{"ً":{"ٌ":37372,"ٍ":"مجالس رمضان - أحمد فريد","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: مجالس رمضان - أحمد فريد\nالمؤلف: أحمد فريد\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٦ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1094,"ٕ":23,"ٖ":1770155459,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16"],"ٚ":[{"title":"التزكية عند أهل السنة","level":1,"page":1},{"title":"أهمية تزكية النفوس وبيان مناهجها","level":2,"page":2},{"title":"الغاية من تزكية النفس عند أهل السنة","level":2,"page":3},{"title":"الصيام مدرسة التقوى","level":1,"page":4},{"title":"آثار الصيام في زياد تقوى الصائم","level":2,"page":5},{"title":"ما ينتظره الصائم يوم القيامة من الأجر","level":2,"page":6},{"title":"العبودية وظيفة العمر","level":1,"page":7},{"title":"فهم وظيفة العبودية والقيام بها","level":2,"page":8},{"title":"وجوب إخلاص العبودية لله وحده","level":3,"page":9},{"title":"سعادة الصالحين وأخبارهم في عبوديتهم لله","level":3,"page":10},{"title":"دعاء تفريج الهم","level":1,"page":11},{"title":"كيفية علاج القلب من الهم والغم","level":2,"page":12},{"title":"أسماء الله الحسنى ومشروعية التوسل بها","level":2,"page":13},{"title":"بيان تأثير القرآن في القلوب","level":2,"page":14},{"title":"شهر الاستغفار","level":1,"page":15},{"title":"فضل الاستغفار وبيان أفضله","level":2,"page":16},{"title":"الدعاء مع الرجاء وكثرة الاستغفار من أعظم أسباب المغفرة","level":2,"page":17},{"title":"توحيد الله ﷿ من أعظم أسباب المغفرة","level":2,"page":18},{"title":"شهر التوبة","level":1,"page":19},{"title":"أهمية التوبة ودعوة الناس كافة إليها","level":2,"page":20},{"title":"شرائط التوبة","level":2,"page":21},{"title":"علامات صحة التوبة وعدم صحتها","level":2,"page":22},{"title":"أقسام الناس في التوبة","level":2,"page":23},{"title":"شهر الدعاء","level":1,"page":24},{"title":"فضل الدعاء وأهميته","level":2,"page":25},{"title":"آداب الدعاء","level":2,"page":26},{"title":"شهر الذكر","level":1,"page":27},{"title":"تعريف الذكر","level":2,"page":28},{"title":"فوائد الذكر","level":2,"page":29},{"title":"شهر القرآن","level":1,"page":30},{"title":"خصوصية شهر رمضان بالقرآن","level":2,"page":31},{"title":"أنواع الأمراض وعلاج القرآن لها","level":2,"page":32},{"title":"طريق الولاية","level":1,"page":33},{"title":"حديث: (من عادى لي وليا) أشرف حديث في شأن الولاية","level":2,"page":34},{"title":"صفات أولياء الله وخصائصهم","level":2,"page":35},{"title":"من قصص وكرامات الأولياء","level":2,"page":36},{"title":"شرح حديث: (من عادى لي وليا)","level":2,"page":37},{"title":"فضائل شهر الصيام","level":1,"page":38},{"title":"الحث على اغتنام شهر رمضان","level":2,"page":39},{"title":"فضل شهر رمضان","level":2,"page":40},{"title":"الغاية من الصيام","level":2,"page":41},{"title":"أحوال الصائمين في نهارهم وليلهم","level":2,"page":42},{"title":"فضل قراءة القرآن وأداء العمرة في شهر رمضان وسائر أعمال الخير","level":2,"page":43},{"title":"فقه التجارة مع الله","level":1,"page":44},{"title":"المسارعة إلى التجارة مع الله تعالى","level":2,"page":45},{"title":"الفرق بين التجارة مع الله ﷿ والتجارة مع غيره","level":2,"page":46},{"title":"نماذج من فقه التجارة مع الله ﷿","level":2,"page":47},{"title":"قيام رمضان","level":1,"page":48},{"title":"فضل صيام شهر رمضان وقيامه","level":2,"page":49},{"title":"مشروعية قيام رمضان","level":2,"page":50},{"title":"فضل قيام الليل","level":2,"page":51},{"title":"صفة الصحابة في القيام","level":2,"page":52},{"title":"هدي النبي ﷺ في قيام الليل","level":2,"page":53},{"title":"الأسباب المعينة على قيام الليل","level":2,"page":54},{"title":"الأسباب الظاهرة المعينة على قيام الليل","level":3,"page":55},{"title":"الأسباب الباطنة المعينة على قيام الليل","level":3,"page":56},{"title":"قيمة الزمن","level":1,"page":57},{"title":"أهمية الوقت وأدلته من الكتاب والسنة","level":2,"page":58},{"title":"الأمور الدالة على أهمية استغلال الوقت","level":2,"page":59},{"title":"من قصص السلف في المحافظة على أوقاتهم","level":2,"page":60},{"title":"معاني إيمانية شريفة","level":1,"page":61},{"title":"معان وقيم إسلامية","level":2,"page":62},{"title":"التوكل على الله وتعليق القلب به تعالى","level":3,"page":63},{"title":"الحب في الله والبغض في الله","level":3,"page":64},{"title":"عزة المؤمن ومذلة الكافر","level":3,"page":65},{"title":"محبة الآباء والأبناء والإخوة والزوجات محبة طبيعية","level":3,"page":66},{"title":"علو الهمة والتنافس في درجات الآخرة","level":3,"page":67},{"title":"وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون","level":1,"page":68},{"title":"خوف السلف من لقاء الله ﷿","level":2,"page":69},{"title":"أقوال السلف في المعني بقوله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)","level":2,"page":70},{"title":"أن الآية نزلت في أهل الأهواء والرياء","level":3,"page":71},{"title":"أن الآية نزلت في أهل البدع","level":3,"page":72},{"title":"أن الآية نزلت فيمن غره طول الأمل والأماني الباطلة","level":3,"page":73},{"title":"أن الآية نزلت فيمن أثقلوا ظهورهم بمظالم العباد","level":3,"page":74},{"title":"أن الآية نزلت فيمن ظنوا كبائرهم صغائر","level":3,"page":75},{"title":"أن الآية نزلت فيمن يناقش الحساب يوم القيامة","level":3,"page":76},{"title":"أن الآية نزلت فيمن وقع في ذنوب منعت انتفاعه بحسناته","level":3,"page":77}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"2,1":4,"2,2":5,"2,3":6,"3,1":7,"3,2":8,"3,3":9,"3,4":10,"4,1":11,"4,2":12,"4,3":13,"4,4":14,"5,1":15,"5,2":16,"5,3":17,"5,4":18,"6,1":19,"6,2":20,"6,3":21,"6,4":22,"6,5":23,"7,1":24,"7,2":25,"7,3":26,"8,1":27,"8,2":28,"8,3":29,"9,1":30,"9,2":31,"9,3":32,"10,1":33,"10,2":34,"10,3":35,"10,4":36,"10,5":37,"11,1":38,"11,2":39,"11,3":40,"11,4":41,"11,5":42,"11,6":43,"12,1":44,"12,2":45,"12,3":46,"12,4":47,"13,1":48,"13,2":49,"13,3":50,"13,4":51,"13,5":52,"13,6":53,"13,7":54,"13,8":55,"13,9":56,"14,1":57,"14,2":58,"14,3":59,"14,4":60,"15,1":61,"15,2":62,"15,3":63,"15,4":64,"15,5":65,"15,6":66,"15,7":67,"16,1":68,"16,2":69,"16,3":70,"16,4":71,"16,5":72,"16,6":73,"16,7":74,"16,8":75,"16,9":76,"16,10":77},"ٜ":{"1":[1,3],"2":[1,3],"3":[1,4],"4":[1,4],"5":[1,4],"6":[1,5],"7":[1,3],"8":[1,3],"9":[1,3],"10":[1,5],"11":[1,6],"12":[1,4],"13":[1,9],"14":[1,4],"15":[1,7],"16":[1,10]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","2,1","2,2","2,3","3,1","3,2","3,3","3,4","4,1","4,2","4,3","4,4","5,1","5,2","5,3","5,4","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","7,1","7,2","7,3","8,1","8,2","8,3","9,1","9,2","9,3","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","12,1","12,2","12,3","12,4","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","14,1","14,2","14,3","14,4","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","15,7","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-1>التزكية عند أهل السنة</span>\nلقد اعتنى الشرع المطهر بتزكية الأنفس وتطهيرها من أدرانها، وجعل فلاح العبد وفوزه منوطًا بتزكية النفس، وما ذلك إلا لما للتزكية من المكانة العظيمة عند الله ﷿، فعلى المؤمن أن يبذل وسعه في تزكية نفسه وتطهيرها.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهمية تزكية النفوس وبيان مناهجها</span>\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nثم أما بعد: فإن من المهمات التي بعث بها النبي الكريم ﷺ تزكية نفوس العباد، كما قال ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]، وكان النبي ﷺ يسأل الله ﷿ هذه الزكاة لنفسه فيقول: (اللهم آت نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها).\nكما تمنن الله ﷿ على المؤمنين بهذه الزكاة فقال ﷿: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١]، فالله ﷿ يتفضل على من يشاء بالتزكية.\nوقد أقسم الله ﷿ في كتابه أحد عشر قسمًا متواليًا -وليس في القرآن كله أقسام متوالية بهذا العدد وعلى هذا النسق- على حقيقة: وهي أن فلاح العباد ونجاحهم منوط بتزكية نفوسهم، وأن خيبتهم وخسارتهم منوطة بتدسية نفوسهم، فقال ﷿: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١ - ١٠].\nفهذه الأقسام المتوالية على أن فلاح العباد منوط بتزكية نفوسهم.\nفقوله تعالى: (قد أفلح من زكاها) * (وقد خاب من دساها) فما معنى التزكية وما معنى التدسية؟ التزكية: هي التنمية والإصلاح.\nيقولون: زكا الزرع إذا نما وصلح وبلغ كماله.\nفتزكية النفس: هي تنميتها وتعليتها وتنقيتها وإصلاحها بتوحيد الله ﷿ وطاعته؛ لأن النفس تزكو بذلك وتعظم وتطهر.\nأما التدسية: فهي التحقير والتصغير، فالنفس تصير حقيرة دنيئة لا تكاد ترى من حقارتها ودناءتها، كما قال ﷿: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩]؛ أي: يخفيه في التراب.\nفالنفس تنمو وتصلح بطاعة الله ﷿، وتصغر وتصير حقيرة دنيئة بمعصية الله ﷿! فالعباد يجهلون مواقع السعادة ولا يعلمون أن سعادتهم في صلاح نفوسهم وتزكيتها، والله ﷿ قال: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢].\nوالجاهل لا يدري مصلحته، فينبغي أن يجبر على ما فيه صلاحه.\nقال عبد الله بن المبارك ﵀: إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوًا، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا، فينبغي علينا أن نكرهها.\nفالنفوس الجاهلة لا تعلم أن مصلحتها وسعادتها في طاعة الله ﷿، وفي الاستجابة لأمر الله ﷿ وأمر رسوله ﷺ، ولكن إذا أجبر العبد نفسه على الطاعة وعلى العبادة وعلى الاستقامة على طريق الله ﷿، فعند ذلك تذوق النفس حلاوة الطاعة والعبادة، وبعد ذلك تساعد النفس صاحبها وتأتي معه على طاعة الله ﷿.\nوقال بعض السلف: عالجت قيام الليل سنة وتمتعت به عشرين سنة.\nأي: ثقل على نفسه قيام الليل وعالج قيام الليل.\nومنهم من يفتح عليه في الدعوة إلى الله ﷿، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس الخير.\nومنهم من يفتح له في قضاء حوائج الناس، وتحقيق مآربهم.\nومنهم من يفتح له في الجهاد والبذل لإعلاء دين الله ﷿ ورفع رايته.\nوهناك من يوفق لكل هذه الأبواب، فإذا نظرت في الحجاج وجدته وسطهم، وإذا نظرت في المجاهدين وجدته بينهم، وإذا نظرت في العلماء وجدته في صفهم، فلو قيل له: ماذا تريد يقول: طاعة ربي جمعتني أو فرقتني، فهو السابق بالخير والمسارع إلى كل سبيل يرضي ربه ﷿.\nفهذه مناهج التزكية عند أهل السنة والجماعة: التزكية بالتوحيد، التزكية بأداء الفرائض، التزكية بالإكثار من النوافل.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الغاية من تزكية النفس عند أهل السنة</span>\nأما غاية التزكية عند أهل السنة: فهي تحقيق كمال العبودية لله ﷿، والوصول إلى أعلى مراتب الذل والحب لله ﷿؛ لأن العبودية هي كمال الحب مع تمام الذل، والله ﷿ وصف أكابر الخلق بالعبودية، فوصف نبيه ﷺ بالعبودية في أشرف مقاماته، مقام الإسراء، ومقام التحدي، ومقام الدعوة إلى الله ﷿، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١].\nوقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩].\nوقال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، ولذلك لما ذكر الإمام الطحاوي ﵀ تشريفات النبي ﷺ ابتدأ بالتشريف الأول وهو العبودية، قال: وإن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وإنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء، فقبل أن يذكر بأنه إمام الأنبياء وسيد المرسلين ذكر أنه عبد الله ﷿ المصطفى.\nفالعبودية لله ﷿ تشريف وتكريم، كما قال عياض: ومما زادني شرفًا وتيهًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا فالذي يتكبر عن العبودية لله ﷿ لا بد أن يقع في عبودية غير الله ﷿ من المخلوقات الخسيسة، فيعبد الشجر أو الحجر أو الشمس أو القمر أو البقر، بل من الناس من وقع في عبادة الشيطان الرجيم.\nفكل من يتكبر عن العبودية لله ﷿ لا بد أن يقع في العبودية لغير الله، ومهما تحرر العبد من العبادة لغير الله تكمل عبوديته لله ﷿، ولذلك فإن وظيفة الرسل وأتباع الرسل تعبيد الناس لله ﷿، وتحرير الناس من العبادة الباطلة للآلهة الباطلة التي لا تستحق العبادة، وجعلهم عبيدًا حقيقيين لله ﷿، كما قال ربعي بن عامر: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.\nفوظيفة الرسل وأتباع الرسل أن يحرروا الناس من عبادة غير الله ويعبدوهم لله ﷿، ويشرفوهم بأن يجعلوهم عبيدًا حقيقيين لله ﷿.\nنسأل الله تعالى أن يشرفنا بالعبودية له ﷿، وأن يرفعنا بالقيام والصيام.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.\nوصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.","vol":"1","page":3},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-4>الصيام مدرسة التقوى</span>\nالصيام عبادة تفضل الله بها على عباده؛ لما فيها من المنافع والفوائد، فالصائم يغفر الله له ذنوبه بصومه، ويكون صومه شافعًا له يوم القيامة، كما أن الصوم يعود الصائم على الصبر والجلد ومراقبة الله ﷿، والإحسان في القول والعمل.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>آثار الصيام في زياد تقوى الصائم</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرر أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].\nالصيام عباد الله! مدرسة التقوى، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].\nوالترجي في كلام الله ﷿ أو كلام رسوله ﷺ على القطع، كما قال ابن عباس: عسى من الله واجب.\nعلى عادة الملوك إذا أرادوا أن يقولوا: نحن سنفتح هذا البلد، يقولون: نرجو أن نفتح هذا البلد، ونرجو أن ننتصر على هذا الجيش، فلما يقطعون به يأتون به على صيغة الترجي، كما قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، فأنتم ترحمون قطعًا إذا استمعتم إلى كلام الله ﷿، كذلك من صام حق الصيام كما أمر الله ﷿ لا بد أن يصل إلى درجة التقوى.\nوالتقوى هي: علم القلب بقرب الرب.\nوالتقوى هي: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإن الله ﷿ يراك.\nوالتقوى كذلك عباد الله: ألا يراك الله حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك.\nفالصيام يوصل إلى تقوى الله ﷿؛ لأنه يتكون من نية باطنة لا يطلع عليها أحد إلا الله ﷿، وترك لشهوات يستخفى بتناولها عادة، فلا نستطيع أن نجزم في شخص بأنه صائم؛ لأنه قد يخلو ولو للحظات فينتهك حرمة الصيام، فهو إنما يترك الطعام والشراب والشهوة لأنه يحس بأن الله ﷿ يراه، وبأن الله ﷿ مطلع على قلبه، وعلى سر أمره وعلانيته، فالصيام يدرب العبد على مراقبة الله ﷿، وهذه المراقبة هي التقوى المقصودة، والدرة المفقودة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].\nوقد شرف الله ﷿ هذه العبادة بإضافتها إلى نفسه الشريفة ﷿ فقال تعالى في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به).\nفأضاف الله ﷿ كل أعمال ابن آدم إلى نفس ابن آدم، وشرف عبادة الصيام بأن أضافها إلى نفسه الشريفة فقال: (إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به).\nفلما كان الصيام سرًا بين العبد وربه تكفل الله ﷿ بتحديد أجر الصيام، فليس له تسعيرة محددة: (فكل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشرة أمثالها).\nفكل عمل من الأعمال له ثواب محدد، أما الصيام فالله تعالى يتكفل بتحديد أجره.\nوالصيام من الصبر وقد قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].\nفالصيام عبادة ترقى بالعبد إلى درجة المراقبة وإلى درجة التقوى، كما أن الصائم يلتزم بأخلاق معينة هي أخلاق المتقين وأخلاق المحسنين، فلا يسفه على السفيه بمثل سفهه، ولا يجهل على الجاهل بمثل جهله.\nقال النبي ﷺ: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث).\nولا يتكلم كلامًا فاحشًا: (ولا يصخب) أي: لا يرفع صوته بغير حاجة أو ضرورة: (وإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم، إني صائم).\nأي: يدفعه على أن يواجه السيئة بالسيئة أنه صائم، فينبغي عليه أن يلتزم بأخلاق الصائمين، وأخلاق المحسنين، فيدفع بالحسنة السيئة، فيقول: (إني صائم إني صائم).","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>ما ينتظره الصائم يوم القيامة من الأجر</span>\nفالصيام عباد الله! قد يكون صيامًا عن الطعام والشراب والشهوات، فمن كان صيامه عن الطعام، والشراب والشهوة، فله في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب وحور عين، كما قال ﷿: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].\nقال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين.\nومن الناس من يصوم عما سوى الله ﷿، فيحفظ الرأس وما وعى، ويحفظ البطن وما حوى، ويذكر الموت والبلى.\nومن صام في الدنيا عن شهواته، أدركها غدًا بعد وفاته، ومن تعجل ما حرم عليه من لذاته، عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته، أنت في دار شتات فتأهب لشتاتك، واجعل الدنيا كيوم صمته عن شهواتك، واجعل الفطر عند الله يوم وفاتك.