{"ً":{"ٌ":37437,"ٍ":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي\nالمؤلف: أبو الأشبال حسن الزهيري آل مندوه المنصوري المصري\nمصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية\nhttp://www.islamweb.net\n[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٦٤ درسا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2334,"ٕ":1,"ٖ":1770155874,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15","16","17","18","19","20","21","22","23","24","25","26","27","28","29","30","31","32","33","34","35","36","37","38","39","40","41","42","43","44","45","46","47","48","49","50","51","52","53","54","55","56","57","58","59","60","61","62","63","64"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الكتاب [١]","level":1,"page":1},{"title":"التعريف بكتاب أصول الاعتقاد","level":2,"page":2},{"title":"اسم الكتاب","level":3,"page":3},{"title":"موضوع الكتاب","level":3,"page":4},{"title":"سبب التأليف","level":3,"page":5},{"title":"أجزاء الكتاب","level":3,"page":6},{"title":"تاريخ التأليف","level":3,"page":7},{"title":"توثيق الكتاب","level":3,"page":8},{"title":"منهج المؤلف","level":3,"page":9},{"title":"قيمة الكتاب العلمية","level":3,"page":10},{"title":"المآخذ على الكتاب","level":3,"page":11},{"title":"مقدمة الكتاب [٢]","level":1,"page":12},{"title":"مقدمة المصنف رحمه الله تعالى لكتابه شرح أصول الاعتقاد","level":2,"page":13},{"title":"بيان أن أول واجب على المرء هو معرفة الله وتوحيده","level":3,"page":14},{"title":"مصادر الاستدلال عند أهل السنة والجماعة","level":3,"page":15},{"title":"نتائج تحكيم العقل في أمور الشريعة","level":2,"page":16},{"title":"تأويل المبتدعة للنصوص وصرفها عن ظاهرها لتوافق بدعتهم","level":3,"page":17},{"title":"مجادلة أهل البدع بالباطل","level":3,"page":18},{"title":"تقديم المبتدعة لأقوال الرجال على النصوص الشرعية","level":3,"page":19},{"title":"موقف المبتدعة من أهل السنة خصوصا وأهل الإسلام عموما","level":2,"page":20},{"title":"تكفير المبتدعة لجملة أهل الإسلام","level":3,"page":21},{"title":"طعن المبتدعة في منهج أهل السنة والجماعة وأدلتهم","level":3,"page":22},{"title":"اتهام المبتدعة لأهل السنة بالجهل وعدم فقه الواقع","level":3,"page":23},{"title":"فشل العقائد المبتدعة أمام عقيدة أهل السنة والجماعة","level":2,"page":24},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":25},{"title":"الحكم على حديث (اللهم إني لا أسألك رد القضاء)","level":3,"page":26},{"title":"بيان أن إلقاء السلام على المدخنين لا يعتبر إقرارا لهم على المنكر","level":3,"page":27},{"title":"حكم أذان الفرد إذا كان قد تخلف عن أداء الصلاة في وقتها","level":3,"page":28},{"title":"رأي الشيخ في قراءة كتب الداعية (أحمد ديدات)","level":3,"page":29},{"title":"بداية ظهور البدع","level":1,"page":30},{"title":"ظهور البدع","level":2,"page":31},{"title":"ظهور بدعة القدر","level":3,"page":32},{"title":"ظهور الخوارج","level":3,"page":33},{"title":"ما تعرضت له القدرية من العلماء والحكام","level":2,"page":34},{"title":"ظهور الاتجاه العقلي","level":3,"page":35},{"title":"نتائج مناظرة المبتدعة","level":2,"page":36},{"title":"منهج السلف الصالح في التعامل مع أهل البدع","level":2,"page":37},{"title":"الحث على الاتباع والاقتداء","level":2,"page":38},{"title":"أصحاب الحديث أولى الناس بالاتباع","level":3,"page":39},{"title":"فضل أصحاب الحديث على الأمة وانتسابهم إلى رسول الله","level":3,"page":40},{"title":"وجه تسميتهم بأهل الحديث وحفظ عقيدتهم","level":2,"page":41},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":42},{"title":"عموم حديث (ماء زمزم لما شرب له)","level":3,"page":43},{"title":"حكم العمل في أعمال الصيانة في البنوك الربوية","level":3,"page":44},{"title":"حكم وعظ النساء بدون ساتر","level":3,"page":45},{"title":"التحذير من مناقشة أهل البدع","level":3,"page":46},{"title":"بيان الفرق بين البدع الدينية والدنيوية","level":3,"page":47},{"title":"الحكم على حديث (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)","level":3,"page":48},{"title":"معنى حديث: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)","level":3,"page":49},{"title":"الحكم على حديث: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)","level":3,"page":50},{"title":"الحكم على حديث لعن مروان بن الحكم","level":3,"page":51},{"title":"الجمع بين فضل الأعمال في العشر الأول من ذي الحجة وحديث (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)","level":3,"page":52},{"title":"حكم أداء ركعتي الفجر في وقت الفجر الكاذب","level":3,"page":53},{"title":"معنى حديث (من سمع النداء فلم يأته)","level":3,"page":54},{"title":"حكم استخدام وسائل تنظيم الأسرة","level":3,"page":55},{"title":"الحكم على حديث (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره)","level":3,"page":56},{"title":"حكم إعطاء الجوائز على حفظ القرآن الكريم أو المسابقات الثقافية","level":3,"page":57},{"title":"حكم خروج المرأة من بيتها في عدة الوفاة لطلب العلم","level":3,"page":58},{"title":"حكم من حلف على يقين صادق ثم فوجئ بخلافه","level":3,"page":59},{"title":"حكم الرسم بالحناء على اليدين","level":3,"page":60},{"title":"حكم التنفل بالصلاة في أوقات الكراهة من باب التصدق على من لم يدرك الجماعة","level":3,"page":61},{"title":"كيفية الاستفادة من حضور مجالس العلم","level":3,"page":62},{"title":"الحكم على حديث (يس لما قرئت له)","level":3,"page":63},{"title":"حكم قراءة سورة يس في الأمور الصعبة","level":3,"page":64},{"title":"ذكر من اشتهر بالإمامة في السنة","level":1,"page":65},{"title":"باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله إمام الأئمة","level":2,"page":66},{"title":"المشهورون بالإمامة من الصحابة رضوان الله عليهم","level":3,"page":67},{"title":"المشهورون بالإمامة في السنة من أهل المدينة","level":3,"page":68},{"title":"المشهورون بالإمامة في السنة من أهل مكة","level":3,"page":69},{"title":"المشهورون بالإمامة في السنة من أهل الشام والجزيرة","level":3,"page":70},{"title":"المشهورون بالإمامة في السنة من أهل مصر","level":3,"page":71},{"title":"المشهورون بالإمامة في السنة من أهل الكوفة","level":3,"page":72},{"title":"المشهورون بالإمامة في السنة من أهل البصرة","level":3,"page":73},{"title":"المشهورون بالإمامة في السنة من أهل واسط وبغداد والموصل","level":3,"page":74},{"title":"المشهورون بالإمامة في السنة من أهل خراسان","level":3,"page":75},{"title":"المشهورون بالإمامة في السنة من أهل الري وطبرستان","level":3,"page":76},{"title":"ثواب من حفظ السنة ومن أحياها ودعا إليها","level":2,"page":77},{"title":"من سن في الإسلام سنة حسنة عمل بها بعده","level":3,"page":78},{"title":"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه","level":3,"page":79},{"title":"عليكم بالسبيل والسنة","level":3,"page":80},{"title":"النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة عبادة","level":3,"page":81},{"title":"قمع البدعة بالسنة","level":3,"page":82},{"title":"الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة","level":3,"page":83},{"title":"الاعتصام بالسنة نجاة","level":3,"page":84},{"title":"إياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء","level":3,"page":85},{"title":"لا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة","level":3,"page":86},{"title":"يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله","level":3,"page":87},{"title":"لا يقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة","level":3,"page":88},{"title":"كراهة السلف للمشي خلفهم وأن توطأ أعقابهم","level":3,"page":89},{"title":"الاعتناء بأهل السنة والحث على ملازمتهم","level":3,"page":90},{"title":"ما جاء من الآيات في الحث على الاتباع","level":1,"page":91},{"title":"سياق ما فسر من كتاب الله ﷿ من الآيات في الحث على الاتباع وأن سبيل الحق هو السنة والجماعة","level":2,"page":92},{"title":"سياق ما روي عن النبي ﷺ في الحث على التمسك بالكتاب والسنة وعن الصحابة والتابعين ومن بعدهم","level":2,"page":93},{"title":"ما روي عن النبي في الحث على التمسك بالكتاب والسنة","level":3,"page":94},{"title":"ما روي عن الصحابة والتابعين في الحث على التمسك بالكتاب والسنة","level":3,"page":95},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":96},{"title":"معنى حديث: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)","level":3,"page":97},{"title":"حكم دفع الزكاة مقسمة على مدار العام","level":3,"page":98},{"title":"حكم من صامت يوم عاشوراء فجاءها الحيض قبل المغرب","level":3,"page":99},{"title":"حكم الهدايا للدائن","level":3,"page":100},{"title":"حكم حديث صلاة التسابيح","level":3,"page":101},{"title":"الحكم على حديث: (إن الله ينهاكم عن التعري) وبعض أحاديث فضائل الأعمال","level":3,"page":102},{"title":"حكم حقوق الطبع","level":3,"page":103},{"title":"القضايا العقدية المختلف فيها بين أهل السنة والأشاعرة","level":3,"page":104},{"title":"صحة حديث: (لا نكاح إلا بولي)","level":3,"page":105},{"title":"درجة حديث: (سلمان منا آل البيت)","level":3,"page":106},{"title":"الحكم على مقولة: (رحم الله امرأ عرف قدر نفسه)","level":3,"page":107},{"title":"درجة حديث الكساء","level":3,"page":108},{"title":"حكم تغطية المرأة لشعرها عند قراءة القرآن","level":3,"page":109},{"title":"أحكام السترة للمنفرد","level":3,"page":110},{"title":"حكم الصلاة خلف من ينقر الصلاة","level":3,"page":111},{"title":"ما جاء عن النبي في الحث على الاتباع","level":1,"page":112},{"title":"سياق ما روي عن النبي ﷺ في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم","level":2,"page":113},{"title":"النهي عن التبتل والاختصاء والغلو في الدين","level":3,"page":114},{"title":"النهي عن الخروج على ولي الأمر وشق عصا الطاعة","level":3,"page":115},{"title":"حكم قتل المسلم","level":3,"page":116},{"title":"الأمر بلزوم الجماعة وبيان خطر الشذوذ عنها","level":3,"page":117},{"title":"التحذير من اتباع سنن اليهود والنصارى","level":3,"page":118},{"title":"إخبار النبي ﷺ بافتراق الأمة إلى فرق وأحزاب","level":3,"page":119},{"title":"بيان أن الأمة لا تجتمع على ضلالة والحث على ملازمة السواد الأعظم","level":3,"page":120},{"title":"بيان استمرار طائفة من الأمة على الحق","level":3,"page":121},{"title":"تجديد دين أمة محمد على رأس كل مائة عام وتكليف هذه الأمة بالدعوة إلى الله","level":3,"page":122},{"title":"حرص الصحابة ﵃ على التمسك بالجماعة ونبذ الفرقة والاختلاف","level":2,"page":123},{"title":"وصية عبد الله بن مسعود للناس بالطاعة والجماعة","level":3,"page":124},{"title":"وصية حذيفة وأبي مسعود البدري بلزوم الجماعة","level":3,"page":125},{"title":"ذكر بعض صفات الطائفة المنصورة","level":2,"page":126},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":127},{"title":"بيان أن المعاصي والكبائر لا تخرج أصحابها عن اعتقاد أهل السنة","level":3,"page":128},{"title":"حكم صلاة الجمعة على المسافر","level":3,"page":129},{"title":"حكم الغسل على المرأة إذا أرادت أن تصلي الجمعة","level":3,"page":130},{"title":"حكم أخذ مصحف موقوف على المسجد إلى البيت للقراءة فيه","level":3,"page":131},{"title":"الحكم على بعض الأحاديث المشهورة عند الناس","level":3,"page":132},{"title":"ذم الفرقة والاختلاف","level":1,"page":133},{"title":"باب ذكر افتراق الأمم في دينهم","level":2,"page":134},{"title":"أثر علي ﵁ في تفرق الأمة وأن شرها الداعية إليه","level":3,"page":135},{"title":"أصول البدع","level":3,"page":136},{"title":"أثر ابن عباس في تفرق الأمة","level":3,"page":137},{"title":"أصول الفرق عند ابن المبارك","level":3,"page":138},{"title":"أصول الفرق عند أبي حاتم","level":3,"page":139},{"title":"مخالفة الفرق لمذهب أهل السنة في الأصول","level":3,"page":140},{"title":"كلام ابن الجوزي حول الفرق","level":2,"page":141},{"title":"كلام ابن الجوزي عن افتراق اليهود","level":3,"page":142},{"title":"كلام ابن الجوزي عن افتراق النصارى","level":3,"page":143},{"title":"كلام ابن الجوزي عن افتراق أمة الإسلام","level":3,"page":144},{"title":"أصول الفرق عند ابن الجوزي","level":3,"page":145},{"title":"من فرق الضلال الشيعة","level":3,"page":146},{"title":"من فرق الضلال الكاهلية","level":3,"page":147},{"title":"من فرق الضلال البيانية","level":3,"page":148},{"title":"من فرق الضلال المغيرية","level":3,"page":149},{"title":"من فرق الضلال الجناحية","level":3,"page":150},{"title":"من فرق الضلال المنصورية","level":3,"page":151},{"title":"التزام السنة ونبذ البدعة","level":1,"page":152},{"title":"الأمر باتباع الكتاب والسنة","level":2,"page":153},{"title":"قبض العلم","level":3,"page":154},{"title":"من آوى محدثا في الدين","level":3,"page":155},{"title":"جزاء من سن في الإسلام سنة سيئة","level":3,"page":156},{"title":"المراد بالكتاب والسنة والفرق بينهما","level":3,"page":157},{"title":"عاقبة البدعة","level":3,"page":158},{"title":"منهج وفكر جماعة التكفير","level":3,"page":159},{"title":"منهج السلف في الأخذ بالسنة وترك البدعة","level":3,"page":160},{"title":"النهي عن مناظرة أهل البدع","level":1,"page":161},{"title":"سياق ما روي في النهي عن مناظرة أهل البدع","level":2,"page":162},{"title":"النصوص النبوية في النهي عن مجالسة ومناظرة أهل الأهواء والبدع","level":3,"page":163},{"title":"أقوال السلف في النهي عن مجالسة ومناظرة أهل الأهواء والبدع","level":3,"page":164},{"title":"أقوال السلف في ذم الخصومة والجدال في الدين","level":3,"page":165},{"title":"أقوال السلف في ذم البدعة في الدين","level":3,"page":166},{"title":"تحذير السلف من الجدل ومصاحبة أصحاب الكلام","level":3,"page":167},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":168},{"title":"الحكم على حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)","level":3,"page":169},{"title":"خزعبلات صاحب كتاب (الإسلام في الخندق)","level":3,"page":170},{"title":"حكم التخلف عن صلاة الجماعة في جميع الصلوات","level":3,"page":171},{"title":"واجب المسلم تجاه تبجح العلمانيين","level":3,"page":172},{"title":"عقيدة الإمام سفيان الثوري","level":1,"page":173},{"title":"عقيدة سفيان الثوري في القرآن","level":2,"page":174},{"title":"سبب ابتداء الثوري عقيدته بمسألة القرآن","level":3,"page":175},{"title":"خطورة القول بخلق القرآن","level":3,"page":176},{"title":"سبب زيادة (غير مخلوق) في وصف كلام الله","level":3,"page":177},{"title":"حكم من اعتقد خلق القرآن","level":3,"page":178},{"title":"عقيدة الثوري في الإيمان","level":2,"page":179},{"title":"عقيدة الثوري في أبي بكر وعمر","level":2,"page":180},{"title":"عقيدة الثوري في القطع بالشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة أو النار","level":2,"page":181},{"title":"عقيدة الثوري في مسائل من فقه الفروع","level":2,"page":182},{"title":"عقيدة الثوري في القدر","level":2,"page":183},{"title":"عقيدة الثوري في الصلاة خلف أمراء الجور","level":2,"page":184},{"title":"عقيدة الإمام الأوزاعي وابن عيينة وابن حنبل","level":1,"page":185},{"title":"اعتقاد الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى","level":2,"page":186},{"title":"اعتقاد الإمام ابن عيينة رحمه الله تعالى","level":2,"page":187},{"title":"اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى","level":2,"page":188},{"title":"أصول السنة عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى","level":3,"page":189},{"title":"عقيدة أحمد بن حنبل في السنة","level":3,"page":190},{"title":"عقيدة ابن حنبل في تفسير القرآن","level":3,"page":191},{"title":"عقيدة ابن حنبل في ضرب الأمثال بالسنة","level":3,"page":192},{"title":"عقيدة ابن حنبل في الإيمان بالقدر","level":3,"page":193},{"title":"عقيدة ابن حنبل في الرؤية","level":3,"page":194},{"title":"عقيدة ابن حنبل في الجدل والخصومة","level":3,"page":195},{"title":"عقيدة ابن حنبل في القرآن الكريم","level":3,"page":196},{"title":"عقيدة ابن حنبل في رؤية النبي ﵊ لربه ليلة المعراج","level":3,"page":197},{"title":"عقيدة ابن حنبل في الميزان","level":3,"page":198},{"title":"اعتقاد ابن حنبل بتكليم الله لعباده يوم القيامة دون ترجمان","level":3,"page":199},{"title":"عقيدة ابن حنبل في الحوض","level":3,"page":200},{"title":"عقيدة ابن حنبل في عذاب القبر وفتنته","level":3,"page":201},{"title":"عقيدة ابن حنبل في خروج الدجال وقتل عيسى ﵇ له","level":3,"page":202},{"title":"عقيدة ابن حنبل في الإيمان","level":3,"page":203},{"title":"عقيدة ابن حنبل في حكم تارك الصلاة","level":3,"page":204},{"title":"خير هذه الأمة بعد نبيها ﵊","level":3,"page":205},{"title":"عقيدة ابن حنبل في السمع والطاعة لكل أمير بر أو فاجر","level":3,"page":206},{"title":"عقيدة ابن حنبل في الخروج على السلطان","level":3,"page":207},{"title":"عقيدة ابن حنبل في دفع الصائل","level":3,"page":208},{"title":"عقيدة ابن حنبل في الشهادة بالجنة أو النار لأحد من أهل القبلة","level":3,"page":209},{"title":"عقيدة ابن حنبل في مرتكب الكبيرة","level":3,"page":210},{"title":"عقيدة الإمام ابن المديني","level":1,"page":211},{"title":"اعتقاد علي بن المديني","level":2,"page":212},{"title":"عقيدة علي بن المديني في الصحابة الكرام","level":3,"page":213},{"title":"عقيدة علي بن المديني في محبة أبي هريرة","level":3,"page":214},{"title":"عقيدة علي بن المديني في حب عمر بن عبد العزيز","level":3,"page":215},{"title":"عقيدة علي بن المديني في محبة التابعين والتأسي بهم","level":3,"page":216},{"title":"عقيدة علي بن المديني في الأخذ بالرأي","level":3,"page":217},{"title":"اعتقاد أبي ثور","level":2,"page":218},{"title":"اعتقاد الإمام البخاري","level":2,"page":219},{"title":"اعتقاد أبي زرعة وأبي حاتم الرازي","level":2,"page":220},{"title":"كلام ابن تيمية في الأسماء والصفات","level":1,"page":221},{"title":"مذهب الإمام ابن تيمية في الأسماء والصفات","level":2,"page":222},{"title":"قواعد مهمة في إثبات الأسماء والصفات","level":2,"page":223},{"title":"التوسط في الألفاظ المجملة","level":3,"page":224},{"title":"كل اسم ثبت لله فهو متضمن لصفة من غير عكس","level":3,"page":225},{"title":"دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة قد تكون صريحة أو متضمنة","level":3,"page":226},{"title":"الكلام في الصفات كالكلام في الذات","level":3,"page":227},{"title":"ما أضيف إلى الله تعالى مما هو غير بائن فهو صفة له غير مخلوقة","level":3,"page":228},{"title":"صفات الله ﷿ وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله ولو كان حديث آحاد","level":3,"page":229},{"title":"معاني صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة معلومة","level":3,"page":230},{"title":"ما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به وإن لم يفهم معناه","level":3,"page":231},{"title":"أسماء الله وصفاته ﷿ لا حصر لها","level":3,"page":232},{"title":"إثبات صفة العين لله تعالى","level":2,"page":233},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":234},{"title":"حكم صيام أول رجب","level":3,"page":235},{"title":"وجوب معرفة الله بالسمع","level":1,"page":236},{"title":"باب جماع توحيد الله ﷿ وأسمائه وصفاته","level":2,"page":237},{"title":"معرفة الله تعالى ثبتت بالسمع والنقل","level":3,"page":238},{"title":"الأدلة من القرآن على أن معرفة الله ثبتت بالسمع لا بالعقل","level":3,"page":239},{"title":"استدلال إبراهيم ﵇ على وحدانية الله بالسمع لا بالعقل","level":3,"page":240},{"title":"بيان أن وجوب معرفة الرسل بالسمع لا بالعقل","level":3,"page":241},{"title":"بيان أن العذاب لا يكون إلا بعد الرسالة","level":3,"page":242},{"title":"الأدلة من السنة على وجوب معرفة الله وصفاته بالسمع لا بالعقل","level":3,"page":243},{"title":"شرح حديث عمر بن الخطاب في بيان مراتب الدين","level":3,"page":244},{"title":"معنى الإسلام وأهمية تعليمه","level":3,"page":245},{"title":"شرح حديث: (الولد مجبنة مبخلة)","level":3,"page":246},{"title":"كلام ابن عثيمين في الإيمان بالله","level":2,"page":247},{"title":"بيان ما يتضمنه الإيمان","level":3,"page":248},{"title":"الأدلة على معرفة الله تعالى","level":3,"page":249},{"title":"دلالة العقل على معرفة الله ﷾","level":3,"page":250},{"title":"دلالة الحس على معرفة الله ﷾","level":3,"page":251},{"title":"دلالة الفطرة على معرفة الله ﷾","level":3,"page":252},{"title":"هل الاسم هو المسمى","level":1,"page":253},{"title":"بداية ظهور مسألة الاسم والمسمى","level":2,"page":254},{"title":"إنكار الإمام أحمد لمسألة: هل الاسم هو المسمى","level":2,"page":255},{"title":"سياق ما فسر من كتاب الله وما روي عن رسول الله وورد من لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد","level":2,"page":256},{"title":"أدلة أهل السنة والجماعة على أن الاسم هو المسمى","level":3,"page":257},{"title":"من أعظم الشرك أن يقال: إن العبادة لاسمه، واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق","level":3,"page":258},{"title":"إجماع المسلمين على أن المؤذن إذا قال كلمة التوحيد فقد أتى بالتوحيد وأقر بالنبوة","level":3,"page":259},{"title":"أمثلة من السنة على أن الاسم هو المسمى","level":3,"page":260},{"title":"كفر من زعم أن الاسم غير المسمى","level":3,"page":261},{"title":"بيان بطلان مذهب أن الاسم غير المسمى في لغة العرب","level":3,"page":262},{"title":"ذكر العلماء الذين قالوا: إن الاسم هو المسمى","level":3,"page":263},{"title":"تابع الأدلة من السنة على أن الاسم هو المسمى","level":3,"page":264},{"title":"مناقشة المعتزلة حول الاسم والمسمى","level":3,"page":265},{"title":"أمثلة من السنة وغيرها على أن الحلف لا يكون إلا باسم أو صفة من صفات الله","level":3,"page":266},{"title":"أقوال أهل العلم في تكفير من زعم أن أسماء الله مخلوقة","level":3,"page":267},{"title":"كلام الإمام الطحاوي عن الاسم والمسمى وبيانه","level":2,"page":268},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":269},{"title":"كلام النبي ﵊ ليس بمعجز","level":3,"page":270},{"title":"وجود المعتزلة في بعض الدول العربية","level":3,"page":271},{"title":"الحكم على حديث: (يا علي! لا تنم حتى تأتي بخمس)","level":3,"page":272},{"title":"عجز البشر جميعا عن مدح الله بصفة غير ما وصف به نفسه","level":3,"page":273},{"title":"النصيحة لمن أتم ولده حفظ المصحف وهو دون التاسعة","level":3,"page":274},{"title":"ما ورد أن القرآن كلام الله غير مخلوق","level":1,"page":275},{"title":"إجماع السلف الصالح على أن القرآن كلام الله غير مخلوق","level":2,"page":276},{"title":"دلائل القرآن الكريم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق","level":2,"page":277},{"title":"دلالة قوله تعالى: (قرآنا عربيا غير ذي عوج) على أن القرآن غير مخلوق","level":3,"page":278},{"title":"دلالة قوله تعالى: (أن يقول له كن فيكون) على أن القرآن غير مخلوق","level":3,"page":279},{"title":"دلالة قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) على أن القرآن غير مخلوق","level":3,"page":280},{"title":"دلالة قوله تعالى: (ولكن حق القول مني) على أن القرآن غير مخلوق","level":3,"page":281},{"title":"دلالة قوله تعالى: (ما نفدت كلمات الله) على أن القرآن غير مخلوق","level":3,"page":282},{"title":"إثبات رجل عامي لأبي الهذيل العلاف أن القرآن كلام الله غير مخلوق بأنه لا يفنى ولا ينتهي","level":3,"page":283},{"title":"سياق ما روي عن النبي مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة","level":2,"page":284},{"title":"دلالة حديث آدم وموسى على أن علم الله تعالى صفة أزلية له سبحانه","level":3,"page":285},{"title":"ضوابط الاحتجاج بالقدر على المعاصي، والفرق بين القدر الكوني والقدر الشرعي","level":3,"page":286},{"title":"خلق أفعال العباد ومسألة اللفظ","level":2,"page":287},{"title":"حكم القول: يا رب القرآن!","level":3,"page":288},{"title":"ذكر إجماع التابعين من مكة والمدينة والكوفة والبصرة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق","level":2,"page":289},{"title":"ذكر ما روي عن أتباع التابعين في أن القرآن كلام الله","level":2,"page":290},{"title":"قول جعفر بن محمد أن القرآن كلام الله غير مخلوق","level":3,"page":291},{"title":"قول ابن المبارك أن القرآن كلام الله غير مخلوق","level":3,"page":292},{"title":"كلام الفضل بن دكين فيمن أدرك ممن يقولون بأن القرآن كلام الله","level":3,"page":293},{"title":"قول أبي جعفر المنصور في أن (لا إله إلا الله) كلام الله غير مخلوقة","level":3,"page":294},{"title":"ذكر ما كان من ابن أبي ليلى مع الرجل الذي قال بخلق القرآن","level":3,"page":295},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":296},{"title":"حكم تحية المسجد لمن لا ينوي مفارقته","level":3,"page":297},{"title":"حكم لبس المرأة للنقاب أثناء العمرة","level":3,"page":298},{"title":"بيان ما يفعله الطبيب إذا علم أن امرأة فضت بكارتها من غير زوجها","level":3,"page":299},{"title":"حكم زواج المسيحي من المسلمة والعكس، وحكم تحدث الخطيب عن التبرعات في الخطبة","level":3,"page":300},{"title":"حكم الجمع بين نية تحية المسجد والسنة الراتبة في ركعتين","level":3,"page":301},{"title":"حكم تشميت المرأة الأجنبية إذا حمدت الله","level":3,"page":302},{"title":"حكم مصافحة المرأة الكبيرة في السن","level":3,"page":303},{"title":"الحكم على حديث: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)","level":3,"page":304},{"title":"شرح حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)","level":3,"page":305},{"title":"الحكم على أحاديث الذهب المحلق","level":3,"page":306},{"title":"حكم صوم الولد عن والده","level":3,"page":307},{"title":"من أفتى فيمن قال القرآن مخلوق","level":1,"page":308},{"title":"سياق ما روي عمن أفتى فيمن قال القرآن مخلوق","level":2,"page":309},{"title":"اضطراب مالك في إصدار الحكم على من قال القرآن مخلوق","level":3,"page":310},{"title":"الجمع بين ما ورد عن سلفنا في حكم من قال القرآن مخلوق","level":3,"page":311},{"title":"شناعة إنكار صفات المخلوق الثابتة، فكيف بإنكار صفات الخالق","level":3,"page":312},{"title":"الأحكام المترتبة على مقالة: إن القرآن مخلوق","level":3,"page":313},{"title":"حكم العلماء على الواقفية","level":3,"page":314},{"title":"معنى أن القرآن كلام الله حقيقة","level":3,"page":315},{"title":"سياق ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن كلام الله على الحقيقة","level":2,"page":316},{"title":"تحريم السفر بالقرآن إلى أرض العدو المحارب","level":2,"page":317},{"title":"الأمر بتعاهد القرآن","level":2,"page":318},{"title":"حكم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق","level":2,"page":319},{"title":"رؤية العبد النبي ﵊ في المنام، وما تقوله الصوفية في معنى اليقين","level":2,"page":320},{"title":"رؤيا الصالحين لرسول الله وهو يخبرهم أن القرآن غير مخلوق","level":3,"page":321},{"title":"ما روي من الرؤيا السوء لمن قال بخلق القرآن في الدنيا، وما أعد الله ﷿ لهم من العذاب في الآخرة","level":3,"page":322},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":323},{"title":"أهمية الاعتقاد بأن القرآن كلام الله غير مخلوق","level":3,"page":324},{"title":"تزيين الشيطان عمل من يدعي أنه المهدي حتى يدعي الألوهية","level":3,"page":325},{"title":"حكم رؤية الأب مخطوبة ابنه","level":3,"page":326},{"title":"حكم من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه","level":3,"page":327},{"title":"نصائح لمن ابتلاه الله بالاستمناء","level":3,"page":328},{"title":"عدم طاعة الولد أباه في تطليق زوجته إلا لمصلحة شرعية","level":3,"page":329},{"title":"حكم قراءة القرآن وإعطاء ثوابه للميت","level":3,"page":330},{"title":"قواعد السلف في إثبات الصفات","level":1,"page":331},{"title":"القواعد التي انتهجها أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات","level":2,"page":332},{"title":"التوحيد وإفراد الخالق عن مشابهة المخلوقين","level":3,"page":333},{"title":"إثبات الصفات على مراد الله ومراد رسوله ووجوب الإيمان بذلك","level":3,"page":334},{"title":"الكف عن الخوض في كيفية الصفات","level":3,"page":335},{"title":"القول في الصفات فرع عن القول في الذات","level":3,"page":336},{"title":"طريقة السلف في الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصل","level":3,"page":337},{"title":"طريقة السلف في النفي هي النفي المتضمن لكمال الضد","level":3,"page":338},{"title":"التحريف بالتأويل أشد قبحا من التعطيل والتكييف والتمثيل","level":3,"page":339},{"title":"كل شيئين بينهما قدر مشترك وقدر فارق","level":3,"page":340},{"title":"مذهب السلف وسط بين التمثيل والتعطيل","level":3,"page":341},{"title":"كل ممثل معطل لحقيقة الصفة وذاتها وكل معطل ممثل","level":3,"page":342},{"title":"بيان معنى السلف والخلف","level":2,"page":343},{"title":"قواعد الخلف المخالفة لسلف الأمة في صفات الله","level":2,"page":344},{"title":"حكم قياس الخالق بالمقاييس التي تحكم المخلوق","level":3,"page":345},{"title":"التأويل لصفات الله الثابتة له للخروج من تمثيله بالمخلوقين","level":3,"page":346},{"title":"صفة الاستواء لله ﷿","level":1,"page":347},{"title":"اشتراك المخلوق مع الخالق في بعض الصفات لا يستلزم المشابهة والمماثلة","level":2,"page":348},{"title":"سياق ما روي في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)","level":2,"page":349},{"title":"الأدلة من القرآن على أن الله مستو على عرشه فوق خلقه","level":3,"page":350},{"title":"الأدلة من السنة على أن الله مستو على عرشه فوق خلقه","level":3,"page":351},{"title":"أقوال السلف في استواء الله على عرشه وعلوه وفوقيته على خلقه","level":2,"page":352},{"title":"قول عمر ﵁ في علو الله وفوقيته","level":3,"page":353},{"title":"قول ابن عباس ﵄ في علو الله وفوقيته","level":3,"page":354},{"title":"شرح قول أم سلمة في استواء الله ﷿","level":3,"page":355},{"title":"شرح قول الإمام مالك في استواء الله ﷿","level":3,"page":356},{"title":"شرح قول ربيعة الرأي في استواء الله ﷿","level":3,"page":357},{"title":"شرح قول ابن الأعرابي في استواء الله ﷿","level":3,"page":358},{"title":"شرح تفسير مقاتل لقوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)","level":3,"page":359},{"title":"قول سليمان التيمي في علو الله وفوقيته","level":3,"page":360},{"title":"أقوال سفيان الثوري وعبد الله بن نافع وأحمد بن حنبل في علو الله وفوقيته","level":3,"page":361},{"title":"قول محمد بن جعفر في استواء الله على عرشه","level":3,"page":362},{"title":"الجمع بين قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) وبين أن الله مستو على العرش","level":2,"page":363},{"title":"ما ورد في القرآن ليس فيه تناقض","level":3,"page":364},{"title":"عدم وجود تعارض بين العلو والمعية","level":3,"page":365},{"title":"تعذر اجتماع العلو والمعية في حق المخلوق لا يعني تعذر اجتماعهما في حق الخالق","level":3,"page":366},{"title":"صفة السمع لله ﷿","level":1,"page":367},{"title":"سياق ما دل من الكتاب والسنة في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق","level":2,"page":368},{"title":"بيان أن صفات الله وأسماءه توقيفية","level":3,"page":369},{"title":"بيان أن اسم (الستار) ليس من أسماء الله تعالى","level":3,"page":370},{"title":"بيان أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق","level":3,"page":371},{"title":"إثبات أن صفة العلم صفة ذات أزلية لله تعالى","level":3,"page":372},{"title":"الرد على ما يروى عن ابن عباس في معنى الكرسي وتأويله بالعلم","level":3,"page":373},{"title":"حكم القول: (بأن علم الله مخلوق)","level":3,"page":374},{"title":"الإيمان بمدلول الأسماء والصفات","level":3,"page":375},{"title":"سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله بأن الله سميع بسمع قادر بقدرة","level":2,"page":376},{"title":"صفة الوجه والعين لله ﷿","level":1,"page":377},{"title":"سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله على أن من صفات الله الوجه","level":2,"page":378},{"title":"إتيان السلف لصفة الوجه كسائر الصفات","level":3,"page":379},{"title":"خطأ إطلاق لفظ (كتب التربية الدينية) على الكتب الشرعية","level":3,"page":380},{"title":"اشتمال المناهج الدراسية على عقيدة التأويل والتحريف والتعطيل والتمثيل","level":3,"page":381},{"title":"شبهة نفاة صفة الوجه والرد عليهم","level":3,"page":382},{"title":"رد ابن عثيمين على من أول الوجه بالذات","level":3,"page":383},{"title":"كلام ابن خزيمة في إثبات صفة الوجه لله تعالى","level":3,"page":384},{"title":"كلام ابن مندة في إثبات صفة الوجه لله تعالى","level":3,"page":385},{"title":"كلام الأصبهاني في إثبات صفة الوجه لله تعالى","level":3,"page":386},{"title":"معنى قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)","level":3,"page":387},{"title":"تأويل أهل التحريف للوجه بالثواب والرد عليهم","level":3,"page":388},{"title":"بيان أن كل الآيات التي ذكرت الوجه مضافا إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له","level":3,"page":389},{"title":"اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) وبيان الصحيح منها","level":3,"page":390},{"title":"حال كتاب: المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات وحال مؤلفه","level":3,"page":391},{"title":"حال المفسرين في التأويل","level":2,"page":392},{"title":"حال ابن عطية وابن الجوزي في التأويل","level":3,"page":393},{"title":"حال الزمخشري والبيضاوي والنسفي في التأويل","level":3,"page":394},{"title":"حال الخازن وأبي حيان والجلالين والشربيني وأبي السعود في التأويل","level":3,"page":395},{"title":"حال الشوكاني في التأويل وعدم تعمده للباطل كالزمخشري","level":3,"page":396},{"title":"حال الألوسي في التأويل","level":3,"page":397},{"title":"حال سيد قطب في التأويل","level":3,"page":398},{"title":"حال المراغي ومحمود حجازي والطاهر بن عاشور في التأويل","level":3,"page":399},{"title":"حال الصابوني في التأويل وذكر نماذج من تأويلاته","level":3,"page":400},{"title":"تفاسير ينصح بالرجوع إليها","level":3,"page":401},{"title":"حال ابن الجوزي في العقيدة","level":3,"page":402},{"title":"حال كتاب دفع شبه التشبيه لابن الجوزي وسبب تأليفه له","level":3,"page":403},{"title":"مناقشة لأحد دكاترة الأزهر حول من هم المتكلمون وصفة الكلام","level":3,"page":404},{"title":"مناقشة لأحد مشايخ الأزهر حول صفة اليد في قوله تعالى: (يد الله فوق أيدهم)","level":3,"page":405},{"title":"الرد على من أول صفة الوجه بأدلة الكتاب والسنة","level":3,"page":406},{"title":"خطأ ابن الجوزي في نسبته تفسير الوجه بالذات إلى جميع المفسرين","level":3,"page":407},{"title":"رد ابن خزيمة على من أول الوجه بالذات في قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)","level":3,"page":408},{"title":"رد ابن القيم على من أول الوجه بالذات","level":3,"page":409},{"title":"رد ابن تيمية على من نفى الصفات عن الذات","level":3,"page":410},{"title":"حكم تأويل العين بالرؤية","level":3,"page":411},{"title":"رد البيهقي على من نفى الصفات عن الذات","level":3,"page":412},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":413},{"title":"حال النصوص الواردة في قيام أول رجب، وحكم تخصيص أول رجب بالقيام","level":3,"page":414},{"title":"حكم التصفيق للرجال، وحكم القسم بقول (اللهم أقسم بك عليك)","level":3,"page":415},{"title":"حكم شراء مصحف لطالب العلم من مال الزكاة","level":3,"page":416},{"title":"حكم صيام الإثنين والخميس إذا وافق يوم الشك","level":3,"page":417},{"title":"حكم قول: (لسوء حظي)، و(لا قدر الله)","level":3,"page":418},{"title":"حكم قول: (يا مولانا)","level":3,"page":419},{"title":"حكم إيراد المفتي والقاضي للدليل على فتواهما","level":3,"page":420},{"title":"حكم طاعة الوالدين إذا منعا الولد من طلب العلم","level":3,"page":421},{"title":"وقت حادثة الإسراء","level":3,"page":422},{"title":"حكم الوصية","level":3,"page":423},{"title":"معنى حديث (صلة الرحم تزيد في العمر) ودرجته","level":3,"page":424},{"title":"قواعد في الصفات مع صفة اليد","level":1,"page":425},{"title":"الإيمان بذات الله وصفاته من الإيمان بالغيب","level":2,"page":426},{"title":"اختلاف الناس في صفات الله وبيان مذهبهم","level":2,"page":427},{"title":"قواعد مهمة في عقيدة أهل السنة في الأسماء والصفات","level":2,"page":428},{"title":"القاعدة الأولى: إفراد الله ﵎ بالوحدانية في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله","level":3,"page":429},{"title":"القاعدة الثانية: إثبات الصفات على مراد الله ومراد رسوله، ووجوب الإيمان بذلك","level":3,"page":430},{"title":"القاعدة الثالثة: الكف عن الخوض في كيفية الذات والصفات","level":3,"page":431},{"title":"القاعدة الرابعة: النفي المجمل والإثبات المفصل والنفي المتضمن لكمال الضد","level":3,"page":432},{"title":"القاعدة الخامسة: أن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق","level":3,"page":433},{"title":"توسط أهل السنة والجماعة في اعتقادهم من بين الفرق الأخرى في صفة اليد","level":2,"page":434},{"title":"مذهب الفرق الضالة في تفسير اليد والرد عليهم","level":3,"page":435},{"title":"مذهب أهل السنة والجماعة في تفسير قوله تعالى: (لما خلقت بيدي)","level":3,"page":436},{"title":"اختلاف علماء أهل السنة والجماعة في كون كلتا يدي الله يمين أو هما يد يمنى ويد يسرى","level":2,"page":437},{"title":"وصف كلتا يدي الله بأنها يمين وثبوت ذلك بالكتاب والسنة","level":3,"page":438},{"title":"أدلة القائلين بإثبات صفة اليد الشمال لله تعالى","level":3,"page":439},{"title":"أدلة القائلين بأن كلتا يدي الله يمين","level":3,"page":440},{"title":"مناقشة الأدلة التي تثبت صفة اليد الشمال لله تعالى","level":3,"page":441},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":442},{"title":"الحكم على حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)","level":3,"page":443},{"title":"ثبوت اكتحال النبي ﷺ","level":3,"page":444},{"title":"بيان أن السنة قص الشارب لا حلقه","level":3,"page":445},{"title":"حكم التصدق على زانية","level":3,"page":446},{"title":"النصح بشراء كتاب أصول الاعتقاد","level":3,"page":447},{"title":"الحكمة من تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله","level":3,"page":448},{"title":"بيان أن صفات الله سبحانه توقيفية كما أن أسماءه توقيفية","level":3,"page":449},{"title":"معنى حديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا)","level":3,"page":450},{"title":"صفة الأصابع لله ﷿","level":1,"page":451},{"title":"الأدلة على إثبات صفة الأصابع لله تعالى","level":2,"page":452},{"title":"حديث: (إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع)","level":3,"page":453},{"title":"حديث: (إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن)","level":3,"page":454},{"title":"حديث: (قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن)","level":3,"page":455},{"title":"منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات","level":2,"page":456},{"title":"مذهب المعتزلة في الصفات والرد عليهم","level":2,"page":457},{"title":"مذهب الأشاعرة في الصفات والرد عليهم","level":2,"page":458},{"title":"بيان أنه لا تعارض بين العقل السليم والنقل الصحيح","level":2,"page":459},{"title":"مذهب الحافظ ابن حجر في الصفات","level":2,"page":460},{"title":"إثبات صفة الأنامل لله تعالى","level":2,"page":461},{"title":"مذهب الإمام النووي في الصفات","level":2,"page":462},{"title":"موقف أهل السنة والجماعة من التفويض","level":2,"page":463},{"title":"صفة القدم لله ﷿","level":1,"page":464},{"title":"إثبات أهل السنة والجماعة صفة القدم لله تعالى","level":2,"page":465},{"title":"مذاهب الفرق الضالة في صفة القدم","level":2,"page":466},{"title":"إنكار المعطلة لصفة القدم لله ﷿","level":3,"page":467},{"title":"ضلال المشبهة بتشبيه صفة القدم لله بصفات خلقه","level":3,"page":468},{"title":"ضلال المؤولة لصفات الله تعالى","level":3,"page":469},{"title":"الاستدلال بحديث تحاجج الجنة والنار لإثبات صفة القدم لله تعالى وكلام أهل العلم في ذلك","level":2,"page":470},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":471},{"title":"الثبات على عقيدة الفرقة الناجية","level":3,"page":472},{"title":"أخطاء سيد قطب ﵀ لا تعني بغضه وعدم الترحم عليه","level":3,"page":473},{"title":"صفة الساق لله ﷿","level":1,"page":474},{"title":"إثبات صفة الساق لله ﷿","level":2,"page":475},{"title":"رفع الإشكال الوارد في قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق)","level":3,"page":476},{"title":"أقوال أهل العلم في معنى الساق في الآية","level":3,"page":477},{"title":"بيان أن ثبات الصفات لله ﷿ لا يقتضي المماثلة ولا المشابهة لخلقه","level":3,"page":478},{"title":"مخالفة أهل البدع لأهل السنة في إثبات صفة الساق لله ﷿","level":3,"page":479},{"title":"الرد على المبتدعة في الاحتجاج بتفسير ابن عباس للساق","level":3,"page":480},{"title":"رواية أبي هريرة في إثبات الساق لله تعالى","level":3,"page":481},{"title":"رواية أبي سعيد في إثبات صفة الساق لله تعالى","level":3,"page":482},{"title":"رواية ابن مسعود في إثبات صفة الساق لله تعالى","level":3,"page":483},{"title":"خطأ ابن الجوزي في نقله قول الجمهور في صفة الساق لله تعالى","level":3,"page":484},{"title":"رد ابن تيمية على من يؤول صفة الساق لله تعالى","level":3,"page":485},{"title":"خطأ الإمام النووي في تأويله لصفة الساق لله تعالى","level":3,"page":486},{"title":"إثبات الصحابة جميعا لآيات وأحاديث الصفات من غير تحريف ولا تأويل","level":3,"page":487},{"title":"صفة الكلام لله ﷿","level":1,"page":488},{"title":"مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات صفة الكلام لله ﷿","level":2,"page":489},{"title":"سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله على أن من صفات الله الوجه والعينين واليدين","level":2,"page":490},{"title":"الأدلة على إثبات أن لله وجها يليق به سبحانه","level":3,"page":491},{"title":"الأدلة على إثبات أن لله يدين تليقان به سبحانه","level":3,"page":492},{"title":"كلام بعض السلف في إثبات أن لله عينا ووجها","level":3,"page":493},{"title":"حديث: (أن الله سبحانه خط التوراة بيده)","level":3,"page":494},{"title":"حديث: (إن الله يبسط يده بالليل والنهار للتائبين)","level":3,"page":495},{"title":"حديث: (أن لله وجها لو كشف عنه الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل شيء)","level":3,"page":496},{"title":"حديث أن لله رداء كبرياء على وجهه","level":3,"page":497},{"title":"حديث أن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة","level":3,"page":498},{"title":"حديث: (وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض)","level":3,"page":499},{"title":"أحاديث أن الله يقبض الأرض ويطوي السماوات يوم القيامة","level":3,"page":500},{"title":"حديثا أبي هريرة في قبض الصدقة وقبوله سبحانه لها بيمينه","level":3,"page":501},{"title":"حديث صدقة الرجل تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل","level":3,"page":502},{"title":"إثبات أن لله أصابع","level":3,"page":503},{"title":"وقفات مع حديث: (خلق الله آدم على صورته)","level":3,"page":504},{"title":"إثبات أن لله عينين","level":3,"page":505},{"title":"إثبات أن لله قدما أو رجلا","level":3,"page":506},{"title":"إثبات أن الله تعالى يضحك","level":3,"page":507},{"title":"مقتطفات من كلام السلف في إثبات صفات الله ﷿","level":3,"page":508},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":509},{"title":"اختلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه في الحياة الدنيا","level":3,"page":510},{"title":"حكم دخول المرء الحمام وعلى رأسه رباط مكتوب عليه حديث نبوي أو آية","level":3,"page":511},{"title":"حكم دخول المرء الخلاء وعلى جسده وشم مكتوب فيه ذكر","level":3,"page":512},{"title":"حكم الصلاة باستحمام لم يتضمن نية الوضوء","level":3,"page":513},{"title":"حكم أداء الصلوات أو أغلبها في البيت","level":3,"page":514},{"title":"صفة النفس لله ﷿","level":1,"page":515},{"title":"أدلة إثبات صفة النفس لله تعالى","level":2,"page":516},{"title":"خلاف أهل السنة في النفس هل هي الذات أم صفة للذات","level":2,"page":517},{"title":"نقض مذهب المبتدعة في الصفات وبيان مذهب السلف في الإثبات والنفي","level":2,"page":518},{"title":"تأويلات النفس","level":2,"page":519},{"title":"ذكر من أثبت من العلماء أن النفس صفة للذات الإلهية","level":2,"page":520},{"title":"إثبات صفة النفس لله تعالى","level":2,"page":521},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":522},{"title":"بيان ما يجب على المرأة من الصلوات إذا طهرت قبل أو بعد الغروب","level":3,"page":523},{"title":"حكم الفرق التي تخالف أهل السنة","level":3,"page":524},{"title":"حكم هجران المداوم على المعاصي بعد نصحه","level":3,"page":525},{"title":"حكم التوسل بالأولياء والصالحين","level":3,"page":526},{"title":"حكم إحداث قول جديد لم يرد عن السلف","level":3,"page":527},{"title":"حكم أكل الجلالة من الدجاج","level":3,"page":528},{"title":"حكم المكره على القتل والزنا","level":3,"page":529},{"title":"صفة النزول لله ﷿","level":1,"page":530},{"title":"اعتقاد أهل السنة والجماعة في صفة نزول الرب ﵎","level":2,"page":531},{"title":"اعتقاد الفرق الضالة في صفة نزول الله سبحانه","level":2,"page":532},{"title":"المذهب الأول: إنكار ورود أحاديث النزول في الصحيحين","level":3,"page":533},{"title":"المذهب الثاني: إثبات أحاديث النزول وتشبيهه بالمخلوق","level":3,"page":534},{"title":"المذهب الثالث: أن الله تعالى لا ينزل لأن نزوله يستلزم خلو العرش منه","level":3,"page":535},{"title":"المذهب الرابع: أن الله لا ينزل إنما الذي ينزل هو رحمته وأمره","level":3,"page":536},{"title":"الأدلة على إثبات النزول لله ﷿ من السنة","level":2,"page":537},{"title":"إثبات التابعين لنزول الرب سبحانه على الوجه الذي يليق به سبحانه","level":2,"page":538},{"title":"إثبات إسحاق بن راهويه نزول الرب سبحانه في مجلس الأمير عبد الله بن طاهر","level":3,"page":539},{"title":"منهج أهل السنة والجماعة في إثبات نزول الله تعالى دون تكييف","level":2,"page":540},{"title":"كلام ابن عبد البر في إثبات صفة النزول","level":3,"page":541},{"title":"كلام ابن القيم في إثبات صفة النزول","level":3,"page":542},{"title":"كلام ابن جرير في إثبات صفة النزول","level":3,"page":543},{"title":"كلام ابن القيم في اختلاف أهل السنة في صفة النزول","level":3,"page":544},{"title":"كلام أبي سعيد الدارمي في إثبات صفة النزول","level":3,"page":545},{"title":"كلام ابن خزيمة في إثبات النزول","level":3,"page":546},{"title":"كلام ابن تيمية في صفة النزول","level":3,"page":547},{"title":"كلام العلامة الصوفي في صفة النزول","level":3,"page":548},{"title":"كلام الجويني في صفة النزول","level":3,"page":549},{"title":"كلام ابن تيمية في آيات وأحاديث الصفات","level":3,"page":550},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":551},{"title":"حكم من دخل المسجد والإمام يصلي بالناس","level":3,"page":552},{"title":"فضل العالم على العابد","level":3,"page":553},{"title":"حكم كتم العالم علمه عند الحاجة إليه","level":3,"page":554},{"title":"سبيل الحصول على العلم","level":3,"page":555},{"title":"حكم صلاة المنفرد خلف الصف","level":3,"page":556},{"title":"بيان أن حجاب الله ﷿ واحد فقط","level":3,"page":557},{"title":"باب كيفية وزن الأعمال يوم القيامة","level":3,"page":558},{"title":"حكم من سها في صلاته ونسي أن يسجد سجود السهو","level":3,"page":559},{"title":"ميراث أولاد الأم التي ماتت قبل أبيها في تركة جدهم","level":3,"page":560},{"title":"حكم حلق اللحية","level":3,"page":561},{"title":"حكم ترك الحارس لصلاة الجمعة خشية الضرر","level":3,"page":562},{"title":"ما يفعله المغتاب إن أراد التوبة","level":3,"page":563},{"title":"حكم القنوت في صلاة الفجر","level":3,"page":564},{"title":"صفة الإتيان والمجيء لله ﷿","level":1,"page":565},{"title":"صفات الله الذاتية والفعلية","level":2,"page":566},{"title":"إثبات صفة المجيء لله ﷿","level":2,"page":567},{"title":"السؤال عن الله بـ (أين) لا يستلزم التحيز ولا الجهة","level":2,"page":568},{"title":"عدم إحاطة العباد بالله علما","level":2,"page":569},{"title":"إثبات أن لله هرولة تليق به سبحانه","level":2,"page":570},{"title":"أقوال أهل العلم في إثبات صفتي الإتيان والمجيء","level":2,"page":571},{"title":"قول ابن جرير في إثبات صفتي المجيء والاتيان","level":3,"page":572},{"title":"إثبات أبي الحسن الأشعري لصفتي المجيء والإتيان","level":3,"page":573},{"title":"قول الشيخ الهراس في إثبات صفتي المجيء والإتيان","level":3,"page":574},{"title":"تأويل الإمام النووي وابن الجوزي لصفتي الإتيان والمجيء والرد عليهما","level":3,"page":575},{"title":"كلام ابن تيمية في إثبات صفتي المجيء والإتيان","level":3,"page":576},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":577},{"title":"حكم ما يقع بين الناس من التعصب لفريق معين من لاعبي كرة القدم","level":3,"page":578},{"title":"حكم تشغيل إذاعة القرآن قبل صلاة الجمعة","level":3,"page":579},{"title":"حكم ذهاب الأولاد إلى القرية الفرعونية","level":3,"page":580},{"title":"حكم إعطاء الهدية بنية إرجاع هدية أخرى","level":3,"page":581},{"title":"حكم سماع الحكايات التي تذاع في الراديو","level":3,"page":582},{"title":"حكم سماع بعض التمثيليات التي تحكي قصصا اجتماعية وتذاع في الراديو","level":3,"page":583},{"title":"رؤية المؤمنين لله ﷿","level":1,"page":584},{"title":"ذكر الخلاف في رؤية النبي ﵊ لربه ليلة المعراج","level":2,"page":585},{"title":"رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة","level":2,"page":586},{"title":"كلام الإمام الطحاوي وغيره في إثبات رؤية المؤمنين لربهم ﷿","level":3,"page":587},{"title":"أعظم الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم في الجنة","level":3,"page":588},{"title":"استعمالات النظر في اللغة","level":3,"page":589},{"title":"استدلال السلف الصالح بقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة) على إثبات الرؤية","level":3,"page":590},{"title":"استدلال السلف بقوله تعالى: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) على إثبات الرؤية","level":3,"page":591},{"title":"استدلال السلف الصالح بقوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) على إثبات الرؤية","level":3,"page":592},{"title":"شبه المعتزلة في إنكار الرؤية والرد عليها","level":2,"page":593},{"title":"استدلال المعتزلة بقوله: (لا تدركه الأبصار)","level":3,"page":594},{"title":"ما روي عن النبي والصحابة والتابعين في رؤية المؤمنين لربهم","level":2,"page":595},{"title":"رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي ﵊","level":3,"page":596},{"title":"رواية جرير بن عبد الله البجلي","level":3,"page":597},{"title":"رواية أبي موسى الأشعري","level":3,"page":598},{"title":"رواية عدي بن حاتم ﵁","level":3,"page":599},{"title":"أقوال أهل العلم في رؤية الكفار والمنافقين لله ﷿ في المحشر","level":2,"page":600},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":601},{"title":"حكم التوفير في البنك الربوي","level":3,"page":602},{"title":"حكم تفضيل الأنبياء على بعضهم","level":3,"page":603},{"title":"حكم إعطاء الوالد لبعض أولاده شيئا دون الآخرين","level":3,"page":604},{"title":"حكم المذي عند المرأة","level":3,"page":605},{"title":"الرؤية يوم المحشر","level":3,"page":606},{"title":"كيفية دفن النبي ﵊","level":3,"page":607},{"title":"موقف الإمام عند الصلاة على الجنازة","level":3,"page":608},{"title":"حكم من يسب الله أو دينه","level":3,"page":609},{"title":"رؤية النبي لله عزوجل","level":1,"page":610},{"title":"مباحث في رؤية النبي والمؤمنين لربهم في الدنيا والآخرة","level":2,"page":611},{"title":"رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج","level":3,"page":612},{"title":"إثبات النووي رؤية النبي ﷺ لربه بعيني رأسه والرد عليه","level":3,"page":613},{"title":"القول الراجح في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج","level":3,"page":614},{"title":"رؤية المؤمنين ربهم","level":3,"page":615},{"title":"ما روي من أحاديث مكذوبة تفيد رؤية الله في الدنيا من الرسول وغيره","level":3,"page":616},{"title":"الرؤية القلبية والفؤادية تكون حسب عبادة العبد وتقواه لله ﷿","level":3,"page":617},{"title":"قول شيخ الإسلام في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة","level":3,"page":618},{"title":"معتقد الفرق الضالة في رؤية الله ﷿ وفي ذاته","level":3,"page":619},{"title":"قول الكرمي في رؤية النبي ﷺ ربه في الدنيا","level":3,"page":620},{"title":"كلام ابن القيم في رؤية النبي ﷺ ربه","level":3,"page":621},{"title":"النهي عن التفكر في ذات الله تعالى","level":1,"page":622},{"title":"سياق ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن التفكر في ذات الله ﷿","level":2,"page":623},{"title":"نهي السلف عن الخوض في صفات الله بالتكييف والتأويل ونحو ذلك","level":3,"page":624},{"title":"النهي عن الوسوسة في الإيمان","level":3,"page":625},{"title":"علاج المؤمن من تسلط الشيطان ووسوسته","level":3,"page":626},{"title":"كلام الإمام النووي في معاني أحاديث النهي عن الوسوسة في الإيمان","level":2,"page":627},{"title":"كلام ابن القيم في علاج الوسوسة في الإيمان","level":2,"page":628},{"title":"النظر إلى أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله ﷺ","level":2,"page":629},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":630},{"title":"حكم الأكل في الطريق","level":3,"page":631},{"title":"حكم القول عن الرجل الصالح: إنه من الأبدال","level":3,"page":632},{"title":"منهج الألباني في تصحيح الحديث","level":3,"page":633},{"title":"الوضوء بالمد","level":3,"page":634},{"title":"الإخلاص أفضل سورة في القرآن على الإطلاق","level":3,"page":635},{"title":"حكم زواج المرأة بدون إذن وليها","level":3,"page":636},{"title":"رؤية الله في المنام","level":3,"page":637},{"title":"معنى حديث: (أنا رسول الله، ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم)","level":3,"page":638},{"title":"تشكيك الشيطان المرء في قدرة الله ﷿","level":3,"page":639},{"title":"حكم تخليل اللحية بالماء في الوضوء","level":3,"page":640},{"title":"حكم العمل في المحرمات","level":3,"page":641},{"title":"حكم حضور أفراح فيها مغنون ودفوف، وحكم الأناشيد الإسلامية","level":3,"page":642},{"title":"من نذر طاعة الله لزمه الأداء","level":3,"page":643},{"title":"تكفير المشبهة","level":1,"page":644},{"title":"النفي والتشبيه في الصفات هما أصلا الانحراف والضلال في هذا الباب","level":2,"page":645},{"title":"الحكم على بعض الفرق الضالة","level":2,"page":646},{"title":"سياق ما روي في تكفير المشبهة","level":2,"page":647},{"title":"مناظرة بين عبد الرحمن بن مهدي وأحد المشبهة","level":3,"page":648},{"title":"موقف أهل العلم من داود الجواربي","level":3,"page":649},{"title":"كلام أهل العلم على داود الجواربي وغيره من المشبهة","level":3,"page":650},{"title":"نقل أبي الحسن الأشعري لمذاهب أهل التشبيه والتجسيم","level":3,"page":651},{"title":"كلام يزيد بن هارون في الجهمية والمشبهة","level":3,"page":652},{"title":"مقالات بشر المريسي وموقف أهل العلم منه","level":3,"page":653},{"title":"موت بشر المريسي","level":3,"page":654},{"title":"كلام الذهبي في بشر المريسي","level":3,"page":655},{"title":"كلام ابن كثير في بشر المريسي","level":3,"page":656},{"title":"حكم من شبه الله بشيء من خلقه","level":2,"page":657},{"title":"نبز أهل الأهواء أهل السنة بالألقاب السيئة","level":3,"page":658},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":659},{"title":"حكم كشف العورة للضرورة","level":3,"page":660},{"title":"قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)","level":1,"page":661},{"title":"الإيمان بالقدر وأهميته","level":2,"page":662},{"title":"موقف أهل السنة والجماعة من الإيمان بالقضاء والقدر","level":2,"page":663},{"title":"مراتب الإيمان بالقدر","level":2,"page":664},{"title":"مرتبة العلم","level":3,"page":665},{"title":"مرتبة كتابة الأعمال","level":3,"page":666},{"title":"مرتبة الإرادة والمشيئة","level":3,"page":667},{"title":"مرتبة الخلق والإيجاد للخير والشر","level":3,"page":668},{"title":"ذكر معتقد السلف في علم الله تعالى ومن خالفهم في ذلك","level":2,"page":669},{"title":"مرتبة الخلق والإيجاد عند علماء الإسلام وعند أهل البدع","level":2,"page":670},{"title":"سياق ما فسر من الآيات والأحاديث في إثبات القدر وإجماع الصحابة ومن بعدهم","level":2,"page":671},{"title":"بيان ما جاء في بداية ظهور بدعة القدر وإنكارها","level":3,"page":672},{"title":"ظهور التشيع في مصر والمغرب على يد أبي عبد الله الفارسي","level":3,"page":673},{"title":"إنكار السلف لبدعة القدر","level":3,"page":674},{"title":"استدلال السلف ببعض الآيات والأحاديث المثبتة للقدر","level":3,"page":675},{"title":"باب ما روي أن مسألة القدر متى حدثت في الإسلام وفشت","level":2,"page":676},{"title":"كلام أبي الأسود الدؤلي في القدر وبراءته من القول بنفي القدر","level":3,"page":677},{"title":"بداية الكلام في القدر وإنكار السلف ذلك","level":3,"page":678},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":679},{"title":"حكم من أمر في المنام بذبح شيء","level":3,"page":680},{"title":"حكم قول الرجل لزوجته: علي الحرام، أو لو فعلت كذا فأنت محرمة علي","level":3,"page":681},{"title":"فهم العقيدة الصحيحة وأصول العبادة أمر ضروري على طالب العلم","level":3,"page":682},{"title":"إثبات القدر وأن الله خالق الخير والشر","level":1,"page":683},{"title":"معنى قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)","level":2,"page":684},{"title":"أنواع الذين تكلموا في القدر","level":2,"page":685},{"title":"مراتب القدر","level":2,"page":686},{"title":"اختلاف الناس في أفعال العباد","level":2,"page":687},{"title":"مشيئة الله ﷿ القدرية","level":2,"page":688},{"title":"الحكمة من العمل مع أن الأمور مقدرة ومفروغ منها","level":3,"page":689},{"title":"عدل الله تعالى والحكمة من خلق الجنة والنار","level":3,"page":690},{"title":"العمل بالأسباب موافق للدين والعقل","level":3,"page":691},{"title":"بيان أن الأعمال بالخواتيم","level":3,"page":692},{"title":"القدر سر الله في خلقه فلا يتعمق فيه","level":3,"page":693},{"title":"مذهب القدرية والمعتزلة في القدر والرد عليهم","level":2,"page":694},{"title":"مناظرة بين قدري ومجوسي في القدر","level":3,"page":695},{"title":"أعرابي يغلب عمرو بن عبيد","level":3,"page":696},{"title":"مناظرة بين عبد الجبار المعتزلي وأبي إسحاق الإسفراييني في القدر","level":3,"page":697},{"title":"الأدلة على عموم مشيئة الله تعالى وأنها الغالبة النافذة","level":2,"page":698},{"title":"منشأ الضلال عند القدرية","level":3,"page":699},{"title":"معنى حديث: (والشر ليس إليك)","level":3,"page":700},{"title":"الأدلة على أن الله خالق الخير والشر","level":1,"page":701},{"title":"معنى قوله ﷺ: (والشر ليس إليك)","level":2,"page":702},{"title":"الأدلة على إثبات أن الله خالق للخير والشر","level":2,"page":703},{"title":"ذكر ما روي في تفسير قوله تعالى: (فألهمها فجورها وتقواها)","level":3,"page":704},{"title":"ما ورد في تفسير قوله تعالى: (وهديناه النجدين)","level":3,"page":705},{"title":"ما ورد في تفسير قوله تعالى: (إني أعلم ما لا تعلمون)","level":3,"page":706},{"title":"ما ورد في تفسير قوله تعالى: (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة)","level":3,"page":707},{"title":"ما روي في تفسير قوله تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه)","level":3,"page":708},{"title":"ما روي في تفسير قوله تعالى: (يحول بين المرء وقلبه)","level":3,"page":709},{"title":"ما روي في تفسير قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم)","level":3,"page":710},{"title":"إثبات مشيئة الله تعالى للشر كونا والرد على المشركين والقدرية","level":3,"page":711},{"title":"معنى قوله تعالى: (أم على قلوب أقفالها)","level":3,"page":712},{"title":"معنى قوله تعالى: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)","level":3,"page":713},{"title":"معنى قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت)","level":3,"page":714},{"title":"معنى قوله تعالى: (ما أصابك من مصيبة فمن الله)","level":3,"page":715},{"title":"معنى قوله تعالى: (قل كل من عند الله)","level":3,"page":716},{"title":"معنى قوله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق) وقوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)","level":3,"page":717},{"title":"معنى قوله تعالى: (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين)","level":3,"page":718},{"title":"معنى قوله تعالى: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين)","level":3,"page":719},{"title":"الإعجاز في قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب)","level":3,"page":720},{"title":"معنى قوله تعالى: (وما كان الله معذبهم وأنت فيهم)","level":3,"page":721},{"title":"معنى قوله تعالى: (وجعلنا من بين أيديهم سدا)","level":3,"page":722},{"title":"معنى قوله تعالى: (وجعلنا على قلوبهم أكنة)","level":3,"page":723},{"title":"معنى قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم)","level":3,"page":724},{"title":"الشقاوة والسعادة بيد الله","level":1,"page":725},{"title":"الأدلة على أن الهداية والإضلال بيد الله","level":2,"page":726},{"title":"حديث: (كل مولود يولد على الفطرة)","level":3,"page":727},{"title":"قوله تعالى حاكيا عن إبليس: (فبما أغويتني)","level":3,"page":728},{"title":"قوله تعالى: (وأضله الله على علم)","level":3,"page":729},{"title":"قوله تعالى: (ما أنتم عليه بفاتنين)","level":3,"page":730},{"title":"قوله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)","level":3,"page":731},{"title":"قوله تعالى: (صم بكم عمي)","level":3,"page":732},{"title":"قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما)","level":3,"page":733},{"title":"قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثقاهم)","level":3,"page":734},{"title":"قوله تعالى: (أو تقول لو أن الله هداني)","level":3,"page":735},{"title":"قوله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم)","level":3,"page":736},{"title":"قوله تعالى: (ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة)","level":3,"page":737},{"title":"قوله تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)","level":3,"page":738},{"title":"قوله تعالى: (ومن يرد الله فتنته)","level":3,"page":739},{"title":"قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وغيرها من الآيات","level":3,"page":740},{"title":"قوله تعالى: (الذين خسروا أنفسم)","level":3,"page":741},{"title":"ذكر ابن عباس للآيات الدالة على أن الهداية والإضلال بيد الله","level":3,"page":742},{"title":"قوله تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا)","level":3,"page":743},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":744},{"title":"ضرورة التفريق بين الإرادة الشرعية والكونية","level":3,"page":745},{"title":"بيان عدد الرضعات التي تحرم وحكم لبس الكرفتة","level":3,"page":746},{"title":"حق المطلقة التي لم يبن بها زوجها","level":3,"page":747},{"title":"حكم تخصص الرجل في قسم النساء والولادة","level":3,"page":748},{"title":"أدلة السنة في إثبات القدر [١]","level":1,"page":749},{"title":"سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله وما روي من السنة في إثبات القدر","level":2,"page":750},{"title":"حديث: (جف القلم على علم الله ﷿)","level":3,"page":751},{"title":"حديث: (لا تكثر همك ما يقدر يكن)","level":3,"page":752},{"title":"حديث: (خلق آدم وأخرج الخلق من ظهره)","level":3,"page":753},{"title":"حديث: (إن العبد ليعمل فيما يرى للناس بعمل أهل الجنة)","level":3,"page":754},{"title":"حديث: (لا عليكم ألا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بما يختم له)","level":3,"page":755},{"title":"حديث: (خرج النبي ﷺ قابضا على شيئين في يده)","level":3,"page":756},{"title":"حديث: (لا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له)","level":3,"page":757},{"title":"حديث مصير أولاد المشركين يوم القيامة","level":3,"page":758},{"title":"حديث أبي بن كعب في القدر","level":3,"page":759},{"title":"حديث ابن عباس: (احفظ الله يحفظك)","level":3,"page":760},{"title":"حديث أبي سعيد: (ألا أعلمك لعل الله ينفعك)","level":3,"page":761},{"title":"حديث عبادة بن الصامت في القدر","level":3,"page":762},{"title":"حديث: (سيكون في أمتي قوم يكفرون بالله)","level":3,"page":763},{"title":"حديث: (لا يجربني عبدي)","level":3,"page":764},{"title":"حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع)","level":3,"page":765},{"title":"حديث: (لن يؤمن من لم يؤمن بالقدر)","level":3,"page":766},{"title":"سياق ما روي في النهي عن الكلام في القدر والجدال فيه والأمر بالإمساك عنه","level":2,"page":767},{"title":"أدلة السنة في إثبات القدر [٢]","level":1,"page":768},{"title":"بعض الأحاديث الواردة في القدر","level":2,"page":769},{"title":"حديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى وذكر بعض رواياته","level":3,"page":770},{"title":"حديث جندب بن جنادة في احتجاج آدم وموسى","level":3,"page":771},{"title":"إجماع الصحابة على إثبات القدر وإنكارهم على من ينكر ذلك","level":2,"page":772},{"title":"رواية يحيى بن يعمر لحديث ابن عمر في إنكاره على القدرية","level":3,"page":773},{"title":"رواية ابن بريدة لحديث ابن عمر في إنكاره على القدرية","level":3,"page":774},{"title":"الروايات الواردة في إثبات كتابة مصير العبد قبل ولادته","level":2,"page":775},{"title":"حديث ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)","level":3,"page":776},{"title":"رؤيا محمد بن يزيد الأسفاطي في حديث ابن مسعود","level":3,"page":777},{"title":"حديث حذيفة بن أسيد: (إذا مضت على النطفة خمسة وأربعون)","level":3,"page":778},{"title":"حديث ابن مسعود: (الشقي من شقي في بطن أمه)","level":3,"page":779},{"title":"حديث أبي هريرة: (السعيد من سعد في بطن أمه)","level":3,"page":780},{"title":"روايات في إثبات أن العباد ميسرون لما خلقوا له","level":2,"page":781},{"title":"حديث علي: (ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار)","level":3,"page":782},{"title":"حديث ابن عمر: (علام نعمل؟)","level":3,"page":783},{"title":"حديث عمران بن حصين في معرفة أهل الجنة من أهل النار","level":3,"page":784},{"title":"حديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)","level":3,"page":785},{"title":"حديث: (إن الله تعالى خلق للجنة أهلا)","level":3,"page":786},{"title":"حديث كفر الغلام الذي قتله الخضر ﵇","level":3,"page":787},{"title":"حديث اعتذار الهالك في الفترة والمعتوه والمولود","level":3,"page":788},{"title":"أقوال الصحابة في إثبات القدر [١]","level":1,"page":789},{"title":"مراتب الإيمان بالقدر","level":2,"page":790},{"title":"أقوال الصحابة في إثبات القدر وأن الخير والشر من عند الله ﷿","level":2,"page":791},{"title":"قول أبي بكر ﵁ في إثبات القدر","level":3,"page":792},{"title":"قول عمر بن الخطاب ﵁ في إثبات القدر","level":3,"page":793},{"title":"قول علي بن أبي طالب ﵁ في إثبات القدر","level":3,"page":794},{"title":"قول عبد الله بن مسعود ﵁ في إثبات القدر","level":3,"page":795},{"title":"قول عبد الله بن عباس ﵄ في إثبات القدر","level":3,"page":796},{"title":"أقوال ابن عمر والحسن بن علي وعمرو بن العاص ﵃ في إثبات القدر","level":3,"page":797},{"title":"قول عبد الله بن عمرو بن العاص في إثبات القدر","level":3,"page":798},{"title":"قول أبي الدرداء ﵁ في إثبات القدر","level":3,"page":799},{"title":"قول سلمان الفارسي ﵁ في إثبات القدر","level":3,"page":800},{"title":"قول جابر بن عبد الله ﵁ في إثبات القدر","level":3,"page":801},{"title":"قول عائشة ﵂ في إثبات القدر","level":3,"page":802},{"title":"أقوال التابعين في إثبات أن الخير والشر من عند الله ﷿","level":2,"page":803},{"title":"قول عمر بن عبد العزيز ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":804},{"title":"قول الحسن البصري ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":805},{"title":"أقوال مطرف بن عبد الله الشخير ووهب بن منبه رحمهما الله في إثبات القدر","level":3,"page":806},{"title":"قول كعب الأحبار ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":807},{"title":"قول محمد بن كعب القرظي ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":808},{"title":"قول علي بن الحسين ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":809},{"title":"قول محمد بن علي بن الحسين ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":810},{"title":"قول جعفر بن محمد الصادق ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":811},{"title":"قول زيد بن علي ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":812},{"title":"قول ربيعة الرأي ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":813},{"title":"قول سالم بن عبد الله بن عمر ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":814},{"title":"قول محمد بن سيرين ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":815},{"title":"قول طاوس بن كيسان ﵀ في معبد الجهني","level":3,"page":816},{"title":"قول أبي قلابة ﵀ في إثبات القدر","level":3,"page":817},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":818},{"title":"حكم تعليم الرجال للطالبات","level":3,"page":819},{"title":"التداوي من الأمراض أمر مشروع","level":3,"page":820},{"title":"كتابة الأشياء عن المولود وهو في بطن أمه قابلة للمحو والإثبات","level":3,"page":821},{"title":"حكم خلط الثمار","level":3,"page":822},{"title":"أقوال الصحابة في إثبات القدر [٢]","level":1,"page":823},{"title":"أقوال الصحابة رضوان الله عليهم في إثبات القدر","level":2,"page":824},{"title":"أقوال الخلفاء الراشدين الأربعة في إثبات القدر","level":3,"page":825},{"title":"قول عبد الله بن مسعود في إثبات القدر","level":3,"page":826},{"title":"قول عبد الرحمن بن عوف في إثبات القدر","level":3,"page":827},{"title":"قول عبد الله بن عباس في إثبات القدر","level":3,"page":828},{"title":"قول ابن عمر في إثبات القدر","level":3,"page":829},{"title":"أقوال أبي بن كعب وابن مسعود وحذيفة وزيد بن ثابت في إثبات القدر","level":3,"page":830},{"title":"أقوال الحسن بن علي وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو وأبي الدرداء في إثبات القدر","level":3,"page":831},{"title":"قول سلمان الفارسي في إثبات القدر","level":3,"page":832},{"title":"أقوال جابر بن عبد الله وعائشة في إثبات القدر","level":3,"page":833},{"title":"أقوال التابعين ﵏ في إثبات القدر","level":2,"page":834},{"title":"أقوال سفيان الثوري وعمر بن عبد العزيز في إثبات القدر","level":3,"page":835},{"title":"قول الحسن البصري في إثبات القدر","level":3,"page":836},{"title":"قول مطرف بن عبد الله بن الشخير في إثبات القدر","level":3,"page":837},{"title":"أقوال كعب الأحبار في إثبات القدر","level":3,"page":838},{"title":"قول محمد بن كعب القرظي في إثبات القدر","level":3,"page":839},{"title":"قول علي بن الحسين في إثبات القدر","level":3,"page":840},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":841},{"title":"التوبة تجب ما قبلها","level":3,"page":842},{"title":"بيان ما يفعل من سرق مالا","level":3,"page":843},{"title":"حكم تدريس الرجال للبنات في المرحلة الإعدادية والثانوية","level":3,"page":844},{"title":"القدري من يزعم أن الله لم يخلق أفعال العباد","level":1,"page":845},{"title":"مراتب الإيمان بالقدر","level":2,"page":846},{"title":"الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية عند أهل السنة والجماعة","level":2,"page":847},{"title":"سياق ما روي في القدري الذي يزعم أن الله لم يخلق أفعال العباد","level":2,"page":848},{"title":"سياق ما روي عن الصحابة والتابعين والعلماء في إقامة الحدود على القدرية","level":2,"page":849},{"title":"موقف عمر بن عبد العزيز من غيلان الدمشقي","level":3,"page":850},{"title":"موقف هشام بن عبد الملك من القدرية","level":3,"page":851},{"title":"موقف المهدي من القدرية","level":3,"page":852},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":853},{"title":"الحكم على أثر عمر (اللهم إن كنت كتبتني من أهل الشقاء) وبيان معناه","level":3,"page":854},{"title":"حكم تحديد مواقيت إقامة الصلاة","level":3,"page":855},{"title":"الفرق بين نافع مولى ابن عمر ونافع صاحب القراءة المشهورة","level":3,"page":856},{"title":"حكم لبس الطاقية","level":3,"page":857},{"title":"مقدار الأخذ من اللحية","level":3,"page":858},{"title":"حكم من عصى الله في رمضان وأفطر فيه ثم تاب إلى الله","level":3,"page":859},{"title":"حكم من أقيمت الصلاة وهو يصلي السنة القبلية","level":3,"page":860},{"title":"ما روي في منع الصلاة خلف القدرية","level":1,"page":861},{"title":"سياق ما روي في منع الصلاة خلف القدرية","level":2,"page":862},{"title":"كلام السلف في حكم الصلاة خلف القدرية","level":3,"page":863},{"title":"حكم الأئمة في تزويج القدرية","level":3,"page":864},{"title":"حكم الأئمة في عيادة المريض من القدرية","level":3,"page":865},{"title":"رأي الأئمة في ذبائح القدرية ورد شهادتهم","level":3,"page":866},{"title":"كراهة العلماء لمجالسة ومبايعة أهل القدر","level":3,"page":867},{"title":"موقف الحارث المحاسبي من أبيه لقوله في القدر","level":3,"page":868},{"title":"ما ذكر من مخازي مشايخ القدرية وفضائح المعتزلة","level":2,"page":869},{"title":"سياق ما روي عن الرؤيا السوء من المعتزلة","level":2,"page":870},{"title":"سياق ما روي أن مسألة القدر متى حدثت في الإسلام وفشت","level":2,"page":871},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":872},{"title":"حكم الاستدلال بالرؤى على الأحكام","level":3,"page":873},{"title":"الجمع بين حديث: (ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة) وحديث ادخار الدعاء","level":3,"page":874},{"title":"المكتوب في اللوح المحفوظ هو علم الله فيما سيعمله العبد","level":3,"page":875},{"title":"معنى قوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون)","level":3,"page":876},{"title":"مصير الكفار في الآخرة","level":3,"page":877},{"title":"الأحاديث في غير الصحيحين","level":3,"page":878},{"title":"صحة حديث: (استوصوا بأهل مصر خيرا)","level":3,"page":879},{"title":"تفسير رؤيا","level":3,"page":880},{"title":"حكم المجامع يسمع أذان الفجر","level":3,"page":881},{"title":"نصيحة لموسوس","level":3,"page":882},{"title":"حكم رواية المبتدع بدعة مكفرة","level":3,"page":883},{"title":"حكم الصلاة خلف القدرية","level":3,"page":884},{"title":"جماع الكلام في الإيمان - الأركان الخمسة","level":1,"page":885},{"title":"مسلك اللالكائي في كلامه عن مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة","level":2,"page":886},{"title":"جماع الكلام في الإيمان","level":2,"page":887},{"title":"سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإسلام أعم من الإيمان والإيمان أخص منه","level":2,"page":888},{"title":"ما ينقض به الإسلام","level":3,"page":889},{"title":"ثبوت أصل الإيمان بالإسلام","level":3,"page":890},{"title":"مخالفة المرجئة لأهل السنة في زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":891},{"title":"تفريق العلماء بين الإيمان والإسلام","level":3,"page":892},{"title":"تفريق النبي ﷺ بين الإيمان والإسلام","level":3,"page":893},{"title":"الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا","level":3,"page":894},{"title":"ما روي أن الصلاة ركن في الإيمان","level":1,"page":895},{"title":"سياق ما جاء عن النبي في أن الصلاة من الإيمان","level":2,"page":896},{"title":"اختلاف العلماء في كفر تارك الصلاة","level":3,"page":897},{"title":"من ذهب إلى كفر تارك الصلاة","level":3,"page":898},{"title":"سبب نزول قول الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)","level":3,"page":899},{"title":"التحذير من ترك الصلاة","level":3,"page":900},{"title":"حكم تارك الزكاة","level":3,"page":901},{"title":"استتابة تارك الصلاة","level":3,"page":902},{"title":"كيفية التعامل مع تارك الصلاة مع تعذر إقامة حكم الردة عليه","level":3,"page":903},{"title":"تلون بعض أهل الإسلام اليوم في عقائدهم ومقارنته بثبات أهل الجاهلية على ضلالهم","level":2,"page":904},{"title":"فضل الصلاة","level":3,"page":905},{"title":"حكم عمر بن الخطاب فيمن ترك الصلاة","level":3,"page":906},{"title":"الصلاة قوام الدين","level":3,"page":907},{"title":"دلالة ومفهوم إكثار الله ﷿ من ذكر الصلاة في القرآن","level":3,"page":908},{"title":"اختلف الصحابة في حكم تارك الصلاة مع أنه لم يتركها أحد منهم","level":3,"page":909},{"title":"حال الناس اليوم مع الصلاة","level":3,"page":910},{"title":"تفريق الصحابة بين المؤمن والكافر كان بالصلاة","level":3,"page":911},{"title":"قول أهل العلم في حكم تارك الصلاة جحودا أو جهلا أو تكاسلا","level":3,"page":912},{"title":"الإيمان قول وعمل","level":1,"page":913},{"title":"سياق ما روي عن النبي في أن الإيمان تلفظ باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح","level":2,"page":914},{"title":"الأدلة على أن الإيمان قول باللسان","level":3,"page":915},{"title":"الأدلة على أن الإيمان اعتقاد بالقلب","level":3,"page":916},{"title":"الأدلة على أن الإيمان عمل بالجوراح","level":3,"page":917},{"title":"حكم تارك الزكاة في الإسلام كحكم تارك الصلاة","level":3,"page":918},{"title":"منهج الإيمان في الأخذ بالأسباب","level":3,"page":919},{"title":"فضل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله","level":3,"page":920},{"title":"كلام بعض السلف في معنى الإيمان ومقتضياته","level":3,"page":921},{"title":"مناقشة كلام أبي ثور في الإيمان وضوابطه","level":3,"page":922},{"title":"شعب الإيمان [١]","level":1,"page":923},{"title":"الشهادتان والحياء وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان","level":2,"page":924},{"title":"أركان الإسلام كالصلاة والزكاة وغيرهما من شعب الإيمان","level":2,"page":925},{"title":"أركان الإيمان الستة من شعب الإيمان","level":2,"page":926},{"title":"الجهاد لإعلاء كلمة الله من شعب الإيمان","level":2,"page":927},{"title":"تفضيل حب رسول الله على حب الولد والوالد والناس أجمعين","level":2,"page":928},{"title":"الحب في الله وكراهية الكفر من شعب الإيمان","level":2,"page":929},{"title":"حب الأنصار من شعب الإيمان","level":2,"page":930},{"title":"حب الخير للآخرين من شعب الإيمان","level":2,"page":931},{"title":"عدم إيذاء الجار واجتناب الغيبة والنميمة من شعب الإيمان","level":2,"page":932},{"title":"إلقاء السلام وإفشاؤه من شعب الإيمان","level":2,"page":933},{"title":"صيام رمضان وقيامه واتباع جنازة المسلم من شعب الإيمان","level":2,"page":934},{"title":"الجهاد من شعب الإيمان","level":2,"page":935},{"title":"دفع الوسوسة ومجاهدة النفس من شعب الإيمان","level":2,"page":936},{"title":"السرور عند الحسنة والحزن عند السيئة من شعب الإيمان","level":2,"page":937},{"title":"حسن الخلق من شعب الإيمان","level":2,"page":938},{"title":"حفظ الأمانة من شعب الإيمان","level":2,"page":939},{"title":"أعجب الخلق إيمانا","level":2,"page":940},{"title":"انتفاء الإيمان عمن يؤذي جيرانه","level":2,"page":941},{"title":"الألفة والمحبة بين المسلمين من شعب الإيمان","level":2,"page":942},{"title":"حب الإمام علي بن أبي طالب من شعب الإيمان","level":2,"page":943},{"title":"مراقبة الله في السر والعلن من شعب الإيمان","level":2,"page":944},{"title":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستئذان الأهل من شعب الإيمان","level":2,"page":945},{"title":"شعب الإيمان [٢]","level":1,"page":946},{"title":"الحب في الله والبغض في الله من شعب الإيمان","level":2,"page":947},{"title":"حسن الخلق من شعب الإيمان","level":2,"page":948},{"title":"تغيير المنكر من شعب الإيمان","level":2,"page":949},{"title":"الحب في الله من شعب الإيمان","level":2,"page":950},{"title":"الزهد عن الدنيا من شعب الإيمان","level":2,"page":951},{"title":"ذروة الإيمان وكماله","level":2,"page":952},{"title":"الجهاد في سبيل الله من شعب الإيمان","level":2,"page":953},{"title":"زيادة الإيمان ونقصانه عند الصحابة","level":2,"page":954},{"title":"التعرف على الله تعالى والإيمان به قبل تعلم القرآن","level":2,"page":955},{"title":"حكم من قال بأن الإيمان هو التصديق فقط","level":2,"page":956},{"title":"معنى زيادة الإيمان ونقصانه عند السلف","level":2,"page":957},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":958},{"title":"صفة توبة من سب الدين","level":3,"page":959},{"title":"حكم منح المدير إجازات للموظفين من غير أيام الإجازة الرسمية","level":3,"page":960},{"title":"الاستثناء في الإيمان","level":1,"page":961},{"title":"سياق ما ذكر في وجوب الاستثناء في الإيمان","level":2,"page":962},{"title":"المذاهب في حكم من قال: (أنا مؤمن إن شاء الله)","level":3,"page":963},{"title":"الأدلة على وجوب الاستثناء في الإيمان","level":3,"page":964},{"title":"القائلون من الصحابة والسلف بالاستثناء في الإيمان","level":3,"page":965},{"title":"الاستثناء في الدعاء عند المقابر","level":3,"page":966},{"title":"عدم حصول الولد لسليمان ﵇ لعدم استثنائه","level":3,"page":967},{"title":"استثناء النبي في إخباره أنه أتقى الخلق وأعرفهم بالله","level":3,"page":968},{"title":"استثناء النبي في ادخاره دعوته لأمته يوم القيامة","level":3,"page":969},{"title":"في ذكر صفات المؤمن والمسلم","level":3,"page":970},{"title":"الحكم لمعين بالشهادة","level":3,"page":971},{"title":"حكم الشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة","level":3,"page":972},{"title":"حكم من لا يستثني في الإيمان عند السلف","level":3,"page":973},{"title":"الإيمان والإسلام بين أهل السنة والمرجئة والجهمية","level":2,"page":974},{"title":"مذهب المرجئة في الإيمان [١]","level":1,"page":975},{"title":"الإرجاء بين أهل السنة والمرجئة","level":2,"page":976},{"title":"مذهب أهل السنة والجماعة أن العمل من الإيمان","level":3,"page":977},{"title":"تعريف الإيمان عند أهل السنة وعند المرجئة","level":3,"page":978},{"title":"أول ظهور الإرجاء وسببه والمقصود به","level":2,"page":979},{"title":"اختلاف الفرق في حكم مرتكب الكبيرة","level":2,"page":980},{"title":"الاختلاف في تعريف الإرجاء","level":2,"page":981},{"title":"فرق المرجئة وأصنافهم","level":2,"page":982},{"title":"من فرق المرجئة اليونسية","level":3,"page":983},{"title":"من فرق المرجئة العبيدية","level":3,"page":984},{"title":"تشبيه العبيدية للخالق بالمخلوق والرد على أدلتهم","level":3,"page":985},{"title":"قاعدة في اللفظ المجرد واللفظ المطلق وتطبيقها في مسألة الصفات","level":2,"page":986},{"title":"القدر المشترك والقدر الفارق بين الموصوفات","level":2,"page":987},{"title":"الرد على من قدر عود الضمير على آدم في حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)","level":2,"page":988},{"title":"تابع: فرق المرجئة وأصنافهم","level":2,"page":989},{"title":"من فرق المرجئة الغسانية","level":3,"page":990},{"title":"من فرق المرجئة الثوبانية","level":3,"page":991},{"title":"دليل المعتزلة على قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين والرد عليهم في ذلك","level":3,"page":992},{"title":"مشابهة عقائد الثوبانية لعقائد المعتزلة","level":2,"page":993},{"title":"من فرق المرجئة التومنية","level":3,"page":994},{"title":"بعض ما يرد به على المرجئة","level":2,"page":995},{"title":"ترفع السلف عن كلام المرجئة","level":2,"page":996},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":997},{"title":"حسن العشرة مع الزوجة","level":3,"page":998},{"title":"حث الشريعة على الإكثار من الأولاد","level":3,"page":999},{"title":"حكم الزكاة على مبلغ (١٤٠٠) جنيه","level":3,"page":1000},{"title":"الكتب التي تتحدث عن كيفية تحديد القبلة، وكيفية تحديد القبلة لمن يعيش في بلاد المشرق","level":3,"page":1001},{"title":"الأحكام تجرى على الظاهر","level":3,"page":1002},{"title":"العقيدة في كتب الأزهر","level":3,"page":1003},{"title":"الحجة في تعدد الزوجات ولمن يكون، وضوابط التعدد، وحكم الطلاق","level":3,"page":1004},{"title":"مذهب المرجئة في الإيمان [٢]","level":1,"page":1005},{"title":"باب ما روي في تضليل المرجئة وهجرانهم","level":2,"page":1006},{"title":"ملحوظتان حول حديث (كلها في النار إلا واحدة)","level":3,"page":1007},{"title":"شرح حديث (صنفان من أمتي كلاهما في النار)","level":3,"page":1008},{"title":"ذم الصحابة للمرجئة","level":3,"page":1009},{"title":"تدرج البدع من الإرجاء إلى المجوسية","level":3,"page":1010},{"title":"حكم سؤال الشخص أهو مؤمن","level":3,"page":1011},{"title":"تحذير إبراهيم النخعي من المرجئة","level":3,"page":1012},{"title":"هجر العلماء للمرجئة","level":3,"page":1013},{"title":"قاعدة في الحكم على الأشخاص","level":3,"page":1014},{"title":"شروط الخروج على الحاكم","level":3,"page":1015},{"title":"تحذير العلماء من التنقل بين الفرق","level":3,"page":1016},{"title":"تشبيه العلماء للمرجئة باليهود","level":3,"page":1017},{"title":"التحذير من الإرجاء وتضليل السلف لهم","level":3,"page":1018},{"title":"ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وأقوال العلماء فيه","level":3,"page":1019},{"title":"اشتراط العمل في صحة الإيمان","level":3,"page":1020},{"title":"حكم تارك الصلاة","level":3,"page":1021},{"title":"حكم تارك الزكاة","level":3,"page":1022},{"title":"حكم السجود للأصنام","level":3,"page":1023},{"title":"حكم العمل وتركه في الإيمان","level":3,"page":1024},{"title":"ضرورة التفريق بين رؤساء الفرق والأتباع","level":3,"page":1025},{"title":"ترك العلماء شهود جنائز أهل البدع","level":3,"page":1026},{"title":"حكم رواية المبتدع","level":3,"page":1027},{"title":"نهي الإمام مالك عن تزويج المرجئة","level":3,"page":1028},{"title":"بعض معتقدي الإرجاء كانوا من أكثر الناس عملا","level":3,"page":1029},{"title":"اختلاف حكم الداعية للبدعة عن المتبع لها فقط","level":3,"page":1030},{"title":"مخالفة المرجئة للإيمان","level":3,"page":1031},{"title":"باب ما نقل من مقابح مذهب المرجئة","level":2,"page":1032},{"title":"ما روي عن أبي حنيفة من القول بالإرجاء","level":3,"page":1033},{"title":"تحذير السلف من منهج المرجئة","level":3,"page":1034},{"title":"ثناء العلماء على أبي حنيفة","level":3,"page":1035},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":1036},{"title":"تحالف الشيعة مع المجوس واليهود والنصارى","level":3,"page":1037},{"title":"حكم إقامة غير المؤذن، وحكم الخروج من المسجد بعد الأذان","level":3,"page":1038},{"title":"حكم الاتكاء على راحة اليد الشمال","level":3,"page":1039},{"title":"حكم الأكل من الطعام المصنوع بمناسبة مولد الحسين","level":3,"page":1040},{"title":"صفة ثوب الصلاة للمرأة","level":3,"page":1041},{"title":"حكم العقيقة، وميقاتها","level":3,"page":1042},{"title":"قول الشيعة الإمامية بنقص القرآن الكريم","level":3,"page":1043},{"title":"حكم حلق اللحية للسفر إلى العمرة","level":3,"page":1044},{"title":"حكم لعن إبليس والاستعاذة منه","level":3,"page":1045},{"title":"العذر بالإكراه","level":3,"page":1046},{"title":"حد عورة المرأة المسلمة بين المحارم","level":3,"page":1047},{"title":"حكم الصلاة خلف مرتكب البدعة غير المكفرة","level":3,"page":1048},{"title":"إفتاء الشيخ الألباني بإخراج زكاة الفطر حبوبا وما شابهها","level":3,"page":1049},{"title":"حكم الدراسة عند أهل البدع","level":3,"page":1050},{"title":"حكم العلاج بالعسل","level":3,"page":1051},{"title":"حكم تشميت العاطس","level":3,"page":1052},{"title":"حكم الاستعانة بالجن على إخراج الكنوز من باطن الأرض","level":3,"page":1053},{"title":"الواجب على من أراد أن يكون طالب علم","level":3,"page":1054},{"title":"النية شرط في العبادات","level":3,"page":1055},{"title":"ما يحذر العاقد فعله أيام العقد","level":3,"page":1056},{"title":"ما جاء في أن الإيمان اسم مدح","level":1,"page":1057},{"title":"ما ورد في كتاب الله تعالى في أن اسم الإيمان اسم مدح وأن المؤمنين في الجنة","level":2,"page":1058},{"title":"المقصود من اسم الإيمان الوارد في الكتاب والسنة","level":3,"page":1059},{"title":"تفريق الله تعالى في كتابه بين المؤمن والفاسق أو المنافق","level":3,"page":1060},{"title":"الأدلة على أن الأعمال الصالحة داخلة في مسمى الإيمان","level":3,"page":1061},{"title":"الأعمال التي تنقص من الإيمان أو تسلبه بالكلية","level":3,"page":1062},{"title":"كلام ابن عباس في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي","level":3,"page":1063},{"title":"كلام أبي هريرة في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي","level":3,"page":1064},{"title":"كلام أبي الدرداء في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي","level":3,"page":1065},{"title":"كلام أبي بكر في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي","level":3,"page":1066},{"title":"خروج العاصي من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام","level":3,"page":1067},{"title":"سياق ما روي عن النبي في أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وعلامة المنافق","level":2,"page":1068},{"title":"حكم القاتل عمدا وهل له توبة","level":1,"page":1069},{"title":"مسائل في الإيمان","level":2,"page":1070},{"title":"حديث شعب الإيمان وبيان تعدد هذه الشعب","level":3,"page":1071},{"title":"توحيد الله ﷿ من شعب الإيمان","level":3,"page":1072},{"title":"الحياء وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان","level":3,"page":1073},{"title":"كما أن الإيمان يزيد بالطاعة فإنه ينقص بالمعصية","level":3,"page":1074},{"title":"حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة وغيرهم","level":3,"page":1075},{"title":"اختلاف الصحابة في حكم قاتل المؤمن عمدا راجع إلى قول بعضهم بنسخ آيات النساء المتعلقة بجزاء قاتل المؤمن عمدا","level":2,"page":1076},{"title":"سياق ما روي في أن القاتل عمدا له توبة","level":2,"page":1077},{"title":"كلام ابن عمر في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار","level":3,"page":1078},{"title":"كلام عمر في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار","level":3,"page":1079},{"title":"كلام ابن عباس في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار","level":3,"page":1080},{"title":"سبب إهمال اللالكائي لما روي عن ابن عباس أول الأمر من عدم قبول توبة القاتل عمدا","level":3,"page":1081},{"title":"ما جاء عن بعض الصحابة والتابعين في قبول توبة القاتل عمدا","level":3,"page":1082},{"title":"شرح حديث قاتل المائة نفس","level":3,"page":1083},{"title":"كفارة القتل العمد إذا عفى أولياء المقتول عن القصاص","level":3,"page":1084},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":1085},{"title":"حكم من لم يقدر على إرجاع ما أخذه من الغير","level":3,"page":1086},{"title":"ما يباح للخاطب","level":3,"page":1087},{"title":"الإيمان بكرامات الأولياء والتحدث بها إلى الآخرين","level":3,"page":1088},{"title":"مدى صحة حديث (من أدخل سرورا على مسلم)","level":3,"page":1089},{"title":"حكم تأخر من يصلح للإمامة إذا لم يوجد غيره","level":3,"page":1090},{"title":"حكم مرتكب الكبيرة","level":1,"page":1091},{"title":"سياق ما روي فيمن تاب من الكبائر","level":2,"page":1092},{"title":"موقف الصحابة والتابعين من أهل الكبائر من المسلمين","level":3,"page":1093},{"title":"الصلاة على من مات من أهل الكبائر من المسلمين","level":3,"page":1094},{"title":"فضل التوحيد وخطورة الشرك","level":3,"page":1095},{"title":"بيان أن من ستر في الدنيا من أصحاب الكبائر فهو في مشيئة الله تعالى يوم القيامة","level":3,"page":1096},{"title":"إشكال حول حديث جعل ذنوب ناس من هذه الأمة على اليهود والنصارى والجواب عليه","level":3,"page":1097},{"title":"فضل استمرار العبد في التوبة والاستغفار من الذنوب","level":3,"page":1098},{"title":"معنى الاستقامة في قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)","level":3,"page":1099},{"title":"آيات الرجاء في سورة النساء","level":3,"page":1100},{"title":"عدم تكفير الصحابة لأصحاب الكبائر","level":3,"page":1101},{"title":"الصلاة على أصحاب المعاصي","level":3,"page":1102},{"title":"رحمة النبي ﷺ بأصحاب الكبائر","level":3,"page":1103},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":1104},{"title":"كفارة الكبيرة","level":3,"page":1105},{"title":"الدعاء للشخص باسمه في السجود","level":3,"page":1106},{"title":"حكم مرتكب الكبيرة","level":3,"page":1107},{"title":"حكم اختلاف العلماء، وحكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء","level":3,"page":1108},{"title":"حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور","level":3,"page":1109},{"title":"حكم تعليق الصور","level":3,"page":1110},{"title":"حكم إقامة جماعتين في مسجد واحد في وقت واحد","level":3,"page":1111},{"title":"حال طارق السويدان وأشرطته","level":3,"page":1112},{"title":"صيغة إرجاع الزوجة المطلقة طلاقا رجعيا","level":3,"page":1113},{"title":"الشفاعة لأهل الكبائر يوم القيامة","level":1,"page":1114},{"title":"باب الشفاعة لأهل الكبائر","level":2,"page":1115},{"title":"رواية أبي هريرة في الشفاعة","level":3,"page":1116},{"title":"رواية جابر بن عبد الله ﵁ في الشفاعة","level":3,"page":1117},{"title":"الخلود نوعان في كتاب الله أبدي ومؤقت","level":3,"page":1118},{"title":"رواية أبي سعيد الخدري ﵁ في الشفاعة","level":3,"page":1119},{"title":"رواية أنس بن مالك ﵁ في الشفاعة","level":3,"page":1120},{"title":"رواية ابن مسعود ﵁ في الشفاعة","level":3,"page":1121},{"title":"رواية أبي ذر الغفاري في الشفاعة","level":3,"page":1122},{"title":"رواية عبد الله بن عمر ﵁ في الشفاعة","level":3,"page":1123},{"title":"رواية أبي موسى الأشعري في الشفاعة","level":3,"page":1124},{"title":"رواية عوف بن مالك في الشفاعة","level":3,"page":1125},{"title":"رواية حذيفة بن اليمان في الشفاعة","level":3,"page":1126},{"title":"حكم المكذب بالشفاعة","level":3,"page":1127},{"title":"وجوب الإيمان بأحاديث الشفاعة وإمرارها كما جاءت","level":3,"page":1128},{"title":"سياق ما روي في أن المقام المحمود هو الشفاعة","level":2,"page":1129},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":1130},{"title":"حكم صيام التسعة الأيام الأول من ذي الحجة","level":3,"page":1131},{"title":"كيفية صلاة الفجر لمن نام عنها","level":3,"page":1132},{"title":"منزلة الخوارج والمعتزلة في الدين واعتقادهم في عصاة الموحدين","level":3,"page":1133},{"title":"معنى قوله ﵊: (البيعان بالخيار)","level":3,"page":1134},{"title":"وجوب ستر المذنب على نفسه مع التوبة إلى الله","level":3,"page":1135},{"title":"حكم صلاة السنة القبلية للظهر أربعا مجتمعة","level":3,"page":1136},{"title":"حكم الإفرازات الخارجة من قبل المرأة","level":3,"page":1137},{"title":"حكم صلاة التسبيح","level":3,"page":1138},{"title":"حكم ذبح المعز مكان الخروف في الأضحية","level":3,"page":1139},{"title":"معنى (شرع من قبلنا هو شرع لنا)","level":3,"page":1140},{"title":"الإيمان بعذاب القبر ونعيمه","level":1,"page":1141},{"title":"سياق ما روي في أن المسلمين إذا دلوا في القبر سألهم منكر ونكير وأن عذاب القبر حق","level":2,"page":1142},{"title":"حديث البراء في معنى قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا)","level":3,"page":1143},{"title":"حديث عثمان: (ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل)","level":3,"page":1144},{"title":"حديث ابن عمر: (إن أحدكم يعرض على مقعده بالغداة والعشي)","level":3,"page":1145},{"title":"حديث ابن عمر: (ما من عبد يموت إلا وعرضت عليه روحه)","level":3,"page":1146},{"title":"حديث ابن عباس: (ما من ميت يموت حتى يعرض عليه أهل مجلسه)","level":3,"page":1147},{"title":"حديث أبي أيوب: (هذه يهود يعذبون في قبورهم)","level":3,"page":1148},{"title":"شرح حديث زيد: (إن هذه الآمة لتبتلى في قبورها)","level":3,"page":1149},{"title":"حديث أنس: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)","level":3,"page":1150},{"title":"حديث أنس في سماع الميت خفق النعال وسؤال منكر ونكير له","level":3,"page":1151},{"title":"حديث: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)","level":3,"page":1152},{"title":"حديث عائشة في تصديق النبي ﷺ للعجوز اليهودية في إثبات عذاب القبر","level":3,"page":1153},{"title":"حديث عائشة في تعوذه ﷺ من عذاب القبر","level":3,"page":1154},{"title":"حديث: (إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة)","level":3,"page":1155},{"title":"إثبات الصحابة والتابعين لعذاب القبر وإيمانهم بذلك","level":3,"page":1156},{"title":"سياق ما روي بما أرى الله أو أسمع من عذاب القبر في الصحابة والتابعين ومن بعدهم","level":2,"page":1157},{"title":"أرواح المؤمنين أين تكون بعد الموت","level":1,"page":1158},{"title":"سياق ما روي في أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر","level":2,"page":1159},{"title":"أقوال العلماء في مسائل الروح","level":2,"page":1160},{"title":"أقوال العلماء في مستقر الأرواح إذا فارقت الأجساد","level":3,"page":1161},{"title":"مسألة في تلاقي أرواح الموتى وتزاورها وتذاكرها","level":3,"page":1162},{"title":"مسألة في تلاقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات","level":3,"page":1163},{"title":"مسألة في كون الروح التي تموت أم البدن","level":3,"page":1164},{"title":"مسائل في حقيقة الروح","level":3,"page":1165},{"title":"سياق ما روي في استحباب الصدقة وقراءة القرآن والاستغفار والترحم والدعاء للميت","level":2,"page":1166},{"title":"كلام الألباني في تلقين الميت وتجهيزه وقضاء دينه","level":3,"page":1167},{"title":"كلام الألباني فيما ينتفع به الميت","level":3,"page":1168},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":1169},{"title":"المدين يعذب حتى يؤدى عنه الدين","level":3,"page":1170},{"title":"الفائدة من دراسة الروح ونزولها في البدن من عدمه","level":3,"page":1171},{"title":"سماع الموتى للأحياء","level":1,"page":1172},{"title":"سياق ما روي عن النبي ﷺ بأن الموتى في قبورهم لا يعلمون ما عليه الأحياء","level":2,"page":1173},{"title":"أدلة القائلين بعدم سماع الموتى","level":3,"page":1174},{"title":"أدلة القائلين بأن الموتى يسمعون","level":3,"page":1175},{"title":"مسألة في سماع الموتى للسلام","level":3,"page":1176},{"title":"مسألة في سماع الميت للأحياء عند الدفن","level":3,"page":1177},{"title":"الرد على من قال بسماع الموتى للأحياء","level":3,"page":1178},{"title":"أوجه خطورة القول بأن الموتى يسمعون","level":2,"page":1179},{"title":"الوجه الأول: أن القول بأن الموتى يسمعون يؤدي إلى الشرك","level":3,"page":1180},{"title":"الوجه الثاني: أن ذلك يتنافى مع الإخلاص لله تعالى في العبادة","level":3,"page":1181},{"title":"الوجه الثالث: أن ذلك يقتضي الاعتقاد بأن الموتى قادرون على إجابة مسائلهم وقضاء حوائجهم","level":3,"page":1182},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":1183},{"title":"حكم من لم يصل الظهر ودخل المسجد والإمام يصلي بالناس العصر","level":3,"page":1184},{"title":"حكم دفن أكثر من ميت في قبر واحد","level":3,"page":1185},{"title":"حكم من ترك صلوات وأراد قضاءها وتعويضها","level":3,"page":1186},{"title":"حكم العمل في كوافير النساء وكوافير الرجال، وحكم الاختلاط في الوظائف","level":3,"page":1187},{"title":"حكم قول العامي لأحد من المشايخ يا مولانا!","level":3,"page":1188},{"title":"حكم اللحوم المستوردة","level":3,"page":1189},{"title":"وجوب غض البصر عن المرأة في مكان العمل","level":3,"page":1190},{"title":"اهتمام الإسلام بحسن الجوار","level":3,"page":1191},{"title":"وجوب الإيمان بالجنة والنار والبعث","level":1,"page":1192},{"title":"باب جماع وجوب الإيمان بالجنة والنار والبعث بعد الموت والميزان والحساب والصراط","level":2,"page":1193},{"title":"سياق ما روي عن النبي ﷺ في الصور والحشر والنشر","level":2,"page":1194},{"title":"تحريم الله لأجساد الأنبياء على الأرض","level":3,"page":1195},{"title":"النفخ في الصور من أهوال يوم القيامة","level":3,"page":1196},{"title":"حديث عبد الله بن عمرو في أمارات الساعة","level":2,"page":1197},{"title":"تفسير آيات سورة النازعات التي تتحدث عن يوم القيامة","level":2,"page":1198},{"title":"تقسيم القيامة إلى قيامتين وبيان عودة الأرواح إلى أجسادها","level":2,"page":1199},{"title":"إعادة الأرواح إلى الأجساد في القيامة الكبرى","level":3,"page":1200},{"title":"قيام الناس لرب العالمين في القيامة الكبرى","level":3,"page":1201},{"title":"كلام ابن أبي العز في الإيمان بالمعاد","level":2,"page":1202},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":1203},{"title":"نصائح للمبتلى بالعادة السرية","level":3,"page":1204},{"title":"الأموات لا يحسون بنفخة الفزع","level":3,"page":1205},{"title":"استغفار الملائكة يكون للمؤمنين دون الكافرين","level":3,"page":1206},{"title":"حكم كون الأذان من شخص وإقامة الصلاة من شخص آخر","level":3,"page":1207},{"title":"حكم من لم يدرك صلاة الجماعة بسبب النوم","level":3,"page":1208},{"title":"ما روي أن الجنة والنار مخلوقتان الآن","level":1,"page":1209},{"title":"ما روي في أن الإيمان بالصراط واجب","level":2,"page":1210},{"title":"شرح حديث: (يضرب الصراط بين ظهري جهنم)","level":3,"page":1211},{"title":"شرح حديث أبي سعيد في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وإثبات ضرب الصراط على متن جهنم","level":3,"page":1212},{"title":"شرح حديث أبي هريرة في إيقاف الموت على الصراط","level":3,"page":1213},{"title":"ما روي عن النبي ﷺ في صفة القيامة","level":2,"page":1214},{"title":"ما روي عن النبي في أن الجنة والنار مخلوقتان الآن","level":2,"page":1215},{"title":"شرح الأحاديث في إثبات وجود الجنة والنار الآن","level":3,"page":1216},{"title":"شرح الأحاديث في وصف الجنة والنار واختصامهما إلى ربهما","level":3,"page":1217},{"title":"شرح حديث كسوف الشمس على عهد رسول الله ﷺ وبيان دلالته على أن الجنة والنار مخلوقتان","level":3,"page":1218},{"title":"ما روي في أن الرحمة مخلوقة وكذلك الموت والحياة","level":2,"page":1219},{"title":"السحر، الكرامة، المعجزة، الحسد","level":1,"page":1220},{"title":"تعريف السحر لغة","level":2,"page":1221},{"title":"تعريف السحر اصطلاحا","level":2,"page":1222},{"title":"الفروق بين السحر والمعجزة والكرامة","level":2,"page":1223},{"title":"السحر مكتسب والمعجزة والكرامة هبة ومنحة من الله لأوليائه","level":3,"page":1224},{"title":"المعجزة والكرامة من خصائص الأنبياء الصالحين","level":3,"page":1225},{"title":"المعجزات حقيقية وليست تخيلية","level":3,"page":1226},{"title":"السحر ليس فيه شيء خارق للعادة","level":3,"page":1227},{"title":"المعجزة لا يمكن إبطالها ولا يجوز","level":3,"page":1228},{"title":"السحر يحصل من الساحر وغيره بخلاف المعجزة","level":3,"page":1229},{"title":"المعجزة فيها تحد بخلاف الكرامة","level":3,"page":1230},{"title":"الفروق بين السحر والحسد","level":2,"page":1231},{"title":"حكم الشرع في السحر والسحرة","level":2,"page":1232},{"title":"موقف الشرع من علم أسرار الحروف","level":2,"page":1233},{"title":"السحر بين الحقيقة والخيال","level":1,"page":1234},{"title":"سياق ما روي في أن السحر له حقيقة","level":2,"page":1235},{"title":"شرح حديث عائشة في سحر النبي ﷺ","level":3,"page":1236},{"title":"علاج السحر وشروط الانتفاع به","level":3,"page":1237},{"title":"الرد على من أنكر أن النبي سحر","level":3,"page":1238},{"title":"عصمة النبي في باب البلاغ","level":3,"page":1239},{"title":"شرح حديث: (اجتنبوا السبع الموبقات)","level":3,"page":1240},{"title":"النهي عن تعلم السحر وممارسته","level":3,"page":1241},{"title":"ما ينبغي أن يتمتع به المعالج بالقرآن من خصال","level":3,"page":1242},{"title":"قصة عائشة ﵂ والمرأة الساحرة","level":3,"page":1243},{"title":"ما روي عن النبي ﵊ في أن إبليس خلق من خلق الله","level":2,"page":1244},{"title":"معجزات الرسول ﷺ","level":1,"page":1245},{"title":"الفرق بين المعجزة والكرامة","level":2,"page":1246},{"title":"حديث قصة أبي سفيان مع هرقل وما فيها من المعجزات","level":2,"page":1247},{"title":"أسئلة هرقل لأبي سفيان","level":3,"page":1248},{"title":"رد هرقل على إجابات أبي سفيان واستنتاجاته منها","level":3,"page":1249},{"title":"تصديق هرقل لنبوة محمد ﵊","level":3,"page":1250},{"title":"قراءة هرقل لكتاب النبي وما يستفاد منه","level":3,"page":1251},{"title":"معجزة انشقاق القمر","level":2,"page":1252},{"title":"معجزة حنين الجذع","level":2,"page":1253},{"title":"معجزة جريان الماء من بين أصابع النبي ﵊","level":2,"page":1254},{"title":"تسبيح الحصى في يد النبي ﵊","level":2,"page":1255},{"title":"شمائل الرسول ﷺ","level":1,"page":1256},{"title":"ذكر رؤيا النبي ﷺ ووصفه لبعض الأنبياء ليلة أسري به","level":2,"page":1257},{"title":"حديث عائشة في قصة هجرة النبي ﷺ وأبيها إلى المدينة","level":2,"page":1258},{"title":"حديث حزام بن هشام عن أبيه عن جده في هجرة النبي ﷺ إلى المدينة","level":2,"page":1259},{"title":"اختلاف العلماء في حكم الاستعانة بالمشرك","level":3,"page":1260},{"title":"معجزة النبي ﷺ في حلبه شاة أم معبد","level":3,"page":1261},{"title":"وصف أم معبد للنبي ﷺ","level":3,"page":1262},{"title":"سياق ما روي من فضائل النبي ﵊ التي خصه الله بها من بين سائر الأنبياء","level":2,"page":1263},{"title":"أوتي النبي ﷺ جوامع الكلم","level":3,"page":1264},{"title":"بعثه إلى الناس عامة","level":3,"page":1265},{"title":"نصره بالرعب مسيرة شهر","level":3,"page":1266},{"title":"كونه خاتم الأنبياء","level":3,"page":1267},{"title":"إعطاؤه الشفاعة في أمته ومفاتيح خزائن الأرض","level":3,"page":1268},{"title":"تسميته بأحمد، وأحلت له الغنائم ولم تحل لنبي قبله","level":3,"page":1269},{"title":"جعلت الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا","level":3,"page":1270},{"title":"جعلت صفوف أمته في الصلاة كصفوف الملائكة عند ربها","level":3,"page":1271},{"title":"أحاديث واردة في خصائص النبي ﷺ وأمته","level":2,"page":1272},{"title":"الأسئلة","level":2,"page":1273},{"title":"الحكم على حديث (عبدي لا تخف) وحديث صلاة الحاجة","level":3,"page":1274},{"title":"حكم النداء في المساجد عن الأولاد الضائعين","level":3,"page":1275},{"title":"حكم الإعلان عن المتوفى في المساجد بالمكبر","level":3,"page":1276},{"title":"الحكم فيما إذا نزف الدم من الرجل وهو يصلي","level":3,"page":1277},{"title":"معنى البيع والكنائس","level":3,"page":1278},{"title":"بيان متى يكون الدعاء في الوتر وغيره","level":3,"page":1279},{"title":"ما يفعله من عصى الله ثم أراد التوبة وطلب العلم","level":3,"page":1280},{"title":"بيان ما يفعله من وقع في عرض أخيه","level":3,"page":1281},{"title":"حكم تحريك الأصبع عند التشهد في الصلاة","level":3,"page":1282},{"title":"حكم الاستمناء","level":3,"page":1283},{"title":"حكم الذهاب إلى أمريكا للعمل","level":3,"page":1284}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"2,1":12,"2,2":13,"2,3":14,"2,4":15,"2,5":16,"2,6":17,"2,7":18,"2,8":19,"2,9":20,"2,10":21,"2,11":22,"2,12":23,"2,13":24,"2,14":25,"2,15":26,"2,16":27,"2,17":28,"2,18":29,"3,1":30,"3,2":31,"3,3":32,"3,4":33,"3,5":34,"3,6":35,"3,7":36,"3,8":37,"3,9":38,"3,10":39,"3,11":40,"3,12":41,"3,13":42,"3,14":43,"3,15":44,"3,16":45,"3,17":46,"3,18":47,"3,19":48,"3,20":49,"3,21":50,"3,22":51,"3,23":52,"3,24":53,"3,25":54,"3,26":55,"3,27":56,"3,28":57,"3,29":58,"3,30":59,"3,31":60,"3,32":61,"3,33":62,"3,34":63,"3,35":64,"4,1":65,"4,2":66,"4,3":67,"4,4":68,"4,5":69,"4,6":70,"4,7":71,"4,8":72,"4,9":73,"4,10":74,"4,11":75,"4,12":76,"4,13":77,"4,14":78,"4,15":79,"4,16":80,"4,17":81,"4,18":82,"4,19":83,"4,20":84,"4,21":85,"4,22":86,"4,23":87,"4,24":88,"4,25":89,"4,26":90,"5,1":91,"5,2":92,"5,3":93,"5,4":94,"5,5":95,"5,6":96,"5,7":97,"5,8":98,"5,9":99,"5,10":100,"5,11":101,"5,12":102,"5,13":103,"5,14":104,"5,15":105,"5,16":106,"5,17":107,"5,18":108,"5,19":109,"5,20":110,"5,21":111,"6,1":112,"6,2":113,"6,3":114,"6,4":115,"6,5":116,"6,6":117,"6,7":118,"6,8":119,"6,9":120,"6,10":121,"6,11":122,"6,12":123,"6,13":124,"6,14":125,"6,15":126,"6,16":127,"6,17":128,"6,18":129,"6,19":130,"6,20":131,"6,21":132,"7,1":133,"7,2":134,"7,3":135,"7,4":136,"7,5":137,"7,6":138,"7,7":139,"7,8":140,"7,9":141,"7,10":142,"7,11":143,"7,12":144,"7,13":145,"7,14":146,"7,15":147,"7,16":148,"7,17":149,"7,18":150,"7,19":151,"8,1":152,"8,2":153,"8,3":154,"8,4":155,"8,5":156,"8,6":157,"8,7":158,"8,8":159,"8,9":160,"9,1":161,"9,2":162,"9,3":163,"9,4":164,"9,5":165,"9,6":166,"9,7":167,"9,8":168,"9,9":169,"9,10":170,"9,11":171,"9,12":172,"10,1":173,"10,2":174,"10,3":175,"10,4":176,"10,5":177,"10,6":178,"10,7":179,"10,8":180,"10,9":181,"10,10":182,"10,11":183,"10,12":184,"11,1":185,"11,2":186,"11,3":187,"11,4":188,"11,5":189,"11,6":190,"11,7":191,"11,8":192,"11,9":193,"11,10":194,"11,11":195,"11,12":196,"11,13":197,"11,14":198,"11,15":199,"11,16":200,"11,17":201,"11,18":202,"11,19":203,"11,20":204,"11,21":205,"11,22":206,"11,23":207,"11,24":208,"11,25":209,"11,26":210,"12,1":211,"12,2":212,"12,3":213,"12,4":214,"12,5":215,"12,6":216,"12,7":217,"12,8":218,"12,9":219,"12,10":220,"13,1":221,"13,2":222,"13,3":223,"13,4":224,"13,5":225,"13,6":226,"13,7":227,"13,8":228,"13,9":229,"13,10":230,"13,11":231,"13,12":232,"13,13":233,"13,14":234,"13,15":235,"14,1":236,"14,2":237,"14,3":238,"14,4":239,"14,5":240,"14,6":241,"14,7":242,"14,8":243,"14,9":244,"14,10":245,"14,11":246,"14,12":247,"14,13":248,"14,14":249,"14,15":250,"14,16":251,"14,17":252,"15,1":253,"15,2":254,"15,3":255,"15,4":256,"15,5":257,"15,6":258,"15,7":259,"15,8":260,"15,9":261,"15,10":262,"15,11":263,"15,12":264,"15,13":265,"15,14":266,"15,15":267,"15,16":268,"15,17":269,"15,18":270,"15,19":271,"15,20":272,"15,21":273,"15,22":274,"16,1":275,"16,2":276,"16,3":277,"16,4":278,"16,5":279,"16,6":280,"16,7":281,"16,8":282,"16,9":283,"16,10":284,"16,11":285,"16,12":286,"16,13":287,"16,14":288,"16,15":289,"16,16":290,"16,17":291,"16,18":292,"16,19":293,"16,20":294,"16,21":295,"16,22":296,"16,23":297,"16,24":298,"16,25":299,"16,26":300,"16,27":301,"16,28":302,"16,29":303,"16,30":304,"16,31":305,"16,32":306,"16,33":307,"17,1":308,"17,2":309,"17,3":310,"17,4":311,"17,5":312,"17,6":313,"17,7":314,"17,8":315,"17,9":316,"17,10":317,"17,11":318,"17,12":319,"17,13":320,"17,14":321,"17,15":322,"17,16":323,"17,17":324,"17,18":325,"17,19":326,"17,20":327,"17,21":328,"17,22":329,"17,23":330,"18,1":331,"18,2":332,"18,3":333,"18,4":334,"18,5":335,"18,6":336,"18,7":337,"18,8":338,"18,9":339,"18,10":340,"18,11":341,"18,12":342,"18,13":343,"18,14":344,"18,15":345,"18,16":346,"19,1":347,"19,2":348,"19,3":349,"19,4":350,"19,5":351,"19,6":352,"19,7":353,"19,8":354,"19,9":355,"19,10":356,"19,11":357,"19,12":358,"19,13":359,"19,14":360,"19,15":361,"19,16":362,"19,17":363,"19,18":364,"19,19":365,"19,20":366,"20,1":367,"20,2":368,"20,3":369,"20,4":370,"20,5":371,"20,6":372,"20,7":373,"20,8":374,"20,9":375,"20,10":376,"21,1":377,"21,2":378,"21,3":379,"21,4":380,"21,5":381,"21,6":382,"21,7":383,"21,8":384,"21,9":385,"21,10":386,"21,11":387,"21,12":388,"21,13":389,"21,14":390,"21,15":391,"21,16":392,"21,17":393,"21,18":394,"21,19":395,"21,20":396,"21,21":397,"21,22":398,"21,23":399,"21,24":400,"21,25":401,"21,26":402,"21,27":403,"21,28":404,"21,29":405,"21,30":406,"21,31":407,"21,32":408,"21,33":409,"21,34":410,"21,35":411,"21,36":412,"21,37":413,"21,38":414,"21,39":415,"21,40":416,"21,41":417,"21,42":418,"21,43":419,"21,44":420,"21,45":421,"21,46":422,"21,47":423,"21,48":424,"22,1":425,"22,2":426,"22,3":427,"22,4":428,"22,5":429,"22,6":430,"22,7":431,"22,8":432,"22,9":433,"22,10":434,"22,11":435,"22,12":436,"22,13":437,"22,14":438,"22,15":439,"22,16":440,"22,17":441,"22,18":442,"22,19":443,"22,20":444,"22,21":445,"22,22":446,"22,23":447,"22,24":448,"22,25":449,"22,26":450,"23,1":451,"23,2":452,"23,3":453,"23,4":454,"23,5":455,"23,6":456,"23,7":457,"23,8":458,"23,9":459,"23,10":460,"23,11":461,"23,12":462,"23,13":463,"24,1":464,"24,2":465,"24,3":466,"24,4":467,"24,5":468,"24,6":469,"24,7":470,"24,8":471,"24,9":472,"24,10":473,"25,1":474,"25,2":475,"25,3":476,"25,4":477,"25,5":478,"25,6":479,"25,7":480,"25,8":481,"25,9":482,"25,10":483,"25,11":484,"25,12":485,"25,13":486,"25,14":487,"26,1":488,"26,2":489,"26,3":490,"26,4":491,"26,5":492,"26,6":493,"26,7":494,"26,8":495,"26,9":496,"26,10":497,"26,11":498,"26,12":499,"26,13":500,"26,14":501,"26,15":502,"26,16":503,"26,17":504,"26,18":505,"26,19":506,"26,20":507,"26,21":508,"26,22":509,"26,23":510,"26,24":511,"26,25":512,"26,26":513,"26,27":514,"27,1":515,"27,2":516,"27,3":517,"27,4":518,"27,5":519,"27,6":520,"27,7":521,"27,8":522,"27,9":523,"27,10":524,"27,11":525,"27,12":526,"27,13":527,"27,14":528,"27,15":529,"28,1":530,"28,2":531,"28,3":532,"28,4":533,"28,5":534,"28,6":535,"28,7":536,"28,8":537,"28,9":538,"28,10":539,"28,11":540,"28,12":541,"28,13":542,"28,14":543,"28,15":544,"28,16":545,"28,17":546,"28,18":547,"28,19":548,"28,20":549,"28,21":550,"28,22":551,"28,23":552,"28,24":553,"28,25":554,"28,26":555,"28,27":556,"28,28":557,"28,29":558,"28,30":559,"28,31":560,"28,32":561,"28,33":562,"28,34":563,"28,35":564,"29,1":565,"29,2":566,"29,3":567,"29,4":568,"29,5":569,"29,6":570,"29,7":571,"29,8":572,"29,9":573,"29,10":574,"29,11":575,"29,12":576,"29,13":577,"29,14":578,"29,15":579,"29,16":580,"29,17":581,"29,18":582,"29,19":583,"30,1":584,"30,2":585,"30,3":586,"30,4":587,"30,5":588,"30,6":589,"30,7":590,"30,8":591,"30,9":592,"30,10":593,"30,11":594,"30,12":595,"30,13":596,"30,14":597,"30,15":598,"30,16":599,"30,17":600,"30,18":601,"30,19":602,"30,20":603,"30,21":604,"30,22":605,"30,23":606,"30,24":607,"30,25":608,"30,26":609,"31,1":610,"31,2":611,"31,3":612,"31,4":613,"31,5":614,"31,6":615,"31,7":616,"31,8":617,"31,9":618,"31,10":619,"31,11":620,"31,12":621,"32,1":622,"32,2":623,"32,3":624,"32,4":625,"32,5":626,"32,6":627,"32,7":628,"32,8":629,"32,9":630,"32,10":631,"32,11":632,"32,12":633,"32,13":634,"32,14":635,"32,15":636,"32,16":637,"32,17":638,"32,18":639,"32,19":640,"32,20":641,"32,21":642,"32,22":643,"33,1":644,"33,2":645,"33,3":646,"33,4":647,"33,5":648,"33,6":649,"33,7":650,"33,8":651,"33,9":652,"33,10":653,"33,11":654,"33,12":655,"33,13":656,"33,14":657,"33,15":658,"33,16":659,"33,17":660,"34,1":661,"34,2":662,"34,3":663,"34,4":664,"34,5":665,"34,6":666,"34,7":667,"34,8":668,"34,9":669,"34,10":670,"34,11":671,"34,12":672,"34,13":673,"34,14":674,"34,15":675,"34,16":676,"34,17":677,"34,18":678,"34,19":679,"34,20":680,"34,21":681,"34,22":682,"35,1":683,"35,2":684,"35,3":685,"35,4":686,"35,5":687,"35,6":688,"35,7":689,"35,8":690,"35,9":691,"35,10":692,"35,11":693,"35,12":694,"35,13":695,"35,14":696,"35,15":697,"35,16":698,"35,17":699,"35,18":700,"36,1":701,"36,2":702,"36,3":703,"36,4":704,"36,5":705,"36,6":706,"36,7":707,"36,8":708,"36,9":709,"36,10":710,"36,11":711,"36,12":712,"36,13":713,"36,14":714,"36,15":715,"36,16":716,"36,17":717,"36,18":718,"36,19":719,"36,20":720,"36,21":721,"36,22":722,"36,23":723,"36,24":724,"37,1":725,"37,2":726,"37,3":727,"37,4":728,"37,5":729,"37,6":730,"37,7":731,"37,8":732,"37,9":733,"37,10":734,"37,11":735,"37,12":736,"37,13":737,"37,14":738,"37,15":739,"37,16":740,"37,17":741,"37,18":742,"37,19":743,"37,20":744,"37,21":745,"37,22":746,"37,23":747,"37,24":748,"38,1":749,"38,2":750,"38,3":751,"38,4":752,"38,5":753,"38,6":754,"38,7":755,"38,8":756,"38,9":757,"38,10":758,"38,11":759,"38,12":760,"38,13":761,"38,14":762,"38,15":763,"38,16":764,"38,17":765,"38,18":766,"38,19":767,"39,1":768,"39,2":769,"39,3":770,"39,4":771,"39,5":772,"39,6":773,"39,7":774,"39,8":775,"39,9":776,"39,10":777,"39,11":778,"39,12":779,"39,13":780,"39,14":781,"39,15":782,"39,16":783,"39,17":784,"39,18":785,"39,19":786,"39,20":787,"39,21":788,"40,1":789,"40,2":790,"40,3":791,"40,4":792,"40,5":793,"40,6":794,"40,7":795,"40,8":796,"40,9":797,"40,10":798,"40,11":799,"40,12":800,"40,13":801,"40,14":802,"40,15":803,"40,16":804,"40,17":805,"40,18":806,"40,19":807,"40,20":808,"40,21":809,"40,22":810,"40,23":811,"40,24":812,"40,25":813,"40,26":814,"40,27":815,"40,28":816,"40,29":817,"40,30":818,"40,31":819,"40,32":820,"40,33":821,"40,34":822,"41,1":823,"41,2":824,"41,3":825,"41,4":826,"41,5":827,"41,6":828,"41,7":829,"41,8":830,"41,9":831,"41,10":832,"41,11":833,"41,12":834,"41,13":835,"41,14":836,"41,15":837,"41,16":838,"41,17":839,"41,18":840,"41,19":841,"41,20":842,"41,21":843,"41,22":844,"42,1":845,"42,2":846,"42,3":847,"42,4":848,"42,5":849,"42,6":850,"42,7":851,"42,8":852,"42,9":853,"42,10":854,"42,11":855,"42,12":856,"42,13":857,"42,14":858,"42,15":859,"42,16":860,"43,1":861,"43,2":862,"43,3":863,"43,4":864,"43,5":865,"43,6":866,"43,7":867,"43,8":868,"43,9":869,"43,10":870,"43,11":871,"43,12":872,"43,13":873,"43,14":874,"43,15":875,"43,16":876,"43,17":877,"43,18":878,"43,19":879,"43,20":880,"43,21":881,"43,22":882,"43,23":883,"43,24":884,"44,1":885,"44,2":886,"44,3":887,"44,4":888,"44,5":889,"44,6":890,"44,7":891,"44,8":892,"44,9":893,"44,10":894,"45,1":895,"45,2":896,"45,3":897,"45,4":898,"45,5":899,"45,6":900,"45,7":901,"45,8":902,"45,9":903,"45,10":904,"45,11":905,"45,12":906,"45,13":907,"45,14":908,"45,15":909,"45,16":910,"45,17":911,"45,18":912,"46,1":913,"46,2":914,"46,3":915,"46,4":916,"46,5":917,"46,6":918,"46,7":919,"46,8":920,"46,9":921,"46,10":922,"47,1":923,"47,2":924,"47,3":925,"47,4":926,"47,5":927,"47,6":928,"47,7":929,"47,8":930,"47,9":931,"47,10":932,"47,11":933,"47,12":934,"47,13":935,"47,14":936,"47,15":937,"47,16":938,"47,17":939,"47,18":940,"47,19":941,"47,20":942,"47,21":943,"47,22":944,"47,23":945,"48,1":946,"48,2":947,"48,3":948,"48,4":949,"48,5":950,"48,6":951,"48,7":952,"48,8":953,"48,9":954,"48,10":955,"48,11":956,"48,12":957,"48,13":958,"48,14":959,"48,15":960,"49,1":961,"49,2":962,"49,3":963,"49,4":964,"49,5":965,"49,6":966,"49,7":967,"49,8":968,"49,9":969,"49,10":970,"49,11":971,"49,12":972,"49,13":973,"49,14":974,"50,1":975,"50,2":976,"50,3":977,"50,4":978,"50,5":979,"50,6":980,"50,7":981,"50,8":982,"50,9":983,"50,10":984,"50,11":985,"50,12":986,"50,13":987,"50,14":988,"50,15":989,"50,16":990,"50,17":991,"50,18":992,"50,19":993,"50,20":994,"50,21":995,"50,22":996,"50,23":997,"50,24":998,"50,25":999,"50,26":1000,"50,27":1001,"50,28":1002,"50,29":1003,"50,30":1004,"51,1":1005,"51,2":1006,"51,3":1007,"51,4":1008,"51,5":1009,"51,6":1010,"51,7":1011,"51,8":1012,"51,9":1013,"51,10":1014,"51,11":1015,"51,12":1016,"51,13":1017,"51,14":1018,"51,15":1019,"51,16":1020,"51,17":1021,"51,18":1022,"51,19":1023,"51,20":1024,"51,21":1025,"51,22":1026,"51,23":1027,"51,24":1028,"51,25":1029,"51,26":1030,"51,27":1031,"51,28":1032,"51,29":1033,"51,30":1034,"51,31":1035,"51,32":1036,"51,33":1037,"51,34":1038,"51,35":1039,"51,36":1040,"51,37":1041,"51,38":1042,"51,39":1043,"51,40":1044,"51,41":1045,"51,42":1046,"51,43":1047,"51,44":1048,"51,45":1049,"51,46":1050,"51,47":1051,"51,48":1052,"51,49":1053,"51,50":1054,"51,51":1055,"51,52":1056,"52,1":1057,"52,2":1058,"52,3":1059,"52,4":1060,"52,5":1061,"52,6":1062,"52,7":1063,"52,8":1064,"52,9":1065,"52,10":1066,"52,11":1067,"52,12":1068,"53,1":1069,"53,2":1070,"53,3":1071,"53,4":1072,"53,5":1073,"53,6":1074,"53,7":1075,"53,8":1076,"53,9":1077,"53,10":1078,"53,11":1079,"53,12":1080,"53,13":1081,"53,14":1082,"53,15":1083,"53,16":1084,"53,17":1085,"53,18":1086,"53,19":1087,"53,20":1088,"53,21":1089,"53,22":1090,"54,1":1091,"54,2":1092,"54,3":1093,"54,4":1094,"54,5":1095,"54,6":1096,"54,7":1097,"54,8":1098,"54,9":1099,"54,10":1100,"54,11":1101,"54,12":1102,"54,13":1103,"54,14":1104,"54,15":1105,"54,16":1106,"54,17":1107,"54,18":1108,"54,19":1109,"54,20":1110,"54,21":1111,"54,22":1112,"54,23":1113,"55,1":1114,"55,2":1115,"55,3":1116,"55,4":1117,"55,5":1118,"55,6":1119,"55,7":1120,"55,8":1121,"55,9":1122,"55,10":1123,"55,11":1124,"55,12":1125,"55,13":1126,"55,14":1127,"55,15":1128,"55,16":1129,"55,17":1130,"55,18":1131,"55,19":1132,"55,20":1133,"55,21":1134,"55,22":1135,"55,23":1136,"55,24":1137,"55,25":1138,"55,26":1139,"55,27":1140,"56,1":1141,"56,2":1142,"56,3":1143,"56,4":1144,"56,5":1145,"56,6":1146,"56,7":1147,"56,8":1148,"56,9":1149,"56,10":1150,"56,11":1151,"56,12":1152,"56,13":1153,"56,14":1154,"56,15":1155,"56,16":1156,"56,17":1157,"57,1":1158,"57,2":1159,"57,3":1160,"57,4":1161,"57,5":1162,"57,6":1163,"57,7":1164,"57,8":1165,"57,9":1166,"57,10":1167,"57,11":1168,"57,12":1169,"57,13":1170,"57,14":1171,"58,1":1172,"58,2":1173,"58,3":1174,"58,4":1175,"58,5":1176,"58,6":1177,"58,7":1178,"58,8":1179,"58,9":1180,"58,10":1181,"58,11":1182,"58,12":1183,"58,13":1184,"58,14":1185,"58,15":1186,"58,16":1187,"58,17":1188,"58,18":1189,"58,19":1190,"58,20":1191,"59,1":1192,"59,2":1193,"59,3":1194,"59,4":1195,"59,5":1196,"59,6":1197,"59,7":1198,"59,8":1199,"59,9":1200,"59,10":1201,"59,11":1202,"59,12":1203,"59,13":1204,"59,14":1205,"59,15":1206,"59,16":1207,"59,17":1208,"60,1":1209,"60,2":1210,"60,3":1211,"60,4":1212,"60,5":1213,"60,6":1214,"60,7":1215,"60,8":1216,"60,9":1217,"60,10":1218,"60,11":1219,"61,1":1220,"61,2":1221,"61,3":1222,"61,4":1223,"61,5":1224,"61,6":1225,"61,7":1226,"61,8":1227,"61,9":1228,"61,10":1229,"61,11":1230,"61,12":1231,"61,13":1232,"61,14":1233,"62,1":1234,"62,2":1235,"62,3":1236,"62,4":1237,"62,5":1238,"62,6":1239,"62,7":1240,"62,8":1241,"62,9":1242,"62,10":1243,"62,11":1244,"63,1":1245,"63,2":1246,"63,3":1247,"63,4":1248,"63,5":1249,"63,6":1250,"63,7":1251,"63,8":1252,"63,9":1253,"63,10":1254,"63,11":1255,"64,1":1256,"64,2":1257,"64,3":1258,"64,4":1259,"64,5":1260,"64,6":1261,"64,7":1262,"64,8":1263,"64,9":1264,"64,10":1265,"64,11":1266,"64,12":1267,"64,13":1268,"64,14":1269,"64,15":1270,"64,16":1271,"64,17":1272,"64,18":1273,"64,19":1274,"64,20":1275,"64,21":1276,"64,22":1277,"64,23":1278,"64,24":1279,"64,25":1280,"64,26":1281,"64,27":1282,"64,28":1283,"64,29":1284},"ٜ":{"1":[1,11],"2":[1,18],"3":[1,35],"4":[1,26],"5":[1,21],"6":[1,21],"7":[1,19],"8":[1,9],"9":[1,12],"10":[1,12],"11":[1,26],"12":[1,10],"13":[1,15],"14":[1,17],"15":[1,22],"16":[1,33],"17":[1,23],"18":[1,16],"19":[1,20],"20":[1,10],"21":[1,48],"22":[1,26],"23":[1,13],"24":[1,10],"25":[1,14],"26":[1,27],"27":[1,15],"28":[1,35],"29":[1,19],"30":[1,26],"31":[1,12],"32":[1,22],"33":[1,17],"34":[1,22],"35":[1,18],"36":[1,24],"37":[1,24],"38":[1,19],"39":[1,21],"40":[1,34],"41":[1,22],"42":[1,16],"43":[1,24],"44":[1,10],"45":[1,18],"46":[1,10],"47":[1,23],"48":[1,15],"49":[1,14],"50":[1,30],"51":[1,52],"52":[1,12],"53":[1,22],"54":[1,23],"55":[1,27],"56":[1,17],"57":[1,14],"58":[1,20],"59":[1,17],"60":[1,11],"61":[1,14],"62":[1,11],"63":[1,11],"64":[1,29]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","11,1","11,2","11,3","11,4","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","11,22","11,23","11,24","11,25","11,26","12,1","12,2","12,3","12,4","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","13,1","13,2","13,3","13,4","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","14,1","14,2","14,3","14,4","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","14,12","14,13","14,14","14,15","14,16","14,17","15,1","15,2","15,3","15,4","15,5","15,6","15,7","15,8","15,9","15,10","15,11","15,12","15,13","15,14","15,15","15,16","15,17","15,18","15,19","15,20","15,21","15,22","16,1","16,2","16,3","16,4","16,5","16,6","16,7","16,8","16,9","16,10","16,11","16,12","16,13","16,14","16,15","16,16","16,17","16,18","16,19","16,20","16,21","16,22","16,23","16,24","16,25","16,26","16,27","16,28","16,29","16,30","16,31","16,32","16,33","17,1","17,2","17,3","17,4","17,5","17,6","17,7","17,8","17,9","17,10","17,11","17,12","17,13","17,14","17,15","17,16","17,17","17,18","17,19","17,20","17,21","17,22","17,23","18,1","18,2","18,3","18,4","18,5","18,6","18,7","18,8","18,9","18,10","18,11","18,12","18,13","18,14","18,15","18,16","19,1","19,2","19,3","19,4","19,5","19,6","19,7","19,8","19,9","19,10","19,11","19,12","19,13","19,14","19,15","19,16","19,17","19,18","19,19","19,20","20,1","20,2","20,3","20,4","20,5","20,6","20,7","20,8","20,9","20,10","21,1","21,2","21,3","21,4","21,5","21,6","21,7","21,8","21,9","21,10","21,11","21,12","21,13","21,14","21,15","21,16","21,17","21,18","21,19","21,20","21,21","21,22","21,23","21,24","21,25","21,26","21,27","21,28","21,29","21,30","21,31","21,32","21,33","21,34","21,35","21,36","21,37","21,38","21,39","21,40","21,41","21,42","21,43","21,44","21,45","21,46","21,47","21,48","22,1","22,2","22,3","22,4","22,5","22,6","22,7","22,8","22,9","22,10","22,11","22,12","22,13","22,14","22,15","22,16","22,17","22,18","22,19","22,20","22,21","22,22","22,23","22,24","22,25","22,26","23,1","23,2","23,3","23,4","23,5","23,6","23,7","23,8","23,9","23,10","23,11","23,12","23,13","24,1","24,2","24,3","24,4","24,5","24,6","24,7","24,8","24,9","24,10","25,1","25,2","25,3","25,4","25,5","25,6","25,7","25,8","25,9","25,10","25,11","25,12","25,13","25,14","26,1","26,2","26,3","26,4","26,5","26,6","26,7","26,8","26,9","26,10","26,11","26,12","26,13","26,14","26,15","26,16","26,17","26,18","26,19","26,20","26,21","26,22","26,23","26,24","26,25","26,26","26,27","27,1","27,2","27,3","27,4","27,5","27,6","27,7","27,8","27,9","27,10","27,11","27,12","27,13","27,14","27,15","28,1","28,2","28,3","28,4","28,5","28,6","28,7","28,8","28,9","28,10","28,11","28,12","28,13","28,14","28,15","28,16","28,17","28,18","28,19","28,20","28,21","28,22","28,23","28,24","28,25","28,26","28,27","28,28","28,29","28,30","28,31","28,32","28,33","28,34","28,35","29,1","29,2","29,3","29,4","29,5","29,6","29,7","29,8","29,9","29,10","29,11","29,12","29,13","29,14","29,15","29,16","29,17","29,18","29,19","30,1","30,2","30,3","30,4","30,5","30,6","30,7","30,8","30,9","30,10","30,11","30,12","30,13","30,14","30,15","30,16","30,17","30,18","30,19","30,20","30,21","30,22","30,23","30,24","30,25","30,26","31,1","31,2","31,3","31,4","31,5","31,6","31,7","31,8","31,9","31,10","31,11","31,12","32,1","32,2","32,3","32,4","32,5","32,6","32,7","32,8","32,9","32,10","32,11","32,12","32,13","32,14","32,15","32,16","32,17","32,18","32,19","32,20","32,21","32,22","33,1","33,2","33,3","33,4","33,5","33,6","33,7","33,8","33,9","33,10","33,11","33,12","33,13","33,14","33,15","33,16","33,17","34,1","34,2","34,3","34,4","34,5","34,6","34,7","34,8","34,9","34,10","34,11","34,12","34,13","34,14","34,15","34,16","34,17","34,18","34,19","34,20","34,21","34,22","35,1","35,2","35,3","35,4","35,5","35,6","35,7","35,8","35,9","35,10","35,11","35,12","35,13","35,14","35,15","35,16","35,17","35,18","36,1","36,2","36,3","36,4","36,5","36,6","36,7","36,8","36,9","36,10","36,11","36,12","36,13","36,14","36,15","36,16","36,17","36,18","36,19","36,20","36,21","36,22","36,23","36,24","37,1","37,2","37,3","37,4","37,5","37,6","37,7","37,8","37,9","37,10","37,11","37,12","37,13","37,14","37,15","37,16","37,17","37,18","37,19","37,20","37,21","37,22","37,23","37,24","38,1","38,2","38,3","38,4","38,5","38,6","38,7","38,8","38,9","38,10","38,11","38,12","38,13","38,14","38,15","38,16","38,17","38,18","38,19","39,1","39,2","39,3","39,4","39,5","39,6","39,7","39,8","39,9","39,10","39,11","39,12","39,13","39,14","39,15","39,16","39,17","39,18","39,19","39,20","39,21","40,1","40,2","40,3","40,4","40,5","40,6","40,7","40,8","40,9","40,10","40,11","40,12","40,13","40,14","40,15","40,16","40,17","40,18","40,19","40,20","40,21","40,22","40,23","40,24","40,25","40,26","40,27","40,28","40,29","40,30","40,31","40,32","40,33","40,34","41,1","41,2","41,3","41,4","41,5","41,6","41,7","41,8","41,9","41,10","41,11","41,12","41,13","41,14","41,15","41,16","41,17","41,18","41,19","41,20","41,21","41,22","42,1","42,2","42,3","42,4","42,5","42,6","42,7","42,8","42,9","42,10","42,11","42,12","42,13","42,14","42,15","42,16","43,1","43,2","43,3","43,4","43,5","43,6","43,7","43,8","43,9","43,10","43,11","43,12","43,13","43,14","43,15","43,16","43,17","43,18","43,19","43,20","43,21","43,22","43,23","43,24","44,1","44,2","44,3","44,4","44,5","44,6","44,7","44,8","44,9","44,10","45,1","45,2","45,3","45,4","45,5","45,6","45,7","45,8","45,9","45,10","45,11","45,12","45,13","45,14","45,15","45,16","45,17","45,18","46,1","46,2","46,3","46,4","46,5","46,6","46,7","46,8","46,9","46,10","47,1","47,2","47,3","47,4","47,5","47,6","47,7","47,8","47,9","47,10","47,11","47,12","47,13","47,14","47,15","47,16","47,17","47,18","47,19","47,20","47,21","47,22","47,23","48,1","48,2","48,3","48,4","48,5","48,6","48,7","48,8","48,9","48,10","48,11","48,12","48,13","48,14","48,15","49,1","49,2","49,3","49,4","49,5","49,6","49,7","49,8","49,9","49,10","49,11","49,12","49,13","49,14","50,1","50,2","50,3","50,4","50,5","50,6","50,7","50,8","50,9","50,10","50,11","50,12","50,13","50,14","50,15","50,16","50,17","50,18","50,19","50,20","50,21","50,22","50,23","50,24","50,25","50,26","50,27","50,28","50,29","50,30","51,1","51,2","51,3","51,4","51,5","51,6","51,7","51,8","51,9","51,10","51,11","51,12","51,13","51,14","51,15","51,16","51,17","51,18","51,19","51,20","51,21","51,22","51,23","51,24","51,25","51,26","51,27","51,28","51,29","51,30","51,31","51,32","51,33","51,34","51,35","51,36","51,37","51,38","51,39","51,40","51,41","51,42","51,43","51,44","51,45","51,46","51,47","51,48","51,49","51,50","51,51","51,52","52,1","52,2","52,3","52,4","52,5","52,6","52,7","52,8","52,9","52,10","52,11","52,12","53,1","53,2","53,3","53,4","53,5","53,6","53,7","53,8","53,9","53,10","53,11","53,12","53,13","53,14","53,15","53,16","53,17","53,18","53,19","53,20","53,21","53,22","54,1","54,2","54,3","54,4","54,5","54,6","54,7","54,8","54,9","54,10","54,11","54,12","54,13","54,14","54,15","54,16","54,17","54,18","54,19","54,20","54,21","54,22","54,23","55,1","55,2","55,3","55,4","55,5","55,6","55,7","55,8","55,9","55,10","55,11","55,12","55,13","55,14","55,15","55,16","55,17","55,18","55,19","55,20","55,21","55,22","55,23","55,24","55,25","55,26","55,27","56,1","56,2","56,3","56,4","56,5","56,6","56,7","56,8","56,9","56,10","56,11","56,12","56,13","56,14","56,15","56,16","56,17","57,1","57,2","57,3","57,4","57,5","57,6","57,7","57,8","57,9","57,10","57,11","57,12","57,13","57,14","58,1","58,2","58,3","58,4","58,5","58,6","58,7","58,8","58,9","58,10","58,11","58,12","58,13","58,14","58,15","58,16","58,17","58,18","58,19","58,20","59,1","59,2","59,3","59,4","59,5","59,6","59,7","59,8","59,9","59,10","59,11","59,12","59,13","59,14","59,15","59,16","59,17","60,1","60,2","60,3","60,4","60,5","60,6","60,7","60,8","60,9","60,10","60,11","61,1","61,2","61,3","61,4","61,5","61,6","61,7","61,8","61,9","61,10","61,11","61,12","61,13","61,14","62,1","62,2","62,3","62,4","62,5","62,6","62,7","62,8","62,9","62,10","62,11","63,1","63,2","63,3","63,4","63,5","63,6","63,7","63,8","63,9","63,10","63,11","64,1","64,2","64,3","64,4","64,5","64,6","64,7","64,8","64,9","64,10","64,11","64,12","64,13","64,14","64,15","64,16","64,17","64,18","64,19","64,20","64,21","64,22","64,23","64,24","64,25","64,26","64,27","64,28","64,29"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"7":[7],"8":[8],"9":[9],"10":[10],"11":[11],"12":[12],"13":[13],"14":[14],"15":[15],"16":[16],"17":[17],"18":[18],"19":[19],"20":[20],"21":[21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25],"26":[26],"27":[27],"28":[28],"29":[29],"30":[30],"31":[31],"32":[32],"33":[33],"34":[34],"35":[35],"36":[36],"37":[37],"38":[38],"39":[39],"40":[40],"41":[41],"42":[42],"43":[43],"44":[44],"45":[45],"46":[46],"47":[47],"48":[48],"49":[49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"53":[53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"58":[58],"59":[59],"60":[60],"61":[61],"62":[62],"63":[63],"64":[64],"65":[65],"66":[66],"67":[67],"68":[68],"69":[69],"70":[70],"71":[71],"72":[72],"73":[73],"74":[74],"75":[75],"76":[76],"77":[77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81],"82":[82],"83":[83],"84":[84],"85":[85],"86":[86],"87":[87],"88":[88],"89":[89],"90":[90],"91":[91],"92":[92],"93":[93],"94":[94],"95":[95],"96":[96],"97":[97],"98":[98],"99":[99],"100":[100],"101":[101],"102":[102],"103":[103],"104":[104],"105":[105],"106":[106],"107":[107],"108":[108],"109":[109],"110":[110],"111":[111],"112":[112],"113":[113],"114":[114],"115":[115],"116":[116],"117":[117],"118":[118],"119":[119],"120":[120],"121":[121],"122":[122],"123":[123],"124":[124],"125":[125],"126":[126],"127":[127],"128":[128],"129":[129],"130":[130],"131":[131],"132":[132],"133":[133],"134":[134],"135":[135],"136":[136],"137":[137],"138":[138],"139":[139],"140":[140],"141":[141],"142":[142],"143":[143],"144":[144],"145":[145],"146":[146],"147":[147],"148":[148],"149":[149],"150":[150],"151":[151],"152":[152],"153":[153],"154":[154],"155":[155],"156":[156],"157":[157],"158":[158],"159":[159],"160":[160],"161":[161],"162":[162],"163":[163],"164":[164],"165":[165],"166":[166],"167":[167],"168":[168],"169":[169],"170":[170],"171":[171],"172":[172],"173":[173],"174":[174],"175":[175],"176":[176],"177":[177],"178":[178],"179":[179],"180":[180],"181":[181],"182":[182],"183":[183],"184":[184],"185":[185],"186":[186],"187":[187],"188":[188],"189":[189],"190":[190],"191":[191],"192":[192],"193":[193],"194":[194],"195":[195],"196":[196],"197":[197],"198":[198],"199":[199],"200":[200],"201":[201],"202":[202],"203":[203],"204":[204],"205":[205],"206":[206],"207":[207],"208":[208],"209":[209],"210":[210],"211":[211],"212":[212],"213":[213],"214":[214],"215":[215],"216":[216],"217":[217],"218":[218],"219":[219],"220":[220],"221":[221],"222":[222],"223":[223],"224":[224],"225":[225],"226":[226],"227":[227],"228":[228],"229":[229],"230":[230],"231":[231],"232":[232],"233":[233],"234":[234],"235":[235],"236":[236],"237":[237],"238":[238],"239":[239],"240":[240],"241":[241],"242":[242],"243":[243],"244":[244],"245":[245],"246":[246],"247":[247],"248":[248],"249":[249],"250":[250],"251":[251],"252":[252],"253":[253],"254":[254],"255":[255],"256":[256],"257":[257],"258":[258],"259":[259],"260":[260],"261":[261],"262":[262],"263":[263],"264":[264],"265":[265],"266":[266],"267":[267],"268":[268],"269":[269],"270":[270],"271":[271],"272":[272],"273":[273],"274":[274],"275":[275],"276":[276],"277":[277],"278":[278],"279":[279],"280":[280],"281":[281],"282":[282],"283":[283],"284":[284],"285":[285],"286":[286],"287":[287],"288":[288],"289":[289],"290":[290],"291":[291],"292":[292],"293":[293],"294":[294],"295":[295],"296":[296],"297":[297],"298":[298],"299":[299],"300":[300],"301":[301],"302":[302],"303":[303],"304":[304],"305":[305],"306":[306],"307":[307],"308":[308],"309":[309],"310":[310],"311":[311],"312":[312],"313":[313],"314":[314],"315":[315],"316":[316],"317":[317],"318":[318],"319":[319],"320":[320],"321":[321],"322":[322],"323":[323],"324":[324],"325":[325],"326":[326],"327":[327],"328":[328],"329":[329],"330":[330],"331":[331],"332":[332],"333":[333],"334":[334],"335":[335],"336":[336],"337":[337],"338":[338],"339":[339],"340":[340],"341":[341],"342":[342],"343":[343],"344":[344],"345":[345],"346":[346],"347":[347],"348":[348],"349":[349],"350":[350],"351":[351],"352":[352],"353":[353],"354":[354],"355":[355],"356":[356],"357":[357],"358":[358],"359":[359],"360":[360],"361":[361],"362":[362],"363":[363],"364":[364],"365":[365],"366":[366],"367":[367],"368":[368],"369":[369],"370":[370],"371":[371],"372":[372],"373":[373],"374":[374],"375":[375],"376":[376],"377":[377],"378":[378],"379":[379],"380":[380],"381":[381],"382":[382],"383":[383],"384":[384],"385":[385],"386":[386],"387":[387],"388":[388],"389":[389],"390":[390],"391":[391],"392":[392],"393":[393],"394":[394],"395":[395],"396":[396],"397":[397],"398":[398],"399":[399],"400":[400],"401":[401],"402":[402],"403":[403],"404":[404],"405":[405],"406":[406],"407":[407],"408":[408],"409":[409],"410":[410],"411":[411],"412":[412],"413":[413],"414":[414],"415":[415],"416":[416],"417":[417],"418":[418],"419":[419],"420":[420],"421":[421],"422":[422],"423":[423],"424":[424],"425":[425],"426":[426],"427":[427],"428":[428],"429":[429],"430":[430],"431":[431],"432":[432],"433":[433],"434":[434],"435":[435],"436":[436],"437":[437],"438":[438],"439":[439],"440":[440],"441":[441],"442":[442],"443":[443],"444":[444],"445":[445],"446":[446],"447":[447],"448":[448],"449":[449],"450":[450],"451":[451],"452":[452],"453":[453],"454":[454],"455":[455],"456":[456],"457":[457],"458":[458],"459":[459],"460":[460],"461":[461],"462":[462],"463":[463],"464":[464],"465":[465],"466":[466],"467":[467],"468":[468],"469":[469],"470":[470],"471":[471],"472":[472],"473":[473],"474":[474],"475":[475],"476":[476],"477":[477],"478":[478],"479":[479],"480":[480],"481":[481],"482":[482],"483":[483],"484":[484],"485":[485],"486":[486],"487":[487],"488":[488],"489":[489],"490":[490],"491":[491],"492":[492],"493":[493],"494":[494],"495":[495],"496":[496],"497":[497],"498":[498],"499":[499],"500":[500],"501":[501],"502":[502],"503":[503],"504":[504],"505":[505],"506":[506],"507":[507],"508":[508],"509":[509],"510":[510],"511":[511],"512":[512],"513":[513],"514":[514],"515":[515],"516":[516],"517":[517],"518":[518],"519":[519],"520":[520],"521":[521],"522":[522],"523":[523],"524":[524],"525":[525],"526":[526],"527":[527],"528":[528],"529":[529],"530":[530],"531":[531],"532":[532],"533":[533],"534":[534],"535":[535],"536":[536],"537":[537],"538":[538],"539":[539],"540":[540],"541":[541],"542":[542],"543":[543],"544":[544],"545":[545],"546":[546],"547":[547],"548":[548],"549":[549],"550":[550],"551":[551],"552":[552],"553":[553],"554":[554],"555":[555],"556":[556],"557":[557],"558":[558],"559":[559],"560":[560],"561":[561],"562":[562],"563":[563],"564":[564],"565":[565],"566":[566],"567":[567],"568":[568],"569":[569],"570":[570],"571":[571],"572":[572],"573":[573],"574":[574],"575":[575],"576":[576],"577":[577],"578":[578],"579":[579],"580":[580],"581":[581],"582":[582],"583":[583],"584":[584],"585":[585],"586":[586],"587":[587],"588":[588],"589":[589],"590":[590],"591":[591],"592":[592],"593":[593],"594":[594],"595":[595],"596":[596],"597":[597],"598":[598],"599":[599],"600":[600],"601":[601],"602":[602],"603":[603],"604":[604],"605":[605],"606":[606],"607":[607],"608":[608],"609":[609],"610":[610],"611":[611],"612":[612],"613":[613],"614":[614],"615":[615],"616":[616],"617":[617],"618":[618],"619":[619],"620":[620],"621":[621],"622":[622],"623":[623],"624":[624],"625":[625],"626":[626],"627":[627],"628":[628],"629":[629],"630":[630],"631":[631],"632":[632],"633":[633],"634":[634],"635":[635],"636":[636],"637":[637],"638":[638],"639":[639],"640":[640],"641":[641],"642":[642],"643":[643],"644":[644],"645":[645],"646":[646],"647":[647],"648":[648],"649":[649],"650":[650],"651":[651],"652":[652],"653":[653],"654":[654],"655":[655],"656":[656],"657":[657],"658":[658],"659":[659],"660":[660],"661":[661],"662":[662],"663":[663],"664":[664],"665":[665],"666":[666],"667":[667],"668":[668],"669":[669],"670":[670],"671":[671],"672":[672],"673":[673],"674":[674],"675":[675],"676":[676],"677":[677],"678":[678],"679":[679],"680":[680],"681":[681],"682":[682],"683":[683],"684":[684],"685":[685],"686":[686],"687":[687],"688":[688],"689":[689],"690":[690],"691":[691],"692":[692],"693":[693],"694":[694],"695":[695],"696":[696],"697":[697],"698":[698],"699":[699],"700":[700],"701":[701],"702":[702],"703":[703],"704":[704],"705":[705],"706":[706],"707":[707],"708":[708],"709":[709],"710":[710],"711":[711],"712":[712],"713":[713],"714":[714],"715":[715],"716":[716],"717":[717],"718":[718],"719":[719],"720":[720],"721":[721],"722":[722],"723":[723],"724":[724],"725":[725],"726":[726],"727":[727],"728":[728],"729":[729],"730":[730],"731":[731],"732":[732],"733":[733],"734":[734],"735":[735],"736":[736],"737":[737],"738":[738],"739":[739],"740":[740],"741":[741],"742":[742],"743":[743],"744":[744],"745":[745],"746":[746],"747":[747],"748":[748],"749":[749],"750":[750],"751":[751],"752":[752],"753":[753],"754":[754],"755":[755],"756":[756],"757":[757],"758":[758],"759":[759],"760":[760],"761":[761],"762":[762],"763":[763],"764":[764],"765":[765],"766":[766],"767":[767],"768":[768],"769":[769],"770":[770],"771":[771],"772":[772],"773":[773],"774":[774],"775":[775],"776":[776],"777":[777],"778":[778],"779":[779],"780":[780],"781":[781],"782":[782],"783":[783],"784":[784],"785":[785],"786":[786],"787":[787],"788":[788],"789":[789],"790":[790],"791":[791],"792":[792],"793":[793],"794":[794],"795":[795],"796":[796],"797":[797],"798":[798],"799":[799],"800":[800],"801":[801],"802":[802],"803":[803],"804":[804],"805":[805],"806":[806],"807":[807],"808":[808],"809":[809],"810":[810],"811":[811],"812":[812],"813":[813],"814":[814],"815":[815],"816":[816],"817":[817],"818":[818],"819":[819],"820":[820],"821":[821],"822":[822],"823":[823],"824":[824],"825":[825],"826":[826],"827":[827],"828":[828],"829":[829],"830":[830],"831":[831],"832":[832],"833":[833],"834":[834],"835":[835],"836":[836],"837":[837],"838":[838],"839":[839],"840":[840],"841":[841],"842":[842],"843":[843],"844":[844],"845":[845],"846":[846],"847":[847],"848":[848],"849":[849],"850":[850],"851":[851],"852":[852],"853":[853],"854":[854],"855":[855],"856":[856],"857":[857],"858":[858],"859":[859],"860":[860],"861":[861],"862":[862],"863":[863],"864":[864],"865":[865],"866":[866],"867":[867],"868":[868],"869":[869],"870":[870],"871":[871],"872":[872],"873":[873],"874":[874],"875":[875],"876":[876],"877":[877],"878":[878],"879":[879],"880":[880],"881":[881],"882":[882],"883":[883],"884":[884],"885":[885],"886":[886],"887":[887],"888":[888],"889":[889],"890":[890],"891":[891],"892":[892],"893":[893],"894":[894],"895":[895],"896":[896],"897":[897],"898":[898],"899":[899],"900":[900],"901":[901],"902":[902],"903":[903],"904":[904],"905":[905],"906":[906],"907":[907],"908":[908],"909":[909],"910":[910],"911":[911],"912":[912],"913":[913],"914":[914],"915":[915],"916":[916],"917":[917],"918":[918],"919":[919],"920":[920],"921":[921],"922":[922],"923":[923],"924":[924],"925":[925],"926":[926],"927":[927],"928":[928],"929":[929],"930":[930],"931":[931],"932":[932],"933":[933],"934":[934],"935":[935],"936":[936],"937":[937],"938":[938],"939":[939],"940":[940],"941":[941],"942":[942],"943":[943],"944":[944],"945":[945],"946":[946],"947":[947],"948":[948],"949":[949],"950":[950],"951":[951],"952":[952],"953":[953],"954":[954],"955":[955],"956":[956],"957":[957],"958":[958],"959":[959],"960":[960],"961":[961],"962":[962],"963":[963],"964":[964],"965":[965],"966":[966],"967":[967],"968":[968],"969":[969],"970":[970],"971":[971],"972":[972],"973":[973],"974":[974],"975":[975],"976":[976],"977":[977],"978":[978],"979":[979],"980":[980],"981":[981],"982":[982],"983":[983],"984":[984],"985":[985],"986":[986],"987":[987],"988":[988],"989":[989],"990":[990],"991":[991],"992":[992],"993":[993],"994":[994],"995":[995],"996":[996],"997":[997],"998":[998],"999":[999],"1000":[1000],"1001":[1001],"1002":[1002],"1003":[1003],"1004":[1004],"1005":[1005],"1006":[1006],"1007":[1007],"1008":[1008],"1009":[1009],"1010":[1010],"1011":[1011],"1012":[1012],"1013":[1013],"1014":[1014],"1015":[1015],"1016":[1016],"1017":[1017],"1018":[1018],"1019":[1019],"1020":[1020],"1021":[1021],"1022":[1022],"1023":[1023],"1024":[1024],"1025":[1025],"1026":[1026],"1027":[1027],"1028":[1028],"1029":[1029],"1030":[1030],"1031":[1031],"1032":[1032],"1033":[1033],"1034":[1034],"1035":[1035],"1036":[1036],"1037":[1037],"1038":[1038],"1039":[1039],"1040":[1040],"1041":[1041],"1042":[1042],"1043":[1043],"1044":[1044],"1045":[1045],"1046":[1046],"1047":[1047],"1048":[1048],"1049":[1049],"1050":[1050],"1051":[1051],"1052":[1052],"1053":[1053],"1054":[1054],"1055":[1055],"1056":[1056],"1057":[1057],"1058":[1058],"1059":[1059],"1060":[1060],"1061":[1061],"1062":[1062],"1063":[1063],"1064":[1064],"1065":[1065],"1066":[1066],"1067":[1067],"1068":[1068],"1069":[1069],"1070":[1070],"1071":[1071],"1072":[1072],"1073":[1073],"1074":[1074],"1075":[1075],"1076":[1076],"1077":[1077],"1078":[1078],"1079":[1079],"1080":[1080],"1081":[1081],"1082":[1082],"1083":[1083],"1084":[1084],"1085":[1085],"1086":[1086],"1087":[1087],"1088":[1088],"1089":[1089],"1090":[1090],"1091":[1091],"1092":[1092],"1093":[1093],"1094":[1094],"1095":[1095],"1096":[1096],"1097":[1097],"1098":[1098],"1099":[1099],"1100":[1100],"1101":[1101],"1102":[1102],"1103":[1103],"1104":[1104],"1105":[1105],"1106":[1106],"1107":[1107],"1108":[1108],"1109":[1109],"1110":[1110],"1111":[1111],"1112":[1112],"1113":[1113],"1114":[1114],"1115":[1115],"1116":[1116],"1117":[1117],"1118":[1118],"1119":[1119],"1120":[1120],"1121":[1121],"1122":[1122],"1123":[1123],"1124":[1124],"1125":[1125],"1126":[1126],"1127":[1127],"1128":[1128],"1129":[1129],"1130":[1130],"1131":[1131],"1132":[1132],"1133":[1133],"1134":[1134],"1135":[1135],"1136":[1136],"1137":[1137],"1138":[1138],"1139":[1139],"1140":[1140],"1141":[1141],"1142":[1142],"1143":[1143],"1144":[1144],"1145":[1145],"1146":[1146],"1147":[1147],"1148":[1148],"1149":[1149],"1150":[1150],"1151":[1151],"1152":[1152],"1153":[1153],"1154":[1154],"1155":[1155],"1156":[1156],"1157":[1157],"1158":[1158],"1159":[1159],"1160":[1160],"1161":[1161],"1162":[1162],"1163":[1163],"1164":[1164],"1165":[1165],"1166":[1166],"1167":[1167],"1168":[1168],"1169":[1169],"1170":[1170],"1171":[1171],"1172":[1172],"1173":[1173],"1174":[1174],"1175":[1175],"1176":[1176],"1177":[1177],"1178":[1178],"1179":[1179],"1180":[1180],"1181":[1181],"1182":[1182],"1183":[1183],"1184":[1184],"1185":[1185],"1186":[1186],"1187":[1187],"1188":[1188],"1189":[1189],"1190":[1190],"1191":[1191],"1192":[1192],"1193":[1193],"1194":[1194],"1195":[1195],"1196":[1196],"1197":[1197],"1198":[1198],"1199":[1199],"1200":[1200],"1201":[1201],"1202":[1202],"1203":[1203],"1204":[1204],"1205":[1205],"1206":[1206],"1207":[1207],"1208":[1208],"1209":[1209],"1210":[1210],"1211":[1211],"1212":[1212],"1213":[1213],"1214":[1214],"1215":[1215],"1216":[1216],"1217":[1217],"1218":[1218],"1219":[1219],"1220":[1220],"1221":[1221],"1222":[1222],"1223":[1223],"1224":[1224],"1225":[1225],"1226":[1226],"1227":[1227],"1228":[1228],"1229":[1229],"1230":[1230],"1231":[1231],"1232":[1232],"1233":[1233],"1234":[1234],"1235":[1235],"1236":[1236],"1237":[1237],"1238":[1238],"1239":[1239],"1240":[1240],"1241":[1241],"1242":[1242],"1243":[1243],"1244":[1244],"1245":[1245],"1246":[1246],"1247":[1247],"1248":[1248],"1249":[1249],"1250":[1250],"1251":[1251],"1252":[1252],"1253":[1253],"1254":[1254],"1255":[1255],"1256":[1256],"1257":[1257],"1258":[1258],"1259":[1259],"1260":[1260],"1261":[1261],"1262":[1262],"1263":[1263],"1264":[1264],"1265":[1265],"1266":[1266],"1267":[1267],"1268":[1268],"1269":[1269],"1270":[1270],"1271":[1271],"1272":[1272],"1273":[1273],"1274":[1274],"1275":[1275],"1276":[1276],"1277":[1277],"1278":[1278],"1279":[1279],"1280":[1280],"1281":[1281],"1282":[1282],"1283":[1283],"1284":[1284]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1> مقدمة الكتاب [١]</span>\nيعتبر كتاب الإمام اللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من أهم الكتب المصنفة في العقيدة؛ لما حوى من المسائل المهمة، وقلَّ أن تجد مصنفًا بعده لا يستفيد منه، وقد كان سبب تأليفه كما يقول مؤلفه هو طلب بعض أهل العلم له أن يؤلف كتابًا في شرح اعتقاد أهل السنة، وكذلك انصراف علماء زمانه عن مذهب أهل السنة وانشغالهم عنه بما أحدثوه من العلوم الأخرى.","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>التعريف بكتاب أصول الاعتقاد</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nثم أما بعد: فمع كتاب (أصول الاعتقاد) للإمام أبي القاسم اللالكائي، وقد تناولنا في الدرس الماضي حياة الإمام من حيث اسمه ونسبه وطلبه للعلم ورحلته وثناء العلماء عليه وغير ذلك.\nوسنتكلم عن الكتاب -وهو محل الدراسة- فنقول: التعريف للكتاب يشتمل على عدة موضوعات: اسم الكتاب، موضوع الكتاب، سبب التأليف، أجزاء الكتاب، تاريخ تأليفه، توثيق الكتاب، منهج المؤلف في هذا الكتاب، قيمة الكتاب العلمية، المآخذ التي أخذها أهل العلم على الكتاب.","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>اسم الكتاب</span>\nأولًا: اختلف أهل العلم في اسم الكتاب، فمنهم من قال: هو (السنة)، ومنهم من قال: هو (شرح السنة)، ومنهم من قال: (شرح اعتقاد أهل السنة)، ومنهم من قال: (أصول السنة)، ومنهم من قال: (شرح حجج أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، ومنهم من قال: (حجج أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، أي: بغير كلمة (شرح)، ومنهم من قال: (السنن)، ومنهم من قال: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، وهذا هو الموجود على غلاف الكتاب الذي بين أيدينا، وهو الموجود كذلك في النسختين المخطوطتين اللتي اعتمد عليهما محقق الكتاب.\nوهو الاسم الذي ترجح لنا أنه اسم الكتاب؛ لوجوده على غلاف النسختين الموجودتين: الظاهرية والهندية.\nوأما بقية الأسماء الأخرى التي اختلف فيها أهل العلم فإنها تصلح أن تكون أسماء لكتب المعتقد، وهي مذكورة في الفهارس أو في كلام العلماء، وهذا الخلاف إنما نشأ لأن المؤلف صنف كتابًا في العقيدة على منهج أهل الحديث، ولم يختر لكتابه اسمًا، فاختلف أهل العلم في تسمية الكتاب على النحو الذي ذكرناه.\nيقول هنا: وأما مؤلف الكتاب فلم يجعل له عنوانًا، وإنما ذكر في المقدمة موضوع الكتاب فقال: [وقد كان تكررت مسألة أهل العلم إياي عودًا وبدءًا في شرح اعتقاد مذاهب أهل الحديث].\nأي: أنه يريد أن يقول: إنهم طلبوا مني أن أصنف كتابًا في العقيدة على مذهب أهل الحديث ففعلت، وهذا هو الكتاب.\nأما هو فلم يضع عنوانًا بعينه لهذا الكتاب، وإنما ذكر أنه صنفه على سبيل أهل السنة والجماعة.\nأي: على طريق ومنهج أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>موضوع الكتاب</span>\nأما موضوع الكتاب فهو يبحث في المسائل الاعتقادية على منهج أهل الحديث ومذهبهم، وهو ما عرف (بأهل السنة والجماعة).\nيقول المؤلف في مقدمة الكتاب: [ولم آل جهدًا في تصنيف هذا الكتاب ونظمه على سبيل أهل السنة والجماعة]، فمرة يسميه: (سبيل أهل الحديث) ومرة يسميه: (طريق أهل السنة والجماعة) وكلاهما واحد.\nوقد جعل المؤلف لكتابه مقدمة اشتملت على عدة أمور منها: أولًا: بيان ما كان عليه السلف من اتباع للأثر واجتناب للبدع والنهي عن مناظرة أهلها.\nأي: أن أول مسألة تكلم فيها الإمام في مقدمة الكتاب هي: بيان ما كان عليه السلف من اتباعهم للأثر، وهذا بلا شك يختلف مع أهل البدع والضلال، فإنهم ليسوا متبعين للأثر، وإنما هم يقدمون العقل على النقل كما ذكرنا ذلك في الدرس الماضي، ولذلك تجد أن من أعظم الفروق بين أهل السنة والجماعة وبين أصحاب الاعتقاد الفاسد أو الفكر المنحرف: أن هؤلاء يقدمون العقل على النقل.\nثانيًا: التعريض بالمنهج العقلي -أي: ذمة ولو من طرف خفي- وذم رواده من المعتزلة، وذكر جهلهم بحديث النبي ﷺ؛ لأن الذي يتكلم عن فضل التمسك بالأثر واتباع منهج السلف في ذلك لابد وأنه ولو لم يتكلم عن المواقف فإنه يشتمل ذلك ضمنًا على ذم ما خالف ذلك.\nأي: من خالف ذلك من المعتزلة، ومن أتى بعدهم في تقديمهم العقل على النقل.\nثالثًا: الإشارة إلى بداية ظهور البدع وموقف العلماء والحكام من المبتدعة.\nرابعًا: ذكر فضل أهل الحديث ووجه تسميتهم بهذا الاسم.\nخامسًا: ذكر سبب تأليفه لهذا الكتاب.\nسادسًا: بيان منهجه وشرطه في تصنيف هذا الكتاب.\nوهذا ما يتعلق بموضوعات المقدمة، إذ إن كل موضوع منها، وكل جزئية منها تصلح أن تكون موضوعًا طويلًا عظيمًا؛ لأنها تعد معالم في أصول أهل السنة والجماعة، وفي منهج أهل السنة والجماعة.\nبل إن كل مسألة من هذه المسائل التي معنا جديرة بالدراسة والتوسع فيها، ولذلك لو لم يكن في الكتاب إلا هذه المسائل لكفى، فضلًا عن أنه جعل ذلك مقدمات لأصل الكتاب.\nأما أصل وموضوعات الكتاب فقد جعلها المؤلف في مجلدين: المجلد الأول: تكلم فيه على موضوعات معينة.\nالأول: ذكر أسماء علماء أهل السنة والجماعة.\nأي: الذين تكلموا في مسائل الاعتقاد.\nالثاني: الحث على التمسك بالسنة واجتناب البدعة؛ لأن هذا أصل من الأصول، ولذلك كرره المؤلف، فمرة يذكره في المقدمة، ومرة يذكره في آخر كتابه.\nفيسوق نصوصًا في آخر الكتاب للدلالة على ذلك تختلف عن النصوص التي ساقها في مقدمة الكتاب.\nالثالث: التوحيد وأسماء الله وصفاته.\nالرابع: ذكر اعتقاد أهل السنة والجماعة في القرآن.\nالخامس: النهي عن التفكير في ذات الله ﷿.\nالسادس: مبحث القدر.\nالسابع: البعثة النبوية والمعجزات.\nالثامن: جزء من مبحث الإيمان.\nوأما المجلد الثاني: فإنه يحتوي على الموضوعات الآتية: الأول: تكملة لمبحث الإيمان.\nالثاني: المرجئة.\nالثالث: أبواب في المعاصي والتوبة.\nالرابع: القبر وما فيه.\nالخامس: الأمور الواقعة يوم القيامة.\nالسادس: المخلوقات غير المرئية كالملائكة والجن.\nالسابع: علامات الساعة الكبرى والصغرى.\nالثامن: الفضائل، وهو ما سماه بكتاب: (الكرامات)، وبين معتقد أهل السنة والجماعة في الكرامات.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>سبب التأليف</span>\nأما سبب تأليفه لهذا الكتاب فيقول: ما دفعنا إلى تأليف هذا الكتاب إلا سؤال بعض أهل العلم له أن يؤلف كتابًا في: (شرح اعتقاد أهل الحديث)، وهذا هو السبب الأول.\nالثاني: انصراف علماء زمانه عن مذهب أهل السنة والانشغال عنه بما أحدثوه من العلوم الأخرى مما أدى إلى ضياع الأصول القديمة التي أسست عليها الشريعة.\nأي: عندما رأى أن معالم الشريعة كادت أن تطمس في زمانه، ورأى انصراف أهل السنة عن بيان ذلك والتأليف والتصنيف فيه، تصدى لذلك بناء على طلب بعض أهل العلم له أن يؤلف في هذا الموضوع.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>أجزاء الكتاب</span>\nوأما أجزاء الكتاب فقد جعله في مقدمة وجزأين، وقد ذكرنا النقاط والموضوعات التي تكلم فيها في المقدمة وفي الجزأين.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>تاريخ التأليف</span>\nأما تاريخ تأليف هذا الكتاب فإنه كان قبل موته ببضع سنوات.\nونحن قلنا: إن الرجل قد درس المذهب الشافعي ببغداد، وكان من أكابر الفقهاء والمحدثين، ولم يظهر ذلك إلا في آخر أيام حياته.\nوقد أورد في هذا الكتاب جملة مستكثرة من الأحاديث والآثار والموقوفات والمقطوعات على التابعين وغيرهم، مما يدل على أن هذا الجهد العظيم لابد وأن يسبقه رحلة طويلة وزمن بعيد جدًا في تحصيل هذه الأقوال.\nفهذه علامات وقرائن تدل على أن هذا الرجل قد صنف هذا الكتاب في آخر حياته، فضلًا أن بعض النقول تدل على ذلك، ولذلك يقول ﵀ وهو يذكر كتاب القدر الذي أمر بقراءته على المنابر: [وجرى ذلك على يدي الحاجب أبي الحسن علي بن عبد الصمد ﵀ في جمادي الآخرة سنة ٤١٣هـ]، والرجل مات سنة ٤١٨.\nثم يقول: الطريثيثي في سند رواية الكتاب: (حدثكم الشيخ أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الحافظ في ربيع الأول سنة ٤١٦) والرجل مات سنة (٤١٨)، وغيرها من النقول التي تدل على أن هذا الكتاب ألف في آخر حياة الإمام.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>توثيق الكتاب</span>\nفي الحقيقة هناك نقولات كثيرة جدًا عن الإمام الكبير ابن الجوزي -وهو تلميذ الإمام- وعبد الغني المقدسي ﵀، وعن أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بـ أبي شامة صاحب كتاب البدع، وعن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وعن ابن أبي العز الحنفي، وعن الإمام الذهبي، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وغيرهم من أهل العلم الذين وثقوا نسبة الكتاب إلى المؤلف.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>منهج المؤلف</span>\nذكر المؤلف ﵀ منهجه في مقدمته، وبين الطريقة التي سيتبعها في التأليف وهي: أولًا: أنه لم يبدأ في تأليف هذا الكتاب حتى تصفح عامة كتب الأئمة الماضين، وعرف مذاهبهم ومناهجهم، ولم يأل جهدًا في تصنيفه.\nلذا فمن أراد أن يصنف وأن يكتب وأن يضع السواد على البياض فينبغي إن كان سلفيًا حقًا، ومتبعًا لا مبتدعًا، ومتأنيًا لا متسرعًا، أن يعلم أن مذهب أهل العلم أنهم ما وضعوا السواد في البياض -أي: ما وضعوا قلمًا في ورقة- إلا على هذا النحو.\nفهو رحمه الله تعالى لم يبدأ في تأليف هذا الكتاب حتى قرأ في هذا الباب كتب من سبقه، وعرف مذاهبهم ومناهجهم، ولم يأل جهدًا في تصنيفه.\nأي: لم يتعجل في تصنيف هذا الكتاب، وإنما بذل فيه جهدًا مشكورًا، والمتصفح لهذا الكتاب يعلم ذلك جيدًا.\nثانيًا: أنه فصل المسائل الخلافية.\nومعلوم أنه تكلم في المسائل الخلافية بكلام مفصل، وبين المحدث لكل مسألة.\nأي: المبتدع لكل مسألة ثلاثية.\nومعلوم أنه لا يتكلم عن الخلافيات في الفقه، وإنما يتكلم عن خلاف أهل العلم في مسائل الاعتقاد، فهو يذكر المسألة التي خالف فيها الخلف مذهب السلف، ويبين من أحدث هذه البدعة أولًا، ثم من تبعه إلى زمانه.\nوكذلك تكلم عن الفترة الزمنية التي أحدثت فيها تلك البدعة.\nثالثًا: الاستدلال على صحة مذهب أهل السنة والجماعة بالقرآن الكريم.\nرابعًا: فإن لم يجد فمن السنة.\nخامسًا: فإن لم يجد فيهما ولا في أحدهما استشهد بقول الصحابة ﵃ أجمعين.\nوهذا يدل على حجية كلام الصحابة ﵃، ولذلك يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله تعالى: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول سفيه سادسًا: فإن لم يجد عنهم فعن التابعين لهم بإحسان.\nسابعًا: ثم أخبر أنه لم يسلك فيه طريق التعصب على أحد من الناس.\nفهذه كلها مناهج سلفية، وكلها مذاهب لأهل السنة والجماعة، ولذلك لأهل السنة والجماعة معالم إذا توفرت في المرء عد منهم، وإذا لم يتصف بها المرء لم يكن منهم، أو كان بعيدًا منهم على قدر بعده من منهجهم ومعالمهم.\nقال: [هذا هو المنهج المكتوب].\nوهناك جانب آخر منه اتبعه المؤلف ولم يذكره وهو: أولًا: أن المؤلف اهتم بالجمع فقط من غير تمحيص للأحاديث والآثار التي أوردها، وإن كان قد أوردها بأسانيدها فإنه لابد من ذكر درجتها من الصحة أو الضعف، وخاصة وهو محدث حافظ؛ لأنها تمس أهم جوانب الدين، وهو جانب الاعتقاد.\nوكان هذا مأخذًا أخذه المحقق على المؤلف، وهو في الحقيقة عند عرض هذا الكلام على أصول أهل السنة لا يكون انتقاصًا، فهو يريد أن يقول: إن المؤلف هنا اهتم بقاعدة التقميش التي يقول بها المحدثون، وقاعدة التقميش إذا كنت في موطن أو في محل الكتابة فينبغي أن تأخذ عن كل أحد، وأن تكتب عن كل من هب ودب، وأما إذا كنت في موطن التصنيف، وفي موطن التعليم لغيرك فإنه ينبغي أن تفتش في هذه المجموعات، ولا تحدث إلا بأحسنها وأفضلها.\nوالمؤلف رحمه الله تعالى كتب في كتابه كل ما وقع إليه في الباب أو في المسألة، سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا.\nوفي الحقيقة هذا لا يعد كبير عيب؛ لأن قاعدة أهل الحديث أن من أسند نصًا فقد برئ من عهدته، فهو يروي هذه النصوص مسندة، وإذا كان هذا الصنيع في هذا الكتاب فما الحرج عليه بعد ذلك؟ وكأنه أحالك إلى البحث في أحوال الرواة الذين رووا مثل هذا الحديث أو هذا الأثر، وهذا صنيع كثير من الأئمة قبل هذا الإمام وبعده، ولم يعب عليهم ذلك أحد.\nثانيًا: أن المؤلف يعرض الاعتقاد ثم يذكر أدلته سردًا من غير تعليق أو شرح.\nأي: أنه يتكلم في أصل المسألة التي يريد أن يتكلم فيها، ثم يتكلم بعد ذلك في الأدلة، فيسرد أدلة هذه المسألة، مثل الإمام الطبري في تفسيره، حيث يأتي على الآية ويقول: هذه الآية اختلف في تأويلها على نحو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أقوال.\nثم يقول: والقول الأول كذا، والثاني كذا، والثالث كذا، وأدلة القول الأول كذا وكذا، وهكذا ويذكر بعد ذلك أقوال الصحابة والتابعين وأتباع التابعين مسندة إلى زمانه، منها الضعيف ومنها الصحيح، بل ومنها الموضوع، ولا يعد هذا عيبًا في الكتاب، ولعل المؤلف ﵀ معذور في ذلك لكثرة النصوص الواردة، إذ لو اتبع هذا المنهج لتضخم الكتاب جدًا.\nوعلى أي حال لا يعد هذا عذرًا للمؤلف إذا ألزمناه بالشرح والبيان، فكم من كتاب ضخم لم يمل منه أهل العلم.\nثالثًا: أن المؤلف لم يذكر المذاهب المخالفة في المسألة التي يوردها إلا في أماكن قليلة جدًا كما في مسألة: (الاسم والمسمى).\nأي: الاسم والمسمى لله ﷿، هل هو واحد أو أن الاسم هو المسمى؟ ستأتي هذه المسألة بالتفصيل إن شاء الله تعالى.\nوالمؤلف رحمه الله تعالى إذا أراد أن يتكلم في المسألة لا يذكر المناهج المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، وهذا أيضًا لا يلزمه، وقد تكلم أهل العلم في حديث افتراق الأمة: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافت","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>قيمة الكتاب العلمية</span>\nيعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب المصنفة في العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وخاصة في مذهب أهل الحديث أو أهل السنة والجماعة، وقل أن نجد مصنفًا بعده لا يستفيد منه أو يشير إليه، كما رأينا ذلك من قبل في توثيق الكتاب ونسبته إلى مؤلفه.\nومن المميزات التي اشتمل عليها المجلد الأول من هذا الكتاب: أولًا: أنه أورد وسرد كثيرًا من الآثار على ما يقارب (١٣٠٠) نص ما بين حديث وأثر كلها تتحدث عن مسائل اعتقادية.\nثانيًا: أن هذا المجلد يعد موسوعة لأسماء علماء أهل السنة، حيث يشتمل على ما يقارب (٦٠٠) من أسماء علماء أهل السنة والجماعة، وهذا يؤكد لنا إجماع الأمة على عقيدة أهل السنة قبل وبعد ظهور الانحرافات في الاعتقاد.\nثالثًا: أن هذا المجلد حفظ لنا عقيدة أحد عشر إمامًا من علماء أهل السنة ذكر في أكثرها مواقفهم من المسائل العقدية التي اختلف فيها أهل العلم.\nرابعًا: يعتبر الكتاب من المستخرجات، حيث أن المؤلف ﵀ سلك في إيراده للآثار مسلك المحدثين، إذ يورد الحديث أو الأثر بسنده إلى قائله، أي: أنه يريد أن يقول: إن هذا الكتاب فيه فائدة حديثية عظيمة جدًا، وهو أنه سلك في إيراده للآثار طريقة المحدثين، وهو ما يسمى في مصطلح الحديث بـ (المستخرج)، والمستخرج هو: أن يعمد المستخرج -بكسر الراء- إلى نص بعينه، كأن يكون في سنن أبي داود، فيورد هذا النص بسنده هو من غير طريق أبي داود.\nوهذا بخلاف المستدرك، فإنه بعكس ذلك، ولذلك معظم المستخرجات فيها زيادات، وهذه الزيادات تأتي في الغالب بزيادة المعنى، فإذا أورد النص الموجود عند أبي داود من غير طريق أبي داود فلا يخلو هذا من فائدة في مزيد الأسانيد أو في مزيد النصوص.\nقال: فإذا كان الحديث مخرجًا في أحد الكتب الستة فإنه لا يورده من طريقه، بل من طريق آخر، ولا يكاد يوجد ضمن هذا الكتاب ما يخالف هذه القاعدة.\nأي: كأن هذا الكتاب في باب العقيدة مستخرج على كل النصوص الموجودة في كتب السنة.\nقال: ولا شك أن وروده من تلك الطريق سيؤدي إلى زيادة أو موافقة لها فائدتها الحديثية.\nهذه هي بعض المميزات التي يتميز بها هذا الكتاب عن ما سبقه من مؤلفات أهل السنة في العقيدة إلى جانب مميزات أخرى لم تذكر.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المآخذ على الكتاب</span>\nلا يخلو كتاب من الكتب البشرية من صفات النقص والخطأ إذ العصمة لم يجعلها الله تعالى إلا لأنبيائه ورسله، وهذا الكتاب قد أخذ عليه بعض المآخذ منها: أولًا: ركاكة خاصة في المقدمة، إذ إنه بعد المقدمة أورد نصوصًا محكمة، بينما المقدمة يغلب عليها السجع المتكلف الذي لا يتضح معه المعنى في بعض الأحيان.\nثانيًا: عدم تنظيم وترتيب الأبواب؛ فإن المسألة تفهم بترتيب مباحثها ومسائلها، وأن تبنى الثانية على الأولى والثالثة على الثانية، والمؤلف لم يهتم بهذا الترتيب، فربما قدم ما حقه التأخير أو أخر ما حقه التقديم، ولا شك أن هذا عيب كذلك.\nيقول: ولم يهتم المؤلف بالعناوين التي تنظم الأبواب والنصوص، فربما يتكلم في عدة مسائل تحت مسمى واحد أو تحت كلمة واحدة، مع أن كل مسألة من هذه المسائل ينبغي أن تفرد بعنوان أو بباب أو فصل أو مبحث؛ لأنه قد يرغب القارئ في قراءة مبحث في القدر، فتجده يتكلم فيه على القرآن، أو تجده يتكلم فيه عن الإيمان بالملائكة، وربما يكون هناك فوائد تظهر لنا عند دراسة الكتاب، لكن على أي حال يعد هذا عيبًا في الكتاب من جهة التأليف.\nثالثًا: عدم صحة بعض الأحاديث والآثار الواردة فيه.","vol":"1","page":11},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-12> مقدمة الكتاب [٢]</span>\nأعظم الأدلة والبراهين التي يجب على كل مسلم تعلم عقيدته من خلالها كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، وأقوال الصحابة، ثم إجماع السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، ومن كان معه هذا المنهج فإنه لا يحتاج إلى أن يبتدع في دين الله ﷿؛ لأن عنده الأصل الأصيل في التشريع، أما من كان شاكًا في أمره، فإنه يترك اليقين للشك، ويذر الهداية للعمى، وهذا هو حال أهل البدع في كل وقت وحين.","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>مقدمة المصنف رحمه الله تعالى لكتابه شرح أصول الاعتقاد</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: ففي الدرس الماضي انتهينا من الكلام عن الكتاب وعن المؤلف كذلك، ووعدنا بأن ندخل في الموضوع مباشرة، والمقدمة التي كتبها الإمام مقدمة طويلة جدًا، وفيها فوائد عظيمة، خاصة أنه بين فيها بعض معالم أهل السنة والجماعة، وبعض معالم أهل البدعة والضلالة، وهذه المسألة في غاية الأهمية، إذ إن العلم بها لابد وأن يحفظ صاحبه في مسيره إلى الله ﷿.\nقال الكاتب في المقدمة بعد أن ذكر راوي هذه النسخة وسند الكتاب: قال هبة الله أبو القاسم: [الحمد لله الذي أظهر الحق وأوضحه، وكشف عن سبيله وبينه، وهدى من شاء من خلقه إلى طريقه، وشرح به صدره، وأنجاه من الضلالة حين أشفا عليها -أي: حين أقدم عليها وكاد أن يهلك- فحفظه وعصمه من الفتنة في دينه، فأنقذه من مهاوي الهلكة، وأقامه على سنن الهدى وثبته، وآتاه اليقين في اتباع رسوله وصحابته ووفقه، وحرس قلبه من وساوس البدعة وأيده، وأضل من أراد منهم وأبعده، وجعل على قلبه غشاوة وأهمله، في غمرته ساهيًاَ، وفي ضلالته لاهيًا، ونزع من صدره الإيمان، وابتز منه الإسلام، وتيهه في أودية الحيرة، وختم على سمعه وبصره، ليبلغ الكتاب فيه أجله، ويتحقق القول عليه بما سبق من علمه فيه من قبل خلقه له وتكوينه إياه، ليعلم عباده أنه إليه الدفع والمنع، وبيده الضر والنفع، من غير غرض له ولا حاجة به إليه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، إذ لم يطلع على غيبه أحدًا، ولا جعل السبيل إلى علمه في خلقه أبدًا، لا المحسن استحق الجزاء منه بوسيلة سبقت منه إليه، ولا الكافر كان له جرم أو جريرة حين قضى وقدر النار عليه].\nهذا كلام جميل جدًا في القدر، فهو يريد أن يقول: إن المحسن لما استحق الجنة لم يستحقها بإحسانه، وإنما بفضل الله ﷿، وكذلك الكافر استحق عذاب الله بعدله.\nقال: [فمن أراد أن يجعله لإحدى المنزلتين -الجنة أو النار- ألهمه إياها، وجعل موارده ومصادره نحوها -أي: يسره لما خلق له، إما الجنة وإما النار- ومتقلبه ومنقلبه ومتصرفاته فيها، وكده وجهده ونصبه عليها؛ ليتحقق وعده المحتوم، وكتابه المختوم، وغيبه المكتوم -كما قال تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى:١٨]، -وقال-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧].