخ حياة بن قيس الحراني رضي الله تعالى عنه ... وهو\n_________\n(١) الطبقات (١/ ١١٠).\n(٢) الطبقات (١/ ١٣٨).\n(٣) الطبقات (١/ ١٤٢).\n(٤) الطبقات (١/ ١٥٢).","vol":"8","page":542},{"text":"أحد الأربعة الذين يتصرفون في قبورهم بأرض العراق. (١)\n- وكان يقول: كل بدل في قبضة العارف؛ لأن ملك البدل من السماء إلى الأرض، وملك العارف من العرش إلى الثرى. (٢)\n- وقد كان سهل بن عبد الله التستري ﵁ يقول: أعرف تلامذتي من يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٣)، وأعرف من كان في ذلك الموقف عن يميني، ومن كان عن شمالي، ولم أزل من ذلك اليوم أربي تلامذتي وهم في الأصلاب لم يحجبوا عني إلى وقتي هذا، نقله ابن عربي ﵁ في الفتوحات. (٤)\n- وكان ﵁ يقول: ... حركت ما سكن، وسكنت ما تحرك بإذن الله تعالى وأنا ابن أربع عشرة سنة. (٥)\n- وسافر إلى العراق فتلقاه أشياخها منهم سيدي عبد القادر وسيدي أحمد بن الرفاعي فقالا: يا أحمد مفاتيح العراق والهند واليمن والروم والمشرق والمغرب بأيدينا، فاختر أيّ مفتاح شئت منها، فقال لهما سيدي أحمد ﵁: لا حاجة لي بمفاتيحكما، ما آخذ المفتاح إلا من الفتّاح. (٦)\n- فدار الكلام بينهما فقال سيدي علي: ما تقول في رجل رحى\n_________\n(١) الطبقات (١/ ١٥٣).\n(٢) الطبقات (١/ ١٥٦).\n(٣) الأعراف الآية (١٧٢).\n(٤) الطبقات (١/ ١٨٣).\n(٥) الطبقات (١/ ١٨٣).\n(٦) الطبقات (١/ ١٨٣).","vol":"8","page":543},{"text":"الوجود بيده يدورها كيف شاء؟ فقال له سيدي محمد ﵁: فما تقول فيمن يضع يده عليها فيمنعها أن تدور؟ فقال له سيدي علي: والله كنا نتركها لك، ونذهب عنها ... (١)\n- كان ﵁ من الرجال المتمكنين أصحاب التصريف ... وكان ﵁ يقول كثيرًا: كنت أمشي بين يدي الله تعالى تحت العرش، وقال لي كذا وقلت له كذا، فكذبه شخص من القضاة فدعا عليه بالخرس، فخرس حتى مات ... (٢)\n(التعليق:\nانظر رعاك الله إلى هذه الأقوال المشينة المخالفة لأبجديات عقيدة المسلم، كيف يتفوّه امرؤ عاقل بمثلها؟ بل كيف يترضى على أصحابها؟\n\n٢ - اطلاع أولياء الشعراني على الغيب ورؤيتهم اللوح المحفوظ:\nقال الشعراني:\n- هو أحد أئمة القوم، ومن أكابر علمائهم المتكلمين في علوم الإخلاص والرياضات وغيوب الأفعال ... (٣)\n- وكان يقول في قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٤):\n_________\n(١) الطبقات (٢/ ٩٠).\n(٢) الطبقات (٢/ ١٠٤).\n(٣) الطبقات (١/ ٧٧).\n(٤) النساء الآية (٨٣).","vol":"8","page":544},{"text":"المستنبط هو الذي يلاحظ الغيب أبدًا، فلا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه شيء. وقال في قوله: ﴿لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (١): المتوسم هو الذي يعرف الوسم وهو العارف بما في سويداء القلب ... (٢)\n- وكان يقول: إذا امتحن القلب بالتقوى ترحل عنه حب الدنيا وحب الشهوات، واطلع على المغيبات، ومن لم يمتحن قلبه بالتقوى لا يبرح عن حبّ الدنيا، ولم يزل محجوبًا عن المغيبات ... (٣)\n- ... وحفظ حكم السر يوسع قدرة الاطلاع على مكامن المكنونات ... (٤)\n- هو أوحد الأئمة، أبرز الله تعالى له المغيبات، وخرق له العادات ... (٥)\n- وكان يقول: ما أخذت العهد قط على مريد حتى رأيت اسمه مكتوبًا في اللوح المحفوظ، وأنه من أولادي ... (٦)\n- وكان ﵁ يقول: العارف من جعل الله تعالى في قلبه لوحًا منقوشًا بأسرار الموجودات، وبإمداده بأنوار حق اليقين يدرك حقائق تلك السطور على اختلاف أطوارها، ويدرك أسرار الأفعال فلا تتحرك حركة ظاهرة أو باطنة في الملك والملكوت إلا ويكشف الله تعالى له عن بصيرة إيمانه\n_________\n(١) الحجر الآية (٧٥).\n(٢) الطبقات (١/ ٩٢).\n(٣) الطبقات (١/ ١٢٥).\n(٤) الطبقات (١/ ١٣٧).\n(٥) الطبقات (١/ ١٣٩).\n(٦) الطبقات (١/ ١٤٩).","vol":"8","page":545},{"text":"وعن عيانه فيشهدها علمًا وكشفًا ... (١)\n- وكان ﵁ يقول: إذا كمل العارف في مقام العرفان أورثه الله علمًا بلا واسطة، وأخذ العلوم المكتوبة في ألواح المعاني ففهم رموزها وعرف كنوزها .. وأطلعه الله على العلوم المودعة في النقط، ولولا خوف الإنكار لنطقوا بما يبهر العقول ... وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء، وما في البر والبحر، وما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء، وما في جباه الإنس والجان، مما يقع لهم في الدنيا والآخرة، وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب بلا كتابة من جميع ما فوق الفوق وما تحت التحت، ولا عجب من حكيم يتلقى علمًا من حكيم عليم ... (٢)\n- وكان ﵁ يقول: إن أولياء الله يطلعون على أمور لم يطلع عليها العلماء، فلا يسع الخائف على دينه إلا الأدب والتسليم. (٣)\n- وهو أحد من أظهره الله تعالى إلى الوجود وصرفه في الكون ... وأنطقه بالمغيبات ... (٤)\n- عن أبي الحسن الشاذلي ﵁ أنه كان يقول: سيظهر بمصر رجل يعرف بمحمد الحنفي يكون فاتحًا لهذا البيت، ويشتهر في زمانه ويكون له شأن عظيم، وفي رواية أخرى عن الشاذلي ﵁: يظهر بمصر\n_________\n(١) الطبقات (١/ ١٥٣).\n(٢) الطبقات (١/ ١٦٩ - ١٧٠).\n(٣) الطبقات (٢/ ٧٦).\n(٤) الطبقات (٢/ ٨٩).","vol":"8","page":546},{"text":"شاب يعرف بالشاب التائب، حنفي المذهب اسمه محمد بن حسن وعلى خده الأيمن خال، وهو أبيض اللون مشرب بحمرة، وفي عينيه حور ويربى يتيمًا فقيرًا. (١)\n- ... فيقول الشيخ ﵁ لذلك الشخص: أما تسأل؟ فلو سألتني شيئًا لم يكن عندي أجبتك من اللوح المحفوظ ... (٢)\n- وكان آخر عمره مقعدًا، ويتكلم على أخبار سائر الأقاليم من أطراف الأرض، وكانت له نصرانية تعتقده في بلاد الإفرنج، فنذرت إن عافى الله ولدها أن تصنع للفرغل بساطًا، فكان يقول: هاهم غزلوا صوف البساط، هاهم دوروا الغزل على المواسير، هاهم شرعوا في نسجه، هاهم أرسلوه، هاهم نزلوه المركب، هاهم وصلوا إلى المحل الفلاني ثم الفلاني، فقال يومًا: واحد يخرج يأخذ البساط؛ فإنه قد وصل على الباب فخرجوا فوجدوا البساط على الباب كما قال الشيخ ﵀. (٣)\n- كان ﵁ إذا دخل بلدًا سلم على أهلها كبارًا وصغارًا بأسمائهم حتى كأنه تربّى بينهم. (٤)\n- وكان ﵁ يخبر بالوقائع في مستقبل الزمان للولاة، فيقع كما أخبر لا يخطئ. (٥)\n_________\n(١) الطبقات (٢/ ٩٠).\n(٢) الطبقات (٢/ ٩٧).\n(٣) الطبقات (٢/ ١٠٤).\n(٤) الطبقات (٢/ ١٤٢).\n(٥) الطبقات (٢/ ١٤٣).","vol":"8","page":547},{"text":"- وكان قد أعطاه الله تعالى التمييز بين الأشقياء والسعداء في هذه الدار. (١)\n- وكان محل كشفه اللوح المحفوظ ... (٢)\n- وكان يخبر بوقائع الزمان المستقبل، وأخبرني سيدي علي الخواص ﵁ أن الله تعالى يطلع الشيخ شعبان على ما يقع في كل سنة من رؤية هلالها، فكان إذا رأى الهلال عرف جميع ما فيه مكتوبًا على العباد. (٣)\n(التعليق:\nما ترك هؤلاء لله ﷿ من علم الغيب؟ وهو القائل سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤) و﴿وعنده مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٥) والقائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (٦).\nوأين هم من النبي - ﷺ - القائل كما حكى الله عنه آمرًا له بذلك: ﴿قل\n_________\n(١) الطبقات (٢/ ١٥٠).\n(٢) الطبقات (٢/ ١٥٠).\n(٣) الطبقات (٢/ ١٨٥).\n(٤) النمل الآية (٦٥).\n(٥) الأنعام الآية (٥٩).\n(٦) لقمان الآية (٣٤).","vol":"8","page":548},{"text":"لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ (١).\nبل لِمَ لُعن الكهنة والعرافون إلا لادعائهم الغيب؟\n\n٣ - تلقي أولياء الشعراني الوحي عن الله مباشرة، أو بواسطة المَلَك:\nقال الشعراني في كتابه الأنوار القدسية وهو يحكي عن نفسه: فبينما أنا بالفسطاط مقابل الروضة بمصر، أخذتني حالة بين النائم واليقظان، فسمعت هاتفًا أسمع صوته ولا أرى شخصه، يقول على لسان الحق ﷾: عبدي لو أطلعتك على جميع الكائنات وعدد الرمال واسم كل ذرة منه، والنبات وأسمائها وأعمارها، والحيوانات وأعمارها وأنسابها إلى أصولها من الوحش والطيور والحشرات وسائر الدواب، وكشفت لك عن ملكوت السموات والأرض والجنة والنار وما فيهن ظاهرًا وباطنًا ... (٢)\nوقال أيضًا عن نفسه: ولو أن أبا حامد وغيره اجتمعوا في زمانهم بكامل من أهل الله، وأخبرهم بتنزل الملك على الولي، لقبلوا ذلك، ولم ينكروه، وقد نزل علينا ملك ولله الحمد. (٣)\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٨٨).\n(٢) انظر هامش الطبقات (١/ ٢ - ٣).\n(٣) الطبقات.","vol":"8","page":549},{"text":"قال: وقد كان سهل بن عبد الله التستري ﵁ يقول: أعرف تلامذتي من يوم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (١)، وأعرف من كان في ذلك الموقف عن يميني، ومن كان عن شمالي، ولم أزل من ذلك اليوم أربي تلامذتي وهم في الأصلاب لم يحجبوا عني إلى وقتي هذا .. وكان ﵁ يقول: أشهدني الله تعالى ما في العلا وأنا ابن ست سنين، ونظرت في اللوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين، وفككت طلسم السماء وأنا ابن تسع، ورأيت في السبع المثاني حرفًا معجمًا حار فيه الجن والإنس ففهمته ... (٢)\nوقال الشعراني عن أوليائه: وكان ﵁ يقول: إذا صلح القلب صار مهبط الوحي والأسرار. (٣)\n- وكان ﵁ يقول: لو أخذت من ربي ﷿ عهدًا أن لا تحرق النار جسدًا دخل تربتي. (٤)\n- فرأيت الحق جل وعلا، فقال لي: يا عبدي قد جعلتك من صفوتي في أرضي، وأيدتك في جميع أحوالك بروح مني، وأقمتك رحمة لخلقي، فاخرج إليهم، واحكم فيهم بما علمتك من حكمي، وأظهر لهم بما أيدتك به من آياتي، فاستيقظت وخرجت إلى الناس فهرعوا إليَّ من كل جانب، ﵁. (٥)\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٧٢).\n(٢) الطبقات (١/ ١٨٣).\n(٣) الطبقات (١/ ١٤١ - ١٤٢).\n(٤) الطبقات (١/ ١٣٢).\n(٥) الطبقات (١/ ١٣٩).","vol":"8","page":550},{"text":"- وكان ﵁ يقول: عليكم بتصديق القوم في كل ما يدعون، فقد أفلح المصدقون، وخاب المستهزئون، فإن الله تعالى يقذف في سرّ خواصّ عباده ما لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل. (١)\n- وكان ﵁ يقول: أنا موسى ﵇ في مناجاته ... أنا في السماء شاهدت ربي، وعلى الكرسي خاطبته .. وما كان ولي متصلًا بالله تعالى إلا وهو يناجي ربه كما كان موسى ﵇ يناجي ربه ... وإن الله ﷿ خلقني من نور رسول الله - ﷺ -، وأمرني أن أخلع على جميع الأولياء بيدي. (٢)\n(التعليق:\nفما عسى أن يقول العاقل إذا قرأ أو سمع مثل هذا الكلام! متى سُمع عن صحابيّ من أصحاب النبيّ - ﷺ - أن الله كلّمه مباشرة أو جالسه، أو أنزل عليه مَلَكًا؟ وهم ﵃ خير الناس بعد الأنبياء على الإطلاق. فكيف يزعم الشعراني وأضرابه مرتبة لهم أفضل من مرتبة الصحابة؟ بل كيف يتخذ هؤلاء الأنذال لأنفسهم طريقًا غير طريق النبي - ﷺ -؟ والأولى أن نقول: كيف يزعم هؤلاء أنه يوحى إليهم مثل النبي - ﷺ -؟ يكفينا فيهم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣).\n_________\n(١) الطبقات (١/ ١٧٣).\n(٢) الطبقات (١/ ١٨١).\n(٣) الأنعام الآية (٩٣).","vol":"8","page":551},{"text":"٤ - اجتماع أولياء الشعراني بالخضر ﵇:\nزعم المتصوفة اجتماعهم بالخضر صاحب موسى ﵉، ومذاكرتهم له، وأخذهم العلم عنه.\nقال الشعراني في طبقاته:\n- ... وكان يجتمع بالخضر ﵇، وذلك أدلّ دليل على ولايته، فإن الخضر لا يجتمع إلا بمن حقت له قدم الولاية المحمدية. (١)\n- وكان ﵁ يقول: دخلت داري يومًا فإذا رجل جالس في الدار، فقلت له: كيف دخلت داري بغير إذني، فقال: أنا أخوك الخضر، فقلت: ادع الله تعالى لي. فقال ﵇: هوّنَ الله عليك طاعته. (٢)\n- وكان يقول: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة، فقال لي: اجتمعت بالخضر ﵇، فقدم لي قدحًا أخضر فيه رائحة السكباج، فقال لي: كل يا إبراهيم، فرددته عليه، فقال: إني سمعت الملائكة تقول: من أُعطِيَ فلم يأخذ سأل فلا يُعطى. (٣)\n- وكان ﵁ يقول: علّمني الخضر ﵇ رقية للوجع، فقال: إن أصابك وجع فضع يدك على الموضع وقل: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (٤) فلم أزل أقولها على الوجع فيذهب لساعته. (٥)\n_________\n(١) الطبقات (٢/ ١٢٥).\n(٢) الطبقات (١/ ٧٢).\n(٣) الطبقات (١/ ٧٦).\n(٤) الإسراء الآية (١٠٥).\n(٥) الطبقات (١/ ٨٢).","vol":"8","page":552},{"text":"- وكان يقول: لقيت الخضر ﵇ في بادية، فسألني الصحبة فخشيت أن يفسد عليّ توكلي بالسكون إليه ففارقته. (١)\n- وكان ﵁ كثيرًا ما يجتمع بالخضر ﵇، وكان يطبخ طعام القمح كثيرًا، فقيل له في ذلك، فقال ﵁: إن الخضر ﵇ زارني ليلة فقال: اطبخ لي شوربة قمح، فلم أزل أحبها لمحبة الخضر ﵇ لها. (٢)\n- وكان الخضر ﵇ يحضر مجلسه مرارًا، فيجلس على يمينه، فإن قام الشيخ، قام معه، وإن دخل الخلوة شيعه إلى باب الخلوة ... (٣)\n(التعليق:\nانظر رعاك الله كيف لَبَّسَ الشيطان على هؤلاء المغفلين فأراهم أشباحًا لا حقيقة لها، ثم هم يزعمون أنه الخضر، أيّ خضر هذا؟ أما خضر موسى فقد مات منذ أمد بعيد، هذا الذي عليه المحققون من أهل العلم، وأما خضر هؤلاء الصوفية فهو من شياطين الجن، إن صدق القوم في دعواهم، وإلا فهو أسطورة من اختلاق أربابهم وكبرائهم.\n\n٥ - زعمهم أن موتاهم من الأولياء يتصرفون ويقضون حوائج الناس:\nقال الشعراني وهو يحكي عن بيعته التي بايع بها السيد أحمد البدوي\n_________\n(١) الطبقات (١/ ٩٧).\n(٢) الطبقات (١/ ١٥٩).\n(٣) الطبقات (٢/ ١٠٠).","vol":"8","page":553},{"text":"وهو في قبره: ... قد كان أخذ عليَّ العهد في القبلة تجاه وجه سيدي أحمد ﵁، وسلمني إليه بيده فخرجت اليد الشريفة من الضريح وقبضت على يدي، وقال: سيدي يكون خاطرك عليه، واجعله تحت نظرك، فسمعت سيدي أحمد ﵁ من القبر يقول: نعم ... وفرش لي فرشًا فوق ركن القبة التي على يسار الداخل وطبخ لي حلوى، ودعا الأحياء والأموات إليه وقال: أزل بكارتها هنا ... وأخبرني أن سيدي أحمد ﵁ كان ذلك اليوم يكشف الستر عن الضريح ويقول أبطأ عبد الوهاب ما جاء ... ثم أراني خلقًا كثيرًا من الأولياء وغيرهم الأحياء والأموات. (١)\n- قال الشعراني: ... فلما مات وسوّوا عليه اللبن وقعت عليه لبنة فإذا هو قائم يصلي في قبره ... ولما مات كان الناس يسمعون من قبره تلاوة القرآن رضي الله تعالى عنه. (٢)\n- وقال أيضًا: ولما وضعوه في لحده نهض قائمًا يصلي واتسع له القبر وأغمي على من كان نزل قبره ... (٣)\nوغير هذه كثير، وإنما هي غيض من فيض، يكفينا منها ما ذكرنا للدلالة على المقصود.\nأقول: هذه هي الصوفية المسعورة، وهؤلاء هم رجالاتها، ومربّو أجيالها.\n_________\n(١) الطبقات (١/ ١٨٦).\n(٢) الطبقات (١/ ٣٦).\n(٣) الطبقات (١/ ١٤٠).","vol":"8","page":554},{"text":"أما حمق مشايخها وجنونهم فلدينا منه الأمثلة الكثيرة، أعرضنا عن ذكرها قصدًا.\nوأما سلوكاتهم وأخلاقهم فاسمعها من الشعراني يحكيها عن أوليائه، وليته ما ذكرها!! فهي تنبئ عن سفاهة، وقلة مروءة، وذهاب حياء. والعجب كيف يترضّى الشعراني عن أصحابها ومرتكبيها.\nقال الشعراني:\n- وكان أهل مصر لا يمنعون حريمهم منه في الرؤية والخلوة، فأنكر عليه بعض الفقهاء، فقال: يا فقيه اشتغل بنفسك، فإنه بقي من عمرك سبعة أيام وتموت، فكان كما قال. (١)\n- وقد رأى السيد عبد القادر الجيلي لمريده أنه لا بد له أن يزني بامرأة سبعين مرة، فقال: يا رب اجعلها في النوم، فكان كذلك ... وكان ﵁ يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - وقال لي: كَنِّ أصحابك فلانًا كذا، وفلانًا كذا، وكَنِّ فلانًا أبا الظهور لأنه يتبع ظهور النساء ببصره ولا عليك منه. (٢)\n- وكان الشويمي ﵁ يدخل بيت الشيخ يحسس بيده على النساء، فكنَّ يشكين لسيدي مدين ﵁ فيقول: حصل لكم الخير فلا تشوّشوا. (٣)\n- وأخبرني الشيخ شمس الدين البوصيري ﵁ أَجَلُّ أصحابه\n_________\n(١) الطبقات (١/ ١٥٧).\n(٢) الطبقات (٢/ ٧٢).\n(٣) الطبقات (٢/ ١٠٣).","vol":"8","page":555},{"text":"قال: لم يزل الشيخ يمتحنني إلى أن مات، وأراني ضرب المقارع على أجنابي من الدعاوي التي كان يدعيها علي عند الحكام، قال: وكنت أعترف عند الحكام إيثارًا لجناب الشيخ أن يُرَدَّ قوله، فإذا قال: هذا زنى بجاريتي، أقول: نعم، أو يقول: هذا أراد الليلة أن يقتلني، أقول: نعم، أو يقول: هذا سرق مالي، أقول: نعم. (١)\n- وكان ﵁ إذا غلب عليه الحال نزع ثيابه وصار عريانًا ليس في وسطه شيء. (٢)\n- وكان ﵁ إذا رأى امرأة أو أمرد راوده عن نفسه، وحسس على مقعدته، سواء كان ابن أمير أو ابن وزير، ولو كان بحضرة والده أو غيره، ولا يلتفت إلى الناس ولا ينكر عليه من أحد. (٣)\n- وكان يتكلم بالكلام الذي يستحى منه عرفًا، وخطب مرة عروسًا فرآها فأعجبته فتعرى لها بحضرة أبيها، وقال لها: انظري أنت الأخرى حتى لا تقولي بعد ذلك بدنه خشن، أو فيه برص أو غير ذلك، ثم مسك ذكره، وقال: انظري هل يكفيك هذا؟ وإلا فربما تقولي هذا ذكره كبير لا أحتمله، أو يكون صغيرًا لا يكفيك فتقلقي مني وتطلبي زوجًا أكبر آلة مني. (٤)\n- وكان إذا رأى شيخ بلد أو غيره ينزله من على الحمارة ويقول له: أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها، فإن أبى شيخ البلد تسمر في الأرض لا\n_________\n(١) الطبقات (٢/ ١٣٠).\n(٢) الطبقات (٢/ ١٣٠).\n(٣) الطبقات (٢/ ١٣٥).\n(٤) الطبقات (٢/ ١٨٤).","vol":"8","page":556},{"text":"يستطيع يمشي خطوة، وإن سمع حصل له خجل عظيم والناس يمرون عليه. (١)\n- وكان ﵁ عريانًا لا يلبس إلا قطعة جلد أو بساط أو حصير أو لباد، يغطي قبله ودبره فقط، وكان يرى حلال زينة الدنيا كالحرام في الاجتناب. (٢)\n(التعليق:\nفهل يسع عاقلًا بعد هذا أن ينسب نفسه إلى هذا المستنقع الذي هؤلاء هم أسياده وأشياخه؟ اللهم، فلا. ونعوذ بالله من أناس هذا حالهم، وهذه أخلاقهم وصفاتهم. ونعوذ بالله من منافح عنهم وعن أفكارهم. ونسأل الله ﷿ أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه.\n\nعلي بن سلطان القاري (٣) (١٠١٤ هـ)\nنور الدين علي بن سلطان بن محمد الهروي المكي الحنفي، وقد عرف بالقاري لأنه كان إماما في القراءات، وكان أيضا فقيها محدثا أصوليا مفسرا مقرئا مؤرخا نحويا أدبيا. ولد بهراة من مدن خراسان، وتلقى عن علمائها ثم رحل إلى مكة فاستقر بها.\nأخذ العلم في مكة عن أبي الحسن البكري والسيد زكرياء الحسيني تلميذ العالم الرباني إسماعيل الشرواني وعبد الله السندي وغيرهم. صنف\n_________\n(١) الطبقات (٢/ ١٥٠).\n(٢) الطبقات (٢/ ١٨٦).\n(٣) البدر الطالع (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦) والأعلام للزركلي (٥/ ١٢ - ١٣).","vol":"8","page":557},{"text":"القاري في علوم كثيرة منها: الفقه والحديث والتفسير والقراءات وأصول الفقه وعلم الكلام والفرائض وغيرها.\nأهم مؤلفاته: مرقاة المفاتح شرح مشكاة المصابيح، وفتح باب العناية بشرح النقاية، وشرح ثلاثيات البخاري، وشرح الفقه الأكبر، والمصنوع في معرفة الموضوع وغيرها.\nوقد تأثر القاري بصوفية أهل زمانه، فشغف بهم وألف في فنونهم، لكن لم يصل به الحد إلى الحلول والاتحاد.\nكانت وفاته بمكة في شوال في سنة أربع عشرة وألف ودفن بالمعلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2999>موقفه من المشركين:</span>\nله كتاب رد الفصوص (١)، وكتاب فر العون ممن يدعي إيمان فرعون (٢) سخر قلمه فيهما للرد على قائد الاتحادية ابن عربي الحاتمي محذرا منه ومن مذهبه الخبيث، مع أن القاري نفسه ينتسب إلى طريقة التصوف بل وألف لهم مؤلفات في ذلك، فتنبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3000>موقفه من الرافضة:</span>\nله مؤلفات طيبة في ذم الروافض:\n١ - 'رسالة في سب أصحاب النبي - ﷺ - '، ذكره القاري نفسه في كتابه 'الأسرار المرفوعة' (٣) حين تكلم عن سب الصحابة فقال: وقد كتبت في\n_________\n(١) انظر الأعلام (٥/ ١٣).\n(٢) انظر إيضاح المكنون (٤/ ١٨٧).\n(٣) (ص.٢١٩).","vol":"8","page":558},{"text":"المسألة رسالة مستقلة.\n٢ - 'سلالة الرسالة في ذم الروافض من أهل الضلالة'.\n٣ - 'شم العوارض في ذم الروافض'.\n\nعلي الهِيتِي (١) (كان حيا سنة ١٠٢٥ هـ)\nعلي بن أحمد الهيتي لغوي متفقه. نسبته إلى هِيت في العراق. كان إماما في جامع الحسين بالقاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3002>موقفه من الرافضة:</span>\nألف في الرد على أهل هذه النحلة كتابان:\n- 'السيف الباتر لرقاب الشيعة والرافضة الكوافر'، وهو مطبوع محقق.\n- 'فضائل الصحابة والحث على محبتهم'.\n\nمَرْعِي بن يوسف الحنبلي (٢) (١٠٣٣ هـ)\nمرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي ثم المقدسي، العالم المفسر المحدث الفقيه الأصولي النحوي. أخذ عن محمد المرداوي والقاضي يحيى الحجاوي وأحمد الغنيمي وغيرهم. تصدر للإقراء والتدريس بجامع الأزهر، وكان منهمكا على تحصيل العلوم انهماكا كليا. قال المحبي: كان فقيها، محدثا، إماما، ذا اطلاع واسع على نقول الفقه ودقائقه، ومعرفة تامة بالعلوم النقلية\n_________\n(١) معجم المؤلفين (٧/ ٣٢) هدية العارفين (١/ ٧٥٤) والأعلام (٤/ ٢٥٨).\n(٢) الأعلام (٧/ ٢٠٣) والسحب الوابلة (٣/ ١١١٨ - ١١٢٥) ومعجم المؤلفين (١٢/ ٢١٨).","vol":"8","page":559},{"text":"والعقلية وجميع العلوم المتداولة، له فيها اليد الطولى. كانت وفاته بمصر سنة ثلاث وثلاثين وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3004>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار:\n١ - 'أقاويل الثقات في الأسماء والصفات' وقد سجل رسالة علمية في جامعة أم القرى ونوقش. وهو عبارة عن مقارنة بين بعض أقوال شيخ الإسلام الذي يمثل الاتجاه السلفي وغيره ممن يمثل الاتجاه الخلفي، وقد اعتمد في هذا الاتجاه الأخير على القرطبي، وكذلك الطوفي الرافضي. والكتاب قليل الفائدة في نظري.\n٢ - 'ترجمة لشيخ الإسلام ابن تيمية' وهو مطبوع كذلك مع مجموعة من الكتب السلفية.\n\nأحمد بن عبد الأحد السرهندي (١) (١٠٣٤ هـ)\nأحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي مجدد الألف الثاني من الهجرة النبوية، ولد من بيت عريق في المجد والعلم سنة إحدى وسبعين وثمانمائة للهجرة، ونشأ في بيئة دينية صالحة.\nمن علماء الهند الأفذاذ الذين أحيى الله بهم السنة وأمات بهم الكفر والبدعة، فتابعه على هذا الأمر خلق كثير نفعهم الله بدعوته. وكان ﵀\n_________\n(١) تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (٩٧ - ١١٧) وأبجد العلوم (٣/ ١٨٠ - ١٨١) وهدية العارفين (١/ ١٨٦) والأعلام (١/ ١٤٢ - ١٤٣).","vol":"8","page":560},{"text":"سيفا مسلولا على الصوفية وأذنابهم. توفي ﵀ سنة أربع وثلاثين وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3006>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند عنه قال: ومن حيث أن البدعة قد ظهرت وفشت، يتراءى أن العالم غارق في بحر من الظلمات، قد غرق العالم كله في بحر البدعة وارتطم في ظلماتها، فمَنْ للسنة يقوم لها ويذب عنها ويرد كيد المبتدعين في نحورهم؟! وعلماء عصرنا أكثرهم من الممالئين للبدعة وأعداء السنة الساعين في القضاء عليها. (١)\n- وقال أيضًا: النصيحة هي الدين، ومتابعة سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام وإتيان السنة السنية، والاجتناب عن (كذا) البدعة اللامرضية، وإن كانت البدعة ترى مثل فلق الصبح، لأنه في الحقيقة لا نور فيها ولا ضياء، ولا للعليل منها شفاء، ولا للداء منها دواء. كيف والبدعة إما رافعة للسنة أو ساكتة عنها. والساكتة لا بد وأن تكون زائدة على السنة، فتكون ناسخة لها في الحقيقة أيضًا، لأن الزيادة على النص نسخ له. فالبدعة كيف كانت تكون رافعة للسنة، نقيضة لها، فلا خير فيها ولا حسن فيها. ليت شعري من أين حكموا بحسن البدعة المحدثة في الدين الكامل؟!\n- وورد في مكتوب له آخر إلى بعض أصحابه: يسأل هذا الفقير إلى الله متضرعا إليه تعالى سبحانه أن يقيه والذين معه شرور كل ما استحدث في الدين وابتدع مما لم يكن له أثر في زمن النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين رضي الله\n_________\n(١) تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (ص.١٠٠ - ١٠١).","vol":"8","page":561},{"text":"عنهم أجمعين، وأن يتراءى للناظر مستنيرا مثل فلق الصبح، يدعو الله أن يجعلنا في منجاة من تلك البدع المستحدثة. يقولون: إن البدعة تنقسم إلى نوعين: الحسنة والسيئة. أما هذا العاجز فلا يرى في شيء من هذه البدعة حسنا ولا نورا، ولا يشاهد فيها إلا ظلمة وقذرا.\nوقد قال سيد البشر عليه وعلى آله التسليمات: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١)، وقال ﵊: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٢)، فإذا ثبت أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، فأي معنى لوجود الحسن في البدعة وأي علاقة بينهما؟! (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3007>موقفه من الرافضة:</span>\nقال: ... ولكنه لما ألف كتابه في الرد على الروافض، وانتقد أعمالهم وعقائدهم علنا، كاد له بعض أفراد الشيعة، وأضمروا له في قلوبهم العداوة يتحينون الفرص لاضطهاده، فوشوا به إلى الملك ... حتى أرسل إليه الملك وأمر بإحضاره ... ولما دخل على الملك حياه بتحية الإسلام ولم يسجد له شأن أهل زمانه، فاستشاط أمراء المملكة غضبا، وانتهزوا الفرصة للتنكيل به. لكن المجاهد أبى إلا أن يصدع بالحق ويندد برجال الملك وأعمالهم المنكرة المعادية للدين الحنيف، فما كان من الملك إلا أن أمر بحبسه في سجن كوايار. (٤)\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف ابن رجب سنة (٧٩٥هـ).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٣) تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (ص.١٠٩ - ١١٠).\n(٤) تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (ص.١٠١).","vol":"8","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3008>موقفه من الصوفية:</span>\nقال ﵀ في تاريخ الدعوة الإسلامية عنه: إياك وأن تنخدع بترهات الصوفية، وتزعم أن غير الحق والحق جل وعز شأنه كلاهما واحد لا فرق بينهما. (١)\nوقال: إنما المعتبر في إثبات الأحكام الشرعية الكتاب والسنة، والقياس والإجماع أيضا مما تثبت به الأحكام. وليس هناك حجة أخرى غير هذه الأربعة في إثبات الأحكام الشرعية، أما إلهام الأولياء فلا يحل حراما ولا يحرم حلالا. وكذلك (كشوف) الصوفية لا عمل لها في وجوب شيء من الأحكام أو جعلها سنة، والذين حظوا بالولاية الخاصة من الصوفية لا فرق بينهم وبين العامة في تقليدهم الأئمة المجتهدين. (٢)\n\nأحمد بن عبد القادر الرومي (٣) (١٠٤١ هـ)\nأحمد بن عبد القادر الرومي: فاضل ومحدث من أهل آقحصار في تركيا. له كتب منها مجالس الأبرار ومسالك الأخيار. ومختصر إغاثة اللهفان. والمجالس الرومية في نهار العربية. توفي سنة إحدى وأربعين وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3010>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال: في 'مجالس الأبرار': فلابد لك أن تكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليه الجمهور، فلا يغرنك اتفاقهم على ما أحدث بعد\n_________\n(١) تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (ص.١١٤).\n(٢) تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند (ص.١١٥ - ١١٦).\n(٣) معجم المؤلفين (١/ ٢٢٤) الأعلام (١/ ١٥٣)","vol":"8","page":563},{"text":"الصحابة، بل ينبغي لك أن تكون حريصا على التفتيش عن أحوالهم وأعمالهم، فإن أعلم الناس وأقربهم إلى الله أشبههم بهم وأعرفهم بطريقهم إذ منهم أخذ الدين، وهم أصول في نقل الشريعة عن صاحب الشرع وقد جاء في الحديث: «إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم» (١) والمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف كثيرا، لأن الحق ما كان عليه الجماعة الأولى وهم الصحابة ولا عبرة بكثرة الباطل بعدهم. (٢)\n\nعبد الباقي بن عبد الباقي (ابن فقيه فصة) (٣) (١٠٧١ هـ)\nعبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر البعلي، الأزهري، الدمشقي، الأثري، المشهور بـ\"البدر\" ثم بـ \"ابن فقيه فصة\". وفصة: قرية ببعلبك من جهة دمشق. ولد في السنة الخامسة بعد الألف للهجرة. وارتحل إلى دمشق، وأخذ عن مجموعة من الشيوخ كأمثال الشيخ أحمد المفلحي والعلامة عمر القارئ وغيرهما. وأخذ عنه ولده أبو المواهب والشيخ إبراهيم الكوراني وغيرهما.\nتوفي ﵀ سنة إحدى وسبعين وألف للهجرة، ودفن في مقبرة الفراديس.\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف الطوسي سنة (٢٤٢هـ).\n(٢) صيانة الإنسان (٣٠٨).\n(٣) الأعلام (٣/ ٢٧٢) وهدية العارفين (١/ ٤٩٧) والسحب الوابلة (٢/ ٤٣٩ - ٤٤٣).","vol":"8","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3012>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار:\n- 'العين والأثر في عقائد أهل الأثر' وقد طبع الكتاب بحمد الله.\n\nناصر الدين أبو بكر بن أبهم (١) (١٠٨٥ هـ)\nالإمام الفقيه المجاهد ناصر الدين أبو بكر بن أبهم بن الفغ الشمشوي، عاش في القرن الحادي عشر الهجري، في وسط قبائل من الزوايا تسود فيها المثل العليا والاستقامة والمحافظة على شعائر الإسلام، وتُولِي العلم أهمية قصوى، وقد درس في المحاضر حتى أكمل دراسته فيها، وبرز في العلوم الشرعية، اشتهر بالتقوى والورع والعفة ونصرة السنة ورفع راية الجهاد ضد النصارى. وكان يحث على اتباع السنة ومحاربة البدعة، وكان يتولى تدريس العلم بنفسه ويركز على صحيح البخاري، ويدعو إلى الله تعالى وينظم الإدارة والشؤون المالية. وقد توفي رحمه الله تعالى في جهاد مانعي الزكاة في موقعة ترتلاس عام خمس وثمانين وألف.\nموقفه من المبتدعة:\nجاء في كتاب السلفية وأعلامها في موريتانيا:\n- وقبل دخول الإمام ناصر الدين في حرب ضد مانعي الزكاة من بني حسان وجه لهم خطابا قال فيه: \"اتركونا نحيي السنة، ونقيم حدود الله،\n_________\n(١) السلفية وأعلامها في موريتانيا للشيخ الطيب بن عمر بن الحسين (٢٤٥ وما بعدها).","vol":"8","page":565},{"text":"ونخدم العلم، ونعمر البلاد، ونعدل فيها\".\nغير أن هذا الخطاب -وللأسف- لم يجد آذانا صاغية من بني حسان الذين يقف وراءهم الفرنسيون، إبان ذاك، واندلعت الحرب وعرفت [بشرببه].\nوكادت دعوة الإمام ناصر الدين الإصلاحية أن تنجح فيما تسعى إليه من نشر العقيدة الإسلامية، وتحكيم شرع الله ﷿، على أرضه، لولا أن قبائل بني حسان أدركت تعارض هذه الدعوة مع ما تسعى إليه من سيطرة على البلاد، وأحس كشافة الغرب الرابضون على سواحل المنطقة بتهديدها لسياستهم التي أقاموها مع زعماء بني حسان.\nلذلك كان لهذه الدعوة أعداء في الداخل، وهم قبائل بني حسان الذين يخشون من قيام دولة إسلامية منظمة ذات سلطة مركزية تحد من نفوذهم وتصرفاتهم .. وأعداء في الخارج ممثلين في الفرنسيين. (١)\n- وفيه: إن دعوة الإمام ناصر الدين دعوة سلفية، قامت على التمسك بالكتاب والسنة، واقتفاء آثار السلف الصالح، والجهاد في سبيل الله، ونشر العقيدة الإسلامية، ومحاربة البدع والمنكرات، ومحاولة استنهاض القوى الإسلامية، والعودة بالمجتمع إلى ما كان عليه المسلمون في صدر الإسلام، وأعادت هذه الدعوة إلى الأذهان صورة المجتمع الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين. (٢)\n_________\n(١) السلفية وأعلامها في موريتانيا (٢٥٢ - ٢٥٣).\n(٢) السلفية وأعلامها في موريتانيا (٢٤٦ - ٢٤٧).","vol":"8","page":566},{"text":"عثمان بن أحمد بن قائد النَّجْدِي (١) (١٠٩٧ هـ)\nعثمان بن عثمان بن أحمد بن قائد النجدي ثم الدمشقي ثم القاهري. ولد في مدينة العيينة، ونشأ فيها، وأخذ عن علمائها، ثم ارتحل إلى دمشق. أخذ عن الشيخ محمد بن موسى البصيري النجدي، ومحمد أبي المواهب مفتي الحنابلة في دمشق وعبد الحي بن العماد صاحب الشذرات وغيرهم. وانتفع به خلق كثير منهم أحمد بن عوض المرداوي النابلسي، ومحمد بن الحاج مصطفى الجيتي ومحمد الجيلي.\nقال الشيخ محمد حسنين مخلوف: أما الشارح -يعني ابن القائد- فيظهر من شرحه أنه فقيه متبحر، وعالم ضليع في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، حسن التأليف جيد السبك والتصنيف.\nوالمترجم ليس على طريقة أكثر الفقهاء المتأخرين في صفات الله تعالى بل هو محقق على طريقة السلف، يظهر ذلك من خلال مصنفاته. توفي سنة سبع وتسعين وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3015>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار:\n١ - 'نجاة الخلف في اعتقاد السلف'.\n٢ - 'تلخيص نونية ابن القيم'.\nذكر ذلك صاحب علماء نجد. (٢)\n_________\n(١) علماء نجد (٣/ ٦٨٣ - ٦٨٥) والأعلام (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣) ومعجم المؤلفين (٦/ ٢٤٩) والسحب الوابلة (٢/ ٦٩٧ - ٦٩٩).\n(٢) (٣/ ٦٨٥ - ٦٨٦).","vol":"8","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3016>إبراهيم بن سليمان الحنفي الأزهري (كان حيا سنة ١١٠٠ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-3017>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في دائرة المعارف الإسلامية: له 'الرسالة المختارة في مناهي الزيارة' بين فيها أن لمس القبور عند زيارتها وتقبيلها والاتكاء عليها مخالف للشرع. (١)\n\nمحمد بن حمد بن عباد الدوسري (٢) (١١٧٥ هـ)\nالشيخ محمد بن حمد بن عباد الدوسري من آل عوسج، ولد في بلدة البير، إحدى قرى المحمل ونشأ فيها. أخذ عن الشيخ فوزان بن نصر الله والشيخ عجلان بن منيع. عين قاضيا لبلدة ثرمداء إحدى مدن الوشم. وكانت له مراسلات مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أول بدء الدعوة. له تاريخ عن حوادث وأخبار نجد مختصر. توفي ﵀ سنة خمس وسبعين ومائة وألف من الهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3020>موقفه من المبتدعة:</span>\nله مراسلات مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب حول مسائل في التوحيد يتحرى فيها مذهب السلف. (٣)\n_________\n(١) دائرة المعارف الإسلامية (٣/ ٢٢٥).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٥١٦ - ٥١٨).\n(٣) انظر روضة ابن غنام (٢/ ٧١ - ٧٦). الدرر السنية (١/ ٦٧ - ٦٩). علماء نجد (٥/ ٥١٧).","vol":"8","page":568},{"text":"الأمير محمد بن سعود (١) (١١٧٩ هـ)\nالإمام الرئيس محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان، أول من لقب بالإمامة من آل سعود في نجد. استقر في الدرعية، ثم ولي الإمارة بعد وفاة أبيه ببضع سنين، وفي سنة سبع أو ثمان وخمسين ومائة وألف وفد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية، فاستقبله الأمير ورحب به، ونصره باللسان والسنان، حتى اتسعت دائرة الدعوة السلفية وامتدت إلى بلدان وأمصار شتى. أحيا السنة وأمات البدعة وجدد الدعوة والجهاد، وأظهر التوحيد، وحارب الشرك. قال الشيخ أحمد بن علي بن مشرف مادحا له ولذريته:\nومهما ذكرت الحي من آل مقرن ... تهلل وجه الفخر وابتسم المجد\nهموا نصروا الإسلام بالبيض والقنا ... فهم للعدا حتف وهم للهدى جند\nغطارفة ما إن ينال فخارهم ... ومعشر صدق فيهم الجد والحد\nوهم أبحر في الجود إن ذكر الندى ... وأن أشعلت نار الوغى فهم الأسد\n\nوقال فيه الشيخ سليمان بن سحمان بعد ثنائه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب:\nوساعده في نصرة الدين والهدى ... أئمة عدله مهتدون ذووا رشد\nوقد نال مجدا أهل نجد ورفعة ... بآل سعود واستطالوا على الضد\nبإظهار دين الله قسرا ودعوة ... إلى الله بالتقوى وبالصارم الهند\n_________\n(١) روضة ابن غنام (١/ ٨٠ - ٨١) والتاج المكلل (ص.٣٠٠ - ٣٠١) والأعلام (٦/ ١٣٨) والدرر السنية (١٢/ ٢٥ - ٣٠).","vol":"8","page":569},{"text":"قال الشيخ صديق خان: وكان عالي الهمة، ثابت العزم، حزوما، ذا خبرة بتقلبات الأيام، بصيرا بعواقب الأمور، حسن الخلق، عذب الفكاهة، أديبا متفننا، زاد في عمارة الدرعية وبنى فيها المساجد والقصور وجعلها حاضرة أمارته، وكان الناس يميلون إليه ويرغبون التقرب منه لكثرة حلمه واتضاع جانبه، وكان يأبى سفك الدماء.\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد العاصمي: وهو أشهر من أن ينبه على سيرته، قد انصبغت في القلوب مودته وظهر حسن خليقته، ونطقت الألسن بحسن طريقته وسارت الركبان بنشر فضيلته، كان في العبادة والزهادة فردا، محافظا على أوراده متأهبا لمعاده. توفي ﵀ سنة تسع وسبعين ومائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3022>موقفه من المبتدعة:</span>\nلقد انتهى بنا المطاف في هذه المسيرة المباركة إلى رجل جعل الله إنقاذ العالم على يديه من ورطة الشرك والخرافات، التي أطبقت على العالم الإسلامي. وقد بين المؤلفون في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب حالة العالم الإسلامي -الأصدقاء والأعداء منهم- بيانا شافيا. ولنمسك الأقلام عن ذكر أعمال هذا الإمام، فإنها تحتاج إلى تأليف خاص وهو جدير بذلك. وينبغي أن يعترف بالفضل لأهله، فإن هذا الرجل له حق الدعاء بالخير على كل سلفي يأتي بعده، فإن الله تعالى بارك في مسيرته، حتى وصلت إلى أرجاء العالم الإسلامي. وسأكتفي بذكر صلته بشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ولقائه به، وبيان الشيخ لهذا الإمام المبارك الدعوة السلفية.","vol":"8","page":570},{"text":"- جاء في روضة ابن غنام: ... فخرج الشيخ سنة سبع أو ثمان وخمسين ومائة وألف من العيينة إلى بلدة الدرعية، فنزل في الليلة الأولى على عبد الله بن سويلم، ثم انتقل في اليوم التالي إلى دار تلميذه الشيخ أحمد بن سويلم، فلما سمع بذلك الأمير محمد بن سعود، قام من فوره مسرعا إليه ومعه أخواه ثنيان ومشاري، فأتاه في بيت أحمد بن سويلم، فسلم عليه، وأبدى له غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده.\nفأخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله - ﷺ - وما دعا إليه، وما كان عليه صحابته ﵃ من بعده وما أمروا به وما نهوا عنه، وأن كل بدعة ضلالة، وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله وأغناهم به وجعلهم إخوانا. ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفتهم لشرع الله وسنة رسوله بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والظلم.\nفلما تحقق الأمير محمد بن سعود معرفة التوحيد، وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية قال له: يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه؛ فأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين: نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا. والثانية: أن لي على الدرعية قانونا آخذه منهم في وقت الثمار وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا.\nفقال الشيخ: أما الأولى فابسط يدك: الدم بالدم والهدم بالهدم. وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها.","vol":"8","page":571},{"text":"فبسط الأمير محمد يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقام الشيخ ودخل معه البلد واستقر عنده. (١)\nالتعليق:\n١ - في هذا النص منقبة للأمير محمد بن سعود وللشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث إن كل واحد منهما تفرس شيئا فحقق الله فراستهما وأمنيتهما.\n٢ - فضيلة العقيدة السلفية.\n٣ - حرص الأمير على الشيخ مما يدل على فضله، وحبه لأهل العلم وخصوصا من كانوا على منهج الشيخ.\n٤ - لا تقوم دعوة إلا بالطريق الذي رسمه الشيخ محمد بن عبد الوهاب للأمير من غير خرافة ولا رفض ولا دجل، إنما هو القرآن والسنة واتباع السلف الصالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3023>الشيخ مربد بن أحمد بن عمر التميمي وعداؤه للدعوة السلفية (١١٨١ ه</span>ـ)\nهذا الرجل وأمثاله من الذين عارضوا وعادوا هذه الدعوة الطيبة، وعملوا جاهدين لتشويه سمعتها وطمس معلمها، وذلك بتلفيق الأكاذيب بها\n_________\n(١) روضة ابن غنام (٨٠ - ٨١).","vol":"8","page":572},{"text":"وأهلها والتحذير منها، وممن كان ضحية تلبيسه الأمير الصنعاني الذي كان قد أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم تراجع عن ذلك بسبب هذا الأفاك الأثيم والعدو اللئيم، عامله الله بما يستحق.\n- جاء في علماء نجد: قال الأمير الصنعاني العالم المشهور: لما طارت الأخبار بظهور عالم في نجد، يقال له محمد بن عبد الوهاب، ووصل إلينا بعض تلاميذه، وأخبرنا عن حقائق أحواله، وتشميره في التقوى، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اشتاقت النفس إلى مكاتبته بهذه الأبيات سنة ١١٦٣هـ وأرسلناها من مكة المشرفة وهي:\nسلام على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي\n\nإلى آخر القصيدة التي مدح فيها الشيخ محمدا ﵀، ودعوته.\nثم قال الأمير بعد ذلك: لما بلغت هذه الأبيات نجد، وصل إلينا بعد أعوام من أهل نجد عالم يسمى: مربد بن أحمد التميمي، وكان وصوله في شهر صفر سنة ١١٧٠هـ وأقام لدينا ثمانية أشهر، وحصل بعض كتب ابن تيمية وابن القيم بخطه، وفارقنا في عشرين شوال سنة ١١٧٠هـ راجعا إلى وطنه ووصل من طريق الحجاز مع الحجاج.\nوكان قد تقدمه في الوصول إلينا الشيخ عبد الرحمن النجدي، ووصف لنا من حال محمد بن عبد الوهاب أشياء أنكرناها، فبقينا مترددين فيما نقله الشيخ عبد الرحمن النجدي، حتى وصل إلينا الشيخ مربد، وله نباهة وأوصل بعض رسائل ابن عبد الوهاب، وحقق لنا أحواله، وكانت أبياتنا قد طارت كل مطار، وأتتنا فيها جوابات من مكة المشرفة ومن البصرة وغيرهما، إلا أنها","vol":"8","page":573},{"text":"جوابات خالية من الإنصاف.\nولما أخذ علينا الشيخ مربد تأكدنا من ذلك، ورأينا أنه يتعين علينا نقض ما قدمناه، وحل ما أبرمناه، فكتبت أبياتا وشرحها هي:\nرجعت عن النظم الذي قلت في النجدي ... فقد صح لي عنه خلاف الذي عندي\nوقد جاءنا من أرضه الشيخ مربد ... فحقق من أحواله كل ما يبد\n\nإلى آخر القصيدة. (١)\n\nمحمد بن بدر الدين (٢) (١١٨٢ هـ)\nمحمد بن بدر الدين الشافعي، سبط الشمس الشرنبابلي. أحد أذكياء العصر ونجباء الدهر، ولد قبل القرن الثاني عشر الهجري بقليل. له شعر جيد وميل لعلم اللغة ومعرفة بالأنساب.\nتوفي ﵀ سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف، وصلي عليه بالأزهر، ودفن بالقرافة عند جده لأمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3025>موقفه من المشركين:</span>\n- له من الآثار: الرد على ابن عربي. (٣)\n_________\n(١) علماء نجد (٦/ ٤١٧ - ٤١٨).\n(٢) معجم المؤلفين (٩/ ١٠٠) وهدية العارفين (٢/ ٣٣٨) وتاريخ الجبرتي (١/ ٣٦٨).\n(٣) انظر عجائب الآثار (١/ ٣٦٨).","vol":"8","page":574},{"text":"محمد بن إسماعيل الصنعاني (١) (١١٨٢ هـ)\nمحمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، صاحب سبل السلام، يعرف بالأمير كأسلافه، الإمام الكبير المجتهد. ولد سنة تسع وتسعين وألف بكحلان، ثم انتقل مع والده إلى صنعاء -وكان من الفضلاء الزاهدين- وأخذ عن علمائها كالعلامة زيد بن محمد بن الحسن والعلامة صلاح الأخفش وغيرهما. وأخذ عنه الشيخ عبد القادر بن أحمد والشيخ محمد بن إسحاق بن المهدي وأحمد بن محمد قاطن وغيرهم. أصيب ﵀ بمحن كثيرة من الجهال والعوام.\nقال عنه الشوكاني: برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، وتفرد برئاسة العلم في صنعاء، وتظهر بالاجتهاد، وعمل بالأدلة، ونفر عن التقليد، وزيف ما لا دليل عليه من الآراء الفقهية. وقال: وبالجملة، فهو من الأئمة المجددين لمعالم الدين. وقال العلامة محمد بن إسحاق المهدي فيه أبياتا، منها:\nلله درك يا ابن إسماعيلا ... لم تتركن فتى سواك نبيلا\nحزت الفخار قليله وكثيره ... هلا تركت من الفخار قليلا\nوسلكت نهج الحق وحدك جاعلا ... نور البصيرة لا سواه حليلا\nوصرفت عمرك في العبادة والإ ... فادة والإجادة بكرة وأصيلا\n\nتوفي ﵀ سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف.\n_________\n(١) تاريخ المخلاف السليماني (٤٢٩) وتاريخ المملكة العربية السعودية (٤٤) والأعلام (٦/ ٣٨) والبدر الطالع (٢/ ١٣٣ - ١٣٩) ومعجم المؤلفين (٩/ ٥٦) وأبجد العلوم (٣/ ١٥٦ - ١٥٧).","vol":"8","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3027>موقفه من المبتدعة:</span>\n- هذا الرجل كان من فحول اليمن، وعاصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتأثر بدعوته ومدحه بقصيدة مشهورة بليغة منها (١):\nسلام على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي\nلقد صدرت من سفح صنعا سقى الحيا ... رباها وحياها بقهقهة الرعد\nسرت من أسير ينشد الريح إن سرت ... ألا ياصبا نجد متى هجت من نجد\nيذكرني مسراك نجدا وأهله ... لقد زادني مسراك وجدا على وجد\nقفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد\nمحمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي\nلقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد\nوما كل قول بالقبول مقابل ... ولا كل قول واجب الطرد والرد\nسوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل ياذا عن الرد\nوأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على قدر الأدلة في النقد\nوقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف لما يبدي\nوينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي\nويعمر أركان الشريعة هادما ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد\n\n- ومنها (٢):\nلقد سرني ماجاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي\n_________\n(١) القصيدة الدالية (٩ - ١١).\n(٢) القصيدة الدالية (١٣ - ١٧).","vol":"8","page":576},{"text":"وأقبح من كل ابتداع سمعته ... وأنكاه للقلب الموفق للرشد\nمذاهب من رام الخلاف لبعضها ... يعض بأنياب الأساود والأسد\nيصب عليه سوط ذم وغيبة ... ويجفوه من قد كان يهواه عن عمد\nويعزى إليه كل ما لا يقوله ... لتنقيصه عند التهامي والنجدي\nفيرميه أهل النصب بالرفض فرية ... ويرميه أهل الرفض بالنصب والجحد\nوليس له ذنب سوى أنه غدا ... يتابع قول الله في الحل والعقد\nويتبع أقوال الرسول محمد ... وهل غيره بالله في الناس من يهدي\nوإن عده الجهال ذنبا فحبذا ... به حبذا يوم انفرادي في لحدي\nعلام جعلتم أيها الناس ديننا ... لأربعة لاشك في فضلهم عندي؟\nهم علماء الدين شرقا ومغربا ... ونور عيون الفضل والحق والزهد\nولكنهم كالناس ليس كلامهم ... دليلا ولا تقليدهم في غد يجدي\nولا زعموا -حاشاهم- أن قولهم ... دليل فيستهدي به كل مستهدي\nبلى صرحوا أنا نقابل قولهم ... إذا خالف المنصوص بالقدح والرد\nسلامي على أهل الحديث فإنني ... نشأت على حب الأحاديث من مهدي\nهم بذلوا في حفظ سنة أحمد ... وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد\nوأعني بهم أسلاف أمة أحمد ... أولئك في بيت القصيد هم قصدي\nأولئك أمثال البخاري ومسلم ... وأحمد أهل الجهد في العلم والجد\nبحور وحاشاهم عن الجزر إنما ... لهم مدد يأتي من الله بالمد\nرووا وارتووا من علم سنة أحمد ... وليس لهم تلك المذاهب من ورد\nكفاهم كتاب الله والسنة التي ... كفت قبلهم صحب الرسول ذوي الرشد","vol":"8","page":577},{"text":"أأنتم أهدى أم صحابة أحمد ... وأهل الكسا هيهات ما الشوك كالورد\nأولئك أهدى في الطريقة منكم ... فهم قدوتي حتى أوسد في لحدي\nوشتان ما بين المقلد في الهدى ومن ... يقتدي والضد يعرف بالضد\n\nتنبيه:\nللصنعاني قصيدة أخرى نقض فيها هذه الأبيات، ورجع عما كان يعتقده في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد ذكرنا آنفا أن سبب تراجعه تلبيس الشيخ مربد عليه وسقنا الخبر كاملا في مواقف ١١٨١هـ.\nوله هنات بعضها في المعتقد ذكرها عبد الله آل بسام في 'علماء نجد'. (١)\nومن مواقفه المشرفة:\n- قال في كتابه 'الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف':\nبسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي له الملك والملكوت، الحي الجبار الذي لا يموت، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (٢)، فليس للعبد تصرف مع مولاه، ولا له تقدم بين يديه ولا شفاعة ولا غيرها إلا بإذنه ورضاه.\nوالصلاة والسلام على من تركنا على الواضحة البيضاء، ليلها كنهارها، وأشرقت شمس نبوته، فامتلأت الأرض بأنوارها. أخرج ابن ماجه،\n_________\n(١) (٦/ ٤١٨ - ٤١٩).\n(٢) مريم الآية (٩٣).","vol":"8","page":578},{"text":"عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نتذاكر الفقر ونتخوفه، فقال: «آلفقر تخافون، والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا، حتى قال: لقد تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (١). وعلى آله الذين بهديه يهتدون، وبه يقتدون.\nواعلم أنه - ﷺ - قد حذر أمته من الابتداع، لما أعلمه الله أن أمته تأتي بالابتداع بأجناس وأنواع، فقال - ﷺ -: «شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢). وقال: «خير الأمور كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٣). وقال: «لا يقبل الله لصاحب بدعة صوما ولا صلاة ولا صدقة ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين» (٤). أخرج هذه الأحاديث ابن ماجه وغيره.\nقلت: ووجه عظمة الابتداع في الدين أنه كالرد على قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤/٥) وصححه الألباني (انظر الصحيحة (٦٨٨».\n(٢) انظر تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف ابن تيمية سنة (٧٢٨هـ).\n(٤) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٩/٤٩) وفيه محمد بن محصن العكاشي. قال عنه البخاري: \"منكر الحديث\". وقال ابن معين: \"كذاب\". وقال الدارقطني: \"يضع الحديث\". انظر الميزان (٣/ ٤٧٦) والحديث حكم عليه بالوضع الشيخ الألباني (انظر الضعيفة ١٤٩٣).\n(٥) المائدة الآية (٣).","vol":"8","page":579},{"text":"فالابتداع بزيادة في الدين أو نقصان منه، فلهذا عظم شأن البدعة التي خرج بها صاحبها من الدين كما تخرج الشعرة من العجين. (١)\n- وقال ﵀ في كتابه 'إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة': ولنقدم قبل المقصود أصلا مهما وهو أن الله ﵎ قد أخبر عن الكفار بأن نظرهم مقصور على اتباع الآباء في كتابه العزيز في غير آية عايبا عليهم ذلك، مثل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (٢)، ﴿قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٣) ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ﴾ (٤) أي ليس لهم مستند سوى ذلك ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٥) ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾ (٦) فهم في جميع الآيات قاصرون نظرهم على اتباع الآباء لحسن الظن بهم، حتى صار ذلك عادة لهم، بل فخرا يعيرون به من خالفهم ويضربون به المثل، حتى سموا محمدا صلى الله عليه وآله\n_________\n(١) الإنصاف (ص.١ - ٢).\n(٢) البقرة الآية (١٧٠).\n(٣) الزخرف الآية (٢٣).\n(٤) هود الآية (١٠٩).\n(٥) الشعراء الآية (٧٤).\n(٦) يونس الآية (٧٨).","vol":"8","page":580},{"text":"وسلم ابن أبي كبشة لأنه عبد ما لم يعبد آباؤه كما عبد أبو كبشة الشعرى، وحتى ذكروا بذلك أبا طالب وهو في طريق الموت وقالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب (١)، ولذلك خص الأبوان في الإخبار عن تغيير الفطرة وأنهما يهودانه وينصرانه (٢)\nولذلك مقت الله الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. وفسر رسول الله ﵌ اتخاذهم بأنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه، كما أخرجه الترمذي عن عدي بن حاتم ﵁ (٣)، فمن عقل وأنصف، فلينظر إلى جميع بني آدم في القديم والحديث في الملل الكفرية ثم المذاهب الإسلامية بعد إخراجه للأنبياء صلى الله عليهم ومن سار سيرتهم من السابقين والتابعين، وقليل ما هم، بالنظر إلى الخليقة فإنه يجد الناس تبعا لما ألفوه من اتباع الآباء بمجرد تقليد وهوى ومحبة للجمود على دين الآباء. (٤)\n-وقال ﵀: وكذلك أهل المذاهب على مذاهب آبائهم منذ أسس الشيطان بدعة التمذهب، لا يتحنف الشافعي ولا يتشفع الحنفي ولا يتشيع الناصبي والخارجي ولا يقول بالاعتزال الجبري ولا بالجبر المعتزلي، وإن وجدت في الألف بل الألوف فردا واحدا فارق ما عليه آباؤه، فلا يخلو عن\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٤٣٣) والبخاري (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥/ ١٣٦٠) ومسلم (١/ ٥٤/٢٤) والنسائي (٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦/ ٢٠٣٤) كلهم من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حزن.\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٩٣) والبخاري (٣/ ٢٨١/١٣٥٨) ومسلم (٤/ ٢٠٤٧/٢٦٥٨) والترمذي (٤/ ٣٨٩ - ٣٩٠/ ٢١٣٨) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" ..\n(٣) سيأتي تخريجه في مواقف المعصومي سنة (١٣٨٠هـ).\n(٤) إيقاظ الفكرة (٤٥ - ٤٨).","vol":"8","page":581},{"text":"دسيسة هوى أو غرض دنيوي، وهو الغالب، إذ الأديان صارت تبعا للدنيا. ولقد اتفق لبعض الشافعية أنه تمذهب بمذهب الزيدية، إما عن نظر منه وهو بعيد جدا أو لغرض آخر، فرماه قومه عن قوس واحدة حتى كأنه ارتد عن الدين ولحق بعبدة الأوثان فقال:\nإذا ما رأوني من بعيد تغامزوا فوالله ما بعت الهدى بضلالة ... علي وقالوا شافعي تزيدا\nولكنني بعت الضلالة بالهدى\n\nوكذلك اتفق لآخر كان شافعيا فانتقل إلى مذهب ابن حنبل، أو حنفيا أو حنبليا فانتقل إلى أحدهما، فقيل فيه أبيات منها أنه سيصير إلى مالك (١) وقصده التورية فحكم أنه من أهل النار، وكذلك يزداد من يوم إلى يوم الشر، ويوطن كل البلا نفسه على اتباع الآباء. (٢)\n- وله من الآثار السلفية:\n١ - 'تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد' وهو مطبوع.\n٢ - 'إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد'.\n٣ - 'حسن الاتباع وقبح الابتداع'.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3028>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀: فهذا 'تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد' وجب علي تأليفه، وتعين علي ترصيفه، لما رأيته وعلمته من اتخاذ الأنداد في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة، وجميع ديار\n_________\n(١) ذكرناها في مواقف المؤيد أبي البركات محمد التكريتي سنة (٥٩٩هـ).\n(٢) إيقاظ الفكرة (٥٢ - ٥٤).","vol":"8","page":582},{"text":"الإسلام، وهو الاعتقاد في القبور، وفي الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيبات والمكاشفات وهو من أهل الفجور، لا يحضر للمسلمين مسجدا، ولا يرى لله راكعا ولا ساجدا، ولا يعرف السنة ولا الكتاب، ولا يهاب البعث ولا الحساب.\nفواجب علي أن أنكر ما أوجب الله إنكاره، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره. (١)\n- وقال أيضا: وكذلك تسمية القبر مشهدا، ومن يعتقدون فيه وليا لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن، إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويستلمونهم استلامهم لأركان البيت، ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية، من قولهم: على الله وعليك، ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد ونحوها، وكل قوم لهم رجل ينادونه. فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلي. وأهل التهائم لهم في كل بلد ميت يهتفون باسمه يقولون: يا زيلعي، يا ابن العجيل، وأهل مكة وأهل الطائف، يا ابن العباس، وأهل مصر: يا رفاعي، يا بدوي والسادة البكرية وأهل الجبال: يا أبا طير، وأهل اليمن: يا ابن علوان. وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادوهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر. وهذا هو بعينه فعل المشركين في الأصنام كما قلنا في الأبيات النجدية:\nأعادوا بها معنى (سواع) ومثله ... (يغوث) و(ود) بئس ذلك من ود\nوقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد\n_________\n(١) تطهير الاعتقاد (١٨ - ١٩).","vol":"8","page":583},{"text":"وكم نحروا في سوحها من نحيرة ... أهلت لغير الله جهلا على عمد\nوكم طائف حول القبور مقبلا ... ويلتمس الأركان منهن بالأيدي\n\nفإن قال: إنما نحرت لله وذكرت اسم الله عليه. فقل: إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال نعم: فقل: هذا النحر لغير الله، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ترد تعظيمه، فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟ أنت تعلم يقينا أنك ما أردت ذلك أصلا، ولا أردت إلا الأول، ولا خرجت من بيتك إلا قصدا له. ثم كذلك دعاؤهم له.\nفهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب.\nوقد يعتقدون في بعض فسقة الأحياء وينادونه في الشدة والرخاء وهو عاكف على القبائح والفضائح، لا يحضر حيث أمر الله عباده المؤمنين بالحضور هناك، ولا يحضر جمعة ولا جماعة ولا يعود مريضا ولا يشيع جنازة، ولا يكتسب حلالا، ويضم إلى ذلك دعوى التوكل وعلم الغيب، ويجلب إليه إبليس جماعة قد عشش في قلوبهم، وباض فيها وفرخ، يصدقون بهتانه ويعظمون شأنه، ويجعلون هذا ندا لرب العالمين ومثلا، فيا للعقول أين ذهبت؟ ويا للشرائع كيف جهلت؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (١) فإن قلت: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين، كالذين يعتقدون في الأصنام؟\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٩٤).","vol":"8","page":584},{"text":"قلت: نعم، قد حصل منهم ما حصل من أولئك، وساووهم في ذلك، بل زادوا في الاعتقاد والانقياد والاستعباد: فلا فرق بينهم.\nفإن قلت: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى، ولا نجعل له ندا، والالتجاء إلى الأولياء ليس شركا.\nقلت: نعم ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (١) ولكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك. فإن تعظيمهم الأولياء، ونحرهم النحائر لهم شرك. والله تعالى يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ (٢) أي لا لغيره، كما يفيد تقديم الظرف ويقول تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣)، وقد عرفت بما قدمناه قريبا أنه - ﷺ - سمى الرياء شركا، فكيف بما ذكرناه؟.\nفهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئا؛ لأن فعلهم أكذب قولهم.\nفإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه.\nقلت: قد خرج الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة: أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها. وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا، فالله\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٦٧).\n(٢) الكوثر الآية (٢).\n(٣) الجن الآية (١٨).","vol":"8","page":585},{"text":"تعالى فرض على عباده إفراده بالعبادة ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ (١) وإخلاصها له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) الآية. ومن نادى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، وخوفا وطمعا، ثم نادى معه غيره، فقد أشرك في العبادة، فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ (٣) بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3029>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال في تطهير الاعتقاد: فإن قلت: قد يتفق للأحياء وللأموات اتصال جماعة بهم يفعلون خوارق من الأفعال، يتسمون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون من تلك الأمور، فإنها مما جلبت القلوب إلى الاعتقاد بها؟.\nقلت: أما المتسمون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم، ويقولونها بألسنتهم، ويخرجونها من لفظها العربي، فهم من أجناد إبليس اللعين، ومن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم الشياطين حلل التلبيس والتزيين، كما أن إطلاق الجلالة مفردا عن إخبار عنها بقولهم: \"الله، الله\" ليس بكلام ولا توحيد، وإنما هو تلاعب بهذا اللفظ الشريف بإخراجه عن لفظه العربي، ثم إخلاؤه عن معنى من المعاني، ولو أن رجلا عظيما صالحا يسمى بزيد، وصار جماعة يقولون: زيد، زيد، لعد ذلك استهزاء وإهانة\n_________\n(١) هود الآية (٢).\n(٢) البينة الآية (٥).\n(٣) غافر الآية (٦٠).","vol":"8","page":586},{"text":"وسخرية، ولا سيما إذا زاد إلى ذلك تحريف اللفظ.\nثم انظر: هل أتى في لفظة من الكتاب والسنة ذكر الجلالة بانفرادها وتكريرها؟ إذ الذي فيهما هو طلب الذكر والتوحيد والتسبيح والتهليل. وهذه أذكار رسول الله - ﷺ - وأدعية آله وأصحابه خالية عن هذا الشهيق والنهيق والنعيق الذي اعتاده من هو عن الله وعن هدي رسول الله - ﷺ - وسمته ودله في مكان سحيق، ثم قد يضيفون إلى الجلالة الشريفة أسماء جماعة من الموتى، مثل ابن علوان أحمد بن الحسين، وعبد القادر، والعيدروس. بل قد ينتهي الحال إلى أنهم يفرون إلى أهل القبور من الظلم والجور، كعلي رومان، وعلي الأحمر، وأشباههما، وقد صان الله ﷾ رسوله - ﷺ - وأهل الكساء وأعيان الصحابة عن إدخالهم في أفواه هؤلاء الضلال، فيجمعون أنواعا من الجهل والشرك والكفر.\nفإن قلت: إنه قد يتفق من هؤلاء الذين يلوكون الجلالة ويضيفون إليها عمل أهل الخلاعة والبطالة خوارق عادات، وأمورا تظن كرامات كطعن أنفسهم بالآلات الحادة، وحملهم لمثل الحنش والحية والعقرب وأكلهم النار، ومسحهم إياها بالأيدي وتقلبهم فيها بالأجسام.\nقلت: هذه أحوال شيطانية، وإنك لملبس عليك إن ظننتها كرامات للأموات، أو حسنات للأحياء، لما هتف هذا الضال بأسمائهم جعلهم أندادا وشركاء لله تعالى في الخلق والأمر، فهؤلاء الموتى أنت تفرض أنهم أولياء الله تعالى، فهل يرضى ولي الله أن يجعله المجذوب أو السالك شريكا له تعالى وندا؟ وإن زعمت ذلك فقد جئت شيئا إدا، وصيرت هؤلاء الأموات","vol":"8","page":587},{"text":"مشركين، وأخرجتهم -وحاشاهم عن ذلك- عن دائرة الإسلام والدين، حيث جعلتهم أندادا لله راضين فرحين، وزعمت أن هذه كرامات لهؤلاء المجاذيب الضلال المشركين، التابعين لكل باطل، المنغمسين في بحار الرذائل، الذين لا يسجدون لله سجدة، ولا يذكرون الله وحده، فإن زعمت هذا فقد أثبت الكرامات للمشركين الكافرين وللمجانين، وهدمت بذلك ضوابط الإسلام وقواعد الدين المبين، والشرع المتين. وإذا عرفت بطلان هذين الأمرين، علمت أن هذه أحوال وأفعال طاغوتية، وأعمال إبليسية، يفعلها الشياطين لإخوانهم من هؤلاء الضالين، معاونة من الفريقين، وقد ثبت في الأحاديث أن الشياطين والجان يتشكلون بأشكال الحية والثعبان، وهذا أمر مقطوع بوقوعه، فهم الثعابين التي يشاهدها الإنسان في أيدي المجاذيب. وقد يكون ذلك من باب السحر، وهو أنواع، وتعلمه ليس بالعسير، بل بابه الأعظم: هو الكفر بالله، وإهانة ما عظمه الله من جعل مصحف في كنيف ونحوه.\nفلا يفتر من يشاهد ما يعظم في عينيه من أحوال المجاذيب من الأمور التي يراها خوارق، فإن للسحر تأثيرا عظيما في الأفعال، وهكذا الذين يقلبون الأعيان بالأسحار وغيرها.\nوقد ملأ سحرة فرعون الوادي بالثعابين والحيات حتى أوجس في نفسه خيفة موسى ﵇، وقد وصف الله بأنه سحر عظيم، والسحر يفعل أعظم من هذا. (١)\n_________\n(١) تطهير الاعتقاد (٦٢ - ٦٦).","vol":"8","page":588},{"text":"- وله رسالة 'الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف'، وهي رسالة جيدة في بابها بين فيها شطط أهل التصوف وغلوهم في باب الكرامات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3030>موقفه من الجهمية:</span>\nقال: إذا عرفت هذا. فقد سمع الصحابة ومن بعدهم هذه الصفات الشريفة مدحوه بها وأجرَوها عليه كما أجراها على نفسه وتمدح بها، ساكتين عن التأويل والمناقشة لم يقولوا: يلزم من إثبات صفة السميع الصماخ، ومن صفات البصير الحدقة وغير ذلك غير سائلين لمن أرسل إليهم ليبين لهم ما أنزل إليهم عن ذلك ... (١) ثم استرسل في الرد على المؤولة من كلام أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3031>موقفه من القدرية:</span>\nوقد حكى في كتابه إيقاظ الفكرة (٢) ما دار بينه وبين أحد علماء المدينة في القدر، قال: لقد اتفق لشيخنا عبد الرحمن بن أبي الغيث ونحن نأخذ عنه في صحيح مسلم في المدينة النبوية سنة أربع وعشرين ومائة وألف أنه أملى في أول حديث القضاء والقدر منه بعد أن سئل عن الكسب وحقيقته فكأنما نشط من عقال فقال: المعتزلة قالت إنها خالقة لأفعالها والله يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) فردوا قول الله تعالى، فقلت له: هل القرآن شيء؟\n_________\n(١) إيقاظ الفكرة (ص.٨٢).\n(٢) (ص.٢٥٧ - ٢٥٨).\n(٣) الزمر الآية (٦٢).","vol":"8","page":589},{"text":"قال: نعم، فقلت: هل هو مخلوق؟ قال: لا، فقلت: قد خصصتم تلك الكلية كما خصصتها المعتزلة فقال: لا سواهم خصصوها بأفراد تعد فقلت: هذا لا يقوله عالم إذ لا فرق بين تخصيصها بفرد واحد أو بأفراد ملء الدنيا. ثم أخذ يفسر الكسب فقال: هو تصميم العبد فقلت له: من أي المقولات التصميم فقال: من مقولات الفعل. قلت: العبد يوجده؟ قال: نعم، وبهذا فارقنا الجهمية. قلت: قد أثبت كون العبد موجدا كما تقوله المعتزلة فما زاد إلا أن قال: اصبر علي احلم عني. فقلت له: لغير هذا جئنا استمر في الإملاء وهذه الأبحاث من البدع ما خاض فيها الصحابة ولا التابعون، فتكدر صفو المقام بعد ذلك، وهذا الرجل من العلماء في المدينة والخطباء وهذا قصارى بحثه. هذا معنى ما دار بيننا وبينه لا لفظه.\n\nأحمد بن مانع بن إبراهيم التميمي (١) (١١٨٦ هـ)\nالشيخ أحمد بن مانع بن إبراهيم بن مانع بن حمدان الوهيبي التميمي. نشأ في بلدة أشيقر، ثم انتقل إلى الدرعية، فقرأ على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. وله ردود في الدفاع عن العقيدة. توفي ﵀ في الدرعية في شهر رمضان سنة ست وثمانين ومائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3033>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له رسالة رد بها على عبد الله المويس النجدي جاء فيها:\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ٥٠٤ - ٥٠٧) وروضة ابن غنام (١/ ١٣٤).","vol":"8","page":590},{"text":"من أحمد بن مانع إلى جميع الإخوان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد بلغني أن المويس ثبط جماعتكم عن المحافظة على صلاة الجماعة وهون أمرها، فيا عجبا هل كان المويس أعلم من رسول الله - ﷺ - وأصحابه.\nإلى أن قال: فإن تثبيط (المويس) من جهة أن الإمام من أتباع ابن عبد الوهاب، فهذا مذهب ابن عبد الوهاب بيناه وأنه يدعو الناس إلى التوحيد والتبرؤ من الشرك وأهله، وإذا كان هذا دين النبي - ﷺ - فلا يسعنا ويسعكم غيره.\nوأما عبد الله المويس وغيره، فلا يصرفكم عن صلاة الجماعة بقوله: هم خوارج يعني أهل العارض، فليس هو بأكثر من صد الناس عن دين نبيكم - ﷺ -، وما نقم عليهم إلا أنهم يعلمون الناس دينهم الذي أعظمه شهادة أن لا إله إلا الله، ويعلمونهم أنواع الشرك، ويأمرون بالمحافظة على الصلاة مع الجماعة، ويأمرون بالزكاة، وينهون عن المنكرات التي أكبرها الشرك بالله، وينهون عن الفواحش، ويقيمون الحد، وينهون عن الظلم، حتى إن الضعيف يأخذ الحق ممن هو أقوى منه، وقد كان الناس قبل هذا الأمر بعكس ذلك، ولم يوجد أحد يعيب عليهم ذلك، فلما بين لهم أمر الدين واشتغلوا بالعلم وتعليمه وبإقامة أمر الله، وحض الناس عليه، قام (المويس) وأمثاله يصيحون ويقولون: أهل شقراء وأهل العارض مرتدون، وأهل العارض خوارج، فإذا قيل له: أهل العارض وأهل شقراء يطلبون منك الدليل على ما قلت إن كنت صادقا، فرد عليهم من كتاب الله أو سنة رسول الله ولو في مسألة واحدة","vol":"8","page":591},{"text":"حتى يقبل كلامك. غضب على من قاله. (١)\n\nحسين بن مهدي النُّعْمِي (٢) (١١٨٧ هـ)\nحسين بن مهدي النعمي التهامي ثم الصنعاني، من أهل \"صبيا\" في تهامة اليمن، تعلم وأقام في صنعاء. وعمل ﵀ على إحياء السنن في \"مسجد القبة\"، بعد توليه إماما للصلاة فيه من طرف الإمام المهدي العباسي آنذاك. توفي ﵀ سنة سبع وثمانين ومائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3035>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له من الآثار السلفية: 'معارج الألباب في مناهج الحق والصواب' (٣).\n- قال فيه: والقصد، أن الله جعل الكتاب والسنة أمرا خالدا على مر الأزمان، ليتعلم الجاهل ويسترشد الضال، ويأمن الخائف، ويتذكر المتذكر، ويعتبر المعتبر، ويستمد المؤمن، ويهتدي الحيران، وليقضي بين الناس بما هنالك، وليكون ملاذا عند الاختلاف، وبيانا عند اللبس، ورسما متبعا في الاعتقاد والتعبد والإفتاء، والحكم والتحكم والتحكيم، والتحليل والتحريم، والأبحاث وغيره من أحكام العليم الحكيم، ومستندا يرجع إليه الأمر كله في التأخير والتقديم.\n_________\n(١) علماء نجد (١/ ٥٠٤ - ٥٠٦).\n(٢) الأعلام (٢/ ٢٦٠).\n(٣) والكتاب مطبوع وهو من أجود الكتب التي ردت على القبوريين برد علمي رصين وبأسلوب بليغ وهو عبارة عن رد على بعض مخرفي أهل اليمن.","vol":"8","page":592},{"text":"فتعطيله عن هذه الثمرة، أو منع المجتني لها، وهو المقصود بها، مناقضة ظاهرة وعناد أوفى، ومضادة جلية.\nوالمحروم الذي أضاف المنع أيضا لمن سواه يقول: مالي في هذه الحياض من مشرب، هي للإمام يروى منه، ويخبر عما وجد، ولا سبيل لغيره إليها، بل يكون في أيدينا الأوصاف بأن في ذلك الحوض كذا، وصفته كذا، وفائدته كذا.\nفإذا جاءهم من يقول: بعض هذه الحياض لم يبلغه الإمام، ولا ادعى لنفسه الإحاطة، أو بلغه ولكني وجدت نعته أو فائدته غير ما ذكر لكم، بعد أن باشرت بنفسي مذاقه. فما تقولون؟ وليس لكم على دفعي حجة، ولا إلى مصادرتي سبيل، إلا دعوى مالها مستند. اللهم إلا إذا باشرتم كما باشرت، فاضطررتم إلى إكذابي. فذاك ما أمرتم به. ويصح منكم -والحال هذه- المدافعة والممانعة، وأما مكاذبة في شيء قد أعربتم عن أنفسكم أنكم ما تبوأتم له منزلا، ولا جسستم له عرقا ولا مفصلا، فغريب منكم التوثب على حماه، والساقي يقول: هلموا، فليس الخبر كالعيان، ولم يحط الإمام بما لدينا خبرا، وربما يخطئ الخبر ويخالف، إذ مبناه على مبلغ صاحبه علما وفهما.\nومن علم حال البشر اضطر إلى الحكم بعدم براءتهم من قصور الفهم ونقصان العلم في حالات كثيرة. (١)\n- وقال: ولقد جر سوء هذه المقالة -وهي القول بتعذر الاجتهاد- إلى ما أشرنا إليه، من سلب منافع الكتاب، وكونه عدة للدفع والنفع، ومحلا\n_________\n(١) معارج الألباب في مناهج الحق والصواب (٦٩ - ٧٠).","vol":"8","page":593},{"text":"للاهتداء، وميزانا يعرف به الرشاد والفساد. فقد حيل الآن بينه وبين طالب ما فيه من غيوث الرحمة، وصيب النعمة، وكذا ما يتصل به من حوافل تفسيره. والكلام على نكت فرائده، وعجائب فوائده، وبيان إشارته ومقاصده. فكل ذلك عند المقلدين لغو محض، إذ ما لا تصل إليه -وإن زعمت ذلك- قضت عليك الحقيقة بأنك مكذبه بالكذب، فوجوده وعدمه عندك سيان.\nوهكذا المؤلفات المشتملة على الأخبار النبوية، وعلومها ووسائلها، ككتب الجرح والتعديل، وطبقات الرواة، وشرح أحوالهم، وعلم غريب الكتاب والسنة وأحكامهما، وكذا المؤلفات في سائر الفنون. كالنحو والتصريف، وأصول الفقه والمعاني، التي يقول مؤلفوها: إن الحكمة من تأليفها هي التوصل إلى تصحيح المطالب بالذات، مع أن عقلاء الفضلاء لا زالوا على ممر الأزمان تتجدد لهم التصانيف، أعلى بصيرة ذلك، وللتبصير ما هنالك، أم دأب فيما لا سبيل إلى الغاية المقصودة به؟.\nفنقول: أيها الملأ، وإن كان البشر قد علم ضعفه، ونقصه وجهله، فلقد ساءنا أن بلغتم إلى هذه الغاية، وما زدتم على المضادة لله ولرسوله، والتلعب بدينه وبشرائعه وإضاعة مساعي الباحثين والمؤلفين، وأهل التصانيف، وذوي العلم والنظر. فما شأن ما صنعوا؟ وهل للدأب في ذلك الجمع والتأليف، وبيان الصحيح من الفاسد والراجح من الخفيف فائدة وغاية؟ وما بقاء ذلك واستمراره على تعاقب الأحقاب، بل هل لبقاء كتاب الله كثير حاصل؟ إذ مبنى جميع ذلك على فتح باب الاجتهاد، وأن كثيرا من المطالب، أو كلها، أو","vol":"8","page":594},{"text":"إلا النادر منها لا طريق إلى تحصيله إلا البحث والنظر. (١)\n- وقال وهو يتحدث عن آفة التقليد: ومن ذلك -وهو منهم قياس للغائب على الشاهد- وذلك أنهم لما كانوا لا يعرفون إلا حرفة التقليد. واستقر في فكرهم وفطرهم أن من أفتى أو تكلم أو عمل ما لا يصنع شيئا من ذلك. إلا لأنه قاله المقلَّد فلان، أو الإمام علان. أو محصلو مذهبه -بزعمهم- قالوا: إن قائل تلك المقالة -وهي اتجاه وجوب تخريب المشاهد- قلد ابن تيمية في ذلك. ومن تدبر أصول القوم، وجدهم دلوا على أنهم من جملة العامة. ولا أدري من أين جاء لهم ذلك؟\nنعم هو نتيجة من نتائج الحكم بتعذر الاجتهاد.\nومن حق الباحث أن يدلي بما يوافق خصمه على صحته، أو بحجة قاهرة تؤذن أن دفعها مكابرة، وأن التمسك بمعارضها قصور أو ضلال.\nوكون من ذكروه قلد ابن تيمية بطلانه معلوم غير موهوم، لما أنه ينهى عن التقليد وينادي بمنعه. ولأن عامة مباحثه مبنية على تحرير المقام بمبلغ نظره، وإن كان لا سبيل إلى رفع الخطأ جملة في كل بحث.\nوذلك منه من دون تقليد لابن تيمية ولا غيره، ولا احتجاج بقول أحد قط، أو التدين به من دون استبانته منه حسبما علم. وليس معصوما كغيره أيضا. ولأنه في خصوص هذه المسألة أبرز حجته، وحرر من البرهان ما استطاع.\nفأي معنى لقولكم إنه قلد ابن تيمية؟ والحال أنكم لم تأتوا عن أنفسكم\n_________\n(١) معارج الألباب (١٠٤ - ١٠٥).","vol":"8","page":595},{"text":"ولا فيما نقلتم بشيء يقابل بعض ما أقامه في هذه المسألة من أدلة الكتاب والسنة، التي لا يردها إلا مشاق لله ولرسوله؟ ولأنه قد ناقض ابن تيمية في كثير من المسائل ذهب إليها، لظهور ضعف كلامه عنده. فلو كان واقفا على تقليده -كما وقفتم على رسوم شرح المنهج وغيره- لما فعل. فما باله يسوغ لنفسه تقليد ابن تيمية في هذه المسألة دون غيرها؟ فلقد حكيتم عجبا.\nوقد قرأنا عليه وعرفنا مذهبه، وأنتم لا تعرفونه، إنما يبلغكم عنه ما يبلغ، فتأخذون في مضادته بلا بصيرة، ولا وازع لكم عن الرجم بالظنون والأوهام، ولا علم يهدي إلى تمييز الصحيح من ذي السقام.\nفالعتب عليكم: أترضون أن يكون من خطاب ما لا يفهم؟\nوكفى دليلا على تنكبكم الصواب ذكركم الأقوال من فروع المذهب في مقابلة مناهي صريحة صحيحة مشهورة في الصحاح وغيرها، ثم تعرضكم لشيخ من شيوخ الإسلام، وإمام من جلة الأئمة الأعلام -وهو ابن تيمية- بأنه ضال مضل، وما كان -رحمه الله تعالى- أهلا لهذا. والرجل أمره شهير. وأقواله ومذاهبه يتناقلها الجم الغفير. وما مثله يحتاج إلى كشف عن رفيع محله، وقد تعرض له ولتلميذه الإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي -هو ابن قيم الجوزية- رحمه الله تعالى بعض القائلين. وهما إمامان جليلان لاحقان بأماثل السلف كالشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، ومؤلفاتهما وتراجمهما، ونقل أهل العلم لأقوالهما ومذاهبهما ونفائس تحقيقهما كافية شافية مقنعة لمن عدل وأنصف. (١)\n_________\n(١) معارج الألباب (١١٩ - ١٢٠).","vol":"8","page":596},{"text":"- وقال ﵀: وأما أنتم معشر المغرمين بالمذاهب الراضين بقيود التقليد في أعناقكم وقلوبكم، فقد جعلتم تلك المتون والمختصرات أظهر عبارة، وأوضح معنى وإشارة، وأصح مسلكا وأبين مدركا، لما أنها -بزعمكم- خلاصة تلك المحاسن.\nوكيف يكون ذلك كذلك؟ وفيها من التباين والتدافع والاختلاف، وخفاء السند والدليل أو ضعفه، أو مصادمة المأثور الصحيح ما لا يخفى على ذي بصيرة صالح السريرة، قد مارس الحقائق وسبر الطرائق، ورضي بالله ربا ومشرعا حكيما عن جميع الخلائق، وحظي بالتمييز بين الخطأ والصواب، وبالانتفاع بما وهبه الله من عقل وفهم حاذق.\nوما اشتبه على الناظر من الأدلة نفسها، أو ظهر عنده تعارض فالقطع عنده بأن مفيضها هو محل القدس والبراءة من كل نقص، فإن علم كيفية العمل في ذلك بتعليم المفيض سبحانه، وإلا وقف لقصوره في نفسه، لا لتطرق أمر في المصدر المذكور، بخلاف غيره، فأمره ما ذكرنا.\nوالغافل يقول بجمود خاطره: كل ذلك المختلف فيه بين المختلفين، أو بعضه رشد، لا بل الرشد منه ما سلكه سلفي، واتبعتهم فيه.\nوقد يكون أيضا كاذبا عليهم أو مفتريا عليهم بذلك ما لا يرضونه له، لجهله ما صدر عنهم، كما جهل الأدلة. وقد صح لنا كل ما ذكرنا وتواتر وروده علينا حتى استيقناه ضرورة، ودان به كل من على وجه الأرض، إلا القلة النادرة. (١)\n_________\n(١) معارج الألباب (٧٣ - ٧٤).","vol":"8","page":597},{"text":"- وقال أيضا في معرض رده على مقلدة المذاهب، وما هم عليه من الاهتمام بكتب الخلاف الخالية من الأدلة الشرعية: وأين هي من موائد الكتاب والسنة؟ التي مذاقها يبرئ العاهات، ويقدس من السفاهات، ويعرفك قدر ما حرمت منه هذه الجماعات، وسوء ما وقعوا فيه من فساد الأحوال، بسبب هجرانهم المباشرة لما هنالك، وما ضمن من الدلالات والإشارات، وصنوف التأديب والتهذيب والتثقيف والإفادات.\nفذاك -بعد استظهار الكون عليه، وتصحيح الطريق إليه وتنقيحه دراية ورواية- هو الباب الذي إن ولجته للاعتصام به من المخاوف نجوت، وإن سلكته كنت على هدى وبصيرة من أمرك، وإن أردت أن تستمد منه حجة تأثرها، أو طريقة تعبرها، أو برهانا تقيمه، أو هدى تلتمسه، أو تصحيحا لاعتقاد أو عمل، أو دليلا قاهرا لخصمك، هاديا لمسترشدك، وجدته صالحا لجميع ذلك. قائما بأعباء هذه المدارك، ولا يعرف ذوو الألباب، ومن رزق صلابة في دينه ما يستأهل القيام بهذه الأثقال، سوى ذلك الباب، لا الرد إلى شرح المنهج وما ذكروه معه وأشباهها من كتب المقلدين.\nولو كان البناء دائما على ما أشرنا من ذلك الأساس، لكانت ثمرات الكتاب والسنة يستمتع باقتطافها عامة الناس، ولما عفت رسوم الهدى، واندرست معالم الاهتداء، ولكان أمرهما مشهورا مذكورا، مأنوسا منشورا، متداولا بين الناس، حتى تزاحم الأصاغرُ الأكابر، وينال القاصر حظه من مواهب الله، وإن لم يبلغ شأو الماهر. ولم يؤكد الحكم باستحالة التحلي بتلك الرغائب، بؤسا لها من رزية.","vol":"8","page":598},{"text":"ولا يضر في هذا الموضع تفاوت معارف الناس في هذا الباب، ومع ورود الجميع المنهل الراوي متحد. والفاضل يحذو حذو المفضول من عين ذلك الماء المعين، ويتعاورون ذلك فيما بينهم «تسمعون، ويسمع منكم» (١)، «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (٢).اهـ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3036>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀ في 'معارج الألباب في مسألة البناء على القبور': ... على أنا لا نسلم أيضا أن أحدا من الأربعة ﵃، ذهب إلى ما ضمه نقل هذه المختصرات في هذه المسألة، فهاتوا نصوصهم في ذلك، فإنا لم نرهم نقلوا في جواباتهم هذه حرفا واحدا عن أحد من الأربعة في جواز البناء على القبور، بل نقل المالكي عن إمامه مالك -﵁-: أنه كره البناء على القبر، وقال: لا خير فيه، فاعجب لها من طريقة طريفة، حيث يعمل أتباعه على خلاف مذهبه، ويفصلون المسألة بما يباين إطلاق الإمام، ويكون قولهم فيها في شق، وقول الإمام في الشق الآخر، واجعلها لك عبرة في غيره من المفتين الثلاثة، ولا تثق بأن ما حصلوه في كتب المذاهب رأي للأئمة.\nفإنا لم نسمع عن الإمام الشافعي -﵀- إلا أنه قال: \"أدركت\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ٣٢١) وأبو داود (٤/ ٦٨/٣٦٥٩) وابن حبان (الإحسان (١/ ٢٦٣/٦٢» والحاكم (١/ ٩٥) كلهم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وليس له علة ولم يخرجاه، وفي الباب أيضا عن عبد الله بن مسعود وثابت بن قيس بن شماس عن رسول الله - ﷺ - \"، ووافقه الذهبي.\n(٢) سيأتي تخريجه في مواقف فالح بن مهدي الدوسري سنة (١٣٩٢هـ).\n(٣) معارج الألباب (٧٩ - ٨٠)","vol":"8","page":599},{"text":"الأئمة بمكة يهدمون البناء على القبور\" ولا يحضرني الآن محله فأعينه لك، ومثله لا يخفى.\nفنحن الآن نطالبهم بنقل صحيح: أن كل واحد من الأئمة الأربعة قائل بما نقلوه عن فروع مذاهبهم، حتى يصححوا دعواهم عليهم فقط، إن كانت أيضا، لا أن يكون ذلك حجة لهم في الباب، فذلك معلوم الانتقاء (١) بلا شك ولا ارتياب.\nفإن يأتوا به -ولا نخالهم يجدون له أثرا- وإلا فليعلموا أنهم بعد يقولون ما لا يعلمون، حتى في مذاهب أئمتهم الذين هم من جلة أعلام أئمة المسلمين. وبعد تصحيحه عنهم: فهو اجتهاد في مقابلة نص، ورأي صادم أثرا، فسقوطه معلوم لا يخفى إلا على أغفال المقلدين. (٢)\n- وقال: ومن ذلك: أنا تصفحنا أوراقهم هذه، فوجدنا لباب تحقيقها: دعاوى تعاقب أخواتها، وبراهينها عيون دعاويها، ثم ترتبون المقاصد على هذا الخطأ المتباعد، حتى جعلتم هدم القباب والمشاهد أذية لأولياء المليك الواحد، وهل يقال لمن أطاع الله ورسوله فيما أمرا به: آذيت ولي الله، وكيف تكون الولاية -وذلك الولي يؤذيه- حكم المولي؟\nوليت شعري، كيف يكون أمرهم إذا لم يرعهم إلا نزول الإمام الأطهر وصاحب السبق الأشهر: علي -﵁ ونضَّر- بساحتهم يقول: «بعثني رسول الله - ﷺ -، أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا\n_________\n(١) كذا في الأصل ولعل الصواب: الانتفاء.\n(٢) معارج الألباب (ص ٣٨).","vol":"8","page":600},{"text":"طمسته». (١)\nفعلى الذي يشاهد من حالهم: كأنا بهم وقد ثاروا ذلك المثار، وأخذوا لتلك المعاقل بالثأر، وأرجعوا عليا القهقرى، وتركوه زاحفا على الوراء، وقالوا: أذية لأولياء الله، ورأى من درى، فالأمر الآن هو ذاك بعينه، ما الذي ترك الناس سدى، أو نسخ معالم الهدى؟\nثم كيف الخطب لديهم في هذه الأبنية على الأموات المعدة للتلاوة والصلوات، المشتملة على المحاريب والفرش والسرج، وسائر الآلات، إذا أتاهم في شأنها رسول صاحب الوحي المنزل، والهدي السوي الأعدل، يقول: بعثني لإزالة ما قد تقدم إليكم بالنهي عنه من اتخاذ القبور مساجد (٢)، ورواه لكم عدد من صحابته الجلة الأماجد، وقد أكد الله عليكم في الإجابة له ولرسوله، فماذا أنتم صانعون؟.\nوهذا كله بالنظر إلى نفس البناء على القبر، لا إلى ما ترتب عليه من الوثنية والشرك، وعلى إحياء هذه المشاهد من كلم الإسلام، وفقء عين شريعة المختار ﵊، وما يقع في الزيارات من أنواع الشرك بدعاء المقبورين، والطواف بتلك الأنصاب، والعكوف عندها، والنذر والتقرب لها بأنواع القربات، وما ترتب على ذلك من المفاسد والمنكرات، كترك الصلاة المكتوبة، وما يقولون من أقاويلهم المفتراة المكذوبة، قد حملوا الولي، أو حملها عنه، واختلاط الرجال بالنساء، وأرباب الملاهي، واتخاذ\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف علي بن أبي طالب ﵁ سنة (٤٠هـ).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف ابن تيمية ﵀ سنة (٧٢٨هـ).","vol":"8","page":601},{"text":"الزينات، والمجاهرات بالبدع والمعاصي، والمخالفات لله، التي لا طمع في حصرها في الرقاع، وكيف وقد امتدت في أقطار البسيطة، على ما فيها من الاتساع فما أكثر ما ترى هنالك من نسيان الله ونبذ لعهوده، ومحادة له ولكتابه وتعدي لحدوده.\nولعمر الله، من رضي بقاء هذه الرسوم، شارك في هذا الخطب المشؤوم، إلا متبرئ لله من هذه الأحداث، وغائر لله مما حل بدينه من خطوب الأبنية، وزوار الأجداث، الذين أعطوها حق ربنا الذي هو أحق أن يدعى ويستغاث، وانهمكوا في صنوف من أنكر الأعمال، وجسائم الأخباث.\nوأنتم معشر المفتين، أترضون لأنفسكم أن تلقوا الله بشيء من إشادة هذا البنيان؟ فاستعدوا للسؤال. فللأعمال ديان.\nاللهم فهذه براءة إليك مما تكاد السموات يتفطرن منه. وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، أتتنا المناهي عن رسولك في هذا الباب، كما نهى رأي عين في سد ذرائعه، وهدم شرائعه، وطمس رسومه وشنائعه، ثم عمد قوم أضاعوا عهد التحقيق ولم يراعوا مشاعر تأديبك وتعليمك، التي تهدي إلى سواء الطريق. فانتصبوا لرفع رايات سوء، كان ينبغي أن تكون مخفوضة معزولة بحكمك الوثيق، وإلا فكل من آمن بك، وعقل عنك، وتحقق بمعرفة دينك، لا يجهل ما في طيها من عظيم المشاقة لك ولرسولك.\nاللهم فمن زعم عليك أنك رفعت شأن القباب والمشاهد، والزيارات المعروفة من هذه الطوائف، ومواطن الأموات، وجعلتها ترياقا لقضاء","vol":"8","page":602},{"text":"الحوائج، ومثابة للناس، وأعيادا لهم، وزعم على سلفنا الصالح من أمة نبيك الأكرم أنهم دانوا بذلك، أو بذرة منه. اتباعا لأمرك، ورضاء بحكمك، وصار من غاية سعيه زيادة ازدراع هذه المفاسد، وإيقاد نيرانها. فاحكم بيننا وبينه بالحق، وأنت خير الحاكمين.\nفإن القوم قد أبدلوا -وأنت أعلم- رسوم شرعك بسواها، واستولى اللعين على فطرهم، فثناها عن الهدى ولواها، وسول لهم أن يبدلوا الزيارة التي شرعتها للادكار، والاستغفار والاعتبار، بضدها من التضرع عند القبر، والرقص واللهو، وإبداء الفاقة والافتقار، وأنواع الفجور، والهتف، والتملق، والتأدب مع الرمم، والحكم لها بنفع وإضرار.\nوكيف لا؟ وقد أصلوا أن لها التصرف والتصريف في البادين والحضار، وصاروا يستمدون من نفحاتهم جسائم الآمال، ويضربون قباب الطلبات بفناء أعتاب قباب الأموات، يا بئس الأعمال.\nفمن الذي بوأكم هذه المشارع، وسن لكم هذه الآداب والشرائع؟ ووضع لكم هذه الرسوم التي تبعتم آثارها؟ فائتونا بسلطان مبين. نتبعه ونشكر لكم إن كنتم صادقين، أو فامحوا عنكم -عافاكم الله- عارها، وحاشا بعد أن نقول لكم -إن أتيتم بحجة بينة-: دعونا، فقد صرح الشيخ بخلافها، لأن ذا من الحيف بمكان.\nثم اللهم، إن القوم أبدلوا مناهي رسولك، الذي جعلته العصمة من","vol":"8","page":603},{"text":"الضلال، عن البناء على القبور، وتشريفها، وتجصيصها، والكتابة عليها (١)، وجعلها مساجد (٢)، وما جاء عنه من النهي عن اتخاذ قبره عيدا (٣) بأضدادها، فبنوا وشرفوا وجصصوا، وكتبوا، وجعلوها أعيادا ومساجد، كأنه - ﷺ - أغراهم بذلك الأمر الأسوإ، بل لو كانوا مأمورين بذلك لما حفظوه ورعوه، كما هم الآن، بشهادة المناهي في هذه المسألة، إذ أضيعت، وشهادة غيرها في غير هذا الباب، مما لا يحتاج إلى شرح.\nوليتهم اقتصروا على هذه المخالفات، بل جاوزوا مما ينسيها إلى أضعاف مضاعفات، واقتدت العامة بمن تخيلوا عنده علما، وهو في الواقع منهم لا يملك رأيا ولا عقلا للحقائق ولا فهما، فهو معهم غارق في باطل لغوهم، حريص على شهود مجالس إفكهم، وإثمهم ولهوهم، لا يهدي ولا يهتدي، ولا تراه في طلب العلم صدقا يروح ولا يغتدي.\nحتى أنا وجدنا في أفعالهم لدى هذه المشاهد ما كان صنيع الجاهلية عند بيوت الأوثان، وزيادة غلو على من ضاد الله ورسوله باتخاذ إلاه ثان. فإنا\n_________\n(١) وردت أحاديث كثيرة في هذه المسألة منها حديث جابر ﵁: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه، أو يزاد عليه، أو يكتب عليه\".\nأخرجه: أحمد (٣/ ٣٣٢) ومسلم (٢/ ٦٦٧/٩٧٠) وأبو داود (٣/ ٥٥٢/٣٢٢٦) والترمذي (٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩/ ١٠٥٢) والنسائي (٤/ ٣٩٢/٢٠٢٦) وابن ماجه (١/ ٤٩٨/١٥٦٢) بعضهم مطولا وبعضهم مختصرا.\n(٢) انظر تخريجه في مواقف ابن تيمية ﵀ سنة (٧٢٨هـ).\n(٣) وردت أحاديث كثيرة بهذا المعنى عن جمع من الصحابة، منها: حديث أبي هريرة: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». أخرجه: أحمد (٢/ ٣٦٧) وأبو داود (٢/ ٥٣٤/٢٠٤٢). وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (١١١): \"وهذا حديث حسن ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به\". وحسن إسناده الألباني، وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب. انظر تحذير الساجد (١٤٢).","vol":"8","page":604},{"text":"سمعنا الله يقول في كتابه إذ سجل على أولئك الأقوام ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) أي: هو تعالى ذو الجلال والإكرام.\nوطالما شاهدنا عباد أرباب هذه القباب. إذا التطمت عليهم أمواج البحر العباب. سمعت ذكر الزيلعي والحداد، وكل يدعو شيخه عند ذلك الاضطراب، إذ لكل طريقة لا ينتحى سواها في الهتف والانتساب، ولكل من الجيلاني، وابن علوان، والعيدروس، والحداد، وغيرهم من آلهة هذه الطوائف طائفة من العباد، ويذكرون الله في جملة من ذكرنا، كما سمعناهم أيضا، كأنه واحد من تلك الأعداد. وحاشا كل من يؤمن بالله واليوم الآخر -خصوصا صلحاء الأمجاد- أن يرضى شيئا من هذا، وإلا كان شريكا لمن حاد الله ورسوله وضاد. (٢)\n- وقال: ومن أذيال مصيبة المشاهد -التي أصيب بها الإسلام وشعائره- ما ظهر وانتشر في العامة في جهات كثيرة. كما هو معلوم مشاهد: أن المساجد ربما تكون متروكة مهجورة. وفيها من التراب والعيدان والأوساخ، وزبل الأنعام، وحراق التمباك، وغير ذلك ما يجعلها مزابل، ومشاهد الأموات محترمة مكرمة، مجمرة بالظفر والعطور، مفروشة بالسجاد الفاخر، وعلى القبور ستور الحرير الثمينة، بها الشمعدانات الفضية ما جعلها مرعية مقامة متحاماة. (٣)\n_________\n(١) الإسراء الآية (٦٧).\n(٢) معارج الألباب (٤٣ - ٤٧).\n(٣) معارج الألباب (ص ٢١٤).","vol":"8","page":605},{"text":"- وقال: تأمل دين عباد القبور اليوم، خصوصا الغالين منهم فيها، إذا مسهم الضر أنابوا إليها. ويروون -قاتلهم الله أنى يؤفكون- إذا دهمتكم الأمور، فعليكم بأصحاب القبور (١)، ثم يذوقون الرحمة من الله مع كفرهم هذا. فيقولون: كرامة الشيخ وبرهانه، وإذا أخفق سعيهم يقولون: هو غائب أو ساخط.\nوهذه قضية واقعة فاشية في الكثير، أو الأكثر، أو أن السالم من حماها نزر لا يكاد يذكر (٢).\n- له أيضا من الآثار السلفية كتاب: 'مدارج العبور على مفاسد القبور'.\n\nأبو العون السَّفَارِينِي (٣) (١١٨٨ هـ)\nمحمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني، أبو العون، شمس الدين، العلامة، الحافظ. ولد سنة أربع عشرة ومائة وألف، بقرية سفارين (من قرى نابلس)، قرأ القرآن صغيرا وحفظه وأتقنه، ثم رحل إلى دمشق وأخذ عن علمائها منهم الشيخ عبد القادر التغلبي والشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ\n_________\n(١) ذكره صاحب كشف الخفاء (١/ ٨٨/٢١٣) بلفظ: «إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أصحاب القبور» وعزاه لابن كمال باشا في الأربعين. كما ذكره محمد بشير الأزهري في تحذير المسلمين من الأحاديث الموضوعة على سيد المرسلين، انظر موسوعة الأحاديث الضعيفة (١/ ١٢٩٧).\n(٢) معارج الألباب (ص ٢٣٩).\n(٣) الأعلام (٦/ ١٤) وهدية العارفين (٢/ ٣٤٠) وتاريخ الجبرتي (١/ ٤٦٨ - ٤٧٠) والسحب الوابلة (٢/ ٨٣٩ - ٨٤٦) ومعجم المؤلفين (٨/ ٢٦٢) وفهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٢ - ١٠٠٥).","vol":"8","page":606},{"text":"أحمد المنيني وغيرهم. قال صاحب السحب الوابلة: برع في فنون العلم، وجمع بين الأمانة والفقه والديانة والصيانة، وفنون العلم والصدق، وحسن السمت والخلق والتعبد وطول الصمت عما لا يعني، وكان محمود السيرة، نافذ الكلمة، رفيع المنزلة عند الخاص والعام. وكان ﵀ ناصرا للسنة، قامعا للبدعة، قوالا بالحق مقبلا على شأنه، توفي ﵀ سنة ثمان وثمانين ومائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3038>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له المنظومة المشهورة المسماة: 'الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية'، وقد شرحها المؤلف بشرح مطول، نقل معظمه من بحوث ابن تيمية وابن القيم في كتبهما.\nوهذا مما يزين الشرح ويجعله ذا قيمة علمية. والكتاب مطبوع متداول.\n- قال فيها (١):\nاعلم هديت أنه جاء الخبر ... عن النبي المقتفى خير البشر\nبأنّ ذي الأمة سوف تفترق ... \"بضعا وسبعين\" اعتقادا والمحق\nما كان في نهج \"النبي\" المصطفى ... و\"صحبه\" من غير زيغ وجفا\nوليس هذا النص جزما يعتبر ... في فرقة إلا على \"أهل الأثر\"\n\n- وقال (٢):\nوالحمد لله على التوفيق ... لمنهج الحق على التحقيق\n_________\n(١) شرح العقيدة السفارينية (ص.٦٣).\n(٢) شرح العقيدة السفارينية (ص.٧٨ - ٧٩).","vol":"8","page":607},{"text":"مسلما لمقتضى الحديث ... والنص في القديم والحديث\nلا أعتني بغير \"قول السلف\" ... موافقا أئمتي وسلفي\nولست في قولي بذا مقلدا ... إلا النبي المصطفى مبدي الهدى\nصلى عليه الله ما قطر نزل ... وما تعانى ذكره من الأزل\nوما انجلى بهديه الديجور ... وراقت الأوقات والدهور\nوآله وصحبه أهل الوفا ... معادن التقوى وينبوع الصفا\nوتابع وتابع للتابع ... خير الورى حقا بنص الشارع\nورحمة الله مع الرضوان ... والبر والتكريم والإحسان\nتهدى مع التبجيل والإنعام ... مني لمثوى عصمة الإسلام\nأئمة الدين هداة الأمة ... أهل التقى من سائر الأئمة\nلا سيما \"أحمد\" و\"النعمان\" ... و\"مالك\" \"محمد\" الصنوان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3039>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀ في كتابه 'لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية':\nقد أكثر السلف ﵃ في ذم الكلام والخوض فيه والتقصي عن دقائقه والتدقيق فيما يزعمون أنه قضايا برهانية وحجج قطعية يقينية، وقد شحنوا ذلك بالقضايا المنطقية والمدارك الفلسفية والتخيلات الكشفية والمباحث القرمطية، وكان أئمة الدين مثل الإمام مالك وسفيان وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي","vol":"8","page":608},{"text":"يبالغون في ذم الكلام وفي ذم بشر المريسي وتضليله. (١)\n- وقال: وقد أجمع أئمة الهدى على ذم الفرقة المريسية وأكثرهم كفروهم وضللوهم وذموا الكلام وأهله بعبارات رادعة وكلمات جامعة. (٢)\n- وقال: وفي قوله: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣) دلالة على أمور:\nمنها بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة، كما هو قول الجهميين الذين قالوا بخلق القرآن من المعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم. فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات، وقال إن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة جهميا. فإن جهما أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه وإن كان الجعد بن درهم سبقه إلى بعض ذلك. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3040>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال في منظومته 'الدرة المضية':\nفصل في الكلام على الذنوب:\n_________\n(١) لوائح الأنوار (١/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(٢) لوائح الأنوار (١/ ١٨٧).\n(٣) الأنعام الآية (١١٤).\n(٤) لوائح الأنوار (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).","vol":"8","page":609},{"text":"ويفسق المذنب بـ (الكبيره) ... كذا إذا أصر بـ (الصغيره)\nلا يخرج المرء من (الإيمان) ... بـ (موبقات الذنب) و(العصيان)\nوواجب عليه أن يتوبا ... من كل ما جر عليه حوبا\nويقبل المولى بمحض الفضل ... من غير عبد كافر منفصل\nما لم يتب من (كفره) بضده ... فيرتجع عن (شركه) وصده\nومن يمت ولم يتب من الخطا ... فأمره مفوض لذي العطا\nفإن يشأ يعفو وإن شاء انتقم ... وإن يشأ أعطى وأجزل النعم (١)\n- وقال فيها أيضا: الباب السادس في ذكر الإمامة:\nولا غنى لأمة الإسلام ... في كل عصر كان عن (إمام)\nيذب عنها كل ذي جحود ... ويعتني ب (الغزو) و(الحدود)\nو(فعل معروف) و(ترك نكر) ... و(نصر مظلوم) وقمع كفر\nو(أخذ مال الفيء) و(الخراج) ... ونحوه والصرف في منهاج\nونصبه ب (النص) و(الإجماع) ... و(قهره) فحل عن الخداع\nوشرطه (الإسلام) و(الحريه) ... (عدالة) (سمع) مع (الدرية)\nوأن يكون من (قريش) (عالما) ... (مكلفا) ذا (خبرة) و(حاكما)\nوكن مطيعا أمره فيما أمر ... ما لم يكن ب (منكر) فيحتذر (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3041>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال في منظومته الدرة المضية: (فصل في الكلام على الإيمان ...)\n_________\n(١) شرح العقيدة السفارينية (٦٨).\n(٢) شرح العقيدة السفارينية (٧٧).","vol":"8","page":610},{"text":"إيماننا قول وقصد وعمل ... ونحن في إيماننا نستثني نتابع الأخيار من أهل الأثر ... تزيده التقوى وينقص بالزلل\nمن غير شك فاستمع واستبن\nونقتفي الآثار لا أهل الأشر (١)\n\n- وقال في لوائح الأنوار: تنبيه: هل القول بقبول الإيمان للزيادة والنقصان مختص بمذهب السلف ومن تبعهم -ممن يدخل الأعمال فيه من الخلف- كالقلانسي وغيره من الأشاعرة، أو يعم مذهب من قال إنه التصديق فقط؟\nالحق كما قاله الإمام النووي وغيره، وجماعة من مُحَقِّقي علماء الكلام؛ أن الزيادة والنقصان تدخل الإيمان، ولو قيل إنه التصديق والإذعان، لأن التصديق القلبي يزيد وينقص أيضا بكثرة النظر ووضوح البرهان، وعدم ذلك، وما اعترض على هذا القول -من أنه متى قبل ذلك كان شكا- مدفوع بأن مراتب اليقين متفاوتة، مع أنها لا شك معها. وفي القرآن العظيم ما حكى عن خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء أفضل الصلاة وأتم التسليم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ﴾ قَلْبِي (٢).\nوتقدمت قصة موسى الكليم لما رأى قومه عاكفين على عبادة العجل، مع ما كان أخبره الله تعالى به من ذلك، فحصل له من الغضب، وإلقاء الألواح، وأخذه بلحية أخيه هارون ﵇ ورأسه، ما لم يحصل له\n_________\n(١) شرح العقيدة السفارينية (٦٩).\n(٢) سورة البقرة الآية (٢٦٠).","vol":"8","page":611},{"text":"بإخبار الله تعالى، مع جزمه وتيقنه صدق الخبر، ووقوع المخبر عنه بخبر من لا يبقى في القلب أدنى شك ولا ريبة، وبالله التوفيق.\nتتمة: مذهب السلف ومن وافقهم من الأشعرية جواز الاستثناء في الإيمان، يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله، خلافا لمن يمنعه كالجهمية والمرجئة. وخلافا لمن يوجبه كابن كلاب ومن وافقه.\nوالقول بجواز الاستثناء مذهب أصحاب الحديث كالثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء البصرة، وهو مذهب الإمام أحمد، وغيره من علماء السنة، فإنهم يستثنون في الإيمان. وهذا متواتر عنهم، لأن الإيمان عندهم يتضمن فعل جميع الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى من غير شك في إيمانهم كما هو منصوص الشافعي وأحمد ﵄، خلافا لأبي حنيفة ﵃ أجمعين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3042>موقفه من القدرية:</span>\n- ذكر ﵀ في الدرة المضية مسائل القدر فقال: (الباب الثاني في الأفعال المخلوقة):\nوسائر الأشياء غير الذات ... وغير ما الأسماء والصفات\nمخلوقة لربنا من العدم ... وضل من أثنى عليها بالقدم\nوربنا يخلق باختيار ... من غير حاجة ولا اضطرار\nلكنه لا يخلق الخلق سدى ... كما أتى في النص فاتبع الهدى\n_________\n(١) لوائح الأنوار السنية (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٥).","vol":"8","page":612},{"text":"أفعالنا مخلوقة لله ... لكنها كسب لنا يا لاهي\nوكل ما يفعله العباد ... من طاعة أو ضدها مراد\nلربنا من غير ما اضطرار ... منه لنا فافهم ولا تمار\nوجاز للمولى يعذب الورى ... من غير ما ذنب ولا جرم جرى\nفكل ما منه تعالى يجمل ... لأنه عن فعله لا يسأل\nفإن يثب فإنه من فضله ... وإن يعذب فبمحض عدله\nفلم يجب عليه فعل الأصلح ... ولا الصلاح ويح من لم يفلح\nفكل من شاء هداه يهتدي ... وإن يرد ضلال عبد يعتدي (١)\n\n- وقال: (فصل في الكلام على القضاء والقدر):\nوكل ما قدر أو قضاه ... فواقع حتما كما قضاه\nوليس واجبا على العبد الرضا ... بكل مقضي ولكن بالقضا\nلأنه من فعله تعالى ... وذاك من فعل الذي تقالى (٢)\n\nحسين العُشَارِي (٣) (١١٩٤ هـ)\nحسين بن علي بن حسن بن محمد العشاري، نجم الدين، أبو عبد الله البغدادي الشافعي. ولد سنة خمسين ومائة وألف للهجرة ببغداد، وتعلم فيها، وغلب عليه الفقه حتى كان يسمى الشافعي الصغير. وبعث ﵀ إلى\n_________\n(١) شرح العقيدة السفارينية (ص٦٦).\n(٢) شرح العقيدة السفارينية (ص٦٨).\n(٣) هدية العارفين (١/ ٣٢٨) والأعلام (٢/ ٢٤٨) ومعجم المؤلفين (٤/ ٢٨).","vol":"8","page":613},{"text":"البصرة للقضاء والتدريس فيها، فتوفي في تلك السنة (أي سنة أربع وتسعين ومائة وألف).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3044>موقفه من الرافضة:</span>\n- له: 'الأبحاث الرفيعة في الرد على الشيعة'، ذكره في هدية العارفين. (١)\n\nمحمد بن عبد العزيز بن سلطان (٢) (من القرن الثاني عشر)\nالشيخ محمد بن عبد العزيز بن سلطان ولد في بلدة البير. قرأ على علماء الدرعية آنذاك، وعلى رأسهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وعينه الإمام محمد ابن سعود قاضيا لبلدان المحمل والشعيب، ثم انتقل إلى قضاء الدرعية. توفي ﵀ في بلدته البير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3046>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في علماء نجد: ولما قامت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان المترجم -أي محمد بن عبد العزيز بن سلطان- من الشباب الراغبين في العلم، فانتقل إلى الدرعية، فدرس فيها على الشيخ محمد وعلى عدد من علماء الدرعية المقيمين فيها والواردين إليها، فلما أدرك عَيَّنه الإمام محمد بن سعود بمشورة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاضيا لبلدان المحمل والشعيب. (٣)\n_________\n(١) (١/ ٣٢٨).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ٧١).\n(٣) علماء نجد (٦/ ٧١).","vol":"8","page":614},{"text":"صفي الدين محمد بن أحمد البخاري (١) (١٢٠٠ هـ)\nمحمد بن أحمد بن محمد بن خير الله البخاري الأصل المحدث الأثري نزيل نابلس، أبو الفضل صفي الدين. ولد سنة أربع وخمسين ومائة وألف. قال الزبيدي في معجمه: يعرف فن الحديث معرفة جيدة لا نعلم في هذا العصر من يدانيه فيها مع ما عنده من قوة الحافظة والفهم السريع وإدراك المعاني الغريبة. وقال الشمس ابن عابدين: كان في حفظ متون الأحاديث والرجال عديم المثيل، كاد أن يشبه بصاحب الصحيح لو كان أباه إسماعيل. وقال الزركلي: (فاضل من أعلم أهل الشام بالحديث في عصره). وقال الجبرتي: (وكان إنسانا حسنا مجموع الفضائل رأسا في فن الحديث) توفي سحر ليلة الأحد سابع وعشرين رمضان سنة مائتين وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3048>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له: 'القول الجلي في ترجمة ابن تيمية الحنبلي'؛ والكتاب مطبوع بهامش جلاء العينين.\n- وله: 'الصاعقة المحرقة على المتصوفة الرقصة المتزندقة'؛ مطبوع متداول.\n- قال في 'الصاعقة المحرقة': واعلم أن المعصية إذا عملها صاحبها مع اعتقاد أنها معصية يسمى فاسقا ولا يسمى مبتدعا، فإن اعتقد مع ذلك كونها مشروعة في الدين جوازا أو ندبا أو وجوبا فهو مبتدع.\n_________\n(١) فهرست الفهارس (١/ ٢١٤ - ٢١٥) وتاريخ الجبرتي (١/ ٦٥٢ - ٦٥٣) والأعلام (٦/ ١٥) ومعجم المؤلفين (٩/ ٥).","vol":"8","page":615},{"text":"فالفسق: أعم من البدعة، فكل بدعة فسق ولا عكس، فيكون هؤلاء بفعلهم هذا فساقا مبتدعين لعملهم المعصية معتقدين أنها طاعة، كذا في الرهص والرقص. (١)\n- وقال: فصل: وإذا تقرر كراهة رفع الصوت بالذكر مع الجنازة في مذاهب الأئمة الأربعة. ففي نحو الذكر قدام العروس بالطريق الأولى.\nوبالجملة، فالذكر بالصوت الشديد في الطرقات بدعة، لكونه غير معهود في زمنه - ﷺ -، ولا في القرون المشهود بخيريتها، ولا له سند ظاهر ولا خفي، ولا يجوز قياسه على التلبية والتكبير في طريق يوم العيد لعدم شرط القياس.\nعلى أن التلبية لم يشرع الجهر بها إلا لكل فرد بنفسه لا بهيئة الاجتماع والاتفاق في الصوت بالرفع والخفض ومراعاة الأنغام والزيادة والنقص والتمطيط والإبدال في الحروف، لأجل ذلك، فإن ذلك كله حرام في الذكر كما يحرم في قراءة القرآن، كذا في الرهص والرقص. (٢)\n- وقال: فالجهر المذكور يدافع السنة الثابتة بالحديث المتقدم ذكره الذي أخرجه البيهقي أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يكرهون رفع الصوت عند الجنازة وعند القتال وعند الذكر.\nوإذا استقرئت البدع التي في العبادات المحضة فلا بد أن يوجد فيها مزاحمة لسنة، ولو لم تكن تلك السنة إلا متابعة الصحابة لكان فيها كفاية\n_________\n(١) الصاعقة المحرقة (ص.٦٢).\n(٢) الصاعقة المحرقة (ص.٦٦ - ٦٧).","vol":"8","page":616},{"text":"لأمره - ﷺ - بالاقتداء بهم بخلاف غير العبادات المحضة فإنها قد تكون لسبب تجدد بعدهم أو كان تركهم لها المانع ثم زال على ما تقدم. الكل في الرهص والرقص. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3049>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال ﵀ في مقدمة 'الصاعقة المحرقة على المتصوفة الرقصة المتزندقة'- وهو كتاب جيد في بابه، ملأه صاحبه بالنقول عن أصحاب المذاهب، وخصوصا المذهب الحنفي ... وقد طبع الكتاب ولله الحمد-: إني أردت أن أكتب أوراقا في شرح أحوال المتصوفة في هذه الأيام مشتملا على فصول للاهتمام. وسميتها: الصاعقة المحرقة على المتصوفة الرقصة.\nوذلك أن طائفة ممن يدعي التصوف وهو فيه دعي بالتصلف قد اتخذوا الرقص واللعب ديدنا واعتقدوه تدينا، وخلطوا العبادة باللعب، وافتروا على الله الكذب، يأخذ بعضهم بيد بعض ويتحلقون حلقة، ويدورون محركين أيديهم إلى وراء وقدام، ورءوسهم بالتصعيد والتسفيل والتلوي كالهيئة التي يفعلها بعض النصارى في لعب لهم (يسمونهم) بركض الديك. ألا ساء ما يصنعون. (٢)\n_________\n(١) الصاعقة المحرقة (ص.٧١).\n(٢) الصاعقة المحرقة (ص.١٧).","vol":"8","page":617},{"text":"السلطان محمد بن عبد الله (١) (١٢٠٤ هـ)\nمحمد (المتوكل على الله، المعتصم بالله) بن عبد الله بن إسماعيل بن الشريف الحسني، المالكي مذهبا الحنبلي اعتقادا. ويعتبر الأمير من ملوك الدولة السجلماسية العلوية بالمغرب، ولد سنة أربع وثلاثين ومائة وألف، وبويع ﵀ بعد وفاة أبيه سنة إحدى وسبعين ومائة وألف للهجرة.\nقال صاحب 'الاستقصا': كان السلطان محمد بن عبد الله ﵀ محبا للعلماء وأهل الخير مقربا لهم، لا يغيبون عن مجلسه في أكثر الأوقات. ثم قال: وجلب من بلاد المشرق كتبا نفسية من كتب الحديث لم تكن بالمغرب، مثل مسند الإمام أحمد، ومسند أبي حنيفة وغيرهما. وقال: ولما ولاه الله أمر المسلمين بعد وفاة والده زهد في التاريخ والأدب بعد التضلع منهما وأقبل على سرد كتب الحديث والبحث عن غريبها وجلبها من أماكنها.\nوقال صاحب 'نشر المثاني': وهو نصره الله وأيده في العلم بحر لا يجارى، وفي التحقيق والمعارف لا يمارى، وقد جمع من دراية العلم ما تقف العلماء دونه، وتود زواهر الأفق أن تكونه، فكملت بذلك سنة الله على العباد، وأحيا به الله الدين في كل الأرض والبلاد، مع فرط الكرم والجود. وكان ﵀ له هيبة عظيمة في مشوره وموكبه، وهابته ملوك الإفرنج، ووفدت عليه رسلهم بالهدايا والتحف، وقام بمجموعة من الإصلاحات الداخلية كبناء المدن والمساجد والمدارس. توفي ﵀ سنة أربع ومائتين وألف، بالقرب من رباط الفتح.\n_________\n(١) الفكر السامي (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤) والاستقصا (٨/ ٣ - ٧٢) والأعلام (٦/ ٢٤١ - ٢٤٢) وهدية العارفين (٢/ ٣٤٧) والإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام (٦/ ١٠٩ - ١٣٣).","vol":"8","page":618},{"text":"وقال صاحب 'الفكر السامي': عالم السلاطين، وسلطان العلماء في وقته، إمام جليل، وجهبذ نبيل، أحيا من العلم مآثره وجدد الدولة العلوية بعد أن كانت داثرة، جال بنفسه في المغرب، وتقرى قبائله، وعرف دخائله، وأيقن أن الدين قد كان أن يذهب من أهله باستيلاء الجهل على بطونه وقبائله، فألف لهم تأليفا على نسق رسالة ابن أبي زيد تسهيلا على العوام، ليصلوا من ضروريات دينهم إلى المرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3052>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان من خيار ملوك العلويين بالمغرب؛ اعتنى بالعلم حتى وصل إلى درجة التأليف، وكان سلفيا في عقيدة الأسماء والصفات.\n- جاء في الفكر السامي:\nوقال: إنه أول من أدخل المسانيد الأربعة للمغرب من الحرم الشريف يعني ما عدا الموطأ، وافتتحه -أي كتاب 'الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية'- بعقيدة رسالة ابن أبي زيد ... وقد كان سلفي العقيدة على مذهب الحنابلة كما صرح بذلك في تآليفه ... ومن مآثره أنه كان يحض على قراءة كتب المتقدمين وينهى عن المختصرات، ويرى الرجوع للكتاب والسنة؛ ولو عملوا برأيه لارتقى علم الدين إلى أوج الكمال. (١)\nالتعليق:\nافتتاحه ﵀ كتابه مما يؤكد سلفيته في الأسماء والصفات، فرحمة\n_________\n(١) (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).","vol":"8","page":619},{"text":"الله عليه وجعل الباقي على نهجه.\n- وفي الاستقصا: وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الله ﵀ ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحررة على مذهب الأشعرية ﵃، وكان يحض الناس على مذهب السلف من الاكتفاء بالاعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل، وكان يقول عن نفسه حسبما صرح به في آخر كتابه الموضوع في الأحاديث المخرجة من الأئمة الأربعة أنه مالكي مذهبا حنبلي اعتقادا، يعني أنه لا يرى الخوض في علم الكلام على طريقة المتأخرين، وله في ذلك أخبار. (١)\n- وفيه: ومن عجيب سيرته ﵀ أنه كان يرى اشتغال طلبة العلم بقراءة المختصرات في فن الفقه وغيره وإعراضهم عن الأمهات المبسوطة الواضحة تضييع للأعمار في غير طائل، وكان ينهى عن ذلك غاية. ولا يترك من يقرأ مختصر خليل ومختصر ابن عرفة وأمثالهما. ويبالغ في التشنيع على من اشتغل بشيء من ذلك، حتى كاد الناس يتركون قراءة مختصر خليل، وإنما كان يحض على كتاب الرسالة والتهذيب وأمثالهما، حتى وضع في ذلك كتابا مبسوطا أعانه عليه أبو عبد الله الغربي وأبو عبد الله المير وغيرهما من أهل مجلسه.\nولما أفضى الأمر إلى السلطان العادل المولى سليمان ﵀ صار يحض الناس على التمسك بالمختصر، ويبذل على حفظه وتعاطيه الأموال الطائلة،\n_________\n(١) (٨/ ٦٨).","vol":"8","page":620},{"text":"والكل مأجور على نيته وقصده. (١)\nالتعليق:\nقال صاحب الاستقصا: إنا نقول: الرأي ما رأى السلطان سيدي محمد ﵀، وقد نص جماعة من أكابر الأعلام النقاد مثل الإمام الحافظ أبي بكر ابن العربي، والشيخ النظار أبي إسحاق الشاطبي، والعلامة الواعية أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون وغيرهم، أن سبب نضوب ماء العلم في الإسلام ونقصان ملكة أهله فيه إكباب الناس على تعاطي المختصرات الصعبة الفهم، وإعراضهم عن كتب الأقدمين المبسوطة المعاني، الواضحة الأدلة، التي تحصل لمطالعها الملكة في أقرب مدة، ولعمري لا يعلم هذا يقينا إلا من جربه وذاقه. اهـ (٢)\nقلت: وأما الناس اليوم، فأقبلوا عما نهى عنه هذا السلطان الصالح محمد ابن عبد الله؛ إذ المتمسك منهم الذي سلم من الإلحاد الشيوعي والاشتراكي، لا يعرف غير هذه المختصرات؛ فـ'مختصر خليل' هو قرآنهم، و'السنوسية' و'أم البراهين' و'مقدمة ابن عاشر' هي معتقدهم. والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3053>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀ في آخر 'الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية' (٣): فصل في بيان قولي في الترجمة: المالكي مذهبا الحنبلي اعتقادا، والأيمة رضي\n_________\n(١) (٨/ ٦٧).\n(٢) الاستقصا (٨/ ٦٧).\n(٣) مخطوط بخزانة القرويين بفاس (ص.٣٢٠ - ٣٢٢).","vol":"8","page":621},{"text":"الله عنهم اعتقادهم واحد، فأردت أن أشرح قولي: المالكي مذهبًا الحنبلي اعتقادًا؛ وأبين المقصود بذلك والمراد، ليلا يفهمه بعض الناس على غير وجهه؛ وذلك أن الإمام أحمد -ثبت الله المسلمين بثبوته- سد طريق الخوض في علم الكلام، وقال: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا ترى أحدا ينظر في علم الكلام إلا وفي قلبه مرض وهجر أبا عبد الله الحارث بن أسد البصري المحاسبي وكان ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن وذلك لتصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة وقال له ويحك ألست تحكي بدعتهم ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة كلام أهل البدعة والتكلم فيه فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث فاختفى المحاسبي فلما مات لم يصل عليه إلا أربعة، وإلى ذلك ذهب الشافعي ومالك وسفيان وأهل الحديث قاطبة، حتى قال الشافعي ﵁ لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام فلزم الناس السكوت عن الخوض في علم الكلام إلى أن نبغ الإمام الأشعري فاشتغل يرد على المعتزلة أقوالهم الفاسدة ويجيب عن آرائهم الواهية فاتبعه المالكية على ذلك وسموه ناصر السنة وهو ومن ابتعه على صواب موافقين في اعتقادهم للسنة والكتاب لا في الخوض مع الخائضين والتصدي لذكر شبه المبطلين وتخليدها في الأوراق إلى يوم الدين.\nوأما الحنابلة فأنكروا ذلك عليه، وفوقوا سهام الانتقاد إليه، وقالوا له كان ينبغي لك أن تسكت كما سكت الأيمة قبلك من السلف الصالح المهتدين الذين يرون أن الخوض في علم الكلام من البدع المحدثة في الدين، أما لك فيهم إسوة أفلا وسعك ما وسعهم من السكوت عن تلك الهفوة. فطريق","vol":"8","page":622},{"text":"الحنابلة في الاعتقاد سهلة المرام، منزهة عن التخيلات والأوهام، موافقة لاعتقاد الأيمة كما سبق مع السلف الصالح من الأنام أعاشنا الله على ما عاشوا عليه وأماتنا على ما ماتوا عليه.\nقال عبد الحفيظ الفاسي في 'الآيات البينات' (١): ولما جلس على عرش مملكة المغرب السلطان المعظم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إسماعيل العلوي قام في أوائل القرن الثالث عشر بنصرة هذا المذهب (٢) وصرح في أول كتابه الفتوحات الكبرى (٣) بكونه مالكي المذهب حنبلي العقيدة وافتتح كتابه بعقيدة الرسالة (٤) لكونها على مذهب السلف وعقد في آخره بابا بين فيه وجه كونه حنبلي العقيدة ونصره ولم يزل معلنا بذلك في مؤلفاته ورسائله ومجالسه العلمية. وقد نقل عنه أبو القاسم الزياني أنه كان يطعن في الرحالة ابن بطوطة ويلمزه في عقيدته ويكذبه فيما ذكر في رحلته من أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقرر يوما حديث النزول، فنزل عن كرسيه وقال كنزولي هذا، ويبرئ ابن تيمية من عقيدة التجسيم التي تفيدها هذه القضية، ويقرر أن ابن بطوطة كان يعتقد ذلك فأراد أن يظهره بنسبته إلى ابن تيمية.\n- أصدر مرسوما ملكيا سنة ثلاث ومائتين وألف للهجرة في إصلاح المنهج التعليمي بالمغرب، وألزم العلماء والوعاظ به، وتوعد بالعقوبة كل من خالفه، ومما قال فيه: \"ومن أراد علم الكلام فعقيدة ابن أبي زيد رضي الله\n_________\n(١) (ص.٣٠١).\n(٢) أي مذهب السلف.\n(٣) هو الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية.\n(٤) رسالة ابن أبي زيد القيرواني.","vol":"8","page":623},{"text":"عنه كافية شافية يستغني بها جميع المسلمين\". ثم قال: \"ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة وكتب غلاة الصوفية وكتب القصص؛ فليتعاط ذلك في داره مع أصحابه الذين لا يدرون بأنهم لا يدرون، ومن تعاطى ما ذركنا في المساجد ونالته عقوبة فلا يلومن إلا نفسه، وهؤلاء الطلبة الذين يتعاطون العلوم التي نهينا عن قراءتها؛ ما مرادهم بتعاطيها إلا الظهور والرياء والسمعة، وأن يضلوا طلبة البادية، فإنهم يأتون من بلدهم بنية خالصة في التفقه في الدين وحديث رسول الله - ﷺ -، فحين يسمعونهم يدرسون هذه العلوم التي نهينا عنها؛ يظنون أنهم يحصلون على فائدة بها، فيتركون مجالس التفقه في الدين واستماع حديث رسول الله - ﷺ -، وإصلاح ألسنتهم بالعربية، فيكون ذلك سببا في ضلالهم\". (١)\n_________\n(١) نقلا عن النبوغ المغربي لعبد الله كنون (ص.٢٧٧).","vol":"8","page":624},{"text":"محمد بن عبد الوهاب (١) (١٢٠٦ هـ)\nلقد بزغت شمس الهداية في القرن الثاني عشر الهجري، الذي وصل فيه العالم الإسلامي إلى حالة أجمع المؤرخون على وصفها؛ بأنها حالة ظلام دامس، لقد غطته القبورية والقبوريون. وأصبحت الأرض والسماء تشتكيان من رفع أصوات القبوريين بالاستغاثة بالأموات والأشجار والأحجار. وكذلك انزعجت السماوات بزعقات المتصوفين وصراخهم، وارتجت الأرض من شطحهم ورقصهم، وكادت أن تنشق وتتزلزل من فعلهم ومنكرهم، أما طغيان المعاصي الأخرى فلا تسأل عن وصفها والحالة التي بلغتها. أما السنة وكتبها فقد سفت عليها الرمال، وأصبح طلبة العلم لا يعرفون إلا قول فلان وعلان. وأما عقائد الأشعرية والماتوريدية فأصبحت هي الغيم والمطر في قلوب علماء ذلك الزمان، وبها حياتهم.\nفلكل ما ذكرنا يمكن الجزم بأن شمس الهداية قد بزغت من جديد على يد هذا الإمام بهضاب نجد، وفي الدرعية بالضبط. فانتشر نورها في تلك البقعة، وطهرها من كل الظلمات التي كانت حالكة فيها منذ سنين. ثم تابعت مسيرتها إلى آخر نقطة من الشرق ثم إلى آخر نقطة من الغرب. فوجدت حواجز كثيرة من جبال للشرك والدجل، وغيوم مختلفة من ألوان من الضلال، ولكن لقوة نورها وعدم تكدرها لم تتأثر بأي حاجز يحجزها، وما تزال والحمد لله مشرقة صافية يستضيء بها أهل المشرق والمغرب. وكيف لا وهي شعاع من شمس النبوة التي وعد الله بحفظها إلى أن يرث الله الأرض\n_________\n(١) روضة ابن غنام (١/ ٧٥ - ٨٤) والأعلام (٦/ ٢٥٧) وعلماء نجد (١/ ٢٥) وأبجد العلوم (٣/ ١٥٨ - ١٦٠).","vol":"9","page":1},{"text":"ومن عليها.\nوإليك نبذة عن شخصيته، فهو الشيخ الإمام، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي. ولد سنة خمس عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية في العيينة (بنجد). حفظ القرآن قبل العاشرة من عمره، وكان حاد الفهم، وقاد الذهن، سريع الحفظ، فصيحا فطنا. نشأ الشيخ في أحضان بيت علم كبير توارثوه أبا عن جد. أخذ عن أبيه وعن الشيخ المحدث محمد حياة السندي والشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف بن عبد الله الشمري وغيرهم. رحل طالبا للعلم إلى الحجاز ثم إلى البصرة، لكنه أوذي فيها، وعاد إلى نجد، فسكن \"حريملا\" مع أبيه يقرأ عليه إلى أن توفي أبوه سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف للهجرة. وكان له اهتمام خاص بمطالعة كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم. وبدأ الشيخ ﵀ بإظهار دعوته منكرا لجميع مظاهر الشرك والبدع، مجددا سنة رسول الله - ﷺ -، وناهجا منهج السلف الصالح في الدعوة إلى التوحيد الخالص. وكان من المساندين له أمير العيينة عثمان بن حمد بن معمر، فناصره وألزم الخاصة والعامة أن يمتثلوا أمره، فهدمت قبور ومشاهد وقطعت أشجار، وعلت كلمة الحق. لكن سرعان ما تخلى الأمير عن الشيخ وخذله، وأمره بالخروج من العيينة، فتلقاه أمير \"الدرعية\" محمد بن سعود بالإكرام، وقبل دعوته، وتعاهدا على إعلاء كلمة الله وسنة رسوله، فأيدهما الله ﷾ بنصره، فملكوا مكة والمدينة وقبائل الحجاز وأمصارا أخرى. وقد تخرج على يده وأخذ عنه علماء أجلاء منهم: أبناؤه علي وحسين وإبراهيم وعبد الله، والشيخ أحمد بن راشد العريني","vol":"9","page":2},{"text":"والشيخ حمد بن إبراهيم والشيخ أحمد بن ناصر بن عثمان بن معمر وغيرهم.\nقال حسين بن غنام: كان ﵀ يحيي غالب الليل قائما، يصلي ويتهجد ويقرأ القرآن، وكان من دأبه التأني والتثبت في تنفيذ الأحكام، لا يميله الهوى عن الشرع، ولا تصده عداوة عن الحق، بل يحكم بما ترجح له وجه الصواب فيه، فإن وجد نصا في كتاب الله أو سنة نبيه - ﷺ - التزمه ولم يعدل عنه، وإلا رجع إلى كتب الأئمة الأربعة، وأخذ نفسه بدقة المراجعة والتحقيق للنص، وشدة البحث والكشف والتنقيب. من مؤلفاته: 'كتاب التوحيد' و'مختصر زاد المعاد' و'مسائل الجاهلية' و'الكبائر' و'كشف الشبهات' وغيرها.\nتوفي ﵀ سنة ست بعد المائتين والألف، وله اثنتان وتسعون سنة.\nولكثرة ما لهذا الإمام من الآثار في العقيدة السلفية سأقتصر على بعض المسائل التي نشرف بحثنا بها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3055> موقفه من المبتدعة:</span>\n- رسالة الشيخ إلى أهل القصيم لما سألوه عن عقيدته:\nبسم الله الرحمن الرحيم:\nأشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله - ﷺ - من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله ﷾ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه","vol":"9","page":3},{"text":"وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله - ﷺ - بين الروافض والخوارج. وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدا وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد - ﷺ -، وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.\nوأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ\n_________\n(١) الصافات الآيات (١٨٠ - ١٨٢).","vol":"9","page":4},{"text":"فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ (١) وتنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، وأومن بحوض نبينا محمد - ﷺ - بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم. وأومن بشفاعة النبي - ﷺ - وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي - ﷺ - إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ (٤) وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (٥) وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم\n_________\n(١) الأعراف الآيتان (١٠٢ و١٠٣).\n(٢) الأنبياء الآية (٢٨).\n(٣) البقرة الآية (٢٥٥).\n(٤) النجم الآية (٢٦).\n(٥) المدثر الآية (٤٨).","vol":"9","page":5},{"text":"موجودتان، وأنهما لا تفنيان، وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.\nوأومن بأن نبينا محمدا - ﷺ - خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃. وأتولى أصحاب رسول الله - ﷺ - وأذكر محاسنهم وأترضى عنهم وأستغفر لهم وأكف عن مساويهم وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (١) وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأقر بكرامات الأولياء ومالهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله - ﷺ -، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا - ﷺ - إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله،\n_________\n(١) الحشر الآية (١٠).","vol":"9","page":6},{"text":"ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه، وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة.\nوأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة. فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل. ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي. فمنها قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وإني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وإني أدعي الاجتهاد، وإني خارج عن التقليد، وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمة، وإني أكفر من توسل بالصالحين، وإني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، وإني أقول لو أقدر على هدم قبة رسول الله - ﷺ - لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب، وإني أحرم زيارة قبر النبي - ﷺ -، وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما، وإني أكفر من حلف بغير الله، وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي، وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين. جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم. وقبله من بهت محمدا - ﷺ - أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين فتشابهت","vol":"9","page":7},{"text":"قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ (١) الآية، بهتوه - ﷺ - بأنه يقول إن الملائكة وعيسى وعزيرا في النار. فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ (٢)\nوأما المسائل الأخر، وهي أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله، وأني أعرف من يأتيني بمعناها، وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله وأخذ النذر لأجل ذلك، وأن الذبح لغير الله كفر والذبيحة حرام. فهذه المسائل حق وأنا قائل بها. ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المتبعين كالأئمة الأربعة، وإذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة إن شاء الله تعالى. ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (٣) الآية. (٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3056> موقفه من المشركين:</span>\n- محنة الشيخ بسبب عقيدته السلفية:\nجاء في روضة ابن غنام: وكان في أثناء مقامه في البصرة ينكر ما يرى ويسمع من الشرك والبدع، ويحث على طريق الهدى والاستقامة، وينشر\n_________\n(١) النحل الآية (١٠٥).\n(٢) الأنبياء الآية (١٠١) ..\n(٣) الحجرات الآية (٦).\n(٤) مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (٦/ ٨ - ١٣).","vol":"9","page":8},{"text":"أعلام التوحيد، ويعلن للناس أن الدعوة كلها لله يكفر من صرف شيئا منها إلى سواه. وإذا ذكر أحد بمجلسه شارات الطواغيت والصالحين الذين كانوا يعبدونهم مع الله نهاه عن ذلك وزجره، وبين له الصواب وقال له: إن محبة الأولياء والصالحين إنما هي باتباع هديهم وآثارهم. وليست باتخاذهم آلهة من دون الله، وكان كثير من أهل البصرة يأتون إليه بشبهات يلقونها عليه، فيجيبهم بما يزيل اللبس، ويوضح الحق، ويكرر عليهم دائما أن العبادة كلها لا تصلح إلا لله، وكان بعض الناس يستغربون منه ذلك، ويعجبون لما يظهر لهم من شدة إنكاره لعبادة الصالحين والأولياء، والتوسل بهم عند قبورهم ومشاهدهم. وكانوا يقولون: إن كان ما يقوله هذا الإنسان حقا فالناس ليسوا على شيء.\nفلما تكرر منه ذلك، آذاه بعض أهل البصرة أشد الأذى وأخرجوه منها وقت الهجيرة، فاتجه إلى الشام، ولكن نفقته التي كانت معه ضاعت منه في الطريق، فانثنى عائدا إلى نجد، ومر في طريقه إليها بالأحساء، ونزل فيها على الشيخ العالم عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي، ثم اتجه منها إلى بلدة حريملا، وكان أبوه عبد الوهاب قد انتقل إليها من العيينة، سنة تسع وثلاثين ومائة وألف، بعد أن توفي حاكمها عبد الله بن معمر وتولى بعده ابن ابنه محمد بن حمد الملقب خرفاش، فعزل الشيخ عبد الوهاب عن قضاء العيينة لنزاع بينهما.\nفأقام الشيخ محمد في حريملا مع أبيه يقرأ عليه سنين، إلى أن توفي أبوه سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف.","vol":"9","page":9},{"text":"فأعلن دعوته واشتد في إنكاره مظاهر الشرك والبدع وجد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذل النصح للخاص والعام، ونشر شرائع الإسلام وجدد سنة محمد - ﷺ -، ولم يخش في الحق لومة لائم، وحذر الناس والعلماء منهم خاصة تحقق وعيد الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ (١).\nفذاع ذكره في جميع بلدان العارض: في حريملا والعيينة والدرعية والرياض ومنفوحة، وأتى إليه ناس كثيرون وانتظم حوله جماعة اقتدوا به واتبعوا طريقه ولازموه وقرأوا عليه كتب الحديث والفقه والتفسير. وصنف في تلك السنين كتاب التوحيد.\nوانقسم الناس فيه فريقين: فريق تابعه وبايعه وعاهده على ما دعا إليه، وفريق عاداه وحاربه وأنكر ذلك عليه وهم الأكثر.\nوكان رؤساء أهل حريملا قبيلتين أصلهما قبيلة واحدة، وكان كل فريق يدعي لنفسه القوة والغلبة والكلمة العليا، ولم يكن لهم رئيس واحد يزع الجميع. وكان في البلد عبيد لأحد القبيلتين، كثر تعديهم وفسقهم، فأراد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يمنعهم عن الفساد وينفذ فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم العبيد أن يفتكوا بالشيخ ويقتلوه سرا بالليل، فلما تسوروا عليه الجدار علم بهم الناس فصاحوا بهم فهربوا.\n_________\n(١) البقرة الآية (١٥٩).","vol":"9","page":10},{"text":"فانتقل الشيخ من حريملا إلى العيينة، ورئيسها يومئذ عثمان بن حمد بن معمر فأكرمه وتزوج فيها الجوهرة بنت عبد الله بن معمر. ولما عرض على عثمان دعوته اتبعه وناصره وألزم الخاصة والعامة أن يمتثلوا أمره. وكان في العيينة وما حولها كثير من القباب والمساجد والمشاهد المبنية على قبور الصحابة والأولياء والأشجار التي يعظمونها ويتبركون بها: كقبة قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة وكشجرة قريوة وأبي دجانة والذئب.\nفخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعه عثمان بن معمر وكثير من جماعتهم، إلى تلك الأماكن بالمعاول، فقطعوا الأشجار وهدموا المشاهد والقبور وعدلوها على السنة، وكان الشيخ هو الذي هدم قبة قبر زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذئب مع بعض أصحابه، وقطع شجرة قريوة ثنيان بن سعود، ومشارى بن سعود وأحمد بن سويلم وجماعة سواهم.\nوهكذا لم يبق وثن في البلاد التي تحت حكم عثمان وعلت كلمة الحق، وأحييت سنة رسول الله - ﷺ -. فلما شاع ذلك واشتهر وتحدثت به الركبان أنكرته قلوب الذين حقت عليهم كلمة العذاب، وقالوا مثل ما قال الأولون: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ (١). فتجمعوا على رده والإنكار عليه، ومخاصمته ومحاربته، فكتبوا إلى علماء الأحساء والبصرة والحرمين يؤلبونهم عليه، فناصرهم في ذلك أهل الباطل والضلال من علماء تلك البلاد، وصنفوا المصنفات في تبديعه وتضليله وتغييره للشرع\n_________\n(١) ص الآية (٥).","vol":"9","page":11},{"text":"والسنة وجهله وغوايته، وأغروا به الخاصة والعامة، خصوصا السلاطين والحكام، وادعوا أن ليس للشيخ وأصحابه عهد ولا ذمام لرفضه سنة الرسول وتغييره أحكام الدين وخوفوا الحكام والولاة منه، وزعموا أنه يملأ قلوب الجهال والطِّغام بكلامه ويغويهم بطريقته فيخرجون على حكامهم وولاتهم ويعلنون العصيان.\nوالشيخ -﵀- صابر على ما يقولون، محتسب أجره عند الله، يتعزى بما قاساه قبله الموحدون، وما لقيه المؤمنون من أنواع البلاء، وما سعى لهم به أهل الشرك والضلال. وهذه سنة الله تعالى في عباده جارية في جميع الأزمان، يختبر بها المؤمنين ويمتحن بها الصابرين، فقد قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- ومن رسائله ﵀ إلى أهل الآفاق قال:\nبسم الله الرحمن الرحيم:\nمن محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه من علماء الإسلام، أنس الله بهم غربة الدين، وأحيى بهم سنة إمام المتقين، ورسول رب العالمين، سلام\n_________\n(١) العنكبوت الآيتان (١و٢).\n(٢) العنكبوت الآية (٣).\n(٣) روضة ابن غنام (١/ ٧٦ - ٧٩).","vol":"9","page":12},{"text":"عليكم معشر الإخوان ورحمة الله وبركاته أما بعد: فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذها الصغير عن الكبير، مثل عبادة غير الله وتوابع ذلك من تعظيم المشاهد، وبناء القباب على القبور وعبادتها واتخاذها مساجد، وغير ذلك مما بينه الله ورسوله غاية البيان، وأقام الحجة وقطع العذرة، ولكن الأمر كما قال - ﷺ -: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» (١) فلما عظم العوام قطع عاداتهم وساعدهم على إنكار دين الله بعض من يدعي العلم وهو من أبعد الناس عنه -إذِ العالم من يخشى الله- فأرضى الناس بسخط الله، وفتح للعوام باب الشرك بالله، وزين لهم وصدهم عن إخلاص الدين لله، وأوهمهم أنه من تنقيص الأنبياء والصالحين، وهذا بعينه هو الذي جرى على رسول الله - ﷺ - لما ذكر أن عيسى ﵇ عبد مربوب، ليس له من الأمر شيء، قالت النصارى: إنه سب المسيح وأمه، وهكذا قالت الرافضة لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله - ﷺ - وأحبهم، ولم يغل فيهم، رموه ببغض أهل بيت رسول الله - ﷺ -، وهكذا هؤلاء لما ذكرت لهم ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهل العلم من جميع الطوائف من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب من قبلنا في اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء والصالحين والأولياء، والله تعالى ناصر لدينه ولو كره المشركون.\nوها أنا أذكر مستندي في ذلك من كلام أهل العلم من جميع الطوائف، فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله ورسوله وكتابه\n_________\n(١) مسلم (١/ ١٣٠/١٤٥) وابن ماجه (٢/ ١٣١٩ - ١٣٢٠/ ٣٩٨٦) عن أبي هريرة. وفي الباب عن أنس وابن مسعود وغيرهما.","vol":"9","page":13},{"text":"ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم. فأما كلام الحنابلة فقال الشيخ تقي الدين ﵀ لما ذكر حديث الخوارج (١): فإذا كان في زمن النبي - ﷺ - وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضا، وذلك بأمور منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى، كالغلو في بعض المشايخ كالشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أجرني، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله أرسل الرسل ليعبد وحده لا يجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل الملائكة أو المسيح أو العزير أو الصالحين أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. اهـ\n- وقال في الاقتناع في أول باب حكم المرتد أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم فهو كافر إجماعا. وأما كلام الحنفية فقال الشيخ قاسم في شرح درر البحار: النذر: الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا باطل إجماعا، بوجوه منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر؛ إلى أن قال: وقد ابتلي الناس بذلك ولا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي، وقال الإمام البزازي في فتاويه: إذا رأى رفض صوفية زماننا هذا في المساجد مختلطا بهم جهال العوام، الذين لا يعرفون القرآن والحلال والحرام، بل لا يعرفون الإسلام والإيمان، لهم نهيق يشبه نهيق الحمير، يقول: هؤلاء لا محالة اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، فويل للقضاة والحكام حيث لا يغيرون هذا مع قدرتهم.\nوأما كلام الشافعية فقال الإمام محدث الشام أبو شامة وهو في زمن الشارح وابن حمدان في كتاب 'الباعث على إنكار البدع والحوادث': لكن نبين من هذا ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف من المنتسبين إلى الفقر، الذي حقيقته الافتقار من الإيمان من مؤاخاة النساء الأجانب، واعتقادهم في مشائخ لهم، وأطال ﵀ الكلام -إلى أن قال-: وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح، ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر وهي ما بين عيون وشجر وحائط، وفي مدينة دمشق صانها الله من ذلك مواضع متعددة، ثم ذكر ﵀ الحديث الصحيح عن رسول الله - ﷺ - لما قال له بعض\n_________\n(١) أحمد (١/ ٤٠٤) والترمذي (٤/ ٤١٧ - ٤١٨/ ٢١٨٨) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٥٩/١٦٨) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) يونس الآية (١٨).","vol":"9","page":null},{"text":"من معه: اجعل لنا ذات أنواط قال: «الله أكبر؛ قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة» (١).\nانتهى كلامه ﵀، وقال في 'اقتضاء الصراط المستقيم': إذا كان هذا كلامه - ﷺ - في مجرد قصد شجرة لتعليق الأسلحة والعكوف عندها، فكيف بما هو أعظم منها: الشرك بعينه بالقبور ونحوها؟ وأما كلام المالكية فقال أبو بكر الطرطوشي في كتاب 'الحوادث والبدع' لما ذكر حديث الشجرة ذات أنواط: فانظروا رحمكم الله، أين ما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء لمرضاهم من قبلها، فهي ذات أنواط فاقطعوها، وذكر حديث العرباض بن سارية الصحيح، وفيه قوله - ﷺ -: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (٢) قال: في البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: والله ما أعرف من أمر محمد شيئا إلا أنهم يصلون جميعا، وروى مالك في الموطأ عن بعض الصحابة أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة، قال الزهري: دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي ... فقال: ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت، قال الطرطوشي ﵀: فانظروا رحمكم الله إذا كان في ذلك الزمن طمس الحق، وظهر الباطل، حتى ما يعرف من الأمر القديم إلا القبلة،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢١٨) والترمذي (٤/ ٤١٢ - ٤١٣/ ٢١٨٠) وقال: \"حديث حسن صحيح\". وصححه ابن حبان (١٥/ ٩٤/٦٧٠٢).\n(٢) أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود (٥/ ١٣/٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٦) وقال: \"صحيح ليس له علة\"، ووافقه الذهبي.","vol":"9","page":16},{"text":"فما ظنك بزمانك هذا والله المستعان. وليعلم الواقف على هذا الكلام من أهل العلم أعزهم الله أن الكلام في مسألتين:\nالأولى: أن الله سبحانه بعث محمدا - ﷺ - لإخلاص الدين لله، لا يجعل معه أحد في العبادة والتأله، لا ملك ولا نبي، ولا قبر ولا حجر ولا شجر ولا غير ذلك، وأن من عظم الصالحين بالشرك بالله فهو يشبه النصارى، وعيسى ﵇ بريء منهم.\nوالثانية: وجوب اتباع سنة رسول الله - ﷺ - وترك البدع، وإن اشتهرت بين أكثر العوام، وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل، ونقل كلام العلماء، فرحم الله من نصر الله ورسوله ودينه ولم تأخذه في الله لومة لائم، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. (١)\nموازنة بين دعوة التوحيد ودعوة الشرك:\n- جاء في تاريخ عجائب الآثار: ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين وألف وما تجدد بها من الحوادث فكان ابتداء المحرم بالرؤية يوم الخميس في عاشره، وصل كثير من كبار العسكر الذين تخلفوا بالمويلح، فحضر منهم حسين بك دالي باشا وغيره، فوصلوا إلى قبة النصر جهة العادلية، ودخلت عساكرهم المدينة شيئا فشيئا وهم في أسوأ حال من الجوع وتغير الألوان وكآبة المنظر والسحن، ودوابهم وجمالهم في غاية العي، ويدخلون إلى المدينة في كل يوم، ثم دخل أكابرهم إلى بيوتهم وقد سخط عليهم الباشا ومنع أن لا\n_________\n(١) مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٧٥ - ١٨٠).","vol":"9","page":17},{"text":"يأتيه منهم أحد ولا يراه، وكأنهم كانوا قادرين على النصرة والغلبة، وفرطوا في ذلك، ويلومهم على الانهزام والرجوع. وطفقوا يتهم بعضهم البعض في الانهزام، فتقول الخيالة: سبب هزيمتنا القرابة، وتقول القرابة بالعكس. ولقد قال لي بعض أكابرهم من الذين يدعون الصلاح والتورع: أين لنا بالنصر، وأكثر عساكرنا على غير الملة، وفيهم من لا يتدين بدين، ولا ينتحل مذهبا، وصحبتنا صناديق المسكرات، ولا يسمع في عرضينا أذان ولا تقام به فريضة، ولا يخطر في بالهم، ولا خاطرهم شعائر الدين، والقوم إذا دخل الوقت أذن المؤذنون، وينتظمون صفوفا خلف إمام واحد، بخشوع وخضوع. وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذن المؤذن، وصلوا صلاة الخوف فتتقدم طائفة للحرب، وتتأخر الأخرى للصلاة، وعسكرنا يتعجبون من ذلك لأنهم لم يسمعوا به فضلا عن رؤيته وينادون في معسكرهم: هلموا إلى حرب المشركين المحلقين الذقون المستبيحين الزنا واللواط، الشاربين الخمور، التاركين للصلاة، الآكلين الربا، القاتلين الأنفس، المستحلين المحرمات.\nوكشفوا عن كثير من قتلى العسكر، فوجدوهم غلفا غير مختونين، ولما وصلوا بدرا واستولوا عليه وعلى القرى والخيوف وبها خيار الناس وبها أهل العلم والصلحاء، نهبوهم وأخذوا نساءهم وبناتهم وأولادهم وكتبهم، فكانوا يفعلون فيهم، ويبيعونهم من بعضهم لبعض ويقولون: هؤلاء الكفار الخوارج، حتى اتفق أن بعض أهل بدر الصلحاء طلب من بعض العسكر زوجته، فقال له: حتى تبيت معي هذه الليلة وأعطيها لك من الغد. (١)\n_________\n(١) تاريخ الجبرتي (٣/ ٣٤١ - ٣٤٢).","vol":"9","page":18},{"text":"التعليق:\nهذا النص الذي نقله هذا المؤرخ، فيه عبرة لمن اعتبر، فاعتبروا يا من يريدون تحرير المقدسات الإسلامية، مثل فلسطين وغيرها من البلاد المغصوبة، أو البلاد التي في طريقها إلى الغصب. يحلم كثير من الناس، فيستلذ بحلمه الذي هو عبارة عن المؤتمرات والمنظمات التي تعقد وقرار اللجان والاقتراحات، وإذا سمعت الإذاعات أو قرأت الجرائد العالمية أو المحلية تظن أن الأمر قد انتهى، ويمكن في الأسبوع القادم أو الشهر الآتي على الأكثر، أن تحرر المقدسات وتقوم الخلافة الإسلامية التي تعقد راية الجهاد تحتها.\nفلا تحرير ولا جهاد، ويبقى الناس هكذا حتى يراجعوا أنفسهم ويتوبوا إلى الله من هذا التردي أولا، الذي هم فيه، أما الاستخفاف بالشعوب والتلاعب بعقولهم، فما أكثر من يحسنه. والله المستعان.\nمقارنة بين الدعوة الشركية ودعوة التوحيد الخالص وآفات الأولى وبركة الثانية:\n- جاء في تاريخ الجبرتي:\nوفي هذه الأيام أيضا، وصلت الأخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين، وذلك لشدة ما حصل لهم من المضايقة الشديدة وقطع الجالب عنهم من كل ناحية، حتى وصل ثمن الأردب المصري من الأرز خمس مائة ريال، والأردب من البر ثلاثمائة وعشرة، وقس على ذلك السمن والعسل وغير ذلك. فلم يسع الشريف إلا مسالمتهم والدخول في طاعتهم وسلوك طريقتهم، وأخذ العهد على دعاتهم وكبيرهم بداخل الكعبة وأمر بمنع","vol":"9","page":19},{"text":"المنكرات والتجاهر بها، وشرب الأراجل بالتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة بالملازمة على الصلوات في الجماعة ودفع الزكاة وترك لبس الحرير والمقصبات وإبطال المكوس والمظالم، وكانوا خرجوا عن الحدود في ذلك، حتى إن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسه وعشرة بحسب حاله. وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقرر عليه، فلا يقدرون على رفعه ودفنه، ولا يتقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن، وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتروات على البائع والمشتري، ومصادرات الناس في أموالهم ودورهم. فيكون الشخص من سائر الناس جالسا بداره، فما يشعر على حين غفلة منه.\nإلا والأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها، ويقولون إن سيد الجميع محتاج إليها، فإما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف، وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر، فعاهده على ترك ذلك كله واتباع ما أمر الله تعالى به في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله وحده، واتباع سنة الرسول ﵊ وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث، وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخاريف، وتقبيل الأعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف والنذور والذبح والقربان وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق واختلاط النساء بالرجال، وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق في توحيد الألوهية التي بعثت الرسل إلى مقاتلة من خالفها، ليكون","vol":"9","page":20},{"text":"الدين كله لله. فعاهده على منع ذلك كله، وعلى هدم القباب المبنية على القبور والأضرحة، لأنها من الأمور المحدثة، التي لم تكن في عهده بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية، وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة، وإذعانهم لذلك. فعند ذلك أمنت السبل. وسلكت الطرق بين مكة والمدينة، وبين مكة وجدة والطائف، وانحلت الأسعار، وكثر وجود المطعومات وما يجلبه عربان الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والأسمان والأعسال، حتى بيع الأردب من الحنطة بأربع ريالات، واستمر الشريف غالب يأخذ العشور من التجار، وإذا نوقش في ذلك يقول: هؤلاء مشركون وأنا آخذ من المشركين لا من الموحدين (١).\n؟ التعليق:\nيستفاد من هذا النص الذي ساقه هذا المؤرخ الأمور الآتية:\n١ - تصوير الحالة التي كانت عليها الحجاز قبل تشرفها بدعوة التوحيد الخالصة. وهي ما نعت هذا المؤرخ أصحابها بالوهابيين.\n٢ - وجود مماثلة لها الآن في العالم الإسلامي إلا من شاء الله، فكل تلك الأوصاف السلبية قلما يخلو منها مكان.\n٣ - عاقبة المشركين والمفسدين الذين أشركوا بالله فاستحلوا محارمه، فجزاهم الله بما سطره هذا المؤرخ.\n٤ - بركة دعوة التوحيد الخالصة.\n٥ - منقبة للشريف الذي عرف الحق واقتنع به. وطبقه في رعيته، وما\n_________\n(١) تاريخ الجبرتي (٣/ ١١٦ - ١١٧).","vol":"9","page":21},{"text":"أقل أمثاله في زماننا هذا. والله المستعان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3057> موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ﵀: إن مفيدهم ابن المعلم قال في كتابه 'روضة الواعظين': إن الله أنزل جبريل على النبي - ﷺ - بعد توجهه إلى المدينة في الطريق في حجة الوداع فقال: يا محمد إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول لك: انصب عليا للإمامة ونبه أمتك على خلافته، فقال النبي - ﷺ -: «يا أخي جبريل، إن الله بغض أصحابي لعلي، إني أخاف منهم أن يجتمعوا على إضراري، فاستعف لي ربي». فصعد جبريل وعرض جوابه على الله تعالى فأنزله الله تعالى مرة أخرى، وقال النبي - ﷺ - مثلما قال أولا، فاستعفى النبي - ﷺ - كما في المرة الأولى، ثم صعد جبريل فكرر جواب النبي - ﷺ -، فأمره الله بتكرير نزوله معاتبا له مشددا عليه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (١) فجمع أصحابه وقال: «يا أيها الناس إن عليا أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين، ليس لأحد أن يكون خليفة بعدي سواه، من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» اهـ.\nفانظر يا أيها المؤمن إلى حديث هؤلاء الكذبة الذي يدل على اختلاقه ركاكة ألفاظه وبطلان أغراضه، ولا يصح منه إلا: «من كنت مولاه» (٢)، ومن اعتقد منهم صحة هذا فقد هلك، إذ فيه اتهام المعصوم قطعا من المخالفة\n_________\n(١) المائدة الآية (٦٧).\n(٢) تقدم في مواقف الحسن بن الحسن بن علي سنة (١٤٥هـ).","vol":"9","page":22},{"text":"بعدم امتثال أمر ربه ابتداء، وهو نقص، ونقص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كفر، وأن الله تعالى اختار لصحبته من يبغض أجل أهل بيته، وفي ذلك ازدراء بالنبي - ﷺ - ومخالفة لما مدح الله به رسوله وأصحابه من أجل المدح، قال الله تعالى: ﴿محمد رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (١) واعتقاد ما يخالف كتاب الله والحديث المتواتر كفر، وأنه - ﷺ - خاف إضرار الناس، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) قبل ذلك كما هو معلوم بديهة، واعتقاد عدم توكله على ربه فيما وعده نقص، ونقصه كفر. وإن فيه كذبا على الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (٣)\nوكذبا على رسول الله - ﷺ -، ومن استحل ذلك فقد كفر، ومن لم يستحل ذلك فقد تفسق، وليس في قوله: «من كنت مولاه» أن النص على خلافته متصلة، ولو كان نصا\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).\n(٢) المائدة الآية (٦٧).\n(٣) الأنعام الآية (٢١) ..","vol":"9","page":23},{"text":"لادعاها علي ﵁ لأنه أعلم بالمراد، ودعوى ادعائها باطل ضرورة، ودعوى علمه يكون نصا على خلافته، وترك ادعائها تقية أبطل من أن يبطل.\nما أقبح ملة قوم يرمون إمامهم بالجبن والخور والضعف في الدين مع أنه من أشجع الناس وأقواهم. (١)\n- وقال: ومنها أنه روى الكشي منهم -وهو عندهم أعرفهم بحال الرجال وأوثقهم في رجاله- وغيره عن الإمام جعفر الصادق - ﵁ - وحاشاه من ذلك- أنه قال: لما مات النبي - ﷺ -: ارتد الصحابة كلهم إلا أربعة؛ المقداد وحذيفة وسلمان وأبو ذر - ﵃ - فقيل له: كيف حال عمار بن ياسر قال: حاص حيصة ثم رجع.\nهذا العموم المؤكد يقتضي ارتداد علي وأهل البيت وهم لا يقولون بذلك. وهذا هدم لأساس الدين لأن أساسه القرآن والحديث، فإذا فرض ارتداد من أخذ من النبي - ﷺ - إلا النفر الذين لا يبلغ خبرهم التواتر وقع الشك في القرآن والأحاديث، نعوذ بالله من اعتقاد يوجب هدم الدين، وقد اتخذ الملاحدة كلام هؤلاء الرافضة حجة لهم فقالوا: كيف يقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢) وقد ارتدوا بعد وفاة نبيهم إلا نحو خمسة أو ستة أنفس منهم لامتناعهم من تقديم أبي بكر على علي وهو الموصى به، فانظر إلى كلام هذا الملحد تجده من كلام الرافضة. فهؤلاء أشد\n_________\n(١) 'رسالة في الرد على الرافضة'، مطبوعة ضمن مؤلفات محمد بن عبد الوهاب (١١/ ٥ - ٧).\n(٢) آل عمران الآية (١١٠).","vol":"9","page":24},{"text":"ضررا على الدين من اليهود والنصارى، وفي هذه الهفوة الفساد من وجوه:\nفإنها توجب إبطال الدين والشك فيه.\nوتجوز كتمان ما عورض به القرآن.\nوتجوز تغيير القرآن وتخالف قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿رضي اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) وقوله فيمن آمن قبل الفتح وبعده: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٣).اهـ (٤)\n- وقال: ومنها إيجابهم سب الصحابة لاسيما الخلفاء الثلاثة نعوذ بالله، رووا في كتبهم المعتبرة عندهم عن رجل من أتباع هشام الأحول أنه قال: كنت يوما عند أبي عبد الله جعفر بن محمد، فجاءه رجل خياط من شيعته وبيده قميصان فقال: يا ابن رسول الله خطت أحدهما وبكل غرزة إبرة وحدت الله الأكبر، وخطت الآخر وبكل غرزة إبرة لعن الأبعد أبي بكر وعمر ﵄، ثم نذرت لك ما أحببته لك منهما، فما تحبه خذه وما لا تحبه رده. فقال الصادق: أحب ما تم بلعن أبي بكر وعمر، واردد إليك الذي خيط بذكر الله الأكبر. فانظر إلى هؤلاء الكذبة الفسقة، ماذا ينسبون إلى أهل البيت من القبائح حاشاهم، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ\n_________\n(١) الفتح الآية (١٨).\n(٢) المائدة الآية (١١٩).\n(٣) النساء الآية (٩٥).\n(٤) رسالة في الرد على الرافضة، انظر مؤلفات محمد بن عبد الوهاب (١١/ ١٢ - ١٣).","vol":"9","page":25},{"text":"جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١) فإذا لم يكن أصحاب رسول الله - ﷺ - وسطا فمن يكون غيرهم. (٢)\n- وقال: ومنها أنهم جعلوا مخالفة أهل السنة والجماعة، الذين هم على ما عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه أصلا للنجاة، فصاروا كلما فعل أهل السنة تركوه وإن تركوا شيئا فعلوه، فخرجوا بذلك عن الدين رأسا، فإن الشيطان سول لهم وأملى لهم، وادعوا بأن هذه المخالفة علامة أنهم الفرقة الناجية. وقد قال - ﷺ -: «الفرقة الناجية هي السواد الأعظم» (٣) و«ما أنا عليه وأصحابي» (٤). فلينظر إلى الفرق ومعتقداتهم وأعمالهم، فما وافقت النبي - ﷺ - وأصحابه هي الفرقة الناجية، وأهل السنة هم المتبعون لآثاره - ﷺ - وآثار أصحابه كما لا يخفى على منصف ينظر بعين الحق، فهم أحق أن يكونوا الفرقة الناجية، وآثار النجاة الظاهرة فيهم لاستقامتهم على الدين من غير تحريف، وظهور مذهبهم وشوكتهم في غالب البلاد، ووجود العلماء المحققين والمحدثين والأولياء والصالحين فيهم، وقد نزع الولاية عن الرافضة، فما سمع فيهم ولي قط. (٥)\n_________\n(١) البقرة الآية (١٤٣).\n(٢) رسالة في الرد على الرافضة، انظر مؤلفات محمد بن عبد الوهاب (١١/ ١٥ - ١٦).\n(٣) أخرجه: ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٤/٦٨)، الطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٨/٨٠٣٥) وفي الأوسط (٨/ ٩٨/٧١٩٨) البيهقي (٨/ ١٨٨) من حديث أبي أمامة - ﵁ - وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٥٨) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وفيه أبو غالب وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجال الأوسط ثقات، وكذلك أحد إسنادي الكبير\".\n(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٦/٢٦٤١) والحاكم (١/ ١٢٨ - ١٢٩) من طريق عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو مرفوعا. وفيه عبد الرحمن بن زياد الأفريقي. وقال فيه الحافظ: \"ضعيف في حفظه\"، ولكن للحديث شواهد، كشاهد أبي هريرة ومعاوية وأنس وعوف بن مالك الأشجعي - ﵃ -.\n(٥) رسالة في الرد على الرافضة، انظر مؤلفات محمد بن عبد الوهاب (١١/ ٣٠ - ٣١).","vol":"9","page":26},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3058> موقفه من الخوارج:</span>\n- قال: وأما الكذب والبهتان؛ فقولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس الذي دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل. (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3059> موقفه من المرجئة:</span>\n- قال: وأما ما سألتم عنه من حقيقة الإيمان: فهو التصديق، وأنه يزيد بالأعمال الصالحة وينقص بضدها، قال الله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٢) وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٤) وغير ذلك من الآيات.\nقال الشيباني ﵀:\nوإيماننا قول وفعل ونية ... ويزداد بالتقوى وينقص بالردى\nوقوله - ﷺ -: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله\n_________\n(١) الدرر السنية (١/ ٦٦) وعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١/ ٣٣٧). نقلا عن مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢/ ١٣٣).\n(٢) المدثر الآية (٣١).\n(٣) التوبة الآية (١٢٤).\n(٤) الأنفال الآية (٢).","vol":"9","page":27},{"text":"وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (١). وقوله - ﷺ -: «فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ (٣) ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطائفين والعاكفين وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ (٤) فقال الطواغيت الذي (٥) قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٦): إن فساق مكة حشو الجنة مع أن السيئات تضاعف فيها كما تضاعف الحسنات، فانقلبت القضية بالعكس حتى آل الأمر إلى الهتيميات المعروفات بالزنا والمصريات يأتون وفودا يوم الحج الأكبر، كل من الأشراف معروفة بغيته منهن جهارا، وأن أهل اللواط وأهل الشرك والرفضة، وجميع الطوائف من أعداء الله ورسوله آمنين فيها، وأن من دعا أبا طالب آمن، ومن وحد الله وعظمه ممنوع من دخولها ولو استجار بالكعبة ما أجارته، وأبو طالب والهتيميات يجيرون من استجار بهم، سبحانك هذا بهتان عظيم ﴿وَمَا كَانُوا\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٢) أحمد (٣/ ١٠،٢٠،٤٩،٥٠) ومسلم (١/ ٦٩/٤٩) وأبو داود (١/ ٦٧٧ - ٣٧٨/ ١١٤٠) والترمذي (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨/ ٢١٧٢) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٨/ ٤٨٥ - ٤٨٦/ ٥٠٢٣) وابن ماجه (١/ ٤٠٦/١٢٧٥) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(٣) الحج الآية (٢٥).\n(٤) الحج الآية (٢٦).\n(٥) كذا بالأصل والصواب (الذين).\n(٦) التوبة الآية (٣١).","vol":"9","page":28},{"text":"أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).اهـ (٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3060> موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀: وأومن بأن الله تعالى فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. (٣)\n- له كتاب التوحيد ضمنه باب: ما جاء في منكري القدر.\n\nحامد بن محمد بن حسن بن محسن من علماء (أول القرن الثالث عشر)\n• موقفه من القدرية:\n- له شرح جيد لكتاب التوحيد، قال في شرحه لـ (باب ماجاء في منكري القدر): باب ما جاء في بيان أن منكري القدر قد خالفوا الكتاب والسنة واتبعوا أهواءهم، وأنهم في ضلال مبين وما لهم على الله إلا مجرد دعوة الشيطان، كما قال تعالى عنه لعنه الله أنه يقول يوم القيامة: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤)\n_________\n(١) الأنفال الآية (٣٤).\n(٢) مؤلفات محمد بن عبد الوهاب (٦/ ٩٦ - ٩٨).\n(٣) مؤلفات محمد بن عبد الوهاب (٦/ ٩).\n(٤) إبراهيم الآية (٢٢).","vol":"9","page":29},{"text":"فقد بين الله تعالى أنه يخاطبهم بأنهم تبعوه بلا سلطان، بل أن دعاهم إلى الباطل فاستجابوا له إما بمخالفتهم الكتاب، فقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (١) أي نخلقها، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). قال البغوي: أي في اللوح المحفوظ، وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (٤). روي عن عمر أنه كان يطوف ويبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كتبتني في أهل الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، ومعلوم بالضرورة أن المحو لم يكن إلا بعد الكتابة، والقرينة عليه قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ فإنه ورد في الحديث الثابت عنه - ﷺ - قال: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» (٥).اهـ (٦)\n- وقال بعد ذكره النصوص التي ساقها ابن عبد الوهاب في الأصل:\n_________\n(١) الحديد الآية (٢٢).\n(٢) الأنعام الآية (٣٨).\n(٣) القمر الآية (٥٣).\n(٤) الرعد الآية (٣٩).\n(٥) تقدم تخريجه في مواقف عبادة بن الصامت ﵁ سنة (٣٤هـ).\n(٦) فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد (ص.٤٥١).","vol":"9","page":30},{"text":"قلت: وهذه السنة نطقت صريحا بالقدر، وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولكنهم كما قال تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١). قال أبو العباس ابن تيمية -﵀-: إن الناس في الأمر الشرعي الديني والقضاء المقدور الكوني انقسموا أربعة أقسام، فمنهم يرى الأمر المقدر الكوني وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة، ويقر أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر، ولكن لا يفرق بين المؤمنين وبين الفجار الكافرين، فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، لكن من الناس من يفرق بين المؤمن والكافر ولايفرق بين البر والفاجر، أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار ولا يفرق في آخرين اتباعا لظنه وما يهواه، فيكون ناقص الإيمان، بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار ويكون معه من الإيمان بدين الله تعالى والفارق بحسب ما فرق بين أوليائه وأعدائه. ومنهم من أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر، وذاك من القدرية والمعتزلة ونحوهم الذين هم مجوس هذه الأمة، فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس، ومن أقر بهما وكان معترضا على ربه في أحكامه فهو كإبليس الذي اعترض على ربه وخاصمه.\nومنهم من أقر الأمر الكوني المقدور والأمر الشرعي المأمور فيفعل المأمور ويترك المحظور، ويصبر على ما يصيبه من المقدور، وهؤلاء هم أهل إياك نعبد وإياك نستعين، وإذا أذنب استغفر وتاب ولا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات، ويؤمن بالقدر ولا\n_________\n(١) الروم الآية (٢٩).","vol":"9","page":31},{"text":"يحتج به كما في الحديث الصحيح: «سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (١). فيقر بنعمة الله في الحسنات ويعلم أنه هداه ويسره لليسرى، ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما ذكر عن بعضهم: أطعتك بفضلك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحمد لك فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا غفرت لي، وفي الحديث الصحيح الإلهي: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها؛ فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (٢). والقسم الرابع: شر الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه، فلا هو مع الشريعة الأمرية ولما مع القدرية. (٣)\n\nمحمد بن علي بن غريب (٤) (١٢٠٨ هـ)\nالشيخ محمد بن علي بن غريب النجدي. تزوج بنت الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعدما مات عنها زوجها حمد بن إبراهيم بن مشرف قاضي بلد \"مرات\". أخذ عنه الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٢٢) والبخاري (١١/ ١١٧/٦٣٠٦) والترمذي (٥/ ٤٣٦/٣٣٩٣) والنسائي (٨/ ٦٧٤ - ٦٧٥/ ٥٥٣٧) كلهم من حديث شداد بن أوس ﵁.\n(٢) أحمد (٥/ ١٥٤) ومسلم (٤/ ١٩٩٤ - ١٩٩٥/ ٢٥٧٧) والترمذي (٤/ ٥٦٦ - ٥٦٧/ ٢٤٩٥) وابن ماجه (٢/ ١٤٢٢/٤٢٥٧) كلهم من حديث أبي ذر الطويل: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ...».\n(٣) فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد (ص.٤٥٣ - ٤٥٤).\n(٤) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ٣١٢ - ٣١٦) وانظر هامش السحب الوابلة (٢/ ٦٩٠ - ٦٩٢).","vol":"9","page":32},{"text":"عبد الوهاب والشيخ عبد العزيز بن حمد بن مشرف والشيخ عبد العزيز بن حمد ابن معمر وغيرهم.\nقال ابن حميد: ورد على مخالفيهم -يعني المخالفين للدعوة السلفية- وأجاب عن عدة فنون أرسلت إليهم من بغداد، فكان عندهم مقبولا عظيما.\nوفي سنة ثمان ومائتين وألف قتل الشيخ محمد بن غريب في الدرعية، لأجل أمور قيلت عنه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3062> موقفه من المشركين:</span>\n- له: 'التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق' وهو رد على شبه أرسلها عبد الله أفندي البغدادي إلى علماء الدرعية يتحداهم بها. إلا أن المؤلف -عفا الله عنه- أورد فيه مسائل ليست على مذهب السلف في العقيدة. (١)\n\nفائز بن يوشع بن عبد الله آل رحمة (٢) (١٢١٥ هـ تقريبا)\nالشيخ فائز بن يوشع بن عبد الله بن محمد بن حسين آل رحمة الناصري التميمي. ولد في بلدة الغاط، وذلك في حدود سنة عشر ومائة وألف للهجرة، ثم انتقلت أسرته إلى بلدة الفرعة من بلدان الوشم. عاصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، واستجاب لدعوته. لم يل منصبا لتعففه وإقباله على العلم.\n_________\n(١) علماء نجد (٦/ ٣١٣).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٣٥٦ - ٣٥٧).","vol":"9","page":33},{"text":"توفي ﵀ سنة خمس عشرة ومائتين وألف للهجرة تقريبا، وقد تجاوز المائة من عمره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3064> موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في علماء نجد: ولما أخذت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تمتد، ووصلت إلى الوشم، وحاصر الإمام عبد العزيز بن محمد الفرعة عام ١١٧٥هـ، وكان الشيخ فائز من الذين استجابوا للدعوة، بينما امتنعت بلدته، فانتقل إلى بلدة شقراء، وأخذ يدعو جماعته إلى الطاعة والانقياد للدعوة، إلا أنهم بقيادة أميرهم منصور بن حمد آل فائز رفضوا ذلك.\nولكن بفضل من الله تعالى، ثم بإلحاح من هذا الداعية الحكيم الرشيد الشيخ فائز، هداهم الله تعالى، فكونوا وفدا، ووفدوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدرعية، فبايعوا على السمع والطاعة والمتابعة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3065>موقف السلف من محمد بن عبد الله بن محمد بن فيروز (١٢١٦ ه</span>ـ)\nعداؤه للدعوة السلفية:\nهذا الرجل النجدي الأصل وأتباعه من الذين قاوموا وحاربوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، فتصدوا لها بكل الوسائل، من تحريض السلاطين وتأليف القصائد والرسائل.\n_________\n(١) علماء نجد (٥/ ٣٥٦ - ٣٥٧).","vol":"9","page":34},{"text":"- جاء في علماء نجد: وقال قصيدة يذم فيها أهل نجد والدعوة السلفية ومطلعها:\nسلام فراق لا سلام تحية ... على ساكني نجد وأرض اليمامة\n\nإلى أن قال:\nومن أين هذا العلم جاء إليكم ... أمن أرض نجد أم من رأس خيمتي\n\nفرد عليها الشريف الشيخ عبد الله بن محمود من أهل نجد وقد جاء إلى الشارقة في حدود عام ١٣١٨هـ بقصيدة مطلعها:\nسلام ثقيل قد أتى بالمسرة ... علينا من نفحات رب البرية\n\nإلى أن قال:\nعلى قدم لاعظم الله أمرها ... سعت يومها جاءت لمحو الشريعة (١)\n\n- وقال محرضا لباشا بغداد عندما أراد الإغارة على نجد أولها:\nأنامل كف السعد قد أثبتت خطا ... بأقلام أحكام لنا حررت ضبطا\n\nفنقضها عليه الشيخ حسين بن غنام الأحسائي بقصيدة قال فيها:\nعلى وجهها الموسوم بالشؤم قد خطا ... عروس هوى ممقوتة زارت الشطا\nتخطت فأخطت في المساعي مَرامَها ... ومرسلها عن نيل مقصودها أخطا\nوثارت لنار الشرك تُذْكي ضِرامَها ... وسارت فبارت والإله لها قطا\nلقد شوهت ما زخرفته بزورها ... كما أنها بالْمَيْن قد أحكمت ربطا\nلقد جاء منشيها بزور ومنكر ... وفحش وبهتان يَغُطُّ به غَطَّا\n_________\n(١) (٦/ ٢٤٤).","vol":"9","page":35},{"text":"وحاد به داعي العناد لِمَهْيَعٍ ... تنكب عن سبل الهداية واشتطا\n\nعبد العزيز بن محمد بن سعود (١) (١٢١٨ هـ)\nالخليفة الراشد والإمام المجاهد عبد العزيز بن محمد بن سعود، ولد سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين بعد المائة والألف للهجرة. تولى بعد وفاة أبيه محمد ابن سعود سنة تسع وسبعين ومائة وألف للهجرة، فأسقط جميع المظالم والمغارم، وارتفع عمود الحق، وأقبلت الدنيا على رعيته، وسارت بفتوحه الركبان، وطارت قلوب أهل الضلال فزعا. وكان ﵀ مغوارا شديد البأس، لا يمل الحروب، يباشرها بنفسه ولا يخاف في الله لومة لائم. قال الشيخ محمد بن أحمد الحفظي اليمني:\nوقام فاروق الزمان المؤتمن ... عبد العزيز من ومن ومن\nفسار في الناس كسيرة الأشج ... ودوخ البر وخاض للثبج\nيسوس بالآثار والقرآن ... على طريق العدل والإحسان\nيدعو إلى الله بحزب غالب ... مجاهد بالأربع المراتب\nونفسه لله والنفيس ... والصدق للقلوب مغناطيس\n\nوقال الشيخ حسين بن غنام: كان الإمام عبد العزيز ﵀ كثير الخوف من الله والذكر له، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، كثير الرأفة والرحمة بالرعية.\n_________\n(١) الأعلام (٤/ ٢٧) روضة ابن غنام (١/ ١٢٥) والتاج المكلل (ص.٣٠١ - ٣٠٤) والدرر السنية (١٢/ ٣٠ - ٣٦).","vol":"9","page":36},{"text":"قتله رافضي من أهل العمادية في جامع الدرعية سنة ثمان عشرة بعد المائتين والألف رحمه الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3067> موقفه من المشركين:</span>\nتربى منذ ولادته إلى إمارته تحت رعاية سلفية؛ أب سلفي، وأم سلفية صالحة، وأستاذ ومعلم أحيى الله به الأرض بعد موتها. فكان نتيجة ذلك كله إماما عالما سلفيا، يطمح لنشر هذه العقيدة المباركة في أرجاء المعمورة. لقد ذكر من أرخ لهذا الإمام ونقل عنه رسائل متعددة أرسلها إلى مجموعة من القرى والبلدان، يبين لهم فيها العقيدة السلفية والحالة المحزنة التي هم عليها من الشرك والخرافات. ومن أهم هذه الرسائل رسالة أرسلها إلى الحرمين ومصر والشام ... ونذكر نموذجا من رسائله كشاهد، ومن شاء التقصي فعليه بتواريخ نجد والدرر السنية.\n- رسالة أرسلها إلى أهل المخلاف السليماني مع الشيخ أحمد الفلقي، الذي زار الدرعية وتعلم العقيدة السلفية، فطلب من الأمير أن يبعثه داعية إلى أهل المخلاف، فاستجاب له، وكتب معه الرسالة الآتية:\nبسم الله الرحمن الرحيم:\nمن عبد العزيز بن سعود إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني، خصوصا الأمراء أبناء حمد بن أحمد، وحمود وناصر ويحيى وسائر إخوانهم وآل النعمي وكافة أهل تهامة، وفقنا الله وإياهم إلى سبيل الحق والهداية، وجنبنا وإياهم طريق الشرك والغواية، وأرشدنا وإياهم إلى اقتفاء آثار أهل العناية، أما بعد، فالموجب لهذه الرسالة أن أحمد بن حسين الفلقي قدم إلينا،","vol":"9","page":37},{"text":"فرأى ما نحن عليه وتحقق صحة ذلك، فالتمس منا أن نكتب لكم ما يزول به الاشتباه، لتعرفوا دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه. فاعلموا رحمكم الله، أن الله ﷾ أرسل محمدا - ﷺ - على فترة من الرسل بالدين الكامل، والشرع التام، وأعظم ذلك وأكبره وزبدته: إخلاص العبادة لله تعالى لا شريك له والنهي عن الشرك، وذلك هو الذي خلق الله الخلق لأجله ودل الكتاب على فضله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) وإخلاص الدين هو صرف جميع أنواع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، وذلك بأن لا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا بالله ولا يذبح إلا لله ولا يخشى إلا الله ولا يرجى سواه ولا يرهب ولا يرغب إلا في ما لديه، ولا يتوكل في جميع الأمور إلا عليه.\nوأن كل ما كان لله تعالى لا يصلح شيء منه لملك مقرب ولا لنبي مرسل، وهذا بعينه توحيد الألوهية الذي أسس الإسلام عليه، وانفرد به المسلم دون الكافر، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.\nفلما من الله علينا بمعرفة ذلك وعلمنا أنه دين الرسل، اتبعناه ودعونا الناس إليه، وإلا فنحن كنا قبل ذلك على ما عليه غالب الناس من الشرك بالله من عبادة أهل القبور والاستغاثة بهم، والتقرب بالذبح لهم وطلب\n_________\n(١) النحل الآية (٣٦).\n(٢) البينة الآية (٥).","vol":"9","page":38},{"text":"الحاجات منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات وارتكاب المحرمات وترك الصلوات وترك شعائر الإسلام، حتى أظهر الله الحق بعد خفائه، وأحيا أثره بعد اندثاره على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحسن الله له في آخرته المآب. فأبرز لنا جهة الحق ووجهة الصواب من كتاب الله المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فبين لنا أن الذي نحن عليه وهو دين غالب الناس من الاعتقاد في الصالحين وغيرهم ودعوتهم والتقرب إليهم والنذر لهم والاستغاثة بهم في الشدائد وطلب الحاجات منهم، أنه الشرك الأكبر الذي نهى الله عنه، وتهدد بالوعيد الشديد عليه، وأخبر في كتابه أنه لا يغفره إلا بالتوبة منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (٣)\nفحين كشف الله لنا الإسلام، وعرفنا ما نحن عليه من الشرك والكفر بالنصوص القاطعة والأدلة الساطعة من كتاب الله وسنة رسوله وكلام أئمة الأعلام،\n_________\n(١) النساء الآية (٤٨).\n(٢) المائدة الآية (٧٢).\n(٣) فاطر الآيتان (١٣ و١٤) ..","vol":"9","page":39},{"text":"الذين أجمعت الأمة على درايتهم، عرفنا ما نحن عليه، وما كنا ندين به أولا أنه الشرك الأكبر، الذي نهى الله عنه وحذر، وأن الله أول ما أخبرنا به أن ندعوه وحده، وذلك كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دعائهم غَافِلُونَ (٥)﴾ (٢) إذا عرفتم هذا فاعلموا رحمكم الله أن الدين الذي ندين لله تعالى به، هو إخلاص العبادة لله وحده ونفي الشرك، وإقامة الصلاة جماعة وغير ذلك من أركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nولا يخفى على ذوي البصائر والأفهام والمتدبرين من الأنام، أن هذا هو الدين الذي جاءنا به رسول الله - ﷺ -، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤). فمن قبل هذا ولزم العمل به، فهو حظه في الدنيا والآخرة، ونعم الحظ دين الإسلام، ومن أبى غير ذلك واستكبر فلم يقبل هدى الله لما تبين له نوره وسناه، نهيناه عن ذلك وقاتلناه، قال\n_________\n(١) الجن الآية (١٨).\n(٢) الأحقاف الآية (٥).\n(٣) آل عمران الآية (٨٥).\n(٤) المائدة الآية (٣).","vol":"9","page":40},{"text":"تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١).\nوقصدنا بهذه، النصيحة إليكم والقيام بواجب الدعوة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (٢) وصلى الله على محمد.\nوصل الفلقي بالكتاب وكان يحمل معه مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبعد ذلك استوطن أسفل وادي بيش عند قبائل الجعافرة وقام بالوعظ والإرشاد، فالتف الناس حوله واجتمعت القلوب عليه وفشت الدعوة بين المجاورين لتلك القبيلة. (٣)\nالتعليق:\nلله درك من أمير أجدت وأفدت. بينت لنا البيان الكافي. صورت الحالة التي كانت تعيشها نجد خاصة والعالم الإسلامي عامة. أسندت الفضل لأهله ولم تدعه لنفسك، يشهد الله أنك ذكرتنا منهاج الصحابة رضوان الله عليهم، في دعوتهم وتواضعهم أمام الناس وبيانهم لدعوتهم السلفية. وذكرتنا حادثتك على يد الأشقى الرافضي قتله الله بحادث عمر مع المجوسي، فتلك كانت مع مجوسي القرن الأول، وهذه مع مجوسي القرن الثالث عشر.\nفرحمة الله عليك الرحمة الواسعة.\n_________\n(١) الأنفال الآية (٣٩).\n(٢) يوسف الآية (١٠٨).\n(٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ١٤٦ - ١٤٨) بتصرف.","vol":"9","page":41},{"text":"صالح بن محمد الفُلاَّنِي (١) (١٢١٨ هـ)\nالإمام الأثري الشيخ صالح بن محمد بن نوح بن عبد الله بن عمر العمري، المالكي، المشهور بالفلاني. و\"فلان أو فلانة\" نسبة إلى قبيلة بالسودان. ولد سنة ست وستين ومائة وألف من الهجرة في بلد أسلافه (نُس) من إقليم (فوت جلوا)، ونشأ بها. طلب العلم وعمره إذ ذاك نحو اثني عشر عاما، فرحل إلى مراكش، وتونس، ومصر، والحجاز، آخذا عن علمائها وأعلامها كالشيخ أبي عبد الله محمد بن سنة الفلاني وأبي الحسن علي الصعيدي والسيد مرتضى الزبيدي وغيرهم.\nقال تلميذه عبد الرحمن بن أحمد الشنقيطي: شيخنا الفقيه المحدث النحوي البياني، العالم بجميع فنون المعقول والمنقول. وقال الشيخ عابد السندي: الإمام الذي لا يجارى، والفهامة الذي لا يمارى، ملحق الأصاغر بالأكابر. وذكره محدث الشام الوجيه الكزبري فقال: ومن سادات أشياخي الشيخ الإمام العلامة المتفنن الهمام المشهور بالإسناد العالي، ذو الذهن الوقاد المتلالي، علم الدين الشيخ صالح بن محمد الفلاني.\nتوفي ﵀ سنة ثماني عشرة بعد المائتين والألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3069>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له من الآثار السلفية:\n'إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار وتحذيرهم\n_________\n(١) الأعلام (٣/ ١٩٥) ومعجم المؤلفين (٥/ ١٢) وهدية العارفين (١/ ٤٢٤ - ٤٢٥) وفهرس الفهارس (٢/ ٩٠١ - ٩٠٦) وأبجد العلوم (٣/ ١٣٩ - ١٤٠).","vol":"9","page":42},{"text":"عن الابتداع الشائع في القرى والأمصار من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء الأعصار' والكتاب مطبوع متداول، وهو من خيرة الكتب في الرد على المقلدة. وعنوانه دال على ذلك.\n- قال في مقدمته: حمدا لمن جعل أهل الحديث حراس الدين وصرف عنهم كيد المعاندين، وشكرا لمن ألهمهم التمسك بالشرع المبين، وهداهم لاقتفاء آثار الصحابة والتابعين، وصلاة وسلاما على من ببعثته كل منكر متروك وموضوع، وكل معروف موصول غير مقطوع ولا ممنوع، المنزل عليه أحسن الحديث والمبجل بين الورى في القديم والحديث، ورحمة موصولة بطرائق الإكرام من الملك العلام، مكفولة لأنصار السنة المطهرة وحماتها وإبطال الكفاح عنها وكماتها الرامين بشبه التحقيق الثاقبة شبهة التحريف والانتحال، المحرقين بصواعق الحجج البالغة بدع أهل الزيغ والضلال، الذين جعلهم الله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة. (١)\n\nإبراهيم بن عبد القادر (٢) (١٢٢٣ هـ)\nالعلامة الحافظ إبراهيم بن عبد القادر بن أحمد صارم الدين الكوكباني الأصل الصنعاني المولد والوفاة. مولده بصنعاء في ثامن عشر رمضان سنة تسع وستين ومائة وألف ونشأ بكوكبان، وتخرج بوالده في عدة علوم وما زال مكبا على القراءة، ثم انتقل مع والده إلى صنعاء وعكف على التدريس\n_________\n(١) إيقاظ الهمم (ص.٢).\n(٢) البدر الطالع (١/ ١٧ - ١٨) ونيل الوطر لزبارة (١/ ٦١ - ٦٧) والأعلام (١/ ٤٨).","vol":"9","page":43},{"text":"بها. أخذ عنه عدة مشايخ منهم إبراهيم الحوتي والقاضي عبد الرحمن البهكلي التهامي، والوزير الحسن بن علي حنش. له مؤلفات منها: 'فتح المنان في بيان حكم الختان' و'إنباه الأنباه في حكم الطلاق المعلق بإن شاء الله' و'فتح المتعال بجوابات صاحب رجال'.\nقال عنه الشوكاني: وبعد موت والده، قصده الطلبة إلى منزله وقرأوا عليه في فنون متعددة، وله رسائل ومسائل مفيدة، مع تواضع وحسن أخلاق وكرم وعفاف وشهامة نفس، وصلابة دين، وحسن محاضرة، وقوة عارضة وفصاحة ورجاحة وقدرة على النظم والنثر.\nتوفي رحمه الله تعالى بصنعاء في يوم الأربعاء سنة ثالث عشر رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3071>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال عنه الشوكاني في 'البدر الطالع': والمترجم له عافاه الله لا يتقيد بمذهب ولا يقلد في شيء من أمور دينه، بل يعمل بنصوص الكتاب والسنة ويجتهد رأيه وهو أهل لذلك. (١)\n\nحمد بن ناصر (٢) (١٢٢٥ هـ)\nالشيخ العلامة الفقيه حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر النجدي. ولد في العيينة موطن أسرته عام ستين ومائة وألف من الهجرة وقت إمارة جده\n_________\n(١) البدر الطالع (١/ ١٨).\n(٢) علماء نجد (١/ ٢٣٩ - ٢٤٣) والأعلام (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤).","vol":"9","page":44},{"text":"عثمان بن حمد على العيينة، وبها نشأ، وانتقل إلى الدرعية. ولازم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وأخذ عنه وعن غيره من العلماء، كالشيخ سليمان بن عبد الوهاب والشيخ حسين بن غنام والشيخ حمد بن مانع وغيرهم. عينه الإمام سعود في قضاء الدرعية، ثم رئيسا لقضاة مكة المكرمة. تصدى للتدريس والقضاء والإفتاء، فصار مرجعا لطلاب العلم، تضرب إليه أكباد الإبل، فتخرج على يديه علماء أجلاء كالشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ وابنه الشيخ عبد العزيز بن حمد والشيخ إبراهيم بن سيف الدوسري والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين وغيرهم كثير. وكان ﵀ نظارا شجاعا، لا يخاف في الله لومة لائم. مكث في القضاء حتى توفي سنة خمس وعشرين بعد المائتين والألف، وصلى عليه الإمام سعود في البياضية ودفن فيها ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3073>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في تاريخ علماء نجد: ولما كان في سنة ألف ومائتين وإحدى عشرة هجرية، طلب الشريف غالب بن مساعد أمير مكة من الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود أن يبعث إليه عالما ليناظر علماء مكة المكرمة في شيء من أمور الدين، فبعث إليه الإمام عبد العزيز المترجم له الشيخ حمد بن ناصر على رأس ركب من العلماء، فلما وصلوا مكة أناخوا رواحلهم أمام قصر الشريف غالب. فاستقبلهم وأكرمهم وأنزلهم المنزل اللائق بهم. فلما فرغوا من عمرتهم واستراحوا من وعثاء السفر وعنائه، جمع الشريف بينهم وبين علماء الحرم الشريف من أرباب المذاهب الأربعة ما عدا المذهب","vol":"9","page":45},{"text":"الحنبلي، والمقدم فيهم مفتي الأحناف الشيخ عبد الملك بن عبد المنعم القلعي، فصار بينهم وبين الشيخ حمد بن ناصر ورفاقه مناظرة عظيمة هامة عقد لها عدة مجالس بحضرة والي مكة الشريف غالب، وبمشهد كبير من أهل مكة. وذلك في شهر رجب من ذلك العام المذكور، فظهر عليهم الشيخ حمد بن ناصر بحجته وأسكتهم بأدلته وبراهينه، فسلموا له وأذعنوا لأقواله ودلائله (١).\n- وقال مؤلف تاريخ علماء نجد: حدثني وجيه الحجاز الشيخ السلفي محمد بن حسين بن عمر بن عبد الله نصيف قال: حدثني رجل ثقة من آل عطية من أهل جده عن أبيه قال: جمعنا في مسجد عكاشة حينما قدم حمد ابن ناصر بكتاب الصلح بين سعود وغالب، فصعد المنبر وخطب خطبة بليغة تدور حول تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة ثم حذر من ترك الصلوات، وأمر بأدائها في المساجد، وعن شرب الدخان وعدم بيعه وتعاطيه بحال من الأحوال، كما أمر بهدم القباب التي على القبور، وأمر بالحضور إلى المساجد لسماع رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فامتثل الناس هذا كله، فصرت لا ترى الدخان، لا استعمالا ولا بيعا، وصارت المساجد تزدحم بالمصلين، وهدمت القباب التي على القبور وصار الناس يحضرون لسماع الدرس. (٢)\nالتعليق:\nما تقدم يدل على:\n١ - إخلاص هذا الشيخ لعقيدته السلفية وقوة علمه وذكائه رضي الله\n_________\n(١) (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(٢) (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣).","vol":"9","page":46},{"text":"عنه. وأن الخرافيين دائما حججهم كبيت العنكبوت تذهب بأقل شيء، فكيف تثبت أمام نور السنة النبوية.\n٢ - ما كان عليه الناس من اقتداء بالعلماء في ذلك الزمان، فلو قام عالم الآن بمثل ما قام به الشيخ حمد، لا أظن الناس يمتثلون بهذه السرعة التي تحققت للشيخ. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على إخلاصهم.\n- وله من الآثار: 'الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب'. وهو مطبوع.\n\nحسين بن غنام (١) (١٢٢٥ هـ)\nالشيخ حسين بن أبي بكر آل غنام، من قبيلة بني تميم. ولد في بلدة المبرز، ونشأ في الأحساء، وقرأ على علمائها وأعلامها، ثم انتقل إلى الدرعية، فاتصل بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدرس عليه وعلى أبنائه، حتى أدرك وصار في عداد علماء عصره.\nقال ابن بشر: كانت له اليد الطولى في العلم ومتونه، وله معرفة في الشعر والنثر، وصنف المصنفات. ألف تاريخ نجد المسمى بـ'روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام' وهو عبارة عن تاريخ الدعوة السلفية وأعلامها.\nتوفي ﵀ في شهر ذي الحجة سنة خمس وعشرين ومائتين وألف من الهجرة.\n_________\n(١) الأعلام (٢/ ٢٥١) ومعجم المؤلفين (٣/ ٣١٧) وهدية العارفين (١/ ٣٢٨) وعلماء نجد خلال ثمانية قرون (٢/ ٥٦ - ٥٨).","vol":"9","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3075>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان من خيرة تلامذة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأفضل من جمع أخبار الشيخ في كتابه: روضة الأفكار. وله في العقيدة السلفية:\n'العقد الثمين في شرح أصول الدين' ويوجد مخطوطا في المكتبة السعودية بالرياض. وقد سجل رسالة علمية في جامعة الإمام.\nوله مواقف طيبة:\n- منها قوله: ومعنى ظهور الإسلام غريبا أن الخلق -قبل مبعثه - ﷺ - كانوا على ضلالة، فدعا إلى الإسلام فلم يستجب له إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة. وكان المستجيب له خائفا من عشيرته وقبيلته يؤذى ويشرد ويعذب ويقتل، فيهربون إلى البلاد النائية كالحبشة، ثم إلى المدينة بعد الهجرة.\nفصار الداخلون في الإسلام قبل الهجرة غرباء. ثم أتم الله تعالى نعمته على المسلمين، وأكمل لهم دينهم، فلما قبض سيد المرسلين استمروا على الاستقامة والتعاضد والنصرة في خلافة أبي بكر وعمر ﵄، حتى أعمل الشيطان مكايده على المسلمين، وألقى بأسهم بينهم، وأفشى فيهم فتنة الشهوات والشبهات، فأضل أكثر المسلمين بهما معا أو بإحداهما. فكان ذلك كما أخبر به رسول الله - ﷺ -.\nوفي صحيح البخاري: عن عمرو بن عوف، عن النبي - ﷺ - قال: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت","vol":"9","page":48},{"text":"على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» (١).\nوفي صحيح مسلم: عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: «كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم؟ أي قوم أنتم؟» قال عبد الرحمن ابن عوف: نقول كما أمر الله تعالى. قال: «أو غير ذلك؛ تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون» (٢).\nوفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر عن النبي - ﷺ - معناه أيضا. (٣)\nولما فتحت كنوز كسرى على عمر بن الخطاب ﵁ بكى وقال: (إن هذا لم يفتح على قوم قط إلا جعل بأسهم بينهم) أو كما قال.\nوكان النبي - ﷺ - يخشى على أمته هاتين الفتنتين، كما في مسند الإمام أحمد، عن أبي برزة، عن النبي - ﷺ - قال: «إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن». وفي رواية: «ومضلات الهوى» (٤).\nفلما عمت فتنة الشهوات وأصبح هم الخلق منصرفا إلى الدنيا وزينتها، ارتكبوا المعاصي والكبائر، وأصبحوا متباغضين متدابرين، بعد أن كانوا\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٣٧) والبخاري (١١/ ٢٩٢ - ٢٩٣/ ٦٤٢٥) ومسلم (٤/ ٢٢٧٣ - ٢٢٧٤/ ٢٩٦١) والترمذي (٤/ ٥٥٢ - ٥٥٣/ ٢٤٦٢) وابن ماجه (٢/ ١٣٢٤ - ١٣٢٥/ ٣٩٩٧).\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٧٤/٢٩٦٢) وابن ماجه (٢/ ١٣٢٤/٣٩٩٦).\n(٣) ولفظ الحديث: أن رسول الله - ﷺ - خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرطكم، وأنا شهيد عليكم. وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض- وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها». أخرجه: أحمد (٤/ ١٤٩) والبخاري (١١/ ٢٩٣/٦٤٢٦) ومسلم (٤/ ١٧٩٥/٢٢٩٦) وأبو داود (٣/ ٥٥١/٣٢٢٣) مختصرا دون ذكر محل الشاهد والنسائي (٤/ ٣٦٣/١٩٥٣).\n(٤) أخرجه: أحمد (٤/ ٤٢٠و٤٢٣) والبزار (الكشف (١/ ٨٢/١٣٢» والطبراني في الصغير (٢/ ٢٠٤/٥٠٢) وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٨) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الثلاثة ورجاله رجال الصحيح\".","vol":"9","page":49},{"text":"إخوانا متناصرين.\nوأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة، فسببها تفرق المسلمين، فصاروا شيعا وفرقا وأحزابا: يعمهون في الضلال، ويفتحون أبواب البدع والغي، فتحاسدوا وتباعدوا وتقاطعوا، بعد أن كانوا على قلب رجل واحد. ولم ينج منهم إلا الفرقة الناجية، وهم المذكورون في قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» (١).\nوهم الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث، الذين يصلحون إذا فسد الناس، ويصلحون ما أفسد الناس، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن، وهم النزاع من القبائل.\nوخرج الطبراني من حديث ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - في أشراط الساعة قال: «وإن من أشراطها أن يكون المؤمن في القبيلة أقل من النقد» (٢). أي صغار الغنم.\nوفي مسند الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت أنه قال لرجل من أصحابه: «يوشك إن طالت بكم حياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد - ﷺ -، فأعاده وأبدأه، فأحل حلاله، وحرم حرامه، ونزل عند منازله، ما يجوز فيكم إلا كما يجوز رأس الحمار».\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف عبد الله بن المبارك سنة (١٨١هـ).\n(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٤٤٠ - ٤٤٢/ ٤٨٥٨) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٢٢ - ٣٢٣) رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه يوسف بن مسكين وهو ضعيف.","vol":"9","page":50},{"text":"ومنه قول ابن مسعود ﵁: (سيأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأمة).\nوإنما ذل المؤمن في آخر الزمان لغربته بين أهل الفساد والضلال، ومباينته لهم في قصدهم، ومخالفته طريقهم.\nقال أحمد بن أبي عاصم -وكان من كبار العارفين في زمن أبي سليمان الداراني-: إني أدركت من الأزمنة زمانا عاد فيه الإسلام غريبا، وعاد وصف الحق غريبا كما بدأ، إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتونا بحب الدنيا يحب التعظيم والرياسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلا في عبادته، مخدوعا، صريع عدوه إبليس، قد صعد به إلى أعلى درجات العبادة وهو جاهل بأدناها فكيف له بأعلاها .. إلى آخره. خرجه أبو نعيم في 'الحلية'.\nوخرج أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده إلى الحسن قال: لو أن رجلا من الصدر الأول بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا إلا هذه الصلاة. ثم قال: أما والله لئن عاش على هذه المنكرات فرأى صاحب بدعة يدعو إلى بدعته، وصاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله تعالى وقلبه يحن إلى ذكر السلف، فيتبع آثارهم ويستن بسنتهم ويتبع سبليهم؛ كان له أجر عظيم.\nولقد مدح كثير من السلف السنة، ووصفها بالغربة، ووصف أهلها بالقلة، فكان الحسن رحمه الله تعالى يقول لأصحابه: يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس.\nوقال يونس بن عبيد: ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها. وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء.","vol":"9","page":51},{"text":"والمراد بالسنة عند هؤلاء الأئمة طريقة النبي - ﷺ - التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات، وهي التي ورد أن للمتمسك بها والعامل أجر خمسين ممن قبلهم، والمتمسك بدينه كالقابض على الجمر (١).\nثم صارت السنة في عرف كثير من العلماء المتأخرين هي السالمة من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة.\nوصنفوا في هذا الباب تصانيف سموها 'كتب السنة'. وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا جرف. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3076>التجاني وضلاله (١٢٣٠ ه</span>ـ)\nمن قرأ هذه الطامات الكبرى العقدية يتعجب من حال القائل والمقول له، والكاتب والمكتوب له، والأمة التي تلقى فيها هذه العظائم والموبقات العقدية، فهل هي عاقلة ومستيقظة ومنتبهة، أم هي أمة حمقاء لا تميّز بين لون ولون، ولا بين ذات وذات، أو هي نائمة تعيش في أحلام لا حصر لها، أو هي مؤامرة كبرى على أهل الإسلام خطط لها اليهود والنصارى والمجوس وكلّ عدوّ لله ولرسوله ولكتابه ولسنته. ولله درّ الإمام البخاري ﵀ إذ قال في كلام الجهمية: \"نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت قومًا أضلّ في كفرهم من الجهمية، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا\n_________\n(١) انظر تخريجه في مواقف علي بن المديني سنة (٢٣٤هـ).\n(٢) تاريخ نجد (١/ ٢٨ - ٣١).","vol":"9","page":52},{"text":"يعرف كفرهم\" (١). وقال ﵀ في خلق أفعال العباد: \"ما أبالي صلّيت خلف الجهمي أو الرافضي أو صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم\" (٢).\nفكيف إذا رأى الإمام البخاري ﵀ هذه الطامات؟ ماذا سيقول؟ وقد قيل: \"شر البلايا ما يضحك! \" فالسكوت على هذه العظائم يغني عن التعليق عليها، والله المستعان.\nوإليك هذه المصائب والطامات، وارجع إلى مصادرها لتقف على صفحاتها وأجزائها ولعلك تكون ممن ابتلي بالاعتذار لهؤلاء المنافقين الزنادقة الذين ملؤوا الأمة كفرًا وضلالًا لمصلحة مادية أو رئاسة منشودة أو تمرير باطل تقصده، أو غير ذلك مما ابتلي به أهل الزندقة والإلحاد الذين فتحوا باب التأويل حتى أنكروا الحساب والمعاد، وجعلوا ذلك رموز خير وشر لا أقلّ ولا أكثر، واستباحوا المحرمات القطعية، وجعلوها مجرد حجب وحرمان لعموم الأمة، وأما خواصها فألذ ما يتمتع به الواحد منهم قريبته التي هي من صلبه، وأخته التي شاركته في رحم أمه، وأما أمه وجدته فالرجوع إلى الأصل أصل. وما عبد الإنسان إلا نفسه، فهنيئًا لعبّاد الأصنام، وهنيئًا لفرعون وهامان وقارون الذين كانوا على أكمل الإيمان، إلى آخر ما سطره أهل الوحدة والاتحاد.\nفرحم الله الإمام الذهبي إذ يقول في ترجمة ابن العربي الطائي: فوالله لأن\n_________\n(١) خلق أفعال العباد (ص.١٣) وشرح السنة للبغوي (١/ ٢٢٨) والفتاوى الكبرى (٥/ ٤٧).\n(٢) خلق أفعال العباد (ص.١٦).","vol":"9","page":53},{"text":"يعيش المسلم جاهلا خلف البقر لا يعرف من العلم شيئا سوى سور من القرآن يصلي بها الصلوات ويؤمن بالله واليوم الآخر خير له بكثير من هذا العرفان وهذه الحقائق، ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة. (١)\n- ادعاؤه إذن النبي - ﷺ - له في تلقين الخلق:\n\"قال في جواهر المعاني: ... ثم رجع إلى قرية أبي سمغون وأقام بها واستوطن، وفيها وقع له الفتح، وأذن له - ﷺ - في تلقين الخلق، وعين له الورد الذي يلقنه في سنة ١١٩٦هـ، وعين له - ﷺ - الاستغفار والصلاة عليه - ﷺ -، وهذا هو الورد في تلك المدة إلى رأس المائة، كمل الورد - ﷺ - بكلمة الإخلاص ... \". (٢)\n- زعمهم أن صلاة الفاتح وحي:\n\"يقول صاحب الجواهر: صلاة الفاتح لما أغلق، لم تكن من تأليف البكري، ولكنه توجه إلى الله مدة طويلة أن يمنحه صلاة على النبي ﵌ فيها ثواب جميع الصلوات وسر جميع الصلوات ... فأتاه الملك بهذه الصلاة مكتوبة في صحيفة من النور\". (٣)\n- فضل صلاة الفاتح:\n\"من ذلك قول التجاني: واعلم أن كل ما تذكره من الأذكار والصلوات على النبي ﵌ والأدعية، لو توجهت\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (٣/ ٦٦٠).\n(٢) 'التجانية' لعليّ بن محمد آل دخيل الله (ص.٦٤).\n(٣) 'تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي' لمحمد أحمد لوح (١/ ٢٩١).","vol":"9","page":54},{"text":"بجميعها مائة ألف عام كل يوم تذكرها مائة ألف مرة، وجميع ثواب ذلك كله ما بلغ مرة واحدة من 'صلاة الفاتح لما أغلق' فإن كنت تريد نفع نفسك للآخرة فاشتغل بها على قدر جهدك، فإنها كنز الله الأعظم.\nوتحدث التجاني أيضًا عن فضل هذه الصلاة فقال: \"كنت مشتغلًا بذكر صلاة الفاتح لما أغلق حين رجعت من الحج إلى تلمسان لما رأيت من فضلها وهو: أن المرة الواحدة منها بستمائة ألف صلاة ... إلى أن رحلت من تلمسان إلى أبي سمعون، فلما رأيت الصلاة التي فيها المرة الواحدة بسبعين ألف ختمة من 'دلائل الخيرات' تركت 'الفاتح لما أغلق' واشتغلت بها ... ثم أمرني ﵌ بالرجوع إلى صلاة الفاتح لما أغلق ... فأخبرني أولًا بأن المرة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيًا أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير ومن القرآن ستة آلاف مرة.\nوقال أيضًا: من صلى بها -أي: بالفاتح لما أغلق- مرة واحدة حصل له ثواب ما إذا صلى بكل صلاة وقعت في العالم من كل جن وإنس وملك ستمائة ألف صلاة، من أول العالم إلى وقت تلفظ الذاكر بها.\nوقال أيضًا: فلو قدرت مائة ألف أمة في كل أمة مائة ألف قبيلة في كل قبيلة مائة ألف رجل وعاش كل واحد منهم مائة ألف عام يذكر كل واحد منهم كل يوم ألف صلاة على النبي ﵌ من غير صلاة الفاتح لما أغلق، وجميع ثواب هذه الأمم كلها في مدة هذه السنين كلها في","vol":"9","page":55},{"text":"هذه الأذكار كلها ما لحقوا كلهم ثواب مرة واحدة من صلاة الفاتح\". (١)\n\"ولما سئل التجاني عن تفضيله لورده على القرآن أجاب عن هذه المعارضة قائلًا: لا معارضة بين هذا وبين ما ورد من فضل القرآن والكلمة الشريفة؛ لأن فضل القرآن والكلمة الشريفة عام أريد به العموم وهذا خاص، ولا معارضة بينهما؛ لأنه كان - ﷺ - يلقي الأحكام للعامة في حياته، يعني إذا حرم شيئًا حرمه على الجميع وإذا افترض شيئًا افترضه على الجميع، وهكذا سائر الأحكام الشرعية الظاهرة، ومع ذلك كان - ﷺ - يلقي الأحكام الخاصة للخاصة .. فلما انتقل إلى الدار الآخرة -وهو كحياته - ﷺ - في الدنيا سواء- صار يوحي إلى أمته الأمر الخاص للخاص، ولا مدخل للأمر العام؛ فإنه انقطع بموته - ﷺ - ... إلخ\". (٢)\n- جوهرة الكمال من إملاء رسول الله - ﷺ -:\n\"يقول الشيخ الرباطي: وأما جوهرة الكمال فهي من إملاء رسول الله ﵌ لسيدنا الشيخ ... يقظة لا منامًا\". (٣)\n- فضائلها وأحكامها:\n\"من فضائلها:\n١ - أن المرة الواحدة منها تعدل تسبيح العالم ثلاث مرات.\n٢ - أن النبي ﵌ والخلفاء الأربعة يحضرون مع\n_________\n(١) تقديس الأشخاص (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).\n(٢) التجانية (ص.١١٣).\n(٣) تقديس الأشخاص (١/ ٢٩٦).","vol":"9","page":56},{"text":"الذاكر عند السابعة منها، ولا يفارقونه حتى يفرغ من ذكرها.\n٣ - أن من قرأها اثنتي عشرة مرة وقال: هذه هدية مني إليك يا رسول الله فكأنما زار النبي ﵌ والأولياء والصالحين من أول الوجود إلى وقته.\n٤ - أن من نزلت به شدة أو ضيق وقرأها خمسًا وستين مرة فرج الله عنه في الحين.\n٥ - إذا داوم على ذكرها صار وليًّا من أولياء الله.\nوفي بعض هذه الفضائل يقول صاحب 'منية المريد':\nومن تلا جوهرة الكمال ... سبعًا يكون سيد الأرسال\nوالخلفاء الراشدون الأربعة ... ما دام ذاكرًا لها بعد معه\nوذاك بالأرواح والذوات ... وليس للمنكر من نجاة\n\nمن أحكامها:\n١ - أن لا تقرأ إلا بالطهارة المائية.\n٢ - إذا لم يكن الذاكر متوضئًا يبدلها بعشرين من صلاة الفاتح لما أغلق ولا تقرأ بالتيمم في الوظيفة ولا خارجها.\n٣ - يجوز للمسافر أن يقرأ أوراده على ظهر الدابة فإذا وصل إلى جوهرة الكمال نزل عن الدابة وذكر ماشيًا فإذا وصل إلى السابعة جلس حتى يتمّ الوظيفة إلا لضرورة فادحة فإنه يذكرها ماشيًا على رجليه، بشرط أن لا يطأ نجاسة.\n٤ - يستحب لذاكر الجوهرة نشر ثوب طاهر محقق الطهارة وإن كانت","vol":"9","page":57},{"text":"البقعة طاهرة حكمًا.\nوفي المنية:\nونشرنا للثوب ليس يجب ... على الذي يذكرها بل يندب\nوشيخنا فعل ذا بمحضره ... فدع مقالة جهول منكره\" (١)\n\n- الهيللة:\n\"يقول الشيخ التجاني -مثلًا-: من الأوراد اللازمة للطريقة ذكر الهيللة بعد صلاة العصر يوم الجمعة مع الجماعة، وإن كان له إخوان في البلد فلا بد من جمعهم وذكرهم جماعة، وهذا شرط في الطريقة\". (٢)\n- قول التجاني بوحدة الوجود:\n\"قال في جواهر المعاني: ... وإبطال ما قاله أهل الظاهر من إحالة الوحدة وبطلان ما ألزموه لِمن قال بها، قال ﵁: بيانها من وجهين:\nالوجه الأول: أن العالم الكبير كذات الإنسان في التمثيل، فإنك إذا نظرت إليها وجدتها متحدة مع اختلاف ما تركبت منه في الصورة والخاصية من شعر وجلد ولحم وعظم وعصب ومخ، وكذلك اختلاف جوارحه وطبائعه التي ركبت فيه وبها قيام بنيانه. فإذا فهمت هذا ظهر لك بطلان ما ألزموه من نفي الوحدة؛ لاستلزام تساوي الشريف والوضيع واجتماع المتنافيين والضدين إلى آخر ما قالوه. قلنا: لا يلزم ما ذكره هنا؛ لأنه وإن\n_________\n(١) تقديس الأشخاص (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(٢) تقديس الأشخاص (١/ ٣٣٦).","vol":"9","page":58},{"text":"كانت الخواص متباعدة فالأصل الجامع لهذا ذات واحدة كذات الإنسان سواء بسواء.\nالوجه الثاني: اتحاد ذات العالم في كونه مخلوقًا كله للخالق الواحد ﷾ وأثرًا لأسمائه، فلا يخرج فرد من أفراد العالم عن هذا الحكم وإن اختلفت أنواعه، فالأصل الذي برز منه واحد. فبهذا النظر هو متساوٍ فيلزم اتحاده وإن اختلفت أجزاؤه، كما ذكر في ذات الإنسان وأنها تختلف نسبه بحسب ما فصلته مشيئة الحق فيه من بين شريف ووضيع، وعالٍ وسافل، وذليل وعزيز، وعظيم الشأن وحقيره، إلى آخر النسب فيه، ولم تخرجه تفرقة النسب عن وحدة ذاتيته، كما أن ذات الإنسان واحدة، ووحدتها لا تنافي اختلاف نسب أجزائها واختصاص كل جزء بخاصية، فإن خاصية اليد غير خاصية الرجل، وخاصيتها غير خاصية العين، وهكذا سائر خواص الأعضاء والأجزاء، وإن ارتفاع وجهه في غاية الشرف، وانخفاض محله في غاية الضعة والإهانة، ولم يخرجه عن كون ذاته واحدة مع اختلاف الخواص مثل ما قلنا في ذات الإنسان ..\nثم قال ﵁: وهناك وجه ثالث في إيضاحه وهو اتحاد وجوده من حيث فيضان الوجود عليه من حضرة الحق فيضًا متحدًا، ثم مثاله في الشاهد مثال المداد، فإن الحروف المتفرقة في المداد والكلمات المتنوعة والمعاني المختلفة التي دلت عليها صوره لم تخرجه عن وحدة مداديته، فإنه ما ثم إلا المداد تصور في أشكاله الدالة على المعاني المختلفة والحروف المتفرقة والخواص المتنوعة غير المؤتلفة ولا المتماثلة، فإنك إذا نظرت إلى عين تلك الصور التي","vol":"9","page":59},{"text":"اختلفت حروفها وكلماتها لم تر إلا المداد تجلى في أشكالها بما هو عين المداد فتتحد بالمدادية وتختلف بالصور والأشكال والكلمات والمعاني، فكما أن المداد في تلك الحروف عين تلك الحروف، والحروف في ذلك المداد عين ذلك المداد، وهي مختلفة الأشكال والأسرار والخواصّ والمعاني، كذلك نهاية الوجود في ذوات الوجود عين تلك الذوات، وتلك الذوات في ذلك الوجود عين ذلك الوجود، لم تخرجها عن اختلاف أشكالها وأسرارها ومعانيها وخواصها، ولا افتراقها في هذه الأمور لم يخرجها عن اتحادها في ذلك المداد. ثم قال قدس الله سره العزيز: وقد اتضح الحق لمن فهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل\". (١)\n- معنى الشيخ الواصل عندهم:\n\"قال في جواهر المعاني: اعلم أن سيدنا ﵁ سئل عن حقيقة الشيخ الواصل ما هو؟ فأجاب ﵁ بقوله: وأما ما هو حقيقة الشيخ الواصل، فهو الذي رفعت له جميع الحجب عن كمال النظر إلى الحضرة الإلهية نظرًا عينيًا وتحقيقًا يقينيًا، فإن الأمر أوله محاضرة وهو مطالعة الحقائق من وراء ستر كثيف، ثم مكاشفة وهو مطالعة الحقائق من وراء ستر رقيق، ثم مشاهدة وهو تجلي الحقائق بلا حجاب ولكن مع خصوصية، ثم معاينة وهو مطالعة الحقائق بلا حجاب ولا خصوصية ولا بقاء للغير والغيرية عينًا وأثرًا، وهو مقام السحق والمحق والدك وفناء الفناء، فليس هذا إلا معاينة الحق في الحق للحق بالحق.\n_________\n(١) التجانية (ص.٩١).","vol":"9","page":60},{"text":"فلم يبق إلا الله لا شيء غيره ... فلا ثَمَّ موصول ولا ثَمَّ واصل\" (١)\n\n- من كمالات الشيخ التجاني:\n\"قال في الجواهر: .. ومن كماله ﵁ نفوذ بصيرته الربانية وفراسته النوارنية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب، وفي غيرها من إظهار مضمرات، وإخبار بمغيبات، وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات\". (٢)\n- ادعاؤه رؤية النبي - ﷺ - وتلقيه عنه وسؤاله عن نسبه وعن روايات الحديث:\n\"قال في جواهر المعاني: قال ﵁: أخبرني سيد الوجود يقظة لا منامًا قال لي: أنت من الآمنين، ومن رآك من الآمنين إن مات على الإيمان .. إلخ\". (٣)\n\"قال مؤلف جواهر المعاني عن الصلاة المسماة بياقوتة الحقائق: هي من إملاء رسول الله - ﷺ - من لفظه الشريف على شيخنا يقظة لا منامًا\". (٤)\n\"وقال أيضًا: .. سأل سيد الوجود، وعلم الشهود - ﷺ - في كل نفس مشهود، عن نسبه وهل هو من الأبناء والأولاد، أو من الآل والأحفاد؟ فأجابه - ﷺ - بقوله: 'أنت ولدي حقًا' كررها ثلاثًا - ﷺ -، وقال: نسبك إلى الحسن بن علي صحيح، وهذا السؤال من سيدنا ﵁ لسيد الوجود\n_________\n(١) التجانية (ص.٩٧).\n(٢) التجانية (ص.١٠٣).\n(٣) التجانية (ص.١٢١).\n(٤) التجانية (ص.١٣٦).","vol":"9","page":61},{"text":"يقظة لا منامًا، وبشره - ﷺ - بأمور عظام جسام - ﷺ - وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم\". (١)\n\"وقال أيضًا فيما يرويه عن شيخه التجاني: قال: رأيته مرة - ﷺ -، وسألته عن الحديث الوارد في سيدنا عيسى ﵇، قلت له: ورد عنك روايتان صحيحتان، واحدة قلت فيها يمكث بعد نزوله أربعين، وقلت في الأخرى سبعًا .. ما الصحيحة منها؟ قال - ﷺ -: رواية السبع\". (٢)\n- إخباره بالمغيبات:\n\"قال في بغية المستفيد: وأما مكاشفته ﵁، بمعنى إخباره بالأمر قبل وقوعه فيقع وفق ما أخبر به، فلا يكاد ينحصر ما حدث به الثقات عنه ﵁ .. ومن إخباره بالغيب عن طريق كشفه ﵁ إخباره بأمور لم تقع إلا بعد وفاته إما بالتصريح أو بالتلويح\". (٣)\n- اتهامه النبي - ﷺ - بكتمان بعض الأمر ومن ذلك صلاة الفاتح:\n\"قال مؤلف جواهر المعاني: وسألته ﵁: هل خبر سيد الوجود بعد موته كحياته سواء؟ فأجاب ﵁ بما نصه: الأمر العام الذي كان يأتيه عامًا للأمة طوي بساط ذلك بموته - ﷺ -، وبقي الأمر الخاص الذي كان يلقيه للخاص فإن ذلك في حياته وبعد مماته دائمًا لا ينقطع\". (٤)\n_________\n(١) التجانية (ص.١٣٦).\n(٢) التجانية (ص.١٣٧).\n(٣) التجانية (ص.١٠٣).\n(٤) التجانية (ص.١٤١).","vol":"9","page":62},{"text":"\"وقال مؤلف الجيش الكفيل: وسئل: هل كان - ﷺ - عالمًا بفضل صلاة الفاتح لما أغلق؟ فقال: نعم، كان عالمًا به. قالوا: ولِمَ لم يذكره لأصحابه؟ قال: لعلمه - ﷺ - بتأخير وقته وعدم وجود من يظهره الله على يديه في ذلك الوقت\". (١)\n- ادعاؤه بأن روحه تمد الأقطاب والعارفين والأولياء:\n\"نقل مؤلف كتاب رماح حزب الرحيم عن التجاني قوله: إن روح النبي - ﷺ - وروحي هكذا -وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها- فروحه تمد الأنبياء وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء\". (٢)\n- ادعاؤه تلقي الفيوض من ذوات الأنبياء وتفريقها على جميع الخلائق:\n\"قال مؤلف بغية المستفيد: قال ﵁: إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود - ﷺ - تتلقاها ذوات الأنبياء، وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي، ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور .. وقال: لا يتلقى ولي فيضًا من الله تعالى إلا بوساطته ﵁ من حيث لا يشعر به، ومدده الخاص به إنما يتلقاه من النبي - ﷺ - \". (٣)\n- كلامه عن حقيقة الولاية:\n\"قال مؤلف جواهر المعاني: .. وسألته ﵁ عن حقيقة الولاية، فأجاب ﵁ بما نصه، قال: الولاية خاصة وعامة، فالعامة: هي من\n_________\n(١) التجانية (ص.١٤١).\n(٢) التجانية (ص.١٦٤).\n(٣) التجانية (ص.١٦٤ - ١٦٥).","vol":"9","page":63},{"text":"آدم ﵇ إلى عيسى ﵇، والخاصة: هي من سيد الوجود - ﷺ - إلى الختم، والمراد بالخاصة هي من اتصف صاحبها بأخلاق الحق الثلاثمائة على الكمال ولم ينقص منها واحد، إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من اتصف بواحد منها دخل الجنة، وهذا خاص بسيد الوجود - ﷺ - ومن ورثه من أقطاب هذه الأمة الشريفة إلى الختم .. هكذا قال، ونسبه للحاتمي ﵁. ثم قال سيدنا ﵁: لا يلزم من هذه الخصوصية التي هي الاتصاف بالأخلاق على الكمال أن يكونوا كلهم أعلى من غيرهم في كل وجه، بل قد يكون من لم يتصف بها أعلى من غيره في المقام، وأظنه يشير إلى نفسه ﵁ وبعض الأكابر، لأنه أخبره سيد الوجود - ﷺ - بأن مقامه أعلى من جميع المقامات ... انتهى من إملائه علينا ﵁\". (١)\n- ادعاؤه أنه الخاتم المحمدي:\n\"قال مؤلف بغية المستفيد: فقد ثبت عنه من طريق الثقات الأثبات من ملازميه وخاصته، أنه أخبر تصريحًا على الوجه الذي لا يحتمل التأويل أن سيد الوجود أخبره يقظة بأنه هو الخاتم المحمدي المعروف عند جميع الأقطاب والصديقين، وبأن مقامه لا مقام فوقه في بساط المعرفة بالله\". (٢)\n\" .. ومعنى كونه خاتمًا لمنصب الولاية المحمدية ألا يظهر أحد في ذلك المنصب بمثل الظهور الذي ظهر به فيه، فهو خاتم لكمال الظهور في ذلك\n_________\n(١) التجانية (ص.١٧٥).\n(٢) التجانية (ص.١٧٦).","vol":"9","page":64},{"text":"المنصب لا لنفس الظهور\". (١)\n- ضمانه الجنة بغير حساب ولا عقاب لأتباعه وذويهم ولو عملوا من الذنوب والمعاصي ما عملوا:\n\"قال مؤلف الجواهر: اطلعت على ما رسمه وخطه، ونصه: .. أسأل من فضل سيدنا رسول الله - ﷺ - أن يضمن لي دخول الجنة بلا حساب ولا عقاب في أول الزمرة الأولى، أنا وكل أب وأم ولدوني من أبوي إلى أول أب وأم لي في الإسلام من جهة أبي ومن جهة أمي، من كل ما تناسل منهم من وقتهم إلى أن يموت سيدنا عيسى بن مريم من جميع الذكور والإناث .. وكل من أحسن إليّ بإحسان حسي أو معنوي من مثقال ذرة فأكثر .. وكل من لم يعادني من جميع هؤلاء، أما من عاداني وأبغضني فلا، وكل من والاني واتخذني شيخًا أو أخذ عني ذكرًا، وكل من خدمني أو قضى لي حاجة .. وآباؤهم وأمهاتهم وأولادهم وبناتهم وأزواجهم .. يضمن لي سيدنا رسول الله - ﷺ - ولجميع هؤلاء أن نموت وكل حي منهم على الإيمان والإسلام .. ثم قال: كل ما في هذا الكتاب ضمنته لك ضمانة لا تتخلف عنك وعنهم أبدًا إلى أن تكون أنت وجميع من ذكرت في جواري في عليين، وضمنت لك جميع ما طلبته منا ضماناَ لا يخلف عليك الوعد فيها والسلام .. ثم قال: وكل هذا واقع يقظة لا منامًا\". (٢)\n\"ونقل مؤلف كتاب رماح حزب الرحيم عن التجاني قوله: .. وليس\n_________\n(١) التجانية (ص.١٧٦).\n(٢) التجانية (ص.١٩٦).","vol":"9","page":65},{"text":"لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي، ووراء ذلك ما ذكر لي فيهم وضمنه لهم - ﷺ - أمر لا يحل ذكره ولا يرى ولا يعرف إلا في الآخرة\". (١)\n\"وقال مؤلف بغية المستفيد: إن من جملة ما ذكره سيدنا ﵁ من فضل هذا الورد العظيم عن نبينا المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، أن كل من أخذه عن الشيخ أو عمن عنده الإذن الصحيح في التلقين، يكون مقامه ومستقره من فضل الله تعالى في أعلى عليين بجوار سيد المرسلين وإمام المتقين - ﷺ - وعلى آله وصحبه أجمعين، ويغفر الله له تعالى بفضله من ذنوبه الكبائر والصغائر، وتؤدى عنه التبعات من خزائن الرب المجيد القادر، ولذلك كان آمنًا من أن يروعه هول المحشر، أو يؤلمه ضنك القبر، وأزواجه وأولاده المنفصلون عنه دنية، وكذا أبواه داخلون معه في هذا الخير الجزيل، بشرط ألا يصدر بغض من الجميع في هذا الشيخ الجليل وجانبه الأعز المنيع\". (٢)\n\"وقال في الجيش الكفيل بأخذ الثأر: وسألته - ﷺ - لكل من أخذ عني وردًا أن تغفر لهم جميع ذنوبهم ما تقدم منها وما تأخر، وأن تودى عنهم تبعاتهم من خزائن فضل الله لا من حسناتهم، وأن يدفع الله عنهم محاسبته ... وأن يكونوا آمنين من عذاب الله من الموت إلى دخول الجنة بلا حساب ولا\n_________\n(١) التجانية (ص.١٩٦).\n(٢) التجانية (ص.١٩٧).","vol":"9","page":66},{"text":"عقاب في أول الزمرة الأولى، وأن يكونوا معي في عليين في جوار النبي - ﷺ - فقال لي النبي - ﷺ -: ضمنت لك هذا ضمانًا لا ينقطع حتى تجاورني أنت وهم في عليين\". (١)\n- ضمانه الجنة لمن نظر إليه يوم الجمعة والاثنين ولمن رأى حلته:\n\"ذكر مؤلف جواهر المعاني عن التجاني أنه قال: .. من حصل له النظر فينا يوم الجمعة أو الاثنين يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب، إن لم يصدر منه سب في جانبنا ولا بغض ولا إذاية، ومن حصل له النظر في هذين اليومين فهو من الآمنين إن مات على الإيمان، وإن سبق أنه يحصل له العذاب في الآخرة فلا يموت إلا كافرًا فهذا ما يمكن إعلامكم به في هذا الوقت، وفي وقت آخر يفعل الله ما يشاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته\". (٢)\n\"قال مؤلف كتاب رماح حزب الرحيم: .. رأيت شيخنا التجاني ﵁ وأرضاه -وعنّا به- في واقعة من الوقائع وبيده حلة من نور وقال لي ﵁ وأرضاه -وعنّا به-: من رأى هذه الحلة دخل الجنة. ثم ألبسني إياها ﵁\". (٣)\n\"وقال مؤلف بغية المستفيد: وأما الكرامة الثالثة وهي دخول الجنة لمن رآه ﵁ في اليومين الاثنين والجمعة، فهي من كراماته ﵁ التي طارت بها الركبان وتواترت بها الأخبار في سائر الأقطار والبلدان،\n_________\n(١) التجانية (ص.١٩٧).\n(٢) التجانية (ص.٢١٠).\n(٣) التجانية (ص.٢١٠).","vol":"9","page":67},{"text":"بإخبار من النبي - ﷺ - ولفظه الشريف فيما أخبر به سيدنا ﵁ بعزة ربي: يوم الاثنين والجمعة لا أفارقك فيهما من الفجر إلى الغروب ومعي سبعة أملاك، وكل من يراك في اليومين يكتبون -يعني الأملاك السبعة- اسمه في رقعة من ذهب ويكتبونه من أهل الجنة وأنا شاهد على ذلك، ولتكثر من الصلاة عليّ في هذين اليومين فكل صلاة تصليها عليّ نسمعك ونرد عليك، وكذلك جميع أعمالك تعرض عليّ والسلام\". (١)\n\nسليمان بن عبد الله آل الشيخ (٢) (١٢٣٣ هـ)\nسليمان بن عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي، العلامة، المجاهد. ولد في الدرعية سنة مائتين وألف من الهجرة، واشتغل بالعلم بحثا ومراجعة على مجموعة من الشيوخ منهم والده الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد والشيخ حمد بن معمر والشيخ عبد الله الغريب والشيخ حسين بن غنام والشيخ محمد بن علي الشوكاني وغيرهم. جعله الإمام سعود قاضيا في مكة المكرمة مع حداثة سنه وطراوة شبابه، ثم رجع إلى الدرعية وصار قاضيا أيضا واختاره الإمام سعود مدرسا في قصره. قال عنه ابن بشر: فيا له من عالم قدير وحافظ متقن خبير إذا شرع يتكلم على الأسانيد والرجال والأحاديث وطرقها وروايتها فكأنه لا يعرف غيرها في إتقانه وحفظه. أخذ عنه العلم\n_________\n(١) التجانية (ص.٢١٠ - ٢١١).\n(٢) علماء نجد (١/ ٢٩٣ - ٢٩٨) ومعجم المؤلفين (٤/ ٢٦٨) والأعلام (٣/ ١٢٩) وهدية العارفين (١/ ٤٠٨) والدرر السنية (١٢/ ٤٨).","vol":"9","page":68},{"text":"عدد كثير من أهل الدرعية وغيرهم منهم الشيخ محمد بن سلطان وغيره.\nتوفي سنة ثلاث وثلاثين بعد المائتين والألف قتله إبراهيم باشا غدرا بعد أمان الدرعية، فرحمة الله عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3078>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n'تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد'، والكتاب مطبوع متداول وهو من أحسن الشروح وأطولها -فيما نعلم- جمع فيه المؤلف آثارا وأحاديث كثيرة، وقد يسر الله بعض إخواننا من أهل الكويت، فاعتنى بالكتاب، فخرج أحاديثه تخريجا جيدا مع فتح المجيد في كتاب سماه: 'النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد'.\n'الدلائل في عدم موالاة أهل الشرك' ذكره في علماء نجد.\n- مقتل الشيخ سليمان في سبيل عقيدته السلفية:\n\"لم يزل على حاله الحميدة من الانقطاع للعلم والإقبال عليه والإعراض عن الدنيا والعبادة والصلاح والتقى حتى أصيبت الدرعية بجيش الدولة العثمانية بقيادة إبراهيم باشا، الذي انتهى بالاستيلاء على المدينة بالصلح وتأمين الأنفس والأموال، إلا أن رجلا بغداديا في جيش الباشا، وشى بالشيخ سليمان وبأفراد معه، فغدر بهم الباشا وقتلهم\". (١)\nمن مواقفه ﵀:\n_________\n(١) علماء نجد (١/ ٢٩٨).","vol":"9","page":69},{"text":"- قال في التيسير: كرر الله تعالى الأمر بمتابعة الكتاب والسنة في مواضع كثيرة من القرآن، وضرب الأمثال لذلك، وأكده وتوعد على الإعراض عنه، وما ذاك إلا لشدة الحاجة، بل الضرورة إلى ذلك فوق كل ضرورة، فإنه لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بذلك، ومتى لم يحصل ذلك للعبد فهو ميت.\nكما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ (١).