\nأهل الصيام! أهل الخصوص من الصوام صومهم صون اللسان عن البهتان والكذب والعارفون وأهل الأنس صومهم صون القلوب عن الأغيار والحجب.\nفينبغي للمسلم عباد الله! إذا نوى الصيام أن ينوي ترك كل الذنوب والمعاصي، وأن يصوم سمعه وبصره وجوارحه، كما قال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.\nولما كان الصيام سرًا بين العبد وبين ربه يشتهر أهل الصيام يوم القيامة برائحة أفواههم، كما قال النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).\nفكل عبادة ينشأ عنها أثر مكروه عند العباد تكون محبوبة عند الله ﷿، فخلوف فم الصائم -أي: الرائحة التي تنبعث من المعدة الخالية من الطعام- أطيب عند الله من ريح المسك.\nوالشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه ينزف دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.\nوقال النبي ﷺ: (الصيام جنة) أي: وقاية، فهو وقاية لصاحبه من النار؛ لأن النار حفت بالشهوات، والصيام يكسر الشهوات المحرمة، وقد قال النبي ﷺ: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).\nفالصيام يكسر الشهوات، ويطوع النفس لرب الأرض والسموات؛ ولذلك ورد في فضل الصيام قوله ﷺ: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربي! منعته الطعام والشراب والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه.\nفيشفعان).\nوقال النبي ﷺ: (إن في الجنة باب يقال له: الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون).\nولم يقل: للجنة ولكن قال: في الجنة، إشارة إلى أن في هذا الباب من الراحة ومن النعيم ومن البهجة والسرور مما في الجنة، فقال: (إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون).\nقال النبي ﷺ: (من صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض).\nوهذا المقصود به: صيام النافلة، فإذا كان يوم صيام في النافلة يباعد الله ﷿ بهذا اليوم بين العبد وبين النار سبعين خريفًا، فكيف بصوم الفريضة الذي هو أفضل وأقرب إلى الله ﷿.\nوسأل رجل النبي ﷺ كما روى النسائي عن أبي أمامة عن عمل يتقرب به إلى الله ﷿ فقال: (عليك بالصيام، فإنه لا عدل له أو لا مثل له)، فدله على الصيام.\nفالصيام عباد الله! من أحب العبادات إلى الله ﷿؛ لأن الله ﷿ يحب من العباد أن يعاملوه سرًا، فالصيام سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه أحد إلا الله ﷿؛ ولذلك كان من أحب العبادات إلى الله ﷿، فينبغي علينا أن نصون الصيام، فمن صان صيامه وجد أجر صيامه عند الله ﷿.\nفنسأل الله تعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام، وتلاوة القرآن، وأن ينفعنا بأعمالنا الصالحة، وأن يتجاوز عن الزلات والسيئات.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.\nوصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.","vol":"2","page":3},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-7>العبودية وظيفة العمر</span>\nخلق الله البشر لعبادته سبحانه، وأمرهم بالقيام بهذه الوظيفة، فلا تكون العبودية إلا لله وحده، وقد فهم الصحابة ومن سار على هديهم حقيقة هذه الوظيفة، فذاقوا السعادة ووجدوا الطمأنينة والراحة ونعيم الدنيا والآخرة.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>فهم وظيفة العبودية والقيام بها</span>\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nأما بعد: فإن الله لم يخلق خلقه عبثًا، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم، عرض هذا الأمر على السماوات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه وجلًا، وقلن: ربنا إن أمرتنا فسمعًا وطاعة، وإن خيرتنا فعافيتك نريد لا نبغي بها بدلًا، وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله، وباء به بظلمه وجهله، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مئونته عليهم وثقله، وصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة، لا يتفكرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم، ولا يتفكرون في سرعة رحيلهم من هذه الدنيا الفانية، وانتقالهم إلى الآخرة الباقية، فقد ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعي العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني الباطلة، والخدع الكاذبة، فخدعهم طول الأمل، وران على قلوبهم سوء العمل، فهم في شهوات الدنيا ولذات النفوس كيف حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت أخذوها، إذا بدا لهم حظ من الدنيا بآخرتهم طاروا إليه زرافات ووحدانًا، ولم يؤثروا عليه فضلًا من الله ولا رضوانًا، نسوا الله فنسيهم أولئك هم الفاسقون، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون.\nخلقنا الله ﷿ لوظيفة، فمن اهتدى لمعرفة هذه الوظيفة وقام بها حق القيام أفلح وأنجح، وسعد في الدنيا والآخرة، ومن تغابى عن معرفة هذه الوظيفة أو عرف الوظيفة ولم يقم بها حق القيام خاب وخسر في الدنيا والآخرة، فما هي هذه الوظيفة التي خلقنا الله ﷿ من أجلها، حتى لا نكون يوم القيام من المغبونين، أو من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا؟ فالله ﷿ بين لنا هذه الوظيفة في كتابه، فقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فالله تعالى خلق العباد من أجل عبادته ﷿ وحده، وأرسل الرسل من أجل أن يعبِّدوا الناس له ﷿، ومن أجل أن ينبهوا الناس إلى القيام بالوظيفة التي خلقهم الله ﷿ من أجلها، فقال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].\nوقال ﷿: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، فالله تعالى أرسل الرسل من أجل أن يعبِّدوا الناس له ﷿، ومن أجل أن يعرف الناس الوظيفة التي خلقهم الله ﷿ من أجلها.\nوقد فهم ربعي بن عامر ﵁ أحد تلامذة النبي ﷺ هذه الوظيفة، فلما دخل على رستم قال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>وجوب إخلاص العبودية لله وحده</span>\nإن وظيفة الرسل، ووظيفة أتباع الرسل وهي تعبيد الناس لله ﷿، فنحن جميعًا عبيد لله ﷿، والعبد لا يجوز له أن يعمل ويؤدي إلى غير سيده، بل يجب عليه أن يعمل ويؤدي إلى سيده، فلا يجوز لنا أن نعمل عملًا لا نرجو به وجه الله، فينبغي أن تكون كل الأقوال وكل الأعمال وكل الأحوال لله ﷿، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فنحن وأموالنا وأوقاتنا وزوجاتنا وأولادنا ملك لله ﷿، فلا يجوز لنا أن نعمل عملًا لغير الله، بل ينبغي أن يكون لله ﷿.\nكثير من الناس يظن أن العبد لو كان كل عمله لله ﷿ فإنه لا يجد سعادة وراحة وحياة طيبة، وهذا من جهلهم بدين الله ﷿، ومن جهلهم بما تسعد به النفوس، فهم يظنون أنهم لا يمكن أن يسعدوا حتى ينسلخوا من الشرع المتين، وحتى يتبعوا الشياطين، لكن القلوب التي خلقها الله ﷿ بين تعالى أنها لا تسعد إلا به، ولا تطمئن إلا بذكره، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فالله ﷿ كما خلق العين للإبصار والأذن للسماع واللسان للتحدث والذوق، خلق القلب لمعرفة الله ﷿ وتوحيده، فمهما تعلق بغير الله فمآله إلى التعاسة والشقاء، كما قال النبي ﷺ: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، فالقلب لا يسعد إلا بالله ﷿، ففي القلب فقر وحاجة واضطرار إلى الله ﷿، فإذا تعلق بالله، وعُبِّد له سعد بذلك في الدنيا والآخرة، وإذا عُبِّد لغير الله فالتعاسة والشقاء في الدنيا والآخرة.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>سعادة الصالحين وأخبارهم في عبوديتهم لله</span>\nمهما أكمل العبد عبوديته لله ﷿ سعد في الدنيا والآخرة، ومهما نقصت عبوديته نقصت سعادته، ولذلك يخبرنا الصالحون كيف وجدوا السعادة التي ما ذقنا شيئًا منها لضعف إيماننا ويقيننا وقلة توحيدنا، فقال بعضهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من نعمة لجالدونا عليها بالسيوف.\nوقال بعضهم: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.\nوقال بعضهم: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، وصلاة الجماعة.\nوقال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة كالذي نحن فيه والله إنهم لفي عيش طيب.\nوقال بعضهم: والله! إنه لتمر بي أوقات يرقص فيها القلب طربًا.\nوهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان يقول: ما يفعل بي أعدائي، أنا جنتي معي، وبستاني في صدري، إن سجني خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وتعذيبي جهاد في سبيل الله.\nولما سجن في القلعة نظر من خلف الباب وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣].\nوكان يقول: لو أملك ملء القلعة ذهبًا ما استطعت أن أكافئهم على ما قدموه لي من الخير.\nوكان يقول: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.\nوكان يكثر أن يقول في سجوده وهو مسجون: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.\nيصفه تلميذه المحقق ابن القيم فيقول: كنا إذا ضاقت بنا الأمور، واشتدت بنا الأحوال نلقاه، فما أن نراه وننظر إليه إلا ذهب كل ذلك عنا، وانقلب انشراحًا وفرحًا، ولقد كان من أطيب الناس عيشًا مع ما كان فيه من شدة العيش وخلاف الرفاهية، كانت نضرة النعيم تلوح على وجهه.\nفالحمد لله الذي فتح لعباده بابًا إلى جنته، فأتاهم من ريحها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، وهم ما يزالون في دار العمل، فـ شيخ الإسلام تجاوز الستين سنة وما وجد حياة الاستقرار حتى يتزوج؛ لأنه كان من سجن إلى سجن، ومن معركة إلى معركة، ومن مناظرة إلى مناظرة، وما سعى يومًا لأن يتزوج زوجة حسناء، أو يملك سرية حوراء، ولا دارًا قوراء، ولا سعى خلف دينار ولا درهم.\nفالذي يحقق العبودية لله ﷿، وتكتمل عبوديته له تكتمل سعادته في الدنيا والآخرة، بل يسعد به من رآه.\nوكان أيوب السختياني سيد شباب أهل البصرة من التابعين، كان إذا دخل السوق ورآه أهل السوق سبحوا وهللوا وكبروا، لما يرون على وجهه من أنوار العبادة، فمن أقبل على الله ﷿ أقبل الله ﷿ عليه، ومن أقبل الله ﷿ عليه أضاءت ساحاته واستنارت جوارحه.\nوالعجب كل العجب من غفلة من لحظاته معدودة عليه، وكل نفس من أنفاسه إذا ذهب لم يرجع إليه، فمطايا الليل والنهار تسير به ولا يتفكر إلى أين يحمل، ويسار به أعظم من سير البريد، ولا يدري إلى أي الدارين ينقل، حتى إذا نزل به الموت اشتد قلقه لخراب ذاته وذهاب لذاته، لا لما سبق من تفريطه حيث لم يقدم لحياته، فإذا خطرت له خطرة عارضة لما خلق له، دفعها باعتماده على العفو، وقال: قد أنبئنا بأنه هو الغفور الرحيم، وكأنه لم ينبأ بأن عذابه هو العذاب الأليم.\nولما علم الموفقون لما خلقوا له، وما أريد بإيجادهم رفعوا رءوسهم، فإذا علم الجنة قد رفع لهم فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من بعض الغبن بيع ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في أبد لا يزول ولا ينفد بصبابة عيش، إنما هو كأضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام، مشوب بالنغص، ممزوج بالغصص، إن أضحك قليلًا أبكى كثيرًا، وإن سر يومًا أحزن شهورًا.\nآلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف مسراته، فيا عجبًا من سفيه في صورة حليم، ومعتوه في مسلاخ عاقل، آثر الحظ الفاني على الحظ الباقي النفيس، وباع جنة عرضها الأرض والسماوات بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار، وأبكارًا عربًا أترابًا كأنهن الياقوت والمرجان بخبيثات قذرات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان، وحورًا مقصورات في الخيام بخبيثات سيبات بين الأنام، وأنهارًا من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل، مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم، بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم، وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل جبار عنيد.\nوإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدًا وسيق المجرمون إلى جهنم وردًا، ونادى المنادي على رءوس الأشهاد ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد، فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد الله لهم من الإكرام، وادخر لهم من الفضل والإنعام، لعل","vol":"3","page":4},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-11>دعاء تفريج الهم</span>\nإن سعادة القلوب لا تكون إلا بتوحيد الله ﷿، والتسليم بقضاء الله وقدره، فإذا أصاب عبدًا هم أو غم أو حزن لجأ إلى الله ﷿ داعيًا متوسلًا بأسمائه، عاكفًا على قراءة القرآن، فكما أن القرآن ربيع القلوب، كذلك هو جلاء الأحزان وذهاب الغموم والهموم.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>كيفية علاج القلب من الهم والغم</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nأما بعد: فقوله ﷺ: (ما أصاب عبدًا قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم! إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحًا).\nهذا الحديث النبوي الشريف يبين لنا كيف تعالج القلوب من الهم أو الغم أو الحزن، فالقلوب خلقت لمعرفة علام الغيوب وغفار الذنوب ﷿؛ فهي لا تسعد إلا بتوحيد الله ﷿؛ لأنها خلقت لمعرفة الله وتوحيده، وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فكذلك قلوب العباد لو كان فيها آلهة إلا الله ﷿ لفسدت بذلك فسادًا لا يرجى له صلاح، حتى توحد ربها وتعرفه ﷿.\nقال النبي ﷺ: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).\nفالقلوب إذا علقت بغير الله ﷿، وعبدت غيره شقي أصحابها في الدنيا والآخرة.\nوالقلوب لا تصل إلى مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، فهي لا تسعد إلا بالله ﷿، ولا تطمئن إلا بذكره وعبادته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].\nفلما خلقت لتوحيد الله ﷿ صار علاجها كذلك إذا أصابها شيء من الهم أو الغم أو الحزن.\nوالهم: ما يصيب القلب عند انتظار مكروه في المستقبل.\nوالغم: ما يصيب القلب عند المصيبة الحاضرة.\nوالحزن: هو الأثر الباقي في القلب نتيجة لمصيبة ماضية.\nفإذا أصيبت القلوب بشيء من الهم أو الغم أو الحزن فعلاجها مركب من أمرين: الأمر الأول: هو توحيد الله ﷿.\nوالأمر الثاني: هو التسليم بقضاء الله ﷿ وقدره، والتسليم لشرع الله ﷿، فيقول ﷺ: (ما أصاب عبدًا قط هم ولا غم ولا حزن، فقال: اللهم! إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك)، فعلاج القلوب في التوحيد، وأن يقف العبد ذليلًا عند باب ربه العزيز، ويقول بأنه عبد وليس عبدًا ابن سيد، ولكن العبودية متأصلة فيه، فهو عبد وابن عبد وابن أمة: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك).\nقوله: (ناصيتي بيدك) إقرار لله ﷿ بالربوبية، فالله ﷿ قهر جميع الخلق وأذل جميع الخلق: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]، فالله تعالى يملك نواصي العباد وقاهر لكل العباد، ومذل لكل العباد كما يملك قلوب العباد، ولو شاء الله ﷿ لأعطى كل نفس تقواها.\nقوله: (ماض فيَّ حكمك) تسليم للشرع المتين.\nقوله: (عدل فيَّ قضاؤك)، تسليم للقضاء والقدر.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>أسماء الله الحسنى ومشروعية التوسل بها</span>\nقوله: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) توسل مشروع بأسماء الله ﷿، والأسماء الحسنى الله ﷿ هو الذي سمى بها نفسه لكماله سبحانه، وقد عاب الله تعالى الآلهة الباطلة؛ لأنها احتاجت إلى من يسميها، فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣]، فاحتياج المخلوق إلى من يسميه نوع من الفقر، والله ﷿ هو الغني ومن سوى الله ﷿ فقير إليه، فالله تعالى هو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء الحسنى واختارها لنفسه.\nقوله: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك)، أو: تفصيل بعد إجمال، فالله ﷿ سمى نفسه بكل الأسماء الحسنى، فأنزل بعضها في بعض كتبه، وعلم بعضها بعض خلقه، واستأثر الله ﷿ بعلم بعضها، وهذا موافق لما يجب اعتقاده من أن الله ﷿ لا يحاط به علمًا.\nفنحن لا نعلم كل أسماء الله الحسنى؛ وذلك لعظمته وكماله وجلاله، كما أن الله ﷿ يُرى في الآخرة ولا يُدرك، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، ولكن الإدراك فوق الرؤية كما قال الله ﷿ حاكيًا عن موسى وقومه: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، فلما حصلت الرؤية وتراءى الجمعان ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]؛ لأن الله ﷿ وعده بأن يجعل له هو وهارون سلطانًا فلا يصلون إليهما، فهو يثق بوعد الله ويثق بنصره ﷿، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢].\nولما سئل الحبر البحر ابن عباس عن قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فقال للسائل: سوف أضرب لك مثلًا من خلقه، قال: أترى السماء؟ قال: نعم، قال: أفتدركها، قال: لا، قال: الله أعظم وأجل.\nفالسماء خلق من خلق الله ﷿، ننظر إليها فنرى شيئًا من الكواكب غير الشمس والقمر، ولكن الإنسان ينظر إلى السماء ولا يحيط بها علمًا فيعلم كل ما في السماء من أجرام وكواكب وشموس وأقمار وغير ذلك، فإذا كان خلق من خلق الله لا نستطيع أن ندركه، فكيف بالخالق الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وعلا فوق كل شيء ﷾.\nفالله ﷿ له أسماء غير هذه الأسماء التي أشار إليها في الحديث الثابت في الصحيحين: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة) فالله ﷿ له أسماء غير التسعة والتسعين، وهذا كما قال شيخ الإسلام شبيه بقول النبي ﷺ: (إن في الجنة مائة درجها أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض)، فمن بين درجات الجنة التي لا نعلم عددها مائة درجة أعدها الله ﷿ للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض.\nكذلك من جملة الأسماء التي لا يعلم عددها ووصفها إلا الله ﷿ تسعة وتسعين اسمًا موجودة في الكتاب والسنة الصحيحة، من أحصاها قيل: حفظها، وقيل: أثنى على الله ﷿ بها، وقيل: عمل بمقتضاها، فإذا قال: الرزاق وثق بالرزق، وإذا قال: التواب وثق بالتوبة وهكذا.