\nونشهد أن لا إله إلا الله وحده الذي لا شريك له، يحيي ويميت وينشئ ويقيت، ويبدئ ويعيد، شهادة مقر بعبوديته، ومذعن بألوهيته، ومتبرئ عن الحول والقوة إلا به.\nونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه إلى الخلق كافة، وأمره أن يدعو الناس عامة؛ لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين].","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>بيان أن أول واجب على المرء هو معرفة الله وتوحيده</span>\nقال: [أما بعد: فإن أوجب ما على المرء: معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله به عباده من فهم توحيده وصفاته وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طرقها والاستدلال عليها بالحجج والبراهين].\nأي: أن أول واجب يجب على المسلم أن يتعلمه هو: أن يتعلم عقيدته، وهذا هو منهج الصحابة كما ثبت عن جرير البجلي ﵁ أنه قال: كنا نتعلم الإيمان أولًا، فإذا نزل القرآن ازددنا به إيمانًا.\nوقول عبد الله بن عمر ﵄: كنا نؤتى الإيمان أولًا، ثم نؤتى القرآن، فإذا قرأناه علمنا حلاله وحرامه، وزواجره وأوامره ونواهيه، ووقفنا عند ما يجب علينا أن نقف عنده منه، ولقد أدركنا أقوامًا قد أوتوا القرآن قبل الإيمان، فإذا قرءوه فإنهم لا يعلمون حلاله ولا حرامه، ولا يعلمون زواجره ولا أوامره ولا نواهيه، ينثرونه نثر الدقل.\nأي: يقرءونه دون أن يخرجوا منه بفائدة إيمانية.\nلذا فإن المرء لو تعلم الإيمان أولًا فلا بد وأن يقف عند كل نص في دين الله ﷿، سواء كان هذا النص من كتاب أو من سنة أو إجماع أو قياس صحيح سليم.\nولذلك ترى الرجل الذي تربى على الإيمان سرعان ما يبادر إذا وصل إلى سمعه أمر من أوامر الله، أو نهي من نواهي الله ﷿، فيسارع ويبادر إلى اعتقاد هذا الأمر وتعظيمه؛ لأنه من حرمات الله ﷿، ويبادر إلى تنفيذه إن كان أمرًا، أو ينتهي عنه إن كان نهيًا، بخلاف الذي أوتي العلم قبل الإيمان.\nأي: أن هناك أناسًا عندهم علم كثير جدًا، لكن ليس عندهم إيمان، فهذا يجعلهم في حيرة وتردد وشك باستمرار كلما ألقي على أسماعهم وقلوبهم أمر من أوامر الله أو نهي من نواهي الله ﷿، ولذلك إذا لم تؤت الإيمان أولًا فاعلم أنك تحتاج مع كل أمر ونهي إلى من يذكرك بتعظيم أمر الله وحرماته وشعائره، حتى تتهيئ نفسيتك لقبول هذا الأمر والانتهاء عن هذا النهي، أما لو أن هذه القواعد الإيمانية موجودة من الأصل فأنت لا تحتاج مع كل أمر لمن يذكرك بوجوب تعظيم حرمة الله ﷿ عليك؛ لأن وجوب تعظيم حرمة الله من أعظم شعب الإيمان، فأنت إذا كنت تعلمت القرآن، وقد أوتيت الإيمان أولًا، فلا تلبث أن تسمع بالأمر أو النهي فتبادر إلى التنفيذ دون الحاجة إلى من يذكرك.\nأي: تشعر أن عندك خشية لله ﷿، فإذا سمعت أنه أمر بأمر تقول: سمعًا وطاعة لله، ولا تجادل ولا تناظر ولا تلاجج ولا تجادل ولا تحاجج؛ لأن الأصول عندك ثابتة، وهي: السمع والطاعة لله ﷿، وهما ثمرتا الإيمان بالله ﷿ وبرسوله الكريم ﷺ، ولذلك هناك فرق كبير جدًا بين رجل عالم يشار إليه بالبنان لا إيمان عنده؛ فإنه يحتاج مع كل نص إلى مقدمة ومؤخرة، ومن يروضه على قبول هذا الأمر، ثم هو في النهاية يصرف هذا النص عن ظاهره ليهرب من العمل، ليهرب من مقتضيات هذا النص.\nوأخ صغير يبلغ من العمر عشرين سنة أو أقل من ذلك، لكنه تربى على الإيمان، فسرعان ما يسمع بالآية أو سرعان ما يسمع بالحديث فيقول: والله دون هذا النص دمي، ولابد من تطبيقه والعمل به.\nفما الذي دفع الشيخ أن يرد هذا الأمر؟ وما الذي دفع هذا الشاب الصغير لقبول هذا الأمر والقتال دون تنفيذه؟ إنه إيمان هذا الشاب بالله ﷿ الذي نتج عنه تعظيم شعائر الله وحرماته، وضعف إيمان ذلك العالم النحرير.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>مصادر الاستدلال عند أهل السنة والجماعة</span>\nقال: [وكان من أعظم مقول -أي: من أعظم الأدلة والنصوص- وأوضح حجة ومعقول: كتاب الله الحق المبين، ثم قول رسول الله ﷺ وصحابته الأخيار المتقين].\nفتأمل هذا المنهج لأهل السنة في الاستدلال، بينما منهج المبتدعة غير منهج أهل السنة، فهو يريد أن يقول: إن من أعظم الأدلة والبراهين التي يجب على المسلم أن يتعلم عقيدته من خلالها هي: كتاب الله، سنة الرسول، أقوال الصحابة.\nلكن لا يوجد أحد أو جماعة أو فرقة أو طائفة من أهل البدع من تعتمد على أقوال الصحابة، وإنما هم يقولون: يكفي كتاب الله وسنة الرسول ﵊، ومع هذا يقولون: الأصل عندنا في الاستدلال: العقل، ثم القرآن من بعده والسنة، وما وافق العقل من القرآن والسنة أخذناه، وما لم يوافق العقل من القرآن والسنة أولناه وأخرجناه عن ظاهره حتى يوافق العقل، فجعلوا العقل هو الميزان الأعظم الذي تقاس عليه الأمور، والذي يجب أن تنضبط عليه نصوص الكتاب والسنة.\nونحن نقول: إذا خالف العقل النقل أخذنا بالنقل، والعيب والقصور في العقل، بينما أهل البدع يقولون -خاصة المعتزلة-: الأصل في الاستدلال العقل.\nفإذا خالفه النقل فيكون العيب في النقل! لكنهم لا يستطيعون أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأنهم يعرفون أنها مكفرة، لكنهم يقولون: إذا تعارض النقل مع العقل فلابد من تأويل النقل حتى يوافق العقل.\nإذًا: الميزان الأعظم عندهم: العقل.\nوالميزان الأعظم عند أهل السنة: هو النقل.\nوهذه أول فائدة.\nالفائدة الثانية: أنهم لا يحتجون بأقوال الصحابة قط، بل قاموا على الصحابة وكفروهم وبدعوهم، وشهروا السيوف في وجوههم، وقد حصل هذا من الشيعة والخوارج وغيرهم، بينما موقف أهل السنة والجماعة معلوم من أصحاب النبي ﵊، وما جرى بينهم من فتنة.\nفهذه لا ينبغي أبدًا ذكرها على سبيل التنقص بأصحاب النبي ﵊، وهو الذي قال: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).\nفهذا النص بظاهره وبغير شرح يلجم المرء إلجامًا، فلا يتكلم في أصحاب النبي ﷺ كلمة سوء واحدة، والذي يتكلم في أصحاب النبي ﷺ كلمة واحدة على سبيل التنقص، إنما يدل على مرض ونفاق ودخن في قلبه أبداه الله على فلتات لسانه.\nوهنا نقول: إن منهج الاستدلال عند أهل السنة: كتاب الله المبين، ثم قول الرسول ﵊، ثم قول الصحابة الأخيار المتقين.\nقال: [ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون].\nسواء كان إجماع الصحابة، أو إجماع من أتى بعدهم.\n[ثم التمسك بمجموعها].\nأي: التمسك بهذه الأدلة التي هي الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وما أجمع عليه السلف الصالحون.\n[والمقام عليها إلى يوم الدين].\nأي: لا يبرح المرء ولا ينفك أن يحتج وأن يلجأ إلى هذه الأدلة.\nقال: [ثم الاجتناب عن البدع].\nأي: أن الذي معه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس الصحيح لا يحتاج إلى أن يبتدع في دين الله ﷿، فهذه الأدلة كلها قد شملت أمور المسلم الحياتية والمعادية، فلماذا يبتدع في دين الله ﷿؟ ولذلك البدعة مناقضة ومناهضة ومجهضة للسنة، فما أحدثت بدعة إلا وأميتت وطمست سنة، ولذلك أحسن الإمام هنا عندما قال: أدلة احتجاج أهل السنة هي كذا وكذا وكذا.\nثم قال: [والاستماع إليها مما أحدثها المضلون] أي: اجتناب الاستماع إلى ما أحدثه المبتدعة؛ لأن كل بدعة ضلالة، وكل مبتدع ضال.\nأي: منحرف عن الطريق السوي.\nقال: [فهذه الوصايا الموروثة المتبوعة، والآثار المحفوظة المنقولة، وطرائق الحق المسلوكة، والدلائل اللائحة المشهورة، والحجج الباهرة المنصورة التي عملت عليها الصحابة والتابعون].\nلم نسمع قط أن هناك صحابيًا عقلانيًا، وهم الذين خوطبوا بهذا الكتاب العظيم! فلم يقل منهم أحد: عقلي مقدم على كلام الله ﷿.\nقال: [ومن بعدهم من خاصة الناس وعامتهم من المسلمين، واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين، ثم من اقتدى بهم من أئمة المهتدين، واقتفى آثارهم من المتبعين].\nأي: أن هناك أئمة كثيرين جدًا خاصة في أبواب الاعتقاد، فنحن عندما نحتج لمنهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال نقول كلام مالك خاصة في الأسماء والصفات، فقد سئل مالك عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنده بدعة.\nفهذا القول كلنا نحفظه أنه من قول مالك، في حين أنه ليس من قول مالك أصلًا، وإنما هو قول شيخه ربيعة الرأي.\nأي: أن ربيعة الرأي هو الذي علم مالكًا هذا الأصل وهذا المنهج وهذا الإجمال في الاعتقاد.\nوكذلك لم يكن هذا من كلام ربيعة، وإنما هو كلام أم سلمة ﵂ زوج النبي ﵊.\nإذًا: معناه: أن مالكًا قد أخذ هذا العلم عن الصحابة ﵃ أجمعين.\nقال: [ثم من اقتدى بهم من","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>نتائج تحكيم العقل في أمور الشريعة</span>\nقال: [ومن أعرض عنها وابتغى في غيرها مما يهواه -أي: يحب أن يميل إليه بهواه- أو يروم سواها مما تعداه؛ أخطأ في اختيار بغيته وأغواه -أي: وقع في الغواية والضلال- فسلكه سبيل الضلالة، وأرداه في مهاوي الهلكة فيما يعترض على كتاب الله وسنة رسوله بضرب الأمثال، ودفعهما بأنواع المحال، والحيدة عنهما بالقيل القال مما لم ينزل الله به من سلطان، ولا عرفه أهل التفسير واللسان، ولا خطر على قلب عاقل بما يقتضيه من برهان، ولا انشرح له صدر موحد عن فكر أو عيان، فقد استحوذ عليه الشيطان، وأحاط به الخذلان، وأغواه بعصيان الرحمن حتى كابر نفسه بالزور والبهتان.\nفهو دائب الفكر في تدبير مملكة الله بعقله المغلوب].\nأي: أن أحدنا لو تفكر في الكون، فمرد ذلك كله إلى قدرة الله وعظمة الله وقوة الله، لكن هذا المسكين إنما يفكر في ذلك بعقله هو، فهو إذا سلك هذا المسلك فهو في النهاية لابد وأن يقبح القبيح؛ لأنه يعتمد على عقله، فيجعل الحسن والقبح مداره على العقل، فما كان عنده قبيحًا قبحه، وما كان عنده حسنًا حسنه، وإن كان القبيح عنده عند الله حسن، وإن كان الحسن عنده عند الله قبيح.\nقال: [فهو دائب الفكر في تدبير مملكة الله بعقله المغلوب وفهمه المقلوب بتقبيح القبيح من حيث وهمه، أو بتحسين الحسن بظنه، أو بانتساب الظلم والسفه من غير بصيرة إليه، أو بتعديله تارة]، فهو يقول: هذا سفه، ولا يمكن أن يكون الله قد فعل هذا.\nواعلم أن قوله: (ولا يمكن أن يكون الله فعل هذا به).\nهذا ذر للرماد في العيون، وإلا فهو يريد أن ينكر وأن يعترض على الله ﷿ في مملكته وفي تدبيره وخلقه، ولذلك هو يعترض ثم يقول: لا يمكن أن يفعل الله هذا.\nلكن ماذا تقول أنت؟ أنت أولًا استبعدت قدرة الله ﷿، ثم تريد بهذا الاستبعاد -بزعمك- أن تنزه الله عنه، وفي الحقيقة أن الله هو الذي خلق ذلك.\nكما قالت المعتزلة: القرآن مخلوق؛ لأن القرآن شيء.\nفلما قام أهل السنة ونزهوا الله ﵎ ونزهوا صفاته أن تكون مخلوقة، قام عليهم المبتدعة من باب الذب عن الله وعن خلقه؛ لأن القرآن عندهم مخلوق.\nفلما قال أهل السنة بغير مقالة المعتزلة حرشوا بأهل السنة عند السلاطين.\nوهذا معلم ثان من معالم أهل البدع، فضلًا عن بعدهم وتحكيمهم لعقولهم في دين الله وفي شرع الله، فإنهم كذلك يحرشون بأهل السنة والجماعة عند السلاطين.\nأما المعلم الثالث فهو: عداؤهم المستمر وبغضهم الدفين لأهل السنة والجماعة، وتحريشهم بأهل السنة عند السلاطين، وانحرافهم عن المنهج القويم.\nقال: [وفهمه المقلوب: بتقبيح القبيح من حيث وهمه، أو بتحسين الحسن يظنه، أو بانتساب الظلم والسفه -إليه سبحانه- من غير بصيرة أو بتعديله تارة]، كلمة (أو بتعديله) هي قولهم: (من العدل كذا).\nوأنتم تعرفون أن العدل هو أحد أصول المعتزلة، والمعتزلة لهم خمسة أصول منها: العدل، والتوحيد، -انظروا هذا الكلام الجميل- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nفهذه من أصول المعتزلة، فأنت لما تسمع هذا تقول: هؤلاء المعتزلة أهل توحيد! وأهل عدل! وأهل أمر بمعروف ونهي عن منكر! فلماذا هم مختلفون مع أهل السنة والجماعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nالعدل عندهم غير العدل عند أهل السنة، والتوحيد عندهم غير التوحيد عند أهل السنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ضوابط عندهم غير ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند أهل السنة، وسنتعرض لهذا كله عند الكلام عن طائفة المعتزلة.\nومن أصولهم أيضًا: قولهم بالمنزلة بين المنزلتين في شأن مرتكب الكبيرة.\nقال: [أو بتعديله تارة كما يخطر بباله، أو بتجويره كما يوسوسه شيطانه، أو بتعجيزه عن خلق أفعال عباده فهو راكض ليله ونهاره -أي: المبتدع- في الرد على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والطعن عليهما].","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>تأويل المبتدعة للنصوص وصرفها عن ظاهرها لتوافق بدعتهم</span>\nإذًا: المعلم الرابع لأهل البدع: تأويل النصوص.\nبمعنى: صرفها عن ظاهرها لتوافق بدعتهم، بينما أهل السنة والجماعة يأخذون النص على ظاهره وعلى مراد الله ﷿، ويأخذون أقوال النبي ﵊ على مراد النبي ﵊، لكن أهل البدع يقولون: لابد من تأويل هذه النصوص حتى توافق أصولهم! فمثلًا: المعتزلة جعلوا لهم أصولًا تميزوا بها عن الحسن البصري وغيره، وجعلوا كل الأدلة الشرعية تعرض على هذه الأصول، فإذا وافقت هذه الأصول سمي عندهم دينًا، وما خالف هذه الأصول وجب ليه وتطويعه ليوافق عقولهم.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>مجادلة أهل البدع بالباطل</span>\nقال: [فهو راكض ليله ونهاره في الرد على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والطعن عليهما، أو مخاصمًا -لهذه الأدلة- بالتأويلات البعيدة فيهما]، أي: الذي هو صرف النص عن ظاهره.\nقال: [أو مسلطًا رأيه على ما لا يوافق مذهبه بالشبهات المخترعة الركيكة؛ حتى يتفق الكتاب والسنة على مذهبه، وهيهات أن يتفق].\nلأن هذا كلام اللطيف الخبير، وهذا كلام المخبول الضال، فكيف نطوع كلام الله ﷿ بكلام عبد قصير النظر وقصير العقل؟! قال: [ولو أخذ سبيل المؤمنين وسلك مسلك المتبعين لبنى مذهبه عليهما واقتدى بهما، ولكنه مصدود عن الخير مصروف].\nأي: لما علم الله ﵎ سلفًا وأزلًا أن هذا العبد بعينه سيختار الضلال على الهدى، وسيعمى بعد بصيرة، هيأه ويسره لما خلق له.\nقال: [فهذه حالته إذا نشط للمحاورة في الكتاب والسنة].\nأي: أنه يخاصم ويجادل، ولن يحتج أبدًا بأقوال أهل السنة، ولذلك عندما تناقش شخصًا من المبتدعة سيقول لك: قال الله وقال الرسول، لكن عندما تقول له: ما قول ابن كثير في هذه الآية؟ يقول لك: من ابن كثير هذا؟! وهذا منهج أهل البدع، لكن نحن لو ناقشناهم وحاورناهم فسنقول: هذه الآية قال فيها ابن كثير كذا، والطبري قال فيها كذا، والقرطبي قال فيها كذا، وابن تيمية قال كذا.\nإذًا: نحن متبعون، وهؤلاء سلفنا، فنحن نحتج بأقوال الله ﷿ بفهم سلفنا ﵃، أما هم فيأخذون فقط من الكتاب والسنة، فإذا وافق الكتاب عقولهم ابتداءً أخذوا به، أما لو خالف الكتاب عقولهم ردوه، وفي الغالب يخالف؛ لأنه لا يتفق كلام الله ﷿ مع كلام شخص مجنون مهبول؟! إذًا: فنحن نريد أن نقول: إن أقوال المبتدعة هي التي تخالف أصولهم.\nوهم يقولون: كلام الله مخالف لأصولنا.\nفهم جعلوا أصولهم هي الأصل، وكلام الله هو الذي يجب أن يقاس لا أن يقاس عليه، فلما استصعبوا موافقتهم للكتاب والسنة لجئوا إلى التأويل والتحريف لكلام الله وكلام رسوله حتى يوافق أصول مذهبهم.\nقال: [فأما إذا رجع إلى أصله وما بنى بدعته عليه اعترض عليهما بالجحود والإنكار].\nومعلوم أن هؤلاء المعتزلة ردوا نصف السنة وزيادة؛ لأنها ضعيفة، ولأنها لا تثبت من جهة أنهم زادوا شرطًا في قبولهم للسنة لا يعرفه أهل السنة، ألا وهو: موافقة السنة للعقل إما تصريحًا أو تأويلًا، فإذا لم توافق السنة عقولهم لا تصريحًا ولا تأويلًا -أي: بعد ليها- فهي مردودة عندئذ، ولذلك هم يقولون دائمًا: ليس معقولًا أن النبي قال كذا.\nلكنهم اجتهدوا على الكتاب فأولوه.\nأي: أولوا فيه كل ما خالفهم أو خالف أصولهم.\nأي: ليس معقولًا أن يقولوا لنا: ليس معقولًا قال ربنا كذا؛ لأن الله قد قال، وهذا المصحف بين أيدينا، فهم على استحياء شديد، فلا يستطيعون أن يردوا القرآن الكريم، لكن السنة عليها مطاعن كثيرة جدًا، وقد جعلوا أصلًا لا يعرفه أهل السنة وهو موافقة السنة للعقل، فلما خالفت السنة عقولهم الحقيرة ردوا معظمها، ولذلك يقول: [فأما إذا رجع إلى أصله وما بنى بدعته عليه اعترض عليهما -أي: على الكتاب والسنة- بالجحود والإنكار، وضرب بعضها ببعض من غير استبصار].\nيأتون بالأحاديث التي ظاهرها التعارض فيضربوا بعضها ببعض، ومعلوم أن من أصول أهل السنة والجماعة في تأويل هذه النصوص التي ظاهرها التعارض: الصيرورة إلى النسخ إذا لم يكن الجمع ممكنًا، بينما هذا المبتدع يأتي لك بحديث يأمر بشيء، وحديث ينهى عن نفس الشيء، فيقول: أيعقل -ودائمًا تسمع بهذه الكلمة من أهل البدع- أن النبي قال في الأمر الواحد بالأمر والنهي، أو في الشيء الواحد بالأمر والنهي؟! لا.\nليس معقولًا.\nإذًا: النبي ﷺ لم يقل هذا ولا قال ذاك.\nوإن كان أحدهما يوافق العقل قالوا به ويبطلون الثاني.\nقال: [واستقبل أصلهما ببهت الجدل والنظر من غير افتكار، وأخذ في الهزو -أي: في الاستهزاء- والتعجب من غير اعتبار، استهزاءً بآيات الله وحكمته].\nوهذه قصة تبين ذلك: فقد ركبت مع شخص أعرفه منذ زمن، ثم قال لي: أتذكر تلك القضية القديمة التي كانت في سنة تسعة وثمانين أو في سنة تسعين؟ فقلت: نعم، أذكرها، وهي قضية أختك عندما قال لها زوجها: لا يحل لكِ أن تتصرفي في مالكِ إلا بإذني.\nثم قال: أتذكر الموضوع؟ فقلت له: أذكره.\nوقلت له: وأذكر يومها أنني أحلتك على سنن ابن ماجه وشرح السنة للبغوي، فقال لي: حصل ذلك.\nثم قال لي: تصور أن فلانًا قال كذا وكذا.\nفقلت له: وأنا أقول بهذا القول الآن كما قلت به سلفًا، أن المرأة لا يحل لها أن تتصرف في مالها بغير إذن زوجها وإن كان الإسلام حفظ الذمة المالية لكلا الزوجين -أي: أن هذا المال مال المرأة، وهذا المال مال الزوج- لكن للقوامة التي هي للرجل على المرأة، ولضعف المرأة في عقلها وسفهها، واكتمال الرجل في ذلك، وجب على المرأة دوامًا للعشرة أن تلجأ إلى زوجها، وألا تنفق من مالها -لا أقول: من ماله، وإنما من مالها-","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>تقديم المبتدعة لأقوال الرجال على النصوص الشرعية</span>\nقال: [وضرب بعضها ببعض من غير استبصار، واستقبل أصلهما ببهت الجدل والنظر من غير افتكار، وأخذ في الهزو والتعجب من غير اعتبار بآيات الله وحكمته، واجتراء على دين رسول الله ﷺ وسنته، وقابلها برأي النظام والعلاف والجبائي وابنه الذين هم قلدة دينه].\nأي: أساتذة المذهب العقلي.\nفيرد على النصوص بأقوال الفلاسفة، بأن يقول: كيف يقول ربنا ذلك؟! إن النظام قال كذا! وعلي الجبائي قال كذا.\nويرد على الأصول الأصيلة عندنا بأقوال الرجال، ومعلوم أن الأصل عند أهل السنة هو أننا لا نعرف الحق بالرجال، وإنما نعرف الرجال بالحق.\nوهذا منهج أصيل، بينما أهل البدع يقولون: يعرف الحق من خلال الرجال، فإذا وافق الحق أقوال الرجال فهو حق، وإذا خالف فأقوال الرجال هي الحق، وهذا منهج الفلاسفة.\nوما جهل المعتزلة بالكتاب والسنة وغيرهم من أهل البدع والانحراف والضلال جميعًا، وانحرافهم وفساد قلوبهم إلا لأنهم تنكبوا طريق السلف في منهج الاستدلال.\nقال: [قوم لم يتدينوا بمعرفة آية من كتاب الله في تلاوة أو دراية، ولم يتفكروا في معنى آية ففسروها أو تأولوها على معنى اتباع من سلف من صالح علماء الأمة إلا على ما أحدثوا من آرائهم الحديثة، ولا اغبرت أقدامهم في طلب سنة أو عرفوا من شرائع الإسلام مسألة، فيعد رأي هؤلاء حكمة وعلمًا وحججًا وبراهين].\nأي: أن رأي الرجال عندهم هو الحكمة وهو الدليل وهو البرهان.\nقال: [ويعد كتاب الله وسنة رسوله حشوًا وتقليدًا وحملتها -أي: حملة الكتاب والسنة- جهالًا وبلهًا، ذلك ظلمًا وعدوانًا وتحكمًا وطغيانًا].","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>موقف المبتدعة من أهل السنة خصوصًا وأهل الإسلام عمومًا</span>","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>تكفير المبتدعة لجملة أهل الإسلام</span>\nقال: [ثم تكفيرهم للمسلمين بقول هؤلاء إذ لا حجة عندهم بتكفير الأمة إلا مخالفتهم قولهم من غير أن يتبين لهم خطأهم في كتاب أو سنة].\nأي: أنهم يكفرون بالجملة، ويقولون: المجتمع كله كافر، بينما أهل السنة والجماعة لا يكفرون الناس ولا الطوائف ولا الفئات ولا الجماعات ولا غيرهم، بل إنهم يتحرزون كل التحرز من تكفير الفرق التي أخبر عنها النبي ﷺ، لذا عندما تقرأ كتاب: (الفرقان بين الحق والباطل) لشيخ الإسلام ابن تيمية يدخل في نفسك أن شيخ الإسلام ابن تيمية متسامح جدًا، ومبالغ مع هؤلاء الناس؛ لأننا لم نترب تربيته، ولو تربينا تربية فستكون أصولنا هي أصوله، لكن عندما يسأله رجل في هذا الكتاب فيقول: كافر دخل الإسلام على مذهب الخوارج، فما حكم ذلك؟ فيجيب شيخ الإسلام قائلًا: الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على رسوله الذي اصطفى.\nوبعد: فإن بعض الشر أهون من بعضه.\nفإن هذه الكلمة منهج عند ابن تيمية.\nوالآن الشيعة انتشروا انتشارًا رهيبًا في بلاد أوروبا وأمريكا، ولهم تأثير ملحوظ هناك من خلال نشاطهم وعملهم هناك، فإن هم أتوا بشخص كافر كفرًا أصليًا وقالوا له: لابد أن تسلم من أجل دخول الجنة والنجاة من النار، ومن أجل كيت وكيت، فأسلم الرجل، وهو لا يعرف سنة ولا بدعة ولا دليلًا ولا شيئًا من هذا القبيل بالمرة، وإنما أقنعوه بحب النبي، وحب آل البيت، وحب القرآن وحب ربنا، ومن أجل أن يدخل الجنة، ومن أجل كيت وكيت، وقالوا له: لا يطلب منك أكثر من ذلك، فتصلي وتصوم رمضان وتتبع الإمام وتنتظر المهدي المنتظر، وتتزوج بما شئت من النساء، فيقول: والله إن هذا الإسلام جميل جدًا، وسهل وحلو، وعلى الأقل الواحد يعيش بالهناء، وفي النهاية سيكون شيئًا ينتظره اسمها: الجنة.\nفـ ابن تيمية سئل عن مثل هذا فقال: خير للمرء أن يموت على بدعة من أن يموت على الكفر البواح.\nفبالله عليك لو سئلت هذا السؤال أيكون جوابك نفس جواب ابن تيمية؟! أبدًا، وإنما ستقول: الاثنين سواء، فدعه يبقى على كفره أحسن.\nبل لو سئلت أنه على مذهب التصوف الذي هو الزهادة، وليس التصوف الذي هو التأويل وصرف النصوص عن ظاهرها، لقلت مثل ذلك.\nإذًا: من معالم أهل البدع: أنهم يقومون قومة رجل واحد على المجتمع المسلم فيكفرونه، وأنتم تعرفون جماعة التكفير والهجرة عندما ظهرت سنة (١٩٧٤م)، وقبل ذلك بقليل لما ظهرت هذه الجماعة كان أعظم شعار لها هو تكفير المجتمعات كلها، وفي سنة (١٩٨٣م) جاء شخص منهم إلى الأردن، وقد كنت في مصر سنة (١٩٨٤م)، جئت من أجل أن أستقر، ولم أجلس عشرين يومًا حتى علمت أن الاستقرار مستحيل، فعدت مرة أخرى، فدخل علي البيت يوم أن كنت في الأردن، وكان عندي أخي، وهو شديد جدًا.\nوالمهم أنه قال له: هذا بيت أبي الأشبال، فقال له: نعم.\nودخل ولم يلق السلام بالمرة.\nثم قال له: أأنت أبو الأشبال؟ قال له: لا.\nأبو الأشبال في مصر ولعله يأتي بعد عدة أيام.\nثم قال له: إذًا أنت أخوه؟ قال له: نعم.\nقال له: نسمع أنك سفيه ولا يمكن التفاهم معك، فأنا سأنصرف حتى يأتي أبو الأشبال من مصر.\nوالمهم أنه قال له: كنت أريد معرفة رأيك في المجتمع الأردني، فقال له: مجتمع مسلم ونظيف ومحترم جدًا.\nفقال له: لكن أنا على غير ذلك.\nفقال له: أنت على ماذا؟ قال: على تكفيره.\nقال: ومن أنت حتى يكون لك رأي؟ فقال: وأنت من؟ قال: على الأقل من أهل السنة.\nقال له: لا.\nفنحن أهل السنة.\nثم قال له: وإن عندي أدلة تثبت أن هذا المجتمع كافر.\nأي: أن النبي تكلم عن الأردنيين، وأتى له بحديث مكذوب، فقال له أخي: أين هذا الحديث؟ فقال له: في مسلم.\nقال له: صحيح مسلم لم يطبع في الدنيا إلا أربع طبعات وهن عندي، فأخرج لي الحديث منهن، وأخي شديد وعنيف، فقد أحضر سكينة وغرزها في الطاولة وقال له: رأسك أو الحديث، وظل يبحث ويقلب في صحيح مسلم، ويمسك هذه الطبعة ويترك هذه، ولم يحصل على الحديث حتى أذن الظهر، ثم قال له أخي: اخرج وصل، ثم عد مرة أخرى لتبحث عن الحديث، وكان باب المسجد أمام باب البيت، ولم يكن بينهما إلا الشارع، فقال الرجل: أنا لا أصلي مع الكفار.\nفقال له: ومن الكفار؟ فنظر وقال له: هؤلاء الناس الراكعون! إنها جرأة وأي جرأة، ومنهج خرب لأهل البدع.\nثم قال له: اجعلني أبحث على الحديث حتى تأتي من الصلاة، فقال له أخي: لا، فأنت لا تؤتمن على دينك، ولا آمنك على هذه المجموعة من الكتب، اخرج إلى الخارج مثل الكلب إلى أن أذهب وأصلي ثم آتي.\nهكذا قال له.\nولما خرجوا من الصلاة لا أعرف ما الذي حصل بالضبط، المهم أنه حصل ضرب شديد، فاجتمعوا عليه وأمسكوا به إخوة المسجد أصحاب السنة، ومسحوا به الأرض، وأنا جئت من مصر بعد هذا الحادث بحوالي أسبوع، فنزلت على أحد أصدقائي في الميدان العام في عمان؛ لأنه كان يسكن معي، فأردت أ","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>طعن المبتدعة في منهج أهل السنة والجماعة وأدلتهم</span>\nقال: [ثم ما قذفوا به المسلمين من التقليد والحشو] المعتزلة سموا أدلتنا حشوًا وتقليدًا، وسموا أهل السنة بالحشوية والمقلدة، وعليه فعندما تحتج بآية أو حديث فأنت قد أتيت بكلام ليس له أي داع، وإنما تحشو فقط، وتجمع الكلام الذي لا قيمة له ولا فائدة ولا طائل من ورائه، ومهما قلت: قال الله قال رسوله، فأنت تحشو الكلام حشوًا دون فائدة؛ لأن الفائدة كل الفائدة عندهم -أي: المعتزلة- في الاتباع لأدلتهم.\nقال: [ولو كشف لهم -أي: السني- عن حقيقة مذاهبهم، كانت أصولهم المظلمة، وآراؤهم المحدثة، وأقاويلهم المنكرة، كانت بالتقليد أليق، وبما انتحلوها من الحشو أخلق، إذ لا إسناد له في تمذهبه إلى شرع سابق، ولا استناد لما يزعمه إلى قول سلف الأمة باتفاق موافق أو مخالف، إذ فخره على مخالفيه بحذقه، واستخراج مذاهبه بعقله وفكره من الدقائق، وأنه لم يسبقه إلى بدعته إلا منافق مارق، أو معاند للشريعة مشاقق؛ فليس بحقيق من هذه أصوله أن يعيب على من تقلد كتاب الله وسنة رسوله واقتدى بهما، وأذعن لهما، واستسلم لأحكامهما، ولم يعترض عليهما بظن أو تخرص واستحالة أن يطعن عليه؛ لأن بإجماع المسلمين أنه على طريق الحق أقوم، وإلى سبل الرشاد أهدى وأعلم، وبنور الاتباع أسعد، ومن ظلمة الابتداع وتكلف الاختراع أبعد، وأسلم من الذي لا يمكنه التمسك بكتاب الله إلا متأولًا، ولا الاعتصام بسنة رسوله إلا منكرًا أو متعجبًا، ولا الانتساب إلى الصحابة والتابعين والسلف الصالحين إلا متمسخرًا مستهزئًا] فهذا هو الفرق بيننا وبين أهل البدع.\nقال: [لا شيء عنده إلا مضغ الباطل، والتكذب على الله ورسوله والصالحين من عباده].\nولذلك لما سئل أيوب بن أبي تميمة السختياني عن أن ينظر في شيء من الرأي -والرأي ظلمة والحديث نهار- قال: لا أنظر فيه قط؟ قيل: ولم؟ قال: لأنني أكره أن أجتر كالحمار.\nأي: أكره أن أكون كالحمير، فأتشدق بكلام لا قيمة له.\nوفي رواية أخرى قال: لأنني أكره مضغ الباطل؛ لأن الرأي بخلاف الدليل، فالدليل نص والرأي رأي.\nقال: [وإنما دينه -أي: صاحب البدعة- الضجاج والنفاق، والصياح واللقلاق، قد نبذ قناع الحياء وراءه].\nأي: يخلع قناع الأدب والحياء، ولذلك لا تجد واحدًا من أهل البدع يناقش أهل السنة في كل زمن وفي كل مكان إلا ويجهل عليهم، ويسب ويشتم ويصيح ويجادل ويخاصم ويضجر، ويقول كلامًا يحرم قوله؛ لأن هذا من مبادئهم.\nأما أهل السنة فإن مبدأهم: قال الله وقال رسوله.\nهذه الكلمة عندما يسمعها المبتدع يتمنى أن تذبحه بسكين ولا تقول له: قال الله وقال رسوله.\nلأنه بعيد جدًا عن هذا المنهج.\nلذا ما إن يسمع قال الله حتى يأتي بالغث وبالسمين، ولا يوجد عنده سمين حتى يأتي به، بل يأتي بكل الغث والنفاق والصياح وقلة الأدب.\nوهؤلاء المبتدعة لهم منهج في النقاش والجدل الذي لا ينتبه له يخذل دين الله ﷿، ولذلك أهل البدع يحب أن يناقش في الظلام، وهذه أيضًا علامة من علاماتهم، فلا يحب أن يناقش على ملأ أبدًا، فتقول له: أتريد مناقشتي؟ فيقول: نعم، وذلك في مكان لا يرانا فيه أحد، فتقول الذي عندك وأقول الذي عندي، فيحب أن يعرف ما الذي عندك حتى يرد عليك بعد ذلك، وحتى يرتب أموره ويخرج البلاء المتراكم الذي في قلبه وفي عقله، ويسجلها على أشرطة، وبعد ذلك يرد بها عليك، أو يأخذ حجتك من غير سماع أهل الحق لها، ثم يبطلها ويأتي بأدلته العقلية والنقلية الملوية ويلفقها وينمقها، ثم يدفع بها، ولذلك فإنه يحب أن يبدأ هو بالكلام وبعد ذلك لا يسمح لك بالكلام، فيظل يتكلم لمدة ساعتين حتى يمل المستمعون، ولا تبقى معه ذاكرة تستوعب كلام أهل الحق، وفي الأخير يختم كلامه فيقول: بعد الذي سمعته مني أتريد الكلام يا أخي؟ اذهب الله يسهل لك.\nفيقوم من ذلك المجلس ويمشي، فيكون المهزوم في هذه الجولة السني، لذا على السني أن يكون ذكيًا، فيحدد وقتًا للسؤال والجواب، ومثال ذلك: مناظرات رجل اسمه أحمد ديدات، فقد كان المناظر نفسه يقطع الإجابة من النصف؛ لأن الوقت قد انتهى، ثم يحول الدفة إلى الثاني، أما أنك تترك الشخص يتكلم بالساعتين والثلاث ويخرج كل أصوله ويحشد بها القلوب والأذهان والأسماع، ثم في الأخير يضحك عليك ويتركك ويمشي، ويكون المستمع بعد ذلك ليس عنده أدنى استعداد أن يسمع.\nبذلك يكون قد غلبك!!","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>اتهام المبتدعة لأهل السنة بالجهل وعدم فقه الواقع</span>\nقال: [وإنما دينه الضجاج والنفاق والصياح واللقلاق، قد نبذ قناع الحيا وراءه، وادرع سربال السفه -أي: لبس درع السفه- فاجتابه، وكشف بالخلاعة رأسه، وتحمل أوزاره وأوزار من أضله بغير علم ألا ساء ما يزرون، فهو كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٢ - ١٣].\nفهو في كيد الإسلام وصد أهله عن سبيله، ونبز أهل الحق بالألقاب: أنهم مجبرة، ورمي أولي الفضل من أهل السنة بقلة بصيرة، والتشنيع عند الجهال بالباطل، والتعدي على القوام بحقوق الله والذابين عن سنته ودينه.\nفهم كلما أوقدوا نارًا للحرب -أي: لحرب أوليائه- أطفأها الله، ويسعون في الأرض فسادًا، والله لا يحب المفسدين].\nأيضًا: من علامات ومعالم أهل البدع: أنهم يتهمون أهل السنة والجماعة بالجهل والغياب عن الواقع، فأنت عندما تناقش شخصًا ممن سلك مسلكًا مغايرًا لما عليه سلف الأمة وخاصة في الخروج على الإمام، والمسألة بينة وواضحة، وإن كانوا معنا على عقيدتنا، ولا خلاف بيننا وبينهم إلا في مسألة الخروج، ولذا لابد أن نميز ونفرق بين مسألة مبدأ التكفير ومبدأ الخروج، فالتكفير لا يستلزم الخروج، لكنهم ربطوا بين التكفير وبين الخروج، وقالوا: إذا كان فلان كافرًا وجب الخروج عليه.\nوإننا نسأل الآن: ماذا جر الخروج على الأمة هنا وهناك؟ إنه لم يجر عليها إلا شرًا، ولذلك نقول: إن الخروج ليس مذهبنا ولا مسلكنا ولا من أخلاقنا أبدًا، وإن كانت مسألة التكفير تختلف فيها الأنظار، لكن الخروج لا يجوز قولًا واحدًا؛ وذلك درءًا للمفسدة، وجلبًا للمصلحة، وحقنًا لدماء المسلمين، فضلًا عن تكافؤ القوى، وهو كلام قلناه ونقوله في كل مناسبة.\nلذا عندما تناقش أحد هؤلاء، وتقول له: الشيخ الفلاني أو العلامة الفلاني أو المحدث الفلاني يقول بعدم الخروج.\nسيقول لك: هذا رجل لا يعرف عن الواقع شيئًا! مع أنه رجل قضى حياته في واقع الأمة، وعلم تاريخ الأمة سلفًا وخلفًا، ومع ذلك يرمى من قبل أناس لم يبلغوا سن التكليف، ويقولون مثلًا: الشيخ ابن باز أو الشيخ ابن عثيمين أو الشيخ الألباني هؤلاء علماء دفاتر، وعلماء أقلام، وعلماء تحقيق، وليس عندهم معرفة بالواقع! وهذا بلا شك انحراف عن المنهج القويم لأهل السنة والجماعة.\nإن عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة واحدة وليست عقائد متعددة، وهذه العقيدة ثابتة وليست متغيرة، وبالتالي فكل متغير إلى زوال، ويبقى هذا الأصل الثابت ثابت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\nثم إن كل العقائد التي أحدثت واخترعت وابتدعت قد فشلت في مواجهة عقيدة أهل السنة والجماعة، بدليل قول النبي ﵇: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).\nأي: أنهم ثابتون مستقرون على عقيدتهم التي تركهم عليها النبي ﵊ وصحابته الكرام؛ لأنه قال ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة -وهؤلاء هم أصحاب العقيدة الأولى- قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، ﵃ أجمعين.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>فشل العقائد المبتدعة أمام عقيدة أهل السنة والجماعة</span>\nقال: [ثم إنه من حين حدثت هذه الآراء المختلفة في الإسلام، وظهرت هذه البدع من قديم الأيام، وفشت في خاصة الناس والعوام، وأشربت قلوبهم حبها، حتى خاصموا فيها بزعمهم تدينًا أو تحرجًا من الآثار، لم تر دعوتهم انتشرت في عشرة من منابر الإسلام متوالية].\nأي: أن هؤلاء الشيعة جماعة مبتدعة ليسوا على الحق، ولم نر لدعوتهم انتشارًا في مصر وغيرها، بينما أهل السنة لهم انتشار في كل مكان وزمان؛ لأن هذا دين ربنا ﷾، فهو الذي ينشره وينصره ويؤازره بعباده الصالحين، فأنت عندما تنظر إلى أهل الحق في كل زمان ومكان تجدهم كثير، وأما أهل البدع فقلة لا يكتب لهم ولمنهجهم الانتشار والذيوع، ونحن في بعض الأحيان نهول الأمر جدًا مخافة الانتشار، ولذا ليس هناك ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة خاطفة للجهال، والجهال في مصر كثير جدًا، فقد يأتي إليك شخص ويجلس معك ويقول لك كلمتين فتقتنع بها، ثم بعد ذلك في المجلس الثاني يكلفك بأن تدعو بهذا الكلام غيرك، وهكذا البدعة تنتشر، لذا أول ما تظهر البدعة لابد أن تأخذ على رأسها بالنعال من أجل أن تردها إلى أصلها، ولذلك نحن في المنصورة أحد المحافظات فيها قرية أو قريتين انتشر فيها التشيع، والمنصورة هذه بلدي، وفيها الكثير من أصحابي أيام الجامعة، وقد ذهبت إليهم ووجدتهم متشيعين، فقالوا لي: والله يا أبا الأشبال! لقد خالفتنا.\nفقلت لهم: أنا لم أخالفكم، فأنتم الذين خالفتموني، فقد كنا معًا في المعتقد والمنهج.\nثم قالوا لي: مع هذا نحن نحبك وأنت غير الناس.\nفقلت لهم: لا بأس، فهم يريدون أن يثبتوا أنه ليس هناك فرق بيننا وبينهم، وأنهم أناس مؤدبون ويحترمون المخالف، فقلت لهم: سأخطب الجمعة في المسجد الفلاني، وأريد أن أراكم هناك، فهم أحبوا أن يدللوا أنهم أحسن مني، وأنني لا أصلي وراءهم، لكنهم يصلون ورائي، فأتوا، فذكرت الشيعة من أجل الكلام الذي قلناه قبل سنتين، واختصرناه وأجملناه ووقفنا ساعتين إلا ثلث في الخطبة، وهم جلوس، فوجدت أن الناس لم يعجبهم الكلام على التشيع، بينما هؤلاء يعرفون القضية كاملة، بل عامة الناس الفلاحين الجالسين يقولون: كيف تقول يا رجل! على الخميني هذا الكلام؟ إن الخميني هو المخلص، وانظر ماذا عمل مع سلمان رشدي؟ ليس هناك أحد من بني آدم تكلم بكلمة واحدة، ولا وضع مليوني دولار لمن يأتي برأس سلمان رشدي إلا الخميني! وهذا ابن عباس ﵁ عندما سأله الخوارج فقالوا له: هل رأيت أعبد منا يا ابن عباس؟ قال: نعم.\nالنصارى أعبد منكم، فقد جلسوا في صوامعهم وانقطعوا للعبادة وتركوا الدنيا، ومع هذا كانوا كفارًا، فهل الأمر صحة وضعفًا، قبولًا وردًا يقاس بالعبادة أو يقاس بالعلم؟ الكلام في هذا كثير جدًا.\nقال: [لم تر دعوتهم انتشرت في عشرة من منابر الإسلام متوالية، ولا أمكن أن تكون كلمتهم بين المسلمين عالية، أو مقالتهم في الإسلام ظاهرة، بل كانت داحضة وضيعة مهجورة، وكلمة أهل السنة ظاهرة، ومذاهبهم كالشمس نائرة، ونصب الحق زاهرة، وأعلامها بالنصر مشهورة، وأعداؤها بالقمع مقهورة، ينطق بمفاخرها على أعواد المنابر، وتدون مناقبها في الكتب والدفاتر، وتستفتح بها الخطب وتختم، ويفصل بها بين الحق والباطل ويحكم، وتعقد عليها المجالس وتبرم، وتظهر على الكراسي وتدرس وتعلم، ومقالة أهل البدع لم تظهر إلا بسلطان قاهر].\nلذا فإن من أعظم معالم أهل البدع: التقرب من الوالي حتى يصلوا إلى البلاط الملكي، وبالتالي تكون البلد كلها معهم، ولذلك أهل البدع دائمًا متصفون بالنفاق، إذ البدعة والنفاق عندهم متلازمان، فتجد أهل البدع في أول النهار يقبل يد ورأس الوالي، ويقولون: أنت المخلص وأنت الزعيم وأنت كذا وكذا، ثم بعد ذلك يجلس بجوار الوالي أو السلطان، ويضع الحاكم نعله على رأسه، ويرفعه على كل من خالفه من أهل السنة؛ لأن الغالب في الطرفين الفجور وترك السنن، وأهل السنة يقفون في وجه السلاطين والحكام والملوك والأمراء الذين ابتعدوا عن كتاب الله وعن سنة رسوله.\nثم يقول لك: إن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بأهل السنة أعدائي، بينما هؤلاء أحبائي، ولسان حال السلطان: أتريد أن تجعل الرجل الذي يشتمني على المنبر مثل رجل كل يوم يقبل رأسي ويقبل حذائي؟ لابد أن يكون رجلًا محترمًا مثل هذا الذي يقبل الرأس.\nويقول: وهذا السني لم يعرف قيمتي، مع أنه لا يعمل ذلك حبًا في الحاكم، وإنما يعمل ذلك حبًا في نفع بدعته.\nفيأتي إليه ويقول: يا سعادة الباشا! والله نحن عندنا مسألة ونريد من حضرتك أن تتبناها؛ لأنك خير من يتبناها.\nفيقول الحاكم: وما هذه المسألة؟ فيقولون: القول بخلق القرآن، فالقرآن شيء، وربنا خالق كل شيء، فيقول الحاكم: ومن يخالفك في ذلك؟ فيقولون: المبتدع فلان وفلان، مثل: أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.\nفيقول الحاكم: ائتوا به.\nفيسأله الحاكم: ماذا تقول في القرآن؟ فيقول الإمام: أنا أقول: إن","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الأسئلة</span>","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الحكم على حديث (اللهم إني لا أسألك رد القضاء)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه) هل هذا حديث أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس حديثًا وليس من دعاء السلف، والنبي ﵊ كان يدعو بغير ذلك، فقد كان يطلب من الله أن يرفع عنه البلاء، والبلاء من قدر الله ﷿، ولما كان يدعو برفعه فهو يدعو الله ﷿ أن يرفعه وأن يمن عليه برفع قضائه الذي قدره عليه.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>بيان أن إلقاء السلام على المدخنين لا يعتبر إقرارًا لهم على المنكر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل إلقاء السلام على المدخنين يعتبر إقرارًا للمنكر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يعتبر إقرارًا للمنكر.\nلكن ما الذي يمنعك أن تلقي ﵇ وأن تنصحه في الله ﷿؟","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>حكم أذان الفرد إذا كان قد تخلف عن أداء الصلاة في وقتها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز أذان الفرد إذا كان قد تخلف عن أداء الصلاة في وقتها أم يقيم فقط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن أرجح المذاهب في ذلك مذهب الشافعي، وهو وجوب الأذان والإقامة لمن تخلف عن جماعة الإمام.","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>رأي الشيخ في قراءة كتب الداعية (أحمد ديدات)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيك في قراءة كتب الشيخ أحمد ديدات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنا أذهب مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه القضية، والشيخ أحمد ديدات في وسط هذه البلاد يعتبر من فضل الله ورحمته بهذه الأمة، فقد قام بإظهار حجة الله ﷿ في هذه البلاد، ومع ذلك فعنده بعض الأخطاء، فأحيانًا يوافق الكفار أو يوافق الرهبان على بعض المسائل المخالفة للعقيدة، وهو لو يعرف أن هذه مخالفة للعقيدة وللنبي ﵊ ما قالها، وهذا ظننا فيه، مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فيثبت أنه ليس لله ولد من خلال التوحيد، ثم يهدم ذلك كله فيقول: وأما إذا كان من باب أننا من خلقه، وأننا من فضله ورحمته، وأننا نتنعم بنعمه، فحينئذ لا بأس أن نقول: نحن أبناء الله وأحباؤه! وإذا كان الأمر كذلك فنحن أولى بأن نكون أبناء الله وأحباؤه، وبذلك هدم السابق كله، وهدم التوحيد الذي قاله بأكمله، وعلى أية حال ربما هو تجوز في هذه المقولة، لكن ليست هذه هي المقولة الوحيدة التي تنكر على الشيخ، بل له مقولات كثيرة جدًا تنكر عليه في الاعتقاد، ومنها أيضًا في الأحكام الشرعية.\nوظننا به أنه يجهل هذا كله، خاصة وأن الشيخ قد قضى حياته في بحث مسألة معينة، فهو ليس رجلًا عالمًا كبيرًا من علماء المسلمين مثل الأئمة الذين ضربوا بسهم في كل واد، وإنما ضرب بسهم عظيم في باب الاعتقاد، والرد على الملاحدة، والرد على اليهود والنصارى؛ ليبطل زعمهم ويرد على مفترياتهم، فهو يخطئ من حيث لا يدري، والرجل نحبه في الله، ونتمنى أن يسدد، وأن يتقبل الله ﵎ منه هذا الجهد الجهيد.\nأما أخطاؤه فبلا شك أنه لو تكلم في بلاد مسلمين بهذه الكلمة لوجد في المجلس الواحد ألف واحد يرد عليه، فإذا قال مثلًا في هذا المسجد: نحن أبناء الله وأحباؤه، فستجد من يرد عليه ذلك.","vol":"2","page":18},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-30> بداية ظهور البدع</span>\nالبدعة في الدين أمر عظيم، يجر على الأمة من المفاسد والبلايا ما الله به عليم، وحيثما يكون اتباع الكتاب والسنة يحفظ للأمة دينها وشريعتها، وحيثما تظهر الأهواء والأغراض البشرية تنتشر البدعة ويتفشى الانحراف، ولم تزل الكلمة مجتمعة والقلوب مؤتلفة في الأمة حتى نبتت نابتة القدر والخوارج، وهكذا تتابعت فرق البدعة والضلالة في الظهور، وإفساد عقائد العباد، ومع ذلك فإن الله يقيض من عباده الصالحين في كل مكان وزمان من يدفع عن العقيدة، ويذود عن الملة.","vol":"3","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>ظهور البدع</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nتوقفنا في الدرس الماضي عند بداية ظهور البدع، وإذا كان للبدع بداية ظهرت فيها فإن الأصل كان على السلامة والأمانة والصدق، وهذا يعني أن الحقبة الزمنية الأولى من عمر الرسالة لم يكن فيها هذه البدع، خاصة زمن حياة النبي ﵊، وإن كان بعض أصحابه قد مال إلى مخالفة النبي ﵊، لكن لا أقول: هم الأصحاب، وإنما هم أصحاب الأهواء والضلال والنفاق، ولذلك: (لما دخل رجل على النبي ﵊ وهو يقسم الغنائم فقال: اعدل يا محمد! فإن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله.\nفقال ﵊: ويحك، من يعدل إذا لم أعدل؟ فلما ولى الرجل مدبرًا قال النبي ﵊: سيخرج من ضئضئي هذا من تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).\nيعني: أن هذا الرجل كان هو رأس الخروج على النبي ﵊ فلما قال هذه المقولة، وحكم عليه النبي ﵊ بهذا الحكم، كان هذا الرجل هو أصل الخروج على النبي ﵊، ولذلك الخوارج ينتسبون إليه، وكلهم يقولون بمقالته.\nوأناس آخرون هم من أصحاب النبي ﵊ ومن المحبين المخلصين له، لكن دخل عليهم الشيطان من باب المتشابهات في القرآن الكريم، وقد سمعهم النبي ﵊ يحتجون على بعضهم البعض بهذه الآيات المتشابهات، فخرج عليهم النبي ﵊ وقال: (أبهذا أمرتم؟ ألهذا وكلتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، وغضب غضبًا شديدًا، كأنما فقئ في وجهه حب الرمان).\nفانطلق الصحابة راشدين ولم يعودوا لمثلها قط، وكانت هذه الحادثة في الاحتجاج بالقدر، لكن ما إن تظهر نار الفتنة في زمانه ﵊ إلا وسرعان ما تنطفئ وتخبو تمامًا، وعليه فلم تكن للبدع ظهور في زمانه ﵊.\nوفي عهد أبي بكر الصديق ﵁ ظهرت بدعة من يفرق بين الصلاة والزكاة، وهذه أعظم بدعة، وأعظم فتنة تعرض لها الإسلام بعد موت النبي ﵊، وقد تصدى لها رجل واحد من الأمة وخالفته الأمة بأسرها، وقد نور الله تعالى بصيرته ليدل الأمة على الحق والصواب، هذا الرجل هو أبو بكر الصديق ﵁، كيف لا وقد قال فيه النبي ﵊: (لو وزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر).\nإنه العلم النوراني الذي قذفه الله ﷿ في قلب وفي صدر وعقل أبي بكر، الذي ميز به أن هذا الذي فعله المرتدون أمر يخالف دين الله ﷿.\nوهذه الشبهة دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ حتى راجع في ذلك أبا بكر، فلما وجد من إصرار أبي بكر على مقاتلة هؤلاء وقتلهم.\nقال: فعلمت أنه الحق.\nأي: لإصرار أبي بكر على ذلك، وما كان ليصر إلا على أمر هو دين الله ﷿، فتبعه على ذلك وتبعته الأمة، وحاربوا هؤلاء الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة.\nوفي عهد عمر بن الخطاب لم يكن هناك فتن قط؛ لأن عمر شديد الشكيمة، والكل يهابه، بينما أبو بكر كان يتصف بالحلم، لكنه كان عند المخالفة أقوى من عمر كما كان ذلك في حروب الردة، وعمر كان بطبيعته وسجيته شديدًا، والعرب يعرفونه قبل الإسلام وبعده، فكانوا يهابونه جدًا، وما يجرؤ واحد منهم أن يتكلم بما عنده من نفاق أو زندقة أو إلحاد إلا في جحره، وإلا بين امرأته وأولاده وخاصته، ومع هذا هو يخاف أن يتسرب الخبر إلى عمر.\nولما تكلم صبيغ بن عسل بما عنده من متشابه القرآن علم بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فدعا هذا الرجل إلى بيته، وكان قد أحضر له العصا والجريد والنعال ليضربه، فقال: يا صبيغ! بلغنا أنك تتكلم في متشابه القرآن، وهذا أمر لم يكن عليه أصحاب النبي ﵊، أفهذا خير سبقت إليه -أي: سبقت النبي وأصحابه إليه- أم هو أمر جديد من عندك؟ فإن كان جديدًا ليس عليه سلف الأمة فلابد وأن تنتهي، وإن كان هذا أمرًا قد فتح به عليك، وأغلق دون غيرك، فهذا شر الابتداع في دين الله، فتناول الجريد وظل يضربه على رأسه حتى سال الدم على وجهه، فقال صبيغ: يا أمير المؤمنين! قد ذهب الذي كنت أجد في رأ","vol":"3","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>ظهور بدعة القدر</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فلم تزل الكلمة مجتمعة والجماعة متوافرة على عهد الصحابة الأول ومن بعدهم من السلف الصالحين، حتى نبغت نابغة بصوت غير معروف، وكلام غير مألوف في أول إمارة المروانية -أي: في عهد عبد الملك بن مروان - تنازع في القدر وتتكلم فيه، حتى سئل -أي: عنهم- عنهم عبد الله بن عمر ﵄].\nوذلك لما أتاه يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن من البصرة، فأتوه وهو يطوف حول الكعبة، فقالوا: لعلنا نوفق إلى أحد من أصحاب النبي ﵊ فنسأله عما ظهر عندنا بالبصرة.\nوالذي ظهر عندهم هو: أن معبدًا الجهني تلميذ سوسن النصراني الذي أسلم ثم ارتد، ثم أسلم ثم ارتد.\nهذا سوسن الذي هو رأس الفتنة في البصرة، ولك أن تتصور تلميذ هذا الرجل: معبد الجهني فهل ينتظر منه خير؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nفـ معبد ظهر ببدعة لم يكن لأصحاب النبي ﵊ ولا للتابعين بها عهد منذ حياة النبي ﵊ وإلى يومنا هذا.\nهذه البدعة: أنه ينكر أصل القدر ويقول: لا قدر وأن الأمر أنف.\nأي: مستأنف.\nبمعنى: أن الله تعالى لا يعلم حقيقة الأشياء إلا بعد وقوعها، فهو بذلك قد سوى الخالق بالمخلوق، فأنت كمخلوق لا تدري ما الذي سيكون بعد لحظة، فسوى بك الخالق ﷾، وقال: وكذلك الخالق لا يعلم وقوع الأشياء إلا بعد وقوعها، وقال بأن الله تعالى ليس هو الخالق لأفعالنا وإنما أفعالنا بإرادتنا ونحن الذين نخلقها ولا دخل لله ﷿ فيها.\nولا شك أن هذا كفر بواح؛ لأنه نفى العلم السابق لله تعالى، مع أن الله تعالى علم كل شيء، علم ما كان وما سيكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، ولم يخف عليه شيء في الأرض ولا في السماء.\nفهذا الرجل إنما أتى ليضرب المسلمين في صميم عقيدتهم بنفي علم الله ﷿ الثابت له في الكتاب والسنة.\nولذلك لما دخل يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن قالا: لعلنا نوفق إلى واحد من أصحاب النبي ﵊ فنسأله عما ظهر عندنا بالبصرة.\nقال -أي: يحيى بن يعمر -: فوفق لنا عبد الله بن عمر، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره.\nقال: فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي -أي: سيدعني أتكلم معه- فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا أناس بالبصرة يتقفرون العلم -وفي رواية: يتفقرون، أي: يتتبعون دقائق وعويص المسائل- ويقرءون القرآن، يقولون: لا قدر وأن الأمر أنف.\nفقال عبد الله بن عمر ﵁: فإذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم مني براء.\nأي: لا هم مني ولا أنا منهم.\nوالإمام النووي وغيره ينقلون هذا اللفظ من قول عبد الله بن عمر.\nيعني تكفيرهم وإخراجهم من ملة الإسلام؛ لأنهم أنكروا معلومًا من دين الله بالضرورة، فأنكروا صفات الله ﷿ وأسمائه، ولذا فالذي ينفي عن الله صفات أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله، أو ينفي عن الله اسمًا أثبته لنفسه، أو أثبته له الرسول الكريم ﵊ لابد وأنه يستحق هذا الحكم، خاصة وإن كان من أهل العلم؛ لأنه قال: (يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم).\nيعني: أنه ليس بجاهل، فهو لم يقل هذا عن جهل، وإنما قاله عن خبث طوية وسوء نية مع توفر العلم لديه.\nفمن ذا الذي يقيم الحجة على معبد الجهني؟ لا أحد؛ لأنه من أكابر أهل العلم، لكنه تلقى علمه من مشكاة غير مشكاة النبي ﵊، تلقى العلم من مشكاة سوسن، مشكاة أهل الكتاب، فكان جديرًا وخليقًا بأن يستحق الطرد من رحمة الله، ولذا طرده عبد الله بن عمر فقال: فإذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم مني براء.\nوهذا يعني الكفر والخروج من ملة الإسلام.\nعند هذه الحادثة لا أقول: كانت بداية ظهور البدع على جهة العموم، وإنما أقول: هي أول نقطة في ظهور بدعة القدر.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>ظهور الخوارج</span>\nقبل بدعة القدر هناك بدع أخرى في زمن علي بن أبي طالب، وعلى جهة الخصوص سنة (٣٧هـ)، وذلك لما وقع الخلاف بين علي ومعاوية ﵄، فانبرى لـ علي أناس، وانبرى لـ معاوية أناس آخرون، فتمزق شمل المسلمين إلى فريقين: فريق مع علي بن أبي طالب، وفريق مع معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية كان مجتهدًا متأولًا له الأجر من الله ﷿، وعلي كان مجتهدًا وافق اجتهاده منهاج النبوة، فهو مأجور أجرين من الله ﷿، لكن كان لابد من وقوع هذه الفتنة؛ لأن لها جذورًا وأصولًا.\nولذا لما قبل علي بن أبي طالب ﵁ بالتحكيم تحت ضغط شيعته -أي: تحت ضغط أتباعه- وهو يعلم أن هذا التحكيم ما هو إلا لعبة فقط، قالوا له: يا علي! ما بالك لا تقبل التحكيم إلى كتاب الله؟ وقالوا: إما أن تقبل وإما أن ننصرف عنك، فقبل التحكيم تحت ضغط شيعته، ورفعوا المصاحف على أسنة الرماح، وعلي بن أبي طالب يعلم أن هذا حق أريد به باطل، لكن أشياعه لم يقبلوا ذلك منه حتى رضخ إلى رأيهم، فلما كانت النكبة والنكاية بعد ذلك أنكروا على علي بن أبي طالب قبوله للتحكيم، رغم أنهم هم الذين ضغطوا عليه، فقالوا: كيف تقبل حكم الرجال؟ وخرجوا عليه، وقالوا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، فأنت لم تحكم بما أنزل الله، ولم تحتكم إلى ما أنزل الله، وإنما احتكمت إلى الرجال، فخرجوا على علي بن أبي طالب وانشقوا عنه بعد أن كانوا معه، فسموا حينئذ بالخوارج.\nولذا فبدعة الشيعة وبدعة الخوارج كانت في الترتيب الزمني أسبق من بدعة القدر، والشاهد من هذا: أنه كلما كانت شوكة الإسلام قوية، وكان ذو منعة، كلما انطمست وخمدت الفتن، خاصة إذا كان السلطان صاحب دين، وصاحب شوكة وقوة ومنعة يستطيع بها أن يضرب المبتدع على أم رأسه، عند ذلك يكون الإسلام حينئذ في عافية وستر، وأمان وسلامة.\nأما إذا كان السلطان في واد والإسلام في واد آخر، ولا علاقة بينهما، وإنما هو يدور مع نفسه حيث دار -أي: حيث دار هو- خلافًا لقول النبي ﵊: (إن القرآن والسلطان سيفترقان، فدوروا مع القرآن حيث دار).\nفإذا كان السلطان يدور مع نفسه، والقرآن في واد آخر، فلابد وأن يأتي الضعف؛ لأن الناس لا يصلحهم إلا أمير يتأمر عليهم، ووال يترأس عليهم ويوجههم ويرشدهم حتى وإن كان فاجرًا، ولم يكن هناك أفجر من الحجاج بن يوسف الثقفي، حتى قال عنه عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيرهم: لو أتت كل أمة بخبيثها وأتينا بـ الحجاج لغلبناهم.\nوهذا يدل على أنه كان أخبث الخلق ممن انتسب إلى أهل القبلة، ومع هذا فإن الأمر الآن لا يصلح إلا بمثل الحجاج يا ليت! يومًا من أيام الحجاج رغم تجاوزاته، إلا أنه كان من أهل القرآن، ومن أهل البلاغة والفصاحة والبيان، وكان محبًا للقرآن والسنة، لكنه كان في العقاب يتجاوز إلى أقصى حد، وقد أنكرت عليه أمه ذات يوم صنيعه، فأخذها إلى السوق وحمل معه سيفه ودخل، فكان يدخل على البقال، وعلى صاحب القماش، وعلى الجزار، وعلى فلان وعلان، فيقلب البضاعة إذا رآها معيبة من الداخل جميلة من الظاهر، وينظر إلى أمه فيقول: أهذا دين محمد؟! فتقول: لا، فيخرج سيفه ويضرب رقبته، فيقول لها: هذا الذي دعاني إلى تأديب الناس، وإن كان ذلك بالقتل.\nولا شك بأن الذي يغش المسلمين لا يستحق القتل، بل يستحق التأديب والتعزير والتوبيخ، لكنه تجاوز في العقاب ولم يكن فقيهًا، وإنما كان محبًا للفقه وأهل العلم خاصة حملة القرآن الكريم، ومع هذا لم ينج منه لا حملة القرآن ولا حملة السنة، وهذا ليس دفاعًا عن الحجاج، فإنني أبغضه ولا أحبه، وأبعده ولا أقربه، لكن كما ورد في ترجمته حتى من الشانئين المبغضين له أنه ما كان يفعل ذلك إلا حرصًا على دين الله ﷿.\nولذا فهذه الأمة لا يصلحها إلا مثل عمر ليردها مرة أخرى، وليثبت لها العز في هذا الزمان بعد أن باتت في الذل وفي وحل الهوان تحت أقدام اليهود والنصارى.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>ما تعرضت له القدرية من العلماء والحكام</span>\nقال: [وأن ابن عمر ممن تكلم بهذا أو اعتقده بريء منهم وهم براء منه.\nوكذلك عرض -أي: أمر القدرية- على ابن عباس وأبي سعيد الخدري وغيرهما فقالا مثل مقالته -أي: عبد الله بن عمر - وسنذكر هذه الأقاويل بأسانيدها وألفاظها في المواضع التي تقتضيه إن شاء الله].\nقال: [ثم انطمرت هذه المقالة، وانجحر من أظهرها في جحره -يعني: انطمست هذه المقالة، ولم يكن لها أتباع ولا دعاة- وصار من اعتقدها جليس منزله، وخبأ نفسه في السرداب كالميت في قبره خوفًا من القتل والصلب والنكال والسلب من طلب الأئمة لهم لإقامة حدود الله ﷿ فيهم، وقد أقاموا في كثير منهم، ونذكر في مواضعه أساميهم، وحث العلماء على طلبهم، وأمروا المسلمين بمجانبتهم، ونهوهم عن مكالمتهم، والاستماع إليهم، والاختلاط بهم لسلامة أديانهم].\nولذلك أهل العلم في كل زمان هم أحرص الناس وأشفق الناس على الأمة، فهم من باب النصيحة يوجهون الكلام إلى عامة المسلمين ويقولون لهم: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تحدثوهم، ولا تأخذوا عنهم، فإن ذلك هو الذي يسبب السلامة لدينكم.\nأما إذا جلستم معهم، وخالطتموهم وتحدثتم إليهم، وأخذتم عنهم، وتحملتم العلم عنهم، فإنه لا يؤمن عليكم أن تقعوا في فتنتهم، ولكثر أتباع أهل البدع.\nيعني: عندما يظهر شخص مثل معبد الجهني في البصرة، ويكون له أتباع عظام جدًا، لم لم يتبعه أهل العلم في ذلك الزمان؟ بل أنكروا عليه بدعته، وحذروا العامة منه.\nلكن لما تنكب العامة نصيحة أهل العلم لهم بألا يقتربوا من هؤلاء وقعوا في شراكهم وحبالهم؛ لأنه ليس عندهم من العلم والعقيدة السليمة ما يؤهلهم لبيان هذه المفتريات والرد عليها، ولكنهم لما اقتربوا منهم وقعوا في بدعتهم؛ لأن كلام أهل البدع في الغالب حلو جميل خاصة إذا لم يفضح أمرهم على الملأ.\nوفي هذا الزمان كثير جدًا من أهل البدع، فعندما نأتي وننهى الناس عن الاقتراب منهم والجلوس إليهم والأخذ عنهم يقول لك: لا.\nفهذا كلامه منطقي ومعقول جدًا، ولو لم يعجبك ممكن أنسق لك معه لقاء تناقشه.\nأنت يا صعلوك! الذي ستنسق لقاء؟! ما علاقتك بهذا اللقاء؟ ثم بعد ذلك هو الذي يدير اللقاء! واحد جاهل لا يستطيع أن يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته هو الذي يدبر ويسير الأمور بين أهل العلم.\nيعني: هو المتحكم في أهل العلم، وعندما تأتي تكلمه تقول: أنا خائف عليك.\nيقول لك: لا.\nلا تخف عليَّ، أنا منتبه.\nمنتبه من ماذا؟! أنت جاهل، أنت لا تعرف شيئًا.\nيقول لك: النقاب حرام، فتقول له: من الذي قال ذلك؟ يقول لك: إسماعيل منصور.\nمع أن هذا قول مخترع جديد لم يقل به أحد من أهل العلم قاطبة، لا قديمًا ولا حديثًا، حتى المخالفين للنقاب يقولون: النقاب فضيلة، النقاب مستحب.\nوالذين لا يقولون بوجوبه يقولون باستحبابه وبفضله.\nأما القول بحرمته فلم يقل به أحد، حتى الأبالسة لم يقولوا بهذا، لكن قد يقول لك: هذا عنده حجة قوية! أأنت أيها الجاهل! الذي ستحكم عن الحجة بأنها قوية أو ليست بقوية؟! فيقول لك: لو لم يعجبك ممكن أنسق لك لقاء تتناقش معه، وبعد ذلك هو الذي يرتب ويدير المجلس! ومن هنا يدخل الشيطان على عامة الناس، والمطلوب هنا ألا نقترب من أهل البدع قط.\nوهذا منهج السلف إن قبلته كنت على الهدي والصراط المستقيم، وإن رددته كنت على طريق أهل البدع.\nلكن لماذا العلماء يناقشون أهل الابتداع؟ لأنهم لا خوف عليهم، وهذا دورهم الذي كلفهم الله تعالى به، ولذلك نحن نرى أن أهل العلم في كل زمان ومكان يحذرون من الاقتراب من أهل البدع وهم يقتربون؛ لأن دورهم مزدوج، يأمرك أنت ألا تذهب إليه ويذهب هو إليهم ليدحض حجتهم، ويبين فسادها ويكشف عوارها لعامة الناس حتى يحذروهم.\nوالخلاصة: أن أهل العلم إنما حثوا على عدم الاختلاط بالمبتدعة، وأمروا المسلمين بمجانبتهم، ونهوهم عن مكالمتهم والاستماع إليهم حتى يستقيم لهم أمر دينهم.\nقال: [وشهروهم عندهم بما انتحلوا من آرائهم الحديثة].\nلأن المبتدع إذا لم يجد له أعوانًا فكيف سينشر بدعته؟ وكيف سيشتهر؟ ثم ائتوني ببدعة فيها علماء مشهود لهم بالاستقامة والصلاح.\nلا يمكن أن تجد هذا أبدًا.\nوالمبتدعة إنما هم رعاع الناس وسفلة القوم.\nفمثلًا بدعة التصوف هل فيهم أهل علم مشهود لهم بالصلاح والاستقامة على الكتاب والسنة؟ أبدًا.\nبل إن أهل العلم هم الطبقة الكبيرة، وعندما تأتي وتنظر في رعاع الجماعة وعامة الجماعة تجد أن سفلة القوم لا عقول لهم من الأصل.\nقال ﵀: [وشهروهم عندهم بما انتحلوا من آرائهم الحديثة، ومذاهبهم الخبيثة، خوفًا من مكرهم أن يضلوا مسلمًا عن دينه بشبهة وامتحان، أو بريق قول من لسان، وكانت حياتهم كوفاتهم].\nأي: هم أحياء، لكن كأنهم ميتين؛ لأنهم لا قيمة لهم، ولا خير فيهم، ولا نفع من ورائهم.\nقال: [وأحياؤهم عند الناس كالأموات، المسلمون منهم في راحة، وأديانهم في سلامة، وقلوبهم ساكنة، وجوارحهم هادية، وهذا حين كان الإسلام في نضارة، وأمور المس","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>ظهور الاتجاه العقلي</span>\nقال: [فمضت على هذه القرون سنون كثيرة ينصح فيها الأولون الآخرين، حتى ضرب الدهر ضرباته، وأبدى من نفسه حدثانه، وظهر قوم أجلاف زعموا أنهم لمن قبلهم أخلاف -هؤلاء أصحاب الاتجاه العقلي الذين يقولون: نحن خلف للسلف- وادعوا أنهم أكثر منهم في المحصول].\nأي: أن التلاميذ الذين هم باختصار شديد: المعتزلة، لما أتوا بعد ظهور هذه البدع قالوا: صحيح أننا نتبنى الآراء التي قال بها أسلافنا، إلا أننا قد حصلنا من العلم ما لم يحصلوه، وإن كانوا هم قد خافوا أن يجادلوا الحكام، وأن يجادلوا أهل العلم، فنحن الآن على أتم الاستعداد لمجادلتهم؛ لأن عندنا من العقل والعلم والتحصيل والذكاء والفطنة ما ليس عندهم، وأيضًا عندنا الجرأة على النقاش.\nهذه الجرأة سببها ضعف الحكام، ولو كان مع الحاكم مجموعة من أهل العلم كمجلس الحل والعقد مثلًا، أو مجلس الشورى الذين يبتون في أقوال كل مبتدع، ثم يأمرون الحاكم بأن هذا مخالف، أو هذا موافق، أو هذا متأول ولكل جزاؤه، لاندحر كل مبتدع ودخل في جحره.\nقال: [وادعوا أنهم أكبر منهم في المحصول، وفي حقائق المعقول، وأهدى إلى التحقيق -أي: أنهم أكثر وصولًا وتحصيلًا لدقائق المسائل من أسلافهم- وأحسن نظرًا منهم في التدقيق، وأن المتقدمين تفادوا من النظر لعجزهم].\nأي: أن المتقدمين لم يكن لهم بصيرة نافذة؛ لأنهم كانوا أعجز من أن يفكروا في كل أمر، وينظروا في كل مسألة.\nقال: [ورغبوا عن مكالمتهم لقلة فهمهم].\nأي: أنهم يسبون أسلافهم، وهذا للعلم أنه معلم من معالم أهل البدع، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أهل السنة أرحم بأهل البدع من بعضهم لبعض، وأعدل لأهل البدع من بعضهم لبعض؛ لأن أهل البدع يقومون بعضهم بعضًا بالتكفير والتفسيق والتبديع والسباب والشتائم.\nوهو الآن يقول: [وأن المتقدمين تفادوا من النظر لعجزهم].\nأي: لم يكونوا يستطيعون النظر في دقائق المسائل مثلهم.\nكما رغبوا عن مكالمتهم، أي: أن أسلافهم لم يستطيعوا مواجهة أهل السنة لقلة فهمهم، فيقال لمن يتبعهم: أنت متأكد أن سلفك في هذه القضية لم يكن عنده فهم ولا عقل ولا بصيرة ولا شيء؟ سيرد عليك قائلًا: نعم.\nإذًا: هو لا يصلح، وأنت قد حصلت ما لم يحصل.\nقال: [وأن نصرة مذهبهم في الجدال معهم حتى أبدلوا من الطيب خبيثًا، ومن القديم حديثًا، وعدلوا عما كان عليه رسول الله ﷺ وبعثه الله عليه، وأوجب عليه دعوة الخلق إليه، وامتن على عباده إتمام نعمته عليهم بالهداية إلى سبيله، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٣١]، فوعظ الله ﷿ عباده بكتابه، وحثهم على اتباع سنة رسوله] الكريم ﷺ.\nعجز المبتدعة أن يتخذوا من هذه الآية وأمثالها منهجًا ونبراسًا يقتدون به.\nقال: [وقال في آية أخرى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، لا بالجدال والخصومة، فرغبوا عنهما -أي: فرغب أهل البدع عن هذين- وعولوا على غيرهما، وسلكوا بأنفسهم مسلك المضلين، وخاضوا مع الخائضين، ودخلوا في ميدان المتحيرين، وابتدعوا من الأدلة ما هو خلاف الكتاب والسنة].\nأي: جعلوا لهم أصولًا تخالف الكتاب والسنة، فبعد أن كان الأمر أننا نعرض كل شيء على الكتاب والسنة، صار الآن عند أهل البدع أن الكتاب والسنة مطلوب أن يعرضا على أصولهم التي اخترعوها وابتدعوها.\nقال: [رغبة للغلبة، وقهر المخالفين للمقالة.\nثم اتخذوها -أي: هذه الأصول التي ابتدعوها- دينًا واعتقادًا بعدما كانت دلايل الخصومات والمعارضات].\nأي: أنه منهج اتخذوه من أجل أن يغلبوا به الخصم، وهذا المنهج سرعان ما صار أصلًا ودليلًا، ثم اعتقادًا، ثم دينًا.\nقال: [وضللوا من لا يعتقد ذلك من المسلمين] أي: أنهم حكموا على غيرهم ممن يخالفهم في هذه الأصول من أهل السنة بأنهم من أهل الضلال.\nقال: [وتسموا بالسنة والجماعة].\nأي: أن أصولهم لا علاقة لها بالكتاب والسنة، ومع ذلك يضللون المخالف لهم ويسمون أنفسهم بأهل السنة والجماعة.\nقال: [وضللوا من لا يعتقد ذلك من المسلمين، وتسموا بالسنة والجماعة، ومن خالفهم وسموه بالجهل والغباوة -أي: وصفوه بأنه من أجهل الناس وأغبى الناس- فأجابهم إلى ذلك من لم يكن له قدم في معرفة السنة -أي: من الجهلة- ولم يسع في طلبها -أي: لم يسع في طلب السنة- لما يلحقه فيها من المشقة، وطلب لنفسه الدعة والراحة] ولذلك معظم أتباع أهل البدع جهال؛ لأنهم لم يطلبوا العلم، ولم يعهد عليهم قط طلب للعلم.\nقال: [واقتصر على اسمه دون رسمه لاستعجال الرياسة] أي: أنه يتزيا بزي أهل العلم، لكنه في حقيقة الأمر لم يطلب العلم استعجالًا للرياسة.\nقال: [ومحبة اشتهار الذكر عند العامة، والتقلب بإمامة أهل السنة، وجعل دأبه الاستخفاف بنقلة الأخبار].\nكما حدث لـ أبي علي الأبار عندما ذهب إلى الأهواز، قال: فدخلت مسجد","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>نتائج مناظرة المبتدعة</span>\nقال: [فما جنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة].\nأي: أن أسوأ شيء يضر بدينك أن يناظر أهل العلم مبتدعًا في حضورك؛ لأن كلامه جميل ولسانه حلو، لكن السم الذي يحمله هذا الكلام الحلو لا يعرفه إلا أهل العلم، ولذلك يقول القائل: إن هذه الجماعة الفلانية أو الطائفة الفلانية أو الفرقة الفلانية تقول: كيت وكيت، وهذا الكلام جميل ومعقول.\nلا يا مسلم! لا يوجد شيء اسمه معقول، إما أن يكون هذا الكلام موافق لكتاب الله وسنة رسوله، أو لا، وإما أن يكون هذا الكلام له أصل عند أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أو لا، لذا فأنت لا تعرف هذه المعاني، إنما الذي يعرفها هم أهل العلم، فلا تغتر بحلاوة كلام أهل البدع، فربما يكون كلامهم أحلى من كلام أهل السنة؛ لأن الباطل له بريق، وإلا فلم وقع فيه الناس؟ أما في الداخل فالسم الزعاف، لكن هذا الداخل لا يعرفه حتى قبل الدخول فيه إلا أهل العلم، ولذلك ما ابتلي المسلمون قط بلاءً أعظم من ظهور هذه البدع على عامة الناس، ومناظرة أهل البدع.\nقال: [ولم يكن لهم قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك].\nأي: أن أكثر شيء تغيظ به المبتدع أنك تهمله وتتركه، لكن هذا مشروط بأن تكون بدعته في طي الكتمان، أما لو ظهر ببدعته وصار له أتباع وشوكة، وصولة وجولة فلا، بل لابد من فضحه حتى يرجع إلى الحق، أو حتى يتضح أمره عند عامة الناس.\nأما لو كانت بدعته غير معروفة ولا منشورة فاتركه ولا ترد عليه؛ لأنك بذلك تكون قد قتلته قتلًا، يقول المتنبي: أرى كل يوم تحت ضبني شويعر قصير يطاولني ضعيف يقاويني لساني بنطقي صامت منه عاذل وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل فأتعب من ناداك من لا تجيبه وأغيظ من عاداك من لا تشاكل أي: عندما يناديك شخص وأنت لا ترد عليه فإنك تغيظه غيظًا لا غيظ بعده.\nومثل ذلك: شخص يريد التحرش بك، فيظل يشد في ثيابك وذراعك، وربما يناديك بأقبح شيء، ومع هذا فأنت تهمله، فيكون بذلك قد قتلته وأغظته غيظًا مابعده غيظ، أما إذا كان الأمر يستوجب الضرب على الرأس، فهذا أمر لابد منه.\nقال: [ولم يكن لهم قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة يموتون من الغيظ كمدًا، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلًا].\nلأنه أحيانًا تجد شخصًا من أهل البدع يأتي إليك ويراك بأنك رجل سني بلحية تلبس طاقية أو عمامة بيضاء صغيرة، فيقول لك أمام الناس: ألست من أهل السنة والجماعة؟ فتقول له: نعم.\nفيقول لك: وأنا مبتدع، فتعال وناقشني.\nفيحضر حاشيته بالكامل، والذي يهمه أن هؤلاء الناس يعتقدون فيه هو، فيقول لك: تعال، أنا أقول كيت وكيت، فهل ممكن أن ترد هذا الكلام؟ أنت لست طالب علم، ولم تكن تحضر المجالس، ولا تحفظ شيئًا من العلم، وإنما كنت تكتفي بسماع الخير فقط، فكيف سترد عليه؟ هل تقول له: والله أنا لا أعرف كيف أرد عليك؟! أو تقوله له: اذهب إلى الشيخ فلان، أو يا فلان اذهب إلى الشيخ فلان وائت به، فيأتي الشيخ فلان، ثم يقول المبتدع: أنا أقول كيت وكيت، وهي في الحقيقة شبهة جديدة غير الأولى التي طرحها؛ لأن هذا الشيء هو ديدنه، فلن يطرح على الشيخ المبجل ما يطرحه على الجاهل قبله.\nوما إن يأتي فإن الشيخ يجهز رده على الشبهة التي ألقاها فلما يحضر الشيخ يقول المبتدع: اترك هذه المسألة، فقد علمت خطئي فيها.\nوأنا أقول كيت وكيت، فيلقي شبهة جديدة لا يعرف الشيخ الرد عليها، ويظل يصرخ ويشتم فيه؛ لأن هذه هي حجة الضعيف.\nوهذا ينزل من قدر الشيخ عند المستمع ويرفع من قدر المبتدع.\nأما هو فيدعي الوقار وسمت أهل العلم، وفي هذه الحالة سيرتفع هذا المبتدع في أعين ونظر أتباعه ويسقط الشيخ، وكل ذلك لقلة العلم.\nقال: [حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقًا، وصاروا لهم إلى هلاك الإسلام دليلًا، حتى كثرت بينهم المشاجرة، وظهرت دعوتهم بالمناظرة -أي: ظهرت دعوة أهل البدع بالمناظرة- وطرقت أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة، حتى تقابلت الشبه بالحجج- فباتت الشبهة حجة والحجة شبهة- وبلغوا من التدقيق في اللجج فصاروا أقرانًا وأخدانًا، وعلى المداهنة خلانًا وإخوانًا بعد أن كانوا في الله أعداء وأضدادًا، وفي الهجرة في الله أعوانًا، يكفرونهم في وجوههم عيانًا، ويلعنونهم جهارًا، وشتان ما بين المنزلتين، وهيهات ما بين المقامين.\nنسأل الله أن يحفظنا من الفتنة في أدياننا وأن يمسكنا بالإسلام والسنة، ويعصمنا بهما بفضله ورحمته].","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>منهج السلف الصالح في التعامل مع أهل البدع</span>\nقال: [فهلم الآن إلى تدين المتبعين وسيرة المتمسكين وسبيل المتقدمين بكتاب الله وسنة رسوله، والمنادين بشرائعه وحكمته، الذين قالوا: ﴿آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣]].\nأي: يا رب! آمنا بكتابك وصدقناه، واتبعنا في ذلك الرسول الكريم ﵊، فاكتبنا ممن شهد ذلك.\nقال: [وتنكبوا سبيل المكذبين -أي: خالفوا سبيل أهل البدع- بصفات الله وتوحيد رب العالمين، فاتخذوا كتاب الله إمامًا، وآياته فرقانًا، ونصبوا الحق بين أعينهم عيانًا، وسنن رسول الله ﵊ جنة وسلاحًا، واتخذوها طريقًا ومنهاجًا، وجعلوها برهانًا فلقوا الحكمة، ووقوا من شر الهوى والبدعة، لامتثالهم أمر الله في اتباع الرسول، وتركهم الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق].","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الحث على الاتباع والاقتداء</span>\nقال: [يقول الله ﷿ فيما يحث به على اتباع دينه، والاعتصام بحبله، والاقتداء برسوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣]].\nفانظر إلى قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾! ولذلك تجد أهل السنة طائفة واحدة، وأهل البدع طوائف متعددة؛ لأنهم اتخذوا دينهم فرقانًا، واتخذوا شرعهم أشتاتًا وأشلاءً، ولذلك تجد في حديث افتراق الأمة أن هذه الأمة ستتمزق، وستبتعد كل الابتعاد عن كتاب الله وعن سنة رسوله، إلا طائفة واحدة تتمسك بما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه الكرام، فقال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة.\nقيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي).\nأي: أن أهل السنة والجماعة هم الذين يتمسكون بالأمر العتيق.\nولذلك يقول عبد الله بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.\nوكأن المبتدع يقول لله ﷿: أنت لم تكمل شرعك، وأنت لم تتم النعمة علينا، ورسولك لم يبلغ هذا الدين إلينا، فهو يتهم الله ﵎ في أنه قصر في هذا الدين، وفي إتمامه وكماله، ويتهم الرسول كذلك فيما بلغ عن رب العزة ﵎.\nمع أن الله ﵎ قد أتم لنا هذا الدين، وأكمله ورضيه لنا، فقال آمرًا إيانًا: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ».\nولا شك أن حبل الله هو كتابه، وسنة رسوله الكريم ﵊.\nقوله: «وَلا تَفَرَّقُوا».\nهذا نهي عن التفرق والتشرذم والابتعاد عن الاعتصام بالكتاب والسنة.\nقال: [وقال ﵎: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥].\nوقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣]].\nفجعل طريقه واحدًا، فقال: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي» ولم يقل: صرطي وطرقي، وإنما هو طريق واحد، وصراط واحد، وسبيل واحد.\nقال: [وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].\nوقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١]-أي: أن اتباع النبي ﵊ يؤدي إلى- ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] أي: على علم.\n﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].\nثم أوجب الله طاعته وطاعة رسوله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠].\nوقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].\nوقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١].\nوقال: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢].\nوقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، قيل في تفسيرها: إلى الكتاب والسنة -فردوه إلى كتاب الله وإلى رسول الله في حياته، وبعد مماته إلى سنته- ثم حذر من خلافه والاعتراض عليه.\nفقال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥]-أي: نفى عنهم الإيمان- ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥]-يا محمد- ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]-أي: يرضوا بهذا الحكم كامل الرضا- وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِ","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>أصحاب الحديث أولى الناس بالاتباع</span>\nقال: [فلم نجد في كتاب الله وسنة رسوله وآثار صحابته إلا الحث على الاتباع، وذم التكلف والاختراع، فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين، وكان أولاهم بهذا الاسم، وأحقهم بهذا الوسم، وأخصهم بهذا الرسم -وهم أصحاب الحديث- لاختصاصهم برسول الله ﵊، واتباعهم لقوله وطول ملازمتهم له، وتحملهم علمه، وحفظهم أنفاسه وأفعاله، فأخذوا الإسلام عنه مباشرة، وشرائعه مشاهدة، وأحكامه معاينة من غير واسطة ولا سفير بينهم وبينه، وحفظوا عنه شفاهًا، وتلقفوه من فيه رطبًا، وتلقنوه من لسانه عذبًا، واعتقدوا جميع ذلك حقًا، وأخلصوا بذلك من قلوبهم يقينًا، فهذا دين أخذ أوله عن رسول الله ﵊ مشافهة لم يشبه لبس ولا شبهة، ثم نقلها العدول عن العدول من غير تحامل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة، والصافة عن الصافة، والجماعة عن الجماعة، أخذ كف بكف، وتمسك خلف بسلف كالحروف يتلو بعضها بعضًا، ويتسق أخراها على أولاها رصفًا ونظمًا].","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>فضل أصحاب الحديث على الأمة وانتسابهم إلى رسول الله</span>\nقال: [فهؤلاء الذين تعهدت بنقلهم الشريعة، وانحفظت بهم أصول السنة، فوجبت لهم بذلك المنة على جميع الأمة، والدعوة لهم من الله بالمغفرة، فهم حملة علمه، ونقلة دينه، وسفرته بينه وبين أمته، وأمناؤه في تبليغ الوحي عنه، فحري أن يكونوا أولى الناس به -ﷺ- في حياته ووفاته.\nوكل طائفة من الأمم مرجعها إليهم في صحة حديثه وسقيمه، ومعولها عليهم فيما يختلف فيه من أموره].\nقال: [ثم كل من اعتقد مذهبًا فإلى صاحب مقالته التي أحدثها ينتسب، وإلى رأيه يستند، إلا أصحاب الحديث] أي: أن كل صاحب بدعة ينتسب إلى بدعته، وكل صاحب بدعة ينتسب إلى مؤسس هذه البدعة، إلا أصحاب الحديث فإنهم ينتسبون إلى النبي ﵊.\nقال: [فإن صاحب مقالتهم رسول الله ﷺ، فهم إليه ينتسبون، وإلى علمه يستندون، وبه يستدلون، وإليه يفزعون، وبرأيه يقتدون، وبذلك يفتخرون، وعلى أعداء سنته بقربهم منه يصولون، فمن يوازيهم في شرف الذكر؟! ويباهيهم في ساحة الفخر وعلو الاسم؟!].","vol":"3","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>وجه تسميتهم بأهل الحديث وحفظ عقيدتهم</span>\nوأما وجه تسميتهم بأصحاب الحديث وأهل الحديث: تمسكهم بالكتاب والسنة، والنبي ﵊ قد حث وأمر المسلمين بالتمسك بالكتاب، فلما كانوا هم أعلم الناس، وأخبر الناس بحديث النبي ﵊ كانوا أكثر الناس تمسكًا بالكتاب والسنة.\nقال: [واغتاظ بهم الجاحدون، فإنهم وهم حماة السواد الأعظم والجمهور الأضخم، فيهم العلم والحكم، والعقل والحلم، والخلافة والسيادة، والملك والسياسة، وهم أصحاب الجمعات والمشاهد، والجماعات والمساجد، والمناسك والأعياد، والحج والجهاد، وباذلي المعروف للصادر والوارد، وهم حماة الثغور والقناطر، الذين جاهدوا في الله حق جهاده، واتبعوا رسوله على منهاجه، الذين أذكارهم في الزهد مشهورة، وأنفاسهم على الأوقات محفوظة، وآثارهم على الزمان متبوعة، ومواعظهم للخلق زاجرة، وإلى طرق الآخرة داعية، فحياتهم للخلق منبهة، ومسيرهم إلى مصيرهم لمن بعدهم عبرة، وقبورهم مزارة، ورسومهم على الدهر غير دارسة -أي: ظاهرة غير منطمسة- وعلى تطاول الأيام غير منسية، يعرف الله إلى القلوب محبتهم -أي: يسوق الله ﵎ حبهم ويغرسه في قلوب الخلق- ويبعثهم على حفظ مودتهم، يزارون في قبورهم كأنهم أحياء في بيوتهم لينشر الله لهم بعد موتهم الأعلام حتى لا تندرس أذكارهم على الأعوام، ولا تبلى أساميهم على مر الأيام، فرحمة الله عليهم ورضوانه، وجمعنا وإياهم في دار السلام].\nعقيدة أهل الحديث لا تزال محفوظة، والله ﵎ يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها على عقيدة أهل الحديث، وهي عقيدة النبي ﵇ وأصحابه الكرام.\nوالمؤلف جزاه الله خيرًا قد بذل جهده في تأليف هذا الكتاب، وهو ما سعى فيه إلا لإظهار عقيدة أهل السنة والجماعة على منهج أصحاب الحديث.\nقال: [ثم إنه لم يزل في كل عصر من الأعصار إمام من سلف، أو عالم من خلف قائم لله بحقه وناصح لدينه فيها].\nنكتفي بهذا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الأسئلة</span>","vol":"3","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>عموم حديث (ماء زمزم لما شرب له)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث النبي ﵊: (ماء زمزم لما شرب له) هل هو خاص بالحاج أو المعتمر، أم لأي شخص يشرب الماء في أي مكان ويدعو فيستجاب له؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الحقيقة الحديث ليس مخصص، وما علمت أحدًا من أهل العلم يقول بتخصيصه في مكة بالذات للحاج والمعتمر، إلا شيخنا الشيخ الألباني حفظه الله، وأما أهل العلم فهم على أن ماء زمزم ينفع بإذن الله تعالى في موطنه وفي غير موطنه.\nبمعنى: أنه إذا انتقل من مكانه -أي: من مكة- لانتفع به وأدى الغرض المقصود منه، ولا أدل على ذلك من أمر النبي ﵊ أصحابه أن ينقلوا له الماء من مكة إلى المدينة، ولو كان نقله ليس فيه فائدة لما أمرهم النبي ﵊ بنقله، لكن شيخنا يخالف في ذلك جماهير أهل العلم.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>حكم العمل في أعمال الصيانة في البنوك الربوية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل العمل في البنوك في أعمال الصيانة مثل النجارة والسباكة والدهان ونحو ذلك حرام، مع ترك أصحابها بعد الانتهاء من هذه الأعمال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأولى ترك ذلك.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>حكم وعظ النساء بدون ساتر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ماذا تقول لهذا الخطيب الذي يعطي درسًا للنساء بدون ساتر، وهو خريج جامعة الأزهر، ومعين من قبل الأوقاف، والعجيب أنه شاب، وقال: هذا من الشرع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن هذا باب عظيم جدًا من أبواب الفتن، خاصة مع هذا الشاب، ولابد أن يكون هناك حاجز بين الرجال والنساء حتى تؤمن الفتنة.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>التحذير من مناقشة أهل البدع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا حاورت صوفيًا واستشهدت له بأحاديث مروية في البخاري ومسلم، ولم يقتنع بهما وعاب فيهما، فكيف أقنعه بأنهما من الصالحين وأفاضل أهل العلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا تقنعه؛ لأن الذي لا يرى الضوء في عز النهار لا يحتاج إلى برهان ودليل.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>بيان الفرق بين البدع الدينية والدنيوية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أريد أن أعرف هل يكون اتباع السنة اتباعًا مطلقًا أم أن الأولى بما هو مستحسن في عصرنا، مثل: استخدام أدوات المائدة في الطعام، هل هو بدعة أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يا أخي! عندما نقول: إن البدع التي هي المحدثات المنكرة، إنما نقصد البدع في الدين، أما هذه البدع التي استحدثها الناس في حياتهم ومعاشهم فليست بدعًا مذمومة، مثل: صناعة السيارات والطائرات وغير ذلك من مظاهر المدنية والحضارة، فهذه ليست مذمومة، بل هي ضريبة العقل التي افترضها الله ﷿ على عباده، وهي من البدع المستحسنة والمستحبة؛ لأنها ليست في الدين، وإنما هي في دنيا الناس وحياة الناس، ولا بأس بذلك.","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الحكم على حديث (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما مدى صحة حديث: (إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق).\nوما معنى أبغض الحلال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الحديث ضعيف، بل منكر، وقد رواه الحاكم وغيره.\nونكارة هذا الحديث: أن الله تعالى ما كان ليحل شيئًا ثم يبغضه، فالحلال ما أحله الله وأحبه، والحرام ما حرمه وأبغضه، فإذا أحب الله الطلاق فهو حلال وليس بغيضًا عند الله ﷿، كما أن الإسناد في رواية هذا الحديث فيه ضعف كثير.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>معنى حديث: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى حديث: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أي: أوحي إلي بالكتاب، وبمثل الكتاب، وهو السنة.","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الحكم على حديث: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما مدى صحة حديث: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  اختلف أهل العلم في صحته، والراجح أنه حديث حسن.","vol":"3","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الحكم على حديث لعن مروان بن الحكم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة الحديث في لعن مروان بن الحكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنا لم أعرفه، ولم أسمعه قبل هذا.","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الجمع بين فضل الأعمال في العشر الأول من ذي الحجة وحديث (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نجمع بين حديث: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب الله إلى من هذه الأيام)، أي: أيام العشر، وحديث: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يوجد اختلاف أصلًا حتى نحتاج إلى الجمع، فالحديث الأول يتكلم عن عموم العمل الصالح، ومحل هذا العمل أيام العشر، والحديث الثاني يتكلم عن نوع معين من العمل الصالح وهو الصيام.","vol":"3","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>حكم أداء ركعتي الفجر في وقت الفجر الكاذب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز صلاة سنة الفجر في وقت الفجر الكاذب.\nأي: بعد الأذان الأول وقبل الفجر الصادق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز؛ لأن السنن الراتبة مرتبطة مع الفرض ابتداءً وانتهاءً، فإذا لم يكن الفجر قد دخل عند الأذان فلا يجوز تعجيل السنة في هذا الوقت؛ لأنها في غير وقتها.","vol":"3","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>معنى حديث (من سمع النداء فلم يأته)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n (من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر) ما معنى هذا الحديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الحديث عند أبي داود وابن ماجة بسند صحيح، وهو حث على إتيان صلاة الجماعة، وقد حمله أهل العلم على استحباب وتأكيد الإتيان لصلاة الجماعة.","vol":"3","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>حكم استخدام وسائل تنظيم الأسرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز استخدام وسائل تنظيم الأسرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان لغير علة وسبب فلا يجوز، كأن يكون لأجل الفقر، أو لأجل الدلع، أو واحدة تريد الحفاظ على جمالها، فهذا لا يجوز قط، أما إذا كان لعلة أو سبب فجائز، كأن تكون الأم مريضة، أو اتفقت مع زوجها على إتمام إرضاع المولود، فلها عند ذلك أن تنظم لوقت يسمح بإتمام هذه الرضاعة، ثم تخلع هذه الوسيلة للاستعداد لإنجاب آخر.\nولا شك أن خير وسيلة في ذلك هو اللولب؛ لأن اللولب أقل الوسائل خطرًا، بخلاف الحبوب التي تورث السرطان وغيره من الأمراض.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الحكم على حديث (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث النبي ﵊: (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره)، نريد أن نعرف صحته وفقهه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو على أي حال حديث ضعيف، فهو عند أبي داود بسند ضعيف.","vol":"3","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>حكم إعطاء الجوائز على حفظ القرآن الكريم أو المسابقات الثقافية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  المسابقة في حفظ القرآن الكريم فيها جوائز توزع على الفائزين، هل هي محرمة أم مكروهة؟ وكذلك المسابقة على معرفة صحابي أو صحابية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا بأس بذلك، وهو من الأمور المباحة.","vol":"3","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>حكم خروج المرأة من بيتها في عدة الوفاة لطلب العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  امرأة مات زوجها، فهل يجوز لها أن تخرج من بيتها قبل الأربعة أشهر وعشرة أيام، وذلك لطلب العلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز، والنبي ﵊ لما نهى المرأة المعتدة من وفاة زوجها عن الخروج إنما نهى أصحابه، مع أن طلب العلم واجب، والخروج من البيت وحضور مجلس النبي ﵊ من أوجب الواجبات، ومع هذا فإن هذا الخطاب موجه لنساء الصحابة في الدرجة الأولى، ولم يستثن من ذلك طالبة العلم.","vol":"3","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>حكم من حلف على يقين صادق ثم فوجئ بخلافه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  تقول المرأة: قد حلفت بالله على شيء أنه لم يكن في هذا المكان، ولكني وجدته فيه، فهل عليَّ صيام ثلاثة أيام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجب الصوم؛ لأن ظاهر السؤال أنها حلفت على يقين، أن هذا الشيء ليس موجودًا هنا، ثم فوجئت بعكس ذلك، فهي حلفت على يقين صادقة ولم تحلف كاذبة.","vol":"3","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>حكم الرسم بالحناء على اليدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يعتبر الرسم بالحناء على اليدين وشم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان رسمًا على ظاهر اليدين أو الرجلين فإنه ليس وشمًا، وإنما الوشم هو تخريم الجلد وتغذيته بالحناء أو الكحل، بحيث يصير أمرًا لازمًا في اليد طول حياة الموشوم، فإذا كان الحناء في الظاهر فإنه لا يحرم، وإذا كان على الوجه الآخر فإنه حرام.","vol":"3","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>حكم التنفل بالصلاة في أوقات الكراهة من باب التصدق على من لم يدرك الجماعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز التصدق على المصلي المتأخر عن الصلاة في أوقات الكراهة، مثل بعد الفجر أو بعد العصر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز؛ لأنه معذور في إتيان الصلاة، وأنت لا تجبر على ذلك، ولست معذورًا في دخولك معه في هذه الأوقات المنهي عنها.","vol":"3","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>كيفية الاستفادة من حضور مجالس العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أحضر مجالس العلم، لكن أريد الاستفادة منها، فكيف ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن بركة العلم تكون بالعمل به، وأن تأتي ومعك الكراس وتسجل رءوس الموضوعات، وإذا كان هناك أدلة تحت كل رأس موضوع فلا بأس أن تكتبها حتى تحصل على المسألة بدليلها، ثم تراجع مكتوبك هذا كل فترة معينة من الزمن حتى لا تنسى العلم.","vol":"3","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الحكم على حديث (يس لما قرئت له)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة حديث: (يس لما قرئت له)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ضعيف.","vol":"3","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>حكم قراءة سورة يس في الأمور الصعبة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رأيت بعض زملائي يقرءون سورة يس وهم في طريقهم للامتحان، كما قد يقرؤها الواحد منهم للآخر عندما يقوم بأمر صعب، فما صحة هذا العمل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لم يصح في يس حديث واحد.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"3","page":35},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-65> ذكر من اشتهر بالإمامة في السنة</span>\nأهل السنة والجماعة هم الذين رفع الله ذكرهم، وأعلى مقامهم، وخلد آثارهم، لرفعهم وإعلائهم وتخليدهم سنة المصطفى ﷺ، واعتنائهم بها، وحفظهم لها، وذودهم عنها، وقد دون التاريخ عددًا لا يكاد يحصى من أئمة الدين، وأهل الرياسة في السنة، الذين كان لهم قدم صدق في ذلك.","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله إمام الأئمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nوبعد.\nفإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nبعد أن تكلمنا عن أهمية اتباع آثار السلف وعدم الخروج عنها، وذم البدعة واتباع الأهواء، واتباع العقل وتقديمه على النقل، ذكر الإمام اللالكائي باب خص فيه سرد أسماء من رسم بالإمامة في السنة، أي: من اشتهر بالدعوة إلى السنة والدعوة إلى الهداية وإلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﵊ وهو إمام الأئمة.","vol":"4","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المشهورون بالإمامة من الصحابة رضوان الله عليهم</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [فمن الصحابة: أبو بكر الصديق ﵁ وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت وأبو موسى الأشعري وعمران بن حصين وعمار بن ياسر وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان وعقبة بن عامر الجهني وسلمان وجابر وأبو سعيد الخدري وحذيفة بن أسيد الغفاري وأبو أمامة صدي بن عجلان وجندب بن عبد الله البجلي وأبو مسعود عقبة بن عمرو وعمير بن حبيب بن خماشة وأبو الطفيل عامر بن واثلة وعائشة وأم سلمة ﵃ أجمعين].\nيعني: كأنه أراد أن يقول: أشهر الصحابة الذين دعوا إلى سلوك سبيل السنة هم هؤلاء، وهذا لا ينافي أن الصحابة ﵃ جميعًا دعوا إلى السنة، ولكن من رسم بالإمامة في الدعوة إلى السنة والدعوة إلى طريق الهداية على منهاج النبوة هم هؤلاء، ولا ينفي أن غيرهم قام بهذا الدور، ولكن أدوارهم كانت أقل في الازدهار والاشتهار من هؤلاء.","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المشهورون بالإمامة في السنة من أهل المدينة</span>\nقال: [ومن التابعين من أهل المدينة: سعيد بن المسيب] ولذلك أنت لا تسمع اسمًا من هذه الأسماء إلا وهو مشهور، لأن الله ﵎ كتب له الذكر والثناء الجميل في قلوب الناس بسبب دعوته إلى السنة [وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وسليمان بن يسار ومحمد بن الحنفية وعلي بن الحسين وابنه محمد بن علي بن حسين وعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وكعب الأحبار وزيد بن أسلم ومحمد بن مسلم الزهري وربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بـ ربيعة الرأي -لأنه إمام أهل المدينة في زمانه وكان شيخًا لـ مالك - وعبد الله بن يزيد بن هرمز وزيد بن علي بن الحسين وعبد الله بن حسن وجعفر بن محمد الصادق.\nومن الطبقة الثالثة: أبو عبد الله مالك بن أنس الفقيه وعبد العزيز بن أبي سلمة المعروف بـ الماجشون.\nومن بعدهم: ابنه عبد الملك -يعني: عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون - وإسماعيل بن أبي أويس وأبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري ويحيى بن أبي كثير اليماني.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المشهورون بالإمامة في السنة من أهل مكة</span>\nقال: [ومن أهل مكة: عطاء -الذي هو ابن أبي رباح - وطاوس بن كيسان المدني ومجاهد بن جبر وابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وعبد الله بن طاوس، ثم ابن جريج ونافع بن عمر الجمحي وسفيان بن عيينة وفضيل بن عياض ومحمد بن مسلم الطائفي ويحيى بن سليم الطائفي، ثم أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي الفقيه الإمام العلم، ثم عبد الله بن يزيد المقرئ وعبد الله بن الزبير الحميدي ﵃ أجمعين].","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المشهورون بالإمامة في السنة من أهل الشام والجزيرة</span>\nقال: [ومن أهل الشام والجزيرة أو من يُعد فيهما من التابعين: عبد الله بن محيريز ورجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك الجزري.\nثم من بعدهم: إمام أهل الشام الإمام الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو ومحمد بن الوليد الزبيدي، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وعبد الله بن شوذب وأبو إسحاق الفزاري]، وهو إمام جبل لو أنك قرأت ترجمته لعلمت أنه لا يقل أبدًا في الجلالة والفضل عن أحمد بن حنبل.\nقال: [ثم من بعدهم: أبو مسهر -وهو عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي - وهشام بن عمار شيخ البخاري ومحمد بن سليمان المصيصي المعروف بـ لوين، وهذا إمام كبير من أئمة النقد.","vol":"4","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المشهورون بالإمامة في السنة من أهل مصر</span>\nقال: [ومن أهل مصر: حيوة بن شريح والليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة].\nكانوا دعاة إلى السنة.\nقال: [ومن بعدهم في مصر: عبد الله بن وهب وأشهب بن عبد العزيز]، وهو إمام جبل كبير يقول فيه الشافعي: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لولا طيش فيه.\nفكان سريع الغضب وكان إذا غضب طاش وصاح في الذي أمامه، فهذه العصبية وهذا الغضب أثر على قبول كثير من علمه؛ ولذلك قال فيه الإمام الشافعي هذه الكلمة.\nقال: [وعبد الرحمن بن القاسم وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني -الذي هو تلميذ الإمام الشافعي وكاتبه- وأبو يعقوب البويطي -تلميذ الشافعي كذلك- والربيع بن سليمان المرادي -تلميذ الشافعي - ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم] تلميذ الشافعي أيضًا.\nواعلم أن الشافعي ﵀ كان إمام مدرسة الدعوة للسنة، ولذلك خرَّج تلاميذًا كلهم يدعون إلى السنة، فالتلميذ يرضع من شيخه منهجه، ويرضع منه سمته ودله وهديه ومنهجه حتى في حياته، لا أقول في دعوته فحسب وإنما في حياته؛ لأن الإنسان يؤثر ويتأثر، فإذا كان الأمر كذلك فإن كل إمام أخرج أئمة من بعده.","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المشهورون بالإمامة في السنة من أهل الكوفة</span>\nقال: [ومن أهل الكوفة: الإمام الشعبي وعلقمة بن قيس وأبو البختري بن فيروز وإبراهيم النخعي وطلحة بن مصرف وزبيد بن الحارث والحكم بن عتيبة وابن مغول وأبو حيان التيمي وعبد الملك بن أبجر وحمزة الزيات ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والثوري وشريك القاضي وزائدة بن قدامة وغيرهم من أهل العلم].","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المشهورون بالإمامة في السنة من أهل البصرة</span>\nقال: [ومن أهل البصرة: أبو العالية الرياحي والحسن بن أبي الحسن البصري -الإمام الكبير الذي دعا إلى السنة، حتى خرج عليه واصل بن عطاء واعتزله- ومحمد بن سيرين وأبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي -هؤلاء أئمة كبار- ومن بعدهم: أيوب السختياني -الذي هو أبو بكر أيوب بن أبي تميمة ويونس بن عبيد وعبد الله بن عون وسليمان التيمي وأبو عمرو بن العلاء، ثم حماد بن سلمة وحماد بن زيد ويحيى القطان ومعاذ بن معاذ العنبري وعبد الرحمن بن مهدي ووهب بن جرير وأبو الحسن المديني وعباس بن عبد العظيم العنبري ومحمد بن بشار وسهيل بن عبد الله التستري].","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المشهورون بالإمامة في السنة من أهل واسط وبغداد والموصل</span>\nقال: [ومن أهل واسط: هشيم بن بشير الواسطي وعمرو بن عون وشاذ بن يحيى ووهب بن بقية وأحمد بن سنان.\nومن أهل بغداد أحمد بن حنبل -وإن لم يكن في بغداد إلا أحمد بن حنبل لكفى، فهو إمام الدنيا بأسرها؛ ليس إمام السنة في بغداد فحسب، بل هو إمام أهل السنة في زمانه- وأبو زكريا يحيى بن معين -الإمام الكبير، إمام الجرح والتعديل- وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو ثور وأبو خيثمة زهير بن حرب والحسن بن الصباح البزار وأحمد بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن جرير الطبري -صاحب التفسير- وأحمد بن سلمان النجاد -الفقيه- وأبو بكر النقاش المقرئ.\nومن أهل الموصل: المعافى بن عمران الموصلي].","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المشهورون بالإمامة في السنة من أهل خراسان</span>\nقال: [ومن أهل خراسان: عبد الله بن المبارك -الإمام الكبير- والفضل بن موسى السيناني والنضر بن محمد المروزي والنضر بن شميل المازني ونعيم بن حماد -الإمام الكبير العلم- وإسحاق -المعروف بـ ابن راهويه - وأحمد بن سيار المروزي ومحمد بن نصر المروزي -له كتاب اسمه (تعظيم قدر الصلاة) في مجلدين، ظل أهل العلم ينتظرونه دهرًا طويلًا حتى طُبع منذ خمس سنوات فقط -ويحيى بن يحيى النيسابوري - شيخ مسلم وتلميذ مالك -ومحمد بن يحيى الذهلي - قرين البخاري، بل هو أعلى منه- ومحمد بن أسلم الطوسي وحميد بن زنجويه النسوي وأبو قدامة السرخسي وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي ومحمد بن إسماعيل البخاري -الإمام الكبير صاحب الصحيح- ويعقوب بن سفيان الفسوي -صاحب كتاب المعرفة والتاريخ- وأبو داود سليمان بن الأشعث -صاحب السنن- وأبو عبد الرحمن النسوي وأبو عيسى الترمذي -صاحب السنن- ومحمد بن إسحاق بن خزيمة -صاحب الصحيح- ومحمد بن عقيل البلخي].","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المشهورون بالإمامة في السنة من أهل الري وطبرستان</span>\nقال: [ومن أهل الري: أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي وأبو عبيد الله الإمام الكبير محمد بن مسلم بن واره الذي انفرد في زمانه بالدعوة إلى منهاج النبوة، وأبو مسعود بن الفرات نزيل أصبهان.\nومن بعدهم: عبد الرحمن بن أبي حاتم -يعني: عبد الرحمن ابن الإمام الكبير- ومن أهل طبرستان: إسماعيل بن سعيد الشالنجي والحسين بن علي الطبري وأبو نعيم الاستراباذي وعلي بن إبراهيم بن سلمة القطان القزويني].\nيعني: الله تعالى سخر لدينه من يدعو إليه على منهاج النبوة في كل زمان ومكان حتى في البلاد التي لا تتكلم اللسان العربي، وهذا بلا شك من عظيم عناية الله ﷿ بهذا الدين العظيم، أن يسخر في بلاد العجم من يدعو بدعوة محمد ﵊، فصدق في هذه الأمة قول النبي ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق -أي: داعين إليه- لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).\nفلابد في كل زمان ومكان من قائم لله بحجة، ومبلغ دعوة الحق إلى الخلق إلى قيام الساعة.\nومن سوء الاعتقاد بالله ﷿: أن تعتقد أن الله تعالى يُخلي بلدًا من داع إليه، أو يُخلي زمانًا من داع إليه.\nهذا من سوء الظن بالله ﷿.\nثم يتكلم الإمام بعد ذلك ويسرد ما روي عن النبي ﵊ في ثواب من حفظ السنة ومن أحياها ودعا إليها، ويعقبه بباب آخر أجمل منه وهو شروح أهل العلم لبعض الآيات التي حثت على التزام السنة والعمل بالحكمة.","vol":"4","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>ثواب من حفظ السنة ومن أحياها ودعا إليها</span>\nقال: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في ثواب من حفظ السنة ومن أحياها ودعا إليها].","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>من سن في الإسلام سنة حسنة عمل بها بعده</span>\nفقال: [عن جرير بن عبد الله البجلي: (كنا عند النبي ﵊ فقال: من سن في الإسلام سنة حسنة عُمل بها من بعده كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة عُمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم)]، وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي في الصحيح.\nوالسنة لها معان كثيرة، فالسنة هي الطريقة المسلوكة، فإما أن تكون هذه الطريقة المسلوكة حسنة أو سيئة، ولذلك تقول: فلان يسير سيرًا حسنًا، أو يسير سيرًا سيئًا، أو يسير على طريقة حسنة، أو على طريقة سيئة.\nفقولك: على طريقة.\nأي: على سنة سواء كانت سنة سيئة أو سنة حسنة، والسنة كذلك إنما تعني أقوال النبي ﵊ وأفعاله وتقريراته.\nوالسنة إما أن تكون خيرًا وإما أن تكون شرًا.\nوعند الفقهاء السنة ما دون الفرض.\nتقول: هذا فرض، وهذا سنة.\nالظهر فرض، له سنن قبلية وبعدية.\nفالسنة عند الفقهاء غير السنة عند أهل اللغة، وكذا هي غير السنة عند الأصوليين والمحدثين.\nولذلك السنة عند قوم: هي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.\nفيتحدد المقصود والمراد من لفظ السنة إذا وردت في دليل أو في نص من السياق، أو من سبب ورود هذا النص، فحديث جرير هنا: (من سن في الإسلام سنة حسنة ومن سن في الإسلام سنة سيئة).\nهل الإسلام فيه سنة حسنة وسنة سيئة مع قوله ﵊: (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)؟ لا.\nإذًا: البدعة في دين الله كلها ضلالة؛ لأنها محدثة لم تكن في زمن النبي ﵊، فكيف تكون هذه المحدثة سنة حسنة أحيانًا وسنة سيئة أحيانًا أخرى؟ لا.\nلابد -ظاهر حديث البدع والنهي عنها- أن تكون كل محدثة في دين الله سيئة، ولكن بالنظر إلى سبب ورود هذا الحديث على جهة الخصوص -أي: حديث جرير - يرتفع الإشكال.\nفانظر إلى السنة إذا كانت مندرجة تحت أصل شرعي ستكون سنة حسنة، فقوله هنا: (أن قومًا من مضر جاءوا إلى النبي ﷺ وهم حفاة عراة فتمعر وجه النبي ﵊ لما رأى ما نزل بهم من الفاقة -أي: من الفقر- فخطب الناس وحثهم على الصدقة، فجاء رجل من الأنصار بصرة عجزت يداه عن حملها، ثم تتابع الصحابة بجمع الصدقة، حتى سُر بذلك النبي ﵊، فعرض للرجل الأول الذي لمح مراد النبي ﵊ من هذا التوجيه وهذا الخطاب.\nلما أمرهم وحثهم على الصدقة فطن هذا الرجل أن هذا الحث إنما هو لأجل هؤلاء القوم الذين أتوا حفاة عراة من مضر، وقد ظهرت على أبدانهم وثيابهم آثار الفقر، فذهب وأتى بما عنده فوضعه بين يدي النبي ﵊، فلما رأى الصحابة صنيع ذلك الرجل ذهبوا جميعًا إلى بيوتهم؛ فهذا أتى بفضل ماله، وهذا أتى بفضل زاده، وهذا أتى بفضل ملبسه ومشربه وغير ذلك فوضعوه في نطع، وحملوا ذلك النطع.\nقال الراوي: فكادت أيديهم أن تكل.\nيعني: أن تتعب من حمل هذا النطع الكبير أو هذا الجلد الكبير الذي وضع فيه تلك الصدقات.\nقال: بل قد كلت).\nوهذا دليل على أنهم إنما أتوا بما عندهم من خير.\n(فلما رأى ذلك النبي ﷺ قال: من سن في الإسلام سنة حسنة) والذي سن هذا الصنيع إنما هو ذلك الرجل الأول الذي ذهب وأتى بما عنده ففعل بفعله وصنع صنيعه بقية الصحابة، ولكن الرجل هذا لما ذهب إلى بيته ليأتي بما عنده هل اخترع في دين الله أمرًا جديدًا أم أنه اندرج فعله وصنيعه تحت أصل عام وهو مشروعية الصدقة؟ الصدقة مشروعة من الأصل، ولكنه أحيا هذه السنة في قلوب الصحابة بفعله، فاستحق أن يقول النبي ﵊ عنه: (من سن في الإسلام).\nيعني: من ذكر الناس وأحيا سنة كاد الناس أن يغفلوا عنها.\n(فله أجرها) أي: أجر إحيائها وأجر عملها، وكذلك له أجر من عمل بهذه السنة من بعده إلى يوم القيامة شريطة ألا يُنقص ذلك من أجور من عمل بها من بعده شيئًا.\nوفي المقابل: (من سن سنة سيئة).\nوقال جرير: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: من سن سنة حسنة كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن يُنقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا) أخرجه مسلم.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه</span>\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان له من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا)].","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>عليكم بالسبيل والسنة</span>\nقال: [وعن أبي بن كعب قال: عليكم بالسبيل والسنة]، أي: أحثكم وأحضكم على التمسك بالسبيل أي: الطريق، وهذا الطريق هو السنة.\nقال: [فإنه ما على الأرض عبد على السبيل والسنة وذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله ﷿ فيعذبه الله]، يعني: ما من عبد على وجه الأرض على السبيل والسنة يذكر الله تعالى ويخافه حق خوفه إلا فاضت عيناه، فإذا كان كذلك فإن الله لا يعذبه.\nقال: [وما على الأرض عبد على السبيل والسنة يذكر الرحمن تعالى في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله، إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها، فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها -أي: سقط عنها ورقها- إلا حط عنه خطاياه كما تحات عن تلك الشجرة ورقها.\nوإن اقتصادًا في سنة وسبيل خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة].\nأي: اقتصاد في اتباع خير من اجتهاد في ابتداع.\nلو أن المرء أخذ من السنة ما كان في وسعه وفي طاقته خير له من أن يجتهد في إحداث بدعة، فالبدعة في دين الله إما أن تكون بالنقصان وإما أن تكون بالزيادة، والشر في دين الله إما بالنقصان وإما بالزيادة.\nفقال هنا: [وإن اقتصادًا في سنة وسبيل خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، فانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادًا أو اقتصادًا؛ أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء وسنتهم].\nهذه دعوة إمام كبير وعلم من أعلام الصحابة وهو أبي بن كعب.","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة عبادة</span>\nقال: [ثنا أبو إسحاق إسماعيل الأقرع: سمعت الحسن بن أبي جعفر يذكر عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادة].\nوهذا أثر صحيح عن ابن عباس ﵄، فالنظر في وجه الرجل من أهل السنة عبادة.\nيعني: يتقرب بها الناظر إلى الله ﷿، يتملى من وجوه أهل السنة والجماعة الداعين إلى الله على منهاج النبوة، فلا شك أن هذه النظرة يؤجر عليها صاحبها إن نوى بذلك وجه الله.","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>قمع البدعة بالسنة</span>\nقال: [وعن ابن عباس ﵄ قال: والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدًا أحب إلى الشيطان هلاكًا مني].\nابن عباس يتكلم عن نفسه ويقول: أنا أوقن أنه ليس على وجه الأرض أحد أحب هلاكًا إلى الشيطان مني، قيل له: وكيف؟ فقال: والله إنه لتحدث البدعة في مشرق أو في مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه] أي: على الشيطان؛ لأن الداعي إلى سلوك سبيل الضلالة أو سبل الضلال والانحراف إنما هو الشيطان بالدرجة الأولى على أيدي أعوانه من البشر، فإذا وقعت البدعة على مسامع رجل يدعو إلى السنة ويميز بينها وبين البدعة، ويمقت البدعة ويحب السنة فلا شك أنه سيدحض تلك البدعة ويردها ويثبت عوارها وفسادها، وبذلك لا يفلح الشيطان في استقرار وثبات تلك البدعة في قلوب شيعته، وبذلك يندحر وترد عليه بدعته، فحينئذ يغضب الشيطان من ذلك العالم الذي يدعو إلى السنة، ويتمنى هلاكه؛ لأن الشيطان إنما يجتهد أكثر ما يجتهد على الجُهال والعُباد، كما ورد في ذلك حديث وإن كان ضعيفًا جدًا: أن شيطانًا قال لإبليس: أيهما أشد علينا العالم أو العابد؟ قال: العالم.\nفقال: وما دليل ذلك؟ -حتى الشيطان يسأل عن الدليل- قال: اذهبوا إلى فلان العابد وقولوا له: هل يستطيع ربك أن يجمع الدنيا في بيضة؟ فذهبوا إليه وتمثلوا بشرًا وقالوا: يا فلان هل يستطيع ربك أن يجمع الدنيا في بيضة؟ قال: أعوذ بالله إنه لا يقدر على ذلك، فنفى عن الله ﷿ القدرة -نسي أنه القدير وأنه يفعل ما يريد- فرجعوا إليه -أي: إلى شيخهم وأستاذهم إبليس الكبير- فقالوا: إنا سألناه فقال: أعوذ بالله، إنه لا يقدر على ذلك.\nفقال: كفر من حيث لا يدري.\nقال: اذهبوا إلى فلان العالم فاسألوه نفس السؤال، فذهبوا إليه فسألوه نفس السؤال؟ فضحك العالم وقال: نعم يقدر على ذلك؛ لأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.\nقالوا: وكيف؟ قال: إما أن يكبر حجم البيضة فيدخل الدنيا فيها، وإما أن يصغر الدنيا ويدخلها في البيضة.\nوهذا الحديث ضعيف جدًا، يذكره الوعاظ على أنه من الأحاديث الثابتة أو من القصص الثابتة، ولكن الحافظ ابن عبد البر رواه بغير إسناد، وإن شئت فقل: بإسناد ضعيف واه جدًا.","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة</span>\nقال: [عن عبد الله: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة].\nولذلك قال ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم -اقتصاد في سنة- وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه).\nلم يستثن ولم يجعل الانتهاء عن المعاصي في مقدورك، وإنما نهاك عنه كله، ابتعد عن كل ما حرم الله، أما ما أمرك الله تعالى به فأت منه ما استطعت.\nأرأيت إلى هذه الرحمة عظيمة؟! إذا أمرك الله بأمر فإن كان في مقدورك فاعمله، وإن كان غير ذلك فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، أما المناهي كلها فداخلة في مقدور العبد وقدرته؛ لأنه قال: (وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).\nومن هنا تبعيضية.\nأي: فأتوا منه بعض الذي في وسعكم؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، والتحلي بالفضائل لا يكون إلا بعد التخلي عن الرذائل.\nإذا أراد المرء أن يتحلى بخصلة جميلة فلابد أن يتخلص من ضدها الذميم قبل أن يتحلى بها.\nيعني: ينظف قلبه أولًا من أدرانه ثم ينقيه بعد ذلك ويجعله مهيأً لقبول مكارم الأخلاق.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الاعتصام بالسنة نجاة</span>\nقال: [عن الزهري قال: الاعتصام بالسنة نجاة].\nيعني: نجاة من كل هلكة وانحراف وضلال وزيغ.\nقال: [ثنا أبو المليح قال: كتب عمر بن عبد العزيز بإحياء السنة وإماتة البدعة].\nأي: لما كان واليًا كتب إلى عُماله في الأمصار أن أظهروا السنة وادعوا إليها وأميتوا البدعة.\nفهل رأيتم واليًا في عصرنا هذا ينصح عماله بأن يحيوا السنة ويميتوا البدعة؟!","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>إياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء</span>\nقال: عن عاصم: قال أبو العالية: تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تُحرفوا الإسلام يمينًا ولا شمالًا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تُلقي بين الناس العداوة والبغضاء.\nقال: فحدثت الحسن بهذا فقال: صدق أبو العالية ونصح].\nالحسن البصري رجل يعرف الكلام ويعرف وزنه ومقداره، فلما سمع هذا الكلام قال: صدق أبو العالية ونصح لهذه الأمة.\n[قال: فحدثت حفصة بنت سيرين فقالت: يا باهلي -أي: هو عاصم - أأنت حدثت محمدًا بهذا؟ -يعني: أنت حدثت محمد بن سيرين الذي هو أخوها- فقال: لا.\nقالت: فحدثه إذًا].\nهذا كلام جميل جدًا، وقد حاز إعجاب الحسن البصري وعاصم الباهلي ومحمد بن سيرين وحفصة بنت سيرين.\nيعني: أن الأهواء من شأنها أنها تلقي بين الناس العداوة والبغضاء.\nويرحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال: إن أهل السنة أرحم لأهل البدع من بعضهم لبعض.\nأي: رجل من أهل السنة هو أرحم وأعدل في أهل البدع من أهل البدع بعضهم مع بعض.","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>لا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة</span>\nقال: [ثنا أبو حيان البصري قال: سمعت الحسن: لا يصح القول إلا بعمل].\nيعني: مهما قلت إذا كنت لا تعمل فإنه لا نجاة، ولا يصح هذا القول، بل لابد أن يكون القول مع العمل.\nولذلك يقول علي بن أبي طالب: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.\nفالعلم ينادي: اعمل بي وإلا تركتك.\nولذلك خير سبيل للمحافظة على العلم أن تعمل به، كما قال بشر الحافي عليه رحمة الله: يا أهل الحديث! أدوا زكاة الحديث، اعملوا من كل مائتين بخمسة.\nفشبه العلم بالمال.\nفلو أن العلم كالمال فاعمل بهذا العلم على قدر ما تخرج من زكاة المال؛ من كل مائة اثنين ونصف، فلما لم يمكن تجزئة الحديث قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث.\n[قال الحسن: لا يصح القول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية؛ لأن الأعمال بالنيات، ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة].\nفكم من إنسان يعمل بنية صالحة خالصة ولكن عمله غير مستقيم فلا يقبل منه! وكم من إنسان عمله مستقيم -يعني: صحيح- ولكنه غير مخلص فيه، فكذلك لا يُقبل منه، فإذا صلى المرء رياءً لا تُقبل تلك الصلاة منه، ولكنها تصح إذا استوفت أركانها وشروطها.\nفلو أن شخصًا صلى فقام قيامًا صحيحًا، ركع واطمأن، قام فاعتدل، سجد فاطمأن، جلس بين السجدتين فعل ذلك في كل ركعة، وكان من قبل متوضئًا وضوءًا صحيحًا، فإن هذه الصلاة قد استكملت أركانها وشروطها، فهي صحيحة، ولكن إن راءى بها صاحبها فإنها لا تُقبل عند الله، ولا أجر له فيها، ولكن لأهميتها أنها تُسقط عن العبد أن يطالب بإعادة الصلاة مرة أخرى، ولكن لا ثواب له فيها؛ لأن هذا العمل خلا من نية صالحة.\nولو أن العبد صلى لله ﷿ لا يبتغي شهرة ولا رياء ولا سمعة؛ لأن من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به.\nولو أن العبد صلى لله ﷿ لا يريد بذلك مدح الناس ولا ثناءهم، ولكنه صلى على غير هدى، نقر الصلاة نقر الغراب أو نقر الديك، أو التفت فيها التفات الثعلب، أو أنه لم يتقنها ولم يحسنها، أو لم يأت بركن فيها، أو أخل بشرط في صحتها، فلا شك أن هذه الصلاة على غير هدي النبي ﵊ وإن كان مخلصًا فيها؛ لأنها ليست مستقيمة، ولذلك يقول الفضيل بن عياض في قول الله ﷿: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧].\nقال: لا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا وصوابًا.\nأي: حتى يكون خالصًا لله، وصوابًا على منهج النبي ﵊.\nولذلك تواطأت أقوال أهل السنة في كل زمان ومكان، قول الحسن وقول ابن سيرين وقول حفصة وقول الدراوردي وقول ابن المبارك وقول أحمد؛ تشابهت أقوالهم لأن اعتقادهم واحد، ومنهجهم واحد في العلم والعمل فتشابهت أقوالهم؛ لأن المعين الذي يستقون منه جميعًا كذلك واحد، فلابد أن يكون كلامهم واحد.\nقال: لا يصح القول إلا بعمل، ولا يصح قول وعمل إلا بنية، ولا يصح قول وعمل ونية إلا باتباع السنة.","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله</span>\nقال: [عن الحسن قال: يا أهل السنة! ترفقوا رحمكم الله فإنكم من أقل الناس.\nولا شك أن أهل السنة كثرة، ولكن الحسن إنما ينصح أئمة السنة لا عامة أهل السنة، والله تعالى أبى أن يعيش في زمان أهل السنة أقلية، ولكن أهل السنة بالمقارنة لأهل البدع كثرة كاثرة، فالقدرية أين هم؟ والخوارج أين هم؟ والشيعة أين هم؟ والإباضية أين هم؟ والإسماعيلية أين هم؟ والمرجئة أين هم؟ فحينما تذكر أصحاب بدعة بالمقارنة لأهل السنة في مجموع الأمة تجد أن مجموع أهل السنة أعظم من أهل البدعة، فقول الحسن موجه لأئمة السنة لا لعامة أهل السنة].","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>لا يقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة</span>\nقال: [عن سعيد بن جبير قال: لا يُقبل قول إلا بعمل، ولا يُقبل عمل إلا بقول، ولا يُقبل عمل وقول إلا بنية، ولا يُقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة].\nوكأنه كلام الحسن البصري لأم؛ لأن المعين واحد.\nهذا الكلام نُقل عن عشرات ومئات من أئمة أهل السنة، ولكن ما ذُكر يكفي.\nوعن حماد بن زيد قال: كان أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني إمام أهل البصرة وهو شيخ حماد بن زيد - عندي أفضل من جالسته، وأشده اتباعًا للسنة.\nأما واصل بن عطاء، فلا أحد يتكلم عنه، وإذا تكلموا عنه لن يتكلموا عنه إلا بكل شر، فاعلم أن أهل السنة الله تعالى يكتب لهم الذكر الجميل والثناء الحسن إلى يوم القيامة، إذا ذُكر واصل بن عطاء والحسن البصري فإننا نميل إلى الحسن ونحبه؛ لأن الحسن كان إمام أهل البصرة في زمن التابعين وهو الداعي إلى السنة، وأما واصل بن عطاء فقد كان تلميذًا من تلامذة الحسن البصري، سأل أحدهم الحسن البصري وقال: ماذا تقول في مرتكب الكبيرة؟ والسؤال هذا موجه للحسن، فيقوم واصل ويسبق عليه الكتاب ويقف في المجلس ويقول: مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر، وهو مخلد في النار.\nفالسؤال أولًا لم يوجه له، وهذا مناف لأدب مجلس العلم؛ لأن الشيخ هو الذي يتكلم فقط وهو الذي يجيب فقط، وإنما أنت عليك أن تسمع، فلما رأى الحسن تغير وجهه وتمعر وغضب فقام في ناحية المسجد، في آخر المسجد، وأهل البدع في كل زمان ومكان متأخرون وليسوا هم الأفضل، هو لم يجلس في مكان الحسن البصري، بل ذهب إلى ركن المسجد والذي في قلبه مرض ذهب معه، فبمجرد ما إن رأوا رايته منحرفة رفعوا راية الانحراف وذهبوا وجلسوا مع واصل بن عطاء.\nفهذا الذي حدث أراح الحسن البصري جدًا؛ لأنه كان لابد من التمييز؛ تمييز الطيب من الخبيث، لابد من تمييز الصف حتى يكون الجالس في هذا المجلس في أمان وستر وعافية وفهم نقي لمنهاج النبوة.","vol":"4","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>كراهة السلف للمشي خلفهم وأن توطأ أعقابهم</span>\nقال: [وقال سليمان بن المغيرة: كنت عند حميد بن هلال فلما قام من مجلسه تبعه أيوب ويونس بن عبيد فدخلوا عليه فرأيت في وجهه المساءة -أي: مغضب- قلت: مالك؟ قال: كنت أحسب أن هذين الشيخين الحسن وابن سيرين إن هلكا خلفاهما أيوب ويونس.\nقلت: وإنا لنأمل ذلك فيهما.\nقال: أما رأيت اتباعهما إياي؟ وذكر فعلهما].\nيعني: المشي وراء العالم ليس من السنة، وكان الصحابة ﵃ يكرهون أن توطأ أعقابهم، ويقولون: إنما ذلك ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.\nوالشخص أحيانًا لما ينظر في مساجد السلفيين ويرى ما لا يراه في مسجد الحسين والسيدة زينب، ولقد رأيت أحد الدعاة كان يحاضر في مسجد، وهو على سفر فصلى بهم العشاء فقصر وسلم من ركعتين، فحصل الشجار على الصف الأول خلف الشيخ، والذي حصل أيضًا أن شخصًا بعد أن وقف وكبر، قام آخر وأبعده من مكانه، فالإمام حينما سلم من ركعتين، والذين كانوا وراءه مباشرة، وهم راكعون كانوا يمدون أيديهم لكي يسلموا عليه وهم في الصلاة، فلما أدرك الشيخ جزاه الله خيرًا خطورة المسألة أجاز لنفسه أن يتحول عن هذا المكان قبل تسليم المأمومين، فقام بعض الناس بعد أن فرغوا من الصلاة، وأراه كالمرأة الثكلى التي فقدت ولدها، والذي يغمى عليه، والذي يقع على الأرض ما هذا! فهل يمكن أن تسمى هذه المساجد مساجد سلفية؟ ومع هذا لن تضروا الشيخ شيئًا، فالشيخ موقفه من الله ﷿ معروف وظاهر من الدعوة إلى السنة واتباعها، ولا ذنب له فيما يحدث حوله، والذنب كل الذنب في أن كلامه لم يُسمع لدى هؤلاء العوام.\nفعند أن نقول: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.\nيقال: الشيخ حاقد على الشيخ، أو عنده غيرة منه، أو شيء من هذا! أبدًا والله ما هو إلا حب اتباع السنة.\nوإذا كنت أدعو إلى اتباع السنة فإن الشيخ الذي يصنع معه هذا إنما يدعو بنفس دعوتي ويكره الذي أكرهه، ويمقته أشد المقت كما أمقته أنا، فلماذا أكون أنا حاسدًا هذا الشيخ أو حاقدًا عليه؟ والنبي ﵊ كان يكره أن يوطأ عقبه.\nوعبد الله بن مسعود الإمام الكبير العلم في الصحابة كان إذا فرغ من درسه يوم الخميس وانصرف فرأى أناسًا قد تبعوه يتوقف، فيقول لهم: ما حاجتكم؟ فيقضيها، فيفتي في مسألتهم.\nفأيهما أولى بالاتباع عبد الله بن مسعود أم من أتى بعد عبد الله بن مسعود؟ هذا الكلام هو منهج السلف.\nوقد رأينا في هذا المسجد تقريبًا في سنة (١٩٨٨م) أو (١٩٨٩م) على الأكثر أن شيخًا من الشيوخ وداعية من الدعاة المستقيمين على منهج النبي ﵊ نحسبه كذلك، لما علم بغلو الناس فيه بعد أن فرغ من درسه قال وهو في منبره: أقسمت عليكم بالله العظيم ألا يقوم أحد من مكانه حتى أنصرف خارج المسجد.\nقال هذا وجزاه الله خيرًا، فقد أقام الحجة على الجميع، ومع هذا كأن هذا اليمين لم يُسمع، فلما ترك الشيخ الميكرفون انكب الناس عليه حتى ملكوا ذراعه.\nوهل هذه سنة أم طفولية؟ فنحن لا تزال فينا جاهلية، ولا يزال فينا انحراف، ونحن نحتاج إلى تقويم وتوجيه.","vol":"4","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الاعتناء بأهل السنة والحث على ملازمتهم</span>\nقال: [وقال أبو سليمان: رأيت سالم بن عبد الله بن عمر يسأل عن منازل البصريين: هل قدم أيوب؟].\nيعني: سالم بن عبد الله بن عمر جالس في المدينة ويسأل عن أهل السنة الذين يأتون من أماكن بعيدة فيسأل عن أيوب بن أبي تميمة السختياني.\nقال: [فلما رآه أيوب جمح إليه فعانقه].\nوهذه من محبة أهل السنة بعضهم لبعض وإن اختلفت ديارهم.\nعانقه أيوب.\nقال: [وجعل يضمه إليه.\nقال: وإذا رجل خشن عليه ثياب خشنة فقلت: من هذا؟ فقالوا: هو سالم بن عبد الله بن عمر ﵃.\nوعن حماد بن زيد قال: قال أيوب: إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة وكأني أفقد بعض أعضائي].\nيعني: وكأن أحد أعضائي هو الذي مات وليس هذا الرجل؛ لأن أهل السنة بعضهم مع بعض كالجسد الواحد.\nقال: [وعن أيوب قال: إن من سعادة الحدث -أي: من سعادة الغلام الصغير- والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة].\nيعني: من أعظم نعمة عليك أن توفق إلى رجل من أهل السنة يعلمك السنة ويجنبك البدعة.\nوهذه النعمة لو أنك ظللت تذكر الله تعالى عليها في الليل والنهار ما وفيته حقه، وإلا فأنت ترى أصحاب الأهواء وأهل الضلال هنا وهناك لا يعرفون شيئًا، وليس عندهم استعداد مطلقًا أن يسمعوا لأهل السنة كلمة واحدة، فالشيطان أغلق على قلوبهم.\nوالمساجد التي فيها الأضرحة والقبور وغيرها، تجد فيها الضباط وأساتذة الجامعات بل إن إمام الصوفية رئيس جامعة الأزهر لو سألته وقلت له: هل الصوفية كانت على عهد النبي ﷺ؟ لقال لك: لم تكن موجودة.\nقال: [وعن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك -أي: إذا تعبد- أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها].\nيعني: أن يلازم صاحب سنة يعلمه إياها ويدله عليها.\nقال: [وقال يوسف بن أسباط: كان أبي قدريًا].\nيعني: ممن ينفي القدر ويقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف.\nأي: أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، فينفون عن الله علمه السابق.\n[قال: وإن أخوالي روافض].\nيعني: يسبون أبا بكر وعمر قال: [فأنقذني الله بـ سفيان].\nيعني: أنقذه من قدرية والده، ومن رفض أخواله، وهؤلاء هم أهله وعشيرته.\nولو أتيت إلى بلد كفارس إيران أو العراق أو سوريا التي انتشرت فيها وطغت مذاهب الضلال، فالنصيرية في سوريا كفر محض، وتجد عندهم الرفض والسب والشتم العلني لـ أبي بكر وعمر ﵄.\nرفسنجاني زعيم إيران أتى ومعه وفده فدخل المسجد النبوي، وصلى فيه ركعتين، ثم ذهب ليزور النبي ﵊ فصلى عليه، ثم انحرف هو ووفده إلى قبر أبي بكر وعمر ورفعوا أيديهم وظلوا يسبون ويلعنون ويشتمون أبا بكر وعمر! فانزعج الناس، فذهبوا إلى إمام المسجد الإمام الحذيفي.\nهذا الإمام الذي ما عُرف عنه إلا الالتزام والحفاظ على السنة والأدب والتواضع والإخبات والخوف من الله، حتى أتى إلى جانبه وسمع منه بأذنه هذا السب وهذا اللعن، ولكنه لم يستطع أن يقيم الموقف في حينه ووقته، فذهب فبات في بيته بشر ليلة، فأتاه النبي ﵊ في النوم وقال له: يا علي! اصعد المنبر فقل: كذا وكذا وكذا أي: رد على هؤلاء افتراءهم وبين لهم فضل عمر وفضل أبي بكر.\nقال الحذيفي: فجبنت عن ذلك، ثم نمت مرة أخرى فأتاني النبي ﵊ فجبنت عن ذلك، فأتاني الثالثة بمثل ذلك.\nفصعد المنبر في يوم الجمعة في خطبة الجمعة، وتكلم بكلام عظيم جدًا وحكى الذي قصصته على المنبر، ثم بين فساد الشيعة وعوار مذهبهم ومخالفتهم في الأصول لأهل السنة والجماعة، ثم رفض العلمانية التي أتت من قبل مصطفى أتاتورك في تركيا؛ لأن النبي ﵊ أمره في الرؤيا المنامية بثلاث: بالرد على العلمانية التي أتت من تركيا، والرفض والسب الذي أتى من فارس، والأمريكان الذين أتوا محتلين لبلاد العرب.\nفتكلم الإمام الحذيفي حفظه الله في هذه المسائل الثلاث على منبر مسجد النبي ﵊، وما كان من الحكومة المباركة إلا أن استدعت الحذيفي وهو عميد كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية فعزلته عن العمادة وعزلته عن إمامة المسجد النبوي، ولكن هذا لا يضر الحذيفي لأنه عمل لله بسنة وإن كان واحدًا، فإن هذا الموقف سيُحمد له على ألسنة أهل السنة إلى قيام الساعة، وإن من خالف ذلك سيُذكر بالسوء إلى قيام الساعة.\nقال: [وقال عمارة بن زاذان: قال لي أيوب: يا عمارة","vol":"4","page":26},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-91> ما جاء من الآيات في الحث على الاتباع</span>\nلقد أكمل الله تعالى للناس الدين، وأمر الناس باتباعه، ووعد من التزم به جزيل الثواب، وتوعد من خالفه بشديد العقاب، ولأجل هذا وردت كثير من النصوص تحذر من الابتداع في الدين؛ لأن المبتدع مدع على الله ورسوله بنقصان الدين، وأنه من سيكمله، وأنه قد حصل له من الهدى ما لم يحصل للرسول ﷺ وأصحابه.","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>سياق ما فسر من كتاب الله ﷿ من الآيات في الحث على الاتباع وأن سبيل الحق هو السنة والجماعة</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما فسر من كتاب الله ﷿ من الآيات في الحث على الاتباع؛ وأن سبيل الحق إنما هو اتباع منهج أهل السنة والجماعة] أي: الأدلة من كتاب الله ﷿ على أن الطريق المستقيم هو طريق أهل السنة والجماعة: جاء ذلك [عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] قال: سبيلًا وسنة].\nيعني: طريقًا واحدًا وسنة واحدة.\nقال: [وعن الحسن البصري ﵀ في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية:١٨] قال: الشريعة هي السنة].\nقال: [عن عطاء في قول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١] قال: يتبعونه حق اتباعه، ويعملون به حق عمله].\nقال: [عن الحسن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] قال: وكانت علامة حبه إياهم -أي: علامة حب الله تعالى لهم- اتباع سنة النبي ﷺ].\nقال: [عن سفيان بن عيينة: أنه سئل عن قوله ﵊: (المرء مع من أحب)] والحديث في الصحيحين.\nسئل النبي ﵊ عن الرجل يحب القوم ولما يعمل بعمله، يعني: يحب أبا بكر وعمر وعثمان كما ورد من حديث أنس بن مالك، ولكنه في العمل لم يلحق بهم، ولم يعمل مثل عملهم: (أين هو يا رسول الله! قال: النبي ﵊: المرء مع من أحب).\nأما سفيان بن عيينة فقال: ألم تسمع قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].\nقال: يقربكم الحب من الرب ﵎.\nوقال في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠].\nقال: لا يقرب الظالمين.\nإذًا: الله ﵎ يقرب المحبين، يقرب المتبعين، ويبعد الظالمين.\nقال: [وعن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩]، قال: الكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة].\nوغير واحد من السلف فسروا الحكمة في القرآن بأنها السنة.\nقال: [وعن قتادة وعن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، قال: ثم استقام -الهدى هي الاستقامة- وقال: والاستقامة هي لزوم السنة والجماعة].\nلم سمي أهل السنة بأهل السنة والجماعة؟ أولًا: سموا بأهل السنة؛ لأنهم يتبعون السنة ويلتزمونها.\nوسموا بالجماعة؛ لأنهم اجتمعوا على ذلك، اعتقادًا وعلمًا وعملًا، وسموا أهل السنة بالتزامهم السنة، وعدم خروجهم عنها، وسموا الجماعة؛ لأنهم اجتمعوا على هذا المعتقد، واجتمعوا على هذا العلم وهذا العمل.\nقال: [وعن شمر بن عطية في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢].\nقال: لمن تاب من الشرك وآمن بمحمد ﷺ، وأدى الفرائض ثم اهتدى للسنة.\nوعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦].\nقال: فأما الذين ابيضت وجوههم فهم أهل السنة والجماعة وأهل العلم، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالات.\nوعن عطاء في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].\nقال: هم أولو العلم] ومن طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة؛ لأن بعض الناس يتصور أن طاعة الرسول هي اتباع السنة فقط، كما أن بعض الناس وهم القرآنيون اعتبروا أن طاعة الله هي اتباع القرآن فقط، مع أن القرآن أمر بطاعة الرسول فكيف نطيع الرسول هنا؟ فالقرآن والسنة متلازمان من جهة التشريع لا يمكن أبدًا فك أحدهما عن الآخر.\nلو أنك قلت: أنا أثري وأنا ألتزم الأثر فقط دون القرآن لكفرت قولًا واحدًا.\nوإذا قلت: أنا قرآني فقط، ولا أعتبر إلا القرآن، فقد تجد في السنة التحذيرات الكثيرة والتهديدات والتوعيدات الكثيرة في الرد إلى كتاب الله، وإلى سنة النبي ﵊، ف","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>سياق ما روي عن النبي ﷺ في الحث على التمسك بالكتاب والسنة وعن الصحابة والتابعين ومن بعدهم</span>\nقال: [سياق ما روي عن النبي ﵊ في الحث على التمسك بالكتاب والسنة، وعن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والخالفين لهم -أي: الذين أتوا من بعدهم- من علماء الأمة ﵃ أجمعين].\nمعناه: أنه يلزمك أن تتمسك بالكتاب والسنة وسنة الخلفاء الراشدين، وبقية الصحابة أجمعين ﵃، والتابعين وتابعيهم، والأئمة المتبوعين وكل عالم إلى يوم القيامة.\nوالقيد في ذلك: ما دام قوله يوافق فهم سلف الأمة.","vol":"5","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>ما روي عن النبي في الحث على التمسك بالكتاب والسنة</span>\nأورد الإمام هنا حديث العرباض بن سارية ﵁ يقول: [(وعظنا رسول الله ﷺ موعظة دمعت منها الأعين، ووجلت منها القلوب.\nقلنا: يا رسول الله! إن هذه موعظة مودع فبم تعهد إلينا؟ قال: قد تركتكم على البيضاء)] شبه الشريعة بقطعة القماش البيضاء، أو بالنهار الذي لا خفاء فيه؛ وأن الحق أبلج واضح، كلما أردت أن تصل إلى الحق تصل إليه بإذن الله؛ لأنه بين وواضح.\nوقال: [(تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها)] لا يخفى الحق فيها أحيانًا ويظهر أحيانًا وإنما هو واضح وظاهر في كل وحين.\nقال: [(قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يرجع عنها بعدي إلا هالك)] وهذا وعيد وتحذير.\nأي: لا يضل عنها بعدي إلا هالك.\n[(ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فتنًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، وإن المؤمن كالجمل الآنف حيث ما قيد انقاد).\nوقال عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية: وكان ممن أنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة:٩٢]]؛ لأنهم كانوا يأتون النبي ﵊ من أجل أن يجهزهم للقتال، فقال لهم: أنا ليس عندي ما أملك تجهيزكم به، فتولوا وذهبوا إلى بيوتهم وهم في غاية الهم والحزن، فنزل فيهم وفي صدقهم قوله ﵎: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة:٩٢] أي: لتجهزهم للقتال ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٩٢]، ورجعوا ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة:٩٢].\n[قال: فدخلنا فسلمنا عليه وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين].\nكأنه مرض (ومقتبسين) أي: وطالبين للعلم.\nالاقتباس هو الأخذ، ولكن لفظ (اقتبس) أبلغ في المعنى وفي شدة النزع من لفظ (نطلب أن نتعلم) أو غير ذلك.\nفقال: قال ﷺ.\nوقال أبو عاصم: (صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح يومًا فأقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها الأعين، ووجلت منها القلوب.\nقال: قلنا: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا - قال أبو عاصم في حديثه: فأوصنا- قال: أوصيكم عباد الله! بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا؛ فإنه من يعش منكم فسيرى بعدي اختلافًا كثيرًا، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)].\nالحديث السابق شرحناه في خطبة جمعة، (وإنما المؤمن كالجمل الآنف حيثما قيد انقاد) هذه المسألة فيها نزاع.\nقال: [عن جابر قال: (كان رسول الله ﷺ يقول: أما بعد: فأحسن الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) أخرجه مسلم].\nقال: [عن ابن مسعود أن النبي ﵊ قال: (إنما هما اثنان: الكلام والهدى، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدى هدى محمد، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، وإن شر الأمور محدثاتها، وإن كل محدثة بدعة، ألا لا يطول عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم)].\nيعني: أنا أخوفكم من طول الأمد فتتحولون عن التمسك بالسنة إلى الابتداع في الدين فتهلكوا.\nقال: [قال عبد الله: إن أحسن الهدى هدى محمد ﵊، وإن أحسن الكلام كلام الله، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم -أي: ستبتدعون ويبتدع لكم- فكل محدث ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوأتى بصحيفة فيها حديث -أي: فيها حديثه هو، فقد كان يكتب حديثه في صحائف- قال: فأمر بها فمحيت، ثم غسلت تلك الصحيفة، ثم أحرقت في النار، ثم قال: بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، أنشدت الله رجلًا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أني أعلم أنها بديرهم لتبلغت إليها].\nاختلف أهل العلم من السلف والخلف في جواز كتابة الحديث من عدمه، فمنهم من قال بعدم الجواز، ومنهم عبد الله بن مسعود ﵁، فقد كان يأمر تلاميذه أن يأتوا بما عندهم من صحف، وكان إذا علم أن فلانًا عنده الصحيفة ولم يأت بها لم يجلسه في مجلسه، فإذا جيء بالصحيفة من عند أي طالب أو تلميذ لذلك الإمام أمر بطست فيه ماء، فوضع الصحيفة فيها، ثم غسلها غسلًا، ثم عرضها للشمس حتى تجف، ثم يحرقها بعد ذلك، ويقول: خذوا من حيث أخذنا، واحفظوا كما حفظنا، فإنما العلم في الصدور لا في السطور.\nولا شك أن هذه وجهة نظر عظيمة جدًا؛ لأن المرء لو","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>ما روي عن الصحابة والتابعين في الحث على التمسك بالكتاب والسنة</span>\nقال: [عن هلال الوزان قال: حدثنا شيخنا القديم عبد الله بن عكيم -وكان قد أدرك الجاهلية- قال: أرسل إليه الحجاج].\nالطاغية الكبير، يقول عنه الحسن البصري: لو أتت كل أمة بخبيثها وأتينا بـ الحجاج لغلبناهم.\nوقد كفره بعض أهل العلم لما أعمل من القتل في أصحاب النبي ﵊ وفي التابعين.\n[قال: أرسل إليه الحجاج يدعوه، فلما أتاه قال: كيف كان عمر يقول؟ -يعني: ماذا كان عمر يقول؟ - قال: كان عمر يقول: إن أصدق القيل قيل الله ﷿يعني: إن أصدق القول قول الله ﷿- ألا وإن أحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة ضلالة، ألا وإن الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، ولم يقم الصغير على الكبير، فإذا قام الصغير على الكبير فقد هلكوا].\nلأن الأصل أن يأخذ الصغار العلم عن الأكابر، فإذا انعكس الأمر فلا شك أن هذا دليل هلاكنا، بل هو علامة من علامات الساعة.\nقال: [وقال عبد الله: لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من قبل كبرائهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم هلكوا].\nقال: [عن أبي أمية الجمحي: قال النبي ﵊: (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر)] أي: أن يطلب العلم من عند الأصاغر.\n[قال موسى بن أيوب النصيبي قال ابن المبارك: الأصاغر من أهل البدع].\nقال: [قال إبراهيم الحربي: في قوله: (لا يزالون بخير ما أتاهم العلم من قبل كبرائهم).\nقال: معناه: أن الصغير إذا أخذ بقول رسول الله ﵊ والصحابة والتابعين فهو كبير].\nيعني: لو كان الطفل الغلام متبعًا للأثر فهو كبير مهما كان سنه، وإن الشيخ الكبير إن أخذ بقول أبي حنيفة وترك السنن فهو صغير.\nدائمًا يضرب أهل العلم بـ أبي حنيفة مثلًا للخروج عن الأثر، والولوج في الرأي، مع أنه إمام من الأئمة، بل إمام معظم ومبجل، لكنه كان أول من خاض في الرأي، وترك السنن، ولا أقول: تركها متعمدًا، بل هو معذور في تركها، فإن أبا حنيفة ﵀ كان يسكن الكوفة، ولم تكن السنة في وقته منتشرة الانتشار الذي يسمح له بالتحصيل.\nنعم قد سبقه في الكوفة عبد الله بن مسعود وتلاميذه جميعًا، وكان يعيش في زمن أبي حنيفة وفي الكوفة سفيان بن سعيد الثوري وكفى به إمامًا للأثر، ولكنه قد غلب على أبي حنيفة إعمال النظر في الأدلة، فانشغل بالنظر واستنباط الأحكام أكثر من انشغاله بحفظ ومدارسة وتحصيل الأثر، فقال في دين الله برأيه كثيرًا، وله أعذار غير ما ذكرت، فلا يتبع أبا حنيفة على ما خالف فيه الأثر، ولا ينكر عليه ما وافق فيه الأثر، فهو مضرب المثل؛ لأنه اشتهر عنه أنه إمام مدرسة الرأي، فإذا أرادوا أن يذموا الرأي وأن يمدحوا الأثر ذكروا المحدثين من جهة المدح، وذكروا أبا حنيفة من جهة سب الرأي لا سب أبي حنيفة؛ لأن بعض طلاب العلم يفهم من هذا أن أبا حنيفة مبتدع وينبغي ذمه في شخصه، والقدح فيه، وهذا بلا شك لم يقصده أحد من أهل العلم، والحق يؤخذ من كل من أتى به، وما خالف الحق يرد على كل من أتى به، يستوي في ذلك أبي حنيفة وغيره من أهل العلم.\nقال: [قال عبد الله بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم].\nعبد الله بن مسعود أدرك أن الله ﵎ ما ترك شاذة ولا فاذة ولا شاردة ولا واردة إلا وبينها في كتابه وبينها رسوله ﵊ في سنته، ولم يدع فيه مجالًا للرأي والاجتهاد، وقد حصل ذلك لأصحابه وأتباع أصحابه، والأئمة المتبوعين، فلم الابتداع والله ﵎ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]؟ فالدين كامل وليس بناقص.\nوالمبتدع كأنه يقول لله ﷿: أنت لم تكمل الدين، فيتهم المولى ﵎.\nوأنت لم ترضه لنا، ولم تتم علينا النعمة؛ ولذلك اضطررنا إلى أن نبتدع للناس في أمور دينهم ما كان خللًا في كتابك أو في سنة نبيك.\nولا شك أن من قال هذا معتقدًا له فهو كافر، ولذلك يقول النبي ﵊: (إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته) وإن كان الحديث محل نظر عند المحدثين، إلا أن الراجح أنه حديث حسن.\nقال: [قال عبد الله بن مسعود: إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولا نضل ما تمسكنا بالأثر].\nقال: [عن عاتكة بنت جزء قالت: أتينا عبد الله بن مسعود فسألناه عن الدجال، فقال لنا: لغير الدجال] أخوف عليكم من الدجال.\nيعني: أنا أخاف عل","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الأسئلة</span>","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>معنى حديث: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا من دعاء النبي ﵊: (لا ينفع ذا الجد) أي: صاحب الجاه والسلطان.\n(منك الجد) أي: لا ينفعه عندك جاهه.\nعندما تسأل أحدهم: لماذا لا تصلي؟ يقول لك: أبي شيخ في الأزهر، أبي عالم كبير.\nوأنت لماذا لا تصلي يا فلان؟ يقول لك: أنا رئيس مجلس إدارة شركة الحديد والصلب، الكل يعتمد على جاهه وسلطانه.\nهذا الجاه وهذا السلطان إن لم يرتبط بتقوى الله ﵎ والعمل بما أمر والانتهاء عما نهى فلا ينفع هذا الجاه ولا هذا السلطان، ولا هذا المنصب ولا هذا الكرسي بين يدي الله ﷿.\nومعنى (لا ينفع ذا الجد) أي: لا ينفع صاحب الجاه والسلطان عندك جاهه ولا سلطانه.\nهذا هو المعنى.\nوما معنى (المغرم) الذي كان يستعيذ منه النبي ﵊؟ المغرم هو الخسارة العظيمة، فكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من المأثم والمغرم.\nأي: أن يقع في الإثم أو أن يخسر خسارة عظيمة.","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>حكم دفع الزكاة مقسمة على مدار العام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز دفع زكاة الأموال مقسمة على مدار العام، أم يجب أن تدفع مرة واحدة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجوز دفع الزكاة على التقسيط العامي أو السنوي، ولكن مقدمة لا مؤخرة.\nفلذلك أنت تجد في كتب الفقه: (باب جواز تعجيل الزكاة)، وليس تأخيرها، لو أخرها لعله مات، وحق الله وحق الناس في ذمته.\nوالنبي ﵊ أخذ من العباس بن عبد المطلب زكاة ماله قبل استحقاقها بعامين، فأخذها وأنفقها على تجهيز الجيش.\nوهذا هو الدليل في جواز تعجيل الزكاة على مدار العام أو العامين أو الثلاثة، ولكن تأخيرها لا يجوز.","vol":"5","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>حكم من صامت يوم عاشوراء فجاءها الحيض قبل المغرب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  امرأة صامت يوم عاشوراء ثم حاضت قبل المغرب بدقائق، فهل لها نفس ثواب الصيام وهو تكفير ذنوب السنة الماضية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن شاء الله تعالى تأخذه؛ لأنها شرعت في العبادة ولكن لم تتم تلك العبادة لأمر خارج عن إرادتها، وهذا أمر كتبه الله تعالى على بنات آدم، فإنها نوت ذلك من الليل، ثم نامت وقامت لصلاة الفجر فوجدت نفسها حائضًا؛ فإنها -بإذن الله تعالى- تأخذ الأجر وإن لم تشرع في الصوم، (فإنما الأعمال بالنيات).","vol":"5","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>حكم الهدايا للدائن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل يقرض رجلًا آخر مبلغًا من المال، ويقوم المقترض بإعطاء المقرض بعض السلع كهدية أو كشكر على القرض، ثم يسد ذلك القرض بعد ذلك بكامله، فهل هذا من الربا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يعني: أنا رجل صاحب محل، أخذت منك ألف جنيه قرضًا حسنًا، وكلما مررت من عندي أعطيك بضاعة وأرخص لك أكثر من غيرك، أو أعطيك سلعة بلا ثمن كهدية، أو شكرًا لما منحتني، وأنت لم تشرط علي ربا، ولم تستشرف نفسك لذلك، ولم يكن بيننا اتفاق على أنني أرد المال بالزائد، فهل هذا الذي أنا أعطيك إياه يعد ربا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، وقد أخرج مسلم من حديث أبي رافع قال: (استسلف النبي ﵊ بكرًا) بكرًا هذا هو الفتى من الإبل، كالغلام في بني آدم، (فجاءته إبل من الصدقة.\nقال أبو رافع: فأمرني النبي ﵊ أن أقضي الرجل بكره -يعني: أرجع له بكرته- فقلت: يا رسول الله! لم أجد في الإبل إلا جملًا خيارًا رباعيًا).\nيعني: قد بلغ السنة السادسة ودخل في السابعة حتى ظهرت رباعيته.\nيعني: نحن نريد نقضي الرجل، وقد أعطانا جملًا صغيرًا ما أكمل سنة، فكيف نعطيه جملًا عمره ست إلى سبع سنين؟ هذا زائد عما أعطاه، فقال النبي ﵊: (أعطه إياه؛ فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً).\nفرد بالزيادة، وهذه الزيادة ليست ربا، ولم يحصل فيها اتفاق، ولم تستشرف نفس المقرض إلى ذلك، كما أن هذا من حسن القضاء لا من الربا.\nوعن جابر قال: (كان لي على النبي ﵊ دين فقضاني وزادني).\nفهذا من حسن القضاء لا من الربا؛ لأن بعض الناس يخلط بين البابين.","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>حكم حديث صلاة التسابيح</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: هل حديث صلاة التسابيح صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، الراجح أنه صحيح.","vol":"5","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الحكم على حديث: (إن الله ينهاكم عن التعري) وبعض أحاديث فضائل الأعمال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة حديث النبي ﵊: (إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بحائط أو ببعيره).\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه كلها بلا شك أخلاق إسلامية قد وردت وصحت في أدلة أخرى، لكن هذا الحديث بعينه أخرجه البزار بسند ضعيف جدًا.\nوقوله ﵊: (ما من حافظين يرفعان إلى الله ﷿ ما حفظا في يوم، فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارًا إلا قال تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة).\nهذا الحديث كذلك أخرجه عبد الرزاق بسند ضعيف عن أنس.\nوقال ﵊: (إن لله ملائكة يعرفون بني آدم، ويعرفون أعمالهم، فإذا نزلوا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان).\nوحديث: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب)، كلاهما ضعيف.\nوحديث في أذكار الصباح والمساء: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال) حديث صحيح.\nوحديث دخول القرية كذلك هو صحيح، (اللهم إني أسألك خير هذه القرية وخير ما فيها ومن فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها ومن فيها).","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>حكم حقوق الطبع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: هل تصوير الكتب الجامعية حرام؟ مع بيان الدليل.\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الكتب الجامعية عند إطلاق هذا القول يقصد بها كتاب الدكتور.\nافترض أن الدكتور ما كان يدرس، والدكتور هذا في الغالب يتكلف لطباعة الكتاب، نعم، الدكاترة فيهم جشع، وربما كانوا معذورين في هذا الجشع، يعني: الكتاب الذي هو معمول من ورق اللحمة، طبعًا كلكم فلاحين وتعرفون ورق اللحمة، عندما تشتري كيلو لحمة يعطيك نصف كيلو لحمة ونصف كيلو من الورق، تحط الورق على الكفة فيرجح الميزان مباشرة.\nالأصل في الكتاب لو كان مائة صفحة يكون بجنيهين، والدكتور يبيعه بعشرة جنيهات، من أجل أن يعيش نفس الحياة ولو في أول السنة، ثم سيعيش معك على الفول والطعمية، وسيقف معك عند محطة الباصات، لكن القضية أن في الطلاب فعلًا من هو أفقر فلا يستطيع أن يشتري الكتب، مثلًا (٢٠) كتابًا × (٥) جنيهات كم تساوي مائة جنيه.\nفالطالب هذا لو صور الكتاب فسيصوره بـ (٥٠) قرش، ففي الحالة هذه يجوز التصوير للطالب المعدم الذي لا يقوى ولا يقدر على شراء الكتاب، لكن لا يكون هذا منهجًا عامًا، نحن نقول: الطالب الفقير المعدم الذي لا يمكنه الحصول على الكتاب إلا من هذا الطريق؛ لأن كثيرًا من الناس يصور الكتب، فأنت وغيرك وغيرك وغيرك والدفعة كلها لما مثلًا عشرة من الدفعة، يشترون عشر نسخ ويشتركون في ثمنها والبقية يصورون منهم، وبقية الكتب (٣٠٠) أو (٥٠٠) نسخة من الذي سيأخذها، طبعًا صاحبها لن يأخذها، مما يضر به ضررًا بالغًا قد رفعه الشرع، فإذا كنت أنت معذورًا بين يدي الله ﷿ لأنه لا يمكن لك الحصول على الكتاب إلا من هذا الطريق فأنت معذور، وإلا فأنت مسئول أمام الله ﷿ يوم القيامة.\nهذه الصورة الأولى.\nالصورة الثانية التي نعتقد تحريمها على طول الخط: صورة الناشرين، الناشر في الغالب لا مصلحة له في تعليم الناس العلم الشرعي، فكل مصلحته مرتبطة بالمكسب المادي، إلا من رحم الله، يحرصون على تبليغ العلم إلى الناس، لكن جل الناشرين ومعظمهم لا دين لهم ولا أخلاق، أي كتاب في السوق يأخذه ويصوره وينزله، الكتاب بـ (٢٠) جنيه في الأصل، وهو ينزله بـ (٥) جنيهات.\nلماذا عملت هكذا؟ لو كان قلبك يؤلمك لماذا لا تطبع الكتاب طبعة وقف وتوزعها على طلاب العلم؟ لكن أن تصور الكتاب تصويرًا رديئًا ونقول: الذي يريد العلم لا تهمه الطبعة الفخمة.\nثم تدعي مراعاة طلبة العلم! هذا لا يجوز.\nففي هذه الحالة لا شك أن عمل الناشرين لا يصح شرعًا، لا من قريب ولا من بعيد، ولذلك أي كتاب مسروق وغير مسروق يجب الانصراف عنه وعدم شرائه إذا بلغك أنه مسروق وليس للناشر، بل أنت شريك له في الإثم إذا اشتريته.","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>القضايا العقدية المختلف فيها بين أهل السنة والأشاعرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل اختلاف الأشاعرة مع أهل السنة والجماعة في فروع العقيدة أم في أصول العقيدة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم، الأشاعرة يختلفون مع أهل السنة والجماعة في أصول العقيدة؛ لأن خلاف الأشاعرة مع أهل السنة مرتبط بالأسماء والصفات لله ﷿، فهم قد أولوا الأسماء والصفات وصرفوها عن ظاهرها صرفًا لا يتفق مع مراد الله ﷿، وخالفوا في ذلك أهل السنة والجماعة.","vol":"5","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>صحة حديث: (لا نكاح إلا بولي)</span>\nما صحة حديث: (لا نكاح إلا بولي).\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حديث: (لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل) حديث صحيح.","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>درجة حديث: (سلمان منا آل البيت)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة حديث: (سلمان منا آل البيت)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لم يصح من قول النبي ﵊، ولكنه صحيح من قول علي بن أبي طالب وموقوف عليه.","vol":"5","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>الحكم على مقولة: (رحم الله امرأً عرف قدر نفسه)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة حديث: (رحم الله امرأً عرف قدر نفسه)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا ليس حديثًا، وإنما هو كلام درج على ألسنة الناس.","vol":"5","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>درجة حديث الكساء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما درجة حديث: (أن النبي ﵊ ألقى عباءته على فاطمة وعلي والحسن والحسين ﵃ وقال: هؤلاء هم أهل بيتي) هل هو صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم صحيح، أخرجه الترمذي وغيره بسند صحيح.","vol":"5","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>حكم تغطية المرأة لشعرها عند قراءة القرآن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجب على المرأة تغطية رأسها عند قراءة القرآن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجب أبدًا، بل يستحب لها ذلك، تأدبًا مع كلام الله.","vol":"5","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>أحكام السترة للمنفرد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجب على المصلي المنفرد اتخاذ سترة؟ وإن لم يتخذها هل يجوز المرور أمامه دون إذن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  اختلف أهل العلم في مدى وجوب سترة المصلي من عدمه، فبعض أهل العلم ذهب إلى الوجوب كـ الشوكاني ومن بعده الألباني.\nوأما جمهور أهل العلم فعلى أن سترة المصلي مستحبة وليست واجبة، ولمن قال بالوجوب أدلة، ولمن قال بالإستحباب أدلة أخرى صرفت هذا الوجوب إلى الاستحباب، وليس هذا مقام التفصيلات.\nثم يقول: وإن لم يتخذ؟ طبعًا بلا شك لو أن المصلي اتخذ سترة يحرم المرور بين يديه؛ لقول النبي ﵊: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لوقف أربعين) قال الراوي: لا أدري أربعين سنة أو شهرًا أو أسبوعًا أو يومًا.\nفلا شك أن هذا التحذير شديد، إذا صليت إلى سترة فهذا صارف للوجوب، (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة) أمر، وقول النبي ﵊: (إذا صلى أحدكم إلى سترة) يصرف الوجوب.\nوحديث: (إذا صلى أحدكم إلى سترة فأراد أحد أن يمر بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان).\nهذا يصرف الوجوب، كما أنه يثبت تحريم المرور بين يدي المصلي.\nلكن فرضًا لو أن شخصًا صلى بنا إلى غير سترة، هل يجوز لي أن أمر من أمامه مباشرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ولكنك تقدر له ثلاثة أذرع ثم تمر من بعد هذه الثلاثة أذرع؛ لأن النبي ﵊ سئل: (كم بين الرجل وبين سترته؟ قال: ثلاثة أذرع) والذراع قدره من المرفق إلى الرسغ، فالمرء يسجد بقدميه ذراع، وببطنه أو ظهره ذراع، ويبقى بينه وبين موطن السترة مقدار مرور شاة، وهذا هو الذراع الثالث، فأنت تقدر الثلاثة أذرع ثم تمر من بعده ولا حرج عليك.\nوبعض أهل العلم قالوا: يحرم المرور بين يدي المصلي، وإن لم يتخذ سترة، ولو كان هو في مؤخرة المسجد والمار في مقدم المسجد.","vol":"5","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>حكم الصلاة خلف من ينقر الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أصلي في مسجد الأوقاف بحكم تواجدي في عملي، ولا أستطيع أن أقرأ بتدبر أو أطمئن في الركوع والسجود، وعندما أخرج من الصلاة أشعر أني لم أصل.\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنت لست محتاجًا لأن تدافع عن نفسك، والذين يصلون في مسجد الأوقاف هل كفروا؟ صل في مسجد الأوقاف.\nوإذا كان هذا شعورك من الأوقاف بلغ إلى هذا الحد فالأمر متعلق بشخصك أنت، وإذا كان لأجل نقر الإمام الصلاة نقرًا لا تصح معه الصلاة فصل مع الإمام ثم صل وحدك مرة أخرى؛ لأن النبي ﵊ دخل المسجد فوجد رجلًا ينقر صلاته فأمره أن يعيد الصلاة، وهذا الحديث معروف عند الناس بحديث المسيء في صلاته.\nلما فرغ منها أتى إلى النبي ﵊ وقال: (السلام عليك يا رسول الله! قال: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل).\nفلو لم تكن صلاته باطلة لهذا النقر لما أمره بإعادة الصلاة.\nوقوله: (فإنك لم تصل) لا يحمل على التمام والكمال، وإنما يحمل على أصل الصحة.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.","vol":"5","page":21},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-112> ما جاء عن النبي في الحث على الاتباع</span>\nلقد حث الإسلام على اتباع الكتاب والسنة والاستمساك بهما، وبين أن المتبعين للكتاب والسنة هم الجماعة التي حث النبي ﷺ على ملازمتها وعدم الخروج عنها، وبين ﷺ صفات هذه الجماعة وأنها الطائفة المنصورة، وأنها السواد الأعظم من بين الفرق الأخرى، ومن تركها فهو على شفير الهلكة، وإنما يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فبئست البضاعة بضاعته.","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>سياق ما روي عن النبي ﷺ في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوبعد: فمع باب جديد من أبواب أصول الاعتقاد: وهو فيما يخص ما روي عن النبي ﵊ في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم، وذم تكلف الرأي والرغبة عن السنة، والوعيد في مفارقة الجماعة.\nوهو باب عظيم جدًا يحث على اتباع الجماعة، وأثبت أنهم هم السواد الأعظم، ولعلنا قد تطرقنا إلى بيان ذلك في دروس قد مضت، وهو إثبات أن المسلمين قد تفرقوا إلى شيع وأحزاب وفرق وجماعات، وقلنا في شرح حديث افتراق الأمة: أن أهل السنة والجماعة هم أعظم فرقة، وإلا فمن فرق المسلمين: الخوارج، فلو أردنا الآن أن نقول: أي الفرقتين أعظم وأكثر سوادًا: أهل السنة أو الخوارج في مصر؟ لقلنا: أهل السنة.\nولو أردنا أن نطبق هذا على كل بلد من بلدان المسلمين لكان أهل السنة والجماعة أكثر وأعظم من غيرهم في أي بلد من البلدان.\nفأهل السنة والجماعة بفضل من الله تعالى ورحمة هم السواد الأعظم في كل بقعة من بقاع الأرض التي نطقت بتوحيد الله ﷿.\nفالنبي ﵊ يحث على اتباع الجماعة والتمسك بها، والاعتصام بحبلها المتين، وهم السواد الأعظم.\nوقد وردت أحاديث، بل قد وردت آيات فيها الوعيد الشديد والتهديد الأكيد لمن ترك السواد الأعظم وترك الجماعة، وأثبتت هذه الأدلة: أن من ترك الجماعة قيد شبر فمات مات ميتة جاهلية، وإليك هذه النصوص:","vol":"6","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>النهي عن التبتل والاختصاء والغلو في الدين</span>\nقال: [أخبرنا حميد أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: إن النبي ﵊ قال: (والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم لله، فمن رغب عن سنتي فليس مني)]، فهذه سمة من سمات السواد الأعظم وهم أهل السنة والجماعة، أنهم معتدلون في التمسك بالسنة فلا يغالون فيها ولا يجافون عنها.\nوهذا الحديث له مناسبة: لما ذهب ثلاثة نفر إلى بيت من بيوت النبي ﵊ فسألوا عن عبادته، فلما أخبرتهم عائشة ﵂ بعبادة النبي ﵊ كأنهم تقالوها، قالوا: هذه عبادة قليلة، والنبي ﵊ ليس مثلنا، فهو رجل قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيعبد أو لا يعبد، قد أخذ الوعد من الله ﷿ ألا يعذبه بل يدخله الجنة، وأما نحن فإننا نحتاج إلى عبادة بل وإلى مشقة في العبادة حتى نحظى بشيء مما حظي به النبي ﵊، قالوا: لابد أن نكلف أنفسنا أعظم من ذلك من الأعمال والعبادة والصلاح والتقوى والطاعة وغير ذلك، فأما أحدهما فقال: (إني لا أتزوج النساء قط.\nوأما الثاني فقال: فإني لا أنام على فراش قط.\nوالثالث قال: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر) وظل كل واحد منهم يتزهد زهدًا لم يؤمر به، حتى ذهب بعضهم واستأذن من النبي ﵊ وهو عثمان بن مظعون ﵁ في الاختصاء، حتى لا يكون له رغبة في النساء، وينقطع للتبتل؛ أي: ينقطع للعبادة.\nقال: [قال: أنس ﵁: (استأذن عثمان بن مظعون النبي ﵊ في الاختصاء ولو أذن له لاختصينا)]، ولكنه ﵊ لم يأذن.\nلماذا طلب عثمان بن مظعون هذا؟ لأجل أن ينقطع للعبادة فلا يكون له رغبة في النساء، فالمرأة التي تسل مبايضها لا ترغب في الرجال، والرجل الذي يختصي لا يرغب في النساء قط، وإنما حمل عثمان بن مظعون على مثل هذا الطلب أنه أراد أن ينقطع للتبتل، والتبتل هو الانقطاع للعبادة، ولكن النبي ﵊ لم يأذن له بذلك؛ لأن الدين الإسلامي وسط بين الروحانية وبين المادية، فلابد للبدن من حاجة ولابد للروح والقلب من حاجة، ولذلك رد النبي ﵊ على عثمان بن مظعون هذا الطلب.\nفهؤلاء القوم لما أتوا إلى بيت من بيوت النبي ﵊ وطلبوا منه ذلك الطلب أو سألوا عن عبادته فتقالوها، خرج عليهم النبي ﵊.\nقال: (ألستم القوم الذين قلتم: كيت وكيت.\nقالوا: بلى يا رسول الله! قال: أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له).\nومن الذي يشك أن أفضل الخلق على الإطلاق هو النبي ﵊؟ وما حاز على هذه الأفضلية إلا بتقواه وطاعته لله ﷿.\n(أما إني أخشاكم لله وأتقاكم لله وأعلمكم بالله).\nوفي رواية البخاري، ومسلم: (أما إني أتقاكم لله وأعلمكم بالله) أي: من جهة العلم والعمل، فهو من حيث العلم بالله فهو أعلم الخلق، ومن حيث التقوى هو أتقى الناس علمًا وعملًا.\nقال: (ولكني أصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وأنام وأصلي؛ فمن رغب عن سنتي) أي: زهدًا فيها حبًا في غيرها (فليس مني).\nأي: قد اتخذ سنة غير سنتي، واهتدى بهدي غير هدي، ولاشك أن هذا ضلال وانحراف.\nفلابد من التمسك بسنة النبي ﵊ على المراد الذي أراده النبي ﵊، ولابد من التمسك بكتاب الله على مراد الله ﷿، وليس على مراد أحد، وليس على مراد عالم من العلماء فضلًا عن عامي من عامة الناس، فلابد من التمسك بكتاب الله على مراد الله، ومن التمسك بالسنة على مراد صاحبها ﵊، فلا يجتهد أحد اجتهادًا مخلًا بالآداب والأخلاق والسلوكيات التي أمرنا بها النبي ﵊، وهذا الحديث أيضًا ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.","vol":"6","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>النهي عن الخروج على ولي الأمر وشق عصا الطاعة</span>\nقال: [عن أبي هريرة ﵁ عنه قال: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية)].\nولاشك أن هذا الحديث له قصة طويلة جدًا، خاصة لمن قرأ كتاب إمام الحرمين الإمام الجويني، (غياث الأمم) فسيجد أن هذا الحديث في هذا الزمان له مشكلة عظيمة جدًا.\nالحديث يقول: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة) أي جماعة هي؟ المقصود بها: جماعة المسلمين التي تقع تحت راية الخليفة والسلطان.\nوالخليفة الشرعي أين هو؟ لابد من خلافة راشدة على منهاج النبوة حتى نقول: إن من خرج عن هذا فمات مات ميتة جاهلية.\nبعض الجماعات الموجودة على الساحة كل يدعي أن هذا الحديث يخصها، وأحيانًا يعلنون ذلك، وأحيانًا بطرف خفي على استحياء، وأحيانًا يتبجحون به، ولا شك أن هذا التصريح تصريح خاطئ، فكل جماعة من الجماعات العاملة على الساحة ما هي إلا وحدة من وحدات المسلمين التي تهتم بجانب أو بجانبين أو بمسألة أو بمسألتين من المسائل التي أمر الله تعالى بها ورسوله، ومنهم من يخطئ ومنهم من يصيب، ومنهم من يطرأ إليه الخطأ ومنهم من يطرأ إليه الصواب، لكن هل هي الجماعة التي يجب على كل واحد منا أن يتبعها وإلا لو مات من غير بيعة لفلان أو علان مات ميتة جاهلية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nأنت لا يلزمك قط أن تبايع، وإني أعتقد أن من بايع أي إمام أو أي عالم أو أي جماعة في هذا العصر من هذه الجماعات فإن بيعته بدعية وليست شرعية.\nلماذا؟ أولًا: البيعة لا تكون إلا للخليفة العام الذي اجتمع المسلمون عليه، متمثلًا في مجلس الحل والعقد الشرعي الذي حكم البلاد شرقًا وغربًا بأن يعينوا أميرًا للمسلمين عامة كما حدث في سقيفة بني ساعدة في تولية أبي بكر الصديق ﵁، فكان هو الخليفة المعتمد والخليفة الشرعي الرسمي الذي بعد ذلك ولى الولاة، ونصب الأمراء، ثم أطلقهم في الأمصار والولايات، وكل واحد من هؤلاء تحت إمرته هو ﵁، فإن البيعة لا تكون إلا على هذا النحو.\nأما هذه البيعات فإنها كلها بيعات لا يقرها الله تعالى ولا يقرها الرسول ولا أحد من أهل العلم الذين لهم بصر نافذ وحافظة قوية، فإن الحديث من خرج من طاعة الخليفة أو طاعة الوالي والأمير والسلطان الذي ولاه وأمره وسلطه الخليفة الأعظم وهو خليفة المسلمين، فلو كان الأمر كذلك وحدث خروج على هذا الرجل فإن من مات على هذا النحو فميتته جاهلية، وأما من خالف ذلك فليس موته بجاهلية قط، فقوله: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة) التي يترأسها الخليفة الشرعي كما قلنا فميتته جاهلية.\nقال: [قال: (ومن خرج على أمتي -وهي الجماعة أيضًا- يضرب برها وفاجرها -يقتل فيها البر والفاجر- لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني)].\nأي: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠]، إذا رفع المؤمن لواء الإيمان والتوحيد قاتله لأجل إيمانه كرهًا في الإيمان وحبًا في النفاق والكفر.\nفإنه لو كان كذلك لكان جاهليًا خارجًا عن ملة الإسلام.\nثم يقول: [(ولا يفي لذي عهدها)].\nانظر إلى عظمة الإيمان، فإن الله ﵎ يلزمنا أن نفي بالعهود حتى وإن كانت مع غير المسلمين، ولا يلزم الوفاء بالعهد إذا نكث وخان أصحاب العهد عهدهم، فالنبي ﵊ قد أمهل اليهود في المدينة وأقرهم في سكن المدينة على شروط: ألا يؤذوا مؤمنًا وألا يخونوا وألا يغدروا وغير ذلك من الشروط.\nولكنهم سرعان ما خانوا وتكشفوا على عورات نساء المؤمنين، فما كان من النبي ﵊ إلا أن أخرجهم وأجلاهم عنها؛ لأن الذي خان أولًا هم اليهود، فإنهم إذا خانوا العهد فلا عهد لهم، وهنا قال النبي ﵊: [(ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى مؤمنها -أي: لا يرقب فيه إلًا ولا ذمة- ولا يفي بعهدها فليس مني، ومن مات تحت راية عمية يغضب للعصبية أو يقاتل للعصبية فميتته جاهلية)].\nولذلك سئل النبي ﵊: (الرجل منا يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل) كيت وكيت وكيت وصاروا يعددون له أمور العصبية الجاهلية.\nقالوا: أي ذلك في سبيل الله يا رسول الله؟! فلم يذكر أن واحدة من هذه في سبيل الله، وإنما قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).\nهذه الوحيدة التي تجعلك على الجادة والاستقامة، أما إذا قاتلت لأجل أبيك أو لأجل أمك عصبية أو حمية جاهلية، أو قاتلت لأجل عشيرتك، أو لشيء غير مأذون فيه من جهة الشرع أو غير ذلك فإن هذا ليس أبدًا من دين الله ﷿، ومن مات في قتال على هذا النحو فميتته جاهلية.\nوقد صح أن النبي ﵊ أنه قال: (من جاء إلى أمتي وهم جميع -أي: وهم مجتمعون- يريد أن يفرق بينهم فاقتلوه كائنًا من كان).\nيعني: إذا كان للمسلمين خليفة وإمامًا يقتدى به محل رضا، وظهر خليفة آخر وطلب البيع","vol":"6","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>حكم قتل المسلم</span>\nالسؤال الثاني: هل يجوز قتل المسلم؟ نعم.\nيجوز إذا أتى من الأعمال ما يستوجب قتله؛ ولذلك النبي ﵊ يقول: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه).\nفالأصل في دم المسلم أنه حرام، والنبي ﵊ يقول كما في البخاري: (لا يزال الرجل في فسحة من دينه -يعني: في سعة من دينه- ما لم يصب دمًا حرامًا).\nأي: ما لم يقتل نفسًا بغير حقها.\nوهذا يدل على أن المسلم إذا قتل نفسًا بغير حقها ضاقت عليه الحلقة جدًا، فلعله لا تقبل له توبة، ومذهب ابن عباس: أن من قتل مؤمنًا متعمدًا لا تقبل توبته قط.\nهذا قول الله تعالى، ولكن قد ورد في الحديث أن: (دم المسلم لا يحل إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة).\nفلو أن شخصًا خرج على الإمام بالشروط المذكورة آنفًا يقول: والله إمامتك هذه لا تعجبني وأنا خارج من طاعتك، ولن أتبعك.\nفلا شك أن هذا الرجل لو قال هذه الكلمة له أحكام عظيمة جدًا، فإن كان كلامه هذا لا صدى له عند عامة الأمة ولا خطورة في ذلك على كلمة المسلمين؛ وجلس هذا الخارج في بيته؛ فإنه لا شيء عليه، ولكن لو مات على هذا النحو فميتته جاهلية.\nأما لو قال للإمام: والله أنا خارج عليك وما لي علاقة بك، وأنت إمامتك غير شرعية، وتبعه في ذلك أقوام وتحيزوا وتميزوا، وصاروا في مكان والأمة في مكان، وجب على الإمام أن يقاتلهم قتال من خرج عن الجماعة.\nوأنت إذا نظرت إلى علي بن أبي طالب ﵁ في قتاله لمن خرج عليه لعرفت ذلك، فإنه لما تميزوا وصاروا في مكان وعلي في مكان قاتلهم؛ لأنهم خرجوا عن الإمرة الشرعية لـ علي بن أبي طالب، فوجب عليه قتالهم؛ فقاتلهم، وفي الوقت نفسه لما سئل عنهم: هل هم كفار؟ قال: لا.\nإنما هم من الكفر قد فروا، فقالوا له: فماذا هم إذًا؟ قال: هم إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم.\nفسماهم بغاة ولم يسميهم كفارًا، ومع هذا قاتلهم فقتل منهم وقتلوا منه، والله ﵎ يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات:٩].\nأي: هناك بغي وظلم وعدوان، ومع هذا لم يسلب المولى ﷿ عنها اسم الإيمان أو صفة الإيمان، فالطائفة قد تخرج على الإمام فتكون باغية مع إيمانها، ويجوز للإمام أن يقاتلهم وأن يريق دماءهم مع أنهم مؤمنون، فليس بلازم أن يقاتل الرجل لخروجه عن الملة، بل يقاتل وهو في داخل الملة إذا استوجب ذلك.","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الأمر بلزوم الجماعة وبيان خطر الشذوذ عنها</span>\nقال: [عن أسامة بن شريك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم)].\nوفي الحديث: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).\nيعني: البعيدة، والغنم مجتمعة عادة وراعيها معها لا يمكن للذئب أبدًا أن يخترق هذا القطيع، أما إذا كانت الشاة شاردة شاذة وابتعدت عن أخواتها من الغنم فلابد أن يهجم عليها الذئب، فكذلك الرجل إذا كان مع الجماعة فإنه محفوظ بحفظ الله ﵎ لهذه الجماعة؛ لأن هذه الجماعة ما اجتمعت إلا اجتماعًا شرعيًا حقيقيًا على كتاب الله وعلى سنة رسوله؛ لأن معنى أهل السنة والجماعة: أنهم متمسكون بالأثر، وقد اجتمعوا على ذلك، فلا تطلق الجماعة إلا الجماعة الشرعية، على قوم اجتمعوا على كتاب الله وعلى سنة رسوله، والنبي ﵊ قد وعد وعدًا أكيدًا أنه قد ترك فينا ما إن تمسكنا به لن نضل أبدًا: كتاب الله وسنة الرسول ﵊.\nفإذا كان الأمر كذلك وتمسك المسلمون بكتاب ربهم وسنة نبيهم واجتمعوا على ذلك فأنى للشيطان أن يخترق هذه الجماعة فضلًا عن غير الشيطان من شياطين الإنس؟ فقوله هنا ﵊: (يد الله على الجماعة).\nبعض الناس وللأسف الشديد في هذا الزمان من أهل السنة ومن الداعين إلى التمسك بالأثر زلت قدمه في هذا الحديث، وقال: اليد هنا بمعنى: القوة.\nوقال: أنا لا أستطيع أبدًا في هذه الصفة على جهة الخصوص أن أعقل أن اليد يراد بها اليد، ثم ذكر نفس التأويل ونفس التفكير في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فقال: أنا لا أعتبر أبدًا اليد هنا بمعنى اليد الحقيقية الثابتة لله ﷿، وإنما اليد هنا بمعنى: القوة، فلما حدثناه في ذلك -لأنه إمام من أئمة السنة- قال: كيف لي بأن أفهم أن اليد هنا بمعنى اليد الثابتة لله ﷿؟ وكيف تكون يد الله على الجماعة، وإذا كانت هي اليد الثابتة لله فكيف تكون يد الله فوق أيديهم؟ قال: إن ذلك يلزم منه المماسة ولله المثل الأعلى، فقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، يعني: هكذا.\nفوضع اليسرى على اليمنى أو العكس.\nقال: واللغة تخص بالفوقية أن تستلزم المماسة.\nقلت: لا.\nيد الله فوق أيديهم ويد الله على الجماعة لا تستلزم المماسة.\nثم سألته أين السماء؟ قال: فوق.\nأين الأرض؟ قال: نحن عليها.\nقلت: ألست تقول: إن السماء فوق الأرض؟ قال: بلى.\nقلت: هل يلزم من ذلك أن تمس السماء الأرض؟ قال: لا.\nقلت: إذًا: هكذا.\nالسماء فوق الأرض لا يلزم منها مماسة السماء للأرض.\nفكذلك يد الله ﵎ فوق أيدينا، وهذا يدل على علو المولى ﵎ وفوقيته، فعلى أية حال هو وعد أن ينظر في الأمر وأظن أن عنده الوقت الكافي؛ لأن هذا الأمر مر عليه عامان وزيادة.\nوقوله: (يد الله على الجماعة) هي إثبات ليد الله ﵎ الحقيقية، ولا ينفي ذلك: أن نفهم منها ما يلزم من ذلك وهو حفظ الله ﵎ لهذه الجماعة وعنايته بها ونصره وتأييده وغير ذلك، ومع ذلك لا ننفي المعنى الأصلي وهو أن يد الله ﵎ فوق الجماعة.\nقال: (فإذا شذ الشاذ) أي: فإذا انحرف عن هذه الجماعة وتركها ونحا نحوًا غير نحوها وذهب مذهبًا غير مذهبها اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم.","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>التحذير من اتباع سنن اليهود والنصارى</span>\nوفي حديث عبد الله بن عمر وغيره: [(ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان في أمتي من يفعل ذلك)].\nولاشك أن بني إسرائيل كان فيهم ذلك، كان الرجل يأتي أمه ويأتي ابنته، وإن هذه الأمة قد ظهر فيها ذلك حقيقة، ففي هذه البلاد وغيرها من الناس من يأتي أمه ويأتي ابنته ويأتي جميع المحارم من باب أولى.\nإن الذي يجرؤ على أن يأتي أمه يجرؤ على أن يأتي عمته وخالته وبقية المحارم، فإن هذه الأمة قد تبعت بني إسرائيل حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل؛ ولذلك النبي ﵊ يقول: [(لتتبعن سنن من كان قبلكم -أي: هديهم- حذو القذة بالقذة، حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟! قال: فمن؟)] يعني: إن لم أكن أعني وأقصد هؤلاء فمن أعني؟ يعني: أنتم تتبعون اليهود والنصارى في كل شيء في أخلاقهم وسلوكياتهم، بل وفي بعض عقائدهم.\nولا شك أن هذا قد حدث في الأمة ووقع فيها أيضًا، أنا أقول: إن الأمة الآن على غير المنهاج الصحيح، وربما أنا أبالغ -لأنه لا نبي بعد النبي ﵊- إن قلت: إن الأمة تحتاج إلى أنبياء يبعثون من جديد؛ حتى ترد إلى دينها الأصلي وإلى ما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه، إن الأمة الآن تحتاج في كل حي إلى عشرات ومئات من الدعاة في الوقت الذي تكمم فيه أفواه الدعاة، وكأن الأمة أريد بها أن تنسلخ من دينها انسلاخًا كليًا؛ فتكون كاليهود والنصارى، في الوقت الذي نرى فيه القساوسة والرهبان يمرحون ويلعبون ويسرحون ويقولون ما يشاءون، أليس هذا الوضع جدير بأن يقف كل منا وقفة مع نفسه ويتقي الله ﵎ ربه، ويرجع إلى دينه، ويرد نفسه إليه ردًا جميلًا، ويدعو إلى الله ﵎ بالليل والنهار، وإذا كان صاحب درس أو صاحب خطبة لا يكتفي أبدًا بهذا، فإن الكلام كثير، والوعظ منتشر في هذه الأيام، ولكنه لا يثمر ثمرته المستمرة، فإنه بعد أن يخرج الموعوظ من المسجد كأنه لم يسمع وعظًا ولم ينتفع به قط، وكأنه أراد أن يقول للواعظ: هذه بضاعتكم ردت إليكم، لا حاجة لنا فيها لا نحن منكم ولا أنتم منا.\nإن الأمة بينها وبين دعاتها هوة عظيمة؛ لأن الأمة قد رضيت بغير أخلاق النبي ﵊ فكيف ترجع؟!","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>إخبار النبي ﷺ بافتراق الأمة إلى فرق وأحزاب</span>\nقال: [(إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة ويزيدون عليها ملة)].\nوفي حديث آخر: (وأمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة.\nفقالوا: يا رسول الله! وما هي؟ قال: الذي أنا عليه وأصحابي).\nبعض الناس يتصور أن هذه الفرق كافرة، وأن هذه الفرق مخلدة في النار، وهذا فهم خاطئ؛ لأن النبي ﵊ لم يحكم عليها بالكفر والخروج من الملة، ولذلك أثبت في أول الحديث أن هذه الفرق من الأمة، فقال ﵊: (كل أمتي).\nوقال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار).\nفكيف تكون هذه الفرقة من الأمة وهي في النار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  صاحب المعصية وصاحب الكبيرة يدخل النار، ومع هذا لا يخلد فيها، وإنما إذا استحق جزاءه عذب في النار ثم خرج منها فدخل الجنة.\nولا سبيل إلى ضبط نصوص الوعد والوعيد إلا على هذا؛ لأن النبي ﵊ قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصام وصلى وزكى وحج وأمر بالمعروف ونهى عن منكر ليس كمن يشهد أن لا إله إلا الله ولكنه لا يعرف المعروف ولا يعرف المنكر فيقع في المنكر وينهى عن المعروف.\nبل من الفرق الإسلامية أو من الفرق التي انتمت وانتسبت إلى الإسلام فرق كثيرة جدًا تفرعت عن الفرق الأصلية، ذكرها ابن الجوزي في كتاب (فرق الأمة)، وذكرها ابن تيمية في كتاب (الفتاوى) وغيرها من الكتب التي تكلمت عن الفرق، قال: ومن الفرق الإسلامية فرق تفرعت عن الفرق الرئيسية.\nهي ثلاث وسبعون، تفرقت عنها فرق خارجة عن ملة الإسلام لم تسلم قط، فهذه الفرق لا تعد من الفرق الإسلامية؛ لأن الفرق الإسلامية لم يحكم عليها النبي ﵊ بالكفر، وإنما حكم عليها بالضلال والانحراف الذي استحق الوعيد، فكلها في النار، ولم يقل ﵊: كلها في النار خالدة مخلدة فيها أبدًا، وإنما قال: (كلها في النار إلا واحدة)، فلا يلزم من دخول المرء النار الخلود فيها أبدًا، وإنما دخول النار والخلود فيها بمعنى: المكث الطويل لا الأبدية.\nولذلك أنت لو راجعت نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة المطهرة لوجدت أن لفظ: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) لم يرد إلا في حق الكفار الأصليين، أما المسلم المنحرف العاصي الذي أتى الكبائر وانحرف عن المنهج فلا تجد إلا خالدًا مخلدًا، ومعنى (خالد) أي: ماكث مكثًا طويلًا، لكنه في نهاية الأمر لابد أن يخرج من النار ويدخل الجنة؛ لأنه قال في يوم: لا إله إلا الله.\nولابد من هذا التأويل حتى تستقيم النصوص ولا يحصل فيها تعارض ولا تناقض.\nقال: [قال أنس: قال النبي ﷺ: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة.\nفقيل: يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ -ما هذه الفرقة؟ - فقبض يده وقال: الجماعة.\nفاعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا)].\nقال: [عن عوف بن مالك قال: قال النبي ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار)] يعني: واحدة في الجنة: وهم الذين تبعوا موسى ﵇ وعملوا بشرعه واهتدوا بهديه واستنوا بسنته قبل مجيء عيسى ﵊.\nقال: [(وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وإحدى وسبعون في النار، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار.\nقيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: الجماعة)].\nقال: [عن أبي عامر عبد الله بن لحي قال: حججنا مع معاوية فلما قدمنا مكة صلينا صلاة الظهر في مكة، قام فقال: (إن رسول الله ﷺ قال: إن أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق ثلاثًا وسبعين ملة -يعني: الأهواء والنحل- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة)]، ثم قال: [(إنه سيخرج في أمتي قوم يتجارى بهم كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)].\nقوله: (وإن هذه الأمة يتجارى بها) أي: يتمادى بها كما يتمادى الكلب بصاحبه، والكلِب بكسر اللام: داء يصيب الكلب، نقول: هذا الكلب مسعور.\nأو نقول: هذا الكلب غير مسعور.\nيعني: كلب طبيعي يألف ويؤلف.\nوهناك كلب لا يستطيع حتى صاحبه أن يقترب منه؛ لأن كل من اقترب منه عضه.\nومعنى (الكلب المسعور): أنه أصيب بداء في بدنه هذا الداء يسمى الكِلب؛ ولذلك من الأخطاء الشائعة أن يقال: مستشفى الكلب، يعني: يستشفى فيها من عض الكلاب.\nوالصحيح: مستشفى الكلِب.\nأي: المستشفى الذي يعالج به مرض الكلِب، وليس مستشفى الكلْب.\nفالكلِب داء يصيب الكلب، هذا الداء إذا أصاب الكلب في أي مكان يسري في بدنه سريان الشيطا","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>بيان أن الأمة لا تجتمع على ضلالة والحث على ملازمة السواد الأعظم</span>\nقال: [قال أنس بن مالك: قال النبي ﵊: (إن أمتي لا تجتمع على الضلالة)]، والأمة هنا المقصود بها: الجماعة.\nقال: [(فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم)].\nهذا الحديث قد صح من حديث عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﵊: (لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة أبدًا.\nقال: يد الله على الجماعة، واتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار).","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>بيان استمرار طائفة من الأمة على الحق</span>\nنحن نسمع كثيرًا من الشباب يقول: أين الحق؟ نحن لا ندري من نتبع، ولا نعرف الحق أين هو.\nفنقول: هذا لتفريطك أنت وتقصيرك، فإن النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).\nانظروا إلى هذا الحديث العظيم جدًا.\nقال النبي ﵊ فيه: (لا تزال) فاللفظ مضارع يفيد الاستمرار في الحاضر والمستقبل؛ ولذلك من أعظم سمات أهل السنة والجماعة أنها أصيلة وحاضرة ومستمرة.\nأي: أنهم أصحاب جذور أصيلة، وفي كل واقع هم السواد الأعظم، كما أن الله قد ضمن لهم البقاء إلى قيام الساعة.\nوجماعة أهل السنة جماعة صاحبة أصول ثابتة، وكم جماعات لم تدم إلا سنوات، فقد تسأل عن جماعة: متى أنشئت؟ فيقال لك: قبل عشرين سنة أو ثلاثين سنة، ثم ما تلبث هذه الجماعة حتى تنتهي، وهذا يدل على أنها كانت خاوية وخربة، ولا قيمة لمنهجها؛ لأن قيمة المنهج أن يبدأ قبل الهجرة النبوية، فهذا منهج جذوره ثابتة نزلت من السماء، لم تكن هذه الجذور استنتاجًا عقليًا لواحد من أصحاب القرن الماضي.\nإذًا: منهج أهل السنة والجماعة هو المنهج الأصيل الذي أرسى قواعده النبي ﷺ، وأي منهج بعده لا عبرة له ولا قيمة.\nإن هذا المنهج الرباني في كل عصر وزمن ومصر له رجال، وهو السواد الأعظم، ولابد أن يكون كذلك، ومن قال بغير ذلك فقد اعتقد بغير ما أمره النبي ﵊؛ لقوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله -أي: الساعة- وهم على ذلك).\nو(ذلك) اسم إشارة للظهور.\nيعني: هم ظاهرون في كل عصر ومصر على نفس النهج الأول الذي أرسى قواعده النبي ﵊ حتى قيام الساعة.\nأعطوني منهجًا من المناهج الموجودة الآن أو قبل الآن ستستمر في الأيام المقبلة، ويشهد لها واحد من أهل السنة والجماعة.\nمن خلال ذلك نعلم أن كل هذه المناهج هي نتائج عقلية واجتهادات، منها المقبول ومنها المردود، لكن المقبول الذي يجب قبوله ويحرم رده هو المنهج الأول الذي أسسه النبي ﵊، فقال النبي ﷺ: (لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة أبدًا -فالأمة المقصود بها: الجماعة- فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم).","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>تجديد دين أمة محمد على رأس كل مائة عام وتكليف هذه الأمة بالدعوة إلى الله</span>\nإن أبا الحسن الأشعري عليه رحمة الله لما تاب من أشعريته ورجع عنها وصعد المنبر قال: إني أختلع من معتقدي كما يختلع هذا السيف من غمده وأنا على مذهب أحمد بن حنبل.\nفلماذا لم يقل: على مذهب النبي ﷺ؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لأن مذهب أحمد بن حنبل كان أظهر المذاهب في ذلك الوقت، ومذهب أحمد بن حنبل من الألف إلى الياء مستقى من سنة النبي ﵊، فلما وقعت الفتنة العظيمة لـ أحمد بن حنبل وثبته الله فيها كتب الله له الظهور والذيوع والنصر والتأييد، فقال كل من يريد أن يظهر دينه وعقيدته: أنا مع أحمد بن حنبل ﵀ ورضي عنه، فهنا الأمة لا تجتمع على ضلالة قط في العقيدة، إذ لابد أن تكون الحجة ظاهرة لله ﷿، فخفاء حجة الله ﵎ في وقت أو في بلد من البلدان مشكلة كبيرة، وبلية عظيمة جدًا، ومصادم لجميع النصوص.\nفلابد أن تعتقد أن حجة الله ﵎ ظاهرة، وما من وقت وما من مكان إلا ويسخر المولى ﷿ عبدًا من عباده لإظهار السنة وإحياء الدين ولو على رأس كل مائة عام، فهذا وعد من النبي ﵊: (إن الله ﵎ يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) فالأمة لن تستمر في الضلالة، ولن تبقى في الجهل يغيب عنها الدين ويغيب عنها العقيدة والسلوك والأخلاق ومنهج النبي ﵊.\nفعلى رأس كل مائة عام يبعث الله ﵎ رجلًا يحيي هذا الدين بجميع أوصافه وأركانه وشمائله ومناقبه في قلوب العامة والخاصة، فإذا كادت الأمة تنسى بعث الله ﵎ على رأس كل مائة عام من يذكرها ومن يعيدها، بالإضافة إلى أن الله ﵎ كلف هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على خلاف الأمم السابقة، فكان كل نبي يبعث لقومه خاصة ولا يكلف واحدًا من أمته بالدعوة إلى دينه وشريعته، لكن ذلك واجب في حق النبي ﷺ، فإن الله ﵎ كلفنا بأن نحمل دعوة نبينا ﵊ حملًا صحيحًا، فقال الله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].\nيعني: أنت أيضًا مخرج للناس مبعوث، ومهمتك مثل مهمة النبي ﵊، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وليس هناك أي أمة سبقت في هذا سواء يهودية أو نصرانية، ولم يكلف واحد من أمة من الأمم السابقة بأن يدعو بدعوة نبيها، وأما نحن فإننا مكلفون جميعًا بأن ندعو الناس إلى الله ﵎، وأن نخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والعماية والجهالة والعصبية وغير ذلك إلى الله ﵎ إلى النور، لكن لابد أن يكون ذلك بعلم، أما بغير علم فلا فإن من دعا بغير علم كان ضرره أكثر من نفعه، وكان فساده أكثر من صلاحه، ولذلك يقول المولى ﵎ على لسان نبيه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] على علم وعلى فقه وورع وعمل بما تعلمت.","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>حرص الصحابة ﵃ على التمسك بالجماعة ونبذ الفرقة والاختلاف</span>","vol":"6","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>وصية عبد الله بن مسعود للناس بالطاعة والجماعة</span>\nقال: [قال ابن مسعود ﵁ وهو يخطب: يا أيها الناس! عليكم بالطاعة والجماعة -أي: تمسكوا بالطاعة وتمسكوا بالجماعة- فإنهما السبيل الأصيل إلى حبل الله الذي أمر به، وأن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة، وأن ما تكرهون في اجتماعكم أحب إلى الله تعالى من تفرقكم].\nهؤلاء أناس رباهم النبي ﵊، فكانوا يفهمون الأمر كله؛ ولذلك نحن نتعبد بهذا الكلام الله ﵎ إلى أن نموت، فهذا دين رغم أنه من كلام عبد الله بن مسعود.\nيقول: يا أيها الناس! عليكم بالطاعة.\nيحث على طاعة الله ﷿ وطاعة رسوله.\nثم يقول: وعليكم بالجماعة -أي: تمسكوا بها.\nقال: فإنهما السبيل- يعني: هما الطريق وكل طريق غير هذا فإنه ليس بطريق- فإنهما السبيل الأصيل إلى حبل الله الذي أمر به.\nقال: وأن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة.\nيعني: أحيانًا الواحد مع إخوانه الدعاة يخالفهم في الرأي، فإذا كان هذا الاختلاف عن دليل واضح ظاهر فلا ينبغي مخالفته، فإنه على الحق المبين، والآخرين على غير ذلك؛ لأنه معه الدليل، أما إذا كان الاختلاف في الاجتهاد والفهم فيكون الحق مع الجماعة.\nوأنتم تعلمون أن قصر الصلاة في منى وفي مكة في موسم الحج مسنون لكل من كان حاجًا سواء كان من أهل مكة أو من غيرها، ولا تزال الأمة سلفًا وخلفًا يقصرون الصلاة في موسم الحج، ولما جاء عثمان بن عفان ﵁ أتم الصلاة في منى وخالفه عبد الله بن مسعود، وكان عبد الله بن مسعود في ذلك الوقت إمام الكوفة، فأتى حاجًا في زمن عثمان، فصلى خلفه في مسجد الخيف الظهر أربعًا والعصر أربعًا، فلما استفتي في ذلك: يا أبا عبد الرحمن.\nأليس من السنة أن نصلي قصرًا؟ قال: بلى.\nالسنة أنك تصلي قصرًا.\nفقيل له: فلم صليت خلف عثمان أربعًا؟ قال: الاختلاف شر.\nفلو كنت أنا مكان عبد الله بن مسعود سأقف في زاوية من زوايا مسجد الخيف وأحضر كرسيًا وأجلس عليه وأقول: أيها الناس! هلموا إلي أنتم تعملون أن الأمر كيت وكيت وكيت، والنبي ﷺ قصر، وأبو بكر قصر، وعمر قصر، وإن الرجل الذي قصرتم وراءه مبتدع، وأرجو ألا يصلي أحد خلفه! فلو كان عبد الله بن مسعود عمل ذلك، فإنها ستكون فتنة عظيمة جدًا في موسم الحج، وربما انشغل الناس بها وتركوا الفريضة.\nفانظروا إلى حكمة ابن مسعود ﵁.\nإن عبد الله بن مسعود ترك النصوص الصريحة الصحيحة وتابع عثمان بن عفان؛ وذلك لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومن أعظم أغراض الشريعة أنها أتت للحفاظ على المال والحفاظ على العرض والحفاظ على البدن، فلو أننا لم نأخذ برأي عثمان بن عفان في هذا الظرف فإنه سيحصل إهلاك وإفساد لكل ما أتت به الشريعة من المال والعيال والدماء والأرواح.\nوبينما كان ابن مسعود في المدينة مع عثمان بن عفان؛ رجع عثمان إلى رأيه وسارت الأمور على ما يرام.\nإذا كان النبي ﵊ سن لنا أربع ركعات أو سن لنا ركعتين فما المشكلة في ذلك؟ خاصة أن مذهب جماهير أهل العلم أن قصر الصلاة ليس بواجب بل هو مسنون إلا ما كان من أبي حنيفة فإنه قال: القصر واجب، فلما نأخذ بمذهب الجمهور فإنه والله العصمة والنجاة، فوالله ما رأينا في مذهب الجمهور قط إلا العصمة حتى في الفروع، والحمد لله ﵎.\nجميع أئمة الدين مجمعون على العقيدة إلا ما كان من البعض في بعض مسائل الخلاف، وهي مسائل معلومة معدودة نتعرض لها بإذن الله ﵎، والخلاف فيها لا يبدع به المخالف.\nمثال ذلك: رؤية النبي ﵊ لله ﷿ في ليلة الإسراء والمعراج، فالسلف أنفسهم اختلفوا فيها، فمنهم من قال: رأى محمد ربه، ومنهم من قال: إنه رأى نوره ﷾.\nفلو قلت: إن محمدًا رأى ربه، أو قلت: إنه لم ير ربه فإن لك فيها سلفًا من الصحابة ﵃ كـ ابن عباس ﵄، وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃، فلو اعتقدت أنه قد رآه أو اعتقدت أنه لم يره فإنك لا تبدع بذلك.\nإذًا: المسألة التي اختلف فيها أهل العلم لا يبدع فيها المخالف، ولكن تنجو يا أخي المسلم! باتباع السواد الأعظم، باتباع جماهير علماء الأمة في الاعتقاد وفي الفروع؛ فإن اتباعهم عصمة ونجاة.","vol":"6","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>وصية حذيفة وأبي مسعود البدري بلزوم الجماعة</span>\nقال: [عن سعد بن حذيفة قال: سمعت أبا عبد الله -أباه حذيفة بن اليمان - يقول: والله ما فارق رجل الجماعة شبرًا وكان يشير بإصبعيه عند فخذه إلا فارق الجماعة].\nأي: إلا فارق الأمة وخالفها.\nقال: [قال المسيب بن رافع: سمعت أبا مسعود حين خرج فنزل في طريق القادسية فقلنا: اعهد إلينا.\nفإن الناس قد وقعوا في الفتنة فإنا لا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ -أي: لعلك تموت في هذه الواقعة- فقال: اتقوا الله واصبروا].\nوالله ﷾ يقول: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٠].\nفهذا هو السلاح الذي يقهر العدو.