\nفسمى ﷾ الخالي عن هذا الهدى والنور ميتا، وسمى من حصل له ذلك حيا، وذلك أنه لا مقصود به في حياة الدنيا إلا توحيد الله تعالى، ومعرفته وخدمته، والإخلاص له، والاستلذاذ بذكره، والتذلل لعظمته، والانقياد لأوامره، والإنابة إليه، والإسلام له، فإذا حصل هذا للعبد، فهو الحي، بل قد حصلت له الحياة الطيبة في الدارين.\nكما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) فإذا فاته هذا المقصود فهو ميت، بل شر من الميت.\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢٢).\n(٢) النحل الآية (٩٧).","vol":"9","page":70},{"text":"قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ\n_________\n(١) الأعراف الآية (٣).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) المائدة الآيتان (١٥و١٦).\n(٤) النساء الآية (١٧٤).","vol":"9","page":71},{"text":"تَأْوِيلًا﴾ (١). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢).\n﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (٦) قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) النساء الآية (٦٤).\n(٣) النساء الآية (٦٥).\n(٤) النحل الآية (٨٩).\n(٥) طه الآيات (٩٩ - ١٠١).\n(٦) طه الآيتان (١٢٣ و١٢٤).","vol":"9","page":72},{"text":"فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ (١).\nفيا عجبا ممن يزعم أن الهداية والسعادة لا تحصل بالقرآن ولا بالسنة، مع أن النبي - ﷺ - لم يهتد إلا بذلك. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ (٢) ثم بعد ذلك يحيلها على قول فلان وفلان. وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).\nوالآيات في هذا المعنى كثيرة، فوجب على كل من عقل عن الله أن يكون على بصيرة ويقين في دينه. كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (٤).\nومحال أن يحصل اليقين والبصيرة إلا من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -،\n_________\n(١) الشورى الآية (٥٢).\n(٢) سبأ الآية (٥٠).\n(٣) الحشر الآية (٧).\n(٤) يوسف الآية (١٠٨).","vol":"9","page":73},{"text":"وكيف ينال الهدى والإيمان من زعم أن ذلك لا يحصل من القرآن، إنما يحصل من الآراء الفاسدة التي هي زبالة الأذهان. تالله لقد مسخت عقول. هذا غاية ما عندها من التحقيق والعرفان.\nوهذه المتابعة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - هي حقيقة دين الإسلام، الذي افترضه الله على الخاص والعام، وهو حقيقة الشهادتين الفارقتين بين المؤمنين والكفار، والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار، إذ معنى الإله: هو المعبود المطاع، وذلك هو دين الله الذي ارتضاه لنفسه وملائكته ورسله وأنبيائه. فبه اهتدى المهتدون، وإليه دعا المرسلون.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدون﴾ (١) ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ (٢) فلا يتقبل من أحد دينا سواه من الأولين والآخرين. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3079>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في تيسير العزيز الحميد: قوله: «يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» (٤). فيه فضيلة عظيمة لعلي ﵁، لأن النبي - ﷺ - شهد له\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٢٥).\n(٢) آل عمران الآية (٨٣).\n(٣) تيسير العزيز الحميد (ص.١٨ - ٢١).\n(٤) أحمد (٤/ ٥٢) والبخاري (٦/ ١٣٧ - ١٣٨/ ٢٩٤٢) ومسلم (٤/ ١٨٧٢/٢٤٠٦) وأبو داود (٤/ ٦٩/٣٦٦١) والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٦/٨١٤٩).","vol":"9","page":74},{"text":"بذلك، ولكن ليس هذا من خصائصه. قال شيخ الإسلام: ليس هذا الوصف مختصا بعلي ولا بالأئمة، فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين يتبرءون منه ولا يتولونه، بل لقد يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج، لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم، فإن الخوارج تقول في علي مثل ذلك، لكن هذا باطل فإن الله ورسوله لا يطلق مثل هذا المدح على من يعلم أنه يموت كافرا. (١)\n\nالحسن بن خالد الحَازِمِي (٢) (١٢٣٤ هـ)\nالعلامة الحسن بن خالد بن عز الدين بن محسن بن عز الدين، الحازمي التهامي. مولده في هجرة \"ضمد\" سنة ثمان وثمانين ومائة وألف من الهجرة. أخذ العلم عن القاضي أحمد بن عبد الله الضمدي، وكان وزيرا للشريف حمود بن محمد، وشهد ما ينيف على عشرين وقعة.\nقال القاضي حسن عاكش: إن صاحب الترجمة أربى في تحقيقه على الأقران، وسارت بذكره الركبان، وبرع في علمي التفسير والحديث، وإليه الغاية في معرفة الفقه والعلوم الآلية، وآخر أمره جعل همه الاشتغال بعلمي الكتاب والسنة والعمل بما قاد إليه الدليل، والميل عما اختاره العلماء من\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد (ص.١٢٥).\n(٢) الأعلام (٢/ ١٨٩) ومعجم المؤلفين (٣/ ٢٢١) ونيل الوطر (١/ ٤٦٢).","vol":"9","page":75},{"text":"الأقاويل، وجزم بتحريم التقليد.\nتوفي ﵀ في معركته مع الأتراك بعد انهزام هذه الأخيرة، برصاصة أزهقت روحه، فسقط على إثرها ميتا، سنة أربع وثلاثين بعد المائتين والألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3081>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له من الآثار السلفية:\n١ - رسالة جيدة وجهها إلى الأمير عبد الله بن سعود، ذكرها صاحب تاريخ المخلاف السليماني (١).\n٢ - نثر الدرر على منظومة الشيخ محمد سعيد سفر في عدم التعصب والابتداع. ذكره في نيل الوطر (٢).\n٣ - 'وجوب هدم المشاهد والأضرحة والقباب'.\n٤ - 'قوت القلوب بمنفعة توحيد علام الغيوب'.\nذكرهما صاحب 'أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب'. (٣)\n\nعلي بن محمد السُّوَيْدِي (٤) (١٢٣٧ هـ)\nالعلامة المحدث أبو المعالي علي بن أبي السعود محمد سعيد بن عبد الله ابن الحسين السويدي العباسي البغدادي. ولد في بغداد، وأقام بدمشق. أخذ\n_________\n(١) (ص.٤٧٨).\n(٢) (١/ ٣٢٣).\n(٣) (ص.١٤١و١٤٢).\n(٤) الأعلام (٥/ ١٧) ومعجم المؤلفين (٧/ ٢٠٠) وهدية العارفين (١/ ٧٧٣) وجلاء العينين (٤٢ - ٤٣) وفهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٨ - ١٠١٠).","vol":"9","page":76},{"text":"عن أبيه أبي عبد الله محمد سعيد وعمه عبد الرحمن، وبه تخرج، والشيخ محمد الكزبري والشيخ مرتضى الزبيدي ومفتي بغداد محمود الآلوسي وغيرهم.\nقال عنه صاحب جلاء العينين: أمير المؤمنين في الحديث. وقال أبو الثناء الآلوسي: كان لأهل السنة برهانا، وللعلماء المحدثين سلطانا، ما رأيت أكثر منه حفظا، ولا أعذب منه لفظا، ولا أحسن منه وعظا، ولا أفصح منه لسانا، ولا أوضح منه بيانا، ولا أكمل منه وقارا، ولا آمن منه جارا، ولا أكثر منه حلما، ولا أكبر منه بمعرفة الرجال علما.\nتوفي ﵀ في دمشق سنة سبع وثلاثين بعد المائتين والألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3083>موقفه من المبتدعة:</span>\nالشيخ علي السويدي، من أكابر علماء العراق في وقته، اشتهر بالمعقول والمنقول.\n- له من الآثار السلفية:\n- 'العقد الثمين في بيان أصول الدين'، والكتاب مطبوع وتوجد منه نسخة مخطوطة ومطبوعة في المكتبة السعودية. وقد مدحه الشيخ محمد خليل الدمشقي بقصيدة طويلة جيدة منها:\nعقائد هي عين الحق هادية ... إلى صراط سوي جل عن دغل\nمن سنة المصطفى والآي قد نسجت ... تلك البرود فكانت أشرف الحلل\nوطرزت بدراري العقل ساطعة ... منها البراهين تمحو غيهب الزلل\nقد أظهرت بدعا صارت ترى سننا ... لدى الآلي سكروا عن شرعة الرسل\nقوم هم نهجوا سبل الغواية إذ ... زاغوا فعندهم إبليس خير ولي","vol":"9","page":77},{"text":"قال صاحب غاية الأماني: وكان هذا الفاضل رحمه الله تعالى، من أعيان دمشق، علماء دمشق الشام، وكان سلفي العقيدة. وكم له من قصائد غراء منع فيها الاستغاثة والالتجاء بغير الله تعالى، وكان سيفا في أعناق الغلاة المبتدعة عبدة القبور. (١)\n\nعبد العزيز بن عبد الله بن محمد الحُصَيِّن (٢) (١٢٣٧ هـ)\nالشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الحصين الناصري العمري التميمي. ولد في قرية الوقف من قرى الوشم سنة أربع وخمسين ومائة وألف. وأخذ الفقه منذ صغره عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن إسماعيل، ثم أخذ العلم عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وابنه الشيخ عبد الله والشيخ حسين والشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهم. كان ﵀ عالما عاملا زاهدا ورعا، مهيبا فقيها، واسع الاطلاع، وأوقاته كلها معمورة بالعبادة والتعليم، وجعل الله في علمه البركة وانتفع به خلق كثير، وله مواقف مشرفة مع الملوك والأمراء.\nقال ابن بشر: وكان يحب طالب العلم محبة عظيمة كأنه ولده، بالتودد إليه وتعليمه وإدخال السرور عليه، والقيام بما ينوبه من بيت المال، وكانت كلمته مسموعة، وقوله نافذا عند الرؤساء ومن دونهم. ولي القضاء في الوشم في ولاية الإمام عبد العزيز بن محمد والإمام سعود بن عبد العزيز وعبد الله بن سعود.\n_________\n(١) غاية الأماني (٢/ ٣٢١).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٣/ ٤٥٤ - ٤٦٤) والدرر السنية (١٢/ ٤٩ - ٥٠) والأعلام (٤/ ٢٢).","vol":"9","page":78},{"text":"وأخذ عنه عدة من العلماء منهم الشيخ عبد الله أبا بطين والشيخ إبراهيم بن سيف والشيخ محمد بن نشوان والشيخ محمد بن عبد الله الحصين وغيرهم.\nتوفي ﵀ في بلدة شقراء في رجب سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3085>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في علماء نجد: وكان موضع الثقة عند ملوك آل سعود وعند أئمة الدعوة، ولذا أرسله الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ١١٨٥هـ إلى والي مكة المكرمة آنذاك الشريف أحمد بن سعيد لمناظرة علماء مكة، وأرسل معه الشيخ محمد رسالة إلى الشريف المذكور، فقدم مكة ونزل عند الشريف الملقب -الفعر- واجتمع هو وبعض علماء مكة عنده، وهم يحيى بن صالح الحنفي وعبد الوهاب بن حسن التركي -مفتي السلطان- وعبد الغني بن هلال، وتفاوضوا في ثلاث مسائل وقت المناظرة فيها.\nالأولى: ما ينسب إلى أهل نجد من التكفير بالعموم.\nالثانية: هدم القباب التي على القبور.\nالثالثة: إنكار دعوة الصالحين لطلب الشفاعة منهم.\nوبعد البحث أذعنوا بأن الصواب في المسألة الثانية والثالثة هو هدم القباب، ومنع طلب الشفاعة إلا من الله تعالى، وأنه مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد. كما بين لهم الشيخ الحصين أن نسبة تكفير عموم المسلمين إلى أهل نجد كذب وبهتان، فرجع منهم ظافرا مكرما.\nولما كانت سنة أربع ومئتين وألف من الهجرة أرسل الشريف غالب بن","vol":"9","page":79},{"text":"مساعد أمير مكة كتابا إلى الإمام عبد العزيز بن محمد ذكر له فيه أن يبعث إليه رجلا عارفا من أهل الدين يعرفه حقيقة أمر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأرسل إليه المترجم -أي الشيخ عبد العزيز الحصين-، وكتب معه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالة إلى علماء مكة المكرمة بين لهم فيها دعوته، ونفى ما يشاع عنه وعن دعوته من الأكاذيب.\nفقدم الشيخ عبد العزيز الحصين مكة، فأكرمه الأمير غالب واجتمع معه مرات، وعرض عليه رسالة الشيخ، فعرف ما بها من الحق والهدى، فأذعن لذلك وأقر به، ولكنه بعد زمن أبى وتمسك بقديم سنته، فطلب منه الشيخ عبد العزيز الحصين أن يحضر العلماء ليقف على كلامهم ويناظرهم في أصول التوحيد، فأبوا الحضور، وقالوا للشريف: هؤلاء الجماعة ليس عندهم بضاعة إلا إزالة نهج آبائك وأجدادك ورفع يدك عما يصل إليك من خير بلادك، فطار لبه حين سمع هذا الكلام، وأصر على ما كان عليه، فمنها ثار الخلاف بين الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود والشريف غالب، ثم تطور إلى القتال، وانتهى باستيلاء الحكومة السعودية على الحجاز. (١)\n\nالسلطان المولى سليمان (٢) (١٢٣٨ هـ)\nسليمان بن محمد بن عبد الله العلوي، أبو الربيع، سلطان المغرب\n_________\n(١) علماء نجد (٣/ ٤٥٩ - ٤٦١).\n(٢) الاستقصا (٨/ ١١٩ - ١٢٣) والفكر السامي (٢/ ٢٩٧) وشجرة النور الزكية (١/ ٣٨٠) والأعلام (٣/ ١٣٣ - ١٣٤) ومعجم المؤلفين (٤/ ٢٧٥) وفهرس الفهارس (٢/ ٩٨٠ - ٩٨٤).","vol":"9","page":80},{"text":"الأقصى، بويع بفاس سنة ست ومائتين وألف من الهجرة، بعد وفاة أخيه يزيد ابن محمد إثر معركته مع أخيه هشام.\nقال الكتاني: كان من نوادر ملوك البيت العلوي في الاشتغال بالعلم وإيثار أهله بالاعتبار. وقال صاحب الاستقصا: وأما الدين والتقوى، فذلك شعاره الذي يمتاز به، ومذهبه الذي يدين الله به، من أداء الفريضة لوقتها المختار حضرا وسفرا، وقيام رمضان وإحياء لياليه. وقال أيضا: وكانت القبائل في دولته قد تمولت ونمت مواشيها وكثرت الخيرات لديها من عدله وحسن سيرته. وكان ﵀ في أواخر أيامه قد سئم الحياة ومل العيش، وأراد أن يترك أمور البلاد لابن أخيه المولى عبد الرحمن بن هشام، وأن يتجرد لعبادة ربه حتى يأتيه اليقين. وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف، مرض السلطان مرضا أدى إلى وفاته بعد أن عهد كتابة بالإمارة للمولى عبد الرحمن، ودفن ﵀ بباب آيلان من مراكش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3087>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان هذا الملك من أعقل ملوك أهل زمانه، وأذكاهم وأعلمهم وأفضلهم. حيث إن الملوك الآخرين لما وصلتهم خطابات أمير الرياض والحرمين الشريفين، تسرعوا في الرد عليه، والهجوم بألسنة علمائهم وكتابهم، في وصفه بالمروق والخروج عن الدين، ولكن هذا الملك الفاضل أرسل ابنه الأمير إبراهيم إلى الحج لمشاهدة الحال، فجهزه وأرسل معه مجموعة من العلماء والعقلاء، فذهب الأمير والمرافقون فوجدوا من الخير والحق، ما كان مصورا خلافه في أذهانهم، فرجعوا مقتنعين بالدعوة السلفية بعد المناظرات","vol":"9","page":81},{"text":"التي جرت في الحجاز والاستفسارات التي كانت نتيجتها معرفة الحق الواضح.\n- قال صاحب الاستقصا (١): وفي هذه المدة أيضا، وصل كتاب عبد الله بن سعود الوهابي النابع من جزيرة العرب المتغلب على الحرمين الشريفين. المظهر لمذهبه بهما إلى فاس المحروسة.\n- وقال (٢): ولما استولى ابن سعود على الحرمين الشريفين، بعث كتبه إلى الآفاق كالعراق والشام ومصر والمغرب، يدعو الناس إلى اتباع مذهبه والتمسك بدعوته، ولما وصل كتابه إلى تونس بعث مفتيها نسخة منه إلى علماء فاس، فتصدى للجواب عنه الشيخ العلامة الأديب أبو الفيض حمدون ابن الحاج.\nقال صاحب الجيش العرمرم: كان تصدى الشيخ أبو الفيض لذلك الجواب بأمر السلطان وعلى لسانه، وذهب بجوابه ولده المولى إبراهيم بن سليمان حين سافر للحج.\nقال صاحب الاستقصا: وهذا يقتضي أن كتاب ابن سعود ورد على السلطان المولى سليمان بالقصد الأول، لا أن نسخة منه وردت بواسطة علماء تونس والله تعالى أعلم.\n- وجاء في الفكر السامي: ومن خطبه، خطبته في ردع رعيته عن بدع المواسم التي تجعل للصالحين، نقلتها بلفظها في كتاب برهان الحق. وكان\n_________\n(١) (٨/ ١١٩).\n(٢) (٨/ ١٢٠).","vol":"9","page":82},{"text":"شديد الإنكار لمثل هذه البدع واقفا مع السنة شديد التحري. (١)\n- قال عبد الحفيظ الفاسي: وأمر بقطع المواسم التي هي كعبة المبتدعة والفاسقين، وكتب رسالته المشهورة، وأمر سائر خطباء إيالته بالخطبة بها على سائر المنابر إرشادا للناس لاتباع السنن ومجانبة البدع، ولولا مقاومة مشايخ الزوايا من أهل عصره له؛ وبَثهم الفتنة في كافة المغرب وتعضيد من خرج عليه من قرابته وغيرهم؛ واشتغاله بمقاتلتهم وإنكاره أمامهم، لولا كل ذلك لعمت دعوته الإصلاحية كافة المغرب، ولكن بوجودهم ذهبت مساعيه أدراج الرياح، فذهبت فكرة الإصلاح ونصرة مذهب السلف بموته. (٢)\n- وفي الاستقصا: بعد كلامه على حج الأمير إبراهيم بن سليمان وبيان ما شاهدوه من الأمير ابن سعود وأتباعه من اتباعهم للسنة المحمدية قال: إن السلطان المولى سليمان ﵀، كان يرى شيئا من ذلك، ولأجله كتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها على حال متفقرة الوقت وحذر فيها ﵁ من الخروج عن السنة والتغالي في البدعة. (٣)\nونص الخطبة قد نشره عبد السلام السرغيني في رسالته 'المسامرة'، وعبد الله كنون في 'النبوغ المغربي'، وإبراهيم الكتاني، ثم محمد تقي الدين الهلالي في رسالة صغيرة مطبوعة مستقلة، وقبلهم أبو القاسم الزياني في 'الترجمانة الكبرى' وهو مطبوع متدوال.\n_________\n(١) (٢/ ٢٩٧).\n(٢) الآيات البينات (ص.٣٠١).\n(٣) (٨/ ١٢٣).","vol":"9","page":83},{"text":"وهذا نصها: (الحمد لله الذي تعبدنا بالسمع والطاعة. وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة. وحفظ ملة نبيه الكريم، وصفيه الرؤوف الرحيم من الإضاعة إلى قيام الساعة، وجعل التأسي به أنفع الوسائل النافعة، أحمده حمدا ينتج اعتماد العبد على ربه وانقطاعه، وأشكره شكرا يقصر عنه لسان البراعة، وأستمد معونته بلسان المذلة والضراعة. وأصلي على محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة، على العموم والإشاعة، والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة.\nأما بعد:\nأيها الناس، شرح الله لقبول النصيحة صدوركم، وأصلح بعنايته أموركم، واستعمل فيما يرضيه آمركم ومأموركم. فإن الله قد استرعانا جماعتكم، وأوجب لنا طاعتكم. وحذرنا إضاعتكم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، سيما فيما أمر الله به ورسوله، أو هو محرم بالكتاب والسنة النبوية، وإجماع الأمة المحمدية ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢). ولهذا نرثي لغفلتكم أو عدم إحساسكم، ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم، فألقوا لأمر الله آذانكم،\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) الحج الآية (٤١).","vol":"9","page":84},{"text":"وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم. وطهروا من دنس البدع إيمانكم، وأخلصوا لله إسراركم وإعلانكم.\nواعلموا أن الله بفضله أوضح لكم طرق السنة لتسلكوها. وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها. وكلفكم لينظر عملكم، فاسمعوا قوله في ذلك وأطيعوه، واعرفوا فضله عليكم وعوه، واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون، والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون. وافترقوا أوزاعا، وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا، فيما هو حرام كتابا وسنة وإجماعا، وتسموا فقراء، وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (١). وكل ذلك بدعة شنيعة، وفعلة فظيعة، وسبة وضيعة، وسنة مخالفة لأحكام الشريعة، وتلبيس وضلال، وتدليس شيطاني وخبال، زينه الشيطان لأوليائه، فوقتوا له أوقاتا، وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتا، وتصدى له أهل البدع من عيساوة وجلالة وغيرهم، من ذوي البدع والضلالة، والحماقة والجهالة، وصاروا يترقبون للهوهم الساعات، وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات، وكل ذلك حرام ممنوع، والإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع.\nفأنشدكم الله عباد الله هل فعل رسول الله - ﷺ - لعمه سيد الشهداء موسما؟ وهل فعل سيد هذه الأمة أبو بكر لسيد الأرسال - ﷺ -، وعلى جميع\n_________\n(١) الكهف الآيتان (١٠٣و١٠٤).","vol":"9","page":85},{"text":"الصحابة والآل موسما؟ وهل تصدى لذلك أحد من التابعين ﵃ أجمعين؟ ثم أنشدكم الله، هل زخرفت على عهد رسول الله المساجد؟ أو زوقت أضرحة الصحابة والتابعين الأماجد؟ كأني بكم تقولون في نحو هذه المواسم المذكورة وزخرفة أضرحة الصالحين، وغير ذلك من أنواع الابتداع حسبنا الاقتداء والاتباع، ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ (١) وهذه المقالة قالها الجاحدون، هيهات هيهات لما توعدون. وقد رد الله مقالهم ووبخهم وما أقالهم، فالعاقل من اقتدى بآبائه المهتدين وأهل الصلاح والدين، «خير القرون قرني» (٢) الحديث. وبالضرورة أنه لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها. فقد قبض رسول الله - ﷺ - وعقد الدين قد سجل، ووعد الله بإكماله قد عجل، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣). قال عمر بن الخطاب ﵁ على منبر رسول الله - ﷺ -، بحضرة الصحابة ﵃: (أيها الناس قد سنت لكم السنن، وفرضت الفرائض، وتركتم على الجادة؛ فلا تميلوا بالناس يمينا ولا شمالا). فليس في دين الله ولا في ما شرع نبي الله أن يتقرب بغناء ولا شطح.\nوالذكر الذي أمر الله به\n_________\n(١) الزخرف الآية (٢٣).\n(٢) أخرجه بهذا اللفظ أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٧٢) من طريق إسحاق بن إبراهيم صاحب البان قال ثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عمر بن الخطاب به. قال أبو نعيم عقبه: غريب من حديث الأعمش لم يروه عنه إلا إسحاق. وهو في الصحيحين بلفظ: «خير الناس قرني ...».\n(٣) المائدة الآية (٣).","vol":"9","page":86},{"text":"وحث عليه ومدح الذاكرين به، هو على الوجه الذي كان يفعله - ﷺ -، ولم يكن على طريق الجمع ورفع الأصوات على لسان واحد، فهذه سنة السلف وطريقة صالح الخلف، فمن قال بغير طريقهم فلا يستمع، ومن سلك غير سبيلهم فلا يتبع، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١). ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (٢). فما لكم يا عباد الله ولهذه البدع؟ أأمنا من مكر الله؟ أم تلبيسا على عباد الله؟ أم منابذة لمن النواصي بيده؟ أم غرورا لمن الرجوع بعد إليه؟ فتوبوا واعتبروا وغيروا المناكر واستغفروا، فقد أخذ الله بذنب المترفين من دونهم، وعاقب الجمهور لما أغضوا عن المنكر عيونهم، وساءت بالغفلة عن الله عقبى الجميع. ما بين العاصي والمداهن المطيع، أفيزين لكم الشيطان وكتاب الله بأيديكم؟ أم كيف يضلكم وسنة نبيكم تناديكم؟ فتوبوا إلى رب الأرباب، ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ (٣). ومن أراد منكم التقرب بصدقة أو وفق لمعروف أو إطعام أو نفقة، فعلى من\n_________\n(١) النساء الآية (١٠٥).\n(٢) يوسف الآية (١٠٨).\n(٣) الزمر الآية (٥٤).","vol":"9","page":87},{"text":"ذكر الله في كتابه ووعدكم فيهم بجزيل ثوابه، كذوي الضرورة الغير الخافية، والمرضى الذين لستم بأولى منهم بالعافية، ففي مثل هذا تسد الذرائع وفيه تمتثل أوامر الشرائع.\n﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (١)، ولا يتقرب إلى مالك النواصي بالبدع والمعاصي، بل بما يتقرب به الأولياء والصالحون والأتقياء المفلحون، أكل الحلال وقيام الليالي ومجاهدة النفس في حفظ الأحوال بالأقوال والأفعال، البطن وما حوى، والرأس وما وعى، وآيات تتلى، وسلوك الطريقة المثلى، وحج وجهاد، ورعاية السنة في المواسم والأعياد، ونصيحة تهتدى، وأمانة تُؤدى، وخُلُق على خُلُق القرآن يحذى، وصلاة وصيام، واجتناب مواقع الآثام، وبيع النفس والمال من الله. ﴿* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٢) الآية. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣) الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، وليس الصراط المستقيم كثرة الرايات، والاجتماع للبيات، وحضور النساء والأحداث، وتغيير الأحكام\n_________\n(١) التوبة الآية (٦٠).\n(٢) التوبة الآية (١١١).\n(٣) الأنعام الآية (١٥٣).","vol":"9","page":88},{"text":"الشرعية بالبدع والأحداث، والتصفيق والرقص، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص. ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ (١) عن المقدام ابن معدي كرب ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يديه راية يحملها، وأناس يتبعونها فيسأل عنهم ويسألون عنه» (٢)\n﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ (٣) فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلائف، أن يمنعوا هؤلاء الطوائف، من الحضور في المساجد وغيرها. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، أو يعينهم على باطلهم. فإياكم ثم إياكم والبدع فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية، والسكوت عن المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية، فمن المنقول عن الملل والمشهور في الأواخر والأول أن المناكر والبدع إذا فشت في قوم، أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت فيهم المثلات، وشحت السماء، وحلت النقماء وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الضروع، ونقعت بركة\n_________\n(١) فاطر الآية (٨).\n(٢) أخرجه بلفظ: «لا يكون رجل على قوم إلا جاء يوم القيامة يقدمهم وهم يتبعونه يسأل عنهم ويسألون عنه» ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٢٣/١٠٩٩) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٧٥ - ٢٧٦) من حديث المقدام بن معدي كرب .. وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٠٨): \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف\". بل هو في الكبير.\n(٣) البقرة الآية (١٦٦).","vol":"9","page":89},{"text":"الزروع، لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد، ويسد طرق الفوائد.\nوالأدب مع الله ثلاثة:\nحفظ الحرمة بالاستسلام والاتباع، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع، ومراعاتها في الضيق والاتساع، لا ما يفعله هؤلاء الفقراء، فكل ذلك كذب على الله وافتراء. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ أو قال: أوصنا، فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن ولي عليكم، وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢).\nوها نحن عباد الله أرشدناكم وحذرناكم وأنذرناكم. فمن ذهب بعد لهذه المواسم، أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه، وجر الوبال عليه، وعلى أبناء جنسه، وتله الشيطان للجبين، وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ\n_________\n(١) آل عمران الآية (٣١).\n(٢) انظر تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).","vol":"9","page":90},{"text":"أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (١).\nالتعليق:\nيستفاد من هذا النص المبارك:\n١ - مدى تأثر هذا السلطان بالعقيدة السلفية.\n٢ - قوة علمه وإدراكه في الاستدلال بالكتاب والسنة.\n٣ - بيان الحالة التي كان عليها أهل ذلك الزمان من ترد في الخرافات والشركيات والطرق الصوفية.\n٤ - اعتماده في الاستدلال على فعل السلف وفي مقدمتهم الصحابة.\n\nعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٢) (١٢٤٢ هـ)\nعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ولد في مدينة الدرعية سنة خمس وستين ومائة وألف من الهجرة، وتفقه على أبيه وغيره. وبعد وفاة أبيه وشيخه، تصدى لنشر الدعوة السلفية والرد على المخالفين بالحجة والبرهان. كان ذا فهم جيد وحافظة قوية وذهن سيال وقريحة وقادة، وكان ﵀ يعتبر المرجع الأساسي في الأعمال الدينية والشؤون الشرعية في المملكة السعودية في عهد ثلاثة أئمة من حكام آل سعود هم: الإمام عبد العزيز بن محمد وابنه سعود وحفيده عبد الله بن سعود.\n_________\n(١) النور الآية (٦٣).\n(٢) علماء نجد (١/ ٤٨ - ٥٥) والأعلام (٤/ ١٣١) والدرر السنية (١٢/ ٤٣ - ٤٥).","vol":"9","page":91},{"text":"قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: أدرك في الأصول والفنون أعلاها، وتفنن في علوم الإسلام حتى بلغ علاها، كان عارفا بالتفسير لا يجارى، وبأصول الدين، وإليه فيها المنتهى، وبالحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية. وقال أيضا: كان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول قيام، ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة والإنابة، والافتقار إلى الله، والانكسار والانطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم ير في معناه مثله. أخذ عنه العلم علماء أجلاء منهم بنوه سليمان وعلي وعبد الرحمن والشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد اللطيف والشيخ أبا بطين والشيخ محمد بن مقرن وغيرهم. اعتقل ﵀ عند دخول إبراهيم باشا للدرعية، وأرسل إلى مصر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف من الهجرة، واستقر بالقاهرة إلى أن توفي بها سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3089>موقفه من الرافضة:</span>\n- له من الآثار السلفية:\n- 'جواب أهل السنة النبوية في نقد كلام الشيعة والزيدية'، وقد طبع بحمد الله.\n\nعبد العزيز بن حمد آل معمر (١) (١٢٤٤ هـ)\nالشيخ الإمام عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن معمر، ولد في مدينة\n_________\n(١) علماء نجد (٢/ ٤٤٥) والأعلام (٤/ ١٧) والدرر السنية (١٢/ ٥٠ - ٥٢) ومقدمة كتاب منحة القريب المجيب للمترجم (ص.٣ - ٨).","vol":"9","page":92},{"text":"الدرعية سنة ثلاث ومائتين وألف من الهجرة، وأخذ عن علمائها منهم والده ﵀ والشيخ عبد الله بن محمد وحسين بن محمد وعلي بن محمد، أبناء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب والشيخ حسين بن غنام وغيرهم. شغل جميع وقته في تحصيل العلم وطلبه، فصار عالما مجتهدا له اليد الطولى في التفسير والحديث والنحو والفقه. عينه الإمام سعود في جملة قضاة الدرعية.\nقال ابن بشر: كان فقيها أديبا ومتواضعا، حسن البحث والسيرة، ذا شهرة في العلوم والديانة، وله أشعار رائعة لا سيما في أهل الدرعية. وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ: كان أديبا بارعا، وعالما محققا، وفقيها مدققا، حاضر البديهة، قوي العارضة، فصيح اللسان، بليغ القول، مشاركا في شتى العلوم الأصولية والفروعية، ورعا زاهدا، متقللا من الدنيا، بعيدا عن مفاتنها وزخارفها، له اليد الطولى والباع الواسع في التصنيف والتأليف، ونشر العلم، وتخريج الكثير من الطلاب، والرد على المعارضين، وإفحام المخاصمين.\nتوفي ﵀ في البحرين سنة أربع وأربعين ومائتين وألف. ورثاه كثير من الأدباء والعلماء منهم الشيخ أحمد بن علي آل مشرف ﵀ في أبيات منها:\nلقد صار في الإسلام ثلم بموته وقد كان للإسلام حصنا ومفزعا فأصبح مقصودا لمن طلب الهدى لقد فقد العلم العزيز ونشره هو البحر إن رمت العلوم وبحثها ... وكلم فمن ذا بالعلاج يحاول\nإذا نزلت بالمسلمين النوازل\nوكل لنيل المعالي وسائل\nلدن فقدت عبد العزيز المحافل\nسوى أنه للبحر يوجد ساحل","vol":"9","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3091>موقفه من المشركين:</span>\n- له من الآثار: 'منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب' رد فيه على كتاب 'مفتاح الخزائن ومصباح الدفائن' لقسيس إنجليزي.\n- ومما جاء فيه: ولما كان الله تعالى قد أمر رسوله بإقامة الحجة على الكافرين بطريق الجدال، وشرع ذلك في السور المكية والمدنية حتى بعد فرض القتال، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ (٢) وأمره بعد إقامة الحجة على النصارى بالمجادلة أن يدعوهم إلى الملاعنة والمباهلة، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ (٣).\n_________\n(١) النحل الآية (١٢٥).\n(٢) العنكبوت الآية (٤٦).\n(٣) آل عمران الآية (٦١).","vol":"9","page":94},{"text":"فلم يزل - ﷺ - في جدال الكفار على اختلاف مللهم، وتباين نحلهم إلى حين وفاته، وكذلك أصحابه من بعده، ومن تبعهم من أئمة الدين وحماته، وبهذا الأمر قام الدين، واتضح منهاجه للعابدين، وإنما جعل السيف ناصرا للحجة والبرهان، مسهلا طريق البلاغ إلى المكلفين بالسنة والقرآن، وأعدل السيوف سيف ينصر حجج الله وبيناته، وهو سيف رسوله وأتباعه، الذين بذلوا نفوسهم لله ابتغاء مرضاته. (١)\n- وقال: والمقصود أن شريعة محمد - ﷺ - موافقة لدين المسيح في التوحيد، وأصول الديانات، وإن خالفته في بعض ما دون ذلك من الشرائع، لكنها مخالفة لما ابتدعه ضلال النصارى، واخترعوه من قبل أنفسهم، وبدلوا به دين المسيح من الغلو في المخلوق حتى أنزلوه منزلة الخالق وادعوا أنه الله، وأنه ابن الله، تعالى الله وتقدس، وتنزه عن قولهم علوا كبيرا، وكذا ما بدلوه من فروع دين المسيح ﵇، كاستحلال الميتة والخنزير، وإحداث البدع في العبادات، مما نسخوا به دين المسيح ﵇، فبعث الله رسوله محمدا - ﷺ - يدعوهم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وإلى متابعة عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم، وتصديقه في بشارته بخاتم الرسل وسيدهم في الدنيا والآخرة الذي هو أولى الناس به، كما ثبت عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال: «أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء إخوة أبناء علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» أخرجه البخاري\n_________\n(١) (ص.١٤).","vol":"9","page":95},{"text":"ومسلم (١)، وإخوة العلات: أبناء أمهات شتى من رجل واحد. (٢)\n- وقال: والمقصود أن القرآن نقل بالتواتر عن محمد - ﷺ - من أول الأمر حتى لا يتطرق الشك إلى حرف واحد منه أنه من القرآن، ولم يقيض لمن قبلنا من حفظ الكتب وضبطها ما يقارب ذلك، فإنا قد دللنا على وقوع التحريف والتصحيف في كتب النصارى بما لا يمكنهم دفعه، فضلا عما اعترفوا به من الشك في بعضها من أصله، وأما كتابنا فإن أحدا لو حاول أن يغير حرفا أو نقطة منه لقال له أهل الدنيا: هذا كذاب، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلهم: أخطأت أيها الشيخ، وصوابه كذا، ولم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الكتاب العزيز الذي صانه الله عن التحريف، وحفظه عن التغيير والتصحيف، مع أن دواعي الملحدة، واليهود والنصارى متوافرة على إفساده وإبطاله، وانقضى الآن ما ينيف على ألف ومائتين وأربعين سنة من أول نزوله، وهو بحمد الله في زيادة من الحفظ. (٣)\n\nمحمد بن علي الشوكاني (٤) (١٢٥٠ هـ)\nالإمام العلامة المحدث محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٤٣٧) والبخاري (٦/ ٥٩٠ - ٥٩١/ ٣٤٤٢ - ٣٤٤٣) ومسلم (٤/ ١٨٣٧/٢٣٦٥) وأبو داود (٥/ ٥٥/٤٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) (ص.٤٨ - ٤٩).\n(٣) (ص.٦٨ - ٦٩).\n(٤) البدر الطالع (٢/ ٢١٤ - ٢٢٥) والأعلام (٦/ ٢٩٨) ومعجم المؤلفين (١١/ ٥٣) ونيل الوطر (٢/ ٣٤٤ - ٣٥٠) والتاج المكلل (ص.٤٤٣ - ٤٥٨) وفهرس الفهارس (ص.١٠٨٢ - ١٠٨٨).","vol":"9","page":96},{"text":"الصنعاني. ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، بهجرة \"شوكان\" من بلاد \"خولان\"، ونشأ بصنعاء، وولي قضاءها سنة تسع وعشرين ومائتين وألف من الهجرة. قرأ على أبيه والقاضي الحسن المغربي والقاسم بن يحيى الخولاني والسيد عبد الرحمن بن قاسم المداني وغيرهم. وأخذ عنه القاضي محمد بن حسن الشجني وأحمد بن عبد الله الضمدي ومحمد بن أحمد السودي وغيرهم.\nقال عنه تلميذه لطف الله بن أحمد جحاف: له مصنفات تدلك على قوة الساعد وسعة الاطلاع، ورزق السعادة في تصانيفه مع القضاء، وتناقلها من يلوذ به وذكروها في دروسهم، وله رغبة ومحبة في العلم، وما رأيت أنشط منه في التدريس. وقال عبد الرحمن بن سليمان الأهدل: ولقد منح رب العالمين سبحانه من بحر فضل كرمه الواسع هذا القاضي الإمام بثلاثة أمور، لا أعلم أنها في هذا الزمان الأخير جمعت لغيره: سعة التبحر في العلوم على اختلاف أجناسها وأنواعها وأصنافها، وسعة التلاميذ المحققين والنبلاء المدققين أولي الأفهام الخارقة ... وسعة التصانيف المحررة والرسائل والجوابات المحبرة التي تسامي في كثرتها الجهابذة الفحول. وقال عبد الرحمن البهكلي: وعلى الجملة فما رأى مثل نفسه ولا رأى من رأى مثله علما وقياما بالحق، بقوة جنان وسلاطة لسان.\nتوفي ﵀ بصنعاء سنة خمسين ومائتين وألف من الهجرة عن ست وسبعين سنة وسبعة أشهر، ودفن بمقبرة خزيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3093>موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الإمام الكبير، كانت له صولة وجولة في بلاد اليمن، عاصر","vol":"9","page":97},{"text":"الأحداث التي كانت بين العثمانيين ودعوة التوحيد الخالصة. وقد ذكر في البدر الطالع في بعض تراجم آل سعود ثناء جيدا عليهم وعلى دعوتهم، وله قصيدة في رثاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهي قصيدة طويلة توجد مطبوعة منشورة في عدة رسائل من رسائل الدعوة، وقد ذكرها الشيخ صالح العبود في رسالته في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١). وعلى كل حال، فقد استفاد من العقيدة السلفية، عن طريق كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب. غير أنه في باب الأسماء والصفات من نظر في تفسيره: 'فتح القدير' يجد الرجل على طريق المؤولة كما بينت ذلك في كتابي 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات' (٢). ومن نظر في كتابه 'التحف' يجده يمدح مذهب السلف، لكن كأنني به يعني مذهب المفوضة والله أعلم.\n- قال ﵀ في القول المفيد في حكم التقليد: فمع ما قد صار عندهم من هذا الاعتقاد في ذلك الإمام إذا بلغهم أن أحد علماء الاجتهاد الموجودين يخالفه في مسألة من المسائل، كان هذا المخالف قد ارتكب أمرا شنيعا، وخالف عندهم شيئا قطعيا، وأخطأ خطئا لا يكفره شيء، وإن استدل على ما ذهب إليه بالآيات القرآنية والأحاديث المتواترة لم يقبل منه ذلك ولم يرفع لما جاء به رأسا كائنا من كان، ولا يزالون منتقصين له بهذه المخالفة انتقاصا شديدا على وجه لا يستحلونه من الفسقة ولا من أهل البدع المشهورة كالخوارج والروافض، ويبغضونه بغضا شديدا فوق ما يبغضون أهل\n_________\n(١) (١/ ٢٤٠ - ٢٤٣).\n(٢) (٣/ ١٢٧٢ - ١٢٩٠).","vol":"9","page":98},{"text":"الذمة من اليهود والنصارى. ومن أنكر هذا فهو غير محقق لأحوال هؤلاء.\nوبالجملة فهو عندهم ضال مضل، ولا ذنب له إلا أنه عمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، واقتدى بعلماء الإسلام في أن الواجب على كل مسلم تقديم كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - على قول كل عالم كائنا من كان. (١)\n- وفيه: وإذا تقرر لك إجماع أئمة المذاهب الأربعة على تقديم النص على آرائهم، عرفت أن العالم الذي عمل بالنص وترك قول أهل المذاهب هو الموافق لما قاله أئمة المذاهب، والمقلد الذي قدم أقوال أهل المذاهب على النص هو المخالف لله ولرسوله ولإمام مذهبه ولغيره من سائر علماء الإسلام.\nولعمري إن القلم مبري بهذه النقول على وجل من الله وحياء من رسول الله - ﷺ -، فيا لله العجب -أيحتاج المسلم في تقديم قول الله أو رسوله - ﷺ - على قول أحد من علماء أمته إلى أن يعتضد بهذه النقول. يا لله العجب، أي مسلم يلتبس عليه مثل هذا حتى يحتاج إلى نقل هؤلاء العلماء ﵏ في أن أقوال الله وأقوال رسوله - ﷺ - مقدمة على أقوالهم، فإن الترجيح فرع التعارض، ومن ذاك الذي يعارض قوله قول الله أو قول رسوله - ﷺ - حتى نرجع إلى الترجيح والتقديم. سبحانك هذا بهتان عظيم.\nفلا حيا الله هؤلاء المقلدة الذين ألجأوا الأئمة الأربعة إلى التصريح بتقديم أقوال الله ورسوله على أقوالهم لما شاهدوهم عليه من الغلو المشابه لغلو اليهود والنصارى في أحبارهم ورهبانهم.\nوهؤلاء الذين ألجؤونا إلى نقل هذه الكلمات، وإلا فالأمر واضح لا\n_________\n(١) القول المفيد (ص.٥٣).","vol":"9","page":99},{"text":"يلتبس على أحد، ولو فرضنا والعياذ بالله أن عالما من علماء الإسلام يجعل قوله كقول الله أو قول رسوله - ﷺ - لكان كافرا مرتدا، فضلا عن أن يجعل قوله أقدم من قول الله ورسوله -فإنا لله وإنا إليه راجعون- ما صنعت هذه المذاهب بأهلها؟ وإلى أي موضع أخرجتهم؟ وليت هؤلاء المقلدة الجناة الأجلاف نظروا بعين العقل إذ حرموا النظر بعين العلم، ووازنوا بين رسول الله - ﷺ - وبين أئمة مذاهبهم وتصوروا وقوفهم بين يدي رسول الله - ﷺ -، فهل يخطر ببال من بقيت فيه بقية من عقل هؤلاء المقلدين أن هؤلاء الأئمة المتبوعين عند وقوفهم المعروض بين يدي رسول الله - ﷺ -، كانوا يردون عليه قوله أو يخالفونه بأقوالهم؟ كلا والله بل هم أتقى لله وأخشى له. فقد كان أكابر الصحابة يتركون سؤاله - ﷺ - في كثير من الحوادث هيبة وتعظيما. وكان يعجبهم الرجل العاقل من أهل البادية إذا وصل يسأل رسول الله - ﷺ - ليستفيدوا بسؤاله كما ثبت في الصحيح (١)، وكانوا يقفون بين يديه كأن على رؤوسهم الطير يرمون بأبصارهم إلى ما بين أيديهم ولا يرفعونها إلى رسول الله - ﷺ - احتشاما وتكريما. وكانوا أحقر وأقل عند أنفسهم من أن يعارضوا رسول الله - ﷺ - بآرائهم، وكان التابعون يتأدبون مع الصحابة بقريب من هذا الأدب، وكذلك تابعو التابعين كانوا يتأدبون بقريب من آداب التابعين مع الصحابة. فما ظنك أيها المقلد لو حضر إمامك بين يدي رسول الله - ﷺ -.\nفإذا فاتك يا مسكين الاهتداء بهدى العلم فلا يفوتنك الاهتداء بهدى العقل، فإنك إذا استضأت بنوره خرجت من ظلمات جهلك إلى نور الحق. فإذا عرفت ما\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (١/ ٤١ - ٤٢/ ١٢) والترمذي (٣/ ١٤ - ١٥/ ٦١٩) والنسائي (٤/ ٤٢٧/٢٠٩٠) من حديث أنس بن مالك.","vol":"9","page":100},{"text":"نقلناه عن أئمة المذاهب الأربعة من تقديم النص على آرائهم، فقد قدمنا لك أيضا حكاية الإجماع على منعهم التقليد، وحكينا لك ما قاله الإمام أبو حنيفة وما قاله إمام دار الهجرة مالك بن أنس من ذلك، أو لاح لك مما نقلناه قريبا ما يقوله الإمام محمد بن إدريس الشافعي من منع التقليد.\nوقد قال المزني في أول مختصره ما نصه (اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقرأه على من أراده مع إعلامه بنهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه) اهـ. فانظر ما نقله هذا الإمام الذي هو من أعلم الناس بمذهب الشافعي ﵀ من تصريحه بمنع تقليده وتقليد غيره.\nوأما الإمام أحمد بن حنبل فالنصوص عنه في منع التقليد كثيرة. قال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي أتبع أم مالك، فقال: لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء، ما جاء عن النبي - ﷺ - وأصحابه فخذ به. وقال أبو داود سمعته -يعني أحمد بن حنبل- يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي - ﷺ - وأصحابه ثم من هو من التابعين بخير. اهـ\nفانظر كيف فرق بين التقليد والاتباع. وقال لي أحمد: لا تقلدني ولا مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا. وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. قال ابن القيم: ولأجل هذا لم يؤلف الإمام أحمد كتابا في الفقه، وإنما دون أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك.\nوقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما","vol":"9","page":101},{"text":"قلد، وفي التقليد إبطال منفعة العقل ... ثم أطال الكلام في ذلك.\nوبالجملة فنصوص أئمة المذاهب الأربعة في المنع من التقليد وفي تقديم النص على آرائهم وآراء غيرهم لا تخفى على عارف من أتباعهم وغيرهم. وأما نصوص سائر الأئمة المتبوعين على ذلك الأئمة من أهل البيت ﵈ فهي موجودة في كتبهم، معروفة قد نقلها العارفون بمذاهبهم عنهم. ومن أحب النظر في ذلك فليطالع مؤلفاتهم، وقد جمع منها السيد العلامة الإمام محمد بن إبراهيم الوزير في مؤلفاته مايشفي ويكفي لا سيما في كتابه المعروف بالقواعد، فإنه نقل الإجماع عنهم وعن سائر علماء المسلمين على تحريم تقليد الأموات، وأطال في ذلك وأطاب، وناهيك بالإمام الهادي يحيى ابن الحسين فإنه الإمام الذي صار أهل الديار اليمنية مقلدين له، متبعين لمذهبه من عصره وهو آخر المائة الثالثة -إلى الآن مع أنه قد اشتهر عند أتباعه والمطلعين على مذهبه- أنه صرح تصريحا لا يبقى عنده شك ولا شبهة بمنع التقليد له، وهذه مقالة مشهورة في الديار اليمنية يعلمها مقلدوه فضلا عن غيرهم، ولكنهم قلدوه شاء أم أبى. (١)\n- وله من الآثار:\n١ - 'البغية في الرؤية'، توجد منه نسخة في الجامعة الإسلامية.\n٢ - 'الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد'. مطبوع\n٣ - 'شرح الصدور في عدم جواز رفع القبور'. مطبوع\n٤ - 'التحف في مذاهب السلف'. مطبوع\n_________\n(١) القول المفيد (ص.٥٧ - ٦٢).","vol":"9","page":102},{"text":"٥ - 'القول المفيد في حكم التقليد'. مطبوع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3094>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال: (قوله: وعليها قضاء الصيام لا الصلاة). أقول: هذا معلوم الأدلة الصحيحة، وعليه كان العمل في عصر (النبوة) وما بعده، وأجمع عليه سلف الأمة وخلفها، سابقها ولاحقها، ولم يسمع عن أحد من علماء الإسلام في ذلك خلاف. وأما الخوارج الذين هم كلاب النار، فليس هم ممن يستحق أن يذكر خلافهم في مقابلة قول المسلمين أجمعين، ولا هم ممن يخرج المسائل الإجماعية عن كونها إجماعية بخلافهم، وما هذه بأول مخالفة منهم لقطعيات الشريعة، والعجب ممن ينصب نفسه من أهل العلم للاستدلال لباطلهم بما لا يسمن ولا يغني من جوع. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3095>موقفه من القدرية:</span>\n- سئل الشيخ: ما الراجح لديكم في مسألة خلق الأفعال، حسنها وقبيحها ... الخ، فهذه مسألة قد تكلم العلماء وكثر الخلاف فيها قديما وحديثا، وكثر الحجاج بين الطرفين، والواجب الرجوع إلى ما عليه الصالحون من سلف الأمة، قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في الرد على الرافضة: \"وأما قوله أنه عدل حكيم لا يظلم أحدا، ولا يفعل القبيح، وإلا لزم الجهل والحاجة -تعالى الله عنهما-، فيقال له: هذا متفق عليه بين المسلمين من حيث الجملة أن الله لا يفعل قبيحا، ولا يظلم أحدا، ولكن\n_________\n(١) السيل الجرار (١/ ١٤٨).","vol":"9","page":103},{"text":"النزاع في تفسير ذلك، فهو إذا كان خالقا لأفعال العباد، هل يقال: إنه ما هو قبيح منه وظلم، أم لا؟ فأهل السنة المثبتون للقدر يقولون: ليس هو بذلك ظالما ولا فاعلا قبيحا، والقدرية يقولون: لو كان خالقا لأفعال العبادكان ظالما فاعلا ما هو قبيح منه، وأما كون الفعل قبيحا من فاعله لا يقتضي أن يكون كذلك لخالقه، لأن الخالق خلقه في غيره، لم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل، لا من خلقه في غيره، كما أنه إذا خلق لغيره لونا وريحا وحركة وقدرة وعلما، كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون، والريح، والحركة، والقدرة، والعلم، فهو المتحرك بتلك الحركة، والمتلون بذلك اللون، والعالم بذلك العلم، والقادر بتلك القدرة، فكذلك إذا خلق في غيره كلاما، أو صلاة، أو صياما، أو طوافا، كان ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام، وهو المصلي، وهو الصائم، وهو الطائف، ولكن من قال إن الفعل هو المفعول يقول: إن أفعال العباد هي فعل الله، فإن قال: وهو أيضا فعل لهم لزم أن يكون الفعل الواحد لفاعلين، كما يحكى عن أبي إسحاق الإسفراييني، وإن لم يقل هو فعل لهم لزمه أن تكون أفعال العباد فعلا لله لا لعباده كما يقوله الأشعري ومن وافقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، الذين يقولون: إن الخلق هو المخلوق، وإن أفعال العباد خلق الله، فتكون هي فعل الله، وهي مفعول الله، فكما أنها خلقه فهي مخلوقة، وهؤلاء لا\nيقولون إن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، ولكنهم مكتسبون لها، وإذا طولبوا بالفرق بين الكسب والفعل لم يذكروا فرقا معقولا، ولهذا كان يقال: عجائب الكلام ثلاثة: أحوال أبي هاشم، وطفرة النظام، وكسب الأشعري.","vol":"9","page":104},{"text":"وهذا الذي ينكره جمهور العقلاء، ويقولون: إنه مكابرة للحس، ومخالفة للشرع والعقل.\nوأما جمهور أهل السنة فيقولون: إن فعل العبد له حقيقة، ولكنه مخلوق لله تعالى، ومفعول لله لايقولون هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول. انتهى كلامه.\nوأهل القول الثاني من السؤال لا يلزم ما يقولون في خلاف قولهم أنه إجبار وإبطال للشرائع، وإلزام الحجة على الشارع، بل -سبحانه- ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (١) و﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٢)، وكل ما فعله فهو فضل أو عدل، فلا يعترض على فضله وعدله، ومن جعل العقل ميزانا للشرائع فقد ضل وأضل، والله يلهمنا رشدنا ويقينا شرور أنفسنا. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3096>عثمان بن محمد بن أحمد بن سند (١٢٥٠ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-3097>موقفه من الرافضة:</span>\nهذا الرجل النجدي الأصل، عرف بعداوته وانحرافه عن الدعوة السلفية وأعلامها، إلا أن له موقفا طيبا يشكر عليه، عندما رد على الشاعر الشيعي الخبيث دِعْبِل الخزاعي الذي طعن في سادات الصحابة الكرام أبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم، فألف قصيدة تضمنت أكثر من ألفي بيت\n_________\n(١) القصص الآية (٦٨).\n(٢) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٣) الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (١/ ١٤٨ - ١٥٢).","vol":"9","page":105},{"text":"سماها 'الصارم القرضاب في نحر من سب أكارم الأصحاب'. (١)\n\nالحسن بن علي القَنُّوجِي (٢) (١٢٥٣ هـ)\nحسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي، ابن الأمير نواب أولاد علي خان بهادر أنور جنك. ولد سنة عشر ومائتين وألف للهجرة، وهو والد العلامة صديق حسن خان. أخذ عن الشيخ عبد الباسط القنوجي، ثم سافر إلى لكهنؤ فأخذ عن الشيخ محمد نور وغيره، ثم رحل إلى دهلي فتتلمذ على الشيخ عبد العزيز والشيخ رفيع الدين ابني الشيخ ولي الله الدهلوي، ثم عاد إلى وطنه وبلده قنوج.\nقال فيه ابنه السيد صديق بن حسن: وكان في التقوى والديانة واتباع الحق واقتداء الدليل ورد الشرك والبدع آية باهرة، وقدرة كاملة، ونعمة ظاهرة من الله ﷾. توفي ﵀ سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3099>موقفه من المشركين:</span>\nله: 'تقوية اليقين في الرد على عقائد المشركين' ذكره في هدية العارفين (٣).\n_________\n(١) علماء نجد (٥/ ١٤٨).\n(٢) هدية العارفين (١/ ٣٠١) والأعلام (٢/ ٢٠٦) ومعجم المؤلفين (٣/ ٢٥٩) وأبجد العلوم (٣/ ٢١٢ - ٢١٣).\n(٣) (١/ ٣٠١).","vol":"9","page":106},{"text":"أحمد الهندي (١) (١٢٥٥ هـ)\nأحمد بن عبد الرحيم الهندي الحكيم الحنفي. توفي ﵀ سنة خمس وخمسين ومائتين وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3101>موقفه من الرافضة:</span>\nله: 'نزهة الاثني عشرية في الرد على الروافض' ذكره في هدية العارفين (٢).\n\nأحمد بن علي بن أحمد بن دعيج (٣) (١٢٦٨ هـ)\nالشيخ أحمد بن علي بن أحمد بن سليمان بن دعيج الكثيري نسبا، المَرَائي بلدا. ولد في بلدة مرات، إحدى بلدان الوشم سنة تسعين ومائة وألف. وعاصر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وله نظم جيد في المحنة التي وقعت في نجد على يد إبراهيم باشا وزير مصر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، وله نظم آخر في العقيدة. عين المترجم قاضيا في بلدته خلال استيلاء الدولة العثمانية على نجد، ثم خلال إمامة تركي ثم الإمام فيصل. وما زال في عمله مجدا إلى أن توفي ﵀ سنة ثمان وستين ومائتين وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3103>موقفه من الجهمية:</span>\nله نظم سماه 'كتاب الدر الثمين عقيدة الموحدين' (٤). قال: وسبب تأليفه\n_________\n(١) هدية العارفين (٢/ ٣٧٠) ومعجم المؤلفين (١/ ٢٧٢).\n(٢) (٢/ ٣٧٠).\n(٣) علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ٤٩٧ - ٥٠١).\n(٤) علماء نجد (١/ ٥٠٠).","vol":"9","page":107},{"text":"أنه ورد عليَّ جواب من بعض الإخوان سنة ثلاثة وثلاثين ومائتين وألف يريد أن أعرض عليه ما نحن عليه من الاعتقاد وأخبار الصفات، فأجبته ولله الحمد، وهي معروضة على علماء المسلمين لتبيين الصحيح والتنبيه على الخطأ حتى نرجع عنه -إن شاء الله- إلى الصواب. ومطلع النظم هو:\nباسمه أبدا كل امرئ تبركا وثنيت قبل النظم لله حامدا ... وحفظًا له لا يعتريه جذامها\nمصل على المبعوث أحمد مقامها\n\nإلى أن قال:\nواقبل أخبار الصفات كما أتى ... بها النص لا ينفك عنك مرامها\n\nمحمد بن إبراهيم بن محمد السناني (١) (١٢٦٩ هـ)\nالشيخ محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم السِّنَاني. ولد في بلدة عنيزة، ونشأ فيها، وقرأ على قاضي عنيزة الشيخ عبد الله أبا بطين، ولازمه ملازمة تامة. ولي القضاء بإشارة من شيخه أبا بطين لأعيان أهل عنيزة. وكان ورعا عفيفا، صاحب معتقد طيب، إلا أنه كان معرضا عن كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتحذير الناس منها، ثم قرأها بعد، فأولع بها، وأصبح من الداعين إليها.\nتوفي ﵀ في بلدة عنيزة سنة تسع وستين ومائتين وألف للهجرة.\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٤٧٢ - ٤٧٤).","vol":"9","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3105>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀ مدافعا عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعن مؤلفاته بعدما كان معرضا عنها، ومستهزءا بها: كنت في أول أمري مع أناس نسمي (كشف الشبه) بـ (جمع الشبه)، ولم أرها ولم أطالع فيها تقليدا لمن غروني، فلما سافرت إلى بعض الآفاق ورأيت كثرة من أعرض عن الهدى، دعوت الله أن يهديني لما اختلف فيه إلى الحق، فأزال الله عني الهوى والتعصب، وأبدله بالإنصاف، وصار عندي الحق أحق أن يتبع، فَعَنَّ لي أن أطالع (كشف الشبه) فوجدتها كاسمها، مشتملة على أجل المطالب وأوجب الواجبات، فكانت جديرة أن تكتب بماء الذهب، ثم قلت نظما:\nلقد ضل قوم سموا الكشف بالجمع ... وقالوا مقالا واجب الدفع والرد\nفجمع الشبه ما لفقوه ببغيهم ... وتضليلهم من هد ما شيد من ند\nوقام بنصر الدين لله وحده ... وتجريده التوحيد للواحد الفرد\nوجاهد فيما قام فيه لربه ... بماله والأهلين حقا وباليد\n\nإلى أن قال:\nفيا طالب الإنصاف بالعلم والهدى ... ألا تنظر كشف الشبه درة العقد\nفقد حل فيها كشف ما كان مشكلا ... بأوضح تبيان ينوف على العد\nفجازاه رب الخلق خير جزائه ... لما قام في التوحيد يهدي ويهتدي (١)\n_________\n(١) علماء نجد (٥/ ٤٧٣ - ٤٧٤).","vol":"9","page":109},{"text":"عبد الرحمن بن عبد الله آل الشيخ (١) (١٢٧٤ هـ)\nالشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ولد في الدرعية سنة تسع عشرة ومائتين وألف من الهجرة ونشأ بها، وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف من الهجرة نقل مع أبيه وغيره من أعيان نجد إلى مصر، فأقام بها، وتعلم في الجامع الأزهر، ثم صار مدرسا فيه برواق الحنابلة.\nقال الشيخ عبد الرزاق البيطار: الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوهاب النجدي العالم المشهور والهمام الذي فضله مأثور ... التفت إلى الطلب والتعلم والتعليم والاستفادة والإفادة، إلى أن صار في الأزهر شيخ رواق الحنابلة، وكان ظاهر التقوى والصلاح والزهد والعبادة. وقال الحلواني: وكان عالما فقيها ذا سمة حسنة، يظهر عليه التقى والصلاح.\nوبقي فيها إلى أن توفي سنة أربع وسبعين ومائتين وألف رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3107>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في تاريخ علماء نجد: وبلغني أن جماعة السبكية، لم يعتنقوا المذهب الحنبلي، ولم يكونوا محققين لتوحيد العبادة إلا عن طريقه. (٢)\n_________\n(١) علماء نجد (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٥).\n(٢) تاريخ علماء نجد (٢/ ٣٩٤).","vol":"9","page":110},{"text":"عبد الله بن عبد الرحمن أبا بُطَيْن (١) (١٢٨٢ هـ)\nالشيخ عبد الله بن عبد الرحمن، الملقب كأسلافه (أبا بطين)، ولد في الروضة من قرى سدير سنة أربع وتسعين ومائة وألف من الهجرة، ونشأ بها، وقرأ على عالمها الشيخ محمد بن طراد الدوسري ولازمه ملازمة تامة، ثم ارتحل إلى شقراء، ثم إلى عنيزة وولي قضاءها وقضاء جميع بلدان القصيم.\nقال عنه الشيخ إبراهيم بن عيسى: الإمام والحبر الهمام العالم العلامة والقدوة الفهامة الشيخ عبد الله أبا بطين، مهر في الفقه وفاق أهل عصره في إبان شبيبته. وقال تلميذه ابن حميد (صاحب السحب الوابلة): وأما اطلاعه على خلاف الأئمة الأربعة بل على غيرهم من السلف والروايات والأقوال المذهبية، فأمر عجيب، ما أعلم أني رأيت من يضاهيه بل ولا من يقاربه. أخذ عنه كبار علماء نجد منهم: الشيخ محمد بن إبراهيم السناني والشيخ علي بن محمد آل راشد والشيخ عثمان بن بشر وغيرهم.\nتوفي ﵀ سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3109>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له:\n١ - 'تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن سليمان بن جرجيس'، والكتاب مطبوع.\n٢ - 'تعقبات نفيسة على لوامع الأنوار'، تدل على سعة علمه، وعمق\n_________\n(١) علماء نجد (٢/ ٥٦٧ - ٥٧٥) والأعلام (٤/ ٩٧) ومعجم المؤلفين (٦/ ٧٢ - ٧٣) والسحب الوابلة (٢/ ٦٢٦ - ٦٣٣) والدرر السنية (١٢/ ٧٥ - ٧٧).","vol":"9","page":111},{"text":"فهمه للعقيدة السلفية.\n\nعثمان بن عبد العزيز بن منصور (١) (١٢٨٢ هـ)\nالشيخ عثمان بن عبد العزيز بن منصور بن حمد الحسيني الناصري العمري التميمي. ولد في أول القرن الثالث عشر في بلدة الفرعة، وقرأ على الشيخ عبد العزيز الحصين الناصري والشيخ عبد الرحمن بن حسن من علماء سدير، ثم سافر إلى العراق، فقرأ على داود بن جرجيس ومحمد بن سلوم.\nقال فيه ابن بشر: الشيخ النبيه والعالم العلامة الفقيه، الذي حوى فنون العلوم، وكشف عنها الستور، وتلألأت بمعاني بيانه السطور، شيخنا عثمان ابن منصور. وقال الشيخ علي الهندي: للشيخ عثمان بن منصور مجموع فتاوى مخطوطة، وكان ذا فهم حاد، بارعا في فنون من العلم. ألف قصيدة في مدح شيخه ابن جرجيس، فرد عليه علماء السنة بقصائد داحضة. ولاه الإمام تركي قضاء بلدة جلاجل، ثم ولاه الإمام فيصل قضاء مدينة حائل، ثم سدير. كان على خلاف مع شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وألف كتاب 'أسرار المعارج في أخبار الخوارج' يُعَرِّض به للدعوة السلفية. وقد حكى مجموعة من الشيوخ تراجع الشيخ ابن منصور عن عقيدته ولزومه العقيدة السلفية.\nتوفي ﵀ في ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف في حوطة سدير.\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٨٩ - ١٠٦) والأعلام (٤/ ٢٠٨).","vol":"9","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3111>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له من الآثار السلفية:\n١ - 'فتح الحميد شرح كتاب التوحيد'.\n٢ - 'الرد الدافع على من اعتقد أن شيخ الإسلام زائغ'، وهو رد على عثمان بن سند البصري النجدي، وهو عبارة عن قصيدة بين فيها غيرته على العقيدة السلفية.\nجاء فيها: قال العبد الفقير، المقر بالذنب والتقصير، عثمان بن عبد العزيز بن منصور الناصري العمري التميمي الحنبلي، ستر الله عيوبه وغفر له ذنوبه، ردا على عثمان بن سند الفيلكي ثم البصري -قتله الله تعالى- لما سب شيخ الإسلام، وقدوة الأعلام أحمد بن تيمية، قدس الله روحه، ونور ضريحه، ونسبه مع ذلك للتجسيم والتضليل، في محاورة صدرت بيني وبينه، فأتى به فيها معترضا بسبه، وأنا أسمع بحضرة تلميذ له يقال له: محمد بن تريك، فأبذى في الكلام بذلك السب وأقذع، وسب مع ذلك نجدا وأهلها، فحينئذ لم أتمالك عند سب شيخ الإسلام المذكور أن قلت منشدا ما يأتي منتصرا له ولسلفه الصالح من أهل السنة والجماعة، ومبينا لعقيدته ... إلى أن قال:\nفنعلم أن الله فوق عباده ... كما جاء في الفرقان للخلق يسمع\nعلا خلقه الرحمن ربي مسافة ... وبالعلم أدنى من وريد وأسرع\nوتنكر ذا تبا لك اليوم منكرا ... كذبت لأنت بالغواية توضع\nوإن إله الخلق عال لعرشه ... عليه استوى الرحمن بالنص أقطع","vol":"9","page":113},{"text":"وإن كلام الله يتلى حقيقة ... على ذاك أهل الخوف لله أجمع\nوفي قولنا الإيمان قول ونية ... وفعل به الأركان لله تخشع\nيدور على بضع وسبعين شعبة ... ومنكر هذا القول بالنص يقمع\nيزيد على الطاعات فينا كقولنا ... ينقص من العصيان والحق مقطع\nوفي منزل الأبرار ينظر وجهه ... ويحجب عنه الملحدون ويمنعوا\nنقر بأن الله ﷻ ... عليم قدير كامل الوصف يسمع\nبصير يرى مخ البعوض بعضوها ... ويحصي حساب الخلق علما ويجمع\nفهذا اعتقادي والذي قلت إنه ... يرى مذهب التجسيم هل أنت تسمع\nوقولك في عرض المذمة شيخكم ... يضل الورى جهلا وفيكم تنطع\nأبن لي ضلال الشيخ حتى أجيبكم ... أفي هدمه الأوثان فالحق يتبع\nأبن لي أبن لي لا أبا لك وانتبه ... أفي سده طرق الضلالات مشنع\nأبن لي أبن لي ما الضلالات عندكم ... أكف دعاة السوء فينا فنسمع\nكففناهم عن ديننا ودمائنا ... وأنت لسعد آخر الليل تضبع (١)\n\nأحمد بن علي بن حسين آل مشرف (٢) (١٢٨٥ هـ)\nالشيخ الشاعر أحمد بن علي بن حسين آل مشرف. ولد في مدينة الزبالة، وتعلم بها، وقرأ على علماء الأحساء وأغلبهم مالكي المذهب حتى صار من أعيان الفقهاء الكبار، وعين قاضيا بها. وكان كفيف البصر منذ\n_________\n(١) علماء نجد (٥/ ٩٨و١٠٣ - ١٠٥).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ٥٠٢ - ٥٠٣) والأعلام (١/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"9","page":114},{"text":"طفولته، وأولع بالشعر والأدب فأصبح يقول القصائد والمراثي الجياد. وعرف ﵀ بالدفاع عن العقيدة السلفية وله في ذلك مصنفات، جمعت في مجلد باسم 'ديوان ابن مشرف' وله مختصر صحيح مسلم.\nتوفي ﵀ في الأحساء سنة خمس وثمانين ومائتين وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3113>موقفه من الجهمية:</span>\n- له من الآثار السلفية:\n١ - 'قصيدة نظم فيها عقيدة ابن أبي زيد القيرواني المالكي في رسالته'.\n٢ - 'جوهرة التوحيد'. وهي نظم عذب على عقيدة السلف.\n٣ - 'الشهب المرمية على المعطلة والجهمية' (١):\nقال فيها:\nنفيتم صفات الله، فالله أكمل ... وسبحانه عما يقول المعطل\nزعمتم بأن الله ليس بمستوٍ ... على عرشه، والاستوا ليس يُجهل\nفقد جاء في الأخبار في غير موضع ... بلفظ \"استوى\" لا غير يا مُتَأوِّل\nوقد جاء في إثباته عن نبينا ... من الخبر المأثور ما ليس يُشْكِل\nفصرح أن الله ﷻ ... على عرشه منه المَلائك تنزل\nيخافونه من فوقهم وعُروجُهم ... إليه وهذا في الكتاب مفصل\nوتعرج حقا روح من مات مؤمنا ... إليه فتحظى بالمُنى ثم ترسل\nوبالمصطفى أسرى إلى الله، فارتقى ... على هذه السبع السموات في العلو\nومنه دنا الجبار حقا، فكان قا ... ب قوسين أو أدنى كما هو منزل\n_________\n(١) علماء نجد (١/ ٥٠٣).","vol":"9","page":115},{"text":"وفي ذا حديث في صحيح محمد ... صحيح صريح ظاهر لا يؤول\nوقد رفع الله المسيح ابن مريم ... إليه ولكن بعد ذا سوف ينزل\nفيكسر صُلْبان النصارى بكفه ... وما دام حيا للخنازير يقتل\nوليس له شرع سوى شرع أحمد ... فيقضي به بين الأنام ويعدل\nوزينب زوج المصطفى افتخرت على ... بقية أزواج النبي بلا غلو\nفقالت: تولى الله عقدي بنفسه ... فزوجني من فوق سبع من العلو\nوإن سفيري روحه وكفى بها ... لزينب فخرا شامخا فهو أطول\nولما قضى سعد الرضى في قريظة ... بأن يُسْتَرَقّوا والرجال تقتل\nوأمضى رسول الله في القوم حكمه ... لقد قال ما معناه إذ يتأمل\nألا إن سعدا قد قضى فيهم بما ... قضى الله من فوق السموات فافعلوا\nوقد صح أن الله في كل ليلة ... إذا ما بقي ثلث من الليل ينزل\nإلى ذي السما الدنيا ينادي عباده ... إلى أن يكون الفجر في الأفق يشعل\nيناديهم: هل تائب من ذنوبه؟ ... فإني لغفار لها مُتقبِّل\nوهل منكم داع؟ وهل سائل لنا؟ ... فإني أجيب السائلين وأجزل\nوقد فطر الله العظيم عباده ... على أنه من فوقهم فلهم سلوا\nلهذا تراهم يرفعون أكفهم ... إذا اجتهدوا عند الدعاء إلى العلو\nأقروا بهذا الاعتقاد جِبِلّة ... ودانوا به ما لم يصدوا ويخذلوا\nعلى ذا مضى الهادي النبي وصحبه ... وأتباعهم خير القرون وأفضل\nفأخلف قوم آخرون فحرفوا ... نصوص كتاب الله جهلا وأولوا\nفجاءوا بقول سيء سره، وما ... بدا منه يزهو باللآلي مكلل","vol":"9","page":116},{"text":"هم عطلوا وصف الإله وأظهروا ... بذلك تنزيها له وهو أكمل\nومن نزه الباري بنفي صفاته ... فما هو إلا جاحد ومعطل\nفيا أيها النافي لأوصاف ربه ... لقد فاتك النهج الذي هو أمثل\nتحيد عن الذكر الحكيم ونصه ... وتزور عن قول النبي وتعدل\nوتنفي صفات الله بعد ثبوتها ... بنص من الوحيين ما فيه مجمل\nإذا جاء نص محكم في صفاته ... جحدت له، أو قلت: هذا مؤول\nألا تقتفي آثار صحب محمد؟ ... فمنهاجهم أهدى وأنجى وأفضل\nفما مذهب الأخلاف أعلم بالهدى ... من القوم لو أنصفت أوكنت تعقل\nولكنه من بعض ما أحدث الورى ... ومن يبتدع في الدين فهو مضلل\n\nوقال ﵀ في فصل في اعتقاد السلف الصالح رضوان الله عليهم (١):\nولكننا والحمد لله لم نزل ... على قول أصحاب الرسول نعول\nنقر بأن الله فوق عباده ... على عرشه، لكنما الكيف نجهل\nوكل مكان فهو فيه بعلمه ... شهيد على كل الورى ليس يغفل\nوما أثبت الباري تعالى لنفسه ... من الوصف أو إبداء من هو مرسل\nفنثبته لله ﷻ ... كما جاء، لا ننفي ولا نتأول\nهو الواحد الحي القديم له البقا ... مليك يولي من يشاء ويعزل\nسميع بصير قادر متكلم ... عليم مريد آخر هو أول\nتنزه عن ند وولد ووالد ... وصاحبة فالله أعلى وأكمل\n_________\n(١) انظر آخر رسالة 'الجوهرة الفريدة' للحكمي (ص.٦١ - ٦٥).","vol":"9","page":117},{"text":"وليس كمثل الله شيء وماله ... شبيه ولا ند بربك يعدل\nوإن كتاب الله من كلماته ... ومن وصفه الأعلى حكيم منزل\nفليس بمخلوق، ولا وصف حادث ... فيفنى، ولكن محكم لا يبدل\nهو الذكر متلو بألسنة الورى ... وفي الصدر محفوظ وفي الصحف يسجل\nفألفاظه ليست بمخلوقة، ولا ... معانيه، فاترك قول من هو مبطل\nوقد أسمع الرحمن موسى كلامه ... على طور سينا، والإله يفصل\nوللطور مولانا تجلى بنوره ... فصار لخوف الله دكا يزلزل\nوإن علينا حافظين ملائكا ... كراما بسكان البسيطة وكلوا\nفيحصون أقوال ابن آدم كلها ... وأفعاله طرا، فلا شيء يهمل\nولا حي غير الله يبقى، وكل من ... سواه له حوض المنية منهل\nوإن نفوس العالمين بقبضها ... رسول من الله العظيم موكل\nولا نفس تفنى قبل إكمال ... ولكن إذا تم الكتاب المؤجل\nوسيان منهم من ودى حتف أنفه ... ومن بالظبى والسمهرية يقتل\nوإن سؤال الفاتنين محقق ... لكل صريع في الثرى حين يجعل\nيقولان ماذا كنت تعبد؟ ما الذي ... تدين؟ ومن هذا الذي هو مرسل؟\nفيا رب ثبتنا على الحق واهدنا ... إليه، وأنطقنا به حين نسأل\nوإن عذاب القبر حق وروح من ... ودى في نعيم أو عذاب يعجل\nفأرواح أصحاب السعادة نعمت ... بروح وريحان وما هو أفضل\nوتسرح في الجنات تجني ثمارها ... وتشرب من تلك المياه وتأكل\nولكن شهيد الحرب حي منعم ... فتنعيمه للروح والجسم يحصل","vol":"9","page":118},{"text":"وأرواح أصحاب الشقاء مهانة ... معذبة للحشر، والله يعدل\nوأن معاد الروح والجسم واقع ... فينهض من قد مات حيا يهرول\nوصيح بكل العالمين فأحضروا ... وقيل: قفوهم للحساب ليسألوا\nفذلك يوم لا تحد كروبه ... بوصف فإن الأمر أدهى وأهول\nيحاسب فيه المرء عن كل سعيه ... وكل يجازى بالذي كان يعمل\nوتوزن أعمال العباد جميعها ... وقد فاز من ميزان تقواه يثقل\nوفي الحسنات الأجر يلقى مضاعفا ... وبالمثل تجزى السيئات وتعدل\nولا يدرك الغفران من مات مشركا ... وأعماله مردودة ليس تقبل\nويغفر غير الشرك ربي لمن يشا ... وحسن الرجا والظن في الله أجمل\nوإن جنان الخلد تبقى ومن بها ... مقيما على طول المدى ليس يرحل\nأعدت لمن يخشى الإله ويتقي ... ومات على التوحيد فهو مهلل\nوينظر من فيها إلى وجه ربه ... بذا نطق الوحي المبين المنزل\nوإن عذاب النار حق وإنها ... أعدت لأهل الكفر مثوى ومنزل\nيقيمون فيها خالدين على المدى ... إذا نضجت تلك الجلود تبدل\nولم يبق بالإجماع فيها موحد ... ولو كان ذا ظلم يصول ويقتل\nوإن لخير الأنبياء شفاعة ... لدى الله في فصل القضاء فيفصل\nويشفع للعاصين من أهل دينه ... فيخرجهم من ناره وهي تشعل\nفيلقون في نهر الحياة فينبتوا ... كما في حميل السيل ينبت سنبل\nوإن له حوضا هنيئا شرابه ... من الشَّهْدِ أحلى فهو أبيض سلسل\nيُقَدر شهرا في المسافة عرضه ... كأَيْلَة من صنعا وفي الطول أطول","vol":"9","page":119},{"text":"وكيزانه مثل النجوم كثيرة ... ووارده كل أَغَرّ مُحَجَّل\nمن الأمة المستمسكين بدينه ... وعنه ينحى محدِثٌ ومبدِّل\nفيا رب هب لي شربة من زُلالِه ... بفضلك يا من لم يزل يتفضَّل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3114>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال:\nوإنا نرى الإيمان قولا ونية وينقص بنقصان طاعة ... وفعلا إذا ما وافق الشرع يقبل\nويزداد إن زادت فينمو ويكمل (١)\n\n- وقال في نظمه لعقيدة ابن أبي زيد القيرواني:\nوأول الفرد إيمان الفؤاد كذا ... نطق اللسان بما في الذكر قد سطرا\n\nإلى أن قال (٢):\nوأن إيماننا شرعا حقيقته ... وأن معصية الرحمن تنقصه ... قصد وقول وفعل للذي أمرا\nكما يزيد بطاعة الذي شكرا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3115>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀ (٣):\nوبالقدر الإيمان حتم وبالقضا ... فما عنهما للمرء في الدين معدل\nقضى ربنا الأشياء من قبل كونها ... وكل لديه في الكتاب مسجل\nفما كان من خير وشر فكله ... من الله والرحمن ما شاء يفعل\n_________\n(١) الجوهرة الفريدة (ص.٦٦).\n(٢) الجوهرة الفريدة (ص.٥٢و٥٦).\n(٣) الجوهرة الفريدة (ص.٦٦). (الشهب المرمية).","vol":"9","page":120},{"text":"فبالفضل يهدي من يشاء من الورى ... وبالعدل يردي من يشاء ويخذل\nوما العبد مجبور وليس مخيرا ... ولكن له كسب وما الأمر مشكل\n\nعبد الرحمن بن حسن (١) (حفيد الشيخ) (١٢٨٥ هـ)\nالشيخ الإمام عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مفيد الطالبين وقامع المبتدعين، ولد في الدرعية سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف للهجرة. وقرأ على جده كتاب التوحيد وغيره، ولازم دروسه، وأخذ عن الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وعلى عمه الشيخ عبد الله والشيخ حسين بن غنام وغيرهم. نقله إبراهيم باشا إلى مصر فمكث فيها ثمان سنين، ثم عاد إلى نجد، وتولى قضاء الرياض.\nقال الشيخ عثمان بن بشر: هو العالم النحرير، والبحر الزاخر الغزير، مفيد الطالبين وافتخار العلماء الراسخين، ومرجع الفقهاء والمتكلمين، المحفوظ بعناية رب العالمين، عمدة السلف وبقية الخلف، جامع أنواع العلوم الشرعية، ومحقق العلوم الدينية، والأحاديث النبوية والآثار السلفية، مفتي فرق الأنام، ومؤيد شريعة سيد الأنام. وقال الشيخ إبراهيم بن عيسى: هو الإمام العالم الفاضل القدوة، رئيس الموحدين قامع الملحدين، كان إماما بارعا محدثا فقيها، ورعا تقيا نقيا صالحا، له اليد الطولى في جميع العلوم الدينية، وكان ملازما للتدريس، مرغبا في العلم، معينا عليه، كثير الإحسان للطلبة، لين\n_________\n(١) علماء نجد (١/ ٥٦) والأعلام (٣/ ٣٠٤) ومعجم المؤلفين (٥/ ١٣٥) والدرر السنية (١٢/ ٦٠ - ٦٦).","vol":"9","page":121},{"text":"الجانب، كريما سخيا، ساكنا وقورا، كثير العبادة. وقال فيه الشيخ أحمد بن مشرف بعد ثنائه على الشيخ محمد:\nكذا عابد الرحمن أعني حفيده ينافح عن دين الهدى كل مبطل ... بنور الهدى يهدي فمن ذا يعادله\nفيبطل تمويهاته ويناضله\n\nأخذ عنه الشيخ عبد اللطيف والشيخ حسين بن حمد آل الشيخ والشيخ عبد الرحمن بن حسين آل الشيخ والشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مانع والشيخ حمد بن عتيق وغيرهم.\nتوفي ﵀ سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، ودفن في مقبرة العود في الرياض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3117>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له:\n١ - 'فتح المجيد شرح كتاب التوحيد' وقد نفع الله به أهل المشرق والمغرب.\n٢ - 'القول الفصل النفيس في الرد على ابن جرجيس'.\n٣ - 'المحجة بالرد على اللجة' رد على صاحب السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة.\n٤ - 'قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين' وهو عبارة عن تعليق على كتاب التوحيد، وقد طبع والحمد لله.\n٥ - 'بيان كلمة التوحيد والرد على الكشميري'.\n٦ - 'المقامات' وهو رد على عثمان بن عبد العزيز بن منصور الناصري، تعرض فيه للحروب الواقعة بين الدعوة السلفية، والدولة العثمانية المصرية، فهو كتاب رد وتاريخ.","vol":"9","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3118>موقفه من القدرية:</span>\n- تكلم في فتح المجيد عن القدر في صدد شرحه للنصوص التي أوردها جده في كتاب التوحيد، قال ﵀ بعد حديث ابن عمر الطويل (١): ففي هذا الحديث: أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان الستة المذكورة، فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، فقد ترك أصلا من أصول الدين وجحده، فشبه من قال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال بعد حديث عبادة (٤): وفي هذا الحديث ونحوه: بيان شمول علم الله تعالى، وإحاطته بما كان وما يكون في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٥). وقد قال الإمام أحمد ﵀، لما سئل عن القدر، قال: (القدر قدرة الرحمن) واستحسن ابن عقيل هذا من أحمد ﵀.\nوالمعنى: أنه لا يمنع عن قدرة الله شيء. ونفاة القدر قد جحدوا كمال قدرة الله تعالى، فضلوا عن سواء السبيل. وقد قال بعض السلف: ناظروهم\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف يحيى بن يعمر سنة (٨٩هـ).\n(٢) البقرة الآية (٨٥).\n(٣) فتح المجيد (ص.٥٩٨ - ٥٩٩).\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف عبادة بن الصامت ﵁ سنة (٣٤هـ).\n(٥) الطلاق الآية (١٢).","vol":"9","page":123},{"text":"بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا كفروا. (١)\nوقال في خاتمة الباب: وكل هذه الأحاديث، وما في معناها فيها الوعيد الشديد على عدم الإيمان بالقدر، وهي الحجة على نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم. ومن مذهبهم: تخليد أهل المعاصي في النار. وهذا الذي اعتقدوه من أكبر الكبائر، وأعظم المعاصي.\nوفي الحقيقة: إذا اعتبرنا إقامة الحجة عليهم بما تواترت به نصوص الكتاب والسنة من إثبات القدر، فقد حكموا على أنفسهم بالخلود في النار إن لم يتوبوا. وهذا لازم لهم على مذهبهم هذا، وقد خالفوا ما تواترت به أدلة الكتاب والسنة من إثبات القدر، وعدم تخليد أهل الكبائر من الموحدين في النار. (٢)\n\nعبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (٣) (١٢٩٣ هـ)\nالشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولد في مدينة الدرعية سنة خمس وعشرين ومائتين وألف من الهجرة، أخذ عن أبيه وخاله الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد وجده لأمه الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم. سافر إلى مصر مع أبيه المنقول، فمكث فيها إحدى وثلاثين سنة قضاها في طلب العلم حتى\n_________\n(١) فتح المجيد (ص.٦٠٠).\n(٢) فتح المجيد (ص.٦٠٢).\n(٣) علماء نجد (١/ ٦٣ - ٧١) ومعجم المؤلفين (٦/ ١٠ - ١١) والدرر السنية (١٢/ ٦٦ - ٧٥).","vol":"9","page":124},{"text":"صار إماما من أئمته، يقصده الطلاب من أدنى البلاد وأقصاها. وفي عام أربع وستين ومائتين وألف من الهجرة قدم الشيخ إلى الرياض، فبدأ بنشر الدعوة السلفية القائمة على توحيد العبادة وخلوصها من أنواع الشرك، كما دعت إليها الرسل ﵈.\nقال صاحب الدرر السنية: أدرك مقام الأئمة الكبار، وناسب قيامه من بعض الأمور مقام الصديقين، وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه الأكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نصرة دينه والتقاء أعباء الأمر بنفسه. وقال فيه الشيخ سليمان بن سحمان:\nفعبد اللطيف الحبر أوحد عصره ... إمام هدى قد كان لله داعيا\nلقد كان فخرا للأنام وحجة ... وثقلا على الأعداء عضبا يمانيا\nإماما سما مجدا إلى المجد وارتقى ... وحل رواق المجد إذ كان عاليا\nتصدى لرد المنكرات وهد ما ... بنته عداة الدين من كان طاغيا\n\nأخذ عنه ابنه الشيخ عبد الله والشيخ إسحاق والشيخ حسن بن حسين آل الشيخ وغيرهم.\nتوفي ﵀ في مدينة الرياض سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3120>موقفه من المبتدعة:</span>\nعاش ﵀ فترة تغلب الدولة العثمانية على ديار نجد، فكان هذا الإمام في مصر مدة طويلة قضاها كلها في طلب العلم والدعوة إلى العقيدة السلفية، فلم يذب في عقائد المصريين الباطلة، بل كان الداعية إلى عقيدة السلف، وله مواقف مشرفة سجلها المؤرخون له في كتبهم، وستبقى له ذخرا","vol":"9","page":125},{"text":"عند الله يوم القيامة.\n- جاء في تاريخ علماء نجد: ولما استولى الإمام فيصل على الأحساء، وكان فيها خليط من العقائد والآراء، فالرافضة لهم شوكة، وعلماء الشافعية والمالكية أشاعرة، وعلماء الأحناف ماتوريدية. وتشترك هذه الطوائف كلها في وسائل الشرك، من نحو تعظيم القبور والغلو في الصالحين، والبدع من نحو الموالد، ومراسم الموت والجنائز، فكان الشيخ عبد اللطيف هو المختار لمقابلة مثل هؤلاء، ومحاربة أمثال هذه الأمور، فبعثه الإمام إليهم، فناقش هؤلاء العلماء بلسان فصيح، وعلم صحيح، وصدر فسيح، وقابل الحجة بأقوى منها، ورد الشبهة بأوضح منها، فأذعنوا له وسلموا، فزال ما في نفوسهم من رواسب الشبه، وباطل التأويل، فتقرر لديهم أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الأسلم والأعلم والأحكم، وأن الدعوة السلفية التي نادى بها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب هي العودة إلى صفاء العقيدة، وخلوص العبادة، كما دعت إليها الرسل ونزلت بها الكتب، وبعد أن صارت العقيدة واحدة والطريقة متحدة، عاد الشيخ عبد اللطيف إلى الرياض. (١)\nالتعليق:\nنجد في هذا النص المبارك: أن العقيدة السلفية كانت تقوم على الإقناع والحجة والبرهان، ولم تكن تقوم على الغلبة.\nوفيه منقبة لهذا الشيخ، ومن أرسله للدفاع عن العقيدة السلفية.\n- آثاره السلفية:\n_________\n(١) (١/ ٦٥ - ٦٦).","vol":"9","page":126},{"text":"١ - 'البراهين الإسلامية في الرد على الشبه الفارسية'.\n٢ - 'شرح بعض نونية ابن القيم'.\n٣ - 'منهاج التأسيس في كشف شبهات ابن جرجيس'.\n٤ - 'الإتحاف في الرد على الصحاف'.\nذكرها صاحب هدية العارفين (١).\n\nحمد بن علي بن عَتِيق (٢) (١٣٠١ هـ)\nالشيخ حمد بن علي بن محمد بن عتيق، ولد سنة سبع وعشرين ومائتين وألف من الهجرة في بلدة الزلفي. أخذ عن الشيخ عبد اللطيف والشيخ علي ابن حسين والشيخ عبد الرحمن بن عدوان وغيرهم. وممن قرأ عليه واستفاد منه ابنه الشيخ سعد بن حمد وابنه الثاني الشيخ عبد العزيز وابنه الثالث الشيخ عبد اللطيف والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وغيرهم. قال فيه الشيخ سليمان ابن سحمان ﵀:\nيعز علينا أن نرى اليوم مثله ... لحل عويص المشكلات البوادر\nوللشبهات المعضلات وردها ... إذا ما تبدت من كفور مقامر\nفلله من حبر تصعد للعلا ... فحل على هام النجوم الزواهر\nولله من حبر إمام وبلتع ... يعوم بتيار من العلم زاخر\n\nولي قضاء الحلوة ثم قضاء الأفلاج، إلى أن توفي فيها سنة إحدى\n_________\n(١) (١/ ٦١٩).\n(٢) علماء نجد (١/ ٢٢٨ - ٢٣٢) والأعلام (٢/ ٢٧٢) والدرر السنية (١٢/ ٧٧ - ٧٩).","vol":"9","page":127},{"text":"وثلاثمائة وألف، رحمه الله تعالى. ولما مات أسف عليه المسلمون وبكاه المواطنون، لما هو عليه من سعة العلم وتحقيق العقيدة والصراحة في الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3123>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في تاريخ علماء نجد: وكان الشيخ حمد معاصرا للعالم المشهور: الشيخ صديق بن حسن، صاحب المؤلفات، وكان بينهما مراسلة. ومن تلك الرسائل المتبادلة بينهما رسالة مطولة، أثنى الشيخ حمد فيها على الشيخ صديق، وعلى تمسكه بالسنة المحمدية، ونبذ الخرافات، والبدع الناشئة في غالب أرجاء العالم الإسلامي. ومدح مؤلفاته، ولكنه بين له بعض الأخطاء في تفسيره، ودله فيها على مذهب السلف الصالح.\nوقد جاء فيها ما يلي:\nمن حمد بن عتيق إلى الإمام المعظم والشريف المقدم: محمد صديق، زاده الله من التحقيق. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فالواجب إبلاغ السلام، شيد الله بك قواعد الإسلام، ونشر بك السنن والأحكام.\nاعلم وفقك الله أنه كان بلغنا أخبار سارة بظهور أخ صادق، ذي فهم راسخ وطريقة مستقيمة، يقال له صديق فنفرح بذلك، ونسر لغرابة الزمان، وقلة الإخوان، وكثرة أهل البدع، ثم وصل إلينا كتاب التحرير، فازددنا فرحا وحمدنا الله، فبينما نحن كذلك، إذ وصل إلينا التفسير بكماله، فرأينا أمرا عجبا نظن أن الزمان لم يسمح بمثله، وما قرب منه من التفاسير التي تصل إلينا من التحريف والخروج عن طريق الاستقامة، وحمل كلام الله على غير مراد الله، فلما نظرنا في ذلك التفسير تبين لنا حسن قصد منشئه، وسلامة","vol":"9","page":128},{"text":"عقيدته لعلمنا أن ذلك من فضل الله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾، فالحمد لله رب العالمين، فزاد الاشتياق وتضاعفت رغبته، ولكن العوائق كثيرة، فمن العوائق تباعد الديار، وطول المسافات، فإن مقرنا -في فلج اليمامة- ومنها خطر الطريق، وتسلط الحرامية، ونهب الأموال، واستباحة الدماء، وإخافة السبل.\nولما رأينا ما من الله به عليكم من التحقيق وسعة الاطلاع، وعرفنا شركتكم من الآلات، وكانت -نونية ابن القيم- بين أيدينا، ولنا بها عناية، ولكن أفهامنا قاصرة، وبضاعتنا مزجاة من أبواب جملة، وفيها موضوعات محتاجة إلى البيان، ولم يبلغنا أن أحدا تصدى لشرحها، فإن غلب على الظن أنك تقدر على ذلك فافعل، وهي واصلة إليك، فاجعل قراءتها شرحها. ولنا مقصد آخر، وهو أن هذا التفسير العظيم وصل إلينا في شعبان سنة سبع وتسعين ومائتين وألف، فنظرت فيه، ولم أتمكن إلا من بعضه، ومع ذلك وقعت على موضوعات تحتاج إلى تحقيق، وظننت أن لذلك سببين: أحدهما أنه لم يحصل منكم إمعان نظر في الكتاب بعد إتمامه. والثاني: أن الظاهر أنك أحسنت الظن ببعض المتكلمة، وأخذت من عباراتهم بعضا بلفظه وبعضا بمعناه، فدخل عليك شيء من ذلك، وهو قليل بالنسبة إلى ما وقع فيه كثير ممن صنف في التفسير وغيره.\nوقد اجترأت عليك بمثل هذا الكلام نصحا لله ورسوله، ورجاء من الله أن ينفع بك في هذا الزمان، وأنا أنتظر منك الجواب، ثم إني لما رأيت","vol":"9","page":129},{"text":"ترجمتك، وقد سمي فيها بعض مصنفاتك، وكنت في بلاد قليلة فيها الكتب، وقد ابتليت بالدخول في أمور الناس لأجل ضرورتهم؛ كما قيل: خلا لك الجو فبيضي واصفرى، وألتمس من جنابك أن تتفضل علينا بكتاب 'السول في أقضية الرسول' و'الروضة الندية' و'نيل المرام'.\nفنحن في ضرورة عظيمة إلى هذه كلها، فاجعل من صالح أعمالك معونة إخوانك، وابعث بها إلينا على يد الأخ أحمد بن عيسى الساكن في مكة المكرمة، واكتب لنا تعريفا بأحوالكم.\nولعل أحدا يتلقى هذا العلم ويحفظ عنك، واحرص على ذلك طمعا أن يجمع الله لك شرف الدنيا والآخرة. واعلم أنى قد بلغت السبعين، وأنا في معترك الأعمار، ولا آمن هجوم المنية، ولي من الأولاد ثمانية، منهم ثلاثة يطلبون العلم كبيرهم سعد ويليه عبد العزيز وتحته عبد اللطيف وبقيتهم صغار منهم من هو في المكتب.\nولا تنسنا من دعائك الصالح كما هو لك مبذول، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. (١)\nالتعليق:\nهذه الرسالة القيمة لهذا العالم تدل على الأمور الآتية:\n- اهتمام الشيخ بالعقيدة السلفية.\n- الطريقة المثلى في التنبيه على الخطأ، بحيث لم يعنف، ولم يقرع، ولكن اللطف والثناء.\n_________\n(١) (١/ ٢٢٩ - ٢٣١).","vol":"9","page":130},{"text":"- تواضع الشيخ الكامل في مدح الصديق والاعتراف بالتقصير.\n- طيب نفسه، يشم ذلك من عباراته في رسالته حيث ذكرنا بالسلف الأول.\n- خطورة التأويل الذي في تفسير الصديق، وقد بينت ذلك في كتابي: 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات' (١).\n- بيان تأثر الصديق بعلم الكلام، وهذا تراجع عنه كما أثبت الشيخ الفاضل والزميل الطيب عاصم بن عبد الله القريوتي، في مقدمة كتاب 'قطف الثمر' للصديق.\n- بيان ما كانت عليه الحال في ذلك الزمان، من قلة كتب ومراجع، هي الآن عندنا مبذولة، والحمد لله على نعمه وإحسانه.\n- تعيين الوقت الذي كتبت فيه هذه الرسالة.\nآثاره السلفية:\n١ - 'الفرق المبين بين السلف وابن سبعين'.\n٢ - 'الدفاع عن أهل السنة والأتباع'.\n٣ - 'إبطال التنديد شرح كتاب التوحيد' وهو مطبوع.\nوكلها مذكورة في علماء نجد (٢).\n٤ - الرسالة المذكورة آنفا.\n_________\n(١) (٢/ ٦٢٥ - ٦٤٦).\n(٢) (١/ ٢٢٩).","vol":"9","page":131},{"text":"محمد بن المدني المستاري (١) (١٣٠٢ هـ)\nمحمد بن المدني بن علي جنون، أبو عبد الله المستاري المغربي. كان من علماء القرن الثالث عشر في بلاد المغرب، مفتيا محدثا لغويا، نزيها، دؤوبا على نشر العلم، قوالا للحق، شديدا على أهل البدع، وأوذي بسبب ذلك وسجن.\nتوفي ﵀ سنة اثنتين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3125>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في الفكر السامي: هذا الشيخ من أكبر المتضلعين في العلوم الشرعية الورعين، المعلنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... قوالا للحق مطبوعا على ذلك غير هياب ولا وجل، نزيها مقداما مهيبا، عالي الهمة، دؤوبا على نشر العلم، والإرشاد، والنهي عن المناكر والبدع، التي تكاثرت في أيامه، لا يخشى في الحق لومة لائم، يحضر مجلسه الولاة والأمراء أبناء الملوك وغيرهم، وهو يصرح بإنكار أحوالهم وما هم عليه، مبينا لهناتهم غير متشدق ولا متصنع، بل تعتريه حال ربانية، ولكلامه تأثير على سلطان النفوس، رزق في ذلك القبول والهيبة، على نحولة جسمه، ووصلته بذلك إذاية وسجن، لكن بمجرد سجنه اعتصب الطلبة وقامت قيامة العامة، فأطلق سبيله لذلك. فهو أحق من يقال في حقه مجدد لكثرة المنافع به، وانتشار العلم عنه وعن تلاميذه، وقيامه بالنهي عن مناكر وقته وكان شديدا على أهل الطرق ومالهم من البدع التي شوهت جمال الدين، والمتصوفة أصحاب\n_________\n(١) الفكر السامي (٤/ ٣٦١ - ٣٦٣) وشجرة النور الزكية (١/ ٤٢٩) والأعلام (٧/ ٩٤) ومعجم المؤلفين (١٢/ ١٠).","vol":"9","page":132},{"text":"الدعاوى التي تكذبها الأحوال، وما كان أحد يقدر على الرد عليه مع شدة إغلاظه عليهم وعلى غيرهم، وسلوكه في ذلك مسلك التشديد، بل التطرف في بعض المسائل، ومع ذلك هابه علماء وقته ولم يجرؤوا على انتقاده ... وله تآليف كثيرة في مواضع متنوعة، وكثيرا ما ألف في البدع (١).\nالتعليق:\nنأخذ من هذه النصوص استئناسا بهؤلاء، لعلهم كانوا يوافقون السلف في بعض مواقفهم، وإلا من قرأ تراجمهم المفصلة، يجد عندهم بعض ما يخرج عن منهاج السلف، لكن وقوفه ضد المتصوفة، يُعْتَبَر موقفا سلفيا، وما ذكر المترجم من محاربته للبدع، فأرجو أن يكون عاما في جميع البدع.\n\nسليمان بن علي بن مقبل (٢) (١٣٠٤ هـ)\nالشيخ سليمان بن علي بن مقبل، ولد في قرية المنسى التابعة لمدينة بريدة، في حدود سنة عشرين ومائتين وألف للهجرة، ونشأ فيها، وقرأ على علمائها. وأكثر أخذه عن الشيخ قرناس بن عبد الرحمن، ثم سافر إلى الرياض وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ثم رحل إلى دمشق، فلازم الشيخ حسن بن عمر الشطي واستفاد منه. ثم عاد إلى وطنه، فاتصل بالشيخ عبد الله أبا بطين قاضي عنيزة فقرأ عليه وأخذ عنه. عين قاضيا في مدينة بريدة سنة ست وخمسين ومائتين وألف للهجرة.\n_________\n(١) الفكر السامي (٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٢/ ٣٧٣ - ٣٨٠).","vol":"9","page":133},{"text":"قال فيه الشيخ إبراهيم بن محمد بن ضويان: كان فقيها ذا وقار، مسددا في أحكامه، وطالت مدته في القضاء، فعزل نفسه لكبر سنه، وحج وجاور في مكة، وحج من قابل، ورجع إلى وطنه، فسكن \"خب البصر\" إلى أن مات فيه عام أربع وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3127>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في علماء نجد: ويذكر أنه لما عين قاضيا في بريدة، شك علماء الرياض في صحة تحقيقه التوحيد، وخافوا أنه ممن يجيز التوسل بذوات الصالحين أو ممن يجيز شد الرحال إلى القبور ونحو ذلك، فطلبوه ليحققوا معه، فذهب إليهم ورافقه تلميذه قاضي الخبراء الشيخ محمد بن عمر بن مبارك العمري، فلما باحثوه وظهر لهم صحة معتقده، عاد إلى بريدة واستمر في عمله القضائي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3128>موقف السلف من الدجال الكذاب أحمد زيني دحلان (١٣٠٤ ه</span>ـ)\nمحاربته للعقيدة السلفية:\n- كلمة الشيخ رشيد رضا فيه في مقدمة صيانة الإنسان (٢): 'رسالة الشيخ أحمد زيني دحلان في الرد على الوهابية'. تصدى للطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليه أفراد من أهل الأمصار المختلفة، منهم رجل\n_________\n(١) علماء نجد (٢/ ٣٧٥).\n(٢) (ص.٧ - ١٠).","vol":"9","page":134},{"text":"من أحد بيوت العلم في بغداد، قد عهدناه يفتخر بأنه من دعاة التعطيل والإلحاد، وكان أشهر هؤلاء الطاعنين مفتي مكة المكرمة، الشيخ أحمد زيني دحلان، المتوفى سنة أربع وثلاثمائة وألف، ألف رسالة في ذلك، تدور جميع مسائلها على قطبين اثنين: قطب الكذب والافتراء على الشيخ، وقطب الجهل بتخطئته في ما هو مصيب فيه، أنشئت أول مطبعة في مكة المكرمة في زمن هذا الرجل، فطبع رسالته وغيرها من مصنفاته فيها، وكانت توزع بمساعدة أمراء مكة ورجال الدولة، على حجاج الآفاق فعم نشرها، وتناقل الناس مفترياته وبهاءته في كل قطر، وصدقها العوام وكثير من الخواص، كما اتخذت المبتدعة والحشوية والخرافيون رواياته ونقوله الموضوعة والواهية والمنكرة وتحريفاته للروايات الصحيحة حججا يعتمدون عليها في الرد على دعاة السنة المصلحين، وقد فنيت نسخ رسالته تلك ولم يبق منها شيء بين الأيدي، ولكن الألسن والأقلام لا تزال تتناقل كل ما فيها من غير عزو إليها، ودأب البشر العناية بنقل ما يوافق أهواءهم، فكيف إذا وافقت هوى ملوكهم وحكامهم، كنا نسمع في صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا، ورسائل أمثاله فنصدقها بالتبع لمشائخنا وآبائنا، ونصدق أن الدولة العثمانية هي حامية الدين، ولأجله حاربتهم، وخضضت شوكتهم.\nوأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر، والاطلاع على تاريخ الجبرتي، وتاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى، فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم، وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها، ولا سيما تواريخ الإفرنج الذين بحثوا عن حقيقة","vol":"9","page":135},{"text":"الأمر، فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام، وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول، وإذا لتجدد مجده وعادت إليه قوته وحضارته، وأن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفا من تجديد ملك العرب، وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى.\nعلى أن العلامة الشيخ: عبد الباسط الفاخوري، مفتي بيروت، كان ألف كتابا في تاريخ الإسلام، ذكر فيه الدعوة التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقال: إنها عين ما دعا إليه النبيون والمرسلون، ولكنه قال: إن الوهابيين في عهده متشددون في الدين، وقد عجبنا له كيف تجرأ على مدحهم في عهد السلطان عبد الحميد! ورأيت شيخنا: الشيخ محمد عبده في مصر على رأيه في هداية سلفهم، وتشدد خلفهم وأنه لولا ذلك، لكان إصلاحهم عظيما، ورجى أن يكون عاما، وقد ربى الملك عبد العزيز الفيصل أيده الله غلاتهم المتشددين، منذ سنتين بالسيف، تربية يرجى أن تكون تمهيدا لإصلاح عظيم.\nثم اطلعت على أكثر كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله وفتاويه، وكتب أولاده وأحفاده ورسائلهم، ورسائل غيرهم من علماء نجد في عهد هذه النهضة التجديدية، ورأيت أنه لم يصل إليهم اعتراض ولا طعن فيهم إلا وأجابوا عنه، فما كان كذبا عليهم قالوا: ﴿سبحانك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ (١). وما كان صحيحا أو له أصل بينوا حقيقته وردوا عليه، وقد\n_________\n(١) النور الآية (١٦).","vol":"9","page":136},{"text":"طبعت أكثر كتبهم وعرف الألوف من الناس أصل تلك المفتريات عنهم.\nومن المستبعد جدا، أن يكون الشيخ أحمد دحلان لم يطلع على شيء من تلك الكتب والرسائل، وهو في مركزه بمكة المكرمة على مقربة منهم، فإن كان قد اطلع عليها ثم أصر على ما عزاه إليهم من الكذب والبهتان -ولا سيما ما نفوه صريحا وتبرأوا منه- فأي قيمة لنقله ولدينه وأمانته؟ وهل هو إلا ممن باعوا دينهم بدنياهم؟\nولقد نقل عنه بعض علماء الهند ما يؤيد مثل هذا فيه. فقد قال صاحب كتاب 'البراهين القاطعة على ظلام الأنوار الساطعة' المطبوع بالهند: إن شيخ علماء مكة في زماننا قريب من سنة ثلاث وثلاثمائة وألف قد حكم -أي أفتى- بإيمان أبي طالب، وخالف الأحاديث الصحيحة، لأنه أخذ الرشوة -الربابي القليلة- من الرافضي البغدادي اهـ. وشيخ مكة في ذلك العهد هو الشيخ أحمد دحلان الذي توفي سنة أربع وثلاثمائة وألف، وصاحب الكتاب المذكور هو العلامة الشيخ رشيد أحمد الكتكوتي مؤلف كتاب بذل المجهود شرح سنن أبي داود، والخبر مذكور فيه، وهو قد نسب إلى أحد تلاميذ مؤلفه الشيخ خليل أحمد والصحيح أنه هو الذي أملاه عليه، وهو كبير علماء \"ديوبند\" في عصره ﵀.\nوإذا فرضنا أن الشيخ أحمد دحلان لم ير شيئا من تلك الكتب والرسائل، ولم يسمع بخبر عن تلك المناظرات والدلائل، وأن كل ما كتبه في رسالته قد سمعه من الناس وصدقه، أفلم يكن من الواجب عليه أن يتثبت فيه ويبحث ويسأل عن كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله، ويجعل رده","vol":"9","page":137},{"text":"عليها، ويقول في الأخبار اللسانية قال لنا فلان، أو قيل عنه كذا، فإن صح فحكمه كذا؟ إن علماء السنة في الهند واليمن قد بلغهم كل ما قيل في هذا الرجل، فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله تعالى فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم، وأثنى عليه فحولهم في عصره وبعد عصره وعدوه من أئمة المصلحين، المجددين للإسلام، ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم. ولا تتسع هذه المقدمة لنقل شيء من ذلك، وإنما هي تمهيد للتعريف بهذا الكتاب في الرد عليه.\nالتعليق:\nيستفاد من هذا النص الحقائق الآتية:\n- بيان الحالة التي كان عليها دحلان من محاربته للعقيدة السلفية.\n- بيان تعاون أهل الضلال، وتكاتفهم ضد العقيدة السلفية - أمراء تجار وعلماء.\n- الأثر الخبيث الذي تركته كتب هذا المبتدع في نفوس الناس.\n- التردي الفكري والعلمي الذي كان يعيشه العالم الإسلامي، وإلا كان بالإمكان أن يتوصل لحقيقة طالبها وإن بعدت الديار.\n- كثير من الناس اقتنعوا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإن كان التطبيق ينقصهم.\n- مبلغ عداوة الدولة العثمانية للعقيدة السلفية.\n- شجاعة الشيخ عبد الباسط في إظهار العقيدة السلفية على حقيقتها، وإن كان ينقصه بعض الفهم والتصور عنها، كما ينقص الشيخ رشيد رضا.","vol":"9","page":138},{"text":"- بيع الخرافيين والدجالين لفتواهم الباطلة، ونزاهة السلفيين عن مثل هذا السقوط.\n- الإلزامات الجيدة التي ذكرها الشيخ رشيد، تلزم كل خرافي وصاحب بدعة في العقيدة السلفية.\n\nصديق حسن خان (١) (١٣٠٧ هـ)\nالشيخ العلامة محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني أبو الطيب البخاري القَنُّوجِي. ولد سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف للهجرة في قنوج (بالهند)، ثم ارتحل إلى مدينة دهلي، ثم إلى بهوبال، طالبا للعلم وآخذا من أهله. أخذ عن الشيخ صدر الدين الدهلوي وحسن بن محسن السبعي الأنصاري وغيرهما. وفي عام ثمان وثمانين ومائتين وألف للهجرة تزوج ملكة بهوبال، وعمل وزيرا لها ونائبا عنها. قال عنه تليمذه ابن الآلوسي: شيخنا الإمام الكبير، السيد العلامة الأمير البدر المنير، البحر الحبر في التفسير والحديث والفقه والأصول ... فصيح سريع القراءة، سريع الكتابة، سريع الحفظ والمطالعة، لا يبالي في الله بلومة لائم من أهل الابتداع، ولا تمنعه صولة صائل في تحرير الحق الحقيق بالاتباع. قال عن نفسه ﵀: ثم إني لم أمدح في عمري هذا أحدا من الأمراء طمعا في صلته وملازمته كما هو عادة الشعراء، وإنما نظمت الشعر العربي والفارسي، إذا طاب الوقت وطاب\n_________\n(١) هدية العارفين (٢/ ٣٨٨) والأعلام (٦/ ١٦٧) ومعجم المؤلفين (١٠/ ٩٠) ومقدمة قطف الثمر (١١ - ٢٥) وجلاء العينين (٤٨) والتاج المكلل (ص.٥٤١ - ٥٥٠) وأبجد العلوم (٣/ ٢١٦ - ٢١٨).","vol":"9","page":139},{"text":"الهواء. وغالب نظمي في التحريض على اتباع الكتاب والسنة لأنهما يكشفان عن كل مدلهمة ودجنة، وفي ذم التقليد الشؤوم، والابتداع المذموم.\nحسبي بسنة أحمد متمسكا ... عن كل قول في الجدال ملفق\nأورد أدلتها على أهل الهوى ... إن شئت أن تلهو بلحية أحمق\nواترك مقالا حادثا متجددا ... من محدث متشدق متفيهق\nودع اللطيف وما به قد لفقوا ... فهو الكثيف لدى الخبير المتقي\nودع الملقب حكمة فحكيمها ... أبدا إلى طرق الضلالة يرتقي\n\nمن مؤلفاته: 'فتح البيان في مقاصد القرآن' و'الدين الخالص' و'قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر' و'الإقليد لأدلة الاجتهاد والتقليد' و'الروضة الندية شرح الدرر البهية للشوكاني' وغيرها كثير. توفي ﵀ سنة سبع وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3130>موقفه من المبتدعة:</span>\n- هذا الإمام كان من ملوك الهند الذين من الله عليهم بالهداية إلى الإسلام عموما، وإلى السلفية خصوصا. يقول الشيخ عاصم في مقدمة كتاب قطف الثمر: كان الشيخ حريصا أشد الحرص على العقيدة الصافية والدعوة إلى الكتاب والسنة وذم التقليد والجمود، كما تدل على ذلك سيرته ومؤلفاته. وكتابه العظيم 'الدين الخالص' يشهد له بذلك.\nوالمصنف ﵀ كان أشعريا كما هو معروف لدى أهل العلم، وكتابه 'فتح البيان في مقاصد القرآن' يدل على ذلك، ولقد يسر الله له الحج عام خمس وثمانين ومائتين وألف. ولابد أنه التقى بعلماء أهل السنة في","vol":"9","page":140},{"text":"سفرته ... وفي عام تسع وثمانين وألف ومائتين، صنف المؤلف رسالته 'قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر' واستفاد من نصيحة الشيخ العلامة حمد بن عتيق -التي تقدم ذكرها في مواقف الشيخ حمد- وانكب على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، واغترف من كتبهما وكتب غيرهما من أهل السنة، وحث على ذلك. (١)\nالتعليق:\nيستفاد من هذا أن الشيخ كان على طريقة المؤولة ثم رجع إلى عقيدة السلف ﵀.\nآثاره السلفية:\n١ - 'قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر'، وهو يشبه إلى حد ما كتاب الواسطية لشيخ الإسلام. وقد طبع بتحقيق الشيخ عاصم.\n٢ - 'الدين الخالص' وهو كتاب جيد فيه فوائد عظيمة، على هنات فيه في التوسل، وعدم التنظيم في السياق، وقد طبع.\n٣ - 'الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة في اتباع السنة'.\n٤ - 'الطريقة المثلى في الإرشاد إلى ترك التقليد واتباع ما هو الأولى'.\n٥ - 'قصد السبيل إلى ذم الكلام والتأويل' ذكر هذه الكتب الثلاثة الأخيرة الشيخ عاصم في المقدمة.\nمن طيب أقواله:\n_________\n(١) قطف الثمر (١٢).","vol":"9","page":141},{"text":"- قال عقب قول الله ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ (١) الآية: وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدى بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به حجج الله وبراهينه ونطقت به كتبه وأنبياؤه، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم. وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة والتمرة بالتمرة والماء بالماء.\nفيا عباد الله ويا أتباع محمد بن عبد الله ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما، وطلبه للعمل منهم بما دلا عليه وأفاداه، فعملتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة تنادي بأبلغ نداء وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموها آذانا صما وقلوبا غلفا، وأفهاما مريضة وعقولا مهيضة وأذهانا كليلة وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال:\nوما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد\n\nفدعوا أرشدكم الله وإياي كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم،\n_________\n(١) التوبة الآية (٣١).","vol":"9","page":142},{"text":"واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاءوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم وقدوتهم وقدوتكم، وهو الإمام الأول محمد ابن عبد الله - ﷺ -.\nدعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر\n\nاللهم هادي الضال مرشد التائه موضح السبيل، اهدنا إلى الحق وأرشدنا إلى الصواب وأوضح لنا منهج الهداية. (١)\n- وقال في الدين الخالص عند قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ (٢) أي تخافون ما نزل بكم من العذاب إلى قوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ (٣).\nقال أهل العلم: هذا داخل في جملة ما استنكروه، وهكذا يقول المقلدة لأهل الاتباع والمبتدعة لأهل السنة كأنهم هم. (٤)\n- ومنها قوله: ومن السنة هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين والسنة، وكل محدثة في الدين بدعة، وترك النظر في\n_________\n(١) فتح البيان (٥/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(٢) الأعراف الآية (٦٥).\n(٣) الأعراف الآية (٧٠).\n(٤) الدين الخالص (١/ ٢٠ - ٢١).","vol":"9","page":143},{"text":"كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، في أصول الدين وفروعه، كالرافضة، والخوارج، والجهمية، والقدرية، والمرجئة، والكرامية، والمعتزلة، فهذه فرق الضلالة وطرائق البدع.\nوالاختلاف في الفروع شائع، كما في الطوائف الأربعة، والمختلفون فيه محمودون متابعون على اجتهادهم، من لم يخالف النص، واختلافهم رحمة واسعة، إذا كان مبنيا على أدلة الكتاب والسنة كاختلاف الصحابة فيما بينهم، وهم أسوة الأمة واتفاقهم حجة عند قوم.\nثم من طريقهم اتباع آثار رسول الله - ﷺ - باطنا وظاهرا، والمشي على ظاهر السنة وواضحها، واتباع سبل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله - ﷺ - حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» إلى قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (١) ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ (٢) وخير الهدي هدي محمد - ﷺ - من هدي كل أحد سواه، سموا أهل الكتاب والسنة وأهل الحديث والآثار. (٣)\n- ومنها قوله: هذه جملة مختصرة من الكتاب والسنة، وآثار السلف فالزمها وما كان مثلها، مما صح عن الله ورسوله، وصالح سلف الأمة بما\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ٤٣٥) والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٤٣/١١١٧٤ - ١١١٧٥) والدارمي (١/ ٦٧ - ٦٨) وابن أبي عاصم (١/ ١٣/١٧) وابن حبان (١/ ١٨٠ - ١٨١/ ٦ - ٧ [الإحسان]) والحاكم (٢/ ٣١٨) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(٢) النساء الآية (١٢٢).\n(٣) قطف الثمر (ص.١٤٢ - ١٤٤).","vol":"9","page":144},{"text":"حصل من الاتفاق عليه من خيار الأمة، ودع أقوال من عداهم محقورا مهجورا، مبعدا مدحورا، مذموما ملوما، وإن اغتر كثير من المتأخرين بأقوالهم، وجنحوا إلى اتباعهم، فلا تغتر بكثرة أهل الباطل فقد قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ (١) وقال رسول الله - ﷺ -: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء» (٢) رواه مسلم.\nولنعم ما قيل:\nإن القلوب يد الباري تقلبها ... من يضلل الله لا تهديه موعظة فهذه غربة الإسلام أنت بها ... فاسأل الله توفيقا وتثبيتا\nوإن هديت فبالأخبار أنبيتا\nفكن صبورا ولو في الله أوذيتا\nفهذه الأقاويل التي وصفت مذاهب أهل السنة والأثر، وأصحاب الرواية، وحملة العلم النبوي، فمن خالف شيئا من هذه، أو طعن فيهم، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.\nوما ذكرته من العقائد ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشوه ليحفظه، ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئا فشيئا، ومن فضل الله على قلب الإنسان إن شرحه في أول نشوه للإيمان، من غير حاجة إلى حجة وبرهان، فلا بد من إثباته في نفس الصبي والعامي حتى يترسخ ولا يتزلزل. (٣)\n_________\n(١) سبأ الآية (١٣).\n(٢) مسلم (١/ ١٣٠/١٤٥) وابن ماجه (٢/ ١٣١٩ - ١٣٢٠/ ٣٩٨٦) عن أبي هريرة. وفي الباب عن أنس وابن مسعود وابن عمر وغيرهم.\n(٣) قطف الثمر (١٥٤ - ١٥٥).","vol":"9","page":145},{"text":"- ومنها قوله: وإنما يضل أكثر الخلف من تركهم العمل بآيات الله البينات والسنة وتطلبهم غيرها، قال الله تعالى: ﴿كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾ (١).\nفليحذر من ذلك كل الحذر من عدم القنوع بما قنع به السلف من حجج الله، فيا له من تخويف شديد، ووعيد عظيم.\nوإنما يعرف الحق من جمع خمسة أوصاف: أعظمها الإخلاص، والفهم، والإنصاف، ورابعها وهو أقلها وجودا وأكثرها فقدانا: الحرص على معرفة الحق وشدة الدعوة إلى ذلك.\nوالبدع قد كثرت، والمحدثات قد عمت البلوى بالإشراك، وكثر الدعاء إليها، والتعويل عليها، وطلاب الحق اليوم شبه طلابه في أيام الفترة وهم سلمان الفارسي، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأضرابهما، فإنهم قدوة لطالب الحق، وفيهم له أعظم أسوة لما حرصوا على الحق، وبذلوا الجهد في طلبه حتى بلغهم الله إليه، وأوقفهم عليه، وفازوا من بين العوالم الجمة. فكم أدرك الحق طالبه في زمن الفترة، وكم عمي عنه من طلبه في زمن النبوة، فاعتبر بذلك، واقتد بأولئك الكرام، فإن الحق ما زال مصونا عزيزا نفيسا كريما، لا ينال مع الإضراب عن طلبه، وعدم التشوق والإشراف إلى سببه، ولا يهجم على البطالين المعرضين، ولا يناجي أشباه الأنعام الضالين.\nما أعظم المصاب بالغفلة، والاغترار بطول المهلة، فليعرف مريد الحق\n_________\n(١) البقرة الآية (٢١١).","vol":"9","page":146},{"text":"قدر ما هو طالبه، فإنه طالب لأعلى المراتب ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (١) ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ (٢) فليس في الوجود بأسره أعز من الإيمان بالله وكتبه ورسله، ومتابعتها ومعرفة ما جاؤوا به، إلا تطلب ذلك أهون الطلب، فإن طلبة الدنيا وزخارفها الفانية يرتكبون الأخطاء والمتالف الكبار، وينفق أحدهم غضارة عمره، ونضارة شبابه، وإبان أيامه فيها، وهي لا تحصل لهم على حسب المراد، فكيف بما هو أبقى وخير منها؟ ولم يرفعوا له رأسا ولم يبنوا لها أساسا.\nوإنما أطلنا القول، لأني أعلم بالضرورة في نفسي وغيري: أن جهل الحقائق أكثرها إنما سببه عدم الاهتمام بمعرفتها على الإنصاف، وترك الاعتساف، لا عدم الفهم والإدراك، فإن من اهتم بشيء أدركه، فكيف لا يفهم طالب الحق مقاصد الأنبياء والمرسلين والسلف الصالحين، مع الاهتمام فيه، وبذل الجهد فيه، وحسن القصد، ولطف أرحم الراحمين؟\nولا ينبغي لطالب الحق والصواب أن يصغي إلى من يصده عن كتب الله، وما أنزل فيها من الهدى والنور والرحمة، لطفا للمؤمنين ونعمة للشاكرين، وليحذر كل الحذر من زخرفتهم وتشكيكهم، وليعتبر بقول الله لرسوله المعصوم ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية (٣) ويا\n_________\n(١) الإسراء الآية (١٩).\n(٢) البقرة الآية (٦٣).\n(٣) الإسراء الآية (٧٣).","vol":"9","page":147},{"text":"لها من موعظة موقظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولا يستوحش من ظفر بالحق بكثرة المخالفين، وليوطن نفسه على الصبر واليقين، نسأل الله تعالى أن يرحم غربتنا في الحق ويهدي ضالنا ولا يردنا من أبواب رجائه ودعائه وطلبه ورحمته محرومين.\nوخامسها -وهو أصعبها-: المشاركة في العلم والتمييز والفهم والدراية حتى يتمكن من معرفة الحق ومقدار ما يقف عليه فيرغب فيه من غير تقليد، لأنه لا يعرف المقادير إلا ذو بصر نافذ، وفهم ماض، فإن عرضت له محنة، لم يتطير بطلب الحق، فيكون ممن يعبد الله على حرف، وليثق بمواعيد الله وقرب الفرج، قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ (١) ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (٢) وليعلم يقينا أنه تعالى مع الصابرين والصادقين والمحسنين، وأن الله سبحانه ناصر من ينصره، وذاكر من يذكره، وإن سر رسول الله - ﷺ - في هذه الأمور عائد على متبعيه، ونصره شامل لناصريه.\nوقد أمر الله تعالى بالمعاونة على البر والتقوى، وصح الترغيب في الدعاء إلى الحق والخير، وأن الداعي إلى ذلك يؤتى مثل أجور من اتبعه (٣)، ومن أحيى نفسا\n_________\n(١) النمل الآية (٧٩).\n(٢) الروم الآية (٦٠).\n(٣) إشارة إلى حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء ...» الحديث. أخرجه: أحمد (٤/ ٣٥٧) ومسلم (٤/ ٢٠٥٩ - ٢٠٦٠/ ٢٦٧٤) والترمذي (٥/ ٤٢ - ٤٣/ ٢٦٧٥) والنسائي (٥/ ٧٩ - ٨٠/ ٢٥٥٣) وابن ماجه (١/ ٧٤/٢٠٣) عن جرير بن عبد الله.\nوأخرجه: ابن ماجه (١/ ٧٥/٢٠٧) عن أبي جحيفة.","vol":"9","page":148},{"text":"فكأنما أحيى الناس جميعا، ومن أمر بالصلاح والإصلاح ابتغاء مرضات الله فسوف يؤتيه أجرا عظيما. وفي سورة العصر قصر السلامة من الخسر على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ (١).اهـ (٢)\n- ومنها قوله: فالزم رحمك الله ما ذكرت لك من كتاب ربك العظيم، وسنة نبيك الرؤوف الرحيم، ولا تحد عنه بقول أحد وعمله، ولا تبتغ الهدى من غيره، ولا تغتر بزخارف المبطلين وانتحالهم وآراء المتكلمين المتكلفين وتأويلهم، إن الرشد والهدى والفوز والرضا فيما جاء من عند الله ورسوله، لا فيما أحدثه المحدثون وأتى به المتنطعون من أرائهم المضمحلة، وعقولهم الفاسدة، وارض بكتاب الله وسنة رسوله بدلا من قول كل قائل وزخرف باطل. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3131>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ﵀: ويتبرؤون من طريقة الروافض والشيعة، الذين يُبْغضون الصحابة ويسبّونهم، وطريقة النواصب والخوارج الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.\nويمسكون عما شجر بين الصحابة بينهم، ويقولون: إن هذه الآثار المروية منها ما هو كذب، ومنها ما هو قد زيد فيه ونقص وغُيّر عن وجهه،\n_________\n(١) فصلت الآية (٣٣).\n(٢) قطف الثمر (١٥٨ - ١٦١) وهو مقتبس من كلام ابن الوزير في إيثار الحق (٢٦ - ٣٠).\n(٣) قطف الثمر (ص.٩٨ - ٩٩).","vol":"9","page":149},{"text":"والصحيح منها هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك يعتقدون أن كل أحد من الصحابة ليس معصومًا عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم إن صدر، حتى أنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، ولهم من الحسنات التي تمحو سيئات ما ليس لمن بعدهم، وكلهم عدول بتعديل رسول الله - ﷺ -. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3132>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال ﵀: ومن أصول السنة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات والتأثيرات، كالمأثور عن سلف الأمة وأئمتها وسالف الأمم في سورة الكهف وسورة مريم وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.\nوالكشف والكرامة ليس بحجة في أحكام الشريعة المطهرة، وخاصة فيما يخالف ظاهر الكتاب والسنة. ولا يمتاز صاحب الولاية والكرامة عن آحاد المسلمين في شيء من الزي والعمل والقول، ولا يختص بالنذر وغيره مما ينبغي لله سبحانه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3133>موقفه من الجهمية:</span>\nمن مواقفه ﵀ الطيبة قوله:\n_________\n(١) قطف الثمر (ص.٩٧).\n(٢) قطف الثمر (٩٩). وقد أدرح في فصوله كلام ابن تيمية وخصوصا الواسطية.","vol":"9","page":150},{"text":"- فمذهبنا مذهب السلف: إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام، كمالك والشافعي والثوري والأوزاعي وابن المبارك والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم. فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة ﵁، فإن الاعتقاد الثابت عنه، موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، قال الإمام أحمد: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله - ﷺ - ولا نتجاوز القرآن والحديث\" وهكذا مذهب سائرهم، فنتبع في ذلك سبيل السلف الماضين، الذين هم أعلم الأئمة بهذا الشأن، نفيا وإثباتا، وهم أشد تعظيما لله وتنزيها له عما لا يليق بحاله، فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات، فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يقال هي ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا يعرف المراد منها، فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات، دالة على أشرف المعاني وأجلها، قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم.\nوالإيمان إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم، كذلك فكان الباب عندهم بابا واحدا، قد اطمأنت به قلوبهم، كذلك وسكنت إليه نفوسهم، فأنسوا من صفات كماله ونعوت جلاله مما استوحش منه الجاهلون المعطلون، وسكنت قلوبهم إلى ما نفر منه الجاحدون المتكلمون، وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات،","vol":"9","page":151},{"text":"فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فكذا صفاته لا تشبه الصفات، فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقوه بالقبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار، لعلمهم بأنه صفة من لا تشبيه لذاته ولا لصفاته، وأن ما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق لا تشابه بينهم في المعنى الحقيقي، إذ صفات القديم بخلاف صفات الحادث، وليس بين صفاته وصفات خلقه إلا موافقة اللفظ للفظ. والله ﷾ قد أخبر أن في الجنة لحما ولبنا وعسلا وماء وحريرا وذهبا، وقال ابن عباس: \"ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء\" فإذا كانت هذه المخلوقات الفانية ليست مثل هذه الموجودة، مع اتفاقهما في الأسماء فالخالق جل وعلا أعظم علوا، وأعلى مباينة لخلقه، من مباينة المخلوق للخالق وإن اتفقت الأسماء. وأيضا فقد سمى الله سبحانه نفسه حيا عليما سميعا بصيرا ملكا رؤوفا رحيما، وسمى بعض مخلوقاته حيا وبعضها عليما، وبعضها سميعا بصيرا، وبعضها رؤوفا رحيما، وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير، ولا الرؤوف الرحيم كالرؤوف الرحيم. (١)\n- وقوله: ومن ظن أن نصوص الصفات لا يعقل معناها، ولا يدرى ما أراد الله تعالى ورسوله منها، وظاهرها تشبيه وتمثيل، واعتقاد ظاهرها كفر وضلال، وإنما هي ألفاظ لا معاني لها، وإن لها تأويلا وتوجيها لا يعلمه إلا الله، وأنها بمنزلة﴾ ﴿الم﴾ و﴿كهيعص﴾ وظن أن هذه طريقة السلف، ولم\n_________\n(١) قطف الثمر (٤٧ - ٤٩).","vol":"9","page":152},{"text":"يكونوا يعرفون حقيقة قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢).\nوقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٣) ونحو ذلك. فهذا الظان، من أجهل الناس بعقيدة السلف وأضلهم عن الهدى، وقد تضمن هذا الظن استجهال السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، وكبار الذين كانوا أعلم الأمة علما وأفقههم فهما، وأحسنهم عملا، وأتبعهم سننا. ولازم هذا الظن أن الرسول - ﷺ - كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه، وهو خطأ عظيم وجسارة قبيحة نعوذ بالله منها. (٤)\n- وقوله: ومن قال: يخلو العرش عند النزول، أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع، ورأي مخترع، وكل ما وصف به الرسول ربه من الأحاديث الصحاح، التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإيمان به كقوله - ﷺ -: «لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته» (٥) متفق عليه. وضحكه تعالى إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، فيدخلان الجنة (٦) رواه الشيخان، وقوله: «حتى\n_________\n(١) الزمر الآية (٦٧).\n(٢) ص الآية (٧٥).\n(٣) طه الآية (٥).\n(٤) قطف الثمر (٥٣ - ٥٤).\n(٥) تقدم تخريجه. انظر مواقف ابن قدامة صاحب المغني سنة (٦٢٠هـ).\n(٦) أحمد (٢/ ٢٤٤؛٤٦٤) والبخاري (٦/ ٤٩/٢٨٢٦) ومسلم (٣/ ١٥٠٤/١٨٩٠) والنسائي (٦/ ٣٤٦/٣١٦٦) وابن ماجه (١/ ٦٨/١٩١) كلهم من طرق عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة ...» الحديث.","vol":"9","page":153},{"text":"يضع رب العزة فيها قدمه» متفق عليه (١)، وقوله: «فينادي بصوت» (٢) رواه البخاري ومسلم، وقوله: «فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه» (٣) متفق عليه. إلى أمثال هذه الأحاديث، التي يخبر فيها رسول الله - ﷺ - عن ربه فيما يخبر به.\nفإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، يؤمنون به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهؤلاء هم الوسط في فرقة الأمة، كما أن الأمة المرحومة هي الوسط في الأمم، فهم وسط الأمة في باب الصفات بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، كما أنهم وسط في باب أفعاله تعالى بين الحرورية والقدرية، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين المعتزلة والمرجئة وفي أصحاب رسول الله - ﷺ - بين الرافضة والخوارج. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3134>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀: ولا يخلد صاحب الكبيرة المسلم في النار، والعفو عن الكبائر جائز، وكذلك عفوها عمن مات بلا توبة جائز، من باب خرق العوائد.\nوبعثة الرسل إلى الخلق، وتكليف الله عباده بالأمر والنهي عن ألسنتهم\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث أنس. انظر مواقف عبد العزيز بن الماجشون سنة (١٦٤هـ).\n(٢) ولفظه: قال النبي - ﷺ -: «يقول الله: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار». أخرجه: أحمد (٣/ ٣٢ - ٣٣) والبخاري (١٣/ ٥٥٥/٧٤٨٣) واللفظ له ومسلم (١/ ٢٠١ - ٢٠٢/ ٢٢٢) والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٠٩/١١٣٣٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(٣) أحمد (٢/ ٧٢) والبخاري (١/ ٦٧٠/٤٠٦) ومسلم (١/ ٣٨٨/٥٤٧) وأبو داود (١/ ٣٢٣/٤٧٩) والنسائي (٢/ ٣٨٣/٧٢٣) وابن ماجه (١/ ٢٥١/٧٦٣) من طريق نافع عن ابن عمر.\n(٤) قطف الثمر (٥٩ - ٦٣).","vol":"9","page":154},{"text":"حق، وهم معصومون من الكفر، والإصرار على الكبائر، يعصمهم الله عنها.\nإلى أن قال ﵀:\nوالخلافة بعد رسول الله - ﷺ - في قريش، ما بقي من الناس اثنان، وليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها، ولا يخرج عليهم ولا يقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة.\nوالجهاد ماض قائم مع الأئمة الأبرار والفجار، مذ بعث النبي - ﷺ - إلى أن يقاتل آخر الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.\nوالجمعة والعيدان: الفطر والأضحى، والحج مع السلاطين وملوك الإسلام وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء.\nودفع الصدقات، والخراج، والأعشار، والفيء، والغنائم إليهم عدلوا فيها أو جاروا، والانقياد لمن ولاه الله عزوجل أمر الناس، ولا ينزع يدا من طاعته ولا يخرج عليه بسيف حتى يجعل الله له فرجا مخرجا.\nولا يخرج على السلطان، يسمع ويطيع، ولا ينكث بيعته، فمن فعل ذلك فهو مبتدع، مخالف، مفارق للجماعة، ولا يمنعه حقه.\nوالإمساك في الفتنة سنة ماضية، واجب لزومها، فإن ابتليت فقدم نفسك دون دينك، ولا تعن على الفتنة بيد ولا لسان، ولكن اكفف يدك ولسانك وهواك.\nومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه، حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته فيما ليس بمعصية لله ولرسوله، والخروج عليه، وشق عصا المسلمين. وإن أمرك","vol":"9","page":155},{"text":"السلطان بأمر هو لله معصية فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3135>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀: والإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، مطابقًا للكتاب والسنّة والنية لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢).\nوالإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿ويزداد الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٥). وفي الحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٦). فجعل القول والعمل جميعًا من الإيمان. (٧)\n- وقال أيضًا: والاستثناء في الإيمان جائز غير أن لا يكون للشك، بل هي سنة ماضية عند العلماء، ولو سئل الرجل أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، أو مؤمن أرجو الله، أو يقول آمنت بالله وملائكته\n_________\n(١) قطف الثمر (١٣٢ - ١٣٣).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف الشافعي سنة (٢٠٤هـ).\n(٣) التوبة الآية (١٢٤).\n(٤) الفتح الآية (٤).\n(٥) المدثر الآية (٣١).\n(٦) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٧) قطف الثمر (ص.٨٠).","vol":"9","page":156},{"text":"وكتبه ورسله.\nروي ذلك عن ابن مسعود، وعلقمة بن قيس، وأسود بن يزيد، وأبي وائل شقيق بن سلمة، ومسروق بن الأجدع، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي، ومغيرة بن مقسم الضبي، وفضيل بن عياض، وغيرهم. وهذا استثناء على يقين قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3136>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀: ويجب الإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وقليله وكثيره، أنه من الله تعالى، ليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر شيء إلا عن تدبيره وقضائه، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المحفوظ، لا خير ولا شر، إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة، واستعمله بها فضلا، وخلق من أراد للشقاوة، واستعمله بها عدلا، فهو سر استأثر الله تعالى به، وحجبه عن خلقه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٣) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٧).\n(٢) قطف الثمر (ص.١٣٤).\n(٣) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٤) الأعراف الآية (١٧٩).","vol":"9","page":157},{"text":"الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ (١) وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٢) وقال رسول الله - ﷺ -: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (٣) خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (٥).\nولا يجوز أن يجعل قدر الله تعالى وقضاؤه حجة بعد الرسل، ونعلم أن لله الحجة علينا بإنزال الكتب، وبعثه الرسل، وما أمر الله تعالى ونهى إلا لمستطيع الفعل والترك، ولم يجبر أحدا على معصية، ولا اضطره على ترك الطاعة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٧)، وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا\n_________\n(١) السجدة الآية (١٣).\n(٢) القمر الآية (٤٩).\n(٣) سيأتي تخريجه في مواقف عبد الرحمن بن ناصر السعدي سنة (١٣٧٦هـ).\n(٤) الأنعام الآية (١٢٥).\n(٥) الحديد الآية (٢٢).\n(٦) البقرة الآية (٢٨٦).\n(٧) التغابن الآية (١٦).","vol":"9","page":158},{"text":"كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ (١)، فدل على أن للعبد كسبا يجزى على حسنته بالثواب، وعلى سيئته بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره، ﷾.\nوالإيمان بالقدر، على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين:\nالأولى: الإيمان بأن الله عليم بما يعمل الخلق بعلمه القديم الذي هو موصوف به، وقد علم جميع أحوالهم، من الطاعات والمعاصي، والأرزاق والآجال، ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، وأول ما خلق الله القلم وقال له: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. وهذا التقدير تابع لعلمه سبحانه، يكون في مواضع جملة وتفصيلا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء. وإذا خلق الجنين قبل خلق الروح فيه، بعث إليه ملكا، فيؤمر بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، شقي أم سعيد (٢) ونحو ذلك. فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديما، ومنكره اليوم قليل.\nأما الثانية: فهو مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد. وأنه سبحانه على كل شيء قدير، من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض، ولا في السماء إلا الله خالقه، سبحانه لا خالق غيره، ولارب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله، ونهاهم عن معصيته ومعصية رسوله، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين\n_________\n(١) غافر الآية (١٧).\n(٢) هو حديث الصادق المصدوق. تقدم تخريجه في موقف السلف من عمرو بن عبيد سنة (١٤٤هـ).","vol":"9","page":159},{"text":"آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد.\nوالعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أفعالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، وهذه الدرجة من القدر، يكذب بها عامة القدرية، الذين سماهم النبي - ﷺ - «مجوس هذه الأمة» (١)، يغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى يسلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه، وحكمها ومصالحها. فالقدر ظاهره وباطنه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وقله وكثره، وأوله وآخره من الله عزوجل قضاء قضاه على عباده، وقدر قدره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة الله، ولا يجاوز قضاه، بل كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم، وهو عدل منه جل ربنا وعز.\nوالزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك والكفر والبدعة والمعاصي والكبائر والصغائر كلها بقضاء الله وقدر منه، من غير أن يكون لأحد من الخلق حجة على الله.\nوعلم الله عزوجل، ماض في خلقه، بمشيئة منه، وقد علم من إبليس وغيره، ممن عصاه من لدن عصي إلى أن تقوم الساعة المعصية وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل الطاعة، وخلقهم لها، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف محمد بن الحسين الآجري سنة (٣٦٠هـ).","vol":"9","page":160},{"text":"ومن زعم أن الله سبحانه شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة، وأن العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله، وأي افتراء على الله أكبر من هذا.\nومن زعم أن الزنا ليس بقدر، قيل له أرأيت هذه المرأة حملت من الزنا، وجاءت بولد، هل شاء الله تعالى عزوجل أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى في سابق علمه؟ فإن قال: لا، فقد زعم أن مع الله خالقا آخر وهذا هو الشرك صراحا.\nومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل مال الحرام ليس بقضاء وقدر، فقد زعم أن هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره، وهذا صراح قول المجوسية، بل أكل رزقه الذي قضى الله له أن يأكله من الوجه الذي أكله.\nومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر الله، فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله، وأي كفر أوضح من هذا؟ بل ذلك بقضاء الله عزوجل أو ذلك عدل منه في خلقه وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم وهو العدل الحق الذي يفعل ما يشاء.\nومن أقر بالعلم، لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة، على الصغر والقمأ، فالأشياء كلها تكون بمشيئة الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١) وكما قال المسلمون ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وقالوا: إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله، أو يكون أحد يقدر أن يخرج عن علمه تعالى، أو أن يفعل شيئا علم الله أنه لا يفعله، وأقروا أنه لا\n_________\n(١) الانسان الآية (٣٠).","vol":"9","page":161},{"text":"خالق إلا الله، وأن أعمال العباد خلقها الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته، وخذل الكافرين، ولطف للمؤمنين، ونظر لهم، وأصلحهم وهداهم، ولم يلطف للكافرين، ولا أصلحهم، ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف لهم، حتى يكونوا مؤمنين، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (١) ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم وختم على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، كما قال، ويلجئون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إليه سبحانه في كل وقت، والفقر إليه في كل حال. (٢)\n\nصالح بن محمد بن حمد الشثري (٣) (بعد ١٣٠٩ هـ)\nالشيخ صالح بن محمد بن حمد الشثري. نشأ في بلدته، ثم رحل إلى الرياض، فأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن والشيخ عبد الله أبا بطين وغيرهم. له مع كبار العلماء مراسلات وبحوث علمية. له من التلاميذ الشيخ إبراهيم الشثري والشيخ إبراهيم بن عبد الملك آل الشيخ وزيد آل سليمان وحسين الشثري. أرخ لوفاته فيما بعد\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٤٩).\n(٢) قطف الثمر (ص.٨٤ - ٨٨).\n(٣) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٢/ ٥٣٣ - ٥٣٥).","vol":"9","page":162},{"text":"تسع وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3138>موقفه من المشركين:</span>\nله: رد على أحمد زيني دحلان، ورد على الشيخ علي بن دعيج في تجويز موالاة المشركين. (١)\n\nعلي بن سالم بن جلعود آل جليدان (٢) (١٣١٠ هـ)\nالشيخ علي بن سالم بن جلعود آل جليدان. ولد في مدينة عنيزة سنة أربعين ومائتين وألف للهجرة، ونشأ بها. قرأ على الشيخ عبد الله أبا بطين والشيخ علي بن محمد آل راشد والشيخ عبد العزيز بن محمد آل مانع والشيخ قرناس بن عبد الرحمن وغيرهم. تولى الإمامة والتدريس في مسجد المسوكف نحوا من أربعين سنة. أخذ عنه الشيخ عبد الله بن محمد بن مانع وغيره. كان ﵀ معروفا بكثرة العبادة والغيرة على الدين، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان حسن الصوت بالقراءة.\nتوفي ﵀ سنة عشر وثلاثمائة وألف، على إثر مرض أصابه في مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3140>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في علماء نجد: وكان غيورا جسورا لا تأخذه في الله لومة لائم، بلغني أنه لما حج ودخل المسجد الحرام رأى حلق الذكر المقامة هناك، وإذا هم يرددون لفظ الجلالة، ثم الضمير وحده (هو هو)، فلم يتمالك نفسه إلا أن\n_________\n(١) علماء نجد (٢/ ٥٣٤).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ١٨٩ - ١٩٢).","vol":"9","page":163},{"text":"أخذ ينكر عليهم بيده ويضربهم بعصاه، فقبض عليه وذهبوا به إلى الشريف أمير مكة في ذلك الوقت، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: فعلت هذا العمل كي أصل إليك، والقصد من وصولي إليك إخبارك بأن هذا العمل بدعة منكرة، وأنه لا يسعك تركهم يتلاعبون باسم الله، وإني على أتم استعداد لمناظرتهم بحضرتك، فخلى الشريف سبيله وتركهم هم على عملهم. (١)\n\nأحمد بن خالد الناصري (٢) (١٣١٥ هـ)\nأحمد بن خالد بن حماد بن محمد الناصري الدرعي، شهاب الدين السلاوي المغربي، أبو العباس. ولد في مدينة سلا سنة خمسين ومائتين وألف للهجرة، وهو من عرب معقل، الداخلين للمغرب في القرن الخامس للهجرة من أسرة تنتمي إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.\nطلب العلم في مسقط رأسه، منكبا على مطالعة التآليف الموجودة من علوم التفسير والحديث والتاريخ وغيرها. شغل منصب موظف في خطة الجمارك في سلا، وتنقل في أعمال حكومية أخرى، ثم انقطع عن الأشغال وتفرغ للكتابة والمطالعة والتأليف إلى أن توفي في سنة خسمة عشر وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3142>موقفه من المشركين والصوفية:</span>\n- له كلمة جيدة في التصوف والقبورية: قال في الاستقصا: قد ظهر ببلاد المغرب وغيرها منذ أعصار متطاولة -لا سيما في المائة العاشرة وما\n_________\n(١) علماء نجد (٥/ ١٩١). وقد منعها أمير مكة الشريف بعد ذلك كما سيأتي ضمن مواقف إبراهيم بن حمد عام (١٣٢٩هـ).\n(٢) الاستقصا (١/ ٩ - ٣٤) والأعلام (١/ ١٢٠ - ١٢١).","vol":"9","page":164},{"text":"بعدها- بدعة قبيحة، وهي اجتماع طائفة من العامة على شيخ من الشيوخ الذين عاصروهم أو تقدموهم ممن يشار إليهم بالولاية والخصوصية، ويخصونه بمزيد المحبة والتعظيم، ويتمسكون بخدمته والتقرب إليه قدرا زائدا على غيره من الشيوخ، بحيث يرتسم في خيال جلهم، أن كل المشايخ أوجلهم دونه في المنزلة عند الله تعالى، ويقولون: نحن أتباع سيدي فلان، وخدام الدار الفلانية، لا يحولون عن ذلك ولا يزولون خلفا عن سلف. وينادون باسمه ويستغيثون به ويفزعون في مهماتهم إليه، معتقدين أن التقرب إليه نافع والانحراف عنه قيد شبر ضار، مع أن النافع والضار هو الله وحده. وإذا ذكر لهم شيخ آخر أودعوا إليه، حاصوا حيصة حمر الوحش من غير تبصر في أحواله: هل يستحق ذلك التعظيم أم لا. فصار الأمر عصبيا، وصارت الأمة بذلك طرائق قددا، ففي كل بلد أو قرية عدة طوائف، وهذا لم يكن معروفا في سلف الأمة الذين هم القدوة لمن بعدهم. وغرض الشارع إنما هو في الاجتماع وتمام الألفة واتحاد الوجهة وقد قال تعالى لأهل الكتاب: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (١) الآية. وقد ذم قوما فرقوا دينهم وكانوا شيعا ... ثم استرسل هؤلاء الطّغام في ضلالهم، حتى صارت كل طائفة تجتمع في أوقات معلومة في مكان مخصوص -أو غيره- على بدعتهم التي يسمونها الحضرة. فما شئت من طست وطار، وطبل ومزمار وغناء ورقص، وخبط وفحص، وربما أضافوا إلى ذلك نارا أو غيرها، يستعملونه على سبيل الكرامة بزعمهم.\n_________\n(١) آل عمران الآية (٦٤).","vol":"9","page":165},{"text":"ويستغرقون في ذلك الزمن الطويل حتى يمضي الوقت والوقتان من أوقات الصلوات، وداعي الفلاح ينادي على رؤوسهم، وهم في حيرتهم يعمهون، لا يرفعون به رأسا، ولا يرون بما هم فيه من الضلال بأسا، بل يعتقدون أن ما هم فيه من أفضل القرب إلى الله، تعالى الله عن جهالتهم علوا كبيرا.\nولا تجد في هذه المجامع الشيطانية غالبا إلا من بلغ الغاية في الجفاء والجهل ممن لا يحسن الفاتحة فضلا عن غيرها، مع ترك الصلاة طول عمره، أو من في معناه من معتوه ناقص العقل والدين. فما أحوج هؤلاء الفسقة إلى محتسب يغير عليهم ما هم فيه من المنكر العظيم، واللبس المقيم، وأعظم من هذا كله أنهم يفعلون تلك الحضرة غالبا في المساجد. فإنهم يتخذون الزاوية باسم الشيخ ويجعلونها مسجدا للصلاة بالمحراب والمنار وغير ذلك، ثم يعمرونها بهذه البدعة الشنيعة. فكم رأينا من عود ورباب ومزمار على أفحش الهيئات في محاريب الصلوات.\nومن بدعهم الشنيعة محاكاتهم أضرحة الشيوخ ببيت الله الحرام من جعل الكسوة لها، وتحديد الحرم على مسافة معلومة بحيث يكون من دخل تلك البقعة من أهل الجرائم آمنا، وسوق الذبائح إليها على هيئة الهدي، واتخاذ الموسم كل عام، وهذا وأمثاله لم يشرع إلا في حق الكعبة. ثم يقع في ذلك الموسم ولا سيما مواسم البادية من المناكر والمفاسد العظام، واختلاط الرجال بالنساء باديات متبرجات شأن أهل الإباحة وشأن قوم نوح في جاهليتهم، ما تصم عنه الآذان ولا منكر ولا مغير ولا ممتعض للدين، لا، بل للحسب، فأما الدين عند هؤلاء فلا دين. فإنا لله وإنا إليه راجعون على","vol":"9","page":166},{"text":"ضيعة الدين وغفلة أهله عنه ويالله ويا للمسلمين لهؤلاء الهمج الرعاع، الذين سلبوا المروءة والحياء والغيرة والعقل والدين والإنسانية جملة. فليسوا في فطنة الشياطين ولا في سلامة صدور البهائم، ولا في نخوة السباع فيغضبوا لدينهم ومروءتهم.\nومن جهالاتهم الفظيعة: جمعهم بين اسم الله تعالى واسم الولي في مقامات التعظيم، كالقسم والاستعطاف وغيرهما. فإذا أقسموا قالوا: وحق الله وحق سيدي فلان. وإذا عزموا على أحد قالوا: دخلت عليك بالله وسيدي فلان. وإذا سألوا قالوا: من يعطينا على الله وعلى سيدي فلان. فيعطفون اسم العبد على اسم مولاه بالواو المقتضية للتشريك والتسوية التامة في مقام قد حظر الشارع أن يتجاوز فيه اسم الله إلى غيره. وهذا هو صريح الشرك.\nومن مناكرهم الجديرة بالتغيير: اجتماعهم كل سنة للوقوف يوم عرفة بضريح الشيخ عبد السلام ابن مشيش -﵁- ويسمون ذلك حج المسكين. فانظر إلى هذه الطامة التي اخترعها هؤلاء العامة. (١)\nالتعليق:\nهذا الرجل صور الحالة التي يعيش عليها أهل المغرب في العقائد الباطلة المسماة بالتصوف، مع الكلام على القبورية. وهذا التصوير الذي ذكره هذا المؤرخ من أحسن ما قرأت في المقارنة بفعل هؤلاء المشركين بأضرحتهم وبما شرعه الله في بيته من طواف وكسوة وسوق هدي. فالحمد لله أن تخرج هذه\n_________\n(١) الاستقصا (١/ ١٤٢ - ١٤٥).","vol":"9","page":167},{"text":"الكلمة من مثل هذا الرجل: لا هو متهم بالوهابية -كما يقول أعداء العقيدة السلفية- ولا تخرج من الجامعة الإسلامية مأجورا من طرف الدولة الوهابية -كما يقوله أعداء العقيدة السلفية- وإنما هو مؤرخ محايد، عالم بالأحوال التي عليها أهل هذه البلاد. فجزاه الله خيرا على كلمته الطيبة. وأرجو الله أن يغفر زلتنا وزلته.\n\nمبارك بن مساعد آل مبارك (١) (١٣١٦ هـ تقريبا)\nالشيخ مبارك بن مساعد آل مبارك. ولد في بلدة عنيزة سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف، ونشأ فيها. أخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع وابنه الشيخ عبد العزيز بن محمد بن مانع والشيخ علي آل محمد والشيخ علي باصبرين وغيرهم. كان مولعا بالشعر، ويحفظ منه الكثير، وله فيه القصائد الجيدة، وكان شديد الميل للدعوة السلفية وأعلامها. كانت لديه مكتبة كبيرة بيعت بعد وفاته، تضمنت مخطوطات نفيسة.\nتوفي ﵀ في جدة سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف تقريبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3144>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في علماء نجد: حدثني الشيخ محمد نصيف ﵀ قال: كان العلامة الشيخ علي باصبرين يدرس لطلابه ما بين المغرب والعشاء في جامع الشافعي بجدة، ففي إحدى الليالي جاء البحث في دعوة الشيخ محمد بن\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٤٣٣ - ٤٣٦).","vol":"9","page":168},{"text":"عبد الوهاب وأتباعها، فنال الشيخ باصبرين منها نيلا فاحشا، وكان من الطلبة الشيخ صالح العبد الله البسام، والشيخ مبارك آل مساعد، فلما فرغ الدرس قاما إليه، وقالا له: هل اطلعت يا شيخ على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب حينما نلت منه ومن دعوته؟ فقال لهما: لا، إنني لم أطلع عليها، ولكني قلت هذا نقلا عن مشايخي، فقالا له: ألا ترغب في الاطلاع على كتبه؟ فقال: بلى، فأتياه بنسخ من كتبه، فدرسها نحو أسبوع، وهو لا يأتي للشيخ محمد بذكر لا بمدح ولا قدح.\nوبعد ذلك قال للطلبة: إنني في إحدى الليالي السابقة نلت من الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، والحق أن كلامي لم يكن عن اطلاع على كتبه، وإنما هو تقليد وحسن ظن في مشايخنا، وقد أطلعني بعض إخواننا النجديين على بعض كتبه ورسائله، فرأيت فيها الحق والصواب، وأنا أستغفر الله تعالى عما قلت: ثم صنف رسالة سماها: 'هداية كُمَّلِ العبيد إلى خالص التوحيد'. (١)\n\nإسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ (٢) (١٣١٩ هـ)\nالشيخ الإمام إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب. ولد في مدينة الرياض سنة ست وسبعين ومائتين وألف. قرأ على أخيه الشيخ عبد اللطيف والشيخ حمد بن عتيق وابن أخيه الشيخ عبد الله\n_________\n(١) علماء نجد (٥/ ٤٣٤).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ٥٥٧ - ٥٦٤).","vol":"9","page":169},{"text":"بن عبد اللطيف وغيرهم. وكان مع حفظه القرآن يحفظ مختصرات في الفقه والحديث والتوحيد. رحل إلى الهند بعد استيلاء آل رشيد على الرياض سنة تسع وثلاثمائة وألف، فأخذ عن المحدث الشيخ نذير حسين والشيخ حسين بن محسن الأنصاري والشيخ سلامة الله، ثم رحل إلى مصر فقرأ على علماء الأزهر مدة، وجد واجتهد حتى عد من كبار علماء زمانه. ثم عاد إلى وطنه، واشتغل بالتدريس والإفادة، فنفع الله بعلمه، فكان ممن أخذ عنه الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ فوزان السابق والشيخ عبد الله بن فيصل والشيخ عبد العزيز بن عتيق وغيرهم.\nتوفي ﵀ في اليوم التاسع والعشرين من شهر رجب سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف في مدينة الرياض، ورثاه العلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3146>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال: ومما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام: أن المرجع في مسائل أصول الدين إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة المعتبر، وهو ما كان عليه الصحابة، وليس المرجع إلى عالم بعينه في ذلك. فمن تقرر عنده هذا الأصل تقريرا لا يدفعه شبهة وأخذ بشراشير قلبه هان عليه ما قد يراه من الكلام المشتبه في بعض مصنفات أئمته، إذ لا معصوم إلا النبي - ﷺ -. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3147>موقفه من المشركين:</span>\nله رد على أمين بن حنش العراقي. (٢)\n_________\n(١) حكم تكفير المعين (ص.٨ - ٩).\n(٢) علماء نجد (١/ ٥٦٤).","vol":"9","page":170},{"text":"عبد الله بن محمد بن عثمان بن دخيل (١) (١٣٢٤ هـ)\nالشيخ عبد الله بن محمد بن عثمان بن عبد الله بن دُخَيْل الناصري التميمي. ولد في المجمعة سنة إحدى وستين ومائتين وألف، ونشأ فيها، وأخذ عن الشيخ علي بن عيسى والشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد اللطيف ابن عبد الرحمن والشيخ سليمان بن مقبل والشيخ علي آل محمد الراشد وغيرهم. رحل في طلب العلم إلى المدينة النبوية ثم إلى مكة، ثم إلى بريدة، ثم إلى عنيزة والرياض والمجمعة. ولي قضاء المذنب، وجلس للتدريس والإفتاء، فانتفع بعلمه خلق كثير منهم الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع والشيخ عبد الله ابن بليهد والشيخ محمد بن صالح بن مقبل وغيرهم.\nتوفي ﵀ في المذنب سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3149>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له رسالة إلى تلميذه الشيخ عبد الله بن إسماعيل ينهاه فيها عن مجالسة من لم يكن مواليا لعلماء الدعوة السلفية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3150>حسن عبد الرحمن السني البحيري المصري (١٣٢٦ ه</span>ـ) (٣)\n<span data-type=\"title\" id=toc-3151>موقفه من الصوفية:</span>\n- له رسالة: 'الحماسة السنية في الرد على بعض الصوفية'، قال في\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ٤٩٠ - ٤٩٦).\n(٢) علماء نجد (٤/ ٤٩٥).\n(٣) لم نعثر على سنة وفاته، لذلك أثبتنا سنة طبع هذه الرسالة في مصر.","vol":"9","page":171},{"text":"مقدمتها: فقد أهدى إلينا بعض الإخوان مجموعة لبعض متصوفة هذا الزمان، مشتملة على أربع رسائل، أولها: تنوير البصائر، ودليل الحائر في إثبات النبوة ورؤية نبينا لربه. ثانيها: الفتح المبين في الاستغاثة بالأولياء والصالحين. ثالثها: القول المعتبر في القضاء والقدر. رابعها: ما تقول السادة الثقات في إيصال ما يهدى من ثواب القرآن والأذكار للأموات. يقصد ببعضها الرد على من تصدى من أهل العلم ورجال الدين لإخماد نيران البدع التي عمت وضرت محشوة ببدع المضلين، وضلال المتأخرين. وهكذا عوائد شياطين الجن إذا رأوا من تعرض لإخماد نار الضلال أوقدوها بشيطان من شياطين الإنس، يوحون إليه زخارف يجادل بها أهل الحق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (١). وسبب تعرضنا للرد على هذا المتصوف تنبيه الناس على ما وقع في رسائله من الأمور المنكرة والأشياء المردودة شرعا، وخلط الحق بالباطل، لئلا يغتر بها من يقف عليها ممن لا علم له بحقائق الدين، وبالله نستعين. (٢)\n\nمحمد السَّهْسَوَانِي (٣) (١٣٢٦ هـ)\nالعلامة محمد بن بشير بن محمد بدر الدين السهسواني الهندي، صاحب كتاب 'صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان' ولد في سهسوان -من\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢١).\n(٢) الحماسة السنية (١١ - ١٢).\n(٣) الأعلام (٦/ ٥٣) ومعجم المؤلفين (٩/ ١٠٣) وصيانة الإنسان (١٧ - ٢٢).","vol":"9","page":172},{"text":"أعمال ولاية بدايون بالهند- سنة خمسين ومائتين وألف للهجرة تقريبا. ارتحل إلى دهلي، وقرأ الحديث والتفسير على نذير حسين الدهلوي، ودعي إلى بهوبال سنة تسعين ومائتين للهجرة، وأسند إليه رياسة المدارس الدينية بها، فأقام بها نحوا من خمس وعشرين عاما، ثم عاد إلى دهلي، فتوفي بها سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف، رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3153>موقفه من المبتدعة:</span>\n- له الكتاب العظيم في الدفاع عن العقيدة السلفية، ذو البحوث القيمة النفيسة القوية. وهو: 'صيانة الإنسان في الرد على أحمد زيني دحلان'.\n- قال فيه: فالواجب على المؤمن أن لا يتجاسر على التكلم بكل كلمة في ثناء النبي - ﷺ - فالمقام مقام الاحتياط، إذ اعتقاد اتصاف النبي - ﷺ - بصفاته الكمالية من جملة مسائل العقائد، فما لم يثبت بالكتاب العزيز أو السنة الثابتة المطهرة لم يجز وصف النبي به، فمن ههنا دريت خطأ البوصيري في قوله: \"واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم\". وخطأ صاحب الرسالة حيث استحسنه.\nوبالجملة فنحن معاشر أهل الحديث نعظم رسول الله - ﷺ - بكل تعظيم جاء في الكتاب أو السنة الثابتة، سواء كان ذلك التعظيم فعليا أو قوليا أو اعتقاديا، والوارد في الكتاب العزيز والسنة المطهرة من ذلك الباب في غاية الكثرة، وما ذكر هو بعض منه، ولو رمت إحصاء ذلك على التمام لجاء في مؤلف بسيط، نعم نجتنب التعظيمات التي تشتمل على موجبات الكفر والشرك، وما نهى الله عنه ورسوله، والتعظيمات المحدثة المبتدعة.","vol":"9","page":173},{"text":"وأما أهل البدع فمعظم تعظيمهم تعظيم محدث، كشد الرحال إلى قبر رسول الله - ﷺ -، والفرح بليلة ولادته، وقراءة المولد، والقيام عند ذكر ولادته - ﷺ -، وتقبيل الإبهام عند قول المؤذن \"أشهد أن محمدا رسول الله\" والتمثل بين يدي قبره قياما، وطلب الحاجات منه - ﷺ -، والنذر له وما ضاهاها، وأما التعظيمات الثابتة فهم عنها بمراحل. فيا أهل البدع أنشدكم الله والإسلام والإنصاف أن تقولوا أي الفريقين أزيد تعظيما للنبي - ﷺ - وأكثر اتباعا له وأشد حبا له - ﷺ - بأبي هو وأمي. (١)\n- وقال: ثم بعد انقراض قرن الصحابة أتى أمته ما يوعدون من الحوادث والبدع، وكلما أحدثت بدعة رفع مثلها من السنة، ولكن في قرن التابعين وأتباع التابعين لم تظهر البدع ظهورا فاشيا، وأما بعد قرن أتباع التابعين فقد تغيرت الأحوال تغيرا فاحشا، وغلبت البدع، وصارت السنة غريبة، واتخذ الناس البدعة سنة والسنة بدعة، ولا تزال السنة في المستقبل غريبة إلا ما استثني من زمان المهدي ﵁ وعيسى ﵇، إلى أن تقوم الساعة على شرار الناس.\nيدل على ذلك الأحاديث والآثار التي نذكرها الآن بحوله وقوته، منها: حديث عمران بن حصين ﵁ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، -قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة- ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون،\n_________\n(١) صيانة الإنسان (٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"9","page":174},{"text":"ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (١) رواه البخاري ومسلم.\nومنها حديث الأسلمي قال: قال النبي - ﷺ -: «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة» (٢) رواه البخاري. (٣)\nثم ذكر طائفة من الأحاديث والآثار إلى أن قال: وقد علم بما نقل من الأحاديث والآثار أن غربة الإسلام ليس معناها أنه يقل أهل الإسلام، دل عليه ما في حديث ثوبان المتقدم من قوله - ﷺ -: «بل أنتم يومئذ كثير» (٤) بل معناها أن الصالحين من أهل الإسلام يذهبون الأول فالأول، وتبقى حفالة كحفالة الشعير وغثاء كغثاء السيل، وأن سنن الإسلام وشعبها وشرائعها من الصلاة والصيام والنسك والصدقة وغيرها تذهب وقتا فوقتا حتى لا يبقى إلا قول لا إله إلا الله (٥)، فإذا بعث الله ريحا طيبة توفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٤٢٧و٤٣٦) والبخاري (٥/ ٣٢٤/٢٦٥١) ومسلم (٤/ ١٩٦٤ - ١٩٦٥/ ٢٥٣٥) وأبو داود (٥/ ٤٤/٤٦٥٧) والترمذي (٤/ ٤٣٤/٢٢٢٢) والنسائي (٧/ ٢٣ - ٢٤/ ٣٨١٨) من طرق عن عمران بن حصين ﵁.\n(٢) أحمد (٤/ ١٩٣) والبخاري (١١/ ٣٠٢/٦٤٣٤).\n(٣) صيانة الإنسان (٣٢٢).\n(٤) وهو قوله ﵊: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل» الحديث. أخرجه: أحمد (٥/ ٢٧٨) وأبو داود (٤/ ٤٨٣/٤٢٩٧) وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (٢/ ٦٤٧/٩٥٨).\n(٥) يشير ﵀ إلى قوله ﵊ من حديث حذيفة بن اليمان: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسرى على كتاب الله عزوجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية ...» الحديث. أخرجه: ابن ماجه (٢/ ١٣٤٤/٤٠٤٩) والحاكم (٤/ ٤٧٣و٥٤٥) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في الزوائد: \"إسناده صحيح رجاله ثقات\".","vol":"9","page":175},{"text":"خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فعليهم تقوم الساعة (١).\nاهـ (٢)\n\nأحمد بن إبراهيم بن عيسى (٣) (١٣٢٩ هـ)\nالشيخ أحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد ينتهي نسبه إلى قبيلة بني زيد ثم إلى قضاعة بن مالك ثم إلى قحطان، شارح نونية ابن القيم. ولد الشيخ بشقراء في الخامس عشر من ربيع الأول عام ثلاثة وخمسين ومائتين وألف، نشأ في حجر والده العالم القاضي الشيخ إبراهيم بن عيسى، فتعلم مبادئ الكتابة والقراءة، ثم حفظ القرآن عن ظهر قلب ثم شرع في القراءة على والده بالتوحيد والفقه والحديث وسائر العلوم. من مشايخه: الشيخ عبد الرحمن ابن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن وغيرهم. ثم سافر إلى الرياض ولازم علماءها الأجلاء، أدرك إدراكا تاما. وَفَاق أقرانه لا سيما في التوحيد، ثم سافر إلى مكة فأقام فيها للعبادة والعلم تعلما وتعليما. اتصل بأمير مكة وكلمه في هدم القباب والمباني على القبور والمزارات فأجابه لذلك. فكان من المساهمين في تطهير البلاد من الشرك والساعين في لم شتات الأمة. من\n_________\n(١) يشير ﵀ إلى حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ... إلى أن قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم» أخرجه: مسلم (٤/ ٢٢٣٠/٢٩٠٧) من طريق الأسود بن العلاء عن أبي سلمة عن عائشة به.\n(٢) صيانة الإنسان (٣٣١ - ٣٣٢).\n(٣) علماء نجد (١/ ١٥٥ - ١٦٢) والأعلام (١/ ٨٩) وفهرس الفهارس (١/ ١٢٥ - ١٢٦) وإتحاف النبلاء (٢/ ٢٨١ - ٢٨٣).","vol":"9","page":176},{"text":"تلامذته: الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ والشيخ عبد القادر بن مصطفى التلمساني والشيخ عبد الستار الدهلوي وغيرهم. عرّفه الكتاني بالعالم السلفي المسند.\nتوفي في بلد المجمعة بعد صلاة الجمعة في اليوم الرابع من جمادى الثانية من عام تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3155>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في تاريخ علماء نجد: وحدثني الشيخ الوجيه الأفندي محمد حسين نصيف رحمه الله تعالى قال لي: كان الشيخ أحمد بن عيسى يشتري الأقمشة من جدة من الشيخ عبد القادر بن مصطفى التلمساني أحد تجار جدة بمبلغ ألف جنيه ذهبا، فيدفع له منها أربعمائة ويُقسط عليه الباقي. وآخر قسط يحل ويستلمه الشيخ التلمساني إذا جاء إلى مكة للحج من كل عام. ثم يبتدئون من أول العام بعقد جديد. وكان الكفيل للشيخ أحمد بن عيسى هو الشيخ مبارك المساعد من موالي آل بسام.\nوكان صاحب تجارة كبيرة في جدة ودام التعامل بينهما زمنا طويلا. وكان الشيخ أحمد بن عيسى يأتي بالأقساط في موعدها المحدد لا يتخلف عنه ولا يماطل في أداء الحق. فقال له الشيخ عبد القادر: إني عاملت الناس أكثر من أربعين عاما، فما وجدت أحسن من التعامل معك -يا وهابي- فيظهر أن ما يشاع عنكم يا أهل نجد مبالغ فيه من خصومكم السياسيين. فسأله الشيخ أحمد أن يبين له هذه الشائعات. قال: إنهم يقولون: إنكم لا تصلون على النبي - ﷺ - ولا تحبونه. فأجابه الشيخ أحمد بقوله: سبحانك هذا بهتان عظيم.","vol":"9","page":177},{"text":"إن عقيدتنا ومذهبنا أن من لم يصل على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير فصلاته باطلة، ومن لا يحبه فهو كافر. وإنما الذي ننكره نحن -أهل نجد- هو الغلو الذي نهى النبي - ﷺ - عنه، كما ننكر الاستعانة والاستغاثة بالأموات، ونصرف ذلك لله وحده. يقول الشيخ الراوي محمد نصيف عن الشيخ عبد القادر التلمساني: فاستمر النقاش بيني وبينه في توحيد العبادة ثلاثة أيام، حتى شرح الله صدري للعقيدة السلفية. وأما توحيد الأسماء والصفات الذي قرأته في الجامع الأزهر، فهو عقيدة الأشاعرة. وكتب الكلام مثل: 'السنوسية' و'أم البراهين' و'شرح الجوهرة' وغيرها.\nفلهذا دام النقاش بيني وبين الشيخ ابن عيسى خمسة عشر يوما، بعدها اعتنقت مذهب السلف، وصرت آخذ التوحيد من منابعه الأصيلة: الكتاب والسنة وأتباعهما من كتب السلف. فعلمت أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم بفضل الله تعالى ثم بحكمة وعلم الشيخ أحمد بن عيسى. ثم إن الشيخ التلمساني أخذ يطبع كتب السلف.\nفطبع منها: 'النونية' و'الصارم المنكي' و'الاستعاذة من الشيطان الرجيم' لابن مفلح و'المؤمل إلى الأمر الأول' لأبي شامة، و'غاية الأماني في الرد على النبهاني' وغيرها. وصار التلمساني من دعاة عقيدة السلف. قال الشيخ محمد نصيف: فهداني الله إلى عقيدة السلف بواسطة الشيخ عبد القادر التلمساني، فالحمد لله على توفيقه.\nوالمترجم له لم يقتصر نشاطه على دعوة الأفراد حتى اتصل بأمير مكة: الشريف عون الرفيق، وكلمه بخصوص هدم القباب والمباني التي على القبور","vol":"9","page":178},{"text":"والمزارات، وشرح له أن هذا مخالف للإسلام، وأنه غلو وتعظيم للأموات يسبب فتنة الأحياء، وبث الاعتقادات الفاسدة فيهم. فما كان من \"الشريف عون\" إلا أن أمر بهدم القباب التي على القبور عدا قبة قبر خديجة ﵂، والقبر المنسوب إلى حواء في جدة. فأبقاهما مراعاة للقاعدة الشرعية: \"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح\". وصار المترجم له بسبب علمه وعقله ونصحه مقربا من الشريف عون، يُجله ويُقدره ويعرف له فضله وحقه (١).\nالتعليق:\nيستفاد من هذه القصة المباركة:\n- أثر الصدق في المعاملة كان من هدي السلف، ولذا كان من نتيجته ما قص علينا في هذه القصة.\n- منقبة لهذا الشيخ، حيث وفقه الله تعالى لهداية التلمساني والشيخ نصيف.\n- قوة السلفيين في تأثيرهم على الحكام، وغايتهم في ذلك نشر العقيدة وترسيخها في النفوس، لا المنصب الحكومي، أو المطمع المادي، ولذلك آتت دعوتهم أكلها بإذن ربها، ولله الحمد والمنة.\nآثار الشيخ السلفية:\n١ - 'تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي والحلبي' وهو كتاب قيم وقد طبع.\n_________\n(١) (١/ ١٥٦ - ١٥٨).","vol":"9","page":179},{"text":"٢ - 'الرد على ما جاء في خلاصة الكلام من الطعن على الوهابية والافتراء لدحلان'.\n٣ - 'الرد على شبه المستغيثين بغير الله' طبع.\n٤ - 'شرح النونية' طبع في جزءين. وهو ينم عن علم غزير وفهم عميق، يمكن أن يستخرج منه مواقفه من الفرق كلها ولكن نكتفي منه بما يلي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3156>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ﵀: أشار ﵀ بهذه الأبيات إلى إثبات صفات الله تعالى التي نطق بها كتابه، وسنة رسوله - ﷺ -. ومذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات صفات الله تعالى التي ورد بها الكتاب؛ وصحيح السنة وحسنها، إثباتا بلا تمثيل؛ وتنزيها بلا تعطيل؛ خلافا للجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وأمر كما قال نعيم بن حماد الخزاعي شبخ البخاري: من شبه الله خلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله تشبيها. انتهى. بل هو إثبات على ما يليق بجلال الله وعظمته وكبريائه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. (١)\nوقال: ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذا الفصل رؤية أهل الجنة ربهم ﵎ بأبصارهم جهرة، كما يرى القمر. وقد اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وجميع الصحابة والتابعين، وأئمة الإسلام، وأنكرها أهل البدع،\n_________\n(١) شرح النونية (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥).","vol":"9","page":180},{"text":"كالجهمية، والمعتزلة، والباطنية، والرافضة ... (١)\n\nإبراهيم بن حمد بن جَاسِر (٢) (١٣٢٩ هـ)\nالشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، ولد في بلدة بريدة ونشأ فيها وقرأ على علمائها، ومن أشهر مشايخه: الشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم والشيخ إبراهيم بن محمد بن عجلان وغيرهم. وأدرك في العلوم لا سيما في التفسير والحديث واللغة العربية، فهو فيها بحر لا يجارى وعالم لا يمارى، واشتهر أمره وذاع صيته حتى عد من كبار علماء نجد، وشاع له ذكر حسن وثناء طيب، ثارت بعض الخلافات والنزاعات بينه وبين آل سليم، اتهمه بعضهم بتساهله في توحيد الألوهية ولكنه كذب مفترى.\nقال فيه الشيخ يوسف الهندي: لم أر مثله في الاطلاع على الحديث إلا شيخي نذير حسين. وقال الشيخ محمد بن عبد العزيز آل مانع: إنه أعجوبة في سعة الاطلاع في التفسير والحديث. ويقول ابن مانع أيضا: إن الشيخ صالح العثمان آل قاضي يعجب من كثرة حفظه للحديث. وقال الشيخ محمد بن صالح البسام: إني كنت أحضر دروسه العامة قبل صلاة العشاء، فكان يشرع في تفسير الآية ويورد في معناها من الأحاديث والآثار وكلام العرب الشيء الكثير. من تلامذته: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي، والشيخ عثمان\n_________\n(١) شرح النونية (٢/ ٥٦٨).\n(٢) علماء نجد (١/ ١٠٣).","vol":"9","page":181},{"text":"ابن صالح، والشيخ عبد العزيز بن عقيل وغيرهم.\nتوفي بعد عودته من العراق عام تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3158>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في علماء نجد: الدليل الرابع على صدقه: ما حدثني به الثقات من أقاربي ممن حضروا القصة الآتية فقال: عرض على المترجم له إمامة وخطابة جامع النقيب في بلد الزبير براتب مغر، وكان في أمس الحاجة إليه. فذهب إلى الجامع المذكور ليراه ومعه بعض أفراد أسرتنا آل بسام، فدخل المسجد وتجول فيه، فرأى حجرة في مؤخر المسجد، فسأل عنها فقالوا: إنها قبر بانيه. فخرج من المسجد مسرعا وقال: لا أصلي ولا فرضا واحدا مأموما، فكيف أصير فيه إماما؟. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3159>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في تاريخ علماء نجد: والدليل الثالث على صحة معتقده أنه دخل المسجد الحرام أيام الحكم العثماني، فوجد حلق الصوفية تمارس بدعها وخرافاتها، فلم تمنعه غربته ولا إقرار حكومة البلاد لهذه الأعمال من أن يسطو عليهم بعصاه ضربا حتى فرقهم. فرفع أمره إلى أمير مكة المكرمة: \"الشريف عون\" فلما حضر وحقق معه وعرف أن الصواب مع الشيخ، فمنع هذه الأعمال البدعية. (٢)\n_________\n(١) علماء نجد (١/ ١٠٣ - ١٠٤).\n(٢) علماء نجد خلال ستة قرون (١/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"9","page":182},{"text":"حسين آل الشيخ (١) (١٣٢٩ هـ)\nالشيخ حسين بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب. فهو أخو عبد الله بن حسن آل الشيخ. ولد في الرياض عام أربعة وثمانين ومائتين وألف. قرأ على الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ محمد بن حمود والشيخ حمد بن فارس والشيخ عبد الله الخرجي. قد أدرك لا سيما في النحو حتى ألف فيه وفي الفقه، وله قصائد رد بها على يوسف النبهاني وغيره.\nنزح إلى عمان بساحل الخليج العربي وأقام هناك لنشر الدعوة السلفية، فنفع الله به وما زال هناك حتى توفي عام تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف. وليس له أولاد ولا أحفاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3161>موقفه من المبتدعة:</span>\nله قصيدة رائية رد بها على قصيدة يوسف النبهاني، وأخرى رد فيها على أمين بن حنش العراقي. (٢)\n\nإبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (٣) (١٣٢٩ هـ)\nالشيخ العلامة إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولد في الرياض عام ثمانين ومائتين وألف وبها\n_________\n(١) علماء نجد (١/ ٢١٩).\n(٢) علماء نجد (١/ ٢١٩).\n(٣) علماء نجد (١/ ١٢٧) والأعلام (١/ ٤٨ - ٤٩) والدرر السنية (١٢/ ٨٢ - ٨٦).","vol":"9","page":183},{"text":"نشأ، ثم أخذ مبادئ الكتابة وقراءة القرآن الكريم على والده العلامة الشيخ عبد اللطيف، ثم حفظ القرآن ثم شرع في طلب العلم، فقرأ على أخيه الشيخ عبد الله والشيخ حمد بن فارس والشيخ محمد بن محمود حتى مهر في التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصولها والنحو.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: برع في العلوم النقلية والعقلية، وكان آية في الفهم لم ير مثله في الذكاء والفطنة والحفظ، برز في كل فن حتى كاد يستوعب السنن والآثار حفظا، وفاق أهل عصره فكانت له المعرفة التامة في الحديث والتفسير والفقه مع ما جمع الله له من الزهد والعبادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام به. تولى القضاء بالرياض فسار فيه سيرة حميدة من عدالة الأحكام وإنصاف المظلوم، كما كان له حلقات في التدريس بأنواع العلوم فأخذ عنه جم غفير منهم ابناه محمد وعبد اللطيف، والشيخ عبد الملك بن إبراهيم والشيخ عبد الرحمن بن داود وغيرهم. وتصدى للإفتاء والإفادة، فله فتاوى تدل على جودة فهمه وحسن تصوره وله رد على أمين بن حنش في قصيدة طويلة بديعة نصر بها الحق ودحض بها الضلال.\nتوفي بالرياض ليلة السادس من شهر ذي الحجة عام تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3163>موقفه من المشركين:</span>\nله: منظومة في الرد على أمين العراقي بن حنش؛ هذا بعضها:\nالحمد لله حمدا أستزيد به ... فضل الإلاه وأرجو منه رضوانا\nوأستعين به في رد خاطئة ... من العراق أتت بغيا وعدوانا","vol":"9","page":184},{"text":"من جاهل عارض الحق المبين بها ... هذا به سفها تيها وطغيانا\nقد عاب أهل الهدى من غير ما سبب ... وقام يعمر للإشراك بنيانا\nفليس بالعلم المرضي مقالته ... ولا الأصيل ولا من نال إتقانا\nقد فهت بالزور فيما قلت مجتريا ... لست الأمين ولكن كنت خوانا\nمن كان يصرف للمخلوق دعوته ... وكان يندب للأموات أحيانا\nيدعوهموا باعتقاد منه أنهموا ... يفرجون عن المكروب أحزانا\nهذا هو الشرك قد أعليت ذروته ... وسوف تصبح يوم الدين ندمانا\nمن كان يقصر آيات الكتاب على ... أسباب إنزالها قد نال خسرانا\nفالاعتبار عموم اللفظ قال بذا ... من شاد للملة السمحاء أركانا\nوليس ينكر أسبابا مؤثرة ... فالله خالقها سبحان مولانا\nومن يعطل للأسباب ينكرها ... قد خالف الشرع والمعقول طغيانا\nوالاعتماد على الأسباب منقصة ... لأنه من قسيم الشرك قد بانا\nأما الخوارق للعادات فهي إذا ... لا تقتضي الفضل إطلاقا لمن كانا\nهذا الذي قاله عبد اللطيف إذا ... ولم يكن يمنع المشروع بل كانا\nمستمسكا بصحيح النقل متبعا ... خير القرون الأولى دانوا بما دانا\nيحمي طريق رسول الله عن شبه ... وعن ضلال بذا التأسيس أنبانا\nعن ذاك أفصح مصباح له ولقد ... أعلى بذلك للتوحيد بنيانا\nهذا جوابك يا هذا موازنة ... فالحر ما دين إنصافا به دانا (١)\n_________\n(١) علماء نجد (١/ ١٢٧).","vol":"9","page":185},{"text":"جمال الدين القاسمي (١) (١٣٣٢ هـ)\nمحمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم أبو الفرج من سلالة الحسين السبط، عالم مشارك في أنواع العلوم، إمام الشام في عصره علما بالدين وتضلعا من فنون الأدب، مولده ووفاته في دمشق. كان سلفي العقيدة لا يقول بالتقليد، انتدبته الحكومة للرحلة وإلقاء الدروس العامة في القرى والبلاد السورية، فأقام في عمله هذا أربع سنوات، ثم رحل إلى مصر وزار المدينة، ولما عاد اتهمه حسدته بتأسيس مذهب جديد في الدين، فقبضت عليه الحكومة وسألته فرد التهمة فأخلي سبيله واعتذر إليه والي دمشق، فانقطع في منزله للتصنيف، وإلقاء الدروس الخاصة والعامة في التفسير وعلوم الشريعة الإسلامية والأدب. ونشر بحوثا كثيرة في المجلات والصحف. ترك ثروة وافرة من تآليفه النافعة الكثيرة.\nوافاه الأجل في الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3165>موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الرجل كان من المصلحين الكبار، من الله عليه بالاطلاع على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وظهر ذلك في تفسيره: 'محاسن التأويل'. وله بعض الهنات في الكتاب المنسوب إليه: 'تاريخ الجهمية'. وكذلك بعض عباراته في قواعد التحديث، كالثناء على ابن عربي المجمع على\n_________\n(١) الأعلام (٢/ ١٣٥) ومعجم المؤلفين (٣/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"9","page":186},{"text":"زندقته، إلا من شذ، فلا عبرة به.\nوله من الآثار السلفية:\n١ - 'إصلاح المساجد من البدع والعوائد'، وهو جيد في بابه، وقد طبع وانتفع به كثير من الناس.\n٢ - 'محاسن التأويل' وهو مطبوع متداول، تكلمت عليه في كتابي: 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات' (١).\n٣ - 'دلائل التوحيد' وهو مطبوع كذلك.\nمن مواقفه:\n- قال ﵀: الحمد لله الذي أمر بالدعوة إلى سبيله، وجعل الخير والفضل في قبيله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين.\nأما بعد: فلما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله له النبيين، وجب على كل مستطيع له، أن يقتحم لوجه الله سبله، خشية أن تعم البدعة وتفشو الضلالة، ويتسع الخرق وتشيع الجهالة، فتموت السنة ويندرس الهدي النبوي، ويمحى من الوجود معالم الصراط السوي، ولما أضحت البدع الفواشي، كالسحب الغواشي، يتعذر على البصير حصرها، وضبط أفرادها وسبرها، رأيت أن أدل بجزئي منها على كلياتها، وبنبذة منها على بقياتها، وذلك في البدع والعوائد، الفاشية في كثير من المساجد، لأني ابتليت كآبائي بإمامة بعض الجوامع في\n_________\n(١) (٢/ ٦٤٧ - ٦٦٢).","vol":"9","page":187},{"text":"دمشق الشام، وبالقيام بالتدريس العام، فكنت أرى من أهم الواجبات إعلام الناس بما ألم بها من البدع والمنكرات، فإن القيم مسئول عن إصلاح من في معيته، وفي الحديث: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (١).اهـ (٢)\n- وقال: لا يخفى أن النبي - ﷺ - وأصحابه ومن تبعهم حذروا قومهم من البدع ومحدثات الأمور، وأمروهم بالاتباع الذي فيه النجاة من كل محذور. وجاء في كتاب الله تعالى من الأمر بالاتباع بما لا يرتفع معه الترك. (٣)\n- وقال: لا يخفى أن مدار العبادات إنما هو على المأثور في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة مع الإخلاص في القلب وصحة التوجه إلى الله تعالى. ولكل مسلم الحق في إنكار كل عبادة لم ترد في الكتاب والسنة في ذاتها أو صورتها، فقد أخبرنا الله تعالى في كتابه بأنه أكمل لنا ديننا وأتم علينا به نعمته، فكل من يزيد فيه شيئا فهو مردود عليه لأنه مخالف للآية الشريفة وللحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٤).\nوكل البدع التي منها حسن ومنها سيء فهي الاختراعات المتعلقة بأمور المعاش ووسائله ومقاصده وهي المراد بحديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٥) ولولا ذلك لكان لنا أن نزيد في\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٥) والبخاري (٥/ ٢٢٢/٢٥٥٤) ومسلم (٣/ ١٤٥٩/١٨٢٩) وأبو داود (٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣/ ٢٩٢٨) والترمذي (٤/ ١٨٠ - ١٨١/ ١٧٠٥) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n(٢) إصلاح المساجد (ص.٧).\n(٣) إصلاح المساجد (ص١٠).\n(٤) تقدم في مواقف أبي بكر الخلال سنة (٣١١هـ).\n(٥) تقدم ضمن مواقف صديق حسن خان سنة (١٣٠٧هـ).","vol":"9","page":188},{"text":"ركعات الصلاة أو سجداتها (حققه بعض الفضلاء) والله أعلم. (١)\n\nمحمد بن قاسم آل غنيم (٢) (١٣٣٥ هـ)\nمحمد بن قاسم آل غنيم النجدي الزبيري. ولد في بلدة الزبير من أعمال العراق، ونشأ فيها. أخذ عن الشيخ عبد الله بن نفيسة النجدي الزبيري والشيخ صالح بن حمد المبيض والشيخ إبراهيم الغملاس وغيرهم. تعلم الطب ومهر فيه، وطالع كتب الأدب واشتغل به، ونشر العلم وألف المؤلفات. توفي ﵀ سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف في بلدته الزبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3167>موقفه من الرافضة:</span>\nله نظم رد فيه على أحد علماء الرافضة. (٣)\n\nمحمد بن محمود بن عثمان الضالع (٤) (١٣٣٧ هـ)\nمحمد بن محمود بن عثمان الضالع القصيمي أصلا البغدادي مولدا ومنشأ. ولد في بغداد سنة تسع وخمسين ومائتين وألف، وقرأ القرآن، وأخذ شيئا من النحو على الشيخ بشير الغزي، وطالع كتب الفقه والتفسير وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وكان ﵀ مجاهرا بعقيدته السلفية، نابذا لأهل البدع ومنكرا عليهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، وله في ذلك\n_________\n(١) إصلاح المساجد (١٦ - ١٧).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ٣٥٩ - ٣٦١).\n(٣) علماء نجد (٦/ ٣٦٠).\n(٤) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ٣٨٠ - ٣٨٣).","vol":"9","page":189},{"text":"الردود القيمة.\nتوفي ﵀ في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3169>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في علماء نجد: وكان من المتحمسين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن الدعاة إليها، يناظر فيها عن علم ممزوج بآداب المناظرة وحسن المجادلة، ولا يمنعه من المجاهرة بعقيدته وإنكاره مخالفة الناس له في ذلك، ونبذه الناس لانتحاله هذا المذهب لمناظرته فيه، ومطالعته كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم، وإنكاره الشديد على أهل البدع، ونسبوا كل من كان يحضر مجلسه إلى الوهابية، فكان يتحاشاه أكثر عارفيه خصوصا في عهد السلطان عبد الحميد، ومع هذا فإنه لم يزل مصرا على عقيدته ومجاهرته بآرائه، لم يثن عزمه لومة لائم ولا وشاية واش.\nوله رسالة وجيزة في الرد على خطبة (المسيو جبرئيل هانوتو) التزم فيها السجع، وله قصيدة رد بها على المصريين، وسبب ذلك أن الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقصيدة، فرد عليه الشيخ أبو بكر محمد بن غلبون المصري، فلما اطلع المترجم على الأصل وعلى رد أبي بكر بن غلبون رد عليه بقصيدة أولها:\nسلام على من كان في قومه يهدي ... بأي مكان حل في الغور والنجد\nولاشك أن الأرض لا تخلو من فتى ... خلائقه ترضي وأفعاله تجدي","vol":"9","page":190},{"text":"ومنها:\nألا خبروني أنتموا أو هموا ممن ... يداهن في الدين الحنيفي على عمد\nيرى كل أقوال الذين تقدموا ... صوابا وإن كان الحلول بما يبدي\nوتعظيمهم حتى غدا الدين هزأة ... لكل جحود فاقد العقل والرشد\nبتكذيب رسل الله والكتب التي ... نهتنا عن الإشراك بالواحد الفرد\nوهي طويلة. وله غيرها من القصائد. (١)\n\nعلي بن سليمان بن حلوة آل يوسف (٢) (١٣٣٧ هـ)\nعلي بن سليمان بن حلوة من آل يوسف الوهيبي التميمي نسبا، العنزي القصيمي أصلا، البغدادي مولدا وموطنا. ولد في بغداد ونشأ فيها، وقرأ على علماء بغداد منهم السيد محمود شكري الآلوسي. قال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن درهم: العلامة ذو العقل الراجح والشهامة علي بن سليمان آل يوسف طلب العلم في بغداد على مشايخ كثر، وأدرك في كثير من الفنون إدراكا تاما، وقد رأيته واجتمعت به واستفدت منه في مدة إقامته عندنا ببلدنا قطر، وهو إذ ذاك في صحبة الشيخ يوسف آل إبراهيم في أيام قدومه على الشيخ المرحوم قاسم آل ثاني عام خمس عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة، فرأيت رجلا لا يجارى فيما تكلم فيه من أي فن خصوصا في الأصول والعقائد، والتحقيق لعقيدة السلف والدعوة إليها والرد على من خالفها. له مؤلفات وردود تدل على سعة علمه، وتبنيه لعقيدة السلف.\n_________\n(١) علماء نجد (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ١٩٥ - ٢٠٠).","vol":"9","page":191},{"text":"توفي ﵀ ببغداد في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3171>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'أربح البضاعة في معتقد أهل السنة والجماعة'.\n٢ - 'قصيدة في الرد على أمين حنش البغدادي'.\n٣ - 'قصيدة في الرد على النبهاني'. (١)\n\nالعلامة طاهر الجزائري (٢) (١٣٣٨ هـ)\nطاهر بن محمد بن صالح بن أحمد بن موهب السمعوني الجزائري الأصل، الدمشقي المولد والنشأة دخل المدرسة الجقمقية وتخرج بالأستاذ عبد الرحمن البستاني، ثم اتصل بالعلامة الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني ولازمه إلى أن توفاه الله ثم أصبح فقيه المالكية بدمشق ومفتيها بالشام. كان مغرما باقتناء المخطوطات والبحث عنها، فساعد في إنشاء \"دار الكتب الظاهرية\" بدمشق و\"المكتبة الخالدية\" في القدس.\nتحلق حول الشيخ طائفة من الشيوخ والعلماء النابعون كالشيخ جمال الدين القاسمي وعبد الرزاق البيطار وغيرهم، والتحق بهم نوابغ الشباب من أمثال محب الدين الخطيب ورفيق العظم ومحمد سعيد الباني الذي ألف في ترجمة الشيخ 'تنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر'.\n_________\n(١) علماء نجد (٥/ ١٩٦ - ١٩٧).\n(٢) الأعلام للزركلي (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢) ومقدمة الجواهر الكلامية (ص.٧ - ٩).","vol":"9","page":192},{"text":"من مؤلفاته:\n١ - 'الجواهر الكلامية في إيضاح العقيدة الإسلامية'.\n٢ - 'تنبيه الأذكياء في قصص الأنبياء'.\n٣ - 'التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن'.\n٤ - 'توجيه النظر إلى علم الأثر'.\nوكلها طبعت.\n٥ - 'الإلمام في السيرة النبوية'. وهو مخطوط.\n٦ - 'التفسير الكبير' في أربع مجلدات. وهو مخطوط بالمكتبة الظاهرية.\nوغيرها.\nتوفي ﵀ بدمشق سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3173>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال تلميذه الشيخ سعيد الباني: كان يدعو المارقين إلى التدين، ولكن بالدين الذي تركنا عليه الشارع - ﷺ -، ونهج عليه سلف الأمة الصالح، ويتحاشى الجمود والتقليد الأعمى، ويرفض كل ما ألصق بالدين من الحرج والتنطع والحشود والبدع مما لا يلتئم مع الإسلامية السمحاء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3174>موقفه من الرافضة:</span>\nس: من أفضل الأمم جميعا بعد الأنبياء ﵈؟\nج: أفضل الأمم جميعا بعد الأنبياء هي الأمة المحمدية، وأفضلها\n_________\n(١) مقدمة 'الجواهر الكلامية' للطاهر الجزائري (ص.٨).","vol":"9","page":193},{"text":"الصحابة الكرام وهم الذين اجتمعوا بنبينا ﵊ وآمنوا به واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأفضلهم الخلفاء الأربعة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3175>موقفه من الصوفية:</span>\nس: هل يبلغ الولي درجة النبي، وهل يصل إلى حالة تسقط عنه التكاليف عندها؟\nج: لا يبلغ الولي درجة نبي من الأنبياء أصلا ولايصل العبد ما دام عاقلا بالغا إلى حيث يسقط عنه الأمر والنهي ويباح له ما شاء. ومن زعم ذلك كفر وكذلك يكفر من زعم أن للشريعة باطنا يخالف ظاهرها هو المراد بالحقيقة، فأول النصوص القطعية وحملها على غير ظواهرها. كمن زعم أن المراد بالملائكة القوى العقلية، وبالشياطين القوى الوهمية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3176>موقفه من الجهمية:</span>\nجاء في الجواهر الكلامية:\nس: ما المراد بالاستواء في قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٣)؟\nج: المراد به استواء يليق بجلال الرحمن جل وعلا، فالاستواء معلوم والكيف مجهول. واستواؤه على العرش ليس كاستواء الإنسان على السفينة\n_________\n(١) (ص.٨٠ - ٨١).\n(٢) (ص.٨٤ - ٨٥).\n(٣) طه الآية (٥).","vol":"9","page":194},{"text":"أو ظهر الدابة أو السرير مثلا، فمن تصور مثل ذلك فهو ممن غلب عليه الوهم لأنه شبه الخالق بالمخلوقات مع أنه قد ثبت في العقل والنقل أنه ليس كمثله شيء. فكما أن ذاته لا تشابه ذات شيء من المخلوقات كذلك ما ينسب إليه سبحانه لا يشابه شيئا مما ينسب إليها.\nس: هل يضاف إلى الله سبحانه يدان أو أعين أو نحو ذلك؟\nج: قد ورد في الكتاب العزيز إضافة اليد إلى الله سبحانه في قوله جل شأنه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) واليدين في قوله سبحانه: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢)، والأعين في قوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٣) إلا أنه لا يجوز أن يضاف إليه إلا ما أضافه إلى نفسه في كتابه المنزل أو أضافه إليه نبيه المرسل.\nس: ما المراد باليد هنا؟\nج: المراد باليد هنا معنى يليق بجلاله سبحانه، وكذلك الأعين، فإن كل ما يضاف إليه سبحانه يكون غير مماثل لما يضاف إلى شيء من المخلوقات. ومن اعتقد أن له يدا كيد شيء منها أو عينا كذلك فهو ممن غلب عليه الوهم إذ شبه الله بخلقه وهو ليس كمثله شيء.\nس: إلى من ينسب ما ذكرته في معنى الاستواء واليدين والأعين؟\n_________\n(١) الفتح الآية (١٠).\n(٢) ص الآية (٧٥).\n(٣) الطور الآية (٤٨).","vol":"9","page":195},{"text":"ج: ينسب ذلك إلى جمهور السلف.\nوأما الخلف فأكثرهم يفسرون الاستواء بالاستيلاء، واليد بالنعمة أو القدرة، والأعين بالحفظ والرعاية، وذلك لتوهم كثير منهم أنها إن لم تؤول وتصرف عن ظاهرها أوهمت التشبيه وقد اتفق الفريقان على أن المشبه ضال، وغيرهم يقولون إنما توهم التشبيه لولم يدل العقل والنقل على التنزيه، فمن شبه فمن نفسه أتي.\nس: كيف نثبت شيئا ثم نقول: (الكيف فيه مجهول)؟\nج: هذا غير مستغرب فإنا نعلم أن نفوسنا متصفة بصفات كالعلم والقدرة والإرادة، مع أنا لانعلم كيفية قيام هذه الصفات بها، بل إنا نسمع ونبصر ولا نعلم كيفية حصول السمع والإبصار بل إننا نتكلم ولا نعلم كيف صدر منا الكلام. فإن علمنا شيئا من ذلك فقد غابت عنا أشياء، ومثل هذا لا يحصى.\nفإذا كان هذا فيما يضاف إلينا فكيف الحال فيما يضاف إليه سبحانه. (١)\n\nعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (٢) (١٣٤٠ هـ)\nعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولد في الرياض، وتعلم بالمدينة ومصر وتونس، وساح\n_________\n(١) (ص.٢٣ - ٢٦).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ٤٥٧) والأعلام (٤/ ٩٩) ومعجم المؤلفين (٦/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"9","page":196},{"text":"في مراكش وجنوب آسيا والهند والأفغان وإيران والعراق. كان مرجع النجديين في أمور دينهم، وشارك في سياستهم وحروبهم، واشتهر بالكرم والدهاء، وكان مع آل سعود في هجرتهم إلى الكويت.\nتوفي ﵀ بالرياض سنة أربعين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3178>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n- 'رسالة في الاتباع وحظر الغلو في الدين'. (١)\n\nمحمود شكري الآلوسي (٢) (١٣٤٢ هـ)\nمحمود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين محمود الآلوسي الحسيني أبو المعالي، حفيد الآلوسي المفسر صاحب 'روح المعاني'، مؤرخ عالم بالأدب والدين من الدعاة إلى الإصلاح. ولد في رصافة بغداد سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف، وأخذ العلم عن أبيه محمد وعمه وغيرهما. وتصدر للتدريس في داره وفي بعض المساجد وحمل على أهل البدع في الإسلام برسائل فعاداه كثيرون فسعوا إلى والي بغداد فكتب إلى السلطان عبد الحميد فصدر الأمر بنفيه إلى بلاد الأناضول فقام أعيانها وكتبوا إلى السلطان يحتجون فسمح له بالعودة إلى بغداد فلزم بيته عاكفا على التأليف والتدريس، عرض عليه قضاء بغداد فزهد فيه، ولم يل عملا بعد ذلك غير عضوية مجلس المعارف في بدء\n_________\n(١) الإعلام للزركلي (٤/ ٩٩. علماء نجد خلال ثمانية قرون ٤/ ٤٥٧).\n(٢) الأعلام (٧/ ١٧٢ - ١٧٣) ومعجم المؤلفين (١٢/ ١٦٩ - ١٧٠).","vol":"9","page":197},{"text":"تأليف الحكومة العربية في بغداد. له مصنفات كثيرة نافعة.\nتوفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3180>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال عنه تلميذه الشيخ بهجة الأثري: ولأستاذنا الآلوسي النصيب الأكبر احتسب حياته لخدمة الدين الإسلامي، وتطهيره من أوضار البدع والمحدثات، التي فتت في ساعده، وبذل في ذلك غاية جهده، فجاهد أهل الحشو ودعاة عبادة القبور جهاد الأبطال في ساحات القتال، فكان سيفا ماضيا في رقاب الحشويين والقبوريين. (١)\n- وقال أيضا: جاهد السيد البدع والوثنيات، ودعا إلى التوحيد الذي هو أول ما كانت تدعو إليه الرسل، وبين ضرر تقليد الآباء والسير على آثارهم الغامضة، غير مدخر في جهاده ودعوته وسعا حتى كبح جماح الوثنيين وخفف من غلواء القبوريين أو كاد، فكان له من التأثير المحمود في قمع الضلال ما لا سبيل لأحد إلى إنكاره. (٢)\n- وقال في رده على النبهاني: إن كل ما ليس عليه أثارة من علم ليس بمقبول، وإن الاجتهاد ليس بنبوة حتى يقال إنه ختم بفلان وفلان، أما النبوة فقد دل نص الكتاب والسنة على ختمها. (٣)\n_________\n(١) أعلام العراق (ص.١٢٩ - ١٣١) كما في مقدمة 'صب العذاب على من سب الأصحاب' (ص.٩٥ - ٩٦).\n(٢) المصدر نفسه (ص.٩٦).\n(٣) غاية الأماني (١/ ٦٤). انظر مقدمة 'صب العذاب على من سب الأصحاب' (ص.١٠٠).","vol":"9","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3181>موقفه من المشركين:</span>\nلقد أجاد الشيخ ﵀ في شرحه للمسائل التي خالف فيها رسول الله - ﷺ - أهل الجاهلية لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وهي رسالة جيدة في بابها، نذكر نماذج منها:\n- قال في شرحه المسألة التاسعة عشرة: من خصالهم الاعتياض عن كتاب الله تعالى بكتب السحر.\nقال: وهذه الخصلة الجاهلية موجودة اليوم في كثير من الناس، لا سيما من انتسب إلى الصالحين وهو عنهم بمراحل، فيتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في النيران، وغير ذلك مما وردت الشريعة بإبطاله، فأعرضوا ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما ألقاه إليهم شياطينهم، وادعوا أن ذلك من الكرامات، مع أن الكرامة لا تصدر عن فاسق، ومن يتعاطى تلك الأعمال فسقهم ظاهر للعيان، ولذا اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، وفي مثلهم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال في المسألة الثانية والثلاثين: القول بالتعطيل كما كان يقوله آل فرعون. والتعطيل: إنكار أن يكون للعالم صانع، كما قال فرعون لقومه:\n_________\n(١) الكهف الآية (١٠٤).\n(٢) (ص.٩٢ - ٩٣).","vol":"9","page":199},{"text":"﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (١) ونحو ذلك. ولم يخل العالم عن مثل هذه الجهالات في كل عصر من العصور، وأبناء هذا الزمان إلا النادر على هذه العقيدة الباطلة، لو نظروا بعين الإنصاف والتدبر، لعلموا أن كل موجود في العالم يدل على خالقه وبارئه:\nوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد\n\nومن أين للطبيعة إيجاد مثل هذه الدقائق التي نجدها في الآفاق والأنفس، وهي عديمة الشعور لا علم لها ولا فهم -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-. (٢)\n- وقال في المسألة الثانية والأربعين: الغلو في الأنبياء والرسل ﵈. قال تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٣). والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة الأصنام والصالحين، كما كان في قوم نوح من عبادة نسر وسواع\n_________\n(١) القصص الآية (٣٨).\n(٢) (ص.١٢٣).\n(٣) النساء الآية (١٧١).","vol":"9","page":200},{"text":"ويغوث ونحوهم، وكما كان من عبادة النصارى للمسيح ﵇. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3182>موقفه من الرافضة:</span>\nلقد جرد الشيخ قلمه للرد على الروافض ودحض شبههم في أكثر من كتاب منها:\n١ - 'السيوف المشرقة مختصر الصواعق المحرقة'.\n٢ - 'المنحة الإلهية'.\n٣ - 'سعادة الدارين في شرح الثقلين' ترجمه عن الفارسية لمؤلفه الشيخ عبد العزيز ولي الله الدهلوي.\n٤ - 'رجوم الشيطان'.\n٥ - 'صب العذاب على من سب الأصحاب'.\n- قال في مطلعه: لما انتشر بين الناس البدع والضلالات، وسرى الجهل إلى سائر الجهات، أشاع الروافض رفضهم بين الناس، وأظهروا ما انطووا عليه من الخبث والدس والإلباس، فشمر عند ذلك علماء أهل السنة ساعد الجد والاجتهاد، لتطهير ما لوث به أهل الأهواء وجه الأرض من الفساد، فردوا عليهم في كتبهم أتم رد، وصدوهم عما ذهبوا إليه أكمل صد، بدلائل جلية، وبراهين قطعية. (٢)\n- وقال: والعجب كل العجب من رافضي ينتسب لأب؛ فإن من نظر إلى أحوال الروافض في المتعة في هذا الزمان لا يحتاج في حكمه عليهم\n_________\n(١) (ص.١٥٧).\n(٢) 'صب العذاب على من سب الأصحاب' (ص.٢٢٧ - ٢٢٨).","vol":"9","page":201},{"text":"بالزنا إلى شاهد ولا برهان؛ فإن المرأة الواحدة منهم تزني بعشرين رجلا في يوم وليلة، وتقول إنها متمتعة، وقد هيئت عندهم أسواق عديدة للمتعة توقف فيها النساء ولهن قوادون يأتون بالرجال إلى النساء، وبالنساء إلى الرجال، فيختارون ما يرضون، ويعينون أجرة الزنا، ويأخذون بأيديهن إلى لعنة الله تعالى وغضبه، فإذا خرجن من عندهم وقفن لآخرين، وهكذا. كما أخبر بذلك الثقات الذين دخلوا بلادهم، وإن جماعة نحو خمسة أو أقل أو أكثر يأتون إلى امرأة واحدة، فتقول لهم من الصبح إلى الضحى في متعة هذا، ومن الضحى إلى الظهر في متعة هذا، ومن الظهر إلى العصر في متعة هذا، ومن العصر إلى المغرب في متعة هذا، ومن المغرب إلى العشاء في متعة هذا، ومن العشاء إلى نصف الليل في متعة هذا، ومن نصف الليل إلى الصبح في متعة هذا، ويسمونها \"المتعة الدورية\" ... (١)\n- وقال في خاتمة رده في صب العذاب: فإن هؤلاء الأوغاد، ومنشأ الفتن والفساد أقل من أن تسود جوههم بمداد الأقلام، وأذل من أن يقابلوا بأسنة الألسنة وسهام الأرقام؛ فإنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، قد كوّروا العمائم، واتخذوا ذلك شبكة لصيد طير الولائم، كل منهم قد شمخ بأنف من الجهل طويل، واشمخرّ بخرطوم كخرطوم الفيل، واحتشى من قيح الخبث وقبح الأباطيل، على أن من \"يسمع يخِل\"، وغالب الرعاع اليوم كالأنعام بل هم أضل، يتبعون كل ناعق ويألفون كل ناهق.\n_________\n(١) 'صب العذاب على من سب الأصحاب' (ص.٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"9","page":202},{"text":"ثم إن ما حرّرته في إبطال كلام الزائغين وأوهام الناكبين عن سبيل المؤمنين، كان في أقل مدة، من غير كلفة ولا عدة؛ فإن فسادهم باد في أول النظر، وكسادهم بيّن لدى كل ذي بصر؛ فإنهم لا فسحة للقول إلا الجدّ، ولا راحة للطبع إلا السرد.\nوقد اقتصرت على رد ما ذكروه، ولم أتعرض في هذا المقام لسائر ما هَذَوا به وزوّروه، فقد قضي الوطر من إبطال جميع عقائدهم، وهدم أساس أصولهم وقواعدهم؛ فإن عادوا عدنا، وإن زادوا زدنا:\nإن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضرة\n\nوها أنا قائم على ساق العزم في ساحة المناظرة غير عاجز، ذو نية وبصيرة، يرجو الغداة نجاة فائز، واقف في ميدان البحث والمحاورة: هل من مبارز؟ إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز. وكيف لا وقد تكفل الله بنصرنا في قوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾ (١). وبمن أبالي وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ (٢) مع أني اليوم أقل القوم، وكم فينا معاشر أهل الحق من بطل همام، ونحرير إمام، يشق بذهنه الشعر، ويثقب بثاقب فكره الدرر، كم أقعدوا المخالفين على عجز الإفحام، وألجموا المعاندين بلجام الإلزام.\n_________\n(١) الروم الآية (٤).\n(٢) الصافات الآية (١٧٣).","vol":"9","page":203},{"text":"ومن أين لفئة الضلال مثل هؤلاء الرجال؛ فإن كلا منهم \"أحمق من ربيعة البكّاء\"، ومن \"ناطح الصخرة ولاعق الماء\"، و\"أخنث من هيت ودلال\"، وأخبث ممن سارت بخبثه الأمثال، وقد زادوا بجهلهم على الحمير، وهذه آثارهم والبعرة تدل على البعير.\nوالحمد لله الذي صدقنا وعده، ونصر حزبه وجنده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى الآل والأصحاب ومن أخلص لهم وُدّه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3183>موقفه من الصوفية:</span>\n- له من الآثار السلفية: 'غاية الأماني في الرد على النبهاني'، وقد طبع ووزع على نفقة بعض المحسنين. وكان أول محسن طبعه على نفقته الشيخ نصيف والشيخ عبد القادر التلمساني خدمة للعقيدة السلفية.\n- ومما قال فيه: وأعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين والدولة مبتدعة الرفاعية؛ فلا تجد بدعة إلا ومنهم مصدرها وعنهم موردها ومأخذها، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء والتجاء إلى غير الله وعبادة مشايخهم، وأعمالهم عبارة عن مسك الحيات والعقارب ونحو ذلك. (٢)\n- قال ﵀ في شرحه لكتاب المسائل التي خالف فيها رسول الله - ﷺ - أهل الجاهلية لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: المسألة السادسة والستون:\nتعبدهم بالمكاء والتصدية. قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ\n_________\n(١) 'صب العذاب على من سب الأصحاب' (ص.٥٣٠ - ٥٣٣).\n(٢) غاية الأماني (١/ ٣٧٠).","vol":"9","page":204},{"text":"صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾ (١). تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ أي: المسجد الحرام الذي صدوا المسلمين عنه، والتعبير عنه بالبيت للاختصار مع الإشارة إلى أنه بيت الله، فينبغي أن يعظم بالعبادة وهم لم يفعلوا.\n﴿إِلَّا مُكَاءً﴾ أي: صفيرا. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ أي: تصفيقا، وهو ضرب اليد باليد بحيث يسمع له صوت. والمراد بالصلاة إما الدعاء أو أفعال أخر كانوا يفعلونها، ويسمونها صلاة، وحمل المكاء والتصدية عليها بتأويل ذلك بأنها لا فائدة فيها، ولا معنى لها كصفير الطيور، وتصفيق اللعب. وقد يقال: المراد أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة التي يليق أن تقع عند البيت ... والمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة، بل من شعائر الجاهلية. فما يفعله اليوم بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية يزعمون أنهم يذكرون الله، فهو من قبيل فعل الجاهلية، وما أحسن ما يقول القائل فيهم:\nأقال الله صفق لي وغن ... وقل كفرا وسم الكفر ذكرا\n\nوقد جعل الشارع صوت الملاهي صوت الشيطان، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا\n_________\n(١) الأنفال الآية (٣٥).","vol":"9","page":205},{"text":"غُرُورًا (٦٤)﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3184>موقفه من الجهمية:</span>\nقال في شرحه المسألة الخامسة والخمسين: تلقيب أهل الهدى بالصابئة والحشوية:\nقال: كان أهل الجاهلية يلقبون من خرج عن دينهم بالصابئ، كما كانوا يسمون رسول الله - ﷺ - بذلك، كما ورد في عدة أحاديث من صحيح البخاري ومسلم وغيرهما (٣)، تنفيرا للناس عن اتباع غير سبيلهم.\nوهكذا تجد كثيرا من هذه الأمة يطلقون على من خالفهم في بدعهم وأهوائهم أسماء مكروهة للناس.\nوأما الحشوية، فهم قوم كانوا يقولون بجواز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة، كالحروف في أوائل السور، وكذا قال بعضهم، وهم الذين قال فيهم الحسن البصري لما وجد قولهم ساقطا، وكانوا يجلسون في خلقته أمامه: \"ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة\"، أي: جانبها.\nوخصوم السلفيين يرمونهم بهذا الاسم، تنفيرا للناس عن اتباعهم والأخذ بأقوالهم، حيث يقولون في المتشابه: لا يعلم تأويله إلا الله. وقد أخطأت استهم الحفرة، فالسلف لا يقولون بورود ما لا معنى له لا في الكتاب ولا في السنة، بل يقولون في الاستواء مثلا: \"الاستواء غير مجهول،\n_________\n(١) الإسراء الآية (٦٤).\n(٢) المسائل التي خالف فيها رسول الله - ﷺ - أهل الجاهلية (ص.٢١٤ - ٢١٦) باختصار.\n(٣) البخاري (٦/ ٦٨١ - ٦٨٢/ ٣٥٢٢) ومسلم (٤/ ١٩١٩ - ١٩٢٢/ ٢٤٧٣) من حديث أبي ذر في قصة إسلامه ﵁.","vol":"9","page":206},{"text":"والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر\".\nولقد أطال الكلام في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه، ولخص ذلك في كتابه 'جواب أهل الإيمان في التفاضل بين آيات القرآن'.\nومن الناس من فرق بين مذهب السلف ومذهب الحشوية، بأن مذهب الحشوية ورود ما يتعذر التوصل إلى معناه المراد مطلقا، فالاستواء -مثلا- عندهم له معنى يتوصل إليه بمجرد سماعه كل من يعرف الموضوعات اللغوية، إلا أنه غير مراد، لأنه خلاف ما يقتضيه دليل العقل والنقل، ومعنى آخر يليق به -تعالى- لا يعلمه إلا هو -﷿-.\nوكيف يكون مذهب السلف هو مذهب الحشوية، وقد رأى الحسن البصري الذي هو من أكابر السلف سقوط قول الحشوية، ولم يرض أن يقعد قائله تجاهه؟!.\nوالمقصود أن أهل الباطل من المبتدعة رموا أهل السنة والحديث بمثل هذا اللقب الخبيث. قال أبو محمد عبد الله بن قتيبة في 'تأويل مختلف الأحاديث': إن أصحاب البدع سموا أهل الحديث بالحشوية، والنابتة، والمتجبرة، والجبرية، وسموهم الغثاء، وهذه كلها أنباز لم يأت بها خبر عن رسول الله - ﷺ -. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3185>موقفه من القدرية:</span>\nقال في المسألة الخامسة والثلاثين: جحود القدر، والاحتجاج به على الله تعالى ومعارضة شرع الله بقدر الله.\n_________\n(١) (ص.١٨٨ - ١٩١).","vol":"9","page":207},{"text":"وهذه المسألة من غوامض مسائل الدين، والوقوف على سرها عسر إلا على من وفقه الله تعالى.\nولابن القيم كتاب جليل في هذا الباب سماه 'شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل'.\nوقد أبطل الله سبحانه هذه العقيدة الجاهلية بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (١).\nتفسير هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: حكاية لفن آخر من أباطيلهم.\n﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾: لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح، إذ لم يعتقدوا قبح أفعالهم، بل هم كما نطقت به الآيات يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وأنهم إنما يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى، وأن التحريم إنما كان من الله عزوجل، فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما ارتكبوه حق ومشروع ومرضي عند\n_________\n(١) الأنعام الآيتان (١٤٨و١٤٩).","vol":"9","page":208},{"text":"الله تعالى على أن المشيئة والإرادة تساوي الأمر، وتستلزم الرضى، كما زعمت المعتزلة، فيكون حاصل كلامهم أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئته سبحانه وإرادته، فهو مشروع ومرضي عند الله تعالى.\nوبعد أن حكى ﷾ ذلك عنهم، رد عليهم بقوله عز من قائل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وهم أسلافهم المشركون.\nوحاصله: أن كلامهم يتضمن تكذيب الرسل ﵈، وقد دلت المعجزة على صدقهم. أو نقول: حاصله: أن ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع، وكل ما هذا شأنه فلا تكليف به، لكونه مشروطا بالاستطاعة، فينتج: أن ما ارتكبه من الشرك وغيره، لم يتكلف بتركه، ولم يبعث له نبي، فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة صدق أريد بها باطل، لأنهم أرادوا بها أن الرسل ﵈ في دعواهم البعثة والتكليف كاذبون، وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية، ولكونه صدقا أريد به باطل، ذمهم الله تعالى بالتكذيب.\nووجوب وقوع متعلق المشيئة لا ينافي صدق دعوى البعثة والتكليف، لأنهما لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة.\nحتى ﴿ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾، أي: نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم، وفيه إيماء إلى أن لهم عذابا مدخرا عند الله تعالى، لأن الذوق أول إدراك الشيء.\n﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾، أي: هل لكم من علم بأن الإشراك وسائر ما أنتم عليه مرضي لله تعالى فتظهروه لنا بالبرهان؟","vol":"9","page":209},{"text":"وهذا دليل على أن المشركين أمم استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك، لأنهم كانوا يهزؤون بالدين، ويبغون رد دعوة الأنبياء ﵈، حيث قرع مسامعهم من شرائع الرسل ﵈ تفويض الأمور إليه ﷾، فحين طالبوهم بالإسلام، والتزام الأحكام، احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم مستهزئين بهم عليهم الصلاة والسلام، ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم، كيف لا والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان به عز شأنه وهو عنهم مناط العَيُّوق. (١)\n﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾، أي: تكذبون على الله تعالى.\n﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، أي: البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات، والمراد بها في المشهور: الكتاب والرسول والبيان. ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ بالتوفيق لها، والحمل عليها، ولكن شاء هداية البعض الصارفين اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، وضلال آخرين صرفوه إلى خلاف ذلك.\nومن الناس من ذكر وجها آخر في توجيه ما في الآية: وهو أن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلمون اختيارهم وقدرتهم، وأن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله\n_________\n(١) كوكب أحمر مضيء بحيال الثريا من ناحية الشمال ويطلع قبل الجوزاء، سمي بذلك لأنه يعوق الدبران عن لقاء الثريا. لسان العرب مادة [عيق].","vol":"9","page":210},{"text":"تعالى ورسوله ﵊ بذلك، فرد الله تعالى قولهم في دعواهم عدم الاختيار لأنفسهم، وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا الخيال، فكذب الرسل، وأشرك بالله عزوجل، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك بمشيئة الله تعالى، ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة.\nثم بين سبحانه أنهم لا حجة لهم في ذلك، وأن الحجة البالغة له تعالى لا لهم، ثم أوضح سبحانه أن كل واقع واقع بمشيئته، وأنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم، وأنه تعالى لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعين.\nوالمقصود أن يمتحض وجه الرد عليهم، وتتلخص عقيدة نفوذ المشيئة وعموم تعلقها بكل كائن عن الرد، وينصرف الرد إلى دعواهم سلب الاختيار لأنفسهم، وأن إقامتهم الحجة بذلك خاصة.\nوإذا تدبرت الآية وجدت صدرها دافعا لصدور الجبرية، وعجزها معجزا للمعتزلة، إذ الأول مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان، والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية، وبذلك تقوم الحجة لأهل السنة على المعتزلة، والحمد لله رب العالمين.\nومنهم من وجه الآية: بأن مرادهم رد دعوة الأنبياء ﵈، على معنى أن الله تعالى شاء شركنا، وأراده منا، وأنتم تخالفون إرادته، حيث تدعونا إلى الإيمان، فوبخهم سبحانه وتعلى بوجوه عدة:\nمنها قوله سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، فإنه بتقدير الشرط، أي:","vol":"9","page":211},{"text":"إذا كان الأمر كما زعمتم ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾.\nوقوله سبحانه: ﴿فلو شَاءَ﴾ بدلا منه على سبيل البيان، أي: لو شاء لدل كلا منكم ومن مخالفيكم على دينه، لو كان الأمر كما تزعمون، لكان الإسلام أيضا بالمشيئة، فيجب أن لا تمنعوا المسلمين من الإسلام، كما وجب بزعمكم ألا يمنعكم الأنبياء عن الشرك، فيلزمكم أن لا يكون بينكم وبين المسلمين مخالفة ومعاداة، بل موافقة وموالاة.\nوحاصله: أن ما خالف مذهبكم من النِّحل يجب أن يكون عندكم حقا، لأنه بمشيئة الله تعالى فيلزم تصحيح الأديان المتناقضة.\nوفي سورة النحل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ (١).\nالكلام على هذه الآية كالكلام على الآية السابقة، ولا تراهم يتشبثون إلا عند انخذال الحجة، ألا ترى كيف ختم بنحو آخر مجادلتهم في سورة الأنعام في الآية السابقة، وكذلك في سورة الزخرف وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ\n_________\n(١) النحل الآية (٣٥).","vol":"9","page":212},{"text":"سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ (١).\nويكفي في الانقلاب ما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، والمراد بما حرموه: السوائب والبحائر وغيرها.\nوفي تخصيص الاشتراك والتحريم بالنفي، لأنهما أعظم وأشهر ما هم عليه، وغرضهم من ذلك تكذيب الرسول ﵊ والطعن في الرسالة رأسا، فإن حاصله: أي ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع، فلو أنه ﷾ شاء أن نوحده، ولا نشرك به شيئا، ونحلل ما أحله، ولا نحرم شيئا مما حرمنا، كما تقول الرسل وينقلونه من جهته تعالى لكان الأمر كما شاء من التوحيد ونفي الإشراك، وتحليل ما أحله، وعدم تحريم شيء من ذلك، وحيث لم يكن كذلك، ثبت أنه لم يشأ شيئا من ذلك، بل شاء ما نحن عليه، وتحقق أن ما يقوله الرسل ﵈ من تلقاء أنفسهم. فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم، أي: أشركوا بالله تعالى، وحرموا من دونه ما حرموا، وجادلوا رسلهم بالباطل\n_________\n(١) الزخرف الآيات (١٩ - ٢٢).","vol":"9","page":213},{"text":"ليدحضوا به الحق.\n﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾، أي: ليست وظيفتهم إلا البلاغ للرسالة، الموضح طريق الحق، والمظهر أحكام الوحي التي منها تحتم تعلق مشيئته تعالى باهتداء من صرف قدرته واختياره إلى تحصيل الحق، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١).\nوأما إلجاؤهم إلى ذلك، وتنفيذ قولهم عليه شاؤوا أو أبوا كما هو مقتضى استدلالهم فليس ذلك من وظيفتهم، ولا من الحكمة التي يتوقف عليها التكليف، حتى يستدل بعدم ظهور آثاره على عدم حقية الرسل ﵈ أو على عدم تعلق مشيئته تعالى بذلك، فإن ما يترتب عليه الثواب والعقاب من الأفعال لابد في تعلق مشيئته تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية، وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله، وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريين.\nوالكلام على هذه الآية ونحوها مستوفى في تفسير 'روح المعاني' (٢) وغيره.\nفجحود القدر، والاحتجاج به على الله، ومعارضة شرع الله بقدره، كل ذلك من ضلالات الجاهلية.\nوالمقصود أنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين، فمن زلت\n_________\n(١) العنكبوت الآية (٦٩).\n(٢) (٨/ ٥١ - ٥٣).","vol":"9","page":214},{"text":"قدمه عن هذه الجادة كان على ما كان عليه أهل الجاهلية، وهي الطريقة التي رد عليها الله سبحانه ورسوله - ﷺ -. (١)\n\nالشيخ بَابَ (٢) (١٣٤٢ هـ)\nالعلامة المحدث سيدي بن سيدي محمد، وقد اشتهر بلقبه باب ابن الشيخ سيدي، ويقال له الشيخ سيدي بَابَ، وكنيته أبو محمد ويرجع نسبه إلى قبيلة تَنْدَغ المرابطية. ولد عام سبع وسبعين ومائتين وألف في بلاده، ونشأ في بيئة علمية متدينة فهو من عائلة ذات شهرة دينية وعلمية كبيرة لها مكانة في المجتمع الموريتاني. حفظ القرآن الكريم قبل بلوغه عشر سنين، واشتغل بتحصيل العلم على كبار علماء بلاده، منهم: محمد بن السالم البوحسني، ومحمد بن حنبل بن الفال، وأحمد بن سليمان الديماني، وأحمد بن أزوين. درس السنة وجعلها نصب عينيه وعمل بها، عقيدة وشريعة وسلوكا.\nكان لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يبالي بما يصيبه في سبيله وقاد دعوة سلفية تهدف إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - ونبذ الجمود والتقليد.\nقال سبطه محمد بن أبي مدين: محيي السنة ومجدد القرن الرابع عشر. وقال عنه أحمد بن أحمد المختار: العلامة المحقق الموحد، العالم المتبحر سيف الله المسلول على المبتدعين والمعطلين وأهل الخرافة أجمعين. وله عدة مؤلفات\n_________\n(١) شرح المسائل التي خالف فيها رسول الله - ﷺ - (ص.١٢٩ - ١٣٧).\n(٢) السلفية وأعلامها في موريتانيا (٢٨٢ وما بعدها).","vol":"9","page":215},{"text":"منها: 'إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين' و'أرجحية التفويض في آيات الصفات وأحاديثها' و'حكم الهجرة من البلاد المحتلة' و'بيان إعجاز القرآن' وغيرها.\nتوفي رحمه الله تعالى في بلاده سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة عن عمر بلغ أربعة وستين عاما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3187>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀ في منظومته:\nكن للإله ذاكرا ... وأنكر المناكرا\nوكن مع الحق الذي ... يرضاه منك دائرا\nولا تعد نافعا ... سواءه أو ضائرا\nواسلك سبيل المصطفى ... ومت عليه سائرا\nأما كفى أولنا؟ ... أليس يكفي الآخرا؟\nوكن لقوم أحدثوا ... في أمره مهاجرا\nقد موهوا بشبه ... واعتذروا معاذرا\nوزعموا مزاعما ... وسودوا دفاترا\nواحتنكوا أهل الفلا ... واحتنكوا الحواضرا\nوأورثت أكابر ... بدعتها أصاغرا\nواحكم بما قد أظهروا ... فما تلي السرائرا\nوإن دعا مجادل ... في أمرهم إلى مرا\nفلا تمار فيهم ... إلا مراء ظاهرا","vol":"9","page":216},{"text":"- وقال أيضا:\nآمن أخي واستقم ... ونهج أحمد التزم\nواجتنب السبل لا ... تغررك أضغاث الحلم\nلا خير في دين لدى ... خير القرون منعدم\nأحدثه من لم يرد ... نص بأنه عصم\nمن بعدما قد أنزلت ... اليوم أكملت لكم\nوبعدما صح لدى ... جمع على غدير وخم\nوادع إلى سبيله ... وخص في الناس وعم\nواذكر إذا ما أعرضوا ... عليكم أنفسكم (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3188>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀:\nما أوهم التشبيه في آيات ... وفي أحاديث عن الثقات\nفهي صفات وصف الرحمن ... بها وواجب بها الإيمان\nثم على ظاهرها نبقيها ... ونحذر التأويل والتشبيها\nقال بذا الثلاثة القرون ... والخير باتباعهم مقرون\nوهو الذي ينصره القرآن ... والسنن الصحاح والحسان\nوكم رآه من إمام مرتضى ... من الخلائق بناظر الرضى\nومن أجاز منهم التأويلا ... لم ينكروا ذا المذهب الأصيلا\n_________\n(١) السلفية وأعلامها في موريتانيا (٢٩٥ - ٢٩٦).","vol":"9","page":217},{"text":"والحق أن من أصاب واحد ... لاسيما إن كان في العقائد\nووافق النص وإجماع السلف ... فكيف لا يتبع هذا من عرف\nومن تأول فقد تكلفا ... وغير ما له به علم قفا\nوفي الذي هرب منه قد وقع ... وبعضهم عن قوله به رجع\nحتى حكى في منعه الإجماعا ... وجعل اجتنابه اتباعا\nوقد نماه بعض أهل العلم ... من الأكابر لحزب جهم\nفاشدد يديك أيها المحق ... على الذي سمعت فهو الحق (١)\n- وقال أيضا: وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، من الصحابة والتابعين، وفقهاء الأمصار الذين ساروا على هذا المنهج، كالإمام مالك، والشافعي، والسفيانين، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم من الأئمة المتمسكين بهذا المذهب ..\nكلهم تلقوا آيات الصفات وأحاديثها بالقبول، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، حيث كانوا يقولون: اقرأوها كما جاءت، بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، على حد قوله تعالى: ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢).اهـ (٣)\n_________\n(١) السلفية وأعلامها في موريتانيا (٢٩٠ - ٢٩١).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) أعلام السلفية (ص.٢٩٢).","vol":"9","page":218},{"text":"إسحاق بن حمد بن علي بن عتيق (١) (١٣٤٣ هـ)\nإسحاق بن حمد بن علي بن عتيق. ولد في رجب سنة سبع وثمانين ومائتين وألف وقيل غير ذلك. نشأ نشأة علمية، حيث قرأ على والده العلامة الشيخ حمد وعلى أخيه الشيخ سعد. وله قصائد كثيرة، منها مراثي ومنها أمداح.\nتوفي ﵀ سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3190>موقفه من المبتدعة:</span>\nله حاشية على كتاب التوحيد. (٢)\nوقد نظم شروط \"لا إله إلا الله\" وما يضادها، فقال:\nلسبعة الشروط في الشهادة ... حتم علينا قبول ذي الإفادة\nعلم ينافي الجهل واليقين ... إذا نفى للشك يا فطين\nكذا القبول إن نفى للرد ... والانقياد رابع في العد\nوهو المنافي الشرك إخلاص الفتى ... إذا نفى للشرك فافهم يا فتى\nوالصدق أيضًا المنافي للكذب ... محبة تنفي لشد فاحتسب (٣)\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ٥٥٥ - ٥٥٦).\n(٢) علماء نجد (١/ ٥٥٥)\n(٣) علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ٥٥٦).","vol":"9","page":219},{"text":"محمد عز الدين القسام (١) (١٣٤٥ هـ)\nمحمد عز الدين بن عبد القادر القسام ولد سنة ثلاثمائة وألف للهجرة بجبلة الأدهمية من أعمال اللاذقية بالشام.\nرحل إلى الأزهر لطلب العلم وعمره أربعة عشر سنة. ثم رجع إلى قريته بعد أن تخرج من الأزهر وحمل شهادته سنة عشرين وثلاثمائة وألف للهجرة. فعمل إمامًا وخطيبا بمسجد المنصوري بجبلة، وعين مدرسا في الجامع الكبير بجبلة جامع إبراهيم بن أدهم.\nشارك في الجهاد ضد الفرنسيين الذين احتلوا بلاده فحكموا عليه بالإعدام وطاردوه، ثم رحل إلى فلسطين واستقل في ضاحية \"الياجور\" قرب \"حيفا\"، فأصبح خطيبا ومدرسا بجامع الاستقلال الذي سهر على جمع التبرعات لبنائه وأنشأ مدرسة ليلية لتعليم الأميين العرب ومن خلالها بث فكرة الجهاد في نفوس الناس ثم أسس جمعية لذلك وجمع التبرعات ودرّب من انضمّ إليه تدريبا عسكريا بعد أن هيّأه دينيًّا للجهاد في سبيل الله.\nثم بعد أسبوعين من مهاجمة قوات الاحتلال الإنجليزي للمتظاهرين العرب في القدس أعلن الجهاد فتوجّه بالمجاهدين إلى جبال جنين فهاجمهم الإنجليز، فتوفي ﵀ في تلك المعركة جعله الله من الشهداء الأبرار وذلك يوم الأربعاء لأربع وعشرين خلون من شهر شعبان عام أربع وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n_________\n(١) الأعلام (٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨) ومقدمة مشهور حسن سلمان لكتاب 'السلفيون وقضية فلسطين' (ص.١١٤).","vol":"9","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3192>موقفه من المبتدعة:</span>\nألف بالاشتراك مع محمد كامل القصاب رسالة ماتعة في ردّ بدعة الجهر بالذكر في تشييع الجنازة وضمّناها رد الكثير من البدع: كإحياء ذكرى المولد النبوي، وإحياء ليلة النصف من شعبان بصلوات وأذكار مخصوصة، وبدعة التوحيش وهي أناشيد توديع رمضان التي تقام إذا بقي من رمضان أيام قليلة من طرف المؤذنين بعد سلام الإمام من الوتر.\n- قال في مطلعه: أما بعد؛ فقد اطلعنا على رسالة 'فصل الخطاب في الرد على الزنكلوني والقسام والقصاب' تأليف الفاضل الشيخ محمد صبحي خزيران الحنفي العكي، رئيس كتاب المحمكة الشرعية في ثغر \"عكاء\"، وقد ألفها انتصارا لأستاذه الفاضل الشيخ عبد الله الجزار مفتي عكاء وقاضيها؛ إذ قد أفتى أحدنا لما سئل عن حكم الصياح في التهليل والتكبير وغيرهما أمام الجنائز، بأنه مكروه تحريما، وبدعة قبيحة، يجب على علماء المسلمين إنكارها، وعلى كل قادر إزالتها، مستدلا بآية قرآنية، وحديث صحيح، وأقوال الفقهاء. (١)\n- قال في 'النقد والبيان' (٢) عن الاحتفال بالمولد النبوي: إن الاحتفال بقراءة قصة المولد النبوي ليست سنة الخلفاء الراشدين، فيُعضّ عليها بالنواجذ، ولا فعلها أحد من أهل القرون الثلاثة الفاضلة، التي هي خير القرون الإسلامية، بشهادة الرسول - ﷺ -، وإنما أحدثها الملك المظفّر التركماني الجنس، صاحب إربل، ثم صارت عادة متبعة وسنة مبتدعة وشعارا دينينا.\n_________\n(١) ضمن 'السلفيون وقضية فلسطين' (ص.٤).\n(٢) ضمن 'السلفيون وقضية فلسطين' (ص.