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>بيان تأثير القرآن في القلوب</span>\nقوله: (أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا) الربيع: هو المطر، وحال القرآن مع القلوب كحال المطر مع الأرض، فالقرآن واحد ولكن القلوب تختلف، كما أن المطر ينزل واحدًا ولكن الأرض تختلف، فهناك أرض طيبة تقبل الماء وتهتز وتربو وتنبت الكلأ والعشب والخيرات الكثيرة والثمار اليانعة، وهناك أرض تمسك الماء فينتفع الناس، وهناك أرض سبخة لا تمسك الماء ولا تنبت كلًا ولا عشبًا.\nكذلك القلوب تختلف، فهناك قلوب طيبة عندما تسمع القرآن تثمر الثمار الطيبة والأعمال الصالحة، وهناك قلوب تعي وتحفظ القرآن، وتبلغه فينتفع الناس، وهناك قلوب لا تنتفع في نفسها ولا تنفع غيرها.\nقال: (وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحًا).\nفمن قال هذه الكلمات الطيبات من كلمات النبي عليه الصلوات أذهب الله عنه همه وغمه.\nفينبغي له أن يلجأ إلى هذه الأفكار الطيبة التي تعالج القلوب، وذلك بتجديد التوحيد والتسليم للشرع المجيد، فإنه سيجد بركة كلام النبي ﷺ في علاج كثير من الأمراض النفسية كالاكتئاب وغيره وسيغنيه عن كثير من العقاقير أو العلاجات التي لا تزيد إلا همًا وغمًا وحزنا، فالإنسان ينبغي له أن يعالج قلبه بالعلاجات القرآنية، وبالأحاديث النبوية؛ لأن القلوب لا تصلح إلا بذلك، فنسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا، وأن يغفر ذنوبنا.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.\nوصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.","vol":"4","page":4},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-15>شهر الاستغفار</span>\nمن فضل الله ﷿ على عباده أن شرع لهم الاستغفار من ذنوبهم في كل وقت، وفي الأوقات الفاضلة لا سيما شهر رمضان، وقد حث الله على الاستغفار في كتابه، وجعل أسبابًا للمغفرة، وشرع آدابًا يتحلى بها المؤمن حال استغفاره ودعائه.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>فضل الاستغفار وبيان أفضله</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nأما بعد: هذا الشهر الكريم ليس شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن والدعاء فحسب، ولكنه كذلك شهر طلب المغفرة من الله ﷿، قال النبي ﷺ: (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ ولم يغفر له)، فقد كثرت في هذا الشهر الكريم أسباب المغفرة، كما قال النبي ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال ﷺ: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، والمغفرة: هي ستر الذنوب مع محو عقوبتها.\nأي: أن الله ﷿ يستر على العبد فلا يفضحه في الدنيا، ولا في عرصات القيامة، ويمحو عنه عقوبة هذه الذنوب.\nوقد أكثر الله ﷿ من ذكر الاستغفار في كتابه، فتارة يمدح أهله، كما قال في وصف المحسنين: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧]، وتارة يأمر به: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩]، وتارة يخبر الله ﷿ أنه يغفر لمن استغفره، فقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠].\nوحكم الاستغفار كحكم الدعاء، فهو سبب مقتضٍ للإجابة إذا توفرت الشرائط وانتفت الموانع، فكذلك الله ﷿ يغفر لمن استغفره إذا توفرت شرائط المغفرة وانتفت الموانع.\nأفضل الاستغفار ما بدئ بحمد الله ﷿ وتمجيده، واعتراف العبد بذنوبه، كما قال النبي ﷺ: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).\nفهذا كان سيد الاستغفار؛ لأنه يشتمل على الاعتراف بنعم الله ﷿ على العبد، وكذلك اعتراف العبد بذنوبه: (أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي)، أي: واعترف بذنبي.\nوكما يقولون: العارف يسير إلى الله ﷿ بين مشاهدة المنة، ومطاوعة عيب النفس والعمل؛ فينظر بإحدى عينيه إلى نعم الله ﷿ عليه، وهذا يورثه كمال الحب لله ﷿، وينظر بالعين الأخرى إلى عيوب نفسه وسيئات عمله فيورثه ذلك كمال الذل لله ﷿، وهما شقا العبادة.\nوقالوا: العارف يخرج من الدنيا وما قضى وطره من شيئين: ثناؤه على ربه ﷿، وبكاؤه على نفسه.","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الدعاء مع الرجاء وكثرة الاستغفار من أعظم أسباب المغفرة</span>\nروى الترمذي بسند حسن وحسنه الألباني ﵀ في الصحيحة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي.\nيا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك.\nيا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة)، فهذا الحديث يبين لنا ثلاثة أسباب من أعظم أسباب المغفرة.\nأما السبب الأول: فهو الدعاء مع الرجاء: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني)، وهو من أعظم أسباب المغفرة.\nالسبب الثاني من أسباب المغفرة: كثرة الاستغفار، وهو طلب المغفرة من الله ﷿.\nقال الحسن: أكثروا من الاستغفار على موائدكم وفي طرقكم وفي مجالسكم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة، وروي أن لقمان قال لابنه: يا بني! عود لسانك: اللهم اغفر لي.\nفإن لله ساعات لا يرد فيها سائلًا، وقال علي ﵁: ما ألهم الله عبدًا الاستغفار وهو يريد أن يعذبه؛ لأن الله ﷿ إذا أراد لعبد خيرًا فتح له باب الخير، فإذا أراد أن يغفر له ألهمه الاستغفار، فيستغفر العبد فيقبل الرب ﷿ منه ويغفر له، كما إذا أراد الله ﷿ أن يتوب على عبد يوفقه للتوبة ويقبل منه توبته.\nقال ﷿: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨]، وإذا أراد الله أن يعطي عبدًا مسألة يفتح عليه باب الدعاء بهذه المسألة، فيسأل العبد ربه فيقبل الرب ﷿ منه ويعطيه سؤله، فالله ﷿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن، كذلك تقول عائشة ﵂: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا.\nفينبغي للعبد أن يكثر من استغفار الله ﷿، روى مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (أنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)، فهذا النبي ﷺ المعصوم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر الله ﷿ في اليوم مائة مرة، وكان يقول: (توبوا إلى الله واستغفروه فوالله إني لأتوب إليه وأستغفره، في اليوم أكثر من سبعين مرة).","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>توحيد الله ﷿ من أعظم أسباب المغفرة</span>\nالسبب الثالث وهو من أعظم أسباب المغفرة: توحيد الله ﷿: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا؛ ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة).\nيقول ابن القيم ﵀: يعفى لأهل التوحيد المحض الذين لم يشوبوه بشيء ما لا يعفى لغيرهم، فلو أتى الموحد الذي أخلص توحيده لله ﷿ ربه بقراب الأرض خطايا لأتاه الله ﷿ بقرابها مغفرة، ودل على ذلك أيضًا حديث البطاقة، كما قال النبي ﷺ: (يصاح على رجل من أمتي يوم القيامة فيقال: احضر وزنك، وينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل مد البصر مليئة بالذنوب والخطايا، فتوضع في كفة، ويظن أنه هالك، فيؤتى له ببطاقة عليها لا إله إلا الله، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة).\nيقول ابن القيم: إن هذا الرجل حقق التوحيد، ووقع في ذنوب دون الشرك، فليست هذه بطاقة كل مسلم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، ولكن هذا الرجل قام بالتوحيد حق القيام، ووقع في ذنوب دون الشرك، فنجا ببركة التوحيد وفضله، فينبغي للعبد أن يخلص توحيده لله ﷿، فالتوحيد هو الإكسير الأعظم الذي لو وضعت منه ذرة على جبال من الذنوب لنسفتها نسفًا، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].\nفينبغي للعبد أن يحقق التوحيد بقلبه وجوارحه، حتى يكون على رجاء المغفرة من الله ﷿.\nأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.","vol":"5","page":4},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-19>شهر التوبة</span>\nمن فضل الله تعالى أن فتح باب التوبة للتائبين، ولقبول التوبة شروط، ولها علامات تدل على صحتها وعلامات تدل على عدم صحتها، وكل ذلك حري بالمسلم أن يعلمه ليبتغي مواضع الفضل فيه.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>أهمية التوبة ودعوة الناس كافة إليها</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nأما بعد: فإن شهر رمضان هو شهر التوبة، فهو الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، فالذي لا يستطيع أن يقهر نفسه ويطوعها لله ﷿ في هذا الشهر الكريم وقد صفدت الشياطين فمتى يستطيع قهر نفسه؟ ومتى يستطيع إلزام نفسه بطاعة الله ﷿ والاستقامة على طريقه سبحانه؟ والتوبة هي بداية الطريق ووسطه ونهايته، وبعد ما قدمه الصحابة الكرام من الإيمان والهجرة والجهاد والصبر أمرهم بالتوبة فقال ﷿: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، فهذه الآية آية مدنية نزلت بعد الإيمان والهجرة والجهاد والصبر، أمرهم الله ﷿ فيها بالتوبة وعلق فلاحهم بها، فقال ﷿: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].\nوقال ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١]، فقسم الله ﷿ الناس إلى تائب وظالم، وليس ثم فريق ثالث: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١].\nوقد فتح الله ﷿ هذا الباب العظيم -باب التوبة- وأمر جميع العباد بالولوج من هذا الباب، فأمر المنافقين بالولوج منه، كما أمر المشركين عامة، وأمر اليهود والنصارى، وأمر المسرفين على أنفسهم من أمة النبي ﷺ ومن غيرهم، كما أمر بذلك المؤمنين الصادقين، فالله ﷿ دعا جميع العباد إلى التوبة وإلى الدخول من هذا الباب العظيم فقد دعا إلى ذلك المنافقين فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦].\nكما دعا المشركين فقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥].\nوقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].\nكما دعا اليهود والنصارى الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، والذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، والذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤].\nفقال ﷿ بعد أن ذكر حالهم: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤].\nكما دعا إلى ذلك المسرفين على أنفسهم من أمة النبي ﷺ فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣].\nكما دعا المؤمنين الصادقين فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>شرائط التوبة</span>\nوالتوبة لها شرائط: الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب.\nالشرط الثاني: الندم على فعله.\nالشرط الثالث: العزم على عدم العودة.\nالشرط الرابع: رد المظالم.\nالشرط الخامس: أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه وقبل أن يغلق بابها.\nأما الإقلاع عن الذنب فتستحيل التوبة مع الاستمرار على الذنب، فيجب على العبد أن يقلع عن الذنب، والندم على فعله يدل على استقباح هذا الفعل، والندم توبة كما قال النبي ﷺ: (والذنب إما أن يحرق بنار الندم في الدنيا، أو يحرق بنار الآخرة).\nكذلك يعزم على ألا يعود عزمًا صادقًا، واشترط بعض العلماء ألا يعود، ولكن الصحيح أن الذي يشترط هو العزم على ألا يعود، فكم من محب للصحة ويأكل ما يضره.\nالشرط الرابع: وهو رد المظالم كما قال النبي ﷺ: (من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم من قبل ألا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات) قبل أن يكون التعامل بالعملة الصعبة بالحسنات والسيئات.\nالشرط الخامس: وهو أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، وهو قبل أن تطلع الشمس من مغربها، كما قال النبي ﷺ: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغرها).\nكذلك عندما يصل العبد إلى الحشرجة، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، فساوى الله ﷿ بين من يموت على الكفر، وبين من يتوب عند الموت في عدم قبول التوبة.\nقال الحسن: ابن آدم! لا يجتمع عليك حسرتان: سكرة الموت، وحسرة الفوت.\nأي: فوت التوبة.\nوقال بعض السلف منهم عمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤]، قال: حيل بينهم وبين التوبة حين سألوها، فأكثر الناس يسوفون بالتوبة، ويؤجلونها إلى الوقت الذي لا تقبل فيه فيتوبون عند حشرجة الموت، وهو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فمن شروط صحة التوبة أن تقع في الوقت الذي تقبل فيه وقبل أن يغلق بابها.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>علامات صحة التوبة وعدم صحتها</span>\nهناك علامات للتهمة في التوبة، وعلامات لصحة التوبة، فمن علامات التهمة استمرار الغفلة، والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة، وتذكر حلاوة مواقعته.\nومن علامات التهمة الاطمئنان والأمان، حتى كأنه أعطي منشورًا بالأمان، فالعبد قد تاب، ولكنه لا يدري هل قبلت توبته أم لا، وهل محيت حوبته أم لا.\nأما علامات الصحة فمن علاماتها: أن يستقيم العبد على طاعة الله ﷿، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١]، فيكون حال العبد بعد التوبة غير حاله قبلها، فيستقيم على طاعة الله ﷿، فالتوبة الصادقة هي التي يعقبها عمل صالح: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١].\nومن علامات الصحة كذلك: أن يستمر العبد على الخوف؛ لأنه يعلم أنه قد تاب، ولكنه لا يدري هل قبل الله ﷿ توبته أم لا، فهو على الخوف حتى تنزل عليه رسل تبشره بقول الله ﷿: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، فهناك يزول خوفه.\nومن علامات الصحة كذلك: أن يتقطع قلب العبد كما قال سفيان بن عيينة في قوله ﷿: ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:١١٠]، قال: تقطعها بالتوبة، والقلوب لا بد أن تتقطع إما بالتوبة في الدنيا، وإما يوم القيامة إذا حقت الحقائق وعاين الخلق ثواب المطيعين وعقاب العاصين.\nومن علامات الصحة: كسرة تصيب قلب العبد وتطرحه على باب الله ﷿ ذليلًا، ويكون حاله كحال عبد أبق من سيده بعد كثرة جناياته ومخالفاته، وهو يعلم أن منتهى سعادته في رضا سيده عنه، فأحيط به وأعيد إلى سيده، فما أحلى قوله عند ذلك: أسألك بقوتك وضعفي إلا رحمتني، أسألك بغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخائف الضرير، يا من ذل لك قلبه! وخشعت لك جوارحه! يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ولا يهيضون عظمًا أنت جابره فالبدار البدار إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عملًا يجاوز الأمر فيه مجهود الأطباء واختبارهم، فلا ينفع بعد ذلك نصح الناصحين ووعظ الواعظين، وتحق الكلمة عليه أنه من أصحاب الجحيم.\nفالتوبة التوبة قبل أن يأتيكم من الموت النوبة، فلا تحصلوا إلا على الخسران والخيبة.\nالإنابة الإنابة قبل غلق باب الإجابة.\nالإفاقة الإفاقة فقد قرب وقت الفاقة.","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>أقسام الناس في التوبة</span>\nالناس في التوبة على أقسام: منهم من لا يتوب إلى الله ﷿، بل يعيش حياة الغفلة والمعاصي حتى يموت على ذلك، فهو لم يقف يومًا في الصف، ولم يدخل بيت الله، ولم يقل: إياك نعبد وإياك نستعين، ولعله لا يدخل إلا مرة واحدة، ولا يدخل على قدميه، بل محمولًا على خشبته، ولا يدخل من أجل أن يصلي، بل من أجل أن يصلى عليه، ثم لا يعود بعد ذلك إلى المسجد مرة ثانية، فهذه حالة المصرين على المعاصي الذين يموتون على هذه الحال، نعوذ بالله من حال أهل البوار.\nالقسم الثاني عباد الله! من يعرف ربه ﷿ برهة من عمره وزمانًا من دهره، ثم ينقلب -لعلم الله ﷿ فيه- فيعمل بمعصية الله ﷿ ويموت على ذلك.\nما أصعب العمى بعد البصيرة، وأصعب منه الضلالة بعد الهدى، والمعصية بعد التقوى، كم من وجوه خاشعة ووقع على قصص أعمالها عاملة ناصبة! كم من قارب مركبه ساحل النجاة، فلما هم أن يرتقي لعب به موج فغرق! كل العباد تحت هذا الخطر (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا.\nيقول النبي ﷺ: (فوالذي نفسي بيده! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).\nوتقول السيدة عائشة ﵂: إن الرجل ليعمل زمانًا بعمل أهل الجنة وهو من أهل النار، والعياذ بالله.\nالقسم الثالث عباد الله! من يعمل بمعصية الله ﷿، ثم يوفق إلى توبة نصوح، فيعمل بطاعة الله ﷿، ويموت على ذلك، ومن هؤلاء من يتوب قبل موته بمدة مديدة، تؤهله لأن يصل إلى الدرجات، ومنهم من يتوب قبل موته بمدة يسيرة، فحسبه أن ينجو من اللفحات، وأن يدخل الجنات.\nقال النبي ﷺ: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).\nبقي هنا قسم هو أشرف الأقسام، وهو حال نبينا محمد ﷺ وهو أن يعمل الرجل عمره كله بطاعة الله ﷿، ثم ينبه إلى قرب أجله، فيجتهد في العمل، حتى يموت على عمل يصلح للقاء.\nلما نزل على النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، صار النبي ﷺ أشد ما يكون اجتهادًا في أمر الآخرة، وكان لا يقوم ولا يقعد إلا قال: سبحان الله العظيم وبحمده يتأول القرآن.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"6","page":5},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-24>شهر الدعاء</span>\nالدعاء من العبادات التي أمرنا الله تعالى بها، والمؤمن يتسلح بالدعاء دائمًا، وكلما أكثر المؤمن من سؤاله لمولاه والتضرع بين يديه ودعائه له كان على خير كثير، وللدعاء آداب كثيرة، فحري بالمؤمن التأدب بهذه الآداب لعله يحوز استجابة دعائه.