\nإن أعظم ما يريح العدو أن ترد عليه، وإن أكثر ما يجعله يستشيط غضبًا وحنقًا وبغضًا ألا ترد عليه، فأعظم إهانة لعدوك ألا ترد عليه، وهو من الصبر الذي تعبد به الله ﵎.\n[قالوا: اعهد إلينا! فإن الناس قد وقعوا في الفتنة، فإنا لا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ فقال: اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر].\nولذلك قال النبي ﵊: (مستريح ومستراح منه.\nقالوا: يا رسول الله! ما مستريح وما مستراح منه؟ قال: إن العبد المؤمن إذا مات استراح من الدنيا وتعبها ونصبها، وإن العبد الفاجر إذا مات استراح منه البلاد والعباد والشجر والدواب) حتى الأرض التي يمشي عليها تستريح منه.\nإن الناس لما يتعرضون للفتنة من الفتن لا يصبرون، فتراهم يشكون وكأنهم يتسخطون على الله ﷿ وعلى أقداره، ويتمنون أن لو يتمكنون فينتقمون ممن أساء إليهم، ألا تعلم يا عبد الله! أن ما عند الله خير وأبقى، وأن عذاب الله ﵎ أعظم من عذابك؟ فسلط لسانك في الثلث الأخير من الليل، اجعل بينك وبين عدوك الثلث الأخير من الليل، وكِّل ربك في هذه الحرب الضروس أن ينتقم لأهل الإيمان ولأهل التوحيد، أما أن تجعل الانتقام إليك أنت فإنك قد أوكلت الأمر إلى نفسك، وأنت ضعيف وهزيل لا تملك نفعًا ولا ضرًا.\nقال: [(اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمته على الضلالة)].\nإن العبد ينسلخ من دينه واحدة بواحدة ويظن أن الذي ينسلخ منه هو شيء يسير -وقد يكون كذلك في أول الأمر- ولكن مآله إلى أن ينسلخ من أصل اعتقاده، فتراه يتعرض لضرر أو لمكروه فيبدأ يحلق لحيته، فيجره حلق اللحية إلى معاص كثيرة، ثم يبدأ ينسلخ من الجماعة، وربما -قبل هذا- ينتقل من مسجد السنة إلى مسجد البدعة؛ فيفقد طعم الصلاة وحلاوتها ومذاقها ويفقد فيها الخشوع، ثم يشعر بالضجر والضيق ويقول: صلاتي في بيتي خير من صلاتي في هذا المكان، فيصلي في بيته عند كل أذان، ثم يبدأ يتأخر قليلًا قليلًا حتى يصلي الظهر مع العصر، والعصر مع المغرب، ثم ينام عن الفرض فيصلي الفرضين والثلاثة فروض والأربعة فروض بعد نومه واحدة تلو واحدة، ثم يترك السنن، ثم يترك قيام الليل، وهكذا يبدأ ينسلخ واحدة فواحدة؛ لأنه سلم زمام أمره إلى الشيطان من أول الأمر، فإنه لا يدل على خير وإنما يدل على كل شر.\nولكن الأفضل لو اتقى الله وصبر ووضع يده في يد إخوانه فإن الله ﵎ يثبته؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإن رأى من المرء صدقًا وإخلاصًا وصبرًا ثبته وأيده، وإن رأى منه إعراضًا أوكله إلى نفسه، ومن أوكل إلى نفسه هلك.\nقال: [قال أبو وائل: عن أبي مسعود البدري قال: خرج معه أصحابه يشيعونه حتى بلغ القادسية، فلما ذهبوا يفارقونه قالوا: رحمك الله! إنك قد رأيت خيرًا وشهدت خيرًا -يعني: أنت أدركت الخير كله مع النبي ﵊ وأصحابه الكرام الكبار- حدثنا بحديث عسى الله أن ينفعنا به.\nقال: أجل].\nيعني: سأحدثكم وأنتم قد طلبتم مطلبًا عظيمًا.\n[قال: رأيت خيرًا وشهدت خيرًا، وقد خشيت أن أكون أخرت لهذا الزمان لشر يراد بي، فاتقوا الله وعليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع أمة محمد على ضلالة، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر].\nقال: [قال حذيفة عند الموت: رب أيام أتاني فيها الموت وأنا كاره له، فأما اليوم فقد خالطت أشياء لا أدري على ما أنا منها.\nقال: وأوصى أبا مسعود فقال: عليك بما تعرف ولا تتلون في دين الله ﷿].\nأي: لا تتقلب كل يوم تكون في مكان، كل يوم تكون في معصية؛ لأن من شأن الطاعة أنها تسلم إلى طاعة أخرى، ومن شأن المعصية أنها تفضي إلى معصية أخرى، وكلما تفرط في شيء صغير يجرك هذا التفريط إلى شيء آخر، فإذا كنت في صلاة سلمتك هذه الصلاة إلى صيام، والصيام إلى زكاة، والزكاة إلى أمر بالمعروف، والأمر بالمعروف إلى العمل به، والعمل به إلى النهي عن المنكر، والنهي إلى الانتهاء عنه، فأنت في صراع مع نفسك، فكلما كنت في طاعة فكرت في غيرها فأسلمتك إليها، وإذا كنت في معصية أسلمتك إلى ما بعدها، فكما","vol":"6","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>ذكر بعض صفات الطائفة المنصورة</span>\nقال: [عن عمير بن هانىء: أن معاوية بن أبي سفيان خطبهم فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تزال من أمتي أمة قائمة)].\nو(من) تفيد التبعيض.\nيعني: لا يزال بعض هذه الأمة.\n(قائمة بأمر الله، لا يضرهم خلاف من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله فهم على ذلك).\nوإذا كنت على حق فلا بد أن يكون في اعتقادك أن المخالف لك لا يضرك ولا يؤثر فيك، فكونك تعتقد أن الحق معك ولكن هذا الحق متأثر بالمناوئين والمخالفين فهذه بلية عظيمة، إذ إن الله ﵎ جعل لك ألف سبيل لتبليغ دينه.\nإن الدعوة إلى الله لا تكون في المسجد فقط، فمن الممكن أن هذه الدروس التي تلقى أمام المئات لا يستفيد واحد بكلمة منها، ومن الممكن بحديث واحد لرجل في بيته ينتفع به انتفاعًا عظيمًا، وهناك من يأتي إلى المسجد مائة عام ولا ينفعه هذا المسجد.\nأي: لا يتعلم منه، فإن الدعوة الفردية أحيانًا تكون أبلغ وأكثر تأثيرًا وأعمق في قلب المدعو من الدعوة الجماعية، وشخص منا يكون جالسًا في وسط الناس أول شيء يضعه في ذهنه أن هذا الرجل الذي يتكلم يكلم هؤلاء الناس، وينسى أنه يكلمه هو، لكن لما أكون أنا وأنت في بيت ما يصير الكلام مباشرًا لك أنت، وأنا لا أعني به أحدًا غيرك؛ والله ﵎ ينفع بالدعوة في كل زمان ومكان، في الشارع في المقاهي في الأسواق في الخمارات والحانات، ينفع الله ﵎ بها أقوامًا.\nقال: [قال المغيرة: قال النبي ﵊: (لا يزال ناس من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) هذا الحديث عن البخاري ومسلم].\nوكذلك ورد من حديث عمران بن الحصين: (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال).\nوفي حديث يزيد: (ظاهرين على من ناوأهم).\nيعني: من حاربهم وخالفهم، (حتى يأتي أمر الله وينزل عيسى بن مريم).\nيعني: هذه الجماعة جماعة مباركة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\nقال: [عن سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي ﵊: (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الدين عزيزة إلى يوم القيامة)].\nوهذه زيادة تدل على أن أهل السنة هم الذين في عزة؛ لأنهم قد استمدوا عزتهم من العزيز ﵎.\nفبتمسكك بالكتاب والسنة تستمد عزتك من عزة العزيز ﵎، وغيرك الذي ناوأك وخالفك لا عزة له، فإنه ذليل وإن كان في الظاهر أنه عزيز، فهو في الحقيقة من أذل القوم وأحقرهم، ولا خلاق له ولا نصيب لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه لا عزيز له يستمد منه العزة، وأما أنت فإنك تستمد عزتك من عزة الله، وقوتك من قوة الله، ونصرك بتأييد الله، أما هو فإنه لا ناصر له ولا مؤيد له ولا عز له.\nقال: [عن معاوية بن قرة قال: سمعت أبي يحدث عن النبي ﷺ قال: (لا يزال ناس من أمتي منصورين)] وهذه أيضًا إحدى السمات أنهم المنصورون حتى وإن كانوا يداسون بالأقدام والنعال، حتى وإن كانت بيوتهم اصطبلات، فهم المنصورون وهم الأعزة.\nقال: [(لا يزال ناس من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)].\nوجابر بن عبد الله يقول: قال النبي ﵊: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء) هذا الحديث ثبت من غير طريق جاء في رواية أبي هريرة وغيره (فطوبى للغرباء) قيل: هي شجرة في الجنة عظيمة لا يأكل منها إلا الغرباء.\nوهذا الحديث له فقه طويل وقصة عظيمة جدًا ينبغي طرحها في محاضرة خاصة ولعل ذلك يكون في درس الجمعة القادم بإذن الله ﵎.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>الأسئلة</span>","vol":"6","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>بيان أن المعاصي والكبائر لا تخرج أصحابها عن اعتقاد أهل السنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يسأل البعض عن العصاة من أهل الفسق والفجور، هل هم من عصاة أهل السنة؛ لأنهم لا يختلفون معهم في العقيدة، أم هم خارجون عن هذه الفرقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن أصحاب الكبائر إذا لم يخالفوا أهل السنة في أصول معتقدهم فإنهم من أهل السنة مع ارتكابهم لهذه الكبائر والمعاصي؛ لأن الكبائر لا تخرج الرجل عن حد اعتقاده إلا إذا صرح بأنه يعتقد بغير معتقد أهل السنة والجماعة.\nفلو أن رجلًا من أهل السنة والجماعة وقع في كبيرة من الكبائر هل يخرج من الفرقة الناجية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nفالنبي ﵊ أقام الحد على أناس قد زنوا وسرقوا ومع هذا لم يحكم عليهم بأنهم قد خرجوا من هذه الفرقة، بل صلى عليهم لما ماتوا ودفنهم ودعا لهم، وقال عن ماعز الأسلمي: (إني لأراه الآن يسبح في أنهار الجنة) مع أنه زان.\nوقال عن الغامدية: (قد تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لوسعتهم) أو (لو تابها صاحب مكس لتاب الله عليه).\nفإن أصحاب الكبائر لا يكفرون بها ولا يخرجون بكبائرهم عن معتقد أهل السنة والجماعة.","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>حكم صلاة الجمعة على المسافر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الدليل على أن المسافر ليس عليه جمعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقول النبي ﵊: (ليس على المسافر جمعة).","vol":"6","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>حكم الغسل على المرأة إذا أرادت أن تصلي الجمعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يسن للمرأة الغسل إذا ذهبت إلى الجمعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nيسن للمرأة إذا ذهبت إلى الجمعة أن تغتسل إلا ما كان من ابن حزم رحمه الله تعالى، إذ إنه حمل أحاديث غسل الجمعة على من أدرك اليوم لا من أدرك الصلاة، وقد انفرد الإمام بهذا الفهم دون بقية فهم الأمة، فقهاء الملة قالوا بحديث النبي ﵊: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) يعني: على كل من بلغ سن الحلم.\nقالوا: هذا الغسل يسن في حق من وجبت في حقه صلاة الجمعة وأتى إلى المسجد.\nابن حزم قال: الحديث لا يقصد به إتيان المسجد والصلاة، ولكن كل من أتى عليه يوم الجمعة وهو حي وجب في حقه الغسل؛ لأن الغسل عنده واجب وليس مسنونًا، ولاشك أنه قد خالف في ذلك جماهير العلماء: أن المقصود بالغسل: إتيان الصلاة، وأنه مسنون وليس واجبًا؛ لأن النبي ﵊ قال: (من اغتسل يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن لم يغتسل فلا حرج عليه)، وفي رواية: (ومن لم يغتسل فيجزئه الوضوء) يعني: يكفيه الوضوء.","vol":"6","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>حكم أخذ مصحف موقوف على المسجد إلى البيت للقراءة فيه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز لي أن آخذ مصحفًا من المسجد وهو وقف لله تعالى إلى البيت لأقرأ فيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز؛ لأن الوقف على شرط الواقف، فتصور لو أن كل واحد أجاز لنفسه أن يأخذ مصحفًا من المسجد إلى البيت ليقرأ فيه لما بقي في المسجد مصحف واحد، ولما وجد الذي يدخل المسجد مصحفًا يقرأ فيه؛ فلا يجوز صرف الوقف لغير الباب الذي أوقفه عليه صاحبه إلا بشرطين: الشرط الأول: إذن الواقف الأصلي.\nوالشرط الثاني: إذا استغني عن هذا الوقف تحت أي ظرف من ظروف الاستغناء.\nمثال ذلك: مسجد كل ما فيه موقوف عليه: إذاعة وفرش وكتب ومصاحف وغيرها، لكن المسجد هذا نحن نريد أن نهدمه، فالأشياء الموقوفة عليه لا يحق لنا أن نبيعها ونضع نقودها في جيوبنا؛ لأنها ليست من حقنا؛ لأن هذا المال وقف لله ﷿.\nإذًا: ينتقل إلى مسجد آخر، فإنه ليس هناك مانع عند الواقف أن ينتقل هذا الشيء إلى مسجد آخر، إذ إن هذا الشيء الموقوف على هذا المسجد لا حاجة للمسجد فيه في الوقت الذي يحتاج إليه المسجد المجاور، فيجوز نقله إليه.","vol":"6","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>الحكم على بعض الأحاديث المشهورة عند الناس</span>\nحديث: (سلمان منا أهل البيت) موقوف على علي بن أبي طالب، ضعيف مرفوع.\nوحديث: (رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه)، هو كلام الناس وليس حديثًا.\nوحديث: (ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، حديث صحيح.\nوحديث (أن النبي ﵊ ألقى عباءته على فاطمة وعلي والحسن والحسين ﵃ وقال: هؤلاء هم أهل بيتي) حديث صحيح.\nوالأمر يحتاج إلى ضبط وليس هذا وقته.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"6","page":21},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-133> ذم الفرقة والاختلاف</span>\nلقد حرصت الشريعة الإسلامية من أول أيام التشريع على الوحدة والأخوة، ونبذ التفرق والاختلاف، ولهذا فقد نفرت من التفرق، وأخبرت أنه سبب الفشل والضعف والهوان.","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>باب ذكر افتراق الأمم في دينهم</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nذكرنا في الدرس الماضي ما يدل على افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة من كتاب الله ﷿، ثم من سنة النبي ﵊، وآثار الصحابة، ووقفنا على قول علي بن أبي طالب ﵁: لا تقوم الساعة حتى تكون هذه الأمة على بضع وسبعين ملة كلها في الهاوية -أي: في النار- وواحدة في الجنة.","vol":"7","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>أثر علي ﵁ في تفرق الأمة وأن شرها الداعية إليه</span>\nوفي رواية عنه عن عبد الله بن قيس قال: [اجتمع عند علي ﵁ جاثليتو النصارى ورأس الجالوت، فقال الرأس: أتجادلون؟ -أي: هل أنتم مستعدون للمجادلة؟ - على كم افترقت اليهود؟ قال: على إحدى وسبعين فرقة.\nفقال علي ﵁: لتفترقن هذه الأمة على مثل ذلك، وأضلها فرقة وشرها الداعية إلينا].\nوهذه شهادة من علي بن أبي طالب ﵁ يبين أن شر الفرق الشيعة.\nقال: شرها الداعية إلينا أهل البيت، وآية ذلك -أي: وعلامة شرهم وأنهم أسوأ الخلق وأضلهم- أنهم يشتمون أبا بكر وعمر ﵄.\nوهذه غصة في حلوق الشيعة عليهم من الله ما يستحقون، والشيعة يحملون هذه النصوص التي يثني فيها علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر وعثمان على التقية، حتى حملوا نكاح عمر ﵁ من ابنة علي ﵁ على التقية كذلك، والتقية باختصار شديد هي الكذب؛ لأن الشيعة اعتقدت الكذب دينًا لها، بخلاف الخوارج فقد كانوا يكفرون بالمعصية؛ ولذلك احتمل النقاد رواية علماء الخوارج؛ لأنهم يعلمون أنهم لا يكذبون؛ لأن من كذب عندهم فقد ارتكب كبيرة وأصبح كافرًا عندهم.\nفالتقية هي: الكذب والحيلة والخداع والغش والتزوير والتمويه، وهذا هو دين الشيعة، فقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقدم أبا بكر وعمر على نفسه، بل ويقدم عثمان ﵃ أجمعين على نفسه.\nوقال: من أتاني قد سب أبا بكر وعمر أقمت عليه حد المفتري، أو: من أتاني قد سب أبا بكر وعمر جلدته حد المفتري.\nوهذه النصوص يقول عنها الشيعة: إن عليًا ما قال ذلك إلا تقية، أي: مداراة ومماراة حتى يفلت من عقاب الطرف الآخر ومن عقاب الخصوم، يعني: يقولون: إن عليًا قال ذلك نفاقًا، وهذا النفاق محمود وممدوح عندهم، وهو الخروج من الموقف بلباقة إذا أردنا أن نعبر بأسلوب العصر.\nوعلي ﵁ كان أفضل وأجل من ذلك بكثير، فقد كان ﵁ يعلم قدر أبي بكر وعمر وعثمان وأنه بعدهم، ولذلك لما قيل لـ علي بن أبي طالب ﵁: أي الصحابة أفضل؟ قال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، قيل له: ثم من؟ قال: لا أدري، قيل له: ثم علي؟ فتبسم وقال: وما علي إلا رجل من المسلمين.\nوهذا أدب عظيم جدًا من علي بن أبي طالب.\nومعتقد أهل السنة والجماعة أن الأفضلية في الخلفاء الراشدين على نسقهم وترتيبهم في الخلافة، فـ أبو بكر ﵁ هو أول الخلفاء الراشدين خلافة وفضلًا، ثم من بعده عمر، ثم من بعده عثمان، ثم من بعده علي ﵁، هذا معتقدنا في الخلفاء الراشدين من جهة الفضل والخلافة.\nقال ابن بطة: [فقد ذكرت من الرواية عن رسول الله ﷺ وما أخبر به من تفرق هذه الأمة ومضاهاتها في تفرقها اليهود والنصارى -يعني: أن هذه الأمة في تفرقها تشابه ما وقع من التفرق والاختلاف في أمة اليهود والنصارى- والأمم السالفة ما في بعضه كفاية لأهل الحق والرعاية]، يعني: أن الذي ذكرته يكفي في قيام الحجة وثبات المحجة لأهل الحق والرعاية.\nقال: [فإن قال قائل: قد صح عندنا من كتاب ربنا ومن قول نبينا ﷺ: إن الأمم الماضية من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا وكفر بعضهم بعضًا، ومثل ذلك قد حل بهذه الأمة حتى قد كثرت فيهم الأهواء -يعني: البدع- وأصحاب الآراء والمذاهب، وكل ذلك قد رأيناه وشاهدناه، فنريد أن نعرف هذه الفرقة المذمومة لنجتنبها، ونسأل مولانا الكريم أن يعصمنا منها، ويعيذنا مما حل بأهلها الذين استهوتهم الشياطين، فأصبحوا حيارى عن طريق الحق صادفين.\n[قلت: فاعلم -رحمك الله- أن لهذه الفرق والمذاهب كلها أصولًا أربعة]، يعني: أنه يجيب على السؤال ويبين هذه الفرق الضالة؛ حتى نحذرها ولا نقع في براثينها، ويقول: لن أعرف لك كل فرقة بفروعها وأصولها، وإنما أذكر لك أصول البدع، وأن هذه البدع الأصلية تتفرع وتتشعب، فأينما وقفت على بدعة أصلية أو فرعية فاحذرها.\nقال: [فاعلم رحمك الله أن لهذه الفرق -أي: الثنتين والسبعين فرقة والمذاهب كلها- أصولًا أربعة، فكلها عن الحق حائدة، والإسلام وأهله معاندة، وعن أربعة أصول يتفرقون، ومنها يتشعبون، وإليها يرجعون، ثم تتشعب بهم الطرق، فتأخذهم الأهواء وقبيح الآراء حتى يكونوا في التفرق إلى ما لا يحصى].","vol":"7","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>أصول البدع</span>\nقال: [فأما الأربعة الأصول التي بها يعرفون وإليها يرجعون فهو ما حدثنا المسيب بن واضح قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: أصل البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة].\nهذه هي أصول البدع، ثم كل فرقة من هذه الفرق تشعبت إلى عشرين فرقة أو أقل أو أكثر، حتى أصبح في نهاية الأمر مجموع هذه الأصول والفروع اثنين وسبعين.\nوهذا العدد ليس متفقًا عليه، فمنهم من يجعل أصل الفرق أربع فرق، وهم جماهير السلف، وربما يكون اختلاف العد نظرًا لاختلاف العصر، فهذه الفرق التي أخبر النبي ﵊ عن تفرقها عن أمة الإسلام إنما أخبر بها في زمن النبوة، ولم تكن في زمن النبوة مفترقة، ولكن ظهرت أصول بعض البدع في زمن النبوة، ثم ازدادت هذه الأصول بعد ذلك، ثم في كل قرن تزداد ظهورًا ووضوحًا وتفرقًا، فربما يكون سبب اختلاف العد في الأصول والفروع هو بسبب اختلاف الظهور من عدمه في كل عصر من العصور.\nقال: [ثم تتشعب كل فرقة ثمانية عشرة طائفة، فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالث والسبعون هم الجماعة التي قال رسول الله ﷺ: إنها الناجية].\nقال: [قال المسيب: أتيت يوسف بن أسباط فسلمت عليه وانتسبت إليه -يعني: قلت له: أنا قريب منك- وقلت له: يا أبا محمد! إنك بقية أسلاف العلم الماضين -يعني: أنت من بقية السلف الصالحين- وإنك إمام سنة، وأنت على من لقيك حجة -يعني: أنت حجة على من لقيك- ولم آتك لأسمع الأحاديث، ولكن لأسألك عن تفسيرها، وقد جاء هذا الحديث عن النبي ﷺ: (إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة)، فأخبرني من هذه الفرق حتى أتوقاها؟ فقال لي: أصلها أربعة، يعني: لم يخبره بالاثنين والسبعين فرقة، وإنما أخبره عن أصول هذه الفرق، قال: القدرية والمرجئة والشيعة -وهم الروافض- والخوارج، فثماني عشرة فرقة في القدرية، وثماني عشرة في المرجئة، وثماني عشرة في الخوارج، وثماني عشرة في الشيعة، ثم قال: ألا أحدثك بحديث لعل الله أن ينفعك به؟ قلت: بلى يرحمك الله، قال: أسلم رجل على عهد عمرو بن مرة فدخل مسجد الكوفة، فجعلت أجلس إلى قوم أصحاب أهواء، فكل يدعو إلى هواه، وقد اختلفوا علي، فما أدري بأيها أتمسك، فقال له عمرو بن مرة: اختلفوا عليك في الله ﷿ أنه ربهم؟] يعني: هذا الذي أسلم في زمن عمرو بن مرة ودخل المسجد، كان كلما جلس إلى قوم وجدهم يدعون إلى أهواء، ولا يدعون إلى كتاب وسنة، فرجع مرة ثانية إلى عمرو بن مرة يسأله: [إني جلست إلى أناس أصحاب أهواء، يدعون إلى أهوائهم، فقال له: اختلفوا عليك في الله ﷿ أنه ربهم؟ يعني: هل يشككونك في أن الله تعالى ربهم؟ قال: لا، قال: اختلفوا عليك في محمد ﷺ أنه نبيهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الكعبة أنها قبلتهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في شهر رمضان أنه صومهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الصلوات الخمس والزكاة والغسل من الجنابة؟ قال: لا، قال: فانظر هذا الذي اجتمعوا عليه فهو دينك ودينهم فتمسك به].\nومعنى هذا الكلام: أن الخلاف في الفروع جائز، وأن هذه الفرق قد اختلفت في أصول الدين.\nوقد ذكرنا كيفية معرفة ما إذا كانت هذه فرقه أو لا، وذلك إذا خالفت في أصل عام من أصول الشرع أو قاعدة كلية من قواعده لا يسع أحدًا أن يعذر به، يعني: لو قلنا الآن لأجهل الجاهلين: هل الصلاة إلى القبلة أم إلى غيرها؟ فإنه يقول: إلى القبلة، لكنه لو قال: ولكني لا أدري أهي القبلة التي في مكة أو غيرها؟ فإنه لا يقبل منه هذا ولا يعذر به؛ لأنه لا يوجد أحد لا يعرف مكان القبلة، ولو قال: أنا مؤمن أن الله تعالى افترض علي خمس صلوات في اليوم والليلة، ولكني لا أدري كيفية هذه الصلوات ولا كيفية أدائها ولا أوقاتها لم يقبل هذا منه كذلك.\nولو قال: إن الله ﵎ افترض علي صيام رمضان، ولكني لا أدري متى يكون رمضان، هل هو قبل ربيع أو بعده؟ أو قبل رجب أو بعده؟ أو قبل شعبان أو بعده؟ لم يقبل منه هذا؛ لأن هذه أصول الديانة.\nفهو هنا يقول له: اختلفوا عليك في الله أنه ربهم؟ قال له: لا لم يختلفوا في هذه القضية، يعني: أنهم متمسكون بأصل التوحيد، قال: اختلفوا عليك في محمد ﷺ أنه نبيهم وأن الله أرسله إليهم؟ قال: لا، يعني: لم يختلفوا في هذه القضية، فمسألة الرسالة والنبوة من مسائل الأصول لا الفروع، ولا يوجد شخص يقول: أنا أعلم أن الله أرسل الأنبياء والرسل، ولا أدري من آخرهم رسالة، أو يقول: أنا أعلم أن الله تعالى أرسل إلى خلقه الأنبياء والمرسلين، ولكني لا أدري أمحمد رسول أم غير رسول؟ والقائل بهذا يكفر فورًا.\nفسأله: هل اختلفوا عليك في الصلوات؟ قال: لا، قال: في الصيام؟ قال: لا، قال: في الزكاة؟ قال: لا.\nوهذا يدل على أن الفرقة لا تكون فرقة إلا إذا خالفت في","vol":"7","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>أثر ابن عباس في تفرق الأمة</span>\nقال: [عن ابن عباس قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين، والنصارى على اثنتين وسبعين، وأنتم على ثلاث وسبعين، وإن من أضلها وشرها وأخبثها: الشيعة الذين يشتمون أبا بكر وعمر ﵄].\nونص ابن عباس هذا صحيح عنه، وهو يشهد لنص علي بن أبي طالب، وابن عباس وعلي بن أبي طالب من آل البيت ﵄.","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>أصول الفرق عند ابن المبارك</span>\nقال: [قال: حفص بن حميد: قلت لـ عبد الله بن المبارك: على كم افترقت هذه الأمة -أي: الأمة المحمدية؟ - قال: الأصل أربع فرق.\nيعني: ستفترق إلى ثلاث وسبعين، ولكن مرد هذا الاختلاف إلى أربع فرق.\nقال: هم الشيعة والحرورية -والحرورية هم الخوارج، وسموا بالحرورية لنزولهم مكان يسمى حروراء، وفيه تكتلوا وتحيزوا وتميزوا- والقدرية والمرجئة، فافترقت الشيعة على ثنتين وعشرين فرقة، وافترقت الحرورية على إحدى وعشرين فرقة، وافترقت القدرية على ست عشرة فرقة، وافترقت المرجئة على ثلاث عشرة فرقة.\nقلت: يا أبا عبد الرحمن! لم أسمعك تذكر الجهمية -يعني: لم تذكر إلا الشيعة والقدرية والخوارج والمرجئة، ولكنك ما ذكرت الجهمية- فقال عبد الله بن المبارك: إنما سألتني عن فرق المسلمين -يعني: أن هؤلاء عند عبد الله بن المبارك غير معدودين في فرق المسلمين- ولم تسألني عن الكفار].","vol":"7","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>أصول الفرق عند أبي حاتم</span>\nقال: [قال أبو حاتم: وأخبرت عن بعض أهل العلم: أول ما افترق من هذه الأمة الزنادقة، وهم: القدرية والمرجئة والرافضة والحرورية، فهذا جماع الفرق وأصولها، ثم تشعبت كل فرقة من هذه الفرق على فرق، وكان جماعها الأصل، واختلفوا في الفروع، فكفر بعضهم بعضًا، وهذا شأن أهل البدع دائمًا، إذا اختلفوا في شيء يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا.\nوأما أهل السنة فإن اختلفوا خطأ بعضهم بعضًا].\nولم يكفر أو يلعن بعضهم بعضًا، فإصدار الأحكام القاسية الشديدة التي في غير محلها إنما هو من شأن أهل البدع، والتخطئة والنصح سرًا وعلنًا هو سبيل ونهج أهل السنة والجماعة.\nولذلك قال ابن تيمية عليه رحمة الله: أهل السنة أرحم بأهل البدع من بعضهم ببعض؛ لأن أهل السنة يتحرجون جدًا من إطلاق ألفاظ التكفير إلا إذا اقتضى الأمر ذلك، وأما أهل البدع فإنهم يبادرون ويسارعون بتكفير بعضهم بعضًا، وبلعن وسب بعضهم بعضًا.\nقال: وجهل بعضهم بعضًا، فافترقت الزنادقة على إحدى عشرة فرقة، وكان منها المعطلة، ومنها المنانية، وإنما سموا المنانية برجل كان يقال له: ماني، كان يدعو إلى الاثنين -أي: إله الظلمة وإله النور- فزعموا أنه نبيهم في زمن الأكاسرة، فقتله بعضهم.\nومنهم المزدكية؛ لأن رجلًا ظهر في زمن الأكاسرة يقال له: مزدك.\nومنهم العبدكية، وإنما سموا العبدكية؛ لأن عبدك هو الذي أحدث لهم هذا الرأي، ودعاهم إليه.\nومنهم الروحانية، وسموا الفكرية.\nومنهم الجهمية، وهم صنف من المعطلة، وهم أصناف -يعني: المعطلة أصناف- وإنما سموا الجهمية لأن جهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية، وهم صنف من العجم كانوا بناحية خراسان، وكانوا قد شككوه في دينه وفي ربه حتى ترك الصلاة أربعين يومًا لا يصلي، فقال: لا أصلي لمن لا أعرف، ثم اشتق هذا الكلام.\nومنهم السبئية، وهم صنف من العجم يكونون بناحية خراسان، وذكر فرقًا أخر بصفات مقالاتهم.\nومنهم الحرورية، وافترقوا على ثماني عشرة فرقة، وإنما سموا الحرورية لأنهم خرجوا بحروراء أول ما خرجوا.\nوصنف منهم يقال لهم: الأزارقة، وإنما سموا الأزارقة بـ نافع بن الأزرق، ومنهم النجدية، وإنما سموا النجدية بـ نجدة، ومنهم الأباضية، وإنما سموا الأباضية بـ عبد الله بن إباض، ومنهم الصفرية، وإنما سموا الصفرية بـ عبيدة الأصفر، ومنهم الشمراخية وإنما سموا الشمراخية بـ أبي شمراخ رأسهم، ومنهم السرية، وذكر منهم، ومنهم ومنهم، حتى عد اثنتين وسبعين فرقة.","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>مخالفة الفرق لمذهب أهل السنة في الأصول</span>\nإن من الفائدة: ذكر هذه الفرق الثنتين والسبعين ولو بشيء من الإيجاز؛ حتى نعلم أنهم ما استحقوا اسم الفرقة إلا لمخالفتهم في أصل من الأصول، وعندما تأتي وتذكر هذه الفرق ببعض علاماتها لابد أن تجد في هذه العلامات ولو علامة واحدة من القواعد الكلية والأصول العامة في الشريعة الإسلامية، فلما كان هذا ديدنهم ونهجهم ودينهم استحقوا بمخالفتهم لهذه القاعدة الكلية والأصل العام أن يكونوا فرقة من الفرق، والكتاب لم يذكر هذا بشيء من التفصيل إلا على نحو مما ذكره عبد الله بن المبارك الإمام المبجل المعظم.\nوهناك كتاب مختصر جدًا ابن الجوزي اسمه: (كيد الشيطان لنفسه قبل خلق آدم ﵇) ذكر فيه الفرق الضالة، ونحن سنقرأ منه الجزء المتعلق بالفرق الضالة حتى نعلم أصول المخالفات عند كل فرقة من الفرق؛ لنتبين أن المخالفة كانت في أصول.\nقال الشيخ ابن بطة: [فهذا يا أخي! رحمك الله ما ذكره هذا العالم ﵀ عبد الله بن المبارك من أسماء أهل الأهواء وافتراق مذاهبهم وعداد فرقتهم، وإنما ذكر من ذلك ما بلغه ووسعه ما انتهى إليه علمه، لا من طريق الاستقصاء والاستيفاء؛ وذلك لأن الإحاطة بهم لا يقدر عليها أحد، والتقصي للعلم بهم لا يدرك، وذلك أن كل من خالف الجادة وعدل عن المحجة واعتمد من دينه على ما يستحسنه فيراه، ومن مذهبه على ما يختاره ويهواه عدم الاتفاق والائتلاف، وكثر عليه أهلها لمباينة الاختلاف؛ لأن الذي خالف بين الناس في مناظرهم وهيئاتهم وأجسامهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وحظوظهم كذلك خالف بينهم في عقولهم وآرائهم وأهوائهم وإراداتهم واختياراتهم وشهواتهم، فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين اجتمعا جميعًا في الاختيار والإرادة حتى يختار أحدهما ما يختاره الآخر ويرذل ما يرذله إلا من كان على طريق الاتباع، واقتفى الأثر والانقياد للأحكام الشرعية والطاعة الديانية].\nيعني: يريد أن يقول: لا يمكن أن تجد اثنين متفقين على شيء إلا إذا كان طريقهما الاتباع والانقياد، فمثلًا عندما أصلي المغرب أنت تصلي كما أصلي تمامًا؛ لأن طريقنا واحد، ومصدر علمنا واحد.\nوأما أهل الأهواء فلا يمكن أن تصلي القدرية كالشيعة، ولا الشيعة كالمرجئة، ولا المرجئة كالخوارج.\nقال: [فإن أولئك من عين واحدة شربوا -الذي هم أهل السنة- فعليها يردون وعنها يصدرون، قد وافق الخلف الغابر للسلف الصالح].\nوقال الشيخ: [أعاذنا الله وإياكم من الآراء المخترعة والأهواء المتبعة، والمذاهب المبتدعة، فإن أهلها خرجوا عن اجتماع إلى شتات، وعن نظام إلى تفرق، وعن أُنس إلى وحشة، وعن ائتلاف إلى اختلاف، وعن محبة إلى بغضة، وعن نصيحة وموالاة إلى غش ومعاداة، وعصمنا وإياكم من الانتماء إلى كل اسم خالف الإسلام والسنة].\nوعن ابن عباس قال: من أقر باسم من هذه الأسماء المحدثة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.\nوقال ميمون بن مهران: إياكم وكل هوى مسمى بغير الإسلام.\nقال الشيخ: [ورحم الله عبدًاَ اتهم نفسه وهواه وانتصح كتاب الله بدينه ودنياه].\nوكان الحسن يقول: اتهموا أهواءكم وآراءكم على دين الله، وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم.","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>كلام ابن الجوزي حول الفرق</span>","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>كلام ابن الجوزي عن افتراق اليهود</span>\nذكر ابن الجوزي عليه رحمة الله اختلاف فرقة اليهود، فذكر أن الناس كانوا على التوحيد، ثم استمر الأمر في عهد نبوة موسى ﵇يعني: على التوحيد- أي: في وجود موسى ﵇ بين أمة اليهود، وإثبات الصفات الكمالية لله ﷿، إلى أن توفي موسى ﵇ ودخل الدغل على بني إسرائيل -أي: دخلت عليهم الأهواء والابتداع- ورفع التعطيل رأسه بينهم -أي: عطلوا الباري ﵎ عن صفاته- وأقبلوا على علوم المعطلة، وهم أعداء موسى ﵇، وقدموها على نصوص التوراة، واعلم أن سنة الله ﷿ في الخلق واحدة، فالابتداع والشر ما دخل في دين الله ﷿ بخيله ورجله إلا لما ترجمت كتب اليونان في زمن الدولة العباسية، واتخذ الناس كلام الفلاسفة والمتكلمين دينًا لهم، وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم ظهريًا.\nولذلك لما مات موسى ﵇ اتخذ الناس الذين أتوا بعده كلام المعطلة والمتكلمين دينًا، وتركوا نصوص التوراة، وقدموها على التوراة، فسلط الله عليهم من أزال ملكهم وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم، كما هي عادته ﵎ وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي وتعوضوا عنه بكلام الملاحدة المعطلة من الفلاسفة وغيرهم.\nوالحاصل: أن هذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبب دمارهم وزال ملكهم.","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>كلام ابن الجوزي عن افتراق النصارى</span>\nقال: أما أمة النصارى فإن الله تعالى بعث عبده ورسوله المسيح ابن مريم ﵇ فجدد لهم الدين -أي: دين بني إسرائيل الذي كانوا عليه في زمن موسى ﵇- وبين لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وإلى التبري من تلك الأحداث والآراء الباطلة، فعادوه وكذبوه.\nوما من نبي أرسله ربه إلا وكُذب، وراموا قتله -أي: قصدوا إلى قتل عيسى ﵇- فطهره الله تعالى منهم، ورفعه إليه، ولم يصلوا إليه بسوء ولا شر، وأقاموا له أنصارًا دعوا إلى دينه وشريعته حتى صار دينه قائمًا على من خالفهم، فدخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، أي: دعوة عيسى ﵇، واستقام الأمر على السلام بعده نحو ثلاثمائة سنة، يعني: أن الناس كانوا على دين عيسى ﵇ ثلاثمائة سنة، ثم دخل بعد ذلك الفساد والانحراف والأهواء والابتداع، ثم أخذ دينه في التبدل والتغيير حتى تناسخ واضمحل، أي: لم يبق منه شيء، ولم يبق في أيدي النصارى منه شيء، بل ركبوا دينًا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام، يعني: أي كتاب كان يعجبهم كانوا يكتبونه بأيديهم، ثم ينسبون هذا إلى عيسى ﵇، وأن هذا دينه الذي أتى به، وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوا في دين النصرانية، وهذه مصيبة، فـ (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)، يعني: أنهم أحبوا أن يدخلوا الوجهاء وأصحاب الملك وغير ذلك في دين عيسى، فأخذوا معتقدات هؤلاء الملوك وكتبهم ونسبوها لعيسى ﵇؛ ليدخلوا السرور على هؤلاء الملوك بأنهم موافقون لدين عيسى ﵇ حتى يدخلوا في دين عيسى.\nقال: فنقلوهم من عبادة الأصنام المجمدة إلى الصور التي لا ظل لها، ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق، ومع ذلك فيهم بقايا من دين المسيح كالختان والاغتسال من الجنابة وتعظيم الميت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحل لهم الإنجيل من ذلك.\nيعني: أن الختان كان من دين عيسى ﵇، وهو بقية من دين عيسى، وهذا بعد مرور ثلاثمائة سنة من رفع عيسى ﵇، فظل الناس ثلاثمائة سنة على شريعة عيسى ﵇، ثم دخل التغيير، وبعد دخول التغيير وتحريف نصوص الإنجيل بقيت عندهم بقية مما أمرهم به عيسى ﵇، وهذه البقية: الختان والاغتسال من الجنابة، وتعظيم الميت، وتحريم الخنزير، والخنزير الآن علامة على النصرانية، والصليب علامة على النصرانية، وهذا الصليب لا يعرف عنه عيسى ﵇ شيئًا؛ لأن الصليب ما اتخذ إلهًا إلا بعد رفع عيسى، ولو كان النصارى أذكياء لكان الصليب بالنسبة لهم معرة؛ لأنه هو الذي صلب عليه عيسى كما يزعمون، فهم يزعمون أن عيسى صلب على الصليب وقتل، وأنا لو عرفت أن نبيًا صلب على هذا الجدار فسأهد الجدار؛ من أجل أن أمسح هذا العار، لا أنني أتخذه إلهًا، إذ كيف أتخذ هذا الجدار إلهًا وقد صلب عليه نبي؟ فعيسى ﵇ لا يعرف عن الصليب شيئًا؛ لأنه اتخذ بعد رفعه ﵇.\nوأما الخنزير فإن عيسى ﵇ حرم الخنزير على أمة النصارى، وهم اتخذوه طعامًا لهم.\nقال: وتحريم ما حرمته التوراة؛ لأنكم تعلمون أن الإنجيل ودين عيسى ﵇ متمم لدين موسى ﵇.\nثم تناسخ شرعه -أي: ثم تناسخ شرع عيسى- حتى استحلوا الخنزير وأحلوا السبت وعوضوا عنه يوم الأحد، وتركوا الختان والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس وهم صلوا إلى المشرق، ولم يعرف المسيح الصليب قط، وهم عظموا الصليب، بل عبدوه ولم يصم المسيح صومهم هذا أبدًا، ولم يشرعه لهم، ولم يأخذ به البتة، بل هم وضعوه على هذا العدد، ونقلوه إلى زمن الربيع، وجعلوا ما زادوا فيه من العدد عوضًا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومانية أو الرومية، وكان المسيح في غاية الطهارة ونهاية النظافة، وأبعد الخلق عن النجاسة، وهم تعبدوا بالنجاسة.\nوتصور أن النصارى يتخذون النجاسة قربة تقربهم إلى الله، والله لم يأمرهم بهذا، ولا أمرهم أحد من الأنبياء بهذا، فهم لا يغتسلون من الجنابة، مثل الفنانين والفنانات وأصحاب الفكر المنحرف، يقول الواحد منهم: أنا أغتسل في كل شهر مرة، وأما المسلمين فحتى الذي ليست له زوجة، أو التي ليس لها زوج إذا بلغت لا يحل لها أن يمر عليها سبعة أيام دون أن تغتسل مرة.\nيعني: أقل الغسل أن يكون مرة في كل أسبوع لمن لم يكن به جنابة وهذا أقل شيء، وأما هؤلاء الذين يبدون في غاية الجمال والرونق من الممثلين والممثلات فحظهم من الجمال الصور فقط، وإذا جلست مع الواحد أو الواحدة منهم فلا بد أن تشم منه رائحة النتن والعفن، فهم في صورهم ومناظرهم يبدو منهم الجمال، وهم في حقيقة أمرهم في غاية النتن، ويكفي أن الواحد منهم أو الواحدة منهن لا تعرف أو لا يعرف عن دينه شيئًا لا من قريب ولا من بعيد، وهذا نتن في الفكر والاعتقاد.\nوهم يحيون في بيوتهم حياة دون حياة الحيوان في جميع ضروبها، وقد تجد أحدًا ينظر إلى امرأة جميلة منهم فإذا سألت","vol":"7","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>كلام ابن الجوزي عن افتراق أمة الإسلام</span>\nقال: أما أمة الإسلام أمة محمد ﵊ فقد كانوا عند وفاة النبي ﷺ على عقيدة واحدة، كما كان أتباع موسى على عقيدة واحدة ثم أتى بعد ذلك تفرق، وفي زمن عيسى على ذلك، ثم أتى بعد تفرق، فكذلك أمة محمد ﵊ كانوا على التوحيد الخالص حتى مات محمد ﵊، فقد كانوا على عقيدة وطريقة واحدة إلا من كان يبطن النفاق ويظهر الوفاق، ثم نشأ الخلاف فيما بينهم في أمور جارية لا توجب كفرًا ولا إيمانًا.\nوهذا كلام جميل فهو يقول: إن الفرقة لا تستحق أن تكون فرقة إلا إذا خالفت في أصل أو قاعدة بينة.\nقال: والصحابة ﵃ اختلفوا في مسائل اعتقادية كرؤية النبي ﵊ لربه في ليلة المعراج، وقد أتت نصوص تبين أنه لم يره، وهذه النصوص صحيحة وصريحة، مثل قوله ﷺ: (نور أنى أراه)، كما في حديث أبي ذر، وقالت عائشة ﵂: (من حدثكم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية).\nوجاء أيضًا عن ابن عباس وابن مسعود ما يدل على أن النبي ﷺ قد رأى ربه، ولكن لم يثبت في رواية من رواياتهم أنه رأى ربه بعيني رأسه، ووقع التصريح في روايتهما أنه رآه بفؤاده، وهذا لا يمنع إطلاق الرؤية المعنوية كما في الرواية التي تنكر أنه رآه بعيني رأسه.\nوإذا اعتبرنا صحة الخلاف في هذه القضية فإن هذا الخلاف خلاف فرعي.\nقال: ثم نشأ الخلاف فيما بينهم في أمور اجتهادية لا توجب كفرًا ولا إيمانًا.\nيعني: لا يبدع فيها المخالف.\nفلا تقل: أنا قرأت المسألة بأدلتها واطلعت على أقوال العلماء فيها وترجح لدي أن النبي ﷺ لم ير ربه، فمن قال بأنه رأى ربه فهو مبتدع وفاسق وضال؛ لأن القاعدة تقول: إن البدع لا تكون إلا في مخالفة الأصول، والقاعدة الأخرى: ما وسع السلف من خلاف يسع من جاء بعدهم، ونحن لم نسمع أن ابن عباس وابن مسعود بدعا وضللا عائشة وأبو بكر، أو العكس، وهذا يدل على أن هذه المسألة ليست من مسائل الأصول، وإنما من مسائل الفروع، فلما لم يبدع أحدهما الآخر دل على أنها من مسائل الاجتهاد لا من مسائل الأصول المجمع عليها.\nقال: وكان غرضه من ذلك إقامة مراسم الدين وإدامة مناهج الشرع القويم، وكان هذا الخلاف يتدرج ويترقى شيئًا فشيئًا إلى آخر أيام الصحابة.\nثم ظهر بعد ذلك معبد الجهني، وبئس المعبد هو.\nوهو معبد بن عبد الله بن عكيم الجهني نزيل البصرة، وهو أول من تكلم في القدر في أواخر زمن الصحابة ﵃.\nقال الأوزاعي: أول من نطق في القدر هو سوسن النصراني، ثم أخذ الكلام في القدر عن سوسن معبد الجهني، ثم عن معبد الجهم بن صفوان.\nواعلم أن أصول البدع عندنا أخذت عن أهل الكتاب، وقد قال السلف: ما من بدعة ظهرت في الإسلام إلا ولها شبه في الأمم السابقة.\nوقال الحسن البصري: إياكم ومعبد فإنه ضال مضل.\nوقال الذهبي: كان من علماء الوقت على بدعته، هلك قبل التسعين.\nثم في نفس الوقت الذي ظهر فيه معبد الجهني ظهر غيلان بن أبي غيلان الدمشقي، وقد تكلم كذلك في القدر، وقتل بسبب كلامه في القدر، وهو ضال مسكين، وكان من بلغاء الكتاب.\nوفي نفس التوقيت يونس الأسواري، وقد خالف هؤلاء الثلاثة في القدر وإسناد جميع الأشياء إلى تقدير الله تعالى، ولم يزل هذا الخلاف يتشعب والآراء تتفرق حتى تفرق أهل الإسلام إلى ثلاث وسبعين فرقة، كما روي عنه ﵊.","vol":"7","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>أصول الفرق عند ابن الجوزي</span>\nقال: إذا عرفت هذا فاعلم أن كبار الفرق الإسلامية على ما ذكر في الكتب الكلامية ثمانية.\nفـ ابن الجوزي يقول: إن الفرق أصولها ثمانية، وتجد عند أبي الحسن الأشعري من المتكلمين أن أصولهم خمسة عشر، وعند غيره ثمانية عشر، وعند غيره أربعة أصول كما ذكرنا بعض هذا، وهذا أمر يرجع إلى اجتهاد كل عالم بما وصل إليه التفرق والاختلاف في زمنه، فالأوائل على أن أصول البدع أربعة أصول، ومن أتى بعدهم لما ظهرت بدع أخرى عدوها خمسة، ثم سبعة، ثم عشرة، ثم اثنا عشر، ثم خمسة عشر، ثم أكثر من ذلك.\nوليست العبرة في تحديد العدد وأي هذه الأعداد أصح، فكلها صحيحة، وإنما كان بعضهم يعد ما تشعب من فرقة فرعًا، والبعض يعدها أصلًا، فمثلًا: القدرية تشعبت من الجهمية أو العكس، فبعضهم يعد القدرية نوعًا من الجهمية، والبعض يقول: لا، بل هم فرقة مستقلة، ولذلك اختلف العدد.\nوتعداد هذه الفرق بأصولها وفروعها لم يكن محل خلاف بين أهل العلم، سواء منهم من عدها أصلًا أو فرعًا.\nوابن الجوزي عليه رحمة الله ذكر أن أصول الفرق ثمانية، مع أنه ذكر هذا إجمالًا، وفي حين التعداد لم يذكر إلا سبع، والفرقة الثامنة وهي الناجية هم أهل السنة والجماعة.","vol":"7","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>من فرق الضلال الشيعة</span>\nأول فرقة من فرق الضلال عند ابن الجوزي -عليه رحمة الله- هم الشيعة.\nوقال في تعريفهم: وهم الذين شايعوا عليًا -أي: بايعوه وناصروه، وشرفوه كتشريف النصارى لعيسى ﵇- وقالوا: إنه الإمام بعد رسول الله ﷺ بنص جلي أو خفي، وأن النص ثابت في تعيين علي بعد النبي ﵊، إما ثبوتًا جليًا أو ثبوتًا خفيًا.\nيعني: بالإشارة والإيماء، ويقولون: إن النبي ﵊ نص على إمامة علي من بعده، ومن خالف هذا النص وصده عن الإمامة من بعد النبي ﵊ فقد ظلم وسلب علي بن أبي طالب حقه المنصوص عليه إما جليًا أو خفيًا.\nواعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده، وإن خرجت فإما بظلم يكون من غيره أو تقية منه، أي: إما بظلم ظاهر ممن سلب منه الإمامة، أو أن علي بن أبي طالب أذن له بالإمامة من باب التقية لا من باب إيمان علي أن هذا حق أبي بكر، أو أن هذا حق عمر، أو حق عثمان؛ لأن أهل السنة يسألون الشيعة: ما معنى أن علي بن أبي طالب بايع أبا بكر وعمر وعثمان؟ فقالوا: إن عليًا يعتقد أن له الحق في الإمامة، ولكنه بايع من باب إثبات التقية، يعني: بايعهم تقية وخوفًا منهم؛ لأن الدولة دولتهم والسلطان سلطانهم، وبهذا يكون قد فرط في ابنته عند أن زوجها عمر بن الخطاب، وقولهم: تقية معناه: أنه ليس مقتنعًا بـ عمر، بل إنه كان ينظر إلى عمر على أنه إنسان ظالم ومفتر وسالب لحقه، ومعاند لله ورسوله، وأن النص كان جليًا في نظر عمر، ومع هذا استحل عمر مخالفة النص بإثبات الإمارة له، ومع هذا زوجه علي بن أبي طالب بابنته من باب التقية، هكذا يقول الشيعة عليهم من الله ما يستحقون.\nقال: ومن أولادهم اثنان وعشرون فرقة، يعني: من أولاد علي اثنان وعشرون شخصًا افترقوا على اثنين وعشرين فرقة، يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا، ولكن أصول الشيعة ثلاث فرق: غلاة وزيدية وإمامية، ولا يوجد في الشيعة فرق إلا وتدخل تحت هذه الأصول، وهم عندهم أكثر من اثنين وعشرين فرقة، ولكنها إما أن تكون من الغلاة أو زيدية أو إمامية، ولا يوجد غير ذلك؛ لأن هذه أصول التفرق والاتباع عند الشيعة.\nفأما الغلاة فثمانية عشر فرقة، أولهم السبئية؛ وسموا بذلك لأن منشئ هذه الفرقة هو عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام نفاقًا وعاداه باطنًا، وهو الذي زعم أن عليًا إله من دون الله ﷿، وهو الذي قال لـ علي: أنت الإله حقًا.\nفنفاه علي إلى المدائن -والمدائن هذه في بلاد فارس- وهو أول من أظهر القول بوجوب إمامة علي، وقال: إنه لم يمت، وإنما قتل ابن ملجم شيطانًا تصور في صورة علي -وهذا نفس كلام النصارى- وأنه في السحاب.\nأي: أن عليًا في السحاب الآن.\nقال: والرعد صوته والبرق سوطه، وبعد هذا ينزل إلى الأرض ويملأها عدلًا بعد أن ملئت جورًا.\nومن هذه الفرقة تشعبت أصناف الغلاة، وهم يقولون عند سماع الرعد: عليك السلام يا أمير المؤمنين! والذي يسافر إلى العراق يسمع هذا، فما أن ترعد السماء ويكون الجو باردًا والمطر ينزل يقولون: عليك السلام يا أمير المؤمنين! ويقولون: هذا صوت علي بن أبي طالب، يعني: هذا الرعد الذي تسمعه هو صوت علي بن أبي طالب في السماء.\nوهذه المخالفات التي ذكرناها عند السبئية مخالفات في الأصول، ولو لم يكن فيها إلا اعتقادهم أن عليًا إله من دون الله لكفاهم ذلك، فاستحقوا بذلك أن يكونوا فرقة.","vol":"7","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>من فرق الضلال الكاهلية</span>\nالثانية: الكاملية، وهم أصحاب أبي كامل، وهو الذي قال: كفر الصحابة بترك بيعة علي، وكفر علي بترك طلب الحق.\nفلم يترك أحدًا! فالصحابة كفروا لأنهم صدوا عليًا عن حقه، وكفر علي مع أنه مظلوم لأنه وقف موقفًا سلبيًا، ولم يطالب بحقه، فهم كفار، وهو أكفر منهم في نظر أبي كامل، وقال: بالتناسخ في الأرواح عند الموت، وقال: إن الإمامة نور ينتقل من شخص إلى آخر، وقد يكون في شخص النبوة بعدما كان من شخص آخر إلى آخره، يعني: أنه يمكن للإمام أن يترقى في هذا النور ويزداد في قلبه وفي بدنه حتى يصير نبيًا.\nوإذا انتقل من شخص عادل إمام إلى نبي فمن الطبيعي أنه سينتقل إلى إله.","vol":"7","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>من فرق الضلال البيانية</span>\nومنها البيانية: وهم أصحاب بيان بن سمعان، وهؤلاء يقولون: إن الله تعالى على صورة إنسان، ويهلك كله إلا وجهه، وروح الله تعالى حلت في أبي علي، ثم في ابنه أبي هاشم، ثم في بيان صاحب الفرقة، يعني: يريد أن يقول: أنه إله.","vol":"7","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>من فرق الضلال المغيرية</span>\nومنها المغيرية: وهم أصحاب المغيرة بن سعيد، وهو الذي قال: إن الله تعالى جسم على صورة إنسان، بل هو رجل من نور على رأسه تاج النور، وقلبه منبع الحكمة، فإنه لما أراد أن يخلق الخلق تكلم بالاسم الأعظم، فطار فوقع تاجًا على رأسه، وذلك تفسير قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:١ - ٢]، ثم كتب على كفه -أي: هذا الجسم وهو الإله- أعمال العباد، فغضب من المعاصي فعرق، يعني: لما رأى المعاصي على كفه عرق من شدة الغضب، فحصل من عرقه بحران أحدهما ملح مظلم والآخر حلو نير، ثم اطلع في البحر النير فأبصر فيه ظله، فأنزع بعضًا من ظله فخلق منه الشمس والقمر، وأفنى الباقي من الظل نفيًا للشريك، وقال: لا ينبغي أن يكون معه إله آخر، ثم خلق الخلق من البحرين الكفار من المظلم وأهل الإسلام من النير، ثم أرسل محمدًا والناس في ضلال، وعرض الأمانة -وهذه الأمانة هي منع علي من الإمامة- على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، وهو أبو بكر حملها بأمر عمر حين ضمن له أن يعينه على ذلك، بشرط أن يجعل الخلافة من بعده له، يعني: أن عمر قال له: أنا مستعد يا أبا بكر! لإعانتك عليها، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فـ أبو بكر بعد أن أشفقت الجبال والسماوات والأرض من حمل الأمانة -وهي إثبات إمامة علي - حملها بعد إذن عمر وضمانه له أنه سيعينه على هذه المهمة الصعبة، بشرط أنه عندما يكون إمامًا يكتب له وصية بأن يخلفه في هذه الأمانة والمهمة.\nوقال في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ﴾ [الحشر:١٦] نزلت في أبي بكر، وهؤلاء يقولون: الإمام المنتظر هو زكريا بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو حي مقيم في جبل حاجز إلى أن يؤمر بالخروج.\nوهذا الخلاف الذي فات هو خلاف في الأصول.","vol":"7","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>من فرق الضلال الجناحية</span>\nومنها الجناحية: وهم أصحاب عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، وهؤلاء يقولون: الأرواح تتناسخ، فكان روح الله في آدم.\nوالقول بتناسخ الأرواح في ذاته كفر، وهو يعني: أن الله ﵎ تحل روحه في الآدمي، وهذا هو دين الصوفية، كـ ابن عربي وابن سبعين والفارابي وغيرهم، فهم يقولون: بتناسخ الأرواح، أي: أن روح الإله تحل في المخلوق حتى يكون الخالق والمخلوق سواء، وهذا الذي يسمونه بالحلول والاتحاد.\nقال: فكان روح الله في آدم، ثم في شيث، ثم في الأنبياء، ثم في الأئمة، حتى انتهت إلى علي وأولاده الثلاثة، ثم إلى عبد الله هذا، وهو حي مقيم بجبل بأصفهان، وسيخرج، وهؤلاء أنكروا القيامة.\nوخلافهم هذا في الأصول.\nوقد استحلوا المحرمات من الخمر والميتة والزنا وغيرها من المحارم، وكان الواحد منهم يقع على أمه وأخته وعمته وخالته، لا من باب أنه يعتقد أن ذلك حرام وما يفعله معصية، وإنما من باب أنهن حلال، فجعلوا الحرام حلالًا والحلال حرامًا.\nوهذه أصول.","vol":"7","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>من فرق الضلال المنصورية</span>\nومنها المنصورية: وهم أصحاب أبي منصور العجلي، وقد انتسب إلى أبي جعفر محمد الباقر، فلما تبرأ منه وطرده ادعى الإمامة لنفسه، وهؤلاء -أي: المنصورية- يقولون: إن الإمامة صارت لـ محمد بن علي بن الحسين، ثم انتقلت منه إلى أبي منصور.\nواعلم أن كل واحد من أصحاب هذه الفرق أو مؤسسوها ساروا على هذه الطريقة، فكان الواحد منهم يدعي أن روح الله تعالى انتقلت إليه بعدما انتقلت إلى آدم، ثم شيث، ثم الأنبياء، ثم الأئمة، ثم إليه.\nوهذا الكلام موجود في أئمة الصوفية، فتجد الواحد منهم جالسًا مثل العجل، لا صلاة ولا صوم ولا حتى اغتسال من الجنابة، ويدعي أن روح الله حلت فيه.\nونحن نعلم أن السيد البدوي سمي السطوحي لأنه مكث على سطح بيته أربعين يومًا لا يغتسل ولا يتوضأ، ولا يصلي ولا يغتسل من الجنابة، فقيل لـ عبد العال الذي هو الذراع اليمين للسيد البدوي: فكيف كان يقضي حاجته؟ قال: كان يقضي حاجته بكيت وكيت، وإذا احتاج لحك ظهره حكه بمزراة يدخلها من ياقته، وهذه المزراة معروفة عند الفلاحين، ولها خمس أصابع، يقلبون بها الرز والقمح وغير ذلك وقت درسه، وذلك مما على ظهره من نتن ووسخ، ومع هذا النتن كان يزعم أن روح الإله قد حلت فيه، وأنه يعلم الغيب، وأنه الوتد الوحيد، والصوفية يقولون: العالم محفوظ في كل زمان بأربعة أوتاد، ولما علم السيد البدوي بهذا الأمر قال: لا، أنا الوتد الوحيد في زماني، وليس هناك أوتاد أخرى، ومعنى وتد: أي: أنه يحفظ الكون، فأين الحافظ ﷾؟ وما كانت يا ترى مهمته في زمن السيد البدوي؟ وزعمت المنصورية أن منصور هذا عرج إلى السماء، مثل النبي ﷺ، ومسح الله على رأسه بيده، وعلى ذلك فهو أحسن من النبي ﷺ؛ لأن هذا لم يثبت للنبي ﵊، يعني: أبا منصور العجلي عرج إلى السماء مثل النبي ﵊، فعلى ذلك وازى أبو منصور وضاهى النبي ﵊، ثم زاد على نبينا ﵊ بأن الله تعالى مسح على رأسه بيده، وكذلك كلمه الله وقال له: يا بني! اذهب فبلغ عني، ولا ندرى هل كان أبو منصور هذا الابن البكر أم الوسط أم الأصغر، والله تعالى لم يلد ولم يولد، فكيف يقول الرب ﵎ لأحد خلقه: يا بني! اذهب فبلغ عني؟ وسورة الإخلاص ماذا نعمل بها؟ وآيات التوحيد ماذا نعمل بها؟ قال: ثم أنزله إلى الأرض -فمن المعراج نزل على رقبته إلى الأرض- وهو الكسف المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:٤٤].\nويقولون: الرسالة لا تنقطع أبدًا، يعني: إذا هلك محمد أتى بعده رسول، ثم إذا هلك أتى بعده رسول، حتى يكون الرسول هو أبو منصور العجلي.\nويقولون: والجنة رجل أمرنا أن نواليه ولا نعاديه، وهو الإمام أبو منصور، والنار رجل أمرنا بمعاداته وهو ضد الإمام وخصمه كـ أبي بكر وعمر، وكذا الفرائض والمحرمات، فإن الفرائض أسماء رجال أمرنا بموالاتهم، والمحرمات أسماء رجال أمرنا بمعاداتهم.\nومقصودهم بذلك: أن من ظفر برجل منهم فقد ارتفع عنه التكليف والخطاب؛ لوصوله إلى الجنة.","vol":"7","page":19},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-152> التزام السنة ونبذ البدعة</span>\nالمؤمن يلتزم بما جاء في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊، ويترك ما خالفهما وينبذه وراء ظهره، والمبتدع يتبع الأهواء والآراء الضالة المضلة المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه وما أجمع عليه الصحابة وسلف هذه الأمة.","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>الأمر باتباع الكتاب والسنة</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد: فمازال الكلام موصولًا عن التزام السنة ونبذ البدعة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن الكوفي ﵀ ورضي عنه: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم].\nوفي الدرس الماضي قلنا: كاد أن يكون كلام الصحابة وحيًا نزل من السماء؛ لأنهم عاينوا الوحي كتابًا وسنة، فألفوا كلام الله ﷿، وألفوا كلام النبي ﵊، فكان كلامهم يشبه كلام الله وكلام النبي ﵊.\nفلم يتكلم صاحب من صحابة النبي ﵊ بقول إلا وله شاهد من كتاب الله أو من سنة النبي ﵊.\nأما قوله ﵁: (اتبعوا).\nأي: اتبعوا الكتاب والسنة.\n(ولا تبتدعوا) في دين الله ﷿ (فقد كفيتم) أي: فقد كفاكم الله تعالى في كتابه، وكفاكم رسوله ﵊ في سنته أن تبتدعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وتجد مصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].\nفهذا التمام والكمال في شريعة الرحمن ﵎ إنما تحذر كل الحذر ممن سولت له نفسه أن يشرع للناس من عند نفسه ثم يستحسن ذلك ويأمر الناس باتباع ما ابتدعه.\nوفي رواية بزيادة: (وكل بدعة ضلالة).\nأي: كل بدعة في الدين ضلالة، وصاحبها ظالم.\nقال: [قال ابن مسعود: إنها ستكون أمور مشتبهات -أي: ستظهر فيكم ولكم أمور مشتبهات- فعليكم بالتؤدة].\nأي: عليكم أن تسيروا معها سيرًا حثيثًا بالتؤدة والاطمئنان وعرض هذه الأمور المستحدثة والمشتبهة على فهم السلف لكلام الله وكلام الرسول ﵊.\nقال: [فإنك أن تكون تابعًا -يعني: فلأن تكون تابعًا- في الخير خيرًا من أن تكون رأسًا في الشر].\nيعني: إياكم والمحدثات، سواء كانت هذه المحدثات في الاعتقاد أو في العبادات أو في الأخلاق أو في السلوك، ولم يأت لها دليل في كتاب الله ولا في سنة الرسول ولا في فعل أصحابه ﵃ أجمعين، لم يكن فيها شاهد ولا نص.\nقال: فاحذر من اتباع هذه البدعة فإنها محدثة، وكل محدثة في الدين بدعة وضلالة.\nوقال أيضًا: [إنكم أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة أو أمرًا مبتدعًا في الدين تنكرونه، فعليكم بالهدي الأول].\nكما في قوله ﵊ في حديث أم سلمة: (سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون).\nلأن الحق له صور وعلامات كعلامات القرين، فالأمراء أحيانًا يأتون بالمعروف وأحيانًا يأتون بما ينكر عليهم.\nقال: (فمن كره فقد برئ)، أي: من كره بقلبه فقد برئ بيده من الإثم.\n(ومن أنكر فقد سلم).\nأي: ومن تعرض لهذا المنكر بالإنكار والتغيير فقد سلم، ولكن الحرج كل الحرج والإثم كل الإثم على من رضي بهذا المنكر وتابع الأمراء عليه.\nقال: [إنكم أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم].\nيعني: ربما تأتي البدعة منكم أو تأتيكم من غيركم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول.\nأي: فعليكم بكتاب الله وسنة رسوله وهدي الصحابة ﵃.\nفكل هذه النصوص إنما تحث المسلم أن يتمسك بما كان عليه سلف الأمة، وبما كان عليه أهل القرون الخيرية الأولى؛ لأنهم أدرى بكتاب الله وهم كذلك أعلم بسنة النبي ﵊، فإذا ظهر في دين الله ﷿ غير ما تعرفون من كتاب الله وسنة رسوله وفهم الصحابة والسلف الصالح على جهة الخصوص من هذه النصوص فعليكم أن تتمسكوا بالهدي الأول أي: بالأمر العتيق.\nقال: [قال ابن مسعود كذلك: ما كان أهل الكتاب إلا كان أول ما يدعون السنة، وآخر ما يدعون الصلاة.\nوقال: يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا -يعني: مفصل أنملة- أو يقول: يأتي من بعدكم أقوام يدعون من السنة -أي: من العقيدة- مثل هذه.\nوأشار إلى بعض الأنملة.\nكأنها تلك القطعة من اللحم التي تحت الظفر، وهو شيء يسير جدًا.\nيقول: فإن تركتموهم وما أحدثوا لكم في الدين جاءوا بالطامة الكبرى، وإن لم يكن أهل كتاب قط إلا كان أول ما يتركون السنة وآخر ما يتركون الصلاة، ولولا أنهم أهل كتاب لتركوا الصلاة].\nالذي يلزمنا وهو أوضح في المراد: أننا لو تركنا أهل الباطل بباطلهم وأهل الفساد بفسادهم لعم العقاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].\nوقال النبي ﵊ في حديث أ","vol":"8","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>قبض العلم</span>\nقال: [عن أبي قلابة أن ابن مسعود قال: عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يقبض، أو متى يفتقر إليه].\nفقوله: عليكم بالعلم يعني: تعلموا فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه؛ ولذلك تجد في بعض التراجم مصطلحًا عجيبًا جدًا، وهو قولهم: صدوق يهم، اضطر الناس إليه أخيرًا.\nيعني: هو لم يكن أهلًا للرواية عنه، ولكن عنده من العلم والرواية ما ليس عند غيره، فاضطر الناس إلى حمل العلم عنه في آخر أيامه؛ لأنه لم يبق أحد عنده من العلم ما عند هذا الرجل، فاضطروا إليه، وهذا معه هدي السلف، حتى وإن كان من أفسق الناس يحملون عنه، ويا حبذا لو حمل عنه أهل الفهم والذكاء والعقل الراجح الذين يميزون بين الحق والباطل، لا عامة الناس الذين يفتنون بباطل هؤلاء؛ ولذلك تجد في بعض التراجم أن كثيرًا من علماء السلف إنما حملوا علمًا معينًا عن أصحاب البدعة، بل وعن أصحاب المعاصي، حتى ورد عن أحدهم أنه كان تاركًا للصلاة، فقال طلابه: نختبر ذلك فيه، إذا نام لطخنا مؤخرة قدمه بالمداد فنظرنا هل يذهب هذا المداد بماء الوضوء أم لا؟ فظل المداد في قدمه أسبوعًا كاملًا.\nهل هناك أحد يصلي ويخفى على أحد، فالإنسان الذي يصلي لا يخفى على عامة الناس من جيرانه وإخوانه وطلابه أنه يصلي.\nفتصور أن يكون شيخًا محل اختبار الطلاب، هل هو يصلي أو لا يصلي؟ ومع هذا كانت الرحلة إليه في زمانه، لأجل علم أصول الفقه ما لا يحمله أحد على وجه الأرض، فذهب الناس إليه العالم وغير العالم لحمل العلم عنه، ولم ينظروا إلى معصيته في هذه الحالة.\nأما أهل البدع فكم تقرأ في كتب الرجال، بل وفي رواة الصحيحين: فلان قدري، فلان معتزلي، فلان شيعي، فلان خارجي، فلان محترق بالتشيع، وغير هذه الكلمات، وتجدهم من رواة الصحيحين.\nأما قول ابن مسعود هنا: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله، فإن أحدكم لا يدري متى يطلب أو متى يفتقر إليه.\nيعني: فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج الناس إليه.\nعندما تنزل قرية وهذه القرية في شوارع القاهرة، الناس يرونك ملتحيًا واللحية طويلة، وشكلك شيخ، وأنت لا تعرف شيئًا بالمرة، فيجيء إليك شخص ويقول لك: يا شيخ! أنا طلقت امرأتي، أو قلت لامرأتي كذا، وقلت لأبي وقلت لأمي، ولشريكي في العمل.\nفأنت واحد من اثنين: إما أن تكون موفقًا وتقول: لا أدري، وإما أن يحملك الحياء المزور الباطل أن تقول في دين الله ما لم ينزل الله به سلطان، وهذا الذي يحصل.\nفموقف مثل هذا يستحثك على طلب العلم، لو الناس احتاجوا إليك وأنت مؤتمن على دينك، فإذا كان الأمر كذلك فلا أقل من أن تعض بالنواجذ على كل لحظة وثانية تمر من وقتك، فإنه كالسيف إن لم تقطعه قطعك.\nوكان السلف ﵃ من أحرص الناس على الانتفاع بأوقاتهم، وعدم التفريط في لحظة واحدة، ولهم في ذلك حكايات وروايات تطول ولا داعي للبدء في هذا الأمر.\nقال: [كان عروة بن الزبير يأتي بأبنائه وأبناء أخيه عبد الله بن الزبير ويقول: يا بني! تعلموا العلم فإنكم صغار قوم اليوم، وربما تكونوا كبار قوم غدًا.\nوما سئل أحد مسألة فأصيب بخيبة من عالم يسأل في مسألة لا جواب عنده فيها].\nفيحثهم على طلب العلم.\nقال: [قال عمر ﵁: تعلموا قبل أن تسودوا].\nيعني: تعلموا قبل أن تصيروا سادة كبار عظماء في نظر الناس.\nقال: [قال مالك: لا أحب أن يتولى الرجل القضاء إلا أن يتعلم.\nقيل: ولم؟ قال: لأنه إن عزل من القضاء أنف أن يرجع في طلب العلم].\nيعني: أنف أن يكون طالبًا بعد أن كان قاضيًا.\nفهذه بعض النصوص في معنى قول ابن مسعود: فإن أحدكم لا يدري متى يقبض أو متى يفتقر إلى ما عنده، وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق.\nويقول: وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وسنة النبي ﵊، وقد نبذوه وراء ظهورهم.\nيعني: لا علاقة لهم البتة بكتاب الله ﷿ ولا بسنة رسوله، وإن كانوا في ظاهر أمرهم يدعونكم إلى كتاب الله، مثل جماعة التكفير والهجرة، الظاهر أنهم يدعون إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﵊، وهؤلاء قد نبذوا القرآن والسنة وراء ظهورهم، ولا توجد علاقة مهما دقت وجلت تربطهم بكتاب الله ولا بسنة الرسول ﵊، فإنهم خوارج هذا العصر حقًا، وهم أبناء الخوارج السابقين الذين ظهر سيدهم وأبوهم الفكري في زمن النبي ﵊.\nحدثني رجل وقال: لقد ذهبت لشراء بعض قطع الذهب لبناتي من شارع فيصل، وأنتم تعرفون أن التكفير والهجرة مقرها في شارع فيصل، فمستنقع التكفير والهجرة فيه، وهم يتمركزون هناك وينادون على بعضهم البعض من أقطار المحافظات للسكنى في هذا المكان، ولا أدري ما علة ذلك! ربما تكون في المستقبل دولة مستقلة مثلًا! أو ينوون","vol":"8","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>من آوى محدثًا في الدين</span>\nقال: [عن أبي العالية في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] قال: أخلصوا دينهم وعملهم ودعوتهم لله ﷿].\nوقال النبي ﵊: (من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).\nفقوله: (من أحدث حدثًا).\nأي: ابتدع في دين الله ﷿ بدعة أو واقع جرمًا استحق عليه الحد أو التعزير أو طلبه السلطان ليعاقبه، ثم خبأه آحاد الناس، فالذي خبأه والذي فعل الفعل وأحدث الحدث في الإثم سواء.\n(قيل: يا رسول الله! وما الحدث؟ قال: بدعة تغير سنة) يعني: بدعة تضيع سنة وتفوت ظهورها.\nقال: (أو مثلة تغير قودًا، أو نهبة تغير حقًا) والقود هو القصاص، فذكر مظالم الدماء، ومظالم الأموال وقس على هذه النهبة غيرها بما يماثلها من جرائم الأموال والأعراض والجنايات على الأملاك وغيرها، فمن أحدث حدثًا في دين الله بالابتداع أو بالقتل أو نهب الأموال أو غير ذلك ثم خبأه أحد الناس، وكم تسمعون من هذه المواقف، قد يأتي إليك شخص ويقول لك: أنقذني وخبئني عندك، إنني عملت عملًا وخائف منهم أن يأتوا فيقتلونني، وهذا كان موجودًا في الصعيد غالبًا، وربما يكون شيء من ذلك في المدن البحرية، لكنه مشهور غالبًا في الصعيد.\nفيحرم على أحد أن يحدث في دين الله شيئًا، أو يعتدي على أموال الناس وأعراضهم وأبدانهم، كما يحرم على الغير أن يؤويه إذا كان يعلم ذلك أنه يحرم عليه، وإلا فكلاهما يتعرض للعنة الله ﷿ والملائكة والناس أجمعين.\nقال: [عن عاصم الأحول قال: دخلنا على أبي العالية الرياحي فقال: تعلموا الإسلام ما هو.\nقال: فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه -أي: فلا تبتعدوا عنه- وعليكم بالصراط المستقيم، فإن الصراط المستقيم الإسلام، -أي: هو الإسلام- ولا تنحرفوا عن الصراط المستقيم -أي: عن الإسلام يمينًا ولا شمالًا- وعليكم بسنة نبيكم، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء].\nفالناظر في وصايا السلف يجد منهم الأمر العجب! في هذا الزمان لو أن شخصًا قال لأخيه: أوصني، ربما يعجز أن يوصيه بأي وصية، ولا يخطر على باله كلامًا يقوله له، وهذا حادث، لكن انظر إلى السلف، ما كان أحدهم يفوت موقفًا إلا وينصح إخوانه ويذكرهم بالله ﷿ وبدينه والتمسك بسنة النبي ﵊ وترك الابتداع في الدين.\nقال: [عن ابن عمر قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة]، لأن هذا هو شأن البدعة، ما من بدعة قط إلا والناظر إليها لأول وهلة من الجهال يستحسنها ويستجملها ويقول: نعم والله هذا أمر جميل.\nوهذا شأن البدعة دائمًا.\nوهذا شأن الأحاديث الموضوعة المفتراة المكذوبة على النبي ﵊، تجد أن واحدًاَ يتكلم بكلام لا يمكن أن يقبله العقل، أما من جهة النقل فكلام ليس له سند أبدًا.\nمثلًا: قوله ﵊ الذي يروى عنه: (إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج)، هذا الحديث لا أقول: إنه مكذوب، بل ليس حديثًا أصلًا.\nصعد دكتور كبير في علم الشريعة الإسلامية منبرًا من منابر الدعوة، ولا أجد حرجًا بأن أقول: منبر مسجد الاستقامة في مدائن الجيزة، وهو أستاذ جامعي كبير، وليس عيبًا عليه أن يقول هذا الكلام السخيف، ولكن العجيب أن واحدًا في المسجد لم ينكر عليه قط.\nقال: إن رجلًا تزوج، وبعد بنائه حملت امرأته، فلما سمع بهذا الحمل وكان ذلك في المساء نادى منادي الجهاد، وقال: اللهم إني أستودع ما في بطن امرأتي عندك، وذهب، ثم رجع بعد عام، وكانت الأم قد ماتت، فقيل له -أي: فقال له أهل قريته-: منذ أن دفنا امرأتك وإننا نرى نورًا يخرج من القبر بالليل والنهار، فذهب هذا المجاهد وفتح القبر ووجد الأم عظامًا رميمًا إلا ثديها، وقد التقمه الطفل، والطفل جالس في كفنه، وهذه المرأة قد ماتت قبل أن تلد، ولكنها ولدت في القبر.\nهذا الكلام أقوله باشمئزاز شديد جدًا، وهو يقصها للناس والناس تقول: الله الله، وضج المسجد مائة مرة في الخطبة، تصور أن خطبة تقوم على هذا السفه من أولها إلى آخرها! والله سبحانه يحيى العظام وهي رميم! فمن أجل أن يعبر الناس عن فرحتهم بمقدرة الله ﷿ يقفون على أرجلهم ويتحدثون بالخطبة، ألا يوجد في هذه الآلاف المؤلفة عاقل؟ ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨]؟ رجل فقط يقوم ويقول: ما هذا؟ ويأخذه من قفاه فينزله، ويقول له: أنت لا تصلح لمثل هذا المكان.\nوعن أبي الدرداء ﵁ قال: كن عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا للعلم أو محبًا له، ولا تكن الخامسة فتهلك.\nقيل: وما الخامسة؟ قال: المبتدع.\nولذلك عمر بن عبد العزيز ﵀ لما سمع هذا الكلام قال: سبحان الله! لقد جعل للعبد مسالك.\nيعني: إما أن تكون عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا للعلم أو محبًا له، فلا أقل من ذلك؛ لأنه شي","vol":"8","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>جزاء من سن في الإسلام سنة سيئة</span>\nقال: [عن عبد الله بن أبي قتادة قال: من دعا إلى سنة فأجيب إليها أعطاه الله أجر من أجاب إليها، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة فأجابه إليها أحد حمله الله مثل أوزارهم ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:٢٥]].\nألم أقل: إن السلف كاد أن يكون كلامهم وحيًا؟ وهذا الكلام شبيه بقول النبي ﵊: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها).\nفلو أتينا بهذا النص وقلت لك: استنبط منه كلامًا آخر يفيد المعنى، ربما نعجز إلا أن يكون أديبًا لغويًا فصيحًا كهذا الراوي عبد الله بن أبي قتادة من كبار التابعين، أبوه هو أبو قتادة الأنصاري الصحابي المعروف الكبير، إنما نسج قولًا على منوال قوله ﵊.\nثم بين أنه استفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:٢٥].","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المراد بالكتاب والسنة والفرق بينهما</span>\nقال: [عن قتادة في قول الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:٤٨]-والضمير يعود على النبي ﵊- فقال: الكتاب كلام الله ﷿، والحكمة هي سنة النبي ﵊].\nوفي قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٤]، وهذا الخطاب موجه لنساء النبي خاصة، ولنساء الأمة عامة: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] آيات الله هي القرآن، والحكمة هي السنة.\nوهذا بإجماع أهل السنة والجماعة.\nقال: [عن حسان بن عطية ﵀ قال: كان جبريل ﵇ ينزل على النبي ﷺ القرآن ومثله من السنة] يعني: ينزل عليه بالقرآن وينزل عليه بالسنة.\nإذًا: السنة وحي من السماء، لكن الفرق بين الوحيين: أن الوحي الأول كتاب الله ﷿، هو كلام الله تعالى، الذي روي إلينا بالتواتر من أوله إلى آخره، والسنة ليست كذلك، بل بعضها اليسير تحقق فيه شرط التواتر والبقية وهي الغالبية العظمى من الروايات إنما جاءت من طريق الآحاد.\nوالقرآن متعبد بتلاوته، والسنة ليست كذلك، القرآن كلام الله ﷿ بنصه وحرفه، والسنة كلام الله ﷿ بالمعنى وهي من كلام النبي ﵊، فأصل السنة وحي السماء، ولكن النبي ﵊ عبر عنها بألفاظ من عند نفسه، وألفاظ النبي ﵊ ليست كألفاظ غيره من البشر؛ لأنه أبلغ ما خلق الله ﷿، وأفصح خلق الله ﷿ وغير ذلك من الفروق بين الوحيين.\nقال: [عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] قال: سبيلًا وسنة].","vol":"8","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>عاقبة البدعة</span>\nقال: [عن مجاهد وهو مجاهد بن جبر المكي تلميذ ابن عباس ﵄ قال: أفضل العبادة حسن الرأي].\nيعني: أفضل العبادة: أن تعبد ربك على منهاج النبوة، لا تجتهد في عبادتك لله، إلا أن يأتيك الخبر عن الله ﷿ وعن المعصوم ﷺ.\nأما غير ذلك فبدع كلها لا عبرة بها، بل ترد على العبد في وجهه، لقوله ﵊ في حديث عائشة الذي أخرجه مسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).\nأي: من ابتدع في دين الله ما ليس منه فهو مردود عليه في وجهه غير مأجور فيه، بل هو مأزور عليه.\nيعني: يناله الوزر ولا يؤجر على ذلك، فأفضل العبادة التزام السنة.\nوعن ابن عباس قال: لا يأتي على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة.\nوهذا أمر لابد أن يتم تلقائيًا، إذا ظهرت البدعة فلابد أن يكون في مقابل البدعة في دين الله سنة، فإذا ظهرت البدعة واستقرت وعمل بها الناس فالناس لا يعلمون بالسنة والبدعة، فهم يعملون بأحدهما؛ فإن عملوا بالسنة أماتوا البدعة، وإن عملوا بالبدعة أماتوا السنة، ولذلك جاء في رواية مرفوعة: (ما عمل الناس ببدعة إلا وقد أماتوا سنة).\nوالصواب أن هذا الكلام موقوف من كلام كثير من السلف ﵃: لا يأتي على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن.\nقال: [عن عبد الله بن الديلمي قال: إن أول الدين تركًا السنة، يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة.\nيعني: اعتقادًا تنقضه شيئًا فشيئًا، عروة عروة، خصلة خصلة حتى تفقد الدين كله].\nقال: [قال ابن الديلمي: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ما ابتدعت بدعة إلا ازدادت مضيًا ولا نزعت سنة إلا ازدادت هربًا].\nقال: [عن حسان بن عطية قال: ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله من سنتهم مثلها، لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة، عقوبة لهم؛ وأعظمها للمبتدع أن الله احتجز التوبة عنه].\nكما في حديث عند ابن ماجة وغيره: (إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته).\nحتى تعلموا أهمية الالتزام والاستمساك بالسنة وخطورة البدعة.\nقال: [وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن ناسًا يجادلونكم بمتشابه القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ﷿].\nوهذا هو المنهج لمخاطبة أهل البدعة، فأهل البدع لا يمكن أن يجادلوك في محكم القرآن؛ لأن القرآن فيه محكم ومتشابه، كما بين الله تعالى ذلك في صدر سورة آل عمران: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، لكن أهل الإيمان وبالذات أقوى أهل العلم.\nفديدن أهل البدع باستمرار حول متشابه القرآن؛ ولذلك يقول واحد من المبتدعة من جماعة التكفير عند أن قيل له: كيف ذاك؟ قال له: أنت شيء من اثنين: أنت ممكن أم مستضعف؟ قال له: ممكن في أشياء وأشياء، ومستضعف في أشياء وأشياء أخرى.\nقال له: أريد كلمة واحدة، أنت ممكن أو مستضعف؟ قال له: لو قلت أنك ممكن فإثم هذه المرأة المتبرجة في رقبتك.\nفقال له: لابد أن يغير.\nولو قلت أنك مستضعف سقطت عنك الجمعة والجماعات.\nفتحس أنك عند أناس عربجية؛ لا علم ولا طلاب علم ولا علماء ولا مجموعة من الناس وضعوا أصول من حثالة عقولهم فيا ليت حتى صارت من عقول المعتزلة فيضلل صاحبها، المعتزلة هم على ضلال، لكنهم أناس محترمون، عندهم شيء اسمه شبهة علم، ولهم أصول، لكن هؤلاء لا أصول ولا فروع، ولا حتى مسكة ولا رائحة من رائحة العلم، يريد أن يجعل الدين عبارة عن معادلة كيت أو كيت، مخير أو ليس بمخير أو شيء من هذا القبيل، وفي الأخير تجد شابًا يذهب إلى الهجرة والتكفير ولا ينفع معهم.\nأقسم بالله لو تمكنت منهم ما ضربتهم إلا بجريد النخل ثم ثنيت بالضرب مرة أخرى.\nلو كان النقاش يجدي مع كل أحد سنناقش كل منحرف، لكن ثبت أن عمر أتى برجل تكلم في القدر، فعلقه من رجليه في سقف المسجد وضربه بالنعال والجريد حتى سال دمه، وقال المضروب: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب الذي كان برأسي.\nفهناك أناس لا يذهب ما في رأسه من الشبه إلا بذلك.\nأحيانًا امرأتك إذا ضربتها تخضع لك، فإنك إذا نظرت إليها بعينيك تخاف، لو نظرت إليها تعرف أأنت غضبان، أم مرتاح وفرحان، فهي لا تسمع الكلام إلا بالتقريع والتوبيخ.\nلو أنك نمت في فراشها وأدرت لها ظهرك قتلتها، وأخرى تقول: الحمد لله أنها جاءت منه! فهن درجات، وأخرى لا ينفع معها إلا الضرب، والله العظيم أنني أعرف أخًا صديقًا له امرأة ودائمًا في شجار معها، وعندما تتشاجر معه ويحمى الوطيس تذهب إلى المطبخ وتأتي بالسكين وتعطيه من أجل يضربها، وهذا بلاء عظيم جدًا.\nفكذلك أصحاب الأف","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>منهج وفكر جماعة التكفير</span>\nجماعة التكفير ما جلسوا يومًا واحدًا لطلب العلم، وشيخهم إنسان لا علاقة له بالعلم البتة؛ واسمه شكري مصطفى، بل إنه لا يعرف عنه أي اتصال بالعلم، والذي كان يعرف عنه: الهجوم والتكفير لعلماء الأمة، سلفًا وخلفًا، حتى كفر النبي ﷺ.\nأقسم بالله العظيم! أن هذا حدث منه، والذي ينقل ذلك عديل شكري مصطفى وهو ثقة، وكان معه في جماعته، وهو يحبه إلى الآن.\nوقد سمعته أنا بأذني رأسي، وإذا أردتم أن تعرفوا اسم هذا فهو الشيخ محمود شاكر، والذي يريد أن يسأله يذهب فيسأله.\nحدثني مشافهة في حضرة أخي وشقيقي سمير الزهيري وفي حضرة الدكتور أحمد حطيبة، علم من أعلام الدعوة في الإسكندرية، وفي حضرة غير واحد، حتى قال محمود شاكر لـ شكري في السجن لما نودي عليه ليشنق، وكان محمود قد بدرت منه بادرة التوبة، فقال شكري لـ محمود: يا محمود! أنا سأعيش ثلاث سنوات وسأربيك؛ لأنه بدرت منه بادرة توبة، تكلم بكلام يهز المنهج، فلما جيء إلى حبل المشنقة قالوا له: ما تقول في النبي ﵊؟ قال: كافر، قيل: وما كفره؟ قال: الله تعالى هو الذي كفره ولست أنا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:١]! قال: فهذا محمد إرضاء لزوجاته حرم ما أحل الله، والمعلوم يقينًا عند المسلمين أن من حرم حلالًا أو أحل حرامًا متعمدًا فهو كافر.\nأيمكن أن يكون هذا من بني آدم يقال أنه طالب؟! ولذلك أنا أعتقد اعتقادًا جازمًا أن شكري مصطفى مات على الكفر البواح، والذي لا يكفر شكري لابد أن يراجع إيمانه مرة أخرى مع الله.","vol":"8","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>منهج السلف في الأخذ بالسنة وترك البدعة</span>\nقال: [قال عمر بن عبد العزيز ﵀: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننًا الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستكمالًا لفرائض الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله تعالى ما تولى].\nقال: [قال أبو الدرداء: لن تضل ما أخذت بالأثر].\nيعني: كلما أخذت بالأثر فأنت بعيد كل البعد عن الضلال.\nقال: [يقول أبو الأسود: إن استطعت ألا تحك قفاك -وفي رواية: جلدك- إلا بأثر فافعل].\nيريد أن يخبرك بأن حركاتك وسكناتك كلها لابد أن تكون منضبطة على كتاب الله وعلى سنة الرسول ﵊، وهذا يشهد له قوله ﵊: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنتي).\nقال: [قال ابن عباس: من أقر باسم من هذه الأسماء المحدثة -أي: المبتدعة- فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه].\nقال: [قال معاوية لـ ابن عباس: أأنت على ملة علي؟ قال ابن عباس: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة محمد ﵊.\nأرأيتم إلى هذا الكلام الجميل.\nيعني: معاوية يريد أن يقول له: أنت معي أم مع علي؟ فقال له: أنت على ملة علي؟ فرد عليه فقال: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة محمد ﵊].\nقال: [قال رجل لـ ابن عباس: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم -يريد أن يلبس على ابن عباس - فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة، إنما هو الأثر].\nقال: [قال مالك بن أنس: قيل لرجل عند الموت: على أي دين تموت؟ فقال: أموت على دين أبي عمارة، وعلى ملة أبي عمارة -كأنه رجل كان مبتدعًا، وكان من أهل الأهواء- قال مالك: يدع المشئوم دين أبي القاسم ويموت على دين أبي عمارة؟!].\nقال: [عن ابن سيرين قال: الرجل ما كان مع الأثر فهو على الطريق].\nيعني: مادمت متمسكًا بالأثر فاعلم أنك على الصراط المستقيم، فإذا حدت عن الأثر لقول فلان وعلان ومذهب فلان أو فلتان فاعلم أنك ضللت ضلالًا بعيدًا.\nقال: [عن أبي بن كعب ﵁ قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما على الأرض عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها، فهي كذلك حتى أصابتها ريح شديدة فتحات ورقها -أي: فسقط ورقها- إلا حط الله عنه خطاياه كما تحات تلك الشجرة ورقها، وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة].\nيعني: إن كان اجتهاد واقتصاد فليكن على منهاج الأنبياء وسنتهم.\nقال: [كان أبو الأحوص يقول لنفسه: يا سلام! نم على سنة خير من أن تقوم على بدعة].\nيعني: كن متبعًا للسنة خير لك من أن تكون رأسًا في الشر ورأسًا في البدعة.\nوعن شريح أنه كان يقول: إنما أقتفي الأثر -يعني: أبتدع الأثر- فما وجدت قد سبقني به -يعني: الصدر الأول- حدثتكم به.\nفهذا شريح ما كان يتكلم بكلمة إلا ولابد أن يكون له فيها سلف، حتى إذا قيل له: من أين لك هذا؟ قال: قال به فلان، أو سمعته من فلان، أو حدثني به فلان.\nوعن إبراهيم النخعي قال: لو أن أصحاب محمد مسحوا على ظفر لما غسلته التماسًا الفضل في اتباعهم، وإبراهيم النخعي إمام الكوفة وكان مجتهد الزمان في زمانه.\nيعني: الأمر قد ورد في القرآن والسنة بغسل اليد، ولو أن السلف مسحوا على أظفارهم لما تجاوزت المسح؛ لأنهم أفهم لكلام الله وكلام الرسول ﵊، بل مسحت كما مسحوا اتباعًا، أو يقول: التماسًا للفضل في اتباع سلف الأمة، وهذا كلام جميل جدًا.\nقال: [يقول الشعبي: نزل المسح من السماء].\nيعني: نزل المسح على النعلين والخفين والجوربين من السماء.\nقال: [عن الشعبي قال: المسح على الخفين أفضل من الغسل؛ لأن المسح سنة والسنة أفضل].\nوأنتم تعلمون أن مسألة المسح على الخفين من مسائل الأحكام، وقد وردت في كتب الاعتقاد؛ لأنها أنكرت عند بعض فرق الضلال، وهم الشيعة الرافضة، فلما كانت هذه علامة على دين الرافضة وأنهم ينكرون المسح على النعلين والخفين والجوربين قام أهل السنة بإظهار هذه السنة، فكانت من مسائل الأحكام العملية من جهة، ومن مسائل الاعتقاد من جهة أخرى.\nولذلك يخطئ من يظن أن الكتب المصنفة في العقيدة إنما تحوي مسائل الاعتقاد كلها، وإنما غالب هذه المسائل التي جاءت في كتب الاعتقاد ما اعتنى بها من صنف فيها إلا لمخالفة غير أهل السنة والجماعة لأهل السنة والجماعة في هذه المسائل.\nوبعبارة أخرى: عندما تقرأ العقيدة ا","vol":"8","page":9},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-161> النهي عن مناظرة أهل البدع</span>\nلقد حذر الله تعالى في كتابه والنبي الكريم في سنته من مجالسة ومناظرة أهل الأهواء والبدع؛ لما في ذلك من إفساد دين المسلم، والناظر يجد أن كثيرًا من الناس من طلبة العلم وغيرهم قد استهانوا بذلك، فتعرضوا لأهل البدع بالجدال والخصومة والمناقشة، فولجوا بمذاهبهم واقتنعوا بآرائهم.","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>سياق ما روي في النهي عن مناظرة أهل البدع</span>\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فموضوع درسنا هو امتداد لدرسنا في كتاب أصول اعتقاد أهل السنة للإمام اللالكائي، وهو يتعلق بحكم المعاملة والتعامل مع أهل البدع، فهل يجوز لأهل السنة أن يختلطوا بأهل البدع؟ وما هي حدود هذا الاختلاط، سواءً كانوا علماء أو من دهماء الناس؟ إن هذا الموضوع في غاية الخطورة، مع أن كثيرًا من الشباب وخاصة شباب الصحوة يستهينون بهذا الأمر، وما وقع كثير من الناس فيما وقعوا فيه من الشر إلا لأنهم تعرضوا لأهل البدع بالجدال والخصومة والمناقشة، واقتنعوا بمذهبهم وآرائهم، ولعلي أذكر أنه في عام (١٩٧٥) لما ظهرت جماعة التكفير كنت آنذاك في الثانوية العامة، فلما عرضوا علي فكرهم، قلت: ما الذي يمنعني أن أجلس معهم، وأن أسمع منهم، فإن أعجبني وكان موافقًا لديني أخذته، وإن لم يعجبني رددته.\nوهذا القول بلا شك فيه مجازفة فضلًا عن تزكية النفس، وفي تلك السنة أين أنا من ديني أولًا؟ هل تعلمته؟ وعن أي من أهل العلم أخذت ديني في ذلك الوقت؟ فلما جالستهم اقتنعت جدًا بما طرحوه علي، لكني خشيت من النظام الإداري العام والإطار العام للجماعة، فقلت: دعوني حتى أنظر في رأيي، فلما تركوني ما فررت منهم إلا خوفًا منهم، أما الكلام الذي طرحوه علي فالكلام مقنع جدًا، فإنهم قد حملوا نصوص الوعيد على ظاهرها كما حملها الخوارج تمامًا.\nوفي ذلك الوقت قالوا لي: كل عاصٍ لله تعالى كافر، أليس الأمر كذلك؟ قلت: بلى.\nووافقتهم على أن كل عاص كافر، فصاروا يعددون لي المعاصي وسائر الذنوب، وأنا أوافق على أن مرتكبها كافر.\nكما قالوا لي: إن الذي يحلف بالنبي ﷺ وبغير الله وأسمائه وصفاته كافر؛ لأن النبي ﵊ قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).\nفلو أنك قلت: إنه ليس بكافر، فلابد وأن تكفر، وإما أن تقول بظاهر الحديث؛ لأنك لو لم تقل بظاهره لكنت معطلًا للنصوص، فخشيت أن أكون معطلًا للنصوص، فوافقتهم على ذلك الفكر.\nوما هي إلا أيام بفضل الله ﵎ وقيض الله لنا رجلًا من أهل العلم، فسألناه فهدانا إلى الطريق الحق، فتركناهم وتركونا.\nولكني أسأل نفسي: ما الذي حملني على خصومتهم وجدالهم؟ إنه الجهل، إنه الهوى، وعدم اتباع أهل العلم.\nوهذا رجل منذ ستة أشهر يسكن في منزله في أمريكا قابلته ينادي بتجديد الشريعة والدين، فقالوا: إنها فرصة لتجلس معه.\nفقلت: بل ليست فرصة، فإن أصحاب البدع متخصصون في بدعتهم، وأنا غير متخصص فيها، وصاحب البدعة لا ينظر ولا يبحث في دين الله إلا عما يؤيد بدعته، وأنت إذا لم تكن عالمًا في أصل كلامه ومخرجه والرد عليه سرعان ما يهزمك.\nفقلت: بل هي ليست بفرصة، وإنما الفرصة كل الفرصة أن تبتعدوا أنتم عني.\nفهذه نصيحتي لكم أنقلها لكم عن أهل العلم فلان وفلان وفلان، واعتبروا أن الذي أقوله هو هزيمة نفسية مني، واقتربوا منه وحملوا عنه، ولما رأوا أن ذهابهم إليه في بيته أمر يشق عليهم جعلوه شريكًا لهم في سكنهم.\nوفي الزيارة الثانية وجدت أن القوم أجمعين قد اقتنعوا بمذهبه، فلما رأيت الخطر عظيمًا، والتقينا على مائدة إفطار في رمضان.\nقال لي: ماذا تقول في التجديد؟ قلت: هي دعوى قال بها قاسم أمين وصاحبه.\nقال: وما رأيك فيها؟ قلت: نحن لا ننظر برأينا، وإنما نحتاج إلى كلام قاله نبينا ﷺ، فهل قال بالتجديد ﵊؟ فقال: وهل قال النبي ﵊ بكيت وكيت وكيت؟ ثم أليس هذا الكلام كله قد حدث بعده؟ قلت: وعليه إجماع.\nلأنه ذكر لي: وهل جمع القرآن النبي ﵊؟ وهل نص على خلافة فلان وفلان؟ قلت: قد أجمع عليها أهل العلم.\nقال: بل خالفهم الشيعة.\nقلت: الشيعة لا عبرة بخلافهم؛ لأنهم أهل البدع.\nفقال: بل الشيعة أهل حق.\nوانتبه إلى هذا، فقد نصب أهل البدعة وجعلهم أصحاب الحق.\nقلت: إذا كان الشيعة أهل حق فماذا تقول في معاوية؟ فقال فيه قولًا عظيمًا لا أجرؤ أن أنقله لكم.\nقلت: أنت بهذا قد رفعت الشيعة، وسببت صحابيًا من صحابة النبي ﵊، وهذا شأن أهل البدع، إذ إنهم يقعون في الأخيار ويرفعون الأشرار، فلابد أن تعلم أن هذه سمة أهل البدع وأنت واقع فيها.\nقال: أنت تتهمني بأني من أهل البدع؟ قلت: أنا لا أتهمك، ولكني أقرر أنك من أهل البدع.\nثم قلت له: فماذا يعني التجديد في نظرك؟ قال: النظر إلى النصوص بوجهة نظر عصرية.\nقلت: اضرب لي مثلًا على ذلك، فقال: لابد أن يخرج فينا من يسب القرآن ويطعن فيه حتى يعظم القرآن في قلوب أهل السنة.\nقلت: قد ظهر هذا عن بعض الناس، فوجد من يشكك في القرآن ويطعن فيه، مثل: قاسم أمين ونصر أبو زيد، هل تريد شيئًا آخر، وهل لا يعظم عندك الأمر إلا إذا طعن في القرآن؟ قال: نعم.\nقلت: إن أهل السنة غير ذلك، فهم يعظمون ويبجلون أوامر الله ﵎ لأول وهلة، ﴿","vol":"9","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>النصوص النبوية في النهي عن مجالسة ومناظرة أهل الأهواء والبدع</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ذروني ما تركتكم)]، أي: لا تسألوني عن شيء ما دمت أني قد تركته.\nثم قال: [(فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).\nوالحديث أخرجه البخاري].\nقوله: (فما نهيتكم عنه فاجتنبوه)؛ لأن كل نهي ورد في الشرع في مقدور جميع المكلفين، بخلاف الأمر فإنه مشروط بالاستطاعة.\nفمثلًا: الحج مأمور به وهو مشروط بالاستطاعة، والقيام في الصلاة واجب وهو أمر، ومع هذا من لم يستطع أن يصلي قائمًا صلى قاعدًا حسب استطاعته.\nوأما النهي فإن النبي ﵊ أطلق فيه القول، وقال: (وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، ولم يقل: فاجتنبوه ما استطعتم؛ ليدل على أن النهي داخل في مقدور كل إنسان، بخلاف الأمر فإنه مشروط بالاستطاعة كما ذكرنا.\nقال: [عن أبي أمامة قال: قال النبي ﵊: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)].\nإذًا لابد عليك أن تعلم أن أحد العلامات التي يتميز بها أهل البدع وأهل الزيغ: أنهم يجادلون في دين الله ﷿، فيأخذون النصوص ويضربون بعضها ببعض.\nقوله: (إلا أوتوا الجدل) أي: رزقوا، ثم قرأ النبي ﵊ قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨].\nقال: [عن قتادة في قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣] قال: صاحب بدعة يدعو إلى بدعته].\nفهو الذي يجادل في الله بغير علم أتاه.\nقال: [عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي ﵊ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال الآخرون: ألم يقل الله كذا وكذا)]، أي: أن هذا يأتي بنص من كتاب الله، والآخر يأتي بنص في ظاهره يناقض النص الأول.\n[(فخرج عليهم النبي ﵊ بعد أن سمعهم وكأنما فقئ في وجهه حب الرمان -أي: من شدة الغضب- فقال: أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم أن تضربوا القرآن بعضه ببعض، إنما هلكت الأمم قبلكم في مثل هذا، فانظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، وانظروا الذي نهيتكم عنه فانتهوا عنه)].\nأي: لا تضربوا كتاب الله تعالى بعضه ببعض؛ لأن هذا من شأن أهل البدع والزيغ والضلال.\nقال: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله ﵎ يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله ﷿ أمركم.\nويكره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال)]، وهذا لم يكن نهج الصحابة ولا السلف.\nقال: [عن عائشة قالت: (تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] حتى بلغ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]، فقال رسول الله ﷺ: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه أولئك الذين سماهم الله فاحذروهم)].\nوالذين سماهم الله ﷿ هم الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.\nوصفهم الله ﵎ في صدر الآية فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧].\nإذًا: الذي يتبع متشابه القرآن ومتشابه السنة هو الذي في قلبه زيغ، وقد حذر الله ﵎ منه.\nقال: [قال علي ﵁ في خطبته: قال النبي ﷺ: (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله تعالى منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا)].\nأي: أن المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو أتى بقول جديد مخترع لا دليل عليه من كتاب أو سنة فعليه لعنة الله، أو أوى من أتى بهذه المحدثة وهذه البدعة أو هذا الجرم، أو أحدث حدثًا استوجب عليه حدًا كالردة وغيرها، أو آوى من فعل ذلك؛ لأجل ألا يقام عليه الحد، فإن من فعل ذلك إنما استجلب لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.\nقال: [عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)]، أي: فهو مردود عليه.\nولاشك أ","vol":"9","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>أقوال السلف في النهي عن مجالسة ومناظرة أهل الأهواء والبدع</span>\nقال: [قال عبد الله بن مسعود: إياكم وما يحدث الناس من البدع، فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث له بدعًا حتى يخرج الإيمان من قلبه، ويوشك أن يدع الناس ما ألزمهم الله من فرضه في الصلاة والصيام والحلال والحرام، ويتكلمون في ربهم ﷿، فمن أدرك ذلك الزمان فليهرب.\nقيل: يا أبا عبد الرحمن: فإلى أين؟ قال: إلى لا أين -يعني: يمكث في مكانه- يهرب بقلبه ودينه لا يجالس أحدًا من أهل البدع].\nوهذا هو الهروب الحقيقي أي: أن يهرب بقلبه ودينه؛ لأن كل مكان فيه بدع وشر، فليهرب بقلبه ودينه، والطريق إلى ذلك: ألا يجالس أهل البدع.\nقال: [عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: إذا تكلم الناس في ربهم وفي الملائكة ظهر لهم الشيطان فقدمهم إلى عبدة الأوثان].\nوفي رواية: [إلى عبادة الأوثان].\nأي: أن مآله في النهاية أن يعبد الأوثان كغيره.\nقال: [قال الحسن البصري عن معاذ بن جبل: إنما أخشى عليكم ثلاثة من بعدي - معاذ ينصح الحسن البصري -: زلة عالم، وجدال منافق في القرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن منار كمنار الطريق، فما عرفتم منه فخذوه، ومن لم يكن غنيًا من الدنيا فلا دين له.\nقال عبد المؤمن: فسألت أبي ما يعني بهذا؟ قال: سألناه، فقال: من لم يكن له من الدنيا عمل صالح فلا دين له].\nقال: [عن مجاهد قال: قيل لـ ابن عمر: إن نجدة الحروري - وهو على رأس أهل البدع - يقول كذا وكذا، فجعل لا يسمع منه؛ كراهية أن يقع في قلبه منه شيء].\nوعبد الله بن عمر إمام، ومع هذا كره أن يسمع مقولة نجدة الحروري.\nقال: [عن أبي أمامة الباهلي قال: ما كان شرك قط إلا كان بدوه تكذيب بالقدر -أي: أن أول خطوة من خطوات الشرك بالله: التكذيب بالقدر- ولا أشركت أمة قط إلا بدوه تكذيب بالقدر، وإنكم ستبلون بهم أيتها الأمة، فإن لقيتموهم فلا تمكنوهم من المسألة -يعني: إذا قابلوكم فلا تسمحوا لهم أبدًا بأن يسألوكم، ولا تسألوهم أنتم عن شيء- ثم قال: فيدخلوا عليكم الشبهات.\nوعن عمر قال: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا].\nأي: إياكم وأصحاب البدع، فإنه قد أعيتهم وأنهكتهم الأحاديث أن يحفظوها، وأن يفهموها ويعملوا بها، فانحرفوا عنها إلى الرأي، فقالوا في دين الله بآرائهم؛ فضلوا وأضلوا.\nقال: [عن عمر قال: سيأتي أناس سيجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله].\nقال: [قال علي: سيأتي قوم يجادلونكم فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله].\nوعمر، وابن مسعود، ومعاذ، وعلي بن أبي طالب أعلم كبار الصحابة يحذرون من الاختلاط بين أهل البدع، ومناظرتهم ومجادلتهم، فما بالكم تقحمون مجادلتهم ومناظرتهم؟! قال: [قال أبو واقد الليثي: (إن رسول الله ﵊ حين أتى حنينًا مروا بشجرة يعلق المشركون عليها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فقال أصحاب النبي ﷺ: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط -رأيت من أين يدخل البلاء- فقال النبي ﷺ: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لقد قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة)].\nفالذي يقول: اجعل لنا شجرة كما لهم شجرة، لابد وأن يئول به الأمر في النهاية إلى أن يقول: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، مع أن الأمر بدأ بشجرة يعلقون عليها الأسلحة، فالصحابة رأوا الأمر سهلًا لا علاقة له بالشرك، لكن مجرد المشابهة في أقوالهم وأفعالهم الخاصة بهم يؤدي في النهاية إلى الشرك بالله ﷿، فحذرهم من ذلك فقال: (الله أكبر).\nأي: أن الأمر عظيم وخطره كبير؛ لأنكم ستقولون: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة.\nقوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) أي: هديهم.\nوقوله: (حذو القذة بالقذة)، أي: الصغيرة بالصغيرة.\nثم قال: (حتى ولو دخلوا جحر ضب).\nومن الذي يدخل جحر ضب؟! إن هذا واقع، وقد رأينا بعض المسلمين يقلدون اليهود والنصارى في كل شيء، قال: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.\nقالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن؟).\nأي: هؤلاء الذين قصدتهم بقولي أنكم ستتبعونهم، ولا يعني به الصحابة فقط، وإنما عنى الأمة بأسرها، والصحابة وقعوا في شيء من ذلك بجهل؛ لأنه لم يسبق لهم علم حتى نهاهم النبي ﵊ عن ذلك.\nقال: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخل","vol":"9","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>أقوال السلف في ذم الخصومة والجدال في الدين</span>\nقال: [عن علي قال: إياكم والخصومة، فإنها تمحق الدين].\nأي: تحلقه.\nفتجد الواحد كل حياته خصومة وجدال ومراء! قال: [عن ابن عباس قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم بما أهلك من كان قبلهم].\nأي: السبب الذي به هلك من كان قبلهم، وهو بالمراء والخصومات.\nوعن ابن الحنفية قال: لا تنقضي الدنيا -أي: لا تقوم الساعة- حتى تكون خصومات الناس في ربهم.\nأي: حتى تكون الخصومة ليس في المسائل الفقهية، بل في الذات العلية.\nوهذا علامة من علامات الساعة، إذ إن الدنيا لا تنقضي حتى يختلف الناس في ربهم وفي ذاته وفي أسمائه وصفاته، وقد وقع الخلاف، والفرق كلها على خلاف في العقيدة، بل وفي الله ﷿.\nقال أبو العالية: إياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء.\nأي: أن من شأن هذه الأهواء والبدع أنها تلقي بين قلوب الناس العداوة والبغضاء.\nفإذا اختلفت مع أخيك في قضية ما، فهل يكون قلبك بعد الخصومة وقبلها سواء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، لكن ما اختلفوا رضي الله تعالى عنهم فيه من خلاف في فروع المسائل فيسعنا.\nوسلف هذه الأمة لم يختلفوا في أصل اعتقادهم.\nقال: [قال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم؛ فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الإسلام يمينًا وشمالًا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء.\nفحدثت الحسن فقال: صدق ونصح، قال: فحدثت به حفصة بنت سيرين فقالت: يا باهلي، أنت حدثت بهذا محمدًا؟ قلت: لا.\nقالت: فحدثه إذًا].\nأي: فحدث بهذا الكلام الجميل محمد بن سيرين.\nقال: [عن الحسن أن رجلًا أتاه فقال: يا أبا سعيد! إني أريد أن أخاصمك، فقال الحسن: إليك عني، فإني قد عرفت ديني، وإنما يخاصمك الشاك في دينه].\nأي: أن الذي عنده شك وريبة في دينه هو من يسلك طريق الخصومة والجدال، أما أنا فالحمد لله فمفتخر بديني، وعاقد قلبي عليه، وليس عندي شك، فلم أخاصمك وأداهنك؟ قال: [قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه -وهذا الكلام مهم- غرضًا للخصومات أكثر التحول].\nفهو اليوم في حل، وغدًا في حل ثاني، وبعد بكرة في حل ثالث، وكلما أتى له واحد ألسن وأعظم بحجته وأكثر بيانًا تحول من رأيه الماضي إلى رأي آخر، لذا فالذي يجعل دينه غرضًا للخصومات كلما لاقى خصومة أقوى من سابقتها ترك الخصومة الأولى وتحول إلى الثانية، ثم قد يجد خصومة ثالثة أقوى من سابقتها، فيتركها ويتحول إلى خصومه أخرى، وكل يوم هو في حال؛ لأنه لا استقرار عنده في أمر دينه وعقيدته.\nقال: [قال الخليل بن أحمد: ما كان جدلًا إلا أتى بعده جدل يبطله].\nلأن الجدل منه قوي ومنه أقوى، فالجدل يوصل إلى جدل، والمرء إذا سلم أمر دينه للجدل فإنما يسلمه إلى أعظم جدال، وكلما ظهر له جدل عظيم تحول إليه، لكن ينبغي على المرء أن يعلم دينه أولًا، ولذلك لا يعجبني قول من يقول بلزوم معرفة أهل السنة والجماعة لعقائد أهل البدع والضلال، إنما الذي يعجبني أن تتعلم أنت عقيدة أهل السنة والجماعة بأصلها، وأن توقن أنما عدا ذلك انحراف، وأيًا كان هذه الانحراف فلا يضرني من يقوله، فالذي يلزمني أن هذا القول ليس قول أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، فينبغي ويجب عليَّ أولًا أن أتعلم عقيدتي، وأن أعلم أن ما دون هذه العقيدة إنما هي عقائد باطلة منحرفة، وألا أتعلم عقائد أهل البدع والانحراف في أول الأمر، فأقضي عمري كله في دراسة عقائد اثنين وسبعين فرقة، ثم في الأخير بعد انقضاء العمر أقوم بدراسة عقيدة أهل السنة والجماعة! حتى أعلم أن ما دون هذه العقائد هو الحق، وهو الصواب، بل لابد من دراسة عقيدة أهل السنة والجماعة أولًا، ثم أعلم أن ما دون هذه العقيدة لا يلزمني.\nقال: [قال عمرو بن قيس: قلت للحسن بن عتيبة: ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء أن يدخلوا فيها؟] أي: ما الذي جعلهم يكثرون من الدخول فيها؟ قال: [الخصومات].\nأي: لما فتحوا باب الخصومات على أنفسهم كان لزامًا عليهم أن يدخلوا في هذه العقائد الباطلة.\nقال: [عن عنبسة الخثعمي - وكان من الأخيار - قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: إياكم والخصومات في الدين، فإنها تشغل القلب وتورث النفاق].\nقال: [قال الأحنف بن قيس: كثرة الخصومة تنبت النفاق في القلب].\nقال: [قال معاوية بن قرة: إياكم وهذه الخصومات؛ فإنها تحبط الأعمال].\nقال: [عن الفضيل بن عياض: لا تجادلوا أهل الخصومات؛ فإنهم يخوضون في آيات الله].\nقال: [عن","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>أقوال السلف في ذم البدعة في الدين</span>\nقال: [قال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية].\nفتصور وقوعك أنت في البدعة أحب إلى إبليس من الزنا والقتل وشرب الخمر، لذا فالواحد لما يقع في معصية أو في كبيرة من الكبائر يعرف أنه آثم ومذنب، ويحتاج إلى توبة وتطهير، لكن صاحب البدعة يتقرب بها إلى الله، وصاحب المعصية لا يقصد بها التقرب إلى الله ﷿، بل قد يقول صاحب المعصية: أنا أستحق الحد، بينما صاحب البدعة يعتبر أنها الحق الذي يقربه إلى ربه.\nإذًا: صاحب البدعة في نظره أنه لا يحتاج إلى توبة، بينما صاحب المعصية يعلم أنه في أمس الحاجة إلى التوبة، وأنه على معصية، بخلاف صاحب البدعة، ومن هنا: كانت البدعة أحب إلى الشيطان وإلى إبليس من المعصية.\nقال: [قال ثابت بن العزان: أدركت أنس بن مالك وابن المسيب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومجاهد، وابن أبي مليكة، والزهري ومكحول، والقاسم وعد ناسًا كثيرًا فقال: كلهم يأمرونني بالجماعة وينهوني عن أصحاب الأهواء.\nقال بقية: ثم بكى، وقال: أي بني! ما من عمل أرجأ ولا أوثق من مشي إلى هذا المسجد.\nيعني: مسجد الباب].\nقال: [كان الحسن البصري يقول: لا تجالسوا أهل الهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم].\nوقد [دخل رجلان من أهل الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث واحد؟ فقال لا.\nقالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله؟ قال: ولا آية].\nأي: أن ابن سيرين يخاف على أصحابه من أهل البدع، وإلا فكلام أهل البدع مع ابن سيرين ليس بمشكلة، وإنما المشكلة في موقف أصحاب ابن سيرين، هل سينكرون عليه أم لا؟ وإذا أنكروا فهل هم محقون في هذا الإنكار أم لا؟ قالا: فماذا نصنع معك؟ قال: تقومان عني ويلكم! أي: إما أن تنصرفوا عني وإما تركتكم وانصرفت أنا، فقام الرجلان فخرجا، فقال بعض القوم من أصحاب ابن سيرين: ما كان عليك أن يقرأ عليك آية؟ أي: ما هو الذي يضرك إذا قرأ عليك آية من آيات الله ﷿؟ قال: إني كرهت أن يقرآ آية فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي.\nفتأمل ابن سيرين وخوفه على نفسه وقلبه! قال: [عن أبي قلابة البصري قال: لا تجالسوهم ولا تخالطوهم؛ فإني لا آمن عليكم أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم كثيرًا مما تعرفون فتهلكوا].\nقال: [عن أيوب السختياني قال: قال لي أبو قلابة: يا أيوب، احفظ عني أربع وصايا: لا تقولن في القرآن برأيك، وإياك والقدر، وإذا ذكر أصحاب محمد فأمسك -أي: لا تتكلم في واحد من أصحاب النبي ﷺ إلا بالخير، ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك].\nأي: لا تسمع لهم ولا كلمة؛ لأنك لو سمعت هلكت.\nقال: [عن أبي قلابة قال: ما ابتدع قوم بدعة إلا استحلوا السيف].\nفهم بين نقمتين: النقمة الأولى: الانحراف عن المنهج العقائدي.\nالنقمة الثانية: أنهم يتصورون أن عقيدتهم هي الحق، فتحملهم هذه العقيدة الباطلة على الخروج بالسيف، والذين خرجوا على علي بن أبي طالب قد خالفوا الطريق، فخرجوا أولًا في أصل معتقدهم بتكفير المسلم بالكبيرة، ثم شهروا السيف في وجهه.\nإذًا: فكل صاحب بدعة لابد وأن تؤدي به بدعته في نهاية الأمر إلى الخروج على الأمراء وأهل العلم بالسيف.\nفهذا ابن طاوس مر على رجل من المعتزلة يتكلم [فأدخل ابن طاوس أصبعيه في أذنيه وقال لابنه: أي بني أدخل أصبعيك في أذنيك واشدد حتى لا تسمع من كلامه شيئًا].\nلأن القلب ضعيف، مع أن هؤلاء أئمة، ومع هذا خافوا على أنفسهم وعلى أبنائهم، وعلى عامة المسلمين، ونحن أولى بذلك منهم.\nقال: [عن جعفر بن برقان أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل وقد سأله عن الأهواء: عليك بدين الصبي الذي في الكتاب، والأعرابي، واله عما سواهما].\nأي: دعك من الأشياء الأخرى، وعليك بدين الصبي الصغير الذي خلقه ربنا على الفطرة والإسلام والتوحيد الخالص قبل التلوث، وقبل الوسخ والدخن، وعليك بدين الأعرابي الذي رضع في البادية ولم يتلوث بلوث المدينة.\nقال: [قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت قومًا يتناجون في دينهم بشيء دون العامة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة].\nأي: إذا رأيت قومًا يقولون كلامًا غريبًا ليس بمفهوم ولا معقول، فاعرف أن هؤلاء في أول بدعتهم وضلالتهم.\nأي: أن مآلهم أن يظهروا.\nقال: [عن محمد بن النضر الحارثي قال: من أصغى سمعه إلى صاحب بدع","vol":"9","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>تحذير السلف من الجدل ومصاحبة أصحاب الكلام</span>\nقال: [عن الأوزاعي قال: إذا أراد الله بقوم شرًا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل].\nقال: [قال يونس بن عبد الأعلى: قلت للشافعي: تدري يا أبا عبد الله ما كان يقول فيه صاحبنا؟ أي: يونس بن سعد، فقد كان يقول: لو رأيته يمشي على الماء لا تثق ولا تعبأ به ولا تكلمه.\nقال الشافعي: فإنه والله قد قصر].\nلذا فقد يرى المسلم أحوالًا تظهر على أيدي أهل الأهواء في الظاهر أنها كرامات، فاحذرها، فلو رأيت صاحب الهوى يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، فلا تركن إليه حتى تنظر إلى عمله، فإن كان موافقًا لكتاب الله ولسنة رسوله، فاعلم أن هذه كرامة من الله تعالى، وإن كان غير ذلك فاعلم أنه كذب من الشيطان.\nوهذا الكلام عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد قرره في كتاب الفتاوى، فلا تحكمن على الرجل بصلاح أو فساد حتى تنظر إلى عقيدته وعمله، فإن كانت مستقيمة، وظهر منه شيء خارق للعادة فاعلم أن هذه كرامة، وإن كان غير ذلك فاعلم أنه استدراج من الشيطان.\nقال: [قال الربيع: سمعت الشافعي يقول، وقد ناظره رجل من أهل العراق، فخرج إلى شيء من الكلام، هذا من الكلام، دعه].\nأي: هذا من الرأي فدعه؛ لأنه لا يتقنه.\nقال: [قال الشافعي: لأن يبتلي الله المرء بكل ذنب نهى الله عنه عدا الشرك خير له من الكلام].\nوخير له من الهوى والضلال والانحراف.\nقال: [قال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: تعلم يا أبا موسى! -لأن العلم نجاة- لقد اطلعت من أصحاب الكلام على شيء ما ظننت أن مسلمًا يقول بذلك].\nيعني: أن أصحاب الأهواء قالوا كلامًا ما كان الشافعي يتصور أن واحدًا من الأمة يقول هذا الكلام، ولا ينجي من هذا الضلال إلا طلبك للعلم، ولذا نصح الشافعي أبا موسى أن يتعلم.\nقال: [كان الشافعي ينهى النهي الشديد عن الكلام في الأهواء ويقول أحدهم إذا خالفه صاحبه: كفرت.\nوالعلم فيه: إنما يقال: أخطأت].\nلذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن أهل السنة مع أهل البدع أرحم من أهل البدع بعضهم ببعض.\nلأنك تأتي وتناظر وتجادل واحدًا من أهل البدع، وتقول له: أنت أخطأت، لكنهم عندما يتناقشون مع بعض يقول أحدهم للآخر: أنت كفرت، فيرمون بعضهم بالكفر، مع أن أهل السنة يتوقفون في ذلك أشد التوقف.\nقال: [قال الشافعي: ما تردى أحد بالكلام فأفلح].\nقال: [قال الربيع: رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة، وقوم في المسجد يتكلمون بشيء من الكلام، فصاح وقال: إما أن تجاورونا بخير، وإما أن تقوموا وتنصرفوا عنا].\nقال: [قال أبو يوسف: من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق].\nقال: [قال عبد الرحمن بن حمدان: كان معي رفيق بطرسوس، وهو أبو علي بن خالويه، وكان معي في البيت، وكان قد أقبل على كتب الصوري والأنطاكي وأصحاب الكلام في الرقة، وكنت أنهاه فلا ينتهي، حتى كان ذات يوم جاءني فقال: أنا تائب، فقلت: أحدث شيء؟ قال: نعم، إني رأيت في هذه الليلة كأني دخلت البيت الذي نحن فيه، فوجدت رائحة المسك، فجعلت أتتبع الرائحة حتى وجدتها تفوح من المحبرة فقلت: إن الخير في الحديث].\nقال: [قال مصعب: رأيت أهل بلدنا -أهل المدينة- ينهون عن الكلام في الدين].\nقال: [قال مصعب: بلغني عن مالك بن أنس أنه كان يقول: الكلام في الدين كله أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهون القدر ورأي جهم، وكلما أشبه، ولا أحب الكلام إلا فيما كان تحته عمل، فأما الكلام في الله فالسكوت عنه؛ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا ما كان تحته عمل].\nقال: [قال سفيان بن عيينة: قال ابن شبرمة: إذا قلت جدوا في العبادة واصبروا أصروا وقالوا: لا الخصومة أفضل خلافًا لأصحاب النبي وبدعة وهم لسبيل الحق أعمى وأجهلُ] قال: [ذكر أن فتى من أصحاب الحديث أنشد في مجلس أبو زرعة الرازي ﵁ هذه الأبيات فاستحسنه وكتبت عنه: دين النبي محمد أخباره نعم المطية للفتى آثار لاتعدلن عن الحديث وأهله فالرأي ليل والحديث نهار ولربما غلط الفتى أثر الهدى والشمس بازغة لها أنوار].\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله ﵎ لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"9","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>الأسئلة</span>","vol":"9","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>الحكم على حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)؟ وإن كان صحيحًا أفلا يعارض قول ابن عباس: الهوى كله شر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحديث ضعيف، وهو موجود في الأربعين النووية وجامع العلوم والحكم، والحمد لله ليس هناك تعارض.","vol":"9","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>خزعبلات صاحب كتاب (الإسلام في الخندق)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول السائل: قال الدكتور مصطفى محمود في كتابه: (الإسلام في الخندق): إن تطبيق الشريعة لا يكون في كل زمان، وذلك لأن عمر بن الخطاب لم يطبق حد السرقة في حكمه يوم جاع الناس.\nأيضًا أن الذي يسرق خمسة جنيهات تقطع يده، وأما الراشي في مائة ألف جنيه فلا تقطع يده! وبالتالي في عصر البلوى وانتشار الفساد، والناس في عصيان وعدم وجود ما يمنعهم من ذلك، فكيف ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يا أخي الكريم! مصطفى محمود في أمس الحاجة إلى من يصلح له عقيدته، وهو والله عدو السنن، ووالله أن أثقل شيء على قلبه أن تسمعه آيات من كتاب الله، أو حديثًا من أحاديث النبي ﵊، وأبغض الوجوه إليه وجه صاحب سمت السنة، وهو لا يألو جهدًا في صدهم وطردهم من مسجده، ويبغضهم بغضًا شديدًا، ناهيك عن هذا كله.\nهذا الرجل إذا أردت أن تأخذ عنه فخذ عنه علم الأعضاء وعلم التشريح وغير ذلك.","vol":"9","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>حكم التخلف عن صلاة الجماعة في جميع الصلوات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم الذي يصلي جميع الأوقات في البيت، أو في مكان العمل دون عذر؟ وهل هناك حديث: (من سمع النداء ولم يأته فلا صلاة له إلا من عذر)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحديث عند أبي داود بسند صحيح، وهو محمول على نفي كمال الثواب؛ لأن مذهب الجمهور أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة.\nويترجح لدى الحنابلة: أن صلاة الجماعة واجبة، والأمر محل خلاف بين أهل العلم، مع أن أهل العلم الذين اختلفوا في حكم الجماعة لم يتخلفوا عن حضور الجماعة، فهم اختلفوا من حيث الحكم الفقهي أو تقرير الحكم، لكن هل تخلف أحد منهم عن الجماعة؟ لم يبلغنا أن أحدًا منهم، أو أحدًا ممن قال: بأن الجماعة سنة مؤكدة، تخلف عن صلاة الجماعة.","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>واجب المسلم تجاه تبجح العلمانيين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا طالب في كلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة نجد بعض المحاضرين يتكلمون في أمور علمانية، مثل: التجديد، والاستهزاء بذوي اللحى، والمنتقبات، فما واجبنا نحن الطلاب؟ هل نرد عليهم أم نلتزم الصمت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجب الرد على هؤلاء الناس، ولا يصلح السكوت عن أصحاب الأهواء والبدع والإلحاد، وأمثال هؤلاء لابد أن تقف لهم موقفًا شديدًا، وأن تحرجهم أمام الحاضرين، وأن تبين لهم أنهم أصحاب انحراف وزيغ عن دين الله ﷿، لا أقول: عن المنهج فقط، بل المسألة واضحة، فهم خارجون من الدين.\nيعني: أنهم ينادون باللادينية، لكن لا يبوحون بذلك خشية المجتمع من حولهم.","vol":"9","page":12},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-173> عقيدة الإمام سفيان الثوري</span>\nالإمام سفيان الثوري ﵀ أحد الأئمة الذين حفظ الله ﷿ بهم الدين، لما نشروا من السنن وشيدوا، وهدموا من البدع وأبادوا، فقوله في القرآن بأنه كلام الله، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأنه قول وعمل، وتقديم أبي بكر وعمر في الخلافة والفضل، وألا يقطع لأحد بالجنة إلا بنص، وأن الله تعالى خالق كل شيء من خير وشر، والصلاة خلف أمراء الجور ما لم يكفروا كل ذلك هو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، وعليه إجماعهم من قبل سفيان الثوري ومن بعده.","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>عقيدة سفيان الثوري في القرآن</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nمواصلة لما بدأناه من شرح كتاب أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي ﵀، نقول: إن الباب الذي وقفنا عليه باب في غاية الأهمية، وإن كان الكتاب كله في غاية الأهمية، لكن هذا الباب قد ذكر فيه الإمام جملًا من عقائد بعض أئمة أهل السنة، فلا أقول: إن ما ورد في عقيدة كل إمام هو مسند اعتقاد أهل السنة، وإنما مجموع ما ورد من اعتقاد في تراجم جميع الأئمة يمثل العقيدة الإسلامية لأهل السنة والجماعة، فقد ذكر الإمام هنا عقيدة الثوري، وفيها: أن شعيب بن حرب التقى بـ سفيان الثوري فقال له: [(حدثني بحديث من السنة ينفعني الله به، فإذا وقفت بين يدي الله ﵎ وسألني عنه، فقال لي: من أين أخذت هذا؟ قلت: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري وأخذته عنه، فأنجو أنا وتؤاخذ أنت)].\nيعني: يحاسبك الله تعالى عليها.\n[فقال] أي: سفيان الثوري وهو إمام أهل الكوفة، وكان معروفًا بأمير المؤمنين في الحديث، وهو ناصر السنة وقامع البدعة في منطقة الكوفة وما حولها، وكان صاحب مدرسة الأثر، وكان الإمام أبو حنيفة على رأس مدرسة الرأي، رحم الله الجميع.\nفـ سفيان كان معروفًا بالأثر، وكان معروفًا بالتمسك بالسنة في كل كبيرة وصغيرة، فلما سأله شعيب بن حرب قال له: [(يا شعيب!) هذا توكيد وأي توكيد! اكتب] أي: اكتب ما سأمليه عليك، فإنه اعتقاد أهل السنة، ونحن الآن لو قلنا لطالب من طلاب العلم الموجودين: قم فأمل علينا عقيدتك، فنحن نريد أن نتعلم العقيدة الصحيحة قم وأخبرنا بعقيدتك التي أخذتها عن أهل السنة والجماعة، فربما يتكلم المرء بمسألة أو مسألتين ثم يتوقف؛ لأنه لم يخطر على باله أن يأخذ عقيدته مسألة مسألة، أما حينما يسأل إمام من أئمة الهدى عن هذه العقيدة فيختلف الأمر.","vol":"10","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>سبب ابتداء الثوري عقيدته بمسألة القرآن</span>\nقال: [(بسم الله الرحمن الرحيم.\nالقرآن كلام الله غير مخلوق].\nلماذا بدأ سفيان بهذه القضية؟ أولًا: لأنها قضية تتعلق بذات الرب ﵎، وأعظم العلم هو علم الاعتقاد خاصة اعتقادك في الله ﷿؛ لأن أعظم ما يمكن أن يتعلمه المرء، وأوجب الواجبات التي أوجبها الله ﵎ على المرء: أن يحسن اعتقاده في الله ﷿، ولذلك يقول أهل العلم: إن أعظم العلوم وأشرفها علم العقيدة؛ لتعلقها بذات الإله، وثاني العلوم علوم القرآن؛ لتعلقه بصفة من صفات الله ﷿، ثم علم السنة لتعلقه بكلام النبي ﵊.\nإذًا: أول ما يجب عليك أن تطلبه هو العقيدة الصحيحة التي كان عليها سلف هذه الأمة وعلماؤها.\nلذا قال: [اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم القرآن كلام غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال بغير هذا فهو كفر].\nهذا أولًا.\nثانيًا: أن هذه الفتنة -أي: فتنة القول بخلق القرآن من عدمه- نشأت في أرض الفتن العراق، وكل عالم ينزل فيها لابد وأن يبتلى وأن يختبر بها، وأنتم تعلمون أن أهل العراق هم في الغالب أهل فتن، والنفاق إليهم أسرع من غيرهم، وقلة احترامهم لأهل العلم مشهورة عنهم، ولا أدل على ذلك من أنهم شايعوا عليًا والحسن والحسين، وكانوا أول الناس نكثًا للعهد معهم، فهم أهل غدر ونفاق إلا من رحم الله ﷿.\nولذلك لما رأى سفيان الثوري أن هذه المسألة في غاية الأهمية لتعلقها بذات الإله، وهي من جهة ثانية هي التي تدور على ألسنة العامة والخاصة في بلاده، أراد أن يعالجها ابتداءً.\nوكلام الله ﵎ صفة من صفاته، والله ﵎ يتصف بصفات الذات وصفات الفعل، والكلام من صفات الفعل، فالله ﵎ يتكلم بما شاء بأي كلام يريده متى شاء، ويسكت عنه متى شاء؛ لأنه من صفات فعله؛ فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، والله ﵎ متكلم منذ الأزل وإلى الأبد، لا ابتداء لكلامه ولا نهاية له، كما أن الله ﵎ هو الأول وهو الآخر، فكذلك كلامه يحمل هذه الصفتين؛ فإنه لا أولية له ولا يفنى هذا الكلام، فإن الله ﵎ متكلم دائمًا وأبدًا وأزلًا، فلم يكن ساكتًا ثم تكلم، وإذا تكلم لا يفنى كلامه ولا يبيد ﷾، ولذلك قال: (غير مخلوق) هذه الصفة بل وجميع الصفات غير مخلوقة.","vol":"10","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>خطورة القول بخلق القرآن</span>\nما هي خطورة القول بخلق صفة من صفات المولى ﷿؟ ولم نشأت الفتنة في ذلك؟ الأمر الأول: خطورة هذا الكلام أنه يلزمك أن تقول: إن كل مخلوق حادث.\nيعني: لم يكن ثم كان، فهل الله ﵎ لم يكن متكلمًا ثم تكلم؟ هذه صفة عجز وصفة نقص.\nأن يقال: إن الله ﷿ لم يكن يتكلم، وبعد ذلك تكلم، فمن الذي علمه الكلام؟! أليست هذه صفة نقص؟ بلى.\nإذًا: الصواب: أن هذه الصفة -وهي صفة الكلام- لازمة لله ﷿ لم يخلقها أحد.\nولازمة بمعنى: أنها ملازمة لله ﷿ لا تنفك عنه، لا أول لها ولا نهاية.\nفإذا قلت: إنه مخلوق، إذًا: أثبت أولًا أن الله ﵎ كان عاجزًا ثم صار قادرًا على الكلام، والعجز صفة نقص لا تجوز على الله ﷿، بل صفات العجز لازمة للمخلوق وليس للخالق، هذا أمر.\nالأمر الثاني: لو أني قلت: إن كلام الله مخلوق لابد وأن يفنى؛ لأن كل مخلوق حادث، وكل حادث إلى زوال، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص:٨٨].\nفهنا نقول: إن القول بخلق القرآن يستلزم القول بفناء هذا القرآن، وبانتهاء هذا القرآن، ولا قائل بذلك من أهل السنة.\nإذًا: الذي يقول: إن القرآن كلام الله مخلوق، لابد وأنه مبتدع في أسماء الله وفي صفاته ما لم يكن عليه سلف هذه الأمة، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وغيرهم من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين ﵃ أجمعين.","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>سبب زيادة (غير مخلوق) في وصف كلام الله</span>\nلم يقل أحد من السلف (إن القرآن كلام الله مخلوق).\nبل ولم يقولوا: (غير مخلوق)؛ لأن السلف لما وقفوا عند ألفاظ معينة ومصطلحات محددة ما تجرأ من أتى بعدهم على أن يخترع لفظة لم يقل بها السلف خاصة في باب العقيدة، فما الداعي لقول مخلوق أو غير مخلوق؟ ولكن لما أتى من قال بخلق القرآن، قام أحمد بن حنبل ومن معه من أهل السنة وردوا عليهم فزادوا: غير مخلوق، وإلا فالأصل أن يقولوا: القرآن كلام الله، وهذه عقيدة السلف، لم يقل أبو بكر ولا عمر ولا غيرهم (غير مخلوق)، ولكن اضطر أحمد بن حنبل أن يرد على من قال: بأنه مخلوق أن يقول له: لا، هو غير مخلوق، ولذلك ينهى أهل العلم جميعًا عن تعلم الفلسفة والمنطق، ولكن لما ازدهر ذلك وانتشر بترجمة كتب اليونانيين في زمن الدولة العباسية قام الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله يرد عليهم، وهو ينهى الأمة عن تعلم الفلسفة والمنطق؛ فهو الذي قال: من تفلسف فقد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق.\nومع هذا نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية إمامًا في الفلسفة والمنطق، بل هو الذي رفع عن الأمة حد الواجب الكفائي في الرد على الفلاسفة والمنطقيين؛ لأن ابن تيمية عليه رحمة الله إمام علم متبحر في علوم السنة والهدي فلا خوف عليه ولا لوم عليه أن يسد الثغرة التي ربما يؤتى الإسلام من خلالها في تعلم الفلسفة في ذلك الزمان، مخافة أن يتكلم الفلاسفة مع عامة المسلمين فيضلونهم عن دينهم، فأيد الله ﷿ دينه بهذا الإمام العلم المبجل، فرد عليهم تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ فسد هذه الثغرة على أهل الإسلام جميعًا؛ على علمائهم وعامتهم، ونصح لله ﷿ أيما نصيحة.\nولذلك أهل السنة لما كانت تظهر مسألة من المسائل التي يخشى على العامة منها كانوا يتعرضون لها بأي سبيل مشروع؛ حتى يحققوا الواجب الكفائي لنصح هذه الأمة في كل زمان ومكان.","vol":"10","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>حكم من اعتقد خلق القرآن</span>\nقال: [اكتب: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال بغير هذا فهو كفر].\nولم يقل: (فهو كافر).\nوهذه جزئية مهمة جدًا في الاعتقاد، فالقائل يكفر إن كان عالمًا بما يقول مصرًا على قوله واعتقاده، ولكن في الغالب أن المرء ربما تكلم بكلام هو كفر، ولكنه لا يدري أنه كفر.\nفنقول: إن قول الكفر لا يكفر به صاحبه إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه، تحضره أمامك وتقرره: أنت قلت: إن القرآن كلام الله مخلوق؟ أتعلم خطورة هذا القول؟ فيقول لك: والله لا أعرف.\nفتقول: لا.\nهذا القول خطورته كيت وكيت وكيت، وهو في الجملة مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة؛ لأنهم يعتقدون غير ما تعتقد، والأدلة من كتاب الله كيت، ومن سنة الرسول كيت، ومن أقوال أهل العلم كيت.\nوالإمام والعالم والسلطان هو الذي يقيم الحجة على من خرج على النهج القويم، فإن أصر صاحب القول المخترع المبتدع على قوله حبس ثلاثًا يستتاب وإلا أقيم عليه الحد الشرعي.","vol":"10","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>عقيدة الثوري في الإيمان</span>\nقال أي سفيان: [والإيمان قول وعمل ونية].\nالذي يدخل الإسلام لابد أن ينطق بالشهادتين: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فمن شهد بالشهادتين ونطق بهما، ولكن قلبه مبغض لهاتين الشهادتين غير محب لهما وغير معتقد لصحة هذه الشهادة فيأخذ حكم المسلم في الدنيا، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، ولكنه عند الله منافق؛ لأن هذه الكلمة التي نطق بها لم تستقر في قلبه، بل الذي استقر في قلبه هو بغض هذه الشهادة، وبغض الرسالة وعدم اعتقادها.\nولذلك نقول: إن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان ومنها القلب؛ لأن القلب له أعمال فحبه وبغضه وصدقه وإخلاصه وإيمانه هي أعمال القلب، فعندما نقول: الإيمان قول وعمل.\nأي: عمل الجوارح والأركان، وكذلك عمل القلب؛ لأن القلب له عمل، ومن أعظم أعمال القلب: أن يُعقد على حب الله ورسوله، وعلى اتباع كتاب الله واتباع سنة رسوله ﷺ.\nكما أنك إذا نطقت بهذه الكلمة فلابد أن تنوي بها أن تؤدي ما ألزمك الله ﵎ من خلالها، فلا يصح أن ينطق شخص بالشهادتين ثم هو تارك للصلاة وللصيام وللزكاة وللحج مع القدرة وغير ذلك من فرائض وأركان ومستحبات الإسلام.\nفالإيمان قول وعمل ونية، يزيد وينقص؛ لأنه لا يستوي الذي يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويقوم على طاعة الله في كل كبيرة وصغيرة، لا يستوي مع من فرط في ذلك كله، فلا شك أن من أتى طاعة الله، وائتمر بأوامره، وانتهى بنواهيه، لا شك أن هذا أعلى إيمانًا من الذي فرط في ذلك أو في شيء منه.\nقال: [والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يجوز القول إلا بالعمل، ولا يجوز القول والعمل إلا بالنية، ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة].\nفانظر إلى هذا النصح، وهذا النصح ليس لـ شعيب بن حرب فقط، وإنما هو للأمة بأسرها.\nالإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بمتابعة النبي ﵊، واعتقاد ما كان يعتقده ﵊، هو وأصحابه الكرام والأئمة المتبوعين.","vol":"10","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>عقيدة الثوري في أبي بكر وعمر</span>\n[قال شعيب: فقلت له: يا أبا عبد الله! وما موافقة السنة؟].\nشعيب بن حرب مع أنه إمام علم من أئمة السنة إلا أنه أراد أن يستوثق ما معنى: (إلا بمتابعة السنة) أو (موافقة السنة).\nفقال سفيان: [تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄].\nهل هذا موافقة السنة فقط؟ لا.\nليست هذه فحسب، لكن سفيان الثوري أراد أن يعالج قضية مطروحة على الساحة خالفت فيها الأمة ما كان عليه سلفها، فاختار قضية واقعية تحتاج إلى إظهار عقيدة أهل السنة في مثلها، فـ شعيب قال له: ما معنى موافقة السنة؟ قال له: أن تقدم أبا بكر وعمر على غيرهما من الأمة.\nلماذا؟ لأننا هنا في الكوفة، والكوفة تقدم عليًا على أبي بكر وعمر، فإن وافقتهم يا شعيب فأنت على غير السنة، وإن خالفتهم فأنت سني.\nنحن الآن عندما ندرس عقيدة أهل السنة والجماعة نذكر القضايا التي يموج بها المجتمع موجًا، وخالف فيها المجتمع اعتقاد سلفهم، ولذلك نحن سيمر بنا الآن قضايا فقهية ليست عقدية، مثل المسح على الخفين أهي من مسائل الفقه أو من مسائل الاعتقاد؟ من مسائل الفقه، ومع هذا نرى أن سلف الأمة الذين صنفوا في مسائل الاعتقاد ذكروا المسح على الخفين في كتب الاعتقاد؛ لأن الشيعة قالوا بغير ذلك، ولم يجيزوا المسح، حتى صار عدم جواز المسح على الخفين من أصل عقيدة الشيعة، أما نحن فاعتقادنا في المسح على الخفين الجواز، خالفت في ذلك فرقة من فرق المسلمين، فصارت من هذه الحيثية في ضمن ما يذكر من عقيدة أهل السنة.\nما معنى تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر على غيرهما؟ يعني: أنا المطلوب مني أن أقدم أبا بكر ثم عمر على الأمة بأسرها في الفضل والخلافة؛ لأن النبي ﵊ نص على أن أبا بكر هو الخليفة من بعده، وهو أفضل الأمة، ولو وزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر، والأمة التي ستوزن أعمالها ويوزن إيمانها الذي يغلب عليها إيمان أبي بكر فيها عمر، وعمر نفسه عجز عن أن يناهض أبا بكر في عمل الطاعة، فكلما أراد أن يسبقه كان السبق لـ أبي بكر الصديق ﵁ حتى اعترف بذلك عمر رضي الله ﵎ عنهم أجمعين.\nفهنا نقول: إن أبا بكر مقدم في الفضل والخلافة على الأمة بأسرها بما فيها عمر، وعمر مقدم في الفضل والخلافة على الأمة بأسرها بما فيها عثمان وعلي.\nووقع خلاف بين أهل السنة أنفسهم في الفضل -لا في الخلافة- بين عثمان وبين علي.\nفمنهم من قال: عثمان أفضل من علي.\nوهؤلاء هم جمهور أهل السنة.\nومنهم من قال: بل علي أفضل من عثمان، بما فيهم سفيان بن سعيد الثوري الذي نحن بصدد سرد عقيدته.\nقال: إن عليًا أفضل من عثمان، وقيل إنه رجع عن هذا الاعتقاد إلى اعتقاد جمهور أهل السنة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: اختلاف أهل العلم في المفاضلة -أي: التفاضل بين علي وعثمان - مسألة قال بها بعض السلف، ولذلك لا يبدع فيها المخالف.\nيعني: لا يصير مبتدعًا من قال: إن عليًا أفضل من عثمان، ولكن يبدع من قال: إن عليًا أولى بالخلافة من عثمان، كما قالت الشيعة: إن أبا بكر وعمر وعثمان اغتصبوا الخلافة من علي بن أبي طالب.\nوهذا يخالف اعتقاد أهل السنة قاطبة؛ لأن هذا كلام في الخلافة، أما الأفضلية فهي مسألة لا يبدع فيها المخالف، ولكن الذي يرجح من اعتقاد أهل السنة وهو كلام جمهورهم: أن عثمان أفضل من علي بن أبي طالب، وهم في الخلافة على نفس الترتيب في الأفضلية.\nإذًا: الترتيب في الخلافة والأفضلية: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.\nولذلك انظر إلى سفيان الثوري عندما قال له شعيب: ما معنى متابعة السنة؟ قال: تقدمة أبي بكر وعمر.\nوسكت؛ لأنه قائل بأفضلية علي على عثمان، فلم يرد الثوري أن يذكر هذه المسألة؛ لأنه يعلم أن الخلاف فيها لا يبدع به قائله، وذكر القول المجمع عليه وهو تقدمة أبي بكر وعم","vol":"10","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>عقيدة الثوري في القطع بالشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة أو النار</span>\nقال: [(يا شعيب بن حرب! لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ، وكلهم من قريش)].\nومنهم الخلفاء الأربعة، وهذا شيء من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: أنهم لا يقطعون لأحد بجنة ولا نار، ولا يقطعون لأحد بأن الله سيرحمه، كما لا يقطعون لأحد بأن الله سيعذبه في النار وإن كان عاصيًا، ولا يقطعون بالجنة لأحد حتى وإن كان طائعًا؛ لأن الأعمال بالخواتيم، والله ﵎ قد علم أهل الجنة وعلم أهل النار، ثم لم يطلع أحدًا من خلقه على قسم أهل النار، وعلى قسم أهل الجنة.\nأما القطع لأحد من الأمة من غير أن يقطع له رسول الله بأنه من أهل الجنة، فهذا تألٍ وافتراء على الله ﷿، ولذلك قال رجل في مجلس النبي ﵊: (والله إن الله سيغفر لفلان ويعذب فلانًا، فغضب النبي ﵊ أيما غضب، وقال: من ذا الذي يتألى على الله؟).\nلماذا تفترون على الله؟ أتعرفون أهل الجنة من أهل النار؟ (أشهدكم أن الله ﵎ غفر لفلان وآخذ فلانًا -أو وعذب فلانًا- الذي قال: إن الله غفر لفلان وعذب فلان).\nفأنت إذا شهدت لأحد بأنه شهيد، فقلت: فلان الشهيد.\nهذا قطع بالشهادة لواحد أنت لا تدري أهو شهيد حقًا أو لا؟ أنت عند أن تقول: محمد شهيد، إبراهيم شهيد، زيد شهيد، هذا قطع له بأنه من أهل الجنة؛ لأن الشهداء يقينًا في الجنة، وأنت تضمن له الجنة بطريق إثبات الشهادة، وهذا تأل على الله ﷿، ولكنك تقول: أرجو أن يكون فلانًا عند الله شهيدًا.\nلذلك من اعتقاد أهل السنة: أنهم يرجون للطائع المغفرة والجنة، ويخافون على العاصي، ويتمنون ألا يؤاخذه الله، وأن يمنَّ عليه بالتوبة قبل الموت.\nهذه عقيدة أهل السنة.\nعقيدة أهل السنة: أنهم لا يقطعون لواحد بالشهادة، وبالتالي لا يقطعون له بالجنة، إلا ما جاء الشرع بالقطع لهم بأنهم من أهل الجنة، والذين شهد الشرع لهم بأنهم من أهل الجنة، وهم ليسوا عشرة فحسب، بل هم أكثر من ذلك، فالعشرة مذكورون في الحديث، وأنتم تعلمون أن عكاشة ليس من العشرة، كما في الحديث لما قام إلى النبي ﵊ وقال: (ادع الله يا رسول الله أن أكون من أهل الجنة؟ فقال: أنت من أهل الجنة.\nفقام آخر وقال: ادع الله لي أن أكون من أهل الجنة.\nقال: سبقك بها عكاشة).\nأي: الأول الذي أسرع وبادر وقام فطلب هذا الطلب، ودعوة النبي ﷺ مستجابة، وغير ذلك ممن شهد لهم النبي ﵊ وهم كثرة.\nالشاهد هنا: أننا لا نقول عن واحد بعينه: إنه شهيد، ولكن نرجو له أن يكون شهيدًا، ولذلك جاء في الصحيح: أن رجلًا حارب مع النبي ﵊ في غزوة من الغزوات فبذل بذلًا عظيمًا، وجاهد جهادًا عظيمًا حتى افتتن به بعض الصحابة، فقالوا: يا رسول الله! والله إننا نرى أن فلانًا من أهل الجنة.\nقال: والله إنه من أهل النار، فانزعج الصحابة أيما انزعاج، ولكنه الصادق المصدوق ﵊، وكان قد تبعه أحدهم حتى أصيب بسهم فلم يصبر على جرحه فوضع ذبابة سيفه في صدره، واتكأ عليها فخرج السيف من ظهره فمات، فلما رأى الرجل ذلك ذهب إلى النبي ﵊، وقال: يا رسول الله! أرأيت الذي قلنا عنه كذا، وقلت عنه: إنه من أهل النار، قد فعل بنفسه كيت وكيت، فقال النبي ﵊: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر)، فسماه فاجرًا مع أنه مجاهد، بل عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كان يجاهد مع النبي ﵊، فلو تصورنا أن عبد الله بن أبي قتل في غزوة هل يكون شهيدًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nلما سئل النبي ﵊: (الرجل يجاهد شجاعة، ويجاهد حمية، ويجاهد ليرى مكانه).\nفكل هذه نيات، صحيح أنك تقف في صف الجهاد، تجاهد العدو تبتغي بذلك مرضاة الله وتبتغي بذلك رفع لواء راية التوحيد، والذي بجانبك من هذه الناحية يجاهد من أجل أهله، من أجل أن يقولوا: أرسلنا من قبلنا فلانًا يجاهد، ويقولوا: الشهيد فلان، ومسجد الشهيد فلان، وشارع الشهيد فلان، ويقول: لو أني قتلت سموا الشارع باسمي والمدرسة باسمي والمستشفى.\nهذه وصيتي لكم.\nوالذي بجانبه يجاهد حمية، هو تارك للصلاة والصوم والزكاة، لكن يعز عليه أن اليهود ماكثين في سيناء، أليست هذه بلدنا؟ نعم.\nالمطلوب أن العدو يخرج منها، فأنا أجاهد اليهود حتى آخر نفس لأخرجهم من أرضي، ليس من أجل الإسلام، وليس من أجل راية التوحيد وليس من أجل الله، في اعتقاده أن هذه أرضنا ولابد أن يخرج اليهود منها.\nإذًا: أليس هذا حمية؟ فالذي لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يعرف أي شيء عن دينه، فلو مات في المعركة أتقول عنه شهيدًا؟ (الرجل يجاهد حمية، ويجاهد رياء، ويجاهد ليرى مكانه)، من أجل أن","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>عقيدة الثوري في مسائل من فقه الفروع</span>\nقال: [يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين].\nنحن قلنا قبل ذلك بأن هذه القضية من مسائل فقه الفروع، وليست من مسائل الاعتقاد، لكنها لما دخلت في عقيدة فرقة خالفت أهل السنة كان لابد للرد عليهم من إثبات أن هذا من اعتقاد أهل السنة والجماعة.\nقال: [حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك].\nقال: [يا شعيب بن حرب ولا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بهما].\nوهذه كذلك من مسائل الفروع، واعلم أن هذه القضية عند أهل السنة والجماعة من مسائل الخلاف في الفروع لا في الاعتقاد، ولا ندري ما الذي حمل سفيان على أن تكون هذه المسألة عنده من مسائل الاعتقاد.\nيعني: المالكية والأحناف وهو المذهب الظاهر في العراق في ذلك الوقت على يد أبي حنيفة: أن الجهر بالبسملة في الصلاة سنة، وقراءتها واجبة في الفرض والنفل في كل ركعة، في الصلاة السرية والصلاة الجهرية، ولكن الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية محل خلاف بين أهل العلم، وقال باستحباب الجهر الأحناف، وقال: بوجوب الجهر بالبسملة المالكية، وجمهور أهل العلم يقولون: باستحباب الإسرار بها.\nوهذه من مسائل الفقه وهي محل خلاف حتى عند أهل السنة والجماعة، وأنا لا أدري ولم أسمع جوابًا مرضيًا في بيان سبب إدراج هذه المسألة ضمن مسائل الاعتقاد عند سفيان يرحمه الله.","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>عقيدة الثوري في القدر</span>\nقال: يا [شعيب بن حرب لا ينفعك الذي كتبت حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، كل من عند الله ﷿].\nإبليس الذي هو رأس الشر على الإطلاق خلقه الله ﷿، فلو أنك قلت: إن الخير خلقه الله ولم يخلق الشر مع وجود الشر؛ فلابد أن تقول بخالق ثان غير الله ﷿، ولكن الخير والشر مخلوق لله ﷿.\nبمعنى: أن الله تعالى خلق الخير وخلق الشر، ولكن الله خلق الخير وأراده إرادة شرعية وكونية، وخلق الشر وأراده كونًا ولم يرده شرعًا.\nمثلًا: نهى الله ﵎ عن القتل في كتابه، ونهى عنه رسوله في سنته، ولكن هل يمكن للقاتل أن يتحرك من بيته، وأن يسل سيفه، وأن يرفع يده، وأن يضرب بها المقتول حتى يقتله بغير إذن الله، وبغير إرادة الله؟ لا.\nإذًا! نقول: إن كل ما يقع في الكون بإرادة الله ﷿، ولكن منه ما يريده الله شرعًا، ومنه ما يريده الله كونًا ونهى عنه شرعًا وهو الشر، فالخير والشر مخلوق لله، بمعنى: أن الله تعالى هو الخالق للخير والخالق للشر، فأنت لابد وأن تؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن ذلك كله من عند الله ﷿.\nأيضًا ليس لك حجة في أن تحتج بالقدر على معصية الله.\nيعني: لا تقل: أنا قتلت فلانًا بقدر الله.\nالمعلوم أن كل ما يقع في الكون هو بقدر الله ومنه القتل، ولكن الذي قدر عليك القتل قدر عليك الحد، ولذلك أتى رجل قد سرق إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: لم سرقت؟ قال: أتحاسبني يا أمير المؤمنين على أمر قدره الله علي؟ قال: نعم.\nإن الذي قدر عليك السرقة هو الذي قدر عليك الحد.\nوأقام عليه الحد، فلا يجوز لأحد أن يحتج بقدر الله على معصية الله.\nقال: [يا شعيب بن حرب والله ما قالت القدرية ما قال الله ولا قال الرسول، ولا قالت الملائكة، ولا قال أهل الجنة، ولا قال أهل النار، ولا قال أخوهم إبليس عليه لعنة الله].\nيعني: القدرية قالوا شيئًا لم يقل به كل هؤلاء! وتصور أن فرقة من الفرق تخترع قولًا لم يقل به إبليس فضلًا أن الله لم يقله ولا قاله الرسل والأنبياء، ولا الملائكة ولا أهل الجنة ولا أهل النار، كذلك إبليس عليه لعنة الله لم يقل هذا القول؛ لأن إبليس لا يجرؤ على ذلك؛ أما القدرية فقد قالوا: إن الله لا يعلم أي شيء عن أي عمل أو فعل إلا إذا وقع الفعل على الحقيقة.\nيعني: نحن الآن بعد خمس دقائق بالضبط ماذا سيكون وضعنا وحالنا؟ أنعرف هذا الشيء؟ لا.\nولا نستطيع معرفة أننا سنغمض أعيننا أو نفتحها، وإذا تنفسنا هل نخرج النفس؟ وإذا أخرجناه هل نستنشقه مرة أخرى؟ نحن لا نعلم ذلك؟ لكن القدرية يقولون: إن الله لا يعلم أي شيء عن أي عمل ولا قول إلا إذا قيل وعمل! وهم بهذا ينفون علم الله السابق له ﵎، إن الله ﵎ علم ما كان وما يكون وما سيكون، وعلم كل شيء، فينفون صفة من ألزم الصفات الإلهية.\nإذًا: الزعم بأن الله لا يعلم شيئًا بلوى عظيمة جدًا لم يقل بها إبليس.\nقال: [قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]].\nيعني: بعد أن أوتي العلم ضل به ولم يعمل بهذا العلم، واستخدمه في معصية الله؛ لأنه ليس بلازم أن يكون صاحب العلم صاحب هداية، فالهداية شيء والعلم شيء.\nنعم.\nالعلم يدل على الهداية وهو الطريق إليها، لكن من كان يريد ألا يهتدي، ولا يريد أن يسلك طريق الهداية فلا ينفعه علمه، ولذلك يقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧].\nيعني: الذين اختاروا لأنفسهم طريق الهداية، فالله ﵎ وفقهم لطريق الهداية والتقوى وزادهم تقوى وهدى: «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ»، يعني: الإنسان منا لابد وأن يختار طريق الهداية، ثم يوفقه الله ﷾ للثبات والهداية والنور والاستقامة على الطريق المستقيم ﷾.\nقال: [قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]].\nمن ممكن أنه يهديه؟ لا أحد؛ لأن الهداية بيد الله، والضلال بيد الله ﷿.\nيعني: الله ﷿ أثبت لنفسه أنه بيده الهداية وبيده الإضلال.\n[وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].\nوقالت الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢]].\nيعني: صاحب العلم، والعليم الخبير هو الله ﷿، وهو الذي علم الملائكة، ولا شك أن الذي يعلم غيره هو العالم وهو العليم ﵎، فإذا كان الله ﵎ علم خلقه العل","vol":"10","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>عقيدة الثوري في الصلاة خلف أمراء الجور</span>\nقال: [يا شعيب! لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر] أي: ترى جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر.\nيعني: لو أن هناك صاحب بدعة، وآخر ظالم وطاغية، ولكن ظلمه وطغيانه وفجوره لم يؤد به إلى الكفر فتجوز الصلاة خلفه.\nولكن هل الصلاة تجوز خلف الكافر؟ لا تصح، فإذا فعل ما فعل، ولكن فعله لا يؤدي به إلى الكفر، فإن الصلاة تجوز خلفه، واعلم أنني أقول: تجوز، ولم أقل واجبة، ولا مستحبة، وإنما أقول: جائزة، هذا في عموم الصلوات، أما في صلاة الجمعة والعيدين والاستسقاء الذي لا يكون إلا بالإمام، فإذا كان الإمام ظالمًا وطاغية، ولكن ظلم هذا الإمام وطغيانه لم يبلغ به حد الكفر، وأتى وصلى بنا العيد، فإننا نصلي خلفه.\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هذه الأفعال هل يكفر بها الساب والشاتم والظالم والباغي؟ أنت نفسك ستقول: لا.\nولو قلت: يكفر وكنت من أهل الاجتهاد سأقول لك: لا يلزمك الصلاة خلقه، ولا تصح صلاتك؛ لأن الصلاة لا تصح خلف الكافر؛ لأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، والكافر لا تصح صلاته لنفسه، وبالتالي لا تصح لغيره، أما الفاجر الذي لم يبلغ فجوره حد الكفر، فإن الصلاة خلفه في الجمعة والعيدين وفي محافل الناس ومجامعهم لابد وأنها واجبة درءًا للفتنة.\nالحجاج بن يوسف الثقفي تعلمون أنه كان ظالمًا، ولكن ظلمه في مذهب جماهير أهل العلم لا يكفر به، بل لا أعلم أن أحدًا من أهل العلم كفره إلا الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام.\nأليس كان الأولى أن يصدر الحكم بكفره من عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس؟ لأن هؤلاء كانوا يجلسون في المسجد الذي يخطب فيه الحجاج، وكان الحجاج من أفصح الناس وأكثرهم بيانًا، وكان يصعد المنبر فيخطب الجمعة حتى يدخل وقت العصر، ولم يكن أحد من الصحابة ولا من غيرهم يجرؤ أنه يقول للحجاج: إن وقت العصر دخل؛ لأنه كان سينزل ويقطع رقبته.\nإن الحجاج بلغ من فجوره أنه صعد المنبر في يوم الجمعة والصحابة في المسجد، ثم يقول: ما لي أرى رءوسًا قد أينعت وحان قطافها! أرأيتم مثل هذا الإجرام؟! يعني: رءوسًا استوت مثل الثمرة عندما تنضج وتغري الناظر ويحين قطافها، وكان عنده ختم حديد يضعه في النار حتى يحمر ويختم به الصحابة بين أكتافهم.\nلماذا تعمل ذلك يا حجاج؟ قال: من أجل أن أميزكم عن بقية الناس.\nأرأيت ماذا كان يعمل بالصحابة؟ ولذلك أنس بن مالك عندما جاء عليه الدور في الختم، قال: والله إن النصارى ليفعلون هذا برهبانهم، وأنت تفعله بأصحاب النبي ﵊، ولذلك قال النبي ﵊: (سيظهر في ثقيف -أي: في قبيلة ثقيف- كذاب ومبير) مبير يعني ظالم، فلما لقيت أسماء بنت أبي بكر الحجاج بن يوسف الثقفي وكلمها بغلظة، قالت: لقد بشرنا بك النبي ﵊ قال: (إنه سيظهر في ثقيف كذاب ومبير).\nوأما الكذاب فهو المختار بن عبيد الثقفي الذي ادعى النبوة، وأما المبير فأنت يا حجاج، أنت الظالم الذي خرج في قبيلة ثقيف.\nوالصحابة ﵃ كانوا يصلون خلفه مع هذا الفجور والظلم؛ لأنهم يرون أن ظلمه لم يبلغ به حد الكفر، أما لو بلغ فلا ينبغي أبدًا أن يتولى عليهم؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].\nفلا أحد من الكفار يتولى إمرة المؤمنين ولا حكم بلاد المسلمين؛ لأنه ليس للكافر ولاية على المسلم.\nقال: [(يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى أن الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر، وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة مع كل بر وفاجر، وأن الصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل)].\nجار.\nيعني: ظلم وطغى وبغى أم عدل، فالصبر على إيذائهم أمر واجب.\n[قال شعيب: (فقلت لـ سفيان: يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟)] يعني: نصلي خلف كل بر وفاجر جميع الصلوات؟ قال: [لا.\nولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت].\nوهنا لم يقل صلاة العيدين والجمعة على سبيل التنصيص والتحديد، بل مراده كل الصلوات التي يحتفل بها الناس ويجتمعون لها، وصلاة الاستسقاء كذلك، والخسوف أو الكسوف، فإن إمام البلد يصعد ويدعو جميع أهل القرية إلى مكان يسع أهل القرية ويصلي بهم ركعتين ويدعو.\nإذًا: مادام السلطان فجوره وظلمه لم يبلغ حد الكفر وجب الصبر عليه، ولذلك قال: [وأن ترى الصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل ما لم يبلغ الكفر.\nقال شعيب: (قلت لـ سفيان: يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟ قال: صلاة الجمعة والعيدين خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به، وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة].\nلأن الأمة بأسرها -أي: أهل الس","vol":"10","page":12},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-185> عقيدة الإمام الأوزاعي وابن عيينة وابن حنبل</span>\nتناول الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى في كتابه العظيم: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اعتقاد عدد من أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ومن هؤلاء الأئمة: الإمام الأوزاعي، والإمام ابن عيينة، والإمام أحمد بن حنبل، فبين اعتقادهم في كثير من مسائل العقيدة، خاصة المسائل التي لا يسع المسلم الجهل بها.","vol":"11","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>اعتقاد الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: ففي الدرس الماضي تكلمنا عن عقيدة الإمام العظيم سفيان الثوري، وتكلمنا عن ذلك في سبع مسائل: القرآن كلام الله غير مخلوق، تكلمنا عن الإيمان، قول وعمل ونية، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم تكلمنا عن اتباع السنن، ومعنى السنن في مسائل العقيدة: هدي النبي ﵊، ثم تكلمنا عن عدم القطع لأحد بالشهادة، وبينا أن هذا يستلزم القطع له بدخول الجنة، وهذا لا يجوز لأحد إلا ما ورد بالنصوص، ثم تكلمنا عن جواز المسح على الخفين مخالفة للشيعة، وتكلمنا عن الإيمان بالقدر، وتكلمنا عن جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر، وعلى كل بر وفاجر، فهذه هي النقاط الأساسية التي وردت في عقيدة الإمام العظيم سفيان الثوري.\nوسنشرع الآن في عقيدة الإمام أبي عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الشامي، وهو إمام أهل الشام بلا منازع.\nقال أبو إسحاق: [سألت الأوزاعي فقال: اصبر نفسك على السنة].\nأي: وطن نفسك على التزام السنة، وإن وجدت في ذلك المشاق.\nقال: [وقف حيث وقف القوم].\nأي: كل ما وقف فيه السلف ينبغي علينا أن نقف عنده، وكل ما تكلموا فيه لنا أن نتكلم فيه، وما تورعوا عنه فإن الورع يلزمنا أكثر مما يلزمهم.\n[وقل بما قالوا].\nوخاصة في باب العقائد، وفي أسماء الله وصفاته، فإنهم آمنوا بها كما جاءت، وأمروها من غير خوض فيها.\n[وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم].\nقال: [وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة].\nأي: بدعة خلق القرآن.\nهل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ وهذا الكلام إنما نشأ في العراق كما قلنا، وقوله: (وقد كان أهل الشام) باعتباره إمامًا لهم.\nقال: [حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق]، كما أخذ عمرو بن لحي الأصنام من الشام وأدخلها مكة وقال: اعبدوها؛ لأنه ما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة، وكذلك ما من بدعة -وإن كانت كفرًا- إلا ولها رواد وأنصار وأتباع.\nقال: [حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعدما ردها عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم].\nأي: بعد ما رد فقهاء وعلماء العراق هذه البدعة، ولم يكن لها رواج، وفضح أمر المعتزلة في بلاد العراق، ولما فضحوا وظهر عوارهم، وفساد منهجهم وفكرهم في أسماء الله وصفاته أخذ بعض شياطين الإنس هذه البدعة المفتراة الضالة من العراق وأدخلوها إلى بلاد الشام، فلا بد وأن تجد لها في بلاد الشام أنصارًا وأعوانًا.\nقال: [فأشربها قلوب طوائف من أهل الشام، واستحلتها ألسنتهم، وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف فيه].\nأي: أن نفس الفتنة التي وجدت في العراق قد انتقلت إلى الشام، ونفس الضلال الذي وقع فيه عامة أهل العراق هو نفس الضلال الذي انتقل إلى بلاد الشام.\nقال الإمام الأوزاعي: [ولست بايس أن يرفع الله شر هذه البدعة حتى يصيروا إخوانًا] متوادين كما كانوا قبل أن تدخل عليهم تلك البدعة.\nقال: [ولو كان هذا خيرًا -كأنه ينصح أهل الشام- ما خصصتهم به دون أسلافكم].\nأي: ليس معقولًا أن هذا الخير العظيم يخزنه الله ﷾ عن نبيه وعن صحابة رسوله ثم أنا أطلعكم عليه! إن هذا لا يعقل.\nقال: [فإنه لم يدخر عنهم خيرًا خبئ لكم دونهم لفضل عندكم -أي: أنتم لستم بأفضل منهم حتى يخصكم بنعمه حرمهم منها ﷾- وهم أصحاب نبيه ﷺ الذين اختارهم وبعثه فيهم، ووصفه بما وصفهم به فقال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩]].\nفهذا ملخص عقيدة الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، وقد تكلم في قضايا معينة، ولذا ليس بلازم إذا سئل الإمام عن عقيدته أن يسرد جميع مسائل العقيدة، بل يذكر المسائل التي ينبني عليها العمل، أو التي تموج بها البلاد، أو التي ظهرت بها الفتنة، كالمسائل التي كانت غائبة عن أهل الشام ودخلت إليهم من قبل أهل العراق، فبين لهم الأوزاعي أنهم على الجادة في كل شيء، إلا في هذه المسألة، فإنهم قد خرجوا عن الهدى وعن الصراط المستقيم.","vol":"11","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>اعتقاد الإمام ابن عيينة رحمه الله تعالى</span>\nسفيان بن عيينة الإمام الكبير، مولده كوفي، لكنه تحول بعد ذلك واستقر في مكة، وهو وسفيان الثوري فرسي رهان، وعليهما مدار السنة، وهما من شيوخ الإسلام والأئمة العظام، فإذا كان في إسناد أحد السفيانين والإسناد إليه ثقة أو ثقات فدونك هو.\nقال: [قال بكر بن الفرج أبو العلاء: سمعت سفيان بن عيينة يقول: السنة عشر مراتب فمن كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك شيئًا منها فقد ترك السنة: إثبات القدر].\nوأنتم تعلمون أن فرقة بأسرها خرجت عن حد الاعتدال والسنة بسبب قولها في القدر، فأنكرت القدر، وأنكرت علم الله ﵎، وأنكرت الكتابة.\nقال: [وتقديم أبي بكر وعمر].\nأي: على سائر الأمة بمن فيهم عثمان وعلي ﵄، بينما الشيعة قدموا عليًا على أبي بكر وعمر، وقالوا: بأنه أولى بالخلافة منهما، ولذلك فالشيعة ليسوا من أهل السنة، فمنهم من هو من أهل القبلة، ومنهم من هو خارج لا له في القبلة ولا في غيرها.\nوقد قلنا في الدرس الماضي: إن الخلاف وقع بين بعض علماء السنة في التفاضل بين عثمان وعلي.\nوأقول: في التفاضل لا في الخلافة؛ لأن أهل السنة قاطبة مجمعون على أن الخلافة على الترتيب المعهود لدينا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، لكن وقع التفاضل بين الإمامين عثمان وعلي، فمنهم من قال: علي أفضل من عثمان، وجمهور أهل السنة: على أن عثمان أفضل من علي، كما استقر رأي جمهور أهل السنة على أن المفاضلة بين الأئمة الأربعة هي على نفس ترتيب الخلافة.\nقال: [والحوض]، وللنبي ﵊ حوضًا طوله كعرضه، ومسيرته مسيرة شهر، وكأن ابن عيينة رحمه الله تعالى أراد أن يؤكد على مسائل الغيب.\nثم قال: [والشفاعة].\nأي الشفاعة بجميع أنواعها؛ لأن الله ﵎ يأمر بإخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من خير من النار.\nوقيل: من إيمان.\nفيأمر الله ﵎ بهم أن يخرجوا من النار بعد أن امتحشوا فيها.\nأي: بعد أن حرقوا فيها بالنار فصاروا حممًا وفحمًا، فيؤمر بهم فيلقون في نهر الحياة على باب الجنة، فينبتون في هذا النهر كما تنبت الحبة في حميل السيل، وذلك كما إذا ألقى شخص حبة في ذلك الزبد الذي يطوف على سطح الماء، لكن بجوار الشط، فإنها تنبت صفراء ملتوية، وهؤلاء من أهل المعاصي، أما الكافر فإنه مخلد في النار أبد الآبدين، ولا يخرج منها قط، والنار لا تفنى ولا تبيد.\nوهناك شفاعات أخرى غير شفاعة النبي ﵊، ومنها: شفاعة أهل الإيمان، وشفاعة الملائكة، وشفاعة الولدان الذين لم يبلغوا الحلم ولم يجر عليهم القلم، وغير ذلك من أنواع الشفاعات، فـ سفيان بن عيينة جعل الإيمان بإثبات الشفاعة، وأنها حاصلة يوم القيامة، وهي من علامات استقامتك على السنة.\nقال: [والميزان، والصراط، وأن الإيمان قول وعمل، والقرآن كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة لأحد من المسلمين].","vol":"11","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى</span>","vol":"11","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>أصول السنة عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى</span>\nأصول اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل طويلة وعظيمة، ولا تخرج عن أصول من ذكرنا، لكنها تطول، فقد سأل عبدوس بن مالك العطار -وهو من تلاميذ أحمد المقربين- الإمام أحمد عن السنة فقال كلامًا عظيمًا جدًا، ألا وهو: [أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ]، فهو رحمه الله تعالى لم يذكر فرعيات العقيدة، وإنما ذكر كليات وأصول في العقيدة.\nقال: [أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب النبي ﷺ، والاقتداء بهم -لأنهم الأسوة والقدوة- وترك البدع وكل بدعة ضلالة، وترك الخصومات].\nأي: ترك الخصومات والجدال في الدين؛ لأن هذا ليس من علامات أهل السنة، وإنما هو من خصال ومزايا وصفات أهل البدع.\nقال: (والجلوس -أي: وترك الجلوس- مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال، والخصومات في الدين)].","vol":"11","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>عقيدة أحمد بن حنبل في السنة</span>\nقال: [والسنة عندنا: آثار رسول الله ﷺ]، أي: إذا كانت أصول السنة عند الإمام أحمد هي التمسك بما كان عليه النبي وأصحابه، فما هو الذي كان عليه النبي وأصحابه؟ إنها الآثار التي وردت إلينا بالأسانيد الصحيحة.","vol":"11","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>عقيدة ابن حنبل في تفسير القرآن</span>\nقال: [والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن].\nولذلك أعظم التفاسير: أن يفسر القرآن بالقرآن والسنة، ومن الأخطاء الشائعة: أن يقول بعض الناس: أعظم التفسير: أن يفسر القرآن بالقرآن، ثم يقول: أو يفسر القرآن بالسنة، فيجعل السنة في مرتبة متأخرة عن القرآن، وهذا خطأ، ولذلك حكم أهل العلم من المحدثين كـ البخاري ﵀ على حديث معاذ بن جبل لما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن بأنه حديث منكر من جهة المتن، أما سنده فإنه ضعيف؛ لأن أصحاب معاذ الذين رووا عنه هذا الحديث ضعفاء، ونكارته من جهة أنه جعل ترتيبة للاجتهاد: القرآن، فإن لم يجد الحكم في القرآن انتقل إلى السنة، وكأنه يريد أن يقول: إنه لا حاجة لنا إلى السنة ما دامت بغيتنا موجودة في القرآن، وهذا كلام خطأ بلا شك.\nوالصحيح: أن تعتقد أن السنة لزيمة للقرآن، وقرينة له في الاحتجاج والإيمان، فلا يجوز أبدًا أن نؤخر السنة عن القرآن.\nنعم يجوز لنا أن نؤخر الرأي، بل يجب علينا أن نؤخر الرأي إذا كان مع السنة، ولذلك المقطع الثاني من الحديث ربما يكون منضبطًا، قال: (فإن لم تجد في السنة؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو).\nفالسنة مقدمة على الرأي بلا شك، لكن هل القرآن يقدم عليها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nلأنهما متلازمان، فلا يجوز تقديم أحدهما على الآخر، وإلا لو قدم القرآن لزم أن نرد السنة، ولو قدمنا السنة لزمنا أن نرد القرآن.\nإذًا: أعظم التفسير وأحسنه: أن يفسر القرآن بالقرآن والسنة في وقت واحد.","vol":"11","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>عقيدة ابن حنبل في ضرب الأمثال بالسنة</span>\nقال: [وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال].\nأي: إذا أخبرتك بحديث فلا تقل لي: لكن المثل يقول كذا! طيب ما هو رأيك لو عملنا كذا! طيب العقل يقول كذا! والكتاب يقول كذا! أبدًا هذا كلام لا يجوز أبدًا لمسلم أن يتفوه به في مقابل السنة الصحيحة، وهي لا تدرك بالعقول ولا الأهواء، ولكن بالاتباع وترك الهوى.\nفلو أننا -مثلًا- نظرنا إلى قول النبي ﵊: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر).\nوعرضنا هذا النص على العقل فإنه لا يقبله.\nوالحوض الذي طوله مثل عرضه، ومسيرته مسيرة شهر، لا يقبله العقل كذلك، ومسائل كثيرة جدًا من أمور الغيب، لو عرضناها على العقل فإنه لا يقبلها، كعذاب القبر، ومشاهد يوم القيامة، والجنة والنار، وغيرها من المغيبات، ولذلك لو كان الدين بالعقل لرددناها، والعرض على العقول ليس منهجًا لأهل السنة، وإنما هو منهج المعتزلة، ولذلك جعلوا العقل هو الميزان الأعظم الذي توزن به الأعمال، بل أقول: الذي توزن به النصوص، فإذا وافق النص بعد عرضه على العقل العقل أخذوا به وقالوا به؛ لأنه يدخل في حد عقولهم، وإذا خالف النص العقل ردوه، أو أولوه تأويلًا يتناسب مع العقل، أما أهل السنة فإن ظهرت لهم الحكمة من كلام الله ومن كلام رسوله فخير ونعمة، وإن لم تظهر لهم آمنوا به وسلموا دون نزاع وجدال وخصومات.","vol":"11","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>عقيدة ابن حنبل في الإيمان بالقدر</span>\nقال: [ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه]، أي: التصديق بالأحاديث التي وردت إلينا بالسند الصحيح في إثبات القدر لله ﷿، قال: [والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟] أي: لم قال الله كذا؟ وكيف قال الله كذا؟ ولذا لابد أن تؤمن بالقدر، وأن تسلم لله ﷿ بأقداره المؤلمة وغيرها دون أن تقول: لم كذا؟ وكيف كذا؟ قال: [إنما هو التصديق بها والإيمان بها].\nقال: [ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفي ذلك وأحكم له، فعليه الإيمان به، والتسليم له، مثل حديث الصادق المصدوق]، وهو حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثني النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق؛ لأن الأمر أكبر من عقل ابن مسعود، فأراد أن يقول لك ابن مسعود: أنا صدقت النبي ﵊ في هذا وإن كان فوق حد عقلي، فقدم أنه مصدق بهذا الكلام؛ لأنه صادر عن الصادق ﷺ، أنه ﵊ قال: (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفه)، إلى آخر الحديث.\nثم قال: [وما كان مثله في القدر].","vol":"11","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>عقيدة ابن حنبل في الرؤية</span>\nقال: [ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع، واستوحش منها المستمع].\nأي: أنه حين يعرض هذه المسائل على العقل فيقول: أنا أنظر إلى الله! كيف ذلك؟! وأين ربنا؟ وما أوصافه؟ فإنه ربما قد ينحرف ويضل، لذا يجب أن يؤمن بأنه سوف يرى الله ﷿ بعيني رأسه، أما كيفية الرؤيا فلا يعلمها إلا الله ﷿؛ لأنك لو رأيت الله ﵎ وأنت على حالتك البشرية الآن لخررت ميتًا، لذا فالله ﵎ يعطيك يوم القيامة مؤهلات معينة تؤذن وتسمح لك بالنظر إلى وجه الله الكريم، وهذه المؤهلات لا نعرفها أبدًا، لكننا نؤمن بها ونسلم بها، وعليه فالمسألة إذا أتت في كتاب الله أو في سنة النبي ﵊ أكبر من العقل فليس للمسلم غير التسليم والتصديق، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، وهذا شعار ومبدأ ينبغي أن يكون منهجنا ومسلكنا في ديننا على جهة الخصوص.\nقال: [ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع، واستوحش منها المستمع -أي: استنكرها واستغربها- فإنما عليه الإيمان بها، وألا يرد منها جزءًا واحدًا ولا حرفًا واحدًا، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات].","vol":"11","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>عقيدة ابن حنبل في الجدل والخصومة</span>\nقال: [لا يخاصم أحدًا ولا يناظره، ولا يتعلم الجدل، فإن الكلام في القدر والقرآن وغيرها من السنن مكروه منهي عنه، ولا يكون صاحبه -وإن أصاب بكلامه السنة- من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم].\nقد قلنا سابقًا: إن من الخطورة بمكان أن تخاصم وأن تجادل في دين الله ﷿، وخاصة إذا لم تكن من أهل العلم، وأن أصحاب الخصومات هم أصحاب الأهواء، وكلما أتى واحد بهوى هو أعظم من هواهم تركوا هواهم لهواه، وكلما أتى بحجة هي أعظم من حجتهم تركوا ما كانوا عليه لحجته القوية، فهم كل يوم في تقلب، وكل يوم في بدعة جديدة، وكل يوم في هوى جديد؛ لأنهم لا يسيرون على الأصول الثابتة التي جاءت من عند الله ﷿، ومن عند رسوله الكريم ﷺ، وقد أتى رجل من الخوارج وقال لـ ابن عباس: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم.\nوكأنه يريد أن يوقع بـ ابن عباس، لكن هذا الحبر والبحر قال: كل هوى ضلالة.\nأي: أن المسألة ليست بالهوى، بل بالاتباع والاقتداء.","vol":"11","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>عقيدة ابن حنبل في القرآن الكريم</span>\nقال: [ويؤمن بالآثار، والقرآن، وأنه كلام الله وليس بمخلوق، ولا تضعف أن تقول: ليس بمخلوق]؛ لأن الوقوع فيها كفر، وذلك إذا وقعت فيها عالمًا بخطورتها، غير مكره ولا مجبر عليها، أما إذا كان الأمر غير ذلك فإنك إن شاء الله تعالى معذور.\nومن العجيب أن مسألة خلق القرآن هذه لا يوجد له ظل، والأمراء والسلاطين والحكام في وادي آخر ليس لهم علاقة بالقرآن ولا بالسنة، والقضية لا تعنيهم، بل لا يعرفها كثير من أهل العلم والدعاة والمشايخ، فلا يعرفون ما معنى القرآن كلام الله غير مخلوق، ولو سألت أحدهم فقلت له: القرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ لقال لك: القرآن مخلوق؛ لأنه إذا لم يكن مخلوقًا فماذا سيكون؟ على الرغم أنه شيخ كبير جدًا.\nونحن نرى بعض الناس إذا حلف على شيء وضع يده على القرآن وقال: ورب هذا القرآن -ثلاث مرات- فإذا كان الله ﵎ هو رب هذا القرآن فيلزم من ذلك أن يكون القرآن مربوبًا -أي: مخلوقًا- ومن هنا فكأنه يقول: إن القرآن مخلوق؛ لأنه لا يعرف شيئًا، فهو حلف على المصحف ولم يدر ما تبعة ذلك.\nقال: [ولا تضعف أن تقول: ليس بمخلوق، فإن كلام الله منه -أي: منه بدأ- وليس منه شيء مخلوق، وإياك ومناظرة من أحدث فيه].\nأي: من قال: بأنه مخلوق، فلا تجادله ولا تخاصمه، والعجيب أنك قد تجد نصرانيًا في الشارع فتسأله: هل عيسى ابن الله؟ فيرد عليك مغضبًا: يا شيخ! إن أردت أن تسأل عن شيء في الدين فاذهب إلى الكنيسة واسأل الأسقف، أما أنا فلا تسألني عن شيء من الدين، ويهرب منك، بينما الواحد منا لا يعرف أي شيء، بل لا يعرف أن يتوضأ وأن يصلي، ويقول: أعرضوا علي ما عندكم، فو الله ما تسألوني عن شيء من أمر الدنيا والدين إلى قيام الساعة إلا وسأفتيكم فيه قبل أن أقوم من مقامي هذا! قال: [وإياك ومناظرة من أحدث في القرآن، ومن قال باللفظ وغيره].\nهذه مسألة فرعية، وقد ظهرت في العراق كما ظهر أصل الاعتزال في بلاد العراق، وذلك لما تعرضوا لمسألة القرآن: أهو مخلوق أم غير مخلوق؟ فماجت البلاد بهذه الفتنة، واختبر بها العباد وخاصة أهل العلم، كالإمام البخاري عليه رحمة الله تعالى، وذلك لما خرج من بخارى ودخل العراق، فقال أهلها: سوف نختبر البخاري: هل القرآن مخلوق أم لا؟ فسألوه ذلك بدل أن يستفيدوا منه، ولو أجاب عليهم: بأن القرآن مخلوق، فإنه سيكون له أتباع وأعداء، ولو قال: إنه غير مخلوق، فإنه سيكون له أيضًا أتباع وأعداء، ففي كل الأحوال لا بد وأن تقوم الفتنة، فأجاب فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ثم أتوا مرة أخرى للبخاري بعد أن سلموا له في الأولى، وقالوا له: ماذا تقول يا إمام في اللفظ؟ هذه بلوى جديدة، وما دام أنه نجح في الأولى فلا بد أن يقع في الثانية.\nفقال ﵀: لفظي بالقرآن مخلوق.\nفأحدثوا ضجة عظيمة، وانصرفوا في الشعاب والأودية يقولون: يقول البخاري: القرآن مخلوق، مع أنهم سألوه عن اللفظ ولم يسألوه عن القرآن، حتى طردوه من العراق، ثم دخل نيسابور، وكان أول ما دخل نيسابور قال محمد بن يحيى الذهلي: عليكم بهذا الرجل، فإنه لن يدخل في بلدكم أفضل منه، وليس هناك أعلى منه إسنادًا، فخرجت نيسابور عن بكرة أبيها تستقبل البخاري حتى أدخلوه المدينة، ثم أخذ الناس في حضور مجلسه وترك مجلس إمامهم محمد بن يحيى الذهلي، وقد كان من أعظم تلاميذ محمد بن يحيى الذهلي الإمام مسلم، فقد أخذ يحضر عند الإمام البخاري، وترك مجلس شيخه الذهلي، ثم بعد مرور فترة من الزمن جاء الحسد والغيرة عند الذهلي، فأخذ يفكر في إخراج البخاري من نيسابور، فكتب الذهلي رسالة وأرسلها إلى السلطان قال فيها: إن فلانًا قد فتن القوم، وإنه يقول: إن القرآن كلام الله ليس مخلوقًا؛ لأن الاعتزال كان ظاهرًا، وكان هو دين السلطة في ذلك الوقت، فلما وشى به عند السلطان أمر البخاري أن يترك البلاد، فجهز متاعه وأدلج ليلًا، وفي اليوم الثاني حضر مسلم مجلس الذهلي، وامتلأ المجلس إلى آخره، لكن الإمام الذهلي أراد أنه يصفي حساباته مع البلد كلها خاصة الإمام مسلم، فقال: من قال بقول البخاري في القرآن فليعتزل مجلسنا.\nفعرف الإمام مسلم أنه هو المقصود، والإمام مسلم في الحقيقة كان سريع الغضب حاد المزاج، فكان أول ما سمع هذه الكلمة من الذهلي وقف قائمًا في وسط الطلاب، ووضع عمامته على كتفه وخرج من المجلس، ولما رجع إلى البيت برك بعيرًا وحمله وقره مما كتبه عن الذهلي.\nولك أن تتصور أن الإمام مسلم قد أخذ عن الذهلي ما يملي دفاتر تبلغ حمل بعير، وأمر الجمال أن يدفع هذه الكتب إلى الذهلي","vol":"11","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>عقيدة ابن حنبل في رؤية النبي ﵊ لربه ليلة المعراج</span>\nقال: [ومن وقف فيه فقال: لا أدري أمخلوق أو ليس بمخلوق؟ فإنما هو كلام الله وليس بمخلوق].\nقال: [والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ﵊ من الأحاديث الصحاح وأن النبي ﷺ قد رأى ربه، وأنه مأثور عن رسول الله ﵊ صحيح].\nلا شك أن رؤية الله ﵎ محالة في الدنيا على العموم والإطلاق، أما رؤية النبي خاصة لربه فالمقطوع به: أنه ﵊ رأى ربه في المنام، وقد روي ذلك في مسند أحمد من حديث اختصام الملأ الأعلى، أما رؤيته لربه في الدنيا بعيني رأسه فهي محل خلاف بين الصحابة ﵃، وهذا الخلاف لا يبدع به المخالف؛ لأننا لم ندر من المخالف، فمنهم من يقول: إنه رآه بفؤاده.\nومنهم من يقول: إنه رآه بعيني رأسه، وعائشة ﵂ تقول: من حدثكم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.\nوالنبي ﵊ لما سئل هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه؟).\nأي: نورًا كيف أراه؟ كما وردت آثار بإثبات رؤية النبي ﷺفي حديث ابن عباس - لربه في ليلة المعراج، فمن الصحابة من أجرى هذا النص على ظاهره وقال: إن النبي قد رأى ربه عيانًا.\nأي: رآه بعيني رأسه.\nوجمهور أهل السنة ينفون هذه الرؤية بعين الرأس، ويثبتونها بالفؤاد والقلب، ويؤولون رؤيته ﵊ لربه في ليلة المعراج بأنها رؤية الفؤاد لا رؤية العين.\nوأما الرؤية لله ﷿ يوم القيامة وفي الجنة فإنها تكون بعين الرأس، وذلك لكل من دخل الجنة، ولأهل الإيمان في الموقف وفي المحشر، ويحجب عن ذلك الكفار، فلا يرون الله ﷿.\nقال: [رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس.\nورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس.\nوالحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي ﵊، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا تناظر فيه أحدًا].","vol":"11","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>عقيدة ابن حنبل في الميزان</span>\nقال: [والإيمان بالميزان، كما جاء: (يوزن العبد يوم القيامة)].\nوالرواية الصحيحة: (يزن الله ﵎ العبد يوم القيامة فلا يوزن عنده جناح بعوضة).\nولا شك أن هذه الأعمال التي توزن من الأمور المعنوية، مع أن الأمور المعنوية لا وزن لها في الأصل، بل الذي يوزن الأمور المحسوسة؛ لأنه لا يتصور أن تأتي بهواء وتضعه في كفة الميزان! فالأعمال هذه شيء معنوي ليس محسوسًا، لكن كيف توزن؟! سلمها لله ﷿؛ لأن الله ﵎ قادر على ذلك، فهو قادر على أن يجعل للأعمال وزنًا، فيكون لها ثقلًا وخفة، ولا نعرف كيفية ذلك، بل لا يلزمنا ذلك؛ لأن من أصول السنة عندنا: التسليم والتصديق، وكما أخبرنا الله تعالى بأنه يزن الأعمال فأيضًا يزن العبد بعمله، هذا العبد بلحمه ودمه وعظمه شيء محسوس يوضع في الميزان، فيزن أو يطيش، وهذه بالنسبة لنا ليس فيها إشكال، لكن العبد طاش أول ما وضع في الميزان؛ لأنه لا يزن عند الله جناح بعوضة، لأن الرجل يوزن بعمله وإيمانه، أو بإيمانه وعمله؛ لأن العمل يأتي بعد الإيمان، أليس كذلك؟ بلى.\nأولًا: أن الله ﵎ قادر على أن يزن الأعمال وإن كانت شيئًا غير مادي؛ لأن هذا له، وهو سبحانه إذا أراد شيئًا إنما يقول له كن فيكون.\nثانيًا: أن العبد يأتي يوم القيامة - طول وعرض - لا يزن عند الله جناح بعوضة، فلو وضعت جناح بعوضة في كفة ووضعت هذا العبد البغل في كفة أخرى، لرجحت كفه جناح البعوضة، والله ﵎ يزن العبد ومعه العمل.\nثالثًا: أن الله ﵎ يأمر الأعمال أن تتجسد -أي: تأتي في صورة محسوسة- فتوضع في الميزان فيكون لها وزنًا، لكن المسألة الإيمانية التي نريد أن نؤكد عليها في وزن الأعمال: أن الله ﵎ إذا أراد أن يزن هذه الأعمال فإنه قادر على ذلك، وعلى النحو التي كانت عليه، سواء كانت محسوسة أو غير محسوسة.","vol":"11","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>اعتقاد ابن حنبل بتكليم الله لعباده يوم القيامة دون ترجمان</span>\nقال: [والإيمان به، والتصديق به، والإعراض عمن رد ذلك وترك مجادلته].\nقال: [وأن الله ﵎ يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان، والإيمان به، والتصديق به]، وهذا الأمر إن عرضته على العقل فإنه لا يتصوره، لكنه إخبار الذي لا ينطق عن الهوى، فقد جاء في حديث ابن عمر في الصحيحين أنه قال: (وإن العبد المؤمن يؤتى به يوم القيامة بين يدي ربه، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، يا عبدي! فعلت كذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب! ويسأله مرة ثانية وثالثة، والعبد يقول: نعم يا رب! حتى يظن العبد أنه قد هلك؛ لأن صحيفته كلها منشورة، ولا يستطيع أن ينكر منها شيئًا، وإلا ختم الله على فيه فتتكلم أعضاؤه وجوارحه، ثم يقول المولى ﷿: قد سترتها عليك في الدنيا واليوم أغفرها لك).\nفهذا كلام مباشر بين العبد وربه؛ لأنه قال ﵊: (ليس بينهما ترجمان).\nأي: ليس هناك أحد يترجم بين العبد وربه، وكل الناس إما أن يتكلموا بلغة واحدة لغة القرآن، وإما أن يخاطب الله ﵎ كل شخص كل على قدر فهمه وعقله.","vol":"11","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>عقيدة ابن حنبل في الحوض</span>\nقال: [والإيمان بالحوض، وأن لرسول الله ﷺ حوضًا يوم القيامة ترد عليه أمته، عرضه مثل طوله مسيرة شهر]، قوله: (مسيرة شهر) هل هو للراكب المسرع، أو البطيء، أو الذي يمشي على رجليه، أو الذي يركب دابة، أو غير ذلك؟ الله أعلم، وإنما نؤمن بأن هذا الحوض طوله مثل عرضه.\nقال: [آنيته عدد نجوم السماء].\nأي: أن أوانيه عدد نجوم السماء، وماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربة واحدة لا يظمأ بعدها أبدًا.\nأي: لا يحتاج أن يشرب بعدها أبدًا حتى في الجنة.","vol":"11","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>عقيدة ابن حنبل في عذاب القبر وفتنته</span>\nقال: [والإيمان بعذاب القبر -أي: الإيمان بإثبات عذاب القبر- وأن هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن الإيمان، وعن الإسلام، ومن ربه؟ ومن نبيه؟ ويأتيه منكر ونكير، كيف شاء الله ﷿ وكيف أراد.\nوالإيمان به والتصديق به].\nوهذا الأمر أيضًا لو عرضته على العقل فإنه لا يتصوره، ولربما حار في ذلك، لذا يلزم العبد المسلم الإيمان والتسليم، وإلا ضل والعياذ بالله، والمعتزلة ما وقعوا في هذا الضلال إلا بسبب أنهم قالوا: لم؟ وكيف؟ وكذلك عندما نعرف قول النبي ﵊: (اللحد لنا والشق لغيرنا).\nأي: أن الأصل أنك لا تدفن في قصر وغيرك أيضًا في العالية الواسعة، ووقتها ممكن نقول: إن منكرًا ونكيرًا سيأتون؛ لأن المكان سيسعهم، بينما اللحد صغير لا يمكن أن يسعهم! ثم لو أتى منكر ونكير فأين سيجلسون؟ وكيف سيكلمونه؟ وكيف يجلسون هذا الميت حتى يسألوه؟ إن كلمة (كيف) لا بد وأن تؤدي بك إلى الشك والاعتراض على كتاب الله وعلى سنة النبي ﵊، لذا يجب على المسلم تجاه هذه الأمور وأمثالها أن يؤمن ويسلم، فهذا جبريل ﵇ له ستمائة جناح، والجناح الواحد يسد الأفق ما بين السماء والأرض، فلو أنه ظهر على حالته هذه وأخذت تنظر في السماء فلن ترى شمسًا ولا قمرًا ولا نجومًا ولا أي شيء؛ لأنه قد سد الأفق، وحجب الرؤية عن السماء، فهل أيضًا ستقول: كيف ذلك؟ وكيف أن جبريل يأتي في صورة رجل؟ فيسأله النبي الكريم عن الإيمان والإحسان، والصحابة ينظرون إليه.\nإذًا: كلمة (كيف) تصدر من جاهل ضارب في أعماق الجهل وأطناب الجهل، وإما من إنسان شاك ومعترض على كل شيء، مثل: طه حسين، يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) فيشك فيها، ويقول: لماذا بسم الله؟ لماذا لا تكون: باسمك اللهم؟ ومع ذلك لو كانت: باسمك اللهم يشك فيها أيضًا، ولقال: لماذا لم يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم؟ ولذلك لم يثبت أن أحدًا ممن ينسب للدين والعلم أهان كتاب الله وشك فيه كما شك فيه طه حسين، وقد كتبوا في جريدة الشعب قبل سبع أو ثمان سنوات أنه لما هلك هذا الأديب أخذت زوجته الفرنسية أولادها منه وانصرفت إلى بلدها، وبعد ذلك أتوا بخبر أن ابن طه حسين ذهب إلى الكنيسة وأعلن نصرانيته وارتد عن دين الإسلام، وغضبت الناس! مع أن أباه كان نفس الشيء، والولد أخذ ذلك من أبيه وأمه.","vol":"11","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>عقيدة ابن حنبل في خروج الدجال وقتل عيسى ﵇ له</span>\nقال: [والإيمان أن المسيح الدجال خارج ومكتوب بين عينيه: كافر].\nأو (ك ف ر)، والمسيح الدجال أعظم فتنة منذ أن بعث الله تعالى نبيه إلى قيام الساعة، إن لم يكن هناك أعظم منها.\nقال: [والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن -أي: لا بد وأن يكون- وأن عيسى بن مريم ﵇ ينزل فيقتله بباب لد].\nفيكون التزامن والتعاصر حاصل بين خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇.","vol":"11","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>عقيدة ابن حنبل في الإيمان</span>\nقال: [والإيمان قول وعمل يزيد وينقص كما جاء في الخبر (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا)]، فمن كان خلقه حسنًا فإيمانه أعلى من إيمان رجل ليس بحسن الخلق.","vol":"11","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>عقيدة ابن حنبل في حكم تارك الصلاة</span>\nقال: [من ترك الصلاة فقد كفر].\nولا شك أنه كافر، وقد اختلف أهل العلم في نوع كفره، والجميع -أي: الأمة بأسرها- أثبتوا أن تارك الصلاة كافر؛ لقوله ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).\nوقال ﵊ في حديث جرير: (من ترك الصلاة فقد كفر وأشرك).\nواختلافهم واقع في نوع الكفر: هل هو كفر عمل أو كفر اعتقاد؟ كفر يخرج به صاحبه من الملة أم لا يخرج؟ فقال الحنابلة وبعض أهل العلم: بأنه كافر خارج عن ملة الإسلام.\nوقال جمهور علماء الأمة: أن كفره كفر عملي لا يخرج به صاحبه، وأنا أقول: يكفي تارك الصلاة عارًا أن أهل العلم اختلفوا فيه: هل هو مسلم أو كافر؟ قال: [ومن ترك الصلاة فقد كفر، وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة، من تركها فهو كافر وقد أحل الله قتله].","vol":"11","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>خير هذه الأمة بعد نبيها ﵊</span>\nقال: [وخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان] كما ورد ذلك عند البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر: كنا نخير بين أصحاب النبي ﵊ فنختار أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم يأتي من بعدهم علي بن أبي طالب.\nقال: [نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا في ذلك.\nثم من بعد هؤلاء الثلاثة: أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص كلهم يصلح للخلافة، وكلهم إمام.\nونذهب إلى حديث ابن عمر -في التفاضل-: كنا نعد -ورسول الله ﷺ حي وأصحابه متوافرون- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت.\nثم من بعد أصحاب الشورى: أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ، على قدر الهجرة والسابقة، أولًا فأولا.\nثم أفضل الناس بعد هؤلاء: أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم.\nكل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه نظرة.\nفأدنهم صحبة -أي: أدنى الصحابة، ولو بمجرد النظر فقط إلى وجه النبي ﵊ تثبت به الصحبة- هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال].\nلأن صحابيًا واحدًا أفضل من القرن الذي يأتي من بعده، مع أن هناك فرقًا بين الأفضلية وبين العلم، فالصحابة أفضل من غيرهم من سائر الأمة، وهذا بالاتفاق، لكن فيهم من لم يطلب العلم، وغير الصحابة بلغوا ذروة العلم.\nإذًا هناك في الأمة من هو أعلم من كثير من الصحابة، لكن من ثبتت له الصحبة فهو أفضل من هذا العالم وغيره ممن لم تثبت له الصحبة، ولا أقول: أعلم من كل الصحابة؛ لأن الصحابة كان فيهم أوتاد في العلم، إذ الواحد فيهم يربي أمة بأسرها، ولو كان ذلك بلحظه دون لفظه، وخير مثال على ذلك: القضايا العظيمة التي كانت تطرح على أبي بكر وعمر، فكان يحلها أحدهم بكلمتين أو ثلاث كلمات، بينما نحن قد نجلس نأخذ ونعطي فيها إلى يوم القيامة ولا نجد لها حلًا، فمثلًا: لو كانت قضية فلسطين هذه موجودة في زمن أبي بكر أو في زمن عمر لكانت حلت في وقتها، ولم يكن لها ظل، ونحن نعرف كيف فتحها عمر، لا سلام ولا أمان، ولا صحبة، ولا صداقة، ولا ديمقراطية، كل هذا الكلام كذب وخداع لهذه الأمم والشعوب الإسلامية، وهذا الكلام لن ينطوي أبدًا على أبي بكر وعمر؛ لأن القرآن أخبره أن اليهود والنصارى لن ترضى عنه وعن المسلمين، فقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].\nأي: لا بد أن تكون يهوديًا مثلهم، ولا بد أن تكون نصرانيًا مثلهم، حتى يرضوا عنك.","vol":"11","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>عقيدة ابن حنبل في السمع والطاعة لكل أمير بر أو فاجر</span>\nقال: [والسمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين البر والفاجر].\nأما البر فلبره وطاعته لربه، وأنه لا يأمر إلا بطاعة الله ورسوله، وإلا فلماذا وصف بالبر؟ لأنه ما من عمل يبر به كتاب الله وسنة رسوله إلا وهو مقبل عليه، فيأمر أمته وينصح لهم، وأما الفاجر فالطاعة له لازمة، والفجور هنا متوقف عند حد الفسق، أما الكفر فلا بد وأن تجتمع الأمة على خلعه، وتعيين إمام آخر وإن كان فاجرًا، وتأثم الأمة بأسرها إذا لم تجتمع على خلعه؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، فلا يجوز لأحد من الكفار أن يتولى إمرة أهل الإيمان قط، فإن كان الإمام برًا طائعًا عاملًا بالكتاب والسنة، آمر بهما، ناهيًا عن غير ذلك، فإن الطاعة له واجبة، والطاعة واجبة للإمام الفاجر ما لم يبلغ فجوره حد الكفر؛ وذلك حقنًا لدماء المسلمين، وجلبًا للمصالح ودرءًا للمفاسد.\nقال: [والسمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين البر منهم والفاجر، ومن ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه ورضوا به.\nومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين].\nأي: أن الأصل أن مجلس الشورى يجتمع فيختار الخليفة، لكن في واقعنا اليوم: أن الرجل يدفع الرشاوى، ويسرق من هنا، ويؤلب من هناك، من أجل أن ينجح في الانتخابات، وهو شخص صعلوك، أو شخص هلفوت، لذا فالأصل أن يحمل الخليفة حملًا على تولي هذه المهمة والرسالة، ومن طلبها لا بد وأن يحرمها؛ لقول النبي الكريم: (إنا لا نولي هذا الأمر من طلبه).\nلكن: شخص خرج بشلة وعصابة، وبين يوم وليلة جلس على الكرسي، وأصبحت السلطة بين يديه، والعدة والعتاد، ومن تكلم فيه بكلمة واحدة دمر البلد كله فوق رأسه، لذا نحن نسمع ونطيع حقنًا لدماء الأمة كلها.\nوتولية الخليفة إما عن طريق الاختيار والبيعة، وإما أن عن طريق القهر والغلبة، وفي الحالتين يجب السمع والطاعة، في الأولى؛ لأنه طائع، وفي الثانية؛ لأنه يملك إراقة دماء المسلمين.\nقال: [والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر، لا يترك.\nوقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة]، أي: لا يصح إقامة الحدود من قبل عامة الناس، فلو أنك دخلت على زوجتك ووجدت عندها رجلًا، فأنت مباشرة سوف تقيم عليه حد الزنا، لكن هو لم يزن، وكذلك حد القذف، هو لم يقذف، وحد السرقة، وهو لم يسرق ولم تتوفر شروط السرقة في هذا الحادث، وحد القتل، هو لم يقتل، لكنه ساعد أو أشار بالقتل، لذا فلكل حد ظروفه وأركانه وشروطه، لا بد من توفرها، وأدنى شبة تدرأ هذا الحد، ولو أن هذا الأمر أوكل إلى عامة الناس لاجتهدوا جميعًا في إثبات الحد وإقامته، وخاصة مسائل التكفير ومسائل الردة، فلو أن شخصًا قال كلمة هي في نظرك ردة، وعليه فيقتل، لكن لو هو في نظرك مرتد فأنت أيضًا في نظره مرتد، وتصبح نصف الأمة في نظرها أن النصف الثاني مرتد، والنصف الثاني في نظرها أن الأول أيضًا مرتد، فهل يتصور أن الأمة تقوم كلها على بعضها، فتدمر نفسها ويحطم بعضها بعضًا؟ نعم يتصور ذلك إذا أسند إقامة الحد إلى عامة الناس، لكن إن أسند إقامة الحد إلى الوالي أو السلطان فلا، بينما التعزير قد يقوم به السلطان أو غير السلطان، ومن الخطورة بمكان أن ترى رجلًا يقيم الحد على ولده أو امرأته أو غيرهما.\nقال: [وقسمة الفيء -أي: توزيع الغنائم- وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم.\nودفع الصدقات إليهم جائزة ونافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه، برًا كان أو فاجرًا.\nوصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولى جائزة تامة ركعتين من أعادهما فهو مبتدع].\nوقد ذكرنا صلاة أنس والبراء وعبد الله بن عباس خلف الطاغية الكبير: الحجاج الثقفي.","vol":"11","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>عقيدة ابن حنبل في الخروج على السلطان</span>\nقال: [ومن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ، فإن مات الخارج مات ميتة جاهلية.\nولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه].\nوتأمل هذا الكلام للإمام أحمد بن حنبل وهو الذي تعرض لفتنة كانت أعظم فتنة بعد فتنة المرتدين في عهد أبي بكر، إذ لم يكن الضرر له أو لبعض الناس، بل كانت فتنة ماجت بها البلاد والعباد، وتوقف عليها استقامة عقيدة الأمة أو فسادها وانحرافها، ومع هذا فالذي يقول هذا الكلام هو الذي تعرض لهذه الفتنة هذا التعرض العظيم، فهذا الخليفة المعتصم أركب أحمد حمارًا بالمخلوف.\nأي: كان وجه أحمد في دبر الحمار، ومشى به في شوارع بغداد كلها، لكن ثبت الله ﵎ هذا الإمام العظيم، وكان يقول: أنا من أنا؟ من عرفني فقد عرفني، ومن لا يعرفني فأنا أحمد بن حنبل، القرآن كلام الله غير مخلوق، فانظر إلى أين وصل به الإصرار على الحق مع الإهانة والتعذيب؟ لأنه ليس شخصًا من عامة الناس، بل هو إمام يشار إليه بالبنان، وقوله دين إلى يوم القيامة.\nقال: [ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق]، ولا بد أن تفرق بين حبك للإسلام وغيرتك عليه وعلى ما نزل بالمسلمين، وبين الخروج على السلطان، إذ إن حبك للسنة وشفقتك على ما وصلت إليه الأمة لا يحل لك أن تخرج، ونحن أيضًا نعرف نتيجة الخروج وما جلب للأمة من متاعب ومشكلات.","vol":"11","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>عقيدة ابن حنبل في دفع الصائل</span>\nقال: [وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله، فله أن يقاتل عن نفسه وماله، ويدفع عنها بكل ما يقدر عليه.\nوليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم، ولا يتبع آثارهم، ليس لأحد إلا للإمام، أو ولاة المسلمين، إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك وينوي بجهده ألا يقتل أحدًا، فإن أتى عليه في دفعه عن نفسه في المعركة، فأبعد الله المقتول، وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث].\nهذا الكلام يعبر عنه الفقهاء بـ (دفع الصائل).\nأي: الظالم الباغي الذي هجم على بيتك ليسرقه ظنًا منه أنه ليس هناك أحد في البيت، أو أنه رتب أموره وأخذ في حسبانه أنه يحتاج إلى العدة معه، فهو عمل حسابه أنه سوف يسرق، لكن لو كان هذا الرجل يدفع بالتخويف، كأن حس أن هناك أحدًا في البيت، أو أن صاحب البيت مستيقظ، ولم يتخذ صاحب البيت أقل جهد، وأنه سوف يخاف ويخرج، فأنا أقول: هل يجوز لك أن تجري خلفه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nلأنه إذا دفع بوسيلة خفيفة فلا يجوز لك أن تستخدم الوسيلة الأعلى معه، فإذا كان يدفع بالخوف فلا يحل لك بعد أن خاف وولى مدبرًا أن تولي خلفه، وأن تسرع وتهرول لتضربه وتقتله، وإن كان الصائل لا يدفع إلا بالضرب فلا يجوز لك أن تضربه بالسكين، وإن كان لا يدفع إلا بالسكين فلك ضربه بالسكين، وإن كان لا يدفع إلا بالقتل جاز لك أن تقتله، وعليه فلا تنتقل إلى الوسيلة الأعلى إلا بعد فشل الوسيلة الدون؛ لأن المقصود: ألا يقع عليك منه ضرر.","vol":"11","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>عقيدة ابن حنبل في الشهادة بالجنة أو النار لأحد من أهل القبلة</span>\nقال: [ولا يشهد على أهل القبلة بعمله يعمله بجنة ولا نار، وإنما يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب ويرجو له الرحمة].\nوهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة.","vol":"11","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>عقيدة ابن حنبل في مرتكب الكبيرة</span>\nقال: [ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبًا غير مصر عليه، فإن الله ﷿ يتوب عليه، ويقبل التوبة من عباده، ويعفو عن السيئات].\nعقيدة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة: أن مرتكب الكبيرة قد خالفت فيه فرقتان عظيمتان: الخوارج والمعتزلة، بينما أهل السنة يعتقدون أن صاحب الكبيرة لا يكفر بكبيرته، وإنما هو مسلم فاسق عاص بكبيرته، ففيه جانب إيمان وجانب فسوق، فإن تاب فيما بينه وبين الله تاب الله عليه، وإن أقيم عليه الحد فالحد كفارته، ولا يسأله الله ﵎ عن هذا الذنب يوم القيامة، بل يقيله من صحيفته تمامًا، وإن مات مصرًا على هذه الكبيرة وهو معتقد حرمتها فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وإن مات مصرًا عليها غير معتقد لحرمتها بعد قيام الحجة الرسالية عليه، وأن الله ورسوله قد حرما ذلك، لكنه عاند وجحد وأصر، فقد خرج من الملة؛ لأنه في هذه الحالة قد أنكر ما علم من الدين بالضرورة، وقد أحل ما حرم الله ﷿.\nقال: [ومن لقيه كافرًا عذبه ولم يغفر له].\nواليهود والنصارى كفار قولًا واحدًا، لكن ربما عامة الناس يقولون: هم أتباع نبي ونحن أتباع نبي، وعلى ذلك فهم على الإسلام! لا إن اليهود والنصارى كفار قولًا واحدًا، ومآلهم إلى النار خالدين فيها.","vol":"11","page":26},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-211> عقيدة الإمام ابن المديني</span>\nأصحاب محمد ﷺ هم خير الناس بعد الأنبياء، وقرنهم هو خير القرون، وأدناهم صحبة أفضل من الذين لم يروه، ثم يليهم في الفضل التابعون الذين حملوا لواء الدفاع عن الكتاب والسنة، ووقفوا أمام البدع والشبهات، وعلى هذا سار من بعدهم من أئمة الدين وحفاظ الحديث، يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه وفي سنة رسوله ﵊، ويؤمنون بالغيب.","vol":"12","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>اعتقاد علي بن المديني</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وعليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فلا زال الكلام موصولًا عن مجمل اعتقاد السلف رضي الله تعالى عنهم، وقد ذكرنا في اعتقادهم عدة مسائل، ووعدنا ألا نعيد هذه المسائل في عقيدة كل من نذكر، وسردنا عقيدة سفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وابن عيينة وغيرهم.\nوهنا سنذكر عقيدة الإمام الكبير العلم الجبل إمام النقد علي بن عبد الله بن جعفر المديني، وهو من أئمة الجرح والتعديل العظام، بل هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو شيخ الإمام البخاري، وقرين أحمد بن حنبل.","vol":"12","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>عقيدة علي بن المديني في الصحابة الكرام</span>\nسئل علي بن المديني عن عقيدته، فقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بسطام: [سمعت سهل بن محمد قرأها على علي بن المديني -أي هذه العقيدة- فقال له: قلت: أعزك الله: السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يأخذها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها].\nثم ذكر أشياء كثيرة قد ذكرناها ولكنه زادها هنا إيضاحًا.\nومن هذه الخصال: الإيمان بأن النبي ﵊ سيشفع عند ربه يوم القيامة لعصاة هذه الأمة الذين استحقوا دخول النار، أو دخلوا النار بالفعل.\nثم ذكر بعد ذلك موقف هذه الأمة من الصحابة ﵃ من حيث تبجيلهم وتوقيرهم واحترامهم وحبهم، وبغض من أبغضهم، والذب عنهم بكل سبيل.\nثم قال: [وأفضل الناس بعد أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم كلهم].\nيعني: أصحاب النبي ﵊، فقد كانوا في القرن الذي بعث فيه النبي ﵊.\nقد اختلف أهل العلم في معنى (القرن): هل هو مائة عام أو خمسون عامًا أو أقل من ذلك أو أكثر أو طبقة من الطبقات؟ ففي علم المصطلح: الطبقة هم قوم تقاربوا في السن وتشابهوا في الصفات.