١١٧ - ١١٨).","vol":"9","page":221},{"text":"- وقال عن بدعة رفع الصوت بالذكر في تشييع الجنائز: .. يتعين على كل قادر على إزالة هذه البدعة أن يزيلها، وإلا فهو آثم وشريك لصاحبها ويجب على كل عالم أن ينكرها .. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3193>موقفه من المشركين:</span>\n- جاء في كتاب: 'عز الدين القسام شيخ المجاهدين في فلسطين' (٢) لمحمد حسن شراب: إن عز الدين القسام حارب حج النساء إلى مقام الخَضِر بجبال \"الكرمل\" قرب \"حيفا\" لتقديم النذور وذبح القرابين للشفاء من المرض أو نجاح في مدرسة، وكُنّ يرقصن حول المقام الموهوم فدعا الناس إلى أن يتوجهوا بنذورهم وأضاحيهم إلى الله تعالى فقط لأنه وحده هو القادر على الضر والنفع. (٣)\n- ومن مواقفه التي تحفظ له في مواجهة المستعمر الإنجليزي أنه باع بيته ليشتري به السلاح لحرب الكافر المعتدي.\n\nعبد الله بن علي بن محمد بن حميد (٤) (١٣٤٦ هـ)\nعبد الله بن علي بن محمد بن عبد الله بن حميد بن غانم من آل أبي غنام، وجده هو صاحب السحب الوابلة. ولد في عنيزة سنة اثنتان وتسعين ومائتين وألف للهجرة، وتوفي جده وله أربع سنين، وتوفي والده وله أربع عشرة\n_________\n(١) المصدر نفسه (ص.١٤٤).\n(٢) (ص.١٧٢ - ١٧٣).\n(٣) نقلا عن 'السلفيون' (ص.٩ - ١٠).\n(٤) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ٣٣٨ - ٣٤٣) والأعلام (٤/ ١٠٨).","vol":"9","page":222},{"text":"سنة. نشأ المترجَم في بيت علم وفضل، وقرأ على علماء مكة كالشيخ شعيب المغربي والشيخ أحمد بن عيسى والشيخ عبد الله بن علي بن عمرو. وأخذ عن الشيخ عبد الله القدومي والشيخ محمد سعيد بابصيل والشيخ صالح العثمان آل قاضي وغيرهم.\nقال فيه الشيخ زكريا بن عبد الله: عالم فاضل ناسك عرفته يواظب على الصلاة في المسجد الحرام. تولى إفتاء الحنابلة بمكة المكرمة، ثم عزل، ثم أعيد. له من التلاميذ الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع والشيخ سليمان بن محمد ابن شبل والشيخ محمد بن سليمان الفريح الأشيقري والشيخ عبد الله بن سليمان التركي وغيرهم.\nتوفي ﵀ في ذي الحجة سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة في الطائف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3195>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية: 'شرح مختصر على عقيدة السفاريني'. (١)\n\nسليمان بن سَحْمَان (٢) (١٣٤٩ هـ)\nالشيخ سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان العالم المصنف واللسان المدافع عن الدعوة السلفية. ولد بقرية السقا سنة ثمان وستين ومائتين وألف، فنشأ فيها وقرأ على والده الذي كان من حفاظ القرآن ثم بالرياض\n_________\n(١) علماء نجد (٤/ ٣٤١)\n(٢) علماء نجد (١/ ٢٧٩ - ٢٨١) والأعلام (٣/ ١٢٦) ومعجم المؤلفين (٤/ ٢٦٤) والدرر السنية (١٢/ ٨٧ - ٩٣).","vol":"9","page":223},{"text":"على الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه العلامة عبد اللطيف، فلازم دروسهما وجد واجتهد حتى صلب عوده في العلم وقوي عضده في النضال. واعتدل قلمه في الكتابة واستقام لسانه في الإنشاء.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: بلغ في العلوم مبلغا حتى صار منارا يهتدى به، إماما هماما، شهما مقداما، أصوليا مجتهدا، متبحرا كثير التصانيف، كشف جميع شبه المشبهين نظما ونثرا، حتى أدحض حججهم وأرغم أنوفهم، منارا يهتدى به، أمة وحده، وفردا حتى نزل لحده، أخمل من القرناء كل عظيم، وأخمد من أهل البدع كل حديث وقديم، قام في رد الشبه مقاما فاق به أهل وقته، فثبته الله وسدده، وأدحض به الباطل وأخمده. وله مصنفات كثيرة في توضيح الدعوة السلفية.\nتوفي بالرياض سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3197>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في علماء نجد: جرد قلمه للرد على هؤلاء المغرضين -يعني أعداء الدعوة السلفية- ولسانه برائع الشعر على المارقين، فصار يكيل لهم الصاع صاعين بقوة الكلام، وسطوع الحجة وصحة البرهان، فيدحض أقوالهم، ويرد شبههم، ويوهن حجتهم، كما يرميهم بشهب من قصائده الطنانة، وأشعاره الرنانة، وقوافيه المحكمة، وأبياته الرصينة، وبهذا فهو ذو القلمين، وصاحب الصناعتين، وقلّما اجتمع النثر والشعر لواحد إلاّ لنوابغ الكُتّاب وأصحاب الأقلام، فصار لسان هذه الدعوة، ومحامي هذه الملة، فكان من هذه الردود","vol":"9","page":224},{"text":"القاطعة، والحجج الدامغة هذه المؤلفات الساطعة (١)، نذكر منها:\n١ - 'الأسنة الحداد في رد شبهات علوي الحداد'.\n٢ - 'الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية'.\n٣ - 'كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام'.\n٤ - 'الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق'.\n٥ - 'كشف شبهات البغدادي في تحليله ذبائح الصليب وكفار البوادي'.\n٦ - 'إقامة الدليل والمحجة'.\n٧ - 'تبرئة الشيخين الإمامين من تزوير أهل الكذب والمين'.\n٨ - 'تأييد مذهب السلف وكشف شبهات من حاد وانحرف ودعي باليماني شرف'.\n٩ - 'منهاج أهل الحق والاتباع'. (٢)\nوكتب هذا الشيخ أغلبها مطبوعة، ولعلنا نقف على حقيقتها كلها فنصفها ونعطيها ما تستحقه من الوصف العلمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3198>موقفه من الجهمية:</span>\nله مؤلفات عظيمة أفردها ﵀ في الرد على الجهمية سواء منها الجهمية الغابرة أو جهمية أهل زمانه، من هذه المؤلفات:\n١ - 'كشف الأوهام والالتباس عن تلبيس بعض الأغبياء من الناس'، بين فيها إجماع أهل السنة النبوية على تكفير الجهمية، وهي عبارة عن رد\n_________\n(١) (٢/ ٤٠١).\n(٢) علماء نجد (٢/ ٤٠٢).","vol":"9","page":225},{"text":"على حسين بن حسن آل الشيخ في ادعائه أن لأهل السنة في تكفير الجهمية قولين.\n٢ - 'منظومة منظمة الشيخ سليمان بن سحمان في الرد على من أنكر على الإخوان تكفير جهمية أهل هذا الزمان'. وهي كسابقتها.\n٣ - 'تمييز الصدق من المين في محاورة الرجلين'. وهو كسابقيه.\nوقد آثرنا الإشارة إلى ذلك فقط دون إسهاب وتطويل، ومن شاء التفصيل فليرجع إلى الرسائل المشار إليها آنفا، فسوف يجد فيها بغيته بإذن الله.\n\nسعد بن حمد بن عَتِيق (١) (١٣٤٩ هـ)\nسعد بن حمد بن علي بن محمد بن عتيق. ولد في بلدة الحلوة سنة سبع وسبعين ومائتين وألف، ونشأ فيها فقرأ على والده، فلما أدرك في التوحيد والتفسير والحديث والفقه والنحو رغب في الزيادة فسافر إلى الهند فقرأ على أعلامها كالشيخ صديق حسن خان والشيخ نذير حسين الدهلوي والشيخ شريف حسين وغيرهم. ثم عاد بعد تسع سنين إلى مكة في موسم الحج فالتقى بالشيخ شعيب الدكالي المغربي وآخرين، وبانكبابه على القراءة والاستفادة من هؤلاء العلماء الكبار بلغ في العلم مبلغا كبيرا وصار في عداد كبار العلماء.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: وبرع حتى أدرك من العلوم حظا وافرا، وفاق أهل زمانه محصولا، وسمق حتى كان حجة حافظا، وكان كامل العقل، شديد التثبت، حسن السمت، حسن الخلق، له اليد الطولى في\n_________\n(١) علماء نجد (١/ ٢٦٦ - ٢٦٩) والأعلام (٣/ ٨٤) ومعجم المؤلفين (٤/ ٢١١) والدرر السنية (١٢/ ٩٣ - ٩٦).","vol":"9","page":226},{"text":"الأصول والفروع، تام المعرفة في الحديث ورجاله، وكان من العلماء العاملين، واشتهر ذكره في العالمين، وأثنت عليه ألسن الناطقين.\nتوفي ﵀ سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3200>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في علماء نجد: وصار من عداد كبار العلماء المشار إليهم بالبنان كما ورث عن والده الغيرة الشديدة في الدين، والصلابة في العقيدة. فاشتهر بسعة العلم والتقى والصلاح، وجد واجتهد في نشر الدعوة السلفية، حتى نفع الله باجتهاده وبركة دعوته خلقا كثيرا.\nله من الآثار السلفية:\n'عقيدة الطائفة النجدية في توحيد الألوهية'. يوجد مخطوطا في جامعة سعود.\nجمعت كتاباته وفتاواه في كتاب سمي: 'المجموع المفيد من رسائل وفتاوى الشيخ سعد بن حمد بن عتيق'. (١)\n\nأبو بكر خُوقِير (٢) (١٣٤٩ هـ)\nأبو بكر بن محمد عارف بن عبد القادر المكي مولدا وسكنا ووفاة، عين مفتيا للحنابلة، ثم اشتغل بالاتجار في الكتب، ثم عين مدرسا بالحرم المكي في العهد السعودي، واستمر إلى أن توفي ﵀ سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف.\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٢/ ٢٢١).\n(٢) الأعلام (٢/ ٧٠) ومعجم المؤلفين (٣/ ٧٣).","vol":"9","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3202>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار:\n١ - 'ما لا بد منه في أمور الدين' وهو عبارة عن أسئلة وأجوبة في العقيدة يشبه النهج المدرسي، وهو مطبوع.\n٢ - 'فصل المقال وإرشاد الضال في توسل الجهال'.\n٣ - 'التحقيق في الطريق' مطبوع وفيه بعض الخلط.\n٤ - 'تحرير الكلام عن سؤال الهندي في صفة الكلام'. (١)\n\nناصر بن سعود بن عبد العزيز شويمي (٢) (١٣٤٩ هـ)\nالشيخ ناصر بن سعود بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى شويمي. ولد في بلده شقراء في حدود سنة خمس وثمانين ومائتين وألف للهجرة، ونشأ فيها وأخذ عن علمائها وأشهرهم الشيخ القاضي علي بن عبد الله بن عيسى والشيخ أحمد بن عيسى والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ سعد بن عتيق وغيرهم. رحل إلى الرياض والحجاز وصنعاء والشام والعراق فأخذ فيها عن العلامة محمود شكري الآلوسي وعن غيره من علماء بغداد. كان ﵀ واسع الاطلاع في كل العلوم من توحيد وتفسير وحديث وفقه وغيرها، وكانت له اليد الطولى في اللغة وأشعار العرب. جلس للتدريس في جامع شقراء وولي إمامته وخطابته. أخذ عنه الشيخ عبد الرحمن\n_________\n(١) ذكرها الزركلي في الاعلام (٢/ ٧٠).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ٤٥٨ - ٤٦٤).","vol":"9","page":228},{"text":"بن عبد العزيز الحصين والشيخ عبد الله أبا بطين والشيخ إبراهيم الهويش والشيخ عبد الرحمن ابن علي بن عودان قاضي عنيزة وغيرهم. عرض عليه القضاء فرفض، واستمر على نشر العلم إلى أن توفي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف وقيل خمسين وثلاثمائة وألف للهجرة ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3204>موقفه من المشركين:</span>\nله قصيدة رد بها على أمين بن حنش العراقي وشيخه داود بن جرجيس وهي تزيد على أربعين بيتا، منها:\nواضرب بصمصامة الشعر القوي أخا ... جهل لئيم الخيم خوانا\nأمين ابن الذي يدعونه حنشا ... من اكتسى من ثياب الزيغ ألوانا\nفظل يمدح جهلا من سفاهته ... ذا الكفر والجهل داود بن سلمانا\nهلا مدحت الذي شاعت فضائله ... وشاد للملة البيضاء أركانا\nحبر الزمان ومحيي كل ما اندثرت ... من سنة المصطفى فعلا وتبيانا\nعبد اللطيف الذي ألقت أزمتها ... كل العلوم إلى يمناه إذعانا (١)\n\nعبد الله السنوسي (٢) (١٣٥٠ هـ)\nعبد الله بن إدريس بن محمد بن أحمد السنوسي، أبو سالم، العالم الأثري، الفاسي نزيل طنجة. من قبيلة بني سنوس بالبربر من كومية، وتعرف قديما بصطفورة. أخذ عن والده أبي العلاء إدريس وأبي عيسى محمد المهدي\n_________\n(١) علماء نجد (٦/ ٤٦٤).\n(٢) معجم الشيوخ أو رياض الجنة لتلميذه عبد الحفيظ الفاسي (٢/ ٨١ - ٩٦).","vol":"9","page":229},{"text":"ابن سودة والقاضي حميد بناني ومحمد نذير حسين الدهلوي وأبي الفضل جعفر الكتاني وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن العلوي وغيرهم كثير. وأجازه جماعة. وله تلاميذ كثر من أبرزهم عبد الله كنون وعبد الحفيظ الفاسي.\nرحل مرات إلى الشرق فحج، واستوطن دمشق الشام، ودرس في كل بلد وأفاد، وهرع الناس للرواية عنه.\nقال عنه تلميذه عبد الحفيظ الفاسي: العالم العلامة المحدث الأثري السلفي الرحالة المعمر ... وقال عنه العلامة محمد تقي الدين الهلالي في مقال له بمجلة دعوة الحق المغربية (١): العالم السلفي المحدث المحقق. وقال عنه الشيخ عبد الرحمن النتيفي (٢): وكان ﵀ سلفي المذهب. (٣)\nاستقر آخر حياته بطنجة معلما ومدرسا إلى أن توفي بها ﵀ في أربع وعشرين من جمادى الأولى سنة خمسين وثلاثمائة وألف. بعد ما عمر نحو تسعين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3206>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال عبد الحفيظ الفاسي: ولما حج شيخنا أبو سالم عبد الله بن إدريس السنوسي ورجع إلى المغرب محدثا بما تحمله عمن لقي من أهل الحديث والأثر؛ كمحمد نذير حسين الهندي المحدث الأثري المشهور وأضرابه، ووفد على السلطان المقدس المولى الحسن رحمه الله تعالى قربه وأدناه وأمره بحضور\n_________\n(١) (ص.٥٤) العدد ٢ - ٣ سنة ١٣٩٨هـ/١٩٧٨م.\n(٢) ستأتي مواقف النتيفي سنة (١٣٨٥هـ).\n(٣) مقدمة نظر الأكياس (ص.٢٠).","vol":"9","page":230},{"text":"مجالسه الحديثية؛ فأعلن بمحضره وجوب الرجوع للكتاب والسنة، ونبذ ما سواهما من الآراء والأقيسة، ونصر مذهب السلف في العقائد، واشتد الجدال بينه وبين من كان يحضر من العلماء في ذلك المجلس، كل فريق يؤيد مذهبه ومعتقده، إلا أن السلطان لم يكن يعمل بأقوال العلماء فيه ككونه معتزليا، وخارجيا، وبدعيا؛ بل كان في الحقيقة ناصرا له بما كان يخصه به من العطايا والصلات، زيادة على سهمه معهم في جوائزه المعتادة، وبسبب تعضيد السلطان له بعطاياه ثابر على مذهبه طول حياته؛ فنشره في كافة أنحاء المغرب، وتلقاه عنه كثير من مستقلي الأفكار منذ أوائل هذا القرن إلى أن توفي منتصفه رحمه الله تعالى حسبما استوفينا الكلام على ذلك في ترجمته من المعجم (١)، هكذا تقلب هذا المذهب في المغرب، وهو اليوم شائع منصور بفضل القائمين به، وتأييده بالأدلة الصحيحة وسيزداد اليوم ظهورا. (٢)\n- وقال: كان ﵀ عالما مشاركا، محدثا ملازما لتلاوة القرآن الكريم، حسن النطق به، دؤوبا على نشر الحديث وتدريسه، سلفي العقيدة، أثري المذهب، عاملا بظاهر الكتاب والسنة، نابذا لما سواهما من الآراء والفروع المستنبطة، منفرا من التقليد، متظاهرا بمذهبه، قائما بنصرته، داعيا إليه، مجاهرا بذلك على الرؤوس، لا يهاب فيه ذا سلطة، شديدا على خصمائه من العلماء الجامدين وعلى المبتدعة والمتصوفة الكاذبين، مقرعا لهم، مسفها أحلامهم، مبطلا آراءهم، مبالغا في تقريعهم، لم يرجع عن ذلك منذ\n_________\n(١) (ص.٨١ ج ٢) وهو رياض الجنة وسيأتي النقل منه.\n(٢) الآيات البينات في شرح وتخريج الأحاديث المسلسلات (ص.٣٠١ - ٣٠٢).","vol":"9","page":231},{"text":"اعتقده ولا جل (١) من عزمه كثرة معاداتهم له. (٢)\nوقال محمد السائح: وكان أثريا سلفيا .. فصدع بوجوب إصلاح العقيدة وفتح باب الاجتهاد والأخذ بالسلفية، فثار في وجهه علماء فاس ورشقوه لسهام الانتقاد عن يد واحدة. (٣) وقال عنه عبد الله كنون: .. ففي الصنف الرابع وهو المتمسك بالسنة اعتقادا وعملا، وقد قلنا إنه شخص واحد وذلك -فيما أدركنا وما رأينا- وإن كان هناك غيره فإن هذا الشخص هو الذي كان له الظهور والشهرة عند الخاص والعام، ونعني به الشيخ الجليل السيد عبد الله بن إدريس السنوسي الفاسي، فهذا الرجل كان قد وصل إلى المشرق وجال في أقطاره وأخذ من أعلامه، وعاد جبلا راسخا في العلم بالسنة والتمكن من المذهب السلفي، ونبذ التقليد، والجهر بالدعوة إلى توحيد الألوهية، ومحاربة البدع والضلالات والطرقية، والتعلق بالقبور والأموات. ثم قال: ولم يفتأ ينشر الدعوة إلى السنة ويندد بالجمود والابتداع. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3207>موقفه من الصوفية:</span>\nوأما اتهامه بإنكار الولاية والكرامات؛ فمعاذ الله أن يصدر منه ذلك؛ وإنما هو من مفترياتهم، إلا أنه ينكر على المدعين الذين جعلوا التصوف حبالا وشباكا يصطادون بها أموال الناس، ويدعون المقامات العالية كذبا وزورا،\n_________\n(١) جل هنا بمعنى صغر وهو من الأضداد.\n(٢) رياض الجنة (٢/ ٨٢).\n(٣) مجلة دعوة الحق العدد ٢ سنة ١٩٦٩م (ص.٣٩).\n(٤) مجلة دعوة الحق العدد ٧ سنة ١٩٦٩م (ص.٨).","vol":"9","page":232},{"text":"ويبشرون من أخذ عنهم بفضائل وأجور تغنيهم عن تحمل أعباء العبادات والعزائم الشرعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3208>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال عبد الحفيظ الفاسي في معرض ذكره الكتب التي درسها عليه: (قرأت كتاب 'الرد على الجهمية' لشيخ أهل السنة ومقتداهم الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وكتاب 'الأدب المفرد' للبخاري إلا يسيرا من آخره، وكذلك 'العلو' للذهبي؛ وهو كتاب حفيل عجيب ..). (١)\n- وقال عبد الحفيظ وهو يذكر بعض المجالس التي حضرها السنوسي بعد رجوعه إلى فاس مع جمع من أعيانها وعلمائها بحضرة السلطان الحسن الأول ﵀: فأعلن في ذلك الجمع بما تحمله في الشرق عن شيوخه الأعلام من الرجوع إلى الكتاب والسنة والعمل بهما دون الأقيسة والآراء والفروع المستنبطة، ومن رفض التأويل في آيات وأحاديث الصفات والمتشابهات، وإبقائها على ظاهرها كما وردت، ورد علم المراد بها إلى الله تعالى مع اعتقاد التنزيه كما كان عليه سلف الأمة. وغير ذلك من المسائل. فقام بينه وبين أولئك العلماء خلاف كبير من أجل ذلك، وتناظروا في مجلس السلطان، ولمزوه بالاعتزال والتمذهب بعقائد أهل البدع والأهواء وإنكار الولاية والكرامات، وألف فيه بعضهم المؤلفات المحشوة بالسب والسخافات، الخارجة عن الأدب، مع لمزه بنزغة الاعتزال، ونقل ما قال الناس في المعتزلة والخوارج، وما طعنوا به من الأقوال البعيدة عن الإنصاف في الإمام ابن حزم\n_________\n(١) رياض الجنة (٢/ ٩٥).","vol":"9","page":233},{"text":"وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى. (١) اهـ (٢)\n- وقال أيضا: ولازمته مدة إقامته بفاس، وتمكنت الرابطة بيني وبينه، وأدركت عنده منزلة عظيمة؛ لما كان يرى من حرصي على سماع الحديث وروايته؛ فأجازني إجازة عامة وهو ضنين بها، ولقد طلب منه بعض إخوة مولاي عبد العزيز الإجازة فامتنع، وكان يقول لي: أنت عندي بمنزلة الولد، وبسبب هذا الاتصال أمكن لي أن أحقق كل ما نسب إليه من الاعتزال والبدع والأهواء؛ فوجدته مباينا للمعتزلة في كل شيء، وبريئا من كل ما نسب إليه؛ بل عقيدته سالمة، على أن ما خالف فيه الفقهاء من الرجوع للكتاب والسنة، ونبذ التأويل في آيات الصفات شيء لم يبتكره ولا اختص به من دون سائر الناس؛ بل ذلك هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأيمة المجتهدين ومن بعدهم من الهداة المهتدين.\n\nمحمد بن عثمان الشاوي (٣) (١٣٥٤ هـ)\nمحمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله الشاوي، من آل عثمان. ولد في بلدة البكيرية سنة ثلاث وثلاثمائة وألف للهجرة، وكف بصره منذ صغره. رحل إلى بريدة فأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، ثم إلى الرياض فقرأ على الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ عبد الله بن راشد، والشيخ\n_________\n(١) رياض الجنة (٢/ ٨٤ - ٨٥).\n(٢) وقد انبرى للرد على تلك الرسالة الشيخ عبد الرحمن النتيفي في كتابه 'نظر الأكياس'.\n(٣) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ٢٧٥ - ٢٨٦) والأعلام (٦/ ٢٦٣).","vol":"9","page":234},{"text":"سعد بن عتيق والشيخ عبد الله العنقري وغيرهم. عين قاضيا في قرية سنام، وعمره عشرون سنة، ومنها إلى بلدة الغطغط. حضر غزوات كثيرة أشهرها معركة تربة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف، وفتح مكة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف. عين مدرسا في المعهد العلمي السعودي بمكة، ثم تولى القضاء في بلدة تربة، ثم قضاء شقراء.\nأخذ عنه الفقيه عبد العزيز بن سبيل والشيخ سليمان بن راشد الحديثي والشيخ عبد الله بن يوسف الوابل والشيخ عبد العزيز الخضيري وغيرهم. وكان ﵀ شاعرا مجيدا، له قصائد دافع فيها عن التوحيد وعن العقيدة السلفية.\nتوفي ﵀ في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3210>موقفه من المبتدعة:</span>\nجاء في علماء نجد: أنه -بعد أن استولت الجيوش السعودية على الحجاز- قام بتصحيح العقائد وتوضيح خالص التوحيد ومحاربة البدع التي رسخت في العالم الإسلامية، ومنه الحرمين الشريفين فنفع الله به.\nكما ناضل الشعراء وأصحاب المقالات الذين يؤيدون تلك الأمور المنافية لصفاء التوحيد. فكانت مقالاته وقصائده في الصحف المحلية هي اللسان المدافع في ذلك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3211>موقفه من الجهمية:</span>\nله قصائد جيدة نافح بها عن الشريعة والعقيدة السلفية السليمة وصادم\n_________\n(١) علماء نجد (٦/ ٢٨٢ .. ٢٨٥).","vol":"9","page":235},{"text":"كبار الشعراء منها:\nفيا من هو القدوس لا رب غيره ... تباركت أنت الله للخلق مرجع\nويا من على العرش استوى فوق خلقه ... تباركت تعطي من تشاء وتمنع\nبأسمائك الحسنى وأوصافك العلى ... توسل عبد بائس يتضرع\n\nعبد السلام السرغيني (١) (١٣٥٤ هـ)\nعبد السلام بن محمد السرغيني، أصله من قبيلة \"السراغنة\" بالمغرب الأقصى، استوطن فاسا، فقيه مطلع. من شيوخه أحمد بن الخياط وأحمد بن الجلالي الأمغاري وأحمد بن المامون البلغيتي ومحمد فتحا القادري ومحمد فتحا كنون وحماد الصنهاجي عبد السلام بناني. كان مدرسا بالمدرسة الثانوية بفاس، وله دروس حافلة بالقرويين، عين قاضيا في قبيلته السراغنة، وبقي هناك إلى أن توفي بها.\nله كتاب 'المسامرة'، وهو كما قال عنه شيخنا تقي الدين الهلالي: \"في الدعوة لإقامة السنة ومحاربة البدع\". وقال عن مؤلفه: \"فقيد السلفية والدعوة للإصلاح الديني العلامة عبد السلام السرغيني برد الله ثراه\". (٢)\nوقال عنه محمد الفاسي: \"إن تاريخ الحركة الوطنية -بل الفكرة الوطنية نفسها- يرجع الفضل في بثها ونشرها إلى شيخ الإسلام ابن العربي ومن كان معه من بعض العلماء السلفيين كشيخنا السيد عبد السلام السرغيني ﵀\n_________\n(١) سل النصال للنضال لعبد السلام بن عبد القادر بن سودة (ص.٧٧).\n(٢) مقدمة خطبة السلطان سليمان العلوي (ص.٨).","vol":"9","page":236},{"text":"وكثيرا ممن تتلمذوا لابن العربي، كانوا أيضا في نفس الوقت تلاميذ للسيد عبد السلام السرغيني، وقد لاقت هذه لرحكة أيضا مقاومة شديدة من طرق القبوريين وكان أقطاب السياسة الأهلية من رجال الحماية يساندون الجامدين ويضطهدون بشتى الوسائل دعاة الإصلاح\". (١)\nتوفي ﵀ يوم الاثنين الخامس والعشرين من شوال عام أربع وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3213>موقفه من المبتدعة:</span>\nله كتاب 'المسامرة' وهو عبارة عن محاضرة ألقاها بنادي المسامرة بالمدرسة العليا الإدريسية بفاس، قال في مستهله:\n- الحمد لله الذي أنزل القرآن نورا يهتدى به في ظلمات الجهل الداجن وصراطا مستقيما من سلكه اهتدى لأقوم المحاج. وأرسل سيدنا محمد - ﷺ - ليبين للناس ما نزل إليهم من كتابه السراج الوهاج.\nوصلى الله عليه وسلم - وعلى آله السالكين باتباع سنته أقوم منهاج، القامعين لأهل البدع والضلال باللسان والسيف والسنان في الأفراد والأزواج.\nأما بعد أيها السادات الكرام إنني ملق إليكم بكلمات طالما اختلج بها الضمير، ولم يكن يمكن عنها باللسان التعبير، وما جرأني على ارتكاب ذلك، وإن كنت لست ممن يقرع تلك الأبواب ولا من يسلك تلك المسالك؛ إلا أني لم أر أحدا من السادة الذين سامروا قبلي تكلم عليها ولا أشار إليها، مع أنها هي التي ينبغي أن تقدم، وتقصد وتؤم؛ إذ ما من مكلف مكلف إلا\n_________\n(١) مجلة دعوة الحق العدد ٨ سنة ١٩٥٩م (ص.١٩).","vol":"9","page":237},{"text":"ويجب عليه أن يتمسك بالسنة ويعض عليها بالنواجذ، ويجتنب البدع ويفر من أهلها ولا فراره ممن يقصد من مقاتله المنافذ؛ وذلك لأن ارتكاب البدعة أعظم من ارتكاب المعصية؛ لأن المعصية وإن عظمت قد يتوب منها صاحبها، والبدعة لا يتوب منها صاحبها لاعتقاده أنها مطلوبة فهي أحب إلى الشيطان من المعصية ... (١)\n- وقال أيضا: ثبت أن النبي - ﷺ - لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف له من أهل السنة، وإذا كان كذلك، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها. وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم. قال ابن الماجشون: سمعت مالكا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا - ﷺ - خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا.\nفالمبتدع معاند للشارع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقا خاصة ووجوها خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول - ﷺ - رحمة للعالمين. فالمبتدع راد\n_________\n(١) المسامرة (ص.٢ - ٣).\n(٢) المائدة الآية (٣).","vol":"9","page":238},{"text":"لهذا كله، فإنه يزعم أن ثم طرقا أخر؛ ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع؛ أنه علم ما لم يعلمه الشارع؛ وهذا إن كان مقصودا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال بَيِّنٌ. وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز ﵁ إذ كتب له عدي بن أرطأة يستشيره في بعض القدرية، فكتب إليه: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه - ﷺ -، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة؛ فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطإ والزلل والحمق والتعمق. فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشف الأمور أقوى وبفضل كانوا فيه أحرى. فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3214>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀ في مكايد الشيطان لبعض الناس: فمن أعظم مكايده التي كاد بها جل الناس، ولم يسلم منها إلا من لم يرد الله فتنته؛ ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، إلى أن عبد أربابها من دون الله وعبدت قبورهم، وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح ﵇،\n_________\n(١) المسامرة (ص.٨ - ١٠).","vol":"9","page":239},{"text":"كما أخبر الله تعالى في كتابه حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ الآية (١). قال ابن جرير: وكان من خبر هؤلاء أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون بعدهم؛ دب إليهم إبليس اللعين فقال: إنهم كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم.\nوهذا كان سبب عبادة اللات والعزى؛ وذلك أن رجلا كان يلث السويق للحاج ويطعمهم، ومات فعكفوا على قبره وعبدوه؛ وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك، فإن الشرك بقبر الرجل الصالح الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، ويقولون: قبر فلان الترياق المجرب لقضاء الحوائج؛ فلأجل هذه المفسدة حسم النبي - ﷺ - مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس\n_________\n(١) نوح الآية (٢١).","vol":"9","page":240},{"text":"وغروبها؛ لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصدوها كما قصده المشركون سدا للذريعة. وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله - ﷺ - أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخذها مساجد، وبناء المساجد عليها. فقد تواثرت النصوص عن النبي - ﷺ - بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة. (١)\n- وقال ﵀ أيضا: وقد زاد الأمر بهذه الحضرة كغيرها، حتى وصل الحال إلى الشرك بالله قولا واعتقادا، لا سيما طائفة النساء، فقد رأينا وسمعنا من ذلك ما ينفطر له كل قلب دخله الإيمان، فمهما مرض لهم إنسان أو أصابه محذور؛ ذهبوا إلى الشواف أو الشوافة، وسألوه عن المريض وما به، ويزعمون أنهم يعلمون الغيب!! فما أخبر به من سبب الداء وطرق الدواء اعتقدوا ذلك صحيحا، فتارة يقول لهم: إن الذي أصابه: سيدي حموا وشفاؤه في لبسه ثوبه الخاص به من الألوان، وتارة مولى الغابة، ولا بد له من ثوب خاص، أو موسى أو ميرة، أو غير ذلك من مفترياتهم الباطلة، فيعتقد ذلك المريض أنه لابد له من ذلك الثوب الخاص فمهما بلي لابد له من خلفه\n_________\n(١) المسامرة (ص.١٧ - ١٩).","vol":"9","page":241},{"text":"وإلا حل به البلاء والمرض.\nوتارة يقول لهم: لابد له من الليلة، فيجمعون طائفة العبيد ويرقصون له على طبولهم، ولا تسأل عما يقع في ذلك من المناكر التي لا يرضاها من له أدنى مسكة من عقل، فضلا عمن له غيرة على حريمه، فيعتقد ذلك المريض أن شفاءه في ذلك، فيفعل ذلك، رغما عما يلزمه من الخسائر الدينية والدنيوية. وصار شبه النساء من الرجال يعتقدون ذلك ويفعلونه، بل ربما فعل ذلك بعض من ينسب إلى العلم؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا الاعتقاد الفاسد لم تعتقده اليهود ولا النصارى، ولا المجوس ولا ملة من الملل فيما علمنا وبلغنا. وهذا غاية الحمق والسفه فضلا عن الشرك بالله الفاعل بالاختيار الذي لا يعلم الغيب سواه، ولا يبري من الأمراض والأدواء إلا إياه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3215>موقفه من الصوفية:</span>\nقال ﵀: فمن المناكر الشنيعة التي يندى لها وجه الدين ويتبرأ منها الإسلام وسائر المسلمين؛ اختلاط النساء بالرجال، والرقص على الشبابة والطار والغربال، من الشيوخ والكهول والنساء والأطفال، ويسمون ذلك التخبط وذلك الجنون بالحال. فترى منهم من يشدخ رأسه بالشواقر، ومنهم\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٧).\n(٢) المسامرة (ص.٣٧ - ٣٩).","vol":"9","page":242},{"text":"من يجعل النار في ثوبه أو فيه، ومنهم من يأكل الشوك أو الزجاج، ومنهم ومنهم إلى غير ذلك من أفعالهم الوحشية البهيمية.\nوقد كنت يوما من أيام مواسمهم مارا إلى المدرسة بطالعة هذه الحضرة الفاسية، فرأيت جمعا منهم على هذا الحال الشنيعة، فخرج من بينهم وحش إلى وسطهم ورمى بكورة من حديد إلى أعلى ولقيها برأسه، فسقطت على أم رأسه فخرج دماغه من أنفه وسقط إلى الأرض، فغطوه وقالوا: إنه غلبه الحال!! والواقع أنه ليس هناك حال، وإنما ذهب التعس المجنون ضحية جهله، وفريسة فعله، فكان الأحمق قاتل نفسه. فأنشدكم الله معشر المسلمين؛ هل مثل هذه الهمجية الوحشية يكون من دين الإسلام؟! حتى صار من لا يعرف حقيقة الإسلام يسمي تلك المناكر بالعوائد الدينية، كلا ومعاذ الله أن يكون لدين الصلاة والصيام والذكر والقيام عوائد شيطانية، بل دين الإسلام برئ من هذه المناكر وأهلها، ومن هم منسوبون إليه بريء منهم ومن أفعالهم. (١)\n\nالسلطان عبد الحفيظ بن الحسن (٢) (١٣٥٦ هـ)\nعبد الحفيظ بن الحسن بن محمد الحسني العلوي، أبو المواهب: سلطان المغرب الأقصى، ولد بفاس، ونشأ في قبيلة بني عامر في الجنوب الغربي من مراكش، تولى السلطنة سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة. وخلع نفسه سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وكان فقيها أديبا.\n_________\n(١) المسامرة (ص.٢٢ - ٢٣).\n(٢) الأعلام (٣/ ٢٧٧) ومعجم المؤلفين (٥/ ٨٩).","vol":"9","page":243},{"text":"توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3217>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار: 'كشف القناع عن اعتقاد طوائف الابتداع'. طبع قديما بفاس على الحجر وبالمطبعة المولوية بفاس سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، وهو عبارة عن رد على الطائفة التجانية في زمانه، وقد تجنت هذه الطائفة على هذا الكتاب؛ فتجندت لتتبعه وشرائه من الأسواق ثم إحراقه، ولكن نجى الله منه بعض النسخ؛ فهي لا تزال إلى الآن، كما توجد منه نسخة في المكتبة الملكية بالرباط، وأخرى في مكتبة باريز.\nذكر فيه مقدمة حافلة في الحث على الاتباع وذم الرأي والابتداع، قال ﵀: إنما يلتمس رضى الله بكلامه وفروضه وسنة نبيه، لا يلتمس بالبدع وقول الزور على الله ورسوله، والزيادة في الدين ما ليس منه. أبهذا يلتمس رضى الله تعالى ونبيه؟ لا يلتمس بهذا أبدا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3218>موقفه من المشركين:</span>\n- قال: وقد قلت في شدة لرجل يوما يستغيث ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني: قل يا الله؛ فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢) فغضب، وبلغني أنه قال: إن فلانا منكر على الأولياء، وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من\n_________\n(١) كشف القناع (ص.٤٦).\n(٢) البقرة الآية (١٨٦).","vol":"9","page":244},{"text":"الله ﷿، وهذا من الكفر بمكان. نسأل الله أن يعصمنا من الزيغ والطغيان. اهـ (١)\n- وقال: وقد صح أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار» (٢) إلخ، ولم يرد عن أحد من الصحابة ﵃ وهم أحرص الخلق على كل خير أنه طلب من ميت شيئا، بل قد صح عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول إذا دخل الحجرة النبوية زائرا: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف ولا يطلب من سيد العالمين ﵊ أو من ضجيعيه المكرمين ﵄ شيئا، وهم أكرم من ضمته البسيطة، وأرفع قدرا من سائر من أحاطت به الأفلاك المحيطة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3219>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال في كشف القناع وهو يتكلم عن صلاة الفاتح عند التيجانيين: ومن زعمهم الفاسد أيضا أن صلاة الفاتح خصنا الله بها كما خصنا بالنبي - ﷺ -، وأنها تسمو على كل العبادات، ومن أين للقائل أن صلاة الفاتح خصنا الله بها؟ فإن كان يريد اللفظ العربي فلا مزية لها على غيرها من الصلوات المخترعات، وإن أراد خصوصية شرعية فلا يجد لذلك سبيلا -ولو قولا\n_________\n(١) كشف القناع (ص.٥٤).\n(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٥٣) ومسلم (٢/ ٦٧١/٩٧٥) والنسائي (٤/ ٣٩٩/٢٠٣٩) وابن ماجه (١/ ٤٩٤/١٥٤٧) عن بريدة ﵁.\n(٣) كشف القناع (ص.٥٦ - ٥٧).","vol":"9","page":245},{"text":"شاذا- وهل الخصوصية تقبل من مدعيها بلا نص؟ ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ (١). ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ (٢) قال:\nلقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي\nوعلى فرض تسليم أنها خصوصية فهل تجعل مقارنة لخصوصية النبي لنا، على أننا لا خصوصية لنا بالنبي - ﷺ -؛ فهو مرسل للعالمين جميعا إنسيهم وجنيهم يهوديهم ونصرانيهم، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣). ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ (٤). ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (٥). فمقالة هذا الرجل تؤذن بعدم عموم الرسالة، وهذا كفر صراح نعوذ بالله، وتؤذن باستواء الفاتح والنبي، وإن أراد بالخصوصية كونه من العرب فمسلمة، ولكن لانسبة بينهما وبين الفاتح ولا خصوصية للفاتح. وقولهم إنها تسمو على كل العبادات (ال) في العبادات للاستغراق ورفع إيهام الجنسية في ضمن فرد، والاستغراق العرفي بقولهم (كل). فثبت الاستغراق الحقيقي بجميع الأفراد،\n_________\n(١) النور الآيتان (١٦و١٧).\n(٢) الذاريات الآية (٥٥).\n(٣) الكهف الآية (٢٩).\n(٤) يونس الآية (٢٥).\n(٥) يونس الآية (٩٩).","vol":"9","page":246},{"text":"ويلزم عليه أنها أفضل من القرآن والحج؛ لأنهما عبادة ومن الصلوات الخمس ومن الجهاد ومن سائر العلوم الشرعية فقها وحديثا وتفسيرا وتوحيدا وغير ذلك وهذا كفر صراح، إذ كلام الله بالنسبة لكلام الخلق كنسبة الله من الخلق، وأما غيره مما سردناه فلا يشك أحمق فضلا عن عاقل أن ثواب الواجب أعظم وأفضل. وفي الحديث: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» (١). وإن قيل مراده الأذكار، أقول: قال ﵇: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله» (٢). وكلام النبي من المخلوقات بمنزلة النبي منهم فهل صلاة مخترعة تعدل بهذا كله؟\nكزعمهم الفاسد في التصلية التي يسمونها بجوهرة الكمال، وفيها ما يوهم نقصا في النبي - ﷺ -؛ وهو قوله: \"الأسقم\"؛ إذ هو اسم تفضيل من السقم، وقد نص الفقهاء على أن من قال قولًا يوهم نقصًا في النبي يكفر إجماعًا. وكذلك من قال قولًا يتضمن مخالفته - ﷺ -، انظر الدردير وغيره. ما لهم لم يقولوا \"الأقوم\" أَثَقُل على ألسنتهم؟ أم قصدوا الاستغراق في المتشابه؟ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٣) على أن ذلك في كتاب الله لا في المخلوقات، وأما كلام المخلوقات فما يوهم نقصا فيه، مما يؤدي لإهانة النبي كفر، ﴿إِنَّ الَّذِينَ\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١١/ ٤١٤/٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.\n(٢) أخرجه: الترمذي (٥/ ٥٣٤/٣٥٨٥) وقال: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه\" وله شاهد من حديث طلحة ابن عبيد الله بن كريز أخرجه مالك (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣/ ٢٤٦) وهو مرسل صحيح. انظر الصحيحة (١٥٠٣).\n(٣) آل عمران الآية (٧).","vol":"9","page":247},{"text":"يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ (١).\nومن زعمهم الفاسد أن سيدي أحمد التيجاني ممد لمن مضى قبله ومن يأتي بعده. و(من) مِن صيغ العموم كما هو معلوم؛ فيدخل النبي وأصحابه وأهل القرون المشهود لهم بالخير، فانظر رحمك الله هذا الحمق الفادح كيف يمد رجل في القرن الثالث العشر أهل القرن الأول؛ أتهوّرٌ؟ أم كفرٌ؟ أم سكرٌ؟ وكيف يمد من بعده وهو ميت انقطع عمله عن الدنيا بالكلية، وحتى الثلاث المستثناة أو العشر فكلها راجعة لكسبه المتقدم في الدنيا؛ إذ لا يوجد فيها ما فعله بعد مماته، أما ما يقرأ عليه أو يتصدق به فليس من عمله، وفيه خلاف بين العلماء منشؤه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (٢)، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (٣)، قال:\nوما من كاتب إلا سيبلى ... فلا تكتب بكفك غير شيءٍ ... ويُبقي الدهرُ ما كتبت يداهُ يسرك يوم القيامة أن تراهُ\n\n﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ (٤).\nومن زعمهم الفاسد أن المواظب على تلك الصلاة ينال الخير الرابح،\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٥٧).\n(٢) النجم الآية (٣٩).\n(٣) البقرة الآية (٧٩).\n(٤) الزخرف الآية (١٩).","vol":"9","page":248},{"text":"وأقول: الخير كله في اتباع كلام الله وكلام رسوله، وما استنبطه العلماء ﵏، أما الأمر بالمواظبة على الفاتح؛ فإني لا أرى داعي له؛ فإن كان يريد به الدين النصيحة؛ فالنصيحة أن يرشدهم إلى الفقه والحديث وكلام الله وتعلم الضروري من علوم الدين، وإن كان يريد أنه حصل هذا ولم يبق له إلا العمل، فالنصيحة أن يرشدهم إلى تلاوة كتاب الله؛ فإن الحرف منه بعشر حسنات بفهم وبغير فهم، وإن قال: \"هذا من باب التدلي -على زعمهم- ليصل إلى الترقي\" فأقول: يرشدهم إلى ما ورد في الحديث من الاستغفار وسبحان الله بحمده، وغير ذلك، وإن أرادوا خصوص الصلاة عليه -﵇- فما أحسن الوارد، كيف وقد قالوا: (كيف نصلي عليك يا رسول الله؟) قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (١) على أن أصحاب النبي - ﷺ - لم يعلموا أحدًا تدليًا ولا ترقيًا، بالمعنى المصطلح عند القوم، وإنما علّموا كتاب الله وأحكامه.\nومن زعمهم الفاسد الشنيع المتعارف بينهم نشر ثوب وسطهم، حال التصلية، أسمعت، أو علمت، أو روي لك، شيخ من أصحاب الحديث، أم جاء في كتاب الله، أو استنبط من فعل رسول الله - ﷺ - أنّ قارئ القرآن ينشر أمامه ثوبا ليقرأ عليه فضلا عن قارئ الفاتح، ألهذا مزية وفضل استوجب به هذا، وما بلغ مداه القرآن والحديث فحرُما، إلا أن خير الهدي هدي محمد -\n_________\n(١) أخرجه: مالك (٤/ ٧٧٢) (فتح البر) وأحمد (٤/ ١١٨) و(٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤) ومسلم (١/ ٣٠٥/٤٠٥) وأبو داود (١/ ٦٠٠/٩٨٠) والنسائي (٣/ ٥٢ - ٥٤/ ١٢٨٤ - ١٢٨٥) والترمذي (٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥/ ٣٢٢٠) من حديث أبي مسعود الأنصاري.","vol":"9","page":249},{"text":"ﷺ - وما بلغنا عنه هذا ونظائره ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾ (١) نزل الوحي ونطق النبي - ﷺ - بالحديث القدسي والنبوي ولم ينشر أمامه الصديق ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا أحد من أصحابه ثوبًا.\nقيل: إن ذلك معدٌّ عندهم لجلوس النبي - ﷺ - وهذا أيضا، أصار النبي - ﷺ - لعبة يأتي لكل حلقة بدعة مشتملة على مناكر كالرقص، ويجلس وسط القوم على خرقة، أرضي بالبدعة فأتى؟ حاشاه، أم صار فُرجة يُجعل في الوسط والناس محدقة به؟ حاشاه، فلو أُمر مقدمهم بالجلوس على تلك الرقعة لأبى وتكبر، أهذا تعظيم أم إهانة؟. وقد علمت أن الصحابة تشاجروا في أحكام وتخالفوا، فما قال أحدهم: أتاني رسول الله وقال لي كذا، وقد تخاصمت بنته الصديقة مولاتنا فاطمة الزهراء مع أبي بكر في مسألة الميراث، ولم يقل لها أبو بكر: سيأتي عندي رسول الله ويقول كذا، ولا أجابته هي ﵂ بذلك، أبخِل عليها وجاد عليكم؟ وانظر يوم موته ﵊ لما دخلت عليه وهي تبكي فسرّها بأنها أول من يلحق به فضحكت، فهلا قال لها: إنني سآتيك في منزلك؟ وما نقل عن أحد أن النبي - ﷺ - دخل على عثمان يوم الوقعة، وكفّ الأصحاب عما عزموا عليه، ولا ولا، أترى أن هؤلاء أفضل من أولئك أم هؤلاء على الحق وأولئك على غيره؟ حاشاه. (٢)\n_________\n(١) الفرقان الآية (٤).\n(٢) كشف القناع (١٩ - ٢٣).","vol":"9","page":250},{"text":"- وقال: وقول السبكي: \"ومن ثم لا حكم إلا لله\" هو وإن كان بصدد الرد على المعتزلة، فيه أيضا رد على من يزعم أن أحكام الله تعالى تدرك بطريق الكشف والفراسة أيضا ورؤيا المنام من غير استناد لشيء من أدلة الفقه الشرعية المقررة، كيف والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١) الآية. ويقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٢) الآية. والنبي - ﷺ - يقول: «تركتكم على الحنيفية البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك» (٣). «فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٤).اهـ (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3220>أبو شعيب الدكّاليّ (١٣٥٦ ه</span>ـ)\nاسمه أبو شعيب بن عبد الرحمن الصديقي. وكان يكتب أحيانا بخطه: \"شعيب بن عبد الرحمن المغربي\" (٦)، كنيته أبو مدين. ولد سنة خمس وتسعين ومائتين وألف للهجرة.\nمن أشهر شيوخه بالمغرب: عمه محمد بن عبد العزيز الصديقي، وابن\n_________\n(١) الحشر الآية (٧).\n(٢) المائدة الآية (٣).\n(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ١٢٦) وأبو داود (٥/ ١٣/٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) والحاكم (١/ ٩٦) وقال: \"صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي.\n(٤) أخرجه: البخاري (٩/ ١٢٩/٥٠٦٣) ومسلم (٢/ ١٠٢٠/١٤٠١) والنسائي (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩/ ٣٢١٧) من طريقين عن أنس ﵁.\n(٥) كشف القناع (٤٦ - ٤٧).\n(٦) كما في إجازته لعبد السلام بن عبد القادر بن سودة، انظر: سل النصال للنضال (ص.٨٣).","vol":"9","page":251},{"text":"عزوز محمد الطاهر الصديقي قاضي مراكش، وعبد الرحمن بن الفقيه الصديقي، ومحمد بن المعاشي (حفظ عليه القراءات السبع). وبمصر: سليم البشري، ومحمد بخيت، ومحمد محمود الشنقيطي، وغيرهم.\nومن أشهر تلاميذه: محمد بن العربي العلويّ، وعبد الحفيظ الفاسيّ، ومحمد السايح، وعبد الله كنون، والمكي بن أحمد بربيش، ومحمد المكي الناصري المفسر.\nرحل إلى القاهرة سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة ومكث بها نحو ست سنوات، ثم رحل إلى مكة فأقام بها مدة، وكان رجوعه لفاس سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة. ولاّه أمير مكة الشريف عون الرفيق الخطابة في الحرم المكي والإفتاء على المذاهب الأربعة وذلك حينما أقام هناك.\nكما درس أيضا بجامع الأزهر بمصر، والزيتونة بتونس.\nعُيّن قاضيًا بمراكش ووزيرًا للعدليّة والمعارف فيما بعد، ثم رئيسًا للاستيناف الشرعيّ، ومع هذه الأشغال كان لا يترك التدريس.\nقال عنه عبد السلام بن سودة: الشيخ الإمام علم الأعلام، المحدّث المفسّر الرّاوية على طريق أيمة الاجتهاد، آخر الحفاظ بالديار المغربية ومحدثها ومفسرها من غير منازع ولا معارض، وهو آخر من رأينا بل وأول من رأينا على طريق الحفاظ المتقدمين الذين بلغنا وصفهم بالحفظ والإتقان والاستحضار، ولولا رؤيته وحضور دروسه لدخلنا الشك في وصف من تقدم قبله .. (١)\n_________\n(١) سلّ النصال (ص.٨٢).","vol":"9","page":252},{"text":"وقال عبد الحفيظ الفاسي: أوحد علماء عصره وأشهر علماء المغرب في وقته، من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها، إمام في علوم الحديث والسنة ... متظاهر بالعمل بالحديث والتمذهب به قولًا وعملًا داعية إليه ناصر له ... (١)\nتوفي ليلة السبت الثامن جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3221>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال عبد الله الجراري: ففي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة قدم إلى المغرب ويمم فاس، وحظي بالتجلة والإكرام عند السلطان المرحوم المولى عبد الحفيظ، وقد حصل له من الشفوف والحظوة لديه ما عزّ نظيره، وتهافت عليه علماء فاس وطلبتها وأعيانها، وأقبلوا عليه باعتناء كبير، في هذا الظرف شمّر عن ساعد الجدّ لمحاربة البدع ونصر السنة، ومقاومة الخرافات والأباطيل. (٢)\n- وقال: كان ينادي بردّ الناس إلى الكتاب والسنة، ويحضّهم على اتباع مذهب السلف الصالح ونبذ ما يؤدّي إلى الخلاف وما ينشأ عنه من الحيرة والدوران في منعرجات الطرق، لأن الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ولا أمتًا؛ هو طريق السنة والكتاب. (٣)\n_________\n(١) رياض الجنة (٢/ ١٤٢).\n(٢) المحدث الحافظ (ص.٩ - ١٠).\n(٣) المحدث الحافظ (ص.٨٠).","vol":"9","page":253},{"text":"- وقال: فكان الشيخ الدكالي -طيب الله ثراه- يحمل حملات شعواء رافعًا مشعل المقاومة ذائدًا في إخلاص وإيمان عن الحنيفية السمحة صابرًا على ما وجه إليه من معارضة المتطرفين من أهل الزوايا. (١)\n- ومن نماذج انتصاره للسنة وتحرره من التعصب المذهبي أن علماء فاس طلبوا من السلطان عبد الحفيظ أن يسدل الشيخ يديه في الصلاة، فقال الأمير للشيخ: العلماء طلبوا مني أن تسدل، فأجابه بقوله: أطلب منك أن تطلب منهم أن يطلبوا منك أن عسكرك يصلي. ومسألة السدل والقبض تعد من المسائل المفروغ منها والمؤلف فيها تآليف ما بين محبذ للأول ورادّ للثاني والعكس، والمعوّل عليه في السنة هو القبض الذي وردت في شأنه أحاديث وثبتت طرقها -التي أنافت على الثلاثين طريقًا- في غير ما مسند من المساند فلا أطيل بجلبها.\nومما ذكره لنا الشيخ الدكالي في أحد مجالسه الحديثية أن طالبًا طرح عليه سؤالًا في الموضوع قائلًا: إن السدل وارد في السنة، أجابه الشيخ قائلًا: إن وجدت السدل في السنة فسأكافئك على ذلك، وللحين ذهب الطالب للبحث في كتب السنة يتصفح أبوابها، وبينما هو كذلك إذ فاجأه باب نصه (باب السدل)، وعن عجل طوى الكتاب وأسرع يريد الشيخ، وبعد الاتصال به ذكر له أن السدل موجود وهاهو ذا في الكتاب، فقال له: اقرأ عليّ ففتح الكتاب وأخذ يقرأ، فإذا بلفظ النص (باب سدل الثوب) وسُقِطَ\n_________\n(١) المحدث الحافظ (ص.١٤).","vol":"9","page":254},{"text":"في يد الطالب الذي ذهب حلمه أدراج الرياح. (١)\n- وقال الجراري أيضًا: وسلفيّته الصالحة المشبعة بأفكاره التحررية، وآرائه المنطقية التي كونت منه رجل المقاومة لكل ما يمت بسبب إلى الشعوذة والشعبذة، وما كان يبدو من بعض الطوائف من غلوّ وانحراف عن الجادّة، مما قد يبرأ منه الشيخ المنتسب إليه، ذلك وأكثر ما حفز الاستعمار الغاشم لعزله عن الوظيفة كانتقام من حريته المطبوعة، ورغم ذلك فما زاده العزل إلا تفرغًا لأداء الرسالة التي تحملها منذ شبابه الأول، فكان من فينة لأخرى ينتقل من بلد لآخر، ومن مدينة لقرية يبث الوعي واليقظة، وينشر السلفيّة الداعية إلى التحرر والانعتاق من بوائق التقليد الأعمى، ورواسب التحجّر والجمود اللذين بليت بدائهما الفتان فترات وفترات، عشنا لحظات مريرة من مساوئها حتى كان بعض علمائنا ﵏ كَعُمي لا تكاد تتفتح عيونهم على آي الكتاب وبيان السنة، ولا عجب وقد حالت بينهم وبين الأصلين خرافات وأفكار ودعوات مغرضة أن لا ينظر فيهما بمنظار البحث والكشف عن أسرار من شأنها البعث على التنوير والتحرر من ربقة الجهل والضيق، ومع كل العراقيل التي كانت تنصب أمامه؛ مانعة له وصارفة إياه عما جبل عليه، أو خلق من أجله، فكل ميسّر لما خلق له؛ كان يجهد نفسه ويقف موقف المؤمن الصادق في أداء رسالته المقدسة مما كانت له نهضة مباركة عمّت المغرب وأطرافه مدنًا وقرى. (٢)\n_________\n(١) المحدث الحافظ (ص.٣٣ - ٣٤).\n(٢) المحدث الحافظ (ص.٨٢).","vol":"9","page":255},{"text":"- وقال: كانت دروس الشيخ فتحًا جديدًا، ونورًا مبينًا أزال كل السدود المانعة من فهم الكتاب المقدس فهمًا صحيحًا، وبالتالي أزاح عن الأذهان جميع ما كان يدور في قرارتها من أوهام وخرافات: إننا لا نقدر على الخوض في أحاديث الرسول وآثاره فرارًا من الوقوع في التحريف واللحن وكل ما يدعو للافتراء والكذب، إنها لأفكار هي إلى التحجر والجمود أمسّ منها بالتفتح والانطلاق، ولكن جهاد الشيخ وثباته في الدعوة إلى الله بنشر السنة، ودراسة الكتاب رغم مضايقات ومضايقات، رفعت جميع تلك الخيالات، وانفسح المجال للفكر يعمل في طهارة ونضج، متحررًا من قيود الأوهام، وخيالات الأحلام التي كانت طاغية على بعض العقول المثقفة. (١)\n- قال عبد الحفيظ الفاسي: عارف بأصول الدين الصحيحة الخالية من البدع والعقائد الزائغة، شديد على المدعين قامع لأهل الأهواء والمبتدعين، سيف الله القاطع على رقابهم. (٢)\n- وقال الرحالي الفاروقي: فقد كان هذا الشيخ ﵀ علمًا من أعلام المغرب الشاهقة، وفذًا من الأفذاذ الذين يفتخر بهم في ميادين المعرفة والإصلاح، وفي خدمة الكتاب والسنة ورفع رايتهما ونشر معانيهما وإقامة أحكامهما، بل كان يعتبر من الرعيل الأول في المغرب الذين أخذوا على أنفسهم إحياء العقيدة السلفية وبعث الروح الإسلامية الصحيحة في النفوس\n_________\n(١) المحدث الحافظ (ص.١٠٢).\n(٢) رياض الجنة (٢/ ١٤٢).","vol":"9","page":256},{"text":"باعتماد وحي الكتاب العزيز ووحي سنة الذي لا ينطق عن الهوى، ونبذ ما سوى ذلك من الأقوال الموهومة والعقائد المشبوهة والخرافات المدسوسة التي أخرت سير المسلمين وشوهت سمعة الإسلام ...\nوكان ينادي في كثير من دروسه باعتبار المعرفة الصحيحة أساسًا للحضارة الإسلامية واعتبار العقيدة السلفية التي جاء به الكتاب والسنة حصنًا من الأمراض الوثنية، وكان ﵀ حربا على البدعة لا تأخذه في ذلك لومة لائم، ويحمل حملات عنيفة ضد العقيدة المخلوطة بالشك والشرك، ويوصي بترك الزيارة التي تفضي إلى إفساد العقيدة وإبطال الركن الأول من أركان الإسلام، كما كان ﵀ يوحي إلى العامة بقراءة توحيد ابن أبي زيد القيرواني. (١)\n- وقال عبد الله كنون: قام الشيخ أبو شعيب الدكالي بدعوته التي كان لها غايتان شريفتان: الأولى إحياء علم الحديث ونشره على نطاق واسع، لما كان فيه من رسوخ القدم، وقوة العارضة، والمشاركة في علومه، والحفظ والإتقان ... والثانية -وهي بيت القصيد- الأخذ بالسنة والعلم بها في العقائد والعبادات؛ فقد جهر في ذلك بدعوة الحق، ودل على النهج القويم، والصراط المستقيم، بالبرهان الساطع والحجة الناصعة، وندد بالخرافات والأوهام، وأطاح بالدعاوي الباطلة والأقوال الواهية، وبين وجه الصواب في كل مسألة مسألة من مسائل الخلاف الفقهي، وأقنع خصوم الدعوة قبل أنصارها بما لم يجدوا فيه دفعا ولا له ردا، وهكذا حدث تحول كبير في مفهوم الاجتهاد\n_________\n(١) شيخ الإسلام أبو شعيب الدكالي في رحاب مدينة مراكش الفيحاء لمحمد رياض (ص.٥١ - ٥٢).","vol":"9","page":257},{"text":"والتقليد بالنسبة إلى أدلة الفقه، وتخفف العلماء من التقيد بالنصوص المذهبية، ومالوا إلى الترجيح والعمل بالسنة عند ثبوتها ونبذ ما خالفها. وكذلك ضعف الاعتقاد في المشايخ وتقديس الأموات، والغلو في الطرقية، والتعلق بتعاليمها التي ما أنزل الله بها من سلطان. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3222>موقفه من المشركين:</span>\n- قال عبد الله الجراري: والشيخ الدكالي رحمة الله عليه عمد إلى شجرة كانت بباب لبيبة جوار ضريح سيدي المنكود المجاور للسور الأندلسيّ، وقطعها إذ كان النساء يعقدن بها تمائم وحروزًا وشعورًا وخرقًا كتبرك رجاء دفع ما كان يجول في خواطرهن من هواجس وأوهام سببها الجهل، ولا غرابة، ما دام الشيخ من رواد السلفيّة الصادقة ومحاربة كل ما يمت بصلة إلى الخرف والشعوذة تنقية للأفكار وتطهيرها من آثار الخرافات والوثنية. (٢)\n- وقال في خطبة له بإحدى المدارس الكبرى بفاس، واعظًا وموجهًا معلميها وتلاميذها: فما قرأت في الأسفار، وما رأيت في الأسفار، لما خضت البحار، وجبت الأقطار؛ أقبح من المذبذبين، وأعني بهم من ترك لغته ودينه، ولا أخذ من العلم العصريّ لا رخيصه ولا ثمينه، ولا تزين بصنعة ولا حرفة مهمة مما يعد زينته، وقصاراه سوء العقيدة وبيس المذهب مذهب الدهريين. أولئك قوم طلبوا الدنيا فرجعوا بلا دين، فلا ما طلبوا\n_________\n(١) مجلة دعوة الحق العدد ٧ سنة ١٩٦٩م (ص.٨ - ٩).\n(٢) المحدث الحافظ (ص.٣٠ - ٣١).","vol":"9","page":258},{"text":"وجدوا، ولا ما أخذوا ردوا، فكانوا عند أهل أوربا من الساقطين، وعندنا من المارقين. (١)\n- ذكر علال الفاسي مدى تأثر المغرب بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والعقيدة السنية والدعوات الإصلاحية ثم قال: ولكن هذا كله لم يكن له من الأثر ما أحدثه رجوع المصلح الكبير الشيخ أبي شعيب الدكالي، فقد عاد وكله رغبة في الدعوة لهذه العقيدة والعمل على نشرها، والتف من حوله جماعة من الشباب النابغ يوزعون الكتب التي يطبعها السلفيون بمصر، ويطوفون معه لقطع الأشجار المتبرك بها والأحجار المعتقد فيها. (٢)\n- وقال عبد الكبير الزمراني: أما من الناحية التفكيرية فقد رجع شعيب (٣) مزودا بعقيدة سلفية مؤيدة بالمعقول والمنقول وكان عمله برهانًا، وكان يقيم البراهين ليحق ما هو حق ويبطل ما هو باطل، وكان مما أوتيه من مواهب كالجيش وحده، شنّ الغارة على كثير من البدع والخرافات فهزمها، وغزا كثيرًا من الأرواح والنفوس فقوّمها، وكان يدًا من نور تقلع الخيالات وتغرس الحقائق وتمحو الأساطير وتثبت الحق المبين وتحصد الشك والوهم وتبذر الجزم واليقين، وكانت له بجانب هذه المزايا صرامة حادة في الحق، كانت له بمنزلة المنفذ لما يصدر من أحكام الشرع، وقد وقف مواقف كثيرة دلت على ما له من صرامة وإقدام، ولن ننسى قضية (لاَلَّة خضراء) (٤) وهي صخرة ذات شكل\n_________\n(١) المحدث الحافظ (ص.١١٨).\n(٢) الحركات الاستقلالية في المغرب العربي (ص.١٥٣).\n(٣) أي: من رحلته المشرقية.\n(٤) أي: السيدة الخضراء.","vol":"9","page":259},{"text":"هندسيّ افتَتن به النساء بمراكش، وكنّ يقربن لها القرابين، ويقدمن لها النذور ويقمن لها موسمًا سنويًا إلى أن سمع بخبرها الشيخ ﵀ فلم يتردد في تغيير هذه البدعة (١) والقيام بنفسه على إزالتها، ومن الغريب أنه كلما دعا عاملًا لكسرها امتنع من ذلك لما علق بذهنه من الأوهام حولها، إذ ذاك رأى نفسه مضطرا لكسرها بيده، وفعلًا أخذ الفأس وكسرها ثم وزّع أشلاءها خارج البلد. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3223>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال محمد السائح عن الشيخ أبي شعيب: فقام بنشر مبادئ الإصلاح؛ غير هياب ولا وجل، واتصل بالسلطان، وبرز للنضال، وثبت في الميدان، حتى استقرت مبادئه واستحكمت أركانها، وضعضع أرباب الزوايا، بل هدها فاستنارت بهديه العقول، وسار في ضوء معارفه عدد غير قليل من الشباب. (٣)\n- وقال: وقد اتصل صدى حركة الإصلاح التي كان يقوم بها الشيخ بالقصر؛ فصدرت بها ظهائر شريفة تؤيد تلك الحركة، منها ظهير في منع ما يقوم بع بعض أرباب الزوايا مما يعد قذى في عين الدين وبهقا في غرة محاسنه. (٤)\n_________\n(١) وهي بدعة شركية.\n(٢) شيخ الإسلام أبو شعيب الدكالي في رحاب مدينة مراكش الفيحاء (ص.٥٨ - ٥٩).\n(٣) مجلة دعوة الحق العدد ٢ سنة ١٩٦٩م (ص.٣٩).\n(٤) مجلة دعوة الحق العدد ٢ سنة ١٩٦٩م (ص.٣٩).","vol":"9","page":260},{"text":"سليمان بن عبد العزيز السحيمي (١) (١٣٥٧ هـ)\nالشيخ سليمان بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثوري الربابي نسبا السبيعي حلفا. ولد في مدينة عنيزة سنة ست وتسعين ومائتين وألف، وقيل سنة ثلاثمائة وألف. ونشأ بها، وأخذ عن علمائها كالشيخ صالح بن عثمان والشيخ عبد الله بن محمد آل مانع، وتولى التدريس بها في مسجد المسوكف، ثم انتقل إلى مكة المكرمة، فولي القضاء في بلدة الوجه ثم بلدة القنفذة ثم صار مدرسا في المسجد الحرام. كان ﵀ يوصف بقوة الحفظ والاستحضار، فأعجب به شيخه صالح بن عثمان آل قاضي والعلامة محمد بن عبد الرزاق حمزة. وكان واعظا، محبا للعلماء ومجالستهم والبحث معهم.\nتوفي ﵀ سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3225>موقفه من المشركين:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'رسالة في التوحيد وعقيدة السلف'.\n٢ - 'كتاب في الرد على حسن الكاظمي' في مسألة البناء على القبور ودعاء الصالحين. (٢)\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٢/ ٣٢٠ - ٣٢٥).\n(٢) علماء نجد (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤).","vol":"9","page":261},{"text":"عبد الحميد بن باديس (١) (١٣٥٩ هـ)\nهو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس أبو الفتوح، بمدينة قسنطينة ولد يوم الحادي عشر من ذي القعدة عام سبع وثلاثمائة وألف للهجرة من أسرة ثرية بربرية صنهاجية عريقة؛ كان لها الملك والسلطان خلال القرن الرابع الهجري، وأبرز رجالها الأمير المعز لدين الله بن باديس المتوفى سنة أربع وخمسين وأربعمائة للهجرة (٢)؛ الذي نصر السنة وحارب البدعة وقضى على العبيديين الباطنيين وأبعدهم عن الغرب الإسلامي، وأعلن مذهب أهل السنة.\nظهرت على الشيخ علامة النجابة وحب العلم منذ صباه، فسخّر الله له أبًا صالحًا وطّأ له سبل العلم وشجعه عليه وكفاه المؤنة حتى قال له: (اكفني همّ الآخرة أكفك همّ الدنيا).\nحفظ القرآن كاملًا على محمد الماداسي أشهر قراء قسنطينة في وقته، وأتم دراسته بالزيتونة، ودرس بها. من شيوخه الطاهر بن عاشور ومحمد النخلي والبشير صفر وغيرهم كثير.\nرحل إلى عدة بلدان منها: الحجاز وسوريا ولبنان ومصر، والتقى بعلمائها كمحمد بخيت المطيعي الذي أجازه، وغيره.\nومن العوامل التي نهجت به المسلك الصحيح عقيدة وسلوكًا التقاؤه بعلماء الدعوة السلفية بالحجاز، فترعرعت فكرة الإصلاح في نفسه، والتقى\n_________\n(١) الأعلام (٣/ ٢٨٩) ومعجم المؤلفين (٥/ ١٠٥) وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لعبد العزيز دخان.\n(٢) وقد ذكره ابن خلدون في تأريخه للدولة الصنهاجية.","vol":"9","page":262},{"text":"للمرة الأولى بالشيخ محمد البشير الإبراهيمي بالمدينة النبوية وتدارسا الإصلاح في الجزائر وسبله مدة ثلاثة أشهر يلتقيان كل ليلة.\nرجع إلى الجزائر ودرّس بمساجدها، وقد فسر القرآن كله خلال خمس وعشرين سنة في دروس يومية، كما شرح موطأ مالك خلال هذه المدة. وأسس مع مجموعة من العلماء (جمعية العلماء الجزائريين) وكان رئيسًا لها منذ تأسست إلى أن مات. وقد أصدر ﵀ عدة صحف منها 'المنتقد' و'الشهاب' و'البصائر' وغيرها.\nتوفي بعد معاناة شديدة من المرض في ربيع الأول عام تسع وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة بمسقط رأسه ﵀.\nمن آثاره:\n'العقائد الإسلامية' وجمع له من مجلة 'الشهاب' كتابات في التفسير بإشراف محمد الصالح رمضان وتوفيق شاهين وطبعت بعنوان: 'مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير'.\nوله مقالات كثيرة جدًا في الفقه والحديث في جرائد ومجلات (جمعية العلماء) وقد جمع عمار الطالبي قسطًا طيبًا من آثاره ولا يزال قسط آخر لم يجمع بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3227>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀ في سبب اختياره الدين على السياسة للنهوض بالأمة: وبعد: فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها، عن علم وبصيرة، وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد، وبث الخير والثبات على وجه","vol":"9","page":263},{"text":"واحد والسير في خط مستقيم، وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له من خدمة العلم والدين، وفي خدمتهما أعظم خدمة، وأنفعها للإنسانية عامة.\nولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا، ولضربنا فيه المثل بما عرف عنا من ثباتنا وتضحياتنا، ولقدنا الأمة كلها للمطالبة بحقوقها، ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على ما نرسمه لها، وأن نبلغ من نفوسها إلى أقصى غايات التأثير عليها، فإن مما نعلمه -ولا يخفى على غيرنا- أن القائد الذي يقول للأمة: إنك مظلومة في حقوقك، وإنني أريد إيصالك إليها)، يجد منها ما لا يجد من يقول لها: (إنك ضالة عن أصول دينك، وإنني أريد هدايتك)، فذلك تلبيه كلها، وهذا يقاومه معظمها أو شطرها. وهذا كله نعلمه، ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا وبينا، وإننا -فيما اخترناه- بإذن الله لماضون، وعليه متوكلون. (١)\n- وله 'الدرر الغالية في آداب الدعوة والداعية' قال فيه:\nتحذير:\nخطبة الجمعة اليوم: أكثر الخطباء في الجمعات اليوم في قطرنا يخطبون الناس بخطب معقدة، مسجعة طويلة، من مخلفات الماضي، لا يراعى فيها شيء من أحوال الحاضر، وأمراض السامعين، تلقى بترنم وتلحين، أو غمغمة وتمطيط، ثم كثيرا ما تختم بالأحاديث المنكرات، أو الموضوعات.\nهذه حالة بدعية في شعيرة من أعظم الشعائر الإسلامية، سد بها أهلها بابا عظيما من الخير فتحه الإسلام، وعطلوا بها الوعظ والإرشاد وهو ركن\n_________\n(١) مدارك النظر (٢٩٤ - ٢٩٥).","vol":"9","page":264},{"text":"عظيم من أركان الإسلام. فحذار أيها المؤمن من أن تكون مثلهم إذا وقفت خطيبا في الناس. وحذار من أن تترك طريقة القرآن والمواعظ النبوية إلى ما أحدثه المحدثون. (١)\n- وقال: بماذا تكون الهداية؟ كما أنعم الله على عباده بالهداية إلى ما فيه كمالهم وسعادتهم، كذلك أنعم عليهم فبين لهم ما تكون به الهداية حتى يكونوا على بينة فيما به يهتدون، إذ من طلب الهدى في غير ما جعله الله سبب الهدى كان على ضلال مبين، فلذا بين تعالى أن هدايته لخلقه إنما تكون برسوله وكتابه، فيتمسك بها من يريد الهدى، وليحكم على من لم يهتد بها بالزيغ والضلال. ولما كانا في حكم شيء واحد في الهداية يصدق كل واحد منهما الآخر، جاء بالضمير مفردا في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال: تمر على العبد أحوال يكون فيها متحيرا مرتبكا: كمن يكون في ظلام: منها حالة الكفر والإنكار، وليس لمنكر الحق المتمسك بالهوى، والمقلد للآباء من دليل يطمئن به، ولا يقين بالمصير الذي ينتهي إليه؛ ومنها حالة الشك؛ ومنها حالة اعتراض الشبهات؛ ومنها حالة ثوران الشهوات.\nوكما أن الله يرشد ويوفق من اتبعوا رضوانه طرق السلامة والنجاة بالرسول - ﷺ - والقرآن، كذلك يخرجهم بهما باتباعهما والاهتداء بهما من ظلمات الكفر والشك والشبهات والشهوات، وما فيها من حيرة وعماية إلى\n_________\n(١) الدرر الغالية (٤٠).\n(٢) المائدة الآية (١٦).\n(٣) الدرر الغالية (٥٩).","vol":"9","page":265},{"text":"الحالة التي تطمئن فيها القلوب، كما تطمئن في النور عندما يسطع فيبدد سدول الظلام. فباتباعهما فقط تطمئن القلوب بالإيمان واليقين، فتضمحل أمامها الشبهات، وتكسر سلطان الشهوات. فتلك الأحوال العديدة الظلمانية التي يكون فيها من اعرض عنهما، أو خالفهما، يخرج منها إلى الحالة النورانية الوحيدة، وهي حالة من آمن بهما واتبعهما كما قال تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3228>موقفه من المشركين:</span>\nداوم في جريدة 'الشهاب' على حرب المشعوذين، فكان يقول فيها: احذر من دجال يتاجر بالطلاسم، ويتخذ آيات القرآن وأسماء الرحمن هزوًا يستعملها في التمويه والتضليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3229>موقفه من الصوفية:</span>\nحارب التصوف وحذر الناس من سلوكه حتى بلغ بهؤلاء الحقد إلى محاولة اغتياله سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لسبع وعشرين وتسعمائة وألف ميلادي. وكان بعضهم يسميه: (ابن إبليس).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3230>موقفه من القدرية:</span>\nله كتاب: 'العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية' بين فيه مسألة القدر فقال: العمل بالشرع والجد في السعي مع الإيمان بالقدر:\n_________\n(١) المائدة الآية (١٦).\n(٢) الدرر الغالية (٦١ - ٦٢).","vol":"9","page":266},{"text":"الشرع معلوم لنا، وضعه الله لنسيّر عليه أعمالنا. والقدر مغيب عنا، أمرنا الله بالإيمان به لأنه من مقتضى كمال العلم. والإرادة من صفات ربنا. فالقدر في دائرة الاعتقاد، والشرع في دائرة العمل. وعلينا أن نعمل بشرع الله ونتوسل إلى المسببات المشروعة بأسبابها، ونؤمن بسبق قدر الله تعالى: فلا يكون إلا ما قدره منها، فمن سبقت له السعادة يسر لأسبابها، ومن سبقت له الشقاوة يسر لأسبابها. (١)\nثم ذكر بعض الأدلة فقال:\nالاحتجاج بالقدر: لا يحتج بالقدر في الذنوب، لأن حجة الله قائمة على الخلق بالتمكن والاختيار والدلالة الشرعية، لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ (٢).\nالحذر والقدر: مع الإيمان بالقدر، يجب الأخذ بالحذر، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٤).\nالحكمة والعدل في القدر: القدر كله عدل وحكمة، فما يصيب العباد\n_________\n(١) العقائد الإسلامية (ص.٧٤).\n(٢) الزخرف الآية (٢٠).\n(٣) النساء الآية (٧١).\n(٤) النساء الآية (١٠٢).","vol":"9","page":267},{"text":"فهو جزاء أعمالهم. وقد تدرك حكمة القدر ولو بعد حين، وقد تخفى، لأن من أسمائه تعالى: الحكيم، ورد في الآيات والأحاديث الكثيرة. ومن أسمائه تعالى: العدل، ورد في حديث الأسماء عند الترمذي (١). ولقوله - ﷺ - في حديث الكرب: «عدل في قضاؤك» (٢).\nولقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (٣).اهـ (٤)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٩٦ - ٤٩٧/ ٣٥٠٧) وقال: \"حديث غريب، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - ولا نعلم في كثير شيء من الروايات له إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح\". وابن ماجه (٢/ ١٢٦٩ - ١٢٧٠/ ٣٨٦١) وقال البوصري في الزوائد: \"لم يخرج أحد من الأئمة الستة عدد أسماء الله الحسنى من هذا الوجه ولا من غيره، غير ابن ماجه والترمذي. مع تقديم وتأخير، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب. قال: وإسناد طريق ابن ماجه ضعيف لضعف عبد الملك بن محمد\". وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٢٥٨): \"وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط بل الاختلاف فيه والاضطراب وتدليسه واحتمال الإدراج\" اهـ. والحديث ورد بدون تعيين الأسماء الحسنى. من حديث أبي هريرة. وقد تقدم تخريجه ضمن مواقف إسحاق بن راهويه سنة (٢٣٧هـ).\n(٢) أحمد (١/ ٣٩١) والطبراني (١٠/ ٢٠٩ - ٢١٠/ ١٠٣٥٢) والحارث بن أبي أسامة (بغية الباحث ١٠٦٣) وصححه ابن حبان (٣/ ٢٥٣/٩٧٢) والحاكم (١/ ٥٠٩) كلهم من حديث ابن مسعود. والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٣٦و١٨٦ - ١٨٧) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان \".\n(٣) الشورى الآية (٣٠).\n(٤) العقائد الإسلامية (ص.٧٦ - ٧٧).","vol":"9","page":268},{"text":"عبد العزيز بن حمد بن علي بن عتيق (١) (١٣٥٩ هـ)\nعبد العزيز بن حمد بن علي بن عتيق. ولد في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين ومائتين وألف. ونشأ في بيت علم ودين. قرأ على والده الشيخ حمد ابن علي بن عتيق إلى أن توفي، ثم سافر إلى الرياض، ثم إلى الهند حيث وجد المحدث الشيخ نذير حسين الدهلوي، فأخذ عنه الحديث. كان ﵀ موصوفا بكثرة العبادة والتهجد، وكانت له عناية كبيرة بكتب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب والشيخين ابن تيمية وابن القيم. أخذ عنه العلم الشيخ سعد بن سعود آل مفلح والشيخ سعود بن محمد بن رشود والشيخ محمد ابن إسحاق. شارك في الفتوح، وكان قد تولى القضاء في الأفلاج ثم نقل إلى وادي الدواسر، ثم أعيد إلى الأفلاج، إلى أن توفي فيها سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3232>موقفه من المبتدعة:</span>\nتبنيه لعقيدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:\nجاء في علماء نجد: \"له وصية بقلم محمد بن إسحاق بن عتيق، حيث يقول: هذا ما أوصى به الفقير إلى الله عبد العزيز بن حمد بن عتيق وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا، أحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد، وأن محمدا عبده ورسوله الصادق المصدق، أفضل الرسل - ﷺ -، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٣/ ٣٣٠ - ٣٣٥).","vol":"9","page":269},{"text":"ولو كره المشركون، وأشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأشهد أن ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله رب العالمين والبراءة من عبادة ما سواه هو عين ما قام به النبي - ﷺ - ودعا الناس إليه، وهو دين الإسلام الذي نعتقده وندين لله به، وأوصى ولدي وولد ولدي وإخواني وأولادهم بأن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصيهم بما أوصي به إبراهيم بنيه ويعقوب إذ قال لبنيه: ﴿يا بني إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ (١).اهـ (٢)\n\nعلي محفوظ (٣) (١٣٦١ هـ)\nعلي محفوظ المصري، واعظ مرشد، عالم تخرج بالأزهر أستاذا للوعظ والإرشاد بكلية أصول الدين بالجامعة الأزهرية، واختير عضوا في جماعة كبار العلماء. توفي سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3234>موقفه من المبتدعة:</span>\nله: 'الإبداع في مضار الابتداع' والكتاب مطبوع ومتداول، وهو وإن كانت فيه بعض الفوائد لكن فيه خلط في تأييد بعض البدع واستحسانها. جاء\n_________\n(١) البقرة الآية (١٣٢).\n(٢) علماء نجد (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤).\n(٣) الأعلام (٤/ ٣٢٣) ومعجم المؤلفين (٧/ ١٧٥).","vol":"9","page":270},{"text":"فيه: الحث على التمسك بالدين وإحياء السنة:\nوأما الحث على التمسك بالدين وإحياء السنة، فاعلم أن من أمعن النظر فيما شرعه الله لنا مما تضمنه الكتاب وبينته السنة علم أن النبي صلوات الله وسلامه عليه تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يحيد عنها إلا من قد مرض قلبه وطاش في مهاوي الضلال لبه، فإن الله تعالى قد بين للناس قواعد الدين وأكملها قال تعالى: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد، فإذا كان الله سبحانه قد أكمل لنا الدين بما أنزله في كتابه العربي المبين وعلى لسان نبيه الأمين، مما بلغ من الأحكام، وبين لنا من حلال وحرام، فمن اتبع غير سبيل المؤمنين فهو الحقيق بهذا الوعيد الشديد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣): ما تركنا وما أغفلنا شيئا يحتاج إليه من الأشياء المهمة، فقد نفى سبحانه التقصير فيما شرع من كتابه الحكيم الذي هو متن للسنة. وقد أمر الله تعالى باتباع سبيله وما شرع من الدين القويم ونهى عن\n_________\n(١) المائدة الآية (٣).\n(٢) النساء الآية (١١٥).\n(٣) الأنعام الآية (٣٨).","vol":"9","page":271},{"text":"اتباع غير سبيل المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)\nفذكر تعالى أن له سبيلا واحدا سماها صراطا مستقيما، لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلا متعددة يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط وهي طرق الشيطان، وحث سبحانه على اتباع سبيله الذي هو الكتاب والسنة حثا مقرونا بالنهي عن اتباع السبل، مبينا أن ذلك سبب للتفرق، ولذا ترى المسلمين العاملين قد لزموا سبيلا واحدا أمروا بسلوكه، وأما أهل البدع والأهواء فقد افترقوا في سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ (٢)، وقد روى أحمد وجماعة عن ابن مسعود ﵁ قال: خط رسول الله - ﷺ - خطا ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره، وقال: «هذه السبل المتفرقة وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو» ثم قرأ هذه الآية، حتى بلغ ﴿تتقون﴾ (٣). السبل المتفرقة هي البدع، والشيطان هو شيطان الإنس وهو المبتدع.\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤)، قال العلماء: معناه إلى الكتاب والسنة، فأمر سبحانه برد الأمر حالة النزاع إلى\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٣) ..\n(٢) الروم الآية (٣٢).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف الإمام مالك سنة (١٧٩هـ).\n(٤) النساء الآية (٥٩).","vol":"9","page":272},{"text":"كتابه العزيز وسنة نبيه، ففي حالة الوفاق أولى.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) فقد جعل ﷾ علامة محبته اتباع الرسول ﵊، فمن لم يتبع الرسول وادعى محبة الله تعالى فهو كاذب في دعواه فإن عصيان الرسول عصيان لله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢)، وعصيان الله تعالى ينافي محبته:\nتعصى الاله وأنت تظهر حبه ... تعصى الاله وأنت تظهر حبه\nلو كان حبك صادقا لأطعته ... لو كان حبك صادقا لأطعته\nثم رتب على اتباع الرسول حب الله تعالى ورضاءه ومثوبته، فالخير في اتباع الرسول والشر في مخالفة سننه ... وكيف لا ونبينا صلوات الله وسلامه عليه هو المبلغ للكتاب الناطق بالحق والصواب ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ (٤): هو الإسلام. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ (٥).\n_________\n(١) آل عمران الآية (٣١).\n(٢) النساء الآية (٨٠).\n(٣) النجم الآية (٣).\n(٤) الشورى الآية (٥٢).\n(٥) الأحزاب الآية (٢١).","vol":"9","page":273},{"text":"فإذا الواجب علينا معاشر المسلمين اتباعه في جميع أقواله وأفعاله، والتأسي به في سائر أحواله، قال تعالى: ﴿وما آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وما أخبث رجلا ترك سبيل السنة الشارحة للكتاب، واستبدل العذب بالعذاب ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ (٣) وسر تكرير الفعل: الدلالة على أن ما يأمر به رسول الله صلوات الله وسلامه عليه تجب طاعته فيه وإن لم يكن مأمورا به بعينه في القرآن، فتجب طاعة الرسول مفردة كما تجب مقرونة بأمره سبحانه، فهو إذًا مستقل بالطاعة كما ورد عنه - ﷺ - أنه قال: «يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول بيننا وبينكم كتاب الله ما وجدنا فيه من شيء اتبعناه. ألا إني قد أوتيت الكتاب ومثله معه» (٤)\n_________\n(١) الحشر الآية (٧).\n(٢) النور الآية (٦٣).\n(٣) النور الآية (٥٤).\n(٤) أخرجه: أحمد (٤/ ١٣٠ - ١٣١) وأبو داود (٥/ ١٠ - ١٢/ ٤٦٠٤) والترمذي (٥/ ٣٧/٢٦٦٤) وقال: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\". وابن ماجه (١/ ٦/١٢) والحاكم (١/ ١٠٩) وصحح إسناده وسكت عنه الذهبي، كلهم من حديث المقدام بن معدي كرب.","vol":"9","page":274},{"text":"وقوله: تولوا بحذف إحدى التاءين عام لمن يقع عليه الخطاب من عباده. والمعنى أنه قد حمل أداء الرسالة وتبليغها وحملتم طاعته والانقياد له والتسليم ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ (١) أخبر جل ثناؤه أن الهداية في طاعة الرسول لا في غيرها، فإنه معلق بالشرط فينتفي بانتفائه، وليس عليه إلا البلاغ والبيان الواضح لاهداكم وتوفيقكم، ففي صحيح البخاري عن الزهري: فإن تطيعوه فهو حظكم وسعادتكم، وإن لم تطيعوه فقد أدى ما حمل وما عليه إلا البلاغ. وحكى الإمام الشافعي ﵁ إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن من استبانت له سنة الرسول - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد. وهو كلام حق لا يستراب فيه.\nوكيف تترك نصوص الشارع المعصوم ويؤخذ بأقوال غيره ممن يجوز عليه الخطأ، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه. والآيات في هذا الباب كثيرة.\nوالمعنى فإن تتولوا عن الطاعة إثر ما أمرتم بها فاعلموا أنما عليه إثم ما أمر به من التبليغ وقد شاهدتموه عند قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وعليكم ما أمرتم به من الطاعة.\nوأما الأحاديث: فعن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: «أوصيكم بتقوى الله\n_________\n(١) النور الآية (٥٤).","vol":"9","page":275},{"text":"والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة» رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح (١)، فقد أوصانا صلوات الله وسلامه عليه بلزوم سنته وسنة خلفائه الراشدين الذين هم على طريقته، وحرض على ذلك بقوله: «عضوا عليها بالنواجذ». وعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد» رواه الطبراني والبيهقي (٢). وعن عباس بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يقبل الحجر -يعني الأسود- ويقول: إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يقبلك ما قبلتك. متفق عليه (٣)، وروى الحاكم عنه - ﷺ - أنه خطب في حجة الوداع فقال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا.\nإني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه» (٤) ...\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٢) الطبراني في الأوسط (٦/ ١٩٧/٥٤١٠) ومن طريقه أبو نعيم (٨/ ٢٠٠). وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٢) رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن صالح العدوي ولم أر من ترجمه وبقية رجاله ثقات وأورده الألباني في الضعيفة (١/ ٤٩٧/٣٢٧).\n(٣) البخاري (٣/ ٥٨٩/١٥٩٧). مسلم (٢/ ٩٢٥/١٢٧٠).\n(٤) أحمد (٢/ ٣٦٨) والبزار (الكشف ٣/ ٣٢٢/٢٨٥٠) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكن قد رضي منكم بالمحقرات» وقال الهيثمي (١٠/ ٥٤) رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. قال الشيخ الألباني في الصحيحة (١/ ٨٤٢/٤٧١): \"وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين\". وفي الباب عن جابر وابن مسعود وأبي الدرداء بنحوه.","vol":"9","page":276},{"text":"وقال في الشفاء وشرحه: قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى (سن الرسول - ﷺ - وولاة الأمور) يعني الخلفاء الراشدين (بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله) أي حيث قال: ﴿وما آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١) (واستعمال لطاعة الله) أي في طاعة رسوله لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢)، وقد قال ﵊: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (٣)، (وقوة على الدين) أي على كمال ملته وجمال شريعته (ليس لأحد تغييرها) بزيادة أو نقصان فيها (ولا تبديلها) بغيرها ظنا أنه أحسن منها (ولا النظر في رأي من خالفها، من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا). وهذا من كلامه الذي عني به ويحفظه العلماء، وكان يعجب مالكا جدا، ولحق ما كان يعجبهم، فإنه كلام مختصر جمع أصولا حسنة من السنة، لأن قوله: (ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها): قطع لمادة الابتداع جملة. وقوله: (من عمل بها فهو مهتد) الخ الكلام: مدح لمتبع السنة وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك وهو قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا\n_________\n(١) الحشر الآية (٧).\n(٢) النساء الآية (٨٠).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).","vol":"9","page":277},{"text":"تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ (١) الآية، ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي - ﷺ - فهو سنة لا بدعة فيه ألبتة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه - ﷺ - نص عليه على الخصوص فقد جاء ما يدل عليه في الجملة. وقال علي ﵁: لم أكن أدع سنة رسول الله - ﷺ - لقول أحد من الناس، وقال: إني لست بنبي ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ما استطعت.\nوقال أبو بكر الصديق ﵁: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله وآله وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. اهـ باختصار.\nوالموفق السعيد من انتظم في سلك من أحيا سنة وأمات بدعة، فكن يا أخي إياه فقد كثرت البدع وعم ضررها. واستطار شررها، ودام الانكباب على العمل بها مع السكوت عن الإنكار لها حتى صارت كأنها سنن مقررات، وشرائع من صاحب الشرع محررات. فاختلط المشروع بغيره، وعاد المتمسك بمحض السنة كالخارج عنها كما سبق، فتأكد وجوب الإنكار على من عنده فيها علم، ولا يهولنه أن المتعرض لهذا الأمر اليوم فاقد المساعد عديم المعين: فالموالي له يخلد به إلى الأرض، ويمد له يد العجز عن نصرة الحق بعد رسوخ البدع في النفوس، والمعادي يصوب إليه سهام الطعن ويرميه بمقذوفات الأذى، لأنه يحارب عاداته الراسخة في القلوب، ويقبح بدعه المألوفة في الأعمال دينا يتعبد به. ومذهبا خامسا يدين الله عليه\n_________\n(١) النساء الآية (١١٥).","vol":"9","page":278},{"text":"لا حجة له عليها سوى عمل الآباء والأجداد، مع بعض من ينتسب إلى العلم أكانوا من أهل النظر في هذه الأمور أم لا ولم يفقهوا أنهم بموافقتهم للآباء وهؤلاء الأدعياء مخالفون لكتاب الله وسنة رسول الله والسلف الصالح من بعده، فالمتعرض لمثل هذا الأمر ينحو نحو عمر بن عبد العزيز ﵁ في العمل حيث قال: ألا وإني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا أنه قد فنى عليه الكبير وكبر عليه الصغير وفصح عليه الأعجمي وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره وكذلك ما عليه الناس اليوم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3235>مبارك بن محمد الميلي (١٣٦٤ ه</span>ـ)\nمن أفاضل علماء الجزائر، وأحد أعضاء جمعية العلماء بها. ولد سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة، وتوفي ﵀ سنة أربع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3236>موقفه من المشركين:</span>\nله كتاب 'رسالة الشرك ومظاهره'. تناول فيها هذا الموضوع من كل جوانبه؛ فعرف الشرك وبيّن خطره وتاريخه، ثم مثّل لأبرز مظاهره؛ فأجاد ﵀ وأفاد.\n- قال ﵀: وهذه أطوار البعثة من حين الأمر بالإنذار المطلق في سورة المدثر، إلى الأمر بإنذار العشيرة، إلى الأمر بالصدع بالدعوة، إلى الأمر\n_________\n(١) الابداع في مضار الابتداع (١٨ - ٢٣).","vol":"9","page":279},{"text":"بالهجرة، إلى الإذن بالقتال، إلى فتح مكة، إلى الإعلام بدنوّ الحمام؛ لم تخل من إعلان التوحيد وشواهده، ومحاربة الشرك ومظاهره. ويكاد ينحصر غرض البعثة أولًا في ذلك؛ فلا ترك النبي - ﷺ - التنديد بالأصنام وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور بالشعب ثلاث سنوات شديدات، ولا نسيه وهو مختفٍ في هجرته والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وهو ظاهر بمدينته بين أنصاره، ولا غلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة، ولا شغل عنه وهو يجاهد وينتصر ويكر ويفر، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرير عرض البيعة على التوحيد ونبذ الشرك. وهذه سيرته المدونة وأحاديثه المصححة فتتبعها تجد تصديق ما ادعينا وتفصيل ما أجملنا. (١)\n- وقال: وإن لم يكن بعقلك بأس، فستسلم معي شدة عناية بعثة خاتم النبيين ببيان الشرك وعدم الاكتفاء بشرح التوحيد، وستعجب معي من قلة اهتمام علمائنا بذلك، كأن لا حاجة بالمسلمين إليه! تجد في كلامهم على الفروع عناية بتفصيل أحكام مسائل نادرة أو لا توجد عادة، ولا تجدهم يعنون تلك العناية بالأصول؛ فيحددون الشرك ويفصلون أنواعه، ويعددون مظاهره، حتى يرسخ في نفوس العامة الحذر منه، والابتعاد من وسائله، ولا يفقد المتأخر نص من قبله في جزئية من ذلك. (٢)\n- وقال: آثار الشرك في المجتمع:\nإن كنت باحثًا في علل انحطاط الأمم، فلن تجد كالشرك أدل على\n_________\n(١) رسالة الشرك ومظاهره (ص.١٩).\n(٢) رسالة الشرك ومظاهره (ص.٢٠).","vol":"9","page":280},{"text":"ظلمة القلوب وسفه الأحلام وفساد الأخلاق، ولن تجد كهذه النقائص أضر بالاتحاد، وأدر للفوضى، وأذل للشعوب. وإن كنت باحثًا عن أسباب الرقي، فلن تجد كالتوحيد أطهر للقلوب وأرشد للعقول، وأقوم للأخلاق، ولن تجد كهذه الأسوس أحفظ للحياة وأضمن للسيادة، وأقوى على حمل منار المدنية الطاهرة، وإن نظرة في حياة العرب قبل البعثة، لتؤيد ما أضفناه إلى الشرك من علل ونتائج، وإن وقفة على حياتهم بعد البعثة لتبعث على التصديق بما أنطناه بالتوحيد من أسباب وثمرات، وإن تلك النظرة وهاته الوقفة لمفتاحان لسر حياة المسلمين بعد عصر النبوة.\nوكل من قارن بين حياتنا اليوم وحياة جيراننا من غير ملتنا، استيقن أن وسائل الشرك قد وجدت في المسلمين منذ أمد، وأن نتائجه قد ظهرت عليهم، فلا تخفى على أحد. (١)\n- وقال ﵀: الحكاية العاشورية:\nففي سنة سبع وأربعين، قتل شيخنا محمد الميلي ﵀، فأتيت من الأغواط. وجاء للتعزية الشيخ عاشور صاحب 'منار الأشراف' وملقب نفسه \"كليب الهامل\"، والهامل قرية بالحضنة قرب أبي سعادة بها زاوية كانت تمده بالمال. فحضرت مجلسه ولم أشعره بحضوري إذ كان قد اجتمع عليه العمى والصمم. وذلك لئلا يحترز في حديثه أو نقع في حديث غير مناسب للمقام.\nسمعت في ذلك المجلس بأُذنيَّ \"كليب الهامل\" يحكي مناقضًا لدعوة الإصلاح التي اشتهرت يومئذ، أن شيخًا من شيوخ الطرق الصوفية كان مع\n_________\n(١) رسالة الشرك ومظاهره (ص.٤٩).","vol":"9","page":281},{"text":"مريديه في سفينة فهاج بهم البحر وعلت أمواجه، فلجؤوا جميعًا إلى الله يسألون الفرج والسلامة. وكان الشيخ منفردًا في غرفة يدعو فلم تنفرج الأزمة، وعادته أن لا يبطأ عليه بالإجابة، فوقع في روعه أنه أتي من قبل أتباعه. لا لنقص فيه يوجب هذا الإعراض عنه، فخرج على أتباعه مغضبًا يقول: ماذا صنعتم في هذه الشدة؟ فقالوا: دعونا الله مخلصين له الدين بلسان المضطرين -إشارة إلى لقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السوء ..﴾ (١) - فنكر عليهم اللجوء إلى الله مباشرة، ووبخهم عليه، وعرفهم أن ذلك هو الحائل دون استجابة دعائه، وأنذرهم عاقبة استمرارهم على التوجه إلى ربهم، وأنه الغرق، وعلمهم أن واجبهم هو التوجه إليه وسؤاله، ثم هو وحده يتوجه إلى الله، فتابوا من دعاء الموحدين، وامتثلوا تعليم الشيخ المخالف لتعليم رب العالمين. وعاد الشيخ إلى غرفته يدعو متوسطًا بين الله ومريديه، فانكشفت الغمة، وسملت السفينة، وحمد الشيخ ثقته بنفسه وفقهه سر البطء عن استجابة دعائه، وتفقيهه لأتباعه سر النجاة وصرفهم إلى الثقة به عن الثقة بالله.\nهذا معنى ما سمعته من \"كليب الهامل\"، ولم أقيد الحكاية حين السماع حتى أؤديها بلفظها وأصورها بنصها، ولم يسعني وأنا في مقام التحذير من الشرك اجتناب إدراج ما ينافي غرض الحاكي في الحكاية حتى تتم ثم أعلق عليها، لئلا يعلق بذهن القارئ شيء من الشرك، ولو إلى حين، ولم أميز\n_________\n(١) النمل الآية (٦٢).","vol":"9","page":282},{"text":"المدرج في الحكاية، لأنه لا يخفى على العارف بحال المعارضين لدعاة الإصلاح الديني.\nيستدل الشيخ عاشور وأشباهه بأمثال هذه الحكاية على لزوم التعلق بشيوخ الزوايا وتوسيطهم بين العباد وربهم، ناسخين بها نصوص الشريعة الكثيرة المحكمة، وتتلقفها منهم العامة بقلوبها، وتتمسك بها في الاحتجاج لإيثار دعاء غير الله، وتعتقد أن ذلك أليق بحالها من أن تخاطب بنفسها أرحم الراحمين، سنة المشركين من قديم كما تقدم عن الكلدانيين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3237>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ﵀: وقد كان ضلال الرافضة مكشوفًا للعامة والخاصة من الفرق الإسلامية؛ فكانوا ممقوتين في المجتمعات، لا تروج لهم بضاعة في جميع الطبقات إلا أن يجدوا غرة في بعض الجهات التي لا تعرف من الدين أكثر من التلفظ بالشهادتين أو صور العبادة المتكررة الفاشية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3238>موقفه من الصوفية:</span>\nلقد أولى ﵀ في كتابه قضية التصوف اهتمامًا كبيرًا، باعتبار الصوفية أمرًا دخيلًا على الإسلام وأهله، ومنبعًا لتصدير الشرك والبدع والخرافات، مبينًا ﵀ علاقة التصوف بالتشيع، ومدى الصلة الوثيقة التي تربطهما كأنهما أخوان شقيقان.\n- قال ﵀: أما ثمرة هذا الاتحاد؛ فهو توصل الرافضة إلى تحقيق ما\n_________\n(١) رسالة الشرك ومظاهره (ص.١٨٢ - ١٨٣).\n(٢) رسالة الشرك ومظاهره (ص.٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"9","page":283},{"text":"عجزت عنه من تشويه محاسن الإسلام وقلب تعاليمه. وإن تعجب لسلامة الصوفية من سوء سمعة الرافضة مع اتحاد الفريقين، فأعجب من ذلك أن تعلو كلمة هؤلاء الصوفية كلمة العلماء، ويخصّوا بالفضل دونهم؛ والكتاب والسنة إنما جاءا بفضل العلم وأهله. وترى من هنا؛ أن هذا التصوف سيف ماضي الحدين مؤثر بالجهتين:\nفجهة النقص فيه: وهي اتحاده بالباطنية أثر فيها بالتغطية والتعمية حتى لم تشعر بها العامة، وتطاول الأمد فخفيت على كثير من الخاصة.\nوجهة الكمال في غيره: وهي جهة العلم قلبها رأسًا على عقب؛ فاستأثر بما للعلم من شرف، وجعل أهله محل ريبة لا يوثق بدينهم إلا بتوثيق شيوخ التصوف، وهم لا يوثقون من العلماء إلا من سدل الستار عما في طرقهم من بدع ومنكرات. فأصبح يخطب وُدّهم كل عالم طماع، وكل محتال خداع، وانضافت إليهم هذه الجنود المرتزقة فكان جيشا يهدد كل مرشد نصوح، ومصلح إلى المعالي طموح. (١)\n- وقال ﵀ مبينًا مساوئ التصوف في مسائل منها: الخامسة: الاعتماد في دينهم على الخرافات والمنامات، وما يربي هيبتهم في قلوب مريديهم من حكايات، ولا يتصلون بالعلماء إلا بمن أعانهم على استعباد الدهماء، والرد على المرشدين النصحاء، بتأويل ما هو حجة عليهم، وتصحيح الحديث الموضوع إذا كان فيه حجة لهم.\nقال أبو بكر بن العربي في 'العواصم': إن غلاة الصوفية ودعاة الباطنية\n_________\n(١) رسالة الشرك ومظاهره (ص.٢٦٧ - ٢٦٨).","vol":"9","page":284},{"text":"يتشبهون بالمبتدعة في تعلقهم بمشتبهات الآيات والآثار على محكماتها، فيخترعون أحاديث أو تخترع لهم على قالب أغراضهم ينسبونها إلى النبي - ﷺ - ويتعلقون بها علينا) (١/ ٩).اهـ (١)\n\nمحمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (٢) (١٣٦٧ هـ)\nمحمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولد في مدينة الرياض سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف للهجرة، ونشأ بها. قرأ على أخيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ محمد ابن محمود والشيخ حمد بن عتيق والشيخ حسن بن حسين آل الشيخ والشيخ أبو بكر خوقير وغيرهم. عينه الملك عبد العزيز قاضيا في القويعية ثم في الوشم، ثم قاضيا للرياض. كان ﵀ جوادا كريما، متواضعا، حسن الخلق. أخذ عنه الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم والشيخ صالح بن سحمان والشيخ عبد الله الدوسري وغيرهم. رحل إلى عمان وقطر ثم إلى اليمن. له رسائل وأجوبة في الدعوة إلى التوحيد وهدم الشرك.\nتوفي ﵀ في جمادى الثانية سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3240>موقفه من المبتدعة:</span>\nله رسائل وأجوبة خاصة في التوحيد تدل على سعة علمه واطلاعه وحبه لنشر العقيدة السلفية، فجزاه الله خيرا.\n_________\n(١) رسالة الشرك ومظاهره (ص.٢٨٠).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ١٣٤ - ١٣٩) والأعلام (٦/ ٢١٨) ومعجم المؤلفين (١٠/ ١٩٣).","vol":"9","page":285},{"text":"- نصائحه رحمه للأمة:\nوأكبر نعمة نذكركم بها هي ما من به مولاكم، وما خصكم به من المنحة وأولاكم من هذه الدعوة النجدية، وتجديد الملة الحنيفية، بعد أفول شموسها، ومحو آياتها ودروسها، واعتكار ليل الإشراك، وتلاطم الضلال والهلاك، حتى عبدت في نجد كغيرها الطواغيت والأوثان من الأشجار والقبور والغيران، وكان المطاع والمتبع هو الشيطان بدلا عن مضمون كلمة الإسلام والإيمان، شهادة أن لا إله إلا الله الملك الديان، وشهادة أن محمدا عبده ورسوله سيد ولد عدنان، وأصبح الحق مهجورا، والباطل مؤيدا منصورا، ونشأت بدع الرفض والتجهم والاعتزال، وبدعة الاتحاد التي هي أكبر بدع الضلال، وغير ذلك من ظهور السحر والكهانة والتنجيم، وسفك الدماء ونهب الأموال، واستحلال المحرمات، مما هو حقيقة الجاهلية الجهلى، والضلالة العمياء، إلى أن ابلولج صبح الحق واتضح، وتجهم وجه الباطل وافتضح بما مَنًّ به الكريم من الدعوة والتجديد، على يد من منحهم الله التوفيق والتسديد وهم الإمام الأوحد الفريد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنصار أئمة التوحيد آل سعود ومن سبقت لهم سابقة السعادة والسيادة، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ولم يثنهم عن هذا الفخر الأفخم مقاومة مقاوم، فانجلت بحمد الله من نجد وما حولها وجنات الإشراك، وظهرت بذلك فضيحة كل مبتدع أفاك، واستضاءت بنور المحمدية المحضة ارجاء تلك الأقطار، وعاد عود الإسلام غصنا أخضر بعد الالتواء والاصفرار، واستقرت الشريعة في نصابها، ورجعت الفريضة إلى بابها، ونشرت أعلام الجهاد،","vol":"9","page":286},{"text":"وقامت حجة الله على العباد. (١)\n- وقال: فأول بدعة حدثت بدعة الخوارج وهم قوم من أصحاب علي ابن أبي طالب ممن أخذ العلم عن الصحابة فكفروا عليا ﵁ وأصحابه، وكفروا أهل الكبائر من هذه الأمة، وحكموا على من ارتكب كبيرة بالخلود في النار والكفر، ثم خرجت المعتزلة وحكموا على الفاسق بالخلود في النار فوافقوا الخوارج في الحكم وخالفوهم بالاسم، فالخوارج يقولون: أهل الكبار كفار مخلدون في النار، والمعتزلة يقولون فاسقا ويخلدون في النار، وكلا الطائفتين خارجة عن الصراط المستقيم، وما عليه السلف الصالح من أهل الملة والدين، ثم تتابعت البدع وكثرت كبدعة القدرية، والمرجئة، والجهمية، وغير ذلك من البدع، التي حقيقتها مخالفة الكتاب والسنة.\nإذا علمت ذلك فاعلم أن الله ﵎ مَنَّ في آخر هذا الزمان في القرن الثاني عشر بظهور من دعا إلى ما دعت إليه الرسل وهو شيخ الإسلام وعلم الهداة الاعلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أسكنه الله الجنة بمنه وكرمه، لأنه خرج في زمن فترة من أهل العلم تشبه الفترة التي بين الرسل، فدعا إلى الله وبصر الخلق بحقيقة ما خلقوا له من اخلاص العبادة لله، وترك عبادة ما سواه الذي هو أول مدلول شهادة أن لا إله إلا الله، فجد واجتهد وأعلن بالدعوة، فعارضه من عارضه ممن استهوتهم الشياطين واجتالتهم عن فطرهم التي فطروا عليها، فقام في رد ما جاء به علماء السوء بشبهات وضلالات\n_________\n(١) الدرر السنية (١١/ ١٣٤).","vol":"9","page":287},{"text":"أوهن من بيت العنكبوت، واستعانوا بملاءهم من الرؤساء والأمراء، فجدوا في إطفاء نور الله، فأبى الله إلا أن يتم نوره، ويعلي كلمته. (١)\n\nابن المؤقت (٢) (١٣٦٨ هـ)\nمحمد بن محمد بن عبد الله المؤقت المسفيوي أصلا المراكشي ولادة ونشأة، كان صوفيا أول أمره وألف في ذلك كتبا ثم رجع عن ذلك، وقد ثارت الطرق الصوفية ضده لما كتب كتاب 'الرحلة المراكشية' ويسمى أيضا 'السيف المسلول على المعرض عن سنة الرسول' وشكوه إلى باشا المدينة ثم إلى الملك محمد الخامس، ورد عليه مقدم الطائفة التيجانية القاضي أحمد السكيرج بكتاب سماه 'الحجارة المقتية لكسر مرآة المساوئ الوقتية' ثم رد عليه ابن المؤقت بكتاب بين فيه افتراءاته، إلا أن الكتاب صودر من السوق وأحرق مما يدل على أن المعركة بين الشيخ وخصومه بلغت ذروتها.\nبلغت مؤلفاته أربعة وثمانين مؤلفا، طبع منها إحدى وأربعون، وأربعة ما تزال مخطوطة، وباقي هذه المؤلفات مفقود.\nمنها 'الرحلة المراكشية' و'الرحلة الأخروية' و'أصحاب السفينة' و'الجيوش الجرارة' و'الكشف والتبيان عن حال أهل الزمان' و'الحجة القوية على الطائفة اليهودية' و'مجموعة اليواقيت العصرية لتاريخ المشرق والمغرب' في ستة أجزاء و'السعادة الأبدية' و'لبانة القارئ من صحيح الإمام البخاري'\n_________\n(١) الدرر السنية (١١/ ١٢٢).\n(٢) مقدمة الرحلة المراكشية و'سل النصال' لعبد السلام بن سودة (ص.١٣٩).","vol":"9","page":288},{"text":"و'بغية كل مسلم من صحيح مسلم' و'سبيل التحقيق في كشف الغطا عن مساوي كل طريق' و'سبيل السعادة في أحكام العبادة'.\nكان مؤقتا بالمسجد الجامع ابن يوسف، وله في التوقيت وعلم الفلك عدة مؤلفات. توفي بمراكش سنة ثمان وستين وثلاثمائة وألف هجرية وقيل سنة تسع وتسعين.\nهذا ولا يخلو كتابه الرحلة من أخطاء مثل انتصاره لإرسال اليدين في الصلاة وغير ذلك، وهذا من آثار التقليد المذموم، وكذا في كتبه الأخرى أخطاء وسقطات لعلها أيام تصوفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3242>موقفه من المشركين:</span>\n- ذكر ﵀ تفشي الذبح للقبور والأضرحة في زمانه ثم قال: وإن لم يكن هذا كفرا فجهل عظيم، وغباوة جسيمة، وفي صحيح الإمام مسلم عن علي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «لعن الله من ذبح لغير الله» (١).\nقال بعض العلماء: كالذبح على أضرحة الأولياء، وهذه الذبيحة لا تؤكل لأنها مما أهل به لغير الله، ويتناول صاحبها اللعن. (٢)\n- وقال: وقد قلت في شدة لرجل يوما يستغيث ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني: قل يا الله. فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ١٠٨) ومسلم (٣/ ١٥٦٧/١٩٧٨) والنسائي (٧/ ٢٦٦/٤٤٣٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(٢) الرحلة المراكشية (ص.١٨٣).","vol":"9","page":289},{"text":"عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١) فغضب، وبلغني أنه قال: إن فلانا منكر على الأولياء، وسمعت من بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله ﷿، وهذا من الكفر بمكان. نسأل الله أن يعصمنا من الزيغ والطغيان. (٢)\n- وقال: وقد صح أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (٣) إلخ، ولم يرد عن أحد من الصحابة ﵃ وهم أحرص الخلق على كل خير أنه طلب من ميت شيئا، بل قد صح عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول إذا دخل الحجرة النبوية زائرا: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف ولا يطلب من سيد العالمين ﵊ ولا من ضجيعيه المكرمين ﵄ شيئا، وهم أكرم من ضمته البسيطة، وأرفع قدرا من سائر من أحاطت به الأفلاك المحيطة. (٤)\n- وقال: ومن بدعهم الحلف بغير الله مع ورود النهي عن ذلك، فمنهم من يحلف بمن اشتهر في الوقت بالصلاح.\nومنهم من يحلف بالأخوة والأبوة والطعام والمحبة، وأمثال هذا الخور الذي لا يخرج إلا من لسان أحمق أخرق لا يميز بين السماء والأرض.\n_________\n(١) البقرة الآية (١٨٦).\n(٢) الرحلة المراكشية (ص.٢١٦ - ٢١٧).\n(٣) أخرجه: مسلم (٢/ ٦٦٩/٩٧٤) وأبو داود (٣/ ٥٥٨ - ٥٥٩/ ٣٢٣٧) وغيرهما من حديث عائشة ﵂.\n(٤) الرحلة المراكشية (ص.٢١٨).","vol":"9","page":290},{"text":"وكل هذا ورد النهي عنه، وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (١).\nفانظر إلى قوله - ﷺ -: «فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» تعرف أن الحلف بغير الله، ولو مما عظم الله كالكعبة والأولياء منهي عنه شرعا. (٢)\n- وقال: أما من حيث النذور في بلادنا اليوم، فلهم فيها ابتداعات قضت على أمر الدين، وتمكن إبليس اللعين من إدخال الفساد على الإسلام وأهله من هذا الباب حتى لا ترى مسلما اليوم إلا وهو بالوثني أشبه إلا ما قل.\nجاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والأنفة والحمية، وليعتق رقابهم من رق العبودية لغير الله، فلا يذل صغيرهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفهم قويهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل.\nوقد ترك الإسلام بفضل عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى فكانوا ذوي أنفة وعزة وإباء وغيرة يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده في سلطانه قف\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٧) والبخاري (١١/ ٦٤٩/٦٦٤٦) ومسلم (٣/ ١٢٦٧/١٦٤٦ [٣ - ٤]) والترمذي (٤/ ٩٣/١٥٣٤) وقال: \"حسن صحيح\". النسائي (٧/ ٧/٣٧٧٣) من طرق عن ابن عمر ﵄.\n(٢) الرحلة (ص.٢٩٩).","vol":"9","page":291},{"text":"مكانك، ولا تغل في تقدير مقدار نفسك، فإنما أنت عبد مخلوق، لا رب معبود واعلم أنه لا إله إلا الله.\nهذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد. أما اليوم وقد داخل عقيدتهم ما داخلها من الشرك الباطن تارة والظاهر أخرى. فقد ذلت رقابهم، وخفقت رؤوسهم، وصرعت نفوسهم، وفترت حميتهم، فرضوا بخطة الخسف واستناموا إلى المنزلة الدنيا، فوجد أعداؤهم السبيل إليهم فغلبوهم على أمرهم، وملكوا نفوسهم وأموالهم ومواطنهم وديارهم، فأصبحوا من الخاسرين.\nوالله لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهنائها إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإن طلوع الشمس من مغربها وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده ما دام المسلمون يقفون بين يدي السبتي والجزولي والغزواني والتباع والسهيلي واليحصبي وأمثالهم في سائر الأقطار كما يقفون بين يدي الله.\nيا قادة الأمة ورؤساءها، عذرنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها. وقلنا أن العامي أقصر نظرا وأضعف بصيرة من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب والتماثيل والأضرحة والقبور، فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله وتقرؤون صفاته ونعوته، وتفهمون معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ (١) وقوله مخاطبا لنبيه مولانا محمد - ﷺ -: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي\n_________\n(١) يونس الآية (٢٠).","vol":"9","page":292},{"text":"نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٢).\nفهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصصون قبرا، أو يتوسلون بضريح، وهل تعلمون أن واحدا منهم وقف عند قبر النبي - ﷺ - أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته يسأله قضاء حاجة، أو تفريج كربة وهل تعلمون أن السبتي والجيلاني والدسوقي وأمثالهم أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين.\nوهل تعلمون أن النبي - ﷺ - حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل، نهى عنها عبثا ولعبا، أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى. وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منهما يجر إلى الشرك ويفسد عقيدة التوحيد. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3243>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال تحت عنوان \"بيان ما عليه المدعون للصلاح وانتسابهم لطريق الصوفية\": وما هذه الطوائف الوقتية إلا تلوينات عوجاء، بل أفاعي رقطاء، ابتكرتها مخيلة شيطانية، ومهما أردت التفاهم من أحد منهم والتعرف إلى شخصيته وما تنطوي عليه ضلوعه من الأماني والرغبات، وقمت تبحث عنه في ميادين جهاده، وساحات حروبه ونضاله، وقعت على أعمال تأباها\n_________\n(١) الأعراف الآية (١٨٨).\n(٢) الأنفال الآية (١٧).\n(٣) الرحلة (ص.٣٢٠ - ٣٢١).","vol":"9","page":293},{"text":"شريعة خير المرسلين. (١)\n- ثم قال: إنهم يلعبون بالشرع الشريف ويطبقون الدين على أهوائهم، ويفسرون القرآن بغير معناه، ويجعلون ذلك مصيدة للمال، ولا جدال في أن كثيرين من هذه الطوائف جناة على الأمة الإسلامية إما بجهلهم وجمودهم، وإما بتلاعبهم بالشرع، ومحاولتهم اصطياد الدنيا بشبكة الدين، وإذا قرعهم إنسان بما جاء من الكتاب أو السنة أطلقوا فيه ألسنتهم بالسب، بل ربما كفروه أو فسقوه أو رموه بكل شنيعة.\nوبالجملة، فإن الجهل الذي عليه طوائف هذا الزمان جهل هائل لا دواء له إلا التعليم والإرشاد، ولو أن هذه الطوائف توقفت إلى أن تتربى تربية الكتاب والسنة، وتتأدب بآدابهما لاستراحت مما هي فيه من إثم وفساد ومما تعانيه من شرور وموبقات، ولكن: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- ثم قال: وأما إصلاح دينك فبمتابعة الكتاب والسنة المحمدية لا غير. وأما التصوف في عصرنا اليوم؛ فقد أصبح زيه حبالة للدنيا وشباكه يصطاد بها قلوب من لا يعرفون من الدين إلا اسمه، وما هو إلا اغترارات بأباطيل يختلقها الجاهل، وتمسكات بخزعبلات يفتريها المدعون بهذه الدعوة الفادحة.\nوقديما كشف علماء الشريعة الغطاء عن أمر هؤلاء المتصوفة، وبينوا\n_________\n(١) الرحلة (ص.١٥٨ - ١٥٩).\n(٢) الحج الآية (٤٦).\n(٣) الرحلة (ص.١٥٩).","vol":"9","page":294},{"text":"مثالبهم ومخالفتهم للشرع القويم من كل وجهة، وأنهم أضل الناس من كل جهة، وليعلم كل واحد أن ليس المراد بقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (١) طريقة من هذه الطرق التي تمسك بها هؤلاء، وحملهم على التمسك بها متفقهة أهلها بالإتيان ببعض الأدلة من الكتاب والسنة في غير محلها، واستعمالهم التقية في دعاويهم المشقية. (٢)\n- ثم أورد في ذم التصوف نقولات عن ابن الجوزي من 'تلبيس إبليس' وابن قيم الجوزية من 'إغاثة اللهفان' وغيرهما. وأنكر ما عليه الصوفية من أعمال بدعية شنيعة مثل الرقص حالة الذكر (٣)، والسماع (٤).\n- ثم قال: وبالجملة فقد تأخر الأمر ودان جل الطوائف التي أصيب بها الإسلام بهمجيات خارجة عن الدين وانتصروا لأنفسهم وشياطينهم وحاربوا لأهوائهم أهل التقوى، ورأوا التمسك بالفساد أقوى. (٥)\nوبعد سرد جملة كبيرة من أسماء الطرق الصوفية بالمغرب قال: وهذه الطوائف كلها لو أردنا أن نأتي على جميع البدع والمفاسد التي تشبث بها عدد منهم، وما تولد منها لاحتاجت لمجلدات. وبكثرة هذه الطوائف وتباينها، انحط المغرب في أيامنا هذه وفيما قبلها بكثير، وسجل له على صفحات أيامه\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٣).\n(٢) الرحلة (ص.١٦٠).\n(٣) انظر الرحلة المراكشية (ص.١٧١) و(ص.١٩٥).\n(٤) انظر الرحلة المراكشية (ص.١٦٨ - ١٦٩) و(ص.١٧٥).\n(٥) الرحلة (ص.١٨٩).","vol":"9","page":295},{"text":"خرق وحمق ما بعده من خرق وحمق.\nوقد عانى علماء الدين الدافعون لهذه الداهية الدهماء مشاق جسيمة عرفها من عرفها، وأنكرها من لم يقف عليها، ولكن تغلبات الأحوال اقتضت فساد الأعمال. وإذا أمعنت النظر في تعدد طرق القوم، واختلاف أحوالهم، وتباين بعضهم بعضا، علمت أن سبب هذا الاختلاف، وكثرة المناكر، وتطرق البدع، إنما هو من جهة قوم تأخرت أزمنتهم عن عهد ذلك السلف الصالح وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها وتقولوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت كل طريقة في هذه الأزمنة الأخيرة كأنها شريعة أخرى غير ما أتى به مولانا محمد - ﷺ -.\nوأعظم من ذلك أن كل طريقة من هذه الطرق تتساهل في اتباع السنة وترى اختراع العبادات طريقا للتعبد صحيحا. (١)\n- وقال أيضا: وتعدد هذه الطوائف أقبح شئ في العصر، وكأن الدين ليس واحدا، وكأن ربه لم يكن واحدا، وكأن مبلغه عن ربه لم يكن واحدا.\nوهذا التعدد يدعو إلى الشك، والشك يدعو إلى الإهمال، والإهمال يورث البغض، وعاقبة ذلك الهلاك في دار التحصيل، وفي دار الجزاء.\nومن حق علماء الدين أن يدفعوا هذا الباطل بقدر طاقتهم وقوتهم، لأن الباطل يفسد الحياة، ولأن انتشاره يورث الهلكة. (٢)\n_________\n(١) الرحلة (ص.١٩٥).\n(٢) الرحلة (ص.٢١٣).","vol":"9","page":296},{"text":"موسى جار الله (١) (١٣٦٩ هـ)\nموسى بن جار الله التركستاني، القازاني، التاتاري، الروسي. تعلم في المدارس الإسلامية بمدينة قازان، ثم في بخارى، وتولى إمامة الجامع الكبير في بتروغراد، وحج وجاور بمكة ثلاث سنين، وعاد إلى بلاده، ثم قبض عليه وسجن، ثم اضطر إلى الهجرة، ومرض في مصر، وتوفي بها سنة تسع وستين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3245>موقفه من الرافضة:</span>\nله: 'الوشيعة في نقض عقائد الشيعة' وهو مطبوع متداول.\n\nإبراهيم بن عبد العزيز السويح (٢) (١٣٦٩ هـ)\nالشيخ إبراهيم بن عبد العزيز بن إبراهيم السويح. ولد في بلدة روضة سدير سنة اثنتين وثلاثمائة وألف، ورحل إلى كثير من البلدان لطلب العلم، فقرأ في مدينة المجمعة، على الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى والشيخ عبد الله العنقري وغيرهما، وجاور في مكة وقرأ على علمائها، منهم الشيخ عبد العزيز ابن مانع ومحمد عبد الرزاق حمزة. عين قاضيا في بلدة العلا ثم في بلدة تبوك. وكان فقيها نبيلا أديبا ماهرا، له أخلاق فاضلة، ذكيا، قوي الحافظة، ذا سكينة ووقار.\nتوفي ﵀ في آخر رمضان سنة تسع وستين وثلاثمائة وألف.\n_________\n(١) الأعلام (٧/ ٣٢٠ - ٣٢١) ومعجم المؤلفين (١٣/ ٣٦ - ٣٧).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ٣٣٤ - ٣٣٦).","vol":"9","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3247>موقفه من المشركين:</span>\nله كتاب 'بيان الهدى من الضلال في الرد على صاحب الأغلال' رد فيه على كتاب 'هذه هي الأغلال' لعبد الله بن علي القصيمي، وقد وسم فيه الشرائع بأنها أغلال تحول دون التقدم الحضاري، وما تقدمت الدول الأوربية إلا حين تخلت عن دينها المسيحي. (١)\n\nمحمد بن المهابة (٢) (١٣٧٠ هـ)\nالعلامة اللغوي محمد المهابة بن سيدي محمد بن الطالب إميجن الجملي، ولد في ضواحي مدينة مقطع الحجار بولاية ألاك البراكنة عام ست وثلاثمائة وألف للهجرة، وحفظ القرآن في صغره، ثم تابع دراسته على علماء المنطقة، ومن أبرزهم الفاروق بن زياد الديماني والأمين بن الشيخ محمد الحجاجي ومحمد سالم بن حد. وبرع في الفقه واللغة وعلومها والحديث ومصطلحه، وكان شديد الذكاء متفوقا على أقرانه في الحفظ والفهم. ولازم الشيخ باب وتأثر به في عقيدته ومنهجه. حج والتقى ببعض العلماء السلفيين منهم محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي. تولى التدريس والقضاء والفتيا في دائرة البراكنة. تتلمذ عليه محمد عمر بن محمد بلال الجملي، ومحمد بن تكدي اللمتوني، ومحمد الشيباني النجمري وغيرهم. ومن مؤلفاته: 'مذهب السلف في التفويض في آيات الصفات وأحاديثها'، وفتاوى مدونة في\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ٣٣٥).\n(٢) السلفية وأعلامها بموريتانيا (٣٠٠ وما بعدها).","vol":"9","page":298},{"text":"مجلد، وغيرهما.\nتوفي ﵀ في أوائل ذي الحجة من عام سبعين وثلاثمائة وألف للهجرة في مدينة أندر بالسنغال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3249>موقفه من الصوفية:</span>\nجاء في السلفية وأعلامها في موريتانيا: كما ركز على نقد المتصوفة، فوصفهم بالغلو والبعد عن الحق، واستعباد أتباعهم وساق أبياتا في هذا المعنى. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3250>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ﵀: ... إن السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأتباعهم من الفقهاء، والمحدثين، مجمعون على إبقاء نصوص الكتاب والسنة على ظواهرها .. والسكوت عليها من غير تعطيل، ولا تشبيه، ولا تكييف، ولا تأويل، بل يعتقدونها حقا بلا تكييف، مع اعتقادهم أن الله تعالى ليس كمثله شيء.\nوأضاف -﵀- قائلا: إن هذا المذهب هو الذي كان عليه مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك -﵏- فقد روي عنهم كلهم أنهم أثبتوا الصفات التي وردت في الكتاب والسنة، وقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، وهو قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة .. وأما الجهمية فأنكروا ذلك، وتأولوا آيات الصفات وأحاديثها،\n_________\n(١) السلفية وأعلامها في موريتانيا (٣١٠).","vol":"9","page":299},{"text":"وفسروها على غير ما فسر أهل العلم. (١)\nثم قال ما نصه: إن أصل ما ذكروه قياس الغائب على الشاهد، وهو أصل كل خطأ، والصواب الإمساك عن أمثال هذه المباحث، والتفويض إلى الله في جميعها .. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3251>محمد عبد الله المدني (١٣٧١ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-3252>موقفه من المبتدعة:</span>\nذكر الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله تعالى في ترجمته لهذا الشيخ، أنه كانت له اليد البيضاء في نشر العقيدة السلفية (بمالي - تنبكتو)، وأن الشيخ حماد ما عرف العقيدة إلا على طريقه، ووصفه بأنه مجاهد كبير وذكر له في مسودته قصائد في الدفاع عن العقيدة السلفية، التي رد بها على المبتدعة في تلك البلاد، فجزاه الله أحسن الجزاء.\n\nفوزان السابق (٣) (١٣٧٣ هـ)\nفوزان بن سابق بن فوزان آل عثمان البريدي القصيمي الدوسري النجدي. ولد في بريدة سنة خمس وسبعين ومائتين وألف، ونشأ بها وتعلم على يد مجموعة من الشيوخ منهم الشيخ سليمان بن مقبل والشيخ محمد بن\n_________\n(١) السلفية وأعلامها في موريتانيا (٣٠٦).\n(٢) السلفية وأعلامها في موريتانيا (٣٠٩).\n(٣) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٣٧٨ - ٣٨٣) والأعلام (٥/ ١٦٢) ومعجم المؤلفين (٨/ ٨١ - ٨٢).","vol":"9","page":300},{"text":"عمر آل سليم والشيخ محمد بن عبد الله ابن سليم والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وغيرهم. قال عنه صاحب الأعلام: كان من التقى والصدق والدعة وحسن التبصر في الأمور والتفهم لها على جانب عظيم. وكان ﵀ من العلماء الأفاضل، وكان مع طلبه للعلم يشتغل بتجارة الخيل والمواشي حتى اختاره الملك عبد العزيز ليكون سفيرا له بدمشق، ثم نقله إلى القاهرة، حيث بدأ دعوته إلى الله علما وعملا معرفا أهل مصر بمعتقد أهل السنة والجماعة ورادا على الطاعنين فيه، إلى أن توفي ﵀ سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3254>موقفه من المبتدعة:</span>\nله: 'البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار'. والكتاب مطبوع متداول يدل على قدرة المؤلف العلمية وتمسكه بالعقيدة السلفية.\n- قال في مقدمته: أما بعد: فإني لما كنت في دمشق الشام، وذلك في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف من هجرة المصطفى - ﷺ -، جمعتني فيها مجالس مع أناس ممن يدعون العلم، وآخرين ممن ينتسبون إليهم. فكانوا لا يتورعون عن الاعتراض على أهل نجد والطعن عليهم في عقيدتهم، وتسميتهم بالوهابية، وأنهم أهل مذهب خامس، والغلاة من هؤلاء يكفرونهم.\nولما كان هؤلاء الغلاة الجامدون على التقليد الأعمى: معرضين عن استقراء الحقائق في مسائل الدين من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان من أئمة الهدى والدين في هذه الأمة، وخصوصا الأئمة الأربعة، الذين يزعم هؤلاء الجاهلون تقليدهم، ويغالون","vol":"9","page":301},{"text":"فيه، ويقولون: إن من خرج عن تقليد أحد الأئمة الأربعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. ومع ذلك تراهم يخالفون الأئمة الأربعة فيما أجمعوا عليه من أصول الدين، وذلك في توحيد عبادة الله تعالى، وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك في عبادته تعالى والإقرار بعلو الله تعالى على خلقه، وإثبات صفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله - ﷺ -، وتلقاها عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان من علماء الأمة وأئمتها بالقبول والتسليم، إثباتا من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل.\nفقد أعرض هؤلاء المبتدعة عن اتباع الكتاب والسنة والسلف الصالح من هذه الأمة، ولم يقلدوا أحد الأئمة الأربعة، بل فتحوا باب الشرك في عبادة الله تعالى، ومثلوا صفاته تعالى بصفات خلقه، فقادهم ذلك إلى الجحود والتأويل الباطل. (١)\n- وقال: فأما قول هذا الملحد -يعني الحاج المختار- في مخاطبته لهؤلاء العلماء \"إني أراكم تدعون الناس لبدعة الاجتهاد في الدين وغيرها من البدع\" مقدما لها، ومنوها بها على غيرها. فما ذاك إلا لأنها في مذهبه الباطل: أكبر بدعة في الدين، بل هي عنده: أكبر من جميع ما أسنده إليهم من أعمال المنافقين، وأعمال أهل الكتاب الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، يقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. فإن كل من خالف هؤلاء الضالين في مذهبهم الباطل المخالف لكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -: يسمونه مجتهدا خارجا عن مذاهب الأئمة الأربعة،\n_________\n(١) البيان والإشهار (٣ - ٤).","vol":"9","page":302},{"text":"كما أنهم يسمون إجماعهم على ضلالهم ومن تبعهم من العوام \"إجماع الأئمة\" ومن خالفهم فقد خرق إجماع الأمة. فهذه براهينهم مبنية على الكذب والمغالطات، غير ملتفتين إلى ما أجمع عليه الأئمة الأربعة في أصول الدين، فضلا عن فروعه. وهذا الملحد جاهل أعمى متبع لهواه. لذلك يسمي الاجتهاد بدعة في الدين، ولم يدر هذا الجاهل الأحمق أن الرسول - ﷺ - جوز اجتهاد الصحابة، واجتهد الصحابة من بعده، واتفق العلماء من كل مذهب: على أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات، لا يجوز خلو عصر منه. (١)\nثم ساق قطوفا من كلام العلماء في ذلك.\n- وقال: وأما قول الملحد: \"ولا ريب أن دعواكم الرجوع لما كان عليه السلف الصالح\" إلى آخر كلامه.\nفجوابنا عنه: أننا بحمد الله لم نخرج عما كان عليه السلف الصالح حتى ندعي الرجوع إليه. هذا جوابنا إن كان يريد ذلك.\nوأما إن كان قصده: أننا ندعي اتباع السلف الصالح والرجوع إليهم، واتباع سبيلهم قولا وعملا: فهذا ما ندين الله تعالى به وندعو إليه، بل نقر إقرارا أصوليا لا إلزاميا: بأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من أئمة الهدى والدين -كالأئمة الأربعة وأمثالهم ومن سلك سبيلهم إلى يوم القيامة- كانوا على الكتاب والسنة، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم قامت السنة، وبها قاموا. فهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وقد جاهدوا في دين الله حق جهاده والذب عنه، حتى لقوا ربهم، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.\n_________\n(١) البيان والإشهار (١٠ - ١١).","vol":"9","page":303},{"text":"فأما الذين يدعون أنهم على مذهب السلف وأنهم مقلدون للأئمة الأربعة، وهم مخالفون لهم في الأصول، فضلا عن الفروع. فليسوا على مذهب السلف، ولا ممن قلدوا الأئمة الأربعة، وليسوا على كتاب ولا سنة -أمثال هذا الملحد، ومن قلدهم- وكيف يكون على مذهب السلف أو مقلدا للأئمة الأربعة: من لا يجيز التعبد والتعامل ولا الفتوى بما في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث التي صحت عن رسول الله - ﷺ - باتفاق الأمة؟ لا يخرج عن هذا الاتفاق إلا مبطل معاند. (١)\n- وقال -رادا على الملحد مختار في طعنه على أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب-: فنحن الوهابيون بحمد الله: أن هدانا إلى الحق، فأصل مذهبنا وقواعده كلها: في القرآن، ومنه أخذناها، وبه تلقينا سنة نبينا محمد - ﷺ - بالقبول، وحكمناها على كل قول سواها. فأطعناه واتبعنا أمره، تصديقا وانقيادا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ\n_________\n(١) البيان والإشهار (١٧).\n(٢) الحشر الآية (٧).\n(٣) النساء الآية (٨٠).\n(٤) المائدة الآية (٩٢).","vol":"9","page":304},{"text":"إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ (٦)\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ\n_________\n(١) الأنفال الآية (٢٤).\n(٢) الأنفال الآية (٤٦).\n(٣) آل عمران الآية (١٣٢).\n(٤) النور الآية (٥٤).\n(٥) الفتح الآية (١٧).\n(٦) محمد الآية (٣٣) ..\n(٧) الأحزاب الآية (٧١).\n(٨) النور الآية (٦٣).","vol":"9","page":305},{"text":"فَأُولَئِكَ هُمُ الفائزون (٥٢)﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾ (٣) إلى غير ذلك من الآيات في القرآن كثير، يأمر جل ثناؤه فيها بطاعة رسوله - ﷺ - واتباعه، أمرا مطلقا لم يقيده بشيء، كما أمر باتباع كتابه العزيز، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (٤) فمن لم يعمل بما صح من سنة الرسول ﵊، ويتلقاها بالقبول التام، لاستقلالها بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال، وتحريم الحرام: فقد كذب القرآن ولم يؤمن بأن الله أرسل محمدا وأنزل عليه القرآن ليبلغه ويبينه للناس، وبهذا يتبين فساد ما افتراه هذا الملحد على الوهابيين في هذا البهت الشنيع. (٥)\n- وقال: وأما قوله: \"زعموا أن القيام في المولد الشريف بدعة\". فالجواب: أن القيام والقعود وإقامة الموالد كلها بدعة، إذا لم يقترن بها ما هو واقع فيها اليوم من المفاسد، وأنواع الفسوق. فإذا انضمت إليها هذه\n_________\n(١) النور الآية (٥٢).\n(٢) النساء الآية (٦٩).\n(٣) التغابن الآية (١٢).\n(٤) فصلت الآية (٤٢).\n(٥) البيان والإشهار (٩٩ - ١٠٠).","vol":"9","page":306},{"text":"المنكرات التي يجب أن يصان عنها جناب المصطفى - ﷺ -، ويطهر ذكره عن أوساخها، فلا يشك عاقل -فضلا عن عالم- في أنها من البدع المحرمة التي لم تكن على عهد الرسول - ﷺ -، ولا عهد أصحابه ولا القرون المفضلة من بعدهم. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) وفي رواية: «من صنع أمرا على غير أمرنا فهو رد» (٢).\nفهل لهذا الملحد أن يأتينا بدليل عن الله تعالى، أو عن رسوله - ﷺ - في إقامة هذه الموالد، أو عن أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنه، أو أحد من التابعين، أو أحد من الأئمة الأربعة؟ وإذا كان هذا ليس معروفا من أقوال وأفعال من ذكرناهم، فلا شك ولا ريب في أنه مردود على قائله، مأزور فاعله بنص حديث عائشة ﵂ الذي قدمناه آنفا. (٣)\nوقال: فأما قول الملحد: \"فأسألكم من هم السلف؟ إلى آخره\".\nفنقول له، وبالله التوفيق: سلفنا من أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، وافترض الله علينا طاعته وتعظيمه وتوقيره، وسدَّ إليه جميع الطرق، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه. من عَلّم الله به من الجهالة، وبصّر به من العمى، وأرشد به من الغي وفتح به أعينًا عميا وآذانًا صما، وقلوبا غلفًا: سيد الأولين والآخرين، من جاءنا بها بيضاء نقية، القائل: «تركتكم على المحجة\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف ابن رجب سنة (٧٩٥هـ).\n(٢) أخرجه أبو داود (٥/ ١٢ - ١٣/ ٤٦٠٦) وأخرجه الإمام أحمد (٦/ ٧٣) بلفظ: «من صنع أمرا من غير أمرنا فهو مردود».\n(٣) البيان والإشهار (ص.٢٩٩).","vol":"9","page":307},{"text":"البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (١) وروى الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ (٢) أن النبي - ﷺ - قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله» وقال - ﷺ - في خطبته في حجة الوداع: «وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله تعالى» (٣) وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم. ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال رجل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فأوصنا. فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا. فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، ولك بدع ضلالة» (٤) وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أكرموا أصحابي، فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب» -الحديث بطوله رواه النسائي وإسناده صحيح (٥)،\nورجاله رجال الصحيح، إلا إبراهيم الخثعمي، فإنه لم يخرج له الشيخان. وهو ثقة ثبت، ذكره الجزري. كذا في المرقاة واللمعات. قاله في الدين الخالص.\n_________\n(١) سيأتي تخريجه في مواقف حافظ الحكمي سنة (١٣٧٧هـ).\n(٢) بلاغًا (٢/ ٨٩٩).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف أبي الزناد سنة (١٣٠هـ).\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٥) السنن الكبرى (٥/ ٣٨٨/٩٢٢٣). وقد توبع عنده، انظر الأحاديث (٩٢١٩ - ٩٢٢٦) ..","vol":"9","page":308},{"text":"فليس لنا سلف سوى المصطفى - ﷺ - وما جاءنا به من كتاب ربه وسنته المطهرة، وما أرشدنا إليه من سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وأصحابه خيار هذه الأمة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، نعرف لهم فضلهم وأمانتهم، ونشهد بصدقهم وإمامتهم، لإرشاد الرسول - ﷺ - وأمره لنا باتباعهم، واقتفاء أثرهم. فنحن مع نصوص الكتاب والسنة دائرون، ولمن قال بهما متبعون. لا تأخذنا فيهما لومة لائم. ولا يثنينا عنهما إرجاف منحرف في ضلالته هائم. فإن خفي علينا حكم، أو أشكل علينا فهم معنى، رجعنا فيه إلى من أرشدنا الرسول - ﷺ - إلى اتباعهم، فيسعنا ما وسعهم؛ فقد أكمل الله لنا الدين وأتم علينا النعمة، فله الحمد والمنة، لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3255>موقفه من المشركين:</span>\n- قال في كتاب 'البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار': وأما مسألة (اطلاع الرسول - ﷺ - على علم الغيب) فإن هذا الملحد ومن اتبعه من المارقين من الدين، يزعمون أن الرسول - ﷺ - يعلم الغيب استقلالا، كما يعلمه الله ﵎ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (٢) وهذا الزعم ينكره كل مؤمن بالله وبكتابه وبرسوله - ﷺ -. وكل مؤمن يؤمن بأن الله تعالى يطلع من يشاء من أنبيائه ورسله على بعض\n_________\n(١) البيان والإشهار (ص.١٩ - ٢٠).\n(٢) الكهف الآية (٥).","vol":"9","page":309},{"text":"المغيبات. وهذه مسألة لا تحتاج إلى جدل، كيف ونصوص الكتاب الكريم ناطقة بذلك؟! يقول تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ (١).\nويقول تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ (٢) ويقول تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٤) -الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ (٥) فمن لم يقف مع هذه النصوص، ويعطي كل ذي حق حقه. فقد جعل مع الله إلها غيره.\n- قال الملحد: \"البحث الثاني: في الزيارة، اعلم يا أخي -شرح الله\n_________\n(١) النمل الآية (٦٥).\n(٢) الأعراف الآية (١٨٨).\n(٣) الأحقاف الآية (٩).\n(٤) الجن الآيتان (٢٦و٢٧).\n(٥) هود الآية (٣١).","vol":"9","page":310},{"text":"قلبي وقلبك بنور الإخلاص- أن لنا معشر المؤمنين وجدانا في حب نبينا ﵊ يكفينا عن الاستدلال والاستشهاد على ما نحن في صدده. فمن شاء فليتبعنا فيتذوق بما ذقنا، ولا تنازع في الأذواق\".\nأقول: في كلام هذا الجاهل من الركاكة وسوء التعبير: ما هو اللائق بجهله وغروره في نفسه. إذ أنه لم يكن من الذين شرح الله صدورهم للإسلام، ونور قلوبهم بنور الإيمان المتلقى من مشكاة النبوة، وإنما هو من الجامدين على العادات الجاهلية، والتقاليد الوثنية، التي نشأوا عليها، وحكموها في وجدانهم الضال. فجعلوها دينا يقدمونها على كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -. فلم يكن مصدر وجدانهم عن علم ولا هدى ولا نور، وإنما هي عن بلادة وتقليد أعمى، وغرور بما ورثوا من الجهالات والضلالات البعيدة كل البعد عن خالص الإيمان بالله وبرسوله، وما جاء به من عند الله تعالى من تعزيره وتوقيره، واتباع النور الذي أنزل معه. فمواجيدهم صادرة عن هوى نفوسهم الأمارة بالسوء، وعن وسوسة الشيطان الذي أضلهم عن سلوك سبيل المؤمنين. لذلك يقول الأحمق: \"إنه يكتفي بوجدانه فيما يزعمه من حب نبينا ﵊ عن الاستدلال والاستشهاد لما هو في صدده\" ويعني به: ما سيذكره من الغلو الذي آل بهم إلى الكفر الشنيع، ومن ثم حذر ونهى الله عنه ورسوله في حقه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وفي حق كل مخلوق، وذلك فيما يموه به عباد القبور من اسم الزيارة عامة، وزيارة قبره الشريف خاصة، فإن حقيقة هذه الزيارة عندهم هي: دعاء الأموات، وصرف خالص العبادة لهم من دون الله فاطر الأرض والسموات.","vol":"9","page":311},{"text":"وأما محبة الرسول - ﷺ -: فإنها تبع لمحبة الله تعالى. وقد ادعى قوم محبة الله تعالى، فقال لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) وكل من ادعى ما ليس فيه، طولب بالدليل ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ (٢)\nوكيف يدعي محبة الرسول - ﷺ - من هو خصم لدعوته ودعوة إخوانه من الرسل، وهي توحيد الله تعالى؟ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٣) وهذا الملحد وإخوانه من عباد القبور يصرفون العبادة للموتى الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ويسمونها زيارة القبور، ويقول هذا الأحمق بكل وقاحة: \"فمن شاء فليتبعنا فيتذوق بما ذقنا، ولا تنازع في الأذواق\".\nفنقول له: ومن أنت أيها الجهول الظلوم الكفار، حتى تكون متبوعا؟! ألست من حثالة الجهلة المقلدين، الدعاة إلى غير سبيل المؤمنين؟ فبعدا وسحقا للقوم الظالمين.\nثم يقال لهذا الإمعة: إن التنازع كل التنازع في الأذواق التي جعلتها أساس دينك؛ فبطل وانهار فوق رأسك ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ\n_________\n(١) آل عمران الآية (٣١).\n(٢) النمل الآية (٦٤) ..\n(٣) الأنبياء الآية (٢٥).","vol":"9","page":312},{"text":"حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (١) ولولا التنازع في الأذواق، ما كان في الدنيا راد ولا مردود عليه، ولا كان شيطان أبى واستكبر وكان من الكافرين. ولا كنت وسلفك من أولياء الشيطان الرجيم.\nثم إن هذا الأحمق قام يتهوس بكلام كله نفاق ورياء لا يهمنا. وليس هو من موضوعنا في شيء، إلا أنه زعم فيه \"أن من لم يرقص ويتمرغ في الرمل في عرفات\" وما ذكر معه من هراء القول والسخرية حيث قال: \"فإنه لا يشعر بشيء، ولايدرك شيئا، ولا يجد لذة باغتنام أجر، ولا رغبة في زيادة فضل -إلى أن قال- بل قف في الحرم المكي، واصرف نظرك إلى الناس إذا قال المؤذن يا أرحم الراحمين ارحمنا. ترى من خر مصروعا. ومن علا نحيبه وبكاؤه، وشخص ببصره إلى السماء مندهشا\" إلى آخر ما هذى به من هذه الخرافات والنفاق الخالص الذي ينضح بخبيث الشرك والكفر والفسوق عن أمر الله وهدى رسوله - ﷺ -. فإن هذا هو شأن هؤلاء المنافقين الدجالين الذين يتصنعون في هذه المجتمعات الشريفة أنواع الحيل لبلوغ مأرب في نفوسهم مكرا وخداعا، فليس هؤلاء السفلة -إخوان الحاج مختار- أفضل من أصحاب رسول الله - ﷺ - ولا أتقى لله، ولا أعرف به منهم، فإنهم لم يعملوا هذه الأعمال. فلم يرقصوا ولم يتمرغوا في الرمل، ولم يصرعوا متخبطين، كما يصرع حزب الشيطان من مس وليهم الشيطان الرجيم، وإنما كانوا كما\n_________\n(١) فاطر الآية (٨).","vol":"9","page":313},{"text":"وصفهم الله، وأثنى عليهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ (١).\nثم قال الأحمق: \"أما الأحاديث الواردة بفضل زيارة الرسول ﵊، والأنبياء والأولياء والصالحين، وما يحصل منها من البركات والخيرات: فهي أكثر من أن تجمع في مختصر مثل هذا\" إلى آخر ما هذى به.\nفالجواب: أن الزيارة الشرعية لقبور موتى المؤمنين، من الأنبياء والأولياء والصالحين وكافة قبور المسلمين: سنة متفق عليها، لا خلاف فيها عند كافة المسلمين. وأما القبور الوثنية التي بنيت عليها القباب، وأقيمت عليها الأستار والأنصاب، وبنيت عليها المساجد، فكل ذلك مما لعن رسول الله فاعله.\nوكذلك الزيارة البدعية الشركية المخالفة لهدي الرسول - ﷺ -، وما كان عليه أصحابه ﵃، ومن تبعهم من القرون المفضلة، وما يحدث بسببها من الغلو بأصحاب القبور وما يصرف لهم من أنواع العبادات من الدعاء والخوف والرجاء ونذر النذور لهم، وغيرها مما لا يجوز صرفه لغير الله تعالى؛ فإن هذه هي الزيارة المحرمة وصاحبها ملعون على لسان رسول الله - ﷺ -. وهذه هي الزيارة التي ننكرها وينكرها كل من نور الله بصيرته بهدى الإسلام، ورزقه فهما صالحا يميز به بين الحق والباطل.\nوأما من أغواهم الشيطان: فإنهم يجعلون مع الله تعالى آلهة أخرى، يصرفون لهم ما لله من العبادة من الدعاء والخوف والرجاء، وغير ذلك مما\n_________\n(١) الرعد الآية (٢٨).","vol":"9","page":314},{"text":"عليه عباد القبور من الغلو بأصحابها. وهذا أمر واقع لا ينكره إلا مكابر معاند، أمثال الحاج مختار ومن قلدهم.\nوأما قوله: \"إن الشيطان أغوانا، وإننا نزعم أن زيارة قبور الرسل والأنبياء والتوسل بجاههم: شرك بالله تعالى\".\nفهذا كذب. والذي ننكره من ذلك: هو ما صح الخبر عن رسول الله بالنهي عنه، وكل ما فيه صرف حق الله تعالى لغيره كما تقدم ذكره آنفا.\nوأما قوله: \"إننا نتزلف للأمراء، وأن هذا التزلف منا أقبح من عبادة الأوثان والأصنام\".\nفهذا القول من هذا الملحد من هذر المجانين، ونزغات الشياطين، التي تحلى بها وبأمثالها من الأقوال الباطلة هذا الأحمق. (١)\n- وقال ﵀: إن هذا الملحد ومن قلده من دعاة الشرك في عبادة الله تعالى -أمثال دحلان والنبهاني- ممن جعلوا الأموات وسائط بين الله وبين عباده، وصرفوا لهم خالص العبادة من دون الله تعالى. هؤلاء هم الذين أضلوا كثيرا من جهلة المسلمين، وفتحوا لهم أبواب الشرك في عبادة الله تعالى. وسموها زيارة القبور، وطلب الشفاعة من أهلها، وأن الأموات هم وسيلة الأحياء إلى الله تعالى، لأنهم أقرب منهم إلى الله تعالى، وسواء سموا هؤلاء المدعوين أنبياء أو أولياء، فإنهم عباد الله تعالى. يقول الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ\n_________\n(١) البيان والإشهار (٢٩٥ - ٢٩٩).","vol":"9","page":315},{"text":"(٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ (٢) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة، نصوص بهذا المعنى لا تقبل تحريفا ولا تأويلا، قد صد عنها هؤلاء الوثنيون الذين تجب محاربتهم وإشهار ضلالهم، وتحذير جهلة المسلمين من سلوك سبيلهم، عملا بهذه الأحاديث عن رسول الله - ﷺ -. (٣)\n- وقال: يزعم هذا الملحد المارق بأننا أعداء لله تعالى ولرسوله - ﷺ -. وما ذنبنا عنده إلا اتباعنا لكتاب الله تعالى وسنة نبينا - ﷺ -، وهو أننا لا نغلو بالقبور وأصحابها، ولا نصرف للمقبورين حقا من حقوق الله تعالى، ولا نتخذها مساجد، ممتثلين أمر نبينا - ﷺ - فيما جاءتنا به الأحاديث الصحيحة الصريحة، التي خرجها البخاري ومسلم وأهل السنن والإمام مالك رحمهم الله تعالى. فمنها قوله - ﷺ -: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على\n_________\n(١) الزمر الآيتان (٢و٣).\n(٢) الزمر الآيتان (٤٣و٤٤).\n(٣) البيان والإشهار (٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"9","page":316},{"text":"قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) وحديث ابن مسعود ﵁: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (٢) وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) وحديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل أن يموت بخمس يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل. فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٤) وحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة له على وجهه، إذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».\nقالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدا (٥). وفي رواية مسلم \"وصالحيهم\" ومع هذه النصوص التي لا تقبل المغالطة. فقد بلغ الغلو بهذا الملحد مبلغا من الشرك لم يصل إليه إلا عبدة الأصنام. يقول عنا: \"إننا لو جئنا إلى المدينة المنورة في\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف ابن حجر الهيثمي سنة (٩٧٣هـ).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف ابن عبد الهادي سنة (٧٤٤هـ).\n(٣) أحمد (٢/ ٢٨٤) والبخاري (١/ ٧٠٠/٤٣٧) ومسلم (١/ ٣٧٦/٥٣٠) وأبو داود (٣/ ٥٥٣/٣٢٢٧) والنسائي (٤/ ٤٠١/٢٠٤٦) وفي الكبرى (٤/ ٢٥٧/٧٠٩٢) من طرق عن أبي هريرة.\n(٤) مسلم (١/ ٣٧٧/٥٣٢).\n(٥) أحمد (٦/ ٣٤) والبخاري (١/ ٧٠٠/٤٣٥ و٤٣٦) ومسلم (١/ ٣٧٧/٥٣١) والنسائي (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١/ ٧٠٢) من حديث عائشة وابن عباس ﵃.","vol":"9","page":317},{"text":"شهر محرم حينما يأتي الزوار القافلون من الحج، ورأينا ما يفعله مئات ألوف الحجاج من مسلمي كافة الأقطار حول حجرة الرسول الطاهرة من الطواف والتوسل واللياذ بحماه. ونسمع عجيجهم وثجيجهم، وبكاءهم ونحيبهم، لعميت عيوننا وانفطرت قلوبنا، وانشقت أفئدتنا -إلى آخر ما ذكره\".\nونحن نجيب هذا المارق: بأنه قد يصيبنا أكثر مما ذكره إذا رأينا وسمعنا ما يقوله عنهم مما يغضب الله ورسوله - ﷺ -. وذلك أسفا منا على المسلمين الذين بدلوا الهدى ضلالا، والتوحيد شركا، وطاعة الرسول محادة ومشاقة. وكيف لا ينفطر قلب كل مسلم يرى تغيير معالم الدين، ويسمع الشرك برب العالمين في مهبط وحيه، وفي حرم نبيه - ﷺ -، وفي جوار قبره الشريف؟! فهل فرض الله تعالى ورسوله - ﷺ - الطواف بغير الكعبة؟! وهل فعل ذلك الصحابة ﵃ أو التابعون لهم بإحسان من القرون المفضلة؟! وهل كان العجيج والثجيج والبكاء والنحيب إلا لله وحده لا شريك له في مناجاته في الخلوات، وفي بيته الحرام، ومشاعر الحج التي جعلها الله قياما للناس وأمنا يؤدون فيها مناسكهم بين العجيج والثجيج والبكاء والنحيب، لا يذكرون غير الله تعالى، ولا يتوسلون إليه إلا بالأعمال الصالحة عائذين بجلاله تعالى، لائذين بحماه الذي لا يرام ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ (١) ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ\n_________\n(١) البقرة الآية (١٨٦).","vol":"9","page":318},{"text":"الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ (١) هذا هو خالص العبادة لله تعالى، بل مخها، صرفه عباد القبور لولائجهم الموتى من دون الله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) ... ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٣) وما سبب ذلك إلا الغلو بالصالحين، ومجاوزة الحد الذي شرعه الله تعالى من حقوق أنبيائه وأوليائه.\nقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٤) -الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ (٥) وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ (٦): (هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح. فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا لهم أنصابا،\n_________\n(١) النمل الآية (٦٢).\n(٢) البينة الآية (٥).\n(٣) البقرة الآية (٥٩).\n(٤) النساء الآية (١٧١).\n(٥) المائدة الآية (٧٧).\n(٦) نوح الآية (٢٣).","vol":"9","page":319},{"text":"وصوروا تماثيلهم. فلما مات أولئك ونسي العلم عبدت)، وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» (١) وقال - ﷺ - لمن قال له: ما شاء الله وما شئت: «أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده» (٢).اهـ (٣)\n\nعبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (٤) (١٣٧٣ هـ)\nالملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد ابن سعود، من آل مقرن. ولد في الرياض (بنجد) سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف. وخاض حروبا كثيرة من أجل توحيد البلاد، وكان شجاعا بطلا لا يخاف في الله لومة لائم، انتهى به عهد الفروسية في شبه الجزيرة العربية. وكان كريما لا يجارى، خطيبا، لا يبرم أمرا قبل إعمال الروية فيه، يستشير ويناقش، ويكره الملق والرياء.\nتوفي بالطائف ودفن في الرياض سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف رحمه الله تعالى.\nكان هذا الملك على نهج سلفه في تبني العقيدة السلفية والدفاع عنها، وحمايتها وتأييدها بالمال والرجال والنفس، وكانت المملكة في عهده مأوى\n_________\n(١) أحمد (١/ ٤٧) والبخاري (١٢/ ١٧٤/٦٨٣٠) مطولا. وأخرجه بدون محل الشاهد: مسلم (٣/ ١٣١٧/١٦٩١) وأبو داود (٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣/ ٤٤١٨) والترمذي (٤/ ٣٠/١٤٣٢) وابن ماجه (٢/ ٨٥٣/٢٥٥٣).\n(٢) سيأتي تخريجه ضمن مواقف الشيخ الألباني سنة (١٤٢٠هـ).\n(٣) البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج المختار (٣١٦ - ٣١٨).\n(٤) الأعلام (٤/ ١٩ - ٢٠).","vol":"9","page":320},{"text":"لكل سلفي. وكان ﵀ يستطلع جميع البلاد الإسلامية، فكل من بلغه عنه أنه على هذه العقيدة المباركة، كاتبه، وإن أمكن أحضره إليه وقربه. وأما علماء بلده وخصوصا سلالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فلا تسأل عن الحفاوة والاستشارة وتعميدهم للفتوى، والفصل بين الناس. وكاتب ﵀ الكثير من خارج قطره يدعوهم إلى عقيدة السلف ويشرحها لهم، ويبين لهم بطلان مزاعم الحاقدين على الدعوة السلفية، وأنما هو شيء اخترعه الحاسدون والحاقدون. وقد أمر ﵁ بطبع كثير من كتب السلف وتوزيعها بالمجان على طلبة العلم، وله في ذلك سنن وأيادي بيضاء، فجزاه الله خيرا وأسكنه جنة الفردوس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3257>موقفه من المبتدعة:</span>\nنموذج من رسائله السلفية:\nجاء في الدرر السنية: من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى جناب الأخوين المكرمين الشيخ الفاضل أبو اليسار الدمشقي وناصر الدين الحجازي سلمهما الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو على نعمه التي من أجلها نعمة الإسلام، ونشكره سبحانه إذ جعلنا من أهلها وأنصارها والذابين عنها، ونسأله أن يصلي على عبده ورسوله وحبيبه وخيرته من خلقه محمد وآله وصحبه وحزبه.\nورد علينا ردكم على عبد القادر الاسكندراني، فرأيناه ردا سديدا، وجوابا صائبا مفيدا، وافيا بالمقصود، فحمدنا الله على ما مَنَّ به عليكم من","vol":"9","page":321},{"text":"معرفة الحق والبصيرة فيه، وعرضناه على مشايخ المسلمين فاستحسنوه وأجازوه، فالحمد لله الذي جعل لأهل الحق بقية وعصابة تذب عن دين المرسلين، وتحمي حماه عن زيغ الزائغين وشبه المارقين والملحدين، فلربنا الحمد لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يُثني به عليه خلقه، وهذه منة عظيمة ومنحة جليلة جسيمة حيث جعلكم الله في هذه الأزمان التي غلب على أكثر أهلها الجهل والهوى، والإعراض عن النور والهدى، واستحسنوا عبادة الأصنام والأوثان، وصرفوا لها خالص حق الملك الديان، ورأوا أن ذلك قربة ودين يدينون به، ولم يوجد من أزمان متطاولة من ينهى عن ذلك أو يغيره. فعند ذلك اشتدت غربة الإسلام واستحكم الشر والبلاء، وطمست أعلام الهدى، وصار من ينكر ذلك ويحذر عنه خارجيا قد أتى بمذهب لا يعرف، لأنهم لا يعرفون إلا ما ألفته طباعهم وسكنت إليه قلوبهم، وما وجدوا عليه أسلافهم وآباءهم من الكفر والشرك والبدع والمنكرات الفظيعة، فالعالم بالحق والعارف له والمنكر للباطل والمغير له يعد بينهم وحيدا غريبا.\nفاغتنموا رحمكم الله الدعوة إلى الله وإلى دينه وشرعه، ودحض حجج من خالف ما جاءت به رسله ونزلت به كتبه من البينات والهدى، وأن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، بالحجة والبيان، حتى يمن الله الكريم عليكم بمن يساعدكم على هذا، فإن القيام في ذلك من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، وأفضل الأعمال الصالحات لا سيما في هذا الزمان، الذي قل خيره وكثر شره، قال - ﷺ -: «من دعا إلى هدى كان له من","vol":"9","page":322},{"text":"الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء» (١). وقال لعلي بن أبي طالب ﵁: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (٢). ونحن إن شاء الله من أنصاركم وأعوانكم.\nومن حسن توفيق الله لكم أن أقامكم في آخر هذا الزمان دعاة إلى الحق وحجة على الخلق، فاشكروه على ذلك، واعلموا أن من أقامه الله هذا المقام لا بد أن يتسلط عليه الأعداء بالأذى والامتحان، فليقتد بمن سلف من الأنبياء والمرسلين ومن على طريقهم من الأئمة المهديين، ولا يثنيه ذلك عن الدعوة إلى الله. فإن الحق منصور وممتحن، والعاقبة للمتقين في كل زمان ومكان. وهذه هدية نهديها إليكم من كلام علماء المسلمين، وبيان ما نحن ومشائخنا عليه من الطريقة المحمدية والعقيدة السلفية، ليتبين لكم حقيقة ما نحن عليه وما ندعو إليه، نحن وسلفنا الماضون. نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية لأقوم منهج وطريق والسلام. (٣)\n\nعبد الله بن عبد العزيز العنقري (٤) (١٣٧٣ هـ)\nعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن العنقري من آل عبد الرحمن. ولد في بلدة ثرمداء سنة تسعين ومائتين وألف، وقتل والده وله من العمر سنتان، ثم كف بصره في السابعة من عمره، فتوجه إلى طلب العلم الشرعي، فقرأ على\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف أسد السنة سنة (٢١٢هـ).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف أسد السنة سنة (٢١٢هـ).\n(٣) الدرر السنية (١/ ٣٠٣ - ٣٠٥).\n(٤) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ٢٦٥ - ٢٧٩) والأعلام (٤/ ٩٩) والمستدرك على معجم المؤلفين (٤٢٣ - ٤٢٤).","vol":"9","page":323},{"text":"الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ إسحاق بن عبد الرحمن والشيخ محمد ابن محمود والشيخ حمد بن فارس وغيرهم. ولي القضاء بسدير، وانتدب من طرف الملك عبد العزيز لمجموعة من المساعي الإصلاحية بين أطراف متعددة.\nقال عنه الشيخ محمد بن مانع: كانت له عناية شديدة بالفقه الحنبلي، فصار له آثار حميدة في التحقيق والتدقيق، فقام بالتدريس والتأليف وكتابة الفتاوى المحررة التي سلك فيها مسلك التحقيق من ذكر الدليل والتعليل، والترجيح لما رجحه الدليل من أقوال المجتهدين. وقال عنه تلميذه سليمان بن حمدان: كان فيما بلغني يلقب بالحافظ، لما رزقه الله من سرعة الحفظ وقوة الإدراك، وكان مشايخه الذين أخذ عنهم يجلونه ويحترمونه، هذا مع ما هو عليه من الوقار والتعفف، والتواضع واطراح التكلف، وعدم مزاحمة أرباب المناصب عليها. ولم يزل ﵀ معتنيا بنشر العلم والتدريس والتأليف إلى أن توفي ﵀ في اليوم السادس من صفر سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف في بلدة المجمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3259>موقفه من المبتدعة:</span>\nله: 'تعليقات على نونية ابن القيم' لا تزال مخطوطة.\n\nفيصل بن عبد العزيز آل فيصل آل مبارك (١) (١٣٧٣ هـ)\nفيصل بن عبد العزيز بن فيصل بن محمد بن مبارك بن راشد آل حمد آل\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٣٩٢ - ٤٠٢) والأعلام (٥/ ١٦٨).","vol":"9","page":324},{"text":"الحسيني العنزي ثم الوائلي. ولد في بلد عشيرته (حريملاء) سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف من الهجرة، ثم انتقلت أسرته إلى الرياض، وتوفي والده في المعركة التي دارت بين الملك عبد العزيز وبين الأمير عبد العزيز بن رشيد سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة. تلقى العلوم الشرعية على شيوخ زمانه كالشيخ ناصر بن محمد بن ناصر والشيخ محمد بن فيصل ابن مبارك والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ سعد بن عتيق والشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع والشيخ محمد بن إبراهيم وغيرهم. بعثه الملك عبد العزيز واعظا ومرشدا إلى بلدان الحجاز وتهامة، وتولى القضاء في عدة بلدان. وكان ﵀ مولعا بكتب ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان يدرسها لطلبة العلم. وأوقاته كلها معمورة بالتدريس والإفادة، أخذ عنه الشيخ عبد الله بن عبد الوهاب والشيخ عبد العزيز العقل والشيخ حمود ابن متروك البليهد وغيرهم.\nتوفي ﵀ في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف في مدينة سكاكة بالجوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3261>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية: 'مقام الرشاد بين التقليد والاجتهاد'. (١)\n_________\n(١) علماء نجد (٥/ ٣٩٧).","vol":"9","page":325},{"text":"سيد المختار بن عبد الملك (١) (١٣٧٥ هـ)\nسيد المختار بن عبد المالك الجكني. عالم جليل له اليد الطولى في القرآن الكريم وعلومه والفقه المالكي، وكان شيخ محضرة يدرس فيها العقيدة السلفية من الكتاب والسنة، والقرآن الكريم وعلومه، والفقه وأصوله، واللغة العربية وعلومها، مع قيامه بالفتيا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. اشتهر بالزهد والورع وقد عاش في الفترة ما بين ست عشرة وثلاثمائة وألف وخمس وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة كما قال تلميذه التلميدي بن محمود. وكان ﵀ سلفي العقيدة متمسكا بالكتاب والسنة، واقفا عندهما، متبعا للإمام مالك وابن أبي زيد القيرواني. درَّس أبناءه العقيدة السلفية. وكان ﵀ يذم أهل الكلام وينتقد مناهجهم وينكر على المتصوفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3263>موقفه من الجهمية:</span>\nقال تلميذه وابن عمه التلميدي بن محمود وهو يحدثنا عن منهجه في العقيدة فيقول: كان شيخنا سيد المختار بن عبد المالك -﵀- سلفي العقيدة، متمسكا بالكتاب والسنة، واقفا عندهما، مثبتا للصفات الإلهية على الوجه اللائق بالله ﷿، من غير تشبيه، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تأويل، وكما هو معروف -يقول الشيخ التلميدي- فإن مسألة الاستواء من أولى المسائل التي احتدم فيها النزاع، واشتهر بين أهل السنة والجماعة من جهة، وبين الجهمية وغيرهم من طوائف المتكلمين من جهة أخرى. وقد كان\n_________\n(١) السلفية وأعلامها في موريتانيا (٣٣٤ - ٣٣٧ مع الهامش).","vol":"9","page":326},{"text":"الشيخ سيد المختار يقول فيها بما قاله الإمام مالك وغيره من السلف: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وما قاله ابن أبي زيد القيرواني: من أنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته. وقد منع الشيخ سيد المختار أولاده من دراسة العقيدة الأشعرية، وعلمهم العقيدة السلفية، من الكتاب، والسنة، وألزمهم بحفظ مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني. وكان إذا طلب منه أحد تلاميذه أن يدرس له بعض المتون في العقيدة الأشعرية واضطر لذلك، لا يتجاوز ما يوافق مذهب السلف من تلك المتون، ويترك مما وراء ذلك من مذاهب المتكلمين، قائلا لمن يدرسه: هذا مذهب كلامي لا حاجة لك به فارم به عرض الحائط. وكان ﵀ يذم أهل الكلام من أي مذهب كانوا، وينتقد مناهجهم وينكر على المتصوفة، ولا يقبل شهادتهم، ولا يصلي خلفهم. (١)\n\nعبد الرحمن بن ناصر السعدي (٢) (١٣٧٦ هـ)\nالعلامة عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد، أبو عبد الله السعدي. ولد في بلدة عنيزة في اثني عشر للمحرم عام سبع وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية، وكان والده واعظا وإماما في مسجد المسوكف. اشتغل بالعلم منذ صغره، ففاق الأقران، وكانت له عناية كبيرة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وكتب أخرى في التفسير والحديث والتوحيد\n_________\n(١) السلفية وأعلامها في موريتانيا (٣٣٦ - ٣٣٧).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٣/ ٢١٨ - ٢٧٢) والأعلام (٣/ ٣٤٠) وإتحاف النبلاء بسير العلماء للزهراني (١/ ٤٣ - ٧٥).","vol":"9","page":327},{"text":"والفقه والأصول وغيرها. من شيوخه: الشيخ إبراهيم بن محمد بن محمد بن جاسر والشيخ محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم بن صالح الشبل والشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع وغيرهم. من تلاميذه: الشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل والشيخ عبد الله بن الرحمن السعدي (ابن الشيخ) والشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان وغيرهم.\nأثنى عليه مجموعة من علماء عصره، منهم الشيخ محمد حامد الفقي حيث قال فيه: لقد عرفت الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي من أكثر من عشرين سنة فعرفت فيه العالم السلفي المحقق، الذي يبحث عن الدليل الصادق، وينقب عن البرهان الوثيق، فيمشي وراءه لا يلوي على شيء. وقال فيه الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: كان قليل الكلام إلا فيما يترتب عليه فائدة، جالسته غير مرة في مكة والرياض وكان كلامه قليلا إلا في مسائل العلم، وكان متواضعا حسن الخلق، ومن قرأ كتبه عرف فضله وعلمه وعنايته بالدليل فرحمه الله رحمة واسعة.\nوللشيخ من التراث السلفي:\n١ - 'الحق الواضح المبين في توحيد الأنبياء والمرسلين'، وهو مطبوع متداول.\n٢ - 'توضيح الكافية الشافية لابن القيم'، وهو مطبوع كذلك.\n٣ - 'التفسير' الذي أبدى فيه عقيدته السلفية. وقد ذكرته وبينت ما فيه من دفاع عن العقيدة السلفية في كتابي: 'المفسرون بين التأويل والإثبات","vol":"9","page":328},{"text":"في آيات الصفات' (١).\n٤ - 'الدرة المختصرة في محاسن الإسلام'.\n٥ - 'القواعد الحسان في تفسير القرآن'.\n٦ - 'تنزيه الدين وحملته ورجاله مما افتراه القصيمي في أغلاله'.\n٧ - 'وجوب التعاون بين المسلمين وموضوع الجهاد الديني'.\n٨ - 'الدرة البهية - شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية'.\n٩ - 'الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين'.\nالمصدر: ذكره أبو كمال عبد الغني عبد الخالق في مقدمته على الدرة البهية.\n١٠ - 'التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة'.\nوهذه الكتب بحمد الله مطبوعة ومتداولة.\nتوفي ﵀ على إثر مرض أصابه في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3265>موقفه من المبتدعة:</span>\nكانت لهذا الإمام صولة وجولة في الدعوة إلى العقيدة السلفية، وانتفع به أهل القصيم خاصة والمسلمون عامة. له تراث سلفي جيد. ومن حسن الحظ أن طالبا في الدراسات العليا سجل رسالة علمية -الماجستير- في دراسة آثار الشيخ عبد الرحمن السلفية، وهو ابن الشيخ الفاضل الوقور المحترم عبد المحسن بن حمد العباد أطال الله في عمره ونفع المسلمين بعلمه والابن هو\n_________\n(١) (٢/ ٦٩٤ - ٧٠٠).","vol":"9","page":329},{"text":"عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد.\n- من أقواله المباركة: قال ﵀ في تفسير الفاتحة وهو يتحدث عما تضمنته من الفوائد: ... بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع وضال فهو مخالف لذلك.\nوتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة، واستعانة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. فالحمد لله رب العالمين. (١)\n- وقال: فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول، ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه، فيؤمنون ببعضه، ولا يؤمنون ببعضه، إما بجحده أو تأويله، على غير مراد الله ورسوله، كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة، الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم، بما حاصله عدم التصديق بمعناها، وإن صدقوا بلفظها، فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا. (٢)\n- وقال عقب قول الله تعالى: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣): ولهذا كان الكتاب والسنة، كافيين كل الكفاية، في أحكام الدين، وأصوله وفروعه.\nفكل متكلف يزعم، أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم،\n_________\n(١) تفسير السعدي (١/ ٣٨).\n(٢) تفسير السعدي (١/ ٤٣).\n(٣) المائدة الآية (٣).","vol":"9","page":330},{"text":"إلى علوم غير علم الكتاب والسنة من علم الكلام وغيره، فهو جاهل، مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه. وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله. (١)\n- وقال في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ (٢). أي: ومن الناس طائفة وفرقة، سلكوا طريق الضلال، وجعلوا يجادلون بالباطل الحق، يريدون إحقاق الباطل وإبطال الحق. والحال، أنهم في غاية الجهل ماعندهم من العلم شيء. وغاية ما عندهم، تقليد أئمة الضلال، من كل شيطان مريد، متمرد على الله وعلى رسله، معاند لهم، قد شاق الله ورسوله، وصار من الأئمة الذين يدعون إلى النار. ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: قدر على هذا الشيطان المريد ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ أي: اتبعه ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ عن الحق، ويجنبه الصراط المستقيم ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾. وهذا نائب إبليس حقا، فإن الله قال عنه: ﴿إنما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ (٣).\nفهذا الذي يجادل في الله، قد جمع بين ضلاله بنفسه، وتصديه إلى\n_________\n(١) تفسير السعدي (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(٢) الحج الآيتان (٣و٤).\n(٣) فاطر الآية (٦).","vol":"9","page":331},{"text":"إضلال الناس. وهو متبع ومقلد لكل شيطان مريد، ظلمات بعضها فوق بعض. ويدخل في هذا جمهور أهل الكفر والبدع، فإن أكثرهم مقلدة يجادلون بغير علم. (١)\n- وقال في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ (٢): المجادلة المتقدمة للمقلد، وهذه المجادلة للشيطان المريد، الداعي إلى البدع. فأخبر أنه ﴿يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ أي: يجادل رسل الله وأتباعهم بالباطل ليدحض به الحق، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ صحيح ﴿وَلَا هُدًى﴾ أي: غير متبع في جداله هذا من يهديه، لا عقل مرشد، ولا متبوع مهتد.\n﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ أي: واضح بين، فلا له حجة عقلية ولا نقلية. إن هي إلا شبهات، يوحيها إليه الشيطان ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (٣). مع هذا ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي: لاوي جانبه وعنقه، وهذا كناية عن كبره عن الحق، واحتقاره للخلق. فقد فرح بما معه\n_________\n(١) تفسير السعدي (٥/ ٢٧٣).\n(٢) الحج الآيتان (٨و٩).\n(٣) الأنعام الآية (١٢١).","vol":"9","page":332},{"text":"من العلم الغير النافع. واحتقر أهل الحق، وما معهم من الحق. ﴿ليضل﴾ الناس أي: ليكون من دعاة الضلال. ويدخل تحت هذا جميع أئمة الكفر والضلال. ثم ذكر عقوبتهم الدنيوية والأخروية فقال: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ (١) أي: يفتضح هذا في الدنيا قبل الآخرة. وهذا من آيات الله العجيبة، فإنك لا تجد داعيا من دعاة الكفر والضلال، إلا وله من المقت بين العالمين، واللعنة، والبغض، والذم، ما هو حقيق به، وكل بحسب حاله. ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ أي نذيقه حرها الشديد، وسعيرها البليغ، وذلك بما قدمت يداه. (٢)\n- وقال: كما أن في اتباع أمر الله وشرعه من المصالح ما لا يدخل تحت الحصر. ولذلك أمر الله بالقاعدة الكلية والأصل العام فقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، وظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحل مخالفته. وأن نص الرسول على حكم الشيء، كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله. (٤)\n- وجاء في الفتاوى السعدية عنه قال: البدعة: هي الابتداع في الدين،\n_________\n(١) الحج الآية (٩).\n(٢) تفسير السعدي (٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨).\n(٣) الحشر الآية (٧).\n(٤) تفسير السعدي (٧/ ٣٣٢ - ٣٣٣).","vol":"9","page":333},{"text":"فإن الدين: هو ما جاء به النبي - ﷺ - في الكتاب والسنة. وما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة: فهو من الدين. وما خالف ذلك: فهو البدعة. هذا هو الضابط الجامع.\nوتنقسم البدعة بحسب حالها إلى قسمين: بدع اعتقاد، ويقال لها: البدع القولية، وميزانها قوله - ﷺ - في الحديث الذي في السنن: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة: كلها في النار، إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (١).\nفأهل السنة المحضة: السالمون من البدع، الذين تمسكوا بما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه في الأصول كلها، أصول التوحيد والرسالة والقدر، ومسائل الإيمان وغيرها.\nوغيرهم من خوارج ومعتزلة وجهمية وقدرية ورافضة ومرجئة، ومن تفرع عنهم: كلهم من أهل البدع الاعتقادية، وأحكامهم متفاوتة بحسب بعدهم عن أصول الدين وقربهم، وبحسب عقائدهم أو تأويلهم، وبحسب سلامة أهل السنة من شرهم في الأقوال والأفعال وعدمه. وتفصيل هذه الجملة يطول جدا.\nوالنوع الثاني: بدع عملية، وهو أن يشرع في الدين عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله. وكل عبادة لم يأمر بها الشارع أمر إيجاب، أو استحباب، فإنها من البدع العملية، وهي داخلة في قوله - ﷺ -: «من عمل عملا ليس عليه\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).","vol":"9","page":334},{"text":"أمرنا، فهو رد» (١). ولهذا كان من أصول الأئمة، الإمام أحمد وغيره: أن الأصل في العبادات: الحظر والمنع، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله.\nوالأصل في المعاملات والعادات: الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله.\nولهذا نقول: من قصور العلم جعل بعض العادات التي ليست عبادات بدعا؛ لا تجوز؛ مع أن الأمر بالعكس، فإن الذي يحكم بالمنع منها وتحريمها هو المبتدع. فلا يحرم من العادات إلا ما حرمه الله ورسوله. بل العادات تنقسم إلى أقسام:\nما أعان منها على الخير والطاعة، فهو من القرب.\nوما أعان على الإثم والعدوان، فهو من المحرمات.\nوما ليس فيه هذا ولا هذا، فهو من المباحات. والله أعلم. (٢)\n- وفيها: ولولا الجهل بما جاء به الرسول، والتعصبات الشديدة، وإقامة الحواجز المتعددة، والمقاومات العنيفة لمنع الجماهير والدهماء من رؤية الحق الصريح، والدين الصحيح، لم يبق دين على وجه الأرض سوى دين محمد - ﷺ -، لدعوته وإرشاده إلى كل صلاح وإصلاح، وخير ورشد وسعادة. ولكن مقاومات الأعداء، ونصر القوة للباطل بالتمويهات والتزويرات، وتقاعد أهل الدين الحق عن نصرته، هي الأسباب الوحيدة التي منعت أكثر الخلق من\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٦/ ١٨٠) ومسلم (٣/ ١٣٤٣ - ١٣٤٤/ ١٧١٨ [١٨]).\n(٢) الفتاوى السعدية (ص.٥١ - ٥٢).","vol":"9","page":335},{"text":"الوقوف على حقيقته. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3266>موقفه من المشركين:</span>\n- من كلامه ﵀: فتمام التوحيد بتمام الإخلاص لله في الاعتقاد والقول والعمل، وبتمام معرفته لله تعالى إجمالا وتفصيلا، وتأصيلا وتفريعا ... وكلما ضعفت منه هذه الأمور، ضعف توحيده. ولهذا كان الشرك في الربوبية، والشرك في الإلهية، والشرك في العبودية، والشرك في أسماء الله وصفاته وأفعاله، منافيا كل المنافاة للعبودية التي هي غاية الحب، مع غاية الذل، لأن من زعم أن لله شريكا في ربوبيته وتدبيره، أو أن له سميا أو مثيلا في صفات كماله، فقد أشرك بربوبية الله، وساوى غير الله بالله، بل ساوى المخلوق بالخالق، والمعبد المدبر بالرب المدبر. ونفى خصائص ألوهية الله تعالى التي حقيقتها تفرده بجميع الكمال. ومن أشرك في عبوديته وإخلاصه، بأن صرف نوعا من عبوديته لغير الله تعالى، فقد نقص توحيده، وأفسد دينه الذي هو الإخلاص المحض، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢).\nفأي حب وأي ذل يشتبه بهذا أو يقاربه، إلا حب وذل هو عبودية لغير الله، وشرك به؟ وهي المحبة الشركية الصادرة من المشركين التي مضمونها تسوية آلهتهم برب العالمين، في الذل والتعظيم والحب، ولهذا يقولون في وسط جهنم، معترفين بشركهم، نادمين أشد الندم، شاهدين بغاية ضلالهم: ﴿قَالُوا\n_________\n(١) الفتاوى السعدية (ص.٣٤).\n(٢) الزمر الآية (٣).","vol":"9","page":336},{"text":"وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)﴾ (١).\nومع أن هذا شرك في توحيدهم، فإنهم لا يساوون المؤمنين في حبهم وتعظيمهم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال ﵀ في حديثه عن أنواع التوسل: النوع الثاني: التوسل إلى الله بذوات المخلوقين وجاههم. فهذا: الصواب أنه لا يحل، لأنه لا يتقرب إلى الله إلا بما شرع، وهذا ليس بمشروع. وأيضا فذوات المخلوقين، وإن كان لهم عند الله مقام وقدر وجاه، فهذا ليس لغيرهم، وليس التوسل بهم سببا لشفاعتهم للمتوسل عند الله. ولم يجعله الله من الأمور المقربة إليه، وليس ذلك إلا توسلا بما من الله به على المتوسل، فتعين أنه لا يجوز.\nالنوع الثالث: ما يسميه المشركون توسلا، وهو التقرب إلى المخلوقين بالدعاء والخوف والرجاء والطمع، ونحو ذلك. فهذا وإن سموه توسلا، فهو توسل إلى الشيطان لا إلى الرحمن، وهو الشرك الأكبر الذي لا يغفر لصاحبه إن لم يتب. والله أعلم. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3267>موقفه من الجهمية:</span>\nقال ﵀: وقعت مناظرة بيني وبين رجل من الفضلاء، ولكنه\n_________\n(١) الشعراء الآيتان (٩٦و٩٧).\n(٢) البقرة الآية (١٦٥).\n(٣) الفتاوى السعدية (٢٠ - ٢١).\n(٤) الفتاوى السعدية (٢٤).","vol":"9","page":337},{"text":"يميل إلى مذهب المتكلمين المنحرفين الذين يقولون بأن العقل يقدم على النصوص الشرعية إذا تعارضت، وأنه يجب تأويل النصوص حتى تتفق مع العقل في مسألة الاستواء والنزول الإلهي ونحوها تبعا لأسلافه، فقلت له: -حين أوَّل، بل حَرَّفَ نصوص الشرع من جنس التحريفات التي يقولها المتكلمون من الجهمية، ومن وافقهم من الأشعرية ولو في بعض الصفات- الموجه إليه الخطاب في هذا المقام أحد رجلين:\nإما رجل لا يعترف بنبوة محمد - ﷺ - وصدقه؛ فهذا يتكلم معه في الأصل في إثبات نبوة محمد - ﷺ - وبيان براهينها القوية الظاهرة الكثيرة، فأعيذك بالله أن تكون هذا الرجل، بل أعرف أنك من أعظم من يكفره ولا يعتقد إسلامه.\nوالرجل الثاني: من يعلم أن محمدا رسول الله حقا، وأنه صادق وما جاء به ثابت لا ريب فيه، وأنه إذا أخبرنا بشيء نجزم بثبوت ما أخبرنا به، وأنت لا شك تقول بهذا؛ ومن قال بهذا، فإنه يمتنع عنده أن يجعل العقل مقدما على خبر الرسول الصحيح الثابت، فإيمانك بالرسول وتصديقك له في كل ما أخبر به يوجب عليك أن تقدم قوله وخبره على كل شيء، عقل أو غير عقل.\nثم اعلم يا أخي مع ذلك أنه لا يمكن أن يوجد معقول صحيح مسلم فيه عند عقلاء الناس يعارض ما جاء به الرسول، فمدلول كلام الرسول صدق في أخباره، عدل في أوامره ونواهيه، وإذا أصررت أن العقل الذي تدعيه يناقض هذه النصوص، فهذه دعوى يتمكن كل مبطل من قولها، ولا","vol":"9","page":338},{"text":"تغني شيئا باتفاق الناس، فإن عقول أهل الحق المثبتين ما أثبته الله ورسوله كلها متفقة على معنى ما قاله الله ورسوله خاضعة لذلك، مهتدية به، قد ازدادت عقولهم قوة وهداية حين استنارت بالوحي، فلا يرضى عاقل أن يقدم عليها آراء المتكلمين المتهافتة المتناقضة المبنية على الخيالات والتوهمات.\nفقال: ليس عندي شك في صدق الرسول وثبوت خبره، ولكني لا أفهم من الاستواء إلا من جنس استواء الملوك على عروشهم، ولا من النزول إلا نزول المخلوقين من أعلى إلى أسفل، والله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين.\nفقلت له: إننا لم نثبت استواء مثل استواء المخلوق، ولا نزولا كنزوله، وإنما نثبت ما أثبته الله منها ومن غيرها على وجه يليق بعظمة الله ويناسب كماله، مع اعتقادنا أن الله ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن النقائص وعن مماثلة المخلوقين، فعلينا أن ننتهي إلى الكتاب والسنة، ولا نتجاوز ذلك، فالاستواء معلوم والكيف مجهول، والنزول معلوم والكيف مجهول.\nفسكت هذا المتأول، وسكوته يدل على أحد أمرين: إما رجوع إلى الصواب، وإما عجز عن نصر باطله، ولكنه تعصب ورضي بالبقاء عليه، وهو الظاهر، إذ لو رجع لصرح لمناظره بذلك.\nواعلم أن التأويل الذي قبله أهل العلم هو الذي يقصد به بيان مراد المتكلم، فإن لم يكن كذلك، كان من باب التحريف لا من باب التفسير، وتأويلات أهل البدع لبدعهم هي من هذا الباب. (١)\n_________\n(١) مجموع الفوائد (١١٦ - ١١٨).","vol":"9","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3268>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀: الدين والإيمان يشمل القيام بأصول الإيمان الستة، وشرائع الإسلام الخمس، وحقائق الإحسان التي هي أعمال القلوب التي أصلها الإحسان: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك\"، كما هو مذكور في حديث جبريل (١).\nويترتب على هذا أن المؤمنين ثلاثة أقسام:\nسابقون بالخيرات، وهم الذين حققوا هذه الأمور ظاهرا وباطنا، وقاموا بواجبها ومستحبها.\nومقتصدون، وهم الذين اقتصروا على فعل الواجبات وترك المحرمات.\nوظالمون لأنفسهم، وهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.\nويترتب على هذا أن الإيمان يزيد بزيادة هذه الأمور كثرة وجودة، وينقص بنقص شيء منها، ويترتب على هذا أيضا أن العبد يكون فيه خير وشر وأسباب ثواب وأسباب عقاب، وخصال كفر ونفاق وخصال إيمان.\nويتفرع على هذا أنه يستحق من المدح والذم، ومن الثواب والعقاب، بمقدار ما قام به من هذه الأمور المقتضية لآثارها من ثواب وعقاب، ومدح وقدح، وهذا مقتضى حكمة الله وعدله وفضله. (٢)\n- وقال ﵀: في (الصحيحين) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها أو أفضلها قول: لا إله إلا\n_________\n(١) تقدم خريجه ضمن مواقف محمد بن أسلم الطوسي سنة (٢٤٢هـ).\n(٢) مجموع الفوائد (١٦ - ١٧).","vol":"9","page":340},{"text":"الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١).\nهذا الحديث من أعظم أدلة السلف على أن الإيمان يشمل عقائد القلوب وأعمالها وأعمال الجوارح، وأنه درجات متفاوتة، أعلاها وأفضلها على الإطلاق شهادة التوحيد، فإنها الأساس الأعظم لجميع أمور الإيمان، وأدناها أقل إحسان يتصور: \"إماطة الأذى عن الطريق\"، وخص الحياء بالذكر، لأنه يدعو إلى كل خلق جميل وعمل صالح، وينهى عن ضده.\nوقد صنف العلماء ﵏ في تعداد شعب الإيمان، وتحقيقها: كل عقيدة صحيحة، وإرادة محمودة، وخلق جميل، وعمل صالح، والتفاصيل الواردة في الكتاب والسنة ترجع إلى ذلك:\n* فمنها: الأصول الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ والشرائع الخمس: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فرض ذلك ونفله.\n* ومنها: أعمال القلوب؛ كمحبة الله، وخوفه، ورجائه وحده، والإخلاص له في كل شيء، والتوكل عليه، والحياء، والصبر، والإنابة، والتقوى، والورع.\n* ومنها: النصيحة لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.\n* ومنها: بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران والأصحاب والمعاملين.\n* ومنها: التواضع للحق والخلق.\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).","vol":"9","page":341},{"text":"* ومنها: ذكر الله على اختلاف أنواعه، وتعلم العلوم النافعة وتعليمها، وكمال المتابعة للرسول، والاستقامة على دينه وهديه وسنته.\n* ومنها: القيام بحقوق الأهل والمماليك من الآدميين والبهائم ... إلى غير ذلك مما حث عليه الكتاب والسنة. والله أعلم. (١)\n- وقال ﵀: وذلك أن أهل السنة والجماعة، يعتقدون ما جاء به الكتاب والسنة، من أن الإيمان: تصديق القلب المتضمن لأعمال الجوارح، فيقولون: الإيمان اعتقادات القلوب وأعمالها، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان، وأنها كلها من الإيمان ...\nوأن من أكملها ظاهرا وباطنا، فقد أكمل الإيمان، ومن انتقص شيئا منها، فقد نقص إيمانه. وهذه الأمور بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: \"لا إله إلا الله\" وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. ويرتبون على هذا الأصل: أن الناس في الإيمان درجات: مقربون، وأصحاب يمين، وظالمون لأنفسهم، لأنهم بحسب مقاماتهم في الدين والإيمان، وأنه يزيد وينقص. فمن فعل محرما، أو ترك واجبا، نقص إيمانه الواجب، ما لم يتب إلى الله.\nويرتبون على هذا الأصل: أن الناس ثلاثة أقسام: منهم من قام بهذه وبحقوق الإيمان كلها، فهو المؤمن حقا، ومنهم من تركها كلها، فهذا كافر بالله. ومنهم من فيه إيمان وكفر، وإيمان ونفاق، وخير وشر، ففيه من ولاية الله، واستحقاقه لكرامته، بحسب ما معه من الإيمان، وفيه من عداوة الله\n_________\n(١) مجموع الفوائد (٨٥ - ٨٧).","vol":"9","page":342},{"text":"واستحقاقه لعقوبة الله، بحسب ما ضيعه من الإيمان.\nويرتبون على هذا الأصل: أن كبائر الذنوب وصغارها، لا تصل بصاحبها إلى الكفر، ولكنها تنقص الإيمان، من غير أن تخرجه من دائرة الإسلام، ولا يخلد صاحبها في النار، ولا يطلقون عليه اسم الكفر، كما تقوله الخوارج، أو ينفون عنه الإيمان، كما تقوله المعتزلة، بل يقولون: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. فمعه مطلق الإيمان. أما الإيمان المطلق فينفى عنه.\nوهذه الأصول إذا عرفت وجهها، يحصل بها الإيمان بجميع نصوص الكتاب والسنة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3269>موقفه من القدرية:</span>\n- جاء في الفتاوى السعدية: المسألة السابعة والعشرون «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»: لما أخبر النبي - ﷺ - بأن قضاء الله وقدره سابق للأعمال والحوادث، وقال بعض الصحابة: ففيم العمل يا رسول الله؟ أجابه بكلمة جامعة مزيلة للإشكال، موضحة لحكمة الله في قضائه وقدره، فقال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له» (٢).\nوذلك شامل لأعمال الخير والشر، وللآجال والأعمار والأرزاق وغيرها. فإن الله بحكمته قد جعل مطالب ومقاصد، وجعل لها طرقا وأسبابا، فمن سلك طرقها وأسبابها التامة يسر لها، ومن ترك السبب، أو فعله على\n_________\n(١) الفتاوى السعدية (١٤ - ١٥).\n(٢) أخرجه من حديث علي: أحمد (١/ ٨٢،١٢٩) والبخاري (٨/ ٩١٩/٤٩٤٩) ومسلم (٤/ ٢٠٣٩ - ٢٠٤٠/ ٢٦٤٧) وأبو داود (٥/ ٦٨ - ٦٩/ ٤٦٩٤) والترمذي (٤/ ٣٨٨/٢١٣٦) وابن ماجه (١/ ٣٠ - ٣١/ ٧٨).","vol":"9","page":343},{"text":"وجه ناقص لا يوصل إلى مسببه، لم يحصل له، ويسر لضده.\nفكما أن الأرزاق ونحوها منوطة بقضاء الله وقدره، ومع ذلك إذا ترك العبد السبب الموصل إلى الرزق، أو فعله على وجه ناقص، لم يتم له ما أراد، وإذا يسر له سبب الرزق من أي نوع كان، يتيسر له بحسبه. كذلك الأعمال الموصلة إلى الجنة: من يسر إلى سلوكها تامة لا نقص في شيء من مكملاتها، ولا وجود لمانع من موانعها، فقد علم أنه مخلوق للسعادة، وضد ذلك بضده.\nفالقضاء والقدر موافق للأسباب، لا مناف لها، شرعا وعقلا وحسا، فإنه قدر الأمور بأسبابها وطرقها، وهو أعلم بها ومن يسلكها، ومن لا يسلكها. فسبق علمه وتقديره لها، لا يوجب ترك العمل، وإنما يوجب السعي التام لمن أحاط علمه بذلك، وعرفه حق المعرفة.\nفكما أن من ترك النكاح، وقال: إن قدر لي ولد، جاءني ولولم أتزوج ... ومن ترك الغرس والحرث، وقال: إن قدر لي زرع وثمرة، حصلا ولو لم أزرع ... ومن ترك الحركة في طلب الرزق، وقال: إن قدر لي رزق، أتاني من دون سعي وحركة ...\nمن فعل ذلك، عد أحمق جاهلا ضالا. فكذلك من قال: سأترك الإيمان، والعمل الصالح، والله إن كان قدر سعادتي حصلت، فهو أعظم جهلا وضلالا وحمقا من ذلك. وهذا واضح، ولله الحمد. (١)\n- وفيها: المسألة الثامنة والعشرون: الاحتجاج بالقدر.\nالاحتجاج بالقدر على الشرك والكفر وأنواع المعاصي احتجاج باطل،\n_________\n(١) الفتاوى السعدية (٦٢ - ٦٣).","vol":"9","page":344},{"text":"لأنه يدفع أمر الله ورسوله، ويعتذر به عن معاصيه لله، وذلك من أكبر الظلم والجهل، والضلال.\nوكذلك احتجاج العبد بعد وقوع ما يكره بأن يقول: لو أني فعلت كذا، كان كذا وكذا، فإنه تقول على الله، وتكذيب لقدره الواقع لا محالة. وأما الاحتجاج بالقدر على وجه الإيمان به، والتوحيد لله، والتوكل عليه، والنظر إلى سبق قضائه وقدره، فهو محمود مأمور به، وكذلك الاحتجاج به على نعم الله الدينية والدنيوية، فإنه يوجب للعبد شهود منة الله عليه، بسبق قدره وإحسانه.\nوكذلك إذا فعل العبد ما يقدر عليه من الأسباب النافعة في دينه ودنياه، ثم لم يحصل له مراده بعد اجتهاده، فإنه إذا اطمأن في هذه الحال إلى قضاء الله وقدره، كان محمودا نافعا للعبد، مريحا لقلبه، كما قال - ﷺ -: «وإذا غلبك أمر فقل: قدر الله، وما شاء فعل» (١).\nوكذلك إذا احتج به، بعد التوبة من الذنب، ومغفرة الله له، على وجه الإيمان به، كان حسنا، كما حج آدم موسى عليهما الصلاة والسلام.\nوكذلك ينفع النظر إلى القضاء والقدر، ليبعث العبد على الجد والاجتهاد في الأعمال النافعة الدينية والدنيوية. فإنه إذا علم أن الله قدر الوصول إلى المطالب والمقاصد بالأسباب المأمور بها، جد واجتهد، عكس ما\n_________\n(١) أخرجه بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٣٦٦،٣٧٠) والنسائي في الكبرى (٦/ ١٥٩/١٠٤٥٧) وابن ماجه (٢/ ١٣٩٥/٤١٦٨). وأصله عند مسلم (٤/ ٢٠٥٢/٢٦٦٤) بلفظ: «وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله ...». وابن ماجه (١/ ٣١/٧٨).","vol":"9","page":345},{"text":"يظنه كثير من الغالطين أن إثبات القدر يثبط، بل ينشط العاملين أبلغ مما لو كان الأمر لم يقدر له غاية. وكذلك ينفع النظر إلى القدر عند وجود المخاوف المزعجة، فإنه من علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، اطمأن قلبه، وسكنت نفسه، ولم ينزعج للأسباب المخوفة، بل يتلقاها بسكينة وطمأنينة، ويقوم بما أمر بالقيام به عندها.\nوكذلك نفعه في المصائب وحلول المحن عظيم، فإنه من يؤمن بالله يهد قلبه. فإذا أصيب بمصيبة يعلم أنها من عند الله رضي وسلم لأمر الله وحكمه، واحتسب أجره لله وثوابه.\nفهذا التفصيل في مسألة النظر إلى القضاء والقدر، والاحتجاج به، يأتي على جميع الأحوال، ويتبين أن منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم. والله أعلم. (١)\n- وفيها: المسألة السادسة: الإيمان بالقدر: يتفق مع الأسباب.\nمباشرة الأسباب، والاجتهاد في الأعمال النافعة، تحقق للعبد تمام الإيمان بالقضاء والقدر. فإن الله قدر المقادير بأسبابها وطرقها، وتلك الأسباب والطرق هي محل حكمة الله، فإن الحكمة: وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها اللائقة بها ... فقضاء الله وقدره وحكمته، متفقات، كل واحد منها يمد الآخر ولا يناقضه. وقد أشار النبي - ﷺ - حين سئل وقيل له: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، وأدوية نتداوى بها، وتقاة نتقيها، هل ترد من\n_________\n(١) الفتاوى السعدية (٦٤ - ٦٥).","vol":"9","page":346},{"text":"قضاء الله وقدره؟ فقال: «هي من قضائه وقدره» (١).\nفهذه الأسباب حسية ومعنوية روحانية، وحمية عما يضر، وهي في مقدمة الأسباب، وأخبر - ﷺ - أنها من قضاء الله وقدره. فمن زعم أنه مؤمن بالقدر وقد ترك الأسباب النافعة الدينية والدنيوية التي عليها نظام القدر، فهو غالط. فإن المؤمن بالقدر، يجري على أحكامه، ويعمل على سنته ونظامه، ويتبع النافع في إحكامه وإبرامه، والله المعين الموفق.\nوتوضيح ذلك أن أقدار الله كلها تابعة لحكمه وحكمته، فكما أن أفعاله تعالى كلها محكمة في غاية الإحكام والانتظام، ما ترى في خلق الرحمن من خلل ولا نقص ولا فطور ولا اختلال، ولا في شرعه من عبث وسفه ومنافاة للحكمة والمصلحة والإحسان، فكذلك أفعال المكلفين دينيها ودنيويها، ظاهرها وباطنها، كلها تجري على وفق الحكمة والغايات الحميدة، وأنه كلما عظم المقصود، وكثرت منافعه ومصالحه لم يمكن إدراكه إلا بسلوك الطرق المفضية إليه.\nفأعظم المقاصد على الإطلاق نيل رضا الله، والفوز بثوابه، والسلامة من عقابه.\nوقد جعل الله له الإيمان وشعبه الظاهرة والباطنة، والقيام بعبودية الله، وإخلاص الدين له، ولزوم الاستقامة والتقوى جعلها الله طرقا وأسبابا توصل إليه.\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي خزامة عن أبيه: أحمد (٣/ ٤٢١) والترمذي (٤/ ٣٤٩/٢٠٦٥) وابن ماجه (٢/ ١١٣٧/٣٤٣٧) والحاكم (٤/ ١٩٩). وحسنه الشيخ الألباني ﵀ بشواهده (انظر تخريج أحاديث مشكلة الفقر رقم ١١).","vol":"9","page":347},{"text":"فما لم يسلك العبد هذا السبيل، فمحال أن يصل إلى رضوان ربه وثوابه، فاتكال الأحمق على القدر بدون جد واجتهاد، قدح في القدر والشرع جميعا. وكذلك المطالب الأخر، كنيل العلم، وإدراكه: هل يمكن بغير جد واجتهاد ومواصلة الأوقات في طلبه، وسلوك الطرق المسهلة له؟ فمن قال: إن قدر لي، أدركت العلم، اجتهدت أم لا، فهو أحمق. كما قال بعضهم:\nتمنيت أن تمسي فقيها مناظرا ... بغير عناء، والجنون فنون\nوليس اكتساب المال دون مشقة ... تلقيتها فالعلم كيف يكون\n\nوهكذا: من ترك الزواج، وقال: إن قدر لي أولاد حصلوا، تزوجت أو تركت.\nومن رجا حصول ثمر أو زرع، بغير حرث وسقي وعمل، متكلا على القدر، فهو أحمق مجنون. وهكذا سائر الأشياء دقيقها وجليلها.\nفعلم أن القيام بالأسباب النافعة، واعتقاد نفعها، داخل بقضاء الله وقدره، دون الإخلاد إلى الكسل، والسكون مع القدرة على الحركة، هو الجنون. وإن قول من قال:\nجرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون\nجنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين\n\nهو الغلط الفاحش. وإن هذا القياس الذي قاسه -قاس القادر على الحركة المأمور بها، على العاجز إذا خلا عن الحركة- قياس عجيب غريب، ولو أن هذا الشاعر قاس من تعذرت عليه الحركة والأسباب من كل وجه،","vol":"9","page":348},{"text":"على هذا، لكان حسنا مطابقا.\nفإن قيل: قد توضح لنا أن السعي في الأسباب الموصلة إلى مسبباتها، مطابق للقضاء والقدر، مؤيد له، وأنه يتعذر الإيمان الصحيح بالقدر بدون فعل الأسباب، فما أحسن طريق يسلكه العبد؟\nفالجواب: أحسن طريق يسلكه العبد في أموره الدينية؛ الاجتهاد في تفهم كتاب الله وسنة رسوله، وتحقيق الإخلاص للمعبود في كل عمل وقول، وعقيدة وطريقة، وتحقيق متابعة الرسول، واجتناب البدع الاعتقادية، والبدع العملية. فهذه الطريقة الدينية فيها الخير والبركة، والقليل منها أعظم ثوابا، وأبلغ نجاحا، من الكثير من غيرها.\nوأما الأمور الدنيوية: فالعبد مفتقر إلى الكسب لنفسه، ولمن عليه مؤونته، فعليه بسبب يناسب حاله، ويتفق مع وقته من المكاسب المباحة، وخصوصا: المكاسب التي لا تشغل العبد عن أمور دينه، ولا تدخله في محظور. وليثابر على ذلك السبب، ويكون اعتماده على مسبب الأسباب، وليكثر من سؤال ربه لييسر أموره، وأن يختار له أحسن الأحوال. وليكن قنوعا برزق الله، راضيا بما قسم الله، لا يحزن على مفقود، ولا يتشوش من مناقضة الأسباب لمراده، فبذلك يحصل رضا ربه، وراحة قلبه ... ويبارك له في القليل. وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم. (١)\n_________\n(١) الفتاوى السعدية (٢٤ - ٢٦).","vol":"9","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3270>عبد الرحمن بن يوسف الإفريقي (١٣٧٧ ه</span>ـ)\nعبد الرحمن بن يوسف الإفريقي مدير دار الحديث بالمدينة النبوية سابقا، ومؤلف كتاب 'الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة التجانية'.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3271>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀ في كتابه 'الأنوار الرحمانية': اعلموا أن الله تعالى قرر القواعد لكل مسلم وقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ (٣)، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٤)، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٥)، ولذا قال رسول الله\n_________\n(١) الحشر الآية (٧).\n(٢) النساء الآية (١٤).\n(٣) الجن الآية (٢٣).\n(٤) النور الآية (٦٣).\n(٥) النساء الآية (٦٥).","vol":"9","page":350},{"text":"- ﷺ -: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (١) رواه البغوي في شرح السنة والنووي في الأربعين بسند صحيح.\nثم قال ﵀: عُلم بتلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية: أن المسلم لا يكون مسلمًا ولا مؤمنًا إلا إذا اعتصم بالكتاب والسنة، في العقائد والفرائض والسنن والأقوال والأعمال والأفعال والأذكار، على وجه التسليم والرضا والإخلاص، ظاهرًا وباطنًا، خاصة عند المعارضة والمقابلة يقدم قول النبي - ﷺ - على أقوال جميع أهل الأرض كائنًا من كان، وأذكاره - ﷺ - على جميع الأذكار الواردة عن المشايخ أهل الطرق وغيرهم، ويعرض تلك الأوراد على الكتاب والسنة؛ فإن وافقتهما عمل بها، وإلا فلا. ويقف على الأذكار الواردة عن النبي - ﷺ - فحينئذ يكون المسلم مسلمًا حقيقيًّا طائعًا لله ورسوله. قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ (٣).\n- قال ﵀ تحت عنوان (تعريف السنة والبدعة): من ضروريات الدين: أن يعلم المسلم صفة السنة والبدعة والفرق بينهما. فليعلم الأخ الكريم\n_________\n(١) ابن بطة في الإبانة (١/ ٣٨٧ - ٣٨٨/ ٢٧٩). الهروي في ذم الكلام (٢/ ١٦٧ - ١٦٨/ ٣١٣). الخطيب في التاريخ (٤/ ٣٦٩). البغوي في شرح السنة (١/ ٢١٢ - ٢١٣/ ١٠٤) كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص والحديث قد ضعفه ابن رجب الحنبلي ﵀ في شرح الأربعين (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥) وساق له عللا ثلاثة فأجاد وأفاد.\n(٢) الأعراف الآية (٣).\n(٣) آل عمران الآية (١٠١).","vol":"9","page":351},{"text":"أن السنة لغة: الطريق، وشرعًا: هي ما بيّن وفسّر بها النبي - ﷺ - كتاب الله تعالى قولًا وفعلًا وتقريرًا وما سوى ذلك بدعة.\nوالسنة هي الطريق المتبع، وهي دين الإسلام، التي لا يزيغ عنها إلا جاهل هالك مبتدع.\nوالبدعة: أصل مادتها الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، أي مخترعهما من غير مثال سابق. وهذا لا يليق في الدين إلا من الله تعالى؛ لأنه فعّال لما يريد، وهو الذي شرع لنا الدين، قال تعالى: ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (٢).\nوأما البدعة شرعًا: فهي الحدث في الدين بعد الإكمال، أي بعد النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين، وقد جعلها أهل البدع دينًا قويمًا، لا يجوز خلافها، كما في زعم التيجانيين وغيرهم.\n- وقال: والبدعة: هي السبب في إلقاء العداوة والبغضاء بين الناس، لأن كل فريق يرى أن طريقته خير من طريقة صاحبه، ويبغض بعضهم بعضًا حتى قال التيجانيون: لا يجوز زيارة من ليس على طريقتهم.\n- وقال: فعليكم باتباع نبيكم، وترك كل ما أحدثه المحدثون؛ لأن الإيمان لا يكمل إلا بالقول، ولا قول إلا بالعمل، ولا عمل إلا بالنية، فلا إيمان ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة النبوية، كما قال ابن أبي\n_________\n(١) البقرة الآية (١١٧).\n(٢) الشورى الآية (١٣).","vol":"9","page":352},{"text":"زيد القيرواني في رسالته. فسبحان الله العظيم، تقرءون في الرسالة ليلًا ونهارًا ولا تفهمون معناها! بماذا تفسرون قوله: \"وترك كل ما أحدثه المحدثون\" وبماذا تفسرون قوله: \"إلا بموافقة السنة\"؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3272>موقفه من الصوفية:</span>\nله كتاب: 'الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة التجانية' وهو مطبوع متداول. قال فيه تحت عنوان (الشروع في تفصيل ما ينكره أهل السنة على التيجانية): سأذكر لكم يا إخواني بعض ما أنكرناه في هذه الطريقة التيجانية مع بيان مأخذ كل مقال، والإشارة إلى رقم الصحيفة من كتب التيجانية، ليتبين لكل مسلم غيور على دينه كفريات التيجانية، وبدعهم وضلالاهم. وجميع ما أنقله من كتبهم؛ إما كفر أو كذب على الله وعلى النبي - ﷺ - والعياذ بالله من الخذلان وعمى البصيرة.\n- ثم عدد عشر عقائد من عقائد التيجانية الباطلة (١) نذكر منها:\nالعقيدة الأولى:\nقال في جواهر المعاني: (إن هذا الورد ادخره رسول الله - ﷺ - لي ولم يُعَلِّمْهُ لأحد من أصحابه) -إلى أن قال-: (لعلمه - ﷺ - بتأخير وقته، وعدم وجود من يظهره الله على يديه). وكذا في الجيش (ص.٩١).\nففي قوله: ادخره لي ولم يعلمه لأحد من أصحابه ردّ على قوله تعالى: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢). ومعلوم أن\n_________\n(١) انظرها مشكورا غير مأمور، بمزيد بيان وتفصيل ضمن ضلالات التجاني سنة (١٢٣٠هـ).\n(٢) المائدة الآية (٦٧).","vol":"9","page":353},{"text":"الكتمان محال على الأنبياء والرسل، لأنه خيانة للأمانة. وقال ابن عاشر المالكي في توحيده:\nيجب للرسل الكرام الصدق ... محال الكذب والمنهي ... أمانة تبليغهم يحق ... كعدم التبليغ يا ذكي\n\nولا شك أن نسبة الكتمان إليه - ﷺ - كفر بإجماع العلماء.\nوفي قوله: (عدم وجود من يظهره الله على يديه) تفضيل لنفسه على أبي بكر الصديق ﵁، حيث لا يقدر أن يحمل هذا الورد. وهذا كلام في غاية الفساد، بل في غاية الوقاحة.\nالعقيدة الثانية:\nقال في جواهر المعاني: (إن المرة الواحدة من صلاة الفاتح تعدل كل تسبيح وقع في الكون، وكل ذكر، وكل دعاء كبير أو صغير، وتعدل تلاوة القرآن ستة آلاف مرة) (ص.٩٦) طبع مطبعة التقدم العلمية الطبعة الأولى.\nوهذا كفر وردّة، وخروج عن الملّة الإسلامية؛ وهل يبقى في الدنيا مسلم لا يكفر قائل هذا القول؟ بل من لم ينكر عليه ورضي به فهو كافر في نفسه، يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل.\nأليس قد جعل الله لكم عقولًا تعقلون بها؟ أفلا تتفكرون؟ وأي شيء يكون أفضل من القرآن؟ وهل ينزل الله على رجل شيئًا بعد النبي - ﷺ - فضلًا أن يكون خيرًا من القرآن؟ إن هذا لشيء عجاب.\nوأظن قائل هذا القول ما درى بمحمد - ﷺ -، وما درى بما جاء به محمد. ولم يدر لِمَ بُعِثَ محمد - ﷺ -!!.","vol":"9","page":354},{"text":"فداك أبي وأمي يا رسول الله. لقد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، وجاهدت في الله حتى أتاك اليقين، جزاك الله عنا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته. أشهد أنك خاتم الأنبياء، وشريعتك ناسخة لكل شريعة ولن تُنْسَخَ إلى يوم القيامة، ولم يأت بعدك أحد قط بمثل ما جئتَ به، وأشهد أن من ادعى أن هناك وحيًا ينزل، أو يوحى إليه فقد أعظم الفرية على الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ (١). أفلا تعظمون كتاب ربكم؟!\nأيها الناس! اتركوا هذه الطريقة الكفرية التي هي أفضل من القرآن في زعم قائلها، فنعوذ بالله من كل شيطان مارد، آمِرٍ بمثل هذا. وهل أنتم تعبدون الله بشيء أفضل من القرآن، إذن والله فقد فضلتم على النبي - ﷺ - وأصحابه، لأنهم ما عبدوا الله بشيء أفضل من القرآن، ولقد كان - ﷺ - يجعل لنفسه وردًا كل ليلة من القرآن، وهكذا أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وقال - ﷺ -: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله» (٢) الحديث إلخ. وقد ثبت أنه قال: «فضل كلام الله على كلام الخلق كفضل الله على خلقه» رواه الترمذي وغيره (٣).\n_________\n(١) النحل الآيتان (١١٦و١١٧).\n(٢) سبق تخريجه ضمن مواقف السلطان عبد الحفيظ سنة (١٣٥٦هـ).\n(٣) الترمذي (٥/ ١٦٩/٢٩٢٦) وقال: \"حسن غريب\". وفي إسناده محمد بن الحسن الهمداني متهم، وعطية العوفي ضعيف. ولمزيد الفائدة انظر الضعيفة (١٣٣٥).","vol":"9","page":355},{"text":"أليس هذا صدًّا للجهال العوام عن القرآن؟ وهل يتمسك بهذه الطريقة بعد ما سمع أنها أفضل من القرآن إلا جاهل بكتاب الله وسنة رسوله؟\nوهل يستقر في عقل صحيح كون مرة واحدة من صلاة الفاتح أفضل من ذكرٍ واحدٍ وَرَدَ عن النبي - ﷺ -، فضلًا عن جميع الأذكار التي وقعت في الكون؟ أفلا تعقلون؟؟\nتالله لقد جمعت هذه الطريقة كل جهول غبي بعيد عن الدين.\nأيها الناس! أما كان آدم ونوح وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين يذكرون الله؟ وهل يكون مبتدعُ هذه الطريقة أفضل من هؤلاء الأنبياء؟ كلا وحاشا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\n\nأحمد شاكر (١) (١٣٧٧ هـ)\nالشيخ المحدث أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر، من آل أبي علياء، أبو الأشبال المصري. ولد بالقاهرة سنة تسع وثلاثمائة وألف. نشأ في طلب العلم على يد والده الشيخ الإمام محمد شاكر، وتحت توجيهه، فأخذ عن الشيخ عبد الله بن إدريس السنوسي المغربي والشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي والشيخ أحمد بن الشمس الشنقيطي. وتفقه على مذهب أبي حنيفة، ونال شهادة العالمية من الأزهر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة، ثم ولي القضاء إلى سنة سبعين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n_________\n(١) الأعلام (١/ ٢٥٣) مقدمة الرسالة للشافعي (٨) ومعجم المؤلفين (١٣/ ٣٦٨) ومجلة التوحيد (العدد الرابع ربيع الآخر ١٤١٧هـ/ص.٤٨ - ٥١).","vol":"9","page":356},{"text":"قال عنه الأستاذ عبد السلام محمد هارون: إمام يعسر التعريف بفضله كل العسر، ويقصر الصنع عن الوفاء له كل الوفاء. وقال عنه الشيخ محمود محمد شاكر: هو أحد الأفذاذ القلائل الذين درسوا الحديث النبوي في زماننا دراسة وافية، قائمة على الأصول التي اشتهر بها أئمة هذا العلم في القرون الأولى. وقال عن نفسه: ولكني بجوار هذا -أي بجوار القضاء- بدأت دراسة السنة النبوية أثناء طلب العلم، من نحو ثلاثين سنة، فسمعت كثيرا وقرأت كثيرا، ودرست أخبار العلماء والأئمة، ونظرت في أقوالهم وأدلتهم، لم أتعصب لواحد منهم، ولم أحد عن سنن الحق فيما بدا لي. ومؤلفاته تدل على ذلك منها 'تحقيق المسند للإمام أحمد' و'الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير' و'تحقيق الرسالة للشافعي' وغيرها كثير.\nتوفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وألف ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3274>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال: وعلى النهج القويم سار عليه أئمتها من أهل الحديث سِرت، فيما عرضت له من مسائل الخلاف: لا حجة إلا فيما قال الله أو قال رسوله، وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١). ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٣٦).","vol":"9","page":357},{"text":"يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١).\nلا نقلّد ديننا الرجال، ولا نفرّق بين ما جمعه رسول الله، ولا نجمع ما فرّق بينه، ولا نقول: ما فرّق بين كذا وكذا؟ لأن قول (ما فرّق بين كذا وكذا؟) فيما فرّق بينه رسول الله- لا يعدو أن يكون جهلًا ممّن قاله، أو ارتيابًا شرًّا من الجهل، وليس فيه إلا طاعة الله باتّباعه.\nفقد أمرنا الله باتباع نبيه، وجعل طاعته والرضا بحكمه شرطًا في صحة الإيمان به، فما جاء من سنّته فيما فيه نصّ كتاب فهو بيان للكتاب، بيان لعامّه وخاصّه، وناسخه ومنسوخه، ونحو ذلك. وما سنّ رسول الله فيما ليس لله فيه حكم فبحكم الله سنّه. وكذلك أخبرنا الله في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ (٢) وقد سنّ رسول الله مع كتاب الله، وسنّ فيما ليس فيه بعينه نصّ كتاب. وكل ما سنّ فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العُنود عن اتباعها معصيتَه التي لم يَعذِر بها خلقًا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجًا، لما وصفت، وما قال رسول الله. أخبرنا سفيان عن سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله سمع عبيد الله بن أبي رافع يحدّث عن أبيه أن رسول الله قال: «لا أُلفينّ أحدَكم متّكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرتُ به أو نهيتُ عنه فيقول:\n_________\n(١) النساء الآية (٦٥).\n(٢) الشورى الآيتان (٥٢و٥٣).","vol":"9","page":358},{"text":"لا أردي، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه» (١).\nوقال الشافعي أيضًا: (فيما وصفتُ من فرض الله على الناس اتّباع أمر رسول الله دليل على أن سنة رسول الله إنما قُبِلت عن الله، فمن اتّبعها فبكتاب الله تبعها، ولا نجد خبرًا ألزمه الله خلقه نصًّا بيّنًا إلا كتابه ثم سنة نبيه، فإذا كانت السنة كما وصفتُ، لا شبه لها من قول خلقٍ من خلق الله، لم يجز أن ينسخها إلا مثلُها، ولا مثل لها غير سنة رسول الله، لأن الله لم يجعل لآدميّ بعده ما جعل له، بل فرض على خلقه اتباعه، فألزمهم أمره، فالخلق كلهم له تَبَع، ولا يكون للتابع أن يخالف ما فُرض عليه اتّباعُه، ومن وجب عليه اتباع سنة رسول الله لم يكن له خلافُها، ولم يقم مقام أن ينسخ شيئًا منها).\nفلا عذر لأحد يعلم حديثًا صحيحًا أن يُخالفه، لا تقليدًا ولا اجتهادًا، ولا استحسانًا ولا استنباطًا، كما قال الشافعيّ -وهو ناصر الحديث حقًّا-: (لا يجوز لأحد علمه من المسلمين -عندي- أن يتركه إلا ناسيًا أو ساهيًا). وكما قال أيضًا: (وأما أن نخالف حديثًا عن رسول الله ثابتًا عنه-: فأرجو أن لا يؤخذ ذلك علينا إن شاء الله. وليس ذلك لأحد، ولكن قد يجهل الرجل السنة فيكون له قولٌ يخالفها، لا أنه عَمَد خلافَها، وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل. (٢)\n- قال: ولقد عُنيتُ بهذا الأمر كما عُني -يعني بعلوم الحديث-،\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف القاضي عياض سنة (٥٤٤هـ).\n(٢) شرح سنن الترمذي (١/ ٦٧ - ٧٠).","vol":"9","page":359},{"text":"ورأيتُ أن أجلّ خدمة لهذا الكتاب التوسعُ في تحقيق دقائق التعليل، تقريبًا لها في أذهان القارئين، وإرشادًا للمستفيدين، وتسهيلًا للباحثين، وليكون ذلك حافزًا لطلاّب الحديث على أن يغوصوا في أعماق فنونه، ويستخرجوا منها الدرر الغالية، التي بها يفقهون كتاب الله حقّ فقهه، ويؤدّون أمانة الله حقّ أدائها، حتى يَسْمُوا بذلك إلى الذّروة العليا في العلم والعمل، في الدين والدنيا، فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفّقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونوّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة.\nوليعلم من يريد أن يعلم: من رجل أسلس للعصبية المذهبية قياده، حتى ملكت عليه رأيه، وغلبته على أمره، فحادت به عن طريق الهدى؛ أو من رجل قرأ شيئًا من العلم فداخله الغرور، إذ أعجتبه نفسه، فتجاوز بها حدّها، وظنّ أن عقله هو العقل الكامل، وأنه (الحكم التُّرضى حكومته) فذهب يلعب بأحاديث النبيّ، يصحح منها ما وافق هواه وإن كان مكذوبًا موضوعًا، ويُكذّب ما لم يعجبه وإن كان الثابت الصحيح؛ أو من رجل استولى المبشّرون على عقله وقلبه، فلا يرى إلا بأعينهم، ولا يسمع إلا بآذانهم، ولا يهتدي إلا بهديهم، ولا ينظر إلا على ضوء نارهم يحسبها نورًا، ثم هو قد سمّاه أبواه باسم إسلاميّ، وقد عُدّ من المسلمين -أو عليهم- في دفاتر المواليد وفي سجلاّت الإحصاء، فيأبى إلا أن يدافع عن هذا الإسلام الذي أُلبسه جنسيّةٌ ولم يعتقده دينًا، فتراه يتأوّل القرآن ليخضعه لما تعلّم من أستاذيه، ولا يرضى من الأحاديث حديثًا يخالف آراءهم وقواعدهم، يخشى","vol":"9","page":360},{"text":"أن تكون حجتُهم على الإسلام قائمة!! إذ هو لا يفقه منه شيئًا؛ أو من رجل مثل سابقه، إلا أنه أراح نفسه، فاعتنق ما نفثوه في روحه من دين وعقيدة، ثم هو يأبى أن يعرف الإسلام دينًا أو يعترف به، إلا في بعض شأنه، في التسمي بأسماء المسلمين، وفي شيء من الأنكحة والمواريث ودفن الموتى: أو من رجل مسلم علِّم في مدارس منسوبة للمسلمين، فعرف من أنواع العلوم كثيرًا، ولكنه لم يعرف من دينه إلا نزرًا أو قشورًا، ثم خدعته مدنية الإفرنج وعلومهم عن نفسه، فظنهم بلغوا في المدنية الكمال والفضل، وفي نظريات العلوم اليقين والبداهة، ثم استخفّه الغرور، فزعم لنفسه أنه أعرف بهذا الدين وأعلم من علمائه وحفظته وخلصائه، فذهب يضرب في الدين يمينًا وشمالًا، يرجو أن ينقذه من جمود رجال الدين!! وأن يُصفِّيه من أوهام رجال الدين!!؛ أو من رجل كشف عن دخيلة نفسه، وأعلن إلحاده في هذا الدين وعداوته، ممن قال فيهم القائل: (كفروا بالله\nتقليدًا)؛ أو من رجل ممن ابتُليت بهم الأمة المصرية في هذا العصر، ممن يسمّيهم أخونا النابغة الأديب الكبير كامل كيلاني (المجدّدينات) (١) ... أو من رجل ... أو من رجل ...\nليعلموا هؤلاء كلهم، وليعلم من شاء من غيرهم: أن المحدِّثين كانوا محدَّثين ملهمين، تحقيقًا لمعجزة سيد المرسلين، حين استنبطوا هذه القواعد المحكمة لنقد رواية الحديث، ومعرفة الصحاح من الزّياف، وأنهم ما كانوا هازلين ولا مخدوعين، وأنهم كانوا جادّين على هدى وعلى صراط مستقيم،\n_________\n(١) قال بهامشه: هكذا والله سمّاهم هذا الاسم العجيب، وحين سأله سائل عن معنى هذه التسمية، أجاب بجواب أعجب وأبدع: هذا جمع مخنث سالم!! فأقسم له سائله أن العربية في أشدّ الحاجة إلى هذا الجمع في هذا الزمان!.","vol":"9","page":361},{"text":"فكانت تلك القواعد التي ارتضوها للتوثّق من صحة الأخبار أحكم القواعد وأدقّها، ولو ذهب الباحث المتثبت يُطبّقها في كل مسألة لا إثبات لها إلا صحة النقل فقط: لآتته ثمرتها الناضجة، ووضعت يده على الخبر اليقين.\nوعلى ضوء هذه القواعد سار علماؤنا المتقدمون في إثبات مفردات اللغة وشواهدها، وفي تحقيق الوقائع التاريخية الخطيرة، ولن تجد من ذلك شيئًا ضعيفًا أو باطلًا إلا ما أبطلته قواعد المحدِّثين، وإلا فيما لم ينل العناية بتطبيقها عليه. (١)\n- قال في كتابه 'الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين': إن الله أرسل محمدًا هاديًا وبشيرًا ونذيرًا، وحاكمًا بين الناس بما أنزله عليه. أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ودعا الناس إلى طاعته في جميع أمورهم، في دينهم ودنياهم، عباداتهم ومعاملتهم. وأنزل عليه شريعة كاملة، لم تَسْمُ إليها شريعة من الشرائع قبلها، ولن يأتي أحد من بعده بخير منها ولا بمثلها. ذلك بأن الله خلق الخلق وهو أعلم بهم، وذلك بأن محمدًا خاتم النبيين.\nشرع الله هذه الشريعة الكاملة للناس كافة، وفي كل زمان ومكان، بعموم بعثة الرسول الأمين، وبختم النبوة والرسالة به. فكانت الباقية على الدهر، ونسخت جميع الشرائع. ولم تكن خاصة بأمة دون أمة، ولا بعصر دون عصر. ولذلك كانت العبادات مفصّلة بجزئيّاتها، لأن العبادة لا تتغير باختلاف الدهور والعصور. وكان ما سواها من شؤون الفرد والمجتمع، في\n_________\n(١) شرح سنن الترمذي (١/ ٧٠ - ٧٣).","vol":"9","page":362},{"text":"المعاملات المدنية، والمسائل السياسية، ونظام الحكومات، والقواعد القضائية، والعقوبات، وما إلى ذلك، قواعدَ كليّة سامية، لم يُنصّ على تفاصيل الفروع فيها، إلا على القليل النادر، في الأمر الخطير، مما لا يتأثر باختلاف الزمان والمكان.\nفقام سلفنا الصالح، المسلمون الأولون، بإبلاغ هذه الشريعة والعمل بها، في أنفسهم وفيما دخل من البلدان في سلطانهم، فنفّذوا أحكامها على الناس كافة، وفي جميع الأحوال، واجتهدوا في تطبيق قواعدها على الوقائع والحوادث، واستنبطوا منها الفروع الدقيقة، والقواعد الأصولية والفقهية، بما آتاهم الله من بسطة في العلم، وإخلاص في الدين، حتى تركوا لنا ثروة تشريعية، لا نجد لها مثيلًا في شرائع الأمم، وحتى كان من بعدهم عالة عليهم. (١)\n- وقال أيضًا: أيها الناس! إننا جميعًا مسلمون، نحرص على ديننا، ونزعم أننا لا نبغي به بدلًا، ولكننا نخطئ فهم الدين، ونظن أنه لا يتجاوز ما يُقام فينا من شعائر العبادة، وما يهتف به الوعّاظ والخطباء من الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، ويخيّل إلى كثير منا أنه لا شأن للدين بالمعاملات المدنية، والحقوق الاجتماعية، والعقوبات والتعزير، ولا صلة له بشؤون الحرب، ولا بالسياسة الداخلية والخارجية. كلا، إن الإسلام ليس على ما يظنون. الإسلام دين وسياسة، وتشريع وحكم وسلطان. وهو لا يرضى من مُتّبعيه إلا أن يأخذوه كله، ويخضعوا لجميع أحكامه، فمن أبى من الرضا ببعض أحكامه\n_________\n(١) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.٩ - ١٠).","vol":"9","page":363},{"text":"فقد أباه كلّه.\nاسمعوا كلام الله ثم اختاروا لأنفسكم ما تريدون.\n﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (١). ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (٢).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٣٦).\n(٢) النور الآيات (٤٧ - ٥١).","vol":"9","page":364},{"text":"أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١).\nأيها السادة! هذه آيات الله وأوامره، قد سمعتموها كثيرًا، وقرأتموها كثيرًا. ولست الآن بصدد تفسيرها أو شرحها، فهي آيات محكمة صريحة بيّنة، فيها عبرة لكم وعظة لو تأملتموها، وفكرتم في حالكم من طاعتها أو عصيانها، وفيما يجب عليكم حيالها، وأنتم تحكمون بقوانين لا تمتّ إلى\n_________\n(١) النساء الآيات (٥٩ - ٦٥).","vol":"9","page":365},{"text":"الإسلام بصلة، بل هي تنافيه في كثير من أحكامها وتناقضه، بل لا أكون مغاليًا إذا صرّحت أنها إلى النصرانية الحاضرة أقرب منها إلى الإسلام، ذلك أنها ترجمت ونقلت كما هي عن قوانين وثنية، عُدّلت ثم وُضعت لأمم تنتسب إلى المسيحية، فكانت، وإن لم توضع عندهم وضعًا دينيًا، أقرب إلى عقائدهم وعاداتهم وعرفهم، وأبعد عنّا في كل هذا. وقد ضُربت علينا هذه القوانين في عصر كان كله ظلمات، وكانت الأمة لا تملك لنفسها شيئًا، وكان علماؤها مستضعفين جامدين.\nهذه القوانين كادت تصبغ النفوس كلها بصبغة غير إسلامية، وقد دخلت قواعدها على النفوس فأُشربتها، حتى كادت تفتنها عن دينها، وصارت القواعد الإسلامية في كثير من الأمور منكرة مستنكرة، وحتى صار الداعي إلى وضع التشريع على الأساس الإسلاميّ يجبن ويضعف، أو يخجل فينكمش، مما يُلاقي من هزء وسخرية!! ذلك أنه يدعوهم -في نظرهم- إلى الرجوع القهقرى ثلاثة عشر قرنًا، إلى تشريع يزعمون أنه وُضع لأمة بادية جاهلة!!\nلا تظنوا -أيها السادة- أني أذهب فيما أصف مذهب الغلوّ أو الإسراف في القول، فإني جعلتُ هذه الدعوة هجّيراي وديدني، وجادلت وحاججت، ورأيت وسمعت، ولو شئت أن أُسمّي لسمّيت لكم أسماء ممن نُجلّ ونحترم، ونعرف لهم فضلًا وذكاءً وعلمًا. (١)\n- وقال: إني أرى أن هذه القوانين الأجنبية إليها يرجع أكثر ما نشكو\n_________\n(١) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.١٣ - ١٧).","vol":"9","page":366},{"text":"من علل، في أخلاقنا، في معاملتنا، في ديننا، في ثقافتنا، في رجولتنا، إلى غير ذلك. وسأقص عليكم بعض المثل من آثارها مما رأى:\nكان لها أثر بيّن بارز في التعليم، فقسمت المتعلمين المثقفين منا قسمين، أو جعلتهم معسكرين: فالذين علّموا تعليمًا مدنيًا، وربّوا تربية أجنبية، يعظمون هذه القوانين وينتصرون لها ولما وضعت من نظم ومبادئ وقواعد، ويرون أنهم أهل العلم والمعرفة والتقدم. وكثير منهم يسرف في العصبية لها، والإنكار لما خالفها من شريعته الإسلامية، حتى ما كان منصوصًا محكمًا قطعيًا في القرآن، وحتى بديهيات الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، ويزدري الفريق الآخر ويستضعفهم، واخترعوا له اسمًا اقتبسوه مما رأوا أو سمعوا في أوربة المسيحية، فسمّوهم (رجال الدين) وليس في الإسلام شيء يسمّى (رجال الدين) بل كل مسلم يجب عليه أن يكون رجل الدين والدنيا. ثم عزلوهم عن كل أعمال الحياة وأعمال الدولة، واحتكروا لأنفسهم مناصبها، زعمًا منهم أن (رجال الدين) لا يصلحون لشيء من أعمال الدنيا، أيًّا كان مبلغهم من العلم والثقافة والمعرفة، وحصروا الألوف من العلماء المثقفين فيما سمّوه المناصب الدينية، حتى لا مُتنفّس لهم، فإن ضجوا أو تذمروا حجّوهم بأنهم رجال الدين، زعموهم رهبانًا، ولا رهبانية في الإسلام. (١)\nإلى أن قال: إن قَسْمَ المتعلمين في الأمة إلى فريقين أو معسكرين مكّن لأقواهما من أن يستأثر بالتشريع والإفتاء، فيحدوَ بالأمة ويعدل بها عن سواء الصراط. ذلك أنهم أُفهموا وعُلّموا أن مسائل التشريع ليست من الدين،\n_________\n(١) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.١٧ - ١٨).","vol":"9","page":367},{"text":"وظنوا أن الدين الإسلامي كغيره من الأديان، وأنّ تعرّض العلماء والفقهاء لهذه المسائل تعرّض لما لا يعنيهم، وعصبية للاحتفاظ بسلطانهم، شبّهوهم بالقسس في أوربة، وغلبت عليهم مبادئ الثورة الفرنسية في محاربة الكنيسة، فاندفعوا في عصبيتهم ضدّ شريعتهم ودينهم، وأبوا أن يسمعوا قولًا لقائل، أو نصحًا لناصح. وذهبوا يضعون القوانين للمسلمين، على غرار القوانين التي وضعت لغيرهم، بأنها توافق مبادئ التشريع الحديث!!\nوابتُلي فريق منا بهذا التشريع الحديث، فذهبوا يلعبون بدينهم، فيما عرفوا وما لم يعرفوا، فأحلّوا وحرّموا، وأنكروا وأقرّوا، واضطربوا وترددوا، وكثير منهم يؤمن بالإسلام، ويحرص على التمسك به، ولكنه أخطأ الطريق، بما أُشرب في قلبه من مبادئ التشريع الحديث. واندفع العامة والدهماء وراءهم، يقلدون سادتهم وكبراءهم، ويتّبعون خطواتهم. ومرج أمر الناس واضطربوا، حتى إنهم ليحاولون علاج أمراضهم النفسية والاجتماعية بمبادئ التشريع الحديث. وبين أيديهم كتاب الله ﴿مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (١) و﴿هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (٢) ولكن قومنا اكتفوا من القرآن بالتغني به في المآتم والمواسم، وتركوا\n_________\n(١) يونس الآية (٥٧).\n(٢) فصلت الآية (٤٤).","vol":"9","page":368},{"text":"تدبّر معانيه واتباع هديه، واتخذوا هذا القرآن مهجورًا!. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3275>موقفه من المشركين:</span>\n- التحذير من المستشرقين:\nقال ﵀ بعد إشادته بطبعات المستشرقين للكتب وأنهم اهتموا بوصف الأصول واختلاف النسخ: وعن ذلك كانت طبعات المستشرقين نفائسَ تُقتنى وأعلاقًا تُدّخر، وتغالى الناس وتغالينا في اقتنائها، على علوّ ثمنها، وتعسّر وجود كثير منها على راغبيه.\nثم غلا قومُنا غلوًّا غير مُستساغ في تمجيد المستشرقين، والإشادة بذكرهم، والاستخذاء لهم، والاحتجاج بكل ما يصدر عنهم من رأي: خطإ أو صواب، يتقلدونه ويدافعون عنه، ويجعلون قولهم فوق كلّ قول، وكلمتهم عالية على كلّ كلمة، إذ رأوهم أتقنوا صناعة من الصناعات: صناعةَ تصحيح الكتب، فظنوا أنهم بلغوا فيما اشتغلوا به من علوم الإسلام والعربية الغاية، وأنهم اهتدوا إلى ما لم يهتد إليه أحد من أساطين الإسلام وباحثيه، حتى في الدين: التفسير والحديث والفقه.\nوجهلوا أو نسوا، أو علموا وتناسوا أن المستشرقين طلائع المبشّرين، وأن جلّ أبحاثهم في الإسلام وما إليه إنما تصدر عن هوىً وقصد دفين، وأنهم كسابقيهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وإنما يفضلونهم بأنهم يحافظون على النصوص، ثم هم يحرفونها بالتأويل والاستنباط.\n_________\n(١) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.٢١ - ٢٣).","vol":"9","page":369},{"text":"نعم: إن منهم رجالًا أحرار الفكر، لا يقصدون إلى التعصب، ولا يميلون مع الهوى، ولكنهم أخذوا العلم عن غير أهله، وأخذوه من الكتب، وهم يبحثون في لغة غير لغتهم، وفي علوم لم تمتزج بأرواحهم، وعلى أسس غير ثابتة وضعها متقدموهم، ثم لا يزال ما نشؤوا عليه واعتقدوا يغلبهم، ثم ينحرف بهم عن الجادّة، فإذا هم قد ساروا في طريق آخر، غير ما يؤدي إليه حرية الفكر والنظر السليم.\nومعاذ الله أن أبخس أحدًا حقّه، أو أنكر ما للمستشرقين من جهد مشكور في إحياء آثارنا الخالدة، ونشر مفاخر أئمتنا العظماء، ولكني رجل أريد أن أضع الأمور مواضعها، وأن أقرّ الحق في نصابه، وأريد أن أعرف الفضل لصحابه، في حدود ما أسدى إلينا من فضل، ثم لا أجاوز به حدّه، ولا أعلو به عن مستواه. ولكني رجل أتعصب لديني ولغتي أشدّ العصبية، وأعرف معنى العصبية، وحدّها، وأن ليس معناها العدوان، وأن ليس في الخروج عنها إلا الذلّ والاستسلام، وإنما معناها الاحتفاظ بمآثرنا ومفاخرنا، وحَوطها والذود عنها، وإنما معناها أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأعرف أنه (ما غُزي قومٌ قطّ في عقر دارهم إلا ذلّوا) وقد -والله- غُزينا في عقر دارنا، وفي نفوسنا، وفي عقائدنا، وفي كل ما يقدّسه الإسلام ويفخر به المسلمون.\nوكان قومنا ضعافًا، والضعيف مُغرىً أبدًا بتقليد القوي وتمجيده، فرأوا من أعمال الأجانب ما بهر أبصارهم، فقلدوهم في كل شيء، وعظّموهم في","vol":"9","page":370},{"text":"كل شيء، وكادت أن تعصفَ بهم العواصف، لولا فضل الله ورحمته. (١)\n- قال في رسالته 'الشرع واللغة' (٢) التي خصّها للرّدّ على عبد العزيز فهمي باشا وعدائه للعربية -بعد نقله لكلام هذا المفتون-: وقد بدأ معالي الباشا استدلاله -يعني نقضه ردّ الشيخ محبّ الدين الخطيب عليه- بكلمة منكرة (أن الدين لله، وأما سياسة الإنسان فللإنسان) وما هذه الكلمة إلا تحريف أو تحوير لكلمة ليست إسلامية، وليست عربية، كلمة فيها خنوع وخور واستسلام لاستبداد القياصرة، لا يرضاها مسلم، ولا يرضاها عربيّ.\nنعم: إن الدين كله لله، وإن الأمر كله لله. ولكن هذا الرجل والذين يظاهرونه يريدون أن يفهموا الدين على غير ما يعرف المسلمون، وعلى غير ما أنزل الله في القرآن وعلى لسان الرسول. يريدون أن ينفثوا في روع الأغرار والجاهلين أن الدين هو العقائد والعبادات فقط، وأن ما سواهما من التشريع ليس من أمر الدين، عدوًا منهم وبغيًا، واستكبارًا وعتوًّا على المسلمين، بل جهلًا وعجزًا، ثم استكانة وذلًاّ، للسادة الأوربيين (ذوي العقول الجبارة). ثم لا يستحيي أحدهم أن يدعي أنه يفهم الدين، وأن يزعم أنه مكتفٍ بما يسّر الله له من دينه، وأنه موقن بأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من المسلمين!!