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>فضل الدعاء وأهميته</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nثم أما بعد: فهذا الشهر الكريم شهر رمضان ليس شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن فحسب، ولكنه كذلك شهر الدعاء؛ لأنه شهر تفتّح فيه أبواب السماء، وتفتّح فيه أبواب الرحمة، وتفتّح فيه أبواب الجنة، وقد ذكر الله ﷿ في كتابه بعد آيات الصيام قوله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] فلا ينسى العبد نفسه من الدعاء في هذا الشهر الكريم، قال النبي ﷺ: (الدعاء هو العبادة، ثم تلا قوله ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠])، فسبحان الله العظيم ذو الكرم الفياض والجود المتتابع، جعل سؤال عبده لحوائجه وما يصلحه في الدنيا والآخرة عبادة، وأمر العبد به، واعتبر الذين لا يدعونه ﷿ ولا ينزلون حوائجهم به ﷿ مستكبرين، فقد أمر الله ﷿ بالدعاء ووعد بالإجابة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، وقال النبي ﷺ: (إن الله حيي كريم يستحي من الرجل إذا رفع يديه أن يردهما صفرًا خائبتين)، وقال ﷺ: (لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد)، وقال ﷺ: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يدّخر له الأجر في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)، فالله ﷿ يقبل الدعاء، ولكن الصورة التي يقبل فيها الدعاء تختلف، فقد يجيب العبد إلى سؤاله، وقد يدّخر له أجرًا في الآخرة، وقد يصرف عنه من البلاء والمصائب ما هو أعظم مما دعا به العبد.\nرأى أحد العلماء رجلًا يتردد على أحد الملوك، فقال له: يا هذا! تذهب إلى من يسد دونك بابه، ويظهر لك فقره، ويخفي عنك غناه، وتدعُ من يفتح لك بابَه ويظهر لك غناه، ويقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].\nقال النبي ﷺ: (من لم يسأل الله يغضب عليه).\nقال الشاعر: لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تُحجب الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضبُ فالله ﷿ يغضب حين لا يسأله العبد، أما ابن آدم يغضب حين يُسأل؛ لأن الله ﷿ ليس كمثله شيء وهو غني كريم يحب أن يتفضّل على عباده، يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>آداب الدعاء</span>\nفالدعاء سبب مقتض للإجابة إذا توفّرت الشرائط وانتفت الموانع، وشرائط الدعاء هي آداب الدعاء.\nومن آداب الدعاء: ١ - أن يدعو العبد ربه وهو موقن بالإجابة؛ لأن الله ﷿ وعد بالإجابة، فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].\n٢ - أن يعظّم العبد الرغبة في الله ﷿؛ لأن الله ﷿ غني كريم، لو أعطى كل الخلق جميع ما يؤملونه لما نقص ذلك مما عند الله ﷿ إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر، فالعبد يطمع في الله ﷿، وفي رحمته وكرمه.\n٣ - ألا يعجل العبد، كما قال النبي ﷺ: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، قالوا: كيف يعجل يا رسول الله؟ قال: يقول: دعوت فلم يستجب لي)، فالعبد يطلب المسألة من الله ﷿ مرة أو مرتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك، ثم يترك الطلب ويترك الدعاء؛ لأنه لم يجد الإجابة على الصورة التي طلبها، فهذا يكون كالمبخِّل للرب الكريم الذي لا ينقصه العطاء، بل ينبغي على العبد أن يلازم الدعاء، ومن داوم طرق الباب يوشك أن يُفتح له، ويمثلون من يدعو بشيء معين ثم يترك الدعاء به بمن حرث الأرض وبذر البذر، وتعهّد الزرع بالخدمة، ثم استبطأ خروج الثمر فترك الزرع فأضاع مجهوده السابق، فينبغي للعبد أن يلازم المسألة.\n٤ - أن يحسن الظن بالله ﷿، فيقول: لعله يستجيب لي، أو يدّخر لي أجرًا، أو لعله يصرف عني سوء، ويسيء الظن بنفسه فيقول: لعلي قاطع رحم، أو لعل مطعمي حرام أو مشربي حرام، فيراجع نفسه ويراجع عبادته مع الله ﷿.\n٥ - أن يلح العبد في الدعاء، (كان النبي ﷺ إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سلّم سلّم ثلاثًا).\n٦ - أن يتخير العبد الأوقات والأحوال والدعوات.\nيتخير الأوقات كيوم عرفة من أيام السنة، وليلة القدر من بين الليالي، والثلث الأخير من الليل، وأن يتحرى ساعة الجمعة، والراجح أنها آخر ساعة من بعد عصر يوم الجمعة أي: قبل المغرب، وقيل: هي ساعة صعود الخطيب المنبر إلى حين ينزل.\nأيضًا الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد.\nويتخير الأحوال كحال نزول المطر؛ لأن الله ﷿ قرن نزول المطر بالرحمة فقال ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى:٢٨]، وحال السجود، لقوله ﷺ: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) أي: جدير أن يستجاب لكم.\nكذلك عند زحف الصفوف لرفع راية الله ﷿ وإعلاء كلمته ﷿، يقولون: شرف الحال لشرف الوقت، فيوم عرفة يوم تكثر فيه الأسئلة على الله ﷿ ويكثر فيه الدعاء، والله ﷿ ليس كمثله شيء، فترجى الإجابة عند كثرة المسائل، كذلك عند ساعة الجمعة ترتفع الأيدي وتُظهر شعيرة الجمعة فعند ذلك يُرجى قبول الدعاء.\nينبغي أن يتخير العبد كذلك الدعوات القرآنية أو ما ثبت في السنة عن النبي ﷺ، ولا يتكلّف السجع في الدعاء.\n٧ - أن يطيّب العبد مطعمه، قال النبي ﷺ: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذي بالحرام، فإنى يُستجاب لذلك؟) فالله ﷿ ما فرّق بين الرسل الكرام وبين عامة المسلمين في الأمر بالأكل من الحلال الطيب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، ودعوة المسافر مستجابة للمشقة التي يجدها ولكسرة قلبه، والله ﷿ يقبل دعاء المنكسرة قلوبهم إذا مدوا أيديهم، ورفع اليدين متواتر في الدعاء يقول: يا رب يا رب، وفي هذا إلحاح على الله ﷿ باسم الربوبية، وهذا أيضًا من آداب الدعاء.\n٨ - أن يبدأ دعاءه بحمد الله ﷿ والثناء عليه، والصلاة على النبي ﵌، والدعاء للنبي ﷺ، ثم يدعو ويختم كذلك بالحمد والثناء والصلاة على رسول الله.\n(رأى النبي ﷺ رجلًا يدعو لم يحمد الله ﷿ ولم يصل على نبيه ﷺ فقال: عجّل هذا، ثم دعاه وقال له ولغيره: إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد الرب جل وعلا، ويثني بالصلاة على نبيه ﷺ).\n٩ - أدب الباطن وهو التوبة والاستجابة لله ﷿، فمن أراد أن يستجيب الله ﷿ له فينبغي أن يستجيب لله ﷿، كما قال تعال","vol":"7","page":3},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-27>شهر الذكر</span>\nالذكر من أفضل القربات إلى الله ﷿، وقد مدح الله تعالى الذاكرين كثيرًا وأثنى عليهم ثناءً عظيمًا، فالذكر من خير الأعمال وأفضلها عند الله وأزكاها، وللذكر فضائل كثيرة وفوائد عظيمة ينالها الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>تعريف الذكر</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nثم أما بعد: شهر رمضان هو شهر الذكر؛ فإن أفضل الحجاج أكثرهم ذكرًا لله ﷿، وأفضل المجاهدين أكثرهم ذكرًا لله ﷿، وأفضل الصوام أكثرهم ذكرًا لله ﷿.\nوالذكر: هو منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل، وهو الباب المفتوح بين العبد وبين ربه ما لم يغلقه العبد بغفلته.\nقال الحسن: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن؛ فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.\nفي كل جارحة من جوارح العباد عبودية مؤقتة، والذكر هو عبودية القلب واللسان، وهي غير مؤقتة، بل أمروا بذكر معبودهم ومحبوبهم قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم.\nومدح الله ﷿ الذاكرين والذاكرات، وأعد الله ﷿ لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا.","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>فوائد الذكر</span>\nذكر العلامة ابن القيم في كتابه القيم الوابل الصيب من الكلم الطيب أكثر من سبعين فائدة من فوائد الذكر: فمن ذلك: أنه يرضي الرحمن ﷿، وأنه يقمع الشيطان ويكسره، وأنه يوصل إلى درجة المراقبة والإحسان، ولا يمكن للعبد أن يصل إلى درجة الإحسان بغير ذكر الله ﷿، كما أن القاعد لا يمكن أن يصل إلى بيته، كذلك من قعد عن ذكر الله ﷿ لا يمكن أن يصل إلى درجة الإحسان.\nقال شيخ الإسلام: والذكر للقلب كالماء للسمك.\nفانظر كيف يكون حال السمك إذا أخرج من الماء؟! والذكر علاج قسوة القلب.\nقال رجل للحسن: يا أبا سعيد! أشكو إليك قسوة قلبي.\nقال: أذبه بالذكر.\nوشكوا إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قسوة قلوبهم.\nقالت: ادنوه من الذكر.\nأي: قربوه من الذكر، فالذكر يلين القلب القاسي.\nومن فضائل الذكر وفوائده: أنه يورث ذكر الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، وكما في الحديث القدسي: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم).\nومن ذلك: أن الجبال والقفار تتباهى إذا مر عليها ذاكر لله ﷿، كما في بعض الآثار: إن الجبل لينادي الجبل باسمه فيقول له: هل مر عليك اليوم ذاكر لله ﷿؟ فإن قال: نعم استبشر.\nومن ذلك: أنه ليس هناك عمل يورث حلاوة العبادة مثل ذكر الله ﷿، كما قال مالك بن دينار: ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله ﷿.\nوالله تعالى لم يحرم أهل الجنة من نعيم الذكر فدعواهم فيها: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]، مع أن الجنة دار نعيم وليست دار تكليف، ولكن لما كان الذكر من أعظم نعيم الدنيا لم يحرم أهل الجنة من هذا النعيم.\nوكثرة الذكر أمان من النفاق؛ فإن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، ولذلك لما سئل علي ﵁ عن الخوارج أمنافقون هم؟ فقال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا، وكان الخوارج معروفين بكثرة الذكر، وكان الذي يمر بمعسكرات الخوارج يسمع تلاوة القرآن كطنين النحل.\nقال بعض العلماء: ختم الله ﷿ سورة المنافقون بقوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩]، فالذكر أمان من النفاق.\nومن فوائد الذكر كذلك أنه أمان من نسيان العبد لنفسه، فإذا نسى العبد ربه ﷿ أنساه الله ﷿ نفسه، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، والنسيان يأتي بمعنى: الترك، فالله ﷿ ليقسم لهم من توفيقه ولا يقسم لهم في الآخرة من رحمته، وقال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، فمن نسى ذكر الله ﷿ أنساه الله ﷿ نفسه فينسى أن يصلح نفسه وأن يقدم لحياته، ويكون حاله كحال من عنده زرع أو ماشية وما لا صلاح له إلا بالتعهد والعناية والرعاية فينساه فيهلك ولابد.\nومن فوائد الذكر كذلك: أنه غراس الجنة، كما أخبر الخليل إبراهيم ﵇ محمدًا ﷺ فقال: (أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، وقال النبي ﷺ: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة).\nومن فوائد الذكر كذلك أنه يورث صلاة الله ﷿ على العبد، كما قال رجل لـ أبي أمامة: رأيت الملائكة تصلي عليك إذا دخلت وإذا خرجت، فقال: وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة، ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٣].\nومن فوائد الذكر كذلك: أنه يغني عن غيره من نوافل العبادات حيث لا تغني جميع النوافل عن ذكر الله ﷿ كما في الأثر: إذا أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه، وبخلتم بالمال أن تنفقوه، وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه، فأكثروا من ذكر الله ﷿.\nوقال ابن مسعود ﵁: لأن أسبح الله ﷿ تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله ﷿، ولما ذهب وفد الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: (ذهب أصحاب الدثور بال","vol":"8","page":3},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-30>شهر القرآن</span>\nوصف الله ﷿ شهر رمضان بأنه شهر القرآن، وهذا يدل على فضل القرآن في هذا الشهر، ومدى ارتباطه به، فشهر منوط بكلام الله ﷿ حري بالمؤمن أن يعتني به، وأن يستغله في فهم كتاب الله تعالى وكثرة تلاوته فيه مع التدبر والتعقل، ثم إتباع ذلك بالعمل.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>خصوصية شهر رمضان بالقرآن</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nثم أما بعد: فشهر رمضان ليس شهر الصيام والقيام فحسب، ولكنه كذلك شهر القرآن، فله خصوصية بالقرآن، قال الله ﷿: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، فأنزل القرآن الكريم جملة في هذا الشهر المبارك، وفي ليلة مباركة وهي ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر:١ - ٤].\nفالله ﷿ أنزل هذا القرآن قيل: جملة واحدة، في مكان يسمى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجمًا على قلب رسول الله ﷺ.\nوقيل: ابتدأ نزول القرآن في ليلة القدر من رمضان، والقرآن كله يسمى قرآنًا، والآية الواحدة تسمى قرآنًا.\nوقيل: ابتدأ نزول القرآن في هذا الشهر المبارك، وفي الليلة المباركة ليلة القدر، فالشهر له خصوصية بالقرآن.\nوروى الشيخان من حديث ابن عباس: (كان النبي ﷺ يعارض جبريل القرآن كل ليلة في رمضان).\nفكان يعرض القرآن على جبريل ﵇، وعارضه القرآن مرتين في السنة الأخيرة من عمره ﷺ، وأسر إلى فاطمة الزهراء بحديث فبكت ﵂، ثم أسر إليها بحديث آخر فضحكت، فلما سألت عائشة ﵂ فاطمة الزهراء عما أسر به رسول الله ﷺ إليها قالت: (ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ، فلما لحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، أخبرت بأن النبي ﷺ أخبرها بأن جبريل كان يعارضه القرآن مرة واحدة، وأنه في هذه السنة عارضه القرآن مرتين، وقال: ما أرى ذلك إلا لقرب أجلي، فبكت فاطمة ﵂، ثم أسر إليها بأنها أول أهله لحوقًا به فضحكت ﵂، وتوفيت فاطمة الزهراء بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر، فكانت أول أهله لحوقًا به).\nفهذا الشهر له خصوصية بالقرآن.\nكان الإمام مالك إذا دخل الشهر الكريم يترك الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على قراءة القرآن من المصحف.\nوكان سفيان الثوري يقول: إنما هو إطعام الطعام وقراءة القرآن، فينبغي على المسلم أن يتأسى برسول الله ﷺ، وأن يدارس القرآن من هو أحفظ له منه في هذا الشهر المبارك.\nوكان من السلف من يختم القرآن كل عشرة أيام، ومنهم من يختم كل سبعة أيام، ومنهم من يختم في ثلاثة أيام، ورخص بعض العلماء في أن يختم القرآن في أقل من ثلاث في رمضان، لخصوصية يعني هذا الشهر الكريم بالقرآن.\nوالقرآن جعله الله ﷿ هدى للمتقين كما أخبر الله ﷿.\nوالمؤمنون يزدادون إيمانًا بسماع القرآن، ولا يزداد الذين في قلوبهم مرض إلا شكًا واضطرابًا، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢].\nفمقياس الإيمان الصحيح والصدق في الإيمان أن المسلم عندما يسمع القرآن يزداد إيمانًا.\nوكما قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥].\nفأهل الإيمان الذين في قلوبهم صدق وإيمان ومحبة وإخلاص لله ﷿ عندما يستمعون للقرآن يزدادون إيمانًا، والذين في قلوبهم ريب وشكوك ونفاق لا يزدادون إلا شكًا واضطرابًا، فهذا القرآن هدى للمتقين، والله ﷿ جعله شفاء لما في الصدور.\n﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢].\nفهو شفاء لما في الصدور.","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>أنواع الأمراض وعلاج القرآن لها</span>\nوالقلوب تصاب بنوعين من الأمراض: أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات.\nالأول: أمراض الشبهات كما قال الله ﷿: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠].\nقال مجاهد وغيره: شك، فالمرض هنا: هو الشك، أي: عندهم شك في صدق القرآن وفي وعد الله ﷿، وفي صدق رسول الله ﷺ.\nوالنوع الثاني من الأمراض: أمراض الشهوات، كما قال الله ﷿ آمرًا أمهات المؤمنين وبالأولى نساء الأمة: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢].\nفالمرض هنا هو مرض الشهوة؛ لأن المريض يضره ما لا يضر السليم، والسليم يدفع بصحته وسلامته أضعاف ما يمكن أن يتحمله المريض.\nفالقرآن يعالج أمراض الشبهات ويعالج أمراض الشهوات يعالج أمراض الشبهات بما فيه من أدلة قطعية وبراهين ساطعة، كما قال الله ﷿: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، قيل: نزلت هذه الآية في أحد الكفار، أتى بعظمة بالية ففركها ونفخها وقال لرسول الله ﷺ: (أويحيي هذا الله بعد أن رم؟ قال: نعم، ويدخلك النار).\nأي: بعد أن صار رميمًا وترابًا قال: (نعم ويدخلك النار).\nونزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨]، أي: نسي هذا الكافر الجاحد أن الله ﷿ خلق الإنسان ولم يكن قبل ذلك شيئًا مذكورًا، فالذي يأتي إلى عمارة أو إلى منزل ويقول: لو سقط هذا المنزل لا يستطيع أحد أن يقيمه مرة ثانية، لاتهمه الناس بالخبل؛ لأن الذي أقامه في المرة الأولى قادر ولا شك على إقامته في المرة الثانية، وهو أهون عليه، أي: أسهل عليه، وكل شيء هين على الله ﷿: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨].\nفإماتة الخلق جميعًا وإحياء الخلق جميعًا سهل وهين على الله ﷿، كإماتة نفس وإحياء نفس، فكل شيء هين على الله ﷿.\nفعندما يسمع الإنسان هذه الآية الكريمة فإن أي شك في نفسه من البعث لا بد وأن يذهب، ولا بد أن يطمئن إلى صدق الله ﷿: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].\nأما علاج القرآن لأمراض الشهوات فيكون بالتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، فعندما نقرأ القرآن لا نجده يحدثنا عن المشاكل الحياتية اليومية التي نعيشها، بل يأتي على الدنيا فينسفها نسفًا: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد:٢٠]، فالقرآن يأتي على الدنيا فينسفها نسفًا ويصور لنا الآخرة أنها هي الحياة الباقية: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤].\nفعندما يسمع المسلم القرآن أو يقرأ القرآن لا بد أنه يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير.\nفبذلك يعالج القرآن أمراض الشبهات وأمراض الشهوات؛ ولذلك عندما نستمع للقرآن نجد راحة في قلوبنا، ونجد اطمئنانًا في نفوسنا؛ لأن القرآن يزيل الشبهات والشهوات من القلوب، وعندما تستريح القلوب من الشبهات والشهوات لا بد أن تطمئن، وأن تسعد وتفرح بالله ﷿.\nقال الله ﷿: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١].\nفنسأل الله تعالى أن يوفقنا في هذا الشهر الكريم لتلاوة القرآن وتدبره، والاتعاظ بمواعظه، والقيام به بالليل، والعمل به بالنهار.