\nيعني: لا يمكن أبدًا أن آتي برجل من كبار علماء الأمة وطالب علم، ثم أقول: إنهما من طبقة واحدة؛ لأن ذاك الرجل الكبير العالم أدرك من أهل العلم ما لم يدركه ذلك الصغير، وهذا الصغير لم يشترك مع ذاك الكبير في شيوخه، ولم يعاصر أحداث الدولة الإسلامية كما عاصرها الكبير، فلا يمكن أبدًا أن أضع ذلك الصغير مع هذا الكبير في مرتبة واحدة، ولا في منزلة واحدة، وإنما يصح هذا إذا كان أحدهما يبلغ من العمر ستين عامًا، والآخر سبعون عامًا، وهذا الأخير طلب العلم مع الأول، فكلاهما أدركا طبقة معينة من الشيوخ، وحينها أقول: إن هذين قد اجتمعا في طبقة واحدة.\nفهنا قوله ﵊: (خير الناس قرني).\n(القرن) إن كان الطبقة فلاشك أن أصغر الصحابة طبقة، والصحابة (١٢) طبقة وليسوا طبقة واحدة، فليس البدري كمن شهد أحدًا، وأصحاب البيعة يأتون بعد من شهد بدرًا، ويتقدمون على من شهد أحدًا.\nثم كبار الصحابة والذين لازموه ﷺ ليسوا كمن أتى من البادية فرآه مرة ثم انصرف، وليس هذا الذي أتى من البادية فسأل فسمع جواب مسألته فعقل عن النبي ﵊ ذلك فأخذه وانصرف، كمن ولد فجيء به إلى النبي ﵊، فهذا الطفل المولود حديثًا جيء به ونظر إلى النبي ﵊ فثبتت له بذلك الصحبة، حتى وإن كان أعمى العين لم يره، المهم أنه وضع في حجر النبي ﵊ ودعا له بخير وسماه، فلا يعد كبير الأعراب وصاحب البادية كذلك الطفل الرضيع الذي أتي به إلى النبي ﵊.\nفالصحابة أنفسهم وإن اشتركوا في وصف الصحبة إلا أنهم يتفاوتون في المرتبة، ويتفاوتون في الطبقة، ولذلك قوله ﵊: (خير الناس قرني).\nهذا القرن إن كان المقصود به مائة عام، فلا شك أن هذه المائة عام قد ولد فيها من التابعين الكثير.\nوعند إطلاق هذا الكلام أنت تتصور أن هذا المقطع من الحديث المقصود به الصحابة على جهة الخصوص.\nيعني: لا يشاركهم فيه غيرهم، وهذا خطأ، لأنه إذا كان المقصود من القرن مائة عام فلا شك في دخول بعض التابعين بل جل التابعين، فيكونوا ضمن أخير القرون.\nوإن كان المقصود بالقرن الأول: الطبقة.\nفإذًا يطلق هذا على طبقة الصحابة، ثم طبقة التابعين، ثم طبقة أتباع التابعين وإن كان كل واحد منهم يتفرق إلى طبقات متعددة، ولكنه كلام على سبيل الجملة دون التفصيل.\nفقال النبي ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).\nوفي رواية أنه قال: (ثم الذين يلونهم لا أدري أهي الثالثة أم الرابعة؟).\nفقول علي بن المديني: [أفضل الناس بعد أصحاب رسول ﵊ القرن الذي بعث فيهم كلهم، من صحبه سنة أو شهرًا أو ساعة أو رآه أو وفد إليه فهو من أصحابه له من الصحبة على قدر ما صحبه، فأدناهم صحبة هو أفضل من الذين لم يروه، ولو لقوا الله ﷿ بجميع الأعمال].\nيعني: أن أدنى صحابي رؤية وصحبة للنبي ﵊ هو من جهة الفضل والبر أولى من كل التابعين، حتى وإن لم يبق من أعمال الخير شيء إلا وقد أتوه، فإن الصحابي أفضل من ذلك كله.\nفإذا كان الصحابي الواحد أفضل من بقية الأمة إن كان عاملًا بالبر والطاعة -وهو كذلك- فكيف بمن يتجرأ على أصحاب النبي ﵊ ويسبهم ويشتمهم ويلعنهم، بل ويكفرهم؟ لا شك أن الذي يفعل ذلك قد خرج بكليته عن الهدي والاستقامة والجادة، بل والملة.\nوالنبي ﵊ قد بين لهذه الأمة أنها مهما عملت من خير فإنها لن توفي حق الصحابة ﵃، فما بالكم بحق النبي ﵊؟ فقال ﷺ: (لو أنفق أحدكم مثل أحد","vol":"12","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>عقيدة علي بن المديني في محبة أبي هريرة</span>\nثم تكلم علي بن المديني عليه رحمة الله عن مسائل كثيرة قد تكلمنا عنها، ولكنه تكلم عن مسائل وفصل فيها تفصيلًا قال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة ويدعو له، ويترحم عليه، فارجو خيره، واعلم أنه بريء من البدع].\nويكفي أن النبي ﵊ قال: (يا أبا هريرة! والله لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق).\nانظروا إلى هذا الحديث! ففيه منقبةٌ عظيمة لـ أبي هريرة، فقد جعل النبي ﵊ محبته رمزًا وآية وعلامة على إيمان صاحب ذلك الحب، فإن أبا هريرة قد أبغضه الكثير، وتكلموا عليه قديمًا وحديثًا، وإنما حملهم على ذلك بغضهم وحقدهم على الإسلام وأهله.\nأبو هريرة أعظم راوية في الإسلام، وهو الذي روى عن النبي ﵊ جملة مستكثرة بلغت الآلاف المؤلفة، حتى قيل: إننا لو رددنا أحاديث أبي هريرة كان لزامًا علينا أن نرد نصف الدين أو ثلثاه.\nواحد من الصحابة ﵃ يروي نصف الدين، فهل يتصور أن يطعن أحد في هذا الراوي؟ لأن الطعن لا يتوقف عند حد الطعن في شخص أبي هريرة، ولكن المقصود منه فقدان الثقة بـ أبي هريرة، فإن فقدنا الثقة فيه فلابد أن نفقد الثقة في روايته، وبالتالي: من طعن في أبي هريرة لابد وأن يكون منافقًا بشهادة النبي ﵊.\nثم الغرض من الطعن في أبي هريرة: رد دين الله ﷿؛ لأنه لم يكن هناك عداوة شخصية بين الطاعن وبين أبي هريرة لأنه لم يره، ولم يعاصره ولم يجالسه، إنما أتى من بعده، وإنما الحقد على الدين، وهذا هو الذي حملهم على أن يطعنوا فيه بكل سبيل وطريق وحيلة، فما كان أمامهم إلا أن يطعنوا في أبي هريرة، وأنتم تعلمون أنه ما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة، فالذي طعن في أبي هريرة وجد له أنصارًا أخذوا عنه هذا الطعن، ومدرسة الاستشراق لما أتت إلى بلاد المسلمين وترجمت كتب العلم الشرعية علموا خطورة أبي هريرة، وعلموا أهمية أبي هريرة في دين الله ﷿؛ لكثرة رواياته، ولتفرده برواية أحكام هي من الثبات واليقين عند المسلمين بمكان، فأرادوا أن يزعزوا الثقة في أبي هريرة، وتبعهم على ذلك كثير ممن انتسبوا إلى العلم، وانتسبوا إلى الأزهر كصاحب الحسين وأبي رية وغيرهم من المعاصرين الذين تبعوا أجيال المستشرقين ونهجوا نهجهم، وساروا خلفهم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى دخلوا في جحر الضب وفي بؤرة النفاق والفساد والشك في دين الله ﷿ تبعًا لأسيادهم ولعلمائهم ومشايخهم من أهل الكفر والإلحاد والزندقة.\nفهنا قال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة، ويدعو له، ويترحم عليه؛ فارجُ خيره، واعلم أنه بريء من البدع].\nإذًا: لا يمكن أبدًا لمحب أبي هريرة أن يكون من أهل البدع.","vol":"12","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>عقيدة علي بن المديني في حب عمر بن عبد العزيز</span>\nقال: [وإذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها، فاعلم أن وراء ذلك خيرًا إن شاء الله].\nوعمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله بلغ من الفضل والعلم مبلغًا عظيمًا، وكان من جلة علماء المسلمين، ومن كبار المحدثين، ولكنه بعد أن تولى الولاية شغلته السلطة وشغله الحكم عن الحديث، وليس معنى ذلك أنه ترك الحديث وانصرف عنه كلية، وإنما كان يحدث ويتحرى الحديث، وينظر في أحوال الرجال بعد إمامته، ولكنه لم يكن بذاك القدر الذي كان عليه قبل الخلافة، فـ عمر بن عبد العزيز قبل أن يكون واليًا وسلطانًا كان من أهل العلم الثقات الأثبات، فهو جبل من جبال الحفظ، وتزهد بعد أن تولى الرئاسة، على عكس ما كانت عليه الدولة الأموية من الغنى والثراء، بل كانوا يحملون عمر بن عبد العزيز على الكبر ويدربونه كيف يكون متكبرًا.\nوبعد أن تولى الخلافة تأسف على كل ذلك، وعاد إلى أصله الفطري، وقال سبحان الله: ما أسوأ قومًا يعلمون أبناءهم كيف يتكبرون! وعمر هو الذي حمل أهل بيته وحمل أولاده على أن يكونوا آخر الأمة تنعمًا ورفاهية، وما أظن أنهم ترفهوا قط.\nمع أن الأمة الإسلامية اتسعت أكثر في عهد عمر بن عبد العزيز، ولكنه قام على حراسة هذه الدولة خير حراسة رغم انشغاله بالسلطة والخلافة، ولكنه ما تشاغل عن متابعة أطراف الدولة شرقًا وغربًا، فكانت تبلغه الأخبار كل يوم، وكان يأتيه البريد في كل ساعة؛ لشدة حرصه على أحوال رعيته؛ لأنه يعلم أنه مسئول عنها بين يدي الله ﷿ مسئول عن الدابة فكيف بالإنسان الذي صار دمه في هذا الزمان أرخص من دم الكلب؟!","vol":"12","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>عقيدة علي بن المديني في محبة التابعين والتأسي بهم</span>\nقال: [وإذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها فاعلم أن وراء ذلك خيرًا إن شاء الله.\nوإذا رأيت الرجل يعتمد من أهل البصرة على أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، ويونس، والتيمي ويحبهم ويكثر ذكرهم والاقتداء بهم فارجُ خيره].\nلأن هؤلاء هم الذين نشروا السنة وحثوا عليها وذبوا عنها في البصرة.\nقال: [ثم من بعد هؤلاء حماد بن سلمة ومعاذ بن معاذ، ووهب بن جرير، فإن هؤلاء محنة أهل البدع].\nيعني: أهل البدع في بلاء وشدة وكرب بسبب هؤلاء الأحياء، فإذا ماتوا فرحوا فرحة عظيمة، كما حدث عندما مات كثير من أهل العلم في الأزمنة المتأخرة، فقد ضربت طبول الفرح في بلاد الكفر شرقًا وغربًا لقتلهم والتمثيل بهم والتنكيل بهم في بلاد المسلمين هنا وهناك؛ لأن هؤلاء غصة في حلوق الكافرين في الداخل والخارج، فلما ماتوا ولما حبسوا، وشردت أسرهم كان في ذلك قرة عين الكافرين، وهذه سنة الله ﵎ في أهل التوحيد منذ خلق الله تبارك تعالى آدم ﵊.\nقال: [وإذا رأيت رجلًا من أهل الكوفة يعتمد على طلحة بن مطرف، وابن أبجر وابن حيان التيمي، ومالك بن مغول، وسفيان بن سعيد الثوري، وزائدة بن قدامة فارجه].\nيعني: فارج خيره، واعلم أنه على خير عظيم؛ لأن هؤلاء هم أهل السنة.\nقال: [ومن بعدهم عبد الله بن إدريس، ومحمد بن عبيد، وابن أبي عتبة، والمحاربي فارج] أي: فارج خيره كذلك.\nقال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا حنيفة ورأيه والنظر فيه، فلا تطمئن إليه وإلى من يذهب مذهبه ممن يغلو في أمره ويتخذه إمامًا].\nالذي ينظر إلى هذا النص لأول وهلة ربما يفهم منه استحباب ذم أبي حنيفة، ولكن لابد أن تعلم أولًا أن علي بن المديني الذي نحن بصدد سرد عقيدته كانت بينه وبين أبي حنيفة مشاحنة ومباغضة؛ لأن علي بن المديني كان إمام مدرسة الأثر.\nيعني: لا يلبس ثوبه إلا بدليل، ولا يخلعه إلا بدليل، بينما أبو حنيفة ﵀ كان يميل إلى الرأي كثيرًا، ويعمل عقله في النص.\nيعني: يجتهد في مقابل النص، والاجتهاد نوعان: اجتهاد مع النص، واجتهاد في النص، وبينهما فرق كما بين السماء والأرض، فلا يحل لواحد أن يجتهد بخلاف دليل قد ورد في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊، لا يحل لعالم أن يخالف دليلًا قد بلغه وصح عنده ولم يكن مؤولًا، وغير ذلك من أعذار أهل العلم في تخلفهم عن العمل بالدليل الذي بلغهم.\nفهنا نقول: الدليل لا يمكن لأحد أن يخالفه.\nأي: لا يحل له أن يخالفه إذا بلغ أو صح عنده.\nثم الاجتهاد في النص بمعنى: إعمال العقل في فهم النص على مراد الله إن كان آية، وعلى مراد رسول الله ﷺ إن كان حديثًا.\nوالاجتهاد مع النص.\nأي: أن يأمرك النص بأمر وأنت تذهب إلى أمر آخر مع وجود الدليل وصراحته، فهذا اجتهاد غير سائغ، ولذلك أنتم تعلمون هذا القول المشهور: (لا قياس مع النص).\nأو: (لا اجتهاد مع النص).\nيعني: لا يحل لك أن تجتهد في مسألة النص فيها واضح، ولك أن تجتهد في فهم الدليل وفهم النص، فمثلًا: الحديث الفلاني أنا أسرد لك معناه والمراد منه على مراد النبي ﵊، وفهمًا ومسايرة لفهم أهل العلم من السلف لهذا الدليل.\nبخلاف قولي: (أنا لا أرى هذا الدليل).\nلأن هذا الدليل غير معقول.\nيعني: فوق حد عقلي لذا أنا لا أتصوره، ولذلك أنا سأرد هذا الدليل وأقول في المسألة المطروحة برأيي.\nفهذا الرأي وهذا الاجتهاد والإعمال العقلي مردود؛ لأنه اجتهاد مع النص، أما اجتهادك أنت في فهم النص فهو مقيد بفهم السلف، وهذا هو العقل الممدوح الذي مدحه الله ﵎ في كتابه، ومدحه الرسول ﷺ في سنته وحث الله ﵎ عليه.","vol":"12","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>عقيدة علي بن المديني في الأخذ بالرأي</span>\nقال: [وإذا رأيت رجلًا يحب أبا حنيفة، ويحب رأيه وينظر فيه، فلا تطمئن إليه].\nلأنه يميل أيضًا إلى إعمال الرأي في وجود النص، وأبو حنيفة ﵀ وقع في شيء من هذا، ولكن أبا حنيفة عليه رحمة الله لم يكن محدثًا بالقدر الكافي، ولم يبلغ في التحديث مبلغ أحمد، ولا مالك، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، ولا ابن المديني، ولا البخاري.\nولاشك أن البخاري متأخر عنه، ولكني ذكرته حتى أبين أن هؤلاء العلماء قد بلغوا مرتبة عظيمة في علم الأثر لم يبلغها أبو حنيفة، خاصة أن أبا حنيفة لم يرحل في طلب العلم، ولم يثبت له انتقال من الكوفة إلا إلى مكة والمدينة في موسم الحج.\nوقيل: إنه رأى أنس بن مالك ولكنه لم يرو عنه.\nولا يعني ذلك أن أبا حنيفة رجل سوء، وينبغي طيه وإلقاؤه في الطرقات أو على المزابل؛ لأن بعض الناس إذا قرأ هذا يفهم ذلك، وهذا بلا شك خطأ، ولذلك أنا أحب عند ذكر أبي حنيفة أن ألفت الأنظار إلى قراءة رسالة في غاية الأهمية لشيخ الإسلام ابن تيمية اسمها: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).","vol":"12","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>اعتقاد أبي ثور</span>\nيقول أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم: [أرسل رجل من أهل خراسان إلى أبي ثور بكتاب يسأل عن الإيمان ما هو؟] تصور أن واحدًا يبعث من آخر الدنيا برسالة يسأل فيها إمامًا عن الإيمان ما هو؟ هذا يعني أن الأمر عظيم.\nقال: [وهل هو يزيد وينقص؟ وهل هو قول أو قول وعمل، أو قول وتصديق وعمل؟].\nفأجابه بأجوبة عظيمة جدًا قد ذكرناها في عقائد من تقدموا، فلا داعي لنذكرها، ولكنه على سبيل الاختصار قال: [فأجابه: إنه التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، وعمل الجوارح.\nوسأله عن القدرية من هم؟ فقال: إن القدرية من قال: إن الله لم يخلق أفاعيل العباد -يعني: أفعال العباد- وأن المعاصي لم يقدرها الله على العباد ولم يخلقها.\nفهؤلاء قدرية لا يصلى خلفهم، ولا يعاد مريضهم، ولا يشهد جنائزهم، ويستتابون من هذه المقالة، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.\nقال: وسألت عن الصلاة خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فهذا كافر بقوله -أي: بقول الذي يقول لا يصلى خلفه- وذلك أن القرآن كلام الله جل ثناؤه، ولا اختلاف فيه بين أهل العلم.\nومن قال: كلام الله مخلوق فقد كفر وزعم أن الله ﷿ حدث فيه شيء لم يكن] يعني: خلق فيه شيء لم يكن.\nقال: [وسألت: يخلد في النار أحد من أهل التوحيد؟ والذي عندنا أن نقول: لا يخلد موحد في النار].\nهذا مجمل اعتقاد أبي ثور ﵀.","vol":"12","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>اعتقاد الإمام البخاري</span>\nأما اعتقاد الإمام البخاري عليه رحمة الله فإنه كثير جدًا، ولذلك قال: [لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم من أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومضر، لقيتهم كرات قرنًا بعد قرن، ثم قرنًا بعد قرن]، وكرات يعني مرات أي: التقى بالواحد منهم مرات متعددة، وقد بلغ عدد شيوخ البخاري أكثر من ألف.\nقال: [فلقيت بالشام] أي: فلان، ومضر فلان، ومكة فلان، والمدينة فلان وعدد أقوامًا.\nثم قال: [واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصرًا، وأن لا يطول ذلك، فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل].\nفإذا نطق بالشهادتين ولم يعمل بمقتضى هاتين الشهادتين يكون في الغالب، أو في أرجح أقوال أهل العلم: كافرًا بهذه الكلمة.\n[أن الدين قول وعمل، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]].\nفبعد أن وحدوا الله ﵎أي: نطقوا بشهادة التوحيد- لابد وأن يأتوا بالأعمال، وذكر الله ﵎ من الأعمال عملان هما: الصلاة والزكاة لأهميتهما.\nولا يعني ذلك: أن من أراد أن يتخلف عن الحج أو يجحده فلا حرج عليه، بل إنما ذكر الله ﵎ أهم فرضين ليدل على الباقي.\nقال: [وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف:٥٤].\nقال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل: قال ابن عيينة: فبين الله الخلق من الأمر]، يعني: فرق بين الخلق وبين الأمر.\n[لقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]].\nقال: [وما رأيت فيهم أحدًا يتناول أصحاب محمد ﷺ].\nيعني: ما رأيت أحدًا من هؤلاء العلماء الذين بلغوا ألفًا من أهل العلم ومن أئمة السلف يتعرض لأصحاب النبي ﵊.\n[قالت عائشة: أمروا أن يستغفروا لهم، وذلك في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]].\nأمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم ولعنوهم، خاصة الخوارج والشيعة والمعتزلة فهم الذين نالوا من الصحابة كثيرًا.\nقال: [وكانوا ينهون عن البدع]، أي: هؤلاء الألف.\nوالبدع [هي ما لم يكن عليه النبي ﵊ وأصحابه، لقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].\nولقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤].\nويحثون على ما كان عليه النبي ﵊ وأتباعه، لقول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].\nوأن لا ننازع الأمر أهله -وأن لا ننازع أصحاب السلطان سلطانهم- لقول النبي ﵊: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم)].\nأي: ذلك المسلم صاحب القلب الطيب النظيف النقي إذا اتصف بهذه الصفات.\nوهي: [إخلاص العمل لله ﷿، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم.\nفإن دعوتهم تحيط من وراءهم].\nالذي يتصف بهذه الصفات، لا يكون في قلبه غل ولا حسد ولا حقد على أحد من المسلمين.\nقال: [ثم أكد ذلك في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].\nوأن لا يرى السيف على أمة محمد ﷺ].\nيعني: أن لا يرى جواز الخروج بالسيف على أمة النبي ﵊، كما خرجت الخوارج ومن بعدهم خرجوا الشيعة.\nقال: [وقال الفضيل: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام؛ لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد.\nقال ابن المبارك: يا معلم الخير من يجترئ على هذا غيرك!] يعني: من يفهم هذا الكلام غيرك؟!","vol":"12","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>اعتقاد أبي زرعة وأبي حاتم الرازي</span>\nوأما عقيدة أبي زرعة الرازي، وأبي حاتم الرازي فقد ورد عن ابن أبي حاتم أنه قال: [سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟].\nوأبو حاتم، وأبو زرعة كانا كفرسي رهان، كاد الناظر في علمهما أن يقول: إنهما نسخة واحدة أو شخص واحد، ولكن أبا زرعة يزيد قليلًا في التوثيق والإمامة عن أبي حاتم، وكلاهما ثقة.\nقال: [فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأنصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق، والقدر خيره وشره من الله ﷿، وخير هذه الأمة بعد نبيها ﵊: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵈ وهم الخلفاء الراشدون المهديون.\nوأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله ﷺ، وقوله الحق.\nوالترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم].\nأي: حق وعقيدة.\nقال: [وأن الله ﷿ على عرشه بائن من خلقه] ومعية الله تعالى لهم إنما هي معية سمع وبصر وإحاطة وعلم).\nفالله ﵎ إذا كان معك فإن ذلك لا يتنافى قط مع العلو والفوقية، فإذا قرأت قول الله ﵎: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤]، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فهذه المعية المذكورة في الآية إنما هي معية علم وسمع وبصر وإحاطة، فهذا لا يتنافى مع علو الله ﷿ وارتفاعه وفوقيته، كما قال النبي ﵊: (إن الله خلق السموات والأرض، وجعل بين كل سماء وأخرى مسيرة خمسمائة عام، وجعل فوق السماء السابعة بحرًا، وفوق البحر العرش، وفوق العرش الكرسي).\nوالله تعالى مستوٍ على الكرسي استواءً يليق بجلاله وعظمته.\nواستواء الله ﵎ معلوم لدينا، فالاستواء في لغة العرب لا يعني الاستيلاء، وإنما يعني العلو والفوقية، فإذا قلت أنت: إن فلانًا استوى على سقف البيت، فهذا يعني أنه علا وارتفع على سقف البيت، ومع هذا أنت تقول: إن فلانًا معنا، كما أن القمر في السماء والشمس في السماء، ومع هذا فأنت تقول: الشمس معنا والقمر معنا باعتبار النظر إليه، فأنت لا تنظر إلى الله ﵎ في حياتك الدنيا، وإنما النظر هذا في الآخرة، والله ﵎ هو الذي يراك ويرى جميع خلقه، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم أبدًا، فالغيب والشهادة شهادة لله ﷿.\nقال: [وأن الله ﷿ على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بلا كيف].\nيعني كيف استوى؟ لا ندري.\nفإذا كنت أنت لا تدري عن ذات الله ﵎ شيئًا، فأنت لا تدري عن كيفية ذات الله ﵎، فكيف يتسنى لك أن تعلم صفاتها، فإذا كنت لا تعلم كيف الذات، فمن باب أولى أن تخفى عليك الصفات، ولا يتصور ذات بلا صفات.\nتصور أنك تقول: إن هذا كأس، ولكن لا صفة له.\nفهذا لا يتصور؛ لأن هذا الكأس أولًا له اسم وهو الكأس، ومن صفاته أنه برتقالي، وأنه مستدير، وأن له يدًا يتحكم فيه من خلالها، فلا يتصور قط أن هناك ذات لا صفة لها، فإذا قلت: إن إبراهيم رجل كريم فكرم إبراهيم محدود، لأنه كرم بشري، وإبراهيم كريم في حدود طاقته واستطاعته.\nولذلك الكرم الذي وصف الله ﵎ به عباده كرم محدود، أما كرم المولى ﷿ فغير محدود وغير مكيف؛ لأن كرم الله تعالى يتناسب مع ذاته العلية، فإن الله ﵎ موصوف بكمال الكرم، فليس هناك كرم يضاهيه أو يوازيه، ولذلك نحن لا نخوض في كيفية معرفة صفة الله ﷿، وإنما نؤمن بها ونمرها كما أمرها السلف، وكما مروا عليها بلا تأويل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل بصفات المخلوقين؛ لأن ذات الخالق تختلف عن ذات المخلوق، فلابد أن صفات الخالق كذلك تختلف عن صفات المخلوق.\nقال: [وأنه ﵎ يرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم، ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء].\nيعني: أنت عندما تقرأ في أوصاف الجنة تجد أنها من أعظم النعم، وأعظم ما فيها على الإطلاق: النظر إلى وجه الله ﷿ في يوم المزيد الذي هو يوم الجمعة، يتجلى ربنا ﵎ لخلقه فيرونه.\nفتقول: أنا أريد أتصور كيف يتجلى ربنا؟ وما هذه الحجب التي إذا كشفها الله ﷿ رأيناه؟ وتدور بمخيلتك لتصل إلى صورة مرضية ومقنعة لك.\nأنت غير مطالب بهذا، بل أنت منهي عن هذا؛ لأنك مهما تصورت فإن الحقيقة أعظم من ذلك، وهو نعيم ليس بعده نعيم.\nإذا كان الله ﵎ والنبي ﵊ قد بينا أن في الجنة نعيم من ثمارها وطيبها ورائحتها ما لا يمكن أبدًا لعين أن تكون قد رأ","vol":"12","page":10},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-221> كلام ابن تيمية في الأسماء والصفات</span>\nمذهب الإمام ابن تيمية في الأسماء والصفات هو مذهب السلف الصالح، فهو يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات من غير تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل كما يليق بجلال الله تعالى.\nوقد وضع قواعد عظيمة لإثبات الأسماء والصفات لله تعالى، ورد فيها على أهل البدع والأهواء كالمعطلة والمجسمة.","vol":"13","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>مذهب الإمام ابن تيمية في الأسماء والصفات</span>\nإن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في منهج أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفات الله ﷿، وذلك في المجلد الخامس (صفحة ٤٥) من مجموع الفتاوى: [فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سماه].\nأي: إذا وصف الله نفسه بوصف، أو وصف رسوله الكريم ربه ﵎ بوصف أو سماه باسم سميناه كما سماه من غير زيادة ولا نقصان، ومن غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل.\nقال: [ولم نتكلف منه صفة ما سواه].\nيعني: لا نتكلف من عند أنفسنا إثبات صفة لله ﷿ لم يثبتها لنفسه ولم يثبتها له رسوله الكريم ﷺ.\nقال: [لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف].\nوالجحود أنواع: الجحود بالتأويل، والجحود بالتحريف، والجحود بالتعطيل، والجحود بالتمثيل.\nفلا نجحد ما وصف الله به نفسه، كما أننا لا نتكلف وصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه، فإننا بين أمرين: أن نؤمن بما سمى الله تعالى به نفسه وما وصف به نفسه أو وصفه رسوله الكريم ﵊، ولا نجحد شيئًا مما ثبت في الكتاب والسنة، ولا نتكلف شيئًا من عند أنفسنا لم يكن له وجود في الكتاب والسنة.\nقال: [اعلم رحمك الله أن العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك].\nيعني: أن تكون وقافًا عند حد الكتاب والسنة.\n[ولا تجاوز ما قد حد لك].\nأي: لا تجاوز حدك، إما في الإثبات وإما في النفي.\n[فإن من قوام الدين: معرفة المعروف وإنكار المنكر، فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارثت علمه الأمة فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيبًا؛ ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدرًا].\nوهو نفس معنى الكلام السابق.\nقال: [وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك].\nيعني: شيء لا أصل له في الكتاب ولا في السنة، وضم إلى ذلك أن نفسك قد أنكرت هذا.\nقال: [وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث عن نبيك من ذكر صفة ربك فلا تكلفن علمه بعقلك].\nيعني: لا تثبتن شيئًا من ذلك بالعقل؛ لأن باب الصفات هو تمامًا كباب الذات، فكما أنه يستحيل على آدمي أن يصف ذات الله ﵎، يستحيل عليه كذلك أن يتكلم في باب الصفات؛ لأن أهل العلم يقولون: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ولما كان الكل مجمعين على أن ذات الله ﵎ غيب لا يعلمها أحد فكذلك لابد وأن تكون الصفات تابعة لذلك، فلا يجوز لأحد أن يتكلم في صفة من صفات الله ﷿، وفي كيفيتها.\nلا أقصد معناها، كما أني لا أقصد العلم بها.\nوقلنا من قبل: إن السلف إنما فوضوا الكيف ولم يفوضوا المعنى ولا العلم، فالصفة معلومة لله ﷿، أثبت لنفسه العين، فلابد وأن يكون عندي علم بأن الله أثبت العين لنفسه، ومعنى العين معلوم لدي؛ لأن الله ﵎ يستحيل أن يخاطبني بشيء لا علم لي به، ثم يكلفني الإيمان به، ولذلك مخاطبة الخلق بالمحال محال.\nأي: مخاطبة الخلق بشيء لا يعرفونه ثم لزوم الإيمان به أمر محال، والله ﵎ لم يتعبد خلقه بأمر محال، فإذا أثبت لنفسه العين علمت أنها عين حقيقة لله ﵎ كما أن لي عين، ولكن لما اختلفت ذات الله عن ذات المخلوق، لابد بالتالي أن تختلف صفات الخالق عن صفات المخلوقين.\nومعنى العين: أنها عين حقيقة كما يفهمها المستمع لها أولًا، والقائل بها أولًا، ولكنها عين تختلف عن أعين المخلوقين؛ لاختلاف الذات، فلابد بالتالي أن تختلف الصفات.\nقال: [وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث نبيك من ذكر صفة ربك فلا تكلفن علمه بعقلك].\nيعني: إذا كان الله ﵎ نفى صفة عن نفسه، أو سكت عنها فلم يثبتها ولم ينفها فلا تتكلف إثبات ذلك أو نفيه بعقلك، ولكن الأمر كما قال أحمد بن حنبل: أصول الدين عندنا الالتزام بالكتاب والسنة.\nأي: أصول الدين عندنا أن نلتزم بالكتاب والسنة.\nومعنى الالتزام بالكتاب والسنة: أن تقول بما قال الله ﷿ إثباتًا ونفيًا، وأن تقول بما قاله الرسول ﵊ إثباتًا ونفيًا.\nأي: ما كان مثبتًا في الكتاب والسنة أثبتناه، إذا كان هذا في حق الإله، فإنما نثبته على الوجه اللائق بالله ﷿، وإذا كان في حقي فإن هذا أمر يحتمل الكمال البشري ويحتمل العين البشرية، كما أن الله ﷿ خلقني وأثبت أن لي عينين، فإن كانتا سليمتين فيكون كمالًا بشريًا في الرؤية أو في وجود العينين، وإما أن أكون أعور العين أو أعمى كفيفًا فهذا","vol":"13","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>قواعد مهمة في إثبات الأسماء والصفات</span>\nومن القواعد التي تخدم الأسماء والصفات، ما يلي:","vol":"13","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>التوسط في الألفاظ المجملة</span>\nالقاعدة الأولى: التوسط في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها.\nأي: إذا كان اللفظ مجملًا أتوقف فيه؛ لأنني لو نظرت في هذا اللفظ لا أجده لا في الكتاب ولا في السنة، لأنه قد استحدث بعد ذلك، كلفظ الجهة والحد، أما الحد فلفظ منكر في غاية النكارة.\nيقولون: إن الله تعالى إذا أثبتنا وجوده في السماء فإنما أثبتنا وجود الجهة، وهذا أمر يحتمل مدحًا ويحتمل ذمًا؛ ويحتمل كمالًا ويحتمل نقصًا.\nفإذا قال القائل: إن الله تعالى في جهة.\nقلنا له: ماذا تقصد بالجهة؟ فإذا قال: أقصد جهة العلو والفوقية والاستواء قلنا: هذا كلام حسن.\nوإذا قال: أقصد بالجهة أن السماء تحوطه.\nوأنه قد استقر على العرش والعرش يحمله.\nفنقول: إن هذا كلام سخيف بارد، وكلام ليس على بطلانه رد أفضل من السكوت عنه، وإن كان الأولى ترك هذه المصطلحات بخيرها وشرها؛ لأنها لم ترد على لسان السلف، وهذه الكلمات حمالة؛ يستخدمها المبتدعون لإثبات بدعتهم، فيدورون بها كما يدور الحمار برحاه، يثبتون فساد معتقدهم.\nوأما أهل السنة والجماعة إنما دخلوا في هذا الباب رغمًا عنهم للرد على المبتدعة، فنقل على ألسنتهم بعض هذه المصطلحات.\nكما قالوا: إن الله تعالى في السماء بذاته، فكلمة بذاته اضطر السلف إليها وإلى ذكرها، وكما اضطروا كذلك إلى أن يقولوا: (القرآن كلام الله غير مخلوق)، فلفظ (غير مخلوق) ليس على لسان السلف، إلا ما ورد على لسان البعض منهم ردًا على المبتدعة، وخاصة فيما يتعلق في صفات الله ﷿، فهو أمر في غاية الحساسية.\nقال: [فإذا أتاك لفظ مجمل فتوقف فيه، إذا لم يكن قد ورد إثباته أو نفيه في الكتاب والسنة، أما معنى هذه الألفاظ المجملة فيستفصل عنه].\nأي: تقول له: ماذا تقصد بهذا اللفظ؟ إذا قال: أقصد بالجهة العلو والفوقية لله ﷿ والاستواء على العرش، فهذا كلام جميل، لكن بدلًا من أن تقول: الجهة، قل: استوى على العرش، أو الله في السماء؛ لأن هذه هي الألفاظ التي وردت في الشرع، أما الجهة فلم يأت بهذا المصطلح النبي ﵊، ولا أبو بكر الصديق، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الشافعي، ولا مالك، ولا أبو حنيفة، ولا أحمد بن حنبل، فينبغي ألا تتكلم بكلمة إلا إذا تكلم بها سلفك.","vol":"13","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>كل اسم ثبت لله فهو متضمن لصفة من غير عكس</span>\nالقاعدة الثانية: كل اسم ثبت لله ﷿ فهو متضمن لصفة من غير عكس، يعني: اشتقت الصفة من الاسم؛ لأن باب الصفات واسع جدًا، وأوسع منه باب معاني الكمال اللائق بالله ﷿، فإذا كان من أسماء الله: (الرحمن الرحيم الملك القدوس السميع البصير الرءوف)، فإنه تشتق من اسم الرحيم الرحمة، ومن الرءوف الرأفة، ومن السميع السمع، ومن القوي القوة، فباب الأسماء أدق وأقل من باب الصفات.\nإذًا: أنا بإمكاني أن أشتق صفة لكل اسم؛ لأنه ليس هناك اسم إلا ويدل على صفة، وليس بلازم في الصفات أن تدل على الأسماء، فإنه قد ورد قول الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، وقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فالمخادعة والمكر في الإنسان صفتا نقص، لكنهما في حق الله ﷿ على سبيل المقابلة لأفعال العباد صفتي كمال، فمن كان من المخلوقين أشد مكرًا وخداعًا فلا يستطيع أن يخادع الله ﷿، أو أن يمكر على الله ﷿؛ لأنه عالم الغيب والشهادة، فمهما يبطن المرء من شيء فإن الله يعلمه، بل ويكشف الله ﷿ عن عباده بما قد نووه من مخادعة ومكر وحيل.\nوالله ﵎ قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فلا يصح أن نسمي الله ﵎ (المنتقم)، لأن هذا ليس من أسمائه، وكذا ليس من أسمائه المخادع الماكر.\nإذًا: هذه الصفات التي تدل على النقص في حق البشر ذكرها الله ﵎ في القرآن على سبيل الكمال؛ لأنها في مقابلة صفات النقص عند المخلوقين، فما كان الله ليخادع إلا بعد أن خادع عبيده، وما كان الله ليمكر إلا بعد مكر عبيده، وما كان الله لينتقم إلا من المجرمين، وكلها صفات لله ﷿ تدل على كماله وإحاطته بخلقه.\nوالذي يتعلق بهذه القاعدة: أنه لا يجوز أن أشتق أسماء من هذه الصفات؛ لأن الأسماء توقيفية، وكذلك الصفات توقيفية، فلا يصح أبدًا أنني أصف الله ﵎ بوصف لم يصفه لنفسه، ولم يصفه به رسوله الكريم، فإذا كان الوصف قد ورد في الكتاب والسنة أثبتناه، ومن ذلك: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا نفي يستلزم كمال الضد.\nيعني: إذا كنت تنفي عن الله الظلم، فيلزمك أن تثبت ضد الظلم وهو كمال العدل، وهذه قاعدة قد شرحناها قبل ذلك: وهي أنه يلزم من نفي الصفة عن الله ﷿ إثبات ضدها كمالًا، إذا كنت تقول: إن الله لا يظلم الناس شيئًا.\nإذًا: الله ﵎ متصف بكمال العدل، وإذا كان الله تعالى قال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا يدل على كمال القيومية والحياة، كما في قوله ﵊: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام).\nوإذا كان الله ﵎ موصوف بالجود والكرم والتفضل على عباده، فيلزم من ذلك أن ننفي عنه البخل والشح الذي يتصف به بعض خلقه.\nقال: [كل اسم ثبت لله ﷿ فهو متضمن لصفة من غير عكس] يعني: الصفات تشتق من الأسماء ولا تشتق الأسماء من الصفات؛ لأن باب الصفات أوسع من باب الأسماء، وكل من الاسم والصفة أمر توقيفي.\nيعني: لا نثبته إلا إذا كان ثابتًا في الكتاب والسنة.\nقال: [مثاله: اسم الله: الرحمن متضمن صفة الرحمة، والكريم يتضمن صفة الكرم، واللطيف يتضمن صفة اللطف وهكذا] كل الأسماء لها صفات، لكن من صفاته: الإرادة والمشيئة والاستواء، فالله ﵎ أثبت ذلك لنفسه في الكتاب، وأثبتها رسوله في السنة فلا يصح أنني آخذ من صفة الإرادة أو المشيئة أو الاستواء اسمًا فأقول مثلًا: المشاء أو المريد أو المستوي، مع أن الله قد قال في الاستواء: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ فهي قد ثبتت في الكتاب.","vol":"13","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة قد تكون صريحة أو متضمنة</span>\nالقاعدة الثالثة: دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة: إما أن تأتي صريحة، أو تأتي متضمنة، أو تأتي صريحة بفعل أو وصف دال عليها.\nيعني: ليس بلازم أن يصف الله ﵎ نفسه صراحة في الكتاب، بل ممكن تأتي صراحة وممكن تأتي متضمِنة أو متضمَنة، وممكن يأتي التصريح بها من باب الفعل أو الوصف.\nالمثال الأول: الرحمة والعزة والقوة والوجه واليدين والأصابع كلها قد وردت صريحة في القرآن والسنة.\nومثال التضمن: البصير، فإنه يتضمن صفة البصر لله ﷿، وهذا كلام يرد به على المعتزلة الذين يقولون: بصير بلا بصر، سميع بلا سمع، رحيم بلا رحمة، قوي بلا قوة، قدير بلا قدرة.\nومذهب أهل السنة والجماعة: أن الصفة متضمنة، فإذا كان رحيمًا فلابد أن يكون برحمة، وإذا كان سميعًا لابد أن يكون بسمع، وإذا كان بصيرًا لابد أن يكون ببصر، فالصفة تثبت ضمنًا للاسم.\nوالمثال الثالث: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، هذه الصفة وردت للدلالة -دلالة الاستواء- أي: دلت على أن الله تعالى متصف بالاستواء، وهو العلو والفوقية.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فالآية دالة على الانتقام، فهي صفة لم ترد صراحة في الكتاب، وإنما دلت على هذه الصفة.","vol":"13","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>الكلام في الصفات كالكلام في الذات</span>\nوالقاعدة الرابعة: الكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات؛ فهو متصف بصفات حقيقية لا تشبه الصفات، سواء كانت هذه الصفات ذاتية أو خبرية أو فعلية.\nفنثبت هذه الصفات لله ﵎ كما جاءت ولا نتأولها، ولا نقول فيها بأنها مجاز، لأن الذي يقول بالمجاز يصرف اللفظ عن حقيقته، فالذي يقول: اليد ليست يدًا حقيقة إنما هي النعمة، أو هي القدرة، ففي النهاية يصف الله ﵎ بأنه ذات بلا صفات، ونحن قلنا باستحالة ذلك، فما من ذات إلا ولها صفات، حتى في الدنيا، وفي المخلوقات، فمثلًا: هذه السجادة خضراء طولها كذا عرضها كذا مستديرة مستطيلة مربعة مكعبة فيها ماء فيها هواء، وهذه كلها أوصاف، ولا يمكن قط بل يستحيل على أحد أن يثبت ذاتًا بلا صفات، فإذا كان المنكرون للصفات أو الذين صرفوها عن حقيقتها إلى المجاز لا يقولون بأن ذات الله ليست ذاتًا حقيقة أو أنها مجاز، فإذا قالوا ذلك فبالأولى أن يقولوا بالثانية.\nقال: [فمن أقر بصفات الله كالسمع والبصر والإرادة، يلزمه أن يقر بمحبة الله ورضاه وغضبه وكراهيته].\nيقول ابن تيمية عليه رحمة الله: [ومن فرق بين صفة وصفة مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز، كان متناقضًا في قوله، متهافتًا في مذهبه، مشابهًا لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض].\nيعني: لا تقل: إن الله تعالى يغضب غضبًا على الحقيقة، واليد ليست يدًا حقيقة، فلا تحمل الغضب واليد على الحقيقة أو المجاز؛ فإن حملتهما على الحقيقة وأثبتهما على القدر اللائق لله ﷿ فهذا مذهب السلف، وإذا قلت بالمجاز فهذا مذهب الخلف وهو فاسد باطل.","vol":"13","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>ما أضيف إلى الله تعالى مما هو غير بائن فهو صفة له غير مخلوقة</span>\nالقاعدة الخامسة: [ما أضيف إلى الله تعالى مما هو غير بائن عنه فهو صفة له غير مخلوقة].\nومعنى (غير بائن) يعني: غير مغاير ولا مختلف ولا منفصل، وأريد أن أقرب المعنى، وإن كنت أكره هذا اللفظ.\nفإذا قلنا: بإثبات اليد لله، فهل هذه اليد مباينة لله ﷿، أم هي صفة ذات لازمة له؟ يعني: أنا ممكن أن أقول: يدك وإن كانت صفة لازمة لك إلا أنه يمكن مباينتها عنك بقطعها، عند أن يأتي شخص يقطع يدك، نقول: قد باين يده عن بدنه.\nيعني: باعد اليد عن البدن.\nفالمباينة في الأعمال والجوارح متصورة وواقعة وحادثة في المخلوقين، لكن هل يمكن أن أقول: إن يد الله ﵎ مباينة لله ﷿.\nإذا قلنا: بأن صفات الله ﷿ ليست مباينة له فهذا يعني: أنها غير مخلوقة، فإذا كان الكلام صفة لله ﷿ فلا يتصور أن الله تعالى كان ساكتًا عاجزًا عن الكلام لا يعرف الكلام، ثم عرف فتكلم بعد ذلك؛ لأن من قال بهذا كفر بنص أهل السنة والجماعة، وعلى رأسهم أحمد بن حنبل.\nوإذا قلنا بإثبات العين لله، لا نقول: بأنها عين زائدة عن ذات الإله، بل هي صفة ذاتية خبرية لازمة لذاته لا تنفك عنه.\nومعنى أنها ذاتية.\nأي: أنها غير مخلوقة، فكما أن الله تعالى غير مخلوق وهو الخالق لكل شيء فكذلك صفاته غير مخلوقة، بخلاف نسبة الأشياء البائنة عن الله ﷿ المنسوبة إليه فإنها مخلوقة، كما تقول: بيت الله وأمة الله وناقة الله، فالبيت مصنوع مخلوق، والناقة مخلوقة، ونسبتهما إلى الله ﷿ نسبة تشريف، فإذا كانت الصفة بائنة عن الله ﷿ منسوبة إليه فإنها مخلوقة، ونسبتها إلى الله نسبة تشريف، بخلاف صفات الله ﷿ غير البائنة عنه، فإنها صفات غير مخلوقة؛ كصفة اليد وصفة الساق والقدم والأصابع والأنامل والكف والغضب والرضا والسخط والفرح والسرور والرفع والخفض وغير ذلك؛ كل هذه الصفات لله ﵎ غير مخلوقة.","vol":"13","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>صفات الله ﷿ وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله ولو كان حديث آحاد</span>\nالقاعدة السادسة: صفات الله ﷿ وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله ﵊ وإن كان حديثًا واحدًا آحادًا، من أجل أن تعرف أن منهج أهل السنة والجماعة يختلف عن منهج من أتى بعدهم، فأهل السنة والجماعة وعلى رأسهم النبي ﵊، بل وعلى رأسهم جميع الأنبياء والمرسلين أثبتوا لله ﵎ ما أثبته لنفسه، وأن الأمة ممن سلك منهج النبوة أثبتت لله ﵎ ما ورد في حديث النبي ﵊ من أسماء وصفات، وإن كان الحديث الذي يحمل هذا الاسم أو هذه الصفة حديث آحاد، سواء كان هذا الحديث من طريق الواحد أو الاثنين أو الثلاثة.\nإذا علمت هذا لابد وأن تعلم أن قوم المعتزلة: (لا نحتج في باب الاعتقاد إلا بالخبر المتواتر) قول محدث، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة.","vol":"13","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>معاني صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة معلومة</span>\nالقاعدة السابعة: معاني صفات الله ﷿ الثابتة بالكتاب أو السنة معلومة، فلا يجوز مثلًا أن تقول: أنا لا أعلم معنى الاستواء، مع أن الاستواء معلوم، فهو الفوقية والارتفاع والعلو.\nولا يجوز أن تقول: أنا لا أعلم صفة المجيء؛ لأنك تعلم ماذا يعني قولك: جاء فلان.\nأنا لو قلت لك: جاء زيد.\nفإنك تفهم كلامي، فإذا قلنا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، فإنك تعلم معنى المجيء، ولكنك تجهل كيفية المجيء.\nإذًا: السلف لم يفوضوا علم الصفات ولا معاني الصفات، إنما فوضوا الكيف، وقد زلت بهذه المسألة أقدام كثير من أهل العلم.\nومن المسائل التي زلت بها أقدام كثيرٍ من أهل العلم: مسألة العلو، قال الله تعالى: ﴿اسْتَوَى﴾ [طه:٥].\nفمن قال: لا أعلم معنى الاستواء، نقول له: إذًا: الله خاطبك بكلام غير مفهوم.\nوهذا محال، فإذا كنت تقوله في باب الاعتقاد فقله في باب الأحكام، فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، أنت لا تعلم معنى الصلاة، وبالتالي أنت لا تعلم ذات الصلاة، وبالتالي أنت لا تصلي؛ لأنك لا تفعل شيئًا أنت لا تعلمه ولا تعلم له معنى.\nفهل يتصور أن الله ﵎ خاطبنا بشيء لا نعلمه ولا نفهمه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nفإذا قلت ذلك في الأحكام والمعاملات فكذلك في الاعتقاد، فالله تعالى قد خاطبنا في باب الأسماء والصفات بما علمناه وعلمنا معانيه، فإذا ثبتت لله ﵎ صفة الرحمة فلا بد من إثباتها لله ﷿؛ لأنه قد أثبتها في كتابه، وأثبتها له رسوله.\nومن قال: لا أعلم معنى الرحمة! تقول له: هذا كلام سخيف وبارد، ومردود على قائله؛ ولذلك ورد عن بعض السلف أنه جادل رجلًا من أهل البدع، فجهل عليه بالعلم، فقام عليه ذلك العالم الرباني صفعًا وضربًا وركلًا، حتى قال له وهو يتضور تحت قدمه: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وهو كان ينازع في أنه لا يعلم معناها، فلما ضرب وديس بالأقدام علم معنى الرحمة، فاحتج بدليل الرحمة في موضوع الرحمة؛ لأنه يعلم معناها.\nإذا قلت لك في رابعة النهار: أين الشمس؟ فأفضل جواب عليك السكوت، وإذا كان القمر في ليلة البدر ليس دونه سحاب وأنت تنظر إليه وتقول: أنا لا أرى القمر فأفضل جواب أن نسكت عنك؛ لأنك أعمى البصر والبصيرة، فكذلك الله ﷿ خاطبنا بالصفات التي لها علم عندنا من الكتاب والسنة ولها معان يعلمها جميع العرب، فإذا كان المسلم غير عربي فيجب عليه أن يتعلم العربية كما تتعلم أنت الإنجليزية إذا أردت أن تترجم كلمات كثيرة جدًا تمر عليك في صفحات الكتاب الأعجمي تريد قراءتها، لكن لا تعلم معناها، فأنت معذور في هذا، كما أن العجمي إذا استطاع أن يقرأ في كتاب الله فأتى عند صفة من صفات الله ﷿ فيقول: أنا لا أعلم صفة السمع ولا أعرف معناها، قلنا له بالإنجليزية: معنى أن الله سميع، فبينت له بلسانه أنها تثبت صفة السمع لله، فإنه سيقر صفة السمع، فهذا يدل على أن الله ﵎ خاطب جميع المخلوقين بما هو في مقدورهم أن يفهموه، فلا يدعي واحد بعد ذلك أن الله ﵎ خاطبه بما لا يفهم.\nإذًا: صفات الله ﷿ وسائر أمور الاعتقاد تثبت في خبر واحد، ومعاني الصفات الثابتة في الكتاب والسنة معلومة، وتفسر على الحقيقة، فالله سميع بسمع على الحقيقة، والله قدير بقدرة على الحقيقة، و﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] على الحقيقة.\n﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] على الحقيقة.\nفمن قال: العين مقصود منها الرؤية أو الرعاية أو الإحاطة أو كف الأذى، نقول له: المعنى هو إثبات العين الحقيقة لله ﷿، لكن كيفية العين لا يعلمها إلا صاحب العين ﷾، فلا مجاز في الصفات ولا استعارة فيها البتة، وأما الكيفية فمجهولة.","vol":"13","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>ما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به وإن لم يفهم معناه</span>\nالقاعدة الثامنة: ما جاء في الكتاب أو السنة وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به، وإن لم يفهم معناه.\nيعني: على فرض أنه خفي عليه معنى صفة، فلابد وأن يؤمن بها كما جاءت وكما قرأها، ويثبتها لله على الحقيقة وإن كان المعنى قد خفي عليه.\nفمثلًا: عدم العلم بمعنى الأسماء الثابتة كالودود أو الحنان أو القيوم، أو الصبور لا ينفي عنك لزوم العلم والإيمان بها، فلابد وأن تؤمن بأسماء الله وصفاته، وإن خفي عليك بعضها أو كلها.\nوصفات الله ﷿ لا يقاس عليها، فلا يقاس مثلًا السخاء على الجود، إذا كانت صفة الجود ثابتة لله ﷿ فلا أقول: الله تعالى سخي، وإن كان المعنى جميلًا، لأن باب الصفات توقيفي، فلا يصح في صفات الله الاجتهاد والقياس.\nوالقياس إلحاق فرع بأصل، والذي يلحق الفرع بالأصل هم أهل العلم، فإذا كان المقيس والمقيس عليه متساويين في الدليل ومتحدين في العلة ألحقوا الفرع بالأصل، فإذا كان الأصل حرامًا فالفرع حرام، وإذا كان الأصل حلالًا فالفرع حلال، فمثلًا: الله ﷿ حرم الخمر صراحة وهذا المقيس عليه، وهو الأصل والحشيش فرع، فهو حرام قياسًا على الخمر؛ لأن أدلة الشرع في الأحكام وفضائل الأعمال: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس.\nفالحشيش حرام؛ لأنه متحد مع الخمر في العلة وهي ذهاب العقل والإسكار، وهذه العلة التي لأجلها حرم الله الخمر صراحة فألحقنا به الحشيش.\nوالله ﵎ قد ثبت في صفاته أنه جواد، فلا أستطيع أن أقول: إنه سخي، مع أن السخاء هو الجود؛ لأن صفات الله لا يصح فيها الاجتهاد ولا القياس؛ لأنها توقيفية.\nوكذلك في بقية المعاني التي تدل على الجود إلا إذا كانت ثابتة، فالكرم كذلك من الجود، وباب من أبوابه، وشبيه ومثيل له، لكنه قد ورد في نصوص أخرى أنه كريم.\nوالله ﵎ هو القوي، فهو قوي بقوة؛ فالصفات تؤخذ وتشتق من الأسماء.\nإذًا: لفظ القوة ثابت لله ﷿.\nوالجلد الذي هو تحمل المشاق والصعاب والقوة، لا يصح إثباته لله ﷿ في مقام القوة، أو قياسًا عليها؛ لأن باب الصفات لا يقاس عليه؛ لأن الصفات توقيفية.\nولفظ (القدير) ثابت لله، وهو قدير بقدرة.\nإذًا: الله ﵎ متصف بالقدرة، فلا يمكن أن أثبت لله ﷿ صفة الاستطاعة؛ لأنها لم تثبت في الكتاب ولم يثبتها له رسوله ﵊ في السنة، إنما الصفة التي وردت تغني عن هذه الصفة وهي صفة القدرة.\nوصفة الرحمة ثابتة لله ﷿، ومن معانيها: الرأفة والرقة، فممكن أن أثبت الرأفة؛ لأنها مشتقة من الرءوف، بخلاف الرقة وإن كانت مثل الرحمة، فلهذا يقال: فلان رقيق القلب.\nيعني: رحيم.\nوباب القياس في حق المخلوقين في الصفات حدث عنه ولا حرج، لكن في حق المولى ﵎ لا يجوز أن أقول: إن الله رقيق؛ مع أن الرقة بمعنى الرأفة والرحمة وغير ذلك.\nوكذلك (العلم) فالله ﵎ عليم بعلم؛ فعليم اسم وبعلم صفة، والمعرفة من معاني العلم، فلا يجوز أن أثبت صفة المعرفة لله ﷿؛ لأن صفات الله ﷿ لا يتجاوز فيها التوقيف، فلا نذهب فيها أكثر مما ورد إلينا، كما مر في القواعد السابقة.","vol":"13","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>أسماء الله وصفاته ﷿ لا حصر لها</span>\nالقاعدة التاسعة: صفات الله ﷿ لا حصر لها؛ لأن كل اسم يتضمن صفة، وأسماء الله لا حصر لها، أما حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) فتقديره: إن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا، فباب الأسماء واسع لا ينتهي؛ لقول النبي ﵊ كما في حديث عبد الله بن مسعود: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي).\nالشاهد: (أو استأثرت به).\nفالضمير يعود على الله.\nأي: أو استأثرت أنت بهذا الاسم الذي أخفيته عن جميع المخلوقين في علم وغيب لا يطلع عليه أحد، فوحدك أنت الذي تعلمه.\nفباب الأسماء باب واسع جدًا، وإذا قلنا: إن كل اسم يشتق منه صفة فلابد وأن يكون باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ لأن كل اسم يدل على صفة، وهناك صفات لا يشتق منها الأسماء.","vol":"13","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>إثبات صفة العين لله تعالى</span>\nنريد أن نثبت لله ﷿ صفة العين، فصفة العين صفة ذاتية لله ﵎، غير مباينة عنه، فكما أثبتنا اليد لله ﷿ وأن اليد غير مخلوقة، وأنها غير مباينة له سبحانه، بخلاف يد المخلوق فممكن مباينتها بقطعها.\nإذًا: الصفات الذاتية هي اللازمة لذات الإله ﵎، كما أنها خبرية.\nأي: قد ورد الخبر بها، ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة.\nوأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله تعالى يبصر ببصر، كما أنه يسمع بسمع، ويعلم بعلم، كما يعتقدون أن لله ﷿ عينين تليقان به لكنهما ليستا كعيون المخلوقين؛ لأن هذا يستلزم التمثيل، والتمثيل حرام، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فكل شيء في الوجود لا يشبه ولا يماثل ولا يكافئ ولا يعدل الله تعالى، فإذا كان كذلك فلا يجوز لي أن أقول: إن الله تعالى له عينًا كعيني أو عينان كعيني؛ لأن هذا يستلزم التمثيل والمشابهة، وهو محال.\nكما أنني لا يجوز لي أن أقول: إن عين الله ليست على الحقيقة، بل هي مجاز والمقصود منها: الرعاية أو الرؤية أو غير ذلك؛ لأنني إذا قلت بالمجاز أو التأويل، لابد وأنني سأقع في التعطيل، وهو: نفي ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله الكريم.\nفالله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهو نفي للماثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، إثبات للأسماء والصفات على الوجه الحقيقي اللائق بالله ﷿.\nأما دليل إثبات العين من الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧]، أي: واصنع يا نوح السفينة ونحن ننظر إليك بأعيننا، «وَوَحْيِنَا» أي: وإلهامنا لك كيف تصنع السفينة، فالوحي هنا بمعنى الإلهام.\nوالمعنى: أن الله تعالى أمر نوحًا ﵇ أن يصنع السفينة من ألواح الخشب والمسامير والحبال يربط بها أطراف السفينة حتى يحمل فيها أهل الإيمان ويسير في البحر إلى أن يصل إلى بر الأمان والنجاة، فيغرق الله ﵎ من تخلف عنه.\nإذًا: نقول بإثبات العين الحقيقية لله ﷿، وأن الله كان ينظر إلى نوح على الحقيقة بعينيه الحقيقتين وهو يصنع الفلك، ويوحي إليه كيف يصنع السفينة.\nوقال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].\nوهذا الخطاب موجه لموسى ﵇، فقد ألقى عليه محبة في قلوب الخلق، وكذا محبة الله ﷿ لموسى كلاهما يمكن القول به، ولا تناف بينهما؛ لأنه قد ورد في الحديث: (أن الله تعالى إذا أحب عبدًا ألقى محبته في قلوب العباد، بل أمر الملائكة أن يحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض) أي: المحبة.\nقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] أي: ولتربى.\nفالصناعة هنا بمعنى التربية، ولذلك تختلف بحسب الحال، تقول: صناعة بيت، وصناعة الأخشاب، وصناعة الدروع، وصناعة الملابس، فكل صنعة من هذه الصنعات تختلف عن غيرها، فصناعة البيت.\nأي: بناؤه.\nوصناعة الثوب.\nأي: حياكته وخياطته.\nوصناعة الآدمي.\nأي: تربيته.\nومعنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي: ولتربى على عين الله ﷿.\nأي: الله ﵎ يرعاك ويحفظك ويكلؤك وينظر إليك بعينيه الحقيقيتين، ولا غرابة في ذلك.\nولذلك أهل البدع يقولون: إنكم تتأولون إذا أردتم أن تتأولون، وتنكرون على من يتأول إذا أردتم الإنكار عليه، فاثبتوا على قدم واحد؟ يوجهون هذا اللوم لأهل السنة.\nفنقول: إننا نعتقد في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أن الله تعالى يرعاه ويكلؤه ويحفظه ويربيه وينظر إليه وغير ذلك.\nفنحن نثبت الصفة ولازمها، فالفرق بيننا وبين أهل البدع أننا نثبت الصفة ولازمها بخلافهم؛ فإنهم يثبتون لزوم الصفة وينكرون الصفة، فمثلًا: قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، يقول أهل البدع: اليد بمعنى القدرة.\nوأرادوا من هذا الكلام نفي اليد الحقيقية عن الله ﷿، بظنهم أن إثباتها إثبات للتمثيل، وهذا كلام باطل، وأهل السنة يثبتون اليد ولازم اليد، فيثبتون الصفة ولازمها، فيلزم من إثبات العين الرعاية والإحاطة والكلأ والحفظ وغير ذلك من المعاني.\nأما هم فإنهم يثبتون لوازم الصفة ولكنهم ينكرون الصفة، وبالتالي يقعون في التعطيل، أما نحن فلا نقع في التعطيل ولا في التمثيل؛ لأننا في جانب التمثيل نقول: إن لله يدًا حقيقة ليست كأيدي المخلوقين، بل يدًا تليق بجلاله.\nفلا ننفي الصفة، وإنما نثبتها ونثبت معها اللازم، فقوله ﷾: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، أي: إن الله تعالى ينظر إليك بعينيه ويحفظك ويرعاك ويكلؤك.\nإذًا: بذلك نكون أثبتنا الصفة ولازمها، فأهل البدع يثبتون لازم الصفة فقط بخلاف الصفة، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطو","vol":"13","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>الأسئلة</span>","vol":"13","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>حكم صيام أول رجب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل وردت نصوص في صيام أول رجب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النصوص الواردة في صيام أول رجب كلها نصوص باطلة غير صحيحة، فمن خص فعليه الدليل.","vol":"13","page":15},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-236> وجوب معرفة الله بالسمع</span>\nمعرفة الله ﷾ واجبة، إذ لا يتصور أن عابدًا لله ﷿ يعبده وهو لا يعرفه، ومعرفة الله ﷿ لا تثبت ابتداء إلا بالسمع لا بالعقل، والنبي ﷺ أعلم الناس بربه، ومع هذا لم يكلفه الله معرفته بعقله، وإنما خاطبه بالنقل والوحي ليعرفه به ﷾.","vol":"14","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>باب جماع توحيد الله ﷿ وأسمائه وصفاته</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب جماع توحيد الله ﷿ وصفاته وأسمائه، وأنه حي قادر عالم سميع بصير متكلم مريد باقٍ].\nباب له تعلق بذات الله ﷿ وأسمائه وصفاته، ووجوب معرفة الله ﷿.","vol":"14","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>معرفة الله تعالى ثبتت بالسمع والنقل</span>\nمعرفة الرسل والأنبياء واجبة كذلك، ومعرفة الله تعالى ومعرفة رسله تثبت بالسمع لا بالعقل، وهو الذي نسميه أحيانًا النقل، فالنقل والسمع والأثر والنصوص كلها بمعنى واحد.\nفمعرفة الله ﷿ واجبة، ولا يتصور أن عابدًا لله ﷿ يعبده وهو لا يعرفه، ولا يتصور أن عبدًا يؤمن بالله وهو لا يعرفه، وكذلك لا يتصور أن عبدًا يؤمن برسول الله وهو لا يعرف رسول الله ﷺ، فمعرفة الله تعالى واجبة، وكذلك معرفة الرسول ﵊ واجبة، وذلك لا يثبت إلا بالسمع.\nوالمصطلح الذي اشتهر على ألسنة الناس: (أننا عرفنا ربنا بالعقل) وهذا يخالف ما كان عليه معتقد سلفنا ﵃ أجمعين من أن معرفة الله تعالى تثبت بالنقل لا بالعقل.\nوهذه المسألة لها مدلول لدى العقلانيين والمعتزلة.\nإن أهل السنة والجماعة يجري على ألسنة بعضهم أخطاء شائعة في الاعتقاد من حيث لا يدرون، فإذا سئل أحدهم: بماذا عرفنا الله؟ أجاب مباشرة بالعقل، وهذه إجابة خاطئة تمام الخطأ، فالله تعالى يعرف بالسمع لا بالعقل، أو بالنقل لا بالعقل، وكذلك النبي ﵊، وإذا كانت العبادة أو الشرع لا يعرفان إلا بالنقل فمشرع الشرع لا يعرف كذلك ومن باب أولى إلا بالنقل.\nقال: [جماع توحيد الله ﷿ وصفاته وأسمائه، وأنه حي قادر عالم سميع بصير متكلم مريد باق.\nوسياق ما يدل من كتاب الله ﷿ وما روي عن رسول الله ﷺ على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل].","vol":"14","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>الأدلة من القرآن على أن معرفة الله ثبتت بالسمع لا بالعقل</span>\nقال: [قال الله تعالى يخاطب نبيه ﷺ بلفظ خاص والمراد به العام]، يعني: إن هذا الخطاب وإن كان موجهًا إلى شخص النبي ﵊ إلا أن المراد به جميع الخلق.\nقال: [﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]].\nأي: فاعلم يا محمد! أنت وجميع الخلق أنه لا إله إلا الله.\nفهذه الآية تدل على توحيد الله ﷿، وأنه لا إله بحق إلا هو ﷾.\nولو كان يعرف ذلك بالعقل فإن أرجح العقول وأقواها وأهداها سبيلًا هو عقل نبينا محمد ﵊، وقد خاطبه الله ﷿ بهذا النقل، والأمر ابتداءً لا يعرف إلا من قبل النقل.\nوالعرب كانوا من أرجح الناس عقلًا وذكاءً وفطنة، وغير ذلك، ومع هذا كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون غير الله ﷿، وقالوا بعقولهم: ما نعبد هذه الآلهة إلا لتقربنا إلى الله زلفًا.\nوالذي هداهم إلى ذلك عقولهم الفاسدة التي كانت من الذكاء والحفظ والإتقان والتثبت بمكان، وربما لا تبلغ أعظم العقول في هذا الزمان أقل العقول في أيام الجاهلية من جهة الحفظ والإتقان، فقد كان الواحد منهم يحفظ القصيدة أو الألفية المكونة من ألف بيت أو ألفين من المرة الأولى، ومع هذا كان منحرفًا في جهة التوحيد وزائغًا ضالًا؛ لأنه ليس عنده نقل يثبت أن الله تعالى إله واحد.\nوقد خاطب الله ﷿ نبيه بهذا الخطاب ليثبت له سمعًا ونقلًا ووحيًا أن الله تعالى هو المتفرد والمستحق للألوهية وحده، وأن هذه الآلهة التي تعبد من دون الله ﷿ إنما هي آلهة مزعومة.\nقال: [وقال الله ﵎: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]].\nفهو المستحق للعبادة وحده دون سواه، وكان كل نبي يؤمر بهذا عند رسالته، ويكلف بتبليغ هذا الأمر إلى أمته، فأخبر الله نبيه في هذه الآية أنه بالسمع والوحي عرف الأنبياء من قبله التوحيد.\nفالأنبياء أنفسهم لم يعرفوا التوحيد إلا من قبل الوحي، ولا شك أن النبي ﵊ كان قبل الرسالة على الحنيفية السمحاء.\nوهذا التوحيد الذي جاء به النبي ﵊ بعد الرسالة وبعد التكليف لم يكن يعرفه ﵊ تفصيلًا قبل الوحي، فقد كان النبي ﵊ على الحنيفية السمحاء، والنبي ﵊ كان صاحب عبادة وتهجد واختلاء بالله ﷿ وذكر له، ولكن ليس بهذه المنهجية والتأصيل الذي أرسله الله ﷿ به، وإلا فما فائدة الوحي في حق النبي ﵊ حينئذ؟ قال: [فأخبر الله نبيه] أي: في هذه الآيات المتقدمة [أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ [سبأ:٥٠]-أي: قل يا محمد- ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠]]، يعني: أن الهداية بوحي، والإيمان بوحي، والتوحيد بوحي، والوحي سمع ونقل، ولا دخل للعقل فيه؛ لأنه كلام الله تعالى، قال: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠].","vol":"14","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>استدلال إبراهيم ﵇ على وحدانية الله بالسمع لا بالعقل</span>\nقال: [قد استدل إبراهيم بأفعاله سبحانه المحكمة المتقنة على وحدانيته].\nيعني: إبراهيم ﵇ إمام الحنيفية السمحاء، وأبو الأنبياء لم يعرف ذلك بعقله، وإنما عرف توحيد الله بالنقل والسمع، فقد استدل بأفعال الله ﷿ المحكمة المتقنة على وحدانية.\nقال: [بطلوع الشمس وغروبها، وظهور القمر وغيبته، وظهور الكواكب وأفولها، ثم قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧]].\nلأنه كان كلما خرجت له آية يقول: هذا ربي.\nثم يرجع عن ذلك.\nثم في نهاية الأمر سلم لله ﷿ بأنه صاحب الهداية، وأن الهدية لا تأتي إلا من قبله، وأن الدلالة على توحيد الله لا يمكن أن تكون إلا بالنقل عن الله ﷿.\n[قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧].\nفعلم أن الهداية وقعت بالسمع] لا بالعقل.","vol":"14","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>بيان أن وجوب معرفة الرسل بالسمع لا بالعقل</span>\nقال: [وكذلك وجوب معرفة الرسل -ثبت- بالسمع]، يعني: إذا كان الله تعالى لا يعرف إلا بالسمع والنقل فكذلك رسل الله ﷿ لا يعرفون إلا بالسمع، ولذلك لما ادعى المدعون النبوة في زمن النبي ﵊ كان أتباعهم يعرفون أنهم كذبة؛ لأنه لا نقل ولا سمع ولا وحي ينزل عليهم، وكان أتباعهم متأكدين من ذلك وإن تابعوهم، ولكنهم كانوا في حقيقة أمرهم يعرفون أنه لا ينزل عليهم الوحي، وأنهم كذبة، فمعرفة الرسل لابد أن تكون بوحي من السماء.\nقال: [قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]].\nوهذه الآية تدل على أن معرفة الرسول لا تكون إلا بوحي من السماء.","vol":"14","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>بيان أن العذاب لا يكون إلا بعد الرسالة</span>\nقال: [وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]]، أي: أن الله ﵎ لا يعاقب ولا يعاتب إلا بعد بلوغ دعوة الرسل إلى الناس أجمعين.\nقال: [وقال ﵎: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]].\nفالرسل هم الذين يقيمون حجة الله على الخلق، وهم الواسطة بيننا وبين الله ﷿، وهم المبلغون عن الله ﷿ وحيه ومراده، والذين ينقلون تكاليف الله ﷿ الشرعية إلى الخلق أجمعين.\nوالله تعالى لا يسأل الجاهل الذي جهل بعد أن بذل الوسع في التعلم وخفي عليه العلم، كما أنه لا يسأل الناسي ولا المجنون، ولا السفيه الذي قد عذره الله تعالى في كتابه وعذره نبيه في سنته.\nوكذلك الله ﵎ ما أرسل رسله إلا ليفرغوا الوسع ويبذلوا الجهد في تعليم الخلق؛ حتى تنقطع حجتهم بين يدي الله ﷿ حتى لا تكون لهم حجة يوم القيامة.\nقال: [وقال ﵎: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [القصص:٤٤ - ٤٧]-يعني: يا رب! لو أنك أرسلت إلينا رسولًا ما وقعنا في هذه الجرائم- ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧].\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [طه:١٣٣]-يعني: لو يأتينا بآية ومعجزة من ربه- ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٣ - ١٣٤]].\nقال: [فدل] أي: هذه الآيات [على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله ﷿، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة].\nفمعرفة الله ومعرفة الرسل إنما تكون بالسمع والنقل لا بالعقل.\nهذا بعض الأدلة من كتاب الله على قولنا.","vol":"14","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>الأدلة من السنة على وجوب معرفة الله وصفاته بالسمع لا بالعقل</span>\nقال: [أما من السنة: حديث ضمام بن ثعلبة] ﵁ الذي أتى يسأل النبي ﵊ عما قد بلغه رسل رسول الله ﵊.\nوفي حديث أنس قال: (نهينا أن نسأل النبي ﵊ عن شيء)، وهذا النهي هو المذكور في قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].\nفخافوا بعد نزول هذه الآية أن يسألوا النبي ﵊ خاصة في قوله ﵊: (لعن الله ﷿ من سأل عن مسألة فحرمت لأجل مسألته)، أو نحوًا من هذا الكلام وهذا المعنى، وكانوا يرغبون عن سؤال النبي ﵊، حتى قال أنس بن مالك: (نهينا أن نسأل النبي ﵊ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية).\nوأهل البادية فيهم جلافة وغلظة، وقد كان الواحد منهم يدخل على النبي ﵊ كما يدخل على أقرانه وأصدقائه من أهل البادية بجلافة وغلظة وحماقة وبداوة وجفاء، فيسأل النبي ﵊ بطريقة غير لائقة.\nوقول أنس: (فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل).\nيعني: المهذب المحترم الذي تأدب بأدب أهل المدينة، لا بأدب البادية.\nوقد قال النبي ﵊: (من بدا جفا).\nيعني: من سكن البادية كان فيه من الجفاء والغلظة ما فيه، وقال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة:٩٧].\nيعني: فيهم غلظة وجلافة وشدة.\nوأهل البادية لا يستريحون مع أهل الحضر، فأهل البادية ينظرون إلى أهل الحضر على أنهم قليلوا العيال فارغين لا ينفعون، وأهل الحضر ينظرون إليهم على أنهم في منتهى الغلظة والجفاء، وعقولهم غير متفتحة.\nقال أنس: (كان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من أهل البادية فيسأل النبي ﵊ ونحن نسمع).\nوهذا فعل جيد أيضًا؛ لأن أنس لو أراد أن يتفاهم مع هذا الرجل لو سمع وحده فلن يعرف أن ما يأخذه منه حق أو باطل؛ لأنه ربما يستكثر أن يقول له: أنا أرى أن أعمل كيت وكيت، أو ينقله إليه بجلافة وغلظة، ثم إن لسان أهل البادية يختلف عن لسان الحضر.\nوقد رأينا أناس في الشام من سكان الجبال كأنهم يتكلون اللغة اللاتينية، وحتى أهل الأردن وأهل سوريا وأهل لبنان لا يعرفون هذه اللهجة.\nوأخبرنا أئمة المساجد الذين كلفوا من قبل أوقاف الشام في سوريا والأردن بالذهاب لإمامة الناس في هذه المساجد التي في البادية أنهم لم يجلسوا معهم أسبوعًا واحدًا، وأن البطل فيهم هو الذي جلس أسبوعًا، وكانوا يقولون لهم: نحن لا نفهمكم ولا أنتم تفهموننا، وهذه الكلمة فهمها بعد أسبوع، وكانوا يقولون لهم: اكتبوا ما تريدون منا ونحن نقرأ، فالتعامل صعب جدًا بين أهل البادية وأهل الحضر.\nفقال أنس: (نهينا أن نسأل النبي ﵊ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع).\nقال: [عن أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ جلوسًا فجاء رجل على جمل له فأناخه ثم عقله -أي: فأناخه على باب المسجد، ثم ربطه بالعقال- ثم قال: أيكم محمد؟)] وهذا من الجفاء والغلظة.\n[(قال: قلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ ﵊)].\nوهذا فيه وصف النبي ﵊ بالبياض وفيه: جواز الجلوس متكئًا، ولكن إن كان ذلك ولابد فعلى اليد اليمنى لا على اليسرى.\nقال: [(ورسول الله ﷺ متكئ بين أظهر أصحابه، قال: فقال: يا محمد!)] ولم يقل: يا رسول الله، والله يقول: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣].\nيعني تأدبًا مع النبي ﵊، وأهل العلم لهم من الحرمة ما ليس لغيرهم، وحرمة النبي ﵊ أشد.\nقال: [(قد جئتك يا ابن عبد المطلب! -وهذا أيضًا جفاء جديد- إني سائلك فمشدد مسألتي)].\nيعني: أنا سأسألك أسئلة فيها غلظة وجفاء وحدة؛ لأن هذا طبعي، [(فلا تجد علي في نفسك)]، وهذا اعتذار لطيف في أول الكلام.\nيعني: يقول للنبي ﵊: أنا جلف جاف، وسؤالي فيه غلظة وحدة، فلا تغضب مني، والوجد هو الحزن والغضب.\nقال: [فقال له النبي ﵊: (سل عما بدا لك)].\nوهذه ليست أخلاق المدينة، بل هي أخلاق النبوة ﵊.\nقال: [(فقال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا)].\nوالزعم ليس بلازم أن يكون كذبًا، بل هو مجرد القول، وأحيانًا يكون الزعم والظن بمعنى الصدق في الحديث، وقوله: (أتانا","vol":"14","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>شرح حديث عمر بن الخطاب في بيان مراتب الدين</span>\nوفي حديث عبد الله بن عمر قال: [حدثني عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد)].\nوالمدينة بين جبلين، وبين لابتين، وهي منقطعة عن البلدان وعن العمران، فالذي يأتيها من غيرها لابد وأن يظهر عليه أثر السفر من الغبار والتراب واتساخ الملبس وتعفير الوجه وشعث الرأس، وغير ذلك، وهذا الرجل الذي دخل عليهم وطلع عليهم لم يكن فيه شيء من ذلك، بل كان رجلًا مرتبًا ومنظمًا ونظيف الملبس، وليس عليه تراب ولا شيء من هذا.\nقال: (لا يعرفه منا أحد)، يعني: ليس من أهل المدينة.\n[(ولا يرى عليه أثر السفر)].\nوهذا عجب.\nقال: [(حتى جلس إلى رسول الله ﵊ فأسند ركبتيه إلى ركبته -يعني: أسند ركبتي نفسه إلى ركبتي النبي ﵊- ووضع كفيه على فخذيه)].\nأي: ووضع كفيه على فخذي نفسه، وليس على فخذي النبي ﵊؛ لأن هذا لا يتناسب مع أدب طلب العلم، فليس من الأدب أن تجلس إلى المعلم وتضع يديك على كتفه، أو على رجله، أو تأتيه من الخلف، فكل هذا من سوء الأدب مع المعلم والشيخ، وإنما من أراد أن يسأل مسألة فليأت من قبل وجه الشيخ، وليجلس إليه، ثم يسأله في أدب ووقار كما سأل هذا الرجل الذي جلس إلى النبي ﵊، فوضع ركبتيه إلى ركبتيه.\nيعني: كان بحذاء النبي ﵊ مباشرة.\nولا يعني ذلك أنه لامس بركبتيه ركبة النبي ﵊، وإنما كانت بمحاذاة ركبة النبي ﵊ ومسندة إلى ركبته ﵊.\n[(ثم قال له: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ -يعني: عن أركان وشرائع الإسلام- فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)].\nوهذه الأركان الخمسة هي أركان الإسلام.\n[(قال: صدقت، قال عمر -راوي الحديث- فعجبنا له وهو يسأله ويصدقه)]، يعني: أن هذا الرجل أمره غريب، ومن أول ما دخل وهو يشعر بالغرابة، فهو غريب في منظره وهيئته، وفي مجلسه نوع أدب شديد، وقد أعجب الصحابة منه حتى عمر، ولذلك نقل الهيئة والكيفية، ثم إنه يسأل وهو أيضًا مصدق، وهذا على خلاف عادة السائل، فالسائل يسأل من أجل أن يتعلم، وأما أن يسأل فإذا سمع الجواب قال: هذا حق، وقد صدقت، وهذا لا يكون إلا إذا كان السائل له علم سابق؛ لأنه من العيب أن تقول: أنت صادق أو محق؛ لأن من عادة السائل السؤال حتى يتعلم، ويأخذ الجواب وينصرف، لا أن يقول له: صدقت.\nوفي المرة الأخرى يقول له: أخطأت.\nوقد يسأل العالم بالجواب حتى تعم الفائدة، ودليل ذلك: هذا الحديث، كما أن النبي ﵊ كان يطرح على الناس المسألة لأجل أن يسمع جوابهم، كما قال النبي ﵊: (إن في الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم ما هي؟ فوقع الناس في شجر المدينة)، ووقع في قلب عبد الله بن عمر أن المسلم شبيه بالنخلة، والنخلة تعطينا التمر، وبقية الأشجار شجر، والنبي ﵊ لم يقل: إن مثل المسلم كمثل النخلة؛ لأن النخلة ليس هناك غيرها، فلو قال: ما هي؟ لعرفوها، ولكنه عم عليهم المسألة فقال: إن مثل المسلم كمثل شجرة ما هي؟ فكلمة شجرة هذه جعلتهم يستبعدوا النخلة، فلما قال النبي ﵊: (إنها النخلة، قال عبد الله بن عمر لأبيه عمر بن الخطاب: لقد وقع في قلبي أنها النخلة، وما منعني إلا الحياء)، يعني: استحيا من مشايخ قريش وزعماء الأنصار، فحزن عمر حزنًا شديدًا وقال: لو قلتها لكانت أحب إلي من الدنيا وما فيها.\nوهذا من فرحة الأب بذكاء ولده وبتفوقه، وربما ظل عمر ندمان عليه حتى مات.\nفـ عبد الله بن عمر عرف ذلك وهو طفل صغير، وقد كان عقله راجحًا من أول الأمر.\n[قال: (قال: صدقت، فعجبنا له وهو يسأله ويصدقه.\nقال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)]، فأركان الإيمان ستة، وأركان الإسلام خمسة.\n(قال: صدقت، ثم قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه).\nوهذا منتهى المراقبة لله ﷿.\n(فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، أي: فإنه سبحانه يراك حقيقة.\n(قال: صدقت.\nفأخبرني عن الساعة؟ قال: قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، أي: أني مثلك في هذه القضية، فيوم القيامة لا يعرفه أحد؛ لأن هذا من الغيب الذي أستأثر الله تعالى به لنفسه، وأنا لا أستطيع أن أجيبك عن هذا السؤال.\n(قال: فأخبرني عن أماراتها وأش","vol":"14","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>معنى الإسلام وأهمية تعليمه</span>\nقال الله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].\nفالإسلام هو الاستسلام والانقياد لله ﷿، فمن أتى بدين غير دين الإسلام فإن الله ﵎ يرده عليه في وجهه ولا يقبله منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].\nوقد جاء رجل إلى النبي ﵊ وهو يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: (يا محمد! علمني الإسلام) أو قال: (ما الإسلام؟) في رواية البخاري، (فنزل النبي ﵊ من على المنبر، وطلب كرسي فجيء به، فجلس عليه في المسجد أو في صحن المسجد، وعلم الرجل الإسلام، ثم صعد المنبر فأتم الخطبة ﵊).\nفإذا سألك أحد أن تعلمه الإسلام فدع ما في يدك مهما كانت أهميته، وعلم ذلك الرجل كيف يدخل في الإسلام، ولذلك ترك النبي ﵊ عملًا عظيمًا جدًا، وهو خطبة الجمعة لأجل هذا، كما قطعها لأجل طفلين صغيرين الحسن والحسين -فلما رآهما النبي ﵊ نزل من على المنبر وقطع الخطبة، وحمل الحسن والحسين وصعد بهما إلى المنبر، وتلا قول الله ﷿: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨].","vol":"14","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>شرح حديث: (الولد مجبنة مبخلة)</span>\nقال ﵊: (الولد مبخلة مجبنة مجهلة).\nومعنى مبخلة يعني: أنك تقول مثلًا عند داعي الصدقة: أولادي أولى، فأنا لن أتصدق لأني أريد أن أعمل مستقبل لأولادي، فتبقى معك الأموال، ثم تقصر فيما فرضه الله ﷿ عليك، وإذا نصحت بالذهاب إلى الحج مع الناس وتأدية فرض الله ﷿ قلت: لا، أريد أن أربي الولد والبنت.\nوهذه الأشياء لن تنتهي، فلو أنه زوج العيال كلهم وسترهم بستر الله ﷿ فسيطمع بأن يكون لهم بيت، وإذا بنى لهم بيتًا ثم وقعت المشكلات فيما بينهم يقول: سأبني لكل واحد بيتًا.\nفالقضية هذه لن تنتهي وليس لها نهاية.\nوليس فرضًا عليك أنك تزوج أولادك، وتبني لهم البيوت قبل أن تؤدي فرض الله ﷿ الذي فرضه عليك فرض عين.\nقال الحسن البصري: جاء أعرابي إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين! علمني الدين.\nفقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله -وهذا يعرف بالسمع لا بالعقل- وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان.\nقال: وعليك بالعلانية -أي: في كل ما يرضي الله ﷿- وإياك والسر -أي: وإياك وما يستحيا منه- كما قال النبي ﵊ (لما وجد رجلًا من الأنصار يعظ أخاه في الحياء).\nيعني: يعاتب أخاه في الحياء ويقول له: إن حياءك شديد ويكاد أن يهلكك.\nفقال النبي ﵊: (دعه فإن الحياء من الإيمان).\nوفي رواية: (فإن الحياء لا يأتي إلا بخير).\nوفي رواية: (فإن الحياء كله خير).\nوقال ﵊: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت).\nوهذا الحديث له معنيان عند أهل العلم: أحدهما: إذا لم تستح من فعلك بين يدي الله ﷿ فاصنعه، فإنه من طاعة الله وفي رضا الله.\nيعني: إذا لم يكن فعلك هذا مما تستحي منه بين يدي الله إذا حاسبك عليه فافعله الآن؛ لأنه في مرضاته وفي طاعته.\nوهذا المعنى هو الذي قال فيه عمر: وعليك بالعلانية وإياك بالسر.\nأي: وإياك أن تعمل عملًا في السر يغضب الله ﷿.\nوعليك بالعلانية، أي: وعليك بما لا يستحيا منه بين يدي الله ﷿ في الآخرة، ولا بين الناس في الدنيا، وإن لقيت الله فقل: أمرني بهذا عمر.\nوالمعنى الثاني لقوله ﵊: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).\nيعني: إذا كان الشخص ليس عنده حياء قط فليصنع ما شاء بعد ذلك، فإنه إذا نزع من المرء الحياء لم يعاتب ولم يلم على فعله القبيح الذي هو فيه؛ لأن الناس اعتادوا منه سوء الخلق، وسيحاسبه الله عليه يوم القيامة.\nمعنى كون الولد (مجهلة).\nأي: أنه هو الذي يسبب الجهل لأبيه، فإذا خرج والده في طلب العلم منعه الولد لحاجته ومتطلباته، وغير ذلك مما يخص الولد.\nيعني: أن الولد يشغل أباه عن طلبه للعلم، فيصير جاهلًا.\nوقد تكون الزوجة أجهل من ولدها، والولد قد يحتمل، وأما الزوجة فلا تحتمل، فلا يخرج الزوج لدرس العلم إلا خفية من الزوجة، فيقول لها: سأذهب لآتي بكذا وكذا وكذا فتقول له: اذهب وفقك الله، ولو اشترى كتابًا لانتقدته أمه بأنهم ليس معهم مصاريف الأولاد وغير ذلك، حتى أنه يضطر في النهاية إلى شراء الكتاب بغير علمها.\nفطالب العلم يحتاج إلى صبر عجيب جدًا، صبر على شراء الكتاب، وصبر في المحافظة عليها، وصبر في الطلب، وصبر على الزوجة، وعلى الأولاد، وصبر من كل ناحية، وإن لم يكن صاحب حكمة وحنكة وفطنة وحسن تصرف في المواقف المتكررة كل ساعة وكل دقيقة فسيضيع مع أولاده ومع امرأته، فلا بد أن يجعل طالب العلم لقلبه ولوقته ولعلمه وقتًا مع كتاب الله ومع سنة رسوله، وحضور مجالس العلم وإلا سيضيع.\nوالشيخ ابن عثيمين وغيره يشرحون قوله ﷺ: (الولد مجبنة) فيما يتعلق بالجهاد.\nأي: إذا نادى منادي الجهاد يقولون له: انتظر إلى أين ستذهب؟ إن لديك أولادًا صغارًا، فمن سيربيهم؟ مع أن هؤلاء الأولاد هم الذين سيدمرونه ويضيعونه، فهو لن يطلب العلم بسبب العيال، ولن يجاهد حتى يجاهد في العيال، فالولد هو سبب كل بلية، والذكي هو من يعطي لكل ذي حظ حظه، ثم يدع الأمر بعد ذلك لله ﷿.\nوكم من شخص حرص كل الحرص على تربية أبنائه، ثم ما رباهم في النهاية؛ لأنه لم يتق الله ﵎ فيما تعين عليه هو أولًا، بل جعل كل همه في أولاده، وليست هذه دعوة لترك الأولاد والتفريط في حقهم، أبدًا، بل هذا مما قد تعين عليك، ولكنه تعين بقدر، فينبغي ألا تزيد عليه ولا أن تنقص منه.\nوالأصل في ذلك: قوله ﵊: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول).\nوفي رواية: (أن يضيع من يقوت).\nفعليه أن يعولهم ويطعمهم ويسقيهم ويعلمهم ويربيهم، ويعلمهم الإيمان بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل، وغير ذلك، فكل هذا داخل في عيالة الأولاد، وفي ا","vol":"14","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>كلام ابن عثيمين في الإيمان بالله</span>","vol":"14","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>بيان ما يتضمنه الإيمان</span>\nالشيخ ابن عثيمين حفظه الله لما تكلم عن الإيمان بالله ﷿ قال: (الإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده ﷾، والإيمان بربوبيته).\nأي: أنه متفرد بالربوبية، والإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بألوهيته، وأن ذلك لا يتحقق إلا من قبل السمع، والعقل، والحس، والفطرة.","vol":"14","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>الأدلة على معرفة الله تعالى</span>\nقال: (ومعرفة الله تعالى تتحقق أولًا: بالسمع.\nثانيًا: بالعقل.\nثالثًا: بالحس.\nرابعًا: بالفطرة).","vol":"14","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>دلالة العقل على معرفة الله ﷾</span>\nقال: (فأما دلالة العقل فنقول: هل وجود هذه الكائنات بنفسها؟ يعني: هل وجد هذا الكون وما فيه من سماء وأرض وأجرام ومجرات وآيات عظيمة بنفسها، أو وجدت هكذا صدفة؟ قال: فإن قلت: وجدت بنفسها فمستحيل عقلًا يعني: أن العقل يحيل أن توجد هذه الكائنات بنفسها؛ إذ إنها في أصلها عدم ثم أنشئت، فكيف تكون موجودة وهي معدومة؟ والمعدوم ليس بشيء حتى يوجد فضلًا عن أن يوجد).\nفهي لا يمكن أن توجد نفسها؛ لأنها في الأصل معدومة، والمعدوم لا يوجد نفسه، فكيف يوجد غيره؟ وإن قلت: وجدت صدفة فنقول: هذا يستحيل عقلًا أيضًا، فهل ما أنتج من الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات بأنواعها وجد صدفة؟ فلابد أن يقول: لا يمكن أن يكون ذلك، وكذلك هذه الجبال والشمس والقمر والنجوم والشجر والرمال والبحار وغير ذلك لا يمكن أن توجد صدفة كذلك، ولا يتصور أن هذا التقدم الحضاري الذي يمر به العالم الآن وجد هكذا صدفة؟ وهل وجدت الطائرة أو الصاروخ أو أي آلة إلكترونية من قبل الصدفة، أم درس ذلك دراسة علمية منضبطة على المنهج التقني والحديث؟ لابد وأن ذلك كان مدروسًا، فهذه الحضارة التي هي موجودة الآن التي عمرت الأرض شرقًا وغربًا لا يمكن أن يقول أحد أنها وجدت صدفة، وإذا كان الأمر كذلك فلابد وأن تكون مخلوقات الله ﷿ لها مدبر.\nويقال: إن طائفة من السمنية -وهم فرقة من أهل الهند- جاءوا إلى أبي حنيفة ﵀، فناظروه في إثبات الخالق ﷿، وهل الخالق لهذا الكون موجود أم غير موجود؟ وكان هذا في القرن الثاني الهجري، وكان أبو حنيفة من أذكى العلماء فوعدهم أن يجيبهم بعد يوم أو يومين، فذهبوا ثم عادوا بعد يوم أو يومين وقالوا: ماذا قلت؟ قال: أنا أفكر في سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء ونزلت الحمولة وذهبت وليس فيها قائد ولا حمالون.\nقالوا: تفكر بهذا يا أبا حنيفة؟! قال: نعم.\nقالوا: إذًا ليس لك عقل، فهل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! هذا ليس معقول.\nقال: كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟ فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم، وعجزوا عن جوابه.\nفهذا حجة عقلية في إثبات وجود الله ﷿، ونحن متفقون أن الله تعالى إنما وجبت معرفته بالسمع، ولا بأس بمعرفته استئناسًا بالعقل، والله ﵎ خاطب العقول الراجحة السليمة في القرآن في غير ما آية في عشرات ومئات الآيات، مثل قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [محمد:٢٤]، وغير ذلك من الآيات التي تخاطب العقل وتأمره بالتدبر والتفكر في آيات الله ﷿ وفي الخلق والكون وغير ذلك.\nوقيل لأعرابي من البادية: بم عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير.\nيعني: لو أن جملًا مشى في الصحراء لعرف أثر قدمه، والعرب كانوا يعرفون آثار الأقدام، ونحن في هذا الوقت لا نعرف ما يمشي إلا السيارة، وأما الأعراب فكانوا يعرفون أن الذي مشى من هنا معزة فلان، فكانوا يعرفون حتى لمن هي، فهذه حياتهم.\nوكان أحدهم يضع أذنيه قريبًا من الأرض، وقد يسمع أصواتًا من بعد فإذا نظر ولم ير أحدًا وإنما سمع دبيب الأرجل على الأرض علم أن هناك أناسًا جاءوا من الشمال أو من اليمين أو من الجنوب.\nفهذه حياتهم، وهم أئمة في ذلك.\nفهذا الأعرابي لما سئل: بم عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ بلى.\nولهذا قال الله ﷿: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥].\nيعني: أهم خلقوا من غير شيء فأوجدوا أنفسهم بعد أن لم يكونوا؟ أم هم الخالقون للكون؟ أم أنهم كانوا في الأصل عدمًا؟ فكيف أوجدوا أنفسهم فضلًا عن كيفية إيجادهم لغيرهم؟ فالعقل يدل دلالة قطعية على وجود الله ﷿، ولا بأس بأن نقول: معرفة الله ﵎ واجبة بالسمع، ولا بأس أن نستأنس بالعقل السليم الراشد.","vol":"14","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>دلالة الحس على معرفة الله ﷾</span>\nالحس يدل على وجود الله ﷿؛ فإن الإنسان يدعو الله ﷿ ويقول: يا رب! ويدعو بالشيء ثم يستجاب له فيه، فهذه دلالة حسية.\nفهو نفسه لم يدع إلا الله، وقد استجاب الله له، فهو قد رأى ذلك رأي العين.\nوكذلك نحن نسمع عمن سبق وعمن في عصرنا أن الله استجاب له، فهذه دلالة الحس على أن الشافي هو الله ﷿؛ لأنه طلب الشفاء فشفاه ﷾، فهذه دلالة حسية.\nوالأعرابي الذي دخل المسجد والرسول ﵊ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: (هلكت الأموال، وانقطعت السبل، وهلك الضرع والزرع، فادع الله يغيثنا.\nقال أنس: والله ما في السماء من سحاب ولا قزعة -يعني: قطعة سحاب- وما بيننا وبين سلع -وهو جبل في المدينة- من بيت ولا دار).\nيعني: أن الأرض كلها صحراء جرداء، وهم يرون السماء جيدًا ليس فيها سحاب ولا غمام، ولا شيء ينبئ عن نزول مطر، فلما دعا الرسول ﵊ (خرجت سحابة مثل الترس، وارتفعت في السماء وانتشرت وأرعدت وأبرقت، ونزل المطر، فما نزل الرسول ﵊ إلا والمطر يتحادر من لحيته ﵊).\nفهذه دلالة حسية، فقد دعا فاستجيب له.\nوالله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].\nويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].\nوهذا أمر واقع يدل دلالة حسية على وجود الخالق.\nوفي القرآن الكريم كثير من هذا، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤] ومع أن هذه دلالة حسية إلا أنها تشمل معها الدلالة السمعية كذلك، إذ هي آية من كتاب الله ﷿.","vol":"14","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>دلالة الفطرة على معرفة الله ﷾</span>\nالفطرة تدل على الله ﷾، فقد جاء في حديث النبي ﵊: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة).\nيعني: على التوحيد والإسلام، كما ورد في إحدى الروايات، (ما من مولود إلا يولد على فطرة الإسلام).\nيعني: على توحيد الله ﷿.\nوالناس الذين لم تنحرف فطرهم يؤمنون بوجود الله، حتى البهائم العجم تؤمن بوجود الله ﷿، وجاء في قصة سليمان ﵇: (أنه خرج يستسقي فوجد نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها نحو السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا سقياك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم).\nفالحشرات والحيوانات والبهائم والطيور ومنها الغراب والهدهد عرفوا الله ﷿ ووحدوه حق توحيده الذي يجب له وينبغي.\nإذًا الفطر مجبولة على معرفة الله ﷿ وتوحيده، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢].\nفلما خلق الله تعالى آدم أخرج من صلبه كل نسمة تكون إلى يوم القيمة مثل الذر، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، أي: ألست الخالق لكم، المدبر لجميع أمركم؟ ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].\nفلا تأتوا يوم القيامة وقت الامتحان والاختبار تقولون: كنا يا رب! من الغافلين.\nفإن الله ﷿ جبلكم وفطركم وخلقكم على توحيده وعبادته، فلا تنحرفوا عن ذلك وتقولوا غفلنا.\n﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٣].\nيعني: ليس لنا ذنب، ونحن سمعنا ووجدنا آباءنا مشركين فأشركنا.\nوهذا لا ينبغي أن يكون جوابًا يوم القيامة.\nفهذه الآية تدل على أن الإنسان مجبول بفطرته على شهادته بوجود الله وربوبيته، وسواء استخرجهم الله من ظهر آدم واستشهدهم، أو إن هذا هو ما ركب الله تعالى في فطرهم من الإقرار به؛ فإن الآية تدل على أن الإنسان يعرف ربه بفطرته.\nوأما دلالة الشرع فهو ما جاءت به الرسل من شرائع الله تعالى المتضمنة لجميع ما يُصلح الخلق، وهذا يدل على أن الذي أرسلهم بها رب حكيم رحيم عليم خبير، ولاسيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز البشر والجن أن يأتوا بمثله.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله ﵎ لي ولكم.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"14","page":17},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-253> هل الاسم هو المسمى</span>\nمسألة: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ مسألة في غاية التعقيد والصعوبة، وقد وجدت هذه المسألة في الأزمنة الأولى، وعلى جهة الخصوص في القرن الثالث الهجري، وذلك لما عربت كتب اليونان، ودخلت الفلسفة على المسلمين، والحق في هذه المسألة: أن الاسم هو المسمى، خلافًا لبعض الفرق المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، الذين خالفوا كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وإجماع المسلمين، ولغة العرب والعرف والعادة.","vol":"15","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>بداية ظهور مسألة الاسم والمسمى</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nثم أما بعد: فإن مسألة: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ مسألة في غاية التعقيد والصعوبة، ولا شك أنها مسألة قد صيغت في الأزمنة الأولى، وعلى جهة الخصوص في القرن الثالث الهجري، وذلك لما ظهرت الفلسفة، فتكلم المتكلمون في أسماء الله وصفاته، ووضعوا أمام أهل السنة العراقيل بزعمهم، واضطر أهل السنة إلى أن يردوا عليهم مفترياتهم، وأن يدحضوا الدخيل الذي لم يكن معلومًا لدى سلفنا رضي الله تعالى عنهم.\nفهل اسم الله يدل على ذات الإله؟ وهل لفظ الجلالة (الله) إذا أطلقناه نعني به ذات الله ﵎؟ وإذا أطلقنا لفظ (الخالق) هل هذا الاسم يدل على ذات الإله أم أنه منفصل عن الإله ﵎؟ أي: هل الاسم هو عين المسمى، أم أنه خارج عنه؟","vol":"15","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>إنكار الإمام أحمد لمسألة: هل الاسم هو المسمى</span>\nإن هذا الكلام لم يعرفه الصحابة ولا التابعون ولا أتباع التابعين؛ لأنهم علموا سلفًا أن الاسم هو المسمى؛ عرفوا ذلك بفطرهم، وبكتاب الله ﷿، ولم يخوضوا في معرفة هذا المصطلح، ولذلك لما ظهر هذا المصطلح في القرن السادس أنكره الإمام أحمد بن حنبل غاية الإنكار، ولم يجب عنه لا لجهل عنده، فإنه كان إمام أهل السنة والجماعة، وكان عالمًا بكل دقيقة وبكل صغيرة في عقيدة المسلمين، لكنه كره أن يسمع هذا المصطلح فضلًا أن يرد عليه، فتوقف فيه تمام التوقف، وقد نقل توقفه الإمام أحمد بن تيمية عليه ﵀ في المجلد السادس من كتاب الفتاوى، كما نُقِل توقفه كذلك في كتاب طبقات الحنابلة، وغير ذلك من كتب الاعتقاد، فقد كرهه وأبغضه غاية البغض؛ لأن هذا الكلام لم يكن معروفًا لدى السلف فلم الخوض فيه؟ ولم إنشاؤه الآن؟ وأحمد يعتقد أن السلف ﵃ونحن نعتقد كذلك- ما كان معلوم لديهم فهو دين الله ﵎، وما لم يكن معلومًا لديهم، فإنما يكره أو يحرم الخوض فيه لمن أتى من بعدهم؛ لأن السلف رضي الله تعالى عنهم ما عرفوا إلا الحق، وما أذاعوا بينهم إلا الحق والرضا.\nلكن من أتى بعدهم -بعد دخول العجمة والفلسفة- اضطروا أن ينساقوا خلف الفلاسفة، وخاصة بعد أن عربت كتب الفلاسفة اليونانيين في حكم الدولة العباسية، ودخل الإسلام من الشر ما دخله بترجمة هذه الكتب، وعانى أهل العلم معاناة شديدة للرد على كلام الفلاسفة الذي تأثر به بعض علماء الإسلام وخاصة الأشاعرة.","vol":"15","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>سياق ما فسر من كتاب الله وما روي عن رسول الله وورد من لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما فسر من كتاب الله تعالى، وما روي عن رسول ﵊، وورد من لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد].\nأي: إذا قلت: الله، فالمقصود ذات الإله، وذات الإله واسم الله شيء واحد، فالاسم هو المسمى، والمسمى هو الاسم.\nقال: [وأنه هو هو لا غير أي: أن الاسم هو المسمى، فلا شيء خارج عنه؛ لذا فالكلام في هذا الباب -هل الاسم هو المسمى- هو ضرب من ضروب الكلام عن القرآن الكريم، وأنه كلام الله تعالى غير مخلوق؛ لأن المعتزلة على جهة الخصوص قالوا: الاسم ليس هو المسمى، ومرادهم بهذا: أن الله ﵎ كان ولم يكن له اسم، ثم بعد أن كان أوجد أسماءه، والذي يقول: إنه أوجد أسماءه يلزمه أن يقول: إن أسماء الله تعالى لم تكن ثم كانت، ثم يلزمه تباعًا أن يقول: إن أسماء الله تعالى حادثة، وكل حادث لابد وأنه إلى زوال وفناء، فيلزمهم أن يقولوا: إن أسماء الله تعالى كلها مخلوقة كما قالوا في صفة الكلام لله ﷿، وهو القرآن الكريم، فقد قالوا: إنه مخلوق، أي: حادث، وأسماء الله تعالى ليست هي عين المسمى؛ فيلزمهم أن يقولوا: إن الفناء يطرأ على هذه الأسماء، فكان الله ولم يكن له اسم، ثم تسمى بهذه الأسماء بعد ذلك؛ فيلزمهم أن يقولوا: إن كل هذه الأسماء لابد وأن يحصل عليها الفناء.\nإن الذي يقول: إن أسماء الله ليست هي الله تعالى، أو ليست هي المسمى، وليست هي عين المسمى؛ يلزمهم أن يقولوا: إن أسماء الله تعالى حادثة، أي: أوجدت وأنشئت بعد أن لم تكن، والذي يقول بهذا الاعتقاد يقول: إنها لابد أن تفنى، فإن الله كان بلا أسماء، وكأنهم أرادوا أن يقولوا: إن الله ﵎ كان بغير اسم الرزاق، ولم يستحق هذا الاسم إلا بعد أن رزق، وكان بغير اسم الخالق، وما استحق أن يكون خالقًا إلا بعد أن خلق، وغير ذلك من أسماء الله ﷿، وهذا كلام في غاية البطلان والفساد.\nبل قال أحمد بن حنبل: من قال بذلك فهو كافر؛ قياسًا على كلامه في موقف المعتزلة من كلام الله ﷿، فلما سئل عن القرآن: أهو مخلوق؟ قال: لا، إن القرآن كلام الله تعالى، وهو صفة من صفاته غير مخلوقة، ومن قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر.","vol":"15","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>أدلة أهل السنة والجماعة على أن الاسم هو المسمى</span>\nوحجة أهل السنة والجماعة على أن الاسم هو المسمى، أو هو عين المسمى ما يلي: [قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:١ - ٢]، وقال ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]].\nأي: عندما تدعون الله ﵎ فإنكم لابد أن تدعونه بأسمائه الحسنى؛ إذ أنه ﵎ لا يمكن أن تناديه بغير اسمه، بل ولا يتصور هذا، فتقول: يا رحمان يا رحيم يا قابض يا خالق يا رزاق يا بارئ يا مصور يا مهيمن يا عزيز يا جبار، وغير ذلك من أسمائه الحسنى، لكن لو رفعت يديك إلى السماء وأردت أن تدعو الله بغير اسمه فإنك ستعجز عن الكلام، وتعجز عن الدعاء؛ لأنه لابد وأن تذكره باسم من أسمائه، ولا يتصور أن الله ﵎ كان بغير اسم، ولم يستحق أن يسمى إلا بعد أن خلق له أسماء، لذا فإن من يقول: إن أسماء الله وصفاته مخلوقة، لابد وأن يقول: إنها فانية؛ لأن الله في نظره وفي زعمه كان بلا أسماء، وسيكون في آخر الزمان بلا أسماء كذلك، ولا شك أن هذا قول كذب ومفترى، بل هو الكفر البواح والصريح.\nقال: [وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:٦٥]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش:٣]، ولم يقل أحد من العقلاء: من اسمه: رب هذا البيت).\nلأنهم يعلمون أن لله أسماء حسنى، وصفات عليا قد تسمى بها أزلًا، ولا تزال هذه الأسماء باقية إلى أبد الآبدين.\nقال: [ولم يقل أحد من العقلاء من اسمه: رب هذا البيت، ولا قال أحد: ادع الذي اسمه: الله]، وإنما يقولون: ادعوا الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش:٣]، وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].\nولأن دعاء الاسم بخلاف دعاء المسمى، فعند إطلاق الاسم على الآدمي لابد وأن تعلم أن أسماء المخلوقين مخلوقة، بخلاف أسماء الخالق ﵎ فإنها غير مخلوقة، ولذلك يقول الله ﵎: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] أي: علم آدم بعد أن كان جاهلًا، وبعد أن لم يكن يعلم اسمًا من الأسماء، فالله خلقه جاهلًا ولم يخلقه عالمًا، ولذلك قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]، وهذا يدل على أنه قبل تعليم الله له لم يكن عالمًا بهذه الأسماء، وهذه الأسماء مخلوقة لآدم ومخلوقة في آدم، أي: أن الله تعالى خلقها وعلمها لآدم بعد أن كان جاهلًا بها.\nولذلك فاسمك مخلوق، والاسم الذي ركب فيك وركب عليك كذلك مخلوق، ولذلك عندما يأتي المولود فيقال: نسميه إبراهيم، فيقول آخرون: بل نسميه محمدًا، ويقول ثالث: بل نسميه سعدًا، والرابع: يسميه سعيدًا، وغير ذلك، ثم يستقر اسم ذلك الولد على ما قدره ربه ﵎ في اللوح المحفوظ، والذي سجله ربه ﵎ هناك.\nثم انظر يا عبد الله! ألا ترى أنك تسمى حليمًا وليس فيك شيء من الحلم، وتسمى لطيفًا وليس فيك من اللطف شيء، فلا يلزم أن يدل الاسم على المسمى؛ لأنك مخلوق واسمك كذلك مخلوق، بخلاف المولى ﷿، فإنه خالق كل شيء، وهو ﷾ ليس مخلوقًا، وإنما هو الإله الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وكذلك أسماؤه ﵎ وصفاته العلى، فإنها ليست مخلوقة، وإنما هي أسماء وصفات أزلية أبدية ليست بمخلوقة.\nوهنا نقول: إن أسماء المخلوقين مخلوقة ولا تدل باللازم على المسمى؛ لأن المرء يسمى محمدًا وليس فيه من الحمد شيء، ويسمى أحمد وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من أسماء أفراد هذه الأمة المحمدية وهم تاركون للصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وللأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهل هذا يدل على حمدهم لله، وشكرهم لله، وإنابتهم وإخباتهم لله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، فإن أسماء المخلوقين مخلوقة، وليس بلازم أن يدل على عين المسمى، بخلاف المولى ﵎ فإنه لما كانت ذاته ﵎ ليست مخلوقة، وذوات المخلوقين مخلوقة، اختلفت الذات عن الذات، وبالتالي لابد وأن تختلف الصفات عن الصفات، إذ إن صفات الله ﵎ غير مخلوقة تبعًا لذات المولى ﵎.\nوأما ذات المخلوقين لما كانت مخلوقة فلابد وأن تكون أسماءهم وصفاتهم كذلك مخلوقة، ولذلك لم يقل أحد من العقلاء: يا أيها الناس! ادعوا من اسمه الله، وإنما يقال: ادعوا الله مباشرة؛ لأن اسم (الله) يدل على ذات الإله، ولا يلتفت عنه قط، وأن ذات الاسم هو ذات المسمى.\nوقال ﵎: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُ","vol":"15","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>من أعظم الشرك أن يقال: إن العبادة لاسمه، واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق</span>\nقال: [ومن أعظم الشرك أن يقال: إن العبادة لاسمه واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق].\nفانظر إلى هذا اللبس وهذا الخلط، فرب رجل من المعتزلة يأتينا فيقول: من تدعون؟ فنقول: ندعو الله، فيقول: لا، أنتم الآن تدعون اسمًا من أسماء الله، ولا تدعون ذات المسمى، وهو الله ﵎، وأنتم بهذا قد أشركتم بالله! وهذا لبس وخلط، ولذلك رد عليهم الإمام فقال: [ومن أعظم الشرك أن يقال: إن العبادة لاسمه واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق]؛ إذًا: فأنت الآن تدعو المخلوق كما تدعو السيد البدوي، والسيدة زينب، ونفيسة وغيرهم من الأولياء، وعليه فما الفرق عندكم -المعتزلة يوجهون هذا السؤال لأهل السنة- بين من يدعو البدوي وبين من يدعو اسمًا من أسماء الله؟! فنقول لهم: إن الفرق شاسع وكبير جدًا؛ لأننا نعتقد أولًا: أن الاسم هو المسمى، والأمر الثاني: أننا نعتقد أن أسماء الله تعالى لازمة لذاته لا تنفك عنه، فهي أزلية أبدية وليست بمخلوقة.\nقال: [وهذا قول المعتزلة والنجارية وغيرهم من أهل البدع والكفر والضلال.\nوقال ﵎: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١].\nوقد أجمع المسلمون على أن (هو) إشارة إليه، وأن اسمه (هو).\nوقال ﵎: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦]، فأمر الله ﵎ أن يذكر اسمه على البدن حين نحرها للتقرب إليه سبحانه]، ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ ولم يقل: اذكروا ذات الله، ليدل على أن الاسم هو المسمى.\nفإذا دعونا الله ﵎ فإنا نقول: باسم الله أذبح وأتقرب إلى الله، وباسم الله أجامع، وباسم الله آكل، وباسم الله أشرب، وباسم الله أمشي، وباسم الله أتوكل عليه، وأفعل كيت وكيت.\nبينما المعتزلة إذا سمعونا نقول ذلك يقولون: أنتم تدعون الاسم دون المسمى! فنقول لهم: وإن كان الأمر كذلك فإن الله قد أمرنا بذلك، وعندنا في ذلك بدل النص عشرات النصوص؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]، ولم يقل: فاذكروا ذات الله؛ ليدل على أن الاسم هو المسمى.\nقال: [وعلى مذهب المبتدعة: لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجزيه؛ لأن هذه الأسماء مخلوقة، وأسماء الله ﷿ عندهم مخلوقة].\nأي: أنهم يقولون: لا فرق بين أن تدعو اللات والعزى، وأن تدعو الله؛ لأنك بهذا كله إنما تدعو أسماء، سواء دعوت أسماء هذه الآلهة، أو أسماء الله ﵎، فالكل عندهم مخلوق، والكل عندهم نداء لغير الله ﷿.\nقال: [وقال في آية أخرى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٨])، ولم يقل سبحانه: فكلوا مما ذكر ذات الله.\nوقال في موضع آخر: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١].\nوقال ﵎: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٧٨]-ولم يقل: تبارك ذات ربك- وقال في آية أخرى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٤]، وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]].","vol":"15","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>إجماع المسلمين على أن المؤذن إذا قال كلمة التوحيد فقد أتى بالتوحيد وأقر بالنبوة</span>\nقال: [وأجمع المسلمون: أن المؤذن إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ فإنه قد أتى بالتوحيد].\nأي: أقر بتوحيد الله ﷿، وأنه قد دعا الله ﵎ بأسمائه وصفاته العلى.\nقال: [وأقر بالنبوة]؛ لأنه شهد أن محمدًا رسول الله، ولذا فلا يتصور أن واحدًا يقول: إن من قال: أشهد أن محمدًا رسول الله؛ إنه قد دعا الاسم دون المسمى! كما أن واحدًا لو ناداك وقال: قبحك الله يا زيد! وأنت اسمك زيد، فأردت أن تعاتبه فقال لك: أنا ما أردت تقبيح ذاتك، وإنما قبحت الاسم، ولا علاقة لك به، فهل يتصور ويعقل ذلك؟! إن هذا الكلام كله خلط ولا قيمة له، بل حتى في لسان العرب لا تجد مثل هذا الكلام؛ لأن الاسم عين المسمى.\nثم قال: [فإنه قد أتى بالتوحيد، وأقر بالنبوة إلا المعتزلة، فإنه يلزمهم أن يقولوا: أشهد أن الذي اسمه (الله) لا إله إلا هو، وأشهد أن الذي اسمه (محمد) هو رسول الله].\nولا يتصور أن يقبل هذا جاهل ولا عالم، فإذا قلنا له: لماذا قلت هذا؟ قال: لأنني اعتقد أن الاسم غير المسمى، وإذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، فأنا الآن أنادي الاسم دون المسمى، وإذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فإنني أشهد للاسم بالنبوة والرسالة دون المسمى! وهذا الكلام غير صحيح، وقد أجمع أهل السنة والجماعة على خلاف ذلك.\nولذلك قال المصنف: [وهذا خلاف ما وردت به الشريعة، وخلاف ما عليه المسلمون، وكذلك هذه الأيمان التي بالله ﵎ كلها عندهم يجب أن تكون مخلوقة].\nأي: لو أنك قلت: والله والبارئ والخالق والمصور وغيرها من أسمائه ﵎، فكلها أيمان باطلة؛ لأنهم يقولون: إنك قد ناديت المخلوق، وهم بهذا -أي: المعتزلة- يريدون أن يسحبوا ما قالوه في كلام الله ﷿ على بقية أسماء الله وصفاته، وبالتالي يجرون جميع الأحكام التي قالوها في القرآن على بقية أسماء الله وصفاته، فيقولون: لا يجوز الحلف بالله، ولا بأسمائه، ولا صفاته؛ لأنها مخلوقة، وإذا حلفت بالله أو بأسمائه أو بصفاته؛ فإنما تحلف بالمخلوق، وبالتالي تكون مشركًا.\nفتأمل إلى زعزعة الثوابت في قلوب المسلمين، فهي ليست وليدة اليوم، نعم ظهر الآن في المسلمين بغال وحمير يشككون في الثوابت والأصول كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك، لكن زعزعة هذه الأصول على ألسنة هؤلاء الحمير والبغال لها أصول قديمة جدًا، فتجد أنه ينعق بها اتباع كل ناعق، واتباع الحمير والبغال في الشرق والغرب؛ ليزعزعوا التوحيد في قلوب أهل السنة والجماعة.\nوأنا متأكد أنه لو سألك سائل في الشارع: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ فإنك ستقول له: ما هذا؟ من أين أتيت بهذا الكلام؟ ما هو الاسم؟ وما هو المسمى؟ فسيقول لك: الاسم ليس هو المسمى؛ لأن أسماء الله مخلوقة، فيلبس عليك دينك، وتعود إلى بيتك بغير عقيدة أهل الإيمان وأهل التوحيد؛ لأنك بعدت كل البعد عن العلم، وعن طلب العلم، ثم إن هذه المسائل قد استعجمت على كثير من أهل العلم في السابق، فلم لا تعجم عليك يا عبد الله؟! ثم اعلم أن أصحاب البدع متخصصون في بدعهم، فقد علموا عنها كل كبيرة وكل صغيرة، وأحاطوا بها علمًا، بل قد صنفوا وألفوا فيها الشبهات التي إذا ألقوها على جهلة المسلمين لتحيروا وتاهوا وضلوا، والعلم حابس لصاحبه ولأهله، فبالعلم تعصم من الضلال وتعصم من الغواية، وأما بغير العلم فإنه إذا ألقيت عليك شبهة تشربها القلب.\nوأنا أنبه على أن العلم واجب على كل مسلم ومسلمة، قال النبي ﵊: (طلب العلم واجب على كل مسلم)، ويدخل فيه تبعًا النساء، وهذا هو العلم الضروري الذي لا يمكن للمرء أن يستغني عنه، وإذا لقي الله ﵎ بغيره فقد لقيه بتقصير شديد، والله تعالى يؤثمه في الدنيا، ويحاسبه على هذا التقصير يوم القيامة.\nوإن من ألزم العلوم وأفرضها: علم العقيدة؛ لأنه يتعلق بذات الإله ﵎، ولا يسعك أن تجهل إلهك ومعبودك، ولا يتصور أنك تعبد إلهًا وأنت لا تعرفه، وتتقي إلهًا وأنت لا تدري ما تتقيه؟ ومن تتقي؟ وبماذا تتقي؟ ولذلك من الخبط والعشواء أن تعبد إلهًا لست عارفًا به، وأن تتقي إلهًا وأنت لا تدري من هذا الذي تتقيه؟ وما الذي في قدرته وإمكانه؟ وكيف تتقيه؟ وبماذا تتقيه؟ فالاسم عند أهل السنة هو المسمى، وعند غير أهل السنة والجماعة الاسم غير المسمى، وبالتالي فإن أسماء الله تعالى مخلوقة.","vol":"15","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>أمثلة من السنة على أن الاسم هو المسمى</span>\nقال: [وروي عن النبي ﵊ أنه كان يقول في دعائه: (باسمك اللهم أحيا وأموت»، ولم يقل: بذاتك يا من سميت نفسك الله].\nوهذه سنة عظيمة لمن أراد أن ينام، فيتوضأ وضوءه للصلاة، ثم ينام على جنبه الأيمن، ويضع يده تحت خده الأيمن، ثم يقول هذا الدعاء: (باسمك اللهم أموت وأحيا) أي: أموت الموتة الصغرى وهي النوم، ثم أحيا منها بإذنك يا رب! وباسمك يا رب! قال: [وكان النبي ﷺ يستشفي للمرضى -أي: يطلب لهم الشفاء من الله ﵎- بقوله: (أعيذك بكلمات الله التامة)، وكلمات الله ﵎ التامة غير مخلوقة].\nوالنبي ﵊ إنما كان يستشفي للمرضى بصفات الله ﷿، وهي ليست مخلوقة، فقد كان يستعيذ بكلام الله العظيم ﵎، وكان يعوذ بها الحسن والحسين.\nقال: [وجبريل حين اشتكى رسول الله ﵊ عوذه بها -أي: أن جبريل ﵇ عوذ النبي ﵊ بكلمات الله التامة- ثم قول الناس في الأدعية: اللهم اغفر لي وارحمني، لا أن يقولوا: يا من سميت نفسك (الله) اغفر لنا وارحمنا؛ لأنهم يعلمون أن الاسم هو المسمى، قال: معناه عندهم -أي: عند المعتزلة-: من اسمه الله -الذي هو مخلوق- اغفر لي!].","vol":"15","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>كفر من زعم أن الاسم غير المسمى</span>\nقال: [وهذا -أي الذي عند المعتزلة- كفر بالله، وخلاف كتاب الله ﵎، وسنة رسوله الكريم، وإجماع المسلمين، ولغة العرب، والعرف والعادة].\nأي: أن معتقد المعتزلة يخالف هذا كله، إذ ليس له مستند من كتاب، ولا سنة، ولا معقول، ولا منقول، ولا عادة، ولا عرف، وتصور قولًا لا يستند إلى شيء من هذا كله! وأما قول أهل السنة والجماعة فيستند إلى هذا كله، فلابد وأنه الحق كل الحق، وما بعد الحق إلا الضلال.","vol":"15","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>بيان بطلان مذهب أن الاسم غير المسمى في لغة العرب</span>\nقال: [فأما لغة العرب: فهل العرب كانوا يعرفون أن الاسم هو المسمى أم أنهم يعرفون أن الاسم غير المسمى؟ وما قولهم في ذلك؟ يقول الأصمعي ومعمر بن المثنى: إذا رأيت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة.\nوعن خلف بن هشام البزار المقري أنه قال: من قال: إن أسماء الله مخلوقة فكفره عندي أوضح من هذه الشمس، وأشار إليها].\nوالذي يقول: إن أسماء الله غير ذاته؛ يلزم من ذلك أن يقول: إن أسماء الله مخلوقة، ومن قال بذلك فكفره أوضح من هذه الشمس.","vol":"15","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>ذكر العلماء الذين قالوا: إن الاسم هو المسمى</span>\nقال: [ومن الأئمة: الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ونعيم بن حماد ومحمد بن أسلم الطوسي ومحمد بن جرير الطبري، وكل هؤلاء يقولون بذلك، وقد أجمعوا عليه.\nفهذا سفيان بن سعيد الثوري يروي بسنده عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال: (كان النبي ﵊ إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم باسمك أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور).\nوعن ابن عباس قال: (كان النبي ﷺ يعوذ حسنًا وحسينًا فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة.\nوكان يقول: كما كان أبوكما يعوذ به إسماعيل وإسحاق)].\nيعني: أن هذا كان تعويذ إبراهيم ﵇ لولديه إسماعيل وإسحاق.","vol":"15","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>تابع الأدلة من السنة على أن الاسم هو المسمى</span>\nقال: [وعن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: (أما إن أحدكم لو يقول وهو يجامع -أي: يجامع امرأته-: باسم الله)]، ولم يقل: باسم الذات التي سمى نفسه الله؛ لأن اسم الجلالة يدل على ذات الله، بل هو ذات الله ﵎.\nقال: [(باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قضي بينهما بولد لم يضره الشيطان أبدًا)]، أي: لم يقربه الشيطان أبدًا، والحديث في الصحيحين.\nقال: [وقال أبو هريرة ﵁: (جاء رجل إلى رسول الله ﵊ فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ -أي: إني لقيت ما لقيت من سم ذلك العقرب الذي لدغني- فقال له النبي ﵊: أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضرك)].\nأي: لو أنك قلت يا عبد الله! حين دخل عليك المساء: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضرك شيء حتى تصبح.\nوكلمات الله التامات ليست مخلوقة؛ لأنها صفة من صفاته ﵎، وصفاته غير مخلوقة.\nقال: [وعن عائشة: (أن النبي ﵊ كان إذا اشتكى رقاه جبريل ﵊ فقال: باسم الله أبريك)]، أي: أطلب لك البراءة والبرء والعفو والعافية من الله ﷿.\n[وفي رواية: (باسم الله أرقيك، من كل داء يشفيك، من شر كل ذي عين، ومن شر كل حاسد إذا حسد).\nوفي حديث أبي سعيد: (أن جبريل أتى النبي ﵊ فقال: اشتكيت يا محمد؟ -أي: هل اشتكيت يا محمد علة؟ - فقال: نعم، فقال جبريل ﵇: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس وعين، الله يشفيك، باسم الله أرقيك).\nوقال أبو سعيد الأصمعي: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة.\nوقال أبو بكر ابن أبي داود السجستاني صاحب كتاب المصاحف: من زعم أن الاسم غير المسمى فقد زعم أن الله غير الله، وأبطل في ذلك -أي: أبطل في هذا المدعى، وتكلم بالباطل- لأن الاسم غير المسمى في المخلوقين، لأن الرجل يسمى محمودًا وهو مذموم، ويسمى قاسمًا ولم يقسم شيئًا قط، وإنما الله جل ثناؤه واسمه منه، ولا نقول: اسمه هو، بل نقول: اسمه منه ﵎.\nأي: أن الاسم هو الذات ومن الذات، وليس منفصلًا عنه؛ لأنك لو قلت: إن الأسماء منفصلة عن الذات فلابد وأن تقول: بأنها مخلوقة، وهذه وصمة عظيمة جدًا.","vol":"15","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>مناقشة المعتزلة حول الاسم والمسمى</span>\nقال: [فإن قال قائل: إن اسمه ليس منه فإنه قال: إن الله مجهول!] أي: لو قال رجل: إن اسمه ليس منه فإنه يلزمه أن يقول: إن الله مجهول؛ لأن الله لا تتعلق به أسماؤه، وليست لازمة لذاته، والله كان بغير اسم، أي: كان مجهولًا لدى ذاته ثم وجد، لكن الله لما علم أن ذلك نقص وعيب سمى نفسه بأسماء؛ حتى يحصل له التمام، ومن قال بذلك فقد كفر؛ لأن نسبة الجهل إلى الله تعني نسبة النقص إلى الله ﷿، والله متصف بكل كمال وجلال وعظمة، ومن قال: بأن الاسم غير المسمى يلزمه أن يقول: إن الله كان بغير أسماء، وهذا عيب ونقص، والله منزه عن العيب والنقص.\nقال: [فإن قال: إن له اسمًا وليس به]، أي: لو قال المعتزلي: نحن سنوافقكم على أن الله ﵎ أسماؤه أزلية، أي: كانت له الأسماء، لكنها ليست قائمة ولازمة به، فإنه لابد وأن يقول: إن مع الله إله آخر؛ لأن الأسماء لابد وأن تدل على الذات، فهل -يا معتزلي! - قولك: بأن الله كان وأن أسماءه كانت كذلك، لكن الأسماء لم تكن لازمة له في أول الأمر؛ هل يتصور اسم بغير مسمى، أو مسمى بغير أسماء؟ فإذا قلت: إن الاسم لم يكن له أسماء لازمة به؛ فيلزمك أن تقول بالجهالة، وأن الله كان مجهولًا، وإذا قلت: بأن الأسماء كانت لكنها ليست لازمة لله ﵎؛ فيلزمك بأن تقول: بأن هذه الأسماء كانت موجودة على غير مسمى، وهل يتصور اسم بغير مسمى؟! لا يتصور ذلك في المخلوقين، فكيف بالخالق ﵎؟! أي: لو قلت: أما رأيت يا فلان! ذلك الرجل الذي اسمه زيد؟ فيقول: هو ابن من؟ فستقول له: هو ابن إبراهيم، فسيقول: إبراهيم هذا لم ينجب له بعد، فستقول له: أعرف ذلك، لكنه ولد جميل ولطيف، وصاحب شعر أصفر، وعيون زرقاء أو خضراء، فسيقول لك: يا فلان! ما الذي جرى لك؟! أتصف رجلًا غير موجود؟! فستقول له: نعم باعتبار ما سيكون بإذن الله، فسيقول لك: أنت مجنون؛ لأنك تصف بهذا الإتقان وبهذه الدقة ذاتًا غير موجودة، ولأنه لا يتصور أسماء بغير مسمى.\nوالمعتزلة أو بعض المعتزلة أحبوا أن يوافقوا أهل السنة في أن أسماء الله تعالى أزلية، لكنهم خالفوهم في أن الأسماء ليست هي عين المسمى، فالمسمى يكون بغير أسماء، والأسماء موجودة لكنها في جانب آخر، وليست ملازمة لعين المسمى، وليست هي عين المسمى ولا ذات المسمى، فنقول لهم: أنتم بهذا يلزمكم أن تنسبوا الجهالة لله ﷿، وأنه غير معروف باسم من الأسماء، وأن هذه الأسماء إنما وجدت على غير مسمى، وهذا خبل لا يتصور.\nوكل هذا الكلام الذي قلناه هو من الفلسفة، ولو كان هنا صحابي موجود بيننا فإنه سيتركنا ويرحل، أو لو أن الله تعالى أسقط رجلًا من القرون الأولى بيننا الآن وسمع كلامنا هذا؛ فإنه سيترك هذا المسجد؛ لأنه تربى تلك التربية النبوية، لا على هذا الكلام الفلسفي.\nوالذي جبر علماء الإسلام وعلماء أهل السنة والجماعة على أن يذكروا هذا الكلام هو ذلك الضلال الذي استورد ودخل على المسلمين، حتى أثر في كثير من قلوب أبناء الأمة الإسلامية، فاضطر أهل العلم اضطرارًا إلى أن يدخلوه في هذا الباب ليردوه.\nفهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ألف كتابًا وسماه: نقض المنطق، وهو القائل: من تفلسف فقد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق، وكان ﵀ إمامًا في الفلسفة والمنطق، والذي جبره على ذلك هو أن يسقط عن هذه الأمة فرض كفاية، وليرد على الفلاسفة وينكر كلامهم، ولو دخل إلينا الآن رجل وقال: أنا أريد أن أعرف هل الله موجود أو ليس بموجود؟ فسنقول له: الله موجود؛ لأن الله تعالى قال كذا وكذا، ويكفي، لكن إن قال: أنا كافر بالكتاب والسنة، فلا تحتج علي بشيء منهما لأنه أصلًا قد أنكرهما وأجحدهما، وبالتالي لابد من حجة عقلية تتناسب مع منهجه، وهذا هو الكلام الفلسفي.\nوهذا الكلام لم يكن موجودًا في الزمن الأول؛ لأن العربي كان عنده حلاوة وتذوق لكلام الله ﷿، فكان ما أن يسمع الآية إلا ويعلم أن هذا كلام الإله العليم القدير، ولا يمكن أن يكون هذا كلام محمد ﵊؛ فأين بلاغة النبي ﷺ من بلاغة القرآن الكريم؟! ومع هذا فقد كان النبي ﵊ من أبلغ العرب، بل هو أبلغ وأفصح من خلق الله ﷿، ومع هذا فبلاغته شيء وبلاغة القرآن شيء آخر؛ لأن بلاغة القرآن معجزة، وبلاغة النبي ﵊ ليست معجزة؛ لأنها من كلام العرب، وأما القرآن فهو كلام الله ﵎، فهو المعجزة الخالدة الباقية على مر الدهر والزمان.","vol":"15","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>أمثلة من السنة وغيرها على أن الحلف لا يكون إلا باسم أو صفة من صفات الله</span>\nقال: [قال أبو بكر بن حماد: سمعت خلف بن هشام فيمن قال: الاسم غير المسمى، وهو ينكر أشد النكارة، ثم قال: لو أن رجلًا شتم رجلًا على قول من قال هذه المقالة -أي: على قول المعتزلة- فقال للرجل بعد أن شتمه: أنا لم أشتمك، وإنما شتمت الاسم]، والاسم غير المسمى، فإنه سيغضب غضبًا شديدًا.\nوإن كان الرجل معتزليًا وقلت له: إذا كنت تقول: إن لله ﷿ أسماء، وهذه الأسماء غير المسمى، وهذه مسألة مجمع على خلافها عند أهل السنة والجماعة، وإجماع أهل السنة والجماعة في المخلوقين أن الأسماء غير المسميات، بل قد يكون اسمك محمودًا وليس عندك شيء من الحمد، ويكون اسمك عابدًا وأنت ضال، ويكون اسمك صالحًا وأنت طالح، فالاسم غير المسمى في المخلوقين، ومع هذا لو قلت لعابد: يا عاصي! فإنه سيغضب، مع أنه قد يكون من المسابقين في الفروض والسنن والمستحبات، وواقع في كل إثم وذنب ومعصية، فلو ناديته بغير اسمه الذي يعرفه فإنه سيغضب.\nثم قال: [ولو أن رجلًا حلف بالله على مال رجل لم يلزمه في كلامه حنث]، أي: لم يلزمه على كلام المعتزلي حنث؛ لأن الحلف عندهم بأسماء الله شرك، وأسماء الله مخلوقة، ولا يلزمه إلا التوبة؛ لأنه وقع في الشرك لا في الحنث، فانظر إلى هذه الثوابت عندنا وقد زعزعها المعتزلة! فإن قيل لهم: ماذا تقولون في كلام النبي ﵊: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)؟ فهنا أخذ المعتزلة هذه النصوص وأمثالها فأولوها، وقالوا: تأويلها: احلفوا بالذات التي اسمها الله! فإن قيل لهم: إذا أراد المرء أن يحلف فبماذا يحلف؟ إن حلف وقال: والله العظيم لم أفعل كذا؛ فإنه مشرك عند المعتزلي؛ لأنه حلف بالمخلوق، وهذا المخلوق هو الاسم وليس المسمى، والاسم غير المسمى، والأسماء مخلوقة، فلو قلت: والله، فإنما تدعو المخلوق دون الخالق، والخالق اسم أيضًا، فلن يقول: دون الخالق، بل سيقول: دون الذات؛ لأن الخالق اسم، فما الفرق بين الله وبين الخالق؟! وما الفرق بين الله وبين الرحمن؟ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:١١٠]، فكلها أسماء لله ﵎، وهو الذي قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، والضمير هنا يعود على الأسماء لا على المسمى نفسه؛ لأن الاسم يدل على ذات المسمى، بل الاسم هو المسمى، ولذلك قالوا: يحلف العبد بالذات التي اسمها الله.\nلكن لو أن شخصًا حلف بهذه الصيغة عند القاضي لأنكر عليه أشد الإنكار، ولقال له: أتضحك علينا أم ماذا؟ بل إن الذين انتكست فطرهم لا يتفقون مع المعتزلة في ذلك.\nقال: [ولو أن رجلًا حلف بالله على مال رجل لم يلزمه في كلامه حنث على قول من قال هذه المقالة، ويقول: إنما حلفت بالاسم فلم أحلف بالمسمى].\nويدور أمر الإسلام على هذا الاسم، قال النبي ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، ولم يقل ﵊: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: نشهد أن الذات التي من أسمائها الله هي الإله؛ لأن الله هو ذات الإله وذات المسمى ﵎.\nقال: [أرأيت الوضوء حين يبدأ فيه الإنسان يقول: باسم الله، فإذا فرغ قال: سبحانك اللهم؟ ورأيت الأذان أوله: الله أكبر، ولا يزال يردد أشهد أن لا إله إلا الله؟ ثم رأيت الصلاة حين يفتتح بقوله: الله أكبر؛ لا يزال في ذلك حتى يختم بقوله: السلام عليكم ورحمة الله.\nولم يقل: ورحمة الذات التي من أسمائها الله، فأولها وآخرها الله].\nأي: أن أول الصلاة: الله أكبر، وآخر الصلاة: السلام عليكم ورحمة الله، فأول الصلاة الله وآخر الصلاة الله؛ لأن هذا الاسم هو ذات المسمى، فهل يتصور أنك تصلي لغير الله؟! وإذا كنت تقول: الله أكبر، فهل يعقل أن تقول: إن كلمة (أكبر) صفة للاسم دون المسمى؟ وإذا قلت: الله أكبر، فأنت قد كبرت الاسم دون المسمى؟ وبالتالي صليت لغير المسمى، وعبدت غير المسمى، وأطعت غير المسمى، وهذا الكلام كله خبل.\nقال: [ورأيت الذبيحة باسم الله]، أي: إذا أردت أن تذبح الذبيحة فتقول: باسم الله.\nقال: [أمر الإسلام يدور على هذا الاسم، فمن زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر، وكفره عندي أوضح من هذه الشمس].","vol":"15","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>أقوال أهل العلم في تكفير من زعم أن أسماء الله مخلوقة</span>\nقال: [قال إبراهيم بن هانئ: سمعت أحمد بن حنبل وهو مختفي عندي -وابن هانيء من تلامذة أحمد بن حنبل، وفي الفتنة اختبأ عنده أحمد بن حنبل في بيته- فسألته عن القرآن، فقال: من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر].\nولم يجيبه عن القرآن فقط، بل عمم الجواب ليشمل جميع الأسماء، وفي ذلك رد على المعتزلة وبعض الخوارج وبعض الشيعة القائلين بأن أسماء الله مخلوقة.\nقال: [قال إسحاق بن راهويه: أفضوا إلى أن قالوا -أي: تكلموا مع إسحاق بن راهويه حتى بلغوا إلى أن قالوا-: أسماء الله مخلوقة؛ لأنه كان ولا اسم، وهذا الكفر المحض].\nقوله: (كان الله ولا اسم) هو قول المعتزلة، ومعناه: كان الله ﵎ وليس له اسم، كالمولود يولد ولا اسم له، ثم بعد ذلك نسميه في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع أو السابع، والسنة قد صحت بتسمية الولد في اليوم الأول كما روى ذلك أبو داود، وصحت التسمية كذلك في اليوم السابع.\nوالمهم أنني أريد أن أقول: إن المولود يولد بغير اسم، ثم يسمى بعد ذلك، والذي يقول: إن الله كان ولا اسم له يلزمه أن يشبه الخالق ﵎ بالمخلوق، بل يلزمه أن يقول: إن الذات كالذات تمامًا؛ لأن الصفات تصور عن الذات، والله ﵎ إذا اتصف بصفات، وتسمى بأسماء؛ فإنما هذه الأسماء تدل على ذاته ﵎، وكذلك المولود حادث والأسماء حادثة، بمعنى: أن الاسم والمولود كانا بعد أن لم يكونا، ولذلك تقول: إذا جاء لي ولد فسأسميه محمدًا، وتعقد العزم على ذلك أنت وزوجتك، ثم تضع امرأتك أربع بنات، فهل ستلغي اسم محمد بالمرة لأنه لم يأت لك ولد؟ وعليه فهل هناك في أسماء الله اسم يلغى؟ لا يمكن؛ لأنه أزلي أبدي.\nولو كان مخلوقًا للزم أن تقول: الإله حادث؛ لأنه لو كان مخلوقًا فلابد وأن يطرأ عليه الفناء والتغيير، وهذا المخلوق بعد أن يكبر ربما يذهب إلى أمريكا، وقد يأتي إليه صاحب العمل، أو الناس في الأتوبيس، أو الناس في الخمارات وخانات الفساد ويسألونه عن اسمه؟ فيقول: اسمي محمد، ويأتي إليه آخر فيقول له: يا سعادة البيه محمد، فيتأذى ويشمئز من اسمه، ويذهب إلى السجلات المدنية هناك فيعرف أن اسمه مثبوت في السجل المدني، ثم يذهب إلى أمريكا ويقول: يا ناس! أنا أريدكم أن تسموني: ماركو فرانكو، أما اسم محمد فلا أريده بالمرة! فأين الإسلام والولاء والبراء من هذا الرجل؟! وعند عودته إلى بلاده يستعمل البطاقة الشخصية التي تحمل اسم محمد، وهو قد شرب الخمر، وخالط المجتمع الأوروبي الكافر، وفعل الفواحش والمنكرات هناك.\nفيا أيها الزنديق! الذي آثرت الكفر على الإيمان، وفضلت الضلال عن الهدى، وآثرته بعد أن هداك الله ﷿، إن الاسم له تصور عن عقيدتك، وتعلق كبير جدًا بإيمانك، ولذلك الرجل المؤمن الموحد الذي يغار على دينه عندما يسميه أبوه رفعت: جبريل، وجده اسمه سمير، فتأتي إلى الأخ وتقول له: ما اسمك؟ فيقول لك: اسمي: جبريل رفعت سمير، فتقول له: ما الأمر؟ فيقول: أنا مسلم، لكني سميت بهذا الاسم، أأعلي ذنب؟ فتقول له: لا، ليس عليك ذنب، فيقول: هل يمكن أن أغير اسمى؟ فتقول له: نعم، اذهب إلى السجل المدني وادفع خمسمائة جنيه، وهي ليست رسوم رشوة، وإنما مقابل تغيير الاسم.\nإذًا: فالأسماء الحادثة يطرأ عليها التغيير، وأما أسماء الله ﵎ فلا يطرأ عليها التغيير ولا التبديل.","vol":"15","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>كلام الإمام الطحاوي عن الاسم والمسمى وبيانه</span>\nشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى توسع جدًا في هذه القضية، أعني: مسألة: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ والمسألة فيها أقوال كثيرة، وقد خالف فيها بعض أهل السنة، وهذا كلام حادث، وقد أنكروه غاية النكارة ولم يجيبوا فيه بقول، ولذلك قال ابن أبي العز الحنفي في شرح قول الطحاوي: مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة، ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفاته، وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا.\nوهذا كلام جميل وقوي، وقد شرحه ابن أبي العز شرحًا جميلًا، لكن فيه شيء من الفلسفة على أية حال، حتى وصل إلى قوله: وكذلك قولهم: هل الاسم عين المسمى أو غيره؟ أي: هل الاسم هو عين المسمى وذات المسمى أو غيره؟ قال: ولطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، قال: فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، أي: أنه عند إطلاق الاسم أحيانًا يراد به المسمى، وأحيانًا يراد به اللفظ الدال على المسمى لا عين المسمى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو: سمع الله لمن حمده، فالمراد به المسمى نفسه؛ لأنه لا يتصور انصراف الذهن إلى غير الذات.\nوإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى، فالمراد هنا هو الاسم لا المسمى، فإذا قلت: الرحمن لفظ عربي فإنه لابد وأن ينصرف الذهن إلى الكلام عن الاسم لا عن المسمى، فهو يريد أن يقول لك: قد يطلق أهل السنة الاسم أحيانًا ويريدون الكلام عن المسمى، وأحيانًا يطلقون الاسم ولا يريدون المسمى، وإنما يريدون الكلام عن الاسم نفسه.\nوعند إطلاق أهل السنة للاسم وإرادتهم له دون المسمى لا يقولون بالمغايرة بين الاسم وبين الذات، حتى وإن أرادوا أن يتكلموا عن الاسم؛ لأن المباينة تستلزم أن يكون الله ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهل يتصور أن آدم هو الذي سمى الله ﷿باعتبار أن آدم أول البشر- أو أن الملائكة -وهم خلق من خلق الله- هم الذين سموا الله ﵎؟! إن هذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى.\nوالإمام الطحاوي ﵀ قد أشار بقوله: ما زال بصفاته قديمًا، إلى اسم من أسماء الله ﷿ ألا وهو: الأول، ولفظ القديم لا يليق بالله ﷿، وليس هو من أسمائه ولا من صفاته؛ أن لفظ القديم يلزم منه أن هناك من هو أقدم منه، ولا أول قبل الله ﷿، فالله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن.\nفيستحب أن يقال: إن الله هو الأول، ولا يقال: هو القديم؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، بمعنى: أننا لا نسمي الله ﵎ إلا بما سمى به نفسه، ولا نصفه إلا بما وصف به نفسه، فكوننا نقول: إن الله هو القديم، أو أنه الستار، أو أنه المنعم فإننا نقصد بذلك: أن هذه أسماء لله ﵎، وليس لدينا نص يثبت أن هذه أسماء لله ﷿، ولا شك أننا إن سميناه بذلك فإننا نكون قد سميناه بما لم يسم به نفسه.\nوقوله أيضًا: فإن الله تعالى ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه؛ قصد بذلك الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إن الله تعالى صار قادرًا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرًا عليهما! فصار متكلمًا بعد أن كان عاجزًا، وصار خالقًا بعد أن خلق، وصار وهابًا بعد أن وهب، وغير ذلك في بقية أسمائه وصفاته ﵎، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، أي: أن ربنا كان عاجزًا عن معرفة الأشياء على حقيقتها، وبعد أن وقعت عرفها.\nوكان ليس له قدرة، ثم صارت له قدرة! وكان ممتنعًا عن الكلام، ثم صار قادرًا على الكلام! إن الواحد منا يخاف ويخشى أن يقول لمخلوق صاحب وجاهة وسلطة: إنك عاجز عن الكلام؛ لأن لك ساعة أو ساعتين لا تتكلم فيها بكلمة واحدة! إننا نقول هذا حتى تعلموا أن الكلام في ذات الله ﵎ صار أسرع من الكلام فيما يجري بين الناس.\nثم قال: فإنهم قالوا -أي: المعتزلة-: إنه تعالى صار قادرًا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرًا عليه؛ لكونه صار الفعل والكلام ممكنًا بعد أن كان ممتنعًا، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي، أي: أنه كان بنفسه عاجزًا عن الكلام، ثم صار بنفسه قادرًا على الكلام، فإذا كان العجز الذاتي واجبًا له فمن أين أتت له القدرة؟! والمخلوق إذا كان عاجزًا بذاته، ثم صار قادرًا بعد ذلك، فمن وهبه القدرة؟ إنه الله ﷿، فهل يتصور أن الله تعالى الذي يرزق ويهب القدرة وغيرها وهو بذاته عاجز؟ أعوذ بالله! إن هذا كفر بالله.\nقال: وعلى ابن كلاب والأشعري، أي: أن المؤلف يرد على ابن كلاب صاحب الفرقة الكلابية، وعلى الأشعري ومن وافقهما، فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكنًا له بعد أن كان ممتنعًا منه.\nوأما كلام الله ﵎ فلا يدخل عندهم تحت مشيئته ﵎، وهو عند أهل السنة والجماعة صفة م","vol":"15","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الأسئلة</span>","vol":"15","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>كلام النبي ﵊ ليس بمعجز</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكرتم يا شيخ! أن كلام النبي ﵊ ليس بمعجزة، مع أن الله ﵎ تحدى ببلاغة النبي ﵊ مشركي العرب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أعطنا آية أو حديثًا يثبت أن الله ﵎ تحدى ببلاغة نبيه العرب، ليس هناك آية أو حديث في ذلك، وأنا قلت: إن كلام الله ﵎ معجز، وكلام النبي ﷺ غير معجز، وهم كانوا على علم كبير باللغة العربية.","vol":"15","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>وجود المعتزلة في بعض الدول العربية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يوجد معتزلة الآن في الدول العربية، وبالأخص مصر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يا أخي الكريم! إذا أردنا أن نتكلم عن الاعتزال، فإنما هو منهج وفكر عقدي، والمعتزلة لهم أصول خمسة، ومن هذه الأصول: تقديم العقل على النقل، وإذا سمعت بأصولهم الأخرى فستقول: إن منهج المعتزلة من خير المناهج! كما أنه من أصولهم: التوحيد، والعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين.\nلكن قد يقول قائل: هل التوحيد عندهم فيه شيء؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن التوحيد عند المعتزلة غير التوحيد عند أهل السنة والجماعة، وكذلك: العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين، وقد أنزلوها أساسًا في مرتكب الكبيرة.","vol":"15","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>الحكم على حديث: (يا علي! لا تنم حتى تأتي بخمس)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث علي بن أبي طالب: (يا علي لا تنم حتى تأتي بخمس: قراءة القرآن، والتصدق، وزيارة الكعبة،) هل هو حديث أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا حديث موضوع.","vol":"15","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>عجز البشر جميعًا عن مدح الله بصفة غير ما وصف به نفسه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يستطيع البشر جميعًا أن يمدحوا الله ﷿ بصفة غير التي وصف بها نفسه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا؛ لأن النبي ﷺ يقول: (لا نحصي ثناء عليك) أي: لو أن الخلق جميعًا أثنوا على الله ﵎ فلن يستطيعوا أن يوفوا الله ﵎ ولو بعض ما يستحقه من مدح وثناء أبدًا، بل ولا الأنبياء أنفسهم؛ إذ أن مقام الله ﵎ أعلى من ذلك.","vol":"15","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>النصيحة لمن أتم ولده حفظ المصحف وهو دون التاسعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أتم ابني ولله الحمد حفظ القرآن وهو دون التاسعة، فأرجو منك النصيحة حتى أحافظ عليه وعلى حفظه، وماذا أفعل معه، وكيف أوجهه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أسأل الله ﵎ أن يحفظ عليك ولدك، وأن يجعله من أئمة المسلمين الداعيين إلى الله ﵎ على منهاج النبوة، واعلم يا أخي الكريم! أن الحسد وارد في كتاب الله ﷿، فنصيحتي التي قد نصحت بها من سبقك أن يكف ولده عن الأضواء والشهرة، فأبى، فما كان إلا أن أذهب الله ﵎ ما في صدره من كلامه ومن علمه.\nوهناك بعض الأطفال في طريقهم إلى هذا، وقد سمعت أن طفلًا حفظ القرآن الكريم دون العاشرة، وأصيب بالغرور، وإني لأعجب لطفل قبل العاشرة أن يتعلم كيف يغتر! وكيف يتكبر! فلابد وأنه سقى ذلك من والديه، أو من مجتمعه الذي عاش فيه، أو أنه تأثر ببعض شيوخه الذين أخذ عنهم وقرأ عليهم القرآن.\nلذا فإني أنصح هذا الأخ أن يعلم ولده بعد ذلك السنة، وأن يحفظه بعض المتون في الفقه والأصول والعقيدة والحديث وغيرها، ثم لا يظهر هذا الولد إلا إذا استوى عوده، وتعلم الحكمة، فإن أهل العلم قديمًا لم يتصدروا للمجالس والإقراء والتدريس إلا بعد أن يجيز أحدهم جملة مستكثرة من أهل العلم هنا وهناك.\nثم أخي الكريم! لابد وأن تعلم ولدك أدب العلم: كيف أنه يحترم من هو أكبر منه، وكيف يحترم أهل العلم، ولابد أن يكون ولدك مؤدبًا مهذبًا متخلقًا بالأخلاق الحسنة، وإلا فإن القرآن لا ينفعه، وسرعان ما يتفلت منه عقوبة لك وله، والله ﵎ يحزنك فيه إذا علمته العلم ولم تعلمه الأدب والأخلاق الحسنة.\nفاتق الله أيها العبد! وحافظ على ولدك، وأخفه عن الأضواء حتى يتعلم، وحتى تعتقد أنه قد حان الوقت لأن يكون نافعًا لدينه ولأمته.","vol":"15","page":22},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-275> ما ورد أن القرآن كلام الله غير مخلوق</span>\nالقرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو ما كان عليه أهل الجادة والمنهج القويم في القرون المفضلة، ولم يخالف في ذلك إلا أهل الفرق الضالة، الذين أبت عليهم عقولهم القاصرة أن يثبتوا لله ﷾ صفة كمال فضلوا وأضلوا وأوردوا أنفسهم وأتباعهم طرق الهلاك، وحكم عليهم أئمة الإسلام بالكفر.","vol":"16","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>إجماع السلف الصالح على أن القرآن كلام الله غير مخلوق</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nخاتمة هذا المجلد الذي نحن بصدد دراسته يتكلم عن مسألة ربما نظر البعض إليها على أنها مسألة هينة أو يسيرة، أو أن الكلام فيها قد كثر، ولكنا نقول: إن الكلام مهما كثر في ذات الله ﵎ أو في أسمائه وصفاته فليس بكثير، وكما قال عثمان ﵁: المؤمن لا يشبع من كلام الله ﷿.\nوهذا البحث له تعلق عظيم جدًا بكتاب المولى ﵎، وخص المؤلف بالذكر صفة الكلام -أي: كلام الله ﷿- وأنه غير مخلوق، ثم ساق دلائل ذلك من كتاب الله ﵎ تصريحًا أو استنباطًا، وساق دلائل ذلك من حديث النبي ﵊، ومن أقوال وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعمل السلف جميعًا على ذلك.\nوالقرون الخيرية من كان منهم على المنهج والجادة أنكر غاية النكارة أن يكون كلام الله ﵎ مخلوقًا، وسرد المؤلف ما يزيد عن ثلاثمائة اسم في هذا الجزء كلهم يقولون: إن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فمن قال بغير ذلك فهو كافر.\nوقد بينا من قبل خطورة القول بخلق القرآن وأن هذا من أعظم الباطل، بل هو من ظلم العبيد لله ﷿، أن ينسبوا صفة من صفاته للخلق دون أن يعتقدوا ويؤمنوا أنها صفة لازمة لذاته ﵎، ولكن على أية حال في سماع كلام السلف بنصه وفصله فوائد عظيمة جدًا؛ ولذلك نحن إذا سمعنا لفظ النبي ﵊ بخلاف أن نسمع معنى كلامه؛ لأن كلام النبوة له نور عظيم؛ فكذلك كلام سلفنا ﵃؛ لأنهم ما خرجوا عن حد الكتاب ولا السنة في كلامهم، إلا ما شذ من أصحاب القرون الأولى وخالف السلف في معتقدهم ومسلكهم ومنهجهم فقال بغير قولهم، فإننا نجد على كلامه ظلمة كسواد الليل.\nولذلك يحسن بنا أن نسرد سردًا سريعًا على شكل مقتطفات؛ لننظر إلى ذلك النور الذي شع من أفواههم وعلى ألسنتهم.","vol":"16","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>دلائل القرآن الكريم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق</span>","vol":"16","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>دلالة قوله تعالى: (قرآنًا عربيًا غير ذي عوج) على أن القرآن غير مخلوق</span>\nفعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال في قول الله ﷿: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨] قال: غير مخلوق؛ لأن العوج صفة نقص، والنقص يليق بالمخلوق ولا يليق بالخالق وأسمائه وصفاته، فالله ﵎ بين أن هذا القرآن أولًا: عربي، ثانيًا: غير ذي عوج، أي: لا اعوجاج فيه ولا التواء ولا غموض.\nفقال ابن عباس ﵄: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨] أي: غير مخلوق؛ لأن العوج للمخلوق أليق، وهذا الكلام -وهو القرآن العربي- غير مخلوق، فلابد أن يكون غير ذي عوج.\nوهكذا في كل صفات المولى ﵎ وأسمائه، فإن الذي يقول: إن القرآن وإن كان كلام الله إلا أنه مخلوق -يعني حادث- فلابد وأن ينزل ذلك على بقية الأسماء والصفات، لابد أن يقول: إن رحمة الله حادثة، وإن سمع الله حادث، وإن بصر الله حادث، وإن رأفة الله حادثة، وإن حلم الله حادث ينزل ذلك على جميع الصفات، وإلا فلم اختار صفة الكلام بالذات وقال: إنها حادثة، وإنها مخلوقة؟ فلابد أن ينطبق هذا المنهج المعوج على جميع صفات المولى ﵎، وإلا فإنا نسألهم: لماذا فرقتم بين اسم واسم، وبين صفة وصفة، والمنهج واحد في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊؟ ولذلك هم ذهبوا -بزعمهم- إلى تنزيه المولى ﵎، وقالوا: الإنسان مخلوق يتكلم، فإذا قلنا: إن الله تعالى الخالق يتكلم فلابد أن يكون هذا الكلام كذلك مخلوقًا؛ ظنًا منهم أن هذا نفي للنقص عن الله ﷿، ولكن هذا الكلام كلام فاسد وباطل؛ لأنهم أرادوا التنزيه فوقعوا في التشبيه، وإلا فقول الجهمية مثلًا والخوارج: إن الله ﵎ لا يتكلم؛ لأنه لو تكلم للزم أن يشارك الإنسان -وهو أحد خلقه- في صفة الكلام، فقالوا: لا، الله تعالى لا يتكلم، كما أنهم قالوا: لا يتكلم بحرف ولا صوت؛ ظنًا منهم أن هذا تنزيه للمولى ﵎؛ فوقعوا كذلك في تشبيه الله تعالى بالجمادات؛ لأن الجمادات غالبًا لا تتكلم، وإن كانت تتكلم أحيانًا، وهذا في المعجزات التي جرت على يد الأنبياء والرسل.\nفلا شك أن الله ﵎ يتكلم، وأن المخلوق يتكلم، لكن كلام المخلوق ليس ككلام الخالق؛ لأن ذات المخلوق تختلف وتتباين عن ذات الخالق ﵎، فما الذي يمنع المرء أن يسلم أن الله ﵎ يتكلم بحرف وصوت كيف يشاء وكما يشاء في أي وقت شاء؟ وكلامه معجز لا يستطيع أحد من البشر أن يتكلم ككلام المولى ﵎.\nقال ابن عباس: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨] قال: غير مخلوق.","vol":"16","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>دلالة قوله تعالى: (أن يقول له كن فيكون) على أن القرآن غير مخلوق</span>\nومن دلائل الكتاب من حيث الاستنباط: قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، أي: إذا أراد الله ﵎ أن يوجد شيئًا وشاءه في عالم محسوس فيقول له: (كن) فيكون هذا الشيء الذي أراده الله ﵎، ولكن محل الشاهد من الآية: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ﴾ [يس:٨٢] إذًا: الله ﵎ يتكلم، والقول إنما هو الكلام، فهذه الآية أثبتت أن الله ﵎ إذا أراد شيئًا في أي وقت وفي أي مكان وفي أي زمان فقط يقول له: (كن) فيكون هذا الشيء.\nفقوله: (أَنْ يَقُولَ) يدل على أن الله تعالى يتكلم.\nوقال البويطي: إنما خلق الله كل شيء بـ (كن)، فإن كانت (كن) مخلوقة فمخلوق خلق مخلوقًا.\nيعني: أليست هي قول كذلك؟ إذا أراد الله ﷿ شيئًا يقول له: (كن)، معنى ذلك على منهج المعتزلة والخوارج وبعض الشيعة: أن كلمة (كن) من قول الله ﷿، فإذا كان قول الله ﷿ مخلوقًا فكذلك تكون كلمة (كن) مخلوقة، فقوله: (كن) إذا كان مخلوقًا هل يتصور أن يكون قوله: (كن) قادرًا بذاته على أن يخلق غيره وهو (كن) الثانية؟ فإذا أراد الله أن يخلق شيئًا يقول له: (كن) فيكون، فقوله الأول: (كن) إذا كان مخلوقًا وأوجد غيره من الأشياء، فهذه الأشياء مخلوقة؛ لأنها حادثة، فهل يتصور أن كلمة (كن) المخلوقة تخلق غيرها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nقال البويطي: إنما خلق الله كل شيء بـ (كن)، فإن كانت (كن) مخلوقة فمخلوق خلق مخلوقًا، إذًا: نسبوا الخلق إلى غير الله ﷿، أرأيت خطورة الأمر؟ قلت: وهذا معنى ما يعبر عنه العلماء اليوم: إن هذا -أي: (كن) الأولى- كان مخلوقًا، فهو مخلوق بـ (كن) أخرى، يعني: (كن) غير مخلوقة و(كن) مخلوقة.\nوهذه فلسفة تجعل الشخص يخرج كل ما في بطنه؛ لأن الصحابة والسلف والنبي ﵊ من باب أولى لم يعرفوا هذا الكلام ولم يتعرضوا له.","vol":"16","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>دلالة قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) على أن القرآن غير مخلوق</span>\nاستنباط آخر من آية أخرى من كتاب الله، وهو قول الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ففرق الله تعالى بين الخلق وبين الأمر، والخلق هم المخلوقات، والأمر هو القرآن الكريم، فقال: (أَلا لَهُ) أي: من عنده (الْخَلْقُ وَالأَمْرُ)؛ ولذلك أهل العلم يقولون: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود، يعني: لا يفنى هذا الكلام ولا ينتهي.\nوقال ابن عيينة لما أراد أن يعرض لـ بشر المريسي -وهو أحد من قال بخلق القرآن-: ما يقول هذا الدويه؟ يعني: هذا السائل الحيران ماذا يقول؟ قالوا: يا أبا محمد! يقول: القرآن مخلوق، قال: كذب ورب الكعبة، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فالخلق خلق الله، والأمر هو القرآن.\nفتفسير الأمر عند ابن عباس وعند ابن عيينة وأحمد بن حنبل وابن المبارك وسعيد بن جبير وغيرهم من أهل العلم: أنه كلام الله ﵎ ليس بالأمر الهين، وردوا هذا التأويل.\nوكذلك قال أحمد بن حنبل ونعيم بن حماد ومحمد بن يحيى الذهلي وعبد السلام بن عاصم الرازي وأحمد بن سنان الواسطي وأبو حاتم الرازي وغيرهم من أهل العلم.\nقالوا: الأمر في هذه الآية هو كتاب الله ﵎، وكلام الله ﵎.","vol":"16","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>دلالة قوله تعالى: (ولكن حق القول مني) على أن القرآن غير مخلوق</span>\nاستنباط آخر من آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، ولم يقل: حق القول عني؛ ولذلك يقولون: القرآن منه بدأ وإليه يعود ولم يقولوا: عنه أتى، وإنما قالوا: منه بدأ، أي: أنه صفة ملازمة لذاته ﵎.\nففي قوله: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) قال أهل العلم: وما كان منه فهو غير مخلوق.\nوقال وكيع بن الجراح: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئًا من الله مخلوق، فقلت: يا أبا سفيان! من أين قلت هذا؟ يعني: من أين لك هذا الفقه وهذا العلم؟ قال: لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] ولا يكون من الله شيء مخلوق.\nوكذلك فسره أحمد بن حنبل ونعيم بن حماد والحسن بن الصباح البزار وعبد العزيز بن يحيى المكي الكناني.","vol":"16","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>دلالة قوله تعالى: (ما نفدت كلمات الله) على أن القرآن غير مخلوق</span>\nاستنباط آخر من آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، والمخلوقات كلها معلوم أنها تفنى وتبيد وتنتهي، فكل مخلوق حادث، وكل حادث لابد أن يطغى عليه الزوال والفناء.\nوقد قال قوم من الكفار: غدًا هذا القرآن ينتهي، فالكفار والمنافقون كانوا ينزعجون جدًا من نزول آية أو آيات، وكأنهم أرادوا أن يقولوا: إن كلام الله سينتهي، فأنزل الله ﵎ هذه الآية؛ ليبين أن كلامه أول بأولية الله ﷿ ولا آخر له؛ لأنه ملازم لذاته، فقال الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ [لقمان:٢٧] يعني: لو أنكم جمعتم أشجار الدنيا بأسرها فجعلتموها أقلامًا، وجعلتم مع البحار سبعة أبحر كلها حبر ومداد، وكتبتم بهذه الأقلام التي من مجموع أشجار الدنيا بعد وضعها في ذلك المداد؛ لنفدت هذه البحار، وتكسرت وفنيت هذه الأقلام وانتهت، ولم تنته بعد كلمات الله ﵎، وهذا دليل على أنه قادر على الكلام في أي وقت شاء وفي أي زمان شاء.\nقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] أي: لم تنته كلمات الله، والمخلوقات كلها تنفد وتفنى وكلمات الله لا تفنى، وتصديق ذلك قوله تعالى حين يفني خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]، أليس هذا قول أيضًا؟ وهو سؤال يوجه يوم القيامة قبل البعث وبعد النفخ -أي: النفخة الثانية أو الثالثة على مذهب- وفناء الخلق أجمعين، فالمولى ﵎ في سماه ينادي نداءً: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، وهو الذي يجيب على نفسه ويقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]؛ لأنه ليس هناك أحد من خلقه يجيب هذا الجواب.\nفالشاهد من هذه الآية: أن الله ﵎ بعد أن أفنى جميع المخلوقات وأبادهم وأماتهم وأهلكهم تكلم وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، وهذا في حد ذاته قول؛ ليدل على أن قول الله غير مخلوق، ولو كان مخلوقًا للزمه الفناء مع بقية المخلوقات، ولكن الله تعالى لما أفنى جميع المخلوقات تكلم بعد هذا الفناء العام؛ ليدل على أن كلامه سبحانه ليس مخلوقًا؛ لأنه لو كان كذلك لطرأ عليه الفناء والفساد -عياذًا بالله ﵎- على قول من يقول بأن كلام الله مخلوق.\nوعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، يعني: يوشك أن ينتهي، فأنزل الله تعالى ما تسمعون -أي: هذه الآية- ردًا عليهم.\nيقول: لو كان شجر الأرض أقلامًا ومع البحر سبعة أبحر مدادًا لتكسرت الأقلام ونفدت البحور قبل أن تنفد عجائب ربي وحكمته وكلماته وعلمه؛ لأن هذا من صفات المولى ﵎، فإنه لا يفنى ولا يبيد.","vol":"16","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>إثبات رجل عامي لأبي الهذيل العلاف أن القرآن كلام الله غير مخلوق بأنه لا يفنى ولا ينتهي</span>\nوسأل رجل أبا الهذيل العلاف -وهذا رأس الاعتزال- سأله رجل من عامة الناس عن القرآن: أمخلوق أم غير مخلوق؟ فقال العلاف: هو كلام الله مخلوق، فقال له الرجل: مخلوق يموت أو يخلد؟ فقال: يموت.\nقال: فمتى يموت القرآن؟ انظر كلام الناس، وهكذا حال الفطر السليمة.\nقال: فمتى يموت القرآن؟ قال: إذا مات من يتلوه فهو موته، وهكذا عندما تورط العلاف أراد أن يلوي لسانه على عادة أهل البدع إذا وضعوا في خانة اليد لووا ألسنتهم وكلامهم وصرفوا النصوص عن ظاهرها.\nفقال الرجل: فقد مات من يتلوه -يعني: اعتبر أن جميع من تلا القرآن قد مات- ألا تقول: إن الخلق جميعًا قد ماتوا؟ قال: نعم.\nقد ماتوا، فقال: وقد ذهبت الدنيا وتصرمت وقال الله ﷿: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]، فهذا القرآن وقد مات الناس.\nيعني: فلماذا لم يمت قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)، فالله تعالى يتكلم بهذا يوم القيامة وقبل بعث الخلق من مرقدهم، ألا تعتقد يا علاف! أن هذا قول الله ﷿؟ قال: بلى.\nهو قول الله ﷿، قال: إنه تكلم به بعد أن مات القراء والتلاة؛ ليدل على أن كلام الله لا علاقة له بقارئه وتاليه، وأنه لا يموت بموت القارئ والتالي، وهل يتصور تعدد القرآن؟ هل يتصور أن كل واحد له قرآن إن قلنا: إن كل قرآن يموت بموت قارئه)، لكن إذا ماتت جماعة بقيت جماعة أخرى تتلو القرآن؛ ليدل على أن القرآن لا علاقة له بقارئه ولا تاليه.\nفقال له الرجل: فقد مات من يتلوه، وقد ذهبت الدنيا وتصرمت، أي: انقضت وفاتت، وقال الله ﷿: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] فهذا القرآن وقد مات الناس.\nوليعلم أن العلاف هذا من كبار أوتاد المعتزلة.\nفقال العلاف: والله ما أدري! وبهت، بهت الذي ابتدع ونافق، وعجز عن أن يرد على ذلك العامي الذي عرف أن القرآن كلام الله بفطرته غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فعجز ذلك الزنديق الأعظم أن يرد على رجل من عامة الناس، وما استطاع بعلمه وبفلسفته وموقفه الفاسد أن يرد على ذلك الرجل الذي استقامت فطرته على منهج النبوة.\n[وذكر ذلك عبد الرحمن قال: حدثنا أبو سعيد -أي: أحمد بن يحيى بن سعيد الأنصاري القطان - قال: سمعت رجلًا سأل أبا الهذيل فذكر نحو هذا الكلام.\nوقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ: (يطوي الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك.\nفأين ملوك الأرض؟)]، بعد أن يميت الله ﵎ جميع خلقه يتكلم بهذا: أنا الملك فأين ملوك الأرض؟ أنا الجبار فأين جبابرة الأرض؟ فإذا قلنا: إن القرآن مخلوق يفنى بفناء الخلق فماذا نقول في كلام الله تعالى هذا بعد أن يفني خلقه؟ لماذا لم يفن هذا الكلام؟ ولماذا لم ينته هذا الكلام؟ قال: [هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.\nوعن ابن عباس قال: ينادي منادي الله ﷿ بين يدي الصيحة، فيسمعها الأحياء والموتى، وينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]]، فالله ﵎ هو الذي يسأل ويجيب على نفسه؛ ليدل على أن كلامه باق بقاء الدهر.\nونعيم بن حماد وإسحاق بن راهويه وهشام بن عبيد الله الرازي وسعيد بن رحمة المصيصي صاحب ابن المبارك وأبي إسحاق الفزاري، جميعًا يعتقدون بهذه الآية أن الله ﵎ كلامه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.","vol":"16","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>سياق ما روي عن النبي مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [أما ما روي عن النبي ﵊ مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة].\nفي الحقيقة لا ينبغي أن يقال: إن صفات الله قديمة؛ لأن وصف الله ﵎ بالقديم وصف لم يرد في كتاب ولا في سنة، والله ﵎ وصف نفسه بأنه الأول وأنه الآخر وأنه الظاهر وأنه الباطن، لا أول قبله ولا آخر بعده ﷾، فنقول: إن الله تعالى بأوليته كذلك أول بصفاته وأول بأسمائه.\nيعني: الله ﵎ أول برحمته وعلمه وحلمه وسمعه وبصره، فما استحق أن يكون سميعًا بعد أن سمع؛ لأن الله ﵎ يسمع أولًا بلا ابتداء، كما أن ذاته أول بلا ابتداء فكذلك صفاته لازمة لذاته، فلا نقول: إن الله تعالى كان بغير سمع ثم سمع، فما استحق أن يكون سميعًا إلا بعد أن سمع، وكان الله ﵎ بلا رحمة فخلق في ذاته الرحمة، فما استحق أن يكون رحيمًا إلا بعد أن رحم، وكان الله ولم يكن شيء من المخلوقات، فما استحق أن يكون خالقًا إلا بعد أن خلق، إن الذي يقول: إن صفات الله تعالى مخلوقة لابد أنه ينفي جميع الصفات والأسماء أولًا عن الله ﷿، وهذا القول كفر بواح؛ ولذلك نقول: إن الله ﵎ كان خالقًا قبل أن يخلق الخلق، كان رحيمًا قبل أن يرحم الخلق؛ لأنهم غير موجودين من الأصل، وكان الله ﵎ عالمًا بكل شيء.\nأليس الله ﵎ هو الذي كتب كل شيء كان وما سيكون إلى قيام الساعة وما بعدها في اللوح المحفوظ، فهو محفوظ عنده تحت العرش؟ أليس الله ﵎ كتب وقسم أرزاق الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما صح ذلك الخبر عند مسلم؟ أليس الذي يفعل هذا عليمًا؟ فإن الذي يقول: إن صفات الله ﵎ مخلوقة لابد أنه يلحق النقص بالله ﷿؛ لأنه يقول: إن الله كان ذاتًا مجردة عن الأسماء والصفات، ثم اكتسب هذه الأسماء والصفات، وهل يمكن أن يكون هنالك ذات بغير صفات؟ بل إن ذوات المخلوقين لابد أن يكون لها صفات من اللون والطول والعرض والحجم والسعة والضيق وغير ذلك، فلا يتصور من باب أولى أن يكون الله ﵎ بغير صفات أو بغير أسماء.\nوصفات الله ﵎ وأسماؤه موقوفة، أي: أنه لا يجوز لي أن أصف الله ﵎ بما لم يصف به نفسه ولم يصفه به رسوله الكريم ﵊، فلا يصح أن أقول: إن الله ﵎ من أسمائه الستار، أو من أسمائه المنعم.\nهذا غلط؛ لأنه لم يصح في ذلك حديث قط، وإنما الذي صحَّ ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة).\nوفي رواية الترمذي: (هو الله الخالق البارئ المصور) إلى آخر الأسماء التسعة والتسعين، ولكن سرد الأسماء في زيادة الترمذي ليست صحيحة، أي: أن الحديث بهذه الزيادة ليس صحيحًا، ولذلك من الأمور المخالفة أن تكتب هذه الأسماء، وأن تعلق هنا وهناك على أنها أسماء الله ﵎ الواردة في الحديث الذي أخرجه الترمذي، فكيف نعتمد في أمر من أمور العقيدة -وهو أمر عظيم يتعلق بأسماء الله وصفاته- على حديث ضعيف؟ إذا كان أهل العلم قد اختلفوا في اعتبار الحديث الضعيف في فضائل الأعمال فما بالكم بالأحكام والعقائد؟ ولكن الله ﵎كما تعرض لذلك غير واحد من أهل العلم- له تسعة وتسعون اسمًا مستفادة من كتابه ومن سنة النبي ﵊، أي: أنه عندما تجمع الأسماء التي صحت في سنة النبي ﵊ وجاءت في كتاب الله تجدها من مجموع الكتاب والسنة تسعة وتسعين اسمًا.\nوعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﵊ قال: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك).\nهذا الحديث يدل على أن لله غير هذه الأسماء أسماءً استأثر بها في علم الغيب عنده، ولكن النبي ﵇ أخبرنا أن الذي أنزل في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسمًا، وهذا لا ينفي أن يكون هناك أسماءً أخرى استأثر الله ﵎ بها.","vol":"16","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>دلالة حديث آدم وموسى على أن علم الله تعالى صفة أزلية له سبحانه</span>\nقال أبو هريرة: إن رسول الله ﷺ قال: (لقي آدم موسى فقال موسى لآدم: أنت الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، فعلت ما فعلت وأخرجت ذريتك من الجنة! فقال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه وآتاك التوراة، أنا أقدم أم الذكر؟)، فكل واحد صاحب منة معينة، فآدم خلقه الله تعالى بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه من كل شيء، وصحيح أنه بسبب زلته أخرج ذريته من الجنة، لكن آدم قال: يا موسى! أليس الله تعالى قد اصطفاك؛ لأنه من المعلوم أن آدم نبي وأن موسى رسول، والرسول أعظم من النبي، ولذلك قال هنا: (أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته) ولم يقل: بنبواته.\nقال: (أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، وكلمك ولم يكلم أحدًا، وآتاك التوراة)، يعني: ألست موسى الذي على هذا النحو؟ قال: نعم.\nقال: يا موسى! إني أسألك: (أنا أقدم أم الذكر؟) أي: اللوح المحفوظ الذي كتب الله ﵎ فيه ما وقعت فيه أنا وقدره عليَّ تقديرًا؟ يعني: هذا الذي عملته أنا ووقعت فيه بقدر الله وعلمه السابق الأزلي الأبدي أو حادث؟ قال: (فحج آدم موسى)، أي: فانتصر آدم في حجته على موسى، وهذا يدل على أن الله ﵎ أول بصفاته، فقد علم الله ﵎ أن آدم سيفعل كذا، فكتبه عليه كتابة قدرية وليست شرعية؛ لأن هذا مخالفة للأمر، فآدم أكل من الشجرة بغواية الشيطان له، ولكن الله تعالى لما علم أزلًا أن آدم سيعصي الأمر، وأنه سيتبع الشيطان في ذلك في لحظة ضعف أو في لحظة هوى، أو حب الأبدية وحب البقاء في الجنة والخلود فيها، فصدقه وفعل ما فعل، هل كان الله ﵎ يعلم ما وقع من آدم أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يعلم؛ ولذلك كتبه في اللوح، فهو محفوظ عند الله ﵎، فآدم حج موسى، أي: انتصر على موسى بهذه الحجة؛ لأنه عندما قال له موسى: يا آدم! كيف وقع منك هذا؟ قال له آدم: ما وقع مني إلا بقدر، يعني: وقع وانتهى، ولابد أن نؤمن أن كل ما في الكون من خير أو شر إنما هو من عند الله ﷿، فالله تعالى خلق إبليس وهو رأس الشر، وليس لإبليس خالق غيره؛ لأن الله خالق كل شيء؛ ولذلك حج آدم موسى.\nفعلم الله ﵎ صفة أزلية أو حادثة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أزلية، أي: أولية، فلما كانت هذه الصفة أولية يلزم أن تكون جميع الصفات أولية كصفة الكلام، ولو قال: يا موسى! إن الله ﵎ لم يكتب هذا علي، ولم يقدره علي تقديرًا كونيًا قدريًا، فمعنى ذلك: أن الله تعالى ما علم ما بدر منه وما وقع إلا بعد أن وقع، وهذا قول القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه وأن الأمر أنف، وهذا كلام فاسد.\nفآدم استدل له بصفة العلم وصفة الكتابة؛ ليقيس على ذلك كل صفة من صفاته سبحانه.","vol":"16","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>ضوابط الاحتجاج بالقدر على المعاصي، والفرق بين القدر الكوني والقدر الشرعي</span>\nأهل العلم لهم ضوابط في الاحتجاج بالقدر على المعاصي، ويفرقون بين القدر الكوني والقدر الشرعي، فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية، أما ظاهر النص هنا فإنه يدل على أن آدم احتج بقدر الله على ما وقع منه وهو معصية، مع إجماع أهل العلم على أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية.\nفنقول: الفرق بين موقف آدم وإجماع أهل العلم وما أتى به جميع الأنبياء والمرسلين: أن آدم تاب وأناب إلى ربه، وهذا بخلاف الرجل الذي سرق في عهد عمر، فجيء به بين يديه فأمر بإقامة الحد عليه، فقال: يا عمر! أتريد أن تجلدني على أمر قدره الله علي؟ انظر بجاحته وجرأته وكأنه لم يعمل شيئًا.\nفقال عمر: نعم.\nإن الذي قدر عليك هذا قد فرض عليك الحد، وهو من قدر الله ﷿.\nفأنت حينما تقع في الذنب، فتعتصر همًا وغمًا وألمًا، وتتوب وترجع إلى الله ﵎، وتعزم على ألا تعود لمثل هذا الذنب، فهذا أمر مقبول، فما من نبي يقع في ذنب أو هفوة من الهفوات الصغيرة إلا وقد استغفر ربه وأناب ورجع، فما وقع فيه الأنبياء والمرسلون من هذه الهفوات اليسيرة الصغيرة التي لا تخدش في رسالتهم ولا في إيمانهم كان ذلك بتقدير من الله تعالى مع أنه معصية، ولكن الفرق بين الاثنين: أن هذا يحتج بقدر الله السابق على معصيته بجرأة وبجاحة وسفالة ووقاحة، وهذا يحتج بقدر الله السابق؛ لأنه يعلم ويعتقد بعد توبته أن الذي بدر منه ما بدر إلا بعلم الله ﷿ وأن الله لما علمه كتبه، فهم لا يحتجون بالقدر، وإنما يعتقدون أن الله قد علم ذلك سلفًا وأولًا، فلما علمه كتبه.\nوأنتم تعلمون أن أولى مراتب القدر: العلم الصادق الأزلي لله ﵎، ثم الكتابة، وهو أن الله ﵎ علم كل شيء كان وسيكون إلى يوم القيامة، فكتب ذلك في كتاب، فهو محفوظ عنده تحت العرش.\nوالمرتبة الثالثة من مراتب القدر: المشيئة، والمشيئة نوعان: مشيئة شرعية دينية، ومشيئة قدرية كونية، فالمشيئة الشرعية الدينية مبناها على محبة الله تعالى ورضاه، وهي طاعته التي أمر بها ونهيه الذي نهى عنه، فطالما التزم المرء أمره وانتهى عن نهيه نقول: إنه دخل في مشيئة الله الشرعية الدينية، بمعنى: أنه أطاع الله فيما أمر وانتهى عما نهى، وما أطاع ذلك الرجل ما أمره الله ورسوله وما انتهى عما نهاه الله ورسوله إلا بحب الله وتوفيق الله وتقدير الله له، والله ﵎ في المقابل علم أن هذا العبد سيزني ويسرق ويقتل ويشرب الخمر وغير ذلك، فكتبه عليه وقدره عليه، ومعنى: قدره عليه أنه أذن في وقوعه؛ لأن الله ﵎ قال لهذا العبد: لا تشرب الخمر، فإن فيها كيت وكيت، ولا تطع الشيطان لأنه لا يدل على خير، ولا تقتل ولا تسرق ولا تزنِ ولا تعمل كيت ولا كيت ولا كيت، ولكن العبد خالف ذلك فوقع في هذا المحذور، فوقوعه في هذا المحذور الله ﵎ علمه أولًا فكتبه، وليس معنى كتبه: أنه جبره على أن يفعله، ولو قلت ذلك لقلت بقول الجبرية، فلو قلت: إن هذه المعاصي المرء مجبور على فعلها فستكون من الجبرية، وتكون من القدرية في وقت واحد.\nولكن لابد أن تعلم أن الله تعالى كتب المعاصي على عباده بمعنى: أنه علم أن العبد سيختار المعصية، فلما علم ذلك سلفًا كتبها عليه، فمثلًا: كتب أن أحمد سيفعل كذا، سيقتل، سيسرق، وأحمد يعلم أن هذه سرقة، ويعلم أن الله تعالى حرمها، وأنه لو أطاع لدخل في المشيئة الشرعية الدينية التي مبناها على محبة الله ورضاه، ولو خالف لدخل في مشيئة الله الأخرى، وهي أن الله تعالى لا يقع شيء في كونه إلا بإرادته وإذنه.\nتصور لو أن عبدًا أراد أن يسرق الآن، فلابد أن السرقة تستلزم مجموعة من الأفعال: المشي والهم بالسرقة، وتحديد ذلك، ومد اليد على المسروق، ثم أخذه وتحريزه والجري به، أليس كل هذا مخلوقًا لله ﷿؟ هل يستطيع العبد أن يفعل ذلك بغير إرادة الله؟ هل يمكن أن يقع شيء في الكون بغير إذن الله؟ أنا أود أن أسرق هذا الشيء وأخرج جريًا، فمن الذي قواني على الجري؟ ومن الذي منحني القدرة والقوة على أن أخطف هذا الميكرفون؟ إنه الله ﵎ الذي خلق كل ذلك، فهذا تم بتقدير الله ليعاقبني الله ﵎ عليه بعد ذلك؛ لأنه أمرني ألا أفعل هذا، بل أفعل غيره، فإذا رأيت من يسرق نهيته عن ذلك وأمرته بطاعة الله ﷿، فلما خالفت ذلك وذاك فإننا نقول: إن هذا كله وقع بتقدير الله، لكن ليس بتقدير الله الشرعي؛ لأن الله تعالى يكره ذلك، يكره السرقة وحذر منها، كما أن الله ﵎ لا يرضى لعباده الكفر، ومع هذا هو الذي أذن بوجود الكفر إذنًا قدريًا، فكفر الكافر وقع في الأرض بإذن من الله، ولو أن الله ﵎ شاء أن يجعل الناس أمة واحدة مؤمنة لجعلهم مؤمنين جميعًا، ولو شاء أن يجعلهم جميعًا كفارًا لجعلهم كذلك، ولكن حكمة الباري اقتضت وجود الإيمان والكفر، وجود الخير والشر، وجود المعاصي والطاعات، وجود الجنة والنار في المقابل، وبين الله ﵎ في كتابه البيان الشرعي ال","vol":"16","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>خلق أفعال العباد ومسألة اللفظ</span>\nالمرتبة الرابعة: مرتبة خلق أفعال العباد.\nإن الكلام والبصر والسمع والجري وغير ذلك مما يفعله العبد بالليل والنهار في جميع أوقاته، كل ذلك مخلوق، بمعنى: أن حركة لساني الآن وأنا أتكلم وأنت ترد علي، بل حركة عقلك عندما أتكلم وأنت تفهمني؛ هذا الفهم مخلوق وليس أزليًا؛ لأنك أنت نفسك لست أزليًا، فكيف يكون الفهم أزليًا؟ فهنا نقول: إن أفعال العباد مخلوقة، والأئمة عندما تعرضوا لمسألة خلق القرآن أنكروا ذلك تمامًا وحكموا بالكفر على من يقول: القرآن مخلوق، ولكنهم اختلفوا في مسألة اللفظ، فجمهور أهل السنة لم يتعرضوا لمسألة اللفظ، وهناك فرق كبير بين اللفظ بالقرآن والتلفظ بالقرآن، فمن قال: إن لفظي بالقرآن مخلوق فقد أخطأ، ولو قال: إن تلفظي بالقرآن مخلوق فقد أصاب؛ لأن اللفظ اسم، وهو يدل على الملفوظ وهو القرآن الكريم، فإذا قلت: إن لفظي بالقرآن مخلوق فكأنك -ولو كان ذلك على سبيل الإشارة- تقول: القرآن مخلوق.\nأما إذا قلت: إن تلفظي، يعني: حركة لساني وإخراج الصوت من فمي أو من صدري مخلوق، بمعنى: أنه حادث؛ فهذا لا بأس به.\nإنك تقرأ في حاشية هذا الكتاب أن الناس اختلفوا في مسألة القرآن، فمنهم من قال: هو مخلوق، ومنهم من قال: غير مخلوق، ومنهم من قال بالتوقف، يعني: توقف ولم يتكلم لا بهذا ولا بذاك، ومنهم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ثم يرجح المحقق أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الصحيح وما عداه باطل، وهو أن القرآن كلام الله غير مخلوق وسيرد على من قال بمسألة اللفظ.","vol":"16","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>حكم القول: يا رب القرآن</span>!\nكان ابن عباس في جنازة، فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له، قوله: (اللهم يا رب القرآن!) يدل على أن القرآن مربوب، وكل مربوب مخلوق حادث، فهذا الرجل إما أنه كان على مذهب الاعتزال، وإما أنه جاهل لا يعلم شيئًا، ولكن ابن عباس فطن إلى الأمر؛ فوثب إليه ابن عباس فقال: مه! وهي كلمة زجر، وقيل: هي كلمة تعجب عند العرب، أي: كيف تقول هذا؟ هذا من أنكر المنكرات! فقال ابن عباس: القرآن منه.\nأي: أن القرآن كلام الله ليس بمربوب، منه بدأ وإليه يعود، فانظر إلى ابن عباس! لاحظ كلمة يقع فيها كثير من الناس في هذه الأيام؛ لأن هذه الزيادة (رب) ليست في حديث صحيح قط، وإنما الصحيح: (يأتي الصيام والقرآن فيشفعان للعبد فيقول القرآن: أسهرت ليله فشفعني فيه، ويقول الصيام: أظمأت نهاره فشفعني فيه)، وهذه الرواية صحيحة، أما رواية: يا رب! فليست صحيحة.\nوقال عبد الله بن عمر: القرآن كلام الله غير مخلوق.\nوعن عمرو بن دينار قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.","vol":"16","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>ذكر إجماع التابعين من مكة والمدينة والكوفة والبصرة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق</span>\nيذكر أهل مكة والمدينة، ثم يذكر أهل البصرة والكوفة، ويذكر منهم علي بن الحسين ويذكر أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن البصري وسليمان التيمي وأيوب السختياني وحماد بن أبي سليمان وسليمان الأعمش جميعًا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.\nفهذا الثوري يقول: سمعت حماد بن أبي سليمان يقول: قولوا لفلان الكافر: لا يقرب مجلسي، فإنه يقول: القرآن مخلوق.\nوقال أبو نعيم الفضل بن دكين وأحمد بن يونس وأصحابه: ثبت أبو نعيم وقال: لقيت سبعمائة شيخ، ذكر الأعمش والثوري وجماعتهم.\nقال: ما سمعت أحدًا منهم قال ذا القول، يعني: يقول بخلق القرآن، إلا رجل واحد.","vol":"16","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>ذكر ما روي عن أتباع التابعين في أن القرآن كلام الله</span>\nيذكر أهل مكة والمدينة، ثم يذكر أهل البصرة والكوفة، ويذكر منهم علي بن الحسين ويذكر أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن البصري وسليمان التيمي وأيوب السختياني وحماد بن أبي سليمان وسليمان الأعمش جميعًا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.\nفهذا الثوري يقول: سمعت حماد بن أبي سليمان يقول: قولوا لفلان الكافر: لا يقرب مجلسي، فإنه يقول: القرآن مخلوق.\nوقال أبو نعيم الفضل بن دكين وأحمد بن يونس وأصحابه: ثبت أبو نعيم وقال: لقيت سبعمائة شيخ، ذكر الأعمش والثوري وجماعتهم.\nقال: ما سمعت أحدًا منهم قال ذا القول، يعني: يقول بخلق القرآن، إلا رجل واحد.","vol":"16","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>قول جعفر بن محمد أن القرآن كلام الله غير مخلوق</span>\nجاء تحت باب: [ما روي عن أتباع التابعين من الطبقة الأولى من بلدان شتى]، عن إسحاق بن بهلول قال: [سألت موسى بن داود عن القرآن، فقال: حدثني معبد أبو عبد الرحمن عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لـ جعفر بن محمد: إنهم يسألوننا عن القرآن: مخلوق هو؟ قال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله].\nيعني: لا يقال عنه: خالق ولا مخلوق، ولكن يقال: إنه كلام الله.\nقال: أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد قال أبي أحمد بن حنبل: رأيت معبدًا هذا ولم يكن به بأس، وأثنى عليه أبي، قال: وكان يفتي برأي ابن أبي ليلى]، وسئل جعفر عن القرآن فقال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله.\n[وعن موسى بن جعفر قال: سئل أبي -الذي هو جعفر بن محمد - عن القرآن: خالق هو أو مخلوق؟ فقال أبي: لو كان خالقًا لعبد -لأن من شأن الخالق أن يعبد- ولو كان مخلوقًا لنفد]، ولو كان مخلوقًا لأتى عليه الفناء.","vol":"16","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>قول ابن المبارك أن القرآن كلام الله غير مخلوق</span>\nوقال في ترجمة عبد الله بن المبارك: [قال ابن المبارك: سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عامًا يقولون: من قال: القرآن مخلوق فامرأته طالق طالق طالق، البتة.\nقلت: ولم ذاك؟ قال: لأن امرأته مسلمة، والمسلمة لا تكون تحت كافر].\nأرأيت؟ ليس هناك محاباة في دين الله ﷿.\nقلت أنا: فقد لقي عبد الله بن المبارك جماعة من التابعين مثل سليمان التيمي وحميد الطويل وغيرهم وليس في الإسلام في وقته أكثر رحلة منه ولا أكثر طلبًا للعلم وأجمعهم له وأجودهم معرفة به، وأحسنهم سيرة وأرضاهم طريقة مثل ابن المبارك، ولعله يروي عن ألف شيخ من التابعين، فأي إجماع أقوى من هذا، وابن المبارك يقول: هذا ما أدركت الناس عليه.\nفهل يتصور يا إخواني! أن هذا حق خفي على النبي وأصحابه والتابعين والقرون الخيرية وبان لهؤلاء الفلاسفة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حتى لو لجأنا إلى المنطق العقلي لا يتصور أبدًا أن أمرًا يخفى على النبوة وعلى الصدر الأول للرسالة، ولا يظهر إلا لمن بعدهم، لكرامة هؤلاء على الله ﷿ أبدًا؟ لأنه ليس أحد أكرم على الله من أنبيائه ورسله وأصحاب أنبيائه في المرتبة الثانية، فإن الله ما كان ليخفي شيئًا عنهم جميعًا ثم يظهره للمعتزلة أو للأشعرية، أو للماتريدية، أو للخوارج، أو للشيعة! إن الذي يقول بهذا لابد أن يكون قد فقد عقله.","vol":"16","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>كلام الفضل بن دكين فيمن أدرك ممن يقولون بأن القرآن كلام الله</span>\nقال: [قال أحمد بن يونس: لقيت أبا نعيم فقال لي: إنما هو ضرب الأسياط، قال ابن أبي شيبة: فقلت: ذهب حديثنا عن هذا الشيخ، فقيل لـ أبي نعيم فقال: أدركت ثلاثمائة شيخ كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنما قال هذا قوم من أهل البدع كانوا يقولون: لا بأس برمي الجمار بالزجاج، ثم أخذ زره -يعني: أبو نعيم أخذ زر قميصه- فقطعه، ثم قال: رأسي أهون علي من زري، يعني: سأرمي الجمار برأسي ولا أرميها بالزجاج؛ وذلك لأن النص ذكر أن الجمار إنما هي من حصى الخذف، من حصى مكة أو منى أو المزدلفة أو عرفة على المذهب الراجح، والذي يقول: إن رمي الجمار لا بأس أن يكون بالزجاج، يفتح المجال أمام الآخر ليقول: لا بأس أن يكون بالفضة والذهب، وما المانع؟ إن الشيعة الآن يعتقدون أن رمي الجمار بالدم مجزئ، بل قربة إلى الله ﷿ عندهم؛ ولذلك يصعد الشيعة ويحرصون على أن يرموا جمارهم من فوق الكبري في مكان الرمي، ويرمون سبعة أكياس من الدم تعبيرًا عن شؤمهم بإهراق دم الحسين، فينتهزون الفرصة ليعبروا عن حبهم المزعوم لآل البيت، وحزنهم الشديد على الحسين، ويا ليته كان معنا الآن! ثم يقولون: إن هذه الأكياس من الدم إنما تجزئ لأننا نرمي بها ونرجم بها، ويسقط كيس الدم في ذلك المكان المعد للجمار وينفجر فيلوث جميع الحاضرين، وعلى أية حال! لا يأتي من الشيعة على جهة الخصوص ومن المبتدعة على جهة العموم إلا كل شر.","vol":"16","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>قول أبي جعفر المنصور في أنَّ (لا إله إلا الله) كلام الله غير مخلوقة</span>\nقالك [وكتب أليون ملك الروم إلى أبي جعفر المنصور يسأله عن أشياء ويسأله عن لا إله إلا الله: أمخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ قال: فكتب إليه أبو جعفر: كتبت إلي تسألني عن لا إله إلا الله: أخالقة أم مخلوقة؟ قال: وليست خالقة ولا مخلوقة، ولكنها كلام الله ﷿]، يعني: حتى السلاطين كان لهم عناية بأسماء الله وصفاته.","vol":"16","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>ذكر ما كان من ابن أبي ليلى مع الرجل الذي قال بخلق القرآن</span>\nقال: [قال محمد بن عمر: إن ابن أبي ليلى قال: حدثني أبي قال: لما قدم ذلك الرجل إلى محمد بن عبد الله بن أبي ليلى شهد عليه حماد بن أبي سليمان وغيره أنه قال: القرآن مخلوق، وشهد عليه قوم مثل قول حماد بن أبي سليمان، فحدثني خالد بن نافع قال: كتب ابن أبي ليلى إلى أبي جعفر وهو بالمدينة بما قاله ذلك الرجل، وشهادته عليه وإقراره، فكتب إليه أبو جعفر: إن هو رجع وإلا فاضرب رقبته وأحرقه بالنار، فتاب ورجع عن قوله في القرآن.\nقال وكيع: ولما كان من أمر الرجل ما كان قال له ابن أبي ليلى: من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن خلق منطقك؟ قال: الله.\nقال: خُصِمت، قال: صدقت، فماذا تقول؟ قال: فإني أتوب إلى الله.\nقال: فبعث معه ابن أبي ليلى أمينين فيوقفاه إلى حلقة من حلق المسجد يقولان لهم: إنه قال: إن القرآن مخلوق فقد تاب ورجع، فإن سمعتموه يقول شيئًا فارفعوا ذلك إلي، قال: وأمر موسى بن عيسى حرسيًا -أي: شرطيًا- فقال: لا تدعنه يفتي في المسجد.\nقال: فكان إذا صلى قال الحرسي: قم إلى منزلك، فيقول له: دعني أسبح، فيقول: ولا كلمة].\nانظر إلى حرص الناس على دين الله ﷿، إنه لأمر عجب! [قال: فلا يتركه حتى يقيمه، فلما قدم محمد بن سليمان جمع جماعة فكلمه؛ فأذن له وجلس في المسجد].\nفلم يجلس في المسجد إلا برخصة.\nونحن في الحقيقة أردنا أن نستبشر خيرًا بسرد كلام السلف؛ لأن سرد كلام السلف فيه نور وبركة عظيمة جدًا، فأردنا أن نسعد بسماع وقراءة كلام سلفنا ﵃ أجمعين.","vol":"16","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>الأسئلة</span>","vol":"16","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>حكم تحية المسجد لمن لا ينوي مفارقته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يلزم المرء سنة تحية المسجد إذا أراد أن يخرج من المسجد إلى الحمام، أو ليشرب ويرجع، أو يكلم طالبًا له أو غير ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هناك فرق بين من يخرج من المسجد ينوي مفارقة المسجد، ومن خرج من المسجد لا ينوي المفارقة، ولا شك أن الحمامات ليست من المسجد، وهذه التوسعات التي حول المسجد ليست من المسجد؛ ولذلك يجوز فيها ما لا يجوز في المسجد من البيع والشراء وغير ذلك، فنقول: إن الذي خرج من المسجد بنية عدم العودة إذا رجع إلى المسجد كان هذا رجوعًا جديدًا يلزم منه تحية المسجد؛ لقوله ﵊: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).\nأما إذا خرج بنية العودة وكان خروجًا يسيرًا للحمام أو أن يكلم واحدًا في الخارج، كأن يكلم أهله، أو يقضي شيئًا يسيرًا ويرجع مرة أخرى؛ فإن هذا لا يلزمه تحية المسجد.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"16","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>حكم لبس المرأة للنقاب أثناء العمرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم لبس المرأة للنقاب أثناء العمرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يعني: أثناء الإحرام، والنبي ﵇ يقول: (لا تنتقب المرأة المحرمة)، فالنقاب مخالف لهدي النبي ﵊ في الحج والعمرة عند الإحرام، ولكن للمرأة أن تطرح ثوبها على رأسها فيسدل على وجهها، وهذا لا يعد نقابًا، لا يسمى في لغة الاصطلاح: نقابًا، فلو طرحت المرأة مثلًا البيشة على رأسها، فنزلت فغطت وجهها غطاءً أو غطاءين أو ثلاثة كما تشاء المرأة، فإن هذا ليس من النقاب في شيء، بل النقاب هو المعروف لدينا: الذي تعصب به المرأة رأسها؛ ولذلك لا تعصب المرأة بثوبها رأسها في الإحرام.","vol":"16","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>بيان ما يفعله الطبيب إذا علم أن امرأة فضت بكارتها من غير زوجها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول الطبيب: أتاني رجل بزوجته ولم يمر على زواجهما أكثر من أسبوع، ولكنه عند جماعه إياها لم ير دم البكارة.\nفهل يجوز لي أن أخبر زوجها بحقيقة الأمر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nيجب عليه أن يخبره بحقيقة الأمر؛ لأن هذا الرجل إذا كان طيبًا فكيف له أن يعاشر امرأة قد جامعها غيره في حرام، وإن هذا من العيوب المؤثرة في إتمام الزواج أو في استمراره، فهناك من العيوب من إذا أخفاه الزوج أو الزوجة على صاحبه لا يكون مؤثرًا في الزواج وفي استمراره، ومن العيوب ما إذا عرفه الطرف الآخر لم يقبل الزواج، كما لو أن المرأة عرفت أن زوجها عنين أو مجبوب أو لا يستطيع أن يصل إلى النساء وإن كان في الظاهر أن له عضوًا كأعضاء بقية الرجال، فلها الحق الشرعي في أن تطلق من زوجها.\nوإذا علم الرجل كذلك أن للمرأة عيبًا عظيمًا تتأثر به الحياة ولا تستقيم، والزوجة أخفت هذا العيب عن الزوج ولم تطلعه عليه إلا بعد البناء بها أو العقد عليها، فللزوج أن يطلقها كذلك لهذا العيب المؤثر.\nفأرى أن هذا من العيوب المؤثرة، وكيف يستقيم البيت أو يعتدل المزاج الزوجي مع زوجة لا يُدرى: أكان ذلك منها بنكاح أم بسفاح، خاصة إذا كان هذا الأمر بسفاح فكيف يستقيم الأمر بينهما؟ فأرى أن الطبيب يلزمه أن يصرح لهذا الزوج بما كان من تلك المرأة.","vol":"16","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>حكم زواج المسيحي من المسلمة والعكس، وحكم تحدث الخطيب عن التبرعات في الخطبة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من الممكن تزوج مسلمة من مسيحي، فالمسيحي يقول: إني أريد أن أسلم؟ فالرجاء الإفادة، وهل يجوز للخطيب في الجمعة أن يتحدث عن التبرعات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال.\nيجوز أن يتحدث الخطيب عن التبرعات ويحث الناس، والنبي ﵊ كان يحث أصحابه على الصدقة، لكن السؤال الأول وهو البلية العظيمة جدًا وكنت أظن أن ذلك معلوم من الدين بالضرورة: أن المسلمة لا تكون تحت كافر قط، والعكس صحيح: أن الكافرة من اليهودية أو النصرانية وأصحاب الكتاب تكون تحت مسلم بشرط أن تكون محصنة حرة عفيفة غير زانية ولا مشركة، كأن تقول: عيسى هو الله أو ابن الله أو أن عزيرًا ابن الله أو غير ذلك، فإن هذه مشركة وإن كانت من أهل الكتاب؛ فلا يجوز الزواج منها؛ لأن بعض الناس يتصور أن الزواج بالمسيحية أمر على إطلاقه، وليس الأمر كذلك، إنما الأمر مشروط بألا تكون مشركة، وأن تكون محصنة حرة عفيفة ليست زانية ولا باغية، وأن تكون السيادة في البيت للزوج، وأن يلحق الأولاد به لا بها عند الفراق أو عند استدامة الحياة بينهما.\nفبهذه الشروط يجوز نكاح الرجل المسلم من المرأة الكافرة الكتابية، أما نكاح المسلمة من الكافر فإنه لا يجوز البتة، ولم يجوزه إلا ضلال الفرق المنحرفة الذين جوزوا مع هذا زواج الأب من ابنته وزواج البنت من أبيها وزواج الأخ من أخته والأخت من أخيها، فإنهم وقعوا في مثل هذا كله، وبالمناسبة قالوا بجواز زواج المسلمة من كافر، فإن هذا أمر لا عبرة به؛ لأن الخلاف هنا غير معتبر.\nإن النصارى قبل بعثة النبي ﵊ ليسوا كلهم يقولون: إن عيسى ابن الله ولا أنه الله، فإن جلَّ النصارى من قبل بعثة النبي ﵊ يقولون: إن عيسى رسول الله، وبعضهم يقول: ابن الله، والبعض يقول: هو الله، يقولون بالتثليث والتثنية، لكن ليس كل النصارى في زمن النبي ﵊ يقولون هذا؛ ولذلك لو رجعت إلى كتاب بدء الوحي في صحيح البخاري وهو أول كتاب في الصحيح في شرح حديث أبي سفيان صخر بن حرب لما لقي هرقل الروم، لعرفت أن هرقل اختلف أهل العلم فيه: هل آمن بالنبي ﵊ أو لم يؤمن؟ والراجح: أنه لم يؤمن، بدليل أنه حارب النبي ﵊ وحاربه النبي ﵊ في أرض الشام، ولو كان مسلمًا لما حارب النبي ﵊.\nوهناك أدلة كثيرة تشهد بأن هرقل لم يدخل في الإسلام، وإن كانت بعض الروايات أثبتت إسلامه، ولكن أقوى الروايات لم تثبت إسلامه.\nالشاهد في هذا: أن هرقل كان نصرانيًا، ومع هذا أثنى عليه النبي ﵊ في بعض الأحاديث، وأنه من أهل الكتاب، وكان مع هرقل من يقول بهذه الأقوال الثلاثة: أن عيسى ابن الله، وأنه هو الله، وأنه نبي الله.\nفأنا أقول: إن النصراني يكون أحيانًا معه نوع شرك فيما يتعلق بإثبات البنوة أو الألوهية لعيسى، وإذا لم يكن لا هذا ولا ذاك فإنه يبقى على أصل كفره من أهل الكتاب.\nوهذا عند الإطلاق، فأهل الكتاب في كتاب الله وفي سنة الرسول ﷺ يطلق على من يقول: إن عيسى رسول الله ﷺ وإن كان كافرًا.","vol":"16","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>حكم الجمع بين نية تحية المسجد والسنة الراتبة في ركعتين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أيهما أولى بالتقديم: تحية المسجد أو السنة الراتبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ما المانع أن تجمع بينهما بنيتين؟ يعني: تصلي السنة بنيتين، وهذا مذهب جمهور العلماء: أن صلاة النوافل تجمع فيها النيات المتعددة، نيتان وثلاث وأربع وخمس وعشر إن شئت.","vol":"16","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>حكم تشميت المرأة الأجنبية إذا حمدت الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يشمت الرجل المرأة الأجنبية إذا عطست وقالت: الحمد لله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الحقيقة النص عام، حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي ﵊: (حق المسلم على المسلم ست، ومنها: وإذا عطس فحمد الله فشمته)، وحق المسلم للذكر من باب التغليب، وإلا فالأصل حق المسلم على المسلم والمسلمة على المسلمة وحق المسلمين بعضهم على بعض، هذا هو الأصل، لكن القضية ترجع إلى فرع آخر، وهو إذا كان ذلك له تعلق بالفتنة بين الرجال والنساء فإنه لا يشمتها كالسلام تمامًا، فإنه من حق المسلم على المسلم إذا لقيه أن يسلم عليه، وأن يرد ﵇ وهذا من الواجبات، فإذا كان سلام الرجل على المرأة أو العكس فيه فتنة لهما؛ فإنه لا يسلم، بمعنى إلقاء السلام لا المصافحة، أما المصافحة فممتنعة تمامًا بين الرجال والنساء ما لم يكونوا من المحارم، وكذلك تشميت العاطس على النحو من هذا.","vol":"16","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>حكم مصافحة المرأة الكبيرة في السن</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز مصافحة المرأة الكبيرة في السن؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المصافحة لا تجوز قط، والنبي ﵊ كان في زمنه نساء عواجز كثر، ولم يثبت أنه صافح واحدة منهن، بل ثبت العكس أن عائشة كما ورد في الصحيح تقول: (ما مست يد النبي ﵊ يد امرأة لا تحل له)، وفي رواية: (أجنبية عنه قط)، فالنبي ﵊ هو أسوة لهذه الأمة.\nأما البنت الصغيرة التي لم تبلغ الحلم فلا حكم لها، يجوز مصافحتها والسلام عليها وغير ذلك؛ لأنها بنت لا تشتهى، صغيرة في السن جدًا، والواحد يتعجب من الإخوة الذين يشددون في الأمور قليلًا، فلا يرضى أن يسلم على البنت التي عمرها سنتان أو ثلاث.\nوهناك من البنات الصغيرات من تشتهى فعلًا، كأن تكون جميلة وبيضاء وشعرها جميل للغاية، فإذا لم تبلغ البنت ولم تحدثك نفسك بشيء من هذا فاعلم أن الأمر على الستر والسلامة، وإذا حدثتك نفسك فابتعد، والأولى أن تلحق هذه البنت وإن لم تبلغ الحلم ببقية النساء.\nومسألة مصافحة العجائز لم ترد في كتب السلف على أية حال، فالشخص يرى واحدة كأمه أو جدته أو أكبر من ذلك، وإذا بها تقول له: خذ بيدي يا بني! وهي امرأة عجوز جدًا، وهذا لا يمكن أبدًا، فإذا كان ذلك لحاجة ماسة أو ضرورة ملحة؛ فعلى الشخص أن يمسك بذراعها، أو يمسك بثوبها ليدلها على الطريق، وأنا نفسي أفعل هذا، وأفعله بحرج كبير، لكن من باب الرحمة ومساعدة المحتاج وفك كرب المكروبين، ولا يخطر بالبال قط شيء مما يدور في ذهنك ورأسك، إذ إنها امرأة تتجاوز سبعين أو ثمانين سنة، فكيف تشتهى هذه المرأة من شاب عنده من العمر عشرون أو ثلاثون سنة أو أربعون سنة؟!","vol":"16","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>الحكم على حديث: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الحديث: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) حديث صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nحديث صحيح، قاله النبي ﵊ بمناسبة أنه نهى الناس عن تلقيح النخل، فلم يثمر النخل في ذلك العام، فقال النبي ﷺ في العام المقبل لما سألوه: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) يعني: افعلوا ما شئتم.","vol":"16","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>شرح حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال ﵊: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ما معنى هذا الحديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس معنى هذا الحديث كما يتبادر إلى بعض الأذهان أنه ليس هناك شيء اسمه خطأ ولا نسيان ولا إكراه، بل إن الخطأ واقع، والنسيان واقع، والإكراه واقع، ولكن لو وقع منك فعل خطأ أو معصية على سبيل الخطأ أو على سبيل النسيان أو على سبيل الإكراه، فإن الله لا يحاسبك عليها.\nولنضرب أمثلة على ذلك: الخطأ أو النسيان مثلًا في الصلاة، كشخص صلى الظهر فقام إلى الركعة الخامسة، فلو قام متعمدًا لبطلت جميع صلاته من أولها إلى آخرها؛ لأنه زاد عن النص بغير نص وخالف الهدي فيحاسب على ذلك، لكن إذا قام إلى الخامسة نسيانًا فلا تبطل صلاته، وقد وقع منه الخطأ والله لا يحاسبه عليه؛ ولذلك يجبر خطؤه بسجدتي السهو.\nوالإكراه واقع، ولكن الله تعالى لا يحاسبك عليه، فلو أتى السلطان مثلًا فهجم على بيتك بالليل، وانتهك حرمتك، وكشف سترك وعرضك، فوجد أن امرأتك جميلة مثلًا، فقال لك: طلق هذه المرأة، فقلت: لا، لن أطلقها.\nهذه امرأتي وأم أولادي، وأنا أحبها وأحتفظ بها، فقال لك: تطلقها وإلا سنعمل فيك كذا وكذا؟ وبدأ فعلًا في تنفيذ ما هدد به من ضرب وركل وكهربة وغير ذلك من أساليب التعذيب، فبلغ بك التعذيب حدًا لا تحتمله؛ فخشيت على نفسك من الهلاك، فقلت مكرهًا: امرأتي طالق؛ ليتزوجها هو، فهل هذا الطلاق يقع صراحة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يقع.\nفقوله ﵇: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، المعنى: رفع إثم ذلك عن أمته، فالمرفوع هو الإثم وليس الفعل؛ لأن الفعل واقع منك، والخطأ واقع، والنبي ﵇ نفسه نسي، كما ثبت في الصحيح: (أن النبي ﵊ كان في بيت عائشة فسمع رجلًا يقرأ في المسجد فقال: رحم الله فلانًا؛ أذكرني آية كنت قد أنسيتها)، فالنسيان واقع حتى من النبي ﵊، ولكن نسيان النبي ﵊ لا تعلق له بالوحي، فإنه لم ينس شيئًا من الوحي إلا بعد أن بلغه لأصحابه، فكان محفوظًا لدى الأصحاب، فلا يضر بعد ذلك نسيان النبي ﵇ له أو تذكره؛ لأنه قد بلغ أولًا، كما أنه صلى العصر وفي رواية الظهر في حديث (ذي اليدين) ركعتين، فهمهم القوم، فقام رجل طويل اليدين، فرفع يديه وقال للنبي ﵊: (يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: ما قصرت وما نسيت) يعني: وما أظن أني نسيت.\n(فقال: إنك صليت بنا ركعتين، فقام النبي ﵇ وكبر وصلى ركعتين ثم سجد للسهو)، وهذا يدل على النسيان؛ لأنه ما كان للنبي ﵊ أن يصلي الظهر ركعتين متعمدًا، فالنسيان واقع حتى من الأنبياء، وهذا أمر لا يخل بالشرع؛ لأن نسيان الأنبياء بعد البلاغ لا قبل البلاغ، ومادام قد بلغ فإن البلاغ محفوظ لدى الأصحاب بدليل أنهم أنفسهم ردوا عليه ﵊.\nفالخطأ واقع والنسيان واقع والإكراه موجود، وما أكثره خاصة في هذا الزمان، ولكن إثم الأفعال الناجمة عن الخطأ والنسيان والاستكراه لا يأثم عليها المخطئ ولا الناسي ولا المكره، إنما يأثم بها المكرِه لا المكرَه، والعلماء لهم كلام فيمن أكره على العصية، فيجمعون على استحباب أن يهلك المرء دون الوقوع في المعصية، وإذا لم يحتمل الإكراه فإنه لا بأس عليه في اقتراف المعصية، والرأي الأول أحب وأولى.","vol":"16","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>الحكم على أحاديث الذهب المحلق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أحاديث الذهب المحلق والتي جاء بها فضيلة الشيخ الألباني هل هي صحيحة أم ضعيفة؟ وإذا كانت صحيحة كيف العمل بها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الحقيقة هذه المسألة يخالف فيها الشيخ الألباني جماهير علماء الأمة قديمًا وحديثًا، وإن كانت صحيحة إلا أنها مؤولة بمنع الزكاة، أو البخل بالتصدق بها أو إعارتها، أو غير ذلك مما ذكره أهل العلم.\nوأما التفريق بين المحلق وغير المحلق فهذا مذهب جديد لشيخنا لم يسبق إليه، والله تعالى أعلم.\nوكل إنسان يخطئ ويصيب.","vol":"16","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>حكم صوم الولد عن والده</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز للولد الصيام عن والده الذي توفي، وهل يصل ثوابه للميت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nالنبي ﵊ يقول: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، واختلف أهل العلم في نوع هذا الصيام: هل هو صيام الفرض أو صيام الواجب؟ فصيام الواجب كصيام النذر أو صيام الكفارات، وصيام الفرض هو شهر رمضان لا غير، فهل قوله ﵇: (من مات وعليه صوم)، يشمل الواجب والفرض على السواء أم يشمل الواجب فقط؟ جمهور أهل العلم على أن ذلك متعلق بالواجب فقط دون الفرض، وأن الفرض يكفيه الكفارة، أي: إطعام مسكين عن كل يوم وجبتين، وبعض أهل العلم يقولون: الصوم متعلق بالواجب والفرض على السواء.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"16","page":33},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-308> من أفتى فيمن قال القرآن مخلوق</span>\nالكلام صفة من صفات الله تعالى، والقرآن كلام الله غير مخلوق، والله يتكلم كيفما شاء ومتى شاء، ومن قال غير هذا فقد ضل سواء السبيل، وخالف مذهب أهل السنة والجماعة، وقد حكم عليه أئمة الإسلام بأحكام غليظة هي لازم تكفيرهم له، فقالوا في معتقد ذلك أنه لا يرث ولا يورث، وماله فيء للمسلمين إن مات، وامرأته تبين منه بينونة كبرى، ولا ينكح، ولا يصلى خلفه، ولا يعاد إذ مرض ولا تشهد جنازته، وما ذاك إلا لعظيم فريته، وخطر ما قال به من فساد معتقده.","vol":"17","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>سياق ما روي عمن أفتى فيمن قال القرآن مخلوق</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nفلا يزال الكلام موصولًا عن كتاب الله ﷿ المتمثل في صفة الكلام، وهو: أن القرآن العظيم كلام الله تعالى غير مخلوق، وقد فرغنا من تصحيح الاعتقاد في أن كلام الله ﷿ هو صفة من صفاته سبحانه، وأن من قال: إن كلام الله تعالى مخلوق فلاشك أنه قد حاد عن جادة الصواب، وانحرف عن عقيدة النبوة.\nوهذا الباب الذي نحن بصدده انعقد في إفتاء من أفتى فيمن قال بأن القرآن مخلوق، أي: في حكم من قال: إن القرآن مخلوق.","vol":"17","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>اضطراب مالك في إصدار الحكم على من قال القرآن مخلوق</span>\nلقد اضطرب الإمام مالك عليه رحمة الله في إصدار الحكم على من قال: بأن القرآن مخلوق، فقال تارة: اقتلوه، وفي مرة أخرى سئل فقال: سلوه واستتيبوه، فإن تاب وإلا فاضربوا عنقه.\nفهل يقتل دون أن يسأل ويستتاب، أو لابد من استتابته ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل؟ قال مالك في مرة ثالثة: ربما كان مخطئًا.\nفمن قال: إن القرآن مخلوق إما أن يكون مخطئًا، أو متأولًا، أو معاند.