\nوالأدلة في القرآن وبديهيات الإسلام على وجوب اتباع ما أنزل الله في كتابه وعلى لسان رسوله، في العقائد والعبادات، وأحكام المعاملات\n_________\n(١) شرح سنن الترمذي (١/ ١٩ - ٢٠).\n(٢) طبعت مع محاضرته الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدرًا للقوانين.","vol":"9","page":371},{"text":"والعقوبات وغيرها، متوافرة متواترة، لا ينكرها مسلم ولا يستطيع. وأظن أن معالي الباشا سمع مرة أو مرات قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١). وقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ (٢). أيجرؤ معاليه أن يتأول هذه الآيات ونحوها على أنها في العقائد والعبادات؟ وإن جرؤ على ذلك، فماذا هو قائل في قول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (٣).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٤).\n(٢) المائدة الآية (٤٩).\n(٣) الأحزاب الآية (٣٦).","vol":"9","page":372},{"text":"قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (١). أفيجرؤ أن يتأولها أيضًا على العقائد والعبادة؟ أم هو يلعب بالألفاظ والألباب؟!. (٢)\n- وقال: ولطالما سمعنا اعتذار المسرفين على أنفسهم، من يأبون العود بالأمة إلى تشريعها الإسلاميّ، ولطالما جادلناهم، فما رأينا أحدًا منهم أجرأ على الله وعلى الدين من هذا الباحث العلامة!\nما زعم لنا واحد منهم قطّ (أن الدين لله، وأما سياسة الإنسان فللإنسان) وأن (الحاكم في الإسلام عليه أن يسوس الناس على ما يحقق مصالحهم، مؤسسًا عمله على الحق والعدل، على أن لا يمسّ العقائد وفرائض العبادات). لأن معنى هذا الكلام الخروج بالإسلام عن حقيقته، وجعله دين عبادة فقط، وإنكار ما في القرآن والسنة الصحيحة من الأحكام في كل شؤون الإنسان.\nوالقرآن مملوء بأحكام وقواعد جليلة، في المسائل المدنية والتجارية، وأحكام الحرب والسلم، وأحكام القتال والغنائم والأسرى، وبنصوص صريحة في الحدود والقصاص.\n_________\n(١) النور الآيات (٤٧ - ٥١).\n(٢) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.٨٨ - ٩٠).","vol":"9","page":373},{"text":"فمن زعم أنه دين عبادة فقط فقد أنكر كل هذا، وأعظم على الله الفرية. وظن أن لشخص كائنًا من كان، أو لهيئة كائنة من كانت، أن تنسخ ما أوجب الله من طاعته والعمل بأحكامه. وما قال هذا مسلم قط ولا يقوله، ومن قاله فقد خرج عن الإسلام جملة، ورفضه كلّه. وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.\nإنهم كانوا يدورون حول هذا المعنى ويجمجمون ولا يصرّحون، حتى كشف هذا الرجل عن ذات نفسه، وأخشى أن يكون قد كشف عما كانوا يضمرون. ولكني لا أحب أن أجزم في شأنهم، فلسنا نأخذ الناس بالظنة، وحسابهم بين يدي الله يوم القيامة. (١)\n- قال -بعد ذكره نماذج لما في القوانين الإفرنجية والنظم الأوربية مما يخالف عقائد المسلمين، وتعطيل لكثير من فروض الدين-: ولسنا ننعى على هذه القوانين كلّ جزئية فيها، بالضرورة، ففيها فروع في مسائل مفصلة، تدخل تحت القواعد العامة في الكتاب والسنة، ولكنا ننكر المصدر الذي أخذت منه، وهو مصدر لا يجوز لمسلم أن يجعله إمامه في التشريع، وقد أُمر أن يتحاكم إلى الله ورسوله. فالكتاب والسنة وحدهما هما الإمام، نستنبط منهما وفي حدودهما ما يوافق كلّ عصر وكلّ مكان، مسترشدين بالعقل وقواعد العدل. ولكنا نسخط على الروح الذي يملي هذه القوانين ويوحي بها، روح الإلحاد والتمرد على الإسلام، في كثير من المسائل الخطيرة، والقواعد الأساسية، فلا يبالي واضعوها أن يخرجوا على القرآن، وعلى\n_________\n(١) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.٩٣ - ٩٤).","vol":"9","page":374},{"text":"البديهيّ من قواعد الإسلام، وأن يصبغوها صبغة أوربية، مسيحية أو وثنية، إذا ما أَرضوا عنهم أعداءهم، ونالوا ثناءهم، ولم يخرجوا على مبادئ التشريع الحديث!!\nوهم -في نظر الشرع- مخطئون إذا ما أصابوا، مجرمون إذا ما أخطؤوا. أصابوا عن غير طرق الصواب، إذ لم يضعوا الكتاب والسنة نصب أعينهم، بل أعرضوا عنهما ابتغاء مرضاة غير الله، جهلوهما جهلًا عجيبًا. وأخطؤوا عامدين أن يخالفوا ما أمرهم به ربّهم، ساخطين إذا ما دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم. والحجة عليهم قول كبيرهم: (إن جهات التشريع عندنا تشتغل في دائرة غير دائرة الدين)!! وإصراره على أنه لو كان قويًا في صحته فلن يجيب إلى (الرجوع لسلفنا الصالح في أمر القوانين). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3276>موقفه من الجهمية:</span>\nكان هذا الرجل متشبعا بالعقيدة السلفية زيادة على تضلعه في علم الحديث ويظهر ذلك من تعاليقه وتحريراته، وله مقال جيد نأخذه على سبيل المثال للدلالة على دفاعه عن العقيدة السلفية: جاء في دائرة المعارف الإسلامية في التعليق على مادة: \"تأويل\": قال: أصل مادة (تأويل) من المعنى اللغوي: آل يؤول أولا، أي: رجع إلى أصله. ثم استعمل في كلام العرب وفي القرآن خاصة بمعنى التفسير أو بشيء قريب من معناه. فالتفسير والتأويل: كشف المراد عن الشيء المشكل. وفرق بعض العلماء بينهما، فكثر استعمال التفسير: فيما يتعلق بشرح المفردات والألفاظ، والتأويل: فيما يتعلق بالمعاني\n_________\n(١) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.٩٧ - ٩٨).","vol":"9","page":375},{"text":"والجمل. واصطلح الفقهاء وغيرهم على معنى آخر للتأويل هو: تفسير الآية أو الحديث بمعنى غير ما يفهم من ظاهر اللفظ. ولذلك يقول العلماء كثيرا في عباراتهم مثلا: إن هذا الحديث أو هذه الآية من الصريح الذي لا يحتمل التأويل، أي: لا يحتمل معنى آخر يخرجه عن المراد الظاهر من لفظه، فالمعنى الظاهر لا يخرج عن المفسر والمؤول إلا بدليل أو قرينة، لأنه يكون شبيها بالمعنى المجازي. وقد ورد لفظ التأويل في آيات من القرآن على المعنى اللغوي الأصلي، ولكن بعض العلماء والمفسرين ظنها مما يدخل في التأويل الاصطلاحي، فنشأ عن ذلك اختلاف واضطراب في آرائهم، والحق أن ذلك على المعنى اللغوي الواضح. ففي لسان العرب: \"وأما قول الله ﷿: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ (١) فقال أبو إسحاق: معناه، هل ينظرون إلا ما يؤول إليه أمرهم من البعث. قال: وهذا التأويل هو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) أي: لا يعلم متى يكون أمر البعث وما يؤول إليه الأمر عند قيام الساعة إلا الله، والراسخون في العلم يقولون: آمنا به أي: آمنا بالبعث. والله أعلم، قال ابن منظور: وهذا حسن (٣).\nوأقول: بل هو الصواب الذي لا يفهم من القرآن غيره، ثم دخل على المسلمين ناس اتبعوا المتشابه في مثل هذا، وأكثروا من القول في القرآن بغير علم، حتى ادعوا أن له ظاهرا وباطنا، وأن الباطن لا يعلمه هؤلاء إلا بشيء يزعمونه نحو:\n_________\n(١) الأعراف الآية (٥٣).\n(٢) آل عمران الآية (٧).\n(٣) لسان العرب (١٣/ ٢٥) ..","vol":"9","page":376},{"text":"\"الإلهام\". وهم لم يفقهوا ظاهر القرآن، ولم يعرفوا شيئا من السنة، أو عرفوا وأعرضوا عنه لما وقر في نفوسهم من حب الإغراب أو من آراء تنافي الإسلام، فأرادوا أن يلصقوها به، وعن ذلك نشأت تأويلات الصوفية وغيرهم ممن أشار إليهم كاتب المادة. وهذه التأويلات لا تمت إلى الإسلام بصلة وإن كان قائلوها يسمون بأسماء إسلامية ويذكرون في تاريخ الإسلام، وتذكر أقوالهم وآراؤهم مع آراء علماء الإسلام. والإسلام دين واضح سهل لا رموز فيه ولا ألغاز. ورسول الله - ﷺ - قد ترك المسلمين على المحجة الواضحة ليلها كنهارها. فكل من حاد عن هذه السبيل فإنما أعرض عن الصراط المستقيم وتفرقت به السبل، حتى خرج بعضهم عن كل طريق من طرق الإسلام، أو من الطرق التي تشبه أن تتصل بالإسلام، ممن وصفهم كاتب المادة بقوله: \"بل صارت أحكام القرآن في رأي أصحابها غير واجبة الإتباع\". ومن ذهب هذا المذهب أو قريبا منه فلا يمكن أن يعد من المسلمين ولا أن ينسب قوله إلى أقوال أهل الإسلام. (١)\nالتعليق:\nالله أعلم بالضرر البالغ الذي ألحقه طاغوت التأويل بالمسلمين الذي اخترعه أعداء العقيدة السلفية. وقد تصدى لرده وبيان الباطل والحق منه: العلامة ابن القيم في كتابه 'الصواعق المرسلة' بما لا مزيد عليه، فجزاه الله خيرا.\n_________\n(١) دائرة المعارف الإسلامية (٩/ ١٦٢ - ١٦٣).","vol":"9","page":377},{"text":"حافظ بن أحمد الحَكَمِي (١) (١٣٧٧ هـ)\nالشيخ حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، نسبة إلى الحكم بن سعد العشيرة بطن من (مذحج). ولد في شهر رمضان عام اثنين وأربعين وثلاثمائة وألف بقرية السلام في منطقة جيزان. نشأ في بيئة صالحة طيبة ساعدته على تحصيل العلوم الشرعية منذ الصغر، فحفظ القرآن الكريم ثم توجه إلى الاشتغال بكتب الفقه والحديث والتفسير والتوحيد وغيرها. وأخذ عن الشيخ عبد الله القرعاوي الذي كان قد قدم من \"نجد\"، ولازمه حتى نضج علمه ورسخت قدمه. وكان ﵀ شديد التمسك بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، على جانب كبير من الورع والكرم والعفة. عين مديرا لمدرسة سامطة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وألف للهجرة، ثم مديرا للمعهد العلمي فيها سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، واستمر فيه إلى أن توفي يوم السبت الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة بمكة المكرمة ودفن بها.\nأقول: كان هذا الرجل أعجوبة زمانه -كما يحكي تلامذته الذين درسوا عليه- في الحفظ والاستحضار، وظهر أثر ذلك في كتبه التي ألفها على صغر سنه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.\nآثاره السلفية:\n١ - 'سلم الوصول إلى علم الأصول في توحيد الله'.\n٢ - 'معارج القبول في شرح سلم الوصول'.\n_________\n(١) الأعلام (٢/ ١٥٩) ومقدمة معارج القبول، بقلم ابن الشيخ. والمستدرك على معجم المؤلفين (١٨٣ - ١٨٤).","vol":"9","page":378},{"text":"٣ - 'أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة'.\nوالكل مطبوع متداول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3278>موقفه من المبتدعة:</span>\n- جاء في أعلام السنة:\nس: ما هو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله تعالى بسلوكه ونهانا عن اتباع غيره؟\nج: هو دين الاسلام الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، ولم يقبل من أحد سواه، ولا ينجو إلا من سلكه، ومن سلك غيره تشعبت عليه الطرق وتفرقت به السبل قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) وخط النبي - ﷺ - خطا ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما» وخط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه» ثم قرأ ﴿وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢) وقال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا،\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف الإمام مالك سنة (١٧٩هـ).","vol":"9","page":379},{"text":"وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم» (١).\nس: بماذا يتأتى سلوكه والسلامة من الانحراف عنه؟\nج: لا يحصل ذلك إلا بالتمسك بالكتاب والسنة، والسير بسيرهما، والوقوف عند حدودهما، وبذلك يحصل تجريد التوحيد لله وتجريد المتابعة للرسول - ﷺ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (٢) وهؤلاء المنعم عليهم المذكورون ههنا تفصيل: هم الذين أضاف الصراط إليهم في فاتحة الكتاب بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (٣) ولا أعظم\n_________\n(١) الترمذي (٥/ ١٣٣/٢٨٥٩) والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٦١/١١٢٣٣) من طريق بقية بن الوليد عن بجير بن سعيد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان الكلابي مرفوعا وفيه بقية بن الوليد يدلس تدليس التسوية. ولهذا قال الترمذي: \"هذا حديث غريب. إلا أنه لم ينفرد به. فقد رواه أحمد (٤/ ١٨٢ - ١٨٣) من طريق الليث بن سعد والحاكم (١/ ٧٣) من طريق ابن وهب كلاهما عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان به\". قال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم ولا أعرف له علة\" ووافقه الذهبي.\n(٢) النساء الآية (٦٩).\n(٣) الفاتحة الآيتان (٦و٧).","vol":"9","page":380},{"text":"نعمة على العبد من هدايته إلى هذا الصراط المستقيم، وتجنيبه السبل المخلة، وقد ترك النبي - ﷺ - أمته على ذلك كما قال - ﷺ -: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (١).\nس: ما ضد السنة؟\nج: ضدها البدعة المحدثة: وهي شرع ما لم يأذن به الله، وهي التي عناها النبي - ﷺ - بقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢) وقوله - ﷺ -: «وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة ضلالة» (٣) وأشار - ﷺ - إلى وقوعها بقوله: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» وعينها بقوله - ﷺ -: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي» (٤). وقد برأه الله تعالى من أهل البدع بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥) الآية. (٦)\n- وقال في معارج القبول: وقد حصل مصداق ما أخبر به الرسول - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٢٦» وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) وأصله عند أبي داود (٥/ ١٣/٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حديث حسن صحيح\". وابن حبان (١/ ١٧٨/٥) والحاكم (١/ ٩٥) وقال: \"صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي من حديث العرباض بن سارية.\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف ابن رجب سنة (٧٩٥هـ).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٥) الأنعام الآية (١٥٩).\n(٦) أعلام السنة المنشورة (٢١٦ - ٢١٩).","vol":"9","page":381},{"text":"وهو الصادق المصدوق من الافتراق، وتفاقم الأمر وعظم الشقاق فاشتد الاختلاف ونجمت البدع والنفاق، فافترقوا في أسماء الله تعالى وصفاته إلى نفاة معطلة، وغلاة ممثلة، وفي باب الإيمان والوعد والوعيد إلى: مرجئة ووعيدية من خوارج ومعتزلة، وفي باب أفعال الله وأقداره إلى: جبرية غلاة وقدرية نفاة، وفي أصحاب رسول الله - ﷺ - وأهل بيته إلى رافضة غلاة وناصبة جفاة، إلى غير ذلك من فرق الضلال، وطوائف البدع والانتحال، وكل طائفة من هذه الطوائف قد تحزبت فرقا وتشعبت طرقا، وكل فرقة تكفر صاحبتها وتزعم أنها هي الفرقة الناجية المنصورة. (١)\n- وقال: ثم اعلم أن البدع كلها مردودة ليس منها شيء مقبولا، وكلها قبيحة ليس فيها حسن، وكلها ضلال ليس فيها هدى، وكلها أوزار ليس فيها أجر، وكلها باطل ليس فيها حق. ومعنى البدعة هو شرع ما لم يأذن الله به ولم يكن عليه أمر النبي - ﷺ - ولا أصحابه، ولهذا فسر النبي - ﷺ - البدعة بقوله: «كل عمل ليس عليه أمرنا» (٢) ووصف الطائفة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة بقوله: «هم الجماعة». وفي رواية: «هم من كان مثل ما أنا عليه وأصحابي» (٣).اهـ (٤)\n- وفيه: وهذا الذي قاله -أي الإمام الشافعي- من تحكيم نصوص الكتاب والسنة، وطرح ما خالفهما هو الذي نطقا به وصرحت به\n_________\n(١) معارج القبول بشرح سلم الوصول (١/ ١٨).\n(٢) تقدم قريبا.\n(٣) تقدم قريبا.\n(٤) معارج القبول (٢/ ٦١٦).","vol":"9","page":382},{"text":"نصوصهما وأجمع عليه الصحابة والتابعون فمن بعدهم كما حكى إجماعهم هو وغيره، وكما هو المشهور من سيرتهم في الأقوال والأفعال. ونصوصهم في هذا الباب ملء الدنيا، وتصانيفهم في ذلك قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها، ولو رأوا ما عليه مقلدوهم في هذا الوقت لتبرأوا منهم ومقتوهم أشد المقت، فإنهم ليسوا على ما كانوا عليه، ولا اهتدوا إلى ما أرشدوهم إليه، بل اختلفوا اختلافا شديدا وافترقوا افتراقا بعيدا، وكل منهم يحصر الحق في إمامه ويرى ما خالفه باطلا، ويرى سائر أهل العلم مفضولين وإمامه فاضلا، وإذا خالف مذهبه نصا ضرب له الأمثال، وتكلف له التأويل المحال، ويقابله الآخر بمثل ذلك، فهم بين راد ومردود وحاسد ومحسود، وكان فيهم شبه من الذين قال الله تعالى فيهم ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ (١)،\nولم يعلم هؤلاء المساكين أن سلفهم الصالح الذين يزعمون الاقتداء بهم كانوا أبعد من هذه الصفة بعد ما بين المشارق والمغارب، بل كانوا ﵃ وأرضاهم أجل شأنا وأكمل إيمانا من أن يقدموا بين يدي الله ورسوله، بل هم تبع له في أوامره ونواهيه، ولنصوص الشرع أعظم عندهم من أن يقدموا عليها آراء الرجال، وهي أجل قدرا في صدورهم من أن تضرب لها الأمثال، وأعلى منزلة من أن تدفع بالأقيسة والتأويل المحال، وإنما المقتدي بهم على الحقيقة من اقتفى أثرهم واتبع سيرهم وحفظ وصيتهم وأحيا سنتهم في طلب الحق وأخذه أين وجده،\n_________\n(١) الروم الآية (٣٢) ..","vol":"9","page":383},{"text":"والوقوف عند كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - كما بلغته، فكما كان اجتهاد السلف ﵏ في جمع الأدلة واستنباط الأحكام منها فالواجب عند الخلاف تتبع تلك الأدلة والاستنباطات والأخذ بالأصح منها مع من كان وبيد من وجد، فإن الحق واحد لا يجزئه الاختلاف، وكل واحد من أولئك الأئمة يدأب في طلبه جادا مجتهدا إن أصابه فله أجران وإن أخطأه فله أجر والخطأ مغفور، وهذه أقوالهم مدونة في كتبهم، كلها تذم الرأي في الدين، وتحث من بعدهم على اقتفاء أثرهم في طلب الحق أين ما كان، ولم يدع أحد منهم إلى تقليده، ولم يكن أحد منهم معصوما ولا ادعى ذلك ولا قال: إن الحق معي لا يفارقني فتمسكوا بما أقول وأفعل، ولا كان لأحد منهم التزام قول أحد من آحاد الأمة لا ممن هو مثلهم ولا من هو أفضل منهم فضلا عمن هو دونهم، ولم يكن لهم أن يلتزموه فيما خالف النص الذي لم يبلغه أو لم يستحضره، ولو كان ذلك خيرا لسبقونا إليه، بل كان إمام الجميع محمد رسول الله - ﷺ - الذي بين للناس ما نزل إليهم، ويتبعون آثاره من الأفعال والأقوال والتقريرات، يتلقنونها من حفاظها من كانوا وأين كانوا وبيد من وجدوها، وقفوا عندها ولم يعدوها إلى غيرها.\nوكانت طريقتهم في تلقي النصوص أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون ما يفسر لهم المتشابه ويُبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم وتوافق النصوص بعضها بعضا، ويصدق بعضها بعضا، فإنها كلها من عند الله وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره،","vol":"9","page":384},{"text":"قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3279>موقفه من الرافضة:</span>\n- جاء في معارج القبول:\nفصل من هو أفضل الأمة بعد رسول الله - ﷺ - وذكر الصحابة بمحاسنهم، والكف عن مساويهم وما شجر بينهم ﵃.\nأهم ما في هذا الفصل خمس مسائل:\nالأولى: مسألة الخلافة.\nوالثانية: فضل الصحابة وتفاضلهم بينهم.\nوالثالثة: تولي أصحاب النبي - ﷺ - وأهل بيته سلام الله ورحمته وبركته عليهم، ومحبة الجميع والذب عنهم.\nالرابعة: ذكرهم بمحاسنهم والكف عن مساويهم.\nوالخامسة: السكوت عما شجر بينهم، وأن الجميع مجتهد: فمصيبهم له أجران أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، ومخطؤهم له أجر الاجتهاد وخطؤه مغفور.\nوبعده الخليفة الشفيق ... نعم نقيب الأمة الصديق\nذلك رفيق المصطفى في الغار ... شيخ المهاجرين والأنصار\nوهو الذي بنفسه تولى ... جهاد من عن الهدى تولى\n_________\n(١) النساء الآية (٨٢).\n(٢) معارج القبول (٦٢٨ - ٦٣٠).","vol":"9","page":385},{"text":"(وبعده): أي بعد رسول الله - ﷺ -. (الخليفة): له في أمته. الشفيق: بهم وعليهم. (نعم): فعل مدح. (نقيب): فاعل نعم، والنقيب عريف القوم وأفضلهم. (الصديق): هو المخصوص بالمدح وهو النقابة منه لجميع الأمة، وهو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة التيمي، أول الرجال إسلاما، وأفضل الأمة على الإطلاق ﵁ ... (١)\n- وفيه:\nثانيه في الفضل بلا ارتياب ... الصادع الناطق بالصواب\nأعني به الشهم أبا حفص عمر ... من ظاهر الدين القويم ونصر\nالصارم المنكي على الكفار ... وموسع الفتوح في الأمصار\n\n(ثانيه): أي ثاني أبي بكر. (في الفضل): على الناس بعده فلا أفضل منه، وكذا هو ثانيه في الخلافة بالإجماع. (بلا ارتياب): أي بلا شك. (الصادع): بالحق المجاهر به الذي لا يخاف في الله لومة لائم، ومنه قول الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (٢) فكان عمر ﵁ كذلك، وبه سماه النبي - ﷺ - فاروقا. (الناطق بالصواب): والذي وافق الوحي في أشياء قبل نزوله كما سيأتي. (أعني به): أي بهذا النعت. (الشهم): الذكي المتوقد، السيد المطاع الحكم القوى في أمر الله الشديد في دين الله. (أبا حفص عمر): ابن الخطاب ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح\n_________\n(١) معارج القبول (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣).\n(٢) الحجر الآية (٩٤).","vol":"9","page":386},{"text":"ابن عدي بن كعب العدوى ثاني الخلفاء وإمام الحنفاء بعد أبي بكر ﵄، وأول من تسمى أمير المؤمنين. (الصارم): السيف المسلول. (المنكي): من النكاية. (على الكفار): لشدته عليهم وإثخانه إياهم، حتى إن كان شيطانه ليخافه أن يأمره بمعصية كما قاله علي بن أبي طالب ﵁. (وموسع): من الاتساع. (الفتوح): فتوح الإسلام. (في الأمصار): فكمل فتوح بلاد الروم بعد اليرموك ثم بلاد فارس حتى مزق الله به ملكهم كل ممزق، ثم أوغل في بلاد الترك كما هو مبسوط في كتب السير وغيرها. (١)\n- وفيه:\nثالثهم عثمان ذو النورين ... ذو الحلم والحيا بغير مين\nبحر العلوم جامع القرآن ... منه استحت ملائك الرحمن\nبايع عنه سيد الأكوان ... بكفه في بيعة الرضوان\n(ثالثهم): في الخلافة والفضل. (عثمان): بن عفان بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف، من السابقين الأولين إلى الإسلام بدعوة الصديق إياه، وزوجه رسول الله - ﷺ - رقية ابنته ﵂، وهاجر الهجرتين وهي معه، وتخلف عن بدر لمرضها، وضرب له النبي - ﷺ - بسهمه وأجره. وبعد وفاتها زوجه النبي - ﷺ - أم كلثوم بمثل صداق رقية على مثل صحبتها وبذلك تسمى. (ذو النورين): لأنه تزوج ابنتي نبي واحدة بعد واحدة ولم يتفق ذلك لغيره ﵁. ذو الحلم: التام الذي لم يدركه\n_________\n(١) معارج القبول (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧).","vol":"9","page":387},{"text":"غيره. (والحياء): الإيماني الذي يقول فيه النبي - ﷺ -: «الحياء شعبة من الإيمان» (١) وقال: «أشدكم حياء عثمان» (٢). (بحر العلوم): الفهم التام في كتاب الله تعالى حتى إن كان ليقوم به في ركعة واحدة فلا يركع إلا في خاتمتها إلا ما كان من سجود القرآن. (جامع القرآن): لما خشى الاختلاف في القرآن والخصام فيه في أثناء خلافته ﵁، فجمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على القراءة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله - ﷺ - سني حياته ... (٣)\n- وفيه:\nوالرابع ابن عم خير الرسل ... أعني الإمام الحق ذا القدر العلي\nمبيد كل خارجي مارق ... وكل خب رافضي فاسق\nمن كان للرسول في مكان ... هارون من موسى بلا نكران\nولا في نبوة فقد قدمت ما ... يكفي لمن من سوء ظن سلما\n(والرابع): في الفضل والخلافة. (ابن عم): محمد - ﷺ -. (خير الرسل): أكرمهم على الله ﷿. (أعني): بذلك. (الإمام الحق): بالإجماع بلا مدافعة ولا ممانعة. (ذا): صاحب. (القدر العلي): الرفيع، وهو أمير المؤمنين أبو السبطين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ﵁\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٤١٤) والبخاري (١/ ٧١/٩) ومسلم (١/ ٦٣/٣٥) وأبو داود (٥/ ٥٦/٤٦١٤) والنسائي (٨/ ٤٨٤/٥٠٢٠) وابن ماجه (١/ ٢٢/٥٧).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف شيخ المالكية سعيد بن محمد بن الحداد المغربي سنة (٣٠٢هـ).\n(٣) معارج القبول (٢/ ٥٥٥ - ٥٥٦).","vol":"9","page":388},{"text":"وأرضاه ...\n(ومبيد كل خب رافضي فاسق): الخب الخداع الخائن، والرافضي نسبة إلى الرفض، وهو الترك بازدراء واستهانة، سموا بذلك لرفضهم الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وزعموا أنهما ظلما عليا واغتصبوه الخلافة ومنعوا فاطمة ﵂ فدك، وبذلك يحطون عليهما ثم على عائشة ثم على غيرها من الصحابة. وهم أقسام كثيرة لا كثرهم الله تعالى، أعظمهم غلوا وأسوأهم قولا وأخبثهم اعتقادا بل وأخبث من اليهود والنصارى هم السبئية أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي قبحه الله، كانوا يعتقدون في علي ﵁ الإلهية كما يعتقد النصارى في عيسى ﵇، وهم الذين أحرقهم علي ﵁ بالنار، وأنكر ذلك عليه ابن عباس كما في صحيح البخاري والمسند وأبي داود والترمذي والنسائي عن عكرمة ﵁ قال: أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله - ﷺ -: «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم لقول رسول الله - ﷺ -: «من بدل دينه فاقتلوه» (١).\nحكى عن أبي المظفر الاسفراييني في الملل والنحل: أن الذين أحرقهم علي ﵁ طائفة من الروافض ادعوا فيه الإلهية وهم السبئية، وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديا ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة. وتفصيل ذلك ما ذكره في الفتح من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال:\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ٢١٧) والبخاري (٦/ ١٨٤/٣٠١٧) وأبوداود (٤/ ٥٢٠/٤٣٥١) والترمذي (٤/ ٤٨/١٤٥٨) والنسائي (٧/ ١٢٠/٤٠٧١) وابن ماجه (٢/ ٨٤٨/٢٥٣٥).","vol":"9","page":389},{"text":"قيل لعلي ﵁: إن هنا قوما على باب المسجد يزعمون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا أنت ربنا وخالقنا ورازقنا. قال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني. فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا. فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال أدخلهم فقالوا كذلك، فلما كان الثالث قال لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك، فأمر علي ﵁ أن يخد لهم أخدود بين المسجد والقصر، وأمر بالحطب أن يطرح في الأخدود ويضرم بالنار ثم قال لهم: إني طارحكم فيها أو ترجعوا. فأبوا أن يرجعوا، فقذف بهم حتى إذا احترقوا قال:\nإني إذا رأيت أمر منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا\n\nقال ابن حجر: \"إسناده صحيح\" (١).اهـ (٢)\n- وفيه: وأكثر ما يكذب على علي ﵁ الرافضة الذين يدعون مشايعته ونشر فضائله ومثالب غيره من الصحابة، فيسندون ذلك إليه ﵁ وهو بريء منهم، وهم أعدى عدو له. وفي الصحيحين من طرق عنه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تكذبوا علي فإنه من\n_________\n(١) تقدم ضمن مواقف علي ﵁ سنة (٤٠هـ).\n(٢) معارج القبول (٢/ ٥٦٥ - ٥٧٤).","vol":"9","page":390},{"text":"كذب علي فليلج النار» (١). وفي فضائله ﵁ من الأحاديث الصحاح والحسان ما يغني عن أكاذيب الرافضة، وهم يجهلون غالب ما له من الفضائل فيها، وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁ قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت فثلاث قالهن رسول الله - ﷺ - لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول له وقد خلفه في مغازيه فقال له علي ﵁: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي؟» وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله»، قال فتطاولنا لها قال: «ادعوا لي عليا»، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ليلة فتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ (٢) دعا رسول الله - ﷺ - عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: «اللهم هؤلاء أهلي» (٣).اهـ (٤)\n_________\n(١) أحمد (١/ ٨٣،١٢٣،١٥٠) والبخاري (١/ ٢٦٦/١٠٦) ومسلم في مقدمته (١/ ٩/١) والترمذي (٥/ ٣٤/٢٦٦٠) والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٥٧/٥٨١١) وابن ماجه (١/ ١٣/٣١).\n(٢) آل عمران الآية (٦١).\n(٣) أحمد (١/ ١٨٥) ومسلم (٤/ ١٨٧١/٢٤٠٤ [٣٢]) والترمذي (٥/ ٥٩٦/٣٧٢٤) والنسائي في الكبرى (٦/ ١٢٢/٨٤٣٩) من طريق بكير بن مسمار المدني عن عامر بن سعد عن أبيه.\n(٤) معارج القبول (٢/ ٥٧٩ - ٥٨٠).","vol":"9","page":391},{"text":"- وفيه:\nثم السكوت واجب عما جرى ... بينهم من فعل ما قد قدرا\nفكلهم مجتهد مثاب ... وخطؤهم يغفره الوهاب\n\nأجمع أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحل والعقد الذين يعتد بإجماعهم على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة ﵃ بعد قتل عثمان ﵁، والاسترجاع على تلك المصائب التي أصيبت بها هذه الأمة، والاستغفار للقتلى من الطرفين والترحم عليهم، وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر مناقبهم، عملا بقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (١) الآية. واعتقاد أن الكل منهم مجتهد: إن أصاب فله أجران أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد والخطأ مغفور، ولا نقول إنهم معصومون بل مجتهدون إما مصيبون وإما مخطئون لم يتعمدوا الخطأ في ذلك. وما روي من الأحاديث في مساويهم الكثير منه مكذوب، ومنه ما قد زيد فيه أو نقص منه وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3280>موقفه من الصوفية:</span>\nسئل ﵀: إلى كم قسم تنقسم البدع في العبادات:\n_________\n(١) الحشر الآية (١٠).\n(٢) معارج القبول (٢/ ٥٩٩ - ٦٠٠)","vol":"9","page":392},{"text":"فأجاب: إلى قسمين:\nالأول: التعبد بما لم يأذن الله أن يعبد به ألبتة، كتعبد جهلة المتصوفة بآلات اللهو والرقص والصفق والغناء وأنواع المعازف وغيرهما، مما هم فيه مضاهئون فعل الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (١).\nوالثاني: التعبد بما أصله مشروع، ولكن وضع في غير موضعه، ككشف الرأس مثلا هو في الإحرام عبادة مشروعة، فإذا فعله غير المحرم في الصوم أو في الصلاة أو غيرها بنية التعبد كان بدعة محرمة، وكذلك فعل سائر العبادات المشروعة في غير ما تشرع فيه، كالصلوات النفل في أوقات النهي، وكصيام يوم الشك وصيام العيدين، ونحو ذلك. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3281>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال في معرض ذكره للإلحاد في أسماء الله: وهو ثلاثة أقسام:\nالأول: إلحاد المشركين، وهو ما ذكره ابن عباس وابن جريج ومجاهد من عدولهم بأسماء الله تعالى عما هي عليه، وتسميتهم أوثانهم بها مضاهاة لله ﷿ ومشاقة له وللرسول - ﷺ -.\nالثاني: إلحاد المشبهة الذين يكيفون صفات الله ﷿ ويشبهونها بصفات خلقه مضادة له تعالى وردا لقوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ\n_________\n(١) الأنفال الآية (٣٥).\n(٢) أعلام السنة المنشورة (ص.٢٢٠).","vol":"9","page":393},{"text":"شَيْءٌ﴾ (١)، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (٢) وهو مقابل لإلحاد المشركين؛ فأولئك جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق وسووه به، وهؤلاء جعلوا الخالق بمنزلة الأجسام المخلوقة وشبهوه بها، تعالى وتقدس عن إفكهم.\nالثالث: إلحاد النفاة، وهم قسمان:\nقسم أثبتوا ألفاظ أسمائه تعالى دون ما تضمنته من صفات الكمال، فقالوا: رحمن رحيم بلا رحمة، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر. واطردوا بقية الأسماء الحسنى هكذا وعطلوها عن معانيها وما تقتضيه وتتضمنه من صفات الكمال لله تعالى، وهم في الحقيقة كمن بعدهم، وإنما أثبتوا الألفاظ دون المعاني تسترا وهو لا ينفعهم.\nوقسم لم يتستروا بما تستر به إخوانهم بل صرحوا بنفي الأسماء وما تدل عليه من المعاني واستراحوا من تكلف أولئك، وصفوا الله تعالى بالعدم المحض الذي لا اسم له ولا صفة؛ وهم في الحقيقة جاحدون لوجود ذاته تعالى، مكذبون بالكتاب وبما أرسل الله به رسله. وكل هذه الأربعة الأقسام كل فريق منهم يكفر مقابله، وهم كما قالوا كلهم كفار بشهادة الله وملائكته وكتبه ورسله والناس أجمعين من أهل الإيمان والإثبات الواقفين مع كلام الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - وآله وصحبه أجمعين. (٣)\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) طه الآية (١١٠).\n(٣) معارج القبول (١/ ٨٨ - ٨٩).","vol":"9","page":394},{"text":"- وقال في 'أعلام السنة المنشورة' مبينا معتقده في القرآن: القرآن كلام الله ﷿ حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، تكلم الله به قولا، وأنزله على نبيه وحيا، وآمن به المؤمنون حقا، فهو وإن خط بالبنان وتلي باللسان، وحفظ بالجنان وسمع بالآذان وأبصرته العينان، لا يخرجه ذلك عن كونه كلام الرحمن، فالأنامل والمداد والأقلام والأوراق مخلوقة، والمكتوب بها غير مخلوق، والألسن والأصوات مخلوقة والمتلو بها على اختلافها غير مخلوق، والصدور مخلوقة، والمحفوظ فيها غير مخلوق، والأسماع مخلوقة، والمسموع غير مخلوق، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال ابن مسعود ﵁: \"أديموا النظر في المصحف\" والنصوص في ذلك لا تحصى، ومن قال: القرآن أو شيء من القرآن مخلوق فهو كافر كفرا أكبر\n_________\n(١) الواقعة الآيتان (٧٧و٧٨).\n(٢) العنكبوت الآية (٤٩).\n(٣) الكهف الآية (٢٧).\n(٤) التوبة الآية (٦).","vol":"9","page":395},{"text":"يخرجه من الإسلام بالكلية، لأن القرآن كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود وكلامه وصفته، ومن قال: شيء من صفات الله مخلوق فهو كافر مرتد، يعرض عليه الرجوع إلى الإسلام فإن رجع وإلا قتل كفرا ليس له شيء من أحكام المسلمين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3282>موقفه من الخوارج:</span>\nبين ﵀ الواجب لولاة الأمور طبقا لما قرره أهل السنة فقال: الواجب لهم النصيحة بموالاتهم على الحق وطاعتهم فيه، وأمرهم به وتذكيرهم برفق، والصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، والصبر عليهم وإن جاروا، وترك الخروج بالسيف عليهم ما لم يظهروا كفرا بواحا، وألا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح والتوفيق. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3283>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀ في سلم الوصول:\nاعلم بأن الدين قول وعمل ... فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل\n\n- وقال أيضا فيه:\nإيماننا يزيد بالطاعات ... ونقصه يكون بالزلات\nوأهله فيه على تفاضل ... هل أنت كالأملاك أو كالرسل\nوالفاسق الملي ذو العصيان ... لم ينف عنه مطلق الإيمان\nلكن بقدر الفسق والمعاصي ... إيمانه مازال في انتقاص\n_________\n(١) أعلام السنة (٩٣ - ٩٥).\n(٢) أعلام السنة (٢٤٥).","vol":"9","page":396},{"text":"وقد شرح ﵀ هذه الأبيات في معارج القبول شرحا وافيا فلتنظر هناك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3284>موقفه من القدرية:</span>\nعقد فصلا في كتابه الجليل 'معارج القبول' في رؤوس الطوائف الضالة وذكر من بينهم القدرية فقال: الطائفة الرابعة: نفاة القدر، وهم فرقتان:\nفرقة نفت تقدير الخير والشر بالكلية وجعلت العباد هم الخالقين لأفعالهم خيرها وشرها، ولازم هذا القول أنهم هم الخالقون لأنفسهم، لأن في قولهم نفي تصرف الله في عباده، وإخراج أفعالهم عن خلقه وتقديره، فيكون تكونهم من التراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة إلى آخر أطوار التخليق هم بأنفسهم تطوروا، وبطبيعتهم تخلقوا، وهذا راجع إلى مذهب الطبائعية الدهرية الذين لم يثبتوا خالقا أصلا كما قدمنا مناظرة أبي حنيفة لبعضهم فأسلموا على يديه.\nوفرقة نفت تقدير الشر دون الخير، فجعلوا الخير من الله وجعلوا الشر من العبد، ثم منهم من ينفي تقدير الشر من أعمال العباد دون تقديره في المصائب، ومنهم من غلا فنفى تقدير الشر من المصائب والمعايب. وعلى كل حال فقد أثبتوا مع الله تعالى خالقا، بل جعلوا العباد معه خالقين كلهم، ونفوا أن يكون الله هو المتفرد بالتصرف في ملكوته، وهذا راجع إلى مذهب المجوس الثنوية الذين أثبتوا خالقين خالقا للخير وخالقا للشر قبحهم الله\n_________\n(١) انظر (٢/ ١٧ - ٢٣) و(٢/ ٤٠٥ - ٤٢١) وغيرها من المواطن.","vol":"9","page":397},{"text":"تعالى. (١)\n- وعقد بابا في القضاء والقدر فيه من نظم سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد قال:\nوالسادس الإيمان بالأقدار ... فأيقن بها ولا تمار\nفكل شيء بقضاء وقدر ... والكل في أم الكتاب مستطر (٢)\n\nثم بسط شرح ذلك مطولا.\n\nشيخ أنصار السنة بمصر حامد الفقي (٣) (١٣٧٨ هـ)\nالشيخ العلامة محمد حامد الفقي مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية، ولد في قرية جزيرة نكلا العنب في سنة عشر وثلاثمائة وألف للهجرة. حفظ القرآن الكريم وأتم حفظه في شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة. بدأ دراسته بالأزهر في شهر شوال سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة. ودراسته للحديث والتفسير بعد مضي ست سنين.\nنال شهادة العالمية في الأزهر الشريف سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف وعمره آنذاك خمس وعشرون سنة. وانقطع بعدها إلى خدمة كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -.\nأنشأ جماعة أنصار السنة المحمدية سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وألف،\n_________\n(١) معارج القبول (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧).\n(٢) معارج القبول (٢/ ٣٢٦).\n(٣) مجلة التوحيد بتصرف (العدد الثالث ربيع الأول ١٤١٦هـ).","vol":"9","page":398},{"text":"واتخذ لها دارا بعابدين. وبعدها أسس مجلة الهدي النبوي فنفع الله بها النفع العظيم.\nقال الشيخ عبد الرحمن الوكيل: لقد ظل إمام التوحيد (في العالم الإسلامي) والدنا الشيخ محمد حامد الفقي -﵀- أكثر من أربعين عاما يجاهد في سبيل الله، ظل يجالد قوى الشر الباغية في صبر، مارس الغلب على الخطوب، واعتاد النصر على الأحداث، وإرادته تزلزل الدنيا حولها، وترجف الأرض من تحتها، فلا تميل عن قصد، ولا تجبن عن غاية، لم يكن يعرف في دعوته هذه الخوف من الناس، أو يلوذ له، إذ كان الخوف من الله آخذا بمجامع قلبه، كان يسمي كل شيء باسمه الذي هو له، فلا يدهن في القول ولا يداجي، ولا يبالي ولا يعرف المجاملة أبدا في الحق أو الجهر به، إذ كان يسمي المجاملة نفاقا ومداهنة، ويسمي السكوت عن قول الحق ذلا وجبنا.\nتوفي ﵀ فجر الجمعة سابع رجب سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة على إثر عملية جراحية أجراها بمستشفى العجوزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3286>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان هذا الإمام شوكة في حلق المبتدعة في زمنه. ونفع الله به نفعا عظيما. وأخرج كثيرا من كتب السلف وزينها بتعاليقه الجيدة. وهي وإن كانت مختصرة، لكنها مفيدة.\nمنها ما جاء في هامش 'اقتضاء الصراط المستقيم':\n- قال: وكذلك المقلدون على عمى: قد أطاعوا من قلدوهم في أخطائهم، وردوا بها صريح نصوص الكتاب والسنة، زاعمين أنها لم يأخذ بها","vol":"9","page":399},{"text":"معظمهم. (١)\n- وقال: الجاهلية: هي الحالة الناشئة عن الجهل والإعراض عن أسباب العلم التي أقامها الله في آياته الكونية في الأنفس والآفاق وفي النعم المتتالية؛ فهذه الحالة الجاهلية ملازمة للإعراض عن الفهم والتفقه لما أنزل الله في كتبه وأرسل به رسله، وللإعراض عن التدبر والتأمل لسنن الله الكونية، وآياته العلمية. وهذه حال يعمد الشيطان إلى إركاس الناس فيها بصرفهم عن الحق والهدي الذي جاءهم به رسل الله. وقد أركس الشيطان الناس اليوم فيها بالتقليد الأعمى وتعطيل عقولهم وأفهامهم، وحرمانهم من تدبر سنن الله وآياته، ومن الفقه في كتاب الله وسنة رسوله، فغلب عليهم العقائد الزائغة، والأخلاق الفاسدة، وانعكست بهم الأحوال، فغلبت النساء بسفههن الرجال، ونفقت سوق الشرك والبدع والخرافات، والفسوق والعصيان، وتحاكموا إلى الطواغيت، وتقطعت الصلات، وتباغضت القلوب، وتعاونوا على الإثم والعدوان، وأصبحوا شيعا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون، وضل سعيهم في كل شئون الحياة الدنيا. وعلى الجملة: أصبحوا في حياة لا ينبغي أن تنسب إلا إلى الجهل والسفه والغي، والإسلام دين الحكمة والرشد والفطرة السليمة، ودين العزة والقوة: برئ منها كل البراءة. (٢)\n- وقال: لا يمكن أن تكون بدعة إلا ولها سلف وقدوة خبيثة من دين\n_________\n(١) هامش اقتضاء الصراط المستقيم (٩).\n(٢) هامش اقتضاء الصراط (٧٩).","vol":"9","page":400},{"text":"الكافرين وخبث أعمالهم التي أوحاها إليهم شياطين الإنس والجن. (١)\n- وقال: والذي أعتقده -والله الموفق- هو أن شرع الإسلام بعقائده وعباداته وشرائعه شرع تام بما أتمه الله غير محتاج إلى غيره ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) بل جعله الله مهيمنا على غيره. بحيث يجب على المؤمن أن لا يرجع إلى غيره، ولو أنه عرض له في حياته أمر أي أمر -فيجب أن يرده إلى الله ورسوله. فهو الشريعة التي حفظ الله أصولها ونصوصها، بحيث لا يتطرق شك ولا ريبة إلى أي أصل من أصولها، ولا نص من نصوصها، وهي الشريعة التي ارتضاها الله ربنا سبحانه -وهو العليم الحكيم الرحيم- لعباده من كل بني آدم من وقت نزولها إلى آخر الدهر، واختزن ربنا في طوايا نصوصها ما فيه الهدى والرحمة، والرشد والحكمة، والشفاء لما في صدور جميع الناس من كل داء ومرض من أمراض الشبهات والشهوات في الفرد والأسرة والحكومة والمجتمع. (٣)\n- قال الشيخ ﵀ عقب كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء: \"وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇، وإما محبة للنبي - ﷺ - وتعظيما له، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع: من اتخاذ مولد النبي - ﷺ - عيدا\".\nقلت: كيف يكون لهم ثواب على هذا وهم مخالفون لهدي رسول الله\n_________\n(١) هامش اقتضاء الصراط (١١٦).\n(٢) المائدة الآية (٣).\n(٣) هامش اقتضاء الصراط (١٧٠).","vol":"9","page":401},{"text":"- ﷺ - ولهدي أصحابه؟! فإن قيل: لأنهم اجتهدوا فأخطأوا، فنقول: أي اجتهاد في هذا؟ وهل تركت نصوص العبادات مجالا للاجتهاد؟! والأمر فيه واضح كل الوضوح. وما هو إلا غلبة الجاهلية وتحكم الأهواء، حملت الناس على الإعراض عن هدي رسول الله - ﷺ - إلى دين اليهود والنصارى والوثنيين. فعليهم ما يستحقونه من لعنة الله وغضبه، وهل تكون محبة وتعظيم رسول الله - ﷺ - بالإعراض عن هديه وكرهه وكراهية ما جاء به من الحق لصلاح الناس من عند ربه، والمسارعة إلى الوثنية واليهودية والنصرانية؟ ومن هم أولئك الذين أحيوا تلك الأعياد الوثنية؟ هل هم مالك أو الشافعي أو أحمد أو أبو حنيفة أو السفيانان أو غيرهم من أئمة الهدى ﵃؟ حتى يعتذر لهم ولأخطائهم، كلا، بل ما أحدث هذه الأعياد الشركية إلا العبيديون الذين أجمعت الأمة على زندقتهم، وأنهم كانوا أكفر من اليهود والنصارى، وأنهم كانوا وبالا على المسلمين، وعلى أيديهم وبدسائسهم وما نفثوا في الأمة من سموم الصوفية الخبيثة انحرف المسلمون عن الصراط المستقيم، حتى كانوا مع المغضوب عليهم والضالين؟ وكلام شيخ الإسلام نفسه يدل على خلاف ما يقول من إثابتهم، لأن حب الرسول وتعظيمه الواجب على كل مسلم: إنما هو باتباع ما جاء به من عند الله. كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (١)\nوقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا\n_________\n(١) آل عمران الآية (٣١) ..","vol":"9","page":402},{"text":"أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١)،\nوقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ\n_________\n(١) النساء الآيات (٦٠ - ٦٥) ..","vol":"9","page":403},{"text":"يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (١).اهـ (٢)\nوله كلام جيد على بدعة قراءة القرآن على الموتى:\nجاء في اقتضاء الصراط المستقيم: \"والوقوف التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم فيها من الفائدة: أنها تعين على حفظ القرآن، وأنها رزق لحفاظ القرآن، وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته، وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته، فهو مما يحفظ به الدين، كما يحفظ بقراءة الكافر وجهاد الفاجر. وقد قال - ﷺ -: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٣) \".\n- قال حامد الفقي عقب هذا القول: لقد كان هذا من أقوى أسباب إماتة القرآن فقها وعلما وعملا وإن حفظوه حروفا وألفاظا، لأنهم يحترفون قراءته للموتى، على مثال كهنة قدماء المصريين الوثنيين، وبذلك هان القرآن ونزل من نفوس القادة والرؤساء، بل والعامة، حتى أصبح أقل منزلة في نفوسهم من قول الشيوخ وآرائهم، وعادات الآباء وتقاليدهم، وحتى أصبح في زمننا هذا أقل من قوانين الفرنجة وضلالهم. ولم يبق له في العقائد والعبادات والأخلاق والأدب والأحكام والدولة والأسرة أي أثر ولا قيمة،\n_________\n(١) النور الآيات (٤٧ - ٥٢).\n(٢) هامش اقتضاء الصراط (٢٩٤ - ٢٩٥ دار الكتب العلمية).\n(٣) أحمد (٢/ ٣٠٩) والبخاري (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١/ ٣٠٦٢) ومسلم (١/ ١٠٥ - ١٠٦/ ١١١).","vol":"9","page":404},{"text":"كل ذلك من آثار امتهانه للموتى والمقابر وللحجب والتمائم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهل كان السلف يستعينون على حفظ القرآن بهذا؟ أو هل أثر عن أحد من الخلفاء الراشدين قراءة القرآن على المقابر؟ ولكن هي السنن، حين تتحكم الأهواء، فيلتمس الناس لجعلها دينا أي دليل، ولو كان أوهى من بيت العنكبوت. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3287>موقفه من المشركين:</span>\nله هوامش على 'فتح المجيد':\n- قال ﵀ عقب قول الشارح: \" .. فإنهم أحبوهم مع الله وإن كانوا يحبون الله تعالى\": هم في الواقع ما أحبوا الله حقيقة، لأن حب الله لا يكون إلا عن معرفة بالله، بأسمائه وصفاته. ومن أحب الله على الحقيقة لا يمكن أن يتخذ من دونه ندا. وليس معنى (كحب الله) أي كحبهم لله. ولكن معناها والله أعلم: يحبونهم حبا من جنس الحب الذي لا يكون إلا لله. وهو حب العبادة: غاية الحب في غاية الذل والتعظيم. فهذا هو الحب الذي ينشأ عنه الدعاء واللجأ والضراعة وطلب تفريج الكروب ونحوها مما يجرده المؤمنون لله وحده وهم أشد حبا لله. والمشركون يجردونه لأوليائهم أو يشركونهم مع الله، ولا يرجون لله وقارا. (٢)\n- وقال: الظاهر أن المعنى: أنهم يحبون أندادهم من جنس حب الله الذي هو حب التعظيم والذل والخضوع. لأنه ليس كل حب يكون عبادة\n_________\n(١) هامش اقتضاء الصراط (٣٨٠ - ٣٨١ دار الكتب العلمية).\n(٢) فتح المجيد (ص.١٢٣).","vol":"9","page":405},{"text":"حتى يكون فيه تعظيم وخضوع. ولذلك قال: (كحب الله) ولم يقل: كحبهم لله. فهم في الوقت الذي يحبونهم أعظم الحب، يخافونهم أشد الخوف، معتقدين أنهم يخلفون عليهم خيرا مما ينذرونه لهم، ويذبحونه لهم من طيب مالهم، ويرجون منهم المساعدة والمعونة على كشف الضر ودفع البأساء، ويحذرون انتقامهم بحرق زرعهم وإهلاك أولادهم وأنفسهم، ويروون عن سدنتهم روايات مكذوبة في تأييد دعاويهم تهويلا عليهم وتمكينا للضلال والشرك من أنفسهم. فهم لا يرجون لله وقارا كما يرجون لهم، ولا يخشون الله كما يخشونهم. فتجود أنفسهم بسخاء في سبيل التقرب إلى أولئك الموتى من أوليائهم بما لا تجود بعشره في سبيل الله برا للوالدين أو صلة للأرحام، أو إطعاما لجار بائس، أو مسكين من أهل قريته؛ هذا شأن عباد القبور والموتى اليوم. دقق في أحوالهم وطبقها على آيات المشركين في القرآن تجدهم زادوا على مشركي الجاهلية الأولى. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nإن من تحقق محبة مشركي زماننا لآلهتهم التي يسمونها بالأولياء يعلم يقينا أنهم يحبونها أكثر من محبتهم لله، ويتصدقون لوجوهها بما لا يقدرون أن يتصدقوا بعشره لوجه الله. (١)\n- وقال: في التِّوَلَة: وإن زعم الذين يصنعونها للنساء أنهم مسلمون ومتدينون، وأن ما يكتبونه من القرآن وأسماء الله، فإنهم يفعلون ذلك تضليلا بالقرآن وإلحادا فيه. لأنهم يكتبونه على طريقة اليهود حروفا مقطعة وبمداد خاص، ويمزجونه بأدعية جاهلية وبخطوط يزعمونها على صورة خاتم سليمان\n_________\n(١) فتح المجيد (ص.١٣٧).","vol":"9","page":406},{"text":"الذي كان فيه سر ملكه، كما يزعم اليهود الذين يعتقدون كفر سليمان، وأنه كان يسخر الجن بالسحر لا بمعجزة من الله. وعلى هذه العقيدة اليهودية الدجالون الذين يكتبون التمائم والتولات، ويزعمون أن للحروف والأسماء خداما يقومون بما يطلب منهم من الأعمال السحرية، ويتخذون أنواعا من البخور والأدوات المخصوصة التي يوحي بها شياطينهم. وكل ذلك من الكفر العظيم. (١)\n- وقال: في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (٢): الظن هنا: ظن المشركين بأوليائهم أنها تسمع الدعاء وتجيب، فإنهم ليس لهم علم بذلك لا من طريق حواسهم، ولا من خبر صادق، وإنما هو مما يشيعه السدنة ترويجا لتجارتهم الخاسرة. ويزيد الجاهلين تعلقا بأوليائهم من دون الله ما تهوى أنفسهم من قضاء حاجاتهم بغير الأسباب الكونية فهم يعظمون أولئك الموتى لهوى أنفسهم وقضاء وطرهم لا حبا في الإيمان والمؤمنين. ولذلك تراهم يتنقلون من ميت إلى آخر إذا لم يجدوا مسألتهم قضيت عند الأول. وهكذا ترى السدنة إذا انتقلوا من وظيفة عند هذا الولي الذي كان في نظرهم كبيرا أصبح الولي الذي انتقلوا عند قبره أعظم بركة وأكثر كرامات. والله يقول: إن هؤلاء جميعا لا يتبعون إلا هوى أنفسهم وهم كاذبون أعظم الكذب في دعواهم حب الأولياء والصالحين. (٣)\n_________\n(١) فتح المجيد (ص.١٥٤).\n(٢) النجم الآية (٢٣).\n(٣) فتح المجيد (ص.١٦٢ - ١٦٣).","vol":"9","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3288>عبد الرحمن الكمالي (١٣٧٩ ه</span>ـ)\nعبد الرحمن بن أحمد بن يحيى الكمالي الأنصاري، ولد سنة تسع وتسعين ومائتين وألف لسبع خلون من محرم الحرام. وتعلم ببلاده بجزيرة القسم \"الجَسَم\" بقرية كاروان بجنوب فارس، ثم رحل إلى \"لنجة\" فدرس على الشيخ عبد الرحمن بن يوسف، ثم رحل إلى مكة ومكث بها عشر سنين؛ فدرس هناك على الشيخ أبي شعيب الدكالي المغربي علوم الحديث والتفسير والتوحيد، ولازمه مدة طويلة. وكان الشيخ أبو شعيب هو السبب في تحول الشيخ عبد الرحمن الكمالي إلى المنهج السلفي، لذا قال فيه (١):\nوفي الغرب من أتباع مالك الإمام ... قوم لهم ذخر حديث محمد\nهنالك شيخي المغربي شعيب الـ ... ـذي كابن عبد البر في نصر مسند\n\nودرس أيضا على مشايخ الحرم علوم العربية والفقه وغير ذلك.\nرجع إلى بلده ودرس فيها العقيدة السلفية في المدرسة الكمالية المشهورة بالعلم، وقضى عمره في مواجهة المناوئين فكانت له معارك كلامية معهم يذب فيها عن منهج السلف في العقيدة، وابتلي جَرَّاء ذلك أثابه الله وأحسن إليه.\nله منظومة 'شهود الحق' أبرز فيها المنهج السلفي في العقيدة، شرحها محمد رشاد محمد صالح (إسماعيل زادة) وقام بطبعها، وقدم لها الشيخ أحمد بن حجر رئيس قضاة المحكمة الشرعية بقطر، فأثنى عليها وعلى صاحبها،\n_________\n(١) منظومة 'شهود الحق' (ص.٢٧٨).","vol":"9","page":408},{"text":"وللمترجم قصائد أخرى في نصرة العقيدة السلفية منها: قصيدة في أسماء الله وشروطها وغيرها.\nتوفي ﵀ يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة في مسجد كاروان في جزيرة \"الجسم\" ببلده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3289>موقفه من المشركين:</span>\n- قال في منظومته 'شهود الحق':\nولا تعتد لا تدع معه خليقة ... ولو ملكا ذا قرب أو بشيرا هدي\nطغى بعض أصحاب النجوم بدعوة الـ ... ـكواكب والخدام بعدا لمعتد\nفإن الدعاء والقرابين والسجو ... د والصوم والتسبيح لله فاعبد\nقريب لمن يدنو إليه بلطفه ... مجيب لمن يدعو فلا تتبعد\n\n- وقال في قصيدة 'أسماء الله الحسنى وشروطها' (١):\nولا تعبدن الخلق بل كن موحدا ... لمن كان قبل الخلق ربا وسيدا\n\n- وقال أيضا (٢):\nبإخلاصك التوحيد نل قصرك المشيد ... في جنة سقف لها العرش فافرش\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3290>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ﵀ (٣):\nوآل رسول الله بالصدق وَالِهم ... على السنة البيضا لجدهم اهتد\n_________\n(١) (ص.٢٩٦).\n(٢) (ص.٢٩٧).\n(٣) منظومة 'شهود الحق' (ص.٢٧٦ - ٢٧٧).","vol":"9","page":409},{"text":"ولا تك خبا رافضيا بزعمه ... محبتهم في سب صحب محمدي\nوقذف الطهور أم من آمنوا رضا ... وتخوين جبريل الأمين الممجد\nوتنزيهما في بضع عشرة آية ... أمانتهم جاءت بآيات اشهد\nفذو الرفض كالجهمي يخفي شواهد الـ ... ـعلو وفي الوحيين ألف لمهتد\nقم اتبع وحب الصحب فالتابعون في ... رضا الله موصولون معهم إلى غد\nهم أولياء الله مع تابعيهم ... طريق الهدى معهم شريعة أحمد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3291>موقفه من الجهمية:</span>\nقال الشيخ أحمد بن حجر في مقدمته لمنظومة 'شهود الحق' (١): ولم يكتف الشيخ عبد الرحمن بكونه أصبح سلفيا متقيدا بعقيدته في الكتاب والسنة وفي أعماله، بل أصبح مناظرا ومجاهدا وسيفا مسلولا على المؤولة.\n- قال ﵀ (٢):\nسألنا علي الذات والوصف جمعنا ... بمجمع أسعاد بأرفع مسعد\nودفعا لأشرار الفلاسفة البغاة ... في طغيهم عما أتى من محمد\nورفعا لوسواس لهم قد أتوا به ... إلينا بأوهام الكلام المبعد\nومنعا لطرق الشك في قلب واحد ... من الجمع، جمع الشمل شمل التسعد\nورجعا لمن في مهمه الوهم تاه من ... تسفسط قول الفلسفي المعربد\nإله الورى لا داخل العالمين بل ... ولا خارجا عنها فما الفوق فاجحد\nنصوصا أتت فيه وإن جلت إذ قضت ... لحشوية أرذال أمة أحمد\n_________\n(١) (ص.٧ - ٨).\n(٢) منظومة 'شهود الحق' (ص.١٠٦ - ١١٢).","vol":"9","page":410},{"text":"يقولون مولانا عن الخلق بائن ... بفوقية جاءت نصوص فنقتدي\nوإن أمكن التأويل أول وقل لهم ... بفوقية القدر اصرفنها وقيد\nكقولك إن السيف فوق الجريد أو ... كما قيل الياقوت فوق الزبرجد\nولا تطلقن اسم العلي ودافعن ... نصوصا وأخرى اطعن وأول وبعد\nوإن كثرت منها السهام ولم تجد ... مجالا لتأويل فلا تتشرد\nوقل عقلنا قد عارض النقل فلنقد ... م العقل إذ منه إلى النقل نهتدي\nفذلك أصل وهو أولى تقدما ... عن الفرع واستمسك بذا وتجلد\nأقول إذا فليصنعوا ما بدا لهم ... فبالوحي ما استهدوا ولا بمحمد\nوكم لهم من حيلة حولوا بها ... قلوبا عن استقبال سنة أحمد\nإن العقل بالإيمان بالوحي مجدوا ... ولم يمرقوا فالوحي أصل الممجد\nولكن عقل المثبتين هو الذي ... يوافقه لا عقل أهل التجحد\nيقولون ما لا في كتاب وسنة ... بلى سنة اليونان أكيد حسد\n\n- وقال أيضا (١):\nأيا حيلة اليونان في درك سمك المد ... سم قد ألهمت إلهام من هدي\nويا حيلة اليونان في رد كيدك الموكـ ... ـد قد برهنت برهان مهتد\nويا حيلة اليونان ربي ناصري ... عليك فإني من جيوش محمد\nويا حيلة اليونان حولي فدرعي القر ... آن وسيفي سيف جدي أحمد\nمعوذتاه حلتا عقدا عقد ... ت من سحر تخييل بغير توجد\n_________\n(١) منظومة 'شهود الحق' (ص.١٢٤ - ١٢٧).","vol":"9","page":411},{"text":"فكم صدت أقواما بسحر خيالك المحا ... ل بدعوى نفي تشبيه ابتدي\nيخيل للأقوام أنك تجحدين ... تشبيهه حتى ظفرت بمقصد\nوما تم ذاك النفي إلا بنفيه ... تعالى، فهذا منتهى قصدك الردي\nبقصدك رأسا بان أنك تعلمـ ... ـين حربا ويكفي الرأس عن رجل أو يد\nبلغت مناك من أناس كثيرة ... فلا تقريبنا يا بغي بل ابعدي\nتريدين قطعا للطريق إصالة ... لأنك قطعا من أصول التمرد\nوأبلس إبليس اللعين برأيه ... كمثلك قطعا بعد طول التعبد\n\n- وقال أيضا (١):\nكفانا بحمد الله ليس كمثله ... بذات وأوصاف ولم نتجحد\nكما أنه بالذات ليس كمثله ... كذا في صفات الذات لم نتردد\nوبالحي والقيوم نعلم أنه ... بأحمد أوصاف الكمال وأمجد\nفكيف وقد جاءت بقرآن ربنا ... وسنة هادينا، أبالجحد نرتدي؟\nوأسماءه الحسنى قبلنا جميعها ... بمدلولها عكس الجحود المبعد\nتفرقتم عن جمع جمع صفاته ... مع الذات واستجمعتم آراء مفسد\nفناف لذات الله ناف صفاته ... لزوما ولم يهدأ بروغ ويهتد\n\n- وقال (٢):\nوما يهتدى إلا بهدي محمد ... وما مدعي هدي عداه بمرشد\nأكنت بمعراج النبي إلى العلي ... الأعلى على أعلى العلا في تردد\n_________\n(١) منظومة 'شهود الحق' (ص.١٣٤ - ١٣٦).\n(٢) منظومة 'شهود الحق' (ص.١٥٣ - ١٥٤).","vol":"9","page":412},{"text":"عروجا حقيقيا بغير تأول ... أم أول جهمي به كنت تقتدي\nكذلك الأملاك إليه عروجهم ... يخافونه من فوقهم مع تعبد\nوتنفيه عن فوق فليس بسافل ... فلم تتشهد مع يقين وتعبد\nوعما وراكون فليس بداخل العـ ... ـتخشى الذات يا ذا التردد\nلعلك في وهم بأن العظيم في ... قلبيك ذاتا كالحلولي يا ردي\nأو الذات في الأكوان مزجا ... أو احتشت ولم تمتزج حشوي أهون معتد\nأو الرب والمربوب لم يتباينا ... هما واحد كالاتحادي نعتدي\nفلم تخل من بعض أو أنت معطل ... جحود كلا أدرية بالتأكيد\nجزاك عمود النار فوق الجحود، ذق ... جزاء وفاقا للعزيز الممجد\nفكم فرق في تيه لا الله داخلا ... ولا خارجا أبدت فنون التردد\nكما مر ذكر البعض والنهر إن يسد ... مجراه يهدم حوله من مشيد\nفنون أهالي التيه صارت جنون من ... يتيه بدعوى كل فن مفند\nوأما قلوب الناس في حال فطرة ... الإله عليها قبل نحو التهود\nفنحو العلا مجبولة في رجوعها ... إلى الله هذي فطرة اله فاشهد\nوعامة إسلام تقر بفوقه ... بحمد الله كالحديث المؤيد\nفسله السواد الأعظم اليوم أو غدا ... تجد جود مولانا على الناس فاحمد\n\n- وقال (١):\nأيا مسلما سلم لوصف علوه ... تسلم تسليما به المرء يهتدي\n_________\n(١) منظومة 'شهود الحق' (ص.٢٦٩ - ٢٧٠).","vol":"9","page":413},{"text":"ويا مؤمنا أيقن بنعت علوه ... هديت إذ الإيقان ضد التردد\nوأدرى عباد الله بالله عبده ... الرسول وبالوحي بغير تردد\nتواترت عنه في العلو دلائل ... بقول وفعل أعجزت ذا التجحد\nوكان رسول الله يدعوه بالعلي ... الأعلى إذا ما اهتم بالقصد الأوكد\nكذاك إذا ما اهتم يدعوه رافعا ... يديه فتبدو الإبط للشاهد الهدي\nوجد برفع الوجه والعين واليد ... فزال الردا عن قده بالتجهد\nببدر بدا كالبدر بل هو أبين ... كذا الرفع في الحج وبعد الوضو أشهد\nفقال لنا الجهمي ذا الرفع للسماء ... لا للعلي الواحد المتفرد\nفهل لك يا جهمي نص بصرف ذا ... عن الله هل بالصرف للخلق تهتدي\n\n- وقال (١):\nهم سلفيَّ إياك إياك أن ترى ... تخالفهم، خف من شقاء مؤبد\nهم الأهل، لا أصحاب شر زمخشر ... وأضرابه من حائر متردد\nترددهم في ذات ربي ووصفه ... وأسمائه من اعتزال مبعد\n\nمحمد سلطان المعصومي (٢) (١٣٨٠ هـ)\nأبو عبد الكريم محمد سلطان بن أبي عبد الله محمد أورون المعصومي الخجندي، نسبة إلى جده الأعلى محمد المعصوم. ولد في بلدة خجندة من بلاد ما وراء النهر سنة سبع وتسعين ومائتين وألف. سافر إلى الحجاز ثم إلى\n_________\n(١) منظومة 'شهود الحق' (ص.٢٢٧ - ٢٢٨).\n(٢) مقدمة هدية السلطان (٤ - ١٢).","vol":"9","page":414},{"text":"الشام ثم إلى مصر، آخذا عن علمائها ومشايخها، ثم رجع إلى موطنه، فاشتغل بالتدريس في المدرسة التي أنشأها والده. وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة خرج الشيخ من الصين متوجها إلى مكة المكرمة بسبب محن وقعت له، فاستوطنها، وبقي فيها يدرس ويعلم إلى أن توفاه الله سنة ثمانين وثلاثمائة وألف ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3293>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان هذا الرجل من المجاهدين في سبيل عقيدتهم، وكاد أن يكون ضحية الزحف الأحمر الملعون في روسيا ولكن الله نجاه رغم العواصف التي مرت به ترك لنا تراثا سلفيا جيدا من ذلك:\n'هدية السلطان إلى مسلمي بلاد اليابان' وهي رسالة جيدة جوابا على سؤال: هل المسلم ملزم باتباع مذهب معين من المذاهب الأربعة؟ نجتزئ منها بعض أقواله:\n- قال: أساس دين الإسلام إنما هو العمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، هذا هو دين الإسلام الحق، وأصله وأساسه الكتاب والسنة، فهما المرجع في كل ما تنازع فيه المسلمون. ومن رد التنازع إلى غيرهما فهو غير مؤمن، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١). ولم يقل أحد من الأئمة اتبعوني فيما ذهب إليه، بل قالوا خذوا من حيث أخذنا،\n_________\n(١) النساء الآية (٦٥).","vol":"9","page":415},{"text":"على أن هذه المذاهب أضيف إليها كثير من أفهام القرون المتأخرة، وفيها كثير من الغلط، والمسائل الافتراضية التي لو رآها أحد من الأئمة الذين نسبت إلى مذاهبهم لتبرؤوا منها وممن قالها. وكل واحد ممن يحفظ عنه العلم والدين من أئمة السلف قد تمسك بظاهر الكتاب والسنة، ورغب الناس في التمسك والعمل بهما، كما ثبت عن الإمام أبي حنيفة، وكذا مالك، والشافعي، وأحمد، والسفيانين (١): الثوري وابن عيينة، والحسن البصري، وأبي (٢) يوسف يعقوب القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعبد الرحمن الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والإمام البخاري، ومسلم، وغيرهم رحمهم الله تعالى، وكل واحد منهم يحذر من البدعة في الدين، ومن التقليد لغير المعصوم؛ والمعصوم إنما هو رسول الله - ﷺ -، وأما غيره فأيًا كان فغير معصوم، فيقبل من قوله ما وافق الكتاب والسنة، وينبذ ما خالفهما أيا كان، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: \"كل الناس يؤخذ منه ويؤخذ عليه إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر رسول الله - ﷺ - \".\nوعلى هذا سلك المحققون من الأئمة الأربعة وغيرهم، وكل واحد منهم يحذر من التقليد الجامد، لأن الله تعالى قد ذم في غير موضع من كتابه المقلدين الجامدين، وما كفر غالب من كفر من الأولين والآخرين إلا بالتقليد للأحبار والرهبان، والمشايخ والآباء. وقد ثبت عن الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم رحمهم الله تعالى أنهم قالوا: \"لا يحل لأحد أن يفتي بكلامنا، أو يأخذ بقولنا ما لم يعرف من أين\n_________\n(١) في الأصل: السفيانان.\n(٢) في الأصل: وأبو.","vol":"9","page":416},{"text":"أخذناه\" وصرح كل واحد منهم أنه: \"إذا صح الحديث فهو مذهبي\" وقالوا أيضا: \"إذا قلت قولا فاعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله، فإن وافقهما فاقبلوه، وما خالفهما فردوه، واضربوا بقولي عرض الحائط\" وهذا قول هؤلاء الأئمة الأعلام، أدخلهم الله تعالى دار السلام. ولكن الأسف ألف أسف من المقلدين المتأخرين، والمؤلفين الذين سودوا الدفاتر، وقد ظنهم الناس أنهم علماء مجتهدون معصومون، فهم قد ألزموا الناس تقليد واحد من الأئمة الأربعة ومذاهبهم المعروفة، فبعد الالتزام حظروا الأخذ والعمل بقول غيره كأنهم جعلوه نبيا مطاعا، يا ليتهم يعملون بقول الأئمة أنفسهم، ولكن لا يعرف أكثرهم من قول الإمام المتبوع إلا الاسم، وقد اخترع بعض المتأخرين مسائل، وابتدع مذاهب، ونسبها إلى الإمام، فيظن من يأتي بعده أنها قول الإمام أو مدعيه، والحال أنه مخالف لما قاله الإمام وقرره، وهو بريء مما نسب إليه، كقول كثير من متأخري الحنفية بحرمة الإشارة بالسبابة في تشهد الصلاة، أو أن المراد من يد الله قدرته، أو أنه تعالى في كل مكان بذاته وليس على العرش استوى. وبهذا وأمثاله قد انشقت عصا المسلمين، وتفرقت جماعتهم وجمعيتهم فاتسع الخرق على الراقع، وامتلأت الآفاق بالنفاق والشقاق.\nفبدع بعضهم بعضا، وضللت كل جماعة من يخالفها في أدنى شيء، وحتى كفر بعضهم بعضا، وضرب بعضهم رقاب بعض، وصاروا مثلا لما أخبر به الرسول الصادق الأمين سيدنا محمد - ﷺ -: «ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة»، قيل من هم يا رسول الله؟ قال:","vol":"9","page":417},{"text":"«الذين على ما أنا عليه وأصحابي» (١).\nالمتأخرون غيروا وبدلوا حتى الزموا تقليد واحد فتفرقوا.\nوالله العظيم، إن المسلمين حينما كانوا مسلمين كاملين، وصادقين في إسلامهم، كانوا منصورين وفاتحين البلاد، ورافعين أعلامهم الدين (٢)، كالخلفاء الراشدين والتابعين لهم بإحسان ﵃، ولكن لما غير المسلمون أوامر رب العالمين، جازاهم الله تعالى بتغيير النعمة عليهم، وسلب عنهم الدولة وأزال عنهم الخلافة، كما تشهد به آيات كثيرة. فمن جملة ما غيروا: التمذهب بالمذاهب الخاصة، والتعصب لها ولو بالباطل، وهذه المذاهب أمور مبتدعة حدثت بعد القرون الثلاثة، وهذا لا شك فيه ولا شبهة، وكل بدعة تعتقد دينا وثوابا فهي ضلالة، والسلف الصالحون كانوا يتمسكون بالكتاب والسنة وما دلاّ عليه، وما أجمعت عليه الأمة، وكانوا مسلمين رحمهم الله تعالى، ورضي عنهم وأرضاهم وجعلنا منهم، وحشرنا معهم في زمرتهم؛ ولكن لما شاعت بدعة المذاهب نشأ عنها افتراق الكلمة، وتضليل البعض البعض، حتى أفتوا بعدم جواز اقتداء الحنفي وراء الإمام الشافعي مثلا، وإن تقولوا بأن أهل المذاهب الأربعة هم أهل السنة، ولكن أعمالهم تكذبهم وتعارض قولهم وتبطله، فحدثت من هذه البدع هذه المقامات الأربعة في المسجد الحرام، فتعددت الجماعة، وانتظر كل متمذهب جماعة مذهبه، فبأمثال هذه البدع حصّل إبليس مقصدا من مقاصده، ألا وهو\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٢) كذا بالأصل، ولعل الصواب (رافعين أعلام الدين).","vol":"9","page":418},{"text":"تفريق المسلمين وتشتيت شملهم، فنعوذ بالله من ذلك. (١)\n- وقال: والعجب من هؤلاء المقلدين لهذه المذاهب المبتدعة الشائعة والمتعصبين لها، فإن أحدهم يتبع ما نسب إلى مذهبه مع بعده عن الدليل، ويعتقده كأنه نبي مرسل، وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب، وقد شاهدنا وجربنا أن هؤلاء المقلدين يعتقدون أن إمامهم يمتنع على مثله الخطأ، وأن ما قاله هو الصواب البتة، وأضمر في قلبه أنه لا يترك تقليده وإن ظهر الدليل على خلافه، وهذا هو طبق ما رواه الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) فقلت: يا رسول الله إنهم ما كانوا يعبدونهم، فقال - ﷺ -: «إنهم إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه، فذلك عبادتهم» (٣).اهـ (٤)\n- وقال: اعلم أن معظم الناس خاسرون وأقلهم رابحون، فمن أراد أن ينظر في ربحه وخسره؛ فلينظر وليعرض نفسه على الكتاب والسنة، فإذا وافقهما فهو الرابح، وأما إذا خالفهما فهو الخاسر، فيا حسرة عليه، وقد أخبر الله تعالى بخسارة الخاسرين وربح الرابحين، فأقسم بالعصر إن الإنسان\n_________\n(١) هدية السلطان (٤٠ - ٤٨).\n(٢) التوبة الآية (٣١).\n(٣) الترمذي (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠/ ٣٠٩٥) وقال: \"هذا حديث غريب\". وحسنه الشيخ الألباني ﵀ في غاية المرام (برقم ٦).\n(٤) هدية السلطان (٥٢ - ٥٣).","vol":"9","page":419},{"text":"لفي خسر إلا من جمع أربعة أوصاف، وإذا رأيت إنسانا يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، أو يخبر عن المغيبات، ولكن يخالف الشرع بارتكاب المحرمات بغير سبب محلل، ويترك الواجبات بغير سبب مجوز، فاعلم أنه شيطان نصبه الله تعالى فتنة للجهلة، وليس ذلك بعيدا من الأسباب التي وضعها الله تعالى للضلال، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإن الدجال يحيي ويميت ويمطر السماء فتنة لأهل الضلال، وكذلك من يأكل الحيات ويدخل النيران. (١)\n- وقال: يقال للمقلد على أي شيء كان الناس قبل أن يوجد فلان وفلان الذين قلدتموهم، وجعلتم أقوالهم بمنزلة نصوص الشارع، وليتكم اقتصرتم على ذلك، بل جعلتموها أولى بالاتباع من نصوص الشارع، أفكان الناس قبل وجود هؤلاء على هدى أو ضلالة؟ فلا بد من أن يقروا بأنهم كانوا على هدى، فيقال لهم: فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن والسنة والآثار، وتقديم قول الله تعالى ورسوله - ﷺ - وآثار الصحابة ﵃ على ما يخالفها، والتحاكم إليها دون قول فلان وفلان ورأيه؟ وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى يؤفكون؟ فتدبر. (٢)\n- وله كتاب 'تمييز المحظوظين عن المحرومين في تجريد الدين وتوحيد المرسلين'. قال فيه: واحترز أيها المؤمن عن الصيغ المحدثة المبتدعة، والأحزاب المؤقتة التي فيها المنكرات بل الأكاذيب والكفريات كـ 'دلائل الخيرات'\n_________\n(١) هدية السلطان (٧٧).\n(٢) هدية السلطان (٧٩).","vol":"9","page":420},{"text":"للجزولي، و'صلوات الثناء' للنبهاني؛ فإنها من البدع المنكرة، لا يحل لمن يؤمن بالله وبكتابه ورسالة رسوله محمد - ﷺ - أن يفعل ذلك، أو يعتقد جوازه، فإنه مما لم يأذن به الله ولا رسوله ولا أحد من أئمة المسلمين، فالحذر الحذر. (١)\n- وقال: وقد صدق الله العظيم؛ فإن المسلمين لما كانوا كاملي الإسلام؛ كالخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃ نصرهم الله تعالى على الأعداء، وفتح على أيديهم البلدان الكثيرة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فجزاهم الله تعالى في الدارين خير الجزاء. وأما الخلف؛ الذين خالفوا الله، وخالفوا أمره، وخالفوا رسول الله - ﷺ - وخالفوا سنته، وخالفوا السلف الصالحين، وتركوا العمل بكتاب الله الهادي إلى سعادة الدارين، وجهلوا معانيه، واتخذوا دينهم هزوا ولعبا، واعتمدوا على الخرافات ودجل الدجالين، واعتقدوا أن أرواح الأولياء تعينهم وتمدهم، وأن الأقطاب والأوتاد تتصرف في العالم وتحفظه، فبنوا الأربطة والخانقات، واشتغلوا بالخرافات والخزعبلات، بل الشركيات والبدعيات والضلالات، وساعدهم السلاطين الجهلة، والعلماء الدجاجلة؛ فسلب الله تعالى عنهم الدولة، وسلط عليهم الكفرة الخذلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَن اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ (٢).اهـ (٣)\n_________\n(١) تمييز المحظوظين (٢٥٣).\n(٢) الأنفال الآية (٥٣).\n(٣) تمييز المحظوظين (٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"9","page":421},{"text":"- وقال: الآية الخامسة والثمانون في سورة المجادلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ (١). قد نادى الله تعالى وخاطب عباده المؤمنين؛ مؤدبا إياهم أن لا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين الذين يتناجون بالإثم فيما بينهم، والفسق والعدوان على غيرهم، ومنه معصية الرسول - ﷺ - ومخالفته، ويصرون عليها، ويتواصون بها فيما بينهم؛ كأكثر البخاريين الذين يجاورون الحرمين وهم مصرون على عداوة أهل التوحيد العاملين بكتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، فيعادون الوهابيين، ويعادون السلفيين، ويقولون على طريق التشنيع: إنه وهابي، ويتواصون بذلك بعضهم بعضا، ويتواصون بعضهم بعضا أن لا يحضروا ولا يستمعوا دروس التفسير والحديث والتوحيد. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ وتساررتم فيما بينكم ﴿فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ كما يتناجى الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن على شاكلتهم ومالأهم على ضلالهم من المنافقين والمقلدين الجامدين، بل أنتم أيها المؤمنون\n_________\n(١) المجادلة الآيتان (٩و١٠).","vol":"9","page":422},{"text":"﴿تناجوا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾ فيجازيكم على أعمالكم وأقوالكم وقد أحصاها عليكم.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى﴾؛ أي: المساررة حيث يتوهم المؤمن بها سوءا من تزيين الشيطان وتسويله؛ ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾؛ أي: إنما يزين لهم ذلك ليحزن المؤمنين ويسوؤهم، ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ كما يفعل أكثر المبتدعين في حق السلفيين الموحدين، وما هم بضارين شيئا إلا بإذن الله، فنحن نستعيذ منهم بالله، ونتوكل عليه تعالى، فهو حسبنا ونعم الوكيل. فيا أيها المؤمنون اتقوا ربكم؛ فإنه عليم خبير، وعذابه أليم وشديد، ولا تغتروا بوساوس الشيطان من الجن والإنسان. (١)\n- وقال: ثم اعلم أنه كما اختلفت وكفرت طائفة من بني إسرائيل؛ كذلك اختلفت وكفرت طوائف من هذه الأمة، وغلت في نبيها وآله؛ كالرافضة، والشيعة، وغلاة الصوفية، والحنفية الهندية البريلوية، فادعت أن النبي - ﷺ - يعلم الغيب الآن (٢)، وأن حاله - ﷺ - بعد موته كحاله قبل موته، وهو حي في قبره كحياته الدنيوية، ولهذا ينادونه ويستغيثون به، حتى إنهم حينما\n_________\n(١) تمييز المحظوظين (٢٨٣ - ٢٨٤).\n(٢) النبي - ﷺ - لا يعلم الغيب لا الآن ولا قبل، إلا ما أعلمه الله عزوجل في حياته، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ النمل الآية (٦٥) وقال: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ الجن الآيتان (٢٦و٢٧).","vol":"9","page":423},{"text":"يقرؤون قصة المولد يقومون قياما بغاية التعظيم، ويقولون:\nمرحبا يا مرحبا يا مرحبا ... مرحبا جد الحسين مرحبا\nوإنما يقومون لأنهم يعتقدون أن روحه - ﷺ - قد حضر هناك. وزاد غلو متأخريهم حتى صاروا يعتقدون أن الأولياء كعبد القادر الجيلاني مثلا- يعلمون الغيب، ويتصرفون في الأمور، فلهذا تراهم ينادونهم ويستغيثون بهم وينذرون لهم، فهؤلاء وأمثالهم كفرة مشركون، والعياذ بالله تعالى. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3294>موقفه من المشركين:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'المشاهد المعصومية عند قبر خير البرية في المدينة الطيبة' وهو عبارة عن رسالة صغيرة ذكر فيها ما يتعلق بالقبة ومتى بنيت، وذكر ما دخل المسجد النبوي من تغييرات مخالفة لهدي الرسول - ﷺ -. وأسوق بعض النماذج من كلامه.\nقال ﵀: اعلم أنه إلى عام ٦٧٨هـ لم تكن قبة على الحجرة النبوية التي فيها قبره - ﷺ - وإنما عملها وبناها الملك الظاهر المنصور قلاوون الصالحي في تلك السنة ٦٧٨هـ فعملت تلك القبة. قلت: إنما فعل ذلك لأنه رأى في مصر والشام كنائس النصارى المزخرفة فقلدهم جهلا منه بأمر النبي - ﷺ - وسنته، كما قلدهم الوليد في زخرفة المسجد فتنبه.\nوقال: غيروا توحيد الله بالشرك باعتقاد أن أرواح الأنبياء والأولياء\n_________\n(١) تمييز المحظوظين (٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"9","page":424},{"text":"وخصوصا روح رسول الله - ﷺ - تعلم الغيب وتنفع وتضر. وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله تعالى ما لم يتب منه؛ وبالركوع والسجود وكمال الخضوع إلى قبره الشريف وجعله قبلة في كل يوم مرات، وغيروا الإسلام باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فاستحلوا ما حللوه لهم وإن كان محرما ممنوعا من الله ورسوله كالبناء على القبور وتزيين المساجد وابتداع عبادات وأوراد في أوقات مخصوصة كدلائل الخيرات وقصيدة البردة. وحرموا على أنفسهم ما حلله الله بل فرضه، كتحريمهم العمل بالكتاب والسنة، وتحريمهم الإشارة بالسبابة، وإيجابهم تقليد أحد المذاهب المعينة وإلزامهم أخذ البيعة على يد شيخ من شيوخ الطرق ونحو ذلك من الخرافات والضلالة فتدبر.\nوقال في موضع آخر: فما في مسجد المدينة من النقوش المتنوعة، وطلي الذهب الكثير جدا، وكتابة الأبيات والأشعار الباطلة محفورة على الأسطوانات، وكتابة أسماء النبي - ﷺ - على الجدار القبلي، وفيها ما هو من أسماء الله الخاصة له تعالى كالمهيمن والمحيي، وكتابة أبيات قصيدة البردة تماما على سقوف الأروقة والقبب القبلية، وكتابة أحاديث موضوعة محفورة على الحديد المذهب كحديث: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (١) ونحوها من النقوش التي هي منكرة؛ وإني لا أشك أن رسول الله - ﷺ - لو كان\n_________\n(١) أخرجه أبو داود الطيالسي (٦٥)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٢٤٥) من طريق أبي الجراح العبدي قال: حدثني رجل من آل عمر عن عمر ﵁. وقال: هذا إسناد مجهول. وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص.٨٩): \"هذا الحديث ليس بصحيح لانقطاعه وجهالة إسناده واضطرابه ولأجل اختلاف الرواة في إسناده واضطرابهم فيه\" وانظر الإرواء (٤/ ٣٣٣/١١٢٧).","vol":"9","page":425},{"text":"حيا لأزالها حالا، ولا يدخل هذا المسجد حتى تزال هذه المنكرات فتنبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3295>موقفه من الصوفية:</span>\nقال ﵀: لما غلب الجهل على كثير ممن يدعي الإسلام والتصوف؛ حرفوا هذه المراقبة، وبدلوها بمراقبة الشيخ، وسموها رابطة، فصاروا يراقبون صور شيوخهم، وهؤلاء الشيوخ يأمرونهم بذلك، فوضعوا شيوخهم موضع رب العالمين، فصاروا بذلك مشركين بالشرك الأكبر وهم لا يشعرون، وقد دخلوا في دين الوثنية باسم التصوف وهم لا يعلمون، ولهذا صاروا يتوجهون إلى القبور وإلى أصحاب القبور، ويستمدون منهم ويستغيثون بهم، ويبنون على قبور من يزعمونه صالحا قبة وعمارة عالية، ويزخرفونها، ويتوجهون إليها، وينذرون لها؛ كما هو حالهم المشاهد في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وقد صاروا عباد الأصنام والأوثان وهم لا يفهمون: ولهذا أذلهم الله تعالى في هذه الحياة الدنيا تحت أرجل الكفرة من الإنكليز والطليان والفرنسيين والروس والبلاشفة والأمريكان، ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ (١).\nفيا أيها المسلمون توبوا إلى الله، وارجعوا إلى دراسة كتاب الله وأحاديث رسول الله، واجتهدوا في فهم أوامر الله وخطاباته لكم؛ كي يعفو الله عنكم ويغفر ذنوبكم، فيدفع عنكم البلاء. (٢)\n_________\n(١) طه الآية (١٢٧).\n(٢) تمييز المحظوظين عن المحرومين (ص.٢٤٣ - ٢٤٤).","vol":"9","page":426},{"text":"محمد بن علي بن محمد بن تركي (١) (١٣٨٠ هـ)\nالشيخ محمد بن علي بن محمد بن منصور بن تركي، ولد في بلدة عنيزة عام ألف وثلاثمائة وواحد للهجرة. سافر إلى مكة والهند والعراق ومصر وفلسطين وسوريا ولبنان وغيرها. استفاد كثيرا من الشيخ عبد الرحمن آل سعدي، ومن الشيخ شعيب الدكالي المغربي، والشيخ عبد الرحمن الدهان، وغيرهم. أخذ عنه كثيرون منهم عبد الله بن مطلق الفهيد وعبد العزيز الصالح البسام وغيرهما.\nولي قضاء المدينة النبوية، ثم مساعدا لرئيس القضاة في مكة، ثم أعفي منها، كما عين مدرسا في مدرسة العلوم الشرعية في المدينة.\nتوفي ﵀ على إثر مرض أصابه وذلك سنة ثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة في المدينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3297>موقفه من المشركين:</span>\nله رد على عبد القادر الإسكندراني، اشترك فيه هو والشيخ بهجة البيطار. (٢)\nوقد أثنى على ردهما الملك عبد العزيز آل فيصل في رسالة وجهها إليهما، مما جاء فيها: \"وعرضناه على مشايخ المسلمين، فاستحسنوه وأجازوه، فالحمد لله الذي جعل لأهل الحق بقية، وعصابة تذب عن دين المسلمين، وتحمي حماه عن زيغ الزائفين، وشبه المارقين والملحدين\". (٣)\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ٣٣٣ - ٣٣٩).\n(٢) علماء نجد (٦/ ٣٣٧).\n(٣) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨).","vol":"9","page":427},{"text":"عبد الحفيظ الفاسي (١) (١٣٨٣ هـ)\nعبد الحفيظ بن محمد الطاهر بن عبد الكبير الفهري، أبو الفضل الفاسي. من نسل عالم الأندلس في وقته أبي بكر محمد بن الجد، ويرجع نسبهم إلى بني فهر بن مالك من قريش. أخذ عن والده وعمه أبي جيده بن عبد الكبير وخاله عبد الكبير الكتاني وعبد الله السنوسي وأبي شعيب الدكالي وعبد الرحمن المرادي وعبد الله الأمراني ومحمد بن جعفر الكتاني وغيرهم.\nوأجازه جماعة منهم أحمد بن سودة وعبد الله السنوسي وماء العين وغيرهم.\nقضى زهاء عشرة أعوام في القضاء الشرعي في عدة مدن منها الصويرة وسطات، ثم كان من أعضاء المحكمة الجنائية العليا.\nله من المؤلفات:\n١ - 'رياض الجنة في تراجم من لقيت أو كاتبني من الجلة' أو 'المدهش المطرب بأخبار من لقيت أو كاتبني بالمشرق أو المغرب'.\n٢ - 'الآيات البينات في شرح وتخريج الأحاديث المسلسلات'.\n٣ - رسالة 'الداء والدواء'.\n٤ - 'الإسعاد لمراعاة الإسناد'.\n٥ - 'التاج فيمن اسمه محمد من ملوك الإسلام'.\n٦ - 'خبايا الزوايا' في أربع مجلدات.\n_________\n(١) الأعلام للزركلي (٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠) وشجرة النور الزكية (١/ ٤٣٤) والتأليف ونهضته لعبد الله الجراري (ص.٣٣١) وسل النصال لعبد القادر بن سودة (ص.١٩٠).","vol":"9","page":428},{"text":"٧ - 'الإنصاف في العمل بالتلغراف'.\n٨ - 'إتقان الصنعة في الرد على مقسمي البدعة'.\n٩ - وله رسالة في الرد على الطائفة المعروفة بهداوة.\n١٠ - 'أربع رسائل في إبطال المهدوية' وغيرها.\nقال الزركلي: وانقطع عن العمل يوم استقل المغرب، فعكف على كتبه وأوراقه في منزله بالرباط إلى أن توفي وذلك سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وألف.\nقلت: وكان ذلك لأربع وعشرين خلون من رمضان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3299>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀ في يوسف بن إسماعيل النبهاني: المترجم ممن رزق الإعانة على التأليف كما رزق التيسير في طبعها وقبولها فلا ينشر منها كتاب إلا وتهافت الناس على شرائه في مشارق الأرض ومغاربها، وهي وإن كانت له فيها حسنات فهي لا تقابل ما له فيها من السيئات، وذلك لما خلط بها من الخرافات ونسبة المقامات العظيمة لمن لا قدم له فيها من الطغام، وادعاء الكرامات حتى لمن عرفوا بعدم التمسك بالتقوى، ولا مستند له فيها إلا مجرد التقول والدعوى، أو نقل فلان عن علان، ولو كان هيان بن بيان، أو الاغترار بظواهر الأحوال، وعدم البحث عن حقائق الرجال، وبعكس ذلك عمد إلى علماء الإسلام الذين خدموا السنة والدين خدمة لم يشاركهم فيها غيرهم في عصرهم بشهادة الموافق والمخالف لهم كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فحمل عليهما حملة شعواء في كتابه شواهد الحق في","vol":"9","page":429},{"text":"الاستغاثة بسيد الخلق. (١)\n- وقال عن تآليفه أيضا: فقد ملأها النبهاني بتأييد البدع ورصعها بخرافات وأوهام دنس بها صحيفته ووجه الدين الإسلامي النقي الطاهر، وأبقاها حجة ووسيلة يتذرع ويحتج بها الطاعنون في الإسلام والثالبون لتعاليمه الصحيحة الحقة .. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3300>موقفه من الصوفية:</span>\nقال في سياق الترهيب من الكذب على رسول الله - ﷺ - في شرحه لحديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٣) رادا على الطائفة التجانية: ومن ذلك افتراء بعضهم كون النبي - ﷺ - وعلى آله خص أصحابه بمزايا دون سائر الأمة، وجعل لصلواتهم وأورادهم فضائل تقوم مقام العبادات في السنين العديدة، وتكفر ما ضيعوا من الصلوات، وتغفر من غير توبة ما اجترموا من المعاصي والسيئات، وأمثال هذا مما يضللون به الجهال الذين لا يعرفون حقيقة الإسلام وشرائعه تشويقا لهم وترغيبا للدخول في طريقتهم؛ لأن النفوس متشوفة إلى نيل الأجور الكثيرة على الأعمال الصغيرة، وميالة إلى ترك الشاق من الطاعات والتهاون بالمحرمات والعياذ بالله. ولا شك أن مدعي هذا داخل في الوعيد المذكور في حديثنا المتكلم عليه لما في تلك البشائر والخصائص من الكذب على رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) رياض الجنة (٢/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(٢) رياض الجنة (٢/ ١٦٤).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف ابن قتيبة سنة (٢٧٦هـ).","vol":"9","page":430},{"text":"وعلى آله بدليل ما فيها من مخالفة قواعد الدين، وتشريع عبادات لم يشرعها، وإبطال فرائض قد أوجبها، مع أن باب التشريع قد انسد لموته - ﷺ - وعلى آله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3301>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال في شرحه للحديث المسلسل بالأولية: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٢): وقوله: «يرحمكم من في السماء» نقل في المنح البادية عن الخطيب أبي علي أن المراد به الله تعالى، والمعنى بذلك الإشارة إلى أن الله فوق من طريق الصفات لا من طريق الجهة؛ فإنها مستحيلة على الله تعالى، وقيل معناه من في السماء أمره وملكه، واختصت السماء بالذكر وإن كان أمره وملكه أيضا في الأرض تنبيها على عظمها في النفوس وأن الذي يتصرف فيها أمره وفيها سلطانه هو الذي له الأمر والملك في الأرض حقيقة سبحانه لا إله إلا هو، ويمكن أن يراد بمن في السماء أهل السماء كما جاء كذلك في رواية أخرى انتهى. ومثله قول الشيخ علي الخواص: يعني الملائكة يرحمون من رحم أهل البلايا وتجاوز عنهم في الدنيا باستغفارهم له في السماء وهو قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ انتهى.\nقلت: الأول يتمشى على مذهب أهل الحديث والأثر في آيات وأحاديث الصفات؛ فإنهم يتركونها على ظاهرها ويؤمنون بها كما جاءت من غير تأويل مع اعتقاد التنزيه، وما بعده يتمشى على مذهب المؤولة من المتكلمين من سائر الفرق؛\n_________\n(١) الآيات البينات (ص.٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٢) سيأتي تخريجه في مواقف الشيخ الألباني ﵀ سنة (١٤٢٠هـ).","vol":"9","page":431},{"text":"فإنهم يحملونها على ما عرف من المجازات، والمذهب الأول وهو مذهب أهل الحديث هو الذي كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه والأئمة المجتهدون بعده ولا يلزم من إثبات صفة العلو والفوقية لله تعالى على مذهب أهل الحديث القول بالجهة المستلزمة للحد والجسمية؛ فإن أهل الحديث يفرون من ذلك وينزهون الباري ﷻ عن الجهة والجسمية وعن مشابهته تعالى للحوادث، وإن ألزمهم المؤولة ذلك يلزم من قبلهم من باب أولى وأحرى؛ لأن مستند أهل الحديث هو ما يروى عن النبي - ﷺ - وعن أصحابه الذين لم يكن يخطر ببالهم عند ذكر تلك الصفات تشبيه أو تشكيك؛ بل كانوا يعلمون أن الحق سبحانه لم يكن مشابها للمخلوقات كما في القرآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، فكذلك صفاته لا تماثل ولا تشابه صفات المخلوقات، فكانوا يؤمنون بها كما وردت، لأن الله تعالى وصف بها نفسه وهي لائقة بذاته القديمة الكريمة، ولم ينقل عن النبي - ﷺ - أو عن أحد من أصحابه أنهم أولوا أو أخرجوا تلك النصوص عن ظواهرها، بل ثبت أن النبي - ﷺ - قال للجارية السوداء: «أين الله؟» فأشارت بأصبعها إلى السماء، فقال: «إنها مؤمنة» (٢).\nفهل يقدر أحد ينتمي إلى الإسلام أن يقول إنها مجسمة، أو تعتقد الجهة لما يلزم عليه من كون النبي - ﷺ - أقرها على معتقدها الباطل؟ ومعاذ الله أن يقع ذلك؛ لأنه - ﷺ - ما بعث إلا لتقديس الله تعالى وتوحيده، فشيء أقره -\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) أحمد (٥/ ٤٤٧) ومسلم (١/ ٣٨١ - ٣٨٢/ ٥٣٧) وأبو داود (١/ ٥٧٠ - ٥٧١/ ٩٣٠) والنسائي (٣/ ١٩ - ٢٢/ ١٢١٧) من حديث معاوية بن الحكم.","vol":"9","page":432},{"text":"ﷺ - وشهد لصاحبه بالإيمان كيف يسوغ لنا أن ننكر على من يقول به؟ ونقول: إنه يعتقد الجهة والجسمية، بل نعتقد أنه هو المذهب الحق، وندين الله به، ولا نتحول عنه.\nوقد أطلق غير واحد من الأئمة ممن حكى إجماع السلف -منهم الخطابي- أن أحاديث الصفات تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان في رسالته المدنية ما نصه: مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل انتهى.\nوقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية -وهو مجدد مذهب الأشعرية-: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مرادها، وتفويض معانيها (١) إلى الله، ثم قال: والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقيدة السلف للدليل القاطع على إن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتما لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرف عصر الصحابة والتابعين عن الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع انتهى.\n_________\n(١) قلت: ليس من مذهب السلف تفويض معاني الصفات؛ فهذا مذهب المفوضة. أما التفويض الذي ذهب إليه السلف فهو تفويض الحقيقة والكيفية لا تفويض المعاني.","vol":"9","page":433},{"text":"فليسعنا ما وسعهم؛ فإنهم هداتنا وقدوتنا، وقد رضيناهم حجة بيننا وبين الله تعالى، وقلدناهم فيما دون هذا وهو الفروع الفقهية العملية فكيف لا نقلدهم في معتقدنا هذا. وقد رأيت للعلامة السفاريني في شرح عقيدته كلاما نفيسا في صفة الفوقية والعلو للعلي الأعلى التي يقول بها أهل الحديث، ومنه يتبين تنزيههم عن القول بالجهة والتجسيم، فلنسقه هنا تتميما للفائدة وشرحا لمعتقدهم الطاهر .. (١)\n- وقال ﵀: ذكر أهل التاريخ أن أهل المغرب كانوا في الأصول والمعتقدات بعد أن طهرهم الله تعالى من نزغة الخارجية أولا والرافضية ثانيا على مذهب أهل السنة، مقلدين للصحابة ومن اقتفى أثرهم من السلف الصالح وأهل القرون الثلاثة الفاضلة؛ في الإيمان بالمتشابه وعدم التعرض له بالتأويل، مع اعتقاد التنزيه، كما جرى عليه الإمام ابن أبي زيد القيرواني في عقيدته، واستمر الحال على ذلك إلى أن ظهر محمد بن تومرت الملقب نفسه بالإمام المعصوم أو مهدي الموحدين، وذلك في صدر المائة السادسة، فرحل إلى المشرق، وأخذ عن علمائه مذهب المتأخرين من أصحاب الإمام أبي الحسن الأشعري من الجزم بعقيدة السلف مع تأويل المتشابه من كلام الله تعالى وكلام رسوله - ﷺ -، وتخريجه على ما عرف في كلام العرب من فنون مجازاتها وضروب بلاغتها، ومزج ذلك بما كان ينتحله من عقائد الخوارج والشيعة والفلاسفة، حسبما يعلم ذلك أولا بمعرفة كتب الإمام أبي الحسن\n_________\n(١) الآيات البينات (ص.١٩ - ٢٢).","vol":"9","page":434},{"text":"الأشعري كالإبانة في أصول الديانة وغيرها التي ينصر فيها مذهب السلف، وبمعرفة كتب الجهابذة من أتباعه الذين اقتدوا به في ذلك كإمام الحرمين، وثانيا بإمعان النظر في أقوال وأفعال وأحوال ابن تومرت وخلفائه من بعده، ثم عاد ابن تومرت إلى المغرب بهذه العقيدة المختلطة المدلسة الفاسدة، وألف فيها التآليف العديدة هو وأتباعه، ودعا الناس إلى سلوكها، وجزم بتضليل من خالفها؛ بل وتكفيره. وسمى أصحابه بالموحدين تعريضا بأن من خالف عقيدته ليس بموحد؛ بل مجسم مشرك، وجعل ذلك ذريعة إلى الانتزاء على ملك المغرب حسبما هو معلوم، فقاتل على عقيدته، واستباح هو وخلفاؤه لأجلها دماء مئات الآلاف من الناس وأموالهم حتى تمكنت من عقول الناس بالسيف، ونبذوا ما كان عليه سلفهم الأول، وأقبلوا كافة على تعاطي هذا المذهب، وقام العلماء بتقريره وتحريره درسا وتأليفا، والناس على دين ملوكهم. (١)\n- وقال معلقا ومستدركا على كلامه السابق: وفاتنا أن نبين هناك أن الإمام أبا عبد الله محمد بن أحمد المسناوي الدلائي ثم الفاسي من علماء القرن الحادي عشر والثاني قام بنصرة مذهب السلف وألف كتابه 'جهد المقل القاصر في نصرة الشيخ عبد القادر' لطعن الناس في عقيدته الحنبلية، وتتبع ما قيل فيه وفي شيخ الإسلام ابن تيمية، ونصرهما بما يعلم بالوقوف على تأليفه المذكور. ولما جلس على عرش مملكة المغرب السلطان المعظم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إسماعيل العلوي قام في أوائل القرن الثالث\n_________\n(١) الآيات البينات (ص.٢٤ - ٢٥).","vol":"9","page":435},{"text":"عشر بنصرة هذا المذهب، وصرح في أول كتابه 'الفتوحات الكبرى' بكونه مالكي المذهب حنبلي العقيدة، وافتتح كتابه بعقيدة الرسالة لكونها على مذهب السلف، وعقد في آخره بابا بين فيه وجه كونه حنبلي العقيدة ونصره، ولم يزل معلنا بذلك في مؤلفاته ورسائله ومجالسه العلمية. وقد نقل عنه أبو القاسم الزياني أنه كان يطعن في الرحالة ابن بطوطة ويلمزه في عقيدته، ويكذبه فيما ذكر في رحلته من أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقرر يوما حديث النزول فنزل عن كرسيه وقال: كنزولي هذا، ويبرئ ابن تيمية من عقيدة التجسيم التي تفيدها هذه القضية، ويقرر أن ابن بطوطة كان يعتقد ذلك، فأراد أن يظهره بنسبته إلى ابن تيمية.\nولما أفضت الخلافة إلى ولده أبي الربيع سليمان نهج منهجه في ذلك، واتصلت المكاتبة بينه وبين الأمير سعود ناصر المذهب الوهابي الحنبلي حين افتتح الحجاز وطهره مما كان فيه من البدع، وأرسل وفدا مؤلفا من أولاده وبعض علماء حضرته، ووجه له قصيدة من إنشاء شاعرحضرته العلامة المحدث الصوفي الأديب أبي الفيض حمدون بن الحاج مجيبا له عن كتابه ومادحا له ولمذهبهم السني السلفي. (١)\n_________\n(١) الآيات البينات (ص.٣٠١). وراجع مواضع أخرى في الرد على الجهمية وأذنابهم من الكتاب نفسه (ص.٦٨ - ٧٤) و(ص.١٧٣ - ١٧٥) و(ص.١٨٣ - ١٨٤).","vol":"9","page":436},{"text":"محمد بن العربي العلوي (١) (١٣٨٤ هـ)\nمحمد بن العربي بن محمد بن محمد العلوي المدغري الحسني، ولد بالقصر الجديد بمدغرة بتافيلالت سنة إحدى وثلاثمائة وألف للهجرة، وقيل سنة خمس.\nحفظ القرآن بالمكتب على والده العربي العلوي وابن عمه الطيب ابن علي العلوي. والتحق بمعهد القرويين سنة ثمان عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة.\nتتلمذ على عبد السلام بن محمد بناني، ومحمد بن محمد بن عبد السلام كنون، وأحمد بن الخياط، والفاطمي الشرادي، وأحمد بن المامون البلغيني، والتهامي كنون، والمهدي الوزاني، وأبي شعيب الدكالي وغيرهم.\nتخرج على يده تلاميذ كثر، منهم: علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني ومحمد المختار السوسي.\nدرّس بالقرويين، كما عين قاضيا بفاس، ثم رئيسا لمجلس الاستئناف الشرعي الأعلى بالرباط، ثم وزيرا للعدل. وكان لا يفتي إلا بالاجتهاد دون التقليد.\nنفاه المستعمر مرتين بسببها، وسبب دروسه المحرضة ضد المستعمر في القرويين.\nوعين وزيرا عضوا في مجلس التاج سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة بعد الاستقلال، وقاضيا شرعيا بالقصر الملكي.\n_________\n(١) 'إتحاف ذوي العلم والرسوخ بتراجم من أخذت عنه من الشيوخ' تأليف محمد بن الفاطمي بن الحاج السلمي. و'سل النصال للنضال' تأليف عبد السلام بن عبد القادر بن سودة.","vol":"9","page":437},{"text":"سمعت شيخنا محمد الأمين الشنقيطي (صاحب الأضواء) يثني عليه ويصفه بقوة الذكاء.\nتوفي ﵀ يوم الخميس الثاني والعشرين من محرم سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3303>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال تلميذه عبد السلام عبد القادر بن سودة في 'سل النصال للنضال' (١): العلامة السلفي، المطلع المشارك النقاد، المدرس النفاعة الوطني، المخلص المكافح بكل ماله وقوته وأفكاره وآرائه الصائبة عن الإسلام وعن وطنه بإخلاص وحسن نيته. كان في أول أمره يومن بالطرق وأهلها ويدافع عنها، بل كان تجاني الطريقة، ولما رجع الشيخ أبو شعيب الدكالي من المشرق بعد ما طلب العلم هناك حاملا الأفكار السلفية الداعية إلى الرجوع للإسلام على حقيقته، اتصل به اتصالا مكينا، وأخذ عنه؛ فأنار فكره، وقوّى عزيمته، وأخرجه من ربقة التقليد الأعمى، فكان صاحب الترجمة أول من أظهره الله للوجود من العلماء السلفيين، وأول من صدع بالحق بعد الشيخ أبي شعيب، فدخل إلى القرويين وصار ينير مشكلها، ويضيء جوانبها بقبس من النور، فما لبث أن التف حوله نخبة من الشباب لا يستهان بهم، وانتشر مذهبه في الأوساط العلمية الراقية، وصار الناس ما بين مؤيد ومخالف، وسرعان ما انتصر الحق على الباطل\n_________\n(١) سل النصال للنضال (ص.١٩٥).","vol":"9","page":438},{"text":"﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ (١). فكانت جل دروسه حاملة سيف الانتصار ضد أهل الطرق الموجودة بالمغرب وأهل الزوايا والمشعوذين الملبسين الحق بالباطل، وحمل ضد زيارة القبور، والتملق إليها، وطلب النفع منها، والالتجاء إليها، كل هذا كان لا يخلو من نقد وشتم ولعن من أصحاب الطرق، فكم نصبوا له من أفخاخ، وكم بارزوه بمكايد حتى إن بعض العلماء أفتوا بكفره وخروجه من ربقة الإسلام، كل هذا لم يؤثر في عزمه؛ لأنه يعرف نفسه أنه على الحق.\nقال محمد زنيبر: وكان يتناول تفسير القرآن بلهجة لا تخلو من صراحة وحرية فكر، وكل همه أن يحارب الخرافات والشعوذة وكل مظاهر الجمود التي رانت على الفكر المغربي منذ أجيال. (٢)\nقال تلميذه محمد بن الفاطمي السلمي في كتابه 'إتحاف ذوي العلم والرسوخ بتراجم من أخذت عنهم من الشيوخ': .. يتابع دروسه التفسيرية بالقرويين وكانت عبارة عن وعظ وإرشاد وتوجيه إلى السلفية والإصلاح الديني بتحرير الأفكار والعقول من الأوهام والأباطيل والخرافات وباطل الاعتقادات وهو متأثر بشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية في أفكارهما النيرة الإصلاحية. (٣)\n_________\n(١) الإسراء الآية (٨١).\n(٢) 'السلفي المناضل' لمحمد الوديع الآسفي (ص.١٦٩).\n(٣) (ص.٢١٣ - ٢١٤).","vol":"9","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3304>موقفه من المشركين:</span>\n- قال عبد السلام بن سودة (١): ومن المآثر التي تحفظ له ولا تنكر قطع شجرة السدرة الكبرى التي كانت قبالة باب ضريح الشيخ أبي غالب الكائن بحومة صريرة داخل باب الفتوح؛ فإن هذه الشجرة كادت أن تعبد من دون الله، فقد كبرت واتسعت وطال عليها الأمد، وكانت النساء والصبيان وحتى بعض الرجال يقصدونها، ويلتمسون بركاتها، وتعلق فيها بعض الخرق المعقودة، ولا يمكن حلها إلا بعد قضاء الحاجة المتطلبة، وكان ربما أعماهم الشيطان فيصادفون بعض الإجابة؛ فإذا رأيت منظرها اندهشت من كثرة ما يعلق بها من الخرق والتمائم، وأوراق الكتابة والحروز وغير ذلك من الأمور، التي يستغرب منها كشعر النساء، وكان من العادة الجارية أن كل من زارها وعلق بها مطلبه لا بد له من أن يدخل الضريح ويجعل فيه شيئا من المال؛ لأجل أن تقضى حاجته، ومن لا يفعل ذلك لا تقضى له حاجة، فكان ولاة الضريح وهم الشرفاء الطالبيون يعظمونها مع الناس؛ لأجل المادة التي تحصل لهم. وكان يوم قطعها يوما مشهودا بين مستحسن ومخالف، وقال رئيس الفئة المتطرفة وزعيمهم الأكبر: إن ابن العربي صاحب الترجمة سيصاب بشلل من أجل قطع الشجرة التي يتبرك بها الناس، وبعد مدة سلط الله عليه ذلك وبقي ابن\n_________\n(١) سل النصال للنضال (ص.١٩٥ - ١٩٦).","vol":"9","page":440},{"text":"العربي سالما إلى الآن والحمد لله؛ لأنه يدافع عن الحق. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3305>موقفه من الصوفية:</span>\nيتجلى ذلك في المناظرة حول التيجانية بينه وبين الشيخ محمد تقي الدين الهلالي وهذه حكايتها.\n- قال محمد تقي الدين الهلالي (٢) بعد مقدمة بين فيها كرم ضيافة الشيخ محمد بن العربي العلوي له، وأنه لما سمعه وجلساءه يطعنون في الطرق الصوفية غضب وهمَّ بالخروج: ولم تخف حالي على الشيخ فقال لي: أراك منقبضا فما سبب انقباضك؟ فقلت: سببه أنكم انتقلتم من الطعن في الطريقة الكتانية إلى الطعن في الطريقة التجانية، وأنا تجاني لا يجوز لي أن أجلس في مجلس أسمع فيه الطعن في شيخي وطريقته. فقال لي: لا بأس عليك أنا أيضا كنت تجانيا؛ فخرجت من الطريقة التجانية لما ظهر لي بطلانها (٣)، فإن كنت تريد أن تتمسك بهذه الطريقة على جهل وتقليد فلك علي ألا تسمع بعد الآن في مجلسي انتقادا لها أو طعنا فيها، وإن كنت تريد أن تسلك مسلك أهل العلم فهلم إلى المناظرة؛ فإن ظهرت علي رجعت إلى الطريقة، وإن ظهرت عليك خرجت منها، كما فعلت أنا، فأخذتني النخوة، ولم أرض أن أعترف أني أتمسك بها على جهل، فقلت:\n_________\n(١) ذكر ذلك أيضا أحمد بناني في مقال له بمجلة الإيمان العدد ١٠ سنة ١٩٦٤م (ص.١١) بعنوان: (جوانب من شخصية شيخنا ابن العربي العلوي)، ونقله عنه أحمد أزمي في مجلة دعوة الحق العدد ٥ سنة ٢٠٠١م.\n(٢) الهدية الهادية إلى الفرقة التجانية (ص.١٧ - ٢٠).\n(٣) كان ذلك حين مناظرة الشيخ أبي شعيب الدكالي له بمثل ما ناظر به هو محمد تقي الدين الهلالي في هذه المناظرة، ثم قراءته لكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية 'الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان'.","vol":"9","page":441},{"text":"قبلت المناظرة.\nقال الشيخ: أريد أن أناظرك في مسألة واحدة إن ثبتت ثبتت الطريقة كلها، وإن بطلت بطلت الطريقة كلها، قلت: ما هي؟ قال: ادعاء التجاني أنه رأى النبي - ﷺ - يقظة لا مناما وأعطاه هذه الطريقة بما فيها من الفضائل، فإن ثبتت رؤيته للنبي - ﷺ - يقظة وأخذه منه فأنت على حق وأنا على باطل، والرجوع إلى الحق حق، وإن بطل ادعاؤه ذلك فأنا على حق وأنت على باطل، فيجب عليك أن تترك الباطل وتتمسك بالحق. ثم قال: تبدأ أنت أو أبدأ أنا؟ فقلت: ابدأ أنت. فقال: عندي أدلة كل واحد منها كاف في إبطال دعوى التجاني. قلت: هات ما عندك وعلي الجواب.\nفقال: الأول: أن أول خلاف وقع بين الصحابة بعد وفاة النبي - ﷺ - كان بسبب الخلافة، قالت الأنصار للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير. وقال المهاجرون: إن العرب لا تذعن إلا لهذا الحي من قريش (١) ووقع نزاع شديد بين الفريقين حتى شغلهم عن دفن النبي - ﷺ - فبقي ثلاثة أيام بلا دفن صلاة الله وسلامه عليه. فكيف لم يظهر لأصحابه ويفصل النزاع بينهم ويقول: الخليفة فلان، فينتهي النزاع؟ كيف يترك هذا الأمر العظيم؟ لو كان يكلم أحدا يقظة بعد موته لكلم أصحابه وأصلح بينهم وذلك أهم من ظهوره للشيخ التجاني بعد مضي ألف ومائتي سنة، ولماذا ظهر؟ ليقول له: أنت من الآمنين ومن أحبك من الآمنين ومن أخذ وردك يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب هو\n_________\n(١) أحمد (١/ ٥٥ - ٥٦) والبخاري (١٢/ ١٧٤ - ١٧٦/ ٦٨٣٠) ومسلم (٣/ ١٣١٧/١٦٩١) وأبو داود (٤/ ٥٨٢ - ٥٨٣/ ٤٤١٨) والنسائي في الكبرى (٤/ ٢٧٣/٧١٥٦) وابن ماجه (٢/ ٨٥٣/٢٥٥٣) عن ابن عباس","vol":"9","page":442},{"text":"والده وأولاده وأزواجه لا الحفدة. فكيف يترك النبي - ﷺ - الظهور يقظة والكلام لأفضل الناس بعده في أهم الأمور، ويظهر لرجل لا يساويهم في الفضل ولا يقاربهم لأمر غير مهم.\nفقلت له: إن الشيخ ﵁ قد أجاب عن هذا الاعتراض في حياته، فقال: إن النبي - ﷺ - كان يلقي الخاص للخاص والعام للعام في حياته، أما بعد وفاته فقد انقطع إلقاء العام للعام وبقي إلقاء الخاص للخاص لم ينقطع بوفاته، وهذا الذي ألقاه إلى شيخنا من إعطاء الورد والفضائل هو من الخاص للخاص.\nفقال: أنا لا أسلم أن في الشريعة خاصا وعاما، لأن أحكام الشرع خمسة، وهذا الورد وفضائله إن كان من الدين فلا بد أن يدخل في الأحكام الخمسة لأنه عمل أعد الله لعامله ثوابا، فهو إما واجب أو مستحب، ولم ينتقل النبي - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى حتى بين لأمته جميع الواجبات والمستحبات، وفي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب أنه قيل له: هل خصكم رسول الله - ﷺ - معشر أهل البيت بشيء؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما خصنا رسول الله - ﷺ - بشيء إلا فهما يعطاه الرجل في كتاب الله وإلا ما في هذه الصحيفة، ففتحوها فإذا فيها العقل وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر (١). فكيف لا يخص النبي - ﷺ - أهل بيته وخلفاءه بشيء ثم يخص رجلا في آخر الزمان بما يتنافى مع أحكام الكتاب والسنة.\nفقلت: إن الشيخ عالم بالكتاب والسنة وفي جوابه مقنع لمن أراد أن\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ٧٩) والبخاري (١٢/ ٣٠٣/٦٩٠٣) والترمذي (٤/ ١٧/١٤١٢) والنسائي (٨/ ٣٩٢/٤٧٥٨) وابن ماجه (٢/ ٨٨٧/٢٦٥٨).","vol":"9","page":443},{"text":"يقنع.\nقال: احفظ هذا. الأمر الثاني: اختلاف أبي بكر مع فاطمة ﵄ على الميراث، فلا يخفى أن فاطمة طلبت من أبي بكر الصديق ﵁ حقها من ميراث أبيها، واحتجت عليه بأنه إذا مات هو يرثه أبناؤه، فلماذا يمنعها من ميراث أبيها؟ فأجابها أبو بكر الصديق بأن النبي - ﷺ - قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركنا صدقة» (١). وقد حضر ذلك جماعة من الصحابة فبقيت فاطمة الزهراء مغاضبة لأبي بكر حتى ماتت بعد ستة أشهر بعد وفاة أبيها - ﷺ -. فهذان حبيبان لرسول الله - ﷺ - فإنه قال: «فاطمة بضعة مني يسوؤني ما ساءها» (٢) أو كما قال ﵊ وصرح بأن أبا بكر الصديق أحب الناس إليه، وقال: «ما أحد أمن علي في نفس ولا مال من أبي بكر الصديق» (٣) رواه البخاري. وهذه المغاضبة التي وقعت بين أبي بكر وفاطمة، تسوء النبي - ﷺ -، فلو كان يظهر لأحد بعد وفاته لغرض من الأغراض لظهر لأبي بكر الصديق وقال له: إني رجعت عن عما قلته في حياتي فأعطها حقها من الميراث، أو لظهر لفاطمة وقال لها: يا ابنتي لا تغضبي على أبي بكر، فإنه لم يفعل إلا ما أمرته به.\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ٧ - ٨) والبخاري (٦/ ٢٤٢/٣٠٩٢ - ٣٠٩٣) ومسلم (٣/ ١٣٨١ - ١٣٨٢/ ١٧٥٩ [٥٤]) وأبو داود (٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧/ ٢٩٦٩) عن أبي بكر.\n(٢) أحمد (٤/ ٣٢٦) والبخاري (٧/ ١٠٦ - ١٠٧/ ٣٧٢٩) ومسلم (٤/ ١٩٠٢/٢٤٤٩) وأبو داود (٢/ ٥٥٦ - ٥٥٧/ ٢٠٦٩) وابن ماجه (١/ ٦٤٤/١٩٩٩) عن المسور بن مخرمة.\n(٣) أحمد (٣/ ١٨) والبخاري (١/ ٧٣٤/٤٦٦) ومسلم (٤/ ١٨٥٤ - ١٨٥٥/ ٢٣٨٢) والترمذي (٥/ ٥٦٨/٣٦٦٠) والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٥/٨١٠٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"9","page":444},{"text":"فقلت له: ليس عندي من الجواب إلا ما سمعت.\nقال: احفظ هذا. الأمر الثالث: الذي وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهة، وعلي بن أبي طالب من جهة أخرى، واشتد النزاع حتى وقعت حرب الجمل في البصرة، فقتل فيها خلق كثير من الصحابة والتابعين وعقر جمل عائشة، فكيف يهون على النبي - ﷺ - سفك هذه الدماء ووقوع هذا الشر بين المسلمين بل بين أخص الناس به، وهو يستطيع أن يحقن هذه الدماء بكلمة واحدة، وقد أخبر الله ﷾ في آخر سورة التوبة برأفته ورحمته بالمؤمنين وأنه يشق عليه كل ما يصيبهم من العنت وذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ (١).\nفقلت له: ليس عندي من الجواب إلا ما سمعت، وظهوره وكلامه للشيخ التجاني فضل من الله، والله يؤتي فضله من يشاء.\nقال: احفظ هذا وفكر فيه. الأمر الرابع: خلاف علي مع الخوارج، وقد سفكت فيه دماء كثيرة، ولو ظهر النبي - ﷺ - لرئيس الخوارج وأمره بطاعة إمامه لحقنت تلك الدماء.\nفقلت: الجواب هو ما سمعت.\nفقال لي: احفظ هذا وفكر فيه، فإني أرجو أنك بعد التفكير ترجع إلى الحق ... والأمر الخامس: النزاع الذي وقع بين علي ومعاوية، وقد قتل في\n_________\n(١) التوبة الآية (١٢٨)","vol":"9","page":445},{"text":"الحرب التي وقعت بينهما خلق كثير، منهم عمار بن ياسر، فكيف يترك النبي - ﷺ - الظهور لأفضل الناس بعده، وفي ظهوره هذه المصالح المهمة من جمع كلمة المسلمين وإصلاح ذات بينهم وحقن دمائهم، وهو خير المصلحين العاملين بقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (٢) ثم يظهر للشيخ التجاني في آخر الزمان لغرض غير مهم وهو في نفسه غير معقول، لأنه مضاد لنصوص الكتاب والسنة.\nفلم يجد عندي جوابا غير ما تقدم ولكني لم أسلم له.\nفقال لي: فكر في هذه الأدلة وسنتباحث في المجلس الآخر، فعقدنا بعد هذا المجلس سبعة مجالس، كل منها كان يستمر من بعد صلاة المغرب إلى ما بعد العشاء بكثير، وحينئذ أيقنت أنني كنت على ضلال.\n- قال عبد السلام بن سودة (٣): ومن أفعاله المذكورة صرخته الكبرى في وجه الطوائف الضالة مثل الطائفة المنسوبة للشيخ مَحمد -فتحا- بن عيسى والطائفة المنسوبة للشيخ علي بن حمدوش، وغيرهما من الطوائف الذين كانوا يفعلون أفعالا لا يقبلها الشرع؛ مثل الشطح في الأسواق والأزقة على نغمات المزامير والطبول، وأكل اللحم النيئ، وضرب الرؤوس بشواقر، وجعل النار في أفواههم، إلى غير ذلك من الموبقات. فقد سعى بكل جهوده لقطع دابر\n_________\n(١) الأنفال الآية (١).\n(٢) الحجرات الآية (١٠).\n(٣) سل النصال (ص.١٩٦).","vol":"9","page":446},{"text":"ذلك من المغرب، ولم يهمل السعي وراءه حتى صدر الأمر بمنعه من جلالة الملك محمد الخامس، عام أربعة وخمسين وثلاثمائة وألف، وأراح الله من ذلك البلاد والعباد. ومناقبه في هذا الباب لا تعد. وإن شئت قلت بلا مداهنة ولا محاباة إنه هو الرجل الأول الذي غرس البذرة الأولى للسلفية في الشعب.\nوقال الحسن العرائشي: إن حلقات هذا الشيخ كانت تهدف أساسا لمواجهة أدعياء المشيخة وتطهير الدين من الخرافات والخزعبلات التي ألصقها به هؤلاء المشعوذون الذين ربطوا مصيرهم بمصير الاستعمار. (١)\nومنع الفرقة العيساوية بفاس من التوجه إلى ضريح شيخهم بمكناس لإقامة الرقص والشطح الصوفي. (٢)\n\nعبد الرحمن النتيفي (٣) (١٣٨٥ هـ)\nالشيخ الإمام عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم النتيفي الجعفري، ينتهي نسبه إلى محمد الجواد بن علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعلي الزينبي هو ابن زينب بنت فاطمة الزهراء بنت نبينا محمد - ﷺ -. ولد الشيخ عام ثلاث وثلاثمائة وألف للهجرة بقرية المقاديد بقبيلة هنتيفة، وحفظ القرآن في صغره. وفي عام أربع عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة بدأ بقراءة العلم على جمع من الشيوخ منهم: بوشعيب البهلولي. وسافر إلى فاس عام ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة وأخذ عن عدة مشايخ كالفاطمي الشرايبي ومحمد التهامي كنون ومحمد بن جعفر الكتاني وغيرهم. وفارق فاس عام خمس وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة وقصد مراكش معرجا على الدار البيضاء فحضر موقعة تدارت التي تم على إثرها احتلال المدينة. وبعد الوقعة قصد الشيخ خنيفرة عاصمة قبائل زايان بالأطلس المتوسط فأقام بها وأنشأ مدرسة للعلم تخرج على يده جماعات كثيرة من أهل العلم كأخيه قاضي مراكش جعفر محمد النتيفي والفقيه عباس المعداني وغيرهما. حج البيت الحرام عام تسع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة وعاد من رحلته الحجازية عام ثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة. ورجع إلى خنيفرة فمكث فيها لنشر العلم وإحياء الإسلام والسنة في تلك القبائل البربرية الذين كانوا أبعد عن الإسلام بجفاء طبعهم فنفع الله به العباد والبلاد. خرج من خنيفرة بعد احتلال الفرنسيين الكفرة لها وقصد قبائل أيت عمو ودخل فاس عام\n_________\n(١) مجلة دعوة الحق العدد ٥ سنة ٢٠٠١م مقال لأحمد أزمي.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) مختصر ترجمة شيخ الإسلام ﵀ أبي زيد الحاج عبد الرحمن النتيفي الجعفري لابنه الفقيه حسن بن عبد الرحمن النتيفي الجعفري.","vol":"9","page":447},{"text":"ست وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة فمكث فيها سنتين يدرس بالقرويين إلى عام سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة وفي آخر تسع وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة فارق فاس. ودخل المدينة القديمة البيضاء عام إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة واتخذ بها مدرسة. وقصدته أفواج من أنحاء المغرب للقراءة عليه، والإقامة بمنزله وتحت نفقته.\nوأنشأ بالمدينة الجديدة من البيضاء مدرسة سماها (السنة) لتمييز منهاج دروسها وتعليمها. للشيخ ﵀ باع طويل في العلم، أصيب بفقد البصر وكان قوي الذاكرة، ولم يكن متقيدا بمذهب معين بل يدور مع الدليل أين ما دار.","vol":"9","page":448},{"text":"توفي ﵀ عام خمسة وثمانين وثلاثمائة وألف من الهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3307>موقفه من المبتدعة:</span>\n١ - ' حل إبرام النقض في الرد على من طعن بالمحلول أو سنة القبض'. رد فيه على محمد الخضر الذي ألف كتابا في نصر السدل.\n٢ - 'القول الفائز في عدم التهليل وراء الجنائز'.\n٣ - 'السيف المسلول في الرد على من حكم بتضليل من ترك السيادة في صلاة الرسول'.\n٤ - 'الأبحاث البيضاء مع الشيخين عبده ورشيد رضا'. وهو رد على بعض آرائهما.\n٥ - 'كشف النقاب في الرد على من خصص أزواج النبي - ﷺ - بآية الحجاب'.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3308>موقفه من المشركين:</span>\n١ - ' حكم السنة والكتاب في وجوب هدم الزوايا والقباب'.\n٢ - 'إرشاد الحيارى في تحريم زي النصارى'.\n٣ - 'رد طعن الطاعنين في سحر اليهود لسيد المرسلين'.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3309>موقفه من الصوفية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'تنبيه الرجال في نفي القطب والغوث والأبدال'. وهو رد على المتصوفة الذين ينتحلون أسماء لشيوخهم كالقطب والغوث.\n٢ - 'القول الجلي في الرد على من قال بتطور الولي'. رد فيه على","vol":"9","page":449},{"text":"المتصوفة الذين قرروا أن من كرامات الأولياء التطور في أشكال شتى.\n٣ - 'الذكر الملحوظ في نفي رؤية اللوح المحفوظ'. (١)\n٤ - 'الاستفاضة في أن النبي - ﷺ - لا يرى بعد وفاته يقظة'. رد فيه على السيوطي الذي زعم أن الرسول - ﷺ - يرى بعد وفاته يقظة.\n٥ - 'تنبيه الرجال في نفي القطب والغوث والأبدال'. وهو رد على الصوفية الذين أضفوا هذه الألقاب على مشايخهم.\n٦ - 'الذكر الملحوظ في نفي رؤية اللوح المحفوظ'. وهو رد على من زعم أن شيخه كان يرى اللوح المحفوظ.\n٧ - 'القول الجلي في الرد على من قال بتطور الولي'. وقد رد فيه على بعض الفقهاء المتصوفة الذين قرروا بأن من كرامات الأولياء التطور في أشكال شتى.\n٨ - 'الميزان العزيز في البحث مع أهل الديوان المذكور في كتاب الإبريز للشيخ الدباغ عبد العزيز'. رد فيه على الدباغ عبد العزيز في كتابه 'الإبريز' الذي أثبت التصرف للأولياء، وأن لهم ديوانا يجتمعون فيه.\n٩ - 'تحفة الأماني في الرد على أصحاب التجاني'. وقد ضاعت للمؤلف بالأطلس المتوسط.\n١٠ - 'كشف الهمم في أن عهود المشايخ لا تلزم'.\n١١ - 'البراهين العلمية في ما في الصلاة المشيشية'.\n١٢ - 'كتاب الزهرة في الرد على غلو البردة'.\n١٣ - 'الحجج العلمية في رد غلو الهمزية'.\n١٤ - 'أحسن ما تنظر إليه الأبصار وتصغى إليه الأسماع في نقد ما اشتمل عليه ممتع الأسماع في الجزولي وأصحابه والتباع'.\n١٥ - 'الدلائل البينات في البحث في الدلائل الخيرات وشرحه مطالع المسرات'.\nوغيرها كثير بحمد الله، وهذه التي ذكرت إنما هي غيض من فيض.\n_________\n(١) المصدر: مختصر ترجمة شيخ الإسلام أبي زيد عبد الرحمن النتيفي لابنه الحسن بن عبد الرحمن (ص.٢٥و٢٩).","vol":"9","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3310>موقفه من الجهمية:</span>\nله: 'الإرشاد والتبيين في البحث مع شراح المرشد المعين'. رد فيه على شراح المرشد المعين في التوحيد وما قرروه من أن كلام الله ليس بحرف ولا صوت تبعا لمذهب المعتزلة.\nوله كتاب: 'نظر الأكياس في الرد على جهمية البيضاء وفاس'.\n- قال في مطلعه: الحمد لله الذي استوى على عرشه بلا كيف، واتصف بصفات الكمال، وانفرد بها دون سائر خلقه؛ نحمده تعالى ونشكره، ونستعينه ﷾ ونستغفره استغفار خائف من قهره. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ذاته ولا في فعله ووصفه، ونشهد أن نبينا (١) محمدا عبده ورسوله، وخاتم أنبيائه ورسله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى آله وكرام صحبه.\nأما بعد: فإن مما أبرزته الأقدار ونفست به الأيام والأعصار ما دهمنا من الوقائع في هذه الديار من كيد جماعة من الأشرار، ليسوا من الأقوياء الفجار ولا من الأتقياء الأبرار، التي هي واقعة رجب سنة ثلاثة وستين وثلاثمائة وألف هجرة، فقد قام بها بعض من أولئك المشار إليهم هنالك بعد أن أجمعوا أمرهم وأتوا صفا، وقاموا قومة رجل واحد، واختنقوا غيظا وحيفا، وانكشفت صدورهم عما فيها من الضغائن والحقود؛ وحشروا لكيدهم كل مبتدع وحسود، واستغاثوا لنصرتهم بكل معاد للسنة وكائد، دفعا لها، وتصمما عن سمعها، وتسلحوا لذلك بكل دافع ومعاند؛\n_________\n(١) في (ت) سيدنا.","vol":"9","page":451},{"text":"وكانوا مهما سمعوا للسنة أثرا، ومر على آذانهم ذكر من يؤيد لها خبرا، تحلفوا لذلك واجتمعوا وتحيلوا في كيدها وناصرها، وحفظوا في ذلك ووعوا ثم لم يزالوا في هذا الحال، والحال ما حال يتربصون الفرص، ويتجرعون الغصص إلى أن بدت لهم فرصة غصوا بريقهم فيها أزالوا غصتهم فيها بالدعاوى والصياح، والفتنة واللعن والشتم، وغير المباح، وأفعال لو كانت من الصبيان والمجانين لحق لها أن [لا] (١) توضع في مجالس العلم وبيوت أذن الله أن ترفع.\nوذلك أننا ذكرنا مذاهب الناس في استواء الله على عرشه، وأيدنا منه ما أيده الله في كتابه ورسوله في حديثه، وسلف أمته ومحققوا خلفها / بصريح نصه؛ قامت قيامة قيامتهم تلك، وانتظموا لنصر خلاف ما لله ولرسوله وسلف أمته في صف وسلك، ولعنوا وشنعوا وطيروا الخبر إلى كل من بادية المغرب ومدنه. وشكوا إلى أمراء الوقت وقضاته وسلطانه. وآل الأمر بيننا وبينهم إلى إيقاف دروسنا ودروس قبيح جاهل منهم وهو الذي تولى كبر هذه الفتنة نحو أربعين يوما على يد قاضي الوقت. وعقد مجلس للمناظرة على يده أخرص الله فيها ألسنة القوم، وعجزوا عن تأييد مذهبهم إلا بأفكارهم التي ينبذونها عند الدليل ويرجعون إليها ولا بد للتعصب والميل، وكان في خلال هذه الأيام أن رجلا من هؤلاء فاسيا تذكر ذاخرة تركها له أبوه، فيالها من ذخيرة وياله من أب لله دره، وهي ما حدثني بعض الفضلاء عنه أن السلطان أبا علي المولى الحسن العلوي\n_________\n(١) في (ب).","vol":"9","page":452},{"text":"نور الله ضريحه وأسكنه من روض الجنان فسيحه بينما صحيح البخاري يقرأ بين يديه على العادة بفاس إذ وقع في مجلسه خلاف في استواء الله على عرشه بين علماء فاس وعالم من أهل طنجة؛ فاستدعاه السلطان للحضور معهم، وهو: الشيخ عبد الله السنوسي. فأمهلهم الإمام إلى أن يأتوا غدا بأدلتهم. فجاءوا غدا بأوراق في أيديهم؛ فلما صفحت ورقات أبيه أعجبت السلطان وأمر بسردها وأن ينتهى إلى معناها وقولها بعد أن عجز خصمه عن رد ما فيها إلى آخر ما قال .. ودفع السلطان ذلك العالم عن مجلسه، فبقيت من هذه الرسالة بيد ولد صاحبها المذكور. فأسرع بها إلى أبي المكارم السلطان المولى محمد بن الإمام المولى يوسف إمام وقتنا أعلا الله علاه وأعز كلمته، ورفع شأنه.\nوزعم أنه أخذها منه ثمانية أيام وينسخها -أو يطالعها- فردها بعد الأجل؛ وقصد الرجل بذلك أن يغيضنا به ويغير قلب الملك ويدخل في علمه أن لأسلافه الفاسيين حجة علمية، ومستندا للانتقام منا، ولا علم لنا بذلك؛ ولكن أبى الملك الكبير واللطيف الخبير إلا أن يحق الحق ويبطل الباطل، فأيد سلطاننا ونور/ ذهنه وفكره حتى ميز بين الحق فأيده وأحبه، وبين الباطل فأدمغه وأرداه، فكان جزاء أعمال أولئك المبطلين من مالك العوالم ثم من مالك المغرب الحرمان، وانعكست عليهم القضية، فكانت مقاصدهم السيئات في جانبنا حسنات حيث تسببوا لنا بذلك في قرب من السلطان وصِلاته وسماع الدروس منا المرة بعد المرة، وإعجابه بذلك، وذكره للخاصة والعامة؛ وطرد الذي تولى كبر الفتنة من المسجد الأعظم، فخمدت بذلك نار فتنته واضت","vol":"9","page":453},{"text":"تضطرم في أحشائه، ثم بعد هذا جاءنا الفاضل الذي حدثنا عن الفاسي وشأن رسالته بها فقرأناها وتأملنا ما فيها؛ فإذا هي من باب تكلموا تُعرَفوا، قد أعربت عن مدارك أصحابها. وقدمنا رِجْلًا وأخرنا أخرى في الكتب علينا برهة من الدهر حتى ألح عليها بعض الفضلاء في رقم كلمات عليها. فأجبناه لذلك، وسألنا الله العون عليه. (١)\n- وقال فيه أيضا: وقول الإمام مالك: والسؤال عن هذا بدعة؛ صحيح، لأن السلف كانوا يعتقدون أن تلك الصفات المنصوص عليها في الكتاب والسنة صفات لله وإن تشاركت مع صفة المخلوق من حيث الأسماء، ويحكمون بمباينة المسميات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢). لأن ذات الله وصفاته وأفعاله لا تقاس بذات المخلوقات ولا بصفاته وأفعاله. وهذا معلوم عندهم لا يسأل عنه إلا حديث عهد بالإسلام أو مبتدع. ولما كثر السؤال عنه من مبتدعة الجهمية في زمان الإمام مالك، إذ جهم (٣) والجعد ابن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري، شاعت دعوتهم في زمان بني أمية ثم ازدادت شيوعا في دولة بني العباس. فقد قال أهل التاريخ: ظهر الخوارج والروافض والشيعة والمرجئة، فلم يتجاسروا على رد نصوص الشريعة بالعقل، وصاح بهم الصحابة من كل صوب وبدّعوهم، وتركوا السلام عليهم، ونسبوهم إلى العظائم، ثم ظهر الجهمية\n_________\n(١) نظر الأكياس: (١٤ - ١٦) مخطوط.\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) في ت وب: (وهو) وهي زيادة خاطئة من الناسخ إلا أن يقع سقط تقدير: وهو تلميذ.","vol":"9","page":454},{"text":"في آخر عصر التابعين، فعارضوا الوحي بالعقل، وقالوا كل شريعة لا تقبلها عقولنا رددناها بالتأويل إليها، ثم ذلك منهم في آخر زمان بني أمية، فخمدت نار فتنتهم فقتل خالدُ ابن عبد الله الجعدَ ابن درهم ثاني رؤسائهم، ثم اشتعلت نار فتنتهم في زمان المأمون فأوقع / المحنة بالعلماء حيث أعجبه مذهب هؤلاء المبتدعة، فقتل من قتل من العلماء، ونجا منهم بإظهار مذهبهم اتقاء شرهم أو بالصبر على الحبس والعذاب، وعلى هذه البدعة حَبَسَ المعتصمُ الإمام أحمدَ وضربه، ثم أطفأ الله نار هذه البدعة وأظهر السنة على لسان خلقه، وخطب بها على المنابر زمانا حتى ظهرت جنود إبليس القرامطة والباطنية والملاحدة، ودعوا الناس إلى العقل المجرد، وأن أمور الرسل تعارض المعقول.\nوفي زمنهم غلب الكفار على كثير من بلاد المسلمين، وهم الذين كسروا عسكر الخليفة العباسي، وقلعوا الحجر الأسود (١)، وقتلوا الحجاج. ثم خمدت دعوتهم في المشرق وظهرت في المغرب قليلا قليلا. ثم أخذوا يطؤون البلاد حتى وصلوا إلى بلاد مصر فملكوها وبنوا بها القاهرة، وأقاموا على هذه الدعوة مصرحين بها هم وولاتهم وقضاتهم، وفي زمنهم صرح ابن أبي زيد بأن الله مستو على عرشه بذاته، ردا لمذهبهم من غير أن تأخذه في الله لومة لائم، واتخذ الكلاب ليحرسوا من صائلهم ومعتدهم. وفي أيامهم ألفت الإشارات وكتب ابن سينا، قال: كان أبي من أهل الدعوة الحاكمين. وأهل السنة فيهم كأهل الذمة بين المسلمين، بل كان لأهل الذمة من الأمان\n_________\n(١) في (ت): الحجر الأسعد.","vol":"9","page":455},{"text":"والجاه والعز عندهم ما ليس لأهل السنة.\nفكم أغمد من سيوفهم في أعناق العلماء، وكم مات في سجونهم من ورثة الأنبياء، حتى استنقذ الله الإسلام والمسلمين من أيديهم على يد نور الدين محمود بن زنكي والسلطان الأعظم صلاح الدين ابن أيوب ﵀، قابل الإسلام من علته وانتعش بعد طول الحمرة حتى استبشر أهل الأرض والسناء، واستنقذ الله بعبده صلاح الدين وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب، فعاش الناس/ في ذلك النور مدة حتى استولت الظلمة وقدم الناس العقول على النقول، والأذواق على الشريعة الربانية، وكان رئيسهم هذا الطوسي وأضرابه، هذا في المشرق.\nوأما في المغرب فمنذ فتح الإسلام إلا وهو على عقيدة السلف إلا ما كان من فتنة العبيدين وبدعتهم، ثم انجلت ظلمتها واستضاء المسلمون بنور السنة ومذهب السلف حتى ظهر فيهم في أوائل القرن السادس محمد بن تومرت المهدي تلميذ أبي حامد الغزالي، فملأ أرضهم بمعارضة العقل للوحي، واشتهر مذهب شيخه الغزالي في هذه البقاع، وسمى من خالفه من علماء المغرب وملوكهم وجمهورهم مجسمة، وقاتلهم على ذلك، وسمى أتباعه الموحدين؛ وفي ذلك يقول الحفيد ابن رشد: ولما ظهر أبو حامد طم الوادي على القرى ثم لم يزل أهل المغرب في دولة الموحدين وبني مرين بعدهم وغيرهم آخذين بمذهبه. وآخذ بمذهب السلف وهم القليل، حتى كانت دولة سيدي محمد بن عبد الله العلوي، فعانق مذهب السلف هو وخواصه، وأظهره للجمهور، وهكذا ابنه أبو الربيع المولى سليمان كما تقدم.","vol":"9","page":456},{"text":"وأما أهل المشرق فبعث الله عليهم في خلال هذه الدعوة عبادا له أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وهم التتار، ثم تيمور ثم نيضت نابغة أيضا تدعوا إلى معارضة النقل بالعقل فقيض الله لهم شيخ الإسلام الحراني وأصحابه، فكانوا يناضلون بسيف الحجة عن مذهب أهل السنة، ثم اختلط الأمر بعد ذلك ومرج؛ فمن آخذ بمذهب هؤلاء، ومن آخذ بمذهب هؤلاء. وقد قال رسول الله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خافهم حتى يأتي أمر الله» (١). ولذلك تفرس في السائل الإمام (٢) أنه من أهل هذه الدعوة لدليل ما قال: \"وأظنك رجل سوء، أخرجوه\".\nولولا ما ظنه الإمام فيه لما ساغ له أن يواجهه بهذا الكلام، / ولا أن يقول: \"أخرجوه\"، إذ السائل لا ينهر؛ بل يلان له القول ويكرم. ولا يشك في أن الإمام مالكا من أكابر أهل السنة لا شَكَّاكٌ، ولو كان قصد مالك بقوله: \"معلوم\" ما نسبتم له من التأويل لكان قوله: والكيف مجهول، ضائعا، ومنافيا لاعتقاده. إذ لا يقال الكيف مجهول إلا إذا كان الاستواء على معناه الحقيقي، بل لا يحكم على شيء أنه مجهول إلا إذا كان موجودا، وإلا كان اسم المعدوم أحق به. (٣)\n_________\n(١) تقدم ضمن مواقف ابن المبارك سنة (١٨١هـ).\n(٢) يعني الإمام مالك ﵀.\n(٣) نظر الأكياس (٦٧ - ٧٠) مخطوط.","vol":"9","page":457},{"text":"محمد بن عبد العزيز بن مانع (١) (١٣٨٥ هـ)\nالشيخ الإمام محمد بن عبد العزيز بن محمد بن مانع بن شبرمة الوهيبي التميمي. ولد بعنيزة سنة ثلاثمائة وألف للهجرة، ورحل في طلب العلم إلى بريدة، فالبصرة، فبغداد، ثم استقر في الأزهر بمصر. كان فقيها مطلعا على خلاف العلماء، حافظا للسنة، وآية في العلوم العربية لا سيما النحو، حتى قيل إن الشيخ عبد الرحمن بن سعدي كان يفضله فيها على الشيخ الشنقيطي. وأما حفظ المتون واستحضار مسائلها وأقوال شراحها فأمر عجيب. أخذ عن مجموعة من الشيوخ منهم السيد محمود شكري الآلوسي والشيخ محمد الذهبي والشيخ جمال الدين القاسمي والشيخ عبد الرزاق الأعظمي وغيرهم. وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن السعدي والشيخ عبد العزيز ابن محمد بن مانع (ابنه) والشيخ عثمان بن صالح القاضي وغيرهم.\nرجع إلى بلدته \"عنيزة\" سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، ثم دعي للتدريس في البحرين سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة، ثم استدعاه أمير قطر فولاه الإفتاء والوعظ والقضاء، ثم دعاه الملك عبد العزيز آل سعود سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة فدرس في الحرم المكي، ثم طلب حاكم قطر من السعودية انتدابه للعمل فيها سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة فأقام فيها إلى أن توفي ﵀ سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وألف.\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ١٠٠ - ١١٣) والأعلام (٦/ ٢٠٩) والمستدرك على معجم المؤلفين (٦٨٢).","vol":"9","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3312>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'القول السديد فيما يجب لله على العبيد'.\n٢ - 'مختصر شرح عقيدة السفاريني'.\n٣ - 'تحقيق النظر في أخبار المهدي المنتظر'.\n٤ - 'حاشية على العقيدة الطحاوية'. وكذا على العقيدة الواسطية وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3313>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀: اعلم وفقنا الله وإياك أن أول اختلاف وقع في هذه الأمة: هو خلاف (الخوارج) حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم. ثم حدث بعدهم خلاف (المعتزلة) وقوله: \"إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر\"، ويثبتون (المنزلة بين المنزلتين). ثم حدث خلاف (المرجئة)، وقولهم: \"إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان\".\nوقد صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة، وبينوا ما هو الحق فيها، وصرحوا: أن الفاسق الملي، مرتكب الكبيرة، فاسق بكبيرته، مؤمن بإيمانه، وهو تحت مشيئة الله تعالى. (١)\n- وقال: فالمؤمن لا يخرج من الإيمان بملابسة كبائر الذنوب والعصيان.\n_________\n(١) شرح العقيدة السفارينية (ص.١٧٣ - ١٧٤).","vol":"9","page":459},{"text":"كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). وفي الحديث القدسي، الذي رواه الترمذي عن أنس مرفوعا: «يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» (٢). فدلت الآية وحديث أنس على أن من جاء مع التوحيد بملء الأرض خطايا، لقيه الله بملئها مغفرة، مع مشيئة الله تعالى، فإن شاء غفر له، وإن شاء عذبه وأخذه بذنبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة. (٣)\n- وقال في حاشيته على الطحاوية (٤) عند قوله: \"ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله\": ومراد الشيخ ﵀ بهذا الكلام: الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3314>محمد البشير الإبراهيمي (١٣٨٥ ه</span>ـ)\nولد في الثالث عشر من شوال سنة ست وثلاثمائة وألف للهجرة بقرية أولاد إبراهيم قرب سطيف؛ من أسرة ترجع أصولها إلى الأدارسة الذين حكموا المغرب. حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وحفظ المتون على يد والده وعمه محمد المكي الإبراهيمي، كما تفقه في قواعد النحو والفقه\n_________\n(١) النساء الآية (٤٨) والآية (١١٦).\n(٢) الترمذي (٥/ ٥١٢/٣٥٤٠) وقال: \"حديث حسن\". وقال ابن رجب في جامعه: \"إسناده لا بأس به\".\n(٣) المصدر السابق (ص.١٧٥ - ١٧٦).\n(٤) (ص.٥٣).","vol":"9","page":460},{"text":"والبلاغة. وكان من أعلم أهل بلده في وقته، خلف عمه في التدريس لما مات وهو ابن الرابعة عشر.\nوخلال رحلته إلى المدينة لطلب العلم؛ حط الرحال بالقاهرة ثلاثة أشهر يتردد فيها على الأزهر. وفي الحرم النبوي الشريف درس الموطأ على عبد العزيز الوزير التونسي، وصحيح مسلم على حسين أحمد الفيض أبادي الهندي وغيرهما من المشايخ، ولما اشتد عوده درّس به أيضًا.\nورحل إلى دمشق سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة فاشتغل مدرسًا للعربية بالمدرسة السلطانية الأولى، وكان يلقي الدروس في الجامع الأموي، وشارك في تأسيس المجمع العلمي للتعريب بدمشق. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عاد للجزائر فاشتغل بنشر العلم.\nكان خطيبًا مفوهًا، وشاعرًا فصيحًا، أديبًا بليغًا، شارك شكيب أرسلان في إمارة 'البيان العربي'، واختير لعضوية مجمع اللغة العربية بمصر سنة ثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة.\nالتقى أول مرة بعبد الحميد بن باديس بالمدينة النبوية فاستمرت لقاءاتهما كل ليلة على مدى ثلاثة أشهر يدرسان فيها سبل النهوض والإصلاح الديني في الجزائر، ثم عادا إلى بلدهما فأسسا جمعية العلماء. وقد نفاه المحتل الفرنسي، إلى صحراء وهران؛ ولما توفي ابن باديس اختاره العلماء لرئاسة الجمعية وهو في منفاه إذ لبث فيه ثلاث سنوات يدير الجمعية بالمراسلة. واستمر في استكمال ما قام به سلفه من إنشاء المدارس وبناء المساجد، وتعليم الطلاب، وأنشأ معهدًا ثانويًا وسماه بـ (معهد عبد الحميد بن باديس).","vol":"9","page":461},{"text":"كانت له علاقة وطيدة بمفتي الديار السعودية في وقته الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وافته المنية في الثامن عشر من غرة محرم عام خمس وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة.\nمن آثاره:\n١ - 'بقايا فصيح العربية في اللهجة العامية بالجزائر'.\n٢ - 'النقايات والنفايات في لغة العرب'.\n٣ - 'حكمة مشروعية الزكاة في الإسلام'.\n٤ - 'شعب الإيمان'.\n٥ - 'قصيدة شعرية رجزية في ست وثلاثين ألف بيت نظمها في منفاه بالصحراء، وصف فيها الفرق المعاصرة وأولياء الشيطان، ومكايد الاستعمار وهي أيضًا حول تاريخ الإسلام والمجتمع الجزائري'.\n٦ - 'عيون البصائر'.\n٧ - 'رسالة الطب'.\n٨ - 'نظام العربية في موازين كلماتها'.\n٩ - 'محاضرات وأبحاث وفتاوى' جمعها أحد تلاميذه. وقد طبعت مجموعة تحت عنوان: 'آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي' في خمس مجلدات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3315>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀: إنهم موتورون لهذه الوهابية التي هدمت أنصابهم ومحت بدعهم فيما وقع تحت سلطانهم من أرض الله، وقد ضج مبتدعة","vol":"9","page":462},{"text":"الحجاز فضج هؤلاء لضجيجهم، والبدعة رحم ماسة، فليس ما نسمعه هنا من ترديد كلمة (وهابي) تُقذف في وجه كل داعٍ إلى الحق إلا نواحًا مُردَّدًا على البدع التي ذهبت صرعى لهذه الوهابية. (١)\n- وقال عن التعصب المذهبي: هذه العصبية العمياء التي حدثت بعدهم -أي الفقهاء والأئمة الأربعة على وجه الخصوص- للمذاهب والتي نعتقد أنهم لو بعثوا من جديد لأنكروها على أتباعهم ... وقد طغت شرور العصبية للمذاهب الفقهية في جميع الأقطار الإسلامية، وكان لها أسوأ الأثر في تفريق كلمة المسلمين، وأن في وجه التاريخ الإسلامي منها لندوبًا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3316>موقفه من المشركين:</span>\n- قال في خطبة ألقاها بإذاعة صوت العرب سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة -حول موالاة الكفار المستعمرين-: بسم الله الرحمن الرحيم، إذا قلنا: (إن موالاة المستعمر خروج عن الإسلام)؛ فهذا حكم مجمل، تفصيله: إن الموالاة مفاعلة، أصلها الولاء أو الولاية، وتمسها في معناها مادة التّولّي، والألفاظ الثلاثة واردة على لسان الشرع، منوط بها الحكم الذي حكمنا به؛ وهو الخروج عن الإسلام، وهي في الاستعمال الشرعي جارية على استعمالها اللغوي، وهو في جملته ضد العداوة؛ لأن العرب تقول: وَالَيتُ أو عاديتُ، وفلان وليّ أو عدوّ، وبنو فلان أولياء أو أعداء، وعلى هذا المعنى تدور تصرفات الكلمة في الاستعمالين الشرعي واللغوي. وماذا بين\n_________\n(١) مجلة الأصالة الأردنية العدد ١، (ص.٣٦).\n(٢) الأصالة العدد ٢، (ص.٤٤).","vol":"9","page":463},{"text":"الاستعمار والإسلام من جوامع أو فوارق حتى يكون ذلك الحكم الذي قلناه صحيحًا أو فاسدًا؟\nإن الإسلام والاستعمار ضدان لا يلتقيان في مبدإ ولا في غاية، فالإسلام دين الحرية والتحرير، والاستعمار دين العبودية والاستعباد، والإسلام شرع الرحمة والرفق وأمر بالعدل والإحسان، والاستعمار قوامُه على الشدة والقسوة والطغيان، والإسلام يدعو إلى السلام والاستقرار، والاستعمار يدعو إلى الحرب والتقتيل والتدمير والاضطراب، والإسلام يُثبت الأديان السماوية ويحميها، ويقرّ ما فيها من خير ويحترم أنبياءها وكتبها، بل يجعل الإيمان بتلك الكتب وأولئك الرسل قاعدة من قواعده وأصلًا من أصوله، والاستعمار يكفر بكل ذلك ويعمل على هدمه، خصوصًا الإسلام ونبيه وقرآنه ومعتنقيه. نستنتج من كل ذلك أن الاستعمار عدو لدود للإسلام وأهله، فوجب في حكم الإسلام اعتبار الاستعمار أعدى أعدائه، ووجب على المسلمين أن يطبِّقوا هذا الحكم وهو معاداة الاستعمار لا موالاته. الاستعمار الغربي -وكل استعمار في الوجود غربي- يزيد على مقاصده الجوهرية وهي الاستئثار والاستعلاء والاستغلال مقصدًا آخر أصيلًا وهو محو الإسلام من الكرة الأرضية خوفًا من قوته الكامنة، وخشيةً منه أن يعيد سيرته الأولى كرةً أخرى. وجميع أعمال الاستعمار ترمي إلى تحقيق هذا المقصد؛ فاحتضانه للحركات التبشيرية وحمايته لها وسيلة من وسائل حربه للإسلام، وتشجيعه للضالين المضلين من المسلمين غايته تجريد الإسلام من روحانيته وسلطانه على النفوس، ثم محوه بالتدريج، ونشره للإلحاد بين","vol":"9","page":464},{"text":"المسلمين وسيلة من وسائل محو الإسلام، وحمايته للآفات الاجتماعية التي يحرّمها الإسلام ويحاربها كالخمر والبغاء والقمار ترمي إلى تلك الغاية، ففي الجزائر -مثلًا- يبيح الاستعمار الفرنسي فتح المقامر لتبديد أموال المسلمين، وفتح المخامر لإفساد عقولهم وأبدانهم، وفتح المواخير لإفساد مجتمعهم، ولا يبيح فتح مدرسة عربية تحيي لغتهم، أو فتح مدرسة دينية تحفظ عليهم دينهم.\nويأتي في آخر قائمة الأسلحة التي يستعملها الاستعمار الغربي لحرب الإسلام اتفاقه بالإجماع على خلق دولة إسرائيل في صميم الوطن العربي، وانتزاع قطعة مقدسة من وطن الإسلام وإعطائها لليهود الذين يدينون بكذب المسيح وصلبه، وبالطعن في أمه الطاهرة.\nفالواجب على المسلمين أن يفهموا هذا، وأن يعلموا أن من كان عدوًّا لهم فأقل درجات الإنصاف أن يكونوا أعداءً له، وأنّ موالاته بأي نوع من أنواع الولاية هي خروج عن أحكام الإسلام؛ لأن معنى الموالاة له أن تنصره على نفسك وعلى دينك وعلى قومك وعلى وطنك. والمعاذير التي يعتذر بها الموالون للاستعمار كالمداراة وطلب المصلحة يجب أن تدخل في الموازين الإسلامية، والموازين الإسلامية دقيقة تزن كل شيء من ذلك بقدره وبقدر الضرورة الداعية إليه، وأظهر ما تكون تلك الضرورات في الأفراد لا في الجماعات ولا في الحكومات. وموالاة المستعمر أقبح وأشنع ما تكون من الحكومات، وأقبح أنواعها أن يحالَف حيث يجب أن يُخالَف، وأن يعاهَد حيث يجب أن يجاهَد ...","vol":"9","page":465},{"text":"أيها المسلمون أفرادًا وهيئات وحكومات: لا توالوا الاستعمار؛ فإن موالاته عداوة لله وخروج عن دينه. ولا تتولّوه في سلم ولا حرب؛ فإن مصلحته في السلم قبل مصالحكم، وغنيمته في الحرب هي أوطانكم. ولا تعاهدوه؛ فإنه لا عهد له. ولا تأمنوه؛ فإنه لا أمانَ له ولا إيمان. إن الاستعمار يلفظ أنفاسه الأخيرة فلا يكتب عليكم التاريخ أنكم زدتم في عمره يومًا بموالاتكم له. ولا تحالفوه؛ فإن من طبعه الحيواني أن يأكل حليفه قبل عدوه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (١)\n- وقال: ولو أن المسلمين فقهوا توحيد الله من بيان القرآن وآيات الأكوان لما ضلوا هذا الضلال البعيد في فهم المعاملات الفرعية مع الله -وهي العبادات- وتوحيد الله هو نقطة البدء في طريق الاتصال به ومنه تبدأ الاستقامة أو الانحراف. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3317>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال ﵀: إننا علمنا حق العلم بعد التروي والتثبت، ودراسة أحوال الأمة ومناشئ أمراضها؛ أن هذه الطرق المبتدعة في الإسلام هي سبب تفرق المسلمين، ونعلم أننا حين نقاومها نقاوم كل شر. إن هذه الطرق لم تسلم منها بقعة من بقاع الإسلام، وأنها تختلف في التعاليم والرسوم والمظاهر\n_________\n(١) آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (٥/ ٦٨ - ٧٠).\n(٢) الأصالة العدد ٥، (ص.٥٧).","vol":"9","page":466},{"text":"كثيرًا، ولا تختلف في الآثار النفسية إلا قليلًا، وتجتمع كلها في نقطة واحدة: وهي التخدير والإلهاء عن الدين والدنيا. (١)\n- وقال: أما والله ما بلغ الوضاعون للحديث، ولا بلغت الجمعيات السرية ولا العلنية الكائدة للإسلام من هذا الدين عشر معشار ما بلغته من هذه الطرق المشؤومة ... إن هذه الهوة العميقة التي أصبحت حاجزة بين الأمة وقرآنها هي من صنع أيدي الطرقيين. (٢)\n- وقال أيضًا: فكل راقص صوفي، وكل ضارب بالطبل صوفي، وكل عابث بأحكام الله صوفي، وكل ماجن خليع صوفي، وكل مسلوب العقل صوفي، وكل آكل للدنيا بالدين صوفي، وكل ملحد بآيات الله صوفي، وهلم سحبًا، أفيجمل بجنود الإصلاح أن يدعو هذه القلعة تحمي الضلال وتؤويه؟! أم يجب عليهم أن يحملوا عليها حملة صادقة شعارهم (لا صوفية في الإسلام) حتى يدكّوها دكًّا، وينسفوها نسفًا، ويذروها خاوية على عروشها. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3318>موقفه من الجهمية:</span>\nيقول عن علم الكلام: هو مبدأ التفرق الحقيقي في الدين؛ لأن المتكلمين يزعمون أن علومهم هي أساس الإسلام. (٤)\n_________\n(١) مجلة الأصالة العدد ١، (ص.٣٤ - ٣٥).\n(٢) مجلة الأصالة العدد ١، (ص.٣٤ - ٣٥).\n(٣) مجلة الأصالة العدد ١، (ص.٣٤ - ٣٥).\n(٤) مجلة الأصالة العدد ٢، (ص.٤٥).","vol":"9","page":467},{"text":"عبد الرحمن المُعَلِّمِي اليمني (١) (١٣٨٦ هـ)\nالعلامة عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي العتمي اليماني. ولد بالعتمة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة ونشأ بها. سافر إلى جيزان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، وعين في رئاسة القضاء، ثم سافر إلى الهند وعمل في دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، ثم عاد إلى مكة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، فعين أمينا لمكتبة الحرم المكي سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وبقي فيها إلى أن توفي ﵀ سنة ست وثمانين وثلاثمائة وألف، ودفن بمكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3320>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان من خيار العلماء ﵀، بذل مجهودا كبيرا في التراث الإسلامي وفي خدمة طلاب العلم، تصدى للشيخ النجدي (٢) وبين ضلاله وتلبيساته على المسلمين، وطعنه على السلف، وفي مقدمتهم صحابة رسول الله - ﷺ -، وكتابه 'التنكيل' يشهد له بسعة الاطلاع، وغزارة العلم، والمعرفة الواسعة في علم الرجال. وقد خصص جزءا كبيرا من 'التنكيل' بين فيه العقيدة السلفية، ودافع عنها أحسن دفاع، فجزاه الله خيرا وأسكنه جنات الفردوس وإخوانه السلفيين.\n- فمن كلامه في التنكيل: والمقصود هنا أن أصحاب الرأي لهم عادة ودربة في دفع الروايات الصحيحة، ومحاولة القدح في بعض الرواة حتى لم\n_________\n(١) الأعلام (٣/ ٣٤٢) ومقدمة التنكيل (٣ - ٨) والمستدرك على معجم المؤلفين (٣٦٦).\n(٢) هو محمد زاهد الكوثري.","vol":"9","page":468},{"text":"يسلم منهم الصحابة ﵃، على أن الأستاذ (١) لم يقتصر على كلام أسلافه وما يقر منه، بل أربى عليهم جميعا كما تراه في الطليعة، ويأتي بقيته في التراجم إن شاء الله تعالى. وأما غلاة المقلدين فأمرهم ظاهر، وذلك أن المتبوع قد لا تبلغه السنة وقد يغفل السنة، وقد يغفل عن الدليل أو الدلالة، وقد يسهو أو يخطئ أو يزل، فيقع في قول تجيء الأحاديث بخلافه، فيحتاج مقلدوه إلى دفعها والتمحل في ردها، ولو اقتصر الأستاذ على نحو ما عرف عنهم لهان الخطب، ولكنه يعد غلوهم تقصيرا. (٢)\n- وقال في فصل: (فيما جاء في ذم التفرق وأنه لا تزال طائفة قائمة على الحق، وما يجب على أهل العلم في هذا العصر).\nقال الله ﵎: ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٣) وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)\n_________\n(١) الكوثري.\n(٢) التنكيل (١/ ٢٦).\n(٣) الشورى الآيتان (١٣و١٤).","vol":"9","page":469},{"text":"وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ\n_________\n(١) آل عمران الآيات (١٠٠ - ١٠٥).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٣) الأنعام الآية (١٥٩).","vol":"9","page":470},{"text":"حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ (٢) إن قيل: التفرق والاختلاف يصدق بما إذا ثبت بعضهم على الحق وخرج بعضهم عنه، والآيات تقتضي ذم الفريقين. قلت: كلا، فإن الآيات نفسها تحض على إقامة الدين، والثبات عليه، والاعتصام به، واتباع الصراط، بل هذا هو المقصود منها، فالثابت على السراط لم يحدث شيئا، ولم يقع بفعله تفرق ولا اختلاف، وإنما يحدث ذلك بخروج من يخرج عن السراط، وهو منهي عن ذلك، فعليه التبعة. فإن قيل: المكلف مأمور (٣) بالاستقامة على الصراط، ولا يمكنه الاستقامة عليه حتى يعرفه، وإنما يعرفه بالبحث والنظر والتدبر، وحجج الحق -كما سلف في المقدمة- غير مكشوفة، فالباحث معرض للخطأ، بل من تدبر الحجج علم أنه يستحيل في العادة أن لا يختلف الناظرون فيها، فما الجامع بين الأمر باتباع الحجج وهو يؤدي إلى الاختلاف، وبين الزجر عن الاختلاف، وقد قال الله ﵎: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤)\nوقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا\n_________\n(١) الروم الآيات (٣٠ - ٣٢).\n(٢) هود الآيتان (١١٨و١١٩).\n(٣) في الأصل: بأمور.\n(٤) البقرة الآية (٢٨٦) ..","vol":"9","page":471},{"text":"اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١). أقول -وأسأل الله ﵎ التوفيق-: قولي: إن حجج الحق غير مكشوفة، إنما معناه كما سلف أنها بحيث يحتاج في إدراكها إلى عناء ومشقة، ويمكن من له هوى في خلافها أن يغالط نفسه وغيره بحيث يتيسر له زعم أنه إن لم يكن هو المحق فهو معذور، واتباع الحجج لا يؤدي إلى اختلاف، وإنما يؤدي إليه اتباع الشبهات، وإنما الشأن في أمرين:\nالأول: تمييز الحجج من الشبهات.\nالثاني: معرفة الاختلاف المنهي عنه.\nوجماع هذا في أمر واحد هو معرفة الصراط المستقيم، وقد بينه الله تعالى بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (٢). وقد علمنا أن المنعم عليهم قطعا من هذه الأمة هم النبي - ﷺ - وأصحابه وقد قال الله ﷿: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٤). فالصراط المستقيم: هو ما كان\n_________\n(١) التغابن الآية (١٦).\n(٢) الفاتحة الآية (٧).\n(٣) يوسف الآية (١٠٨).\n(٤) النساء الآية (١١٥).","vol":"9","page":472},{"text":"عليه محمد - ﷺ - وأصحابه، وقد تقدم بيان جوامعه في الباب الأول، وأول الباب الرابع. فما اتضح من المأخذين السلفيين بحسب النظر الذي كان متيسرا للصحابة وخيار التابعين، فهو من الصراط المستقيم، وما خفي أو تردد فيه النظر فالصراط المستقيم، هو السكوت عنه، قال الله تعالى لرسوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ (٢). وفي الصحيحين من حديث جندب ابن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه» (٣). فإن كان من الأحكام العملية -والقضية واقعة- ساغ الاجتهاد فيه على الطريق التي كان يجري عليها في أمثال ذلك الصحابة وأئمة التابعين.\nفمن لزم هذه السبيل فهو الثابت على سبيل الحق والصراط المستقيم، ومن لزم ذلك في المقاصد، وخاض في النظر والرأي المتعمق فيه، لتأييد الحق وكشف الشبهات، وقد تحققت الحاجة إلى ذلك، فلا يقضى عليه بالخروج عن الصراط ما لم يتبين خروجه عنه في المقاصد فتلحقه تبعة ذلك بحسب مقدار خروجه.\nهذا، والاختلاف المنهي عنه من لازمه -كما بينته الآيات- التحزب وأن يكونوا شيعا، وسبيل الحق بينة، والدين محفوظ قد تكفل الله تعالى\n_________\n(١) الإسراء الآية (٣٦).\n(٢) ص الآية (٨٦).\n(٣) أحمد (٤/ ٣١٣) والبخاري (٩/ ١٢٤/٥٠٦٠ - ٥٠٦١) ومسلم (٤/ ٢٠٥٣/٢٦٦٧).","vol":"9","page":473},{"text":"بحفظه، وبأن لا تزال طائفة من الأمة قائمة عليه، فإن أخطأ عالم لم يلبث أن يجد من ينبهه على أخطائه، فإن لم يتفق له ذلك، فالذي يوافقه أو يتابعه لا بد أن يجد من ينبهه، فلا يمكن أن يستولي الخطأ على فرقة من الناس يثبتون عليه ويتوارثونه إلا باتباعهم الهوى، ولهذا نجد علماء كل مذهب يرمون علماء المذاهب الأخرى بالتعصب واتباع الهوى، وأكثرهم صادقون في الجملة، ولكن الرامي يغفل عن نفسه، وكما جاء في الأثر «يرى القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه» (١). وعلى كل حال، فإن الأمة قد اتبعت سنن من قبلها كما تواترت بذلك الأخبار عن النبي - ﷺ -، ومن ذلك بل من أعظمه أنها فرقت دينها وكانت شيعا، وقد تواترت الأخبار بأنه لا تزال طائفة قائمة على الحق، فعلى أهل العلم أن يبدأ كل منهم بنفسه فيسعى في تثبيتها على الصراط، وإفرادها عن اتباع الهوى، ثم يبحث عن إخوانه، ويتعاون معهم على الرجوع بالمسلمين إلى سبيل الله، ونبذ الأهواء التي فرقوا لأجلها دينهم وكانوا شيعا؛ ويتلخص العمل في ثلاثة مطالب:\nالأول: العقائد، وقد علمت أن هناك معدنا لحجج الحق وهو المأخذان السلفيان، ومعدنا للشبه، وهو المأخذان الخلفيان، فطريق الحق في ذلك واضح.\nالمطلب الثاني: البدع العملية، والأمر في هذا قريب لولا غلبة الهوى،\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان (١٣/ ٧٣ - ٧٤/ ٥٧٦١) والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٣٥٦/٦١٠) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٩) من حديث أبي هريرة مرفوعا: «يبصر أحدكم القذاة ...» الحديث.","vol":"9","page":474},{"text":"فإن عامة تلك البدع لا يقول أحد من أهل العلم والمعرفة أنها من أركان الإسلام ولا من واجباته ولا من مندوباته، بل غالبهم يجزمون بأنها بدع وضلالات، وصرح قوم منهم بأن منها ما هو شرك وعبادة لغير الله ﷿، وقد شرحت ذلك في كتاب (العبادة)، وبحسبك هنا أن تستحضر أن من يزعم من المنتسبين إلى العلم أنه لا يرى ببعضها (١) بأسا، أو زاد على ذلك أنه يرجى منها النفع، فإنه مع مخالفته لمن هو أعلم منه يعترف بأن في الأعمال المشروعة اتفاقا ما هو أعظم أجرا وأكبر فضلا بدرجات لا تحصى، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، وفي (الصحيحين) عن النبي - ﷺ -: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» (٣) وفي حديث آخر: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٤). وفي حديث آخر: «إنه لا يبلغ العبد أن\n_________\n(١) في الأصل: بعضها.\n(٢) التغابن الآية (١٦).\n(٣) أحمد (٤/ ٢٧٠) والبخاري (١/ ١٦٨/٥٢) ومسلم (٣/ ١٢١٩ - ١٢٢٠/ ١٥٩٩) وأبو داود (٣/ ٦٢٤/٣٣٣٠) والترمذي (٣/ ٥١١/١٢٠٥) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٧/ ٢٧٧ - ٢٧٩/ ٤٤٦٥) وابن ماجه (٢/ ١٣١٨ - ١٣١٩/ ٣٩٨٤).\n(٤) أحمد (١/ ٢٠٠) والترمذي (٤/ ٥٧٦ - ٥٧٧/ ٢٥١٨) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٨/ ٧٣٢/٥٧٢٧) وابن حبان (٢/ ٤٩٨/٧٢٢ الإحسان) والحاكم (٢/ ١٣) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"9","page":475},{"text":"يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس» (١).\nوالنظر الواضح يكشف هذا، فإنك لو كنت مريضا، فاتفق الأطباء على أشياء أنها نافعة لك، واختلفوا في شيء، فقال بعضهم: إنه سم قاتل، وقال بعضهم: لا نراه سما ولكنه ضار، وقال بعضهم: لا يتبين لنا أنه ضار، وقال بعض هؤلاء: بل لعله لا يخلو من نفع. أفلا يقضي عليك العقل إن كنت عاقلا بأن تجتنب ذاك الشيء؟! أو ليس من يأمرك ويلح عليك أن تصرف وقتك في تناول ذاك الشيء تاركا ما اتفقوا على نفعه بحقيق أن تعده ألد أعدائك؟! وتدبر في نفسك، أيصح من عاقل محب للإيمان خائف من الشرك أن يستحضر هذا المعنى ثم يصر على تلك البدع التي يخاف أن تكون شركا؟! أو ليس من يصر إنما يشهد على نفسه بأنه لا يبالي إذا وافق هواه أن يكون شركا؟\nالمطلب الثالث: الفقهيات، والاختلاف فيها إذا كان سببه غير الهوى أمره قريب، لأنه -كما مرت الإشارة إليه- لا يؤدي إلى أن يصير المسلمون فرقا متنازعة وشيعا متنابذة، ولا إلى إيثار الهوى على الهدى، وتقديم أقوال الأشياخ على حجج الله ﷿، والالتجاء إلى تحريف معاني النصوص، وإذ كان المسلمون قد وقعوا في ذلك فإنما أوقعهم الهوى، فلا مخلص لهم منه إلا أن يستيقظ أهل العلم لأنفسهم فيناقشوها الحساب، ويكبحوها عن الغي،\n_________\n(١) الترمذي (٤/ ٥٤٧/٢٤٥١) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\". وابن ماجه (٢/ ١٤٠٩/٤٢١٥) والحاكم (٤/ ٣١٩) وقال: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي .. وضعفه الشيخ الألباني ﵀ في غاية المرام (برقم ١٧٨) وقال: \"وهذا عجب منه خاصة، فإن عبد الله بن يزيد وهو الدمشقي لم يوثقه أحد، بل قال الجوزجاني: \"روى عن ابن عقيل أحاديث منكرة\" ... وأورده الذهبي نفسه في الضعفاء وذكر قول الجوزجاني هذا. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف\".","vol":"9","page":476},{"text":"ويتناسوا ما استقر في أذهانهم من اختلاف المذاهب، وليحسبوها مذهبا واحدا اختلف علماؤه، وأن على العالم في زماننا النظر في تلك الأقوال وحججها وبيناتها، واختيار الأرجح منها.\nوقد نص جماعة من علماء المذاهب أن العالم المقلد إذا ظهر له رجحان الدليل المخالف لإمامه لم يجز له تقليد إمامه في تلك القضية، بل يأخذ بالحق لأنه إنما رخص له في التقليد عند ظن الرجحان، إذ الفرض على كل أحد طاعة الله وطاعة رسوله، ولا حاجة في هذا إلى اجتماع شروط الاجتهاد، فإنه لا يتحقق رجحان خلاف قول إمامك إلا في حكم مختلف فيه، فيترجح عندك قول مجتهد آخر، وحينئذ تأخذ بقول هذا الآخر متبعا للدليل الراجح من جهة، ومقلدا في تلك القضية لذاك المجتهد الآخر من جهة؛ والفقهاء يجيزون تقليد المقلد غير إمامه في بعض الفروع لمجرد احتياجه، فكيف لا يجوز بل يجب أن يقلده فيما ظهر أن قوله أولى بأن يكون هو الحق في دين الله؟! وقضية التلفيق إنما شددوا فيها إذا كانت لمجرد التشهي وتتبع الرخص، فأما إذا اتفقت لمن يتحرى الحق وإن خالف هواه فأمرها هين، فقد كان العامة في عهد السلف تعرض لأحدهم المسألة في الوضوء فيسأل عنها عالما فيفتيه فيأخذ بفتواه، ثم تعرض له مسألة أخرى في الوضوء أيضا أو الصلاة فيسأل عالما آخر فيفيته فيأخذ بفتواه، وهكذا، ومن تدبر علم أن هذا تعرض للتلفيق، ومع ذلك لم ينكره أحد من السلف، فذاك إجماع منهم على أن مثل ذلك لا محذور فيه، إذ كان غير مقصود، ولم ينشأ عن التشهي وتتبع الرخص. فالعالم الذي يستطيع أن يروض نفسه على هذا هو الذي يستحق أن يهديه الله ﷿، ويسوغ له","vol":"9","page":477},{"text":"أن يثق بما تبين له، ويسوغ للعامة أن يثقوا بفتواه؛ نعم قد غلب اتباع الهوى وضعف الإيمان في هذا الزمان، فإذا احتيط لذلك بأن يرتب جماعة من أعيان العلماء للنظر في القضايا والفتاوى فينظروا فيها مجتمعين، ثم يفتوا بما يتفقون عليه أو أكثرهم لكان في هذا خير كثير وصلاح كبير إن شاء الله تعالى.\nفتلخص مما تقدم أن من اعتمد في العقائد المأخذين السلفيين ووقف معهما، واتقى البدع، وجرى في اختلاف الفقهاء على أنها مذهب واحد اختلف علماؤه فتحرى الأرجح، وكان مع ذلك محافظا على الفرائض، مجتنبا للكبائر، فإن عثر استقال ربه وتاب وأناب، فهو من الطائفة التي أخبر النبي - ﷺ - أنها لا تزال قائمة على الحق، فليتعرف إخوانه، وليتعاضد معهم على الدعوة إلى الحق، والرجوع بالمسلمين إلى سواء الصراط. فأما من أبى إلا الجمود على أقوال آبائه وأشياخه والانتصار لها، فيوشك أن يدخل في قول الله ﵎: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (٢). اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، ﴿ربنا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا\n_________\n(١) التوبة الآية (٣١).\n(٢) الجاثية الآية (٢٣).","vol":"9","page":478},{"text":"إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3321>موقفه من الصوفية:</span>\nقال في كتابه التنكيل: مآخذ العقائد الإسلامية أربعة: سلفيان وهما الفطرة والشرع. وخلفيان وهما النظر العقلي المتعمق فيه، والكشف التصوفي.\nثم شرع ﵀ في تفصيل المقال في هذه المآخذ إلى أن قال: وأما المأخذ الخلفي الثاني وهو الكشف التصوفي، فقد مضى القرن الأول ولا يعرف المسلمون للتصوف اسما ولا رسما، خلا أنه كان منهم أفراد صادقوا الحب لله تعالى، والخشية له يحافظون على التقوى والورع على حسب ما ثبت في الكتاب والسنة، فقد يبلغ أحدهم أن تظهر مزيته في استجابة الله ﷿ بعض دعائه أو عنايته بل على ما يقل في العادة، ويلقى الحكمة في الوعظ والنصيحة والترغيب في الخير، وإذا كان من أهل العلم، ظهرت مزيته في فهم الكتاب والسنة، فقد يفهم من الآية أو الحديث معنى صحيحا إذا سمعه العلماء وتدبروا وجدوه حقا، ولكنهم كانوا غافلين عنه حتى نبههم ذلك العبد الصالح. ثم جاء القرن الثاني فتوغل أفراد في العبادة والعزلة وكثرة الصوم والسهر وقلة الأكل لعزة الحلال في نظرهم، فجاوزوا ما كان عليه\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٨٦).\n(٢) التنكيل (٢/ ٤٠١ - ٤٠٧).","vol":"9","page":479},{"text":"الحال في عهد النبي - ﷺ -، فوقعوا في طرف من الرياضة ... فلما وقعوا في ذلك وجد الشيطان مسلكا للسلطان على بعض أولئك الأفراد بمقدار مخالفتهم للسنة، فمنهم من كان عنده من العلم ما دافع به عن دينه كما نقل عن أبي سليمان الداراني أنه قال: \"ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين -الكتاب والسنة-\" ذكرها ونحوها من كلامهم أبو إسحاق الشاطبي في الاعتصام (١٠٦ - ١٢١).\nومنهم من سلم له أصل الإيمان لكن وقع في البدع العملية، ومنهم من كان سلطان الشيطان عليه أشد فأوقعه في أشد من ذلك كما ترى الإشارة إلى بعضه في ترجمة رياح بن عمرو القيسي من (لسان الميزان). ثم صار كثير من الناس يتحرون العزلة والجوع والسهر لتحصيل تلك الآثار، فقوي سلطان الشيطان عليهم، ثم نقلت مقالات الأمم الأخرى ومنها الرياضة وشرح ما تثمره من قوة الإدراك والتأثير، فضمها هواتها إلى ما سبق، ملصقين لها بالعبادات الشرعية، وكثر تعاطيها من الخائضين في الكلام والفلسفة، فمنهم من تعاطاها ليروج مقالاته المنكرة بنسبتها إلى الكشف والإلهام والوحي، ويتدرع عن الإنكار عليه بزعم أنه من أولياء الله تعالى، ومنهم من تعاطاها على أمل أن يجد فيها حلا للشكوك والشبهات التي أوقعه فيها التعمق في الكلام والفلسفة.\nومن أول من مزج التصوف بالكلام الحارث المحاسبي، ثم اشتد الأمر في الذين أخذوا عنه فمن بعدهم، وكان من نتائج ذلك قضية الحلاج، ولعله كان في أقران الحلاج من هو موافق له في الجملة، بل لعل فيهم من هو أغلا","vol":"9","page":480},{"text":"منه إلا أنهم كانوا يتكتمون، ودعا الحلاج إلى إظهار ما أظهره حب الرياسة.\nوكذلك مزج الفلسفة بالتصوف كان معروفا عن بعض الفلاسفة الأقدمين، وتجد في كلام الفارابي وابن سينا نتفا من ذلك.\nوكذلك في كلام متفلسفي المغاربة كابن باجة وغيره؛ وهكذا الباطنية كانوا ينتحلون التصوف، فلما جاء الغزالي نصب التصوف منصب الكلام والفلسفة الباطنية، وزعم أن الحق لا يعدو هذه الأربع المقالات، وقضى ظاهرا للتصوف مع ذكره كغيره أن طائفة من المتصوفة ذهبوا إلى الإباحة المحضة، وفي ذلك نبذ الشرائع البتة، ثم لم يزل الأمر يشتد حتى جاء ابن عربي وابن سبعين والتلمساني، ومقالاتهم معروفة. ومن تتبع ما كان عليه النبي - ﷺ - والصحابة وأئمة التابعين، وما يصرح به الكتاب والسنة وآثار السلف، وأنعم النظر في ذلك، ثم قارن ذلك بمقالات هؤلاء القوم علم يقينا أنه لا يمكنه إن لم يغالط نفسه أن يصدق الشرع ويصدقهم معا، وإن غالط نفسه وغالطته، فالتكذيب ثابت في قرارها ولا بد.\nهذا والشرع يقضي بأن الكشف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين، ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (١).\nوورد نحوه من حديث جماعة من الصحابة ذكر في (فتح الباري) منها\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٣٣) والبخاري (١٢/ ٤٦٤/٦٩٩٠) ومسلم (٤/ ١٧٧٤/٢٢٦٣ (٨» والترمذي (٤/ ٤٦١/٢٢٧٠) وابن ماجه (٢/ ١٢٨٢/٣٨٩٤) وأبو داود (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣/ ٥٠١٩) بنحوه.","vol":"9","page":481},{"text":"حديث ابن عباس (١) عند مسلم وغيره، وحديث أم كرز (٢) عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وحديث حذيفة ابن أسيد (٣) عند أحمد والطبراني، وحديث عائشة (٤) عند أحمد، وحديث أنس (٥) عند أبي يعلى.\nوفيه حجة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا، اللهم إلا أن يكون بقي ما هو دون الرؤيا فلم يعتد به، فدل ذلك أن التحديث والإلهام والفراسة والكهانة والكشف كلها دون الرؤيا ...\nفالكشف إذن تتبع للهوى؛ فغايته أن يؤيد الهوى ويرسخه في النفس، ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار، فكأن الساعي في أن يحصل له الكشف، إنما يسعى في أن يضله الله ﷿، ولا ريب أن من التمس الهدى من غير الصراط المستقيم مستحق أن يضله الله ﷿؛ وما يزعمه بعض غلاتهم من أن لهم علامات يميزون بها بين ما هو حق من الكشف وما هو باطل، دعوى فارغة، إلا ما تقدم عن أبي سليمان الداراني، وهو أن الحق ما شهد له الكتاب والسنة، لكن المقصود الشهادة الصريحة التي يفهمها أهل\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢١٩) ومسلم (١/ ٣٤٨/٤٧٩) وأبو داود (١/ ٥٤٥ - ٥٤٦/ ٨٧٦) والنسائي (٢/ ٥٣٤/١٠٤٤) وابن ماجه (٢/ ١٢٨٣/٣٨٩٩).\n(٢) رواه أحمد (٦/ ٣٨١) وابن ماجه (٢/ ١٢٨٣/٣٨٩٦) وصححه ابن حبان (١٣/ ٤١١/٦٠٤٧)\n(٣) رواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٠٠/٣٠٥١) والبزار (٣/ ١١/٢١٢١ كشف الأستار) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٧٣): \"ورجال الطبراني ثقات\".\n(٤) رواه أحمد (٦/ ١٢٩) والبزار (٣/ ١٠/٢١١٨ كشف الأستار) قال الهيثمي (٧/ ١٧٢): \"ورجال أحمد رجال الصحيح\".\n(٥) رواه أحمد (٣/ ١٠٦) والبخاري (١٢/ ٤٧٣/٦٩٩٤) ومسلم (٤/ ١٧٧٤) تحت حديث عبادة (٢٢٦٤) ولم يرقم. وابن ماجه (٢/ ١٢٨٢/٣٨٩٣) وأبو يعلى (٦/ ٤١/٣٢٨٥)، وفي الباب عن عبادة وابن عمر.","vol":"9","page":482},{"text":"العلم من الكتاب والسنة بالطريق التي كان يفهمها بها السلف الصالح.\nفأما ما عرف عن المتصوفة من تحريف النصوص بما هو أشنع وأفظع من تحريف الباطنية فهذا لا يشهد لكشفهم، بل يشهد عليه أوضح شهادة بأنه من أبطل الباطل.\nأولا: لأن النصوص بدلالتها المعروفة حجة فإذا شهدت ببطلان قولهم علم أنه باطل.\nثانيا: لأنهم يعترفون أن الكشف محتاج إلى شهادة الشرع، فإن قبلوا من الكشف تأويل الشرع، فالكشف شهد لنفسه فمن يشهد له على تأويله؟.\nوأما التحديث والإلهام ففي (صحيح البخاري) وغيره من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر» (١). وأخرجه مسلم من حديث أبي سلمة عن عائشة، وفيه: «فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم» (٢) وجاء في عدة روايات تفسير التحديث بالإلهام.\nوهذه سيرة عمر بين أيدينا لم يعرف عنه ولا عن أحد من أئمة الصحابة وعلمائهم استدلال بالتحديث والإلهام في القضايا الدينية، بل كان يخفى عليهم الحكم فيسألون عنه، فيخبرهم إنسان بخبر عن النبي - ﷺ - فيصيرون\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٣٣٩) والبخاري (٧/ ٥٢/٣٦٨٩) والنسائي في الكبرى (٥/ ٤٠/٨١٢٠) من حديث أبي هريرة. وفي الباب من حديث عائشة ﵂.\n(٢) أحمد (٦/ ٥٥) ومسلم (٤/ ١٨٦٤/٢٣٩٨) والترمذي (٥/ ٥٨١/٣٦٩٣) والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٩ - ٤٠/ ٨١١٩).","vol":"9","page":483},{"text":"إليه، وكانوا يقولون القول، فيخبرهم إنسان عن النبي - ﷺ - بخلافه فيرجعون إليه.\nوأما الفراسة، فإن المتفرس يمكنه أن يشرح لغيره تلك الدلائل التي تنبه لها، فإذا شرحها عرفت، فإن كانت مما يعتد به عملت بها لا بالفراسة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3322>موقفه من المرجئة:</span>\nقال ﵀ في بيان عقيدة السلف التي ختم بها كتاب التنكيل: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص:\nاشتهر عن أبي حنيفة أنه كان يقول: ليس العمل من الإيمان، والإيمان لا يزيد ولا ينقص. وروى الخطيب عن جماعة من أهل السنة إنكارهم ذلك على أبي حنيفة، ونسبته إلى الإرجاء، فتكلم الكوثري في تلك الروايات، وحاول التشنيع على أولئك الأئمة، وأسرف وغالط على عادته، فاضطررت إلى مناقشته دفعًا لتهجمه بالباطل على أئمة السنة ... (٢)\nونقل كلامه ثم قال: اختلفت الأمة فيمن كان مؤمنًا ثم ارتكب كبيرة، فقالت الخوارج: يكفر، وقالت المعتزلة: لا يكفر ولكن يزول إيمانه، وإذا مات عن غير توبة دخل النار وخلد فيها مع الكفار، وقالت المرجئة: لا يكفر ولا يزول إيمانه ولا يدخل النار، لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقال أهل السنة: لا يكفر، ولا يزول إيمانه البتة بمجرد ارتكابه الكبيرة ولكنه يكون ناقصًا، وقال بعض الأئمة: إلا ترك الصلاة المكتوبة\n_________\n(١) التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل (٢/ ٢٥٥ - ٢٦٠).\n(٢) التنكيل للمعلمي اليماني (٢/ ٣٨٣).","vol":"9","page":484},{"text":"عمدًا فإنه كفر، وحقق بعض أتباعهم أن الترك نفسه ليس كفرًا، ولكن الشرع قضى أنه لا يكون إلا من كافر.\nيستدل المرجئة والمعتزلة والخوارج بنصوص ظاهرها أن المؤمنين لا يعذبون، ويستدل المعتزلة والخوارج بنصوص ظاهرها أن مرتكب الكبيرة لا يبقى مؤمنًا، ويستدل الخوارج بنصوص ظاهرها أن ارتكاب بعض الكبائر كفر. وأهل السنة يجيبون عن الأولين، بأن المراد الإيمان الكامل، وعن الثالث: بأنه كفر دون كفر، فهو كفر يقتضي نقص الإيمان لا زواله، ويدفع المرجئة الجواب المذكور بقولهم: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والأعمال ليست من الإيمان.\nوهذا القول قد كان أبو حنيفة يقوله، لكن يقول الكوثري أنه مع ذلك مخالف للمرجئة في أصل قولهم، وهو أنه لا يضر مع الإيمان عمل، ولا غرض في النظر في هذا وتتبع الروايات.\nبل أقول: تلك الموافقة التي يعترف بها تكفي لتبرير إنكار الأئمة، أما من لم يعرف منهم أن أبا حنيفة وإن وافق المرجئة في ذاك القول فهو مخالف لهم في أصل قولهم، فعذره في إنكاره واضح، وأما من عرف فيكفي لإنكار القول فهو مخالف للأدلة كما يأتي، وأنه قد يسمعه من يقتدي بأبي حنيفة، ولا يعلم قوله أن أهل المعاصي يعذبون فيغتر بذلك، وقد يبلغ بعضهم قولاه معًا فلا يلتفتون إلى الثاني بل يقولون: رأس الأمر الإيمان، فإذا كان إيمان الفجار مساويًا لإيمان الأنبياء والملائكة ففيم العذاب، وقد دلت النصوص على أن المؤمنين لا يعذبون؟! ويحملهم ذلك على التهاون بالعمل، يقول","vol":"9","page":485},{"text":"أحدهم لم أتعب نفسي في الدنيا بما لا يزيد في إيماني شيئًا، حسبي أن إيماني مساوٍ لإيمان جبريل ومحمد ﵉! ويحملهم ذلك على احتقار الملائكة والأنبياء والصديقين قائلين: أعظم ما عندهم الإيمان، وأفجر الفجار مساوٍ لهم فيه!\nوإذا كان أبو حنيفة كما يقول الكوثري يرى أن الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجازم، وأنه لا يزيد ولا ينقص، فقد يبلغ هذا بعض الناس فيقول: إذا كنت لا أصير مؤمنًا إلا بأن يكون يقيني مساويًا ليقين جبريل ومحمد ﵉ فهذا ما لا يكون، ففيم إذًا أعذب نفسي بالأعمال فأجمع عليها عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؟!\nوبعد فيكفي مبررًا لإنكار ذاك القول مخالفته للنصوص الشرعية، أما النصوص على أن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد وينقص بحسبها فمعروفة، حتى اضطر الكوثري إلى المواربة، فزعم أن أبا حنيفة إنما كان يدفع أن يكون العمل ركنًا أصليًا لا أنه من الإيمان في الجملة، كاليدين والرجلين وغيرها من الأعضاء بالنسبة إلى الجسد هي منه وينقص بفقدها مع بقاء أصله، وإن كان في بعض عبارات الكوثري ما يخالف هذه الدعوى.\nوأما النصوص على أن الإيمان القلبي يزيد وينقص، فمنها الأحاديث الصحيحة في أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال شعيرة من إيمان، ثم من قالها وفي قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ثم من قالها وفي قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان. (١)\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف عبد الله بن أحمد المقدسي سنة (٦٢٠هـ).","vol":"9","page":486},{"text":"فأما قول الله ﷿: ﴿* قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١) فليس فيها ما ينافي أن تكون الأعمال من الإيمان، وإنما غاية ما فيها أن الاعتقاد القلبي ركن ضروري للإيمان، فلا يكون الإنسان مؤمنًا حقًا بدونه، فإن قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ نفي لإيمانهم، ويكفي في نفيه انتفاء ركن ضروري عنه كما لا يخفى، وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ لا يقتضي أن الإيمان كله هو الذي يكون في القلب، ألا ترى أنه يصح أن يقال: لم يدخل الإسلام في قلب فلان ... أو: لم يدخل الدين في قلب فلان. مع الاتفاق أن الإسلام والدين لا يختص بما في القلب.\nوأما ما في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ..» (٢) فقد أجاب عنه البخاري في كتاب الإيمان من \"صحيحه\" قال: باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، وبيان النبي - ﷺ - ثم قال: «جاء جبريل ﵇ يعلمكم دينكم»، فجعل ذلك كله دينًا، وما بين النبي - ﷺ - لوفد عبد القيس من الإيمان، وقوله تعالى: ﴿ومن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٣).\n_________\n(١) الحجرات الآية (١٤).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف محمد بن أسلم الطوسي سنة (٢٤٢هـ).\n(٣) آل عمران الآية (٨٥).","vol":"9","page":487},{"text":"وقصة وفد عبد القيس التي أشار إليها هي في \"الصحيحين\" أيضًا وقد أوردها فيما بعد فأخرج من طريق ابن عباس في قصة محاورة النبي - ﷺ - لهم: .. فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ..» (١) فقد يقال: الإيمان في حديث جبريل منحوّ به المعنى اللغوي لا المعنى الشرعي، ويؤيد ذلك أن السائل في حديث جبريل كان في الظاهر -كما يعلم من الروايات- أعرابيًا لم يجتمع قبل ذلك بالنبي - ﷺ -، فلما ابتدأ فقال: ما الإيمان؟ كان الظاهر أنه إنما يريد بالإيمان ما يعرفه في اللغة، فإذا كان معناه في اللغة التصديق القلبي، فظاهر السؤال: ما الذي يطلب في الدين التصديق القلبي به؟ .. وأما في قصة عبد القيس، فإن النبي - ﷺ - هو الذي ابتدأ فأمرهم بالإيمان ثم فسره لهم، فكان المعنى الشرعي للإيمان هو ما جاء في قصة عبد القيس.\nفإن قيل: فإنه لم يستوعب الأعمال.\nقلت: هذا السؤال مشترك، ولا قائل إن ما ذكر فيه من الأعمال هي من الإيمان دون غيرها، ومثل هذا في النصوص كثير من الاقتصار على الأهم، إما لعلم المخاطب بغيره، وإما اتكالًا على أنه سيعلمه عند الحاجة، وإما لأن في الإجمال ما يدل عليه، وكثيرًا ما يقع الاختصار من بعض الرواة. (٢)\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف ابن الصلاح سنة (٦٤٣هـ).\n(٢) التنكيل للمعلمي اليماني (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٨).","vol":"9","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3323>محمد بن إسماعيل بن محمد بن إبراهيم (١٣٨٧ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-3324>موقفه من المبتدعة:</span>\nذكر عبد الرحمن بن عبد الجبار أن هذا الشيخ كانت له نهضة سلفية في باكستان والهند، وذكر أنه كان أعجوبة العصر في الوقوف أمام المبتدعة. جاء في مسودة عبد الرحمن بن عبد الجبار: أحد نوابغ عصره ومن العلماء المفلقين في علوم الكتاب والسنة، وكان مولعا بنشر السنة والسلفية، قضى حياته في الدرس والإفادة والتأليف والوعظ والإرشاد، تخرج على المحدث الوزير أبادي، كان له مساهمة كبيرة في الحركات بباكستان التي كان أمينها العام، وله بحوث ومقالات علمية قيمة في الدفاع عن السنة والسلفية، وله ردود علمية على منكري السنة والمقلدة الجامدين.\nومن مؤلفاته:\n١ - 'تحقيق مسألة حياة الأنبياء'.\n٢ - 'النهضة السلفية في الهند والباكستان'.\n\nمحمد بن إبراهيم آل الشيخ (١) (١٣٨٩ هـ)\nالشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. ولد في مدينة الرياض سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية. حفظ القرآن في سن الحادية عشرة، ثم شرع في طلب العلم، فقرأ على والده مختصرات من علم التوحيد وأصول\n_________\n(١) الأعلام (٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧) وعلماء نجد (١/ ٨٨) والإتحاف (١/ ١٠٥) والمستدرك على معجم المؤلفين (٥٨٢).","vol":"9","page":489},{"text":"العقيدة والحديث وغيره. وفي سن الرابعة عشر من عمره فقد بصره، فصبر واحتسب واستمر في طلبه. تلقى الشيخ العلم على أيدي مجموعة من الشيوخ، فبالإضافة إلى أبيه وعمه، هناك الشيخ سعد بن حمد بن عتيق والشيخ حمد بن فارس والشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود وغيرهم. ومن تلاميذه: الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد وعبد الرحمن بن قاسم، وغيرهم كثير.\nقال عنه الشيخ ابن باز: كان من أعلم الناس في زمانه ومن أحسنهم تعليما وتفقيها وعناية بالطالب وإيقاع الأسئلة. وقال الأمين الشنقيطي: عرفنا فيه وفور العلم ورجاحة العقل وتمام الحكمة والصبر المنقطع النظير وهو -﵀- فيما أعتقد وأجزم به وإن كنت لا أزكي على الله أحدا فهو من نوادر الرجال الذين عرفناهم علما وعقلا وحكمة فنرجو الله أن يتقبل منه صالح عمله وأن يجزيه كل خير ويعلي درجته في الآخرة كما أعلاها في الدنيا، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا.\nتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وألف وله من العمر ثمان وسبعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3326>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال ﵀: كل بدعة ضلالة (١): فيه أن البدعة ليس فيها حسن، ففيه الرد على من يقول أن هذه بدعة حسنة والرسول يقول ضلالة.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣١٠ - ٣١١و٣١٩و٣٧١) ومسلم (٢/ ٥٩٢/٨٦٧) والنسائي (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠/ ١٥٧٧) وابن ماجه (١/ ١٧/٤٥) من حديث جابر ﵁.","vol":"9","page":490},{"text":"وأما قول عمر: نعمت البدعة. المراد من جهة اللغة وإلا فأصلها مشروع فإنه من المعلوم أن النبي - ﷺ - صلى بهم ليال فلم يخرج خشية فرضها عليهم فأصلها معروف زمن النبي (١).\nأما تقسيم بعضهم البدعة إلى خمسة أقسام: فهذا غير مسلم. بل البدعة التي لا يسوغها الشرع بدعة ضلالة. وما كان لها ما يخولها من الدين ويدل عليها فليست بدعة ضلالة بل بدعة لفظية. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3327>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀: وأما الطواف بالقبر، وطلب البركة منه، فهو لا يشك عاقل في تحريمه وأنه من الشرك، فإن الطواف من أنواع العبادات فصرفه لغير الله شرك، وكذلك البركة لا تطلب إلا من الله، وطلبها من غير الله شرك كما تقدم في حديث أبي واقد الليثي (٣).\nوأما النذر للقبر فلا يجوز، فإن النذر عبادة، وصرفه لغير الله شرك أكبر، كما قال الله سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٤). وكما في الصحيح من حديث عائشة: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (٥).اهـ (٦)\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف ابن رجب سنة (٧٩٥هـ).\n(٢) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن ابراهيم (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨)\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة (١٢٠٦هـ).\n(٤) الإنسان الآية (٧).\n(٥) أحمد (٦/ ٣٦) والبخاري (١١/ ٧١٢/٦٦٩٦) وأبو داود (٣/ ٥٩٣/٣٢٨٩) والترمذي (٤/ ٨٨/١٥٢٦) والنسائي (٧/ ٢٣/٣٨١٥) وابن ماجه (١/ ٦٨٧/٢١٢٦).\n(٦) فتاوى ورسائل محمد بن ابراهيم (١/ ١٢٢).","vol":"9","page":491},{"text":"- وقال أيضا: إن الغلو في قبور الأنبياء والصالحين واتخاذها مساجد وتشييد القباب والأبنية وإقامة الأضرحة وتعليق الستور المزركشة عليها وإسراجها بالشموع والأضواء كل ذلك من مظاهر الشرك وآثار الجاهلية التي لا يقرها الإسلام ولا تتفق مع أحكام شريعته المطهرة، ولذلك بالغ رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه في إنكار ذلك والتحذير منه أشد المبالغة، لئلا يفضي الأمر بهذه الأمة إلى اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين أوثانا تعبد من دون الله. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3328>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ﵀: من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم علي بن محمد المطوع المحترم:\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:\nفقد وصل إلينا كتابك المؤرخ، الذي ذكرت فيه ما أجراه بعض الروافض عندكم أنهم صوروا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ صورة مجسمة تجسيما كاملا، وزينوه بلباس فاخر بلحيته وعمامته، وجعلوا له ذيلا يستهزءون به في مجالسهم، ويرقصون حواليه، ويلعنونه، ثم أتوا بولد أبو عشرين سنة وأتوا بمطوعهم ليعقدوا للولد على عمر، ويجعلونه مثل الذين تعرفون، ثم عثرت عليهم الشرطة، فمسكتهم وأودعوا السجن، وتسأل عما يجب في حقهم شرعا؟.\nوالجواب: عن ما ذكرتم من هذا الأمر العظيم من فعل هؤلاء الروافض\n_________\n(١) فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم (١/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"9","page":492},{"text":"وتهجمهم على أصحاب رسول الله - ﷺ -، الذين اختارهم الله لصحبة رسوله، فقاموا معه خير قيام، وآمنوا به، وهاجروا وجاهدوا معه، ونصروه، وبذلوا في سبيل ذلك مهجهم وأولادهم وأوطانهم وأموالهم، وفدوه - ﷺ - بجميع ذلك.\nقال أبو زرعة العراقي: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من الصحابة فاعلم أنه زنديق، وذلك أن القرآن حق، والرسول حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة، فمن جرحهم فقد أراد إبطال الكتاب والسنة.\nفإذا كان هذا في حق سائر الصحابة، فما بالك بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي هو أفضل الصحابة وأجلهم بعد الصديق بإجماع الأمة والبراهين القاطعة، والذي وردت في فضله الأحاديث الكثيرة والأخبار الشهيرة، ففي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك» (١) وفي الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: «لقد كان فيمن كان قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر» (٢) أي ملهمون. وروى الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» (٣) وأخرج الترمذي أيضا عن عقبة بن عامر\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف خالد بن يوسف النابلسي سنة (٦٦٣هـ).\n(٢) تقدم تخريجه انظر (المهدي بن تومرت محمد بن عبد الله وبدعه في بلاد المغرب سنة (٥٢٤هـ).\n(٣) أحمد (٢/ ٩٥) والترمذي (٥/ ٥٧٦ - ٥٧٧/ ٣٦٨٢) وقال: \"حسن غريب من هذا الوجه\" وابن حبان (الإحسان ١٥/ ٣١٨/٦٨٩٥) وفي الباب عن أبي ذر وأبي هريرة ﵄.","vol":"9","page":493},{"text":"مرفوعا: «لو كان بعدي نبي لكان عمر» (١) والأحاديث والآثار في هذا كثيرة معروفة.\nوهؤلاء الروافض قد ارتكبوا بهذا الصنيع عدة جرائم شنيعة: منها الاستهزاء بأفاضل الصحابة رضوان الله عليهم وسبهم ولعنهم. ومنها التصوير، والتصوير من كبائر الذنوب الملعون فاعلها، مع أنهم لم يصوروه على خلقته ﵁ بل صوروه صورة بهيمة، وجعلوا له ذيلا لتمام السخرية والاستهزاء قبحهم الله. وما أعظمها وأقبحها وأفضحها وأفحشها، ومنها تهجمهم عليه ووقاحتهم حتى أتوا برجل يعقدون له النكاح عليه قبحهم الله وأخزاهم، وهذا يدل على خبثهم وشدة عداوتهم للإسلام والمسلمين، فيجب على المسلمين أن يغاروا لأفاضل أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأن يقوموا على هؤلاء الروافض قيام صدق لله تعالى، ويحاكموهم محاكمة قوية دقيقة، ويوقعوا عليهم الجزاء الصارم البليغ، سواء كان القتل أو غيره حسب ما يراه الحاكم بنظره المصلحي الشرعي، والمأمول من ولاة الأمور عندكم وفقهم الله وهداهم القيام حول ما ذكر بما يلزم شرعا بالضرب على هؤلاء بيد من حديد، غيرة لديننا وخيار سلفنا وزجرا لمن تسول له نفسه مثل صنعهم. ونسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويذل أعداءه، ويوفق ولاة الأمر لما فيه عز الإسلام والمسلمين. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (٢)\n_________\n(١) أحمد (٤/ ١٥٤). الترمذي (٥/ ٥٧٨/٣٦٨٦) وقال: \"حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث مشرح بن هاعان\". الحاكم (٣/ ٨٥/٤٤٩٥) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. ومشرح هذا قال فيه الحافظ في التقريب: \"مقبول\". قال الشيخ الألباني في الصحيحة (١/ ٦٤٦): \"وهذا سند حسن رجاله كلهم ثقات، وفي مشرح كلام لا ينزل عن رتبة الحسن، وقد وثقه ابن معين\".\n(٢) فتاوى ورسائل محمد بن ابراهيم (١/ ٢٤٨ - ٢٥٠).","vol":"9","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3329>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀: وقد اشتهر في النفي مذاهب أربعة: المعتزلة، والأشاعرة، والجهمية، والماتريدية، والماتريدية قريبة من الأشعرية إلا أن بينهما فروقا مذكورة في مواضعها.\nالجهمية ينفون جميع الأسماء والصفات ولا يثبتون شيئا أو يثبتون \"القادر\" لأن مذهب جهم الجبر. وهم زعموا التنزيه فلجأوا إلى التشبيه، فلما تصوروا ذلك واعتقدوه كذبوا الرسول ولجئوا إلى التعطيل، فوقعوا في تشبيه أكثر من الأول.\nوالأشاعرة أثبتوا سبعا، وقالوا في البقية أنها أخبار آحاد ونحو ذلك.\nثم الأشاعرة في مسلكهم الردي في النصوص يقال لهم: يلزمكم فيما صرتم إليه، فإن قالوا: إرادة مثل إرادة المخلوق. قيل: شبهتم، وإن قالوا: إرادة تليق بجلال الله. قيل لهم: وكذلك قولوا في الرحمة وأثبتوا نصوص الكتاب والسنة. وكذلك يقال في سائر الصفات. والحق ما عليه أهل السنة وهو إثبات الصفات حقيقة مع قطعهم أن الجميع لا يماثل صفات المخلوقين. (١)\n- وقال: وفي قوله: ﴿منزل مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢) دلالة على أمور: منها بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة، كما هو قول \"الجهمية\" الذين يقولون بخلق القرآن من المعتزلة والنجارية والضرارية\n_________\n(١) فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم (١/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(٢) الأنعام الآية (١١٤).","vol":"9","page":495},{"text":"وغيرهم، فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال إن القرآن مخلوق وإن الله لا يرى في الآخرة جهميا.\nفإن جهما أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزيد المبالغة في النفي والابتداء لكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه. وإن كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك، فإن الجعد أول من أحدث ذلك في الإسلام فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر. وقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم بأن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه.\nولكن المعتزلة وإن وافقوا جهما في بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك كمسائل الإيمان والقدر وبعض مسائل الصفات أيضا، ولا يبالغون في النفي مبالغته، وجهم يقول إن الله لا يتكلم أو يقول إنه متكلم بطريق المجاز، وأما المعتزلة فيقولون إنه تكلم حقيقة. لكن قولهم في المعنى هو قول جهم، وجهم ينفي الأسماء أيضا كما نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة، وأما جمهور المعتزلة فلا تنفي الأسماء.\nفالمقصود أن قوله: ﴿منزل مِنْ رَبِّكَ﴾ (١) فيه بيان أنه منزل من الله لا من مخلوق من المخلوقات. ولهذا قال السلف: منه بدأ. أي هو الذي تكلم به لم يبتدأ من غيره كما قالت الخلقية. (٢)\n_________\n(١) الأنعام الآية (١١٤).\n(٢) فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).","vol":"9","page":496},{"text":"محب الدين الخطيب (١) (١٣٨٩ هـ)\nالشيخ محب الدين بن أبي الفتح محمد بن عبد القادر بن صالح الخطيب. ولد بدمشق سنة ثلاث وثلاثمائة وألف من الهجرة، وتعلم بها، ثم رحل إلى صنعاء ثم إلى مصر (القاهرة) شاغلا مناصب مختلفة، آخرها محررا في جريدة الأهرام، وأصدر مجلته \"الزهراء\" و\"الفتح\"، وتولى تحرير \"مجلة الأزهر\" وأنشأ المطبعة السلفية ومكتبتها، فنشر عددا كبيرا من كتب التراث الإسلامي.\nتوفي ﵀ سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3331>موقفه من المبتدعة:</span>\nكانت له أيادي بيضاء في نشر العقيدة السلفية والدفاع عنها، يظهر ذلك في تعاليقه الجيدة على المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي.\nومن آثاره السلفية:\n١ - 'الغارة على العالم الإسلامي'.\n٢ - وله تعاليق غنية بالفوائد والدرر.\n- قال في مقدمته على 'العواصم' لابن العربي: والتاريخ الصادق لا يريد من أحد أن يرفع لأحد لواء الثناء والتقدير، لكنه يريد من كل من يتحدث عن رجاله أن يذكر لهم حسناتهم على قدرها، وأن يتقى الله في ذكر سيئاتهم فلا يبالغ فيها ولا ينخدع بما افتراه المغرضون من أكاذيبها.\nنحن المسلمين لا نعتقد العصمة لأحد بعد رسول الله - ﷺ -، وكل من\n_________\n(١) الأعلام (٥/ ٢٨٢) والمستدرك على معجم المؤلفين (٥٧٦ - ٥٧٧).","vol":"9","page":497},{"text":"ادعى العصمة لأحد بعد رسول الله - ﷺ - فهو كاذب. فالإنسان إنسان، يصدر عنه ما يصدر عن الإنسان، فيكون منه الحق والخير، ويكون منه الباطل والشر. وقد يكون الحق والخير في إنسان بنطاق واسع فيعد من أهل الحق والخير، ولا يمنع هذا من أن تكون له هفوات. وقد يكون الباطل والشر في إنسان آخر بنطاق واسع، فيعد من أهل الباطل والشر، ولا يمنع هذا من أن تبدر منه بوادر صالحات في بعض الأوقات.\nيجب على من يتحدث عن أهل الحق والخير إذا علم لهم هفوات، أن لا ينسى ما غلب عليهم من الحق والخير، فلا يكفر ذلك كله من أجل تلك الهفوات. ويجب على من يتحدث عن أهل الباطل والشر إذا علم لهم بوادر صالحات، أن لا يوهم الناس أنها من الصالحات من أجل تلك الشوارد الشاذة من أعمالهم الصالحات. (١)\n- قال في مقدمته على كتاب 'مختصر التحفة الاثني عشرية': والمسلمون الأولون -الذين تولى الهادي الأعظم - ﷺ - تربيتهم وتوجيههم وإعدادهم للاضطلاع بمهمة الإسلام العظمى- كانوا المثل الكامل للعمل بالإسلام: في إيمانهم، وطاعتهم لله، وأخلاقهم الكريمة، وسياستهم الحكيمة، وفتوحهم الرحيمة، وتكوينهم المجتمع الإسلامي الصالح، والدولة الإنسانية المثالية. وقد كافأهم الله على ذلك بانتشار رسالته على أيديهم، وذيوع دعوته بين الأمم اقتداء بهم، واتباعا لهم. ولما تخطت رسالة الإسلام حدود الجزيرة العربية المباركة -فدخلت العراق وإيران شرقا، والشام شمالا، ومصر وإفريقية غربا-\n_________\n(١) مقدمة العواصم (٤٦ - ٤٧).","vol":"9","page":498},{"text":"كان ذلك سعادة للأخيار من أهل البلاد المفتوحة، وغذاء لعقولهم، وبهجة وحبورا تطمئن بهما قلوبهم. وشجى للأشرار منهم، وغصة في حلوقهم، ومبعث إحنة وغل تسممت بهما دماؤهم وأرواحهم. إن الأخيار من طبقات سالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، فالحسن البصري، وعبد الله بن المبارك، فمحمد بن إسماعيل البخاري، وأبي حاتم الرازي، وابنه عبد الرحمن، وأندادهم وتلاميذهم، استقبلوا هداية الإسلام السليمة الأصيلة بأرواحهم وعقولهم، وفتحوا لها أبوابهم وصدورهم، وأحلوا لغتها محل لغاتهم، وعملوا بسننها بدلا من سننهم، ونسخوا بإيمانها كل ما كانوا -أو كان آباؤهم- عليه من قبل. فساهموا في حفظ كتاب الله وسنة رسوله الأعظم، وحرصوا على فهمهما كما كان يفهمهما أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وعبد الله بن عمر وعبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل ومن ائتم بهم وسار على منهاجهم، حتى صاروا بنعمة الله إخوانا للمسلمين كصالحي المسلمين، وأئمة للمسلمين كسائر أئمة المسلمين. (١)\n- وقال في مقدمة تحقيقه على كتاب 'المنتقى من منهاج الاعتدال' للذهبي رحمهما الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ (٢).\n_________\n(١) مقدمة مختصر التحفة الاثني عشرية.\n(٢) المائدة الآية (٨).","vol":"9","page":499},{"text":"إن ظهور هذا الدين الإسلامي -على فترة من تاريخ الإنسانية- كان حادثا من أعظم أحداثها، بل هو أعظم أحداثها، فقد جاء لإقامة الحق: ما كان منه وما سيكون، فكل حق يواجهه البشر في ائتلافهم واختلافهم، وفي معاملاتهم وأقضيتهم وأحكامهم، وفي تفكيرهم وبحوثهم ودراساتهم وأنظمتهم، وفي تعاونهم على ما فيه خيرهم ومصالحهم: فهو من الإسلام. وحسب الإسلام مكانة في تاريخ التشريع أن يسميه الله \"دين الحق\" ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (١)، وكل ما وافق العدل والقسط فالإسلام يدعو أهله إلى أن يقوموا به، وأن يشهد كل واحد منهم بما يعلمه منه، وأن يعملوا جميعا على بسط سلطان العدل ونشر لوائه في دار الإسلام وفي سائر آفاق الأرض كاملا وافيا بأقصى ما يستطيعونه، ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم، فالحق والعدل وإقامتهما والشهادة بهما عنصر الإسلام الأول، وخلقه المقدم، والسمة التي يجب أن يتميز بها أهله في طيبة قلب وصفاء فطرة وطهارة نفس وإيثار لما فيه مرضاة الخالق وطمأنينة الخلق. والعدل في نظام الإسلام من التقوى، والتقوى ميزان التفاضل بين المسلمين، والله خبير بأهلها وبمن ينحرف عنها، لا تخفى عليه منهم خافية.\nوهذه الصورة المشرقة لهذا الإسلام الجميل هي التي تولى خاتم رسل الله تربية أصحابه عليها، وإعدادهم ليخلفوه في دعوة الإنسانية إليها، ولم يودع - ﷺ - هذه الدنيا ويغمض بصره وراء سجف بيت عائشة أم المؤمنين المطل على مسجده الشريف ليلتحق\n_________\n(١) التوبة الآية (٣٣).","vol":"9","page":500},{"text":"بالرفيق الأعلى؛ إلا بعد أن أقر الله عينيه الكريمتين باجتماع الصفوة المختارة منهم صفوفا كالبنيان المرصوص، مسلمين أنفسهم وقلوبهم لله ﷿ في عبادته وطاعته، خلف خليفته فيهم أبي بكر الصديق ﵁، الذي قال فيه وفي صنوه عمر بن الخطاب أخوهما علي بن أبي طالب وهو يخطب على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. وفي مثل لمح البصر -بعد فاجعة الإسلام والمسلمين بفراق أكرم خلق الله على الله- لم هؤلاء البررة الأخيار شعثهم في جزيرتهم المباركة، ووحدوا صفوفهم العامة للجهاد، كما وحدوا في أيام احتضار الرسول - ﷺ - صفوفهم للصلاة، فسارت رايات أبي بكر متوجهة إلى العراق والشام حاملة أمانات الرسالة المحمدية إلى أمم الأرض أدناها فأدناها، وسرعان ما كافأهم الله على جهادهم الصادق بالنصر الموعود، فترددت أصداء دعوة \"حي على الفلاح\" في الآفاق التي خفقت فيها رايات قواد الخليفة الأول: أبي عبيدة، وخالد، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وكان هؤلاء للشعوب التي اتصلوا بها معلمين ودعاة وأصحاب رسالة من الله ورسوله إلى البلاد التي عرفت أقدارهم؛ وفتحت أبوابها وقلوب أهلها لتعليمهم وتوجيههم. وبعد أن قرت عينا أبي بكر بنصر الله في بلاد الرافدين وربوع الشام اختاره الله لمجاورة الرسول - ﷺ - في الأخرى، كما اختاره لصحبته في الدنيا، فأخذ دفة القيادة في سفينة الإسلام خليفته أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو خير هذه الأمة بعد أبي بكر بشهادة أخيهما أبي الحسن ﵃ جميعا.\nومضت قافلة الإسلام في طريقها ترعاها عين الله التي لا تنام، فواصلت كتائب الدعوة المحمدية","vol":"9","page":501},{"text":"سيرها إلى وادي النيل، ومنها إلى شمال إفريقية، كما توغلت أخواتها في مملكة كسرى إلى أقصى آفاقها، حتى إذا تآمرت على الدم العمري الشريف مكايد اليهودية والمجوسية، واختار الله إليه مثال العدالة في الأرض: يسر له مجاورة صاحبيه، فارتضى المسلمون للخلافة المحمدية عليهم أطيبهم نفسا وأرحمهم قلبا وأنداهم يدا وأحفظهم للقرآن وأصبرهم على بلاء الزمان: صهر نبيهم على كريمتيه، ولو كان له - ﷺ - ابنة ثالثة لآثره بها، فكان عثمان لهؤلاء الصفوة البررة من أصحاب رسول الله - ﷺ - أخا مخلصا، ولأبنائهم أبا مشفقا، وكانت الأمة مدة خلافته في أرخى عيش وأسعد مجتمع، كما شهد بذلك عالمان من كبار التابعين: الحسن البصري وصنوه ابن سيرين، بينما كانت رايات ذي النورين بأيدي المجاهدين الأبطال من رجاله تخفق في آفاق قفقاسيا وما وراء الباب مما كان قواد الأكاسرة وأبطالهم لا يطمعون في الوصول إليه. وهكذا عرفت أمم المشرق وأمم المغرب هذا الإسلام من سيرة الصحابة وعدلهم، ورفقهم وحزمهم واستقامتهم على طريق الحق الذي قامت به السماوات والأرض، وبذلك تحقق فيهم قول صاحب الرسالة العظمى - ﷺ -: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١) ...\nوهذا الحديث الشريف من أعلام نبوة رسول الله - ﷺ -؛ لأن الإسلام لم ير زمان سعادة وعزة واستقامة على الحق والخير كالذي رآه في زمان الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان،\n_________\n(١) أخرجه بهذا اللفظ أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٧٢) عن عمر بن الخطاب واستغربه. وقد صح الحديث بلفظ «خير الناس قرني ...» من حديث ابن مسعود أخرجه: أحمد (١/ ٣٣٤) والبخاري (٥/ ٣٢٤/٢٦٥٢) ومسلم (٤/ ١٩٦٣/٢٥٣٣ [٢١٢]) والترمذي (٥/ ٦٥٢/٣٨٥٩) والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٩٤ - ٤٩٥/ ٦٠٣١) وابن ماجه (٢/ ٧٩١/٢٣٦٢).","vol":"9","page":502},{"text":"وتحديد ذلك إلى نهاية الدولة الأموية، وقد يلتحق به زمن الخلفاء الأولين من بني العباس الذين تربوا في البيئة الأموية. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج٧صلى الله عليه وسلم٤): اتفقوا -أي اتفق أئمة الإسلام- أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود سنة ٢٢٠هـ، ثم ظهرت البدع، وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا.\nهذه المدة التي تنبأ عنها خاتم رسل الله - ﷺ - ونعتها بأنها \"خير القرون\" وكان ذلك من أعلام نبوته، هي عصور الإسلام الذهبية التي لم ير الإسلام أعظم منها بركة، ولا أعز منها لأهله رفعة وسلطانا، ولا أصدق من جهاد قادتها جهادا، ولا أوسع من دعوتها إلى الله في أوسع الآفاق من أرض الله، وفيها انتشر حفظة القرآن في أنحاء المعمورة ورحل شباب التابعين إلى كل بقعة فيها صحابي يحفظ عن رسول الله - ﷺ - شيئا من سنته السنية ليتلقوها عنه قبل أن تموت بموته، ثم رحل تابعوهم إلى كل بقعة فيها أحد من كبار التابعين يحفظ شيئا عن الصحابة ليحملوا عنه ما حمله عن شيوخه من الصحابة، وهكذا وصلت أمانة السنة إلى رجال التدوين -من أمثال مالك وأحمد وشيوخهم ومعاصريهم وتلاميذهم- غضة يفوح منها عبق النبوة، هدية من الأمناء الحافظين إلى الأمناء الحافظين، فكان من ذلك أثمن تراث للمسلمين بعد كتاب الله ﷿، فبهمة هؤلاء حفظ الله لنا هذه الكنوز، وبسيوفهم فتح الله للإسلام هذه الممالك، وبدعوتهم المباركة نشر الله دعوة الإسلام، فكان لنا اليوم هذا العالم الإسلامي بأوطانه وشعوبه وما فيه من علوم وعلماء كانوا في عصور الإسلام الأولى ملح الأرض وزينة الدنيا،","vol":"9","page":503},{"text":"وبصلاحهم وعودتهم إلى الله في أيامنا والأيام الآتية سيعود إن شاء الله لهذا الإسلام مجده وسلطانه، وستحيا بنهضتهم أنظمته وسننه، وما ذلك على الله بعزيز.\nوكما أن أبناء السراة وأهل السعة يرثون عن آبائهم أملاكهم وأموالهم فتكون لهم بذلك العزة والمكانة في الدنيا، إلا أن يخدعهم عنها قرناء السوء فيوهموهم أن سعادتهم ومتعتهم في تبديدها والتفريط بها. كذلك هذا المجد الإسلامي الذي ورثناه عن الصحابة والتابعين لا نعلم لأمة من أمم الأرض مجدا يضارعه في مواريث الإنسانية، وأثمن هذا الميراث وأعظمه قدسية وبركة اهتمام أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ بجمع القرآن، وتوحيد تلاوته، وحفظه في المصاحف، ولو أن كل مسلم على وجه الأرض دعا لهم بالرحمة والرضا وعظيم المثوبة آناء الليل وأطراف النهار على ما أحسنوا به إلى المسلمين من هذا العمل العظيم لما وفيناهم ما في أعناقنا من منة لهم، سيتولى الله عنا حسن مكافأتهم عليها، ثم من أعظم كنوز هذا الميراث العظيم عناية كل صحابي بصيانة ما حفظه عن رسول الله - ﷺ - من أحاديثه وخطبه وسيرته وتصرفاته وتشريعه في أمره ونهيه وإقراره، فأدوا -﵏ ورضي عنهم- هذه الأمانة إلى إخوانهم وأبنائهم والتابعين لهم بإحسان بما لم يعهد مثله عن أصحاب نبي غيره من الأنبياء السابقين، فكان ذلك من أعظم مواريث الإنسانية كلها في الأخلاق والتشريع وتكوين الأمم الاجتماعي والتقريب بين البشر في طبقاتهم وأجناسهم وأوطانهم وألوانهم، ولا يغمط جيل الصحابة فيما قاموا به للإنسانية من ذلك إلا ظالم يغالط في الحق إن كان غير مسلم،","vol":"9","page":504},{"text":"أو زنديق يبطن للإسلام غير الذي يظهره لأهله إن كان من المنتسبين إليه. وميراثنا الثالث من المواريث التي صارت إلينا عن الصحابة حسن عرضهم هذا الإسلام على الأمم ممثلا بأخلاقهم الإسلامية السليمة وأعمالهم الجليلة الرحيمة، فحببوه بذلك إلى الناس، وعرفوهم به من طريق القدوة والأسوة، فكان ذلك سبب دخول الأمم في الإسلام إلى أقصى آفاق المعمورة المعروفة في أزمنتهم.\nوهذه الفضيلة قد شارك عمال الخلفاء الراشدين فيها من جاهد بعدهم من الصحابة والتابعين تحت رايات الخلفاء من قريش الذين كان من أعلام نبوة النبي - ﷺ - أيضا التنويه بهم في حديث جابر بن سمرة في الصحيحين (١)، ورؤيا النبي - ﷺ - في قباء عن جهاد معاوية ﵁ في البحر، ورؤياه الثانية يومئذ عن حملة ابنه في حصار القسطنطينية (٢)،\nوهؤلاء الخلفاء من قريش الذين ورد النص عنهم في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة هم الذين جاهدوا وجاهد رجالهم تحت كل كوكب، وطووا آفاق الأرض يحملون هذه الدعوة إلى أقاصي المعمور من بلاد آسيا وإفريقية\n_________\n(١) وهو قوله ﵊: «لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة». ثم قال كلمة لم أفهمها. فقلت لأبي: ما قاله؟ فقال: «كلهم من قريش». أخرجه: أحمد (٥/ ٨٦،٨٧،٨٨،٩٠) والبخاري (١٣/ ٢٦١/٧٢٢٢، ٧٢٢٣) ومسلم (٣/ ١٤٥٢ - ١٤٥٣/ ١٨٢١ [٧]) واللفظ له. وأبو داود (٤/ ٤٧١ - ٤٧٢/ ٤٢٧٩،٤٢٨٠) والترمذي (٤/ ٤٣٤/٢٢٢٣) من طرق عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، فذكره.\n(٢) البخاري (٦/ ١٢٧/٢٩٢٤) عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص وهو في بناء له ومعه أم حرام، قال عمير: فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول: «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا. قالت أم حرام: قلت يا رسول الله: أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم، ثم قال النبي - ﷺ -: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا». قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا في البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر. وقد حدث أنس بن مالك عن أم حرام هذا الحديث أتم من هذا السياق ..","vol":"9","page":505},{"text":"وأوربا، ومهما تنبض قلوبنا بشكرهم والوفاء لهم والثناء على ما نشروا في الدنيا من ألوية جهادهم لن نوفيهم عشر معشار ما كان ينبغي لنا أن نفعله، وإلا فأين هي الدراسات العلمية الصحيحة التي قمنا بها لتدوين أمجادهم العظمى وبطولتهم الكبرى، وأين هي المؤلفات العصرية التي كان ينبغي أن تكون في أيدي الشباب في جميع أقطار الإسلام، والتي تجعل القارئ منا كأنه معاصر لتلك الأحداث، مرافق لكتائبها وأعلامها، مشارك بمشاعره ومداركه وخفقات قلبه في كل نصر أحرزه الإسلام في الدنيا على أيدي الصحابة والتابعين وأتباعهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3332>موقفه من الرافضة:</span>\nمن آثاره السلفية:\n١ - 'الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثني عشرية'.\n٢ - تعليق على مختصر التحفة الاثني عشرية وقد ذيله بخاتمة عنوانها: \"حملة رسالة الإسلام الأولون وما كانوا عليه من المحبة والتعاون على الحق والخير وكيف شوه المغرضون جمال سيرتهم\".\n٣ - تعليق على العواصم والقواصم لابن العربي.\nوله تعليقات أخرى نافعة.\n_________\n(١) مقدمة المنتقى من منهاج الاعتدال (٣ - ٨).","vol":"9","page":506},{"text":"عبد الله بن علي بن محمد من آل يابس (١) (١٣٨٩ هـ)\nالشيخ عبد الله بن علي بن محمد من آل يابس، ولد في القويعية سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة، ونشأ بها، رحل إلى الرياض فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ سعد بن عتيق والشيخ عبد الله بن محمود وغيرهم، ثم رحل هو وزميلاه الشيخ عبد العزيز بن راشد وعبد الله ابن علي القصيمي إلى الأحساء ثم إلى بغداد، فأخذوا عن الشيخ شكري الآلوسي، ثم توجهوا إلى مصر. أقام المترجم في مصر نحوا من أربعين عاما، وهو يدافع عن عقيدة السلف، ويرد على المخالف، وله في ذلك المؤلفات القيمة.\nرحل في أواخر حياته إلى نجد، فأدركه المرض، فتوفي في الرياض وذلك سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3334>موقفه من المبتدعة:</span>\nله: 'إعلام الأنام في الرد على محمود شلتوت'. (٢)\nجاء في 'علماء نجد خلال ثمانية قرون' (٣): وقد اجتمع كل من المترجَم له -يعني أبا يابس، والشيخ عبد العزيز بن راشد، وعبد الله بن علي القصيمي، وعقدوا العزم على السفر إلى الهند لأخذ الحديث وعلومه عن علمائه، فمروا بالأحساء، فأقاموا فيه للقراءة على قاضيه الشيخ عبد العزيز بن بشر.\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ٣٣٥ - ٣٣٧) والأعلام (٤/ ١٠٨).\n(٢) علماء نجد (٤/ ٣٣٧) والأعلام (٤/ ١٠٨).\n(٣) (٤/ ٣٣٦ - ٣٣٧).","vol":"9","page":507},{"text":"وبعد فترة غير قليلة توجهوا إلى بغداد في طريقهم إلى الهند، فأقاموا فيه للأخذ عن علمائه، وأشهرهم السيد شكري الآلوسي.\nولأمور سياسية عدلوا عن الهند، وتوجهوا ثلاثتهم إلى مصر، فالتحق الثلاثة بالأزهر، فأخذوا عن علمائه واستفادوا منهم فائدة كبرى، فكان الثلاثة من كبار العلماء، ولم تتأثر عقيدتهم السلفية بشيء، بل ظلوا على تمسكهم بعقيدة السلف الصالح، يوالونها ويدعون إليها ويدافعون عنها، وهذا لم يردهم من الاستفادة مما عند الأزهريين من علم التفسير والحديث وأصولهما، ومن توسع في علوم اللغة العربية، وكان من أشدهم مدافعة ومهاجمة، وردودًا على المنحرفين والمبتدعين، ولا سيما الشيعة، هو عبد الله ابن علي القصيمي صاحب القلم السيال، والحجة القوية، واللسان الذرب، فكبتهم بكتاباته العظيمة وبرسائله \"البروق النجدية\" وغيرها، إلا أنه انحرف -والعياذ بالله- بعد ذلك، وصار من أكبر الملاحدة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.\nوالقصد أن المترجَم استقر في مصر، وكانت إقامته في الإسكندرية، وكان هو أيضًا يدافع عن عقيدة السلف، فقد ردَّ على الشيخ محمود شلتوت.\nولما انحرف زميله القصيمي وصنف كتابه 'هذي هي الأغلال' ردّ عليه المترجَم بكتاب سماه 'الرد القويم على ملحد القصيم'.\nوله غير ذلك من الكتب المفيدة النافعة.","vol":"9","page":508},{"text":"والحقيقة أن الله تعالى نفع به وبزميله عبد العزيز بن راشد في الإسكندرية في بث عقيدة السلف.\nموقفه المشركين:\nله: 'الرد القويم على ملحد القصيم'، رد فيه على كتاب 'هذي هي الأغلال' لعبد الله القصيمي. (١)\n\nعبد الرحمن الوكيل (٢) (١٣٩٠ هـ)\nالشيخ عبد الرحمن عبد الوهاب الوكيل، ولد في قرية زاوية البقلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، وحفظ القرآن ثم التحق بالمعهد الديني في طنطا، ومكث فيه تسع سنوات. وحصل على الإجازة العالية وعلى درجة العالمية وإجازة التدريس ثم عين في المعهد العلمي بالرياض سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف من الهجرة. وفي سنة ثمانين وثلاثمائة وألف انتخب رئيسا لجماعة أنصار السنة المحمدية بعد الشيخ عبد الرزاق عفيفي.\nقال فيه الشيخ محمد عبد الرحيم: لقد كان الشيخ عبد الرحمن الوكيل موفور الحظ من اللغة وجمال البلاغة ووضوح المعنى وسعة الاطلاع وشرف الغاية، كما جمع علما مصفى من شوائب البدع والخرافات الصوفية. وقال الدكتور سيد رزق الطويل: لقد كان في أخلاقه نسيج وحده، سموا في الخلق وعفة في اللسان، طلق المحيا منبسط الأسارير، واسع الثقافة متنوع المعرفة أديبا\n_________\n(١) علماء نجد (٤/ ٣٣٧) والأعلام (٤/ ١٠٨).\n(٢) مجلة التوحيد (العدد الخامس جمادى الأولى ١٤١٦هـ/ص.٣٤ - ٣٧).","vol":"9","page":509},{"text":"شاعرا.\nكان الشيخ ﵀ يعرف بهادم الطواغيت أي الصوفية وله في ذلك مؤلفات جليلة تدل على سعة علمه واطلاعه.\nتوفي ﵀ في جمادى الأولى سنة تسعين وثلاثمائة وألف من الهجرة، ودفن بـ\"الحجون\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3336>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال في كتابه 'الصفات الإلهية': أمة القرآن: ولقد آتى هذا الإيمان العظيم أكله، فجعل من أصحابه خير أمة أخرجت للناس، وأعظم جماعة تسامت بكرامة الإنسانية وبدد بنوره الذي أشرق في قلوب هؤلاء، وأشرقوا به على الناس، بغي الصليبية، وكيد الصهيونية ودنس المجوسية، ومكن لهم بنصر الله في الأرض، فأشرق في أرجائها جلال التوحيد، وروحانية الإيمان، وصفاء الخير، ونقاء الحب، ووداعة السلام، وتلاقت الأرحام على أقدس أخوة عرفها تاريخ بني الإنسان.\nفأروني الأمة التي أخرجها علم الكلام، ودعاته ألوف ألوف، وقد خيم على العقول القرون الطوال؟ إننا لا نجد أمته إلا أمة ضلالة ذاهلة وحيرة شاردة، وإن التاريخ لم يسجل لأمة غير هذا الذي نقول؟ وسجل له أنه كان من الظلمات التي حاولت أن تغتال النور في قلوب هذه الأمة وتاريخها المجيد.\nكيد دنيء: هكذا فعل الإيمان العظيم الذي تحدثنا عنه بهذه الأمة. ولكن أبى المسعرون بالأحقاد أن تظل هذه القوة العظيمة المنتصرة تبطش بالجور والسفه والضلالة والكفر، وتشيد في كل لحظة مجدا لقوة الحق، وجلالة","vol":"9","page":510},{"text":"الإيمان، وإيثار الأخوة السمحاء، وللوحدة القوية التي تجعل من البشرية أسرة واحدة.\nكما أبوا أن يستكينوا إلى ذل الهزيمة، فأوغلوا في الكيد وظلوا بالمسلمين يمارسون -في دهاء- فتنتهم، حتى استطاعوا الظفر بمن يهجر القرآن، ويتنكر للسنة، ويمجد البدعة، ويسجد للخرافة \"وإذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسل -كما يقول ابن تيمية- انتقم الله ممن خالف الرسل، فإنه لما ظهر في الشام ومصر والجزيرة الإلحاد والبدع سلط الله عليهم الكفار. ولما أقاموا ما أقاموه من الإسلام، وقهر الملحدين والمبتدعين نصرهم الله على الكفار\" وقول الإمام ابن تيمية حق هدى إليه القرآن، وامتلأ بآياته التاريخ. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3337>موقفه من الصوفية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - صوفيات أو 'هذه هي الصوفية'. وهو مطبوع ومتداول.\n- ومما قال فيه ﵀: للصوفية مدد من كل نحلة ودين إلا دين الإسلام، اللهم إلا حين نظن أن للباطل اللئيم مددا من الحق الكريم، وأن للكفر الدنس روحا من الإيمان الطهور. والصوفية نفسها تبرأ إلا من دين طواغيتها مؤمنة بأنه هو الحق الخالص. يقول التلمساني -وهو من كهان الصوفية- \"القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا\" وابن عربي يزعم أن رسول الله أعطاه كتاب فصوص الحكم -وهو دين زندقة- وقال له: \"أخرج به إلى الناس ينتفعون به- ويقول: فحققت الأمنية كما حده لي رسول الله\n_________\n(١) الصفات الإلهية (١٠ - ١٢).","vol":"9","page":511},{"text":"بلا زيادة ولا نقصان\" ثم يقول:\nفمن الله، فاسمعوا ... وإلى الله فارجعوا\n\nعلى حين يذكر الحق وتاريخه الصادق أن الصوفية تنتسب إلى كل نحلة مارقة، وتنتهب منها أخبث ما تدين به، ثم تفتريه لنفسها، مؤمنة به، وتحمل على الإيمان به كل فراشة تطيف بجحيمه، وإلا فهل من الإسلام أسطورة وحدة الوجود، وخرافة وحدة الأديان؟ فتلك تزعم أن الله سبحانه عين خلقه، عينهم في الذات والصفات والأسماء والأفعال، تزعم أن واهب الحياة، وخالق الوجود عين الصخر الأصم، والرمة العفنة، ووحدة الأديان تزعم أن كفر الكافر، وخطيئة الفاجر عين إيمان المؤمن، وصالحة الناسك، وتزعم أن دين الخليل هو دين أبيه آزر، وأن إيمان موسى عين كفر فرعون، وأن وثنية أبي جهل عين توحيد محمد، فكل رب الدين ورسوله، كل تعين للذات الإلهية، غير أنها سميت في تعين بمحمد، وفي آخر بأبي جهل، وهي هي في مظهريها، أو اسميها، تزعم أن دين إبليس وإيمانه عين دين أمين الوحي، وروح إيمانه، بل زادت الخطيئة فجورا، فزعمت أن إبليس أعظم معرفة بآداب الحضرة الإلهية من أمين الوحي، وأسمى مقاما.\nأفمن دين الإسلام هذه الخطايا الكافرة؟. (١)\n- وقال ﵀: كانت الجاهلية في إسفافها الوثني أقل حماقة من الصوفية، وتدبر ما قصه الله عن الجاهلية وشركها، تجدهم كانوا يوحدون الله\n_________\n(١) هذه هي الصوفية (ص.١٩ - ٢٠).","vol":"9","page":512},{"text":"في ربوبيته توحيدا حرمت حتى من مثله قلوب الصوفية، إن كانت لهم قلوب، يقول تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ (١).\nهذا دين الجاهلية ولكن الله لعنهم لعنا كبيرا بشركهم، لأنهم أشركوا بالله في إلهيته، فتضرعوا إلى غيره بالدعاء.\nأما الصوفية فتدين بالقتلة والمجرمين، وأوغاد الفاحشة أقطابا يتصرفون في الوجود، ويسيطرون بقهرهم على سنن الله الكونية ونواميس الوجود التي فطرها الله وحده، وهو الذي يصرفها وحده، ويتحكمون في أقدار الله، فلا ينفذ منها إلا ما يشتهون، فأي الشركين أطغى بغيا، وأخبث رجسا؟ لقد وحدت الجاهلية الله في ربوبيته، وأشركت به في ألوهيته، أما الصوفية فنفتهما عنه، وأثبتتهما للمفاليك الصعاليك، بل انحدرت حتى نفت وجود الله الحق، ونعتته بالعدم الصرف، أفيمكن أن يقاس إلحاد الصوفية، بشرك الجاهلية؟ أم ترى هذا ليلا غاسقا، وترى الإلحاد الصوفي دياجير تطغى، وتتراكم، وتطول، حتى لا يعرف الأبد فيها بدايته، أو منتهاه؟ أجيبوا يا كهنة الصوفية\n_________\n(١) المؤمنون الآيات (٨٤ - ٨٩).","vol":"9","page":513},{"text":"ولكن، لا: فحسبي أن الجواب مسفر الصبح، وضيء البيان، قوي الدلائل. (١)\nوله تقديم وتعليق على كتاب 'تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي' وكتاب 'تحذير العباد ببدعة الاتحاد' وكلاهما للبقاعي، تحت عنوان 'مصرع التصوف'.\n- قال ﵀ في مقدمة الكتاب: إن التصوف أدنأ وألأم كيد ابتدعه الشيطان ليسخر معه عباد الله في حربه لله ورسوله. إنه قناع المجوسي يتراءى بأنه رباني، بل قناع كل عدو صوفي العداوة للدين الحق. فتش فيه تجد برهمية، وبوذية، وزرادشتية، ومانوية، وديصانية. تجد أفلوطينية، وغنوصية. تجد فيه يهودية، ونصرانية، ووثنية جاهلية. تجد فيه كل ما ابتدعه الشيطان من كفر، منذ وقف في جرأة صوفية يتحدى الله، ويقسم بعزته أنه الذي سيضل غير المخلصين من عباده. تجد فيه كل هذا الكفر الشيطاني، وقد جعل منه الشيطان كفرا جديدا مكحول الإثم متبرج الغواية، متقتل الفتون، ثم سماه للمسلمين: (تصوف) وزعم لهم -وأيده في زعمه القدامى والمحدثون من الأحبار والرهبان- أنه يمثل أقدس المظاهر الروحية العليا في الإسلام، أقولها عن بينة من كتاب الله، وسنة خير المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه، وبعون من الله سأظل أقولها، لعلي أعين الفريسة التعسة على أن تنجو من أنياب هذا الوحش الملثم بوشاح الدعة الحانية العطوف، ولكن سلوا الصوفية سودا وبيضا، خضرا وحمرا، سلوهم: ما ردكم على هذا الصوت الهادر من أعماق الحق؟ سيقولون ما قالت وثنية عاد: إن نراك إلا اعتراك بعض آلهتنا\n_________\n(١) هذه هي الصوفية (ص.١٣٥).","vol":"9","page":514},{"text":"بسوء، وآلهتهم هي قباب أضرحة الموتى وأعتابها. (١)\n- وقال ﵀ متعقبا ابن خلدون في تقسيمه طريق المتصوفة إلى طريقة السنة وطريقة هي مشوبة بالبدع: ما كان من الصحابة ولا من التابعين صوفي، ولم يسم واحد منهم بهذا الاسم المرادف للزنديق، والصوفية منذ نشأوا وحيث كانوا عصابة تنابذ الكتاب والسنة، لا يفترق في هذا سلفهم عن خلفهم في هذا، غير أن بعضهم كان أشد جرأة من بعض في البيان عن زندقته، ودليلنا ما سجله التاريخ الحق، وما خلفوه هم في كتبهم من تراث وثني طافح بالمجوسية الغادرة، فتقسيم ابن خلدون هذا مجاف للصواب، ولكنه خدع كغيره فيما يشقشق به الصوفية من زور النفاق، إذ يزعمون كاذبين أن طريقهم طريق الكتاب والسنة، وابن خلدون نفسه يقر بأنه بدعة، إذ يقول في مقدمته عن التصوف: \"هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة\" ثم هل في الكتاب والسنة أن قبر الكرخي يقسم به على الله فيستجيب، ويستشفى به فيهفو الشفاء، وأن الصوفية هم غياث الخلق؟ كما زعم القشيري في رسالته، وهو من سلف الصوفية المتقدمين، وأقلهم شناعة في إفك المتصوف.\nأجاء في السنة أن العزوبية تباح لهذه الأمة بعد المائتين من الهجرة، وأن تربية الجرو أفضل من تربية الولد كما زعم أبو طالب المكي في قوته، ونسب فريته المانوية إلى الرسول - ﷺ -؟ أفيها أن الدين شريعة وحقيقة، وأن هذه أفضل من تلك؟ أفيها أن المريد لابد له من شيخ، وأن من لا شيخ له فشيخه الشيطان؟ أفيها أن قلب المريد بيد شيخه يصرفه بهواه؟ أفيها أن\n_________\n(١) مصرع التصوف (ص.١٠).","vol":"9","page":515},{"text":"غضب الشيخ من غضب الله؟ أفيها أن المريد يجب أن يكون بين يدي شيخه كجثة الميت بين يدي الغاسل؟ أفيها أن الولي أفضل من النبي؟ أفيها أن العارف يسمع كلام الله كما سمعه موسى؟ أفيها أن الذريات تسبح بحمد الأولياء، وأن هؤلاء يفقهون تسبيحها؟ كما زعم الغزالي؟ تلك بعض مفتريات سلف الصوفية الأقدمين، بهتوا بها الحق والهدى منذ سمي أول رجل منهم بالصوفي في منتصف القرن الثاني للهجرة وبعده، وتلك بعض ضلالات أولئك الأول الذين يزعم لهم ابن خلدون -وغيره- أن طريقهم مؤيد بالكتاب والسنة، أفتنسم على روحك مما نقلته عنهم نسمات حق، أو عبير هدى؟ كلا بل إنه يحموم كفر ومجوسية، ألا فلنقل الحق: ما من صوفي إلا وهو يسلك طريق الشيطان وحده من سلف ومن خلف. (١)\n- وقال ﵀: الخبير بحال الصوفية -سلفهم وخلفهم- والمتأمل في كتبهم يوقن أن الصوفية منذ نشأت، وهي حرب دنيئة -خفية أو مستعلنة- على الإسلام، هذا القشيري الصوفي القديم (ولد سنة ٣٧٦هـ وتوفي سنة ٤٦٥هـ) هذا هو يقول في رسالته عنهم: (ارتحل عن القلوب حرمة الشريعة، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركنوا إلى اتباع الشهوات. وادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكام البشرية، وبقوا بعد\n_________\n(١) هامش (ص.١٥٠ - ١٥١) من الكتاب نفسه.","vol":"9","page":516},{"text":"فنائهم عنهم بأنوار الصمدانية) (ص.