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.\nوصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم.","vol":"9","page":3},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-33>طريق الولاية</span>\nولاية الله تعالى منزلة سامية لا يصل إليها إلا من آمن بالله حق إيمانه وحقق تقوى الله في السر والعلن، وقد آذن الله بمحاربة من حارب أولياء الله، ووعد أولياءه الصالحين بمحبته لهم وقربه منهم وإجابة سؤالهم واستجابة دعائهم.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>حديث: (من عادى لي وليًا) أشرف حديث في شأن الولاية</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nثم أما بعد: روى البخاري في أصح كتب السنة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته).\nفهذا الحديث كما قيل فيه: هو أشرف حديث في شأن الولي، فقد بدأ الحديث بإعلان الحرب من الله ﷿ على من عادى وليًا من أولياء الله ﷿، فقال: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب)، أي: فقد أعلمته بأنني محارب له، حيث أنه كان محاربًا لي بمعاداته وليًا من أوليائي، فأولياء الله ﷿ تجب موالاتهم، وتحرم معاداتهم، وأعداء الله ﷿ تجب معاداتهم، وتحرم موالاتهم.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>صفات أولياء الله وخصائصهم</span>\nوولي الله -كما قال الحافظ ابن حجر - هو القائم بطاعته، المخلص في عبادته.\nفكل إنسان قائم بطاعة الله ﷿، مخلص في عبادته فهو ولي من أولياء الله ﷿.\nوذكروا في صفات الولاية: أن يكون مستجاب الدعوة، راضيًا عن الله ﷿ في كل حال، مكثرًا من طاعة الله ﷿ مشغولًا بها غير منشغل بالتكاثر من أعراض الدنيا، إذا وصل إليه القليل صبر، وإذا وصل إليه الكثير شكر، يستوي عنده المدح والذم، والظهور والخمول، والفقر والغنى، لأنه يرجو وجه ربه الأعلى لا يرجو وجوه الناس، حسن الصحبة، كثير الحلم، عظيم الاحتمال، كلما زاده الله عزًا ازداد في نفسه تواضعًا وخضوعًا، فيكون مستجاب الدعوة في منزلة تؤهله إلى أنه إذا دعا الله ﷿ أجابه، وإذا استعاذ بالله ﷿ أعاذه.\nقال أيوب السختياني: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعًا لله ﷿.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>من قصص وكرامات الأولياء</span>\nإن من وهب له هذه المواهب الجليلة، ومن تخلق بهذه الأخلاق العظيمة، لا نستكثر أن تجري على يده خارقة من الخوارق الرحمانية، وقد ثبتت الخارقة بالكتاب والسنة، كما في القرآن: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:٣٧]، كما ذكر المفسرون كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧]، ومريم لم تكن نبية، وإنما كانت من الأولياء.\nكذلك قصة أصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، فهذه كرامة، حيث أنامهم الله ﷿ ثلاثمائة وتسع سنين، ثم بعثهم الله ﷿.\nوفي الصحيح أن قصعة الصديق كلما أكلوا منها ربى من أسفلها أكثر منها، حتى أطعم منها النبي ﷺ الجيش، فالكرامة ثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة.\nوقد ورد عن السلف كرامات لا نجزم بصحة جميعها، ولكن وجود الأدلة عليها وثبوت هذه الأدلة يجعلنا نستأنس بهذه الروايات، فيروى أن سعد بن أبي وقاص -وكان مستجاب الدعوة- دعا على امرأة كذبت عليه أن تعمى وأن تموت في أرضها، فعميت ووقعت في حفيرة في أرضها فماتت.\nودعا على الرجل الذي قال بأنه لا يحكم بالسوية، ولا يسير خلف السرية، فدعا عليه بأن يطيل الله ﷿ عمره، وأن يعظم فقره، وأن يعرضه للفتن، فصار شيخًا كبيرًا سقط حاجباه يتعرض للجواري في السكك، ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد.\nويروى أن صلة بن أشيم أحد العباد التابعين، ماتت فرسه في الغزو، فقال: اللهم! لا تجعل لمخلوق علي منة، ودعا الله ﷿ فأحيا له فرسه، فلما عاد إلى بيته قال لابنه: انزع السرج؛ فإن الفرس عارية، فنزع السرج فماتت الفرس.\nويروى أن الحسن البصري دعا على رجل وقال: إن كنت كاذبًا فجعل الله حتفك.\nفمات الرجل في مكانه.\nوأيضًا يروى أن زنيرة وكانت ممن عذب بمكة ذهب بصرها من تعذيب المشركين لها، فقال المشركون: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كلا والله! ودعت الله ﷿ فرد الله عليها بصرها.\nكذلك يروى أن أبا مسلم الخولاني -وكان أحد أئمة التابعين- ألقي في النار، فوجد في النار قائمًا يصلي، فقال فيه عمر ﵁: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من صنع به كما صنع بإبراهيم.\nفالعبد لا يصل إلى هذه الدرجة العالية من إجابة الدعوة، إلا ويصل معها إلى درجات عالية من محبة الله ﷿ والرضا به، كما يروى أن سعد بن أبي وقاص كان معروفًا بإجابة الدعوة، فذهب بصره في آخر عمره، فقيل له: ألا دعوت لبصرك؟ فقال: قضاء الله أحب إلي من بصري.\nويروى أن سعيد بن جبير عذبه الحجاج حتى قتله، وكان يمكن أن يدعو على الحجاج؛ لأنه كان مستجاب الدعوة ولكنه لم يفعل، فقد كان له ديك يوقظه للصلاة، فتأخر الديك يومًا عن الصياح فقال: ما له قطع الله صوته؟ فما صاح الديك بعد ذلك، فقالت له أمه: لا تدع على شيء بعدها أبدًا.\nفدعا سعيد بأن يكون آخر من يقتله الحجاج، فكان كذلك، فقد مات الحجاج بعده بمدة يسيرة.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>شرح حديث: (من عادى لي وليًا)</span>\nفنحن لا نستكثر هذه الكرامة، أو الخارقة الرحمانية على من وصف بهذه الصفات السالفة، وليست كل خارقة كرامة، وليس كل من أتت على يده خارقة من الخوارق نشهد بأنه ولي من أولياء الله، فالخارقة قد تكون خارقة رحمانية، وقد تكون خارقة شيطانية، والمقياس الذي نرجع إليه هو مقياس الكتاب والسنة، فلا بد أن يقاس الشخص بمقياس الكتاب والسنة، فيمكن أن تأتي الكرامة على يد مبتدع أو فاسق أو غير معروف بالصلاح، فلا بد أن يقاس نفس الشخص بمقياس الكتاب والسنة، وأن تقاس نفس الخارقة بمقياس الكتاب والسنة.\nولا شك أن أفضل الأولياء هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل المرسلين هم أولو العزم وهم: محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم.\nوأفضل هؤلاء جميعًا نبينا محمد ﷺ ويليه في المرتبة إبراهيم الخليل، وقد رتب الحافظ ابن كثير أن بعد الخليل إبراهيم موسى الكليم عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم، ولم يرتب العلماء بين نوح وبين عيسى أيهما أفضل؟ فهؤلاء الخمسة أولوا العزم من الرسل هم أفضل الرسل والأولياء، وقد ذكرهم الله ﷿ في آيتين من كتابه.\nثم يبين الحديث بعد ذلك كيف تكون ولاية الله ﷿، وكيف يترقى العبد في درجات الولاية؟ فيقول: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فينبغي أن يبدأ العبد بالفرائض، فكما قيل في الأثر: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وحسن النية فيما عند الله ﷿، فينبغي على العبد أن يبدأ بالفرائض؛ لأنها أكثر تقريبًا وتحبيبًا لله ﷿.\nفمن أراد طريق الولاية فليبدأ بالفرائض، ويراجع نفسه، فيؤدي الصلاة في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الجماعة وفي أول الوقت، ويتم الركوع والسجود والخشوع، ويصوم الشهر كما شرع الله ﷿، ويحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلًا، ويخرج زكاة ماله إن كان عنده مال تجب فيه الزكاة، فيراجع العبد الواجبات التي افترضها الله ﷿ عليه، ويدخل فيها الواجبات التركية، كترك الغيبة والنميمة والغش والزنا، وشرب الخمر وغير ذلك، وهي من باب أولى كما قال النبي ﷺ: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا).\nويأتي بحد الاستطاعة في الأوامر دون النواهي، فينبغي على العبد أن يكمل الفرائض أولًا؛ لأنها رأس المال، ثم بعد ذلك يتحبب ويتقرب بكثرة النوافل، وفي الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، والنوافل هي ما عدا الفرائض من أجناس الطاعات، فلو جمعنا كل ما يحبه الله ﷿ ويرضاه واستثنينا من ذلك الفرائض فما بقي فهو النوافل.\nقال العلماء: ما بال النوافل كانت هي السبب الموصل إلى محبة الله ﷿ دون الفرائض؟ وأجابوا بأن العبد يفعل الفريضة مخافة العقوبة ورجاء الأجر، أما النافلة فيفعلها بنية التحبب والتقرب إلى الله ﷿، فلما خلصت النية في النوافل كانت هي السبب الموصل إلى محبة الله ﷿ دون الفرائض.\nفالعبد ينبغي عليه أن يستكمل الفرائض، ثم يفتح على نفسه أبواب النوافل، وهي كثيرة متنوعة بحسب اختلاف استعدادات الناس وقابليتهم، فهناك نوافل في الصلاة: كالسنن الرواتب وهي اثنا عشر ركعة، كما قال ابن عمر ﵄: (حفظت عن رسول الله ﷺ أربعًا قبل الظهر، واثنان بعد الظهر، واثنان بعد المغرب، واثنان بعد العشاء، واثنان قبل الصبح).\nوورد في فضل هذه النوافل حديث أم حبيبة أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى في يوم وليلة اثنا عشر سجدة سوى المكتوبة بني له بيت في الجنة).\nومن نوافل الصلاة: قيام الليل، قال ﷺ: (أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل) كما ورد في صحيح مسلم.\nومن نوافل الصلاة: صلاة الضحى، وتحية المسجد، وسنة الوضوء، ومطلق التنفل بالصلاة في غير أوقات الكراهة.\nوهناك نوافل الصيام: كصيام ست من شوال، وصيام الإثنين والخميس، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وصيام يوم وإفطار يوم، وهو أحب الصيام إلى الله ﷿، وهو صيام داود ﵇.\nوهناك نوافل الإنفاق في سبيل الله ﷿، ونوافل الذكر، ونوافل الحج والعمرة بعد أداء الواجب، فالمسلم بعد أن يستكمل الفرائض يبدأ يتحبب ويتقرب بالنوافل حتى يصل إلى محبة الله ﷿، كما جاء في الحديث: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها) وفي بعض الروايات: (ورجله التي يمشي بها).\nقال الحافظ: وقد استشكل كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره ويده ورجله؟ ثم أورد سبعة أوجه في تفسير هذا الجزء من الحديث القدسي، وأقرب هذه الأوجه للصواب أن العبد بكليته يكون مشغولًا بالله ﷿، فإذا سمع سمع ما يرضي الله، وإذا أبصر أبصر ما يرضي الله، وإذا مد يده فبط","vol":"10","page":5},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-38>فضائل شهر الصيام</span>\nجعل الله تعالى أوقاتًا ومواسم للخيرات، يزيد فيها الأجور، ويضاعف فيها الحسنات، رحمة منه ﷾ بعباده وتفضلًا منه تعالى عليهم، ثم دعاهم سبحانه إلى اغتنام هذه الأوقات والمبادرة بالأعمال الصالحة فيها، ومن هذه المواسم شهر رمضان المبارك، فهو غنيمة المسلم وفرصته التي يتزود فيها بما يقربه إلى ربه ويوصله إلى مرضاته.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الحث على اغتنام شهر رمضان</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.\nأما بعد: يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة! يا من دامت خسارته! قد أقبلت أيام التجارة الرابحة، من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح؟ من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح.\nعباد الله! هبّت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب، وسعى سمسار المواعظ للمهجورين في الصلح، ووصلت البشارة للمذنبين بالعفو، وللمنقطعين بالوصل، وللمستوجبين النار بالعتق.\nلما سلسل الشيطان في شهر رمضان وخمدت نيران الشهوات بالصيام انعزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل، فلم يبق للعاصي عذر.\nيا غيوم الغفلة! عن القلوب تقشعي، يا شموس التقوى والإيمان! اطلعي، يا صحائف أعمال الصائمين! ارتفعي، يا عيون المتهجدين! لا تهجعي، يا أقدام المتهجدين! اسجدي لربك واركعي، يا ذنوب التائبين! لا ترجعي، يا أرض الهوى! ابلعي ماءك، ويا سماء النفوس أقلعي، يا همم العارفين! ارتعي، يا قلوب المحبين! بغير الله لا تقنعي.\nقد مدت في هذه الأيام موائد الإنعام للصوّام، فما منكم أحد إلا وقد دعي، ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١]، فطوبى لمن أجاب فأصاب، وويل لمن صُد عن الباب وما دُعي.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>فضل شهر رمضان</span>\nعباد الله! قد أظلنا شهر كريم مبارك، شهر تفتّح فيه أبواب الجنان فلا يُغلق منها باب، وتُغلّق فيه أبواب الجحيم فلا يُفتح منها باب، وتسلسل فيه الشياطين.\nشهر تفتّح فيه أبواب السماء، وتفتّح فيه أبواب الرحمة، قال النبي ﷺ: (إذا دخل رمضان فُتّحت أبواب الجنة)، وفي رواية (فُتّحت أبواب الرحمة)، وفي رواية: (فُتّحت أبواب السماء، وغُلّقت أبواب النار، وصفّدت الشياطين، ونادى مناد: يا باغي الخير! أقبل، ويا باغي الشر! أقصر) فكيف لا يفرح المسلمون بفتح أبواب الجنة وأبواب السماء وأبواب الرحمة؟ وكيف لا يفرحون بغلق أبواب جهنم وبتصفيد الشياطين؟ وينادي مناد في كل يوم من هذا الشهر الكريم: يا باغي الخير! أقبل ويا باغي الشر! أقصر، فتجدون أهل الخير والصلاح أشد اجتهادًا في طاعة الله ﷿، وفي طلب مرضاته في هذا الشهر الكريم، وتجدون أهل الشر والفساد تقل غوايتهم وشرهم، فيزداد أهل الإيمان إيمانًا وإقبالًا على الله ﷿ وطاعة له ﷿، وتقل غواية أهل الغي والفساد.\nفهو شهر كريم عباد الله، موسم من مواسم المغفرة والرحمة، مدرسة ربانية رحمانية تفتح أبوابها كل عام، يتدرب فيها العباد على تقوى الله ﷿ وعلى طاعته ﷿؛ لعلهم عندما ينسلخ الشهر الكريم يصيرون من المتقين ومن عباد الله ﷿ الصالحين.","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الغاية من الصيام</span>\nشهر رمضان كله تدريب على تقوى الله ﷿ وعلى طاعته ﷿، وعلى التشبه بالصالحين وبالمحسنين، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فالعباد المسلمون في نهار هذا الشهر الكريم صائمون صابرون لله ﷿، تركوا الطعام والشراب لله ﷿، وبالأولى تركوا كل معصية لله ﷿.\nقال النبي ﷺ: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) فالمسلم الذي ترك الطعام والشراب وما أباحه الله ﷿ في غير نهار هذا الشهر الكريم ينبغي له من باب أولى إذا كان يفهم حكمة الصيام أن يدع كل معصية للواحد العلام؛ لأنه إذا ترك ما أباحه الله ﷿ في غير نهار الشهر الكريم فبالأولى أن يترك ما حرمه الله ﷿ في هذا الشهر وغير هذا الشهر، لأن من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، فإذا استمر على قول الزور والعمل بالزور فهو لم يفهم حكمة الصيام، ولم يفهم أن الصيام هو تدريب على تقوى الله ﷿، وعلى ترك المعاصي، وعلى ترك إطلاق البصر وفضول الكلام والسماع المحرم وغير ذلك، كما قال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.\nوكان السلف إذا صاموا جلسوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدًا.","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>أحوال الصائمين في نهارهم وليلهم</span>\nالمسلم -عباد الله- في نهار رمضان ملتزم بأخلاق الصيام، كما قال النبي ﷺ: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، وإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم) فهو يتشبه بالمحسنين الذين يدرءون بالحسنة السيئة، فلا يجهل على الجاهل بمثل جهله، ولا يسفه على السفيه بمثل سفهه، (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم) يتدرب على أخلاق المحسنين؛ لأن أخلاق الصائم هي أخلاق المحسنين، فإذا أتى الليل فهو فيه طاعم شاكر كما كان في النهار صائمًا صابرًا، وكما ترك الطعام والشراب والشهوة لله ﷿ في نهار هذا الشهر فإنه إذا أقبل عليه الليل يبادر بالإفطار، لأن أحب عباد الله ﷿ إليه أعجلهم فطرًا، فيبادر بالإفطار طاعة لله ﷿، ويفرح عند فطره؛ لأنه وفِّق لصيام هذا اليوم، ولأنه أتم العبادة كما أحبها الله ﷿، فيفرح شرعًا ويفرح طبعًا، لأن العبد الذي منع من شيء تميل النفس إليه ثم رُخِّص له فيه وأُذِن له فيه يفرح بذلك بطبيعة الحال.\nفللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، عندما يرى أجر الصيام مدخورًا موفورًا عند الله ﷿.\nفإذا كان الليل فلا يجلس المسلم أمام الأجهزة الخبيثة ولا يتمتع بالشهوات المحرمة، بل كما شُغل في النهار بالصيام فإنه يُشغل في الليل بالقيام، قال النبي ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) فالمسلم في النهار صائم صابر، وفي الليل طاعم شاكر، فهو ينتقل من طاعة إلى طاعة، من عبادة إلى عبادة، ومن سعادة إلى سعادة، وجزاء الحسنة الحسنة بعدها، وهذا أمر من الأمور التربوية، فينبغي للعبد أن يُشغل نفسه دائمًا بالطاعات، وألا يترك لنفسه فرصة لأن تعصي الله ﷿، فإذا كان العبد مشغولًا بطاعة الله ﷿ فلن يكون محلًا للوساوس، وإذا غفل القلب ساعة عن ذكر الله ﷿ جثم عليه الشيطان، وأخذ يعده ويمنيه، فرمضان تدريب على الطاعة ودخول في عبادة الله ﷿، وتدرب على أخلاق الصالحين والمحسنين.\nوالصالحون عباد الله يقومون السنة كلها، كما قال النبي ﷺ: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد) فالصالحون يقومون السنة كلها، ونحن نتدرب في هذا الشهر الكريم على أخلاق الصالحين، فنقوم شهرًا كاملًا لعل الشهر ينسلخ وقد صرنا من الصالحين الذين يقومون طوال السنة، كما قال الله ﷿: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>فضل قراءة القرآن وأداء العمرة في شهر رمضان وسائر أعمال الخير</span>\nوشهر رمضان -عباد الله- شهر اتصال بالقرآن؛ لأن شهر رمضان له خصوصية بنزول القرآن فيه، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥].\nوكان السلف إذا دخل الشهر الكريم يتركون مجالسة أهل العلم ويقبلون على قراءة القرآن من المصحف.\nوقال بعضهم: إنما هو إطعام الطعام وقراءة القرآن.\nفالشهر له خصوصية بالقرآن، وكان النبي ﷺ يدارس جبريل القرآن كل ليلة في رمضان، وكان يعارضه القرآن كل ليلة في رمضان.\nفمن السنة عباد الله أن يتدارس المسلم القرآن مع من هو أحفظ وأتقن له منه، وأن يراجع محفوظه من القرآن.\nوهو شهر الصدقة، وكان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، فكان أجود الناس ﷺ، ومع ذلك يزداد جوده في هذا الشهر الكريم.