\nفاضطرب مالك عليه رحمة الله في إطلاق هذه الأحكام، وأما غيره فقد ورد عنه الاستتابة مرة واحدة، وغيرهم ورد عنه القتل مباشرة.","vol":"17","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>الجمع بين ما ورد عن سلفنا في حكم من قال القرآن مخلوق</span>\nوبعد قراءة ما ورد عن سلفنا فيما يتعلق بحكم من قال: بأن القرآن مخلوق؛ خرجنا بنتيجة تأليفًا لأقوالهم، وعدم تضاربها: بأن من قال: القرآن مخلوق وهو جاهل لا يعلم ذلك فإنه يعلم ولا يستتاب؛ لأنه جاهل، فبمجرد أن يتعلم فإنه يترك هذا الخطأ الذي كان عليه، وينحاز إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وإنما سمع الناس يقولون: مخلوق، فقال: مخلوق، وهو لا يدري ما معنى هذه الكلمة ولا ما خطورتها، وأما من قال ذلك متأولًا -والتأويل في هذه القضية غير سائغ ولا معتبر- فإنه لابد أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.\nوأما من قال ذلك عنادًا وجحودًا وهو يعلم خطورة الأمر فإنه يقتل دون أن يستتاب، ولو أنك تصفحت كلام أهل العلم لخرجت بهذه النتيجة؛ ولذلك سئل أحمد بن حنبل ﵁ ورحمه عمن قال: القرآن مخلوق ما هو؟ قال: كفر، وقائله إما مخطئ فيعلم، وإما عالم فيقتل.\nوأرجو أن ينسحب الكلام الذي قلناه في هذه الصفة على صفات الله ﷿ كلها، فهذا كلام ذكرناه على صفة الكلام لله ﷿؛ لأن المناسبة استدعت ذلك، وأن الفتنة قامت فيما يتعلق بهذه الصفة، فوضع كل أصولًا؛ ليمشي عليها بقية جماعته وفرقته؛ فوضع أهل السنة في مقابل أصول أهل البدعة أصولًا؛ لتجري هذه الأصول على بقية الصفات، فإذا كانت صفة الكلام غير مخلوقة لله ﷿ فكذلك بقية صفاته غير مخلوقة، ولا يجوز أبدًا أن نقول عن أي صفة: إنها مخلوقة، فإن صفات الله ﵎ منه وإليه، ولا يجوز أبدًا أن تقول: إن الله كان بغير صفات ثم اتصف بهذه الصفات، أو كان بغير أسماء ثم تسمى بهذه الأسماء؛ لأنه يلزمك -والحالة هذه- أن تقول: إن الذات العلية كانت مجردة عن الأسماء والصفات، ثم أحدثها الله ﵎ لنفسه.\nوقولك: (ثم أحدثها) يعني: ثم خلقها، وهذا بلا شك كفر؛ لأن فيه نسبة النقص إلى المولى ﷿، وأنه كان مجردًا ثم اتصف، وكان مجردًا ثم تسمى، وكأنه كان عاجزًا من أول الأمر أن يتسمى أو يتصف، ثم لما علم سبحانه أن هذا نقص وعيب أراد أن يتمه وأن يكمله؛ فسمى نفسه بأسماء، ووصف نفسه بصفات.\nفمن جاء عنه ذلك مالك عليه رحمة الله، ومن الخلفاء: أبو جعفر المنصور، وأما من الفقهاء فكثير جدًا لا يكاد العد يحصرهم.\nقالوا لـ مالك: ما تقول فيمن قال: القرآن مخلوق؟ قال: اقتلوه؛ كافر، فقال السائل: يا أبا عبد الله! إني لم أقله، إنما قلت لك: قال إنسان، قال مالك: إنما سمعته منك.\nيعني أن مالكًا أمر الناس أن يقتلوا الذي سأله، فلم يقل مالك: اقتلوا القائل، وإنما قال: اقتلوا السائل.\nفقال السائل: أنا أقول لك: إن شخصًا يقول كذا، وأنا لم أقل ذلك، فقال: أنا ما سمعته منه، وإنما سمعت هذا منك.\nوهذا يدل على حساسية الأمر لدى السلف، وأنهم ما كانوا يحبون أن ينتشر هذا الكلام ولو على سبيل السؤال؛ لأنه باب عظيم من أبواب نشر الفاحشة بين الناس.\nوالفاحشة إن كانت عند إطلاقها تعني: الزنا وتغير الذنوب، إلا أن أعظم من ذلك وأشر هو الكلام في أسماء الله وصفاته بغير علم.\nوقال سفيان بن عيينة: قال يحيى بن السراج: كنا عند ابن عيينة فتشوش الناس -يعني: أحدثوا أصواتًا متداخلة ومختلطة- فقال ابن عيينة: ما هذا؟ قالوا: قدم بشر المريسي، قال: وما يقول هذا؟ قالوا: يقول: القرآن مخلوق، قال: آتوني بشاهدين حتى آمر الوالي بضرب عنقه.\nأي: شهد عندي اثنان أو ثلاثة أنه يقول هذا أمرت الوالي أن يضرب عنقه.\nوعن حفص بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما كنت أعرض أحدًا من أهل الأهواء على السيف إلا الجهمية.\nقال الربالي: هم والله كفار.\nوقال ابن مهدي: لوددت أن أقوم على رأس الجسر فلا يمر أحد إلا سألته، فإن قال: القرآن مخلوق؛ ضربت عنقه، وألقيته في الماء.\nفهذا عبد الرحمن بن مهدي إمام عظيم جدًا من أئمة السنة، وهو شيخ الإمام الشافعي، قال: من زعم أن الله ﷿ لم يكلم موسى بن عمران تكليمًا فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.\nوقال وكيع بن الجراح: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن القرآن محدث -أي: حادث- ومن زعم أن القرآن محدث فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ، وأرى أنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.\nوهكذا جاء عن عبد الله بن داود الخريبي وغيرهم.\nوسئل أبو عبيد القاسم بن سلام: ما تقول يا إمام! فيمن قال: القرآن مخلوق؟ قال: هذا رجل يعلم ويقال له: إن هذا كفر، فإن رجع وإلا ضربت عنقه.\nوهذا النص يستلزم الاستتابة، كما أن فيه عقيدة عظيمة جدًا لأهل السنة وهي: مبدأ ورود العذر بالجهل.\nوعن القاسم قال: من قال: إن القرآن مخلوق فهو شر ممن قال: إن الله ثالث ث","vol":"17","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>شناعة إنكار صفات المخلوق الثابتة، فكيف بإنكار صفات الخالق</span>\nإن صفات المخلوقين تختلف عن صفات الخالق ﵎، فلو أنك موصوف بالحلم والناس يعرفون عنك ذلك، فجاء شخص وأنكر أنك حليم، فإنك ستفقد هذا الحلم وتغضب؛ لأنه نفى عنك صفة لازمة لك جبلك الله ﷿ عليها، إذ إن الصفات إما جبلية، وإما مكتسبة.\nفالمرء إما أن يولد بصفات جبله الله ﷿ عليها وخلقه عليها، وإما أن يكتسب هذه الصفات بالتعلم، كما قال النبي ﵊: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم).\nوقيل: إن الحسن البصري ﵀ ذهب إلى السوق ليشتري عبدًا سيئ الخلق، فقيل: ولم؟ قال: حتى أتعلم فيه الحلم.\nيعني: يسيء إلي وأحسن إليه إلى أن يكون الحلم سجيتي.\nوقال النبي ﵊ لأحد أصحابه: (إن فيك خصلتين يحبهما الله).\nوفي رواية: أنه قال: (إن فيك لخصلتين من خصال الله ﷿)، ومن صفات الله ﷿: الحلم والأناة.\nقال: يا رسول الله! أجبلني الله ﷿ عليهما، أم أنهما مكتسبتان -كما في معنى الرواية- قال: بل جبلك الله عليهما، يعني: خلق فيك هاتين الخصلتين، فالصفات إما جبلية، وإما مكتسبة.\nوالشاهد من هذا الكلام: أنه لو أتى واحد وأنكر عليك صفة ونفاها عنك وأنت متصف بها على الحقيقة مجبول عليها، فإنك تغضب غضبًا شديدًا جدًا؛ لأنه قد نفى عنك الصفة، فما بالكم بمن ينفي الصفات اللازمة لله ﷿، وله المثل الأعلى؟!","vol":"17","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>الأحكام المترتبة على مقالة: إن القرآن مخلوق</span>\nإن هذا الأمر خطير؛ ولذلك حاز اهتمام الأئمة والخلفاء والراشدين، بل قال بعض أهل العلم: إن من قال: القرآن مخلوق لا يرث ولا يورث، فإذا مات أحد من أقربائه وله في ماله ميراث فإنه لا يرثه، وإذا مات هو فإن ماله فيء للمسلمين، وليس لأحد من الورثة أن يطالب بشيء منه؛ لأنه لا توارث بين أهل ملتين، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.\nفمن قال: القرآن مخلوق لا يرث ولا يورث، وامرأته تبين منه بينونة كبرى، أي: كأنه بمثابة من طلق امرأته ثلاثًا وبانت عنه بينونة لا رجعة فيها؛ ولذلك قال عبد الله بن المبارك: سمعت الناس منذ (٤٩) سنة يقولون: من قال: القرآن مخلوق فامرأته طالق ثلاثًا البتة.\nقلت: ولم ذاك؟ قال: لأن امرأته مسلمة، والمسلمة لا تكون تحت كافر.\nوكثير من أهل العلم قالوا: من قال: القرآن مخلوق لا ينكحون، ولا يصلى خلفهم، ولا يعاد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، وإن موالاة الإسلام انقطعت بينهم وبين المسلمين.\nفانظروا إلى هذا الكلام الخطير العظيم الذي يدل على أن من قال ذلك -وهو عالم بما يقول- فهو خارج ومارق ومرتد عن ملة الإسلام.","vol":"17","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>حكم العلماء على الواقفية</span>\nوقال أحمد: الواقفي لا يشك في كفره.\nأي: من قال: أنا متوقف في هذه القضية، فلا أقول: إنه مخلوق، ولا إنه غير مخلوق، فإن وقف لجهل منه فإنه يعلم، وإن وقف وهو يعلم أنه كلام الله غير مخلوق فإنه شر ممن قال: إنه مخلوق.\nولذلك قال أحمد: إنما يقول: أتوقف يستتر بها من قوله: مخلوق.\nوفي رواية أخرى قال: فإن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، وإن من وقف في إثبات أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال: أنا لا أقول بأنه مخلوق ولا غير مخلوق؛ فهو شر من الذي يقول: إنه مخلوق.\nفلا يجوز اعتقاد أن كلام الله مخلوق، كما لا يجوز التوقف في أن كلام الله غير مخلوق.","vol":"17","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>معنى أن القرآن كلام الله حقيقة</span>\nإن سياق الآيات في كتاب الله تعالى، وما روي عن رسول الله ﵊ والصحابة والتابعين يدل على أن القرآن تكلم الله به على الحقيقة، وأهل السنة والجماعة لم يلجئوا لهذه المصطلحات إلا في مقابل مصطلحات أهل البدع؛ لأن أهل البدع يقولون: القرآن كلام الله، وأهل السنة يقولون: القرآن كلام الله، لكن أهل البدع يقولون: مخلوق، وأهل السنة يقولون: غير مخلوق، فهم مشتركون في اعتقادهم أن القرآن كلام الله، ومختلفون في أنه مخلوق أو غير مخلوق، فأهل السنة وأهل البدعة متفقون على الله تكلم بهذا الكلام، لكن من أهل البدع من يقول: إن القرآن هو كلام الله تكلم به مجازًا.\nومنهم من يقول: إن القرآن كلام الله تكلم به كلامًا نفسيًا.\nومعنى ذلك: أن الله تعالى تكلم بهذا الكلام، لكنه كلام ليس بحرف ولا صوت، إذ إن جبريل ﵇ علم ما دار في نفس الله ﷿ وما أراد أن يتكلم به، فعبر عما دار في نفس الله ﷿، فعلى ذلك يكون القرآن من كلام جبريل لا من كلام الله ﷿، وهذا قول الأشاعرة، فإنهم لا يثبتون أن الله تكلم بهذا الكلام بحرف وصوت، وإنما يقولون: إن الله تكلم كلامًا نفسيًا، يعني: أصل هذا الكلام دار في نفس الله ﷿، فنقله إلينا جبريل، فلم يتكلم الله تعالى به على الحقيقة بحرف وصوت.\nوالأشاعرة والماتريدية -وهم من أضل فرق المسلمين- قال عنهم الأزهريون: هم من أهل السنة والجماعة.\nوليس الأمر كذلك، بل هذا من باب الخلط واللبس، فالأشاعرة ليسوا من أهل السنة، والماتريدية شر منهم، وليسوا من أهل السنة كذلك، فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله ﵎ تكلم بهذا الكلام على الحقيقة بحرف وصوت، لكن بحرف وصوت يليق به ﷿، فليس كحرفي وصوتي، فانتبه.","vol":"17","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>سياق ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن كلام الله على الحقيقة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن تكلم الله به على الحقيقة].\nوكلمة (على الحقيقة) وضعها أهل السنة للرد على من قال: إن كلام الله مجازي، وإن كلام الله نفساني، فكلام الله على الحقيقة، تكلم به بحرف وصوت، وأنزله الله ﷾ على محمد ﷺ من السماء، وهذا يدل بمفهوم الموافقة أو بالاستنباط على أن الله ﵎ مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وقد أنزل هذا القرآن على محمد وأمره أن يتحدى به، وهذا يدل على أن القرآن معجز ولا يستطيع أحد أبدًا أن يأتي ولو بآية من مثل كتاب الله ﷿، وأمر الله محمدًا ﷺ أن يدعو الناس إليه، وهذه صفة خامسة: أن النبي ﵊ بعد البيان لابد أن يدعو الناس إلى هذا القرآن، وأنه القرآن على الحقيقة، يعني: تكلم الله به بحرف وصوت.\nقال: [متلو في المحاريب، مكتوب في المصاحف، محفوظ في صدور الرجال، ليس بحكاية ولا عبارة عن قرآن].\nأي: ليس بقصة افتعلها جبريل، ولا عبر جبريل عن هذا الكلام الذي دار في نفس الله ﷿.\nفقوله: (ولا عبارة عن قرآن) يعني: هو كلام الله على الحقيقة.\nقال: [وهو قرآن واحد غير مخلوق وغير مجعول -والمجعول بمعنى: المخلوق- ومربوب -أي: وغير مربوب- بل هو صفة من صفات ذاته، لم يزل به متكلمًا -يعني: يتكلم في أي وقت شاء- ومن قال غير هذا فهو كافر ضال مضل مبتدع مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة].\nهذا مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بكلام الله ﷿، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فالله تعالى يتكلم، وقد كلم موسى، والذي يقول: إن الله لم يكلم موسى معناه: أنه مكذب للقرآن، منكر لهذه الصفة.\nوقال الله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤].\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، يعني: أن الله ﷿ يتكلم.\nوقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥].\nفالله ﷿ يتكلم بكلام أنزله من السماء على نبيه؛ ولذلك قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦].\nوقال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٥٠].\nوقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].\nفهذه الآية لها حكاية وقصة عصرية، إذ كل زعيم في كل زمان يبحث له عن آية تناسبه، فيتأول القرآن هؤلاء المنافقون الزنادقة ويتأكلون به، فيصرفون كلام الله ﷿ على غير مراده، وهكذا إلى أن ظهر الرئيس مبارك، فيقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، والله إن هذا التأويل قد حدث في جامع الأزهر.\nوقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، إذًا: هذا القرآن منزل من عند الله ﷿.\nوقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٣] أي: جبريل ﵇.\nفأشار الله ﷿ إلى أن كلامه غير مخلوق، وهو منزل منه سبحانه، فمن قال: إن القرآن هو الذي في السماء -أي: في اللوح المحفوظ فقط دون الذي بين أيدينا- أو من قال: إن القرآن في السماء -يعني: لم يتكلم به الله ﷿ وإنما دار في نفسه- فقد خالف الله ورسوله، ورد معجزات نبيه، وخالف السلف من الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة.\nوقال عكرمة: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله)، والضمير يعود على الله ﷿ (خضعانًا لقوله)، إذًا: فهو يتكلم، قال: (كأنها سلسلة على صفوان)، والصفوان: هو الحجر أو الجبل الأملس.\nقال: (فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير)، أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.\nوعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربك؟ قال: يقول الحق، قال: فينادون الحق الحق)، فيرددون أن الله تعالى يتكلم بالحق.\nوهنا منقبة عظيمة لـ عبد الله بن مسعود أن","vol":"17","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>تحريم السفر بالقرآن إلى أرض العدو المحارب</span>\nوعن ابن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو)، والحديث عند البخاري ومسلم.\nإن الانجليز والفرنسيين أعداؤنا، وكل من لم يكن مسلمًا فهو عدو لنا، وها نحن نسافر بالقرآن إلى أمريكا وروسيا ولبنان -لبنان تعتبر نصرانية- فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما الموقف من فعلنا وواقعنا مع نهي النبي ﵊ ألا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو؟ إنك عندما تصل إلى المطار فإنه يفتشك ويلاقي بجيبك مصحفًا فيقوم يأخذه منك، ويرميه في الزبالة، فماذا تعمل في هذه الحالة؟ إن لم تقتله لن ترجع إلى هذا البلد مرة أخرى.\nإن هذا الحديث ليس على ظاهره، بل المراد منه معنى آخر، فكل من لم يكن مسلمًا فهو عدو لك، لكن هناك من الأعداء من هو محارب، ومن الأعداء من هو مسالم.\nفهناك فرق عظيم جدًا بين ديار الكفر وديار الحرب، فدار الحرب كفر أصلًا، ولكنها زادت أنها رفعت لواء الحرب مع دار الإيمان، والحرب والله لابد أن تدور، ولابد أن يكتب النصر لأهل الإيمان، فنسأل الله ﵎ أن يعجل بما وعدنا به.\nوالعدو ينقسم إلى محارب ومسالم، فأما المسالم فإن النهي لا ينطبق عليه، وأما المحارب فينطبق النهي عليه، وهذا مقصود الحديث.\nمثال ذلك: الحرب التي دارت بين مصر وإسرائيل في فلسطين، ففي هذه الآونة من الحرب لا يجوز قط لواحد أن يأخذ معه المصحف ويدخل به فلسطين؛ لأن غلبة الظن أن القرآن يتعرض للإهانة، وأن العدو ينال منه؛ لأن البلدين في حالة حرب.\nواحترام اليهودي لكتاب الله ليس معناه: أنه محب للقرآن، بل هو عدو وخبيث ومجرم، وأقرب إلى أن يكون محاربًا، لكن ليس هناك حرب بين البلدين الآن، فنهى النبي ﵊ من أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو المحارب.","vol":"17","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>الأمر بتعاهد القرآن</span>\nيقول عبد الله: عن النبي ﵊: (بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا، بل هو نسي).\nوهذا القول فيه كراهة شديدة، كذلك قول النبي ﵊ كما في البخاري: (لا تقل: نسيت آية وكذا، وإنما قل: نسيت آية كذا وكذا).\nيعني: أن الذي أنساك هذه الآية هو الشيطان، فقال عبد الله: تعاهدوا هذه المصاحف -وربما قال: القرآن- فلهو أشد تفلتًا من صدور الرجال من النعم من عقلها.\nوانظر إلى الإبل حين تتفلت من عقالها ورباطها، ثم تنطلق في الصحراء، فكذلك القرآن إن لم يتعاهده صاحبه فإنه يتفلت منه.","vol":"17","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>حكم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق</span>\nقال أهل العلم بكفر من قال لفظي بالقرآن مخلوق، ولا فرق بينه وبين من يقول: القرآن مخلوق؛ لأن قوله: لفظي يعني: ملفوظي بالقرآن، أي: الذي تلفظت به مخلوق، بخلاف قولك: تلفظي بالقرآن يعني: حركة اللسان والفم والأضراس والحلقوم والصوت والحروف، فكل هذا قد خلقه الله ﷿ فيك، وأما المنطوق والمتلو والمقروء والملفوظ فإنه ليس بمخلوق.\nفقولك: لفظي بالقرآن مخلوق يعني: القرآن الذي تلفظت به مخلوق، وهذا بلا شك قول كفر، بخلاف قولك: حركاتي أنا قد خلقها الله في، فحركة شفتيك ولسانك هذه مخلوقة بلا شك.","vol":"17","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>رؤية العبد النبي ﵊ في المنام، وما تقوله الصوفية في معنى اليقين</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما روي عن النبي ﷺ في أن من رآه في النوم فقد رأى الحق، والنبي حق ﷺ، وأن الشيطان لا يتمثل به -أي: لا يأتي في صورته- وفيمن رآه وسأله عن القرآن فأجاب بأنه غير مخلوق من العلماء والسلاطين].\nهذا باب عظيم في الرؤيا، والرؤيا من الله ﷿، والحلم من الشيطان.\nفالرؤيا التي هي من عند الله ﷿ مبشرات، وهي عاجل بشرى المؤمن، وهي منحة الله ﵎ لعباده الصالحين في الدنيا، ولا يعني ذلك: أن هذه الرؤيا يؤخذ منها الأحكام والعقائد، بل هي مبشرات فقط؛ ولذلك قال النبي ﵊: (من رآني في المنام فسيراني حقًا، أو قال: فكأنما رآني في اليقظة؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي).\nوقد يأتي إليك الشيطان ويقول لك: أنا النبي؛ وهو كذاب، أو يقول لك: أنا محمد، أو يقول: أنا رأيت النبي ﷺ وهو يقول لك: كيت وكيت، ورفع عنك الصلاة والصوم والزكاة والحج، ورفع عنك كل شيء، ويقول: ما دمت قد بلغت درجة اليقين فليس عليك عبادة، فأنت رجل بلغت درجة لم يبلغها أحد من الأمة ولا حتى أنا.\nفهؤلاء المجرمون يقولون: سقطت عنا التكاليف؛ لأننا بلغنا مرحلة اليقين، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، ونحن قد حصلنا على مرتبة اليقين التي ليس بعدها يقين؛ ولذلك وضعت عنا العبادة.\nفنقول لمثل هؤلاء: هل بلغت من اليقين مبلغًا لم يبلغه النبي ﵊؟! إن عمر طعن وهو يصلي، وأبو بكر الصديق صلى إلى آخر لحظة في حياته، وكل الصالحين وأهل السنة يصلون ولم يرفع عن واحد منهم قط شيء، ولم يرفع عنهم خلق من أخلاق النبي ﵊ فضلًا عن عبادة أو واجب أو فرض من الفروض، واليقين في الآية كما يفهمه القاصي والداني هو الموت.\nفبعد الموت محاسبة على ما مضى من تقصير وتفريط، والصوفية يقولون: اليقين درجة من درجات التوكل على الله ﷿، يبلغها المرء فيكشف له الحجاب، وكل هذا كذب.\nفهذا عبد القادر الجيلاني -وهو ممن تزهد، وقد أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية عدة مرات- أتاه الشيطان في صورة شيء عظيم، فقال له: يا جيلاني! أنا ربك، وقد وضعت عنك كل شيء، فقال الجيلاني: اخسأ أي عدو الله! فذهب ولم ير شيئًا بعد ذلك.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية في ترجمة الجيلاني يثني عليه ثناءً قويًا، ويقول: هذه هي الولاية لله حقًا.\nفالشاهد: أن الشيطان لا يتمثل في حقيقة النبي ﵊ ولا يستطيع، لكن قد يأتي في صورة أخرى غير صورة النبي ﵊ ويدعي أنه النبي، فقد ادعى أنه الله ﷿، وقد ادعى أنه الإله، فكيف لا يدعي أنه نبي في صورة غير صورة النبي؟! فالشيطان قد يتمثل على هيئة أخرى ويدعي أنه محمد، ثم يلقي بعد ذلك مفترياته على ذلك الرائي أو صاحب الحلم.\nقال النبي ﷺ: (من رآني فإنما رأى الحق).\nوقال ﵊: (الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة).\nفالرؤيا الصالحة يراها العبد لنفسه أو ترى له، وهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهذه منحة من الله ﷿.\nوليس معنى ذلك: أن الذي يرى ستًا وأربعين رؤيا يكون نبيًا؛ لأنه لا نبي بعده ﷺ، ولكنها مبشرات.","vol":"17","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>رؤيا الصالحين لرسول الله وهو يخبرهم أن القرآن غير مخلوق</span>\nقال محمد بن منصور: رأيت النبي ﷺ في النوم، ومعه رجلان أعرفهما بوجهيهما، قلت: يا رسول الله! ما نقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق، قلت: هذه رؤيا جميلة، فقلت للرجلين: اشهدا على هذا الكلام.\nوقال يحيى بن عبادة: سمعت رجلًا من أهل دمشق ممن يكتب عنه العلم يقول: رأيت النبي ﷺ في منامي، وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)، فقال لي: قل لـ يحيى بن أكثم: من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، وقد بانت منه امرأته.\nثم قال الرجل: والله ما رأيت يحيى وما أعرفه، أتروني أكذب على رسول الله ﷺ؟! وذكره عبد الرحمن قال: حدثني يوسف إلى أحمد بن الوليد قال: حدثني علي العابد قال: رأيت النبي ﷺ في المنام بعبادان -قرية- فقلت: يا رسول الله! أما ترى ما نحن فيه من الاختلاف في القرآن، هذا يكفر هذا وهذا يكفر هذا؟ فقال النبي ﵊: وما ذنبي وقد رفعت لكم علمًا، فضم إليه قوم وانقطع عنه آخرون.\nفقلت: يا رسول الله! فكيف السنة وكيف أقول؟ قال: هكذا، وعقد ثلاثين وأومأ إلى فيه، كأنه أراد أن يقول: إن القرآن ثلاثون جزءًا، وقال: كلام الله وليس بمخلوق.\nفقلت: يا رسول الله! هؤلاء الذين وقفوا فقالوا: لا نقول كذا ولا كذا؟ قال: فكلح وجهه وقال بيده كهيئة المستخف.\nيعني: أشار بيده أن ابعد عني ولا تخبرني عن هؤلاء.\nوقال محمد بن عبد الله بن طاهر: كان أبي لا يكاد يرى رؤيا فقال: رأيت في النوم رجلًا حسن الهيئة فقال لي: ما تقول في القرآن؟ فقلت: لأسألنه عنه، فقلت: ما تقول أنت فيه؟ قال: فقال: الخلق في كلام العرب: التقدير، وكلام الله أجل من أن يكون مقدرًا.\nيعني: كلام الله غير مخلوق وغير مقدر، فهو يتكلم بما شاء، في أي وقت شاء.\nقال ابن الأعرابي: ما رأيت قومًا أكذب على اللغة من قوم يزعمون أن القرآن مخلوق.\nيعني: هب أنهم يكذبون على الله وعلى الرسول ﷺ، فإن قول: القرآن مخلوق لا يستقيم في لغة العرب.\nوقال أحمد بن محمد المروزي صاحب الإمام أحمد: رأيت أحمد بن حنبل في النوم وعليه حلتان -والجزاء من جنس العمل- خضراوان، وفي رجليه نعلان شراكهما من الرمجان، وعلى رأسه تاج مكلل بأنواع الجواهر، فقلت: يا أبا عبد الله! ما الذي فعل الله بك؟ قال: غفر لي وتوجني وكساني، وقال لي: يا أبا عبد الله! إنما أعطيتك هذا لمقالتك: القرآن كلام الله غير مخلوق.\nفانظر إلى هذه الرؤيا العظيمة، فإنها مبشرات قليلة ونادرة.","vol":"17","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>ما روي من الرؤيا السوء لمن قال بخلق القرآن في الدنيا، وما أعد الله ﷿ لهم من العذاب في الآخرة</span>\nقال خالد بن خداش: رأيت في المنام كأن آتٍ آتاني بطبق قطن، فقال: اقرأ، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم.\nإن ابن أبي دؤاد يريد أن يمتحن الناس، فمن قال: القرآن كلام الله كسي خاتمًا من ذهب، فصه ياقوتة حمراء، وأدخله الله الجنة، وغُفِر له أو قال: غَفَر له.\nومن قال: القرآن مخلوق جعلت يمينه يمين قرد، فعاش بعد ذلك يومًا أو يومين، ثم يصير إلى النار.\nوابن أبي دؤاد صاحب فتنة أن القرآن مخلوق.\nوقال الحسين بن الصباح: رأيت في المنام قائلًا يقول: مسخ ابن أبي دؤاد، ومسخ شعيب، وأصاب ابن سماعة فالج -مرض- وأصاب آخر الذبحة ولم يسمه.\nوقال: علي بن الموفق: حدثني أبو عمرو التمار قال: كان لنا جار مجوسي يقال له: بهرام فمات، فرأيته بأقبح رؤيا فقلت: أي بهرام! فقال لي بصوت ضعيف: نعم؛ أنا بهرام يا أبا عمرو! فقلت: إلى أي شيء صرت؟ قال: إلى قعرها، قلت: فتحتكم أحد؟ قال: نعم.\nهؤلاء الذين يقولون: القرآن مخلوق.\nقال أبو بكر بن أبي العوام: ثم لقيت أبا عمرو التمار فسألته عن هذا فحدثني كما حدثني علي بن الموفق عنه.\nوكان علي بن الموفق يقول: كان لي جار مجوسي فكنت أعرض عليه الإسلام فيأبى، فمات على المجوسية، فقال: نحن في الدرك الأسفل من النار.\nقلت: وتحتكم أحد؟ قال: نعم، قوم منكم.\nقلت: من أي الطوائف؟ قال: الذين يقولون: القرآن مخلوق.\nوقال الدورقي: سمعت أحمد بن نصر الشهيد يقول: مررت برجل وقد صرع، فجئت أقرأ في أذنه، فإذا قائل يقول: دعني أقتله؛ فإنه يقول: القرآن مخلوق.\nأي: حتى الجن لا يرضون بهذا، وليس من عقيدتهم.\nفنسأل الله ﵎ أن يحيينا وإياكم على كتابه، وسنة نبيه على مراد الله ومراد رسوله الكريم ﷺ.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم.","vol":"17","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>الأسئلة</span>","vol":"17","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>أهمية الاعتقاد بأن القرآن كلام الله غير مخلوق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفرق بالنسبة لنا بين أن يكون القرآن كلام الله أو مخلوقًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لو قلت لك: ما هو معتقد أهل السنة والجماعة في كلام الله ﷿؟ أو قلت لك: ما هو معتقد أهل السنة والجماعة في استواء المولى ﷿ على عرشه؟ أو قلت: اشرح لي هذه الآية: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨].\nفإنك ستقول كما قال ابن عباس: غير مخلوق.\nفالفائدة بالنسبة لك أن تستقيم لديك صفة من صفات الله ﷿ على منهج أهل السنة والجماعة، وأن تعتقد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال بغير ذلك فهو كافر.\nففائدة علمك أن هذا القرآن كلام الله، وهو غير مخلوق: أن تنجو بنفسك من الكفر، وأن تحسن اعتقادك في الله ﷿ وأسمائه وصفاته.","vol":"17","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>تزيين الشيطان عمل من يدعي أنه المهدي حتى يدعي الألوهية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يوجد بالطالبية شاب متعلم، ويحفظ بعضًا من القرآن الكريم، وعنده شيء من علم الشرع، ويصلي بالليل ويبكي كما تقول زوجته، ويشاهد التلفزيون وزوجته متبرجة، ويدعي أنه المهدي المنتظر، وهذا الادعاء منذ سنوات، وعقله صحيح سليم، فعندما كلمته وأثبتَّ أنه كذاب ضحك مني وسخر، وأقر على ذلك.\nويدعي أيضًا أنه الرسول محمد ﷺ، وأنه مخلوق من نور الله، ورغم ذلك هو يسخر من صاحب اللحية والجلباب القصير، فهل هو كافر أم ماذا يكون حكمه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  انتظروا شهرين أو ثلاثة أشهر وسيدعي الألوهية، وهذا الأمر ليس فيه خلاف، ولو قرأت في تاريخ الفرق فإنك ستجد في الفرق أممًا ادعت الألوهية، وذلك بعد أن كان الواحد منهم يدعي أنه المهدي، فإن لم يجد ذلك ادعى النبوة، فإن لم يجد النبوة ادعى الألوهية، وخاصة لو أراد الحكم ومعه العتاد والعدة، ففرعون ادعى الإلوهية؛ لأن معه المجرمين الذين يشيرون عليه، ويفرضون على الأمة المصرية أنه إله شاءوا أم أبوا، فكل من يدعي هذا ماذا يقصد من وراء ذلك؟ إن المسلم عندما يسمع هذا الكلام فإنه يقول: ما أحلم ربي! وما أعظم صبره على من يسبونه ويفترون عليه! بل ويغذيهم ويطعمهم ويسقيهم ويصحهم، ويكسوهم من عري، ويقويهم من ضعف.","vol":"17","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>حكم رؤية الأب مخطوبة ابنه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز للأب أن يرى من سيخطبها ابنه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز، فالذي سيخطبها هو الولد وليس الأب، وأحاديث محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وغيرهما من الصحابة كلها تقول: (انظر إليها).\nيعني: انظر أنت وليس أبوك.","vol":"17","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>حكم من حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل حلف بالله ألا يقوم ببيع شيء في محل ثم باعه، فما هي كفارة هذا الحلف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كفارة يمينه على هذا الترتيب: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو صيام ثلاثة أيام.\nوالنبي ﵊ يقول: (من حلف على شيء فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه).","vol":"17","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>نصائح لمن ابتلاه الله بالاستمناء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  شاب رأيت فيه الالتزام، ومظهره يدل على ذلك، فهو يحفظ كتاب الله، ويحضر دروس العلم، ولكنه يشكو من أنه يقوم بالاستمناء، ويقول: إنه في حالة ضيق شديد من هذا الفعل، ولديه شهوة عظيمة جدًا لا يستطيع ردها، حتى إن الشهوة تفاجئه وهو في الصلاة، فما حكم هذا الاستمناء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أسأل الله ﵎ أن يصرف عنه هذا السوء، وأن يبدله مكانه عفة وطهارة ونقاء، على هذا الشاب إن كان قادرًا على الزواج أن يبادر به؛ لأنه لا علاج له إلا النكاح، فإن لم يكن قادرًا فقد حدد النبي ﷺ علاجًا له وهو الصوم، فليكثر من الصوم، ولو أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، فخير الصوم صيام داود ﵇.\nكما أنه يجب عليه أن يختار لنفسه الصحبة المؤمنة، والرفقة الطيبة، وألا يدع لنفسه المجال في أن يخلو بنفسه، فإن خلا بنفسه غلبه الشيطان، ويجب عليه أن يتذكر دائمًا أن نظر الله ﵎ إليه أسبق من مد يده بالاستمناء، وليستشعر أن الله ﵎ يراقبه في السر والعلن، وهذه درجة الإحسان، وهي: أن تعتقد أن الله تعالى يراك، وإن كنت لا تراه في الدنيا فإنه تعالى مطلع عليك، محيط بك بسمعه وعلمه وبصره وقدرته عليك أيها العبد! كما ينبغي عليك أن تكثر من قراءة القرآن الكريم، وأن تطالع كتب أهل العلم.\nوأخيرًا: لا تخلُ في وقت من الأوقات في أثناء نومك على جهة الخصوص بنفسك قط، وينبغي أن يكون معك أحد من إخوانك، أو أحد من أهل بيتك، ولا تطالع تلك المجلات الخبيثة والجرائد الفاضحة التي تعرض صور الفاتنات التي يفتن بها من تزوج أربعًا! فهذه فتنة عظيمة جدًا، أسأل الله تعالى لي ولكم النجاة منها.","vol":"17","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>عدم طاعة الولد أباه في تطليق زوجته إلا لمصلحة شرعية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لو قال رجل لابنه: طلق زوجتك، فماذا يفعل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الأب معتمد على الأثر الذي روي عن عمر بن الخطاب مع ولده عبد الله، وليست هذه الرواية على إطلاقها، فقد دعت الضرورة والمصلحة الشرعية إلى أن يأمر عمر ولده أن يطلق امرأته، وليس هناك حجة في قول عمر وأمره لولده، بل الحجة في قول النبي ﷺ الذي قال لـ عبد الله: (أطع أباك)، وكانت هذه المرأة جميلة جدًا، وقد كادت تفتن عبد الله بن عمر؛ مما جعله يتخلف عن حضور مجالس علم النبي ﵊.\nفلما رأى عمر أن هذه المرأة بجمالها كادت تفتن ولده أمره أن يطلقها، وهذه حجة شرعية؛ ولذلك أقره النبي ﵇ على هذا الأمر.\nوقد أتى رجل إلى أحمد بن حنبل وقال: إن أبي أمرني أن أطلق امرأتي، فماذا أفعل؟ قال: إن كان أبوك مثل عمر فطلقها.","vol":"17","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>حكم قراءة القرآن وإعطاء ثوابه للميت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز قراءة القرآن وإعطاء ثوابه للميت؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الراجح من أقوال أهل العلم: أن ذلك لا يجوز، وأنه حرمان للقارئ؛ لأن النبي ﵊ يقول: (خير مال المرء من كسب يده، وولده من كسبه).\nويقول: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له)، فإنك بمجرد عملك الصالح -ومنه قراءة القرآن- وبمجرد أن تهم به ويحول بينك وبينه حائل؛ يذهب ثوابه إلى الوالد مباشرة مع عدم حرمانك أنت، لكن لو قلت: اللهم إني قرأت ربع القرآن لك على أن تجعل ثوابه لأبي فإنك جريء على الله، وكأنك تتألى عليه، وهي على الأقل قلة أدب مع الله ﷿.\nفينبغي للمرء أن يطيع الله ﵎ ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وليس عليه شيء بعد ذلك، فإن هذا الثواب سيأخذ القارئ حظه فيه تامًا كاملًا، ومن سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، فهي أجور توزع بغير نقصان.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"17","page":23},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-331> قواعد السلف في إثبات الصفات</span>\nهناك قواعد قعدها السلف في باب الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، ولا يمكن فهم وإثبات صفات الله ﷿ على منهج السلف إلا بحفظ هذه القواعد واعتقادها، كما أن معرفتها وفهمها يقودان إلى معرفة سبب الانحراف الذي وقع فيه الخلف الذين خاضوا في التمثيل والتعطيل والتأويل لأسماء الله وصفاته.","vol":"18","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>القواعد التي انتهجها أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nأما بعد: فسنبدأ في المجلد الثاني من كتاب أصول الاعتقاد للإمام أبي القاسم اللالكائي، وهذا المجلد في غاية الأهمية؛ لأنه يتعلق بأسماء الله تعالى وصفاته، وأنتم تعلمون أن الأمة بأسرها إلا من رحم الله تعالى من أهل السنة والجماعة قد خاضوا خوضًا عظيمًا في صفات المولى ﵎ حتى شككوا عامة الناس.\nفصفات المولى ﵎ بين مؤول صارف لها عن ظاهرها، بمعنى: أنه قد عطلها، فإذا صرف الاسم أو الصفة عن ظاهرها فمعنى ذلك: أنه لم يثبتها لله ﷿ كما أراد وكما أراد رسوله ﵊، ففي هذه الحالة عطل هذا الاسم أو هذه الصفة، وعلى النقيض من هذا نجد من أثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله من أسماء وصفات ولكنه قال: إن هذه الصفات الثابتة للمولى ﵎ تناسب الصفات التي أثبتها الله تعالى لخلقه، فصفة اليد وصفه الوجه وصفة الساق وغيرها من الصفات ثابتة لله ﵎، ولكنهم قالوا: إن يد الله كأيدينا، ووجه الله كوجوهنا، وساق الله كساقنا، فمثلوا الخالق بالمخلوق، ولم يجعلوا فارقًا بين الخالق والمخلوق.\nوأهل السنة والجماعة هم وسط بين المعطلة وبين الممثلة المشبهة، فقالوا: نثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله على النحو الذي أراده الله ﷿، من غير تعطيل ولا تمثيل، فلا يعطلون الصفة ولا يصرفونها عن ظاهرها، ولا يشبهون هذه الصفات بصفات المخلوقين، فهم وسط بين الاثنين، أثبتوا لله الصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله، ولكن على صورة تليق به ﵎، وما وقع أهل البدع والأهواء فيما وقعوا فيه في صفات المولى ﵎ إلا لأنهم غفلوا عن أشياء وصرفوا أشياء عن ظاهرها، ولذلك كان من المهم جدًا أن نتعرف على قواعد وأصول يجب على دارس العقيدة أن يتعلمها؛ لأنه من لم يزل في قاعدة قد يزل في غيرها، لكن إذا استجمعت لديه هذه القواعد وهذه الأصول فإنه لا يزل بإذن الله أبدًا.\nفينبغي علينا الآن أن نكتب هذه القواعد وأن نسمعها، ولا بد لنا من شرحها والعروج عليها، ولكننا سنكتبها أولًا، سأملي عليكم هذه القواعد ثم بعد ذلك نتعرض لها بالشرح بإذن الله تعالى.","vol":"18","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>التوحيد وإفراد الخالق عن مشابهة المخلوقين</span>\nالقاعدة الأولى: التوحيد وإفراد الخالق عن مشابهة المخلوقين، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].","vol":"18","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>إثبات الصفات على مراد الله ومراد رسوله ووجوب الإيمان بذلك</span>\nالقاعدة الثانية: إثبات الصفات على مراد الله ﷿ وعلى مراد رسوله ﷺ، ووجوب الإيمان بذلك.\nوهذه القاعدة احتراز من التعطيل الذي هو نفي الصفات، كما أنها احتراز من التأويل بغير دليل الذي سماه العلماء: (تحريفًا) فبعد أن أثبت الله ﵎ أنه ليس كمثله شيء بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فنفى المثلية والمشابهة بينه وبين جميع الأشياء، وما دون الله ﵎ مخلوق والمخلوق شيء، فليس هناك شيء في مخلوقات الله تعالى يماثل ويشابه المولى ﵎، ثم أثبت في نفس الآية الصفات فقال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] سميع بسمع، بصير ببصر.\nفبعد أن نفى المماثلة أثبت ما يمكن أن يوهم التشبيه: فلان سميع والله سميع، فلان بصير والله بصير، فقد يفهم الشخص من هذا التشبيه في السمع والبصر بين الخالق والمخلوق، وليس الأمر كذلك، فقد أثبت المولى ﵎ أنه ليس كمثله شيء، وأثبت لنفسه سبحانه الصفات اللائقة، كما في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وفي قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]؛ لأن من صفات الله ﵎ العلو.\nوقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بمعنى: علا وارتفع.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فمن صفات المولى ﵎ أنه يتكلم.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣].\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤].\nوقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١].\nوقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].\nوحديث النبي ﵊: (ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا إذا بقي الثلث الأخير من الليل)، فالنزول والمجيء صفتان لله ﵎، والغضب والرضا والعجب كلها صفات للمولى ﵎.\nوحديث النبي ﵊: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من أحدكم براحلته) إلى آخر الحديث.\nوقول النبي ﵊: (إنكم سترون ربكم ﷿ يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر) ورؤية المولى ﵎ جائزة وممكنة، بل حادثة يوم القيامة، بمعنى: حاصلة.\nهذه القاعدة الثانية.","vol":"18","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>الكف عن الخوض في كيفية الصفات</span>\nالقاعدة الثالثة التي تعين على فهم صفات المولى ﵎ كما فهمها السلف: الكف عن الخوض في كيفية الذات والصفات.\nفلا تقل: كيف يكون شكل الله؟ وكيف تكون صفاته؟ وكيف يسمع؟ وكيف يأتي؟ وكيف يصعد؟ وكيف ينزل إلى السماء؟ وكيف يجيء؟ وكيف يرى؟ وغير ذلك من الأسئلة؛ حتى تسأل عن ذات المولى ﵎، وأنت منهي عن هذا كله، ولذلك ثبت عن السلف أنهم قالوا: أمروها كما جاءت، أي: لا تتعرضوا لها ولا تخوضوا فيها بتأويل غير سائغ ولا بصرفها عن ظاهرها، فآمنوا بها وصدقوا بها على النحو الذي جاءت به في كتاب الله وفي سنة الرسول ﵊، من غير أن تتعرضوا لها بتمثيل أو تعطيل أو تحريف.\nوقول أم سلمة وربيعة الرأي ومالك وهو قول مشهور: الاستواء معلوم.\nفقد سئل مالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم.\nلماذا معلوم؟ لأن الله ﵎ يخاطبنا بلغة نحن نفهمها، ولا يتصور أن الله تعالى خاطب هذه الأمة بما ليس له مدلول في اللغة عندهم، فاستوى في اللغة بمعنى: علا وارتفع إذا كان هذا متعلقًا بالمولى ﵎.\nفالاستواء في اللغة إذا قيد بالمولى ﵎ فهو يعني: العلو والارتفاع، بخلاف استواء بلقيس على عرش اليمن، إذ إن استواء بلقيس يختلف عن استواء المولى ﵎، واستواء الزعيم على كرسيه يختلف عن استواء المولى ﵎ على كرسيه، فإذا قيد الاستواء بذات المولى ﵎ فإنه يعني: أنه علا وارتفع، واللغة لا تسمح إلا بهذا، وسنبين هذا أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، فإذا كان الله ﵎ قد حجب نفسه عنا بحيث لا أحد منا يعلم ذات الله ﵎، ولا ملك مقرب ولا نبي مرسل يعلم ذات المولى ﵎، فمن باب أولى أنه يجهل كنه صفات المولى ﵎، أي: لا يعلمها على كيفيتها الثابتة للمولى ﵎.\nفإذا كنت لا تعرف كنه الله ولا كيفية ذاته؛ فلا بد أن تسلم بأنك لا تعرف الصفات؛ لأنها فرع وتصور عن الذات، وكل ذات لها صفات، وهذه الصفات هي تصور وفرع عن الذات، فإذا كنت تعلم الذات وكيفيتها فلا بد أن تعلم كذلك الصفات.\nهب أنك سئلت عن محمد أو عن علي أو عن إبراهيم، فقلت: نعم، أنا أعرفه، طوله كذا وعرضه كذا وأبيض اللون أو أسود اللون وذو لحية وله يدان طويلتان أو قصيرتان وكتف عريض وغير ذلك.\nوتصفه تمامًا؛ لأنك تعلم ذاته وبالتالي تعلم صفاته.\nأما إذا سألناك: هل الله موجود؟ فتقول: نعم موجود.\nولو سألناك: كيف هو؟ فتقول: لا أعلم كيف هو، فكان لزامًا عليك أن تقول: أنا لا أعلم كيفية الصفات الثابتة للمولى ﵎، وفي المقابل قد أثبت الله ﵎ لنفسه هذه الصفات فينبغي عليك أن تؤمن بها، وأن تصدق وأن تسلم للمولى ﵎، فكما سلمت بوجود الذات وأنت تجهل كيفيتها فلابد أن تسلم بالصفات وأنت تجهل كذلك كيفيتها.\nولذلك سئل مالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ علو المولى ﵎ هذا صفة واستواؤه على العرش ﷾ صفة، فإذا كنت تجهل الذات فلا بد أن تجهل الصفات ومنها الاستواء؛ ولذلك قال مالك: الاستواء معلوم.\nيعني: نحن نعلم في اللغة ما معنى استوى، إذا قرنت بالمولى ﵎ فمعناه: ارتفع وعلا، وهذا معلوم.\nقال: والكيف مجهول، يعني: لا يُعلم كيف استوى الله ﵎ على العرش، فلا يستطيع أحد أبدًا أن يقول: إن الله ﵎ استوى على العرش على نحو استواء المخلوق؛ لأن كيفية الاستواء لم تأتِ في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وإنما ورد الاستواء، وهو العلو المعلوم لدى العرب.\nفنحن لا نعلم كيفية استواء المولى ﵎، كما أننا لا نعلم كيف يسمع المولى ﵎، ولا كيف يبصر المولى ﵎، ولا كيف يجيء المولى ﵎، ولا كيف ينزل إلى السماء الدنيا ﵎، فإذا كنت تجهل كيفية صفة واحدة فينبغي أن تجهل كيفية جميع الصفات، ولو أنك ادعيت العلم في كيفية صفة فلابد أن تدعي العلم في كيفية جميع الصفات، وإلا فلا حجة مع من فرق بين صفة وصفة، وبين اسم واسم.\nإذًا: هذه القاعدة الثالثة التي قعدها أهل السنة والجماعة في معرفة أسماء الله وصفاته: أننا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه، ونكف عن الخوض في التأويل ومعرفة الكيفية، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ لا ندري، ولكننا نؤمن ونسلم، فمن الله الرسالة وعلينا التصديق والتسليم.\nفإذا كنت تؤمن بكتاب الله وبكلام الله فلا بد أن تعلم أن الله تعالى نفى المماثلة بينه وبين خلقه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وأثبت لنفسه السمع والبصر بقول","vol":"18","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>القول في الصفات فرع عن القول في الذات</span>\nالقاعدة الرابعة: الترابط بين الذات والصفات؛ لأنها ذات واحدة للمولى ﵎ متصفة بصفات كشأن أي ذات، فليس هناك شيء في المخلوقات ليس له صفات، فهذا المنبر هل له صفات؟ نعم.\nله صفات؛ فهو مرتفع عن الأرض، عريض، طويل، بني اللون، له كرسي يجلس عليه الإمام، وغير ذلك من الصفات، وكذلك هذا الكتاب له ذات ومتصف بصفات، فله طول وعرض، وله عمق، كما أنه أخضر اللون وبداخله ورق أبيض، فكل هذه صفات إذا ذكرتها لك فمعنى ذلك: أنني قد حددت هذه الذات بصفاتها، فهل يمكن أن أقول: هناك كتاب لا صفة له؟ لا يمكن أبدًا، إذ كيف يكون كتابًا؟ ومن الذي سماه كتابًا إذا كان معدوم الصفات؟ فإن الذي ليس له صفة هو العدم؛ لأنه لا يمكن أبدًا القول بأنه موجود.\nفذات المولى ﵎ متصفة بصفات، فإذا كنت تقر أن ذات المولى ﵎ موجودة فلا بد أن تنسب الصفات لهذه الذات، وفي نفس الوقت أنت لا تعلم هذه الذات، وبالتالي لا تعلم كيفية صفات المولى ﵎.\nفالقول في الصفات كالقول في الذات، والقول في الذات كالقول في الصفات، فإذا كنت تقول: الذات موجودة فلابد أن تقول: الصفات موجودة، وإذا نفيت -عياذًا بالله- الذات فلابد أن تنفي كذلك الصفات؛ لأن الذات لا بد لها من صفات.\nوهذا الكلام يرد به على المعتزلة الذين أثبتوا الذات ونفوا الصفات، فجعلوا المولى ﵎ في نهاية الأمر أنه ذات بغير صفات، وهذا محال في العقل وفي الشرع.\nكما أن الأشعرية أثبتوا للمولى ﵎ سبع صفات فقط، ونفوا عنه بقية الصفات؛ ولذلك أهل العلم يقولون عن الأشعرية: السبعية؛ لأنهم يثبتون سبع صفات وينفون بقية الصفات.\nوالقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فإذا أثبت لله بعض الصفات فلابد أن تثبت البعض الآخر التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله، وإذا كنت تكيف بعض الصفات فلابد أن تكيف البعض الآخر، والتكييف باطل.\nفالقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر يرد به على الأشعرية الذين أثبتوا لله سبع صفات فقط ونفوا عنه بقية الصفات الثابتة في الكتاب والسنة.","vol":"18","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>طريقة السلف في الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصل</span>\nالقاعدة الخامسة: طريقة السلف في الصفات هي النفي المجمل والإثبات المفصل، أي: أن السلف ﵃ نفوا عن الله تعالى إجمالًا جميع صفات النقص، وأثبتوا لله ﵎ تفصيلًا جميع صفات الكمال.\nوسنشرح هذه القاعدة بالتفصيل إن شاء الله.","vol":"18","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>طريقة السلف في النفي هي النفي المتضمن لكمال الضد</span>\nالقاعدة السادسة: طريقة السلف في النفي هي النفي المتضمن لكمال الضد، يعني: إذا نفيت أن الله تعالى ينام، والنوم صفة نقص في حق المولى ﵎، وكل صفات النقص منتفية عن المولى ﵎، فإذا كنت تنفي صفة النقص هذه عن المولى فلابد أن تثبت كمال ضدها، فتقول: هو القيوم، فكمال الضد للنوم أن الله قيوم قائم بذاته لا يحتاج إلى أحد من خلقه، كما أنه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ولا يجوز أن نفرض أنه لو نام لحدث كذا وكذا؛ لأن هذا الفرض مجرد طرحه لا يجوز ولا ينبغي؛ لأن طريقتنا في النفي هي النفي المطلق لجميع صفات السلوب، أي: جميع صفات النقص.\nفالناس ينامون ويستيقظون، والمولى ﵎ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، فطريقة السلف في النفي هي النفي المتضمن لكمال الضد، فإذا نفيت صفة نقص عن المولى ﷿ فلابد أن أثبت ضد هذه الصفة على أعلى درجات الكمال.\nفالإنسان يوصف بأنه أعمى، والمولى ﵎ يوصف بضد هذه الصفة، فهو البصير ﵎، وبصر الله ﵎ لا حد له ولا نهاية؛ لأنه يبصر على أعلى درجات الكمال، وليس هناك أحد من خلقه يشبهه في الإبصار؛ وذلك لأن الله ﵎ يبصر السر وأخفى، يبصر الخطيئة، ويبصر الغيب كما يبصر المشاهد، وأنت لا تبصر إلا الذي أمامك، وبصرك محدود، فأنت لا ترى إلا من بالمسجد، وكذلك لا ترى جميع من بالمسجد، بل إنني لو وقفت أمامك فإنك لم تحطني رؤية وبصرًا؛ لأنك لا ترى مني إلا ما يقابلك من جسدي كالوجه والصدر ومقدم اليدين ومقدم البدن، أما من خلف فأنت لا تراني، وإن أتيت إلى خلفي فأنت ترى خلفي ولا ترى أمامي، فبصرك ضعيف عاجز ناقص، بخلاف بصر المولى ﵎؛ فإنه يبصر كل شيء، لا يخفى عليه شيء لا بالليل ولا بالنهار، مهما أخفيت شيئًا فإن الله يعلمه، ولو وضعته في سبع أرضين فإن الله تعالى يبصره ويعلمه، فإذا كنا ننفي عن المولى ﵎ صفة نقص فإن الله ﵎ يتصف بضدها بأعلى درجات الكمال.\nونحن نقول: فلان ظالم، فالظلم صفة نقص، والمولى ﵎ نفى عن نفسه الظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] بل رحمته سبقت غضبه.\nفالظلم صفة نقص يتصف بها المخلوق وليس الخالق، فنفي صفة الظلم عن الله ﷾ يلزم منه إثبات ضدها للمولى ﷿ وهي العدل، كما أن عدل الله ليس كعدل المخلوق؛ لأن عدل الله ﵎ عام وشامل وفي أعلى درجات الكمال من العدل.\nومن الممكن أن أقول: فلان عادل، لكنه ليس عادلًا بصفة مستمرة؛ لأن عدله ليس مع كل الناس، فهو بشر قد يحيد في يوم ما على فلان من الناس.\nفلو أن قاضيًا قضى بين متخاصمين، وأحد هذين الخصمين عدو أو بغيض إلى ذلك القاضي، فأنت لا تأمن أبدًا قضاءه في هذا الخصم؛ وذلك لأنه بشر ربما يحيد، وإن اعتبرنا أن هذا القاضي عادل في الخصومة؛ لأنه ليس له عدو من المتخاصمين، ولكنه يقضي بما يسمعه من المتخاصمين لا بما يراه، وربما أحد الخصمين ألحن بحجته من صاحبه فيقضي القاضي للظالم، وهو ليس آثمًا بهذا الحكم؛ لأنه حكم بناءً على ما سمع.\nفالذي يعلم خصوصية العدل وحقيقته هو الله ﷿، وسيقضي بعدله يوم القيامة بأن يرد المال إلى صاحبه على شكل حسنات، أي: يؤخذ من حسناته ويعطى لصاحب الحق، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئات الأول فطرحت عليه حتى طرح في النار؛ وذلك لأن عدل الله ﵎ متعلق ببقية صفاته كالعلم والسمع والبصر وغير ذلك، وإن الله تعالى في هذه الخصومة قد علم الحق أين هو، وقد شاهد ذلك مشاهدة يعلمها هو ﷾، فرغم إجراء الباطل في الدنيا إلا أن الأمور ترد إلى نصابها يوم القيامة.\nفنقول: إذا اتصف المرء بالظلم فإن الله ليس بظلام للعبيد، بل إنه متصف بضد هذه الصفة وهو كمال العدل للمولى ﵎.","vol":"18","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>التحريف بالتأويل أشد قبحًا من التعطيل والتكييف والتمثيل</span>\nالقاعدة السابعة: التحريف بالتأويل أقدح من التعطيل والتكييف والتمثيل وأقبح، وإن كان الكل قبيحًا، إلا أن التحريف في الذات أقبح ما أتت به فرق الضلالة، لأنهم يحرفون النص عن ظاهره ويعطلون المولى ﵎ عن صفاته التي وصف بها نفسه، وكأنهم كذبوا بالقرآن والسنة.","vol":"18","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>كل شيئين بينهما قدر مشترك وقدر فارق</span>\nالقاعدة الثامنة: ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق، فمن نفى القدر الفارق فقد مثل، ومن نفى القدر المشترك فقد عطل، والقاعدة هذه من أعظم القواعد في الأسماء والصفات، أسسها شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده ابن القيم.\nولنضرب مثالًا: الله ﵎ ذات، وقد وصف نفسه بأن له يدين، وأنا ذات ومتصف بصفات منها اليدان، إذًا القدر المشترك بين يدي ويدي الله ﵎ أن الذي لي اسمه يد، وأن الذي ثبت لله ﵎ كذلك، فالقدر المشترك بيني وبين الله هو مجرد التسمية، لكن هناك فارق، ويعلم هذا الفارق بالإضافة وعند إطلاق كلمة يد، فحينما أقول: (يد) فقط يعني: اليد المعلومة التي تراها، وهي اليد الملاصقة لبدنك، لكن لو قلت: يد الله، فالمعنى يحمل شيئًا آخر، وهو أن يد الله ﵎ لا يعلم كيفيتها أحد من الخلق؛ وذلك لوجود القدر الفارق بين ذات الله وذات المخلوق، فلا بد أن يكون هناك قدر فارق بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فمن صفات الخالق أن له يدًا لكنها يد تليق بذاته، ولما كان ذات الله بالنسبة لي مجهولة فلا بد أن تكون يده كذلك بالنسبة لي مجهولة، لكن لو قلت: يدي فقط، أو يد محمد، أو يد إبراهيم، أو زيد، أو عبيد، فأنت تعلم كيفية هذه اليد حتى وإن لم ترها، لكن لو قلت: يد الله فوق أيديهم، فإنني أثبت لله ﵎ اليد التي أثبتها لنفسه على مراده هو، وعلى كيفية لا يعلمها إلا هو ﷾.\nفالقاعدة الثامنة: ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق، فمن عطل القدر الفارق فقد مثل؛ لأنه يلزمه أن يقول: يد الله كيدي، ولو أنك مثلت صفات المولى ﵎ بصفاتك فيصبح الله سبحانه عبارة عن إنسان، بل يكون إنسانًا على صورة قبيحة تعالى الله عن ذلك! لأن الله ﵎ له ساق واحدة كما أثبت لنفسه، فعندما ترى إنسانًا له ساق واحدة فإن هذا منظر قبيح على غير العادة والمألوف.\nفهل يتصور أن يكون الخالق ﵎ في نهاية الأمر عبارة عن صورة قبيحة؟! وسيصبح وجه المولى ﵎ ممسوحًا لو مثلته بالمخلوق؛ لأن المولى ﵎ لم يثبت لنفسه الأذن ولا الأنف ولا الفم، وهذا لا يتصور عنه سبحانه، تنزه عن ذلك كله، بل لو أن إنسانًا بغير فم ولا أنف ولا أذن فإن منظره سيكون قبيحًا.\nإذًا: لا بد أن نثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه، كما قال: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠] فالله ﵎ هو أعلم بذاته وأعلم بصفاته، وهو جميل يحب الجمال، ففي الحديث: (إن الله جميل) فإذا أثبتنا أن الله ﵎ يشابه أو يماثل خلقه فلا بد أن يكون الله تعالى عبارة عن شخص له ساق واحدة وبلا وجه، بمعنى: أنه ليس له أنف ولا فم ولا أذن، وسينطبع في مخيلتي وذهني قبح هذه الصورة، والله ﵎ جميل يحب الجمال، فكيف يتفق ما دار في ذهني مع ما ثبت في النص؟ إذًا: لابد أن أرجع إلى إثبات النص على مراد الله ﷿.\nإنَّ الله ﵎ له ساق واحدة وهي في حقه غاية الكمال، وقد تكون صفة النقص في حق المولى ﵎ كمالًا في حق المخلوقين، بل لا يستقيم ولا تستقيم حياة المرء إلا بهذه الصفة، فالنوم مثلًا صفة نقص في حق المولى ﵎، وهي صفة كمال للمرء؛ لأنه لو لم ينم لجن، وذلك لأنه يلبي رغبة بدنه وهي النوم، فإذا نام واستيقظ فإنك تجده في أحسن منظر ويظهر عليه الوضاءة والنضرة؛ لأنه أخذ حاجته من صفة لازمة له، فالنوم نقص في حق المولى ﵎ ولا ينبغي له، وهي صفة كمال في حق المخلوقين لا تستقيم حياتهم إلا به، فالذي ينفي القدر الفارق بين الله ﵎ وبين المخلوقين لا بد أن يثبت لله صفات كصفات المخلوقين.\nومن نفى القدر المشترك فقد عطل، والقدر المشترك هو أن يكون الاشتراك بيني وبين الله ﷿ في الاسم فقط، فالقدر المشترك بين يدي ويدي المولى ﵎ في مجرد التسمية، قال الله سبحانه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠].\nوفي الحديث: (يد الله على الجماعة)، وفي رواية: (يد الله مع الجماعة).\nوأهل البدع يقولون: قوة الله، باعتبار اللازم لهذه اليد؛ لأن اللازم لليد هو القوة، وباعتبار اللازم تصير اليد هنا بمعنى: القوة، وقد سمى الله ﵎ نفسه القوي واتصف بالقوة، فالأحاديث والآيات أثبتت له القوة من جهة الصفة، وأثبتت أنه قوي من جهة الاسم، فلما أقول: اليد بمعنى: القوة، إذًا: لا داعي أن أثبت أنه قوي كما في الآية الأخرى، قالوا: لأننا في الحقيقة ننزه المولى ﵎ عن مشابهته لخلقه، فإنه يلزم من إثبات اليد المشابهة بين الخالق والمخلوق، وهكذا عجزوا بعقولهم أن يثبتوا لله يدًا تليق بجلاله وكماله وعظمته، فهم بذلك أرادوا أن يهربوا بزعمهم من التمثيل والتشبيه فوقعوا في التعطيل، وقالوا: اليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ ال","vol":"18","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>مذهب السلف وسط بين التمثيل والتعطيل</span>\nالقاعدة التاسعة: مذهب السلف وسط بين التمثيل والتعطيل؛ لأن الأمة كلها وسط بين الأمم السابقة: بين اليهود والنصارى، فاليهود أمة مادية، والنصارى أمة روحانية رهبانية، ونحن وسط بين هذا وذاك، فهذه الأمة متمتعة بالوسطية في كل شيء، وعلى رأس هذه الأشياء اعتقادها في المولى ﵎.\nفهم لا يشبهون الله تعالى بخلقه ولا يعطلونه عن صفاته، إنما يثبتون له ما أثبته لنفسه على مراده سبحانه، وما أثبته له رسوله على مراده سبحانه وعلى مراد رسوله الكريم الذي هو أعلم الخلق على الإطلاق بربه ومولاه وسيده.","vol":"18","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>كل ممثل معطل لحقيقة الصفة وذاتها وكل معطل ممثل</span>\nالقاعدة العاشرة: كل ممثل معطل لحقيقة الصفة وذاتها.\nفالذي يقول: يد الله كيدي في الحقيقة هو معطل ليد الله ﷿، صارف لها عن حقيقتها.\nكذلك كل معطل ممثل، أي: أن الذي يعطل المولى ﵎ عن صفاته لا بد أن يئول في نهاية الأمر إلى تمثيله بالمخلوقين، لأنه لم يفهم من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوقين.\nفإن قال قائل: لا أقدر أن أتصور أبدًا كيفية يد الله ﷿ فكيف يخاطبني الله ﷾ بشيء لا أعرفه؟ قلنا: إن الله ﷾ يخاطبك بشيء لا تعرفه، وذلك من باب أنك لا تعلم كيفيته؛ ليبتليك أتؤمن أم تكفر، فإنه يصعب عليك أن تثبت لله ﵎ صفاته وتقول بلزوم التمثيل والتشبيه، فإن قلت: وأنا لا يمكن أبدًا أن أتصور يد الله إلا أن تكون كيدي، وساق الله إلا أن تكون كساقي، ومجيئه إلا كمجيئي ونزوله كنزولي من السلم، فهذا هو النزول الذي أعلمه، ولا أتصور أن الله يخاطبني بما لا أعلمه.\nفنقول: الله ﵎ خاطبك بما تعلم، ولكن ليس عالم الغيب كعالم الشهادة، فلما كان ذات الله ﵎ غيبًا عنا غير مشاهد فكذلك صفاته غيب عنها غير مشاهدة، ولذلك يلزم الإيمان بها كما أقررت بلزوم الإيمان بالذات وأنت لم تره.\nفلو قلنا لك الآن: هل تعلم ذات المولى ﷿؟ ستقول: أعوذ بالله! أنا لا أعلمها، بل الذي يعلمها هو الله ﵎، لكني أؤمن أن الله ﵎ له ذات موجودة، فإذا كنت تستعيذ بالله من وصف الذات فلا بد أن تستعيذ بالله من وصف الصفات كذلك، وهذا أمر لازم.","vol":"18","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>بيان معنى السلف والخلف</span>\nهذه عشر قواعد قعدها أهل العلم قديمًا وحديثًا، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، ولكن لا بد أن نعلم من أين أوتي أهل البدع والأهواء القاعدتين اللتين قام عليهما مذهب الخلف في تعطيل الصفات، وعندما أقول: (الخلف) هذا في مقابل السلف، فيكون عندنا مصطلحان: سلف وخلف، وكلمة السلف لها معنيان: المعنى الأول: تلك الحقبة الزمنية التي عاش فيها خير القرون؛ لقوله ﵊: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فإذا قصدت بيان معنى كلمة السلف من جهة الزمن فهو القرن الأول والثاني والثالث، وإذا قصدت ما هو أعظم من ذلك فإنما تقصد المنهج، فإن المنهج ليس له علاقة مطلقًا بالحقبة الزمنية، فعند إطلاق لفظ: (فلان سلفي)، معناه: إما أن يكون عاش في تلك الحقبة الزمنية؛ لقوله ﵊: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلوهم) فأقول: هذا سلفي زمانيًا، وإما أن يكون على سلف المنهج والتلقي والمشرب والاعتقاد، وهو من كان على مثل ما كان عليه السلف إلى يوم القيامة، فلو أن شخصًا اعتقاده في الله ﷿ ومنهجه وأصوله كلها هي التي كان عليها النبي ﵇ وأصحابه الكرام والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين فإننا نقول عنه: سلفي المنهج.\nومن هنا نفهم أنه ليس كل من عاش في القرن الأول الهجري أو الثاني أو الثالث سلفي المنهج، فهناك الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيرهم من أهل البدع وواصل بن عطاء المعتزلي، فهؤلاء نسميهم خلفًا؛ لأنهم خالفوا السلف في المنهج.\nولذلك القول الذي يقول: كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف محل نظر؛ لأن هذا قد يحمل على الحقبة الزمنية، (كل خير في اتباع من سلف) أي: في اتباع القرون الأولى.\nوكل شر في اتباع من أتى بعدهم في الحقبة الزمنية، فالأفضل أن نقول: الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع، سواء كان هذا الاتباع في القرون الأول أو في القرون التي بعدها، والابتداع سواء ظهر في القرن الأول أو في القرن الألف فهو ابتداع؛ لأن كله شر؛ بل إن الشر ظهر في القرون الخيرية على أيدي رءوس البدع، فلا يمكن أبدًا نسبتهم إلى السلف ولا أنهم سلفيون، بل ولا سلف لهم في البدع التي أتوا بها وأفسدوا بها عقائد الأمة وضمائرها وعبادتها.\nففي هذه الحالة نبين أن لفظ السلف له معنيان: معنى زمني ومعنى منهجي، فلا أستطيع أن أقول مثلًا: أنا خلف لـ أبي بكر الصديق، لأن إطلاق لفظ الخلف يعني: الذم، لكن أقول: أنا تابع لـ أبي بكر، تابع لـ عمر، لـ عثمان، لـ علي، لأن نفس المنهج الذي استقاه أبو بكر هو الذي أنا عليه وإن كنت مقصرًا، حيث إني لا أقدم منهجًا آخر غيره خاصة في باب صفات المولى ﵎.","vol":"18","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>قواعد الخلف المخالفة لسلف الأمة في صفات الله</span>","vol":"18","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>حكم قياس الخالق بالمقاييس التي تحكم المخلوق</span>\nالقاعدة الأولى التي مشى عليها الخلف وجعلتهم يخالفون سلف الأمة: هي قياسهم الخالق ﷾ بالقوانين والمقاييس التي تحكم المخلوق.\nفقالوا: إن الله ﵎ استوى على العرش بمعنى: أنه استولى وقعد على العرش وصار لصيقًا وملاصقًا للعرش؛ وذلك لأن الواحد فينا لو جلس على الكرسي لكان ملاصقًا للكرسي.\nونقول لهم: هل القوانين التي تحكم البشر هي التي تحكم المولى ﵎؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا؛ ولذلك لما حكموا المقاييس والمعايير التي لا تصلح إلا للبشر في حق المولى ﵎ وقعوا تارة في التشبيه وتارة في التمثيل، وأحبوا أن يهربوا من تشبيه الخالق بالمخلوق فوقعوا في التعطيل، فغلطوا في كل الأحوال، فلا تعطيل ولا تمثيل ينفعهم، ولا تشبيه ولا تأويل ولا تحريف ينفعهم، فقياسهم الخالق ﷾ بالقوانين والمقاييس التي تحكم المخلوق ممتنع في الأصل، فممتنع أن يمثلوا الله بخلقه، أو يقيسوا صفات المولى ﵎ بصفة المخلوق؛ وذلك للزوم الوحدانية لله ﷿، أي: أن الله واحد في ذاته، واحد في أسمائه وصفاته، واحد في أفعاله.\nفإذا قلت: المولى ﵎ تكلم فليس كلامه ككلامنا، بل إنه يتكلم على نحو لا يستطيع أحد من خلقه أن يتكلم مثله؛ وذلك لأنه واحد في كلامه، أي: لا يشبهه أحد من خلقه في صفة الكلام، فهو واحد في أفعاله.\nومن صفات الله المجيء، فربنا ﵎ يجيء، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].\nفالرب ﵎ يأتي، فإن قيل: كيف يأتي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الله أعلم، لكنه يأتي؛ لأنه أثبت صفة الإتيان وصفة المجيء لنفسه، فأنا أثبت لله ﵎ صفة المجيء كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] فلا أقول: وجاء أمر ربك؛ لأن هذا ضلال وزيغ وتحريف للنص، حيث إن الله أثبت لنفسه صفة المجيء، فأنت لو قلت: المقصود بقوله: (وجاء ربك) أمر ربك: لنفيت صفة المجيء عن الله ﷿، وهذا ليس منهج السلف، بل أنا أثبت لله ﵎ صفة المجيء، ولكنه مجيء غير مجيئي أنا؛ وذلك لأن هذا فعل لله ﷿، ولما كان الله تعالى واحد في أفعاله فإن أفعاله لا تشبه أفعال المخلوقين.\nإذًا: الله ﵎ يجيء ويأتي ويغضب ويرضى ويسخط على نحو لا يشبهه مجيء الخلق ولا إتيانهم ولا غضبهم ولا رضاهم ولا سخطهم، فهو واحد لأنه متصف بالوحدانية في الذات والصفات والأفعال.","vol":"18","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>التأويل لصفات الله الثابتة له للخروج من تمثيله بالمخلوقين</span>\nهذه القاعدة الأولى جرت الخلف إلى الانحراف، وإلى تصوير الله تعالى بصورة قبيحة، سبحانه وتعالى عما يقولون، فأرادوا أن يفروا من ذلك فوقعوا بين نارين.\nقالوا: لو أثبتنا لله ما أثبته لنفسه بالمماثلة لصفة المخلوقين فإن الله سيكون إنسانًا، وهذا ليس معقولًا، فوقعوا بين نارين: أن يكذبوا بآيات الله الواردة في وصفه سبحانه كما فعل الجهم بن صفوان، فلا يد ولا ساق ولا عين ولا وجه؛ لأن إثبات هذه الصفات يستلزم التشبيه والتمثيل، فقالوا: ونحن ننزه المولى ﷿ عن ذلك، فنفوا عن المولى ﷿ ما أثبته لنفسه.\nوهذه بلية أخرى.\nوإما أن يؤولوها فيقولون: لو نفينا الصفات لأصبحنا نكذب بالقرآن، والله قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] فأثبت الله لنفسه العين وأثبت لنفسه اليد، فلا بد أن نؤولها بالمجاز ونخرجها عن معناها الحقيقي اللائق به ﷾، وبهذا نكون قد أثبتنا لله تعالى ما أثبته لنفسه، فنقول: يد الله بمعنى: القوة.\nوقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] المقصود بالعين هنا الرعاية، يعني: أحوطك وأشملك برعايتي حتى تتربى وتصير شابًا فتيًا، وبالتالي يصرفون صفات المولى ﵎ عن معناها ومضمونها الحقيقي إلى المعنى المجازي.\nهذه هي القواعد التي قعدها السلف في الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، ولا يمكن أبدًا فهم صفات المولى ﷿ على منهج السلف إلا بحفظ هذه القواعد واعتقادها، فلابد أن تراجعها بين الفترة والفترة حتى تعرف من أين أتي الخلف.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"18","page":16},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-347> صفة الاستواء لله ﷿</span>\nمن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، واستواؤه تعالى معناه: علوه وارتفاعه على خلقه فوق سماواته وعرشه، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم المعتبر، خلافًا للفرق الضالة الخارجة عن الطريق المستقيم، والذين يؤولون ذلك تأويلات عقلية مبناها على اللغة، وعلى اعتبار عدم مناقضتها لصفة المعية كما هو في المخلوقين، ولبئس ما فهموا، وساء ما إليه فطنوا.","vol":"19","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>اشتراك المخلوق مع الخالق في بعض الصفات لا يستلزم المشابهة والمماثلة</span>\nإن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nفي الدرس الماضي ذكرنا عشرًا من القواعد التي تلزم كل مسلم -فضلًا عن طالب العلم- في سبيل دراسته لعلم الاعتقاد، وقلنا: إن صفات المولى ﵎ لا يمكن فهمها كما فهمها السلف إلا من خلال هذه القواعد، وهذه القواعد كنا قد استفدناها من كتب شيخي الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وقد جمع جلها شيخنا محمود عبد الرازق المنصوري في كتاب سماه: توحيد الصفات بين معتقد السلف وتأويل الخلف، وبالأمس أرسل إلي عدة نسخ من مختصر لهذا الكتاب، فقرأته اليوم فألفيته مختصرًا نافعًا جدًا؛ ولذلك آثرنا أن نوزعه عليكم إن شاء الله.\nذكرنا أن أول هذه القواعد هي: توحيد المولى ﵎، بمعنى: إفراده بالوحدانية في كل شيء، فلا يستطيع أحد أن يتصف بصفة على الوصف الكامل لله ﷿ من خلقه قط، فلو ذكرنا صفة الرحمة فإن الله تعالى موصوف بها، وإن كثيرًا من عباده موصوف بها، لكن الله تعالى تفرد بهذه الصفة على الوجه الأكمل الذي ليس بعده كمال، فلا تستوي رحمة المخلوق ورحمة الخالق ﷾؛ لأن رحمة الخالق واسعة وعامة وشاملة لمن كان أهلًا لها؛ ولذلك يقول المولى ﵎: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، أما رحمة العباد فلا تسع كل شيء؛ ولذلك هناك مفارقة ومباينة بين صفة المخلوقين وصفة الخالق ﵎.\nفعند إطلاق صفة من الصفات على مخلوق من المخلوقات -وإن تشابهت وتماثلت- مع صفة لله ﷿، فلا يعني هذا أنها شبيهة ومماثلة لها من جميع الوجوه ومن جميع الجوانب، بل هي شبيهة بها من حيث الاسم فقط، فإذا كانت المخلوقات نفسها تتماثل أو تتشابه في الاسم، وتختلف في الصورة، فإن الله ﵎ خلق العسل وخلق الخمر، وخلق التمر وخلق الجنان وخلق التفاح وخلق المطعومات، ولكنك إذا وازنت بين مطعومات الدنيا التي تطعمها أنت الآن ومطعومات الجنة فشتان ما بين هذا وذاك.\nوإذا قلنا لك: هل تستطيع أن تكيف تين الجنة أو زيتونها؟ تقول: لا، أنا الذي أعرفه من هذا النعيم الأسماء فقط؛ وذلك لأن الله ذكر في كتابه أنه خلق في الجنة التين والزيتون، لكن هل هو كالتين والزيتون اللذين نأكلهما؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، فالزيتون الذي نأكله نحن الآن ليس كالزيتون الذي خلقه الله في الجنة، فإذا كانت المخلوقات نفسها اتحدت في أحد الأوصاف ولكنها تباينت واختلفت في بقية الأوصاف، فهل يمكن أن تسوي صفات الخالق ﷾ بصفات المخلوقين عند الإطلاق؟ لا يمكن أبدًا، هناك مباينة ومفارقة.","vol":"19","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>سياق ما روي في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)</span>\nونحن بصدد ضرب بعض أدلة استواء الله تباك وتعالى على عرشه، فاستواء سليمان على العرش، واستواء بلقيس على العرش، واستواء أي ملك على عرشه يختلف تمامًا عن استواء المولى ﵎؛ لأن استواء المخلوقات يتناسب مع ضعف وعجز ونقص هذه المخلوقات، أما استواء المولى ﵎ فلا شك أنه على الوجه الأكمل الذي يتناسب مع كمال صفاته ﵎، وإن كان الجميع يسمى: استواء.\nفليس استوائي هذا على الكرسي وأنا مماثل له كاستواء المولى ﵎ على عرشه، فإن هذا استواء يليق بالله ﷿، واستوائي على الكرسي يليق بذلك الضعف البشري الذي خلقت له ومن أجله.\nوقد ذكر الإمام اللالكائي بابًا وسرد فيه أدلة استواء الرحمن على العرش، فقال: [سياق ما روي في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وأن الله على عرشه في السماء]، فهل كلمة (على) هنا تستلزم المماسة؟ هذا الذي فهمه أصحاب الفرق الضالة.\nفقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قالوا: (استوى) بمعنى: استولى، ولنا وقفة مع هذا التفسير.\nالوقفة الأولى: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، هل يلزم من هذا الحرف (على) أن الله تعالى مماس وملاصق للعرش؟ فإذا قلنا ذلك فإنه يلزمنا أن نقول: إن العرش يحمله، وهو ﷾ منزه عن ذلك، فهو أكبر من العرش، وأكبر من جميع المخلوقات؛ فلا يحمله خلق من خلقه ﵎، وإنما نقول: إن الله تعالى علا فوق العرش، أي: خلق الأرضين وخلق السماوات السبع، وجعل فوق السماء السابعة بحرًا، وفوق البحر الكرسي، وفوق الكرسي العرش، والله تعالى فوق العرش، ليس مماسًا له ﷾؛ لأنه منزه أن يلتصق بأحد من مخلوقاته.\nقال: (وأن الله على عرشه في السماء)، قولنا: (في السماء) لا تستدعي الظرفية كذلك، بل (في) بمعنى (على)؛ لأن المتفق عليه أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، فقوله: (في) يعني: (على)، أي: وأن الله على عرشه على السماء، بمعنى: فوق السماء؛ لأن (على) تفيد العلو والفوقية، فـ (في) هنا بمعنى (على)، أي: على السماء؛ ومثلها قوله ﵎: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، فهل يتصور أن ذلك المجرم يدخل غيره في جذع النخلة حتى يعاقب ويصلب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ولكن التقدير: ولأصلبنكم على جذوع النخل، فـ (في) بمعنى (على).\nإذًا: قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه:٥]، أي: فوق العرش، وأن الله على عرشه في السماء، يعني: على السماء، فهذه الحروف إنما تفيد الفوقية والعلو.","vol":"19","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>الأدلة من القرآن على أن الله مستو على عرشه فوق خلقه</span>\nقال: [وقال الله ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]]، فالصعود لا بد وأن يكون إلى جهة العلو، وكذلك الرفع، قال: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ»، أي: يرتفع ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وأن الله تعالى يجازي صاحبه خيرًا، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: يرفعه إليه ويقبله.\nقال: [وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧]]، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، والذي في السماء هو الله ﷿، وكما اتفقنا أن (في السماء) بمعنى: (على السماء).\nقال: [وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:٦١]]، فأسند لنفسه تارة العلو وتارة الفوقية، وهما بمعنى واحد، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام:٦١]، أي: يرسل عليكم من السماء إلى الأرض حفظة؛ فدلت هذه الآيات على أنه تعالى في السماء، وعلمه في كل مكان من أرضه وسمائه.\nفهذا أمر معلوم لدى جميع السلف أن الله تعالى بذاته استوى على العرش، ولكن لما خاض المعتزلة والأشاعرة من بعدهم في صفات المولى ﵎، وتكلموا على استوائه وفوقيته، أو معيته مع خلقه -قالوا: إن الله تعالى مع خلقه بذاته في كل مكان، هذا قول المعتزلة والأشاعرة، وهو قول يناقض وينافي الحق تمامًا ولا حق فيه، بل الحق أن الله ﵎ مستو بذاته على العرش، مباين لخلقه، كما ثبت ذلك من كلام السلف، وللإمام الطحاوي شعر ونظم جميل جدًا في بيان معتقد أهل السنة والجماعة في معية الله ﵎، قال: نؤمن بالله تعالى، وأنه فوق السماء، أي: وأنه استوى على عرشه بائن من خلقه، ومعنى بائن: غير ملاصق لخلقه، بل مغاير لهم.\nولا بد أن نعرف أن العرش مخلوق ولا خالق إلا الله ﷿، وقول الإمام: بائن من خلقه، يدل على أن الله غير ملاصق للعرش، ولكنه فوق العرش ﷾، وذلك لما كان العرش أعلى شيء في المخلوقات؛ فإن الله تعالى فوق هذا العلو، يعني: أن الله ﵎ أعلى من كل مخلوق، وأعلى المخلوقات هو العرش، والله تعالى فوق العرش.\nفدلت هذه الآيات على أنه تعالى في السماء، وعلمه بكل مكان من أرضه وسمائه؛ لأن الله تعالى قد أحاط علمه بكل شيء، والسماوات شيء، والأرض شيء، وجميع المخلوقات شيء، وأن علم الله ﵎ قد أحاط بكل شيء، روي ذلك عن الصحابة: عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة، ومن التابعين: ربيعة بن أبي عبد الرحمن الفقيه المدني، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وقال به من الفقهاء: مالك بن أنس، والثوري، وأحمد بن حنبل، ونحن نذكر هذا على سبيل الاختصار، وإلا فقد سبق أن سردنا الكثير من أسماء السلف الذين تكلموا وصنفوا في معتقد سلف هذه الأمة.","vol":"19","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>الأدلة من السنة على أن الله مستو على عرشه فوق خلقه</span>\nذكر الإمام اللالكائي في هذا الباب -كما ذكر في غيره على عادة المصنفين المسندين- آثارًا وأحاديث بعضها صحيح والبعض الآخر ضعيف، ولا شك أن الحجة في الصحيح، خاصة إذا كان الاحتجاج في باب الاعتقاد، أما الضعيف فلا حجة فيه، ولا حتى في فضائل الأعمال على المذهب الراجح، ولذلك ذكر هنا أحاديث ضعيفة كما ذكر آثارًا أعرضنا عن ذكرها صفحًا؛ لأنها ليس فيها حجة.\nومما صح من روايته عن معاوية بن الحكم السلمي، وهذا الحديث عند الإمام مسلم وهو المعروف بحديث الجارية.\nقال معاوية بن الحكم السلمي ﵁: (يا رسول الله! كانت لي جارية ترعى غنيمات لي من قبل أحد والجوانية -أي: كانت لي بنت صغيرة ترعى الغنم بين جبل أحد والجوانية- وإني أطلعتها يومًا إطلاعة، فوجدت ذئبًا قد ذهب منها بشاة)، يعني: اختبرتها وراقبتها ذات يوم؛ فوجدت ذئبًا أخذ شاة من تلك الغنيمات.\nقال: (وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون)، يعني: أحزن لفقدان مالي وأغضب، (فصككتها صكة)، يعني: لما غفلت عن تلك الغنيمات؛ صفعتها وصككتها على وجهها صكة.\nقال: (فعظم ذلك على النبي ﷺ)، استعظم ذلك جدًا وأنكره.\nقال معاوية: (فقلت: يا رسول الله! ألا أعتقها؟ -أي: فيكون ذلك كفارة لي؟ - فقال: ادعها إلي، فقال لها النبي ﵊: أين الله؟ قالت: الله في السماء)، وهذه جارية صغيرة، وإن شئت فقل: بدوية لا تعرف من دينها ولا من دنياها شيئًا غير أنها ترعى الأغنام في الجبل، ومع هذا لم تقع فيما وقع فيه فرق كثيرة من فرق المسلمين، وضلت فيه جماعات من أمة محمد ﵊: كالجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية وغيرهم.\nفقالت هذه الجارية: (الله في السماء.\nقال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله! فقال النبي ﵊ لـ معاوية بن الحكم السلمي: اعتقها فإنها مؤمنة)، فرتب النبي ﵊ إيمان هذه الجارية على معرفتها بذات الله ﵎، وأنه مستو على عرشه في السماء، وأنها أقرت برسالة ونبوة النبي ﵊، وهذا بلا شك أعظم علامات الإيمان: اعتقادك بالله ﷿ واعتقادك بأن محمدًا ﷺ نبيه ورسوله.\nانظروا إلى هذه الجارية الصغيرة في السن، البدوية التي لا حظ لها في العلم، علمت بفطرتها أن الله تعالى في السماء، مستو على عرشه.\nوعن أبي هريرة: (أن رجلًا أتى النبي ﵊ بجارية سوداء أعجمية)، والأعجمي ليس بلازم ألا يكون عربيًا، فالأعجمي: هو كل من لم يجد اللسان العربي، ولكنه يتكلم بلسان آخر، وكذلك العربي الذي لا يستطيع أن يفصح عما في نفسه بلسان عربي فصيح مبين يسمى أعجميًا وإن كان عربيًا.\nأتى رجل إلى النبي ﵊ بجارية سوداء أعجمية فقال: (يا رسول الله! إن علي عتق رقبة مؤمنة)، يعني: قد فعلت فعلًا يستوجب أن أعتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ: (أين الله؟ فأشارت بأصبعها السبابة إلى السماء، فقال لها: من أنا؟ فأشارت بأصبعها إلى رسول الله ﷺ وإلى السماء)، أي: أنت رسول الله الذي في السماء، وهذه جارية أعجمية؛ فقال النبي ﵊: (اعتقها)، يعني: هي تصلح أن تكون كفارة لذنبك؛ لأنها مؤمنة، وإن الذنب الذي ارتكبته ورتب الله ﵎ عليه عتق رقبة مؤمنة هذه الجارية بهذه الإجابة مؤمنة وهي تجزئ في كفارتك؛ فأعتقها.\nقال: [وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم رفع نظره إلى السماء -وهذا محل الشاهد وفي رواية: بصره إلى السماء- فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)].\nالشاهد: أن المرء إذا توضأ ثم رفع بصره إلى السماء، لماذا يرفع بصره إلى السماء؟ لماذا لا يضع وجهه في الأرض وينادي المولى ﵎؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لداعي الفطرة في قلبه وفي روحه ونفسه أن الله تعالى في السماء، وما وجدنا واحدًا قط من المسلمين، بل ولا حتى من غير المسلمين يدعو الله ﵎ إلا وهو يتوجه بيديه وبوجهه ورأسه ورقبته، بل وبكليته إلى جهة السماء؛ لأن داعي الفطرة من داخله يناديه أن الله تعالى في السماء، وأنك إن توجهت إليه بالدعاء قبل الله دعاءك.\nوهذا الحديث محل خلاف بين أهل العلم من المحدثين، فبعضهم يحسنه، والبعض الآخر يضعفه، كالذي بعده؛ لأنه من رواية أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، وهو أبوه، وقيل: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه إلا بعض أحاديث -أربعة أو خمسة- قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود","vol":"19","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>أقوال السلف في استواء الله على عرشه وعلوه وفوقيته على خلقه</span>","vol":"19","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>قول عمر ﵁ في علو الله وفوقيته</span>\nقال عمر ﵁: (والذي نفس عمر بيده لو أن أحدكم أشار إلى السماء بأصبعه على مشرك ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله؛ لقتلته به).\nهذا النص خفي على المحقق فقال في الحاشية: لم يتبين لي المراد من هذا القول، والمراد من هذا القول: أن عمر بن الخطاب ﵁ علم أن الله تعالى يقبل دعاء المؤمنين ويقبل دعاء الصالحين، فلو أن واحدًا من المؤمنين توجه إلى السماء، أي: إلى الله ﷿ بالدعاء على مشرك من غير ما جريرة ارتكبها واقترفها استوجبت أن يدعو المسلم والمؤمن عليه، وقتل ذلك المشرك من جراء هذه الدعوة؛ لقتله عمر بن الخطاب؛ لأنه قتل مشركًا بغير ذنب.","vol":"19","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>قول ابن عباس ﵄ في علو الله وفوقيته</span>\nوعن مجاهد قال: قيل لـ ابن عباس: إن ناسًا يقولون بالقدر -أي: يتكلمون فيه وينفون علم الله ﵎ بما كان وما سيكون- فقال: (يكذبون بالكتاب، لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه)، يعني: لئن ظفرت بواحد منهم لأضربنه ضربًا مبرحًا، وعبر عنهم بأنه إذا لقي الواحد منهم أخذ شعره حتى يقطعه ولا يبقي في رأسه شعرة، قال: (إن الله ﷿ كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا، فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه)، والشاهد في قول ابن عباس في الباب: إن الله ﷿ كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا، فإن الله تعالى كان على العرش، وأهل العلم اختلفوا: هل القلم خلق أولًا أو العرش؟ لأنه قد وردت نصوص تدل على أن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، وورد أن الله تعالى قبل أن يخلق شيئًا من مخلوقاته خلق العرش؛ لأنه كان على العرش ولم يكن شيئًا.\nواختلاف أهل العلم له محاضرة أخرى؛ لأن الكلام فيه والتأويل فيه طويل جدًا، ويحتاج إلى صفاء ذهن في هذه الجزئية على جهة الخصوص: هل خلق العرش أولًا أو القلم؟ ولكن الراجح: أن القلم خلق أولًا، وخلق الله تعالى العرش فاستوى على العرش.\nوعن عكرمة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧]، ولم يقل: سآتيهم من فوقهم.\nقال ابن عباس: لم يستطع أن يقول: من فوقهم؛ لعلمه أن الله من فوقهم.\nوعن بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قال: ارتفع.\nلأن استوى في لغة العرب بمعنى (علا وارتفع)، خاصة إذا قيدت بالمولى ﵎، فاللفظ له معنى عند الإطلاق، وله معنى عند التقييد، فعند الإطلاق (استوى) بمعنى: (علا وارتفع)، وذلك عند العرب، فإنهم لا يعرفون (استوى) إلا بمعنى: (علا وارتفع)، وعند التقييد لها معان متعددة سنذكرها الآن.","vol":"19","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>شرح قول أم سلمة في استواء الله ﷿</span>\nوعن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].\nقالت: الكيف غير معقول.\nأي: إذا كنا متفقين على أن (استوى) بمعنى: (علا وارتفع)، فما هي الكيفية التي استوى الله ﷿ بها على عرشه؟ هذا أمر لا يدخل في دائرة العقل قط، فهو أمر غيبي، ونحن نؤمن بوجود الله ﷿، ولا يشك أحد في أن الله تعالى ذات موجودة، لكن لو قلنا لواحد: صف لنا الله ﷿؛ فإنه لا يستطيع، والذي لا يستطيع أن يصف المولى ﵎ لا بد أنه سيعجز عن وصف صفاته، وعلى ذلك فإنه سيعجز كذلك عن معرفة كيفية يد الله ﷿، وساق الله ﷿، وعين الله ﷿، ووجه الله ﷿؛ وذلك لأن اليد من الصفات، والوجه من الصفات، والساق من الصفات، وكذلك الأمر في بقية الصفات.\nوالصفات في حق المخلوقين هي المكونة للذات، فإذا قلت لك: صف لنا محمدًا أو إبراهيم أو سعدًا، فإنك تستطيع أن تصفه تمامًا؛ لأنك لا تستطيع أن تصف شيئًا إلا إذا كان مماثلًا لأمر أنت رأيته، فلو أني قلت لك: صف لنا إبراهيم! لقلت: إبراهيم طويل أو قصير، أو عريض أو نحيف أو سمين، ذو عينين زرقاوتين، أو أصابعه طويلة، أو أبيض أو أسود، حليم غضوب، وغير ذلك من الصفات، فأنت تصف إبراهيم بهذه الدقة؛ لأنك رأيت إبراهيم، أو رأيت من هو مثل إبراهيم، وهكذا فتستطيع أن تصف إبراهيم من خلال مثيله.\nولكن الله ﵎ ليس له مثيل، وأنت لم تر الله ﷿، إذًا: الله ﵎ غيب عن الخلق أجمعين؛ فلا نستطيع أبدًا أن نصف المولى ﵎، نعجز عن ذلك؛ لأنه غيب، وهو لا مثيل له ولا عدل له ولا كفء له؛ ولأنه منزه عن الشريك والمثيل والضد وغير ذلك من أنواع المماثلات والمتشابهات في عالم المخلوقات، فإذا كان الله ﵎ غيبًا عنا على هذا النحو الذي ذكرناه، فإما أن ننكره وإما أن نثبته، فإن أنكرناه لا بد أن ننكر ذاته؛ لأن هذه الذات هي متصفة بتلك الصفات، فإن أنكرناه كفرنا، وإن أثبتنا وجود الذات؛ لا بد أن نثبت وجود الصفات، لكن وجود الصفات يكون على نحو يليق بالذات، ونحن لا نعلم كيفية الذات.\nفإذا كنت أنا أعجز عن وصف ذات الإله، فلا بد أنني سأعجز عن وصف يده وساقه ووجهه وبقية الصفات اللازمة له ﷿، التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته؛ ولذلك عندما يأتي شخص ويقول لي: كيف الله؟ أقول: هذا أمر أنا لا أعقله، ولا أقدر أن أصفه، فإن قال لي: صف لي يد الله ﵎ فقط، أقول له: لا أقدر على ذلك، والذي لا يستطيع أن يتكلم في الذات لا يستطيع أن يتكلم في الصفات؛ لأن الذات والصفات أمر واحد، وصفات المولى ﵎كما قلنا- لازمة لذاته.\nفالذي يستطيع أن يتكلم في الذات يستطيع أن يتكلم في الصفات، والصواب: أننا لا نستطيع أن نتكلم في الذات، وبالتالي يحرم علينا أن نتكلم في الصفات، ولكن علينا أن نؤمن بها كما جاءت، أليس عندنا إيمان بوجود الله من غير ما نراه ومن غير ما نمثله؟ فلماذا لا نؤمن بصفات الله من غير ما نراها ومن غير ما نمثلها ونشبهها بصفات المخلوقين؟ وهذا أمر لازم لإيمانك بالذات من غير أن تراها، فكذلك لا بد أن تؤمن بالصفات على الوجه اللائق الكامل لله ﷿ وأنت لم ترها ولا تعرف كيفيتها؛ ولذلك لما سئلت أم سلمة عن معنى الاستواء الذي هو أحد صفات المولى ﵎ قالت: الكيف غير معقول، أي: لا يدخل في دائرة عقلي قط؛ لأن عقلي قاصر وعاجز أن يكيف الاستواء لله ﷿.\nفاستواء المولى ﵎ شيء آخر يختلف عن استواء المخلوقين؛ لأن الذات تختلف عن ذوات المخلوقين، وكذلك الصفات لا بد أن تختلف عن صفات المخلوقين، فالكلام في كيفية الاستواء كالكلام في كيفية كل صفة من صفات المولى ﵎، يمتنع ويستحيل ولا يجوز لأحد أن يمثل ولا أن يشبه، ولا أن يحرف الكلم عن مواضعه؛ فيصرف هذه الصفات عن مدلولها الذي وضعه المولى ﵎ له؛ فلا يجوز لأحد أن يقول: اليد هي القدرة، والعين هي الرعاية، والمجيء هو الأمر، وغير ذلك من صفات المولى ﵎، بل نثبتها كما أثبتها السلف، ونمرها كما جاءت، ولا نتكلم فيها قط، ونؤمن بها على هذا النحو.\nفإن النبي ﵊ لما نزلت عليه هذه الآيات لم يخف عليه معناها، ولم يناقش أحد من الصحابة النبي ﵊ في كيفية الاستواء؛ وذلك لأنهم يعلمون أن الاستواء بمعنى العلو والارتفاع، فهذا كان أمرًا مستقرًا لديهم، ولذلك لم يسألوا عنه، بل لم يثبت أن واحدًا من أصحاب النبي ﵊ سأل عن صفة واحدة لله ﷿؛ لأنهم سكتوا عن هذه الصفات، وآمنوا بها على هذا النحو الذي وردت به ظاهرًا، وعلموا المعنى؛ لأنه لا يعقل أن الله ﵎ يخاطب المخاطبين بكلام هم لا يعلمون معناه؛ ولذلك قالوا: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، يعني: معلوم لنا أن الله تعالى استوى؛ لأنه أخبر في","vol":"19","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>شرح قول الإمام مالك في استواء الله ﷿</span>\nالجواب الذي أجابت به أم سلمة قد أجاب به ربيعة الرأي، وأجاب به مالك كذلك، فقد جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكًا وجد من شيء كموجدته من مقالته -يعني: ما رأيته غضب غضبًا شديدًا إلا عندما وجه إليه هذا السؤال- وعلاه الرحضاء، يعني: العرق، وهذا يدل على أن هذا السؤال لم يطرح في عالم السلف، وكان بالنسبة لـ مالك كصاعقة نزلت على رأسه.\nقال: وأطرق القوم، وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه، فلما سري عن مالك قال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول -يعني: معلوم لدينا أنه استوى بمعنى: علا وارتفع- والإيمان به واجب على ما جاءت به النصوص من غير تأويل ولا تحريف، والسؤال عنه بدعة.\nفالسؤال عن كيفية صفات المولى ﵎ بدعة؛ لأن أمرها موكول إلى الله ﷿، فلا يحل لأحد أن يسأل عن كيفية صفات المولى ﷿؛ لأن الذي يسأل عن كيفية الصفات لا بد أن يسأل عن كيفية الذات، فالله له وجه يليق به ليس كوجوه المخلوقين، وله ساق تليق به ليست كسوق المخلوقين، وله نفس لكن ليست كأنفس المخلوقين، وفي النهاية نعلم أن ذات المولى ﵎ تختلف عن ذوات المخلوقين؛ لأنها تابعة للخالق.\nقال: والسؤال عنه بدعة؛ فإني أخاف أن تكون ضالًا، فأمر به فأخرج من المسجد.\nوهنا وقفة طيبة جدًا: أن من سأل عن شيء تورع عنه السلف؛ فلا بد أن يعلم أن هذا أول الطريق للضلال، خاصة إذا كان تعلقه بالمولى ﷿ بذاته أو صفاته من جهة الكيفية، لا من جهة العلم والمعنى، ألسنا دائمًا نردد هذا الشعار: ما وسع السلف يسعنا؟ لكن لماذا في الأسماء والصفات لم يسعنا ما وسع السلف؟ لماذا السلف سكتوا عن تكييف صفات المولى ﷿ ونحن لا نريد أن نسكت؟ فالسلف وسعهم أن يؤمنوا ويصدقوا بهذه الأخبار التي أثبتت أن لله ﵎ صفات تليق بجلاله وكماله، لماذا نحن لا نريد أن نسكت؟ ولماذا الأمة كلها لم تسكت، وخاضت في الأسماء والصفات؟ فمنهم من عطل المولى ﵎ وحرَّف الكلم عن مواضعه، بحيث يصل بهم الحال في النهاية إلى أنه لا يوجد شيء اسمه إله متصف بصفات؛ لأن اليد عندهم هي القدرة، والعين هي الرعاية، وغير ذلك من تحريف وتأويل الصفات عن معناها اللائق بالله ﷿؛ هؤلاء معطلة.\nولذلك إذا سألت: أين إله المعطلة؟ سيظهر عندهم أنه إله بلا ساق وبلا يد وبلا عين وبلا وجه وبلا ذات، وصدق ابن تيمية عليه رحمة الله لما قال: المعطل يعبد عدمًا، والممثل يعبد صنمًا؛ لأن الممثل والمشبه قالا: الله تعالى له يد كيدي، وله عين كعيني؛ فنصل في النهاية إلى أن ربنا عبارة عن شخص من الأشخاص، وذات من ذوات المخلوقين؛ ولذلك قال ابن تيمية: وكل ممثل يعبد صنمًا؛ لأن الصنم معلوم لديه، فهذا القول من أفضل أقوال ابن تيمية: الممثل يعبد صنمًا والمعطل يعبد عدمًا.\nفالممثل والمشبه لصفات المولى ﵎ بصفات المخلوقين ينتهي إلى أن هذا الإله هو عبارة عن إنسان، والمعطل الذي أراد بزعمه أن ينزه المولى ﵎ عن منهج المجسمة والممثلة والمشبهة نفى تلك الصفات عن الله ﷿، فأصبح عندهم في النهاية إلهًا بلا صفات، وبهذا وقعوا فيما فروا منه، وقعوا في شر لكن من نوع آخر.\nوأهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، لا يعطلون صفات المولى ﵎، بل يثبتونها، ولكن ليس على مذهب المثبتة الممثلة المشبهة، وإنما يؤمنون بما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله على الوجه اللائق بكماله وجلاله، فهم يفارقون المشبهة ويفارقون في الوقت نفسه الممثلة.","vol":"19","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>شرح قول ربيعة الرأي في استواء الله ﷿</span>\nوسئل ربيعة عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول -يعني: هو معلوم لدينا- والكيف غير معقول، لا نستطيع أن نعقله؛ لأن العقل لا يدرك إلا ما أحاط به، أما شيء غيبي فلا يدخل في مقدور العقل ولا في حدوده؛ فكيف يعقله؟ أو كيف يكيفه ذلك العقل؟ قال: الكيف غير معقول، ومن الله الرسالة -أي: الأمر بإثبات ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله- وعلى الرسول البلاغ وقد بلغ، وعلينا التصديق، أي: الإيمان بما فرض الله ﷿ علينا.\nوقول مالك: فإني أخاف أن تكون ضالًا، وأمر به -أي: السائل- فأخرج من المسجد؛ هذا يدل على أن كل منحرف عن معتقد السلف ينبغي ألا يجالس؛ لأن مجالس السلف فيها عامة الناس وفيها خاصتهم، وأما الخاصة فلا يخشى عليهم، لكن الخشية كل الخشية أن تفسد عقائد عامة الناس، ولذلك كل مبتدع ضال -خاصة في مسائل الاعتقاد- ينبغي أن يعزل عن مجالس أهل الخير إذا علم عناده وجحوده، أما إذا أتى طالبًا للعلم وطالبًا للهدى ومنقادًا لأهل العلم من سلف هذه الأمة وممن سار على منهجهم وأخذ من منبعهم؛ فلا شك أن جلوسه هنا مستحب بل واجب عليه.","vol":"19","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>شرح قول ابن الأعرابي في استواء الله ﷿</span>\nوعن داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ فقال: هو على عرشه كما أخبر ﷿.\nانظر إلى الجواب كأنه فسر الماء بالماء، لو قلنا: صف لنا الماء، ستقول: الماء هو الماء، ولا يوجد تفسير أسهل من هذا، والسلف كانوا يفسرون الماء بالماء.\nفقال له: ما معنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ قال: معناه: أنه على عرشه كما أخبر.\nإجابة مريحة لكن لمن أراد أن يرتاح، فقال له: يا أبا عبد الله! ليس هذا معناه، إنما معناه: استولى.\nإذا كنا نفسر قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بمعنى: استولى، فمن هذا الذي كان ينازع الله ﵎ على العرش فغلبه واستولى على العرش؟! وهذا من لازم التأويل، إذا كنت تقول: إن (استوى) بمعنى: (استولى) فلا بد أن يكون قد حصل هناك مغالبة بين الله وبين غيره، وكان هذا العرش بينهما، أو كان هذا العرش مع غير الله، وأن الله استولى على ذلك الغير وضربه وهزأه ثم أخذ منه العرش، هل يعقل أن يكون هذا تفسيرًا؟ وهل هناك مجنون -فضلًا عن عاقل- يقبل هذا التفسير في حق المولى ﷿؟! إذًا: (استوى) بمعنى: (علا وارتفع) لكن لو قلت: استوى بمعنى: استولى في حق المولى ﷿؛ فهذا يدل على أن المغالبة كانت بين الله وبين غيره، ولكن في النهاية كتب النصر لله ﷿، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nفقال: يا أبا عبد الله! ليس هذا معناه -أي: ليس معناه: علا وارتفع- إنما معناه: استولى.\nقال ابن الأعرابي: اسكت، ما أنت وهذا، لا يقال -يعني: لا يقال: (استوى) بمعنى: (استولى) - استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى، أما سمعت النابغة يقول: ألا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد ففي حق المخلوقين لا بأس، لكن في حق الخالق لا.\nوقال أبو بكر محمد بن أحمد بن النضر: كان أبو عبد الله بن الأعرابي جارنا، وكان ليله أحسن ليل -يعني: يقيمه ويتعلم فيه- وذكر لنا أن ابن أبي داود سأله: أتعرف باللغة استوى بمعنى استولى؟ وكان ابن الأعرابي لغويًاّ ومحدثًا وفقيهًا، فقال: لا أعرف، إنما استوى بمعنى: علا وارتفع.\nوقال ثعلب -أي: أبو العباس -: استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجًا.\nوهذا أحد المعاني، (ثم استوى إلى السماء)، أي: أقبل إلى السماء، واستوى على العرش بمعنى: علا، واستوى وجهه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمر: تشابها، واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا معنى استوى في اللغة، واختار من بينها استوى على العرش، بمعنى: علا، فإذا صرف الاستواء لغير الله ﷿ كانت له معانٍ أخرى، أما إذا قيد بالرحمن فإن الاستواء يكون بمعنى: العلو والارتفاع، هذا الذي يعرف من كلام العرب.","vol":"19","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>شرح تفسير مقاتل لقوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)</span>\nقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، يعني: لو تناجى ثلاثة أو أربعة أو خمسة؛ إلا كان الله تعالى معهم أينما كانوا، حتى وإن أخفوا كلامهم.\nأتت امرأة تشتكي زوجها إلى الرسول ﷺ في مسألة الظهار، تقول عائشة: فدخلت المرأة على رسول الله ﷺ وهو في بيته، وكنت في زاوية منها، والمرأة تجادل النبي ﵊ في أمر زوجها الذي قال: أنت علي كظهر أمي، فقال النبي ﷺ: (انتظري حتى يأتينا الوحي).\nفانتظرت المرأة فنزل جبريل ﵊ بقوله ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]، تقول عائشة لما نزلت هذه الآية: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات! مع أنها نجوى بين الرسول ﷺ وبين تلك المرأة إلا أن الله سمع ذلك؛ ولذا قالت عائشة للنبي ﵊: (يا رسول الله! ما من شيء صغير ولا كبير، غيب ولا شهادة إلا الله يعلمه؟ قال النبي ﷺ: نعم).\nفالله ﵎ مستو بذاته على عرشه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] بسمعه وعلمه وإحاطته وبصره ورعايته وغير ذلك من بقية صفات المولى ﵎ اللازمة لعلمه وسمعه وبصره وإحاطته بالخلق.\nقال مقاتل في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، قال: هو على العرش ولن يخلو شيء من علمه.\nقوله: (هو على العرش) أي: بذاته، وكلمة (بذاته) لم يتعرض السلف لها ولم يذكروها؛ لأنها معلومة لديهم، فلم يذكروها إلا بعد أن تكلم الخلف المبتدعون في الذات الإلهية، وقالوا: إن الله تعالى مع كل خلقه بذاته.\nيعني: لو أنا دخلت الحمام، أو دخلت الحوش، أو دخلت الأماكن النجسة فإن ذات الله ﵎ موجودة معي في هذه الأماكن القذرة والنجسة؟! تنزه الله عن ذلك! فالصحيح: أنني لو صنعت في الحمام صنيعًا أحاسب عليه، فإن الله يعلمه ويراه ويسمعه.\nإذًا: الله تعالى مع خلقه بعلمه وسمعه، أما ذاته العلية فإن الله ﵎ قد استوى على عرشه، وقد تحرج السلف من كلمة الذات؛ لأنها لم تكن على لسان النبي ﵊ ولا على لسان أصحابه، فلم يذكروها، والسلف كانوا يتحرجون أشد الحرج من الحق ما لم يتكلم به من قبلهم.\nوكلمة الذات حق، ولكن لكونها لم ترد عن السلف؛ فإنهم تورعوا عن ذكرها، مثال ذلك: في قصة خلق القرآن، فإن السلف يقولون: القرآن كلام الله، ولم يقولوا يومًا: مخلوق ولا غير مخلوق؛ لاعتقادهم أنه غير مخلوق، لكن لا يلزم بهذا المعتقد التصريح به، ولما وقع المعتزلة فيما وقعوا وقالوا: هو مخلوق؛ اضطر أحمد بن حنبل ومن معه أن يقولوا: هو غير مخلوق، فكلمة (غير مخلوق) هذه تحرج بعض السلف من ذكرها ونطقها وإطلاقها؛ لأنها لم تأت على لسان الصحابة والتابعين.\nلكن في مقابلة أهل البدع وذكرهم لهذا صراحة صرح السلف رضي الله تعالى عنهم بأقوال يكرهونها، لا لأنها الحق، وإنما لأنها لم ترد على لسان السلف، فكذلك لم نجد واحدًا من الصحابة يقول: استوى الرحمن على العرش بذاته، وإنما هو علم من نفسه وآمن وصدق بأن الرحمن استوى على العرش، أما كلمة (بغير ذاته) فلم يخض فيها السلف، وإنما خاض فيها الخلف، إذ قالوا: الله معنا في كل مكان بذاته، فالسلف اضطروا إلى التصريح، قالوا: أنتم تقولون: الله معنا بذاته، ولو كان الصحابة يقولون ذلك والنبي ﵊ يقوله؛ فهذا أمر آخر، أما أن تقولوا شيئًا لم يقله الصحابة: إنه معنا بذاته، فالله تعالى عن ذلك، ونحن سنتعرض للذات، ونقول: إن الذات العلية في السماء على العرش، وأما المعية لله ﷿ فإنها معية علم وسمع.\nولذلك قال: هو على العرش، ولن يخلو شيء من علمه، ولم يقل: من ذاته، يعني: هو على العرش بذاته، وليس شيء يخلو من علمه، يعني: هو معنا بعلمه، وأما ذاته العلية فهي فوق العرش.","vol":"19","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>قول سليمان التيمي في علو الله وفوقيته</span>\nوقال سليمان التيمي -وهو من أئمة السلف-: لو سئلت: أين الله ﵎؟ لقلت: في السماء.\nمن هذا القول نعلم أن السلف لم يدخلوا في هذه التعقيدات التي دخل فيها الخلف، إنك عندما تقرأ مثلًا: كتاب مقالات الإسلاميين لـ أبي الحسن الأشعري، أو كتابًا من كتب الخلف عمومًا -وأبو الحسن سلفي؛ لأنه قد ثبتت سلفيته- لوجدت أمرًا صعبًا شديدًا جدًا على العقل وتخشى أن تقبله، فهناك كلام في المقالات مثل الطلاسم، تقول: هذا الكتاب أشبه بالسحر؛ لأن العقيدة أخفى وأدق من ذلك، وهناك كثير من طلبة العلم يقولون: أشق الدروس على نفوسنا وعقولنا دروس العقيدة؛ لدخول المحاضر في تلك التعقيدات الخلفية التي أتى بها الخلف، وأنها أشبه بالكلام الذي لا معنى له، وكأنها سفسطة وخوض في الباطل.\nقال التيمي: لو سئلت: أين الله ﵎؟ لقلت: في السماء، فإن قال -أي: السائل-: فأين عرشه قبل أن يخلق في السماء؟ قلت: على الماء، فإن قال لي: أين كان عرشه قبل أن يخلق الماء؟ قلت: لا أدري.\nوأنا لست مطالبًا أن أستمر معك في هذه الأسئلة، لا بد أن تؤمن كإيماني، وأنا لست مكلفًا بذلك، أعطني نصًا من كتاب الله وسنة رسوله ﵊ يقول بوجوب التسلسل مع هذا السائل.\nلا يوجد؛ لذلك قال: لا أدري، وهذا كلام جميل، واعتقاد سليم، وهو من أئمة السلف، ومع هذا يقول في أمر من أمور الاعتقاد: لا أدري؛ لأنه غير مكلف بذلك.","vol":"19","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>أقوال سفيان الثوري وعبد الله بن نافع وأحمد بن حنبل في علو الله وفوقيته</span>\nوقال سفيان الثوري في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، قال: علمه، أي: علمه معكم أينما كنتم.\nوعبد الله بن نافع يقول: ملك الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.\nوقال يوسف بن موسى البغدادي: قيل لـ أبي عبد الله أحمد بن حنبل: الله ﷿ فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه في كل مكان؟ قال أحمد: نعم، على العرش، وعلمه لا يخلو منه مكان.\nوفي رواية حنبل أن أحمد سئل عن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧].\nانظر! يحتجون بظاهر القرآن الذي هو في ظاهره تعارض، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فيقولون: هذا فوق وهذا تحت، أليس فيه تعارض؟ فأجاب أحمد بأن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، يعني: بعلمه، أما ذاته العلية فهي فوق.\nقال: علمه، عالم بالغيب والشهادة، علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد.\nأليس العرش مخلوقًا، والكرسي وسع السماوات والأرض، وهو أكبر من العرش، لكنه على أية حال في النهاية هو كالسقف الذي أظل الخلق أجمعين، وله حد.\nوالله ﵎ باعتباره على العرش له صفة يعلمها هو سبحانه، لكن لا يعلمها أحد من خلقه، لكن ليس له حد سبحانه، إذا كان الذي يتكلم في حد الله ﷿ يريد أن لله ذاتًا فإننا نؤمن أن الله ﵎ ذات متصف بالصفات ونوافقه على ذلك، أما إذا كان يريد أن الله تعالى محدود يمينًا ويسارًا، وفي الأمام والخلف، وطولًا وعرضًا؛ فإننا نقول: هذا كفر بواح.\nقال: وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السماوات والأرض بعلمه.","vol":"19","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>قول محمد بن جعفر في استواء الله على عرشه</span>\nوسئل محمد بن جعفر عن قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قال: من زعم أن الله استوى على العرش استواء مخلوق على مخلوق فقد كفر، ومن اعتقد أن الله استوى على العرش استواء خالق على مخلوق فهو مؤمن.\nوهو بهذا يريد أن يقول: إن استواء الخلق غير استواء المخلوق، فإذا اعتقدت أن الله استوى استواء يليق به؛ فأنت مؤمن، وإذا اعتقدت أن الله يستوي كاستوائك أنت؛ فأنت كافر، والذي ينبغي في هذا أن يقال: إن الله استوى على العرش من غير تكييف، يعني: عندما يقال: كيف استواؤه؟ أقول: لا أعلم، هذا علمه لله ﷿.","vol":"19","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>الجمع بين قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) وبين أن الله مستو على العرش</span>\nهنا سؤال مهم، والجواب عليه إما أن يكون بالنقل والسمع، وإما أن يكون بالعقل: معية الله ﵎ لخلقه في الوقت الذي نثبت فيه العلو والارتفاع هل بينهما تناقض؟ كيف تجمع بين أن الله على العرش وهو كما في الآية: ﴿مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]؟ فإنك إن لم يكن عندك علم تقف، وبعد هذا التوقف تشك، والشك في ذات الله ﵎ وفي صفاته كفر، فهل بين العلو والمعية تناقض؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس بينهما تناقض لأول وهلة، حتى لو لم تكن تعرف الجواب، فلعلمك أن هذا ورد في الكتاب تحكم بعدم التناقض؛ لأنه ﴿لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فهذا كلام الله ﷿ الذي لا يخطئ قط، ولا يجوز عليه الخطأ، بل هو مستحيل في حقه ﵎، فما دام هذا كلامه فلا بد من الجمع والتأويل بما يتناسب مع كمال الله وجلاله، أما من قال بالتعارض والتناقص في حق الله ﷿ فهو كافر.","vol":"19","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>ما ورد في القرآن ليس فيه تناقض</span>\nالوجه الأول من أوجه\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن الله جمع بينهما حين وصف به نفسه، ولو كانا يتناقضان ما صح أن يصف الله تعالى به نفسه، يعني: يكفي أنهما في القرآن قد وردا، فلا يوجد بينهما تناقض؛ لأن الله ﷿ قال هذا، وهذا إيمان مطلق، ما دام ربنا قال هذا، وما دام النبي ﷺ قال هذا فالكلام صحيح، كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقوله ﵊: (يد الله على الجماعة)، وفي رواية: (يد الله مع الجماعة)، معنى هذا الكلام: أنه عندما أجتمع معك على البر والتقوى فربنا معنا ومؤيدنا وناصرنا ومعيننا، لكن (يد الله على الجماعة) أو (مع الجماعة) عجزت بعض العقول أن تفهم هذا المعنى، فقالوا: لا، اليد هنا ليس المقصود بها اليد الحقيقية لله ﷿، إنما المقصود بها: النصرة والتأييد والإعانة والتثبيت، كيف ذلك والله تعالى قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]؟ فلو كانت اليد بمعنى القوة فهذا صرف للصفة عن مدلولها الحقيقي، وكأنك تقول: إنه ليس لله يد، ولو كانت اليد بمعنى القدرة فأنت تنفي أن تكون لله يد؛ لأنك أولت، بل حرفت النص عن ظاهره بما ينتج عنه تعطيل المولى ﷿ عن إحدى صفاته وهي صفة اليد.\nفالقول الصحيح في تفسير قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]: فوقية يد الله فوق أيدي الجماعة المؤمنة لا يعلم كيفيتها إلا الله، وهذه قاعدة أخذناها في الدرس الماضي: أن الكلام في صفة واحدة كالكلام في بقية الصفات، والكلام في الصفات كالكلام في الذات.","vol":"19","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>عدم وجود تعارض بين العلو والمعية</span>\nكذلك عندما تمشي في الصحراء ليلًا فإنك تجد القمر معك وهو في السماء معك، فتقول: أنا كنت ماشيًا في الصحراء والقمر يمشي معي، لكن المعية هذه تشير إلى أن القمر كان ماشيًا بجانبك، فهل كان القمر يمشي بجانبك؟ كذلك لو قال شخص: كنت أمشي في صحراء مكة والشمس تسير معي، فهل سارت الشمس معه؟ والشمس كانت معه بالفعل، فالشمس معي بضوئها، والقمر كذلك معي بضوئه ونوره، فالقمر في السماء بينك وبينه ملايين الأميال، ومع هذا أنت جوزت لنفسك أن تقول: القمر معي، والشمس معي، والنجوم معي، وغير ذلك من المخلوقات.\nكذلك السماء فوق الأرض، فعندما أقول: السماء فوق الأرض، هل يلزم من ذلك أن السماء ملاصقة للأرض مماسة لها؟ فكلمة (فوق) عند الإطلاق ولأول وهلة تعني المماسة والالتصاق، فقولي: السماء فوق الأرض، يعني: أن السماء قد التصقت وماست الأرض، وهذا الكلام في الواقع غير صحيح؛ لأن بين السماء الدنيا وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، هذه السماء الدنيا تبعد عن الأرض بنحو خمسمائة عام للراكب المسرع، بل قال بعضهم: بسرعة الضوء، وسمك السماء الواحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام حتى السماء السابعة.\nخمسمائة عام في (١٣) أو في (١٤)، وفوق السماء السابعة بحر، وهو الماء المعبر عنه بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] فالماء ليس هو الساحل الأحمر أو الأبيض، بل الماء الذي فوق السماء السابعة، عمقه مسيرة خمسمائة عام، وفوق هذا الماء العرش، وفوق العرش الكرسي، والله تعالى استوى على العرش، انظر إلى علو الله ﵎ على هذه المخلوقات جميعًا بهذه الأبعاد الفلكية الخطيرة التي لا يمكن إحصاؤها، ثم بعد ذلك هو مع خلقه بعلمه وسمعه يرى مكانهم ويسمع كلامهم، ويجازيهم على الإحسان إحسانًا، ويقدر لهم خيرًا أو شرًا على ما صنعوه من شر؛ إما أن يؤاخذ به، وإما أن يعفو عنه.\nإذًا: الوجه الثاني في الجمع بين معية الله ﵎ وفوقيته: أنه ليس بين العلو والمعية تعارض، إذ من الممكن أن يكون الشيء عاليًا وهو معك، مثلما ذكرنا في القمر والشمس وغيرها.\nأرأيت لو أن إنسانًا على جبل عال وقال للجنود: اذهبوا إلى مكان بعيد في المعركة وأنا معكم، فمعيته هنا ليست ببدنه، ولكنهم أرادوا أن يثبتوا ذلك من باب المجاز، فقد يقول أمير الجيش للجيش: اذهبوا قاتلوا العدو الفلاني وأنا معكم، ووضع نفسه أو التف على قمة الجبل، ووضع المنظار على عينيه، وهو يرى الجيش رغم المسافات البعيدة بينه وبين الجيش إلا أنه يرى أحوال الجيش، وفي الحقيقة هو ليس معهم إلا بمجرد المنظار، فإذا كان هذا القائد يقول لجنوده: أنا معكم رغم هذا البعد وهو مخلوق، فما بالكم بالخالق ﵎؟","vol":"19","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>تعذر اجتماع العلو والمعية في حق المخلوق لا يعني تعذر اجتماعهما في حق الخالق</span>\nالوجه الثالث: أنه لو تعذر اجتماعهما في حق المخلوق لم يكن متعذرًا في حق الخالق؛ للكلام الذي قلناه في الدرس الماضي: أن نظام الأقيسة والجاذبية الأرضية التي يتعامل بها الناس في حياتهم لا يمكن أن تنطبق على الله، ولا أن يخضع لها المولى ﷿؛ لأنها مقاييس ضعيفة وهزيلة تتناسب مع ضعفنا.\nأما المولى ﵎ القوي الواحد المتفرد الصمد الذي تلجأ إليه جميع المخلوقات، ولا يلجأ هو لأحد، هو الغني عن الخلق، والخلق كلهم فقراء، غنيهم وفقيرهم فقير إلى الله ﵎، فإذا كان اجتماع المعية والعلو والارتفاع في حق المخلوقين مستحيل، أو غير ممكن، فإنه ممكن في حق المولى ﵎؛ لأن البشر تحكمهم المقاييس، هذه المقاييس والمعايير لا يمكن أن تحكم على الصفات الإلهية؛ لأن الله أعظم وأجل، ولا يمكن أن تقاس صفات الخالق بصفات المخلوقين في ضوء التباين بين الخالق والخلق.\nوالرسول ﵊ كان يقول في السفر: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل)، يعني: أنت معي في سفري، وأنت معي في أهلي، وأنت خليفتي في أهلي، يعني: أنا يا رب! قد استخلفتك على أهلي أن تحفظهم وترعاهم، وهذا الفهم الذي في عقولنا إنما يتناسب مع المخلوق.\nلو قلت لك: يا أخي! ستسافر معي؟ فتقول أنت: أنا موافق، فأقول لك: بشرط أن تخلفني في أهلي؛ فإنك ستقول: أنت مخطئ هل سأقسم نفسي نصفين؟ فإما أن آتي معك وإما أن أخلفك في أهلك، اختر واحدة من اثنتين؛ لأن قدرتي لا تتسع للأمرين، لكن قدرة المولى ﵎ فوق ذلك بكثير، فهو القدير وهو القادر ﵎، فإنه يصحب كل من يسافر، والأمة كلهم مسافرون وحاضرون، والله ﵎ معهم جميعًا في الحضر والسفر.\nقال ﵊: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) فجمع بين كونه صاحبًا له في السفر، وخليفة له أيضًا في أهله.\nوفي الحديث القدسي العظيم في سورة الفاتحة: (إذا قال العبد أو المصلي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الرب: حمدني عبدي)، فكم من الناس يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]؟ ملايين، مع أن لكل واحد من الله ﷿ جوابًا على حده؛ لأن الله ﵎ ساق في هذا الحديث الجواب بصيغة الفرد: (إذا قال عبدي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله ﵎: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مجدني عبدي)، والثاني يقول: الحمد لله، وفي نفس الوقت تلقى آخر في مكان آخر بل في نفس المسجد يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٤ - ٦]، ولكل واحد منهم جواب.\nفالله ﵎ يجيبه، فلو قلت لك: أنا وأدهم مثلًا سنقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، على نَفَس واحد، وسنقرأ الفاتحة كلها، وأنت تقول: حمد أدهم وحمد حسن، ومجد أدهم ومجد حسن، فهذا ليس في قدرتك، لكن المولى ﵎ عليم بما يقول العباد حتى وإن أسروا في أنفسهم، بل هو أسهل من السهولة عليه ﵎ أن يرد على كل واحد وإن تعددت أقاويل المتكلمين، ويجيب كل واحد بما يتناسب مع سؤاله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة:٢]، حمدني عبدي، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٣ - ٤]، والمولى ﵎ يجيب على جميع الخلائق؛ لأن هذا في قدرته، وإذا كان هذا في مقدور الخالق ﵎؛ فلا بد أن تقر أن المقاييس التي تحكمني أنا ليست هي المقاييس التي تحكم كلام الباري ﵎.\nفلما أقول: إن الله ﵎ في السماء وهو معنا، لا بد أن تؤمن بذلك؛ لأنه في مقدوره ﵎ أن يكون معنا، فعندما أسألك عن أخيك مثلًا تقول: هذا يا أخي! مسافر في المنصورة، لي (١٠) سنوات منه ولا أعرف عنه شيئًا، لكن الله ﵎ يعلم عنه كل شيء، ويعلم عنك وأنت هنا كل شيء، ويعلم جميع الخلائق على بعد أوطانهم، وعلى اختلاف ألوانهم وألسنتهم وقلوبهم، يعلم كل شيء، عالم الغيب والشهادة لا يعزب عن علمه شيء يعلم كل ذرة وكل دقيقة؛ لأنه عليم وعلاَّم -صيغة مبالغة- أي: لا يخفى عليه شيء مهما حاول أحد من المخلوقين أن يخفى عن الناس؛ فإنه لا يخفى على الله ﷿؛ لأنه عالم الغيب وعالم الشهادة.\nوقد ثبت في السنة أن الصحابة ﵃ كانوا يدعون الله ﵎ بصوت عالٍ جدًا، فقال النبي ﵊: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا)، يعني: ادعوا بصوت هادي، فالله يعلم كل هذا ويشاهده؛ لأنه","vol":"19","page":20},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-367> صفة السمع لله ﷿</span>\nأهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وسط بين المجسمة والمعطلة، فهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له نبيه ﵊ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تبديل ولا تأويل، سواء في صفات الذات كالسمع والبصر، أو صفات الأفعال كالمجيء والاستواء، وغيرها.","vol":"20","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>سياق ما دل من الكتاب والسنة في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوبعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما دل من كتاب الله، وما روي عن النبي ﷺ في أن الله عالم بعلم].\nوهذا في باب الأسماء والصفات للمولى ﷿، وهو من أعظم الأبواب ومن أخطرها، فيجب أن يكون الكلام في هذا الباب في غاية الأهمية، خاصة وأن الذات الإلهية غيب عنا، فإذا كان الأمر كذلك، فهذا يستلزم أن صفاته كذلك غيبٌ عنا، فلا نستطيع أبدًا أن نجزم باسم لله ﷿، أو بصفة من صفاته إلا عن طريق السمع والخبر، فأنا أستطيع أن أصفك لأني أراك، والمولى ﵎ ليس كذلك؛ لأنه لا يراه أحد في الدنيا، ولو كان يراه أحد لرآه موسى ﵇ حينما طلب من ربه أن يراه، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣].\nفالله ﵎ لم يحقق هذه الرغبة لموسى ﵊، ولكنه قال: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولكن الجبل لم يستقر.\nفرؤية المولى ﵎ في الدنيا مستحيلة وغير ممكنة ألبتة، لا نقول إلا أن يشاء الله فلو شاء الله أي شيء كان، ولكن الله تعالى قضى ألا يراه أحد في الدنيا على خلاف الآخرة؛ فإن المؤمنين يرونه رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، بخلاف الكافرين فإن الله تعالى يحجب ذاته ونفسه عن الكافرين عقوبة لهم.\nالشاهد من هذا الكلام: إذا كان الله تعالى غيب عنا فلا نعرف أوصافه، ولا أسماءه، وفي المقابل نقول: إن الله تعالى أرسل رسوله، وأنزل معه الكتاب، وأخبرنا في هذا الكتاب أن له أسماء وصفات، فإذا كنا نؤمن بهذا الكتاب، فلابد وأن نؤمن بأن لله أسماء وصفات، والله ﵎ فرق بين الأسماء والصفات.\nفقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧] أثبت في هذه الآية اسمين: السميع والعليم، فلابد وأن نثبت أن لله هذين الاسمين.\nوقال الله تعالى لموسى وهارن: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].\nوالله ﵎ يسمع بسمع، ويبصر ببصر، ويعلم بعلم، ويقدر بقدرة، وهو رحيم برحمة، وقوي بقوة، فهذه الأسماء اشتقت منها الصفات مع أن الصفات ثابتة، فضلًا عن جواز اشتقاق الصفة من الاسم، إلا أن الله ﷿ أثبت بالنص أن له صفات بخلاف الأسماء ولكنها تتناسب مع الأسماء؛ لأنه هو السميع وهو يسمع، وهو البصير ويبصر، وهو العليم ويعلم.\nهذا الكلام أجمعت عليه الأمة إلا المعتزلة، وقليل من الجهمية، قالوا: إن الله تعالى يسمع بغير سمع، ويبصر بغير بصر، ويعلم بلا علم، ويرحم بلا رحمة؛ لأنه عليم بذاته، بصير بذاته، رحيم بذاته.\nأرادوا من ذلك إثبات الأسماء ونفي الصفات.\nولكن أهل السنة والجماعة اتخذوا قاعدة في أسماء الله تعالى وصفاته، هذه القاعدة لا يضل من تمسك بها، بل يضل من خالفها وجعلها وراء ظهره، وهي: (أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية).\nومعنى توقيفية: أي: ما أوقفه الشرع، فمثلًا: صلاة الظهر أربع ركعات فقط، بلا زيادة ولا نقصان، فالله تعالى قد شرع وأذن وفرض ألا يصلى الظهر متعمدًا أكثر من أربع ولا أنقص منها إلا في حال القصر وهو تشريع بنص.","vol":"20","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>بيان أن صفات الله وأسماءه توقيفية</span>\nإذًا: معنى أن أسماء الله وصفاته توقيفية هو أنني لا أثبت لله تعالى إلا ما أثبته لنفسه من غير زيادة ولا نقصان، فمثلًا: الله ﷿ هو المنعم حقًا على جميع العباد، ولا يوجد نص يثبت أن الله تعالى اسمه المنعم، فلا يجوز لي أبدًا أن أسمي الله تعالى المنعم، وإن كان الإنعام من صفات الكمال، وهي ثابتة من هذا الوجه لله ﷿، لأنه لا ينعم غيره، ولذلك قال الله تعالى في قصة زيد بن حارثة والنبي ﵊: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فالله تعالى هو المنعم والمتفضل والرزاق، ولكن القضية في إثبات الاسم من عدمه، هل يجوز لي أن أتبجح بذكر اسم لله تعالى لم يثبته تعالى لنفسه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nحتى وإن كان هذا الاسم جميلًا ومعناه حسنًا، فهذا شيء، وإثباته لله ﵎ شيء آخر.\nفمهما كان الاسم جميلًا إذا كان الله تعالى لم يثبته لنفسه في الكتاب، ولم يثبته له رسوله في السنة الصحيحة فلا يجوز لأحد أن يجتهد في إثبات ذلك لله ﷿.","vol":"20","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>بيان أن اسم (الستار) ليس من أسماء الله تعالى</span>\nالناس يعتقدون أن من أسماء الله تعالى (الستار)، وليس في كتاب ولا في سنة رسوله ﵊ هذا الاسم، فنسبة هذا الاسم لله ﷿ تقول وافتراء على الله بغير علم؛ لأن الله تعالى أعلم بذاته، وبما تستحقه ذاته العلية من الأسماء والصفات، فإذا كان الله تعالى لم يسم نفسه بهذا الاسم، فلا يجوز لأحد أن يسمي الله تعالى به.\nوالستر يحبه الله ﷿، ولم يسم نفسه به، وإنما وصف نفسه به، فقال النبي ﵊: (إن الله حيي ستير، يحب الحياء والستر).\nوقال ﵊ فيما رواه مسلم: (من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة).\nفستر الله ﵎ على عباده من صفاته سبحانه وليس من أسمائه، وإذا كان الله تعالى متصفًا بالستر، فلا يجوز أن يسمى الستار، وهذا خطأ واشتقاق على غير منهج السلف؛ لأن منهج السلف في قضية الأسماء والصفات هو التوقف عند النص، فهم لا يثبتون اسمًا زائدًا على النص ولا ناقصًا عنه، ولذلك قال النبي ﵊: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة).\nأي: من علمها وحفظها وعمل بمقتضاها دخل الجنة.\nوفي حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يقول: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك).\nفهذا الحديث يبين أن الله ﵎ له أسماء، منها: ما اختص الله ﷿ نفسه بعلمه ولم يطلع أحدًا عليه.\nوقوله: (أو علمته أحدًا من خلقك).\nأي: من الأنبياء، وهذا فيه رد على صناديد الصوفية الذين يدعون دائمًا أنهم يعلمون اسم الله الأعظم، وأن الله تعالى أوحى إليهم وأطلعهم على اسمه الأعظم، وهذا افتراء عظيم على الله ﷿؛ لأن الأنبياء أحق بذلك، ومع هذا لم يدع نبي من أنبياء الله ولا رسول من رسله أنه يعلم الاسم الأعظم.\nوقوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، أي: حجبته عن خلقك أجمعين أنبياء وغير أنبياء، فإذا كان الله ﵎ له أسماء قد حجبها عن الخلق أجمعين ومنهم الأنبياء فلا يجوز لعامة المسلمين والمؤمنين أن ينسبوا أسماء لله ﵎ لم يصرح المولى ﷿ بها في كتابه، ولا على لسان رسوله، ولا أطلع أحدًا من الخلق أجمعين بما فيهم الأنبياء والمرسلين على هذه الأسماء.\nوالله تعالى إذا أثبت لنفسه اسمًا وصفة فلا يجوز لأحد من الخلق إثبات الاسم ونفي الصفة، أو إثبات الصفة ونفي الاسم، وإنما نتوقف فيما أوقفنا الله تعالى عليه سواءً كان ذلك في باب الأسماء أو في باب الصفات، ولذلك عقد الإمام هذا الفصل والذي بعده لإثبات هذه القضية فقال: [سياق ما دل في كتاب الله، وما روي عن النبي ﷺ في أن الله عالم بعلم].\nفهذان اسم وصفة.","vol":"20","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>بيان أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق</span>\nقال: [وأن علمه غير مخلوق].\nليرد على القدرية الذين نفوا علم الله ﵎ الأزلي السابق؛ لأنهم قالوا: إن الله تعالى لم يكن عالمًا، ثم علم بعد ذلك، وبعد أن علم خلق الخلق.\nفقولهم: (إن الله لم يكن عالمًا فصار عالمًا).\nهذا نقص.\nوكذلك قولهم: (لم يكن سميعًا فصار سميعًا)، فالكلام في اسم واحد أو في صفة واحدة كالكلام في جميع الأسماء والصفات، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن الله عالم بغير علم، ولكنه سميع بسمع.\nوخلافه تخبط وخبل؛ لأن الكلام في الأسماء والصفات كلها شيء واحد في جهة الإثبات، أو في جهة النفي، فإذا كان في الكمال فهو كلام في الإثبات، وإذا كان في النقص فهو كلام في النقص، لأن الله تعالى متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص.\nإذًا: قوله: [إن الله عالم بعلم، وأن علمه غير مخلوق] فيه قضيتين: القضية الأولى: أن الله عالم بعلم.\nأي: إثبات الاسم والصفة في وقت واحد.\nوالثانية: أن علمه غير مخلوق.\nقال: [قال الله ﷿: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف:٧].\nوقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥].\nوقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥].\nوقال: ﴿بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦].\nوقال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤].\nوقال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١].\nوروى ذلك من الصحابة ابن عباس وبه قال من العلماء: الشافعي وأحمد، وإسحاق، وعبد العزيز بن يحيى الكناني، وأحمد بن سنان الواسطي].\nقال: [عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (سبق علم الله في خلقه فهم صائرون إليه)]، وإن كان الحديث ضعيفًا إلا أنه يشهد له عدة آثار في ذلك.\nومعنى ذلك: أن علم الله تعالى سابق عن الخلق، ولذلك جاء في صحيح مسلم وغيره أن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، فهل يصح في المعقول والمنصوص أن يصدر هذا من غير عالم؟ إن الواحد منا يتصف بالعلم وبالجهل، وأن علمنا حادث؛ لأن المرء يولد جاهلًا، ثم يتعلم شيئًا فشيئًا، وربما تقدم على الشيء وأنت تجهل ماهيته وحقيقته، وكيف يعمل وكيف ينتج وكيف يسير، ثم تتعلم بعد ذلك.\nكما لو أنك اشتريت سيارة أو مكينة أو شيئًا من الأشياء وأنت لا تستطيع أن تتعامل معه؛ لأنك جاهل بحقيقة هذا الشيء، ثم تأتي بمعلم ليعلمك على هذا الجهاز أو غيره، ثم بعد أن تتعلم تصير عالمًا بهذا الجهاز؟ لأن الله تعالى خلق فيك العلم بعد أن كنت جاهلًا.\nأما الله ﷿ فلا يوصف بأنه لم يكن عالمًا فصار عالمًا، فأما علمي فإنه على قدر بشريتي أعلم شيئًا وأجهل أشياء، وعلمي لهذا الشيء الذي أنا تعلمته وعلمته إنما هو علم حادث.\nومعنى أنه حادث: أنه مخلوق.\nوأما علم الله ﵎ فإنه علم شامل محيط بجميع الخلائق، فهو يعلم ﵎ ذاته ويعلم أسماءه، ويعلم صفاته كما أنه يعلم كل شيء من خلقه أجمعين.\nوأما أنت فعلمك على قدر ما تحتاج وربما أقل مما تحتاج، فلم يدع أحد من الخلق أنه أحاط بكل شيء علمًا، أو ادعى صفة من صفات الربوبية إلا أن يكون فرعون، والله تعالى قد كذبه وأهلكه، ولو كان إلهًا كيف يتسنى له أن يموت، مع أن الحياة والقيومية صفتان ذاتيتان لازمتان لله، ولذلك ورد في الأثر: أن امرأة طرقت الباب على فرعون فقال لها: من؟ فقالت وهي بالباب: بئس الإله الذي لا يعرف من في الباب.\nأي: أتزعم أنك إله ولا ترى من خلف الباب فكيف ترى الكون؟ ولا ينازع أحد في أن الله تعالى يرى كل كبيرة وصغيرة في الكون، فعلمه محيط، ولو تفكرت في علم الله لوجدت عجبًا.\nإن الله تعالى يعلم ما في جوفك وما في ظاهرك، وما في جوف الآخرين وظواهرهم، بل وما في جوف السماوات السبع والأرضين السبع وما في ظاهرها، وإن الله تعالى يعلم الموجود، وإن الله تعالى يعلم الغيب ويعلم الشهادة، فعلمه محيط بكل شيء، علم عام وشامل، أما علم المرء فإنه علم قاصر ضعيف حتى في أخص خصوصيات عملك واختصاصك فكثيرًا ما تقابل أشياء من صميم عملك فتقول: أنا ما تعلمت هذه القضية، وأنا أجهلها.\nإذًا: علم الله تعالى علم لا يقاس به علم، وكذلك سمع الله لا يقاس به سمع، لأنه يسمع كل شيء مهما دق وخفي، فأنت ربما تحدث نفسك بأشياء ومعك جارك أو صديقك أو صاحبك، وربما يقول لك صاحبك: فيم تفكر يا فلان؟ الذي يفكر فيه ذلك المرء يعلمه الله ﵎، ويعلم ما هو صائر إليه، ونتيجة هذا التفكير الذي لا يعلمه العبد إنما يعلمه الله؛ فإن الله ﵎ قبل أن يخلق السماوات والأرض وقبل أن يخلق هذا العبد علم أن عبده فلان","vol":"20","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>إثبات أن صفة العلم صفة ذات أزلية لله تعالى</span>\nقال: [عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قال الرجل عند المريض وكان في علم الله ألا يموت في مرضه ذلك: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات شفاه الله)].\nوالشاهد من هذا الحديث: إذا قال الرجل عند مريض في زيارة مرضه: (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك شفاه الله تعالى) إذا دعا بها سبع مرات، إذا كان في علم الله الأزلي السابق أن هذا المرض ليس هو مرض الموت، ولذلك كانوا يفرقون بين مطلق المرض ومرض الموت، فمطلق المرض يمرض ويشفى، بينما مرض الموت يموت بسببه، فإذا كان لم يسبق في علم الله ﷿ أن هذا الرجل في هذا المرض يشفى من مرضه فإنه يشفى بسبب هذا الدعاء.\nوهذا يعني أن الله تعالى علم في الأزل أن هذا العبد لم يمت، ولذلك فإن هذا النص يثبت أن الله ﵎ لا يزال عالمًا منذ الأزل، ولا ينتهي علمه أبدًا، لأن العلم صفة ذات للمولى ﵎.\nوصفة الفعل إذا شاء فعل وإذا شاء لم يفعل، مثل صفة الكلام إذا شاء الله تعالى تكلم، وإذا شاء ألا يتكلم لا يتكلم، بخلاف صفة الذات فإنها لازمة له لا يمكن أن تنفك عنه كصفة اليد مثلًا، فإن الله تعالى أثبت لنفسه اليدين فهو ﷾ متصف بهما أزلًا وأبدًا.\nومن قال: إذا شاء الله أن يحتفظ بيديه احتفظ بهما، وإذا شاء أن يستغني عنهما استغنى، فهذا سوء أدب مع الله ﷿، حتى وإن كان ذلك على سبيل المثال.\nفهنا نقول: إن صفة العلم صفة لازمة لله ﷿، ليست صفة فعل، لأننا لو قلنا إنها صفة فعل، لجاز لنا أن نقول: إذا شاء علم وإذا شاء جهل، والجهل منتف عنه تعالى، فلابد أن يثبت له العلم أولًا وآخرًا، فهنا نقول: الله ﵎ علم أزلًا أن هذا العبد سيموت في هذا المرض أو لا يموت، فإذا كان الله تعالى علم أنه لا يموت في هذا المرض شفاه بسبب هذا الدعاء، وإذا كان علم أزلًا أنه سيموت في هذا المرض، وأنه قدر عليه المرض وكتبه ويموت بسببه، فإن الناس أجمعين لو اجتمعوا على أن يدعوا لهذا المريض لا ينفعه ذلك، ولو أتوا بأصلح من في الأرض وأتقى من في الأرض لا ينفع ذلك الدعاء؛ لأن الله تعالى كتب أزلًا أنه سيموت بهذا المرض، حتى ولو جمع الله الأنبياء والمرسلين يدعون لعبد من عباده بالشفاء، ولكن الله كتب له ألا يشفى من هذا المرض بل يموت فيه لا تقبل دعوات الأنبياء والمرسلين، ولكنه من باب الدعوات وطلب الخير فقط، ولا يلزم أن يشفى منه بسبب دعاء المرسلين، فكم دعا النبي ﵊ لأصحابه في مرض موتهم، ولكن الله تعالى كتب أزلًا أنهم سيموتون في هذا المرض، فكتب لهم الأجر بسبب دعاء النبي ﵊، ولم يملك لهم السلامة والشفاء من هذا المرض.","vol":"20","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>الرد على ما يروى عن ابن عباس في معنى الكرسي وتأويله بالعلم</span>\nقال: [عن ابن عباس قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] قال: علمه].\nفي الحقيقة: هذا نص لم يثبت عن ابن عباس، والحمد لله أنه لم يثبت، ولو ثبت على مذهب من حسن هذا الأثر فليس فيه حجة؛ لأن الكرسي لا يجوز صرفه عن ظاهره.\nفلا يجوز أن أقول: الكرسي بمعنى العلم.\nأي: وسع علمه السماوات والأرض؛ لأن سعة علم الله ﷿ في السماوات والأرض قد ذكرت في آيات ونصوص آخر، والكرسي قد وردت فيه أحاديث تثبت أن لله ﵎ كرسي، فالنبي ﵊ يقول: (إن الله خلق الأرضين، وخلق السماوات وجعل بين السماء الدنيا وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وفوق كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وفوق السماوات البحر، وفوق البحر الكرسي، وفوق الكرسي العرش، والله تعالى فوق العرش).\nوقال ﵊ لما سئل عن الكرسي، قال: (هو موضع القدمين لله ﷿).\nفهل يتصور أن علم الله تعالى هو موضع قدميه؟ هذا كلام لا معنى، فكيف يفسر الكرسي بأنه العلم، وهل دعت الضرورة إلى صرف هذا النص وهذا اللفظ عن ظاهره؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nوأهل السنة متفقون على أن ما يخص المولى ﵎ من أسماء وصفات خاصة في أمور الغيب لا يجوز صرفها عن ظاهرها أبدًا وإلا وقع الصارف في التعطيل، أي: تعطيل المولى ﷿ عن صفاته.","vol":"20","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>حكم القول: (بأن علم الله مخلوق)</span>\nقال: [أخبرنا عبد الله بن أحمد بن علي المقرئ، قال: سمعت أبا بكر عبد الله بن محمد بن زيد النيسابوري يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: قال حفص الفرد: علم الله مخلوق.\nقال الشافعي: كفرت بالله العظيم].\nهذا القول إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان؛ لأن كل مخلوق حادث جديد، وعلم الله ﵎ أزلي أولي، فهل يتصور أن الله تعالى لم يكن عالمًا فصار عالمًا حتى نقول إن علم الله مخلوق؟! فضلًا عن أن كل مخلوق يفنى، وما من شيء إلا وهو حادث يطرأ عليه البلى والفناء، فهل الله ﵎ لم يكن عالمًا فصار عالمًا، ولزامًا أن نقول: إن علمه حادث ومخلوق، وكل مخلوق فان، فهل كان الله تعالى جاهلًا ثم صار عالمًا، ثم يئول بعد ذلك إلى الجهل؛ لأنه إذا كان علمه حادثًا فلابد وأن يفنى، فهذا كلام هو للكفر أقرب منه إلى الإيمان.\nولذلك كفَّر أهل العلم من قال بهذا القول: [قال الشافعي: كفرت بالله العظيم].\nأي: كونك تقول: إن علم الله حادث.\nوهؤلاء المبتدعة يتكلمون من طرف خفي ومع خاصتهم في صفة واحدة لا في كل الصفات، ثم يصير من سمع هذا الكلام فرحًا ببيان بدعة ذلك المبتدع في علم الله، وليس في علم الله فحسب، وإنما في جميع الصفات، لأن أهل السنة يعتقدون أن الكلام في صفة واحدة كالكلام في جميع الصفات إما إثباتًا أو نفيًا، فمن قال: إن علم الله حادث أو مخلوق، يلزمه أن يقول: إن سمع الله تعالى كذلك، وحلم الله تعالى كذلك، وقدرة الله تعالى كذلك، وأنه لم يكن قادرًا فصار قادرًا، ولم يكن سميعًا فصار سميعًا، ولم يكن مبصرًا فصار بصيرًا بعد ذلك، وكذا في بقية الصفات.\nولماذا تقول بالذات: (علم الله تعالى حادث)، مع أن العلم صفة، والسمع صفة والرحمة صفة، والقوة صفة، والإرادة صفة والمشيئة صفة، فلم تقول هذا في صفة وتترك في بقية الصفات؟ لابد أنه سيعجز عن جواب هذا السؤال.\nولذلك لما أتى يحيى بن يعمر البصري إلى مكة ومعه حميد بن عبد الرحمن البصري قال له: لعل الله تعالى يقيض لنا أحدًا من أصحاب النبي ﵊ قال: فأتينا الكعبة فوجدنا أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر يطوف بها.\nقال: فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي أسأله أنا فقلت: أبا عبد الرحمن! قد ظهر قبلنا أناس يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف.\nوالشاهد في قوله: (وأن الأمر أنف).\nيعني: مستحدث.\nأي: أن الله لا يعلمه أزلًا، وما علمه إلا بعد أن وقع بالفعل.\nيعني: أن الله ﵎ - على مذهب الجعد وتلميذه الجهم بن صفوان - لا يعلم قبل صلاة العشاء أنه هناك درس، وما علم أن هناك درس في مسجد الهدى إلا بعد يوم السبت حقيقة.\nفهل يتصور في جنب الله ﷿ أنه لم يكن عالمًا به إلا بعد أن وقع فعلمه؟ وهذا يعني أن صفات المولى ﷿ خلقت له ﷾، وهذا كلام هو إلى الكفر أقرب، ولذلك كفر عبد الله بن عمر هؤلاء وتبرأ منهم.\nوفي رواية أنه قال: أو قد قالوها؟ كأن الصحابة ﵃ كانوا يتوقعون أن يظهر هذا، ولذلك ورد في صفاتهم أنهم يتنطعون ويتعمقون، وهذا شأن كل متنطع في دين الله ﷿ أن يبوء بالفشل، وقد صح عن النبي ﷺ فيما رواه البخاري أنه قال: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا).\nفما من إنسان تشدد في دين الله ﷿ في كل مسائله وقضاياه أكثر مما ورد فيه النص إلا انقطع، إما غالى مغالاة شديدة جدًا فكان حربًا على الإسلام والمسلمين، وإما سقط وترك كل شيء، وخير الأمور أوسطها، وهذه الوسطية وهذا العدل هو الذي كان النبي ﵊ يحيا به وعليه، وكذلك أصحابه الكرام وأهل العلم الذين يقتدى بهم في دين الله ﷿.\nقال ﵊: (إن دين الله يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه).\nيعني: لن يغالب الدين أحد إلا غلبه الدين.\nلو أن رجلًا قام الليل كله يصلي لغلبه النوم فنام قبل صلاة الفجر ولم يصل الفجر إلا بعد طلوع الشمس، وإن شئت فقل إلا بعد أذان الظهر؛ لأنه قام الليل كله، وانقطع لذلك عن أداء الفرض، والنبي ﵊ يحذر أن يكون الرجل منا كالمنبت الذي لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.\nوالمنبت: هو المسرع الذي يجري جريًا سريعًا متلاحقًا، فلو أن رجلًا أراد سفرًا إلى بلد ما، فركب دابة وظل يضربها على ظهرها، ويأنف أن تمكث وأن تستريح في أثناء الطريق، فإنها ستكل وتعجز عن السير مهما ضربها، فلا هو أبقى الدابة وحافظ عليها، ولا هو وصل إلى البلد التي يريد الوصول إليها، لأنه مسرع على غير العادة متنطع متشدد.\nأما الاستمساك بكتاب الله ﵎ وسنة النبي ﵊ على منهاج العدل والوسطية الذي كان علي","vol":"20","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>الإيمان بمدلول الأسماء والصفات</span>\nقال: [وعن إسحاق بن راهويه: إن الله سميع بسمع، بصير ببصر، قادر بقدرة].\nوالمعتزلة قالوا: إن الله سميع بغير سمع، بصير بغير بصر، قادر بغير قدرة، ومعنى ذلك: أن الله تعالى ذات متصفة بأسماء لا مدلول لها في الواقع.\nمن الممكن أن يكون الإنسان قويًا ويصرعه أحد الناس، أو كريمًا وفيه ما فيه من البخل والشح أو لطيفًا وعنده من الغلظة ما فيه، فلا يلزم من صفات المخلوقين أن يكون لها وجود في الواقع، بل من الممكن أن يتصف المرء بصفة وبضدها، وليس لصفات المولى ﵎ ضد، وإنما ضدها في المخلوقين لا في الخالق، فالله ﵎ اتصف بالحلم فحلمه وسع كل شيء، وهو حليم إلى أقصى درجات الحلم وأكمل درجات الحلم، بحيث لا حلم بعد ذلك، ولا أحد يتصف بهذه الصفات فيداني أو يقارب المولى ﵎، لأنه متفرد في صفاته، فلا أحد في الخلق يبلغ مبلغ الحلم لله ﷿، ولا يدانيه ولا يقترب منه، لأن حلمه عام وحلم المخلوق خاص.\nفكذلك لو قلت: إن الله سميع بغير سمع يلزمني أن أقول: ربما يتصف بالسمع وغيره.\nأنا ممكن أن أسمى سميع وأنا أصم، وأنا في الحقيقة لا أسمع شيئًا لأنني أصم، فلا يلزم من كون اسمي سميعًا أن أكون سميعًا حقًا.\nفهذه المسألة مهمة جدًا: إذا قلت: إن الله سميع بغير سمع، وبصير بغير بصر، وعليم بغير علم، يلزمك أن تقول: أنه لا يسمع أصلًا، ولا يبصر أصلًا، ولا يعلم أصلًا، أو أحيانًا يعلم وهو لا يعلم، ويبصر وأحيانًا لا يبصر، وأحيانًا يكون قادرًا وأحيانًا يكون عاجزًا.\nبالنسبة للمخلوق لا يلزم من ذكر اسم قادر أن يكون في كل شيء قادرًا، فلا يلزم من كان من المخلوقين اسمه قوي أن يكون قويًا، أو من كان اسمه قادر أن يكون قادرًا على كل شيء، إنما يلزم لله ﷿ أن يكون صاحب القدرة، والقوة المطلقتين، فهو سميع بسمع، وبصير ببصر، وغير ذلك من الأسماء والصفات.","vol":"20","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله بأن الله سميع بسمع قادر بقدرة</span>\nقال: [سياق ما دل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ بأن الله سميع بسمع، بصير ببصر، قادر بقدرة، قال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٤]].\nفأثبت لنفسه السمع والعلم.\n[قال ﵎: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]].\nوهذا قول إبراهيم لأبيه، وهذه الآية بمفهوم المخالفة تثبت أن الإله يسمع ويبصر وهو الغني ولا يغني عنك شيئًا؛ لأنه الغني ﵎.\n[وقال في قصة موسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وقال ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، وروي عن عمر أنه كلمته هذه المرأة.\nفقيل لها: أكثرت على أمير المؤمنين.\nفقال: دعها أما تعرفها؟ هي التي سمع الله منها] أي: فأولى بنا أن نسمع.\nفـ عمر ﵁ أثبت لله صفة السمع، فقال: دعها أما تعرفها هي التي سمع الله جدالها.\nوهذا نص من عمر بن الخطاب وفيه انقطاع، ولكن يشهد له أصل القصة أنها في كتاب الله ﷿.\n[وقالت عائشة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات].\nيعني: سمع الله ﵎ أحاط بجميع الأصوات، لا أقول: يسمع أصوات الآدميين فحسب، بل وأصوات جميع المخلوقات آدميين وغير آدميين من شجر وبشر وحجر وخيل وريح وجميع المخلوقات.\n[وقال النبي ﷺ حين سمع أصحابه يرفعون أصواتهم بالدعاء، فقال: (أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا)].\nوكان هذا في غزوة من الغزوات، كانوا كلما نزلوا منزلًا أو صعدوا جبلًا رفعوا أصواتهم بالدعاء، فأتاهم النبي ﵊ فقال: (أربعوا).\nيعني: تلطفوا وأرفقوا بأنفسكم، (إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنما تدعون سميعًا بصيرًا).\nفنفى عنه صفة النقص، وأثبت له صفة الكمال، فالله ﵎ لا يتصف بالصفات التي تليق بالمخلوقين كالصمم وغيرها، فأثبت له الكمال في السمع والبصر، ونفى عنه صفة الأصم والغائب؛ لأن الله تعالى لا يغيب عنه شيء، لأنه حي قيوم.\n[وأشار النبي ﵊ في حديث أبي هريرة لما قرأ (سميعًا بصيرًا) فوضع أصبعه السبابة التي يدعو بها وإبهامه على عينه وأذنه -يعني بذلك- أن الله تعالى يسمع بسمع، بصير ببصر].\nلكن لا يلزم من هذه الإشارة أن الله تعالى له عين كعيني وأذن كأذني، خاصة وأن الذي فعل ذلك هو النبي ﵊، وقد حذرنا من أن نمثل صفات المخلوق بصفات الخالق، ولكن النبي ﵊ أراد أن يبين لنا أن المولى ﵎ يتصف بصفات هي صفات لنا من جهة الاسم فقط، فما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق.\nفالقدر المشترك بين سمع الله وسمع المخلوق هو في الاسم فقط ومن ذلك أن الدنيا فيها تفاح والجنة فيها تفاح، والدنيا فيها عسل ولبن وخمر والجنة فيها عسل ولبن وخمر، فهل خمر الجنة وعسلها وتفاحها كخمر الدنيا وعسلها وتفاحها؟ شتان ما بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.\nإذا كان هذا الاختلاف في المخلوقات التي خلقها الله سواء في الدنيا أو في الآخرة، فإنهما يختلفان تمامًا من جهة المذاق والحلاوة، فكذلك صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوق.\nقال: [عن أبي موسى ﵁: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) -يعني: أقرب شيء إلى شعر رقبة بعيره- قال أبو موسى: (فقلت في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله.\nثم قال: يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله)]، فالله تعالى معنا بسمعه وعلمه وبصره، أما ذاته العلية ﵎ فهو فوق العرش.\nقال: [عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ﷿، يشرك به ويجعل له ولد، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم) أخرجه مسلم من حديث جرير، والبخاري من حديث الأعمش].\nفأي حلم وأي صبر للمولى ﷿! والشاهد من هذا الحديث: إثبات السمع لله ﷿، فهو الذي يخلق الخلق ويعافيهم ويرزقهم الصحة والرزق والمال والطعام والشراب وغير ذلك، ثم بعض هؤلاء الخلق يطوفون حول قبر البدوي، أو الحسين، ويدعونهم من دون الله ﷿، وهذا من أعظم الظلم لله ﷿، وهو أن تجعل لله ندًا وهو خلقك.\nقال: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إنه سميع بصير، فوضع أصبعه السبابة وإبهامه على عينه وأذنه) أخرجه أبو داود، وهو إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه]","vol":"20","page":10},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-377> صفة الوجه والعين لله ﷿</span>\nصفة الوجه ثابتة لله ﷿ بأدلة الكتاب والسنة، وقد تضافرت أقوال علماء السنة على إثباتها لله ﷿، كما أثبتها سبحانه لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ، وهذا كعادتهم في إثبات سائر الصفات الله ﷿، بدون تأويل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل، وقد خالف أهل البدع في ذلك فأولوا هذه الصفة، كما أولوا غيرها من الصفات، ظانين منهم أنهم ينزهون الله ﷿ بزعمهم عن الأبعاض والأجزاء ومشابهة المخلوقين، وهذا انحراف وضلال مبين.","vol":"21","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله على أن من صفات الله الوجه</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوبعد: فإن الوجه ثابت لله ﷿ في كتابه الكريم، وفي سنة نبيه العظيم ﵊، وأجمع على ذلك سلفنا رضي الله ﵎ عنهم، وخالف في ذلك المتأخرون، أو خالف في ذلك الخلف جميعًا.\nوصفة الوجه لله ﷿ صفة ذاتية خبرية، وليست صفة فعلية، بل هي صفة ذاتية، بمعنى أنها لازمة لذاته منذ الأزل وإلى الأبد، فهي لازمة له أولًا وآخرًا ولا تنفك عنه، فهي ليست من صفات الأفعال التي إذا شاء الله تعالى فعلها وإذا شاء لم يفعلها كصفة الكلام والضحك والغضب والإتيان والمجيء والسرور والفرح، وغير ذلك، فهذه صفات فعلية إذا شاء فعلها وإذا شاء لم يفعلها، بخلاف الصفات الذاتية اللازمة له، والتي لا تنفك عنه ﷾.\nوثبتت هذه الصفة كغيرها من الصفات الخبرية بكتاب الله ﷿، قال: [قال الله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]] فهذه الآية أثبتت أن لله ﵎ وجهًا.\nقال: [وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]].\nأي: وجه الله ﵎.\nقال: [عن أبي موسى: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه -يعني: يخفض الميزان ويرفعه- يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفها -أي: لو كشف هذا الحجاب- لأحرقت سبحات وجهه) زاد عبد الله: (كل شيء أدركه بصره)].\nفأثبت في هذا الحديث أن له وجهًا.\nوقال ﵊ في حديث طويل: [(ما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)]، فإذا رفع هذا الحجاب رأى الناس ربهم ﵎ وذلك في الآخرة.\nأي المؤمنون.\nوهذا الحديث قطعة من حديث طويل عند البخاري ومسلم في أبواب رؤية الرب ﵎ لأهل الإيمان.","vol":"21","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>إتيان السلف لصفة الوجه كسائر الصفات</span>\nأطبق سلفنا ﵃ وأتباعهم على الإيمان بهذه الصفة كغيرها من صفات الرب ﵎، وإثباتها على ما يليق بالله، وهم لا يفسرونها ولا يؤولونها، وإنما يؤمنون بها كما جاءت، ويمرونها كما جاءت، وهذا مذهب سلفنا ﵃ في جميع الصفات الخبرية لله ﷿، بل وفي جميع الصفات، فهم يؤمنون بها على ما وردت في النص دون أن يتعرضوا لها بالتأويل أو التحريف أو التمثيل أو التكييف، ولا يطلقون عليها شيئًا من الألقاب التي يرددها النفاة -أي: المعطلة أو المتأولون- مثل العضو أو الجزء.\nالمعطلة والمؤولة يقولون: الوجه لله ﷿ يلزم منه إثبات أنه كل يتجزأ.\nقالوا: فالوجه جزء من البدن والذات، فلو أننا قلنا: إن لله وجهًا للزم أن نقول: إن الله ذات مكون من أبعاض وأجسام وأجزاء.\nوهذه هي شبهة الممثلة أو المعطلة الذين أرادوا أن ينزهوا بزعمهم الله ﵎ عن مشابهته للمخلوقين.\nقالوا: ولو أننا أثبتنا الوجه للزم من ذلك أن نقول بالأبعاض أو الأجزاء للكل وللذات العلية، ولما كان هذا عندهم يتنافى مع تنزيه المولى ﵎ فقد قالوا: نحن لا نثبت له وجهًا؛ لأن إثبات الوجه يلزم منه أنه ﷾ جسم.\nوإن سلفنا ﵃ لم يذهبوا في هذه الصفة -كما لم يذهبوا في غيرها- إلى مثل هذه التأويلات، بل قالوا: نثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه من صفات النقص، ونثبت له ما أثبته له رسوله من صفات الكمال، وننفي عنه ما نفاه عنه رسوله من صفات النقص، وإذا أثبتنا شيئًا لله ﵎ قد ورد في الكتاب والسنة فإنما نثبته على الوجه اللائق بالله ﷿، ولا نخوض فيه بتأويل أو تعطيل أو تحريف؛ لأننا لو عطلنا هذه الصفة وقلنا: ليس لله وجه فلابد وأن نكون مكذبين بالقرآن الكريم وبأحاديث النبي ﵊.\nوالله ﵎ أعلم بنفسه من خلقه، ونبيه أعلم به من بقية الخلق، وإذا كان الله ﵎وهو أعلم بذاته العلية- قد أثبت لنفسه الوجه فلم لا نثبته نحن؟ وإذا أثبت الرسل لله ﵎ الوجه فلم لا نثبته نحن؟ وإذا كنا متبعين غير مبتدعين فلم لا نتبع النبي ﵊ فيما أمرنا؟ ولم لا ننته عما حذرنا منه؟ ولماذا نعطل الله ﵎ عن صفاته العلية وأسمائه الحسنى؟ وهنا أمر أكرره دائمًا؛ لأنه في غاية الأهمية، وهو أن نعتقد معتقد السلف في صفات المولى ﵎ وفي أسمائه العلية، ولو نظرت الآن على وجه المعمورة والبسيطة لوجدت قلة قليلة جدًا من أهل العلم -ولا أقول من طلاب العلم ولا من عامة الناس- يعتقدون معتقدًا صحيحًا في الله ﷿، وأما عامة أهل العلم فإنهم قد وقعوا فيما حذر منه النبي ﵊، وحذر منه أصحابه الكرام، فقد وقعوا في التأويل تارة، وفي التحريف تارة، وفي التعطيل تارة، وغير ذلك زعمًا منهم أنهم ينزهون الله ﵎.","vol":"21","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>خطأ إطلاق لفظ (كتب التربية الدينية) على الكتب الشرعية</span>\nإننا لو نظرنا الآن إلى القائمين على المناهج الدراسية التي أعدت إعدادًا لإبعاد أطفالنا وأولادنا عن سلوك طريق الهدى المستقيم، وعن سلوك طريق ربهم لوجدنا أنهم أقوام تربوا على أيدي اليهود تربية طويلة، أخذت أمدًا بعيدًا من السنين، وإذا نظرنا إلى كتب التربية الدينية، وهذا اسم خطأ، وإنما الصحيح أن تسمى: التربية الشرعية الإسلامية، وليست التربية الدينية؛ فإن اليهود يقولون: التربية الدينية.\nوالنصارى يقولون: التربية الدينية، ونحن نقول: التربية الدينية.\nإذًا: نحن نعترف بأن لليهود دينًا، وغير ذلك، ودين الله ﵎ واحد، فقولنا: التربية الدينية هذا أمر مجمل، وفيه لبس عظيم جدًا، وهو يجعل المستمع لهذا المصطلح يقول: هناك تربية دينية لليهود وللنصارى وللمسلمين، ولو قلنا: (التربية الشرعية الإسلامية) لكان أمرًا قاطعًا وجازمًا، فالمصطلح الأول مصطلح غربي لا علاقة لأهل الإسلام به.","vol":"21","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>اشتمال المناهج الدراسية على عقيدة التأويل والتحريف والتعطيل والتمثيل</span>\nأيضًا: لو نظرنا في أمثال هذه الكتب التي تدرس التربية الشرعية لأولادنا في المدارس وإخواننا في الجامعات لوجدنا فيها التأويل والتحريف والتعطيل بل والتمثيل تارة كما عند النصارى، وهو تمثيل الخالق بالمخلوق، وهذا أمر في غاية الفظاعة، فأولادنا يتربون أعوامًا طويلة على هذا الانحراف العقدي، ثم بعد ذلك إذا أردنا أن نضبط هذا الفكر والفهم تعبنا كل التعب؛ لأنهم منذ عشرين عامًا وهم يدرسون تلك العقيدة الفاسدة التي استقوها من جوهرة التوحيد، أو من كتب النسفي، أو من كتب الزمخشري، أو غيرها، فيعز بل يصعب جدًا أن يستقيم هذا الذي درس هذا الانحراف أمدًا طويلًا، وأن يعود بين يوم وليلة.\nوأنا أحذر كل الحذر الإخوة والآباء لهؤلاء الطلاب والتلاميذ، وأنصحهم أن يراجعوا على جهة الخصوص كتب اللغة العربية والتربية الدينية، ويقوموا أولادهم، ويبينوا لهم فساد وعوار ما أدخل في هذه الكتب، وأنه قد حرص واضعيها على إرضاء أسيادهم هنا وهناك.\nإن تصحيح معتقدك ومعتقد أبنائك وأهل بيتك أمر في غاية الأهمية؛ لأن العقيدة أهم شيء في حياة المسلم، فإن استقامت استقام ما بعدها، وإن اعوجت فقد اعوج كل شيء بعدها، ولا يسلم للعبد شيء قط إذا كانت عقيدته غير منضبطة على عقيدة السلف رضي الله وتبارك وتعالى عنهم.\nوالسلف ﵃ يثبتون لله ﵎ الصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله على المعنى اللائق به، وكونهم يثبتون ذلك هذا يرد على المعطلة الذين ينفون هذه الصفات عن الله ﷿، وكونهم يثبتونها على المعنى اللائق بالله ﷿ يردون به على الممثلة الذين قالوا: إثبات هذه الصفات يستلزم التمثيل، فقال السلف: إثباتها لا يستلزم التمثيل، ولكننا نثبت لله ﷿ ما أثبته لنفسه على الوجه الذي يليق بذاته العلية.\nوإذا كنا نؤمن أن لله ﵎ ذاتًا علية تختلف عن ذوات المخلوقين، فلابد وأن نؤمن لزامًا أن لهذه الذات العلية التي تختلف عن ذوات المخلوقين صفات علية تختلف عن صفات المخلوقين؛ لأنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هناك ذات بغير صفات، فإذا بلغنا هذا المبلغ وعرفنا أن هذه الذات متصفة بصفات، وأنها علية لا تتناسب ولا تتماثل وتتشابه مع ذوات المخلوقين، فلابد أن تكون الصفات كذلك.","vol":"21","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>شبهة نفاة صفة الوجه والرد عليهم</span>\nالسلف لا يطلقون على هذه الصفات شيئًا من الألقاب التي يرددها النفاة مثل العضو، والجزء، والبعض، وغير ذلك من الألقاب التي يطلقونها ليتذرعوا بها إلى نفي هذه الصفة، بدعوى أن إثبات هذه الصفة يعني التركيب المستلزم للحاجة والافتقار، فهم يقولون: لو أنكم أثبتم الوجه فلا بد أن تقولوا: إنه بعض من كل؛ لأن الوجه جزء من الجسم ومن البدن، فإذا أثبتنا لله ﷿ وجهًا فلابد وأنه جزء من ذاته، قالوا: كما أن إثبات اليد يستلزم أن تكون جزءًا من ذاته، وكذلك العين والساق، فهو إذًا: ذات مكونة من أبعاض وأجزاء وأجسام، وهذا كلام في غاية الإجرام في حق الله ﷿.\nوالمخلوق مكون من أجزاء وأجسام وأبعاض، ولو سئلت: هل تقيس الخالق بالمخلوق؟ فلا بد وأنك ستقول: لا، فالذات تختلف عن الذات.\nأي: ذات الخالق تختلف عن ذات المخلوق.\nوإذا كان هذا النافي أو المشبه يقول بهذا، فنقول له: اختلاف الذات عن الذات يستلزم اختلاف الصفات، وهذا يعني: أن نثبت الصفات، ولكن على الوجه اللائق بتلك الذات، فلما كانت الذات كاملة علية جليلة، فلابد وأن تكون الصفات كذلك، فنثبت لله ﵎ الوجه.\nوهم يقولون: الوجه هو الذات.\nفإذا سئلوا: لماذا تقولون إن الوجه هو الذات؟ لقالوا: اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].\nونحن نثبت لله ﵎ الساق والوجه واليد والعين والنفس، وكل ما أثبته الله تعالى لنفسه، ولو قلنا بإثبات الوجه الحقيقي لله ﷿ لقال النفاة: يلزم من إثباتكم الوجه لله ﷿: أن ذات الإله هالكة مع من يهلك، ولا ينج إلا وجهه، ويستشهدون بظاهر الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].","vol":"21","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>رد ابن عثيمين على من أول الوجه بالذات</span>\nتعرض الشيخ ابن عثيمين حفظه الله تعالى لرد هذه الشبهة بكلام ممتع وجميل جدًا فقال: فإن قيل: ما المراد بالوجه في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]؟ إن قلت: المراد بالوجه الذات، فيخشى أن تكون حرفت -يعني: عطلت- فإذا قلت: إن هذا الوجه عبارة عن الذات فيكون المعنى: إنه ذات بلا وجه، كما قال أحد المفسرين: إن الله ﵎ ليس له وجه، فالله ﵎ يثبت أن له وجهًا، وهو يقول: ليس لله ﵎ وجه.\nوقال في قوله تعالى في سورة القصص: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، أي: إلا ذاته.\nلأنه ليس لله وجه، إذ لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، فنفى الوجه عن الله ﵎ نفيًا صريحًا، وقال: الوجه عبارة عن الذات حيث إنه لا وجه له؛ لأنه يلزمنا من إثبات الوجه أن نشبهه بالمخلوقين، ولما كان لا يشبه المخلوقين ولا يشبهه مخلوق يلزمنا نفي صفة الوجه.\nولذلك قال صراحة في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].\nأي: إلا ذاته؛ لأنه ليس لله وجه، إذ لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء.\nوهذا الرجل الكبير هو فريد وجدي، وتفسير فريد وجدي يقع في مجلد عظيم، وقد سلك فيه مسلك الأشاعرة في كل الصفات، وقد نفى عن الله ﵎ صفة الوجه التي أثبتها الله ﵎ لنفسه، وأثبتها له رسوله الكريم ﵊.\nيقول ابن عثيمين -﵀-: إن قلت المراد بالوجه الذات فيخشى أن تكون حرفت، وهذا التحريف يستلزم التعطيل، وإن أردت بالوجه نفس الصفة -أي: صفة الوجه- وقعت في محذور، وهو ما ذهب إليه بعض من لا يقدرون الله حق قدره حيث قالوا: إن الله يفنى إلا وجهه.\nيقول:\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن أردت بقولك إلا ذاته يعني: أن الله تعالى يبقى هو نفسه مع إثبات الوجه لله، فهذا صحيح، ويكون هنا عبر بالوجه عن الذات لمن له وجه.\nأي: بذات لها وجه.\nوإن أردت بقولك الذات: أن الوجه عبارة عن الذات بدون إثبات الوجه، فهذا تحريف وهو غير مقبول.\nأي: أن ابن عثيمين مشى على قاعدة: أن السلف يثبتون الصفة ولازمها، فهو يقول: إذا أردت بالوجه الذات فلا بأس بهذا المراد إذا كنت تثبت أن هذه الذات لها وجه، وأما إذا قصدت أن الوجه هنا يعني الذات المجردة عن الصفة فهذا تحريف وتعطيل.\nإذًا: لا بأس أن تقصد بالوجه الذات، ولكن مع الإيمان بأن هذه الذات لها وجه.\nوهذا كلام جميل ومقبول، وإن كنت لا أستريح راحة كاملة لهذا التأويل، وهذا التفسير والبيان، ولكني أؤمن بالصفة كما جاءت هكذا، ولكن يلزمني أن أجيب عن السؤال، وأقول: من قال: إن الهلاك يلزم كل شيء إلا الوجه، وأن الله ﵎ يهلك فقد كفر.\nويكون معنى الآية: إن الله ﵎ يهلك كل عباده ولا يهلك هو؛ لأن الهلاك صفة عجز ونقص، وهذا لا يجوز على المولى ﵎، بل تبقى ذاته ويبقى وجهه، وربما يكون هذا صياغة أخرى لكلام الشيخ ابن عثيمين حفظه الله، ولذلك يقول: وعليه فنقول: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، أي: إلا ذاته المتصفة بالوجه، وهذا ليس فيه شيء.\nوالفرق بين هذا القول وبين قول أهل التحريف: إن هؤلاء يقولون: إن المراد بالوجه الذات ولا وجه لهذه الذات.\nونحن نقول: المراد بالوجه الذات المتصفة بأن لها وجهًا، فعبرنا به عن الذات.\nأي: فعبرنا بالوجه عن الذات ردًا على هذه الشبهة.\nوهناك أدلة أخرى في كتاب الله ﷿ تدل على إثبات هذه الصفة -أي: صفة الوجه لله- ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد:٢٢].\nومن السنة: حديث عبد الله بن مسعود ﵁: (لما قسم النبي ﵊ الغنائم يوم حنين قام إليه رجل وقال: يا محمد! إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله).\nفأثبت الوجه لله.\nفقال النبي ﵊: (ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟).\nيعني: إذا عم الظلم في الأرض فمن يعدل إلا الأنبياء والرسل؟ والشاهد من هذا: أن النبي ﵊ أقره على سياق هذا الكلام وفهمه وأن لله وجهًا، وهذا الرجل هو زعيم الخوارج، ولما ولى قال النبي ﵊: (ليخرجن من ضئضئ هذا -أي: من صلبه وظهره- قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم.\nقال: فإذا لقيتموهم فاقتلوهم).\nوهم الخوارج.\nفهذا إقرار من النبي ﵊ لفهم هذا الرجل أن لله تعالى وجهًا.\nومنها: حديث عبد الله بن عمر ﵄ في الثلاثة الذين حبسوا في الغار، وقصتهم طويلة معروفة مشهورة، وقال كل واحد منهم: اللهم إن","vol":"21","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>كلام ابن خزيمة في إثبات صفة الوجه لله تعالى</span>\nقال إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوجه لله ﷿: فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق الشام ومصر مذهبنا أن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا -أي: نشهد به بألسنتنا- ونصدق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين -يعني: نؤمن بهذه الصفة كما جاءت دون تشبيه ودون تمثيل- عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين -يعني: لا وجه شبه بين الخالق والمخلوق- ثم استعاذ من مقالة المعطلين النافين لصفات المولى ﵎.","vol":"21","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>كلام ابن مندة في إثبات صفة الوجه لله تعالى</span>\nقال الحافظ ابن منده في كتاب التوحيد: ومن صفات الله ﷿ التي وصف بها نفسه: قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وكان النبي ﵊ يستعيذ بوجه الله من النار، والفتن كلها، ويسأل بوجه الله ﵎.\nثم سرد ابن منده بسنده أحاديث، ثم قال: بيان آخر يدل على أن العباد ينظرون إلى وجه ربهم ﷿.\nإلى أن قال: باب آخر: فيه إثبات أن العباد ينظرون إلى وجه الله ﷿، وسرد بسنده ما يدل على ذلك من أخبار سلفنا رضي الله ﵎ عنهم.","vol":"21","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>كلام الأصبهاني في إثبات صفة الوجه لله تعالى</span>\nقال الأصبهاني في كتاب الحجة: ذكر إثبات وجه الله ﷿ الذي وصفه بالجلال والإكرام، والضمير في قوله (وصفه) يعود على الوجه.\nقال: باب: ذكر إثبات وجه الله ﷿ الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].\nفهو لم يقل: ذي الجلال، وإنما قال: «ذُو الْجَلالِ»، وذو الجلال صفة للوجه، ولو قال: ذي الجلال لكان الجلال والإكرام صفتان للرب ﵎، وليس للوجه.\nوقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨].\nوهنا لابد أن نفرق بين الآيتين، فلم يقل الله ﵎ في الآيتين: (ذو).\nولم يقل فيهما: (ذي)، وإنما قال في الوجه: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقال في الذات: ﴿ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨].\nوهذا يدلنا على إثبات الوجه، وأنه متصف بالجلال والإكرام، وعلى إثبات الذات، وأنها كذلك متصفة بالجلال والإكرام، فمن قال: إن الوجه عبارة عن الذات -أي: أنه ذات بلا وجه- فلابد وأنه سيخطئ في تفسير قوليه ﵎: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو) و(ذِي)، ولن يخرج من هذه الورطة.\nوقد تعرض ابن عثيمين -﵀- لهاتين الآيتين اللتين ذكرتا في كتاب الله وتعرض كذلك لأحاديث النبي ﵊، فقال في الآية الأولى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]: وهذه معطوفة على قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦].\nثم أعقب ذلك بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧].\nولهذا قال بعض السلف: ينبغي إذا قرأت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ أن تصلها بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾؛ حتى تبين الاستثناء؛ حتى يتبين نقص المخلوق وكمال الخالق، وذلك للتقابل، فهذا فناء وهذا بقاء.\nأي: هذا فناء كتب على المخلوقين، وهذا بقاء واجب لله ﵎.\nوقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، أي: لا يفنى.\nالوجه معناه معلوم عند العرب، فهو ثابت لله ﷿، وكيفيته لدينا مجهولة، كما أن الذات مجهولة لدينا، وكذلك الصفات مجهولة لدينا، ونحن لا نعلم كيفية وجه الله ﵎ كما لا نعلم سائر صفاته، ولكنه يلزمنا أن نؤمن بأن له وجهًا موصوفًا بالجلال والإكرام، وموصوفًا بالبهاء والعظمة والنور العظيم، وقد قال النبي ﵊: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).\nوسبحات وجهه أي: بهاءه وعظمته وجلاله ونوره.\nوقوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) فبصره ينتهي إلى كل شيء.\nيعني: لو أن الله كشف هذا الحجاب -الذي هو من نور- لأحرقت سبحات وجهه جميع المخلوقين؛ لأن بصره ينتهي إلى جميع المخلوقين، وعليه فلو كشف الله هذا الحجاب -الذي هو النور أو النار- لاحترق كل شيء في الأرض.\nولهذا نقول: هذا الوجه وجه عظيم، ولا يمكن أبدًا أن يماثل أوجه المخلوقات.\nوبناء على هذا نقول: من عقيدتنا أننا نثبت أن لله وجهًا حقيقة، وقد أخذنا هذا ونأخذه من قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].\nوهذا الوجه لا يماثل أوجه المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].\nفهذا نفي للمثلية بين الخالق والمخلوق، ونحن نجهل كيفية هذا الوجه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].\nفإن حاول أحد أن يتصور هذه الكيفية بقلبه، أو أن يتحدث عنها بلسانه فهو مبتدع ضال؛ لأن هذا ليس طريق السلف، وهو قول على الله من غير علم، وقد حرم الله علينا أن نقول عليه ما لا نعلم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] فالتعرض لذكر كيفية الوجه لله ﷿ قول على الله بغير علم.\nوقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، أي: أنك مسئول على كل هؤلاء.\nوأما قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، فقد وصف نفسه بأنه رب محمد ﷺ، وهذه ربوبية خاصة، وقوله: «ذُو» صفة للوجه، والدليل الرفع، فلم يقل: ذي، وإنما قال: ذو، ولو كانت صفة للرب لقال: ذي الجلال، كما قال في نفس السورة: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْ","vol":"21","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>معنى قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)</span>\nقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، أي: فان.\nوقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] أي: هالك إلا وجهه، وهي توازي قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] والمعنى: كل شيء فان وزائل، إلا وجه الله ﷿ فإنه باق، ولهذا قال: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، أي: فهو الحكم الباقي الذي يرجع إليه الناس ليحكم بينهم.\nوقيل في معنى الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: إلا ما أريد به وجهه.\nوهذا تأويل ثان، والتأويل الأول: أن يراد بالوجه الذات العارية عن الصفات.\nوهذا التأويل قد رددناه بقوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو)، ولم يقل: ذي؛ لأن الجلال والإكرام هنا صفة للوجه، بخلاف قوله ﵎: «تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ»، فذي الجلال صفة للرب ﵎.\nوأما التأويل الثاني لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: إلا ما أريد به وجهه ﵎، فيكون هذا الهلاك على الأفعال، أي: أفعال العباد، فكل من فعل فعلًا لا يبتغي به وجه الله فهو هالك، أي: يصبح هباء منثورًا.\nوهناك أحاديث أخرى كثيرة جدًا في الأمر بلزوم النية الصالحة في العمل والإخلاص لله ﷿، وهي تبين أن من عمل عملًا على غير هذا النحو فإنه يكون هباء منثورًا، بل صاحبه في النار، ولذلك قال النبي ﵊: (من تعلم العلم ليتصدر به المجالس، أو يماري به السفهاء، أو يجادل به العلماء فالنار النار)، مع أنه تعلم العلم، ولكنه لم يتعلمه لوجه الله ﷿، ولم يخلص فيه لله ﷿، وإنما تعلمه بنية سيئة فاسدة، وقد قال ﵊: (إنما الأعمال بالنيات).\nفالنية يترتب عليها الجزاء والعقاب، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.\nفقولهم في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] بأنه: إلا ما أريد به وجهه هذا كلام فاسد جدًا؛ لأنه يلزم منه نفي الصفة؛ لأن الهلاك سيكون مترتبًا على الفعل نفسه، وهم قالوا: إن سياق الآية يدل على ذلك، فقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] كأنه يقول: لا تدع مع الله إلهًا آخر فتشرك به؛ لأن عملك وإشراكك هالك، أي: ضائع سدى، إلا ما أخلصته لوجه الله، فإنه يبقى، لأن العمل الصالح له ثواب باق لا يفنى في جنات النعيم.\nوالمعنى الأول أسد وأولى.","vol":"21","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>تأويل أهل التحريف للوجه بالثواب والرد عليهم</span>\nأيضًا: فسر أهل التحريف وجه الله بالثواب، فقالوا: المراد بالوجه هنا: الثواب، فكل شيء يفنى إلا ثواب الله ﷿ فإنه لا يفنى.\nوإذا قلنا: إن الوجه الثواب لزمنا أن نقول: إن الذات غير متصفة بالوجه.\nيعني: أنها ذات بلا وجه، وهذا تعطيل.\nففسروا الوجه الذي هو صفة كمال لله ﷿ بشيء مخلوق بائن عن الله قابل للعدم والوجود؛ لأن الثواب إذا شاء الله ﵎ أوجده وإذا شاء جعله هباء منثورًا، فالثواب بيد الله ﷿، فهو يثيب عبدًا ولا يثيب آخر، والثواب على هذا النحو مخلوق؛ لأنه حادث، فأنت لن تثاب إلا إذا عملت، فثواب الله ﵎ مخلوق حادث ومترتب على العمل، والعمل كذلك مخلوق وحادث، فإذا قلنا: إن الوجه في الآية المراد به الثواب فالثواب حادث، ووجه الله ﵎ ليس حادثًا، فلا يصح أن نقول: إن الوجه مقصود به الثواب، بل الذي يصح أن نثبت لله ﵎ وجهًا على المعنى الذي يليق بكماله وجلاله، فإذا فسر بالثواب صار من باب الممكن الذي يجوز وجوده وعدمه.","vol":"21","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>بيان أن كل الآيات التي ذكرت الوجه مضافًا إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له</span>\nالأصل أن كل آية فيها إثبات الوجه مضافًا إلى الله فإنه يراد بها وجه الله الثابت له، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢].\nوقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠].\nوما أشبههما من الآيات، فالأصل أن المراد بالوجه المضاف إلى الله ﷿ وجه الله ﵎، الذي هو صفة من صفاته.","vol":"21","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) وبيان الصحيح منها</span>\nاختلف المفسرون في آية واحدة، وهي قوله الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقال بعضهم: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا» أي: إلى أي مكان وليتم وجوهكم عند الصلاة، «فَثَمَّ» أي: فهناك وجه الله ﷿.\nومنهم من قال: إن الوجه بمعنى الجهة، وإن معنى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] أي: فثم الجهة التي وجهكم الله تعالى إليها، وهذا تأويل أيضًا، فأولوا ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] أي: فثم الجهة، فأولوا الوجه بالجهة، وقالوا: إن الوجه بمعنى الجهة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨].\nفلم يقل: لكل وجه هو موليه، ولكن قال: لكل وجهة.\nفالوجه عند هؤلاء هو الجهة، أي: فثم جهة الله التي يقبل الله صلاتكم إليها، قالوا: لأنها نزلت في حال السفر، فإذا صلى الإنسان النافلة فإنه يصلي حيث كان وجهه، أو إذا اشتبهت عليه القبلة، فإنه يتحرى ويصلي، سواء كان ذلك في الفرض أو في النافلة.\nوالصحيح أن المراد بالوجه هنا هو وجه الله ﵎ الحقيقي، أي: إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه الله ﵎؛ لأن الله محيط بكل شيء، ولأنه ثبت عن النبي ﵊ أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله يقبل عليه بوجهه، ولهذا نهى النبي ﵊ أن يبصق الرجل عن أمامه أو عن يمينه، ولكن إذا أراد أن يبصق فليبصق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، فإن الملائكة تلازم يمينه، وإن الله ﵎ من تلقاء وجهه.\nفإذا صليت في مكان لا تدري أين القبلة فيه واجتهدت وتحريت وصليت ثم بان أن القبلة خلفك فالله يكون قبل وجهك حتى في هذه الحال، ويقبل عليك بوجهه؛ لأنك قد بذلت ما في وسعك وتحريت ما أمكنك.\nوهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية.","vol":"21","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>حال كتاب: المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات وحال مؤلفه</span>\nللشيخ محمد عبد الرحمن المغراوي كتاب عظيم جدًا اسمه: (المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات).\nوهو مع صغره إلا أنه عظيم النفع جدًا، والشيخ المغراوي رجل مغربي، وعريق في مذهب السلف، وقد التقيت بهذا الرجل في السعودية مرة، وفي الكويت مرة أخرى، وهو في غاية الشدة في إثبات مذهب السلف، وعادة المغاربة بدءًا من ليبيا وانتهاء بالمغرب أنهم قوم لا يعرفون إلا الحدة والعصبية لأي رأي يتبنوه.\nومن أعظم نعم الله على ذلك الرجل أنه تعصب لمذهب السلف، وقل أن تجد في المغرب رجلًا يفهم عقيدة السلف حق الفهم كما فهمها هذا الرجل، فصنف هذا الكتاب بعد أن طاف وجال في جميع التفاسير التي ألفها المفسرون، فمنهم من كان معتزليًا محترقًا، أو جهميًا جلدًا، أو أشعريًا قحًا، أو سلفيًا.","vol":"21","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>حال المفسرين في التأويل</span>\nمن المفسرين من وقع في التأويل بغير قصد كـ الشوكاني مثلًا، فـ الشوكاني كان سلفي المعتقد، وكان أولًا زيديًا شيعيًا، ولكن الله ﵎ من عليه بالرجوع إلى مذهب السلف، والذي يترجح لدي أن الله من عليه بوجود محمد بن عبد الوهاب في أرض الجزيرة العربية؛ لأن الشوكاني عاصر محمد بن عبد الوهاب عليهما رحمة الله، وانتشر مذهب ابن عبد الوهاب السلفي العقيدة في أرض الجزيرة كلها في حياته، ولعل الشوكاني عليه رحمة الله تأثر به، فانحرف عن مذهب الزيدية إلى مذهب السلف الصالح ﵃، ثم بقيت عنده بقايا ربما لا يقصدها، ومن باب النصيحة في الدين أقول: إنه وقع في بعض التأويل؛ لأن صاحب البدعة قل أن يتنظف منها بالكلية، بل لابد أن يبقى فيه شيء من رواسبها، ولذلك لا يمكن أن يكون صاحب البدعة الأصلية كصاحب السنة الأصلية وإن تاب صاحب البدعة، فليس هذا كذاك عند الله ﷿ إلا إذا أحسن إحسانًا ليس بعده إحسان واستقام استقامة نهائية، وتخلى عن بدعته من أولها إلى آخرها.","vol":"21","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>حال ابن عطية وابن الجوزي في التأويل</span>\nأيضًا: من المفسرين ابن عطية الأندلسي، وهو إمام كبير جدًا ومفسر عظيم وصاحب سنة، ولكنه كان في العقيدة أشعريًا، وكان صاحب سنة -أي: له رواية وسند- وتفسيره من التفسيرات العظيمة التي هي محل الاعتبار والاهتمام، ولكنه في آيات الصفات وقع وزل.\nوكذلك ابن الجوزي عليه رحمة الله.","vol":"21","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>حال الزمخشري والبيضاوي والنسفي في التأويل</span>\nأيضًا الزمخشري له كتاب عظيم جدًا في التفسير، وهو عظيم في باب اللغة، وباب الصرف، والبيان والإعجاز، أما في صفات المولى ﵎ فلا يساوي شيئًا؛ لأنه معتزلي ومحرف، والبيضاوي كذلك، وكذلك النسفي الذي هو عمدة الأزهر.\nومن التلبيس العظيم: أنك تسمع وتدرس في الأزهر أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية أتباع أبي منصور الماتريدي، وهذا تلبيس عظيم جدًا على الأمة، فالأشاعرة والماتريدية من أهل القبلة وليسوا من أهل السنة، بل هم خلف، وهم في الترتيب الثاني في إثبات خلفيتهم بعد المعتزلة.","vol":"21","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>حال الخازن وأبي حيان والجلالين والشربيني وأبي السعود في التأويل</span>\nأيضًا الخازن في تفسيره كذلك، وكذلك أبو حيان الأندلسي الغرناطي، وهو من غرناطة.\nوجلال الدين السيوطي كان أشعريًا قحًا، وكذلك جلال الدين المحلي، وتفسير الجلالين معلوم لديكم ومشهور، رغم أنه لا يعتبر في عالم التفاسير تفسيرًا؛ لأنه تعليقات يسيرة وبسيطة على كلمات المولى ﵎، ولكن لإثبات أشعريتهما جعل الله ﵎ القلم يجري بأيديهما في آيات الصفات، فأولاها وصرفاها عن ظاهرها حتى تعلم الأمة ولا تضطرب أو تختلف في إثبات أشعريتهما، وسمي هذا التفسير تفسير الجلالين نسبة إلى جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي.\nكذلك الخطيب الشربيني وهو كذلك عمدة الأزهر، وأبو السعود عمدة الأزهر.","vol":"21","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>حال الشوكاني في التأويل وعدم تعمده للباطل كالزمخشري</span>\nوالشوكاني سلفي، وله كتاب اسمه: التحف في مذاهب السلف، ولكنه وقع في التأويل، وقد نبهنا مرارًا أن الذي يتحرى الحق ولا يصيبه ليس كالذي يتعمد الباطل، وهذا مثل الزمخشري.\nإن الزمخشري في تفسيره للآيات التي أثبتت رؤية المؤمنين لربهم ﵎ صرف هذه الآيات عن ظاهرها، ولم يتكلم فيها، ولما أتى إلى الأحاديث التي تثبت ذلك سمى أهل السنة: الحشوية.\nوقال: لقد صنع الحشوية أحاديثًا يثبتون بها -بزعمهم- رؤية المؤمنين لربهم.\nوهذه الأحاديث متواترة، والذي يردها كافر، فالذي يرد الحديث المتواتر كالذي يرد الآية من كتاب الله؛ لأن هذا ثابت بالتواتر وذاك ثابت بالتواتر، ولكنه لم يستطيع أن يرد الآية فأولها، وهذا مذهب أهل البدع.\nيعني: إذا لم يستطيعوا نزعها من جذرها تعرضوا لها بالتأويل.\nيعني: يصرفوها عن ظاهرها.\nفكأنه يقول: الحديث أمره سهل، وأما الآية فلا أستطيع؛ لأن الأمة كلها ستقوم علي، وأما الحديث فهو محل أخذ ورد، فهو يقول عن الأحاديث التي أثبتت الرؤية: أنتم الذين صنعتموها.\nقال الإمام الذهبي ردًا على الزمخشري: ليته ما تكلف.\nفهل أهل السنة سيطبقون ويجمعون في الأرض مع اختلاف بلدانهم وألسنتهم وألوانهم ومعارفهم على اختلاق أحاديث تبلغ حد التواتر؟ فالمتواتر عند المحدثين هو: الحديث الذي روي بالعدد الكثير في كل طبقة من الطبقات من أول السند إلى منتهاه بحيث يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب.\nيعني: لا يمكن أبدًا أن يتفق مغربي مع واحد مصري مع شامي مع حجازي مع يمني مع طلياني في إثبات حديث وسياقه على نسق واحد إلى النبي ﵊؛ إذ إن كل واحد من هؤلاء في جهة، ومع هذا يتناقلون حديثًا على وجه واحد، فهذا يدل على صدقهم، ومع ذلك قال الزمخشري: إنهم صنعوا أحاديث يثبتون بها رؤية المؤمنين لربهم.\nوهذا لم يضرب ولم يقتل في ذلك الوقت، وهو أشر من الحكام.","vol":"21","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>حال الألوسي في التأويل</span>\nأيضًا: من المفسرين الذين وقعوا في التأويل: الإمام الألوسي، وكتابه (روح المعاني) في التفسير يقع في عشرة مجلدات، وهو كتاب عظيم إلى أقصى حد، ولكن الألوسي زل في بعض الصفات وأولها، وليته ما كتبها، لأن أصله ليس أشعريًا، فزل في بعض الصفات وليس في كلها، فهو مرة يدافع عن مذهب السلف ومرة يقع فيما وقع فيه المؤولة، وهذا يدل على أنه لم يتمكن من دراسة الاعتقاد.\nومن واجبي أن أبين لك ذلك؛ حتى إذا قرأت في كتب هؤلاء تحذر، وأنا أحثك على القراءة وطلب العلم من هذه الكتب، إلا في موطن الصفات والذات فينبغي أن ترجع لرجل سلفي سني، أو تقرأ له؛ لأن حبك لفلان ربما يجعلك تعمى وتصم عن أخطائه، وهذا مذهب غير معمول به عند المسلمين.","vol":"21","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>حال سيد قطب في التأويل</span>\nأيضًا: سيد قطب ﵀ ﵎، وهو لم يتمكن من دراسة الاعتقاد، فقد دخل السجن قبل أن يقرأ كتابًا في العقيدة، وما تعلم في السجن شيئًا، بل تفرغ للكتابة والتصنيف.\nوالذي يظهر أن السيد قطب يثبت صفة الوجه، ولكن بتحفظ شديد جدًا، فقد قال في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]: فهي توحي بأنها جاءت ردًا على تفضيل اليهود في إدعائهم أن صلاة المسلمين إلى بيت المقدس كانت باطلة وضائعة ولا حساب لها عند الله، والآية ترد عليهم هذا الزعم، وهي تقرر أن كل اتجاه قبلة، فثم وجهه حيث توجه إليه عابد، وإنما تخصيص قبلة معينة هو توجيه من عند الله، لا أن وجه الله سبحانه في جهة دون جهة، والله لا يضيق على عباده ولا ينقصهم ثوابهم، فهو عليم بقلوبهم ونياتهم، ودوافع اتجاهاتهم، وفي الأمر سعة، والنية لله، إن الله واسع عليم.\nوقال في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]: فكل شيء زائل، وكل شيء ذاهب، المال والجاه والسلطان والقوة والحياة والمتاع، وهذه الأرض ومن عليها، وتلك السماوات ومن فيها وما فيها، وهذا الكون كله ما نعلمه منه وما نجهله كله هالك، فلا يبقى إلا وجه الله الباقي متفردًا بالبقاء.\nوقال عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]: وفي ظل هذا النص القرآني تخفت الأنفاس، وتخشع الأصوات، وتسكن الجوارح، وظل الفناء يشمل كل حي، ويطوي كل حركة، ويغمر آفاق السماوات والأرض، وجلال الوجه الكريم الباقي يظلل النفوس والجوارح والزمان والمكان، ويغمر الوجود كله بالجلال والوقار.\nثم ذكر كلامًا وقال بعده: ويعقب على هذه اللمسة العميقة الأثر بنفس التعقيب، فيعد استقرار هذه الحديقة الغناء لكل من عليها، وبقاء الوجه الجليل الكريم وحده بعد استقرار هذه الحقيقة نعمة يواجه بها الجن والإنس.\nوقال عند قوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]: ثم ماذا ينتظر هذا الأتقى الذي يؤتي ماله تطهرًا وابتغاء وجه ربه الأعلى؟ إن الجزاء الذي يطالع القرآن به الأرواح المؤمنة هنا عجيب ومفاجئ على غير المألوف.\nفهو في تفسيره لهذه الآيات لا يؤولها بل يبقيها على ظاهرها، فنحمله على المتبادر إلى الذهن من إثبات الصفات.\nوسيد قطب أول صفات كثيرة لله ﷿ وأقل تأويله هو تأويله لصفة الوجه، وقد أول صفة الاستواء، وصفة الكلام، وصفة الكرسي، وصفة الإتيان والمجيء، وصفة النفس، وصفة العين، والمحبة، واليد، والفوقية، وإثبات الرؤية، وصفة المعية، وأقل تأويله هو تأويله لصفة الوجه دون هذه الصفات.","vol":"21","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>حال المراغي ومحمود حجازي والطاهر بن عاشور في التأويل</span>\nأيضًا: المراغي إمام كبير من أئمة الأزهر وعالم من علمائهم وقد أول هذه الصفات كذلك، وكذلك الشيخ محمود حجازي وقع في التأويل، وطاهر بن عاشور في تفسيره العظيم جدًا وقع في التأويل، وكان متأولًا أصيلًا.","vol":"21","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>حال الصابوني في التأويل وذكر نماذج من تأويلاته</span>\nأيضًا: الصابوني -حفظه الله وهداه- وقع كذلك في التأويل، فقال في صفة الوجه عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: كل شيء يفنى وتبقى ذاته المقدسة، ففسر الوجه بالذات، وقال: أطلق الوجه وأراد ذات الله ﷿.\nقال ابن كثير: وهذا إخبار بأنه تعالى الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت، فعبر بالوجه عن الذات، كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].\nوقال عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، أي: ويبقى ذات الله الواحد الأحد ذو العظمة والكبرياء والإنعام والكرام.\nوقال عند قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١١٥].\nأي: إلى أي جهة توجهتم بأمره فهناك قبلته، فخص الوجه بالقبلة التي رضيها لكم، وقد نزلت الآية فيمن أضاع جهة القبلة.\nوكذلك القرطبي عليه رحمة الله.\nوإذا نظرت إلى كلام المفسرين، أو إلى تأويل المفسرين لكدت أن ترجع بالحسرة والندامة، وبشديد الحزن والغم والهم، فقل أن يسلم لك إمام من الأئمة أو مفسر من المفسرين إلا ووقع في التأويل أو كان مؤولًا أصيلًا.\nوهؤلاء الذين عددناهم الآن حوالي عشرين مفسرًا، وبقية الكتاب تناول بقية المفسرين من أول من صنف في التفسير إلى آخر من صنف كـ الصابوني، وهم كثرة كثيرة جدًا.","vol":"21","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>تفاسير ينصح بالرجوع إليها</span>\nأعظم تفسير ترجع إليه هو تفسير الإمام الطبري؛ فقد كان على رأس أهل السنة والجماعة في زمانه، ثم اختصر كتابه العلامة الكبير النحرير شيخ السلف والمفسرين في زمانه: ابن كثير الدمشقي عليه رحمة الله تعالى.\nونحن ننصح دائمًا بالرجوع إلى تفسير القرآن العظيم لـ ابن كثير لمن أراد النظر في التفسير، ومن عز أو شق عليه هذا أو لم يفهمه فليرجع إلى مختصر هذا الكتاب، وهو اختصار شيخنا وأستاذنا وعالمنا ﵀ الشيخ محمد نسيب الرافعي، فقد اختصر تفسير ابن كثير في أربع مجلدات، فمن أراد فليرجع إلى هذه الكتب الثلاثة، وأما غيرها فالأولى أن لا يقرأ فيها ولا ينظر فيها إلا طالب للعلم الشرعي الذي قد تمكن من علم العقيدة على مذهب السلف.\nفإذا نظرت في الآية المتعلقة بصفات المولى ﵎ فلابد أن تعلم كون هذا المفسر متبعًا أو مبتدعًا.","vol":"21","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>حال ابن الجوزي في العقيدة</span>\nابن الجوزي -عليه رحمة الله- أشعري أصيل، وتجد له أحيانًا أقوالًا في غاية الروعة والجمال في مذهب أهل السنة والجماعة، ونبذ الابتداع، وتضليل المبتدعة، والأمر بلزوم وسلوك سبيل السلف، ولكن القضية كانت عند ابن الجوزي غير منضبطة، فهو يأمر باتباع السلف ويخالفهم، فقد قال في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]: قال المفسرون: معناه يبقى ربك، ففسر الوجه بالذات.\nوكذا قال في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] أي: يريدونه هو.\nوقال في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]: إلا هو، وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى أن الوجه صفة تختص باسم زائد على الذات.\nوهذا الكلام في غاية الخطورة، فهو يقول: وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم.\nوالذين أنكر عليهم ابن الجوزي هم السلف، فقد ذهبوا إلى إثبات أن لله تعالى وجهًا، وهو صفة زائدة على الذات.\nوهذا هو معتقدنا نحن، فنحن نقول: ونعتقد أن لله ﵎ وجهًا يختلف عن الذات؛ لأننا لو قلنا: إن الوجه هو الذات فستكون الذات من غير وجه، ولكن الوجه صفة زائدة للذات، فهو سبحانه ذات متصفة بالوجه.\nوابن الجوزي يقول: و(قد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى إثبات أن لله تعالى وجهًا) وليس له دليل إلا ما عرفه من الحسيات، من أن ذلك يوجب التبعيض، وأنا إذا أثبتنا أن لله وجهًا فهذا يوجب التبعيض.\nقال: ولو كان كما قالوا -أي: ولو كان الأمر كما قلنا نحن- كان المعنى أن ذاته تهلك إلا وجهه.\nويستدل بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].\nقال ابن حامد: أثبتنا لله وجهًا ولا يجوز إثبات رأس.\nيعني: إذا أثبتنا أن لله وجهًا لا يلزم هذا أن نثبت أن لله رأسًا؛ لأنه لم يرد في النصوص، فلو قلت: إثبات الوجه يلزم منه إثبات الرأس؛ لأن وجهي في رأسي، فكيف أثبت وجهًا بلا رأس؟ فسأقول لك: هذا الكلام في حقي أنا وأنت، وأما في حق الله ﷿ فلا؛ فلو قلت: يلزم من إثبات الوجه إثبات الرأس، فسأقول لك: أنت وضعت صورة لله ﷿ في رأسك وقلبك وجعلت الله كنفسك، وجعلت الذات العلية كذاتك أنت السفلية.\nولا نثبت لله وجهًا بلا رأس، فهذا أيضًا خطأ، بل نثبت لله وجهًا لأنه أثبته، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، فلا نثبت الرأس، ولا مانع أن يكون الله اتصف به، ولكنه لم يخبرنا، ونحن لا نثبت لله شيئًا إلا إذا كان ثابتًا.\nيقول: ولقد اقشعر بدني من جراءته على ما ذكر، فما أعوزه في التشبيه غير الرأس.\nفـ ابن الجوزي ينقم على ابن حامد الذي يقول: إننا نثبت الوجه لكن لا نثبت الرأس، قال: لأنه يلزم من إثبات الوجه التشبيه بين الخالق والمخلوق.","vol":"21","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>حال كتاب دفع شبه التشبيه لابن الجوزي وسبب تأليفه له</span>\nإن كتاب (دفع شبه التشبيه) لـ ابن الجوزي أشأم كتاب صنف في الإسلام في الاعتقاد، وكان غرضه من تصنيف هذا الكتاب أن يرد على أهل السنة، معتبرًا أن الذي عندنا شبهات وهو يدفعها عننا.\nقال: لأن إثباتكم للشبهات التي في عقولكم يلزم منها التشبيه بين الخالق والمخلوق، فهو يسمينا تارة المجسمة، وتارة المشبهة.\nفقد انبرى قلمه في تصنيف هذا الكتاب ليرد به على أهل السنة والجماعة؛ ظنًا منه أن ما عندنا هو مجموعة شبهات، وابن الجوزي رد على إمامه أحمد بن حنبل.\nحتى أن الإمام الذهبي حينما تكلم في المجلد الرابع عشر من السير في ترجمته لـ ابن الجوزي قال: وليت ابن الجوزي سكت وما خالف إمامه.\nلأن ابن الجوزي في الفروع حنبلي، وأحمد بن حنبل كان سيد الأمة في زمانه في إقامة العقيدة على ما كانت عند النبي ﵊ وعند أصحابه الكرام.\nوابن الجوزي اعتبر أن أحمد بن حنبل ومن معه مشبهة، وقد أساء غاية الإساءة للحنابلة ولـ أحمد بن حنبل خاصة في مذهبه، وأساء إلى مذهب السلف على العموم رضي الله ﵎ عنهم، وهو يقول: إنه سلفي، ويحث الناس على معتقد السلف.","vol":"21","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>مناقشة لأحد دكاترة الأزهر حول من هم المتكلمون وصفة الكلام</span>\nسألت أحد مشايخ الأزهر كان يدرس العقيدة للسنة الأولى في كلية الشريعة، وقد أكثر من قول: (والمتكلمين).\nفقلت له: من المتكلمون؟ قال لي: أهل السنة، قلت: من هم؟ قال لي: الأشاعرة والماتريدية مجموعهم هم أهل السنة، قلت: والمعتزلة؟ قال: والمعتزلة خالفوا في بعض الصفات فقط، قلت: ومن الذي خالف في كل الصفات؟ قال: الذين أثبتوها على ما جاءت ولم يتعرضوا لها بالتأويل.\nقلت: وما الذي منعهم أن يتعرضوا لها بالتأويل؟ قال: جهلهم بالنصوص، قلت: الذي نعلمه من كتب الاعتقاد أن أبا بكر لم يتعرض لهذه الآيات بالتأويل، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، والنبي ﵊ أمرنا أن نتبع سنة هؤلاء، فقد قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين).\nقال: لا، أمر النبي ﵊ باتباع سنة الخلفاء في السياسة والحكم، قلت له: من أين لك هذا القيد؟ قال: لأن السنة إذا أضيفت إلى خليفة قصد بها الحكم، وإذا أضيفت إلى عالم قصد بها في هديه وسمته، قلت: أيضًا سنطالبك بالدليل في هذا.\nوكان أكبر رأس في الأزهر، وهو رئيس جامعة الأزهر، وهو الدكتور عبد الفتاح الشيخ.\nثم قلت له: يا أستاذ! الذي نعلمه من مذهب سلفنا أن أسماء الله ﵎ وصفاته لا يتعرض لها بالتأويل، وما سكت سلفنا عن تأويل هذه الصفات عن جهل وإنما عن علم وإيمان، فقد آمنوا بها ولم يرد أن أحدًا منهم سأل النبي ﵊ ما المقصود باليد أو الوجه أو الساق أو القدم أو الأنامل أو الأصابع؟ وهب أن أبا بكر جاهل، فهل الأمة والصحابة في ذلك الزمان كلهم جهال؟ فقد علمهم النبي ﵊ أن يسألوا إذ لم يعلموا، فكونهم لم يسألوا دليلًا على أنهم آمنوا بها كما جاءت، وأمروها ولم يتعرضوا لها بتأويل، وأما من تعرض لها بتأويل فإنه خلفي وليس سلفيًا.\nقال: ماذا تقصد؟ قلت: أقصد أن من تعرض لها بالتأويل أشعري، والأشاعرة ليسوا من أهل السنة بل هم من أهل القبلة، وهذه مجاملة معهم، وأما أن تدعي أمام الطلاب أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة فهذا تلبيس، فثار ثورة عارمة وسب وشتم، ثم حرش بي عند العساكر الذين كانوا يحرسونه.\nفي المحاضرة الثانية كنت جالسًا في الدكة الأولى، فقال في صفة الكلام لله ﷿: والكلام ثابت لله ﷿، فقلت: يمكن أنه تاب والحمد لله، ويبدو أن الرجل قد راجع نفسه واستقام، فقال: ولكن ليس على مذهب الحشوية، فقلت له: يا شيخ! من الحشوية؟ قال: من سموا أنفسهم بالسلف، قلت: نحن يعني؟ قال: هو أنت، قلت له: ليس أنا فأنا تابع، قال: وأما الكلام الثابت لله ﷿ فهو كلام نفساني، وإن الله لا يتكلم على الحقيقة، قلت: آخر الكلام ينقض أوله، قال لي: كيف؟ قلت له: الله ﵎ يتكلم كلامًا على الحقيقة متى شاء وبأي كيفية شاء ونحن لا نعلم حقيقة الكيفية، قال لي: كيف؟ وهل ربنا يؤاخذنا بشيء لا نعلمه؟ قلت له: لا، وأرجو ألا ترفع صوتك حتى لا تضيع المعلومة، فالكلام ثابت لله ﷿ على المعنى اللائق به، ثم قلت له: وهل أنت رأيت ربنا؟ قال: لا، قلت: هل رأيته كيف يتكلم؟ قال: لا، قلت له: وكيف أثبت أن له كلامًا نفسانيًا؟ وما الذي يمنعك أن تثبت له الكلام على الحقيقة؟ قال: كيف يا بني؟ وهل له أسنان ولسان؟ قلت له: وهل لابد أن نثبت له ذلك؟ قال: فكيف تقول: إنه يتكلم حقيقة؟ قلت له: هل ربنا له مخ؟ فلو أن له مخًا فسيتكلم كلامًا نفسانيًا، فهل تثبت له المخ؟ قال لي: لا، قلت له: كيف يكون له كلام نفساني؟ قال: تعال إلى المكتب لنتناقش، قلت له: بل هنا؛ لأنك تكلمت بهذا الكلام أمام الطلاب، ولا يصلح أن يخفى هذا على الطلاب، ولا أن تعتقد أنت لنفسك أن الله ﵎ يتكلم كلامًا نفسانيًا، ومعذرة فأنا سأبيّن الطلاب ماذا يعني الكلام النفساني عند الأشاعرة، ثم قلت له: من أول من سن الأشعرية؟ قال لي: أبو الحسن الأشعري، قلت له: وفي أي قرن كان؟ قال: في القرن الثاني، قلت له: وفي خلال هذين القرنين أتظن أن الأمة كانت مجمعة على الضلال إلى أن أتى أبو الحسن الأشعري؟ ثم إن أبا الحسن الأشعري صنف كتبًا بعد توبته وأعظمها كتاب (الإبانة)، وكتاب رسالة إلى أهل الثغر أثبت فيها عقيدة أحمد بن حنبل، وخلع نفسه من عقيدته الأولى -عقيدة المتكلمين- وقد تكلم بكلام عظيم ومتين جدًا في الإثبات والنفي على مذهب السلف، وعلى مذهب أحمد بن حنبل.\nإذًا: فمن ماذا تاب؟ هل تاب من الحق ورجع إلى الباطل أم تاب من الباطل؟ فقال لي: توبة أبي الحسن غير ثابتة، قلت له: بل ثابتة وبقلمه، قال: أنت الذي افتريت عليه، قلت له: كيف؟ قال: أنتم الذين صنفتم كتاب الإبانة.\nثم قلت لهذا الدكتور: دعني أبين للطلاب الكلام النفساني، قال: لا أنا من سيبينه.