٢ - ٣) الرسالة للقشيري. هذه شهادة عليهم في القرن الرابع الهجري من رجل يعدونه المثل الأعلى للصوفية العملية المعتدلة، وإنها لتدل على أن الصوفية من قديم تواصوا بالكيد للإسلام، وإنا لا تخدعنا هذه الشفوف من النفاق الصوفي، إذ هم السم الناقع يتراآ شهدا مذابا. فالقائلون بما هلل له البقاعي هم عين القائلين بما يخنقك منه يحموم الزندقة، فالقشيري نفسه يقول في مقدمة رسالته عن أهل الطريقة: (جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه) يفضل الصوفية على السابقين من المهاجرين والأنصار، ثم يقول: (جعل قلوبهم معادن أسراره، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره، فهم الغياث للخلق) وماذا بقي لله إذا كان هؤلاء غياثا للخلق؟ وماذا للصحابة من طوالع الأنوار ومعادن الأسرار إذا كان هؤلاء وحدهم كذلك؟ ثم يقول: (ورقاهم إلى محال المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية وأشهدهم مجاري أحكام الربوبية) إذا فهم عند القشيري أعظم مقاما من خليل الله إبراهيم، ومن محمد ﵊؟ فتأمل في الأستاذ القشيري، وفي قوله، وفيما خلفه في رسالته، ثم اسمع إليه ينقل في رسالته: (لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر: يا أنا، المحبة سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه) (انظر مقدمة الرسالة وص.١٦٤ منها) وهذه زمزمة قديمة بزندقة الاتحاد ووحدة الشهود. (١)\n_________\n(١) هامش (ص.٢٣٢).","vol":"9","page":517},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3338> موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n- 'الصفات الإلهية' وهي من خيرة ما ألف في هذا الباب، فقد أبلغ في النصيحة لأهل الكلام قاطبة.\n- قال ﵀: ولقد رأيت من البر بالحقيقة، ومن الإحسان في الدعوة إلى الله أن أنشر هذه النصوص الوفيرة لأئمة الأشاعرة، بل لأعظم أئمتها، وهم: \"أبو الحسن الأشعري، إمام الأشاعرة الأول، والباقلاني، والجُوَيْني، وابن فُورك، والرازي، والغزالي\" وسيرى أولئك الذين أضَلتهم فتنةُ الخلفية أن أئمة الأشاعرة قد اعترفوا اعترافًا صريحًا كاملًا بأن طريقة السلف هي الأسلم، وبأنها هي الأعلم، وبأنها هي الأحكم. وبأن طريقة الخلف حيرة وشك وضلالة أوهام.\nوإني لأرجو أن يحمل هذا بعضَ الذين يحسنون الظن \"بالخلفية\" على الرجوع إلى الإيمان الصحيح، وعلى أن يكسروا من حدة غلوائهم في اتهامنا بالتمثيل، وبالتجسيم، وعلى أن يؤمنوا أن خلف الأشاعرة لا تصلهم رحمٌ ما بسلف الأشاعرة، فقد عاش أبو الحسن -بعد توبته- يؤكد في كل كتاب له: أنه على عقيدة سلف هذه الأمة. أما متأخرو الأشاعرة، فقد لُقِّبوا بأنهم \"مخانيث الجهمية والمعتزلة\" لأنهم أَوْغَلوا في التأويل إيغالًا أدى بهم إلى التعطيل.\nفليتدبر الذين يزعمون أنهم أشاعرة أو خلف، فلعل إشراقة من نور الحق تبدد ما غام على نفوسهم من غَيِّ الخلفية وفتنتها.","vol":"9","page":518},{"text":"نصيحة من القلب: وليتدبر أولئك الإخوان الذين نشهد لكثير منهم بحسن القصد والسعي في سبيل الخير والحق، فَثَمَّت فيهم من يدين بالخلفية الجهمية، ويفتي بها غير مقتصد، ولا مُسْتَدِل بكتاب، أو سنة.\nوينكر أن الله استوى على عرشه، وأن له يدين، وأن له وجهًا، ويقترف تفسيرًا كله زيغ وضلالة وإفك قديم لكل آية أخبر الله فيها عن استوائه ويديه ووجهه سبحانه.\nفهل هذه الخلفية هي \"السنة\" التي يزعم هؤلاء المفتون أنهم يؤمنون بها، ويعملون بها، ويجاهدون في سبيل أن يجعلها المسلمون لهم منهاجًا وسبيلًا إلى الله؟\nلا أظن أنهم يجرءون على اقتراف هذا الزعم، فما نجمت الخلفية إلا بعد قرون، ولا أظن أنهم يجرءون على اتهام الصحابة والتابعين بأنهم لم يكونوا على بينة من دينهم، وبأن \"الرازي وأضرابه\" كانوا أبر بكتاب الله من أبي بكر وعمر؛ أو كانوا أسلم وأحكم وأعلم، وأعظم فهمًا للكتاب من صفوة هذه الأمة؟\nإن من يؤكد للناس أنه \"عامل بالكتاب والسنة\" يجب عليه أن يكون هو القدوة الحسنة في ذلك، فيعتقد في الله سبحانه ما كان يعتقده خير العاملين بالكتاب والسنة، رسول الكتاب والسنة، أما أن يعتقد فيه ما كان يعتقده \"الرازي\" مثلًا، فهو بهذا يناقض ما يدعيه، ويثبت أنه عامل \"بالرازي\" لا بالكتاب والسنة.\nترى هل ظلت الأمة كلها أربعة قرون جاهلة بمراد الله، ضالة عن","vol":"9","page":519},{"text":"معرفته حتى ظهر أمثال \"الرازي\" فدل هذه الأمة على دينها؟. (١)\n- وقال بعد ذكره النصوص الواضحات من كتب أبي الحسن الأشعري التي تدل على اعتناقه مذهب السلف: كل هذا، بل بعضه يدمغ بالجور أولئك الأشاعرة الذين يمقتون أن يُنْسب إلى الأشعري أنه كان يمجد عقيدة السلف. وذلك حين يتراءون بالارتياب في صحة نسب كتابه 'الإبانة' إلى الأشعري، أو حين يزعمون أنه رجع عما فيه، فألف الكتب التي تنقض ما أثبته فيه، والإبانة في الحقيقة هو آخر كتاب ألفه.\nولا أظن في أشعري مسلم، أنه يرتضي أن يُتهم إمامُه بالردة عن دين الحق، أو بأنه كان نَهْبَ الحيرة والاضطراب في عقيدته، أو بأنه كان ذا وجهين، وجه ينافق به المعتزلة والمعطلة، فيكتب في تأويل الصفات أو نفيها، ووجه آخر ينافق به السلفيين، فيكتب في إثبات الصفات.\nولا أظن في إنسان يحترم الحقيقة أنه يجنح إلى الريبة في صحة نسب الكتاب إلى الأشعري من غير دليل إلا إن كنا نعتبر نزغ الهوى دليلًا، كما لا أظن أنه يرتاب في أن الأشعري ظل يؤمن بكل كلمة قالها فيه، ولم يؤلف كتابًا آخر ينقض به ما أثبته في الإبانة.\nوالذين يجلون الأشعري، ويفخرون بالانتساب إليه، لا أظن أيضًا أنهم يجرؤون على إنكار هذه الحقيقة التي أذكرهم بها مرة أخرى: تلك هي أن ما انتهى إليه مذهب الأشعري على يد بعض أتباعه يخالف ما كان عليه الأشعري نفسه، ويناهضه وأن ما كتبه الرازي، أو الجويني وغيرهما من\n_________\n(١) الصفات الإلهية (ص.٣٢ - ٣٤).","vol":"9","page":520},{"text":"تأويلات يناقض عقيدة الأشعري كل المناقضة، وينتسب برحمٍ ماسَّةٍ إلى المعتزلة والجهمية الذين كفَّرهم أبو الحسن الأشعري، فهل بعد هذا أستطيع أن أُقْدِم على الظن بأن أشاعرة اليوم لن يُقْدِموا على تحطيم إمامهم الكبير؛ ليبنوا على أنقاضه بعض الذين أبوا إلا أن يجحدوا بدين إمامهم الكبير، وإلا أن يعينوا عليه عدوَّه من الجهمية والمعتزلة، وإلا أن يَسُبُّوا كبار أئمتهم كالأشعري، ليسبوا -بَغْيًا- أنصار السنة؟. (١)\n\nمحمد بن اليمني الناصري (٢) (١٣٩١ هـ)\nمحمد بن اليمني بن سعيد الناصري، ولد بمدينة الرباط بالمغرب الأقصى يوم الخميس تاسع رجب سنة ثمان وثلاثمائة وألف، رحل لطلب العلم إلى المدينة النبوية سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف. وهو شقيق محمد المكي الناصري المشهور.\nشيوخه كثيرون، من أشهرهم: أبو شعيب الدكالي.\nله كتاب: 'الأعلاق الغالية في الأخلاق الغالية'، و'ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار' في الرد على الصوفية، و'ديوان شعري'.\nتوفي بالمدينة النبوية يوم الجمعة العاشر من صفر سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n_________\n(١) الصفات الإلهية (ص.٥٢ - ٥٣).\n(٢) صل النصال للنضال لعبد القادر بن سودة.","vol":"9","page":521},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3340> موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال في رده على صاحب 'غاية الانكسار': إنك وأمثالك في واد والدين الطاهر النقي في واد آخر، لخروجك عن سننه وانتصارك للمبطلين البطالين بالباطل المحض.\nلعلك التبس عليك الأمر فنسبت ذلك إليه، والحال أن الأمة الإسلامية هي الذابلة السقيمة الضعيفة لخروجها عن سننه، وهجرها لفروضه وسننه، بتدجيل الدجالين أمثالك، المحتالين على سلب ضعاف العقول عقولهم وأموالهم، وتركهم تحت نير الاستسلام للمتجرين باسم الدين، والانقياد لعمائمهم وسبحهم وتلوناتهم، ولباسهم لكل من حال من الأحوال الشيطانية لبوسها، وضربهم بالأسداد على عقولهم حتى لا ينفذ إليها ما ينور أفكارهم وينبههم إلى مواقع سقطاتهم من تعاليم ديننا الصحيحة، ونصوصه البينة الواضحة الصريحة؛ حتى إن من أولئك الدجالين من يحرم نشر العلم وتدريسه في المجالس العامة بدعوى أن العلماء إنما يقصدون بتعليمه الرياء والسمعة حسبما نص عليه حافظ المغرب في عصره العلامة ابن عبد السلام الناصري في رحلته الحجازية العلمية، فانظره إن شئت.\nومنهم من يمنعهم من التوغل في الفقه؛ بدعوى أنه يقسي القلوب؛ ويحرمها من التعلق بعلام الغيوب.\nومنهم من يمنعهم كبعض فقهائنا المبتلين بداء الجمود والخمود من النظر في الحديث بدعوى أنهم مقلدون، وأن النظر في علم الحديث رواية ودراية إنما","vol":"9","page":522},{"text":"هو من وظيف المجتهد المطلق، مع أن الحديث هو المبين لمعاني كلام الله تعالى ومقاصده العالية. (١)\n- وقال تحت فصل: (ما القصد من زيارة الأموات مطلقا؟): أما زيارة الأموات أنبياء كانوا أو أولياء أو غيرهم؛ فإن النبي - ﷺ - كفانا مئونة استفتاء صاحب 'نهاية الانكسار' فيها -على أنه ليس أهلا للاستفتاء- إذ بين لنا - ﷺ - بكلام عربي مبين؛ أن القصد منها هو تذكر الآخرة بقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور أما الآن فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة» (٢).\nبين لنا - ﷺ - أن القصد منها هو تذكر الآخرة لا الاستمداد ولا اعتقاد التأثير كما تدل عليه بعض عباراتك ... ضمنا وتصريحا، مما يدل على أن حب الموت والموتى برح بك تبريحا.\nوالذي نفسي بيده لو أتى الملايين من العلماء الأعلام، ومعهم الملايير من أصحاب الطبول والأبواق والأعلام، كيفما كانت مراكزهم وهزاهزهم، وهزاتهم، وأرادوا تحويلنا عن هذا الاعتقاد الصحيح في نظر الشرع وأمام العقل الراجح؛ ما تحولنا ولا حلنا ولا زلنا لوضوح معنى الحديث، وظهور مدلوله في القديم والحديث. (٣)\n- وقال تحت فصل: (هل يجوز البناء على القبور؟): البناء على القبور ممنوع شرعا وطبعا.\n_________\n(١) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٢٩ - ٣٠).\n(٢) أحمد (٥/ ٣٠٥) ومسلم (٢/ ٦٧٢/٩٧٧) والنسائي (٧/ ٢٦٩/٤٤٤١ - ٤٤٤٢) من حديث أبي بريدة الأسلمي ﵁.\n(٣) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٦٠ - ٦١).","vol":"9","page":523},{"text":"أما الشرع فلقوله - ﷺ - في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا كما في الصحيح (١). وقوله - ﷺ - لزينب وأم حبيبة لما قدمتا من الحبشة ووصفتا للنبي - ﷺ - ما شهدتاه على قبور صلحاء الحبشة من المساجد والقباب: «أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» أو كما قال وهو في الصحيح أيضا (٢). وفي سنن الترمذي وأبي داود أن النبي - ﷺ - لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج (٣).\nإننا لسنا بصدد التوسع في الاستدلال على منع البناء على القبور، وإنما حدا بنا إلى هذا تأويل البيضاوي لحديث عائشة ﵂ بحمله على اتخاذ قبور الأنبياء قبلة والصلاة إليها؛ فإنه غير واقع موقعه، ولا حال موضعه؛ لما يرده من صريح السنة كحديث زينب وأم حبيبة، وحديث أبي داود والترمذي المتقدمين وغيرهما من الأدلة الصحيحة، ولو عاش البيضاوي إلى زماننا على فرض صحة تأويله ورأى توسع الأمة الإسلامية في زخرفة أضرحة أوليائها وصلحائها، وتشييد القباب عليهم على هيئة تستلفت أنظار الغافلين وتؤثر على نفوسهم، وشاهد ما يجري حولها -مما صار معلوما عند\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف فوزان السابق سنة (١٣٧٣هـ).\n(٢) أحمد (٦/ ٥١) والبخاري (١/ ٦٩٩/٤٣٤) ومسلم (١/ ٣٧٥/٥٢٨) والنسائي (٢/ ٣٧١/٧٠٣).\n(٣) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٩) وأبو داود (٣/ ٥٥٨/٣٢٣٦) والترمذي (٢/ ١٣٦/٣٢٠) والنسائي (٤/ ٤٠٠/٢٠٤٢) وابن ماجه (١/ ٥٠٢/١٥٧٥) وقال الترمذي: \"حديث حسن\". وصححه ابن حبان (٧/ ٤٥٢ - ٤٥٣/ ٣١٧٩).","vol":"9","page":524},{"text":"الخاص والعام- لرجع عن فكره؛ على أن تأويله ليس بلازم لنا ما دام بين ظهرانينا من يحسن النظر في كلام الله وكلام رسوله - ﷺ -.\nوأما طبعا؛ فلأن الطباع السليمة التي تعلم أن القبر مظهر من مظاهر الحزن والأسى والأسف، وموطن من مواطن الفناء والبلى والعظام النخرة والظلمة والانحلال والدود والحشرات، لا تروق في أنظارها تلك البناءات الضخمة، والقباب الفخمة، التي تمثل زهرة الحياة الدنيا وترغب في العيش بهذه الدار الفانية؛ دار الأنكاد والأحقاد والفساد والإفساد، وتقضي على زائرها بتوسيع الأمل، وتحمل البله والمغفلين والجهلاء على اعتقاد التأثير لأربابها بما تبقيه فخامتها وضخامتها من الأثر في نفوسهم.\nوالله لو أبصرت عيناك ما صنعت ... يد الزمان بهم والدود يفترس\nلما انتفعت بعيش بعدهم أبدا ... أما هم من جنى الدنيا فقد يئسوا\nحسب الإنسان العاقل من الوقوف على القبر أن يتذكر مآل نفسه، ويتعظ ويعتبر ويتهيأ للحلول في رمسه، ويقول:\nيا بني الدنيا استريحوا ... سَيْرنا عنكم إلى الله\nنحن قوم أين سرنا ... ونهجنا حسبنا الله (١)\n\n- وقال تحت فصل: (من هي الفرقة الناجية؟): إن من له أدنى مسكة من العلم يعلم أن النبي - ﷺ - أقسم بالله أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين\n_________\n(١) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٦١ - ٦٣).","vol":"9","page":525},{"text":"فرقة كلها في النار إلا واحدة (١)، وهي التي تستقيم على ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام.\nفبالله عليك يا صاحب 'نهاية الانكسار' من هي الفرقة الناجية من هذه الفرق الموجودة الآن التي قمت تدافع عنها بكل قواك وما أحسنت الدفاع؟ ومن هي هذه الفرقة الملازمة لما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه، المحافظة على آداب دينها الطاهر، المنابذة لما يمس بسمعته الحسنة ومبادئه القويمة المستحسنة؟ لعلك من المائلين إلى القول بأن المراد بالفرق في الحديث الشريف: الفرق الضالة كالمعتزلة ونحوهم ممن اندرست آثارهم، ولم تصلنا إلا أخبارهم. إن كنت قائلا بهذا، والظن أنك قائل به؛ فإننا نقول: إن النبي - ﷺ - قد فصل بيننا وبينك في هذا الحديث نفسه بأن الفرقة الناجية هي المعتنقة لما كان عليه - ﷺ - وأصحابه؛ على أن تلك الفرق الضالة قد ذهب جلها إن لم نقل كلها بما له وما عليه، ولم تكن في نظري ونظر ذوي النظر الصائب ممن مارس التاريخ وزاوله إلا أتقى وأنقى بكثير وأبعد نظرا وأبهى مخبرا ومنظرا من بعض الفرق الموجودة الآن؛ إذ ليس منهم من كان يفضل كلام المخلوق العاجز الضعيف الحادث على كلام الخالق القادر القوي القديم سبحانه، ولا من يتخذ ضرائح الأولياء والصلحاء ملجأ وكعبة وقبلة يتوجهون إليها كما يتوجهون إلى الله تعالى، ويتطوفون بها ويتمسحون بجدرانها، ويقبلون درابيزها وكساها كما يقبلون الحجر الأسود، ويركعون أمامها بجوارحهم وجوانحهم، ويسجدون لها بكيفية أرقى من السجود لله، معفرين خدودهم على ترابها؛\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف يوسف بن أسباط سنة (١٩٥هـ).","vol":"9","page":526},{"text":"بل لم يكن فيهم من يتلبس بالمنكرات وهو يعتقد أنها عبادة تقربه من الله زلفى، ولا من يبيع دينه بدنيا غيره مؤخرا الصلاة عن وقتها لخدمة شيخ من المشايخ أو حضور حضرته، ولا من يتخذ طبلا ولا مزمارا ولا آلة لهو وطرب في المعابد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ولا ... ولا ... من المنكرات التي يتلبس بها كثير من هذه الفرق المسماة بالطوائف؛ التي في تسميتها بالطوائف لو كانت متبصرة، ولآداب دينها حافظة مستحضرة نهاية الاعتبار وغاية الحجة، كيف لا والله سبحانه علمنا في فاتحة كتابه التي أوجب علينا قراءتها وتدبرها في كل ركعة من الركعات أن نسأله الهداية إلى صراط واحد هو الصراط المستقيم الذي كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه حتى لا نميل عنه يمنة أو يسرة بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\nولو كان المجال واسعا للمقايسة بين أعمال المعتزلة ومن في معناهم وأعمال هذه الفرق، والمقابلة بينها لشفينا الغليل، ولأبرأنا بحول الله وقوته كل عليل، ولأبنّا لكل متعصب البون الشاسع والفرق الواضح كالفرق بين هذه الفرق وتلك، حتى تتجلى لكل منصف على منصة البيان حقائق تجعل كثيرا من فرقنا اليوم أضل سبيلا، وأكذب قيلا.\nبالله عليك! أتقدر بعد هذا أن تقر ما أنكره صاحب الإظهار من أعمال العيساويين والحمدوشيين، ومن في معناهم من الشاطحين الناطحين، الرقاصين القصاصين، القناصين الخراصين، وتأتي ولو بدليل واحد من ظاهر","vol":"9","page":527},{"text":"كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - على جواز أعمالهم وإباحتها وموافقتها لروح ديننا الطاهر. (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3341> موقفه من المشركين:</span>\n- قال عن الصحابة: .. ما صح عنهم قط أنهم زاروا نبيا ولا وليا ولا صحابيا من أكابر الصحابة -الذين أخبر النبي - ﷺ - أن من بعدهم ولو بلغ ما بلغ في الفضل وعلو المنزلة ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه (٢) - على هذه الكيفية التي يرتكبها عامتنا، وكثير من خاصتنا اليوم؛ والحال أنهم أهدى منا بشهادة الله ورسوله.\nولا ثبت في تاريخ حياتهم أنهم أقاموا لنبي ولا لولي ولا لصحابي موسما، ولا بنوا عليه قبة ولا معبدا، ولا سجدوا لقبر من قبورهم، ولا مرغوا خدودهم عليه ولا عفروها بترابه، ولا جعلوا عليه دربوزا ولا كسوة، ولا ولا، مما لا يساعد عليه دينك يا الله.\nوقد حكم ﵊ بأن هذه القرون -قرون الصحابة وكبار آل البيت والتابعين- التي كانت تمثل الإسلام أجمل تمثيل، وبلغ فيها الإسلام ما لم يبلغه غيره من الأديان، وأدرك أهله من العز والسؤدد ما لم تحلم به دول القياصرة والأكاسرة في عنفوان مجدها، هي خير القرون بقوله ﵊: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (٣).\n_________\n(١) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٦٥ - ٦٨).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف السلطان المولى سلميان سنة (١٢٣٨هـ).","vol":"9","page":528},{"text":"ولكن هذه الأمة التي شرفتها بالإسلام وأخرجتها بنوره من حالك الظلام أبت إلا التغابي والتغاضي والتغافل؛ بل المحافظة على عوائد ما أنزلت -يا مولانا- بها من سلطان، ولا يرتكبها إلا من يريد القضاء على دينك من زنديق أو منافق أو شيطان، فأنقذ اللهم هذه الأمة المحمدية مما وقعت فيه من المهلكات، ونجها من كل ما يوقعها فيما ينصب لها من الشبكات. (١)\n- وقال تحت فصل: (من هو الولي؟): فالمومنون إيمانا كاملا -ولا يكون الإيمان كاملا إلا باتباعه - ﷺ - فيما سنه، وعدم ابتداع أي شيء بعده- المتقون ظاهرا وباطنا، الذين لا يخرجون عن الشريعة قيد أنملة؛ هم الأولياء حقيقة الذين يجب أن نغسل عن أقدامهم، ونتتبع خطواتهم في كل ما وافق الشريعة.\nومع ذلك فلا يجب علينا أن نقدسهم إلى درجة أننا نبني عليهم القباب، ونسألهم كما نسأل رب الأرباب، ونتوسل إليهم بالله في تيسير الأسباب، غافلين عن الإتيان لقضاء أغراضنا من الباب؛ لأن الولاية الحقيقية هي غاية الخضوع لله والإغراق في العبودية، والتحقق بوصف العجز والضعف والذل أمام الربوبية.\nفماذا يعطي ويمنع من هذا شأنه؟ وماذا يدفع عنك أو يجلب لك من تلك حاله، وإلى الله مآله؟ وماذا يفيدك إذا قمت تناضل عن بدعة ابتدعها أصحابه بعده بباطل، إنك لا تزداد بذلك من الله ورسوله ثم من ذلك الولي إلا بعدا وطردا، فليتنبه الغافل المسكين، قبل أن يذبح بغير سكين؛ فإن هذا الموطن من مزالِّ الأقدام ومزالقها، نسأل الله الثبات، فإنه يكسر صولة الوَثَبات. (٢)\n_________\n(١) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٣ - ٤).\n(٢) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٥٨ - ٥٩).","vol":"9","page":529},{"text":"- وقال بعد بيان المقصود من الزيارة الشرعية للقبور: .. لا بأن نقصد الاستمداد منهم والاستغاثة بهم، أو نعتقد أن لهم في الكون تصرفا مطلقا بحيث يقدمون هذا ويؤخرون ذاك، ويعطون زيدا ويمنعون عمرًا، ويُولّون خالدا ويعزلون بكرًا؛ كما يعتقد بعض المغاربة أن القط لا يتسلط على الفأر إلا بإذن مولانا إدريس ﵁، وأن أبا العباس السبتي ﵁ لا يقضي الحاجات إلا إذا قدمت له جعلًا أو نذرت له نذرا ولو نزرًا، وأنت تعلم أن النذر لا يكون إلا لله؛ فهو كتسلط القط على الفأر من خواص الربوبية؛ إذ القواعد القواطع تقتضي أن النفع والضر، وبسط الرزق وقبضه، وكل حادث يحدث في الوجود -قل أو كثر، صغر أو كبر- بيد الله وحده لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. الرب رب والعبد عبد ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (١).\nوما يستوي وحي من الله منزل ... وقافية في الغابرين شرود (٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3342> موقفه من الصوفية:</span>\nله كتاب: 'ضرب نطاق الحصار' رد فيه على الشرقي صاحب 'غاية الانتصار ونهاية الانكسار' الذي انتقد فيه شقيقه محمد المكي الناصري في كتابه: 'إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة'.\n_________\n(١) مريم الآية (٩٣).\n(٢) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.١٠٩).","vol":"9","page":530},{"text":"- قال فيه: وصل اللهم على من أرسلته بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، الذي أنزلت عليه في محكم كتابك: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) الذي جعلت طاعته طاعتك، ومعصيته معصيتك، وحكمه حكمك، الذي لم يبح لأمته من اللهو إلا الرماية والسباحة وركوب الخيل، ونحوها مما فيه منفعة ظاهرة أو فائدة جليلة، الذي ما ثبت عنه -وحاشا المعصوم الأكبر من أفعال المجانين- أنه طبّل أو زمّر، أو رقص أو شطح، أو صعق أو مزق ثوبا لسماع صوت، أو أكل لحما نيئا، أو شدخ رأسا بآلة محددة أو غيرها، أو أكل نارا موقدة، أو استعمل آلة لهو وطرب داخل مسجده النبوي أو خارجه، أو حضرها على أنها عبادة، أو أقر من استعملها، أو أذن فيما يسمى بين بعض المتصوفة والمفقرة بالحضرة، أو فعله أو ركض برجله، أو ضرب بعصاه الحجر تعبدا.\nفصل اللهم عليه صلاة توفقنا وسائر المسلمين بها إلى اتباع سنته والوقوف عند شريعته وعلى آله الطيبين الأكرمين المحترمين المكرمين؛ الذين ما ثبت عنهم أنهم استعملوا من ذلك شيئا على أنه عبادة في خير القرون، ولا ساعدوا عليه، ولا رأوا في الشريعة الإسلامية ما يسوغه ولو على سبيل الاستيناس. (٢)\n_________\n(١) آل عمران الآية (٣١).\n(٢) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٢ - ٣).","vol":"9","page":531},{"text":"- وقال أيضا: حضرت مجلس بعض متصوفة العصر، فسمعته يقول من غير أدنى مناسبة للموضوع الذي التزم الكلام فيه: لنا ولله الحمد على جعل السبحة في الأعناق أدلة واضحة من الكتاب والسنة، فاستغربت ذلك غاية الاستغراب وصارت منافذ جسمي كلها مسامع لتلقي هذا البهتان العظيم، فسمعته يقول: أما الدليل من الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (١). وأما الدليل من السنة: فما ثبت عن النبي - ﷺ - من حمله السيف في عنقه حين ركب على الفرس العري لأبي طلحة (٢). قال: ولا شك أن السيف هو آلة الجهاد الأصغر، والسبحة آلة الجهاد الأكبر، فاقشعر جلدي واصطكت مسامعي لذلك، وقمت مسرعا خوف أن يخسف بأهل ذلك المجلس، ولكن الله سبحانه أبقى عليهم استدراجا لهم، ومن هذا القبيل كل ما يستدل به هذا البعض على جواز ما يرتكبه أكَلة اللحوم النيئة والنار، وشادخوا الرؤوس من المضحكات المبكيات. (٣)\n- وقال أيضا: إننا اجتمعنا بكثير من متصوفة العصر، وداخلناهم وخالطناهم مخالطة مستطلع باحث عن أسرارهم وخصائصهم ومميزاتهم، فوجدناهم يقدس بعضهم بعضا، ويركع بعضهم أمام بعض متجاوزين في\n_________\n(١) الإسراء الآية (١٣).\n(٢) أحمد (٣/ ١٤٧و١٦٣و١٧١و١٨٥و٢٠٢) والبخاري (٦/ ٤٣/٢٨٢٠) ومسلم (٤/ ١٨٠٢ - ١٨٠٣/ ٢٣٠٧) وأبو داود (٥/ ٢٦٣/٤٩٨٨) والترمذي (٤/ ١٧١ - ١٧٢/ ١٦٧٥ - ١٦٧٨) والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٥٧/٨٨٢٩) وابن ماجه (٢/ ٩٢٦/٢٢٧٢) من حديث أنس ﵁.\n(٣) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٢٨).","vol":"9","page":532},{"text":"ذلك الحد الذي يجب الوقوف عنده، قاصدين بذلك نشر دعاويهم الكاذبة، وتأييدها لإغراق الدهماء في أوهام وأضاليل أبعد عمقا من الداماء، حتى لا يفتضح أمرهم، ولا يخمد جمرهم، ولا يترك شطحهم وزمرهم ...\nفما هم إلا كالشعراء المبتلين بداء الانحطاط النفسي، المتجاوزين قدر الممدوح فوق ما يستحقه، حتى أفضى ذلك بكثير منهم إلى الكفر والزندقة، والاقتصار على البرقشة والشقشقة، والداعي الوحيد الذي دعاهم إلى ذلك هو خوف الافتضاح، والوقوف على ما هم عليه من الخوض في ظلمات التضليل، ونصب حبائل الشيطنة والتدجيل لإيقاع الجهلة فيها. ففضحهم حملة السنة وخدمتها، وأوسعوهم تقريعا وتسفيها، ولم يبق ينفعهم ما اصطلحوا عليه من المصطلحات التي تقضي ببقاء أمرهم مستورا في غياهب البطون، ودياجر الكتمان؛ من بناء طريقهم على الصفح والتجاوز وعدم إقامة الميزان، حتى أفضى بهم توقع ذلك إلى نهي أتباعهم عن مطالعة مثل 'المدخل' لابن الحاج وفتاوي ابن تيمية، وتآليف تلميذه ابن القيم، وكتب الحافظ ابن حجر، وكتب أبي إسحاق الشاطبي، وكتب أبي بكر بن العربي، و'تلبيس إبليس' للحافظ أبي الفرج بن الجوزي، وأمثالهم من أكابر علماء الإسلام، وأعاظم المصلحين والمجددين، وحتى سمعنا بعضهم يقول لأتباعه: إذا قال لك المعارض قال صاحب 'المدخل'. فقل له: قال صاحب المخرج. ويدعم ذلك بحكاية عن بعضهم، وإذا قال لك: قال ابن حجر فقل له: قال ابن حرير، وهكذا؛ بل اضطرهم الحال إلى الحكم عليهم بالمنع من تعاطي العلوم النافعة التي تؤدي إلى إلغاء ترهاتهم ودحض شبهاتهم، كالفقه وأصوله","vol":"9","page":533},{"text":"والحديث والتفسير، وسموا أمثال هذه العلوم التي بها حياة الدين وقوام الإسلام، بالعلوم الميتة، وسموا شطحاتهم وفلسفتهم وحقائقهم علوما حية؛ بدعوى أنهم لا يأخذونها إلا عن الحي الذي لا يموت. وهكذا تمشت حيلهم، وتمكنت من الذين لا علم يرشدهم، ولا فكر يهديهم في الغالب، فأعظموا أمرهم، وتلقوا منهم تعاليمهم المنافية غالبا للدين بالسمع والطاعة العمياء. (١)\n- وقال مخاطبا عامة الناس وناصحا لهم: وكل منكم يعلم: أن الشطح والرقص، واستعمال الطبول والمزامير ونحوها، في حلقاتكم المعروفة عندكم بالحضرة؛ ليس من الدين في شيء، وإنما هو لعب في لعب، والله سبحانه لا يعبد باللعب. وإن كان أمركم بعض مشايخ العصر بالمحافظة عليها بقوله لبعض مقَدميكم: (زد في الحضرة ولا عليك في الهذرة). يعني بالهذرة: ما تسمعونه من أقوال الله والرسول التي تتلقونها في بعض مجالس التفسير والحديث الشريف، والتي تقضي بطرح تلك التقاليد القبيحة في نظر الشرع الإسلامي، والعقل السليم السامي. (٢)\n- قال: أليس من المتقرر لديكم يا إخواننا أن مقتداكم النبي المكرم - ﷺ -، الذي تفدونه بأرواحكم وأموالكم، وآبائكم وأبنائكم، وتودون إرضاءه بكل ما وسعكم، وتخلصون له محبتكم، لم يكن يفعل شيئا من ذلك؛ فأحرى شدخ الرؤوس بالقلال والآلات المحددة كالفؤوس، وأكل اللحوم النيئة والزجاج والسموم ونحوها، وشرب الدم المسفوح، والطواف بالأسواق\n_________\n(١) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٨٣ - ٨٤).\n(٢) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٩٤ - ٩٥).","vol":"9","page":534},{"text":"بالأعلام والطبول والأبواق على تلك الكيفية البشيعة، التي لا ترضاها البهائم لنفسها، فضلا عن العقلاء الذين يدعون أن لهم عقلا مميزا، فضلا عن مسلم مثلكم متأدب بآداب الإسلام، المنفرة من هذه الموبقات التي لا يرتكبها إلا سفهاء الأحلام.\nعلى أن كلًاّ منكم يعلم أنه لا يرتكب أحد منكم ذلك إلا بداعي التوحش، ودعوى خدمة الشيخ، والله سبحانه هو أولى بالاتباع من الشيخ، وما أمر سبحانه أحدا منكم بذلك؛ بل قد نهى ﷻ عن كل ما ينافي الإنسانية بمعناها التام. فالشيخ إذا كان من أولياء الله تعالى، وكان محقا؛ فإنه يتبرأ ولا شك من أمثال هذه المخزيات المحزنات، الموقعة في سخط الله وغضبه؛ اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، ولا سخط ولا عقوبة أفظع من ارتكاب أفعال لا يفعلها إلا جهال المجانين. (١)\n- وقال أيضا: ليعلم كل واحد أولا: أنه ليس المراد بحبل الله المتين طريقة من هذه الطرق التي تمسكتم بها، وحملكم على التمسك بها تستر متفقهة أهلها بالإتيان ببعض الأدلة من الكتاب والسنة في غير محلها، واستعمالهم التقية في دعاويهم المشقية، مما لا يخفى على مسلم متبصر في دينه، يميز شماله من يمينه، ويفرق بين شكه ويقينه؛ بل المراد بحبل الله الذي يجب التمسك به دون سواه، ولا يمكن للمسلم أن يعميه ويصمه مع تمسكه به هواه؛ هو كتاب الله الحكيم، وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فقد نص أبو بكر بن الجصاص الحنفي في 'أحكام القرآن' على أن المراد به\n_________\n(١) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٩٥ - ٩٦).","vol":"9","page":535},{"text":"كتاب الله. وكذلك القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه بعد ما ذكر اختلاف العلماء في المراد بالحبل: هل المراد به عهد الله أو كتابه أو دينه؟ فإنه استظهر أنه كتاب الله؛ لأنه يتضمن عهده ودينه ...\nإن أمعنتم النظر استنتجتم أنه لا فتنة أضر عليكم في دينكم من فتن الطرق؛ فإنها حولتكم عن الوجهة التي وجه الشارع إليها وجوهكم، ونبهكم إلى طلب الهداية إليها بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ (١)، وبقوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ (٢). وهو أدرى بمصالحكم منكم، وإن كان هناك فتن أخرى، فإنها في نظر ذي الفهم الصحيح أدون وأهون من تلك الفتنة التي تسلب الإنسان المسلم من أعز عزيز لديه وهو إخلاص التوحيد لله، وتخصيصه بالإعطاء والمنع، والضر والنفع، ونذر النذور واليمين، والسجود ونحوها من خواص الربوبية، وتبثّ في نفسه الخضوع والاستكانة والتذلل والاستحذاء لمخلوق ضعيف مثله ...\nفهل كتاب 'الإبريز' وكتاب 'جواهر المعاني' أو كتاب 'المقصد الأحمد'، وما في معناها من كتب المناقب التي ترجعون إليها وتتشبعون بما فيها، تقوم مقام كتاب الله سبحانه؟ وهل بقي لقائل أن يقول: إن هذه الطرق ليست بفتن، وهي تصرفنا عن الاشتغال بكتاب الله ودراسته وتدبره؛ بمناقب وأذكار وأوراد ملفقة لم تأت عن الشارع، ذات خواص ومزايا وفتوحات وبركات\n_________\n(١) الفاتحة الآية (٦).\n(٢) آل عمران الآية (١٠١).","vol":"9","page":536},{"text":"وشفاعات، وتتركنا نتخبط في ليل أليل من الجهل بما أنزله الله وأمرنا بالاعتصام به؟ ... أنبتغي الهدى في كتاب من كتب مناقب الطرقيين المحشوة بالخرافات والأكاذيب وغيرها من نتائج الأغراض والحال؟ (١)\n- وقال: أخرج أبو عبيد عن أنس مرفوعا: «القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» (٢) فكيف يجعل هؤلاء القرآن خلفهم، ويسعون في تنقية زواياهم منه، واستبداله بالشطح والرقص على القبور والصلاة عليها، والاجتماع على أذكار مستحدثة وأمداح بالشرك ملوثة مما يضاد القرآن ويقضي بمعارضته في كل آن، ويدعون أنهم من أهل الفضل والدين، وينسبون لأنفسهم المقامات العالية، وهم بمقتضى هذا الحديث وغيره في الدرك الأسفل، ولا سيما إذا قامت على ذلك قرينة على استغنائهم ببعض أذكارهم الملفقة عن القرآن الكريم؛ لاعتقادهم أن منها ما هو أفضل من القرآن بدرجات ومراحل؟ أخرج الشيخان من حديث عثمان: «خيركم -وفي لفظ: إن أفضلكم- من تعلم القرآن وعلمه» (٣) زاد البيهقي في الأسماء: «وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه» (٤) فمن هذا الذي يجرأ بعد هذا على اعتقاد أن بعض الصلوات أو الأذكار التي تلقاها من شيخه، والتي هي من\n_________\n(١) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.٩٩ - ١٠١).\n(٢) ابن حبان (١/ ٣٣١ - ٣٣٢/ ١٢٤).\n(٣) أخرجه: أحمد (١/ ٥٨) والبخاري (٩/ ٩١/٥٠٢٧) وأبو داود (٢/ ١٤٧/١٤٥٢) والترمذي (٥/ ١٥٩/٢٩٠٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٥/ ١٩/٨٠٣٧) وابن ماجه (١/ ٧٦ - ٧٧/ ٢١١).\n(٤) (٢/ ٥٧٨/٥٠٤).","vol":"9","page":537},{"text":"مبتكرات شيخه أفضل من القرآن، أو إذا قرأها مرة تعدل بكذا وكذا ختمة؟ هذا ما لا يقدر مطلق مومن أن يخطره بباله فضلا عن أن يعتقده ضرورة؛ أن الكلام صفة للمتكلم، وأن الصفة تابعة لموصوفها في العظم والخسة والله تعالى ليس كمثله شيء فكلامه ليس كمثله كلام. (١)\n- وقال: إن ترتيب الثواب والعقاب على الأقوال والأعمال؛ إنما هو من وظيف الشارع وحده، لا من شأن الشيخ فلان، ولا الغوث فلان، ولا القطب فلان، ولا الختم الكتم فلان، حتى تطمئن نفوسنا، إليه ويقوى رجاؤنا في تحقيق حصوله وبلوغه إلى معتقديه ووصوله. فلتنتبهوا ولتكونوا على حذر، ولا يغرنكم دخول بعض من ينتسب للعلم وهو منه براء في زمرتهم؛ فإن كتاب الله وسنة رسوله بين ظهرانيكم؛ وهما المحكمان فيكم، وباتباعهما وامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما تكونوا أفضل الأمم، وتنجلي عنكم الغمم، ولتعتقدوا اعتقادا جازما أن حبل الله المتين الذي يجب الاعتصام به هو كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -. (٢)\n\nعبد الرحمن العاصمي (٣) (١٣٩٢ هـ)\nالشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم من آل عاصم، أبو عبد الله القحطاني صاحب الدرر السنية وغيرها. ولد بقرية \"البير\" قرية من قرى\n_________\n(١) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.١٠٤ - ١٠٥).\n(٢) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.١٠٧).\n(٣) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٨) والأعلام للزركلي (٣/ ٣٣٦) والمستدرك على معجم المؤلفين (٣٦٤) وإتحاف النبلاء (١/ ١٠٩ - ١١٤).","vol":"9","page":538},{"text":"المحمل قرب الرياض سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة، وقيل اثني عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة، فنشأ بها، واعتنى عناية كبيرة بالعلوم الشرعية. وأخذ عن مجموعة من الشيوخ أشهرهم العلامة عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ عبد العزيز العنقري والشيخ محمد بن محمود والشيخ سعد بن عتيق والشيخ سليمان السحمان وغيرهم.\nقال عنه صاحب علماء نجد: كان على جانب كبير من الأخلاق، حلو الشمائل مستقيما في دينه وخلقه، وكان عنده غيرة على حرمات الله، ويكره جدا مساكنة الكفار وجوارهم. قام ﵀ بجمع فتاوى ورسائل علماء نجد المتفرقة، وكذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، فقام بطبعها ونشرها داخل البلاد وخارجها.\nتوفي ﵀ سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة متأثرا من حادثة سير وقعت له سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف من الهجرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3344> موقفه من المبتدعة:</span>\nله:\n١ - 'شرح عقيدة السفاريني'.\n٢ - 'السيف المسلول على عابد الرسول'.\n٣ - تراجم علماء الدعوة السلفية النجدية وهو المسمى بـ 'الدرر السنية'.\n٤ - حاشية على كتاب التوحيد.\n٥ - حاشية على الأصول الثلاثة.\n٦ - جمعه الفريد وترتيبه النضيد لفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في سبعة وثلاثين مجلدا. (١)\n_________\n(١) علماء نجد (٢/ ٤١٤ - ٤١٥).","vol":"9","page":539},{"text":"فالح بن مهدي آل مهدي الدوسري (١) (١٣٩٢ هـ)\nالشيخ فالح بن مهدي بن سعد بن مبارك آل مهدي، من قبيلة الدواسر، جنوب المملكة العربية السعودية. ولد في مدينة \"ليلى\" عام اثنتين وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، ونشأ فيها وفقد بصره وهو في سن العاشرة فأكمل حفظ القرآن، فسافر إلى الرياض، فقرأ على الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ سعود بن رشود والشيخ إبراهيم بن سلمان. عين للتدريس في المعهد العلمي بالرياض ثم في كلية الشريعة.\nقال عنه عبد الله البسام: وما زال مجدا في العلم بحثا وتعلما وتعليما في كلية الشريعة وفي منزله وفي المسجد حتى عد من كبار العلماء.\nتوفي ﵀ عام اثنين وتسعين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3346>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'السلف بين القديم والجديد' وهو مطبوع.\n٢ - 'التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية' وهو مطبوع متداول.\nوله فيها كلام جيد:\n- قال: فإن البدعة لا تكون حقا محضا موافقا للسنة إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلا، ولا تكون باطلا محضا لا حق فيه، إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل، إما مخطئا غالطا وإما\n_________\n(١) الأعلام (٥/ ١٣٣) وعلماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٣٧٠ - ٣٧٢) والمستدرك على معجم المؤلفين (٥٤٢).","vol":"9","page":540},{"text":"متعمدا لنفاق فيه وإلحاد، كما قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (١) فأخبر أن المنافقين لو خرجوا في جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالا، ولكانوا يسعون بينهم مسرعين يطلبون لهم الفتنة. ومن المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم، إما لظن مخطئ أو لنوع من الهوى أو لمجموعهما، فإن المؤمن إنما يدخل عليه الشيطان بنوع من الظن واتباع هواه. (٢)\n- وقال: وعلى هذا النهج المستقيم درج الصحابة ﵃ أجمعين يستضيئون بمشكاة القرآن فيهديهم أقوم الطريق ويتحاكمون إليه وإلى سنة رسول الله - ﷺ -، ولقد مدحهم سبحانه وأثنى عليهم حيث قبلوا عن رسوله ما بلغه إليهم وهم المهاجرون والأنصار الذين ضرب بهم المثل في التوراة والإنجيل والقرآن فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) الآية، وقال: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٤) الآية، فهم حجة الله على خلقه بعد رسول الله - ﷺ - يؤدون عن رسوله ما أدى إليهم لأنه بذلك أمرهم فقال: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (٥) ولقد مدحهم رسول الله - ﷺ - كما في الحديث الذي رواه مسلم\n_________\n(١) التوبة الآية (٤٧).\n(٢) التحفة المهدية (١٦٥ - ١٦٦).\n(٣) الفتح الآية (٢٩).\n(٤) الفتح الآية (١٨).\n(٥) أحمد (٥/ ٣٧) والبخاري (١/ ٢٦٥/١٠٥) ومسلم (٣/ ١٣٠٥ - ١٣٠٦/ ١٦٧٩) وابن ماجه (١/ ٨٥/٢٣٣) عن أبي بكرة.","vol":"9","page":541},{"text":"عن عمران بن حصين -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» -قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا- «ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن» (١) وروى مسلم أيضا بسنده عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» (٢)،\nومعنى الخيرية في الأحاديث راجعة لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان والأعمال الصالحة التي يتنافس فيها المتنافسون ويتفاضل فيها العاملون، فقد غلب الخير وكثر أهله واعتز فيها الإسلام والإيمان وكثر فيها العلم والعلماء ثم الذين يلونهم فضلوا على من بعدهم لظهور الإسلام فيهم وكثرة الداعي إليه والراغب فيه والقائم به، وما ظهر فيه من البدع أنكر واستعظم وأزيل كبدعة الخوارج والقدرية والرافضة، فهذه البدع وإن كانت قد ظهرت فأهلها في غاية الذل والمقت والهوان ويكثر القتل فيمن عاند منهم ولم يتب، والمشهور في الروايات أن القرون المفضلة ثلاثة الثالث دون الأولين في الفضل لكثرة البدع فيه، لكن العلماء متوافرون والإسلام فيه ظاهر والجهاد فيه قائم.\nوإذا فالشاهد من آية براءة وحديث عمران بن حصين هو مدح أصحاب رسول الله - ﷺ - لله والثناء عليهم، لاستقامتهم على أمر الله وتمسكهم بهدي رسول الله. وقوله -أي: شيخ الإسلام ابن تيمية-: \"فرضي عن السابقين\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف محمد السهسواني سنة (١٣٢٦هـ).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف محب الدين الخطيب سنة (١٣٨٩هـ) ..","vol":"9","page":542},{"text":"رضا مطلقا ورضي عن التابعين لهم بإحسان\" معناه أن الله أوجب لجميع أصحاب النبي - ﷺ - الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطا لم يشرطه فيهم وهو اتباعهم إياهم بإحسان، فالصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول - ﷺ - إيمان ويقين لم يشركهم فيه من بعدهم، ومعنى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة وليس المراد بهم التابعين اصطلاحا، وهم كل من أدرك الصحابة ولم يدرك النبي - ﷺ -، بل هم من جملة من يدخل تحت الآية فتكون \"من\" في قوله: \"من المهاجرين\" على هذا للتبعيض وقيل إنها للبيان فيتناول المدح جميع الصحابة ويكون المراد بالتابعين من بعدهم من الأمة.\nوالمهاجرون: جمع مهاجر وأصل المهاجرة عند العرب: أن ينتقل الإنسان من البادية إلى المدن والقرى، والمراد به في الشريعة: من فارق أهله ووطنه وجاء إلى بلد الإسلام وقصد النبي - ﷺ - رغبة فيه وإيثارا، ثم هي عموما الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.\nوأثر ابن مسعود في وصف الصحابة -﵃ أجمعين- رواه رزين بن معاوية العبدري، ومثله ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: \"عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم فإنهم\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٠).","vol":"9","page":543},{"text":"عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى وبالفضل لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون، وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من ابتغى غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم - ﷺ - وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي، فمن دونهم مقصر ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجفوا وطمح آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم\".\nوأثر حذيفة رواه البخاري، ومعشر القراء: المراد بهم علماء القرآن والسنة وقوله: \"فقد سبقتم\" قيل: الرواية الصحيحة بفتح السن والباء والمشهور ضم السين وكسر الباء، والمعنى على الأول اسلكوا طريق الاستقامة لأنكم أدركتم أوائل الإسلام فاستمسكوا بالكتاب والسنة لتسبقوا إلى خير، إذ من جاء بعدكم وإن عمل بعملكم لا يصل إلى سبقكم إلى الإسلام، وعلى الثانية سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى الله فكيف ترضون لنفوسكم هذا التخلف المؤدي إلى انحراف عن سنن الاستقامة يمينا وشمالا الموجب للهلاك الأبدي ... (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3347>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال في 'التحفة المهدية': والكرامية لهم في مسألة الإيمان قول شنيع لم يسبقهم إليه أحد من الطوائف، وهو قولهم إن الإيمان يكفي فيه مجرد النطق باللسان وإن كان القلب غير مصدق، وعلى هذا فالمنافق عندهم مؤمن،\n_________\n(١) التحفة المهدية (٤٤٨ - ٤٥١).","vol":"9","page":544},{"text":"لكنهم يحكمون عليه بالخلود في النار، فهو عندهم مؤمن في الاسم لا في الحكم، أما رأي الكرامية في مسائل الصفات، والقدر، والوعيد، فهو شبيه برأي كثير من طوائف المتكلمين الذين يوجد في آرائهم شيء من الصواب وشيء من مخالفة الشرع. (١)\n- وقال مبينا مذهب أهل السنة في الإيمان: والحق، أن الإيمان قول وعمل، قول باللسان وإقرار واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، وكل ما يطاع الله ﷿ به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي. وأهل الذنوب مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم، وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر. والخوارج والمعتزلة يقولون: إن الدين والإيمان قول وعمل واعتقاد ولكن لا يزيد ولا ينقص، ومن أتى كبيرة كفر عند الحرورية، وصار فاسقا عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، وأما الحكم فالمعتزلة وافقوا الخوارج على حكمهم في الآخرة: فعندهم أن من أتى كبيرة فهو خالد مخلد في النار، لا يخرج منها لا بشفاعة، ولا بغير شفاعة، أما في الدنيا فالخوارج حكموا بكفر العاصي واستحلوا دمه وماله، وأما المعتزلة فحكموا بخروجه من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر، ولم يستحلوا منه ما استحله الخوارج، وقابلتهم المرجئة والجهمية ومن اتبعهم، فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة، ولا ترك المحظورات البدنية. فإن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، بل هو شيء واحد. (٢)\n_________\n(١) (ص.٣٧٤).\n(٢) التحفة المهدية (ص.٣٧٦).","vol":"9","page":545},{"text":"محمد بن شهوان بن عبد الله بن شهوان (١) (١٣٩٢ هـ)\nالشيخ محمد بن شهوان بن عبد الله بن محمد بن شهوان النجدي الحنبلي، ولد سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف في الزبير، ونشأ فيها. أخذ عن الشيخ عبد الله بن حمود والشيخ صالح بن حمد المبيض والشيخ محمد العوجان والشيخ محمد الغنيم وغيرهم.\nتولى إمامة مسجد الرشيدية والخطابة في يوم الجمعة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة. ودرس في مدرسة المعارف مدة خمس سنوات، ثم في مدرسة النجاة. رحل إلى كل من مصر والهند والحجاز.\nتوفي ﵀ سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3349><span data-type=\"title\" id=toc-3350>موقفه من المبتدعة:</span></span>\nله:\n- اختصار الدرة المضيئة للسفاريني إلى نحو ربعها. (٢)\nوجاء في علماء نجد خلال ثمانية قرون (٣): وكان ﵀ يحث في خطبه على مكارم الأخلاق ومحاربة البدع والمنكرات.\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٥٦٥ - ٥٦٧).\n(٢) علماء نجد (٥/ ٥٦٦).\n(٣) (٥/ ٥٦٦).","vol":"10","page":null},{"text":"محمد الأمين الشنقيطي (١) (١٣٩٣ هـ)\nالشيخ محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، ولقبه آبّا بتشديد الباء من الإباء. ولد عام خمس وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة بشنقيط، من أعمال دولة موريتانيا، وتعلم بها على يد مشايخ عصره منهم: الشيخ أحمد بن محمد المختار والعلامة أحمد بن عمر والفقيه محمد بن زيدان والعلامة الكبير أحمد فال. حج سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة، واستقر مدرسا في كلية الشريعة واللغة العربية في الرياض، وأخيرا في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. كان ﵀ يتمتع بأخلاق ومزايا فاضلة أكسبته الثقة والاحترام في أوساط أولي الأمر وكبار أهل العلم، وكان أديبا ضليعا. تلقى العلم على يديه أفواج لا يحصون من طلاب العلم ومن أبرزهم: الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ عبد المحسن العباد والشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ صالح الفوزان والشيخ محمد عطية سالم والشيخ محمد أمان الجامي وغيرهم كثير.\nقال عنه الشيخ محمد عطية سالم بأنه صاحب أخلاق عالية من المروءة والإيثار والزهد في الدنيا وملاذها، والرغبة في الآخرة وما يقرب إليها. له مؤلفات نفيسة تدل على سعة علمه واطلاعه، من أشهرها: 'أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن' و'آداب البحث والمناظرة' و'دفع إيهام\n_________\n(١) الأعلام (٦/ ٤٥) وعلماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ٣٧١ - ٣٧٨) وإتحاف النبلاء بسير العلماء (١/ ١١٧ - ١٤٧) والمستدرك على معجم المؤلفين (٦٠٧) وجهود الشيخ الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف للدكتور عبد العزيز الطويان (١/ ٢٩ - ٨٧).","vol":"10","page":1},{"text":"الاضطراب عن آي الكتاب'.\nتوفي ﵀ في مكة المكرمة ضحوة يوم الخميس في اليوم السابع عشر من شهر ذي الحجة من عام ثلاثة وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة، ودفن بها. ورثاه تلميذه الشيخ أحمد بن أحمد الجكني بقوله:\nموت الإمام الحبر من جاكاني ... رزء ألم بأمة العدناني\nيا للمصيبة للبرية إنها ... فقدت عظيم مناهل العرفان\nشيخا أضاء من العقيدة نيرا ... أرساه فوق دعائم البرهان\nأعشى سناه كل جهم ملحد ... نبذ الكتاب لمنطق اليونان\nما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حاو لكل تراجم القرآن\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3352> موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الرجل كان أعجوبة في حفظه واستحضاره، حضرناه ولقيناه واجتمعنا به غير ما مرة، وليس هذا هو الغريب فيه، بل قد يشترك معه في هذه الصفة كثير من الناس، ولكن قبوله للحق، واعتناقه له، والدفاع عنه بكل شجاعة وإخلاص، وهذا يندر وجوده في أبناء جنسه من أهل تلك البلاد. فالشيخ جزاه الله خيرا شرفه اللباس السلفي الذي ارتداه وزينه خير تزيين، وأصبحت كتبه تضيء بذلك النور وتفوح بذلك المسك. فهذا: 'أضواء البيان' الذي نفع الله به أهل المشرق والمغرب، ووجد القبول عند الجميع، قلما تمر فيه مناسبة للعقيدة السلفية، إلا وتجد الشيخ كأنه مطر نافع مغيث تستطيبه النفوس، وتتمنى المزيد منه والاستمرار، ويأتي على ذلك الغثاء ويلقيه في مكان سحيق، حتى لا يتأذى المسلمون بشره بعد بيان أن هذا","vol":"10","page":2},{"text":"الضرر يجب إبعاده، ولا يجوز الاقتراب منه. وناهيك بالبحث العظيم الذي سطره في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) وقد بينت في كتابي: 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات' (٢) ما لهذا الكتاب من قيمة.\nوسأقتصر هنا على ذكر بعض النماذج لدفاع الشيخ عن العقيدة السلفية، جاء في: 'أضواء البيان'.\nقال:\nتنبيه مهم: يجب على كل مسلم يخاف العرض على ربه يوم القيامة، أن يتأمل فيه ليرى لنفسه المخرج من هذه الورطة العظمى، والطامة الكبرى، التي عمت جل بلاد المسلمين من المعمورة؛ وهي ادعاء الاستغناء عن كتاب الله وسنة رسوله استغناء تاما في جميع الأحكام، من عبادات ومعاملات وحدود وغير ذلك، بالمذاهب المدونة، وبناء هذا على مقدمتين:\nإحداهما: أن العمل بالكتاب والسنة لا يجوز إلا للمجتهدين.\nوالثانية: أن المجتهدين معدومون عدما كليا لا وجود لأحد منهم في الدنيا، وأنه بناء على هاتين المقدمتين، يمنع العمل بكتاب الله وسنة رسوله منعا باتا على جميع أهل الأرض، ويستغنى عنهما بالمذاهب المدونة.\n_________\n(١) الأعراف الآية (٥٤).\n(٢) (٢/ ٧٠١ - ٧٠٥).","vol":"10","page":3},{"text":"وزاد كثير منهم على هذا، منع تقليد غير المذاهب الأربعة وأن ذلك يلزم استمراره إلى آخر الزمان. فتأمل يا أخي رحمك الله! كيف يسوغ لمسلم أن يقول بمنع الاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وعدم وجوب تعلمهما والعمل بهما، استغناء عنهما بكلام رجال غير معصومين، ولا خلاف في أنهم يخطئون؛ فإن كان قصدهم أن الكتاب والسنة لا حاجة إلى تعلمهما، وأنهما يغني غيرهما، فهذا بهتان عظيم ومنكر من القول وزور.\nوإن كان قصدهم أن تعلمهما صعب لا يقدر عليه، فهو أيضا زعم باطل، لأن تعلم الكتاب والسنة أيسر من تعلم مسائل الآراء والاجتهاد المنتشرة، مع كونها في غاية التعقيد والكثرة، والله جل وعلا يقول في سورة القمر مرات متعددة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ ويقول تعالى في الدخان (١): ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ ويقول في مريم (٢): ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾. فهو كتاب ميسر بتيسير الله لمن وفقه الله للعمل به. والله جل وعلا يقول: ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٣) ويقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ\n_________\n(١) الدخان الآية (٥٨).\n(٢) مريم الآية (٩٧).\n(٣) العنكبوت الآية (٤٩).","vol":"10","page":4},{"text":"يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ (١).\nفلا شك أن الذي يتباعد عن هداه يحاول التباعد عن هدى الله ورحمته.\nولا شك أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله إلى أرضه ليستضاء به، فيعلم في ضوئه الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والنافع من الضار، والرشد من الغي.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي\n_________\n(١) الأعراف الآية (٥٢).\n(٢) النساء الآية (١٧٤).\n(٣) المائدة الآيتان (١٥و١٦).\n(٤) الشورى الآية (٥٢).","vol":"10","page":5},{"text":"أَنْزَلْنَا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ (٢).\nفإذا علمت أيها المسلم أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله ليستضاء به، ويُهتدَى بهداه في أرضه، فكيف ترضى لبصيرتك أن تعمى عن النور؟\nفلا تكن خفاشي البصيرة، واحذر أن تكون ممن قيل فيهم:\nخفافيش أعماها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم\nمثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورا ويُعمي أعين الخفاش\n﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (٣). ﴿* أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ (٤). ولا شك أن من عميت بصيرته عن النور تخبط في الظلام، ومن لم يجعل الله له نورا، فما له من نور.\nوبهذا تعلم أيها المسلم المنصف، أنه يجب عليك الجد والاجتهاد في تعلم كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وبالوسائل النافعة المنتجة، والعمل بكل ما علمك الله منهما علما صحيحا.\n_________\n(١) التغابن الآية (٨).\n(٢) الأعراف الآية (١٥٧).\n(٣) البقرة الآية (٢٠).\n(٤) الرعد الآية (١٩).","vol":"10","page":6},{"text":"ولتعلم أن تعلم كتاب الله وسنة رسوله في هذا الزمان، أيسر منه بكثير في القرون الأولى، لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك، من ناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، ومجمل ومبين، وأحوال الرجال، من رواة الحديث، والتمييز بين الصحيح والضعيف، لأن الجميع ضبط وأتقن ودُوِّنَ، فالجميع سهل التناول اليوم.\nفكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من النبي - ﷺ - ثم من الصحابة والتابعين وكبار المفسرين.\nوجميع الأحاديث الواردة عنه - ﷺ - حفظت ودونت، وعلمت أحوال متونها وأسانيدها وما يتطرق إليها من العلل والضعف.\nفجميع الشروط التي اشترطوها في الاجتهاد يسهل تحصيلها جدا على كل من رزقه الله فهما وعلما.\nوالناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، ونحو ذلك تسهل معرفته اليوم على كل ناظر في الكتاب والسنة ممن رزقه الله فهما ووفقه لتعلم كتاب الله وسنة رسوله.\nواعلم أيها المسلم المنصف، أن من أشنع الباطل وأعظم القول بغير الحق على الله وكتابه، وعلى النبي وسنته المطهرة، ما قاله الشيخ أحمد الصاوي في حاشيته على الجلالين في سورة الكهف وآل عمران، واغتر بقوله في ذلك خلق لا يحصى من المتسمين باسم طلبة العلم، لكونهم لا يميزون بين حق وباطل. فقد قال الصاوي أحمد المذكور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا","vol":"10","page":7},{"text":"تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣)﴾ الآية (١). بعد أن ذكر الأقوال في انفصال الاستثناء عن المستثنى منه بزمان، ما نصه: وعامة المذاهب الأربعة على خلاف ذلك كله، فإن شرط حل الأيمان بالمشيئة أن تتصل وأن يقصد بها حل اليمين، ولا يضر الفصل بتنفس أو سعال أو عطاس، ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية. فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. اهـ منه بلفظه.\nفانظر يا أخي رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله، وما أجرأ قائله على الله وكتابه وعلى النبي - ﷺ - وسنته وأصحابه، سبحانك هذا بهتان عظيم.\nأما قوله بأنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، ولو كانت أقوالهم مخالفة للكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃، وإجماع الأئمة الأربعة أنفسهم، كما سنرى إيضاحه إن شاء الله بما لا مزيد عليه في المسائل الآتية بعد هذه المسألة. فالذي ينصره هو الضال المضل.\nوأما قوله: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، فهذا أيضا من أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكا لحرمة كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -. سبحانك هذا بهتان عظيم.\n_________\n(١) الكهف الآية (٢٣).","vol":"10","page":8},{"text":"والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - وعامة علماء المسلمين، أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - في حال من الأحوال بوجه من الوجوه حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح.\nوالقول بأن العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، لا يصدر البتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلا، لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرا، والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس.\nومما يوضح لك ذلك أن آية الكهف هذه، التي ظن الصاوي أن ظاهرها حل الأيمان بالتعليق بالمشيئة المتأخر وزمنها عن اليمين وأن ذلك مخالف للمذاهب الأربعة: وبنى على ذلك أن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، كله باطل لا أساس له.\nوظاهر الآية بعيد مما ظن بل الظن الذي ظنه والزعم الذي زعمه لا تشير الآية إليه أصلا، ولا تدل عليه لا بدلالة المطابقة، ولا التضمن ولا الالتزام. فضلا على أن تكون ظاهرة فيه.\nوسبب نزولها يزيد ذلك إيضاحًا، لأن سبب نزول الآية أن الكفار سألوا النبي - ﷺ - عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فقال لهم سأخبركم غدًا، ولم يقل إن شاء الله فعاتبه ربه بعدم تفويض الأمر إليه، وعدم تعليقه بمشيئته جل وعلا، فتأخر عنه الوحي.","vol":"10","page":9},{"text":"ثم علمه الله في الآية الأدب معه في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١).\nثم قال لنبيه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ يعني إن قلت سأفعل كذا غدًا، ثم نسيت أن تقول إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك، فاذكر ربك، أي قل إن شاء الله، أي لتتدارك بذلك الأدب مع الله الذي فاتك عند وقته، بسبب النسيان، وتخرج من عهدة النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.\nوالتعليق بهذه المشيئة المتأخرة لأجل المعنى المذكور، الذي هو ظاهر الآية الصحيح لا يخالف مذهبًا من المذاهب الأربعة ولا غيرهم، وهو التحقيق في مراد ابن عباس بما ينقل عنه من جواز تأخير الاستثناء كما أوضحه كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀.\nوقد قدمنا إيضاحه في الكلام على آية الكهف هذه. فيا أتباع الصاوي المقلدين له تقليدًا أعمى على جهالة عمياء، أين دل ظاهر آية الكهف هذه، على اليمين بالله، أو بالطلاق أو بالعتق أو بغير ذلك من الأيمان؟\nهل النبي - ﷺ - حلف لما قال للكفار: سأخبركم غدًا؟\nوهل قال الله: ولا تقولن لشيء إني حالف سأفعل ذلك غدًا؟\nومن أين جئتم باليمين، حتى قلتم إن ظاهر القرآن، هو حل الأيمان\n_________\n(١) الكهف الآيتان (٢٣و٢٤).","vol":"10","page":10},{"text":"بالمشيئة المتأخرة عنها، وبنيتم على ذلك أن ظاهر الآية مخالف لمذاهب الأئمة الأربعة، وأن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟\nومما يزيد ما ذكرنا إيضاحًا ما قاله الصاوي أيضًا في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (١) فإنه قال على كلام الجلال ما نصه: زيغ أي ميل عن الحق للباطل، قوله: بوقوعهم في الشبهات واللبس، أي كنصارى نجران، ومن حذا حذوهم ممن أخذ بظاهر القرآن، فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة. اهـ.\nفانظر رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله وما أجرأ قائله على انتهاك حرمات الله، وكتابه ونبيه وسنته - ﷺ -، وما أدله على أن صاحبه لا يدري ما يتكلم به. فإنه جعل ما قاله نصارى نجران، هو ظاهر كتاب الله، ولذا جعل مثلهم من حذا حذوهم فأخذ بظاهر القرآن.\nوذكر أن العلماء قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، مع أنه لا يدري وجه ادعاء نصارى نجران على ظاهر القرآن أنه كفر، مع أنه مسلم أن ادعاءهم على ظاهر القرآن أنه كفرهم ومن حذا حذوهم ادعاء صحيح، إلا أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر.\nوقد قال قبل هذا: قيل سبب نزولها أن وفد نجران قالوا للنبي - ﷺ - ألست\n_________\n(١) آل عمران الآية (٧).","vol":"10","page":11},{"text":"تقول: إن عيسى روح الله وكلمته؟ فقال: «نعم»، فقالوا حسبنا، أي كفانا ذلك في كونه ابن الله. فنزلت الآية.\nفاتضح أن الصاوي يعتقد أن ادعاء نصارى نجران أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (١) هو أن عيسى ابن الله ادعاء صحيح، وبنى على ذلك أن العلماء قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر.\nوهذا كله من أشنع الباطل وأعظمه، فالآية لا يفهم من ظاهرها البتة، بوجه من الوجوه، ولا بدلالة من الدلالات، أن عيسى ابن الله، وادعاء نصارى نجران ذلك كذب بحت.\nفقول الصاوي كنصارى نجران، ومن حذا حذوهم ممن أخذ بظواهر القرآن صريح في أنه يعتقد أن ما ادعاه وفد نجران من كون عيسى ابن الله هو ظاهر القرآن اعتقاد باطل باطل باطل، حاشا القرآن العظيم من أن يكون هذا الكفر البواح ظاهره، بل هو لا يدل عليه البتة فضلا عن أن يكون ظاهره، وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٢) أي كل ذلك من عيسى ومن تسخير السموات والأرض مبدؤه ومنشؤه منه جل وعلا.\nفلفظة \"من\" في الآيتين لابتداء الغاية، وذلك هو ظاهر القرآن وهو\n_________\n(١) النساء الآية (١٧١).\n(٢) الجاثية الآية (١٣).","vol":"10","page":12},{"text":"الحق، خلافًا لما زعمه الصاوي وحكاه عن نصارى نجران.\nوقد اتضح بما ذكرنا أن الذين يقولون: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يعلمون ما هي الظواهر وأنهم يعتقدون شيئًا ظاهر النص. والواقع أن النص لا يدل عليه بحال من الأحوال فضلا عن أن يكون ظاهره.\nفبنوا باطلا على باطل، ولا شك أن الباطل لا يبنى عليه إلا الباطل.\nولو تصوروا معاني ظواهر الكتاب والسنة على حقيقتها، لمنعهم ذلك من أن يقولوا ما قالوا.\nفتصور الصاوي، أن ظاهر آية الكهف المتقدمة، وهو حل الأيمان، بالتعليق بالمشيئة المتأخر زمنها عن اليمين، وبناؤه على ذلك مخالفة ظاهر الآية لمذاهب الأئمة الأربعة، وأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، مع أن الآية لا تشير أصلا إلى ما اعتقد أنه ظاهرها.\nوكذلك اعتقاده أن ظاهر آية آل عمران المذكورة هو ما زعمه نصارى نجران، من أن عيسى ابن الله؛ فإنه كله باطل وليس شيء مما زعم ظاهر القرآن مطلقًا، كما لا يخفى على عاقل.\nوقول الصاوي في كلامه المذكور في سورة آل عمران: إن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. قول باطل لا يشك في بطلانه من عنده أدنى معرفة.\nومن هم العلماء الذين قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟","vol":"10","page":13},{"text":"سموهم لنا، وبينوا لنا من هم؟\nوالحق الذي لا يشك فيه أن هذا القول لا يقوله عالم، ولا متعلم، لأن ظواهر الكتاب والسنة هي نور الله الذي أنزله على رسوله ليستضاء به في أرضه وتقام به حدوده، وتنفذ به أوامره، وينصف به بين عباده في أرضه.\nوالنصوص القطعية التي لا احتمال فيها قليلة جدًا لا يكاد يوجد منها إلا أمثلة قليلة جدًا كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١).\nوالغالب الذي هو الأكثر، هو كون نصوص الكتاب والسنة ظواهر.\nوقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي صارف عنه، إلى المحتمل المرجوح، وعلى هذا كل من تكلم في الأصول.\nفتنفير الناس وإبعادها عن كتاب الله، وسنة رسوله، بدعوى أن الأخذ بظواهرهما من أصول الكفر، هو من أشنع الباطل وأعظمه كما ترى.\nوأصول الكفر يجب على كل مسلم أن يحذر منها كل الحذر، ويتباعد منها كل التباعد، ويتجنب أسبابها كل الاجتناب، فيلزم على هذا القول المنكر الشنيع وجوب التباعد من الأخذ بظواهر الوحي.\nوهذا كما ترى، وبما ذكرنا يتبين أن من أعظم أسباب الضلال، ادعاء أن ظواهر الكتاب والسنة دالة على معان قبيحة، ليست بلائقة.\n_________\n(١) البقرة الآية (١٩٦).","vol":"10","page":14},{"text":"والواقع في نفس الأمر بعدها وبراءتها من ذلك.\nوسبب تلك الدعوى الشنيعة على ظواهر كتاب الله، وسنة رسوله، هو عدم معرفة مدعيها. (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3353> موقفه من المشركين:</span>\n- قال رحمه الله تعالى: اعلم أن ما يفسر به هذه الآية الكريمة -يعني قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (٢) - بعض الزنادقة الكفرة المدعين للتصوف من أن معنى اليقين المعرفة بالله جل وعلا، وأن الآية تدل على أن العبد إذا وصل من المعرفة بالله إلى تلك الدرجة المعبر عنها باليقين أنه تسقط عنه العبادات والتكاليف؛ لأن ذلك اليقين هو غاية الأمر بالعبادة.\nإن تفسير الآية بهذا كفر بالله وزندقة، وخروج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمين. وهذا النوع لا يسمى في الاصطلاح تأويلا، بل يسمى لعبا كما قدمنا في آل عمران. ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هم وأصحابهم هم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع ذلك أكثر الناس عبادة لله جل وعلا، وأشدهم خوفا منه وطمعا في رحمته؛ وقد قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ\n_________\n(١) أضواء البيان (٧/ ٤٣٥ - ٤٤٣).\n(٢) الحجر الآية (٩٩).","vol":"10","page":15},{"text":"الْعُلَمَاءُ﴾ (١) والعلم عند الله تعالى. (٢)\n- وقال عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ (٣).\nلا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة: أن الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له وحده، ولا يعرفون شيئا من حقه لمخلوق. وفي وقت الأمن والعافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده، التي هي عبادته وحده في جميع أنواع العبادة، ويعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالا من عبدة الأوثان، فإنهم إذا دهمتهم الشدائد وغشيتهم الأهوال والكروب، التجأوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح، في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله. مع أن الله جل وعلا أوضح في غير موضع أن إجابة المضطر، وإنجاءه من الكرب من حقوقه التي لا يشاركه فيها غيره. (٤)\n- قال ﵀: واعلم أنه لا خلاف بين العلماء -كما ذكرنا آنفا- في منع النداء برابطة غير الإسلام، كالقوميات والعصبيات النسبية، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكلية، فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي: أنه نداء إلى التخلي عن دين\n_________\n(١) فاطر الآية (٢٨).\n(٢) الأضواء (٣/ ٢٠٧).\n(٣) الإسراء الآية (٦٧).\n(٤) أضواء البيان (٣/ ٦١٤).","vol":"10","page":16},{"text":"الإسلام، ورفض الرابطة السماوية رفضا باتا، على أن يعتاض من ذلك روابط عصبية قومية، مدارها على أن هذا من العرب، وهذا منهم أيضا مثلا، فالعروبة لا يمكن أن تكون خلفا من الإسلام، واستبدالها به صفقة خاسرة، فهي كما قال الراجز:\nبدلت بالجمة رأسا أزعرا ... وبالثنايا الواضحات الدردرا\nكما اشترى المسلم إذ تنصرا (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3354> موقفه من الصوفية:</span>\nقال ﵀: وبالجملة، فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يتقرب إليه به من فعل وترك إلا عن طريق الوحي. فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل وما جاءوا به، ولو في مسألة واحدة فلا شك في زندقته. والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (٢) ولم يقل حتى نلقي في القلوب إلهاما. وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ\n_________\n(١) أضواء البيان (٣/ ٤٤٥).\n(٢) الإسراء الآية (١٥).\n(٣) النساء الآية (١٦٥).","vol":"10","page":17},{"text":"آَيَاتِكَ﴾ (١) الآية. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدا. وقد بينا طرفا من ذلك في سورة (بني إسرائيل) في الكلام على قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (٢). وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين التصوف، من أن لهم ولأشياخهم طريقا باطنة توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع -كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى - زندقة، وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام، بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره. (٣)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3355> موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀: والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات، لا يليق بالله، لأنه كفر وتشبيه، إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه، بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنه جل وعلا، هو الذي وصف بها نفسه، فكان هذا الجاهل مشبها أولا، ومعطلا ثانيا. فارتكب مالا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفا بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي، طاهرا من أقذار التشبيه. لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه: أن وصف الله جل وعلا، بالغ من الكمال والجلال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين\n_________\n(١) طه الآية (١٣٤).\n(٢) الإسراء الآية (١٥).\n(٣) أضواء البيان (٤/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"10","page":18},{"text":"صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق على نحو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١)، فلو قال متنطع: بينوا لنا كيفية الاتصاف بصفة الاستواء واليد، ونحو ذلك لنعقلها؟ قلنا: أعرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا. فنقول: معرفة كيفية الاتصاف بالصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات، فسبحان من لا يستطيع غيره أن يحصي الثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (٢)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٣)، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٤).اهـ (٥)\n- وقال ﵀: والنداء المذكور في جميع الآيات المذكورة نداء الله له، فهو كلام الله أسمعه نبيه موسى. ولا يعقل أنه كلام مخلوق، ولا كلام خلقه الله في مخلوق، كما يزعم ذلك بعض الجهلة الملاحدة، إذ لا يمكن أن\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) طه الآية (١١٠).\n(٣) الشورى الآية (١١).\n(٤) النحل الآية (٧٤).\n(٥) أضواء البيان (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١).","vol":"10","page":19},{"text":"يقول غير الله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ (١)، ولا أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (٢). ولو فرض أن الكلام المذكور قاله مخلوق افتراء على الله، كقول فرعون ﴿أنا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ على سبيل فرض المحال، فلا يمكن أن يذكره الله في معرض أنه حق وصواب.\nفقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (٣)، وقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ (٤) صريح في أن الله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك، كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام. (٥)\n- وقال ﵀ تحت قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ (٦): واعلم أن ما يزعمه الجهمية من أن الله تعالى في كل مكان، مستدلين بهذه الآية على أنه في الأرض، ضلال مبين، وجهل بالله تعالى، لأن جميع الأمكنة الموجودة أحقر وأصغر من أن يحل في شيء منها رب السموات والأرض، الذي هو أعظم من كل شيء، وأعلى من كل شيء، محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء، فالسماوات والأرض في يده جل وعلا أصغر من\n_________\n(١) النمل الآية (٩).\n(٢) طه الآية (١٤).\n(٣) طه الآية (١٤).\n(٤) النمل الآية (٩).\n(٥) أضواء البيان (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(٦) الأنعام الآية (٣).","vol":"10","page":20},{"text":"حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى، فلو كانت حبة خردل في يد رجل فهل يمكن أن يقال: إنه حال فيها، أو في كل جزء من أجزائها، لا وكلا، هي أصغر وأحقر من ذلك، فإذا علمت ذلك، فاعلم أن رب السموات والأرض أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء، ولا يكون فوقه شيء ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ (١)، ﷾ علوا كبيرا لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- ثم قال الشيخ ﵀ بعد كلام طويل: ... ولأجل هذه البلية العظمى والطامة الكبرى، زعم كثير من النظار الذين عندهم فهم، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها غير لائقة بالله لأن ظواهرها المتبادرة منها هو تشبيه صفات الله بصفات خلقه، وعقد ذلك المقري في إضاءته في قوله:\nوالنص إن أوهم غير اللائق ... بالله كالتشبيه بالخلائق\nفاصرفه عن ظاهره إجماعا ... واقطع عن الممتنع الأطماعا\nوهذه الدعوى الباطلة من أعظم الافتراء على آيات الله تعالى وأحاديث\n_________\n(١) سبأ الآية (٣).\n(٢) طه الآية (١١٠).\n(٣) أضواء البيان (٢/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"10","page":21},{"text":"رسوله - ﷺ -. والواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها لكل مسلم راجع عقله، هي مخالفة صفات الله لصفات خلقه.\nولا بد أن نتساءل هنا فنقول:\nأليس الظاهر المتبادر مخالفة الخالق للمخلوق في الذات والصفات والأفعال؟ والجواب الذي لا جواب غيره: بلى. وهل تشابهت صفات الله مع صفات خلقه حتى يقال إن اللفظ الدال على صفته تعالى ظاهره المتبادر منه تشبيهه بصفة الخالق؟ والجواب الذي لا جواب غيره: لا.\nفبأي وجه يتصور عاقل أن لفظا أنزله الله في كتابه مثلا دالا على صفة من صفات الله أثنى بها تعالى على نفسه، يكون ظاهره المتبادر منه مشابهته لصفة الخلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.\nفالخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف. فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق؟ أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق؟\nفكل لفظ دل على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقا بالخالق منزها عن مشابهة صفات المخلوق. وكذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق. فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق، هو كونها جارحة، هي عظم ولحم ودم، وهذا هو الذي","vol":"10","page":22},{"text":"يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١).\nوالظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) أنها صفة كمال وجلال لائقة بالله جل وعلا، ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله. وقد بين جل وعلا عظم هذه الصفة وما هي عليه من الكمال والجلال، وبين أنها من صفات التأثير كالقدرة، قال تعالى في تعظيم شأنها: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ (٣). وبين أنها صفة تأثير كالقدرة في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤). فتصريحه تعالى بأنه خلق نبيه آدم بهذه الصفة العظيمة التي هي من صفات كماله وجلاله، يدل على أنها من صفات التأثير كما ترى.\nولا يصح هنا تأويل اليد بالقدرة البتة، لإجماع أهل الحق والباطل كلهم على أنه لا يجوز تثنية القدرة. ولا يخطر في ذهن المسلم المراجع عقله دخول الجارحة التي هي عظم ولحم ودم في معنى هذا اللفظ الدال على هذه الصفة\n_________\n(١) المائدة الآية (٣٨).\n(٢) ص الآية (٧٥).\n(٣) الزمر الآية (٦٧).\n(٤) ص الآية (٧٥).","vol":"10","page":23},{"text":"العظيمة من صفات خالق السموات والأرض.\nفاعلم أيها المدعي أن ظاهر لفظ اليد في الآية المذكورة وأمثالها لا يليق بالله، لأن ظاهرها التشبيه بجارحة الإنسان، وأنها يجب صرفها عن هذا الظاهر الخبيث، ولم تكتف بهذا حتى ادعيت الإجماع على صرفها عن ظاهرها، إن قولك هذا كله افتراء عظيم على الله تعالى وعلى كتابه العظيم، وأنك بسببه كنت أعظم المشبهين والمجسمين، وقد جرك شؤم التشبيه إلى ورطة التعطيل، فنفيت الوصف الذي أثبته الله في كتابه لنفسه بدعوى أنه لا يليق به، وأولته بمعنى آخر من تلقاء نفسك بلا مستند من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من السلف.\nوماذا عليك لو صدقت الله وآمنت بما مدح به نفسه على الوجه اللائق بكماله وجلاله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل؟ وبأي موجب سوغت لذهنك أن يخطر فيه صفة المخلوق عند ذكر صفة الخالق؟ هل تلتبس صفة الخالق بصفة المخلوق عن أحد حتى يفهم صفة المخلوق من اللفظ الدال على صفة الخالق؟ فاخش الله يا إنسان، واحذر من التقول على الله بلا علم، وآمن بما جاء في كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه. واعلم أن الله الذي أحاط علمه بكل شيء لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به، والوصف غير اللائق به، حتى يأتي إنسان فيتحكم في ذلك فيقول: هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك، وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك ولا من رسولك، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك.\nفاليد مثلا، التي وصفت بها نفسك لا تليق بك، لدلالتها على التشبيه","vol":"10","page":24},{"text":"بالجارحة، وأنا أنفيها عنك نفيا باتا، وأبدلها لك بوصف لائق بك، وهو النعمة أو القدرة مثلا، أو الجود. سبحانك هذا بهتان عظيم\". (١) ثم ذكر الشيخ الرد على الأشاعرة في تقسيم الصفات والإيمان بالبعض دون البعض. وهو بحث نفيس ينبغي الرجوع إليه وقراءته.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3356> موقفه من الخوارج:</span>\nقال ﵀: إذا طرأ على الإمام الأعظم فسق أو دعوة إلى بدعة. هل يكون ذلك سببا لعزله والقيام عليه أولا؟\nقال بعض العلماء: إذا صار فاسقا أو داعيا إلى بدعة جاز القيام عليه لخلعه. والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز القيام عليه لخلعه، إلا إذا ارتكب كفرا بواحا عليه من الله برهان.\nفقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان» (٢).\nوفي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خيار أئمتكم الذين يحبونكم وتحبونهم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم،\n_________\n(١) أضواء البيان (٧/ ٤٤٣ - ٤٤٦).\n(٢) أحمد (٣/ ٤٤١) والبخاري (١٣/ ٦/٧٠٥٥و٧٠٥٦) ومسلم (٣/ ١٤٧٠/١٧٠٩) والنسائي (٧/ ١٥٧/٤١٦٤) وابن ماجه (٢/ ٩٥٧/٢٨٦٦).","vol":"10","page":25},{"text":"وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله تعالى، ولا ينزعن يدا من طاعة» (١).\nوفي صحيح مسلم أيضا: من حديث أم سلمة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع». قالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا» (٢).\nوأخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت، إلا مات ميتة جاهلية» (٣).\nوأخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية» (٤).\nوالأحاديث في هذا كثيرة. فهذه النصوص تدل على منع القيام عليه، ولو كان مرتكبا لما لا يجوز، إلا إذا ارتكب الكفر الصريح، الذي قام البرهان الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، أنه كفر بواح، أي: ظاهر باد لا لبس فيه.\n_________\n(١) أحمد (٦/ ٢٤) ومسلم (٣/ ١٤٨١/١٨٥٥).\n(٢) أحمد (٦/ ٢٩٥) ومسلم (٣/ ١٤٨٠/١٨٥٤) وأبو داود (٥/ ١١٩/٤٧٦٠) والترمذي (٤/ ٤٥٨/٢٢٦٥).\n(٣) أحمد (١/ ٢٧٥) والبخاري (١٣/ ٦/٧٠٥٤) ومسلم (٣/ ١٤٧٧/١٨٤٩).\n(٤) أحمد (٢/ ٧٠) ومسلم (٣/ ١٤٧٨/١٨٥١).","vol":"10","page":26},{"text":"وقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن، وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة، ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك. ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة، فأبطل المحنة، وأمر بإظهار السنة.\nواعلم أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية الله تعالى. وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن. كحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» أخرجه الشيخان وأبو داود (١).\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف» (٢). وفي الكتاب العزيز: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (٣).اهـ (٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3357> موقفه من المرجئة:</span>\n- قال: ومعلوم أن الحق الذي لا شك فيه، الذي هو مذهب أهل\n_________\n(١) أحمد (٢/ ١٧) والبخاري (١٣/ ١٥٢/٧١٤٤) ومسلم (٣/ ١٤٦٩/١٨٣٩) وأبو داود (٣/ ٩٣ - ٩٤/ ٢٦٢٦) والترمذي (٤/ ١٨٢/١٧٠٧) والنسائي (٧/ ١٧٩ - ١٨٠/ ٤٢١٧) وابن ماجه (٢/ ٩٥٦/٢٨٦٤).\n(٢) أحمد (١/ ٨١) والبخاري (٨/ ٧٢ - ٧٣/ ٤٣٤٠) ومسلم (٣/ ١٤٦٩/١٨٤٠ (٤٠» وأبو داود (٣/ ٩٢ - ٩٣/ ٢٦٢٥) والنسائي (٧/ ١٧٩/٤٢١٦).\n(٣) الممتحنة الآية (١٢).\n(٤) أضواء البيان (١/ ٦٧ - ٦٩).","vol":"10","page":27},{"text":"السنة والجماعة: أن الإيمان شامل للقول والعمل مع الاعتقاد. وذلك ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة. (١)\n- وقال ﵀: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ (٢).\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة لنبيه - ﷺ - أنه يقص عليه نبأ أصحاب الكهف بالحق. ثم أخبره مؤكدا له أنهم فتية آمنوا بربهم، وأن الله جل وعلا زادهم هدى.\nويفهم من هذه الآية الكريمة أن من آمن بربه وأطاعه زاده ربه هدى، لأن الطاعة سبب للمزيد من الهدى والإيمان.\nوهذا المفهوم من هذه الآية الكريمة جاء مبينا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ الآية (٤)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ الآية (٥)، وقوله: ﴿فَأَمَّا\n_________\n(١) أضواء البيان (٧/ ٢٠١).\n(٢) الكهف الآية (١٣).\n(٣) محمد الآية (١٧).\n(٤) العنكبوت الآية (٦٩).\n(٥) الأنفال الآية (٢٩).","vol":"10","page":28},{"text":"الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية (٢)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ (٣)، إلى غير ذلك من الآيات.\nوهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد، مفهوم منها أنه ينقص أيضا، كما استدل بها البخاري ﵀ على ذلك، وهي تدل عليه دلالة صريحة لا شك فيها، لا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى، والعلم عند الله تعالى. (٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3358> موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀: قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ (٥) يدل على أن الله هو الذي يجعل الفجور والتقوى في القلب، وقد جاءت آيات تدل على أن فجور العبد وتقواه باختياره ومشيئته كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا\n_________\n(١) التوبة الآية (١٢٤).\n(٢) الفتح الآية (٤).\n(٣) الحديد الآية (٢٨).\n(٤) أضواء البيان (٤/ ٢٨ - ٢٩).\n(٥) الشمس الآية (٨).","vol":"10","page":29},{"text":"الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ (٢) ونحو ذلك، وهذه المسألة هي التي ضل فيها القدرية والجبرية.\nأما القدرية: فضلوا بالتفريط، حيث زعموا أن العبد يخلق عمل نفسه استقلالا من غير تأثير لقدرة الله فيه.\nوأما الجبرية فضلوا بالإفراط، حيث زعموا أن العبد لا عمل له أصلا حتى يؤاخذ به.\nوأما أهل السنة والجماعة فلم يفرطوا ولم يفرطوا، فأثبتوا للعبد أفعالا اختيارية، ومن الضروري عند جميع العقلاء أن الحركة الارتعاشية ليست كالحركة الاختيارية، وأثبتوا أن الله خالق كل شيء، فهو خالق العبد وخالق قدرته وإرادته، وتأثير قدرة العبد لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى.\nفالعبد وجميع أفعاله بمشيئة الله تعالى، مع أن العبد يفعل اختيارا بالقدرة والإرادة اللتين خلقهما الله فيه فعلا اختياريا يثاب عليه ويعاقب.\nولو فرضنا أن جبريا ناظر سنيا، فقال الجبري: حجتي لربي أن أقول إني لست مستقلا بعمل، وأني لابد أن تنفذ في مشيئته وإرادته على وفق العلم الأزلي، فأنا مجبور. فكيف يعاقبني على أمر لا قدرة لي أن أحيد عنه؟ فإن السني يقول له: كل الأسباب التي أعطاها للمهتدين أعطاها لك، جعل لك سمعا تسمع به، وبصرا تبصر به، وعقلا تعقل به، وأرسل لك رسولا، وجعل لك اختيارا وقدرة، ولم يبق بعد ذلك إلا التوفيق، وهو ملكه المحض، إن\n_________\n(١) فصلت الآية (١٧).\n(٢) البقرة الآية (١٦).","vol":"10","page":30},{"text":"أعطاه ففضل، وإن منعه فعدل.\nكما أشار له تعالى بقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (١) يعني أن ملكه للتوفيق حجة بالغة على الخلق، فمن أعطيه ففضل، ومن منعه فعدل.\nولما تناظر أبو إسحق الاسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي. قال عبد الجبار: سبحان من تنزه عن الفحشاء، وقصده أن المعاصي كالسرقة والزنى بمشيئة العبد دون مشيئة الله، لأن الله أعلى وأجل من أن يشاء القبائح في زعمهم.\nفقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.\nفقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويعاقبني عليه؟\nفقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟\nفقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالردى؟ أتراه أحسن إلي أم أساء؟\nفقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه ملكا لك فقد أساء، وإن كان له، فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبهت عبد الجبار. وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب.\nوجاء أعرابي إلى عمرو بن عبيد وقال له: ادع الله لي أن يرد علي حمارة سرقت مني، فقال: اللهم إن حمارته سرقت، ولم ترد سرقتها فارددها\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٤٩).","vol":"10","page":31},{"text":"عليه. فقال له الأعرابي: يا هذا كف عني دعاءك الخبيث. إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها، فقد يريد ردها ولا ترد. وقد رفع الله إشكال هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١) فأثبت للعبد مشيئة، وصرح بأنه لا مشيئة للعبد إلا بمشيئة الله جل وعلا. فكل شيء صادر عن قدرته ومشيئته جل وعلا.\nوقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (٢)\nوأما على قول من فسر الآية الكريمة بأن معنى ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ (٣) أنه بين لها طريق الخير وطريق الشر، فلا إشكال في الآية. وبهذا المعنى فسرها جماعة من العلماء. والعلم عند الله تعالى. (٤)\n- وقال ﵀: ومن أعظم الأدلة القطعية الدالة على بطلان مذهب القدرية، وأن العبد لا يستقل بأفعاله دون قدرة الله ومشيئته، أنه لا يمكن أحدا أن ينكر علم الله بكل شيء قبل وقوعه، والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا ينكرها إلا مكابر.\nوسبق علم الله بما يقع من العبد قبل وقوعه، برهان قاطع على بطلان تلك الدعوى.\n_________\n(١) الإنسان الآية (٣٠).\n(٢) الأنعام الآية (١٤٩).\n(٣) الشمس الآية (٨).\n(٤) دفع إيهام الاضطراب الملحق بأضواء البيان (٩/ ٣٣٠ - ٣٣٢).","vol":"10","page":32},{"text":"وإيضاح ذلك أنك لو قلت للقدري: إذا كان علم الله في سابق أزله تعلق بأنك تقع منك السرقة أو الزنا في محل كذا في وقت كذا، وأردت أنت بإرادتك المستقلة في زعمك دون إرادة الله ألا تفعل تلك السرقة أو الزنا الذي سبق بعلم الله وقوعه، فهل يمكنك أن تستقل بذلك؟ وتصير علم الله جهلا، بحيث لا يقع ماسبق في علمه وقوعه في وقته المحدد له؟\nوالجواب بلاشك: هو أن ذلك لا يمكن بحال كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (٢).\nولا إشكال ألبتة في أن الله يخلق للعبد قدرة وإرادة يقدر بها على الفعل والترك، ثم يصرف الله بقدرته وإرادته قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به علمه، فيأتيه العبد طائعا مختارا غير مقهور ولايجور، وغير مستقل به دون قدرة الله وإرادته كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣).اهـ (٤)\n- وقال ﵀: أما قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ (٥) على القول بأن إن شرطية لا تمكن صحة الربط بين\n_________\n(١) الإنسان الآية (٣٠).\n(٢) الأنعام الآية (١٤٩).\n(٣) الإنسان الآية (٣٠).\n(٤) أضواء البيان (٧/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(٥) الزخرف الآية (٨١).","vol":"10","page":33},{"text":"شرطها وجزائها ألبتة، لأن الربط بين المعبود وبين كونه والدا أو ولدا لا يصح بحال.\nولذا جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب» (١) فنفى الطرفين مع أن الربط صحيح، ولا يمكن أن ينفي - ﷺ - هو ولا غيره الطرفين في الآية الأخرى، فلا يقول هو ولا غيره: ليس له ولد ولا أعبده.\nوعلى كل حال، فالربط بين الشك وسؤال الشاك للعالم أمر صحيح، بخلاف الربط بين العبادة وكون المعبود والدا أو ولدا فلا يصح.\nفاتضح الفرق بين الآيتين وحديث: «لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب» رواه قتادة بن دعامة مرسلا. وبنحوه قال بعض الصحابة، فمن بعدهم، ومعناه صحيح بلا شك.\nوما قاله الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة يستغربه كل من رآه لقبحه وشناعته، ولم أعلم أحدا من الكفار فيما قَصَّ الله في كتابه عنهم يتجرأ على مثله أو قريب منه.\nوهذا مع عدم فهمه لما يقول وتناقض كلامه. وسنذكر هنا كلامه القبيح للتنبيه على شناعة غلطه، الديني واللغوي.\nقال في الكشاف ما نصه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ (٢) وصح ذلك\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق (٦/ ١٢٥ - ١٢٦/ ١٠٢١١) وابن جرير (٧/ ١٦٨) عن قتادة. قال الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ١٤٠): \"هو معضل\". وأخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ١٩٨٦/١٠٥٨٣) بسنده إلى ابن عباس. وفيه هشيم وهو مدلس كثير الإرسال وقد عنعن.\n(٢) الزخرف الآية (٨١).","vol":"10","page":34},{"text":"وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها، فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه.\nوهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه، وألا يترك للناطق به شبهة إلا مضمحلة، مع الترجمة عن نفسه بإثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها.\nونظيره أن يقول العدلي للمجبر، إن كان الله تعالى خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله.\nفمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفى أن يكون الله تعالى خالقا للكفر.\nوتنزيهه عن ذلك وتقديسه ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا، مع الدلالة على سماجة المذهب، وضلالة الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه.\nونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير ﵀ للحجاج حين قال له (أما والله لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى): (لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك).\nوقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف الملئ بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله المكذبين قولكم","vol":"10","page":35},{"text":"لإضافة الولد إليه اهـ. الغرض من كلام الزمخشري.\nوفي كلامه هذا من الجهل بالله وشدة الجراءة عليه، والتخبط والتناقض في المعاني اللغوية ما الله عالم به. ولا أظن أن ذلك يخفى على عاقل تأمله.\nوسنبين لك ما يتضح به ذلك فإنه أولا قال: إن كان للرحمن ولد وصح ذلك ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته، والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه.\nفكلامه هذا لا يخفى بطلانه على عاقل، لأنه على فرض صحة نسبة الولد إليه، وقيام البرهان الصحيح والحجة الواضحة على أنه له ولد، فلا شك أن ذلك يقتضي، أن ذلك الولد لا يستحق العبادة بحال، ولو كان في ذلك تعظيم لأبيه، لأن أباه مثله في عدم استحقاق العبادة، والكفر بعبادة كل والد وكل مولود شرط في إيمان كل موحد، فمن أي وجه يكون هذا الكلام صحيحا. أما في اللغة العربية فلا يكون صحيحا ألبتة.\nوما أظنه يصح في لغة من لغات العجم فالربط بين هذا الشرط وهذا الجزاء لا يصح بوجه.\nفمعنى الآية عليه لا يصح بوجه، لأن المعلق على المحال لا بد أن يكون محالا مثله.\nوالزمخشري في كلامه كلما أراد أن يأتي بمثال في الآية خارج عنها اضطر إلى أن لا يعلق على المحال في زعمه إلا محالا.\nفضربه للآية المثل بقصة ابن جبير مع الحجاج، دليل واضح على ما","vol":"10","page":36},{"text":"ذكرنا وعلى تناقضه وتخبطه.\nفإنه قال فيها إن الحجاج قال لسعيد بن جبير: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال سعيد للحجاج: لو علمت أن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك. فهو يدل على أنه علق المحال على المحال، ولو كان غير متناقض للمعنى الذي مثل له به الزمخشري لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله.\nفقوله: لو علمت أن ذلك إليك في معنى ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ (١)، فنسبة الولد والشريك إليه معناهما في الاستحالة وادعاء النقص واحد.\nفلو كان سعيد يفهم الآية كفهمك الباطل لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله.\nولكنه لم يقل هذا، لأنه ليس له معنى صحيح يجوز المصير إليه.\nوكذلك تمثيل الزمخشري للآية الكريمة في كلامه القبيح البشع الشنيع الذي يتقاصر عن التلفظ به كل كافر.\nفقد اضطر فيه أيضا إلى أن لا يعلق على المحال في زعمه إلا محالا شنيعا فإنه قال فيه:\nونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله.\nفانظر قول هذا الضال في ضربه المثل في معنى هذه الآية الكريمة بقول الضال الذي يسميه العدلي: إن كان الله خالقا للكفر في القلوب إلخ.\n_________\n(١) الزخرف الآية (٨١).","vol":"10","page":37},{"text":"فخلق الله للكفر في القلوب وتعذيبه الكفار على كفرهم، مستحيل عنده كاستحالة نسبة الولد لله، وهذا المستحيل في زعمه الباطل، إنما علق عليه أفظع أنواع المستحيل وهو زعمه الخبيث أن الله إن كان خالقا للكفر في القلوب، ومعذبا عليه فهو شيطان لا إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فانظر رحمك الله فظاعة جهل هذا الإنسان بالله، وشدة تناقضه في المعنى العربي للآية. لأنه جعل قوله: إن كان الله خالقا للكفر ومعذبا عليه بمعنى ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ (١) في أن الشرط فيهما مستحيل، وجعل قوله في الله إنه شيطان لا إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. كقول النبي - ﷺ -: أنا أول العابدين.\nفاللازم لكلامه أن يقول: لو كان خالقا للكفر فأنا أول العابدين له، ولا يخفى أن الادعاء على الله أنه شيطان مناقض لقوله: فأنا أول العابدين.\nوقد أعرضت عن الإطالة في بيان بطلان كلامه، وشدة ضلاله، وتناقضه لشناعته ووضوح بطلانه، فهي عبارات مزخرفة، وشقشقة لا طائل تحتها، وهي تحمل في طياتها الكفر والجهل بالمعنى العربي للآية. والتناقض الواضح وكم من كلام ملئ بزخرف القول، وهو عقيم لا فائدة فيه، ولا طائل تحته كما قيل:\nوإني وإني ثم إني وإنني ... إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعا\nفظل يعمل أياما رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء\n_________\n(١) الزخرف الآية (٨١).","vol":"10","page":38},{"text":"واعلم أن الكلام على القدر، وخلق أفعال العباد: قدمنا منه جملا كافية في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ (١)، ولا يخفى تصريح القرآن بأن الله خالق كل شيء، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ (٣). وقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٥).\nفالإيمان بالقدر خيره وشره الذي هو من عقائد المسلمين جعله الزمخشري يقتضي أن الله شيطان، سبحان الله وتعالى عما يقوله الزمخشري علوا كبيرا. وجزى الزمخشري بما هو أهله. (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3359>محمد الجزولي (١٣٩٣ ه</span>ـ)\nمن أهل المغرب الأقصى، ولد بالرباط سنة ست وثلاثمائة وألف للهجرة. اشتغل بالقضاء، وله ديوان شعري باسم: 'ذكريات من ربيع الحياة' طبع سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n_________\n(١) الزخرف الآية (٢٠).\n(٢) الزمر الآية (٦٢).\n(٣) الفرقان الآية (٢).\n(٤) فاطر الآية (٣).\n(٥) القمر الآية (٤٩).\n(٦) أضواء البيان (٧/ ٢٩٩ - ٣٠٤).","vol":"10","page":39},{"text":"قال عنه محمد بن اليمني الناصري شقيق محمد المكي الناصري المعروف: \"صاحبنا كاتب الحقيقة وشاعر العاطفة؛ أخونا المطلع الخبير والداهية الكبير\". (١)\nتوفي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3360> موقفه من الصوفية:</span>\nكتب رسالة لشيخ الطائفة التجانية بالرباط سماها: 'لا طرق في الإسلام' بعد مذاكرات بينهما جرت حول الطرق الصوفية، هذه الرسالة كلها ذم وتقريع وكشف لحقيقة الطرقية المقيتة، وقد ضمنها نحو عشرين سؤالا ملزما مفحما قاضيا بضلال هذا المسلك -جزاه الله خيرا- وقد انتشرت وذاعت في وقتها؛ إلا أنها أثارت ثائرة الطرقيين فضجوا من أجلها حسب ما ذكره محمد بن اليمني الناصري في كتابه: 'ضرب نطاق الحصار'.\nوقد نقل هذه الرسالة كاملة وهي جواب عن سؤال شيخ التجانية: \"ما هي هذه الطرق؟ لأن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره\".\nفأجاب ﵀: الطرق هي ما دعي فيه إلى أعمال وأقوال زائدة غير صالحة في نفسها ولا مصلحة لغيرها، مستمدة من عالم الأذواق والإلهام! لم يدع إليها محمد - ﷺ - ولا أحد من أصحابه نصا، لم تسد من الدين ثغرة، ولم تزده في عالم الإصلاح شهرة؛ بل شوهته بما استحالت إليه من محاكاة القردة والحيوانات المفترسة والمتوحشين في مجاهل الأرض.\n_________\n(١) 'ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار' لمحمد الناصري (ص.١٥٦).","vol":"10","page":40},{"text":"ادعاها أشخاص من طلاب الشهرة الدينية أو الدنيوية. فيهم صالح النية وخبيثها. ومن العسير معرفة صالحهم من طالحهم؛ إذ لا مميز قطعيا هناك؛ مما يوجب طرح دعاويهم جميعا وإلقاء ما أتوا به جملة وتفصيلا؛ استغناء بكتاب الله وسنة رسوله.\nأما بعد: فطالما تنكبت -منذ عرفت طويتك، وخبرت هويتك- الطرق المؤدية للاجتماع بك، لا لقلي لك أو بغض فيك؛ إذ لست هناك، ولكن لما بين الفكرين من التضارب، وبين الرأيين من التباين؛ فبينما أراني متطلعا في سماء الحرية الصافية الأديم، الرائقة النسيم، متغلغلا ببصر البصيرة في سعة أجوائها، وترامي أرجائها، متنسما عطر أريحها، متشحا برد نسيجها؛ إذ بك ترسف في أغلال التقليد وسلاسل الجمود، معتقدًا سلاسلها مخانق من لؤلؤ، وقيودها خلاخل من ذهب، ومع إبهاظ تلك لعاتقك، ونخر هذه لسوقك تضن بهما ضن البخيل بماله، والغيور بعياله، فأنى يطيب لنا اجتماع أو يحصل بيننا اتفاق؛ اللهم إلا إذا اجتمع الضدان، وائتلف النقيضان، وتساوى الطائر المحلِّق -حيث لا يخشى الطلب- بالمحبوس أسيرا -وإن في قفص من ذهب-، لهذا وذاك، كنت دائما أتحرى عدم لقياك، استغناء عن نفعك واتقاء لأذاك، حتى سقطت علينا بالأمس سقوط الجراد في ليلة أَحَلْت بياض أنسها إلى سواد، عند ذلك السميدع الأصيل إذ انجر بنا الحديث -والحديث شجون- إلى ذكر الطرق المحدثة في الإسلام، وما انبثق منها فيه من الأضاليل والأوهام. والانشقاق والاختلاف، والتزحلق عن مهيع الحق والانحراف، حتى تمزقت أوصاله وتلونت أحواله، وصارت أممه في فرقها شيعا، واتخذ كل منهم","vol":"10","page":41},{"text":"حسب هواه طريقا ومهيعا، تلك الوصمة التي وسم بها الدين، وأحدث بها التفريق بين جماعة المومنين، وتفوهت -تأثرا بما أثاره ذلك الحديث- بتلك الجملة التي أنزلتها منزلة كلمة التثليث وهي: \"إن الإسلام بدون هذه الطرق خير منه بها\"؛ فقمت وقد انتفخت أوداجك. وتصلبت أمشاجك. وقلت: إن ذلك القول ضلال، واعتقاده كفر، وتخيّله زندقة، والعمل به مخرقة. وشددت اللوم على من يحوم في حمى القوم، وطالبتني بالدليل على صحة جملتي، والحجة التي تثبت بها دعوتي، فاستدللت ولم أبعد، ورغما على إبراقك فلم أرعد؛ بأن الإسلام قبل تفريخ جراثيم هذه الطرق في جسمه، كانت أعظم دول الأرض ترتعد لذكر اسمه، وأنه بعد تسميمها لدمه، وسريان ذلك الدم المسموم في جميع أممه، تفرقت أجزاؤه، وسادته أعداؤه، وانفصمت عراه، وانحط من علاه، وتمزق أيدي سبا، وتمسك بالقشور وأعرض عن اللبا، وألفح روضاته الغناء إعصار فيه نار المحرقين فاحترقت، وطما على سدوده المتينة سيل الجهل فانخرقت، وإن لم تكن كل مصائبه من تلك الطرق؛ فإنها إحدى مصائبه الكبر، وفي تمسك دعاة العلم بأهدابها أفدح المصائب وأعظم العبر، وهذه طبيعة العمران؛ فإن الأمم إذا هرمت انحلت قواها العاقلة، وتسفلت فيها المدارك والعقول، وانحطت من أوج التمحيص والانتقاد إلى هاوية التقليد والخمول، حيث تستعبدها الأوهام والخرافات، باعتقاد سيدات وسادات، لهم التصرف في الكون قبضا وبسطا، ومنعا وإعطا، اعتقادا يتساوى فيه العالم والجاهل، والعالي والنازل، عاملين على استبدال الأعمال الصالحة بمضغ الألفاظ، مع بعدها عن مركز الانفعال بعد الإعقاب عن","vol":"10","page":42},{"text":"الألحاظ، وأعماهم التعصب والتقليد عن رؤية الحق مع أن الحق نور، ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.\nوحيث كنت تكابر في هذا القدر، وتحتج بحجج لا تعلم محط مغزاها، ولا هدف مرماها، وإنما ترددها ترديد الصدى، جريا على ما جبلت عليه من التقليد حتى في الضلال والهدى.\nاقترحت أن أخط لكم ما تفوهت به في كتاب، وأضيف إليها ما يعن لي في هذا الباب، وأنتم تجيبون على ذلك بما يزيل اللبس، ويبين أن أفكاركم مبنية على أمتن أس؛ وإلا فأنت في ميدان المناضلة محجوج. وجبين دعواك بعصا العجز مشجوج. هذا وإني لأشفق عليك مما يلم بك من الألم، عند مطالعة ما يخطه القلم؛ لأن الحقيقة مرة في أفواه العائشين بالآمال والأوهام، واليقظة ضربة قاضية على المثرين في الأحلام، ولكنها الحقيقة. والحقيقة بنت البحث البحت، والمرمر لا تنجلي مرآته بغير الصقل والنحت. وإليكها جملا مرصوصة البنا، ظاهرة الغنا، طيبة الجنا، وليست إلا أنموذجا لأمثالها، وشكلا يدل على تعدد أشكالها. وهي بين ادعاء محض يفتقر إلى إثبات أو نقض، أو استفهام يتطلب الجواب بالنفي أو الإيجاب. بيد أنه لا يقبل من الحجج النقلية إلا ما كان صريحا في الموضوع من كتاب أو سنة أو كان من الحجج العقلية المحسوسة فقط، وكل كلام تسوقه للغير أيًا كان فهو لغو، والعبرة بما يقال، لا بمن قال. ثم إني لا إخالك تجد ولا جوابا واحدا يوافق ما به تحتج. إلا إذا استقام الظل والشاخص أعوج، وقد صدرت تلك الجمل بالجملة التي كانت","vol":"10","page":43},{"text":"السبب في تسطير هذا الرق، وذيّلتُها بأسئلة تقوم في وجه الباطل بسيف الحق. وهي:\n١ - الإسلام بدون هذه الطرق خير منه بها؟\n٢ - هل هذه الطرق ضرورية الوجود للدين؟\n٣ - إذا كانت غير ضرورية للدين وهو تام بدونها فما المحوج لها إذًا؟\n٤ - هل كانت الديانة الإسلامية ناقصة قبل وجود هذه الطرق؟\n٥ - هل المتمسكون بهذه الطرق أهدى ممن كان قبلهم من المسلمين ومن معاصريهم المسلمين الغير المتمسكين بها؟\n٦ - هل المؤمن بكتاب الله وبما صح وروده عن النبي ﵇؛ العامل بمقتضى الشريعة يعد ضالا إذا قال: إن الإسلام غني بنفسه عن الطرق واعتقد ذلك ودعا إليه؟\n٧ - أي فائدة استفادها الإسلام من هذه الطرق بعد فشوها فيه حتى امتاز عصره بها بالعز والجاه والفضل والاستقامة عن غيره من أعصره الخالية منها؟\n٨ - لو لم توجد في الإسلام هذه الطرق التي فرقته شيعا وجعلته طرائق قددا وبقي على ما كان عليه أيام النبي ﵇ والأعصر الثلاثة بعده أيكون غير صالح لهداية البشر وأتعس حالا مما هو عليه الآن؟\n٩ - أعَثرنا بهذه الطرق على إكسير الأخلاق الذي صير الأمة في أخلاقها وأطوارها خيرا مما كانت عليه من قبل؟","vol":"10","page":44},{"text":"١٠ - إذا تمسك المسلمون بالكتاب والسنة واتحدوا عليهما ونبذوا هذه الطرق المبثوثة الأطراف أيَصيرون غير مسلمين ويعودون بذلك من الضالين؟\n١١ - هل جاءت هذه الطرق بشيء زائد على ما في الكتاب والسنة يحتاج إليه الإسلام والمسلمون؟\n١٢ - إذا كانت لم تأت بشيء زائد على ما فيهما فما الفائدة من إحداث طرق منشقة في الإسلام ترى لنفسها فضلا وشفوفا على غيرها اغترارا بقول داع مجترئ؟\n١٣ - هل المؤمن المصلي على نبيه، الذاكر لربه، ائتمارا بأمر الله في كتابه العزيز، وبالصيغ الواردة عن محمد - ﷺ - يكون أحط رتبة، وأخس مثوبة، وأقل أجرا من المصلي أو الذاكر وفاقا لقانون الشيخ فلان، وبالصيغ الموحاة إليه من حظيرة الأوهام؟\n١٤ - ما قولك فيمن يبتدع صيغا من الأدعية والصلوات، غريبة الألفاظ، ركيكة التركيب، ليست على نهج القرآن ولا على أسلوب الحديث يتلقفها من عالم الغيب في زعمه، ويمليها ألفاظا غير أليفة ولا مألوفة، مدعيا لها من الأجر والثواب والفضل الذي لا يحصره حساب الحاصل لتاليها مرة واحدة ما لا يحصل لمن ختم القرآن كذا وكذا ألف مرة؟\n١٥ - وما قولك فيمن يدعي ما لم يدعه محمد ولا عظماء صحابته من التصرف في الجنة والنار يدخلهما من يشاء ويخرج منهما من يشاء؛ كأن مفاتحهما في جيبه أو عقد اتفاقا مع خزنتهما أوجب تخصيصه بذلك أو شارك رب العزة في ملكوته، يغر بذلك السذج ويجرئهم على معاصي الله؟","vol":"10","page":45},{"text":"١٦ - هل قام الإسلام وانتشر في العالم بالقعود على الطنافس، ولَوْك الألفاظ وتحريك السبح وضرب الرؤوس، ونهش اللحوم والرقص على التمويل و... إلخ، أم بجلائل الأعمال وبذل النفس والنزوح عن الأوطان في سبيل الدعوة إلى الأقطار النائية الشاسعة مع بعد الشقة وعظم المشقة؟\n١٧ - ماذا ترى فيمن تَعْرِض له صيغة تصلية أو ذكر مما لفّقه شيخه فينزهها عن ذكره لها لكونه على غير وضوء؛ حتى إذا عرض له ذكر القرآن وهو في مجلسه ذلك وبحالته تلك اندفع في تلاوته اندفاع السيل من الجبل، أتلك الصيغة الواردة عن شيخه أجل قدرا وأعظم خطرا من القرآن المنزل من رب العزة بواسطة جبريل الأمين على قلب محمد بن عبد الله؟\n١٨ - لا شك أن جل مبتدعي هذه الطرق كان قصدهم حسنًا فيما ابتدعوه، ولكن يعرض لتلك البدع ما يخرجها عن مقصدها الحسن، ويجعلها وبالًا على الإسلام المسلمين كما هو مشاهد.\n١٩ - إذا قسنا الطرق الصالحة -إن كانت هناك طرق صالحة وليست هي إلا طريقتك في نظرك- على الكثير الفاسد، ورفضنا الكل سدًا للذريعة، ودفعا للأذى فهل يضرنا ذلك الرفض في ديننا؟\n٢٠ - إن كان رفض تلك الطرق يضرنا في ديننا فما وجه ضرره؟\nهذا قل من كثر، وبعض من كل، وإن شئتم زدنا، وإن عدتم عدنا، والحمد لله أولا وآخرا. (١)\n_________\n(١) ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار (ص.١٥٧ - ١٦٤).","vol":"10","page":46},{"text":"محمد خليل هراس (١) (١٣٩٥ هـ)\nالإمام السلفي محمد خليل هراس. ولد بطنطا عام خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، وتخرج من الأزهر من كلية أصول الدين وحاز على شهادة \"الدكتوراه\" في التوحيد وموضوع الرسالة 'ابن تيمية السلفي ورده على مذاهب المتكلمين'.\nشغل عدة مناصب آخرها نائب الرئيس العام لجماعة أنصار السنة النبوية، ثم الرئيس العام لها بالقاهرة. كان الشيخ محمد على قدر كبير من التمييز في دراسة العقيدة الصحيحة، ومتفردا في معرفة العقائد والفرق الكلامية والفلسفات القديمة والحديثة. وكان ﵀ سلفي المعتقد، حاملا لواء السنة، نابذا لواء البدعة، منكبا على نشر السنة، لا تأخذه في الله لومة لائم، وله في ذلك مؤلفات.\nتوفي ﵀ سنة خمس وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3362> موقفه من المبتدعة:</span>\nآثاره السلفية:\n١ - 'شرح العقيدة الواسطية'.\n٢ - 'شرح النونية'.\n٣ - 'دعوة التوحيد'.\nوكلها مطبوعة.\n_________\n(١) مقدمة كتابه 'شرح العقيدة الواسطية' بقلم علوي السقاف (ص.٤١ - ٤٢) ومجلة التوحيد (العدد الأول محرم ١٤١٧هـ/ص.٥٧ - ٥٩)","vol":"10","page":47},{"text":"- قال في شرحه على نونية ابن القيم:\nوهذه الهجرة إلى رسول الله - ﷺ - لا يستطيع قطع مسافتها، وبلوغ غايتها إلا من جرد لها ركائب عزمه، وتوجه إليها بكل همه، ولم يلتفت إلى شيء مما يعوقه في سيره من تقليد لمذهب أو تعصب لرأي أو استحسان لبدعة، ولكن مسافتها تطول وتطول جدا على من خصهم الله بالحرمان والخذلان، فصرف قلوبهم عنها، وكره انبعاثهم إليها، فثبطهم وقال اقعدوا مع القاعدين، فهي هجرة لا ينالها أبدا كسلان، ولا يقوى عليها كل رعديد الفؤاد جبان، وهي هجرة لا تحتاج أن تعد لها زادا وراحلة، وتضرب في بيد الأرض وقفارها، بل قد يقوم بها العبد وهو نائم على فراشه، ويسبق في مضمارها الساعين إلى منازل الرحمة والرضوان، الذين يغذون السير جاهدين، تخب بهم مطاياهم، وأما هو فيسير سيرا لينا رفيقا، ولكنك تراه مع ذلك قد سبق الركب، وسار أمامهم كأنه الجبل العظيم، يراه من في القاع تحته، وإنما هيأ له السبق في المضمار أنه نشرت له أعلام النصوص، وفي رؤوسها أوقدت نيران، هي النور المبين لهداية السالك الحيران، ولكن لا يراها إلا من كانت له عينان بمراود الوحي مكتحلتان، لا بمراود أهل الفشر والهذيان، فلما رآها هرع نحوها وجرد السعي إليها، فلم يلتفت عنها يمينا ولا شمالا حتى بلغها وأدرك عندها بغيته وحقق أمله. (١)\n- وقال: وردت أحاديث كثيرة على ما أعد الله سبحانه من أجر عظيم للمتمسكين بسنة نبيه المختار - ﷺ - عند فساد الزمان وانحلال عرى\n_________\n(١) شرح النونية (٢/ ٢٨٢).","vol":"10","page":48},{"text":"الدين. فروى أبو داود ﵀ في سننه، وروى أحمد بن حنبل الشيباني ﵁ في مسنده أثرا تضمن أن للعامل من هذه الأمة عند فساد الزمان أجر خمسين رجلا من أصحاب رسول الله - ﷺ - ولفظ الحديث عند أبي داود، وعن أبي أمية الشعباني قال: \"سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله - ﷺ - فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك -يعني بنفسك- ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر فيها مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله»، وزاد في غيره، قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: «أجر خمسين منكم» (٢)، وله شاهد يقويه فيما رواه مسلم ﵀ من أن العبادة في وقت الهرج -أي القتل والفتن- تعدل هجرة إلى رسول الله - ﷺ - (٣). هذا ولأهل السنة هجرات كثيرة لا بالأماني والأحلام ولكن بالتحقيق والتثبيت، فلهم هجرة إلى الله ﷿ بالإخلاص والتوحيد، ولهم هجرة إلى رسول الله - ﷺ - بالاقتداء والاتباع، ولهم هجرة من البدع إلى السنن، ومن المعاصي إلى الطاعات، ومن الأقوال والآراء إلى ما قاله الرسول - ﷺ - وما جاء في القرآن؛ وله شاهد أيضا فيما\n_________\n(١) المائدة الآية (١٠٥).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف علي بن المديني سنة (٢٣٤هـ).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي ذر سنة (٣٢هـ).","vol":"10","page":49},{"text":"رواه الترمذي من أن الذي يحيى سنة من سنن رسول الله - ﷺ - ماتت يكون رفيقه في الجنة (١).اهـ (٢)\n- وقال في شرحه على العقيدة الواسطية: هذا بيان المنهج لأهل السنة والجماعة في استنباط الأحكام الدينية كلها، أصولها وفروعها، بعد طريقتهم في مسائل الأصول، وهذا المنهج يقوم على أصول ثلاثة: أولها كتاب الله ﷿، الذي هو خير الكلام وأصدقه، فهم لا يقدمون على كلام الله كلام أحد من الناس. وثانيها: سنة رسول الله - ﷺ -، وما أثر عنه من هدي وطريقة، لا يقدمون على ذلك هدي أحد من الناس. وثالثها: ما وقع عليه إجماع الصدر الأول من هذه الأمة قبل التفرق والانتشار وظهور البدعة والمقالات، وما جاءهم بعد ذلك مما قاله الناس وذهبوا إليه من المقالات وزنوها بهذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب، والسنة، والإجماع، فإن وافقها قبلوه، وإن خالفها ردوه؛ أيا كان قائله. وهذا هو المنهج الوسط، والصراط المستقيم، الذي لا يضل سالكه، ولا يشقى من اتبعه، وسط بين من يتلاعب بالنصوص، فيتأول الكتاب، وينكر الأحاديث الصحيحة، ولا يعبأ بإجماع السلف، وبين من يخبط خبط عشواء، فيتقبل كل رأي، ويأخذ بكل قول، لا يفرق في ذلك بين غث وسمين، وصحيح وسقيم. (٣)\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٥/ ٤٤ - ٤٥/ ٢٦٧٨) عن أنس بن مالك بلفظ: «... ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة» وقال: \"حديث حسن غريب\". قال الشيخ الألباني في المشكاة (١/ ٦٢/١٧٥): \"فيه علي بن زيد وهو ابن جدعان، وهو ضعيف\". انظر الضعيفة (٤٥٤٨).\n(٢) شرح النونية (٢/ ٣٢١).\n(٣) شرح الواسطية (٢٥٦ - ٢٥٧).","vol":"10","page":50},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-3363> موقفه من الخوارج:</span>\n- قال في شرحه على الواسطية: قوله: (وفي باب أسماء الإيمان ...) إلخ. كانت مسألة الأسماء والأحكام من أول ما وقع فيه النزاع في الإسلام بين الطوائف المختلفة، وكان للأحداث السياسية والحروب التي جرت بين علي ومعاوية ﵄ في ذلك الحين، وما ترتب عليها من ظهور الخوارج والرافضة والقدرية أثر كبير في ذلك النزاع.\nوالمراد بالأسماء هنا أسماء الدين؛ مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق ... إلخ.\nوالمراد بالأحكام أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة.\nفالخوارج الحرورية والمعتزلة ذهبوا إلى أنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من صدق بجنانه، وأقر بلسانه، وقام بجميع الواجبات، واجتنب جميع الكبائر. فمرتكب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمنا باتفاق بين الفريقين.\nولكنهم اختلفوا: هل يسمى كافرا أو لا؟\nفالخوارج يسمونه كافرا، ويستحلون دمه وماله، ولهذا كفروا عليا ومعاوية وأصحابهما، واستحلوا منهم ما يستحلون من الكفار.\nوأما المعتزلة؛ فقالوا: إن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر؛ فهو بمنزلة بين المنزلتين، وهذا أحد الأصول التي قام عليها مذهب الاعتزال.\nواتفق الفريقان أيضا على أن من مات على كبيرة ولم يتب منها؛ فهو مخلد في النار.","vol":"10","page":51},{"text":"فوقع الاتفاق بينهما في أمرين:\n١ - نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة.\n٢ - خلوده في النار مع الكفار.\nووقع الخلاف أيضا في موضعين:\nأحدهما: تسميته كافرا.\nوالثاني: استحلال دمه وماله، وهو الحكم الدنيوي. (١)\n- وفيه أيضا: والشفاعة من الأمور التي ثبتت بالكتاب والسنة، وأحاديثها متواترة؛ قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٢) فنفي الشفاعة بلا إذن إثبات للشفاعة من بعد الإذن. قال تعالى عن الملائكة: ﴿* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ (٣).\nفبين الله الشفاعة الصحيحة، وهي التي تكون بإذنه، ولمن يرتضي قوله وعمله. وأما ما يتمسك به الخوارج والمعتزلة في نفي الشفاعة من مثل قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (٤) ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ\n_________\n(١) (ص.١٩٠ - ١٩١).\n(٢) البقرة الآية (٢٥٥).\n(٣) النجم الآية (٢٦).\n(٤) المدثر الآية (٤٨).","vol":"10","page":52},{"text":"وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ (١) ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ (٢) ... إلخ، فإن الشفاعة المنفية هنا هي الشفاعة في أهل الشرك، وكذلك الشفاعة الشركية التي يثبتها المشركون لأصنامهم، ويثبتها النصارى للمسيح والرهبان، وهي التي تكون بغير إذن الله ورضاه. (٣)\n- وفيه أيضا: وأما قوله: (وأما الشفاعة الثالثة؛ فيشفع فيمن استحق النار ...) إلخ. وهذه هي الشفاعة التي ينكرها الخوارج والمعتزلة؛ فإن مذهبهم أن من استحق النار لابد أن يدخلها؛ ومن دخلها لا يخرج منها لا بشفاعة ولا بغيرها. والأحاديث المستفيضة المتواترة ترد على زعمهم وتبطله. (٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3364> موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀: أهل السنة والجماعة وسط في باب الوعيد بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وزعموا أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وإن لم ينطق به، وسُمّوا بذلك نسبة إلى الإرجاء، أي: التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان.\nولا شك أن الإرجاء بهذا المعنى كفرٌ يخرج صاحبه عن الملة؛ فإنه لا بد في الإيمان من قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، فإذا اختل\n_________\n(١) البقرة الآية (١٢٣).\n(٢) الشعراء الآية (١٠٠).\n(٣) (ص.٢١٥ - ٢١٦).\n(٤) (ص.٢١٨).","vol":"10","page":53},{"text":"واحد منها لم يكن الرجل مؤمنًا.\nوأما الإرجاء الذي نُسب إلى بعض الأئمة من أهل الكوفة؛ كأبي حنيفة وغيره، وهو قولهم: إن الأعمال ليست من الإيمان، ولكنهم مع ذلك يوافقون أهل السنة على أن الله يعذب مَن يعذب من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم منها بالشفاعة وغيرها، وعلى أنه لا بد في الإيمان من نطق باللسان، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة يستحق تاركها الذمّ والعقاب؛ فهذا النوع من الإرجاء ليس كفرًا، وإن كان قولًا باطلًا مبتدَعًا؛ لإخراجهم الأعمال عن الإيمان. (١)\n- وقال أيضًا: أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، وأن هذه الثلاثة داخلة في مسمى الإيمان المطلق.\nفالإيمان المطلق يدخل فيه جميع الدين: ظاهرُه وباطنُه، أصولُه وفروعه، فلا يستحق اسم الإيمان المطلق إلا من جمع ذلك كله ولم ينقص منه شيئًا.\nولما كانت الأعمال والأقوال داخلة في مسمى الإيمان؛ كان الإيمان قابلًا للزيادة والنقص، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ كما هو صريح الأدلة من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر مشاهد من تفاوت المؤمنين في عقائدهم وأعمال قلوبهم وأعمال جوارحهم.\nومن الأدلة على زيادة الإيمان ونقصه أن الله قسم المؤمنين ثلاث طبقات،\n_________\n(١) شرح الواسطية (ص.١٨٨ - ١٨٩).","vol":"10","page":54},{"text":"فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١).\nفالسابقون بالخيرات هم الذين أدّوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات، وهؤلاء هم المقربون.\nوالمقتصدون هم الذين اقتصروا على أداء الواجبات وترك المحرمات.\nوالظالمون لأنفسهم هم الذين اجترؤوا على بعض المحرمات وقصّروا ببعض الواجبات مع بقاء أصل الإيمان معهم.\nومن وجوه زيادته ونقصه كذلك أن المؤمنين متفاوتون في علوم الإيمان، فمنهم من وصل إليه من تفاصيله وعقائده خير كثير، فازداد به إيمانه، وتمّ يقينه، ومنهم من هو دون ذلك، حتى يبلغ الحال ببعضهم أن لا يكون معه إلا إيمان إجمالي لم يتيسر له من التفاصيل شيء، وهو مع ذلك مؤمن.\nوكذلك هم متفاوتون في كثير من أعمال القلوب والجوارح، وكثرة الطاعات وقلتها.\nوأما من ذهب إلى أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وأنه غير قابل للزيادة أو النقص؛ كما يُروى عن أبي حنيفة وغيره؛ فهو محجوج بما ذكرنا من الأدلة، قال ﵇: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق) (٢).اهـ (٣)\n_________\n(١) فاطر الآية (٣٢).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف أبي إسحاق الفزاري سنة (١٨٦هـ).\n(٣) شرح الواسطية (ص.٢٣١ - ٢٣٣).","vol":"10","page":55},{"text":"محمد بهجة البيطار (١) (١٣٩٦ هـ)\nالشيخ محمد بهجة البيطار، من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق. ولد في دمشق سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف. وهو من أصل جزائري، نشأ في حجر والده محمد بهاء الدين، وتلقى على يده مبادئ العلوم الدينية، وعلى يد جده لأمه عبد الرزاق البيطار. واشتغل في عدة مناصب دينية آخرها توليه إدارة دار التوحيد السعودية، وعضوا عاملا في المجمع العلمي بدمشق والقاهرة.\nله مؤلفات كثيرة منها: 'حياة شيخ الإسلام ابن تيمية' و'رسالة في الرد على من طعن في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب' و'رسالة في الرد على الكوثري'.\nتوفي ﵀ بدمشق في ثلاثين جمادى الأولى سنة ست وتسعين وثلاثمائة وألف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3366> موقفه من المبتدعة:</span>\nدافع عن شيخ الإسلام ابن تيمية وله في ذلك مؤلف قال فيه: لقد صدق كثير من العلماء والأدباء في مختلف العصور هذه الرواية الآتية في رحلة ابن بطوطة الشهير، وجعلوها قضية مسلمة يروونها ويتوارثونها إلى عصرنا هذا، حتى إن دائرة المعارف الإسلامية التي تنقل الآن إلى العربية في مصر، قد ترجمت لابن تيمية ترجمة بقلم الأستاذ محمد بن شنب (ص.١٠٩ - ١١٦ج١)\n_________\n(١) المستدرك على معجم المؤلفين (٦١٤ - ٦١٥) وتاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري (٢/ ٩١٨).","vol":"10","page":56},{"text":"فيها أغلاط كثيرة، ونقلت عبارة ابن بطوطة هذه، وهي قوله عن إمام الشام وشيخ الإسلام ابن تيمية، \"وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر\" فرأيت أن أنشر كلمة في هذا الموضوع تكون الحد الفاصل بين الحق والباطل.\n١ - إن ابن بطوطة ﵀ لم يسمع من ابن تيمية ولم يجتمع به، إذ كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام ستة وعشرين وسبعمائة هجرية، وكان سجن شيخ الإسلام في قلعة دمشق أوائل شهر شعبان من ذلك العام، ولبث فيه إلى أن توفاه الله تعالى ليلة الاثنين لعشرين من ذي العقدة عام ثمانية وعشرين وسبعمائة هجرية، فكيف رآه ابن بطوطة يعظ على منبر الجامع وسمعه يقول: ينزل .. الخ.\n٢ - إن رحلة ابن بطوطة مملوءة بالروايات والحكايات الغريبة، ومنها مالا يصح عقلا ولا نقلا، وهو يلقي ما ينقله على عواهنه، ولا يتعقبه بشيء فمن ذلك قوله (١): وفي وسط المسجد (أي الأموي بدمشق) قبر زكريا ﵇، والمعروف أنه قبر يحيى ﵇، وقوله أيضا: وقرأت في فضائل دمشق عن سفيان الثوري أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة، وهذا لا يقال من قبل الرأي، وسفيان أجل من أن يفضله على مسجد رسول الله - ﷺ - وعلى المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين وهما لم يبلغ الثواب فيهما هذه الدرجة، كما هو معلوم للمحدثين وغيرهم، ومن نقوله التي أقرها\n_________\n(١) (١/ ٥٤).","vol":"10","page":57},{"text":"ولم ينكرها (١) النذور للقبور المعظمة، والوقوف على أبواب الملوك، ومن ذلك النذر لأبي إسحاق، إذا هاجت الرياح في البحار، واشتدت الأخطار، وهو ما لم يبلغه أهل الجاهلية الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢).\n٣ - لم يكن ابن تيمية يعظ الناس على منبر الجامع كما زعم ابن بطوطة (٣) (فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ على منبر الجامع) بل لم يكن يخطب أو يعظ على منبر الجمعة كما يوهمه قوله: ونزل درجة من درج المنبر. وإنما كان يجلس على كرسي يعظ الناس، ويكون المجلس غاصا بأهله، قال الحافظ الذهبي: وقد اشتهر أمره، وبعد صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجمع على كرسي من حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم، وكان يورد الدرس بتؤدة وصوت جهوري فصيح، وقال: وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره أيام الجمع. (٤)\nواسترسل الشيخ البيطار في رد هذه الفرية من وجوه فمن شاء وقف عليها في كتابه 'حياة شيخ الإسلام'.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3367> موقفه من المشركين:</span>\n- قال في كتابه 'شيخ الإسلام ابن تيمية': وأقول -تأييدا لما ذكره\n_________\n(١) (١/ ١٩٩ - ١٣٣ - ١٣٦)\n(٢) العنكبوت الآية (٦٥).\n(٣) (١/ ٥٧).\n(٤) حياة شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٦ - ٣٧).","vol":"10","page":58},{"text":"شيخ الإسلام-: إن الصحابة الكرام قد تناظروا بعد وفاة النبي ﵊، في أمر الخلافة، وفي جمع القرآن، وفي المعارك الدامية كوقعة الجمل وصفين والنهروان، وتناظر الشيخان في قتال مانعي الزكاة، وفي إرسال جيش أسامة، ولم يستغيثوا به في هذه الشدائد، ولم يستفتوه في شيء منها، وكل هذا معلوم من الدين والتاريخ بالضرورة، ومن العقل والحس والوجدان بالبداهة، فيجب رد ما يتجدد من الوقائع والحوادث إلى الوحي المنزل، وما عرف من سنن الصدر الأول للإسلام.\nولو كان ترك وسائل النصر والظفر، والاستنصار بغيره تعالى مفيدا لنا في شيء، لكنا اليوم أسعد الأمم حالا، وأنعمها بالا، وأوفرها عزة وثروة وقوة، ولكن تلك الخطة المعارضة للشرع والطبع والحس التي سلكها أولئك الناس لم تزد الأمة إلا نكالا ووبالا، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ (١).\nثم إن هذا المؤلف (البكري) قد جرى على عرف بعض العلماء المتأخرين الذين جعلوا الاستغاثة به - ﷺ - وبغيره في معنى التوسل إلى الله تعالى بجاهه وبحقه، كالسبكي في 'شفاء السقام' والقسطلاني في 'المواهب'،\n_________\n(١) الإسراء الآيتان (٥٦و٥٧).","vol":"10","page":59},{"text":"والسمهودي في 'خلاصة الوفا' وابن حجر المكي في 'الجوهر المنظم' وغيرهم.\nوالمراد أنهم يسألون الله تعالى بحقه وجاهه أن تقضى حوائجهم، وسيأتي بحث ذلك. أما الاستغاثة بأهل القبور أنفسهم بمعنى طلب الغوث منهم أي زوال الشدة، وتفريج الهم والكرب، وقضاء سائر الحوائج، فهذه استغاثة شركية، لا تدخل في دائرة الأسباب والمسببات بحال، بل هي توسل الغلاة والجهال في الحضر والسفر، والبر والبحر، والعسر واليسر، والفرج والشدة، ونحن نجل أهل العلم والعقل والإيمان، عن الوقوع في مثل هذا الطغيان والهذيان. (١)\n- وقال: ومن المؤسف جدا عدم الاهتداء بهدي الأنبياء والصالحين، والاكتفاء بتشييد القبور، وجعلها كالقصور والقلاع، والصلاة عندها، والطواف حولها، ونذر النذور لسدنتها، ويرحم الله حافظا القائل:\nأحياؤنا لا يرزقون بدرهم ... وبألف ألف ترزق الأموات\nمن لي بحظ النائمين بحفرة ... قامت على أحجارها الصلوات\nوالواجب يتقاضى علماء الدين الخالص، والعاملين للمدنية الصحيحة، أن يتعاونوا على إنشاء معاهد علمية في الأقطار الشرقية والغربية، تدعو إلى الله على بصيرة، وتصحح العقائد والعوائد، وتزيل المهالك والمفاسد، وتعيد عهد الأئمة، وتجدد معالم الأمة. (٢)\n_________\n(١) حياة شيخ الإسلام (ص.٦٢ - ٦٤).\n(٢) حياة شيخ الإسلام (ص.٧٠).","vol":"10","page":60},{"text":"حمد بن مطلق بن إبراهيم الغفيلي (١) (١٣٩٧ هـ)\nالشيخ حمد بن مطلق بن إبراهيم بن راشد المحفوظي العجمي، من آل حصنان. ولد في بلدة الرس سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف، قرأ في بلدته، ثم انتقل إلى عنيزة، فلازم الشيخ عبد الرحمن بن سعدي واستفاد منه، وقرأ عليه أمهات الكتب. عين قاضيا في السوارقية سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف، ثم قاضيا في مدينة صبياء، ثم طريف ثم الفوارة ثم أخيرا قاضيا لمحكمة العظيم بمنطقة حائل.\nكان ﵀ حسن الأخلاق، محبا للقرآن وكتب السنة، توفي في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وألف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3369> موقفه من الرافضة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'تنزيه جناب الشريعة عن تمويه مذاهب الشيعة'. وهو مقتبس من منهاج السنة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3370>صهيب بن محمد الزمزمي بن الصديق الغماري (بعد ١٣٩٧ ه</span>ـ)\nمن عائلة الغماريّين المشتهرة بالانحراف السلوكيّ والعقديّ، منّ الله عليه بالبعد عن مخازيهم ونصرة المذهب الحق.\nجمعنا وإياه مجلس مع الشيخ الألبانيّ حين جاء إلى المغرب. توفي بعد\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٢/ ١١٦ - ١٢٠).\n(٢) علماء نجد (٢/ ١١٩).","vol":"10","page":61},{"text":"سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3371> موقفه من المبتدعة:</span>\nله رسالة اسمها: 'جماعة التبليغ أو أصحاب الدعوة الباكستانية خطر على المسلمين'. تحدث فيها عن أخطاء هذه الجماعة الدخيلة، وفنّد حججها الواهية، كما بيّن -﵀- خطرها على الإسلام والمسلمين مستدلًاّ على ذلك بالآيات البيّنات والأحاديث الواضحات.\n- قال ﵀ في مقدمتها: وقد رغب إليّ كثير من المسلمين القاطنين ببلجيكا وهولندا، وألحوا علي أن أكتب رسالة أبيّن فيها موقف الإسلام من الخروج مع 'جماعة التبليغ' أو 'أصحاب الدعوة الباكستانية' هذا الخروج الذي يزعمون أنه في سبيل الله، وأنه لا يحل المسلم أن يتخلف عنه، ويثيرون بسببه ضجات وفتنًا في المساجد ويدعون أنهم على هدى الرسول - ﷺ - وأصحابه، وأنهم الفرقة الناجية! والطائفة المنصورة.\nحينئذ أخذت أتتبع نشاط هذه الطائفة وأقتفي أثر أفرادها في مجال الدعوة، بغية الحصول على معلومات تمكنني من تسليط الأضواء على هذه الفرقة، والحكم عليها حكمًا لا جور فيه ولا شطط.\nومن خلال تحادثي مع بعض الأشخاص المنتمين إليهم، وبعد استماعي إلى أحاديث دعاتهم المسجلة على الأشرطة، تبين لي أن 'جماعة التبليغ' أو 'أصحاب الدعوة الباكستانية' أتباع طريقة صوفية جاءت على نمط جديد.\nوأن انتشارها يضرّ بسمعة الإسلام، كما أن فيه خطرًا على المسلمين، وهذا الخروج الذي يلهج به أتباعها في كلّ مكان، ويدندنون حوله في جميع","vol":"10","page":62},{"text":"أحاديثهم ليس إلا وسيلة لضمّ الناس إليهم، وتكثير السواد بهم.\nوإذ ذاك، لم أجد بدًّا من كتابة هذه الرسالة التي أسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه، ويقبلها مني نصحًا لدينه وللمسلمين. (١)\n-وقال في رد بدعة التمذهب: كما أنه إذا كان الداعي ملتزما في أمور دينه بمذهب معين لا يخالف ما فيه من أقوال وآراء وإن علم أنها غير متفقة مع ما جاء في القرآن أو في السنة، فهذا أيضا لا يجوز له أن يتصدى للدعوى إلى الله، وذلك لأنه إذا دعا الناس وحاله هذه فإنما سيدعوهم إلى ما هو عليه من اتباع النظريات والأفكار المخالفة للكتاب والسنة، والله ﷾ إنما أمر أن تكون الدعوة غليه بالكتاب والسنة فقال جل ذكره: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (٢). قال ابن جرير: وهو ما أنزل عليه من الكتاب والسنة.\nوالخلاصة أن الدعوة إلى الله وما يتبعها من الأمر والنهي، لا يمكن ولا أن تتحقق بدون هذه الشروط:\n١ - الفقه في الدين، ولو فيما يتعلق بالدعوة.\n٢ - التمسك بالقرآن والسنة قولا وفعلا.\n٣ - وأن يكون القرآن والسنة في مجال الدعوة وسيلة وغاية، بحيث\n_________\n(١) رسالة جماعة التبليغ (ص.٥ - ٦).\n(٢) النحل الآية (١٢٥).","vol":"10","page":63},{"text":"تكون الدعوة إليهما وبهما: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (١).اهـ (٢)\nثم بيّن ﵀ خطر هذه الجماعة على المسلمين من سبعة أوجه قويّة فقال: لماذا كانت الطريقة الباكستانية خطرًا على المسلمين؟\nيتميز أتباع هذه الطريقة بخصال:\nأولها: مخالفة السنة النبويّة، بل محاربتها، فهم لا يعملون إلا بالسنة المقررة في طريقتهم والتي يعمل بها مشايخهم بالباكستان، وما سوى ذلك فهم لا يقبلونه ولا يرفعون به رأسًا. (٣)\nوقال ﵀ مبينا منهجه: هذا ونلفت القراء إلى أن الانتقادات التي نوجهها إلى أتباع الطريقة الباكستانية إنما تأتي على ضوء الكتاب والسنة، لا على أساس مبدإ صوفي، ولا ننتمي إلى مذهب؛ بل مذهبنا في الحياة الإسلام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤). وطريقتنا فيه العمل بما قام عليه البرهان، وثبتت حجته عن الله ورسوله. وما كان من اختلاف أو تنازع نبحث عن صوابه، ونطلب حله في القرآن، وفيما صح من أحاديث رسول الله - ﷺ -، وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ\n_________\n(١) النحل الآية (١٢٥).\n(٢) جماعة التبليغ (ص.١٠ - ١١).\n(٣) جماعة التبليغ (ص.٢٣).\n(٤) الأنعام الآية (١٥٣).","vol":"10","page":64},{"text":"فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). فهذا ما ننبه إليه، فمن كان ملتزما بذلك فحسبنا به قارئا والسلام. (٢)\n- ثم بيّن ﵀ خطر هذه الجماعة على المسلمين من سبعة أوجه قويّة نذكر بعضا منها:\nقال ﵀: لماذا كانت الطريقة الباكستانية خطرًا على المسلمين؟ يتميز أتباع هذه الطريقة بخصال:\nأولها: مخالفة السنة النبويّة، بل محاربتها، فهم لا يعملون إلا بالسنة المقررة في طريقتهم والتي يعمل بها مشايخهم بالباكستان، وما سوى ذلك فهم لا يقبلونه ولا يرفعون به رأسًا. (٣)\nوقال: ثانيها: دعوة الناس إلى أمور يسمونها صفات الصحابة، وهي في الحقيقة مبادئ طريقتهم الباكستانية ويزعمون أنه حين لم يعد المسلمون أهلًا لاتباع السنة النبوية قام العلماء بجمع هذه الصفات الستة من حياة الصحابة ليعمل الناس بها! سبحان الله! ما هي شروط اتباع السنة؟ حبذا لو عرفناها!. (٤)\n- وقال: ثالثها: اجتراؤهم على تفسير كلام الله تعالى، وشرح معاني آياته وهم جاهلون! حتى إن الواحد منهم لا يكاد يحسن كتابة اسمه، ورغم ذلك، يجلس في المساجد للوعظ والإرشاد، ويشرح للناس -بكل وقاحة! -\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) جماعة التبليغ (ص.٧).\n(٣) جماعة التبليغ (ص.٢٣).\n(٤) جماعة التبليغ (ص.٢٥ - ٢٦).","vol":"10","page":65},{"text":"ما يعرض من آيات قرآنية وأحاديث نبوية. (١)\n- وقال: رابعها: الحديث عن الرسول - ﷺ - بأحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله - ﷺ -، بل وبما يعرف الناس أنه ليس من كلام النبي - ﷺ - كالأمثال السائرة، وأقوال بعض الصوفية، والحكم المشهورة بين العامة.\nوهذه الخصلة من الموبقات المهلكة، والكبائر العظيمة، التي تقذف صاحبها في النار. (٢)\n- وقال: سابعها: أنهم لا يرعوون عن قذف أي عالم من علماء المسلمين ورميه بالكفر والإلحاد، والفسق والفجور إذا هو اعترض أفكارهم وأنكر طريقتهم، شأنهم في ذلك شأن اليهود الذين قال عنهم عبد الله بن سلام ﵁: (إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي بهتوني) (٣).\nوهكذا أتباع الطريقة الباكستانية، فويل منهم للعالم الذي يحذّر الناس من طريقتهم ويردّ عليهم.\nأخبرني الأستاذ الصمدي أنهم يكفرون الشيخ أبا الأعلى المودودي الكاتب الإسلامي المشهور! ونحن نعلم -مسبقًا- أن المودودي لا ذنب له عندهم إلا أنه يخالفهم، ولا يتفق معهم!\nوقديمًا بلغنا عنهم أنهم يقولون عن الدكتور الهلالي إنه مسيحيّ! والسبب هو هو، فالدكتور الهلاليّ قد عاش مدّة بالباكستان وعرف عنهم\n_________\n(١) جماعة التبليغ (ص.٢٦).\n(٢) جماعة التبليغ (ص.٢٧).\n(٣) أخرجه: أحمد (٣/ ١٠٨) والبخاري (٦/ ٤٤٦ - ٤٤٧/ ٣٣٢٩) والنسائي في الكبرى (٥/ ٧٠ - ٧١/ ٨٢٥٤).","vol":"10","page":66},{"text":"الكثير، فهو لذلك لا يسميهم إلا 'الإلياسيّين' نسبة إلى شيخهم، ويقول: إنهم أصحاب طريقة عصريّة.\nوفي شهر رمضان من العام الماضي حضر إلى العاصمة البلجيكية عالم من السعوديّة، وألقى دروسًا ببعض المساجد هناك، ولما رأى هؤلاء الباكستانيون إعراضه عنهم، وإنكاره لما هم عليه، أشاعوا عنه إشاعة قبيحة توحي بأنه رجل فاسق! ﴿إِن الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ (١٩)﴾ (١).\nفبوجود تلك الخصال في أتباع الطريقة الباكستانية كانت هذه الطريقة خطرًا على المسلمين، إذ أنها لو ظهرت -والحالة هذه- وانتشرت -لا سمح الله بذلك- بين جميع المسلمين، لأصبحت الأمة الإسلامية أذلّ أمة على وجه الأرض، ضعيفة في دينها وعقيدتها، تحارب السنة، وترغب عنها، وتنصر البدعة، يتجاسر الجاهلون منها على تفسير كلام الله تعالى ولا يهابونه، ويكذبون على رسول الله - ﷺ - ولا يبالون، يتنصلون من مسؤولياتهم، ويهربون من واجبات الحياة باسم الدين، ويستحلّون الكذب، ويستبيحون الافتراء على الله والناس.\nوبذلك، ينزل المسلمون إلى الدرك الأسفل من التخلف والانحطاط، ولا يبقى أي أمل في النهوض بهم بعد أبدًا، وذلك بالذات، هو ما يتمناه أعداء الإسلام ويودون وقوعه. (٢)\n_________\n(١) النور الآية (١٩).\n(٢) جماعة التبليغ (ص.٣٧ - ٣٩).","vol":"10","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3372>محمد كنوني المذكوري (١٣٩٨ ه</span>ـ)\nمحمد بن محمد بن العربي كنوني المذكوري، الفقيه العلامة. كان ﵀ عضوًا بارزًا في الأمانة العامّة لرابطة علماء المغرب، له مجموعة فتاوى نشرت في جريدة 'الميثاق' لسان رابطة علماء المغرب، ثم طبعت مستقلة. وقد قال الشيخ عبد الله كنون في تقريظه لها: والآن يقوم بهذه المهمة -أي الفتوى- فضيلة الفقيه العلامة الحاج محمد كنوني المذكوري الذي أبدى كفاءة ومقدرة عديمتي النظير في هذا الباب مع غاية التثبت وعدم الاندفاع في هذه الجهة أو تلك بمجرد الرغبة في الخلاف أو إرادة الشهرة؛ كما يقال: خالف تعرف. بل إن دافعه إحقاق الحق وبذل الجهد في إصابة حكم الله في المسألة من غير تعصب ولا تحامل، وفتاواه المنشورة في هذه المجموعة؛ وهي الدفعة الأولى دليل على ذلك، فالله يديم توفيقه وتسديده ويطيل بقاءه في صحة وعافية للنفع وخدمة العلم بهذه الروح العالية والهمة الصادقة، إنه تعالى سميع مجيب.\nتوفي ﵀ ليلة الجمعة لست وعشرين خلون من شهر محرّم سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة بمدينة الدار البيضاء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-3373> موقفه من المبتدعة:</span>\nله رسالة الفتاوى أبدى فيها مؤلفها نصاعة المنهاج الذي يجب على المسلمين أن يسيروا عليه، ألا وهو التمسك بالدليل مع الاسترشاد بفهم","vol":"10","page":68},{"text":"السلف ﵏. (١)\n- قال المذكوري في مقدمة فتاواه: وقد سلكت في ذلك سلوك الاستدلال بكتاب الله تعالى، وبحديث رسول الله - ﷺ -، ثم بكلام الفقهاء بعد ذلك، بعد مقابلته بالأصول المبني عليها، إذ من المعلوم المقرر من أقواله وأفعاله وتقريراته - ﷺ - أن ما كان عليه هو وأصحابه ﵃، هو هذان الأصلان الأولان للتشريع الإسلامي، فكيف يمكن إذن للمسلم أن يدع هذين الأصلين الصحيحين إلى أقوال البشر المعرضة للخطإ، وكيف يمكن لأهل العلم أن ينفر بعضهم ممن يدعو إلى العمل بكتاب الله الكريم وبالسنة المطهرة ويسلك السبيل الذي أراده بعض الإخوان من الفقهاء حيث انتقدوا هذا السلوك الذي يخالف رغبتهم في التقيّد بالتقليد الأعمى المحرّم كتابًا وسنة، وطالما أقنعناهم بأن يراجعوا الأصول التي بنى عليها الفقهاء الكبار رحمة الله عليهم مذاهبهم، فإن وجدوا الفروع موافقة لأصولها فذاك، وإلا فالرجوع إلى الأصل والصواب أفضل من التمادي على الباطل، ولكنهم لم يقتنعوا بحجة ذلك التقليد، ويزداد العجب عندما نجد أن بعض الإخوان لازالوا يسيرون في نفس هذا الاتجاه ولو كان مخالفًا للمصدرين المذكورين أو لأحدهما حتى صار الناس فرقًا مختلفة متناحرين، مع أن دستورهم الخالد هو كتاب الله القائل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ\n_________\n(١) وزيّنها تقديم الأمين العام لرابطة علماء المغرب عبد الله كنون الذي حثّ الفقهاء في مقدمته على وجوب إرداف الفتوى بدليل من الكتاب والسنة والابتعاد عن التقليد.","vol":"10","page":69},{"text":"وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١)، والقائل: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ (٢)، والقائل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٣) الآية، كما أن حديث رسولهم - ﷺ - واحد، وهو المبيّن لكتاب الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤).\nإلى أن قال: ولذلك فإننا ندعو على سبيل الذكرى التي تنفع المؤمنين جميع إخواننا المسلمين إلى مراجعة ما هم عليه من هذا التقليد بحيث يعرضون أعمالهم وسلوكهم على كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وعلى حديث رسول الله - ﷺ - الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وعلى ما استخرجه السادات العلماء ﵏ من ذلك.\n_________\n(١) المائدة الآيتان (٤٩و٥٠).\n(٢) الجاثية الآية (١٨).\n(٣) القصص الآية (٥٠).\n(٤) النحل الآية (٤٤).","vol":"10","page":70},{"text":"ومن أجل هذا وشبهه، اقترح علينا بعض إخواننا من أهل العلم وبعض المنتسبين للسنة المطهرة والعاملين بها من الطلبة وغيرهم، طبع هاته الأجوبة عسى أن يسترشد بها أصحاب العقول النيرة ويهتدي بها من هم في حيرة والتباس فأسعفت طلبهم رجاء ثواب الله تعالى. (١)\n- وقال ﵀ ناصحًا الدعاة إلى الله: ومما ينبغي له أيضًا، بل يجب، هو اهتمامه بمسألة العقيدة، فهي أهم كل شيء، ولاسيما وقد انهارت من قلوب الكثير من الناس كما وقع لبعض الشباب الصاعد بسبب أنه لم يدرسها أصلًا أو درسها دراسة غير كافية أو منحرفة، أو كما وقع لبعض الشباب البريء، وكثير من الشيوخ والنساء والكهول، حيث يعتقدون اعتقادات ضالة لا يقرها ديننا الحنيف، ومن أجل هذه العقيدة، بعث الله الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، إلى أقوامهم ليعبدوا الله مخلصين له الدين، صارخين فيهم: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وكلنا نعلم ما وصلت إليه عقيدة الشعوب من عبادة القبور والقباب، مما تضيق من ذكره الصدور، ومن أعجب ما يستغرب، أن هذا القرآن الكريم، وإن كان مرّ على نزوله أربعة عشر قرنًا، وهو يقرأ في كلّ وقت وحين، مندّدًا ببطلان علة عابد الأصنام حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢) قلت: ومع تكرارها بالألسنة، وعلى الآذان والعقول والأفهام، لازال عباد القبور\n_________\n(١) الفتاوى (ص.٧ - ٩).\n(٢) الزمر الآية (٣).","vol":"10","page":71},{"text":"والقباب، يتعللون بتلك العلة، فقد امتزجت بقلوبهم وعقولهم، ولذلك فاستئصالها من عقولهم أمر عسير، يحتاج إلى عناء كبير وحكمة وتبصّر، وخبرة باقتلاع جذورها من صدورهم، إذ ليست مرضًا كالأمراض العاديّة التي تعالج بالحبوب أو السوائل أو المسكنات، بل تحتاج إلى عملية جراحية، وأطباء ماهرين في اقتلاع ذلك بحكمة وأناة وصبر، وأنتم أيها العلماء والمرشدون وأمثالكم، هم الصالحون لإزالة ذلك المرض، فهيئوا لذلك نفوسكم، وسووا لها صفوفكم ووحدوا خطتكم ومعكم الله ورسوله والمؤمنون، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ (١)، ومما ينبغي له كذلك، أن يقتصر على موضوع واحد بحيث يستحضر عناصره وأصوله، ويحلله تحليلًا سهلًا مبسطًا مع ضرب الأمثال ما استطاع، بحيث يتحدث إلى القلوب، فتنجذب إليه قبل الآذان، وأن يتجنب الألفاظ القاسية الشديدة التي ينفر منها الطبع ولا يستلذها الإحساس والسمع، فصاحبها كالطبيب اللبيب يستعمل لمريضه الدواء المر واللسان الحلو، ومما ينبغي له الاقتصار على الأحاديث الصحيحة أو الحسنة، وما أكثرهما ولله الحمد، ففيهما كل كفاية، وذلك مخافة أن تحدثهم بالحديث الضعيف، فيسألوا غيرك، وما أكثر هذا الصنف من الناس، فإذا ما أخبرهم بضعفه، فإن هذا الضعف يشملك أنت أيضًا فيصير الكلّ ضعيفًا فترتفع الثقة منك وعدم الاطمئنان إليك، فحذار\n_________\n(١) الصافات الآيات (١٧١ - ١٧٣).","vol":"10","page":72},{"text":"حذار. (١)\nوقال ﵀ بعد ذكر قول الأئمة في نبذ التقليد: فهذه أقوالهم وأفعالهم، وهم قادة الأمة وسادتها، فليتأمل المتأمل المنصف ذلك وليقس عليه أفعال الناس اليوم وأقوالهم من ملازمتهم لهذا التقليد الأعمى حتى ولو خالف الكتاب والسنة، وهذا الشيء عشناه وشاهدناه، ولم نجد أيام دراستنا إلا مثل هذا التقليد، إلى أن قيّض الله تعالى لهذا الشعب المغربيّ النبيل أحد أبنائه البررة الإمام شيخنا وشيخ الإسلام المحدث الحافظ، أبا شعيب الدكالي ﵀ وجزاه خير ما يجازي به كل مصلح، فقد كانت دروسه بردًا وسلامًا على قلوب المنتبهين والحائرين وجحيمًا على المقلدين الجامدين، حيث حمل على البدعة والتقليد، وندّد بأصحابهما أيما تنديد، فانبثقت من درسه عدة دروس، اشتاقت لسماعها الكثير من النفوس، وخفقت أعلام السنة في المدن والبوادي وغنّى لها كل من الرائح والغادي، وأدبرت فلول البدعة تتعثر في أثواب الخجل والوجل، وتمت كلمة الله ﷿، فله على هذا الشعب الفضل العظيم، وسيلقى جزاء ذلك عند الله الغفور الرحيم، فزالت بذلك عن كثير من القلوب الغباوة، وعن أعين الكثير الغشاوة، فالواجب على من بيدهم مقاليد أمور المسلمين أن يسعوا لجمع كل من فيه أهلية المجتهد أو حتى نصف المجتهد على القول به، لينظروا أو يسيروا في هذا الطريق السويّ بدافع الضرورة، أو لما حدث ويحدث في جميع بلاد الإسلام من وقائع\n_________\n(١) الفتاوى (ص.٨٨ - ٩٠).","vol":"10","page":73},{"text":"ومستحدثات. (١)\nوقال في تقريظه لرسالة ابن تاويت التطواني حول البناء على القبور والصلاة إليها: الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. أما بعد:\nفقد راجعت ما كتبه وحرره فضيلة الفقيه العلامة أحمد بن محمد بن تاويت التطواني في رسالته المسماة 'إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور والصلاة بالزوايا'؛ رادا فيها على من أجاز ذلك معتمدا على قول الشيخ خليل والمدونة أولا، وسكوت علماء فاس على تنبيه الناس على صحة صلاتهم بضريح المولى إدريس وغيره ثانيا.\nولقد أجاد حفظه الله وأتى بالنصوص المستمدة من الينبوع الصافي السلسبيل؛ كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - بما يشفي الغليل ويبرئ العليل.\nوأسمع لو نادى حيا ... ولكن لا حياة لمن يُنادي\n\n﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ (٢) إذ التقليد الأعمى سرى في أمزجتهم وعقولهم، وامتزج بدمهم ولحمهم، فلا تنفع فيهم أدلة الكتاب الكريم ولا سنة رسوله، ولا أقوال وأفعال الخلفاء الراشدين، ولا العشرة المبشرين بالجنة، ولا سائر الصحابة والتابعين وأتباعهم الذين هم خير القرون بشهادته - ﷺ -.\nهذا، وإنني كنت سئلت عن مثل ما جاء في الرسالة المذكورة من بعض\n_________\n(١) الفتاوى (ص.١٨٧ - ١٨٨).\n(٢) الأنفال الآية (٢٣).","vol":"10","page":74},{"text":"النواحي، فأجبت بمثل ما أتى في هاته الرسالة، كما أنني كنت أقرر ذلك غير ما مرة سواء في الدروس أو في المجتمعات. ومع ذلك لا زالوا نائمين وعن التذركة معرضين، ثم إنه كيف يعقل أن يترك كلام رسول الله - ﷺ - المعصوم من الخطإ؛ وفعله وتقريره إلى قول فلان وسكوت فلان وفلان؟ وهل يتصور أن يرجح سكوت العلماء، ويرمى بما نطق به هذا الرسول الكريم وطبقه في أقواله وأفعاله، ويضرب بذلك كله عرض الحائط؟ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (١).\nثم هل هذا منهم يعد عنادا وتحديا لكلام الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وفي قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ (٣) وفي قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث؟ فإن كان الأمر كذلك فإني أخشى عليهم من قول الله تعالى كما في سورة المجادلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ\n_________\n(١) آل عمران الآية (٨).\n(٢) الحشر الآية (٧).\n(٣) الأحزاب الآية (٢١).\n(٤) النور الآية (٦٣).","vol":"10","page":75},{"text":"وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١) إلخ. وفيها أيضا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ (٢) إلخ. وقد تكرر نهي الله تعالى في كثير من آيات كتابه عن التقليد. ففي سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ (٣) وفي سورة المائدة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ (٤) وفي سورة لقمان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ (٥) وفي سورة الزخرف: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا\n_________\n(١) المجادلة الآية (٥).\n(٢) المجادلة الآية (٢٠).\n(٣) البقرة الآية (١٧٠).\n(٤) المائدة الآية (١٠٤).\n(٥) لقمان الآية (٢١).","vol":"10","page":76},{"text":"وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾ (١) إلى غير ذلك.\nونحن من جهتنا لا نحب أن نثير هنا الجدال والإكثار من قيل وقال. فالصبح واضح لكل ذي عينين، وإنما نقول لهم: ارجعوا إلى كتاب ربكم وسنة نبيكم - ﷺ -، فهما الأصلان الأولان لهذا التشريع الإسلامي الحكيم؛ الصالح لكل زمان ومكان وشخص. إذ فيهما من الأسرار الإلهية ما هو كفيل بإسعاد البشرية، وفيهما ما بينه رسول الله ﵇، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ (٢) ومن جملة ما بينه شروط سائر العبادات؛ فمن أداها بشروطها فقد امتثل الأمر، ومن لم يطبقها فلا عبادة له؛ إذ من المعلوم أن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. ففي الصلاة مثلا بينها بأقواله وطبقها بأفعاله وأكد ذلك قائلا: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣)، ومن جملة أقواله النهي عن الصلاة في المقابر كما وضحه صاحب الرسالة، وفي الصوم قال: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» (٤)،\n_________\n(١) الزخرف الآيات (٢٢ - ٢٥).\n(٢) النحل الآية (٤٤).\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٥٣) والبخاري (٢/ ١٤٢/٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث.\n(٤) رواه ابن ماجة (١/ ٥٣٩/١٦٩٠) والنسائي في الكبرى (٢/ ٢٣٩/٣٢٤٩) من حديث أبي هريرة. وصححه الحاكم (١/ ٤٣١) على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وابن خزيمة (٣/ ٢٤٢/١٩٩٧).","vol":"10","page":77},{"text":"وفي الحج: «خذو عني مناسككم» (١)، وأكد ذلك بفعله إلخ.\nوالله تعالى لما كرر المحافظة على الصلاة فقال في سورة البقرة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢) إلخ. وفي الأنعام: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ (٣) وفي سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ (٤) وإني لأتعجب كثيرا لهذا المصلي المسكين الذي يتعب نفسه في استعمال الطهارة، وفي خروجه إلى الصلوات ولكن يوقعها وهو مخالف لأوامر ربه في قوله: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥) ومخالف لنهي نبيه كما جاء في أحاديث تلك الرسالة.\nهذه نصيحتنا لإخواننا المسلمين، إذ نحن ملزمون بأدائها عملا بقوله - ﷺ -: «الدين النصيحة» (٦) وعملا بقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (٧)\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٣٠١) ومسلم (٢/ ٤٠٥/١٩٧٠) والترمذي (٣/ ٢٣٤/٨٨٦) والنسائي (٥/ ٢٩٨/٣٠٦٢) وابن ماجه (٢/ ١٠٠٦/٣٠٢٣).\n(٢) البقرة الآية (٢٣٨).\n(٣) الأنعام الآية (٩٢).\n(٤) المؤمنون الآية (٩).\n(٥) الحشر الآية (٧).\n(٦) أخرجه من حديث تميم الداري: أحمد (٤/ ١٠٢) ومسلم (١/ ٧٤/٥٥) وأبو داود (٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤/ ٤٩٤٤) والنسائي (٧/ ١٧٦ - ١٧٧/ ٤٢٠٨و٤٢٠٩).\n(٧) سورة العصر.","vol":"10","page":78},{"text":"ونحن نرجو الله تعالى أن لا نكون نحن ولا هم من الخاسرين. هذا ما يتعلق بالصلاة على القبور قدمتها لأهميتها. أما البناء على القبور سنقول فيه ما قلنا في شأن الصلاة، إذ كل ذلك مخالف للشرع، كما قاله وبينه رسول الله - ﷺ - وكما هو مبين كذلك في الرسالة المشار إليها، فلا داعي للتطويل بجلب الأولى على ذلك، والاستدلال ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (١).\nكما له فتاوى في بدعية رفع الصوت وراء الجنائز، وبدعية قراءة القرآن جماعة وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3374>موقفه من المشركين:</span>\n- له ﵀ 'التحريف والتدجيل في كتابي التوراة والإنجيل' بيّن فيه ما وقع من التحريف في التوراة والإنجيل وأنهما لم يبقيا على أصلهما الصحيح. وهذا الأمر أوضح من أين يذكر، فإن الله جلّ وعلا قد ذكره في كتابه، ومع ذلك نجد من يشكّ أو يشكّك في ذلك، فيدعو الناس إلى التقارب المزعوم بين الأديان السماوية، وكأنها لا زالت على ما كانت عليه، فلينتبه العاقل لهذا!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3375>موقفه من الصوفية:</span>\nقال: أما ما ذكره السائل من ذلك الرقص الفظيع والتلفظ بقولهم: \"هي الله\" فذاك شيء شنيع، فتبًّا له من تعبير، وتعالى الله عن فحش ذلك الضمير، أفلا يخشى الإنسان من هذا، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا\n_________\n(١) يونس الآية (٣٢).","vol":"10","page":79},{"text":"وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ (١)، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَن مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَن اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ (٢) إلخ.\nفكيف إذًا يحصل الخشوع الذي يظنه السائل، وهم على الحالة الموصوفة، بل ذلك شيء آخر أصون القلم عن تسطيره، وخير لهم كذلك أن يجتمعوا على ذكر الله تعالى، ولاسيما بالأذكار الواردة عن الرسول ﵇. (٣)\n\nمبارك بن عبد المحسن بن باز (٤) (أواخر القرن الرابع عشر الهجري)\nالشيخ مبارك بن عبد المحسن بن باز. ولد في بلدة الحلوة سنة ثلاث وثلاثمائة وألف، ونشأ فيها. قرأ على الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ إسحاق بن عبد الرحمن والشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف والشيخ حسن بن حسين آل الشيخ وغيرهم.\nكان والده هو قاضي بلدة الحلوة، فلما توفي تولى القضاء بعده، ثم تقلب في قضاء عدة بلدان آخرها قضاء مقاطعة الشعيب. كان ﵀ أحد العلماء الذين بعثهم الإمام عبد العزيز بن سعود لمناظرة علماء مكة في مسائل\n_________\n(١) الأنعام الآية (٦٥).\n(٢) الحج الآية (٦٢).\n(٣) الفتاوى (ص.١١٨ - ١١٩).\n(٤) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٤٢٥ - ٤٢٦).","vol":"10","page":80},{"text":"التوحيد. توفي ﵀ في بلدة الحلوة في آخر القرن الرابع عشر الهجري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3377>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في علماء نجد: ولما تولى الإمام عبد العزيز بن سعود على الحجاز عينه قاضيا في الطائف، وهو أحد وفد العلماء الذين بعثهم الإمام عبد العزيز ابن سعود ليناظروا علماء مكة في مسائل تتعلق بتحقيق التوحيد، وهذا قبل ولاية الإمام عبد العزيز بن سعود عليها، فاجتمعوا بهم وناظروهم، وظهر الحق بالجانب السعودي النجدي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3378>محمد أسلم الباكستاني (حوالي ١٤٠٠ ه</span>ـ)\nالشيخ محمد أسلم عرفته طالبا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وكان ﵀ من الطلبة المحبين لمنهج السلف وتخرج من الجامعة الإسلامية، وذهب داعية إلى كندا، وكان مجتهدا في الدعوة إلى الله، ويعتبر أول من كتب عن جماعة التبليغ، وكان كتابه دراسة على جماعة التبليغ، تقدم به لنيل الإجازة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية، وهو بعنوان 'جماعة التبليغ عقائدها وأفكارها ومشايخها'. وكان هذا الكتاب أصلا لكل كاتب على هذه الجماعة في بيان ضلالاتها وخرافاتها وعداوتها للمنهاج السلفي. وهو الذي اعتمده شيخنا الهلالي ﵀ في كتابه السراج المنير في تنبيه جماعة التبليغ على أخطائهم.\n_________\n(١) علماء نجد (٥/ ٤٢٦).","vol":"10","page":81},{"text":"مات ﵀ مقتولا في كندا على يد جماعة أثيمة عاملها الله بما تستحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3379>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال ﵀ في معرض رده على الديوبندي شيخ طائفة التبليغ: \"استدلاله بالآية المحرفة\": كل واحد يعرف الشيخ محمود حسن ديوبندي \"يسمونه شيخ الهند\" الذي كتب كتاب 'إيضاح الأدلة' ردا على عالم سلفي استدل على رد التقليد بآية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (١). فقام الشيخ محمود حسن فرد على العالم المذكور، واستشهد بنفس الآية على ادعائه، لكن زاد فيها: «وإلى أولي الأمر منكم» زاعما أن هذا من الآية، مع أنه ليس من الآية. ثم قال: هذا هو السبب لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ «وإلى أولي الأمر منكم ..» والظاهر أن (أولي الأمر) في الآية غير الأنبياء، فانظر إلى الآية يتضح بها أن الأنبياء وأولي الأمر كلهم يجب اتباعهم. -ثم بدأ معترضا- أنك قد عرفت: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾، ولم تعرف إلى الآن أن القرآن الذي وجدت فيه هذه الآية [توجد فيه الآية] المذكورة التي استدللت بها، وليس بعجيب أن ترى التعارض بين الآيتين جهد\n_________\n(١) النساء الآبة (٥٩).","vol":"10","page":82},{"text":"عادتك، فنفتي بأن تكون إحداهما ناسخة والأخرى منسوخة. انتهى\nويثار السؤال على هذا الاستدلال بأن الآية الثانية التي زاد فيها الشيخ محمود حسن الديوبندي واستدل بها في أي جزء من القرآن وفي أي مصحف؟! وقد نشر الكتاب باسم الشيخ محمود حسن، والأغلب أنه نشر في قيد حياته وقرأه تلامذته من العلماء والمشايخ، ومن الديوبنديين وجماعة التبليغ، فهل وفق أحدهم أن يصلح هذه الهفوة \"التحريف\"؟. (١)\n-وقال في ترجمة أحد شيوخ جماعة التبليغ -الشيخ محمد يوسف البنوري الحنفي الديوبندي الجشتي-: إنه من شيوخ جماعة التبليغ، وحكي عنه خرافات كثيرة من مكالمة الله ورسوله - ﷺ -؛ ومن ذلك: أنه يؤيد ابن عربي الحاتمي القائل بوحدة الوجود، كما أنشد في كتاب الفتوحات المكية من شعره، بل من بعره:\nالعبد رب والرب عبد ... إن قلت عبد فذاك حق ... يا ليت شعري من المكلف ... أو قلت رب أنى يكلف\n\nوقال فيه الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني في داليته المشهورة التي مدح بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى:\nوأكفر أهل الأرض من ظن أنه مسماه كل الكائنات بأسرها ... إله تعالى الله جل عن الند من الكلب والخنزير والفهد والقرد (٢)\n_________\n(١) السراج المنير لتقي الدين الهلالي (ص.٥٤ - ٥٥).\n(٢) السراج المنير (ص.٨٠).","vol":"10","page":83},{"text":"عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر (١) (١٤٠١ هـ)\nالشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر بن محمد بن جاسر، ولد في شهر محرم سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف في بلد أشيقر، ونشأ بها وطلب العلم، فلازم الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى ملازمة تامة دامت ست عشرة سنة، وقرأ عليه كتبا كثيرة في التوحيد والنحو والفقه والحديث والتفسير، كما أخذ عن الشيخ العالم محمد الطيب الأنصاري المدني. تولى القضاء بالمستعجلة بمكة سنة خمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، ثم بالطائف ثم بالمدينة النبوية، فمكث بها سبع سنين، ثم صار رئيسا لمحكمة التمييز بالمنطقة الغربية وعضوا في مجلس القضاء.\nتوفي ﵀ سنة إحدى وأربعمائة وألف، وصلي عليه في المسجد الحرام بمكة المكرمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3382>موقفه من الجهمية:</span>\nله: 'تنبيه النبيه والغبي فيما التبس على الشيخ المغربي'.\nرد فيها على شيخ مغربي أنكر تكليم الله لموسى، وزعم أن جبريل ﵊ إنما أظهر لموسى كلام الله من اللوح المحفوظ. (٢)\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ١٩٣ - ١٩٩).\n(٢) علماء نجد (٤/ ١٩٦).","vol":"10","page":84},{"text":"عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن حميد (١) (١٤٠٢ هـ)\nالشيخ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حميد، من آل حسين بن عثمان. ولد في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، في بلدة معكال من الرياض، وكف بصره في طفولته، وطلب العلم، فأخذ عن مشايخ كبار أمثال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والشيخ سعد بن عتيق والشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وغيرهم. عين قاضيا في الرياض، ثم نقل إلى قضاء مقاطعة سدير، ثم إلى مقاطعة قصيم، ثم عين رئيسا للرئاسة العامة للإشراف الديني على المسجد الحرام، ثم رئيسا لمجلس القضاء.\nلازم الشيخ محمد بن إبراهيم ملازمة تامة، فأصبح من كبار علماء الإسلام، وكان ولاة الأمور يجلونه ويعظمونه لسعة علمه، حتى قال في حقه الملك عبد العزيز آل سعود: لو كنت جاعلا القضاء والإمارة جميعا في يد رجل واحد، لكان ذلك هو الشيخ عبد الله بن حميد.\nقال الشيخ عبد الله البسام: شخصية سماحة الشيخ عبد الله تتميز بعدة صفات يصعب إجمالها، فإذا أردنا أن نعدد صفاته ومميزاته لاحتجنا لعدة مؤلفات فهو كبير في أشياء كثيرة، كبير في شخصيته وعلمه الغزير فهو يتميز عن الآخرين بعدة صفات وسمات تجعله مميزا عن غيره، فهو يتميز بالذكاء والدهاء والعقل الحكيم وقوة الرزانة وغير ذلك من الصفات العديدة التي كنت أدعو الله ﷿ أن أحصل على أية صفة منها.\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ٤٣١ - ٤٤٥) وإتحاف النبلاء (١/ ١٦١ - ١٦٩).","vol":"10","page":85},{"text":"كان ﵀ حاد الذكاء، جيد الفهم، واسع الاطلاع، ما زال خادما للعلم حتى توفي سنة اثنتين وأربعمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3384>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'الدعوة إلى الجهاد في الكتاب والسنة'.\n٢ - 'كمال الشريعة وشمولها لكل ما يحتاجه البشر'.\n٣ - 'دفاع عن الإسلام'. (١) وغيرها.\nجاء في علماء نجد خلال ثمانية قرون: رزقه الله بصيرة نافذة، يعرف الدعاة الحقيقيين الناصحين المخلصين، بحيث يميزهم من أهل التمويه والخداع، لا يمكن أن يُستغفل، فهو كيّس فطِن، يزوره الكثير من أهل العلم، وممن ينتسبون إلى جمعيات وأحزاب من الشرق والغرب، فيتعرف المصيبَ من غيره.\nوكان يرى اتحاد المسلمين هو العلاج الوحيد لنصرة المسلمين، وأن الإسلام ليس فيه تحزب ولا تفرق، وهو بهذه النظرة البعيدة نال إعجاب المسلمين عامة، وثقة شعب المملكة خاصة.\nوكان يحرص على توجيه الشباب ونصحهم بالتعقل والرزانة، فالشباب في الغالب تكون عندهم عجلة، وعدم تفكير في العواقب، مع حبهم للخير، وحرصهم على الدعوة إلى الله، فكان ﵀ يشجعهم، ولكنه ينصحهم بالتثبت والهدوء، وعدم العجلة، ويحذرهم من التهور، ويحثّهم على الاستقامة، والتأدب بآداب العلماء، وينصحهم بسلوك العلماء، وعلى ألا\n_________\n(١) علماء نجد (٤/ ٤٤٠).","vol":"10","page":86},{"text":"يأخذوا العلم إلا عن أهله المعروفين، وألا يأخذوه عن الجهال والأدعياء.\nوكان ﵀ يكره الفتن، ويكره إثارتها، ويجعل قاعدة: \"درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح\" نصب عينيه. (١)\n\nيوسف بن عبد المحسن أبا بطين (٢) (١٤٠٣ هـ)\nالشيخ يوسف بن عبد المحسن بن إبراهيم بن عبد العزيز أبا بطين، ولد في الزبير سنة ستين وثلاثمائة وألف للهجرة، ونشأ بها. أخذ عن والده الشيخ عبد المحسن أبا بطين والشيخ محمد بن سند وغيرهما. له مؤلفات تدل على تمكنه وسعة اطلاعه.\nتوفي ﵀ في بلده الزبير سنة ثلاث وأربعمائة وألف من الهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3386>موقفه من الخوارج:</span>\nجاء في كتاب علماء نجد (٣): ألف كتابا بين فيه مذهب الخوارج، وفساد عقيدتهم ورد عليهم رد العالم المتمكن، وقد طبع الكتاب وحصلت منه الفائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3387>أحمد الخريصي (بعد ١٤٠٣ ه</span>ـ)\nتخرج من كلية القرويين قديما، ومن دار الحديث الحسنية بالرباط، وكان أستاذا بالمعهد العلمي بمكناس، وانخرط في سلك العدلية، واشتغل لمدة\n_________\n(١) علماء نجد (٤/ ٤٣٨ - ٤٣٩).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٦/ ٥٠٧ - ٥٠٨).\n(٣) علماء نجد (٦/ ٥٠٧ - ٥٠٨).","vol":"10","page":87},{"text":"سنتين مدرسا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ابتداء من إحدى وأربعمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3388>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال ﵀ متعقبا على ما كتبه أحمد بن المواز في مشروعية الاحتفال بالمولد: (الأعياد الشرعية اثنان لا ثالث لهما. وبالنسبة للنص الثاني:\n١ - فقول أحمد بن المواز: \"أن أول من احتفل بالمولد في المغرب أبو يعقوب المريني\"، يرد بأن قرار أبي يعقوب المريني لا يضفي صفة المشروعية على الاحتفال بالمولد النبوي، إذ الاحتفال ليس بمصلحة دنيوية تدخل في نطاق الدليل المرسل الملائم لتصرفات الشرع، بحيث يصح لولي الأمر البت فيه، وإنما هو عبادة يرجع في شأنها إلى التوقيف فلا عبادة إلا على أساس نص.\n٢ - وقوله: \" .. وإلحاقه بأعياد المسلمين .. \" صريح في أن الاحتفال بالمولد النبوي تقرر بصفة رسمية عيدا ثالثا من أعياد المسلمين.\nوهذا هو المعروف بمغربنا الأقصى إلى -الآن- يحتفلون بثلاثة أعياد: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد المولد النبوي يوم ١٢ من ربيع الأول. وهذا هو المعتقد لدى عامة الناس بما فيهم سلطة حاكمة وعلماء إلا الأقل من القليل يعرفه بدعة، ولكن لايستطيع أن يجهر بالحق لأنه مقيد بدافع من الدوافع مما أشار إليها الشوكاني أعلاه ..\nإن اعتقاد اليوم الثاني عشر من ربيع الأول كعيد ثالث؛ اعتقاد خاطئ لايستند إلى دليل، بل يعتبر اتخاذا لشرع لم يأذن به الله من تخصيص زمان بما","vol":"10","page":88},{"text":"لم يخصه به الله، الشيء الذي يؤدي إلى وقوع ما وقع فيه أهل الكتاب ..\nعلى أن النص على حصر الأعياد الشرعية في عيدين واضح لا يقبل التأويل، فقد ورد عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبان فيهما فقال: «أبدلكم الله بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر». أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح (١).\nإن الأعياد -كما قلنا أعلاه- شريعة من الشرائع يجب فيها الاتباع لا الابتداع، وما أكثر الأحداث، والوقائع والعهود والانتصارات التي مرت بين يدي رسول الله - ﷺ - خلال إبلاغه الدعوة إلى الناس، وهي مذكورة في سيره ومغازيه - ﷺ -.\nمثل: غزوة بدر، وحنين، والخندق، وبيعة الرضوان، وفتح مكة، ووقت الهجرة ودخول المدينة .. إلى غير ذلك ..\nولكنه - ﷺ - لم يأمر باتخاذ أيامها أعيادا، أو ذكريات، ولا فعلها خلفاؤه الراشدون، ولا الدول الإسلامية ذات القرون الثلاثة الأولى المفضلة ...\nوإنما يفعل مثل هذه الموالد النصارى، الذين يتخذون أيام أحداث عيسى ﵇ أعيادا .. حتى أصبحت كل الدول الإسلامية وبعض الأفراد من شعوبها في عصرنا الحاضر تقلد أوروبا المسيحية في إقامة الأعياد للموالد والوقائع والأحداث ..\nوفي هذا المعنى ورد الحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم: أن\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٢٥٠) وأبو داود (١/ ٦٧٥/١١٣٤) والنسائي (٣/ ١٩٩/١٥٥٥) والحاكم (١/ ٢٩٤) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي\".","vol":"10","page":89},{"text":"النبي - ﷺ - قال: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله؟ اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» (١).\n٣ - وقوله: \" ... وكان الاهتمام بذلك عند كثير من شيوخ التربية\" بمقتضى أن المتصوفة هم الذين قرروا بدعة الاحتفال بمولد النبي - ﷺ - وذلك لنفوذهم المعنوي على الجمهور ..\n٤ - وقوله: \" .. وكان عدد من الناس يحتفلون له في اليوم السابع من المولد لكونه يوم عقيقة مولانا رسول الله - ﷺ - كأهل القصر الكبير ومن وافقهم ..\nيقتضي أن الاحتفال بيوم ١٢ من ربيع الأول لم يكن متفقا عليه بالمغرب الأقصى .. فها نحن نرى سكان القصر الكبير الذي كان أحد معاقل المتصوفة، وبقية الجهات التابعة له كانوا يحتفلون باليوم السابع، أي يوم الثامن عشر من ربيع الأول، الأمر الذي يؤكد مدى استيلاء الجهل على الناس، مما جعلهم منقادين لأهوائهم، وإيحاءات شياطينهم .. (٢)\n- وقال داحضا شبهة تعلق بها أصحاب الاحتفال بالمولد:\" غير أنهم أجابوا: أنهم قصدوا بـ \"الاحتفال\" التعبير عن محبة رسول الله - ﷺ - التي هي واجبة على كل مسلم؛ وجوبا مقدما على نفسه وولده ووالده والناس أجمعين ..\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي سعيد: أحمد (٣/ ٨٤،٨٩) والبخاري (١٣/ ٣٧١/٧٣٢٠) ومسلم (٤/ ٢٠٥٤/٢٦٦٩).\n(٢) المتصوفة وبدعة الاحتفال بمولد النبي (ص.١٢٠ - ١٢٢).","vol":"10","page":90},{"text":"ورد بأن ما قصدوه خطأ، وأن محبة رسول الله - ﷺ - إنما هي في الاتباع لا في الابتداع، وأن الاتباع المطلوب شرعا هو اتباع أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله، وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ (١) وقال عز من قائل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢).\nإن محبة رسول الله - ﷺ - لا تعبر عنها تلك المظاهر المزرية، التي تتجلى في المهرجانات التي تقام عادة بهذه المناسبة بين ساحات المدن والقرى الغاصة بحلقات أهل الفساد والبدع، والمتمثلة في قرع الطبول، ونفخ المزامير والأبواق، وشدخ الرؤوس، والضرب على الصدور والزعق، وشق الجيوب، والتشبه بالحيوانات الشاردة أو المفترسة من كل ما يفعله الجهلة الهمج.\nكما لا تعبر عنها تلك الاحتفالات التي تقام في الأضرحة وبعض الأربطة التي أسسها الطرقيون، كمساجد للضرار تضايق المساجد المؤسسة على تقوى من الله، فتتلى فيها المدائح، والتلاوات بأصوات رخيمة عذبة وترنمات يتبارى فيها المنشدون بألبستهم الفضفاضة، ومماويلهم وتقاطيعهم الموسيقية ..\nكلا .. لا يعبر عن محبة رسول الله - ﷺ - لا هذا ولا ذاك .. وإنما الذي يقرره\n_________\n(١) النساء الآية (٨٠).\n(٢) آل عمران الآية (٣١).","vol":"10","page":91},{"text":"المسلم الغيور هو القول: بأن تلك المظاهر محادة لله ورسوله، وضرب من الخلف في مقتضيات كتاب الله وما جاء به محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه من محجة بيضاء نقية، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .. (١)\n- وقال: فنحن المسلمين اليوم أحوج ما كنا إلى إدراك العبرة من مولد الرسول ﵇ لكن لا في نطاق حب الرسول المزعوم الذي يكتسي مظهرا مزريا يتجلى في تلك المهرجانات التي تقام عادة بهذه المناسبة بين ساحات المدن والقرى الغاصة بحلقات أهل الفساد والبدع والضلالات والتي لو بعث الرسول لتبرأ من إسلامهم المزعوم، ولا في نطاق الاحتفالات التي تقام في الأضرحة وبعض الزوايا فتتلى فيه القصص والمدائح النبوية بأصوات رخيمة عذبة يترنح لها عشاق الطرب والتي لا تعدو في الواقع حد المتعة والسلوى.\nفهذه لايصح أن تكون تعبيرا عن حب الرسول إذ المسلم الذي لا يعيش الرسول في ضميره لا يغنيه أبدا أن يترنم بعدة قصائد في الأمداح النبوية أو يستمع إليها ليس ذاك هو إكنان حب الرسول الذي ينبغي أن ندرك مغزاه ...\nولكن حب الرسول هو أسمى من تلك القشور، وترك اللباب المهجور، فإن حب الرسول في الرجوع إلى اللباب: إلى كتاب الله واتباع سنته والعمل بروح شريعته، إلى سلوك المرء في تقويم نفسه وإصلاح شأنه في عباداته وعاداته إلى جمع كلمة المسلمين من أقصى الشرق إلى المحيط، وإلغاء الحواجز\n_________\n(١) المتصوفة وبدعة الاحتفال بمولد النبي - ﷺ - (١٦٣ - ١٦٤).","vol":"10","page":92},{"text":"المصطنعة بين المسلمين .. المؤمنون إخوة في كل قارة لا جنسية في الإسلام لا أقلية في الإسلام لا جالية في الإسلام المؤمنون كتلة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3389>موقفه من الصوفية:</span>\nألف ﵀ كتابه 'المتصوفة وبدعة الاحتفال بمولد النبي' تحدث فيه عن نشأة التصوف وتطورهم عبر التاريخ، وتسارعهم إلى البدع والمبتدعات، وإغراقهم في ذلك.\n- قال ﵀ ردّا على المتصوفة اختراعهم للمولد: إن من يفكر في أسباب هذه البدعة أو كيف لصقت بالمسلمين وأعاد بالذاكرة إلى الوراء مستعرضا عصور انحطاط المسلمين سوف لا يجد ذلك إلا من ابتكارات المتصوفة الذين دأبوا على إطلاق العنان لخيالاتهم في اختراع التوسلات والأذكار والتصليات، وإنشاء الأحزاب ودلائل الخيرات .. إلى غير ذلك من كل ما يشغل ويلهي عن كتاب الله تعالى، الأمر الذي يتعين معه القول: بأنه لا بلية أصابت المسلمين في عباداتهم وعقائدهم أخطر من بلية المتصوفة، إذ من بابهم دخلت على المسلمين تصورات ومفاهيم أجنبية غريبة، لا عهد لهم بها في ماضيهم النقي المجيد، ومن بابهم دخلت الوثنية، وبدعة إقامة الموالد ومواسم الأضرحة والمهرجانات على عقائد المسلمين مما سنقف على نماذج منها إن شاء الله تعالى. (١)\n- وقال: وقد يأخذك العجب، وتستغرب أشد الاستغراب، إذا قلت\n_________\n(١) المتصوفة وبدعة الاحتفال بمولد النبي (ص.٧).","vol":"10","page":93},{"text":"لك: إن المتصوفة إذا ما أعوزهم الدليل فإنهم لا يتورعون أن يدعموا احتجاجهم على تبني الفكرة ولو بالرواية عن إبليس اللعين.\nولكن يزول استغرابك وتواجهك الحقيقة المرة، إذا أوقفتك على النص، خاصة وقد رواه زعيم متصوفة المتأخرين، ألا وهو أبو حامد الغزالي ﵀، وسجله في كتابه 'إحياء علوم الدين'.\nفقد نص في كتاب العلم من إحياء علوم الدين تحت عنوان: (الباب السادس في آفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء) على ما يلي: \"وحكي عن إبليس لعنه الله أنه بث جنوده في وقت الصحابة ﵃، فرجعوا إليه محسورين، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: ما رأينا مثل هؤلاء، ما نصيب منهم شيئا، وقد أتعبونا، فقال: إنكم لا تقدرون عليهم، قد صحبوا نبيهم، وشهدوا تنزيل ربهم، ولكن سيأتي بعدهم قوم تنالون منهم حاجتكم، فلما جاء التابعون بث جنوده فرجعوا إليه منكسين، فقالوا: ما رأينا أعجب من هؤلاء نصيب منهم الشيء بعد الشيء من الذنوب، فإذا كان آخر النهار أخذوا في الاستغفار، فيبدل الله سيئاتهم حسنات، فقال: إنكم لن تنالوا من هؤلاء لصحة توحيدهم، واتباعهم لسنة نبيهم، ولكن سيأتي بعد هؤلاء قوم تقر أعينكم بهم تلعبون بهم وتقودونهم بأزمة أهوائهم كيف شئتم، لم يستغفروا فيغفر لهم، ولا يتوبون، فيبدل الله سيئاتهم حسنات، قال: فجاء بعد القرن الأول فبث فيهم الأهواء، وزين لهم البدع، فاستحلوها، واتخذوها دينا لا يستغفرون الله منها، ولا يتوبون عنها، فسلط الله عليهم الأعداء، وقادوهم حيث شاءوا\".","vol":"10","page":94},{"text":"إن أبا حامد الغزالي -وكان ذكي الفؤاد- عندما وقع في المصيدة وأصبح مستهدفا للنقد اللاذع الذي استوجبه فقدان السند عن إبليس اللعين حاول التخلص بالجواب الآتي، ولكنه جواب بارد لا تسخنه إلا حرارة النقد كما يقول لدى مناقشته لمذهب الروافض وعقائدهم الباطلة: \"في كفر بارد لا تسخنه إلا حرارة السيف\" ولنصغي إليه، وهو يتساءل ويجيب في العبارات التالية: \"فإن قلت: من أين عرف قائل هذا ما قاله إبليس وهو لم يشاهد إبليس، ولا اجتمع به، ولا حدثه بذلك؟.\nفاعلم: أن أرباب القلوب يكاشفون بأسرار الملكوت، تارة على سبيل الإلهام: بأن يخطر لهم على سبيل الورود عليهم من حيث لا يعلمون، وتارة على سبيل الرؤيا الصادقة، وتارة في اليقظة، وعلى سبيل كشف المعاني بمشاهدة الأمثلة، كما يكون في المنام، وهذا على درجات، وهي من درجات النبوة العالية، كما أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.\nفإياك أن يكون حظك من هذا العلم إنكار ما جاوز حد قصورك، ففيه هلك المتحذلقون من العلماء الزاعمون أنهم أحاطوا بعلوم العقول فالجهل خير من عقل يدعو إلى إنكار مثل هذه الأمور لأولياء الله تعالى (ومن أنكر ذلك للأولياء لزمه إنكار الأنبياء، وكان خارجا عن الدين بالكلية). (١)\nثم استرسل الخريصي ﵀ يرد هذا الهراء.\n_________\n(١) المتصوفة وبدعة الاحتفال بمولد النبي (ص.٣٣ - ٣٦).","vol":"10","page":95},{"text":"أبو عبد الله محمد أعظم بن فضل الدين الجوندلوي (١) (١٤٠٥ هـ)\nالشيخ العلامة محمد أعظم بن فضل الدين، أبو عبد الله الجوندلوي، ولد في قرية \"جوندلانوالا\" بباكستان يوم الخميس في رمضان سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف. حفظ القرآن الكريم في صباه، ودرس على عدد من الشيوخ كالشيخ عبد الجبار الغزنوي والشيخ محمد حسين الهزاروي والشيخ عبد المنان ابن شرف الدين الوزير آبادي وغيرهم. اعتنى ﵀ بصحيح البخاري عناية كبيرة، حيث درسه أكثر من خمسين مرة، وكان شديد التأثر بشيخ الإسلام ابن تيمية. وله تلاميذ كثيرون أخذوا عنه واستفادوا منه كالعلامة عبيد الله المباركفوري والشيخ محمد عطاء الله حنيف والحافظ عبد الله الفيروز فوري والشيخ أبي البركات أحمد المدراسي وغيرهم كثير. وله مؤلفات تدل على علو كعبه في العلوم.\nتوفي ﵀ في الرابع عشر من رمضان لعام خمسة وأربعمائة وألف للهجرة وله تسعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3391>موقفه من المبتدعة:</span>\nهذا الشيخ من القطر الهندي الذي أشرقت فيه شمس السنة يوم أن كان العالم الإسلامي يعيش في ظلام التقليد والجهل، وكان لهذا القطر من رجال حفظ الله بهم السنة النبوية والتراث النبوي، وقد استوفى ذكرهم في مؤلف خاص الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، سماه 'جهود أهل\n_________\n(١) انظر كتاب كوكبة من أئمة الهدى للقريوتي (ص.٢١ - ٣٦).","vol":"10","page":96},{"text":"الحديث في الهند' والكتاب مطبوع، وسأقتصر على نماذج منهم ممن عرفته اهتم كثيرا بالعقيدة السلفية، فهذا المعنون له منهم.\nقال عبد الرحمن بن عبد الجبار في مسودة له في هذا الشيخ: كان الشيخ سلفي المنهج والاعتقاد، على طريق أهل السنة والحديث، وكان شديد التأثر بشيخ الإسلام ابن تيمية كما يرى من مصنفاته.\nوقال في موضع آخر: واشتغل في هذه الرحلة بكتب الجهابذة المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الرشيد ابن القيم. ثم ذكر من آثاره العقائدية:\n١ - 'رسالة في ختم النبوة' رد فيها على القاديانية.\n٢ - 'إثبات التوحيد' رد فيه على مؤلف لأحد النصارى اسمه إثبات التثليت.\n٣ - 'تحفة الإخوان في الكلام والعقائد'.\n٤ - 'رسالة في رد حسن القصد في عمل المولد للسيوطي'.\n٥ - 'رسالة في الرد على منكري الحديث'.\n٦ - 'كتاب في الرد على النصرانية'.\n٧ - 'الإصلاح في الرد على أهل البدع'.\n٨ - 'زبدة البيان في تنقيح حقيقة الإيمان وتحقيق زيادته والنقصان'.","vol":"10","page":97},{"text":"تقي الدين الهلالي (١) (١٤٠٦ هـ)\nشيخنا الإمام محمد تقي الدين الهلالي الحسني السجلماسي، الداعية إلى التوحيد، الناشر للسنة، نفع الله بدعوته أهل المشرق والمغرب. ولد سنة إحدى عشر وثلاثمائة وألف بالفيضة القديمة وتسمى \"الفرخ\" من أرض سجلماسة المعروفة بتافيلالت من بلاد المغرب. قرأ القرآن على جده ووالده، فحفظه وهو ابن اثنتي عشرة سنة. رحل طالبا للعلم إلى كل من القاهرة والهند والعراق ثم إلى المملكة العربية السعودية، حيث عين مراقبا للمدرسين مدة سنتين، ثم مدرسا في المسجد الحرام والمعهد السعودي لمدة سنة. وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وألف هجرية حصل على رسالة الدكتوراه في ترجمة 'مقدمة كتاب الجماهير في الجواهر' للبيروني، مع التعليق عليها. وفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة توجه الشيخ إلى الحج، فالتقى بالعلامة عبد العزيز بن باز، فعين أستاذا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وبقي فيها إلى سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة.\nكان لدعوته المباركة الأثر الكبير في الهند، وفي العراق، وفي أوربا عموما، وأما المغرب فنور دعوته أشرق في كثير من مدن المغرب وقراه، ونحن -بحمد الله- من ثمرة دعوته. عرفته في صغر سني، وتتلمذت عليه، وقرأت عليه النحو والحديث واللغة والعقيدة والفقه. وكان فحلا لا يجارى، فشعره يحاكي الأقدمين، ولغته كأنه رضع العربية من ثدي أمه.\nوأما مواقفه الصادقة فتذكرنا بمواقف كبار أئمة السلف، وقد استمر في\n_________\n(١) مقدمة كتابه سبيل الرشاد في هدي خير العباد بقلم عمر بن محمد بن محسن (١/ ١٣ - ١٨).","vol":"10","page":98},{"text":"دعوته التي تتصف بالصدق والأمانة إلى أن لقي ربه سنة ست وأربعمائة وألف للهجرة، عليه رحمة الله. وقد ترك مؤلفات تدل على منهاجه القويم منها: 'سبيل الرشاد' و'حكم تارك الصلاة' و'الصبح السافر في حكم صلاة المسافر' و'الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق' وكتاب 'الدعوة إلى الله' و'القاضي العدل في حكم البناء على القبور' نشر في المنار لمحمد رشيد رضا، وغيرها كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3393>موقفه من المبتدعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3394>موقفه من بدعة قراءة القرآن على الأموات:</span>\n- قال محمد تقي الدين عقب حديث ابن عباس في القبرين اللذين مر عليهما النبي - ﷺ - وأخبر أنهما يعذبان (١): ولو كانت قراءة القرآن للأموات مشروعة ونافعة لقرأ النبي - ﷺ - شيئا من القرآن وجعل ثوابه لهما، ولاقتدى به أصحابه ففعلوا مثل ذلك. وقد كان النبي - ﷺ - يزور القبور كثيرا ولم يقرأ على أهلها شيئا من القرآن، مع أن قراءته لا حَدَّ لثوابها، بل كان يدعو لهم ويعلم أصحابه إذا رأوا القبور ذلك الدعاء (٢) كما يعلمهم السورة من القرآن، وقد تقدم لفظه. ومن الأدلة على أن قراءة القرآن وجعل ثوابها غير مشروعة، حديث أبي هريرة المتقدم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث من\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٥٥) والبخاري (١/ ٤٢٧/٢١٨) ومسلم (١/ ٢٤٠ - ٢٤١/ ٢٩٢) وأبو داود (١/ ٢٥ - ٢٦/ ٢٠) والترمذي (١/ ١٠٢/٧٠) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٤/ ٤١٢/٢٠٦٨) وابن ماجه (١/ ١٢٥/٣٤٧).\n(٢) أحمد (٥/ ٣٥٣،٣٥٩ - ٣٦٠) ومسلم (٢/ ٦٧١/٩٧٥) والنسائي (٤/ ٣٩٩/٢٠٣٩) وابن ماجه (١/ ٤٩٤/١٥٤٧) من حديث بريدة.","vol":"10","page":99},{"text":"ولد صالح يدعو له» الحديث (١)، ولم يقل: يقرأ عليه القرآن أو ادعوا المتأكلين بالقرآن ويعطيهم أجرة ليقرؤوا ختمة من القرآن ويجعلوا ثوابها لوالده كما يفعل أهل هذا الزمان الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. (٢)\n- وقال: من عجائب ما يقع في المغرب وينسب إلى الإسلام، والإسلام بريء منه، شيء يسمونه الفدية وهو شائع عند الجهلة، يدعو أولياء الميت جماعة من البطالين المحتالين ليعملوا لهم \"فدية\" للميت تنقذه من العذاب وتجعله من أهل الجنة! فإذا كان قبره حفرة من النار ينقلب في الحين روضة من رياض الجنة، وذلك أن أولئك البطالين يذكرون لا إله إلا الله سبعين ألف مرة، يتقاسمون العدد فيما بينهم، كل واحد بضعة آلاف، فيطعمهم ذلك المسكين، ويعطي كل واحد منهم شيئا من الدراهم يأكلها سحتا، قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ (٣).اهـ (٤)\nوله قصيدة في خمسة وتسعين بيتا في ذم من عارض القرآن والسنة:\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٣٧٢) ومسلم (٣/ ١٢٥٥/١٦٣١) وأبو داود (٣/ ٣٠٠/٢٨٨٠) والترمذي (٣/ ٦٦٠/١٣٧٦) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٦/ ٥٦١ - ٥٦٢/ ٣٦٥٣) وابن ماجه (١/ ٨٨ - ٨٩/ ٢٤٢) بلفظ آخر أتم.\n(٢) سبيل الرشاد (٦/ ١٦٠ - ١٦١)\n(٣) البقرة الآية (٢٥٤).\n(٤) سبيل الرشاد (٦/ ١٦١).","vol":"10","page":100},{"text":"منها:\nومن يَقْل سنات الرسول فإنه ... يعذب في الدنيا وفي فتنة القبر\nويسأله فيه نكير ومنكر ... وما من جواب عنده غير لا أدري\nوذي سنة الجبار في كل من غدا ... يحارب دين الله في السر والجهر\nألم تدر أن الله ناصر دينه ... وموقع أهل البغي في داره الخسر\nوكم قد سعى ساع لإطفاء نوره ... بكيد فرد الله كيده في النحر\nوتنصر إشراكا وفسقا وبدعة ... وناصر هذي خاسر أبد الدهر\nدعا المصطفى قدما عليه بلعنة ... ومن يلعن المختار فهو إلى شر\nوتلعنه الأملاك من فوق سبعة ... كذلك أهل الأرض في السهل والوعر\n\nومنها:\nوما نحن إلا خادمون لسنة ... أتت عن نبي الله ذي الفتح والنصر\nوخادم سنات الرسول حياته ... كخادمها من بعد ما صار في القبر\nوما غاب إلا شخصه عن عيوننا ... وأنواره تبقى إلى الحشر والنشر\nفيا مبغضي هدي النبي ألا أبشروا ... بخزي على خزي وقهر على قهر\nسلكتم سبيلا قد قفاها أمامكم ... أبو جهل المقصوم في ملتقى بدر\nوعاقبة المتبوع حتم لتابع ... كما لزم الإحراق للقابض الجمر\nفإن أنتم كذبتم بوعيده ... فكم كذبت من قبلكم أمم الكفر\nفصب عليهم ربهم سوط نقمة ... فصاروا أحاديث المقيمين والسفر\n\"فيارب هل إلا بك النصر يرتجى ... عليهم\" إليك الأمر في العسرواليسر\nقلوا سنة المختار يبغون محوها ... وكادوا لها فاجعل لهم كيدهم يفرى","vol":"10","page":101},{"text":"هم استضعفونا اليوم من أجل أننا ... قليل وقد يعلو القليل إلى الكثر\nولا سيما إن كان لله قائما ... وأعداؤه للبغي من جهلها تجري\nوإدراك إحدى الحسنيين محقق ... لمن يقتدي بالمصطفى من ذوي الحجر\nومن ظن أن الله مخلف وعده ... وخاذل أنصار النبي بذا العصر\nفذاك غليظ الطبع أرعن جاهل ... عريض القفا بين الورى مظلم الفكر\nتكفل بالنصر العلي لحزبه ... حياتهم هذي وفي موقف الحشر\nففي غافر قد جاء ذلك واضحا ... ولكنه يخفى على الفدم والغمر\nسلام على أنصار سنة أحمد ... فهم أولياء الله في كل ما دهر\nإليهم أجوب البر والبحر قاصدا ... فرؤيتهم تشفي السقيم من الضر\nهم حفظوا الدين الحنيف وناضلوا ... عن الحق بالبرهان والبيض والسمر\nهم خلفوا المختار في نشرسنة ... بفعل وأقوال تلألأ كالدر\nهم جردوا التوحيد من كل نزغة ... من الشرك والإلحاد والزيغ والنكر\nفلا قبة تبنى على قبر ميت ... ولم يعبدوا قبرا بذبح ولا نذر\nولا بطواف أو بتقبيل تربة ... فذلك فعل المشركين ذوي الكفر\nولا رحلوا يوما لغير ثلاثة ... مساجد خصت بالفضائل والأجر\nولم يستغيثوا في الشدائد كلها ... بغير إله الناس ذي الخلق والأمر\n\nومنها:\nومن ظن تقليد الأئمة منجيا ... فأفتى بتقليد فيا له من غر\nكمنتحل عذرا ليغفر ذنبه ... أضاف له جرما تجدد بالعذر\nألا إنما التقليد جهل وظلمة ... وطالبه خلو من العلم والخبر","vol":"10","page":102},{"text":"كطالب ورد بعدما شفه الظما ... جرى خلف آل لاح في مهمه قفر\nفإن قمت بالإفتاء أو كنت قاضيا ... فإياك والتقليد فهو الذي يزري\nوجرد سيوفا من براهين قد سمت ... عن الحدس والتخمين والسخف والهتر\nوطرفك سرح في الكتاب فإنه ... رياض حوت ما تشتهيه من الزهر\nومن بعده فاعلق بسنة أحمد ... فأنوارها تسمو على الشمس والبدر\nولا تحكمن بالرأي إلا ضرورة ... كما حلت الميتات أكلا لمضطر\nومهما بدا أن القضاء على خطا ... أقيم فبادر للرجوع على الفور\nومن يقض بالتقليد فهو على شفا ... كعشوا غدت في كافر حالك تسري\nومن يفت بالتقليد فهو قد افترى ... وفي النحل نص جاء في غاية الزجر\nلعمرك ما التقليد للجهل شافيا ... وأما نصوص الوحي فهي التي تبري\nوصل وسلم يا إلهي على النبي ... صلاة تدوم الدهر طيبة النشر\nفدونكها بكرا عروبا خريدة ... مهفهفة غيدى عروسا من الشعر\nيضيء ظلام الليل نور جمالها ... وليس لها إلا القراءة من مهري\nقصدت بها نصرا لسنة أحمد ... وناصرها لا شك يظفر بالنصر\nوعدتها تسعون من بعد خمسة ... وأختمها بالحمد لله والشكر (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3395>موقفه من الصوفية:</span>\nله من الآثار السلفية: 'الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية'.\nقال فيه ﵀: اعلم أن التيجانيين رووا عن شيخهم فضائل تحصل\n_________\n(١) سبيل الرشاد (٤/ ٢٣٠ - ٢٣٢).","vol":"10","page":103},{"text":"للمتعلقين به مصادمة للكتاب والسنة وإجماع الأمة، وزعموا أن الشيخ التجاني كتب تلك الفضائل بيده وسلمها إلى النبي - ﷺ - وطلب منه أن يقرأها ويضمنها له فقرأها وضمنها له، وقع ذلك يقظة لا مناما انظر صفحة ٤٤ من الجزء الثاني من الرماح، وهذه الفضائل زعموا أن الله يعطيهم إياها بسبب تعلقهم بشيخهم، وسأسرد هنا هذه الفضائل وعددها تسع وثلاثون، أربع عشرة فضيلة تحصل لكل من اعتقد فيه الخير ولم يعترض على طريقه وكان محبا له ولأصحابه ولكل من أطعمه أو سقاه أو قضى له حاجة إذا استمر على محبته حتى الموت وإن لم يأخذ ورده ولم يصر من أصحاب طريقته وسائر الفضائل، وهي خمس وعشرون خاصة بمن أخذ الطريقة والتزم شروطها:\nالفضيلة الأولى: أن النبي - ﷺ - ضمن لهم أن يموتوا على الإيمان والإسلام.\nالفضيلة الثانية: أن يخفف الله عنهم سكرات الموت.\nالفضيلة الثالثة: لا يرون في قبورهم إلا ما يسرهم.\nالفضيلة الرابعة: أن يؤمنهم الله تعالى من جميع أنواع عذابه وتخويفه وجميع الشرور من الموت إلى المستقر في الجنة.\nالخامسة: أن يغفر الله لهم جميع ذنوبهم ما تقدم منها وما تأخر.\nالسادسة: أن يؤدي الله تعالى عنهم جميع تبعاتهم ومظالمهم من خزائن فضله ﷿ لا من حسناتهم.\nالسابعة: أن لا يحاسبهم الله تعالى ولا يناقشهم ولا يسألهم عن القليل","vol":"10","page":104},{"text":"والكثير يوم القيامة.\nالثامنة: أن يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم القيامة.\nالتاسعة: أن يجيزهم الله تعالى على الصراط أسرع من طرفة عين على كواهل الملائكة.\nالعاشرة: أن يسقيهم الله تعالى من حوضه - ﷺ - يوم القيامة.\nالحادية عشرة: أن يدخلهم الله تعالى الجنة بغير حساب ولا عقاب في أول الزمرة الأولى.\nالثانية عشرة: أن يجعلهم الله تعالى مستقرين في الجنة في عليين من جنة الفردوس وجنة عدن.\nالثالثة عشرة: أن النبي - ﷺ - يحب كل من كان محبا له.\nالرابعة عشرة: أن محبه لا يموت حتى يكون وليا، قال -أي أحمد التجاني-: قد أخبرني سيد الوجود - ﷺ - أن كل من أحبني فهو حبيب للنبي - ﷺ - ولا يموت حتى يكون وليا قطعا، وقال لي سيد الوجود - ﷺ -: أنت من الآمنين ومن أحبك من الآمنين، وأنت حبيبي ومن أحبك حبيبي، وكل من أخذ وردك فهو محرر من النار، وقال: أبشروا أن كل من كان في محبتنا إلى أن مات عليها يبعث من الآمنين على أي حالة كان، ما لم يلبس حلة الأمان من مكر الله وقال: وأما من كان محبا ولم يأخذ الورد فلا يخرج من الدنيا حتى يكون من الأولياء.\nثم قلت في الرد على هذه الأباطيل في صفحة ٨٦ ما نصه:","vol":"10","page":105},{"text":"قال محمد تقي الدين: لم يستوف صاحب الرماح الفضائل التي وعد بذكرها؛ بل اقتصر على ذكر ثلاث وثلاثين، وفي ما ذكره من الطوام والضلالات ما لا يبقي شكا في أن هذه الطريقة على الحال الراهنة يستحيل أن تجتمع في قلب شخص واحد مع ما جاء به رسول الله - ﷺ - من الدين الحنيف المبني على الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وسنعقب عليها بالنقد والنقض حتى يتضح بطلانها وتنجلي ظلمتها، بحول الله وقوته وحسن توفيقه.\nاعلم أيها القارىء الموفق لمعرفة الحق واتباعه مع من كان وحيث كان أن ما ذكره صاحب الرماح من الفضائل بزعمه له ولإخوانه في الطريقة ولشيخهم بزعمهم مردود من وجوه بعضها إجمالي وبعضها تفصيلي، ولنبدأ بالإجمالي فنقول:\nكل ما نسبوه إلى النبي - ﷺ - من الأخبار هو من شر أقسام الموضوع المفترى وقد خاب من افترى، فإن الأمة بعلمائها وأئمتها من أبي بكر الصديق ﵁ إلى أن تقوم الساعة، أجمعت الأمة على أنه لا طريق لتلقي خبر من الأخبار عن النبي - ﷺ - إلا بالسماع والمشاهدة في حياته الدنيوية، أو بواسطة الثقات الأثبات بالسند المتصل، وما ذكروه من الأخبار ليس له سند أصلا وما زعموه من السماع كذب بإجماع الأئمة، ومن خرق إجماعهم ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم، وكان مشاقا للرسول - ﷺ - ومتبعا غير سبيل المؤمنين، ومن ذلك أن تلك الأخبار مناقضة لكتاب الله وللأخبار الصحيحة المروية بأسانيد كالشمس معلومة التواتر أو الصحة العالية، إذا قرأت ما تقدم من الرد تبين لك من خلاله فساد تلك الأخبار وبطلانها","vol":"10","page":106},{"text":"واضمحلالها. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3396>موقفه من الجهمية:</span>\nقال محمد تقي الدين: لقد من الله علي وأعانني على ختم هذا القسم، وأسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وبمحبتنا واتباعنا لحبيبه وخليله محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، أن يعينني على القسم الثالث، ويجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ولما كنت أنقل كلام الأئمة كنت أمر بأشعار في الرد على المقلدين وذم طريقتهم ومدح اتباع الكتاب والسنة، فرأيت أن أؤخرها وأجعلها خاتمة لهذا القسم يستمتع بها من حبب الله له الاتباع وكره إليه التقليد، وهذه هي وأول ما أبدأ به القصيدة المقصورة نظمتها في مصر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة (٢):\nتركت الطريق طريق الجفا ... وأقبلت أتبع المصطفى\nوسنته وكتاب الإله ... وأصحابه أنجم الاهتدا\nوأتباعهم أينما وجدوا ... سواء نأى عصرهم أم دنا\nسواء ذووالشرق أم غربنا ... وأهل الخيام وأهل القرى\nوليس يجوز بمذهبنا اتـ ... ـباع لغير فدع من هذى\nولسنا نؤول لفظ الحديـ ... ـث والذكر إلا بما قد أتى\nفما هلك الناس إلا بما ... تؤوله زمرة الاعتدا\nفنحن على مذهب السابقيـ ... ـن من ﵃ علا\n_________\n(١) الهدية الهادية (ص.٨١ - ٨٧).\n(٢) سبيل الرشاد (٤/ ٢١٢ - ٢١٤).","vol":"10","page":107},{"text":"ومن حاد عن نهجهم قد هوى ... سواء درى ذاك أم ما درى\nفخير الهدى هدى خير الورى ... وشر الأمور اتباع الهوى\nفلا تتصوف ولا تتكلف ... ولا تلج إلا لرب العلا\nولا تدع من دونه أحدا ... فليس ولي سواه يرى\nأغير الإله أرى لي وليا ... إذا قد ضللت طريق الهدى\nأأتخذ الأولياء وربي ... بمحكم ذكره عنهم نهى\nولو مرسلين ولو صالحين ... ولو طائرين بأوج السما\nولا يعبد الله إلا بما ... أتى في شريعته وارتضى\nومن زعم العلم غير الكتاب ... وغير الحديث الصحيح افترى\nولا فضل في ديننا لأرسطو ... ولا لابن رشد ومن قد قفا\nفتوحيد ربي بمنزله ... غني عن المنطق المرتأى\nفإن أرسطو وأتباعه ... عدو لدين إله الورى\nوإن هم رأوا حكما أحكموها ... أخذنا بها في أمور الدنى\nومهما وجدنا الحديث الصحيح ... عبدنا به من له المنتهى\nوليس له من وسيلة إلا ... علوم اصطلاح وعلم اللغى\nفعلم الكلام وبعض الأصول ... ظلام يجران كل العنا\nولا نستغيث بغير الإله ... ومن يستغث بالعباد غوى\nونعتقد الله سبحانه ... على عرشه ذي التعالي استوى\nولسنا نؤول ذاك بقهر ... ولا غيره مثل من قد مضى\nوأن البخاري في كتبه ... قد أحسن للناس دون امترا","vol":"10","page":108},{"text":"عليها اعتكف ثم منها اقتطف ... تجد كل ما رمته من منى\nومسلم لا تنس تأليفه ... فنعم الكتاب الوثيق العرى\nوإن خضت في غير دينك فاسلك ... بعلم غزير وإلا فلا\nولا تعتبر كل كتب عليها ... فقد مزجوها بما يرتمى\nفجد وخذ زبد ما سطروا ... ودع ما تراه معيبا سدى\nوما قد يسمونه باطنا ... فباللام يقرأه من درى\nفإن الشريعة قد أكملت ... وقد بينت مثل شمس الضحى\nفما مات خير الورى أحمد ... إلى أن جلاها بغير خفا\nوما أحد من أهيل النفاق ... نجا فاصبر إن نلت منهم أذى\nولا تبن في تربة قبة ... ومهما تراها فهدم البنا\nفقد عبدوها وما فطنوا ... ووافقهم علماء الشقا\nوقد ألفوا في عبادتها ... بدون احتشام بدون حيا\nلتدع الإله بما قد روى الثقات ... الهداة عن المجتبى\nوإن البخاري روى في الصحيح ... دعاء وذكرا به الاكتفا\nوحاذر من الشرك فهو بذا الز ... مان بكل النواحي فشا\nولا قطب نعلمه غير نجم ... يرى في السماء وقطب الرحى\nونحوهما لا الذي ذكروا ... يكون مقيما بغار حرا\nيمد الأنام ويجري الشؤو ... ن في الكون تالك أدهى الفرا\nفهل من كتاب وهل سنة ... أتت من صحيح الحديث بذا\nفخذ بالنصوص ولا تبتدع ... وفي عدم النص قس ما جلا","vol":"10","page":109},{"text":"وليس لنا مذهب لازم ... سوى مذهب المصطفى المرتضى\nعليه الصلاة وأزكى السلام ... سلاما يدوم بغير انتها\nويشمل آلا وصحبا كراما ... ومن قد قفاهم بنهج الصفا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3397>موقفه من أهل الكلام:</span>\nدع الكلام فما فيه سوى الخطل ... وانبذ مجالسه تحفظ من العلل\nفهو شر ابتداع جاء بالخلل ... وخل سمعك عن بلوى أخي جدل\nشغل اللبيب بها ضرب من الهوس\nالله يعلم كم قد سيق من ضرر ... للناس من أجله في البدو والحضر\nأقبح بها بدعة تدني إلى الشرر ... ما إن سمت بأبي بكر ولا عمر\nولا أتت عن أبي هر ولا أنس\nوكم دماء غدت في الناس مهرقة ... فهو الكلام بكسر ساء مخرقة\nفلا ترى فيه شمس الحق مشرقة ... إلا هوى وخصومات ملفقة\nليست برطب إذا عدت ولا يبس\nداء كما جرب في الناس منتشر ... وكتبه بين أهل العلم تستطر\nذر بدعة عند أهل الحق تحتقر ... فلا يغرك من أربابها هذر\nأجدى وجدك منها نغمة الجرس\nنأوا عن الحق بالأوهام وانطلقوا ... في مهمه بلقع ما فيه مرتفق\nوجادلوا بأباطيل بها مرقوا ... أعرهم أذنا صما إذا نطقوا\nوكن إذا سألوا تعزى إلى خرس","vol":"10","page":110},{"text":"وأبعد عن الرأي بعدا يعدك الخطر ... فهو السحاب ولكن ما به مطر\nالرأي أغصان سدر ما بها ثمر ... ما العلم إلا كتاب الله أو أثر\nيجلو بنور سناه كل ملتبس (١)\n\n- قال ﵀: وفي الصحيح من حديث قتادة عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: «فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه» (٢) وأخرجه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة بإسناد قوي عن ثابت عن أنس وفيه: «فآتي باب الجنة فيفتح لي، فآتي ربي ﵎ وهو على كرسيه أو سريره فأخر له ساجدا» وذكر الحديث. قال محمد تقي الدين: وهذا الحديث أيضا صريح في أن الله فوق عرشه، اللهم اشهد علينا بأننا آمنا به، فيا ويل من كذب به وأنكر معناه. (٣)\n- وقال: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يصعد إلى الله إلا طيب- فإنه يتقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل» (٤) هذا حديث صحيح أخرجه البخاري. قال محمد تقي الدين: وماذا يقول الجهمي في هذا الحديث الذي\n_________\n(١) سبيل الرشاد (٤/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(٢) أخرجه من حديث أنس: أحمد (٣/ ١١٦) والبخاري (١٣/ ٥١٩ - ٥٢٠/ ٧٤٤٠) ومسلم (١/ ١٨٠ - ١٨١/ ١٩٣) وابن ماجه (٢/ ١٤٤٢ - ١٤٤٣/ ٤٣١٢).\n(٣) سبيل الرشاد (٥/ ٧٨).\n(٤) رواه أحمد (٢/ ٤١٨و٥٣٨) والبخاري (٣/ ٣٥٤/١٤١٠) ومسلم (٢/ ٧٠٢/١٠١٤) والترمذي (٣/ ٤٩/٦٦١) والنسائي (٥/ ٦٠ - ٦١/ ٢٥٢٤) وابن ماجه (١/ ٥٩٠/١٨٤٢) بلفظ: \"ولا يقبل\" بدل \"ولا يصعد\". ورواه البخاري (١٣/ ٥١١/٧٤٣٠) تعليقا. ووصله أحمد (٢/ ٣٣١و٤٣١) بلفظ الكتاب.","vol":"10","page":111},{"text":"يدل على صعود الصدقة إلى الله تعالى فيأخذها بيمينه أيؤمن به أم يكفر به؟ فإن آمن به فقد فاز وربح وإن كفر به فتعسا له. (١)\n- قال محمد تقي الدين: في هذا الحديث -يعني حديث الجارية (٢) - السؤال عن الله تعالى بـ (أين) ومنعه الخوارج وسائر الفرق المعطلة كالمعتزلة والمتأخرين من الأشعرية، وزعموا أن من سأل عن الله بأين فهو مجسم واختلفوا في كفره وفسقه ومعصيته، فيلزمهم نسبة ذلك إلى نبي الله الذي جاءنا بالإيمان، فقبح الله علما يفضي إلى مثل هذا، وفيه -إقرار النبي ﵊- بأن الله في السماء وأنكرته المعطلة واختلفوا في كفر معتقده، فيا ويلهم ماذا جنوا على أنفسهم بسبب جهلهم وعمى بصائرهم فنعوذ بالله من الخذلان. (٣)\n\nإحسان إلهي ظهير (٤) (١٤٠٧ هـ)\nإحسان إلهي ظهير من كبار علماء باكستان، ولد في \"سيالكوت\" عام ستين وثلاثمائة بعد الألف للهجرة. حفظ القرآن في التاسعة من عمره وأكمل دراسته في الجامعة السلفية بفيصل آباد، حصل على الليسانس في الشريعة من الجامعة الإسلامية في المدينة وكان ترتيبه الأول على طلبة الجامعة. ثم رجع\n_________\n(١) سبيل الرشاد (٥/ ٧٥ - ٧٦).\n(٢) تقدم تخريجه. انظر مواقف أبي عمرو السهروردي سنة (٤٥٨هـ).\n(٣) سبيل الرشاد (٥/ ٧٠ - ٧١).\n(٤) انظر تتمة الأعلام لمحمد خير رمضان يوسف (١/ ٢٣). والعدد (١٠٥) من مجلة الجندي المسلم التي تصدر عن وزارة الدفاع السعودية.","vol":"10","page":112},{"text":"إلى باكستان، وانتظم في جامعة البنجاب كلية الحقوق والعلوم السياسية، وعين في ذلك الوقت خطيبا في أكبر مساجد أهل الحديث بلاهور، وحصل على ست شهادات ما جستير في الشريعة، واللغة العربية، والفارسية والأردية والسياسة من جامعة البنجاب وكذلك حصل على شهادة الحقوق من كراتشي. وكان رئيسا لمجمع البحوث الإسلامية ورئيسا لتحرير مجلة (ترجمان الحديث) التابعة لجمعية أهل الحديث بلاهور في باكستان، وكذلك مديرا لتحرير مجلة أهل الحديث الأسبوعية.\nوفي الثالث والعشرين من شهر رجب سنة سبع وأربعمائة وألف كان الشيخ يلقي محاضرة بمقر جمعيته بمناسبة ندوة العلماء وكان أمامه مزهرية وضع بداخلها قنبلة موقوتة انفجرت فأصابت الشيخ بإصابات بليغة وقتلت سبعة من العلماء في الحال ومات اثنان آخران بعد مدة، وبقي الشيخ أربعة أيام في باكستان، ثم نقل إلى الرياض باقتراح من الشيخ ابن باز ﵀ وأدخل المستشفى العسكري لكن روحه فاضت إلى ربها في الأول من شعبان فنقل إلى المدينة ودفن بالبقيع بالقرب من الصحابة ﵃ الذين نذر حياته للدفاع عنهم وبيان فضائلهم. فرحمة الله عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3399>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد المصطفى، نبي الهدى والرحمة وعلى آله وأصحابه الطاهرين البررة. وبعد، فإنه أشاع في هذا الزمان كلمة \"الاتحاد والوحدة\" كثير من دعاة الشقاق والفرقة، وكثر استعمالها حتى كاد ينخدع بها السذج من المسلمين الذين لا يعرفون ما","vol":"10","page":113},{"text":"وراءها من كيد ودس ودهاء. فالقاديانية عميلة الاستعمار الصليبي في القارة الهندية الباكستانية، وسمة العار على جبهة المسلمين المشرقة، تستعمل هذه الكلمة لكي يتسع لها الطريق لنفث السموم في نفوس المسلمين. والبهائية وليدة الروس، والإنكليز، والنزعات الشيعية، تريد بهذه الكلمة نفسها غزو الشيعة في إيرانها وعراقها. والشيعة ربيبة اليهود في بلاد الإسلام، يستعملون هذه الكلمة أيضا عند افتضاح أمرها، واكتشاف حقيقتها، وإماطة اللثام عن وجهها. فليست هذه الكلمة، إلا كلمة حق أريد بها الباطل، كما نقل عن علي -﵁- أنه لما سمع قول الخوارج \"لا حكم إلا لله\" قال: كلمة حق أريد بها الباطل، نعم لا حكم إلا لله\". وقال: \"سيأتي عليكم بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل\". فهذا هو الزمان الذي أشار إليه علي في قوله، فما أكثر الكذب فيه وما أفظعه.\nولقد بدأ الشيعة منذ قريب ينشرون كتبا ملفقة مزورة في بلاد الإسلام، يدعون فيها إلى التقرب إلى أهل السنة، ولكن الصحيح أنهم يريدون بها تقريب أهل السنة إليهم بترك عقائدهم، ومعتقداتهم في الله، وفي رسوله، وأصحابه الذين جاهدوا تحت رايته، وأزواجه الطاهرات اللائي صاحبنه بمعروف، وفي الكتاب الذي أنزله الله عليه من اللوح المحفوظ، نعم يريدون أن يترك المسلمون كل هذا، ويعتقدوا ما نسجته أيدي اليهودية الأثيمة من الخرافات، والترهات في الله، أنه يحصل له \"البداء\"، وفي كتاب الله أنه محرف ومغير فيه، وأن يعتقدوا في رسول الله أن عليا وأولاده أفضل منه، وفي أصحابه حملة هذا الدين أنهم كانوا خونة مرتدين ومنهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأن يعتقدوا","vol":"10","page":114},{"text":"في أزواج النبي وأمهات المؤمنين، ومنهن الطيبة، الطاهرة، بشهادة من الله في كتابه، أنهن خن الله ورسوله، وفي أئمة الدين، من مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والبخاري، أنهم كانوا كفرة ملعونين -﵃ ورحمهم أجمعين-. نعم يريدون هذا، وما الله بغافل عما يعملون. فكل من عرف هذا وقام في وجههم، ورد عليهم، صاحوا عليه ونادوا بالوحدة والاتحاد، ورددوا قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (١).\nفبعدا للوحدة التي تقام على حساب الإسلام، وسحقا للاتحاد الذي بني على الطعن في محمد النبي، وأصحابه، وأزواجه -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، فقد علمنا الله ﷿ في كتابه الذي نعتقد فيه أن حرفا منه لم يتغير ولم يتبدل، وما زيد عليه كلمة، ولا نقص منه حرف، علمنا فيه أن كفار مكة طلبوا أيضا من رسول الله الصادق الأمين، عدم الفرقة والاختلاف حين دعاهم إلى عبادة الله وحده مخلصين له الدين، ونبذ آلهتهم، فأجابهم بأمر من الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (٢) وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي\n_________\n(١) الأنفال الآية (٤٦).\n(٢) الكافرون الآيات (١ - ٦).","vol":"10","page":115},{"text":"وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (١). وقال: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) ولا الظل وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ (٣).\nنعم يمكن الوحدة إن أرادوها، ويمكن الاتحاد إن طلبوه، بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والتمسك بهما، حسب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٤). نعم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فتعالوا إلى هذه الكلمة، كلمة الوحدة، والاتحاد، إلى قول الله ﷿ وقول نبيه محمد - ﷺ -. فلنرفع الخلاف ولنقض على النزاع، فهيا بنا إلى الوحدة أيها القوم. فاتركوا سب أصحاب رسول الله - ﷺ -، خيار خلق الله، الذين بشرهم الله بالجنة في كتابه المجيد حيث قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ\n_________\n(١) يوسف الآية (١٠٨).\n(٢) البقرة الآية (١٣٩).\n(٣) فاطر الآيات (١٩ - ٢٢).\n(٤) النساء الآية (٥٩).","vol":"10","page":116},{"text":"وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ (١). وقال: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) وقال رسوله الناطق بالوحي: «لا تمس النار مسلما رآني أو رأى من رآني» (٣) وقال ﵇: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه» (٤).\nويمكن الاتحاد بالاعتراف أن كلام الله المجيد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وأن من قال فيه بتحريف وتغيير كان ضالا مضلا خارجا عن الإسلام، تعالوا فلنتفق ونتحد على هذا. (٥)\n- وقال: وأما المولد فقد صرح العلماء أن أول من أحدث هذه البدعة كان مظفر الدين بن زين الدين صاحب الإربل. كان ملكا مسرفا فأمر\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٠).\n(٢) الفتح الآية (١٨).\n(٣) الترمذي (٥/ ٦٥١ - ٦٥٢/ ٣٨٥٨) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\". وضعفه الشيخ الألباني ﵀ في ضعيف الجامع برقم (٦٢٧٧).\n(٤) أحمد (٥/ ٥٤،٥٥) والترمذي (٥/ ٦٥٣/٣٨٦٢) وقال: \"هذا حديث غريب\". وابن حبان (١٦/ ٢٤٤/٧٢٥٦) .. قال المناوي في فيض القدير (٢/ ٩٨): \"فيه عبد الرحمن بن زياد، قال الذهبي: لا يعرف. وفي الميزان: في الحديث اضطراب\". انظر الضعيفة (٢٩٠١).\n(٥) الشيعة والسنة (٥ - ٩).","vol":"10","page":117},{"text":"علماء زمانه أن يعملوا باستنباطهم واجتهادهم وأن لا يتبعوا لمذهب غيرهم، حتى مالت إليه جماعة من العلماء وطائفة من الفضلاء، وكان يحتفل بمولد النبي - ﷺ - في الربيع الأول، وهو أول من أحدث من الملوك هذا العمل. وكان ينفق كل سنة على مولد النبي - ﷺ - نحو ثلاثمائة ألف. وكان معينه ومساعده على هذه البدعة أبو الخطاب عمر بن دحية: اشتغل ببلاد المغرب ثم رحل إلى الشام ثم إلى العراق واجتاز بإربل سنة أربع وستمائة ووجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي، فعمل له كتاب 'التنوير في مولد السراج المنير' وقرأ عليه بنفسه، فأجازه بألف دينار. ونقل الإمام ابن كثير عن السبط في ابن دحية هذا: وقد كان كابن عنين في ثلب المسلمين والوقيعة منهم، ويتزيد في كلامه فترك الناس الرواية عنه وكذبوه، وقد كان الكامل مقبلا عليه، فلما أكشف له حاله أخذ منه دار الحديث وأهانه.\nوقد كتب عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني ما خلاصته: إنه كان كذابا كثير الكذب وضاعا، كثير الوقيعة في الأئمة وفي السلف من العلماء، خبيث اللسان، أحمق، شديد الكبر، قليل النظر في أمور الدين متهاونا -ونقل ذلك عن الحافظ ضياء، ثم كتب-: وحدثني علي بن الحسين أبو العلاء الأصبهاني وناهيك به جلالة ونبلا، قال: لما قدم ابن دحية علينا أصبهان نزل على أبي في الخانكاه، فكان يكرمه ويبجله فدخل على والدي يوما ومعه سجادة فقبلها ووضعها بين يديه وقال: صليت على هذه السجادة كذا وكذا ألف ركعة وختمت القرآن في جوف الكعبة، قال: فأخذها والدي وقبلها ووضعها على رأسه وقبلها منه مبتهجا بها، فلما كان آخر النهار حضر عندنا","vol":"10","page":118},{"text":"رجل من أهل أصبهان، فتحدث عندنا إلى أن اتفق أن قال: كان الفقيه المغربي الذي عندكم اليوم في السوق اشترى سجادة حسنة بكذا وكذا فأمر والدي بإحضار السجادة، فقال الرجل: أي والله هذه، فسكت والدي وسقط ابن دحية من عينيه. فذاك كان الملك وهذا كان مساعده في تأسيس هذه البدعة الشنيعة التي اخترعوها مضاهين النصارى، لأن يكون لهم عيد ميلاد النبي كما يوجد عندهم عيد ميلاد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nثم وعند القوم عادة أنه يقومون عند قراءة المولد وذكره ويقولون: إن الرسول ﵊ حضر في مجلس ذكر مولده فنستقبله قائما، ثم ينشدون هذا البيت المشهور، نذكره بنصه في اللغة الأردية.\nدم بدم برهو درود ... حضرت بهي هين يهان موجود\nصلوا صلوا على النبي ... فإنه حضر هاهنا\nويقول أحد علماء القوم: يجب القيام عند ذكر ولادة النبي - ﷺ -. ويعملون هذه الفعلة على حساب ذلك النبي الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه من كان يمنع عن القيام حتى وأيام حياته الميمونة بقوله: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» (١). ويروي أنس بن مالك ﵁، عن أصحاب رسول الله - ﷺ -: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله - ﷺ -، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٩٣،١٠٠) وأبو داود (٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨/ ٥٢٢٩) والترمذي (٥/ ٨٤/٢٧٥٥) وقال: \"هذا حديث حسن\". والبخاري في الأدب المفرد برقم (٩٧٧). وصححه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة برقم (٣٥٧).","vol":"10","page":119},{"text":"لذلك) (١).اهـ (٢)\n- وقال في حديثه عن البريلوية: وللمحافظة على تجارتهم هذه أعموا أبصارهم وصموا آذانهم وختموا على قلوبهم كي لا تنفلت من أيديهم هذه الأغنام المدرارة الساذجة، فحرموا عليهم الاستماع إلى أحد من الموحدين، المتبعين كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - والإصغاء إليهم، والمجالسة معهم، والاختلاط بهم، والحضور في خطباتهم واجتماعاتهم، والنظر في كتبهم، كي لا يعقل المغفل، ويتنور من أحيط بالظلام، ويتعلم من رغب عن الجهل فقال قائلهم: حرام على المسلمين أن يقرؤوا كتب الوهابيين وأن ينظروا فيها. ومن جالس الوهابية أو اختلط بهم لا يجوز مناكحته. وغير ذلك.\nولم تكن هذه الاحتياطات كلها إلا للحفاظ على جهالاتهم ومناصبهم النافعة المفيدة في آن واحد، ولكن من أراد الله هدايته والخير به فلم يمنعه هذا الحصار لأن يخرج من الظلمات إلى النور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (٣). وإليكم النصوص من تعاليم القوم، وأتبعنا كل واحدة منها بالرد عليها من كتب الأحناف، لأن القوم يدعون انتسابهم إلى الحنفية، كي يعرف أن هؤلاء الناس ليس لهم من الأمر شيء، فلا الكتاب يؤيدهم، ولا السنة تناصرهم، ولا الفقه الحنفي يحالفهم، فإنهم ليسوا على دليل\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٣٢) والترمذي (٥/ ٨٤/٢٧٥٤) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه\". والبخاري في الأدب المفرد (٩٤٦).\n(٢) البريلوية (١٢٩ - ١٣١).\n(٣) النور الآية (٤٠).","vol":"10","page":120},{"text":"وبرهان، بل هم حقيقة أخلافا لأسلاف عرفوا في الجاهلية الأولى بالمشركين والوثنيين، وفي الجاهلية المتأخرة عبدة القبور والخرافيين والبدعيين، لاختلافهم بعض الاختلاف معهم في لون البدعات وصورها حسب الاختلاف الإقليمي والجغرافي، لأن العالمية للسنة، فسنة رسول الله في جميع البلدان والمدن وفي جميع أقطار الأرض وأطرافها سنة واحدة، لأن مصدرها واحد وهو ذات الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه. وأما البدعة فتختلف وتتنوع باختلاف المكان والزمان، وبحسب القطر والإقليم، وبحسب المقتضيات والمتطلبات، ولأن مصدرها أشخاص متعددون متنوعون حسب الأغراض والأهواء، ومختلفون حسب الذوق والمزاج، فالسنة عليها توثيق: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١)، والبدعة هي مصداق: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال: فكل شيء أحدث في الإسلام ولا يؤيده آية من كتاب الله أو أمر من رسول الله فهو مردود. «من أحدث في أمرنا هذا فهو رد» (٤). وقال: «فإن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد - ﷺ - وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (٥).\n_________\n(١) النجم الآيتان (٣و٤).\n(٢) النساء الآية (٨٢).\n(٣) البريلوية (١١٣ - ١١٥).\n(٤) تقدم تخريجه ضمن مواقف الخلال سنة (٣١١هـ) وابن رجب سنة (٧٩٥هـ).