\nوكذلك هو شهر العمرة، كما قال النبي ﷺ: (عمرة في رمضان تعدل حجة)، (وعمرة في رمضان كحجة معي) فالعمرة في هذا الشهر الكريم لشرف الزمان يبلغ أجرها أجر حجة مع النبي ﷺ؛ لأن العمل يشرف بشرف الزمان أو بشرف المكان.\nوكذلك هو شهر الاعتكاف، وكان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان.\nوهو شهر الدعاء والاستغفار، والتوبة والرجوع إلى الله ﷿، وقد كثرت في هذا الشهر الكريم أسباب المغفرة والرحمة، قال النبي ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه).\nوقال ﷺ: (ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه).\nوقال النبي ﷺ: (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ ولم يُغفر له)؛ لكثرة أسباب المغفرة في هذا الشهر الكريم، فالشقي عباد الله من حُرم مغفرة الله ﷿ في هذا الشهر الكريم.\nوكان السلف ﵃ يدعون الله ﷿ ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم، وكان من دعاء بعضهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وتسلمه مني متقبلًا.\nنسأل الله تعالى أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، وأن يوفقنا لطاعته، وأن يجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاه.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.","vol":"11","page":6},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-44>فقه التجارة مع الله</span>\nتجارة المرء في هذه الحياة إما تجارة دنيوية أو تجارة أخروية، فحري بالمسلم أن يقصد التجارة الأخروية مع من يملك خزائن السماوات والأرض، ومع من يعطي على الشيء القليل الأجر الكثير المضاعف، فخزائنه ملأى لا تغيضها النفقة ولا ينقصها شيء.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المسارعة إلى التجارة مع الله تعالى</span>\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nأما بعد: فإن مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة؟ فوالله ما هزلت فيستامها المبطلون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق لمن يريد، فلم يرض لها ربها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون، ينتظرون أيهم يصلح أن تكون نفسه الثمن، فدارت السلعة في أيديهم، ووقعت في يد أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.\nلما كثر المدعون للمحبة، طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم، لادعى الخلي حرقة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].\nفتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع النبي ﷺ في أقواله وأفعاله، فقيل: لا تقبل هذه البينة إلا بتزكية: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٥٤].\nفتأخر الخلق كلهم، وثبت المجاهدون، فقيل: إن نفوس المجاهدين وأموالهم ليست لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، والعقد يوجب التسليم من الجانبين، لما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن، وجلالة قدر من وقع التبايع على يديه، علموا أن للسعلة قدرًا وشأنًا، فرأوا من الغبن الفاحش والخسران البين أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة، تذهب لذتها، وتبقى تبعتها، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان، فقيل لهم: إن نفوسكم وأموالكم قد صارت إلينا، والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].\nفحي هلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا.\nوقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفًا كواملا.\nولا تنظر الأطلال من دونهم فإن نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا.\nولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا لقد حرك الداعي إلى الله ﷿ وإلى دار السلام النفوس الأبية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذنًا واعية، وأسمع الله من كان حيًا، فهزه السماع إلى دار الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطت رحاله إلا بدار القرار.\nأرسل عبد الله بن المبارك -وكان مرابطًا بطرسوس- كتابًا إلى فضيل بن عياض الذي يلقب بعابد الحرمين يقول له: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب.\nمن كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب.\nريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب.\nولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب.\nلا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ وغبار نار تلهب.\nهذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب.\nفلما وصل الكتاب إلى فضيل بن عياض بكى، وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح، ثم قال للرسول: أتكتب الحديث، قال: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا، ثم أملاه بسنده رواية لحديث أبي هريرة: (أن رجلًا قال للنبي ﷺ: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله -أي: يحرك قدميه في موضع ربطه- فيكتب للمجاهد حسنات).\nفأعلى تجارة وأغلى تجارة هي التجارة ببذل النفس والمال لله ﷿، تجارة بالجهاد في سبيل الله ﷿، وكل معاملة شرعية مع الله ﷿ وكل عبادة لله ﷿ فهي تجارة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩].\nفكل عبادة لله ﷿ فهي تجارة مع الله ﷿، وكل تجارة مع الله ﷿ لا يمكن أن تبور بحال من الأحوال، والدنيا -عباد الله- سوق والناس كلهم تجار، قال النبي ﷺ: (الدنيا سوق قام ثم انفض، ربح فيه من ربح، وخسر من خسر، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).\n(يغدو) أي: يخرج غدوة أو في أول","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الفرق بين التجارة مع الله ﷿ والتجارة مع غيره</span>\nالتجارة مع الله ﷿ نوع خاص من التجارات، تفترق عن سائر التجارات في الدنيا؛ لأنها معاملة بين العبد الفقير الضعيف المحتاج والرب الغني القادر القاهر.\nفكل أحد من الناس يريد أن يعامل غيره من أجل أن يربح منه، فهي معاملة بين فقير وفقير، وبين محتاج ومحتاج، فكل الناس يريدك لنفسه، والله ﷿ يريدك لك؛ لأن الله تعالى غني عنك وعن طاعتك وعن عبادتك: (لو أن الخلق كلهم على أتقى قلب رجل واحد منهم، ما زاد ذلك في ملك الله ﷿ شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم، ما نقص ذلك من ملك الله ﷿ شيئًا).\nفالله ﷿ يريد منا أن نعامله من أجل أن نربح نحن أعظم الأرباح، والله غني عنا وعن طاعتنا وعن عبادتنا.\nالفرق الثاني بين تجارة الدنيا والتجارة مع الله ﷿: أن تجارة الدنيا عرضة للمكسب والخسارة، قد تكسب مرة وتخسر مرة، أو تكسب مرات، وتخسر مرة، أما التجارة مع الله ﷿ فلا تبور بحال من الأحوال، وليس هناك احتمال للخسارة بحال من الأحوال: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩].\nيقول النبي ﷺ: (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم في الدنيا، فإن لم يصيبوا الغنيمة تم لهم أجرهم)؛ لأن المجاهد ينتظر ثلاثة: ينتظر الثواب في الآخرة، وفرحة النصر، والغنائم، فإن انتصر نال فرحة النصر، ونال حظه من الغنائم، ويبقى أجر الآخرة، وإن لم ينتصر فيتم له أجره في الآخرة.\nفهكذا التجارة مع الله ﷿ لا تبور بحال من الأحوال.\nالفرق الثالث بين تجارات الدنيا والتجارة مع الله: أن تجارة الدنيا الأرباح فيها محدودة، والسلع قد تربح فيه (١٠%) أو (٢٠%) غاية الأمر (١٠٠%) أو (٢٠٠%)، فالدرهم يربح درهمًا أو درهمين، ولكن لا يمكن أن توجد تجارة في الدنيا الدرهم فيها يربح سبعمائة درهم، لا يمكن أن توجد مثل هذه التجارة، ولكن تجارة الآخرة يقول ﷿ فيها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١].\nإذًا: فيها أرباح عظيمة جدًا.\nالفرق الخامس: أن تجارة الدنيا قد يدخلها الغش، وقد تكون هناك سلعة معيبة ويدلسها صاحبها ويخفي ما بها من عيب ويروجها فتروج.\nأما التجارة مع الله ﷿ لا يمكن أن يدخلها الغش؛ لأن الله ﷿ بصير خبير عليم، فلا يمكن أن يدخل التجارة مع الله ﷿ الغش.\nالتجارة مع الله ﷿ نوع خاص من التجارات.","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>نماذج من فقه التجارة مع الله ﷿</span>\nوأكثر الناس يعرف كيف يتاجر في الدنيا، ولكن القليل منهم من يعرف كيف يتاجر مع الله ﷿، فنحتاج أن نتعرف على فقه التجارة مع الله ﷿.\nفمن فقه التجارة مع الله ﷿ أن يستصحب العبد الإخلاص في كل قول وعمل؛ لأن الله تعالى اشترط الإخلاص، فقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣].\nوقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].\nوقال النبي ﷺ: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه).\nفينبغي أن نستصحب الإخلاص في كل عبادة، وفي كل قول وعمل.\nومن فقه التجارة مع الله ﷿: أن يتاجر العبد بالمباحات مع الله ﷿؛ لأن العمل المباح لو توافرت فيه نية صالحة فإنه يصير من الطاعات، ومن القربات، فلو نام العبد بنية صالحة من أجل أن يقوم من آخر الليل، أو يقوم لصلاة الفجر وأذكار الصباح، فإنه يؤجر على ذلك، كما قال معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.\nفالطالب يذاكر من أجل أن يرضي والديه، ومن أجل أن ترتفع رتبته ووجاهته في الدنيا، ومن أجل أن تقبل دعوته ونصيحته.\nفالذي يسعى للمعاش يسعى من أجل أن يكفي نفسه وأولاده ذل السؤال، ومن أجل أن يقوم بالواجب عليه من النفقة على زوجته وأولاده، فكل عمل مباح يستطيع العبد أن يستحضر فيه نية صالحة، فيصير من القربات والطاعات، فيتاجر العبد بالمباحات مع الله ﷿.\nكذلك أن يستحضر العبد في العمل الواحد نيات كثيرة صالحة لقول النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).\nفقوله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات) أي: أصل قبول العمل بتوافر النية الصالحة، ثم قال: (وإنما لكل امرئ ما نوى).\nوكما يقولون: الأصل في الشرع التأسيس، يعني: أن يؤسس قواعد جديدة، فليس قوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) تكرار للقاعدة الأولى، ولكنها تأسيس لقاعدة جديدة، وهي أن ثواب العامل على عمله بمقدار ثواب النيات التي يجمعها العامل في هذا العمل: (وإنما لكل امرئ ما نوى) فيجمع العبد في العمل الواحد نيات كثيرة صالحة.\nومن فقه التجارة مع الله ﷿: أن يتأكد العبد أن أعماله وأقواله مطابقة لسنة النبي ﷺ، لقوله ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).\nفكل عمل لا يندرج تحت شريعة النبي ﷺ، ولا تكون سنة النبي ﷺ حاكمة عليه بالصحة فهو مردود على صاحبه، وغير مقبول، فيشترط أن يكون العمل مطابقًا للسنة.\nومن فقه التجارة مع الله ﷿: أن يجتهد العبد في أن يكون العمل سرًا بينه وبين الله ﷿، فإن هذا أدعى لحفظ العمل وأدعى لقبول العمل.\nفهناك أعمال لا بد أن تظهر، كالدعوة إلى الله ﷿، وإمامة الناس، والخروج للحج والعمرة، ولكن قد يصلي العبد ركعات في جوف الليل، كما قال بعضهم: صلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، وصوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، وتصدقوا بصدقة لشر يوم عسير قد يتصدق العبد بصدقة كما قال النبي ﷺ في حديث صحيح رواه مسلم: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)، فهو يخفي هذه الصدقة.\nوكان السلف يجتهدون في إخفاء أعمالهم الصالحة، كما نجتهد نحن في إخفاء أعمالنا السيئة.\nفيروى أن رجلًا من السلف صام سنة كاملة ولم تعلم زوجته في بيته، فهو يخفي العمل عن أقرب الناس إليه، فقد كان يخرج بطعام إفطاره فيتصدق به، ثم يذهب إلى دكانه حتى غروب الشمس، ويعود فيفطر في بيته.\nوكان الواحد منهم إذا كان يقرأ في المصحف ودخل عليه داخل غطاه.\nوكان الواحد منهم يختم القرآن حفظًا ولا يعلم به جاره، فكانوا يجتهدون في إخفاء الأعمال الصالحة.\nومن فقه التجارة مع الله ﷿: أن يحفظ العبد أعماله الصالحة، فالعبد قد يعمل عملًا صالحًا موافقًا للسنة تتوافر فيه شروط الصحة، ثم يمن بهذا العمل، أو يؤذي من أدى إليه خدمة ويمن عليه، أو يصاب بشيء من الكبر أو العجب أو الرياء فيحبط بذلك عمله الصالح، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤].\nفالمسلم ينبغي عليه أن يجتهد في أن يحفظ أعماله الصالحة من محبطات الأعمال، حتى يجد ثواب هذا العمل مذكورًا موفورًا عند الله ﷿ يوم القيامة.\nومن فقه التجارة مع الله ﷿: أن يداوم العبد على العمل الصالح، كما كان النبي ﷺ يقول: (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل)؛ لأن العمل الدائم وإن كان قليلًا، فإنه يصير كثيرًا بالمداومة عليه، بل يربو، ويكون أكثر من الكثير المنقطع، والله تعالى يحب أن يديم فضله وأن يوالي إحسانه، فيحب الله عز وج","vol":"12","page":4},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-48>قيام رمضان</span>\nقيام الليل شرف المؤمن، حث الله عباده عليه ليتقربوا به إليه سبحانه، ويستعينوا به على ما يواجههم في سائر حياتهم، وقد عظم الله شأن أهله، وضاعف أجورهم، ورفع منزلتهم، وحث على الاقتداء بهم، ويتأكد القيام ويعظم أجره في الأوقات المباركة، كشهر رمضان، والثلث الأخير من الليل، فينبغي للمؤمن اغتنام هذه الأوقات والتزود منها.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>فضل صيام شهر رمضان وقيامه</span>\nالحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلًا، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلًا، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، فسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٢]، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله ﷿ وعرفنا به ودعا إليه وسلم تسليمًا.\nأما بعد: عباد الله! شهر رمضان ليس شهر الصيام فحسب، ولكنه شهر الصيام والقيام، قال النبي ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).\nوقال ﷺ: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>مشروعية قيام رمضان</span>\nلقد رغب النبي ﷺ في قيام رمضان كما رغب في صيامه، وصلى النبي ﷺ بالصحابة الكرام غير ليلة، فقد صلى ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى في الليل التالية فصلى بصلاته ناس، فلما كانت الليلة الثالثة أو الرابعة ضاق المسجد بأهله فترك النبي ﷺ الخروج إليهم وقال: (صلوا أيها الناس! في بيوتكم)؛ لأن النبي ﷺ خشي أن يفرض على الناس قيام رمضان، أو يشترط لصحة القيام أن يكون في المسجد، فقال: (صلوا أيها الناس! في بيوتكم).\nفلما كانت الدولة العمرية خرج عمر ﵁ فرأى الرجل يصلي لنفسه، والرجل يصلي فيصلي بصلاته الرجل، والرجل يصلي فيصلي بصلاته الرهط، فقال: لو جمعتهم على قارئ واحد لكان أعجب.\nفجمعهم على أبي بن كعب وتميم الداري، فكان أبي بن كعب وتميم الداري يتناوبان القيام بالصحابة الكرام في الدولة العمرية.\nوقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل.\nولم يقصد عمر ﵁ البدعة من حيث الشرع، ولكن أراد البدعة اللغوية، وإلا فقيام الليل في المساجد في رمضان من السنة؛ لترغيب النبي ﷺ في قيام رمضان، ولصلاته بالصحابة الكرام غير ليلة، ولكنه ترك الخروج إلى الناس؛ لأن الزمن كان زمن تشريع، فلما زالت هذه الخشية جمع عمر ﵁ الصحابة على قارئ واحد في المسجد، وأقره بقية الصحابة على ذلك، وعلى ذلك استمر عمل الأمة.\nثم إن النبي ﷺ دلنا على سنة الخلفاء الراشدين فقال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)، فسنة عمر ﵁ من سنته ﷺ، لأنه قال: (عضوا عليها)، ولم يقل: عليهما، لأنهم كانوا أعلم الناس بالسنة وأحرص الناس عليها وعلى اتباعها.\nفمن السنة قيام رمضان واجتماع الناس على القيام في المساجد بعد صلاة العشاء، ونحن نتدرب بقيام رمضان على هذه العبادة التي هي من أجل العبادات، وهي قيام الليل.","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>فضل قيام الليل</span>\nقال النبي ﷺ: (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة إلى ربكم ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد).\nوقال ﷺ فيما رواه مسلم: (أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل).\nووصف الله ﷿ المؤمن فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].\nوقال ﷿: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].\nفعندما هدأت الأصوات وسكنت الحركات قاموا لربهم ﷿ يتملقونه ويدعونه رغبًا ورهبًا، فكما أخفوا العمل واستتروا بظلمة الليل عند ذلك أخفى الله ﷿ لهم الثواب، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].\nوقال ﷿ في وصف المحسنين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].\n﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]، أي: ينامون، قال بعض السلف: ما مرت عليهم ليلة إلا وأخذوا منها شيئًا.\nوقال بعضهم: ما ناموا ليلة حتى الصباح، بل لهم حظ من قيام الليل.\nفهذا وصف المتقين ووصف المحسنين في كتاب الله ﷿.\nإذا ما الليل أقبل كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع منع القران بوعده ووعيده مقل العيون بليلها لا تهجع فهموا عن الملك الجليل كلامه فهمًا تذل له الرقاب وتخضع","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>صفة الصحابة في القيام</span>\nوصف علي ﵁ الصحابة الكرام فقال: رأيت أصحاب رسول الله ﷺ فلم أر اليوم شيئًا يشبههم، كانوا يصبحون شعثًا صفرًا غبرًا بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجدًا وقيامًا، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا تمادوا كما يميد الشجر يوم الريح وهملت أعينهم بالدموع، فوالله لكأني بالقوم باتوا غافلين.\nوقال الحسن: أدركت أقوامًا وخالطت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل، ولا يأسفون على شيء منها أدبر، ولهي كانت في أعينهم أهون من التراب، ولقد كان الواحد منهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطو له ثوب ولم يوضع بينه وبين الأرض شيء، ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط، فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فو الله ما سلموا من الذنوب، ولولا مغفرة الله ما نجوا، فرحمة الله عليهم ورضوانه.