\nثم قال: الله ﵎ لا يليق به أن يتلكم كلامًا على ال","vol":"21","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>مناقشة لأحد مشايخ الأزهر حول صفة اليد في قوله تعالى: (يد الله فوق أيدهم)</span>\nأيضًا: أحد مشايخي في الأزهر كنت أظن فيه خيرًا، وكان شديدًا جدًا في السنة، ولم أكن أعرف أن عنده هذا التأويل العظيم، فقلت له: نريد أن تعطينا محاضرة في مسجد الرحمة، قال: نعم، وأين مسجد الرحمة؟ قلت له: في شارع الهرم، قال: أولم تجد إلا شارع الهرم؟ قلت له: لا بأس فيه خير أيضًا إن شاء الله، قال: ما عنوان المحاضرة التي تريدونها؟ أتريدونها في العقيدة أم في الأصول أم في الفقه؟ قلت له: لا، إنما نريدها محاضرة عامة، قال: ولنجعلها في العقيدة، قلت له: هناك عندنا ناس يا دكتور! يقولون: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] يعني قوة الله فوق قوتهم، قال لي: نعم هكذا أقول، وماذا تقولون أنتم؟ قلت: يكفي يكفي لا نريدك، وكنت أتكلم معه بالتليفون وأنا بعيد منه، ثم قال: ماذا تقولون يا أخي؟! قلت له: نثبت لله يدًا حقيقية، قال: من قال لكم هذا الكلام؟ قلت: الذي قال لنا هذا الكلام النبي ﵊ ثم أبو بكر وعمر، قال لي: أنتم تكذبون على هؤلاء، هؤلاء أطهار وأشراف.\nوقد دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها على أن لله تعالى وجهًا، كما أن له يدين وسمعًا وبصرًا وصورة وعلمًا وحياة وقدمًا، وغير ذلك مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله محمد ﵊، فيجب إثبات الوجه لله تعالى إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل.\nونحن نثبت الوجه لله ﷿؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وكما أننا نثبت لله ﵎ ذاتًا لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له تعالى وجهًا لا شبيه له ولا نظير.\nوقد نفى الجهمية وأشباههم من نفاة الصفات صفة الوجه عن الله تعالى، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وأتوا بعبارات مجملة تحتمل حقًا وباطلًا، وأرادوا بها قطعًا معنى باطلًا؛ كي يلبسوا بها على الخلق، وهذه الألفاظ المجملة يلهج بها أهل البدع؛ لينفوا بها صفات الباري جل وعلا.","vol":"21","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>الرد على من أول صفة الوجه بأدلة الكتاب والسنة</span>\nبالاعتصام بالكتاب والسنة تنجو من أباطيل أهل البدع وشبههم، وهناك الكثير من الأدلة من الكتاب والسنة التي ترد على الجهمية وغيرهم من النفاة وتدحض شبههم، وتقمع باطلهم: قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].\nوجاء في صحيح البخاري -﵀- عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال النبي ﵊: أعوذ بوجهك، فقال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥]، فقال النبي ﵊: أعوذ بوجهك، قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام:٦٥]، فقال النبي ﵊: هذا أيسر)، وهذا الحديث نص صحيح صريح في إثبات الوجه لله تعالى، وهو من الصفات الذاتية الخبرية.\nومن الأدلة على إثبات صفة الوجه لله تعالى: ما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور)، وفي رواية: (النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).\nوالجهمية تنكر هذا الحديث وما في معناه، فعموا وصموا، والأشاعرة تحرفه وتتأوله بتأويلات فاسدة، إما بتفسير الوجه بالذات؛ لتنفي صفة الوجه عن الله، وإما بغير ذلك من التأويلات الباطلة.\nوهناك العديد من الأدلة الصحيحة المتلقاة بالقبول عند أهل العلم مما يثبت لله تعالى صفة الوجه، وهي تغيظ الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من الطوائف الضالة، ففي البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي ﵊ قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).\nفقوله: (على وجهه) فيه إثبات الوجه لله تعالى حقيقة، وأهل الباطل تأولوا هذا الحديث كما تأولوا غيره من الأحاديث الدالة على إثبات صفة الوجه لله تعالى، حتى قال القاضي عياض: فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، أي: فمن آمن به على ظاهره وأثبت الوجه لله أفضى به ذلك إلى التجسيم، يعني: كأنه أراد أن يقول: إذا أثبت الوجه لله فلابد وأن تقول بأن الله تعالى جسم له أجزاء وأبعاض؛ لأن الوجه جزء من الجسم، وبعض من الكل.\nوالقاضي عياض كان إمام المتأولة، وكلامه هذا خطأ وغلط، فليس في إثبات الصفات لله تعالى تجسيم، فإن السلف يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله محمد ﵊ إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل.\nوالواجب على جميع الخلق: التسليم والانقياد لكلام الله وكلام رسوله ﷺ، وعدم ضرب الأمثال لله تعالى؛ فإنه من أعظم الضلال والإلحاد، والذي لا يفهم من صفات الخالق إلا ما يفهمه من صفات المخلوق هو المجسم المشبه.\nوالله المستعان.\nومن الأدلة كذلك على إثبات الوجه لله تعالى: ما رواه أبو داود عن حيوة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﵊ أنه كان إذا دخل المسجد، قال: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم.\nقال: أقط؟ قلت: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم).\nفقوله: (وبوجهه الكريم) دليل على إثبات الوجه لله تعالى، وهو يرد على من زعم أن الوجه هو الذات، فقد استعاذ ﷺ أولًا بالله العظيم، ثم استعاذ ثانيًا بوجهه الكريم.\nوهذه المغايرة للتباين بين الذات وبين الوجه، وإثبات أن الوجه صفة لتلك الذات، والعطف يدل على المغايرة.\nوالأحاديث والآثار عن الصحابة ﵃ في إثبات الوجه لله تعالى كثيرة، وقد أخرجها كثير من أهل العلم في كتبهم، متلقين لها بالقبول والتسليم، ولم ينكرها أحد منهم.\nقال ابن خزيمة: فنحن وعلماؤنا جميعًا في جميع الأقطار نقول: إن لمعبودنا ﷿ وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله.","vol":"21","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>خطأ ابن الجوزي في نسبته تفسير الوجه بالذات إلى جميع المفسرين</span>\nابن الجوزي تأول قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] بأنه يبقى ربك، وهذا التعميم والإطلاق بأنه قول المفسرين خطأ عظيم جدًا.\nفهناك من المفسرين قبل ابن الجوزي من فسر الآية بغير ما ادعاه ابن الجوزي، مع أن الحق ليس مقصورًا على من صنف كتابًا أو كتبًا في التفسير، وليس بلازم أن نأخذ تأويل الصفات من التفسير، فهذا أحمد بن حنبل ﵀ ليس له كتاب التفسير، ومع هذا تكلم عن صفات المولى ﵎.\nوالطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، قال: يقول تعالى ذكره: كل من على ظهر الأرض من جن وإنس فإنه هالك، ويبقى وجه ربك يا محمد! ذو الجلال والإكرام.\nفلم يقل: ويبقى ربك، وإنما قال: «وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ»، فهذا إثبات لصفة الوجه، وقوله: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] نعت للوجه، ففرق بين قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وبين قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨].\nفذو الجلال والإكرام صفة للوجه، وأما ذي الجلال والإكرام فصفة للذات ﵎.\nقال: وهذا مذهب أهل التحقيق، ومن فسر الوجه بالذات فقد أخطأ وسلك مسلك الجهمية.","vol":"21","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>رد ابن خزيمة على من أول الوجه بالذات في قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)</span>\nوقال ابن خزيمة في كتاب التوحيد: وزعم بعض جهلة الجهمية أن الله ﷿ إنما وصف في هذه الآية نفسه -أي: التي أضاف إليها الجلال بقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]-، قال: وزعمت أن الرب هو ذو الجلال والإكرام لا الوجه.\nقال أبو بكر: أقول -وبالله توفيقي-: هذه دعوى يدعيها جاهل بلغة العرب؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] فذكر الوجه مضمومًا في هذا الموضع مرفوعًا، وذكر الرب بخفض الباء بإضافة الوجه، ولو كان قوله: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] مردودًا إلى ذكر الرب في هذا الموضع لكانت القراءة: ذي الجلال والإكرام مخفوضًا كما كان الباء مخفوضًا في ذكر الرب جل وعلا -أي: في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]- فلما كان الجلال والإكرام في هذه الآية صفة للرب خفض (ذي)، ولما كان الوجه في تلك الآية مرفوعًا كانت صفة الوجه مرفوعة، فقال: (ذو) ولم يقل: ذي، فتفهموا يا ذوي الحجا! هذا البيان الذي هو مفهوم في خطاب العرب، ولا تغالطوا فتتركوا سواء السبيل.","vol":"21","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>رد ابن القيم على من أول الوجه بالذات</span>\nقال ابن القيم عليه رحمة الله في مختصر الصواعق كلامًا عجيبًا، فقد قال: إنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه.\nيعني: لا توجد حتى لغة في العالم تفهم أن الوجه بمعنى الذات، فكيف تقولون بأن الوجه في الآية المقصود به الذات؟ قال: وغاية ما شبه به المعطل وجه الرب أن قال: هو كقوله: وجه الحائط، ووجه السور، ووجه النهار، ووجه الأمر، فيقال لهذا المعطل المشبه: ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات، بل هذا مبطل لقولك؛ فإن وجه الحائط أحد جانبيه؛ فهو مقابل لدبره، ومعنى هذا أن وجه الكعبة مقابل لدبرها، فهو وجه حقيقة، فما الذي يمنعك أن تثبت لله وجهًا على الحقيقة؟","vol":"21","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>رد ابن تيمية على من نفى الصفات عن الذات</span>\nقال ابن تيمية: وإذا قال من قال من أهل الإثبات للصفات: أنا أثبت صفات لله زائدة على ذاته فحقيقة ذلك أننا نثبتها زائدة على ما أثبته النفاة من الذات.\nوهذا كلام جميل جدًا، فهو يريد أن يقول: النفاة لم يثبتوا تلك الصفات الزائدة على الذات، وأما نحن فنقول: إن الذات متصفة بصفات، والنفاة سموا نفاة؛ لأنهم نفوا تلك الصفات الزائدة على الذات، وقالوا: نحن نثبت الذات فقط، وأما هذه الصفات فإنا نؤولها أو نعطلها، أي: يصرفونها عن ظاهرها، أو يعطلونها تمامًا.\nوابن تيمية عليه رحمة الله -وهو سيد المثبتين على منهج السلف- يقول: إنما نثبت لله ﵎ إثباتًا بلا تمثيل، وننزهه تنزيهًا بلا تعطيل.\nوالكلام في هذا الأمر أظنه يطول جدًا.\nفإذا علم هذا الأصل العظيم الذي لا يضل من تمسك به فليعلم أن النصوص جاءت صريحة صحيحة في إثبات الوجه لله تعالى، وقد تقدم بعضها.\nومن أنكرها فإنما ينكر على الله ﵎ قوله، وعلى الرسول الكريم ﵊ خبره، وهذا من أعظم الضلال وأقبح الباطل، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].\nومن رد آيات الصفات وأحاديثها أو حرفها فهو والله بمعزل عن هذا التحكيم.\nوقول ابن حامد: ولا نجوز إثبات الرأس قصده في ذلك أن النص لم يأت به، ولو جاء النص به لكنا أول القائلين به؛ تفاديًا من مخالفة الله ومخالفة رسوله ﵊، وقد قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].\nقال الإمام أحمد ﵀: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.\nفلما لم يأت النص بإثبات الرأس لله تعالى لم يقل به ابن حامد، وأي عيب في هذا؟ ومنه يظهر أن إنكار ابن الجوزي ليس في محله؛ لأن ابن حامد أثبت لله وجهًا، وهكذا جاءت النصوص، فمن أنكر على ابن حامد فإنما يرد الآيات والأحاديث الصحيحة، وهذا ضلال بعيد وزيغ عظيم، نسأل الله تعالى السلامة والعافية.","vol":"21","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>حكم تأويل العين بالرؤية</span>\nأيضًا: من الناس من حمل العين المذكورة في الكتاب على الرؤية، وهذا تأويل، يعني: قال في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] أي: بمرأى مني، وفي قوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] أي: بمرأى منا، وكذلك في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤].\nوقد يكون ذلك من صفات الذات، وتكون صفة واحدة، والجمع فيه للتعظيم، ومنهم من حملها على الحفظ والكلاءة -أي: الرعاية- وقال: إنها صفات فعل، والجمع فيها سائغ.\nومن قال بأحد هذين زعم أن المراد بالخبر نفي نقص العور عن الله ﷾، وأنه لا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين من الآفات والنقائص.","vol":"21","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>رد البيهقي على من نفى الصفات عن الذات</span>\nقال البيهقي في الرد على هؤلاء: والذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة من إثبات العين صفة لا من حيث الحدقة أولى.\nفهو يريد أن يقول: أثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه من صفة العين على الحقيقة، ولا تتوهمن أن العين جارحة؛ لأن العين في حق المخلوقين هي الحدقة، فلا تقولن: حدقة في حق الله ﷿، وهذا القول الذي اختاره البيهقي هو الذي عليه سلف الأمة، وأما محاولة بعض الناس حمل النصوص على خلاف ما يظهر من ألفاظها فمحاولة جهمية معروفة.\nوأما تفسير من فسر الآيات السابقة بالرؤية مع إنكار صفة العين فقوله شبيه بقول المعتزلة القائلين: إنه تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، وهو قول مرفوض شرعًا وعقلًا، كما تقدم وذكرناه.\nوابن الجوزي عليه رحمة الله وقع في هذا التأويل، ورد على ابن خزيمة، وهو من أئمة السلف.\nوابن الجوزي مضطرب جدًا في باب الاعتقاد خاصة في باب الأسماء والصفات، فهو تارة يثبتها وينافح ويجادل ويهاجم المبتدعة، وتارة يقول بقول المبتدعة ويهاجم أهل السنة ويسميهم مشبهة، فهو هنا أنكر على ابن خزيمة إثبات العينين لله ﵎ حقيقة، وقال: هذا لا يشبه كلام السلف.\nثم قال: وقد أتى ابن خزيمة بما لم يسبق به، مع أن ابن خزيمة هو إمام من أئمة المسلمين، وهذه زلة خطيرة وسقطة شنيعة وقع فيها ابن الجوزي عليه رحمة الله، وما ذكرناه آنفًا يكفي للرد عليه.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"21","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>الأسئلة</span>","vol":"21","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>حال النصوص الواردة في قيام أول رجب، وحكم تخصيص أول رجب بالقيام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل وردت نصوص في قيام أول ليلة رجب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النصوص التي وردت في قيام أول رجب كلها نصوص باطلة غير صحيحة، فمن خص أول يوم في رجب بقيام اعتقادًا منه أن هذه طاعة مخصوصة منصوص عليها فقد وقع في الابتداع، أي أنه غير معذور بجهله، وليحذر المرء من الأيام التي يلتزم المبتدعة بصيامها، وتلك الليالي التي يخصونها بقيام دون ما نص في كتاب الله، أو في سنة النبي ﵊.","vol":"21","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>حكم التصفيق للرجال، وحكم القسم بقول (اللهم أقسم بك عليك)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم التصفيق للرجال في أي مناسبة؟ وهل يجوز أن أدعو الله تعالى بقولي: اللهم إني أقسم بك عليك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حكم التصفيق للرجال مكروه كراهة شديدة جدًا، ولم يثبت عن أحد من السلف أنه كان يصفق في أي مناسبة من المناسبات، والنبي ﵊ جعل التصفيق من شأن النساء، والتسبيح من حق الرجال في الصلاة، فقال: (إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال)، يعني: إذا أخطأ الإمام فلتصفق المرأة وليسبح الرجل، فبعض أهل العلم عمم التصفيق على كل الأحوال، وبعضهم قال: إنما هو مخصوص بالصلاة، ولا بأس أن يصفق الرجل في غير الصلاة.\nوالله تعالى أعلم بذلك.\nوأما قول الرجل أريد أن أدعو الله تعالى بقولي: (اللهم إني أقسم بك عليك) فليس عندي جواب على هذا السؤال.\nولك أن تقسم بالله وبأسمائه وصفاته، وأما أن تقسم بالله عليه أو تقسم بصفة من صفاته عليه، أو بفعل من أفعاله عليه ﷾ فليس عندي علم في هذا الباب، ولعل الله تعالى يطلعنا ويعلمنا حكم هذا.","vol":"21","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>حكم شراء مصحف لطالب العلم من مال الزكاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز شراء مصحف لطالب علم يحفظ القرآن ويريد أن يتم حفظه كاملًا من مال الزكاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجوز إذا كان فقيرًا؛ لأن زكاة المال لها مصارف ثمانية معلومة في كتاب الله ﷿ في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] إلى آخر الآية، فإذا دخل هذا الطالب تحت صنف الفقراء جاز ذلك، أو تحت صنف المساكين جاز ذلك، أو تحت صنف آخر من بقية الأصناف جاز له ذلك.\nوأما شراء مصاحف ووقفها في المساجد من زكاة المال فهذا أمر لا يجوز، كما أنه لا يجوز بناء المساجد من زكاة المال من باب أولى، والمعاصرون توسعوا جدًا في فهم في سبيل الله، وهذا التوسع الله أعلم بحقيقة قبوله، وهل هو صحيح أم لا؟ فقد أدخلوا فيه كل شيء، وكل من هب ودب، وكل محتاج، والأصل في إطلاق سبيل الله أنه الجهاد، أي: جهاد العدو، هذا هو الأصل.\nوقد ورد حديث في مسند أحمد يدل على أن سبيل الله هو الجهاد والحج، والسلف توقفوا عند هذين، وجمهورهم على أن سبيل الله هو الجهاد، وأما المعاصرون فإنهم أدخلوا الكثير والكثير في هذا السهم، الذي هو من أسهم الزكاة، والمنصوص عليه في الآية.\nفالله أعلم بحقيقة الأمر.","vol":"21","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>حكم صيام الإثنين والخميس إذا وافق يوم الشك</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الذي يصوم الإثنين والخميس طول السنة هل له أن يصوم آخر يوم في شعبان إذا كان إثنين أو خميس أم يقف في خمسة عشر شعبان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يصوم في كل إثنين وخميس إلى أن يدرك رمضان، حتى وإن كان اليوم الذي قبل رمضان هو يوم الإثنين أو الخميس، وقد وقع خلاف سنة (١٩٨٤م) في الأردن، وهذا الخلاف كان في يوم الأربعاء، وهل رمضان غدًا أم بعد غدًا؟ فسألت الشيخ الألباني: هل الصيام غدًا أم بعد غد؟ قال: على أية حال أنا في الحالين صائم.\nوهذا يعتبر جوابًا صريحًا أو ضمنيًا للرد على سؤال الأخ، فيجوز لك أن تصوم الإثنين أو الخميس الذي قبل رمضان مباشرة، فإن كان من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن من رمضان فهو نافلة؛ لأنه قد ثبت من عادتك أنك تصوم الإثنين والخميس على مدار السنة كلها.\nوليلة النصف من شعبان أو يوم النصف من شعبان كل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة، وأنا لن آخذ بحديث ليلة النصف ونهار النصف من شعبان ولكن آخذ بحديث الثلاثة الأيام البيض، وإذا كنت أصوم منذ اثني عشر شهرًا فلا تأت تمنعني اليوم، هذا فضلًا أنه فيه عدم مشاركة المبتدعة في بدعتهم.\nوأما حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) فهو حديث ضعيف، وهذا الذي اعتمد عليه الأخ في سؤاله.\nويوم الشك هو يوم الغيم الذي لا تتضح فيه الرؤيا، والنبي ﵇ قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين).\nوالعدة إذا كانت في أول الصيام فالمقصود بها عدة شعبان، وإذا كانت في آخر الصيام -أي: في آخر رمضان- فالمقصود بها عدة رمضان.","vol":"21","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>حكم قول: (لسوء حظي)، و(لا قدر الله)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ماذا تقول في قولي الناس: (لسوء حظي)، و(لا قدر الله)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n (لسوء حظي) كلمة تدل على الشؤم، ولا شؤم في الإسلام كما أخبر النبي ﵊، فقد قال: (لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاث: في المرأة، والدابة، والبيت).\nيقول الحافظ ابن حجر: وهذا يدل على أنه لا شؤم قط في الإسلام؛ لقوله: (لو كان الشؤم في شيء)، فدل على أنه لا شؤم أصلًا في الإسلام.\nوهذا من الألفاظ النابية التي ينبغي للمسلم أن يتورع ويتنزه عنها.\nوقوله: (لا قدر الله) كلام مجمل إذا أراد قائله أن الله لا يقدر الأشياء إلا بعد وقوعها فهذا قدري جلد، أو جاهل، وإذا كان هذا من باب الدعاء لرفع الشر فلا بأس بذلك، كما تقول: فلان ﵀، وما يدريك أنت أن الله قد رحمه، فإذا كنت تخبر أن الله قد رحمه فهذا قول على الله بغير علم، وإذا كنت تقول هذا من باب الدعاء له فلا بأس بهذا، فقولك: (لا قدر الله).\nأي: أسأل الله ألا يقدر عليك الشر، فهذا من باب الدعاء، وهو جائز ولا بأس به.","vol":"21","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>حكم قول: (يا مولانا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول الناس: (يا مولانا!) فهل هذه الكلمة صحيحة أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هي صحيحة، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، فأنت مولاي وأنا مولاك، وكلنا يتولى أخاه وصاحبه، والولاية من الولاء، والولاء معقود في الله ﷿ حبًا وبغضًا، إيمانًا وكفرًا، فالكافرون يتولى بعضهم بعضًا، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض.\nوكلمة (مولانا) لها عند العجم مدلول أحسن بكثير جدًا من العرب، فالعربي يقول لك: يا مولانا! استهزاء تارة وبحق تارة وبلغو الكلام تارة ثالثة.\nوالعجم لا يقولون: يا مولانا إلا لرجل ذو مكانة وعلم سابق، أو الشيخ له مكانته، فإذا سمعت الباكستاني يقول لآخر: يا مولانا، فاعرف أن هذا الرجل له مكانة عظيمة جدًا في بلده، وأما في مجتمعنا الآن فهي تقال لكل أحد.","vol":"21","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>حكم إيراد المفتي والقاضي للدليل على فتواهما</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا سئلت مسألة أعلمها ولكنني لا أتذكر الدليل جيدًا من الكتاب والسنة، أو أنني أعلم الدليل ولكني أشك في صحته وتمام الإجابة؛ فهل إذا سكت عن الإجابة التي ربما تنفع مسلمًا أكون كاتمًا للعلم النافع وواقعًا في الإثم حقًا أم أنني على صواب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  القاضي والعالم لا يلزمان بسوق الدليل عند إجابة الأسئلة، فإذا ساقا الدليل على صحة كلامهما فهذا فضل، ولذلك استقر في أذهان وعقول وقلوب الناس -العالم منهم والجاهل- أن الحاكم إذا حكم بحكم لا يطالبه المحكوم عليه بسوق أدلته، وأجمع أهل العلم أن القاضي لا يلزم بإثبات أدلته، أو بسوق مستنده في هذا الحكم، وكذلك المفتي.\nوتجد في أصول الفقه مسألة: هل يلزم المفتي أن يسوق أدلة فتواه في كل فتوى؟ ويجيبون كلهم: بـ (لا).\nقولًا واحدًا، فإذا ساق فهذا فضل، فأنت لا يلزمك أن تسوق الدليل، وإن سقته كان أحسن وأفضل.\nوإذا كنت تعلم أن الذي يستفتيك متعنت فلا تجبه ابتداء، وقد كان الرجل يأتي إلى مالك فيسأله السؤال فلا يجبه مالك، فيعيده عليه فلا يجبه مالك، وقد حدث منه هذا مرات وفي عدة مجالس، فإذا تأدب وانكسر وذل بين يدي الإمام أجابه، ثم يقول له الإمام في نهاية\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يا فلان! سل تعلمًا ولا تسل تعنتًا، فإن الذي يتأدب ويريد أن يتعلم علمناه، وأما من يريد أن يتنطع فلا؛ لأن الذي لم يتأدب ولم يتعلم أصول الأدب في طلب العلم فلابد وأنه سيفسد بهذا العلم كثيرًا، وهناك أناس كثر في هذا الزمان تعلموا بعض العلم ولم يتعلموا له الأدب فصار شرهم على علماء الأمة بالذات ظاهر وبين وواضح، وأول ما طعنوا طعنوا في أهل العلم؛ لأنهم لم يتعلموا الإخلاص أولًا في طلب العلم الذي هو أوجب الواجبات على طالب العلم، ثم لم يتعلموا حق الشيخ، وحق الكتاب، وحق الأقران، وحق الأمة عليهم، فإذا لم يتعلم طالب العلم هذا كله وهجم على العلم هجومًا فلابد وأنه سيتراجع عن طلب العلم، ثم بعد ذلك يدير ظهره لعلماء الأمة وطلاب العلم فيها.","vol":"21","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>حكم طاعة الوالدين إذا منعا الولد من طلب العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز الكذب على الوالدين لأنهما يمنعاني من حضور مجالس العلم خوفًا علي، وكذلك يمنعاني من إطلاق اللحية؛ لأنهما يرفضان التعصب، زادكم الله علمًا وحفظكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا السؤال صراحة مشكل جدًا، وقد سمعت العلماء يجيبون عن هذا\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بأن العلم الذي لا يسعك جهله لا طاعة لوالديك في الامتناع عنه، كعلم الاعتقاد مثلًا، أو علم فرائض الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج، هذا إذا لم تكن تعلمه ولا سبيل لك إلى تحصيله تحصيلًا سليمًا، ففي هذه الحالة لا طاعة لوالديك في الامتناع.\nوأما إذا كان العلم من باب النافلة -وأنت عالم وراسخ على أصول ثابتة في هذه المسائل الأساسية، أو أنك جاهل وتريد أن تصبح واعظًا- ففي هذه الحالة سماع كلام الوالدين أولى من حضور هذه المجالس، والعلماء يفرقون بين العلم الذي لا يسعك جهله والعلم الذي يسعك جهله.\nوالوعظ والمجالس الوعظية من العلم الذي يسعك أن تجهله، وليس لازمًا أن تبكي، ولكن يلزمك أن تعرف أن الظهر أربع ركعات، وإذا كنت صاحب مال لزمك أن تعرف حق الله تعالى في هذا المال، وإذا أرادت الحج لزمك أن تعرف كيف تحج.","vol":"21","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>وقت حادثة الإسراء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صحيح أن الإسراء كان في رجب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، لم يصح، ولكنهم يحتفلون في رجب من أجل حلاوة المولد.","vol":"21","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>حكم الوصية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  سمعت أن من مات ولم يوص لم يكلمه الله يوم القيامة، وقد كتبت وصيتي، ولكني لا أعلم ماذا أكتب فيها غير بعض الأشياء منها، وذلك تقريبًا لعامل السن، فأنا لم أبلغ العشرين بعد وأشعر بقلق من هذا الأمر، فبماذا تنصحني؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  مادام أن الوصية الشرعية معك فلا بأس، وهي تكفيك إن شاء الله.\nولا حرج عليك إذا لم توص خاصة إذا لم يكن عندك شيء توصي به، ويمكن أن توصي بالمسائل الشرعية، ونبذ البدع، واتباع السنن، وحث القوم على سلوك مذهب السلف من الاعتقاد الصحيح وغير ذلك، ووصية الإنسان لا بد أن تكون معلومة من حياته، فلو علم عن شخص أنه صاحب مذهب فاسد، وأنه يتحين فرصة أن يموت أحد الجيران أو أحد الأقارب ثم يلطم الخدود ويشق الجيوب ويدعو بدعوى الجاهلية -وهذا الفعل كان يفعله النساء في الجاهلية، ولكن في هذا الوقت أصبح من أعمال الرجال، فجاهلية الماضي أفضل من جاهلية المسلمين في هذه الأيام، فإذا مات شخص من الأسرة فإنه يلطم ويشق الجيوب، فإذا لبس جلابية قطعها، ثم يقطع الثوب الأول والثاني والثالث وهكذا، ثم يجعل ذلك بابًا للولاء والبراء- فإذا مات ولم يوص ففي هذه الحالة سنقول: إنه كان يلزمه أن يوصي وصية شريعة يبرأ بها إلى الله ﷿.\nوقد دعيت مرة لألقن امرأة كانت في الاحتضار أو شيء من هذا، فذهبت مسرعًا، فقالت لي: يا شيخ حسن! هل تعرف خالتي أم زينب؟ قلت: لا والله أنا لا أعرفها.\nفأوصتني أن هذه هي التي تنوح عليها أول الأمر.\nفقلت لها: هذا حرام وأنتِ آثمة بهذا.\nفهل تريدين أن تدخلي النار؟ قالت: ولماذا أدخل النار؟ فأنا صوت على الناس حتى أصيبت حنجرتي بالمرض شهرًا.\nقلت: إذًا يلزمك أن تتوبي من هذا قبل أن تموتي، فقالت: خلاص يا شيخ حسن! أنا وضعت وصيتي في رقبتك، وأنت مسئول على كل شيء، ولو حاسبني ربي عن شيء سأسألك أنت يوم القيامة، قلت لها: إذًا توكلي على الله، ثم التفت فإذا بها قد ماتت.\nفجاء أهلها يريدون أن يقدموا الواجب الذي عليهم، فقلت لهم: هذه قد أوصت بكيت وكيت وكيت، وإذا لم تنفذوا وصيتها فسنأتي بشبابنا وننفذ وصيتها بالإكراه، وذهبنا ودفناها ورجعنا، فكتب الله ﵎ لهذه المرأة أن توصي وصية شرعية في آخر لحظة من لحظات حياتها.\nفالمرء بلا شك يلزمه أن يوصي، ولكن لزومًا لا يبلغ به الإثم إذا لم يكن له ما يوص فيه، فالأمر على الاستحباب المؤكد جدًا، وبعض أهل العلم ذهب إلى وجوب الوصية، ورتب الإثم على من تركها.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"21","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>معنى حديث (صلة الرحم تزيد في العمر) ودرجته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قرأت في شرح الطحاوية أن صلة الرحم تزيد في العمر -أي: سبب طول العمر- فما معنى هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا حديث صحيح، ومعناه: أن الله قدر أن هذا يصل رحمه فيعيش، وأن هذا سبب إلى وصوله هذه الغاية، ولو لم يعمل بالسبب لم يصل إلى هذه الغاية.\nوهذا الحديث قد روي بطرق كثيرة، ومجموع هذه الطرق يرتقي بالحديث إلى درجة الصحيح لغيره.\nوقد اختلف العلماء في معنى زيادة العمر مع أن الله ﵎ كتب العمر، ولن يتغير بزيادة ولا نقصان، والإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب (الداء والدواء) تعرض لشرح هذه القضية وفصلها تفصيلًا جيدًا ونقل الاختلاف فيها: فقال: زيادة العمر هنا بمعنى البركة.\nأي: بركة العمر، فمثلًا الإمام الشافعي مات وعمره أربع وخمسون سنة، وقد ذاع علمه في الأرض شرقًا وغربًا، وسيظل بإذن الله إلى قيام الساعة، فإذا نظرت إلى عمر هذا الرجل وذلك الميراث العظيم الذي ورثته عنه الأمة قلت: هذا إعجاز وأعجوبة من أعاجيب الزمان، وهناك من بلغ أربعًا وخمسين سنة ولا يعرف كيف يصلي ولا يصوم، وحينما تنظر إلى عمرك وعمر الشافعي تعلم أنه كان ممتلئًا بركة وأنت على غير ذلك.\nقال: زيادة العمر هنا البركة في العمر التي قدرها الله ﷿؛ لأن غيرك في نفس العمر، وليس هناك بركة في عمره ولا في عمله.\nومنهم من قال -وهو التفسير الأولى-: إن هذا هو المحو والإثبات في الكتب التي بأيدي الملائكة، وأما الذي لا يقبل المحو ولا الإثبات فهو اللوح المحفوظ المذكور في قول الله ﵎: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].","vol":"21","page":48},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-425> قواعد في الصفات مع صفة اليد</span>\nصفات الله الذاتية لا تثبت إلا من طريق السمع فقط، ولا دخل للعقل ولا للنظر فيها، كالقدم والساق واليد والنفس، فكلها ثابتة بالكتاب والسنة، وقد وضع أهل السنة والجماعة قواعد تميزهم عن الفرق الضالة التي خرجت عن جادة الصواب في اعتقادهم في أسماء الله وصفاته ما بين تمثيل أو تعطيل أو تأويل، وقد ثبت بالكتاب والسنة أن لله يدين كلتاهما يمين، نمرها كما جاءت من غير تكييف ولا تمثيل لها، ومن غير تعطيل ولا تأويل.","vol":"22","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>الإيمان بذات الله وصفاته من الإيمان بالغيب</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nمع باب جديد من أبواب أصول الاعتقاد.\nهناك صفات ذاتية للمولى ﵎ لا تثبت إلا من طريق السمع فقط ولا دخل للعقل ولا للنظر فيها، وهي: الصفات اللازمة لذاته ﵎ كصفة اليد والعين، والقدم والساق والنفس وغير ذلك مما أخبر المولى ﷿ أنه متصف بها، وأخبر بها رسوله ﵊، نقول: إنه لا دخل للعقل فيها؛ ولا دخل للنظر فيها؛ لأن الله ﵎ بذاته وصفاته غيبها عنا، فلابد أن نؤمن بما أخبرنا الله ورسوله حتى وإن لم يكن ذلك داخلًا في مقدور عقولنا، لأنه الابتلاء في الإيمان، فإذا أخبر الله ﷿ أن له يدين فلابد أن أؤمن أن له يدين؛ ولذلك فرق الضلالة التي انتسبت إلى الإسلام وأخبر النبي ﵊ عنها هي كما قال ﷺ: (وإن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة).\nهذه الواحدة هي التي نهجت نهج النبوة في اعتقادها ومسلكها ومشربها.","vol":"22","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>اختلاف الناس في صفات الله وبيان مذهبهم</span>\nوقد اختلف الناس، واختلافهم عظيم، ولكنه يرجع إلى ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: ادعى أصحاب هذا المذهب أن إثبات هذه الصفات الذاتية لله ﵎ يستلزم التشبيه.\nقالوا: إذا كان لله يدان وعينان، وله سمع وله قدم وعين وساق إلى غير ذلك فإن هذا يستلزم أن يكون الله ﷿ مشبهًا بخلقه.\nولذلك وقعوا إما في التمثيل، وإما في التعطيل.\nقالوا: لا ينبغي لإله أن يتصف بما يتصف به خلقه، ولذلك عطلوا هذه الصفات فقالوا: ليس لله يد ولا ساق ولا عين ولا نفس، وغير ذلك من الصفات الخبرية؛ لأن وجود هذه الصفات وإثباتها لله يستلزم المماثلة والمشابهة مع خلقه؛ ولكنهم لا يقولون ولا يجترئون أن يقولوا: نعطل هذه الصفات؛ لأنهم لو قالوا ذلك وصرحوا به لكان لأطفال المسلمين الذين يلعبون في الشوارع أن يكفروهم، ولكنهم قالوا: لا.\nالعين يقصد بها: الرعاية.\nواليد يقصد بها: القوة.\nوالساق يقصد بها: الرفعة، وغير ذلك من تأويل النصوص وصرفها عن ظاهرها وعن مراد الله ﵎ منها.\nفهم لم يصرفوا هذه الصفات ويعطلوها عن الله ﷿ صراحة، وإنما أولوها فوقعوا في شر عظيم جدًا؛ ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: المتأول أشد شرًا من المعطل.\nويقول أيضًا: إن الممثل يعبد صنمًا، وإن المعطل يعبد عدمًا.\nلأنه لا يمكن أن يكون هناك ذات بغير صفات، فإذا كنت تؤمن بذات الله ﵎ وأنها ذات علية موجودة، فإن هذه الذات لابد أن يكون لها صفات؛ لأن ذوات كل شيء لها صفات، فكذلك ذات المولى ﵎ أولى وأحرى أن تكون لها صفات خاصة، وقد أخبر المولى ﵎ بصفاته في كتابه، وأخبر بها رسوله ﵊.\nإن الذي ينفي هذه الصفات عن الله ﷿ ويعطلها عن الذات لابد أنه سيخرج في النهاية بلا ذات، وإذا كان يستحيل أن توجد ذات بغير صفات في حال تعطيلك فلابد أن يكون في النهاية أنك تعبد إلهًا غير موجود، وغير متصف بأي صفة من الصفات، فهو والعدم سواء.\nهذا في مذهب المعطلة؛ ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: المعطل يعبد عدمًا.\nوالممثل يقول: إن يد الله كيدي، وإن عيني الله كعيني، وإن رجل الله كرجلي، فسيصير هذا الإله في النهاية عبارة عن إنسان، ربما يكون جميلًا وربما يكون هو كالإنسان في جماله أو أقل أو أكثر، والذي يعبد الله على هذا النحو لا شك أنه يعبد صنمًا.\nولذلك أهل السنة والجماعة ذهبوا مذهبًا وسطًا بين الممثلة والمشبهة، وبين المعطلة والنفاة من جهة أخرى، فلم يعطلوا الصفة عن الذات، ولم يمثلوا هذه الصفة بصفات المخلوقين، ولكنهم أثبتوا الصفة ثبوتًا حقيقيًا لله ﷿ كما يليق بجلاله، فلا يشبهونها بصفات المخلوقين، ولا يعطلون الصفة عن الذات، فأثبتوا الصفات من جهة، وهذا الإثبات يليق بالله ﷿، وليست هذه الصفات كصفات المخلوقين، فالله ﵎ له يدان، لكن هاتين اليدين ليست كيدي، وله عينان ليست كعيني، وله ساق ليست كساقي؛ لأن ذاته تختلف عن ذاتي، فلابد أن تختلف الصفات كذلك عن صفاتي.\nفأهل السنة والجماعة لهم مذهب وسط بين المعطلة وبين المشبهة إذ أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ على الوجه اللائق بكماله ﷿ وعظمته، فلا إشكال حينئذ.\nما الذي يضرك أن تعلم أن لله يدين على الوجه اللائق به؟ لأن الأيدي في لغة المخلوقين وحياتهم مختلفة، فإن أيدي الضفادع والبهائم ليست كأيدي الآدميين، وليست أيدي الجن كأيدي الإنس، فإذا كانت الأيادي والصفات تختلف في عالم المخلوقات، فلم لا تقول بهذا الاختلاف بين الخالق والمخلوق.\nوأن لله صفات تختلف عن صفات المخلوقين جميعًا؟ ولكن لما وقع الخلاف وبين أبناء هذه الملة المباركة، وكل واحد منهم نحا نحوًا يختلف فيه عما أراده النبي ﵊، وعما أراده الله ﷿، لاشك أنهم يبتعدون كل البعد، ويتشبهون تارة بالنصارى، وتارة باليهود الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤].\nإذًا: لابد أن نذهب المذهب الوسط بين الممثلة الذين شبهوا صفات الخالق بصفات المخلوق، وبين المعطلة الذين نفوا عن الذات جميع الصفات، وبعضهم نفى بعض الصفات وأثبت بعضها.","vol":"22","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>قواعد مهمة في عقيدة أهل السنة في الأسماء والصفات</span>\nذهب أهل السنة والجماعة إلى وضع قواعد وأصول، من خلالها يمكنك بيسر دون عسر أن تفهم معتقد أهل السنة والجماعة في ذات الإله وصفاته ﵎.","vol":"22","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>القاعدة الأولى: إفراد الله ﵎ بالوحدانية في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله</span>\nأول قاعدة هي: إفراد الله ﵎ بالوحدانية، سواء في ذاته أو في أسمائه أو في صفاته أو في أفعاله.\nومعنى أنه واحد في ذاته: أن أحدًا من خلقه لا يشبه ذاته، فإن جميع المخلوقين ذوات، فذات الإنسان وذات الحيوان وذات الجن وذات الجماد والحجر والشجر تختلف تمامًا عن ذات المولى ﵎، ولا يجوز لأحد أن يتصور في الذهن أن ذات الله ﵎ كذاته هو؛ لأن الله تعالى ليس له مثيل؛ ولذلك قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فنفى التمثيل والتشبيه بينه وبين جميع المخلوقات، فلا أحد يشبهه قط في شيء من الأشياء، ولا في ذاته العلية ﵎.\nفلما كان واحدًا في ذاته فهو كذلك واحد في صفاته، فالمرء يتصف بالرحمة، والله ﵎ متصف بالرحمة، ولكن الله تعالى واحد في رحمته، إذ إن رحمته لا تشبه رحمة المخلوقين جميعًا ولو اجتمعت، فلا يجوز أن أقول: (أنا رحيم والله تعالى رحيم فرحمتي كرحمة الله).\nهذا لا يجوز؛ لأنني في هذه الحالة جعلت الشبه قائمًا بين صفتي وصفة المولى ﵎، وهذا لا يجوز، والله تعالى واحد في صفاته، وليس لأحد من خلقه أن يتصف بصفة من صفاته إلا على وجه الكمال البشري، أو على وجه النص العام، فربما يتصف المرء بأنه رحيم بكل الناس، لكن هل رحمته وسعت كل شيء كما وسعت رحمة المولى ﵎ كل شيء؟ لا.\nلأن الله لم يثبت لعبد من عباده رحمة واسعة.\nفرحمة الله تختلف عن رحمة جميع المخلوقين، وهذا يبين القول بأن الله تعالى واحد في صفاته.\nوصفاته ﵎ لازمة له، وأما صفاتنا فليست بلازمة؛ لأنني يمكن أن أقول: سماني أبي وأمي رحيمًا، أو كريمًا، وليس عندي رحمة بل أنا غضوب وجهول، وبخيل لست كريمًا، أما المولى ﵎ إذا سمى نفسه بالرحيم ووصف نفسه بالرحمة يلزم أن يكون رحيمًا.\nوإذا كان المولى ﵎ من أسمائه الحسنى: الكريم، فهو متصف بالكرم؛ لأنه كريم بكرم، ولا يكون المولى ﵎ بخيل قط، والبخل هو عكس الكرم؛ لأن البخل صفة نقص لا تليق بالبشر فضلًا عن رب البشر.\nفالمولى ﵎ واحد في صفاته، كذلك واحد في أفعاله.\nإذا أخبرنا المولى ﵎ بأنه ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ويقول: (هل من داعٍ فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له)، وغير ذلك من النداءات التي ينادي بها المولى ﵎ فلا نقول: إن الله تعالى ينزل كنزولي هذا وينزل الدرج.\nلأن نزول المولى ﵎ نزولًا كاملًا يليق بجلاله وكماله، أما نزولي أنا فيتفق مع عجزي وضعفي ونقصي.\nوهو كذلك ﷾ يغضب، لكن ليس كغضبي، ويفرح ليس كفرحي، وهكذا أفعاله ﵎، هو واحد في أفعاله لا يجوز أبدًا أن أشبه أفعالي بأفعال المولى ﵎، إنما هو اشتراك في الاسم دون المسمى، فنزوله ﷿ يوافق نزولي في الاسم فقط ويختلف في المسمى.\nوإذا كنت لم أر الله ﵎، وأخبرني أنه ينزل فهذا النزول لا أعلم أنا كيفيته، وليس نزول أحد من الخلق كنزول الله ﵎ حتى أقول: إن الله ينزل مثل فلان؛ لأنه قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فنفى المماثلة والمشابهة بينه سبحانه وبين أحد من الخلق، فهو واحد في ذاته، واحد في أسمائه، واحد في صفاته، واحد في أفعاله.","vol":"22","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>القاعدة الثانية: إثبات الصفات على مراد الله ومراد رسوله، ووجوب الإيمان بذلك</span>\nالقاعدة الثانية: إثبات الصفات على مراد الله ﷿، وعلى مراد الرسول ﷺ ووجوب الإيمان بذلك دون بحث في الكيفية، فإنه ما من أحد خاض في كيفية أسماء الله وصفاته إلا حار وظل وتاه.\nفمنهم من تاب، ومنهم من مات على بدعته؛ لأن صفات المولى ﵎ تصعد فوق حد الخيال العقلي والتصور الذهني.\nفإذا فكرت في كيفية نزول المولى ﵎، أو في كيفية غضبه أو فرحه لا يمكن أبدًا أن تدرك حقيقة ذلك، ولكن الله تعالى أخبرك أنه ينزل، فأنت تؤمن إيمانًا جازمًا بأن الله ﵎ ينزل ويفرح ويضحك، ويغضب ويسخط، لكن لا تعلم كيفية هذا النزول، ولا كيفية هذا الغضب، ولا كيفية هذا الضحك، ولا يضحك ربي كضحكي؛ لأنني أضحك ضحكًا يستلزم فمًا ونواجذ وأسنانًا ولسانًا، والمولى ﵎ لم يثبت ذلك لنفسه، فضحكي يناسبني أنا، أما ضحك المولى ﵎ فإنه ضحك يتناسب مع ذاته العلية، فلذلك أهل السنة لم يخوضوا قط في كيفية الصفات.\nدخل رجل على مالك بن أنس رحمه الله تعالى وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم.\nلأن الله تعالى أخبرنا أنه استوى، ولذلك لا يجوز لنا أبدًا أن نفوض العلم.\nواستوى بمعنى: علا وارتفع، فإثبات الفوقية لله ﷿ أمر معلوم لدينا لا نشك في ذلك، والعرش لا يحويه ولا يستلزم هذا حدًا؛ لأن من قال بالحد فهو مبتدع.\nثم قال مالك: والكيف مجهول.\nيعني: استواء المولى ﵎ لا يعلمه إلا المولى ﵎؛ لأن استواءه لنا غيب، فنثبت لله ﵎ الاستواء على الكيفية التي أرادها المولى ﷿ لنفسه.\nقال مالك: والسؤال عنه بدعة.\nوخوض في الباطل، وكلام على الله بغير علم، وهذه القاعدة تقال في كل صفة من صفات المولى ﵎.","vol":"22","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>القاعدة الثالثة: الكف عن الخوض في كيفية الذات والصفات</span>\nالقاعدة الثالثة: الكف عن الخوض في كيفية الذات والصفات، والترابط بين الذات والصفات؛ لأن ذات الله ﵎ قد اتصفت بصفات لازمة للمولى ﵎، فليس هناك فاصل بين الذات والصفات.","vol":"22","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>القاعدة الرابعة: النفي المجمل والإثبات المفصل والنفي المتضمن لكمال الضد</span>\nالقاعدة الرابعة: أن طريقة السلف في الصفات هي: (النفي المجمل) أي: نفي جميع النقائص عن الله ﷿، فكل نقيصة معلومة في عالم المخلوقات لا يتصف المولى ﵎ بها قط، بل هو المختص بالكمال والجلال المطلق.\nفطريقة السلف في الصفات هي: (النفي المجمل والإثبات المفصل).\nوطريقة السلف هي: (النفي المتضمن لكمال الضد)، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥].\nوفي الحديث: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام).\nفإذا نفينا النوم عن الله ﷿ لابد وأن نثبت ضد النوم وهو كمال القيومية والحياة لله ﷿ حياة تليق بجلاله ﵎ لا كحياتنا.\nكما أن المولى ﵎ حي قيوم حياة دائمة سرمدية أبدية، لا أول لها ولا آخر؛ لأنه تعالى هو الأول وهو الآخر، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.\nفنقول: إن طريقة السلف في إثبات الصفات هي: (النفي المتضمن لكمال الضد).\nأي: نفي جميع النقائص عن الله ﷿، وإثبات ضد هذه النقائص، وهي: صفات الكمال.","vol":"22","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>القاعدة الخامسة: أن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق</span>\nالقاعدة الخامسة: السلف يقولون: التحريف بالتأويل أقبح من التعطيل، والتكييف والتمثيل، وما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق، فالقدر المشترك مثلًا بين صفة الله ﵎ (الحلم) وصفتي هي أن الحليم من أسماء الله وهو حليم بحلم، فهذه صفة لله ﵎ ثابتة، وكذلك اسمه (الحليم)، وأنا كذلك سماني والدي حليمًا، فأنا أشابه المولى ﵎ في مجرد الاسم فقط، ولا يجوز أن يسميني والدي الحليم؛ لأن الحليم معرف على ذات علية، ولا يجوز لأحد أن يشارك هذه الذات في هذه الصفة المعرفة بالألف واللام، فلا يجوز لأحد أن يتسمى بالكريم أو الحليم، أو العظيم، أو الرءوف أو الرحيم إلا أن يكون على نسبة العبودية لله ﵎: كعبد الرحيم، عبد العظيم، عبد السميع، وغير ذلك، فالله هو السميع البصير الحليم القوي القدير؛ لأن هذه ثابتة لله ﵎ فقط دون أحد من خلقه، ولذلك ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، والقدر المشترك يكون في التسمية فقط، أنت رحيم والله رحيم، أنت كريم والله كريم.\nهذا من جهة الصفة، وبالإمكان أن تسمى كريمًا وليس عندك شيء من الكرم، أما إذا كان الله تعالى موصوفًا بالكرم فلابد أن نثبت له حقيقة صفة الكرم.\nومعنى القدر الفارق: أن رحمة الله تختلف عن رحمتي، وكرم الله يختلف عن كرمي، وفضل الله يختلف عن فضلي، وغير ذلك من الفوارق بين الخالق والمخلوق، فلا تقل: إن لله ذاتًا تشبه ذاتك، أو إن لله صورة كصورتك، ولا تتصور أن نزوله -سبحانه- كنزولك، إلا أن الاشتراك يقع في مطلق الاسم، أو في مجرد الاسم فقط، فإن صفات المخلوقين تختلف عن صفات الخالق ﵎.\nقال شيخ الإسلام ﵀: فمن نفى الأول -أي: فمن نفى القدر المشترك -فقد عطل- لأنه جعل نفسه كالله ﵎- ومن نفى القدر الفارق فقد مثل.\nومذهب السلف وسط بين التشبيه والتعطيل، وقد عرجنا عليه، وكل ممثل معطل لحقيقة الصفة وذاتها، وكل معطل ممثل.\nهذه القواعد تكلم عنها شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في فتاواه العظيمة، وأخذها تلميذه ابن القيم ووضعها في كثير من كتبه.","vol":"22","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>توسط أهل السنة والجماعة في اعتقادهم من بين الفرق الأخرى في صفة اليد</span>\nلما تكلمنا عن بعض صفات المولى ﵎ من جهة الإجمال كان لزامًا علينا أن نتكلم عن صفاته من جهة التفصيل، وسنعيش في كل محاضرة مع صفة واحدة من صفات المولى ﵎، وهذه المحاضرة مع (صفة اليد).","vol":"22","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>مذهب الفرق الضالة في تفسير اليد والرد عليهم</span>\nصفة اليد كجميع الصفات الخبرية التي أخبر المولى ﵎ أنه متصف بها، قد طاشت فيها سهام الخلف عن إصابة الهدف، وأخذوا يفسرونها تفسيرًا يساوي عقيدتهم، ففسروها مرة بالقدرة، ومرة فسروها بالنعمة؛ يريدون الفرار بزعمهم من التشبيه والتمثيل، ويا سبحان الله! قد وقعوا فيما فروا منه؛ لأن الله ﵎ أثبت ذلك لذاته العلية وهو أعلم بذاته وبجميع خلقه، أثبت هذا لنفسه وهم نفوه، يقول الله ﵎ في كتابه لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥].\n(مَا مَنَعَكَ) أي: يا إبليس؟! لم لم تسجد لآدم الذي خلقته بيدي؟ و(يدي) تسمية.\nوهذا فيه: إثبات أن لله ﵎ يدين لا يدًا واحدة.\nويقول تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، ردًا على اليهود الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤].\nفهل من الجائز أن يقال في قوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بنعمتي، أو بقدرتي؟ إن هذا الكلام لا يستقيم في لغة العرب؛ لأن المعلوم أن لله ﵎ قدرة واحدة تشمل جميع الخلق، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠]، فلم يثبت المولى ﵎ تعددية في قدرته، فتفسير اليد بالقدرة تفسير لا يعرفه العرب، وإن قلت بالتعددية فلا بد أن تطالب بالدليل ولا دليل، فلابد أن ترجع مرة أخرى للبحث عن معنى اليد.\nإذًا: اليد صفة لله ﵎، وهي معلومة لدينا، أما كيفيتها في جنب الله ﷿ فإن الله تعالى هو الذي يعلمها، وليس من الجائز أن يقال: (مما خلقت بنعمتي).\nبالإجماع؛ لأن الذي يؤمن به جميع المؤمنين -والخلف كذلك منهم- أن نعم الله كثيرة لا تعد ولا تحصى، كما أخبر الله فقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤].\nيعني: كثيرة جدًا.\nفلا يستقيم كذلك أن يقال: ما منعك أن تسجد لما خلقت بنعمتي؛ لأن الله تعالى نعمه كثيرة جدًا، بحيث أن العاد والحاصي لا يستطيع أن يعدها ولا أن يحصيها.\nويلزم من قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أن يقال: خلق الله آدم بقدرتين.\nوهذا لا يجوز بالإجماع؛ لأن الذي ندين به -سواء كان في ذلك السلف والخلف- أن لله تعالى قدرة واحدة وباهرة وهو على كل شيء قدير؛ لعدم الدليل على التعدد، وهذا يتضح فيه الصواب في المسألة بإذن الله تعالى.\nوهذا الإمام أبو الحسن الأشعري زعيم تلك الفرقة، تاب وأناب ورجع إلى مذهب السلف، وتبرأ مما كان عليه من قبل، قال هذا الإمام العظيم الجبل في رسالته لأهل الثغر وفي بقية كتبه الاعتقادية: فلو كان الله ﷿ عنى بقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] القدرة لم يكن لآدم ﵇ على إبليس في ذلك ميزة؛ لأن الله تعالى خلق آدم بقدرته وخلق إبليس بقدرته، بل خلق جميع الخلق بقدرته ﵎، وكل مولود يولد بقدرة الله وإرادته، فإذا كانت اليد هنا بمعنى: القدرة فلابد أن إبليس سيرد على المولى ﵎ هذا القول، ويقول: أنت كذلك خلقتني بقدرة، كما خلقت آدم بقدرة، لكن إبليس لم يرد على المولى ﵎؛ لأنه علم من الخبر أن الله تعالى خلق آدم بيديه ﷾، وأخبر الله ﵎ إبليس أن آدم يمتاز عنه ويتفوق عليه بأنه خلقه بيديه الكريمتين ﷾.\nوإبليس لما فهم ذلك لم يرد، فسبحان الله! الذي فهمه إبليس لم يفهمه الأشعرية، ولم يفهمه المعتزلة، ولو كان خالقًا لإبليس بيديه كما خلق آدم بيديه لم يكن بتفضيله عليهم بذلك وجه من الوجوه، ولقال إبليس محتجًا على ربه: فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم بهما.\nفلما أراد الله ﷿ تفضيله عليه بذلك قال له موبخًا باستكباره على آدم أن يسجد له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥].\nإذا كان لا يصح في الأذهان ولا في الاعتقاد تفسير اليد بالقدرة ولا بالنعمة، فلابد أن يكون هناك تفسير ثالث، وهو إثبات هذه الصفة للمولى ﵎ على النحو الذي يليق بجلاله سبحانه، وإذا ثبت بطلان هذا التأويل فلابد من الذهاب إلى تفسير غير الذي ثبت لدينا أنه باطل.","vol":"22","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>مذهب أهل السنة والجماعة في تفسير قوله تعالى: (لما خلقت بيدي)</span>\nالتفسير الذي نذهب إليه: إثبات الصفة لله ﵎ كما أراد على الوجه اللائق به ﵎، نؤمن بذلك ونسلم، وإلا فإننا في النهاية نقع في الخوض في ذات الله، وسنصوره في عقولنا، ولما كان الخوض محرمًا كان الثاني (التصور) من باب أولى محرمًا، فدل على أنه ليس معنى اليد: القدرة، إذ إن الله ﷿ خلق الأشياء جميعها بقدرته، وأراد الله إثبات يدين لم يشارك إبليس آدم ﵊ في أن خلق بهما، ولا يخلو قوله ﷿: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] من إثبات اليدين لله ﷿، كذلك لا يجوز لنا أن نعتقد أن الله تعالى له يد جارحة كأيدينا، وإن قلت ذلك فقد مثلته بيدي، وهذا لا يجوز.\nفلابد في النهاية من إثبات يدين ليست نعمتين، ولا جارحتين ولا قدرتين، ولا يوصفان إلا كما وصف الله ﷿ بها نفسه، فلا يجوز عند أهل اللسان أن يكون معنى قول القائل: عملت بيدي.\nيعني: نعمتي.\nفلو أن واحدًا قال لك: أنا رفعت هذه المنضدة بيدي.\nهل تفهم من ذلك: أنه رفعها بنعمتيه؟ فتفسير اليد بالنعمة ليس معلومًا في كلام العرب خاصة عند التثنية.\nأما عند الإفراد والجمع فهذا وارد في كلام العرب.\nتقول: فلان له علي يد.\nأي: له علي جميل وفضل ونعمة.\nهذا عند الإفراد، وفلان صاحب أياد بيضاء.\nأي: صاحب نعم وتفضل.\nوهذا في الجمع.\nأما عند التثنية فإن العرب لا تعرف عند التثنية أن اليد بمعنى: النعمة.\nقال ابن تيمية: وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع وهو أن معنى قوله: (بِيَدَيَّ): إثبات يدين ليستا قدرتين ولا نعمتين ولا جارحتين، ولا يوصفان إلا بأن يقال: بأنهما يدان ليستا كالأيدي، خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت.\nإذًا: جاءت اليد في كتاب الله ﷿ على ثلاثة أنواع وأنحاء، قال تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:٢٦] على الإفراد.\nوقال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] على التثنية.\nوقال تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١].\nفاليد أتت بالإفراد وأتت بالتثنية وأتت بالجمع، وقلنا: إن العرب لا تعرف ذلك عند تثنية اليد وإنما تعرفه إذا تعدى الخبر إلى المفرد أو إلى الجمع، وإذا راجعنا هذه الاستعمالات الثلاثة في اللغة فإنك ستجد أن الله ﵎ إذا ذكر اليد المسماة يضيف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد: (بيدي) ويتعدى الفعل بالباء إليهما.\nأي: إلى اليدين، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] في الإفراد والتثنية.\nوهنا ذكرهما بصيغة الجمع، فأضاف العمل إلى اليد نفسها، وإضافة العمل إلى اليد تعني: النعمة، كما قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١].\nفقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] أي: مما عملنا.\nوهذا يشهد له قول الله ﵎: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] والمعنى: بما كسبتم.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:١٠] أي: بما قدمت أنت، لأنه تعدى بحرف الباء: «فَبِمَا كَسَبَتْ»، وقوله: «بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ»، فإذا تعدى الفعل بحرف الباء يضاف العمل إلى العامل، وليس إلى الصفة، وأما إذا أضيف الفعل إليه ﵎ ثم عدي الفعل بالباء إلى يده مثناه أو مفردة، فهذا مما باشرته يده ﷾ على الحقيقة.\nفقوله: (خلقت بيدي) تعدى الفعل بالباء هنا، ولابد أن يضاف إلى اليد حقيقة عند التثنية؛ لأن الله تعالى هو الذي باشر خلق آدم بيديه ﵎، ولا يحتمل المعنى أبدًا القدرة، وقد جاء في التوراة في قول موسى لآدم وآدم لموسى في حديث المحاجة: (احتج آدم وموسى فقال موسى لآدم: أنت آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة أنت الذي خلقك الله بيده فقال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله بكلامه وكتب لك التوراة بيده).\nإذًا: الله تعالى خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، فلما احتج موسى على آدم بأن الله خلقه بيده، احتج عليه كذلك آدم بأن الله كتب له التوراة بيده وكلمه تكليمًا.\nالشاهد من هذا: أن الله تعالى باشر كتابة التوراة بيده سبحانه، وباشر خلق آدم بيده سبحانه، فلا يجوز أن نقول: إن الله كتب التوراة بنعمته، أو بقدرته، لأن كل شيء بنعمة الله، وكل شيء بقدرة الله، فنقول: للتوراة هنا فضيلة وليست صفة على غيرها، وكذلك إذا كان الله تعالى خلق آدم بقدرته فكذلك خلق جميع الخلق بقدرته، فما الداعي أن يقول: إنه خلق آدم بقدرته؟ فليس هناك فضل لآدم على بقية المخلوقات إذا حملنا اليد على القدرة أو على النعمة؛ وذلك لأن الجميع مخلوق بقدرة الله.\nإذًا: هذه اليد التي باشرت الخلق يد على الحقيقة، وأن الله باشر ذلك على الحقيقة، وخلاصة ذلك: أن هذه الصفة صفة بها العطاء والأخذ والقبض وهي غير القدرة وغير النعمة، وقد ورد في كثير من الأدلة صفة اليد كما في قوله ﵊: (","vol":"22","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>اختلاف علماء أهل السنة والجماعة في كون كلتا يدي الله يمين أو هما يد يمنى ويد يسرى</span>\nهناك إشكال عظيم جدًا يقع فيه كثير من الناس، وهو: بعد أن أثبتنا أن الله ﵎ له يدان هل هما: يد يمنى والأخرى يسرى؟ فأنت لا تعرف من صفة اليدين في المخلوقين إلا اليمين واليسار، خاصة وقد وردت بعض الأدلة التي تثبت أن لله ﵎ يدين، فهل هما يمين أم شمال؟ هذا أمر لابد من تحريره، فنتغاضى عن إثبات اليدين لله ﷿، لأننا قد علمنا ذلك من خلال الأدلة، وأن اليدين لله ﷿ فهل هما يمين وشمال، أو كلاهما يمين؟","vol":"22","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>وصف كلتا يدي الله بأنها يمين وثبوت ذلك بالكتاب والسنة</span>\nأولًا: توصف يد الله ﷿ بأنها يمين، وهذا ثابت بالكتاب والسنة.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧].\nفليس في كتاب الله ﷿ وصف ليده بأنها شمال أو أنها يسار، وأن الآيات كلها نطقت بأن يد الله ﵎ موصوفة بأنها يمين.\nوالدليل من السنة: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة).\nأي: لا تنقصها نفقة.\nوأيضًا جاء من حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم: (ويطوي السماء بيمينه).\nوكذلك حديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه البخاري ومسلم: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبًا، فإن الله يتقبلها بيمينه).","vol":"22","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>أدلة القائلين بإثبات صفة اليد الشمال لله تعالى</span>\nأهل السنة والجماعة يؤمنون أن لله ﷿ يدين، وأن إحدى يديه يمين، فهل الأخرى توصف بالشمال، أو أن كلتا يديه يمين؟ القائلون بإثبات صفة الشمال منهم: عثمان بن سعيد الدارمي، وأبو يعلى الفراء، والإمام محمد بن عبد الوهاب، وصديق حسن خان، ومحمد بن خليل هراس ذلك العالم النحرير المصري، وعبد الله بن سليمان الحجازي، وأدلتهم في ذلك هي: ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا: قال النبي ﵊: (يطوي الله ﷿ السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى).\nوهذا إثبات لليمين، (ثم يقول: أنا الملك.\nأين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك) إلى آخر الحديث.\nوالشاهد في هذه الجزئية: (ثم يقضي الأرضين بشماله).\nوالحديث في صحيح مسلم من طريق عبد الله بن عمر.\nوحديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا: قال النبي ﵊: (خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمين فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للتي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي).\nيعني: أنتم قسم الجنة وحظ الجنة.\n(وقال للتي في يساره: إلى النار ولا أبالي).\nهذا الحديث حديث حسن، ولكن من ذهب إلى إثبات اليسار لله ﷿ فسر الضمير هنا بأنه يسار المولى ﵎، وليس كذلك السياق، فأنتم تعلمون أنه لا يستقيم قط أن يكون الضمير عائدًا على المولى ﵎، قال: (خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه) والضمير يعود على أقرب اسم مفرد (كتف)، أي: كتف آدم اليمين فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، (وضرب كتفه اليسرى) والضمير يعود على كتف آدم، (فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للتي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي) أي: الذرية التي خرجت من كتف آدم الأيمن إلى الجنة ولا أبالي.\nقال: (وقال للتي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي).\nفسقط احتجاجهم بهذا الحديث؛ لأن الضمير في (كتفه) يعود على كتف آدم.\nومن أدلتهم: أنه قد ورد في بعض الأدلة: (ويأخذ الله ﵎ السماوات بيمينه، أو يطوي السماوات بيمينه، والأرضين بيده الأخرى).\nقالوا: (الأخرى) تستلزم أن تكون في مقابلة اليمين، وهذا تأويل واجتهاد في النص، فإذا كان يقول: (يطوي المولى ﵎ السموات بيمينه، ثم يطوي الأرضين بيده الأخرى) قالوا: لابد أن تكون الأخرى هي اليسرى، وهذا استنباط من النص، وهذا الاستنباط ربما يصح في جنب المخلوقين، لكنه لا يصح في جنب الله ﷿، فلا يستقيم مع النصوص التي وردت بأن كلتا يديه يمين.\nونحن نعلم أنه لا اجتهاد مع النص، فإذا كان النص قد ثبت بأن كلتا يديه يمين، فلا يجوز أن نقول في لفظه: (بيده الأخرى): أنها اليسار؛ لأنها في مقابلة مذكورة وأنها اليمين، وهذا من أدلتهم في وصف إحدى اليدين باليمين كما في الأحاديث السابقة، وهذا يقتضي أن الأخرى ليست يمينًا فتكون شمالًا.\nعلى أية حال: اجتهد كل واحد في إثبات ما لديه من علم، والذي يترجح من خلال النصوص أن كلتا يدي الله يمين لا شمال ولا يسار فيهما.\nومن القائلين بهذا: إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى في كتابه العظيم كتاب التوحيد، والإمام أحمد بن حنبل، والبيهقي.\nومن العلماء المعاصرين: جميع العلماء إلا الشيخ الغنيمان فقد تردد في ذلك، ولا أظن أنه قطع في هذا.","vol":"22","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>أدلة القائلين بأن كلتا يدي الله يمين</span>\nأدلة من قال بأن كلتا يديه سبحانه يمين: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعًا: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين)، وهذا نص ثابت.\nوحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ مرفوعًا: (أول ما خلق الله تعالى القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين).\nواعلم أن الحديث الذي جاء في إثبات الشمال أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن عمر، وهنا ثبت عن عبد الله بن عمر أنه روى حديثًا: (أول ما خلق الله تعالى القلم، فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين).\nإذًا: عبد الله بن عمر وافق جمهور الرواة، ووافق الروايات بإحدى روايتيه وخالف في الأخرى؛ ولذلك هذه المخالفة في إثبات الشمال لله ﷿ إذا أتت من طريق واحد تدل على الاضطراب.\nيعني: إذا كان الراوي لهذه الصفة هو عبد الله بن عمر مرة يثبت أن كلتا يديه يمين، ومرة يثبت أن لله يدين إحداهما يمين والأخرى شمال فلابد أن نقول: قد حدث هنا اضطراب، ولا يلزم أن يكون هذا الاضطراب من جانب الصحابي، بل إن ذلك في الغالب العام من طرف أحد رواة الإسناد.\nولذلك هذا الخبر هو الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: (أول ما خلق الله تعالى القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين).\nوحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه قال بيده وهما مقبوضتان: خذ أيهما شئت يا آدم! فقال: اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة، ثم بسطها).\nهذا الحديث عند ابن أبي عاصم، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في الأسماء والصفات وغيره.\nوحديث أبي هريرة ﵁: (يمين الله ملأى لا يغيضها شيء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض) والحديث في الصحيحين.\nفلو قلنا: إن اليد هنا بمعنى: القدرة أو بمعنى: النعمة، فهل يصح أن نقول: إن النعمة تقبض وتبسط؟ قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد: باب ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أن لخالقنا جل وعلا يدين كلتاهما يمينان، لا يسار لخالقنا ﷿، إذ اليسار من صفة المخلوقين تجلى ربنا عن أن يكون له يسار.\nهذا كلام ابن خزيمة.\nوقال في التوحيد أيضًا: بل الأرض جميعًا قبضة ربنا جل وعلا بإحدى يديه يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه وهي اليد الأخرى.\nيعني: هي كذلك يمين، وكلتا يدي ربنا يمين لا شمال فيهما جل ربنا وعز عن أن يكون له يسار، إذ كون إحدى اليدين يسارًا إنما يكون من علامات المخلوقين جل ربنا وعز عن التشبه بخلقه.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب طبقات الحنابلة لـ أبي يعلى: وكما صح الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (وكلتا يديه يمين) لابد من الإيمان بذلك.\nقال: فمن لم يؤمن بذلك ويعلم أن ذلك حقٌ كما قال رسول الله ﷺ فهو مكذب برسول الله ﵊.\nوسئل الشيخ الألباني ﵀ كما في مجلة الأصالة: كيف نوفق بين رواية: (بشماله) الواردة في حديث ابن عمر في صحيح مسلم، وبين الرواية: (وكلتا يديه يمين)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قال: لا تعارض بين الحديثين، فقوله: (وكلتا يديه يمين)، تأكيد لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nيعني: لابد أن تصرف من الذهن تشبيه الخالق بالمخلوق، فإذا صرفته فلابد أن تعلم بإثبات اليدين لله ﷿ ليس على نحو أيدي المخلوقين.\nقال: فقوله: (وكلتا يديه يمين) تأكيد لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nفهذا الوصف الذي أخبر به رسول الله ﷺ تأكيد للتنزيه، فيد الله ليست كيد البشر (شمال ويمين)، ولكن كلتا يديه سبحانه يمين.\nوترجيح آخر للروايتين: أن رواية: (بشماله) رواية شاذة كما بينتها في تخريج المصطلحات الأربعة لـ أبي الأعلى المودودي.\nويؤكد هذا: أن أبا داود روى نفس الحديث الذي رواه مسلم وأثبت فيه -أي: مسلم - الشمال دون أن يثبت فيه هذه الرواية الأخرى، ولكن قال: (وبيده الأخرى) بدل (وبشماله)، وهو الموافق لقوله تعالى، وقوله ﵊: (وكلتا يديه يمين).","vol":"22","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>مناقشة الأدلة التي تثبت صفة اليد الشمال لله تعالى</span>\nأولًا: أن حديث عبد الله بن عمر عن مسلم الذي فيه لفظة: (الشمال) تفرد بها عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه، وعمر بن حمزة ضعيف، وإن كان أحد رواة مسلم، فضلًا عن أنه قد روى رواية خالف فيها جمهور الرواة، وإن الضعيف إذا أتى برواية يخالف فيها الثقات، فهذه الرواية منكرة، وهي في غاية النكارة إذا تعلقت بذات الإله أو بصفاته.\nوالحديث الذي رواه ابن عمر عند البخاري وكذلك عند مسلم ليس عندهما لفظة: (الشمال) والحديث المتفق عليه في الصحيحين أولى مما تفرد به مسلم، بل ومن طريقه راوٍ ضعيف.\nوقال الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات: ذكر الشمال في الرواية تفرد به عمر بن حمزة عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر ولم يذكرا فيه الشمال.\nفلما خالفه عمر بن حمزة وهو ضعيف دل ذلك على أن روايته منكرة.\nوروي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة إلا أنه ضعيف كذلك بمرة، تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير، وفي الطريق الثاني يزيد الرقاشي وهما متروكان، فكيف يقال: إن الشمال في مقابلة اليمين؟ وتخرج من ذلك إلى أنه لا يصح دليل ولن يصح دليل في إثبات صفة الشمال في يدي الله ﵎؛ لأن هذه اللفظة إنما وردت من طريق الضعفاء، والذي روي من طريق الثقات كذلك ورد في كتاب الله ﷿ أن الله تعالى له يدان، وكلتا يديه يمين.\nوأما قولهم: إن ذكر اليمين يدل على أن الأخرى شمال قول صحيح لو لم يرد ما يدل على أن كلتا يديه يمين.\nيعني: صحيح عند إطلاق اليدين في لغة العرب وفي التصور الذهني أن أحدهما يمين والآخر شمال، لكن هذا في حياة المخلوقين أولًا.\nثانيًا: أن هذا القياس لا يصح مع المولى تبارك وتعال خاصة، فإنه قد ثبت بالأدلة أن كلتا يديه يمين على أية حال، ونحن نعلم يقينًا أن الخلق جميعًا إذا كانت لهم يدان فإحداهما يمين والأخرى يسار، وقد ورد في بعض أشعار العرب مدحًا بوصف الرجل باليمينين، فكيف لا يكون المولى ﵎ كذلك إذ إن وصف اليدين بأن كلتيهما يمين لا يعني عند العرب أن الأخرى ليست يسارًا، بل قد يوصف الإنسان بأن يديه كلتاهما يمين كما قال المرار الأسدي: وإن على الأمانة من عقيل فتى كلتا اليدين له يمين ولا يعني ذلك: أنه لا شمال له، بل هو من كرمه وعطائه بشماله ويمينه، فهو يعني: أن يده الشمال تنفق وتعطي كيده اليمين.\nولقب أبو الطيب طاهر بن حسين بن مصعب بذي اليمينين، كتب له أحد أصحابه: للأمير المهذب المكنى بطيب ذو اليمينين طاهر بن الحسين بن مصعب والشاهد: (ذو اليمينين) لفرط عطائه وجوده.\nيريد أن يقول له: أنت يدك تعطي وتبذل بالليل والنهار، وأنت لا تبخل عن أصحابك بشيء سواء بيمينك أو بشمالك، وهذا كلام لا يستقيم في الأذهان، ولكنه خرج مخرج المجاز في الإطناب والمدح، وإلا فإنفاق الشمال مكروه في الشرع؛ ولذلك قالت عائشة: وكان النبي ﵊ يحب التيمن في أمره كله كان يحب التيمن في ترجله، وتنعله وفي عطائه وأخذه، فما كان النبي ﵊ يعطي إلا بيمينه، وما كان يأخذ شيئًا من أصحابه إلا بيمينه.\nوالترجيح: أن صفات الله ﵎ توقيفية، والذي قد ثبت بالنص أن كلتا يديه يمين، ولابد من القول والذهاب إلى هذا المذهب بأن كلتا يدي ربنا ﵎ يمين، ولا توصف إحداهما بأنها شمال.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله ﵎ لي ولكم.\nوصلى الله على نبينا محمد.","vol":"22","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>الأسئلة</span>","vol":"22","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>الحكم على حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صحة الحديث بأن الله تعالى خلق آدم على صورته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا حديث صحيح متفق عليه عند البخاري ومسلم، لكن لا يلزم منه إثبات الصورة لآدم، أو أن الضمير يعود على المولى ﵎، وهذا كلام أيضًا محل تفصيل، فقد ورد في الحديث: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن).\nوقد ورد أن النبي ﵊ قال: (إذا ضربت فلا تقبح ولا تلعن، ولا تضرب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).\nهل الضمير هنا يعود على آدم أو على صورة آدم، أو على صورة المضروب، أو على صورة الرحمن؟ كلام طويل جدًا نبحثه عند الكلام عن صفة (الصورة) للمولى ﵎.","vol":"22","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>ثبوت اكتحال النبي ﷺ</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل أحاديث اكتحال النبي ﵊ صحيحة؟ وهل هو مستحب أم واجب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nصحيحة، وإذا صح الأثر لزم العمل به، سواء كان ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب والندب.","vol":"22","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>بيان أن السنة قص الشارب لا حلقه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل السنة قص الشارب أم حلقه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  السنة في ذلك قص الشارب دون الحلق.","vol":"22","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>حكم التصدق على زانية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هو يجوز لي أن أتصدق على زانية؟ وكيف أفعل حتى لا أفتن بها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم يجوز؛ لحديث الرجل الصالح الذي تصدق على سارق وزانية وغني فأصبح الناس يقولون: تصدق على سارق.\nاستشهد الشيخ أبو إسحاق الحويني حفظه الله في درس له أنه لما يتصدق المسلم على زانية ربما بهذه الصدقة تستعف عن الزنا.\nوهذا نص الحديث.\nولا يلزم أن تعطيها الصدقة بنفسك، من الإمكان أن تحتال في إيصال هذه الصدقة إلى هذه المرأة التي تريد التوبة، ولا سبيل لها إلا أن تستعف بمال حلال كصدقتك، فلا بأس أن تذهب أمك إليها، أو أختك أو إحدى محارمك، أو شيخ كبير هرم لا يفتن بها ولا تفتن به، ولا تمكنه من نفسها، وإذا كان يغلب على ظنك أن هذه المرأة الزانية البغية ربما تفتنك فيحرم عليك أن تقترب منها؛ لغلبة ظن وقوع الفتنة بينك وبينها، فأوسط الأمر أن تجعلها صدقة سر، وهي -إن شاء الله تعالى- مقبولة عند الله ﷿.","vol":"22","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>النصح بشراء كتاب أصول الاعتقاد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تنصحنا بشراء كتاب أصول الاعتقاد للالكائي وهو محل الكلام، أم نسمع ونكتب الشرح فقط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أرى تعارضًا بين شراء الكتاب، وبين أن تسمع الشرح، وأن تكتب نقاط الفوائد.\nوأهل الأصول يقولون: إذا كان الجمع ممكنًا بين الاثنين فهو خير من رد أحدهما.","vol":"22","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>الحكمة من تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] الآية، فما الحكمة من تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  سؤال لطيف، الله تعالى يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فأخر الإيمان وقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما السياجان اللذان يحيطان بالإيمان ويحفظانه، فأمة ليس فيها أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر لابد أن يضيع فيها الإيمان، فقدم المولى ﵎ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهما السياجان اللذان يحيطان بالإيمان ويحافظان عليه.\nوأنتم تعلمون بداهة: أن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهو ليس من أهل الإيمان والإسلام لا يقبل منه ذلك، فالكافر لو أمر بالمعروف ونهى عن المنكر يكافئه الله عليه بزينة الحياة الدنيا، لكن في الآخرة ليس له نصيب، ولا يقبل الله ﵎ منه ذلك العمل؛ لأنه عديم الإيمان، وعديم الإسلام والتوحيد.","vol":"22","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>بيان أن صفات الله سبحانه توقيفية كما أن أسماءه توقيفية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تثبت هذه الأسماء لله ﷾: الجميل، الطيب، النظيف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه صفات للمولى ﵎ دون الثالث قولك: (نظيف) لم أسمع به، لكن من صفاته: أنه جميل يحب الجمال، وأنه طيب لا يقبل إلا طيبًا.\nولابد أن تعلموا أن الصفات كذلك توقيفية كالأسماء، فلا يجوز أن نسمي الله ﵎ إلا بما سمى به نفسه، ولا يجوز أن نصف الله ﵎ إلا بصفة قد وصف الله ﵎ بها نفسه.\nوعندما ننسب صفة لله أو اسمًا لله ليس واردًا في الكتاب ولا السنة فإن هذا لا يجوز؛ لأن الأسماء توقيفية وكذلك الصفات.\nأما باب المعاني الجميلة فهو باب أوسع من باب الأسماء والصفات، فنثبتها لله ﵎، فالمنعم والستار ليست من أسماء الله، وغير ذلك من الأسماء التي درجت على ألسنة الناس، وليست في حقيقتها من أسماء الله.\nفالمنعم ليست صفة ثابتة لله ﵎ وردت في كتابه أو في سنة رسوله، ولكنها من المعاني الجميلة التي تليق بالمولى ﷿؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فالله ﵎ بلا شك هو المنعم والمتفضل ليس على سبيل أن (المنعم) من أسمائه أو من صفاته، ولكنه معنى جميل يليق بجلال المولى ﵎ في الجملة.","vol":"22","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>معنى حديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يوصف الله بالملل كما في حديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nملل المخلوق المعروف لا يوصف به المولى ﵎؛ لأنه صفة نقص، والملل في حق الله ﵎ صفة كمال؛ لأننا متفقون على أنه متصف بالكمال المطلق، منفي عنه جميع النقائص.\nفأحسن تفسير لحديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا): أن الله لا يمل من إعطائكم الثواب على الأعمال الصالحة حتى تمتنعوا أنتم عن تلك الأعمال، فإن الله يقطع ثوابه عنكم، وهذا أحد وجوه التفسير في هذا الحديث: (إن الله لا يمل)؛ لأنكم تعلمون الحديث: (من عمل حسنة فله عشر أمثالها).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا حديث فيه الحث على علو الهمة في طلب معالي الأمور وعظيم الأعمال التي يثيب المولى ﵎ عليها، فإن المرء كلما عمل صالحًا أثابه الله ﵎، ويتوقف هذا الثواب إذا توقف العمل.\nفعبر المولى ﵎ عنه بكلام من لغة العرب حتى يفهموه.\nفقوله: (إن الله لا يمل) أي: من إعطائكم الثواب على الأعمال حتى تكفوا أنتم عن الأعمال، فإن الله ﵎ يمنعكم ويحرمكم الثواب، لأنكم منعتم أنفسكم العمل الصالح.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"22","page":26},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-451> صفة الأصابع لله ﷿</span>\nأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى الأسماء والصفات كما يليق بجلال الله من غير تكييف ولا تعطيل ولا تحريف ولا نفي ولا تأويل، ومن ذلك إثباتهم لصفة الأصابع والأنامل، فقد ثبت ذلك في أحاديث النبي ﵊ التي ذكر فيها أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن جل وعلا.","vol":"23","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>الأدلة على إثبات صفة الأصابع لله تعالى</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nأما بعد: فلا زلنا نتكلم عن صفات الباري ﵎، واليوم بمشيئة الله ﷿ نتكلم عن صفة الأصابع لله ﵎، بعد أن تكلمنا أنه ذو يدين ﷾، وكلتا يديه يمين لا شمال فيهما، وأما الأحاديث التي وردت تثبت أن لله يمينًا وأن له شمالًا فأحاديث شاذة ضعيفة خالفت كتاب الله ﷿، وخالفت ما اتفق عليه البخاري ومسلم من أن كلتا يديه سبحانه يمين، ورددنا كل تأويل صرف لفظ اليد لله ﷿ عن ظاهرها وعن حقيقتها، والذي قلناه في صفات اليد لابد وأننا سنقوله في كل صفة ولذلك فإننا لا نعيد الكلام اعتمادًا على فهمه في المرة الأولى أو الثانية.\nواليوم نتكلم عن صفة الأصابع فنقول: لله ﷿ أصابع، وإذا كنا لا نعلم كيفية اليد، فإننا كذلك لا نعلم كيفية الأصابع لله ﷿، ولكننا نثبتها له ﷾ بلا كيف ولا حد، فلا نستطيع أن نكيف صفات المولى ﵎، سواء كانت صفاته الفعلية، أو الخبرية الذاتية، ومعنى أنها صفة ذاتية.\nأي: أنها لازمة لذاته ﵎ لا تنفك عنه، أولية بأوليته دون ابتداء، وآخرية بآخريته بلا انتهاء، بخلاف -مثلًا- صفة الكلام لله ﷿ وصفة النزول، وصفة المجيء وغيرها من الصفات، فإن الله ﵎ أعلمنا أنه ينزل في الثلث الأخير من الليل، فلا يجوز لأحد أن يقول: إنه ينزل في الثلث الأول، أو ينزل في النهار، أو ينزل في بعض الليل دون بعضه، إلا ما حدده الله تعالى ورسوله، فإذا كان الخبر يثبت أنه ينزل في الثلث الأخير من الليل، فيمنع أن يقول أحد: أنه ينزل في منتصف الليل، أو في أول الليل أو في بعض أجزاء النهار؛ لأنه ينزل حيث أخبر، وبالطريقة التي تليق به ﵎.\nإذًا: الله ﵎ ينزل في وقت ولا ينزل في وقت آخر، ولا ينزل في بقية الليل وكذلك النهار، وإنما ينزل في الثلث الأخير من الليل، والله ﵎ يتكلم بأي كلام متى شاء، وله أن يتكلم في وقت دون وقت، لكننا لا نقول: إن لله ﵎ يد بالليل، وليست له يد بالنهار، لأنها صفة ذاتية، ومعنى ذاتية أنها ملازمة لذاته لا تنفك عنه، فيمتنع أن نقول في هذه الصفات: إنها ثابتة لله ﷿ في وقت دون وقت، وإنما هي ثابتة له في كل وقت وحين، فإن الله ﵎ لا تنفك عنه يده، كما أنه لا تنفك عنه أصابعه.\nيعني: لا يوصف في وقت أنه ذو أصابع، ثم ننفي عنه في وقت أنه ذو أصابع، لأنها لازمة له على الدوام من الأزل وإلى الأزل، دون بداية ولا نهاية.\nذكر غير واحد من العلماء في كتبهم أن صفة الأصابع لله ﷿ ثابتة لله ﷿، وتلقاها بالقبول أهل السنة والجماعة، ومما يؤيد ذلك: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما -أي: البخاري ومسلم - وكذلك ذكره ابن عبد البر في كتابه العظيم: (التمهيد)، وقد جمع أكثر طرقه الإمام الدارقطني في رسالة صغيرة لطيفية جدًا سماها: (صفات الباري ﵎)، هذه الرسالة ليس فيها حديث إلا له تعلق بصفات الله ﷿، والإمام الدارقطني كان على رأس طبقته ممن يدعو إلى السنة على منهج النبوة، فقد كان إمامًا عظيمًا جبلًا من جبال السنة والداعين إليها، الآمرين فيها بالمعروف، والناهين فيها عن المنكر، جمع في هذه الرسالة عدة أحاديث تثبت صفات المولى ﵎.","vol":"23","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>حديث: (إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع)</span>\nمن هذه الأحاديث التي رواها الدارقطني في هذه الرسالة: ما أخرجه ابتداءً الإمام مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله ﷿ عنه قال: (جاء حبر إلى النبي ﷺ) ومعنى حبر: عالم من علماء اليهود، (فقال: يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء على أصبع، والثرى -الذي هو التراب- على أصبع، وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أنا الملك، فضحك النبي ﷺ تعجبًا مما قال الحبر وتصديقًا له).\nوعبد الله بن مسعود راوي الحديث فهم أن النبي ﵊ إنما ضحك تعجبًا وتصديقًا ولا غرو في ذلك؛ لأنه حق أتى من قبل اليهودي فقبلناه، لا لأن القائل به يهودي، ولذلك لم يرده النبي ﵊ ويقول له لا هذا الخبر يرد؛ لأنك يهودي لا يقبل منك هذا الخبر، وإنما ضحك تعجبًا وتصديقًا لمن أخبر بذلك الخبر، (ثم قرأ قول الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).\nوقد روى هذا الحديث غير واحد من الصحابة، فلم ينفرد به ابن مسعود، بل رواه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس وغيرهما.\nوقريب منه: حديث أبي هريرة عند مسلم والحديث متفق عليه -أخرجه الشيخان- رواه البخاري في كتاب التوحيد في صحيحه.","vol":"23","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>حديث: (إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن)</span>\nأيضًا: وفي معنى هذه الأحاديث المشار إليها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم ولفظه: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء، ثم قال -أي النبي ﵊-: يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك).\nوالشاهد: إن قلوب العباد كقلب واحد بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا الحديث كذلك هو الحديث الثاني في إثبات أن لله ﵎ أصابع.","vol":"23","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>حديث: (قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن)</span>\nكذلك في معناه الحديث الثالث: حديث النواس بن سمعان ﵁ عند مسلم ونصه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الميزان بيد الرحمن إن شاء يرفع أقوامًا ويضع آخرين، وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه).\n(إن شاء أقامه): أي هداه.\n(وإن شاء أزاغه): أي أضله.\nفهذه أحاديث ثلاثة تثبت الأصابع لله ﵎، فصفة الأصابع لم تثبت بالكتاب العزيز، ولا يلزم في إثبات صفة من الصفات أن يكون لها ذكر في القرآن الكريم، وإنما مصدر التشريع والاعتقاد كتاب الله ﷿ وسنة النبي ﵊، وإنما نعتمد على السنة وحدها إذا لم يكن هناك خبر في القرآن الكريم، وقد نطقت السنة فيما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو وكذلك رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان وما اتفق عليه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين.\nهذه الثلاثة الأحاديث أثبتت أن لله ﵎ أصابع، وقال النبي ﵊: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).\nوبهذه الأحاديث الصحاح يثبت علماء الحديث وأهل السنة لله تعالى الأصابع، بثبوتها صفة لله تعالى خبرية؛ لأن الخبر قد ورد بها.","vol":"23","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات</span>\nمن القواعد المسلم بها عند أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفات المولى ﵎ وأسمائه: أنهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله، وينفون عن الله ﷿ ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله الكريم ﵊.\nفلابد وأن نثبت الأصابع لله ﷿، لأنه قد ورد في السنة إثباتها.\nأي: نطقت السنة بإثبات أن لله ﵎ أصابع، وأحاديث صفة الأصابع لله ﷿ لم تسلم من تحريف المحرفين كأي صفة من الصفات، بل تعرضوا لها مرة بالتأويل، ومرة بالتحريف، بل منهم من تعرض لها بالتعطيل، ومنهم من تعرض لها بالتمثيل.\nقالوا: إذا كنا نثبت لله ﵎ أصابع، فلابد وأنها تكون كأصابعنا، ولا شك أن هذا غلو شديد، وانحراف عن منهج النبوة فيما يتعلق بصفات المولى ﷿؛ لأن المنهج الحق هو منهج أهل السنة وهم وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، فلا ينفون الصفة وقد أثبتها الله تعالى ورسوله، كما أنهم لا يشبهون صفات الخالق بصفات المخلوقين، فلا يمثلون صفات الباري ﷿ بصفات المخلوق الجارحة، فإننا نثبت أن لله ﵎ أصابع ليست جارحة، فلا تشبه أصابعنا، إنما هي أصابع تليق بالمولى ﷿، ونسكت على ذلك، ونؤمن به إيمانًا جازمًا، فأحاديث الصفات نالها ما نال غيرها من نصوص الصفات الأخرى.\nوزعم بعضهم: أن صفة الأصابع تخليط من اليهود، فقالوا: نحن لا نثبت صفة الأصابع، لأنها إنما أتت من طريق اليهود، وهذا الكلام مردود عليهم، فإن الحجة ليست بقول اليهودي وإنما في إقرار النبي ﵊، لأن خبر بني إسرائيل إن وافق ما عندنا فلا بأس وإن خالف رددناه، وإن لم يخالف ولم يوافق فإننا لا نؤمن به ولا نكذبه.\nأي: لا نصدقه ولا نكذبه، فلا عبرة به عندنا، وإن قال به حبر من أحبار اليهود، والنبي ﵊ ضحك تعجبًا لما قال، وتصديقًا له، فإنما نأخذ الحجة من تصديق النبي ﵊ لذلك الحبر.\nوحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) ليس فيه واحد من اليهود أو النصارى بل هو خبر مسلم قح من أوله إلى آخره، وكذلك حديث النواس بن سمعان، وكلاهما يثبتان أن لله ﵎ أصابع، فلماذا نرد هذه الأخبار؟ ومعلوم أن اليهود مجسمة فما من بدعة وقعت في الإسلام إلا ولابد أن صاحبها إما يهودي أو نصراني أو مجوسي أو صاحب هوى وبدعة، فكل الانحرافات والبدع الخاصة بالعقيدة مصدرها اليهود والنصارى والمجوس، ثم أصحاب الأهواء الذين يميلون بأهوائهم إلى الابتداع لا إلى الاتباع.\nوقالوا: أن ضحك النبي ﵊ من كلام الحبر ليس دليلًا على تصديقه لليهودي، بل هو دليل الكراهة والغضب والاستنكار، وهذا كلام بعيد جدًا.\nومتى علم أحد من المسلمين أن النبي ﵊ إذا أنكر أمرًا ضحك له؟ وهل وجدتم دليلًا في السنة من أولها إلى آخرها أو سمع أحدكم أن النبي ﵊ إذا سمع شيئًا يكرهه وينكره فإنه كان يضحك؟ إنما كان يغضب غضبًا شديدًا حتى يرى ذلك في وجهه، وإذا كان ذلك في عموم الأشياء فإنه من باب أولى في أحاديث الصفات لله ﷿، فلابد أن يكون شديد الغضب، والنبي ﵊ لا يسكت على باطل، وضحكه لا يدل على استنكاره، وإنما يدل على تعجبه وتصديقه.\nهب أن المسألة مسألة عقول وأفهام، فأيهما أحسن عقلًا وأشد فهمًا عبد الله بن مسعود الذي رأى النبي ﵊ وهو يضحك، أم هؤلاء الذين صرفوا الضحك إلى الاستنكار ورد خبر ذلك الحبر؟ إن الواحد إذا ضحك ربما يضحك استهزاءً، أو سخرية، أو استنكارًا لما يسمع، أو تعجبًا مما يسمع، أو موافقة وقبولًا لما يسمع، لأن التشريع لا يناط به، ولكن الذي يعلم أنني أضحك تعجبًا أو استنكارًا هو الذي يراني أضحك، يعلم كيف أضحك، وعلام يدل هذا الضحك، فـ عبد الله بن مسعود هو الذي رأى النبي ﵊ وهو يضحك، فلو كان يعلم أن هذا الضحك ليس للتعجب ولا للتصديق بل هو للاستنكار ولغرابة الخبر لصرح بذلك ونقله إلينا، بل هو الذي رأى الضحك، ويعلم من حال ضحك النبي ﵊ أنه لا يستنكر ولا يستغرب وإنما قال: (ضحك النبي ﵊ مما قال الحبر تعجبًا وتصديقًا له).\nوإذا كانت المسألة مسألة فهوم وعقول فعقل عبد الله بن مسعود أرجح، وفهمه أقوى وأشد من فهم هؤلاء الذين حرفوا النص عن ظاهره لينفوا عن الله ﷿ أنه ذو أصابع.\nوادعوا كذلك أن ذكر الأصابع لم يرد في القرآن أو في حديث متواتر، والرد عليهم أنه ليس بلازم قط أنها ترد في القرآن الكريم، ودعواهم في ظاهرها حق ولكن أريد بها باطل، ولو وردت لفظة الأصابع في القرآن لأولوها كما أولوا غيرها من الصفات التي وردت في القرآن، كما أولوا صفة اليد مع أنها ثابتة لله في القرآن فأولوها بالنعمة، وبالقدرة.\nالمهم أنها","vol":"23","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>مذهب المعتزلة في الصفات والرد عليهم</span>\nومن هؤلاء المعتزلة من يتفلسف ويقول: إننا لا نحتج في صفات المولى ﷿ إلا بالأحاديث المتواترة.\nوهؤلاء معتزلة، بل هم شر من المعتزلة، فمعتزلة هذا الزمان شر من المعتزلة في ذلك الزمان الأول، فإنهم تأولوا هذه الصفات وهم يعتقدون أن هذا دين يتقربون به إلى الله ﷿، أما هؤلاء الملاحدة الذين تبنوا مذهب الاعتزال في هذا الزمان فإن التسمية الحقيقية لهم أنهم ملاحدة، ولكنهم تستروا بسترا العقل وقالوا: نحن عقلانيون، نحن تابعون للعلم الحديث، نحن معتزلة ولكنهم في الحقيقة لا يجرءون على أن يصرحوا بمكنون صدورهم؛ لأنه يؤدي بهم إلى الكفر الصريح عياذًا بالله تعالى فهنا يقولون: إن هذه الصفة ليست ثابتة في الكتاب ولذلك لا نقول بها إلا إذا وردت بأحاديث متواترة.\nوالرد عليهم فيما يلي: الرد الأول: أن غيرها من الصفات ثبتت في الكتاب ولم تقولوا بها؟ وهذا يدل على فساد قلوبكم، وسوء طويتكم.\nالرد الثاني: أنه لا يلزم من ثبوت شيء في دين الله ﷿ أن يرد في الكتاب، بل إن الله ﷿ أمرنا أن نتبع محمدًا ﵊؛ لأن سنته وحي من عند الله ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فالنبي ﵊ أخبرنا أن لله أصابع، وقد صح بذلك الخبر فلم لا نقول به؟ ولم لا نعتقده؟ ولم نرد على النبي ﵊؟ تصور أنك جالس بين يدي النبي ﵊ وهو يقول: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) أتقول له لا هذا الخبر ليس متواترًا؟ أم أين دليلك من الكتاب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنك لا يمكن أن تتكلم، ولو تكلمت بهذا الكلام الكفري بين يديه لوجدت من يؤدبك ومن يقطع رقبتك كأمثال عمر وغيره، بل هو اعتراض وتقدم بين يدي النبي ﵊.\nالرد الثالث: من الذي فرق في صفات المولى ﷿ بين قبول الخبر إذا جاء متواترًا ورده إذا جاء آحاد؟ من الذي قال بهذا؟ أهو النبي ﵊ أم الخلفاء الأربعة أم أصحاب النبي ﵊ أم الأئمة المتبوعون إلى قيام القيامة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لم يقل أحد من هؤلاء برد الخبر إذا كان في الاعتقاد إذا أتى من طريق الآحاد، بل قالوا: إذا صح الخبر فهو مذهبنا، وهو معتقدنا، وبه نقول، فإذا كان هذا الخبر قد ورد في الصحيحين بإثبات هذه الصفة لله ﷿ فلماذا لا نقول بها إذًا؟ ولذلك (أرسل النبي ﵊ معاذًا وحده إلى اليمن، وقال: إنك تدعو قومًا أهل كتاب -يهود ونصارى- فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) هذا اعتقاد.\nوأرسل معاذًا وهو خبر آحاد، وقبله أهل اليمن ولم يردوا معاذًا ويقولوا له: اذهب إلى النبي ﵊ أو اذهب إلى أبي القاسم فأخبره أننا لا نقبل هذا الكلام إلا إذا كان متواترًا، وإن النبي ﵊ لما استقر عنده أن خبر معاذ كاف وحده في إقامة الحجة على أهل بلد أرسله إليهم يعلمهم الاعتقاد أولًا، فلما لم يكن هذا ولا ذاك، قام أهل اليمن وقبلوا خبر معاذ وأتوا بعد ذلك إلى النبي ﵊ مسلمين، بعضهم أتى إلى النبي ﵊ ليسمع بالسند العالي ما أوحى الله ﷿ به إلى نبيه.\nفقولهم: إن هذا الخبر ليس في القرآن مردود.\nإذًا: ماذا تصنع السنة؟ وما قيمتها حينئذ؟ كما أن خبرهم أو قولهم بأننا لا نقبل في إثبات الصفات إلا الأحاديث المقطوعة ويقصدون بها المتواترة، خبر كذلك أشد ردًا مما سبقه.","vol":"23","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>مذهب الأشاعرة في الصفات والرد عليهم</span>\nأيضًا الذين أثبتوا هذه الأحاديث، هم أحسن حالًا ممن سبق، هؤلاء قالوا: سنسلم بأن هذه الأحاديث صحيحه، وأننا سنحتج بها في الاعتقاد، لكنهم ذهبوا مذهبًا آخر، واضطربوا اضطرابًا شديدًا، وتحيروا وتخبطوا، فقالوا: هذه الأخبار صحيحة ولكننا سنؤولها -وهؤلاء الأشاعرة- ونصرفها عن ظاهرها، وعن المراد منها، ومحاولة التأويل بدعوى أن مثل هذه النصوص لا يراد ظاهرها؛ لأن الأدلة العقلية تأبى ذلك، ومن أصول المبتدعة: تقديم العقل على النقل، لكن من أصول أهل السنة تقديم النقل على العقل، والذي خلق العقل هو الله ﷿؛ لأنه لا خالق غيره ولا رب سواه، وهذا العقل منه الفاسد ومنه السليم، ونصوص الشرع منها الصحيح ومنها السقيم، فالصحيح كتاب الله ﷿ وما صح عن النبي ﵊، والسقيم منها: الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وإذا كان الخلاف وقع بين أهل العلم فيما يتعلق بالاحتجاج بالضعيف في فضائل الأعمال، فمن باب أولى وأحرى إذا كان هذا الخبر الضعيف يثبت صفة لله ﷿ فلا نثبتها، لأنهم يشترطون في ذلك يأتي الخبر من طريق صحيح، ومن طريق الثقات.\nفقولهم إنما نؤول الأصابع لأنها لا تتفق مع العقل؛ ولأن الأدلة العقلية تأبى ذلك، لأنهم تصوروا أن أصابع الخالق كأصابع المخلوقين، فأرادوا أن ينزهوا الله ﵎ برفض الأدلة، وإما أن ينزهوه بتأويل الأدلة، فلما ثبتت الأدلة ثبوتًا يقينيًا قالوا: إن هذه الأدلة ظاهرها غير مراد.\nيعني الكلام هذا على سبيل المجاز.\nأي: أن الكلام هذا لا يقصد به حقيقة الأصابع، فيصرفون النص عن ظاهره ويقولون بالمعنى المترتب عليه، وهو القبض وهو لا يتم إلا بالأصابع، والبسط لا يكون إلا بالأصابع وغير ذلك، والحثيات كذلك لا تكون إلا بالأصابع، أي براحة اليد وبالأصابع، فلما ثبت هذا كله لله ﷿ أردوا أن يقولوا: إن هذه الأصابع إنما هي فرع وتصور عن اليد التي هي أصلًا عندهم القوة، فالأصابع لا يراد منها الظاهر بل هي مجاز لله ﷿، والمجاز فيما يتعلق بأمور الغيب -خاصة فيما يتعلق بالباري ﵎- لا يجوز قط، وليس هو منهج أهل السنة والجماعة، لأنهم يثبتون لله ﵎ ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله على الوجه اللائق به حقيقة لا مجازًا، فإن لله يد حقيقة، لكن لا يعلم كيفية هذه اليد إلا الله ﷿.\nأما المبتدعة قالوا: لابد من التأويل إلى ما يليق ويقبله العقل، فنقول: هذا غيب لا دخل للعقل فيه، والغيب ابتلاء من الله ﷿، فالجنة والنار والحور العين لا نقول فيها أنها مجاز، وإلا للزم من ذلك القول بأن الله ﷿ مجاز؛ لأنه ليس ذاتًا حقيقية -حسب زعمكم- لأنكم أنكرتم الصفات اللازمة للذات، فإذا كنتم تنكرون هذه الصفات وتؤولونها بأنها مجاز لابد وأنكم تقولون في النهاية بأن الذات العلية كذلك مجاز.\nإذًا: في النهاية لا يوجد إله.\nويصح هنا ما قاله ابن تيمية: إن المعطل يعبد عدمًا، وإن الممثل يعبد صنمًا.\nفـ ابن تيمية لم يقل هذا الكلام من فراغ بل هو خبر قلوب القوم لا أقوال ألسنتهم، فعلم بنور من الله ﷿ أن المعطلة الذين يعطلون الصفات ويلزم بذلك أن يعطلوا الذات يعبدون عدمًا؛ لأنهم في النهاية لا يكون لهم إله؛ لأنه لا يتصور أن يكون هناك ذات بغير صفات، فإذا كانوا نفوا الصفات فلابد وأن ينفوا في النهاية الذات.\nوالممثلة على النقيض من ذلك، فهم يثبتون أن لله تعالى يدًا كأيدينا وعينًا كأعيننا، وساقًا كساقنا، وأصابع كأصابعنا، وينزل كنزولنا، ويجيء كمجيئنا، فيصورونه في النهاية شخصًا، فهم يعبدون صنمًا؛ لأن الله ﵎ لا يشبه أحدًا من خلقه لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.\nوقال آخرون: يحتمل أن يكون المراد بالأصابع خلقًا يخلقهم الله ﷿ ليحملوا ما تحمله الأصابع.\nوهذا تأويل ساذج إذ جعلوها شيئًا حادثًا منفصلًا عن الذات، وصفات الله ﵎ ليست حادثة، لأنك لو قلت بحدوثها فيلزمك أن تقول: إن الله كان متصفًا بالنقص فكمل نفسه.\nوهذا كفر والعياذ بالله.\nوقال آخرون: لعل المراد بالأصابع نعمة النفع والدفع، أو أثر الفضل والعدل إلى آخر تلك التكلفات التي نحن في غنى عن سردها؛ لأن حسن اعتقادنا في الله ﷿ أن نؤمن بما جاء في الكتاب والسنة عن صفات الله ﷿ على الوجه اللائق به ﵎، ولذلك فإن منهج أهل السنة في غاية الراحة والطمأنينة، ولذلك إذا أتاك أي خبر لابد وأن تسأل: من القائل به؟","vol":"23","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>بيان أنه لا تعارض بين العقل السليم والنقل الصحيح</span>\nناقشني رجل فقال: يرحم الله فلانًا فإنه كان يشن الغارة على السلفيين، وهو خبر القوم، وعلم فسادًا من هديهم وفساد قلوبهم.\nقلت: أما يرحمه الله فإنا نسأل الله أن يرحمه، وأما أنه خبر القوم، فوالله ما خبرهم ولو خبرهم لتبعهم، بل منعه كبره أن يقبل الحق وأن يتبع شبابًا صغارًا في سن أولاده وهو عالم كبير في الأزهر، وكان يغتاظ أشد الغيظ إذا سمع كلمة سلفي أو كلمة سنة.\nقلت: أليس هو الذي رد حديث الذبابة وهو في الصحيح؟ قال: نعم.\nثم قلت: أليس هو الذي رد حديث سحر النبي ﵊؟ قال: نعم.\nهذا لا يليق بجناب النبوة.\nقلت: النبي أعلم بجناب النبوة منك، فهو الذي أخبر أنه سحر، والنبي ﵊ هو الطبيب الأول الذي أخبرنا أن الذبابة إذا وقعت في شراب أحدنا فليغمسها في هذا الشراب فإن في أحد جناحيها داء وفي الآخر دواء، وأنت لا تدري بأي الجناحين سقطت هذه الذبابة، فمن باب الاطمئنان ودفع الوسواس أن تغمسها، فإذا كان جناحها الذي يحمل الداء هو الذي سقط عالجه الجناح الآخر؛ لأن فيه الدواء، وإن كان الذي سقط فيه هذا الشراب هو الجناح الذي فيه الدواء فإن غمس الجناح الذي فيه الداء لا يضره، ثم إني قلت له في نهاية المناقشة: من الذي أبلغك أن أبا بكر رد هذا الكلام؟ قال: لا أحد.\nقلت: وعمر؟ قال: لا.\nوعثمان؟ قال: لا.\nوالشافعي؟ قال: لا.\nوأبا حنيفة؟ قال: لا، قلت: ما تقول في هؤلاء، أليس هم علماء الأمة؟ ومن الذي يقول بما تقوله الآن؟ قال: المعتزلة.\nفقلت: رضيت لنفسك ولدينك أن تكون متبعًا لمنهج المعتزلة وهم الخلف.\nقال: لأن هذا الكلام غير معقول.\nقلت: العقل ليس مصدرًا للتشريع، بل الكتاب والسنة حاكمان على العقل، هاديان له، مرشدان له إلى طريق الحق والخير، فأنت جعلت عقلك حاكمًا على كلام الله ﷿ وكلام الرسول ﵊، وهذا لا يعقل.\nثم قلت: أتظن أنك العاقل الوحيد؟ قال: لا وأنت أيضًا يا شيخ عاقل؟ قلت: إذا كانت المسألة مسألة عقول فإن عقلي يقبل كل خبر جاء في كتاب الله أو صح عن النبي ﵊ سواء علمت معناه أم لم أعلمه، علمت حقيقته أم لم أعلمها، فإن عقلي يأمرني بذلك، وأنت عقلك يرد هذا، فهل يتصور أن يكون الله ﷿ جعل العقل حاكمًا على الكتاب والسنة؟ أنت اليوم عاقل وغدًا لست عاقلًا، فأنت اليوم تقبل خبرًا وغدًا ترده، والخبر الذي تقبله بعقلك أنا أرده بعقلي والعكس بالعكس، فلا يصح أن يكون العقل المتغير الموصوف بالعجز والنقص والضعف حاكمًا على الكتاب والسنة.\nنعم.\nالله ﵎ خاطب العقل وكلفه بأعظم تكليف أن يؤمن بهذا الكتاب، وأن يتدبر في آيات الله ﷿؛ لأن العقل المخاطب هو العقل السليم، ولذلك قال النبي ﵊: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ).\nلأن هؤلاء الثلاثة لا عقول لهم، ولذلك لا يقعون في دائرة التكليف، والشرع لم يكلف هذه العقول أن تمعن النظر؛ لأنها لا نظر لها، فكيف تجعل من عقلك حكمًا على الكتاب والسنة؟! ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل: لا يوجد أبدًا تعارض بين النقل والعقل، وإن كنا أحيانًا نشعر بوجود تعارض، فالنقل الصريح في الكتاب والسنة يتفق مع العقل الصحيح السليم من كل آفة وهوى وابتداع وزيغ وانحراف عن الحق.\nوإذا لم يوافق العقل الشرع فلابد أن تكون هناك علة، هذه العلة ليست في دين الله ﷿، وإنما هذه العلة إما أن تكون بفساد العقل، وإما أن تكون في ضعف النقل كأن يكون الحديث ضعيفًا، ثم ذكر مثالًا على ذلك، وهو قول النبي ﵊: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب.\nقال: وما اكتب؟ قال: اكتب كل شيء كان ويكون إلى قيام الساعة).\nوحديث آخر من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: قال النبي ﵊: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر).\nوهذا الحديث يحتج به الصوفية، فيقال: إن التعارض واقع بين هذين الخبرين، فإما أن يكون الجمع بينهما ممكن، وعقلي هو الذي قصر لفساد فيه وجهل فيه عن الجمع بين الدليلين، وإما أن يكون العيب في عدم ثبوت واحد منهما، فلما فتشنا علمنا أن حديث القلم هو الصحيح، وأن حديث: (نور نبيك يا جابر) حديث موضوع، فلما علمنا بوضعه استبعدناه فلم يبق لنا إلا خبر واحد: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب) فليس عندي في هذه المسألة إلا خبر واحد، فلابد أنه سيتفق مع عقلي تمام الاتفاق، لأن النقل صريح، والعقل صحيح، ففي هذه الحالة ليس هناك تعارض أبدًا.\nولذلك فإن ابن خزيمة إمام الأئمة رحمه الله تعالى، صاحب كتاب التوحيد وهو كتاب عظيم جدًا، قال: ما من دليلين ترون أن بينهما ت","vol":"23","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>مذهب الحافظ ابن حجر في الصفات</span>\nممن أنكر الإثبات وتكلف في معنى حديث الأصابع: الحافظ ابن حجر إمام أئمة السنة، فقد زلت قدمه في بعض الصفات فوافق فيها الأشعرية، ولا يعني ذلك أنه في موافقته للأشاعرة في بعض الصفات أنه أشعري، بدليل أنه حمل حملة شعواء في شرحه للصحيح في المجلد الثاني عشر على مذهب الأشاعرة، وأثبت أنهم من أهل القبلة لا من أهل السنة.\nفأهل العلم يفرقون بين المصطلحين: أهل القبلة، وأهل السنة، فأهل القبلة: يثبت لهم الإسلام فقط وعندهم انحراف وبدع.\nوأما أهل السنة: فإن الاتباع والاقتداء ثابت لهم، ولذلك سموا أهل السنة والجماعة، لأنهم استنوا بسنة النبي ﵊ على مراد النبي ﵊، وهم الجماعة الذين اجتمعوا على الاقتداء والاتباع بالنبي ﵊.\nأما الأشاعرة فإنهم فرقة من الفرق، وكذلك المعتزلة فرقة، والخوارج فرقة، والقدرية فرقة، والإباضية فرقة، والشيعة فرقة، والصوفية فرقة، وكلهم ضالون؛ لأن النبي ﵊ هو الذي قضى وحكم بذلك، فإننا نقضي ونحكم بما حكم به النبي ﵊ حيث قال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فحكم بأنهم للنار لأجل انحرافهم وضلالهم حين ابتعدوا عن منهج السنة.\nقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: حيث أوضح أن في تصرف هؤلاء المتأولة الطعن في ثقات الرواة، وصرفهم هذه النصوص عن ظاهرها فيه طعن للرواة الذين رووا هذا الخبر ورد الأخبار الثابتة إلى أن قال: ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الراوي للزم فيه تقرير النبي ﵊ على الباطل، وسكوته عن الإنكار وحاشاه من ذلك.\nيعني: إذا كان كلامهم صحيحًا فإن النبي ﵇ أقر عبد الله بن مسعود على فهمه الباطل، ولما كان ذلك محال في حق النبي ﵊ أن يسكت على باطل لابد وأننا نقول: بأن ابن مسعود فهم فهمًا صحيحًا سليمًا أن النبي ﵊ ضحك تعجبًا وتصديقًا وليس استنكارًا كما قالت المتأولة.\nثم قال: وممن أنكر بل تشدد في الإنكار على من ادعى أن الضحك في الحديث كان على سبيل الإنكار هو ابن خزيمة، فإنه بعد أن أورد هذا الحديث في كتابه التوحيد، قال: يا له من موقف غريب؟ هل هؤلاء يدعون أنهم أعلم بالله وما يليق به من رسول الله أو من أصحاب رسول الله ﵊ أو من التابعين لهم بإحسان؟ فمثل هذا يحتار فيه المرء ولا يدري كيف يفسره.\nوعلى كل حال فهذه مواقف ثلاثة تمخضت من دراسة أحاديث الأصابع ومواقف الناس منها، وهي: الأول: إثبات صفة الأصابع كما جاءت بها السنة، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة.\nالثاني: تأويل الأحاديث الواردة والخروج بها عن ظاهرها، وهذا مذهب الأشاعرة.\nالثالث: إنكار الأحاديث وردها بدعوى أنها مخالفة للأدلة العقلية القطعية في زعمهم، وهذا منهج المعتزلة والجهمية، والحق أبلج والباطل لجلج.","vol":"23","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>إثبات صفة الأنامل لله تعالى</span>\nهناك صفة أخرى لله ﷿ أحب أن أذكرها؛ لأنها تابعة لصفة الأصابع، وهي صفة (الأنامل) وإثباتها لله ﷿، فقد ثبت فيما رواه أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﵊ رأى ربه ﷿ فيما يرى النائم.\nوأنتم تعلمون أن الخلاف قائم في رؤية النبي ﵊ لربه في ليلة الإسراء والمعراج، ولكن هذا له درس مخصوص، سيأتي بإذن الله.\nأما الذي لا خلاف فيه بين الأمة أن النبي ﵊ رأى ربه في المنام بدليل حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (رأيت ربي فيما يرى النائم في أحسن صورة، فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري.\nقالها ثلاثًا.\nقال: فرأيته وضع كفه بين كتفي) وهذا فيه إثبات لصفة الكف لله ﷿.\nقال: (حتى وجدت برد أنامله في صدري): يعني المولى ﵎ وضع كفه التي تليق به ﷾ بين كتفي النبي ﵊، ولو فسرنا الكف بالنعمة فهل يتصور أن يكون المعنى: إن الله وضع نعمته بين كتفي النبي ﵊؟ لا بد وأن نقول: بأنها كف حقيقة على المعنى اللائق بالمولى ﷿.\nقال: (حتى شعرت ببرد أنامله في صدري).\nفهذا الحديث يثبت لله تعالى صفتين صفة الكف وصفة الأنامل، وهو حديث صحيح لغيره، أخرجه أحمد، والترمذي، وابن خزيمة، وابن أبي عاصم.\nوشيخ الإسلام ابن تيمية رد على الإمام الرازي صاحب التفسير لما أول قوله: (وجدت برد أنامله) بالعناية، وأنه وجد أثر تلك العناية يفسر بأن الله تعالى وضع كفه على النبي ﷺ أنه اعتنى به أعظم عناية، فشعر النبي ﵊ بهذه العناية في صدره، فرد عليه ابن تيمية فقال: فتخصيص أثر العناية لا يجوز.\nيعني: إذا كان الأمر كما قال الرازي فلن يكون هناك معنى جديد من أنه شعر ببرد أنامله على صدره، ونحن نعرف أن النبي ﷺ أبلغ العرب، فهل يقول كلامًا ليس له معنى، أم كلامه كله له معنى؟ فكلامه صدر عن حكمة، وعن وحي، وتشريع، فلا يتصور أبدًا تخصيص أنه شعر بذلك في صدره، فلماذا ما شعر في جميع بدنه؟ إذا كانت رجلك تؤلمك فإنك تستشعر بأن الله تعالى سحب منها نعمة القوة والدفع والنزع، أما إذا كانت لا تؤلمك فإنك تستشعر بأن نعم الله ﵎ وعناية الله ﵎ تحيط بك حسيًا ومعنويًا فلماذا خصص النبي ﵊ أنه شعر ببرد أنامل المولى ﷿ على صدره؟ ولماذا لم يقل: في بطنه، أو في ظهره، أو قدمه، أو في عقله أو غير ذلك؟ فكونه خص الصدر لابد أن يكون ذلك لفائدة.\nقال: فتخصيص أثر العناية لا يجوز إذا لم يوضع بين الكتفين شيء قط، وإنما المعنى أنه صرف الرب عنايته إليه، فكان يجب أن يبين أن أثر تلك العناية متعلق بما يعم، أو بأشرف الأعضاء، وما بين الثديين كذلك بخلاف ما إذا قرأ الحديث على وجهه، فإنه إذا وضعت الكف على ظهره نقل بردها إلى الناحية الأخرى وهو الصدر، ومثل هذا يعلمه الناس بالإحساس، وأيضًا فقول القائل: وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي.\nهذا نص من النبي ﵊ لا يجوز صرفه، ولا يحتمل التأويل والتعبير بمثل هذا اللفظ يعني: لا يتصور أن يكون هذا البرد الذي قال به النبي ﷺ هو مجرد العناية؛ لأن العناية ثابتة للنبي ﷺ قبل هذه الرؤيا، وهذا أمر يعلم بطلانه بالضرورة من اللغة العربية، وهو من غث كلام القرامطة والسفسطائية.\nثم قال ابن تيمية الوجه الثاني: أنه ﷺ ذكر ثلاثة أشياء حيث قال: (فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها).\nوفي رواية: (برد أنامله على صدري فعلمت ما بين المشرق والمغرب).\nيعني هذه الرؤيا كان فيها العلم، وقوله: (فعلمت ما بين المشرق والمغرب).\nيعني علمت فيم يختصم الملأ الأعلى.\nلأن السؤال الأول: (أتدري فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قال: لا يا رب).\nوهذه الرؤيا التي رآها النبي ﷺ أطلعه الله ﷿ على علم ما بين السماء والأرض إلى قيام الساعة.\nقال: (فعلمت ما بين المشرق والمغرب) فذكر وضع يده بين كتفيه، وذكر غاية ذلك أنه وجد برد أنامله بين كتفيه وهذا معنى ثان، ويجوز هذا أيضًا عن شيء مخصوص في محل مخصوص، وكل هذا يبين أن أحد هذه المعاني ليس هو الآخر، والشاهد من هذا الكلام كله: أن صفة الكف ثابتة لله ﷿، وصفة الأنامل ثابتة لله ﷿، وصفة الأصابع ثابتة لله ﷿.","vol":"23","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>مذهب الإمام النووي في الصفات</span>\nالإمام النووي تارة يذهب مذهب الخلف في التأويل وصرف النصوص عن ظاهرها، وتارة يذهب مذهب السلف وينافح ويدافع عنه، وتارة ينقل مذهب السلف والخلف ولا يرجح ويسكت، وهذا بلا شك تردد عظيم جدًا ينم عن أن الإمام النووي لم يتمرس في هذا المسائل تمرس أهل السنة والجماعة، ولم يكن على علم وإحاطة بمذهب السلف فيما يتعلق بصفات الباري ﵎، كما كان الأمر عند أحمد، وعند ابن خزيمة، وعند ابن راهويه، وعند يحيى بن معين، وعند الشافعي وغيرهم من أهل العلم، ولم يكن قد بلغ في الاعتقاد هذا المبلغ، وإذا كان أحيانًا يتحير ويتردد، وأحيانًا يقطع بالحق، وأحيانًا يميل إلى الباطل، ليس اعتقادًا أنه باطل، ولكنه تصور هذا بعقله، ووقع فيما يريد أن يفر منه.\nلذلك لا نقول: إنه خلفي وإنما هو سلفي وافق المبتدعة في بعض أقوالهم، وهذه الموافقة إنما نتجت عن عدم تمكنه في دراسة الاعتقاد، بل تبعيته في الأخذ والتلقي عن الإمام المازري وعن القاضي عياض، وهما أشعريان، خلفيان، متأولان، وهما اللذان أورداه هذه الموارد، وأخرجاه إلى حد الابتداع فيما يتعلق بالصفات، ولذلك قال النووي معلقًا على قول النبي ﵊: (إن الله يمسك السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع)، هذا من أحاديث الصفات، وقد سبق فيه المذهبان: مذهب الخلف، ومذهب السلف، والتأويل مذهب الخلف، والإثبات مع الإيمان به مذهب السلف.\nيقول: أنني قدمت أو شرحت هذا الأمر مرارًا وتكرارًا أن أحاديث الصفات فيها المذهبين مذهب الخلف ومذهب السلف مع التصديق الجازم على ما جاءت به دون خوض أو تأويل أو تحريف.\nقال: مع اعتقادي أن الظاهر منها غير مراد، وهذا القول لا ينسب إلى أهل السنة.\nنحن نقول: الظاهر منها مراد لله ﷿ على ما يليق به، فنؤمن بصفة اليد مع اعتقادنا أن الظاهر منها مراد لله حقيقة لكن على الوجه اللائق به ﵎.\nقال: (فعلى قول المتأولين الذين يتأولون الأصبع هنا على الاقتدار).\nأي: خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل، والناس يذكرون الأصبع في مثل هذا للمبالغة في الاقتدار، فيقول أحدهم: بأصبعي أقتل زيدًا.\nأي: لا كلفة علي في قتله.\nوقيل: يحتمل أن المراد أصابع بعض مخلوقاته.\nقال: (وهذا غير ممتنع).\nيعني جائز، وممكن، أي: هذا الكلام وجيه لا يرد، ولذلك ينبغي بل يجب على طلاب العلم أن يتفحصوا وأن يتحروا كل لفظ يقرءونه في كتب السلف أو في كتب غيرهم وإن كان فيها شر مستطير فاحذر من القراءة فيها ابتداء، وكتب السلف ممكن يقع فيها الخبط والخلط، والإمام النووي على العين والرأس، يا ليت واحد في هذا الزمن مثل النووي أو حتى نصف النووي، وقد تعلمنا من النووي وغيره أن من خالف الكتاب والسنة فكلامه يرد على قائله، ومن وافقهما أخذ من قائله حتى وإن كان يهوديًا أو نصرانيًا، لحديث: (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها).\nقال النووي: وقيل: يحتمل أن المعنى بعض مخلوقاته، وهذا غير ممتنع، والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة، فمرة وافق أهل السنة، ومرة يخالف ونحن نقول: إن اليد الجارحة مستحيلة على الله ﷿، فلو أثبت لله يدًا مثل يدي الجارحة فأنا قد شبهت الخالق بالمخلوق، وهذا حرام لا يجوز ولا ينبغي، فقالوا: إن إثبات اليد لله ﷿ مجازي، والمقصود باليد: القدرة والغلبة والقوة، وإلا لترتب على ذلك أن يد المولى ﷿ مثل يد المخلوق.\nومذهب أهل السنة وسط بين الاثنين، فأثبت هذه الصفة لله على حقيقتها وعلى المراد منها ظاهرًا لله ﷿ على الوجه اللائق، ولذلك فإن مذهب أهل السنة مريح جدًا، فهو عبارة عن كلمات يسيرات تعتقدها، وتتعبد مولاك بها، وليس فيها تلف، وعقيدة الأنبياء والمرسلون فيما يتعلق بالإيمان لا تتغير عن بعضهم البعض.","vol":"23","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>موقف أهل السنة والجماعة من التفويض</span>\nقال النووي في قوله ﵊: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن) هذا من أحاديث الصفات، وفيها القولان السابقان، والإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى.\nوهذا الكلام غلط، ومردود عليه؛ لأن المعنى معلوم لدى السلف.\nإن أهل السنة يفرقون بين تفويض العلم، وتفويض المعنى، وتفويض الكيف، فتفويض العلم ليس مذهب أهل السنة الجماعة، لأنهم علموا يقينًا أن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، لأن الخبر ورد بذلك فليس عندي مجال أن أفوض علم الاستواء لله ﷿، لأن الله ﷿ هو الذي أعلمني وأخبرني في كتابه أنه استوى.\nأما تفويض معنى الاستواء لله ﷿ هو أنني لا أعرف أن الله قد أخبرني بالاستواء، ولا أعلم معنى الاستواء، وأفوضه لله ﷿، وهذا غلط لأن الاستواء معناه: الفوقية والارتفاع والعلو، فلا يفوض العلم والمعنى، وإنما تفوض الكيفية.\nوليس من اختصاصي أن أعرف كيفية استواء ربنا على العرش، وهذا من اختصاص ربنا، لأني لم أر الله ﷿، ومن أجل أن أكيف لك الاستواء لابد أن أراه سبحانه وأنا لم أره، فيقال: فلان استوى على الكرسي بمعنى أنه تربع أو جلس مدلدلًا رجليه، واستوى عليه بمعنى علا وارتفع عليه أو استقر عليه أو استولى عليه، وهذه المعاني كلها في الاستواء لا تليق بالمولى ﷿، وإلا في النهاية لو أن الاستواء في حق المخلوق مثل حق الخالق سيكون ربنا في النهاية جالس على الكرسي ولابس عمامة تعالى الله عن ذلك.\nوأصحاب الجمعية الشرعية يقولون عن السلفيين أنهم يريدون أن يجلسوا ربنا على الكرسي ويلبسونه عمامة، وهذا كلام في منتهى الإجرام في حق المولى ﵎.\nقال: (الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى).\nلا يا حبيبي نحن نعرف المعنى جيدًا معنى أن الله له أصابع نحن نعرف الأصابع؛ لأن الله ﵎ خاطبنا بما نعلم، بكلمات نعلم معناها، فلا يتصور أن الله ﵎ خاطبنا بما لا يقع له معنى في عقولنا، وإلا فربنا يخاطبنا بالمحال، والمخاطبة بالمحال غير واردة في الشرع وهي مسألة محل خلاف عند الأصوليين، والراجح فيها أن الله لم يخاطب عباده إلا بمعان معلومة لديهم، فمعنى الأصابع معلوم لدينا، لكن أصابع الخالق تليق بالكمال والجلال الثابت لله ﷿.\nقال: (بل نؤمن بأنها حق، وأن ظاهرها غير مراد).\nأي: أنه يؤمن بأنها حق، وهذا كلام جميل، يؤمن بأن الله ﵎ له أصابع على الحقيقة، وأن هذا حق وليس باطلًا.\nأما قوله: (وأن ظاهرها غير مراد).\nهنا لابد أن يوقعك في التأويل، وينصرف النص عن ظاهره، بل نقول: إن ظاهر هذه النصوص التي أثبتت لله الأصابع مراد لله ﷿ حقيقة على المعنى اللائق به ﵎.\nومعنى (غير مراد).\nأي: غير معلوم لدي، ولذلك لما سئل مالك بن أنس عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال: الاستواء معلوم -لأن الله أخبرنا- والكيف مجهول.\nإذًا: نفوض الكيف، لا العلم والمعنى، فتعمل عملًا لا يليق، بل يجب عليك أن تفوض الكيف، فتقول: لله أصابع.\nفالعلم قام لدي بأن لله أصابع من أجل خبر ورد ولذلك نحن نسميها صفات خبرية ذاتية؛ لأنها قد وردت في الخبر، وذاتية أي ملازمة لذات الله ﵎ لا تنفك عنه، فنقول: إن لله أصابع، وأن هذه النصوص على ظاهرها، والمراد منها معلوم لدينا على الوجه اللائق لله ﷿، ولا نعلم كيفية أصابع المولى ﷿.\nقال النووي: والثاني: التأويل.\nوهذا خطأ في الفهم من النووي لمعتقد أهل السنة والجماعة، وكل الناس يؤخذ من قوله ويرد، والتأويل ما كان يليق بالله ﷿ أبدًا، ولذلك فإن النووي كان يخلط بين مذهب السلف والخلف كأنه لا يعلم كيف هذا.\nقال: تؤول بحسب ما يليق بها، فعلى هذا فإن المراد هو المجاز -والسلف لا يقولون بالمجاز في الصفات بل حاربوا من قال بذلك أشد المحاربة- كأن يقول القائل: فلان في قبضتي، وفلان في كفي ولا يراد به أنه حال في كفه بل المراد تحت قدرتي.\nويقال: فلان بين أصبعي أقلبه كيف شئت.\nأي أنه قادر على قهره والتصرف به كيف شاء.\nوالكلام هذا يصح في لغة المخلوقين ومع المخلوقين بعضهم البعض، لكن لا يصح مع الله قط؛ لأنه لا يشبه المخلوقين لا في وحدانيته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، والقدرة من أفعاله ﵎، والتصرف من أفعاله ﵎، فقدرة الخلق ليست كقدرة الخالق ولو أجمع الخلق أجمعون على قدرتهم وجعلوها في رجل واحد.\nقال: فمعنى الحديث أنه ﷾ متصرف في قلوب عباده.\nيعني: جعل الأصابع عبارة عن التصرف؛ لأنه قاس الخالق على المخلوق، فإن الأصابع في حق المخلوق تقبض وتبسط، وتدفع وغير ذلك، فكذلك قالوا: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ليس الأمر على حقيقته وعلى ظاهره، بل هذا كلام مجاز تعبير عن قدرة الله ﷿ أنه","vol":"23","page":13},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-464> صفة القدم لله ﷿</span>\nصفة القدم ثابتة لله تعالى في السنة، وهي قدم تليق بالله سبحانه لا تشبه أقدام المخلوقين، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في جميع الصفات، إذ يجب إمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تأويل، وقدم الله سبحانه لا يعلم كيفيتها إلا هو ﷾.","vol":"24","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>إثبات أهل السنة والجماعة صفة القدم لله تعالى</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.\nفمع صفة أخرى لله ﷿، وهي من الصفات الخيرية اللازمة لذاته سبحانه، وهي صفة الرجل أو القدم، وكلاهما بمعنى واحد، وهذه الصفة ثبتت لله ﷿ بالسنة لا بالكتاب ولا بالإجماع إلا أن يكون إجماع أهل السنة والجماعة، أما إجماع الأمة فلا، لأن الفرق الضالة خالفت أهل السنة والجماعة في هذه الصفة.\nوإذا قلنا: إن هذه الصفة ثبتت في سنة النبي ﵊ فيلزمنا سوق الأدلة على ذلك.\nقال أبو هريرة في المحاجة التي دارت بين الجنة والنار: قال النبي ﵊: (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين.\nوقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم.\nفقال الله ﵎ للجنة حينئذ: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي.\nوقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها).\nأي: على الله تعالى أن يملأ الجنة وأن يملأ النار.\n(فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الجبار رجله فيها، فتقول: قط قط قط).\nأي: اكتفيت اكتفيت اكتفيت، أو حسبي حسبي حسبي.\n(فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ﷿ ينشئ لها خلقًا)، أي: يخلق لها خلقًا حتى يملأها.\nالشاهد من الحديث: أن النار لا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه، فهذا المقطع من الحديث يفيد ثبوت صفة القدم لله ﷿.\nوروى البخاري هذا الحديث من حديث أنس ﵁ بنحو هذه الرواية.\nوابن عباس ﵁ قال: الكرسي موضع القدمين، والكرسي هو أحد مخلوقات الله ﷿ العظيمة، قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥].\nومعنى: وسع.\nأي: شمل وأحاط.\nفهذه السماوات السبع وهذه الأرضين السبع ما هي في الكرسي إلا كحلقة في فلاة.\nوالعرش أعظم من الكرسي؛ ولذلك قال النبي ﵊: (ما السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة).\nهذا حديث عظيم جدًا يدل على أن الكرسي بالنسبة إلى العرش لا شيء، كما أن السماوات والأرض بالنسبة إلى الكرسي لا شيء، ومثل النبي ﵊ لهذا بمثل عظيم جدًا ليقرب الأذهان، فقال: هب أن السماوات والأرض حلقة بين يديك ألقيتها في صحراء هل تظهر لك هذه الحلقة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nبل تختفي؛ لأنها ليست شيئًا بالنسبة إلى هذه الفلاة.\nقال: إذا كانت السماوات والأرض في الكرسي على هذا النحو فالكرسي نفسه لا يمثل شيئًا بالنسبة إلى العرش، فكيف يكون حجم العرش حينئذ؟ إنه عظيم جدًا، والله ﵎ من فوق العرش.\nوتصور أن الكرسي الذي هذا وصفه وأن السماوات والأرض بالنسبة له لا شيء هو موضع قدمي الله ﷿، فكيف تكون هاتان القدمان لله ﷿؟ أمر لا يمكن أبدًا أن يدخله قياس ولا أن يحيط به عقل، فسبحان الله الكبير المتعال، أثبت لنفسه العلو وأثبت لنفسه اسم الكبير وصفة الكبر، بل العظمة رداؤه والكبر إزاره ﷾، فلابد أن كل صفة من صفاته تليق بكبريائه ﵎ وعظمته وعلوه فوق عرشه.\nفإذا كنا لا نستطيع تكييف مخلوق لله ﷿ وهو الكرسي فعجزنا عن تصور ذات الله أولى.\nوهذه الأرض بين أيدينا ونحن نعيش عليها، لكنها ليست أرضًا واحدة، وكانوا قديمًا يقولون: ليس بعد بلاد مغرب العرب بلاد أخرى، وكانوا يقولون: بحر الظلمات الذي ليس بعده شيء، ثم اكتشفوا منذ حوالي (٤٠٠) عام دولة أمريكا، اكتشفوها بعد أن أيقنوا أنه ليس بعد بلاد المغرب العربي بلاد أخرى؛ اكتشفوا أعظم دولة، والآن رجعوا إلى نفس الكرة مرة أخرى وقالوا: ليس بعد أمريكا إلا بحر الظلمات، والمسافة من أول أمريكا إلى آخرها عشر ساعات بالطائرة متواصلة.\nيعني: كما بين مصر إلى أمريكا.\nلكن هل أمريكا آخر بلدان العالم؟ لابد أن يتصل الغرب بالشرق؛ ولذلك هذا كلام أثاره أهل العلم بمناسبة ذكر المسيح الدجال وحديث الجساسة الذي رواه مسلم في آخر كتاب الصحيح.\nقالوا: المسيح الدجال موجود من زمن النبي ﵊، وحديث تميم الداري في ذكر الدجال في صحيح مسلم، يثبت أن تميمًا الداري رأى المسيح الدجال ورأى الجساسة.\nوهل هو ابن صياد","vol":"24","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>مذاهب الفرق الضالة في صفة القدم</span>","vol":"24","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>إنكار المعطلة لصفة القدم لله ﷿</span>\nقال الخطابي: ونحن أحرى ألا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر منا علمًا وأقدم زمانًا وسنًا، ولكن الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين: منكر لما يروى من هذه الأحاديث، وهؤلاء هم الجهمية الذين أنكروا صفات الباري ﵎، ومكذب به أصلًا.\nفإما أنه يرد الأحاديث ويثبت أنها ضعيفة أو مكذوبة بعقله لا بالأدلة والقواعد التي وضعها أهل العلم لإثبات النص ورده، وإما إذا غلبناهم وقلنا: إنها صحيحة وأنها قد وردت في الصحيحين وغيرهما لجئوا إلى حيلة أخرى وهي تأويل هذه النصوص وصرفها عن ظاهرها.\nقال: منكر لما يروى من هذه الأحاديث ومكذب به أصلًا، وفي ذلك تكذيب العلماء الذين رووا هذه الأحاديث، وهم أئمة الدين وثقة السنن، والواسطة بيننا وبين النبي ﵊.\nفلماذا ترد هذه الأحاديث؟ يعني: هذا الحديث الذي بين يدينا رواه البخاري ومسلم، وهو يثبت أن لله ﵎ رجلًا أو قدمًا والأمة اتفقت على قبول الصحيحين وأنهما أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿، فهل سترد حديثًا اتفقت الأمة على قبوله؟ سيجد المبتدع حرجًا، فيقول: لا.\nإذًا: لابد أن نذهب مذهبًا آخر، ولو رده سأقول له: ولم رددته؟ أفيه انقطاع؟ سيقول: لا.\nأرواته عدول؟ فسيقول: نعم.\nعدول.\nبمعنى: أنهم ثقات ضابطون؟ سيقول: نعم.\nأهناك شذوذ؟ يقول: لا.\nفيه علة؟ يقول: لا.\nإذًا: لم رددته؟ يقول: لأنه يستحيل عقلًا أن يثبت هذا لله ﷿؛ لأنه يلزم من ثبوت هذا ثبوت الجارحة لله ﷿، واليد الجارحة كأيدينا تمامًا، وكأرجلنا تمامًا، إذا كنتم تؤمنون بأن لله رجلًا.\nوأنه سبحانه يضعها في النار حتى تقول: قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض، فيلزمكم أن تقولوا: إن لله رجلًا كأرجلنا.\nوأهل السنة يقولون: لا.\nلا يلزم من إثبات الصفة لله ﷿ مشابهتها لصفات المخلوقين، لكننا نثبتها لله ﷿ على المعنى اللائق بالله ﷿، ولا نتعرض لها بتكييف ولا تحريف ولا نصرفها عن ظاهرها، وإنما نؤمن بها ونمر أدلتها كما جاءت بعد الإيمان والتسليم بهذه الأدلة على مراد الله ﷿ في إثبات صفاته وكماله.","vol":"24","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>ضلال المشبهة بتشبيه صفة القدم لله بصفات خلقه</span>\nالطائفة الأخرى: مسلمة للرواة فيها -قالوا: لا نستطيع أن نقول: إن هذا الحديث ضعيف أو مكذوب أو مردود، فنسلم للرواة فيها- ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهبًا يكاد يفضي إلى القول بالتشبيه.\nيعني: الأولون كأنهم أرادوا أن يثبتوا تنزيه المولى ﷿ عن مشابهته للمخلوقين، فقالوا: لا يوجد شيء اسمه الصفات أبدًا، لا يوجد شيء اسمه يد ولا رجل ولا ساق ولا شيء أبدًا؛ لأننا ننزه المولى ﷿ من أن يكون مثل المخلوقين، وهذا الفريق ذهب مذهبًا مناقضًا، وهو إثبات هذه الصفات لله ﷿، ولكنهم قالوا: يد كأيدينا ورجل كأرجلنا، ونفس كأنفسنا، فشبهوا الخالق بالمخلوق.\nيعني: قوم أرادوا أن ينزهوا فوقعوا في التعطيل، وقوم أرادوا أن يثبتوا فوقعوا في التمثيل والتشبيه، أما أهل السنة فوسط بين الاثنين، قالوا: نحن ننزه المولى ﷿ على مذهب الفريق الأول ولكننا نخالفهم في إثبات الصفات، ونوافق الفريق الثاني في إثبات الصفات ولكن دون تمثيل أو تشبيه.\nهذا معتقد أهل السنة في صفات الله ﷿.","vol":"24","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>ضلال المؤولة لصفات الله تعالى</span>\nونحن نرغب عن الأمرين معًا، ولا نرضى بواحد منهما.\nأي: لا نرضى بمذهب التعطيل ولا بمذهب التمثيل والتشبيه.\nوقال آخرون: يجب علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث إذا صحت من طريق النقل والسند تأويلًا.\nقال أهل التأويل: القدم هاهنا يحتمل أن يكون المراد به: من قدمهم الله للنار من أهلها.\nوهذا كلام سخيف وبارد.\nقالوا: (حتى يضع الرب قدمه فيها) هذه اللفظة تعني: أن من علم الله سلفًا أنه من أهل النار فقدمهم إليها، فيقال لكل من قدمه الله قدم.\nأنت نفسك لست مستفيدًا من هذا التأويل ولن يدخل في ذهنك هذا، ولكن احذر ألا تفهمه، بل افهم أن هذا التأويل تأويل سامج وبارد، فيقولون: أن هذا القدم في هذا الحديث تعني من قدمه الله تعالى إلى النار.\nيعني: من قذفه فيها.\nقالوا: ولغة العرب تطلق القدم على السابقة من الأمر.\nفنقول لهم: ماذا تقولون في الضمير؟ (حتى يضع الجبار فيها قدمه).\nفالهاء تعود على الجبار.\nوفي رواية: (حتى يضع الله ﷿ فيها رجله)؟ وقال النضر بن شميل في معنى قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه).\nأي: من سبق في علمه أنه من أهل النار، وهذا تأويل باطل.\nقال الخطابي: وقد تأول بعضهم الرجل على نحو من هذا، والمراد به: عدد استيفاء الجماعة الذين استوجبوا دخول النار.\nهذا في تأويل الرجل، قالوا: هذه الرجل بمعنى الجماعة، والعرب تسمي جماعة الجراد رجلًا، كما تسمي جماعة الظباء سربًا، واستعير ذلك لجماعة الناس.\nأيتصور هذا الكلام؟! اعلم أن هذه الصفة قد عاد الضمير إليها، قال: (رجله) لم يقل: رجلًا، وقال: (قدمه) ولم يقل: قدمًا، وأنتم تعلمون أن الضمير إذا أضيف إلى صفة مخصوصة يلزمها ولا يتعدى إلى غيرها بخلاف إطلاقه وعدم إضافته، كما لو قلت: قدم، يصح أن تقول قدم الله ﷿ وقدم المخلوقين، لكن إذا قلت: قدمي فإنه لا يفهم منها أنها قدم الله ﷿، وإذا قال النبي ﷺ: حتى يضع الله قدمه.\nيدل على أنها قدم الله ﷿، لأنها مضافة إلى الله ﷿، فلا يصح صرفها عن هذا التخصيص مطلقًا.\nوإن الإمام القرطبي من أعظم المتأولة، مع أن تفسيره في غاية الإمتاع، إلا أنه في صفات المولى ﷿ يجب التحذير منه، فله كتاب اسمه (الأسنى في أسماء الله الحسنى) قد بلغ في أسماء الله وصفاته مبلغًا عظيمًا لم يسبق ولم يلحق به؛ فأثبت لله ﷿ أسماء وصفات لم يثبتها له رسوله ولم يثبتها لنفسه المولى ﷿، وأنتم تعلمون أن الأسماء والصفات أمر توقيفي.\nقال القرطبي: وقيل: إن هؤلاء قوم تأخر دخولهم في النار وهم جماعات؛ لأن أهلها يلقون فيها فوجًا فوجًا، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك:٨]، فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين الذين لم يدخلوا بعد في النار، إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به ولم يبق أحد قالت الخزنة: قط قط.\nلفظ الحديث أن الذي قال: قط قط هي النار.\nقال: وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها، وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر، فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم لا أن الله تعالى جسم من الأجسام تعالى الله عن ذلك.\nنقول: أنت تنزه الله ﵎ عن ذلك مع أن الله لم ينزه نفسه ولم ينزهه رسوله الكريم ﵊ عن هذا، كما أن إثبات القدم والرجل لله ﷿ لا يستلزم إثبات الجسم والجارحة.\nوقال بعضهم: القدم: خلق من خلق الله تعالى، فمادام أن هناك مكانًا في الجنة فارغًا، وربنا ﵎ سينشئ خلقًا جديدًا فيسكنهم الجنة حتى تكتفي الجنة فكذلك القدم والرجل إنما هما علم واسم على مخلوق جديد لله ﷿ يخلقه في ذلك الوقت فيلقيه في النار حتى تقول: قط قط.\nوهذا تأويل آخر.\nيعني: هذه القدم والرجل أسماء لمخلوقات جديدة سيخلقها الله ﷿ في حينها، حينما تقول جهنم هل من مزيد؟ فيخلق الله ﷿ لها خلقًا جديد قد استوجبوا النار، هذا الخلق يسمى الرجل تارة ويسمى القدم تارة أخرى! قال: القدم بخلق من خلق الله تعالى يخلقه يوم القيامة، فيسميه قدمًا ويضعه في النار فتمتلئ منه.\nقال ابن فورك: قال بعضهم: القدم: خلق من خلق الله يخلقه يوم القيامة فيسميه قدمًا، ويضيفه إليه من طريق الفعل.\nفقوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) إضافة الضمير للفعل، وكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها رجله) قالوا: إن هذا خلق جديد اسمه قدم واسمه رجل، والله ﵎ يأمر به فيلقى في جهنم، فإذا ألقي قالت النار: قط قط.\nوقال بعضهم: المراد بالقدم هنا: قدم خلقه.\nوهذا كذلك لا يصح أبدًا، ولا يمكن أن يستقيم مع لغة العجم وليس العرب فقط؛ لأن من استوجب دخول النار دخلها كل بدنه، فهل تتصور أن رجليك كمخلوق تدخل النار، وأنت تدخل الجنة من غير رجليك؟! ومعلوم أن الناس في الجنة على أحسن منظر وأحسن هيئة، فلا يتصور أن النبي ﵊ يقول: (فيضع الجبار فيها قدمه).","vol":"24","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>الاستدلال بحديث تحاجج الجنة والنار لإثبات صفة القدم لله تعالى وكلام أهل العلم في ذلك</span>\nقال النبي ﷺ: (تحاجت الجنة والنار، فقالت الجنة وقالت النار)، نحن نثبت أن الجنة تتكلم على الحقيقة ولكن ليست لها جارحة؛ لأن الله ﷾ لم يخبرنا أن هذه الجنة عبارة عن ذات مكونة من صفات وجوارح، وكذلك النار تتكلم بقدرة الله ﷿، والله تعالى يخلق لها الكلام فتتكلم به، والذي يسمع هذا الكلام هو الله ﷿، وتسمعه النار وتسمعه الجنة، بدليل الحديث: فقالت النار وقالت الجنة يعني: ردًا عليها.\nفالجنة تسمع النار، والنار تسمع الجنة، والله تعالى يسمع الجميع.\nولذلك قالت النار: (أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين.\nوقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم.\nفقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي.\nوقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها، فتقول: قط قط.\nفهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض).\nوهذا الحديث رواه غير واحد من الصحابة، منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك خادم النبي ﵊.\nوفي بعض رواياته: (حتى يضع الله ﵎ رجله فتقول: قط قط قط ثلاثًا).\nوفي بعضها: (حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول: قط قط، وعزتك).\nفموقف السلف من معنى الحديث: أن هذا الحديث من أحاديث الصفات، وأن القدم صفة من الصفات الخبرية التي تمر كما جاءت دون تأويل أو تحريف في النص، ودون تشبيه أو تمثيل لصفات الله بصفات خلقه، فلا تقاس القدم بأقدام خلقه، ورجله بأرجل مخلوقاته، بل يكتفى بالمعنى الوضعي للكلمة دون محاولة لإدراك حقيقة قدمه، وقد عجزنا عن إدراك حقيقة ذاته سبحانه، فآمنا وسلمنا لله ورسوله، وهذا موقف لا يتغير ولا يتبدل بالنسبة لأتباع السلف، فهو موقف ثابت، وهو اتباع النصوص في جميع الصفات الخبرية أو غيرها، كما قال ابن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.\nوالحديث بجميع رواياته يدل على أن الله سوف يخلق في الجنة والنار تمييزًا وقدرة على الكلام دون أن يكون لهما آلات التكلم من الفم والأسنان واللسان وغيرها، وهو المعتاد بالنسبة لنا.\nوأما الخلف فقد تكلفوا في تأويل هذا الحديث أكثر من تكلفهم في تأويل أي نص آخر من نصوص الصفات، وذكرنا من قبل تأويل الخلف في المراد بالقدم ورددنا عليه.\nوابن الجوزي عليه رحمة الله في كتابه دفع (شبه التشبيه) شن غارة شعواء على بعض علماء السلف.\nقال ابن الجوزي: وقد ذهب القاضي أبو يعلى إلى أن الساق صفة ذاتية وقال مثله في: (يضع قدمه في النار).\nقال ابن الجوزي: وذكر الساق مع القدم تشبيه محض.\nوقد اتفقنا من قبل أن ابن الجوزي كان مضطربًا جدًا في مسائل الاعتقاد، فهو يريد أن يقول: إن القاضي أبا يعلى أثبت الساق وأثبت معها القدم، وأن إثباتهما يستلزم التشبيه.\nوهذا لا يصح عنده.\nوليس القاضي أبو يعلى فقط الذي أثبت هذا، بل كل علماء السنة أثبتوا لله ﷿ ما أثبته لنفسه، ومنها الساق والقدم ولم يقولوا بالتشبيه، بل نزهوا المولى ﵎ عن التعطيل ونزهوه عن التشبيه، وكلام ابن الجوزي ليس فيه شيء من الهداية، بل هو ظلمات بعضها فوق بعض، فإن الأدلة كتابًا وسنة تدل على إثبات ذلك لله، فمن أنكره فإنما ينكر على النبي ﵊ وعلى الصحابة الذين نقلوا إلينا ذلك.\nوقال ابن الجوزي: وقال أبو يعلى مثله في: (يضع قدمه في النار).\nوهذا أيضًا من الحق الذي يجب الاعتقاد والتسليم له، فإن القدم صفة من صفات الله تعالى الذاتية التي يجب الإيمان بها دون تحريف أو تعطيل، ودون تكييف أو تشبيه.\nثم ذكر حديث الاحتجاج بين الجنة والنار، وقوله: (قدمه) وأن الهاء تعود على الرب جل وعلا، وهو قول واحد عند أهل السنة والجماعة، والحديث صحيح صريح في إثبات صفة القدم لله ﷿.\nوذكر بعد ذلك أثر ابن عباس وأثر أبي موسى الأشعري في إثبات أن الكرسي موضع القدمين لله ﷿؛ لأنه أمر غيبي له حكم الرفع، فلا يقال فيه من قبل الرأي ولا مجال للاجتهاد فيه، فيؤخذ منه إثبات قدمين لله ﷿، فنثبت ذلك لله تعالى، ونؤمن بأن الله جل ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nقال أحمد بن حنبل: أحاديث الصفات تمر كما جاءت.\nأي: الأحاديث التي فيها إثبات صفة لله ﷿ تؤمن بها على حقيقتها، وتفوض كيفية هذه الصفة لله ﷿، مع كونك تعلم علمًا يقينيًا أن هذه الصفة ثابتة لله ﷿.\nقال الإمام الثقة الجبل حماد بن سلمة البصري وكان من أشد الناس في زمانه على أهل البدع: من رأيتموه ينكر","vol":"24","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>الأسئلة</span>","vol":"24","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>الثبات على عقيدة الفرقة الناجية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرجو إعلامنا بمشاهير التأويل الذين نقرأ لهم كـ القرطبي وابن الجوزي؟ وكذلك أي الجماعات الحالية التي هي على الساحة متأولة وذلك للحيطة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال نحن بينا أن القرطبي كان متأولًا، وبينا أن ابن الجوزي كان متأولًا، فتارة ينافح عن مذهب السلف ويهجم على الخلف، وتارة يهجم على السلف، وتارة ينسب للسلف قولًا ليس من أقوالهم قط، لذلك الذهبي عليه رحمة الله قال في السير: وابن الجوزي لم تثبت قدمه على وتيرة واحدة، فكان أحيانًا ينصر مذهب السلف وأحيانًا ينصر الخلف، ولا يصح أيها الإخوة! أن عقل المرء وإيمانه يكون عبارة عن قص ولصق، فالجملة التي تعجبه من عند المعتزلة يأخذها ويعتقدها، والتي تعجبه من عند الجهمية يعتقدها، والتي تعجبه من عند الأشعرية يعتقدها، والتي تعجبه من عند الشيعة يعتقدها، يعني: عقيدته عبارة عن مجموع عقائد الفرق الضالة مع الفرقة الناجية وهي أهل السنة والجماعة، بل لابد للمرء أن تكون عقيدته لا تزيد ولا تنقص عن معتقد السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين.","vol":"24","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>أخطاء سيد قطب ﵀ لا تعني بغضه وعدم الترحم عليه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل سيد قطب من المتأولة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا أردنا الكلام عن الأديب البارع السيد قطب فلا شك أن هذا الرجل كانت له ظروف علمها من علمها وجهلها من جلها، فـ سيد قطب عليه رحمة الله ظهر في فترة كان الناس فيها هم للكفر أقرب منهم للإيمان، ولم يكن هذا العلم السلفي منتشرًا في ذلك الوقت، قضى سيد قطب معظم حياته في سجون عبد الناصر الهالك عليه من الله تعالى اللعنة، فلم يتأهل اعتقاديًا قبل أن يدخل السجن، كـ النووي عليه رحمة الله لم يتمكن من دراسة العقيدة، واكتفى بالنقول من المازري والقاضي عياض وكلاهما أشعري، ولكنه ينقل عنهما التأويل دون تقعيد وأحيانًا يقعد، وأحيانًا ينقل ويستحسن، واعتذر عنه بعض تلاميذه أنه لم يكن قد تمكن من دراسة علم الاعتقاد على يد مشايخ زمانه، فوقع فيما وقع فيه، فإن قيل: الإمام النووي هل هو أشعري جملة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nليس كل من وقع في بدعة ينسب إليها، كما أنه ليس كل من وقع في الكفر يصير كافرًا، فأحيانًا يقع المسلم في قول كفري أو فعل كفري لكن لا يلزم من وقوع هذا الكفر الكفر، كما أن الرجل يقع في البدعة ولما يعلم بعد أنها بدعة.\nيذكر أن رجلًا من المحدثين عمل بحديث ضعيف عشرين عامًا، فقال أحد تلامذته: إن هذا الحديث فيه فلان وفلان وهما ضعيفان، فوجد المحدث أن الطالب صادق فبكى.\nقيل له: خير يا إمام! يعني: هون عليك.\nقال: خير؟! والله ما في عملنا منذ عشرين عامًا بهذا النص خير قط.\nفلا يلزم من وقوع الرجل في بدعة أنه مبتدع، كما لا يلزم من وقوعه في الكفر أنه كافر، بل ولا يلزم من إطلاق الكفر على الجماعة كفر كل معين فيها، فلو قلنا: إن بلدًا من البلدان كافرة، هل يلزم من هذا أن كل من بهذه البلد يكون كافرًا؟ فهاهي أمريكا بلد كفر، ومع ذلك نجد كثيرًا من إخواننا يعيشون في تلك البلاد، فلا يلزم من إطلاق الحكم العام بالكفر على مجموعة لزوم هذا الكفر على كل فرد من أفراد المجموعة، ولذلك لما نقول: لعنة الله على الظالمين، هل كل ظالم ملعون بعينه؟ الجواب: لا، فهناك ظلم لم يرد النص بلعن صاحبه في القرآن ولا في السنة، ومع هذا فهو ظلم، لكن لا يلزم منه إثبات اللعن في شخصه.\nنرجع إلى كلامنا: سيد قطب عليه رحمة الله وقع في تأويل بعض الصفات، وهو كغيره من أهل العلم نحب فيه الصلاح والخير والطاعة وموافقة السنة.\nأليس هذا منهج أهل السنة والجماعة؟ ونكره كل ما يخالف الحق ويخالف الكتاب والسنة.\nوكوننا نكره ما يأتي من قبل عالم أو مجتهد في مسألة من المسائل خالف فيها الحق لا يعني ذلك بالضرورة أننا نبغضه هو، بل نحن نحب سيد قطب عليه رحمة الله، ونتولاه وندعو له بالرحمة، وندعو له بالخير، وندعو له بأن يبيض الله ﵎ وجهه مع وجوه المؤمنين يوم القيامة، وفي نفس الوقت نرد عليه ما خالف فيه الكتاب؛ لأن الكتاب أحب إلينا من سيد قطب وغيره، والسنة أحب إلينا من أنفسنا وليس من سيد قطب فحسب.\nفالشيخ سيد قطب عليه رحمة الله خالف منهج السلف في كثير من الصفات كما هو في كتاب (الظلال) وغيره من كتبه.\nفأغلب الظن أن سيد قطب لم يتأهل في هذا الباب، وليس في هذا عيب؛ لأن معظم حياة سيد قطب قضاها في السجون، وأنت تعجب إذا علمت أنه ألف (الظلال) وهو في السجن.\nوأنت لو كلفت أن تحفظ جزء عم في السجن قد تعجز.\nكان عبد الناصر وزبانيته من كلاب الأرض في ذلك الزمان يحبسون سيد قطب في داخل سجونهم وزنازينهم، ولو كنت مكانه لأيقنت أنك لن تستطيع أن تفسر لحظة واحدة تفسيرًا هادئًا، فكيف برجل يخرج هذا التفسير العظيم من بين جدران السجون؟ فإذا نظرت إلى خطئه في الاعتقاد فانظر إلى إصابته الحق في كثير من المسائل التي تكلم فيها في كتابه الظلال.\nفالشاهد من هذا الكلام: أن السيد قطب له حسناته الكثيرة، وله أخطاؤه كذلك، فما أخطأ فيه نرده على سيد قطب وعلى غيره، وكذلك وجب علينا أن نقبل ما أصاب فيه ووافق الكتاب والسنة؛ لأن الحق ضالة المؤمن يلتمسه ويأخذه حيث وجده.","vol":"24","page":10},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-474> صفة الساق لله ﷿</span>\nصفة الساق لله تعالى من الصفات الذاتية، وهي صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وقد جاء عن بعض السلف في هذه الصفة كلام مخالف لما عليه الجمهور، وقد طار أهل البدع بهذا القول فرحًا، واستندوا إليه في قولهم بنفي هذه الصفة، إلا أن هذا الكلام مردود بالكتاب والسنة وقول جمهور الصحابة.","vol":"25","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>إثبات صفة الساق لله ﷿</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nثم أما بعد: فلا يزال الكلام موصولًا عن صفات الله ﷿ الذاتية الخبرية، ومنها: صفة الساق، وهذه الصفة قد ثبتت لله ﷿ بآية وبحديث.","vol":"25","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>رفع الإشكال الوارد في قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق)</span>\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].\nهذه الآية بهذا السياق أحدثت إشكالًا عظيمًا عند أهل العلم، بل أقولًا عند أهل السنة؛ لأن الآية لم تكن صريحة في إثبات الساق لله ﷿؛ لأنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، فوردت منكرة وغير منسوبة لله ﷿، ولذلك اختلف السلف ﵃ في ماهية هذه الساق، لكن جمهور أهل العلم من السلف وغيرهم رفع عنهم هذا الإشكال بحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وغيرهم، أنه ﵊ قال: (إذا جمع الله العباد في صعيد واحد نادى مناد: يلحق كل قوم بما كانوا يعبدون).\nأي: لينصرف كل قوم من أهل الموقف إلى معبودهم الذين كانوا يعبدونه في الدنيا.\nقال: (فيلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، ويبقى الناس على حالهم.\nفيأتيهم -أي: ربنا- فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم هاهنا؟ فيقولون: ننتظر إلهنا الذي كنا نعبده.\nفيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا).\nأي: إذا أتانا في صورته التي عرفنا بها في حياتنا الدنيا عرفناه.\nقال: (فيكشف لهم عن ساقه).\nفوردت (الساق) هنا مضافة إلى الله ﷿، ولم يقل: فيكشف لهم عن ساق.\nقال: (فيكشف -أي: الله ﷿- لهم عن ساقه فيقعون سجودًا، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢].\nويبقى كل منافق لا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة).\nوفي حديث أبي سعيد: (يوم يكشف ربنا عن ساقه).\nوهذا تصريح ثان.\nفهذا الحديث بشواهده قد رفع الإشكال الوارد في الآية.","vol":"25","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>أقوال أهل العلم في معنى الساق في الآية</span>\nهذه الصفة كغيرها من الصفات أحدثت إشكالًا عظيمًا جدًا عند كثير من أهل العلم، ولذلك ابن الجوزي عليه رحمة الله في تفسير هذه الآية يقول: قال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وقتادة والجمهور -وهذا كلام فيه شطط وغلو-: يكشف عن شدة.\nوهذا هو التأويل الأول في معنى الساق.\nوأنشدوا: وقامت الحرب بنا على ساق أي: إذا اشتدت الحرب بنا.\nوقال آخرون: إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا وقال ابن قتيبة: وأصل هذا: أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة.\nوبهذا قال الفراء وأبو عبيد وثعلب واللغويون.\nفإذا كانت الساق في اللغة العربية تعني الشدة في أحد وجوهها، فلا تفسر هنا على أن الساق الواردة في حق الله ﷿ بمعنى الشدة؛ لأن هذا سيكون حتمًا تحريفًا للكلم عن مواضعه، وصرفًا للفظ عن ظاهره إذا احتملت اللغة للمصطلح وجهًا، لكنها وردت في سياق لا تحتمل هذا الوجه اللغوي، وعليه فلا يمكن حمل هذا اللفظ على الوجه اللغوي أبدًا، وإلا فاليد أحد وجوهها في اللغة: النعمة، والقوة، فهل يمكن أن نحمل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] على أن نعمته فوق نعمتهم، أو أن قوته فوق قوتهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nلكن إذا عبرنا عن اليد بالقوة فهذا أمر جائز في اللغة، لكنه في الاصطلاح وفي سياق الآية لا يجوز لنا أن نحمل اليد على القوة أو القدرة أو النعمة مع عدم إثبات اليد الحقيقية لله ﷿ على المعنى اللائق، فإذا أردنا أن نثبت هذا وذاك، أو أن نثبت الوجه اللغوي، فلابد أولًا من إثبات الوجه الشرعي، ثم نثبت بعد ذلك الوجه اللغوي؛ لأن أهل البدع المتأولون يعتقدون صرف النص عن ظاهره إلى معناه المجازي أو معناه اللغوي دون إثبات حقيقته لله ﷿.\nأما أهل العلم من السلف فإنهم يثبتون الصفة لله ﷿ ولازمها بعد ذلك، فيثبتون اليد أولًا، ثم يثبتون لازم هذه اليد، بخلاف المتأولة فإنهم يثبتون اللازم ولا يثبتون الصفة الحقيقية لله ﷿.\nفإذا قلنا هنا: إن الساق في اللغة لها وجه بمعنى: الشدة، فإننا لابد وأن نثبت أولًا لله ﷿ الساق، ثم نثبت لازم ذلك وهو الشدة والقوة، أما تحريف هذه الكلمة عن ظاهرها، وإثبات الشدة للساق دون إثبات الساق لله ﷿، فهذا صرف للنص عن ظاهره دون مسوغ شرعي.","vol":"25","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>بيان أن ثبات الصفات لله ﷿ لا يقتضي المماثلة ولا المشابهة لخلقه</span>\nروى البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ﷿ يكشف عن ساقه).\nفإذا قلنا: إن المراد بالساق الشدة، فيكون معنى الكشف الإزالة.\nأي: يزيلها، وهذا كلام لا تحتمله اللغة.\nقال ابن الجوزي: وقد ذهب القاضي أبو يعلى: إلى أن الساق صفة ذاتية، وقال مثله في: (يضع قدمه في النار).\nفـ ابن الجوزي ينكر على أبي يعلى الفراء إثبات أن الساق والقدم صفة ذاتية لله ﷿.\nويقول ابن الجوزي: إثبات الساق مع القدم لابد وأنه يستدعي تشبيه الخالق بالمخلوق! والجواب عليه من وجهين: الأول: أن الرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وليس هناك شيء العناية بتبيينه أعظم من العناية ببيان أسماء الله وصفاته، ومن ثم كان بيان هذا الباب أعظم من بيان الأحكام؛ لأن البيان في باب الاعتقاد أولى منه في باب الأحكام والحلال والحرام، ولأن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته هي أساس الإيمان، وقد كان النبي ﵊ يبين هذا الباب بيانًا عامًا، فعلمه الخاص والعام، وعلمه العالم والجاهل، والبدوي والحضري، ولم يستنكر أحد منهم شيئًا في هذا الباب قط، ولم يقع في أذهانهم ولا في ذهن واحد منهم أن إثبات صفات الرب جل وعلا تقتضي مماثلة الخالق بالمخلوق، أو تشبيه الخالق بالمخلوق، وإنما آمنوا بها إجمالًا على الوجه اللائق بالله ﷿، وإنما وقع هذا الفهم الفاسد في قلوب الجهمية وأضرابهم من أهل الإفك والضلال والتنطع في دين الله جل وعلا، وتعالى الله عن أن تكون صفاته مثل صفات خلقه، فإذا كان المخلوق له يد والله تعالى له يد، فلابد وأننا نثبت اليد الحقيقية لله ﷿ على ما يليق بجلال ذاته وعظمته، بخلاف المخلوق، فهي شبيهة وشريكة ليد الله عز جل في الاسم دون المسمى؛ لأنها يد ويد الله تعالى يد، فهما متماثلتان ومتشابهتان في الاسم فقط دون المسمى ودون الحقيقة، فحقيقة يد المخلوق تختلف تمامًا عن حقيقة يد الخالق ﵎، ولا يعلم حقيقتها ولا كيفيتها إلا الله ﷿، فكيف نقول بالمماثلة والمشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوق؟! لكن أهل البدع لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما فهموه من صفات المخلوق، فقالوا: إن الله تعالى قد خاطبنا بأن له يد، ونحن نعلم ما هي اليد؟ بدليل أننا نراها، والله ﵎ لما أخبر أن له يدًا، وأنا أعلم سلفًا يدي وكيفية يدي، فلابد وأن يكون الله تعالى قد خاطبني بما أفهم، وخرجوا من ذلك بأن يد الله ﵎ كيد خلقه؛ لأن الله تعالى لابد وأنه قد خاطبنا بما نفهم.\nوالجواب عليهم: أن الله ﵎ له ذات، وهم يؤمنون بذلك، فهل ذات الله كذات المخلوق؟! لا.\nفذات الله ليست كذات المخلوق، وأقصى ما يمكن أن يقوله: إن ذات الله ﵎ لا يعلمها إلا هو.\nفنقول: وكذلك الكلام في الذات كالكلام في الصفات، فكما أن ذاته خفية وغيبية عنا، ولا يعلم كيفيتها أحد من الخلق، فكذلك صفاته -ومنها: الساق- لا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، وعليه لما اختلفت الذات لابد أن تختلف الصفات.\nومن هنا نحن نثبت الصفات لله ﷿ على الوجه الحقيقي اللائق به، ولا يعلم كيفية الذات ولا كيفية الصفات إلا هو ﷾، ولم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا رسول مرسل، ولا نبي تنبأ.\nوعليه فقولهم: إن إثبات الصفات لله ﷿ تقتضي المماثلة بينها وبين صفات المخلوق عجز وضعف عقلي عندهم؛ لأنهم لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما يفهمونه من صفاتهم هم، مع أن هذا ليس بلازم، بدليل: أن الله ﵎ خلق خلقًا عظيمًا كثيرًا، وجعل لكل مخلوق من مخلوقاته يدًا وساقًا وعينًا وقدمًا، وغير ذلك من الجوارح، فهل يقول ذلك المتأول: إن ساق الله ﵎ كساقي فنقول له: إن الله ﷿ قد خلق خلقًا كثيرًا غيرك، سواء من الحيوان، أو الدواب، أو الطير، أو الإنس، أو الجن، أو غيرها، فلم لا تقول: إن الله تعالى له ساق كساق الجن، أو كساق الملائكة، وهم أعظم وأشرف خلقًا من العصاة.\nسيرد قائلًا: لأن الله تعالى خاطبني أنا بذلك.\nفهذه الحجة مردودة؛ لأن الله ﵎ قد بعث نبيه أيضًا للجن، فإذا كنت تقول: إن ساق الله كساقك أنت، فلم لا يكون ساقه كساق الجن، وهم مكلفون مخاطبون بأوامر الشرع أمرًا ونهيًا؟ لابد وأنه ستسقط حجته، ويسلم في نهاية الأمر بإثبات الساق لله ﷿ التي تختلف عن جميع سوق المخلوقات من الإنس والجن والطير والدواب والهوام والحشرات وغير ذلك، لابد وأنه سيصل في النهاية إلى الإقرار والاعتراف بهذا.\nوقد اتفق علماء السلف على إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ، إثباتًا بلا تمثيل ولا مشابهة بينه وبين خلقه، وتنزيهًا بلا تعطيل.\nأي: ننزه الله ﵎ أن تكون صفاته كصفاتنا، وفي الوقت ذاته نثبتها لله ﷿، فنحن نثبت","vol":"25","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>مخالفة أهل البدع لأهل السنة في إثبات صفة الساق لله ﷿</span>\nمن الصفات التي يوصف بها الرب جل وعلا، وقد شرق بها أهل البدع وغربوا، ولم يثبتوها له سبحانه تعالى: صفة الساق، زاعمين أن إثباتها يقتضي تشبيهًا للخالق بالمخلوق، لكن هذا ضلال عظيم وبعد عن منهج السلف، فلا يصف الله تعالى أحد أعلم من رسوله ﷺ؛ لأنه أعلم الخلق بالله ﷿، فإذا وصف النبي ﵊ ربه بوصف فلا يجوز لأحد بعد ذلك أن يدعي الورع، أو أن يدعي التنزيه، أو أن يستلزم المماثلة والتشبيه؛ لأنه لابد وأن يزعم بأنه أعلم بالله من النبي ﵊.\nوقد دلت سنة النبي ﵊ الصحيحة التي لا معارض لها ولا مضاد على أن الساق ثابت لله تعالى، وكما أننا نثبت لله تعالى ذاتًا لا تشبه الذوات، فكذلك نقول في صفات الله تعالى كالساق وغيرها: إنها لا تشبه صفات المخلوقين؛ لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فنثبت لله تعالى الصفات وننفي عنه مماثلة المخلوقات، وهذا هو حقيقة الإيمان.\nأي: أن نسلم لله ﷿ بما أمرك ونهاك، ونبرأ من أهل التحريف والبطلان، فلا ننفي عن الله تعالى صفة صحت بها النصوص كالساق وغيرها، من أجل دعوى المعطلين أن هذا يقتضي تشبيهًا، بل نثبت لله تعالى الصفات على ما جاءت في الكتاب والسنة، وننكر عليهم ونجهلهم ونضللهم لمخالفتهم لكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ.\nقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، أي: يكشف الله ﷿ عن ساقه.\nوهذا مذهب جمهور السلف في تفسير هذه الآية، وإذا كان الفعل: (يُكْشَفُ) مبني للمجهول لما لم يسم فاعله، فإن الحديث قد سمى صاحب الساق، وهو الله ﵎، فقال النبي ﵊: (يوم يكشف ربنا عن ساقه)، فالذي أخفته الآية بينه الحديث.","vol":"25","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>الرد على المبتدعة في الاحتجاج بتفسير ابن عباس للساق</span>\nوأما ما جاء عن ابن عباس أنه قال: يريد القيامة والساعة لشدتها، فقد ضعفه كثيرون من أهل العلم بالحديث، وقالوا: ولا يصح شيء من هذا عن ابن عباس، ولهذا لما جاء هذا الخبر عن ابن عباس طار به أهل البدع فرحًا، وهذه من علامات أهل البدع.\nأي: أن تقع أعينهم وعقولهم على قول لرجل -وإن كانت غير راجحة- ليؤيد ما هم عليه من البدعة، ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لم تكن هناك صفة لله ﷿ محل جدال ونقاش وخلاف بين السلف إلا هذه الصفة.\nوما روي عن ابن عباس فيها طار به أهل البدع فرحًا؛ لأنهم نسبوا التأويل للسلف، ولم يقولوا: إن هذه زلة لـ ابن عباس مثلًا، مع أنها ليست بزلة؛ لأنه لم يثبت عنه هذا الكلام، وعلى فرض ثبوته -وهذا يعني على أضعف الإيمان وأقل الأقوال- فإن ابن عباس قد قال: إن قاتل النفس لا توبة له.\nكما قال: إنه ليس هناك ربًا إلا ربا النسيئة المذكور في القرآن، ولم يقل بربا الفضل، بل قد زل ابن عباس في أكثر من سبع مسائل خالفه فيها جمهور الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهنا في هذه الصفة قد خالفه الصحابة وعلى رأسهم: عبد الله بن مسعود وقال: الساق صفة ذاتية لله ﷿.\nلذا فلو ثبت هذا عن ابن عباس فنحن نعلم أن إثبات لازم الصفة عند السلف يستلزم إثبات الصفة أولًا، وهذه قاعدة عند السلف، بخلاف المتأولة الذين يثبتون لازم الصفة دون الصفة.\nفإذا كان هذا معلومًا من مذهب ابن عباس في صفات الله ﵎ كلها، فلم يثبت المبتدعة هنا لازم الصفة وينفون أصل الصفة الذي هو من معتقد ابن عباس في جميع صفات الله ﵎؟ وفي هذه الحالة لابد -وهذا على فرض صحة وثبوت هذا الكلام عنه- من إثبات الصفة ولازمها.\nومن أمثل الأسانيد التي جاءت عن ابن عباس في ذلك: ما رواه الفراء في كتابه (معاني القرآن).\nقال: حدثني سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].\nأي: يريد القيامة والساعة لشدتها.\nوهذا التفسير من ابن عباس للآية لا تقوم به حجة.\nنعم ابن عباس ترجمان القرآن، والنبي ﵊ قد دعا له، وكان من أحبار هذه الأمة، لكن هل يستلزم هذا بالضرورة ألا يخطئ ابن عباس؟ إنه إذا لم يكن معصومًا فالخطأ جائز عليه حينئذ، وإذا جاز الخطأ عليه فنرده بقول بعض أصحابه له، ولذلك نحن دائمًا نقول: إن إجماع الصحابة حجة بلا خلاف، لكن على فرض أن هذا تأويل ابن عباس، فتأويل هذه الصفة من ابن عباس هل عليه إجماع الصحابة؟ لا.\nفلا أقل من أن نقول: إن هذه الصفة محل خلاف عند السلف، لكن هذا الخلاف لابد من فصل النزاع فيه، فنقول: إن حديث: (يوم يكشف ربنا عن ساقه)، لم يصل ابن عباس، وإذا كان هذا الحديث لم يصل ابن عباس وقال بغيره، فهو مجتهد مأجور أجرًا واحدًا لأن الصحابة قد خالفوه بإثبات الساق الحقيقية لله ﷿، وفي هذه الحالة لابد من رد كلام ابن عباس، أو حمله على أحسن المحامل، ورده أولى، وعليه فهذا التفسير للآية من ابن عباس لا تقوم به الحجة؛ لثبوت النص عن النبي ﷺ في تفسير الآية.","vol":"25","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>رواية أبي هريرة في إثبات الساق لله تعالى</span>\nوأما حديث أبي هريرة ففيه: (فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجودًا) فلا يمكن أبدًا أن تحتمل اللغة تفسيرهم: (فيكشف الله تعالى عن شدته فيقعون سجودًا)؛ لأنه قد قال: إن كشف الساق هو كشف الشدة، وكشف الشدة بمعنى: إزالتها، أي: رفع الشدة، فهل يناسب أن نقول: إن الله تعالى في الموقف والمحشر يرفع شدته.\nبمعنى: أنه يكون هناك حالة رضا.\nلا.\nولا شك أن السجود هذا إنما هو داعي الخوف، فلا يسجد الناس والله ﵎ قد رفع عنهم الشدة والخوف، بل هم يسجدون إذا خافوا، فهذا الوجه في اللغة غير محتمل.\nبل الحديث صريح في إثبات صفة الساق لله تعالى، وإبطال سائر التأويلات التي قيلت في الآية، فقوله: (فيكشف لهم عن ساقه)، صريح في إثبات الساق لله تعالى؛ لأنه لا يجوز أن يكون المراد هنا بالساق: الشدة قطعًا.\nوقوله: وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، ظاهر في أن المراد بالآية: إثبات الساق لله تعالى.\nويؤيده ما رواه الدارمي في كتابه: الرد على الجهمية -وهو كتاب من أمتع الكتب، وهناك أيضًا كتابين بهذا العنوان: الرد على الجهمية للإمام أحمد، والرد على الجهمية لـ ابن منده، وكلها كتب لثلاثة من أئمة السلف للرد على الجهمية المعطلة بعنوان واحد- فقد روى الدارمي من طريق أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، قال: يكشف الله ﷿ عن ساقه).\nوفي حديث آخر: (يوم يكشف ربنا).\nفهذا التفسير من النبي ﷺ لمعنى الآية يبطل جميع الأقوال المخالفة لهذا القول، ويدل دلالة صريحة على أن الآية من آيات الصفات، وليس المقصود بالساق هنا: الشدة.\nوأن المراد منها -أي من الآية-: إثبات الساق كصفة ذاتية لله ﵎، وقد جاءت الأحاديث مؤيدة لهذا القول، ودالة على إثبات الساق لله تعالى.","vol":"25","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>رواية أبي سعيد في إثبات صفة الساق لله تعالى</span>\nقال البخاري: باب: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]: قال: حدثنا آدم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا).\nأي: أن الله ﵎ يوم يكشف عن ساقه لأهل الإيمان وللمنافقين -أي: في المحشر- فإن كل مؤمن عندما يرى الله ﷿ ويعرف أن الله ﷿ هو هذا بساقه التي عرفهم بها في الدنيا، يقع كل مؤمن ومؤمنة ساجدًا لله ﷿؛ لأنهم يعرفون الله تعالى بهذه الصورة التي عرفهم بها في حياتهم الدنيا، ويذهب كل منافق ومعاند وجاحد ليسجد كما رأى أهل الإيمان يسجدون، والمنافقون الذين ما كانوا يصلون ولا يصومون إلا رياء وسمعة يذهبون ليسجدون، فيجعل الله ﵎ ظهورهم قطعة واحدة لا مقاطع ولا مفاصل فيها، فلا يتمكنون من السجود لله ﷿، إذ السجود في هذا اليوم شرف عظيم، وبيان وتمييز لأهل الإيمان من أهل النفاق، فإنه لا يتمكن من السجود في ذلك اليوم إلا كل مؤمن ومؤمنة.\nكما روى الإمام مسلم هذا الحديث، وكذلك أحمد في كتاب السنة من طريق عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (يجمع الله الأولين والآخرين -أي: جميع الخلق- لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة).\nأي: يقفون أربعين سنة في الموقف.\nقال: (شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء).\nفانظر إلى هذا الحديث! إنه من أمتع ما يمكن أن تسمعه أذنك، فالله ﷿ يجمع الأولين والآخرين في الموقف لمدة أربعين سنة، وكل واحد منهم يشخص ببصره إلى السماء.\nأي: ينظر إلى جهة العلو والفوقية لله ﷿، ينتظرون من الله ﷿ أن يفصل وأن يقضي بين العباد.\nقال: (فينزل الله ﷿ في ظلل من الغمام).\nينزل ربنا ﵎ في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، وهذا يعني أن العرش فوق الكرسي.\nقال: (ثم ينادي مناد: أيها الناس! ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل إنسان منكم ما كان يتولى ويعبد في الدنيا؟).\nأي: ألا ترضون من الله ﷿ أن يلحق كل واحد منكم بمعبوده وإلهه الذي كان يعبده في الدنيا؟ قال: (أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى.\nقال: فلينطلق كل قوم إلى ما كان يعبدون ويتولون في الدنيا.\nقال: فينطلقون، ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر وإلى الأوثان والحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون).\nأي: أن الله ﵎ يجعل كل معبود في الدنيا عبد من دون الله يمثله على نفس الهيئة والشكل التي كان عليها في الدنيا، حتى يتعرف عليه كل مخلوق كان يعبده، فالذي كان يعبد الشمس يمثل الله ﵎ له الشمس، فيذهب إليها ليعبدها في ذلك، والقمر والأوثان والأصنام والحجارة والمقابر وغير ذلك فإن كل معبود يتبعه عابدوه في هذا اليوم ولا شك.\nقال: (ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى).\nأي: ما من نبي إلا وله شيطان، لكن النبي ﷺ تغلب على شيطانه فآمن، ولم يثبت أن شيطان عيسى آمن، والذي كان يعبد عيسى بن مريم ﵇ من دون الله ﷿ يتمثل له شيطان عيسى في صورة عيسى حتى يذهب إليه من كان يعبد عيسى فيعبد هذا الشيطان؛ لأن عيسى لا يرضى بذلك، بل قد تبرأ من عبادة النصارى له ولأمه، والله ﵎ قد أكرمه بأنه لا يعبد أمام عينه في هذا الموقف العصيب الرهيب، لكنه سبحانه مثل الشيطان في صورة عيسى، ولذا لما كان عيسى يعبد في الدنيا من دون الله ﷿ كان من العدل أن يلحق الله ﷿ من كان يعبد عيسى بشيطان عيسى حتى يقيم كل واحد منهم الحجة على نفسه.\nقال: (ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويمثل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمد ﷺ وأمته، فيتمثل الرب جل وعز فيأتيهم فيقول لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إن لنا إلهًا).\nأي: نحن لم نكن نعبد أحدًا إلا الله ﷿، (فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟).\nومن المعلوم أننا لا نعرف الله ﷿، ويوم القيامة سيظهر لنا، فكيف نعرفه؟ باختلاف ذاته وصفاته عن ذوات جميع المخلوقات التي رأيناها.\nلكن المسيح الدجال يقول: أنا ربكم.\nلكنه أعور، وربنا ليس بأعور، وكذلك يأتي من الآيات ما يثبت صحة هذا القول في الظاهر، فيأتي بأشياء لا يمكن أن يفعلها إلا إله قادر، فيحضر رجلًا من أهل المدينة فيشقه نصفين حتى يل","vol":"25","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>رواية ابن مسعود في إثبات صفة الساق لله تعالى</span>\nوروى ابن خزيمة في كتاب التوحيد حديث ابن مسعود في كشف الساق، وهذا الكتاب من أنفع ما يمكن أن يقرأ في كتب العقيدة، لذا فلابد عليك أن ترتقي عن فتح المجيد وعن العقيدة الطحاوية، فعندما تقرأ في كتب العلم المسندة تشعر بلذة ما بعدها لذة، كأن تمسك بكتاب التوحيد لـ ابن خزيمة وتنهل منه في الوقت الذي لا تعرف الأمة من ابن خزيمة ولا ما هو كتاب التوحيد له، فتعرف أن هذه نعمة من نعم الله ﷿ عليك، وعندما تقرأ كتب السنة كلها، فتقوم بأخذ المجلد الأول والثاني والثالث والرابع إلى المجلد الحادي عشر من كتاب فتاوى ابن تيمية، هذه المجلدات التي ضمن فيها الإمام ابن تيمية عقيدة المسلمين، سواء عقيدة السلف أم عقيدة الفرق الضالة، فعندما تبدأ تقرأ في هذه المجلدات ستقول: هذا كلام بعيد! لا، فليس بعيدًا أبدًا، فإنك إذا شرعت في قراءتها فإنك ستكملها، ثم ممكن أن تبدأ بكتاب التوحيد، وهو مجلدين بعدما حقق.\nروى ابن خزيمة في كتابه (التوحيد) من طريق أبي الزعراء قال: ذكروا الدجال عند عبد الله بن مسعود فقال: (تفترقون أيها الناس! عند خروجه ثلاث فرق).\nأي: سيفترق المسلمون ثلاث فرق عند ظهور الدجال، وذكر الحديث بطوله ثم قال: (ثم يتمثل الله ﷿ للخلق).\nأي: يأتي الخلق في صورة يرتضيها الله ﷿ لنفسه.\nقال: (فيلقى اليهود.\nفيقول لهم: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئًا).\nانظر إلى الكذابين! (فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه).\nأي: إذا أتانا في صورته التي نعرفه بها عرفناه.\n(فعند ذلك يكشف عن ساق، فلا يبقى مؤمن ولا مؤمنة إلا خر لله سجدًا).\nوهذا موقوف حسن على عبد الله بن مسعود، وقد تقدم مرفوعًا.\nوالحاصل: أن إثبات صفة الساق لله تعالى أمر مقطوع به؛ لثبوت النصوص الصريحة الصحيحة في ذلك عن النبي ﷺ وعن جماعة من الصحابة، والله أعلم.","vol":"25","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>خطأ ابن الجوزي في نقله قول الجمهور في صفة الساق لله تعالى</span>\nأما ما نقله ابن الجوزي عن جمهور العلماء من أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، أي: يكشف عن شدة، فقول غير صحيح، ومن قرأ الكتب المصنفة في السنة علم خطأ هذا القول وبطلانه؛ فهذا أحمد بن حنبل، وابن خزيمة، وابن منده، والدارمي، وغيرهم كثير جدًا قد صنفوا في الاعتقاد، وما رأينا في كتب الاعتقاد المصنفة عند أهل السنة والجماعة أنهم أولوا الساق بالشدة، ولم نجد من هؤلاء من يقوله، وهذا القائل إما أنه لا يعرف من هم السلف، وإما أنه أطلق هذا القول جزافًا دون تحقيق، ولو فرضنا صحة ما نقله ابن الجوزي عن الجمهور فإنه لا يدل على صحة قولهم وبطلان ما عداه؛ لأنه ليس دائمًا الحق مع الجمهور، إذ إن كل مسألة من مسائل الدين، سواء في باب الأصول أو الفروع لا نبحث فيها عن رأي الجمهور؛ لأنه ليس ذلك بلازم، والجمهور في أكثر من مسألة قد خالفوا فيها الدليل، لكن الأمة في مجموعها معصومة، بمعنى: أن الحق لا يخفى على مجموعها في زمن ولا في بلد، وإنما الحق لابد أنه يكون ظاهرًا في كل زمان وفي كل مكان، حتى وإن ظهر لواحد من الأمة فقط، مثلًا: عندما نأتي إلى قرية (الطالبية) ونذكر مسألة من المسائل فماذا سنقول؟ هل سنقول: إن هذه المسألة قد خفيت على أهل الطالبية بأسرهم؟ لا؛ لأن هذا يخالف سنة الله ﵎، ولأنك لو قلت: إن الحق قد خفي على مجموعة من الناس في مكان أو في زمان، فلابد وأن تعتقد حينئذ أن حجة الله ﵎ تخفى عن عباده وعن خلقه في أي وقت أو في أي مكان، وهذا بخلاف عقيدة المسلمين، بل الحجة تقوم على المسلمين ولو بواحد، ولا يمكن أن يخفى الحق على مجموع الأمة، لا في زمن ولا في مكان، ولذلك لما وقع هذا الخلاف بين ابن عباس وبين الصحابة ﵃ خالفه ابن مسعود.\nبل صح السند لـ ابن مسعود في المخالفة، ولم يصح إثبات التأويل عن ابن عباس كما ذكرنا، فنقول في هذه الحالة: على فرض صحة ما ادعى ابن الجوزي من أن مذهب الجمهور هو التأويل، فهل يلزمنا أن نقبل مذهب الجمهور هنا؟ لا.\nلأنه قد يكون لشخص من الأشخاص قول لا نعلم له مخالفًا فيكون إجماعًا، ولو علمنا له مخالف لا أقل من أن نقول: إن هذه المسألة قد اختلف فيها الصحابة، وممكن أن يشتهر قول أحد الأصحاب ولا يشتهر القول الثاني، فيأتي بعد ذلك المقلدة فتجدهم يقلدون القول ويلتزمونه نقلًا من الكتب أو سماعًا من المشايخ دون تحقيق لهذا القول، وسائر القول على هذا النحو، من أجل ذلك أنا أحكي لك عن مسألة قال بها ألف واحد من العلماء، لكن هذا الألف بلا تحقيق لا قيمة له، إنما القيمة في التحقيق، وأقول: التحقيق دائمًا؛ لأنه عندما يكون هناك مسألة هي محل نزاع بين أهل العلم، فإنهم يعرضونها على المشرحة، وهذه المشرحة هي مشرحة الكتاب والسنة، الميزان الأعظم، هذا الميزان الذي لا يمكن أبدًا أن يهتز؛ لأنه الميزان الذي أزن به الأعمال والأقوال، صحيحة أو غير صحيحة، مقبولة أو غير مقبولة، وعليه فمذهب الجمهور على نقل ابن الجوزي -إن صح أن الجمهور قالوا بذلك- مردود ليس عليه دليل، وهم -إن صح ذلك عنهم- نفوا والنافي لا يطالب بالدليل في النقاش العلمي، فالذي ينفي الشيء لا يطالب بالدليل، وبالتالي فالذي يطالب بالدليل هو الذي يثبت؛ لأن معه من العلم والحجة ما ليس عند النافي، وفي هذه الحالة فمسألة الساق اختلف فيها أهل العلم، فجمهورهم ينفيها، وبعضهم يثبتها، فهل تتصور عقلًا أن آتي إلى النافي وأقول له: ما دليلك على نفي الساق؟ سيقول: الأصل عدم إثبات ما نفاه الله عن نفسه، أو لا أثبت لله إلا ما أثبته لنفسه ولم يثبت لنفسه ساقًا.\nفسأقول له: إن هذا الفريق الثاني المناهض والمناقض يقول: أن هناك ساقًا، فسيقول: ليأتينا بالدليل، فأقول: الدليل: حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وحديث عبد الله بن مسعود، وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.\nوعليه؛ فإذا كانت الآية مطلقة وعامة فلابد من حملها على الحديث المقيد، وأن هذه الساق التي وردت منكرة غير مضافة إلى الله ﷿ قد وردت في الحديث مضافة وثابتة، وصريحة في إثباتها الساق لله ﷿.\nوفي هذه الحالة سأقول له: أنت أيها الجمهور! قد خالفك رجل واحد في الأمة، والدليل معه، فضلًا أن يكون هذا الرجل هو عبد الله بن مسعود، أو هو النبي ﵊؛ لأنه هو الذي أثبت، وإذا كنا نعتقد أنه أعلم الخلق بالله ﷿ فلابد وأننا نقول: بأن حديثه مقدم على مذهب الجمهور.\nثم لو افترضنا مثلًا صحة ما نقله ابن الجوزي عن الجمهور، فلا يدل ذلك على صحة قولهم وبطلان ما عداه، إذ ليس كل قول يذهب إليه الجمهور يكون صوابًا، فإن الحق لا يعرف بالكثرة، وإنما يعرف","vol":"25","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>رد ابن تيمية على من يؤول صفة الساق لله تعالى</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في (نقض أساس التقديس)، وهذا الكتاب من أمتع ما يمكن أن يقرأ، وأقول لك: إن كثيرًا من الإخوة يعتقدون أنه ليس هناك كتب عقيدة في الإسلام إلا العقيدة الطحاوية، وفتح المجيد، والواسطية فقط، وهذا غلط، بل إن هناك كتبًا كثيرة في الاعتقاد، ثم إن العلماء قد صنفوا هذه الكتب من أجلنا نحن فقط، من أجل ذلك فنحن لا نعرف غيرها! ولذا فهم عندما رأوا أننا لا نستطيع أن نفهم أي كلمة من كلام السلف، قالوا: نصنف لهؤلاء الجيل علم على قدر همتهم وفهمهم، حتى يلقوا الله ﷿ باعتقاد سليم.\nإذًا: فنحن لا نتوقف عند هذه الكتب فقط، إذ إنها قد صنفت للمبتدئين في العلم، وأنتم أصبحتم في مستوى كبير، فلابد أن تكبروا عن ذلك قليلًا، فهناك أكثر من ألف مصنف مسند وغير مسند في توحيد الله ﷿، وحاولوا أن تنتهوا من العقيدة الطحاوية من أجل أن تأخذوا مرحلة أعلى قليلًا.\nوعلى كل قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في نقض أساس التقديس: إن هؤلاء يتأولون كشفه عن الساق بأنه إظهار الشدة -انظر هذا الكلام الجميل- وفي نفس هذه الأحاديث أنه إذا أتاهم في الصورة التي يعرفونه، فيكشف لهم عن ساقه فيسجدون له، فإذا تأولوا مجيئه في الصورة التي يعرفون على إظهار رحمته وكرامته، كان هذا من التحريف والتناقض في تفسير الكتاب والسنة.\nفهو يريد أن يقول: في قول الله ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، أن المتأولة يقولون: إن الله ﵎ لا يأتي ولا يجيء ولا يذهب ولا يرضى ولا يسخط ولا يفرح ولا، ينفون كل هذه عن الله ﷿، فيقولون في تفسير قوله تعالى: «وَجَاءَ رَبُّكَ»، أي: وجاء أمر ربك، أو رحمة ربك، أو رضا ربك، والمهم أن الرب ﵎ عندهم لا يأتي، وعليه فإذا كنتم تفسرون مجيء وإتيان الله ﷿ بإتيان الرحمة، وأنتم الذين تقولون: لو ظهر لنا بما نعرفه لعرفناه، لكن هو سيعرف لكم بالساق مثلما أبنتم ذلك، فإذا كانت الساق هي الشدة فهل تسجدون لها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nفإذا قلتم: إن الإتيان والمجيء لله ﷿ هو إتيان الرحمة، فلا يتصور أنك إذا رأيت رحمة ربك سجدت في هذا الموقف.\nواعلم أن هناك أصلًا مهمًا جدًا لابد وأن تعض عليه بالنواجذ خاصة فيما يتعلق بصفات المولى ﷿، وهو: (حمل الألفاظ على ظاهرها دون تحريف، أو تأويل، أو تمثيل، أو تكييف، أو تشبيه)؛ لأن الأصل في الألفاظ أن تحمل على الحقيقة حتى يرد ما يخرجها عن ذلك.\nيعني: إذا كانت الآية تقول: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢].\nإذًا هي ساق، حتى لو لم نكن متصورين صفة الساق، ولا نصرف هذه الساق عن ظاهرها كما يفعل المبتدعة؛ لأنه لابد أن يكون معك صارف لها أو قرينة على الصرف؛ ولأن الأصل في الألفاظ أنها تحمل على الحقيقة لا على المجاز، سواء المجاز الشرعي أو المجاز اللغوي أو المجاز العقلي.\nفقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، أثبتت الآية أن هناك ساقًا، ولا أستطيع أن أقول: بأنها الشدة؛ لأنه لابد من صارف أو قرينة صارفة، واللغة ليست صارفة إلا بشرط: استحالة حمل اللفظ على ظاهره، واللفظ الذي معي أحمله على معناه الاصطلاحي الشرعي، فإن كان محالًا أحمله على الحقيقة اللغوية، وإن كانت الحقيقة اللغوية محالة فأحمله على الحقيقة العرفية، وهذا ترتيب أهل العلم في صرف النص عن ظاهره.\nلكن في هذه الحالة عندما يثبت ربنا سبحانه لنفسه الساق، فإننا نحمل هذا اللفظ على حقيقته الشرعية، ولا يمكن أن نتعدى ذلك إلى غيره لأنها خطوات وضعها أهل العلم وأمرونا باتباعها، ولو تخطينا الحقيقة الشرعية في صفة الساق فلابد وأن نتخطاها في جميع الصفات الذاتية لله ﷿.\nوبهذه المناسبة أذكركم بقاعدة قد مرت وهي: (أن الكلام في صفة واحدة كالكلام في جميع الصفات)، فإذا تخطينا الحقيقة الشرعية في الساق فيلزمنا أن نتخطاها في جميع الصفات.\nإذًا: مذهب السلف هو إثبات الألفاظ على حقيقتها وعدم صرفها عن ظاهرها إلا بنص أو قرينة.\nوعندما أريد صرف الساق عن ظاهرها، فهل أبحث لها عن صارف؟ لو قلت: نعم.\nفلن أجد لها صارف في اللغة، وبعد أن أصرفها عن ظاهرها إلى معناها اللغوي سأجد الحديث قد صرح بأن الساق ساق لله ﷿، إلا إذا كنت سأصرف لفظ الله أو الرب عن ظاهره فأقول: الله هذا، أو الرب هذا مخلوق من المخلوقات! ألا يمكن أن يقول أحد بذلك؛ لأن الحديث: (يوم يكشف الله ﷿ عن ساقه)، فهل أستطيع أن أتصرف في هذا اللفظ؟ بمعنى أن أقول: ليس المقصود هنا بالله ﷿: (الإله المعبود).\nإن من يقول بذلك سيكون مجنونًا بلا شك، ولو قلت: إن الله ﷿ ليس المقصود به: الإله المعبود! سأنظر وأجد الحديث الثاني يقول: (يوم يكشف ربنا عن ساقه).\nفلا يجتمع في مخلوق قط لفظ الرب مع لفظ الله، ممكن أن يكون رب البيت، رب الدار، رب الغنم، رب البقر، لكن الرب -بالتعريف-","vol":"25","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>خطأ الإمام النووي في تأويله لصفة الساق لله تعالى</span>\nقال الإمام النووي في تفسير حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم في قوله: (فيكشف عن ساق)؛ قال: فسره ابن عباس وجمهور أهل اللغة بالشدة.\nوانتبه أنه قال: جمهور أهل اللغة، وابن الجوزي قال: جمهور العلماء.\nأي: علماء الشرع.\nلذا فأنت عندما تسمع مذهب الجمهور فالمقصود به: جمهور الفقهاء، لا جمهور اللغويين، فانظر إلى ابن الجوزي كيف عمى علينا وقال وجمهور العلماء؟! والصحيح أنهم جمهور اللغويين الذين قالوا: بأن الساق هي الشدة، ولو قالوا بذلك فلا يعول على كلامهم؛ لأن الساق تعني الشدة في أحد وجوه اللغة، لكن لا يستلزم هذا إنزال هذا المعنى اللغوي على هذا النص؛ لأن هذا يعتبر تلبيسًا.\nوالإمام النووي قد نقل كلامًا عظيمًا جدًا عن كثير من أهل العلم القائلين بأن الساق تعني الشدة، وهذا على عادة الإمام النووي، فإذا كان مضطربًا في مسألة ما فإنه ينقل أقوال أهل العلم دون أن يرجح، وفي ترجمة الإمام النووي التي ذكرناها من قبل: أنه لم يتمكن من دراسة علم العقيدة، مع أن علم العقيدة متعلق بذات الله ﵎، فأنت الآن عندما تدرس كل العلوم الشرعية ولست متمكنًا من العقيدة فسيخرج لك صبي في الكتاب يعدل عليك، لكن في الفقه عندما تخطئ أو تتبنى مذهبًا شاذًا لا يكون لذلك تأثير، أو غير ذلك.\nيعني: نحن مثلًا: عندما نعيب على ابن حزم، أو نعيب على أحد من أهل العلم مذهبًا قد ذهب إليه في مسائل الفروع في الفقه، فلا يكون لذلك تأثير، لكن عندما نقول: فلان هذا جهمي، رغم أنه فقيه، فلان هذا معطل، رغم أنه محدث، فلان هذا قدري، رغم أنه كذا كذا، فلان هذا شيعي، رغم أنه كذا وكذا، فسيكون ذلك أمرًا شنيعًا جدًا؛ لأن الخطأ في العقيدة ليس كأي خطأ قط، ولذلك ينبغي أن تتنبه إلى أن دراسة علم الاعتقاد والتمكن منه على مذهب السلف ومعرفة أصولهم التي أصلوها وساروا عليها، أهم شيء في حياة العبد المسلم.\nولذلك يقول أهل العلم: وهذا من العلم الذي لا يسع المسلم جهله، إذ إن من العلوم ما يمكن أن يسعك جهله، ومنها ما لا يمكن أن يسعك جهله، وعلى رأس ذلك: علم الاعتقاد والتوحيد فلا يسعك جهله.\nوعلم العقيدة لا يتوقف على أنك تذهب لتتزوج فيأتون لك بالبنت من أجل أن تراها، وتقول لها: أين الله؟ فتقول لك: في السماء.\nفتقول: يكفي.\nهذه البنت سلفية (١٠٠%).\nهذه خيبة! إذ إنه لم يثبت أن واحدًا من السلف تقدم لخطبة امرأة واختبرها، بل كان يتلصص إلى أن يرى جزءًا من بدنها، فينظر ما يعجبه ويسره فيتقدم لها، لذا فلا يصح أن يتقدم شخص لفتاة فيخرج هذه الورقة من جيبه ويسأل هذه الأسئلة.\nورحم الله الشوكاني فإنه قال في تفسير سورة القلم: وقد أغنانا الله ﷾ في تفسير هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] بما صح عن النبي ﷺ، وذلك لا يستلزم تجسيمًا ولا تشبيهًا، فليس كمثله شيء.\nفانظر إلى هذا الكلام الجميل، فالحديث يبين الآية، وقد بين أن المقصود من الساق في الآية هي ساق الله ﷿، فنثبتها من غير تجسيم ولا تمثيل مثل بقية الصفات، ولا يصح أن نخصها بكلام بمفردها، فهي مثل العين واليد، والقدم والأصابع والكف والأنامل وغيرها، فنقول فيها كما نقول في بقية الصفات.","vol":"25","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>إثبات الصحابة جميعًا لآيات وأحاديث الصفات من غير تحريف ولا تأويل</span>\nأخذ المتأوله ما نقل عن ابن عباس من تأويل لهذه الآية فطاروا به كل مطار، وإذا كانوا يريدون أن يأخذوا بكلمة ابن عباس هنا، فيلزمهم أن يأخذوا بكلام ابن عباس في كل الصفات، وهذا هو منهج ابن عباس، بل إن أقصى ما يمكن أن يدافع به عن ابن عباس: أن ابن عباس لم يكن عنده علم بالحديث، فحمل الساق على المحمل اللغوي، ولو كان عنده علم بالحديث ما قال هذا قط.\nوالحق أن تفسير ابن عباس للساق الذي ورد في الآية الكريمة ليس من تأويل الأشاعرة؛ لأنه ليس منهج ابن عباس، بل هو رأي رآه، وهذا على فرض ثبوت هذا التأويل عنه، وهو غير ثابت.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الذي أقوله الآن وأكتبه، وإن كنت لم أكتبه في ما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس -هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات ليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير.\nوتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]-أي: يريد أن يقول: إن هذا ليس كلام الصحابة، بل لم يختلفوا إلا في تفسير هذه الصفة- فروي عن ابن عباس -صيغة التمريض- وطائفة أن المراد به الشدة، أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة.\nوعن أبي سعيد وطائفة: عدوها في الصفات؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين.\nاهـ.\nوقال ابن القيم: و(الصحابة متنازعون في تفسير الآية، هل المراد الكشف عن الشدة، أو المراد بها أن الرب يكشف عن ساقه؟ ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع) اهـ.\nلكن هنا جملة أمور وحقائق لا يجوز لأحد أن يتعداها، أو أن يغض نظره عنها، وهي أن الخلاف وقع بين الصحابة إلا أنه في هذه الصفة فقط؛ لأن التأويل ليس مذهبهم بتأويل الساق بالشدة.\nوابن القيم يريد أن ينصحنا بنصائح، وكأنه يقول: رغم وقوع النزاع في هذه الصفة إلا أن هناك عدة نصائح أريد أن أنصحكم بها، وهي: أن تفسير بعض التابعين أو ابن عباس من الصحابة -على فرض صحته عنهم- لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] بالشدة في الآخرة ليس من التأويل الذي فيه صرف للآية عن ظاهرها.\nأي: أنه ليس تأويل الأشاعرة، ولا فيه تعطيل لصفة من صفات الله جل وعلا، بل إنهم يثبتون هذه الصفة بالأحاديث الأخرى الصحيحة، فشتان بين قولهم وبين تعطيل وتأويل الأشاعرة.\nكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات.\nأي: أنه يريد أن يقول: إن الآية ليست صريحة في إثبات أن أن الساق صفة لله ﷿، وإنما أتى التصريح في الحديث.\nثم قال: ولا ريب -أي: ولا شك- أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات، فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل (عن ساقه)، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنها من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إذ إن التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف، لكن كثيرًا من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولًا له، كاليد على القدرة والنعمة، والعين على الإحاطة والرعاية، ثم يريدون صرفه عنه ويجعلون هذا تأويلًا، وهذا خطأ من وجهين.\nوقد سبقه أبو يعلى الفراء فحمل تأويل ابن عباس على قول أهل اللغة، وليس على التأويل الفاسد الذي هو مذهب الأشاعرة.\nوأما ما روي عن ابن عباس في تأويل الساق فقد خالفه ابن مسعود، ولا أقل من أن يقال: إن الصحابة اختلفوا في هذه، وليس قول أحدهم بحجة على قول الآخر إلا بدليل أو بنص، والنص مع ابن مسعود لا مع ابن عباس ﵁ الله عنهما، وعليه فلا إشكال إذًا.\nوأظن بذلك الكفاية والغنية، وقد اتضح أن لله ﵎ ساقًا ليست كساق المخلوق، وأنها ساق حقيقية لله ﷿ يتعرف بها إلى خلقه في الموقف، وأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قد أخطأ في صرف هذه الصفة إلى المعنى اللغوي، وهذا إن صح عنه ذلك، وإن لم يصح فقد أغنانا ضعف الإسناد إليه عن نسبة التأويل له رضي","vol":"25","page":14},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-488> صفة الكلام لله ﷿</span>\nمنهج أهل السنة والجماعة في صفات الله أنها صفات تليق به سبحانه، لا يجوز فيها التمثيل ولا التشبيه ولا التكييف ولا التأويل، بل يجب إثباتها كما أثبتها الله لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته، ومن ذلك ما ورد أن لله يدين وعينين ووجهًا وقدمًا ورجلًا، وغيرها من الصفات الذاتية، كما نثبت لله ﷿ صفة الكلام وهي صفة ذاتية وفعلية، فهو تعالى يتكلم وقتما يشاء، بحرف وصوت ليس كحرف وصوت المخلوقين.","vol":"26","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات صفة الكلام لله ﷿</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nفكنا نتكلم عن صفات للمولى ﵎ تثبت بالسمع ولا شك أنها تثبت بالعقل كذلك، فصفة الكلام -مثلًا- لله ﷿ لا بد للعقل أن يتصور أن الله يتكلم، فلو فرض أنه لم يأت نص سمعي يثبت أن الإله يتكلم بحرف وصوت للزم أن يتصور العقل أن هذا الإله لابد أن يكون متكلمًا، بخلاف الصفات الأخرى فإنها لا تثبت بالعقل، بل تثبت بالسمع فقط.\nأي: بالمنقول أو بالخبر؛ ولذلك يسميها أهل العلم: الصفات الخبرية، أو الصفات السمعية؛ لأن إيماننا بها يتوقف على السمع، والسمع هو النص -أي: المنقول- بخلاف العقل؛ ولذلك يسمي أهل العلم الصفات الذاتية لله ﷿ بالصفات السمعية والخبرية، يعني: لا تثبت عن طريق العقل، وإنما تثبت عن طريق النص، وتثبت عن طريق السمع، كصفة اليد والعين والرجل والقدم والأصابع وغير ذلك من الصفات الذاتية للمولى ﷿ لا يمكن أبدًا أن أثبتها لله تعالى صفة ذاتية أصلية من مصدر الاجتهاد؛ وذلك لأن العقل محرم عليه أن يتصور ذات الإله وصفاته الذاتية، وإلا وقعت في تشبيه الله ﷿ بأحد مخلوقاته، فلابد أن أتوقف في إثبات هذه الصفات إلا إذا ورد في ذلك النص، فإذا أثبت النص أن لله وصفًا أثبتناه، وإذا نفى النص عن الله ﷿ وصفًا نفيناه؛ لأننا لم نر الله ﷿.\nإذًا: يتوقف إيماننا بصفات الله تعالى الذاتية على الخبر، وعلى النص الوارد إلينا؛ ولذلك نقول: إن صفات الله ﷿ الذاتية صفات خبرية بحتة لا مجال للعقل فيها، بخلاف صفات أخرى كصفة الكلام، فهب أنه إذا لم يرد نص أن الله تعالى يتكلم فإنه لابد أن يتصور العقل أن الإله لابد أن يكون متكلمًا، فصفة الكلام تثبت بالسمع وبالعقل، وهذه الصفة صفة ذات وصفة فعل.\nصفة الكلام صفة ذات وصفة فعل؛ لأن الله ﵎ أثبت لنفسه صفة الكلام فهي صفة ذاتية له، إذا شاء تكلم وإذا شاء لم يتكلم، وهذا معناه: أنها صفة فعلية.\nبمعنى: إذا شاء فعل الكلام وإذا شاء لم يفعل، له ذلك وله ذلك.\nفإن الله تعالى يتكلم في أي وقت شاء، وبأي كلام شاء، وله ألا يتكلم في وقت، وأن يتكلم في وقت آخر ﷾، يفعل ما يشاء.\nفالكلام صفة ذاتية وصفة فعلية.\nأي: لها تعلق بفعله ﵎، وفعله يختلف عن أفعال المخلوقين، فإذا قلنا: إن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت لا يلزم من ذلك أنه يتكلم ككلامي هذا الذي يخرج من لساني ومن فمي بحرف وصوت، فالحرف معلوم لديكم والصوت أنتم تسمعونه، أما الله ﷿ فإنه يتكلم بحرف وصوت ليس بحرف كحرفي وصوت كصوتي، ولكنه يتكلم بكيفية لا يعلمها إلا هو ﵎؛ لأنني لو قلت: إن المولى ﷿ يتكلم ككلامي أو ينطق بنفس الطريقة التي أنطق بها للزم من ذلك أن نثبت أن لله تعالى فمًا؛ لأنه لو لم يكن لي فم ما استطعت أن أتكلم، ولو لم يكن لي لسان ما استطعت أن أتكلم، وإن الله ﷿ لم يتكلم عن إثبات صفة الفم أو اللسان له سبحانه، فيحرم على المرء أن يثبت للمولى ﷿ صفة لم يثبتها لنفسه؛ ولا أنفي ذلك ولا أثبته؛ لأن النص سكت عنه.\nفإن قيل: إذا لم يكن له فم ولا لسان فكيف يتكلم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنه يتكلم حيث شاء وكيف شاء، ولا يلزم من كلامه المماثلة والمشابهة بين كلامه وكلام المخلوقين، فإنه يتكلم بكيفية وطريقة لا يعلمها إلا هو ﷾، ولما كان الكلام صفة من صفات المولى ﷿ لزم أن نؤمن بهذا كما ورد، ولا نخوض في الكيفية، والكلام في صفة الكلام كالكلام في بقية الصفات، فالله ﷿ أثبت لنفسه صفة اليد، وأثبت لنفسه العين والأصابع والقدم وأثبت أنه يضحك، وأثبت الساق وغير ذلك.\nولذلك عقد المصنف اللالكائي عليه رحمة الله هذا الباب لإثبات هذه الصفات من جهة السمع والخبر، وأفردها بباب مستقل، كأنه يشير إلى أن هذه الصفات ع","vol":"26","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>سياق ما دل من كتاب الله وسنة رسوله على أن من صفات الله الوجه والعينين واليدين</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما دل من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ على أن من صفات الله ﷿ الوجه والعينين واليدين].\nوسكت، ولكنه ذكر في نفس الباب صفة الأصابع والقدم والضحك والساق والكلام، ولعله لم يقصد أن يتطرق إلى ما لم يذكره في التبويب بخلاف الذي ذكره من الوجه والعينين واليدين.","vol":"26","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>الأدلة على إثبات أن لله وجهًا يليق به سبحانه</span>\nقال: [قال الله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]].\nهذه الآية أثبتت أن لله وجهًا، لكن هل وجه الله ﷿ كوجوه المخلوقين؟ من أراد أن يشبه وجه الله ﷿ بوجهه نقول له: لم اخترت لله ﷿ بالذات أن يكون وجهه كوجه بني آدم، فجميع المخلوقات لها وجوه؛ فلم لم يختر المولى ﷿ أن يكون وجهه كوجه غير بني آدم من المخلوقات؟ إذا طرح عليه هذا السؤال لابد أنه سيعجز عن الجواب، فإذا قال: إن الله تعالى يخاطب بني آدم فقط، وأنه يخاطبهم بما يعرفون، وإنما يعرفون من أنفسهم الوجه.\nنقول: لو كان وجه الله ﷿ كوجهك للزم أن يكون من ذلك أن ذاته كذاتك، فهل تقول بذلك؟ لابد أنه سيقول: لا.\nإن ذات الإله ﷿ تختلف عن ذوات المخلوقين جميعًا من بني آدم وغيرهم.\nفنقول: وكذلك صفاته تختلف عن صفات المخلوقين، ومنها الوجه.\nولذلك الذين أولوا الوجه بالنعمة ليس لديهم حجة ولا برهان، والذين قالوا: إن الوجه هو الذات: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] قالوا: المراد هنا بالوجه: الذات العلية.\nنقول لهم: إن هذا تأويل باطل وفاسد كذلك؛ لأنك إذا قلت: إن الوجه هو الذات لابد أنك تنفي عن الله ﷿ حقيقة الوجه؛ لأن الوجه عندك هي الذات، ولو قلت بذلك للزمك أن تنفي عن الله ﷿ صفة الوجه، وهذا طبعًا كلام لا يقول به إلا خلفي متأول، أما السلف فإنهم أثبتوا لله ﵎ الوجه وقالوا: المراد بالوجه هو وجه الرحمن ﵎، فأثبتوا الوجه على النحو الذي يليق بجلاله وكماله، ولم ينفوه بتأويل الخلف أن الوجه هو الذات؛ لأن الذي يقول: الوجه هو الذات يقول: لا وجه؛ لأن الوجه عبارة عن ذات الإله، وهم ظنوا أنهم ينزهون المولى ﷿ عن مشابهة المخلوقين.\nفما الذي حدا بهم إلى هذا التمثيل وهذا التشبيه؟ وما الذي يمنعهم أن يثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه على الوجه اللائق به سبحانه، ويؤمنون بذلك.\nصفة الوجه ثابتة بالله ﷿، ليس كوجوه المخلوقين، وليس الوجه هو ذات الله ﷿؛ لأن هذا تأويل الخلف، فيحرم أن تصرف صفة من صفات الله ﷿ عن معناها وعن حقيقتها التي أرادها المولى ﷿ منك، كما يحرم عليك أن تؤولها وأن تلوي عنقها لتصرفها عن ظاهرها.\nقال: [وقال الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]].\nفأثبت كذلك في هذه الآية أن له وجهًا ﷾.","vol":"26","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>الأدلة على إثبات أن لله يدين تليقان به سبحانه</span>\nقال: [وقال الله ﷿: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]].\nأي: ما الذي منعك يا إبليس! أن تسجد لآدم الذي خلقته أنا بيدي، ﷾.\nيقولون نفيًا ليدي الله ﷿: اليد بمعنى: القدرة.\nواليد بمعنى: النعمة.\nوهذا كلام بعيد جدًا، وفيه غلو كما أن فيه تعطيلًا، فروا بزعمهم مما يسمى تشبيهًا فوقعوا في التعطيل.\nأي: جردوا الذات العلية من تلك الصفات الخبرية السمعية.\nفالله ﷿ قال لإبليس: ما منعك أن تسجد لآدم الذي خلقته بيدي؟ فإذا كانت اليد هنا بمعنى النعمة فليس لآدم فضل على بقية المخلوقات؛ لأنه في هذه الحالة لابد أن الله خلق الخلق جميعًا بنعمته، فلم يقول عن آدم بالذات - ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]- إذا كانت اليد هي النعمة؟ كما تقول: فلان له علي يد -يعني: له علي جميل ونعمة- وهذا معروف في كلام العرب.\nوهذا الذي أوقع الخلف في صرف النص عن ظاهره، فاعتمدوا فقط على بعض ما ورد في كلام العرب من أن اليد يقصد بها النعمة، وقالوا كذلك: اليد هنا بمعنى القوة.