\n(٥) تقدم تخريجه ضمن مواقف محمد بن ابراهيم آل الشيخ سنة (١٣٨٩هـ).","vol":"10","page":121},{"text":"ولو كان ذلك من الدين أو من المستحسن لما ترك الله بيانه ورسوله - ﷺ - تفصيله. فعدم وروده ووجوده في الكتاب والسنة يدل على أنه ليس من الدين. ولو كان من الدين ولم يرد ذكره فيهما لما كان الدين كاملا. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3400>موقفه من المشركين:</span>\n- قال في حديثه عن القاديانية: والعجب كل العجب أن الفئة الضالة المضلة التي لم تستطع مع كل إمدادات الاستعمار والحكومة الانكليزية أوان سلطتها أن تضم إليها في القارة الهندية، حيث يقع مركزها إلا أشخاصا معدودين، ممن نشؤوا في أحضان الاستعمار طوال سبعين سنة، ولا يزيد عددهم عن الألوف، ومساجدهم عن العشرات، ومدارسهم عن الأعداد المفردة، وهذا لأن المسلمين قد عرفوا حقيقتهم، واكتشفوا أمرهم، وفي إفريقيا وغيرها دعاة الإسلام غير موفورين، لم؟ هل المسلمون صاروا فقراء إلى هذا الحد حتى لم يستطيعوا إرسال المبلغين إلى تلك البلاد؟ أم ماذا؟ ينبغي أن يتفكر كل منا جواب هذا، وأن يسمح لي فأقول جهرا: إن كل شيء موفور عند المسلمين، أكثر ما كانت قبل، ولكن الفكر للإسلام والتألم له والنهوض به والدفاع عنه والتضحية في سبيله صارت مفقودة فينا، ونحن نرى أنفسنا بكل خير وفي كل خير ما دام لم يصبنا نحن، أولادنا، وأشقائنا، وأسرتنا، وعائلتنا أي أذى، وأما الإسلام فيكون في خطر والمسلمون يكونون في طوفان، طوفان الكفر والارتداد، طوفان الضلالة والإلحاد فلا يهمنا ما دام الطوفان بعيدا عن أبوابنا. فهذا عين الضلالة، وقد وصف الله ﷿ أمة\n_________\n(١) البريلوية (١٦١).","vol":"10","page":122},{"text":"محمد ﵇ بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وقد أهملنا هذه المنزلة وهذه المكرمة وفقدنا ميزة الخيرية. فتيقظوا أيها المسلمون. وتنبهوا، أليس من المبكي أن تغزو هذه الفئة الكثير من بلاد العالم الإسلامي بينما كان المسلمون في يقظة لكل عدو وحربا على كل ضلال وفساد للقضاء عليه في موطنه. فالمسئولية مشتركة كل بقدره. وإن العمل ضد القاديانية لإيقاف خطرها أمر يحتمه ويوجبه كل من الدين، والسياسة، والوطنية.\nأما الدين: فبتحريفها العقائد، وهدمها لأركان الإسلام.\nوأما السياسة: فلكونها الجسر الواسع للاستعمار في كل شعب تحل فيه كما أنشأها وعاهدها.\nوأما الوطنية: فكما بين الكاتب الهندوسي الكبير وكشف شاعر الإسلام الكبير محمد إقبال حينما رد على جواهر لآل نهرو في تدعيمه إياها. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3401>موقفه من الرافضة:</span>\nهذا العلَم الذي سخر قلمه ولسانه للذب عن المنهج السلفي، وتقويض أركان أهل الضلال والبدع خاصة الرافضة اللعينة، فقد تصدى لها الشيخ ﵀ بكل ما أوتي من قوة وجهد، وألف في ذلك المؤلفات العظيمة منها:\n١ - 'الشيعة والتشيع'.\n_________\n(١) آل عمران الآية (١١٠).\n(٢) القاديانية (١٥ - ١٧).","vol":"10","page":123},{"text":"٢ - 'الشيعة والقرآن'.\n٣ - 'الشيعة والسنة'.\n٤ - 'الشيعة وأهل البيت'.\n٥ - 'الإسماعيلية'.\nوكلها مطبوعة ومتداولة ولله الحمد والمنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3402>موقفه من الصوفية:</span>\nله من الآثار السلفية: 'التصوف المنشأ والمصادر'. وهو مطبوع.\n- قال في مقدمته ﵀: كنت أظن أول الأمر أن بعض الغلاة هم الذين أساءوا إلى التصوف والصوفية، وأن الغلو والتطرف هو الذي جلب عليهم الطعن وأوقعهم في التشابه مع التشيع والشيعة، ولكنني وجدت كلما تعمقت في الموضوع، وتأملت في القوم ورسائلهم، وتوغلت في جماعاتهم وطرقهم، وحققت في سيرهم وتراجمهم، أنه لا اعتدال عندهم كالشيعة تماما، فإن الاعتدال فيهم كالعنقاء في الطيور، والشيعي لا يعد شيعيا إلا حين ما يكون مغاليا متطرفا، وكذلك الصوفي تماما، فمن لا يعتقد اتصاف الخلق بأوصاف الخالق، لا يمكن أن يعد صوفيا ووليا من أولياء الله.\nومن الطرائف أن ظني ذلك كان يجعلني ويحثني على أن أسمي مجموعة الكتابة عن المتصوفة 'التصوف بين الاعتدال والتطرف' ولكنني لما كتبت وجدت أن هذا الاسم لا يمكن أن يناسب تلك المجموعة من الناس لعدم وجود الاعتدال مع محاولتي أن أجده لأدافع عنهم وأجادل، وأبرر بعض مواقفهم، وأجد المعاذير للبعض الأخرى، ولكنني بعد قراءتي الطويلة العميقة","vol":"10","page":124},{"text":"العريضة لكتب الصوفية ومؤلفات التصوف، وجدت نفسي، إما أن أجادل بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وأتبع كل شيطان مريد -ولا جعلني الله منهم- وإما أن أقول الحق ولا أخاف في الله لومة لائم، وأتقي الله وأكون مع الصادقين- وجعلني الله منهم ورزقني الاستقامة والثبات عليه. (١)\n- وقال: فإن التصوف أمر زائد وطارئ على الزهد، وله كيانه وهيئته، نظامه وأصوله، قواعده وأسسه، كتبه ومؤلفاته، ورسائله ومصنفاته، كما أن له رجالا وسدنة وزعماء وأعيانا.\nفإن الزهد عبارة عن ترجيح الآخرة على الدنيا، والتصوف اسم لترك الدنيا تماما.\nوالزهد هو تجنب الحرام، والاقتصاد في الحلال، والتمتع بنعم الله بالكفاف، وإشراك الآخرين في آلاء الله ونعمه وخدمة الأهل والإخوان والخلان.\nوالتصوف تحريم الحلال، وترك الطيبات، والتهرب من الزواج ومعاشرة الأهل والإخوان، وتعذيب النفس بالتجوع والتعري والسهر.\nفالزهد منهج وسلوك مبني على الكتاب والسنة، وليس التصوف كذلك، لذلك احتيج لبيانه إلى 'التعرف لمذهب أهل التصوف' و'قواعد التصوف' و'الرسالة القشيرية' و'اللمع' و'قوت القلوب' و'عوارف المعارف' وغيرها من الكتب. (٢)\n_________\n(١) التصوف المنشأ والمصادر (ص.٦ - ٧).\n(٢) التصوف المنشأ والمصادر (ص.٩ - ١٠).","vol":"10","page":125},{"text":"- وقال: فخلاصة الكلام أن الجميع متفقون على حداثة هذا الاسم، وعدم وجوده في عهد رسول الله - ﷺ - وأصحابه والسلف الصالحين.\nنعم، كان رسول الله - ﷺ - أزهد خلق الله في الدنيا وزخارفها، وأصحابه على سيرته وطريقته، يعدون الدنيا وما فيها لهوا ولعبا، زائلة فانية، والأموال والأولاد فتنة ابتلي المؤمنون بها، فلم يكونوا يجعلون أكبر همهم إلا ابتغاء مرضاة الله، يرجون لقاءه وثوابه، ويخافون غضبه وعقابه، آخذين من الدنيا ما أباح الله لهم أخذه، ومجتنبين عنها ما نهى الله عنه، سالكين مسلك الاعتدال، منتهجين منهج المقتصد، غير باغين ولا عادين، ولا مفرطين ولا متطرفين، وعلى رأسهم بعد رسول الله - ﷺ - الخلفاء الراشدون، وبقية العشرة المبشرة، ثم البدريون، ثم أصحاب بيعة الرضوان، ثم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ثم عامة الأصحاب، على ترتيب الأفضلية كما مر سابقا في الفصل الأول من هذا الباب.\nوتبعهم في ذلك التابعون لهم بإحسان، وأتباع التابعين، أصحاب خير القرون، المشهود لهم بالخير والفضيلة، ولم يكن لهؤلاء كلهم في غير رسول الله أسوة ولا قدوة، الذي قال فيه جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عائلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا اليتيم فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (١). والذي إذا وجد طعاما فأكل وشكر، وإذا لم يجد فرضي وصبر، وأحب لبس\n_________\n(١) الضحى من الآية ٦ إلى آخر السورة.","vol":"10","page":126},{"text":"الثياب البيض، واكتسب جبة رومية، ونهى عن التصدق بأكثر من ثلث المال، وأمر بحفظ حقوق النفس والأهل والولد، ونهى عن تعذيب النفس وإتعاب الجسد فوق الطاقة، وكما أنه نهى هو نفسه عن قيام الليل كله، لإراحة الجسد والبدن، وحرض متبعيه على طلب الحلال، وطلب الحسنات في الدنيا والآخرة، ومنع الله تعالى من التعنت والتطرف في ترك الدنيا وطيباتها في آيات كثيرة في القرآن الكريم، سنوردها في موضعها من الكلام إن شاء الله.\nثم خلف من بعدهم خلف فتطرفوا، وذهبوا بعيدا في نعيم الدنيا وزخارفها، وفتحت عليهم أبواب الترف والرخاء، ودرت عليهم الأرض والسماء، وأقبلت عليهم الدنيا بكنوزها وخزائنها، وفتحت عليهم الآفاق، فانغمسوا في زخارفها وملذاتها، وبخاصة العرب الفاتحون الغزاة، والغالبون الظاهرون، فحصل رد الفعل، وفي نفوس المغلوبين المغزوين والمقهورين، من الموالي والفرس والمفلسين وأصحاب النفوس الضعيفة المتوانية خاصة، فهربوا عن الحياة ومناضلتها، وجدها وكدها، ولجأوا إلى الخانقاوات والتكايا والزوايا والرباطات، فرارا من المبارزة والمناضلة، وصبغوا هذا الفرار والانهزام ورد الفعل صبغة دينية، ولون قداسة وطهارة، وتنزه وقرابة، كما كان هنالك أسباب ودوافع ومؤثرات أخرى، وكذلك أيدى خفية دفعتهم إلى تكوين فلسفة جديدة للحياة، وطراز آخر من المشرب والمسلك، وأسلوب جديد للعيش والمعاش، فظهر التصوف بصورة مذهب مخصوص، وبطائفة مخصوصة، اعتنقه قوم، وسلكه أشخاص ساذجون بدون تفكير كثير، وتدبر عميق كمسلك الزهد، ووسيلة التقرب إلى الله، غير عارفين بالأسس التي قام عليها","vol":"10","page":127},{"text":"هذا المشرب، والقواعد التي أسس عليها هذا المذهب، بسذاجة فطرية، وطيبة طبيعية، كما تستر بقناعه، وتنقب بنقابه بعض آخرون لهدم الإسلام وكيانه، وإدخال اليهودية والمسيحية في الإسلام، وأفكارهما من جانب، والزرادشتية والمجوسية والشعوبية من جانب آخر، وكذلك الهندوكية والبوذية والفلسفة اليونانية الأفلاطونية من ناحية أخرى، وتقويض أركان الإسلام وإلغاء تعاليم سيد الرسل - ﷺ -، ونسخ الإسلام وإبطال شريعته بنعرة وحدة الوجود، ووحدة الأديان، وإجراء النبوة، وترجيح من يسمى بالولي على أنبياء الله ورسله، ومخالفة العلم، والتفريق بين الشريعة والحقيقة، وترويج الحكايات والأباطيل والأساطير، باسم الكرامات والخوارق وغير ذلك من الخرافات والترهات. (١)\n- وقال: ولقد بوب الصوفية في كتبهم أبوابا مستقلة في مدح العزوبة وذم التزويج، وهذا الأمر لا يحتاج إلى بيان أنه لم يأخذه المتصوفة إلا من رهبان النصارى ونساك المسيحية الذين ألزموا أنفسهم التبتل، خلافا لفطرة الله التي فطر الناس عليها. تقليدا لهم واتباعا لسنتهم، واقتداء لمسالكهم ومشاربهم، مخالفين أوامر الله وأوامر رسوله - ﷺ - الناسخ لجميع الشرائع والأديان، المبعوث بمكارم الأخلاق وفضائل العادات، فالله يأمر المؤمنين في محكم كتابه بنكاح النساء مثنى وثلاث ورباع وعند الخوف من عدم العدل بواحدة، فيقول جل من قائل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى\n_________\n(١) التصوف المنشأ والمصادر (ص.٤٣ - ٤٥).","vol":"10","page":128},{"text":"فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ (١). وقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمائكم إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ (٢). وجعل الزواج سببا لحصول السكون والطمأنينة حيث قال ﷿: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ (٣). ورسوله صلوات الله وسلامه عليه يحذر المعرضين عنه في حديث طويل أورده البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ أنه قال: إن نفرا من أصحاب رسول الله - ﷺ - سألوا أزواج النبي ﵇ عن عمله في السر فأخبرنهم فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش.\nوقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، فحمد الله النبي ﵊ وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٤). وقال: «تزوجوا الولود والودود فإني\n_________\n(١) النساء الآية (٣).\n(٢) النور الآية (٣٢).\n(٣) الروم الآية (٢١).\n(٤) تقدم ضمن مواقف إسماعيل بن محمد الأصبهاني سنة (٥٣٥هـ).","vol":"10","page":129},{"text":"مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (١). وقال ﵊: «حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (٢). وعن أبي ذر ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «وفي بضع أحدكم صدقة»، قالوا: يأتى أحدنا شهوته ويكون فيها له أجر؟. قال: «أفرأيتم لو وضعه في حرام، هل عليه وزر؟» قالوا نعم. قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (٣). وما أحسن ما قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: (ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي ﵊ تزوج أربع عشرة امرأة ومات عن تسع، ثم قال: لو كان بشر بن الحارث تزوج قد تم أمره كله. لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم يكن كذا، وقد كان النبي ﵊ يصبح وما عنده شيء، وكان يختار النكاح ويحث عليه، وينهى عن التبتل، فمن رغب عن عمل النبي ﵊ فهو على غير الحق. ويعقوب ﵇ في حزنه قد تزوج وولد له. والنبي ﵊ قال: «حبب إلي النساء». فهذه هي تعاليم شريعة الإسلام المستقاة من أصلين أساسيين لشرع الله: الكتاب والسنة.\nوتلك هي أقوال الصوفية، التي لم يأخذوها من هذا المورد العذب، والمنهل الصافي، بل أخذوها من الكهنة والبوذية كما مر ذلك، ونساك الجينية، ورهبان المسيحية. وأمر أولئك في هذا الباب مشهور ومعروف لا\n_________\n(١) أحمد (٣/ ١٥٨) وابن حبان (٩/ ٣٣٨/٤٠٢٨ الإحسان) وأورده الهيثمي في المجمع (٢٥٨) وحسن إسناده.\n(٢) أحمد (٣/ ١٢٨و١٩٩و٢٨٥) والنسائي (٧/ ٧٢/٣٩٤٩) والحاكم (٢/ ١٦٠) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي والبيهقي (٧/ ٧٨) من حديث أنس.\n(٣) أحمد (٥/ ١٦٧و١٦٨) ومسلم (٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨/ ١٠٠٦) وأبو داود (٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧/ ٥٢٤٣).","vol":"10","page":130},{"text":"يحتاج إلى كثير من البيان. (١)\n\nعبد العزيز بن ناصر بن عبد الله بن رشيد (٢) (١٤٠٨ هـ)\nالشيخ عبد العزيز بن ناصر بن عبد الله بن عبد العزيز بن رشيد بن حدجان، من آل حصنان. ولد في بلدة الرس سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وألف، ونشأ فيها، ثم رحل إلى الرياض، فأخذ عن الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم والشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ. ثم سافر إلى مكة المكرمة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، فصار مدرسا في المسجد الحرام، ثم صار قاضيا في بلجرشي، وفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة عين مدرسا في المعهد العلمي بالرياض. وفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وألف عين رئيسا لهيئة التمييز بالرياض. وله مؤلفات تدل على سعة علمه واطلاعه الواسع في العلوم الشرعية.\nتوفي ﵀ سنة ثمان وأربعمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3404>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'التنبيهات السنية في شرح العقيدة الواسطية'.\n٢ - 'القول الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى'. (٣)\n_________\n(١) التصوف المنشأ والمصادر (ص.٦١ - ٦٢).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٣/ ٥٣١ - ٥٣٤).\n(٣) علماء نجد (٣/ ٥٣٤).","vol":"10","page":131},{"text":"أبو يوسف عبد الرحمن عبد الصمد (١) (١٤٠٨ هـ)\nالشيخ العلم عبد الرحمن بن يوسف بن محمود بن حسين بن علي بن عبد الصمد، ولد في بلدة عنبتا قضاء طولكرم التابعة لنابلس في فلسطين. نشأ يتيما لا أب ولا أم وهو دون التاسعة من عمره.\nخرج من فلسطين إلى لبنان فسوريا وبها تصوف على طريقة الرفاعية حتى منَّ الله عليه بمعرفة الحق الواضح الأبلج، فتبرأ من التصوف وأهله وحذر منهم.\nدرس في المعهد العلمي بالرياض الذي افتتح عام إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، تعرف على عدة مشايخ على رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وبقي في الرياض تسع سنوات حتى التحق بالجامعة الإسلامية حين افتتاحها سنة ثمانين وثلاثمائة وألف.\nثم رجع إلى سوريا فعمل إماما وخطيبا في مناطق مختلفة، ثم رحل إلى الكويت وبقي فيها مدة، إلى أن وجهت له دعوة من الجمعية الإسلامية في ملبورن بأستراليا، فأجاب دعوتهم ورحل إليهم، فتوفي ﵀ هناك بأستراليا ودفن بها في مساء الخميس سبعة عشر شوال سنة ثمان وأربعمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3406>موقفه من المبتدعة:</span>\nله رسالة ماتعة بعنوان: 'أسئلة طال حولها الجدل'. وهي رسالة تشف\n_________\n(١) 'المقتصد من حياة الشيخ أبي يوسف عبد الرحمن عبد الصمد' بقلم إبراهيم الساجر. وتتمة الأعلام (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤) لمحمد خير رمضان يوسف. وإتمام الأعلام (ص.١٥١) لنزار أباظه ومحمد رياض المالح.","vol":"10","page":132},{"text":"عن منهج صاحبها الرقراق.\n- قال ﵀ فيها: مما لا شك فيه عندي في أن جميع البدع الشرعية المنسوبة إلى الدين بشتى ألوانها وصورها كلها ضلالة وفي النار، لأنها تشريع لم يأذن به الله، وحدث في الدين ما أنزل الله به من سلطان، وتحريف للكلم عن مواضعه، وإساءة في فهم قواعد الشرع العامة، وتلاعب في نصوص الدين الإسلامي الحنيف، وتمسك بما تشابه منه ابتغاء الفتنة وضرارا وتفريقا بين المؤمنين، وتمزيقا لشملهم.\nلكن الله جلت قدرته أبى إلا أن يحفظ دينه ويعلي كلمته، فأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المبطلون، ويحق الحق بكلماته ويزهق الباطل وأهله. فكان حكم الرسول - ﷺ - الذي لا ينطق عن الهوى- على جميعها بأنها ضلالة وفي النار، وكذلك الخلفاء والصحابة والأئمة رضوان الله عليهم أجمعين ورثوا ذلك عنه - ﷺ - وحذروا أتباعهم من اتخاذ البدع والعمل بها. (١)\n- ثم قال بعد ذكر الأدلة على ذلك وكلام الأئمة المعتبرين: وخلاصة القول: أنه قد ثبت أن جميع بدع العبادات كلها ضلالة وكلها في النار، وأنه لا يوجد في البدع الشرعية ما يمدح، وليس في الإسلام بدعة حسنة، بل كلها سيئة ومذمومة ومن زعم ذلك فينطبق عليه قول الإمام مالك ﵀: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة). وتقسيم من قسمها منصب على بدع العادات والبدعة اللغوية لا غير\n_________\n(١) أسئلة طال حولها الجدل (ص.٥٤).","vol":"10","page":133},{"text":"كالمنخل والأشنان ونحو ذلك من بدع العادات، ومعلوم أن الأمة متفقة على أن الخير كله في اتباع من سلف والشر كله في ابتداع من خلف، وأن الابتداع في الدين شر كله وليس فيه ما يمدح، والله تعالى أعلم. (١)\n- وقال ﵀ في شأن التقليد: مما لا شك فيه أن المتأخرين قد نسبوا إلى الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين (مذاهب) وتعارفوا فيما بينهم على صحة ما نسبوه إليهم من تلك المذاهب وعرفوها بأنها عبارة عن (كتب المذهب) سواء نسبت للإمام نفسه أو إلى أحد تلامذته أو لأحد من مجتهدي المذهب، وسواء أكانت أصولا أو فروعا، متونا أو حواشي أو شروحا، وألزم أولئك المتأخرون أتباعهم بالتقيد التام بالمذهب وبأخذ جميع ما فيه من مسائل وغيرها، وعدوا الخارج عنها ولو بمسألة واحدة خارجا عن المذهب وعدوه ملفقا ومرقعا.\nلكن الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين براء من كل ذلك، وبعيدون كل البعد عن أن يدعوا لأنفسهم مذهبا معينا على النحو المعروف اليوم ويلزموا أتباعهم بأن يلتزموه ويفرضوا عليهم أن يتقيدوا بأقوالهم وأفعالهم واجتهاداتهم وأن يأمروهم بعدم الخروج عنها، حاشاهم من ذلك ونعيذهم بالله أن يقع منهم مثل ذلك. بل الذي حصل منهم على العكس مما يدعيه المتأخرون، إنهم زجروا أتباعهم عن تقليدهم وتقليد غيرهم من الأئمة قال الإمام أحمد ﵀: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا) من إيقاظ الهمم للفلاني صفحة ١١٣ وأعلام الموقعين\n_________\n(١) أسئلة طال حولها الجدل (ص.٥٩).","vol":"10","page":134},{"text":"(٢/ ٣٠٢) وقال: (رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار) ذكره ابن عبد البر في الجامع (٢/ ١٤٩) وللمزيد راجع مقدمة صفة صلاة النبي للألباني.\nوقال الإمام مالك: (ليس أحد بعد النبي - ﷺ - إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - ﷺ -) ابن عبد البر في الجامع (٢/ ٩١). وقال: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) ابن عبد البر (٢/ ٣٢).\nوقال الإمام الشافعي ﵀: (أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله - ﷺ - لم يحل أن يدعها لقول أحد) راجع صفة صلاة النبي للألباني (المقدمة ص ٢٩ - ٣٠). وقال: (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - ﷺ - فقولوا بسنة رسول الله - ﷺ - ودعوا ما قلت) المرجع السابق.\nوقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: (ويحك يا يعقوب -هو أبو يوسف- لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدا، وأرى الرأي غدا واتركه بعد غد) نفس المرجع.\nهذا ما قاله هؤلاء الفضلاء ودُوِّنَ عنهم رضوان الله عليهم أجمعين، وبهذا أمروا أتباعهم، لا كما يزعمه المقلدة.\nصحيح أن كلمة المذهب قد وردت في معرض كلامهم وجرت على بعض ألسنتهم مثل قولهم: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ومعلوم أن كلمة (المذهب) مأخوذة من ذهب يذهب ذهابا ومذهبا فهو ذاهب، ومقصودهم من هذه العبارة أنهم إذا وجدوا حديثا صحيحا عن رسول الله - ﷺ - في مسألة","vol":"10","page":135},{"text":"ما ذهبوا إليه وتمسكوا به وعملوا بما فيه وتركوا آراء الرجال وأقيستهم. وبعد التتبع والاستقراء وجدنا جميع مذاهبهم تقوم على ثلاثة أركان:\nالأول: صحة الحديث عن رسول الله - ﷺ -.\nالثاني: إذا خالفت أقوالهم قول النبي - ﷺ - رددنا أقوالهم وأخذنا بقول النبي - ﷺ -.\nالثالث: إذا صح الحديث في مسألة ما بخلاف ما قالوا رجعوا عما قالوه في حياتهم وبعد موتهم. (١)\nإلى أن قال: فالذي يُلزم الناس باتباع مذهب معين ويحملهم على التقيد بجميع ما فيه من المسائل وعدم الخروج عنه دون المذاهب الأخرى فإنه غير موفق للصواب ومخالف لجميع مذاهب الأئمة أنفسهم، بل يكون جاهلا أو صاحب هوى متبعا لهواه أعاذنا الله وإياكم من ذلك.\nوهنا نسأل الذي يلزم الناس باتباع مذهب معين والتقيد به دون المذاهب الأخرى؟ هل يعتقد بعصمة من يدعو الناس لاتباع مذهبه؟ وهل أحاط صاحب ذلك المذهب بجميع تعاليم الإسلام كما أنزلها الله على رسوله - ﷺ - كاملة وتامة؟.\nفإن قال بعصمة صاحب المذهب وعدم الخطأ وأنه أحاط بجميع تعاليم الإسلام كاملة غير منقوصة ولم يعزب عنه منها شيء فقد خالف الواقع المحسوس وما اتفقت عليه الأمة. وإن قال بعدم العصمة وبجواز الخطأ عليه\n_________\n(١) أسئلة طال حولها الجدل (ص.١٣٢ - ١٣٤).","vol":"10","page":136},{"text":"وأنه لم يحط بجميع تعاليم الإسلام، فنقول له: كيف تلزم الناس بأن يتقيدوا بأقوال تحتمل الخطأ والصواب وبإسلام غير متكامل؟؟؟\nوفي الحقيقة أن القول بإلزام الناس بمذهب واحد معين لا يعدو عن كونه نظرية من نسج الخيال ولا تمت إلى الحقيقة بصلة، يكذبها الواقع واقع الإسلام وواقع المسلمين في القرون الثلاثة المفضلة وتردها الأصول التي أصّلها أصحاب المذاهب أنفسهم. (١)\n- وله أيضا كتاب 'الرسالة العظمى' لكنه لم يتمه.\nوله ردود وتعقبات على كثير من الرسائل منها:\n- 'تبسيط عقائد المسلمين' لحسن أيوب.\n- 'نحو كلمة سواء وحوار كريم' لعبد الله نجيب.\n- 'الإمام الشيرازي' لمحمد حسن هيتو. وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3407>موقفه من الجهمية:</span>\nله رسالة في التوحيد.\nقال فيها ﵀: أقول: فأي محادة لله وللرسول - ﷺ - أكبر عند الله من ملحد يسمع قول الله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٢) ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٣) ويقول: (لا أقول حي ولا لا حي) ويسمع\n_________\n(١) أسئلة طال حولها الجدل (ص.١٣٦ - ١٣٧).\n(٢) الفرقان الآية (٥٨).\n(٣) البقرة الآية (٢٥٦).","vol":"10","page":137},{"text":"قول الله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ الآية (١) وقوله: ﴿إِن اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾ (٢) ويقول: (لا أقول عالم ولا لا عالم).\nولكن الحقيقة كل الحقيقة ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ (٣) وحسبهم قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ (٤).\nوهم القائلون: (سميع بلا سمع وبصير بلا بصر وحي بلا حياة ومريد بلا إرادة ومقتدر بلا قدرة ... إلخ).\nفرارا منهم من تعدد القديم زعموا. ونكتفي بالرد عليهم بما قاله الفاضل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: (ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل؛ لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل، فإذا عدم السواد عن جرم مثلا استحال أن نقول هو أسود إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد. وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات استحال أن نقول: هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك ولم يقم بها علم ولا قدرة) [١/ ٣٠٩ أضواء البيان].\n_________\n(١) الأنعام الآية (٧٣).\n(٢) فاطر الآية (٣٨).\n(٣) الحج الآية (٤٦).\n(٤) المجادلة الآية (٢٠).","vol":"10","page":138},{"text":"وهنا أسأل أتباع هؤلاء سؤالا على النمط الذي وجه إلى بشر المريسي في فتنة خلق القرآن. فأقول: \"قولكم لا نقول عالم ولا لا عالم وحي ولا لا حي وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر وحي بلا حياة وقادر بلا قدرة ... إلخ\" هل هذا القول من الدين الذي أكمله الله وأتمه ورضيه لنا دينا أم لا؟\nفإن قلتم: من الدين، نقول لكم: هل علمه النبي - ﷺ - أم جهله؟ فإن قلتم: جهله، نقول لكم إنكم قد نسبتم إلى النبي - ﷺ - الجهل في الدين.\nشيء من الدين جهله النبي - ﷺ - وعلمتموه أنتم، سبحانك هذا بهتان عظيم.\nوإن قلتم علمه: نقول لكم: هل علّمه أحدا من أصحابه رضوان الله عليهم أم سكت عنه؟ فإن قلتم: علمه، نقول لكم: من روى هذا عنه - ﷺ -؟ وفي أي الكتب روى؟ ودونكم خرط القتاد أن تثبتوا ذلك وأنى لكم التناوش.\nوإن قلتم سكت عنه ولم يعلمه أحد من أصحابه، نقول لكم: شيء سكت عنه النبي - ﷺ - ولم يعلمه أحدا من أصحابه وسكت عنه الخلفاء والصحابة وسكت عنه التابعون وتابعوهم بإحسان إلى يومنا هذا ولم يعلموه أحدا من العالمين ألا يسعكم السكوت عنه؟ لا وسّع الله على من لم يسعه ما وسع رسول الله - ﷺ - وصحابته رضوان الله عليهم.\nوهذا السؤال يصلح أن يسأل به عن كل قول قاله الزنادقة والباطنية الحاقدة وعلماء الكلام وكذلك أتباع المشبهة والمجسمة والمعطلة والمؤولة","vol":"10","page":139},{"text":"والواقفية والمفوضة وغيرهم ولله الحمد والمنة. (١)\n- وقال ﵀ ردا على المؤولة، ومبينا فساد مذهبهم: أقول في مقالتهم هذه أن ظواهر هذه الصفات والمتبادر للذهب والسابق إلى الفهم من معاني الاستواء والنزول ... هو مشابهة صفات المخلوقين ... إلخ. إساءة الظن بالله جل وعلا واتهام لرسوله - ﷺ -، وكيف يسوغ بمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقد أن في كلام الله الذي أنزله في كتابه ووصف به نفسه ما ظاهره التشبيه والكفر، ويتهم النبي - ﷺ - بعدم بيان ما ظاهره الكفر والتشبيه للأمة، مع أنه مأمور بتبليغ الرسالة للناس كافة وتبيين لهم ما نزل إليهم، وكيف يخطر ببال مسلم أن استواء الله على عرشه ونزوله إلى سماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة ووجهه ويده ورضاه وغضبه ... إلخ يشبه صفات المخلوقين وهو القائل جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢).\nولكن أبى الزنادقة والباطنية الحاقدة وأفراخ الفلاسفة الملحدين وتلامذة المتكلمين واليهود المارقين، أبوا إلا الدس في هذا الدين الحنيف وزعزعة عقائد المسلمين، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. (٣)\n\nأسامة بن توفيق القصاص (٤) (١٤٠٨ هـ)\nالشاب الهمام العالم أسامة بن توفيق القصاص الداعية الفريد، وضع\n_________\n(١) المقتصد من حياة الشيخ أبي يوسف (ص.٥٠ - ٥٢).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) المقتصد من حياة الشيخ أبي يوسف (ص.٥٩).\n(٤) من مقدمة كتابه 'إثبات علو الله على خلقه والرد على المخالفين' بقلم الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق.","vol":"10","page":140},{"text":"﵀ نفسه في خدمة العلم، ورفع منار التوحيد الخالص، والتعريف بالله الواحد، والتصدي بكل قوة لفرقة ضلت وانحرفت عن فهم صفات ربها وألحدت في أسمائه، وكفرت المسلمين، وسبت وشتمت علماء الإسلام واستحلت دماء الموحدين، وعاثت في الأرض فسادا ... وأن هذا الجهبذ ﵀ رحمة واسعة كان يعلم أن وراء بيان الحق وإنكار منكر هذه الطائفة الضالة أن يعرض نفسه للقتل. ومع ذلك فإنه لم يأبه لذلك، بل قال في كتابه هذا: (لقد هددوني بالقتل، وأوعزوا إلى أحدهم بالفعل، وهم يجهلون أنني أرضى بأن يطاح برأسي مقابل رأسهم وهم يظنون أن الله غافل عما يفعلون، أو أن المسلمين عنهم لاهون ... ألا إن الصبح قريب، وسبحان ربنا القائل: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (١).\nقتلته ﵀ فرقة الأحباش الضالة المنحرفة بطرابلس الشام. ﵀ وأسكنه فسيح جناته.\nمن تآليفه 'إشراقة الشرعة في الحكم على تقسيم البدعة' و'إثبات علو الله على خلقه والرد على المخالفين'.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3409>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال في كتابه 'إشراقة الشرعة' راد على من قسم البدعة إلى حسنة\n_________\n(١) التوبة الآيتان (٥١و٥٢).","vol":"10","page":141},{"text":"وسيئة، وأدحض فيه شبههم الواهية: فاعلم أخي أن حثالة من الناس حملت قول رسول الله - ﷺ - وقول بعض الصحابة، بل وقول بعض العلماء، على فهمها المعوج، لتضرب بذلك السنة الصريحة الواضحة، بل لتضرب الدين بالدين كفعل الزنادقة الملحدين الذين كان دأبهم أن يشككوا الناس في إسلامهم؛ وهكذا فالفعل شاهد المقصد. وغاية ما في الأمر أن بعض العلماء المتأخرين قال بتقسيم البدعة، وتبعه على ذلك من تبعه، ولكن تذرع من لا فهم عنده بهذا الأمر ليقول: إن بعض الابتداع في الدين يكون حسنا أو واجبا أو ما شابه، رافعا هذا القول لواء، وظانا أن بعض السنة يعاضده ويسانده ففرح المسكين، واستمال بذلك قلوب العامة ... (١)\n- وقال أيضا: عليك أن تعرف أخي أن الابتداع معناه أحد أمرين:\nإما أن الله تعالى لم يكمل الدين؛ وهذا كفر، إذ يقول الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢).\nوإما أن الرسول - ﷺ - أخفق ولم يبلغ الرسالة حق التبليغ؛ وهذا اتهام له بالخيانة، وهو كفر، فالله تعالى امتدحه وجعله خاتم الرسل، وهو القائل ﵊: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على\n_________\n(١) إشراقة الشرعة (ص.١٣).\n(٢) المائدة الآية (٣).","vol":"10","page":142},{"text":"ما يعلمه خيرا لهم، وينذرهم ما يعلمه شرا لهم» (١).\nوقال - ﷺ -: «ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به» (٢). وقالت عائشة لمسروق ﵄: «ومن حدثك أن محمدا كتم شيئا مما نزل عليه فقد كذب» (٣).\nوقال مالك ﵀ في هذا الشأن وهو عالم دار الهجرة: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤)، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا).\nفمن ابتدع إذا كان هذا معنى فعله، وهو أنه متهم لرسول الله - ﷺ - بالخيانة لدين الله وحاشاه.\nوكذلك ليس لأحد أن يقول عن شيء هذا أمر صغير أو حسن، لأن الوصف لا وزن له مع قبح الفعل وهو الابتداع؛ لأن البدعة مضاهية للشريعة، والتشريع من حق الشارع. ومن قال عما لم يكن مشروعا: هذا حسن، فكأنما نصب نفسه إلها أو ندا لله تعالى، وكذلك العقل فهو مناط التكليف، ولم يقل أحد هو مناط التشريع، ولو كان ذلك من حقوقه لما كان\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ١٦١) ومسلم (٣/ ١٤٧٢ - ١٤٧٣/ ١٨٤٤) والنسائي (٧/ ١٧٢ - ١٧٣/ ٤٢٠٢) وابن ماجه (٢/ ١٣٠٦ - ١٣٠٧/ ٣٩٥٦). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٢) أخرجه: الشافعي في الرسالة: (ص.٨٧) فقرة (٢٨٩)، وعنه البيهقي (٧/ ٧٦) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٢٧٠) مرسلا عن المطلب بن حنطب. قال الشيخ الألباني إسناده مرسل حسن، وذكر للحديث شواهد يتقوى بها (الصحيحة: ٤/ ٤١٧).\n(٣) أحمد (٦/ ٤٩،٥٠) والبخاري (٨/ ٣٤٩/٤٦١٢) ومسلم (١/ ١٥٩/١٧٧) والترمذي (٥/ ٣٠٦٨ - ٣٠٦٩/ ٣٢٧٨).\n(٤) المائدة الآية (٣).","vol":"10","page":143},{"text":"هناك من دافع إلى إنزال الكتب وإرسال الرسل، إذ كل منا عندئذ يتخذ دينا يتعبد به بمحض اختياره. وهذا كله باطل، فالدين واحد وهو كامل لا يحتاج إلى من يزيد عليه، وليس للبشر ولا للملائكة ولا للجن أن يتصرفوا فيه بالزيادة والنقصان، فإذا كان هذا ليس من حق الرسل، فكيف يكون من حق من هو دونهم؟!\nقال الله تعالى في رسوله اللأعظم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١).\nفهذا الوصف الرباني لرسول الله - ﷺ - يبين لنا أن كلامه لم يكن من عنده، بل هو وحي من الله، ويؤكد وجوب اتباع القرآن والسنة، لكونهما خاليين من هواه - ﷺ -، ومن هنا كانا دينا يتعبد به ويلتزم. فكيف يتعبد إذًا بقول الرجال وأهواء الجهال؟!! اللهم غفرا. (٢)\n- وقال: ومن أشنع وأبشع ما يسمع من الكلام قول بعض الجهال -إذا ما نهيته عن بدعة-: (أهذا الأمر الصغير بدعة؟) فمشكلة هؤلاء أن أحدهم ينظر إلى البدعة في شكلها لا فعلها، ولو فقهوا معناها لأدركوا قيمة هذا النهي ولكن هيهات، فقد غلفت قلوبهم غشاوة الاستحسان، فأصبحوا لا يفرقون بين السنة والبدعة بخلاف السني فإن قلبه مرآة صافية، إذا ما عرضت له نكتة سوداء سارع إلى حكها، لأنها تظهر بوضوح لنصاعة القلب وطهره، وليعلم\n_________\n(١) النجم الآيتان (٣و٤).\n(٢) إشراقة الشرعة (ص.١٥ - ١٧).","vol":"10","page":144},{"text":"الجاهل بأن الأمر إن كان تافها في عينه لا يحتاج إلى نهي فإنه لا بد ولا ريب سيترسخ في يوم من الأيام حتى يصبح عند الناس سنة، وهذا خطر جسيم، لأن شرائع أو طبائع البشر تصبح بذلك دينا، والإسلام لا يقبل الزيادة أو النقصان. (١)\n- وقال: فالمبتدع كما ترى سفيه أحمق وعقله مغلق، يظن بفعله أنه يؤجر ويثاب، ولا يدري ما ينتظره من العقاب، وهو يحتج على نهيك بقول ساقط وخيم، وهو أنه يصلي أو يذكر أو يصوم، ويتجاهل أن هذه العبادات لها كيفيات وأوقات، فإن خرجت عنها استحق صاحبها العقوبات وخرجت عن كونها قربات. (٢)\nوقال (٣):\nعصابة ظهرت في الدين مفتتنة ... قالت وجدنا وجدنا بدعة حسنه\nوكان تقسيم بعض الناس عمدتَها ... مع أنه لغوي عند من وزنه\nتعسا لها جهلت أن كل محدثة ... في الشرع مذمومة قد خالفت سننه\nإذ لم يفرق بقول منه ينصرها ... بل قوله (كل) يعني كلها نتنه\nوإن من صحبوا المختار سائرهم ... نصوا على قبحها ردا على الخونه\nحتى الذي صنعوا من قوله حججا ... وحرفوا قصده قد حوربت زَمَنَه\nلم يعرفوا عمرا يا ويح نظرتهم ... فكيف يهدون إذ أفهامهم زَمِنَه\n_________\n(١) إشراقة الشرعة (ص.٨٦).\n(٢) إشراقة الشرعة (ص.٩٤).\n(٣) إشراقة الشرعة (ص.٩٩ - ١٠٣).","vol":"10","page":145},{"text":"هو المداوي صبيغا من ضلالته ... بضرب عرجونة وهو الذي سجنه\nقلنا لهم بحديث المصطفى اعتصموا ... فعصمة المرء بالقرآن إن قرنه\nلكنهم أعرضوا عن قولنا عجبا ... يستحسنون بأهواء لهم عفنه\nكم من حقائق عن أحوالهم ظهرت ... إن رمت تعرفها سل أنفسا فطنه\nفقد كشفنا معاني فعلهم ولذا ... تعلق القلب بالمأثور واحتضنه\nالنفس جامحة مثل الحصان فإن ... تتركه يهلك لذا أحكم له رسنه\nما الابتداع سوى أهواء صاحبها فكل مبتدع لا بد متبع ... لأنه مظهر ما النفس مختزنه\nوديننا آية أو سنة أبدا ... لها فما خرجت عن كونها وثنه\nفذاك موطننا لانرتضي بدلا ... دوما على مثل هذا الروح مئتمنه\nفيه الأمان فهلا كنت زائره ... وإن رأى غيرنا في غيره وطنه\nلا تحتقر أهل من دانوا بمنهجنا ... حتى تسائل عما فيه من سكنه\nفي الله حدتهم هذي مزيتهم ... حتى وإن خرجت ألفاظهم خشنه\nفالحق غايتهم والصدق رايتهم ... عند التعدي أتبقى النفس متزنهه؟\nالشرع بالنص لا بالقول تعرفه ... ماذا يروم الفتى بعد الذي أمنه\nكم باطل فيه ألفاظ منمقة ... فلن يكون لأقوال الرجال زنه\nوكم طوائف هلكى في ضلالتها ... وكم خبيث يرى في عصبة لسنه\nفالمحدثات كموج فيه ملتطم ... هذا الزمان عصيب فاجتنب فتنه\nأمواجه بالهوى لا بالهوا اضطربت ... يا ويل خائضه هلا درى جننه\nفيها الهلاك بغير المصطفى ونجا ... من كان متخذا آثاره سفنه","vol":"10","page":146},{"text":"أهل الحديث هم الناجون وحدهم ... أثارها فئة للدين ممتهنه\nيا قبح شانئهم لو فيه من خفر ...\nفهل سلا غضبة الجبار مبتدع ... وسط الخضم وإن لاقوا به محنه\nومستحق لهذا من طغى وبغى ... لكان منه لسان السوء قد دفنه\nتراه عند لقاء الرعن مبتهجا ... وَيْلُمِّهِ كم رسول الله قد لعنه\nفلا تجالس عدوا للحديث فكم ... إذ تلك مهنته بالسوء مرتهنه\nأنقذ بذلك من أمسى ضحيتهم ... وإن يلاقي مداري سنة طعنه\nوإن أصابك من جراء ذا ضرر ... بسمه محدث من صاحب حقنه\nمن كان متبعا نهج الرسول أخي هيء وليدك وازرع فيه سنته ... وقل ليصرف عن أقوالهم أذنه\nهذي الرعاية أعلى في جلالتها ... فهب لغيرك نصحا وانتظر ثمنه\nعود بنيك لزوم الاقتداء به ... إلى النهاية سنيا ترى كفنه\nيا ويحهم نحن حراس العقيدة كم ... كذا بحب الصحاب امزج له لبنه\nنحن الهداة علينا واجب ولذا ... من أن تنمي أو ترعى له بدنه\nيا عزنا عندما نلقى الإله غدا ... حتى يكونوا رجالا بالعلى قمنه\nفأين هم؟ يا لهم زادوا ببدعتهم ... تخشى العيون لغدر الجهل وطء سنه\nلاشك أنهم ليسوا بذا معنا ... منا القلوب بهذا الأمر ممتحنه\nإن قيل ما فعلوا؟ قلنا قد اتخذوا ... وقد أباح لنا من فضله عدنه\nعلى البناء الذي لم يفتقد لبنه\nبل مع زبانية للنار هم خزنه\nلهم مشائخ كالأحبار والكهنه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3410>موقفه من الجهمية:</span>\nله كتاب: 'إثبات علو الله على خلقه والرد على المخالفين'. أو 'إثبات","vol":"10","page":147},{"text":"علو الرحمن من قول فرعون لهامان' كما سماه في مقدمته، وهو مطبوع متداول في جزءين، طبع دار الهجرة.\nقرر فيه صفة (العلو) لله ﷿ بالأدلة السمعية: القرآن والسنة والآثار وضمنها نقولا عن الأئمة في الأخذ بهذه الأدلة.\nوناقش فيه المخالفين بالحجج العقلية، قال ﵀ في مقدمة الكتاب: أبدأ بعون الله تعالى فأقول: إنه من المصائب الكبرى ما يردده أتباع الجهمية في عصرنا الحاضر، وهو إنكار علو الله تعالى على خلقه، وإنكار استوائه على عرشه، معتمدين بذلك على عقول بعض الجهال، الذين أخذوا دينهم عن المحاولات الفلسفية، والسفسطات الكلامية، وراحوا يردون دين الله بالشبهات، مما أدخل على فطر بعض الناس شوائب كثيرة، حتى اجترؤوا على كلام الله وكلام رسوله، وظنوا أن هذا تنزيها لله ﷾ وما هو بتنزيه فقد ظنوا التعطيل تنزيها، فعبدوا العدم، وقالوا أقوالا، لا يجرؤ على ذكرها القلم.\nلقد أعاد التاريخ نفسه، ولملم معه بعض شتات الانحراف، فرمى على درب الزمان، نسخة ممسوخة، لو قلبتها بين يديك، وأمعنت فيها النظر، لنظرت فيها نماذج، من بعض أنواع البشر.\nإن كان قد عير التاريخ، بمثل جهم بن صفوان، وبشر المريسي، والجعد ابن درهم، وغيرهم من رموز الضلال.\nفلايزال العار آخذا بصفحة عنقه، ودامغا على جبهته، ولكن بصور أخرى لتلك الرموز.","vol":"10","page":148},{"text":"ها هم اليوم أفراخ الجهمية يتخذون لأنفسهم رؤوسا، ليسلكوا تلك الطريق، التي عجز عن سلوكها أربابهم، لعلهم ينجحون في المهمة المستحيلة، ويا ليتهم يعودون عن غيهم إلى الرشد، ويدركون تلك الحقيقة .. حقيقة الوعد.\nنعم، حقيقة الوعد من الله بحفظ هذا الدين، فلينظروا كيف قيض الله عبر العصور، وعلى امتداد الزمان لهذا الدين، من ينافح عنه، ويذب كل دخيل، جاعلا من نفسه سياجا يقي صفاءه من الكدر، ويحمي سماحته من شياطين الجن والبشر، كيلا يحولوا بساطته إلى رمز خفي، تنقطع دون فهمه أعناق المطي.\nلقد اتخذ بعضهم شيخا لهم الذي قال مدعيا كما قال غيره:\nاثنان من يعذلني فيهما ... فهو على التحقيق مني بري\nحب أبي بكر إمام الهدى ... ثم اعتقادي مذهب الأشعري\n\nقلت: هذا زعم منك، وإني لأقول لك:\nبل أنت لا تصدق يا عبدري ... ها جئت بالمذموم والمنكر\nإن كنت بالتعطيل له تابعا ... قد عاد عن تعطيله الأشعري\nأو كنت في شك وفي ريبة ... فانظر لهذا \"كذب المفتري\"\nقد صور التاريخ عارا، بدى ... في صورة من صور الأعصر\nمثل المريسي وجهم نرى ... فيك وفي سيدك الكوثري\n\nلقد غفل الإمبراطور وعصابته، عن أن صفات الله لا تقاس بصفات المخلوقين، ولم يدركوا ما لعلوه سبحانه فوق خلقه، من آيات العظمة التي لا","vol":"10","page":149},{"text":"تحصى. فكيف يرد الدين لقول الجاحدين والجاهلين؟!! سبحانك ربي! هذا بهتان عظيم.\nوقد فصل الله آياته وأحكمها، فهي هدى ونور للمتقين، الذين أرادوا الله، إذن كيف يدعونها لقواعد فلسفية بنيت على المقاييس!؟ ففي كتاب الله، فصل المقال، يهرع إليه عند النزاع.\nفالله تعالى يقول: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (٢) فهو في كتابه المفصل والمحكم، وصف نفسه بالعلو، ثم جئتم أنتم تنكرون ﴿آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ (٣) ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (٤).\nإنكم تردون الحق بحجج متهافتة وواهية، كلها مبنية على المقاييس، وكل ذلك وحي من الشيطان، كما أوحى إلى مشركي مكة أن يسألوا رسول الله - ﷺ - عن الشاة، تصبح ميتة: من قتلها؟ فقال: «الله قتلها» (٥) فأوحى إليهم أن يقولوا له: \"ما ذبحتموه بأيديكم حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة حرام، فأنتم إذن\n_________\n(١) هود الآية (١).\n(٢) البقرة الآية (١٤٠).\n(٣) يونس الآية (٥٩).\n(٤) الزمر الآية (١٤).\n(٥) أخرجه: أبو داود (٣/ ٢٤٥/٢٨١٨) والترمذي (٥/ ٢٤٦/٣٠٦٩) وحسنه والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٤٢/١١١٧١) وابن ماجه (٢/ ٧٠٥٩/٣١٧٣).","vol":"10","page":150},{"text":"أحسن من الله؟ \" فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ (١).\nفنحن لا نحب الجدال والمراء، لأن الله ما غضب على قوم إلا أورثهم الجدل، ويعلم الله أنني عندما أسير في الطريق، أتذكر قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (٢).\nولكن الحاجة في بعض الأحيان، تستدعي المجابهة والمواجهة، ولاسيما عندما يوجد معهم، بعض المساكين، الذين يلبسون عليهم الحقائق، ويزرعون في أذهانهم الشبهات.\nوبفضل الله تعالى -وهو ينصر دينه- تسقط حججهم في كل جلسة مناظرة، الواحدة تلو الأخرى، والله يقول: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (٣).\nوقد عرفت بحكم الاحتكاك المتواصل بهم، والممارسات المتلاحقة، أنهم لا يأخذون بظاهر النصوص، فهم يقرون بوجود الآيات والأحاديث، لكن يتأولون ذلك على غير حقيقته، الأمر الذي دفعني إلى أن أرد عليهم ردا\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢١).\n(٢) المؤمنون الآيتان (٩٧و٩٨).\n(٣) الأنفال الآية (٣٨).","vol":"10","page":151},{"text":"عقليا، يخصهم، لعلهم يرجعون عما هم فيه من التحريف، والله يعلم أنني لم أكن محبا لما خط قلمي، لميلي إلى أسلوب النصوص، ولكن الحاجة ماسة، وتستدعي مثل هذا النوع من الردود، وهو أمر بحسب الضرورة، لا سيما أن المسلم بحكم طبيعته، لا ينبغي -في حيز العلاقات- أن يخلو من رابطتين:\nرابطة العبادة، وتكون بين العبد والمعبود.\nورابطة الدعوة إلى العبادة، وتكون بين العبد والعبد.\nوليس في التوحيد أنانية، حتى يستأثر العبد به دون سواه، بل عليه أن يوحد الله، وأن يدعو غيره إلى توحيده.\nهذا، ولما عرفت من أنهم لا ينكرون النصوص، بل يؤولونها، كان الأمر مستدعيا، أن يرد عليهم رد يلزمون به، وإن كان عقليا، والضرورة تعظم عندما يعلم المسلم أن رجوع أحدهم عن غيه، إنما هو رجوع لخلق معه، بل إحالة دون وقوع أناس في هذا الشرك، لأن أحدهم لابد من أن يدعو إلى ضلاله أناسا كثيرين.\nوقام بتوجيه مثل هذه الردود، علماء عظماء، وعلى رأسهم إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل، ونرى ذلك في رده الذي أقام به الحجة على الجهمية والزنادقة، حيث قال رضي الله تعالى عنه: (إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان، فقل: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه، فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لابد له من واحد منهما.","vol":"10","page":152},{"text":"إن زعم أن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه.\nوإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا كفرا أيضا حين زعم أنه دخل في مكان وحش قذر رديء.\nوإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة).\nوهذا من نمط الردود العقلية، دعت إليه الحاجة والضرورة .. وقد يكون واجبا في بعض الأحيان كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\nوكان العلماء الأوائل قد ردوا على أربابهم بالنصوص، ولما كانت هناك شبهات أخرى حادثة عند هؤلاء الموجودين بين أرجلنا، دعت الحاجة إلى أن يرد عليهم بالنصوص أيضا، مع إسقاط تأويلاتهم وتحريفاتهم، ورد شبهاتهم بالحجج والبراهين، وهذا ما حبذه الكثير من أهل الحق، وهو أن يرد عليهم بالآيات والأحاديث مع رد تأويلاتهم لها، لا الاكتفاء بسردها.\nوما كان ضلالهم إلا بالظن واتباع الهوى، والله ﵎ يقول: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ (١).\nفقد أرادوا تنزيه الله بعقولهم وأهوائهم، ونصبوا أنفسهم حاكما على الله، يثبتون له ما يشاؤون، وينفون عنه ما يختارون، فكان مثلهم كمثل ﴿الَّذِينَ ضَلَّ\n_________\n(١) النجم الآية (٢٣).","vol":"10","page":153},{"text":"سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (١).\nفهؤلاء هم الأخسرون أعمالا، وهم في الدنيا عمي: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ (٢).\nوهذا ما عزمنا على القيام به، مستعينين بالله تعالى.\nولا يمكننا تجاهل ذلك الفرق العظيم بينهم وبين أجدادهم، فهم يقولون (الله ليس في مكان على الإطلاق) فهو عندهم، ليس فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا خلف، ولا أمام، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عنه. ولا داخل العالم ولا خارجه. وهكذا شبهوا الرب سبحانه بالعدم.\nفكان هذان الفريقان بين الإفراط والتفريط.\nأو ليس كان يسعهم أن يكونوا على منهاج أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبت الله لنفسه، وأثبته له رسوله - ﷺ -، فيقولون: ربنا في السماء، كما أخبر وأنزل، فيرفعون أيديهم إليه، ويسألونه الهدى والتقى، والعفاف والغنى، ولكن ماذا نقول!!\nفلا اعتراض على قدر الله الذي من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.\nوأما الذين يؤمنون بكتاب الله تعالى، أي الذي يتبعون ما فيه فهؤلاء اتبعوا الهدى، إذ يقول المولى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ\n_________\n(١) الكهف الآية (١٠٤).\n(٢) الإسراء الآية (٧٢).","vol":"10","page":154},{"text":"هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (١) وهم يزدادون من هدى الله كلما ازداد اتباعهم له.\n﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (٢)، فهذا الهدى لا يأتي إلا باتباع ما أنزل وبالإيمان به على الحقيقة التي نزل بها، لا تأويل ولا تعطيل، لأن الله أنزل الكتاب ليبين الحق وينير السبيل ...\nوها قد أضفت إلى صواعق العلماء صاعقة جديدة، فيها من الحقائق والبراهين النقلية عن الله وعن رسوله وعن علماء الأمة، ما يدمر الأكاذيب والأباطيل، لاسيما أن الرسالة الأولى التي ناقشتهم فيها بالعقل، كانت تحتاج إلى الأصل، وهو أن يؤخذ الدين بالنقل لا بالعقل، ولكن سبحان الله! فقد كانت الظروف والدوافع إلى إخراج تلك قبل هذه كثيرة.\nوفي هذه الرسالة برهان لكبارهم وصغارهم، فمن جحد بعدها، فلا أظن أنه يؤمن بحقيقة آية من آيات الله، وقد اتبعت فيها أسلوبا مجديا، يناسب الشبهات الجديدة التي أوردوها، إذ ذكرت الأدلة من الآيات والسنن ثم جاوبت عن كل عذر اعتذروا به أو تذرعوا، وأبطلت كل مذهب ذهبوا إليه، وكشفت الستار عن شبهات يطرحونها بين الناس ليلبسوا عليهم دينهم، فكبلت أقوالهم بقيود الكتاب والسنة، ومدلول العربية التي خاطب الله بها عباده في قرآنه العزيز. (٣)\n_________\n(١) البقرة الآيتان (١و٢).\n(٢) مريم الآية (٧٦).\n(٣) إثبات علو الله على خلقه والرد على المخالفين (ص.٦ - ٢٣).","vol":"10","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3411>محمد جميل غازي (١٤٠٩ ه</span>ـ)\nالشيخ محمد جميل غازي ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، بقرية كفر الجرايدة بمحافظة كفر الشيخ بمصر، وقد حصل على الشهادة الابتدائية بتفوق في عام ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف من المعهد الأحمدي بطنطا، ثم أكمل دراسته بنفس المعهد وبعد حصوله على العالمية \"ليسانس اللغة العربية\" في عام ثلاث وثمانين وثلاثمائة وألف عمل الشيخ موظفا بوزارة الثقافة بمحافظة المنصورة، ثم انتقل للعمل بالقاهرة، فاتسع نشاطه وذاع صيته.\nحصل الشيخ على درجة الماجستير في الآداب، ثم الدكتوراة في عام اثنتين وتسعين وثلاثمائة وألف بامتياز مع مرتبة الشرف، وكان موضوعها: 'تحقيق كتاب: لأبي هلال العسكري'.\nترأس الشيخ مجلس إدارة المركز الإسلامي لدعاة التوحيد والسنة بعد أن أسسه.\nهذا، وقد وصل الشيخ إلى درجة \"كبير الباحثين\" في المجلس الأعلى للفنون والآداب، كما تم اختياره -قبل وفاته- عضوا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. وله مؤلفات عديدة من بينها: 'مفردات القرآن الكريم' و'الطلاق شريعة محكمة لا أهواء متحكمة' و'الصوفية: الوجه الآخر'.\nوتوفي ﵀ في الأول من ربيع الأول عام تسع وأربعمائة وألف، وتظل القضية التي شغلت حياته هي: محاربة البدع والخرافات، وكشف أوهام الصوفية، والدعوة إلى التوحيد الخالص، ونشر العلم الصحيح بين الناس.","vol":"10","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3412>موقفه من المبتدعة:</span>\nله تقدمة على كتاب 'العواصم من القواصم' لابن العربي، قال فيها: وينبغي لنا، ويجمل بنا، أن نتوقف عند هذه النقطة من هذه المقدمة لنقول: إن ثراء الثقافة الإسلامية .. وإن باب الاجتهاد المفتوح على مصاريعه فيها .. وإن ترحيبها المستمر بكل الأمم والشعوب .. إن كل أولئك كان مدخلا تسللت منه رواسب ثقافات، وبقايا اعتقادات ومزيج من الخرافات التي لا تتفق مع الإسلام في الشكل أو في الموضوع. أرأيت إلى النهر العظيم، وهو يهدر في مجراه .. وينساب قويا عظيما ليروي الظماء من البشر والحيوان والطير والقفار .. أرأيت إلى هذا المنهل العذب وعطائه العظيم .. كذلك .. نهر الثقافة الإسلامية .. ثم .. أرأيت إلى ما يعلق بهذا النهر من غثاء .. ونباتات طفيلية .. وجنادل وصخور ناتئة من شطآنه .. أو ملقاة في سبيل مده الهادر. كذلك .. نهر الثقافة الإسلامية. وإذا كان كل نهر في حاجة إلى من يطهر مجراه .. ويعمقه .. ويزيل ما علق بمجراه، من كل ما يعوق تدفقه واندفاعه فكذلك الإسلام .. وهذا هو دور المجددين الذين قال فيهم رسول الله - ﷺ -: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» (١) .. وكلمة (من) لا تعني مجددا واحدا .. بل تعني عشرات، ومئات، وألوف المجددين .. على طول الزمان .. وعرض المكان. والتجديد يكون لأمر الدين لا للدين\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ٤٨٠/٤٢٩١) والحاكم (٤/ ٥٢٢) وقال الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (٥٥٩): \"سكت عليه الحاكم والذهبي، وأما المناوي فنقل عنه أنه صححه، فلعله سقط ذلك من النسخة المطبوعة من المستدرك، والسند صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم\".","vol":"10","page":157},{"text":"نفسه. وأمر الدين كله يتسع ليشمل كل المعارف التي فجرها هذا الدين، سواء أكانت في أصول الدين، أم أصول الفقه، أم أصول الدنيا .. إن الأمم الكثيرة والأملاء التي لا تكاد تنتهي حصرا واستقصاء من الداخلين في هذا الدين ..\nقد جروا معهم عن قصد أو عن غير قصد، بحسن نية أو بسوء نية .. مجموعة من الأفكار، والاتجاهات، والمأثورات الشعبية، والأساطير القومية والاتجاهات السياسية، والانتماءات الحزبية. وكل ذلك -وغيره كثير- شكل ركاما من الدخيل الذي ألصق بالثقافة الإسلامية إلصاقا .. ومثل من نسميه بالخرافات والبدع والأقاصيص. ولقد كان المجال التاريخي -ولا زال، وسيظل- معبرا للتصورات الباهتة، والروايات الموضوعة، التي تؤيد حزبا ضد حزب، وتعين فريقا على فريق، إن \"الرواية التاريخية\" أصبحت على لسان المحاربين كالسيف الذي في أيديهم يقتلون بها .. ويثيرون القلاقل في صفوف أعدائهم .. وإذا كانت \"الحرب الباردة\" تعتمد على \"الإشاعة\" و\"الأكاذيب\" .. فإن \"الإشاعة\" و\"الأكاذيب\" تحولت إلى روايات تاريخية .. بل إلى روايات حديثية .. يضعها الوضاعون، ثم يرفعونها بلا خوف ولا خجل إلى الرسول - ﷺ -، أو يوقفونها بلا حياء ولا استخزاء عند صحابته رضوان الله عليهم .. وإن الله الذي تعهد بحفظ \"ذكره\" و\"وحيه\" قيض لهذه الثقافة من ينفي عنها الخبث والعبث والضلال والتضليل والزيف والدخيل. (١)\n_________\n(١) العواصم من القواصم (٨ - ٩).","vol":"10","page":158},{"text":"عبد الله بن محمد بن أحمد بن الدويش (١) (١٤٠٩ هـ)\nالشيخ عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد الدويش، ولد بمدينة الزلفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف، ونشأ نشأة صالحة، ورحل إلى مدينة بريدة طالبا للعلم، فحصله وأصبح من أعلامه. وكان ﵀ آية في الحفظ وكان مكبا على كتب السلف الصالح، ولذلك تجده شديد التأثر بهم وبأحوالهم. وكان أشد تأثرا بشيخي الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وتلاميذهما من أئمة الدعوة.\nقال الشيخ عبد الله البسام: وكان واسع الأفق، جيد الفهم والحفظ لما يقرأ ويلقى عليه، وشاهد ذلك بروزه في وقت قصير، فقد قيل إنه يحفظ الأمهات الست وغيرها من كتب الحديث، وكان عنده من كل فن طرف جيد، لأنه كان مكبا على دراسة هذه الفنون، فكان عالما بالعقيدة والتوحيد والتفسير والفقه والنحو. من شيوخه الشيخ صالح بن أحمد الخريص والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد والشيخ عبد الله بن عبد العزيز التويجري وغيرهم. جلس للتدريس والإفادة، فنفع الله بعلمه، وله مؤلفات مفيدة ونافعة.\nتوفي ﵀ على إثر مرض أصابه، وذلك سنة تسع وأربعمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3414>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'التوضيح المفيد لشرح مسائل كتاب التوحيد'.\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ٣٨٦ - ٣٩١).","vol":"10","page":159},{"text":"٢ - 'دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق آدم على صورة الرحمن'.\n٣ - 'الألفاظ الموضحات لأخطاء دلائل الخيرات'.\n٤ - 'المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال'.\n٥ - 'الزوائد على مسائل الجاهلية'. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3415>عبد الله كنون (١٤٠٩ ه</span>ـ)\nرئيس رابطة علماء المغرب وأمينها العام. ولد سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة بفاس، حفظ القرآن صغيرا، ثم التحق بالقرويين للدراسة بها، وبعدها رحل مع والده إلى طنجة. من شيوخه الذين تأثر بهم أبو شعيب الدكالي.\nأسس المعهد الإسلامي بطنجة وكان أستاذا بالمعهد العالي بتطوان، ثم مديرا لمعهد الحسن الثاني، ثم عين وزيرا للعدل، شارك في تأسيس الجمعية الوطنية الأولى بقيادة محمد عبد الكريم الخطابي، عين سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق، وسنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وسنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة عضوا في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، واختير أيضا عضوا بالمجمع العلمي العراقي، وشارك في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، أسندت إليه رئاسة صحيفة الميثاق لسان رابطة العلماء.\n_________\n(١) علماء نجد (٤/ ٣٩٠ - ٣٩١).","vol":"10","page":160},{"text":"توفي في الخامس من شهر ذي الحجة سنة تسع وأربعمائة وألف للهجرة.\nله نحو خمسين كتابا منها:\n١ - 'أدب الفقهاء'.\n٢ - 'الإسلام أهدى'.\n٣ - 'إسلام رائد'.\n٤ - 'ترتيب أحاديث الشهاب لابن الحسن القلعي'.\n٥ - 'تفسير سور المفصل من القرآن الكريم'.\n٦ - 'تفسير الفاتحة'.\n٧ - 'الرد القرآني على كتاب: هل يمكن الاعتقاد بالقرآن'.\n٨ - 'فضيحة المبشرين في احتجاجهم بالقرآن المبين'.\n٩ - 'مفاهيم إسلامية'.\n١٠ - 'النبوغ المغربي'.\n١١ - 'التعاشيب'. وكلها منشور مطبوع. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3416>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال في مقدمته لفتاوى محمد كنوني المذكوري: تعتبر مهمة الإفتاء مسؤولية دينية ودنيوية معا، فالمفتي مخبر عن الله كما يقول الفقهاء، أي عن شرعه وأحكام دينه، وهو بمقتضى ذلك يجب أن لا يصدر فتوى إلا بعد التحري والمبالغة في تحرير مناط المسألة والتماس الدليل الشرعي عليها.\n_________\n(١) تتمة الأعلام لمحمد خير رمضان يوسف (٢/ ١٥).","vol":"10","page":161},{"text":"ومن حيث أن الفتوى تتعلق بأحكام المعاملات، كما تتعلق بأحكام العبادات، فتمنع بها حقوق وتستباح حرمات؛ فإن المفتي يتحمل بذلك عبئا ثقيلا من أمر الدين والدنيا.\nوكانت الفتوى قبل اليوم تدور في فلك المذهب وقواعده، وتعتمد أقوال علمائه وحاملي رايته، لا تكاد تخرج عن ذلك إلا نادرا حينما يكون الدليل الشرعي واضحا وبمتناول الجميع، أما اليوم وبعد أن نشرت كتب السنة وشروحها وكتب الخلاف العالي والمذاهب الفقهية المتعددة، وأصبحت متداولة بين أيدي الناس، واطلع الفقهاء وطلبة العلم على ما بها من أدلة ومدارك تخالف ما كانوا يعهدونه ويتمسكون به في بعض المسائل؛ فإن المفتي الآن صار مطالبا بتخريج المسألة على مقتضى الدليل الشرعي من الكتاب والسنة وما في حكمهما، ومقارنة المذاهب وأقوال الأئمة والترجيح بينها.\n- وفي معرض كلامه عن دولة المرابطين بالمغرب واهتمامهم بالفقه والفقهاء قال: على أن اهتمام المرابطين بعلوم الدين كان يزينه وصف شريف، وخلق نبيل هو تشبعه بالروح السلفي المتسامح، الخالص من شوائب التنطع والتعمق، وعدم مجاراته للخلافات المذهبية والبدع والأهواء التي كانت حينئذ تنخر جسم الوحدة الإسلامية بالشرق. (١)\n- وقال في معرض تحقيقه لمسألة نسبة الدولة الموحدية لمذهب الظاهرية خلص إلى نفيه عنهم ثم قال: وإنما كان الفقهاء ينسبونهم إليها تشنيعا عليهم\n_________\n(١) النبوغ المغربي (ص.٦٨).","vol":"10","page":162},{"text":"كما يقال اليوم في كل من كان سلفي العقيدة: إنه وهابي تنكيتا عليه وتنفيرا من مذهبه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3417>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال: فأما الطرقي فلا كلام لنا عليه، ومهما بلغ ما بلغ من العلم والفقه ودراسة الحديث، لا يمكن أن يعد من أتباع السنة أو الداعين إليها إلا إذا قلبت الحقائق وغيرت المفاهيم خصوصا إذا كان غاليا في الطرقية كما هو شأن الكثير ممن أدركناهم وعرفنا أحوالهم. (٢)\n- وقال عن دعوة الشيخ أبي شعيب الدكالي أيضا: وقد تخرج بالشيخ عدد وفير من أهل العلم وامتاز منهم بالخصوص في علم الحديث والدعوة إلى السنة أفراد معدودون ولكن قلّ منهم من سار على نهجه واتبع طريقه، فهذا شيخ متمكن من المادة الحديثية واصطلاح المحدثين ولكنه طرقي لم يرفع رأسا لما كان أستاذه يصوبه من أسهم النقد إلى الطرقيين وبدعهم ودعاويهم ... وعاد كثير من الطرقيين إلى ما كانوا عليه من اعتقادات باطلة وشعارات لا أصل لها من السنة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3418>الخميني الرافضي الخبيث (١٤٠٩ ه</span>ـ)\nلقد حمل الخميني لواء الكيد لأهل الإسلام أهل السنة، كلما أتيحت له\n_________\n(١) المصدر السابق (ص.١٢٥).\n(٢) مجلة دعوة الحق العدد السابع (ص.٧) /السنة ١٩٦٩م.\n(٣) المصدر السابق (ص.٩).","vol":"10","page":163},{"text":"الفرصة نال منهم ومن أخيارهم، وإن حاول جاهدا كتم ذلك تقية ونفاقا، إلا أن ما سطرته يده من الكتب والرسائل تطفح بالحقد على أهل السنة عامة، والبغض لهم، والتربص بهم الدوائر، ووصفهم بكل ألقاب السوء كالكفر والردة والنفاق وغيرها.\nوهو على مذهب الروافض الغلاة الاثنى عشرية الجعفرية، كما صرح بذلك حيث يقول في دستوره الذي وضعه لدولته في المادة الثانية عشرة: (الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنى عشري، وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد) (١).\nوهذه الشهادة منه على نفسه كافية لمعرفة الخميني الاثنى عشري، على وجه الحقيقة، وهذا الاعتراف قد يُلبَّس به على كثير من المغفلين فيقول أحدهم مثلا: إنما يدعو الخميني إلى الإسلام، فأي عيب في ذلك؟\nفنقول وبالله التوفيق: أي إسلام تعني أنت؟ هل هو إسلام أبي بكر وعمر وجميع الصحب والآل؟ فبالطبع ستقول: نعم، فأقول: من هنا أُصبتَ. فليس هذا هو إسلام الخميني!! إنما الإسلام المزعوم عنده هو التكذيب أولا بمصادرنا الأصيلة كتابا وسنة جملة وتفصيلا، ثم تكفير خيار هذه الأمة من صحابة النبي - ﷺ - كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحب، وهكذا كل من خالف ما هم عليه إلى قيام الساعة.\nوإليك أقوال الخميني من كتبه تدل على ما قلنا:\n_________\n(١) الدستور (ص.٢٣).","vol":"10","page":164},{"text":"١ - قوله بتحريف القرآن الذي بين أيدينا، وزعمه بوجود مصحف فاطمة الملهم من عند الله:\nأصدر الخميني بمشاركة خمسة من علمائهم وآياتهم وثيقة كفرية يكفرون فيها أبا بكر وعمر، ويسمونهما بصنمي قريش؛ يتهمونهما بتحريف الكتاب -وسيأتي ذكر الوثيقة بتمامها- والشاهد منها هنا قولهم فيها: \"وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفا كتابك\". ثم قالوا أيضا: \"اللهم العنهم بعدد كل آية حرفوها\". فهذا تصريح منه ومن أمثاله يدل دلالة واضحة على أن قرآننا لم يكن من عند الله بكماله وتمامه، وإنما زاد الصحابة فيه ونقصوا وحرفوا. فما جواب أهل الإيمان عن هذه الفرية؟!.\nوهذا ليس بغريب عن الخميني؛ لأن مصادره التي يأخذ منها علمه مملوءة بهذا الزيف والكذب والافتراء، على رأسها كتاب الكافي للكليني، وكتاب مستدرك الوسائل للطبرسي وهو صاحب كتاب 'فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب' وكذلك يأخذ من الوسائل للحر العاملي، والخميني شديد الترضي على هؤلاء.\nكما يفخر الخميني بمصحف فاطمة الملفق، ويزعم أن الله ألهمها إياها، فقال في وصيته العالمية (١) السياسية: \"ونحن نفخر بأن الأدعية وهي القرآن الصاعد وفيها الحياة إنما هي من فيض أئمتنا المعصومين، وعندنا مناجاة الأئمة\n_________\n(١) نشرتها صحيفة 'كيهان الإيرانية' الصادرة باللغة العربية في عددها الصادر في ١٣ ذي القعدة ١٤٠٩هـ الموافق لـ ١٧ حزيران ١٩٨٩م بعنوان: نص الوصية الإلهية السياسية للإمام القائد قدس الله سره. ونشرتها أيضا مؤسسة الإمام الخميني الثقافية طهران (ص.١٢) بعنوان: الإمام الخميني، النداء الأخير.","vol":"10","page":165},{"text":"الشعبانية ودعاء الحسين بن علي ﵉ في عرفات، وعندنا الصحيفة السجادية زبور آل محمد والصحيفة الفاطمية وهي الكتاب الذي ألهمه الله ﷾ للزهراء المرضية\".\nوقال: \"والحديث الآخر يقول فيه: إن جبرائيل كان يأتي بعد وفاة النبي - ﷺ - لفاطمة بأنباء من الغيب، فيقوم أمير المؤمنين بتدوينها، وهذا هو مصحف فاطمة\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3419>٢ - موقفه من السنة وكتبها ورواتها:</span>\nلا يعترف الخميني بكتب السنة المعلومة عندنا كصحيح البخاري وصحيح مسلم والموطإ وغيرها. والسبب في ذلك أن رواتها ونقلتها عنده كلهم كذابون منافقون لا يخافون الله، غيروا وبدلوا تبعا لأهوائهم وأغراضهم. فلذلك فإن الخميني تبعا للشيعة الروافض لهم كتب تخصهم مخالفة لكتب أهل السنة، قال الخميني وهو يقرر الدستور في مادته الثانية أن نظامهم يقوم: \"على أساس الكتاب وسنة المعصومين\" (٢). فأين سنة سيد المرسلين؟!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3420>٣ - موقفه من الصحب الأخيار:</span>\nلقد طعن هذا الخبيث في أفضل الأمة بعد نبيها أبي بكر الصديق وكذا في عمر وعثمان ﵃، بل وكفرهم ولعنهم، فما بالك بقوله في غيرهم من أهل الإسلام، فإليك بعض أقواله:\n- \"إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين وما قاما به من مخالفات للقرآن، ومن\n_________\n(١) كشف الأسرار (ص.١٤٣).\n(٢) الدستور (ص.٢٠).","vol":"10","page":166},{"text":"تلاعب بأحكام الإله، وما حللاه وحرماه من عندهما، وما مارساه من ظلم ضد فاطمة ابنة النبي - ﷺ - وضد أولاده، ولكننا نشير إلى جهلهما بأحكام الإله والدين.\nفقد قام أبو بكر بقطع اليد اليسرى لأحد اللصوص، وأحرق شخصا آخر؛ مع أن ذلك كان حراما .. وكان يجهل أحكام القاصرين، والإرث، ولم يطبق أحكام الله في خالد بن الوليد الذي قتل مالك بن نويرة وأخذ زوجته في تلك الليلة نفسها.\nأما عمر؛ فإن أعماله أكثر من أن تعد وتحصى، فقد أمر برجم امرأة حامل، وأخرى مجنونة، مع أن أمير المؤمنين نهاه عن ذلك، وأخطأ مرة فيما يخص أحكام المهر، فصححت إحدى النسوة - من خلف الحجب - خطأه، فقال عمر في ذلك: جميع الناس يعرفون أحكام الله خيرا مني، حتى النسوة الكائنات خلف الحجب، وخالف تعاليم الله والنبي، فحرم متعة الحج والنساء، وأحرق باب بيت الرسول. أما عثمان ومعاوية ويزيد، فإن الجميع يعرفونهم جيدا\". (١)\n- \"نورد هنا مخالفات عمر لما ورد في القرآن، لنبين بأن معارضة القرآن لدى هؤلاء كانت أمرا هينا، ونؤكد بأنهم كانوا سيخالفون القرآن أيضا فيما إذا كان قد تحدث بصراحة عن الإمامة\". (٢)\n- \"وأغمض عينيه، وفي أذنيه كلمات ابن الخطاب القائمة على الفرية،\n_________\n(١) كشف الأسرار له (ص.١٢٦ - ١٢٧).\n(٢) كشف الأسرار (ص.١٣٥).","vol":"10","page":167},{"text":"والنابعة من أعمال الكفر والزندقة، والمخالفة لآيات ورد ذكرها في القرآن الكريم\". (١)\n- \"دعاء صنمي قريش: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وإفكيهما وابنتيهما اللذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك وعصيا رسولك وقلبا دينك وحرفا كتابك وأحبا أعداءك وجحدا آلاءك وعطلا أحكامك وأبطلا فرائضك وألحدا في آياتك وعاديا أولياءك وواليا أعداءك وخربا بلادك وأفسدا عبادك.\nاللهم العنهما واتباعهما وأولياءهما وأشياعهما ومحبيهما فقد أخربا بيت النبوة وردما بابه ونقضا سقفه وألحقا سماءه بأرضه وعاليه بسافله وظاهره بباطنه واستأصلا أهله وأبادا أنصاره وقتلا أطفاله وأخليا منبره من وصيه، ووارث علمه وجحدا إمامته وأشركا بربهما .. ! فعظم ذنبهما وخلدهما في سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر.\nاللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه وحق أخفوه ومنبر علوه ومؤمن أرجوه ومنافق ولوه وولي آذوه وطريق أووه وصادق طردوه وكافر نصروه وإمام قهروه وفرض غيروه وأثر أنكروه وشر آثروه ودم أراقوه وخير بدلوه وكفر نصبوه وكذب دلسوه وإرث غصبوه وفيء اقتطعوه وسحت أكلوه وخمس استحلوه وباطل أسسوه وجور بسطوه ونفاق أسروه وغدر أضمروه وظلم نشروه ووعد أخلفوه وأمانة خانوه وعهد نقضوه وحلال\n_________\n(١) كشف الأسرار (ص.١٣٧ - ١٣٨).","vol":"10","page":168},{"text":"حرموه وحرام أحلوه وبطن فتقوه وجنين أسقطوه وضلع دقوه وصك مزقوه وشمل بددوه وعزيز أذلوه وذليل أعزوه وذو حق منعوه وكذب دلسوه وحكم قلبوه وإمام خالفوه!\nاللهم العنهم بعدد كل آية حرفوها وفريضة تركوها وسنة غيروها وأحكام عطلوها ورسوم قطعوها ووصية بدلوها وأمور ضيعوها وبيعة نكثوها وشهادات كتموها ودعوات أبطلوها وبينة أنكروها وحيلة أحدثوها وخيانة أوردوها وعقبة ارتقوها ودباب دحرجوها وأزيان لزموها اللهم العنهم في مكنون السر وظاهر العلانية لعنا كثيرا أبدا دائما دائبا سرمدا لا انقطاع لعدده ولا نفاد لأمده لعنا يعود أوله ولا ينقطع آخره لهم ولأعوانهم وأنصارهم ومحبيهم ومواليهم والمسلمين لهم والمائلين إليهم والناهقين باحتجاجهم والناهضين بأجنحتهم والمقتدين بكلامهم والمصدقين بأحكامهم .. !.\nقل أربع مرات: اللهم عذبهم عذابا يستغيث منه أهل النار آمين رب العالمين.\nثم تقول أربع مرات: اللهم العنهم جميعا! اللهم صل على محمد وآل محمد فأغنني بحلالك عن حرامك وأعذني من الفقر رب إني أسأت وظلمت نفسي واعترفت بذنبي وها أنا ذا بين يديك فخذ لنفسك رضاها من نفسي لك العتبى لا أعود، فإن عدت فعد علي بالمغفرة والعفو لك بفضلك وجودك بمغفرتك وكرمك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيد المرسلين وخاتم","vol":"10","page":169},{"text":"النبيين وآله الطيبين الطاهرين برحمتك يا أرحم الراحمين\". (١)\n- \"إننا لا نعبد إلها يقيم بناء شامخا للعبادة والعدالة والتدين، ثم يقوم بهدمه بنفسه ويجلس يزيدا ومعاوية وعثمان وسواهم من العتاة في مواقع الإمارة على الناس، ولا يقوم بتقرير مصير الأمة بعد وفاة نبيه\". (٢)\n- \"وتشير كتب التاريخ أن هذا الكفر صدر عن عمر بن الخطاب، وأن البعض قد أيده في ذلك، ولم يسمحوا للنبي بأن يكتب ما يريد\". (٣)\n- \"مثل هؤلاء (٤) الأفراد الجهال الحمقى والأفاقون والجائرون غير جديرين بأن يكونوا في موقع الإمامة، وأن يكونوا ضمن أولي الأمر\". (٥)\n- \"ويشهد التاريخ بأنه فيما كان هؤلاء منشغلين بدفن الرسول؛ فإن اجتماع السقيفة اختار أبا بكر للحكم، فتم بذلك وضع الأساس بشكل خاطئ\". (٦)\nوأما قوله في عثمان ومعاوية وسمرة بن جندب فأكثر من أن يذكر، ولعل العاقل يكفيه المثال والمثالان.\n٤ - ادعاؤه أن الأولياء في مرتبة تفوق مرتبة الأنبياء بكثير:\nقال الخميني: وأن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك\n_________\n(١) نص الوثيقة التي أشرنا إليها سابقا، انظر تحفة العوام مقبول (ص.٤٢٢ - ٤٢٣) المطبوع في لاهور.\n(٢) كشف الأسرار (ص.١٢٣ - ١٢٤)\n(٣) كشف الأسرار (ص.١٧٦).\n(٤) يعني بذلك الصحابة.\n(٥) كشف الأسرار (ص.١٢٧).\n(٦) كشف الأسرار (ص.١٢٨).","vol":"10","page":170},{"text":"مقرب، ولا نبي مرسل، وقد ورد عنهم (ع): أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل. (١)\nويكفينا ردا عليه ما قاله الإمام القاضي عياض ﵀ في كتابه الشفا: \"وكذلك نقطع بتكفير غلاة الروافض في قولهم أن الأئمة أفضل من الأنبياء\". (٢)\nوقال ابن تيمية ﵀: \"والرافضة تجعل الأئمة الاثنى عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وغلاتهم يقولون إنهم أفضل من الأنبياء\". (٣)\nكما زعم الخميني أن الأئمة عندهم لا يلحقهم السهو والنسيان، فقال: لأن الأئمة الذين لا تتصور فيهم السهو أو الغفلة، ونعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة المسلمين. (٤)\n٥ - تعصب الخميني لشعبه، وتفضيل شعبه على العالمين:\nلقد ضاهى الخميني اليهود في ادعائهم أنهم شعب الله المختار، لايدانيهم أحد في فضلهم ومرتبتهم، فادعى هو كذلك أن شعبه هو الشعب المختار الذي انتهت له السيادة والريادة. فقال في وصيته العالمية السياسية السابقة: إنني أقولها وبجرأة إن شعب إيران بجماهيره المليونية في العصر الحاضر هو أفضل من شعب الحجاز في عهد رسول الله - ﷺ - وشعب الكوفة والعراق\n_________\n(١) الحكومة الإسلامية للخميني (ص.٥٢).\n(٢) الشفا (٢/ ٢٩٠).\n(٣) منهاج السنة (١/ ١٧٧).\n(٤) الحكومة الإسلامية (ص.٩١).","vol":"10","page":171},{"text":"على عهد أمير المؤمنين والحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليهما، فأهل الحجاز وكذا المسلمون على عهد رسول الله - ﷺ - لم يكونوا يطيعونه، وبذرائع شتى كانوا يتهربون من القتال، حتى إن الله تعالى أنبههم في آيات من سورة التوبة وأوعدهم بالعذاب، بل وافتروا عليه حتى دعا عليهم كما يروى. (١)\n- وقال أيضا في خطاب له بمناسبة عيد النوروز -من أعياد الفرس- لسنة اثنتين وأربعمائة وألف للهجرة الموافق لاثنتين وثمانين وتسعمائة وألف ميلادية، الذي يحتفل به في الحادي والعشرين من آذار من كل عام: أقول صراحة بأنه لا يوجد شعب كشعب إيران، ولا مجلس كمجلس إيران، ولا شرطة كشرطة إيران، مند صدر تاريخ العالم وحتى يومنا هذا .. من أفضل العهود في الإسلام عهد الرسول الأكرم، ففي عهد الرسول الأكرم عندما كان في مكة لم تكن هناك حكومة، وعندما جاء إلى المدينة وقامت الحكومة تعرفون جميعكم بأن جميع الذين كانوا معه ماذا كانوا يعملون معه؟ لقد كانوا يتذرعون بشتى الذرائع، يعودون (من الجهاد) بذريعة ما. لقد كان النبي في عهده مظلوما أكثر من الآن لم يكن يطيعونه.\nأقول: ماذا ينتظر العالم الإسلامي من الخميني وهذه تصريحاته وبجرأة وصراحة، والخمينيون الذين هم على منواله كثر -لا كثرهم الله- كلهم يحملون الحقد الدفين للعروبة والإسلام، ويتمنون جميعا مجيء يوم ينقضون فيه على أهل الإسلام قاطبة ليفتكوا بهم، لأنهم في نظرهم أسوأ من اليهود والنصارى، بل ومن الملاحدة والزنادقة.\n_________\n(١) سبق ذكر المرجع.","vol":"10","page":172},{"text":"فأي تقارب يكون مع هؤلاء؟!\nوأي أخوة تكون مع هؤلاء؟!\nفقد تقدم معنا بحمد الله في هذه المسيرة المباركة موقف علماء السنة من هؤلاء، فما علينا إلا أن نحتذي حذوهم ونقتفي أثرهم، لنرجع العزة إلى أنفسنا، ولنسود العالم بديننا دين الحق والسماحة، ولنهتم بمقدساتنا ونغار عليها، بل ندافع وننافح قدر استطاعتنا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.\n\nصالح بن إبراهيم بن محمد البليهي (١) (١٤١٠ هـ)\nالشيخ صالح بن إبراهيم بن محمد بن مانع البليهي، ولد سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف في قرية الشماسية، ثم انتقل مع أسرته إلى مدينة بريدة عام خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، وأخذ على علمائها منهم الشيخ عمر بن محمد بن سليم ولازمه، والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد والشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي وغيرهم. قرأ القرآن في مدرسة أهلية ثم اشتغل مع والده في التجارة ثم الزراعة وبعد ذلك تفرغ لطلب العلم. عين مدرسا في المعهد العلمي ببريدة عام إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، ثم إماما بمسجد الوزان عام أربع وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة ودرّس فيه العلوم الشرعية، وعندما تأسست كلية الشريعة بالقصيم أصبح محاضرا بها. كان ﵀ كريم النفس، متواضعا، قائما بأعمال البر والخير، أخذ عنه علماء أجلاء منهم الشيخ صالح الفوزان والشيخ إبراهيم الدباسي وعبد الله المسند\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٤) وإتحاف النبلاء (١/ ١٧٣ - ١٨٦) ومجلة الفرقان الكويتية (العدد ٣٠٣).","vol":"10","page":173},{"text":"وعبد السلام بن برجس وغيرهم.\nقال أحد أبنائه: كان ﵀ سمح المحيا دمث الأخلاق، عليه سيما الوقار وهيبة العلماء واسع البال طويل المدى، رؤوفا بالكبار لطيفا باشا ذا بسمة عند المقابلة حريصا على الشباب والأخذ بأيديهم إلى ساحل النجاة، وكان كريما شجاعا في ذات الله غيورا على محارمه.\nتوفي ﵀ في جمادى الأولى سنة عشر وأربعمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3422>موقفه من المبتدعة</span>\n- قال: السلف هم الوسط:\nالسلف: وهم أهل السنة والجماعة أتباع الرسول - ﷺ - من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هم الوسط في فرق الأمة، كما أن هذه الأمة هي الوسط في الأمم. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١) أي: عدلًا خيارًا.\nوعقيدة أهل السنة والجماعة: هي العقيدة الصافية، السالمة من الإلحاد والتحريف، والتعطيل والتمثيل، والتكييف. نعم هذه الأمة هي الوسط في فرق الأمة، فلا غلو، ولا جفاء، ولا إفراط، ولا تفريط.\nفأهل السنة والجماعة وسط بين المعطلة، والمشبهة؛ فالمعطلة جفوا، والمشبهة غلوا؛ المعطلة هم المعتزلة والجهمية، عطلوا الله من صفاته اللائقة به.\n_________\n(١) البقرة الآية (١٤٣).","vol":"10","page":174},{"text":"والمشبهة الذين شبهوا الله بخلقه. وهم بعض اليهود، والبعض من الكرامية، وغلاة الشيعة.\nفقالوا ما معناه: الله له وجه ويد ورجل كواحد من خلقه، وحتى نقل الشهرستاني في كتابه 'الملل والنحل' عن داود الجواربي أنه قال: أعفوني عن الفرج واللحية، واسألوني عما وراء ذلك. وقال: إن معبوده جسم، ولحم، ودم، وله جوارح، وأعضاء من يد ورجل، ورأس، ولسان. تعالى الله عن قول المعطلة والمشبهة علوًا كبيرًا.\nأما أهل السنة: فأثبتوا لله الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات.\nوأيضًا؛ أهل السنة والجماعة وسط بين القدرية والجبرية، فالجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد؛ الجبرية في طرف، والقدرية في الطرف الآخر. الجبرية غلوا في إثبات القدر، فزعموا أن العبد مجبور على فعله، فلا إرادة له ولا قصد، ولا اختيار. فإذا فعل طاعة أو فعل معصية، فإنما ذلك فعل الله، تعالى الله عن هذا الفجور وهذا الزور علوًا كبيرًا.\nأما القدرية: وهم المعتزلة، فغلوا في نفي القدر، فقالوا ما معناه: أفعال العباد من الطاعات والمعاصي، لم تدخل تحت قضاء الله ومشيئته وقدره، إنما العباد هم الذين يفعلونها، بقصد منهم واختيار، فعليه؛ العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. فلازم قولهم هو أن الله لا يقدر أن يهدى ضالًا، ولا يضل مهتديًا. وهذا القول، وهذا المذهب من أخبث المذاهب، وأبعدها عن الحق والصواب.","vol":"10","page":175},{"text":"عقيدة السلف:\nإذا عرف ما تقدم؛ فعقيدة أهل السنة والجماعة هي حق بين باطلين، وهدىً بين ضلالتين، فالله تعالى هو خالق العباد وخالق أفعالهم، ومقدر أرزاقهم وآجالهم، هو خالق العبيد ولا يكون في ملكه ما لا يريد، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (١).\nوأيضًا: أهل السنة والجماعة وسط بين المرجئة، وبين المعتزلة والخوارج. فالمرجئة جفوا، والمعتزلة والخوارج غلوا، وفي أثناء هذا الجزء يأتي الكلام على هذه الطوائف الضالة، إن شاء الله تعالى.\nوالمرجئة كما يأتي نسبة إلى الإرجاء وهو التأخير. أي: تأخير الأعمال عن الإيمان.\nفعند المرجئة الخالصة: الإيمان هو مجرد التصديق بالقلب، والناس في الإيمان سواء، فإيمان أفسق الناس كإيمان الأنبياء، والمؤمنين الأتقياء.\nوبناءً على ذلك؛ فلا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فلازم قول المرجئة هو أن من فعل شيئًا من كبائر الذنوب وترك الواجبات أو شيئًا منها، لا يضر ذلك، وهذا يؤدي إلى الانسلاخ من دين الإسلام.\nأما المعتزلة والخوارج فقد غلوا، فقالوا ما معناه: من فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ومات ولم يتب منها، فهو من المخلدين في نار جهنم، على\n_________\n(١) الأنبياء الآية (٢٣).","vol":"10","page":176},{"text":"خلاف بين الطائفتين؛ فعند الخوارج: هو كافر وحلال الدم والمال. وعند المعتزلة يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر، بل هو في منزلة بين منزلتين.\nوأهل السنة والجماعة وسط بين جفاء المرجئة، وغلو الخوارج والمعتزلة؛ فالإيمان نية وقول وعمل، يزيد بطاعة الله وينقص معصيته. فمن فعل كبيرة، يقال في حقه: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، أو يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان. وإذا مات ولم يتب، فهو يوم القيامة تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له، وأدخله الجنة مع السابقين، وإن شاء الله بعدله عذبه في نار جهنم بقدر ذنبه وجريمته، ولا يخلد في النار، لا يخلِّد فيها إلا الكافرين، والمشركين. هذا هو معتقد السلف الصالحين، وأهل السنة والجماعة أجمعين، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله على قول الحق، واعتقاده والعمل به، والدعوة إليه.\nوأيضًا، أهل السنة والجماعة وسط بين غلو الرافضة، وجفاء الخوارج؛ لأن الرافضة والخوارج في أصحاب الرسول - ﷺ - في طرفي نقيض.\nفالرافضة: غلوا في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأهل البيت، غلوًا جاوز الحد والمشروع.\nوأما الخوارج: فإنهم كفروا عليًا، ومن كان مواليًا له. وإذا عرف ذلك، فأهل السنة ولله الحمد والمنة، دائمًا وأبدًا بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط، مع العلم أن الرافضة قبحهم الله يسبون أصحاب الرسول - ﷺ -، ويلعنونهم ويكفرونهم.\nوأهل السنة يحبون جميع أصحاب النبي - ﷺ - ويوالونهم ويدعون الله لهم، ويترحمون الله لهم، ويسألونه لهم المغفرة والرضوان؛ لأنهم ﵃؛","vol":"10","page":177},{"text":"هم صفوة هذه الأمة وخيارها، أبرها أقوالًا، وأزكاها أعمالًا، وأقواها إيمانًا، قوم لا كان ولا يكون مثلهم، اختارهم الله لصحبة نبيه ولنصر دينه. وبعد ما استنارت قلوبهم بالإيمان، صاروا ﵃ مضرب المثل في عبادة الله، وفي الزهد والورع، والخشية، والتقوى، والصدق، والأمانة، والشجاعة، فهم الرجال إذا ذكر الرجال. ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ (١)، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (٢).\nوأيضًا هذه الأمة الإسلامية وسط بين غلو النصارى، وجفاء اليهود. فالنصارى غلوا في عيسى، فقالوا: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. وقالت اليهود: عيسى ولد زنا. فعلى اليهود لعائن الله المتتابعة إلى يوم الدين.\nوالمسلمون يقولون: عيسى هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. والحمد لله الذي عافانا من الفلسفة والسفسطة، والشطح، والشقشقة، ومن التعطيل والتمثيل، ومن البدع والأباطيل. ونسأله تعالى الثبات على الحق، والعمل به. (٣)\n- وقال أيضا: الاختلاف مصيبة:\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٢٣).\n(٢) الحشر الآية (١٠).\n(٣) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (٢/ ٣٠٨ - ٣١٣).","vol":"10","page":178},{"text":"الخلاف والاختلاف بين الأفراد والمجتمعات الإسلامية مصيبة. الاختلاف مصيبة كبرى، ومحنة عظمى. [و] الخلاف من حيث هو شر وفتنة وشقاء وبلاء وعناء.\nالاختلاف نقمة، والاتفاق رحمة، وبالأخص الخلاف في المسائل العقائدية التي هي الأصل في شريعة الإسلام.\nأما الخلاف في المسائل الفروعية -فالأمر في ذلك أسهل-: فإذا كان على طريق الاجتهاد وتحري الصواب في المسائل الغامضة فلا بأس بذلك.\nأما إذا كان على طريقة الهوى والتعصب للمذاهب، وأقوال الرجال، فهو مذموم شرعًا وعقلًا وفطرةً.\nوأما ما يذكر أن الرسول - ﷺ - قال: «اختلاف أمتي رحمة» فهذا الحديث ليس له خطام ولا زمام، فلا أصل له (١). قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤)، وقال تعالى:\n_________\n(١) وكذا قال الشيخ الألباني في الضعيفة (٥٧).\n(٢) الأنفال الآية (٤٦).\n(٣) الأنعام الآية (١٥٩).\n(٤) الأنعام الآية (١٥٣).","vol":"10","page":179},{"text":"﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٢).\nوالآيات في الأمر بالائتلاف والنهي عن الاختلاف كثيرة، وكذا أحاديث الرسول - ﷺ - في الأمر بالوفاق، والنهي عن الشقاق، كثيرة جدًا، سواء كان الاختلاف في العقائد وأصل الديانة أو غير ذلك.\nقال - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» متفق عليه، من حديث عائشة ﵂ (٣).\nوعلى سبيل العموم؛ ليس للمسلمين عز ولا نصر إلا إذا حصل بينهم اتفاق ووفاق، وتكاتف وتساند. فهذا الحديث فيه رد على كل من ابتدع في دين الله ما ليس منه.\nوفي حديث العرباض بن سارية الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي، يقول - ﷺ -: «فإنه من يَعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عُضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (٤).\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٠٣).\n(٢) الشورى الآية (١٣).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف الخلال سنة (٣١١هـ).\n(٤) تقدم تخريجه ضمن مواقف عمر بن الخطاب سنة (٢٣هـ).","vol":"10","page":180},{"text":"ومن أعظم الحدث: الحدث في العقائد الإلهية، وكذا الحدث في العبادات والأحكام الشرعية، فلا مسرح للعقول، ولا مجال للفهوم في ذات الله، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في دينه وشرعه، إنما الواجب التعلم والفهم ثم العمل بدين الإسلام كله.\nفلا بد من التمسك والاعتصام بكتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، في كل شيء عقيدة وعبادة، وأحكامًا وأخلاقًا، وهذا هو الذي به عز المسلمين، وسعادتهم في الدنيا والآخرة، والله وليّ التوفيق.\nوفخر المسلمين وعزهم ونصرهم، على اليهود وغير اليهود من أعداء الإسلام والمسلمين، لا يتحقق إلا إذا عملوا بشريعة الإسلام، قولًا وعملًا واعتقادًا، مع نبذ الأحقاد والضغائن، ويحل محل ذلك الوفاق والمحبة والائتلاف، والتكاتف والتساند، والأخوة الإيمانية والرابطة الإسلامية. حقق الله ذلك بمنه وكرمه وجوده وإحسانه وفضله. اللهم صلّ وسلم وبارك على -من أمر بالائتلاف ونهى عن الاختلاف- نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3423>موقفه من المشركين:</span>\n- له من الآثار السلفية: 'عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين' وهو مطبوع متداول، نفع الله به نفعا عظيما.\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٥).","vol":"10","page":181},{"text":"- قال ﵀ فيه: الإلحاد في لغة العرب: هو الميل، ومنه لحد القبر. وهو أنواع: فمنه إلحاد المشركين وعبدة الأوثان: حيث اشتقوا لمعبوداتهم أسماءً من أسماء الله، كاللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.\nومنه: إلحاد الجهمية الذين عطلوا الله من صفاته، ومن معاني أسمائه وحقائقها. فالله تعالى أثبت لنفسه السمع والبصر والوجه واليدين والاستواء على العرش والمجيء والقدرة والمشيئة وغير ذلك من صفات الله، والمعتزلة والجهمية تنكر ذلك.\nومنه إلحاد المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه. والله تعالى حذر من الإلحاد، وعاب الملحدين في أربع آيات: في سورة النحل آية ١٠٣، وفي سورة الأعراف آية ١٨٠، وفي سورة فصلت آية ٤٠، وفي سورة الحج آية ٢٥. وبإعانة الله يأتي الكلام على المعطلة والمشبهة في الجزء الثاني.\nومن أنواع الإلحاد إلحاد الدهرية الذين أنكروا وجود الله تعالى.\nومن أنواع الإلحاد المذموم شرعًا وعقلًا: إلحاد النصارى، حيث قالوا: الله ثالث ثلاثة.\nومنه إلحاد اليهود قالوا من كفرهم وتكذيبهم وغرورهم: الله فقير ويده مغلولة.\nوعلى سبيل العموم: كل من كذب بما جاء عن الله، أو عن رسوله فهو ملحد. وكذا من تأول وحرّف ما جاء عن الله أو جاء عن رسوله فهو ملحد ومجرم أثيم. (١)\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (١/ ٨٩ - ٩٠).","vol":"10","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3424>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال: ومعتقد أهل السنة والجماعة: لا يشهد لأحد بجنة، ولا نار، إلا لمن شهد له رسول الله - ﷺ -، كالعشرة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وهو سعد بن مالك، وسعيد ابن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، رضي الله عن صحابة الرسول أجمعين.\nوموالاة أصحاب الرسول - ﷺ - واجبة، ومحبتهم دين وإحسان وإيمان، وبغضهم وسبهم كفر ونفاق وطغيان. (١)\n- وقال ﵀: الشيعة:\nأو باسم آخر: الرافضة، وهو ألصق بهم. وأول من ابتدع الرفض عبد الله بن سبأ اليهودي المنافق الزنديق، أظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه، ثم انتشر هذا المذهب الخبيث. وقد قال ابن سبأ لعلي ﵁: أنت الإله حقًا.\nوالشيعة: اسم لكل من فضّل عليًا على الخلفاء الراشدين، [ومنهم] الشيعة الإمامية الاثني عشرية.\nالشيعة هم من طوائف الضلال، الشيعة لهم أقوال شنيعة، واعتقادات باطلة. الشيعة عداوتهم للمسلمين عظيمة، قديمًا وحديثًا.\nوسموا بهذا الاسم -بزعم منهم- أنهم شيعة علي بن أبي طالب ﵁، وليسوا كذلك، بل هم أعداء لعلي وأعداء لأهل البيت؛ لأنهم غلوا\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (١/ ٩).","vol":"10","page":183},{"text":"فيهم غلوًا جاوز الحد والمشروع، ورفعوهم فوق طبقة البشر. وكما يأتي خلاف أهل السنة مع الرافضة خلاف في أصول الدين، وفروعه، فلا لقاء ولا موافقة، حتى تشيب مفارق الغربان.\nوالرافضة: هم الشيعة أو طائفة منهم، وسموا بهذا الاسم؛ لأنهم بعدما بايعوا زيد بن علي، قالوا له: تبرأ من أبي بكر وعمر. فأبى، وقال: كانا وزيري جدي، بل أتولاّهما وأتبرّأ ممن تبرّأ منهما. فتركوه ورفضوه، وأرفضوا عنه. والنسبة: رافضي، والرافضة شر من وطئ الحصاء، ولا يقر لهم قرار حتى يعيدوها وثنية قرمطية مجوسية. مكر وخداع، والمكر يحيق بأهله.\nووقاحة الرافضة ومعائبهم ومخازيهم كثيرة جدًا، ولا يصدق بما يعتقدونه ويقولونه إلا من طالع كتبهم. فمن ذلك ما صرح به الشاطبي في كتابه 'الاعتصام' (الجزء الثاني، ص.١٨١)، قال: الفرقة الثانية: الشيعة، وهم اثنتان وعشرون فرقة، يكفر بعضهم بعضًا. اهـ كلامه.\nوأكثر الشيعة يعتقدون أن الحكام والمحكومين من المسلمين كلهم ضُلاّل وعلى غير هدى.\nومن أصول الدين عند الرافضة: تأويل آيات القرآن، وصرف معانيها، إلى غير ما فهمه منها الصحابة عن النبي - ﷺ -، وإلى غير ما فهمه منها علماء الإسلام والمسلمين.\nولا شك بأن هذه جريمة كبرى، وإلحاد في آيات القرآن، حيث أجازت الشيعة لأنفسهم تحريف آيات القرآن، على حسب أهوائهم وأغراضهم الفاسدة ومقاصدهم الباطلة.","vol":"10","page":184},{"text":"ومن معتقدات الشيعة وأعمالهم الخبيثة: التقيّة، فيظهر الموافقة، وهو بخلاف ذلك، وهذه هي أعمال المنافقين. وذلك مكر وخداع، وخيانة، ونفاق. فالتقية دين الشيعة، والنفاق ركن أصيل في عقيدتهم. وحيث أن التقية من أصول دين الرافضة، فقد كذبوا وزوروا على جعفر الصادق ﵀ أنه قال: التقية ديني ودين آبائي.\nوبدع الشيعة المنكرة، ومذاهبهم الخبيثة كثيرة وكثيرة، ومن اعتقد أو قال: إن القرآن زيد فيه ونقص منه فلا شك في كفره وإلحاده.\nومن مخازي الشيعة ووقاحتهم: هو أنهم يعتقدون ويصرحون بأن القرآن الكريم محرف، وزيد فيه ونقص منه. ففي سنة ١٢٩٢هـ ألّف الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي كتابًا أسماه: 'فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب' جمع فيه النصوص عن علماء الشيعة في مختلف العصور بأن القرآن قد زيد فيه ونقص منه. وقد طبع الكتاب في إيران سنة ١٢٩٨هـ. والطبرسي هو من كبار علماء النجف، والطبرسي معظم عند الرافضة. وتوفي ١٣٢٠هـ. وكثير من علماء الشيعة صرحوا بأن القرآن نقص منه وزيد فيه.\nولا شك بأن هذا تكذيب لله تعالى، ومن كذّب الله فهو كافر. يقول جل شأنه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١). وقد أجمع المسلمون بأن القرآن محفوظ من الزيادة والنقصان، ومن التغيير والتبديل،\n_________\n(١) الحجر الآية (٩).","vol":"10","page":185},{"text":"محفوظ من عبث العابثين وكيد الكائدين. والواقع شاهد بذلك، والحمد لله رب العالمين. مضى على القرآن ١٤٠٢ سنة ولا زيد في القرآن ولا نقص منه ولا حرف واحد، ومن قال أو اعتقد أن القرآن زيد فيه أو نقص منه فهو كافر بإجماع المسلمين.\nوالشيعة قد بلغت الغاية في الوقاحة والخبث، فإنه مما يتدينون به: لعن صحابة الرسول، ولعن أبي بكر وعمر، بل يبغضون ويسبون كل من ليس بشيعي. فيلعن الشيعة أبا بكر وعمر وعثمان، وكل من تولى الحكم في الإسلام غير علي، بل من خبث الشيعة يسمون أبا بكر وعمر: الجبت والطاغوت، وصنمي قريش.\nذكر بعض هذه النقاط الشيخ محب الدين الخطيب في رسالة له أسماها: 'الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثني عشرية'.\nوقال الشيخ ابن تيمية: الرافضة الذين يبخسون الصديق حقه، وهم أعظم المنتسبين إلى القبلة إشراكًا بالبشر.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأول من ابتدع الرفض عبد الله بن سبأ اليهودي، وكان منافقًا زنديقًا، أراد بذلك إفساد دين الإسلام. وقال أيضًا شيخ الإسلام: وليس في فرق الأمة أكثر كذبًا واختلافًا من الرافضة من حين نبغوا. (١)\n- وقال: ومن أعظم منكرات الرافضة: هو أن أكثرهم يعتقد أن الحج إلى قبر علي ﵁ في النجف، والحج إلى قبر الحسين في كربلاء\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٢).","vol":"10","page":186},{"text":"أفضل من الحج إلى مكة، مع العلم أن قبر علي ليس في النجف، بل دفن ﵁ في قصر الكوفة. وكذا قبر الحسين لم يثبت أنه في كربلاء.\nومن بدع الرافضة: لا يرون صلاة الجماعة، وفي هذا تكذيب لله ورسوله، ومن كذّب الله أو رسوله فقد كفر.\nومن بدع الشيعة وضلالهم: هو أنهم جهميون في الصفات، وقدريون في أفعال العباد.\nومن بدع الرافضة: لا يرون غسل القدمين في الوضوء. وفي هذا تكذيب لفعل الرسول وقوله، وقد أجمع المسلمون على وجوب غسل القدمين.\nومن بدع الرافضة: أكثرهم لا يقيمون صلاة الجمعة لعدم وجود الإمام العادل، والعادل: هو مهديهم المنتظر في زعمهم.\nومن بدع الرافضة لا يرون المسح على الخفين، وما أنكر الشيعة هذه السنة الثابتة عن الرسول إلا من زيغ قلوبهم، وفساد أقيستهم وآرائهم.\nوقد أجمعت الأمة الإسلامية على جواز المسح على الخفين. ولا عبرة بخلاف الرافضة. قال النووي: أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر لحاجة أو غيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها، والزَّمِن الذي لا يمشي. وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يُعتدّ بخلافهما.\nوقد روى سبعون من أصحاب النبي - ﷺ - أنه - ﷺ - كان يمسح على الخفين. اهـ","vol":"10","page":187},{"text":"وقال الحسن: روى المسح سبعون نفسًا فعلًا منه ﵇، وقولًا.\nوقال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح على الخفين شيء؛ فيه أربعون حديثًا عن النبي - ﷺ -.\nوالرافضة كذبت الرسول في المسح على الخفين، وكذبت الرسول - ﷺ - في كثير من أحكام شريعة الإسلام.\nوقد أجمع المسلمون على أن من كذب الرسول فهو كافر بالله، كما أن من عصى الرسول فقد عصى الله، والشيعة كذبت بما ثبت عن الرسول في تحريم المتعة، ومن وقاحة الشيعة: إباحة المتعة متعة النساء.\nوقد حكى غير واحد من علماء الإسلام الإجماع على تحريمها؛ لأن الرسول ﵇ حرمها عن أمر من الله جل شأنه، فهي حرام، لما رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، من حديث سبرة الجهني: «أنه كان مع النبي - ﷺ - عام فتح مكة، فقال: يا أيها الناس! إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فيلخلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا» (١).\nوعن علي ﵁: «أن رسول الله - ﷺ - نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية» متفق عليه (٢).\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٤٠٦) ومسلم (٢/ ١٠٢٥/١٤٠٦) والنسائي (٥/ ٤٣٧/٣٣٦٨).\n(٢) أخرجه: أحمد (١/ ٧٩) والبخاري (٩/ ٢٠٧/٥١١٥) ومسلم (٢/ ١٠٢٧/١٤٠٧) والترمذي (٣/ ٤٢٩/١١٢١) والنسائي (٦/ ٤٣٦/٣٣٦٦) وابن ماجه (١/ ٦٣٠/١٩٦١).","vol":"10","page":188},{"text":"والأحاديث التي هي صحيحة وصريحة في تحريم المتعة بعد إباحتها كثيرة. وعبد الله بن عباس -﵁- رجع عنه القول بإباحتها، كما في سنن الترمذي (٣/ ٤٣٠).\nقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة. وقال ابن بطال: وأجمعوا على أنه متى وقع الآن أبطل، سواء كان قبل الدخول أم بعده. وقال القاضي عياض: وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريم المتعة إلا الروافض. وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل، وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض. اهـ (١)\n- وقال: والشيعة الشنيعة تبغض أبا بكر وتلعنه، فعلى الشيعة ما تستحقه من غضب الله وسخطه ولعنته. وهذه الآية -يعني: قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٢) - فيها دليل على أن الشيعة كذّبوا الله ورسوله، ومن كذّب الله، أو كذّب رسوله فقد كفر بالله.\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧).\n(٢) التوبة الآية (٤٠).","vol":"10","page":189},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ (١) الذي جاء بالصدق هو الرسول - ﷺ -، والذي صدّق به هو أبو بكر ﵁. قال بهذا القول كثير من علماء التفسير. (٢)\n- وقال: ومن معائب الشيعة ومخازيهم: عيبهم وكراهتهم لصحابة الرسول - ﷺ -. وأكثر الشيعة لا يؤمنون بالأحاديث المذكورة في الصحيحين والسنن والمسانيد ولا يعملون بها.\nفمن حماقة الشيعة وضلالهم: لا يقبلون الأحاديث التي رواها الصحابة ولا يعملون بها، والله يقول: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ (٣)، وكان الصحابة ألفًا وخمسمائة، ومن بينهم أبو بكر وعمر وعثمان. وكان ذلك عام الحديبية سنة ست من الهجرة. وهذا الرضاء من الله لجميع الذين بايعوا تحت الشجرة بيعة الرضوان.\nوالرافضة لا تؤمن، بل تكذّب بما ذكره الله في هذه الآية الكريمة، ومن كذّب بشيء من القرآن فلا شك في كفره وإلحاده، وليس بغريب من الرافضة؛ لأنهم مجوس، والمجوس أعداء للإسلام والمسلمين دائمًا وأبدًا.\n_________\n(١) الزمر الآية (٣٣).\n(٢) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (٢/ ٣٥٩).\n(٣) الفتح الآية (١٨).","vol":"10","page":190},{"text":"فصحابة الرسول - ﷺ - قوم لا كان ولا يكون مثلهم، أبرُّ الأمة قلوبًا، وأزكاها أعمالًا، وأصدقها لهجةً، وأقواها إيمانًا، قوم هم مضرب المثل في العبادة والزهادة، والتقى والخشية لله تعالى، وعلماء وحكماء، ﵃ وأرضاهم، كانوا ﵃ رهبانًا في ليلهم، أُسودًا في نهارهم في ميادين الحروب جهادًا في سبيل الله. قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه ومؤازرته، ونصر دينه وتبليغ رسالته. قوم مدحهم الله وأثنى عليهم، ونوّه بذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن.\nفدع الرافضة! دعهم في ضلالهم يعمهون! دعهم للحقد يحرق قلوبهم والغيظ يأكل نفوسهم!\nقال جل شأنه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (١)\n_________\n(١) الفتح الآية (٢٩).","vol":"10","page":191},{"text":"والشيعة تنكر ذلك وتكذّبه، ومن كذّب الله أو كذّب رسوله فهو كافر بإجماع المسلمين. (١)\nويعتقد أهل السنة والجماعة: أن أفضل هذه الأمة بعد الرسول - ﷺ - هم صحابة الرسول؛ قوم لا كان ولا يكون مثلهم، أبرّ الأمة قلوبًا، وأزكاها أعمالًا، وأقواها إيمانًا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ومؤازرته، ونصر دينه.\nوأفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة بعد الرسول - ﷺ - هو أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عن صحابة الرسول أجمعين.\nوقد قال ﵇: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر». رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه من حديث حذيفة (٢).\nوأفضل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة هم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم الذين بايعوا في الحديبية بيعة الرضوان تحت الشجرة، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، رضي الله عن صحابة الرسول وأرضاهم أجمعين.\nوالذين سجلوا أحاديث الرسول كالبخاري ومسلم وأصحاب السنن والمسانيد كل منهم يعقد ترجمة خاصة بالصحابة ثم يسوق بعض الأحاديث الواردة في فضائل القوم.\nوأهل السنة والجماعة يتولون أمهات المؤمنين، أزواج رسول الله - ﷺ -، ويستغفرون لهن، وهن أزواج الرسول في الآخرة.\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف عمر بن الخطاب سنة (٢٣هـ).","vol":"10","page":192},{"text":"وأفضلهن عائشة وخديجة ﵅. ومن سبّ الصحابة أو واحدًا منه، أو واحدة من أزواج الرسول، فهو ضالّ مضلّ، أضلّ من حمار أهله.\nوالذين يسبون الصحابة ويشتمونهم هم الشيعة الشنيعة، ويشتمون ويسبون زوجات الرسول وخاصة عائشة وحفصة فعلى الشيعة ما يستحقونه من لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3425>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال ﵀: ومما هو معروف وشائع وذائع؛ أن أكثر الصوفية يعبدون ويؤلهون أصحاب القبور، ويعظمونهم أعظم من تعظيمهم لله تعالى فيدعونهم، ويسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، اعتقادا منهم: بأنهم يسمعون وينفعون ويضرون، ويجيبون دعاء من دعاهم. ومن فعل ذلك أو اعتقد جوازه فهو من المشركين.\nوأعظم من ذلك: أن أكثر الصوفية من أهل وحدة الوجود، ملاحدة زنادقة، لا يؤمنون بأن الله مستو على عرشه، بائن من خلقه؛ بل يعتقدون بأن هذا الوجود هو الله.\nوعلماء الإسلام الذين بينوا أباطيل الصوفية وردوا عليهم هم -والحمد لله- خلق كثير وجم غفير، ومنهم عبد الرحمن الوكيل، وكيل جماعة أنصار السنة المحمدية في كتابه 'هذه هي الصوفية'. (٢)\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (١/ ٩ - ١١).\n(٢) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (٢/ ٥٠٠ - ٥٠١).","vol":"10","page":193},{"text":"- وقد أورد منه نقولا ثم قال: هذا الكتاب عظيم في تحري الحق والصواب، وعظيم في تحقيقه وتنقيحه، وتنظيمه وإتقانه، وعظيم في أسلوبه الرائع البديع.\nفمن أراد الاطلاع على ما عند الصوفية من مخالفات لما يعتقده أهل السنة، فليراجع هذا الكتاب، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل؛ مع العلم أننا والحمد لله أعطينا القارئ -وفقنا الله وإياه- فكرة يستفاد منها مخالفة الصوفية لما يعتقده ويعمل به أهل السنة والجماعة.\nتنبيه:\nالذي أراه وأعتقده: هو أن الصوفية ليسوا على حد سواء في الاعتقاد والأقوال والأعمال؛ فمنهم زنادقة ملاحدة، قالوا بوحدة الوجود، وآمنوا بها ودعوا إليها.\nومنهم من يؤمن بوحدانية الله تعالى، ولكنهم يعظمون ساداتهم وكبراءهم من الأموات، ويعتقدون أنهم ينفعون ويشفعون ويضرون، ولهم قدرة ونفوذ وتصرف في هذا الكون، ولا شك أن هذا كفر بالله وخروج من دين الإسلام.\nوكثير من الصوفية يتبركون ويتوسلون بأصحاب القبور، وبعض الصوفية يتعبدون لله بألفاظ وأوراد مبتدعة في دين الإسلام، وبعضهم يتعبد بألفاظ مفردة كقولهم: هو هو هو، أو: الله، الله، الله. ويزعم بعض الصوفية أن \"لا إله إلا الله\" ذكر العامة، و\"الله\" ذكر الخاصة، و\"هو\" ذكر خاصة الخاصة.","vol":"10","page":194},{"text":"وبعضهم يتعبدون الله بالرقص والأغاني، والتصفيق والشهيق، والشخير والنخير. وبدع الصوفية وشطحاتهم والمنكرات التي تقولها الصوفية وتفعلها؛ كثيرة وكثيرة.\nوطوائف الصوفية كثيرة، منهم: الشاذلية، والرفاعية، والنقشبندية، والتيجانية، والجيلانية، والجنيدات. ونعوذ بالله من كل بدعة وضلالة، فقد قال - ﷺ -: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (١).\nوبعض الصوفية زنادقة وملاحدة، يقولون ولا يستحون -وقديما قيل: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (٢) - يقولون: من بلغ الغاية في الولاية، سقطت التكاليف، وحلت له المحرمات.\nقال أبو محمد ابن حزم في كتابه في الملل والنحل: ادعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل. وقال: من بلغ الغاية القصوى من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها؛ من الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك، وحلت له المحرمات كلها؛ من الزنا والخمر وغير ذلك. واستباحوا بهذا نساء غيرهم، وقالوا: إننا نرى الله ونكلمه، وكلما قذف في نفوسنا فهو حق. ثم ذكر أبو محمد ابن حزم عن الصوفية أشياء كثيرة من الخرافات والمنكرات.\nوكتب الصوفية هي الشواهد على ما عندهم من كفر وشرك وإلحاد. (٣)\n_________\n(١) سبق قريبا.\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٢١) والبخاري (٦/ ٦٣٨/٣٤٨٣ - ٣٤٨٤) وابن ماجة (٢/ ١٤٠٠/٤١٨٣) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٣) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (٢/ ٥٠٥ - ٥٠٧).","vol":"10","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3426>موقفه من الجهمية:</span>\n- له: 'إثبات علو الله تعالى'. (١)\n- قال: ويؤمن أهل السنة بصفات الله العلية، ومن صفاته تعالى: الكلام، والسمع، والبصر، والوجه، واليدان، والعينان، والمحبة، والرضاء، والغضب، والاستواء على العرش، والنزول، والمجيء، والقدرة، والإرادة، والمشيئة، وغير ذلك من صفات الله تعالى التي تليق بجلال الله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\nيؤمن أهل السنة والجماعة بصفات الله جل وعلا على الحقيقة، لا ما تقوله المعتزلة والجهمية بأن ذلك على المجاز. (٢)\n- وقال ﵀: وأيضًا: أهل السنة والجماعة يصدّقون ويؤمنون بأن الله جل شأنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» (٣). ينزل الله تبارك متى شاء كيف شاء، ولا تكييف، ولا تمثيل. والجهمية والمعتزلة والأشاعرة كما كذّبوا برؤية الله تعالى كذّبوا بنزول الله جل شأنه.\nورؤية الله ثابتة بكتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، فالمؤمنون يرون ربهم عيانًا بأبصارهم، وذلك في عرصات القيامة، ويرونه تعالى بعد دخول الجنان،\n_________\n(١) علماء نجد (٢/ ٤٣٣).\n(٢) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (١/ ٤).\n(٣) تقدم ضمن مواقف عبد العزيز بن الماجشون سنة (١٦٤هـ).","vol":"10","page":196},{"text":"في جنة النعيم. ورؤية الله تعالى هي أعظم سرور، وأتمّ نعيم لأولياء الله تعالى. (١)\n- وقال: الله جل وعلا -كما هو صريح القرآن وصريح السنة- له أسماء وله صفات، وأسماء الله جل شأنه حسنى، وأسماء الله -كما يأتي- ليست محصورة في تسع وتسعين اسمًا. وبتوفيق الله وإعانته نذكر من أسماء الله ثلاثة وثلاثين اسمًا في أول الجزء الثاني.\nوالله تعالى -كما هو صريح القرآن وصريح سنة الرسول - ﷺ - له صفات، صفات لائقة بعظمته، ومجده، وكبريائه. صفات يجب إثباتها لله كما أثبتها الله لنفسه في القرآن، وكما أثبتها الرسول لربه في سنته المطهرة.\nصفات يجب إثباتها لله على الحقيقة لا على المجاز، خلافًا للمعتزلة، والجهمية، والماتريدية، والأشاعرة، والقدرية.\nفما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله - ﷺ - وجب إثباته إثباتًا من غير تكييف، ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢).\nومن صفات الله تعالى: الكلام، والرحمة، والغضب، والرضاء، والسمع، والبصر، والوجه، واليدان، والمجيء، والنزول، والاستواء على العرش، وغير\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (١/ ٨).\n(٢) الشورى الآية (١١).","vol":"10","page":197},{"text":"ذلك. والله جل شأنه أنزل الكتب وأرسل الرسل بإثبات مفصل ونفي مجمل. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3427>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀: ومن عقائد أهل السنة: أن من ولاّه الله أمر المسلمين، فطاعته واجبة بشرط أن يكون مسلمًا. والخروج عليه، وشقّ عصا المسلمين معصية لله وجريمة كبرى وذنب عظيم إلا إذا أمر ولي الأمر بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأهل السنة والجماعة هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان.\nومن عقائد أهل السنة والجماعة: أن صاحب الكبيرة إذا مات قبل أن يتوب، ولم يكن مستحلًا لما فعله، فهو يوم القيامة تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له، وأدخله الجنة مع السابقين، وإن شاء الله عذّبه بعدله، بقدر ذنبه وجريمته، في نار جهنم، ولا يخلد فيها.\nوالمعتزلة والخوارج خالفوا نصوص الكتاب والسنة، فحكموا بأن صاحب الكبيرة من المخلدين في نار جهنم، فلا يخرج منها، لا برحمة أرحم الراحمين، ولا بشفاعة الشافعين، إذا مات قبل أن يتوب من جريمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3428>موقفه من المرجئة:</span>\nقال: وصريح القرآن والسنة وهو معتقد أهل السنة والجماعة؛ أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بطاعة الله، وينقص بمعصيته.\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).","vol":"10","page":198},{"text":"والناس متفاوتون في الإيمان، فليسوا على حد سواء، كما قالت ذلك الطائفة المشهورة بالمرجئة. ويأتي بيان مذهب المرجئة في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.\nومجرد الإيمان لا يكفي، فلا بد من العمل؛ وعند المرجئة الأعمال الصالحة ليست من الإيمان. ومذهب المرجئة زور وباطل، تبطله وتردّه نصوص الكتاب والسنة؛ فعند المرجئة إيمان المرسلين والمؤمنين كإيمان المجرمين والفاسقين.\nنعم لا بد من العمل بدين الإسلام. ففي سبعين آية من آيات القرآن الكريم يقرن الله بين الإيمان والعمل. مثل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3429>موقفه من القدرية:</span>\n- قال: أشكل على كثير من طلبة العلم هل العبد مخير أو مسير؟ والذي يظهر لي أن العبد ليس بمخير ولا مسير؛ لأننا إذا قلنا إن العبد مخير، دخلنا في مذهب القدرية الذين قالوا: العبد يخلق فعل نفسه، وإن قلنا العبد\n_________\n(١) الروم الآيات (١٤ - ١٦).\n(٢) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (١/ ٤٣).","vol":"10","page":199},{"text":"مسير، دخلنا في مذهب الجبرية. فالذي ينبغي أن يقال: العبد له إرادة ومشيئة، ولكنها تابعة لإرادة الله ومشيئته.\nالجبرية:\nوالجبر لغة: هو الإلزام.\nوالجبرية هم من طوائف الضلال، وهم من أتباع الجهم بن صفوان. وسموا بهذا الاسم لأنهم قالوا: نحن مجبورون على أفعالنا، وفي قول الجبرية تعطيل لأحكام الإسلام فلازم قولهم: لا يقتل القاتل، ولا تقطع يد السارق، ولا يرجم الزاني، ولا يقام في الإسلام حد، فمن فعل جريمة لا عتب عليه، ولا لوم.\nومن هذه الزاوية نعرف أن القدرية والجبرية في طرفي نقيض؛ فالقدرية جفوا، حيث قالوا: إن أفعال العباد من الطاعات والمعاصي لم تكن داخلة تحت قضاء الله وقدره، بل هم الذين شاؤوها وفعلوها، استقلالًا واختيارًا منهم لها.\nفالقدرية جفوا حيث أبطلوها ما قضاه الله وقدره. وتقدمت الأدلة التي فيها الرد على القدرية، ولله الحمد والمنة.\nأما الجبرية فهم غلوا في إثبات القدر، وأهل السنة والجماعة وسط بين جفاء القدرية، وغلو الجبرية.\nوهكذا أهل السنة دائمًا، والحمد لله، وسط بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والجفاء.","vol":"10","page":200},{"text":"نعم كما تقدم، الجبرية غلوا في إثبات القدر، فاعتقدوا أن العباد، لا مشيئة لهم ولا قصد ولا اختيار، بل إذا فعلوا طاعة أو معصية، فهم مجبورون عليها. فعلى قول الجبرية: الطاعات والمعاصي عين فعل الرب، لا أفعالهم. وهذا القول معرف بطلانه بالضرورة من دين الإسلام.\nفعند الجبرية حركات العبد وسكناته وأفعاله اضطرارية، كحركة الأشجار وأغصانها وأوراقها بالرياح التي تصفقها يمنةً ويسرةً، فإنها تضطرب وتمايل من غير اختيارها.\nوكحركة المرتعش الذي أصابه مرض الفالج، فإنه يضطرب ويتحرك من غير اختيار منه ولا قصد. هذا قول الجبرية الخالصة.\nوهذا القول كذب على الله، وزور وباطل، فالله أعظم وأجل قدرًا من أن يجبر أحدًا على ذنب ثم يعذبه عليه.\nوكتاب الله، وسنة رسوله، والعقل الصحيح، والفطرة المستقيمة، كلها حجج وبراهين على بطلان ما تعتقده وتقوله الجبرية الخالصة. (١)\n- وقال أيضا: وكما أشرنا سابقًا: معتقد أهل السنة والجماعة هو أن العبد له إرادة ومشيئة، ولكنها ليست مستقلة، بل هي تابعة لإرادة الله ومشيئته، وكتاب الله، وسنة رسوله، وقول الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والعقل، والفطرة، في الجميع ردّ وإبطال لما تعتقده وتقوله الجبرية.\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥).","vol":"10","page":201},{"text":"قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ (٢). فهذه الآية الكريمة صريحة في أن العبد ليس بمجبور على فعل الطاعات والمعاصي.\nنعم العبد ليس بمجبور، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾ (٣).\nوالآيات القرآنية التي فيها الرد على الجبرية كثيرة جدًا. فبعد تتبع المصحف من سورة الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس) وجدنا ٧٧ سبعًا وسبعين آية، كلها صريحة في الرد على الجبرية.\nولا ريب بأنه يوجد في القرآن الكريم أكثر من هذا العدد؛ وإلى المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، سبع آيات: قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ (٤)، وقال تعالى:\n_________\n(١) التكوير الآيتان (٢٨و٢٩).\n(٢) فصلت الآية (٤٦).\n(٣) الزمر الآية (٤١).\n(٤) النساء الآية (٧٩).","vol":"10","page":202},{"text":"﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ (١)، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِن اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٣) فالعبد له قصد واختيار فليس بمجبور، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾ (٤)، وقال جل شأنه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ (٦).\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢٠).\n(٢) الأعراف الآية (٢٨).\n(٣) الإسراء الآية (٧).\n(٤) الروم الآيتان (٤٤و٤٥).\n(٥) يونس الآية (١٠٨).\n(٦) يونس الآية (٤٤).","vol":"10","page":203},{"text":"فهذه الآيات الكريمة صريحة في أن العبد ليس بمجبور، فالعبد يفعل الطاعات والمعاصي بقصده واختياره، ولا يخرج عن قضاء الله وقدره.\nوأحاديث الرسول التي فيها إبطال لقول الجبرية كثيرة وشهيرة والحمد لله رب العالمين. فالرسول جلد في الخمر، وقطع يد السارق، ورجم في الزنا. (١)\n\nعلي بن عبد الله بن علي الحواس (٢) (١٤١٠ هـ)\nالشيخ علي بن عبد الله بن علي الحواس العساف، ولد في بريدة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، ونشأ بها. أخذ عن الشيخ محمد الصالح المطوع والشيخ عمر بن محمد بن سليم والشيخ عبد العزيز العبادي. عين مدرسا في المعهد العلمي بحائل، ثم مدرسا في الأحساء، ثم عين موجها دينيا في جامعة الإمام محمد بن سعود. كان ﵀ موصوفا بالتواضع والابتعاد عن الدنيا ومناصبها، حسن الصوت، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر. له مؤلفات أكثرها ردود.\nتوفي ﵀ سنة عشر وأربعمائة وألف، وله من العمر ثلاث وسبعون سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3431>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية: 'بيان أن المثل الأعلى خاص لربنا وحده ﵎'. وهو رد على من قال إن رسول الله - ﷺ - هو المثل الأعلى في السيرة\n_________\n(١) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٨).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٥/ ٢٢٩ - ٢٣٥).","vol":"10","page":204},{"text":"والمنهج. (١) وهو رد على من قال إن معية الله لخلقه معية ذاتية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3432>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية: 'النقول الواضحة الجلية عن السلف الصالح في معنى المعية الإلهية الحقيقية'. (٢)\n\nجميل الرحمن (٣) (١٤١٢ هـ)\nالشيخ محمد حسين بن عبد المنان، المعروف بجميل الرحمن. ولد سنة ستين وثلاثمائة وألف للهجرة. في قرية وادي بيج بولاية كنر. طلب العلم مبكرا، فأخذ عن الشيخ عبد الخالق اللغة الفارسية والأردية وعن الشيخ عبد المنان السلفي الحديث وغيره وعن الشيخ محمد طاهر البنجشيري التوحيد والتفسير. كان له الفضل بعد الله ﷾ في نشر الدعوة السلفية في أفغانستان بشكل كبير، ثم ضيق عليه فهاجر إلى باكستان، وبعد تحرير كنر عاد الشيخ، فأعلن فيها الإمارة الإسلامية على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وأمر فيها بالصلاة وقضى على مزارع الحشيش وغيره، فدب الأمن والسلام، لكن أعداء التوحيد لم يسرهم هذا الأمر، فقاموا باغتياله على يد رجل يدعى أشرف بن أنور بن محمد النيلي من الحاقدين على الدعوة السلفية وذلك قبل ظهيرة الجمعة، صفر عام اثني عشرة وأربعمائة وألف للهجرة، فرحمه الله\n_________\n(١) علماء نجد (٥/ ٢٣٠).\n(٢) علماء نجد (٥/ ٢٣٠).\n(٣) مجلة المجاهد (العدد الخامس والثلاثون ص.٨ - ١١).","vol":"10","page":205},{"text":"رحمة واسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3434>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀ يبين عقيدته ومنهجه: ونرى هجر أهل البدع والمعاصي واجبا لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) ولأن النبي - ﷺ - هجر كعب بن مالك وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك (٢) وكذلك النصح لهم وتحذيرهم من البدعة واجب. ونرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، وتعليم الكتاب والسنة، وتفقيه الناس وتثقيفهم في دينهم. (٣)\n- وقال أيضا: ونستدل في المسائل العلمية والعملية بكتاب الله وبسنة رسوله، ثم بالإجماع، ثم بسنة الخلفاء الراشدين المهديين، حسب القواعد والأصول التي سلك عليها السلف الصالح ومجتهدو الأمة، ونرى أن الخروج عن منهجهم في فهم الكتاب والسنة من الابتداع والزندقة. ونرى الرجوع في موارد الاختلاف إلى الكتاب والسنة، وليس الفصل بين الحق والباطل إلا كتاب الله وسنة رسوله، وهذا هو سبيل المؤمنين في القرون الثلاثة المشهود لها بالخير، وسبيل مجتهدي الأمة والأئمة الأربعة ﵏، وكانوا ينفرون عن التقليد وينهون عنه. حيث قال الإمام مالك ﵀: \"إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم\n_________\n(١) المجادلة الآية (٢٢).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف ابن عبد البر سنة (٤٦٣هـ).\n(٣) جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة (٢٠).","vol":"10","page":206},{"text":"يوافق الكتاب والسنة فاتركوه\". وقال: \"ليس أحد بعد النبي - ﷺ - إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي\". وقال الإمام أبو حنيفة: \"لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذنا\" -وفي رواية: \"حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا\". وقال الشافعي: \"أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله لم يحل له أن يدعها لقول أحد\". وقال تلميذه الإمام المزني في أول مختصر كتاب الأم: \"اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي ومن معنى قوله: \"لأقربه على من أراده مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه وبالله التوفيق\". وقال الإمام أحمد ﵀: \"لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا\"، وقال: \"من رد حديث رسول الله فهو على شفا هلكة\". هذه عقيدتنا ومنهجنا ندعو إليه، ونرى أنه لا صلاح للجهاد إلا به، مع إخلاص التوحيد ومتابعة الرسول - ﷺ -.\nذلك هو سبيل النصر وسبيل تأليف القلوب وتوحيد الصفوف وسبيل التمكين في الأرض، نسأل الله تعالى لنا ولكافة المسلمين الهداية والرشاد والحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم على نبينا تسليما كثيرا. (١)\n- ومن الأسئلة التي وجهت إليه ما يلي:\nالسؤال: أنتم متهمون بانتهاج السلفية للوصول إلى مآرب سياسية وهي الوصول إلى الرياسة والزعامة؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد\n_________\n(١) جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة (٢١).","vol":"10","page":207},{"text":"لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. الجواب عن هذا السؤال من أربعة أوجه:\nالوجه الأول: نعم إن رفع الصوت بالدعوة إلى الحق تارة يكون ناشئا عن داعية حب الرياسة وطلبها في نفس الإنسان، وتارة يكون ناشئا عن داعية إحساس المسئولية أمام الله، وكذلك التهمة التي يرمى بها الدعاة قد تكون ناشئة من الشبهة وعدم الفهم، وقد تكون ناشئة من أغراض سياسية عدوانية مثل صد الدعاة عن الصدع بالحق وصد الناس عن اتباعه ولبس الدين عليهم. فإذا نظرت في تاريخ الإنسانية من بدئه إلى يومنا هذا لا تجد داعيا رفع صوته بالدعوة ولو كان محفوفا بالبينات إلا رمي بالاتهامات والافتراءات. فهؤلاء قوم نوح ﵇ يقولون عنه: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) ويقولون له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾ (٢) معنى يتفضل أي: يتقدم ويترأس عليكم. وهؤلاء قوم فرعون قالوا لموسى وهارون ﵉: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) ومعنى الكبرياء في الأرض: الرياسة. وهكذا قال كبراء الناس في مكة: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى\n_________\n(١) المؤمنون الآية (٢٤).\n(٢) الأعراف الآية (٦٠).\n(٣) يونس الآية (٧٨).","vol":"10","page":208},{"text":"آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)﴾ (١)، ومعنى ﴿شيءٌ يُرَادُ﴾ أي أن محمدا أراد بهذه الدعوة أن تكون له الرياسة عليكم، كما في التفسير. فظهر أن اتهام الدعوة بطلب الرياسة هو اتهام قديم من عهد نوح ﵇ وليس بمحدث، فالدعوة والتهمة سنتان من سنن الله الجارية. فهذه سنة من السنن الشرعية وتلك سنة من السنن الكونية والقدرية، وكلتاهما متآخيتان، كلما وجدت الدعوة رميت بالتهمة، يقول الله تعالى عن سنته الخالدة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢)\nوقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٣)، وكل من سلك طريق الأنبياء في الدعوة لابد وأن يلاقي ما لاقوه من التهم. فنقول لإزالتها إن السلف الصالح هم: الصحابة والتابعون ﵃ الذين هم خير القرون بشهادة النبي - ﷺ -، ومنهجهم في الدين هو المنهج الحق الذي تلقوه عن النبي - ﷺ -، وساروا عليه، ولا تصير الأمة المسلمة مستحقة للبشارة التي بشر الله ﷾ بها في قوله إلا بحسب الظاهر، قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ\n_________\n(١) ص الآية (٦).\n(٢) الفرقان الآية (٣١) ..\n(٣) الأنعام الآية (١١٢).","vol":"10","page":209},{"text":"بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ (١) وقال عمر بن الخطاب ﵁: \"وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة\" رواه البخاري (٢). ونحن نرى أن هذه الاتهامات بطلب الرياسة، قد رمانا بها المخالفون لمآرب سياسية تستهدف صد الدعاة عن الصدع بالحق وصد الناس عن اتباع دعوة الحق بالطعن في نية الدعاة، فليحذر كل مسلم من هذا، ولتكن له معاييره الشرعية في التفريق بين الحق والباطل، ولا يكن إمعة.\nالوجه الثاني: إن جريرتنا عند المخالفين لنا أننا تكلمنا عندما سكتوا، وواجهنا الناس بالحقيقة عندما داهنوهم، ونصحناهم عندما غشوهم بعدم بذل النصح والإصلاح، حيث إننا نرى أن ما أصابنا وأصاب بلادنا من الغزو الكافر والدمار هو عقوبة من الله سبحانه لنا بسبب تفشي المنكرات فينا مع عدم الإصلاح، فتحققت فينا سنة من سنن الله الخالدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٥).\n(٢) (٥/ ٣١٥/٢٦٤١).\n(٣) هود الآية (١١٧).","vol":"10","page":210},{"text":"ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ (١)، فإذا عم الظلم وقل المصلحون فقد أذن الله بالهلاك، أما العقاب الذي سلطه الله علينا فهو العدو الروسي الكافر وعملاؤه من الأفغان الملحدين، وتحققت فينا سنة أخرى من سنة الله الخالدة ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ (٢) وهو المعنى المذكور في قول عمر بن الخطاب ﵁ في وصيته لجيش سعد بن أبي وقاص ﵁ عند سيره لفتح فارس: \"واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا وإن أسأنا. فرب قوم قد سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله الكفار والمجوس، ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ (٣)، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم\".\nوقول عمر ﵁ (فرب قوم قد سلط عليهم شر منهم): قد تكرر وقوعه في الأمة الإسلامية، حيث تسلط الصليبيون على ممالك الأندلس الإسلامية فمحوها من الوجود وصارت اليوم بلادا صليبية كافرة، وتسلط التتار (المغول) الكفار على دولة الخلافة العباسية فدمروا مدينة بغداد وذبحوا الخليفة العباسي، وتسلط الصليبيون مرة أخرى على دولة الخلافة العثمانية حتى محوها\n_________\n(١) القصص الآية (٥٩).\n(٢) الأنعام الآية (١٢٩).\n(٣) الإسراء الآية (٥).","vol":"10","page":211},{"text":"وأزالوا الخلافة، وتسلط الروس الشيوعيون على بلاد التركستان وبخارى وسمرقند الإسلامية فحولوها إلى ديار كفر، ولم يقل أحد إن هذه الممالك الإسلامية الهالكة كانت ممالك كافرة أو مشركة، ولكن لما فشت فيها المعاصي والمنكرات سلط الله عليهم من هو شر منهم، وما يحدث اليوم في أفغانستان هو مثل آخر، سلط الله الروس الكافرين على الأفغان بمعاصيهم، فإما أن نستدرك أمرنا اليوم بالتوبة والإخلاص والطاعة، وإما أن ينتهي الأمر بزوال الإسلام وظهور الشيوعية، كما حدث في بخارى وسمرقند، نعوذ بالله من سخطه ونقمته. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ (٣)، وأي معصية أعظم من مخالفة اعتقاد سلف الأمة ومنهجهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ\n_________\n(١) الشورى الآية (٣٠).\n(٢) النساء الآية (٧٩).\n(٣) النساء الآية (٦٢).","vol":"10","page":212},{"text":"اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (١)،\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٢)، فكيف بمن يردون الأحاديث الصحيحة بأنها تخالف المذهب، فيقدمون آراء الرجال على الكتاب والسنة، ويجعلون آراء الرجال وقياساتهم حاكمة على الكتاب والسنة بالقبول أو الرد، ويتبعون في ذلك قاعدة تقول: (كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ). فكيف بمن يجوز الاستغاثة والتبرك بالموتى، وكيف بمن يرون أن الله سبحانه موجود في كل مكان، ويردون النصوص التي تثبت أن الله سبحانه في السماء، وهم يعلمون هذا لأطفالهم جيلا بعد جيل اتباعا لما وجدوا عليه آباءهم. وهذا ليس مقام حصر مخالفاتهم الشرعية بل هي أمثلة منها. وقد قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٣) وقد خالفنا نصوصا كثيرة من الكتاب والسنة فأصابتنا الفتنة والعذاب في الدنيا بحلول العدو ببلادنا، فدمر وشرد وأهلك ما يعجز عنه الوصف، والسعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ به غيره. فالواجب علينا أن نعلم أن ما نزل بنا هو مثل ما نزل بكثير من الممالك\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٣٦) ..\n(٢) النساء الآية (١١٥).\n(٣) النور الآية (٦٣).","vol":"10","page":213},{"text":"الإسلامية الهالكة، وأن علينا أن نتدارك أمرنا حتى لا تكون نهايتنا كنهايتهم. قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾ (٢)\nفنحن الآن في إمهال من الله، إما أن نرجع ونتضرع، وإما أن يحيق بنا ما حاق بالأمم الظالمة. فإذا كان ما سبق هو حقيقة الأمر في أفغانستان، وقمنا بدعوة شرعية إصلاحية لرد الأمة إلى طريقة السلف، طريق النجاة والفلاح، حتى يرفع الله سبحانه نقمته وغضبه عنا وحتى نكون أهلا لرضاه سبحانه، فكيف يظن بأن هذه الدعوة لأغراض سياسية، فحسبنا الله عليه توكلنا وهو رب العرش العظيم.\nالوجه الثالث: مما سبق يتبين لك ضرورة الدعوة والإصلاح في بلادنا استدراكا للأمر قبل فوات الأوان، ونحن من هذا المفهوم انتصارا لدين الله الحق ولعقيدة التوحيد، قد قمنا بتأليف جماعتنا امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٣) قال الإمام ابن كثير ﵀: \"قال أبو\n_________\n(١) الروم الآية (٤١).\n(٢) الأنعام الآية (٤٢) ..\n(٣) آل عمران الآية (١٠٤).","vol":"10","page":214},{"text":"جعفر الباقر: قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ثم قال: «الخير اتباع القرآن وسنتي» (١) رواه ابن مردويه، والمقصود أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٢) وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (٣)، فجماعتنا قامت للدعوة وللجهاد وكلاهما مقدم واجب لا يحتمل التأخير. ونحن نطمع في نصر الله سبحانه الذي وعد به من ينصر دينه ويدعو إليه في قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (٤)\nكذلك فإن جماعتنا قامت بجمع شمل أهل الحديث المستضعفين وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ\n_________\n(١) ذكره السيوطي في الدر ونسبه لابن مردويه.\n(٢) أحمد (٣/ ١٠،٢٠،٤٩،٥٠) ومسلم (١/ ٦٩/٤٩) وأبو داود (١/ ٦٧٧ - ٦٧٨/ ١١٤٠) والترمذي (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨/ ٢١٧٢) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٨/ ٤٨٥ - ٤٨٦/ ٥٠٢٣) وابن ماجه (١/ ٤٠٦/١٢٧٥) من حديث أبي سعيد الخدري وليس من حديث أبي هريرة.\n(٣) مسلم (١/ ٦٩ - ٧٠/ ٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(٤) الحج الآية (٤٠) ..","vol":"10","page":215},{"text":"نَصِيرًا (٧٥)﴾ (١). فإذا كانت حماية المستضعفين أصحاب العقيدة الصادقة موجبة للقتال أفلا تكون موجبة لتكوين جماعة تكفلهم حتى يبلغوا رسالة ربهم؟ وكذلك فإن من أهداف جماعتنا تربية أطفالنا وأطفال الشهداء على منهج السلف الصالح الذي لا ينتهج بفضل الله إلا في مدارسنا، ونحن نقوم بدعوتنا إعذارا إلى الله سبحانه كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ (٢). ونطمع في النجاة من نقمة الله وسخطه في الدنيا والآخرة حسب وعده الصادق ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ (٣) ونحن علينا الدعوة والبلاغ أما هداية القلوب فبيد الله وحده لا شريك له ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ (٥). ونحن مستمرون بعون الله في دعوتنا غير مبالين بتهم المخالفين وافتراءاتهم الذين يريدون أن يطفئوا نور الله، ويقولون\n_________\n(١) النساء الآية (٧٥).\n(٢) الأعراف الآية (١٦٤).\n(٣) الأعراف الآية (١٦٥).\n(٤) القصص الآية (٥٦).\n(٥) الأنعام الآية (٣٥).","vol":"10","page":216},{"text":"إن دعوتنا هي تنفيذ لمخططات أعداء الإسلام لضرب الجهاد، وأن الجهاد لن يؤتي ثماره إلا بالإصلاح الشرعي الذي ندعو إليه.\nوالحمد لله رب العالمين، ونحن لم نفرق الصفوف، ولم ندع لإلقاء السلاح حتى يتم الإصلاح، فكيف يقال إن الدعوة السلفية وضعها الأعداء لضرب الجهاد.\nالوجه الرابع: مما سبق تتبين لك الدواعي الشرعية التي دعت إلى إنشاء جماعتنا لا نبالي بعد ذلك تهمة طلب الرياسة التي هي من مواريث أعداء الرسل لصد الناس عن الحق واتباعه، بقي أن تعلم هنا أن الإمارة في هذا الدين ليست مذمومة ألبته وليست منهيا عنها لمن يقوم بحقها بل قد ترتقي أحيانا إلى مرتبة الاستحباب أو الوجوب الشرعي إذا دعت ضرورة صيانة الملة وحماية الأمة إلى ذلك وقال الله تعالى عن يوسف الصديق ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ (١) ووردت الأحاديث بالبشارة العظيمة للإمام العادل.\nتم الجواب ولله الحمد والفضل والمنة. (٢)\n- السؤال: يقال إن أسلوبكم في الدعوة إلى العقيدة الصحيحة أسلوب فظ منفر؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نحن نعلم أن من واجبات الدعوة أن يراعي الداعي حال المخاطب، وأن يختار أسلوبا لينا غير فظ ولا منفر، يقول الله تعالى: ﴿فَقُولَا\n_________\n(١) يوسف الآية (٥٥).\n(٢) جماعة الدعوة للقرآن والسنة (٢٥ - ٣١).","vol":"10","page":217},{"text":"لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ (١). ويقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢). ويقول الله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣). ونحن لا نخرج عن تلك الحدود تعظيما لأمر الله ﷿، واقتداء بأنبيائه عليهم الصلوات من الله والسلام. فالذين يطعنوننا بالفظاظة والشدة -إن كانوا من أصحاب العقيدة الصحيحة ويعرفون من واجب الدعوة إليها يؤدون حقها ويقفون موقفا صريحا بحيث يعرف الناس من عقيدتهم ودعوتهم ويرون في أسلوبنا من الفظاظة، فعليهم أن يصلحوا ما رأوا ويهدوننا إلى أسلوب مناسب متلطف لأننا لسنا ندعي أن أسلوبنا أسلوب جيد راقي في الدعوة إلى أقصى ما ينبغي أن يكون عليه طريق الدعوة، بل يحسب هذا من شأن الأنبياء ﵈ لأنهم معصومون في التبليغ والرسالة بعصمة الله، ومؤيدون بوحي الله، غاية ما ندعي ونتيقن أن عقيدتنا عقيدة صحيحة. وأن الدعوة إليها واجبة ويجب علينا أن نختار من بين أساليب الدعوة التي نعرفها أسلوبا جامعا للجهات المناسبة ومحفوفا بما يتوفر في دواعي الإجابة والقبول، وإن كانوا ممن يخالف في العقيدة والدعوة أو الدعوة وحدها، فهؤلاء لا يريدون من الطعن\n_________\n(١) طه الآية (٤٤).\n(٢) آل عمران الآية (١٥٩).\n(٣) النحل الآية (١٢٥).","vol":"10","page":218},{"text":"بالفظاظة إلا مخالفة أصل الدعوة ومحاربتها بأسلوب ماكر.\nفنقول لهؤلاء تعالوا لنبحث أصل القضية وهي قضية العقيدة والدعوة، ثم بعد القضاء والاتفاق نبحث في كيفية أسلوب الدعوة ونختار بالاتفاق من أساليب الدعوة أسلوبا رضيا عندكم، أما إذا كنتم في اختلاف من مبدأ الأمر أو كنتم اخترتم موقف السكوت والمداهنة فلا ينبغي أن تطعنوا في طريق الدعوة الحقة، بل حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا الآخرين. فبعد وضوح ما مر من داعية الطعن نقول: إن أصحاب البدع والأهواء دائما يقابلون أهل السنة بالفظاظة والغلظة، ويكفرون من خالف أهواءهم، ويخرجونهم من الملة ولا يصلون خلفهم بل لا يجوزون ذلك، ويفتون بجواز قتلهم ويحرضون عامة المسلمين على قتلهم وإيذائهم، وهذا واضح لكل من يعرف من أحوال المبتدعين من سالف الزمان. فنقول لهؤلاء الذين ينسبوننا إلى الفظاظة كيف تحاسبوننا بالقض والقضيض وتغمضون عن عدوان أهل الأهواء وفظاظتهم. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ (١).اهـ (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3435>موقفه من المشركين:</span>\nقال ﵀ مجيبا على سؤال: يشيع عنكم بعض الناس أنكم تكفرون المسلمين والمجاهدين، فما قولكم في هذا؟\n_________\n(١) المائدة الآية (٨).\n(٢) جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة (٤٧ - ٤٨).","vol":"10","page":219},{"text":"الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.\nهذا القول بهتان وافتراء علينا، وهو أحد الأساليب التي تستغل لمحاربة دعوتنا وتنفير العامة عنا وإغراء أهل العلم بنا. والذين يشيعون عنا هذا صنفان من الناس:\nالصنف الأول: إذا سمعوا منا أن التمائم ودعاء غير الله والاستغاثة بالأولياء والخوف والرجاء من غير الله من أعمال الكفر والشرك، وأن اعتقاد أن غير الله يملك للناس نفعا أو ضرا اعتقاد شرك، وأن إنكار صفة الفوقية والعلو لله سبحانه يستلزم الحلول والاتحاد أو عدم وجود الله، وأن القول بأن ما نقرأ من كلام الله ليس كلام الله حقيقة بل يحسب كلام الله مجازا، من الأقوال الكفرية. وإن وجدت هذه الأشياء فيمن يقر بكلمة الشهادتين ويصوم ويصلي ويلتزم الطاعة فيظن هؤلاء أننا نحكم على مرتكبي تلك الأعمال والعقائد بالكفر، وليس الأمر كما توهموا، فإن الحكم بكون العمل كفرا وشركا لا يستلزم الحكم بكون المرتكبين له كافرين في جميع الأحوال.\nفإن كلا من أعمال الكفر وعقائد الشرك لا يخرج من يقر بالشهادتين من الملة والإسلام إلا بعد إقامة الحجة عليه، وأن لا يبقى له عذر جهل أو شبهة ومع ذلك يعاند ويستمر في أعمال الكفر وعقائد الشرك.\nالصنف الثاني: يعلمون أن دعوتنا دعوة حقة وأنا لا نحكم بكفر المسلمين ولا المجاهدين لكنهم أخذتهم العزة والأغراض السياسية والمادية فيبهتون ويفترون ويشيعون عنا، والله يعلم إنهم لكاذبون، وهؤلاء نذكرهم","vol":"10","page":220},{"text":"بالترهيبات التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، ولا تجرمنهم الأغراض السياسية والمادية على ألا يعدلوا. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. (١)\n- وجاء في مجلة المجاهد:\nالمجاهد: هل يوجد في كنر أضرحة وقبور ظاهرة، وبعضها يعبد كما هو الحال في أكثر ولايات أفغانستان أم لا؟\nالشيخ: إن دعوة التوحيد قامت في كنر من أكثر من خمس وثلاثين سنة فأكثر الناس والحمد لله يعتقدون العقيدة الصحيحة، ويحبون اتباع السنة، وإن كان فيهم من تأثر بالعقيدة الشركية، وقد وجدت القبور والأضرحة قبل دعوة التوحيد وما زال بعضها قائما، إلا أننا بدأنا في إزالته يوما بعد يوم، ولكن بصورة غير منظمة، فحتى الآن لم توظف لجنة تطوف على جميع المناطق لإزالة هذه الأضرحة وتسوية القبور. (٢)\n- وفيها أيضا:\nالمجاهد: هل تأمن الإمارة الآن من هجوم الشيوعيين؟\nالشيخ: لا شك أننا لم ولن نأمن هجوم الشيوعيين، لأن الحرب قائمة بيننا وبينهم، غاية الأمر أن المحافظة بكاملها قد حررت، والمجاهدون متمركزون على الثغور مرابطون فإن حدث أي هجوم على كنر قام الجميع للدفاع، وإن لم يقم الشيوعيون بالهجوم فنحن نضع الآن الخطط للهجوم عليهم، ليستمر الجهاد ولترفع راية لا إله إلا الله عالية براقة فوق جبال\n_________\n(١) جماعة الدعوة إلى القرآن والسنة (ص.٤٤ - ٤٥).\n(٢) مجلة المجاهد (العدد ٣٠/ص.١٥).","vol":"10","page":221},{"text":"أفغانستان.\nوقد قال رسول الله - ﷺ -: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له» (١). فإن استمرار القيام بفريضة الجهاد أمر نراه من صلب عقيدتنا؛ فإن الجهاد ماض إلى يوم القيامة.\nوهناك جهادان:\nجهاد داخلي: وهو دعوة الناس إلى العقيدة والتوحيد والدعوة إلى الكتاب والسنة بين المجاهدين وغيرهم واستتباب الأمن، وذيوع الروح الإسلامية في جميع الأوساط وفي جميع المجالات.\nوالجهاد الثاني: هو جهاد العدو الخارجي الكافر الشيوعي وغيره، فنحن لم ولن نكتفي -بإذن الله- بتحرير كنر وإقامة شرع الله بها حتى تكون جميع الأرض عامرة بشرع الله ﷿. (٢)\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٥٠) وابن أبي شيبة (٤/ ٢١٢/١٩٤٠١) وعبد بن حميد (رقم٨٤٨) وابن الأعرابي في معجمه (٦/ ٣٣٦/١١٣٧) والبيهقي في الشعب (٢/ ٧٥/١١٩٩) والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ١٤٢/٧٦٦) والهروي في ذم الكلام (ص.١٢٤) كلهم من طريق ابن ثوبان عن حسن بن عطية عن أبي منيب عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ - ... فذكره. وذكره الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٦٧) وفي (٦/ ٤٩) فعزاه مرة إلى الطبراني ومرة إلى أحمد وقال: \"وفيه عبد الرحمن بن ثابت، وثقه ابن المديني وأبو حاتم وغيرهما، وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله ثقات\". قال الذهبي في السير (١٥/ ٥٠٩): \"إسناده صالح\". وعلقه البخاري في صحيحه (٦/ ١٢٢) قوله: \"ويذكر عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ -: «جعل رزقي تحت ظل رمحي ..» الحديث، وأخرج الطرف الأخير منه «من تشبه بقوم فهو منهم»: أبو داود (٤/ ٣١٤/٤٠٣١). وقال العراقي في تخريج الإحياء (٢/ ٦٧٦/٧٩٧): \"وسنده صحيح\". وقال ابن تيمية في الاقتضاء (١/ ٢٣٦): \"وهذا إسناد جيد\". وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة وأنس وحذيفة والأوزاعي مرسلا.\n(٢) مجلة المجاهد (العدد٣٠/ص.١٥ - ١٦).","vol":"10","page":222},{"text":"محمد نسيب الرفاعي (١) (١٤١٣ هـ)\nمحمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي: من علماء حلب، ولد سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف، وتعلم بها وتتلمذ لكبار علمائها وعلماء دمشق. عمل مراقبا ومدرسا في الكلية الإسلامية ودار الأيتام الإسلامية بمسقط رأسه، وشارك في مقاومة الفرنسيين فاعتقل وسجن بقلعة راشيا في البقاع الغربي وفي معتقل الميّة والميّة جنوب صيدا، وتعرف في أثناء ذلك على العلامة مصطفى السباعي والأديب عمر أبي النصر فأثرا فيه إذ ترك التصوف والطريقة الرفاعية التي كان يأخذ بها، وأسس بعد الإفراج عنه جمعية الدعوة السلفية للصراط المستقيم. وغادر إلى لبنان عام إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لاثنتين وسبعين وتسعمائة وألف ميلادي؛ داعيا وأخذ ينشر الكتب بالاشتراك، ثم أقام في الأردن حتى وفاته سنة ثلاثة عشر وأربعمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3437>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'التفسير الواضح على نهج السلف الصالح'، وهو مخطوط كما أشار إلى ذلك صاحبا إتمام الأعلام.\n٢ - 'تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير'، وقد نفع الله به كثيرا، إلا أنه يحتاج إلى زيادة تنقيح لأحاديثه.\n_________\n(١) إتمام الأعلام لنزار أباظه ومحمد رياض المالح (ص.٢٧٣).","vol":"10","page":223},{"text":"٣ - 'التوصل إلى حقيقة التوسل'.\n- قال ﵀ تعليقا على قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١): قلت: أي إن عليكم أن تعرضوا الإسلام في عقيدته السمحة الهادية المهدية على الناس. وعلى الناس أن يتدبروها ويطلعوا على أدلتها وحججها وبراهينها التي هي في مستوى مفاهيمهم ولا شك. لأن الله تعالى جعل الإسلام من السهولة والسماحة لدرجة: أن الناس في مقدورهم بما وهبهم الله من عقل وفهم أن يتدبروه على اختلاف درجاتهم في ذلك ... اللهم إلا أن يكون مجنونا أو ما يشبه فلا يكون مكلفا. وما سوى ذلك من الإنس والجن فمكلفون أن يفهموا ويتدبروا كما أراد الله وأمر فإن اتخذوه دينا يسره الله لهم وأعانهم على ذلك. ومن ركب رأسه، وتعصب لباطله رغم فهم الأدلة، وأعرض عن الإسلام فإن الله تعالى جزاء طغيانه: يُعمي قلبه، ويختم على سمعه وبصره جزاء وفاقا وذلك كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال عقب قول ابن كثير: [أي تفهِمون الناس معانيه وتعلمونهم أحكامه وأوامره ونواهيه، لا أن تحفظوا ألفاظه فحسب ...] قال: قلت: لقد\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٥٦).\n(٢) الليل الآيات (٥ - ١٠).\n(٣) هامش تيسير العلي القدير (١/ ٢٢٠).","vol":"10","page":224},{"text":"صار حفظ ألفاظ القرآن فقط في زماننا، صنعة عند الذين اتخذوا قراءة القرآن في الحفلات والمآتم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه! وهو لا يتجاوز حناجرهم. وسموا ظلما بالقراء .. !!! وما القراء في مفهوم الشرع، إلا العلماء والفقهاء، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا إليه راجعون. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3438>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀: هؤلاء الملاحدة هم أهل وحدة الوجود التي هي نهاية حقائق علم التصوف وآخر درجات الحقيقة عندهم وهي مرتبة الوصول بأن يعتقد الواصل إليها أنه بلغ الحقيقة ... !!! وهي الاعتقاد بأن الخالق عين المخلوق مهما تعددت الأشكال والذوات. فالكل واحد وهو الله ... !!! فإذا أصبح العبد ربا فمن يعبد ...؟ أيعبد نفسه ...؟ وهنا تسقط التكاليف نعوذ بالله من الكفر والخذلان، وسوء المنقلب، ومن همز الشيطان ونفثه؛ فإن من يشرفه الله بالإسلام ويذوق حلاوته، ثم يختار مرارة هذا المنقلب الشركي المخيف فهو أهل لأحط دركات جهنم، وأعظم عذاب أهل السعير. (٢)\n- وقال ﵀: قلت: إن فكرة العودة إلى الدنيا مرة ثانية مع أنها عقيدة الكافرين الأول ... ما يزال بين المسلمين من يقول بهذه العودة إلى الدنيا ويجعلون هذا لأوليائهم عندما ينادونهم ويستغيثون بهم لتفريج الكرب!! فيعتقدون أنهم يحضرون حالا لنجدتهم في هيآت مختلفة ويدعون أنهم يرونهم ويكلمونهم، فتأمل يا أخي المسلم كم هو أثر إبليس اللعين في نفوسهم إلى\n_________\n(١) هامش تيسير العلي القدير (١/ ٢٨٦).\n(٢) هامش تيسير العلي القدير (٢/ ٥٧٠).","vol":"10","page":225},{"text":"درجة جعلهم يعتقدون بعقيدة الكفار السابقين وهم يظنون أنهم ما يزالون من أمة محمد - ﷺ - ويقولون: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، يقولونها ترادادا من غير فهم بدليل أنهم ينقضونها وهم لا يشعرون، وذلك بدعائهم واستغاثتهم بغير الله في أمور لا يكشفها عنهم إلا الله تعالى، وإن ما يرونه من الخيالات ما هي إلا الشيطان تمثل لهم بمن ينادون ليزيدهم طغيانا وتثبيتا في الشرك؛ نعوذ بالله من الخذلان وسوء المنقلب. اللهم ثبتنا على: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وله رد على قصيدة البردة سماه: نقد قصيدة البردة لما في بعض أبياتها من البدعة والكفر والردة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3439>موقفه من الصوفية:</span>\nكان ﵀ رفاعي الطريقة كما تقدم معنا، لكنه لما علم الحق وتشبع به، ترك التصوف وراءه ظهريا، وهجره إلى غير رجعة، ويكفي الصوفية عارا وخزيا رجوع أئمتهم وروادهم إلى الحق، فارين منهم، وما رأينا عاقلا عالما فارا إليهم.\nقال ﵀: فما يقول أهل الطرق الذين يضربون أنفسهم بالحديد (الشيش) ويزعمون أنهم يتحسون السم ادعاء منهم أن هذه من (الكرامات ..؟!!) زعموا .. ألا فليتوبوا إلى الله، وإلا فإن الخاتمة السيئة تنتظرهم، ونار جهنم ترتقبهم. (٣)\n_________\n(١) الفاتحة الآية (٥).\n(٢) هامش تيسير العلي القدير (٣/ ٥٦٨).\n(٣) هامش تيسير العلي القدير (١/ ٣٧٩).","vol":"10","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3440>موقفه من الجهمية:</span>\nله كتاب 'الباقيات الصالحات في شرح الأسماء والصفات'.\n- قال ﵀: قلت: فما بال الذين يقولون -والعياذ بالله- (إن الله في كل مكان) ولا يخفى ما في هذا الكلام من معاني الحلول والاتحاد والوحدة تعالى الله عن ذلك، وهناك من يقول: (أن الله ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف وليس هو في داخل الكون ولا في خارجه) وهذا كما لا يخفى، وصف للمعدوم والعياذ بالله، والقولان من دسائس اليهود لعنهم الله. (١)\n- وقال عند قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢): قلت: وهذه الآية من جملة الآيات الدالات على أن ذات الله في السماء؛ ولا يلزم من قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أن يكون الله داخل السماء، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. فالله أكبر مِن السموات ومِن كل شيء. وليس معنى الآية أن السماء تحتويه ﷾ لأن (في) ليست الظرفية، إنما هي تفيد العلو. أي بمعنى (على) ومثل هذا وارد في القرآن كقوله تعالى على لسان فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٣) أي في أعالي جذوع النخل لا في داخلها. وعقيدة علو ذات الله، هي عقيدة السلف الصالح بخلاف عقيدة\n_________\n(١) هامش تيسير العلي القدير (١/ ٤٢٢).\n(٢) الملك الآية (١٦).\n(٣) طه الآية (٧١).","vol":"10","page":227},{"text":"الخلف التي تقول أن الله في كل مكان خسيسا كان أم نفيسا، أو أن الله ليس فوقا ولا تحتا، ولا يمينا ولا شمالا ولا أماما ولا خلفا ولا هو داخل العالم ولا خارجه. وهذه صفات المعدوم والعياذ بالله تعالى من الكفر والضلال. فما أهدى عقيدة السلف الصالح! كيف لا والسلف الصالح هم محمد - ﷺ - وصحابته الكرام والقرون الخيرة التي شهد لها رسول الله - ﷺ - بالخيرية. فنحن نؤمن يقينا أن ذات الله في السماء أي فوق السماء، وفوق العرش وفوق الكرسي، بلا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل ولا تجسيم. إنها فوقية حقيقية تليق بجلاله وعظمته. وهو مع خلقه جميعا في صفاته العلى أينما كانوا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. (١)\n- وقال عند قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٢): ويد الله صفة له، معلومة الحقيقة، مجهولة الكيفية، لا هي نعمته ولا قدرته، إنما هي يده صفة له حقيقة لا كالأيدي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٣) يد تليق بجلاله وعظمته تعالى وتقدس. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3441>موقفه من القدرية:</span>\nقال ﵀: لا شك ولا ريب أنه لا راد لإرادة الله تعالى فالذي لا\n_________\n(١) هامش تيسير العلي القدير (٤/ ٤٠٢).\n(٢) الفتح الآية (١٠).\n(٣) الشورى الآية (١١).\n(٤) هامش تيسير العلي القدير (٤/ ١٩٧).","vol":"10","page":228},{"text":"يريده لا يمكن أن يكون قطعا. والذي يريده لا بد أنه واقع قطعا. ولا تكون حركة ولا سكنة إلا بإرادته، وإلا فيكون هناك مريد يغالب إرادة الله؛ وتنزه الله سبحانه أن يكون في الكون مريد غيره يغالبه. فالذي آمن ما آمن إلا بإرادة الله، والذي كفر ما كفر إلا بإرادة الله، ولكن يجب أن لا يفهم من هذا أن هذه الإرادة مجبرة على فعل الخير أو الشر، بمعنى أنه ليس للعبد أية إرادة فإن فعل خيرا فهو مجبر عليه أو فعل شرا فهو مجبر عليه .. لا وألف لا .. لأن إرادة الله غير أوامره، فإن الله أراد وما أمر، أراد لأنه لا يمكن أن يكون شيء إلا بإرادته، وما أمر لأنه لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولما كان الله تعالى أمر بأوامر ونهى عن نواهي من أجل أن يطاع فإن أطيع فللمطيع الجنة، وإن عُصي فللعاصي النار. وجعل للمكلف عقلا مميزا للخير من الشر فإن فعل الخير فلأنه مختار بذلك، ولولا اختياره هذا ما استحق عليه الجنة. وإن فعل الشر فلأنه مختار أيضا، ولولا اختياره هذا ما استحق عليه النار. فإن كان مجبرا على فعله ما استحق جنة ولا نارا. فمن أجل أن يستحق المكلف جزاء عمله جعله الله مخيرا فيما كلفه به، وكل ما فعله، خيرا كان أو شرا، هو بإرادته تعالى لأن الله تعالى يقدر على أن يمنع عبده من فعل الشر، كما أنه يقدر أن يمنع عبده من فعل الخير، ولكن لما سبق الوعد بالجنة إن فعل الخير، والوعيد بالنار إن فعل الشر، كان من حكمته تعالى، أن يكون عبده مخيرا لا مجبرا، لأنه إذا كان مخيرا وفعل الخير فهو يستحق الجنة بفعله وعمله واختياره، وإن فعل الشر فهو يستحق النار بعمله واختياره، وإن كان مجبرا على ذلك فأي نعيم أو عذاب يستحق ..؟\nفلكي لا يكون للناس على","vol":"10","page":229},{"text":"الله الحجة جعلهم مخيرين في عمل الخير والشر، هذا ضمن دائرة التكليف الذي يحصل بوجود العقل والتمييز، لأن على العقل مدار التكليف أما الأمور التي لا يستطيع العقل أن يبدي فيها أو يعيد وخارجة عن نطاق التكليف فالمخلوق مجبر في هذا المضمار وبالله التوفيق. (١)\n\nحمود بن عبد الله بن حمود التويجري (٢) (١٤١٣ هـ)\nالشيخ حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري من آل جبارة، ولد في مدينة المجمعة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وألف. طلب العلم منذ صباه، فقرأ مختصرات في التوحيد والحديث والفقه والنحو. ثم لازم حلقة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، فاستفاد منه وأجازه إجازة مطولة بالرواية عنه كتب الصحاح والمسانيد والسنن وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وقرأ على الشيخ قاضي مكة سليمان بن حمدان، ثم عين قاضيا ببلدة رحيمة بالمنطقة الشرقية سنة ثمان وستين وثلاثمائة وألف للهجرة، ثم ببلدة الزلفي. وكان ﵀ يوصف بالتقى والصلاح وحسن العشرة والتواضع، وكان قويا في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، مجانبا لأهل البدع والأهواء، ومنكرا عليهم. وممن أخذ عنه عبد الله الرومي وعبد الله بن محمد بن محمود وناصر الضريري وغيرهم. اعتنى بالبحث والتأليف، وبلغت مؤلفاته أكثر من خمسين مؤلفا.\n_________\n(١) هامش تيسير العلي القدير (٢/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٢/ ١٤١ - ١٤٥) وإتحاف النبلاء (١/ ١٨٩ - ١٩٧).","vol":"10","page":230},{"text":"توفي ﵀ في مدينة الرياض سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3443>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر'.\n٢ - 'إثبات علو الله على خلقه'. (١)\n\nعبد الله بن محمد بن عبد الله الخليفي (٢) (١٤١٤ هـ)\nالشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الخليفي، ولد في بلدة البكيرية بمنطقة القصيم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وألف، وأخذ العلم عن والده والشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ والشيخ عبد العزيز بن سبيل والشيخ محمد بن مقبل وغيرهم. عندما بلغ الخامسة عشر من عمره، أصبح إماما في مسجد في البكيرية، ثم استدعاه الأمير فيصل بن عبد العزيز ليكون إماما خاصا به في مدينة الطائف، ثم أصبح إماما للمسجد الحرام سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، فمكث فيه قرابة أربعين سنة. وكان ﵀ يتميز بحسن الصوت، أحبه العامة والخاصة وله أعمال خيرية كثيرة يعرفها الناس.\nقال الشيخ صالح بن حميد: كان ﵀ عالما فذا، طيب المعشر، تقيا ورعا، يعامل الناس بالمعاملة الحسنة، بذل الكثير في سبيل الدعوة الإسلامية\n_________\n(١) علماء نجد (٢/ ١٤٣).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ٤٧٢ - ٤٧٩) وإتحاف النبلاء (١/ ٢٠١ - ٢١٥).","vol":"10","page":231},{"text":"ونشرها من خلال خطبه في المسجد الحرام، وعمله في المجال التربوي بوزارة المعارف.\nتوفي ﵀ سنة أربع عشرة وأربعمائة وألف، وقد رثاه مجموعة من العلماء والشعراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3445>موقفه من المبتدعة:</span>\nله: 'القول المبين في رد بدع المبتدعين'. (١)\n\nأحمد بن محمد ابن تاويت (٢) (١٤١٤ هـ)\nأحمد بن محمد بن عمر ابن تاويت الودراسي النجار التطواني، ولد في شهر ذي الحجة عام إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، حفظ القرآن والمتون على أبيه. ومن شيوخه: أبو بكر زنيبر، وأحمد العمراوي، وأحمد الكنسوسي، وغيرهم.\nكان قاضيا لتطوان وأستاذا بمعهدها الديني، ثم مديرا له، وعين أيضا أستاذا بكلية أصول الدين وعميدا بها، ثم أستاذا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية مدة سنتين باقتراح من الشيخ عبد الله كنون، وله اشتغال جيد بالفقه وأصوله يميل إلى العمل بالدليل.\n_________\n(١) علماء نجد (٤/ ٤٧٤).\n(٢) 'إتحاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين' لمحمد بن الفاطمي السلمي ابن الحاج (ص.٢٥).","vol":"10","page":232},{"text":"توفي ﵀ في التاسع من ربيع الأول عام أربع عشرة وأربعمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3447>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀: قبح الله التقليد الأعمى الذي يؤدي بصاحبه إلى أن يقبل عقله تعارض الآي المحكمة أو السنة الصحيحة وقول مقلَّد، ثم يرجح أخيرا قولا معرضا للخطأ على قول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى - ﷺ -، بدعوى أن الإمام ما خالف إلا لدليل قام عنده، فيدعون المحقق الموجود لمشكوك محتمل مفقود، وينسون أو يتناسون قول الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وقوله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) الآية، وهكذا شأنهم في كل ما يجدونه في المذهب مخالفا للكتاب والسنة، مع أن الأئمة ﵃ تبرؤوا كلهم من هذا كما تقف على تصريحاتهم بذلك إن شاء الله.\nوقد نقل الإمام أبو الحسن السندي الحنفي ١١٣٨هـ في حواشيه على سنن ابن ماجة قولة عبد الله بن عمر المشهورة: (أرأيت إن كان أبي نهى عنها -المتعة في الحج- وصنعها رسول الله - ﷺ -، أمر أبي يتبع أم أمر رسول - ﷺ -؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله - ﷺ -. فقال: لقد صنعها رسول الله - ﷺ -). وقولة ابنه سالم في مسألة استعمال الطيب قبيل الإحرام وقبل الإفاضة: (سنة\n_________\n(١) الحشر الآية (٧).\n(٢) الأحزاب الآية (٢١).","vol":"10","page":233},{"text":"رسول الله أحق أن تتبع) فخالف ﵁ رأي أبيه وجده لسنة رسول الله - ﷺ -.\nثم قال السندي ﵀ ما نصه: وغالب أهل الزمان على خلافاتهم إذا جاءهم حديث يخالف قول إمامهم يقولون: لعل هذا الحديث، قد بلغ الإمام وخالفه بما هو أقوى عنده منه، وقد روى ابن عمر حديث: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (١) فقال له بعض ولده: نحن اليوم نمنعهن، فسبه سبا ما سمع مثله، وهجره إلى أن مات. انتهى كلام السندي ...\nومن الدواهي ما قام به بعض المتفقهة في السنين القريبة من إلقائه خطبة الجمعة ببعض زوايا تطوان مؤيدا جواز الصلاة بالزوايا ذات الأضرحة والقبور ولو جمعة؛ بالقرآن والسنة القولية والفعلية، ثم إجماع الصحابة ﵃هكذا قال-، وزعم أيضا -عفا الله عنا وعنه- أن الأحاديث الواردة بالنهي عن الصلاة على القبور ضعيفة، وعلى فرض صحتها وسلامتها فهي محمولة على خوف عبادة الموتى. إلى آخر ما أتى به من هراء وترهات، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (٢).\nوايم الله إن ضرر هذا الفريق من المسمين بالفقهاء والعلماء على المسلمين لعظيم، وللبلية بهم شديدة؛ لأن العامة يغترون بهم ويظنون أنهم على\n_________\n(١) تقدم ضمن مواقف عبد الله بن عمر سنة (٧٣هـ).\n(٢) الكهف الآية (٥).","vol":"10","page":234},{"text":"حق فيما سكتوا عنه من البدع والعصيان، فيعتمدون على ذلك فيضلون، ويوم القيامة يحكم الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. (١)\n- قال في ذم التقليد: ولو اتبعنا سنة رسول الله وهديه الذي أمرنا بالاقتداء به، ووصية إمامنا مالك ﵁ ونصيحته الذهبية .. في قولته المشهورة: \"إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه\". وما قاله الإمام؛ مثله للأئمة الثلاثة. قال الشافعي ﵀: \"إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - ﷺ - فقولوا بسنة رسول الله - ﷺ - ودعوا ما قلت\"، وقال أيضا: \"أجمع المسلمون -أي علماؤهم- على أن من استبان له سنة رسول الله - ﷺ - لم يحل له أن يدعها لقول أحد\". ولذا قال هو وأبو حنيفة ﵁: \"إذا صح الحديث فهو مذهبي\". وقال الإمام أحمد ﵁: \"من رد حديث رسول الله - ﷺ - فهو على شفا هلكة\" -أي هلك-.\nفالأئمة -كما ترى- كلهم متفقون على وجوب التمسك بالسنة والرجوع إليها، وترك كل قول يخالفها مهما كان القائل عليما؛ فإن شأنه - ﷺ - أعظم، وسبيله أقوم. فمخالفة الأئمة ﵃ في بعض آرائهم وأقوالهم لأجل آية محكمة أو سنة صحيحة لا تعد خروجا عن المذهب؛ بل اتباعا لهم وعملا بما نصحوا ووصوا به أتباعهم من لزوم الرجوع إليها، وبذلك يكونون قد خرجوا من عهدة اتباعهم وتقليدهم على الخطأ؛ فجزاهم\n_________\n(١) 'إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور بالزوايا' نقلا عن كتاب حول شخصية المؤلف نشرها مصطفى شعشوع (ص.٤٠ - ٤٢).","vol":"10","page":235},{"text":"الله أفضل الجزاء وأوفره على اجتهادهم الواسع الشامل لمسائل الدين وأحكامه، وخدمتهم الصادقة للإسلام ونصيحتهم الخالصة للمسلمين.\nوقد أوجب ذلك على المسلمين القرآن وصحيح الأخبار، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (١) الآيات، وقال ﷿: ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٢) إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (٣) الآية. وقال - ﷺ -: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجد» (٤) الحديث. اهـ (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3448>موقفه من المشركين:</span>\nله: كتاب 'إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور بالزوايا' نشرها مصطفى شعشوع ضمن كتاب حول شخصية المؤلف، وقد قرظها محمد كنوني المذكوري -عضو رابطة علماء المغرب ومفتيها- ومن قوله هناك: \"ولقد أجاد حفظه الله وأتى بالنصوص المستمدة من الينبوع الصافي السلسبيل\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) النور الآية (٤٧).\n(٣) النور الآية (٥١).\n(٤) تقدم تخريجه ضمن مواقف عمر بن الخطاب سنة (٣٢هـ).\n(٥) 'إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور بالزوايا' نقلا عن كتاب حول شخصية المؤلف نشرها مصطفى شعشوع (ص.٥٤ - ٥٧).","vol":"10","page":236},{"text":"كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - بما يشفي الغليل ويبرئ العليل، واسمع لو نادى حيا، ولكن لا حياة لمن تنادي\".\nوقد قرر ﵀ في كتابه هذا وجوب المبادرة لهدم القباب التي على القبور، لأنها أضر من مساجد الضرار، ووجوب إزالة القناديل والسرج التي على القبور، وعدم النذر والوقف لها. وحشد فيه ﵀ الأحاديث والآثار وأقوال الفقهاء المبينة لحرمة هذا العمل الشنيع، ومن بين أقواله العظيمة في ذلك؛ قوله: .. فلا مرية أنها بدعة يهودية منهي عنها ومحذر منها بنص الحديث الصحيح الشريف، وأصحابها وأنصارها محادون لله والرسول؛ لا سند لهم إلا فعل الأمراء الجهلاء والفقهاء الجبناء، ويا ما أكثرهم اليوم وقبل اليوم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3449>محمد المكي الناصري (١٤١٤ ه</span>ـ)\nهو أبو عبد الله محمد المكي بن اليمني بن سعيد الناصري ولد بالرباط في الرابع عشر من شوال عام أربع وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة.\nتتلمذ على شيوخ كثير من أشهرهم: أبو شعيب الدكالي والمدني بن الحسني ومحمد السائح والحجوي الثعالبي وشقيقه محمد الناصري، ومن المشارقة: مصطفى عبد الرزاق ومنصور فهمي ويوسف كرم وعبد الوهاب عزام.\n_________\n(١) 'إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور بالزوايا' نقلا عن كتاب حول شخصية المؤلف نشرها مصطفى شعشوع (ص.٥٣).","vol":"10","page":237},{"text":"كانت له جهود في مقاومة المستعمر الفرنسي والإسباني بالمغرب ونفي بسبب ذلك عدة مرات.\nمن آثاره:\n١ - 'إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة' وهو في بيان الخرافات والبدع الطرقية الصوفية (١).\n٢ - 'حرب صليبية في مراكش'.\n٣ - 'فرنسا وسياستها البربرية في المغرب الأقصى'.\n٤ - 'الأحباس الإسلامية في المملكة المغربية'.\n٥ - 'التيسير في أحاديث التفسير'.\n٦ - 'مكانة الاجتهاد في الإسلام'.\n٧ - 'كيف نجدد رسالة الإسلام'.\n٨ - 'تاريخ التشريع الإسلامي'.\n٩ - 'نظام الفتوى في العالم الإسلامي'. وغيرها كثير.\nعين رئيسا للمجلس العلمي بالرباط وسلا، ووزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافة، وأمينا عاما لرابطة علماء المغرب، اشتهر بحلقات التفسير بالإذاعة المغربية.\nتوفي في شهر ذي الحجة سنة أربع عشرة وأربعمائة وألف للهجرة.\n_________\n(١) وهو أول ما ألف وقد اجتمع بعض أشياخ الزوايا فردوا عليه في مسودة باسم أحدهم وهو الشرقي وسموها 'غاية الانتصار ونهاية الانكسار' فانتفض أخوه للحق والدين وهو محمد بن اليمني الناصري فرد عليها برسالة 'ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار'.","vol":"10","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3450>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال عنه شيخه وشقيقه محمد بن اليمني الناصري: \"أول من جاهر بين أقرانه في هذا الوسط المغربي -الذي تعود أهله السكون والسكوت والتسليم للرجال على كل حال- بالدعوة إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وتطهير العقائد من الخرافات، وذم البدع ومحاربة أهلها من غير أن يخش في الله لومة لائم، أو عذل عذول بحب البدع هائم\". (١)\n- قال في مطلع كتابه 'إظهار الحقيقة': أما بعد: فإنه في هذا العصر الزاهر الذي اهتمت الأمم فيه بإحياء ما كان لها من المفاخر والمآثر، قد اتسعت مدارك شبان المسلمين وتفتحت بينهم أزهار العلوم، وانقشع ما غشى أعينهم من كثيف السحب ومتلبد الغيوم، التي طالما حالت بينهم وبين ولوج أبواب العلوم والعرفان، وأوقعتهم في مهاوي الهلاك والخسران، فكثر التباحث والتفاوض بينهم في أسباب الترقي إلى ذروة الكمال، وإرجاع ما كان لهم من العز والعظمة والجلال، إلى أن وقفوا على الغاية المقصودة، والضالة المنشودة، فعلموا أن السبب الوحيد في ذلك، والوسيلة الموصلة إلى بلوغ ما هنالك، هو اتباع الكتاب العزيز واقتفاء المشرع الأعظم، وعدم العدول عما أتى به - ﷺ -، فسارعوا إلى القيام بهذا الأمر العظيم، وحملوا الناس على اتباع السنة والخروج عما هم فيه من مورد البدع الوخيم، وغدا كل واحد منهم ينشر دعوته بين مواطنيه، ويفيدهم ما عنده في هذا الموضوع من المعلومات، ويبين لهم أحسن الوسائل لمقاومة البدع وأسهل الطرقات، رغبة\n_________\n(١) ضرب نطاق الحصار (ص ١٩).","vol":"10","page":239},{"text":"في الترقي إلى ذروة المجد والشرف والعروج في معارج الرقي والمكرمات، حتى لم يبق إشكال لدى جل الوطنيين في أن الحق هو ما هم عليه، والصراط المستقيم هو ما يدعون إليه، فاتفقت آراؤهم على ذلك المبدإ الحميد، وسلكوه غير ملتفتين إلى من خالفهم من كل متعصب جامد وجاهل وبليد؛ فلما رأيت ذلك منهم حملتني الغيرة الدينية على أن انخرط في سلكهم وأعينهم (وإن لم أكن أهلا للإعانة) بتقييد موجز مفيد، فشرعت في ذلك، مستعينا بالله تعالى على سلوك تلك المسالك، ملخصا له من بعض مقالات نصراء الإسلام وحماة الدين -إلى أن قال- اعلم أن ما حدث بعد النبي - ﷺ - ينقسم إلى قسمين: قسم تقتضيه أصول الدين وتتناوله أدلة الشرع الكريم وهذا من الدين قطعا.\nوقسم لا تقتضيه أصول الدين ولا تتناوله أدلة الشرع وهذا هو المسمى بالبدعة والضلالة وهو المردود على صاحبه لقيام البرهان على منعه من الكتاب والسنة\" -ثم ساق الآيات والأحاديث الواردة في ذلك ثم قال: \"إلى غير ما ذكر من الأحاديث الواردة في رد البدع على مبتدعيها وذمهم والحط من مقامهم، والأخبار الطافحة بالحض على التمسك بالكتاب والسنة والإجماع، ونبذ ما خالف هذه الأصول من البدع المحدثة في الدين، المنافية للشريعة الإسلامية؛ إذ الخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع.\nوخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع\nاتبع صراط المصطفى في كل ما ... ياتي وخل وساوس الشيطان\nواعلم بأن الحق ما كانت عليـ ... ـه صحابة المبعوث من عدنان","vol":"10","page":240},{"text":"من أكمل الدين القويم وبين الـ ... ـحجج التي يهدي بها الثقلان\n\nواطلب نجاتك إن نفسك والهوى ... بحران في الدركات يلتقيان\nنار يراها ذو الجهالة جنة ... ويخوض فيها في حميم ءان\nويظل فيها مثل صاحب بدعة ... يتخيل الجنات في النيران\nلا تبتدع فلسوف تصلى النار مذ ... موما ومأخوذا على العصيان\n\nتمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعيا لعلك تفلح\nولذ بكتاب الله والسنة التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربح\nودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح\n\nوإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ ... ـمبعوث بالدين الحنيف الزاهر\nثم الصحابة عند عدمك سنة ... فأولاك أهل نهى وأهل بصائر\n\nفتابع الصالح ممن سلفا ... وجانب البدعة ممن خلفا\n\nفكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف\n\nفبالسنة الغراء كن متمسكا ... هي العروة الوثقى التي ليس تفصم\nتمسك بها مسك البخيل بماله ... وعض عليها بالنواجذ تسلموإياك مما أحدث الناس بعدها ... فمرتع هاتيك الحوادث أوخم","vol":"10","page":241},{"text":"فالاتباع أصل الفضائل كلها، وأس الكمالات بأسرها. والابتداع رأس الفضائح والمصائب، والسبب في اضمحلال الأمم وانحطاطها، وما يصب من اللعنات عليها ويحل بها كل لحظة من القوارع والنوائب. (١)\n- ذكر في كتابه 'إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة' مقدمة حافلة في الحض على اتباع الوحيين الكتاب والسنة والحذر من البدعة والمبتدعة، فساق آيات كثيرة وأحاديث عديدة -مع ما يشوب بعضها من ضعف- وآثار سلفية وأشعار مرضية، وفي سياق بيان أن سبب تخلف الأمة هو الابتعاد عن الأصلين الشريفين قال: فاتباع الأصول الدينية المبرأة من محدثات البدع، هو السبب في نهوض الأمة وارتقائها، وشفائها من أدوائها.\nوالذي نراه من عارض خللها، وهبوطها عن مكانتها، إنما نشأ عن طرح تلك الأصول ونبذها ظهريا، وحدوث بدع ليست من الدين في شيء؛ أقامها دعاة البدع مقام تلك الأصول الثابتة، وأعرضوا عما يرشد إليه الدين، وعما أتى لأجله وأعدته الحكمة الإلهية له.\nفاستبدلوا بالشريعة مذاهب وتقاليد هم بها عاملون ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ (٢) وغرتهم الحياة الدنيا، فطغوا بالميزان، وغرهم بالله الغرور، فانحرفوا عن صراط القرآن، وطلبوا العزة بالكلم الخبيث، دون العمل الصالح والسعي الحثيث، فكانت عزتهم ذلا،\n_________\n(١) إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة (ص.٥ - ١٢).\n(٢) المؤمنون الآية (٥٣).","vol":"10","page":242},{"text":"وكثرتهم قلا، ومكروا السيئات؛ فقادوا العلماء والفقهاء بسلاسل سياسة السلاطين والأمراء، وأوهموا الوازرين والخاطئين، بأن سيحمل أثقالهم عنهم نفر من صلحاء الميتين ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ (١) ففسدت بذلك الأعمال والنيات، واتكل الأحياء على شفاعة الأموات، وتبع ذلك تفرق الكلمة بالباطل، وعدم الاجتماع على نصرة الحق، فخلا الجو للأمراء الظالمين، والرؤساء الغارّين، وفسد بذلك على الأمة أمر الدنيا والدين.\nطغوا في الكتاب ففضلوا الأعمى على البصير، وطغوا في الميزان فاختاروا الظلمات على النور، وأخرجوا الأمة من الظل إلى الحرور، وفقدوا حياة العمل والتعاون فاستمدوا المعونة من أصحاب القبور. (٢)\n- وقال ﵀: لا بد أن نقف وقفة ولو قصيرة عند قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ (٣). ذلك أن كثيرًا من الناس عندما تسبق إلى نفوسهم فكرة من الأفكار يتعصبون لها، ويجمدون عليها، ويعتقدونها اعتقادًا أعمى، فإذا أُلقي إليهم بفكرة جديدة\n_________\n(١) العنكبوت الآيتان (١٢و١٣).\n(٢) إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة (ص.١٥ - ١٧).\n(٣) البقرة الآية (١٦).","vol":"10","page":243},{"text":"قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. كما أن كثيرًا من الناس عندما يتورطون في نوع مرذول من أنواع السلوك، ويألفون جوّه العفن، يصبحون أكثر الناس حذرًا ومخافة من كل فكرة صالحة تلقي الأضواء على ما هم عليه من انحراف وشذوذ، باعتبار أن الفكرة الجديدة قد تكشف معايبهم، وتفضح أسرارهم، وتخرجهم عن مألوفاتهم التي أصبحوا أسراء لها، وتجعلهم حقراء مرذولين أمام أنفسهم أولًا، وأمام الناس أخيرًا، وهكذا لا يكتفي الفاسقون بإقفال أسماعهم عن سماع أية فكرة صالحة؛ بل يتصدون لها بالمقاومة والمحاربة سرًا وعلنًا، وبذلك يزدادون فسقًا على فسق، وانحرافًا فوق انحراف، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ فقد أثبتت لهم هذه الآية صفة الفسوق أولًا وسابقًا، وبتأثير هذه الصفة الملازمة لهم والمسيطرة عليهم زادوا عتوًا وضلالًا، إذ الجريمة تدفع إلى أختها، والسيئة تعين على مثلها، على حد قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (١) وذلك بعكس (المتّقين) الذين لازمتهم صفة التقوى، فانفعالهم من تلقاء أنفسهم يكون مزيدًا من الهداية، ومزيدًا من الرشد ...\nوأما فساد الفاسقين وإفسادهم في الأرض، فيتجلّى في سعيهم إلى تحطيم جميع المقدسات، وفي استهانتهم الظاهرة والباطنة بجميع القيم، وفي\n_________\n(١) البقرة الآية (١٠).","vol":"10","page":244},{"text":"اعتدائهم المتوالي على حقوق الأفراد والجماعات، وفي إجبارهم للغير على الرضى بالفساد والعيش في ظله، ويتجلّى بالأخص في محاربتهم لأوامر الله وانتهاكهم لحرماته، والعمل بالخصوص على إقصاء تعاليمه وطردها من جميع مجالات العيش ومواكب الحياة.\nوهذه الصفات الثلاث التي وصف الله بها (الفاسقين)؛ من خيانة للعهد، وقسوة في القلب، وإفساد في الأرض، كانت ولا تزال هي شعار الفاسقين لا تتخلف واحدة منها عن الأخرى في أي عصر ولا في أي جيل. (١)\n- وقال: والحل القرآني والعملي لكل تنازع يطرأ بين المسلمين كما نص عليه كتاب الله؛ هو الرجوع إلى الله ورسوله، والنظر فيما أوجب التنازع بينهم، على ضوء ما في كتاب الله وسنة رسوله، واستخراج الحل الإسلامي الملائم من تعاليمهما وتوجيهاتهما، ومن القياس على نصوص الدين وسوابقه في عهد الرسالة وعهد الخلافة الراشدة، وبذلك يهتدي المسلمون إلى حل واحد يرضاه الجميع، ويلتزم طاعته الجميع، وما دام المرجع فيه هو الله ورسوله فلا غالب ولا مغلوب، ولا منتصر ولا منهزم، وإنما تكون كلمة الله وحدها هي العليا ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢) وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ\n_________\n(١) التيسير في أحاديث التفسير (١/ ٣١ - ٣٤).\n(٢) النساء الآية (٦٥).","vol":"10","page":245},{"text":"فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (١) على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢).\nثم جاء التعقيب على هذا الإرشاد الإلهي بأنه هو خير وسيلة وأحسن طريقة لفض النزاع بين المسلمين إذا طرأ عليهم ما يدفع إليه، وأنه أحسن عاقبة ومآلًا، وفي ذلك إيماء إلى أن أيّة وسيلة أخرى قد يقع عليها الاختيار خارج هذا الإطار، لا تكون ناجعة ولا نافعة ولا حاسمة للنزاع، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٣).اهـ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3451>موقفه من المشركين</span>\n- قال في سياق ذكر بعض البدع الشركية:\nذكر شيء مما فشا في الإسلام من البدع وإيضاح بعض ما نشأ عنها:\nنظرا لغفلة علماء الدين وتهاونهم في الهدى والإرشاد، وميل الجهلة الطغام إلى كل مبتدع غريب؛ ولو أداهم إلى مشاركة المشركين فيه لصعوبة التكاليف الشرعية عليهم، وضعوا أوضاعا تشابه أعمال المشركين في الصورة أو في الحكم، وقاموا بها لسهولتها عليهم حيث لم يدخلوا بسببها تحت أمر غيرهم حتى أوشكت حالتهم أن تصير شبيهة بحالة المشركين، وعاد بينهم\n_________\n(١) النساء الآية (٥٩).\n(٢) الشورى الآية (١٠).\n(٣) النساء الآية (٥٩).\n(٤) التيسير في أحاديث التفسير (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩).","vol":"10","page":246},{"text":"الدين غريبا كما بدأ واختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا حسب اجتهاد كل واحد منهم، ووفور ذكائه، وقوة فكره، وحدة ذهنه.\nفمنهم الذين اتخذوا القبور حرمات ومعابد، فبنوا عليها المساجد والمشاهد، وزخرفوها بما يجاوز حد السرف بمراتب، واصطلحوا فيها على بناء النواويس، واتخاذ الدرابيز والكسا المذهبة، وتعليق الستور والأثاث النفيسة، وتزويق الحيطان وتنميقها، وإيقاد السرج فوق تلك القبور ككنائس النصارى، وسوق الذبائح إليها، وإراقة الدماء على جدرانها، والتمسح بها، وحمل ترابها تبركا، والسجود لها، وتقبيلها، واستلام أركانها، والطواف حولها، والنذر لأهلها، وتعليق الآمال بهم، والتوسل إليهم بالله ليقضوا لسائليهم الحوائج -كما يزعمون- فيقولون عند زيارتهم: (قدمت لك وجه الله يا سيدي فلان إلا ما قضيت لي حاجتي) جاعلين الحق ﷾ وسيلة تقدم إلى أولئك المقبورين للتوصل إلى نيل أغراضهم؛ مع أن الميت قد انقطع عمله، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فكيف لمن استغاث به، أو سأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها؛ فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، واستعانة ذلك الميت وسؤاله لم يجعلهما سبحانه سببا لإذنه، وإنما السبب في إذنه كمال التوحيد، فجاء هذا بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، على أن الميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له، كما أوصانا النبي - ﷺ - إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس أولئك القبوريون هذا، وزاروهم زيارة العبادة لقضاء الحوائج والاستعانة بهم، وجعلوا قبورهم قريبة","vol":"10","page":247},{"text":"من أن تصير أوثانا تعبد، وقد شاع هذا بين المسلمين وذاع وعم كل ما يستوطنون به من البقاع. (١)\n- وقال: إن اليهودية والنصرانية التي تنتمي كل واحدة منهما زورًا وبهتانًا إلى إبراهيم الخليل وملته الحنيفية؛ قد انقطعت علاقتهما مع ملة إبراهيم انقطاعًا تامًا منذ دخلهما التحريف والتأويل، والتغيير والتبديل، وإن وثنية الجاهلية التي يدين بها المشركون العرب هي نقيض الحنيفية السمحة، بحيث لا يمكن أن يلتقيا في أي خط من الخطوط، ومهما ادعت اليهودية أو النصرانية أو الوثنية من قرابة مع ملة إبراهيم، ومن اقتباس من عقائدها أو شعائرها؛ فإنما تدعي زورًا وتقول بهتانًا.\nوعلى فرض أنها لم تزل تتناقل بعض العقائد أو بعض الشعائر عن ملة إبراهيم؛ فإن ذلك لا ينفي أنها قد غيّرت حقيقة الملة الحنيفية، وشوّهت معالمها، وأدخلت عليها من العناصر الغريبة والدخيلة ما جعلها مناقضة للأصل كل المناقضة، جوهرًا ومظهرًا. (٢)\n- وقال عند قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ (٣): وفي هذه الخاتمة يستنكر كتاب الله من جديد موقف المشركين الذي يتخذون من عباده أولياء، يوالونهم ويعبدونهم من دون الله، فيجعلونهم محل الخوف والرجاء، ويعتقدون أن بِيَدِهم المنع والعطاء، ناسين أن\n_________\n(١) إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة (ص.١٩ - ٢٠).\n(٢) التيسير في أحاديث التفسير (١/ ٨٣).\n(٣) الكهف الآية (١٠٢).","vol":"10","page":248},{"text":"العابد والمعبود في هذه الحالة سيّان، إذ في العجز والضعف والافتقار إلى الله خالق الخلق ورازقهم، لا يفترق إنسان عن إنسان، وإقبال العاجز الفقير على عبادة عاجز فقير مثله نوع من خَوَر الرأي، وضرب من العبودية والهوان. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3452>موقفه من الصوفية</span>\n- قال في عد بعض البدع الفاشية: ومنهم جماعات اتخذوا دين الله لهوا ولعبا، فجعلوا منه القيام والرقص حالة الذكر الجهري، ظانين أن ما يفعلونه من الرقص حالة الذكر عبادة، مع أن من ظن ذلك تجب عليه التوبة؛ فإن ناظر على ذلك وقال إنه عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى يخالف الإجماع؛ فيكون عاصيا آثما، إن لم يكن كافرا بناء على القول بتكفير مخالف الإجماع.\nوكيف يعتقد من أودع الله فيه نور العقل أن الشطح وما شابهه مما يعبد الله به، مع تيقنه أن ذلك مجرد لهو ولعب؟\nمتى علم الناس في ديننا ... وأن يأكل المر أكل الحما ... وقالوا سكرنا بحب الإلـ ... كذلك البهائم إن أشبعت ... فيا للعقول ويا للنهى ... تهان مساجدنا بالسما ... بأن الغنا سنة تتبع\nر ويرقص في الجمع حتى يقع\nـه وما أسكر القوم إلا القصع\nيُرقصها ريها والشبع\nألا منكر منكم للبدع ... ع وتكرم عن مثل ذاك البيع\n_________\n(١) التيسير في أحاديث التفسير (٤/ ٢٠).","vol":"10","page":249},{"text":"ومما يزيد الطين بلة، والطنبور نغمة، أنهم يخلون ذكر الله وقتئذ بإنشاد مدائح أهون ما فيها الإطراء الذي نهانا عنه سيد المتواضعين حتى لنفسه الشريفة فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، ولكن قولوا عبد الله ورسوله» (١).\nولا تسأل عن تغاليهم في الاستغاثة بشيوخهم والاستمداد منهم بصيغ لو سمعها مشركو قريش لنسبوهم إلى الكفر والزندقة والمروق من الدين؛ لأن أبلغ صيغة تلبية كانت لمشركي قريش هي قولهم (لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك). وهي كما ترى أخف شركا من المقامات الشيوخية التي يهدرون بها إنشادا بأصوات عالية مجتمعة وقلوب محترقة خاشعة. ومنهم أقوام كثيرون اصطلحوا على جعل يوم من السنة مخصوصا بفضيلة أكل اللحوم النيئة، والطواف في الأسواق، ودق الطبول والنفخ في الأبواق، وتلطيخ الثياب بالدماء المسفوحة طول يومهم الذي يكونون فيه قرناء الشيطان، مع أكل الزجاج والشوك والحيات والعقارب وشرب القطران.\nويزيدهم قبحا وبشاعة وتمكنا في الهمجية ما يتمثلون به من الحيوانات البهيمية، ويتشبهون به من الوحوش الضارية، فيشخصون للإنسان كل ما امتازت به تلك الحيوانات بغاية البراعة والإتقان، ويستميلون نفوس الراءين ويسترعون أسماعهم بما يحسنون به تلك الأدوار من أنواع المهايتات والصياح، ويجوزون الشوارع الواسعة، ذات الأطراف الشاسعة على هذه\n_________\n(١) أحمد (١/ ٤٧و٥٥) والبخاري (٦/ ٥٩١/٣٤٤٥) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"10","page":250},{"text":"الحالة البشيعة المنظر، مختلطين بالنساء، حاملين الرايات الشيطانية جاعلين أبناء شيوخهم وسطهم راكبين على عتاق الخيل، لابسين أحسن ما عندهم من الثياب، محفوفين بالعز والتأييد والمهابة والإقبال منظورين بعين التعظيم والإجلال؛ وذلك ليستمطروا بهم سحائب فضلات الجهال، من النساء والرجال، الذين يأتون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم -حسب زعمهم- في ذلك اليوم المشهود عند الشياطين، المحبوب عند أعداء الأمة والدين، ولينالوا بركة أولئك الأوباش الطغام الذين ينزل عليهم من الإعانات الشيطانية، والإمدادات الجارية طبق الأهواء النفسانية ما لا يحصى بِعَدّ، ولا يقف عند حد.\nومثل هؤلاء الرعاع: قوم آخرون؛ أبشع منهم منظرا وأقبح حالة، يطوفون بالأسواق ويضربون الطبول، وينفخون في الأبواق مثل سابقيهم، إلا أن هؤلاء يشدخون رءوسهم أثناء تطوفهم، ويضربونها ويسيلون دماءها بالأسلحة والفئوس والقلال، وغيرها من أنواع الآلات المحددة التي لا أقدر على وصفها مما يتخذونه قصدا للقيام بهذا الأمر الفظيع.\nويستعينون على كل ما ذكر بشرب المسكرات، واستعمال المرقدات والمخدرات، وهم سواء مع من ذكرناهم سابقا وقدمنا وصفهم في هذا الفعل القبيح والعمل السمج؛ ولكن مع هذا كله؛ فقد حصلوا على مراكز عظمى في القلوب، واستعمروا متسعات كبيرة كانت فارغة في النفوس؛ لما لهم من القدرة على تملك المشاعر، والسيطرة على الإحساس والوجدان، بأساليب الخداع التي يستعملونها وطرق التدليس التي يسلكونها، حتى إنهم سموا","vol":"10","page":251},{"text":"أفعالهم تلك بالحضرة موهمين بذلك أنهم وقتئذ يكونون في حضرة الله تعالى، وحاشا لله، فماهم إلا في حضرة الشيطان لعنه الله، محى الله مددهم وعددهم.\nوليس العجب من انتشار ذلك بين العامة الذين هم كالأنعام، في كل الأمم والأقوام، بل العجب دخوله على كثير ممن يدعون أنهم من الخواص والعلماء، وانتصارهم لأهله، كأنه من غريز الكمالات في الدين الإسلامي؛ حتى أصاب جسم الأمة الإسلامية بسبب ذلك أمراض فعالة، وسرت في عروقها سموم قتالة:\nأولها: احتجاب نور الشريعة عن أنظار العالم الإسلامي وراء ستر تقليد من لا علاقة له بالدين.\nثانيها: شيوع البدع والأحداث ونزولها منزلة أمهات المسائل الدينية.\nثالثها: استكانة النفوس لتلك البدع والركوع أمامها من العلماء جهلا أو تجاهلا، أو تأولا أو تقولا، ومن العامة تقليدا لهم.\nرابعها: قعود أهل الإيمان والنظر الصحيح عن بيان حقيقة الدين الإسلامي خوفا من علماء السوء -وهم كثيرون- أن يثيروا العامة عليهم كما اتفق ذلك لكثير من أهل العلم الصحيح المتقدمين، وبعض العلماء الموجودين.\nخامسها: وقوع المسلمين في الحيرة إذا توجه عليهم اعتراض في أمر وقامت عليهم حجة العقل في قبحه ظنا منهم أن ما هم عليه هو الدين.","vol":"10","page":252},{"text":"وهذه الأمراض والأعراض كافية؛ لأن تفقد الدين حياته الأدبية -لا قدر الله-، ولولا أن أصول الدين محفوظة من التغيير والتبديل لم تصل إليها يد عابث لما بلغنا شيء من حقائق الدين، ولاندثر كما اندثر غيره من الأديان التي نالت أصولها أيد المتلاعبين -والأمر لله ما شاء فعل. (١)\n- وقال عن الآثار السيئة للتصوف المنتشر في بلاد المغرب وشؤمه على البلاد والعباد: ... إن كل ما أصابنا من أنواع الانحطاط والجمود والفشل والافتراق، والتنازع والتباغض، والتحاسد والشقاق؛ إنما هو من نتائج بدع المتصوفة المبطلين التي اتبعناهم فيها، واعتكفنا معهم على إقامتها، وسرت في نفوسنا سريان الدم في العروق، فلا شك أن النفس الحية الثائرة على الأكاذيب والأباطيل تشمئز من ذلك، وتسعى بجد واجتهاد في مقاومته، وتستعمل جميع الوسائل لحسم مادته وإزالته ... (٢)\n- وقال ﵀ في معرض حديثه عن قصة موسى والخضر: ومن المفيد في هذا المقام القضاء على بعض الشبه والأوهام، ذلك أن الاعتراضات التي اعترض بها موسى على تصرفات صاحبه إنما لم يكن لها قبول؛ لأن تصرفات صاحبه صدرت على مقتضى ما أُوحي إليه من عند الله، ولم تصدر منه عن رأيه الخاص ومحض هواه، ولذلك لم يُعدّ عمله خروجًا على شريعة موسى ﵇، وأقرّه موسى في النهاية على تأويله وفارقه بسلام، اقتناعًا منه بقوله دفاعًا عن نفسه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ\n_________\n(١) إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة (ص.٢٢ - ٢٦).\n(٢) إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة (ص.٤١).","vol":"10","page":253},{"text":"تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ (١).\nلكن في حالة ما إذا أكمل الله دينه، وانقطع الوحي الإلهي بالمرة، وختمت الرسالة إلى الأبد، كما هو الحال بالنسبة للرسالة المحمدية التي هي خاتمة الرسالات، إذ لا نبي بعد نبينا ولا رسول؛ فإنه لا يقبل من أحد من المسلمين مهما كانت درجته في العلم والصلاح والولاية أيّ قول أو فعل مخالف لنصوص الوحي الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله، فنصوص الشريعة حاكمة على ما سواها، ومهيمنة على ما عداها، وكل ما يصدر عن الناس من الأقوال والأفعال لا بد أن يوزن بميزانها، فما وافقها كان مقبولًا، وما خالفها كان مرفوضًا، ومن هنا كان كل ما يَخْرِم قاعدة شرعية أو حكمًا شرعيًا ليس بحق في نفسه؛ بل هو إما خيال أو وهم، وإما من إلقاء الشيطان، حسبما نص عليه الشاطبي في 'الموافقات'، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢).اهـ (٣)\n_________\n(١) الكهف الآية (٨٢).\n(٢) النساء الآية (٦٥).\n(٣) التيسير في أحاديث التفسير (٤/ ١٠ - ١١).","vol":"10","page":254},{"text":"عبد الرزاق عفيفي (١) (١٤١٥ هـ)\nالشيخ الإمام عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية العفيفي النوبي الأصل. ولد في شهر رجب من عام ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة في مدينة ششور من البلاد المصرية. طلب العلم منذ الصغر فدرس في الأزهر الشريف، ثم تولى رئاسة جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر، ثم رئيسا عاما لها. وفي عام ثمان وستين وثلاثمائة وألف للهجرة، سافر الشيخ إلى المملكة العربية السعودية حاجا، فاستقر بها، شاغلا مناصب عدة في التعليم وغيره. تتلمذ عليه الشيخ محمد بن العثيمين والشيخ عبد العزيز آل الشيخ وإبراهيم آل الشيخ والشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ صالح البسام وغيرهم.\nقال فيه الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله آل الشيخ: الشيخ أحد الأعلام الفضلاء الذين هيأ الله لهم فرصة تربية الأجيال، وهو أحد العلماء الذين عرفوا بالجد والاجتهاد والإخلاص في أداء الواجب، وهو ذو علم واسع. وقال الشيخ صالح الفوزان: إن شيخنا الشيخ عبد الرزاق عفيفي -يرحمه الله- شخصية علمية فذة، فهو شيخ المدرسين، وقدوة العلماء السلفيين في هذا الوقت، له الفضل -بعد الله- على كل متعلمي هذا الجيل ممن تخرجوا في الدراسات الشرعية في التفسير والحديث والعقيدة والأصول. وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: إنه من أفاضل العلماء، ومن القلائل الذين نرى منهم سمت أهل العلم وأدبهم ولطفهم وأناتهم وفقههم.\n_________\n(١) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٣/ ٢٧٥) والإتحاف (٢/ ١١) ومجلة التوحيد (العدد الخامس جمادى الأولى ١٤١٥هـ/ص.٢٤ - ٤٦).","vol":"10","page":255},{"text":"توفي ﵀ سنة خمس عشرة وأربعمائة وألف، وصلي عليه في جامع الإمام تركي، وكانت جنازته مشهودة، ودفن في مقبرة العود في الرياض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3454>موقفه من المبتدعة:</span>\nبعد أن تحدث ﵀ عن أعداء الإسلام والأساليب التي يستعملونها لبث أفكارهم وشبههم -وذكر بعضها-.\nقال: وغيرها من الشبه التي زانوها واستولوا بها على عقول البسطاء، وأحيانا ينتحلون أحاديث ينسبونها زورا إلى رسول الله ﵊، ويلقونها على مسامع الأغرار وأهل الغفلة والجهل بفن الحديث من الذين لا يستطيعون التمييز بين صحيحه ومكذوبه، بل يصغون لكل ما نسب إليه - ﷺ -؛ لحسن ظنهم بالرواة، وظنهم أنه لا يجرؤ أحد على الكذب على المشرع، ولكن يأبى الله تعالى إلا أن ينصر دينه وينجز وعده، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١)، ويأبى الحق إلا أن يصرع الباطل على يد النقاد من رجال الحديث وعلماء الرواية؛ بكلاءة هذا الفن وحفظه بتدوينه وتمييز الأصيل من الدخيل، والكشف عن أحوال الرجال جرحا وتعديلا يقظة وغفلة؛ إلا أن بعض رجال العلم من بعد أهملوا هذا الميراث الثمين، ولم يسلكوا سبل سلفهم في رد الفروع إلى الأصول، ولم يسيروا على ضوء مباحث الأولين في رد الشبه والأحاديث المفتراة؛ فغمرهم ظلام الإفك، وطغى عليهم التلبيس فتخبطوا في كثير من مباحثهم، وأكثروا من\n_________\n(١) الحجر الآية (٩).","vol":"10","page":256},{"text":"الاحتمالات التي لا داعي لها ولا حاجة إليها، فضعفت كلمتهم أمام المحرفين والمشبهين الملحدين. وإن ما ترزح تحته الأمم الإسلامية اليوم؛ من تفرق في الكلمة، وانحراف في الرأي، وضعف في الدفاع، وتأخر إلى الوراء حين يتقدم غيرهم؛ ليس كل ذلك إلا نتيجة غفلتهم عن تراث السلف الصالح وسلوكهم لغير خطتهم علما وعملا.\nولقد راجت شبه الملحدين من جديد رواجا مخيفا جمد إزاءه المسلمون، ولو أنهم رجعوا إلى أقوال سلفهم الصالح وسلكوا طريقهم، لردوا كيد الكائدين إلى نحورهم؛ فإنه ما من شبهة تذاع اليوم إلا وقد سبق إليها شياطين الملحدين السابقين في العصور الأولى، ووقفها وردها وأبطلها أجلة علماء السلف ببراعة فائقة؛ فلا سبيل أرشد من سبيلهم، ولا هدي أقوم مما كانوا عليه؛ فالخير كل الخير في العودة إلى كتاب الله تعالى تلاوة له وتفقها فيه، وإلى أحاديث المصطفى صاحب جوامع الكلم - ﷺ - دراية ورواية، والفتيا بهذين الأصلين وعرض أعمال الناس عليهما؛ فهذا هو الفلاح والرشاد الذي ليس بعده رشاد. (١)\n- ومن مقالاته ﵀:\nمن أسباب الانحراف والصدود عن الحق:\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فللصدود عن الحق أسباب عديدة وموانع كثيرة؛ منها: الغرور الفكري والتقليد عن غير بينة وبصيرة، وتحكم العادات السيئة في النفوس، والأنفة والاستكبار،\n_________\n(١) إتحاف النبلاء (٢/ ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"10","page":257},{"text":"والحسد الممقوت، وطاغوت الافتتان بالمركز والجاه وكثرة المال، وما إلى ذلك، وكلها أمراض أخلاقية وبيلة، وأدواء مستعصية فتاكة، والحديث عنها يطول؛ فليكن حديثي في هذه الحلقة عن الغرور الفكري. الغرور الفكري هو إعجاب الإنسان بعقله، وافتتانه برأيه، وإنزاله فوق منزلته، وإعطاؤه من القداسة ما ليس بأهل له حتى يتدخل فيما لا يعنيه، وما ليس في وسعه وحدود طاقته؛ فيعارض العبد ربه في خلقه وتشريعه، فضلا عن معارضته لنظرائه ومن هو أوسع منه فكرا وأكثر تجربة من العلماء. لقد وجد الشيطان منفذا لوسوسته في اغترار قوم بعقولهم وعلومهم؛ فاستهواهم، وزين لهم أن يخوضوا فيما ليس من شأنهم، وأن يهجموا على بحث ما ليس في وسعهم بحثه. (١)\n- وقال ﵀: الحكم فيمن رد السنة جملة -أي كلها- فهو كافر، فمن لم يقبل منها إلا ما كان في القرآن فهو كافر، لأنه معارض للقرآن، مناقض لآيات القرآن: والله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (٢)، ويقول تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ\n_________\n(١) إتحاف النبلاء (٢/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(٢) آل عمران الآية (٣٢).\n(٣) الحشر الآية (٧).","vol":"10","page":258},{"text":"فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٢) ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)،\nفقوله: ﴿فاتبعوني﴾ هذا عام، فحد المفعول طريق من طرق إفادة العموم، ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وما من صيغ العموم، وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ أي: تنازع الرعية، وأولو الأمر من العلماء والحكام ﴿فِي شَيْءٍ﴾ فردوه إلى الله والرسول، فلم يجعله إلى الله وحده، بل جعله إلى الله وإلى الرسول، ورده إلى الله رده إلى كتاب الله، ورده إلى الرسول بعد وفاته رده إلى سنته ﵊، فدعواه أنه يعمل بالقرآن عقيدة وعملا ويرد السنة جملة -هذه الطائفة التي تسمي نفسها (القرآنية) - دعوة باطلة، وهو مناقض لنفسه لأنه كذب آيات القرآن التي فيها الأمر باتباع الرسول - ﷺ -، وأخذ ما جاء به، وطاعته فيما جاء به من عند\n_________\n(١) المائدة الآية (٩٢).\n(٢) النساء الآية (٥٩).\n(٣) آل عمران الآية (٣١) ..","vol":"10","page":259},{"text":"الله عموما دون أن يخص آيات القرآن، ثم هو في الوقت نفسه كيف يصلي؟ وكيف يحدد أوقات الصلوات؟ وكيف يصوم؟، وعن أي شيء يصوم؟ وتفاصيل الصيام كيف يعرفها؟ وكيف يحج بيت الله الحرام؟ فليس هناك إلا أركان محدودة من الحج في سورة البقرة، وكذلك أين أنصبة الزكاة؟ وكيف يزكي؟ كل هذه التفاصيل موجودة في السنة وليست في القرآن. فمن يدعي أنه يأخذ بالقرآن ولا يأخذ بالسنة فإنه مغالط ومناقض لنفسه، ومناقض للقرآن، لأنه رد آياته الكثيرة التي ورد فيها الأمر بطاعة الرسول ﵊ والأخذ بما جاء به، ومناقض لإجماع المسلمين ولإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم جميعا لم يشذ واحد منهم عن الأخذ بالسنة، فإذا هو كافر بالقرآن وإن ادعى أنه مؤمن به، والكافر بآية منه كالكافر بكل آياته، كافر بالإجماع منكر له أي إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فما فيهم واحد شذ عن السنة وأنكرها جملة، وإذا أنكر أحدهم شيئا فإنما ينكر حديثا من جهة الراوي لا من جهة أنه كلام الرسول ﵊، أي: السنة.\nوهذا أيضا لا يقوى على أن يقوم بالصلوات الخمس على وجهها المعلوم من الدين بالضرورة، فصلاة العصر أربع ركعات، وصلاة الصبح ركعتان لا يجد هذا في كتاب الله فمن أين جاء هذا؟ ما جاء إلا من تعليم جبريل للرسول ﵊، وتعليم الرسول ﵊ لأصحابه، فمن أين يأتي بهذا؟ فهذا مجمل الرد عليه، وإثبات أنه كافر بالقرآن، كافر بالإجماع اليقيني، كافر بالمعلوم من الدين بالضرورة، من مثل","vol":"10","page":260},{"text":"أن ركعات الظهر أربع، والعصر أربع، والعشاء أربع، والمغرب ثلاث، والصبح ركعتان، وكافر أيضا بتفاصيل الصيام لأنها ليست في القرآن، وهي معلومة من الدين بالضرورة، فلذلك كان كافرا. (١)\n- وقال ﵀ في جماعة التبليغ: الواقع أنهم مبتدعة ومحرفون وأصحاب طرق قادرية وغيرهم، وخروجهم ليس في سبيل الله، ولكنه في سبيل إلياس، هم لا يدعون إلى الكتاب والسنة، ولكن يدعون إلى إلياس شيخهم في بنجلادش، أما الخروج بقصد الدعوة إلى الإسلام فهو جهاد في سبيل الله، وليس هذا هو خروج جماعة التبليغ، وأنا أعرف جماعة التبليغ من زمان قديم، وهم المبتدعة في أي مكان كانوا. هم في مصر، وإسرائيل (٢)، وأمريكا، والسعودية، كلهم مرتبطون بشيخهم إلياس. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3455>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀: وتطرف البراهمة، فأحالوا أن يصطفي الله نبيا ويبعث من عباده رسولا، وزعموا أن إرسالهم عبث، إما لعدم الحاجة إليهم اعتمادا على العقل في التمييز بين المصالح والمفاسد، واكتفاء بما يدركه مما يحتاج إليه العباد في المعاش والمعاد، وإما لاستغناء الله عن عباده، وعدم حاجته إلى أعمالهم، خيرا كانت أو شرا، إذ هو سبحانه لا ينتفع بطاعتهم، ولا يتضرر بمعصيتهم.\n_________\n(١) فتاوى ورسائل (٣٠٣ - ٣٠٥).\n(٢) هذه التسمية الأولى أن لا تطلق على دولة يهود فإن في ذلك تزكية لهم وانظر في ذلك معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد (٩٣).\n(٣) فتاوى ورسائل (٣٧٢ - ٣٧٣)","vol":"10","page":261},{"text":"وقد سبق بيان عدم كفاية العقل في إدراك المصالح والمفاسد، وحاجة العالم إلى رسالة تحقيقا لمصالحهم، مع غنى الله عن الخلق وأعمالهم، فليس إرسالهم عبثا، بل هو مقتضى الحكمة والعدالة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3456>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ﵀: يرى أهل السنة أن حب الصحابة دين وإيمان وإحسان لكونه امتثالا للنصوص الواردة في فضلهم، وأن بغضهم نفاق وضلال لكونه معارضا لذلك، ومع ذلك فهم لا يتجاوزون الحد في حبهم أو في حب أحد منهم لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٢) ولا يخطئون أحدا منهم، ولا يتبرءون منه، ولهذا ورد عن جماعة من السلف كأبي سعيد الخدري والحسن البصري وإبراهيم النخعي، أنهم قالوا: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، ومعنى ذلك أن الشهادة على مسلم معين أنه كافر أو من أهل النار، بدون دليل يرشد إلى الحكم عليه بذلك بدعة، وأن البراءة من بعض الصحابة بدعة. (٣)\n- وقال ﵀: والمراد بالشيعة هنا: كل من شايع علي بن أبي طالب خاصة، وقال بالنص على إمامته، وقصر الإمامة على آل البيت. وقال بعصمة الأئمة من الكبائر، والصغائر، والخطأ، وقال: لا ولاء لعلي إلا بالبراء من غيره من الخلفاء الذين في عصره قولا وفعلا، وعقيدة، إلا في\n_________\n(١) فتاوى ورسائل (١٨٠).\n(٢) المائدة الآية (٧٧).\n(٣) فتاوى ورسائل عبد الرزاق عفيفي (٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"10","page":262},{"text":"حال التقية. وقد يثبت بعض الزيدية الولاء دون البراء.\nفهذه أصول الشيعة التي يشترك فيها جميع فرقهم، وإن اختلفت كل فرقة عن الأخرى في بعض المسائل، فمن قال ممن ينتسب إلى الإسلام بهذه الأصول فهو شيعي. وإن خالفهم فيما سواها ومن قال بشيء منها، ففيه من التشيع بحسبه. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3457>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀: إرسال الله للرسل مما يدخل في عموم قدرته، وتقتضيه حكمته فضلا من الله ورحمة، والله عليم حكيم، وهذا هو القول الوسط والمذهب الحق.\nوقد أفرط المعتزلة فقالوا: إن بعثة الرسل واجبة على الله إبانة للحق، وإقامة للعدل ورعاية للأصلح، وهذا مبني على ما ذهبوا إليه من القول بالتحسين والتقبيح العقليين وبناء الأحكام عليهما -ولو لم يرد شرع- وهو أصل فاسد. (٢)\n- وقال ﵀: ولا يغترن إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل وسعة في التفكير، وبسطة في العلم، فيجعل عقله أصلا، ونصوص الكتاب والسنة الثابتة فرعا، فما وافق منهما عقله قبله واتخذه دينا، وما خالفه منهما لوى به لسانه وحرفه عن موضعه، وأوله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره، وإلا رده ما وجد في ظنه إلى ذلك سبيلا -ثقة بعقله- واطمئنانا إلى القواعد التي أصلها بتفكيره، واتهاما لرسول الله - ﷺ -، أو تحديدا لمهمة رسالته وتضييقا لدائرة ما\n_________\n(١) فتاوى ورسائل عبد الرزاق عفيفي (٣٣٧).\n(٢) فتاوى ورسائل (ص.١٨٠).","vol":"10","page":263},{"text":"يجب اتباعه فيه، واتهاما لثقاة الأمة وعدولها، وأئمة العلم، وأهل الأمانة الذين نقلوا إلينا نصوص الشريعة، ووصلت إلينا عن طريقهم قولا وعملا.\nفإن في ذلك قلبا للحقائق، وإهدارا للإنصاف مع كونه ذريعة إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على أصولها إذ طبائع الناس مختلفة واستعدادهم الفكري متفاوت وعقولهم متباينة، وقد تتسلط عليهم الأهواء، ويشوب تفكيرهم الأغراض، فلا يكادون يتفقون على شيء، اللهم إلا ما كان من الحسيات أو الضروريات، فأي عقل يجعل أصلا يحكم في نصوص الشريعة فترد أو تنزل على مقتضاه فهما وتأويلا.\nأعقل الخوارج في الخروج على الولاة، وإشاعة الفوضى وإباحة الدماء؟ أم عقل الجهمية في تأويل نصوص الاستواء والصفات وتحريفها عن موضعها وفي القبول بالجبر؟\nأم عقل المعتزلة ومن وافقهم في تأويل نصوص أسماء الله وصفاته ونصوص القضاء والقدر وإنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة؟\nأم عقل الغلاة في إثبات الأسماء والصفات، والغلاة في سلب المكلفين المشيئة والقدرة على الأعمال؟\nأم عقل من قالوا بوحدة الوجود ... إلخ. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3458>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀: خرج جماعة من المسلمين على الخليفة الثالث عثمان ابن عفان لأمور نقموها منه، وأحداث أنكروها عليه، ومازال بهم اللجاج في\n_________\n(١) فتاوى ورسائل (ص.٣١٣).","vol":"10","page":264},{"text":"الخصومة معه حتى قتلوه. ولما انتهت الخلافة إلى علي بن أبي طالب كان ممن اختلف عليه وقاتله طلحة بن عبيد الله القرشي، والزبير بن العوام، فأما الزبير فقتله ابن جرموز، وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم فقتله، وكانت معهما عائشة -﵂- على جمل لها، ولكنها رجعت سالمة مكرمة لم يعترض عليها أحد، وتسمى هذه الموقعة بـ \"موقعة الجمل\" (١). واختلف على علي -أيضا- معاوية ومن تبعه -﵃- ودارت الحرب بين الفريقين حتى كان التحكيم الذي زاد الفتنة اشتعالا ودب الخلاف في جيش علي، وخرج عليه ممن كان من أنصاره فرقة تعرف بالحرورية وبالشراة. واشتهرت باسم الخوارج.\nوحديث العلماء في الفرق الإسلامية عن الخوارج إنما هو عن هؤلاء الذين خرجوا على علي -﵁- من أجل التحكيم. أما طلحة والزبير، ومعاوية، ومن تبعهم، فلم يعرفوا عند علماء المسلمين بهذا الاسم.\nثم صارت كلمة الخوارج تطلق على كل من خرج على إمام من أئمة المسلمين اتفقت الجماعة على إمامته في أي عصر من العصور دون أن يأتي ذلك الإمام بكفر ظاهر ليس له عليه حجة وإذن، فأول من أحدث هذه البدعة في هذه الأمة الجماعة التي خرجت على علي بن أبي طالب سنة ٣٩هـ، وأشدهم في التمرد، والخروج عليه، الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي، والذي دعاهم إلى ذلك مسألة التحكيم المشهورة في التاريخ، ورضا الملومة به مع أنهم الذين أمروه به،\n_________\n(١) وقعت سنة (٣٦هـ).","vol":"10","page":265},{"text":"واضطروه إليه، ثم أنكروه عليه فقالوا: لم حكمت الرجال؟ لا حكم إلا لله.\nورؤوسهم ستة: الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والإباضية، والثعالبة، وعنها تتفرع فرقهم.\nومن أصولهم التي اشتركت فيها فرقهم، البراءة من علي، وعثمان وطلحة والزبير، وعائشة، وابن عباس -﵃- وتكفيرهم.\nوالقول بأن الخلافة ليست في بني هاشم فقط، كما تقول الشيعة، لا في قريش فقط، كما يقول أهل السنة، بل في الأمة عربها وعجمها، فمن كان أهلا لها علما واستقامة في نفسه، وعدالة في الأمة جاز أن يختار إماما للمسلمين.\nومن أصولهم: الخروج على أئمة الجور، وكل من ارتكب منهم كبيرة. ولذلك سموا بالخوارج. والإيمان عندهم: عقيدة، وقول، وعمل.\nوقد وافقوا في هذا أهل السنة في الجملة، وخالفوا غيرهم من الطوائف. ومن أصولهم -أيضا-: التكفير بالكبائر، فمن ارتكب كبيرة فهو كافر، وتخليد من ارتكب كبيرة في النار إلا النجدات في الأخيرين. ولذا سموا وعيدية.\nومن أصولهم -أيضا-: القول بخلق القرآن وإنكار أن يكون الله قادرا على أن يظلم. وتوقف التشريع والتكليف على إرسال الرسل، وتقديم السمع على العقل على تقدير التعارض، فمن وافقهم في هذه الأصول فهو منهم وإن خالفهم في غيرها، ومن وافقهم في بعضها، ففيه منهم بقدر ذلك. وقد اجتمعوا بحروراء برئاسة عبد الله بن الكواء، وعتاب بن الأعور، وعبد الله بن","vol":"10","page":266},{"text":"وهب الراسبي، وعروة بن حدير، ويزيد بن عاصم المحاربي، وحرقوص بن زهير المعروف بذي الثدية. وكانوا في اثني عشر ألف رجل، فقاتلهم علي يوم النهروان، فما نجا منهم إلا أقل من عشرة، فر منهم اثنان إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى موزان، فظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع.\nوأول من بويع منهم بالخلافة عبد الله بن وهب الراسبي، فتبرأ من الحكمين، وممن رضي بهما، وكفر هو ومن بايعه عليا لتحكيمه الرجال ورضاه بذلك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3459>موقفه من المرجئة:</span>\nسئل الشيخ: الإيمان الركن هل يزيد وينقص كالإيمان الواجب والمستحب؟\nفقال الشيخ ﵀: نعم بدليل عموم قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢) وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ (٣) وهذا يعم جميع أقسام الإيمان. (٤)\n_________\n(١) فتاوى ورسائل (٣٣١ - ٣٣٣).\n(٢) التوبة الآية (١٢٤).\n(٣) الفتح الآية (٤).\n(٤) فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي (ص.٣٧١).","vol":"10","page":267},{"text":"أبو عبد الله شمس الدين بن محمد الأفعاني (١) (بعد سنة ١٤١٥ هـ)\nأبو عبد الله شمس الدين بن محمد أشرف بن قيصر، الأفغاني السلطاني المدني السلفي، ولد حوالي سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، قرأ في صغره على والده القرآن ومبادئ النحو والصرف وشيئا من الفقه الحنفي ثم توفي والده فصار يتيما.\nواصل دراسته في أفغانستان وباكستان إلى أن رحل إلى الديار السعودية، فدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية حتى حصل شهادة \"ليسانس\" وشهادة \"ماجستير\" ثم الدكتوراه.\nأسس ﵀ الجامعة الأثرية ببشاور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3461>موقفه من المبتدعة:</span>\nله تآليف كثيرة يذب فيها عن منهج أهل الحديث، ويرد فيها على من خالفه من أهل الزيغ والضلال منها:\n١ - 'الألفية السلفية المجتناة من القصيدة النونية'.\n٢ - 'الإرشاد والتسديد في مباحث الاجتهاد والتقليد'.\n٣ - 'السير الحثيث إلى فضل أهل الحديث'.\n٤ - 'إطفاء المحن والفتن بإحياء الآثار والسنن'.\n٥ - 'القواعد واللمع لمعرفة العوائد والبدع'.\n٦ - 'منهج السلف في الرد على بدع الخلف'.\n_________\n(١) مقتطف من سيرة ذاتية للمؤلف نفسه، انظر 'عداء الماتوريدية للعقيدة السلفية' (١/ ١٥١ - ١٥٧).","vol":"10","page":268},{"text":"٧ - 'عمدة العُدّة لكشف الأستار عن أسرار أبي غدة'.\n٨ - 'الاجتهاد في الرد على البدع من أفضل الجهاد'.\nوغيرها من تآليفه التي تصب في هذا المضمار، ولعل مجرد ذكر التآليف السابقة يغني عن تفصيل القول فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3462>موقفه من المشركين:</span>\nله من الآثار:\n١ - 'جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية'. في ثلاث مجلدات ضخمة.\n٢ - 'الفريد الوحيد لقمع الشرك وحماية التوحيد'.\n٣ - 'إزاحة القناع عن مكر أهل الشرك والابتداع'.\nقال ﵀ في خاتمة كتابه 'جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية': لقد وصلت في التفتيش والتنقيب لجمع مادة هذا الكتاب وتصنيفه إلى عدة من النتائج، وفيما يلي ذكر أهمها:\n١ - أن القبورية أشد بلاء وأعظم محنة على الإسلام والمسلمين من جميع فرق أهل القبلة.\n٢ - لأنهم جمعوا بين التعطيل والتشبيه، وناقضوا توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية؛ بل عارضوا توحيد الربوبية أيضا.\n٣ - أن القبورية أشد شركا من الوثنية الأولى في باب الاستغاثة بغير الله تعالى.\n٤ - أن القبورية أعظم عبادة وأكثر خشوعا للأموات منهم لخالق البريات.","vol":"10","page":269},{"text":"٥ - القبورية والصوفية، والمتكلمون إخوان أشقاء خلطاء في كثير من الشركيات والخرافات.\n٦ - القبورية جعلوا توحيد الألوهية عينا لتوحيد الربوبية؛ كإخوانهم المتكلمين.\n٧ - فالغاية العظمى عندهم هي توحيد الربوبية.\n٨ - القبورية جانبوا الجادة الصحيحة في تفسير المطالب العظيمة من التوحيد، والشرك والعبادة والتوسل والاستغاثة ونحوها؛ حيث حرفوها إلى معان أخرى تدعم وثنيتهم.\n٩ - أهم عقيدة للقبورية هو الاستغاثة بالأموات لدفع الكربات وجلب الخيرات، أما بقية عقادئهم فهي وسائل إلى تحقيق هذه الغاية.\n١٠ - تبرقعت القبورية لتنفيذ خططهم المدبرة ضلالا وإضلالا بتعظيم الأنبياء والأولياء وحبهم.\n١١ - فارتكبوا أنواعا من الإشراك تحت ستار الولاية والكرامة والحب والتعظيم.\n١٢ - سمت القبورية عقائدهم الفاسدة بأسماء برّاقة؛ حيث سموا الإشراك بالله بالتعظيم للأولياء وزيارة قبورهم، والاستغاثة بغير الله بالتوسل، وتصرف الأولياء في الكون بالكرامة، وعلم الغيب لهم بالمكاشفة، ونحوها.\n١٣ - القبورية فرقة بعيدة المدى، هي أم كثير من الطوائف الباطلة عبر القرون، فهي بدأت في عهد نوح رسول الله - ﷺ - وتطورت؛ فكانت الأمم الخالية من عاد وثمود ومدين والفلاسفة اليونانية واليهود والنصارى ومشركي","vol":"10","page":270},{"text":"العرب وأمثالهم كلهم قبورية.\n١٤ - ولكن أعني بالقبورية قبورية هذه الأمة، وهي شاملة للروافض والباطنية والمتفلسفة في الإسلام والصوفية الطرقية والشيعة والزيدية، وكثيرا من المنتسبين إلى الأئمة الأربعة.\nإلى أن قال:\n٣٨ - إن القبورية من الفرق الضالة الباطلة، الموجودة في واقعنا الماضي وحياتنا المعاصرة، المنتشرة في العباد والبلاد بالكثرة الكاثرة، وليست من الفرق المنقرضة كما يزعم ذلك بعض الجهلة الضالة المضلة.\n٣٩ - القبورية لهم طرق ومكر ودهاء وخطط مدبرة لنشر عقائدهم الباطلة بشتى الطرق، وهم يظهرون بأسماء شتى ودعوات متنوعة، تارة باسم الإصلاح والإرشاد والتبليغ وتهذيب الأخلاق، وتارة في صورة منظمة سياسية أو جهادية، وتارة في لون تأسيس الجامعات لنشر العلم والمعارف؛ فهم طرق وألوان، وأنواع وأفنان ولهم ظلم وعدوان وبغي وبهتان وسلطان، ولهم اهتمام ونشاط لتحقيق ما هم عليه من التفريط والإفراط.\n٤٠ - أن كثيرا من القبورية قد تظاهروا بالتوحيد والسنة، وهم في الحقيقة على توحيد الماتريدية الجهمية وعلى سنة الصوفية النقشبندية الخرافية؛ كالديوبندية التبليغية؛ لا ينتبه لهم إلا المتمكن من العقيدة السلفية، الحكيم المجرب العارف بواقع هذه الأمة عامة وحقيقة القبورية خاصة.\n٤١ - لعلماء الحنفية جهود عظيمة بإبطال عقائد القبورية وقطع دابرهم وقلع شبهاتهم وقمع جموعهم وكسر جنودهم، ولهم في ذلك مؤلفات مفيدة","vol":"10","page":271},{"text":"نافعة كثيرة بلغات شتى، ولا سيما العربية والفارسية والأردية والأفغانية، مع ما في غالبها من العقائد الماتريدية والأفكار الصوفية.\nفجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وسامحهم.\n٤٢ - وهذا دليل على أن أئمة السنة الذين ينبذهم القبورية بالوهابية ليسوا منفردين بالرد على القبورية، بل شاركهم في ذلك هؤلاء الأعلام من الحنفية.\nفلست وحيدا يا ابن حمقاء فانتبه ... ورائي جنود كالسيول تدفق\n\nوالله المستعان وعليه التكلان. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3463>موقفه من الصوفية:</span>\nقال: وهذا المثال ينطبق على كتاب 'تبليغى نصاب' الذي هو كالمصحف للتبليغية، ففيه نفع قليل انتفع به كثير من الناس ولكنه مشوب بشر كثير وخرافات قبورية صوفية، وهذا النقد في غاية من الإنصاف وعلى محكم الأساس ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢).\nوعلى هذا المنوال كتاب 'المثنوى' للرومي الحنفي إمام الطريقة الصوفية المولوية، الذي تهافت عليه كثير من الحنفية الرومية والتركية والإيرانية والأفغانية والهندية، فقد بالغوا في إكبار هذا الكتاب الخرافي إلى حد سموه 'قرآن البهلوي'، ولقد بالغ مؤلفه المولوي الرومي الصوفي الحنفي في إجلال\n_________\n(١) جهود علماء الحنفية (٣/ ١٦٦٧ - ١٦٧٥).\n(٢) البقرة الآية (٢١٩).","vol":"10","page":272},{"text":"كتابه المثنوي وإكبار هذا المعدن الخرافي. فقال: \"وهو أصول أصول أصول الدين في كشف أسرار الوصول واليقين، وهو فقه الله الأكبر، وشرع الله الأزهر، وبرهان الله الأظهر، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، يشرق إشراقا أنور من الإصباح ...، يضل به كثيرا، ويهدي به كثيرا، وإنه شفاء الصدور وجلاء الأحزان، وكشاف القرآن ...، بأيدي سفرة كرام بررة، يمنعون أن لا يمسه إلا المطهرون، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. \".\nقلت: هذا كما ترى فيه مضارعة ومضاهئة ومصارعة للقرآن، مع ما فيه من الضلال والإضلال والعدوان والبهتان.\nأقول: وللحنفية المولوية، الصوفية الرومية التركية، عجائب أخرى في إجلال المثنوى، وغرائب أخرى في إكبار هذا الكتاب الخرافي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3464>موقفه من الجهمية:</span>\nلقد سخر قلمه ﵀ لدحض شبه الجهمية غابرها وحاضرها، فألف مؤلفات تدل على ذلك منها:\n١ - 'تنبيه الساه اللاه على علو الله'.\n٢ - 'تقويل التأويل'.\n٣ - 'موقف اللصوص من النصوص'.\n٤ - 'طبقات الماتريدية وأشقائهم الأشعرية'.\n٥ - 'الجارية إلى تحقيق حديث الجارية'.\n٦ - 'الحملات القسورية على ثرثريات الجهمية'.\n_________\n(١) عداء الماتريدية للعقيدة السلفية (١/ ٥٣ - ٥٤).","vol":"10","page":273},{"text":"٧ - 'عداء الماتريدية للعقيدة السلفية وموقفهم من الأسماء والصفات اللهية'. في ثلاث مجلدات.\n٨ - 'الصارم البأسي على الكلام النفسي'.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3465>موقفه من الخوارج:</span>\nله كتاب: 'مصاعد المعارج في عقيدة الخوارج'.\n\nمحمد أمان الجامي (١) (١٤١٦ هـ)\nالشيخ العلامة محمد أمان الجامي بن علي جامي علي، أبو أحمد. ولد سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف بقرية طغاطاب في منطقة هرر بالحبشة. نشأ الشيخ نشأة علمية حيث حفظ القرآن الكريم ودرس العربية والفقه على مذهب الإمام الشافعي. ثم رحل إلى مكة وتعرف على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ ولازمه واستفاد منه، وأخذ عن العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ والشيخ عبد الرحمن الإفريقي والشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ حماد الأنصاري والشيخ عبد الرحمن السعدي وغيرهم ﵏.