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>هدي النبي ﷺ في قيام الليل</span>\nكان من هدي النبي ﷺ في قيام الليل أنه لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة.\nوفي الحديث الآخر: (ثلاث عشرة ركعة).\nوقال بعضهم: ثلاث عشرة بضم سنة العشاء أو ركعتي الفجر؛ لأن كل صلاة بعد صلاة العشاء من قيام الليل.\nوكان يفتتح القيام بركعتين خفيفتين.\nوقيل: إن الحكمة في هاتين الركعتين فك عقد الشيطان، كما في الصحيح عن النبي ﷺ: (يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدة، فإذا صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، فكأن افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين من أجل فك عقد الشيطان.\nوفي حديث عائشة ﵂: (أنه كان يصلي أربع ركعات فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا)، فهذا كان هديه ﷺ في قيام الليل.\nوكان يقوم كما أمره الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٤] فكان يصلي إلى نصف الليل أو أكثر قليلًا أو أقل قليلًا، أو ما بين ثلث الليل إلى نصف الليل، وقد دل الأمة على أحب القيام إلى الله ﷿ وعلى أحب الصيام إلى الله ﷿، فقال: (أحب القيام إلى الله ﷿ قيام داود ﵇، وأحب الصيام إلى الله ﷿ صيام داود ﵇، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا)، فداود كان يجم نفسه أي: يريح نفسه بنوم طويل في نصف الليل الأول، ثم يقوم في النصف الأخير من الليل، وهو وقت النزول الإلهي والإذن العام، ففيه ينزل ربنا ﷿ ويقول: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟)؟ ولا شك أن النبي ﷺ هو أولى الخلق بكل فضيلة، فكان من شأنه ﷺ أن يقوم ثلث الليل تقريبًا، وكان يقوم في الثلث الأخير من الليل، وثبت عنه أنه قام في أول الليل وفي وسطه وفي آخره، ولكن كان أكثر عادته ﷺ أن يقوم في الثلث الأخير من الليل أو بعد منتصف الليل.\nوتقول السيدة عائشة ﵂: (ما ألفاه عندي إلا قائمًا)، وهذا القيام أحب القيام إلى الله، فكان يقوم في هذا الوقت ثم ينام سدس الليل الأخير، أي: قبل صلاة الفجر؛ ليذهب بهذا النوم اصفرار الوجه وذبول العينين وأثر السهر، ولكون هذا أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، فإذا خرج لصلاة الفجر فكأنه نائم طوال الليل.\nفأما من يخرج من قيام الليل إلى صلاة الفجر فإنه يظهر عليه أثر السهر، فهذا أحب القيام إلى الله ﷿، وهو قيام داود ﵇.\nوكان من هديه ﷺ طول القيام، يقول حذيفة ﵁: (صليت ليلة خلف النبي ﵌ فافتتح سورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، فمضى، فقلت: يركع عند المائتين فمضى، فقلت: يركع بها، فافتتح النساء ثم قرأ آل عمران لا يمر بآية فيها تسبيح إلا سبح، ولا فيها سؤال إلا سأل)، فهذا كان هديه ﷺ.\nويقول ابن مسعود ﵁: (صليت ليلة خلف النبي ﷺ فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء)، فكان من هديه ﷺ طول القيام.","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الأسباب المعينة على قيام الليل</span>\nهناك أسباب ميسرة لقيام الليل، وهي نوعان: أسباب ظاهرة وأسباب باطنة.","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الأسباب الظاهرة المعينة على قيام الليل</span>\nفمن الأسباب الظاهرة الميسرة لقيام الليل: أن يترك العبد المعاصي بالنهار، قيل لبعض السلف: لا نستطيع قيام الليل، قال: أبعدتكم الذنوب.\nوقال سفيان الثوري: منعت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أصبته.\nوكان الحسن البصري إذا دخل السوق فسمع لغوهم ولغطهم يقول: ما أرى ليل هؤلاء إلا ليل سوء.\nفمن كان نهاره في طاعة الله ﷿ فهو بالليل أقرب إلى رحمة الله ﷿، ومن كان في المعاصي بالنهار فهو أبعد عن القيام بين يدي العزيز الغفار، والملوك لا يسمحون بالخلوة بهم ومناجاتهم إلا أهل الإخلاص في معاملتهم وفي طاعتهم.\nوالله ﷿ لا يسمح لكل أحد ولا يوفق كل أحد للقيام بين يديه بالليل، فينبغي على العبد أن يترك الذنوب بالنهار حتى يوفق لقيام الليل.\nومن ذلك: عدم الإكثار من الطعام خاصة وجبة العشاء؛ من أجل أن يخف لقيام الليل.\nومن ذلك: أن يستعين بالقيلولة، فقد كان النبي ﷺ يقيل قبل صلاة الظهر، وكان يبرد بصلاة الظهر غالبًا؛ أي: يؤخر صلاة الظهر إلى ثلث الوقت حتى تنكسر شدة الحر، ويقيل قبل صلاة الظهر، فيستعين بالقيلولة على قيام الليل.\nومن الأسباب الظاهرة كذلك التي تعين على قيام الليل: النوم مبكرًا من أجل أن يوفق للقيام.","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الأسباب الباطنة المعينة على قيام الليل</span>\nوأما الأسباب الباطنة فمن ذلك: معرفة الآيات والأحاديث في فضيلة قيام الليل.\nومن ذلك: خوف يغلب على قلب العبد فيجعله يقوم الليل يدعو الله ﷿ ويصلي له ﷿.\nومن ذلك: الشوق إلى الله ﷿ ومحبته ﷿، كما قال بعضهم: عالجت قيام الليل سنة فتمتعت به عشرين سنة.\nفأهل الإحسان والطاعة والعبادة يخف عليهم القيام، أما من لم يكن من أهل الإحسان فيشق عليه القيام، فينبغي عليه أن يجبر نفسه على القيام فترة حتى يذوق حلاوة الطاعة والعبادة، ثم بعد ذلك تساعد النفس صاحبها على الطاعة والعبادة، ويوفق لطاعة الله ﷿ وعبادته ﷿.\nنسأل الله تعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وأن ينفعنا بصالح الأعمال.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله أنت، أستغفرك وأتوب إليك.","vol":"13","page":9},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-57>قيمة الزمن</span>\nالوقت من أعظم نعم الله على عبده، فينبغي استغلاله في طاعة الله والتزود للقائه، فبالاجتهاد في الأوقات فاز المجدون، وسبقوا إلى رضوان الله وجنات النعيم، وبتضييع الأوقات خسر المبطلون واللاهون، وتأخروا في السباق، وفاتهم الركب.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>أهمية الوقت وأدلته من الكتاب والسنة</span>\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nثم أما بعد: فإن نعمة العمر والأوقات واللحظات والأنفاس يغفل عن قيمتها كثير من الناس، وبما أننا في زمن طيب مبارك فينبغي لنا أن نعرف قيمة الزمن والوقت والعمر؛ لأن أكثر الناس لا يعرف قيمة عمره ووقته وساعاته وأنفاسه.\nقال الله ﷿: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٣ - ٣٤]، فتسخير ساعات الليل والنهار من أجل أن نملأ هذه الساعات بالطاعات، ومن أجل أن نسابق الأوقات بالطاعات نعمة من الله ﷿.\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢].\nقال بعض السلف: من فاته طاعة الله ﷿ بالنهار كان له من أول الليل مستعتب، ومن فاته طاعة الله ﷿ بالليل كان له من أول النهار مستعتب.\nوالله ﷿ أقسم بالفجر وأقسم بالعصر وأقسم بالضحى وأقسم بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والله تعالى يقسم بما شاء من خلقه؛ من أجل أن يلفت أنظارنا إلى خطر المقسوم به، والعبد لا يجوز له أن يحلف بغير الله (ومن حلف بغير الله فقد كفر أو أشر).\nقال الله ﷿: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:١ - ٣].\n﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر:١] هنا هو فجر يوم النحر، ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:٢] هي العشر الأول من شهر ذي الحجة، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:٣] الشفع: هو يوم النحر، والوتر: هو يوم عرفة.\nوقال ﷿: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].\nوقال ﷿ ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣].\nوقال ﷿: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣].\nفالله تعالى أقسم بالزمن وبالوقت وبالعصر وبالضحى وبالفجر وبالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى من أجل أن يبين لنا قيمة الزمن وقيمة العمر.\nكما دلت الأحاديث النبوية الشريفة على ما دلت عليه هذه الآيات القرآنية الكريمة، فقال النبي ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).\nوالمغبون هو: الذي باع شيئًا بأقل من ثمنه، أو اشترى شيئًا بأكثر من ثمنه، فمن باع سيارة مثلًا تساوي عشرة آلاف بخمسة آلاف فهو مغبون؛ لأنه أضاع حظه، وكذلك من اشترى سيارة تساوي خمسة آلاف بعشرة آلاف فهو أيضًا مغبون.\nفأكثر الناس مغبون في شيئين: في الصحة والفراغ؛ لأنهم لم يعرفوا قيمتها.\nويوم القيامة هو يوم التغابن؛ لكثرة المغبونين في هذا اليوم، ولم يكن الغبن في يوم القيامة، ولكن يظهر مقدار الغبن وعدد المغبونين يوم القيامة، فمن أسماء يوم القيامة أنه يوم التغابن.\nفالزمن نعمة من الله ﷿.","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الأمور الدالة على أهمية استغلال الوقت</span>\nدل على خطر الوقت والنَّفَس ثلاثة أمور: الأمر الأول: أنه لو تاجر العبد مع ربه ﷿ في كل نفس من أنفاسه لربح على الله ﷿ أعظم الأرباح، قال النبي ﷺ: (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: ألف لام ميم حرف، ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر).\nوقال ﷺ: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة)، وقال: (من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] حتى يختمها عشر مرات بني له قصر في الجنة).\nفكل نفس جوهرة لو تاجر به العبد مع الله ﷿.\nالأمر الثاني الذي يدل على خطر الوقت والأنفاس أن الأنفاس التي قدرها الله ﷿ لنا عددها مغيب عنا، كما قال الحسن البصري: المبادرة المبادرة! فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله ﷿، رحم الله امرأ نظر في نفسه ثم بكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤].\nآخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخولك في قبرك.\nفقوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] يعني: الأنفاس.\nأي: إن الله ﷿ قدر لكل عبد فينا عددًا محددًا من الأنفاس، فكلما تنفس نفسًا سجل عليه هذا النفس، فيعد لكل واحد منا عد تنازليًا، كحال كل المشروعات العظيمة يحدد يوم للافتتاح، فكلما مضى يوم يقولون: بقي تسعة وعشرون يومًا، بقي ثمانية وعشرون يومًان وهكذا حتى يصل إلى يوم الافتتاح.\nونحن أيضًا كل إنسان فينا له عدد محدد مقدر في علم الله ﷿، والملائكة تسجل عليه الأنفاس التي يتنفسها حتى يصل إلى آخر العدد، وعند ذلك خروج النفس وفراق الأهل ودخول القبر.\nفكون الأنفاس التي قدرها الله ﷿ لنا عددها مغيب عنا مما يدل على خطر الأوقات والأنفاس.\nوالعبد إذاكان ماله بالمليارات فإنه لو أنفق الآلاف لا يؤثر كثيرًا في رأس ماله، بخلاف من ماله بالآلاف، فإنه لو أنفق الآلاف لأثر ذلك في رأس ماله، ونحن لا ندري مقدار رأس المال، فتضييع الأوقات في غير الطاعات مخاطرة خاصة أننا لا ندري مقدار الباقي من أنفاسنا.\nالأمر الثالث: أن كل نفس ينفق في غير طاعة الله ﷿ قد يكون آخر الأنفاس.\nيا من بدنياه انشغل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل فأي نفس ينفق في غير طاعة الله ﷿ قد يكون آخر الأنفاس، والعبرة بالخواتيم، كما قال النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالخواتيم)، أي: إن عاقبة العبد تتعلق بخاتمته، فمن ختم له بعمل من أعمال أهل الجنة دخل الجنة، ومن ختم له بعمل من أعمال أهل النار دخل النار والعياذ بالله.\nفالأعمال بالخواتيم.\nكم من وجوه خاشعة وقع على قصص أعمالها! ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٣]، كم من قارب مركبه ساحل النجاة فلما هم أن يرتقي لعب به الموج فغرق! كل العباد تحت هذا الخطر، (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا.\nيقول النبي ﷺ: (فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>من قصص السلف في المحافظة على أوقاتهم</span>\nكان السلف ﵃ أحرص الناس على أوقاتهم، وكانوا يبخلون بالوقت والنفس أن ينفق في غير طاعة الله ﷿، وكانوا أشد بخلًا بذلك من أشد الناس بخلًا بماله.\nوكانوا يعدون خصال الخير ويبكون على أنفسهم إن فاتهم شيء منها.\nدخل بعضهم على عابد مريض فنظر إلى قدميه وبكى وقال: ما اغبرتا في سبيل الله.\nوقال أحدهم: أعد ثلاثين خصلة من خصال الخير ليس في شيء منها.\nوقال بعضهم لأحد العلماء: قف أكلمك، فقال: أوقف الشمس، أوقف الشمس.\nوكان أحد العلماء إذا زاره الناس وجلسوا عنده وأطالوا الجلوس قال: أما تريدون أن تقوموا؟! إن ملك الشمس يجرها لا يفتر.\nفكانوا يجتهدون في طاعة الله ﷿ ولا يفوتون وقتًا بغير طاعة، فملئوا حياتهم عبادة وطاعة لله ﷿، بل وتمنوا لو أنهم واصلوا العبادة بعد الموت، كما كان ثابت البناني يقول: يا رب! إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي.\nوكان يزيد الرقاشي يبكي ويقول: يا يزيد! من يبكي بعد لك، من يترضى ربك عنك.\nودخلوا على الجنيد وكان يصلي وكان في النزع فقالوا له: الآن! قال: الآن تطوى صحيفتي.\nودخلوا على أبي بكر النهشلي وكان صائمًا وكان في النزع فقالوا له: اشرب قليلًا من الماء، فقال: حتى تغرب الشمس.\nوبكى أحد الصالحين عند موته فسئل عن سبب بكائه فقال: أبكي لأن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم.\nفهو يبكي لأنه يفارق الدنيا فيصوم الصائمون وليس هو فيهم، ويصلي المصلون وليس هو فيهم، ونحن والله في الدنيا يصوم الصائمون ولسنا فيهم، ويصلي المصلون ولسنا فيهم.\nفأين وصفنا من هذه الأوصاف؟ وأين شجرة الزيتون من شجر الصفصاف؟ لقد قام القوم وقعدنا، وجدوا في الجد وهزلنا، ما بيننا وبين القوم إلا كما بين اليقظة والنوم.\nلا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس السليم إذا مشى كالمقعد فأماكن تعبدهم باكية، ومواطن خلواتهم لفقدهم شاكية، زال التعب وبقي الأجر، ذهب ليل النصب وطلع الفجر، يا ديار الأحباب! أين السكان؟ يا منازل العارفين! أين القطان؟ يا أطلال الوجد! أين البنيان؟ إن كنت تنوح يا حمام البان للبين فأين شاهد الأحزان أجفانك للدموع أم أجفاني لا يقبل مدع بلا برهان ونحن إنما ينطبق علينا -عباد الله- قول القائل: يا من إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد! وإذا تشبه بالمذنبين فحاله وحالهم واحد! يا من يسمع ما يلين الجوامد وطرفه جامد! وقلبه أقسى من الجلامد! إلى متى تدفع التقوى عن قلبك؟ وهل ينفع الطرق في حديد بارد؟! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.","vol":"14","page":4},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-61>معاني إيمانية شريفة</span>\nإن دين الله ﷿ فيه معان عظيمة ومبادئ إسلامية راقية، ترقى بالمؤمن إلى أن يكون ذا عزة وعلو ورفعة على الكافرين، وخضوع وخشوع لله رب العالمين، وتواضع مع المؤمنين والصالحين.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>معان وقيم إسلامية</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nثم أما بعد: فهذه جملة من المعاني الإيمانية الكريمة الشريفة العظيمة، نلقي عليها بعض الضوء، حتى تزداد رسوخًا ووضوحًا في قلوب المؤمنين.","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>التوكل على الله وتعليق القلب به تعالى</span>\nمن هذه المعاني الكريمة الشريفة العظيمة: أن المؤمن لا يجوز له أن يعلق قلبه بغير الله ﷿، فالله تعالى أمرنا بأن نأخذ بالأسباب، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، وقال مع ذلك: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فالعبد يأخذ بالأسباب بجوارحه، ولكن يعلق قلبه بالله ﷿، ولا يجوز له أن يعلق قلبه بغير الله، أو يرجو الخير من عند غير الله ﷿.\nوهذا هو التوكل: أن ينتظر العبد بقلبه الخير من عند الله ﷿، لا يرجو ذلك من عند المخلوقين.\nوهذا يجعله يسأل الحوائج بعزة النفس؛ فإن الأمور تجري بالمقادير، والنبي ﷺ علّم حبر الأمة ابن عباس بأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإن اجتمعوا على أن يضروه بشيء لن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الحب في الله والبغض في الله</span>\nمن هذه المعاني الشريفة الكريمة العظيمة: المحبة في الله والبغض في الله ﷿، والموالاة في الله والمعادة في الله.\nفمن كمال حب الله ﷿ أن نحب الرسل الكرام، وأن نحب الملائكة الأطهار، وأن نحب العلماء، وأن نحب الدعاة إلى الله ﷿، وأن نحب الملتزمين بشرع الله ﷿، فهذا أمر لا يتكلفه المؤمن، بل هو الثمرة الطبيعية لحب الله ﷿، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، فلا يمكن أن يحب المؤمن كافرًا وإن كان أباه أو أخاه أو ابنه أو زوجته؛ لأن من كمال حب الله أن نحب أولياءه، ومن كمال حب الله ﷿ كذلك أن نبغض أعداءه، فالحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله من كمال حب الله ﷿، وليس هناك أحد يُحب لذاته إلا الله ﷿، حتى محبة الرسول ﷺ هي ثمرة من ثمرات محبة الله ﷿؛ لأن الله تعالى اصطفاه وطهّره وجعله أكمل الخلق، وأرسله سراجًا منيرًا وهداية للبشر، بل للإنس والجن، فليس هناك أحد يُحَب لذاته إلا الله ﷿، أما محبة الأنبياء ومحبة الملائكة والأولياء فهي من تمام حب الله ﷿.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>عزة المؤمن ومذلة الكافر</span>\nمن هذه المعاني الكريمة الشريفة العظيمة: أن المؤمن عزيز وأن الكافر ذليل.\nلأنه ليس هناك مصدر للعزة إلا الله ﷿، فالله ﷿ هو العزيز، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠].\nكان الإمام أحمد يدعو ويقول: اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك.\nفالكافر ذليل وإن كان رئيسًا وإن كان أميرًا، كما قال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية لفي رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.\nبل كتب الله ﷿ في اللوح المحفوظ بأن الذلة والصغار على من خالف أمر رسول الله ﷺ (وجُعلت الذلة والصغار على من خالف أمري)، فكل من خالف أمر النبي ﷺ من الكفار والمنافقين والعصاة فهو ذليل، كل بحسب ما عنده من المخالفات.\nفالمؤمن عزيز والكافر ذليل، ولما جهل هذا المعنى الإيماني عبد الله بن أبي ابن سلول رأس النفاق، وقال في غزوة المريسيع (غزوة بني المصطلق): ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] وظن أنه هو الأعز، وأن رسول الله ﷺوحاشاه من ذلك- هو الأذل، لُقّن درسًا عمليًا تعلم به أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون، حيث أن ابنه عبد الله -وكان مؤمنًا صادقًا- لما سمع هذه المقالة الفاجرة وقف على باب المدينة شاهرًا سيفه والمسلمون يمرون من تحت سيفه، فلما أراد أبوه أن يدخل المدينة قال: والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله ﷺ، وحتى تعلم من الأعز ومن الأذل.\nوقف له ولده وكان من أبر الناس بأبيه، ومنعه من دخول المدينة حتى يأذن رسول الله ﷺ، فعلم بذلك أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون.","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>محبة الآباء والأبناء والإخوة والزوجات محبة طبيعية</span>\nمن هذه المعاني الكريمة الشريفة العظيمة: أن محبة الآباء والأبناء والإخوة والزوجات محبة طبيعية فطرية.\nفالكافر يحب ابنه، وكذلك المؤمن يحب أباه ويحب ابنه ويحب زوجته، فهذه محبة طبيعية فطرية يقرها شرع الإسلام، ولكن الإسلام يهذبها، ولا يجيز لهذه المحبة الفطرية أو الطبيعية أن تزداد؛ فتكون هذه المحبة أكثر من حب المؤمن لله ﷿ أو لرسوله ﷺ، أو للجهاد في سبيل الله، وإنما كان كذلك حتى يتحقق البذل وتتحقق التضحية، وحتى لا يعز المؤمن شيئًا على الله ﷿، وحتى يبذل المؤمن كل شيء من أجل أن تعلو راية الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، فالله ﷿ تهدد كل من يحب أباه أو ابنه أو أخاه أو زوجته أو ماله أو تجارته أو داره أكثر من حبه لله ﷿، أو لرسوله ﷺ أو للجهاد في سبيل الله، تهدده بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] وفسّقهم في نهاية الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، فهذه بديهية من بديهيات الإسلام صارت اليوم -لغربة الإسلام- من الغرائب، بل صار المسلمون يضحون بدينهم من أجل أن تسلم لهم دنياهم، ويبخلون بالبذل في سبيل الله ﷿، ولم يكن السلف كذلك، بل كان الواحد منهم يرحب بأن يندق عنقه ولا يُسلم دينه، كما أسرت قريش خبيب بن عدي وعذّبوه عذابًا شديدًا، وقالوا: أتود أن محمدًا مكانك، وأنك معافى في أهلك ومالك؟ فقال: والله ما أحب أنني معافى في أهل ومالي ويُشاك محمد ﷺ بشوكة.\nوفي ذلك قيل: أسرت قريشًا مسلمًا فمضى بلا وجل إلى السياف سألوه: هل يرضيك أنك سالم ولك النبي فدى من الإتلاف؟ فأجاب: كلا لا سلمت من الردى ويُصاب أنف محمد برعاف ولما أرادوا قتله أنشأ يقول: ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا على أي شق كان في الله مصرعي ما دام في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أشلاء شلو ممزع مات يوم أحد زوج امرأة وأبوها وأخوها، فقالت: كيف رسول الله ﷺ؟ فقيل لها: هو على خير ما تحبين، قالت: دعوني أنظر إليه، فلما نظرت إليه قالت: كل مصيبة دونك جلل يا رسول الله! فهي لا تبالي إذا مات زوجها وأبوها وأخوها ما دام قد سلم رسول الله ﷺ، فكانوا يفدون الإسلام ورسول الإسلام بآبائهم وأمهاتهم وأبنائهم.\nفهذه الروح هي التي ارتفع بها الإسلام، وعلا بها دين الملك العلّام، ولكن المسلمين اليوم عباد الله يبخلون بالبذل في سبيل الله ﷿، ولا يبالي الواحد منهم إذا سلم في نفسه وماله وأهله صارت الدولة للإسلام أو لأعداء الملك العلّام، وصار الناس يتحاكمون إلى شرع الرحمن أو إلى الطواغيت اللئام، فينبغي على العبد أن يفدي دين الإسلام بنفسه، فالله ﷿ يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فينبغي أن يكون حب المؤمن لله ﷿ أكثر من حبه للآباء والأبناء والإخوة والزوجات.\nمن هذه المعاني الإيمانية الكريمة العظيمة: أن نعتقد أن النصر قادم، وأن جولة الإسلام قادمة، ولا بد كما قال الله ﷿: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].\nكان الصحابة ﵃ يعذّبون في ربوع مكة، والنبي ﷺ يبشرهم بالنصر والتمكين، ويقول: (والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله) وفي رواية: (والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)، ونزل قول الله ﷿: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥] وتحقق هذا الوعد الصادق في أول لقاء بين الكفر والإيمان في يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، فهزم جمع الكفر وولوا الدبر.\nوكان عند الصحابة ثقة بنصر الله ﷿، حتى كان المنافقون والذين في قلوبهم مرض يتّهمون الصحابة الصادقين بالغرور، قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٤٩] فمن ثقة الصحابة بنصر الله ووعده كانوا يتهمونه بالغرور، وكان خالد بن الوليد يقول للروم وقد تحصّنوا بالحصون: أيها الروم انزلوا إلينا فوالله لو كنتم معلّقين في السحاب لرفعنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا.\nفينبغي للمسلمين أن يكونوا","vol":"15","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>علو الهمة والتنافس في درجات الآخرة</span>\nمن هذه المعاني الإيمانية الكريمة الشريفة العظيمة: أن المؤمن ينبغي أن يكون عالي الهمة فلا يرضى بالدون، ولا يبيع الأعلى بالأدنى بيع الخاسر المغبون.\nلا ينافس في حطام الدنيا، بل ينافس في درجات الآخرة، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]؛ لأن الدنيا كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرًا منها شربة ماء، فالمؤمن ينبغي أن يكون عالي الهمة يطمع في جنة الله، بل في أعلى درجات الجنة.\nوقد كان الصحابة ﵃ الذين رباهم رسول الله ﷺ عندهم علو في الهمة، فقد سأله أحد الصحابة الكرام، وكان يكنى بـ أبي فراس.\nقال له النبي ﷺ: (سلني، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة) فهو طلب أن يكون رفيق النبي ﷺ في الجنة، قال: (أو غير ذلك؟ قال: بل هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، ويقول النبي ﷺ: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وسقفه عرش الرحمن) فالعبد عندما يدعو ويطمع في رحمة الله لا يرجو أن يكون آخر من يدخل الجنة، أو يكون في أدنى درجات الجنة، بل يطمع أن يكون في أعلى الدرجات، وفي الفردوس الذي سقفه عرش الرحمن.\nنسأل الله تعالى الفردوس.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.","vol":"15","page":7},{"text":"مجالس رمضان_<span data-type=\"title\" id=toc-68>وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون</span>\nخلق الله عباده في هذه الدنيا وأمرهم بعبادته وندبهم إلى طاعته، وما من عامل في الدنيا إلا ويرجو أن يجد ما عمله مدخرًا له يوم القيامة ليجازى عليه بالحسنات، ودخول الجنات، ولكن الغبن الواضح والخسارة الفادحة لمن أتى يوم القيامة بأعمال يجعلها الله هباء منثورًا؛ لأن العبد لم يتقيد فيها بأوامر الله ولم يتبع منهج رسوله ﷺ.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>خوف السلف من لقاء الله ﷿</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nأما بعد: لما أتت محمد بن المنكدر الوفاة بكى بكاءً شديدًا، فأحضروا له أبا حازم من أجل أن يخفف عنه، فسأله أبو حازم عن سبب بكائه، فقال: سمعت الله ﷿ يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، فأخاف أن يبدو لي من الله ﷿ ما لم أكن أحتسب.\nفأخذ أبو حازم يبكي معه، فقالوا له: أتينا بك من أجل أن تخفف عنه فزدت في بكائه.","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>أقوال السلف في المعني بقوله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)</span>","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>أن الآية نزلت في أهل الأهواء والرياء</span>\nوللسلف في هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] أقوال: قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في أهل الرياء الذين لم يخلصوا أعمالهم لله ﷿، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فكل عمل كان بإرادة غير الله مشوبًا مغمورًا يجعله الله ﷿ يوم القيامة هباءً منثورًا.\nقال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه).\nوقال بعض السلف: عملوا أعمالًا فظنوا أنها حسنات، فكانت سيئات، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.\nوقال بعضهم: ويل لأهل الرياء من هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، وإنما يشبهون من يعيد الله ﷿ بالرياء كمن دخل السوق وكيسه مملوء بالحصى، فكلما مر بأحد قال: ما أملأ كيسه! حتى إذا وقف عند البائع واختار ما أراد، أخرج ما في الكيس وضرب به وجهه، ولم يحصل به على شيء، ولم ينل إلا قول الناس: ما أملأ كيسه! فينبغي للعبد أن يخلص عمله لله ﷿، حتى ينتفع بأعماله الصالحة يوم القيامة.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>أن الآية نزلت في أهل البدع</span>\nوقيل أيضًا: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، في أهل البدع الذين يظنون أنهم يتقربون إلى الله ﷿، وهم إنما يبتعدون عن الله ﷿، فكلما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا ازداد من الله ﷿ بعدًا، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].\nوصف النبي ﷺ الخوارج فقال: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، وقراءته إلى قراءتهم -ثم قال:- يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).\nإذا لم يكن من الله عون للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده وقالوا: ليس لصاحب بدعة توبة؛ لأن البدعة تزين لأصحابها، ويظنون أنهم على هدى، ويظنون أنهم يتقربون إلى الله ﷿، وهم إنما يبتعدون عن الله ﷿.\nقيل لبعض العلماء: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ قال: ألم تسمع قول الله ﷿: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣]، فقيل: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أهل البدع.","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>أن الآية نزلت فيمن غره طول الأمل والأماني الباطلة</span>\nقيل أيضًا: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أهل الغرور والأماني الباطلة، الذين خدعهم طول الأمل، وران على قلوبهم سوء العمل، فهم يقصرون في طاعة الله ﷿، وينتهكون حرمات الله ﷿، ويقولون: إن الله غفور رحيم.\nقال الحسن البصري: إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا.\nلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.\nوقد تطرق فكر المرجئة الخاطئ إلى كثير من المسلمين، وظنوا أنه لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، وأن العبد ما دام مسلمًا فإنه لا تضره هذه الذنوب، والله ﷿ يرد على هذا الفكر الخاطئ فيقول ﷿: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٢٣].\nوقال ﷿: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٣ - ١٥٤].\nوقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].\nوقال ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فالمعاصي تضر أصحابها في الدنيا والآخرة.\nفقيل نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، في أهل الغرور والأماني الباطلة.","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>أن الآية نزلت فيمن أثقلوا ظهورهم بمظالم العباد</span>\nوقيل أيضًا: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس أتوا بحسنات كثيرة عظيمة، ولكنهم أثقلوا ظهورهم بمظالم العباد، فهم يحسنون الظن بحسناتهم، ولكنهم غفلوا عما وقعوا فيه من مظالم العباد، روى الترمذي عن النبي ﷺ قال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.\nقال: ولكن المفلس من أمتي من يأتي بحسنات كأمثال الجبال، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته طرحوا عليه من سيئاتهم، ثم طرح في النار)، فيبدو له من الله ﷿ ما لم يكن يحتسب، فهو يحسن الظن بحسناته، ولكنه غافل عن مظالم العباد التي قال النبي ﷺ فيها: (من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم من قبل ألا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات).\nفقيل: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس أتوا بحسنات كثيرة عظيمة، ولكنهم أثقلوا ظهورهم بمظالم العباد.","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>أن الآية نزلت فيمن ظنوا كبائرهم صغائر</span>\nوقيل أيضًا: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس أتوا بذنوب، وظنوا أن هذه الذنوب من الصغائر، وكانت هذه الذنوب من الكبائر، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.\nعن أنس ﵁ قال: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعرة كإن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات.\nفمقياس التحقير والتعظيم مقياس نسبي، فبحسب إيمان العبد وتقواه يعظم الأمور أو يحقرها.\nوقول أنس هذا يدل على كمال يقين الصحابة وتقواهم ﵃، كما قال ابن مسعود -ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم- قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يوشك أن يقع عليه، وإن الكافر أو الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار) فالمؤمن لأنه يعظم حرمات الله، ويعظم شعائر الله ﷿ يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يوشك أن يقع عليه، لم يقل: مبنى أو شجرة؛ لأن هناك احتمالًا لنجاة من سقط عليه مبنى أو شجرة أو شيء أقل من الجبل، ولكن من سقط عليه جبل فليس هناك أدنى احتمال للنجاة.\nفالمؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يوشك أن يقع عليه، والفاجر أو الكافر أو المنافق يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار.\nفقيل: هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] نزلت في أناس أتوا بذنوب، وظنوا أن هذه الذنوب من الصغائر، فكانت هذه الذنوب من الكبائر، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.","vol":"16","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>أن الآية نزلت فيمن يناقش الحساب يوم القيامة</span>\nوقيل أيضًا: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس شاء الله ﷿ أن يناقشوا الحساب.\nوقد قال النبي ﷺ: (من نوقش الحساب عذب).\nوفي رواية: (من نوقش الحساب هلك فقالت عائشة ﵂: ألم يقل الله ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]؟ قال: إنما ذلك العرض)؛ أي: أن الحساب اليسير هو أن يعرض العبد على ربه ﷿، ولكن لو نوقش العبد في أعماله وفي أقواله وفي أحواله فلا بد أن يهلك فلو حاسبنا الله ﷿ على نعمه علينا لم تف جميع أعمالنا الصالحة بأدنى شكر لنعم الله ﷿ علينا، فحق الله ﷿ أعظم من أن يقوم به العباد، ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين.\nفمن نوقش الحساب عذب؛ لأن الله ﷿ إذا أراد نجاة عبد فإنه لا يسأله عن شكر نعمه عليه، ويتجاوز عن سيئاته ويدخله بحسناته الجنة وإن كانت قليلة، وإذا شاء الله ﷿ أن يهلك العبد ناقشه الله ﷿ وطالبه بشكر نعمه، فلا تفي جميع أعماله الصالحة في أدنى شكر لنعم الله ﷿ عليه، فتبقى بقية النعم بلا وفاء بالإضافة إلى الذنوب وإلى المغارم، فيهلك العبد بسبب ذلك، كما قال النبي ﷺ: (لو أن الله ﷿ عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خير لهم من أعمالهم).\nفقيل في تفسير هذا الحديث الذي رواه أبو داود بسند حسن: لو أن الله ﷿ عذب أهل سماواته وأهل أرضه لكان متصرفًا بذلك في ملكه والمتصرف في ملكه غير ظالم.\nوقيل: لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم ببعض حقه عليهم؛ ولأنهم لم يقوموا بشكر نعم الله ﷿ عليهم، فلو أن الله ﷿ عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم.\nفقيل: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، في أناس شاء الله ﷿ أن يناقشوا الحساب، ومن نوقش الحساب عذب أو هلك.","vol":"16","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>أن الآية نزلت فيمن وقع في ذنوب منعت انتفاعه بحسناته</span>\nوقيل أيضًا: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس أتوا بحسنات كثيرة، ولكنهم وقعوا في ذنوب منعت انتفاعهم بهذه الحسنات، وقعوا في موالاة أعداء الله ﷿ أو في الصد عن سبيل الله ﷿، فلم ينتفعوا بهذه الحسنات؛ لأن هذه السيئات التي وقعوا فيها أخرجتهم من ملة الإسلام، فلم ينتفعوا بأعمالهم الصالحة، كمن يصد عن سبيل الله أو يوالي أعداء الله ﷿ أو يسب دين الله ﷿، أو يستهزئ بشرع الله ﷿، فهو يحسن الظن بأعماله الصالحة؛ وهو غافل عن المعاصي التي وقع فيها؛ فأخرجته من ملة الإسلام.\nومن ذلك: أن يكون هناك ذنوب تمنع انتفاعه مؤقتًا بحسناته، كالمرأة المتبرجة مهما أدت من حسنات ومن طاعات فإن هذه المعصية تجعلها لا تنتفع بهذه الحسنات كثيرًا؛ لأن المعصية التي تقع فيها معصية كبيرة تحيط بها، وتذهب كثيرًا من حسناتها وإن كانت لا تخرجها من ملة الإسلام.\nوقس على ذلك من الذنوب العظيمة التي قد يقع فيها العبد أو يبتلى بها، فتكون الحسنات محبطة بهذه السيئات، وإن كان إحباطًا ليس كإحباط الكفر للإيمان، ولكنه إحباط مؤقت لا ينتفع العبد يوم القيامة بحسناته، حتى يؤاخذ بسيئاته.\nفقيل: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس أتوا بحسنات، ولكنهم وقعوا في ذنوب منعت انتفاعهم بهذه الحسنات، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.\nنسأل الله تعالى أن ينفعنا بالقرآن العظيم.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.\nوصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.","vol":"16","page":10}]}