\nقال الشيخ ابن باز عنه: معروف لدي بالعلم والفضل وحسن العقيدة، والنشاط في الدعوة إلى الله سبحانه، والتحذير من البدع والخرافات. وقال الشيخ محمد عبد الوهاب مرزوق البنا: ولقد كان ﵀ على خير ما نحب\n_________\n(١) مختصر ترجمة فضيلة الشيخ محمد أمان الجامي لتلميذه مصطفى بن عبد القادر الفلاني.","vol":"10","page":274},{"text":"من حسن الخلق وسلامة العقيدة وطيب العشرة. وقال الشيخ عمر بن محمد فلاته: كان ﵀ صادق اللهجة، عظيم الانتماء لمذهب أهل السنة، قوي الإرادة داعيا إلى الله بقوله وعمله ولسانه. وقال الشيخ عبد المحسن العباد: عرفت الشيخ محمد أمان بن علي الجامي طالبا في معهد الرياض العلمي ثم مدرسا بالجامعة الإسلامية بالمدينة في المرحلة الثانوية ثم في المرحلة الجامعية، عرفته حسن العقيدة، سليم الاتجاه، وله عناية في بيان العقيدة على مذهب السلف، والتحذير من البدع وذلك في دروسه ومحاضرات وكتاباته.\nمن تلاميذه الشيخ علي بن ناصر فقيهي والشيخ ربيع المدخلي والشيخ عبد القادر السندي والشيخ صالح السحيمي والشيخ بكر أبو زيد وغيرهم كثير. ومن مؤلفاته ﵀ كتاب 'الصفات الإلهية' وكتاب 'أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام' ورسالة 'حقيقة الديمقراطية وأنها ليست من الإسلام' وغيرها.\nتوفي ﵀ يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر شعبان سنة ست عشرة وأربعمائة وألف للهجرة، فصلي عليه بعد الظهر ودفن في بقيع الغرقد بالمدينة النبوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3467>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال: حفظ الله للقرآن الكريم يتضمن حفظ السنة لأنها بيان وتفسير له فحفظها من حفظه، وعلى كل حال فإن السنة المطهرة محفوظة ولا شك، وهو أمر يكاد أن يكون ملموسا لمس اليد، إذ قيض الله لها رجالا أمناء ونقادا أذكياء يدركون من العلل الخفية ما يعجز عن إدراكها غيرهم. منهم من","vol":"10","page":275},{"text":"قاموا بدراستها وحفظها سندا ومتنا، وجمعها، ومنهم من عمدوا إلى غربلتها وتصفيتها حتى يتبين المقبول من المردود. ومنهم من دققوا في أحوال الرواة حتى إنهم يدرسون أحوالهم راويا راويا، بل حتى إنهم ليعرفون آباءهم وأجدادهم ومشايخهم، وتلامذتهم الذين حدثوا عنهم، إلى آخر تلك الخدمة الفريدة التي قدمت ولا تزال تقدم للسنة المطهرة، ولله الحمد والمنة. (١)\n- وقال: ويتضح مما تقدم أن مدلول السلفية أصبح اصطلاحا معروفا يطلق على طريقة الرعيل الأول ومن يقتدون بهم في تلقي العلم، وطريقة فهمه وبطبيعة الدعوة إليه. فلم يعد إذا محصورا في دور تاريخي معين. بل يجب أن يفهم على أنه مدلول مستمر استمرار الحياة وضرورة انحصار الفرقة الناجية في علماء الحديث والسنة وهم أصحاب هذا المنهج وهي لا تزال باقية إلى يوم القيامة أخذا من قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم» (٢).اهـ (٣)\n- وقال: وما يمتاز به المنهج السلفي، أن الذين ينهجونه لا يختلفون إلا في الأسلوب والتعبير على اختلاف أزمنتهم ومشاكلهم. وذلك راجع لوحدة المصدر لدعوتهم، وهو كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وآثار الصحابة الموضحة لمعاني النصوص، إذ هم الذين حضروا نزول الوحي وفهموا النصوص فور نزولها، قبل أن يطول عليها العهد، ولذلك يحرص اللاحقون من السلف أن\n_________\n(١) الصفات الإلهية (٢٩ - ٣٠).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف عبد الله بن المبارك سنة (١٨١هـ).\n(٣) الصفات الإلهية (٦٤ - ٦٥).","vol":"10","page":276},{"text":"يقتدوا بالسابقين. (١)\n- قال ﵀: بعد أن استعرضنا الأدلة النقلية والعقلية لإثبات حجية القرآن والسنة في باب العقيدة، بل أثبتنا أنه لا فرق بين الأحاديث المتواترة وبين أخبار الآحاد في هذا الباب.\nنرى أن نتبع ذلك بمناقشة موقف أولئك الذين ضل سعيهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهم الذين زعموا وجوب الاكتفاء بالقرآن دون السنة، أو جواز ذلك في باب الأسماء والصفات خاصة، وفي إثبات جميع الأحكام عامة، فنقول وبالله التوفيق:\nإبطال شبه الزاعمين الاكتفاء بالقرآن دون السنة:\nعلى الرغم من إجماع الأمة الإسلامية على أن السنة صنو القرآن، وأنها هي الحكمة المذكورة في القرآن في عديد من الآيات، وعلى الرغم مما هو معروف من أن الدين الإسلامي مستمد من الكتاب والسنة معا عقيدة وأحكاما، على الرغم من كل ذلك، لم تسلم السنة من أقلام بعض المتهورين المتطرفين، ولفرط جهلهم أطلقوا على أنفسهم (القرآنيون) أي العاملون بالقرآن -في زعمهم- المكتفون به، المستغنون عن السنة، هذا تفسير كلمة (القرآنيون) بناء على زعمهم. ولكن التفسير المطابق لواقعهم -إذا نظرنا إلى تصرفاتهم- أنهم المخالفون للقرآن، اتباعا للهوى، وتقليدا لبعض الزنادقة التقليد الأعمى. لأنهم في واقعهم قد خرجوا على القرآن بخروجهم على السنة لأنهما كالشيء الواحد من حيث العمل بهما، إذ السنة تفسير القرآن، ولأن\n_________\n(١) الصفات الإلهية (ص.١١٢).","vol":"10","page":277},{"text":"القرآن نفسه يدعو إلى الأخذ بالسنة والعمل بها إيجابا وسلبا. إذ يقول الله ﷿: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). والأمر بأخذ ما جاء به الرسول - ﷺ - يشمل كل ما صحت به السنة المطهرة من الأحكام وإثبات صفات الله وإثبات المعاد وغير ذلك، ورد في القرآن أو لم يرد لأن ذلك من مقتضى الإيمان بالرسول ورسالته. ومما لا شك فيه أنه لا يتم الإيمان بالقرآن إلا بالإيمان الصادق بمن أنزل عليه القرآن، والإيمان به - ﷺ - إنما يعني تصديقه في أخباره واتباع أوامره ونواهيه، وقد أوجب الله طاعته على وجه الاستقلال في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢). وهو أمر لا يختلف فيه اثنان مسلمان، وأما هؤلاء القرآنيون الجدد فليس لهم سلف فيما ذهبوا إليه إلا غلاة الرافضة والزنادقة الذين في قلوبهم مرض كراهة أصحاب رسول الله - ﷺ -، ورضي الله عن أصحاب رسوله.\nوهؤلاء الروافض مرضى القلوب زعموا -وبئس ما زعموا- وجوب الاكتفاء بالقرآن والاستغناء عن السنة مطلقا في أصول الدين وفروعه، لأن الأحاديث -في زعمهم- رواية قوم كفار حيث كانوا يعتقدون أن النبوة إنما كانت لعلي بن أبي طالب ﵁ وأن جبريل أخطأ فنزل بها إلى محمد - ﷺ - بدل أن ينزل بها إلى علي ﵁، وهذا الزعم الفاسد والقولة\n_________\n(١) الحشر الآية (٧).\n(٢) النساء الآية (٥٩).","vol":"10","page":278},{"text":"الجريئة هي أساس شبهة الروافض في رد الأحاديث النبوية، وهي شبهة مختلقة كما ترى.\nومن لوازم رأيهم الفاسد هذا: أن أمر الوحي مضطرب فلا يصدر من لدن عليم حكيم الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، بل يتصرف فيه ملك الوحي كما يشاء ويختار، ينزل بالوحي على من يشاء ويعدل عمن يشاء بالوحي، كما يفهم من قول هؤلاء الروافض أن ملك الوحي نفسه غير معصوم أو غير أمين على الوحي وعلى أداء أمانة الرسالة. إذًا فما مدى إيمان الروافض بالله أولا، ثم بالملائكة والنبيين عامة، وبخاتم النبيين خاصة، وبالكتاب الذي نزل عليه؟\nوبعد: فلقد حاول هؤلاء الزنادقة والروافض إزالة السنن من الوجود والقضاء عليها -لو استطاعوا- أو أن يجعلوا وجودها وجودا شكليا فاقدا للقيمة. إلا أنهم لم ينالوا خيرا ولم يستطيعوا أن ينالوا من السنة شيئا، فانقلبوا خاسرين ومهزومين، مثلهم كمثل الذي يحاول قلع جبل (أحد) مثلا فأخذ يحوم حوله وفي سفحه لينقل من أحجاره حجرا حجرا، ظنا منه أنه يمكنه بصنيعه هذا قلع الجبل وإزالته من مكانه، أو كالذي يغترف من البحر اغترافا بيده أو بدلوه محاولا بذلك أن ينفد البحر أو ينقص.\nوما من شك أن هذا المسكين سوف تنتهي أوقاته ويجيء أجله المحدود والمحتوم، والجبل باق مكانه شامخا ليصعد أصحاب الخبرة ويترددوا بين شعابه ليعثروا على ما قد يخفى على غيرهم، بين تلك الشعاب المتنوعة التي لا يفطن لها غيرهم، إذ لكل ميدان رجال.","vol":"10","page":279},{"text":"كما يبقى البحر ثابتا مكانه ليغوصه الغواصون من رجال هذا الشأن، فيخرجوا للناس اللآلي والدرر من مسائل علم الحديث النافعة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. هذه نهاية محاولة الروافض ومن يسيرون في ركابهم وقد أرادوا أن يجدوا ما يتعللون به من الأخبار التي تشهد لما ذهبوا إليه من قريب أو من بعيد، فعثروا في أثناء بحثهم على كلام باطل بطلان مذهبهم ونصه هكذا: (ما جاءكم عني فاعرضوه على الكتاب فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فإني لم أقله) (١) وكل من له نظر في هذا العلم الشريف يدرك أن هذا الكلام ليس من منطق الرسول ﵊، إذ لا يظهر عليه نور النبوة -كما ترى- وعلى الرغم من ذلك فإن القوم قد طاروا به فرحا، ظنا منهم أنه نافع لهم، ولكنهم لم يستطيعوا أن ينفلتوا بحديثهم هذا من أيدي حراس السنة الذين لم تنم عيونهم الساهرة حفاظا على السنة، بل عثروا على حديثهم ذلك فأعلنوا عنه أنه من أباطيلهم ودسائسهم، حتى عرفه الناس على حقيقته بعد أن سجلوه في كتبهم، فأجروا له (عمليتهم) الخاصة، وفندوه وجرحوه وعروه أمام القراء حتى انكشف حاله، فلله الحمد والمنة.\nيقول السيوطي في رسالته الطليقة 'مفتاح الجنة' (ص.٢١٤ وما بعدها): قال البيهقي: باب بطلان ما يحتج به بعض من رد السنة من الأخبار التي رواها بعض الضعفاء في عرض السنة على القرآن، قال الشافعي ﵀: احتج علي بعض من رد الأخبار بما روي أن النبي - ﷺ - قال: (ما جاءكم عني فاعرضوه على الكتاب، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فأنا لم أقله)\n_________\n(١) سيأتي تخريجه قريبا.","vol":"10","page":280},{"text":"فقلت له: ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغير أو كبير، وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية. اهـ كلام الشافعي.\nقال البيهقي: أشار الإمام الشافعي إلى ما رواه خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر عن النبي - ﷺ - أنه دعا اليهود، فسألهم فحدثوه حتى كذبوا على عيسى ﵇، فصعد النبي المنبر فخطب الناس فقال بأن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عني (١) قال البيهقي: خالد مجهول وأبو جعفر ليس صحابيا، فالحديث منقطع. وقال الشافعي ليس يخالف الحديث القرآن ولكن حديث رسول الله - ﷺ - يبين معنى ما أراد خاصا أو عاما، وناسخا ومنسوخا.\nثم التزم الناس ما سن بفرض الله، فمن قبل عن رسول الله - ﷺ - فمن الله قبل، ثم ذكر السيوطي بقية كلام البيهقي حول الحديث، وقد نقل البيهقي عن الإمام الشافعي نقولا كثيرة في هذا الصدد نختار منها الآتي:\n١ - قال البيهقي: قال الإمام الشافعي ﵀: \"سنة رسول الله - ﷺ - على ثلاثة أوجه:\nأحدها: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فسن رسول الله - ﷺ - بمثل نص\n_________\n(١) أخرجه: الطبراني في الكبير (١٢/ ٣١٦/١٣٢٢٤) من طريق أبي حاضر عن الوضين عن سالم بن عبد الله عن عبد الله ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: فذكره بنحوه. وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٠) وقال بعد عزوه للطبراني: \"وفيه أبو حاضر عبد الملك بن عبد ربه وهو منكر الحديث\". وتعقبه الشيخ الألباني، بأن أبا حاضر هذا ليس هو عبد الملك بن عبد ربه. وأبو حاضر هذا عداده في المجهولين ذكر ذلك ابن عبد البر في الاستغناء (ترجمة ١٥٤٨). وكذا الذهبي في الميزان وابن حجر في اللسان. والحديث أعله الشيخ الألباني في الضعيفة (١٠٨٨) بأربع علل.","vol":"10","page":281},{"text":"الكتاب.\nثانيها: ما أنزل فيه جملة كتاب، فبين رسول الله - ﷺ - عن الله معنى ما أراد بالجملة وأوضح كيف فرضها عاما أو خاصا، وكيف أراد أن يأتي به العباد.\nثالثها: ما سن رسول الله - ﷺ - مما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال: جعله الله له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه له ورضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب، ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من التشريع، لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) فما أحل وحرم مما بين فيه عن الله كما بين في الصلاة، ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله فثبتت سنته بفرض الله تعالى.\nومنهم من قال: كل ما سن، وسنته هي الحكمة التي ألقيت في روعه من الله تعالى\". انتهى كلام الشافعي. وقال الشافعي في موضع آخر: \"كل ما سن فقد ألزمنا الله تعالى اتباعه، وجعل اتباعه طاعته، والعدول عن اتباعه معصيته، التي لم يعذر بها خلقا، ولم يجعل له في اتباع سنن نبيه مخرجا\".\n_________\n(١) النساء الآية (٢٩).\n(٢) البقرة الآية (٢٧٥).","vol":"10","page":282},{"text":"قال البيهقي: \"باب ما أمر الله به من طاعة رسوله - ﷺ - والبيان أن طاعته طاعته\" ثم ساق الآيات التالية: قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نفسه وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ (١) وقال عز من قائل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) إلى غيرهما من الآيات البينات التي مضمونها أن طاعة رسوله طاعته سبحانه، وأن معصيته معصيته تعالى. ثم أورد البيهقي ﵀ (٣) حديث أبي رافع ﵁: قال رسول الله: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو نهيت عنه يقول: لا أدري؟ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (٤).\nومن حديث المقدام بن معدي كرب قال أن النبي - ﷺ - حرم أشياء يوم خيبر كالحمار الأهلي وغيره ثم قال رسول الله - ﷺ -: «يوشك أن يقعد رجل على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم\n_________\n(١) الفتح الآية (١٠).\n(٢) النساء الآية (٨٠).\n(٣) (٧/ ٧٦).\n(٤) أحمد (٦/ ٨) وأبو داود (٥/ ١٢/٤٦٠٥) والترمذي (٥/ ٣٦/٢٦٦٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ٦ - ٧/ ١٣). والحاكم (١/ ١٠٨ - ١٠٩) وقال: \"قد أقام سفيان بن عيينة هذا الإسناد وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه والذي عندي أنهما تركاه لاختلاف المصريين في هذا الإسناد\" ووافقه الذهبي.","vol":"10","page":283},{"text":"رسول الله مثل ما حرم الله» (١) ثم قال البيهقي ﵀: وهذا خبر من رسول الله - ﷺ - عما يكون بعده من رد المبتدعة حديثه، فوجد تصديقه فيما بعد، ومما قاله الإمام البيهقي في هذا المقام: ولولا ثبوت الحجة بالسنة لما قال رسول الله - ﷺ - في خطبته بعد تعليمه من شهده أمر دينهم: «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع» (٢).\nهذا ... وإذا كانت شبهة الروافض والزنادقة في رد أحاديث الرسول - ﷺ - زاعمين الاكتفاء بالقرآن -ما تقدم ذكره من موقفهم العدائي من الصحابة- فما حجة القرآنيين الجدد؟ فليس لهم شبهة تذكر إلا ما كان من حب الظهور -ولو على حساب الكفر برسول الله- أو مجرد التقليد الأعمى، أو ما كانت من عداء كامن للإسلام لم يمكن إظهاره إلا في هذه الصورة، ومهما يكن من أمرهم فإن القرآنيين الجدد أصل مذهبهم راجع إلى ما كان عليه غلاة الروافض. وقد عرفت شبهتهم فبئس التابع والمتبوع أو المُقَلِّد والمُقَلَّد، وبعد أن ذكر الإمام السيوطي في رسالته 'مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة' شبهتهم تلك، قال مستهجنا لها ومستقبحا: \"ما كنت أستحل حكايتها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا الرأي الفاسد الذي كان الناس في راحة منه من أعصار\"، إلى أن قال: \"وقد كان أهل هذا الرأي موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة، وتصدى الأئمة وأصحابهم للرد عليهم في دروسهم ومناظرتهم وتصانيفهم\" ثم ساق من نصوص كلامهم\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف علي محفوظ سنة (١٣٦١هـ).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف فالح الدوسري سنة (١٣٩٢هـ).","vol":"10","page":284},{"text":"الشيء الكثير في الرسالة المذكورة، ولابن خزيمة كلام نفيس في هذا المعنى.\nوبعد: فدعوى الاكتفاء بالقرآن ومحاولة الاستغناء عن السنة إنما تعني الاستغناء عن الإسلام، أي تعني (الكفر) بأسلوب ملتو غير صريح لأمر ما، فأصحاب هذه الفكرة لا حظ لهم في الإسلام ما لم يراجعوا الإسلام من جديد.\nوبعد أن استعرضنا أدلة من الكتاب والسنة وأقوال بعض أهل العلم في أن السنة صنو القرآن، ولا يفرق بينهما، فلنناقش هؤلاء الزاعمين عقليا ومن واقع حياة المسلمين في عباداتهم، ومعاملاتهم، فهل يمكنهم الاكتفاء بالقرآن دون أن يجدوا أنفسهم مضطرين لمراجعة السنة في كثير من عباداتهم ومعاملاتهم، حيث يجدون في السنة تفصيل ما أجمل في القرآن -وما أكثره- وتقييد ما أطلق وعمم فيه. بل ربما وجدوا أحكاما جديدة هم بحاجة إليها لم يرد ذكرها في القرآن كما يجدون بعض الصفات الإلهية جاءت بها السنة ولم يرد لها ذكر في القرآن. إن الواقع الذي يعيشه المسلمون يجيب على هذا التساؤل، وفي القرآن آيات يأمر الله فيها نبيه أن يبين للناس القرآن الذي أنزل عليه، إذ يقول الله ﷿: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) ويقول سبحانه آمرا لأتباعه\n_________\n(١) المائدة الآية (٦٧).\n(٢) النحل الآية (٤٤).","vol":"10","page":285},{"text":"وحاثا لهم على طاعته: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢).\nوهذه الأوامر القرآنية والتوجيهات الإلهية تشير إلى أن هناك بيانا يقوم به رسول الله - ﷺ -، وأن على أتباعه طاعته، وأن يأخذوا ما يأتي به ويأمرهم به، وعليهم أن ينتهوا عما ينهاهم عنه، لأن طاعته من طاعة الله ﷿، ولأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.\nوإذا أردنا أن نسوق أمثلة للأحكام التي أشرنا إليها لوجدنا الشيء الكثير، منها: أن الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام جاءت في القرآن مجملة هكذا: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) فيا ترى كيف يقيم القرآنيون الصلاة؟! فسوف لا يجدون صفة الصلاة وكيفيتها، وبيان عدد ركعاتها ومحل الجهر والسر فيها وغير ذلك من هيئات الصلاة، إلا في السنة الفعلية أو القولية. فيقول الرسول - ﷺ - مشيرا إلى هذا المعنى: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٤).\nولو تركنا الكلام في الصلاة، وانتقلنا إلى الزكاة لوجدنا القرآن قد أجمل أمر الزكاة كما أجمل أمر الصلاة، إذ نجد القرآن يقول: ﴿وَأَقِيمُوا\n_________\n(١) الحشر الآية (٧).\n(٢) النساء الآية (٨٠).\n(٣) الأنعام الآية (٧٢).\n(٤) أخرجه: أحمد (٥/ ٥٣) من حديث مالك بن الحويرث وأخرجه البخاري (٢/ ١٤٢/٦٣١) مطولا وفيه قصة.","vol":"10","page":286},{"text":"الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١). ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢) لتقوم السنة ببيان الأموال التي تجب فيها الزكاة وبيان أنصبة الزكاة، والمقدار المأخوذ من كل نصاب على اختلاف الأموال، وهكذا نجد في باب الصيام أحكاما لم ترد في القرآن، وبينتها السنة، منها: حكم من أتى امرأته في نهار رمضان وهو صائم ما الذي يجب عليه؟ ومن أكل في رمضان أو شرب ناسيا ماذا يصنع؟ هل يتم صيامه أو يفطر؟\nأما الحج فمؤتمر إسلامي عام وضع له القرآن الخطوط العريضة، فقامت السنة ببيان تفاصيله من أوله إلى آخره، ولو تتبعنا الأبواب الفقهية من باب الطهارة إلى آخر باب في الفقه لوجدنا السنة وهي تبين ما أجمل في القرآن، أو تأتي بجديد على ضوء الآيات السالفة الذكر.\nولو تركنا الأحكام الفقهية وانتقلنا إلى مباحث العقيدة لوجدنا للسنة دورها الذي لا ينكره إلا من يجهلها أو لا يؤمن بها، إذ نجد صفات الله تعالى إما ثابتة بالكتاب والسنة معا مع الدليل العقلي التابع للدليل النقلي، وإما ثابتة بالسنة الصحيحة، ولم يرد لها ذكر في القرآن الكريم مثل الفرح والضحك والنزول والقدم مثلا.\nفلا أظن الزاعم الاكتفاء بالقرآن يجد مفرا بعد هذا البيان إلا إلى أحد أمرين:\n١ - الإيمان والاستسلام، وهو خير له وأسلم بأن يعامل السنة معاملته\n_________\n(١) البقرة الآية (٤٣).\n(٢) الأنعام الآية (١٤١).","vol":"10","page":287},{"text":"للقرآن باعتبارها تفسيرا للقرآن.\n٢ - الكفر بالقرآن والسنة مَعا دون محاولة تفريق بينهما، وهو غير عملي كما ترى ويمكن أن يقال: إنه إيمان شكلي ببعض الوحي، وكفر سافر ببعض. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3468>موقفه من الجهمية:</span>\nله 'الصفات الإلهية في الكتاب والسنة'، بين فيها مذهب السلف ﵃ ونافح عنه ﵀ ودافع، كما أنه رد مذهب الخلف من معطلة ومؤولة ومشبهة. فلله دره من إمام ﵀ وله كذلك رسالة لطيفة أسماها: 'العقيدة الإسلامية وتاريخها'.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3469>موقفه من القدرية:</span>\nقال في 'العقيدة الإسلامية وتاريخها': ويدخل في المطالب الإلهية الإيمان بقدر الله السابق وقضائه النافذ، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nوأن ما أصاب العبد في علم الله لا يخطئه، وما أخطأه في علمه لا يصيبه، إذ لا يقع شيء في ملكه دون قدره وقضائه وفعله.\nوذلك لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ\n_________\n(١) الصفات الإلهية (٤٧ - ٥٦)\n(٢) التوبة الآية (٥١).","vol":"10","page":288},{"text":"لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ (١) والآيات والأحاديث في وجوب الإيمان بالقدر والقضاء كثيرة جدا كما لا يخفى، وهذا المقدار الذي ذكرناه يكفي في الإيمان بالقدر، مع الكف عن الخوض في أسرار الرب تعالى في قدره وقضائه وأفعاله التي لا تصدر إلا عن حكمة، فكما لا يجوز السؤال عن كيفية صفاته تعالى بـ (كيف)، كذلك لا يجوز السؤال عن أسرار قدره وقضائه بـ (لماذا) أو بـ (لم)، فلا يجوز للمؤمن أن يقول: لم خلق الله هذا، ولم أعطى فلانا ومنع فلانا، مثلا. بل يجب الإيمان بأنه سبحانه لا يخلق ولا يرزق ولا يعطي ولا يمنع ولا يحيي ولا يميت إلا لحكمة، وليس ذلك لمجرد تعلق الإرادة بالمفعول، كما يزعم بعض أهل الكلام ذلك (وهم الأشاعرة الكلابية).\nوقد ثبت عن غير واحد من السلف الصالح قولهم: (القدر سر الله، فلا نكشفه)، فالتعرض لهذا السر الإلهي مزلة الأقدام، ومن أسباب الزيغ والضلال، فليحذر كل الحذر. (٢)\n\nمحمد بهجة الأثري (٣) (١٤١٦ هـ)\nمحمد بهجة بن محمود بن عبد القادر العراقي المعروف بالأثري، ولد سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة. من أشهر مشايخه محمود شكري\n_________\n(١) فاطر الآية (٢).\n(٢) العقيدة الإسلامية وتاريخها (ص.١٠ - ١١).\n(٣) إتمام الإعلام لنزار أباظة ومحمد رياض المالح (ص.٢٢٤ - ٢٢٥).","vol":"10","page":289},{"text":"الآلوسي، وعلي علاء الدين الآلوسي. ولشدة ولعه بالحديث والآثار لقّبه شيخه محمود شكري الآلوسي بالأثري. كان عضوًا في المجلس الأعلى الاستشاري بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية بانتخاب من الملك سعود سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة. نال عدة أوسمة، وكان كبير مفتشي اللغة العربية بوزارة المعارف العراقية، عين عضوا بالمجمع العلمي العراقي والمصري والسوري.\nله 'أعلام العراق'، و'تاريخ مساجد بغداد' (تهذيب)، و'المجمل في تاريخ الأدب العربي'، و'المدخل في تاريخ الأدب العربي'، و'دعوة التوحيد والسنة'، و'محمد بن عبد الوهاب داعية التوحيد والتجديد في العصر الحديث' (وقد طبعتها جامعة الإمام بالرياض).\nمات ﵀ عام ست عشرة وأربعمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3471>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال في تأييده لرسالة القسام والقصاب التي قررا فيها بدعية الجهر بالذكر في تشييع الجنائز: الدين الإسلامي يكفل للبشر السعادة في كل زمان ومكان، ويفي بحاجيّاته في كل عصر ومصر؛ لانطباقه على نواميس العمران، وابتناء أحكامه على قواعد محكمة، لا تكاد تزعزعها الأعاصير والعواصف، كما يشهد بذلك فلاسفة الاجتماع وعلماء العمران.\nوقد نال الصدر الأول من السعادة التامة، والملك الكبير، والسلطان العظيم ما لا يقوم بوصفه البيان، ولا يمتري فيه إنسان، ذلك بما نفخه هذا الدين فيهم من روح العلم والعمل، والتواصي بالحق، والتعاون على البر","vol":"10","page":290},{"text":"والتقوى، حتى إذا دار الزمان دورته؛ دسّ أناسٌ من أعداء الدين أنفسَهم فيه، وتزيّوا بزيّ أهله، وصاروا يعملون على هدمه بما يضعون من أحاديث، ويدسون من روايات ليس لها أقل حظ من الصحة والصدق، ففشت بذلك البدع والأهواء، وثارت أعاصير القلاقل والفتن بين المسلمين، وكثر بينهم الشقاق، وزاد النفاق، حتى إذا انشقت عصا وحدتهم، وانقسموا إلى فِرق وأحزاب، كل حزب فرح بما لديه، وكلّ فرقة تكفّر الأخرى؛ لمخالفتها لها في المشرب ومباينتها إياها في المذهب.\nظل أهل الإسلام على هذه الحالة حينا من الدهر، والعدو يتربص بهم الدوائر، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (١)، لا يكادون يشعرون بحالتهم، ولا يعلمون أيان مصيرهم، حتى قيض الله في هذا العصر فئة من عقلاء الأمة وحكمائها، أحسّت بالخطر المحدق، فأهابت بالأمة وأخذت تسعى لمحو الخرافات المتغلغلة في أعماق النفوس، وإعفاء آثار البدع والمحدثات التي غص بها العالم الإسلامي، وصارت شارةَ عارٍ في جبين الإسلام، هذا إلى أعمال أخرى عظيمة لها مقام غير هذا المقام.\nنجحت هذه الفئة بعض النجاح فيما دعت إليه من تنقية الدين من الشوائب، وأيقظت أذهان كثير من الناس، وصار لها أتباع ومريدون، ينشرون دعوتها، ويعززون كلمتها، ويدعون إلى اطراح ما لم يرد به الدين،\n_________\n(١) الكهف الآية (١٠٤).","vol":"10","page":291},{"text":"مما عليه عامة المسلمين على ما لاقت من المقاومة والمناهضة من فريق المبتدعة: أولئك الذي مني الإسلام بهم ومنوا به!\nهؤلاء المخرّقون أو أولئك الجامدون على المحدثات، العاضّون عليها بالنواجذ: قوم عالة، نشؤوا على المسكنة، فاتّخذوا الدين أحبولة يصطادون بها طائر الرزق، وآنسوا من أهله الغافلين ميلا لهم، وتعلقا بأذيالهم -وما أشد تعلق العامة بمن يظهر لهم التقوى! - فاتخذوا لهم منهم جنة، تقيهم من سلاح أهل الإصلاح الماضي، وتحفظ لهم منزلتهم الموهومة، فهم أبدًا، ينزلون على إرادة الرعاع، ولا يخالفون لهم أمرا خشية من نفورهم، ومحافظة على مكانتهم عندهم، فهؤلاء القوم عقبة في سبيل المصلحين كؤود، ولو تسنّى لرجال الإصلاح القضاء عليهم؛ لرأيت النساء يدخلون في دين الله أفواجًا، ولابد أن يأتي يوم يظهر الله فيه -على أيدي المصلحين- دينه الذي ارتضاه، ويتم نوره.\nعلى أن هؤلاء المبتدعين، فضلا عن حرصهم على حفظ مكانتهم عند الرعاع، قوم استأنسوا بظلام الجهل، وأخلدوا إلى المسكنة والذل، حتى طبع الله على قلوبهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فهم يتأذى بصرهم من نور العلم، ويعزّ عليهم الخروج من غيابة الجبّ إلى استنشاق الهواء الطلق في هذا الفضاء الواسع المترامي الأطراف، وهم -مع ذلك كله- لا يخجلون من دعوى أنهم رجال الإصلاح والصلاح، وأن سعادة البشر لا تتم إلا باتباع مناهجهم وسبُلهم! ويعلم الله أنهم ليسوا إلا حشرات سامة، تحارب السعادة والبُلَهْنيّة (١)،\n_________\n(١) الرخاء وسعة العيش.","vol":"10","page":292},{"text":"وتمزق أشلاء الإنسانية بسمّها الناقع، وشرها المستطير، وأن محدثاتهم لأضرّ على الدين من طعنات ألدّ أعدائه، وأجلب للشرور إليه من أشد مناوئيه.\nأجل! فإنه لولا محدثاتهم المخزية التي شوّهوا بها الدين، وتفهيمهم الدين للناس تفهيما مقلوبا لما تجرأ أحد على الطعن فيه، ولما خسر كل يوم عددًا من أبنائه غير قليل.\nوليس ما يرتكبه هؤلاء جهارًا، ليلًا ونهارًا، من ضروب الموبقات، ويجرأون عليه من مقاومة المصلحين جهلًا وعدوانًا بضروب الوسائل، بخافٍ على أحد، وقد كنت إخال أن للعراق النصيب الأوفر والحظ الأكبر، من هؤلاء المبتدعة حتى إذا كُتبت الرحلة لي في هذه الأيام إلى بلاد الشام، ووقفت عن كثب على أحوال قادتهم، واطلعت على بعض ما لهم من المؤلفات في الدعوة إلى حشوهم، والتهويل على المصلحين؛ دهشت مما رأيت، وعجبت لانقياد العامة لهم وتألّبهم على كل من يحضّونهم على مناهضته من رجال الإصلاح الديني والعلمي، إن حقًّا، وإن باطلًا، حتى كأن الشاعر العربي قد قصدهم بقوله:\nلا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا!\n\nومن جملة الأمور التي وقفت عليها: أن عالمًا من رجال الإصلاح سئل عن (حكم الصياح في التهليل والتكبير، وغيرهما أمام الجنائز)، فأفتى بأنه \"مكروه تحريما، وبدعة قبيحة، يجب على علماء المسلمين إنكارها، وعلى كل قادر إزالتها، مستدلا بآية قرآنية، وحديث صحيح وأقوال الفقهاء\"، وسأل هذا المستفتي عن السؤال نفسه رجلًا آخر ينتمي في الظاهر إلى العلم، فأجاب","vol":"10","page":293},{"text":"بالسلب، ونفى ما قرره الأول نفيا رجما بالغيب، وتهجما على الحق بقول الزور، ولم يكتف بذلك وحده، بل تجاوز حدود الأدب والإنصاف، ورمى الرجل بالزيغ والضلال، وأسند إليه ما لم يقل به، ولم يجر به قلمه، شأن أصحاب الهوى والإفك، وأن في قصة الإفك لعبرة لقوم يعلمون.\nإن هذه المسألة، وكذا مسألة المولد النبوي، ونظائرها؛ لمن الأمور البديهية، التي لا يحسن بمنتم إلى العلم وشاد شيئا من الفقه، أن ينازع أو يختلف فيها، ومن نازع فقد أعرب عن جهل عريق، وفهاهة باقلية، وجهالة غبشانية!\nفقد أجمعت كلمة المحققين من السلف والخلف على إنكار هذه البدع التي لم ينزّل الله بها من سلطان، ولم يختلف منهم قط اثنان.\nوإن فيما ساقه الأستاذان الجليلان: الشيخ كامل القصّاب، والشيخ عز الدين القسّام، من الأدلة الشافية، والنقول الوافية، عن فطاحل علماء المذاهب الأربعة في رسالتهما: 'النقد والبيان في الردّ على خزيران' -الذي أعرب عن مبلغ علمه وفهمه للدين- لَغُنية عن سرد ما نعرفه من أقوال المحققين في هذه المسائل، وعسى أن يتروّى خزيران وشيخه في رسالة الفاضلين، فيستعينا بها على الرجوع إلى الحق، ويعلنا للناس خطأهما المطلق؛ لئلا يزل معهما من يزل ممن يحسّن الظنّ بهما، ويرجع في فهم أمور الدين إليهما ... !\nعلى أن الجدال في مثل هذه المسائل البسيطة، أصبح في هذا العصر -عصر المسابقة والمباراة، عصر الصناعات والمخترعات-، ضربا من المضحكات، التي يخجل أن يفوه بها عاقل، وإنني لأعتقد أن الأستاذين الهمامين: القصاب والقسّام","vol":"10","page":294},{"text":"-وهما هما- ما كانا ليبحثا في هذه المسألة ويؤلّفا لها رسالة، لولا وجوب نصرة الحقّ، ودحر شبه المضلّين في الدين.\nسدّد الله خطوات الجميع، ووفّقنا إلى ما فيه خير الأمة، والسلام على من اتّبع الهدى. (١)\n- وقال في كتابه: 'دعوة التوحيد والسنة': وأشهد مخلصا أن بين سيرة محمد بن عبد الوهاب ودعوته، ولأسمها: الدعوة التجديدية، رحما واشجة، وآصرة وثيقة محكمة يبدوان من غير تكلف للرؤية في هذا التطابق التام بين الفكر والتطبيق، وبين ضلاعة الدعوة وضلاعة صاحب الدعوة وشخصيته المتميزة بأنواع من الصفات الأصلية، ومنها ضلاعة تكوينه البدني وضلاعة إيمانه، وصلابته، وتمسّكه بالسّنة.\nوقال: ما الصنع العظيم الذي صنعه محمد بن عبد الوهاب؟ الجواب عن هذا السؤال الكبير، يصوغه واقع التاريخ وحقائقه، ولست أنا من يصوغه.\nواقع التاريخ يقرر في صراحة ووضوح بيان أنه الرجل الذي أيقظ العملاق العربي المسلم من سبات في جزيرة العرب دام دهرًا داهرًا، وأشعره وجوده الحيّ الفاعل، وأعاد إليه دينه الصحيح، ودولته العزيزة المؤمنة، ودفعه إلى الحياة الفاعلة ليعيد سيرة الصدر الأول عزائم وعظائم وفتوحًا ..\nويقرر غير منازَع أنه رجل التوحيد والوحدة، والثائر الأكبر الذي رفض التفرق في الدين رفضا حاسمًا، فلم يكن من جنس من يأتون بالدعوات ليضيفوا إلى أرقام المذاهب والطرائق المِزَق رقما جديدًا، يزيد العدد ويكثره،\n_________\n(١) النقد والبيان (ص.١٦٧ - ١٧١) ضمن 'السلفيون والقضية الفلسطينية'.","vol":"10","page":295},{"text":"ولكنه أوجب إلغاء هذه الأرقام، ودعا لتحقيق الرقم الفرد وحده: الرقم الذي لا يقبل التجزئة كالجوهر الفرد، ألا وهو الإسلام. والإسلام طريقة واحدة لا تتفرع ولا تتعدّد.\nفلما أفسد التوحيد، وزالت الوحدة، ذهب التفرق في العقيدة بهذا المجد العظيم .. فجاء محمد بن عبد الوهاب داعيًا للعودة إلى الأصل الذي قام عليه ذلك المجد وعلا سمكه وعزّ وطال، وقد حقق ما أراده في جزيرة العرب، وأشاع اليقظة في العالم المسلم، وكان لدعوته في كل صقع أثر مشهود .. فهذا هو الصنع العظيم، الذي صنعه الرجل العظيم. (١)\n- وقال ﵀: وأما الدعوة السنية السلفية التي هي المظهر الصحيح للعقائد السنية قبل أن تغشاها التحريفات والبدع فقد كانت خلفها قوة عربية صغيرة في أواسط الجزيرة العربية، بدأ ظهورها في أواخر الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وهي تحاول استعادة سلطان سياسي كبير ذاهب .. (٢)\n- بين أن حرب الأتراك لهذه الدعوة السلفية كانت بالقتال والدعاية ثم قال: قامت حرب الدعاية على تأليف الكتب والرسائل في تشويه صورة الإصلاح الذي تتبناه ..\nوقد قوبلت هذه الرسائل والكتب بمثلها -من علماء نجد والعراق\n_________\n(١) 'محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية' (ص.١٨ - ٢٠) نقلا عن مقدمة محقق 'صب العذاب على من سب الأصحاب' (ص.٣٤).\n(٢) 'محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية' (ص.١٨ - ٢٠) نقلا عن مقدمة محقق 'صب العذاب على من سب الأصحاب' (ص.٣٤).","vol":"10","page":296},{"text":"والشام ومصر والهند- بدافع ديني؛ فكانت هذه الحركة وما نتج عنها من آثار قيمة من أكبر المظاهر العقلية التي ظهرت في عصر النهضة؛ زعزعت الناس عن المألوف من البدع والخرافات، ووجهت العقول إلى منابع الإسلام الصحيح كتاب الله وسنة الرسول وهدي السلف الصالح، ولذلك نعتت بـ\"السلفية\" كما هي طبيعتها، وبـ\"الوهابية\" على سبيل التنفير. (١)\n\nعبد الله بن زيد بن عبد الله آل محمود (٢) (١٤١٧ هـ)\nالشيخ عبد الله بن زيد بن عبد الله بن راشد بن محمود، ولد في حوطة بني تميم سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف، ونشأ بها، وتلقى مبادئ العلم على يد الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ والقاضي عبد العزيز بن محمد الشثري. رحل إلى قطر، فلازم الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع ثلاث سنين. وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة تولى القضاء في قطر، فعرف عنه العدل والنزاهة وتحري الصواب.\nوكان ﵀ معروفا بكثرة الحفظ وسرعة الاستحضار، فقد كان يحفظ بلوغ المرام وألفية السيوطي في الحديث وألفية ابن مالك وقطر الندى والكثير من الأحاديث النبوية بأسانيدها، وله اطلاع على كتب اليهود والنصارى والملل الأخرى.\n_________\n(١) 'محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية' (ص.١٨ - ٢٠) نقلا عن مقدمة محقق 'صب العذاب على من سب الأصحاب' (ص.٣٤).\n(٢) علماء نجد خلال ثمانية قرون (٤/ ١٢٠ - ١٣٣).","vol":"10","page":297},{"text":"قال الشيخ عبد الله البسام: وهو حنبلي المذهب سلفي العقيدة، ومن أشد المتحمسين لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. وقال أيضا: كان الشيخ من المدافعين المجاهدين في سبيل رفع راية الإسلام ومحاربة البدع والمنكرات، وكانت له مواقف كثيرة من نصيحة الحاكمين إلى تطبيق الإسلام، والعمل به، وقد كافح بلسانه وقلمه في سبيل الاحتفاظ بعقيدة الأمة طاهرة نقية عن البدع والانحرافات، وكان لا يتردد في نصح أولياء أمور المسلمين بما يراه مخالفا للشرع، أو ضارا بمجموع الأمة.\nتوفي ﵀ في قطر في شهر شوال سنة سبع عشرة وأربعمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3473>موقفه من المبتدعة:</span>\nله من الآثار السلفية:\n١ - 'كلمة الحق في الاحتفال بمولد سيد الخلق'، رد فيه على رسالة: 'الاحتفال بذكر النعم واجب' لأحد المؤلفين حاول من خلاله تبرير الاحتفال بالمولد النبوي.\n٢ - 'عقيدة الإسلام والمسلمين'. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3474>موقفه من القدرية:</span>\nمن آثاره السلفية:\n- كتاب 'الإيمان بالقضاء والقدر'. (٢)\n_________\n(١) علماء نجد (٤/ ١٢٩).\n(٢) علماء نجد (٤/ ١٢٩).","vol":"10","page":298},{"text":"صالح بن علي بن غصون ﵀ (١) (١٤١٩ هـ)\nهو الشيخ صالح بن علي بن غصون من قبيلة آل حميدان، وهبة من أهل الرس بالقصيم. ولد عام إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وتوفي والده وله من العمر ثلاث عشرة عامًا، وبعد سنتين كف بصره. سافر إلى الرياض ولازم مجالس سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم، وكذلك أخذ عن فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم الفرائض.\nعين قاضيًا في سدير، وكانت له دروس علمية. انتقل بعد ذلك إلى محكمة شقراء وتوابعها، ثم انتقل إلى رئاسة محاكم الأحساء، ثم عمل في محكمة التمييز.\nعين عضوا في هيئة كبار العلماء يوم تشكلها. وكان له صلة بأصحاب الفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ محمد بن مانع، والشيخ عبد الله ابن حميد ﵏، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وكان متعاونًا مع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سدير والوشم والأحساء أثناء عمله. وكان له مشاركة في برنامج نور على الدرب في الإذاعة القرآن الكريم.\nتوفي ﵀ بعد موسم الحج سنة تسع عشرة وأربعمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3476>موقفه من الخوارج:</span>\nسئل ﵀: في السنتين الماضيتين نسمع بعض الدعاة يدندن حول مسألة وسائل الدعوة وإنكار المنكر ويدخلون فيها المظاهرات، والاغتيالات،\n_________\n(١) كتاب قتل الغيلة للمترجم.","vol":"10","page":299},{"text":"والمسيرات وربما أدخلها بعضهم في باب الجهاد الإسلامي. نرجوا بيان ما إذا كانت هذه الأمور من الوسائل الشرعية أم تدخل في نطاق البدع المذمومة والوسائل الممنوعة؟\nونرجوا توضيح المعاملة الشرعية لمن يدعو إلى هذه الأعمال، ومن يقول بها ويدعو إليها؟\nفأجاب ﵀: الحمد لله: معروف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والإرشاد من أصل دين الله ﷿، ولكن الله جل وعلا قال في محكم كتابه العزيز: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) ولما أرسل ﷿ موسى وهارون إلى فرعون قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ (٢) والنبي - ﷺ - جاء بالحكمة وأمر بأن يسلك الداعية الحكمة وأن يتحلى بالصبر، هذا في القرآن العزيز في سورة العصر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾. فالداعي إلى الله ﷿ والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عليه أن يتحلى بالصبر وعليه أن يحتسب الأجر والثواب وعليه أيضًا أن يتحمل ما قد يسمع أو ما قد يناله في\n_________\n(١) النحل الآية (١٢٥).\n(٢) طه الآية (٤٤).","vol":"10","page":300},{"text":"سبيل دعوته، وأما أن الإنسان يسلك مسلك العنف أو أن يسلك مسلك والعياذ بالله أذى الناس أو مسلك التشويش أو مسلك الخلافات والنزاعات وتفريق الكلمة، فهذه أمور شيطانية وهي أصل دعوة الخوارج، هم الذين ينكرون المنكر بالسلاح وينكرون الأمور التي لا يرونها وتخالف معتقداتهم بالقتال وبسفك الدماء وبتكفير الناس وما إلى ذلك من أمور، ففرق بين دعوة أصحاب النبي - ﷺ - وسلفنا الصالح وبين دعوة الخوارج ومن نهج منهجهم وجرى مجراهم، دعوة الصحابة بالحكمة وبالموعظة وببيان الحق وبالصبر وبالتحلي واحتساب الأجر والثواب، ودعوة الخوارج بقتال الناس وسفك دمائهم وتكفيرهم وتفريق الكلمة وتمزيق صفوف المسلمين، هذه أعمال خبيثة، وأعمال محدثة.\nوالأولى للذين يدعون إلى هذه الأمور يُجانبونَ ويُبعد عنهم ويساء بهم الظن، هؤلاء فرقوا كلمة المسلمين، الجماعة رحمة والفرقة نقمة وعذاب والعياذ بالله، ولو اجتمع أهل بلد واحد على الخير واجتمعوا على كلمة واحدة لكان لهم مكانة وكانت لهم هيبة.\nلكن أهل البلد الآن أحزاب وشيع، تمزقوا واختلفوا ودخل عليهم الأعداء من أنفسهم ومن بعضهم على بعض، هذا مسلكٌ بدعي ومسلك خبيث ومسلك مثلما تقدم، أنه جاء عن طريق الذين شقوا العصا والذين قاتلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- ومن معه من الصحابة وأهل بيعة الرضوان، قاتلوه يريدون الإصلاح وهم رأس الفساد ورأس البدعة ورأس الشقاق فهم الذين فرقوا كلمة المسلمين وأضعفوا جانب","vol":"10","page":301},{"text":"المسلمين، وهكذا أيضًا حتى الذي يقول بها ويتبناها ويحسنها فهذا سيئ المعتقد ويجب أن يبتعد عنه.\nواعلم والعياذ بالله أن شخصًا ضارًا لأمته ولجلسائه ولمن هو من بينهم. والكلمة الحق أن يكون المسلم عامل بناء وداعيا للخير وملتمسا للخير تمامًا ويقول الحق ويدعو بالتي هي أحسن وباللين.\nويحسن الظن بإخوانه ويعلم أن الكمال منالٌ صعب، وأن المعصوم هو النبي - ﷺ - وأن لو ذهب هؤلاء لم يأتِ أحسن منهم، فلو ذهب هؤلاء الناس الموجودون سواء منهم الحكام أو المسؤولون أو طلبة العلم أو الشعب، لو ذهب هذا كله، شعب أي بلد. لجاء أسوأ منه فإنه لا يأتي عامٌ إلا والذي بعده شرٌ منه. فالذي يريد من الناس أن يصلوا إلى درجة الكمال أو أن يكونوا معصومين من الأخطاء والسيئات، هذا إنسان ضال، هؤلاء هم الخوارج. هؤلاء هم الذين فرقوا كلمة الناس وآذوهم، هذه مقاصد المناوئين لأهل السنة والجماعة بالبدع من الرافضة والخوارج والمعتزلة وسائر ألوان أهل الشر والبدع.\n\nعبد العزيز بن باز (١) (١٤٢٠ هـ)\nالشيخ الفاضل عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز. ولد في الرياض في شهر ذي الحجة عام ثلاثين وثلاثمائة وألف من\n_________\n(١) إتحاف النبلاء بسير العلماء (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٥) ومقدمة مجموع الفتاوى للشيخ ابن باز (١/ ٩ - ١٢) وإمام العصر للدكتور الزهراني ومجلة التوحيد (العدد الخامس جمادى الأولى ١٤١٥هـ/ص.٤٤ - ٤٦).","vol":"10","page":302},{"text":"الهجرة. فقد بصره بسبب مرض ألم به سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة. أخذ عن محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ومحمد بن إبراهيم وصالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين آل الشيخ وسعد بن حمد بن علي بن محمد بن عتيق، وغيرهم. ولي القضاء فمكث فيه أربعة عشر عاما تقريبا، ثم مدرسا بالكليات والمعاهد العلمية، ثم نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ورئيسا لهيئة كبار العلماء، ومفتيا عاما للمملكة، وغيرها من الوظائف والمناصب الشامخة. كان ﵀ علما من أعلام الدعوة السلفية، ومصباحا من مصابيح الهدى، تخرج على يده أجلة العلماء، وعرف بحدة الذكاء وسيلان الذهن وسرعة الإجابة، مع رحابة صدر وسماحة خاطر.\nقلت: الشيخ الإمام البحر العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز. عرفته بالجامعة الإسلامية لما قدمت طالبا بالمعهد الثانوي، زرته في مكتبه غير ما مرة، وكان على عادته متواضعا يستقبل كل الفئات، الصغيرة والكبيرة، وهو فيما علمت ممن جمع بين العلم والعمل، وكأن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها كلهم من أبنائه ومن فلذات أكباده، يسأل عن كبيرهم واحدا واحدا ويدعو لعمومهم بالتوفيق والهداية، شخص لا يعرف الملل ولا تسمع من فيه الشكاوى، منهاجه الاحتساب في كل خطوات حياته، نحسبه كذلك والله حسيبه، أمواله التي تصل إلى يده كلها تنفق على طلبة العلم والمحتاجين من أهل الإسلام. ورغم ما يصل إلى يده من كثرة الأموال على يد المحسنين من الملوك وكبار الأغنياء، ومع ذلك تجد الشيخ ﵀ يحتاج إلى من يدفع","vol":"10","page":303},{"text":"له الديون لينفقها في حاجة المسلمين. ليله ونهاره؛ إما في الفتوى وإما في الدرس، وإما في المحاضرة والتوجيه، وإما في الدروس العلمية والقراءة في الكتب السلفية. فما رأيت للشيخ ﵀مع كثرة الالتصاق به في الجامعة الإسلامية وبالرياض وهو يتولى رئاسة الإفتاء والبحوث العلمية- وقتا يستجم فيه ويستريح استراحة يخرج فيها عن دائرة العمل الذي يتقرب به إلى الله، رغم أن الملوك والكبار يأخذون فرصة استجمام يستريحون فيها من عناء الأشغال وأتعاب الدنيا، وأما الشيخ ﵀ فكأنه يتتبع خطوات الرسول - ﷺ - في حياته كلها، لا تجد له لحظة من حياته إلا وهي مصحوبة بعمل يتقرب به إلى الله.\nوفي الليلة التي توفي فيها ﵀، أصدر فيها فتاوى وشفاعات للمسلمين، فكان ﵀ نموذجا عمليا وعلميا مع كل الأحوال، فهو ناصح لولاة الأمور، ومساعد لهم على تطبيق شرع الله في تلك البلاد، وهو ناصح للعلماء ومستشير لهم في كل القضايا الكبرى، فكم ترأس من مؤتمر للعلماء في الجامعة الإسلامية وفي جدة وفي الرياض وفي مكة، وكان هذا دأبه ﵀، يسير بالأمة الإسلامية نحو الأفضل، وما من مكرمة علمية أو دعوية أو فقهية أو جهادية إلا وتجد للشيخ عبد العزيز ﵀ يدا بيضاء، وكم انتفع العالم الإسلامي وغير الإسلامي من سماحته ﵀. وإن القلم ليعجز عن الوفاء بأوصاف هذا الإمام، وقد جمع الله له ﵀ من أوصاف الخير ما لم يجمعه لعالم معاصر له. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، وجزى الله آل سعود الذين كانوا بجانبه في كل طلباته ﵀ التي يخدم بها","vol":"10","page":304},{"text":"الأمة الإسلامية.\nوإن معرفتي بالشيخ في دروسه في البخاري في المسجد النبوي وفي حلقات الطائف وفي دروسه في المسجد الكبير بالرياض، وإني تشرفت بالتتلمذ عليه مدة طويلة، وأعتبر الشيخ من النوادر الذين يقل في العالم الإسلامي أمثالهم، والله ﵎ ذو الفضل الواسع يخص بفضله من يشاء وكيف يشاء. اللهم أسكنه فسيح الجنان واجعله في أعلى عليين، إنك سميع مجيب.\nوقال فيه الشيخ عبد الرزاق عفيفي: يغلب على مؤلفاته وضوح المعنى وسهولة العبارة وحسن الاختيار مع قوة الحجة والاستدلال وغير ذلك مما يدل على النصح وصفاء النفس وسعة الأفق والاطلاع وحدة الذكاء وسيلان الذهن. وقال أيضا: نبغ في كثير من علوم الشريعة، وخاصة الحديث متنا وسندا، والتوحيد على طريق السلف، والفقه على مذهب الحنابلة حتى صار فيها من العلماء المبرزين.\nوقال فيه الشيخ عطية محمد سالم: كان علامة في الحديث والفقه والتوحيد، وكان موسوعة في هذه العلوم ومبرزا فيها. وقال أيضا: لا أعتقد مهما تحدثنا عن الشيخ ابن باز أن نوفيه حقه في التعريف به، ولكن كان يرحمه الله علما عالميا، وطودا أشم، وجبلا يتميز بتوحيده وحلمه، وكان لا يتحزب ولا يتعصب في البحث وفي المسائل الخلافية، إنما يبحث بمقتضاه الخاص ويتكلم فيه برأيه.\nتوفي الشيخ ﵀ قبل فجر يوم الخميس في اليوم السابع والعشرين","vol":"10","page":305},{"text":"من شهر محرم لعام عشرين وأربعمائة وألف من الهجرة في مدينة الطائف، ورثاه مجموعة من العلماء والشعراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3478>موقفه من المبتدعة:</span>\nقال: ومن المعلوم أن كتاب الله ﷿ من أوله إلى آخره، فيه الذكرى، وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه التذكير بأسباب النجاة والسعادة، وفيه العظة والترغيب والترهيب؛ فجدير بالمسلمين جميعا أن يعتنوا بتدبره وتعقله، وأن يكثروا من تلاوته لمعرفة ما أمر الله به وما نهى عنه، حتى يعلم المؤمن ما أمر الله به فيمتثله، ويبتعد عما نهى الله عنه. فكتاب الله فيه الهدى والنور، وفيه الدلالة على كل خير والتحذير من كل شر، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والتحذير من سيء الأخلاق وسيء الأعمال، يقول سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) أي إلى الطريقة والسبيل التي هي أهدى السبل وأقومها وأصلحها، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٤).\n_________\n(١) الإسراء الآية (٩).\n(٢) فصلت الآية (٤٤).\n(٣) ص الآية (٢٩).\n(٤) الأنعام الآية (١٩).","vol":"10","page":306},{"text":"فكتاب الله فيه الهدى والنور، وفيه العظة والذكرى. فوصيتي لنفسي وللجميع ومن يسمع كلمتي أو تبلغه: العناية بهذا الكتاب العظيم، فهو أشرف كتاب، وأعظم كتاب، وهو خاتم الكتب المنزلة من السماء، ومن تدبره وتعقله بقصد طلب الهداية، ومعرفة الحق، وفقه الله وهداه. وأهم ما اشتمل عليه هذا الكتاب العظيم، بيان حق الله على عباده، وبيان ضد ذلك. هذا أعظم موضوع اشتمل عليه القرآن، وهو بيان حقه سبحانه على عباده من توحيده، وإخلاص العبادة له، وإفراده بالعبادة، وبيان ضد ذلك من الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر، وأنواع الكفر والضلال.\nولو لم يكن في تدبر هذا الكتاب العظيم إلا العلم بهذا الواجب العظيم، وتدبر ما ذكره الله في ذلك، لكان ذلك خيرا عظيما، وفضلا كبيرا، فكيف وفيه الدلالة على كل خير، والترهيب من كل شر، كما تقدم. ثم بعد ذلك العناية بالسنة: فإنها الأصل الثاني، والوحي الثاني، وفيها التفسير لكتاب الله والدلالة على ما قد يخفى من كلامه سبحانه، فهي الموضحة لكتاب الله كما قال الله ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ (١). ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٢) فهو أنزل لدعوة الناس إلى الخير، وتعليمهم سبيل النجاة، وتحذيرهم من سبل الهلاك، وأمر الله نبيه ﵊ أن يبين للناس\n_________\n(١) النحل الآية (٤٤).\n(٢) النحل الآية (٦٤).","vol":"10","page":307},{"text":"ما أنزل إليهم، وأن يشرح لهم ما اشتبه عليهم. فلم يزل ﵊ من حين بعثه الله إلى أن توفاه سبحانه يدعو الناس إلى ما دل عليه كتاب الله، ويشرح لهم ما دل عليه، ويحذرهم مما نهى عنه. وكانت المدة من حين بعثه الله إلى أن توفاه ثلاثا وعشرين سنة، كلها دعوة وبيان وترهيب وترغيب، إلى أن نقل إلى الرفيق الأعلى ﵊. (١)\n- وقال: وإذا علم أن التحاكم إلى شرع الله من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فإن التحاكم إلى الطواغيت والرؤساء والعرافين ونحوهم ينافي الإيمان بالله ﷿؛ وهو كفر وظلم وفسق؛ يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٢) ويقول: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (٣) ويقول: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ\n_________\n(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١/ ٢٩ - ٣٠).\n(٢) المائدة الآية (٤٤).\n(٣) المائدة الآية (٤٥).","vol":"10","page":308},{"text":"الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (١). وبين تعالى أن الحكم بغير ما أنزل الله حكم الجاهلين، وأن الإعراض عن حكم الله تعالى سبب لحلول عقابه وبأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين، يقول سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٢). وإن القارئ لهذه الآية والمتدبر لها يتبين له أن الأمر بالتحاكم إلى ما أنزل الله، أكد بمؤكدات ثمانية:\nالأول: الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.\nالثاني: أن لا تكون أهواء الناس ورغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال، وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.\nالثالث: التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير، والصغير والكبير، بقوله سبحانه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.\nالرابع: أن التولي عن حكم الله وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٧).\n(٢) المائدة الآيتان (٤٩و٥٠).","vol":"10","page":309},{"text":"موجب للعقاب الأليم، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾.\nالخامس: التحذير من الاغترار بكثرة المعرضين عن حكم الله، فإن الشكور من عباد الله قليل، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾.\nالسادس: وصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم الجاهلية، يقول سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.\nالسابع: تقرير المعنى العظيم بأن حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها، يقول ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾.\nالثامن: أن مقتضى اليقين هو العلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأن الواجب الانقياد له، مع الرضا والتسليم يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾. (١)\n- وقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد تكرر السؤال من كثير عن حكم الاحتفال بمولد النبي - ﷺ - والقيام له في أثناء ذلك، وإلقاء السلام عليه، وغير ذلك مما يفعل في الموالد. والجواب أن يقال: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول - ﷺ - ولا غيره، لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين، لأن الرسول - ﷺ - لم يفعله ولا خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة -رضوان الله عليهم- ولا التابعون لهم\n_________\n(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١/ ٨٠ - ٨٢).","vol":"10","page":310},{"text":"بالإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة، وأكمل حبا لرسول الله - ﷺ - ومتابعة لشرعه ممن بعدهم، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) أي مردود عليه، وقال في حديث آخر: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٢) ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع، والعمل بها، وقد قال ﷾ في كتابه المبين: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، وقال ﷿: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف ابن رجب سنة (٧٩٥هـ).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف اللالكائي ﵀ سنة (٤١٨هـ).\n(٣) الحشر الآية (٧).\n(٤) النور الآية (٦٣).\n(٥) الأحزاب الآية (٢١).","vol":"10","page":311},{"text":"ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢). والآيات في هذا المعنى كثيرة، وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرسول ﵊ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به، حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به، زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم، واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله - ﷺ -، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم النعمة.\nوالرسول - ﷺ - قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقا يوصل إلى الجنة، ويباعد من النار إلا بينه للأمة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم» (٣) رواه مسلم في صحيحه، ومعلوم أن نبينا - ﷺ - هو أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأكملهم بلاغا ونصحا، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه، لبينه - ﷺ - للأمة، أو فعله في حياته، أو فعله أصحابه ﵃؛ فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شيء، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول - ﷺ - منها أمته، كما تقدم ذكر ذلك في الحديثين\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٠).\n(٢) المائدة الآية (٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٩١) ومسلم (٣/ ١٤٧٢١ - ١٤٧٣/ ١٨٤٤) والنسائي (٧/ ١٧٢ - ١٧٣/ ٤٢٠٢) وابن ماجه (٢/ ١٣٠٦ - ١٣٠٧/ ٣٩٥٦).","vol":"10","page":312},{"text":"السابقين؛ وقد جاء في معناهما أحاديث أخرى مثل قوله - ﷺ - في خطبة الجمعة: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد - ﷺ - وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (١) رواه الإمام مسلم في صحيحه.\nوالآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها عملا بالأدلة المذكورة وغيرها، وخالف بعض المتأخرين فأجازها إذا لم تشتمل على شيء من المنكرات، كالغلو في رسول الله - ﷺ - وكاختلاط النساء بالرجال، واستعمال آلات الملاهي، وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر وظنوا أنها من البدع الحسنة. والقاعدة الشرعية رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد - ﷺ - كما قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣). وقد رددنا هذه المسألة وهي الاحتفال بالموالد إلى كتاب الله سبحانه، فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول - ﷺ - فيما جاء به، ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٣١٠ - ٣١١و٣١٩و٣٧١) ومسلم (٢/ ٥٩٢/٨٦٧) والنسائي (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠/ ١٥٧٧) وابن ماجه (١/ ١٧/٤٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\n(٢) النساء الآية (٥٩).\n(٣) الشورى الآية (١٠).","vol":"10","page":313},{"text":"الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول - ﷺ -، فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا، وأمرنا باتباع الرسول فيه.\nوقد رددنا ذلك أيضا إلى سنة الرسول - ﷺ - فلم نجد فيها أنه فعله، ولا أمر به ولا فعله أصحابه ﵃، فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين، بل هو من البدع المحدثة، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود، والنصارى في أعيادهم، وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق، وإنصاف في طلبه أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام، بل هو من البدع المحدثات، التي أمر الله سبحانه ورسوله - ﷺ - بتركها والحذر منها، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار، فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية، كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢).اهـ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3479>موقفه من المشركين:</span>\nجاء في مجموع فتاويه: بيان الأدلة على كفر من طعن في القرآن أو في الرسول -﵊-.\n_________\n(١) البقرة الآية (١١١).\n(٢) الأنعام الآية (١١٦).\n(٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١/ ١٨٣ - ١٨٦).","vol":"10","page":314},{"text":"إن الواجب الإسلامي والنصيحة لله ولعباده، كل ذلك، يوجب علينا بيان حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن بأنه متناقض، أو مشتمل على بعض الخرافات، وفيمن طعن في الرسول - ﷺ - بأي نوع من أنواع الطعن غيرة لله سبحانه، وغضبا له -﷿- وانتصارا لكتابه العزيز، ولرسوله الكريم، وأداء لبعض حقه علينا، سواء كان ما ذكر عن أي شخص واقعا أم كان غير واقع، وسواء أعلن إنكاره له، أو التوبة منه، أم لم يعلن ذلك، إذ المقصود بيان حكم الله فيمن أقدم على شيء مما ذكرنا من التنقص لكتاب الله، أو لرسوله - ﷺ -؛ فنقول: قد دل كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﵊ وإجماع الأمة على أن كتاب الله سبحانه محكم غاية الإحكام، وعلى أنه كله كلام الله ﷿ ومنزل من عنده، وليس فيه شيء من الخرافات والكذب، كما دلت الأدلة المذكورة على وجوب تعزير الرسول - ﷺ - وتوقيره ونصرته، ودلت أيضا على أن الطعن في كتاب الله أو في جناب الرسول - ﷺ - كفر أكبر، وردة عن الإسلام، وإليك أيها القارئ الكريم بيان ذلك:\nقال الله تعالى في سورة يونس: ﴿الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ (١) وقال في أول سورة هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ (٢)، وقال ﷿ في أول سورة لقمان: ﴿الم (١) تِلْكَ\n_________\n(١) يونس الآية (١).\n(٢) هود الآية (١).","vol":"10","page":315},{"text":"آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ (١) وذكر علماء التفسير ﵏ في تفسير هذه الآيات، أن معنى ذلك: أنه متقن الألفاظ والمعاني، مشتمل على الأحكام العادلة، والأخبار الصادقة، والشرائع المستقيمة، وأنه الحاكم بين العباد فيما يختلفون فيه، كما قال الله سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٢) الآية، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) الآية.\nفكيف يكون محكم الألفاظ والمعاني، وحاكما بين الناس، وهو متناقض مشتمل على بعض الخرافات؟! وكيف يكون محكما وموثوقا به إذا كان الرسول الذي جاء به إنسانا بسيطا لا يفرق بين الحق والخرافة؟! فعلم بذلك أن من وصف القرآن بالتناقض أو بالاشتمال على بعض الخرافات أو وصف الرسول - ﷺ - بما ذكرنا فإنه متنقص لكتاب الله، ومكذب لخبر الله، وقادح في رسول الله - ﷺ - وفي كمال عقله؛ فيكون بذلك كافرا مرتدا عن الإسلام إن كان مسلما قبل أن يقول هذه المقالة، وقال الله سبحانه في أول سورة يوسف: ﴿الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ\n_________\n(١) لقمان الآيتان (١و٢).\n(٢) البقرة الآية (٢١٣).\n(٣) آل عمران الآية (٢٣).","vol":"10","page":316},{"text":"أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ (١) وقال سبحانه في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٢) الآية، ومعنى ﴿متشابهًا﴾ في هذه الآية -عند أهل العلم- يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا؛ فكيف يكون بهذا المعنى؟! وكيف يكون أحسن الحديث وأحسن القصص وهو متناقض مشتمل على بعض الخرافات؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!.\nوصح عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقول في خطبه: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -» (٣)، فمن طعن في القرآن بما ذكرنا أو غيره من أنواع المطاعن فهو مكذب لله ﷿ في وصفه لكتابه بأنه أحسن القصص وأحسن الحديث. ومكذب للرسول - ﷺ - في قوله: إنه خير الحديث.\nوقال ﷾ في وصف القرآن الكريم: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ (٤)، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ (٥) وقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (٦) وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ\n_________\n(١) يوسف الآيات (١ - ٣).\n(٢) الزمر الآية (٢٣).\n(٣) تقدم تخريجه قريبا.\n(٤) فصلت الآية (٢).\n(٥) الشعراء الآيتان (١٩٢و١٩٣).\n(٦) الأنعام الآية (١٥٥).","vol":"10","page":317},{"text":"نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (٢) إلى أمثال هذه الآيات الكثيرة في كتاب الله، فمن زعم أنه متناقض أو مشتمل على بعض الخرافات التي أدخلها فيه الرسول - ﷺ - مما تلقاه من بادية الصحراء أو غيرهم فقد زعم أن بعضه غير منزل من عند الله وأنه غير محفوظ، كما أنه بذلك قد وصف الرسول - ﷺ - بأنه كذب على الله وأدخل في كتابه ما ليس منه، وهو مع ذلك يقول للناس: إن القرآن كلام الله، وهذا غاية في الطعن في الرسول - ﷺ - ووصفه بالكذب على الله وعلى عباده، وهذا من أقبح الكفر والضلال والظلم، كما قال الله سبحانه: ﴿* فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ (٣) وقال ﷿: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ (٤)\nالآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)\n_________\n(١) الحجر الآية (٩).\n(٢) فصلت الآيتان (٤١و٤٢).\n(٣) الزمر الآية (٣٢).\n(٤) الأنعام الآية (٩٣) ..","vol":"10","page":318},{"text":"لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١) الآية. (٢)\n- وقال ﵀ في الرد على أبيات لبعض الكاتبات نشرتها صحيفة المجتمع الكويتية: ودين الإسلام مبني على أصلين عظيمين:\nأحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده.\nوالثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه ورسوله - ﷺ - وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله. فمن دعا الأموات من الأنبياء وغيرهم، أو دعا الأصنام أو الأشجار، أو الأحجار أو غير ذلك من المخلوقات، أو استغاث بهم، أو تقرب إليهم بالذبائح والنذور، أو صلى لهم، أوسجد لهم، فقد اتخذهم أربابا من دون الله، وجعلهم أندادا له سبحانه، وهذا يناقض هذا الأصل، وينافي معنى لا إله إلا الله، كما أن من ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله لم يحقق معنى شهادة أن محمدا رسول الله، وقد قال الله ﷿: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (٣) وهذه الأعمال هي أعمال من مات على الشرك بالله ﷿، وهكذا الأعمال المبتدعة التي لم يأذن بها الله، فإنها تكون يوم القيامة هباء منثورا لكونها لم توافق شرعه المطهر، كما قال النبي - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق على صحته (٤). وهذه الكاتبة\n_________\n(١) التوبة الآيتان (٦٥و٦٦).\n(٢) مجموع الفتاوى للشيخ ابن باز (١/ ٩٣ - ٩٥).\n(٣) الفرقان الآية (٢٣).\n(٤) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٠) والبخاري (٥/ ٣٧٧/٢٦٩٧) ومسلم (٣/ ١٣٤٣/١٧١٨) وأبو داود (٥/ ١٢/٤٦٠٦) وابن ماجه (١/ ٧/١٤).","vol":"10","page":319},{"text":"قد وجهت استغاثتها ودعاءها للرسول - ﷺ - وأعرضت عن رب العالمين، الذي بيده النصر والضر والنفع، وليس بيد غيره شيء من ذلك. ولا شك أن هذا ظلم عظيم وخيم، وقد أمر الله ﷿ بدعائه سبحانه، ووعد من يدعوه بالاستجابة، وتوعد من استكبر عن ذلك بدخول جهنم، كما قال ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (١) أي صاغرين ذليلين.\nوقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الدعاء عبادة، وعلى أن من استكبر عنه فمأواه جهنم، فإذا كانت هذه حال من استكبر عن دعاء الله، فكيف تكون حال من دعا غيره، وأعرض عنه، وهو سبحانه القريب المالك لكل شيء، والقادر على كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ (٢) وقد أخبر الرسول الله - ﷺ - في الحديث الصحيح أن الدعاء هو العبادة (٣)، وقال لابن عمه عبد الله بن عباس ﵄: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن\n_________\n(١) غافر الآية (٦٠).\n(٢) البقرة الآية (١٨٦).\n(٣) أخرجه من حديث النعمان بن بشير: أحمد (٤/ ٢٦٧) وأبو داود (٢/ ١٦١/١٤٧٩) والترمذي (٥/ ٣٤٩/٣٢٤٧) وقال: \"حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٥٠/١١٤٦٤) وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨/٣٨٢٨)، وصححه ابن حبان (٣/ ١٧٢/٨٩٠) والحاكم (١/ ٤٩٠ - ٤٩١) ووافقه الذهبي. وأورد له شاهدا من حديث ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"10","page":320},{"text":"بالله». أخرجه الترمذي وغيره (١).\nوقال - ﷺ -: «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار» رواه البخاري (٢). وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه سئل أي الذنب أعظم قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» (٣) والند هو النظير والمثيل. فكل من دعا غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح له أو صرف له شيئا من العبادة سوى ما تقدم، فقد اتخذه ندا، سواء كان نبيا أو وليا، أو ملكا أو جنيا، أو صنما أو غير ذلك من المخلوقات. (٤)\nحكم من يطالب بتحكيم المبادئ الاشتراكية والشيوعية:\n- قال ﵀: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. أما بعد: فقد ورد إلي سؤال من بعض الإخوة الباكستانيين هذا ملخصه:\nما حكم الذين يطالبون بتحكيم المبادئ الاشتراكية والشيوعية، ويحاربون حكم الإسلام، وما حكم الذين يساعدونهم في هذا المطلب، ويذمون من يطالب بحكم الإسلام، ويلمزونهم ويفترون عليهم، وهل يجوز اتخاذ هؤلاء أئمة وخطباء في مساجد المسلمين؟\nوالجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢٩٣) والترمذي (٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦/ ٢٥١٦) من حديث ابن عباس وقال: \"حسن صحيح\".\n(٢) أحمد (١/ ٣٧٤) والبخاري (٨/ ٢٢٩/٤٤٩٧) ومسلم (١/ ٩٤/٩٢) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(٣) أحمد (١/ ٤٣٤) والبخاري (٨/ ٢٠٧/٤٤٧٧) ومسلم (١/ ٩٠/٨٦) وأبو داود (٢/ ٧٣٢ - ٧٣٣/ ٢٣١٠) والترمذي (٥/ ٣١٤/٣١٨٢) والنسائي (٧/ ١٠٣ - ١٠٤/ ٤٠٢٤) من حديث ابن مسعود.\n(٤) مجموع الفتاوى (١/ ١٥٤ - ١٥٥).","vol":"10","page":321},{"text":"وأصحابه ومن اهتدى بهداه، لا ريب أن الواجب على أئمة المسلمين وقادتهم أن يحكموا الشريعة الإسلامية في جميع شؤونهم، وأن يحاربوا ما خالفها، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء الإسلام، ليس فيه نزاع بحمد الله، والأدلة عليه من الكتاب والسنة كثيرة معلومة عند أهل العلم، منها قوله سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١) وقوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٥)\n_________\n(١) النساء الآية (٦٥).\n(٢) النساء الآية (٥٩).\n(٣) الشورى الآية (١٠).\n(٤) المائدة الآية (٥٠).\n(٥) المائدة الآية (٤٤).","vol":"10","page":322},{"text":"﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (١) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (٢). والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nوقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو أن هدي غير رسول الله - ﷺ - أحسن من هدي الرسول - ﷺ - فهو كافر؛ كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد - ﷺ - أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال. وبما ذكرناه من الأدلة القرآنية، وإجماع أهل العلم يعلم السائل وغيره، أن الذين يدعون إلى الاشتراكية أو الشيوعية أو غيرهما من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإسلام، كفار ضلال، أكفر من اليهود والنصارى، لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يجوز أن يجعل أحد منهم خطيبا وإماما في مسجد من مساجد المسلمين، ولا تصح الصلاة خلفهم، وكل من ساعدهم على ضلالهم، وحسن ما يدعون إليه، وذم دعاة الإسلام ولمزهم، فهو كافر ضال، حكمه حكم الطائفة الملحدة، التي سار في ركابها وأيدها في طلبها. وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة، فهو كافر مثلهم، كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٥).\n(٢) المائدة الآية (٤٧).","vol":"10","page":323},{"text":"يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ (٢).\nوأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية ومقنع لطالب الحق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين، ويجمع كلمتهم على الحق، وأن يكبت أعداء الإسلام، ويفرق جمعهم، ويشتت شملهم، ويكفي المسلمين شرهم، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.\nس: ما رأيكم في المسلمين الذين يحتكمون إلى القوانين الوضعية مع وجود القرآن الكريم والسنة المطهرة بين أظهرهم؟\nج: رأيي في هذا الصنف من الناس الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين، في الوقت الذي يتحاكمون فيه إلى غير ما أنزل الله، ويرون شريعة الله غير كافية، ولا صالحة للحكم في هذا العصر. هو ما قال الله ﷾ في شأنهم حيث يقول ﷾: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا\n_________\n(١) المائدة الآية (٥١).\n(٢) التوبة الآية (٢٣).","vol":"10","page":324},{"text":"تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١) ويقول ﷾: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٢) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (٣) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (٤) إذا، فالذين يتحاكمون إلى شريعة غير شريعة الله، ويرون أن ذلك جائز لهم، أو أن ذلك أولى من التحاكم إلى شريعة الله لا شك أنهم يخرجون بذلك عن دائرة الإسلام، ويكونون بذلك كفارا ظالمين فاسقين، كما جاء في الآيات السابقة وغيرها، وقوله ﷿: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٥) والله الموفق. (٦)\n- وقال ﵀: من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال: إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولا بد إلى رفض حكم القرآن، لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن، فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاما وضعية تخالف حكم القرآن، حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام؛ وقد صرح الكثير منهم بذلك\n_________\n(١) النساء الآية (٦٥).\n(٢) المائدة الآية (٤٤).\n(٣) المائدة الآية (٤٥).\n(٤) المائدة الآية (٤٧).\n(٥) المائدة الآية (٥٠).\n(٦) مجموع الفتاوى (١/ ٢٧٣ - ٢٧٥).","vol":"10","page":325},{"text":"كما سلف. وهذا هو الفساد العظيم، والكفر المستبين والردة السافرة، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (٥)\nوكل دولة لا تحكم بشرع الله، ولا تنصاع لحكم الله، ولا ترضاه فهي دولة جاهلية كافرة، ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله، وتحرم عليهم مودتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده، وتحكم شريعته، وترضى بذلك لها وعليها، كما قال ﷿: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا\n_________\n(١) النساء الآية (٦٥).\n(٢) المائدة الآية (٥٠).\n(٣) المائدة الآية (٤٤).\n(٤) المائدة الآية (٤٥).\n(٥) المائدة الآية (٤٧) ..","vol":"10","page":326},{"text":"تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١).اهـ (٢)\nالتحذير من بناء المساجد على القبور:\n- قال ﵀: وسئلت هل يجوز أن يبنى على موضع أهل الكهف مسجد؟ فأجبت قائلا: بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد فقد اطلعت على ما نشر في العدد الثالث من مجلة رابطة العلوم الإسلامية في باب (أخبار المسلمين في شهر).\nإن رابطة العلوم الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية تنوي إشادة مسجد على الكهف الذي اكتشف حديثا في قرية الرحيب، وهو الكهف الذي يقال إن أهل الكهف الوارد ذكرهم في القرآن الكريم رقدوا فيه- انتهى.\nولواجب النصح لله ولعباده رأيت أن أوجه كلمة في المجلة نفسها لرابطة العلوم الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية مضمونها نصيحة الرابطة عن تنفيذ ما نوته من إشادة مسجد على الكهف المذكور. وما ذاك إلا لأن إشادة المساجد على قبور الأنبياء والصالحين وآثارهم مما جاءت الشريعة الإسلامية الكاملة بالمنع منه والتحذير عنه، ولعن من فعله لكونه من وسائل الشرك والغلو في الأنبياء والصالحين، والواقع شاهد بصحة ما جاءت به\n_________\n(١) الممتحنة الآية (٤).\n(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦).","vol":"10","page":327},{"text":"الشريعة ودليل على أنها من عند الله ﷿ وبرهان ساطع وحجة قاطعة على صدق رسول الله - ﷺ - فيما جاء به عن الله وبلغه الأمة. وكل من تأمل أحوال العالم الإسلامي وما حصل فيه من الشرك والغلو بسبب إشادة المساجد على الأضرحة وتعظيمها، وفرشها وتجميلها واتخاذ السدنة لها علم يقينا أنها من وسائل الشرك وأن من محاسن الشريعة الإسلامية المنع منها والتحذير من إشادتها ومما ورد في ذلك ما رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمة الله عليهما عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت عائشة: يحذر ما صنعوا، قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا (١). وفي الصحيحين أيضا أن أم سلمة وأم حبيبة ﵄ ذكرتا لرسول الله - ﷺ - كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال - ﷺ -: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» (٢)\nوفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا\n_________\n(١) تقدم تخريجه ضمن مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية سنة (٧٢٨هـ).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف محمد ابن اليمني سنة (١٣٩١هـ) ..","vol":"10","page":328},{"text":"تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (١) والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وقد نص الأئمة من علماء المسلمين من جميع المذاهب الأربعة وغيرهم على النهي عن اتخاذ المساجد على القبور، وحذروا من ذلك عملا بسنة الرسول - ﷺ - ونصحا للأمة وتحذيرا لها أن تقع فيما وقع فيه من قبلها من غلاة اليهود والنصارى وأشباههم من ضلال هذه الأمة. (٢)\nحكم إتيان الكهان ونحوهم وسؤالهم وتصديقهم:\n- قال ﵀: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد شاع بين كثير من الناس أن هناك من يتعلق بالكهان والمنجمين والسحرة والعرافين وأشباههم، لمعرفة المستقبل والحظ وطلب الزواج والنجاح في الامتحان وغير ذلك من الأمور التي اختص الله ﷾ بعلمها كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ (٤). فالكهان والعرافون والسحرة وأمثالهم قد بين الله ﷾ ورسوله - ﷺ -\n_________\n(١) مسلم (١/ ٣٧٧/٥٣٢).\n(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٤٣٣ - ٤٣٥).\n(٣) الجن الآيتان (٢٦و٢٧).\n(٤) النمل الآية (٦٥).","vol":"10","page":329},{"text":"ضلالهم وسوء عاقبتهم في الآخرة، وأنهم لا يعلمون الغيب، وإنما يكذبون على الناس ويقولون على الله غير الحق وهم يعلمون، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ (١)\nوقال سبحانه: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿* وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾ (٣). فهذه الآيات وأمثالها تبين خسارة الساحر ومآله في\n_________\n(١) البقرة الآية (١٠٢) ..\n(٢) طه الآية (٦٩).\n(٣) الأعراف الآيتان (١١٧و١١٨).","vol":"10","page":330},{"text":"الدنيا والآخرة، وأنه لا يأتي بخير، وأن ما يتعلمه أو يعلمه غيره يضر صاحبه ولا ينفعه، كما نبه سبحانه أن عملهم باطل، وصح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» متفق على صحته (١).\nوهذا يدل على عظم جريمة السحر لأن الله قرنه بالشرك، وأخبر أنه من الموبقات وهي المهلكات، والسحر كفر لأنه لا يتوصل إليه إلا بالكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٢). وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «حد الساحر ضربه بالسيف» (٣). وصح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر بقتل السحرة من الرجال والنساء؛ وهكذا صح عن جندب الخير الأزدي ﵁ أحد أصحاب النبي - ﷺ - أنه قتل بعض السحرة؛ وصح عن حفصة أم المؤمنين ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت، وعن عائشة ﵂ قالت: سأل رسول الله - ﷺ - ناس عن الكهان، فقال: «ليسوا بشيء»، فقالوا: يا\n_________\n(١) البخاري (٥/ ٤٩٤/٢٧٦٦) ومسلم (١/ ٩٢/٨٩) وأبو داود (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥/ ٢٨٧٤) والنسائي (٦/ ٥٦٨/٣٦٧٣) من حديث أبي هريرة.\n(٢) البقرة الآية (١٠٢).\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٩/١٤٦٠) والحاكم (٤/ ٣٦٠) من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب الخير مرفوعا. قال الحاكم: \"صحيح الإسناد، وإن كان الشيخان قد تركا حديث إسماعيل بن مسلم، فإنه غريب صحيح\"، ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: \"هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن المكي يضعف في الحديث ... والصحيح عن جندب موقوفا\". والحديث ضعف إسناده الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٩٠).","vol":"10","page":331},{"text":"رسول الله إنهم يحدثونا أحيانا بشيء فيكون حقا، فقال رسول الله - ﷺ -: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه فيخلطوا معها مائة كذبة» رواه البخاري (١).\nوقال - ﷺ - فيما رواه عنه ابن عباس ﵄: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» رواه أبو داود وإسناده صحيح (٢). وللنسائي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا وكل إليه» (٣). وهذا يدل على أن السحر شرك بالله تعالى كما تقدم، وذلك لأنه لا يتوصل إليه إلا بعبادة الجن والتقرب إليهم بما يطلبون من ذبح وغيره من أنواع العبادة، وعبادتهم شرك بالله ﷿. فالكاهن من يزعم أنه يعلم بعض المغيبات، وأكثر ما يكون ذلك ممن ينظرون في النجوم لمعرفة الحوادث أو يستخدمون من يسترقون السمع من شياطين الجن، كما ورد بالحديث الذي مر ذكره، ومثل هؤلاء من يخط في الرمل أو ينظر في الفنجان أو في الكف ونحو ذلك، وكذا من يفتح الكتاب زعما منهم أنهم يعرفون بذلك علم الغيب وهم كفار بهذا الاعتقاد؛ لأنهم بهذا الزعم يدعون مشاركة الله في صفة من صفاته الخاصة وهي علم الغيب، ولتكذيبهم بقوله\n_________\n(١) أحمد (٦/ ٨٧) والبخاري (١٠/ ٢٦٦/٥٧٦٢) ومسلم (٤/ ١٧٥٠/٢٢٢٨).\n(٢) أحمد (١/ ٢٢٧و٣١١) وأبو داود (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧/ ٣٩٠٥) وابن ماجه (٢/ ١٢٢٨/٣٧٢٦) من حديث ابن عباس، وصحح إسناده النووي في الرياض (ص.٥٧٤) والعراقي في تخريج الإحياء (٥/ ٢١٥٩/٣٤٠٤)\n(٣) رواه النسائي (٧/ ١٢٨/٤٠٩٠) من طريق عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعا، وابن عدي (٤/ ٣٤٢). قال المنذري في الترغيب (٤/ ٣٢): \"رواه النسائي من رواية الحسن عن أبي هريرة، ولم يسمع من أبي هريرة عند الجمهور\". وقال الذهبي في الميزان (٢/ ٣٧٨): \"هذا الحديث لا يصح للين عباد، وانقطاعه\".","vol":"10","page":332},{"text":"تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) وقوله: ﴿* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٢)\nوقوله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ الآية (٣). ومن أتاهم وصدقهم بما يقولون من علم الغيب فهو كافر. (٤)\n- وقال ﵀ في الرد على رشاد خليفة المنكر للسنة: وإن ما تفوه به رشاد خليفة من إنكار السنة، والقول بعدم الحاجة إليها: كفر وردة عن الإسلام، لأن من أنكر السنة فقد أنكر الكتاب ومن أنكرهما أو أحدهما فهو كافر بالإجماع، ولايجوز التعامل معه وأمثاله، بل يجب هجره والتحذير من فتنته وبيان كفره وضلاله في كل مناسبة حتى يتوب إلى الله من ذلك توبة معلنة في الصحف السيارة لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا\n_________\n(١) النمل الآية (٦٥).\n(٢) الأنعام الآية (٥٩) ..\n(٣) الأنعام الآية (٥٠).\n(٤) مجموع الفتاوى (٢/ ١١٨ - ١٢١).","vol":"10","page":333},{"text":"فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ (١). وقد ذكر الإمام السيوطي ﵀ كفر من جحد السنة في كتابه المسمى 'مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة' فقال: (اعلموا -رحمكم الله- أن من أنكر أن كون حديث النبي - ﷺ - قولا كان أو فعلا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة) انتهى المقصود. (٢)\nحكم الشريعة في غلام أحمد برويز:\nقال ﵀: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أما بعد: فقد اطلعت على ما نشرته (مجلة الحج) في عددها الثاني الصادر في ١٦ شعبان عام ١٣٨٢هـ من الاستفتاء المقدم إليها من أخينا العلامة الشيخ محمد يوسف البنوري مدير المدرسة العربية الإسلامية بكراتشي عن حكم الشريعة الإسلامية في غلام أحمد برويز الذي ظهر أخيرا في بلاد الهند، وعن حكم معتقداته التي قدم فضيلة المستفتي نماذج منها لاستفتائه، وعن حكم من اعتنق تلك العقائد واعتقدها ودعا إليها إلخ ..؟\nوالجواب: كل من تأمل تلك النماذج التي ذكرها المستفتي في استفتائه من عقائد غلام أحمد برويز وهي عشرون أنموذجا موضحة في الاستفتاء المنشور في المجلة المذكورة، كل من تأمل هذه النماذج المشار إليها من ذوي العلم والبصيرة يعلم علما قطعيا لا يحتمل الشك بوجه ما أن معتنقها\n_________\n(١) البقرة الآيتان (١٥٩و١٦٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤).","vol":"10","page":334},{"text":"ومعتقدها والداعي إليها كافر كفرا أكبر مرتد عن الإسلام يجب أن يستتاب، فإن تاب توبة ظاهرة، وكذب نفسه تكذيبا ظاهرا ينشر في الصحف المحلية كما نشر فيها الباطل من تلك العقائد الزائفة، وإلا وجب على ولي الأمر للمسلمين قتله. وهذا شيء معلوم من دين الإسلام بالضرورة، والأدلة عليه من الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم كثيرة جدا لا يمكن استقصاؤها في هذا الجواب. وكل أنموذج من تلك النماذج التي قدمها المستفتي من عقائد غلام أحمد برويز يوجب كفره وردته عن الإسلام عند علماء الشريعة الإسلامية.\nوإلى القارئ الكريم نبذة من تلك النماذج التي أشرنا إليها ليعلم مدى بشاعتها وشناعتها وبعدها عن الإسلام، وأن معتقدها لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يؤمن بالرسول - ﷺ -، ولا بما أخبر الله به ﷿ ورسوله - ﷺ - عن الآخرة والجنة والنار، وليعلم أيضا أن معتقدها بعيد كل البعد عما جاءت به الرسل، شديد العداوة والحقد والكيد للإسلام والمسلمين، بارع في المكر والتلبيس، متجرد من الحياء والأدب، نسأل الله تعالى العافية والسلامة لنا وللمسلمين من شر ما ابتلي به هذا الزنديق الملحد.\nالنموذج الأول: من عقائد الملحد غلام أحمد برويز على ما نشرته المجلة المذكورة في الاستفتاء المنوه عنه آنفا يقول: إن جميع ما ورد في القرآن الكريم من الصدقات والتوريث وما إلى ذلك من الأحكام المالية كل ذلك مؤقت تدريجي إنما يتدرج به إلى دور مستقل يسميه هو نظام الربوبية، فإذا جاء ذلك الوقت تنتهي هذه الأحكام لأنها كانت مؤقتة غير مستقلة.\nالنموذج الثاني: أن الرسول والذين معه قد استنبطوا من القرآن أحكاما","vol":"10","page":335},{"text":"فكانت شريعة، وهكذا كل من جاء بعده من أعضاء شورائية لحكومة مركزية لهم أن يستنبطوا أحكاما من القرآن، فتكون تلك الأحكام شريعة ذلك العصر، وليسوا مكلفين بتلك الشريعة السابقة. ثم لا تختص تلك بباب واحد بل العبادات والمعاملات والأخلاق كلها يجري فيه ذلك، ومن أجل ذلك القرآن لم يعين تفصيلات العبادة. (١)\n- وقال ﵀: ومن العقائد المضادة للحق: ما يعتقده بعض المتصوفة من أن بعض من يسمونهم بالأولياء يشاركون الله في التدبير، ويتصرفون في شؤون العالم، ويسمونهم بالأقطاب والأوتاد والأغواث، وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لآلهتهم، وهذا من أقبح الشرك في الربوبية، وهو شر من شرك جاهلية العرب؛ لأن كفار العرب لم يشركوا في الربوبية وإنما أشركوا في العبادة، وكان شركهم في حال الرخاء، أما في حال الشدة فيخلصون لله العبادة، كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ (٢). أما الربوبية فكانوا معترفين بها لله وحده كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(٢) العنكبوت الآية (٦٥).\n(٣) الزخرف الآية (٨٧).","vol":"10","page":336},{"text":"الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ (١)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nأما المشركون المتأخرون فزادوا على الأولين من جهتين:\nإحداهما: شرك بعضهم في الربوبية.\nوالثانية: شركهم في الرخاء والشدة، كما يعلم ذلك من خالطهم وسبر أحوالهم، ورأى ما يفعلون عند قبر الحسين والبدوي وغيرهما في مصر، وعند قبر العيدروس في عدن، والهادي في اليمن، وابن عربي في الشام، والشيخ عبد القادر الجيلاني في العراق، وغيرها من القبور المشهورة التي غلت فيها العامة وصرفوا لها الكثير من حق الله ﷿، وقل من ينكر عليهم ذلك ويبين لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به نبيه محمدا - ﷺ -، ومن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله سبحانه أن يردهم إلى رشدهم، وأن يكثر بينهم دعاة الهدى، وأن يوفق قادة المسلمين وعلماءهم لمحاربة هذا الشرك والقضاء عليه ووسائله، إنه سميع قريب. (٢)\n- وقال ﵀: ومن أنواع الردة العقدية التي يعتقدها بقلبه وإن لم يتكلم بها ولم يفعل، بل بقلبه يعتقد: إذا اعتقد بقلبه أن الله جل وعلا فقير، أو أنه بخيل، أو أنه ظالم، ولو أنه ما تكلم، ولو لم يفعل شيئا، هذا كفر -بمجرد هذه العقيدة- بإجماع المسلمين.\n_________\n(١) يونس الآية (٣١).\n(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٢٦ - ٢٧).","vol":"10","page":337},{"text":"أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد بعث ولا نشور، وأن كل ما جاء في هذا ليس له حقيقة، أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد جنة أو نار، ولا حياة أخرى، إذا اعتقد ذلك بقلبه ولو لم يتكلم بشيء، هذا كفر وردة عن الإسلام -نعوذ بالله من ذلك- وتكون أعماله باطلة، ويكون مصيره إلى النار بسبب هذه العقيدة.\nوهكذا لو اعتقد بقلبه -ولو لم يتكلم- أن محمدا - ﷺ - ليس بصادق، أو أنه ليس بخاتم الأنبياء وأن بعده أنبياء، أو اعتقد أن مسيلمة الكذاب نبي صادق، فإنه يكون كافرا بهذه العقيدة.\nأو اعتقد بقلبه أن نوحا أو موسى أو عيسى أو غيرهم من الأنبياء ﵈ أنهم كاذبون أو أحدا منهم، هذا ردة عن الإسلام.\nأو اعتقد أنه لا بأس أن يدعى مع الله غيره، كالأنبياء أو غيرهم من الناس، أو الشمس والكواكب أو غيرها، إذا اعتقد بقلبه ذلك صار مرتدا عن الإسلام، لأن الله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَن مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (٢)، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (٣)، وقال: ﴿* وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤)، وقال:\n_________\n(١) الحج الآية (٦٢).\n(٢) البقرة الآية (١٦٣).\n(٣) الفاتحة الآية (٥).\n(٤) الإسراء الآية (٢٣).","vol":"10","page":338},{"text":"﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ (٢)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nفمن زعم أو اعتقد أنه يجوز أن يعبد مع الله غيره، من ملك أو نبي أو شجر أو جن أو غير ذلك فهو كافر. وإذا نطق وقال بلسانه ذلك صار كافرا بالقول والعقيدة جميعا، وإن فعل ذلك ودعا غير الله واستغاث بغير الله صار كافرا بالقول والعمل والعقيدة جميعا، نسأل الله العافية من ذلك.\nومما يدخل في هذا: ما يفعله عُبَّاد القبور اليوم في كثير من الأمصار من دعاء الأموات والاستغاثة بهم وطلب المدد منهم، فيقول بعضهم: يا سيدي، المدد المدد، يا سيدي، الغوث الغوث، أنا بجوارك، اشف مريضي، ورُدَّ غائبي، وأصلح قلبي. يخاطبون الأموات الذين يسمونهم: الأولياء، ويسألونهم هذا السؤال، نسوا الله وأشركوا معه غيره -تعالى الله عن ذلك- فهذا كفر قولي وعقدي وفعلي.\nوبعضهم ينادي من مكان بعيد وفي أمصار متباعدة: يا رسول الله، انصرني ... ونحو هذا، وبعضهم يقول عند قبره: يا رسول الله، اشف مريضي، يا رسول الله، المدد المدد، انصرنا على أعدائنا، أنت تعلم ما نحن فيه، انصرنا على أعدائنا.\n_________\n(١) غافر الآية (١٤).\n(٢) الزمر الآية (٦٥).","vol":"10","page":339},{"text":"والرسول - ﷺ - لا يعلم الغيب، إذ لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، هذا من الشرك القولي والعملي. وإذا اعتقد مع ذلك أن هذا جائز، وأنه لا بأس به صار شركا قوليا وفعليا وعقديا، نسأل الله العافية من ذلك.\nوهذا واقع في دول وبلدان كثيرة، وكان واقعا في هذه البلاد، كان واقعا في الرياض والدرعية قبل قيام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد كانت لهم آلهة في الرياض والدرعية وغيرهما، أشجار تعبد من دون الله، وأناس يقال: إنهم من الأولياء يعبدونهم مع الله، وقبور تعبد مع الله. وكان قبر زيد بن الخطاب ﵁ موجودا في الجُبَيْلة حيث قتل في حروب الردة أيام مسيلمة، كان قبره يعبد من دون الله حتى هدم ذلك القبر، ونسي اليوم والحمد لله، بأسباب دعوة الشيخ محمد، قدس الله روحه وجزاه عنا وعن المسلمين أفضل الجزاء.\nوقد كان في نجد والحجاز من الشرك العظيم والاعتقادات الباطلة، ودعوة غير الله ما لا يعد ولا يحصى، فلما جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، أي: قبل ما يزيد عن مائتي سنة، دعا إلى الله وأرشد الناس، فعاداه كثير من العلماء الجهلة وأهل الهوى، لكن الله أيَّده بعلماء الحق، وبآل سعود -رحم الله الجميع- فدعا إلى الله، وأرشد الناس إلى توحيد الله، وبين لهم: أن عبادة الجن والأحجار والأولياء والصالحين وغيرهم شرك من عمل الجاهلية، وأنها أعمال أبي جهل وأمثاله من كفار قريش في عبادتهم اللات والعزى ومناة وعبادة القبور، هذه هي أعمالهم.","vol":"10","page":340},{"text":"فبين -﵀- للناس وهدى الله على يديه من هدى، ثم عمت الدعوة بلاد نجد والحجاز وبقية الجزيرة العربية، وانتشر فيها التوحيد والإيمان، وترك الناس الشرك بالله وعبادة القبور والأولياء بعد أن كانوا يعبدونها إلا من رحم الله، بل كان بعضهم يعبد أناسا مجانين لا عقول لهم، ويسمونهم: أولياء، وهذا من عظيم جهلهم الذي كانوا واقعين فيه. (١)\n- وقال ﵀: التوحيد موضوع عظيم هو أساس الملة وأساس جميع ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم. ولا ريب أن هذا المقام جدير بالعناية، وإنما ضل من ضل، وهلك من هلك بسبب إعراضه عن هذا الأصل وجهله به وعمله بخلافه، وكان المشركون قد جهلوا هذا الأمر من توحيد العبادة الذي هو الأساس الذي بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وخلق من أجله الثقلان \"الجن والإنس\"، وظنوا أن ما هم عليه من الشرك دين صالح وقربة يتقربون بها إلى الله مع أنه أعظم الجرائم وأكبر الذنوب، وظنوا بجهلهم وإعراضهم وتقليدهم لآبائهم ومن قبلهم من الضالين أنه دين وقربة وحق، وأنكروا على الرسل وقاتلوهم على هذا الأساس الباطل كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٧ - ٢٠).\n(٢) الأعراف الآية (٣٠).","vol":"10","page":341},{"text":"يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ (٢). وأول من وقع في هذا البلاء واعتقد هذا الشرك: قوم نوح ﵊، فإنهم أول الأمم الواقعة في الشرك، وقلدهم من بعدهم. وكان سبب ذلك: الغلو في الصالحين، وأنهم غلوا في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكان هؤلاء رجالا صالحين فيهم، فماتوا في زمن متقارب فأسفوا عليهم أسفا عظيما، وحزنوا عليهم حزنا شديدا، فزين لهم الشيطان الغلو فيهم وتصويرهم ونصب صورهم في مجالسهم، وقال لعلكم بهذا تسيرون على طريقتهم.\nوفي ذلك هلاكهم وهلاك من بعدهم، فلما طال عليهم الأمر عبدوهم. وقال جماعة من السلف: فلما هلك أولئك وجاء من بعدهم عبدت هذه الأصنام، وأنزل الله فيهم جل وعلا قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾ (٣). فالغلو في\n_________\n(١) يونس الآية (١٨).\n(٢) الزمر الآية (٣).\n(٣) نوح الآيات (٢٣ - ٢٥).","vol":"10","page":342},{"text":"الصالحين من البشر وفي الملائكة والأنبياء والجن والأصنام هو أصل هذا البلاء، والله بين على أيدي الرسل أن الواجب عبادته وحده سبحانه، وأنه الإله الحق، وأنه لا يجوز اتخاذ الوسائط بينه وبين عباده، بل يجب أن يعبد وحده مباشرة من دون واسطة، وأرسل الرسل وأنزل الكتب بذلك، وخلق الثقلين لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢)، وقال ﷿: ﴿* وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (٤)، وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥).\nوهذا المقام -أعني مقام التوحيد- دائما وأبدا يحتاج إلى مزيد العناية بتوجيه الناس إلى دين الله وتوحيده وإخلاص العبادة له، لأن الشرك هو أعظم الذنوب وقد وقع فيه أكثر الناس قديما وحديثا، فالواجب بيانه للناس والتحذير منه في كل وقت، وذلك بالدعوة إلى توحيد الله سبحانه والنهي عن الشرك وبيان أنواعه للناس حتى يحذروه، وقد قام خاتم الأنبياء محمد - ﷺ - بذلك أكمل قيام في\n_________\n(١) الذاريات الآية (٥٦).\n(٢) البقرة الآية (٢١).\n(٣) الإسراء الآية (٢٣).\n(٤) الفاتحة الآية (٥).\n(٥) النحل الآية (٣٦).","vol":"10","page":343},{"text":"مكة والمدينة، ومع هذا فقد ملئت الدنيا من هذا الشرك بسبب علماء السوء ودعاة الضلالة وإعراض الأكثر عن دين الله وعدم تفقههم في الدين، وعدم إقبالهم على الحق، وحسن ظنهم بدعاة الباطل ودعاة الشرك إلا من رحم الله، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ (٢) وقال ﷿: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ (٣).\nفلهذا انتشر الشرك في الأمم بعد نوح في عاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم شعيب وقوم لوط، ومن بعدهم من سائر الأمم، وصاروا يقلد بعضهم بعضا يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ (٤). وإذا كان هذا البلاء قد عم وطم ولم يسلم منه إلا القليل، فالواجب على أهل العلم أن يقدموه على غيره -أعني بيان التوحيد وضده-، وأن تكون عنايتهم به أكثر من كل نوع من أنواع العلم لأنه الأساس، فإذا فسد هذا الأساس وخرب بالشرك بطل غيره من الأعمال، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا\n_________\n(١) يوسف الآية (١٠٣).\n(٢) سبأ الآية (٢٠).\n(٣) الأنعام الآية (١١٦).\n(٤) الزخرف الآية (٢٢).","vol":"10","page":344},{"text":"لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ (٢) والصوم والحج وغير ذلك من العبادات لا تنفع. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3480>موقفه من الرافضة:</span>\n- سئل ﵀: من خلال معرفة سماحتكم بتاريخ الرافضة، ما هو موقفكم من مبدأ التقريب بين أهل السنة وبينهم؟\nفأجاب: التقريب بين الرافضة وبين أهل السنة غير ممكن، لأن العقيدة مختلفة، فعقيدة أهل السنة والجماعة: توحيد الله وإخلاص العبادة لله ﷾، وأنه لا يدعى معه أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأن الله ﷾ هو الذي يعلم الغيب. ومن عقيدة أهل السنة: محبة الصحابة ﵃ جميعا والترضي عنهم، والإيمان بأنهم أفضل خلق الله بعد الأنبياء، وأن أفضلهم أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عن الجميع. والرافضة خلاف ذلك، فلا يمكن الجمع بينهما كما أنه لا يمكن الجمع بين اليهود والنصارى والوثنيين وأهل السنة، فكذلك لا يمكن التقريب بين الرافضة وبين أهل السنة لاختلاف العقيدة التي أوضحناها.\n_________\n(١) الأنعام الآية (٨٨).\n(٢) الزمر الآيتان (٦٥و٦٦).\n(٣) مجموع الفتاوى (٩/ ٦٣ - ٦٦).","vol":"10","page":345},{"text":"- ثم سئل ﵀: هل يمكن التعامل معهم لضرب العدو الخارجي كالشيوعية وغيرها؟\nفأجاب: لا أرى ذلك ممكنا، بل يجب على أهل السنة أن يتحدوا وأن يكونوا أمة واحدة وجسدا واحدا، وأن يدعوا الرافضة أن يلتزموا بما دل عليه كتاب الله وسنة الرسول - ﷺ - من الحق، فإذا التزموا بذلك صاروا إخواننا وعلينا أن نتعاون معهم، أما ما داموا مصرين على ما هم عليه من بغض الصحابة، وسب الصحابة إلا نفرا قليلا، وسب الصديق وعمر، وعبادة أهل البيت كعلي ﵁ وفاطمة والحسن والحسين، واعتقادهم في الأئمة الاثنى عشرة أنهم معصومون وأنهم يعلمون الغيب، كل هذا من أبطل الباطل، وكل هذا يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3481>موقفه من الصوفية:</span>\n- سأله ﵀ سائل من سوريا قال: يوجد ناس عندنا يقولون: إننا أبناء الشيخ عيسى أو أبناء غيره من الشيوخ المعروفين عندنا، ويأتون يسألون الناس وقد لبسوا لباسا أخضر على رؤوسهم من حرير، في أيديهم أسياخ من حديد، إذا أعطيتهم أرضيتهم، وإذا لم تعطهم غضبوا وضربوا أنفسهم بهذا الحديد في بطونهم وفي رؤوسهم؟\nفأجاب: هؤلاء من بعض الطوائف التي تسمى الصوفية، وهؤلاء يلعبون على الناس ويخدعونهم، بزعمهم أنهم أولاد فلان أو فلان، ويزعمون أنهم يستحقون على الناس المساعدة، وهؤلاء ينبغي منعهم من هذا العمل وتأديبهم\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٦ - ١٥٧).","vol":"10","page":346},{"text":"عليه من جهة الدولة، لما في ذلك من كف شرهم عن الناس على السؤال بهذه الطريقة المنكرة.\nولا يعطى مثل هؤلاء، لأن عطاءهم يشجعهم .. وإذا ضربوا أنفسهم فلا حرج عليك من ذلك، وإنما الحرج عليهم. والواجب نصيحتهم وتحذيرهم من هذا العمل المنكر، وهو من التشويش والتلبيس الذي يخدعون به الناس، وهم في الحقيقة يعملون هذه الأمور الشيطانية بتزيين من الشيطان وتلبيس منه، وهو ما يسمى بالتقمير، وهو من أنواع السحر، يفعلون هذا الشيء في رأي الناظر، وهم لا يفعلونه في الحقيقة، ولو فعلوه حقيقة لضرهم، لأن السلاح والحديد وأشباه ذلك يضر الإنسان إذا ضرب به نفسه، ولكنهم يسحرون العيون بما يفعلون، كما ذكر الله عن سحرة فرعون، حيث قال ﷾ في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ (١)، وقال تعالى في سورة طه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ (٢) فلا ينبغي لأهل الإسلام أن يساعدوا مثل هؤلاء، لأن مساعدتهم معناها مساعدة على المنكر وعلى التلبيس وعلى الشعوذة وعلى إيذاء المسلمين وخداعهم.\n_________\n(١) الأعراف الآية (١١٦).\n(٢) طه الآية (٦٦).","vol":"10","page":347},{"text":"فالواجب منع هؤلاء والقضاء على منكرهم هذا، وحسم مادتهم بالأدب البليغ، أو السجن من جهة الدولة، حتى يرتدعوا عن هذا العمل .. وفق الله قادة المسلمين لكل ما فيه رضاه وصلاح عباده. (١)\n- وقال ﵀: قد دلت الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ - أن أفضل الكلام كلمة التوحيد: وهي لا إله إلا الله، كما في قول النبي - ﷺ -: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله» (٢)، وقال ﵊: «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (٣). وقد ذكر الله في كتابه العظيم هذه الكلمة في مواضع كثيرة، منها قوله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٤)، وقوله ﷿: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٥).\nوالمشروع للمسلمين جميعا أن يذكروا الله بهذا اللفظ: لا إله إلا الله، ويضاف إلى ذلك: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كل هذا من الكلام الطيب المشروع.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨).\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٤٤٥) والبخاري (١/ ٧١/٩) ومسلم (١/ ٦٣/٣٥) وأبو داود (٥/ ٥٥ - ٥٦/ ٤٦٧٦) والترمذي (٥/ ١٢/٢٦١٤) والنسائي (٨/ ٤٨٤/٥٠٢٠) وابن ماجه (١/ ٢٢/٥٧) كلهم من حديث أبي هريرة إلا أنه اختلف في لفظه فمنهم من يرويه بلفظ: بضع وستون ومنهم من يرويه بلفظ بضع وسبعون ومنهم من يرويه على الشك.\n(٣) أحمد (٥/ ١٠) ومسلم (٣/ ١٦٨٥/٢١٣٧) وابن ماجه (٢/ ١٢٥٣/٣٨١١) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢١١/١٠٦٨١) من حديث سمرة بن جندب.\n(٤) آل عمران الآية (١٨).\n(٥) محمد الآية (١٩).","vol":"10","page":348},{"text":"أما قول الصوفية: (الله الله)، أو (هو هو)، فهذا من البدع، ولا يجوز التقيد بذلك، لأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ -، ولا عن أصحابه ﵃ فصار بدعة، لقول النبي - ﷺ -: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، وقوله ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه (٢).\nومعنى قوله - ﷺ -: «فهو رد» أي: فهو مردود، ولا يجوز العمل به ولا يقبل. فلا يجوز لأهل الإسلام أن يتعبدوا بشيء لم يشرعه الله، للأحاديث المذكورة وما جاء في معناها لقول الله سبحانه منكرا على المشركين: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٣). وفق الله الجميع لما يرضيه. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3482>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀: عقيدتي التي أدين الله بها وأسأله سبحانه أن يتوفاني عليها هي: الإيمان بأنه سبحانه هو الإله الحق المستحق للعبادة، وأنه سبحانه فوق العرش قد استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته بلا كيف، وأنه سبحانه يوصف بالعلو فوق جميع الخلق، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٨٠) ومسلم (٣/ ١٣٤٣ - ١٣٤٤/ ١٧١٨ (١٨» عن عائشة ﵂.\n(٢) أحمد (٦/ ٢٤٠) والبخاري (٥/ ٣٧٧/٢٦٩٧) ومسلم (٣/ ١٣٤٣/١٧١٨) وأبو داود (٥/ ١٢/٤٦٠٦) وابن ماجه (١/ ٧/١٤).\n(٣) الشورى الآية (٢١).\n(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩٩ - ٤٠٠).","vol":"10","page":349},{"text":"اسْتَوَى (٥)﴾ (١)، وقال ﷿: ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية (٢)، وقال ﷿ في آخر آية الكرسي: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ (٣)، وقال ﷿: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأومن بأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، كما قال ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٦).\nوالواجب على جميع المسلمين: هو الإيمان بأسمائه وصفاته الواردة في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، وإثباتها له سبحانه على الوجه اللائق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٧)، وقال ﷿: ﴿فَلَا\n_________\n(١) طه الآية (٥).\n(٢) الأعراف الآية (٥٤).\n(٣) البقرة الآية (٢٥٥).\n(٤) غافر الآية (١٢).\n(٥) فاطر الآية (١٠).\n(٦) الأعراف الآية (١٨٠).\n(٧) الشورى الآية (١١).","vol":"10","page":350},{"text":"تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ (٢)، وهي توقيفية لا يجوز إثبات شيء منها لله إلا بنص من القرآن أو من السنة الصحيحة، لأنه سبحانه أعلم بنفسه وأعلم بما يليق به، ورسوله - ﷺ - هو أعلم به، وهو المبلغ عنه، ولا ينطق عن الهوى، كما قال الله سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٣).\nوأومن بأن القرآن كلامه ﷿ وليس بمخلوق، وهذا قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم، وأومن بكل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الجنة والنار والحساب والجزاء وغير ذلك مما كان وما سيكون، مما دل عليه القرآن الكريم، أو جاءت به السنة الصحيحة عن النبي - ﷺ -.\nوالله المسؤول أن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن يعيذنا وسائر المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يوفق ولاة أمرهم ويصلح قادتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. (٤)\n_________\n(١) النحل الآية (٧٤).\n(٢) سورة الإخلاص.\n(٣) النجم الآيات (١ - ٤).\n(٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣ - ٤٥).","vol":"10","page":351},{"text":"- وقال ﵀ ردا على سؤال في صفة النزول: هذا كلام رسول الله - ﷺ - فهو القائل ﵊: «ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر» متفق على صحته (١)، وقد بين العلماء أنه نزول يليق بالله وليس مثل نزولنا، لا يعلم كيفيته إلا هو ﷾، فهو ينزل كما يشاء، ولا يلزم من ذلك خلو العرش فهو نزول يليق به ﷻ، والثلث يختلف في أنحاء الدنيا، وهذا شيء يختص به تعالى، لا يشابه خلقه في شيء من صفاته كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢)، وقال جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ (٣)، وقال ﷿ في آية الكرسي: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٤)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nوهو سبحانه أعلم بكيفية نزوله، فعلينا أن نثبت النزول على الوجه الذي يليق بالله، ومع كونه استوى على العرش، فهو ينزل كما يليق به ﷿ ليس كنزولنا إذا نزل فلان من السطح خلا منه السطح، وإذا نزل من\n_________\n(١) تقدم من حديث أبي هريرة ضمن مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) طه الآية (١١٠).\n(٤) البقرة الآية (٢٥٥).","vol":"10","page":352},{"text":"السيارة خلت منه السيارة، فهذا قياس فاسد له، لأنه سبحانه لا يقاس بخلقه، ولا يشبه خلقه في شيء من صفاته.\nكما أننا نقول استوى على العرش على الوجه الذي يليق به سبحانه ولا نعلم كيفية استوائه، فلا نشبهه بالخلق ولا نمثله، وإنما نقول: استوى استواء يليق بجلاله وعظمته.\nولما خاض المتكلمون في هذا المقام بغير حق حصل لهم بذلك حيرة عظيمة حتى آل بهم الكلام إلى إنكار الله بالكلية حتى قالوا: لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا كذا ولا كذا، حتى وصفوه بصفات معناها العدم وإنكار وجوده سبحانه بالكلية؛ ولهذا ذهب أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأهل السنة والجماعة تبعا لهم فأقروا بما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة، وقالوا: لا يعلم كيفية صفاته إلا هو سبحانه، ومن هذا ما قاله مالك ﵀: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان بذلك واجب، والسؤال عنه بدعة) يعني: عن الكيفية. ومثل ذلك ما يروى عن أم سلمة ﵂ وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك ﵀: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان بذلك واجب)، ومن التزم بهذا الأمر سلم من شبهات كثيرة، ومن اعتقادات لأهل الباطل كثيرة عديدة، وحسبنا أن نثبت ما جاء في النصوص، وأن لا نزيد على ذلك. وهكذا نقول: يسمع ويتكلم، ويبصر ويغضب، ويرضى على وجه يليق به سبحانه، ولا يعلم كيفية صفاته إلا هو. وهذا هو طريق السلامة وطريق النجاة وطريق العلم، وهو مذهب السلف الصالح، وهو المذهب الأسلم والأعلم والأحكم، وبذلك يسلم المؤمن","vol":"10","page":353},{"text":"من شبهات المشبهين، وضلالات المضللين، ويعتصم بالسنة والكتاب المبين، ويرد علم الكيفية إلى ربه ﷾. والله سبحانه ولي التوفيق. (١)\n- وقال ﵀: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ س. خ وفقه الله لما فيه رضاه آمين.\nسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:\nفقد وصلني كتابكم الكريم الذي ذكرتم فيه أنكم أثناء تحقيقكم لكتاب 'فضائل الأوقات' للبيهقي مر عليكم هذا النص: (سمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزي يقول: حديث النزول (٢) قد ثبت عن رسول الله - ﷺ - من وجوه صحيحة، وورد في التنزيل ما يصدقه وهو قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٣) والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله بلا تشبيه جل عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا. اهـ\nولا شك أن هذا القول باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، فإن الله سبحانه قد أثبت لنفسه المجيء، وكما أخبر عنه رسوله - ﷺ - بالنزول ولم يبين لنا سبحانه ولا رسوله - ﷺ - كيفية النزول ولا كيفية المجيء. فوجب الكف عن ذلك، كما وسع السلف الصالح ﵃ ذلك، ولم يزيدوا على\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٩/ ٧٦ - ٧٧).\n(٢) تقدم من حديث أبي هريرة ضمن مواقف حماد بن سلمة سنة (١٦٧هـ).\n(٣) الفجر الآية (٢٢).","vol":"10","page":354},{"text":"ما جاء في النصوص. فالواجب السير على منهاجهم ولزوم طريقهم في إثبات الصفات الواردة في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة بلا كيف، مع الإيمان بأنه سبحانه لا كفو له ولا شبيه له ولا مثيل له كما قال ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ (١)، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٢)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٣). ومعلوم أن نفي الحركة والانتقال دخول في التكييف بغير علم، ونحن ممنوعون من ذلك لعدم علمنا بكيفية صفاته سبحانه، لأنه ﷿ لم يخبرنا بذلك ولا رسوله - ﷺ -.\nونسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل به والثبات على الحق والسلامة من مضلات الفتن إنه سميع قريب .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3483>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال ﵀: فالخوارج كَفَّروا بالمعاصي، وخَلَّدوا العصاة في النار، والمعتزلة وافقوهم في العاقبة، وأنهم في النار مخلدون فيها؛ ولكن قالوا: إنهم في الدنيا بمنزلة بين المنزلتين، وكله ضلال.\nوالذي عليه أهل السنة -وهو الحق- أن العاصي لا يكفر بمعصيته ما لم يستحلها، فإذا زنا لا يكفر، وإذا سرق لا يكفر، وإذا شرب الخمر لا\n_________\n(١) الإخلاص الآية (٤).\n(٢) النحل الآية (٧٤).\n(٣) الشورى الآية (١١).\n(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٤ - ٥٥).","vol":"10","page":355},{"text":"يكفر، ولكن يكون عاصيا ضعيف الإيمان فاسقا تقام عليه الحدود، ولا يكفر بذلك إلا إذا استحل المعصية وقال: إنها حلال.\nوما قاله الخوارج في هذا باطل، وتكفيرهم للناس باطل، ولهذا قال فيهم النبي - ﷺ -: «إنهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه، يقاتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان» (١). هذه حال الخوارج بسبب غلوهم وجهلهم وضلالهم، فلا يليق بالشباب ولا غير الشباب أن يقلدوا الخوارج والمعتزلة، بل يجب أن يسيروا على مذهب أهل السنة والجماعة على مقتضى الأدلة الشرعية، فيقفوا مع النصوص كما جاءت، وليس لهم الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة بالمكاتبة والمشافهة، بالطرق الطيبة الحكيمة، وبالجدال بالتي هي أحسن، حتى ينجحوا، وحتى يقل الشر أو يزول ويكثر الخير. (٢)\n- قال في تعليقه على العقيدة الطحاوية: قوله: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله): مراده ﵀: أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون المسلم الموحد المؤمن بالله واليوم الآخر بذنب يرتكبه؛ كالزنا، وشرب الخمر، والربا وعقوق الوالدين وأمثال ذلك ما لم يستحل ذلك. فإن استحله كفر؛ لكونه بذلك مكذبا لله ولرسوله، خارجا عن دينه. أما إذا لم يستحل ذلك؛ فإنه لا يكفر عند أهل السنة والجماعة، بل يكون ضعيف\n_________\n(١) أخرجه أخرجه أحمد (٣/ ٦٨و٧٣) والبخاري (٨/ ٨٤/٤٣٥١) ومسلم (٢/ ٧٤١ - ٧٤٢/ ١٠٦٤) وأبو داود (٥/ ١٢١ - ١٢٢/ ٤٧٦٤) والنسائي (٥/ ٩٢ - ٩٣/ ٢٥٧٧).\n(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٠٥).","vol":"10","page":356},{"text":"الإيمان، وله حكم ما تعاطاه من المعاصي في التفسيق وإقامة الحدود وغير ذلك، حسبما جاء في الشرع المطهر. وهذا هو قول أهل السنة والجماعة خلافا للخواج والمعتزلة ومن سلك مسلكهم الباطل. فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعتزلة يجعلونه في منزلة بين المنزلتين، يعني: بين الإسلام والكفر في الدنيا، وأما في الآخرة فيتفقون مع الخوارج بأنه مخلد في النار. وقول الطائفتين باطل بالكتاب والسنة وإجماعة سلف الأمة. وقد التبس أمرهما على بعض الناس لقلة علمه، ولكن أمرهما بحمد الله واضح عند أهل الحق كما بينا وبالله التوفيق. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3484>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀: ولهذا لما سئل - ﷺ - عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره» (٢) ففسر الإيمان بهذه الأمور الستة التي هي أصول الإيمان، وهي في نفسها أصول الدين كله، لأنه لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، فالإيمان بهذه الأصول لا بد منه لصحة الإسلام لكن قد يكون كاملًا وقد يكون ناقصًا، ولهذا قال الله ﷿ في حق الأعراب: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٣).\nفلما كان إيمانهم ليس بكامل، بل إيمان ناقص لم يستكمل واجبات\n_________\n(١) بهامش حاشية ابن عتيق (ص.٥٢).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف محمد بن أسلم الطوسي سنة (٢٤٢هـ).\n(٣) الحجرات الآية (١٤).","vol":"10","page":357},{"text":"الإيمان نفى عنهم الإيمان يعني به الكامل لأنه ينفى عمن ترك بعض الواجبات كما في قوله - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (١)، ومنه قول النبي - ﷺ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» (٢) إلى غير ذلك، والمقصود أن الإيمان يقتضي العمل الظاهر، كما أن الإسلام بدون إيمان من عمل المنافقين، فالإيمان الكامل الواجب يقتضي فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى عنه الله ورسوله، فإذا قصر في ذلك جاز أن ينفى عنه ذلك الإيمان بتقصيره كما نفي عن الأعراب بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٣) وكما نفي عمن ذكر في الأحاديث السابقة.\nوالخلاصة أن الله سبحانه ورسوله نفيا الإيمان عن بعض من ترك بعض واجبات الإيمان وأثبتا له الإسلام، فهذه الأصول الستة هي أصول الدين كله، فمن أتى بها مع الأعمال الظاهرة صار مسلمًا مؤمنًا، ومن لم يأت بها فلا إسلام له ولا إيمان؛ كالمنافقين فإنهم لما أظهروا الإسلام وادعوا الإيمان وصلوا مع الناس وحجوا مع الناس وجاهدوا مع الناس إلى غير ذلك، ولكنهم في\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٣/ ١٧٦) والبخاري (١/ ٧٨/١٣) ومسلم (١/ ٦٧/٤٥) والترمذي (٤/ ٥٧٥/٢٥١٥) وابن ماجه (١/ ٢٦/٦٦) من حديث أنس\n(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٦٧) والبخاري (١٠/ ٦٥١و٦٥٢/ ٦١٣٦و٦١٣٨) ومسلم (١/ ٦٨/٤٧) وأبو داود (٥/ ٣٥٨/٥١٥٤) والترمذي (٤/ ٥٦٩/٢٥٠٠) من حديث أبي هريرة.\n(٣) الحجرات الآية (١٤).","vol":"10","page":358},{"text":"الباطن ليسوا مع المسلمين بل هم في جانب والمسلمون في جانب، لأنهم مكذبون لله ورسوله، منكرون لما جاءت به الرسل في الباطن، متظاهرون بالإسلام لحظوظهم العاجلة ولمقاصد معروفة أكذبهم الله في ذلك، وصاروا كفارًا ضلالًا، بل صاروا أكفر وأشر ممن أعلن كفره، ولهذا صاروا في الدرك الأسفل من النار، وما ذاك إلا لأن خطرهم أعظم؛ لأن المسلم يظن أنهم إخوته وأنهم على دينه وربما أفشى إليهم بعض الأسرار، فضروا المسلمين وخانوهم، فصار كفرهم أشد وضررهم أعظم.\nوهكذا من ادعى الإيمان بهذه الأصول ثم لم يؤدِّ شرائع الإسلام الظاهرة، فلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أو لم يصل، أو لم يصم، أو لم يزك، أو لم يحج، أو ترك غير ذلك من شعائر الإسلام الظاهرة التي أوجبها الله عليه، فإن ذلك دليل على عدم إيمانه أو على ضعف إيمانه. فقد ينتفي الإيمان بالكلية كما ينتفي بترك الشهادتين إجماعًا، وقد لا ينتفي أصله ولكن ينتفي تمامه وكماله لعدم أدائه ذلك الواجب المعين كالصوم والحج مع الاستطاعة والزكاة ونحو ذلك من الأمور عند جمهور أهل العلم؛ فإنّ تركها فسق وضلال ولكن ليس ردة عن الإسلام عند أكثرهم إذا لم يجحد وجوبها. (١)\n- قال ﵀ معلقا على قول الطحاوي: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان): هذا التعريف فيه نظر وقصور!! والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول، وعمل، واعتقاد، يزيد بالطاعة،\n_________\n(١) مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (١/ ١٦٠ - ١٦٢).","vol":"10","page":359},{"text":"وينقص بالمعصية. والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تُحصر. وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها، فراجعها إن شئت. وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة. وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظيًا، بل هو لفظي ومعنوي. ويترتب عليه أحكام كثيرة، يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة، والله المستعان. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3485>موقفه من القدرية:</span>\nله رسائل وفتاوى في العقيدة والدفاع عن حياضها، جمع بعض تلامذته كثيرا من ذلك، منها ما جمعه الشيخ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار في عدة أجزاء منها ثلاثة في العقيدة، عقد فيها بابا في القضاء والقدر (٢)، بين فيه الشيخ ابن باز أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وأنه الركن السادس من أركان الإيمان فقال: قد دل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وإجماع سلف الأمة: على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من أصول الإيمان الستة، التي لا يتم إسلام العبد ولا إيمانه إلا بها، كما دلت على ذلك آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة مستفيضة بل متواترة عن الرسول الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.\nومن ذلك قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (٣)، وقوله\n_________\n(١) العقيدة الطحاوية تعليق ابن باز (ص.٦٠).\n(٢) من (٢/ ٤٧٥) إلى (٢/ ٥٠٢).\n(٣) الحج الآية (٧٠).","vol":"10","page":360},{"text":"تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - لما سأله جبرائيل عن الإيمان قال ﵊: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله». قال: صدقت. الحديث. وهذا لفظ مسلم (٣). وخرج مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن جبرائيل ﵇ سأل النبي - ﷺ - عن الإيمان فأجابه بقوله: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» فقال له جبرائيل: صدقت (٤). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\nوقد ذكر العلماء ﵏ أن الإيمان بالقدر يجمع أربعة أمور:\nالأمر الأول: الإيمان بأن الله سبحانه علم الأشياء كلها قبل وجودها بعلمه الأزلي، وعلم مقاديرها وأزمانها وآجال العباد وأرزاقهم وغير ذلك، كما قال\n_________\n(١) الحديد الآية (٢٢).\n(٢) القمر الآية (٤٩).\n(٣) أحمد (٢/ ٤٢٦) والبخاري (١/ ١٥٣/٥٠) ومسلم (١/ ٣٩/٩) والنسائي (٨/ ٤٧٥ - ٤٧٦/ ٥٠٠٦) وابن ماجه (١/ ٢٥/٦٤). وأخرجه أبو داود (٥/ ٧٤/٤٦٩٨) مختصرا.\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف يحيى بن يعمر سنة (٨٩هـ).","vol":"10","page":361},{"text":"﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (٣)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nالأمر الثاني من مراتب الإيمان بالقدر: كتابته سبحانه لجميع الأشياء من خير وشر وطاعة ومعصية وآجال وأرزاق وغير ذلك، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (٤)، في آيات كثيرة سبق بعضها آنفا.\nوفي الصحيحين من حديث علي ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال - ﷺ -: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل\n_________\n(١) العنكبوت الآية (٦٢).\n(٢) الطلاق الآية (١٢).\n(٣) الأنعام الآية (٥٩).\n(٤) الحج الآية (٧٠).","vol":"10","page":362},{"text":"الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة» ثم قرأ رسول الله ﵊ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ (١). (٢)، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومنها حديث عبد الله بن مسعود المخرج في الصحيحين في ذكر خلق الجنين وأنه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد (٣).\nالأمر الثالث من مراتب الإيمان بالقدر: أنه ﷾ لا يوجد في ملكه ما لا يريد، ولا يقع شيء في السماء والأرض إلا بمشيئته؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ (٧)، وقال ﷿:\n_________\n(١) الليل الآيتان (٥و٦).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف عبد الرحمن بن ناصر السعدي سنة (١٣٧٦هـ).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف السلف من عمرو بن عبيد سنة (١٤٤هـ).\n(٤) التكوير الآيتان (٢٨و٢٩).\n(٥) المدثر الآيتان (٥٥و٥٦).\n(٦) الأنعام الآية (١٣٧).\n(٧) الأنعام الآية (٣٩).","vol":"10","page":363},{"text":"﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (١)، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا معلومة من كتاب الله.\nوالإرادة في هذه الآية بمعنى المشيئة، وهي إرادة كونية قدرية بخلاف الإرادة في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (٢)، فالإرادة في هذه الآيات الثلاث إرادة شرعية أو دينية بمعنى المحبة.\nوالفرق بين الإرادتين: الأولى لا يتخلف مرادها أبدا، بل ما أراده الله كونا فلابد من وقوعه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (٣). أما الإرادة الشرعية: فقد يوجد مرادها من بعض الناس، وقد يتخلف. وإيضاح ذلك أن الله سبحانه أخبر أنه يريد البيان للناس والهداية والتوبة، ومع ذلك أكثر الخلق لم يهتد ولم يوفق للتوبة، ولم يتبصر في الحق، لأنه ﷾ قد أوضح الحجة والدليل وبين السبيل\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٢٥).\n(٢) النساء الآيات (٢٦ - ٢٨).\n(٣) يس الآية (٨٢).","vol":"10","page":364},{"text":"وشرع أسباب التوبة وبينها، ولكنه لم يشأ لبعض الناس أن يهتدي أو يتوب أو يتبصر، فذلك لم يقع منه ما أراده الله شرعا، لما قد سبق في علم الله وإرادته الكونية من أن هذا الشخص المعين لا يكون من المهتدين، ولا ممن يوفق للتوبة. وهذا بحث عظيم ينبغي تفهمه وتعقله والتبصر في أدلته، ليسلم المؤمن من إشكالات كثيرة وشبهات مضلة، حار فيها الكثير من الناس لعدم تحقيقهم للفرق بين الإرادتين.\nومما يزيد المقام بيانا: أن الإرادتين تجتمعان في حق المؤمن، فهو إنما آمن بمشيئة الله وإرادته الكونية، وهو في نفس الوقت قد وافق بإيمانه وعمله الإرادة الشرعية، وفعل ما أراده الله منه شرعا وأحبه منه، وتنفرد الإرادة الكونية في حق الكافر والعاصي، فهو إنما كفر وعصى بمشيئة الله وإرادته الكونية، وقد تخلفت عنه الإرادة الشرعية لكونه لم يأت بمرادها وهو الإسلام والطاعة، فتنبه وتأمل، والله الموفق.\nالأمر الرابع من مراتب الإيمان بالقدر: أن الله ﷾ هو الخالق الموجد لجميع الأشياء من ذوات وصفات وأفعال، فالجميع خلق الله سبحانه، وكل ذلك واقع بمشيئته وقدرته، فالعباد وأرزاقهم وطاعاتهم ومعاصيهم كلها خلق الله، وأفعالهم تنسب إليهم، فيستحقون الثواب على طيبها والعقاب على خبيثها، والعبد فاعل حقيقة وله مشيئة وله قدرة قد أعطاه الله إياها، والله سبحانه هو خالقه وخالق أفعاله وقدرته ومشيئته، كما قال","vol":"10","page":365},{"text":"تعالى: ﴿إِن اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٢)، فلا يخرج شيء من أفعال العباد ولا غيرهم عن قدرة الله ولا عن مشيئته، فعلم الله شامل، ومشيئته نافذة، وقدرته كاملة، لا يعجزه سبحانه شيء، ولا يفوته أحد، كما قال ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٣).\nوالعرش وما دونه من سماوات وأرضين وملائكة وبحار وأنهار وحيوان وغير ذلك من الموجودات، كلها وجدت بمشيئة الله وقدرته، لا خالق غيره ولا رب سواه ولا شريك له في ذلك كله، كما أنه لا شريك له في عبادته ولا في أسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٠).\n(٢) التكوير الآيتان (٢٨و٢٩).\n(٣) الطلاق الآية (١٢).\n(٤) الزمر الآية (٦٢).\n(٥) البقرة الآية (١٦٣).","vol":"10","page":366},{"text":"الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢).\nفالله سبحانه هو الخالق وما سواه مخلوق، وصفاته كذاته ليست مخلوقة، وكلامه من صفاته، والقرآن الكريم من كلامه المنزل على رسوله - ﷺ -، فهو كلام الله ﷿، منزل غير مخلوق بإجماع أهل السنة، وهم أصحاب رسول الله - ﷺ - ومن سلك سبيلهم إلى يوم القيامة.\nوبما ذكرنا يتضح لطالب الحق أن مراتب القدر أربع، من آمن بها وأحصاها فقد آمن بالقدر خيره وشره.\nوقد ذكر العلماء هذه المراتب في كتب العقائد وأوضحوها بأدلتها؛ وممن ذكر ذلك باختصار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه 'العقيدة الواسطية'، وذكرها وأوسع فيها الكلام تلميذه المحقق العلامة الكبير أبو عبد الله ابن القيم في كتابه 'شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل'، وهو كتاب نفيس عظيم الفائدة نادر المثل أو معدومه، ننصح بقراءته والاستفادة منه. والله أسأل سبحانه أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه والاستقامة عليه، وأن يهدينا وسائر المسلمين صراطه المستقيم، إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (٣)\n_________\n(١) الإخلاص الآيات (١ - ٤).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز (٢/ ٤٧٥ - ٤٨١).","vol":"10","page":367},{"text":"محمد ناصر الدين الألباني (١) (١٤٢٠ هـ)\nالشيخ المحدث، علامة الشام أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني. ولد الشيخ في مدينة أشقودرة، عاصمة ألبانيا سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لعام أربع عشرة وتسعمائة وألف ميلادي، في أسرة فقيرة متدينة يغلب عليها الطابع العلمي، وكان والده فقيها حنفيا من أهل العلم. وبعد تولي \"أحمد زوغو\" الحكم في ألبانيا حوّلها إلى بلاد علمانية، فقرر الشيخ نوح ﵀ الهجرة بأسرته إلى بلاد الشام فرارا بدينه.\nقرأ الشيخ القرآن مجودا على والده وتلقى عليه بعض علوم اللغة وبعض كتب المذهب الحنفي، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني 'مراقي الفلاح' في الفقه الحنفي و'شذور الذهب' في النحو، وأجازه الشيخ محمد راغب الطباخ بمروياته. وجذبه علم الحديث وتأثر به، وأول عمل حديثي قام به هو نسخ كتاب 'المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار' للحافظ العراقي. قام الشيخ بالدعوة إلى الله في دمشق، ورفع راية التوحيد والسنة، مستعينا في ذلك بالله ثم ببعض العلماء الدمشقيين أمثال العلامة محمد بهجة البيطار والشيخ عبد الفتاح الإمام والشيخ توفيق البزرة وغيرهم، فنصر السنة ونفض عنها غبار القرون، وأعلنها بكل قوة وجرأة، لا يخاف في الله لومة لائم. وما من أحد في العصر الحاضر له اشتغال في علم الحديث إلا وللألباني في عنقه منة، اعترف بها أو جحد.\n_________\n(١) 'مقالات الألباني' لنور الدين طالب (١٧٥ - ٢٤٣) و'حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه' لتلميذه الشيباني.","vol":"10","page":368},{"text":"قلت: العلامة الفحل شيخ السنة في عصره بدون منازع، عرفته بالمدينة النبوية وأنا في المعهد الثانوي وحضرت مجالسه العلمية ومناظراته القيمة، فما رأيت أحسن منه في علم المناظرة والدفاع عن السنة. كان له الفضل الكبير في نشر علم الحديث وإظهاره للناس بالطرق العلمية الصحيحة، وأحيا عمل السلف الصالح في العناية بالسنة والتمسك بالدليل، وأشاع في الأمة الإسلامية علم الجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف الذي مات ذكره من زمان. تنور الشباب بكتبه، وأصبحت نموذجا عندهم، وأثار ذلك حفيظة الأعداء وحاولوا أن ينالوا منه بالقدح والثلب، ولكن كما قال القائل:\nكناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\n\nالإمام الألباني لم يعرف الملل والكلل في البحث العلمي، والدعوة إلى الكتاب والسنة، فكان النموذج الصالح لخدمة الكتاب والسنة، فكان موفقا في كل خطواته العلمية والدعوية.\nفرحمة الله عليه رحمة واسعة.\nأثنى عليه كبار علماء عصره، فقد قال فيه الشيخ ابن باز ﵀: لا أعلم تحت قبة الفلك أعلم بحديث رسول الله - ﷺ - من الشيخ ناصر. وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: صاحب سنة ونصرة للحق ومصادمة لأهل الباطل. وقال فيه الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀: الألباني الآن علم على السنة، الطعن فيه إعانة على الطعن في السنة. وقال فيه الشيخ محب الدين الخطيب ﵀: من دعاة السنة الذين وقفوا حياتهم على العمل لإحيائها.","vol":"10","page":369},{"text":"توفي رحمة الله عليه بعد عصر يوم السبت لثمان بقين من جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة وألف هجرية الموافق لعام تسع وتسعين وتسعمائة وألف ميلادي في عمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3487>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال الشيخ ﵀ وهو يتحدث عن مسألة التشهد في الصلاة: ولهذه المسألة ونحوها مما لا يمكن معرفة الصواب فيها إلا بالرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح، وبخاصة أصحاب النبي - ﷺ - منهم، نلح دائما في دروسنا ومحاضراتنا أنه لايكفي إذا دعونا الناس إلى العمل بالكتاب والسنة أن نقتصر على هذا فقط في الدعوة، بل لا بد من أن نضم إلى ذلك جملة: \"على منهج السلف الصالح\" أو نحوها، لقيام الأدلة الشرعية على ذلك، وهي مذكورة في غير هذا الموضع. لا بد من ذلك، وخصوصا في هذا العصر، حيث صارت الدعوة إلى الكتاب والسنة موضة العصر الحاضر، ودعوة كل الجماعات الإسلامية، والدعاة الإسلاميين -على ما بينهم من اختلافات أساسية أو فرعية- وقد يكون فيهم من هو من أعداء السنة عمليا، ومن يزعم أن الدعوة إليها يفرق الصف، عياذا بالله منهم.\nأسأل الله تعالى أن يحيينا على السنة وأن يميتنا عليها، متبعين لمن أثنى الله ﵎ عليهم بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ","vol":"10","page":370},{"text":"الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ (١). وأن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال ﵀: ثم إن هناك وهما شائعا عند بعض المقلدين، يصدهم عن اتباع السنة التي تبين لهم أن المذاهب على خلافها، وهو ظنهم أن اتباع السنة يستلزم تخطئة صاحب المذهب، والتخطئة معناها عندهم الطعن في الإمام، ولما كان الطعن في فرد من أفراد المسلمين لا يجوز، فكيف في إمام من أئمتهم؟\nوالجواب: أن هذا المعنى باطل، وسببه الانصراف عن التفقه في السنة، وإلا فكيف يقول ذلك المعنى مسلم عاقل؟ ورسول الله - ﷺ - هو القائل: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد» (٤)، فهذا الحديث يرد ذلك المعنى، ويبين بوضوح لا غموض فيه أن قول القائل: \"أخطأ فلان\" معناه في الشرع: \"أثيب فلان أجرا واحدا\"، فإذا كان مأجورا في رأي من خطأه، فكيف يتوهم من تخطئته إياه الطعن فيه؟ لا شك أن هذا التوهم أمر باطل يجب على كل من قام به أن يرجع عنه، وإلا فهو الذي يطعن في المسلمين، وليس في فرد عادي منهم، بل في\n_________\n(١) التوبة الآية (١٠٠).\n(٢) الحشر الآية (١٠).\n(٣) مقدمة صفة صلاة النبي - ﷺ - (ص.٢٥).\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف ابن حزم سنة (٤٥٦هـ).","vol":"10","page":371},{"text":"كبار أئمتهم، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين وغيرهم، فإننا نعلم يقينا أن هؤلاء الأجلة كان يخطئ بعضهم بعضا، ويرد بعضهم على بعض، أفيقول عاقل: إن بعضهم كان يطعن في بعض، بل لقد صح أن رسول الله - ﷺ - خطأ أبا بكر ﵁ في تأويله لرؤيا كان رآها رجل، فقال - ﷺ - له: «أصبت بعضا وأخطأت بعضا» (١)، فهل طعن - ﷺ - في أبي بكر بهذه الكلمة؟.\nومن عجيب تأثير هذا الوهم على أصحابه، أنه يصدهم عن اتباع السنة المخالفة لمذهبهم، لأن اتباعهم إياها معناه عندهم الطعن في الإمام، وأما اتباعهم إياه -ولو في خلاف السنة- فمعناه احترامه وتعظيمه، ولذلك فهم يصرون على تقليده فرارا من الطعن الموهوم.\nولقد نسي هؤلاء -ولا أقول: تناسوا- أنهم بسبب هذا الوهم وقعوا فيما هو شر مما منه فروا، فإنه لو قال لهم قائل: إذا كان الاتباع يدل على احترام المتبوع، ومخالفته تدل على الطعن فيه، فكيف أجزتم لأنفسكم مخالفة سنة النبي - ﷺ -، وترك اتباعها إلى اتباع إمام المذهب في خلاف السنة، وهو غير معصوم، والطعن فيه ليس كفرا؟ فلئن كان عندكم مخالفة الإمام تعتبر طعنا فيه، فمخالفة الرسول - ﷺ - أظهر في كونها طعنا فيه، بل ذلك هو الكفر بعينه -والعياذ بالله منه- لو قال لهم ذلك قائل، لم يستطيعوا عليه جوابا، اللهم،\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١/ ٢٣٦) والبخاري (١٢/ ٥٣٤/٧٠٤٦) ومسلم (٤/ ١٧٧٧ - ١٧٧٨/ ٢٢٦٩) وأبو داود (٣/ ٥٧٨ - ٥٧٩/ ٣٢٦٨) والترمذي (٤/ ٤٧٠ - ٤٧١/ ٢٢٩٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (٢/ ١٢٨٩ - ١٢٩٠/ ٣٩١٨). كلهم من طريق ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن ابن عباس ﵄ كان يحدث أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فذكره.","vol":"10","page":372},{"text":"إلا كلمة واحدة -طالما سمعناها من بعضهم- وهي قولهم، إنما تركنا السنة ثقة منا بإمام المذهب، وأنه أعلم بالسنة منا.\nوجوابنا على هذه الكلمة من وجوه يطول الكلام عليها في هذه المقدمة، ولذلك فإني أقتصر على وجه واحد منها، وهو جواب فاصل بإذن الله، فأقول: ليس إمام مذهبكم فقط هو أعلم منكم بالسنة، بل هناك عشرات -بل مئات- الأئمة هم أعلم أيضا منكم بالسنة، فإذا جاءت السنة الصحيحة على خلاف مذهبكم -وكان قد أخذ بها أحد من أولئك الأئمة- فالأخذ بها -والحالة هذه- حتم لازم عندكم، لأن كلمتكم المذكورة لا تنفق هنا، فإن مخالفكم سيقول لكم معارضا، إنما أخذنا بهذه السنة ثقة منا بالإمام الذي أخذ بها، فاتباعه أولى من اتباع الإمام الذي خالفها. وهذا بين لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى. (١)\n- ومن الشبه التي ردها ﵀ قال: قال بعضهم: \"لا شك أن الرجوع إلى هدي نبينا - ﷺ - في شؤون ديننا أمر واجب، لا سيما فيما كان منها عبادة محضة لا مجال للرأي والاجتهاد فيها، لأنها توقيفية، كالصلاة مثلا، ولكننا لا نكاد نسمع أحدا من المشايخ المقلدين يأمر بذلك، بل نجدهم يقرون الاختلاف، ويزعمون أنه توسعة على الأمة، ويحتجون على ذلك بحديث -طالما كرروه في مثل هذه المناسبة رادين به على أنصار السنة- «اختلاف أمتي رحمة»، فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه، وألفت كتابك هذا وغيره عليه، فما قولك في هذا الحديث؟ \".\n_________\n(١) مقدمة صفة صلاة النبي - ﷺ - (٧٠ - ٧٢).","vol":"10","page":373},{"text":"والجواب من وجهين:\nالأول: أن الحديث لا يصح، بل هو باطل لا أصل له، قال العلامة السبكي: \"لم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع\".\nقلت: وإنما روي بلفظ: «اختلاف أصحابي لكم رحمة». و«أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم» (١).\nوكلاهما لا يصح: الأول واه جدا، والآخر موضوع، وقد حققت القول في ذلك كله في 'سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة' (رقم ٥٨و٥٩و٦١).\nالثاني: أن الحديث مع ضعفه مخالف للقرآن الكريم، فإن الآيات الواردة فيه -في النهي عن الاختلاف في الدين، والأمر بالاتفاق فيه- أشهر من أن تذكر، ولكن لا بأس من أن نسوق بعضها على سبيل المثال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (٤)، فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون، وإنما يختلف أهل\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف أبي عثمان الصابوني سنة (٤٤٩هـ).\n(٢) الأنفال الآية (٤٦).\n(٣) الروم الآيتان (٣١و٣٢).\n(٤) هود الآيتان (١١٨و١١٩).","vol":"10","page":374},{"text":"الباطل، فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة؟\nفثبت أن هذا الحديث لا يصح، لا سندا ولا متنا، وحينئذ يتبين بوضوح أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة الذي أمر به الأئمة. (١)\n- وقال ﵀ تعقيبا على حديث: «إن من المؤمنين من يلين لي قلبه» (٢): ومعنى (يلين لي قلبه) أي يسكن ويميل إلي بالمودة والمحبة. والله أعلم. وليس ذلك إلا بإخلاص الاتباع له - ﷺ - دون سواه من البشر، لأن الله تعالى جعل ذلك وحده دليلا على حبه ﷿، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣).\nأفلم يأن للذين يزعمون حبه - ﷺ - في أحاديثهم وأناشيدهم، أن يرجعوا إلى التمسك بهذا الحب الصادق الموصل إلى حب الله تعالى، ولا يكونوا كالذي قال فيه الشاعر:\nتعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمرك في القياس بديع\nلوكان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع (٤)\n_________\n(١) مقدمة صفة صلاة النبي - ﷺ - (٥٨ - ٦٠).\n(٢) أحمد (٥/ ٢٦٧) والطبراني في الكبير (٨/ ١٠٣/٧٤٩٩). وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٦٣) وقال: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\". وفي المجمع أيضا (١٠/ ٢٧٦) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله وثقوا\".\n(٣) آل عمران الآية (٣١).\n(٤) الصحيحة (٣/ ٨٧/١٠٩٥)","vol":"10","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3488>موقفه من المشركين:</span>\n- قال ﵀ في فقه حديث: «أجعلتني مع الله عدلا» (١): وفي هذه الأحاديث أن قول الرجل لغيره: \"ما شاء الله وشئت\" يعد شركا في الشريعة، وهو من شرك الألفاظ، لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب ﷾، وسببه القرن بين المشيئتين، ومثل ذلك قول بعض العامة وأشباههم ممن يدعي العلم: \"ما لي غير الله وأنت\"، و\"توكلنا على الله وعليك\"، ومثله قول بعض المحاضرين: \"باسم الله والوطن\"، أو \"باسم الله والشعب\"، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي يجب الانتهاء عنها والتوبة منها، أدبا مع الله ﵎.\nولقد غفل عن هذا الأدب الكريم كثير من العامة، وغير قليل من الخاصة الذين يسوغون النطق بمثل هذه الشركيات، كمناداتهم غير الله في الشدائد، والاستنجاد بالأموات من الصالحين، والحلف بهم من دون الله تعالى، والإقسام بهم على الله ﷿، فإذا ما أنكر ذلك عليهم عالم بالكتاب والسنة، فإنهم بدل أن يكونوا معه عونا على إنكار المنكر، عادوا بالإنكار عليه، وقالوا: إن نية أولئك المنادين غير الله طيبة، وإنما الأعمال\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢١٤) والبخاري في الأدب المفرد (٧٨٣) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٤٥/١٠٨٢٥) وابن ماجه (١/ ٦٨٤/٢١١٧) وليس فيه: أجعلتني مع الله عدلا. من طريق الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس مرفوعا. قال البوصيري في الزوائد: \"في إسناده الأجلح بن عبد الله، مختلف فيه\".\nوضعفه الإمام أحمد وأبو حاتم والنسائي وأبو داود وابن سعد. ووثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان والعجلي. وباقي رجال الإسناد ثقات. وقال ابن حجر في التقريب: \"صدوق شيعي\". والحديث حسن إسناده الشيخ الألباني في الصحيحة (١٣٩).","vol":"10","page":376},{"text":"بالنيات كما جاء في الحديث (١).\nفيجهلون أو يتجاهلون -إرضاء للعامة- أن النية الطيبة وإن وجدت عند المذكورين، فهي لا تجعل العمل السيء صالحا، وأن معنى الحديث المذكور إنما الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، لا أن الأعمال المخالفة للشريعة تنقلب إلى أعمال صالحة مشروعة بسبب اقتران النية الصالحة بها، ذلك ما لا يقوله إلا جاهل أو مغرض، ألا ترى أن رجلا لو صلى تجاه القبر، لكان ذلك منكرا من العمل، لمخالفته للأحاديث والآثار الواردة في النهي عن استقبال القبر بالصلاة، فهل يقول عاقل: إن الذي يعود إلى الاستقبال -بعد علمه بنهي الشرع عنه- إن نيته طيبة وعمله مشروع؟ كلا ثم كلا، فكذلك هؤلاء الذين يستغيثون بغير الله تعالى، وينسونه تعالى في حالة هم أحوج ما يكونون فيها إلى عونه ومدده، لا يعقل أن تكون نياتهم طيبة، فضلا عن أن يكون عملهم صالحا، وهم يصرون على هذا المنكر وهم يعلمون. (٢)\n- وقال ﵀ تحت حديث: «لا مهدي إلا عيسى»: وهذا الحديث تستغله الطائفة القاديانية في الدعوة لنبيهم المزعوم، ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة، ثم ادعى أنه هو عيسى بن مريم المبشر بنزوله في آخر الزمان، وأنه لا مهدي إلا عيسى بناء على هذا الحديث المنكر، وقد راجت دعواه على كثيرين من ذوي الأحلام الضعيفة، شأن كل دعوة باطلة لا تعدم\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢٥) والبخاري (١/ ١١/١) ومسلم (٣/ ١٥١٥ - ١٥١٦/ ١٩٠٧) وأبو داود (٢/ ٦٥١ - ٦٥٢/ ٢٢٠١) والترمذي (٤/ ١٥٤/١٦٤٧) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (١/ ٦٢ - ٦٣/ ٧٥) وابن ماجه (٢/ ١٤١٣/٤٢٢٧) من حديث عمر.\n(٢) الصحيحة (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧/ ١٣٩).","vol":"10","page":377},{"text":"من يتبناها ويدعو إليها. (١)\n- وقال ﵀: لا يجوز في الشرع أن يقال: فلان خليفة الله. لما فيه من إيهام ما لا يليق بالله تعالى من النقص والعجز، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال في الفتاوى (٢): وقد ظن بعض القائلين الغالطين كابن عربي، أن الخليفة هو الخليفة عن الله، مثل نائب الله، والله تعالى لا يجوز له خليفة، ولهذا قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله، فقال: \"لست بخليفة الله، ولكن خليفة رسول الله - ﷺ -، حسبي ذلك\"، بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره، قال النبي - ﷺ -: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا» (٣).\nوذلك لأن الله حي شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ غني عن العالمين، ليس له شريك ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف بموت أو غيبة، ويكون لحاجة المستخلف، وسمي خليفة لأنه خلف عن الغزو وهو قائم خلفه، وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى، وهو منزه عنها، فإنه حي قيوم شهيد لا يموت ولا يغيب ... ولا يجوز أن يكون أحد خلفا منه، ولا يقوم مقامه، إنه لا سمي له ولا كفء، فمن جعل له خليفة فهو مشرك به. (٤)\n_________\n(١) الضعيفة (١/ ١٧٦).\n(٢) (٢/ ٤٦١).\n(٣) أحمد (٢/ ١٤٤) والترمذي (٥/ ٤٦٨/٣٤٤٧) من حديث ابن عمر. وأصله في صحيح مسلم (٢/ ٩٧٨/١٣٤٢). وفي الباب عن عبد الله بن سرجس.\n(٤) الضعيفة (١/ ١٩٧ - ١٩٨/ ٨٥).","vol":"10","page":378},{"text":"- قال ﵀ تعليقا على حديث: «إن الله ﷿ لما قضى خلقه استلقى ..» (١): الحديث يستشم منه رائحة اليهودية الذين يزعمون أن الله ﵎ بعد أن فرغ من خلق السموات والأرض استراح، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهذا المعنى يكاد يكون صريحا في الحديث فإن الاستلقاء لا يكون إلا من أجل الراحة، ﷾ عن ذلك. وأنا أعتقد أن أصل هذا الحديث من الإسرائيليات وقد رأيت في كلام أبي نصر الغازي أنه روي عن كعب الأحبار، فهذا يؤيد ما ذكرته، وذكر أبو نصر أيضا أنه روي موقوفا عن عبد الله بن عباس وكعب بن عجرة، فكأنهما تلقياه -إن صح عنهما- عن كعب كما هو الشأن في كثير من الإسرائيليات، ثم وهم بعض الرواة فرفعه إلى النبي - ﷺ -. (٢)\n- وقال رحمه الله تعالى تعقيبا على حديث: «الرقى والتمائم والتولة شرك» (٣): (الرقى): هي هنا كل ما فيه الاستعاذة بالجن، أو لا يفهم معناها، مثل كتابة بعض المشايخ من العجم على كتابهم لفظة (ياكبيكج) لحفظ الكتب من الأرضة زعموا.\nو(التمائم): جمع تميمة، وأصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد\n_________\n(١) رواه الطبراني (١٩/ ١٣/١٨) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٩٨ - ١٩٩/ ٧٦١) من طريق عبيد بن حنين عن قتادة بن النعمان ﵁. وقال: \"هذا حديث منكر ولم أكتبه إلا من هذا الوجه ... \". وذكره الهيثمي في المجمع (٨/ ١٠٠) وقال: \"رواه الطبراني عن مشايخ ثلاثة جعفر بن سليمان النوفلي وأحمد بن رشدين المصري وأحمد ابن داود المكي فأحمد بن رشدين ضعيف، والاثنان لم أعرفهما، وبقية رجاله رجال الصحيح\". والحديث أورده في الضعيفة (٢/ ١٧٧ - ١٨٠/ ٧٥٥) وتكلم عليه بكلام نفيس، فانظره هناك.\n(٢) الضعيفة (٢/ ١٧٨/٧٥٥).\n(٣) تقدم تخريجه ضمن مواقف عبد الله بن مسعود سنة (٣٢هـ).","vol":"10","page":379},{"text":"لدفع العين، ثم توسعوا فيها، فسموا بها كل عوذة.\nقلت: ومن ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر المكان، وتعليق بعض السائقين نعلا في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، أو الخرز الأزرق على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل، كل ذلك من أجل العين زعموا.\nوهل يدخل في (التمائم) الحجب التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على أنفسهم إذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النبي - ﷺ -؟ للسلف في ذلك قولان، أرجحهما عندي المنع، كما بينته فيما علقته على 'الكلم الطيب' لشيخ الإسلام ابن تيمية (رقم التعليق ٣٤).\nو(التولة): بكسر التاء وفتح الواو: ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، قال ابن الأثير: (جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى). (١)\nوقال ﵀: فائدة: (التميمة): خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام، كما في 'النهاية' لابن الأثير.\nقلت: ولا تزال هذه الضلالة فاشية بين البدو والفلاحين وبعض المدنيين، ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارة يعلقونها على المرآة، وبعضهم يعلق نعلا عتيقة، في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها، وغيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار أو الدكان، كل ذلك\n_________\n(١) الصحيحة (١/ ٦٤٩ - ٦٥٠/ ٣٣١).","vol":"10","page":380},{"text":"لدفع العين زعموا، وغير ذلك مما عم وطم بسبب الجهل بالتوحيد، وما ينافيه من الشركيات والوثنيات التي ما بعثت الرسل ولا أنزلت الكتب إلا من أجل إبطالها والقضاء عليها، فإلى الله المشتكى من جهل المسلمين اليوم، وبعدهم عن الدين.\nولم يقف الأمر ببعضهم عند مجرد المخالفة، بل تعداه إلى التقرب بها إلى الله تعالى، فهذا الشيخ الجزولي صاحب 'دلائل الخيرات' يقول في الحزب السابع في يوم الأحد (ص.١١١ طبع بولاق): \"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ما سجعت الحمائم، وحمت الحوائم، وسرحت البهائم، ونفعت التمائم\".\nوتأويل الشارح لـ 'الدلائل' بأن \"التمائم جمع تميمة، وهي الورقة التي يكتب فيها شيء من الأسماء أو الآيات، وتعلق على الرأس مثلا للتبرك\" فمما لا يصح، لأن التمائم عند الإطلاق إنما هي الخرزات، كما سبق عن ابن الأثير، على أنه لو سلم بهذا التأويل، فلا دليل في الشرع على أن التميمة بهذا المعنى تنفع، ولذلك جاء عن بعض السلف كراهة ذلك. (١)\n- وقال ﵀ تعقيبا على حديث: «النشرة من عمل الشيطان» (٢): و(النشرة): الرقية. قال الخطابي: \"النشرة: ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به\n_________\n(١) الصحيحة (١/ ٨٩٠/٤٩٢).\n(٢) أحمد (٣/ ٢٩٤) وعنه أبو داود (٤/ ٢٠١/٣٨٦٨) من حديث جابر بن عبد الله وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٨٦) وتعقبه الشيخ الألباني بقوله: \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، غير عقيل بن معقل وهو ابن منبه اليماني، وهو ثقة اتفاقا، فقول الحافظ فيه \"صدوق\" وبناء عليه اقتصر في الفتح على تحسين إسناده في هذا الحديث، فهو تقصير لا وجه له عندي\" الصحيحة (٦/ ٦١٢).","vol":"10","page":381},{"text":"من كان يظن به مس الجن\".\nقلت: يعني الرقى غير المشروعة، وهي ما ليس من القرآن والسنة الصحيحة وهي التي جاء إطلاق لفظ الشرك عليها في غير ما حديث، وقد تقدم بعضها، فانظر مثلا: (٣٣١و١٠٦٦)، وقد يكون الشرك مضمرا في بعض الكلمات المجهولة المعنى، أو مرموزا له بأحرف مقطعة، كما يرى في بعض الحجب الصادرة من بعض الدجاجلة، وعلى الرقى المشروعة يحمل ما علقه البخاري عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب (أي سحر) أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه.\nووصله الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٣٣) من رواية الأثرم وغيره من طرق عن قتادة عنه. ورواية قتادة أخرجها ابن أبي شيبة (٨/ ٢٨) بسند صحيح عنه مختصرا.\nهذا ولا خلاف عندي بين الأثرين، فأثر الحسن يحمل على الاستعانة بالجن والشياطين والوسائل المرضية لهم كالذبح لهم ونحوه، وهو المراد بالحديث، وأثر سعيد على الاستعانة بالرقى والتعاويذ المشروعة بالكتاب والسنة. وإلى هذا مال البيهقي في 'السنن'، وهو المراد بما ذكره الحافظ عن الإمام أحمد أنه سئل عمن يطلق السحر عن المسحور؟ فقال: \"لا بأس به\".\nوأما قول الحافظ: \"ويختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيرا، وإلا فهو شر\".\nقلت: هذا لا يكفي في التفريق، لأنه قد يجتمع قصد الخير مع كون","vol":"10","page":382},{"text":"الوسيلة إليه شر، كما قيل في المرأة الفاجرة:\n. . . . . . . . . . . ... ليتها لم تزن ولم تتصدق\nومن هذا القبيل معالجة بعض المتظاهرين بالصلاح للناس بما يسمونه بـ (الطب الروحاني) سواء كان ذلك على الطريقة القديمة من اتصاله بقرينه من الجن كما كانوا عليه في الجاهلية، أو بطريقة ما يسمى اليوم باستحضار الأرواح، ونحوه عندي التنويم المغناطيسي، فإن ذلك كله من الوسائل التي لا تشرع، لأن مرجعها إلى الاستعانة بالجن التي كانت من أسباب ضلال المشركين كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ (١) أي خوفا وإثما. وادعاء بعض المبتلين بالاستعانة بهم أنهم إنما يستعينون بالصالحين منهم، دعوى كاذبة لأنهم مما لا يمكن -عادة- مخالطتهم ومعاشرتهم، التي تكشف عن صلاحهم أو طلاحهم، ونحن نعلم بالتجربة أن كثيرا ممن تصاحبهم أشد المصاحبة من الإنس، يتبين لك أنهم لا يصلحون، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِن مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (٢) هذا في الإنس الظاهر، فما بالك بالجن الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ\n_________\n(١) الجن الآية (٦).\n(٢) التغابن الآية (١٤).","vol":"10","page":383},{"text":"وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال ﵀ تعليقا على حديث: «من لقي الله لا يشرك به شيئا، يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان غفر له ...» (٣): وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على أن المسلم لا يستحق مغفرة الله إلا إذا لقي الله ﷿ ولم يشرك به شيئا، ذلك لأن الشرك أكبر الكبائر كما هو معروف في الأحاديث الصحيحة. ومن هنا يظهر لنا ضلال أولئك الذين يعيشون معنا، ويصلون صلاتنا، ويصومون صيامنا، و... ولكنهم يواقعون أنواعا من الشركيات والوثنيات، كالاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين ودعائهم في الشدائد من دون الله، والذبح لهم والنذر لهم، ويظنون أنهم بذلك يقربونهم إلى الله زلفى، هيهات هيهات. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ (٤).\nفعلى كل من كان مبتلى بشيء من ذلك من إخواننا المسلمين أن يبادروا فيتوبوا إلى رب العالمين، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالعلم النافع المستقى من الكتاب والسنة. وهو مبثوث في كتب علمائنا رحمهم الله تعالى، وبخاصة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، ومن نحا نحوهم، وسار سبيلهم. ولا يصدنهم عن ذلك بعض من يوحي إليهم من الموسوسين\n_________\n(١) الأعراف الآية (٢٧).\n(٢) الصحيحة (٦/ ٦١٣ - ٦١٥/ ٢٧٦٠).\n(٣) أحمد (٥/ ٢٣٢) وصحح إسناده الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (رقم ١٣١٥).\n(٤) ص الآية (٢٧).","vol":"10","page":384},{"text":"بأن هذه الشركيات إنما هي قربات وتوسلات، فإن شأنهم في ذلك شأن من أخبر عنهم النبي - ﷺ - ممن يستحلون بعض المحرمات بقوله: «يسمونها بغير اسمها» (١) ...\nهذه نصيحة أوجهها إلى من يهمه أمر آخرته من إخواننا المسلمين المضللين، قبل أن يأتي يوم يحق فيه قول رب العالمين في بعض عباده الأبعدين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (٢).اهـ (٣)\n- وقال ﵀: واعلم أن من أذناب هؤلاء الضلال في القول بانتهاء عذاب الكفار الطائفة القاديانية، بل هم قد زادوا في ذلك على إخوانهم الضلال، فذهبوا إلى أن مصير الكفار إلى الجنة، نص على ذلك ابن دجالهم الأكبر محمود بشير بن غلام أحمد في كتاب 'الدعوة الأحمدية'. فمن شاء التأكد من ذلك فليراجعها فإني لم أطلها الآن. (٤)\n- وقال ﵀: طائفة القاديانية اليوم الذين أنكروا بطريق التأويل كثيرا من الحقائق الشرعية المجمع عليها بين الأمة، كقولهم ببقاء النبوة بعد النبي\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٤٢) وأبو داود (٤/ ٩١/٣٦٨٨) وابن ماجه (٢/ ١٣٣٣/٤٠٢٠) وابن حبان (١٥/ ١٦٠ - ١٦١/ ٦٧٥٨) عن معاوية بن صالح قال: حدثني حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غنم، فتذاكرنا الطلاء، فقال: حدثني أبو مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها». وعلقه البخاري في صحيحه (١٠/ ٦٣/٥٥٩٠) دون ذكر محل الشاهد، وبوب عليه: (ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه). وللحديث شواهد كثيرة عن جمع من الصحابة: عن عائشة وأبي أمامة وعبادة بن الصامت وغيرهم. وقد صحح بعضها الشيخ الألباني (انظر الصحيحة ٩٠و٩١و٤١٤).\n(٢) الفرقان الآية (٢٣).\n(٣) الصحيحة (٣/ ٣٠١ - ٣٠٢/ ١٣١٥).\n(٤) الضعيفة (٢/ ٧٣/٦٠٧).","vol":"10","page":385},{"text":"- ﷺ - متأسين في ذلك بنبيهم ميرزا غلام أحمد، ومن قبله ابن عربي في 'الفتوحات المكية'، وتأولوا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) بأن المعنى زينة النبيين وليس آخرهم! وقوله - ﷺ -: «لا نبي بعدي» (٢) بقولهم: أي معي! وأنكروا وجود الجن مع تردد ذكرهم في القرآن الكريم، فضلا عن السنة وتنوع صفاتهم فيهما، وزعموا أنهم طائفة من البشر! إلى غير ذلك من ضلالاتهم، وكلها من بركات التأويل الذي أخذ به الخلف في آية الاستواء وغيرها من آيات الصفات. (٣)\n- وقال رحمه الله تعالى تعقيبا على الحديث الموضوع في توسل آدم بمحمد - ﷺ - (٤): هذا وإن من الآثار السيئة التي تركتها هذه الأحاديث الضعيفة في التوسل، أنها صرفت كثيرا من الأمة عن التوسل المشروع إلى التوسل المبتدع، ذلك لأن العلماء متفقون -فيما أعلم- على استحباب التوسل إلى\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٤٠).\n(٢) أحمد (١/ ١٨٢ - ١٨٣) والبخاري (٨/ ١٤١/٤٤١٦) ومسلم (٤/ ١٨٧٠/٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(٣) مختصر العلو (ص.٣٢).\n(٤) أخرجه الحاكم (٢/ ٦١٥) وعنه البيهقي في الدلائل (٥/ ٤٨٨ - ٤٨٩) والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٥٩/٦٤٩٨) وفي الصغير (٢/ ٣٥٥/٩٧١) كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعا. قال الحاكم: \"صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وتعقبه الذهبي بقوله: بل هو موضوع، وعبد الرحمن واه\". وقال البيهقي: \"تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف\". قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٥٣): \"وفيه من لم أعرفهم\". وقال ابن تيمية في القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة من مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥): \"ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتابه 'المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم' عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه\". انظر الضعيفة للشيخ الألباني (٢٥).","vol":"10","page":386},{"text":"الله تعالى باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته تعالى، وعلى توسل المتوسل إليه تعالى بعمل صالح قدمه إليه ﷿.\nومهما قيل في التوسل المبتدع، فإنه لا يخرج عن كونه أمرا مختلفا فيه، فلو أن الناس أنصفوا لانصرفوا عنه، احتياطا، وعملا بقوله - ﷺ -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (١) إلى العمل بما أشرنا إليه من التوسل المشروع، ولكنهم -مع الأسف- أعرضوا عن هذا، وتمسكوا بالتوسل المختلف فيه كأنه من الأمور اللازمة التي لا بد منها، ولازموها ملازمتهم للفرائض، فإنك لا تكاد تسمع شيخا أو عالما يدعو بدعاء يوم الجمعة وغيره إلا ضمنه التوسل المبتدع، وعلى العكس من ذلك، فإنك لا تكاد تسمع أحدهم يتوسل بالتوسل المستحب، كأن يقول مثلا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي، يا قيوم، إني أسألك ... مع أن فيه الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، كما قال - ﷺ - فيما صح عنه (٢).\nفهل سمعت أيها القارئ الكريم أحدا يتوسل بهذا أو بغيره مما في معناه؟\n_________\n(١) أحمد (١/ ٢٠٠) والترمذي (٤/ ٥٧٦ - ٥٧٧/ ٢٥١٨) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والنسائي (٨/ ٧٣٢/٥٧٢٧) وابن حبان (٢/ ٤٩٨/٧٢٢ الإحسان) والحاكم (٢/ ١٣) من حديث الحسن بن علي ﵄، وصححه ووافقه الذهبي.\n(٢) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٨و٢٤٥) وأبو داود (٢/ ١٦٧ - ١٦٨/ ١٤٩٥) والترمذي (٥/ ٥١٤/٣٥٤٤) والنسائي (٣/ ٥٩ - ٦٠/ ١٢٩٩) وابن ماجة (٢/ ١٢٦٨/٣٨٥٨) من حديث أنس. وصححه ابن حبان (٣/ ١٧٥/٨٩٣) والحاكم (١/ ٥٠٣ - ٥٠٤) ووافقه الذهبي.","vol":"10","page":387},{"text":"أما أنا فأقول آسفا: إنني لم أسمع ذلك، وأظن أن جوابك سيكون كذلك، فما السبب في هذا؟ ذلك هو من آثار انتشار الأحاديث الضعيفة بين الناس، وجهلهم بالسنة الصحيحة، فعليكم بها أيها المسلمون علما وعملا، تهتدوا وتعزوا.\nوبعد طبع ما تقدم اطلعت على رسالة في جواز التوسل المبتدع لأحد مشايخ الشمال المتهورين، متخمة بالتناقض الدال على الجهل البالغ، وبالضلال والأباطيل والتأويلات الباطلة والافتراء على العلماء، بل الإجماع. مثل تجويز الاستغاثة بالموتى، والنذر لهم، وزعمه أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان، وغير ذلك مما لا يقول به عالم مسلم. (١)\n- وقال ﵀ تعقيبا على حديث: «توسلوا بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم» (٢): لا أصل له. وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في 'القاعدة الجليلة'. ومما لا شك فيه أن جاهه - ﷺ - ومقامه عند الله عظيم، فقد وصف الله تعالى موسى بقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ (٣)، ومن المعلوم أن نبينا محمدا - ﷺ - أفضل من موسى، فهو بلا شك أوجه منه عند ربه ﷾، ولكن هذا شيء، والتوسل بجاهه - ﷺ - شيء آخر، فلا يليق الخلط بينهما كما يفعل بعضهم، إذ إن التوسل بجاهه - ﷺ - يقصد به من يفعله أنه\n_________\n(١) الضعيفة (١/ ٩٤ - ٩٥/ ٢٥).\n(٢) ذكره شيخ الإسلام في القاعدة الجليلة (ص.١٢٩) وقال: \"هذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث\".\n(٣) الأحزاب الآية (٦٩).","vol":"10","page":388},{"text":"أرجى لقبول دعائه، وهذا أمر لا يمكن معرفته بالعقل، إذ إنه من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل في إدراكها، فلا بد فيه من النقل الصحيح الذي تقوم به الحجة، وهذا مما لا سبيل إليه البتة، فإن الأحاديث الواردة في التوسل به - ﷺ - تنقسم إلى قسمين: صحيح، وضعيف.\nأما الصحيح: فلا دليل فيه البتة على المدعى، مثل توسلهم به - ﷺ - في الاستسقاء (١)، وتوسل الأعمى به - ﷺ - (٢)، فإنه توسل بدعائه - ﷺ -، لا بجاهه ولا بذاته - ﷺ -، ولما كان التوسل بدعائه - ﷺ - بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير ممكن، كان بالتالي التوسل به - ﷺ - بعد وفاته غير ممكن، وغير جائز.\nومما يدلك على هذا أن الصحابة ﵃ لما استسقوا في زمن عمر، توسلوا بعمه - ﷺ - العباس، ولم يتوسلوا به - ﷺ -، وما ذلك إلا لأنهم يعلمون معنى التوسل المشروع، وهو ما ذكرناه من التوسل بدعائه - ﷺ -، ولذلك توسلوا بعده - ﷺ - بدعاء عمه، لأنه ممكن ومشروع، وكذلك لم ينقل أن أحدا من العميان توسل بدعاء ذلك الأعمى، ذلك لأن السر ليس في قول\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٢٧١) والبخاري (٢/ ٦٣٦ - ٦٣٧/ ١٠١٣) ومسلم (٢/ ٦١٢ - ٦١٣/ ٨٩٧) وأبو داود (١/ ٦٩٣ - ٦٩٤/ ١١٧٤) والنسائي (٣/ ١٧٧ - ١٧٨/ ١٥١٤) من حديث أنس.\n(٢) أحمد (٤/ ١٣٨) والترمذي (٥/ ٥٣١/٣٥٧٨) وابن ماجه (١/ ٤٤١/١٣٨٥) والنسائي في الكبرى (٦/ ١٦٩/١٠٤٩٥) عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف: أن رجلا ضرير البصر أتى النبي - ﷺ - فقال: ادع الله لي أن يعافيني، فقال: «إن شئت أخرت لك وهو خير، وإن شئت دعوت» فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في». وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث أبي جعفر وهو الخطمي\". وصححه الحاكم (١/ ٣١٣) وقال: \"على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.","vol":"10","page":389},{"text":"الأعمى: \"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة ... \"، وإنما السر الأكبر في دعائه - ﷺ - له كما يقتضيه وعده - ﷺ - إياه بالدعاء له، ويشعر به قوله في دعائه: \"اللهم فشفعه في\"، أي: اقبل شفاعته - ﷺ -، أي: دعاءه في. \"وشفعني فيه\"، أي: اقبل شفاعتي. أي: دعائي في قبول دعائه - ﷺ - في.\nفموضوع الحديث كله يدور حول الدعاء، كما يتضح للقارئ الكريم بهذا الشرح الموجز، فلا علاقة للحديث بالتوسل المبتدع، ولهذا أنكره الإمام أبو حنيفة، فقال: \"أكره أن يسأل الله إلا بالله\"، كما في 'الدر المختار'، وغيره من كتب الحنفية.\nوأما قول الكوثري في 'مقالاته' (ص.٣٨١): \"وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل تاريخ الخطيب بسند صحيح\".\nفمن مبالغاته، بل مغالطاته، فإنه يشير بذلك إلى ما أخرجه الخطيب (١/ ١٢٣) من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: \"إني لأتبرك بأبي حنيفة، وأجيء إلى قبره في كل يوم -يعني زائرا- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى\".\nفهذه رواية ضعيفة، بل باطلة، فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو \"عمرو -بفتح العين- ابن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسي\"، وقد ترجمه الخطيب (١٢/ ٢٢٦)، وذكر أنه بخاري قدم بغداد حاجا سنة (٣٤١)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، فهو مجهول الحال،","vol":"10","page":390},{"text":"ويبعد أن يكون هو هذا، إذ إن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة (٢٤٧) على أكثر الأقوال، فبين وفاتيهما نحو مائة سنة، فيبعد أن يكون قد أدركه.\nوعلى كل حال، فهي رواية ضعيفة لا يقوم على صحتها دليل، وقد ذكر شيخ الإسلام في 'اقتضاء الصراط المستقيم' معنى هذه الرواية، ثم أثبت بطلانها، فقال (ص.١٦٥): هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل، فالشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده؟ ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن بن زياد، وطبقتهم، لم يكونوا يتحرون الدعاء، لا عند أبي حنيفة، ولا غيره، ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين، خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف\".\nوأما القسم الثاني من أحاديث التوسل، فهي أحاديث ضعيفة، تدل بظاهرها على التوسل المبتدع، فيحسن بهذه المناسبة التحذير منها، والتنبيه عليها. (١)\n_________\n(١) الضعيفة (١/ ٧٦ - ٧٩/ ٢٢).","vol":"10","page":391},{"text":"- وقال ﵀: قوله - ﷺ -: «استغاثوا بآدم» (١)، أي: طلبوا منه ﵇ أن يدعو لهم، ويشفع لهم عند الله ﵎. والأحاديث بهذا المعنى كثيرة معروفة في الصحيحين وغيرهما.\nوليس فيه جواز الاستغاثة بالأموات، كما يتوهم كثير من المبتدعة الأموات. بل هو من باب الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٢) الآية.\nومن الواضح البين أنه لا يجوز -مثلا- أن يقول الحي القادر للمقيد العاجز: أعني. فالميت الذي يستغاث به من دونه تعالى أعجز منه، فمن خالف، فهو إما أحمق مهبول، أو مشرك مخذول، لأنه يعتقد في ميته أنه سميع بصير، وعلى كل شيء قدير، وهنا تكمن الخطورة، لأنه الشرك الأكبر، وهو الذي يخشاه أهل التوحيد على هؤلاء المستغيثين بالأموات من دون الله ﵎، وهو القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ\n_________\n(١) البخاري (٣/ ٤٣١/١٤٧٤ - ١٤٧٥) ومسلم (٢/ ٧٢٠/١٠٤٠ (١٠٤» مختصرا بدون لفظ: «.. استغاثوا بآدم ...» من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم». وقال: «إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن. فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد - ﷺ -». وزاد عبد الله: حدثني الليث حدثني ابن أبي جعفر «فيشفع ليقضى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب. فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم».\n(٢) القصص الآية (١٥).","vol":"10","page":392},{"text":"لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (١)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ (٢).اهـ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3489>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ﵀ عقب إيراده أحاديث سبب نزول قول الله تعالى: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ (٤): واعلم أن الشيعة يزعمون -خلافا للأحاديث المتقدمة- أن الآية المذكورة نزلت يوم غدير (خم) في علي ﵁، ويذكرون في ذلك روايات عديدة مراسيل ومعاضيل أكثرها، ومنها عن أبي سعيد الخدري، ولا يصح عنه كما حققته في 'الضعيفة (٤٩٢٢) '، والروايات الأخرى أشار إليها عبد الحسين الشيعي في 'مراجعاته (ص.٣٨) ' دون أي تحقيق في أسانيدها كما هي عادته في كل أحاديث كتابه، لأن غايته حشد\n_________\n(١) الأعراف الآيتان (١٩٤و١٩٥).\n(٢) فاطر الآيتان (١٣و١٤).\n(٣) الصحيحة (٥/ ١٩١/٢٤٦٠).\n(٤) المائدة الآية (٦٧).","vol":"10","page":393},{"text":"كل ما يشهد لمذهبه، سواء صح أم لم يصح على قاعدتهم: \"الغاية تبرر الوسيلة\"، فكن منه ومن رواياته على حذر، وليس هذا فقط، بل هو يدلس على القراء -إن لم أقل يكذب عليهم- فإنه قال في المكان المشار إليه في تخريج [حديث] أبي سعيد هذا المنكر، بل الباطل: \"أخرجه غير واحد من أصحاب السنن، كالإمام الواحدي ... \".\nووجه كذبه أن المبتدئين في هذا العلم يعلمون أن الواحدي ليس من أصحاب السنن الأربعة، وإنما هو مفسر، يروي بأسانيده ما صح وما لم يصح، وحديث أبي سعيد هذا مما لم يصح، فقد أخرجه من طريق فيه متروك شديد الضعف؛ كما هو مبين في المكان المشار إليه من 'الضعيفة'.\nوهذه من عادة الشيعة قديما وحديثا؛ أنهم يستحلون الكذب على أهل السنة، عملا في كتبهم وخطبهم، بعد أن صرحوا باستحلالهم للتقية، كما صرح بذلك الخميني في كتابه 'كشف الأسرار (ص.١٤٧ - ١٤٨) '، وليس يخفى على أحد أن التقية أخت الكذب، ولذلك قال أعرف الناس بهم؛ شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الشيعة أكذب الطوائف\".\nوأنا شخصيا قد لمست كذبهم لمس اليد في بعض مؤلفيهم، وبخاصة عبد الحسين هذا، والشاهد بين يديك، فإنه فوق كذبته المذكورة، أوهم القراء أن الحديث عند أهل السنة من المسلمات بسكوته عن علته، وادعائه كثرة طرقه، فقد كان أصرح منه في الكذب الخميني؛ فإنه صرح في الكتاب المذكور (ص.١٤٩) أن آية العصمة نزلت يوم غديرخم بشأن إمامة علي بن أبي طالب","vol":"10","page":394},{"text":"باعتراف أهل السنة واتفاق الشيعة، كذا قال عامله الله بما يستحق. (١)\n- وقال ﵀ تحت حديث: «إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» (٢): واعلم أيها القارئ الكريم أن من المعروف أن الحديث مما يحتج به الشيعة، يلهجون بذلك كثيرا، حتى يتوهم بعض أهل السنة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعا واهمون في ذلك، وبيانه من وجهين:\nالأول: أن المراد من الحديث في قوله - ﷺ -: «عترتي» أكثر مما يريده الشيعة، ولا يرده أهل السنة، بل هم مستمسكون به، ألا وهو أن العترة فيه هم أهل بيته - ﷺ -، وقد جاء موضحا في بعض طرقه، كحديث الترجمة «وعترتي أهل بيتي» وأهل بيته في الأصل هم نساؤه - ﷺ -، وفيهن الصديقة عائشة ﵅ جميعا، كما هو صريح قوله تعالى في الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (٣) بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ\n_________\n(١) الصحيحة (٥/ ٦٤٥ - ٦٤٦).\n(٢) الترمذي (٥/ ٦٢١/٣٧٨٦) والطبراني (٣/ ٦٣/٢٦٨٠) عن جابر بن عبد الله. وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب من هذا الوجه\".\n(٣) الأحزاب الآية (٣٣).","vol":"10","page":395},{"text":"لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ (١)، وتخصيص الشيعة أهل البيت في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ دون نسائه - ﷺ - من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصارا لأهوائهم، كما هو مشروح في موضعه، وحديث الكساء وما في معناه غاية ما فيه توسيع دلالة الآية، ودخول علي وأهله فيها كما بينه الحافظ ابن كثير وغيره، وكذلك حديث العترة قد بين النبي - ﷺ - أن المقصود أهل بيته - ﷺ - بالمعنى الشامل لزوجاته وعلي وأهله.\nولذلك قال التوربشتي كما في المرقاة (٥/ ٦٠٠): \"عترة الرجل أهل بيته ورهطه الأدنون، ولاستعمالهم العترة على أنحاء كثيرة، بينها رسول الله - ﷺ - بقوله: «أهل بيتي» ليعلم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه\".\nوالوجه الآخر: أن المقصود من أهل البيت إنما هم العلماء الصالحون منهم، والمتسمكون بالكتاب والسنة. قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى: \"العترة هم أهل بيته - ﷺ - الذين هم على دينه وعلى التمسك بأمره\" وذكر نحوه الشيخ علي القاري في الموضع المشار إليه آنفا. ثم استظهر أن الوجه في تخصيص أهل البيت بالذكر ما أفاده بقوله: \"إن أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكون\n_________\n(١) الأحزاب الآيات (٣٢ - ٣٤).","vol":"10","page":396},{"text":"مقابلا لكتاب الله سبحانه، كما قال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١) قلت: ومثله قوله تعالى في خطاب أزواجه - ﷺ - في آية التطهير المتقدمة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ فتبين أن المراد بأهل البيت المتمسكون منهم بسنته - ﷺ - فتكون هي المقصودة بالذات في الحديث. (٢)\n- وقال ﵀: ثم إن روح التشيع واضح من الحديث (٣)، فإن من الثابت عند أهل السنة أن فضل الخلفاء الأربعة على ترتيبهم المعروف، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين، وهذا التفضيل، ثابت عن علي نفسه، بل وفي زمن النبي - ﷺ - كانوا لا يعدلون بأبي بكر أحدا كما في البخاري وغيره، فكيف يمكن أن يقول: \"وعلي سيد العرب\"، فلا شك أن هذا من وضع الشيعة. ونحن نشم رائحة التشيع من هذا الغماري وإخوته من كتاباتهم، حتى إن أحدهم ألف رسالة خاصة في توثيق الحارث الأعور الشيعي، والله المستعان. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3490>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال ﵀: وأما قول العامة وكثير من الخاصة: الله موجود في كل مكان، أو في كل الوجود، ويعنون بذاته، فهو ضلال بل هو مأخوذ من القول بوحدة الوجود، الذي يقول به غلاة الصوفية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق\n_________\n(١) الجمعة الآية (٢).\n(٢) الصحيحة (٤/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(٣) أي حديث «أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب».\n(٤) بداية السول (ص.٢٨).","vol":"10","page":397},{"text":"ويقول كبيرهم: كل ما تراه بعينك فهو الله! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. (١)\n- وقال ﵀ تعقيبا على ما أثر عن عمر ﵁ من قوله يا سارية الجبل: \"ومما لا شك فيه، أن النداء المذكور إنما كان إلهاما من الله تعالى لعمر، وليس ذلك بغريب عنه، فإنه \"محدث\" كما ثبت عن النبي - ﷺ - (٢)، ولكن ليس فيه أن عمر كشف له حال الجيش، وأنه رآهم رأي العين، فاستدلال بعض المتصوفة بذلك على ما يزعمونه من الكشف للأولياء، وعلى إمكان اطلاعهم على ما في القلوب من أبطل الباطل، كيف لا وذلك من صفات رب العالمين، المنفرد بعلم الغيب والاطلاع على ما في الصدور. وليت شعري كيف يزعم هؤلاء ذلك الزعم الباطل والله ﷿ يقول في كتابه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٣).\nفهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل من رسل الله حتى يصح أن يقال إنهم يطلعون على الغيب بإطلاع الله إياهم، سبحانك هذا بهتان عظيم. (٤)\n- وقال ﵀: إذا عرفت ما سبق بيانه أن حب الله لا ينال إلا باتباع نبيه - ﷺ - فاحرص إذا على اتباع سنته كل الحرص، وأنفق في سبيل ذلك كل جهاد ونفس، ولا تغتر بما عليه بعض الضالين المغرورين، من المتصوفة واللاهين، الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، ونشيدا ونغما، يزعمون\n_________\n(١) الصحيحة (٣/ ٣٨/١٠٤٦).\n(٢) تقدم تخريجه قريبا.\n(٣) الجن الآيتان (٢٦و٢٧).\n(٤) الصحيحة (٣/ ١٠٢/١١١٠).","vol":"10","page":398},{"text":"أنهم بذلك يرضون محمدا - ﷺ -، بما يسمونه بالأناشيد الدينية، ويكثرون منها في أذكارهم واجتماعاتهم التي يعقدونها في بعض الأعياد البدعية، كعيد المولد ونحوه، فإنهم -والله- لفي ضلال مبين، وعن الحق متنكبين، كيف لا وهم قد خلطوا الدين الحق باللهو الباطل، وقلدوا المغنين الماجنين، في موازينهم وأنغامهم الموسيقية، ويلتزمون في كل ذلك طرائقهم المميتة للقلوب، الصادة عن ذكر الله وتلاوة القرآن، والنبي - ﷺ - يقول: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (١)\nلا سيما وأنهم قد يضيفون إلى ذلك بعض الآلات الموسيقية، أو التصفيق بالأكف لتتم المشابهة بين الفريقين، ولذلك تذيعها بعض الإذاعات الأجنبية، فضلا عن الإذاعات العربية، إرضاء للناس باسم الذكر أو الأناشيد الدينية ومن المؤسف أن بعض الإذاعات الإسلامية بدأت تحذو حذوها. والله المستعان.\nوقد بلغني أن بعض محطات الرائي (التلفزيون) عرضت شيئا من هذا على أنه الإسلام الذي يدعو إليه من سمتهم بالمسلمين الحنفاء.\nوإن نسيت فلن أنسى أنني حضرت قديما في مركز لبعض الجماعات\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٦١٢/٧٥٢٧) من طريق أبي عاصم عن ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا. قال الدارقطني في الإلزامات والتتبع (ص١٢٧ - ١٢٨): \"وهذا يقال إن أبا عاصم وهم فيه. والصواب ما رواه الزهري ومحمد بن إبراهيم ويحيى بن أبي كثير ومحمد بن عمرو وغيرهم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «ما أذن الله لشيء أذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به». وقول أبي عاصم وهم وقد رواه عقيل ويونس وعمرو بن الحارث وعمرو بن دينار وعمرو بن عطية وإسحاق بن راشد ومعمر وغيرهم عن الزهري بخلاف ما رواه أبو عاصم عن ابن جريج. وقال أبو بكر النيسابوري: قول أبي عاصم فيه: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، وهم من أبي عاصم لكثرة من رواه عنه هكذا\". وتابعه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١/ ٣٩٥) على توهيم رواية أبي عاصم النبيل. والحديث أخرجه: أحمد (١/ ١٧٥) وأبو داود (٢/ ١٥٥ - ١٥٦/ ١٤٦٩) والحاكم (١/ ٥٦٩) وصححه، ووافقه الذهبي .. وابن حبان (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧/ ١٢٠ الإحسان) عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن أبي نهيك عن سعد بن أبي وقاص.","vol":"10","page":399},{"text":"الإسلامية، وإذا بي أفاجأ بسماع صوت تلحين للأذان بآلة موسيقية فسألت عن الخبر؟ فقيل: هؤلاء بعض الشباب المسلم من بعض البلاد العربية نزلوا ضيوفا على الجماعة، وأحدهم يسمعهم الأذان ملحنا تلحينا موسيقيا، وهذا مما نسمعه اليوم من بعض الإذاعات الإسلامية كثيرا وما أحسن ما قاله ابن القيم ﵀ بهذه المناسبة في 'إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان' (١):\nبرئنا إلى الله من معشر ... بهم مرض من سماع الغنا\nوكم قلت: يا قوم أنتم على ... شفا جرف ما به من بنا\nشفا جرف تحت هوة ... إلى درك كم به من عنا\nوتكرار في النصح منا لهم ... لنعذر فيهم إلى ربنا\nفلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله في أمرنا\nفعشنا على سنة المصطفى ... وماتوا على تنتنا تنتنا (٢)\n\n- وقال ﵀ تحت حديث: «حسبي من سؤالي علمه بحالي»: لا أصل له. أورده بعضهم من قول إبراهيم ﵊، وهو من الإسرائيليات، ولا أصل له في المرفوع، وقد ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء مشيرا لضعفه، فقال: \"روي عن كعب الأحبار أن إبراهيم ﵊ ... لما رموا به في المنجنيق إلى النار استقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال جبريل: فسل ربك. فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي\".\n_________\n(١) (١/ ٢٢٦).\n(٢) بداية السول في تفضيل الرسول (ص.٩ - ١١).","vol":"10","page":400},{"text":"وقد أخذ هذا المعنى بعض من صنف في الحكمة على طريقة الصوفية، فقال: \"سؤالك منه -يعني الله تعالى- اتهام له\".\nوهذه ضلالة كبرى فهل كان الأنبياء صلوات الله عليهم متهمين لربهم حين سألوه مختلف الأسئلة؟ فهذا إبراهيم ﵊ يقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا﴾ (١) إلى آخر الآيات، وكلها أدعية، وأدعية الأنبياء في الكتاب والسنة لا تكاد تحصى، والقائل المشار إليه قد غفل عن كون الدعاء الذي هو تضرع والتجاء إلى الله تعالى عبادة عظيمة، بغض النظر عن ماهية الحاجة المسؤولة، ولهذا قال - ﷺ -: «الدعاء هو العبادة». ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (٢). (٣) اهـ (٤)\n- وقال ﵀ تحت حديث: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم\n_________\n(١) إبراهيم الآيتان (٣٧و٣٨).\n(٢) غافر الآية (٦٠).\n(٣) أحمد (٤/ ٢٦٧) وأبو داود (٢/ ١٦١/١٤٧٩) والترمذي (٥/ ١٩٤ - ١٩٥/ ٢٩٦٩) وقال: \"حديث حسن صحيح\". والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٥٠/١١٤٦٤) وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨/٣٨٢٨) وابن حبان (٣/ ١٧٢/٨٩٠) والحاكم (١/ ٤٩٠ - ٤٩١) وصححه، ووافقه الذهبي. عن النعمان بن بشير.\n(٤) الضعيفة (١/ ٧٤ - ٧٥/ ٢١).","vol":"10","page":401},{"text":"اهتديتم» (١): وأما قول الشعراني في الميزان (١/ ٢٨): \"وهذا الحديث، وإن كان فيه مقال عند المحدثين، فهو صحيح عند أهل الكشف\"، فباطل وهراء لا يلتفت إليه، ذلك لأن تصحيح الأحاديث من طريق الكشف بدعة صوفية مقيتة، والاعتماد عليها يؤدي إلى تصحيح أحاديث باطلة لا أصل لها، كهذا الحديث، لأن الكشف أحسن أحواله -إن صح- أن يكون كالرأي، وهو يخطىء ويصيب، وهذا إن لم يداخله الهوى، نسأل الله السلامة منه، ومن كل ما لا يرضيه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3491>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال ﵀ في معرض كلامه على حديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٣): فائدة: قوله في هذا الحديث: \"في\": هو بمعنى \"على\" كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤)، فالحديث من الأدلة الكثيرة على أن الله تعالى فوق المخلوقات كلها، وفي ذلك ألف الحافظ الذهبي كتابه 'العلو للعلي العظيم'، وقد انتهيت من اختصاره قريبا، ووضعت له مقدمة ضافية، وخرجت أحاديثه وآثاره، ونزهته من الأخبار الواهية. وقد يسر الله طبعه،\n_________\n(١) ابن عبد البر في الجامع (٢/ ٩٢٥) وابن حزم في الإحكام (٦/ ٨٢) عن جابر مرفوعا. قال ابن عبد البر: \"هذا إسناد لا تقوم به حجة\". وقال ابن حزم: \"هذه رواية ساقطة\". وانظر الضعيفة للشيخ الألباني ﵀ (٥٨).\n(٢) الضعيفة (١/ ١٤٤ - ١٤٥/ ٥٨).\n(٣) أحمد (٢/ ١٦٠) وأبو داود (٥/ ٢٣١/٤٩٤١) والترمذي (٤/ ٢٨٥/١٩٢٤) وقال: \"حسن صحيح\". والحاكم (٤/ ١٥٩) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٤) الأنعام الآية (١١).","vol":"10","page":402},{"text":"والحمد لله. (١)\n- وقال ﵀: وهذا إنما يجري على قاعدة الخلف وعلماء الكلام في تأويل أحاديث الصفات، خلافا لطريقة السلف ﵃، كما خالفوهم في تأويل أحاديث نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا بأن المعنى نزول رحمته. وهذا كله مخالف لما كان عليه السلف من تفسير النصوص على ظاهرها دون تأويل أو تشبيه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢)، فنزوله نزول حقيقي يليق بجلاله لا يشبه نزول المخلوقين، وكذلك دنوه ﷿ دنو حقيقي يليق بعظمته، وخاص بعباده المتقربين إليه بطاعته، ووقوفهم بعرفة تلبية لدعوته ﷿. فهذا هو مذهب السلف في النزول والدنو، فكن على علم بذلك حتى لا تنحرف مع المنحرفين عن مذهبهم. وتجد تفصيل هذا الإجمال وتحقيق القول فيه في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وبخاصة منها مجموعة الفتاوى. فراجع مثلا (ج٥/ ٤٦٤ - ٤٧٨). وقد أورد الحديث على الصواب فيها (ص.٣٧٣)، واستدل به على نزوله تعالى بذاته عشية عرفة، وبحديث جابر المشار إليه آنفا. (٣)\n- وقال ﵀: العجب غير الضحك، فهما صفتان لله ﷿ عند أهل السنة خلافا للأشاعرة، فإنهم لا يعتقدونهما، بل يتأولونهما بمعنى الرضا. (٤)\n_________\n(١) الصحيحة (٢/ ٥٩٦/٩٢٥).\n(٢) الشورى الآية (١١).\n(٣) الصحيحة (٦/ ١٠٨/٢٥٥١).\n(٤) الصحيحة (٦/ ٧٣٨/٢٨١٠) بتصرف.","vol":"10","page":403},{"text":"- وقال ﵀ تعليقا على حديث ضحك الله تعالى للمؤمنين يوم القيامة (١): واعلم أن هذا الحديث -كغيره من أحاديث الصفات- يجب إمراره على ظاهره دون تعطيل، أو تشبيه، كما هو مذهب السلف، وليس مذهبهم التفويض كما يزعم الكوثري وأمثاله من المعطلة، كما شرحه ابن تيمية في رسالته 'التدمرية' وغيرها، والتفويض بزعمهم إمرار النصوص بدون فهم مع الإيمان بألفاظها، ولازم ذلك نسبة الجهل إلى السلف بأعز شيء لديهم وأقدسه عندهم وهو أسماء الله وصفاته.\nومن عرف هذا علم خطورة ما ينسبونه إليهم. والله المستعان. وراجع لهذا مقدمتي لكتابي 'مختصر العلو للذهبي'، يسر الله طبعه، ثم طبع والحمد لله. (٢)\n- وقال ﵀ تعليقا على حديث البطاقة (٣): وفي الحديث دليل على أن ميزان الأعمال له كفتان مشاهدتان، وأن الأعمال وإن كانت أعراضا فإنها توزن، والله على كل شيء قدير، وذلك من عقائد أهل السنة، والأحاديث في ذلك متضافرة إن لم تكن متواترة. (٤)\n- وقال ﵀: الميزان يوم القيامة حق ثابت وله كفتان، وهو من عقائد أهل السنة، خلافا للمعتزلة وأتباعهم في العصر الحاضر ممن لا يعتقد ما\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث جابر. انظر مواقف الحسين البغوي الإمام المفسر سنة (٥١٦هـ).\n(٢) الصحيحة (٢/ ٣٨٥/٧٥٦).\n(٣) أحمد (٢/ ٢١٣) والترمذي (٥/ ٢٥/٢٦٣٩) وقال: \"حسن غريب\". وابن ماجه (٢/ ١٤٣٧/٤٣٠٠) والحاكم (١/ ٦) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(٤) الصحيحة (١/ ٢٦٣/١٣٥).","vol":"10","page":404},{"text":"ثبت من العقائد في الأحاديث الصحيحة، بزعم أنها أخبار آحاد لا تفيد اليقين، وقد بينت بطلان هذا الزعم في كتابي 'مع الأستاذ الطنطاوي' يسر الله إتمامه. (١)\n- قال ﵀ تحت حديث: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» (٢): من فوائد الحديث: إثبات عذاب القبر، والأحاديث في ذلك متواترة، فلا مجال للشك فيه بزعم أنها آحاد، ولو سلمنا أنها آحاد، فيجب الأخذ بها، لأن القرآن يشهد لها، قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (٣).\nولو سلمنا أنه لا يوجد في القرآن ما يشهد لها، فهي وحدها كافية لإثبات هذه العقيدة، والزعم بأن العقيدة لا تثبت بما صح من أحاديث الآحاد زعم باطل دخيل في الإسلام، لم يقل به أحد من الأئمة الأعلام -كالأربعة وغيرهم-، بل هو مما جاء به بعض علماء الكلام بدون برهان من الله ولا سلطان، وقد كتبنا فصلا خاصا في هذا الموضوع الخطير في كتاب لنا، أرجو أن أوفق لتبييضه ونشره على الناس (٤).اهـ (٥)\n_________\n(١) الصحيحة (١/ ٢٦٠/١٣٤).\n(٢) أحمد (٥/ ١٩٠) مختصرا ومسلم (٤/ ٢١٩٩ - ٢٢٠٠/ ٢٨٦٧) عن زيد بن ثابت ﵁.\n(٣) غافر الآيتان (٤٥و٤٦).\n(٤) وقد يسر الله طبعه ونشره. تحت عنوان: 'الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام'.\n(٥) الصحيحة (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦/ ١٥٩).","vol":"10","page":405},{"text":"- وقال ﵀: لقد وضح من كلام الجويني رحمه الله تعالى السبب الذي حمل الخلف -إلا من شاء الله- على مخالفة السلف في تفسير آية (الاستواء)، وهو أنهم فهموا منه -خطأ كما قلنا- استواء لا يليق إلا بالمخلوق، وهذا تشبيه، فنفوه بتأويلهم إياه بالاستيلاء.\nومن الغريب حقا أن الذي فروا منه بالتأويل، قد وقعوا به فيما هو أشر منه بكثير، ويمكن حصر ذلك بالأمور الآتية:\nالأول: التعطيل، وهو إنكار صفة علو الله على خلقه علوا حقيقيا يليق به تعالى. وهو بين في كلام الإمام الجويني.\nالثاني: نسبة الشريك لله في خلقه يضاده في أمره، فإن الاستيلاء لغة لا يكون إلا بعد المغالبة كما ستراه في ترجمة الإمام اللغوي ابن الأعرابي، فقد جاء فيها: أن رجلا قال أمامه مفسرا الاستواء معناه: استولى. فقال له الإمام: \"اسكت، العرب لا تقول للرجل: استولى على الشيء، حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل: استولى. والله تعالى لا مضاد له\". وسنده عنه صحيح ... واحتج به العلامة نفطويه النحوي في \"الرد على الجهمية\" ...\nفنسأل المتأولة: من هو المضاد لله تعالى حتى تمكن الله تعالى من التغلب عليه والاستيلاء على ملكه منه؟\nوهذا إلزام لا مخلص لهم منه إلا برفضهم لتأويلهم، ورجوعهم إلى تفسير السلف، ولما تنبه لهذا بعض متكلميهم جاء بباقعة أخرى، وذلك أنه تأول \"الاستيلاء\" الذي هو عندهم المراد من \"الاستواء\" بأنه استيلاء مجرد عن معنى المغالبة.","vol":"10","page":406},{"text":"قلت: وهذا مع كونه مخالفا للغة كما سبق عن ابن الأعرابي، فإن أحسن ما يمكن أن يقال فيه: إنه تأويل للتأويل، وليت شعري ما الذي دخل بهم إلى هذه المآزق، أليس كان الأولى بهم أن يقولوا: استعلى استعلاء مجردا عن المشابهة. هذا لو كان الاستعلاء لغة يستلزم المشابهة، فكيف وهي غير لازمة؟ لأن الاستواء في القرآن فضلا عن اللغة قد جاء منسوبا إلى الله تعالى، كما في آيات الاستواء على العرش. وقد مضى بعضها كما جاء منسوبا إلى غيره سبحانه كما قال في سفينة نوح: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (١) وفي النبات: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ (٢)، فاستواء السفينة غير استواء النبات. وكذلك استواء الإنسان على ظهر الدابة، واستواء الطير على رأس الإنسان واستواؤه على السطح، فكل هذا استواء، ولكن استواء كل شيء بحسبه، تشترك في اللفظ، وتختلف في الحقيقة، فاستواء الله تعالى هو استواء واستعلاء يليق به تعالى ليس كمثله شيء.\nوأما الاستيلاء فلم يأت إطلاقه على الله تعالى مطلقا إلا على ألسنة المتكلمين، فتأمل ما صنع الكلام بأهله، لقد زين لهم أن يصفوا الله بشيء هو من طبيعة المخلوق واختصاصه، ولم يرضوا أن يصفوه بالاستعلاء الذي لا يماثله شيء وقد قال به السلف، فلا عجب بعد ذلك أن اجتمعوا على ذم الكلام وأهله. (٣)\n_________\n(١) هود الآية (٤٤).\n(٢) الفتح الآية (٢٩).\n(٣) مختصر العلو للعلي الغفار (٣٠ - ٣١).","vol":"10","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3492>موقفه من الخوارج:</span>\nقال ﵀ تعليقا على حديث أبي موسى الأشعري: «أبشروا وبشروا الناس، من قال لا إله إلا الله صادقا بها دخل الجنة» (١): هذا وقد اختلفوا في تأويل حديث الباب وما في معناه من تحريم النار على من قال لا إله إلا الله، على أقوال كثيرة، ذكر بعضها المنذري في الترغيب (٢/ ٢٣٨)، وترى سائرها في الفتح. والذي تطمئن إليه النفس وينشرح له الصدر، وبه تجتمع الأدلة، ولا تتعارض، أن تحمل على أحوال ثلاثة:\nالأولى: من قام بلوازم الشهادتين من التزام الفرائض والابتعاد عن الحرمات، فالحديث حينئذ على ظاهره، فهو يدخل الجنة وتحرم عليه النار مطلقا.\nالثانية: أن يموت عليها، وقد قام بالأركان الخمسة، ولكنه ربما تهاون ببعض الواجبات، وارتكب بعض المحرمات، فهذا ممن يدخل في مشيئة الله ويغفر له كما في الحديث الآتي بعد هذا وغيره من الأحاديث المكفرات المعروفة.\nالثالثة: كالذي قبله، ولكنه لم يقم بحقها، ولم تحجزه عن محارم الله كما في حديث أبي ذر المتفق عليه: «وإن زنى وإن سرق ...» (٢) الحديث، ثم\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٤٠٢) والطبراني في الكبير كما في المجمع (١/ ١٦). قال الهيثمي: \"رجاله ثقات\". وصححه الألباني على شرط مسلم (الصحيحة ٧١٢). وللحديث شواهد منها حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعا عند النسائي في الكبرى (٦/ ٢٧٣/١٠٩٤٩). قال الشيخ الألباني: \"وسنده حسن في الشواهد\". (انظر الصحيحة ٧١٢).\n(٢) أحمد (٥/ ١٦٦) والبخاري (١١/ ٣١٧ - ٣١٨/ ٦٤٤٤) ومسلم (١/ ٩٤/٩٤) والترمذي (٥/ ٢٧/٢٦٤٤) والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٧٥/١٠٩٥٨ - ١٠٩٦٢).","vol":"10","page":408},{"text":"هو إلى ذلك لم يعمل من الأعمال ما يستحق به مغفرة الله، فهذا إنما تحرم عليه النار التي وجبت على الكفار، فهو وإن دخلها فلا يخلد معهم فيها، بل يخرج منها بالشفاعة أو غيرها ثم يدخل الجنة ولابد، وهذا صريح في قوله - ﷺ -: «من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره، يصيبه قبل ذلك ما أصابه» (١). وهو حديث صحيح. (٢)\n- وقال ﵀: إذا علمت أن الآيات الثلاث: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (٣) نزلت في اليهود وقولهم في حكمه - ﷺ -: إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، وقد أشار القرآن إلى قولهم هذا قبل هذه الآيات فقال: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (٤)، إذا عرفت هذا، فلا يجوز حمل هذه الآيات على بعض الحكام المسلمين وقضاتهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من القوانين الأرضية، أقول: لا يجوز تكفيرهم بذلك، وإخراجهم من الملة، إذا كانوا مؤمنين بالله ورسوله، وإن كانوا مجرمين بحكمهم بغير ما أنزل\n_________\n(١) البزار (١/ ١٠/٣ الكشف) والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٨٧/٣٥١٠)، (٧/ ٢٠٤/٦٣٩٢) وفي الصغير (١/ ١٥٨/٣٨٥) من طرق عن أبي هريرة. قال الهيثمي (١/ ١٧): \"رجاله رجال الصحيح\"، وانظر تفصيل الكلام عليه في الصحيحة (١٩٣٢).\n(٢) الصحيحة (٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠/ ١٣١٤).\n(٣) المائدة الآيات (٤٤ - ٤٧).\n(٤) المائدة الآية (٤١).","vol":"10","page":409},{"text":"الله، لا يجوز ذلك، لأنهم وإن كانوا كاليهود من جهة حكمهم المذكور، فهم مخالفون لهم من جهة أخرى، ألا وهي إيمانهم وتصديقهم بما أنزل الله، بخلاف اليهود الكفار، فإنهم كانوا جاحدين له كما يدل عليه قولهم المتقدم: \" ... وإن لم يعطكم حذرتموه فلم تحكموه\"، بالإضافة إلى أنهم ليسوا مسلمين أصلا، وسر هذا أن الكفر قسمان: اعتقادي وعملي. فالاعتقادي مقره القلب. والعملي محله الجوارح. فمن كان عمله كفرا لمخالفته للشرع، وكان مطابقا لما وقر في قلبه من الكفر به، فهو الكفر الاعتقادي، وهو الكفر الذي لا يغفره الله، ويخلد صاحبه في النار أبدا. وأما إذا كان مخالفا لما وقر في قلبه، فهو مؤمن بحكم ربه، ولكنه يخالفه بعمله، فكفره كفر عملي فقط، وليس كفرا اعتقاديا، فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وعلى هذا النوع من الكفر تحمل الأحاديث التي فيها إطلاق الكفر على من فعل شيئا من المعاصي من المسلمين، ولا بأس من ذكر بعضها:\n١ - «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت» (١). رواه مسلم.\n٢ - «الجدال في القرآن كفر» (٢).\n٣ - «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٣). رواه مسلم.\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٤٩٦) ومسلم (١/ ٨٢/٦٧) عن أبي هريرة.\n(٢) أحمد (٢/ ٢٥٨) وأبو داود (٥/ ٩/٤٦٠٣) والحاكم (٢/ ٢٢٣) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وابن حبان (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥/ ١٤٦٤) من حديث أبي هريرة.\n(٣) أحمد (١/ ٣٨٥) والبخاري (١/ ١٤٧/٤٨) ومسلم (١/ ٨١/٦٤) والترمذي (٤/ ٣١١/١٩٨٣) والنسائي (٧/ ١٣٨/٤١٢١) وابن ماجه (١/ ٢٧/٦٩) عن ابن مسعود.","vol":"10","page":410},{"text":"٤ - «كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق» (١).\n٥ - «التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر» (٢).\n٦ - «لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣). متفق عليه.\nإلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي لا مجال الآن لاستقصائها. فمن قام من المسلمين بشيء من هذه المعاصي، فكفره كفر عملي، أي إنه يعمل عمل الكفار، إلا أن يستحلها، ولا يرى كونها معصية فهو حينئذ كافر حلال الدم، لأنه شارك الكفار في عقيدتهم أيضا. والحكم بغير ما أنزل الله يخرج عن هذه القاعدة أبدا، وقد جاء عن السلف ما يدعمها، وهو قولهم في تفسير الآية: \"كفر دون كفر\"، صح ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢١٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والحديث أخرجه بلفظ: «كفر بامرئ ادعاء نسب لا يعرفه، أو جحده وإن دق». وابن ماجه (٢/ ٢١٦/٢٧٤٤) والطبراني في الأوسط (٨/ ٤٤٦/٧٩١٥) وفي الصغير (٢/ ٣٧٧/١٠٤٥) قال البوصيري في الزوائد: \"هذا الحديث في بعض النسخ دون بعض\". ولم يذكره المزي في الأطراف. وإسناده صحيح. وأظنه من زيادات ابن القطان.\n(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٤/ ٢٧٨ و٣٧٥) والبزار: البحر الزخار (٨/ ٢٢٦/٣٢٨٢) والبيهقي في الشعب (٤/ ١٠٢/٤٤١٩) و(٦/ ٥١٦ - ٥١٧/ ٩١١٩) والخرائطي في فضيلة الشكر (ص.٧٠ - ٧١) والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٤٣ - ٤٤/ ١٥) و(١/ ٢٣٩/٣٧٧) وابن أبي الدنيا في الشكر (ص٢٥) من طرق عن النعمان بن بشير ﵄. وذكره الهيثمي في المجمع (٥/ ٢١٧ - ٢١٨) وقال: \"رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني ورجالهم ثقات\". وقال المنذري (صحيح الترغيب ٩٧٦): \"رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد لا بأس به\". وحسنه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (٦٦٧) وكذا في صحيح الترغيب.\n\nتنبيه: وقع هذا الحديث في المسند من رواية الإمام أحمد (٤/ ٢٧٨) في موضعين (٤/ ٣٧٥) في موضع واحد وهو خطأ، انظر أطراف المسند المعتلي (٥/ ٤١٣/٧٤٥٧) وإتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة (١٣/ ٥٢٦ - ٥٢٧/ ١٧٠٩٣).\n(٣) أحمد (١/ ٢٣٠) والبخاري (٨/ ١٣٣ - ١٣٤/ ٤٤٠٣) ومسلم (١/ ٨٢/٦٦) وأبو داود (٥/ ٦٣/٤٦٨٦) والنسائي (٧/ ١٤٣/٤١٣٦) وابن ماجه (٢/ ١٣٠٠/٣٩٤٣) عن ابن عمر ﵄.","vol":"10","page":411},{"text":"﵁، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم، ولا بد من ذكر ما تيسر لي عنهم لعل في ذلك إنارة للسبيل أمام من ضل اليوم في هذه المسألة الخطيرة، ونحا نحو الخوارج الذين يكفرون المسلمين بارتكابهم المعاصي، وإن كانوا يصلون ويصومون.\n١ - روى ابن جرير الطبري (١٠/ ٣٥٥/١٢٠٥٣) بإسناد صحيح عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١) قال: هي به كفر، وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله.\n٢ - وفي رواية عنه في هذه الآية: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، كفر دون كفر.\nأخرجه الحاكم (٢/ ٣١٣)، وقال: \"صحيح الإسناد\". ووافقه الذهبي، وحقهما أن يقولا: على شرط الشيخين. فإن إسناده كذلك.\nثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في 'تفسيره (٦/ ١٦٣) ' عن الحاكم أنه قال: \"صحيح على شرط الشيخين\"، فالظاهر أن في نسخة 'المستدرك' المطبوعة سقطا، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم أيضا ببعض اختصار.\n٣ - وفي أخرى عنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. أخرجه ابن جرير (١٢٠٦٣).\nقلت: وابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكنه جيد في الشواهد.\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٤).","vol":"10","page":412},{"text":"٤ - ثم روى (١٢٠٤٧ - ١٢٠٥١) عن عطاء بن أبي رباح قوله: (وذكر الآيات الثلاث): كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. وإسناده صحيح.\n٥ - ثم روى (١٢٠٥٢) عن سعيد المكي عن طاووس (وذكر الآية)، قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. وإسناده صحيح، وسعيد هذا هو ابن زياد الشيباني المكي، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم، وروى عنه جمع.\n٦ - وروى (١٢٠٢٥و١٢٠٢٦) من طريقين عن عمران بن حدير قال: أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس (وفي الطريق الأخرى: نفر من الإباضية) فقالوا: أرأيت قول الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١) أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (٢) أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ (٣) أحق هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون وإليه يدعون -[يعني الأمراء]- فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم أصابوا ذنبا. فقالوا: لا والله، ولكنك تفرق. قال: أنتم\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٤).\n(٢) المائدة الآية (٤٥).\n(٣) المائدة الآية (٤٧).","vol":"10","page":413},{"text":"أولى بهذا مني، لا أرى، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تحرجون، ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك. أو نحوا من هذا، وإسناده صحيح.\nوقد اختلف العلماء في تفسير الكفر في الآية الأولى على خمسة أقوال ساقها ابن جرير (١٠/ ٣٤٦ - ٣٥٧) بأسانيده إلى قائليها، ثم ختم ذلك بقوله (١٠/ ٣٥٨): \"وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرا عنهم أولى.\nفإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصا؟\nقيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم -على سبيل ما تركوه- كافرون. وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي\".\nوجملة القول، أن الآية نزلت في اليهود الجاحدين لما أنزل الله، فمن شاركهم في الجحد، فهو كافر كفرا اعتقاديا، ومن لم يشاركهم في الجحد فكفره عملي لأنه عمل عملهم، فهو بذلك مجرم آثم، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة كما تقدم عن ابن عباس ﵁. وقد شرح هذا وزاده بيانا الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام في 'كتاب الإيمان' (باب الخروج","vol":"10","page":414},{"text":"من الإيمان بالمعاصي) (ص.٨٤ - ٩٧ بتحقيقي)، فليراجعه من شاء المزيد من التحقيق.\nوبعد كتابة ما سبق، رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول في تفسير آية الحكم المتقدمة في 'مجموع الفتاوى (٣/ ٢٦٨) ': \"أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله\".\nثم ذكر (٧/ ٢٥٤) أن الإمام أحمد سئل عن الكفر المذكور فيها؟ فقال: \"كفر لا ينقل عن الإيمان، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه\".\nوقال (٧/ ٣١٢): \"وإذا كان من قول السلف أن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم أنه يكون فيه إيمان وكفر، ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١)، قالوا: كفرا لا ينقل عن الملة. وقد اتبعهم على ذلك أحمد وغيره من أئمة السنة. (٢)\n- وقال تعليقا على قول أبي جعفر الطحاوي: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله): قلت: يعني استحلالا قلبيا اعتقاديا، وإلا فكل مذنب مستحل لذنبه عمليا أي مرتكب له، ولذلك فلا بد من التفريق بين المستحل اعتقادا، فهو كافر إجماعا، وبين المستحل عملا لا اعتقادا، فهو\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٤).\n(٢) الصحيحة (٦/ ١١١ - ١١٦/ ٢٥٥٢).","vol":"10","page":415},{"text":"مذنب يستحق العذاب اللائق به إلا أن يغفر الله له، ثم ينجيه إيمانه خلافا للخوارج والمعتزلة الذين يحكمون عليه بالخلود في النار، وإن اختلفوا في تسميته كافرا أو منافقا، وقد نبتت نابتة جديدة اتبعوا هؤلاء في تكفيرهم جماهير المسلمين رؤوسا ومرؤوسين، اجتمعت بطوائف منهم في سوريا ومكة وغيرها، ولهم شبهات كشبهات الخوارج مثل النصوص التي فيها من فعل كذا فقد كفر، وقد ساق الشارح رحمه الله تعالى طائفة منها هنا، ونقل عن أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص -أن الذنب أي ذنب كان- هو كفر عملي لا اعتقادي، وأن الكفر عندهم على مراتب: كفر دون كفر، كالإيمان عندهم، ثم ضرب على ذلك مثالا هاما طالما غفلت عن فهمه النابتة المشار إليها، فقال رحمه الله تعالى (ص.٣٦٣): \"وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية: كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرا: إما مجازيا وإما كفرا أصغر، على القولين المذكورين. وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله-: فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص ويسمى كافرا كفرا مجازيا، أو كفرا أصغر. وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطيء له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور. (١)\n_________\n(١) العقيدة الطحاوية شرح وتعليق (٤٠ - ٤١).","vol":"10","page":416},{"text":"- وقال ﵀: فإن مسألة التكفير عموما -لا للحكام فقط، بل وللمحكومين أيضا- فتنة عظيمة قديمة، تبنتها فرقة من الفرق الإسلامية القديمة، وهي المعروفة بـ \"الخوارج\".\nومع الأسف الشديد فإن (البعض) -من الدعاة أو المتحمسين- قد يقع في الخروج عن الكتاب والسنة ولكن: باسم الكتاب والسنة، والسبب في هذا يعود إلى أمرين اثنين:\nأحدهما: هو ضحالة العلم.\nوالأمر الآخر: -وهو مهم جدا- أنهم لم يتفقهوا بالقواعد الشرعية، والتي هي أساس الدعوة الإسلامية الصحيحة التي تعد كل من خرج عنها داخلا في تلك الفرق المنحرفة عن الجماعة؛ التي أثنى عليها رسول الله - ﷺ - في غير ما حديث، بل والتي ذكرها ربنا ﷿، وبين أن من خرج عنها يكون قد شاق الله ورسوله، وذلك في قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾. (١)\n- وقال: ومن هؤلاء المنحرفين: الخوارج؛ قدماء ومحدثين؛ فإن أصل فتنة التكفير في هذا الزمان -بل منذ أزمان- هو آية يدندنون دائما حولها؛ ألا وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ\n_________\n(١) التحذير من فتنة التكفير (٥١ - ٥٣).","vol":"10","page":417},{"text":"الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١)؛ فيأخذونها من غير فهوم عميقة، ويوردونها بلا معرفة دقيقة.\nونحن نعلم أن هذه الآية الكريمة قد تكررت، وجاءت خاتمتها بألفاظ ثلاثة، هي: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾؛ فمن تمام جهل الذين يحتجون من هذه الآية باللفظ الأول منها فقط - ﴿فأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ - أنهم لم يلموا على الأقل ببعض النصوص الشرعية -قرآنا أم سنة- التي جاء فيها ذكر لفظة (الكفر)؛ فأخذوها -بغير نظر- على أنها تعني الخروج من الدين وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع في الكفر وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام.\nبينما لفظة (الكفر) في لغة الكتاب والسنة لا تعني -دائما- هذا الذي يدندنون حوله، ويسلطون هذا الفهم الخاطئ المغلوط عليه.\nفشأن لفظة: ﴿الكافرون﴾ -من حيث إنها لا تدل على معنى واحد- هو ذاته شأن اللفظين الآخرين: ﴿الظالمون﴾ و﴿الفاسقون﴾؛ فكما أن من وصف بأنه ظالم أو فاسق لا يلزم بالضرورة ارتداده عن دينه، فكذلك من وصف بأنه كافر، سواء بسواء.\nوهذا التنوع في معنى اللفظ الواحد هو الذي تدل عليه اللغة، ثم الشرع\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٤).","vol":"10","page":418},{"text":"الذي جاء بلغة العرب -لغة القرآن الكريم-.\nفمن أجل ذلك كان الواجب على كل من يتصدى لإصدار الأحكام على المسلمين -سواء أكانوا حكاما أم محكومين- أن يكون على علم واسع بالكتاب والسنة، وعلى ضوء منهج السلف الصالح.\nوالكتاب والسنة لا يمكن فهمهما -وكذلك ما تفرق عنهما- إلا بطريق معرفة اللغة العربية وآدابها معرفة خاصة دقيقة.\nفإن كان لدى طالب العلم نقص في معرفة اللغة العربية: فإن مما يساعده في استدراك ذلك النقص الرجوع إلى فهم من قبله من الأئمة والعلماء، وبخاصة أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية.\n[كفر دون كفر:]\nولنرجع إلى آية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾؛ فما المراد بالكفر فيها؟ هل هو الخروج عن الملة؟ أو أنه غير ذلك؟\nفأقول: لابد من الدقة في فهم هذه الآية؛ فإنها قد تعني الكفر العملي؛ وهو الخروج بالأعمال عن بعض أحكام الإسلام. ويساعدنا في هذا الفهم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، الذي أجمع المسلمون جميعا -إلا من كان من الفرق الضالة- على أنه إمام فريد في التفسير.\nفكأنه طرق سمعه يومئذ ما نسمعه اليوم تماما من أن هناك أناسا","vol":"10","page":419},{"text":"يفهمون هذه الآية فهما سطحيا، من غير تفصيل، فقال ﵁: \"ليس الكفر الذي تذهبون إليه\"، و\"إنه ليس كفرا ينقل عن الملة\"، و\"هو كفر دون كفر\" (١)، ولعله يعني بذلك الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي ﵁، ثم كان من عواقب ذلك أنهم سفكوا دماء المؤمنين، وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين، فقال: ليس الأمر كما قالوا، أو كما طنوا، إنما هو كفر دون كفر.\nفهذا الجواب المختصر الواضح من ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية هو الحكم الذي لا يمكن أن يفهم سواه من النصوص التي أشرت إليها قبل.\nثم إن كلمة الكفر ذكرت في كثير من النصوص القرآنية والحديثية، ولا يمكن أن تحمل -فيها جميعا- على أنها تساوي الخروج من الملة، من ذلك -مثلا- الحديث المعروف في 'الصحيحين' (٢) عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»؛ فالكفر هنا هو المعصية، التي هي الخروج عن الطاعة، ولكن الرسول عليه الصلاة والصلاة -وهو أفصح الناس بيانا- بالغ في الزجر قائلا: «... وقتاله كفر».\nومن ناحية أخرى؛ هل يمكن لنا أن نحمل الفقرة الأولى من هذا الحديث - «سباب المسلم فسوق» - على معنى الفسق المذكور في اللفظ\n_________\n(١) وهي مخرجة جميعا في السلسلة الصحيحة تحت حديث (٢٥٥٢).\n(٢) أحمد (١/ ٤٣٩) والبخاري (١/ ١٤٧/٤٨) ومسلم (١/ ٨١/١١٦ - ١١٧) والترمذي (٤/ ٣١١/١٩٨٣) والنسائي (٧/ ١٣٧ - ١٣٨/ ٤١١٦ - ٤١٢٤) وابن ماجه (١/ ٢٧/٦٩) عن ابن مسعود ﵁.","vol":"10","page":420},{"text":"الثالث ضمن الآية السابقة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؟.\nوالجواب: أن هذا قد يكون فسقا مرادفا للكفر الذي هو بمعنى الخروج عن الملة، وقد يكون الفسق مرادفا للكفر الذي لا يعني الخروج عن الملة، وإنما يعني ما قاله ترجمان القرآن: إنه كفر دون كفر.\nوهذا الحديث يؤكد أن الكفر قد يكون بهذا المعنى؛ وذلك لأن الله ﷿ قال: ﴿وَإِنْ طائفتان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) إذ قد ذكر ربنا ﷿ هنا الفرقة الباغية التي تقاتل الفرقة المحقة المؤمنة، ومع ذلك فلم يحكم على الباغية بالكفر، مع أن الحديث يقول: «... وقتاله كفر» (٢).\nإذا؛ فقتاله كفر دون كفر؛ كما قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة تماما.\nفقتال المسلم للمسلم بغي واعتداء، وفسق وكفر، ولكن هذا يعني أن الكفر قد يكون كفرا عمليا، وقد يكون كفرا اعتقاديا.\nومن هنا جاء هذا التفصيل الدقيق الذي تولى بيانه وشرحه الإمام -بحق- شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، وتولى ذلك من بعده تلميذه البار ابن قيم الجوزية، إذ لهما الفضل في التنبيه والدندنة على تقسيم الكفر إلى ذلك التقسيم\n_________\n(١) الحجرات الآية (٩).\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"10","page":421},{"text":"الذي رفع رايته ترجمان القرآن بتلك الكلمة الجامعة الموجزة؛ فابن تيمية -يرحمه الله- وتلميذه وصاحبه ابن قيم الجوزية: يدندنان دائما حول ضرورة التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، وإلا وقع المسلم من حيث لا يدري في فتنة الخروج على جماعة المسلمين التي وقع فيها الخوارج قديما، وبعض أذنابهم حديثا.\nوخلاصة القول: إن قوله - ﷺ -: «... وقتاله كفر» لا يعني -مطلقا- الخروج عن الملة، والأحاديث في هذا كثيرة جدا؛ فهي -جميعا- حجة دامغة على أولئك الذي يقفون عند فهمهم القاصر للآية السابقة، ويلتزمون تفسيرها بالكفر الاعتقادي.\nفحسبنا الآن هذا الحديث؛ لأنه دليل قاطع على أن قتال المسلم لأخيه المسلم هو كفر بمعنى الكفر العملي، وليس هو الكفر الاعتقادي.\nفإذا عدنا إلى (جماعة التكفير) -أو من تفرع عنهم- وإطلاقهم على الحكام -وعلى من يعيشون تحت رايتهم، وينتظمون تحت إمرتهم وتوظيفهم- الكفر والردة، فإن ذلك منهم مبني على وجهة نظرهم الفاسدة؛ القائمة على أن هؤلاء ارتكبوا المعاصي فكفروا بذلك. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3493>موقفه من المرجئة:</span>\n- قال ﵀ تعقيبا على حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ...» (٢): والحقيقة أن الحديث وإن كان مؤولا، فهو حجة على الحنفية\n_________\n(١) التحذير من فتنة التكفير (ص٥٨ - ٦٧).\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).","vol":"10","page":422},{"text":"الذين لا يزالون مصرين على مخالفة السلف في قولهم بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. فالإيمان عندهم مرتبة واحدة، فهم لا يتصورون إيمانا ناقصا، ولذلك يحاول الكوثري رد هذا الحديث، لأنه بعد تأويله على الوجه الصحيح يصير حجة عليهم، فإن معناه: \"وهو مؤمن إيمانا كاملا\". قال ابن بطال: \"وحمل أهل السنة الإيمان هنا على الكامل، لأن العاصي يصير أنقص حالا في الإيمان ممن لا يعصي\".\nذكره الحافظ (١). ومثله ما نقله (٢) عن الإمام النووي قال: \"والصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، هذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، والمراد نفي كماله، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما نيل، ولا عيش إلا عيش الآخرة\".\nثم أيده الحافظ في بحث طويل ممتع، فراجعه.\nومن الغرائب أن الشيخ القارئ -مع كونه حنفيا متعصبا- فسر الحديث بمثل ما تقدم عن ابن بطال والنووي، فقال في 'المرقاة' (١/ ١٠٥): \"وأصحابنا تأولوه بأن المراد المؤمن الكامل ... \"، ثم قال: \"على أن الإيمان هو التصديق، والأعمال خارجة عنه\"!.\nفهذا يناقض ذاك التأويل. فتأمل. (٣)\n- وقال ﵀ تعقيبا على الحديث الموضوع: «إنما حر جهنم على\n_________\n(١) (١٠/ ٢٨).\n(٢) (١٢/ ٤٩).\n(٣) الصحيحة (٦/ ١٢٧٦ - ١٢٧٧).","vol":"10","page":423},{"text":"أمتي كحر الحمام» (١): وحري بمثل هذا الحديث الباطل أن لا يرويه إلا مثل هذين الكذابين، فإنه حديث خطير يقضي على باب كبير من أبواب التربية والإصلاح في الشرع، ألا وهو باب الوعيد وما فيه من الآيات والأحاديث في إيعاد العصاة من هذه الأمة بالنار الموقدة ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾، والأحاديث الصحيحة في بيان هذا كثيرة جدا، أذكر بعض ما يحضرني الآن منها على سبيل المثال:\n١ - «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره والمنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». رواه مسلم عن أبي ذر، وهو مخرج في 'إرواء الغليل' (٨٩٢) و'تخريج الحلال' (١٧٠). (٢)\n٢ - «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر». رواه مسلم عن أبي هريرة (٣).\n٣ - قوله - ﷺ - في حديث الشفاعة: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا\n_________\n(١) موضوع، رواه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣١٤ - ٣١٥/ ٦٥٩٩) وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٦٠) وقال: \"فيه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف جدا\"، بل رماه غير واحد بالوضع. قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الضعيفة (٢/ ١٤٥): \"سند هالك وفيه آفات وعلل .. \".\n(٢) أحمد (٤/ ١٤٨) ومسلم (١/ ١٠٢/١٠٦) وأبو داود (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧/ ٤٠٨٧) والترمذي (٣/ ٥١٦/١٢١١) وقال: \"حسن صحيح\". والنسائي (٨/ ٢٠٨/٥٣٤٨) وابن ماجه (٢/ ٧٤٤ - ٧٤٥/ ٢٢٠٨) بنحوه.\n(٣) مسلم (١/ ١٠٢ - ١٠٣/ ١٠٧) وأحمد (٢/ ٤٣٣) والنسائي (٥/ ٨٦/٢٥٧٤) بلفظ: «والعامل المزهو».","vol":"10","page":424},{"text":"الله، أمر الله الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود. وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا». رواه الشيخان عن أبي هريرة (١).\nوفي حديث أبي سعيد: «فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه و...» رواه مسلم (٢).\nفهذه الأحاديث وغيرها صريحة في بطلان هذا الحديث، إذ كيف يكون العذاب أليما وهو كحر الحمام؟ بل كيف يكون كذلك وقد أحرقتهم النار، وأكلت لحمهم، حتى ظهر عظمهم؟ وبالجملة فأثر هذا الحديث سيء جدا لا يخفى على المتأمل، فإنه يشجع الناس على استباحة المحرمات، بعلة أن ليس هناك عقاب إلا كحر الحمام. (٣)\n- وقال رحمه الله تعالى ردا على أبي غدة: المسألة الخامسة: يقول الإمام -يعني ابن أبي العز- تبعا للأئمة مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة: \"إن الإيمان هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. وقالوا: يزيد وينقص\".\nوشيخك تعصبا لأبي حنيفة يخالفهم مع صراحة الأدلة التي تؤيدهم من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح ﵃، بل ويغمز منهم جميعا مشيرا إليهم بقوله في 'التأنيب' (ص.٤٤ - ٤٥) إلى \"أناس صالحون\" يشير أنهم\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤) والبخاري (١٣/ ٥١٦ - ٥١٧/ ٧٤٣٧) ومسلم (١/ ١٦٣ - ١٦٧/ ١٨٢).\n(٢) أحمد (٣/ ٩٤) ومسلم (١/ ١٦٧ - ١٧١/ ١٨٣) والنسائي (٨/ ٤٨٦ - ٤٨٧/ ٥٠٢٥) وابن ماجه (١/ ٢٣/٦٠).\n(٣) الضعيفة (٢/ ١٤٧ - ١٤٨/ ٧٠٩).","vol":"10","page":425},{"text":"لا علم عندهم فيما ذهبوا إليه ولا فقه، وإنما الفقه عند أبي حنيفة دونهم، ثم يقول: إنه الإيمان والكلمة، وإنه الحق الصراح. وعليه فالسلف وأولئك الأئمة الصالحون هم عنده على الباطل في قولهم: بأن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد وينقص.؟ وقد نقل أبو غدة كلام شيخه الذي نقلنا موضوع الشاهد منه، نقله بحرفه، في التعليق على 'الرفع والتكميل' (ص.٦٧ - ٦٩)، ثم أشار إليه في مكان آخر منه ممجدا به ومكبرا له بقوله (ص.٢١٨): \"وانظر لزاما ما سبق نقله تعليقا، فإنك لا تظفر بمثله في كتاب \"ثم أعاد الإشارة إليه (ص.٢٢٣) مع بالغ إعجابه به. وظني به أنه يجهل -أن هذا التعريف للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح- مع ما فيه من المخالفة لما عليه السلف كما عرفت، مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم الذين ذهبوا إلى: إن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار، كما في 'البحر الرائق' لابن نجيم الحنفي (٥/ ١٢٩)، والكوثري في كلمته المشار إليها يحاول فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان لفظي، يشير بذلك إلى أن الأعمال ليست ركنا أصليا، ثم يتناسى أنهم يقولون: بأنه يزيد وينقص، وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقا، بل إنهم قالوا في صدد بيان الألفاظ المكفرة عندهم: \"وبقوله: الإيمان يزيد وينقص\" كما في 'البحر الرائق' (باب أحكام المرتدين) فالسلف على هذا كفار عندهم مرتدون. راجع شرح الطحاوية (ص.٣٣٨ - ٣٦٠)، و'التنكيل' (٢/ ٣٦٢ - ٣٧٣) الذي كشف عن مراوغة الكوثري في هذه المسألة.\nوليعلم القارئ الكريم أن أقل ما يقال في الخلاف المذكور في المسألة: أن الحنفية يتجاهلون أن قول أحدهم -ولو كان فاسقا فاجرا-: أنا مؤمن","vol":"10","page":426},{"text":"حقا، ينافي مهما تكلفوا في التأويل - التأدب مع القرآن ولو من الناحية اللفظية على الأقل، الذي يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (١).\nفليتأمل المؤمن الذي عافاه الله تعالى مما ابتلى به هؤلاء المتعصبة، من هو المؤمن حقا عند الله تعالى، ومن هو المؤمن حقا عند هؤلاء؟. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3494>موقفه من القدرية:</span>\n- قال ﵀ في معرض كلامه على أحاديث القبضتين: إن كثيرا من الناس يتوهمون أن هذه الأحاديث -ونحوها أحاديث كثيرة- تفيد أن الإنسان مجبور على أعماله الاختيارية، ما دام أنه حكم عليه منذ القديم وقبل أن يخلق: بالجنة والنار.\nوقد يتوهم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ، فمن وقع في القبضة اليمنى، كان من أهل السعادة، ومن كان من القبضة الأخرى، كان من أهل الشقاوة.\nفيجب أن يعلم هؤلاء جميعا أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣)، لا في\n_________\n(١) الأنفال الآيات (٢ - ٤).\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية (٥٧ - ٥٨).\n(٣) الشورى الآية (١١).","vol":"10","page":427},{"text":"ذاته، ولا في صفاته، فإذا قبض قبضة، فهي بعلمه وعدله وحكمته، فهو تعالى قبض باليمنى على من علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته، وقبض بالأخرى على من سبق في علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعته، ويستحيل على عدل الله تعالى أن يقبض باليمنى على من هو مستحق أن يكون من أهل القبضة الأخرى، والعكس بالعكس، كيف والله ﷿ يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (١)؟!\nثم إن كلا من القبضتين ليس فيها إجبار لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار، بل هو حكم من الله ﵎ عليهم بما سيصدر منهم، من إيمان يستلزم الجنة، أو كفر يقتضي النار والعياذ بالله تعالى منها، وكل من الإيمان أو الكفر أمران اختياريان، لا يكره الله ﵎ أحدا من خلقه على واحد منهما، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢)، وهذا مشاهد معلوم بالضرورة، ولولا ذلك، لكان الثواب والعقاب عبثا، والله منزه عن ذلك.\nومن المؤسف حقا أن نسمع من كثير من الناس -حتى من بعض المشايخ- التصريح بأن الإنسان مجبور لا إرادة له! وبذلك يلزمون أنفسهم القول بأن الله يجوز له أن يظلم الناس! مع تصريحه تعالى بأنه لا يظلمهم مثقال ذرة، وإعلانه بأنه قادر على الظلم، ولكنه نزه نفسه عنه، كما في\n_________\n(١) القلم الآيتان (٣٥و٣٦).\n(٢) الكهف الآية (٢٩).","vol":"10","page":428},{"text":"الحديث القدسي المشهور: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي ...» (١).\nوإذا جوبهوا بهذه الحقيقة، بادروا إلى الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ (٢)، مصرين بذلك على أن الله تعالى قد يظلم، ولكنه لا يسأل عن ذلك! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا!\nوفاتهم أن الآية حجة عليهم، لأن المراد بها -كما حققه العلامة ابن القيم في 'شفاء العليل' وغيره- أن الله تعالى لحكمته وعدله في حكمه ليس لأحد أن يسأله عما يفعل، لأن كل أحكامه تعالى عدل واضح، فلا داعي للسؤال.\nوللشيخ يوسف الدجوي رسالة مفيدة في تفسير هذه الآية، لعله أخذ مادتها من كتاب ابن القيم المشار إليه آنفا، فليراجع.\nهذه كلمة سريعة حول الأحاديث المتقدمة، حاولنا فيها إزالة شبهة بعض الناس حولها، فإن وفقت لذلك، فبها ونعمت، وإلا فإني أحيل القارئ إلى المطولات في هذا البحث الخطير، مثل كتاب ابن القيم السابق، وكتب شيخه ابن تيمية الشاملة لمواضيع هامة هذا أحدها. (٣)\n- وقال رحمه الله تعالى تعقيبا على حديث: «لن يدخل أحدا منكم\n_________\n(١) أحمد (٥/ ١٦٠) ومسلم (٤/ ١٩٩٤ - ١٩٩٥/ ٢٥٧٧) والترمذي (٤/ ٥٦٦ - ٥٦٧/ ٢٤٩٥) وقال: \"حديث حسن\". وابن ماجه (٢/ ١٤٢٢/٤٢٥٧) عن أبي ذر.\n(٢) الأنبياء الآية (٢٣).\n(٣) الصحيحة (١/ ١١٥ - ١١٧/ ٤٦ - ٥٠).","vol":"10","page":429},{"text":"عمله الجنة» (١): واعلم أن هذا الحديث قد يشكل على بعض الناس، ويتوهم أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (٢) ونحوها من الآيات والأحاديث الدالة على أن دخول الجنة بالعمل، وقد أجيب بأجوبة، أقربها إلى الصواب: أن الباء في قوله في الحديث: \"بعمله\" هي باء الثمنية، والباء في الآية باء السببية، أي أن العمل الصالح سبب لا بد منه لدخول الجنة، ولكنه ليس ثمنا لدخول الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والدرجات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض فتاويه: \"ولهذا قال بعضهم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون سببا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيا في حصول النبات، بل لا بد من ريح مربية بإذن الله، ولا بد من صرف الانتفاء عنه، فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع، وكل ذلك بقضاء الله وقدره. وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج، بل كم ممن أنزل ولم يولد له، بل لا بد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع.\nوكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هي\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٢٦٤) والبخاري (١١/ ٣٥٥/٦٤٦٣) ومسلم (٤/ ٢١٧٠/٢٨١٦ (٧٥» وابن ماجه (٢/ ١٤٠٥/٤٢٠١) عن أبي هريرة. وفي الباب عن عائشة وجابر وأبي سعيد وغيرهم.\n(٢) الزخرف الآية (٧٢).","vol":"10","page":430},{"text":"سبب، ولهذا قال النبي - ﷺ -: (فذكر الحديث)، وقد قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ (١). فهذه باء السبب، أي بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبي - ﷺ - باء المقابلة، كما يقال: اشتريت هذا بهذا. أي ليس العمل عوضا وثمنا كافيا في دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته، فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف الدرجات.\nوفي هذا الموضع ضل طائفتان من الناس:\nفريق آمنوا بالقدر وظنوا أن ذلك كاف في حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة. وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه.\nوفريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر، متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وكما يطلبه المماليك، وهؤلاء جهال ضلال: فإن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجة إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم. وهو سبحانه كما قال: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» (٢). فالملك إذا أمر مملوكيه بأمر أمرهم لحاجته إليهم، وهم فعلوه بقوتهم التي لم يخلقها لهم فيطالبون بجزاء ذلك، والله تعالى غني عن\n_________\n(١) النحل الآية (٣٢).\n(٢) هذا جزء من حديث أبي ذر، وقد تقدم قريبا.","vol":"10","page":431},{"text":"العالمين، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساؤا فلها. لهم ما كسبوا، وعليهم ما اكتسبوا، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ (١).\nانتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ منقولا من 'مجموعة الفتاوى' (٢)، ومثله في 'مفتاح دار السعادة' (٣) لتلميذه المحقق العلامة ابن قيم الجوزية، و'تجريد التوحيد المفيد' (٤) للمقريزي. (٥)\n- وقال رحمه الله تعالى تعقيبا على الحديث القدسي: «قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم ...» الحديث (٦): قوله: (قد أردت منك) أي: أحببت منك.\nوالإرادة في الشرع تطلق ويراد بها ما يعم الخير والشر والهدى والضلال، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٧)، وهذه الإرادة لا تتخلف.\n_________\n(١) فصلت الآية (٤٦).\n(٢) (٨/ ٧٠ - ٧١).\n(٣) (ص.٩ - ١٠).\n(٤) (ص.٣٦ - ٤٣)\n(٥) الصحيحة (٦/ ١٩٨ - ٢٠٠/ ٢٦٠٢).\n(٦) أحمد (٣/ ١٢٧) والبخاري (١١/ ٥٠٧ - ٥٠٨/ ٦٥٥٧) ومسلم (٤/ ٢١٦٠ - ٢١٦١/ ٢٨٠٥) عن أنس.\n(٧) الأنعام الآية (١٢٥).","vol":"10","page":432},{"text":"وتطلق أحيانا ويراد بها ما يرادف الحب والرضى، كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وهذا المعنى هو المراد من قوله تعالى في هذا الحديث: \"أردت منك\"، أي: أحببت. والإرادة بهذا المعنى قد تتخلف، لأن الله ﵎ لا يجبر أحدا على طاعته، وإن كان خلقهم من أجلها، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢)، وعليه، فقد يريد الله ﵎ من عبده ما لا يحبه منه، ويحب منه ما لا يريده. وهذه الإرادة يسميها ابن القيم رحمه الله تعالى بالإرادة الكونية، أخذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (٣)، ويسمي الإرادة الأخرى المرادفة للرضى بالإرادة الشرعية.\nوهذا التقسيم، مَن فَهمه، انحلت له كثير من مشكلات مسألة القضاء والقدر، ونجا من فتنة القول بالجبر أو الاعتزال، وتفصيل ذلك في الكتاب الجليل 'شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل' لابن القيم رحمه الله تعالى.\nقوله: «وأنت في صلب آدم»، قال القاضي عياض: \"يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٤)، فهذا\n_________\n(١) البقرة الآية (١٨٥).\n(٢) الكهف الآية (٢٩).\n(٣) يس الآية (٨٢).\n(٤) الأعراف الآية (١٧٢).","vol":"10","page":433},{"text":"الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفى به بعد وجوده في الدنيا، فهو مؤمن، ومن لم يوف به، فهو كافر، فمراد الحديث: أردت منك حين أخذت الميثاق، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك. ذكره في 'الفتح'. (١)\n\nابن عثيمين (٢) (١٤٢١ هـ)\nالشيخ الفاضل، الإمام الفقيه أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين المقبل الوهيبي التميمي. ولد الشيخ في مدينة عنيزة سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وألف في أسرة يعرف عنها الدين والاستقامة.\nواستفاد في طلبه للعلم من عدة مشايخ بعضهم في عنيزة وبعضهم في الرياض منهم: الشيخ عبد الرحمن السعدي، أخذ عنه ولازمه قرابة إحدى عشرة سنة، ويعتبر الشيخ من أبرز طلابه، والشيخ عبد العزيز بن باز، قرأ عليه من صحيح البخاري وبعض كتب الفقه، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب التفسير المشهور، درس عليه الشيخ في المعهد العلمي في الرياض، والشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، قرأ عليه مختصر العقيدة الواسطية ومنهاج السالكين كلاهما للشيخ عبد الرحمن السعدي والآجرومية والألفية في النحو والصرف، والشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان، قرأ عليه بعض كتب الفقه ودرس عليه الفرائض. لم يرحل الشيخ لطلب العلم إلا إلى الرياض، حيث فتحت المعاهد العلمية فالتحق بها، وبعد وفاة شيخه عبد الرحمن السعدي\n_________\n(١) الصحيحة (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤/ ١٧٢).\n(٢) 'ابن عثيمين الإمام الزاهد' للدكتور ناصر الزهراني.","vol":"10","page":434},{"text":"رشح لإمامة الجامع الكبير والتدريس فيه والإفتاء، وقد عرض عليه تولي القضاء بالمحكمة الشرعية بالأحساء، لكن طلب الإعفاء منه. أما مؤلفاته فكثيرة جدا منها فتح رب البرية بتلخيص الحموية، وشرح الواسطية لابن تيمية، والشرح الممتع على زاد المستقنع، ولمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، والقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى والقول المفيد شرح كتاب التوحيد وغيرها. للشيخ من الأولاد الذكور: عبد الله وعبد الرحمن وإبراهيم وعبد العزيز وعبد الرحيم وله من الإخوة: الدكتور عبد الله رئيس قسم التاريخ في جامعة الملك سعود وعبد الرحمن.\nكان ﵀ زاهدا ورعا متواضعا، مشهودا له بمواقف الخير والجهاد في سبيل الله والدعوة إليه.\nقال عنه سماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ: والشيخ محمد لا تخفى على الجميع مكانته وآثاره العلمية من خلال التأليف والفتاوى والمحاضرات والدروس والمقالات ومن خلال الأشرطة التي تحمل في طياتها كل خير، ومن حيث اعتداله وبعده عن الإفراط والتفريط وكونه في أموره على طريق مستقيم، ولكم ربى من طلاب وكم شرح من كتاب واستفاد منه المستفيدون، فنسأل الله أن يجازيه عنا وعن الإسلام خير الجزاء.\nوقال عنه الشيخ صالح بن حميد: لقد كان ﵀ لسان صدق صادعا بالحق ملتزما به، مقيما عليه، مع رعاية الحكمة، في حديثه ألفة، وفي ابتسامته مودة وفي كلامه بيان.\nتوفي ﵀ بجدة يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال سنة","vol":"10","page":435},{"text":"إحدى وعشرين وأربعمائة وألف، وصلي عليه في الحرم المكي بعد صلاة العصر من يوم الخميس، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة وأجزل مثوبته ورفع في العليين درجته وعوض المسلمين عنه خيرا.\nقلت: لقد كان لي لقاءات متعددة بالشيخ ﵀، وآخر لقاء كان بيني وبينه في بيت الشيخ سليمان الراجحي مع زمرة من العلماء والمشايخ، وفي هذه الأثناء كان مريضا ورغم مرضه فقد ألقى كلمة فسر فيها آية من القرآن، وأبدى فيها من الاستنباط والخير ما جعل الحاضرين يدعون له. وكان الشيخ ﵀ يمتاز بخفة الروح وحب الخير لعموم المسلمين، أما حرصه على العلم والطلبة فأمر ظاهر، وكانت مجالسه ﵀ لا تخلو من فوائد ومناقشات، فرحمة الله عليه رحمة واسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3496>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀ في رسالته 'الابداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع': المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقا للشريعة في أمور ستة:\nالأول: السبب، فإذا تعبد الإنسان لله عبادة مقرونة بسبب ليس شرعيا فهي بدعة مردودة على صاحبها. مثال ذلك: أن بعض الناس يحيي ليلة السابع والعشرين من رجب بحجة أنها الليلة التي عرج فيها برسول الله - ﷺ -، فالتهجد عبادة، ولكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لأنه بنى هذه العبادة على سبب لم يثبت شرعا. وهذا الوصف -موافقة العبادة للشريعة في السبب- أمر مهم يتبين به ابتداع كثير مما يظن أنه من السنة وليس من السنة.","vol":"10","page":436},{"text":"الثاني: الجنس، فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة. مثال ذلك: أن يضحي رجل بفرس، فلا يصح أضحية لأنه خالف الشريعة في الجنس، فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، الإبل، البقر، الغنم.\nالثالث: القدر، فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة فنقول: هذه بدعة غير مقبولة لأنها مخالفة للشرع في القدر ومن باب أولى لو أن الإنسان صلى الظهر مثلا خمسا فإن صلاته لا تصح بالاتفاق.\nالرابع: الكيفية فلو أن رجلا توضأ فبدأ بغسل رجليه، ثم مسح رأسه ثم غسل يديه، ثم وجهه فنقول: وضوؤه باطل لأنه مخالف للشرع في الكيفية.\nالخامس: الزمان فلو أن رجلا ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان.\nوسمعت أن بعض الناس في شهر رمضان يذبحون الغنم تقربا لله تعالى بالذبح، وهذا العمل بدعة على هذا الوجه، لأنه ليس هناك شيء يتقرب به إلى الله بالذبح إلا الأضحية، والهدي والعقيقة، أما الذبح في رمضان مع اعتقاد الأجر على الذبح كالذبح في عيد الأضحى فبدعة. وأما الذبح لأجل اللحم فهذا جائز.\nالسادس: المكان، فلو أن رجلا اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح، وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد، ولو قالت امرأة أريد أن أعتكف في مصلى البيت. فلا يصح اعتكافها لمخالفة الشرع في المكان.","vol":"10","page":437},{"text":"ومن الأمثلة لو أن رجلا أراد أن يطوف فوجد المطاف قد ضاق ووجد ما حوله قد ضاق فصار يطوف من وراء المسجد فلا يصح طوافه لأن مكان الطواف البيت قال الله تعالى لإبراهيم الخليل: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطائفين﴾ (١).\nفالعبادة لا تكون عملا صالحا إلا إذا تحقق فيها شرطان:\nالأول: الإخلاص.\nالثاني: المتابعة، والمتابعة لا تتحقق إلا بالأمور الستة الآنفة الذكر.\nوإنني أقول لهؤلاء الذين ابتلوا بالبدع -الذين قد تكون مقاصدهم حسنة ويريدون الخير- إذا أردتم الخير فلا -والله- نعلم طريقا خيرا من طريق السلف ﵃.\nأيها الإخوة عضوا على سنة الرسول - ﷺ - بالنواجذ واسلكوا طريق السلف الصالح وكونوا على ما كانوا عليه وانظروا هل يضيركم ذلك شيئا؟.\nوإني أقول -وأعوذ بالله أن أقول ما ليس لي به علم- أقول إنك لتجد الكثير من هؤلاء الحريصين على البدع يكون فاترا في تنفيذ أمور ثبتت شرعيتها وثبتت سنيتها، فإذا فرغوا من هذه البدع قابلوا السنن الثابتة بالفتور، وهذا كله من نتيجة أضرار البدع على القلوب فالبدع أضرارها على القلوب عظيمة، وأخطارها على الدين جسيمة، فما ابتدع قوم في دين الله بدعة إلا أضاعوا من السنة مثلها أو أشد، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم من السلف.\n_________\n(١) الحج الآية (٢٦).","vol":"10","page":438},{"text":"لكن الإنسان إذا شعر أنه تابع لا مشرع حصل له بذلك كمال الخشية والخضوع، والذل، والعبادة لرب العالمين، وكمال الاتباع لإمام المتقين وسيد المرسلين ورسول رب العالمين محمد - ﷺ -. (١)\n- وقال في شرحه على العقيدة الواسطية: ولكن ولله الحمد ما ابتدع أحد بدعة، إلا قيض الله له بمنه وكرمه من يبين هذه البدعة ويدحضها بالحق وهذا من تمام مدلول قول الله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٢)، هذا من حفظ الله لهذا الذكر، وهذا أيضا هو مقتضى حكمة الله عزوجل، لأن الله تعالى جعل محمدا - ﷺ - خاتم النبيين، والرسالة لا بد أن تبقى في الأرض، وإلا لكان للناس حجة على الله وإذا كانت الرسالة لابد أن تبقى في الأرض، لزم أن يقيض الله عزوجل بمقتضى حكمته عند كل بدعة من يبينها ويكشف عورها، وهذا هو الحاصل. (٣)\n- وقال في رسالته منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل: إذا لو أن أحدا من أهل البدع ابتدع طريقة عقيدة (أي تعود للعقيدة) أو عملية (تعود إلى العمل) من قول أو فعل، ثم قال إن هذه حسنة. والنبي - ﷺ - يقول: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٤). قلنا له بكل بساطة هذا الحسن الذي ادعيت أنه ثابت في هذه\n_________\n(١) مجموع فتاوى ورسائل (٥/ ٢٥٣ - ٢٥٥).\n(٢) الحجر الآية (٩).\n(٣) مجموع فتاوى ورسائل (٨/ ٢٥).\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف صديق حسن خان سنة (١٣٠٧هـ).","vol":"10","page":439},{"text":"البدعة هل كان خافيا لدى الرسول ﵊ أو كان معلوما عنده لكنه كتمه ولم يطلع عليه أحد من سلف الأمة حتى ادخر لك علمه؟\nوالجواب: إن قال بالأول فشر، وإن قال بالثاني فأطم وأشر.\nفإن قال: إن الرسول ﵊ لا يعلم حسن هذه البدعة ولذلك لم يشرعها.\nقلنا: رمينا رسول الله - ﷺ - بأمر عظيم حيث جهلته في دين الله وشريعته.\nوإن قال إنه يعلم ولكن كتمه عن الخلق.\nقلنا له: وهذه أدهى وأمر لأنك وصفت رسول الله - ﷺ - الذي هو الأمين الكريم، وصفته بالخيانة وعدم الجود بعلمه، وهذا أشر من وصفه بعدم الجود بماله، مع أنه - ﷺ - كان أجود الناس، وهنا شر قد يكون احتمالا ثالثا بأن الرسول - ﷺ - علمها وبلغها ولكن لم تصل إلينا، فنقول له وحينئذ طعنت في كلام الله عزوجل لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١) وإذا ضاعت شريعة من شريعة الذكر فمعنى ذلك أن الله لم يقم بحفظه بل نقص من حفظه إياه بقدر ما فات من هذه الشريعة التي نزل من أجلها هذا الذكر.\nوعلى كل حال فإن كل إنسان يبتدع ما يتقرب به إلى ربه من عقيدة أو عمل قولي أو فعلي فإنه ضال لقول رسول الله - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة» (٢)\n_________\n(١) الحجر الآية (٩).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف اللالكائي سنة (٤١٨هـ).","vol":"10","page":440},{"text":"وهذه كلية عامة لا يستثنى منها شيء إطلاقا فكل بدعة في دين الله فإنها ضلالة وليس فيها من الحق شيء فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ (١).اهـ (٢)\n- وقال: وإن من جملة البدع ما ابتدعه بعض الناس في شهر ربيع الأول من بدعة عيد المولد النبوي، يجتمعون في الليلة الثانية عشر منه في المساجد أو البيوت فيصلون على النبي - ﷺ - بصلوات مبتدعة ويقرؤون مدائح للنبي - ﷺ - تخرج بهم إلى حد الغلو الذي نهى عنه النبي - ﷺ -، وربما صنعوا مع ذلك طعاما يسهرون عليه فأضاعوا المال والزمان وأتعبوا الأبدان فيما لم يشرعه الله ولا رسوله ولا عمله الخلفاء الراشدون ولا الصحابة ولا المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة ولا التابعون بإحسان. ولو كان خيرا لسبقونا إليه، ولو كان خيرا ما حرمه الله تعالى سلف هذه الأمة، وفيهم الخلفاء الراشدون والأئمة وما كان الله تعالى ليحرم سلف هذه الأمة ذلك الخير لو كان خيرا ثم يأتي أناس من القرن الرابع الهجري فيحدثون تلك البدعة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3497>موقفه من المشركين:</span>\nقال ﵀ في تقريب التدمرية: القرامطة، والباطنية، والفلاسفة لا يؤمنون بما أخبر الله به عن نفسه، ولا عن اليوم الآخر بل ينكرون حقائق هذا وهذا. فمذهبهم فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر أنه تخييل لا\n_________\n(١) يونس الآية (٣٢).\n(٢) مجموع فتاوى ورسائل (٥/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(٣) مجموع فتاوى ورسائل (٦/ ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"10","page":441},{"text":"حقيقة له. وأما في الأمر والنهي فكثير منهم يجعلون للمأمورات والمنهيات تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، فيقولون: المراد بالصلوات معرفة أسرارهم، وبالصيام كتمان أسرارهم، وبالحج السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام أنه كذب وافتراء وكفر وإلحاد.\nوقد يقولون إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا وصل الرجل إلى درجة العارفين والمحققين عندهم ارتفعت عنه التكاليف فسقطت عنه الواجبات وحلت له المحظورات.\nوقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.\nوهؤلاء الباطنية هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى لعظم إلحادهم ومخالفتهم لجميع الشرائع الإلهية. (١)\nله كتاب القول المفيد على كتاب التوحيد أفاد فيه وأجاد.\nوكذلك شرح كشف الشبهات وشرح الأصول الثلاثة وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3498>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ﵀ في شرحه على الواسطية: فالرافضة هم الذين يسمَّون اليوم: شيعة، وسموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، الذي ينتسب إليه الآن الزيدية؛ رفضوه لأنهم سألوه: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ يريدون منه أن يسبهما ويطعن فيهما!\n_________\n(١) مجموع فتاوى ورسائل (٤/ ١٤٢ - ١٤٣).","vol":"10","page":442},{"text":"ولكنه ﵁ قال لهم: نعم الوزيران وزيرا جدي. يريد بذلك رسول الله - ﷺ -؛ فأثنى عليهما، فرفضوه، وغضبوا عليه، وتركوه! فسموا رافضة.\nهؤلاء الروافض -والعياذ بالله- لهم أصول معروفة عندهم، ومن أقبح أصولهم: الإمامة التي تتضمن عصمة الإمام، وأنه لا يقول خطأ، وأن مقام الإمامة أرفع من مقام النبوة؛ لأن الإمام يتلقى عن الله مباشرة، والنبي بواسطة الرسول، وهو جبريل، ولا يخطئ الإمام عندهم أبدا، بل غلاتهم يدعون أن الإمام يخلق؛ يقول للشيء: كن فيكون!!\nوهم يقولون: إن الصحابة كفار، وكلهم ارتدوا بعد النبي - ﷺ -؛ حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين وماتا على النفاق والعياذ بالله، ولا يستثنون من الصحابة إلا آل البيت، ونفرا قليلا ممن قالوا: إنهم أولياء آل البيت.\nوقد قال صاحب كتاب 'الفصل': إن غلاتهم كفروا علي بن أبي طالب؛ قالوا: لأن عليّا أقر الظلم والباطل حين بايع أبا بكر وعمر، وكان الواجب عليه أن ينكر بيعتهما، فلما لم يأخذ بالحق والعدل، ووافق على الظلم؛ صار ظالما كافرًا. (١)\n- وقال فيه أيضًا: الروافض: طائفة غلاة في علي بن أبي طالب وآل البيت، وهم من أضل أهل البدع، وأشدهم كرهًا للصحابة ﵃، ومن أراد معرفة ما هم عليه من الضلال؛ فليقرأ في كتبهم وفي كتب من رد عليهم.\n_________\n(١) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين (٨/ ٤٤٧).","vol":"10","page":443},{"text":"وسموا روافض لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عندما سألوه عن أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما وقال: هما وزيرا جدي.\nأما النواصب؛ فهم الذي ينصبون العداء لآل البيت، ويقدحون فيهم، ويسبونهم؛ فهم على النقيض من الروافض.\nفالروافض اعتدوا على الصحابة بالقلوب والألسن.\nففي القلوب يبغضون الصحابة ويكرهونهم؛ إلا من جعلهم وسيلة لنيل مآربهم وغلوا فيهم، وهم آل البيت.\nوفي الألسن يسبونهم فيلعنونهم ويقولون: إنهم ظلمة! ويقولون: إنهم ارتدوا بعد النبي - ﷺ - إلا قليلًا، إلى غير ذلك من الأشياء المعروفة في كتبهم.\nوفي الحقيقة إن سب الصحابة ﵃ ليس جرحًا في الصحابة ﵃ فقط، بل هو قدح في الصحابة وفي النبي - ﷺ - وفي شريعة الله وفي ذات الله ﷿:\nأما كونه قدح في الصحابة؛ فواضح.\nوأما كونه قدحا في رسول الله - ﷺ -؛ فحيث كان أصحابه وأمناؤه وخلفاؤه على أمته من شرار الخلق، وفيه قدح في رسول الله - ﷺ - من وجه آخر، وهو تكذيبه فيما أخبر به من فضائلهم ومناقبهم.\nوأما كونه قدحًا في شريعة الله؛ فلأن الواسطة بيننا وبين رسول الله - ﷺ - في نقل الشريعة هم الصحابة، فإذا سقطت عدالتهم؛ لم يبق ثقة فيما نقلوه من الشريعة.","vol":"10","page":444},{"text":"وأما كونه قدحًا في الله سبحانه؛ فحيث بعث نبيه - ﷺ - في شرار الخلق، واختارهم لصحبته وحمل شريعته ونقلها لأمته!!\nفانظر ماذا يترتب من الطوام الكبرى على سب الصحابة ﵃.\nونحن نتبرأ من طريقة هؤلاء الروافض الذين يسبون الصحابة ويبغضونهم، ونعتقد أن محبتهم فرض، وأن الكف عن مساوئهم فرض، وقلوبنا -ولله الحمد- مملوءة من محبتهم؛ لما كانوا عليه من الإيمان والتقوى ونشر العلم ونصرة النبي - ﷺ -. (١)\n- وقال أيضًا: فمن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - ﷺ -؛ سلامة القلب من البغض والغل والحقد والكراهة، وسلامة ألسنتهم من كل قول لا يليق بهم.\nفقلوبهم سالمة من ذلك، مملوءة بالحب والتقدير والتعظيم لأصحاب رسول الله - ﷺ - عل ما يليق بهم.\nفهم يحبون أصحاب النبي - ﷺ -، ويفضلونهم على جميع الخلق؛ لأن محبتهم من محبة رسول الله - ﷺ -، ومحبة رسول الله - ﷺ - من محبة الله، وألسنتهم أيضًا سالمة من السب والشتم واللعن والتفسيق والتكفير وما أشبه ذلك مما يأتي به أهل البدع؛ فإذا سلمت من هذا؛ ملئت من الثناء عليهم والترضي عنهم والترحم والاستغفار وغير ذلك، وذلك للأمور التالية:\nأولًا: أنهم خير القرون في جميع الأمم، كما صرح بذلك رسول الله - ﷺ - حين قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».\n_________\n(١) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين (٨/ ٦١٥ - ٦١٦).","vol":"10","page":445},{"text":"ثانيًا: أنهم هم الواسطة بين رسول الله - ﷺ - وبين أمته؛ فمنهم تلقت الأمة عنه الشريعة.\nثالثًا: ما كان على أيديهم من الفتوحات الواسعة العظيمة.\nرابعًا: أنهم نشروا الفضائل بين هذه الأمة من الصدق والنصح والأخلاق والآداب التي لا توجد عند غيرهم، ولا يعرف هذا من كان يقرأ عنهم من وراء جدر، بل لا يعرف هذا إلا من عاش في تاريخهم وعرف مناقبهم وفضائلهم وإيثارهم واستجابتهم لله ولرسوله - ﷺ -.\nفنحن نشهد الله ﷿ على محبة هؤلاء الصحابة، ونثني عليهم بألسنتنا بما يستحقون، ونبرأ من طريقين ضالين: طريق الروافض الذين يسبون الصحابة ويغلون في آل البيت، ومن طريق النواصب الذين يبغضون آل البيت، ونرى أن لآل البيت إذا كانوا صحابة ثلاثة حقوق: حق الصحبة، وحق الإيمان، وحق القرابة من رسول الله - ﷺ -. (١)\n- وقال في القول المفيد: وأصل مذهبهم من عبد الله بن سبأ، وهو يهودي تلبَّس بالإسلام، فأظهر التشيُّع لآل البيت والغلو فيهم ليشغل الناس عن دين الإسلام ويُفسده كما أفسد بولص دين النصارى عندما تلبَّس بالنصرانية.\nوأول ما أظهر ابن سبأ بدعته في عهد علي بن أبي طالب، حتى إنه جاءه وقال: أنت الله حقًا -والعياذ بالله-. فأمر علي بالأخدود فحفرت، وأمر بالحطب فجمع، وبالنار فأوقدت، ثم أحرقهم بها؛ إلا أنه يقال: إن\n_________\n(١) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين (٨/ ٥٨٧ - ٥٨٨).","vol":"10","page":446},{"text":"عبد الله ابن سبأ هرب وذهب إلى مصر ونشر بدعته؛ فالله أعلم.\nفالمهم أن عليًا ﵁ رأى أمرًا لم يحتمله، حيث ادّعوا فيه الألوهية فأحرقهم بالنار إحراقًا، ثم بدأت هذه الفرقة الخبيثة تتكاثر؛ لأن شعارها في الحقيقة النفاق الذي يسمونه التقية، ولهذا كانت هذه الفرقة أخطر ما يكون على الإسلام؛ لأنها تتظاهر بالإسلام والدعوة إليه، وتقيم شعائره الظاهرة؛ كتحريم الخمور وما أشبه ذلك، لكنها تناقضه في الباطن؛ فهم يرون أئمتهم آلهة تدير الكون، وأنهم أفضل من الأنبياء والملائكة والأولياء، وأنهم في مرتبة لا ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهؤلاء كيف يصح أن تقبل منهم دعوى الإسلام، ولذلك يقول عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كثير من كتبه قولا إذا اطلع عليه الإنسان عرف حالهم: \"إنهم أشد الناس ضررا على الإسلام، وأنهم هجروا المساجد وعمَّروا المشاهد\"؛ فهم يقولون: لا نصلي جماعة إلا خلف إمام معصوم ولا معصوم الآن، وهم أوّل مَن بنى المشاهد على القبور كما قال الشيخ هنا، ورموا أفضل أتباع الرسول على الإطلاق -وهما أبو بكر وعمر- بالنفاق، وإنهما ماتا على ذلك؛ كعبد الله بن أبيّ بن سلول وأشباهه والعياذ بالله؛ فانظر بماذا تحكم على هؤلاء بعد معرفة معتقدهم ومنهجهم؟!. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3499>موقفه من الصوفية:</span>\nقال ﵀: أما فيما يتعلق بمسألة الصوفية وغنائهم ومديحهم وضربهم بالدف والتغبير التي يضربون الفراش ونحوه بالسوط فما كان أكثر\n_________\n(١) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين (٩/ ٤٠٩ - ٤١٠).","vol":"10","page":447},{"text":"غبارا فهو أشد صدقا في الطلب، وما أشبه ذلك مما يفعلونه، فإن هذا من البدع المحرمة التي يجب عليه أن يقلع عنها، وأن ينهى أصحابه عنها وذلك لأن خير القرون وهم القرن الذين بعث فيهم النبي - ﷺ - لم يتعبدوا لله بهذا التعبد، ولأن هذا التعبد لا يورث القلب إنابة إلى الله ولا انكسارا لديه ولا خشوعا لديه وإنما يورث انفعالات نفسية يتأثر بها الإنسان من مثل هذا العمل، كالصراخ وعدم الانضباط والحركة الثائرة وما أشبه ذلك، وكل هذا يدل على أن هذا التعبد باطل وأنه ليس بنافع للعبد وهو دليل واقعي غير الدليل الأثري الذي قال فيه رسول الله - ﷺ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين تمسكوابها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة». فهذا التعبد من الضلال المبين الذي يجب على العبد أن يقلع عنه، وأن يتوب إلى الله، وأن يرجع إلى ما كان عليه النبي - ﷺ - وخلفاؤه الراشدون، فإن هديهم أكمل هدي وطريقهم أحسن طريق. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ (١). ولا يكون العمل صالحا إلا بأمرين: الإخلاص لله، والموافقة لشريعته التي جاء بها رسوله - ﷺ -. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3500>موقفه من الجهمية:</span>\nله من الآثار السلفية:\n_________\n(١) فصلت الآية (٣٣).\n(٢) فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"10","page":448},{"text":"١ - 'فتح رب البرية بتلخيص الحموية'.\n٢ - 'تقريب التدمرية'.\n٣ - 'تعليقات على الواسطية' (رسالة).\n٤ - 'شرح الواسطية' (مجلد ضخم).\n٥ - 'شرح لمعة الاعتقاد'.\n٦ - 'أسماء الله وصفاته وموقف أهل السنة منها'.\n٧ - 'القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى'.\n- قال ﵀ في كتابه 'القول المفيد': وأما الجهمية فهم أتباع الجهم ابن صفوان، وأول بدعته أنه أنكر صفات الله، وقال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما؛ فأنكر المحبة والكلام، ثم بدأت هذه البدعة تنتشر وتتسع، فاعتنقها طوائف غير الجهمية؛ كالمعتزلة ومتأخري الرافضة؛ لأن الرافضة كانوا بالأول مشبهة، ولهذا قال أهل العلم: أول من عرف بالتشبيه هشام بن الحكم الرافضي، ثم تحوّلوا من التشبيه إلى التعطيل، وصاروا ينكرون الصفات.\nوالجهم بن صفوان أخذ بدعته عن الجعد بن درهم، والجعد أخذ بدعته عن أبان بن سمعان، وأبان أخذها عن طالوت الذي أخذها عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي - ﷺ -؛ فتكون بدعة التعطيل أصلها من اليهود، ثم إن الجهم بن صفوان نشأ في بلاد خراسان، وفيها كثير من الصابئة وعُبّاد الكواكب والفلاسفة، فأخذ منهم أيضا ما أخذ، فصارت هذه البدعة مركبة من اليهودية والصابئة والمشركين.","vol":"10","page":449},{"text":"وانتشرت هذه البدعة في الأمة الإسلامية، وهؤلاء الجهمية مُعطّلة في الصفات يُنكرون الصفات، ومنهم مَن أنكر الأسماء مع الصفات، وهذه الأسماء التي يُضيفها الله -سبحانه- إلى نفسه جعلوها إضافات وليست حقيقة، أو أنها أسماء لبعض مخلوقاته؛ فالسميع عندهم بمعنى مَن خلق السمع في غيره والبصير كذلك، وهكذا.\nومنهم من أنكر أن يكون الله مُتَّصفا بالإثبات أو العدم، فقالوا: لا يجوز أن نثبت لله صفة أو ننفي عنه صفة؛ حتى قالوا: لا يجوز أن نقول عنه: إنه موجود ولا إنه معدوم؛ لأننا إن قلنا موجود شبّهناه بالموجودات، وإن قلنا بأنه معدوم شبهناه بالمعدومات؛ فنقول: لا موجود ولا معدوم؛ فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول، وهذا لا يمكن؛ لأن تقابل الوجود والعدم من تقابل النقيضين اللذين لا يمكن ارتفاعهما ولا اجتماعهما، بل لا بد أن يُوجد أحدهما، فوصف الله بذلك تشبيه له بالممتنعات على قاعدتهم. (١)\n- وقال فيه أيضا: توحيد الأسماء والصفات: وهو إفراد الله ﷿ بما له من الأسماء والصفات.\nوهذا يتضمن شيئين:\nالأول: الإثبات، وذلك بأن نثبت لله -﷿- جميع أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه - ﷺ -.\nالثاني: نفي المماثلة، وذلك بأن لا نجعل لله مثيلا في أسمائه وصفاته؛ كما\n_________\n(١) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين (٩/ ٤١٠ - ٤١١).","vol":"10","page":450},{"text":"قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) فدلت هذه الآية على أن جميع صفاته لا يماثله فيها أحد من المخلوقين؛ فهي وإن اشتركت في أصل المعنى، لكن تختلف في حقيقة الحال، فمن لم يثبت ما أثبته الله لنفسه؛ فهو معطل، وتعطيله هذا يشبه تعطيل فرعون، ومن أثبتها مع التشبيه صار مشابها للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ومن أثبتها بدون مماثلة صار من الموحدين.\nوهذا القسم من التوحيد هو الذي ضلت فيه بعض الأمة الإسلامية وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة؛ فمنهم من سلك مسلك التعطيل، فعطل، ونفى الصفات زاعما أنه مُنزّه لله، وقد ضل؛ لأن المنزّه حقيقةً هو الذي ينفي عنه صفات النقص والعيب، وينزه كلامه من أن يكون تعمية وتضليلا، فإذا قال: بأن الله ليس له سمع، ولا بصر، ولا علم، ولا قدرة؛ لم ينزه الله، بل وصَمَه بأعيب العيوب، ووصم كلامه بالتعمية والتضليل؛ لأن الله يكرر ذلك في كلامه ويثبته، ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإذا أثبته في كلامه وهو خال منه؛ كان في غاية التعمية والتضليل والقدح في كلام الله -﷿-، ومنهم من سلك مسلك التمثيل زاعما بأنه محقق لما وصف الله به نفسه، وقد ضلوا لأنهم لم يقدروا الله حق قدره؛ إذ وصموه بالعيب والنقص؛ لأنهم جعلوا الكامل من كل وجه كالناقص من كل وجه.\nوإذا كان اقتران تفضيل الكامل على الناقص يحط من قدره؛ كما قيل:\nألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).","vol":"10","page":451},{"text":"فكيف بتمثيل الكامل بالناقص؟! هذا أعظم ما يكون جنايةً في حق الله -﷿-، وإن كان المعطلون أعظم جرمًا، لكن الكل لم يقدر الله حق قدره.\nفالواجب: أن نؤمن بما وصف الله وسمّى به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ -، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. (١)\n- وقال في شرحه على العقيدة الواسطية: فإذا سئلنا: من أهل السنة والجماعة؟ فنقول: هم المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب. وهذا التعريف من شيخ الإسلام ابن تيمية يقتضي أن الأشاعرة والماتريدية ونحوهم ليسوا من أهل السنة والجماعة؛ لأن تمسكهم مشوب بما أدخلوا فيه من البدع. وهذا هو الصحيح؛ أنه لا يعد الأشاعرة والماتريدية فيما ذهبوا إليه في أسماء الله وصفاته من أهل السنة والجماعة. وكيف يعدون من أهل السنة والجماعة في ذلك مع مخالفتهم لأهل السنة والجماعة؟!\nلأنه يقال: إما أن يكون الحق فيما ذهب إليه هؤلاء الأشاعرة والماتريدية، أو الحق فيما ذهب إليه السلف. ومن المعلوم أن الحق فيما ذهب إليه السلف؛ لأن السلف هنا هم الصحابة والتابعون وأئمة الهدى من بعدهم. فإذا كان الحق فيما ذهب إليه السلف، وهؤلاء يخالفونهم؛ صاروا ليسوا من أهل السنة والجماعة في ذلك. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3501>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال: أما الخوارج؛ فهم على العكس من الرافضة؛ حيث إنهم كفروا\n_________\n(١) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين (٩/ ٦ - ٨).\n(٢) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين (٨/ ٦٨٥ - ٦٨٦).","vol":"10","page":452},{"text":"علي بن أبي طالب وكفروا معاية بن أبي سفيان، وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم، واستحلوا دماء المسلمين، فكانوا كما وصفهم النبي ﵊: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وإيمانهم لا يتجاوز حناجرهم» (١).اهـ (٢)\n- وسئل عن حكم طاعة الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -؟\nفأجاب بقوله: الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله تجب طاعته في غير معصية الله ورسوله، ولا تجب محاربته من أجل ذلك، بل ولا تجوز إلا أن يصل إلى حد الكفر، فحينئذ تجب منابذته، وليس له طاعة على المسلمين.\nوالحكم بغير ما في كتاب الله وسنة رسوله يصل إلى الكفر بشرطين:\nالأول: أن يكون عالما بحكم الله ورسوله، فإن كان جاهلا به لم يكفر بمخالفته.\nالثاني: أن يكون الحامل له على الحكم بغير ما أنزل الله اعتقاد أنه حكم غير صالح للوقت وأن غيره أصلح منه، وأنفع للعباد.\nوبهذين الشرطين يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا مخرجا عن الملة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٣).\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث ابن مسعود ضمن مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).\n(٢) شرح العقيدة الواسطية ضمن مجموع فتاواه (٨/ ٤٤٧ - ٤٤٨).\n(٣) المائدة الآية (٤٤).","vol":"10","page":453},{"text":"وتبطل ولاية الحاكم، ولا يكون له طاعة على الناس، وتجب محاربته، وإبعاده عن الحكم.\nأما إذا كان يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم به أي بما أنزل الله هو الواجب، وأنه أصلح للعباد، لكن خالفه لهوى في نفسه أو إرادة ظلم المحكوم عليه، فهذا ليس بكافر بل هو إما فاسق أو ظالم، وولايته باقية، وطاعته في غير معصية الله ورسوله واجبة، ولا تجوز محاربته أو إبعاده عن الحكم بالقوة، والخروج عليه، لأن النبي - ﷺ - نهى عن الخروج على الأئمة إلا أن نرى كفرا صريحا عندنا فيه برهان من الله تعالى. (١)\nوقال: ومن الموانع أيضا (٢) أن يكون له شبهة تأويل في الكفر بحيث يظن أنه على حق؛ لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلا في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٣) ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلا في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤) قال في المغني (٨/ ١٣١): \"وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك -يعني يكون كافرا- وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم ذلك متقربين به إلى الله تعالى\n_________\n(١) مجموع فتاوى (٢/ ١٤٧ - ١٤٨).\n(٢) أي موانع التكفير.\n(٣) الأحزاب الآية (٥).\n(٤) البقرة الآية (٢٨٦).","vol":"10","page":454},{"text":"-إلى أن قال-: وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلالهم دمائهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا\". وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/ ٣٠) مجموع ابن القاسم: \"وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب\" وفي (ص.٢١٠): \"فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها، وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم .. وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأوله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن\". وقال أيضا (١) من المجموع المذكور: \"فإن الأئمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين\".\nلكنه ذكر في (٧/ ٢١٧): \"أنه لم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع\" وفي (٢٨/ ٥١٨): \"إن هذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره\". وفي (٣/ ٢٨٢) قال: \"والخوارج المارقون الذين أمر النبي - ﷺ -، بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهما\n_________\n(١) (٢٨/ ٥١٨).","vol":"10","page":455},{"text":"من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين؛ فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص، والإجماع، لم يكفروا مع أمر الله ورسوله - ﷺ - بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن يكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وقد تكون بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه\". إلى أن قال: \"وإذا كان المسلم متأولا في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك\". إلى أن قال في (ص.٢٨٨): \"وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره ... والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (١) وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢).\nوفي الصحيحين (٣) عن النبي - ﷺ -: «ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين» \".\nوالحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفرا، كما\n_________\n(١) الإسراء الآية (١٥).\n(٢) النساء الآية (١٦٥).\n(٣) البخاري (١٣/ ٤٩٢/٧٤١٦) ومسلم (٢/ ١١٣٦/١٤٩٩).","vol":"10","page":456},{"text":"يكون معذورا بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقا، وذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، والاعتبار، وأقوال أهل العلم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3502>موقفه من المرجئة:</span>\nسئل الشيخ -أعظم الله مثوبته- عن تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة وهل يزيد وينقص؟\nفأجاب بقوله: الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو: (الإقرار بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح). فهو يتضمن الأمور الثلاثة:\n١ - إقرار بالقلب.\n٢ - نطق باللسان.\n٣ - عمل بالجوارح.\nوإذا كان كذلك فإنه سوف يزيد وينقص، وذلك لأن الإقرار بالقلب يتفاضل فليس الإقرار بالخبر كالإقرار بالمعاينة، وليس الإقرار بخبر الرجل كالإقرار بخبر الرجلين وهكذا، ولهذا قال إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٢). فالإيمان يزيد من حيث إقرار القلب وطمأنينته وسكونه، والإنسان يجد ذلك من نفسه فعندما يحضر مجلس ذكر فيه موعظة، وذكر للجنة والنار يزداد الإيمان حتى كأنه يشاهد ذلك رأي العين، وعندما توجد\n_________\n(١) مجموع فتاوى (٢/ ١٣٦ - ١٣٨).\n(٢) البقرة الآية (٢٦٠).","vol":"10","page":457},{"text":"الغفلة ويقوم من هذا المجلس يخف هذا اليقين في قلبه.\nكذلك يزداد الإيمان من حيث القول فإن من ذكر الله عشر مرات ليس كمن ذكر الله مئة مرة، فالثاني أزيد بكثير.\nوكذلك أيضًا من أتى بالعبادة على وجه كامل يكون إيمانه أزيد ممن أتى بها على وجه ناقص.\nوكذلك العمل فإن الإنسان إذا عمل عملًا بجوارحه أكثر من الآخر صار الأكثر أزيد إيمانًا من الناقص، وقد جاء ذلك في القرآن والسنة -أعني إثبات الزيادة والنقصان- قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ (٢) وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن» (٣). فالإيمان إذن يزيد وينقص.\n_________\n(١) المدثر الآية (٣١).\n(٢) التوبة الآيتان (١٢٤و١٢٥).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف ابن أبي العز سنة (٧٩٢هـ).","vol":"10","page":458},{"text":"ولكن ما سبب زيادة الإيمان؟\nللزيادة أسباب:\nالسبب الأول: معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، فإن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله، وبأسمائه، وصفاته ازداد إيمانًا بلا شك، ولهذا تجد أهل العلم الذين يعلمون من أسماء الله وصفاته ما لا يعلمه غيرهم تجدهم أقوى إيمانًا من الآخرين من هذا الوجه.\nالسبب الثاني: النظر في آيات الله الكونية، والشرعية، فإن الإنسان كلما نظر في الآيات الكونية التي هي المخلوقات ازداد إيمانًا قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ (١). والآيات الدالة على هذا كثيرة أعني الآيات الدالة على أن الإنسان بتدبره وتأمله في هذا الكون يزداد إيمانه.\nالسبب الثالث: كثرة الطاعات فإن الإنسان كلما كثرت طاعاته ازداد بذلك إيمانًا سواء كانت هذه الطاعات قولية، أم فعلية، فالذكر يزيد الإيمان كمية وكيفية، والصلاة والصوم، والحج تزيد الإيمان أيضًا كمية وكيفية.\nأما أسباب النقصان فهي على العكس من ذلك:\nفالسبب الأول: الجهل بأسماء الله وصفاته يوجب نقص الإيمان لأن الإنسان إذا نقصت معرفته بأسماء الله وصفاته نقص إيمانه.\nالسبب الثاني: الإعراض عن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية،\n_________\n(١) الذاريات الآيتان (٢١و٢٢).","vol":"10","page":459},{"text":"فإن هذا يسبب نقص الإيمان، أو على الأقل ركوده وعدم نموه.\nالسبب الثالث: فعل المعصية فإن للمعصية آثارًا عظيمة على القلب وعلى الإيمان ولذلك قال النبي - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». الحديث (١).\nالسبب الرابع: ترك الطاعة فإن ترك الطاعة سبب لنقص الإيمان، لكن إن كانت الطاعة واجبة وتركها بلا عذر، فهو نقص يلام عليه ويعاقب، وإن كانت الطاعة غير واجبة، أو واجبة لكن تركها بعذر فإنه نقص لا يلام عليه، ولهذا جعل النبي - ﷺ - النساء ناقصات عقل ودين، وعلّل نقصان دينها بأنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم، مع أنها لا تلام على ترك الصلاة والصيام في حال الحيض بل هي مأمورة بذلك لكن لما فاتها الفعل الذي يقوم به الرجل صارت ناقصة عنه من هذا الوجه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3503>موقفه من القدرية:</span>\nقال ﵀: القدر بفتح الدال: تقدير الله تعالى للكائنات، حسبما سبق به علمه، واقتضته حكمته.\nوالإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:\nالأول: الإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جملة وتفصيلا، أزلا وأبدا، سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله أوبأفعال عباده.\nالثاني: الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وفي هذين الأمرين\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف الحسن البصري سنة (١١٠هـ).\n(٢) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١/ ٤٩ - ٥٢).","vol":"10","page":460},{"text":"يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ (١). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» (٢).\nالثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، سواء كانت مما يتعلق بفعله أم مما يتعلق بفعل المخلوقين، قال الله تعالى فيما يتعلق بفعله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (٣) وقال: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (٤) وقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (٥) وقال تعالى فيما يتعلق بفعل المخلوقين: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ (٦) وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ (٧).\nالرابع: الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها، وصفاتها،\n_________\n(١) الحج الآية (٧٠).\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٤٤/٢٦٥٣).\n(٣) القصص الآية (٦٨).\n(٤) إبراهيم الآية (٢٧).\n(٥) آل عمران الآية (٦).\n(٦) النساء الآية (٩٠).\n(٧) الأنعام الآية (١٣٧).","vol":"10","page":461},{"text":"وحركاتها، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ (١) وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ (٢) وقال عن نبي الله إبراهيم ﵊ أنه قال لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٣).\nوالإيمان بالقدر على ما وصفنا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وقدرة عليها، لأن الشرع والواقع دالان على إثبات ذلك له.\nأما الشرع: فقد قال الله تعالى في المشيئة: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا (٣٩)﴾ (٤) وقال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٥) وقال في القدرة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (٦) وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٧).\nوأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم أن له مشيئة وقدرة بهما يفعل وبهما يترك، ويفرق بين ما يقع بإرادته كالمشي، وما يقع بغير إرادته كالارتعاش،\n_________\n(١) الزمر الآية (٦٢).\n(٢) الفرقان الآية (٢).\n(٣) الصافات الآية (٩٦).\n(٤) النبأ الآية (٣٩).\n(٥) البقرة الآية (٢٢٣).\n(٦) التغابن الآية (١٦).\n(٧) البقرة الآية (٢٨٦).","vol":"10","page":462},{"text":"لكن مشيئة العبد وقدرته واقعتان بمشيئة الله تعالى، وقدرته لقول الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (١) ولأن الكون كله ملك لله تعالى فلا يكون في ملكه شيء بدون علمه ومشيئته.\nوالإيمان بالقدر على ما وصفنا لا يمنح العبد حجة على ما ترك من الواجبات أو فعل من المعاصي، وعلى هذا فاحتجاجه به باطل من وجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ (٢) ولوكان لهم حجة بالقدر ما أذاقهم الله بأسه.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ (٣) ولو كان القدر حجة للمخالفين لم تنتف بإرسال الرسل، لأن المخالفة بعد إرسالهم واقعة بقدر الله تعالى.\n_________\n(١) التكوير الآيتان (٢٨و٢٩).\n(٢) الأنعام الآية (١٤٨).\n(٣) النساء الآية (١٦٥).","vol":"10","page":463},{"text":"الثالث: ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة». فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: «لا، اعملوا فكل ميسر»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ (١) الآية. وفي لفظ لمسلم: «فكل ميسر لما خلق له» (٢) فأمر النبي - ﷺ - بالعمل ونهى عن الاتكال على القدر.\nالرابع: أن الله تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤) ولو كان العبد مجبرا على الفعل لكان مكلفا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل، أونسيان، أو إكراه، فلا إثم عليه لأنه معذور.\nالخامس: أن قدر الله تعالى سر مكتوم لا يعلم به إلا بعد وقوع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر الله، وحينئذ تنتفي حجته بالقدر إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه.\n_________\n(١) الليل الآية (٥).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف عبد الرحمن بن ناصر السعدي سنة (١٣٧٦هـ).\n(٣) التغابن الآية (١٦).\n(٤) البقرة الآية (٢٨٦).","vol":"10","page":464},{"text":"السادس: أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه من أمور دنياه حتى يدركه ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر، فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟ أفليس شأن الأمرين واحدا؟.\nوإليك مثالا يوضح ذلك: لو كان بين يدي الإنسان طريقان أحدهما ينتهي به إلى بلد كلها فوضى، وقتل، ونهب، وانتهاك للأعراض وخوف، وجوع، والثاني ينتهي به إلى بلد كلها نظام، وأمن مستتب، وعيش رغيد، واحترام للنفوس والأعراض والأموال، فأي الطريقين يسلك؟\nإنه سيسلك الطريق الثاني الذي ينتهي به إلى بلد النظام والأمن، ولا يمكن لأي عاقل أبدا أن يسلك طريق بلد الفوضى، والخوف، ويحتج بالقدر، فلماذا يسلك في أمر الآخرة طرق النار دون الجنة ويحتج بالقدر؟\nمثال آخر: نرى المريض يؤمر بالدواء فيشربه ونفسه لاتشتهيه، وينهى عن الطعام الذي يضره فيتركه ونفسه تشتهيه، كل ذلك طلبا للشفاء والسلامة، ولا يمكن أن يمتنع عن شرب الدواء أو يأكل الطعام الذي يضره ويحتج بالقدر فلماذا يترك الإنسان ما أمر الله ورسوله، أويفعل ما نهى الله ورسوله ثم يحتج بالقدر؟.\nالسابع: أن المحتج بالقدر على ما تركه من الواجبات أو فعله من المعاصي، لو اعتدى عليه شخص فأخذ ماله أو انتهك حرمته ثم احتج بالقدر، وقال: لا تلمني فإن اعتدائي كان بقدر الله، لم يقبل حجته. فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه، ويحتج به لنفسه في اعتدائه","vol":"10","page":465},{"text":"على حق الله تعالى؟\nويذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ رفع إليه سارق استحق القطع، فأمر بقطع يده فقال: مهلا يا أمير المؤمنين، فإنما سرقت بقدر الله، فقال عمر: ونحن إنما نقطع بقدر الله.\nوللإيمان بالقدر ثمرات جليلة منها:\nالأولى: الاعتماد على الله تعالى، عند فعل الأسباب بحيث لا يعتمد على السبب نفسه لأن كل شيء بقدر الله تعالى.\nالثانية: أن لا يعجب المرء بنفسه عند حصول مراده، لأن حصوله نعمة من الله تعالى، بما قدره من أسباب الخير، والنجاح، وإعجابه بنفسه ينسيه شكر هذه النعمة.\nالثالثة: الطمأنينة، والراحة النفسية بما يجري عليه من أقدار الله تعالى فلا يقلق بفوات محبوب، أو حصول مكروه، لأن ذلك بقدر الله الذي له ملك السموات والأرض، وهو كائن لا محالة وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ (١) ويقول النبي - ﷺ -: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا\n_________\n(١) الحديد الآيتان (٢٢و٢٣).","vol":"10","page":466},{"text":"للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (١) رواه مسلم.\nوقد ضل في القدر طائفتان:\nإحداهما: الجبرية الذين قالوا إن العبد مجبر على عمله وليس له فيه إرادة ولا قدرة.\nالثانية: القدرية الذين قالوا إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر.\nوالرد على الطائفة الأولى (الجبرية) بالشرع والواقع:\nأما الشرع: فإن الله تعالى أثبت للعبد إرادة ومشيئة، وأضاف العمل إليه، قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ (٢) وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ (٣) الآية. وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ (٤).\nوأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم الفرق بين أفعاله الاختيارية التي\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٣٢) ومسلم (٤/ ٢٢٩٥/٢٩٩٩) من حديث صهيب ﵁.\n(٢) آل عمران الآية (١٥٢).\n(٣) الكهف الآية (٢٩).\n(٤) فصلت الآية (٤٦).","vol":"10","page":467},{"text":"يفعلها بإرادته كالأكل، والشرب، والبيع، والشراء، وبين ما يقع عليه بغير إرادته كالارتعاش من الحمى، والسقوط من السطح، فهو في الأول فاعل مختار بإرادته من غير جبر، وفي الثاني غير مختار ولامريد لما وقع عليه.\nوالرد على الطائفة الثانية (القدرية) بالشرع والعقل.\nأما الشرع: فإن الله تعالى خالق كل شيء، وكل شيء كائن بمشيئته، وقد بين الله تعالى في كتابه أن أفعال العباد تقع بمشيئته فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ (٢).\nوأما العقل: فإن الكون كله مملوك لله تعالى، والإنسان من هذا الكون، فهو مملوك لله تعالى، ولا يمكن للمملوك أن يتصرف في ملك المالك إلا بإذنه ومشيئته. (٣)\n_________\n(١) البقرة الآية (٢٥٣).\n(٢) السجدة الآية (١٣).\n(٣) شرح الأصول الثلاثة (مجموع الفتاوى له ٦/ ١٠٩ - ١١٥).","vol":"10","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3504>محمود مهدي الإستانبولي (حوالي ١٤٢١ ه</span>ـ)\n<span data-type=\"title\" id=toc-3505>موقفه من المبتدعة:</span>\nله رسالة صغيرة المباني، غزيرة الفوائد والمعاني، أسماها: 'كتب ليست من الإسلام'. ردّ فيها على مجموعة من الكتب المشبوهة، وللإسلام أضحت مُشوِّهة.\nقال فيها: لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتدارسون سيرة رسول الله - ﷺ - ومغازيه ويعلمونها أطفالهم، كما يعلمونهم القرآن. كل ذلك على أمل التأسي به - ﷺ - باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وليس ذلك بالطرب وسماع الأغاني المائعة والسخيفة وقديمًا قال الشاعر:\nلو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحبّ لمن يحبّ مطيع\n\nومما يؤسف له، ولعلّ ذلك كان مقصودًا من أعداء الإسلام، أنه قد وضعت في مناسبة مولده - ﷺ - قصص -وكذلك في معراجه كما سنرى- قصص نسبت إلى بعض الشخصيات الإسلامية لتنطلي على العامة، فيقبلون على قراءتها. وفي هذه القصص كثير من الأكاذيب والأوهام والسخافات التي تسيء إلى سمعة هذا الرسول العظيم - ﷺ - وتنفر الأجيال وغيرهم منه. وقد كنت نشرت منذ سنوات بعيدة في الصحف الدمشقية نقد إحدى هذه القصص، وهي المسماة (بمولد العروس) وجاء فيه:\nبين يديّ الآن قصة (مولد العروس) المنسوبة كذبًا وافتراءً إلى العلامة الكبير ابن الجوزي لما فيها من الضلالات والأساطير المعزوّ إلى الله تعالى وإلى","vol":"10","page":469},{"text":"نبيّه الكريم مما لا يصحّ السكوت عنه. (١)\nثم ذكر الأباطيل والأكاذيب الواردة فيه، وردّ عليها ردًّا مباركًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3506>موقفه من المشركين:</span>\n- قال في مقدمة كتابه الماتع 'طه حسين في ميزان العلماء والأدباء': في أوائل الثلاثينات من هذا القرن العشرين، ظهر الكاتب الدكتور طه حسين، فحمل على الإسلام حملات شرسة، وخصّ القرآن العظيم بالنقد والتكذيب سنة، وعمد إلى نشر أدب الفسق والدعارة والزندقة، تساعده في ذلك المراكز الاستشراقية، والدوائر الاستعمارية، ودعاة التغريب، الذين يسعون لهدم أركان هذا الدين بمختلف الوسائل الظاهرة والخفية، من أجل تحطيم أعظم معاقل الدفاع بين المسلمين، للتمكن منهم والقضاء على معاقل الدفاع فيهم وإفناء شخصيتهم، ليذوبوا في الحضارة الغربية الفاشلة ...\nفقيّض الله سبحانه جماعة من كبار العلماء والأدباء، ندر أن يجود الزمن بمثلهم، للدفاع عن الإسلام والرّدّ على هذا الخصم الشرس والأديب العميل، بالكشف عن دسّه وجهله، فألقموه حجرًا، وأصلوه نارًا حامية.\nولكن العاصفة هدأت، ومضى نصف قرن من النسيان على هذه المعركة بين الحق والباطل، واختفت هذه الردود في زوايا الإهمال، حتى كأنها لم تكن!\nوبقيت كتب الباطل تسرح وتمرح، وازداد نشاطها لتفسق في الأرض، وتنشر الفساد والضلال.\n_________\n(١) كتب ليست من الإسلام (ص.٤٧ - ٤٨).","vol":"10","page":470},{"text":"وقد كان المفروض في هذه الدسائس والأكاذيب أن تندثر بعد منيّة كاتبها؛ فتموت بموته. ولكن من وراء نشرها والدعاية لها والإنفاق عليها الدوائر والمراكز التي سبق ذكرها، لاستمرار دولة الباطل على تمثيل دورها الإجراميّ المدمّر ...\nلهذا كلّه سارعت لإنقاذ الموقف، فأصدرت هذا الكتاب الضخم، انتصارًا للحقّ وحماية للأجيال المسلمة، جمعت فيه أغلب هذه الردود القويّة، والشموس الساطعة، والقذائف الرّهيبة على الباطل.\nاقرأه بتدبّر وإمعان، تطّلع على حقائق مذهلة وآثار قيمة منسية لا توجد في غيره، مما لا غنى عنه! ..\nوقد سار طه حسين قُدُمًا، في طريقه هالة من الخداع والتضليل والحماية تحت أسماء التجديد والتقدّم العصريّة والبحث العلميّ، وظهرت الأجيال الجديدة من الشباب في هذا الجوّ المطعم بالخرافة الأسطورية، فلم تستطع أن تتبيّن وجه الحق، بعدما رأت ما أطلق عليه عميد الأدب محاطًا بهالة من التبرير والدوي، فلم تعرف حقيقة الدور الذي قام به في مجال التغريب والغزو الثقافي، فكان لا بد أن ينطلق للحق لسان ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١). ومن ثم كانت هذه المحاولة السريعة التي نقدمها اليوم بين يدي القارئ ... (٢)\n_________\n(١) الأنبياء الآية (١٨).\n(٢) طه حسين في ميزان العلماء والأدباء (ص.٧ - ٨).","vol":"10","page":471},{"text":"- ثم قال: ما كاد طه حسين المسمى بعميد الأدب العربي، يرحل من الدنيا، حتى سارع أنصاره ومحبّوه وكثير من طلابه ومن وراء كلّ ذلك المستشرقون من أعداء الإسلام، إلى تصنيف الكتب العديدة عن مزاياه وجهاده ليبهروا أصحاب العقول البسيطة، والنفوس الضعيفة بعظمته المزعومة ويفرضوا على الناس آراءه الإلحادية والهدامة.\nومن هذه المؤلفات كتاب 'قاهر الظلام' اطلعت عليه في واجهات بعض المكتبات، ولم تطاوعني نفسي حتى على تصفحه لما في عنوانه من خداع وتعريض بالإسلام. ومثله كتاب 'طه حسين وزوال المجتمع التقليدي'!\nومما يؤسف له أننا لم نجد من العلماء والأدباء المؤمنين من تصدى لهذا (العميد) ولأتباعه بعد موته كما تصدى العلماء والأدباء الغيارى في حياته في أوائل هذا العصر، فكشفوا عن تآمره على الإسلام وعلى لغة القرآن وتجنيه على الحقيقة والتاريخ وعبثه بعقول الكثير من السذج والمخدوعين.\nوقد أصدرت له بعد موته دور النشر التجارية التي قد تكون مخدوعة بشهرته الواسعة، أو مدفوعة بالربح الماديّ، المؤلفات الكاملة له، مع مقدمات إضافية عن قيمتها العلمية والأدبية المزعومة، ناسية أو متناسية تبعتها أمام الله العظيم في تضليل الأجيال، وهو القائل: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ (١).\nولما كان السكوت عن هذه المؤلفات يعدّ جبنًا وهزيمة بل مؤامرة على\n_________\n(١) يس الآية (١٢).","vol":"10","page":472},{"text":"الإسلام وبعدًا عن الحق وتجنيًا عليه، رأيت من واجبي أن أجمع أقوال أكثر العلماء والأدباء الكبار الذين تصدوا لطه حسين في أوج مجده المصطنع، وبرهنوا بالحجج الدامغة والأدلة الساطعة على ضلاله وزيفه، وحطموا شخصيته الموهومة، وذلك خدمة للحق الناصع ودفاعًا عن الحمى المستباح، وإنقاذًا للأجيال الحاضرة والمستقبلة من أن تقع فريسة للخداع البراق والزائف.\nوقد وقعت فعلًا، وظهرت بوادر ظاهرة رهيبة منذ سنوات، لا تزال مستمرة، تتلخص بجرأة بعض الكتّاب على القرآن واتهامه بالتناقض، ونعتهم قصصه بالأساطير -كما قال طه حسين من قبل- ووصفهم الله جلّ شأنه بالمكر والتناقض والخداع، مما لم نكن نعهده من قبل كأمثال صادق العظم في كتابه 'النقد الفكري والديني' وأمثاله، وقد ردّ عليه بعض العلماء والكتّاب أمثال الأخ المؤرخ والعالم الغيور 'محمد عزة دروزه' في كتابه 'القرآن والملحدون' وغيره.\nولو درسنا الأسباب متعقبين الحوادث لوجدنا ذلك نتيجة مؤلفات طه حسين. ومن المؤلم أن أحدًا -كما أعلم- ممن ردّ على صادق العظم وغيره لم يذكر من قريب أو بعيد أن ذلك من نتائج أقوال من سمي بعميد الأدب فهو المسؤول الأول ... وخاصة بعد اختفاء آثار كبار العلماء والأدباء الذين ردّوا عليه وأوضحوا مبلغ تجنيه على الحق وبُعده عن الصواب، الأمر الذي يفيد في ردع الضالين وتنبيه الغافلين وتحذير المبتدئين. (١)\n_________\n(١) طه حسين في ميزان العلماء والأدباء (ص.٩ - ١٠).","vol":"10","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3507>موقفه من الصوفية:</span>\nقال في مقدمة رسالته 'كتب ليست من الإسلام': وبعد فإن القارئ والقارئة سيفاجآن -على الغالب- حين دراسة هذه الرسالة، بحقائق مذهلة، عما جاء في بعض الكتب المسماة إسلامية! من مبالغات وضلالات وشركيات، انكب عليها غالبية المسلمين في كثير من بلدان العالم الإسلامي، ويا للأسف، يتلون ما جاء فيها آناء الليل وأطراف النهار، مما صرفهم عن كتاب ربهم سبحانه، وحديث نبيهم محمد. وقد جاء فيها كثير من الأحاديث الموضوعة والأخبار الملفقة الكاذبة الخاطئة، ليغري مؤلفوها المسلمين بتلاوتها، متعهدين لمن يثابر على ذلك بالثواب الجزيل والأجر العظيم مما ينكره الشرع، ولا يتصوره العقل، فإن الله سبحانه لا يعبد بالضلالات والخرافات ...\nوراح البوصيري ناظم 'البردة' يزعم كاذبًا أنه أصيب بالفالج، فأنشدها للرسول - ﷺ - في المنام، فسر بها وكساه بردته، فاستيقظ في الصباح معافى، مما تكذبه الأحاديث، كما يكذبه الواقع والتجربة، الأمر الذي يجعل الكثيرين من الجهلة والمغفلين وأدعياء العالم ينشدونها، ويتلونها كما يتلون القرآن، ويكتبونها في الآنية ويشربون ماءها، مع ما فيها من الضلالات والشركيات، وكل ذلك بدعة ضلالة، فلم يعرف عن الرسول - ﷺ - أنه فعل ذلك أو أمر به!\nوقد رأيت إنقاذًا للموقف، وحرصًا على إيمان المسلمين مما في هذه الكتب من خرافات ووثنيات، التحدث عن كل منها بما تيسر، للكشف عما فيها من أفكار خبيثة وشركيات مضللة، تتفطر منها القلوب، وتشيب من هولها الرؤوس، وتتقزز من سخفها النفوس، خفيت على الكثيرين -ويا","vol":"10","page":474},{"text":"للخسارة- فأبعدتهم بسبب الجهل والغفلة والشهرة الطاغية، عن كتاب ربهم العظيم، وهو الدستور الإلهي الذي من عمل به اهتدى، ومن تركه ضلّ ضلالًا بعيدًا. وفي تلاوته -وخاصة مع التدبر- الثواب الجزيل مما لا يتوفر في غيره. وقد قال النبي - ﷺ -: «من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها! لا أقول: (ألم) حرفًا: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١) رواه الترمذي، وسنده صحيح، كما قال المحدثون. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيحبّ أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات (الناقة) عظام سمان؟ قلنا: نعم! قال: فثلاث آيات من يقرؤهن أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خلفات عظام سمان» (٢) رواه مسلم. وقال - ﷺ -: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» (٣) رواه مسلم.\nهذا -ولا شك- أن بعض أنصار هذه الكتب المشؤومة، كالعامة وسدنة القبور والمغفلين من المتعامين سيشيعون بين الناس -كما هو شأنهم في محاربة كل إصلاح، للتنفير من دراسة هذه الرسالة: (إننا لا نحب الرسول - ﷺ - ونكره الصلاة عليه) ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ\n_________\n(١) أخرجه من حديث ابن مسعود: الترمذي (٥/ ١٦١/٢٩١٠) وقال: \"حسن صحيح غريب من هذا الوجه\"، والحاكم (١/ ٥٦٦) وصححه.\n(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٤٦٦) ومسلم (١/ ٥٥٢/٨٠٢) وابن ماجه (٢/ ١٢٤٣/٣٧٨٢).\n(٣) أخرجه من حديث أبي أمامة: أحمد (٥/ ٢٤٩) ومسلم (١/ ٥٥٣/٨٠٤).","vol":"10","page":475},{"text":"إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ (١)، وذلك ليفسدوا علينا خطتنا الإصلاحية في محاربة البدع والضلالات.\nفنأمل من المسلمين الواعين مساعدتنا في إحباط هذه المؤامرة، والابتعاد عن هاتين المفسدتين: 'دلائل الخيرات' و'البردة' بعد أن يتحقق لهم البرهان من القرآن والسنة على صحة ما نقوله، لإنقاذ المسلمين من العقائد والأفكار الزائفة، ليكتب لنا الثواب معًا إن شاء الله تعالى.\nوالله سبحانه يشهد، وهو خير الشاهدين، أننا ما نشرنا هذا البحث إلا غيرة على القرآن وحماية للتوحيد وحبًّا بالرسول - ﷺ -، وحرصًا على المسلمين الحريصين على الصلاة على النبي، وهي خير موضوع لما فيه من الثواب العظيم والأجر الجزيل، فقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (٢) وقال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: «من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرة» رواه مسلم (٣)، وهناك أحاديث عديدة في فضل الصلاة على النبيّ وعظيم ثوابها. (٤)\n- وله ردود على كل من 'دلائل الخيرات' للجزولي، و'الطبقات'\n_________\n(١) الكهف الآية (٥).\n(٢) الأحزاب الآية (٥٦).\n(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٣٧٢) ومسلم (١/ ٣٠٦/٤٠٨) وأبو داود (٢/ ١٨٤/١٥٣٠) والترمذي (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦/ ٤٨٥) وقال: \"حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح\". والنسائي (٣/ ٥٧ - ٥٨/ ١٢٩٥).\n(٤) كتب ليست من الإسلام (ص.٣ - ٦).","vol":"10","page":476},{"text":"للشعراني، و'الأنوار القدسية' له، و'تائية ابن الفارض' وغيرها من الكتب المعتمدة في التصوف. قال رادا على الأنوار القدسية: يقول الشعراني تحت عنوان (لا ذكر بعد المشاهدة): ثم إذا دخل الحضرة وحضر قلبه مع الحق تعالى فليسكت حينئذٍ، لأنه لا معنى للذكر اللفظي مع شهود الحق تعالى، ثم قال:\nبذكر الله تزداد الذنوب ... وتنطمس البصائر والقلوب!!\n\nويقول الشعراني تحت عنوان (من شأن المريد أن لا يقول لشيخه: لِمَ؟). وقال أيضًا: (من ظهر له في شيخه نقص عدم النفع به) ويقول أيضًا: وسمعت شيخ الإسلام الشيخ برهان الدين بن أبي شريف ﵀ يقول: (من لم ير خطأ شيخه أحسن من صوابه هو لم ينتفع به). وقال أيضًا: وكان يقول: (المريد الصادق مع شيخه كالميت مع مغسله لا كلام ولا حركة ولا يقدر ينطق بين يديه من هيبته، ولا يدخل ولا يخرج ولا يخالط أحدًا ولا يشتغل بعلم ولا قرآن ولا ذكر إلا بإذنه: لأنه أمين على المريد فيما يرقبه، وربّ عمل فاضل دخلته النفس وصار مفضولًا).\nويقول الشعراني: (وزار أبو تراب النخشي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي فلما قدم خادمه السفرة قالا له: كل معنا يا فتى، فقال: إني صائم، فقال له أبو تراب: كل ولك أجر صوم سنة فقال: لا، فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين رعاية الله ﷿ فسرق ذلك الشابّ بعد سنة فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ).\nوقال الشعراني: (وسمعت سيدي علي الخواص ﵀ يقول: لا يبلغ","vol":"10","page":477},{"text":"أحد مقام الإخلاص في الأعمال حتى يصير يعرف ما وراء الجدار وينظر ما يفعله الناس في قعور بيوتهم في بلاد أخرى). ويقول أيضًا: (والله ما صدق مريد في محبة الطريق إلا نبعت الحكمة من قلبه وصار يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي بإذن الله). ويقول أيضًا: (وكذلك بلغنا سيدي محمد الشوعي أحد أصحاب سيدي مدين والمدفون في زاويته تجاه قبته، إنه تزوج بكرًا فمكثت معه يسيرًا ومات عنها وهي بكر، وكان قال لها: لا تتزوجي بعدي أحدًا أقتله، فلما مات خطبها شخص واستفتى العلماء بها فقالوا له: هذا خاص برسول الله - ﷺ -، فدخل بها فلما جلس عندها قبل أن يمسها خرج الشيخ له من الحائط بحربة فطعنه فمات لوقته). وذكر بعدها عدة قصص مثل ذلك، وختم هذه الحكايات بقوله: (هذه وقائع فمن شك فليجرب، اللهم إلا أن يأمر الشيخ بذلك لما يرى لزوجته من الحظ والمصلحة مثلًا فلا بأس بذلك، فينبغي للمفتي في ذلك أن يتوقف ويقول: أنا لا أفتي على أحد من أرباب الأحوال).\nونختتم الكلام عن هذا الكتاب بهذه القصة: قال الشعراني: (وحكى لي خادم سيدي أبي الخير الكليباني أن شخصًا أتاه وأخبره أنه قال للشيخ: (إن زوجتي حامل وقد اشتهت مامونية حموية ولم أجدها، فقال له الشيخ: ائتني بوعاء، فأتاه به فتغوط له فيها مأمونية حموية سخنة، فقال الخادم: وأكلت منها لعدم اعتقادي أنها غائط.\nلا شك أن القارئ تألم كثيرًا من هذه الانحرافات والضلالات والسخافات التي جاءت في كتاب 'الأنوار القدسية'، ولكن ما قوله إذا","vol":"10","page":478},{"text":"ذكرت له أن لجنة في مصر -في بلد الأزهر- تألفت -ولا شك أن أغلب أعضائها منه- 'لإحياء التراث الصوفي'. وقد حَقَّقَتْ كتاب 'الأنوار القدسية' وقد علّق عليه أحد أعضائها!! وهي خليقة أن تسمى: 'الظلمات الصوفية'!\nلمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إخلاص وإيمان. (١)\n- وقال أيضًا رادًّا على حِكم ابن عطاء الله السكندري:\nأ- أقوال يؤيد فيها نظرية وحدة الوجود القائلة بأن الخالق والمخلوق واحد ومثلها نظرية الاتحاد والحلول، وكل ذلك كفر!\n١ - (كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان).\nإن القسم الأول من هذا الكلام حديث صحيح، والقسم الثاني وحدة وجود، فصار المعنى: كان الله ولا شيء معه، والآن هو لا شيء معه! أي: أن الله والكون واحد!\n٢ - (ما حجبك عن الله وجود موجود معه، إذ لا شيء معه! ولكن حجبك عنه، توهم موجود معه).\n٣ - (كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الواحد الذي ليس معه شيء)!\n٤ - (أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوَّن، فإذا شهدته، كانت الأكوان معك).\n٥ - (ما العارف من إذا أشار، وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل\n_________\n(١) كتب ليست من الإسلام (ص.٧٢ - ٧٥).","vol":"10","page":479},{"text":"العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده).\n٦ - (الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهور الحق فيه، فمن رأى الكون، وشهده فيه أو عنده أو قبله، أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس العارف، بسحب الآثار).\n٧ - (علم منك أنك لا تصبر عنه، فأشهدك ما برز منه).\n٨ - (لولا ظهوره في المكونات! ما وقع عليها أبصار، ولو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته).\n٩ - (الفكرة فكرتان: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان! فالأولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار).\nب- أقواله في النهي عن دعاء الله، مما لا يقول به من لديه إنارة من علم أو إيمان:\n١ - (سؤالك منه اتهام له).\nويستدلّ ابن عطاء الله على ذلك بحديث باطل على لسان إبراهيم ﵊: حسبي من سؤالي علمه بحالي، وهو مخالف للآيات والأحاديث الكثيرة التي تحض على دعاء الله كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ وقوله سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١).\n٢ - (من عبده لشيء يرجوه منه، أو ليدفع عنه ورود العقوبة منه، فما قام بحق أوصافه).\nهذا الكلام هو كقول رابعة العدوية المنحرف: (ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا رغبة في جنتك، ولكني عبدتك لأنك أهل للعبادة) وهذا مخالف لعبادة الملائكة الذين يخافون ربهم من فوقهم، وعبادة الأنبياء الذين يعبدون الله سبحانه رغبًا ورهبًا!.\n٣ - (لا تطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج).\n٤ - (ربما دلهم الأدب إلى ترك الطلب).\nليت هذا الجاهل علم أن الأمر بالعكس، فإن ترك الطلب هو العصيان، وقلة الأدب!\n٥ - (من عبده لشيء يرجوه منه، أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه، فما\n_________\n(١) غافر الآية (٦٠).","vol":"10","page":480},{"text":"قام بحق أوصافه).\n٦ - (إنما يذكر من يجوز عليه الإغفال، وإنما ينبه من يمكن منه الإهمال) ترى لماذا كان الرسول - ﷺ - يكثر من الدعاء ويأمر به إلى درجة الإلحاح!\n٧ - (ربما استحيا العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه لاكتفائه بمشيئته (!) فكيف لا يستحي أن يرفعها إلى خليقته) لقد سمح لنا الشارع الحكيم أن نرفع حاجتنا إلى الناس، على أن نعتقد أنه هو المعطي.\n٨ - (كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك؟ أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك) ومعنى ذلك أن تبقى خشبًا مسندة!!","vol":"10","page":481},{"text":"٩ - (كيف أشكو إليك حالي وهي لا يخفى عليك).\nج - أقوال تشجع على ارتكاب المعاصي:\n١ - (أنت إلى حلمه إذا أطعته، أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته).\n٢ - (ربما فتح لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك بالذنب، فكان سببًا بالوصول).\nهذا الكلام تشجيع على ارتكاب الذنوب، فما فتح سبحانه باب الطاعة إلا ليكافئ عليها. جاء في القرآن العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ (١).\nد- أقوال تشجع على تعطيل المواهب والعزائم وتدعو إلى التماوت وترك التدبير:\n١ - (أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك، لا تقم به لنفسك). وقد تكلمتُ عن ذلك مفصلًا حين الكلام على كتاب ابن عطاء الله المسموم والمضلل: (التنوير في إسقاط التدبير).\n٢ - (سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار) فما أدرانا بهذه الأقدار؟! وقد علمنا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أن نفر من قضاء الله إلى قضاء الله ... وقد حضنا الرسول - ﷺ - بقوله: «احرص على ما ينفعك ولا تعجز» (٢).\n٣ - (إذا فتح لك وجهة من التعرف، فلا تبالِ معها إن قلّ العمل ...).\n_________\n(١) الأنبياء الآية (١٠١).\n(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٣٦٦) ومسلم (٢/ ٢٠٥٢/٢٦٦٤) وابن ماجه (١/ ٣١/٧٩).","vol":"10","page":482},{"text":"٤ - (ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه) أين كل هذا من قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ (١)!؟\nهـ - أقوال متناقضة وسخيفة:\n١ - (جل ربنا أن يعامله العبد نقدًا، فيجازيه نسيئة) إذا كان الأمر كما قال، فما الفائدة من الآخرة؟!\n٢ - (إنما جعل الدار الآخرة محلًا لجزاء عباده المؤمنين، لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأنه أجلَّ أقدارهم عن أن يجزيهم في دار لا بقاء لها).\n٣ - (العطاء من الخلق حرمان (!)، والمنع من الله إحسان!).\nإذا كان الأمر كما يقوله هذا الجاهل، فلماذا أمرنا الرسول - ﷺ - بقوله: «من لا يشكر الناس، لا يشكر الله» (٢) ولا أدري كيف يكون عطاء الله سبحانه إذا لم يكن عن طريق الناس؟! وقد قال الخليفة عمر ﵁: إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض، فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة!\n٤ - (من أطلق لسانك بالطلب، فاعلم أنه يريد أن يعطيك). أين هذا الكلام من سخف قوله وقد سبق ذكر: (طلبك منه اتهام له)؟!.\n٥ - (إن أردت أن لا تعزل، فلا تتولَّ ولاية لا تدوم لك) وأيّ شيء\n_________\n(١) الفرقان الآية (٧٤).\n(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٢٥٨) وأبو داود (٥/ ١٥٧ - ١٥٨/ ٤٨١١) والترمذي (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩/ ١٩٥٤) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". والبخاري في الأدب المفرد (رقم ٢١٨) وابن حبان (٨/ ١٩٨ - ١٩٩/ ٣٤٠٧ الإحسان).","vol":"10","page":483},{"text":"يدوم في هذه الدنيا؟!، وقد طلب هذه الولاية يوسف ﵇ من عزيز مصر: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ (١) وإذا لم يتولَّ الصالحون الوظائف، فهل يتركونها للأشرار؟!\n٦ - (كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك؟! أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك؟) (!)\n٧ - (إلهي! حكمك النافذ، ومشيئتك القاهرة، لم يتركا لذي مقال مقالًا، ولا لذي حال حالًا).\n٨ - (إلهي! كيف أعزم، وأنت القاهر؟ وكيف لا أعزم وأنت الآمر؟).\nأكتفي بهذا القدر من النقل من هذه النقم التي سميت بالحكم! وهي لا تزال تدرس في كثير من المعاهد حتى الأزهر، ويوصي بها جهلة الشيوخ طلابهم، وقد وصفها بعض أدعياء العلم الحمقى بقوله: (لو جازت الصلاة بغير كتاب الله، لجازت بحكم ابن عطاء الله)!! ومعنى ذلك أنه فضلها على حديث رسول الله - ﷺ -. وقد أثنى على هذه الحكم الدكتور محمد عبيد الرحمن البيصار شيخ الجامع الأزهر الحالي في مقدمته لكتاب 'التنوير ... ' فقال: (وحكم ابن عطاء الله تمضي بين الناس في رحلة خالدة! وكأنها شمس تنير للحيارى ظلام الطريق)!!\nوقد شرح هذه الحكم الصوفي المحروق ابن عجيبة بكتاب سمّاه 'إيقاظ الهمم' وهو جدير بأن يسمّى 'إماتة الهمم' وقد زعم في مقدمته أن الرسول\n_________\n(١) يوسف الآية (٥٥).","vol":"10","page":484},{"text":"- ﷺ - اختص بعض الصحابة بعلم الباطن، ومعنى ذلك أنه كتم شيئًا من الدين عن المسلمين. وقد حقق هذا الكتاب أخيرًا مثنيًا عليه الدكتور عبد الحليم محمود.\nوقد سجدت إلى الله تعالى سجدة شكر لما علمت بموته، فقد ملأ العالم الإسلامي بكتب الفلسفة السخيفة المارقة والصوفية الخرقاء الهدامة، وقد أمر بهدم قبة مسجد البدوي وبناء قبة أكبر منها، وإضافة مئذنة أخرى له، ليزيد من إضلال المسلمين الذين يطوفون حول قبره ويستغيثون به ويدعونه عند الشدائد أمام أكثر شيوخ الأزهر الساكتين عن الحق ... مما هو شرك بواح ... وقد أوصى هذا الدكتور بدفنه في المسجد الذي شيده في شارع الزيتون بالقاهرة، مع أن الرسول - ﷺ - لعن من يفعل ذلك في أحاديث عديدة، فكتب له الأخ المكرم سماحة الشيخ الجليل عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، ينهاه عن الإقدام على هذا العلم المنحرف المخالف للشريعة، ويحذره من أن يكون قدوة سيئة لمن بعده من المسلمين بصفته شيخًا للأزهر! ومن مؤلفات هذا الدكتور ويا للأسف! رسائل عن الشاذلي والمرسي والبدوي من الصوفية والتفكير الفلسفي في الإسلام، مما يحتاج إلى كتاب ضخم في نقد ما كتب عنهم، وخاصة عن البدوي، فقد زعم في رسالته عنه أنه ذهب إليه في طنطا، واستأذنه في الكتابة عنه!! فأين عمله هذا من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ","vol":"10","page":485},{"text":"بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ (١)! ومثله كتابه 'التفكير الفلسفي في الإسلام' مع أن هذا الإسلام حرب على كل فلسفة، والفلاسفة المسمون مسلمين، وإن كان لهم وجه علمي مشرق، فهم في الفلسفة أتباع أرسطو معلمهم الأول كما يسمونه، وقد كفرهم حتى الغزالي في كتابه: 'المنقد من الضلال' مع العلم أن فيه كثيرًا من الضلالات، في مقدمتها أنه زعم أن طريق التصوف الضال المهترئ، هو الطريق الوحيد الموصل إلى الله، لا طريق الكتاب والسنة، كبرت كلمة تخرج من فيه إن يقول إلا ضلالًا وكذبًا!\nومما يجدر ذكره أن هذا الدكتور حارب في آخر حياته الفلسفة في آخر رسالة له في سلسلة 'كتابك' وأثبت أنها لا توصل إلى الحقيقة، وبذلك هدم كل ما بناه من الفلسفة بعدما ضلل بها الكثيرين، ومما يؤسف له أن كتابه 'التفكير الفلسفي في الإسلام' الذي نحن بصدد الكلام عليه طبع طبعة جديدة بعد موته، ليستمرّ في فساد الأجيال! فكم كان جديرًا بهذا الدكتور بعد رسالته الأخيرة أن يعلن تبرأه من جميع كتبه الفلسفية، لينجو من تبعيتها بعد موته، وقد قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ (٢)! وخاصّة وقد صرّح في الرسالة المذكورة (كتابك: ص.٦٠): (إن هذا المنهج اليهودي -أي: المنهج الفلسفي- الذي رسموه بعد تفكير طويل، والتزموا القيام به بكل الوسائل أو بكل الطرق، وهو مذهب التشكيك في القيم والمثل والعقائد\n_________\n(١) فاطر الآية (٢٢).\n(٢) يس الآية (١٢).","vol":"10","page":486},{"text":"والأخلاق. يستخدمون هذا المنهج في المجالات المختلفة لإفساد المجتمعات وتحلّلها أخلاقيًا ودينيًا، و...\nإن اليهود يهدفون من وراء كلّ ذلك إلى السيطرة على العالم! إنهم يحطمون القيم والمثل حتى لا يكون في المجتمعات قوة من عقائد، أو قوة من حق! ومن أجل ذلك تعاونوا على أن تكون لهم الكلمة الأولى في الجامعات في علم الاجتماع وفي علم النفس، وفي مادّة الأخلاق، وفي تاريخ الأديان، وفي الفلسفة ...).\nومن عجيب أمر هذا الدكتور أنه بعدما ثبت له عقم طريق الفلسفة وأنه لا يوصل إلى الحقيقة، وهو منهج اليهود لتضليل الأجيال وانحرافها، بقي على ضلاله وزعم زورًا وبهتانًا أنه طريق الكتاب والسنة: طريق الاتباع!! فكان مما قاله: (... وجدت في جوّ الحارث بن أسد المحاسبيّ الهدوء النفسي، أو الطمأنينة الروحية، ولكنه هدوء اليقين، وطمأنينة الثقة بما يعلم ...) (ص.٦٢).\nوهذا الكلام من الدكتور عبد الحليم يدلّ على جهل بالسنة وعدم اطلاع على آثار السلف الذين ذمّوا الحارث المحاسبي ونهوا المسلمين عن مخالطته. وقد تعلّق به الدكتور فسبّب له هذا الانحراف والعياذ بالله.\nذكر الخطيب البغداديّ بسنده إلى سعيد بن عمر البردعي قال: (شهدت أبا زرعة -وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه- فقال للسائل: إيّاك وهذه الكتب!! هذه كتب بدع وضلالات! عليك بالأثر - إلى الكتاب والسنة، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب، قيل له: في هذه عبرة،","vol":"10","page":487},{"text":"فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك ابن أنس وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس، وهذه الأشياء! هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم! يأتون مرة بالحارث المحاسبي وعدد أسماء بعض الصوفية. ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع!).\nويقول الحافظ ابن رجب في كتابه 'جامع العلوم والحكم' (ص.٢٢٣): (وإنما ذمّ أحمد وغيره المتكلمين -ومنهم الحارث المحاسبي- على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي) ومن يطالع كتاب 'تلبيس إبليس' للإمام ابن الجوزي وما كتبه عن الحارث المحاسبي وانحرافاته، يجد العجب العجاب!\nمما سبق ندرك خطر بعض الكتب التي ليست من الإسلام والتي يجب تحريقها ونسفها في اليمّ نسفًا، لإنقاذ المسلمين منها، فهي من أهم أسباب تخديرهم وضلالهم وضعفهم واستيلاء الأعداء عليهم، فأذاقوهم صنوف العذاب.\nكما هي من أسباب جلب الطعن بالإسلام من قبل خصومه، فينسبون إليه ما هو منه براء!. (١)\nوله آثار سلفية أخرى نفع الله بها نفعًا عظيمًا. فجزاه الله خيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3508>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال: ومما يؤسف له ويبعث في النفس الأسى أن المسائل التي يدور\n_________\n(١) كتب ليست من الإسلام (ص.٨٧ - ٩٧).","vol":"10","page":488},{"text":"عليها علم الكلام قديمًا، قد زالت من الأذهان كخلق القرآن والجوهر والجسم ومسألة ذات الله تعالى وصفاته التي ذكرتها سابقًا، ونشأت مشكلات أخرى في العصور المتأخرة كقانون الصدفة والمادة، وهل هي ثابتة أم تزول، وقضية النشوء والتطور وغير ذلك. فمن الحماقة والجنون دراسة علم الكلام القديم وإهمال البحث في هذه الموضوعات. (١)\n- وقال أيضًا: ومن أعظم جرائم علماء الكلام فتح الباب على مصراعيه للمؤولين من الفلاسفة، فراحوا يدعون أن للقرآن ظاهرًا وهو للعوام، وباطنًا وهو للخواص، وأن هناك شريعة وحقيقة. فخرجوا من الإسلام وهم يظنون أنهم لا يزالون مسلمين!\nوقد كان هذا التأويل الذي بدأ من عند علماء الكلام أعظم نكبة أصابت المسلمين، وأبعدتهم عن دينهم، فانقسموا إلى فرق متعددة ذكرهم رسول الله - ﷺ - بقوله: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار! وواحدة في الجنة، وهي: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي (٢).\nوقد حكي أن ملكًا كتب إلى عماله في البلدان أني قادم عليكم، فاعملوا كذا وكذا ففعلوا إلا واحدًا منهم. فإنه قعد يفكر في الكتاب فيقول: أترى كتبه بمداد أو بحبر؟ أترى كتبه قائمًا أو قاعدًا؟ فما زال يتفكر حتى قدم الملك، ولم يعمل مما أمره به شيئًا! فأحسن جوائز الكل وقتل هذا!!\n_________\n(١) كتب ليست من الإسلام (ص.١١١).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).","vol":"10","page":489},{"text":"ومن أعظم الأدلة على بطلان علم الكلام اختلاف المتكلمين، فقد انقسموا إلى معتزلة وماتريدية وأشاعرة وغيرهم. فلو كان علم الكلام يؤدي إلى الحق، لكانوا جميعًا في صف واحد، ولما كفر بعضهم بعضًا. وأغلبهم -ويا للأسف- وقعوا في حمأة التأويل فأوّلوا وعطّلوا صفات الله سبحانه، خلافًا لرأي السلف الذين لا يؤولون ولا يعطلون ولا يشبهون ولا يجسمون. بل يفوضون ويصفون الله سبحانه كما وصف به نفسه وكما وصفه رسوله - ﷺ - دون تشبيه ولا تأويل. وقد سئل الإمام مالك عن قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة. (٢)\n- وله ردٌّ طيّب على كتاب 'الفلسفة والحقيقة' لعبد الحليم محمود.\n\nمحمد صفوت الشوادفي (٣) (١٤٢١ هـ)\nمحمد صفوت أحمد يوسف الشوادفي، ولد في قرية الشغانبة من ضواحي مدينة بلبيس سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، تربى في أحضان أسرة أصيلة متأصلة على مبادئ الشريعة الغراء تخرج في كلية الاقتصاد وحصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصادية سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لثمان وسبعين وتسعمائة وألف\n_________\n(١) الأعراف الآية (٥٤).\n(٢) كتب ليست من الإسلام (ص.١١٤ - ١١٥).\n(٣) 'صفوت الشوادفي في ركب العلماء' لأحمد سليمان ومجلة الفرقان (العدد ١٢٥/ص.٤٥) ومجلة التوحيد السنة التاسعة والعشرون العدد السادس جمادى الآخرة إحدى وعشرين وأربعمائة وألف.","vol":"10","page":490},{"text":"ميلادي، وكان أحد قادة الصحوة الإسلامية، حيث قاد الدعوة بكلية الاقتصاد أيام أن كان طالبا فيها، وألف مجموعة كانت تدعو العلماء إلى الكلية لإلقاء المحاضرات الدينية، ولما تخرج من الجامعة لم يلبث في الوظيفة إلا قليلا، ثم سافر إلى السعودية حيث سمع من شيوخ أمثال فضيلة الشيخ بن باز ﵀ والشيخ ابن عثيمين، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، وكانت له علاقات طيبة معهم، وقد كان لهذا السماع أثره في تكوين عناصر فكره الديني، فقد أفاد كثيرا في تأصيل المسائل الفقهية، فجمع ﵀ بين ترتيب الفكر وتنظيمه، وبين تأصيل المنهج وتقويمه.\nولم يكتف الشيخ -﵀- بما قرأ أو سمع في السعودية، بل التحق بكلية أصول الدين بالزقازيق، رغبة في الحصول على الإجازة العالية.\nسكن مدينة بلبيس ورأس فرع جماعة أنصار السنة المحمدية ببلبيس، وقد كان له جهد مشكور في بناء مجمع التوحيد ببلبيس، بل كانت له بصمات واضحة في الدعوة وأعمال البر، ولما انتقل إلى مدينة العاشر من رمضان أنشأ فرعا للجماعة.\nاختير عضوا في مجلس إدارة المركز العام لجماعة أنصار السنة المحمدية عام إحدى عشر وأربعمائة وألف للهجرة الموافق لإحدى وتسعين وتسعمائة وألف ميلادي، وعهد إليه تنظيم إدارة الدعوة.\nكان -﵀- حريصا على اتصال الجماعة بمشيخة الأزهر في عهد شيخ الأزهر السابق الشيخ جاد الحق ﵀ وبعده، فأعاد بذلك مسيرة الشيخ حامد الفقي وعبد الرحمن الوكيل وخليل هراس، حيث كانت لهم","vol":"10","page":491},{"text":"علاقات طيبة بشيوخ الأزهر وعلمائه.\nتوفي ﵀ مساء ليلة الجمعة سبعة عشر جمادى الأولى لسنة تسعة عشر وأربعمائة وألف، إثر حادث أليم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3510>موقفه من المبتدعة:</span>\nكان ﵀ رئيس تحرير مجلة التوحيد، ومن خلال هذه المجلة كان يطلع القراء على بديع مقالاته التي تلمس منها غيرة على هذا الدين، وشفقة على المؤمنين العازفين عن كتاب ربهم وسنة نبيهم - ﷺ -، فكانت له مواقف مشرفة منها:\nقال ﵀: فإننا ننبه إلى قضيتين:\nالأولى: أن دعوة التمسك بالكتاب والسنة يدعيها كل الفرق والطوائف والطرق الصوفية والجماعات والجمعيات، وفي هؤلاء من هو صادق ومن هو كاذب .. وعلامة الصدق: مطابقة القول والفعل بمعنى اتباع السنة قولا وعملا لا قولا فقط.\nالثانية: كل من دعا إلى سنة أو حارب بدعة أو حذر من ضلالة يرميه خصومه بأنه يفرق الأمة؟!! فإذا لم تكن الدعوة إلى الله قائمة على الدعوة إلى السنة والتحذير من البدعة وتصحيح المفاهيم وتوضيح العقيدة الصحيحة فعلى أي شيء تقوم الدعوة؟!! (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3511>موقفه من المشركين:</span>\nخصص ﵀ في مجلة التوحيد حلقات متواليات يبين فيها كيد\n_________\n(١) نقلا عن رسالة صفوت الشوادفي في ركب العلماء (ص.٢٠).","vol":"10","page":492},{"text":"اليهود ابتداء من نشأتهم إلى يومنا هذا، ومحذرا من خطرهم وسياستهم الدفينة البغض للإسلام والمسلمين. كما فضح ﵀ العلمانية وبين خطرها على الأمة المحمدية، فقال: العلمانية لا صلة لها بالعلم من قريب أو بعيد!! بل هي ضد العلم وضد الدين، وقد جاء تعريفها في دائرة المعارف البريطانية بأنها: (حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس، وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها)!. وهي وبهذا التعريف الواضح لا تهدف فقط إلى فصل الدين عن الدولة، وإنما تهدف إلى فصل الدين عن الحياة كلها، أو بمعنى أكثر وضوحا تهدف إلى القضاء على الدين، وبهذا يكون تعريفها الصحيح هو (العلمانية حركة اجتماعية تهدف إلى القضاء على الدين، وإقامة المجتمع اللاديني). وقد تسللت العلمانية إلى كثير من بلاد المسلمين خاصة في مصر! وتهدف العلمانية في مصر إلى القضاء على الإسلام بصورة متدرجة! تحت شعار محاربة التطرف! وكل من وقف في طريقهم أو اعترض على أقوالهم فهو متطرف، ولو كان شيخ الأزهر!!.\nويتبع العلمانيون نفس الخطة التي وضعها ستالين للقضاء على الدين في الاتحاد السوفيتي سابقا، وباءت بالفشل!!.\nوتنقسم خطة ستالين إلى ثلاث مراحل:\nالمرحلة الأولى: مهادنة الدين، وإيهام أصحابه أنهم أحرار في عقائدهم، وقد انتهت هذه المرحلة التي كانت أقلام العلمانية فيها تظهر احترام الإسلام، وتوقير علماء الأزهر، وتكتفي فقط بالكتابة عن الحب، والإثارة الجنسية، والتماثيل، والفنون، والأفلام، والأغاني ... إلخ.","vol":"10","page":493},{"text":"المرحلة الثانية: محاولة تنقيح الدين، وتطويره! ومعنى ذلك تفسيره تفسيرا ماركسيا، مستغلين النقاط التي تلتقي فيها الماركسية مع الدين. وفي هذه المرحلة أيضا يتم إظهار الاهتمام بالدين ورجاله. وهي نفس الخطة التي اتبعتها الأقلام العلمانية لإقناع الرأي العام بأن الديمقراطية من الإسلام! وأن الإسلام والاشتراكية وجهان لعملة واحدة!!.\nوالإسلام بريء من الديمقراطية، فإنها ضلال وفساد، وأما الإسلام فيرتكز نظامه السياسي على الشورى، وهي تختلف تماما عن الديمقراطية من جميع الوجوه، ونظامه الاقتصادي متميز، فهو ليس اشتراكيا، ولا رأسماليا!!.\nالمرحلة الثالثة: ادعاء وإظهار معايب الدين، وبعده عن الحقائق العلمية، ومهاجمته، وادعاء أنه لا يفي بحاجات البشر، ومتطلبات العصر! وكذلك الاستهزاء برجال الدين، والسخرية من العلماء! وهذه المرحلة هي التي نعيشها اليوم، ونسأل الله السلامة.\nويمكن لكل مسلم أن يتابع هذا التدرج ويدرك خطورته.\nإلى أن قال: وهم الآن يرفعون شعارين يحاربون بهما الإسلام.\nالأول منهما: الدعوة إلى حرية الرأي في الدين. وحقيقة الأمر أنهم يهدفون إلى الطعن في الدين، والصد عن سبيله بأقلامهم وألسنتهم، ولأنهم لا يستطيعون الإعلان عن ذلك حتى لا ينكشف أمرهم، ولا يفتضح مكنون صدورهم، فهم يبالغون في الدعوة إلى حرية الرأي في الدين!.\nوقد كتبوا في الآونة الأخيرة كلاما هو الكفر بعينه ﴿قَدْ بَدَتِ","vol":"10","page":494},{"text":"الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (١).\nوأما الثاني: فدعوة خبيثة إلى عدم احترام العلماء، وإسقاط هيبتهم من نفوس المسلمين. والهدف هو القضاء على الدين من خلال علمائه بالتقليل من شأنهم، والحط من قدرهم.\nوالعلماء هم قادة الأمة، وسراجها المنير ولكن هؤلاء لا يعلمون! (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3512>موقفه من الرافضة:</span>\nقال ﵀: فإنه من المعلوم أن الشيعة أكثر فرق الأمة الضالة ضلالا وكفرا، وعقيدتهم تشهد عليهم بذلك؛ حيث يكتشف من يقف عليها أن الكذب والبهتان ركن من أركان الإيمان عندهم!! ومع ذلك فمازال في المسلمين من هو مخدوع بهم، بل قد يتصور -خطأ- أن بالإمكان حدوث تقارب بينهم وبين أهل السنة!! والحق أن السنة والشيعة ضدان لا يجتمعان ونقيضان لا يلتقيان! وإذا أردت شاهدا على ذلك فإليك البيان ... (٣)\nثم ذكر اعتقادهم في القرآن والسنة والصحابة وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3513>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال: وأما الصوفية فقد حكم عليها العلماء قديما وحديثا بالبدعة والضلال، وحاصل كلامهم أن الصوفية قد أدخلت على الدين ما ليس منه،\n_________\n(١) آل عمران الآية (١١٨).\n(٢) مجلة التوحيد (السنة الثالثة والعشرون العدد الخامس ١٤١٥هـ/ص.٧ - ١٢).\n(٣) مجلة التوحيد (السنة الثانية والعشرون العدد السادس ١٤١٥هـ/ص.٦ - ٩).","vol":"10","page":495},{"text":"وابتدعت فيه بدعا كثيرة تزداد بمرور العصور وتعاقب السنين. (١)\n- وقال: فإن الطرق الصوفية قد جمعت في صفوفها من يعبد الشيطان، ويسمع له ويطيع! وإليك البيان:\nبالقرب من ميدان السيدة زينب، ﵂، يوجد مقر لطريقة صوفية سرية باطنية، شيخها يسمى (عمر أمين حسنين)، مات منذ ست سنوات، ويسمون أنفسهم الطريقة البيومية العمرية نسبة إلى شيخ الطريقة، ومقر الطريقة شقة فاخرة بأغلى وأحلى أنواع الأثاث عامرة، وتقدم فيها للمريدين أطعمة شهية فاخرة لم ترها عين الفقراء في مصر، ولا سمعت بها آذانهم، ولا خطرت على قلوبهم! وهذا الطعام والشراب والأثاث الذي يزيد في مستواه على فنادق السبعة نجوم دليل قاطع على الزهد الذي تتغنى به الصوفية في الماضي والحاضر! وهذه الطريقة يجتمع فيها الشرك مع الموسيقى، والغناء مع الاختلاط، والخرافات مع الضلالات، والبدع مع الأطعمة الشهية، التي تجعل لعاب المريدين يسيل أنهارا، حتى يفنى الأكل في البطن حسب نظرية الفناء الصوفي!! ونحن نسوق هنا بعض الوقائع التي تقع في مقر الطريقة يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع، فإن الدعوى لا تقبل إلا ببينة. (٢)\n- كما أنه ﵀ تحدى صوفية مصر بعشرين سؤالا أن يجيبوا عنها، يتبين بها خلطهم وتناقضهم، فقال ﵀ بعد ذكر هذه الأسئلة العشرين: وإن مما يلفت النظر ويثير الانتباه أن قراء (عقيدتي) قد لاحظوا بوضوح\n_________\n(١) مجلة التوحيد (السنة الثانية والعشرون العدد التاسع ١٤١٤هـ/ص.٧).\n(٢) مجلة التوحيد (السنة الخامسة والعشرون العدد الحادي عشر ١٤١٧هـ/ص.٦ - ٧).","vol":"10","page":496},{"text":"وجلاء أن الصوفية قد فشلت فشلا ذريعا في الرد على الأسئلة العشرين، وعن كشف الغموض والطلاسم، وعلامات الاستفهام الكثيرة التي تحيط بالطرق الصوفية .. وقد خرجت جميع الأقلام الصوفية عن الموضوع، وانحرفت بعيدا عنه ثلاثة اتجاهات:\nالأول: اتجاه السب والشتم واتهام النيات .. وهذا قد تخصص فيه الأخ محمد المهنا من العشيرة المحمدية، وقلده في بعض ذلك تلميذ الطريقة العزمية غفر الله لهما.\nالثاني: اتجاه ترديد محاسن التصوف وفضله على الإسلام، ومحاولة تفهيم القراء أن الله حفظ دينه بالصوفية وأن الأمة المسلمة لا حياة لها إلا به!!. وهذا الاتجاه تتبناه كل الطرق.\nالثالث: فهو الدعوة إلى الحوار والجلوس على مائدة البحث والمناظرة، وقد تبناه شيخ الطريقة العزمية، ونحن نرحب بهذا الحوار؛ بل ننتظره منذ فترة وقد قمنا على الفور بالاتصال ببعض علماء الأزهر الكبار ليتولى ترتيب هذا اللقاء وتنسيقه على الوجه الأكمل .. تحت رعاية جريدة عقيدتي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3514>موقفه من الجهمية:</span>\nقال: عقيدتنا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وكذلك الإيمان بكل ما نطق به القرآن، أو جاءت به السنة الصحيحة. ونعتقد أن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى التي\n_________\n(١) صفوت الشوادفي في ركب العلماء (ص.١٧ - ١٨).","vol":"10","page":497},{"text":"وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله - ﷺ -، من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تعطيل؛ وأنه -سبحانه- استوى على العرش، أي علا وارتفع، كما فسره السلف بكيفية لا نعلمها.\nوأنه -سبحانه- ينزل إلى السماء الدنيا كما أخبرت بذلك السنة الصحيحة بكيفية لا نعلمها، والله في السماء، وعلمه في كل مكان! كما نؤمن أنه -سبحانه- خلق آدم بيده، وأن يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، كما نثبت له -سبحانه- وجها، وسمعا، وبصرا، وعلما، وقدرة، وقوة، وعزة، وكلاما، وغير ذلك من صفاته، على الوجه الذي يليق به، فإنه -جل شأنه-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١).\nونحن نثبت لله كل صفة أثبتها لنفسه، كما ننفي عنه -سبحانه- كل صفة نفاها عن نفسه، ونسكت عما سكتت عنه النصوص، فإذا قيل: هل لله جسم؟ نقول: هذا مسكوت عنه فلا نثبته، ولا ننفيه، بل نسكت عنه طاعة لله. (٢)\n\nمقبل بن هادي الوادعي (٣) (١٤٢٢ هـ)\nالشيخ الإمام مقبل بن هادي بن مقبل بن قائدة الهمداني الوادعي الخلالي، من قبيلة آل راشد. ولد سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وألف تقريبا.\n_________\n(١) الشورى الآية (١١).\n(٢) مجلة التوحيد (السنة الثالثة والعشرون العدد السادس ١٤١٨هـ/ص.٦ - ٧).\n(٣) 'ترجمة أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي' بقلم المترجَم له.","vol":"10","page":498},{"text":"بدأ الشيخ دراسته قي قريته دماج، حيث تعلم مبادئ الخط والكتابة بالمكتب، ثم انتقل إلى جامع الهادي لطلب العلم فلم يساعد عليه، ثم رحل إلى بلاد الحرمين ونجد، فكان يسمع من بعض الواعظين والدعاة، واستنصحهم في شراء بعض الكتب، فأرشدوه إلى صحيح البخاري وبلوغ المرام ورياض الصالحين وشروح كتاب التوحيد وغيرها من الكتب وبعد زمن عاد إلى بلده، فأنكر عليهم ما وجدهم فيه من البدع والضلالات، فحاربوه بشتى الوسائل.\nوبعد ذلك درس في جامع الهادي بمدينة صعدة، ثم توجه إلى أرض الحرمين وسكن بنجد، فأخذ عن الشيخ محمد بن سنان الحدائي والشيخ يحيى ابن عثمان الباكستاني. ثم فتح معهد الحرم المكي، فتقدم للاختبار فنجح، وفيه أخذ عن عدة مشايخ منهم الشيخ عبد العزيز السبيل والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد وغيرهما.\nثم انتقل الشيخ إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة، فدرس بكلية الدعوة وأصول الدين، ومن أبرز من درس عنه فيها الشيخ السيد محمد الحكيم والشيخ محمود عبد الوهاب فائد المصريان. كما كان ﵀ يحضر دروس سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ الألباني رحمهما الله وغيرهما.\nثم عاد ﵀ إلى اليمن، فتوافد عليه طلاب العلم من شتى أنحاء العالم للاستفادة وتحصيل العلم الشرعي.\nمن مؤلفاته ﵀: 'الطليعة في الرد على غلاة الشيعة'، و'الصحيح المسند من أسباب النزول'، و'شرعية الصلاة في النعال' و'تحريم الخضاب","vol":"10","page":499},{"text":"بالسواد'، وغيرها من الكتب النافعة.\nتوفي ﵀ في ثلاثين ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وألف بمدينة جدة، ودفن بمكة المكرمة بناء على وصيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3516>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀: وما اختلفنا فيه ينبغي أن نرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، وأن نترك العادات والتقاليد التي تخالف الكتاب والسنة وننبذها. (١)\n- وقال ﵀ مبينا خطورة التقليد: المذاهب الأربعة ما أنزل الله بها من سلطان وما ورد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - ﷺ - أن ذاك يكون شافعيا وذاك يكون حنبليا إلى آخر ذلك، بل قال الله ﷾: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٣) وقال ﷾: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (٤). وقال ﷾: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ\n_________\n(١) إجابة السائل (٦٦).\n(٢) الشورى الآية (١٠).\n(٣) النساء الآية (٥٩).\n(٤) الأعراف الآية (٣).","vol":"10","page":500},{"text":"ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (١). فهذه المذاهب فرقت الناس، وقد تحدينا غير واحد من المتعصبين لهذه المذاهب أن يأتوا بدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله - ﷺ - يدل على أن المسلم ملزم بالتعبد بمذهب من هذه المذاهب، بل جاء القرآن على كراهة هذا فقال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢)\nونبينا محمد - ﷺ - يقول: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» (٣) أو بهذا المعنى. ففي هذا التحذير؛ وأهل الكتاب اختلفوا، فنبينا محمد - ﷺ - يحذرنا من أن نسلك سبيلهم في الاختلاف فقال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة شبرا بشبروذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (٤) أو بهذا المعنى، وهو وارد في الصحيح من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي سعيد والمعنى متقارب، فهذه المذاهب فرقت الناس وأدخلت بينهم البغضاء والعداوة، وما تعبدنا الله إلا بكتاب الله وبسنة رسول الله - ﷺ - وهي مبتدعة ما جاءت في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - ﷺ - وما حدثت هذه البدعة إلا بعد القرون المفضلة، ولقد أحسن محمد ابن إسماعيل الأمير إذ يقول:\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٣).\n(٢) الأنعام الآية (١٥٩) ..\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف يوسف بن أسباط سنة (١٩٥هـ).\n(٤) تقدم تخريجه في مواقف علي بن المديني سنة (٢٣٤هـ).","vol":"10","page":501},{"text":"وأقبح من كل ابتداع سمعته ... وأنكاه للقلب المولع للرشد\nمذاهب من رام الخلاف لبعضها ... يعض بأنياب الأساود والأسد\nويعزي إليه كل ما لا يقوله ... لتنقيصه عند التهامي والنجدي\nوليس له ذنب سوى أنه غدا ... يتابع قول الله في الحل والعقد\nلئن عده الجهال ذنبا فحبذا ... به حبذا يوم انفرادي في لحدي\nعلى ما جعلتم أيها الناس ديننا ... لأربعة لا شك في فضلهم عندي\nهم علماء الأرض شرقا ومغربا ... ولكن تقليدهم في غد لا يجدي\nولا زعموا حاشاهموا أن قولهم ... دليل فيستهدي به كل من يهدي\nبل صرحوا أنا نقابل قولهم ... إذا خالف المنصوص بالقدح والرد\n\nفأصبح التعصب لهذه المذاهب شنيعا، تقدم أقوال أصحاب المذاهب على كتاب الله وعلى سنة رسول الله - ﷺ - حتى قال منذر بن سعيد الأندلسي قال:\nعذيري من قوم يقولون كلما ... طلبت دليلا هكذا قال مالك\nفإن عدت قالوا قال سحنون مثله ... ومن لم يقل ما قاله فهو آفك\nفإن زدت قالوا قال أشهب مثله ... وقد كان لا تخفى عليه المسالك\nفإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا ... وقالوا جميعا أنت قرن مماحك\nفإن قلت قد قال الرسول فقولهم ... أتت مالكا في ترك ذاك المسالك\n\nلم يزل العلماء يتوجعون من التقليد الأعمى الذي باعد الناس عن كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، وحال بين الناس وبين كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - وقد ألف العلماء المؤلفات القيمة في التحذير من التقليد منها:","vol":"10","page":502},{"text":"جزء كبير لابن القيم في كتابه 'إعلام الموقعين' ومنها كتاب للشوكاني 'القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد' ولم يزل علماء السنة يحذرون من هذا التقليد الذي حال بين الناس وبين كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -. (١)\n- ثم قال: لسنا نقول: إن كتب الأئمة الأربعة لا يستفاد منها ولا ينتفع بها، فالحمد لله نحن نقتني كتب الأئمة الأربعة ونستفيد منها، لكن ننصح إخواننا بالإقبال على كتاب الله وعلى سنة رسول الله - ﷺ -، فكتب الأئمة الأربعة تقتنى وتكون مرجعا كغيرها من المراجع، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.\nفنحن وإن كنا نقول: إننا لسنا متعبدين بأفهامهم فنحن نقول أيضا: إن أفهام الأئمة وأفهام الصحابة خير لنا من أفهامنا، لكنا لسنا متعبدين بأفهامهم، وفي كثير من المسائل قد اختلفوا رحمهم الله تعالى، وتعصب المتأخرون لهم غاية التعصب حتى قال أبو عبد الله البوشنجي:\nومن شعب الإيمان حب ابن شافع ... وفرض أكيد حبه لا تطوع\nأنا شافعي ما حييت وإن أمت ... فوصيتي للناس أن يتشفعوا\n\nأبو عبد الله البوشنجي من رجال تهذيب التهذيب وتعقبه أو خلفه: عبد الله بن محمد بن إسماعيل الهروي (حنبلي) فهو يقول:\nأنا حنبلي ما حييت وإن أمت ... فوصيتي للناس أن يتحنبلوا\nهذا التعصب الأعمى لسنا منه ومنه نحذر، وكفانا كتاب الله وسنة\n_________\n(١) إجابة السائل (٣١٧ - ٣١٩).","vol":"10","page":503},{"text":"رسول الله - ﷺ -، والأئمة نستفيد من أفهامهم ونستعين بالله ﷾ ثم بأفهامهم على فهم الكتاب والسنة، لأنهم لديهم من الفهم ومن الاطلاع والعلم ما ليس لدينا، وليس معناه أننا متعبدون بأفهامهم. والله المستعان. (١)\n- وقد سئل عن حكم الشرع في الذي يرفض العمل بالسنة ويقصر العمل والحجة على القرآن؟\nفأجاب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد ألا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فحكم هذا الذي يقصر العمل على القرآن ويرفض العمل بسنة رسول الله - ﷺ - أنه كافر؛ يقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ (٢) ويقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ والزبر وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ (٣) ونبينا محمد - ﷺ - يقول كما في\n_________\n(١) إجابة السائل (٣٣٤ - ٣٣٥).\n(٢) الحشر الآية (٧).\n(٣) النحل الآية (٤٤).","vol":"10","page":504},{"text":"الصحيحين من حديث أبي هريرة: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (١) ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢)، ويقول ﷾: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٣)،\nويقول ﷾ في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (٤).\nهؤلاء لهم شبهة وهي شبهة قديمة، وهي حديث موضوع باطل: \"إذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافق فهو مني وأنا قلته وما لم يوافق فليس مني ولم أقله\"، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول إنه سند مجهول فالحديث لا يثبت عن النبي - ﷺ - وذكر الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه 'إرشاد الفحول' ذكر عن يحيى بن معين، وعبد الرحمن بن مهدي أنهما قالا إن الحديث مما وضعته الزنادقة ليردوا به السنن.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف أبي الزناد عبد الله بن ذكوان سنة (١٣٠هـ).\n(٢) النساء الآية (٦٥).\n(٣) النور الآية (٦٣) ..\n(٤) الأحزاب الآية (٣٦).","vol":"10","page":505},{"text":"فسنة رسول الله - ﷺ - لا يستغنى عنها، فتأتي مؤكدة للقرآن، وتأتي مبينة للقرآن، وتأتي أيضا ناسخة للقرآن على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ فالسنة مبينة ومخصصة وتأتي أيضا بشرع مستقل. فالنهي عن لحوم الحمر الأهلية لم يرد في كتاب الله، والنهي عن أكل كل ذي ناب من السبع وذي مخلب من الطير لم يرد في كتاب الله، وهكذا أشياء كثيرة لم ترد في كتاب الله فالسنة تأتي بشرع مستقل وجب قبوله والله المستعان. وتفصيل الصلاة والزكاة مأخوذ من سنة رسول الله - ﷺ -. (١)\n- وسئل ﵀: ما هو رأيكم فيمن يجعل هذه الجماعات والأحزاب من أهل البدع والفرق ويقول: إنهم يدخلون تحت حديث الافتراق؟\nفأجاب: هذا هو الذي يظهر، لأنها فرقت كلمة المسلمين وخصوصا من كان منهم صوفيا أو شيعيا أو يوالي ويعادي من أجل الحزب، والنبي - ﷺ - يقول كما في سنن أبي داود من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة» (٢) وجاء بيانها في سنن أبي داود أيضا من حديث معاوية ﵁ بأنها الجماعة (٣).\nفهذه التفرقة لوحدة المسلمين تعتبر تفرقة، ثم بعد ذلك يصدر كتاب في\n_________\n(١) إجابة السائل (٣٨٨ - ٣٩٠).\n(٢) تقدم تخريجه في مواقف يوسف بن أسباط سنة (١٩٥هـ).\n(٣) تقدم تخريجه في مواقف محمد بن الحسين الآجري سنة (٣٦٠هـ).","vol":"10","page":506},{"text":"هذه الأيام أن لا بأس بتعدد الجماعات، بل به بأس وبأس وبأس، فإن الله عزوجل يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (١)، ويقول: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ (٢)، فهم يريدون أن يستروا على أنفسهم.\nفأعداء الإسلام يدأبون ليلا ونهارا في تنفيذ مخططاتهم والمسلمون متفرقون، لكن هل الفرقة من قبل أهل السنة؟ لا، أهل السنة يقولون لهم: نحن نريد أن نتبع نحن وأنتم كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، وأولئك يقولون: نحن نريد أن نزاحم الشيوعيين والبعثيين والناصريين، أنحن مفوضون في هذا الدين؟ الله عزوجل يقول لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ (٣). وقد بلغني أن شخصا أقام اجتماعا في جبل الأهنوم وسئل: ما رأيك في الأحزاب؟ قال: بيننا وبينهم اتفاق ألا يتكلم بعضنا في بعض.\nفهذه هي آثار الحزبية، وآثار الكراسي والدنيا؛ فأنصح كل طالب علم أن يبتعد عن هذه الحزبية، وأن يحذر المسلمين منها بالكتابة والخطابة\n_________\n(١) الأنعام الآية (١٥٩).\n(٢) الأنبياء الآية (٩٢).\n(٣) الإسراء الآيتان (٧٤و٧٥).","vol":"10","page":507},{"text":"والأشرطة وبالمناقشة، والمناظرة العلنية حتى ينكشف للمجتمع أنهم ليسوا متمسكين بهذا الدين كما ينبغي.\nفالمسألة مسألة كراسي ومصالح، أنحن نستطيع أن ننصر أنفسنا حتى نكون أو نعمل بما نريد، لا، الله عزوجل يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (١)، ويقول أيضا في كتابه الكريم: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٢). فلا نستطيع أن ننصر أنفسنا حتى نتحذلق ونكتم بعض العلم، فلا تتكلم في موضوع كذا وكذا ولا تتكلم في موضوع كذا وكذا، من أجل أن الناس ينفرون، ورب العزة يقول لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٣)، ويقول ﷾: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وضائقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ (٤).\nفلسنا مفوضين في هذا الدين حتى نؤجل بعض القضايا ونسكت عن بعض الأمور، فربما بعض الأمور تكون شركية، ويقولون: اسكت عنها وأخرها حتى ننقض ونثب على الكرسي، ثم ماذا تعملون إذا وثبتم على\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٦٠).\n(٢) محمد الآية (٧).\n(٣) المائدة الآية (٦٧).\n(٤) هود الآية (١٢).","vol":"10","page":508},{"text":"الكرسي؟ تعترفون بقرارات الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، وبغيرها والله المستعان. (١)\nمن آثاره السلفية:\n١ - 'المخرج من الفتنة'.\n٢ - 'إجابة السائل على أهم المسائل'.\n٣ - 'المصارعة'.\n٤ - 'قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد'.\n٥ - 'غارة الأشرطة على أهل الجهل والسفسطة'.\n٦ - 'الصحيح المسند من دلائل النبوة'.\n٧ - 'رياض الجنة في الرد على أعداء السنة'.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3517>موقفه من المشركين:</span>\nسئل ﵀: ما حكم دعاء الحسين المقبور بريدة وغيره من الأموات وكذا النذر له؟ وما حكم من أتى إليه من الجاهلين ليحصل به الأولاد؟\nفأجاب ﵀: دعاء الحسين وغيره من الأموات يعتبر شركا لأن الله ﷿ يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ (٢)، ويقول ﷾ في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ\n_________\n(١) قمع المعاند (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٨).\n(٢) المؤمنون الآية (١١٧).","vol":"10","page":509},{"text":"اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دعائهم غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ (١)، وقال ﷾ في كتابه الكريم: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ (٢).\nالمقبور سواء أكان الحسين أم غيره لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، يقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٣) ويقول ﷾ في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِن الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ (٤) ويقول ﷾ في كتابه الكريم: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ\n_________\n(١) الأحقاف الآيتان (٥و٦).\n(٢) الرعد الآية (١٤).\n(٣) النمل الآية (٦٢).\n(٤) الحج الآية (٧٣).","vol":"10","page":510},{"text":"هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ (١) فالحسين لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ودعاؤه يعتبر شركا، الذي يدعوه بعد أن يبين له يعتبر مشركا، وإذا كانت امرأته لا تدعو الحسين فهي تعتبر حراما عليه، وإذا كانت المرأة تدعو الحسين بعد ما تبلغ وهو لا يدعوه فهو يعتبر محرما عليها، لأنه لا يجوز لمسلم أن يتزوج بمشركة، ولا المشرك أن يتزوج بمسلمة، يقول الله ﷾: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢)\nهكذا أيضا النذر للحسين وللهادي وللحسين الذي يزعمون أن رأسه مقبور بمصر، وغيرهم النذر باطل، معصية لا يجوز الوفاء به ولا يحل أن يستلمه أحد لأن النبي - ﷺ - يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» وهو نذر معصية والرسول - ﷺ - نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير ولكن يستخرج به من البخيل» (٣) وإن كان هذا أعم من الدعوى، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِن اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (٤)، ويقول في مدح الموفين بالنذر -مما يدل على أنه عبادة-: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ (٥)؛ وامرأة عمران\n_________\n(١) الزمر الآية (٣٨).\n(٢) الممتحنة الآية (١٠) ..\n(٣) أخرجه: البخاري (١١/ ٧٠٥/٦٦٩٣) ومسلم (٣/ ١٢٦١/١٧٣٦ (٤» وأبو داود (٣/ ٥٩١ - ٥٩٢/ ٣٢٨٧) والنسائي (٧/ ٢١/٣٨٠٩) وابن ماجه (١/ ٦٨٦/٢١٢٢) واللفظ لمسلم والنسائي. كلهم من حديث ابن عمر ﵁.\n(٤) البقرة الآية (٢٧٠).\n(٥) الإنسان الآية (٧).","vol":"10","page":511},{"text":"تقول: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ (١)، فنذرت لله، ما نذرت للحسين ولا للهادي ولا لزعطان ولا لفلتان، نذرت لمن؟ لله عزوجل.\nالنذر يكون لله عزوجل، وأما النذر وكذلك الخوف من الميت إذا لم ينذر له، أو إذا ظن أنه إذا نذر له سيعطيه الأولاد أو يفرج عنه الكرب هذا يعتبر شركا.\nوأما بالنسبة لمن أتى إليه من الجاهلين ليحصل لهم الأولاد هذا العمل يعتبر شركا لأن الله هو الذي يعطي الأولاد، لكن بقي الجاهل المسكين الذي لا يدري فلا يحكم عليه بالشرك إلا بعد أن يبلغ، فنحن لسنا نقول: إن آباءنا ومن قبلنا كانوا مشركين، نقول: إن العمل الذي كانوا يعملونه يعد شركا لكنهم كانوا جاهلين، ويكونون إن شاء الله معذورين بجهلهم لأن الله ﷾ يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (٢) ويقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٣) والله المستعان. (٤)\n- وقال ﵀: وهكذا اعتقاده أن الأولياء يعلمون الغيب -أيضا- يعتبر شركا، يقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي\n_________\n(١) آل عمران الآية (٣٥).\n(٢) الإسراء الآية (١٥).\n(٣) التوبة الآية (١١٥).\n(٤) إجابة السائل (١٩٤ - ١٩٦).","vol":"10","page":512},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ (١)، ويقول ﷾: ﴿* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٢)، ويقول ﷾: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ (٣). فالذي يعتقد أن هناك أحدا يعلم الغيب غير الله ﷾ يعتبر مشركا، وقد يقول القائل: إن المنجمين أو الكهان يخبرون ببعض الأشياء فيصدقون. هؤلاء أخبر عنهم النبي - ﷺ - كما في حديث أبي هريرة (٤) أنهم يكذبون مائة كذبة ويسترقون من السمع كلمة واحدة ثم يقول الناس: ألم يقل كذا وكذا في يوم كذا وكذا، أي: يصدقه الناس في مائة كذبة من أجل أنه قال كلمة واحدة صدقا. (٥)\nمن آثاره السلفية:\n١ - 'ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر'.\n٢ - 'السيوف الباترة لإلحاد الشيوعية الكافرة'.\n٣ - 'حكم القبة المبنية على قبر الرسول - ﷺ - '.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3518>موقفه من الرافضة:</span>\nلقد سخر الشيخ ﵀ قلمه للرد على الروافض، فألف فيهم\n_________\n(١) النمل الآية (٦٥).\n(٢) الأنعام الآية (٥٩).\n(٣) الجن الآيتان (٢٦و٢٧).\n(٤) تقدم قريبا ضمن مواقف ابن باز سنة (١٤٢٠هـ).\n(٥) إجابة السائل (ص.٢٠٣).","vol":"10","page":513},{"text":"مؤلفات منها:\n١ - 'الإلحاد الخميني في أرض الحرمين'.\n٢ - 'صعقة الزلزال لنسف أهل الرفض والاعتزال'.\n٣ - 'إرشاد ذوي الفطن لإبعاد غلاة الروافض من اليمن'.\n٤ - 'الطليعة في الرد على غلاة الشيعة'.\n- قال ﵀ في 'إجابة السائل': والمذهب الشيعي، هو مذهب مبتدع كسائر المذاهب الأخرى التي سمعتموها؛ بل هو أبعد من كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - من تلكم المذاهب، فالمذهب الشيعي خصوصًا في زماننا هذا هو يبطل علم السنة -سنة رسول الله - ﷺ - ويعتمد على هواه وعلى ما قال يحيى بن الحسين، وما قال: فلان وفلان، حتى إن نشوان الحميري يتوجع من هذا ويقول:\nإذا جادلت بالقرآن خصمي ... أجاب مجادلًا بكلام يحيى\nفقلت كلام ربك عنه وحي ... أتجعل قول يحيى عنه وحيًا\n\nالمذهب الهادوي بعيد من السنة؛ لكن ما تعبدنا الله بمذهب زيدي ولا بمذهب هادوي، تعبدنا الله بكتاب الله وبسنة رسول الله - ﷺ -؛ وهذه كما رأيتم أورثت العداوة، وأورثت البغضاء بين المسلمين. (١)\n- وقال: وهكذا الرافضة يزعمون أنه لا يدخل الجنة إلا أئمتهم وشيعتهم، ومن ثَمَّ يحكمون بالكفر على سائر الفرق الإسلامية، ومن حكم\n_________\n(١) إجابة السائل (ص.٣١٩).","vol":"10","page":514},{"text":"بالكفر على أبي بكر وعمر ﵄ فلن يتحاشى من غيرهما، وما رَدُّهم سنة رسول الله - ﷺ -، وما رواه أئمة أهل السنة إلا من هذا الباب، فهم يعتقدون أن من عداهم كفار كفرًا صريحًا أو كفر تأويل، وناهيك بقوم كفّروا صحابة رسول الله - ﷺ - ألا يجرءون على تكفير من عداهم من المسلمين!! وأنت إذا نظرت إلى مذاهب الرافضة وجدتهم يأخذون من المذاهب أرداها، فمذهبهم في التكفير أردى من الخوارج، وفي الأسماء والصفات تابعون لأسيادهم المعتزلة، وفي الغلو في أهل البيت إليهم المنتهى في ذلك.\nوجدير بمن حارب علم الكتاب والسنة أن يكون متخبطا تائهًا، وهم أيضًا دعاة فتن وضلال، ولا يعصمك من ترهاتهم إلا الله ﷾، ثم التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، ومعرفة عقائدهم الخبيثة، وحسبنا الله ونعم الوكيل. (١)\n- وقال أيضًا: ولا تظنن أن فتنة عبد الله بن سبأ وعلي بن الفضل قد انقطعتا، فهذه الرافضة بإيران آلة لأعداء الإسلام أزعجوا المسلمين حتى في تلك الأيام المباركة والمشاعر المحترمة في أيام الحج وفي مكة ومنى وعرفة، الناس يتقربون إلى الله بذكره وأولئك الحمقى أشباه الأنعام يدندنون بذكر إمام الضلالة الخميني ويهتفون بهتافات كاذبة. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3519>موقفه من الصوفية:</span>\nقال ﵀: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد\n_________\n(١) الإلحاد الخميني (ص.٢٠٣).\n(٢) الإلحاد الخميني (ص.١٥٤).","vol":"10","page":515},{"text":"وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:\nفإن بدعة التصوف حدثت بعد مائتي سنة من الهجرة، ولم تكن موجودة على عهد النبي - ﷺ -، ولا في عهد الصحابة والتابعين. ثم إنهم اختلفوا في نسبة التصوف، فمنهم من يقول: إنها نسبة إلى صوفة، وهي قبيلة من الجاهلية كانت تتعبد، وكل من تعبد وانقطع نسب إليها. ومنهم من يقول: إنه نسبة إلى الصفة، وهذا ليس بصحيح إذ لو كانت نسبة إلى الصفة لقيل فيه: صفي. ومنهم من يقول: إنه نسبة إلى الصفاء، وهذا أيضا ليس بصحيح، ولو كان صحيحا لقيل فيه: صفوي. ومنهم من يقول: هي نسبة إلى الصوف. وعلى كل فهي نسبة مبتدعة، والله ﷾ سمانا مؤمنين وسمانا مسلمين، ولم يكن على عهد النبي - ﷺ - إلا تسمية مؤمن ومسلم، لسنا نتكلم عن الكفار وعن المنافقين.\nثم إن الصوفية أقسام: منهم من انتهى به الحال إلى أن نبذ الكتاب والسنة، وسخر من أهل العلم وصار يقول: حدثني قلبي عن ربي، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتاب العلم من فتح الباري يقول -نقلا عن القرطبي-: من انتهى به الحال إلى هذه الحالة فهو كافر، والأمر كما يقول رحمه الله تعالى، الذي يظن أنه يستغني عن كتاب الله وعن سنة رسول الله - ﷺ - فهو كافر بالله ﷿، وهكذا يزهدون في العلم من زمن، وربما دفن بعضهم كتبه -يكتب الكتب ثم يدفنها- والله المستعان، منهم أيضا من أصبح زنديقا، وقتل بسبب الزندقة وهو الحسين بن منصور الحلاج، وتبعه","vol":"10","page":516},{"text":"على هذا أبو العباس بن عطاء فقتل الحسين بن منصور الحلاج ثم بعد زمن قتل أبو العباس بن عطاء على الزندقة.\nسمع الحسين بن منصور الحلاج رجلا يتلو آية فقال: لو شئت لقلت مثلها، وهذا ذكره ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه 'تلبيس إبليس'، وهكذا أيضا: ابن الفارض فإنه أيضا تزندق؛ وفي تائيته التي أثنى عليها محمد ابن إبراهيم الوزير في كتابه 'الروض الباسم' فيها الكفر الصراح، وقد أخطأ ابن الوزير رحمه الله تعالى في الثناء على هذه التائية. انتهينا من أولئكم الذين يقولون بأنهم غنيون عن الشرع أو يدخلون في الصوفية ثم يتزندقون. ومن الصوفية أهل وحدة الوجود الذين يقول قائلهم: أنا هو وهو أنا. ويقول أيضا: ما في الوجود إلا الله، وحتى قال بعضهم:\nوما الكلب والخنزير إلا إلهنا ... وما الرب إلا عابد في كنيسته\n\nوقال بعضهم:\nالرب عبد والعبد رب ... يا ليت شعري من المكلف\nوهكذا أيضا في أشعارهم الكفر البواح، وقد أشبع الرد: صالح بن مهدي المقبلي رحمه الله تعالى في كتابه 'العلم الشامخ' أشبع الرد على خرافة وعلى كفريات ابن عربي (محي الدين) في زعمهم وهو (مميت الدين) ابن عربي، فعنده من الكفر الصراح في 'فصوصه' وهكذا أيضا في سائر كتبه، وتجدونه معظما عند كثير من الصوفية، ولو تكلمت فيه وأنت بالشام ما سلمت من الضرب من الصوفية، وقد أوذي شيخ الإسلام ابن تيمية، وأوذي أيضا غيره من أجل ابن عربي الزنديق الذي يقول: إن فرعون موحد وإن","vol":"10","page":517},{"text":"موسى مشرك، وهكذا يقول في شأن العذاب: أنه ما سمي عذابا إلا من عذوبته، تعطيل للكتاب والسنة ولشرع الله، وزندقة ظاهرة، ثم نجد من يدافع عنه من المصلين. ومن خرافات الصوفية أنهم ربما أنهم يحرمون على أنفسهم ما أحل الله لهم من الزواج -وهو سنة من سنن المرسلين-، رب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (١).\nونبينا محمد - ﷺ - يقول: «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني الصلاة» (٢) وقد جاء ثلاثة نفر إلى النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي - ﷺ - فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر: وأنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا لا أتزوج النساء، فجاء النبي - ﷺ - فأخبر بهذا فقال: «أنتم القائلون كذا وكذا، أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٣)، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِن اللَّهَ لَا\n_________\n(١) الرعد الآية (٣٨).\n(٢) أخرجه من حديث أنس: أحمد (٣/ ٢٨٥) والنسائي (٧/ ٧٢/٣٩٤٩) وصححه الحاكم (٢/ ١٦٠) على شرط مسلم ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ في التلخيص (٣/ ١١٦).\n(٣) أحمد (٣/ ٢٤١،٢٥٩) والبخاري (٩/ ١٢٩/٥٠٦٣) ومسلم (٢/ ١٠٢٠/١٤٠١) والنسائي (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩/ ٣٢١٧).","vol":"10","page":518},{"text":"يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ (١)، ويقول ﷾ في كتابه الكريم: ﴿* يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ (٢)،\nيمتنعون من النساء اقتداء بمن؟ اقتداء بالقساوسة وبالرهبان النصارى، ولكن يمتنعون من النساء وماذا يفعلون يا رجال؟ يفتنون بالمردان، حتى إن شخصا تولع بشخص أمرد -كما في 'تلبيس إبليس'- فرق بينهما فتحيل إلى أن دخل إليه وقتله، وجعل يبكي عنده واعترف أنه قاتله، فجاء والد الولد وقال: أنا قتلته، وأنا أسألك بالله أن تقيدني به، فعفا عنه، فصار يحج وينذر بثواب الحج لذلكم الولد، وأقبح من هذا أن شخصا ارتكب الفاحشة بصبي ثم بعد ذلك طلع إلى سطح بيته -وكان بيته على البحر- فرمى بنفسه وتلا قول الله عزوجل: ﴿فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣).\nهذا شأن الصوفية، ولهم فضائح وقبائح أكثر وأكثر من هذا -أعني في شأن النساء- وربما تأتي المرأة الأجنبية ويلبسها الخرقة المكذوبة المزعومة المفتراه عندهم سند للخرقة، يزعمون أن من لبس الخرقة فقد انتهى به الحال وقد أصبح صوفيا، ولا يلبسونها إلا من قد ارتقى درجة في التصوف ... الصوفي عندهم إذا قد بلغ رتبة عالية يحل عندهم كل شيء، ويستدلون بقول\n_________\n(١) المائدة الآية (٨٧).\n(٢) الأعراف الآية (٣١) ..\n(٣) البقرة الآية (٥٤).","vol":"10","page":519},{"text":"الله -﷿-: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (١)، وأخطأوا في فهم الآية، أو كابروا في فهم الآية، فإن النبي - ﷺ - عبد ربه حتى تفطرت قدماه وقال: «أفلا أكون عبدا شكورا» (٢) وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، الذين أساء أبو نعيم في ذكرهم .. وفي ذكر أبي ذر وقال: إنهم صوفية، أخطأت يا أبا نعيم رحمك الله تعالى.\nما كانت الصوفية موجودة على عهد رسول الله - ﷺ - ولا على عهد الصحابة، فأخطأ في ذكرهم حيث ذكرهم في الحلية، فهم برآء من هذه الترهات. الصوفية أيضا كما سمعتم حرموا على أنفسهم ما أحل الله لهم، فقد جاء أن أبا يزيد البسطامي كان عنده قدر ستين أو سبعين دينارا فاشتغل بها قلبه، فأخذها ورماها في البحر، ونبينا محمد - ﷺ - بل رب العزة يقول: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ (٣) ويقول: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (٤)، والنبي - ﷺ - نهى عن إضاعة المال، وأخبر أن العبد لا تزول قدمه حتى يسأل عن أربع ومنها: «عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه» (٥) وغلو الصوفية أمر ليس له نظير، يطلبون من المريد أن يجلس بين\n_________\n(١) الحجر الآية (٩٩).\n(٢) أخرجه من حديث المغيرة: أحمد (٤/ ٢٥٥) والبخاري (٣/ ١٨/١١٣٠) ومسلم (٤/ ٢١٧١ - ٢١٧٢/ ٢٨١٩) والترمذي (٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩/ ٤١٢) وقال: \"حديث حسن صحيح\". والنسائي (٣/ ٢٤٢/١٦٤٣) وابن ماجه (٢/ ٤٥٦/١٤١٩).\n(٣) الأنعام الآية (١٤١).\n(٤) الإسراء الآية (٢٧).\n(٥) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٣٧٢) ومسلم (٣/ ١٣٤٠/١٧١٥).","vol":"10","page":520},{"text":"يدي مريده كالميت بين يدي الغاسل، وهذا ما كان على عهد النبي - ﷺ -! .. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3520>موقفه من الجهمية:</span>\nله كتاب 'الصحيح المسند من دلائل النبوة'. قال في مقدمته: هذا: وبما أن دلائل النبوة أكبر برهان على صدق نبينا محمد - ﷺ - مع ما أكرمه به من مكارم الأخلاق فقد ضاقت صدور أقوام بالآيات البينات والدلائل الواضحات كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)﴾ (٢) هذا كان شأن كفار قريش. أما المسلمون في عهد النبي - ﷺ - فإنهم يعتبرون التشريع كله دلالة على صدق نبينا محمد - ﷺ - لما فيه من الأسرار العجيبة، والحكم البليغة. وهكذا التابعون لهم بإحسان؛ حتى نبغ أقوام من ذوي الاعتزال فاعتزلوا الكتاب والسنة إلا ما يوافق أهواءهم وهم يزعمون أنهم يعتمدون على عقولهم، وهم في الحقيقة يعتمدون على أهوائهم لأن العقل الصحيح لا يخالف النقل الصحيح. فضاقت صدورهم ببعض المعجزات النبوية، فهذه يؤولونها وتلك يضعفونها، فأراد الله أن يحق الحق ويبطل الباطل، وكاد مذهب الاعتزال أن ينقرض.\nوفي هذه الأزمنة المتأخرة نبغ أقوام من ذوي الأهواء فأرادوا أن يأخذوا بالثأر للمعتزلة فتاهوا كما تاه أسلافهم من أولئك التائهين الحيارى ومن\n_________\n(١) المصارعة (٣٧٥ - ٣٧٩).\n(٢) القمر الآيات (١ - ٣).","vol":"10","page":521},{"text":"أولئك الثائرين للاعتزال به ومنهم من هو ثائر للإلحاد.\n١ - جمال الدين الأفغاني الرافضي الإيراني.\n٢ - محمد عبده المصري.\n٣ - محمد رشيد رضا، وليس كسابقيه في الضلال.\n٤ - محمود شلتوت (راجع 'إعلام الأنام بمخالفة شيخ الأزهر شلتوت للإسلام').\n٥ - طه حسين.\n٦ - أحمد أمين صاحب فجر الإسلام وضحاه وظهره.\n٧ - أبو رية.\n٨ - محمد الغزالي. في كثير من كتاباته استخفاف بأهل السنة، وتهوين العمل بالسنة. من ذلكم:\nكتاب 'دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين' وكذا كتاب 'هموم داعية'. ومحمد الغزالي مميع وإن لم يكن في الضلال كسابقيه.\nهؤلاء في آخرين (والذي أنصح به طلبة العلم هو الإعراض عن هذه الكتب الزائغة. وقد أغنى الله طلبة العلم عن هذه بكتب أهل السنة جزاهم الله عن الإسلام خيرا) قاموا بحملة على السنة وانتصروا للاعتزال، ومنهم من انتصر للرفض وأصبح العلم في مصر ألعوبة بين رادّ ومردود عليه، وصدق الله إذ يقول: ﴿* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، ويقول:\n_________\n(١) التوبة الآية (٣٤).","vol":"10","page":522},{"text":"﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (٢٧٥) ولوشِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾ (١).\nوصدق الرسول - ﷺ - إذ يقول: «أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان» رواه أحمد في مسنده من حديث عمر (٢). ويقول: «أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» رواه أبو داود في سننه (٣).\nغالب هؤلاء متاجرون إما من أعداء السنة من الرافضة ولكن يأبى الله إلا أن ينصر سنة نبيه محمد - ﷺ -، ويظهر دينه ولو كره الملحدون، فقد استيقظ شباب في جميع الأقطار الإسلامية، ديدنهم: قال الله، قال رسول الله، فباء أعداء السنة بالخزي.\n_________\n(١) الأعراف الآيتان (١٧٥و١٧٦).\n(٢) أخرجه من حديث عمر ﵁: أحمد (١/ ٢٢،٤٤) وعبد بن حميد كما في المنتخب حديث رقم١١ (ص.٣٢) والبزار كما في كشف الأستار (١/ ٩٧/١٦٨) وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٧) وقال: \"رواه البزار وأحمد وأبو يعلى ورجاله موثقون\" والحديث صحح إسناده أحمد شاكر ﵀ في تحقيقه للمسند (١/ ٢١٧/١٤٣). وللحديث شاهد من حديث عمران بن حصين أخرجه: البزار كما في كشف الأستار (١/ ٩٧ - ٩٨/ ١٧٠) والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٧/٥٩٣) وابن حبان (١/ ٢٨١/٨٠). قال البزار: \"لا نحفظه إلا عن عمر وإسناد عمر صالح فأخرجناه عنه وأعدناه عن عمران لحسن إسناد عمران\". وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٧) وقال: \"رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجاله رجال الصحيح\".\n(٣) أخرجه من حديث ثوبان: أحمد (٥/ ٢٧٨،٢٨٤) ومسلم (٤/ ٢٢١٥ - ٢٢١٦/ ٢٨٨٩) دون ذكر محل الشاهد، وأبو داود (٤/ ٤٥٠ - ٤٥٢/ ٤٢٥٢) والترمذي (٤/ ٤٣٧/٢٢٢٩) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (٢/ ١٣٠٤/٣٩٥٢).","vol":"10","page":523},{"text":"بالأمس كان يلقب جمال الدين ومحمد عبده بالإمامين المجددين، واليوم عرفا بالماسونيين ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (١).\nهؤلاء الضالون التائهون منهم من تصدى للطعن في قصص القرآن، ومنهم من تصدى للطعن في معجزات الأنبياء ﵈. ومنهم من تصدى للطعن في الصحابة الذين هم نقلة الدين إلينا، ومنهم من تصدى للطعن في بعض الأحكام وسنوا سننًا سيئة ترى كتبهم تشجع من قبل الرافضة ومن قبل الملحدين.\nوإني أحمد الله فقد رأيت من الإجابة على كتبهم بل على أباطيلهم وترهاتهم ما تقر به أعين أهل السنة، فجزى الله إخواننا الذين تصدوا لهذا خيرًا.\nهؤلاء المتهالكون الحيارى من ذوي الاعتزال الأقدمون والمتأخرون قوبلوا بأناس من القصاصين يحدثون الناس بالغث والسمين والحق والباطل، ومنهم من يدفعه التعصب الأعمى إلى وضع أحاديث باطلة. وقد قرأت في رسالة لعلي العجري بعنوان 'نصيحة أولاد السبطين ومن تبعهم من المؤمنين في التمسك بمذهب الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين' فإذا فيه أحاديث في فضل زيد بن علي والهادي أحاديث مكذوبة وليس هو الذي افتراها، ولكنه جاهل بعلم الحديث متعصب لأجداده ﵏، وأمثال هذا كثير: كبعض\n_________\n(١) آل عمران الآية (٨).","vol":"10","page":524},{"text":"الأحاديث الموضوعة في فضل بعض الخلفاء العباسيين كما في العلل المتناهية لابن الجوزي. وهناك فريق آخر نظر في دلائل النبوة فحمّلها ما لا تتحمل. وبين يدي الآن كتاب من كتب الضلال بعنوان 'مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية' حرّف كثيرا من الأدلة وحمل أدلة أخرى ما لا تتحمل، وقد رد عليه الشيخ حمود التويجري بكتاب أسماه 'إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة'.\nفمن أجل هؤلاء وأولئك استعنت بالله على جمع ما تيسر لي من صحيح دلائل النبوة وسميته 'الصحيح المسند من دلائل النبوة'. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3521>موقفه من الخوارج:</span>\nقال: من فضائح الإباضية: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\nأما بعد: فقد استمعت إلى شريطين من رجل إباضي، وهو الخليلي مفتي عمان. وهذان الشريطان فيهما مهاجمة السنة ومهاجمة أهل السنة، وأعتقد أنهما سيكونان شؤما على الفرقة الإباضية، لأنه قد استقر لدى أهل السنة: أن الإباضية هي أقرب طوائف الخوارج إلى أهل السنة، ولكن المفتي أبان لنا أن الإباضية تعادي سنة رسول الله - ﷺ -. وأعتقد بعد ما تأتيهم الردود من أهل السنة أنهم سيقولون: لا جزى الله هذا المفتي خيرا إذ فضحنا ونبش ما كان مدفونا، ويكون حالهم كحال بني نمير الذين كان أحدهم إذا قيل له:\n_________\n(١) الصحيح المسند (ص.٩ - ١١).","vol":"10","page":525},{"text":"من أين أنت؟ قال: أنا نميري بمد الياء فلما قال جرير لبعضهم:\nفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا\nأصبحوا يخجلون ويستحي أحدهم أن ينتسب إلى قبيلة نمير، وهكذا أيضا الفرقة الإباضية إذا جاءتهم ردود أهل السنة، وبيان ما هم عليه من البدعة، فإنهم سيقولون: لا جزى الله هذا المفتي الداعي إلى الفرقة والداعي إلى نبش ما كان مدفونا، لا جزاه الله خيرا. والإباضية هي طائفة من الخوارج، وبدعة الخوارج هي أول البدع حدثت في الإسلام، حدثت على عهد النبي - ﷺ -. أصلها على عهد النبي - ﷺ -، لما جاء في الصحيح أن النبي - ﷺ - كان يقسم غنائم حنين فجاءه رجل فقال: اعدل يا محمد قال: «ويلك ومن يعدل؟ خبت وخسرت» وجاء أيضا: «خبت وخسرت إن لم أعدل» -جاء بفتح التاء وبضمها- فقال خالد بن الوليد: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبي - ﷺ -: «لعله يصلي» ثم قال النبي - ﷺ -: «إنه سيخرج من ضئضيء هذا -أي من صلبه- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم، مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (١)، ووقع ما أخبربه النبي - ﷺ - ... (٢)\n- وقال في نصيحته لشباب الصحوة الإسلامية: عدم الخروج على ولاة الأمور إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان، كما في حديث\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٦٥) والبخاري (٦/ ٧٦٦/٣٦١٠) ومسلم (٢/ ٧٤٤ - ٧٤٥/ ١٠٦٤ [١٤٨]) والنسائي في الكبرى (٥/ ١٥٩/٨٥٦٠) وابن ماجه (١/ ٦٠/١٦٩) مختصرا من حديث أبي سعيد الخدري.\n(٢) واستفاض ﵀ في الرد عليهم (انظر المصارعة ص.٣٥٨ - ٣٧٤).","vol":"10","page":526},{"text":"عبادة المتفق عليه (١)، لما في الخروج عليهم من إثارة الفتن وقتل الأنفس البريئة والله ﷾ يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ (٢). وفي الصحيحين من حديث أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» (٣).اهـ (٤)\n- سئل رحمه الله تعالى: هل خروج الخوارج خروج منهجي أم عقدي؟ وعندما قاتلهم علي ﵁ للاثنين أم لخروج العقيدة أم لخروجهم عليه باعتباره إمام المسلمين؟ وهل الخروج عن منهج السلف يؤدي إلى الخلل في العقيدة أم أن مخالفة المنهج في كيفية وفهم وتلقي العقيدة يؤدي إلى الخلل والمخالفة في المنهج في كيفية نشر الدعوة ولا يؤدي إلى الخلل في العقيدة؟\nجواب: أما الخوارج فهم أخطئوا في فهم الأدلة: خطأ أوجب ضلالهم، فهم كفروا علي بن أبي طالب وكفروا أيضا معاوية، كما قال قائلهم:\nأبرأ إلى الله من عمرو وشيعته ومن معاوية الطاغي وشيعته ... ومن علي ومن أصحاب صفين\nلا بارك الله في القوم الملاعين\nفقد كفروا خيار الصحابة في عصرهم، فقد أجمع العلماء أن علي بن أبي\n_________\n(١) البخاري (١٣/ ٢٣٨/٧٢٠٠) ومسلم (٣/ ١٤٧٠/١٧٠٩).\n(٢) النساء الآية (٩٣).\n(٣) انظر تخريجه في مواقف ابن حجر سنة (٨٥٢هـ).\n(٤) المصارعة (ص.١٠٢).","vol":"10","page":527},{"text":"طالب خير صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عصره -أي في وقت خلافته- وكان أحق بالخلافة، وفي قولهم: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (١)، ثم إن علي بن أبي طالب سئل: أكفار هم يا أمير المؤمنين؟ قال: من الكفر فروا، كما في 'تعظيم قدر الصلاة' لمحمد بن نصر المروزي (٢).\nفالخوارج خروجهم خروج عقدي، وهكذا منهجي خاطئ، وعلي بن أبي طالب لم يقاتلهم حتى قتلوا عبد الله بن خباب وقطعوا الطريق؛ فراسلهم وأرسل إليهم ابن عباس، فرجع منهم خلق كثير وبقي منهم من بقي، وعند أن وصل إليهم ابن عباس قالوا: إن هذا ممن قال الله فيهم: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ (٣) أي: من قريش فلا تجادلوه، ثم جاء أناس وجادلوه واقتنعوا ورجعوا عن العقيدة الخارجية، والنبي - ﷺ - يقول فيهم: «إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». ويقول: «إنهم كلاب أهل النار».\nفخروجهم خروج منهجي عقدي، وأما قتال علي بن أبي طالب لهم فلكونهم ابتدءوا ولكونه يتوقع منهم شرا، ويقول فيهم علي بن أبي طالب: لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا تسبى نساؤهم، ولا يؤخذ فيؤهم، فهذا دليل على أنهم مسلمون ضلوا عن سواء السبيل. (٤)\n_________\n(١) الأنعام الآية (٥٧).\n(٢) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤/ ٥٩١ - ٥٩٣) وابن عبد البر في التمهيد (فتح البر ١/ ٤٦٩).\n(٣) الزخرف الآية (٥٨).\n(٤) غارة الأشرطة (١/ ٧٦ - ٧٧).","vol":"10","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3522>حمود بن عقلاء الشعيبي (١٤٢٢ ه</span>ـ)\nهو الشيخ أبو عبد الله حمود بن عبد الله بن عقلاء الشعيبي الخالدي من آل جماح من قبيلة بني خالد. ولد في بلدة الشقة من أعمال بريدة سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، ونشأ فيها ولما بلغ السابعة من عمره كف بصره بسبب مرض الجدري وذلك عام اثنتين وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، وفي سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة رحل إلى الرياض لطلب العلم، فبدأ بالتلقي على فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، ثم انتقل للقراءة على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ سنة ثمان وستين وثلاثمائة وألف للهجرة، فقرأ عليه كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب ابن تيمية رحمهما الله، وغيرها من الكتب، وبعد ذلك انتقل إلى المعهد العلمي في سنته الأولى عام إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، فدرس على المشايخ: عبد العزيز بن باز ومحمد الأمين الشنقيطي، وعبد الرحمن الإفريقي وغيرهم. وكل واحد من هؤلاء يعد إماما في وقته، وهذا من عناية الله بالشيخ حيث يسر له هؤلاء الأئمة وقلما يجتمع هذا لأحد.\nوفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة عين مدرسا في المعهد لمدة سنة واحدة، ثم انتقل للتدريس في كلية الشريعة وذلك عام سبع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة وبقي فيها إلى عام سبع وأربعمائة وألف للهجرة، ثم طلب الإحالة على المعاش.\nهذا، وقد تتلمذ على يد الشيخ تلاميذ كثر، سواء في المعهد أو في","vol":"10","page":529},{"text":"الكلية، نذكر من بينهم: المفتي عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ والدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي وفضيلة الشيخ صالح الفوزان ومحمد بن عثيمين وعبد الله الغنيمان وغيرهم.\nوكانت وفاة الشيخ ﵀ في أربع ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3523>موقفه من المبتدعة:</span>\nآثاره السلفية:\n١ - 'الإمامة العظمى' وهو بحث كتبه لنيل درجة أستاذ كرسي في جامعة محمد بن سعود، ونشر في مجلة الجامعة في عددها الصادر سنة أربعمائة وألف للهجرة.\n٢ - 'القول المختار في حكم الاستعانة بالكفار'.\n٣ - 'البراهين المتظاهرة في حتمية الإيمان بالله والدار الآخرة'.\n٤ - 'كتاب مختصر العقيدة'.\n٥ - 'شرح كتاب التوحيد'.\n٦ - 'شرح التدمرية'.\n٧ - 'شرح الواسطية'.\n٨ - 'شرح الطحاوية'.\n٩ - 'رسالة حكم الخلاف في أصول الدين'.\n١٠ - 'رسالة في الأعياد البدعية'.\n١١ - 'بيان لضلالات حسن فرحان المالكي'.","vol":"10","page":530},{"text":"١٢ - 'تعليق على كتاب السنة لعبد الله بن أحمد'.\n١٣ - 'تعليق على حائية ابن أبي داود وشرحها للسفاريني'.\n١٤ - 'تعليق على اقتضاء الصراط المستقيم'. (١)\nوغيرها من الكتب والرسائل النافعة.\n\nعبد الله بن عبد الرحمن آل بسام (٢) (١٤٢٣ هـ)\nالشيخ الفاضل أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح بن حمد البسام. ولد في بلدة أسرته مدينة عنيزة سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة. درس في صباه على الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي، ثم انخرط في سلك الطلاب الملازمين عند الشيخ عبد الرحمن السعدي فقرأ عليه ولازمه ثمان سنوات.\nومن مشايخه كذلك الشيخ سليمان بن ابراهيم البسام وعبد الرحمن المقوشي ومحمد بن عبد العزيز المطوع وعبد الله بن عبد العزيز بن عقيل وعبد الرزاق عفيفي وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين.\nومن محفوظاته -كما ذكر ابنه خالد- القرآن الكريم وبلوغ المرام ومختصر المقنع والقطر في النحو والألفية لابن مالك ومتن الورقات في الأصول وغيرها.\nوعندما فتحت دار التوحيد بالطائف برئاسة الشيخ محمد بن عبد العزيز\n_________\n(١) ذكرها عبد الرحمن بن عبد العزيز الجفن في 'إيناس النبلاء في سيرة شيخنا العقلاء'.\n(٢) ترجمة الشيخ عبد الله البسام بقلم ابنه خالد البسام، انظر مقدمة علماء نجد خلال ثمانية قرون (١/ ٨١ - ١١٦).","vol":"10","page":531},{"text":"ابن مانع التحق بها وأتم دراسته بها، ثم انتقل إلى كلية الشريعة وكلية اللغة بمكة المكرمة فتخرج منها عام أربع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، ومن بين الأعمال التي كلف بها تعيينه للقضاء في المحكمة المستعجلة الثالثة كما عين مدرسا رسميا بالمسجد الحرام ثم رئيسا للمحكمة الكبرى التمييز للمنطقة الغربية ثم صار عضوا في مجلس كبار العلماء في المملكة العربية السعودية إلى غير ذلك من المناصب التي شغلها رحمه الله تعالى.\nومن مؤلفاته:\n١ - 'تيسير العلام شرح عمدة الأحكام'.\n٢ - 'الاختيارات الجلية في المسائل الخلافية'.\n٣ - 'توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام'.\n٤ - 'علماء نجد خلال ثمانية قرون'.\n٥ - 'شرح على كشف الشبهات'.\n٦ - 'رسالة مضار'.\n٧ - 'مفاسد تقنين الشريعة'. وغيرها.\nومن الذين أخذوا عنه الشيخ عبد العزيز المسند والشيخ صالح العلي الناصر والشيخ عبد العزيز الربيعة والشيخ محمد الصالح المرشد والشيخ عبد الله الخزيم والشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن آل الشيخ وغيرهم.\nتوفي ﵀ سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وآلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3525>موقفه من الخوارج:</span>\n- قال في 'تيسير العلام': \"أحرورية أنت\" نسبة إلى بلدة قرب الكوفة،","vol":"10","page":532},{"text":"اسمها \"حروراء\" خرجت منها أول فرقة من الخوارج على علي بن أبي طالب، فصار الخوارج يعرفون بالحرورية. (١)\n- وقال فيه أيضا: سألت معاذة عائشة عن السبب الذي من أجله جعل الشارع أن الحائض تقضي أيام حيضها التي أفطرتها، ولا تقضي صلواتها، زمن الحيض، مع اشتراك العبادتين في الفرضية، بل إن الصلاة أعظم من الصيام. وكان عدم التفريق بينهما في القضاء، هو مذهب الخوارج المبني على الشدة والحرج. فقالت لها عائشة -منكرة عليها-: أحرورية أنت تعتقدين مثل ما يعتقدون، وتشددين كما يشددون؟. فقالت: لست حرورية، ولكن أسأل سؤال متعلم مسترشد. (٢)\n- وقال في 'توضيح الأحكام': البغي: بغى عليه بالغين المعجمة بغيا بفتح الموحدة وسكون المعجمة، عدا وظلم وعدل عن الحق. والمراد هنا البغاة الظلمة الخارجون عن طاعة الإمام، المعتدون عليه، فإذا خرجوا عن طاعة الإمام الواجبة عليهم، دعاهم الإمام وكشف شبهتهم، فإن أقروا بأن رجعوا عن بغيهم تركهم، فإن أبوا الرجوع وعظهم وخوفهم القتال، وإن أصروا قاتلهم لقوله تعالى: ﴿الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣). قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا خرج على إمام المسلمين طائفة ذات شوكة بتأويل\n_________\n(١) (١/ ٩٨).\n(٢) المصدر نفسه (١/ ٩٨ - ٩٩).\n(٣) الحجرات الآية (٩).","vol":"10","page":533},{"text":"سائغ، فإنه يباح قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله. (١)\n- وقال: من خرج عن طاعة الإمام وفارق الجماعة، فشذ عن جماعتهم، فقد ذكر العلماء أنهم أحد أصناف أربعة:\nأحدها: قوم خرجوا على الإمام وطاعته بلا تأويل، فهؤلاء قطاع طريق.\nالثاني: خرجوا بتأويل إلى أنهم نفر يسير لا منعة لهم، كالعشرة ونحوهم فهؤلاء حكمهم حكم قطاع الطريق.\nالثالث: قوم خرجوا على الإمام وراموا خلعه بتأويل سائغ، سواء أكان تأويلهم خطأ أو صوابا، ولهم شوكة ومنعة، فهؤلاء هم البغاة، فعلى الإمام أن يراسلهم وينظر ما يدعون وما ينقمون، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها، فإن فاءوا وإلا قاتلهم وجوبا، وعلى رعيته إعانته.\nالرابع: الخوارج الذين يكفرون بالذنب، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فهؤلاء فسقة يجوز قتالهم ابتداء.\nفأي إنسان خرج من المسلمين بداع من هذه الدواعي الأربعة، فهو خارج عن طاعة الإمام، ومفارق جماعة المسلمين، فإذا مات على هذه الحال فقد مات على طريق أهل الجاهلية الذين لا ينظمهم إمام ولا تجمعهم كلمة. (٢)\n_________\n(١) (٥/ ٢٤٤).\n(٢) المصدر السابق (٥/ ٢٤٦).","vol":"10","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3526>محمد صفوت نور الدين (١٤٢٣ ه</span>ـ)\nمحمد صفوت بن نور الدين بن أحمد بن مرسي. ولد في قرية من قرى محافظة الشرقية بمصر في العشرين من يونيو سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لثلاث وأربعين وتسعمائة وألف ميلادي. كلف في جماعة أنصار السنة المحمدية عضوًا بمجلس إدارتها منذ ثمان وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لثمان وسبعين وتسعمائة وألف ميلادي. وكان أمينًا للدعوة بها منذ عام ثمان وأربعمائة وألف للهجرة الموافق لثمان وثمانين وتسعمائة وألف ميلادي حتى وفاة الشيخ محمد علي عبد الرحيم رحمه الله تعالى حيث توفي عام اثني عشرة وأربعمائة وألف للهجرة الموافق لاثنتين وتسعين وتسعمائة وألف ميلادي، فكلف برئاسة الجماعة.\nتوفي ﵀ يوم الجمعة ثلاثة عشر رجب لسنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة. وصلي عليه بالمسجد الحرام بمكة حرسها الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3527>موقفه من المبتدعة:</span>\nله قلم سيّال يُرى واضحًا من خلال مقالاته في مجلة التوحيد، قال ﵀ مبيّنًا سبيل توحيد الأمة: والحديث عن وحدة المسلمين يعني ثلاثة أمور:\nالأول: وحدة المسلمين اعتقادًا. وذلك يعني لزوم عقيدة أهل السنة والجماعة، ومخالفة الفرق الضالة الثنتين والسبعين وأصول هذه الفرق في الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة القدرية.\nالثاني: وحدة المسلمين في تعبدهم. بمعنى لزوم السنة وترك البدعة ولزوم الطاعة وترك المعصية.","vol":"10","page":535},{"text":"الثالث: وحدة المسلمين صفًّا. بأن يكونوا (كلٌّ على من عاداهم ويسعى بذمتهم أدناهم).\nأما الأمر الأول: فقد اتفق علماء الصدر الأول عليه، ومن خالفهم فيه كانوا هم فرق الضلال فلا يجوز التسامح في أقوالهم، فإذا أردنا أن ندعو المسلمين إلى الوحدة دعوناهم للالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة لأنه لا سبيل للوحدة سواه.\nأما الأمر الثاني: فهو دعوة المسلمين لإقامة شرع الله وعبادته كما أمر من غير أهواء ولا بدع. فنأتي المأمور ونجتنب المحظور. وكلًاّ من هذين الأمرين في الاعتقاد والتعبد يخاطب فيه أفراد الأمة وجماعاتها حكامًا ومحكومين، فإذا استقاموا على اعتقاد أهل السنة والجماعة وعلى نبذ الأهواء والبدعة عندئذ تصبح الدعوة لوحدة صف المسلمين نافعة. وعندئذ ينزل الله عليهم نصره ويؤيدهم بجنده ويحيق بأعدائهم بأسه.\nلكن إن ظنوا أنهم يمكن أن يتحد صفهم بغير وحدة اعتقادهم وصحة تعبدهم فذلك خيال وخبال؛ لذلك وجب على العلماء التعرف على العقيدة الصحيحة أي عقيدة أهل السنة والجماعة بغير خلط مع الفرق الضالة، فيعرفوا الفرق الناجية بعقيدتها وبأئمتها من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم بعد ذلك ليعرفوا الحق فيعرفوا أهله. فإن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف أهله.\nولا يجوز أن ندعو إلى غير أهل السنة والجماعة، أو أن نهون من أمرهم فندعو لموافقة فرق الضلال، ولا أن نقول قول الحائرين (لا ندري أين الحق؟)","vol":"10","page":536},{"text":"لأن الدين كامل بإكمال الله له، لا يعوزه قول مجمع من مجامع العلماء اليوم فالرسول - ﷺ - يقول: «تركتكم على البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك» (١).\nفالنجاة في طريق الفرقة الناجية المنصورة فرقة أهل السنة والجماعة وهي واضحة المعالم، بيّنة القسمات، متميّزة عمّا عداها، فهيّا يا دعاة الوحدة، وهيّا يا من تعالجون الفُرقة. هيّا إلى الطريق الواضح الصحيح. والله ناصر من نصر دينه. (٢)\n- وقال ﵀ كاشفًا عن أضرار البدعة: أضرار البدع:\n١ - ادعاء حق التشريع للبشر واتخاذهم أربابًا من دون الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣) ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ (٤).\n٢ - اعتقاد أن التشريع جاء ناقصًا وأنه يكمله بالبدعة هذه والله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٢٦) وابن ماجه (١/ ١٦/٤٣) وأصله عند أبي داود (٥/ ١٣/٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"حديث حسن صحيح\". وابن حبان (١/ ١٧٨/٥) والحاكم (١/ ٩٥) وقال: \"صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي. من حديث العرباض بن سارية.\n(٢) مجلة التوحيد (السنة الثانية والعشرون العدد السابع رجب ١٤١٤هـ/ص.٤ - ٥).\n(٣) التوبة الآية (٣١).\n(٤) النحل الآية (١١٦).","vol":"10","page":537},{"text":"الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).\nومن وصية عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة (عليك بالسنة فإن السنة إنما سنّها من قد عرف ما في خلافها من الخطإ والزلل والحمق، فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم فإنهم على علم وتقوى) فإذا كان المبتدع يرى أن ابتداعه لم يكن إلا لخير الناس في دينهم فما أجدره بالحزن العميق على نفسه بموقفه من البدعة التي عرف الشارع ما فيها من خطإ وزلل وحمق.\n٣ - تلبيس الدين على الناس بحيث يعتقدون الدين فيما ليس دينًا كما هو قائم اليوم بشأن كثير من بدع المساجد والصلاة وغيرها من العبادة، حتى إن ترك سنة من السنن لم يلمه أحد، وإن ترك البدعة هاجت لها أنوف، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ (٢).\nوإذا جئت تذكرهم بأن هذا ليس في شرع الله ألقى الشيطان على ألسنتهم ما يحتجون به لبدعتهم وأنهم بذلك إنما يحسنون صنعًا والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (٣).\n_________\n(١) المائدة الآية (٣).\n(٢) آل عمران الآية (٧١).\n(٣) الكهف الآيتان (١٠٣و١٠٤).","vol":"10","page":538},{"text":"٤ - إن صاحب البدعة محروم من ثواب العمل «مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (١) (متفق عليه).\n٥ - أن يحرم يوم القيامة من الشرب من حوض النبي - ﷺ - ويدعو عليه النبي - ﷺ - في وقت هو أحوج ما يكون إلى شفاعته لحديث النبي - ﷺ -: «ألا ليُذادنّ رجال عن حوضي كما يُذاد البعير الضّالّ، أناديهم ألا هلمّ ألا هلمّ، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فأقول فسحقًا فسحقًا فسحقًا» (الموطأ والبخاري ومسلم. واللفظ للموطأ). (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3528>موقفه من الرافضة:</span>\n- قال ﵀: وإن أشر البدع تلك التي تفرقت بسببها الأمة، وأشرها قاطبة بدع الشيعة الذين يزعمون حبّ آل البيت، مع أنهم أشدّ أعداء أهل البيت، حيث جعلوا ذلك ذريعة ومطية لارتكاب كل منكر وهجر كل شرع، وزعموا أن للقرآن باطنًا غير ما يظهر للناس، فمن هذه الأقوال تفرعت أقوال أهل الضلال، فزرعوا فرق التصوف بين أهل السنة، وشوهوا للناس جمال دينهم، وأضلوهم عن طريق ربهم. (٣)\n- وقال أيضًا: وإن هذه القضية هي أم القضايا عند الشيعة إذا انهارت انهار كلّ مذهبهم، فإذا ثبت أن أهل البيت يدخل فيهم آل عباس وآل عقيل وآل جعفر، بل وبقية آل عليّ، فضلًا عن دخول الزوجات انهار كل مذهب\n_________\n(١) تقدم في مواقف الخلال سنة (٣١١هـ).\n(٢) مجلة التوحيد (السنة الرابعة والعشرون العدد الثالث ربيع الأول ١٤١٦هـ/ص.٣ - ٤).\n(٣) مجلة التوحيد (السنة الثلاثون العدد الخامس ١٤٢٢هـ/ص.٤).","vol":"10","page":539},{"text":"الشيعة وتهاوى ولم يبقَ لهم من قول يعتمد بعد. وسائر القضايا التي يبني عليها الشيعة مذهبهم إنما يتبعون فيها الشبهات للزيغ الذي في قلوبهم ليضلوا الناس، ودين الشيعة مبني على عبادة القبور والشرك الصريح بالله ربّ العالمين، والمطالع لكتبهم في القديم والحديث يعلم أنهم عباد أوثان ينسبون لأئمتهم ما لا ينسب إلا لله ربّ العالمين، ويفضلون أئمتهم على الأنبياء والمرسلين، ولا يغرك دعواهم فهم صنيعة اليهود وتاريخهم في الكيد للمسلمين ملوث بالدماء، أقول هذا لأن دعاوى التقريب تريد أن تجعلهم مذهبًا فقهيًّا خلافاته في الفرعيات وليست في الأصول.\nفانظر كيف أن الهوى يهوي بصاحبه ليبلغه المهالك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، والحمد لله على الهداية، ونسأل الله أن يجنبنا الهوى والغواية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3529>أحمد بن حجر آل بوطامي (١٤٢٣ ه</span>ـ)\nأحمد بن حجر بن محمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، ولد برأس الخيمة عام ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة. حفظ القرآن في صغره. سافر إلى الأحساء عام تسع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، فمكث بها أربع سنوات منكبًّا على طلب العلم على كبار أهل العلم البارزين منهم: أحمد نور ابن عبد الله، وعبد الله محمد حنفي، وأحمد بن علي العرفج، وغيرهم.\nتولّى التدريس في معهد إمام الدعوة بالرياض بطلب من الشيخ محمد\n_________\n(١) مجلة التوحيد (السنة التاسعة والعشرون العدد الرابع ١٤٢١هـ/ص.٥).","vol":"10","page":540},{"text":"ابن إبراهيم آل الشيخ. كما تولى القضاء الشرعي في دولة قطر، فاستقر بها ﵀ إلى أن توفي في الخامس من جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3530>موقفه من المبتدعة:</span>\nله مؤلفات عديدة في هذا الباب، كلها دعوة إلى السنة ونبذ للبدعة، منها:\n١ - الدرر السنية في عقد أهل السنة المرضية (منظومة).\n٢ - اللآلي السنية في التوحيد والنهضة والأخلاق المرضية (منظومة).\n٣ - الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه.\n٤ - الرد الشافي الوافر على من نفى أمية سيد الأوائل والأواخر.\n٥ - الإسلام والرسول في نظر منصفي الشرق والغرب.\n٦ - تطهير المجتمعات من أرجاس الموبقات.\n٧ - تحذير المسلمين من البدع والابتداع في الدين.\n٨ - سبيل الجنة بالتمسك بالقرآن والسنة.\n٩ - الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر المفترى عليه.\n١٠ - شرح العقائد السلفية بأدلتها العقلية والنقلية.\n١١ - نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيين.\n١٢ - الأدلة الساطعات في إثبات المعجزات والكرامات.\n١٣ - القول الأقوم في عموم رسالة سيدنا محمد إلى جميع الأمم.","vol":"10","page":541},{"text":"١٤ - الرد المبين على من نسب النقص في الدين وطعن في الصحابة والفقهاء المعتبرين.\n- قال ﵀: ومثل هؤلاء المقلدين للمجتهدين؛ الذين يخالفون آي القرآن ونص الحديث الصحيح الآتي بخلاف مذهبهم، فيجمدون على المذهب ويتعصبون له، بحجة أن صاحب المذهب أعلم منا، والمتحذلق منهم يؤول الآية على حسب أهوائه ومذهبه، ويرد الحديث بلعله لم يصح عند إمامنا، أو لعل له ناسخًا أو مخصصًا لا نعلمه، ونحو ذلك من الأعذار الواهية والشبهات الداحضة، وأين هؤلاء من هذه الآية الشريفة، ومن قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (١) ومن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٢).\nعلى أن الأئمة -﵏- لهم الفضل في تدوين العلوم، ومكانتهم لا تخفى، وقد نهوا عن تقليدهم وتقليد غيرهم، وليس كلامنا في العاجز، أو من لم يظهر له الدليل؛ فإن هذا لا بأس له أن يقلد، وإنما كلامنا فيمن حوى من العلوم ما يمكنه من فهم الآيات والأحاديث، أو ظهر له الدليل بخلاف المذهب وإن لم يحو من العلم شيئًا كثيرًا؛ فإن مثل هذا لا عذر له في ترك النص والأخذ بالتقليد. (٣)\n- وقال رادًّا على محسّني البدع: وكيف لتقسيمهم إلى حسنة وقبيحة أصل وهو ينافي القرآن والحديث. وإليك البيان على وجه الاختصار.\n١ - أما القرآن، فقد قال الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤) فما انتقل الرسول من الدنيا إلا والدين كاملًا لا يحتاج إلى الزيادة.\nونضيف إلى ذلك: أن التشريع من حق رب العالمين، وليس من حق البشر، ولئن جازت الزيادة في الدين، جاز النقص، ولا قائل بذلك.\nبدين المسلمين، إن جاز زيد ... كفى ذا القول قبحًا يا خليلي\nفجاز النقص أيضًا أن يكونا ... ولا يرضاه إلا الجاهلونا\n\n٢ - وأما الحديث: ففي الصحيح: «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» (٥) ولفظ (كل) للعموم. ولا يخرج فرد من الأفراد المبتدعة إلا بمخصص، فأين المخصص هنا، حتى يقال: هذه البدعة وحسنة وخرجت من حيز العموم؟ فإن كان المخصص حديث «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله أحسن» فالجواب:\nأولًا: إن هذا ليس بحديث عن النبي - ﷺ -، بل من كلام ابن مسعود.\n_________\n(١) الأعراف الآية (٣).\n(٢) النساء الآية (٥٩).\n(٣) تطهير الجنان والأركان (ص.٤٢ - ٤٣).\n(٤) المائدة الآية (٣).\n(٥) أخرجه: أحمد (٤/ ١٢٦ - ١٢٧) وأبو داود (٥/ ١٣ - ١٥/ ٤٦٠٧) والترمذي (٥/ ٤٣/٢٦٧٦) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه (١/ ١٦ - ١٧/ ٤٣ - ٤٤) والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٧) وقال: \"هذا حديث صحيح ليس له علة\" ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان (١/ ١٧٨ - ١٧٩/ ٥).","vol":"10","page":null},{"text":"وثانيًا: إن (ال) في كلمة (المسلمون) إن كان للاستغراق، أي: كل المسلمين فإجماع، والإجماع حجة ولا كلام فيه. وإن كان للجنس فيستحسن بعض المسلمين هذا الأمر ويستقبحه البعض الآخر، كما هو الواقع في أكثر البدع. وعليه فقد سقط الاحتجاج بهذا الأثر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3531>موقفه من المشركين:</span>\nلقد دأب ﵀ على الذب عن التوحيد والتحذير من الشرك ووسائله، فألف في ذلك المؤلفات، فمن ذلك:\n١ - تطهير الجنان والأركان عن درن الشرك والكفران.\n٢ - تنزيه السنة والقرآن عن أن يكونا من أصول الضلال والكفران.\n٣ - القاديانية ودعايتها الضالة والرد عليها.\n٤ - البابية والبهائية وأهدافها في دعوة النبوة والرد عليهما.\n- قال ﵀: سبب الشرك الغلوّ في الصالحين:\nومن هنا نعلم أن الشرك إنما حدث في بني آدم بسبب الغلو في الصالحين.\nومعنى الغلو: الإفراط بالتعظيم بالقول والاعتقاد. ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (٢). أي: لا\n_________\n(١) تطهير الجنان والأركان (ص.٤٨).\n(٢) النساء الآية (١٧١).","vol":"10","page":544},{"text":"تفرطوا في تعظيمه حتى ترفعوه عن منزلته التي أنزله الله، فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله.\nوالخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فإنه عام يتناول جميع الأمة، تحذيرًا لهم أن يفعلوا بنبيهم، كما فعلت النصارى في عيسى، واليهود في عزير.\nولهذا ورد في الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله». (١)\nأي: لا تتجاوزوا الحد في مدحي، فتنزلوني فوق منزلتي التي أنزلني الله بها، كما غلت النصارى في عيسى فادّعوا فيه الألوهية، وإنما أنا عبد الله ورسوله، فصفوني كما وصفني ربي.\nولكن أبى الجاهلون والمخرفون إلا مخالفة أمر رسول الله، وارتكاب نهيه، فناقضوه أعظم مناقضة، وضاهؤوا النصارى في غلوهم وشركهم، وبنوا القباب والمساجد على أضرحة الأولياء والصالحين، وصلوا فيها -وإن كان لله- لكن بقصد التعظيم للمقبورين، وطافوا بقبورهم، واستغاثوا بهم في كشف الملمات وقضاء الحاجات، ورأوا أن الصلاة في أضرحة الأولياء أفضل من الصلاة في المساجد.\nوقد ورد في الحديث الشريف عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قالت: لما نُزِل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ بها كشفها، فقال -وهو كذلك-: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف المكي الناصري سنة (١٤١٤هـ).","vol":"10","page":545},{"text":"مساجد»، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. أخرجه الشيخان. (١)\nوجرى منهم الغلو في الشعر والنثر ما يطول عده، حتى جوزوا الاستغاثة بالرسول وسائر الصالحين، في كل ما يستغاث فيه بالله، ونسبوا إليه علم الغيب! حتى قال بعض الغلاة: لم يفارق الرسول الدنيا حتى علم ما كان وما يكون!، وخالفوا صريح القرآن: ﴿* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (٣)، وقال تعالى مخبرًا عن رسوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (٤)، وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٥).\nوإذ علمتم أن الشرك حدث بسبب الغلو في الصالحين، وأنه إنما جاءت الرسل من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله بالعبادة، لا إلى إثبات\n_________\n(١) تقدم تخريجه في مواقف فوزان السابق سنة (١٣٧٣هـ).\n(٢) الأنعام الآية (٥٩).\n(٣) لقمان الآية (٣٤).\n(٤) الأعراف الآية (١٨٨).\n(٥) النمل الآية (٦٥).","vol":"10","page":546},{"text":"أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرّون بذلك، كما قررناه وكررناه. ولذا قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾ (١) أي: لنفرده بالعبادة ونخصه بها من دون آلهتنا! (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3532>موقفه من الصوفية:</span>\n- قال: ليعلموا أن كثيرًا من صلواتهم وأدعيتهم وأذكارهم وأحزابهم مما ابتدعه بعض الفقهاء الجامدين، أو المتصوفة المبطلين، أنها من البدع والضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان، مثل الذكر بالاسم المفرد: (الله الله، أو يا هو يا هو). ومثل حلق المريدين (اجتماعهم في حلقات) الذين يزعمون أنهم يذكرون الله بمثل هذه الأذكار المخترعة.\nوكصلاة الرغائب ومثل حزب البحر وأمثاله، وابتهالات وصلوات ومناجاة وإنشاد قصائد في مدح النبي - ﷺ - فوق المنائر قبل الفجر وفي ليلة الجمعة ويومها، وبعض صيغ صلوات على الرسول لم ترد السنة بها.\nمثل قوله: (اللهم صل على محمد عدد ما في علم الله، صلاة دائمة بدوام ملك الله) وكقوله: (اللهم صل على محمد كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون)؛ لأن الصلاة على الرسول من أجل القربات، كيف لا وقد أمرنا الله بها في كتابه المجيد، بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ\n_________\n(١) الأعراف الآية (٧٠).\n(٢) تطهير الجنان والأركان (ص.٢٧ - ٣١).","vol":"10","page":547},{"text":"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (١).\nوالصيغ الواردة في الصلاة على الرسول مدوّنة في كتب السنة، لا حاجة إلى الاختراع والابتداع في صيغها؛ لأن الصلاة عليه - ﷺ - عبادة، والعبادة مبنية على التوقيف. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3533>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال: والحاصل أننا لا نتعدى القرآن والحديث، ولا نؤول صفات الله الواردة في الوحيين بتأويلات الجهمية والمعتزلة القائلين: إن اليد بمعنى النعمة، والاستواء بمعنى الاستيلاء، والوجه بمعنى الذات، والرحمة بمعنى التفضل، ونزوله بمعنى نزول أمره أو رحمته، أو ملائكته .. وما أشبه ذلك من التأويلات الفاسدة، والنابعة من منابع الفلاسفة الضالين.\nتلك التأويلات التي تؤول بالإنسان إلى الكفر، وتجعل الشريعة ألعوبة بأيدي المبطلين والهدامين؛ بحيث أنه لا يريد مبطل أن يهدم عقيدة أو حكمًا شرعيًا، إلا وقد أتى من باب التأويل، وكفى بهذا قبحًا وضلالًا.\nوعلى اعتقاد ما وصف الله به نفسه، أو وصفه رسوله، بما أتى في القرآن والأحاديث الصحيحة من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، مضى عصر الرسول والصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة المعتبرين، كالإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام مالك، والإمام أحمد بن حنبل، والبخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبي داود، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم من\n_________\n(١) الأحزاب الآية (٥٦).\n(٢) تطهير الجنان والأركان (ص.٤٧ - ٥٠).","vol":"10","page":548},{"text":"المحدثين والفقهاء المعتبرين، والصوفية المحققين، كالجنيد والجيلاني وأبي نعيم واللغويين المحققين، كالخليل بن أحمد، وثعلب وغيرهما. (١)\n\nعبد السلام بن برجس آل عبد الكريم (٢) (١٤٢٥ هـ)\nأبو عبد الرحمن عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم، ولد سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة بمدينة الرياض. نشأ في بيت ديانة، وصلاح. تميز منذ صغره بالذكاء، والحزم، والجد، والاجتهاد، فحفظ القرآن. تلقى تعليمه بمدينة الرياض، فبعد المرحلة الابتدائية التحق بالمعهد العلمي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود، ثم التحق بكلية الشريعة من الجامعة نفسها، فتخرج منها عام عشر وأربعمائة وألف للهجرة. ثم التحق بالمعهد العالي للقضاء، وحصل فيه على درجة الماجستير. ثم حصل بعدها على شهادة الدكتوراه سنة ثنتين وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة.\nعين مدرسًا في المعهد العلمي بالقويعية، وقاضيًا بوزارة العدل.\nتتلمذ على جمع غفير من أهل العلم. من أبرزهم: الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ عبد الله الدويش، والشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، ﵏.\n_________\n(١) تطهير الجنان والأركان (ص.٨٣ - ٨٤).\n(٢) 'نزهة الأنفس في سيرة الشيخ عبد السلام بن برجس' لأبي قرة فريد المرادي. مقال في جريدة 'الجزيرة' السعودية بقلم هاني بن سالم الحسيني الحارثي.","vol":"10","page":549},{"text":"توفي ﵀ مساء يوم الجمعة الثاني عشر من صفر سنة خمس وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة، وكان عمره حين وفاته ثمانا وثلاثين سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3535>موقفه من المبتدعة:</span>\nله -﵀- رسالة وافية وفية، حوت دررًا من الفوائد السّنيّة أسماها: 'ضرورة الاهتمام بالسنن النبويّة'. حرص ﵀ أن يجلي فيها معنى السنة وبيان أهميتها وفضل متبعها.\n- قال ﵀ في مقدمتها: فإن أحق ما اعتنى به المسلم، وأولى ما صرف فيه أوقاته: العمل الدؤوب على اقتفاء آثار النبي - ﷺ -، وتجسيدها في حياته اليومية، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.\nذلك بأن غاية المؤمن تحصيل الهداية الموصلة إلى دار السعادة، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (١) وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (٣). وهذه الآية -كما قال ابن كثير-: (أصل كبير في التأسي برسول الله - ﷺ -، في أقواله، وأفعاله، وأحواله).\nوهذه الأسوة إنما يسلكها ويوفق لها من كان يرجو الله واليوم الآخر.\n_________\n(١) النور الآية (٥٤).\n(٢) الأعراف الآية (١٥٨).\n(٣) الأحزاب الآية (٢١).","vol":"10","page":550},{"text":"فإن ما معه من الإيمان، وخوف الله، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه، يحثّه على التأسي بالرسول - ﷺ -.\nوشرف المؤمن ومنزلته إنما تقاس باتباعه، فكلما كان تحرّيه للسنة أكثر كان بالدرجات العلى أحقّ وأجدر.\nولذا كان العلماء السابقون من السلف الصالح يجعلون معيار من يؤخذ عنه العلم -وهو أشرف مأخوذ- تمسّكه بالسنة، كما قال إبراهيم النخعي -﵀-: (كانوا إذا أتوا الرجل يأخذون عنه العلم نظروا إلى صلاته، وإلى سنته، وإلى هيئته؛ ثم يأخذون عنه).\nوقال أبو العالية: (كنا نأتي الرجل لنأخذ عنه فننظر إذا صلى: فإن أحسنها جلسنا إليه، وقلنا: هو لغيرها أحسن؛ وإن أساءها قمنا عنه، وقلنا: هو لغيرها أسوأ). (١)\n- وقال: فلو أن كل فرد من أبناء هذه الأمة نشأ وبين عينيه سيرة رسول الله - ﷺ -، يأخذ منها آدابه وأخلاقه، وحركته وسكونه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، لنشأ جيل إيمانه كالجبال، يقذف الرعب في قلوب أعدائنا على مسيرة شهر، وينهض بالأمة إلى أعلى ما تصبو إليه من السعادة والسيادة ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِن اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ (٢). هذا وللالتزام بالسنة ثمار وفوائد لا تحصى. (٣)\n_________\n(١) ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية (ص.١١ - ١٣).\n(٢) الحج الآية (٤٠).\n(٣) ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية (ص.٤٥).","vol":"10","page":551},{"text":"ثم ذكرها مفصلة.\n- وقال: فالله الله يا أمة الإسلام في سنن رسولكم - ﷺ -، من لها سواكم؟ أحيوها جهدكم، وأرشدوا الناس إلى العمل بها، فهي عنوان المحبة الكاملة لرسول الله - ﷺ -، وعلامة المتابعة الصادقة له - ﷺ -.\nولا يجرمنّكم شنآن المتعصبين، ولا تهويل المبطلين، ولا حيصة العوامّ المفتونين، فإن السنة اليوم غريبة، معاول الهدم تخدشها من كل جانب، فهي اليوم في أشد الحاجة إلى أبنائها المخلصين، الذين يتحملون في سبيلها المشاقّ، ويؤثرونها على حظوظ أنفسهم، قائدهم في ذلك الرفق واللين، والمجادلة بالتي هي أحسن، وسيكون التوفيق حليفهم، والعاقبة الحسنى لهم، متى ما أخلصوا النية لله ﷿، واحتسبوا منه وحده الثواب على هذا العمل الجسيم.\nوما أحوجنا هنا أن نذكّرهم بتلك التجربة التي جرت على يد الإمام الشاطبي -﵀- عندما عقد العزم على إحياء السنة والتجرد لها وإن خالفها الناس، فتعرض بسبب ذلك لمقت الناس، وإزرائهم به، واتهامه بكل سوء، ولكن العاقبة للمتقين: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِن اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾.\nقال الشاطبي في الاعتصام: (... فتردّد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس؛ فلا بد من حصول نحوٍ مما حصل لمخالفي العوائد -لاسيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها- إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل. وبين أن أتّبعهم على شرط","vol":"10","page":552},{"text":"مخالفة السنة والسلف الصالح، فأدخل تحت ترجمة الضُّلاّل -عائذًا بالله من ذلك- إلا أني أوافق المعتاد، وأُعَدّ من المؤالفين لا من المخالفين.\nفرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئًا). (١)\nوله أيضًا رسالة أخرى عنون لها 'الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية'. وهي ماتعة في بابها. قال فيها: وليعتبر المسلم بما قاله تعالى في حقّ النصارى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾ (٢)، والمعنى: أنم ابتدعوا لأنفسهم عبادة، ما كتبها الله عليهم ولا فرضها، بل هم الذين التزموها من عند أنفسهم، وقصدهم بذلك: تحصيل رضا الله سبحانه.\nفانظر كيف مقتهم الله وذمّهم مع حسن قصدهم فيما التزموه من العبادة المحدثة. فإن الله تعالى لا يريد من عباده أن يعبدوه إلا بما شرع على ألسنة رسله، وبذلك يظهر صدق المستجيبين لله وللرسول إذا دعاهم لما\n_________\n(١) ضرورة الاهتمام بالكتاب والسنة (ص.٨٦ - ٨٨).\n(٢) الحديد الآية (٢٧).","vol":"10","page":553},{"text":"يحييهم.\nفكما أن الله تعالى لا يقبل من مشرك في توحيد الإلهية عملًا مهما كبر، فكذلك لا يقبل ممن أشرك في توحيد المتابعة عملًا مهما كثر. قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِن اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ (١).\nفليس لأحد أن يتبع ما يحبّه، فيأمر به، ويتخذه دينًا، وينهى عما يبغضه، ويذمه، ويتخذ ذلك دينًا: إلا بهدىً من الله، وهدى الله هو شريعته التي بعث بها رسوله - ﷺ -.\nومن اتبع ما يهواه حبًّا وبغضًا بغير الشريعة؛ فقد اتبع هواه بغير هدىً من الله.\nوأيّ اتباع للهوى أعظم من الإعراض عمّا شرع الله تعالى من الوسائل الشرعية في الدعوة إلى الوسائل البدعيّة، التي يظنّها الفاعل لها قربة وطاعة لله تعالى، وهي -والله- عين الضلال ومنبع الفساد. وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ (٢).اهـ (٣)\n_________\n(١) القصص الآية (٥٠).\n(٢) الزخرف الآيتان (٣٦ - ٣٧).\n(٣) الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية (ص.٨٨ - ٨٩).","vol":"10","page":554},{"text":"وله أيضًا من الآثار السلفية:\n١ - 'المعتقد الصحيح الواجب على كل مسلم اعتقاده'.\n٢ - 'بيان المشروع والممنوع من التوسل'.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3536>موقفه من المشركين:</span>\nله رسالة 'القول المبين في حكم الاستهزاء بالدين'.\n- قال فيها: وبعد: فإن هناك ظاهرة من الظواهر الدخيلة على بلاد المسلمين، سارت مسير الريح، وانتشرت انتشار الشمس، فلم تعد بلدة إسلامية إلا جثمت عليها، ولا دار مسلم إلا دخلت فيه. وهي ظاهرة لا تبشّر بخير أبدًا، بل هي منذرة بسيل عذاب من الله جلّ وعلا قد انعقد غمامه، ومؤذنة بليل بلاء قد ادلهمّ ظلامه، ما عُهد أنها حلّت في مجتمع إلا أبادته وقضت عليه، فارتفعت عنه الخيرات، ونزلت عليه المصائب والنكبات ...\nأتدرون ما هذه الظاهرة الموبوءة؟ إنها السخرية والاستهزاء بالمؤمنين، الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا؛ فأتوا بما يحبّه الله ويرضاه، واجتنبوا ما يكرهه ويمقته.\nحقًا إنها ظاهرة قذرة، حَرِيّة بكل وصف سيء مشين، وذلك لأنها تأتي إلى أصول الدين، وقواعده فتنقضها، وإلى أركانه ومبانيه فتهدمها.\nوأيّ شيء من الدين يبقى بعد السخرية بأتباعه لا لشيء؛ ولكن لأنهم آمنوا بالله، واتبعوا رسوله - ﷺ - في كل ما يأتون ويذرون؟ ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ","vol":"10","page":555},{"text":"إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ (١).\nوالمستقرئ للتاريخ الإسلامي، يعلم أن هذه الظاهرة الخبيثة؛ لم تنتشر في زمن؛ كانتشارها في زمننا هذا، وذلك لعدّة أسباب؛ منها:\nابتعاد المسلمين عن تعاليم كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -.\nإحياء المستعمرين الصليبيّين هذه الظاهرة، ليتمكّنوا من الاستيلاء على البلاد الإسلامية بسهولة ويسر.\nتسخير جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لبثّ هذه الظاهرة، خدمة لأغراض اليهود وأذنابهم.\nدخول أجسام غريبة بين صفوف المسلمين؛ باسم الإسلام والعلم؛ تعمل على تشويه صورة الإسلام، وإظهار المسلمين بمظهر السوء.\nوكلّ هذه الأسباب حقائق واضحة؛ لا يرتاب فيها مؤمن، وسيأتي تدعيم ذلك بالأدلّة الجليّة -إن شاء الله تعالى-. (٢)\n- وقال مبيّنًا حكم الاستهزاء بالمسلم: الاستهزاء بالمسلم لما قام به من أحكام الله سبحانه، وسنة رسوله - ﷺ -؛ وذلك كالاستهزاء بمن حافظ على الصّلوات، أو حثّ الناس على الطاعات، أو بمن أعفى لحيته ورفع ثوبه فوق الكعبين تأسّيًا برسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) البروج الآيتان (٨و٩).\n(٢) القول المبين في حكم الاستهزاء بالمؤمنين (ص.٧ - ١٠).","vol":"10","page":556},{"text":"وهذا القسم حكمه غليظ شديد، لا أحبّ أن أفجع به أسماعكم حتى أذكر أمرين إن وُجدا فيمن قام به هذا القسم لم يُحكم عليه بهذا الحكم الغليظ الشديد:\nأحدهما: أن يكون المستهزئ جاهلًا بأن ما استهزأ به من الشريعة الإسلاميّة. كأن يستهزئ بقِصَر الثوب، ولا يعلم أن تقصير الثياب إلى أنصاف الساقين من سنن النبيّ - ﷺ -.\nثانيهما: أن لا يقصد باستهزائه ذاتَ العبادة التي قام بها الرجل المسلم. كأن يستهزئ بلحية رجل مسلم لما فيها من عيب خَلقيّ، لا لكونها سنة من سنن النبيّ - ﷺ -.\nفمن لم يكن فيه أحد هذين الأمرين؛ واستهزأ برجل مسلم لما قام به من الواجبات أو السنن؛ فإنه يُصبح مرتدًّا عن دين الإسلام إن كان مسلمًا -والعياذ بالله- يجب على الإمام أن يُجري عليه أحكام الرّدّة التي قرّرها الفقهاء في كتبهم. (١)\n- وقال في آخرها ناظمًا بعد أبيات طويلة:\nيا ساخرون من الدعاة سمعتُمُ ... حكمًا غليظًا جاء من بارِينا\nفإن انتهيتم فالسعادةُ خلفَكم ... وإن استبحتم فالشقاء قرينا\nأو ما علمتم أن باعث عزنا ... ذلك الكتاب وسنة تهدينا\nفبها أقمنا للحضارة معلمًا ... وبها فتحنا فارسًا والصينا\n_________\n(١) القول المبين في حكم الاستهزاء بالمؤمنين (ص.٢٢ - ٢٤).","vol":"10","page":557},{"text":"وبها نشرنا العلم في أرجائها ... حتى تعالى كالجبال رصِينا\nواليومَ لمّا للكتاب نبذتُمُ ... صار الهوان مخيِّمًا كاسِينا\nهذا هو السّرّ الوحيد لنقصكم ... وكمالِ سادة قومنا الماضينا (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3537>موقفه من الخوارج:</span>\nله كتاب 'الأمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم والتحذير من مفارقتهم'، كما له أيضًا رسالة 'معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة'.\n- قال في مقدمتها: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله الأمين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nأما بعد: فإن السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين أصل من أصول العقيدة السلفية، قلّ أن يخلو كتاب فيها من تقريره وشرحه وبيانه، وما ذاك إلا لبالغ أهميته وعظيم شأنه، إذ بالسمع والطاعة لهم تنتظم مصالح الدين والدنيا معًا، وبالافتيات عليهم قولًا أو فعلًا فساد الدين والدنيا.\nوقد علم بالضرورة من دين الإسلام أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة.\nيقول الحسن البصري -رحمه الله تعالى- في الأمراء: (هم يَلون من أمورنا خمسًا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود. والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا. والله لما يُصلح الله بهم أكثر مما يُفسدون، مع أن طاعتهم والله لغبطة، وإن فرقتهم لكفر).\n_________\n(١) القول المبين (ص.٧١ - ٧٢).","vol":"10","page":558},{"text":"ولقد كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يُولون هذا الأمر اهتمامًا خاصًّا، لا سيّما عند ظهور بوادر الفتنة؛ نظرًا لما يترتب على الجهل به أو إغفاله من الفساد العريض في العباد والبلاد، والعدول عن سبيل الهدى والرشاد.\nواهتمام السلف بهذا الأمر تحمله صور كثيرة نُقلت إلينا عنهم، من أبلغها وأجلّها ما قام به الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة -﵁-؛ حيث كان مثالًا للسنة في معاملة الولاة.\nفلقد تبنى الولاة في زمنه أحد المذاهب الفكريّة السيئة، وحملوا الناس عليه بالقوة والسيف، وأُهريقت دماء جمّ غفير من العلماء بسبب ذلك، وفُرض القول بخلق القرآن الكريم على الأمة، وقُرّر ذلك في كتاتيب الصبيان ... إلى غير ذلك من الطاّمّات والعظائم، ومع ذلك كلّه؛ فالإمام أحمد لا ينزعه هوى، ولا تستجيشُه العواطف (العواصف)، بل يثبت على السنة؛ لأنها خير وأهدى؛ فيأمر بطاعة وليّ الأمر، ويجمع العامّة عليه، ويقف كالجبل الشامخ في وجه من أراد مخالفة المنهج النبوي والسّير السّلفيّة انسياقًا وراء العواطف المجرّدة عن قيود الكتاب والسنة، أو المذاهب الثوريّة الفاسدة.\nيقول حنبل -رحمه الله تعالى-: (اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله -يعني: الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى-، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا -يعنون: إظهار القول بخلق القرآن، وغير ذلك-، ولا نرضى بإمارته، ولا سلطانه. فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، لا تشقّوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا","vol":"10","page":559},{"text":"دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح برّ ويُستراح من فاجر. وقال: ليس هذا -يعني: نزع أيديهم من طاعته- صوابًا؛ هذا خلاف الآثار).\nفهذه صورة من أروع الصور التي نقلها الناقلون، تشرح صراحة التطبيق العمليّ لمذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب.\nومن الصور أيضًا ما جاء في كتاب 'السنة' للإمام الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى حيث قال: (إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان؛ فاعلم أنه صاحب هوى. وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح؛ فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى).\nيقول الفضيل بن عياض: (لو كان لي دعوة ما جعلتها إلاّ في السلطان. فأُمِرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نُؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وعلى المسلمين، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين).\nومما يجدر العلم به أن قاعدة السلف في هذا الباب زيادة الاعتناء به كلّما ازدادت حاجة الأمة إليه؛ سدًّا لباب الفتن، وإيصادًا لطريق الخروج على الولاة، الذي هو أصل فساد الدنيا والدين. (١)\n- وقال: فإن سألت عن الطريقة الشرعية للإنكار على السلاطين، فهي مبسوطة في كتب السنة وغيرها من كتب أهل العلم، وفي مقدَّم الإجابة عن هذا السؤال أمهّد بنقلين، ثم أورد الأدلّة على ما أقرّره، والله الموفق:\n_________\n(١) معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة (ص.٥ - ٨).","vol":"10","page":560},{"text":"النقل الأول:\nقال ابن مفلح في 'الآداب الشرعية': (ولا ينكر أحد على سلطان إلا وعظًا له وتخويفًا، أو تحذيرًا من العاقبة في الدنيا والآخرة؛ فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك، ذكره القاضي، وغيره. والمراد: ولم يَخَف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط، وكان حكم ذلك كغيره.\nقال ابن الجوزي: الجائز من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين: التعريف والوعظ، فأما تخشين القول؛ نحو: يا ظالم! يا من لا يخاف الله! فإن كان ذلك يحرّك فتنة يتعدّى شررها إلى الغير؛ لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه؛ فهو جائز عند جمهور العلماء. قال: والذي أراه المنع من ذلك ...) اهـ.\nالنقل الثاني:\nقال ابن النحاس في كتابه 'تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الهالكين': (ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رؤوس الأشهاد، بل يودّ لو كلّمه سرًّا، ونصحه خفية؛ من غير ثالث لهما) اهـ.\nلقد كان موقف سلفنا الصالح من المنكرات الصادرة من الحكّام وسطًا بين طائفتين:\nإحداهما: الخوارج والمعتزلة، الذين يرون الخروج على السلطان إذا فعل منكرًا.\nوالأخرى: الروافض الذين أضفوا على حكّامهم قداسة، حتى بلغوا بهم","vol":"10","page":561},{"text":"مرتبة العصمة.\nوكلا الطائفتين بمعزلٍ عن الصواب، وبمنأى عن صريح السنة والكتاب.\nووفق الله أهل السنة والجماعة -أهل الحديث- إلى عين الهدى والحقّ، فذهبوا إلى وجوب إنكار المنكر، لكن بالضوابط الشرعية، التي جاءت بها السنة، وكان عليها سلف هذه الأمة.\nومن أهم ذلك وأعظمه قدرًا أن يناصح ولاة الأمر سرًّا فيما صدر عنهم من منكرات، ولا يكون ذلك على رؤوس المنابر وفي مجامع الناس؛ لما ينجم عن ذلك -غالبًا- من تأليب العامة، وإثارة الرّعاع عليهم، وإشعال الفتن.\nوهذا ليس دأب أهل السنة والجماعة، بل سبيلهم ومنهجهم: جمع قلوب الناس على ولاتهم، والعمل على نشر المحبّة بين الراعي والرعية، والأمر بالصبر على ما يصدر عن الولاة من استئثار بالمال أو ظلم للعباد مع قيامهم بمناصحة الولاة سرًّا، والتحذير من المنكرات عمومًا أمام الناس؛ دون تخصيص فاعل؛ كالتحذير من الزنى عمومًا، ومن الربا عمومًا، ومن الظلم عمومًا ... ونحو ذلك.\nيقول العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله تعالى-: (ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الانقلابات، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخروج الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتّبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم","vol":"10","page":562},{"text":"وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتّصلون به حتى يوجه إلى الخير.\nوإنكار المنكر يكون من دون ذكر الفاعل؛ فينكر الزنى وينكر الخمر وينكر الربا من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلانًا يفعلها؛ لا حاكم ولا غير حاكم.\nولما وقعت الفتنة في عهد عثمان؛ قال بعض الناس لأسامة بن زيد ﵁: ألا تنكر على عثمان؛ قال: أُنكر عليه عند الناس؟! لكن أُنكر عليه بيني وبينه، ولا أفتح باب شر على الناس.\nولما فتحوا الشر في زمن عثمان ﵁، وأنكروا على عثمان جهرة؛ تمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقتل عثمان وعلي بأسباب ذلك، وقتل جمّ كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني وذكر العيوب علنًا، حتى أبغض الناس ولي أمرهم، وحتى قتلوه؛ نسأل الله العافية) اهـ.\nوهذا الذي قرّره الشيخ -حفظه الله- هو امتداد لما قرّره أئمة الدعوة -رحمهم الله تعالى- في كتبهم، وهو في الحقيقة امتداد لما عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن سلك مسلكهم من أهل العلم والدين. (١)\n- وقال أيضًا: وبهذا يُعلم أن إثارة الرعية على الولاة، وتأليب العامة\n_________\n(١) معاملة الحكام (ص.٤١ - ٤٤).","vol":"10","page":563},{"text":"عليهم؛ داء عضال، تجب المبادرة إلى كيّه، وورم خبيث يتعيّن استئصاله، لئلا يستفحل فيخرج خبثه، فتستحكم البليّة، وتعظم الرزيّة، ولا ينفع الندم عندئذ. فإن المثير والمثبط؛ كفأرة السّدّ، إن تركت أغرقت العباد والبلاد، وأشاعت في الأرض الفساد. فيتعين على الناس عمومًا: التكاتف لدفع المثير الساعي إلى الفتنة، وعزله كما تعزل الجرباء، ونفيه من المجتمع؛ كلّ حسب جهده وطاقته.\nوهذا من أفضل الأعمال وأجلّ القرب إلى الله تعالى، إذ به يندفع شرّ عظيم، وتُطفأ فتنة عمياء. نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. والله سبحانه العاصم منها وحده؛ نسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الحميدة أن يؤمّننا في أوطاننا، ويصلح أئمتنا وولاة أمورنا. (١)\n- وله أيضًا تعليق على رسالة 'أصول وضوابط في التكفير' لعبد اللطيف ابن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ. قال في مقدمتها: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: هذا خطاب محرّر، كتبه العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن -رحمه الله تعالى- لردّ فتنة خطيرة، طالما زخرفها الشيطان فتساقط بعض المنتسبين إلى الخير في شَرَكِها، وظنوها حقًا ...\nتلك الفتنة هي فتنة التكفير التي ترتبط جذورها بالخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فأفسدوا أيّما فساد، مع ما فيهم من طول صلاة وكثرة صيام، حتى إن الأمة في القرون المفضلة تحقر\n_________\n(١) معاملة الحكام (ص.١٠١).","vol":"10","page":564},{"text":"صلاتها عند صلاتهم، وصيامها عند صيامهم، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، صلوات الله وسلامه عليه.\nوقد سئل نافع: كيف رأي ابن عمر في الحروريّة؟ قال: يراهم شرارَ خلق الله؛ إنهم انطلقوا إلى آيات أُنزلت في الكفّار، فجعلوها على المؤمنين.\nفسُرّ سعيد بن جبير من ذلك، فقال: مما يتّبع الحرورية من المتشابه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (١) ويقرنون معها: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ (٢) فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحقّ؛ قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربّه، ومن عدل بربّه فقد أشرك؛ فهذه الأمة مشركون، فيخرجون، فيقتلون ما رأيت؛ لأنهم يتأوّلون هذه الآية. اهـ.\nفهذا حال المبتدعين لهذه الفتنة المشعلين لنارها، عند السلف الصالح -رضوان الله عليهم أجمعين- من الصحابة والتابعين.\nورسالتنا هذه سوف تعالج هذه الفتنة عن طريق بيان منهج السلف الصالح في قضايا التكفير، فمن سار على نهجهم نجا -إن شاء الله- من مغبّة هذه الفتنة، ومن حاد عنه تخطّفته كلاليبها.\nوكان سبب هذه الرسالة أن جماعة من أهل الدين في هذا البلد نزعهم\n_________\n(١) المائدة الآية (٤٤).\n(٢) الأنعام الآية (١).","vol":"10","page":565},{"text":"عرق خارجي فخاضوا في مسائل التكفير بغير علم، فأتوا بطامّات، وولجوا في متاهات ... فكفّروا بما ليس مكفّرًا من الأعمال، وكفّروا من ليس كافرًا في شرع الله تعالى ... ولم يقتصروا على ذلك، بل افتروا على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب، ونسبوا أنفسهم إليه، وزعموا أن أفكارهم هذه مستمدّة من كتبه ... فلمّا بلغ بهم الأمر هذا المبلغ استدعاهم عالم نجد ومفتيها العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهّاب -رحم الله الجميع- فكشف شبهتهم، وأدحض حجّتهم، وبرّأ ساحة جدّه شيخ الإسلام منهم ومن منهجهم ... فرجعوا وفاؤوا إلى الحقّ في ذلك المجلس ... ثم نكصوا على أعقابهم، وأصرّوا على باطلهم. (١)\n- كما له أيضًا رسالة لطيفة له فيها الجمع والترتيب بعنوان: 'نصيحة مهمة في ثلاث قضايا' وغيرها من الرسائل النافعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3538>عبد القادر الأرناؤوط (١٤٢٥ ه</span>ـ)\nأصله من كوسوفا بألبانيا وتسمى أيضًا بلاد الأرناؤوط وبذلك يلقب الأتراك كل ألباني. ولد بقرية \"فريلا\" سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، واسمه في الهوية: قدري بن صوقل بن عبدول بن سنان. هاجر مع أبيه إلى دمشق سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة جرّاء اضطهاد الشيوعيين للعرب وللمسلمين.\n_________\n(١) أصول وضوابط في التكفير (ص.٥ - ٧).","vol":"10","page":566},{"text":"درس الفقه والنحو والصرف على سليمان غاوجي الألباني، ولازم محمد صالح الفرفور قريبًا من عشر سنوات، درس عليه خلالها الفقه الحنفي والتفسير وعلوم اللغة من بيان وبديع ومعاني. ومن بين شيوخه الكبار العالم السلفي محمد بهجة البيطار ﵀، فقد تأثّر به، وكان يقول له: \"أنت يا بنيّ مشربك من مشربنا، فأرى أن تدرّس مكاني\". وكذلك كان فقد درّس مكانه في جامعي الدقاق والشربجي.\nوكانت له صحبة طيبة مع بلديّه الإمام الألباني، وكان كل واحد منهما يحبّ الآخر حبًّا عظيمًا، ويجلّه ويثني على علمه ومنهجه، فكان يزور الألباني كلما نزل بالأردن، وكان الألباني كلما طبع كتابًا أرسل له هدية منه. تولّى الخطابة وهو في العشرين من عمره، واستمرّ فيها وفي تدريس العلم الشرعي من عقيدة وحديث وفقه وتفسير وغيرها مدة خمسين سنة في مساجد ومدارس دمشق.\nحقّق الكثير من الكتب بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، وله تآليف حسنة منها 'الوجيز في منهج السلف الصالح'، و'وصايا نبوية'.\nتوفي ﵀ يوم الجمعة لأربع عشرة خلون من شوال عام خمس وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3539>موقفه من المبتدعة:</span>\n- قال ﵀: إذا ما سألتَ عن مذهبي أقول: أنا مسلم أعود إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - وأقوال الأئمة بأدلتها، وأعمل بما هو","vol":"10","page":567},{"text":"الأقوى والأرجح الذي رجّحه العلماء على منهج السلف الصالح. (١)\n- قال: ومن عقائد السلف الصالح أنه لا يجب على أحد من المسلمين التقيد بمذهب فقيه معين، وأن له أن ينتقل من مذهب إلى آخر لقوة الدليل، وأن العامي لا مذهب له، بل مذهبه مذهب مفتيه.\nوأن على طالب العلم إذا كانت عنده أهلية يستطيع أن يعرف بها أدلة الأئمة أن يعمل بها، وينتقل من مذهب إمام في مسألة إلى مذهب إمام آخر أقوى دليلًا وأرجح فقهًا في مسألة أخرى، ويكون بذلك متبعًا وليس بمجتهد؛ فإن الاجتهاد استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، كما كان عليه الأئمة الأربعة وسواهم من الفقهاء والمحدثين. (٢)\n- طرده شيخه محمد صالح الفرفور لما رُفع إليه أنه اشترى 'الوابل الصيب' لابن القيم، فوبّخه وقال له: لم جئت بالكتاب؟ فقال التلميذ: لأني قرأت في مقدمته في الذكر مائة فائدة، ثم سردها، فقال الشيخ: هل تعرف ابن القيم تلميذ من؟ قال: تلميذ ابن تيمية، فقال الشيخ مغضبًا مستنكرًا: نحن نقرأ لابن تيمية؟!! قُم! وهكذا طرد وأبعد وقوطع بتهمة الوهابية.\n- منع من الخطابة بتحريض من مشايخ السوء الذين حذّروا منه بتهمة الوهابية، وكذلك لما رفع صوته عاليًا بالتحذير من مشاركة النصارى في أعياد رأس السنة الميلادية، ومقارعة الخمور، وتقاليد الكفّار، فمنع على إثرها بتهمة الدعوة إلى الطائفية وذلك سنة خمس عشرة وأربعمائة وألف للهجرة.\n_________\n(١) من ترجمته بقلم أحد تلامذته.\n(٢) الوجيز في منهج السلف الصالح.","vol":"10","page":568},{"text":"- قال: ومن عقائد السلف أنه يجب الإيمان بكل ما جاء في القرآن وأمرنا الله تعالى به، وترك كل ما نهانا عنه جملة وتفصيلًا، ونؤمن بكل ما أخبر به النبي ﵌، وصح النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، سواء في ذلك ما عقلناه أو جهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه، نأتمر بأمر الله تعالى وأمر رسوله ﵌، وننتهي عما نهانا الله تعالى ونهانا عنه رسول الله ﵌، ونقف عند حدود كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﵌، وما جاء عن الخلفاء الراشدين المهديين، وعلينا اتباع ما جاء به رسول الله ﵌ من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وسلوك طريق رسول الله ﵌ وما كان عليه الخلفاء الراشدون الأربعة المهديون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة؛ لأن سنة الخلفاء الراشدين متبعة كاتباع السنة النبوية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3540>موقفه من المشركين:</span>\nقال ﵀ في براءته التي كتبها لما حذف أحد مراقبي المطبوعات بالسعودية قصة العتبي من كتاب الأذكار للنووي الذي حقّقه، ومفادها أن العتبي كان جالسًا عند قبر الرسول - ﷺ - فجاء أعرابي وقال مخاطبًا النبي - ﷺ - في قبره: جئتك مستغفرًا من ذنبي. ولما انصرف رأى العتبي النبي - ﷺ - في المنام وقال له: يا عتبي! الحق الأعرابي فبشّره بأن الله قد غفر له. قال: هذه القصة ليس لها إسناد صحيح، ومتنها مخالف للأحاديث الصحيحة، ثم قال: وقد قال\n_________\n(١) المصدر نفسه.","vol":"10","page":569},{"text":"الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي -تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذ الحافظ المزّيّ- في كتابه 'الصارم المنكي في الرّدّ على السبكي': (ذكرها الحافظ البيهقي في 'شعب الإيمان' بإسناد مظلم). قال: (ووضع لها بعض الكذابين إسنادًا إلى علي ﵁). وقال أيضًا ابن عبد الهادي في 'الصارم المنكي في الرد على السبكي' (ص.٤٣٠): (هذا خبر موضوع، وأثر مختلَق مصنوع، لا يصلح الاعتماد عليه، ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض).\nوقد أخطأ الإمام النووي -﵀- حيث ذكر هذه القصة وسكت عليها؛ وكان الأَولى أن لا يذكرها حتى لا يغر بها القراء ويستشهدوا بها.\nأقول: كيف تصح هذه القصة وفيها يقول العتبي: جاء الأعرابي إلى قبر النبي - ﷺ - وقال له: جئتك مستغفرًا من ذنبي. بعد وفاة النبي - ﷺ - وهو في قبره؟ والله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١). أي: لا يغفرها أحد سواه. قال الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي: (ولم يفهم أحد من السلف والخلف من الآية الكريمة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢)، إلا المجيء إليه في حياته - ﷺ - ليستغفر لهم).\nوهذه قضية لها علاقة بالعقيدة والتوحيد، فلا يجوز التساهل فيها والسكوت\n_________\n(١) آل عمران الآية (١٣٥).\n(٢) النساء الآية (٦٤).","vol":"10","page":570},{"text":"عنها؛ وإن عقائد السلف الصالح أنهم يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئًا، فلا يَسألون إلا الله تعالى، ولا يستعينون إلا بالله ﷿، ولا يستغيثون إلا به سبحانه، ولا يتوكلون إلا عليه جل وعلا، ويتوسّلون إلى الله تعالى بطاعته وعبادته والقيام بالأعمال الصالحة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (١). أي: تقربوا إليه بطاعته وعبادته ﷾. قال عبد الله بن مسعود ﵁: \"اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم\". وقال عمر ابن عبد العزيز ﵀: \"قف حيث وقف القوم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفّوا\". وقال الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام ﵀: \"عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول\". وقال الفضيل بن عياض ﵀: \"الزم طرق الهدى، ولا يغرّك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين\".\nهذا؛ وإن شريعة الله تعالى محفوظة من التغيير والتبديل، وقد تكفّل الله تعالى بحفظها فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٢). ورسول الله - ﷺ - قال في حديثه: «يحملُ هذا العلمَ من كلّ خلَفٍ عُدولُهُ: ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (٣). وهو\n_________\n(١) سورة المائدة الآية (٣٥).\n(٢) الحجر الآية (٩).\n(٣) رواه الآجري في الشريعة (١/ ١٠١ - ١٠٤/ ١ - ٢) والبيهقي (١٠/ ٢٠٩) من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، وهذا مرسل. وله شواهد يتقوى بها عن جمع من الصحابة منهم: أسامة بن زيد وأبو هريرة وابن عمر وابن مسعود وعلي وغيرهم رضوان الله عليهم.","vol":"10","page":571},{"text":"حديث حسن بطرقه وشواهده. نسأل الله تعالى أن يهدينا للعقيدة الصافية، والسريرة النقية الطاهرة، والأخلاق المرضية الفاضلة عند الله تعالى ... (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3541>موقفه من الرافضة:</span>\nقال: ونشهد للعشرة المبشرين بالجنة، كما شهد لهم النبي ﵌، وكل من شهد له النبي ﵌ بالجنة شهدنا له بها؛ لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.\nونتولى أصحاب رسول الله ﵌، ونكفّ عن مساويهم، وما شجر بينهم، وأمرهم إلى ربهم، ولا نسبُّ أحدًا من الصحابة لقوله - ﷺ -: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» (٢).\nوإن الصحابة ليسوا بمعصومين عن الخطأ، والعصمة لله تعالى ورسوله ﵌ في التبليغ، وأن الله تعالى عصم مجموع الأمة عن الخطأ، لا الأفراد، كما قال ﵌ في حديثه: «إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة، ويد الله على الجماعة» (٣).\nونترضى عن أزواج رسول الله ﵌ أمهات\n_________\n(١) الوجيز في منهج السلف الصالح.\n(٢) تقدم تخريجه ضمن مواقف الآجري سنة (٣٦٠هـ).\n(٣) رواه الترمذي (٤/ ٤٠٥/٢١٦٧) وقال: \"غريب من هذا الوجه\" والحاكم (١/ ١١٥و١١٦) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٩/٨٠) والطبراني (١٢/ ٤٤٧/١٣٦٢٣و١٣٦٢٤) من طرق عن ابن عمر. قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢١٨):\"رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات رجال الصحيح خلا مرزوق مولى آل طلحة وهو ثقة. وللحديث شواهد من حديث ابن عباس وأنس وكعب بن عاصم الأشعري وأبي مسعود ﵃.","vol":"10","page":572},{"text":"المؤمنين، ونعتقد أنهن مطهرات مبرآت من كل سوء. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3542>موقفه من الجهمية:</span>\n- قال: فأصول الدين التي استمسك بها هؤلاء الذين مضوا من أئمة الدين، وعلماء المسلمين، والسلف الصالحين، ودعوا الناس إليها: هي أنهم يؤمنون بالكتاب والسنة إجمالًا وتفصيلًا، ويشهدون لله ﷿ بالوحدانية، ولمحمد ﵌ بالنبوة والرسالة، ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسول الله ﵌، على ما وردت به الأخبار الصحيحة ونقله عنه العدول والثقات، ويثبتون لله ﷿ ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، من غير تشبيه بمخلوقاته، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تمثيل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢).\nقال الإمام الزهري: \"على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم\"، وقال الإمام سفيان بن عيينة: \"كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكوت عنه\"، وقال الإمام الشافعي: \"آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله\".\nوعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، وكلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله تعالى وسنة\n_________\n(١) الوجيز في منهج السلف الصالح.\n(٢) الشورى الآية (١١).","vol":"10","page":573},{"text":"رسوله ﵌ من غير تعرُّض لتأويله، وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء بمنارهم. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3543>موقفه من الخوارج:</span>\nقال: ومن عقائد السلف أنهم لا يكفرون أحدًا من المسلمين بذنب، ولو كان من الكبائر، إلا إذا جحد شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، ويعلمه الخاص والعام، وكان ثابتًا بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3544>موقفه من المرجئة:</span>\nقال: ومن عقائد السلف الصالح قولهم الإيمان قول باللسان وعمل بالجوارح والأركان وعقد بالقلب والجنان، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3545>موقفه من القدرية:</span>\nقال: ومن عقائد السلف أن الخير والشر بقضاء الله وقدره، ولكن ليس الشر بأمره تعالى، كما يقول بعضهم: كله بأمر الله؛ لأن الله تعالى أمر بالخير، ونهى عن الشر، وهو سبحانه لا يأمر بالفحشاء، وإنما ينهى عنها، والإنسان غير مجبر، يختار أفعاله وعقائده، ويستحق العقاب أو الثواب على حسب اختياره، وهو مختار في الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(٢) المصدر نفسه.\n(٣) المصدر نفسه.","vol":"10","page":574},{"text":"وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١).اهـ (٢)\n_________\n(١) الكهف الآية (٢٩).\n(٢) المصدر نفسه.","vol":"10","page":575}]}