\nفمعنى: «خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» أي: خلقت بقوتي؛ لأنه ثنى اليد: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ولم يقل: بيدِي، وإنما قال: بيدَيَّ.\nفإذا قلنا: إن اليد بمعنى القوة -كما يقول الخلف- فيلزمنا أن يكون التأويل هكذا: ما منعك أن تسجد لما خلقت بقوتيَّ.\nولم يقل أحد: إن لله قوتين؛ حتى يكون التأويل: خلقت بقوتيَّ.\nثم إن الله ﵎ أثبت لنفسه اليد وأثبت لنفسه القدرة والقوة، فكونك تجعل صفة مركبة على صفة أخرى فإنه يستلزم تعطيل الصفة التي حملتها على الثانية، فأنت تقول: اليد بمعنى القدرة أو اليد بمعنى القوة، وإذا كان الله تعالى أثبت لنفسه القوة والقدرة واليد، فكونك تؤول اليد بالقدرة والقوة، فالقدرة والقوة من الأساس موجودة وثابتة لله ﷿، ولكن تأويلك اليد بالقدرة والقوة ينفي صفة اليد عن المولى ﷿، وستأتي معنا نصوص لإثبات أن هذا التأويل الخلفي تأويل باطل كذلك.\nقال: [وقال ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]].\nفهل يستقيم أن نقول: بل نعمتاه مبسوطتان؟ أو بل قوتاه مبسوطتان ينفق كيف يشاء؟ هذا كلام لا يستقيم حتى في لغة العرب.\nقال: [وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]].\nفأثبت العين.\nقال: [وقال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧].\nوقال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]].\nإثبات لصفة اليد كذلك.","vol":"26","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>كلام بعض السلف في إثبات أن لله عينًا ووجهًا</span>\nقال: [وعن الزبير بن العوام: أنه سئل بوجه الله -يعني: قيل: أعطني لوجه الله- فقال: أعطه، فإنه بوجه الله سأل لا بوجه الخلق].\nوهذا يثبت أن صفة الوجه كانت ثابتة عند السلف.\nقال: [وعن القاسم بن محمد: أنه سئل بوجه الله فقال: لا يفلح من رده].\nأي: لا يفلح من رد سائلًا سأل بوجه الله.\nوهذا يعني: أن صفة الوجه ثابتة لديهم.","vol":"26","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>حديث: (أن الله سبحانه خط التوراة بيده)</span>\nقال: [عن طاوس سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: (احتج آدم وموسى)] يعني: كانت بينهما محاجة، كلٌ منهما يذكر حجته على الآخر، كأنها خصومة أو مناظرة: [(احتج آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة)].\nأي: بسبب فعلك يا آدم! كنت سببًا في طرد الخليقة من الجنة، وذلك لما طردك الله ﷿ وأهبطك على الأرض، وكانت بعد ذلك الذرية والنسل، فكان موطن الذرية الأرض لا الجنة، فأنت الذي خيبتنا، وأنت الذي أخرجتنا من الجنة.\nقال: [قال له آدم: (أنت موسى اصطفاك الله بكلامه)].\nوهذا إثبات لصفة الكلام لله ﷿، وأن الله كلم موسى تكليمًا من وراء حجاب، فموسى سمع كلام الله ﷿ بنفسه لا عن طريق الوحي، ولا عن طريق جبريل ﵇، وإنما سمع موسى كلام المولى ﷿.\nوالجعد بن درهم -ذلك المبتدع الأثيم- أنكر أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وأن الله كلم موسى تكليمًا، وقام خالد بن عبد الله القسري في عيد الأضحى وخطب الناس، ثم نزل من على سلم المنبر وقال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله منا ومنكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم؛ لأنه أنكر أن الله تعالى كلم موسى تكليمًا، وأنه اتخذ إبراهيم خليلًا.\nفذبح الجعد بن درهم عند أصل المنبر.\nأي: عند أول عتبة المنبر، مع أن الجعد استجار بعد ذلك؛ وكأنه يريد أن يعتذر من مقالته خوف القتل، ولكن خالد القسري لم يأبه لذلك وقال: إن هذه مقولة صار لها أتباع، وصار لها متقولون يتقولون بها ويجهرون بها.\nفقتله لخطورته، كما أن الذي أتى به الجعد هو كفر بواح، فلو قتله لكفره اجتهادًا لكان هذا اجتهادًا سائغًا، ولو قتله لعظيم بدعته التي انتشرت في العامة والخاصة لكان قتله كذلك لمنع الفتنة أمرًا جائزًا في الشرع، فعلى الوجهين قد أصاب خالد بن عبد الله القسري.\nقال: [قال آدم لموسى: (أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده)].\nوالضمير يعود على يد الله ﷿.\nأي: أن الله تعالى هو الذي كتب التوراة بيده، وهذا هو الأمر الثاني الذي فعله الله ﷿ بيده الشريفة، خلق آدم بيديه، وكتب التوراة بيده.\nوقال في رواية أخرى: (يا موسى! ألم تعلم أن الله ﵎ خط التوراة بيده قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال: بلى).\nوهذا إقرار من موسى ﵇ أن الله كتب التوراة في الأزل قبل أن يخلق آدم وقبل أن يخلق الخلق.\nومعلوم أن بين آدم ونوح عشرة قرون، وقبل نوح -بل وقبل الخلق أجمعين بأربعين سنة- خط الله ﷿ التوراة بيده، وكتب في التوراة الخطيئة التي ستقع من آدم، وأن آدم بعد عصيانه سيتوب ويستغفر وينيب إلى ربه.\nفقال له: وأن الله خط لك التوراة بيده، وكتب فيها ما قد وقع مني، وأنه أمر قدره علي قبل أن يخلق السماوات والأرض بأربعين سنة.\nقال: [(تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟)].\nإن كتاب التوراة هو الكتاب الذي أرسل به موسى، وبين موسى وآدم عشرة قرون، وقبل خلق آدم بأربعين سنة خط الله ﷿ التوراة بيده ويمينه، ثم أثبت في هذه التوراة أن آدم سيعصي، وسيتبع شيطانه فيما يسول له ويجمل من الأكل من شجرة في الجنة؛ طلبًا للخلد، فعصى آدم ربه فغوى.\nثم قال آدم لموسى: أتلومني على ذلك؟ هذا أمر قدره الله ﷿ علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة! فلو أننا اعتبرنا أن القرن (١٠٠) عام إذًا: قبل (١٠٤٠) سنة كتب الله ﷿ في التوراة أن آدم سيعصي ولكن هذا على سبيل المثال.\nقال النبي ﵊: [(فحج آدم موسى)] يعني: فارتفعت حجة آدم على حجة موسى.\nقال: [أخرجه البخاري ومسلم].\nولكن ربما ينطبع في أذهان الحاضرين أنه يجوز للمرء أن يحتج بالقدر على المعصية، فيقول: آدم نفسه قال: (أتلومني على أمر قدره الله ﷿ علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟).\nيعني: هذا مكتوب في اللوح المحفوظ.\nفنقول: إن إجماع أهل السنة والجماعة على أنه لا يجوز لأحد أن يحتج بالقدر على المعاصي.\nالأمر الثاني: الفارق بين من يحتج بالقدر على المعصية وبين آدم: أن آدم لما عصى تاب إلى الله ﷿، وهذا لم يتب.\nالأمر الثالث: أن آدم قال ذلك وهو ليس في دار التكليف، وأنت تحتج بالقدر على المعصية وأنت في دار التكليف.\nفمن هذه الفوارق لا يجوز لأحد أن يعتمد على القدر في استباحة واستجازة معاصيه، وهذا الأمر محل اتفاق بين العلماء في عدم الجواز.","vol":"26","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>حديث: (إن الله يبسط يده بالليل والنهار للتائبين)</span>\nقال: [عن أبي موسى: إن النبي ﷺ قال: (إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، حتى تطلع الشمس من مغربها) أخرجه مسلم].\nالإمام المازري قال: اليد هنا بمعنى: القبول.\nيعني: ليست هي اليد الحقيقية، وإنما اليد بالنسبة للمولى ﷿ بمعنى قبول توبة العبد إذا تاب إلى الله ﷿.\nإذًا: يكون التقدير هكذا: إن الله تعالى يقبل توبة عبده الذي عصى بالنهار إذا تاب في الليل، ويقبل توبة عبده بالليل إذا عصى في النهار.\nوهذا كلام لا يستقيم مع معتقد أهل السنة والجماعة في اليد، فاليد هي اليد الحقيقية لله ﷿ التي تثبت على الوجه الأكمل اللائق به ﵎، ولو قلنا: إن اليد عبارة عن قبول التوبة، أو أن اليد هي النعمة أو هي القدرة، فلابد أن يكون هذا الحديث في نهاية الأمر لا معنى له.\nوالإمام النووي عليه رحمة الله ينقل عن المازري، لم يكن ضليعًا في مسائل الاعتقاد.\nلا أقول: إنه أشعري وإن كان يتبنى مذهب الأشاعرة في بعض الأحيان، وليس حال الإمام النووي بأحسن من حال ابن الجوزي، فكلاهما مضطرب في أمر الاعتقاد، خاصة في باب الصفات، فهما تارة ينافحان ويدافعان عن مذهب السلف بكل ما أوتيا، ويقولان: نؤمن بهذه الصفات ونمرها كما جاءت، ولا نخوض فيها بتأويل ولا تعطيل، بل نثبتها على الوجه اللائق بالله ﷿، وتارة يقولان: لابد من تأويل هذه الصفة؛ لأن الأمر لا يستقيم في أذهانهم على المنهج الأول وهو منهج السلف.\nوتارة نسمع أن مذهب السلف أسلم وأن مذهب الخلف أعلم وأحكم، وهذا الكلام في غاية الخطورة؛ لأنه يجعل من التأويل وصرف النصوص عن ظاهرها علمًا أزيد وحكمة أوسع مما كان عليه السلف رضي الله ﵎ عنهم، ولم يثبت أن النبي ﵊ تعرض لصفة من الصفات بالتأويل، أو صرفها عن ظاهرها المعلوم لدى النطق بها وسماعها لدى أصحابه الكرام ﵃ أجمعين، كما لم يثبت أن صاحبًا من أصحاب رسول الله سأل عن معنى اليد أو العين أو الساق أو القدم لله ﷿، وإنما آمنوا بها على حقيقتها اللائقة بالله ﷿، وأمروها دون أن يخوضوا فيها؛ لعلمهم أن ذات الإله تختلف عن ذوات المخلوقين، فأثبتوا هذه الصفات لله على الوجه الذي يليق بذاته العلية ﵎، فقال: (إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها).","vol":"26","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>حديث: (أن لله وجهًا لو كشف عنه الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل شيء)</span>\nقال: [عن أبي موسى: (قام فينا رسول الله ﷺ في أربع كلمات: -يعني: قال أربع كلمات- فقال: إن الله لا ينام، ولا يبنغي له أن ينام)].\nلأن النوم صفة نقص وهي تليق بالمخلوق لا تليق بالخالق، ولا يصح في الأذهان أن نقول: فماذا يحدث لو أنه نام لأن هذا طرح فاسد وباطل؛ إذ ذلك يستحيل في حق الله ﵎؛ لأنه نقص، والنقص عليه محال، والنقص ثابت في حقنا، فالله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام.\nقال: [(ويخفض القسط ويرفعه)] وهذه الثانية.\nوالقسط: هو الميزان.\nويرفعه.\nأي: يجعل الميزان العام الذي توزن به أعمال العباد يوم القيامة تارة عليهم وتارة لهم.\nيفعل ما يشاء: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].\nقال: [(ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار)].\nيرفع إليه عمل الليل في وقت الفجر قبل أن تطلع الشمس، ويرفع إليه عمل النهار قبيل المغرب، أو في صلاة المغرب.\nوقيل: في صلاة العصر.\nوالراجح: قبل دخول الليل.\nقال: [(يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل)].\nوقوله: (يرفع إليه) يدل على أن الله ﵎ في السماء؛ لأن الرفع لا يكون إلا إلى جهة العلو والفوقية.\nثم قال: [(حجابه النار أو النور)] أي: أن الله ﷿ جعل بينه وبين خلقه حجابًا، هذا الحجاب من نار أو من نور، على اختلاف في الروايات وكلاهما ثابت للمولى ﷿.\nقال: [(حجابه النار -أو النور- لو كشفه -أي: لو كشف هذا الحجاب- لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره أو ما انتهى إليه بصره من خلقه)].\nيعني: لو أن الله ﷿ كشف هذا الحجاب بينه وبين خلقه في الدنيا لأحرق جميع المخلوقين؛ لأنهم لا يقوون على رؤية المولى ﵎، ولو كانوا يقوون على ذلك لكان أولاهم بهذه القوة موسى ﵇، فقد طلب موسى أن يرى الله ﵎ جهرة؛ لأن اليهود طلبوا منه ذلك، ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣]، فموسى حاك في نفسه ذلك فطلب من ربه أن يراه، ولكن الله ﷿ أخبره بعجزه ونقصه البشري وأنه لا يقوى على ذلك، وكذلك الخلق أجمعون، لو أن الله ﷿ كشف الحجاب الذي بينه وبينهم لاحترقوا جميعًا؛ لأنهم لا يقوون على هذا إلا بإذن الله ﵎ في دار الآخرة لا في دار الدنيا؛ ولذلك فإن الصحابة ﵃ لما علموا يقينًا أنهم لا يقدرون على رؤية المولى ﷿ سألوا عن مدى وإمكانية رؤيتهم للمولى ﵎ في الآخرة.\nقالوا: (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟).\nلأنهم علموا أنهم لا يستطيعون رؤيته في الدنيا.\nقالوا: إذا كان موسى عجز عن ذلك، فهل نرى ربنا يوم القيامة؟ (قال النبي ﵊: أرأيتم القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ولا غمام، ورأيتم الشمس في رابعة النهار لا يحول بينكم وبينها غيم ولا غمام؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه ضيم).\nأي: أنكم لا تضامون، لا يحصل لكم ضيم ولا غيم ولا شك في رؤية المولى ﵎ في دار الآخرة، وأن الله ﵎ يحجب نفسه العلية وذاته العلية عن الكافرين، ويمكن المؤمنين من رؤيته ﵎.\nوهذا يثبت أن الرؤية مستحيلة في حق المخلوقات في الدنيا، وأنها ثابتة في الآخرة على خلاف ما ذهب إليه المعتزلة من أن الرؤية مستحيلة في الدنيا والآخرة، وهم بذلك كأنهم كذبوا القرآن الكريم.","vol":"26","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>حديث أن لله رداء كبرياء على وجهه</span>\nقال: [عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: (جنات الفردوس ثنتان، من ذهب حليهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليهما وآنيتهما وما فيهما، ليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)].\nليس بين من دخل الجنة وبين الله ﷿ إلا ذلك الرداء وذلك الحجاب وهو كبرياؤه ﵎.\nقال: (وهي -أي: هذه الأنهار- تشخب من جنة عدن في جوبة ثم تصدع بعد الأنهار).\nأي: أن هذه الجنات كأنها تنزف نزيفًا عظيمًا، وتسيل سيلانًا عظيمًا، ثم تنشأ الأنهار من تلك الجنات الأربع.","vol":"26","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>حديث أن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة</span>\nقال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يمين الله ملأى).\nواليمين بمعنى: يده اليمنى.\nقال: [(يمين الله ملأى لا يغيضها شيء)] أي: لا ينقصها شيء مهما أنفق، لا ينقص مما في يمينه شيء.\nقال: [(سحاء الليل والنهار)] سحاء تفيد: شدة العطاء وكثرته.\nأي: يعطي بقوة وسرعة.\nوهذا يدل على شدة عطاء المولى ﵎ بالليل والنهار لعباده.\nقال: [(أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض)].\nأرأيتم ما أنفق الله ﷿ منذ أن خلق السماوات والأرض؟ فبسبب هذا الإنفاق الكثير لابد أن تفنى تلك الخزائن، لكن هذا لا يكون إلا في قياس المخلوقين، أما في قياس الخالق فلا؛ لأن خزائن الله ﷿ تختلف عن خزائن البشر، فالبشر مهما بلغت خزائنهم لابد أنها تفنى، أما خزائن المولى ﵎ فمهما أنفق منها ﷿ فإنها لا تتأثر إلا كما يتأثر البحر إذا أدخل فيه المخيط.\nيعني: تصور أنك تأتي بإبرة وتدخلها في البحر، ثم تخرج هذه الإبرة مرة أخرى.\nما الذي تعلق بها؟ لا أقول: نقطة ماء، بل نقيطة ماء.\nفهل هذه النقطة ومهما عظمت هل تؤثر في ماء البحر؟ أو هل تؤثر في وزن البحر، أو في حجم الخير الذي في البحر؟ أبدًا.\nفمهما أنفق المولى ﵎، وسحت يده بالليل والنهار فإن ذلك لا ينقص من خزائنه شيء إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر، وهذا يدل على أنه لا تنقص هذه الخزائن أي نفقه ينفقها المولى ﷿، وخزائنه بيده ينفق منها كيف يشاء.\nقال: [(أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم ينفق ما في يمينه)] أي: لا يزال الخير الذي وضعه في يمينه رغم أن هذا الخير يغط فيه الخلق أجمعين من بني آدم وطير وحيوان وحشرات وغيرها، فإن الخزائن لا تزال موجودة بتمامها وكمالها في يمين المولى ﵎.\nقال: [عن عبد الله بن عمرو ويبلغ به النبي ﷺ: (المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور -والمقسط هو العادل- عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين)] هذا أمر في غاية الإعجاز.\nهذا أمر يجعل المرء يحار، ولابد في النهاية أن يسلم المرء بأن ذات الله وصفاته تختلف عن ذوات المخلوقين وصفات المخلوقين.\nكيف تكون يداه الاثنتان يمينًا، ومعلوم أن اليمين دائمًا تكون أقوى في المخلوقين من الشمال؟ نقول: ليس علينا معرفة الكيفية، ولا يعرفها أحد من المخلوقين، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب؛ ولذلك فإن الأدلة التي وردت بأن لله ﷿ يدًا شمالًا كما قال: (ويطوي السماوات بيمينه ويقبض الأرضين بشماله) هذه الرواية وإن كانت في مسلم إلا أنها شاذة؛ لأنها من رواية عمر بن حمزة، وعمر ضعيف.\nوأما مسلم فقد احتج به لتوثيق عمر عنده، مع أن جميع النقاد على أن عمر بن حمزة ضعيف، وعيب على مسلم إخراجه لحديث عمر بن حمزة، سواء هذا الحديث أو غيره.\nفالرواية في مسلم لا تأخذ الحصانة إذا كانت في جنب الله ﷿، وقد أعرض البخاري عن هذه الرواية، بل اتفق معه مسلم على أن (كلتا يدي الرحمن يمين).\nفهذه الرواية هي المتفق عليها، والرواية الثانية وإن أتت من ثلاث طرق إلا أنها من طريق عمر بن حمزة وهو ضعيف، وجاءت من طريقين كل منهما في إسناده رجل متروك، فالرواية شاذة غاية الشذوذ، بل منكرة غاية النكارة؛ لأن الحديث المنكر: هو مخالفة الضعيف للثقة.\nبخلاف الحديث الشاذ فإنه مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو لمجموع الثقات، فهذا الحديث في غاية النكارة، وقد ثبت لله ﷿ كما اتفق على ذلك البخاري ومسلم أن كلتا يديه يمين.\nقال النبي ﵊: [(المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور، عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم وما ولوا).\nأخرجه البخاري ومسلم].","vol":"26","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>حديث: (وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض)</span>\nقال: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار.\nوقال لنا: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه -أي: لم ينقص ما في يمينه- وعشره منه ملأى، وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض)].\nأي: يرفع به ويخفض به.\nفهذا يدل على أن لله ﵎ يدين: اليمين واليد الأخرى، والأخرى ليست شمالًا كما فهم الخلف، وإنما هي يمين كذلك؛ لقوله ﵊: (وكلتا يديه يمين).","vol":"26","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>أحاديث أن الله يقبض الأرض ويطوي السماوات يوم القيامة</span>\nقال: [أن عبد الله بن عمر أخبره أن النبي ﷺ قال: (يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه.\nيقول: أنا الملك)].\nوقال: [(يقبض الله الأرض بشماله، وتكون السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك)].\nهذه رواية شاذة، هذه الرواية الثالثة، وأنا أحذر منها كل الحذر؛ لأنها وردت في صفات الله ﵎ وفيما يتعلق بالذات العلية؛ ولذلك ينبغي الحذر والتحذير منها، وهي رواية ضعيفة، وكل الروايات التي وردت في إثبات أن الله تعالى له يسار أو شمال ضعيفة جدًا، وإذا أراد أحدكم أن يحقق في هذه القضية فليفعل.\n[عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (يطوي الله السماوات فيقبضها، ويقبض الأخرى بيده ويقول: أنا الملك.\nأين الملوك؟ أنا الجبار.\nأين الجبارون؟)].","vol":"26","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>حديثا أبي هريرة في قبض الصدقة وقبوله سبحانه لها بيمينه</span>\nقال: [عن أبي هريرة -ولا أراه مرفوعًا- قال: (إن الله تعالى يقبض الصدقة ولا يقبل منها إلا طيبًا، ويقبلها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه -والفلو: هو المهر أو ولد الناقة- حتى يجعلها أعظم من أحد).\nوقال أبو هريرة: في كتاب الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]-يعني: يربيها وينميها ويزيدها- ثم تلا: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:١٠٤] إلى آخر الآية].","vol":"26","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>حديث صدقة الرجل تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل</span>\nقال: [عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما تصدق رجل بصدقة إلا وقعت في يد الرب قبل أن تقع في يد السائل].\nهذا نص أيضًا أثبت أن لله تعالى يدًا.\nقال: [وهو يضعها في يد السائل، ثم قرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:١٠٤]].\nإذًا: من الذي يأخذ الصدقات؟ الله ﷿.","vol":"26","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>إثبات أن لله أصابع</span>\nقال: [عن عبد الله قال: (جاء حبر من أحبار اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع)] انتبه! هذا حديث يثبت صفة أخرى للمولى ﷿ وهي صفة الأصابع.\nقال: [(إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى -التراب- على إصبع، وذكر كلمة كلها على إصبع -يعني: ذكر مخلوقات أخرى على إصبع الرحمن- ثم يهزهن المولى ﵎، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك.\nفضحك النبي ﵊ حتى بدت نواجذه تعجبًا مما قال الحبر تصديقًا له)] فالحجة ليست في خبر الحبر، وإنما في إقرار النبي ﵊.\n[ثم قال النبي ﵊: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧])]، يعني: مع علم اليهود بذلك إلا أنهم لم يقدروا الله تعالى حق قدره، فضحك النبي ﵊ حتى بدت نواجذه من الحق الذي سمعه من ذلك الحبر، ولكنه عاب على اليهود أنهم ما قدروا الله حق قدره.\nقال: [أخرجه البخاري ومسلم].\nقال: عن عبد الله قال: (جاء إلى النبي ﵊ رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم! أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع؟ فضحك النبي ﵊ حتى بدت نواجذه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] إلى آخر الآية).\nواللفظ لـ أحمد، أخرجه مسلم من هذا الطريق والبخاري من حديث الأعمش].\n[عن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء)؛ ثم قال رسول الله ﷺ: (اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلبي إلى طاعتك)].\nوذلك لأنها بيد الله ﷿ يقلبها كيف يشاء.\nفقلوب العباد جميعًا كقلب رجل واحد في يد الله ﷿؛ لأنه قال: (إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد).\nيعني: كأن الله جمع القلوب جميعًا فجعلها في قلب واحد، وجعل هذا القلب بين أصبعيه يصرفه ويقلبه كيف شاء إلى الطاعة إلى المعصية إلى الجنة إلى النار إلى الحب إلى البغض وغير ذلك مما يشاء ﵎، ويفعل ذلك لحكمة عظيمة لا يعلمها إلا هو.","vol":"26","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>وقفات مع حديث: (خلق الله آدم على صورته)</span>\nقال: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (خلق الله آدم على صورته)]، يا ترى! الضمير في قوله: (صورته) يعود على الله ﷿، أم على آدم، أم على المضروب؟ لأن النبي ﵊ قال في حديثه: (إذا ضربت فلا تقبح ولا تضرب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).\nولذلك يقول بعض أهل العلم: الضمير في صورته يعود على الله ﷿ اعتمادًا واتكالًا على حديث: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) وهذه الرواية صريحة.\nثم يقولون: (إن الله خلق آدم على صورته) أي: على هيئته التي خلقه عليها يوم خلقه.\nفالضمير يعود على آدم.\nوهناك تأويل ثالث: (إن الله خلق آدم على صورته) أي: على صورة ذلك المضروب.\n(فلا تقبح)؛ لأنك لو قبحته كأنك قبحت وجه أبيك آدم، ولكن الكلام عن حديث الصورة سنخصص له محاضرة كاملة.\nقال: [(خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك، فإنه تحيتك وتحية ذريتك.\nقال: فذهب فقال: السلام عليكم.\nفقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله.\nقال: فزادوا: رحمة الله.\nقال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعًا)].\nيعني: كل الذين يدخلون الجنة يكونون على صورة آدم، طوله في السماء ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن.\nيعني: الله ﵎ لما خلق آدم خلقه وطوله في السماء حوالي (٤٥) مترًا، تصور أنك ستدخل الجنة وطولك (٤٥) مترًا، طبعًا أنت تنتظر هذا اليوم، ولن تدخل الجنة من أجل أن تنظر صورتك وأنت طويل هكذا! وقد وردت بعض الآثار أنهم يدخلون في عمر متوسط (٣٣) عامًا، فعمر سيدنا عيسى ﵇ (٣٣) عامًا، وفي الحقيقة هذه أمور كلها وإن جاز في العقل تصورها إلا أننا نقول: نؤمن بها كما جاءت.\nقال: [عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: (إذا قاتل أحدكم أخاه)] يعني: إذا ضرب، من المقاتلة والمفاعلة.\nأي: وقع شجار.\n[قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)].\nالضمير يعود على المضروب.\nوفي حديث: [(إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه لا يقولون: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته)].\nوعن ابن عمر مرفوعًا: [(لا تقبح الوجه؛ فإن الله تعالى خلق آدم على صورته)].","vol":"26","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>إثبات أن لله عينين</span>\nقال: [حدثني قتادة، قال سمعت أنسًا يحدث عن النبي ﷺ قال: (ما بعث الله نبيًا إلا أنذر الدجال أمته، ألا إنه الأعور الكذاب)].\nما هي علامته؟ قال: (ألا إنه الأعور الدجال) ومعنى الأعور: يرى بعين وعين أخرى فاسدة كأنها عنبة طافية.\nقال: [(وإن ربكم ليس بأعور)].\nوهذا يدل على أن صاحب العين الواحدة أعور، وأن الله ﵎ ليس بأعور.\nإذًا: هذا يثبت لله ﵎ عينين.\nقال: [(مكتوب بين عينيه -أي: المسيح الدجال -: كافر، يقرؤه كل مؤمن)] حتى وإن لم يكن قارئًا، أي: حتى الذي لا يحسن القراءة والكتابة سيقرأ كلمة كافر على جبهة المسيح الدجال، فأين العذر بعد ذلك؟ فأنت تعرف أنه كافر، وأنه المسيح الدجال فلماذا تتبعه؟","vol":"26","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>إثبات أن لله قدمًا أو رجلًا</span>\nقال: [عن أنس عن النبي ﷺ قال: (يلقى في النار وتقول: هل من مزيد)] أي: الخلق والبعث الذين بعثهم الله ﵎ يلقون في النار، وهي تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]، كلما ألقي فيها فوج طلبت المزيد.\nقال: [(حتى يضع ﷿ رجله أو قدمه فيها فتقول: قط قط)].\nهذا فيه إثبات صفة القدم أو الرجل للمولى ﷿، والحديث عند البخاري.\nقال: [عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (اختصمت الجنة والنار)].\nيعني: احتجت الجنة والنار [(فقالت النار)].\nوهل هناك نار تتكلم؟ نعم.\nالذي خلقها قادر على أن ينطقها، النار تتكلم، والجنة تتكلم، كما أن الموت يوم القيامة يتكلم، والموت مخلوق كما تعلمون: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] فالموت مخلوق والحياة مخلوقة، وكل مخلوق لابد أن يموت، وفي الحديث: (وإن الله تعالى يجعل يوم القيامة الموت على صورة كبش حتى يؤتى به فيذبح).\nيعني: الموت في نهاية الأمر يجعله الله في صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار؛ لأن الموت آخر من يموت، فكل المخلوقات تموت على يد ملك الموت، حتى لا يبقى إلا ملك الموت، فيأمر المولى ﷿ الموت أن يميت ملك الموت، فإذا مات لا يبقى إلا الموت، فيصوره الله ﷿ ويخلقه في صورة كبش، فيقضي عليه بالموت فيموت فلا يبقى إلا الله ﷿، وبعدها تقوم الساعة.\nقال: [(اختصمت الجنة والنار، فقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: يدخلني ضعفاء الناس وسقاطهم، فقال الله ﷿ للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء وقال للجنة: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء، ولكل واحد منكم ملؤها -الجنة لها ملؤها والنار لها ملؤها- وإذا كان يوم القيامة لم يظلم الله أحدًا من خلقه شيئًا ويلقى في النار، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الله قدمه فيها، فهناك تملأ، ويزوى بعضها إلى بعض -يعني: تنضم أركانها وأبعادها إلى بعض- وتقول: قط قط)] أي: كفى.\nوالحديث كذلك أخرجه مسلم.","vol":"26","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>إثبات أن الله تعالى يضحك</span>\nقال: [عن أبي رزين: أن رسول الله ﷺ قال: (ضحك ربنا ﵎ من قنوط عباده وقرب غيره -وهذا فيه إثبات لصفة الضحك- قال: قلت: يا رسول الله! أويضحك الرب؟ قال: نعم.\nلن نعدم من رب يضحك خيرًا)] يعني: أملنا في الله عظيم، وهذا نص ضعيف من جهة الإسناد، لكن متنه تشهد له الرواية الثانية التي أخرجها البخاري، وهي من طريق أبي هريرة.\nقال: قال رسول الله ﷺ: [(يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة.\nقال: يقاتل هذا -الأول- في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيؤمن فيقاتل في سبيل الله فيستشهد)] فيدخل كذلك هو الجنة، فكلاهما يدخل الجنة.\nيعني: كأنه مؤمن وكافر، فالمؤمن يقاتل في سبيل الله فيقتله الكافر، فيدخل المؤمن الجنة، ثم يسلم بعد ذلك الكافر فيقاتل في سبيل الله فيقتل فيدخل كذلك الجنة، فإن الله تعالى يضحك إلى رجلين على هذا النحو، وهذا فيه إثبات صفة الضحك.\nوجاء [أن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] قال: عن بلاء عظيم].\nفعبر عن الساق بالبلاء العظيم والشدة والكرب.\nوهذا التفسير من ابن عباس لم يوافقه عليه أحد من أصحابه، وأنتم تعلمون أن قول الصاحب حجة إذا لم يكن له مخالف، فإذا خالفه جميع الأصحاب فالحجة في قولهم.\nكل الذي ذكرناه الآن من اليدين والعينين والقدم والساق والأصابع والصورة سنفرد لكل واحدة تباعًا في الدرس القادم بإذن الله محاضرة تامة كاملة، حتى نستوعب الأدلة التي وردت في كل صفة، وإذا كان هناك شبهة في بعض الأدلة أوضحناها بإذن الله تبارك تعالى اعتمادًا واتكالًا على كلام أهل العلم عليهم رحمة الله.\nقال: [عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥]، قال ﵊: أعوذ بوجه الله)].\nوهذا إثبات لصفة الوجه.\nإن الإمام اللالكائي لم يرتب النصوص ترتيبًا دقيقًا، فبعد أن يتكلم عن الوجه، يتكلم عن العين، ثم يتكلم عن الوجه مرة أخرى، ثم يتكلم عن اليد ثم عن الصورة ثم عن اليد مرة أخرى، والأصل أن يسرد كل النصوص الواردة في صفة تلو بعضها، ولكنه لم يفعل ذلك، وربما أنه أراد أن يرتب بعد الجمع، فوافته المنية قبل أن يرتب، كما هو الشأن في كثير من أهل العلم، صنفوا كتبًا وقبل أن يرتبوها وافتهم المنية، فبقيت كتبهم على هذا النحو، فهل يجوز لمن أتى بعدهم أن يرتبوها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجوز بشرط أن يُعلم أن هذا الترتيب من ترتيب فلان، كـ العلائي رتب كتاب ابن حبان على الأبواب الفقهية، فهو من حيث الكلم ومن حيث الأدلة والأسانيد من جمع ابن حبان، لكن لم يرتبه ابن حبان على هذا النحو الذي بين أيدينا، وإنما رتبه على نحو آخر، وترتيبه هذا كان فيه مشقة علينا حتى إن الحافظ ابن حجر قال: من أراد البحث في صحيح ابن حبان أضناه.\nلأنك ممكن قد تجد حديثًا في الوضوء وهو في نفس الوقت موجود في الجنائز، أو موجود في الحدود، فكان صحيح ابن حبان كتابًا عظيمًا جدًا في بابه، إلا أنه لم يرتب، فلما رتب عظمت به المصلحة.","vol":"26","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>مقتطفات من كلام السلف في إثبات صفات الله ﷿</span>\nقال: [حدثني هشام بن عروة عن أبيه: جاءنا سائل فسأل بوجه الله.\nقال: فقام الزبير فعلاه بالدرة -يعني: ضربه بالدرة- فقال: أبوجه الله تسأل؟ ألا سألت بوجه الخلق].\nيعني: لو أنك سألت بوجه الخلق كان فيه فسحة، لكن كونك سألت بوجه الله إذًا: ألزمتنا بأن نعطيك.\nوهذا يدل على أنهم يؤمنون بأن لله وجهًا.\nقال أشعب: [دخلت على القاسم بن محمد في حائط له وكان يبغضني في الله وأحبه فيه].\nانظروا إلى الصراحة، أشعب دخل على القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: وكنت أحبه في الله؛ لأن القاسم مستقيم، لكن أشعب كان فيه انحراف.\nقال: وكنت أحبه في الله ويبغضني فيه، لكن بغض القاسم لـ أشعب لم يمنع أشعب أن يحبه في الله؛ وذلك لأنه على الاستقامة.\n[فقال: ما أدخلك علي؟ اخرج عني.\nقلت: أسألك بوجه الله لما جذذت لي عذقًا].\nيعني: لو قطعت لي عنقودًا من العنب أو شيئًا من هذه الثمار، فإنني أسألك بوجه الله العظيم.\n[قال: يا غلام! خذ له عذقًا فإنه سأل بمسألة لا يفلح من رده].\nوهذا فيه إثبات الوجه لله ﷿.\nقال: [عن ابن عمر قال: احتجب من خلقه بأربع -أي: أن الله ﷿ احتجب من خلقه بأربع-: بنار وظلمة ونور -ولم يذكر الرابعة- وخلق أربعًا بيده: آدم والعرش والقلم وجنة عدن].\nوأنتم تعلمون أنه ﵎ كتب التوراة بيده، فإما أن يقصد ابن عمر أن الله تعالى كتب التوراة بيده.\nأي: حيث أمسك الله ﵎ القلم بيده فكتب التوراة، أو أنه كتب التوراة بيده كيف شاء، والذي يترجح إلي الثاني دون الأول.\nقال: [(وقال لسائر خلقه: كن فكان)].\nيعني: خلق الله ﵎ بيده أربعًا ثم قال لسائر خلقه: (كن) أمر، فكان.\n[قال عبد الله: خلق الله أربعًا بيده: العرش وآدم والقلم وعدْن، وقال لسائر خلقه: كن فكان].\nوهذا طبعًا يوافق قول عبد الله بن عمر.\nوقال وكيع: [إذا سئلتم: هل يضحك ربنا؟ فقولوا: كذلك سمعنا].\nلأن صفة الضحك صفة فعل، إذا شاء ضحك وإذا شاء لم يضحك، بخلاف صفة الذات، فالضحك ليست صفة ذات، وضحك المولى ﷿ ليس كضحكنا؛ لأننا لو قلنا بذلك لكان هذا يستلزم الفم والثغرين والأسنان على حسب حال الضحك من المخلوقات، فمنهم الذي يضحك فيبتسم في وقار، ومنهم الذي يضحك ويفتح فمه، فالمولى ﵎ لا يقاس بخلقه ولا يشبههم قط؛ بل نثبت له صفاته وأفعاله على الوجه اللائق به ﵎.\nقال: [إذا سئلتم: هل يضحك ربنا؟ فقولوا: كذلك سمعنا].\nأي: أن الضحك لا يثبت إلا بالسمع، ولا يثبت بالعقل؛ لأننا لم نر الله ﷿، وصفة الفعل تثبت بالعقل والسمع تارة، وتثبت بالسمع تارة، فصفة الضحك تثبت بالسمع؛ لأننا لم نره ﵎.\nقال: [نا بقية: قال لي الأوزاعي: يا أبا محمد! ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟] يقصد حديث النبي ﵊ المتعلق بالصفات.\n[قال: قلت: قوم سوء].\nالذين يبغضون حديث النبي ﷺ قوم سوء.\n[قال: ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله ﵊ بخلاف بدعته إلا أبغض الحديث].\nوهذه علامة من علامات أهل البدع، أنك ما حدثته بآية ولا بحديث يخالف بدعته وهواه إلا أبغض الآية وأبغض الحديث وإن لم يظهر ذلك عليه، وإن لم يصرح لغيره ببغضه الآية والحديث، فصاحب الهوى إذا حدثته بآية تخالف هواه أو بحديث يخالف هواه تحير وتكلف الرد على الآية والرد على الحديث؛ لأنه يقدم هواه على المفهوم والمنقول.\nقال الفضل بن زياد: [سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة].\nيعني: يجب الإيمان والتسليم المطلق لله ﷿ ولرسوله.\nوقال مخلد بن الحسين: [قال الأوزاعي: يا أبا محمد! إذا بلغك عن رسول الله ﵊ حديثًا فلا تظنن غيره].\nأي: فلا تعتقد غيره.\n[فإن محمدًا ﵊ كان مبلغًا عن ربه].\nوإذا كان هو الذي يبلغ عن ربه فهو أعلم، وهذه البلاغات التي أبلغنا بها ﵊ مصدرها الوحي، والله ﷿ أعلم بنفسه، يضحك، يغضب، يرضى، يسخط هو أعلم؛ لأنه يخبرنا عن نفسه التي لم نرها نحن ﵎، فإذا كان الله ﷿ أثبت لنفسه الغضب فكيف أصرفه أنا، أو كيف لا أؤمن به؟ مع أن الذي أخبرني بهذا هو المولى ﵎، فإذا أتاك الخبر عن الله وعن رسوله فآمن به ولا تعتقد غيره.\nوقال بقية: [ثنا الأوزاعي قال: كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت].","vol":"26","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>الأسئلة</span>","vol":"26","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>اختلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه في الحياة الدنيا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل رأى النبي ﵊ ربه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه المسألة محل خلاف حتى بين السلف؛ ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: وهذه الفرعيات في الاعتقاد التي اختلف فيها السلف لا يبدع فيها المخالف.\nكأنه أراد أن يقول: إن اختلاف السلف في بعض مسائل الاعتقاد من الأمور السائغة والمعتبرة، والذي يترجح لدينا: أن النبي ﵊ لم ير ربه، وإنما رأى نورًا؛ لأنه لما سئل: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟) أي: حجبني النور عن المولى ﷿، فكيف أراه مع وجود هذا الحجاب؟","vol":"26","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>حكم دخول المرء الحمام وعلى رأسه رباط مكتوب عليه حديث نبوي أو آية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم دخولي الحمام وعلى رأسي رباط مكتوب عليه حديث نبوي أو آية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز.","vol":"26","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>حكم دخول المرء الخلاء وعلى جسده وشم مكتوب فيه ذكر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ماذا تنصح من وشم على جسده: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ)، وماذا يفعل عند دخول الخلاء؛ لأنه عجز عن إزالة هذا الوشم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان عجز فلا شيء عليه.","vol":"26","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>حكم الصلاة باستحمام لم يتضمن نية الوضوء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يسأل كثير من الأشخاص عن جواز الصلاة بعد الاستحمام دون نية الوضوء عند الاغتسال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز له أن يصلي؛ لأننا لو قلنا بقول بعض أهل العلم أن رفع الحدث الأكبر يرفع معه الأصغر وإن لم يباشر غسل الأعضاء؛ فإنهم يلتزمون أن يكون ذلك الاغتسال بنية رفع الحدث الأكبر والأصغر، فإذا نوى رفع الحدثين فله أن يصلي بهذا الوضوء.\nوالذي يترجح لدي أن الترتيب كاد يكون واجبًا من واجبات الوضوء، وأنا أعلم أن النبي ﵊ خالف الترتيب مرة، وهذه المخالفة ربما يكون لها تأويلات وصرف عن ظاهرها، ولو أخذنا بظاهرها لقلنا: إن الترتيب ليس واجبًا، وإنما هو مستحب؛ لمداومة النبي ﵊ عليه، وهو سنة مؤكدة من سنن الوضوء عنه ﵊؛ ولذلك فإن الذي لم يباشر الوضوء فقد خالف النبي ﵊ في الاغتسال، فإنه كان يغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يصب الماء عن يمينه ثم عن شماله، ثم يعمم بدنه بالماء.\nهذا صفة غسله، لكن لو افترضنا أنك دخلت في الماء بكليته دون هذا الترتيب وهذا الهدي فإن الجنابة ترتفع بالنية.\nيعني: إذا نوى رفع الجنابة ارتفعت بذلك، وكذلك إذا نوى رفع الحدثين أو رفع الجنابة وحدوث الوضوء كما نوى أن يصلي، وإذا لم ينو لا هذا ولا ذاك فإن الجنابة لا ترتفع.\nيعني: إذا أجنب رجل ودخل في الماء لا بنية رفع الجنابة، وإنما بنية التبرد فقط فإنه لا ترتفع الجنابة حتى وإن اغتسل، ومن باب أولى لا تصح صلاته بهذا الاستحمام، والله أعلم.","vol":"26","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>حكم أداء الصلوات أو أغلبها في البيت</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: إن لي أبًا يصلي الصلوات أغلبها في البيت، وأنصحه مرة بعد أخرى، ولكنه يستمر في ذلك، فهل علي وزر إن تركت نصيحته في بعض الأحيان، فإنه يترك الصلاة في المسجد مع قدرته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال هذا أمر يهون كثيرًا عمن ترك الصلاة بالكلية، فإن الذي نعتقد من خلال الأدلة الواردة في الجماعة أن الجماعة سنة مؤكدة، وأذهب إلى عدم الوجوب، ولكن ليس معنى أن الجماعة سنة مؤكدة: أن يتركها المرء، فإن الجمهور الذين قالوا بأن الجماعة سنة مؤكدة لم يثبت أنهم تركوها مرة، ولكن من حيث ترتيب الحكم الشرعي هي ليست واجبة.\nوهذه المسألة نحن ذكرناها هنا في محاضرة كاملة لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات، وذكرنا فيها أربعة مذاهب لأهل العلم، وترجح لدينا في ذلك الوقت ما لم يكن راجحًا لدينا في قلوبنا؛ لأننا رجحنا في المحاضرة الوجوب.\nقلنا: إن الذي يترجح لدينا هو الوجوب؛ لما نرى من تفريط الناس وتفريط الإخوة في حضور الجماعة.\nفكل يرجح من باب المصلحة هذا الحكم، مع أن الذي كان يستقر في نفسي أنه ليس براجح، لكن دعت المصلحة الشرعية للمستمعين أن ألقيها بين ظهرانيهم وأنها واجبة.\nفلذلك لما اضطررت إلى ذكر ما أعتقد في القضية صراحة قلت: هي سنة مؤكدة.\nولما سمعها مني من سمع تخلف عن الجماعة على اعتبار أنها سنة، ولا يأثم بتركها، وأنا في الحقيقة لم أندم على تصريحي بأنها سنة مؤكدة؛ لأن الذي يريد أن يفوت عن نفسه الخير لا تأس عليه ولا تحزن؛ لأن الخير بيد المرء أن يأخذ سبعًا وعشرين درجة في كل صلاة، ما بين الدرجة والدرجة مسيرة خمسمائة عام في الجنة.\nفالذي يريد أن يفوت هذا الخير على نفسه فأنا على يقين من أنه لن يفوت جنيهًا إذا دعي في الميكرفون: إن الإمام يوزع جنيهًا لكل من أتى المسجد، فأنا أؤكد أن النصارى سيأتون إلى الصلاة.\nولذلك قال النبي ﵊: (ولو دعي إلى مرماتين عظيمتين لأتاهما ولو حبوًا).\nيعني: لو نادى المنادي: إننا سنوزع عظمًا ليس لحمًا، فإنك ستجد النساء والأطفال والرجال كلهم قد أتوا إلى المسجد، كل طوائف المجتمع جاءت المسجد من أجل أن تأخذ العظم! فما بالهم لا يفقهون أن صلاة الجماعة لها ثواب ودرجات في الجنة؟! لكن سبحان الله! لا يعقل هذا الفضل إلا العالمون، ويغفل عنه الغافلون، بل إن الله ﵎ يطمس على قلوبهم فلا يعقلون هذا الفضل؛ لأنهم لا يستحقونه، أما من تخلف عن الجماعة بعذر فلا شيء عليه، ومتى صلى فصلاته صحيحة.","vol":"26","page":27},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-515> صفة النفس لله ﷿</span>\nمن سمات أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله من الأسماء والصفات، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله، ومن تلك الصفات التي أثبتوها صفة النفس لله تعالى، وقد اختلف السلف والأئمة من أهل السنة في كونها صفة للذات الإلهية، أم أنها دلالة على الذات الإلهية، وكذلك اختلفوا في النَفَس فبعضهم جعله صفة، وبعضهم حمله على التنفيس، ولكل قول منها ما يعضده من الأدلة.","vol":"27","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>أدلة إثبات صفة النفس لله تعالى</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوبعد: فإن العقيدة هي أهم شيء في حياة المسلم، وأهم شيء في العقيدة هو أن تعتقد في ذات الإله ﵎ ما يجب له وما يستحيل عليه، وما يستحيل عليه هو ما لا يجوز نسبته إلى الله ﷿، وهي جميع صفات النقص.\nوما يجب إثباته لله ﷿ هو جميع صفات الكمال التي أثبتها لنفسه ﷾، وأثبتها له رسوله الكريم ﷺ، ومما أثبته الله ﵎ لنفسه وأثبته له رسوله الكريم: (صفة النفس).\nو\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل لله نفس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nلله نفس؛ لأن هذه الصفة ثبتت في الكتاب وثبتت في السنة الصحيحة، فإذا ثبتت في الكتاب فلابد وأن نسلم؛ لأن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره، وإذا جاءت على لسان رسوله، فلابد وأن نقر بأن النبي ﵊ هو أعلم الخلق بربه، وأن نسلم له حتى وإن لم يكن ما قاله يتناسب مع عقولنا؛ لأن الله ﵎ فوق حد العقول، ولا يمكن لعقل أن يحيط بالله ﷿؛ لا بأسمائه ولا صفاته ولا ذاته.\nفإذا كان عقلك يستجيز أن ذات الله ﵎ لا يمكن الإحاطة بها، فلم تقول: إنه لا يعقل أن يكون لله نفس أو يد أو عين أو ساق؟ لم تستبعد هذا وتستقرب ذاك والجميع واحد، والكلام في صفة النفس كالكلام في بقية الصفات؟ صفة النفس جاء ذكرها في كتاب الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].\nوقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].\nوقال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١].\nفهذه ثلاث آيات في كتاب الله ﷿ويوجد غيرها- تثبت أن الله ﵎ نفسًا.\nوالنفس بإسكان الفاء؛ لأن لله ﵎ نفس بتحريك الفاء، وقال النبي ﵊ في ثنائه على الله ﷿: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).\nفأثبت الحديث أن لله تعالى نفسًا.\nوقال النبي ﵊ في حديث أبي هريرة وهو قطعة من حديث طويل قدسي: (قال الله ﷿: وإذا ذكرني -أي: عبدي- في نفسه ذكرته في نفسي).\nوبهذه الأدلة يجب علينا أن نثبت أن لله تعالى نفسًا.\nوبعض أهل العلم ادعى المشاكلة في الآية الكريمة: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] فقالوا: سبب المشاكلة أن الله ﵎ عبر بما هو في معقول العباد، وما هو في مفهومهم حتى يقرب إليهم المعنى، وليست النفس هنا حقيقة، ولكن الله عبر بشيء يعلمه المخاطب، وهذا باب المشاكلة أو المقابلة.\nيعني: ذكر النفس في مقابل النفس، ولكن النفس في البشر حقيقة، كما قال عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة:١١٦]، ونفس البشر معلومة، والله ﵎ منزه عن النفس.\nلماذا تنزهون الله ﵎ عما أثبته هو لنفسه، وما أثبته له رسوله؟ أأنتم أعلم أم الله؟ أأنتم أعلم أم النبي ﵊؟ هذه دعوى غير واردة بل باطلة؛ لأن النصوص الأخرى كلها وردت دون مقابلة أو مشاكلة.\nأيضًا: ذكرت النفس في هذه الآية: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].\nهو من كلام عيسى ﵇، والله ﵎ إنما تكلم بهذا الكلام على لسان عيسى؛ فأين المشاكلة وأين المقابلة؟ أيضًا: أن الله ﵎ يعلم السر وأخفى، فإذا كلمه عبد من عباده أو نبي من أنبيائه أو رسول من رسله فإنه يعلم ذلك حتى قبل أن يتكلم، فلا مشاكلة هنا ولا داعي للمقابلة.\nكذلك لو سلمنا جدلًا بأن الله ﵎ ساق هذا على سبيل المشاكلة والمقابلة -وهي دعوى عريضة لا دليل عليها- فهل ذكر النفس في الأدلة الأخرى والأحاديث الصحيحة الثابتة أيضًا جاء على سبيل المشاكلة والمقابلة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nلأنه تعالى قال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١].\nأين المشاكلة هنا وأين المقابلة؟ والمقابلة: هي ذكر النص في مقابل نص، فقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ لم تذكر فيه إلا نفس واحدة وهي نفس الله ﵎، فلابد من إثبات النفس لله ﷿، وليس هناك ما يدعو إلى التأويل أو التحريف؛ إذ شأن النفس كشأن الصفات الخبرية الذاتية الكثيرة التي تعرضنا لمعظمها وسنتعرض لباقيها إن شاء الله تعالى.","vol":"27","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>خلاف أهل السنة في النفس هل هي الذات أم صفة للذات</span>\nأهل السنة والجماعة يثبتون النفس لله تعالى، ولكن بعض أهل السنة قالوا: النفس هي الذات، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وإن كان هذا يعد تأويلًا، إما أن تثبت أن الله ﵎ ذات له نفس، وإما أن تثبت أن النفس هي بذاتها ذات المولى ﵎، فيكون الله ﵎ ذات بلا نفس، أو نفس الله ﷿ هي ذاته المتصفة بالصفات ومنها صفة النفس.\nيعني: أمامك تأويلات ثلاثة: إما أن الله تعالى ذات بلا نفس.\nوهذا كلام باطل، وهو كلام المتأولة.\nوإما أن الله تعالى له نفس زائدة على الذات.\nبمعنى أنها صفة لازمة للذات، فيكون المولى ﵎ ذاته متصفة بالصفات، وهذا لا بأس به، بل هو أرجح الأقوال في القضية.\nوالذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية: أن النفس هي ذات الإله ﵎.\nوهنا إشكال: ماذا يقصد ابن تيمية بهذا الترجيح؟ هل يقصد أن النفس هي ذات الإله الذي لم يتصف بأن له نفس، أو أنها ذات الإله المتصف بالصفات ولها النفس؟ الظن أن ابن تيمية عليه رحمة الله مال إلى تفسير النفس بأنها الذات المتصفة بالصفات ومنها صفة النفس، وهذا من باب إحسان الظن بكبير وشيخ أهل السنة في زمانه.\nأما أهل السنة فإنهم يثبتون صفة النفس لله تعالى، ونفسه هي ذاته ﷿، وهي ثابتة بالكتاب والسنة، فقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].\nوالدليل من السنة: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي).\nوحديث عائشة ﵂: (وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).\nوحديث أبي هريرة: (فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفس الله: (ونفسه هي ذاته المقدسة).\nوالذي يترجح لدي أنه تأويل.\nوقال أيضًا في الفتاوى: (ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه).\nيعني: تقول: نفس محمد.\nلو أنك قلت: أنا كلمت محمد، أقول لك: هل كلمته نفسه؟ تقول: نعم.\nكلمته نفسه.\nيعني: تقصد ذاته.\nففي لغة العرب النفس والذات بمعنى واحد، وهذا الذي حدا بكثير من أهل العلم من السلف أن يقولوا: إن نفس الله تعالى هي ذاته، كما يقال: رأيت زيدًا نفسه وعينه، وقد قال الله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.\nوقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.\nوفي الحديث أنه قال لأم المؤمنين: (لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله مداد كلماته).\nوفي الحديث القدسي: (وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).\nفهذه المواضع المراد بها عند جمهور العلماء: الله نفسه.\nيعني: يفسرون النفس بأنها ذات الإله، ولكني كنت قد نبهت على قاعدة عند سلفنا رضي الله تعالى عنهم: (أنهم يثبتون الصفة ولازمها)، ولكن كلماتهم أحيانًا تطلق على الصفة ويراد بها الصفة واللازم، وأحيانًا يطلقون اللازم ويريدون إيجاد الصفة قبل اللازم، فأظن أن شيخ الإسلام ابن تيمية إنما عنى بأن النفس هي الذات -أي: المتصفة بالصفات- ومنها صفة النفس.\nقال: (فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء: «اللَّهُ نَفْسَهُ» التي هي ذاته المتصفة بصفاته).\nجمهور العلماء يطلقون النفس على الذات، ويقولون: النفس والذات بمعنى واحد، ولكنها النفس التي هي ذاته المتصفة بصفاته، وليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات.\nيعني: ذات الله ﵎ متصفة بصفات لازمة لهذه الذات لا تنفك عنه، وهي المراد بها صفة للذات.\nوهذا الكلام هو الذي أتحرج منه أشد التحرج.\nقال: (ولا المراد بها صفة للذات، بل هي صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، هذه الطائفة هي التي على الحق المبين؛ أن النفس صفة لله ﵎، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة)، لا.\nأي: أن ذات الله ﵎ غير متصفة بأي صفة، مجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ، بل أقول: إن أحد هذين القولين صواب والثاني خطأ.\nقال الإمام البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: باب: قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.\nوقوله جل ذكره: «تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ».\nوقال القاسمي في التفسير: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: ذاته المقدسة.\nيذهب في هذا المذهب إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.","vol":"27","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>نقض مذهب المبتدعة في الصفات وبيان مذهب السلف في الإثبات والنفي</span>\nأيضًا: من السلف من يعد النفس صفة لله ﷿.\nوهذا هو الذي يترجح لدي، ومنهم الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد حيث قال في أوله: (فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه).\nيعني: أول صفة ذكرها إمام الأئمة في كتاب التوحيد هي صفة النفس لله ﷿.\nثم قال: (جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه، وعز أن يكون عدمًا لا نفس له).\nيريد أن يقول: نثبت له الصفات بغير تمثيل، وننزهه بغير تعطيل، وهذا هو منهج السلف: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.\nكيف ذلك؟ أنا أعلم من نفسي أن لي نفسًا، وأعلم أن هذه النفس قد اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: هي الروح.\nومنهم من قال: هي الدم.\nومنهم من قال: هي النفس الذي يتنفسه المرء.\nوغير ذلك مما يقع في أودية الحد والتعريف لنفس الإنسان.\nأنا أثبت لنفسي النفس؛ لأن الله ﵎ جبلني وخلقني عليها، وأثبت لله ﷿ النفس، ولكنها نفس تختلف عن نفسي.\nلماذا؟ لأن ذات الله تختلف عن ذاتي، ولما كانت النفس من صفات الله ﷿، والذات غيب عني، وأنا لا أعلم كنه الذات ولا كيفية الذات، فلابد وأنني سأسكت عن الخوض في الصفات؛ لأن الذات إذا كانت علية جليلة سامية فلابد وأن الصفات تابعة لها، ومنها صفة النفس، فإن الله تعالى له نفس، ولابد وأنها تختلف عن نفسي.\nكيف هي؟ الله أعلم بنفسه.\nولا نعطل المولى ﵎ عن صفاته، فنقول: لا نفس له.\nلأن هذا نفي لما أثبته الله تعالى في كتابه، وما أثبته له رسوله في سنته.\nفلو قلت: إن لله نفسًا كنفسي، جعلت الله ﵎ كخلقه.\nوهذا حرام.\nوإذا قلت: إنه ليس هناك نفس لله، سلبت الذات العلية الإلهية صفاتها التي أثبتها الله ﵎ لنفسه، وهو أعلم بنفسه، ورسوله أعلم به.\nفحيث أردت إثبات ما أثبته الله لنفسه احذر من الوقوع في أن أقول: إن له نفسًا كنفسي.\nلأن هذا تمثيل وهو حرام.\nوإذا أردت أن أنزه الله ﷿ فلا أنزهه على مذهب المعطلة النفاة الذين ذهبوا بزعمهم إلى تنزيه الإله، فقالوا: ذات بلا صفات.\nلماذا؟ قالوا: لأن إثبات هذه الصفات يستلزم المشابهة.\nففروا من التمثيل والمشابهة فوقعوا في التعطيل، وكلاهما شر.\nأما مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته فوسط بين الممثلة وبين المعطلة، فقد أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، ولم يخوضوا في معرفة كيفيته، بل أثبتوه على الوجه الذي يليق بعظمة الله ﵎ وجلاله وكماله.\nوهم يقولون: له نفس، ولكن نحن لا نعلم كيفيتها؛ لأن الذات غيب عنا، ولا نعلم كيفية الذات، وإذا كنا لا نعلم كيفية الذات، فلن نعلم كيفية الصفات.\nولكن انظر مرة ثانية إلى كلام ابن خزيمة عليه رحمة الله حيث يقول: (فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه -رد للتشبيه والتمثيل- وعز ربنا أن يكون عدمًا لا نفس له).\nوهذا رد على المعطلة النفاة.\nواعلم أن هناك بعض الحانقين الحاسدين في زمن ابن خزيمة سموا كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة: كتاب الشرك، مع أنه ينضح توحيدًا على مذهب السلف.\nابن خزيمة عليه رحمة الله ذكر الذهبي في ترجمته أنه كان ممن يخضب.\nوهذا ربما يقال بأنه لا يحتاج إلى ذكر، والواقع غير هذا؛ لأن في ترجمة أي راوٍ من الرواة عندما يذكر مثل ذلك الذي يُرى أنه لا قيمة له، كان لذكره سبب، وقيمته كامنة في اتباع ذلك الراوي لهدي النبي ﵊ ومنابذته في هذا الهدي لليهود والنصارى وغيرهم، ولذلك ابن خزيمة لما تكلم بهذا الكلام، لابد وأنه يرد به على بقية الفرق الضالة عن سواء السبيل، واختلفوا في دينهم، حتى اختلفوا في ذات الإله ﵎.\nوللشيخ الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله كتاب اسمه: (كيد الشيطان لنفسه قبل خلق آدم ﵇ وذكر الفرق الضالة)، يذكر فيه كيف طرأ الفساد على هذه الأمة المباركة، ويذكر تسلسلًا لا تكاد تشبع منه حتى تقرأ الكتاب مرات ومرات، يشنع فيه على اليهود تارة وعلى المجوس تارة وعلى النصارى أخرى، ثم يشنع أيما تشنيع على الفرق الضالة الذين انتسبوا للإسلام واختلفوا فيه.\nومما قاله: (ونهى النبي ﵊ عن التشبه باليهود والنصارى، فإن النصارى اختلفوا في ربهم وفي إلههم، فلو سألتهم عن ربهم لكان للرجل رأي، وللمرأة رأي، وللأولاد آراء، وللخادم عندهم رأي حتى أنك تطرح عليهم المسألة وهم عشرة فتخرج منهم بإحدى عشر رأيًا).\nاختلاف عظيم جدًا في ربهم، ولكن الدليل على أن أهل السنة والجماعة هم أعلم الناس بالله ﷿، وأنهم أهل الإيمان الحقيقي: أنهم لم يختلفوا في ربهم، لا في ذاته ولا أسمائه ولا صفاته ولا أفعاله، كلامهم واحد.\nولو أخذت هذا الكلام لـ ابن خزيمة عليه رحمة الله وعرضته على كلام أحمد لوجدته يتطابق تمام المطابقة معه، ومع كلام السلف كلهم، وك","vol":"27","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>تأويلات النفس</span>\nالشيخ مرعي الكرمي له كتاب: (أقاويل الثقات) وقد أصل لنفسه أصولًا وقعد قواعد ينبغي أن يخالف فيها، من هذه القواعد: أنه عد آيات صفات لله ﷿ من المتشابهات، وليس الأمر كذلك، والمحكم والمتشابه في صفات الله ﵎ له محاضرة خاصة.\nقال: (ومن المتشابه: النفس).\nوليس الأمر كما يقول.\nبل هي من المحكمات، كما في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، وقوله ﷿: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).\nقال أهل التأويل كما ذكر ذلك البيهقي -وهو أشعري المعتقد- النفس في كلام العرب على وجوه.\nيعني: عند إطلاق كلمة النفس في كلام العرب لها معاني.\nقال: نفس متفرقة مجسمة مروحة -لها روح- ومنها مجسمة غير مروحة، تعالى الله عن هذين.\nوهو يريد أن ينزه الله ﵎ عن هاتين النفسين.\nقال: ونفس بمعنى إثبات الذات.\nيعني: نفس بمعنى الذات، وعليه فيقال في الله سبحانه: إنه نفس.\nيعني: فسر النفس بالذات، لا أن له نفسًا منفوسة أو جسمًا مروحًا، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].\nأي: تعلم ما أخفيه في نفسي ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك، ففسر النفس بالعلم، وهذا تأويل آخر: أن النفس تفسر بالعلم.\nوهذا كلام بعيد جدًا؛ لأن العلم من لوازم النفس وليس هو النفس نفسها.\nوقوله: (فِي نَفْسِكَ) للمشاكلة.\nوقد قلنا: إن هذا الكلام مردود؛ لأن قوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) إن كان ورد على سبيل المشاكلة -أي: مقابلة النفس بالنفس- فإن النفس قد ذكرت في غير ما آية وحديث بغير مقابلة ولا مشاكلة.\nقال: والمشاكلة وإن ساغت هنا لا تكون في غيره.\nومثله: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي).\nأي: حيث لا يعلم به أحد ولا يسأله عليه.\nوقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، أي: ويحذركم الله إياه.\nأي ذاته، ففسر النفس بالذات.\nوقال السهيلي: النفس عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد.\nوهذا كلام في غاية الخطورة؛ لأنه سيثبت الذات المجردة عن الصفات -يعني يريد أن يقول: النفس هذه ليست صفة زائدة ثابتة لله تعالى- وقد استعمل من لفظها النفاسة والشيء النفيس، فصلحت للتعبير عنه تعالى.\nوقال ابن اللبان: أولها العلماء بتأويلات، منها: أن النفس عبر بها عن الذات.\nقال: وهذا وإن كان سائغًا في اللغة لكن تعدي الفعل إليها بـ (في) المفيدة للظرفية محال في حق الله ﷿.\nوهذا إبطال لذاك التأويل السابق.\nوقال القاضي أبو بكر بن العربي في قوله ﵊: (إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن).\nقال: أي تنفيسه الكرب.\nفعبر عن نفس الله ﷿ بالتنفيس وتفريج الكربات.\nوهذا بلا شك أمر بعيد جدًا، وقد ظهر فيما مر أن النفس تطلق على الله مرادًا بها الذات المتصفة بالصفات.\nومنهم من قال: إن إطلاق صفة النفس على الله ﷿ يلزم من ذلك أن يكون الله تعالى شخص، ولا حرج في كون الله ﵎ شخص والأدلة قد وردت بإثبات أن الله تعالى شخص كما في حديث: (لا شخص أغير من الله).\nفلما علموا ذلك نكصوا على أعقابهم يؤولون الشخص مرة أخرى، يعني: هم ظنوا أولًا أن أهل السنة لا يوافقونهم على هذا الطرح بأن إثبات صفة النفس لله ﷿ يستلزم أنه شخص، فظنوا أن أهل السنة والجماعة يفزعون من هذه التسمية ويرفضونها، ففوجئوا بأن أهل السنة يقولون: وما المانع أن يوصف الله تعالى بأنه شخص وقد جاءت الأدلة بإثبات ذلك ومنها قوله ﵊ فيما رواه البخاري ومسلم: (لا شخص أغير من الله)، (لا شخص أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين).\n(لا شخص أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة).\nوهذا دليل يثبت أن الله تعالى شخص.\nوالإشكال أنك تتوهم في ذهنك شيء عن الله، ثم تنزل الله ﵎ منزلة ما تعرفه من نفسك، وهذا حرام ولا يجوز.\nلما تكلمنا عن اليد استبشع بعض السامعين أن لله يد، مع أن الله قد أثبتها لنفسه، ولما تكلمنا عن العينين استبشع بعض السامعين أن لله عينين.\nما البشاعة في ذلك؟ البشاعة عندك أنت، لما وضعت في تصورك ومخيلتك أنك تثبت لله ﵎ صفة كصفتك وتظن عند سماعها بأن الله تعالى متصف بما خلقك أنت عليه، وهذا هو الذي لا يجوز، ولا ينبغي أن يخطر ببالك.\nقال أبو سليمان الخطابي ﵀: إطلاق الشخص في صفة الله غير جائز؛ لأن الشخص لا يكو","vol":"27","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>ذكر من أثبت من العلماء أن النفس صفة للذات الإلهية</span>\nالسلف أهل الحق يثبتون النفس لله سبحانه، ويسكتون عما وراءه من الخوض في حقيقتها أو كيفيتها، مادام الله ﵎ أثبت النفس لنفسه فما المانع أن أثبتها وأكف عن الخوض في الكيفية كما كففت عن بقية الصفات؟ وينزهون الله عن مشابهة نفسه بأنفس المخلوقين، كما لا يقتضي عندهم أن يكون سبحانه مركبًا في نفس وبدن تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا! وقد وردت الآيات والأحاديث الدالة على إثبات هذه الصفة لله تعالى، كما قال الحافظ عبد الغني المقدسي وقد تقدم ذكر ذلك.\nوروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قوله: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فكتبه على نفسه: إن رحمتي سبقت غضبي).\nفما جوزه النووي ﵀ من التأويل مردود مخالف لمنهج السلف، أما ما ذكره أولًا من أن المراد بالنفس الذات فله وجه في العربية، فإن النفس تأتي في كلامهم بمعنى الذات كما فصله شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه حمل النصوص التي فيها إثبات هذه الصفة لله ﷿.\nبينما ذكر غيره هذه النصوص مثبتًا بها أن النفس صفة لله تعالى يظهر ذلك من صنيع ابن خزيمة فإنه قال: باب: (ذكر البيان من خبر النبي ﷺ في إثبات النفس لله).\nثم حشد النصوص في ذلك، ثم قال: (فالله جل وعلا أثبت في آي من كتابه أن له نفسًا، وكذلك قد بين على لسان نبيه أن له نفسًا، وكفرت الجهمية بهذه الآي وهذه السنة، وزعم بعض جهلتهم: أن الله تعالى إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق إليه، وزعم أن نفسه غيره -أي: زائدة- كما خلق غيره، وهذا لا يتوهمه ذو لب وعلم فضلًا عن أن يتكلم به).\nوقد كتب الله الرحمة أفيتوهم مسلم أن الله كتب على غيره الرحمة؟ يعني: إذا كان الله ﵎ يقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، فإذا كانت النفس بمعنى الغير وبمعنى الخلق، فيكون المعنى: ويحذركم الله غيره، فهل يستقيم المعنى هكذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nقال: (وحذر الله العباد نفسه، أفيحل لمسلم أن يقول: إن الله حذر العباد غيره؟ أو يتأول قوله لكليمه موسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] إذا كان المقصود بالنفس الغير أو الخلق فهل يقال: واصطنعتك لغيري من المخلوقين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nولا يستقيم هذا المعنى.\nأو يقول: أراد الروح لله بقوله: ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].\nأي: ولا أعلم ما في غيرك.\nهذا ما لا يتوهمه مسلم ولا يقوله إلا كل معطل كافر انتهى كلامه.\nوإلى أنها صفة للذات ذهب أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه (اعتقاد التوحيد)، فقد نقل عنه ابن تيمية عقيدته، ومما فيها: إثبات النفس لله تعالى، فقال بعد أن أورد النصوص من الكتاب والسنة في إثبات النفس: فقد صرح بظاهر قوله أنه أثبت لنفسه نفسًا، وأثبت له الرسول ذلك، فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنيًا على ظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].\nيعني: نفس ليست كأنفس المخلوقين.\nثم قال: فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه ﵊ بنقل العدل عن العدل حتى يتصل به إلى النبي ﷺ.\nوقال صديق حسن خان: ومما نطق به القرآن وصح به النقل من الصفات: النفس.\nوسرد الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، وهذا هو الصواب الموافق لمنهج السلف.\nوخلاصة الأمر: أننا لابد وأن نثبت لله ﵎ نفسًا كما أثبتها ﷾ لنفسه، وأثبتها له رسوله الكريم، وأن هذه النفس هي صفة لله ﵎.\nويحتمل -وهو بعيد في الشرع لا في لغة العرب-: أن تكون النفس هي الذات، فإن كانت النفس هي الذات في المخلوقين، فإن الخالق لا يقاس على المخلوقين، فإن نفسه صفة لازمة لذاته، وهي صفة ذاتية خبرية قد وردت في الأخبار والآثار.","vol":"27","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>إثبات صفة النَفَس لله تعالى</span>\nصفة النَفَس لله ﷿ جاء فيها حديث سلمة بن نفيل السكوني ﵁: أن رسول الله ﷺ قال وهو مول ظهره إلى اليمن: (إن لأجد نَفَس الرحمن من هنا).\nولم يقل: نَفْس الرحمن.\nرواه الطبراني والبزار والبخاري في التاريخ الكبير والبيهقي في الأسماء والصفات، وأسانيده صحيحة.\nوحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن).\nوشيخنا الألباني حفظه الله حكم على هذا اللفظة: (نفس الرحمن) بالشذوذ والنكارة، وهو الوحيد الذي تفرد بتضعيف هذه الزيادة.\nولا أتصور أن معه الحق في ذلك حفظه الله، فهو مجتهد عظيم، ولكنه خالف العلماء سلفًا وخلفًا في تضعيف هذه اللفظة، وللحديث شواهد على فرض ضعف هذه الرواية التي تكلم عنها شيخنا، وهي حديث أبي هريرة في المسند، حتى وإن أثبت أنها ضعيفة، فإنما يشهد لها حديث سلمة بن نفيل السكوني، وكذلك حديث أبي بن كعب ﵁ موقوفًا عليه: (لا تسبوا الريح؛ فإنها من نفس الرحمن ﵎).\nورواه النسائي في عمل اليوم والليلة والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح، بل قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\nوقال الذهبي: بل صحيح على شرط البخاري فقط.\nوحديث أبي هريرة ﵁: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).\nقال الأزهري في تهذيب اللغة بعد أن ذكر هذا الحديث: (أجد نفس ربكم من قبل اليمن).\nقال: أجد تنفيس ربكم عنكم.\nأي: تفريج ربكم، فأول النفس بالتنفيس وتفريج الكربات؛ لأن الله جل وعز نصرهم بهم، وأيدهم برجالهم.\nوكذلك قوله: (الريح من نفس الرحمن).\nأي: من تنفيس الله بها عن المكروبين، وتفريجه عن الملهوفين انتهى كلامه.\nوقال في القاموس المحيط: وفي قوله: (ولا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن)، (وأجد نفس ربكم من قبل اليمن)، قال: هو اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من نفس تنفيسًا ونفسًا.\nأي: فرج تفريجًا.\nوهو واقع في نفس التأويل أيضًا.\nقال أبو يعلى الفراء في إبطال التأويلات بعد أن ذكر حديث: (الريح من نفس الرحمن).\nقال: اعلم أنا شيخنا أبا عبد الله -وهو أحمد بن حنبل - ذكر هذا الحديث في كتابه -أي: في مسنده- وامتنع أن يكون على ظاهره في أن الريح صفة ترجع إلى الذات، والأمر على ما قاله.\nويكون معناه: أن الريح مما يفرج الله ﷿ بها عن المكروب والمغموم، فيكون معنى النفس بمعنى التنفيس، وذلك معروف في قولهم: نفست عن فلان.\nأي: فرجت عنه، وكلمت زيدًا في التنفيس عن غريمه.\nأي: في أن يفرج وأن يحط عن غريمه الدين.\nويقال: نفس الله عن فلان كربه.\nأي: فرج عنه.\nوروي في الخبر: (من نفس عن مكروب كربة، نفس الله عنه كربة يوم القيامة).\nوفي الخبر: أن الله فرج عن نبيه بالريح يوم الأحزاب، فقال ﷾: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩].\nوإنما وجب حمل هذا الخبر على هذا.\nأي: حمل خبر النَفَس على التنفيس، ولم يجز تأويل غيره من الأخبار.\nيريد أن يقول: إن الخبر هذا بالذات يجوز تأويله، لأنه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك؛ وذلك أنه قال عن الريح: (فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به).\nفإذا كانت الريح من نفس الرحمن ﵎، وليست من تنفيس الكربات فيكيف نستعيذ بالله ﵎ من شر الريح، ومن شر ما تحمل، ومن شر ما فيها وما أرسلت به؟! هذا لا يليق بالله ﷿، وهذا يقتضي أن فيها شرًا، وأنها مرسلة.\nقال: وهذه صفات المحدثات -أي: صفات المخلوقات- وفي النفس شيء من هذا الكلام.\nالله ﵎ قد ثبت في غير ما دليل أنه يضحك، يأتي، يسخط، يغضب، ينزل إلى السماء الدنيا.\nوعند إطلاق هذه الأوصاف على المخلوقين فإنها محدثة مخلوقة، ونحن نعلم أن الخير والشر من الله ﷿، ولا يكون في الكون إلا ما أراد، والريح مخلوقة بدليل أنها تسكن تارة وتهيج تارات أخرى، فلما قلنا: بأن الريح من نفس الرحمن.\nأي: أن الله ﵎ له نفس من آثار هذه الصفة الله ﵎ يخلق الرياح التي تحمل الخير تارة، والتي تحمل الشر تارة أخرى.\nما المانع أن نؤمن بأن لله تعالى نفسًا، وأن الله ﵎ يجعل من هذه النفس الرياح التي تحمل الخير والشر، وإن كانت محدثة فإن إحداث ال","vol":"27","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>الأسئلة</span>","vol":"27","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>بيان ما يجب على المرأة من الصلوات إذا طهرت قبل أو بعد الغروب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  نرجو بيان الصلاة التي تجب على المرأة بعد أن تطهر من الحيض؛ علمًا بأن الصلاة في كتاب فتاوى المرأة -والفتوى للشيخ ابن باز -: إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس وجب عليها صلاة الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل طلوع الفجر وجب عليها صلاة المغرب والعشاء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا هو الكلام الصحيح، وعليه جمهور أهل العلم.","vol":"27","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>حكم الفرق التي تخالف أهل السنة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الفرق التي لا تتفق مع السلف، مثل الأشاعرة والمنهج الذي ينشأ عليه تلاميذ الأزهر -مثلًا- ما جزاء هؤلاء أمام الله؟ وهل الذي يسير على هذا المنهج يؤدي به ذلك للكفر بالله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس من الضروري أن نقول لك: إن هذا يؤدي إلى الكفر بالله من أجل ألا تمشي وراءه.\nوقوله ﵊: (كلهم في النار إلا واحدة) لا يلزم منه الخلود في النار، بل يلزم منه المكث الطويل للمفارقة بين المتبع والمبتدع.\nولو قلنا: بأن الفرق الضالة التي خالفت في أسماء والله وصفاته في النار لا نحكم عليها بالخلود؛ لأنه لا يخلد فيها إلا كافر، لكن اعلم أننا عندما نقول: هذه فرق ضالة.\nهي بالفعل ضالة.\nلماذا؟ لأنها ضلت السبيل، وضلت عما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه الكرام، لكن هل ضلوا بعناد وجحود؟ لا يمكن، إلا إذا كان صاحب هوى وصاحب انحراف، مثل عبد الله بن سبأ الذي قال: إن عليًا هو الله، أو مثل الشيعة الذين يتقربون إلى الله بسب أبي بكر وعمر وعثمان، وتكفير الثلاثة، بل وتكفير معظم الصحابة إلا عدد قليل منهم.\nوقولهم: إن القرآن الذين بين أيدينا ليس هو كلام الله ولا كتاب الله، وأن كتاب الله ﷿ يبلغ ثلاثة أضعاف هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وأنه موجود محفوظ مع المهدي المنتظر المزعوم.\nوأن النبي ﵊ أوصى عليًا بهذا الكتاب، وعلي أخفاه تقية، ثم أعطاه فاطمة، وفاطمة أعطته لمن بعدها وغير ذلك كلام كله خبل.\nأنا أريد أن أقول لك: هناك تأويل سائغ وهناك تأويل غير سائغ وغير معتبر، ولذلك عندما تقرأ لأصحاب الفرق الضالة في كتاب ابن الجوزي المذكور آنفًا تجده يقول: ولقد بلغ أقوام من أهل الضلال مبلغًا جعلهم يقولون: إن الله تعالى شخص جميل، ومنهم من صرح بذلك فقال: إن الله تعالى إنسان لطيف، فأثبتوا له ما هو من صفات المخلوقين، من أن الله ﵎ يأكل ويشرب ويتغوط وينكح ويلد، وهذا بلا شك كفر صريح يصادم القرآن الكريم.\nإذا علمت هذا فلابد وأنك ستقدر موقف المعتزلة في مسألة خلق القرآن الكريم، المعتزلة قالوا: إن القرآن مخلوق وهو كلام الله.\nيعني: وافقوا أهل السنة بأن القرآن كلام الله، لكنهم قالوا: إنه مخلوق.\nوأهل السنة يقولون: هو كلام الله غير مخلوق.\nومن قال: إنه مخلوق فقد كفر؛ لأن كل مخلوق حادث، وكل حادث لابد وأن يطرأ عليه الفناء.\nأما المعتزلة فقالوا: لا يلزم من ذلك القول بالذات، وقامت الدنيا ولم تقعد في زمن الدولة العباسية في الصدر الأول في القرن الثالث الهجري وعذبوا أحمد بن حنبل ومن معه لرده على المعتزلة.\nلو أني سألت نفسي سؤالًا: إن هذه القضية متعلقة بذات الإله، وليست لها علاقة بالدنيا ولا بالسلطان ولا بالمال ولا بالأبناء ولا بالزوجات، بل ولا حتى بالكرسي والعرش، حتى ندعي بأنهم عندما دخلت السياسية في هذه القضية كانوا يقصدون بذلك المحافظة على كراسيهم وعلى مناصبهم ودولتهم، فهي قضية عقدية بحتة عند المعتزلة، ولابد أن أحكم بأن المعتزلة كانوا يريدون بهذا المذهب وجه الله ﷿، فإن المعتزلة حين أحدثوا هذا المذهب الباطل لم يعلموا بأنه الباطل الذي ليس بعده بطلان، وأنه أفسد الفساد، ولكنهم ذهبوا هذا المذهب وفي ظنهم واجتهادهم أن هذا دين الله ﷿، ومن أجل ذلك قاموا على أهل السنة فضربوهم وآذوهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الكلام في الله ﷿ حادث، وأحمد بن حنبل لا يقول بأنه حادث، حتى قامت الحجة واستقر الأمر، ومَنَّ الله ﵎ على هذه الأمة بظهور أحمد بن حنبل ومن معه، لكن لابد أن أوضح بأن الدولة العباسية في ذلك الزمان كان يهمها أن ترعى دين الله ﷿، لا ترعى دنياها ولو أفسدت الدنيا والدين كمن يفتي بحل الربا، بل أصبح الآن حلالًا بقانون وبقرار.\nأيعقل أنه لا يعرف أنه هذا ليس حلالًا؟ يعرف، لكن هذا كرسي وسلطان وأموال تدفع شهريًا فأصبح معلومًا لكل ذي عينين ولمن كان له لب أن هذه الفتوى فتوى مأجورة مفصلة، وليست فتوى دين أبدًا.\nومعظم الفتاوى التي على هذا النحو ليست دينًا، حتى الحراس والزراع في أراضيهم يعلمون هذا؛ لأنه يصدمهم فيما تربوا عليه ونشأوا وأنت أبوك الفلاح الذي يحسن كتابة اسمه يعلم أن التعامل مع البنوك ربا.\nلماذا؟ لظهور العلم وانتشاره.\nتأتي وتقول: أين العمل بهذه الفتوى؟ سأقول لك: إنك صاحب هوى، أنت كذاب، أنت متبع لهواك عندما تقول: أضعها في رقبة عالم وأخرج منها سالم.\nأما المعتزلة عندما أخطئوا فما كانوا يقصدون الخطأ، ولم يكن من وراء خطئهم مصلحة لهم في قيام دولتهم، وإنما هو الدين الذي حرصت الدولة في ذلك الوقت على بيانه وظهوره على الدين كله، ولكنهم في هذا الاجتهاد أخطئوا، ولما انتشرت هذه البدعة وماجت في الأرض شرقًا وغربًا كان لزاما","vol":"27","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>حكم هجران المداوم على المعاصي بعد نصحه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لي ابنة أخت عمرها تسع عشرة سنة لا تصلي ومداومة على التبرج والمشاهدة للتلفزيون وسماع الأغاني واقتناء المجلات الخليعة، ولي أم كلما أنكرت هذا غضبت علي ودعت علي وصارت مشكلة، علمًا بأن ابنة أختي تعيش معنا، وأن الآن لا أخاطبها إطلاقًا ولا أكلمها منذ شهور، وأعتني بنصح أمي وأختي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الصحيح أن تداومي على نصيحتها وأن تصلوا لله ﷿ في الثلث الأخير من الليل وتدعو لها بالصلاح والفلاح والرشد وغير ذلك، ولا تملي من نصحها بالليل والنهار، فإما أن تقبل وإما أن تخرج من البيت.","vol":"27","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>حكم التوسل بالأولياء والصالحين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أثر عمر بن الخطاب في الاستسقاء: كنا نستسقي بنبينا ﷺ واليوم نستسقي بـ العباس عم نبينا، فهل يدل على جواز التوسل بالأولياء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، وإنما التوسل يكون بدعاء الصالحين وبالعمل الصالح الذي يعمله المرء، ويكون بالله تعالى وأسمائه وصفاته، أما التوسل بذوات المخلوقين فلا يجوز قط.","vol":"27","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>حكم إحداث قول جديد لم يرد عن السلف</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز لنا أن ننشئ قولًا جديدًا لم يأت به أحد من السلف كقولكم في أمر النفس؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، لا يجوز.\nيعني: أنت تريد أن ترد علي وتقول: مادام السلف أجمعوا أن النفس هي التنفيس، فلماذا تتحرج منها؟ أنا أقول لك لماذا أتحرج منها: لأن القضية ليس فيها إجماع، وأن لم آت برأي ثالث، بل بعض السلف -وهم قلة بلا شك- أثبتوا النَفَس لله ﷿، على ما يليق بجلاله وكماله ﷾، وما الحرج أن أتبع ولو واحدًا من أهل العلم في إثبات هذا، وأن هذا الذي يترجح لدي، ورأيي هذا ليس رأيًا ثالثًا، وإنما هو ترجيح لأحد الرأيين في المسألة.\nوالله أعلم.","vol":"27","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>حكم أكل الجلالة من الدجاج</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  سمعنا أن بعض الدجاج في القرى أكلها لا يجوز وتدخل في حكم الجلالة، فهل هذا حديث، وهل هذا صحيح أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الحقيقة هذه مسألة محدثة لم تكن معروفة في الماضي، إنما الجلالة هي التي ترعى وتأكل القاذورات، ويتغير لحمها عن لحوم مثيلاتها، والجلالة نهى النبي ﵊ عن أكلها حتى تحبس ثلاثًا أو أكثر من ذلك لكي يتغير لحمها.\nيعني: تأكل طعامًا جيدًا نظيفًا نقيًا طاهرًا حتى يتغير لحمها ودمها فحينئذ يجوز أكلها.\nلكن في الحقيقة كون هذه فراخ الدجاج جلالة من عدمه أمر ليس محل اتفاق بين أهل العلم، وكثير ممن يربون الدواجن في مزارعهم يثبتون أن هذه ليست جلالة، وأن الطعام الذي يأتون به طعام نقي جيد وطاهر، أما قول القائلين بأن في الطعام نسبة دم، فالأطباء يقولون: إن نسبة الدم عبارة عن (١%) فقط بالنسبة للطعام الكلي، وهذه النسبة لا يتعلق بها تحريم ولا كراهة.\nيعني: على فرض صحة قولهم بأن الطعام فيه نسبة (١%) دم، فنسبة (١%) إلى (٩٩%) لا يمكن أن يتعلق بهذه النسبة حرمة ولا كراهة.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"27","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>حكم المكره على القتل والزنا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).\nوذكر الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث أنه يستثنى من ذلك الإكراه على الزنا والقتل فلا يباحان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يريد أن يقول: إن الإمام النووي استثنى هذين الاثنين: القتل والزنا؛ وبالفعل فقد ذكر ذلك الإمام النووي ﵀.\nلأنني إذا أكرهت على قتلك فلابد من إزهاق النفس، وإن كنت لا آثم بذلك.\nأي: إذا قتلت مكرهًا، فما المانع ألا أقتل، وإن كنت أنا الذي سأقتل.\nيعني: المكْرِه أعظم ما يمكن أن يملكه للمُكْرَه: القتل.\nإذًا يقتلني فنفس مقابل نفس، نفس أكرهت فلم تقبل هذا الإكراه فقتلت فهي شهيدة أو بريئة عند الله ﷿، وهذا خير من أن تقتل نفسًا بريئة لا ذنب لها إلا الإكراه، هذا في حق القتل.\nأما في حق الزنا، فلعظم خطره ولاختلاط النسب فيه واختلاط المياه.\nأي: ماء الرجل بماء غيره، وما يترتب عليه من مفسدة عظيمة على الفرد والمجتمع؛ لذا قال: إن الزنا والقتل يستثنيان من الإكراه.\nمداخلة: ما حكم الذي أحكم في قيده وأكره على الزنا من باب التعذيب والإجبار؟ الشيخ: لا يمكن لأحد مع هذه الحالة أن يقوى على الزنا، أما إذا كان الكلام موجه لبعض الجهات والهيئات التي ألفوا اغتصاب المؤمنين والمؤمنات سواء باللواط أو الزنا، فهذا أمر ليس فيه إكراه، وأي إكراه في ذلك؟ فإما أن تكون قد أنيطت بك تلك المهمة وأنت مجبر عليها، فلابد وأن تترك هذا العمل فورًا، وإن أوذيت وعذبت فلابد من الترك كذلك.\nمداخلة: وهل الأفضل لهذا المكره أن يموت إن خير بين القتل والزنا أم يرتكب الفاحشة؟ الشيخ: يموت خير له، وهذا الكلام هو الذي قاله شيح الإسلام ابن تيمية.\nسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك.","vol":"27","page":15},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-530> صفة النزول لله ﷿</span>\nصفات الله الفعلية هي ما يتعلق بأفعال الله ﵎، وأفعاله لا منتهى لها، فهو يفعل ما يشاء، متى شاء، وكيفما يشاء، ومن صفات الله الفعلية صفة النزول، وأهل السنة يثبتون لله ﷾ نزولًا يليق بجلاله وعظمته، وقد خالفهم في ذلك فرق الخوارج الذين يردون الأحاديث الواردة في ذلك، أو يشبهون نزوله بنزول المخلوقين، كما خالفهم في ذلك القائلون بعدم نزوله تعالى مطلقًا، وغيرهم من أهل المذاهب المنحرفة، والتي ما هي إلا نتاج إعمال العقل وتقديمه على النص، واتباع الهوى الذي يئول بصاحبه إلى التردي في أودية الهلاك.","vol":"28","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>اعتقاد أهل السنة والجماعة في صفة نزول الرب ﵎</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nتعرضنا لصفات الذات لربنا ﵎، ويقاس عليه ما لم نذكر، ويفهم مما ذكرنا المراد، فتعرضنا لذكر الساق واليد والعين والقدم وغيرها، وما لم نذكره يقاس على ما ذكرناه، بحيث يفهم أن المؤمن لا بد أن يؤمن بصفات المولى ﵎ الذاتية الخبرية دون خوض في كيفيتها.\nوإذا قلنا: إن الصفات نوعان: صفات ذات وصفات فعل، فقد ذكرنا من صفات الذات ما يغني عن تكراره، ويقاس عليه ما لم نذكر.\nوأما صفات الفعل: فهي ما يتعلق بأفعال الله ﵎، وأفعاله لا منتهى لها، لأنه يفعل ما يشاء في أي وقت شاء وفي أي مكان شاء؛ ولذلك عبر المولى ﵎ عن مشيئته المطلقة في كتابه الكريم فيما يتعلق بأفعاله، فقال سبحانه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨].\nفأفعاله متعلقة بمشيئته وإرادته، والله ﵎ لا يسأل عما فعل، فلا يقال لأفعاله: لم فعل؟ ولا كيف فعل؟ لأنه يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، بخلاف الخلق فإنهم يسألون عما يفعلون.\nفأفعال الله ﷿ كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء وغيرها من الأفعال تقول عنها: هذه صفة فعل لا صفة ذات، فاستواؤه ﵎ فعل، ومجيئه ﵎ يوم القيامة والملك صفًا صفًا فعل، ونزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فعل، وغير ذلك مما يطلق عليه أفعال لا صفات ذات.\nفإذا كنا تكلمنا عن بعض صفات الذات وقلنا بوجوب الإيمان بها وإمرارها كما جاءت دون الخوض في كيفيتها، ونثبتها لله ﵎ بلا تمثيل، وننزهه عن التشبيه بلا تعطيل؛ فكذلك نقول في أفعاله ﵎.\nفصفة الفعل التي نتعرض لها في هذه الليلة هي نزول المولى ﵎، فقد ثبت أنه ينزل في ليلة عرفة، وثبت أنه ينزل ويدنو في النصف من شعبان، وليس هذا يعني أننا نخص ليله بقيام ونهاره بصيام، ولكن المولى ﵎ ينزل في ليلة النصف من شعبان؛ ليغفر لعباده الصالحين، وينزل ﵎ في كل ليلة من الليالي إذا بقي ثلث الليل الآخر، فينادي في عباده: (أنا الملك.\nهل من داع فأجيبه؟ هل من مريض فأعافيه؟ هل من مستغيث فأغيثه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر) أي: حتى يظهر الصبح.\nينادي المولى ﵎ ويتودد ويتحنن إلى عباده في هذا الوقت، وهو وقت إجابة الدعوة كما أجمع على ذلك أهل العلم، لكن القضية الآن: هل نزول الله ﵎ ثابت أم لا؟ والسؤال الثاني: إذا كان ثابتًا بالأدلة فكيف ينزل؟","vol":"28","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>اعتقاد الفرق الضالة في صفة نزول الله سبحانه</span>","vol":"28","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>المذهب الأول: إنكار ورود أحاديث النزول في الصحيحين</span>\nنازع الخوارج والجهمية في ثبوت أحاديث النزول؛ لأن الخوارج لهم في رواياتهم رجال غير رجال أهل السنة؛ ولذلك فهم لا يعتمدون خبر أهل السنة، وهم -عند أهل السنة- مغالون متطرفون في شروطهم ومنهجهم وفي اعتقادهم، بل هم من الفرق الضالة، وبالتالي كيف يعتمد خبرهم الذي يؤيد بدعتهم؟ وأهل العلم بينوا ذلك من أول ما وقعت الفتنة في زمن عثمان وعلي بن أبي طالب، ولذلك كان ابن سيرين يقول: كنا لا نسأل عن الرجال حتى وقعت الفتن فقلنا: سموا لنا رجالكم.\nفما سموا لنا من أهل السنة أخذنا بأحاديثهم، وما سموا لنا غيرهم تركناهم.\nويقول ابن المبارك: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.\nأي: عن أهل الأهواء والبدع، أم عن أهل السنة والجماعة، ولذلك معظم الفرق التي انحرفت وضلت إنما كان انحرافها في عقيدتها في ربها ﵎.\nهذا مذهب الخوارج والجهمية ومعظم المعتزلة أنهم أنكروا ورود هذه الأحاديث رغم وجودها في الصحيحين.","vol":"28","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>المذهب الثاني: إثبات أحاديث النزول وتشبيهه بالمخلوق</span>\nمذهب آخر قال: نحن نثبت هذه الأحاديث ولكن لا نفهم معنى النزول إلا ما نفهمه من نزول المخلوقين.\nفنحن لا نرد النصوص، ولكننا ننازع في فهم هذه النصوص، فنقول: نحن لا نفهم من النزول إلا ما نفهمه من نزول أحدنا، وأحدنا لا ينزل إلا إذا كان في علو ونزل درجة درجة.\nوافترى بعضهم على شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى أنه قال على منبر المسجد الكبير في الشام: إن الله ﵎ ينزل كنزولي هذا، ونزل درجتين ثم صعد.\nوهذا في حق شيخ الإسلام ابن تيمية الذي له رسالة في شرح أحاديث النزول من أمتع ما يمكن أن تقرأ وتسمع، والذي يذكر فيها مذاهب الفرق جميعًا في معنى نزول ربنا ﵎، ثم يذهب في معنى النزول إلى ما قاله مالك: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.\nولذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة في جميع صفات المولى ﵎ الذاتية والفعلية قولهم هذا: الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة.\nإذًا: فكيف يقال: إن شيخ الإسلام يقول: إن ربنا ينزل كنزولي هذا وينزل درجتين ثم يصعد المنبر مرة أخرى.\nهذا كذب وافتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن على أية حال! طار بهذا الخبر وبهذا النقل الكاذب أصحاب الأهواء والبدع الذين يبغضون شيخ الإسلام ابن تيمية، بل ويبغضون السنة وحامليها، طاروا بهذا الخبر فرحًا وقالوا: هذا في حكم شيخ الإسلام ابن تيمية، فإن كفرتم بعض المتعنتين الغالين من الفرق الضالة فيلزمكم أن تكفروا شيخكم شيخ الإسلام ابن تيمية.\nوشيخ الإسلام لم يصدر عنه هذا، بل صدر عنه غيره، وكلامه مسطور مكتوب، فضلًا عن أن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله لم يكن خطيبًا قط، وهذا الخبر نقل أنه كان يخطب الجمعة فقال هذا، وشيخ الإسلام ابن تيمية لا يعلم من حياته قط أنه كان خطيبًا.\nوهذا وجه ثان للرد على هؤلاء الكذبة الذين افتروا على شيخ الإسلام ابن تيمية.\nالوجه الثالث: أن هذا العام الذي نقل ابن بطوطة في رحلته، وذكر السنة التي فعل فيها شيخ الإسلام ابن تيمية هذا لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية حرًا، بل كان مقيدًا بالسلاسل في السجن.\nوهو الوجه الثالث في إثبات بطلان هذا الكلام ونسبته إلى شيخ الإسلام عليه رحمة الله.\nإذًا: للفرق الضالة رأيان: الرأي الأول: رد النصوص وبالتالي عدم التعرض للكيفية، لأن المسألة غير ثابتة.\nالرأي الثاني: ثبوت النصوص وتأويلها بما يتفق مع نزول المخلوقين، وهذا غلو في التشبيه، وأنهم لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما يفهمونه من صفاتهم إذا اتحدت الصفة في الاسم.\nولعلكم تذكرون تلك القاعدة التي ركزنا عليها أيما تركيز في أول شرح هذه الأصول وقلنا: (ما من شيئين إلا وبينهما اتفاق وافتراق)، ما من شيئين إلا وبينهما اتفاق في الاسم وافتراق في المسمى، وافتراق في الحقيقة، فنزول الرب ﵎ يستوي مع نزولي في الاسم فقط، فأنا أنزل والرب ﵎ ينزل، فالنزول له ثابت والنزول لي كمخلوق ثابت، ولكن مسمى وحقيقة النزول لله ﵎ تختلف عن حقيقة النزول بالنسبة لي، ولذلك هذه القاعدة ركزنا عليها أيما تركيز وقلنا: ما من شيئين إلا وبينهما اتفاق وافتراق، فمن نفى القدر المشترك فقد مثل وقال: إن الله تعالى كذاتي وصفاته كصفاتي وأفعاله كأفعالي.\nومن نفى القدر الفارق فقد عطل.\nإذًا: إذا قال النبي ﵊: (إن الله خلق آدم على صورته) لو افترضنا أن الضمير في صورته يعود على آدم، لو افترضنا ذلك جدلًا فهل صورة الرحمن ﵎ كصورة آدم تمامًا بتمام؟ لا.\nلماذا؟ لأن آدم خلقه الله تعالى على صورة، والله ﵎ له ذات بكيفية وصورة تليق بجلاله.\nإذًا: فأنا أثبت لله ﵎ أنه على صورة، وأنه على هيئة، وأنه على كيفية لا يعلمها إلا هو سبحانه، وليست صورته كصورة آدم، فصورة آدم صورة مخلوق، وصورة الله تبارك صورة الخالق، فالله تعالى له صورة وآدم له صورة.\nإذًا: الاتفاق بين آدم وبين الله ﵎ في الاسم، والمسمى يختلف؛ لأن الله تعالى واحد في صورته.\nأي: لا يشبه في صورته أحدًا من خلقه، ولا أحدًا من خلقه يشبهه في الصورة، فالذات تختلف عن الذات، والصورة صفة لله ﷿ تختلف عن صورة المخلوق، فالنزول ثابت لله ﷿، لكن لا نذهب فيه مذهب الذين لا يفهمون من النزول إلا ما يفهمونه من نزولهم هم، وإنما يقول: إن ربنا ﵎ ينزل نزولًا يليق بجلاله، فلو أني صعدت على هذا المنبر وجلست عليه لقال الناظر لي: إن فلانًا قد استوى على الكرسي.\nأي: قعد وتمكن من الجلوس على الكرسي.\nفلا نقول هذا في استواء المولى ﵎، وإنما نقول: استوى حقيقة استواءً","vol":"28","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>المذهب الثالث: أن الله تعالى لا ينزل لأن نزوله يستلزم خلو العرش منه</span>\nمذهب ثالث يقول: إن الله ﵎ لا ينزل.\nقالوا: لأن نزوله يستلزم خلو العرش منه.\nانظر الكلام الغريب! يضربون القرآن بعضه ببعض؛ لأن القرآن يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ولا يفهمون من النزول إلا ما يفهمونه هم من صفاتهم: بأن الواحد منهم إذا جلس على الكرسي ونزل عنه خلا الكرسي عنه، فإذا كنت تقول: إن صفات الله ﷿ كصفاتك فيلزمك أن تقول بخلو العرش، وإذا كنت تقول: إن الله تعالى ليست ذاته ولا صفاته كذاتي وصفاتي فيلزمك أن تقول: إن نزول المولى ﵎ لا يستلزم منه خلو العرش؛ لأن الله ﵎ فوق كل شيء وهو بائن عن كل شيء.\nفإذا قلت: إن الله تعالى ينزل ويخلو منه العرش فلا بد أن تقول حين نزول المولى ﵎: إن العرش أعلى من الله ﷿، وأن السماوات السبع أعلى من الله ﷿، وأن الكرسي أعلى من الله ﷿، وأن الماء أعلى من الله ﷿، ولا يقول بهذا إلا جاهل أو كافر، فما الذي يمنعك أن تقول: إن نزول المولى ﵎ لا يستلزم خلو العرش منه، لأن هذا لا يليق إلا بالعاجز المخلوق، وأما الخالق ﵎ فلا ينفي دنوه علوه؛ وذلك لأنه يفعل ما يشاء، لا يسأل عما يفعل، بلم ولا كيف.\nفنحن نعتقد أن الله ﵎ استوى على الكرسي، واستوى على العرش، وهو مع خلقه يدنو منهم وينزل وهو مستو على العرش ﵎، لا يخلو منه العرش، بل هذا كلام حادث أحدثه أهل البدع لا نحب أن نخوض فيه، ولكنني ذكرت ذلك على سبيل الإجمال وعلى وجه السرعة؛ لأنه ربما خطر ببالك كما خطر ببال بعض السلفيين في هذا الزمان أنهم خاضوا في هذه القضية، وعيب عليهم أن يخوضوا فيها وإن كانوا علماء؛ لأنه يجب عليهم أن يسلموا لله ﷿ ويؤمنوا إيمانًا مطلقًا جازمًا بكل ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله من غير تكييف ولا تحريف، ومن غير خوض ولا تكلف تأويل، ولكنهم مع هذه القواعد الثابتة المستقرة في قلوبهم خاضوا في كيفية النزول لله ﷿، وقالوا: هل يخلو منه العرش أم لا؟ وهذه مرحلة أخشى أن تؤدي بعد ذلك إلى القول بخلو العرش حقيقة ويقينًا عندهم، فيقعوا فيما وقع فيه أهل البدع.","vol":"28","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>المذهب الرابع: أن الله لا ينزل إنما الذي ينزل هو رحمته وأمره</span>\nأيضًا: نزول الرب ﵎ فيه مذهب رابع لأهل البدع، وقد وقع في هذا المذهب الرابع بعض أهل السنة، أو بعض من ينتسب إلى السنة.\nقالوا: إن الله تعالى ينزل، ولكن ينزل أمره وتنزل رحمته.\nوهذا كلام مردود وباطل من وجوه: الوجه الأول: إن قولك: إن الله لا ينزل وإنما الذي ينزل رحمته وأمره.\nفيه رد للنصوص الصحيحة الصريحة بغير حجة ولا برهان.\nالوجه الثاني: إن رحمة الله ﵎ تنزل بالليل والنهار، لا تحتاج إلى نزول في الثلث الأخير من الليل، وليست محدودة بزمان ولا مكان.\nالوجه الثالث: أن الحديث يقول: (ينزل ربنا ﵎ إذا بقي الثلث الليل الآخر فيقول: أنا الملك! من يدعوني فأستجيب له).\nفقوله: (أنا الملك) وقوله: (ينزل ربنا) صريح في أن الذي ينزل هو الله ﷿، فهل يمكن أن يتصور صرف لفظ: (الرب) ولفظ: (أنا الملك) إلى الأمر والنعمة والرحمة؟ لا يمكن.\nهذا كلام لا تحتمله اللغة، بل العقل كذلك يرده، وهو تعطيل للإيمان بصريح النصوص، وقد وقع في هذا التأويل كثير من أهل العلم الذين نعتمد كلامهم وأخبارهم.\nوعلى أية حال: الحق لا يعرف من خلالهم، وإنما الحق يعرف بالكتاب والسنة وبالأدلة البينة الواضحة، والأدلة ترد عليهم.\nفما هي تلك الأدلة التي أثبتت نزول الله ﵎؟ إن كنت أتكلم في هذه القضية كلامًا عامًا مجملًا بعد بيان عرض معتقدات أهل الملة في نزول المولى ﵎فإنني ألزمكم إلزامًا بقراءة رسالة عظيمة جدًا لشيخ الإسلام ابن تيمية يفسر فيها حديث النزول، وهي مطبوعة في الهند، وطبعت هنا في الريان، وهي مأخوذة من المجلد الخامس من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، فمن لم يتمكن من شراء الرسالة على انفراد تمكن من قراءة هذه الرسالة في المجلد الخامس من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، كتاب عظيم جدًا بلغ حوالي مائتين صفحة.","vol":"28","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>الأدلة على إثبات النزول لله ﷿ من السنة</span>\nالأدلة على إثبات النزول لله ﷿ في السنة أتت بطريق التواتر، وأنتم تعلمون أن الحديث المتواتر: هو ما رواه عدد كثير في كل طبقة من طبقاته بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.\nحديث يأتي من عشر طرق أو من عشرين أو ثلاثين أو سبعين أو مائة، وهذا يدل على أن النبي ﵊ كان يذكر هذا الحديث في كل مكان وفي كل زمان، سمعه من النبي ﵇ ما يزيد عن عشرين نفسًا من أصحابه، كلهم رووه ﵃ أجمعين، منهم: ابن مسعود وابن عباس وأم سلمة وأبو هريرة وغيرهم كثير.\nفرواية أبي هريرة التي هي من طريق الزهري قال: [أخبرني أبو سلمة والأغر - سلمان صاحب أبي هريرة - أن أبا هريرة أخبرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا)] فالنزول ليس إلى الأرض وإنما إلى السماء الدنيا.\nأي: السماء التي تلي الأرض ينزل إليها ربنا ﵎.\nوالزمن: حين يبقى ثلث الليل الآخر.\nوهناك روايات قد وردت أنه ينزل إذا انصرم الثلث الأول من الليل، أو إذا مضى الثلث الأول من الليل.\nورواية: أو شطر الليل، ينزل ربنا ﵎ إذا انتصف الليل إلى سماء الدنيا، وإن كانت كل هذه أحاديث صحيحة في الجملة، إلا أن اتفاق أهل العلم على أن أصح الروايات في نزول المولى ﵎ حديث أبي هريرة الذي هو من طريق الزهري لا من طريق غيره، وأن نزول المولى ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر.\nيعني: ينزل في آخر الليل وهو الوقت المشهود، الوقت الذي يستجيب الرب ﵎ فيه دعاء العباد.\nقال: [(ينزل الله ﷿ كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يسألني فأعطيه)] إلى آخر الحديث.\nوقد روي هذا الحديث من طريق أبي سعيد الخدري، ومن طريق علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق ﵁ وجابر بن عبد الله الأنصاري ورفاعة الجهني، ومن طريق أبي الدرداء وعبد الله بن مسعود وجبير بن مطعم وأبي ثعلبة الخشني وعقبة بن عامر الجهني، كلهم وغيرهم يروي هذا الحديث، كما روي في مرسلات علي وعائشة ﵄ وعبد الله بن مسعود.\nكل هذا يثبت أن الله ﵎ ينزل وإن اختلفت المناسبة، فينزل ليلة عرفة -أي: يوم عرفة- حتى يدنو من العباد فيقول: (ألا هل من داع؟ ألا هل من مستغفر؟ ألا هل من تائب؟).\nويدنو في ليلة النصف من شعبان، وينزل في الثلث الأخير من الليل كما جاء عن أم سلمة كذلك.","vol":"28","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-538>إثبات التابعين لنزول الرب سبحانه على الوجه الذي يليق به سبحانه</span>\nومن التابعين عطاء بن يسار وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب القرظي: [عن عطاء بن يسار: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل منها -يعني: ليلة النصف من شعبان- ينزل الله ﵎ إلى سماء الدنيا، فيغفر لكل عبد إلا لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم].\nقال: [عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان عطاء إذا ذكر عنده ليلة النصف من شعبان وما يقال فيها فيقول: إني لأرجو أن يكون ذلك في كل ليلة].\nأي: أن يغفر الله ﷿ للعباد في كل ليلة؛ وذلك لأنه يؤمن أن الله تعالى ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة، فليلة النصف من شعبان كبقية الليالي.\nفـ عطاء كان يرجو أن يغفر الله ﷿ لكل أحد في كل ليلة.\nوهذا ثابت كذلك عن عمر ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم.\nقال مكحول الشامي: [يطلع الله ﵎ على خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمستغفرين، ويتوب على التائبين، ويدع أهل الحقد بحقدهم، فيغفر إلا لمشرك أو مشاحن].\nوقال الفضيل بن فضالة: [إن الله يهبط إلى سماء الدنيا -يهبط بمعنى: ينزل- ليلة النصف من شعبان، فيعطي رغابًا، ويفك رقابًا، ويفخم عقابًا].\nوهو دليل على المغفرة.\nوذكر أحمد بن علي الأبار أن عبد الله بن طاهر - وهو أمير خراسان - قال لـ إسحاق بن راهويه: يا أبا يعقوب! ما هذه الأحاديث التي تحدثون بها، إن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ أهو ينزل ويصعد؟ فقال له إسحاق: تقول: إن الله يقدر على أن ينزل ويصعد ولا يتحرك؟ قال: نعم.\nقال: فلم تنكر إذًا؟ يعني: هل أنت تعتقد أن الله ﵎ قادر على أن ينزل وأن يصعد دون أن يتحرك، وأنه مستو على العرش؟ قال: نعم.\nلأنه يفعل ما يشاء ﷾، فنزولي أنا يحتاج إلى انتقال وحركة، لكن لا يلزم من نزول الله ﷿ إذا أراد أن ينزل وأن يصعد أن يخلو منه العرش ولا أن يتحرك ولا أن ينتقل، بل هو مستو على عرشه كذلك.\nفقال: أتقول: إن الله تعالى قادر على ذلك؟ قال: نعم.\nقال: فلم تنكر إذًا أنه ينزل؟ كلام جميل! كلام أهل العلم، إذ إن القضية كلها أن تصدق أن القياس بينك وبين الخالق قياس مع الفارق، قياس غير صحيح ألبتة لا في الذات ولا في الأسماء ولا في الصفات ولا في الأفعال.\nوقد سبق أن بينا القاعدة الأولى: وهي وحدانية الله ﵎.\nأي: واحد في ذاته، ولا يمكن أبدًا لأي ذات من الذوات أن تشبه ذات الإله، ولا الأسماء ولا الصفات ولا الأفعال، فأنا لما أنزل هذا فعل، وربنا ينزل أيضًا فهذا كذلك فعل، لكن فعلي له مثيل فنزول محمد كنزول زيد، لكن ليس نزوله كنزول الله ﷿؛ لأنه سبحانه واحد في أفعاله، ونزوله من أفعاله.\nإذًا: نزوله سبحانه نزول تفرد، فلا يمكن أبدًا أن يشبه نزول أحد من خلقه، فلا بد أن أؤمن بوحدانية الله ﷿ في أفعاله.\nإن الجهمي يقول: أحاديث النزول غير صحيحة، بل هي كاذبة وباطلة، ولا يوجد شيء اسمه نزول وصعود؛ لذلك قال: [قال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب ينزل ويصعد فقل: وأنا أومن برب يفعل ما يشاء].\nفيا له من كلام جميل! لا تتكلف التأويل والأخذ والرد، وإقامة الحجة عليه، فهؤلاء مجرمون، لا يسلمون لك بحجة، ولو أثبت الصفة من السنة قال لك: لا.\nلا بد من القرآن، وهو قبل قليل أنكر صفة كان دليلها القرآن.\nفهو لا يمكن أن يثبت معك على حال قط، وهو ليس محتاجًا إلى بينة أو دليل، إنما الذي دعاه إلى الإنكار هو كفره وجحوده بالله ﷿، وقياسه الفاسد بين الخالق والمخلوق، وأنه لا يفهم من صفات الخالق إلا ما يقيسه هو من صفات الخالق على صفات ذاته.\nقال يحيى بن معين: [إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل.\nفقل: أنا أومن برب يفعل ما يريد].\nوقال حنبل بن إسحاق -ابن أخي أحمد بن حنبل -: [سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تروى عن النبي ﷺ: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا) فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا نرد شيئًا منها إذا كانت أسانيد صحاحًا، ولا نرد على رسول الله ﵊ قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق.\nحتى قلت لـ أبي عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم.\nقلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا].\nيعني: لا تخض في ذلك، أثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ دون خوض، وآمن به كما جاء وصدق به كما جاء، ولا ترد شيئًا مما صح في أخباره وصفاته وأفعاله، على الوجه اللائق.\nقال: [فقال: اسكت عن هذا، مالك ولهذا؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، إنما جاءت به الآثار وبما جاء به الكتاب قال الله ﷿: ﴿","vol":"28","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>إثبات إسحاق بن راهويه نزول الرب سبحانه في مجلس الأمير عبد الله بن طاهر</span>\nمما يحتج به أهل السنة والجماعة: نقاش دار بين إسحاق بن راهويه والأمير عبد الله بن طاهر، حين سئل إسحاق بن راهويه في مجلس الأمير عن حديث النزول: أصحيح هو؟ فقال إسحاق بن راهويه: نعم.\nقال السائل: كيف ينزل؟ قال إسحاق: أثبته فوق.\nأي: أثبته أولًا فوق حتى أقول لك كيف ينزل.\nلأن هذا السائل ربما يكون جهميًا أو معتزليًا، وهم لا يقولون بالعلو والفوقية لله ﷿، والأشاعرة يقولون بأنه في كل مكان مع خلقه.\nفقال السائل: أثبته.\nيعني: ناقشني على اعتبار أنني مصدق ومؤمن بأن الله تعالى استوى على العرش.\nفقال إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] تلا إسحاق هذه الآية؛ لأن استقامة الأمير استقامة الرعية وفساده فساد الرعية، فلما سمع الأمير هذه الآية قال لـ إسحاق: هذا يوم القيامة.\nفقال إسحاق: أعز الله الأمير! ومن يأتي يوم القيامة من يمنعه أن يأتي اليوم؟ فبهت الأمير.\nوهذا ذكاء إسحاق بن راهويه.\nأجاب إجابة لا تناسب إجابة السائل حتى يسكت الأمير.","vol":"28","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>منهج أهل السنة والجماعة في إثبات نزول الله تعالى دون تكييف</span>\nالسؤال الذي طرحناه: هل إذا نزل الله إلى السماء الدنيا يخلو عنه العرش أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المفروض عدم ورود هذا السؤال.\nسكت عن ذلك السلف، فقد قال مثل شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الصواب المأثور عن سلف الأمة وأئمتها: أن الله سبحانه لا يزال فوق العرش ولا يخلو منه العرش مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه قط، وكذلك يوم القيامة كما جاء في الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض، بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك، فالله ﷾ قريب في علوه -يعني: عال مستو ومع ذلك قريب من عباده- وعلي في قربه، وهو مع جميع مخلوقاته بعلمه واطلاعه على تفاصيل أحوالهم، وهو مع الصابرين والمحسنين والمتقين من عباده بالكلأ والحفظ والنصر والتأييد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].\nأما الأدلة فهي ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (ينزل ربنا ﷿ كل ليلة إذا مضى ثلث الليل الأول -وفي رواية: حين يبقى ثلث الليل الأخير- فيقول: أنا الملك! من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك).\nقال الذهبي: رواه أحمد وإسناده قوي.\nوهو من طريق آخر عند البخاري ومسلم.\nوفي رواية أخرى: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني) إلى آخره.","vol":"28","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>كلام ابن عبد البر في إثبات صفة النزول</span>\nقال ابن عبد البر في التمهيد: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، رواه أكثر الرواة عن مالك.\nإلى أن قال: وفيه دليل على أن الله في السماء على عرشه من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة - يعني: أهل السنة - وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله ﷿ في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قالوه -أي: ما قاله أهل السنة- أهل الحق في ذلك: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].\nثم قال ابن عبد البر: وأما قوله ﵊: (ينزل ربنا ﵎ إلى سماء الدنيا) فقد أكثر الناس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله ﷺ، ويصدقون بهذا الحديث ولا يكيفون، والقول في كيفية النزول كالقول في كيفية الاستواء والمجيء، والحجة في ذلك واحدة.\nوقد قال قوم من أهل الأثر أيضًا: إنه ينزل أمره وتنزل رحمته.\nوروي ذلك عن حبيب كاتب الملك.\nهو أبو محمد المصري، وهو كذاب، وأخباره منكرة باتفاق أهل العلم.","vol":"28","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>كلام ابن القيم في إثبات صفة النزول</span>\nقال ابن القيم: إن نزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله ﷺ، رواها عنه نحو ثمانية وعشرين نفسًا من الصحابة، وهذا يدل على أنه ﵊ كان يبلغ ذلك في كل موطن ومسمع.\nثم سرد الأحاديث التي تدل على ذلك.","vol":"28","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>كلام ابن جرير في إثبات صفة النزول</span>\nوقال ابن جرير الطبري إمام المفسرين عليه رحمة الله: وأهل العلم بالكتاب والأثر من السلف والخلف يثبتون جميع ذلك ويؤمنون به بلا كيف ولا توهم، ويمرون الأحاديث الصحيحة كما جاءت عن رسول الله ﵊، بما في ذلك صفة النزول.","vol":"28","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>كلام ابن القيم في اختلاف أهل السنة في صفة النزول</span>\nقال ابن القيم: اختلف أهل السنة في نزول الرب ﵎ على ثلاثة أقوال: فأحدها: أنه ينزل بذاته.\nقال شيخنا - يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية - وهذا قول طوائف من أهل الحديث والسنة والصوفية والمتكلمين.\nوقالت طائفة ثانية: لا ينزل بذاته.\nوقالت طائفة أخرى: نقول: ينزل لا نقول بذاته ولا بغير ذاته، بل نطلق اللفظ كما أطلقه النبي ﷺ ونسكت عما سكت عنه، وهذا ما يفهم من كلام الأوزاعي وحماد بن زيد وإسحاق بن راهويه.\nوقد سئل أحمد بن حنبل فقيل له: يا أبا عبد الله! أينزل إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم.\nفقال السائل: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فقال الإمام: اسكت عن هذا.\nفغضب غضبًا شديدًا ثم قال: أمض الحديث على ما روي.\nيعني: آمن به كما جاء ولا تخض في الكيفية.\nومن أقوال هؤلاء الأئمة ومواقفهم يتضح جليًا موقف السلف الصالح من هذه الصفة وغيرها من جميع الصفات الإلهية، وهو الاكتفاء بفهم المعاني العامة للصفات، والإمساك عن الخوض فيما وراء ذلك، فهم لا يبالغون في الإثبات إلى حد التشبيه والتجسيم، كما لا يبالغون في النفي إلى حد التعطيل، بل يقفون مع ظاهر النصوص ولا يتجاوزونها.\nيعني: يثبتون بلا تمثيل، وينفون بلا تعطيل.","vol":"28","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>كلام أبي سعيد الدارمي في إثبات صفة النزول</span>\nقال أبو سعيد الدارمي في كتابه العظيم (الرد على الجهمية) بعد أن ذكر حديث النزول: فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن -أي: في هذه الأزمنة- في ليلة النصف من شعبان، في يوم عرفة، في الثلث الأخير من الليل.\nقال: وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها.\nلأن بعض أهل العلم كانوا يتحرجون من رواية أحاديث الصفات بالذات، ومنهم من كان ينكرها بقلبه ويكره روايتها للناس.","vol":"28","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-546>كلام ابن خزيمة في إثبات النزول</span>\nوقال إمام الأئمة محمد بن خزيمة في كتاب التوحيد: (باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﷺ في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة).\nقال: (نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب ﵎ من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا المصطفى ﷺ لم يصف لنا كيفيه نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، فنزوله لدينا معلوم والكيفية مجهولة، لأنها لم توصف).\nقال: (والله جل وعلا لم يترك -وكذا نبيه- بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم.\nفنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول).\nفإذا كان النبي الذي هو أعلم الخلق بالله ﷿ لم يتعرض للكيفية فلم نتعرض نحن لها؟ قال: (وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح: أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى).\nفالذي ينزل ينزل من أعلى إلى أسفل.\nقال: (ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل).","vol":"28","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>كلام ابن تيمية في صفة النزول</span>\nوقال شيخ الإسلام في تفسير سورة الإخلاص في كتابه (دقائق التفسير): (فالرب سبحانه إذا وصفه رسوله بأنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، وأنه يدنو عشية عرفة إلى الحجاج، وأنه كلم موسى في الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأنه استوى إلى السماء وهي دخان، ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت:١١] لم يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نزول هذه الأعيان المشهودة).\nيعني: لا يلزم من النزول والكلام والإتيان والمجيء الذي نحن نفهمه أن يكون مثل نزولنا ومجيئنا واستوائنا وغير ذلك.\nقال: (حتى يقال: ذلك يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر).\nيقصد بذلك: أن نزول الله ﵎ بخلاف نزولنا، فالنزول يستلزم تفريغ المكان الذي كنت مستويًا عليه، بخلاف نزول المولى ﵎ فإنه لا يستلزم ذلك؛ لأن نزول المخلوق غير نزول الخالق، فلا نخوض فيما لم يخض فيها السلف ﵃ أجمعين.\nوذكر مرعي الكرمي مذاهب أهل العلم التي ذكرناها واختلافهم في نزول المولى ﵎، وسرد ذلك كله البيهقي.\nقال البيهقي: وأسلمها - أي أسلم هذه المذاهب - الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق ﷺ فيصار إليه.\nقال: ومن الدليل على ذلك: اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم.\nوهذا مذهب السلف الذي أقول به وأدين الله تعالى، وأسأله سبحانه الموت عليه مع حسن الخاتمة في خير وعافية.","vol":"28","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>كلام العلامة الصوفي في صفة النزول</span>\nقال العلامة الصوفي في كتابه (قواعد وجوب الاستقامة والاعتدال): والمشهور عند أصحاب الإمام أحمد بل عند السلف جميعًا: أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة.\nأي: لا يتأولون الصفات التي توهم في ظاهرها الحركة كالمجيء والإتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلي والاستواء، كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح.\nقال: وكلام السلف في هذا الباب يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه، كما قال الأوزاعي لما سئل عن حديث النزول قال: أنا أومن برب يفعل ما يشاء.\nوقال حماد بن زيد: يدنو من خلقه كيف يشاء.\nقال: وهو الذي حكاه الأشعري - أي أبو الحسن - عن أهل السنة والأثر.\nوقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء.\nوقال أبو الطيب: حضرت عند أبي جعفر الترمذي -وهو من كبار فقهاء الشافعية، أثنى عليه الدارقطني وغيره- فسأله سائل عن حديث: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا) قال له: فالنزول كيف يكون، يبقى فوقه علو؟! فقال أبو جعفر الترمذي: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.\nكما أجاب مالك في الاستواء وأم سلمة وغيرهما، وهو قول أهل السنة في سائر الصفات.\nوقال أبو عبد الله الرباطي: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر وحضر إسحاق بن راهويه فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال: نعم.\nفقال له بعض قواد الأمير: يا أبا يعقوب! أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم.\nقال: كيف ينزل؟ قال له إسحاق: أثبت أنت الحديث حتى أصف لك النزول.\nفقال له الرجل: أثبته.\nفقال له إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة.\nفقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ وقال حرب بن إسماعيل: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: ليس في النزول وصف.\nيعني: لا يحل لأحد أن يصف نزول الرب ﵎.\nقال: وقال إسحاق: لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين.\nأي: إذا كنت تريد أن تصف شيئًا فصف أفعال المخلوقين، أما أفعال الخالق فلا، لأن الله تعالى قال: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].\nقال: ولا يجوز أن يتوهم على الله بصفاته وأفعاله بفهم ما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين.\nيعني: يحرم عليك أن تفكر أو يجول في ذهنك أن الله ينزل كنزولك أو يستوي كاستوائك أو يأتي كإتيانك أو يجيء كمجيئك.\nقال: وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفًا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما شاء، ولا يسأل كيف نزوله؛ لأن الخالق يصنع ما يشاء كما شاء.","vol":"28","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>كلام الجويني في صفة النزول</span>\nيقول أحد المحققين من الشافعية، وهو والد الإمام الجويني إمام الحرمين كلامًا جميلًا مع أنه أشعري.\nقال: والذي شرح الله صدري - أي: والذي شرح الله له صدري - في حال المتكلمين الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء، والنزول بنزول الأمر، واليدين بالنعمتين والقدرتين، أنه ما فهموا من صفات الرب إلا ما يليق بالمخلوقين، فما فهموا عن الله تعالى استواءً يليق به ولا نزولًا يليق به ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف ولا تشبيه، فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه، وعطلوا ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله.\nقال: ولا ريب ولا شك أننا نحن وهم متفقون على إثبات صفة الحياء والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله تعالى، ونحن قطعًا لا نعقل من الحياء والسمع والبصر والعلم إلا أعراضًا تقوم بجوارحنا.\nيعني: لما تقول: الله تعالى حي وآدم حي، فحياة آدم أنا أعلمها؛ لأنها كحياتي أنا، لكن حياة الله ﷿ تختلف عن حياة آدم، ولا أعلم كيفية حياته سبحانه، فأنا أثبت الحياة الكاملة التي لا يطرأ عليها فناء ولا فساد لله ﷿، بخلاف حياتي فإنه يطرأ عليها العلل والأدواء والأمراض كلها وتنتهي وتفنى وتزول، فحياة المولى ﷿ تختلف عن حياة المخلوقين، فإياك أن تتوهم أن الله حي بحياة تليق بحياتك أنت، يا مخلوق يا ضعيف! يا من تنتهي حياتك في يوم ما! قال: ونحن قطعًا لا نعقل من الحياة والسمع والبصر والعلم إلا أعراضًا تقوم بجوارحنا، فكما يقولون: حياته تعالى وعلمه وسمعه وبصره ليست بأعراض.\nفأنت تثبت أن لله ﵎ عينين، لكن هل هما جارحتان؟ لا، وكذلك اليد والساق وغيرهما من صفات الذات لله ﵎.\nقال: فكما يقولون: حياته تعالى وعلمه وسمعه وبصره ليست بأعراض بل هي صفات كما تليق به.\nأي: صفات كمال لا أعرف كيفيتها، لكنني أعلم علمًا يقينيًا أن الله تعالى حي بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، فأنا لا أعرف الشيء إلا من خلال أمرين: الأمر الأول: أن أراه هو.\nفهل رأيت الله ﷿؟ وهل لله مثيل؟ لا.\nليس له مثيل لا في ذاته ولا في صفاته، فإذا كنت أجهل كيفية الذات سأجهل كيفية الصفات، لأنني لم أر ذات المولى ﵎، فلا يمكن أبدًا أن أمثل صفات الخالق بصفات المخلوقين.\nقال: بل هي صفات كمال كما تليق به لا كما تليق بنا، ومثل ذلك بعينه: فوقيته واستواؤه ونزوله ونحو ذلك، نقول فيه بأن الكيف مجهول.\nقال: وكل ذلك ثابت معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق، بل كما يليق بعظمته وجلاله، فإن صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد، ولا فرق بين الاستواء والنزول والسمع والبصر، الكل ورد في النص.\nفإن قالوا في الاستواء والنزول: شبهتم.\nيعني: إن قالوا لنا: أنتم تثبتون الاستواء والنزول؟ نقول: نعم.\nفيقولون لنا: شبهتم.\nفنقول لهم: في السمع والبصر شبهتم أنتم؛ لأنكم أصلًا لا تثبتون النزول ولا تثبتون الاستواء، إنما تثبتون السمع والبصر، فإذا كنتم تدعون أننا مشبهة لأننا نثبت الاستواء والنزول، فأنتم أيضًا مشبهة؛ لأنكم أثبتم السمع والبصر؛ لأنه لا فرق بين الاستواء والنزول والسمع والبصر، كلها صفات لله ﷿.\nقال: قلنا لهم: شبهتم كما شبهنا، ووصفتم ربكم بالعرض.\nفإن قالوا: لا نثبت له عرضًا، بل كما يليق به تعالى في السمع والبصر.\nقلنا كذلك: ونحن نثبت له الاستواء والنزول كما يليق به ﵎.\nفجميع ما يلزموننا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه، نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم، فكما هم لا يجعلونها أعراضًا كذلك نحن لا نجعلها جوارح، ولا أعراضًا ولا ما يوصف به المخلوق.\nوليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين، فيحتاجون إلى التأويل والتحريف، ونفهم ذلك في الصفات السبع.\nوهم السبعية من الأشاعرة.\nقال: وحيث نزهوا ربهم في الصفات السبع مع إثباتها فكذلك يقال في غيرها، فإن صفات الرب ﵎ كلها جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة.\nفإذا أثبتنا تلك بلا تأويل وأولنا هذه وحرفناها كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفي هذا بلاغ وكفاية.\nانتهى كلام والد إمام الحرمين الإمام الجويني عليه رحمة الله.","vol":"28","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>كلام ابن تيمية في آيات وأحاديث الصفات</span>\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: (جماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة، قسمان يقولون: تجرى على ظواهرها) في كل الصفات.\nقال: (وقسمان يقولون على خلاف ظواهرها).\nيعني: يؤولونها ويحرفونها.\nقال: (وقسمان يسكتون.\nوما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا ونحو ذلك، فقل له: كيف هو؟ هل رأيته؟ فيقول: لا.\nفقل: وأنا كذلك لم أر نزوله، فإذا كنت أنت لا تستطيع أن تكيف ذات الإله فأنا لا أستطيع أن أكيف أفعال الإله.\nفإذا قال: لا يعلم ما هو إلا هو وكنه الباري غير معلوم للبشر، فقل له: فالعلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية الموصوف وأنت لم تعلم كيفية الصفة؟ وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي له، بل هذه الروح علم العاقل اضطراب النفس فيها.\nفهذه الروح مخلوقة واختلف الناس فيها لعدم رؤيتهم لها، فأنت لا تستطيع أن تصف الروح مع أنها مخلوقة، وهي معك إذا نمت وإذا قمت، بل في كل أحوالك هي معك، فمن باب أولى أن تعجز عن وصف الخالق وصفات الخالق وأفعال الخالق.\nقال: (والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثانية، وهي طريقة إمرارها على ظاهرها والإيمان بها كما جاءت).\nوابن الجوزي قال كلامًا طيبًا في كتاب (صيد الخاطر) مع أنه أشعري المعتقد إلا أنه أحيانًا ينطق بكلام السلف، فيقول: من أضر الأشياء على العوام: كلام المتأولين والنفاة للصفات والإضافات، فإن الأنبياء ﵈ بالغوا في الإثبات ليقرروا في أنفس العوام وجود الخالق، فإن النفوس تأنس بالإثبات؛ فإذا سمع العامي ما يوجب النفي طرد عن قلبه الإثبات، فكان من أعظم الضرر عليه، وكان هذا المنزه من العلماء على زعمه مقاومًا لإثبات الأنبياء بالمحو، وشارعًا في إبطال ما بعثوا به.\nقال: (وبيان هذا أن الله تعالى أخبر باستوائه على العرش، فأنست النفوس بإثبات الإله ووجوده، وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقال: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة:١٤] وقال: ﴿﵃﴾ [المجادلة:٢٢].\nوأخبر الرسول أنه ينزل إلى السماء الدنيا فقال: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن).\nوقال: (وكتب التوراة بيده).\nوقال: (كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش) إلى غير ذلك مما يطول ذكره.\nفإذا امتلأ العامي والصبي من الإثبات وكاد يأنس من الأوصاف بما يفهمه الحس؛ قيل له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فمحا من قلبه ما نقشه، وتبقى ألفاظ الإثبات متمكنة؛ ولهذا أقر الشارع على مثل هذا، فسمع منشدًا يقول: وإن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا فضحك.\nوقال له آخر: (أويضحك ربنا؟ فقال: نعم.\nوقال: إنه على عرشه هكذا وأشار بيده مثل القبة) كل هذا ليقرر الإثبات في النفوس.\nوهو حديث ضعيف.\nوعلى أية حال! كلام ابن الجوزي يحتاج إلى حذر شديد جدًا؛ لأنه يضع السم في العسل فيما يتعلق بالاعتقاد، ولا يفعل ذلك ليفسد اعتقاد الأمة، وإنما أمور العقيدة عنده لم تنضبط، ولذلك خلط بينها كما خلط النووي وغيره بين الغث والسمين.","vol":"28","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-551>الأسئلة</span>","vol":"28","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>حكم من دخل المسجد والإمام يصلي بالناس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز لأحد دخل المسجد والجماعة قائمة أن يصلي وحده أو يبقى بلا صلاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يصح له ذلك، وكل من دخل المسجد ووجد الجماعة قائمة وجب عليه أن يصلي معهم وإن كان ذلك قبل التسليم مباشرة، فقد دخل رجل المسجد فجلس ولم يصل، (فلما فرغ النبي ﵊ من صلاته قال: أقبل.\nفأقبل.\nقال: ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: إني صليت يا رسول الله!) قد يكون صلى في بيته، أو صلى في جماعة أخرى وأتى إلى المسجد فوجدهم يصلون، فاجتهد أنه قد صلى فلم يصل معهم.\nفقال رسول الله ﷺ: (إذا دخلت المسجد فوجدت الناس يصلون فصل معهم وعدها نافلة).\nلكن يحظر عليك أن تدخل المسجد فتصلي صلاة غير صلاة الإمام؛ لأن النبي ﵊ يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).\nإذا دخلت المسجد وشرعت في صلاة السنة وسمعت المؤذن يقيم الصلاة فسلم من صلاتك والحق بالجماعة، وإذا دخلت المسجد ورأيت الناس يصلون وإن كنت قد صليت في الخارج فالحق بهم وصل بصلاتهم وعدها نافلة، كما أنه يحظر عليك أن تجلس بلا صلاة، فإن هذا يطرق للإمام أنك تكره الصلاة خلفه، وفي هذا من الفتن ما الله تعالى به عليم.","vol":"28","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>فضل العالم على العابد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قلت في محاضرة سبقت: إن بعض تلاميذ الشيخ الألباني والشيخ ابن باز اتجهوا للعبادة، وبعضهم اتجه للعلم ونشره والدعوة إلى الله ﷿.\nفمن أحب الفريقين إلى الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن العالم أفضل من العابد، وإن كانت الأحاديث التي تدل على الأفضلية لا يصح فيها دليل، فقوله: (عالم خير من ألف عابد) لا يصح به دليل، ولكن الله ﵎ أثنى على أهل العلم وجعلهم في مرتبة فوق مرتبة العباد ومرتبة عامة الناس، قال ﵎: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، فأهل العلم منزلتهم لا يمكن لأحد أن يدانيهم فيها ولا أن يساويهم، فهم ورثة الأنبياء، ولا شك أن ورثة الأنبياء خير ممن لم يرث الأنبياء كالعباد وغيرهم.","vol":"28","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>حكم كتم العالم علمه عند الحاجة إليه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  وهل على الفريق الأول -العباد- ذنب لتركهم نشر العلم الذي أنعم الله عليهم به؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا شك أن كاتم العلم عند الحاجة إليه آثم، فإن قام به غيره ولم يحتج إليه فلا إثم عليه، لأن نشر العلم فرض كفاية، ولذلك قال النبي ﵊: (من كتم علمًا ألجم بلجام من نار يوم القيامة) هذا لمن احتيج إلى علمه، فإن لم يحتج إلى علمه فلا شيء عليه.","vol":"28","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-555>سبيل الحصول على العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إن أعلام الدنيا في زماننا كـ ابن باز والألباني وابن عثيمين لو أنهم رحلوا عنا - أمد الله في أعمارهم- قلتم إن الله سيستخلف أقوامًا غيرهم فنريد ردًا يعكس وضع حياتنا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال! ابن باز كغيره من الناس، ولد لا يعلم شيئًا ولا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعًا ولا ضرًا وغيره كذلك من أهل العلم، يقول يحيى بن أبي كثير اليماني الإمام: لا ينال العلم براحة الجسد.\nوهو مخرج في صحيح مسلم.\nهؤلاء سهروا الليالي، واصلوا الليل بالنهار وزاحموا العلماء بركبهم، وتواضعوا وتأدبوا وحصلوا وذاكروا، وسامروا وناقشوا وتعلموا من كل علم قدرًا وحظًا عظيمًا جدًا حتى يسر الله ﵎ لهم البحث والنظر في جميع العلوم الشرعية، ولا غرو أبدًا إذا سلكت مسلكهم وهممت ونشطت في طلب العلم أن يوفقك الله ﷿، وليس ذلك عليه بعزيز.","vol":"28","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>حكم صلاة المنفرد خلف الصف</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من حضر إلى الصلاة فلم يجد مكانًا في الصف ولا فرجة فيه، فهل يقف بنفسه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nمن دخل المسجد ولم يجد مكانًا في الصف فله أن يصلي وحده، فإن وجد فرجة في الصف فليلحق بها، وإن كان بإمكانه أن يلحق بالصف أو أحد الصفوف ولكنه آثر أن يصلي في صف وحده فصلاته باطلة، (والنبي ﵊ رأى رجلًا يصلي وحده فقال: أعد صلاتك) ولو كانت صحيحة ما قال له هذا.","vol":"28","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>بيان أن حجاب الله ﷿ واحد فقط</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الدلالة على إثبات الحجاب؟ ويوجد حديث في مجمع الزوائد يقول فيه: (سبعون حجابًا من نور ثم سبعون حجابًا من نار)، وهل يدخل في باب الصفات، فما الرد على من قال: هو حجاب واحد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحجاب حجاب واحد لله ﷿، تقدم قبل ذلك الدليل في سنة النبي ﵊ كما روى ذلك مسلم.\nقال: (حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) قال: حجابه، ولم يقل: حجبه، فالحديث السابق لا يمكن أن يعارض هذا الحديث الصحيح.","vol":"28","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-558>باب كيفية وزن الأعمال يوم القيامة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الأعمال يوم القيامة توزن بالحسنات والسيئات أم هي أعراض وأجسام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه المسألة يعلمها الله ﷿، وإن كان بعض أهل العلم تكلموا فيها، وإذا كنت تثبت القدرة المطلقة لله ﷿ فما المانع أن يزن الله ﵎ الحسنات والسيئات بغير أن يجعلها أجسامًا وأعراضًا.\nأنا أؤمن بذلك كما آمن النبي ﵊ وأبو بكر وعمر: أن الله تعالى قادر على كل شيء ويفعل ما يشاء، فإذا أراد أن يزن الأعمال خيرها وشرها دون أن تكون أعراضًا محسوسة أو ملموسة فهو قادر على ذلك، وهو قادر على أن يجعل هذه الحسنات والسيئات والأعمال أعراضًا، له هذا وله ذاك، وهو سبحانه على ما يشاء قدير.","vol":"28","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>حكم من سها في صلاته ونسي أن يسجد سجود السهو</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  شخص صلى المغرب وفي الركعة الثانية بعد قراءة التشهد قام بالتسليم وعلى الفور ذكرناه فتذكر أنه صلى ركعتين فقام وجاء بالثالثة ثم سلم ونسي أن يسجد سجدتي السهو، فماذا يفعل؟ وهل صلاته صحيحة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أهل العلم يفرقون بين نسيان الزمن الطويل والزمن القصير، بأن كان لا يزال في مكانه الذي صلى فيه أو قريبًا منه وتذكر وجب عليه أن يسجد للسهو حتى وإن كان هناك بعض الوقت بين تسليمه وبين تذكره، وإن طال الوقت فلا يجب عليه حينئذ، لكن إن شاء فعل وإن شاء ترك.","vol":"28","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>ميراث أولاد الأم التي ماتت قبل أبيها في تركة جدهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يرث أولاد الأم التي ماتت قبل أبيها في تركة جدهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nيرثون -تحت باب الوصية الواجبة- حظ أمهم، والوصية الواجبة هي أن يموت الفرع بوجود الأصل، ولهذا الفرع أحفاد، فهم يرثون في تركة جدهم حظهم منه من باب الوصية الواجبة.","vol":"28","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>حكم حلق اللحية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: من تنبت له لحية ولكن في أجزاء متفرقة، هل يجوز له حلقها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز، لا يجوز فعل ذلك.","vol":"28","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-562>حكم ترك الحارس لصلاة الجمعة خشية الضرر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  شخص يعمل حارس أمن، ويأتي وقت صلاة الجمعة وهو في عمله فلا يستطيع صلاة الجمعة التي يكون فيها العمل لوقوع الضرر عليه، فماذا يفعل؟ وهل يأثم بعدم صلاتها؟ وهل يصليها ظهرًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  صلاة الجمعة لا مفر من الإتيان إلى مسجد الإمام والصلاة خلفه، لكن إذا منع من ذلك مانع مع تحسر وتفطر قلب العبد وأن العذر قد منعه تمامًا كالمريض والمسافر والعبد والمرأة كان معذورًا عند الله كعذر هؤلاء، وكذلك المحبوس لا جمعة عليه، فإذا كان عذره بلغ هذا المبلغ بحيث صار معذورًا عند الله ﷿ فلا جمعة عليه حينئذ ويصلي الظهر، والله أعلم.","vol":"28","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>ما يفعله المغتاب إن أراد التوبة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أحسست أني قد اغتبتك وسامحني سامحك الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال، هذه المسائل اختلف فيها أهل العلم.\nقيل لـ عبد الله بن المبارك: إني اغتبتك فسامحني.\nقال: لا أحب أن أسامحك في شيء حرمه الله عليك.\nوقيل لـ محمد بن سيرين: سامحني فإني قد اغتبتك.\nقال: إني تصدقت بعرضي عليك فقل فيه ما شئت كل صباح ومساء.\nوقول ابن سيرين أحب إلي من قول ابن المبارك.","vol":"28","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>حكم القنوت في صلاة الفجر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم قنوت الفجر، وهل ورد عن النبي ﵊ حديث صحيح فيه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  فيه خلاف بين أهل العلم، فالشافعية يقولون بوجوب القنوت، ولكن الراجح من مذاهب الفقهاء: أنه لا قنوت خاص بصلاة الفجر ولا بأي صلاة من الصلوات الخمس، وإنما القنوت عند النوازل في الصلوات الخمس لا في صلاة دون صلاة، وهو المذهب الراجح.\nفإن قيل: هل أقنت خلف إمام يقنت أو أفارقه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  تقنت خلفه رفعًا ودرءًا للفتنة والشقاق الذي يمكن أن يحدث ولا تقل شيئًا، بل ارفع يديك خلفه ولا تنزل يديك إلا عند نزول الإمام أو عند إنزال المصلين أيديهم لا لأنه دين، ولكن لأن الدين رفع الفتن عن المسلمين، ولو صح حديث أنس بن مالك: (لم يزل النبي ﷺ يقنت حتى قبض) لزال الإشكال، ولكنه حديث صحيح عند الشافعية، منكر عند جمهور أهل العلم، والصواب: أنه منكر.","vol":"28","page":35},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-565> صفة الإتيان والمجيء لله ﷿</span>\nصفتا الإتيان والمجيء لله ﷿ من الصفات الفعلية التي تخضع لمشيئته ﷾، وهما ثابتتان بالكتاب والسنة ثبوتًا يليق بالله سبحانه دون تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، خلافًا للمؤولة الذين صرفوا النصوص عن ظاهرها ومرادها، فأولوا الإتيان والمجيء لله بأنه مجيء أمر الله سبحانه أو رحمته، لا مجيئه بذاته ﷾.","vol":"29","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>صفات الله الذاتية والفعلية</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nثم أما بعد: فلا يزال الكلام موصولًا عن صفات الله ﷿، وصفات الله تعالى إما ذاتية وإما فعلية.\nفالصفات الذاتية هي: الصفات اللازمة لذاته التي لا تنفك عنه.\nبمعنى: أنها لا تخضع لمشيئته، إن شاء فعل وإن شاء ترك، بل هي صفة ذاتية لازمة لله ﷿: كصفة اليد، والعين، والساق، والقدم، وغيرها من الصفات.\nوأما الصفات التي تخضع لمشيئته فيسميها أهل العلم بصفات الأفعال، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وفعله ﵎ لا منتهى له، وهو مع ذلك خاضع لمشيئته وإرادته، فإذا أخبر أنه استوى، فالاستواء فعل لله ﷿، يستوي كيف شاء، في أي وقت شاء، وإذا أخبر أنه ينزل إلى السماء الدنيا، أو يدنو من عباده، أو يقترب منهم؛ فهذه كلها أفعال يفعلها في أي وقت شاء، وفي أي زمان ومكان شاء، وإن شاء ألا ينزل لا ينزل، بدليل أن النبي ﵊ حدد وقت النزول للمولى ﵎ إلى السماء الدنيا، وهذا يدل على أنه ليس في كل وقت ينزل، وإن أراد أن ينزل في كل وقت لفعل، لكن النبي ﵊ أخبر أنه ينزل في أوقات معلومة، وأعظم هذه الأوقات هو يوم عرفة، فيدنو من عباده في يوم عرفة فيغفر لهم، وينزل في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لعباده الصالحين كذلك، بل وينزل كل ليلة إذا بقي الثلث الأخير من الليل، فينادي على عباده ويتودد ويتحنن إليهم، هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ ويظل ينادي على عباده حتى ينبلج الفجر.\nوالكلام عن صفة النزول قد تعرضنا له من قبل وكذا الاستواء، وقلنا: إن معتقد أهل السنة والجماعة في صفات الأفعال كمعتقدهم في صفات الذات، فكما أنهم أثبتوا اليدين والعينين لله ﷿ على الوجه اللائق به ﷾ دون تشبيه ولا تعطيل، فكذلك قالوا في صفات أفعال ربنا ﵎، فإنه يأتي، يجيء، لكن ليس كإتيان البشر، وليس كمجيء المخلوقين، وكما أن الله تعالى لا تُعلم كيفية ذاته، فكذلك لا تُعلم كيفية صفاته التي منها: المجيء والنزول والاستواء والغضب والرضا والفرح وغير ذلك من بقية صفات الأفعال، فلا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، لكننا نوقن أنه يفرح، وأنه يغضب إذا انتهكت محارمه، ويأتي وينزل إلى سماء الدنيا، فنوقن بكل ما ورد في الكتاب والسنة على ما أخبر به مالك وأم سلمة وربيعة الرأي أنهم قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.\nأي: السؤال عن كيفية الصفة.\nولذلك قال أحمد: من قال لك: كيف استوى؟ فقل له: كيف هو؟ لأن الصفات تصور عن الذات، والكلام في الصفات يستلزم الكلام في الذات، فإذا كنت تقر بأنك تجهل ذات الإله، فلا بد وأنك كذلك تجهل كيفية صفات ذلك الإله ﷾، فالذي لا يستطيع أن يتكلم، وأن يصف ذات الإله، لا بد وأن يلتزم الصمت في وصفه لأفعال الله ﷿.","vol":"29","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>إثبات صفة المجيء لله ﷿</span>\nصفة الإتيان ثابتة بالكتاب والسنة، فيأتي الرب يوم القيامة للفصل بين العباد، وقد ثبت ذلك في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﵊، لكن المتأولة أبوا إلا أن يصرفوا مجيء الرب ﵎ إلى غير ظاهر النص، فقالوا في قوله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].\nأي: جاء أمر ربك.\nولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن تفسير مجيء الرب بالأمر ينفي صفة عن الله ﷿ أثبتها لنفسه، وهذا يصطدم مع معتقد أهل السنة من أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه، فإذا أثبت الله لنفسه أنه يجيء، وأنه يأتي؛ فلا بد من إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به ﷿، فيجيء حيث شاء، وكيف شاء، وفي أي وقت شاء، ولا نسأل عن الكيفية.\nوالذي يتأول مجيء الرب بأنه مجيء الأمر لا بد وأن ينفي عن الله ﷿ ما أثبته لنفسه، وكأنه يريد أن يقول: أنا أعلم بالله من الله، وأنا أعلم بالله من رسل الله؛ لأنهم أثبتوا جميع الصفات لله ﷿، فأثبتوا صفات الكمال والجلال والعظمة، فإذا كان الله تعالى أثبت لنفسه المجيء، وأثبت لنفسه الإتيان، فلم نتكلف نحن في صرف هذه النصوص عن ظاهرها؟ كما أولوا المجيء بالرحمة، فقالوا في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢].\nأي: وجاءت رحمة ربك.\nوهذا تأويل.\nوهم مع ذلك يثبتون السمع والبصر والعلم والحياء وغيرها لله ﷿، ويقولون: إن إثباتنا لصفة المجيء لله ﷿ يستلزم الحركة والانتقال، ويستلزم أنه في حيز، وأن السماء تحيطه، وأن العرش والكرسي من فوقه حين ينزل وحين يجيء، مع أنهم هم الذين ينكرون علو الله ﷿، لكن المتأولة لا يثبتون على قدم واحدة، فيقولون في هذا الموطن كلامًا يردون على أنفسهم في موطن آخر، فهم الذين يقولون: إن القول بمجيء الرب يستلزم منه الحركة والانتقال.\nكما أنهم يقولون: إنه لا ينزل؛ لأن نزوله يستلزم خلو العرش منه.\nفنرد عليهم: بأنهم لم يثبتوا لله ﵎ الفوقية، وهم الذين يقولون بأن الله في كل مكان، فكيف الآن تعترفون؟! والنزاع ليس في الفوقية، وإنما النزاع في النزول، وهل الذي ينزل لا ينزل إلا من علو؟ فلا يتصور أنه يصعد من الدور الأرضي إلى الدور الثاني أو الثالث أو الرابع، ولا نقول: فلان نزل من الأرض إلى الدور الخامس، وإنما نقول: نزل من الدور الخامس إلى الدور الأرضي أو الرابع أو الثالث.\nفالنزول في لغة العرب إلى أسفل، والارتفاع والعلو إلى علو، واستواء المولى ﵎ يختلف عن استواء المخلوقات، فاستواؤه لا يعلم كيفيته إلا هو، لكننا نعلم يقينًا أنه استوى؛ لأنه أخبرنا أنه استوى، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فالاستواء معلوم لدينا، لكن كيفية هذا الاستواء مجهول لا نعلمه؛ لأننا لا نعلم كيفية الذات، فكيف نعلم كيفية صفاته التي منها الاستواء؟ الذي نقوله في النزول والاستواء نقوله كذلك في المجيء والإتيان؛ فإن الله تعالى يأتي ويجيء حيث شاء، وبالكيفية التي يشاؤها ويريدها على الوجه الأكمل اللائق به ﵎، ولا نقول: إنه يأتي كإتياننا، ويمشي كمشينا، ويهرول كهرولتنا، ويسارع كإسراعنا، بل كل ذلك بعيد عن الله ﷿.\nفصفة المجيء والإتيان جاءت في قول الله ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].\nوالمتأولة يقولون: المجيء هو مجيء الملائكة، وليس مجيء الله ﷿، وهذا كلام فاسد وباطل، يبطله قول ربنا ﵎: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠].\nومع هذا فسروا ذلك ليًا لأعناق النصوص، وقالوا: هل ينظرون إلا أن يأتيهم ملائكة الله في ظلل من الغمام؟ وكل ذلك حتى لا يفتروا -بزعمهم- على الله ﷿ أنه يجيء ويذهب، ويروح ويأتي، وغير ذلك، فإذا كان الله تعالى أثبت لنفسه ذلك، فلم أتكلف أن أصرف ذلك عن ظاهره؟ قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨].\nفهذه الآية مفحمة؛ لأن الله تعالى أثبت فيها إتيانه، وأثبت فيها إتيان الملائكة، وأثبت فيها إتيان بعض أمر ربك.\nفإذا قالوا: إن إتيان الله يعني إتيان بعض آياته؛ فقد أثبتته الآية.\nوإذا قالوا: إنه إتيان الملائكة وإتيان الأمر؛ فقد أثبتته الآية، فيبقى إتيان الله ﷿، فلابد وأن يقروا بأن الله تعالى يأتي إتيانًا يليق بجلاله وكماله.\nومن التقاليد الموروثة لدى كثير من المفسرين الذين ينهجون منهج الخلف ومنهج المتأولة: أنهم يفسرون المجيء المذكور في سورة الفجر: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] بمجيء أمر الله تعالى.","vol":"29","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>السؤال عن الله بـ (أين) لا يستلزم التحيز ولا الجهة</span>\nيبقى سؤال هنا للذين يقولون: إن أمر الله هو الذي ينزل، وهو الذي يجيء ويأتي، فنسألهم: أين الله؟ فلا يقبلون هذا السؤال، ولا يحبون الجواب عنه، مع أن النبي ﵊ سأل الجارية هذا السؤال بلفظه ومعناه: (أين الله؟ قالت: في السماء.\nقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.\nفقال لسيدها ومولاها الحكم بن معاوية السلمي: أعتقها فإنها مؤمنة).\nفشهد لها النبي ﵊ بالإيمان؛ لأنها تعتقد وتقر بلسانها أن الله تعالى في السماء، ولذلك لا بأس أبدًا من توجيه هذا السؤال، فإذا سألنا الذين يصرفون آيات الله تعالى عن ظاهرها فرارًا من التشبيه بزعمهم، فنقول لهم: أين الله الذي يأتي الأمر من جهته؟ فسيضطربون اضطرابًا عظيمًا جدًا في الجواب عن هذا السؤال، لذا فأول ما يفعله النفاة في مثل هذا الموقف أن يقولوا: لا يسأل عن الله بـ (أين).\nوهم الآن ينفون هذا السؤال، ويخطئون من يسأل ويقول: أين الله؟ إذًا: فهم أعلم من النبي ﵊؛ لأنه هو الذي سأل هذا السؤال، وليست الحجة في قول الجارية، وإنما الحجة في إقرار النبي ﵊ للجارية، لكنهم يردون علينا بسؤالنا أين الله؟ بقولهم: هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه، ولا يسأل عن الله بـ (أين)، مع أنه قد صح في صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: (أين الله؟) فيقولون: لأن إثبات الأينية لله ﷿ يستلزم الحيز والجهة، وإذا كان في حيز أو في جهة، فهذا يعني أنه داخل في بعض خلقه، وإذا كان داخلًا في بعض خلقه؛ فإن الخلق يحيط به، مع أن الله تعالى هو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وليس في المخلوقات من أحاط الله ﷿، أو ما أحاط بالله ﷿، فهكذا تفلسفوا، وهكذا تمنطقوا.\nوهذا كلام في غاية العجب.\nإذا كان النبي ﵊ يقول: (ما السماوات والأرض بالنسبة للكرسي إلا كحلقة في فلاة).\nأي: في صحراء، في برية، في بادية، فهل تظهر هذه الحلقة؟ لا تظهر، إذًا فالسماوات والأرض بهذا الحجم الذي نراه إذا سرنا فيه ما هي بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ملقاة في صحراء.\nقال: (وما الكرسي بالنسبة للعرش إلا كحلقة في فلاة، والله تعالى مستو على العرش، والكرسي موضع قدميه ﷾).\nوالكرسي يحيط بالسماوات والأرض وزيادة؛ لأن السماوات والأرض بالنسبة للكرسي كحلقة في صحراء، وهذا الكرسي العظيم إنما هو موضع القدمين لله ﷿، وهو بالنسبة للعرش كحلقة في فلاة، فما بالكم بالعرش كيف هو؟ لا يستطيع أحد أن يصف العرش، كما لا يستطيع أحد أن يصف الكرسي، مع أن الكرسي بالنسبة للعرش شيء قليل جدًا، وشيء بسيط جدًا، لكن هذا الشيء البسيط يحيط بالسماوات والأرض.\nإذًا: فهل نحن مكلفون بأن نتفكر في ذات الله ﵎؟ فإقحام العقول والأفكار والأفهام في البحث عن ذات الله ﷿ لا بد وأن يؤدي بالضرورة إلى ضلال صاحبه وتحيره وتيهه، وربما أدى به إلى الكفر بالله ﷿، ولذلك أمرنا أن نتفكر في آيات الله، وألا نتفكر في ذاته ﵎؛ لأن ذاته فوق كل فكر، وفوق العقول، وفوق الإدراك، ولا يمكن أبدًا أن يحيط عقل بصفة من صفات الله، فضلًا أن يحيط بذات الله ﵎.\nوإذا كنا نعجز أن نصف الله ﷿، فإننا بالتالي نعجز أن نتصور صفات المولى ﵎ التي منها: المجيء، بل علينا أن نسلم، وأن نؤمن بما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﵊، فنؤمن بذلك ولا نخوض فيه، لا بعقل ولا بفكر.\nومن فضل الله ﷿: أنه لا يسألنا عن ذاته، ولا يسألنا عن كيفية صفاته، والمرء إنما يحرص على ما ينفعه، وإقحام العقل في صفات الله ﷿ وفي ذاته إنما هو أمر يؤدي إلى الضرر، والعبد غير مسئول عن هذا، فهل يعقل أن يدع ما يسأل عنه بين يدي الله ﷿ من أحكامه وفرائضه وسننه، ثم يقحم نفسه في مسألة لم يكلفه الله ﵎ بها؟ على كل حال إذا كان النفاة لا يثبتون علو الله على خلقه، فلا معنى لقولهم: جاء أمر ربك؛ لأنهم لا يدرون من أين يأتي الأمر، وهم يقولون: إن الله في كل مكان، اللهم إلا إذا زعموا أن الأمر يأتي من كل مكان، لتصورهم أن الله تعالى في كل مكان، ولا نعلم أحدًا قال بهذا القول، حتى هم لم يقولوا: إن الأمر يأتي من كل مكان، فالله ﷿ قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].\nفنحن نعلم مجيء الرب ﵎، ونعلم أنه يأتي من علو، وهؤلاء لا يثبتون العلو لله ﷿، فنقول لهم: إذا فسرتم وأولتم مجيء الرب بأنه مجيء الأمر فمن أين يأتي الأمر؟ وهم يقولون: إن الله في كل مكان.\nإذًا: يأتي الأمر من كل مكان، وهذا الكلام لم يقل به أحد، حتى هم لم يقولوا بذلك.\nفليس لدى النفاة جواب بالنسبة لهذه الآيات ما لم يركبوا رءوسهم، إذ لم يبق هناك من يضيفون إليه المجيء؛ لأن الآية قطعت عليهم خط الرجعة كما يقولون، حيث ذ","vol":"29","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-569>عدم إحاطة العباد بالله علمًا</span>\nهل لأحد أن يدعي أنه يحيط علمًا بالله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nلأن ذلك مستحيل شرعًا وعقلًا، والواقع أن الله تعالى هو الذي يحيط خلقه بعلمه، أما هو سبحانه يُعلم ولا يحاط به علمًا، فهو معلوم الوجود، وأنه واجب الوجود، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥].\nفهم لا يحيطون بذاته ولا بصفاته ولا بأفعاله علمًا، والنزول والمجيء من أفعال ربنا ﵎، فينتهي علمنا فيهما وفي غيرهما من أفعال ربنا ﵎ بمعرفة المعنى العام أنه يأتي وأنه يجيء، أما كيف يأتي وكيف يجيء فهذه ليست لنا ولا نعرفها، بل ولا يعرفها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فكيف يدعي هؤلاء صرف هذه النصوص عن ظاهرها؟ وتعطيل النصوص بالضرورة يستلزم تعطيل صفات المولى ﵎.\nومما يؤمن به أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، ومما يحدثه في نهاية المطاف لهذه الدار: أن يأمر الشمس أن تطلع من مغربها بدلًا من طلوعها من مشرقها؛ إعلانًا وإعلامًا لنهاية هذه الحياة، وهنا يغلق باب التوبة، ولا يقبل إيمان ممن يريد أن يؤمن، أو عمل صالح ممن يريد أن يعمل عملًا صالحًا.\nثم إذا جمع الله الأولين والآخرين يأتي يوم القيامة ليحاسب عباده، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].\nوهناك يتميز المؤمن الصادق الذي كان يعمل بصدق ويقين ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، فيأتي الرب ﵎ فيعرفه المؤمنون بعلامته الخاصة، وهي ساقه ﵎، فيسجدون له سبحانه سجود تعظيم وشكر في آن واحد، ويحاول المنافقون والمراءون أن يسجدوا كسجود المؤمنين، فيجعل الله ﵎ ظهورهم طبقًا واحدًا، فإذا أرادوا أن يسجدوا لله خروا على ظهورهم؛ لأنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا، ومن سجد منهم إنما سجد مرائيًا منافقًا، ولم يكن يسجد لله بصدق وإيمان ويقين.\nإذًا: هذه الصفة ثابتة لله ﷿ على الوجه اللائق، ونقول فيها كما نقول في غيرها من بقية الصفات.","vol":"29","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>إثبات أن لله هرولة تليق به سبحانه</span>\nقال النبي ﵊ في الحديث القدسي الذي يقول فيه المولى ﷿: (وإذا تقرب إلي عبدي شبرًا تقربت إليه ذراعًا).\nفأثبت القرب من العباد لله ﷿.\n(وإذا تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة).\nفأنا أهرول، والله تعالى يهرول، لكن هرولة الله ليست كهرولة المخلوقين، وإنما ذلك اتفاق في الاسم واختلاف في المسمى والمضمون، والمعنى معلوم، والكيف مجهول.\nفهرولة الله ﵎ يقينًا معلومة لدينا؛ لأنه أخبرنا أنه يهرول، لكن كيف يهرول؟ هذه ليست لنا، ولو سألتني: كيف يهرول زيد أو عمرو؟ لقلدت لك هرولة زيد وعمرو؛ لأن الأمر لا يعلم إلا بشرطين: إما برؤيته له، فأستطيع أن أصفه، وإما بوجود المماثل له.\nوأنت سألتني: كيف يهرول عمرو أو زيد؟ فهل عمرو سيأتي بهرولة جديدة؟ لا.\nفنحن نهرول كبعضنا، ولكل واحد من البشر هرولة خاصة، وهو رمل واحد، وإسراع واحد، وجري واحد، وبطء واحد، ويستطيع المرء أن يصف ذلك في المخلوقات؛ لأنه رأى ذلك بنفسه ويستطيع أن يفعل ذلك، وهناك أمثلة عديدة في البشر يستطيع أن يقيس؛ لأني كزيد وكعمرو وكإبراهيم وكمحمد، لكن لا أقول: أنا كالله تعالى! لأننا إذا كنا نتفق على أن ذات المخلوقات تختلف عن ذات الله ﷿ فلا بد وأن نقول: إن صفاته تبعًا لهذه الذات تختلف عن صفات المخلوقين فهو يهرول كيف يشاء، ولا أستطيع أبدًا أن أصف هرولة الله ﷿؛ لأنني لم أر الله، ولم أر هرولة الله، ولذلك لا أستطيع أبدًا أن أمثلها؛ لأنها غيب عني، وكل ما في الأمر: أن الله تعالى ألزمني الإيمان بأنه يهرول، وأنه يأتي، وأنه يجيء، وأنه يتقرب إلى عباده.\nوفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية قال: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم! فيقولون: لا، نبقى هنا حتى يأتينا ربنا كما نعرفه).\nلأنهم قد رأوه أول مرة في المحشر، ولذا لما ظهر لهم في صورة أخرى وقال: أنا ربكم! قالوا: لا.\nإنما لربنا علامات نعرفه بها، عينان، وساق، ويدان.\nفهذه وغيرها جوارح في حق المخلوقين، لكنها ليست جارحة في حق الله ﷿.\nولذلك لما ظهر الله تعالى لهم لم يروا له مثيلًا ولا ندًا ولا شبيهًا في حياتهم قط، فعرفوا أن هذا هو الله ﷿؛ لأنه واحد في ذاته، واحد في صفاته، لا يشبه أحدًا، فلما بدا لهم وظهر لهم وكشف الحجب بينه وبينهم ورأوه على هذا النحو الذي لا يمكن لبشر أن يصفه قالوا: أنت ربنا.","vol":"29","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>أقوال أهل العلم في إثبات صفتي الإتيان والمجيء</span>","vol":"29","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-572>قول ابن جرير في إثبات صفتي المجيء والاتيان</span>\nقال ابن جرير: اختلف في صفة إتيان الرب ﵎ الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠].\nفقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه ﷿ من المجيء والإتيان والنزول.\nأي: لا بد أن نسلم أنه يأتي مثلما قلنا في النزول والاستواء وغير ذلك، ونفوض علم الكيفية لله ﷿، وغير جائز لأحد تكلف القول في ذلك إلا بخبر من الله ﷿، أو من رسل الله تعالى.\nولذا عندما لم يأت الخبر بالكيفية؛ وجب أن نسكت عما سكت عنه الأنبياء، وعما سكت عنه أصحاب الأنبياء، ولذلك لم يرد في أثر -ولو باطل- أن واحدًا من أصحاب النبي ﵊ قال له: يا رسول الله! كيف يأتي ربنا؟ كيف يستوي ربنا؟ كيف يتكلم ربنا؟ فلم يسألوا عن الكيفية قط؛ لأنهم يعلمون أن لله ﵎ ذاتًا تختلف عن ذواتنا، وهم لا يمكن أبدًا أن يحيطوا بها علمًا، ولذلك لم يتكلفوا السؤال عنها، وعن كيفية صفاتها.","vol":"29","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>إثبات أبي الحسن الأشعري لصفتي المجيء والإتيان</span>\nوقال أبو الحسن الأشعري، وهو من أفراخ المعتزلة ورئيس الأشاعرة، لكن الله تعالى منَّ عليه بفضله؛ فانسلخ من معتقده الفاسد الأول، وجاء مقرًا بعقيدة أحمد بن حنبل، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة قال: وأجمعوا -أي: أهل السنة- على أنه ﷿ يجيء يوم القيامة والملك صفًا صفًا.\nفإجماع السلف على أن الله تعالى يجيء، وأنه يأتي، وأنه يتقرب إلى عباده، ويقترب، ويدنو منهم، وكيفية ذلك لا يعلمها إلا هو سبحانه.","vol":"29","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-574>قول الشيخ الهراس في إثبات صفتي المجيء والإتيان</span>\nوقال الشيخ الهراس في شرح الواسطية -بعد أن ذكر الآيات والأحاديث الثابتة في صفة الإتيان والمجيء -: وفي هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل -أي: من صفات فعل الله ﷿- وهما: صفتا الإتيان والمجيء، والذي عليه أهل السنة والجماعة: الإيمان بذلك على حقيقته.\nأي: نؤمن بأن الله تعالى يأتي حقيقة لا مجازًا، ويبتعدون عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل.","vol":"29","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-575>تأويل الإمام النووي وابن الجوزي لصفتي الإتيان والمجيء والرد عليهما</span>\nوقد جاءت صفتا الإتيان والمجيء مقترنتين في حديث واحد رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (إذا تلقاني عبدي بشبر؛ تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع؛ تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع؛ جئته وأتيته بأسرع).\nصفتان ثابتتان لله ﷿: الإتيان والمجيء، لكن بعض أهل العلم لا يدعون هذه الآيات تمر هكذا، كـ ابن الجوزي عليه رحمة الله، والنووي عليه رحمة الله، وكلاهما لم يتمكن من دراسة العقيدة دراسة وافية مستفيضة على يد أهل السنة والجماعة؛ ولذلك وردت أخبار في ترجمة ابن الجوزي عليه رحمة الله، أنه شيخ الوعاظ وصاحب ورع وتقى وهدى، لكنه في باب الصفات لم يحكم ذلك إحكامًا، وإنما كان له تخبط، فتارة يقول بقول السلف، وتارة يقول بقول الخلف، وتارة يذكر الخلاف ولا يرجح، تمامًا كما يفعل النووي، ولذلك عاب عليه الذهبي عليه رحمة الله في كتاب السير باعتبار ابن الجوزي حنبلي المذهب، فقال: ويا ليته سكت أو تبع إمامه.\nأي: يا ليته ما تكلم في الصفات، ويا ليته إن تكلم اتبع إمامه أحمد بن حنبل.\nفـ ابن الجوزي ممن دخل في هذا التأويل، وكذا النووي عليها رحمة الله، لكن تلاميذ النووي نقلوا عنه أنه لم يحكم دراسة العقيدة، بل كان يقلب فيها، وينقل من كتب القاضي عياض، والإمام المازري وكلاهما أشعري معروف بأشعريته وخلفيته، فذكر الإمام النووي هذه الآيات وهذه الأحاديث، وذكر فيها خلاف أهل العلم، ورجح فيها مذهب الخلف للأسف، فأثبت أن المجيء إنما هو مجيء الأمر لا مجيء الله ﵎؛ لأنهم لم يفهموا من صفات الله ﷿ إلا ما يفهمونه من صفاتهم البشرية، وقياسهم مجيء الرب على مجيئهم، وإتيان الرب على إتيانهم، وقرب الرب على قربهم ودنوهم، فهم لم يفهموا ولم يدركوا من صفات الله ﷿ إلا ما يدركون من صفاتهم التي يرونها ويعلمونها من أنفسهم، وهذا بلا شك خطأ عظيم جدًا، والرد عليه من أوجه كثيرة: أولًا: أن النووي لما رجح مذهب الخلف ادعى أن هذا مذهب السلف، فإن كان يقصد مذهب الأشاعرة، وأنهم سلف بالنسبة له وأنه تابع لهم في بعض الصفات؛ فكلامه صحيح، وإن كان يقصد أن هذا مذهب السلف الصالح عامة؛ فكلامه مردود، إذ إن التأويل ليس هو مذهب السلف، وإنما هو مذهب الخلف.\nومذهب السلف ﵃ إنما هو إثبات المعاني، وتفويض علم الكيفية إلى الله تعالى، وقد فصلنا القول في ذلك مرارًا ولا داعي لإعادته.\nثانيًا: تأويله للإتيان والمجيء بالرؤية، أو ببعض ملائكة الله، ليس تأويلًا صحيحًا، بل هو يناقض العقيدة السلفية في صميمها، فنحن إذ نقول بإثبات صفة المجيء والإتيان للرب ﵎ لا يستلزم ذلك التشبيه والتجسيم؛ لأننا قلنا من قبل: ما من شيئين إلا وبينهما اشتراك وافتراق، فمن نفى القدر المشترك فقد مثل، ومن نفى القدر الفارق فقد عطل.\nوالله تعالى يأتي في صورة فيقول: أنا الجبار، وهو سبحانه قد صورني وخلقني على صورة معينة، فهل صورتي كصورة الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nلكن أوجه الشبه بيني وبين الله أن لي صورة ولله تعالى صورة.\nفالخلق يتفقون مع الخالق في مجرد التسمية فقط، ومن نفى القدر المشترك فقد مثل، كأن يقول: صورتي كصورة الله ﷿؛ لأنه أثبت لنفسه صورة، وأثبت لله صورة، فلا بد وأن تكون صورته كصورة الله، وهذا خطأ عظيم؛ لأننا إذا كنا نفرق بين ذات المخلوق وذات الله، فلا بد وأن المخلوق يقول بنفس الفارق بين صورته وصورة الله ﷿، وإلا إذا لم يقم هذا الفارق بينه وبين الله فلا بد وأن يجعل نفسه أو ذاته كذات الله تعالى، وهذا إلحاد وكفر.\nومن نفى القدر الفارق فقد عطل.\nأي: عطل المولى ﵎ عن صفاته.\nكما أن الله ﷿ يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، وكل ذلك على الحقيقة من غير أن يلزم فعله ﷾ ما يلزم المخلوقين إذا فعل مثل ذلك.\nومن المؤكد أن النبي ﵊ وسلف هذه الأمة وأئمتها يعلمون أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة، أو وصفه رسوله بصفة أن ذلك ثابتًا له على ما يليق به ﷾، فلا يشبه شيئًا من صفات خلقه، كما لا تشبه ذاته سبحانه ذواتهم، وكذلك القول بالنسبة لأفعاله ﷾.\nومن الجدير بالذكر هنا: أن في صفات الخلق ما يختلف فيما بينهم، فليس كل الخلق يتصفون بصفة واحدة، ولذلك الحيوانات لها صورة، والطيور لها صورة، وبنو آدم لهم صورة، والله ﵎ له صورة، فهل اتفاق الجميع في لفظ الصورة يستلزم المماثلة والمشابهة بين هذه المسميات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، فتشابه الصفات في الاسم لا يستلزم تشابه الذوات.","vol":"29","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-576>كلام ابن تيمية في إثبات صفتي المجيء والإتيان</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: وإذا قيل: الصعود والنزول، والمجيء والإتيان أنواع جنس حركة.\nقيل: والحركة أيضًا أصناف مختلفة، فليست حركة الروح كحركة البدن، والروح تتحرك في البدن، ومع هذا لا يستطيع أحد أن يصف الروح التي هي بين جنبيك، وتتحرك فيك بالليل والنهار وأنت نائم ومستيقظ، فكيف تصف صفات المولى ﵎؟! وكذلك الملائكة لها حركة، والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز، فالذين يقولون: إن إتيان الرب ﵎ يستلزم الحركة والانتقال والحيز، نقول لهم: ليس ذلك بلازم، فهناك بعض المخلوقات تتحرك دون حيز، كما يراد بالحركة أمور أخرى كما يقول كثير من الطبائعية والفلاسفة، منها: الحركة في الحكم كالحركة في النمو، فمثلًا تقول: فلان ينمو ويتحرك دائمًا.\nوالحركة في الكيف كحركة الإنسان من جهل إلى علم، كأن تقول لابنك: يا بني! تحرك قليلًا؛ لما ترى ما يكتب له في الشهادة وهو راسب، أو درجاته قليلة، فتقول له: تحرك.\nفأنت لا تقصد بقولك هذا أن ينتقل من حيز إلى حيز، أو من مكان إلى مكان، وإنما تقصد أن ينتقل بكيفية أخرى، وهي أنه يعلو من الجهل إلى العلم، وحركة اللون من سواد إلى بياض، والحركة في الأين فليس هناك انتقال جسم من حيز إلى حيز، فإذا كانت حركة المخلوقات لا تستلزم الانتقال وخلو المكان الأول، فهي من باب أولى في جنب الله ﷿، وفي نزول الله ﷿، وقد قلنا فيما مضى: إن بعض الناس يتوهم أن نزول المولى ﵎ إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل لا يستلزم خلو العرش منه، وأن العرش والسماوات من فوقه فيكون سبحانه محصورًا بين خلقه، فهذا كفر وضلال لمن قال به.\nلكنهم أرادوا أن يلزموا أهل السنة الحجة بذكر هذا الكلام السخيف التافه؛ لأنهم يعلمون من أنفسهم أن الواحد منهم إذا كان في مكان عال ونزل يلزم من ذلك خلو المكان العالي منه، فقاسوا أنفسهم على الله ﷿، وقاسوا الله تعالى عليهم، وهذا ضلال مبين.\nوعقيدة أهل السنة والجماعة أن يسكتوا عما سكت عنه الله تعالى، وسكت عنه رسله وأنبياؤه.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب، ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول، والإتيان والمجيء، وبالوجه واليد ونحو ذلك: إن هذا يقتضي التجسيم؛ لأننا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم، فنحن لا نعرف واحدًا يوصف بالاستواء والنزول، والإتيان والمجيء، وله وجه، وله يد وله عين وغير ذلك إلا أجسام محسوسة أمامنا.\nولذلك ينفون عن الله ﷿ هذه الصفات، فيقولون: ليس له يد، ولا عين، ولا ساق، ولا يأتي، ولا يجيء، فينفون عن الله تعالى كل شيء أثبته لنفسه إلا سبع صفات، وهذا اضطراب؛ لأننا قلنا: إن الكلام في صفة واحدة كالكلام في جميع الصفات، كما أن الكلام في الصفات كالكلام في الذات، فالذي يريد أن يتكلم إما أن يتكلم بخير أو يسكت، فإذا سكت وآمن وسلم فهذا هو مذهب السلف، وإذا تكلم إما أن يتكلم بكلام السلف، وإما أن يتكلم بغير ذلك فيكون من الخلف.\nوالذين يقولون: ليس له يد، ولا عين، ولا ساق، ولا يأتي، ولا يجيء، هم النفاة، لكنهم يثبتون لله تعالى الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام.\nلكن: يقال لهم: أنتم تقولون: ليس له يد، وليس له ساق، وليس له عين، ونفيتم عنه ﵎ جميع الصفات الذاتية، فكيف يتصور وجود ذات بلا صفات؟! فقالوا: نحن نثبت له صفات معينة، وهي: صفة الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام؛ لأنها قد وردت في القرآن والسنة.\nفإن قيل لهم: والصفات الذي قلناها أيضًا في الكتاب والسنة؟ قالوا: لا.\nلأن إثباتكم لهذا الكلام يستلزم التشبيه.\nفنقول لهم: لا، فنحن وسط بينكم وبين غيركم، فأنتم تنفون صفات الله ﷿ وتقولون: هذا تنزيه لله ﷿؛ حتى لا يكون شبيهًا بالمخلوقات.\nوغيركم يقول: لا.\nنحن نثبت لله تعالى هذه الصفات لكن لا نعلم منها إلا ما نعلمه من أنفسنا.\nأي: أن له يدًا كيدي، وعينًا كعيني، ثم في النهاية هو رجل مثلي، فإذا كانت صفات المولى ﷿ مثل صفاتي، ففي النهاية هو مثلي بالضبط؛ لأنني إذا تكلمت في الصفات فأنا أركبها في الذات، وهذه الذات لا يصلح أن تتركب إلا في ذات تدخل في تصورك أنت، وهو شخصك، وهب أن الذي تكلم بهذا الكلام امرأة -لا بد من هذا الطرح أيضًا- فإذا كنت لا تفهم من صفات الله إلا ما تفهمه من صفاتك أنت فلا بد أن هذا المعتقد سيسود الرجال والنساء، فهل تقبل أنت كرجل تثبت هذه الصفات بالمماثلة والمشابهة مع صفاتك أنت من امرأتك، أو أمك، أو أختك، أو ابنتك أن تقول: إن الله تعالى مثلي تمامًا، فذاته كذاتي، وصفاته كصفاتي؟! معاذ الله! فأنت نفسك لا تقبل هذا، فلم تقبل أن تشبه الله ﵎ بذاتك ونفسك؟! لا بد أن تثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه على مراده هو، بالكيفية والوجه الأكمل اللائق به ﷾.\nوهؤلاء المثبتة ردوا على النفاة، والذين ينفون عن الله صفاته ردوا عليهم بأنك","vol":"29","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>الأسئلة</span>","vol":"29","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>حكم ما يقع بين الناس من التعصب لفريق معين من لاعبي كرة القدم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم ما يقع بين الناس من التعصب للكرة أو لفريق معين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قد بلغ التعصب للكرة حدًا عند أبنائها وأهلها لم يبلغ هذا التعصب عند أتباع المذاهب لأصحاب المذاهب، بل نرى ونسمع من يقذف بنفسه من البلكونات من الأدوار العالية الشاهقة عندما يسمع بخسارة فريق معين! وربما يسقط في الطريق ميتًا! وهذه قصص نسمعها ونراها، وهي واقعة كثيرة جدًا، مثل: أربعة عشر واحدًا ماتوا عندما ماتت أم كلثوم، وأحد عشر شخصًا رموا بأنفسهم من البلكونات، أو إحدى عشرة امرأة لما مات عبد الحليم حافظ! ثم يأتي شخص ويسألني عن الغناء هل هو حلال أم حرام؟! أما كرة القدم باعتبارها رياضة، وهي مفيدة بدنيًا وذهنيًا، لا يلزم فيها أن تضيع شيئًا من صلاتك، أو من دينك وعبادتك، وأن تتعصب لها، ذهبت أو جاءت، وأن تقع عينك على محرم، وأن تلهيك في الجملة عن ذكر الله ﷿.\nلكن الواقع الذي نراه الآن بخلاف ما أمر به الدين، فقد يضيع المسلم صلاته وهو جالس أمام التلفزيون، ناهيك عن الذي نسي نفسه حتى ضاعت منه كل الصلوات، ثم يقول لنفسه: أين سأصلي؟ وأين سأتوضأ؟ والناس هنا أمم والآف، وكل يلعب على ما يحلو له، فهذا يلعب على الموسيقى، وهذا على الرقص، وهذا على التمارين الرياضية، والكل يلعب إلا من رحم الله ﷿، وطائفة قليلة جدًا في الأمة تأخذ الأمر بجدية، وليس في يدها ما تفعل، ولا تقدر أن تتصرف؛ لأن بقية الأمة -وليس الكفار- يضيعون جهد هذه الطائفة ويبعثرونه، ثم تأتي وتسأل: الكرة حلال أم حرام؟","vol":"29","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-579>حكم تشغيل إذاعة القرآن قبل صلاة الجمعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم تشغيل إذاعة القرآن الكريم قبل أي صلاة خاصة صلاة الجمعة، هل هذا وارد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا ابتداع في الدين.","vol":"29","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>حكم ذهاب الأولاد إلى القرية الفرعونية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز السماح لأولادنا بالذهاب في رحلة مع المدرسة إلى القرية الفرعونية الموجودة في السيد زكي؟ خاصة وأن ابنتي كلمتني اليوم، أنها ذهبت مرة إلى هناك فرأت نساءً عرايا ليس عليهن إلا طقوس الفراعنة، فوقفت على الباب من الخارج حتى انتهت الرحلة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا والله، لا يجوز، وإذا كان هذا الطفل علم حرمة هذا الأمر وهو طفل لم يبلغ ولم يكلف، فما بالك أنت؟","vol":"29","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>حكم إعطاء الهدية بنية إرجاع هدية أخرى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل هدية العرس تدخل تحت حديث: (مثل الذي يرجع في هديته كمثل الكلب يرجع في قيئه).\nمع ملاحظة أن النية هي أن المعطي يريد أن ترجع إليه مرة أخرى في مناسبة له، وهل يجوز إعطاؤها نقدًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجوز إعطاء الهدية على أي وجه من الوجوه ما لم تكن أصل الهدية حرامًا.\nيعني: لا يصلح أن تهديه زجاجة خمر مثلًا، فهذا حرام، وإن كانت عند قوم أعظم هدية، لكنها في الشرع غير مقومة، وغير ممولة.\nأي: لا قيمة مالية لها؛ ولذلك يقول أهل العلم بالإجماع: إن من كسر زجاجة خمر لا يطالب بدفع قيمتها، لماذا؟ لأنها لا قيمة لها في الإسلام، مال غير مقوم.\nوليس معنى كلامي أن تطلع على الخمارات والحانات تكسر وتخرب ثم تقول: الشيخ قال، أنا لم أقل هذا الكلام! أنا قلت: الخمر في الإسلام غير مقوم، لكن الهدية تجوز نقدًا وتجوز عينًا وتجوز منقولات وتجوز عقارات، وتجوز كل شيء، فهي هدية وهبة، ومن خوارم المروءة صراحة: أنك تنتظر أن ترد إليك الهدية مرة أخرى، ومن أجل هذا هناك أناس كثيرون جدًا جدًا من إخواننا الفلاحين يحجم عن السفر، وقد أحجم كثير من أصحابي عن السفر، فعند السفر تلاحظ أن كل البلد عن بكرة أبيها تأتي إلى بيت أخينا المسافر كل واحد متحمل ما لذ وطاب هدية للمسافر، ثم ينتظرون العودة، وعيونهم مفتحة ينتظرون ماذا سيأتي لهم، فهذا يعطيه ثوبًا يرجعه ويقول لك: هذا ضيق هذا واسع، أعطني شيئًا علي، فهو يعطي الهدية وينتظر هدية، والهدية بلا عوض، اسمها هبة، وعقد الهبة بلا عوض، فأنت تعطي ولا تنتظر، ومن خوارم المروءة أنك تنتظر العوض.","vol":"29","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>حكم سماع الحكايات التي تذاع في الراديو</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز سماع الحكايات التي تذاع في الراديو؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.","vol":"29","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>حكم سماع بعض التمثيليات التي تحكي قصصًا اجتماعية وتذاع في الراديو</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز سماع بعض التمثيليات التي تذاع في الراديو، والتي تحكي قصصًا اجتماعية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم يجوز، وذلك إذا كان على هذا النحو الذي تسأل عنه السائلة، والتي تفيد الإنسان في تكوينه الفكري والعقلي، أما سماع التمثيليات والقصص الخليعة التي تدعو إلى الرذيلة والفاحشة فلا يجوز ذلك.","vol":"29","page":19},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-584> رؤية المؤمنين لله ﷿</span>\nتعد مسألة رؤية المؤمنين لربهم ﷿ من أشرف مسائل الدين وأجلها، إذ إنها تتعلق بالاعتقاد وأصول الدين، بل هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وهي الزيادة التي أكرم الله بها عباده المؤمنين في الآخرة، وقد دلت على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة، خلافًا لبعض أهل الأهواء والبدع.","vol":"30","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>ذكر الخلاف في رؤية النبي ﵊ لربه ليلة المعراج</span>\nالحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nثم أما بعد: فقد تكلمنا في الدرس الماضي عن مدى إمكانية رؤية الله ﷿ بالعين، وقلنا: إن ذلك محال في حق البشر، وذكرنا الخلاف الذي حدث في حق النبي ﵊ في رحلة المعراج: هل رآه بعيني رأسه أم رآه بفؤاده؟ وذكرنا أن هناك خلافًا شكليًا ظاهريًا، فـ ابن عباس خالف جمهور الصحابة فأثبت الرؤية لله ﷿، إلا أنه لم يثبت عنه أنه قال: رآه بعيني رأسه، وإنما وردت عنه أقوال مطلقة، ومن ذلك: أنه سئل: [(هل رأى النبي ﷺ ربه؟ فقال: نعم)].\nوالتقييد الذي ورد في كلامه بأنه رآه بفؤاده لا بد وأن يحمل عليه كلامه المطلق، وبهذا ينضم قول ابن عباس إلى قول جمهور الصحابة، فلا يكون هناك في الحقيقة خلاف بينهم، فالنبي ﷺ ما رأى ربه بعيني رأسه، وإنما رآه بفؤاده، ولا أدل على ذلك من قول عائشة ﵂ لـ مسروق: (من حدثكم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)، وفي رواية أنها قالت: (لقد قف شعري مما أسمع، إني أسمع أقوامًا يقولون: إن محمدًا رأى ربه، فمن قال ذلك فقد أعظم الكذب على الله).\nثم مما يؤيد كلامها: كلام عبد الله بن مسعود، فإنه قال نفس الكلام، وفوق هذا الكلام كله: حديث النبي ﵊ لـ أبي ذر لما سأله: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه)، وفي رواية قال: (رأيت نورًا).\nكما أثبتنا في الدرس الماضي أن النبي ﵊ رأى ربه منامًا لا يقظة؛ لما رواه أحمد أن النبي ﷺ قال: (رأيت ربي في منامي في أحسن صورة، حتى وضع كفه بين كتفي فشعرت ببردها بين ثديي)، ورؤيا الأنبياء حق ووحي.\nوبهذا يتبين خلاصة الأمر وخلاصة الكلام في هذا: أن رؤية الله ﵎ بعيني الرأس في الدنيا؛ سواء للمؤمنين أو للأنبياء لا تجوز، وعلى ذلك إجماع علماء الإسلام.\nوأما رؤية النبي ﷺ لربه فإنه قد رآه في منامه ولم يكن ذلك بعيني رأسه، وإنما رآه بفؤاده، وهذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية بالعين.","vol":"30","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة</span>\nوأما رؤية المؤمنين لله ﷿ في الآخرة، فهل هي ممكنة وجائزة وثابتة أم منتفية؟ أردنا في هذا الدرس أن نكمل موضوع الرؤية، فكان لزامًا علينا حتى يتم الكلام في باب رؤية المولى ﷿ أن نتكلم عن هذه الجزئية، وهذه القضية خالفت فيها بعض الفرق أهل السنة والجماعة، كالجهمية والمعتزلة وغيرهم.","vol":"30","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-587>كلام الإمام الطحاوي وغيره في إثبات رؤية المؤمنين لربهم ﷿</span>\nيقول الإمام الطحاوي عليه رحمة الله: والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].\nوتفسيره -أي: تفسير الرؤية- على ما أراد الله تعالى وعلم، وما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، ولا ندخل بذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم أحد في دينه إلا من سلم لله ﷿، ولرسوله ﷺ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه.\nوالمخالف في إثبات الرؤية -أي: رؤية الناس لله ﷿- من الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية على جهة الخصوص، قولهم باطل مردود في الكتاب والسنة؛ لأن مسألة الرؤية ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع.\nوقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، كـ أحمد والشافعي وأبي حنيفة ومالك وسفيان الثوري وابن عيينة وحماد وغيرهم من أئمة الدين، وأهل الحديث عامة، وسائر طوائف أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، فكلهم أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة في الجنة.\nوهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي تتعلق بالاعتقاد وأصول الدين لا بفروعه، بل هي الغاية التي شمر إليها المشمرون؛ ولذلك قيل للشافعي: ماذا تقول في قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]؟ قال: تغشاهم نضرة بسبب نظرهم إلى الله ﷿، فإنهم يلتمسون من نوره، وكل مسلم إنما تظهر على وجهه علامات الرضا وعلامات السخط نظرًا لما يطلب.\nولذلك قال النبي ﵊: (نضر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها، فأداها كما سمعها).\nقال أحمد بن حنبل: (نضر الله امرأً) أي: جعل في وجهه النضرة، وهي البشر والسرور والفرح، فترى وجهه نير وإن كان أسود أو أسمر؛ لأنه استمد هذه النضرة من حديث النبي ﷺ.\nوقال أحمد: ما رأيت عالمًا من علماء الحديث إلا وقد عرفته، قيل له: كيف؟ قال: بالنضرة التي في وجهه، أي: بالبشر والفرح والسرور، والنور الذي يشع من وجهه بسبب طلبه لحديث النبي ﵊، وهذا تأويل لقوله: (نضر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها).\nوهذا يدل على أن من سمع ما قاله النبي ﵊، أو تذاكره، أو درسه، أو اهتم، أو بثه في الخلق علمًا وعملًا فإنه يحظى بهذا الوعد العظيم الذي وعد به النبي ﵊، وهي تحقيق النضرة في وجهه.\nوقال محمد بن إدريس الشافعي في قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]: تغشاهم نضرة في وجوههم بسبب نضرهم لله ﵎، قيل له: أأنت تقول بذلك؟ أي: أهذا معتقدك؟ قال: والله لو لم يكن ذلك لما عبد محمد بن إدريس ربه.\nأي: لولا أني أعتقد أني ألقى الله ﷿ يوم القيامة، وأنظر إليه فما فائدة عبادتي الآن؟ أي: إذا لم أكن على يقين من أنني سأتزود بنور الله ﷿ يوم القيامة، وأتنعم وأتلذذ بالنظر إلى وجه الله تعالى، فإذا كنت أشك في ذلك فلم أعبد ربي إذًا؟! وهذا يدل على أن المرء يعبد ربه طمعًا في جنته، وطمعًا في التلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم ﷾.\nقال: وهذه مسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون.","vol":"30","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>أعظم الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم في الجنة</span>\nوقد ذكر الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى أن من الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم في الجنة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وهي من أظهر الأدلة وأعظمها في إثبات النظر إلى الله تعالى.\nوأما من أبى إلا أن يحرفها بما يسميه تأويلًا فقوله غير صحيح، فنصوص المعاد والجنة والنار والحساب سهل تأويلها على أرباب التأويل، يعني: من أراد أن يؤول فالتأويل وارد وليس عنه ببعيد، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص وأن يحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأولو هذه النصوص.\nيريد أن يقول: إن الذي يريد أن ينحرف لا بد وأن يجد أمامه سبل الانحراف، بخلاف من عقد العزم من أول أمره على أن يكون متبعًا لا مبتدعًا، وعلى أن يكون له سلف في كل قول وفعل، لا من أراد أن ينخر في دين الله ﷿ بهواه، وبتأويل لم يثبت عن واحد من السلف.\nوهذا هو الذي أفسد الدين والدنيا، وهو ما فعلته اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وقد حذرنا الله تعالى من أن نفعل فعلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية؟! فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد؟ وجرى بسببه ما جرى في يوم الجمل وفي يوم صفين، وقتل بسببه الحسين ﵁، وجرى ما جرى يوم الحرة، وخروج الخوارج على علي بن أبي طالب، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كل ذلك بسبب التأويل الفاسد.","vol":"30","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>استعمالات النظر في اللغة</span>\nوإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديت الفعل بأداة (إلى) صريح في نظر العين المجردة، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أن الله تعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ.\nوالنظر له عدة استعمالات في اللغة، ففي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، تعدى الفعل (ينظروا) بحرف (في)، وذلك يدل على أن النظر هنا ليس بالعين المجردة، وإنما هو بالتفكر والاعتبار، وإذا تعدى بنفسه كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ﴾ [الحديد:١٣]، دل على التوقف والانتظار، وإن تعدى الفعل (نظر) بـ (إلى) دل على النظر بالعين المجردة، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩]، فهنا تعدى الفعل (نظر) بحرف الجر (إلى)، فدل على أن العين هي التي قصدت، فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر!!","vol":"30","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>استدلال السلف الصالح بقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة) على إثبات الرؤية</span>\nروى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] قال: من البهاء والحسن -فهي يومئذ بهية وحسنة وجميلة- ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: في وجه الله ﷿).\nإذًا: فالنظر لا بد وأن يكون إلى وجه الله ﷿، ولا يمكن أن يكون عن طريق التفكر أو التدبر أو التوقف والاعتبار، وإنما هو عن طريق العين المجردة.\nوعن الحسن قال: نظرت إلى ربها فنضرت بنوره ﷿، أي: نظرت العين إلى ربها فأصابتها وغشيتها النضرة بسبب اقتباسها من نور الله ﷿.\nوعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى وجه ربها ﷿.\nوقال عكرمة في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]: ناضرة من النعيم، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى ربها نظرًا.\nثم حكى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مثله، وهذا قول كل من فسر من أهل السنة والحديث هذه الآية؛ وكأن إجماع أهل السنة والجماعة قد انعقد في تفسير هذه الآية على أن المرء ينظر إلى ربه يوم القيامة بالعين المجردة.","vol":"30","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-591>استدلال السلف بقوله تعالى: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) على إثبات الرؤية</span>\nوقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] قال الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك ﵄: هو النظر إلى وجه الله ﷿.\nقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ [ق:٣٥]، أي: من جميع أنواع النعيم، ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] أي: ولدينا نعمة زائدة على نعيم الجنة، وهو النظر إلى وجه الله ﵎.","vol":"30","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>استدلال السلف الصالح بقوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) على إثبات الرؤية</span>\nوقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، أي: للذين أحسنوا في هذه الدنيا بعمل الطاعات، والائتمار بالأوامر، والانتهاء عن النواهي، لهم الجنة وزيادة، والزيادة هي: النظر إلى وجه الله ﵎.\nوقد فسرها بذلك النبي ﵊ والصحابة من بعده، فقد جاء في صحيح مسلم عن صهيب ﵁ قال: (قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة -وهذا نعيم- وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟! فيكشف الحجاب؟)، أي: فيكشف الله ﵎ الحجاب بينه وبين عباده فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي تلك الزيادة في الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، والزيادة هي النظر إلى وجه الله ﵎، وكذلك فسرها الصحابة ﵃ كما روى ابن جرير ذلك عن جماعة منهم: أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى الأشعري وابن عباس ﵃ أجمعين.\nوقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فهذه الآية في حق الكفار، فنفرق بين رؤية المؤمنين ورؤية الكفار، فالكفار محجوبون، ومفهوم المخالفة يدل على أن المؤمنين غير محجوبين عن رؤية الله ﷿، فيكشف لهم الحجاب فيرونه ﷿، فضلًا عن ورود الآية الصريحة في إثبات الرؤية وهي قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فهذه الآية في حق أهل الإيمان، وآية الحجب: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] في حق الكفار.\nوقد احتج الشافعي ﵀ وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة، إذ أنها صريحة في ذلك، ومنطوقها يدل على حجب أهل الكفر عن الرؤية، ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي.\nوقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان -وهو تلميذ الإمام الشافعي - قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي ﵀ وقد جاءته رقعة قماش من الصعيد فيها\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما تقول في قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]؟ فقال الشافعي: لما أن حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا.\nفاحتج بهذه الآية التي منطوقها صريح في حجب الكفار عن الرؤية، واحتج بمفهوم المخالفة على إثبات الرؤية لأهل الإيمان.","vol":"30","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>شبه المعتزلة في إنكار الرؤية والرد عليها</span>\nوأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى لموسى ﵇ عندما طلب من ربه أن يره: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فقد احتجوا بالآية على نفي الرؤية، وأقول: لو كانت مسألة الرؤية ممكنة وجائزة لما منع الله ﷿ طلب نبيه موسى ﵇، وهذه قد تكون شبهة لا حجة.\nوالجواب عليها من وجوه: الأول: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم موسى ﵇وهو أعلم الناس بربه في وقته- أن يسأل الله ﷿ ما لا يجوز عليه سبحانه.\nالثاني: أن توقن بأن الأنبياء هم أعلم الخلق بالله ﷿، وبما يجوز وما لا يجوز، وما ينبغي وما لا ينبغي، وما يستحيل وما هو ممكن في حق الله ﷿، وأن النبي ﵊ أعلم الخلق بالله وأتقاهم له، وكذلك كل نبي هو أعلم الخلق في زمانه بالله ﷿، ولو كان موسى يعلم أن رؤية الله ﵎ مستحيلة لما سأل ذلك؛ لأنه يعلم ما يجوز وما لا يجوز على الله ﷿.\nولما سأل ربه أن يراه وأن ينظر إليه منعه الله ﷿ فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ولم ينكر الله عليه سؤاله كما أنكر على نوح ﵇ عندما طلب من ربه الشفاعة لابنه، فقال الله ﷿: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]، فهنا ربنا ﵎ أنكر على نوح، ولو أنك نظرت إلى سؤال موسى وجواب الله ﷿ عليه فستلمس منه المنع لا الإنكار، مع أنه قال لنوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] فرد عليه، ثم أنكر عليه بقوله: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] أي: حذاري أن تسألني ما أنت به جاهل، وما لا ينبغي ولا يجوز، فأنا أحذرك من ذلك؛ ولذلك تاب نوح ﵇ واعتذر إلى ربه.\nالثالث: أن الله تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولم يقل: إني لا أُرى، أي: أنت الآن على سطح هذه المعمورة لن تراني، ولم ينف الله ﷿ مبدأ الرؤية أبدًا وأزلًا، وإنما قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، و(لن) تفيد النفي في المستقبل لا تأكيد النفي؛ ولذلك لو قلت لولدك: لن أعطيك مالًا؛ لا يدل على أنك ستمنعه المال ما حييت، لكنه إن طلب مرة أو مرتين أو ثلاثًا فإنك ستمنعه، لكن سيئول الأمر في النهاية إلى أنك ستعطيه، وكذلك قولك للآخر: لن أرضى عنك، لا يدل على أنك ساخط عليه مدى الحياة، وإنما هذا نفي للمستقبل أو لشيء من المستقبل، لا نفيًا مؤبدًا.\nولذا قال ربنا ﷿: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ولم يقل: إني لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي.\nوالفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعامًا، فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: إنه لا يؤكل، إذًا فهو نفي للأكل مطلقًا؛ لأن الحجر لا يؤكل، وأما إذا كان الذي في كمه طعام فإنه يقول: إنك لن تأكله، وكذلك تدل الآية على أنه ﷾ مرئي، لكنه لا يرى الآن، وموسى ﵇ لا تحتمل قواه في هذه الدار رؤية ربه ﷿.\nويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت أمام تجلي الله ﷿ في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟! فالله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرًا، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالًا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عنده سواء.\nالرابع: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]، فإذا جاز أن يتجلى الله ﷿ للجبل -وهو جماد لا ثواب له ولا عقاب- فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟! لكن الله تعالى أعلم موسى ﵇ أن الجبل إذا لم يثبت برؤيته في هذه الدار فالبشر من باب أولى.\nالخامس: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم، وأن يسمع مخاطبة كلامه بغير واسطة؛ فرؤيته أولى من باب الجواز.\nولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، فمن أنكر الرؤية لا بد أن ينكر الكلام، ومن أثبت الكلام لا بد وأن يثبت الرؤية، وقد جمع أهل العلم بين الرؤية والكلام.\nوأما دعواهم: تأكيد النفي بـ (لن)، وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة، فتأويل فاسد جدًا؛ لأنها لو قيدت في التأكيد لا تدل على جواز النفي في الآخرة، فكيف إذا أسقطت، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥]، مع قوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فهم تمنوا أن يقضي الله ﷿ عليهم، مع أن الله تعالى قد قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾","vol":"30","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>استدلال المعتزلة بقوله: (لا تدركه الأبصار)</span>\nوأما الآية الثانية التي يتمسك بها نفاة الرؤية لله ﷿ فهي قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فقد يقول لك قائل: أنت تعتقد أن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة؟ فتقول له: نعم، وفي الجنة.\nفيرد عليك قائلًا: والآية التي تقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فهل ستقول: أنا رجعت عن كلامي ورأيي! لأدنى شبهة تلقى عليك، ولذلك فدروس العقيدة هي من أهم ما يمكن أن يحرص عليه المرء، وهذه شبهة يقول بها المعتزلة والجهمية والخوارج، وهي في الحقيقة حجة لأهل السنة في إثبات الرؤية مع أن ظاهرها يدل على نفي الرؤية، لكن أهل السنة استنبطوا منها أنها تثبت الرؤية، وهو أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية لا العدمية أو السلبية، فالله ﵎ يمدح نفسه دائمًا بصفة المدح، ولا يمكن أن يكون هناك مدح إلا من جهة الثبوت لا من جهة السلب، وقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فالسنة والنوم صفات نقص لا يمكن أن يمدح الله ﵎ نفسه بها، لكن فهمنا منها المدح بإثبات النقيض والضد، فمدح الله ﷿ نفسه بإثبات كمال الحياة والقيومية.\nإذًا فهو لم يتمدح بصفات النقص، وإنما مدح نفسه بما ينقض ويناقض ويناهز هذه الصفات، وهي إثبات الحياة والقيومية لله ﷿، وهما صفتان معارضتان للسنة والنوم، ولذا نقول: إن الصفات العدمية أو السلبية لا مدح فيها، وإنما المدح في الصفات الوجودية الإيجابية، فيمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمر وجوديًا، فأنت إذا نفيت عنه السنة والنوم فلا بد أن تثبت له الصفة المناقضة، وهي الحياة والقيومية.\nإذًا فربنا ﵎ يمدح نفسه بشيء موجود، كمدحه نفسه بنفي السنة والنوم المتضمن لكمال القومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء -التعب والمشقة- لإثبات كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن لكمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده إلا بإذنه المتضمن لكمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن لكمال العدل والعلم والغنى، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه -أي: غيابه- المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته.\nوربنا ﷾ لم ينف عن نفسه شيئًا ليس له أمر ثبوتي وجودي في المقابل، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه.\nفالمعنى إذًا: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فأهل السنة يقولون: إن قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) ليس نفيًا للرؤية، وإنما هو نفي للإدراك والإحاطة، فأنت نفسك ممكن ترى مخلوقًا فضلًا عن الله ﷿، لكنك لا تحيط به ولا تدركه، ولذلك لما قال قوم موسى لما فروا من فرعون وتبعهم فرعون وجنوده: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، قال موسى: ﴿قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦٢]، فنفي موسى الإدراك، مع أن موسى وقومه كانوا يرون فرعون وجنوده، وموسى ﵇ لما قالوا له: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] لم يقل: لم يرونا أو لن يرونا، وإنما قال: (كلا)، فالجواب هذا متعلق بكلام قوم موسى في الإدراك، أي: لن يدركنا فرعون، وقول موسى ونفيه الإدراك لا ينفي أن فرعون وقومه كانوا ينظرون ويرون موسى ومن معه، إذًا فنفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية، وهذا في حق المخلوق.\nولو أنك رأيت جبريل على صورته التي خلقه الله ﷿ عليها له (٦٠٠) جناح، كل جناح يسد الأفق، فكيف ستحيط بجبريل وهو مخلوق؟! إنك لن تستطيع أن تحيط به، مع أنه مخلوق من مخلوقات الله.\nوأيضًا: لو أنك وقفت أمامي وجهًا لوجه، ونظرت إليك ونظرت إلي، فهل سيحيط كل منا بصاحبه؟ لا؛ لأني إذا رأيت وجهك خفي علي ظهرك، وإذا رأيت ظهرك خفي علي وجهك، إذًا أنا أراك ولكني لا أدركك، فإذا كان هذا في المخلوق الإنسان الضعيف فكيف بالله ﷿؟! إذًا فقوله (لا تدركه الأبصار) ليس نفيًا للرؤية بقدر ما هو نفي للإدراك والإحاطة؛ ولذلك يقول الله ﷿ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] أي: لا يمكن أبدًا أن تقع منك الإحاطة بالله ﷿؛ لأنه منزه عن ذلك؛ لإثبات كمال وحدانيته.\nفقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، فإذا كنت لا تدرك أنت الشيء الصغير المخلوق فالله ﵎ من باب أولى، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، إذ الإدراك أعم من الرؤية، والرؤية أخف، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، فلم ينف موسى عليه","vol":"30","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>ما روي عن النبي والصحابة والتابعين في رؤية المؤمنين لربهم</span>","vol":"30","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-596>رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي ﵊</span>\nوأما الأحاديث عن النبي ﵊ فقد بلغت حد التواتر، ورواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، منها [حديث أبي هريرة ﵁: (أن ناسًا قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)]، وتأمل الدليل عندما يكون صحيحًا وصريحًا فإنه يطمئن، ويبطل النزاع، ومع ذلك فهذه الأدلة لم تنفع المعتزلة والجهمية، فإنهم لما كانوا أصحاب هوى وانحراف أضلهم الله ﷿؛ لأنهم استحبوا العمى على الهدى، فأعماهم الله ﷿ في الدنيا والآخرة.\n[قال: (إن ناسًا قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)]، وهذا سؤال واضح؛ لأنهم يعرفون أنهم لن يروه في الدنيا، والصحابة كانوا مجمعين على أن رؤية الله مستحيلة في الدنيا.\nوعند ذلك سألوا عن شيء آخر وجديد، (هل نرى ربنا يوم القيامة؟)، والمقصود بيوم القيامة: يوم المحشر، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] المراد بقوله سبحانه: (يومئذ) أي: يوم المحشر، فإن أهل الإيمان هم الذين ينظرون إلى الله ﷿، لكن هل ينظر إليه الكفار والمنافقون في المحشر؟ هذه الجزئية والفرعية سنتكلم عنها بإذن الله.\nفقوله: (قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)، وكان بإمكانه أن يقول: نعم، لكنه أراد أن يضرب لنا مثلًا ليكون أبلغ في إيصال هذا العلم، [فقال: (هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟)]، أي: عندما يكتمل القمر لا يكون بينكم وبينه ضير ولا ضيم، ولا يحجبكم عن رؤيته شيء.\nقال: [(قالوا: لا يا رسول الله! قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟)]، أي: عندما تطلع الشمس وتكون صحوًا، هل تعلمون علمًا يقينًا حين النظر إليها أن هذه الشمس هي التي خلقها الله أم لا؟ [قال: (فإنكم ترونه كذلك)] أي: لا يمنعكم ضيم ولا شك ولا ريب من رؤية الله ﷿ كما ترون الشمس والقمر.\nوهنا شبهة عظيمة جدًا وقعت فيها المعتزلة والجهمية، فقالوا: إن هذا النص يفيد التشبيه، أي: تشبيه المولى ﵎ بخلقه، إذ أنكم لو أثبتم هذا للزمكم أن تقولوا بالتشبيه بين الله ﵎ وبين خلقه من الشمس والقمر.\nوالجواب عن هذه الشبهة: أنه قد ورد في نفس الحديث أنه ﵊ قال: (فإنكم ترونه كذلك)، فالضمير يعود إلى الله ﷿، أي: كما ترون الشمس والقمر، إذًا ليس هنا تشبيه.\nوالمقصود من الحديث تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، فالنبي ﵊ شبه رؤيتك في الوضوح لله ﷿ برؤيتك للشمس والقمر في الوضوح، بحيث لا يمنعك شيء؛ لأن الذي يمنعك عن الله ﷿ هو الحجاب، فإذا كشف الله ﵎ الحجاب هل يمنعك من رؤية الله ﷿ شيء؟ لا.\nفالشمس إذا كان بينك وبينها سحاب تحجب، وإذا رفع هذا الحجاب، ولم يكن هناك سحاب فإنك ترى الشمس صحوًا، وإذا نظرت إلى القمر ليلة البدر في تمامه ليس هناك غيم ولا ضوء عليك؛ فإنك ستراه على صورته الحقيقية.\nلذا فالنبي ﵊ قال: (فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس)، فشبه الرؤية بالرؤية من جهة الوضوح، ولم يشبه المرئي -وهو الله ﷿- بالمرئي -وهو الشمس والقمر-.\nوحديث أبي سعيد الخدري بنفس سياق حديث أبي هريرة.","vol":"30","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>رواية جرير بن عبد الله البجلي</span>\n[عن جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنا جلوسًا مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم عيانًا)]، أي: سترون ربكم بأعين رءوسكم، لكن لماذا موسى لم يره؟ لأن الله ﷿ سيركب فينا يوم القيامة بصرًا شديدًا حديدًا نتمكن به من رؤيته، وأما الآن في الدنيا فلا؛ لأن نظرنا لا يحتمل.\n[قال: (كما ترون هذا -وأشار إلى القمر- لا تضامون في رؤيته)].","vol":"30","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-598>رواية أبي موسى الأشعري</span>\nوحديث صهيب الذي ذكرناه، [وحديث أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين أن ينظروا إلى ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء)]، أي: أن الحجاب الذي بيننا وبين رؤية الله ﷿ هو رداء الكبرياء على وجهه ﷾ في جنة عدن، فإذا كشف هذا الرداء رأيت الله ﷾.","vol":"30","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>رواية عدي بن حاتم ﵁</span>\n[وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: (وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه)]، واللقاء ثابت، فإذا كنت تلقى الله ﷿ لقاءً -واللقاء يقتضي المعاينة- فمعنى ذلك أنك ستراه بعينك، [قال: (ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فليقولن: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب!) -ولو أنكر فإنه سيختم على فيه فتتكلم جوارحه- قال: (فيقول: بلى يا رب! فيقول: ألم أعطك مالًا، وأتفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب!)].\nوالشاهد في الحديث: أن اللقاء يوم القيامة سيكون وجهًا لوجه بين الخالق والمخلوق، وهذا يقتضي النظر إليه ﷾ بالعين، وقد روى أحاديث الرؤية نحو من ثلاثين صحابيًا، فهي قد بلغت حد التواتر، ومن أراد الوقوف عليها فليواظب على سماع الأحاديث النبوية، فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأت الخلق يوم القيامة لفصل القضاء، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك إليهم، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية والمعتزلة بمنزلة الصواعق، بل أكره شيء على كل الفرق الضالة أن تسمعهم آيات وأحاديث الصفات؛ لأنهم مؤولون ومخالفون لها.\nقال: [وكيف يعلم وصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله؟]، وهذا كلام جميل وقوي، ومعناه: من أين ستتعلم هذه الأصول من قول فلان وعلان؟! كما يقول ابن القيم: العلم قال الله وقال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول سفيه يعني: إذا ثبت الكلام في كتاب الله أو في سنة النبي ﷺ فليس لفقيه قول، وإذا تكلم الناس بخلاف ما في الكتاب والسنة فأقوالهم مردودة ومطروحة؛ ولذلك يقول هنا: وكيف نتعلم أصول ديننا الإسلامي من غير كتاب الله وسنة رسوله؟ وكيف يفسر كتاب الله بغير ما فسر به رسوله وأصحاب رسوله الذي نزل القرآن بلغتهم؟ والورع كل الورع ألا يتكلم امرؤ في دين الله ﷿ إلا بعلم، ولذلك يقول أبو بكر الصديق ﵁ عندما سئل عن معنى (الأب) في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١]: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن قلت في دين الله تعالى ما ليس لي به علم.\nأي: اسألوا واحدًا آخر غيري عن معنى الأب، فأنا لا أعرف معناها.\nفتأمل كلام الصديق ﵁، والظن به أن يعلم ذلك، لكن لما كان المراد مرعى الإبل والماشية ربما يكون أهل البدو أعرف بهذا التأويل من أبي بكر الحضري، فقال: اسألوا عنه غيري، فأنا لا أستطيع أن أتكلم في دين الله ﷿ برأيي؛ لأني أخشى ألا تظلني السماء، ولا تقلني الأرض إن قلت في دين الله ما ليس لي به علم.\nقال: [وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر، تشبيهًا لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي].\nويقول: وفي هذا الحديث دليل آخر على علو الله على خلقه؛ لأنه قال لهم: (هل ترون القمر؟ هل ترون الشمس؟)، إذًا فأنتم سترون ربكم في جهة العلو؛ لأنه ضرب لك مثلًا بشيئين موجودين في السماء، فإذا كنت ترى الشمس أو القمر في العلو فلا بد وأن ترفع وجهك إلى السماء حتى ترى الله ﷿.\nقال: [فيه دليل على علو الله على خلقه، وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟]، وأما الأشعرية فقالوا بأن الرؤية ستتم، لكن بشرطين: الأول: رؤية بلا مقابلة! وهذا كلام غير منطقي ولا يعقل.\nالثاني: رؤية الفؤاد وليست رؤية العين.\nومنهم من قال: يرى لا في جهة، ولفظ (جهة) من الألفاظ المحدثة التي لم تكن معلومة في حياة السلف، ومنهج السلف أن الله سيُرى، لكن قولهم: ليس في جهة، مصطلح محدث، وأي مصطلح محدث وجديد لا يقول به السلف، وإنما يتوقفون عنده، ومن قال به ناقشوه: ماذا تريد بهذا اللفظ؟ لأن الكلام في الاعتقاد من أخطر ما يمكن، فكلمة فيه تأخذك إلى جهنم، وكلمة تدخلك الجنة.\nفمن قال: إن الله يرى لا في جهة، سنقول له: هل لفظ (الجهة) قاله النبي ﵊؟ فسيقول: لا، فنقول: قاله أبو بكر؟ فسيقول: لا، فنقول: قاله عمر، أو عثمان، أو الصحابة والتابعون؟ فسيقول: لا، فنقول: إذن لماذا قلته؟ فسيقول: إنما قصدت به معنى عندي، فنقول له: ما هو هذا المعنى؟ قال: أنا أردت أن الله تعالى ليس محدود بحد؛ لأن وجوده في ناحية أو في جهة يدل على أنه محدود، أو على أنه جسم من الأجسام، فنقول له: أليس عندك في ذلك شيء قط من اعتقاد السلف؟ فإن قال: ما أردت بكلمة (الجهة) إلا العلو والفوقية لله ﷿، فنقول له: نعم، لكن الأولى أن تلتزم في هذا الباب وفي هذه المسألة بما ورد من مصطلحات في الشرع.\nفعندما تقول: إن الله تعالى في السماء، فسنقول لك: ليس هناك أي خلاف معك، وكونه في السماء لا يدل على أنه محدود بجهة، فقولك: إن الله في السماء خير من قولك: في جهة","vol":"30","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>أقوال أهل العلم في رؤية الكفار والمنافقين لله ﷿ في المحشر</span>\nوالرؤية حق لأهل الجنة، وهي تخصيص لأهل الجنة، فإن تخصيص أهل الجنة بالذكر يفهم منه نفي الرؤية عن غيرهم، ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة؛ لأن رؤية الله ﵎ تتم مرتين: مرة في المحشر أمام جميع الخلائق، وليس فقط للمؤمنين، فيكشف الحجاب سبحانه ويراه أهل الموقف في المحشر، بل ويكلمهم ويحاسبهم ويزن أعمالهم، ثم إما إلى الجنة وإما إلى النار، فهل يثبت من هذا رؤية أهل الكفر والنفاق لله ﷿ في المحشر؟ إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة مسلمة، ورؤية المؤمنين لربهم ﷿ في الجنة ثابتة لا يزاحمهم فيها غيرهم؛ لأنه ليس هناك غير المؤمنين في الجنة، لكن القضية هنا محصورة في المحشر، فهل يرى الكافرون ربهم؟ وهل يخاطب الله ﵎ الكافرين والعصاة والمنافقين أم لا؟ قال: [(ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي ﷺ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ [الأحزاب:٤٤])]، أي: يوم يلقونه في المحشر.\nقال: (واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يراه في المحشر إلا المؤمنون.\nوالقول الثاني: يراه أهل الموقف -يعني: جميع من يقف في الحساب والعرض يراه- المؤمن والكافر والمنافق، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك)، يعني: يرون الله ﷿ في وقت الحساب والعرض، ثم يحتجب عنهم بعد ذلك كما احتجب عنهم قبل ذلك.\n(القول الثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار)، وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف.\nوالحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى رجح الرأي الأول، أي: أن المؤمنين فقط هم الذي يرون ربهم يوم القيامة في المحشر، كما يخصون برؤية المولى ﷿ في الجنة، واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعيني رأسه.\nوأما قوله: (بغير إحاطة ولا كيفية) أي: لا تدركه الأبصار، فلا تحيط به علمًا ولا كيفية؛ لأن الله تعالى لا يكيف من قبل خلقه، بل ولا يعلم كيفيته إلا هو ﷾، وكما خفيت علينا كيفية الذات فلا بد وأن تخفى علينا كيفية الصفات، ومن صفاته الفعلية: الرؤية، والكلام مع خلقه من غير ترجمان، والإذن لخلقه بالنظر إليه ورؤيته.\nفهذه من صفات أفعاله ﷾، وإن كانت الرؤية من فعل العبد، إلا أن الله ﵎ مكن منها عباده المؤمنين.\nوأما تفسير قول النبي ﵊: (ما منكم) أي: ما منكم يا معشر الأمة، قال: (من أحد إلا سيكلمه ربه)، ولما تكون هناك مسألة تحتاج إلى أدلة، وهذا الدليل يفهم منه عدة أوجه؛ فإن الترجيح فيها يكون بناءً على شيء ينقدح في نفس العالم، ويأتي عالم آخر فينقدح في ذهنه وعقله ترجيح مذهب آخر، وبناءً عليه يصعب جدًا أن تقطع فيه بقول فصل وتقول: وما عدا هذا القول باطل، لكن تقول: هذا أرجح من ذاك؛ لأنه عندما تقرأ الأقوال وتطلع عليها وأنت طالب علم فكيف ترجح القول هذا؟! ولو سألناك عن الدليل، فهل يكفي أنه شيء انقدح في نفس الجاهل؟ لا.\nوأختم بأبيات جميلة في إثبات الرؤية للإمام ابن القيم عليه رحمة الله تعالى: فبينا هم في عيشهم وسرورهم وأرزاقهم تجري عليهم وتقسمُ تجلى لهم رب السموات جهرة فيضحك فوق العرش ثم يكلم سلام عليكم يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمه إذ يسلم يقول: سلوني ما اشتهيتم فكل ما تريدون عندي أنني أنا أرحم فقالوا جميعًا نحن نسألك الرضا فأنت الذي تولي الجميل وترحم ولله أفراح المحبين عندما يخاطبهم من فوقهم ويسلم ولله أبصار ترى الله جهرة فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة أمن بعدها يسلو المحب المتيم فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولله واديها الذي هو موعد المزيد لوفد الحب لو كنت منهم وحي على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش واليوم موسم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"30","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>الأسئلة</span>","vol":"30","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>حكم التوفير في البنك الربوي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  دفتر التوفير في البنك يحدد آخر كل سنة مقدار الأرباح، وتختلف من سنة لأخرى، فهل يكون هذا ربا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يا أخي! لا تذهب إلى البنك؛ لأن المسألة فيها لبس، والذي فهمته وأنا بعيد عن البنك، ألا يستطيع أن يفهمه المتخصصون في البنك، لو أعطاك كل سنة (١٠%) فستبقى النسبة معروفة ومحددة سلفًا، لكن لو أعطاك هذه السنة نسبة والسنة الآتية نسبة تختلف عنها، والسنة التي بعدها تختلف على الاثنتين، فهم ضابطون لحساباتهم جيدًا، وحاسبون الربح جيدًا، لكن على أية حال نقول: إذا أردت أن تضع أموالك فضعها في بنك فيصل، أو في المصرف الإسلامي الدولي.","vol":"30","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>حكم تفضيل الأنبياء على بعضهم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول البعض: إنه لا يجوز تفضيل نبي على نبي؛ كأن نقول: إن سيدنا محمد أفضل من سيدنا إبراهيم قولًا باللسان، وإن كان ذلك من المعلوم في النصوص، فهل هذا صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  سؤال وجيه صراحة، والنبي ﵊ يقول: (لا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى) مع أنه هو القائل ﵊: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فالله أعطى نبيه السيادة والسؤدد والعلو والرفعة على ولد آدم ومنهم الأنبياء، ومعلوم قطعًا عند كل مسلم أن أفضل الخلق على الإطلاق منذ أن خلق الله الخلق إلى يوم القيامة هو محمد ﷺ، فكيف يجمع بين ذلك؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن معنى ذلك: أنه لا تفضيل بين نبي ونبي في الإيمان بنبوته، بل أنت ملزم بأن تؤمن بجميع الأنبياء كما آمنت بمحمد ﵊.\nأما اعتقادك أنه خير الخلق، وأفضل الأنبياء؛ فهذا اعتقاد واجب ولازم؛ لأن النبي ﵊ أشار إليه بقوله: (أنا سيد ولد آدم).\nوقوله هنا ﵊: (لا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى) أي: لا تفضلوني عليه من جهة اعتقادكم أنه نبي وأنا نبي.","vol":"30","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>حكم إعطاء الوالد لبعض أولاده شيئًا دون الآخرين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كتب رجل لاثنين من أولاده الذكور قطعة أرض اشتراها؛ بحجة أنهما بذلوا مجهودًا شاقًا في شراء الأرض، مع العلم بأنه ذو خمس بنات، فما حكم ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز ذلك، وقد أتى بشير إلى النبي ﵊ ليشهد على أن ينحل أحد أولاده نحلة، فقال النبي ﵊: (أنحلت كل ولدك مثلما نحلت هذا؟ -أي: هل أعطيت كل واحد من أولادك مثل ما أعطيت هذا؟ - قال: لا، قال: اذهب إلى غيري فأشهدهم على ذلك، فإني لا أشهد على زور)، وهذا من باب التغليظ والتوبيخ على سوء فعله، لا من باب أنه أجاز له ذلك الفعل، فيذهب يستشهد واحدًا آخر.\nودائمًا تبقى حقوق البنات مهضومة وكأنها سنة متفق عليها، وقد كنت في قضية في مدينة السلام منذ أيام، حيث قابلت رجلًا يملك أرضًا شاسعة جدًا، وهو مليونير، وأولاده من الذكور والإناث كلهم ملتزمون، وقد أراد أن يقسم الميراث قبل موته، وبالفعل قسمه على أولاده الذكور، وأعطى لكل بنت ما تقوم به الحياة من أموال.\nفولد من أولاده سألني عن حكم ذلك التقسيم؟ فقلت له: إنه غير جائز، ثم ذهبت أتكلم مع هذا الرجل فقال لي: يا شيخ! كلمة واحدة، ما فيه شيء اسمه بنت تأخذ أرض، فقلت له: ما فيه حاجة اسمها تقسيم الميراث في حياتك، اسمه ميراث؛ لأنه يوزع بعد موتك، والتوزيع هذا باطل، وأولاده كلهم جالسون، فقلت لهم: كل واحد تستهويه نفسه أن يأخذ عقد البيع والشراء الذي كتبه له أبوه هذا، ووالله العظيم إنه حطب جهنم وبئس المصير، فإذا أردتم أن تأخذوا هذه الأوراق فخذوها، فقالوا: كلهم: لا نريدها، فقال لهم أبوهم: سأحرمكم وأتزوج أخرى، وأكتب لها كل الأرض.\nلذا دائمًا في كل أسرة وبعد كل وفاة تطرح قضية الظلم في توزيع الميراث، وخاصة في الفلاحين، فحدث ولا حرج، فالبنت ليس لها عندهم أي شيء مطلقًا، فيقول لك: خسارة أن يرجع الميراث لزوج ابنتي! مع أن هذا شرع ربنا، ثم هل ربنا لما فرضه كان ينسى أن هذا سيئول إلى زوجها؟ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢] فالله ﵎ كما قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، فلما شرع الشرع هذا ختمه بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] أي: أي إنسان يتعدى ما حدده له الميراث فهو معتدي.\nوهذا العدوان لا ينفعه في قبره، ولو أراد أن يقسم الميراث قبل الموت فجائز، بل أحيانًا المصلحة تستدعي ذلك.\nفلو أن رجلًا عنده ولد طيب وموحد ومتسامح، ولا يريد المشاكل، وعنده ولد هو شيطان، فلو أنه ترك الأرض والبيت والسيارات للأولاد يقسموها بينهم بشرع الله، فإن هذا الولد لن يمكنهم من شرع ربنا، ولا حتى من شريعة نابليون، بل سيأخذ المال كله، والذي لا يريد يضرب رأسه في الرصيف، ففي هذه الحالة توزيع الميراث ربما يكون جائزًا مشروعًا؛ رفعًا للضرر، لكن لا بد أن يتم بشرع الله ﵎، ويبقى الرجل صاحب حق في البيع والشراء؛ لأن هذا ماله، ولا بأس أن يكتب أوراقًا تضمن له الحق؛ لأننا نسمع بالليل والنهار أن الرجل ربما يريد أن أولاده لا يختلفون من بعده، فيكتب لهم كل شيء له، فأول ما كتب استلم كل واحد منهم الورقة في يده وطردوه من البيت، وصار شريدًا يتكفف الناس حتى يأكل ويشرب، وهذا حاصل، فهذا الشعب المجرم انتشر الظلم فيه من كل وجه، حتى مع الآباء والأمهات.","vol":"30","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>حكم المذي عند المرأة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم المذي عند المرأة إذا كانت كثيرة المذي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا خرج من الفرج وأصاب الثياب ببلل؛ وجب عليها أن تغسل الموضع، وأن تتوضأ.","vol":"30","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>الرؤية يوم المحشر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء في حديث النبي ﵊ بعد قراءته الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال: (لما دخل أهل الجنة الجنة والنار النار) إلى آخر الحديث، قال: ففي الحديث أن أهل الجنة يقولون: (ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة).\nإذًا فالرؤية زيادة لم تحدث من قبل، وهذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله؛ ولذلك جاءت بعد دخولهم الجنة، وكانت أفضل النعيم، فكيف الرؤية يوم المحشر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لقوله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وفي قوله ﵊: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، و(ما منكم من أحد إلا يلقى ربه فيحاسبه) وهذا في المحشر؛ لأن الجنة ليس فيها حساب، واللقاء لا يكون إلا برؤية.","vol":"30","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>كيفية دفن النبي ﵊</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل دفن النبي ﵊ في شق أو في لحد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  دفن في لحد، وهو القائل: (اللحد لنا، والشق لغيرنا)، فكيف يخالف الأمة في قبره ﵊؟!","vol":"30","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>موقف الإمام عند الصلاة على الجنازة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أين يقف الإمام عند الصلاة على الجنازة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقف من المرأة عند وسطها، ويقف من الرجل عند رأسه.","vol":"30","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>حكم من يسب الله أو دينه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم الدين في معاملة الوالد الذي يسب دين الله، بل يسب الله تعالى، كما أنه كثير الكذب، وأنا لا آكل معه، ولا ألقي ﵇، كما أن نفسي لا تستريح إلى معاملته ومخالطته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن الذي يسب الله ﷿ كافر كفرًا مخرجًا من الملة، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، ولا يوجد أحد يجهل أن سب الله كفر، إذ إن ذلك مما فطر عليه الخلق، فلا يحتاج إلى علم؛ لأن العلم به قرن بالقلوب منذ أن خلق الله تعالى الخلق، وإذا ثبت كفره على هذا النحو فإنه يأخذ حكم الكافر في كل شيء.","vol":"30","page":26},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-610> رؤية النبي لله عزوجل</span>\nرؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا بعينيه غير ثابتة، لكنه رآه بقلبه ورآه منامًا، هذا هو الراجح من كلام المحققين من العلماء، كما أن المؤمنين لن يروا ربهم في الدنيا حتى يموتوا، ورؤيتهم له في يوم القيامة وفي الجنة حق، ويحجب الكفار عن رؤيته في ذلك اليوم؛ عقوبة لهم من الله، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا لما يعتقده أهل الفرق الضالة والمنحرفة.","vol":"31","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>مباحث في رؤية النبي والمؤمنين لربهم في الدنيا والآخرة</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nسنتكلم الآن عن موضوع له علاقة بهذه الأيام وبهذا الشهر الجاري وهو شهر رجب، فالناس قد انطبع في أذهانهم أن الإسراء والمعراج كان في شهر رجب، مع أن هذه المسألة غير ثابتة وغير موثقة، وتحديد ليلة الإسراء بالنبي ﵊ والعروج به إلى السماء السابعة غير دقيق، وهو محل نزاع واختلاف بين أهل العلم، ولكن شاع وفشا وانتشر أن ذلك كان في رجب، حتى ظن العامة أن الإسراء والمعراج كانا في السابع والعشرين من شهر رجب، ثم انطبع في أذهانهم أن النبي ﵇ قد رأى ربه بعيني رأسه في هذه الليلة.\nوهذه المسألة محل نزاع كبير بين أهل العلم، وهذا الكلام قد نشأ في زمن الصحابة ﵃، ففي الوقت الذي يؤيد فيه ابن عباس الرؤية تنفي فيه عائشة وعبد الله بن مسعود وأبو ذر ﵃ أجمعين الرؤية كذلك.\nفهذه المسألة لا يضلل فيها المخالف ولا يبدع؛ لأن الخلاف قد وسع الصحابة ﵃ في هذه القضية، مع أننا لو دققنا النظر لما وجدنا أي خلاف بين مذهب ابن عباس ومذهب عائشة وابن مسعود ﵃ أجمعين، ولكن الخلاف وقع بعد ذلك بين أهل العلم، وعلى وجه التحديد وقع في القرن الثاني، وفي بداية القرن الثالث.\nوهنا عدة أسئلة وهي: الأول: هل رأى النبي ﵊ ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء أم لا؟ السؤال الثاني: هل رآه بفؤاده وبقلبه أم لا؟ السؤال الثالث: هل رؤية الله ﷿ للمؤمنين -أي: من غير الأنبياء- بأعين رءوسهم ممكنة في الحياة الدنيا أم لا؟ السؤال الرابع: هل رأى النبي ﵊ ربه في المنام أم لا؟ السؤال الخامس والخاتم لهذه الأسئلة في مسألة الرؤية: هل الكافرون والمنافقون يرون ربهم ﵎؟ فهذه أسئلة أساسية في قضية الرؤية، ينبغي الإجابة عن كل سؤال بالتفصيل.","vol":"31","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج</span>\nونبدأ بخلاف أهل العلم في مدى تمكن النبي ﵊ من رؤية ربه في ليلة الإسراء من عدمها، فهل رآه حقًا بعيني رأسه أم رآه بفؤاده؟ ذكر الإمام النووي في شرح حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: (سألت النبي ﵊: هل رأيت ربك؟ قال النبي ﵊: نور أنى أراه؟)، وأنى بمعنى: كيف، أي: نور كيف أراه؟ فقد حجب النور رؤيتي لله ﷿، فلو لم يكن هذا النور لرأيته.\nوهذا يدل على أنه لم ير الله ﷿، لكن سئل ابن عباس ﵁: (هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج؟ فقال: نعم).\nولا شك أن الإسناد إلى ابن عباس صحيح، ولكن وقع نزاع في إجابة ابن عباس المترتبة على السؤال، فقوله: (نعم)، ماذا يقصد به، هل قصد ابن عباس أنه رآه بعيني رأسه، أو أنه رآه بفؤاده وقلبه؟ فبعضهم مال إلى أن إجابة ابن عباس مفادها أنه رآه بعيني رأسه، وليس هناك تصريح في شيء من كتب السنة أن ابن عباس قال: رآه بعيني رأسه، ولكنهم حملوا إجابته على رؤية العين.\nوأما جمهور أهل العلم فحملوا إجابة ابن عباس على رؤية الفؤاد، خاصة وأن عائشة ﵂ حدثت بالسند الصحيح إليها فقالت: (ومن حدثكم أن محمدًا ﵊ قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)، وفي رواية: (فقد كذب).\nأي: من حدثكم أنه رآه بعيني رأسه فقد كذب، ولم توجه هذا الكذب لـ ابن عباس؛ لأنها حملت كلام ابن عباس على رؤية الفؤاد ورؤية القلب، ولم تحمله على رؤية العين.\nفتبين عند التدقيق أن كلام السلف جميعه محمول على رؤية النبي ﵊ لله تعالى بعين قلبه وفؤاده لا بعين رأسه.\nوهنا نحمل كلام من أثبت الرؤية على رؤية الفؤاد والقلب، ومن نفى الرؤية على نفي الرؤية بعيني رأسه، فنخرج من هذا أن الرؤية ثبتت للنبي ﵊ بعين قلبه لا بعيني رأسه.","vol":"31","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-613>إثبات النووي رؤية النبي ﷺ لربه بعيني رأسه والرد عليه</span>\nولكن الإمام النووي عليه رحمة الله مال إلى إثبات رؤية النبي ﵊ لربه بعيني رأسه، فقال عليه رحمة الله بعد أن ذكر خلاف أهل العلم في هذه القضية: فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء؛ لحديث ابن عباس، والإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﵊.\nأي: ليس معقولًا أن ابن عباس يجيب السائل: هل رأى النبي ﵊ ربه؟ فيقول: نعم؛ من غير أن يكون عند ابن عباس دليل، لكن ابن عباس لم يسق هذا الدليل.\nوهذا غير صحيح، ولو ساق الدليل لحملناه على أنها رؤية فؤاد وقلب.\nقال: وهذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه.\nأي: أن الصحابة إذا أخبروا في هذه القضية بخبر فلا بد أن يكون لهم فيها نص عن النبي ﵊.\nثم قال: ثم إن عائشة ﵂ لم تنف الرؤية بحديث عن النبي ﵊، ولو كان معها منه حديث لذكرته.\nيقصد أن عائشة لما قالت: (من حدثكم أن محمدًا قد رأى ربه فقط أعظم على الله الفرية).\nفهذا كلام من عندها هي، وهي لم تنف الرؤية بحديث عن النبي ﵊، بمعنى أنها لم تسأله فأجابها بالنفي.\nفنقول: إذا كانت عائشة ﵂ لم تنف بحديث مرفوع فقد نفى بحديث مرفوع أبو ذر ﵁، وذلك لما قال: سألت النبي ﵊: (هل رأيت ربك؟ قال: رأيت نورًا)، وفي رواية: (نور أنى أراه؟) أي: حجبني النور، أو أن الله تعالى نور، فمن أسمائه النور، وهذا النور مخلوق لله ﷿ بنور الله ﷿ الذي هو اسم من أسمائه، ولا يجوز أن نشبه النور الذي نعرفه بالنور الموصوف به الله ﵎ والمسمى به؛ لأن النور جسم من الأجسام، وهذا لا ينبغي ولا يجوز لله ﷿.\nوقال النووي في تأويل حديث أبي ذر: (نور أنى أراه؟): حجابه نور فكيف أراه؟ أي: والحالة هذه فكيف أرى الله ﷿ وقد حجبني عن الرؤية النور الذي اتخذه الله ﷿، أو النور الذي هو من أسماء الله تعالى وصفاته.\nفإذا كان الإمام النووي يؤكد هذا المعنى، ويميل إلى هذا التأويل فما باله يذهب مرة أخرى إلى أن النبي ﵊ رأى ربه؟! فهذا يؤكد صحة ما ذهبت إليه عائشة ﵂ من أن النبي ﵊ لم ير ربه في تلك الليلة.\nفإن قيل: إن هذا حدث وعائشة لم تزل صغيرة، فلعلها أخطأت، فنقول: لم لم ترجع عائشة عن هذا القول؟ نعم أن الإسراء والمعراج كان والنبي ﷺ في مكة، ولكن عائشة استمرت حياتها بعد ذلك لمدة أعوام، وماتت في سنة (٥٠) هجرية أو بعدها، فإذا كانت عائشة قد أخطأت قبل أن تبلغ الحلم فما الذي منعها أن تصحح هذا الخطأ بعد بلوغها، وفي تقدمها في السن؟ وخاصة أن هذه مسألة اعتقادية خطيرة لا بد وأن تراجع فيها عائشة مرة أخرى وثانية وثالثة، فلم لم ترجع عن هذا المذهب؟ ثم إن عائشة لم تنفرد هنا وحدها بالنفي، فهناك معها أبو ذر، ومعها عبد الله بن مسعود، وسكوت الصحابة ﵃ عن مثل هذا يدل على أنهم موافقون لـ عائشة، وتأويلهم لحديث ابن عباس أنها رؤية قلب يدل على أن المسألة عند الصحابة على جهة الخصوص لم يكن فيها خلاف؛ لتأويل كلام ابن عباس بما يتفق مع مذهب جمهور الصحابة ﵃.\nوابن تيمية عليه رحمة الله يتكلم بكلام جميل جدًا على قوله ﵊: (نور أنى أراه؟) فيقول: معناه: كان ثَم نور، يعني: كان هناك نور فحجبني عن الرؤية، وحال دون رؤيته، ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح: (هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نورًا) ولم يقل: نعم، وإنما قال: (رأيت نورًا)، وقد أعضل أمر هذا الحديث، وأشكل على كثير من الناس، حتى صحفه بعضهم فقال: نورًا إني أراه، وهذا لا يتفق مع اللغة العربية، وتصحف كذلك بما هو أقبح من ذلك على بعض المحدثين فقال: (نوراني أراه) بدل (نور أنى أراه؟) فجعلها كلمة واحدة فقال: نوراني أراه، وهذا شر من سابقه.\nوقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي -وهو من جبال السنة- في كتابه الرد على بشر المريسي إجماع الصحابة على أنه ﷺ لم ير ربه ليلة المعراج.\nإذًا: فهذا إجماع الصحابة -وهو محل احترام واعتبار- على أنه ﵊ لم ير ربه ليلة المعراج، وبعض من صنف في هذا الباب يستثني ابن عباس من ذلك، وشيخنا يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة؛ فإن","vol":"31","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>القول الراجح في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج</span>\nوأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين).\nوهذا تخصيص من ابن عباس أن الرؤية كانت بالفؤاد والقلب، فلم يصرح بل ولم يجسر أحد أن يروي عن ابن عباس تصريحه بأنه رأى ربه بعيني رأسه، في الوقت الذي نجد التصريح الصحيح عن ابن عباس أن هذه الرؤية كانت بالفؤاد مرتين.\nوعائشة أنكرت الرؤية، فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، فهل بعد هذا التوفيق يكون هناك تعارض بين قول ابن عباس وقول عائشة؟! فلابد أن نصدق عثمان بن سعيد الدارمي في أن الصحابة أجمعوا على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه.\nفالرؤية في معتقد ابن عباس كانت بالفؤاد وليست بعيني الرأس، وهذا المذهب لـ ابن عباس يوافق مذهب جماهير الصحابة في إثبات الرؤية بالفؤاد لا بالعين.\nوتارة يقول: رأى محمد ربه، وتارة يقول: رآه محمد ﵊، ولم يثبت عن ابن عباس ﵄ لفظ صريح بأنه رآه بعينه.\nوكذلك الإمام أحمد تابع لـ ابن عباس في ذلك، والإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله مذهبه أثري حديثي يلتزم بالنص الوارد، وأنت تجد أن أهل العلم يفتون على قواعد أصولية، ويفتون على استنباطات اجتهادية، وكذلك أحمد بن حنبل، ولكن أحمد قال: إذا بلغك الأثر فاعمل به ولو مرة؛ تكن من أهله.\nولذلك لو نظرنا إلى كلام أهل العلم في صلاة الضحى مثلًا لوجدنا لهم قولًا واحدًا، ولـ أحمد أقوال: ركعتان، وأربع ركعات، وست، وثمان، واثنتا عشرة ركعة، لماذا؟ لأن كل عدد من هذه الأعداد جاء به نص، فتارة يفتي بهذا الحديث، وتارة يفتي بغيره، وتارة يفتي بالثالث حتى يستوعب ما ورد في المسألة من أقوال وآثار عن السلف.\nفـ أحمد بن حنبل قال مرة: رأى محمد ربه، فحمل بعض الناس هذا الإطلاق في كلام أحمد كما حملوه في إطلاق ابن عباس، فقالوا: قصد أحمد أنه رآه بعيني رأسه، وليس الأمر كذلك، بل ورد كلامه مقيدًا.\nفالإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده كما قال ابن عباس، والذي قلناه في تأويل كلام ابن عباس نقوله في تأويل كلام أحمد بن حنبل، ولم يقل أحد من الحنابلة أو من غيرهم: إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهموا منه رؤية العين، وهذا الفهم لا عبرة به، وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، يعني: ليس هناك دليل يدل لا من قريب ولا من بعيد على أن الرؤية كانت بالعين، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، بل ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، أي: أن النصوص الصحيحة تنفي أن النبي ﵊ رأى ربه بعيني رأسه؛ لإثباتها أن هذه الرؤية بالفؤاد مرتين، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: (سألت النبي ﵊: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟).\nفالمسألة هذه مسألة اعتقادية عظيمة جدًا، فلو كانت الرؤية قد ثبتت للنبي ﵊ بعيني رأسه فما الذي يمنعه أن يصرح بها وأن يبينها بيانًا كافيًا؛ حتى لا تختلف الأمة، خاصة وأن النبي ﵊ قد بين ما هو دونها بمراحل كثيرة جدًا، وقد قلنا في باب الرؤية في الآخرة: إن الأحاديث قد تواترت في إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فأيهما أعظم وأجل قدرًا: رؤية النبي ﵊ ربه بعيني رأسه في الدنيا، أم رؤية المؤمنين ربهم بأعين رءوسهم في الآخرة؟ بلا شك أن رؤية النبي ﵊ أعظم، مع أننا نجد أن المسألة في رؤية المؤمنين لربهم ثابتة بطريق التواتر، يعني: ورد في الرؤية عدة أحاديث عن كثير من الصحابة، في الوقت الذي لا نجد نصًا واحدًا يثبت أن النبي ﵊ رأى ربه بعيني رأسه.\nوقال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، ولو كان الله تعالى قد أراه ذاته العلية بعينه لكان ذكر ذلك أولى، فالنبي ﵊ في رحلة الإسراء والمعراج رأى من آيات ربه العظمى، وأعظم آية أن يرى ربه، فلا يتصور أن الله ﵎ يذكر الآيات الصغرى ولا يذكر الآية الكبرى العظمى وهي الرؤية، فلو كان رأى ربه","vol":"31","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-615>رؤية المؤمنين ربهم</span>\nقال شيخ الإسلام: واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانًا، ومعنى عيانًا: بأعينهم، ولكن ذلك بشرطين: أن هذه الرؤية تتم في يوم القيامة، ولأهل الإيمان خاصة، كما يرون الشمس والقمر.\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا، فبعضهم يقول: أنا رأيت الله في المنام، وأنهم يخطر لهم بغير سؤال ما حصل لموسى بالسؤال، فانظر إلى هذه الكرامات! أي: أن الله منحهم هذه الكرامة من غير أن يسألوه، ومنعها عن موسى بعد أن سأله، فهم أكرم على الله من موسى ﵇ الذي هو من الأنبياء! فأجاب: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي ﵊.\nوثبت عنه في الصحيح أنه قال: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت) يعني: حتى يموت فيبعث يوم القيامة.\nفبعد هذا الإجماع المنعقد من الأمة المبني على الدليل: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى الله حتى يموت) من يقول: أنا رأيت ربنا، نقول له: أنت كذاب.\nومن قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال.\nومعظم الصوفية يدعي ذلك، كما قال أحدهم: لو فاتتني رؤية ربي في كل يوم وليلة لعددت نفسي منافقًا، فنقول له: أنت كافر بهذه الادعاءات، وهذا كذب.\nقال: فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة؛ لاسيما إذا ادعوا أنهم أفضل من موسى ﵇، فإن هؤلاء يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا، والله تعالى أعلم.\nهذا ولم يثبت عن أحمد بن حنبل أنه رأى ربه، ولم يثبت عن الأوزاعي كذلك أنه رأى ربه، وهب أن ذلك ثبت فإنه لا عبرة بهذا الثبوت، فإن رؤية واحد من الأمة لا يمكن أن نعارض بها ما ثبت من النصوص وإجماع السلف.\nوأنتم تعلمون أن هناك فرقًا عظيمًا بين قول المحدث: هذا أثر أو حديث صحيح، وبين قوله: هذا إسناد صحيح، أما قوله: (هذا حديث صحيح) أو (أثر صحيح) فهذا كلام ينطبق على المتن، وهو ما انتهى إليه السند من الكلام، وأما قوله: (هذا إسناد صحيح) فلا يستلزم قطعًا صحة المتن، فقد يكون السند صحيحًا والمتن شاذًا أو به علة، ومن علل المتن أن يخالف كتاب الله، أو أن يخالف حديثًا صحيحًا، أو يخالف ما أجمعت عليه الأمة، أو تحيل العقول السليمة الصحيحة المستقيمة على منهج النبوة أن يكون هذا من كلام النبي ﵊، أو من كلام واحد من أصحابه، ولو كان ذلك لرد لأجل هذه العلل، فما بالك بعد أن سمعت الآيات والأحاديث وإجماع سلف الأمة على أنه لن يرى الله تعالى أحد حتى يموت فيبعثه الله؟ فإذا قلت: قد رأى أحمد ربه، ورأى الأوزاعي ربه؛ قلنا: لا عبرة بهذه الرؤية إن صحت، ومع ذلك فهي غير صحيحة، فليس هناك نزاع ولا اختلاف والحالة هذه.","vol":"31","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>ما روي من أحاديث مكذوبة تفيد رؤية الله في الدنيا من الرسول وغيره</span>\nوسئل ابن تيمية عن بعض الأحاديث التي وردت في صفات الله ﵎، والتي ليس لها وجود في دواوين السنة، وأنها في الغالب كذب وبهتان؛ فقال ابن تيمية: بل هي كفر شنيع.\nقال: وقد يقولون: من أنواع الكفر ما لا يروون فيه حديثًا، مثل حديث: (إن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق يخاطب ويعانق المشاة!)، وهذا أمر مخل جدًا بجناب الإله ﵎، ومعنى أنه يعانق المشاة ويصافح الركبان: أن الركبان فوق مرتبة الإله، وصور الإله وكأنه رجل يعانق المشاة؛ لأنه بمحاذاتهم وموازاتهم! قال: وهذا من أعظم الكذب على الله ورسوله، وقائله من أعظم القائلين على الله غير الحق، ولم يرو هذا الحديث في أحد دواوين السنة، ولم يروه أحد من علماء المسلمين أصلًا، بل أجمع علماء المسلمين وأهل المعرفة بالحديث على أنه مكذوب على رسول الله ﵊.\nوقال أهل العلم كـ ابن قتيبة وغيره: هذا وأمثاله إنما وضعه الزنادقة الكفار والملاحدة؛ ليشينوا به على أهل الحديث؛ حتى يقال: إنهم يروون مثل هذا.\nيعني: يحاولون بقدر الإمكان أن يشوهوا صورة المحدثين، فيقال: هؤلاء هم المحدثون الذين تأخذون عنهم دينكم، يروون أن الله ينزل في عشية عرفة راكبًا جملًا، ويصافح الركبان، ويعانق المشاة، وعند ذلك تفقد الثقة في الرواة.\nوكذلك يروون حديثًا آخر فيه: (أنه رأى ربه حين أفاض من مزدلفة -يعني: هو نازل من مزدلفة أفاض منها إلى منى- يمشي أمام الحجيج وعليه جبة صوف)، أو ما يشبه هذا البهتان والافتراء على الله الذي لا يقوله من عرف الله ورسوله.\nوهكذا حديث: (إن الله يمشي على الأرض)، فإذا كان هناك موضع خضرة قالوا: هذا موضع قدميه، ويقرءون قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠]، وهذا أيضًا كذب باتفاق العلماء، ولم يقل الله: فانظر إلى آثار خطى الله، وإنما قال: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٠]، ورحمته هنا النبات.\nوهكذا أحاديث في بعضها: (أن محمدًا ﷺ رأى ربه في الطواف) أي: رأى ربه وهو يطوف حول الكعبة، وفي بعضها: (أنه رآه وهو خارج من مكة)، وفي بعضها: (أنه رآه في بعض سكك المدينة).\nقال: وكل حديث فيه: أن محمدًا ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، فهذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين، ولا رواه أحد منهم.\nوإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمدًا ﵊ هل رأى ربه ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس ﵄ وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمدًا ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، والنصوص واردة عن معظم علماء السنة أنه رأى ربه ليلة المعراج، لكن لم يقولوا: بعيني رأسه.\nوكانت عائشة ﵂ وطائفة معها ينكرون ذلك، ولم ترو عائشة ﵂ في ذلك عن النبي ﵊ شيئًا، ولا سألته عن ذلك، ولا نقل في ذلك عن الصديق ﵁، كما يرويه ناس من الجهال أن أباها سأل النبي ﵊: هل رأيت ربك؟ فقال: نعم.\nوقال لـ عائشة: لا، فـ عائشة لما سألته نفس\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل رأيت ربك؟ قال: لا، ولما سأله أبوها: هل رأيت ربك؟ قال: نعم.\nهذا لا يتصور صدوره من النبي ﵊؛ ولذلك فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء، قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.\nوذكر القاضي أبو يعلى وغيره: أنه اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀: هل يقال: إن محمدًا ﷺ رأى ربه بعيني رأسه، أو يقال: بعين قلبه، أو يقال: رآه؟ وأصح رواية فيها أنه قال: رأى ربه وسكت، والرواية الثانية: رأى ربه بعين فؤاده، أو قال: بعين قلبه.\nوكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: (رأيت ربي في صورة كذا وكذا) وهو المعروف عند أهل العلم بحديث: اختصام الملأ الأعلى، رواه أحمد بن حنبل، والدارمي في سننه، وليس في أحد من دواوين السنة الأصيلة إلا في هذين.\nقال أحمد: حدثني عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (أتاني ربي ﷿ الليلة في أحسن صورة -يعني: في النوم- فقال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ -وهم الملائكة- قال: لا يا رب!).\nالشاهد من هذا الحديث: (أتاني ربي في أحسن صورة وأنا نائم).\nإذًا: فرؤية النبي ﵊ لربه ثابتة له في الدنيا، لكن رؤية منام لا رؤية حقيقية، ورؤى الأنبياء حق، فهذه الرؤية كانت منامية، ولم تكن بعين رأسه على الحقيقة.\n(","vol":"31","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>الرؤية القلبية والفؤادية تكون حسب عبادة العبد وتقواه لله ﷿</span>\nقال شيخ الإسلام: ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله، ويقين القلوب ومشاهدتها وتجلياتها على مراتب كثيرة، قال النبي ﵊ لما سأله جبريل ﵇ عن الإحسان قال: (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فرؤية الله ﷿ لعباده رؤية حقيقية، وما الذي يمنع أن يرى عباده وهو ﷾ البصير؟ فهنا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الرؤية القلبية والفؤادية تكون حسب عبادة العبد وتقواه لله ﷿.\nوبعد أن ذكر إجماع الأمة أن أحدًا لا يرى الله ﷿ بعيني رأسه، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا عبد من العباد، قال: لكن من الممكن الرؤية المنامية، والرؤية القلبية، والتجليات، وتحصل لواحد من العباد حسب تقواه وإيمانه وورعه وعبادته وطاعته لله ﷿.\nواستدل على ذلك بحديث: (ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه) قال: فرؤية المؤمن لله ﷿ بقلبه أو منامًا جائزة ولا مانع منها، وذلك حسب إحسان العبد، يعني: أن يكون مسلمًا، وأن يكون مؤمنًا محققًا الإيمان بكماله وأعلى درجاته، والذي فوق ذلك هو الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه عيانًا، ولما كان ذلك محالًا قال: اعبده كأنك تراه.\nقال: وإحالة الرؤية بالعين للعبد لا ينفي أن العبد يرى ربه بعين قلبه أو بعين فؤاده، وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة، على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه.\nيعني: رأى صورة ناقصة.\nقال: ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل؛ لما فيها من الأمثال المضروبة بالحقائق، وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة أيضًا من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في المنام، فيرى بقلبه مثل ما يرى النائم، وقد يتجلى في الحقائق ما يشهده بقلبه، فهذا كله يقع في الدنيا.\nوهذا الكلام إذا عرفه الصوفية طار فرحًا، وسيكون شيخهم الكبير هو ابن تيمية مع أنه العدو اللدود لهم، فهذا الكلام يوافق هواهم، ويوافق مذهبهم ومعتقدهم.\nقال: وربما غلب على أحدهم ما يشهده قلبه، وتجمعه له حواسه؛ فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه، حتى يستيقظ فيعلم أنه منام، وربما علم في المنام أنه منام.\nفهكذا من العباد من يحصل لهم مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور بحواسه، فيظنها رؤية بعينه وهو غالط في ذلك، وكل من قال من العبّاد المتقدمين أو المتأخرين أنه رأى ربه بعيني رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان.\nفكلام ابن تيمية هذا كله نخلص منه إلى أن الرؤية بالعين مستحيلة.","vol":"31","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>قول شيخ الإسلام في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة</span>\nقال: نعم؛ رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهي أيضًا للناس في عرصات القيامة.\nقوله: (للناس) يعني: كل الناس المؤمن والكافر، ولكن الرؤية على ثلاثة أنواع: فيراه الكافرون ثم يحجب الله ﵎ نفسه عنهم؛ من باب العقوبة.\nلا يراه الكافرون قط، فيعاتبهم ويوبخهم الله ﷿ على كفرهم وعنادهم.\nويراه المنافقون ثم يحجب الله ﵎ نفسه عنهم؛ عقوبة لهم، ويتجلى ربنا لأهل الإيمان في المشهد كما يتجلى لهم في جنة عدن في كل يوم من أيام الأسبوع، وهو يوم المزيد يوم الجمعة، وهذا ثابت لأهل الإيمان على جهة الخصوص؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.\nثم يذكر ابن تيمية عليه رحمة الله بعد ذلك رؤية المؤمنين لربهم، ويسوق عليها بعض الأدلة، فقال: كما تواترت الأحاديث عن النبي ﵊ في ذلك: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب)، فالرؤية لأهل الإيمان، وهي رؤية بالأبصار، ولكنها لا تكون إلا في الآخرة.\nقال: (وكما ترون القمر ليلة البدر صحوًا ليس دونه سحاب).\nوقال ﵊: (جنات الفردوس أربع: جنتان من ذهب آنيتهما وحليهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).\nوقال ﵊: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو: ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف ربنا ﵎ الحجاب فينظرون إليه عيانًا، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي المذكورة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦] أي: الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] أي: النظر إلى وجه الله ﵎).\nوهذه الأحاديث وغيرها في الصحيحين، وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق أهل السنة والجماعة عليها، وإنما يكذب بها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة الشيعة ونحوهم، الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق.\nودين الله تعالى وسط بين تكذيب هؤلاء -أي: بين تعطيل هؤلاء- بما أخبر به النبي ﵊ في الآخرة، وبين تصديق الغالية بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل.\nإن منهج أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية وسط بين المعطلة الذين يقولون: كل هذه الأحاديث كذب، أو يحرفونها فيحملون الرؤية على رؤية الآيات، أو رؤية المحشر، أو رؤية النعيم، أما الله ﷿ فلا يرى عندهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة.\nوهناك على الطرف الآخر والنقيض قوم يقولون: إن رؤية الله تعالى بالعين الحقيقية تثبت في الدنيا، بل ولكل العباد، ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين المعطلة وبين المثبتة، فأهل السنة يقولون: إن رؤية الله ﵎ في الآخرة ثابتة لأهل الإيمان، ومحجوبة عن أهل الجحود والنكران والكفران.","vol":"31","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>معتقد الفرق الضالة في رؤية الله ﷿ وفي ذاته</span>\nأما في الدنيا فإن الله ﵎ لا يرى بعين الرأس البتة، ولكن يراه النبي ﵊ في منامه، والدليل الأحاديث التي وردت في اختصام الملأ الأعلى، فهي صريحة في أنه رأى ربه بفؤاده في المنام، وليس هناك أثر واحد يثبت صحة رؤية المولى ﵎ بعين الرأس في الدنيا لا للأنبياء، ولا للملائكة، ولا لغيرهم، وكلام هؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا ضلال كما تقدم.\nومثل ذلك من يزعمون أنهم يرونه في بعض الأشخاص، يقول أحدهم: أنا رأيت الله في فلان، ولا يقول هذا الكلام إلا الحلولية والاتحادية الذين يقولون: إن الله يحل في المخلوقات، ويتحد معها حتى يكون المخلوق هو الخالق، والخالق هو المخلوق.\nفيقولون: إنهم يرونه في بعض الأشخاص، إما في بعض الصالحين أو بعض المردان، أو بعض الملوك أو غيرهم.\nقال: فعظم ضلالهم وكفرهم، وكانوا حينئذ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى بن مريم، وهؤلاء الذين يقولون: إن الله يحل في المخلوقات هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان، وفيهم شعبة من شعب النصارى، واعلم أن هناك ناسًا آخرين شرًا من هؤلاء، يعممون الرؤية في جميع الخلق، فيقولون بحلول الله ﷿ أو اتحاده في جميع الموجودات حتى في الكلاب والخنازير والنجاسات، وهذا القول كفر، وهو يشبه قول من قال: إن الله موجود في كل الوجود بذاته؛ لأنه يلزمه أن يقول: إن الله تعالى في الحمامات، وفي الحشوش، وفي الأماكن النجسة بذاته.\nوأما أهل السنة والجماعة فيثبتون العلو والفوقية لله ﷿، وأنه استوى على العرش كيف شاء، وأنه مع عباده ومع خلقه بسمعه وعلمه وبصره وإحاطته، فيتنزه ربنا ﵎ عن قول هؤلاء الذين يوجدون الله ﵎ في هذه الأماكن التي ينبغي أن يتنزه عنها المسلم فضلًا عن رب المسلم.\nفهؤلاء الضالون يقولون بأن الله تعالى يتحد ويحل في جميع الموجودات حتى الكلاب والخنازير والنجاسات، كما يقول ذلك قوم من الجهمية، ومن تبعهم من الاتحادية -أي: الصوفية- كأصحاب ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني وغيرهم، ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتب، -يعني: اليهود والنصارى- أن الله ﷾ خالق العالمين، ورب السماوات والأرض وما بينهما أجمعين، ورب العرش العظيم، والخلق جميعًا عباده، وهم فقراء إليه، هذا كلام المعتدلين من أهل الكتاب قبل بعثة النبي ﵊، وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، ومع هذا فهو معهم أينما كانوا، كما قال ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، فأثبت في أول الآية العلم، وأثبت في آخر الآية البصر والرؤية.\nإذًا: فمعيته لخلقه معية علم وبصر وسمع، وهو معكم أينما كنتم، فهؤلاء الضلال الكفار الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه، وربما يعين أحدهم آدميًا إما شخصًا، وإما صبيًا أو غير ذلك، ويزعم أنه كلمه؛ يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، وكانوا كفارًا؛ إذ هم أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا: إنه هو الله، وإنه اتحد به أو حل فيه قد كفروا وعظم كفرهم، بل الذين قالوا: إنه اتخذ ولدًا، حتى قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم:٨٨ - ٨٩] أي: مفترى، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩٣].\nفكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو؟ فهذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن عليًا ﵁ أو غيره من أهل البيت هو الله، كما زعمت السبئية من الشيعة، يزعمون أن عليا هو الله تعالى، وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، وقذفهم فيها بعد أن أجلهم ثلاثًا ليتوبوا، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار، واتفق الصحابة رضي الل","vol":"31","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-620>قول الكرمي في رؤية النبي ﷺ ربه في الدنيا</span>\nويقول مرعي الحنبلي الكرمي: اختلف العلماء: هل رأى محمد ﵊ ربه بعين رأسه أو بعين قلبه، فمذهب ابن عباس وطائفة أنه رآه بعين رأسه، وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأشعري ومن وافقه.\nوكذلك أبو الحسن الأشعري لم يصرح بأن النبي ﷺ رأى ربه بعين رأسه.\nومذهب عائشة ﵂ أنه لم يره بعين رأسه؛ لحديث أبي ذر: (نور أنى أراه؟)، وعلى هذا طائفة من العلماء، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: قد تدبرنا عامة ما صنفه المسلمون في هذه المسألة، وما تلقوه فيها قريبًا من مائة مصنف، فلم أجد أحدًا يروي بإسناد ثابت ولا صحيح، بل ولا عن صاحب ولا عن إمام أنه رآه بعين رأسه.\nقال: فالواجب اتباع ما كان عليه السلف والأئمة وهو إثبات مطلق الرؤية، أو رؤية مقيدة بالفؤاد، ولم يثبت عن الإمام أحمد التصريح بأنه ﵊ رأى ربه بعيني رأسه.\nنحن قلنا: إن فيه ثلاث روايات عن أحمد: رأى ربه بعيني رأسه، رأى ربه بفؤاده، رأى ربه، ولكن رواية إثبات الرؤية بعين رأسه غير ثابتة -يعني: غير صحيحة- وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس: بعينه رآه رآه رآه رآه حتى انقطع نفسه.\nلكن ابن تيمية أعلم بنقول أحمد، فـ ابن تيمية نخل وغربل مذهب أحمد بن حنبل، بل والمذهب الحنبلي كله، بل ومذاهب أهل العلم، فكيف يقدم كلام النقاش على كلام ابن تيمية الذي هو من أهل بيت أحمد بن حنبل، يعني: من أهل بيت علمه وفقهه؟! يقول: وأحمد أجل من أن يكون عنده من عدم السكينة ما يتكلم بمثل هذا حتى ينقطع نفسه، إنما هي حكايات المجازفين في النقول عن الأئمة، فتأمل وصاحب البيت أدرى، وكم للناس من مجازفات في المنقول والمعقول، والمرجع في ذلك إنما هو لأقوال المحققين والعلماء الراسخين والأئمة الربانيين كـ ابن تيمية وغيره.","vol":"31","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>كلام ابن القيم في رؤية النبي ﷺ ربه</span>\nوقال ابن القيم عليه رحمة الله في الزاد: واختلف الصحابة: هل رأى النبي ﵊ ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ربه، وصح عنه أنه قال: رآه بفؤاده، فهذه مطلقة وهذه مقيدة.\nوصح عن عائشة وعن ابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤] إنما هو جبريل، وصح عن أبي ذر أنه سأله: (هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه؟) أي: حال بيني وبين رؤيته النور، كما قال في لفظ آخر: (رأيت نورًا)، وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وليس قول ابن عباس مناقضًا لهذا، يعني: حتى ابن عباس ليس مختلفًا مع عائشة ولا عبد الله بن مسعود في الحقيقة؛ لقوله: رآه بفؤاده، وقد صح عنه أنه قال: (رأيت ربي ﵎) ولكن لم يكن هذا في الإسراء، -هذا في حديث اختصام الملأ الأعلى- ولكن كان ذلك في المدينة لما احتبس عنهم ﷺ في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه ﵎ تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد -أي: بنى رأيه ومذهبه في هذا الأمر- وقال: نعم، رآه حقًا؛ ولكن لم يقل أحمد ﵀: إنه رآه بعيني رأسه يقظة وحقًا، وإنما قال: رآه حقًا، ولم يذكر يقظة ولا أنها كانت رؤية عين.\nفحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه كـ النقاش: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك، أي: ليس فيها التصريح بأنه رآه بعيني رأسه، رحمه الله تعالى ورضي عنه.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"31","page":12},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-622> النهي عن التفكر في ذات الله تعالى</span>\nيسعى الشيطان حثيثًا إلى سوق الإنسان إلى نار جهنم سوقًا، وذلك بإقحامه في الكفر بالله، فإن لم يستطع لجأ إلى الوسوسة وتشكيك المؤمن في عقيدته وأحكام الشريعة، ولذلك فقد وضع رسول الله ﷺ للمسلم علاجًا يخنس الشيطان عند استعماله، وهو الاستعاذة بالله منه والانتهاء عن التفكر في ذلك، فالشيطان ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.","vol":"32","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>سياق ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن التفكر في ذات الله ﷿</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nكنا في أواخر الدروس التي تناولناها فيما يتعلق بأصول الاعتقاد للالكائي قد تكلمنا عن صفات الله ﷿ الخبرية، ولا أدعي أننا أحصيناها شرحًا وبيانًا، وإنما ما تناولناه يقاس عليه غيره، فالكلام فيما لم نذكره هو نفس الكلام فيما ذكرناه، وذلك إن شاء الله تعالى معلوم لديكم.\nولذلك ننتقل إلى مسألة أخرى وهي: مسألة الوسوسة في الإيمان، وأظن أن هذا الباب مناسب جدًا لما نسمعه في هذه الأيام الأخيرة: أن كثيرًا من الإخوة -فضلًا عن عامة الناس- يأتي ويشكو أن الشيطان تسلط عليه في ذات الله ﵎، وأنه أوقعه في دائرة الشك في الله ﷿، وإذا استرسلت معه يقول: أنا أريد جوابًا على سؤال محدد وهو: من خلق الله؟ كثير من الناس في هذا الزمان يسأل هذا السؤال.\nوهذا بلا شك وسوسة شيطان، وباب من أبواب إغوائه وإضلاله للبشر؛ ولذلك لما أطلع الله ﷿ رسوله على أن هذا الباب سيكون موجودًا في الأمة لم يترك الأمة، بل ولم يترك أهل العلم يجتهدون في دفع هذا الوسواس، وإنما حدد لهم الجواب.\nولذلك عقد اللالكائي هذا الباب وهو: [باب ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن التفكر في ذات الله ﷿].\nوالقرآن الكريم والسنة النبوية كذلك مليئان بالآيات والأحاديث التي تأمر بالتفكر في آلاء الله ﷿، وفي خلق الله ﷿؛ في سماواته، وفي أرضه، بل وفي نفسك وأعضائك، وفي حركاتك وسكناتك، وفي الجبال وغير ذلك من مخلوقات الله ﷿، التي تدل بوجودها على وجود من أوجدها وهو الله ﵎.\nفنحن مأمورون بأن نتدبر وأن نتفكر في مخلوقات الله لا في ذات الله ﷿؛ لأن الذي يتفكر في ذات الله ﷿ لابد أنه يئول أمره إلى ما آل إليه أمر الفرق الضالة؛ ولذلك ورد النهي عن التفكر في ذات الله؛ لأنه ربما تطرأ هذه الشبهة على الأذهان والقلوب؛ لغفلة ولجهل من صاحبها، ولتسلط الشيطان عليه في لحظة غفلته مثلًا أو غير ذلك، فقد جعل الشرع لذلك علاجًا.\n[عن عمر رضي الله ﵎ عنه قال: تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله ﷿.\nوأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟)].\nفالشيطان يأتي إلى العبد المؤمن فيقول له: من خلق الجبال؟ فيقول: الله، ومن خلق السماوات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق كذا وكذا وكذا فيعدد له خلقًا من خلق الله ﷿، ولما كان مستقرًا عند هذا العبد أن الله تعالى خالق كل شيء فهو يقول في كل\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الله، فيقول الشيطان -عليه لعنة الله-: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟ وكيف وجد الله ﷿؟ وهذا سؤال بلا شك لا جواب عليه؛ ولذلك قال النبي ﵊: (فإذا بلغ ذلك منك -أي: فإذا بلغ الشيطان منك ذلك المبلغ- فليستعذ بالله ولينته).\nفهذا الحديث ذكر فيه الداء، وذكر مع ذلك الدواء، فهو حديث اشتمل على العلة والدواء منها، فالعلة هي: وسوسة الشيطان في ذات الله ﵎: من خلقه؟ ولما لم يكن هناك جواب عقلي على هذا ذكر النبي ﵊ أن العلاج: أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتنتهي.\nلذلك قال الإمام النووي: وهذا في حالة أن تطرأ الشبهة ولا تستقر في القلب، ولا تكون هذه الخاطرة محل شبهة أو دليل عند من أغواه الشيطان.\nفـ النووي يريد أن يقول: إن إغواء الشيطان ووسوسة الشيطان في ذات الله ﵎ هي على ضربين ونوعين: إما خ","vol":"32","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-624>نهي السلف عن الخوض في صفات الله بالتكييف والتأويل ونحو ذلك</span>\n[قال أبو عبيد القاسم بن سلام لما ذكرت عنده أحاديث: (ضحك ربنا ﷿ من قنوط عباده)، و(الكرسي موضع القدمين)، و(وأن جهنم لتمتلئ فيضع ربك قدمه فيها) وأشباه هذه الأحاديث؛ فقال أبو عبيد: هذه الأحاديث عندنا حق، يرويها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحدًا يفسر منها شيئًا، ونحن لا نفسر منها شيئًا، نصدق بها ونسكت].\nوهذا مذهب أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفات الله ﷿ التي هي فوق مستوى عقول البشر: أنهم يؤمنون بها كما جاءت، ويمرونها ولا يتعرضون لها، ولا يخوضون فيها بتأويل ولا بتفسير وغير ذلك، وإنما يؤمنون بها.\nقوله: (ضحك ربنا) فهو سبحانه يضحك كيف يشاء، ضحكًا يليق بجلاله ﵎.\nقوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) ينزل كيف يشاء، فنؤمن بأنه ينزل، لكن لا يعلم الكيفية إلا الله ﷿، ولذلك كانوا يؤمنون بهذه الأصول ويمرونها كما جاءت، ولا يتعرضون لها، ولا يخوضون فيها بتأويل ولا بشرح ولا بيان؛ لأن هذه الأصول وهذه الصفات فوق مستوى الشرح، وفوق مستوى البيان والتفسير والتأويل، بل هي فوق مستوى العقول.\nفإذا كنت أنت لا تدرك ذات الله ﵎، ولا تستطيع أن تصف الذات لله ﷿؛ لأنك لم ترها ولم تر لها مثيلًا؛ فلابد أن هذه الذات متصفة بصفات الكمال، ولا يجوز لأحد أن يشرحها، فضلًا عن أن العقول لا تستوعب ذلك؛ ولذلك أخفاها الله ﷿ حتى على أنبيائه ورسله، ولو كان النبي ﵊ عنده شيء من ذلك تفصيلًا لأخبرنا به، ومعلوم أنه ﵊ ما ترك خيرًا إلا وقد دل أمته عليه، فلما امتنع وسكت عن هذا تبين أنه ليس عنده بيان في هذا.\nقال: [وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن -وهو ربيعة الرأي شيخ أهل المدينة- عن قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: الاستواء معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والله ﷿ لا يحد].\nوهذا حتى لا تتصور في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أن العرش يحويه أو يحيط به، فالله ﵎ أكبر من جميع المخلوقات، والعرش مخلوق، فلابد أن العرش لا يحيط بالله ﷿، فيكون «اسْتَوَى» بمعنى: علا وارتفع، لا بمعنى: استولى، ولا بمعنى: قعد.\nولذلك هذه الزيادة من ربيعة زيادة في غاية الأهمية، قال: وأن الله تعالى لا يحد، أي: لا تحده حدود من جميع الجوانب.\nقال: [ولما سئل نعيم بن حماد -وهو شيخ البخاري، وهو وإن كان في الحديث ضعيفًا إلا أنه إمام كبير من أئمة السنة -لما سئل عن قول النبي ﵊: (تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق) قال نعيم: ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء من الأشياء.\nوقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية -أي: ذكر رؤية المؤمنين ربهم ﵎- فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف].\nمع أن هذه النصوص لها جانب آخر وهو جانب الرؤية، وذلك لأن الرؤية غير حاصلة في الدنيا، وليس لها مثيل كذلك، ورؤيتنا لله ﷿ في الآخرة لا نعلم نحن كيفيتها، فالذي نؤمن به تمام الإيمان أننا نرى ربنا ﵎ عيانًا، فهل نكون في ذلك الوقت على حالتنا وعلى ضعفنا وقلة حيلتنا في الدنيا؟ وهل نكون بهذا التكوين الفسيولوجي حين نرى الله ﷿ في الجنة، أم أن الخلق سيكون لهم بنيان آخر يقوون به على رؤية المولى ﷿؟ فهذا أمر لا نعلمه، وإنما نؤمن أن المؤمنين يرون ربهم ﵎، ويحجب عنه الكافرون فلا يرونه قط.","vol":"32","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>النهي عن الوسوسة في الإيمان</span>\nعقد الإمام مسلم عليه رحمة الله بابًا عظيمًا في صحيحه في كتاب الإيمان وهو: باب بيان الوسوسة في الإيمان، وما يقوله من وجدها.\nفأورد فيه حديث أبي هريرة ﵁ قال: (جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) فيسألون النبي ﵊ ويخبرونه بحالهم.\nقولهم: (إنا نجد في أنفسنا) أي: نشعر بخاطر يجول في نفوسنا، ويتعاظم أحدنا أن يتفوه بكلمة واحدة منه.\nيعني: حتى معك أنت يا رسول الله! لا نستطيع أن نذكر شيئًا من ذلك؛ لأن الأمر عظيم وخطير، فهي وسوسة عظيمة جدًا، فقال النبي ﵊: (وقد وجدتموه؟) كأنه علم أن الأمة لابد أن تقع في مثل هذا الداء.\nفقوله: (وقد وجدتموه؟) سؤال يستنكر به تسلط الشيطان عليهم، وقد فهم النبي ﵊ عما هم عنه سائلون.\nقال: (قالوا: نعم، يا رسول الله! قال: ذاك صريح الإيمان).\nبعض الناس فهم من قول النبي ﵊: (ذاك صريح الإيمان) أن الوسوسة من الإيمان، وهذا بلا شك انحراف شديد جدًا عن فهم أهل العلم من السلف لهذا الحديث.\nفقد أراد النبي ﵊ أن يبين أن تسلط الشيطان على المؤمن إنما يكون بإغوائه وإضلاله، فإنه قد نجح في إضلاله وإغوائه للكافرين، فإذا فشل الشيطان في إضلال العبد المؤمن -مع أنه نجح في إضلال الكافر- فإنه يتسلط عليه من باب آخر وهو باب الوسوسة والشك في الله ﷿، وهناك فرق بين عبد جحد الله ﷿، وعبد شك في الله ﷿، ففرق بين العبد الجاحد لله وآلائه واستحقاقه للعبودية والربوبية وغير ذلك مما يجب لله ﷿، وبين عبد آمن وسلم بذلك كله، ولكنه شك في الله ﷿.\nفلما فشل الشيطان مع العبد المؤمن أن يجعله هو والكافر سواء؛ اجتهد عليه في باب الشك والوسوسة، فقال النبي ﵊: (وقد وجدتموه؟) يعني: هو فشل في خلعكم من إيمانكم، ولكنه رضي أن يحرش لكم في الإيمان، وأن يوسوس لكم فيه، والشك إنما هو الحلقة الوسطى بين الإيمان الكامل وبين الكفر، أي: أن الشك هو الطريق إلى الكفر فقال: (وقد وجدتموه؟) يعني: أو قد تسلط عليكم من هذا الباب؟ (قالوا: نعم.\nيا رسول الله!) قال: هذا علامة إيمانكم، ولولا أنكم آمنتم بالله ﷿، وكتبه ورسله واليوم الآخر، واتبعتم النبي ﵊ ما تسلط عليكم بالوسوسة؛ لأنه لا يوسوس للكافر، وإنما يغويه مباشرة ويضله مباشرة، فالكافر لا يحتاج إلى وسوسة، وإنما يوسوس الشيطان للعبد المؤمن إذا قوي إيمانه بإيقاعه في دائرة الشك في الله ﷿.\nفبين النبي ﵊ أن تسلط الشيطان بالوسوسة في الإيمان إنما هو علامة إيمان العبد، فقال: (ذاك صريح الإيمان).\nوفي رواية: (أن النبي ﵊ سئل عن الوسوسة؟ قال: تلك محض الإيمان) ومحض الإيمان: هو الإيمان الكامل.\nإذًا: العبد الذي كمل إيمانه لا يركن إلى كمال هذا الإيمان، بل يجتهد في العبادة، ويجتهد في الطاعة والإخلاص لله ﷿؛ لأن العبد كلما ازداد إيمانه ازداد الشيطان تسلطًا عليه في باب الوسوسة، فقال لما سئل عن الوسوسة: (تلك محض الإيمان).\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله).","vol":"32","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>علاج المؤمن من تسلط الشيطان ووسوسته</span>\nأرجو أن تسجل هذه الأدوية؛ حتى تستخدمها إذا تسلط الشيطان -لا قدر الله- عليك، فأول علاج كما في حديث أبي هريرة: (فليستعذ بالله ولينته).\nوالعلاج الثاني: مجاهدة العبد نفسه في دفع هذا الخاطر وهذه الوسوسة، فقد قال النبي ﷺ: (ولينته) يعني: ليكن منك بذل للجهد في دفع هذا الشيطان، ودفع هذا الوسواس، ودفع هذا الخاطر المضل.\nقال: (ثم قل: آمنت بالله)؛ فإقرارك الذي يسمعه منك الشيطان في حال الوسوسة أنك تؤمن بالله ورسله أمر يضعف كيده ووسوسته.\nوفي رواية أخرى: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله، -ثم ذكر بمثله وزاد-: ورسله) يعني: قل: آمنت بالله ورسله.\nوفي رواية أيضًا: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا، حتى يقول له: من خلق ربك، فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته).\nوفي حديث أبي هريرة عن النبي ﵊ قال: (لا يزال الناس يسألونكم عن العلم)، وباب التفكر باب من أبواب العلم.\nقال: (لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: الله خلقنا؛ فمن خلق الله؟ قال أبو هريرة وهو آخذ بيد رجل: صدق الله ورسوله) يعني: كأن أبا هريرة قد أتاه رجل فسأله عن هذا، فأخذ بيده وقال: صدق الله ورسوله.\nوفي رواية: (أن النبي ﵊ قال لـ أبي هريرة: لا يزال الناس يسألونك عن العلم يا أبا هريرة! حتى يسألونك عن الله ﷿، فأتى قوم إلى أبي هريرة يسألونه، حتى سألوه عن الجبال والشمس والقمر والأرض وهو يقول: الله خلق هذا، فقالوا: هذا الله خلق كل هذا، فمن خلق الله؟ فتناول كفًا من حصى وألقاه في وجوههم وقال: قوموا عني، صدق خليلي ﷺ).\nوفي رواية أبي هريرة: (ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟).\nوعند أبي داود: (فإذا قالوا ذلك -أي: فإذا قالوا لكم: فمن خلق الله؟ - فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد).\nكما أتى المشركون إلى النبي ﵊ وقالوا: انسب لنا ربك؟ فنزل قول الله ﷿: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أي: رد عليهم يا محمد! بنسب الله ﷿ أنه واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.\nفهذا نسبه، وهذه أعظم سورة في كتاب الله ﷿ على الإطلاق، فكل أجزائها توحيد لله ﷿، وليس في القرآن من أوله إلى آخره سورة هي أعظم من سورة الإخلاص، كما أنه ليس في القرآن من أوله إلى آخره سورة كلها توحيد لله ﷿ إلا هذه السورة، وجميع القرآن إنما تكلم عن التوحيد وغير التوحيد إلا هذه السورة؛ فإنها لم تشمل إلا التوحيد فقط.\nقال: (ثم ليتفل عن يساره ثلاثًا -أي: دحرًا للشيطان- وليستعذ بالله).\nإذًا: العلاج (فليستعذ بالله ولينته)، وليقل: (آمنت بالله ورسله)، (وليتفل عن يساره ثلاثًا)، (وليقرأ سورة الإخلاص) فهذه أربعة علاجات للوسوسة، وبهذا يندفع الشيطان ويذهب معه هذا الخاطر، فعلينا أيها الإخوة! أن نؤمن بهذه الأصول، وقد يأتي شخص بعلاج آخر غير هذا العلاج فنقول له: لا علاج غير هذا العلاج إلا أن تذهب إلى الساحر! فإذا كانت النصوص لا تعجبك ولم تأت بنتيجة فالعيب فيك أنت.\nوقد ثبت في السنة: (صدق الله وكذب بطن أخيك)، وهو (أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: اسقه عسلًا، ثم أتاه الثانية فقال: اسقه عسلًا، ثم أتاه الثالثة فقال: اسقه عسلًا، ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك.\nاسقه عسلًا، فسقاه فبرأ) وأنت تريد من أول جرعة أن تأخذ الدواء وتشفى وتبرأ تمامًا؟! إن النصوص تحتاج إلى قلب واع مؤمن، قد تمكن الإيمان منه حتى استطاع أن يتعامل معه، فعند أن تتبع النصوص بغير اعتقاد فإنها لا تنفعك، بل حتى الأطباء يقولون: العامل النفسي في العلاج مهم جدًا لإتمام البرء، فأنت عند أن تأخذ علاجًا صرفه لك الطبيب وأنت لا تثق بهذا الطبيب ولا بهذا الدواء، ولا تعتقد أن هذا الدواء سيكون سببًا في الشفاء ففي الغالب لا يعطي نتيجة.\nفإذا أردت التعامل مع النصوص فلابد من تنظيف وتطهير القلب أولًا.\nإذًا: فهذه خمسة علاجات لدفع هذا الوسواس وهذا الخاطر.","vol":"32","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>كلام الإمام النووي في معاني أحاديث النهي عن الوسوسة في الإيمان</span>\nيقول الإمام النووي عليه رحمة الله: أما معاني هذه الأحاديث وفقهها: فقوله ﵊: (ذلك صريح الإيمان ومحض الإيمان) معناه: استعظامكم أن تتفوهوا بكلمة من هذا الوسواس لهو دليل صادق على إيمانكم.\nأي: أن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلًا عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الريبة والشكوك.\nواعلم أن الرواية وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام فهو مراد -يعني: هو الذي أراده النبي ﵊- وهي مختصرة من الرواية الأولى، ولهذا قدم مسلم الرواية الأولى، وقيل: معناه: إن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، أي: لمن أيس من نقله من الإيمان إلى الكفر، فأعظم ما يصبو إليه الشيطان إكفار الناس وخروجهم عن ملة الإيمان، فقد يفعل ذلك مع شخص فينجح، ويأتي ليفعل ذلك مع الآخر فلم ينجح، فمن غباء الشيطان أنه يصر على وسيلة هو فيها فاشل، فلابد أن يستخدم سلاحًا آخر، ووسيلة ثانية، وحيلة أخرى.\nفقال: إن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه -أي: لعجزه عن كفره- وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد.\nقال: وعلى هذا معنى الحديث سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان، وهذا القول هو الذي اختاره القاضي عياض.\nوأما قوله ﵊: (فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله) وفي الرواية الأخرى: (فليستعذ بالله ولينته) فمعناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله ﷿ في إذهابه.\nقال الإمام المازري ﵀: ظاهر الحديث: أنه ﷺ أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها.\nيعني: لا يصح أن تقول: لا، إنك أيها الشيطان! مضل مجرم، ولذلك أنا لا أسمع لإغوائك؛ بدليل أن الله تعالى قال: كيت وكيت، فأنت لا تحتاج إلى استدلال وبعد نظر في دفع هذا الوسواس؛ لأنك من الأصل مؤمن كامل الإيمان، فلا تحتاج مع هذا إلا أن تدفع عنك هذا الخاطر سريعًا دون أن تتكلف بإتيان الحجج والأدلة والبراهين على أن هذه من وسوسة الشيطان، بل عليك أن تطرده عن بابك قولًا واحدًا دون أن تتكلف بالإتيان بالأدلة.\nقال: والذي يقال في هذا المعنى: أن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت؛ فهي التي تدفع بالإعراض عنها، يعني: مجرد خاطر مر على القلب ولم يستقر فإنه يدفع بالإعراض عنه؛ لأنه غير متمكن، وعلى هذا يحمل الحديث.\nوعلى مثلها ينطبق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمرًا طارئًا بغير أصل دفع بغير نظر ولا دليل؛ إذ لا أصل لهذا العارض حتى نحتاج معه إلى استدلال وبرهان، وهذا يختلف عن الخواطر التي استقرت في القلوب.\nوهذا كشخص مرض مرضًا يسيرًا، فعند أن ترك العلاج ذهب هذا المرض، بخلاف رجل تمكن المرض منه تمكنًا عظيمًا، فلما كان هناك فرق بين الداءين في البدن فلابد أن يكون هناك فرق بين الوسوستين والخاطرين في القلب، فإما خاطر خطر ومر على القلب ولم يستقر، وإما خاطر قد مر بالقلب فوجده فارغًا فتمكن منه.\nوكأنه يقول: إن هذا القلب إما عامر بالإيمان، وإما فارغ وخاو وخال من الإيمان، فإن كان عامرًا بالإيمان فلا تتمكن منه هذه الخواطر والهواجس والوساوس؛ ولذلك يكفي صاحبها أن يستعيذ بالله، وأن يجاهد نفسه مجاهدة يسيرة لدفع هذا الوسواس، وأن يقرأ سورة الإخلاص، وليتفل عن يساره ثلاثًا.\nوأما الذي تمكنت منه فمن حقه أن يطالب أن تزال عنه الشبه بالحجج والبراهين.\nإذًا: فالوسواس لا يمكن أن يتمكن إلا من القلب الذي فرغ من الإيمان، وحتى تدفع هذا الخاطر لابد من جهد عظيم جدًا وخارق في دفع هذا الوسواس بالأدلة والبراهين، فنحن نحتاج إلى أدلة وبراهين لمن كان قلبه خاويًا من الإيمان حتى ندفع عنه ذلك الوسواس، ويعمر قلبه بالإيمان، ويحصن نفسه ضد هذه الوساوس والهواجس.\nقال: وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة -يعني: تمكنت من صاحبها بسبب الشبهة التي طرأت عليه- فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر.\nوأما قوله ﷺ: (فليستعذ بالله ولينته) فمعناه: إذا عرض له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله ﷿ في دفع شره عنه، وليعرض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها.\nفيشتغل بالذكر، وبالقرآن، وبالاستغفار، وبمصاحبة الإخوة والخلان وغير ذلك من الطاعات.\nوهذا الكلام كلام متين جدًا في علاج الوسوسة، ودفع الشيطان على هذا النحو.","vol":"32","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>كلام ابن القيم في علاج الوسوسة في الإيمان</span>\nوشيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله له كتاب ممتع جدًا اسمه: إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان، وقد عقد فيه فصولًا متعددة على طول الكتاب وعرضه يتكلم فيها عن كيفية محاربة العبد للشيطان، واعتبر أن الأعداء الذين يعادون ابن آدم إنما هما النفس الأمارة بالسوء، والشيطان، ومعظم الضلال إنما يأتي منهما، فعقد فصولًا متعددة في أبواب شتى وهو يتكلم وينصح العباد كيف يتعاملون مع الشيطان إذا وسوس لهم في أي باب من الأبواب، فقد يمكن أن يوسوس في باب الوضوء، أو في باب الصلاة، أو في باب الصيام، أو في باب الزكاة، أو في باب الحج، وأعظم أبواب الإغواء والوسوسة إنما هي في الإيمان؛ لأن الوسوسة في هذه الحالة إنما هي في ذات الله ﵎.\nولا شك أن الوسوسة كلها مذمومة وغير محمودة، وممقوتة لدى أهل العلم وفي الشرع، لكن بعضها أعظم من بعض، فلا يتصور التساوي بين عبد دخل الشيطان له في باب الوضوء ووسوس له، فبدلًا من أن يغسل العضو ثلاث مرات يغسله ثلاثين مرة، وبدلًا من أن يتوضأ بالمد كما كان النبي ﷺ يتوضأ به، ويغتسل بالصاع فإنه يتوضأ ببرميل أو برميلين، وبعد هذا كله لا يرى أنه أحسن الوضوء، وهو حقيقة لم يحسن، بل قد أساء الوضوء؛ لأن النبي ﵊ كان يتوضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا وثلاثًا، وتوضأ النبي ﵊ ثلاثًا وثلاثًا وقال: (من زاد عن هذا فقد أساء وتعدى وظلم).\nفقوله: (من زاد عن هذا) أي: من زاد عن الغسلات الثلاث لكل عضو (فقد أساء وتعدى وظلم).\nوعن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: (أن النبي ﵊ كان يتوضأ بالمد -أي: بملء الكفين- ويغتسل بالصاع -وهو أربعة أمداد-، فقال رجل ممن سمعه: إنك لتراني عظيم البدن مشعرًا، فلا يكفيني المد، بل لا يكفيني الصاع في الاستنجاء، فغضب جابر ﵁ وقال: قد كان يكفي من هو أعظم منك وأشعر)، يريد أن يقول له: إن الذي أنت عليه وسوسة، ولو أن الإيمان تام كامل عندك لما قلت هذا، وإن كانت هذه بلية فاحتفظ بها كما احتفظ بها الصحابة ﵃ وقالوا: (يتعاظم أحدنا أن يتكلم به).\nفعند أن تسمع أن النبي ﷺ يتوضأ بالمد وأنت تصب برميلًا؛ فاعلم أن هذه بلية، وحاول أن تعالجها، لكن إياك أن تجعل هذا الأمر حجة، فيلقيها الشيطان على قلبك.\nوقد نقل شيخ الإسلام ابن القيم عن ابن قدامة المقدسي كيفية العلاج من الوسوسة.\nفقال: فمن أراد التخلص من هذه البلية -التي هي الوسوسة- فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله ﷺ في قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه ﵊ على الصراط المستقيم، وأن ما خالف هديه في قوله وفعله إنما هو من تسويل إبليس ووسوسته.\nويوقن العبد أنه -أي: الشيطان- عدو له، وأن النجاة من هذا العداء في اتباع النبي ﵊، وأن الشيطان لا يدعوه إلى خير قط: ﴿إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦].\nوليترك التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله ﵊ كائنًا ما كان، فإنه لا يشك أن رسول الله ﷺ كان على الصراط المستقيم، ومن شك في هذا فليس بمسلم، ومن علمه فإلى أين العدول عن سنته، وأي شيء يبتغي العبد غير طريقته، ويقول لنفسه: ألستِ تعلمين أن طريقة رسول الله ﷺ هي الصراط المستقيم؟ فإذا قالت له: بلى، قال لها: فهل كان يفعل هذا؟ فستقول: لا، فيقول لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وهل بعد طريق الجنة إلا طريق النار؟ وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان؟ فإن اتبعتِ سبيله كنت قرينه -أي: كنتِ قرينة له- وستقولين: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين.","vol":"32","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-629>النظر إلى أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله ﷺ</span>\nولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله ﷺ، فليقتد بهم، وليختر طريقهم.\nقال بعضهم: لقد تقدمني قوم لو لم يجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته.\nيعني: لو كان الوضوء هو غسل الظفر فقط ما غسلت غيره؛ دفعًا للوسواس.\nقال زين العابدين يومًا لابنه: يا بني! اتخذ لي ثوبًا ألبسه عند قضاء الحاجة، فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب؛ لأن الحمام فيه ذباب والذباب يقع على الوساخة والقاذورات، ثم إذا دخلت الحمام وقع هذا الذباب علي.\nقال: ثم انتبه زين العابدين فقال: ما كان للنبي ﷺ ولا أصحابه إلا ثوبًا واحدًا، فتركه.\nوكان علي بن أبي طالب يدخل المسجد فيطأ الوحل والطين من بيته إلى المسجد، ثم يصلي ولا يغسل قدمه، فلما حُدِّث في ذلك قال: أليس في الصيف يجف هذا الطيب ويصير ترابًا، فتسفيه الرياح على وجهك وفي شعرك وثوبك فتصلي به، أم أنك تتوضأ؟ قال: أصلي به، قال: وأنا أصلي به الآن.\nوأتى رجل إلى ابن قدامة وقال له: يا إمام! إني أشكو من عجزي أن أكبر في الصلاة، قال: تشكو من ماذا؟ قال: لا أستطيع أن أقول: الله أكبر، فكيف أقولها؟ قال: قلها كما قلتها الآن.\nقال: وكان عمر رضي الله تعالى عنه يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله ﵊ انتهى، حتى إنه قال: لقد هممت أن أنهى عن لبس هذه الثياب؛ فإنه قد بلغني أنها تصبغ ببول العجائز، فقال له أبي بن كعب: مالك أن تنهى؟ فإن رسول الله ﷺ قد لبسها ولُبست في زمانه، ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله، فقال عمر: صدقت.\nثم ليعلم هذا الموسوس أن الصحابة ما كان فيهم موسوس، ولو كانت الوسوسة خيرًا من الله ﷿ لأعطاها أولًا لأنبيائه ورسله، ثم لأصحاب أنبيائه ورسله، ثم للأمثل فالأمثل، فلما حجبها عن هؤلاء جميعًا دل على أنها شر.\nولو كانت الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته وهم خير الخلق وأفضلهم، ولو أدرك رسول الله ﵊ الموسوسين لمقتهم وذمهم، ولو أدركهم عمر رضي الله تعالى عنه لضربهم وأدبهم، ولو أدركهم الصحابة لبدعوهم وغير ذلك من كلام السلف رضي الله ﵎ عنهم.\nوقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي عن شيخه أبي الوفاء بن عقيل: أن رجلًا قال له: أنغمس في الماء مرارًا كثيرًا وأشك هل صح لي الغسل أم لا، فما ترى يا إمام؟ فقال له: قد سقطت عنك الصلاة.\nقال له: كيف؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة ومنها: المجنون حتى يفيق) وأنت إنسان مجنون، فالذي ينغمس في الماء مرارًا ولا يرى أنه قد طهر لابد أن عقله قد ذهب، وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت وأشغله بوسوسته في النية حتى تفوت التكبيرة الأولى، وربما فوت عليه ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا ثم يكذب.\nفالأمثل في الموسوسين الذي يخطف تكبيرة الإحرام ويركع مع الإمام، إذ يفوت على نفسه تكبيرة الإحرام وهو كان مدركًا لها، ويفوت على نفسه قراءة الفاتحة وكان في حقه مستطاعًا؛ وكل ذلك وهو يرفع يديه يقول: الله أك، الله أك، الله أك، أك أك أك إلى أن يركع الإمام.\nيقول ابن قدامة: ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان -أي: أن هذا الموسوس مطيع للشيطان وليس مطيعًا لله ﷿- حتى اتصفوا بوسوسته، وقبلوا قوله وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع النبي ﵊يعني: زهدوا في اتباع النبي ﵊ وصحابته- حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء النبي ﵊، أو صلى كصلاته فوضوءه باطل، وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل فعل النبي ﵊ وأصحابه في مواكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين أنه قد صار نجسًا يجب عليه تسبيع يده، يعني: يجب عليه أن يغسل يده سبع مرات.\nوأهل العلم يقولون: الفقه كل الفقه في الاقتصاد في الدين، والاعتصام بالسنة، ولذلك يقول عبد الله بن مسعود ﵁: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.\nوقال أبي بن كعب: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله ﷿ فاقشعر جلده من خشية الله تعالى إلا تحاتت عنه خطاياه -أي: تساقطت- كما يتحات عن الشجر اليابسة ورقها، وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصادًا أن تكونوا على منهاج الأنبياء وسنتهم.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"32","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>الأسئلة</span>","vol":"32","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>حكم الأكل في الطريق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز الأكل في الطريق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من حيث الجواز يجوز، والأفضل تركه؛ لأن بعض أهل العلم عدوه من خوارم المروءة، وخوارم المروءة هذه مرتبطة بالعرف؛ لأن الشرع لم ينص على أفعال معينة أنها من خوارم المروءة، وإنما هي خاضعة لعرف كل زمان ومكان، فما عده أهل كل زمان في بقعة من البقاع أنه من خوارم المروءة أصبح الأمر كذلك، فلو كان الأكل منها فلا ينبغي لأحد أن يأكل في الشوارع ولا أن يأكل في الأسواق وغيرها، وإلا انخرمت مروءته، ولم تصح شهادته، لكنني أبشرك أنه ليس هناك شيء في هذا الزمان من خوارم المروءة.","vol":"32","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-632>حكم القول عن الرجل الصالح: إنه من الأبدال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كثيرًا ما أقرأ في كتب التراجم عن صاحب الترجمة: أنه من الأبدال؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هي كلمة يقولونها للمبالغة في صلاح وتقوى المترجم له، لكنها لفظة أخذت بعدًا عظيمًا جدًا عند المتصوفة، ولذلك ينبغي الاستغناء عنها بغيرها، فيوصف العبد بالصلاح والتقوى والعبادة وغيرها خير من أن يوصف بأنه بدل من الأبدال، فالصوفية عندهم أن الأبدال إنما هم أقطاب يملكون التصرف في الكون من جميع نواحيه.","vol":"32","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>منهج الألباني في تصحيح الحديث</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صحيح أن الشيخ الألباني متساهل في التصحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا ليس صحيحًا، وإنما الشيخ له منهج في التصحيح والتضعيف، ومنهجه ليس فيه تساهل.","vol":"32","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-634>الوضوء بالمد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يمكن أن يكون المد -ملء الكفين- كافيًا للوضوء ثلاثًا ثلاثًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يكفي حسب فقه العبد، فإذا علمت أن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان يتوضأ ولا يبل الأرض بفضل وضوئه؛ علمت أن هذا المد يكفي للوضوء، ونحن قد قمنا بالوضوء بالمد، فكنا نأخذ العلبة من علب المربى في الجيش فنستنجي بها بعد الاستجمار، ونتوضأ منها، فالضرورة علمتنا.","vol":"32","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>الإخلاص أفضل سورة في القرآن على الإطلاق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أيهما أفضل سورة في القرآن: الإخلاص أو الفاتحة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإخلاص هي أفضل سورة على الإطلاق، كما أن أفضل آية على الإطلاق هي آية الكرسي.","vol":"32","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>حكم زواج المرأة بدون إذن وليها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل تزوج من امرأة بدون إذن وليها، واستمرت حياتهما لمدة عامين أو أكثر، وبعد ذلك رضي ولي الزوجة، فهل على الزوج والزوجة من حكم شرعي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا الزواج غير صحيح في مذهب الجمهور، وعند الأحناف صحيح، ولكن يفرق بين المرأة البالغة الرشيدة وبين المرأة غير البالغة، فالإمام أبو حنيفة لا يشترط الولي للمرأة البالغة أو الثيب، ويشترطها في غير البالغة، بل يقول: لا يشترط الولي في البالغة ولا في الثيب إذا اختارت كفؤًا لها، فهو أيضًا اشترط الكفاءة، والكفاءة محل خلاف عند أهل العلم: هل هي في الدين فقط أم في الدين والدنيا؟ فالكفاءة في الدين محل اتفاق، والكفاءة في الدنيا محل اختلاف عند أهل العلم، ومعظم الحوادث التي تتم بين الزوجين منشؤها عدم الكفاءة، مثل رجل جاهل يتزوج بمثقفة، ورجل لا يعرف شيئًا عن دينه يتزوج بمتفقهة إلى أقصى حد في دينها، فكيف تستقيم الحياة؟! وكيف سيفكرون؟! فمعظم المفاسد بالفعل تأتي لعدم الكفاءة.\nفزواج المرأة بغير ولي نكاحها باطل، لكن الذي تزوج وأنجب وجاء بسرب عيال، وسمع أن الزواج بغير ولي باطل؛ فلا شك أن هذا الزواج قائم، ولا يستطيع أحد أن يقول: إنه باطل، ولا أن ما دار بينهما زنا؛ وذلك لشبهة المذهب الحنفي، وأنت لو أردت أن تبطل هذا النكاح الذي تم لأبطلت نكاح ربع الأمة، فقارة آسيا كلها أحناف ويعتمدون هذا المذهب، وهو عدم اشتراط الولي، فماذا ستقول لهم؟ أتبطل نكاح ربع الأمة؟! فلا شك أن الذي قد مضى عليه ذلك فليتق الله ﷿ وليستأذن الولي في ذلك؛ ولذلك كثير من أهل العلم يقولون: إن صحة النكاح مشروط بإذن الولي ولو كان بعد الدخول، فمادام الولي قد رضي فإن شاء الله تعالى لا حرج عليك، وإنما الحرج على من أقدم، وهو يعلم أن النبي ﵊ يقول: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل).","vol":"32","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>رؤية الله في المنام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يرى الإنسان الله عز جل في منامه، أم أن ذلك من وساوس الشيطان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بل من وساوس الشيطان، ولم ير أحد ربه ﵎ في منامه قط إلا النبي ﵊، كما في حديث اختصام الملأ الأعلى الذي أخرجه أحمد بسند صحيح.","vol":"32","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>معنى حديث: (أنا رسول الله، ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى حديث النبي ﵊: (أنا رسول الله، ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ثبت في السنة أن امرأة مات ولدها، فقالت: هو في الجنة، فقال النبي ﵊: بل هو في النار (أتتألين على الله ﷿؟ فبكت المرأة، فقال النبي ﵊: أنا رسول الله ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم).\nأي: أنا رسول الله ولا أتألى على الله بهذا، وإنما هو محض فضله ﵎.\nولذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يقطع لأحد بجنة ولا نار إلا ما ورد القطع به في الكتاب والسنة، وقد ورد القطع بأن ﵊ في الجنة حيث قال: (النبي في الجنة، والصديق في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة)، والحديث بتمامه كما أخرجه الطبراني: (ألا أخبركم بنسائكم في الجنة؟ كل امرأة ودود ولود عئود، إذا غضب عليها زوجها قالت: لا أذوق غمضًا حتى ترضى) يعني: لا أستطيع أن أنام إلا وأنت عني راض.\nفالنبي ﵊ مقطوع له بالجنة، بل هو أول من يقرع باب الجنة، ولكنه أراد أن يؤدب الأمة ألا تتألى على الله ﷿، فقد قال رجل من أهل الطاعة لرجل كان على معصية: (والله لا يدخلك الله الجنة أبدًا) وهذا الحديث كثير من الإخوة يحفظه، ومن الناس من إذا كان صاحب لحية قطع لنفسه بالجنة، ويحكم على غيره بالنار، والله ليس هذا الفيصل؛ إذ ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، واللحية من التقوى، لكنك لا تضمن لنفسك أنك في الجنة.\nفقال: (والله لا يدخلك الله الجنة أبدًا، فقال الله ﷿: من ذا الذي يتألى علي؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عمله)؛ لأن الجنة والنار لا يملكهما إلا خالقهما، فليس لك الحكم بأن هذا في الجنة وهذا في النار؛ لأن الأعمال بالخواتيم: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) والعكس بالعكس.\nفلا تغتر بطاعتك، فربما يختم لك بغير هذا، وإن العاصي ربما تاب الله ﷿ عليه فختم له بخاتمة السعادة، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.","vol":"32","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>تشكيك الشيطان المرء في قدرة الله ﷿</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من الوسوسة أن المرء يزعم أن الجن لها قدرة فوق قدرة الله تعالى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  من الممكن أن الشيطان يتسلط على المرء بأن يوسوس له أن الله تعالى غير قادر عليه، فمن الممكن أن يتسلط عليه ويشككه في قدرة الله ﷿.","vol":"32","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>حكم تخليل اللحية بالماء في الوضوء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بالنسبة لتخليل اللحية؛ هل يكفي لتخليلها الإصبع المبلولة بالماء، أم لابد من إدخال الماء خلال شعر اللحية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال حديث تخليل اللحية بالماء في الوضوء حديث ضعيف، فإن فعلته بنية النظافة أو إتمام الطهارة فلا بأس، وإن لم تفعله فلا شيء عليك.","vol":"32","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>حكم العمل في المحرمات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا أعمل في تجارة في الأدوات المنزلية، وأبيع كئوسًا لفنادق، وأعرف أن هذا الكأس سيشرب فيه الخمر، فهل علي في ذلك وزر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم؛ عليك وزر، عليك أن تتحرى الحلال في تجارتك.","vol":"32","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>حكم حضور أفراح فيها مغنون ودفوف، وحكم الأناشيد الإسلامية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز الذهاب للأفراح وبها مغنون ودفوف، وإن كان يترتب من عدم الذهاب قطيعة الرحم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإمام أحمد بن حنبل ما كان يذهب إلى مكان فيه بدعة قط، وإذا رأى شيئًا يخالف دين الله كان يترك المكان وينصرف، والأناشيد الإسلامية فيها شيء إذا كانت عند الرجال، وتاريخ الأمة كله يشهد بأن الذي كان ينشد هن النساء، ويضربن بالدف؛ لقوله ﵊: (فرق ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف).\nوأما الأفراح الإسلامية والأناشيد الإسلامية عند الرجال فلا شك أن هذا كله مخالف لسنة النبي ﵊.","vol":"32","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-643>من نذر طاعة الله لزمه الأداء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  امرأة نذرت أن تصلي لله ألف ركعة بعد أن تضع حملها إن رزقت بولد، فهل لها أن تصلي من الألف ركعة قبل الوضع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، سبحان الله! لقد كانت في سعة من أمرها، فضيقت الخناق على نفسها، فأدركت أنه لابد أن تتخفف من هذا النذر؛ ولذلك قال النبي ﵊: (إنما يستخرج به -أي: بالنذر- من البخيل)، فلو كنت امرأة ذكية لما نذرت، وإنما أكثرت من النوافل قبل الوضع أو بعد الوضع، فنذر المرأة بألف ركعة قد يكون سببًا في بغضها للعبادة، وإثقال العبادة على قلبها.\nعلى أية حال هذه التي نذرت يلزمها الوفاء بعد الوضع حسب الشرط الذي اشترطته، وهي قد أثقلت على نفسها، والنبي ﵊ يقول: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) وهذا نذر طاعة فيلزم الوفاء به.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"32","page":22},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-644> تكفير المشبهة</span>\nكل الفرق التي ضلت في صفات الله ﷿ إما نفاة أو مشبهة، وإن كان هناك ضلالة أخرى في هذا الباب فمردها إلى هذين الصنفين، والمشبهة من الفرق التي مرقت من دين الإسلام، وقد حكم أهل العلم والدين بكفر من شبه الله ﷿ بشيء من خلقه؛ لأنه ﷾ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.","vol":"33","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-645>النفي والتشبيه في الصفات هما أصلا الانحراف والضلال في هذا الباب</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nإن الفرق الضالة التي ضلت في صفات الله ﷿ إما أنهم نفاة، وإما أنهم مشبهة، وإن كانت هناك ضلالة أخرى فمردها ومرجعها إلى هاتين الضلالتين، وحديث الافتراق تعلقه بصفات الله ﷿ بالدرجة الأولى، فما ضلت هذه الأمة أعظم ضلال إلا لاختلاف فرقها، وكان الصدر الأول للإسلام على الجادة والاستقامة خاصة في عهد الخلفاء الراشدين، فلم تظهر تلك الانحرافات إلا في عهد صغار الصحابة، أي: في أواخر المائة الأولى للهجرة، كما روى مسلم في صحيحه: أن أول من قال بالقدر في البصرة هو معبد الجهني.\nفسبب الافتراق والضلال هو أن الأمة اختلفت في ربها وخاصة في صفاته، فمنهم من لم يفهم من صفات الله ﷿ إلا ما يفهم من صفات المخلوقين، وإذا مر على ذكر أو تلاوة صفات المولى ﷿ لا يسعه مع هذا القصور الفكري إلا أن يمثل أو يشبه الله ﵎ بخلقه، فإذا قرأ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] قال: إن لله تعالى يدًا كيدي، وساقًا كساقي، وعينًا كعيني.\nوقلنا من باب اللزوم: إذا كانت هذه الصفات الثابتة لله ﷿ هي كصفات المخلوقين فيلزم من ذلك أن نقول: إن الذات تشبه ذوات المخلوقين، ومن هنا وقعوا في اضطراب وحيرة شديدة، لأنهم لا يقولون بتماثل ولا بتشابه الذات، فكيف تختلف الذات وتتحد الصفات مع صفات المخلوقين؟ وهناك فرقة أخرى وهم النفاة الذين أرادوا بزعمهم أن ينزهوا الله ﵎، فنفوا عنه هذه الصفات، فقالوا: ليس له عين ولا يد ولا ساق ولا قدم ولا كيت ولا كيت، فلجئوا إلى تأويل النصوص، مع أنه ليس منهجًا للنبي ﵊، ولا لأصحابه الكرام، ولا لسلف الأمة، وإنما منهج أهل السنة - وهم أهل العدل والوسطية - أنهم آمنوا بهذه الصفات وأمروها كما جاءت، وفوضوا كيفيتها إلى الله ﷿، وأما علمها فإنه مستقر معلوم في قلوب أهل السنة والجماعة.","vol":"33","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>الحكم على بعض الفرق الضالة</span>\nيأتي بعد ذلك الحكم على أصحاب هذه الفرق، فقد اختلف فيهم أهل العلم: هل هم كفار أم لا؟ فمنهم من أطلق الكفر على الغلاة، وهنا أبين أنه في كل فكر غلاة وأتباع، وعند إطلاق لفظ الكفر فإنما يقصد به الغلاة والأئمة الداعين إلى هذا الفكر لا بقية الأتباع، فلو أردنا مثلًا أن نقول: إن أهل العلم كفروا الرافضة فهل كل من تبنى الرفض أو تمذهب به هو كافر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، وإنما المراد أئمة الرفض والدعاة إليه العالمين بمدلول مذهبهم الفاسد، فهم المعنيون بالكفر لا كل الرافضة، ولا يمكن أبدًا أن تسوي بين إمام من أئمة الرفض كـ الخميني مثلًا وبين رعاع الشعب الإيراني أو رعاع الشيعة الرافضة، فهذا غلام ولد ونشأ في مجتمع يكفر أبا بكر وعمر، وهو لا علم له بحقيقة مذهب الرافضة، بخلاف خميني إيران الذي صار صدرًا وإمامًا يدعو إلى هذه البدعة، ويتقرب بزعمه إلى الله بتكفير أبي بكر وعمر، فلا يستويان قط.\nولذلك إذا قرأت في تكفير أصحاب الفرق الضالة فاعلم أنه حكم ينصب على الغلاة لا على بقية أهل المذهب.\nوالمشبهة هم الذين مثلوا أو شبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، وأحيانًا يطلق أهل العلم لفظ المشبهة ويعنون بها النفاة، مع أنهم نفاة وليسوا مشبهة؛ لأنهم شبهوا الله تعالى بالعدم، وجعلوه إلهًا بلا صفات، فلا يتصور أن يكون هذا الكتاب ذاتًا بغير صفات، فله لون وله حجم وله عرض وله طول وله عمق وهذه صفاته، فلا يتصور أن تكون هناك ذات بغير صفات، والذين نفوا الصفات عن الله ﷿بزعمهم حتى لا يمثلوه ولا يشبهوه بالمخلوقين- إنما وقعوا في شر مما فروا منه، وهو أنهم شبهوا الله تعالى بالعدم، فيطلق عليهم مجازًا مشبهة.","vol":"33","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>سياق ما روي في تكفير المشبهة</span>\nالإمام اللالكائي في هذا الباب يروي ما ثبت عن السلف في تكفير المشبهة فقال: [قال شعبة بن الحجاج العتكي قال لي الأعمش - وهو سليمان بن مهران الكوفي - ما عندك في قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧] فقال شعبة: حدثني أبو حمزة قال: قال لي ابن عباس: لا تقل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧] فإنه ليس لله مثل، ولكن قل: (فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا)].\nوهذه قراءة ابن عباس، ولا حرج في هذه القراءة وليست شاذة، ولكن ابن عباس يفهم من رده -وهو حبر الأمة-: أن بعض الناس يتصور أنه يجوز له أن يؤمن بإله آخر، وينزل هذا الإله منزلة الإله الأعظم كما كان أهل الجاهلية يفعلون، فقد كانوا يعبدون أصنامًا وخشبًا وثمارًا وأعظمًا وينزلونها منزلة الإله، ويعطون لها ما هو حق خالص للإله الأعظم ﷾، الإله الحق، فيستغيثون بها، ويذبحون وينذرون لها، ويستعينون بها، وغير ذلك مما لا يجوز ولا ينبغي إلا لله ﷿، فمن صرف شيئًا مما يجب صرفه لله لغير الله فقد اتخذ شريكًا لله ﷿، وما قام بحق العبودية ولا الوحدانية لله ﷿.\nفخشي ابن عباس أن بعض الناس يتصور أنه يجوز له أن يعبد إلهًا آخر مماثلًا -في ظنه- لله ﷿.\n﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧]، فلو أنهم آمنوا بمثل ما آمنتم به -وهو الله- فقد اهتدوا.\nفيجوز على هذا الفهم لكل واحد أن يعبد إلهًا ليس الله ﷿، فكانت القراءة عنده في هذه الآية: (فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا).","vol":"33","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-648>مناظرة بين عبد الرحمن بن مهدي وأحد المشبهة</span>\nقال: [قال عبد الرحمن بن مهدي لفتى من ولد جعفر بن سليمان: مكانك، فقعد حتى تفرق الناس]، وعبد الرحمن بن مهدي إمام من أئمة السلف، وصاحب سنة وهدي، وهو شيخ الإمام أحمد بن حنبل، ومنه تعلم السنة، والاعتقاد الصحيح، وكانت الحلقة تجتمع لـ ابن مهدي بما يتجاوز المائة ألف، فيعلمهم السنة والحديث والفقه، فلما أراد القوم أن ينصرفوا بعد فراغ ابن مهدي من المجلس أشار إلى فتى من ولد جعفر بن سليمان الأمير، فقال: مكانك لا تنصرف وأمر الناس بالانصراف.\n[ثم قال: تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف -يعني: أتعرف ما في هذا البلد وهو بغداد من الأهواء والاختلاف والاضطراب في العقيدة؟ - وكل ذلك يجري مني على بال] يعني: هذه الاختلافات والأهواء المضلة أنا عندي بها خبر، ولست غافلًا عنها.\nقال: [وكل ذلك يجري مني على بال رضي إلا أمرك وما بلغني] يعني: إلا أمرك لم يخف علي، وأن هذه الأهواء وهذه الفتن المضلة وإن كانت فتنًا إلا أنها أقل خطرًا من الذي بلغني عنك، وكأنه قد أتى ببدعة جديدة لا عهد ولا قبل لأهل الإسلام بها.\nقال: [فإن الأمر لا يزال هينًا ما لم يصر إليكم] أي: ما لم يصل إليكم يا معشر السلاطين.\n[فإذا صار إليكم جل وعظم] يعني: أما الفتن والاختلافات بين عامة الناس فيمكن حلها بالمناظرات والمجادلات وإقامة الحجج والبراهين، وأما إذا تبنى السلطان مذهبًا فاسدًا فسرعان ما ينتشر ويجد له ظهرًا قويًا يحميه، كما كان في الدولة العباسية من تبنيهم المذهب الاعتزالي، فأوذي السلف إيذاءً عظيمًا جدًا بسبب أن أئمة العباسيين وسلاطينهم قد تبنوا الاعتزال، فلهم ظهر يحميهم، ولهم صولة ونجدة.\nوأما إذا كان الأمر لا يعني السلطان من قريب ولا من بعيد ولا يتبناه فإن الأمر يهون.\nقال: [فقال: يا أبا سعيد] وهي كنية عبد الرحمن بن مهدي.\nقال: [وما ذاك؟] أي: وما هذا الذي بلغك عني؟ قال: [بلغني أنك تتكلم في الرب ﵎ وتصفه وتشبهه، فقال الغلام: نعم] كأنه أراد أن يقول: وما الغضاضة؟ وماذا تنكر علي؟ قال: [فأخذ يتكلم في الصفة] انتقى صفة من صفات الله ﷿ وأخذ يتكلم عنها مع الإمام.\n[فقال: رويدك يا بني] أي: على مهلك.\nقال: [حتى نتكلم أول شيء في المخلوق] يعني: قبل أن نتكلم في صفات الخالق نتكلم في صفات المخلوق.\nقال: [فإذا عجزنا عن المخلوقات فنحن عن الخالق أعجز وأعجز، أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن أبي إسحاق الشيباني قال: سمعت زرًا - وهو ابن حبيش - قال: قال عبد الله - وهو ابن مسعود - في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]] كأنه أراد أن يقول له: ماذا تقول في تأويل هذه الآية؟ [قال: رأى جبريل له ستمائة جناح، قال: نعم] يعني: ابن مهدي يقره على هذا الفهم لهذه الآية.\n[فعرف الحديث، فقال عبد الرحمن: صف لي خلقًا من خلق الله له ستمائة جناح] أي: صف لي جبريل.\nقال: [فلما عجز بقي الغلام ينظر إليه، فقال عبد الرحمن: يا بني! فإني أهون عليك المسألة، وأضع عنك خمسمائة وسبعة وتسعين] أي: جناحًا.\n[صف لي خلقًا بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعًا غير الموضعين اللذين ركبهما الله تعالى حتى نعلم] أي: لا تقل له جناح في اليمين وجناح في الشمال، بل ضع الجناح الثالث في المكان الذي ركبه الله ﷿ فيه، فعجز الغلام.\nقال: [فقال: يا أبا سعيد! نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق، ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز]، وهذا لمن وفق وهدي [وأشهدك إني قد رجعت عن ذلك، وأستغفر الله].\nومن هذا يتبين: أن وجود أهل العلم من أهل السنة والجماعة في بقعة، أو في كورة من الكور، أو بلدة من البلدان؛ أعز وأكرم على الله ﷿ وعلى أهل القرية من عين تنبع لهم بالماء؛ لأن غذاء القلوب والأبدان والعقول والأفكار أعظم من غذاء الأبدان، فالبدن إذا فسد مع صلاح القلب كان مآله عند الله خيرًا، وإذا فسد القلب مع صلاح البدن فقد شبه الله ﵎ هؤلاء بما شبه به الكافرين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] أي: لا قيمة لهم مع صلاح أبدانهم، ولذلك يقول عبد الله بن المعتز ﵀: العالم في البلد كالعين تنبع بالماء، وهو أعز وأكرم؛ لأن العين تغذي الأبدان، والعالم يغذي القلوب والأرواح.\nفعالم واحد يهدي الله ﷿ به أمة من الأمم، ويرفع به أمة من الأمم، كما أن عالمًا واحدًا فاسدًا تزل به أمة بأسرها إذا انحرف عن الصراط.","vol":"33","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-649>موقف أهل العلم من داود الجواربي</span>\nقال: [تكلم داود الجواربي في التشبيه]، وداود الجواربي من أئمة الضلال، ولقب بـ الجواربي لأنه من محلة ببغداد كانت تصنع الجوارب، وكان يسكن في هذه المحلة فنسب إليها.\nقال: [فاجتمع إليه أهل واسط بالعراق منهم: محمد بن يزيد وخالد الطحان وهشيم وغيرهم فأتوا الأمير -أي: أمير البلد- وأخبروه بمقالته، فأجمعوا على سفك دمه].\nمع أنهم لم يقولوا بسفك دم من سمعه، أو بسفك دم من تبعه، وإنما أجمعوا على سفك دمه هو؛ لأنه داعية إلى بدعته، ولأنه عالم بما يقول بخلاف الأتباع.\nقال: [فمات في أيامه فلم يصل عليه علماء أهل واسط] أي: مات قبل أن يتمكن منه السلطان، فلما أجمعوا على سفك دمه طلبوه حتى يقتلوه، ففر وفي أثناء فراره مات، فلم يصل عليه أحد من أهل العلم في ذلك الزمان، والنبي ﵊ قال: (من صلى عليه أمة من المسلمين يبلغون أربعون -وفي رواية: مائة- يوحدون الله تعالى ولا يشركون به شيئًا؛ شفعوا فيه).\nفإذا لم يكن أهل العلم هم الموحدون لله ﷿ حقًا وبعلم وبصيرة فمن هم إذًا؟ فإذا امتنع العلماء عن الصلاة على رجل فهذه عين الخسارة، ولذلك كان النبي ﵊ يترك الصلاة أحيانًا على بعض أصحابه؛ تأديبًا للأمة أن يقعوا في مثل ما وقع فيه، كما ترك الصلاة على ماعز الأسلمي، وصلى على المرأة الغامدية والجريمة واحدة، ولكن توبة الغامدية كانت أحسن ظهورًا من توبة ماعز.\nفقد ساق سيد ماعز وهو نعيم بن هزال ماعزًا إلى النبي ﵊، واستدرجه وقال له بعد أن أخبره بالزنا: (اذهب بنا إلى النبي ﵊ لعله ينزل فيك قرآنًا) يعني: بالتوبة، وهو يعلم أن القرآن قد نزل بوجوب الحد، وأن الحد إذا بلغ السلطان أو الأمير أو الحاكم فلا شفاعة فيه، بل لا يجوز للحاكم أن يسامح فيه؛ لأن ذلك ليس من اختصاصه، وإنما من اختصاص الحاكم أن يغير وأن يبدل في التعزير، وأما في الحد فلا.\nفلما بلغ ماعز إلى النبي ﵊ شهد عنده أربع مرات بالزنا، فلما شهد قال: (أقيموا عليه الحد)، فلما أجمعوا على حده فر منهم، فلقيه رجل فضربه بوظيف كان معه فقتله، فلما قتل وبلغ أمره إلى النبي ﵊ قال: (أقتلتموه؟ هلا تركتموه؟ وغضب غضبًا شديدًا وقال: صلوا على صاحبكم، فصلوا عليه ولم يصل النبي ﵇ عليه).\nوأما المرأة الغامدية التي زنت بعد ماعز فقد أتت إليه ﵊ وقالت: (لا تفعل معي كما فعلت بـ ماعز بالأمس)، لأن ماعزًا لما أتى وشهد عنده بالزنا أول مرة أشاح عنه بوجهه، ولم يقبل منه هذا، فأتاه من قبل وجهه فشهد عنده الثانية فأشاح عنه أربع مرات، وماعز يصر على أن يبلغ الخبر النبي ﵇.\nقال: (لعلك قبلت؟ قال: زنيت، فقال: لعلك فاخذت؟ قال: زنيت) ثم قال: (أتدري ما الزنا؟ -يعني: أنت تعرف ما معنى الزنا؟ - قال: نعم، قال: أغاب هذا منك في ذاك منها كما يغيب المرود في العين، أو كما يغيب الرشاء في البئر، قال: أقيموا عليه الحد).\nفـ الغامدية قالت: (يا رسول الله! أنا زنيت).\nوفي رواية: (إني فجرت فطهرني، وهذا حملي من الزنا، فقال النبي ﷺ: أين وليها؟ قال: هأنذا.\nقال: اذهب بها فأكرمها حتى تضع حملها) وهي زانية عاصية ولكنه قال: أكرمها، لا لأنها زنت ولكن لأنها تابت وصدقت مع الله ﷿.\n(فذهبت حتى وضعت حملها وأتت إلى النبي ﵊ فقالت: هذا ولدي من الزنا، وإني قد أتيتك بالأمس فأمرتني أن أضع حملي وهذا هو، فطلب وليها وأمرها أن تذهب حتى تفطمه) فذهبت ومكثت عامين وأتت بالغلام للمرة الثالثة وكان بإمكانها ألا تأتي والنبي ﵊ لا يبحث عنها، وإنما هي تبحث عن الطهارة والنقاء ومغفرة الذنب.\n(فأتت إلى النبي ﵊ وفي يد ولدها كسرة من خبز وقالت: هذا ولدي قد فطمته وهو يطعم، فأمر بها فشد عليها ثيابها ورجمت، وصلى عليها النبي ﵊، فلما رأى ذلك بعض أصحابه قال: أتصلي عليها وهي زانية؟ قال: إنها تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لوسعتهم).\nوفي رواية: (إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس -يعني: جامع الضرائب- لتاب الله ﷿ عليه).\nوفي حديث آخر أن النبي ﵊ لما جيء إليه برجل ليصلي عليه، قال: (عليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: صلوا على صاحبكم)، فأمرهم بالصلاة عليه وامتنع هـ","vol":"33","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-650>كلام أهل العلم على داود الجواربي وغيره من المشبهة</span>\nذكر الذهبي في ميزان الاعتدال أن داود الجواربي رأس في الرفض والتجسيم -يعني: إمام من أئمة الضلالة- من قرام جهنم.\nأي: من فحول جهنم كـ فرعون.\nقال أبو بكر بن أبي عون: سمعت يزيد بن هارون يقول: الجواربي والمريسي - الذي هو بشر - كافران، ثم ضرب يزيد - وهو يزيد بن هارون - مثلًا للجواربي فقال: إنما داود الجواربي عبر جسر واسط فانقطع الجسر فغرق من كان عليه، فخرج شيطان فقال: أنا داود الجواربي.\nيعني: أن داود الجواربي والشيطان شيء واحد.\nوالذهبي يقول: هذا الضرب -أي: هذا الصنف- من الناس لا أعلم له رواية، مثل: بشر المريسي وأبي إسحاق النظام - وهو صاحب الاعتزال - وأبي الهذيل العلاف، ومعمر أبي المعتمر العطار البصري، وهشام بن عمرو الفوطي وأبي عيسى الملقب بـ المزدا، وأبي موسى الفراء، فلكونهم لم يرووا الحديث لم أحتفل بذكرهم، ولا استوعبتهم، فأراحنا الله تعالى منهم؛ لأنهم مقلون جدًا في الرواية لا تكاد تذكر لهم رواية، فقال: فأعرضت عن ذكرهم.\nوالإمام البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق تكلم عن داود الجواربي وقال في ذكر أو في معرض ذكره للمشبهة: ومنهم المشبهة المنسوبة إلى داود الجواربي -يعني: أنه كان صاحب فرقة- الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية.\nوهو القائل كما ذكر ذلك السمعاني في الأنساب بعد ذكر هشام بن سالم الجواليقي: وعنه أخذ داود الجواربي قوله: إن معبوده له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية.","vol":"33","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>نقل أبي الحسن الأشعري لمذاهب أهل التشبيه والتجسيم</span>\nوذكر الأشعري في مقالات الإسلاميين داود الجواربي في أثناء الكلام على اختلاف الناس في التجسيم، فقال: اختلفت المجسمة فيما بينهم في التجسيم، وهل للباري تعالى قدر من الأقدار، وفي مقداره، على ست عشرة مقالة، فقال هشام بن الحكم: إن الله جسم محدود عريض عميق طويل، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، نور ساطع، له قدر من الأقدار -بمعنى: أن له مقدارًا في طوله وعرضه وعمقه- لا يتجاوزه، في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية، يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم ورائحة ومجسة، لونه هو طعمه، وهو رائحته، وهو مجسته، وهو نفسه لون، ولم يثبت لونًا غيره، وإنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد.\nولولا أن الله تعالى حكى مقالة الكافرين والمشركين في كتابه ما تجرأ آدمي أن يحكي مقالة هؤلاء.\nوحكى عنه أبو الهذيل أنه أجابه إلى أن جبل أبي قبيس أعظم من معبودهم.\nوجبل أبي قبيس في مكة، وهو أكبر من الله ﷿ عند هؤلاء الضلال! فجعلوا بعض مخلوقاته أعظم من الخالق.\nوحكى عنه ابن الراوندي: أنه زعم أن الله سبحانه يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات، ولولا ذلك ما دلت عليه، وحكى عنه أنه قال: هو جسم لكن لا كالأجسام.\nومعنى ذلك أنه شيء موجود.\nوقد ذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري ملونًا، ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة، وأن يكون طويلًا وعريضًا وعميقًا، وزعم أنه في مكان دون مكان، متحرك من وقت خلق الخلق.\nوقال قائلون: إن الباري جسم، وأنكروا أن يكون موصوفًا بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به هشام هذا، غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه.\nواختلفوا في مقدار الباري بعد أن جعلوه جسمًا، فقال قائلون: هو جسم، وهو في كل مكان، وفاضل عن جميع الأماكن، وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم؛ لأنه أكبر من كل شيء.\nوقال بعضهم: مساحته على قدر العالم.\nوقال الآخرون: إن الباري جسم له مقدار في المساحة، ولا ندري كم ذلك القدر.\nوقال بعضهم: هو في أحسن الأقدار، وأحسن الأقدار أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا القليل القميء.\nوحكي عن هشام بن الحكم: أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه.\nوقال بعضهم: ليس لمساحة الباري نهاية ولا غاية، وإنه ذاهب في الجهات الست: اليمين والشمال والأمام والخلف والفوق والتحت، قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق، وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب.\nوقال قوم: إن معبودهم هو الفضاء -الفراغ- وهو جسم تحل فيه الأشياء، ليس بذي غاية ولا نهاية.\nوقال بعضهم: هو الفضاء وليس بجسم، والأشياء قائمة به.\nوقال داود الجواربى -وهو الشاهد في المشبهة والمجسمة- ومقاتل بن سليمان: إن الله جسم، وإنه جثة على صورة الإنسان: لحم ودم وشعر وعظم.\nفإذا كان هذا إمام من الأئمة فكيف لا يكفر؟ قال: وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع هذا لا يشبه غيره، ولا يشبهه الغير.\nوأهل السنة لا يقولون بهذا، ولكن يقولون: إن له أسماء وصفات، وأما أن تجعل الصفات جوارح وأعضاء فلا بد وأنها تمثيل وتشبيه.\nقال: وكثير من الناس يقولون: هو مصمت -يعني: غير مجوف- ويتأولون قول الله تعالى: ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] بمعنى: المصمت الذي ليس بأجوف.\nومعنى الصمد عند أهل السنة والجماعة، بل في اللسان العربي: الذي تصمد إليه الخلائق، أي: ترجع إليه في حوائجها.\nوقال هشام بن سالم الجواليقى: إن الله على صورة الإنسان، وأنكر أن يكون لحمًا ودمًا.\nيعني: أنكر على داود مقالته تلك.\nوإنه نور ساطع يتلألأ بياضًا، وإنه ذو حواس خمس.\nيعني: جعله كالإنسان.\nكحواس الإنسان سمعه غير بصره، وكذلك سائر حواسه، له يد ورجل وأذن وعين وأنف وفم، وإن له وفرة سوداء.\nيعني: له شعر أسود، تعالى الله ﷿ عن قولهم علوًا كبيرًا.\nفهذا داود الجواربي قد جعل الله تعالى في نهاية الأمر كالإنسان تمامًا بتمام.","vol":"33","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-652>كلام يزيد بن هارون في الجهمية والمشبهة</span>\n[قال هشام بن يحيى الواسطي: كنت قاعدًا عند يزيد بن هارون فجاء رجل فقال: يا أبا خالد! ما تقول في الجهمية؟] والجهمية هم النفاة الذين ينفون الصفات عن الله ﵎، ينزهون الله تعالى بزعمهم.\nوأهل السنة وسط بين هذه الفرق، كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم فأهل السنة والجماعة وسط بين هذه الفرق الضالة، ولذلك حكم النبي ﷺ عليها بالضلال وبالنار فقال: (كلها في النار إلا واحدة.\nقيل: من هم؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم)، الكلام الباطل الذي أتى به داود الجواربي وهشام بن الحكم وهشام بن سعيد الجواليقي لم يرد عن النبي ﵊ أو عن واحد من أصحابه، حاشا وكلا، هذا كلام باطل وسخف يؤدي بصاحبه إلى الكفر البواح، ولذلك لما سئل يزيد بن هارون عن الجهمية النفاة الذين يزعمون تنزيه المولى ﷿ وهم قد نفوا عن الله ﷿ ما أثبته لنفسه في مقابل من عجزوا عن إثبات ذلك لله ﷿ على الوجه اللائق له فقالوا بالتمثيل والتجسيم والتشبيه، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: من مثل فإنما يعبد صنمًا، ومن عطل فإنما يعبد عدمًا.\nأي: من عطل المولى ﷿ عن صفاته فهو يعبد عدمًا، لأن الإله الحق ﷾ وصف نفسه بصفات، فإذا نفيتها فيلزمك أن تنفي الذات، وإذا مثلت صفات الخالق بصفات المخلوقين يلزمك أن تعبد صنمًا؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فالذي يعبد إلهًا قد مثله بصفات المخلوقين فإنما يعبد صنمًا، والذي يزعم أنه نزه الباري عن صفاته فلا بد أن يئول أمره إلى أن هذا الإله عدم، فالذي يعبد إلهًا بلا صفات فإنما يعبد عدمًا، والذي مثل صفات الخالق بالمخلوقين فإنما يعبد صنمًا.\n[سئل يزيد بن هارون عن الجهمية النفاة فقال: يستتابون].\nيعني: يحبسون في بيوتهم أو في محابس السلطان ثلاثة أيام فتقام عليهم الحجة؛ فإن تابوا ورجعوا وندموا وإلا قتلوا، لكن لا يقتلون حدًا وإنما يقتلون ردة.\n[إن الجهمية غلت ففرغت في غلوها إلى أن نفت، وإن المشبهة غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت] يعني: كل واحد من الفريقين بلغ الغاية في بدعته، هذا بلغ غاية النفي، وهذا بلغ غاية التشبيه والتمثيل.\n[فالجهمية يستتابون، والمشبهة كذا وكذا رماهم بأمر عظيم] أعظم مما رمى به النفاة.","vol":"33","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>مقالات بشر المريسي وموقف أهل العلم منه</span>\nقال: [وقال محمد بن عمر بن كميت: سمعت وكيعًا يقول: وصف داود الجواربي الرب ﷿ فكفر في صفته، فرد عليه المريسي فكفر المريسي في رده] بشر المريسي] أي: رد على داود الجواربي فقال: أنت قد مثلت الله ﷿ بصفات المخلوقين، فأنت مبتدع، فهذا رأس في بدعته يرد على مبتدع آخر رأس في بدعته.\nقال: [فقال وكيع: داود الجواربي وصف الرب فكفر بهذه الصفة، فرد عليه بشر المريسي فكفر بشر برده كذلك، إذ قال: هو في كل شيء].\nوبشر المريسي له كلام خطير جدًا، فقد قال البغدادي في كتاب الفرق بين الفرق لما ذكر المريسية أتباع بشر المريسي في فرق المرجئة قال: هؤلاء هم مرجئة بغداد من أتباع بشر المريسي، وبشر هو ابن غياث المريسي مبتدع ضال تفقه في أول أمره على قاضي القضاة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وأتقن علم الكلام، ثم جرد القول بخلق القرآن - يعني: قال: القرآن مخلوق - وناظر عليه، ولم يدرك الجهم بن صفوان ولكنه أخذ مقالته، واحتج لها ودعا إليها، وأخذ في أيام دولة الرشيد وأوذي لأجل مقالته.\nوحدث البويطي قال: سمعت الشافعي يقول: ناظرت المريسي في القرعة فذكرت له فيها حديث عمران بن حصين، فقال: هذا قمار، فأتيت أبا البختري القاضي فحكيت له ذلك، فقال: يا أبا عبد الله! شاهد آخر وأصلبه.\nيعني: أحضر معك شاهدًا ثانيًا وأنا سأصلبه، فهو يقول عن القرعة: إنها قمار، وقد فعلها النبي ﵊، غير أنه لما أظهر قوله بخلق القرآن هجره أبو يوسف -وهو صاحب أبي حنيفة وكان رجلًا سنيًا في المعتقد- وضللته الصفاتية -يعني: الذين يقولون بإثبات الصفات لله ﷿ ضللوه- ولما وافق الصفاتية في القول بأن الله تعالى خالق أجسام العباد، وفي أن الاستطاعة مع الفعل؛ كفرته المعتزلة.\nيعني: كفرته المعتزلة؛ لأنهم لا يقولون بذلك.\nفصار مهجور الصفاتية والمعتزلة معًا، وكان يقول في الإيمان: إنه هو التصديق بالقلب واللسان جميعًا.\nيعني: أن العمل لا علاقة له بالإيمان، وهذا قول المرجئة، كما قال ابن الراوندي: إن الكفر هو الجحد والإنكار.\nيعني: لا يكفر المرء إلا إذا جحد وأنكر بلسانه.\nوزعم أن السجود للصنم ليس بكفر، ولكنه دلالة على الكفر.\nوالخطيب البغدادي أدرى بأهل بلده، فقال في كتابه تاريخ بغداد عن بشر المريسي -وقد ذكر له ترجمة طويلة-: أخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي إلا أنه اشتغل بالكلام، وجرد القول بخلق القرآن، وحكيت عنه أقوال شنيعة ومذاهب مستنكرة أساء أهل العلم قولهم فيه بسببها، وكفره أكثرهم لأجلها، وقد أسند من الحديث شيئًا يسيرًا -يعني: كان مقلًا في الرواية- عن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وأبي يوسف القاضي وغيرهم.\n(وقال عباد بن العوام: كلمت بشرًا المريسي وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم أنه ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء) يعني: ليس في السماء إله.\n(وعن عمر بن عثمان قال: كنت عند أبي فاستأذن عليه بشر المريسي فقلت: يا أبت! يدخل عليك مثل هذا؟ فقال: يا بني! وما له؟) يعني: ماذا فيه؟ وماذا يقول هذا الرجل؟ قال: قلت: إنه يقول: القرآن مخلوق، وإن الله معه في الأرض -أي: بذاته- وإن الجنة والنار لم يخلقا، وإن منكرًا ونكيرًا باطلان، وإن الصراط باطل، وإن الساعة باطل -يعني: هو لا يؤمن بالبعث- وإن الميزان باطل مع كلام كثير ذكره.\nقال: فقال: أدخله علي.\nأي: أدخله علي لأرى ما هي حكايته.\nقال: فأدخلته عليه، قال: فقال: يا بشر! أدنه.\nأي: اقترب مني.\nويلك يا بشر، أدنه مرتين أو ثلاثًا.\nوبشر خائف؛ لأن أهل السنة لهم هيبة ووقار وخشية في قلوب العباد خاصة المبتدعين الضلال.\n(فلم يزل يدنيه حتى قرب منه، فقال: ويلك يا بشر من تعبد؟ وأين ربك؟ قال: وما ذاك يا أبا الحسن؟) أي: لماذا تسألني هذه الأسئلة؟.\n(قال: أخبرت عنك أنك تقول: القرآن مخلوق، وأن الله معك في الأرض، ولم أر شيئًا أشد علي من قولك: إن القرآن مخلوق، وإن الله معك في الأرض، فقال له: يا أبا الحسن! لم أجئ لهذا) يعني: أنا لم أجئ من أجل أن تختبرني.\n(إنما جئت في كتاب خالد تقرؤه علي).\nيعني: أتيت لأطلب الحديث.\n(قال: فقال له: لا؛ ولا كرامة)، وكان مذهب أهل السنة","vol":"33","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>موت بشر المريسي</span>\n[قال إبراهيم: ويوم مات بشر جعل الصبيان يتعادون بين يدي الجنازة ويقولون: من يكتب إلى مالك؟ من يكتب إلى مالك؟] يعني: كانوا يقولون فرحًا بموته: من يكتب إلى مالك في المدينة أن بشرًا قد مات، فقد كان لعبة للصبيان.\n(وقال هارون أمير المؤمنين: بلغني أن بشرًا المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله علي إن أظفرني به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحدًا قط)، وهذا لما كان الحكام والسلاطين عندهم فهم لدين الله ﷿، وكانوا يعرفون ما معنى القرآن، ويعرفون صفات الله ﷿.\n(قيل لـ سفيان بن عيينة: إن بشرًا المريسي يقول: إن الله لا يرى يوم القيامة) يعني: لا يراه المؤمنون.\n(فقال: قاتله الله، دويبة) يعني: هذا دابة وحشرة من الحشرات، بل أقل من ذلك.\n(ألم يسمع قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥])، وهذا الكلام عن الكفار.\n(فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم، فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء فأي فضل للأولياء على الأعداء إذًا؟ وعن محمد بن أبي كبشة قال: سمعت هاتفًا في البحر يقول: لا إله إلا الله على ثمامة، وعلى المريسي لعنة الله، قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب بشر المريسي فخر ميتًا.\nولما مات بشر بن غياث المريسي لم يشهد جنازته من أهل العلم والسنة أحد إلا عبيد الشونيزي، وهو رجل من أهل السنة.\nفلما رجع من جنازة المريسي أقبل عليه أهل السنة والجماعة وقالوا: يا عدو الله! تنتحل السنة) يعني: تذهب مذهب أهل السنة.\n(وتشهد جنازة المريسي؟ قال: أنظروني حتى أخبركم، ما شهدت جنازة رجوت فيها من الأجر ما رجوت في شهود جنازته) يعني: صلاتي على الرجل هذا من أرجى الأعمال لدي عند الله ﷿.\n(قال: لما وضع في موضع الجنائز قمت في الصف فقلت: اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن برؤيتك في الآخرة، اللهم فاحجبه عن النظر إلى وجهك يوم ينظر إليك المؤمنون، اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم فعذبه اليوم في قبره عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين، اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم فخفف ميزانه يوم القيامة، اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفع فيه أحدًا من خلقك يوم القيامة.\nقال: فسكتوا عنه وضحكوا.\nوقال المروزي: سمعت بشر بن الحارث -وهو بشر الحافي، وهو رجل من الأولياء الصالحين- يقول: جاء موت هذا الذي يقال له المريسي وأنا في السوق، فلولا أنه كان موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود).\nيعني: لو لم يكن السوق موقع يشهر فيه العبد، فلو سجد شكرًا لله على سماع خبر نعي بشر المريسي، فسيقولون: هذا بشر الحارث قد سجد، وهو ما كان يحب أن يشهر؛ لأنه كان ورعًا.\nفقال: [لولا أن موضع السجود في السوق موضع شهرة لسجدت.\nثم قال: والحمد لله الذي أماته، هكذا قولوا.\nمات بشر المريسي في ذي الحجة سنة ثمان عشرة ومائتين، قال: ويقال: سنة تسع عشرة ومائتين].","vol":"33","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>كلام الذهبي في بشر المريسي</span>\nوالذهبي تكلم عن المريسي فقال: (هو المتكلم المناظر البارع أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريم العدوي مولاهم البغدادي المدني، لأنه كان من موالي آل زيد بن الخطاب ﵁.\nوكان بشر من كبار الفقهاء، أخذ عن القاضي أبي يوسف، وروى عن حماد وسفيان بن عيينة، وناظر في الكلام فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرد القول بخلق القرآن ودعا إليه، حتى كان عين الجهمية في عصره وعالمهم، فمقته أهل العلم، وكفره عدة من العلماء، ولم يدرك جهم بن صفوان بل تلقف مقالاته من أتباعه.\nوللمريسي تصانيف كثيرة، ذكره النديم وأطنب في تعظيمه وقال: كان دينًا ورعًا متكلمًا، ثم حكى أن البلخي قال: بلغ من ورعه أنه كان لا يطأ أهله ليلًا؛ مخافة الشبهة).\nيعني: كان لا يجامع امرأته بالليل مخافة أن تكون ليست امرأته، والتنطع في الإسلام إما أن يكون بالسلب أو الإيجاب، بإدخال ما ليس من الدين فيه، أو بترك ما فرضه الله ﷿ تنطعًا وانحلالًا.\nقال: (ولا يتزوج إلا من هي أصغر منه بعشر سنين؛ مخافة أن تكون رضيعته، وكان جهميًا له قدر عند الدولة، وكان يشرب النبيذ، وقال مرة لرجل اسمه كامل: في اسمه دليل على أن الاسم غير المسمى.\nله كتاب في التوحيد، وكتاب في الإرجاء، والرد على الخوارج، والاستطاعة والرد على الرافضة في الإمامة، وكفر المشبهة، وكتاب في المعرفة، وكتاب في الوعيد، وأشياء غير ذلك كثيرة.\nقال ابن مهدي أيام ما صنع بـ بشر ما صنع: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.\nوقال يزيد بن هارون: ما في فتيانكم من يفتك به؟) يعني: لا يوجد أحد يتخلص منه.\n(وقال أحمد بن حنبل لما ذكر عنده المريسي: كان أبوه يهوديًا، أي شيء ترونه يكون؟) أي: يكون يهوديًا مثله بالضبط.\nوقال الإمام الذهبي كلامًا جميلًا جدًا، وهذا يدل على قمة العدل والإنصاف عند الإمام الذهبي، قال: (مات بشر المريسي سنة ثمان عشرة ومائتين وقد قارب الثمانين، فهو بشر الشر، وبشر الحافي بشر الخير).\nوالاثنان كانا في زمن واحد، وفي بلدة واحدة أيضًا.\n(كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السنة، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة).\nومن كفر ببدعة وإن جلت -يعني: وإن عظمت وكبرت- ليس هو مثل الكافر الأصلي.\nيعني: الذي يكفر ببدعة ليس هو كالكافر الأصلي.\n(ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلى وحج وزكى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع؛ كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها).\nوهذا كلام فيه اعتدال، فهو يريد أن يقول: إن هذا المجرم كافر، لكن كفره لا يسوى بكفر فرعون وهامان، فكفرهما كفر أصلي، وهم في جهنم، لكنهم في دركات تختلف بعضها عن بعض، فليس كفر الكافر الأصلي كالكفر الطارئ.","vol":"33","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>كلام ابن كثير في بشر المريسي</span>\nوتكلم ابن كثير كذلك عن بشر المريسي فقال: غلب عليه الكلام، وقد نهاه الشافعي عن تعلمه وتعاطيه فلم يقبل منه، وقال الشافعي: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بعلم الكلام.\nوقد اجتمع بشر بـ الشافعي عندما قدم بغداد.\nقال ابن خلكان: جدد القول بخلق القرآن، وحكي عنه أقوال شنيعة، وكان مرجئيًا، وإليه تنسب المريسية من المرجئة، وكان يقول: إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر، وإنما هو علامة للكفر.\nوكان يناظر الشافعي، وكان لا يحسن النحو، وكان يلحن لحنًا فاحشًا حتى يضحك منه الصبيان.\nويقال: إن أباه كان يهوديًا صباغًا بالكوفة، وكان يسكن درب المريسي ببغداد، والمريس عندهم هو الخبز الرقاق يمرس بالسمن والتمر.\nقال: ومريس ناحية ببلاد النوبة تهب عليها في الشتاء ريح باردة].\nقال اللالكائي نقلًا عن وكيع: [وصف داود الجواربي الرب ﷿ فكفر في صفته، فرد عليه المريسي فكفر المريسي في رده عليه؛ إذ قال: هو في كل شيء.","vol":"33","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-657>حكم من شبه الله بشيء من خلقه</span>\nقال: [قال نعيم بن حماد]، وهو من أئمة السنة، وقد كان من شيوخ البخاري، وهو إمام وجبل من جبال السنة، وكان على عقيدة أهل السنة والجماعة، داعية إليها، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، وأما هو في الحديث فكان ضعيفًا: قال: [من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس فيما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه] يعني: حتى لا تحتج علينا الممثلة أو المشبهة أن ربنا له عين وله رجل وله يد وله كذا، نقول: له هذه الصفات كما يليق بجلاله وكماله ﷾.\n[وقال إسحاق بن راهويه: من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم؛ لأنه وصف بصفاته إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول ﷺ.\nوقال إسحاق: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة، وما أولعوا به من الكذب: أنهم مشبهة].\nيعني: أهل البدع كالنفاة يقولون عن أهل السنة: إنهم مشبهة؛ لأنهم أثبتوا الصفات لله ﷿.\nقال: [بل هم المعطلة، ولو جاز أن يقال لهم: هم المشبهة؛ لأنهم شبهوه بالعدم لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولون: إن الرب ﵎ في كل مكان بكماله، في أسفل الأرضين، وأعلى السماوات على معنىً واحد، وكذبوا في ذلك، ولزمهم الكفر].","vol":"33","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>نبز أهل الأهواء أهل السنة بالألقاب السيئة</span>\nوقال أبو حاتم الرازي: [علامة الجهمية أنهم يسمون أهل السنة: مشبهة].\nفالجهمية النفاة يطلقون على أهل السنة والجماعة أنهم مشبهة؛ لأنهم يثبتون الصفات، لكن على المعنى اللائق بالله ﷿، ولا نقول بأنها تماثل صفات المخلوقين، ونقول بأن من قال بذلك فقد كفر.\nقال: [علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة: مشبهة، وعلامة القدرية تسميتهم أهل السنة: مجبرة] أي: أن العباد مجبورون على أفعالهم.\n[وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة: نقصانية]؛ لأننا نقول: إن الإيمان يزيد وينقص حسب العمل والطاعة، فمن زادت طاعته زاد إيمانه، ومن نقصت نقص إيمانه، فالمرجئة يقولون: أهل السنة نقصانية، وهم يقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولو تصور نقصانه كان كفرًا، وهذا ضلال.\nقال: [وعلامة المعتزلة تسميتهم أهل السنة: حشوية]، وهذا من الوقيعة في أهل الأثر، فهم يريدون إبطال الآثار عن النبي ﵊، فيقولون: المحدثون حشوية.\nقال: [وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة نابتة وصابئة] والتشيع ليس هو الأسبق في الوجود من السنة، فالسنة هي الأصل، والشيعة يسموننا: ناصبة، أي: أننا ناصبنا عليًا العداء، فنحن نحن نحب علي بن أبي طالب ﵁ ولكن دون إفراط ولا تفريط، فلا نجافي ولا نغالي، ونضعه في منزلته في الخلافة والإمامة، والمنزلة بعد أبي بكر وعمر وعثمان.\nوشاه إيران عليه لعنة الله أحب أن يعمل مقارنة بين أهل السنة والشيعة، وهو لم يكن له علاقة بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد، وإنما أحب أن يتسلى على عادة الحكام الذين يتسلون بأصحاب الديانة، فجمع علماء أهل السنة وعلماء الشيعة ليتناظروا، وليرى من الذي سيغلب، فقيض الله لأهل السنة رجلًا من كبار أهل العلم، ومن أصحاب الاستقامة، فأمر أتباعه ألا يتكلموا بين يديه بكلمة واحدة، وما عليهم إلا أن يفعلوا كما يفعل هو.\nفلما دخل علماء أهل السنة على شاه إيران قام إمام أهل السنة وخلع نعله ووضعه تحت إبطه، فلما رآه أصحابه قاموا بخلع نعالهم، ووضعوها تحت آباطهم، والشيعة جلسوا في الناحية المقابلة لهم، فإمام أهل السنة وضع الجزمة على الطاولة وكذا أصحابه فـ شاه إيران قال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: عندنا نص عن النبي ﵊ أن الشيعة على عهده كانوا يسرقون النعال، فقام زعيم الشيعة وقال: لم يكن هناك شيعة على عهد الرسول، فقال العالم: قد حكمت.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"33","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>الأسئلة</span>","vol":"33","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-660>حكم كشف العورة للضرورة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من تعرض لكشف العورة أثناء العمليات الجراحية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  معلوم يقينًا أن الطب لا بد فيه من كشف العورات، وبلا شك أنه كلما ضاقت هذه الدائرة كان ذلك أفضل، ولا شك أن الطبيب إذا كان رجلًا والمريض كذلك فهو الأصل ولا يصار إلى غيره إلا لعذر، كأن تكون هناك طبيبة جراحة في قرية وليس في هذه القرية طبيب غيرها، والحالة قد أتتها مستعجلة ولا يمكن حملها إلى مكان آخر، ففي هذه الحالة لا حرج على هذه المرأة أن تجري العملية على هذا النحو، والعكس بالعكس بين النساء والرجال.","vol":"33","page":17},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-661> قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)</span>\nالإيمان بالقدر ركن عظيم من أركان الإيمان، ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بالإيمان به، ولما كان باب القدر من أعظم الأبواب التي يمكن أن يدخل منه أصحاب الشبه وأرباب البدع فقد حذر السلف من الخوض فيه، وبذلك يسلم للعبد دينه، ولا ينحرف في هذا الباب انحراف القدرية والجبرية على طرفي نقيض.","vol":"34","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>الإيمان بالقدر وأهميته</span>\nإن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nإن الإيمان بالقدر ركن عظيم جدًا من أركان الإيمان التي وردت في غير ما آية وفي غير ما حديث، ونصوص السنة قد اهتمت بإبراز هذا الركن من أركان الإيمان، وفي سؤال جبريل للنبي ﵊ قال: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره).\nفمعظم الروايات أعقبت القدر بعد ذكر الإيمان فقال: (وأن تؤمن بالقدر)، والسياق يقول: (وبالقدر خيره وشره، حلوه ومره)، فأفرده وقرنه بالإيمان، ولم يقل: أن تؤمن بالله، وأن تؤمن بالملائكة وأن تؤمن بالرسل، وإنما قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر)، وهذا يدل على مزيد عناية السنة بإبراز هذا الركن من أركان الإيمان؛ لأنه ركن مهم جدًا.\nولذلك ورد عنه ﵊ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر) مع أنه لا يؤمن حتى يؤمن بالله، وحتى يؤمن بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، ولكن لما كان هذا الركن قد أخذ كلامًا كثيرًا وطويلًا ولغطًا واختلاطًا في الجاهلية على ألسنة اليهود والنصارى والمجوس والفلاسفة وعبدة الأوثان قبل الإسلام؛ فإن النبي ﵊ أفرده بالذكر وعناه بالاهتمام؛ ليدل على أهميته؛ وعلى أنه ركن عظيم وخطير من أركان الإيمان.","vol":"34","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-663>موقف أهل السنة والجماعة من الإيمان بالقضاء والقدر</span>\nإن لأهل السنة والجماعة موقفًا متميزًا من القدر كموقفهم من أي ركن من أركان الإيمان، ولما كان هذا الركن هو أعظم ركن يمكن أن تدخل منه الشبهات في قلوب وعقول أبناء المسلمين؛ نهى السلف ﵃ عن الخوض والكلام فيه، وقالوا: يجب الإيمان به وإمراره كما جاء، وكأنهم أنزلوه منزلة الصفات لله ﷿ من جهة عدم التعرض له، وعدم الخوض فيه، فالمرء لابد أن يؤمن أن كل شيء من عند الله خيرًا كان أو شرًا، وأن مطلق الشر لا ينسب إلى الله ﷿ وإن كان الله تعالى قد أذن فيه، بمعنى: أذن في إيجاده وخلقه، والعبد هو المكتسب للخير والشر؛ لأنه الذي مارس بيديه الخير والشر.","vol":"34","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>مراتب الإيمان بالقدر</span>","vol":"34","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>مرتبة العلم</span>\nفالخير قد أذن الله تعالى في وجوده وفي خلقه، ورضيه وأحبه، والشر أذن الله تعالى في وجوده وخلقه، ولكنه لم يرضه ولم يحبه.\nوقد جاءت آيات في كتاب الله وأحاديث في سنة المصطفى ﷺ لها تعلق بإثبات القدر، ونقل إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ﷿ طاعاتها ومعاصيها، فكل فعل يصدر عن العبد فإن الله تعالى هو الذي أذن بوجوده وخلقه، سواء كان هذا الفعل معصية أو طاعة؛ لأن المعصية لا يمكن أن يوجدها فاعلها دون إذن الله ﵎، بمعنى: أنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله ﷿، فكيف يتصور أن الزاني يزني والله لم يأذن له في ذلك؟ فلا يتصور وجود من خير أو شر في الكون إلا والله تعالى قد أذن فيه، ومعنى أذن فيه: أنه وقع بعلم الله، وأن الله تعالى أراده، ولكنها إرادة كونية قدرية مبناها على ما أحب وكره، بخلاف الإرادة الشرعية فإن مبناها المحبة والرضا، فإذا صليت وصمت وزكيت وحججت إلى بيت الله الحرام، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر؛ فإن هذه الأفعال كلها مخلوقة لله ﷿، وقد أذن فيها، بل وأمر بإتيانها وأحبها؛ ولذلك فرضها، وهذه الأفعال تقع تحت مشيئة الله الشرعية؛ لأنها متعلقة بالأمر الذي أحبه الله تعالى لعباده ورضيه لهم.\nوأما أفعال الشر من الزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك من أنواع المعاصي كبائرها وصغائرها؛ فإن هذه المعاصي كرهها الله ﷿، ونهى عنها، ورتب عليها في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ العقوبة الشديدة لمن اقترفها، ولكن العبد يأتيها بعلم الله، فقد علم سبحانه قبل أن يخلق السموات والأرض أن من عباده فلانًا سيزني في يوم كذا، في الساعة كذا، في المكان كذا، وأنه سبحانه كتب ذلك قبل أن يخلق السموات والأرض.\nفالمرتبة الأولى: هي مرتبة العلم، فالله تعالى يعلم ما سيقع من عباده، إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر.","vol":"34","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-666>مرتبة كتابة الأعمال</span>\nالمرتبة الثانية: أن الله تعالى كتب في صحيفة هذا العبد أنه سيزني، أو سيسرق، أو سيقتل، أو سيشرب الخمر أو غير ذلك.","vol":"34","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>مرتبة الإرادة والمشيئة</span>\nالمرتبة الثالثة: هي مرتبة الإرادة والمشيئة لله ﷿، فالله تعالى أذن في وقوع المعاصي وأرادها، ولا تقتضي كلمة (أرادها) أنه أحب ذلك، فهو يحب الطاعات ويكره المعاصي، فإذا أتى العبد فعلًا من أفعال الطاعات فنقول: إن هذا الفعل متعلق بإرادة من الإرادتين؛ لأن الله تعالى يريد إرادة شرعية دينية مبناها على المحبة والرضا، وهي أعمال الطاعات.\nفمعنى إرادة شرعية: أن لها تعلقًا بالشرع، وبالأمر الذي أحبه ورضيه لعباده، ومعنى دينية: أن لها تعلقًا بالكتاب والسنة مبناها على المحبة والرضا، ولو أن الله تعالى لم يحبها ولم يأذن فيها بل نهى عنها كالمعاصي، فإنه ما من شيء يقع في الكون إلا وهو بعلم الله، وقد كتبه الله على ذلك العبد، فالعبد لما اختار هذه المعصية، وعلم الله ﷿ علمًا أزليًا أن هذا العبد سيسلك هذا الطريق -وهو طريق المعصية- كتبه عليه، وقد أفرغ الله تعالى حجتك بأن أرسل إليك الرسل وأنزل عليهم الكتب؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة.\nوأنت الآن لو خيرت في سبيل له طريقان: طريق أخبرت أن فيه شوكًا وعقبات، وطريق آخر ممهد سهل ميسر، فإنك ستختار الطريق الميسر، فكذلك الله ﵎ أرسل الرسل، وأنزل معهم الكتب، وبين لك الحلال والحرام، وأمرك بالحلال وبالطيبات، وحذرك من الحرام ومن المعاصي، ثم بين لك أن عاقبة التقوى وعاقبة الطاعة الجنة، وأن عاقبة المعاصي النار، ومع هذا فهناك من يختار طريق النار، وهو يعلم أن هذه المعصية تؤدي بك إلى النار.\nفلما علم الله ﷿ منك ذلك سلفًا، وقد بين لك هذا وهذا، وأنت تأتي هذه المعصية عالمًا بأنها معصية، وعالمًا بمآلها؛ كتبها عليك؛ لأنك اخترتها، وتركت الخير الذي يضادها، فكتبها الله ﷿ عليك، فالطاعات أرادها الله تعالى لك، ورضيها وأحبها وأمر بها، وجعل عاقبة من أتاها الجنة، وأما المعاصي فإن الله تعالى كرهها وسخطها وبغضها إلينا، وبين عاقبتها ومآلها، وحذرنا منها؛ ولأجلها أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق لها في الآخرة نارًا لمن أدمن هذه المعاصي؛ وخاصة الكفر والشرك.\nوالعبد يختار هذا مع علمه بمآله وعاقبته.\nوهذه المعاصي ما كانت لتقع من العبد رغمًا عن الله، فلو أراد العبد الآن أن يقوم من مقامه فإنه لا يقوم إلا بإذن الله، ومن الناس من يقوم لصدق في نيته، ومن الناس من يقوم لمعصية في نيته، فرجل يخرج من بيته ليطلب العلم؛ فيعينه الله ﵎، وييسر له طريق الصواب، ويعطيه القوة على أن يصل إلى بغيته، ورجل بجواره على نفس الكرسي قام ليزني، أو ليسرق، أو ليقتل؛ فهل كان بإمكانه أن يقوم من مقامه رغمًا عن الله أو بغير إذن الله؟ هل يتصور أن يقع في الكون غير ما أراد الله؟ فإرادته الشر إرادة كونية قدرية وليست إرادة شرعية دينية، بمعنى: أن الله تعالى قدر الأفعال التي تقع في الكون، وأرادها وأذن في وقوعها، ومبناها أحيانًا يكون على المحبة والرضا كالإرادة الشرعية الدينية، وأحيانًا يكون مبناها على السخط والبغض كالمعاصي وأعظمها الكفر.","vol":"34","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-668>مرتبة الخلق والإيجاد للخير والشر</span>\nالمرتبة الرابعة: الخلق والإيجاد، وهذه المرتبة أخذت بعدًا عظيمًا في اختلاف الناس، فبعضهم قال: إن العبد يخلق أفعال نفسه، فنقول: إن هذا العبد إما أن يكون خالقًا أو مخلوقًا، ولا أحد يقول بأن العبد خالق، فلا بد أن يكون مخلوقًا، وأفعاله وما يصنعه مخلوق؛ لأنه لا يتصور أن هناك مخلوقًا يكون خالقًا لغيره؛ ولذلك قال النبي ﵊: (إن الله تعالى خالق كل صانع وصنعته).\nفأنت من صنع الله ومن خلق الله، وما تأتي من أفعال من خير أو شر هي بإرادة الله ﷿، فإذا كانت أفعال شر فإن ذلك بإرادته الكونية القدرية، وإذا كانت أفعال خير فبإرادته الشرعية الدينية، فالله ﷿ خلق إبليس وهو رأس الشر، وهو سبحانه لا يحب إبليس وما يفعله، فلو أن الله تعالى أراد أن يمنع إبليس من إغوائه وإضلاله لمنعه، فإبليس يسول ويغوي ويضل؛ لأن الله أذن له في ذلك.\nفإذن الله له لا يعني: أنه يحب ذلك، بل كره الله تعالى منه ذلك، وأوعده وأوعد أتباعه بالنار وبئس المصير يوم القيامة، وكان بإمكان المولى ﷿ أن يمنع إبليس من الإغواء والإضلال، وأن ينور بصائر العباد بعدم الاستماع له، وبأن يكتب عليهم جميعًا الصلاح، لكن لا قيمة للحياة بغير الخير والشر، وإلا لو أراد الله ﷿ أن يجعل جميع الخلق مؤمنين لفعل، ولكن الحياة لا تحلو ولا تجمل إلا بوجود النقيضين ووجود الضدين.\nفأنت لا تعرف الصحة إلا بوجود المرض، ولا تعرف الشبع إلا بوجود الجوع، ولا تعرف الخير إلا بوجود الشر، ولا تعرف فضل الجنة إلا بوجود النار، ولا تعرف فضل الملائكة إلا بوجود إبليس، ولذلك خلقه المولى ﷿ وجعل له حظًا ونصيبًا من الخلق، وقد ورد في الحديث: (إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلها، وخلق النار وخلق لها أهلها).\nفالمرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر: هي مرتبة الخلق والإيجاد للخير والشر على السواء، وأن الذي أذن بوجود الخير، وأذن بوجود الشر هو الله ﷿، أذن فيها وأعان عليها.\nفالعبد أحيانًا يكون له اختيار، وأحيانًا لا يكون له اختيار، بل هو مسير مقهور على ذلك، كعبد يصاب بمرض معين، فهذا المرض من أقدار الله ﷿، وهو مخلوق لله ﷿، فهو الذي خلقه، وهو الذي أوجده، وهو الذي صنعه، وهو الذي أذن في وجوده، فالعبد مسير فيه، بمعنى: أنه لا يمكن له دفع هذا المرض.\nفلو أنك أبيض اللون والبشرة، وتريد أن تكون أسود؛ هل تستطيع ذلك منذ نشأتك الأولى؟ أو أن تكون أسود وتريد أن تكون أبيض: هل هذا بيديك؟ لا، فهذه الألوان من خلق الله ﷿، فأنت مقدور عليها مجبور عليها، فقد خرجت لأبوين أسودين أو أبيضين؛ فكنت أبيض أو أسود، ولا اختيار لك فيه، فأنت فيه مسير، وهناك من الأعمال ما يكون الإنسان فيها مسيرًا ولا يمكن له الاختيار فيه، ومن الأعمال ما يمكن للعبد فيها الاختيار.\nفتصور لو أننا أتينا بملكة جمال ووضعناها في غرفة، وأوقدنا الغرفة المجاورة لها نارًا، وأتينا بأزنى الناس وقلنا له: ازن بهذه المرأة الحسناء، ولكن بعد فراغك من هذه الفعلة القبيحة ادخل تلك الغرفة المجاورة، هل سيرضى الرجل بالزنا مع أنه أزنى الناس؟ لا يرضى به، بل ولا يقوى عليه؛ لخوفه من العقوبة.\nفهو يختار ألا يزني إذا رأى عاقبة زناة، فمن الذي خلق فيه هذا الاختيار؟ إن الله ﷿ هو الذي خلق فيه هذا الاختيار، وهو الذي أعانه على أن يختار الخير وأن يختار الطاعة، ولو ترك هذا العبد لاختار المعصية.\nوفي حال اختياره للمعصية هل يستطيع أن يزني رغمًا عن الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يستطيع، فنقول: إن الله تعالى أذن في وجود الكفر، وأذن في وجود المعاصي، ولكنه لم يرضها، ولو كانت المعصية والطاعة عند الله سواء فما قيمة بعث الرسل، وإنزال الكتب؟ وما قيمة الدعوة؟ وما قيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ بل ما قيمة الجنة والنار؟ فإن الأفعال كلها خيرها وشرها مخلوقة لله ﷿، بمعنى: أنه أذن في وجودها، ولكنه رتب على الشر العقوبة، ورتب على الطاعة الجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة.\nولذلك انعقد إجماع السلف على أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ﷿، أي: أن الله تعالى أذن في وجودها، لكن الذي اكتسب الفعل بجارحته هو العبد، فهو الذي قام فصلى وقرأ وركع وسجد على الحقيقة، وهو الذي قام ومشى ووصل إلى موطن الجريمة وأجرم، فالله تعالى أعان الطائع في صلاته، ويسر الطريق ومهده لذلك العاصي.\nفهذه المسألة أخذت كلامًا كثيرًا جدًا سلبًا وإيجابًا عند السلف، بل وقبل مبعث النبي ﵊.","vol":"34","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>ذكر معتقد السلف في علم الله تعالى ومن خالفهم في ذلك</span>\nالمرتبة الأولى: وهي مرتبة العلم، أن الله تعالى علم كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض، فعلمه أزلي لا أول له، والعلم صفة من صفات الله ﷿، وهو يعلم الغيب كما يعلم الشهادة، فإن الله تعالى لا يقاس عليه أحد من خلقه، فنحن لا نعلم إلا ما هو مشاهد، وربما نشاهد الشيء ولا نعلمه، ولكن الله تعالى يستوي عنده العلمان، فهو عالم الغيب كما هو عالم للشهادة، فالكل مشاهد وحاضر بين يدي الله ﷿، فإذا كان الأمر كذلك فلا عجب أن يكفر الصحابة ﵃ من أنكر علم الله تعالى السابق الأزلي.\nولذلك ورد في صحيح مسلم في أول كتاب الإيمان: أن يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن أتيا إلى مكة حاجين أو معتمرين، فقالا: لعلنا نوفق إلى أحد من أصحاب النبي ﵊، وقالا: ليتنا نرى ابن عمر أو أبا سعيد الخدري، فوفقا لـ عبد الله بن عمر وهو يطوف حول الكعبة، فقال حميد: فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره، فقلت: لعله يكل الكلام إلي -يعني: لعله يفوضني في الحديث معه- فقلت: يا أبا عبد الرحمن! قد ظهر قبلنا أناس بالبصرة يتكلمون في القدر، ويقولون: إن الأمر أنف -ومعنى أنف: أن الله تعالى لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، فنفوا عن الله ﵎ علمه السابق بأفعال العباد، وما هم عاملون ومكتسبون- وإنهم يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم -يعني: يطلبون دقائقه، وهم مستمرون في قراءة القرآن وتلاوته- قال عبد الله بن عمر: فإذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني.\nجمهور أهل العلم: على أن مراد عبد الله بن عمر بهذا هو تكفيرهم، ثم انعقد اجتماع أهل السنة والجماعة على أن منكر علم الله تعالى الأزلي كافر.\nوانتقلوا بعد ذلك إلى ابن عباس ﵄، وكان إمامًا من أئمة البصرة، فلما بلغه مقولة معبد، أي: معبد الجهني تلميذ سوسن النصراني، الذي أسلم ثم تنصر مرة أخرى، وهو أول من نفى القدر وتكلم فيه، وأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ عن معبد الجهم بن صفوان.\nفقال حميد لـ ابن عباس: إن بالبصرة أناسًا يقولون: لا قدر، وإن الأمر أنف.\nقال: أوقد فعلوها؟ وكأن ابن عباس عنده علم سابق من النبي ﵊ أن الأمة سيظهر فيها من يقول بهذا، ولكنه تعجب من سرعة ظهور هؤلاء.\nوكل بدعة حدثت في الإسلام إنما مردها إلى نحلة باطلة، أو مردها إلى اليهودية أو النصرانية أو المجوسية، فالقول بالقدر بدعة نصرانية في أصلها؛ لأن القدر ما انتشر في الإسلام إلا على يد معبد تلميذ سوسن النصراني الذي أسلم نفاقًا ثم ارتد إلى النصرانية مرة أخرى.\nوالقول بالقدر ظهر على وجه التقريب سنة أربع وستين هجرية على لسان معبد الجهني، وظهر في البصرة، بل إن معظم البلايا والفتن التي حدثت في الإسلام كان مردها إلى البصرة وإلى الكوفة، فالعراق معروفة منذ فجر الإسلام -بل وقبل الإسلام- بأنها بلاد الفتن، ومنها تطل برأسها.","vol":"34","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>مرتبة الخلق والإيجاد عند علماء الإسلام وعند أهل البدع</span>\nلقد اختلف الناس في الخلق والإيجاد بعد أن اختلفوا في علم الله تعالى، فقال بعضهم: إن الله تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، وإن الأمر أنف، وأهل السنة والجماعة كفروا من قال بذلك، وأما مرتبة الخلق والإيجاد: فمنهم من يقول: إن العبد مسير، أي: مقهور ومجبور على إتيان أفعاله خيرها وشرها، وهذه الفرقة تسمى: الجبرية، وهذه المقولة خطيرة فضلًا عن عدم مناسبتها واتفاقها مع معتقد أهل السنة، ونتج عن هذه المقولة أنه لا يجوز لله ﷿ أن يعاقب العبد، ولو عاقبه لكان ظالمًا؛ لأنه هو الذي قهر العبد، ولم يثبتوا للعبد إرادة ولا اختيارًا، بل قالوا: إن الفاعل الحقيقي للطاعات والمعاصي هو الله، وهذا ضلال مبين.\nوفي المقابل ظهرت فرقة أخرى تقول: إن الأفعال كلها وقعت باختيار وإرادة العبد، ولا دخل لله ﷿ فيها مطلقًا، وخطورة ذلك أنهم جعلوا العبد خالقًا لأفعاله، ولا دخل لله ﷿ في أفعال العباد أبدًا.\nوهذا يتعارض مع معتقد أهل السنة والجماعة القائل: إن الله تعالى خالق كل صانع وصنعته، وهو يلبس على عامة المسلمين بالإرادة والمشيئة، فلم يقسموا الإرادة والمشيئة إلى قسمين كما قسمها أهل السنة: إرادة شرعية دينية، مبنية على المحبة والرضا، وإرادة كونية قدرية لا يشترط فيها المحبة والرضا؛ لأن المعاصي لا يحبها الله ولا يرضاها، ومع هذا فإن الله تعالى قد أذن بوجودها، وهو غير ظالم لمن أتى بها؛ لأنه قد أرسل إليه الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وجعل له العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، فاختار العبد الشر، فلما اختار العبد الشر يسره الله تعالى لاختياره.\nإذًا: فالعبد أحيانًا يكون مخيرًا، وأحيانًا يكون مسيرًا مجبورًا.","vol":"34","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>سياق ما فسر من الآيات والأحاديث في إثبات القدر وإجماع الصحابة ومن بعدهم</span>","vol":"34","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>بيان ما جاء في بداية ظهور بدعة القدر وإنكارها</span>\nقال: [سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله ﷿، وما روي من سنة رسول الله ﷺ في إثبات القدر، وما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة: أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ﷿ طاعاتها ومعاصيها.\nوروي ذلك عن الصحابة لفظًا: عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر] وعدد كثير من الصحابة.\nقال: [وعن طاوس -وهو من التابعين- قال: أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر.\nوبه قال من التابعين: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسليمان بن يسار، وكعب الأحبار]، وعدد كثيرًا من التابعين.\nقال: [قال يونس بن عبيد: أدركت البصرة وما بها قدري إلا سيسويه -اسم سوسن النصراني بالفارسية: سيسويه - ومعبد الجهني، وآخر ملعون في بني عوافة أو بني عوانة].\nيعني: لا يقول بالقدر في البصرة إلا ثلاثة: أولهم سيسويه، وبعده معبد -وهو تلميذه-، ورجل آخر ملعون في قوم يسمون: بني عوافة أوبني عوانة.\nقال: [وعن ابن عون قال: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان].\nيعني: أيهما أفضل علي أم عثمان، والإجماع منعقد على أن عليًا بعد عثمان في الخلافة، لكن وقع الاختلاف في أيهما أفضل: علي أو عثمان؟ ونشأ هذا الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وممن كان يقول بأفضلية علي: سفيان الثوري، وهو من أئمة السلف وأئمة السنة، ولكنه رجع عنه.\nفالراجح وهو مذهب جمهور أهل السنة والجماعة: أن عثمان أفضل من علي بن أبي طالب، وترتيب الأربعة في الأفضلية كترتيبهم في الخلافة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.\nفلم يختلفوا في الخلافة، وإنما اختلفوا في الأفضلية بين علي وعثمان، وهذا الخلاف لا يضلل به المخالف ولا يبدع، فهناك مسائل في الاعتقاد وقع الخلاف فيها بين أهل السنة والجماعة، وهذه المسائل بعينها لا يضلل فيها المخالف، وإنما يضلل المخالف إذا اختلف مع أهل السنة والجماعة في شيء غير ما وقع بينهم من اختلاف.\nمثلًا: هل رأى النبي ﵊ ربه أم لا؟ بعضهم قال: رآه، وبعضهم قال: لم يره، وهذا الكلام ذكرناه وذكرنا الخلاف فيه سابقًا، لكن الراجح من مذهب جمهور أهل السنة: أنه لم يره، والذي قال: إنه رآه لم يتبين من قوله هل: هو أراد أنه رآه بفؤاده أو بعيني رأسه؟ ولم يكن هناك تصريح منه أنه رآه بعيني رأسه، فيحمل قوله على أنه رآه بفؤاده، وبهذا يتفق مع مذهب بقية أهل السنة والجماعة.\nفإذا قال قائل: إنه رآه بعيني رأسه لا يضلل؛ لأنك لو قلت ذلك للزمك الوقيعة والطعن في أصحاب النبي ﷺ، وهذا بلا شك يخالف ما عليه أهل السنة في معتقدهم وتبجيلهم واحترامهم لأصحاب النبي ﵊، المخطئ منهم والمصيب، فنقول: أخطأ فلان ولا نقول: ضل فلان؛ لأن من شعار أهل البدعة أنهم إذا اختلفوا في مسألة كفر بعضهم بعضًا، وضلل بعضهم بعضًا.\nفمعتقد أهل السنة والجماعة إذا اختلفوا في مسألة أن يخطئ بعضهم بعضًا فقط، فنقول: فلان أخطأ؛ وذلك لأنه ليس معصومًا، وأما أن يقول: ضال أو كافر فهذا مذهب أهل البدع، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أهل السنة أرحم بأهل البدع من بعضهم لبعض.\nفانظر إلى منهج الاعتدال عند أهل السنة والجماعة.\nقال: [قال ابن عون: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان، حتى نشأ ها هنا حقير يقال له: سيسويه البقال، وكان أول من قال بالقدر].\nوهذا يدل على أن بدعة القدر نشأت من عند النصارى في البداية.\nقال: [وعن أيوب السختياني قال: أدركت الناس وما كلامهم إلا وإن قضى الله، وإن قدر الله].\nيعني: كان الناس كلهم متفقين على أن القضاء والقدر من عند الله، إلى أن نشأ سوسن، واتخذ له تلاميذ من أبناء الإسلام بزعمهم، فقالوا بتلك المقولة الفاسدة.\nقال: [وعن عبد الله بن يزيد بن هرمز قال: لقد أدركت وما بالمدينة أحد يتهم بالقدر إلا رجل واحد من جهينة يقال له: معبد] ومعبد الجهني أخذ البدعة من البصرة على يد سوسن، ثم انتقل بها إلى المدينة، وأحاديث أهل ال","vol":"34","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-673>ظهور التشيع في مصر والمغرب على يد أبي عبد الله الفارسي</span>\nوالتشيع ما ظهر في بلاد مصر، ولا في القطر المغربي كله إلا على يد رجل واحد أيضًا يقال له: أبو عبد الله الفارسي، وقد أتى من بلاد فارس حاجًا، فنصب خيمته في منى، وتظاهر بالعبادة الشديدة بجوار خيام المصريين.\nفلما رأوا من عبادته وحسن صلاته وقيامه ودعائه أعجبهم ذلك جدًا، فأرادوا أن يتعرفوا عليه، فلم يذكر لهم اسمه أبدًا، وإنما قال: أنا أبو عبد الله الفارسي حتى عرفوه بهذا، وبعد أن فرغ من الحج قالوا: إلى أين تريد؟ قال: إلى بلاد المغرب، قالوا: ولم؟ قال: لأعلم صبيانهم القرآن الكريم.\nقالوا: غرض نبيل، إذا أردت أن تذهب إلى بلاد المغرب فلا بد أن تمر بمصر، فحملوه حملًا على أن يبقى في مصر، وهو يريد أصلًا البقاء فيها؛ لأنه يعلم أن مصر ثغر من ثغور الإسلام، فإذا أراد أحد أن يضرب الإسلام فعليه بمصر، وإذا أراد أحد أن ينصر الإسلام ويؤيده فعليه بمصر.\nفهذا المخالف يعلم أن هذه البقعة المصرية عليها مدار العز والذل لأهل الإسلام، فهو يريد أن يبقى في مصر، لكنه يتظاهر بالاستغناء عن ذلك، فحملوه حملًا على أن يبقى في مصر، وبعد أن بث سمومه بواسطة تحفيظه القرآن الكريم للغلمان والأطفال، ونشأ جيش كبير جدًا من الشباب والرجال يتشيعون لـ علي بن أبي طالب افتضح أمر ذلك الرجل، وعرفه أهل السنة والجماعة، فهرب، وبدأ بأفريقية وانتهى بالمغرب العربي، وهناك أنشأ دولة أخرى عظيمة من دول الشيعة، ولما ضعف المسلمون تمامًا أتى بذلك الجيش الجرار الشيعي من بلاد المغرب، وكلما مر على ملأ أخذ منهم حظًا ونصيبًا من المتاع والعتاد والأفراد الذي يدخلون في مذهبه، ورتب داخليًا مع تلاميذه وأبنائه الذين رباهم في مصر، وكانت هذه البداية لنشأة الدولة الفاطمية في مصر.\nولما حكم الفاطميون مصر قضوا على الأخضر واليابس في دينها، إلى أن قيض الله ﷿ لهذه الأمة بأسرها صلاح الدين الأيوبي.\nوالفاطميون أناس خبثاء، فقد دخلوا مصر ونشروا فيها مذهبهم، وأرادوا أن يظهروا أمام الناس بمظهر حسن، فبنوا الجامع الأزهر لتدريس العلوم الشرعية على مذهب الشيعة، ولكن الشعب المصري لا يميز بين الحق والباطل، ولا بين الخير والشر، ولا بين العسل والسم، فإن معظم الشعب قد تحسى السم وهو يقول للشر: خير، وللباطل: حق؛ لأن الشيخ فلان قال به، والعالم فلان قال به.\nوهكذا حال هذا الشعب في صبر وفي حرب إلى قيام الساعة، فهذا الخلاف وهذا الشر لم يكن موجودًا في الصدر الأول للإسلام.","vol":"34","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>إنكار السلف لبدعة القدر</span>\n[قال: لقد أدركت وما في المدينة أحد يتهم بالقدر إلا رجل واحد من جهينة يقال له: معبد ومن الفقهاء -أي: الذين قالوا بأن أفعال العباد مخلوقة لله ﷿، وقالوا بإثبات القدر-: مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ومن أهل مكة ابن جرير، وسفيان بن عيينة وغيرهم، ومن أهل مصر، ومن أهل الشام، ومن أهل العراق، ومن أهل الكوفة، ومن فقهاء أهل البصرة، ومن أهل بغداد، ومن خراسان، ومن القراء والأدباء] وغيرهم كثير.\nقال: [قال أحمد بن يحيى ثعلب: لا أعلم أعرابيًا قدريًا].\nيعني: لا أعلم عربيًا خالصًا أصيلًا قال بالقدر، فالقدر لم يكن معروفًا عند العرب.\n[قيل له: يقع في قلوب العرب القول بالقدر -صحيح أن هذه البدعة ليست من قولهم ولا من كيسهم، وإنما تشربتها قلوبهم- قال: معاذ الله! ما في العرب إلا مثبت للقدر خيره وشره، أهل الجاهلية والإسلام، وذلك في أشعارهم وكلامهم كثير.\nقال الشيخ أبو القاسم الحافظ: وهو مذهب أهل السنة والجماعة، يتوارثونه خلفًا عن سلف من لدن رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب، والحمد لله على ذلك، وأسأل الله تمام ذلك بفضله ورحمته].","vol":"34","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-675>استدلال السلف ببعض الآيات والأحاديث المثبتة للقدر</span>\nقال: [باب: تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]]، (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ): أنتم وما تعملونه، فإنه مخلوق لله تعالى، بمعنى: أن الله تعالى هو الذي أذن في إيجاد وخلقه.\nقال: [عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: (المعروف كله صدقة، وإن الله صانع كل صانع وصنعته)].\nأي: أن الله خالق كل مخلوق وما عمل، وهذا الحديث عند البخاري في كتاب الرد على القدرية، وكذلك عند مسلم.\nقال: [وعن حذيفة قال: قال النبي ﷺ: (الله يصنع كل صانع وصنعته)، قال الفزاري: قال رجل: يعني: خلقكم وما تعملون].\nفأنتم كما أنكم مخلوقون لله، فكذلك ما تفعلونه مخلوق لله من باب أولى.\nقال: [وعن ابن عباس في هذه الآية: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، قال: كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة.\nقال: والملائكة يستنسخون ما يعمل بنو آدم يومًا بيوم، فذلك قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]] يعني: نكتب ما كنتم تعملون.\nقال: [وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، قال: الذين يقولون: إن الله على كل شيء قدير].\nأي: من صفات العلماء الذين يخشون الله تعالى أنهم يقولون: إن الله على كل شيء قدير.\nوما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]: قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﷺ يخاصمونه في القدر -يعني: يجادلونه في مسألة القدر- فأنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩])].\nفهذه الآيات نزلت ردًا على المشركين الذين لا يثبتون أن كل شيء بقدر.\nقال: [وقال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﷺ يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية ثم تلاها.\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع في زمزم -يعني: هو يخرج بالدلو ماء من زمزم- وقد ابتلت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم.\nقال: والله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩]، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، ولو أريتني واحدًا منهم فقأت عينه.\nوعن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] قال: يقول: الله خلق الخلق كلهم بقدر، وخلق الخير والشر، فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة].\nهذا كلام ابن عباس حبر الأمة، فالكل مخلوق لله ﷿، ولا خالق إلا هو سبحانه، قال: وخلق الخير والشر، ومعنى خلقه ذلك: إذنه في وجوده، ومع ذلك فهو لا يرضاه ولا يحبه.","vol":"34","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>باب ما روي أن مسألة القدر متى حدثت في الإسلام وفشت</span>\nقال: [باب: ما روي أن مسألة القدر متى حدثت في الإسلام وفشت: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر)] ومعنى (لا يؤمن) فيه تفصيل، والحكم يختلف بحسب هذه المراتب، وبحسب ما إذا كان الذي لا يؤمن بالقدر رأسًا في بدعته، أو تابعًا فيها، فإذا كان المنكر للقدر منكرًا لعلم الله الأزلي؛ فإنه يكفر ويخرج عن ملة الإسلام، وإذا كان ينسب الخلق والإيجاد للعبد دون الله ﷿ فإنه يكفر كذلك؛ خاصة إذا كان رأسًا في بدعة القدر، عالمًا بما يقول، وحينئذ ينطبق عليه قوله ﵊: (لا يؤمن عبد) أي: يكفر من لا يؤمن بالقدر، أو حتى يؤمن بالقدر.\n[قال أبو حازم: لعن الله دينًا أنا أكبر منه، يعني: التكذيب بالقدر].\nيريد أن يقول: إن قومًا تدينوا بدين لم يكن هو دين النبي ﵊، فهم ملعونون وما يدينون، أما أنا فارتفع عن هذه الديانة، أي: ارتفع عن هذا التكذيب وهذا الكفر.\n[وقال ابن عباس في القدرية: أولئك شرار هذه الأمة.\nوعن حماد بن زيد عن أيوب قال: أدركت الناس هاهنا وكلامهم: وإن قضى وإن قدر]، يعني: أن الناس كانوا على إثبات عقيدة القضاء والقدر.","vol":"34","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-677>كلام أبي الأسود الدؤلي في القدر وبراءته من القول بنفي القدر</span>\nقال: [عن عثمان بن عبد الله قال: أول من تكلم في شأن القدر أبو الأسود الدؤلي].\nأبو الأسود إمام كبير جدًا من أئمة البصرة، وهو تلميذ علي بن أبي طالب؛ ولذلك فهذا الكلام له محملان: إما أن يكون شاذًا؛ لأن أبا الأسود الثابت عنه بالسند الصحيح أنه يثبت عقيدة القضاء والقدر، وإما أن يكون أول من تكلم في القدر أبا الأسود الدؤلي من جهة إثباته، ويكون هذا الكلام فيه تجوز؛ لأن أول من تكلم في إثبات القدر هو النبي ﵊، وأصحابه، والتابعون، وأتباعهم إلى يومنا هذا.\nفإذا كان المقصود: أول من تكلم في إثبات القدر هو أبو الأسود فمحمله: أنه أول من تكلم في إثبات القدر بالبصرة في وجود معبد الجهني، ويكون حميد قد ذهب إلى مكة وقابل عبد الله بن عمر، فيكون أول من رد على معبد الجهني هو أبو الأسود الدؤلي.\nوالدليل على أن أبا الأسود الدؤلي من الذين ثبت عنهم أنهم أثبتوا عقيدة القضاء والقدر: ما روي عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة وفيه رهق -يعني: كان شابًا مراهقًا -وكان يتوثب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن، وفرض الفرائض، وقص على الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زعم أن العمل آنف: من شاء عمل خيرًا، ومن شاء عمل شرًا.\nقال: فلقيت أبا الأسود الدؤلي فذكرت ذلك له، فقال: كذب، ما رأينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ لا يثبت القدر.\nإذًا: فعقيدة أبي الأسود إثبات القدر.\nقال: يحيى بن يعمر: ثم إني حججت وحميد بن عبد الرحمن الحميري، فلما قضينا حجنا وكنا قلنا: نأتي المدينة فنلقى أصحاب رسول الله ﷺ فنسألهم عن القدر، فلما أتينا المدينة لقينا أناسًا من الأنصار فلم نسألهم، قلنا: حتى نلقى ابن عمر أو أبا سعيد الخدري.\nقال: فلقينا ابن عمر فاكتنفته أنا وصاحبي، قال: فقمت عن يمينه وقام هو عن شماله، قال: قلت: تسأله أو أسأله؟ قال: لا، بل اسأله، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن! إن ناسًا عندنا بالعراق قد قرءوا القرآن، وفرضوا الفرائض، وقصوا على الناس، يزعمون أن العمل أنف: من شاء عمل خيرًا، ومن شاء عمل شرًا، قال: فإذا لقيتم ذلك فقولوا: يقول ابن عمر: هو منكم بريء، وأنتم منه براء، فوالله لو جاء أحدهم من العمل بمثل أحد ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر! لقد حدثني عمر: عن رسول الله ﷺ: (أن موسى لقي آدم فقال: يا آدم! أنت خلقك الله بيده، وأسجد لك الملائكة، وأسكنك الجنة، فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحد من ذريتك النار.\nقال آدم: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه؛ تلومني بما قد كان كتب علي قبل أن أخلق؟! فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى).\nيعني: آدم غلب موسى بحجته، وهذا الحديث ظاهره جواز الاحتجاج بالقدر على المعصية، فآدم قد عصى الله فأكل من الشجرة، واحتج بالقدر، وما كان احتجاج آدم إلا بعد أن تاب؛ ولذلك مذهب أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية إلا لمن تاب؛ ولذلك حدت الحدود، وأقيمت العقوبات؛ لتطهير من أذنب، وهذه العقوبات كذلك هي من قدر الله.\nجيء إلى عمر برجل قد زنى، وأراد أن يحتج على زناه كما احتج آدم، فقال: يا أمير المؤمنين! أتحدني في أمر قد قدره الله علي؟ قال: نعم، إنما نحدك بقدر الله أيضًا.\nفالمعاصي وقعت بقدر الله الكوني القدري، والعقوبات جعلت بقدر الله تطهيرًا لهذه المعاصي، فالمرء يفوض أمره إلى الله ﷿ ويتوب، وتقام عليه الحدود، ويعتقد في قلبه أن ما وقع منه كان باختياره، ولو أراد الله تعالى ألا يقع فيها العبد لفعل، ولكن لما اختار العبد طريق المعصية مهد الله تعالى له الطريق إليها؛ ولذلك اختلف المعتزلة والجهمية في مسألة القدر، فبعضهم يثبت أن العبد مسير ومجبور، وبعضهم يقول: هذه الإرادة كلها والاختيار كله للعبد ولا دخل لله ﷿، فيها.\nوأهل السنة والجماعة يقفون موقفًا وسطًا بين هذين الفريقين، فيقولون: (كل ميسر لما خلق له)، كما قال النبي ﵊.\nقال: لقد حدثني عمر: أن رجلًا في آخر عمر رسول الله ﷺ جاء إليه فقال: (يا رسول الله! أدنو منك؟ قال: نعم، قال: فجاء حتى وضع يده على ركبته، فقال: ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟)، وأشراط الساعة وغيره ذلك، وهو حديث جبريل الطويل، وقد سقت هذا الحديث لإثبات أن أبا الأسود الدؤلي لم يكن قدريًا، بل كان من أهل السنة والجماعة.","vol":"34","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>بداية الكلام في القدر وإنكار السلف ذلك</span>\n[وعن الحسن بن محمد قال: أول من تكلم في القدر حين احترقت الكعبة -والكعبة احترقت سنة (٦٤) هـ- قال قائل: كان هذا من قضاء الله أن احترقت الكعبة، فقال آخر: ما كان هذا من قضاء الله.\nوعن حازم قال: سمعت حوشب يقول لـ عمرو بن عبيد في حبوة الحبس: ما هذا الذي أحدثت، قد نبت قلوب إخوانك عنك؟ -أي: جعلت قلوب الناس تنفر عنك وتبغضك- قال: الحسن انطلق حتى نسأله عن هذا الأمر، قال: كسرها الله إذًا.\nيعني: رجليه.\nوعن عاصم الأحول قال: كان قتادة يقصر بـ عمرو بن عبيد، فجثوت على ركبتي، قلت: يا أبا الخطاب! وإذا الفقهاء ينال بعضها من بعض؟ قال: يا أحول! رجل ابتدع بدعة؛ تذكر بدعته خير من أن يكف عنها.\nقال: فوجدت على قتادة فوضعت رأسي، فإذا بـ عمرو يحك آية من القرآن.\nكان عمرو بن عبيد من أوتاد العلم، فلما وضع في السلاسل والأغلال قال: ارحمه؛ رجل فقيه، فقال قتادة: هذا لا يرحم؛ لأنه ابتدع بدعة وإن كان عالمًا، فذهب عاصم يراقب عمرو بن عبيد في السجن، قال: فإني رأيته يحك آية في القرآن، هذه الآية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]-لأن هذه الآية حجة عليه- قال: عاصم: فقلت: ما تصنع أنت؟ قال: إني أعيدها.\nقلت: أعدها، قال: لا أستطيع].\nفصدق قتادة حينئذ، فالمبتدع وإن كان عالمًا يستحق القيد ويستحق التأديب، خاصة إذا كانت بدعة خطيرة وفي أصول الإيمان.\nقال: [وعن ابن عون قال: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان، حتى نشأ هاهنا حقير يقال له: سنسويه البقال، قال: فكان أول من تكلم في القدر.\nقال حماد: ما ظنكم برجل يقول له ابن عون: هو حقير.\nوعن يونس بن عبيد قال: أدركت البصرة وما بها قدري إلا سنسويه، ومعبد الجهني، وآخر ملعون في بني عوافة.\nوعن معاوية بن عبد الله بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزبير أبو عبد الله قال: أخبرني أبي قال: كنا جلوسًا عند هشام بن عروة فذكروا له إبراهيم بن أبي يحيى المديني.\nقالوا: يا أبا المنذر! إنه حافظ الحديث، فقال: مولى أسلم؟ قالوا: نعم، إلا أنه قدري، فقال هشام بن عروة: لعن الله دينًا أكبر منه، وفي رواية: لعن الله دينًا أنا أكبر منه].\nيعني: لعنه الله.\nفإن هذا دين لم يأت به الشرع.\n[وعن محمد بن شعيب قال: سمعت الأوزاعي يقول: أول من نطق بالقدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانيًا فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان -أي: غيلان الدمشقي - عن معبد].\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"34","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>الأسئلة</span>","vol":"34","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>حكم من أمر في المنام بذبح شيء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاءني في المنام أشخاص لم أرهم، وقد أعطوني حمامتين بيضاوتين، وقالوا لي: اذبحيهما؛ لأنك مريضة، فماذا أفعل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا تفعلي، مع أنه ليس عندك حمامتان أصلًا، لكن لو فرضنا أن معك حمامتين بيضاوتين في بيتك، وقد رأيت أشخاصًا يقولون لك في منامك: اذبحيهما فإن هذا من الشيطان، وهو شرك بالله العظيم؛ لأن الذبح عبادة ولا يجوز إلا لله ﷿، فلا تفعلي ما يأمرك به الشيطان، فاستعيذي بالله، واتفلي عن يسارك ثلاثًا، وانتهي، وتحولي عن مكانك، وإذا استيقظت فصلي ركعتين في جوف الليل، وادعي الله ﵎ أن يشفيك.","vol":"34","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>حكم قول الرجل لزوجته: علي الحرام، أو لو فعلت كذا فأنت محرمة علي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم قول الرجل لزوجته: علي الحرام، أو لو فعلت كذا فأنت محرمة علي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قوله لها: (أنت محرمة علي)، (وعلي الحرام) قول ضمني، فكونه يقع به طلاق أو لا يقع ذلك حسب نية القائل، فإن نوى طلاقًا وقع، وإن نوى ظهارًا وقع ظهارًا؛ لأن لفظ: (علي الحرام) من الألفاظ الضمنية وليس من الألفاظ الصريحة، واللفظ الصريح يقع به الطلاق ولا يحتاج إلى نية.\nأما إذا قال لها لفظًا يحتمل الطلاق ويحتمل غيره؛ فذلك مرهون بنيته وقصده وإرادته، فإذا قصد ظهارًا وقع ظهارًا، وإذا قصد طلاقًا وقع طلاقًا، والله أعلم.","vol":"34","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>فهم العقيدة الصحيحة وأصول العبادة أمر ضروري على طالب العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  متى يجوز لطالب العلم أن يشتغل بالأحاديث النبوية الصحيحة والضعيفة؟ وما الكتب التي يقرؤها؟ وعلى يدي من يأخذ هذا العلم في هذا البلد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن طلب الحديث صار شهوة عند الكثير من الطلاب، وهذه الشهوة مبعثها حب الظهور، فلا تجد الرجل يفقه شيئًا في دين الله ﷿ إلا بعض القواعد في المصطلح، فتراه لا يهتم بأصول دينه، ولا بأصول عبادته، ولا بكتاب الله، ولا بالعلوم اللازمة له، بل لا يهتم بعقيدته في الله ﷿، وإنما كل مراده: أن يتعلم الحديث ويتعلم أصوله، وكيف يصحح وكيف يضعف، وما هو السبيل إلى ذلك، ويتشبث به، ويكون هو الشغل الشاغل له في الليل والنهار","vol":"34","page":22},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-683> إثبات القدر وأن الله خالق الخير والشر</span>\nجميع أفعال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله ﷿، والله أذن في وقوعها، سواء كانت في جانب الطاعات كالأوامر، أو كانت في جانب المناهي كالمعاصي، لكن الطاعات تقع بإرادة الله الشرعية الدينية، التي مبناها على المحبة والرضا، وأما المعاصي فإنها تقع بمشيئة الله وإرادته الكونية القدرية.","vol":"35","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>معنى قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد.\nفإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nفي الدرس الماضي تعرضنا لتفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] كما جاء في رواية أبي هريرة ﵁ قال: (جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﷺ يخاصمونه في القدر -أي: ينازعونه فيه، فيأخذون منه ويردون عليه- فأنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩].\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس ﵄ وهو ينزع في ماء زمزم، وقد ابتلت أسافل ثوبه، فقلت له: قد تُكلم في القدر -أي: أن الناس قد خاضوا في القدر- فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: والله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨].\nثم قال: لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، ولو أريتني واحدًا منهم فقأت عينه.\nيقول: الله خلق الخلق كلهم بقدر، وخلق خير والشر، فخير الخير السعادة.\nوشر الشر الشقاوة].","vol":"35","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>أنواع الذين تكلموا في القدر</span>\nوشيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله له تفسير أوضح من هذا الكلام في تفسير هذه الآية في شفاء العليل، فقال ﵀ في الباب التاسع في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].\nبعد ذكر حديث أبي هريرة ﵁ في مخاصمة قريش للنبي ﵊، قال: والمخاصمون في القدر نوعان -أي: الذين تكلموا في القدر نوعان من الناس-: أحدهما: من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، أي: أنه لا يعتقد أن الأمر والنهي صدر من الله ﷿، كالذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨].\nوالثاني: من ينكر قضاءه وقدره السابق.\nوالطائفتان خصماء الله ﷿.\nقال عوف: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام، ولذلك لا حظ في الإسلام لمن لا حظ له في الإيمان بالقدر.\nوقال: إن الله ﵎ قدر أقدارًا، وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر، وأمر ونهى كل ذلك من عند الله ﷿.\nقال الإمام أحمد: القدر هو قدرة الله ﷿، إذا شاء أمرًا قال له كن فكان.\nقال: واستحسن ابن عقيل -وهو أبو الوفاء بن عقيل - هذا الكلام جدًا حينما سمعه عن الإمام أحمد، وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين، وهو بلا شك كما قال، فالقدر هو قدرة الله ﷿، فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابتها وتقديرها.\nوسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها، وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم.","vol":"35","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-686>مراتب القدر</span>\nومراتب القدر أربع، وأولها: مرتبة العلم.\nأي: علم الله ﷿ بما هو كائن إلى قيام الساعة.\nفالله ﷿ علِم ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فلما علم ذلك كتبه.\nوهذه هي المرتبة الثانية، فكل شيء بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ الذي لا يلحقه محو ولا تبديل ولا تغيير، فالمحو والتبديل والتغيير إنما يكون في الصحف التي بأيدي الملائكة الكرام البررة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] أي: الذي لا يقبل محوًا ولا إثباتًا، ولا تبديلًا ولا تغييرًا غير الذي فيه.\nفالله ﷿ كتب علمه الأزلي، وما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، ولا يخفى عليه شيء قبل أن يخلق الخلق.\nولذلك روى مسلم في صحيحه قول النبي ﵊: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) ولا بد أنه حينما عَلِمه كَتَبه، والله ﷿ عالم وعليم ﷾، فعلم ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فلما كان ذلك منه خلق القلم، وهو أول مخلوق لله ﷿ على أرجح الأقوال، كما في الحديث: (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة) فكتب القلم.\nفأول مرتبة هي إثبات العلم لله ﷿، فالله تعالى يعلم الغيب كما يعلم الشهادة، وكل ذلك لديه مشاهد معلوم، فإن الله تعالى لا تخفى عليه خافية.\nوهذا بخلاف ما يقوله صناديد القدرية: إن الله تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، وكأنهم أرادوا أن يقولوا: إن أي واحد من الحاضرين إذا أراد أن ينصرف من المسجد فإن الله تعالى لا يعلم إلى أين ينصرف يمينًا أم شمالًا، زاحفًا على يديه أم ماشيًا على قدميه؟ فالله لا يعلم ذلك إلا بعد أن يمشي العبد! وهذا بلا شك كفر، ولذلك أجمعت الأمة على كفر من أنكر العلم الأزلي السابق لله ﷿.\nوالله ﷿ علم ذلك فكتبه، فالذي ينفي العلم عن الله ﷿ لا بد وأنه ينفي الكتابة، والقلم يكتب الذي كان في علم الله بأمر الله ﷿، فإذا كان النافي ينفي العلم فلا بد وأن ينفي الكتابة كذلك.\nالمرتبة الثالثة: وهي مرتبة عظيمة، ولعلها بيت القصيد، وهي: مرتبة المشيئة والإرادة لله ﷿.\nوالمشيئة أو الإرادة نوعان: مشيئة دينية شرعية، مبناها على المحبة والرضا، وموضوعها الأمر والنهي قال الله افعل، أو نهي الله فلا تفعل، فقول الله افعل مثل: صل، صم، زك، حج، مر بالمعروف وانه عن المنكر فكل ذلك شرع، فلو فعلته فإن الله يحب ذلك، ولو أن الله ﵎ نهاك عن المعاصي وأتيتها فالله تعالى يبغض ذلك.\nإذًا: فالإرادة أو المشيئة الشرعية الدينية: هي كل أمْر أمَر الله ﷿ به وهو يحبه، فالصلاة عمل يحبه الله ﷿، وكذلك الصيام والزكاة والحج وغير ذلك من أوامر الإسلام، فإذا أتاها العبد دخل في محبة الله ﷿ هو وعمله؛ لأن الله أمره فأطاع الأمر.\nوالله ﵎ لا يُحب الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، وغير ذلك من المعاصي، وإنما يبغض ذلك، فحينما أبغضها نهانا عنها، ولا يتصور أن الله تعالى ينهانا عن شيء وهو يحبه.\nولذلك نقول: إن المناهي -وهي المعاصي والمخالفات الشرعية- مبناها على بُغض الله ﷿، ولكننا نقول: إن الإرادة الربانية أذِنت في وقوعها، فأعظم ذنب هو الشرك بالله ﷿، والشرك موجود في الأرض، والقتل موجود، والسرقة موجودة، والزنا موجود، وشرب الخمر موجود وكل المعاصي موجودة، ولا يتصور أن يقع في الكون شيء بغير إرادة الله، فلو أن شخصًا قال: أنا سأقتل شاء الله أو أبى، فلا يتسنى له القتل أبدًا.\nولا يمكن، فهذا إجرام وكفر بالله العظيم.\nلذلك فنحن نقول: إن القتل وقع بإرادة الله، والذي كسب القتل وفعل القتل بيديه هو العبد.","vol":"35","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>اختلاف الناس في أفعال العباد</span>\nإن جميع أفعال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله ﷿، بمعنى أن الله تعالى أذن في وقوعها، سواء كانت في جانب الطاعات كالأوامر، أو في جانب المناهي كالمعاصي كل ذلك يقع بإذن الله وإرادته، لكن الطاعات تقع بإرادة الله الشرعية الدينية التي مبناها على المحبة والرضا، وأما المعاصي فإنها تقع بمشيئته وإرادته الكونية القدرية، أي: أن الله ﷿ قدر أن تقع هذه المعاصي في الكون.\nفالقدرية بمعنى: أن الله هو الذي قدرها وخلقها، وأذِن في وقوعها.\nوالكونية: أنها أفعال تقع في الكون وفي حياة الناس.\nوكل المعاصي عبارة عن ترك أمر، أو فعل نهي ترك أمر لله ﷿، أو فعل أمر نهى الله ﷿ عنه، فلو أن العبد ترك طاعة لله قد أمر بها، أو أتى معصية لله ﷿ قد نهى عنها؛ فإننا نقول: إن ذلك مخلوق لله ﷿، ولكن العبد قد اكتسبه كما اكتسب الطاعة بيديه، ولكن المعاصي مبناها على بغض الله ﷿، فالمعاصي واقعة في الكون بإرادة الله؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد وقدر.\nإذًا: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، هذا لفظ عام يشمل الطاعات والمعاصي، والخير والشر، والقدر حلوه ومره، وخيره وشره، ولذلك جاء عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] قال: هم الذين يقولون: إن الله على كل شيء قدير.\nوهذا تفسير غريب جدًا، والغرابة هذه لا تخرج إلا من قلب نوّره الله ﷿ بنور الإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] معنى الآية هو: تخصيص وقصر الخوف من الله ﷿ على أهل العلم، فأهل العلم هم أعلم الناس بالله ﷿، فكلما ازداد المرء علمًا ازداد خشية لله ﷿، فهذا تفسير لظاهر الآية.\nوابن عباس أتى بمعنى أعمق من هذا المعنى الظاهر، فيقول: العلماء الذين يخشون الله ﷿ هم الذين يقولون: إن الله على كل شيء قدير.\nيقول: وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل -أي: بالتفسير- ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها، ولو كانوا يقرون فمُنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها، فالذين ينكرون القدر سينكرون أن أفعال العباد مخلوقة لله ﷿، فهم لا يقرون بها على وجهها، ولا يأتون بهذا التأويل على وجهه.\nومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به، ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن، يفعل ما يشاء؛ لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، فالله تعالى يأذن لهذا بالطاعة، ويأذن لهذا بالمعصية، أي: أنه ييسر لهذا الطاعة وييسر لهذا المعصية، لأن الله علم أزلًا أنه إذا خلق فلانًا بين له الطريق وبين له الحق من الباطل على لسان رسله وأنبيائه، وكتبه التي أنزلها عليهم، وقد ضربت لك مثلًا في الدرس الماضي وهو لو أن غاية أو هدفًا أمامك له طريقان أحدهما معبد ممهد وميسر، والثاني طريق وعر صعب فيه شوك، وقلنا لك: اسلك أحد الطريقين لتصل إلى هدفك، فأي الطريقين ستسلك؟ إنه السهل، فالله ﷿ خلق المعاصي وخلق الطاعات، وخلق الجنة والنار، فإذا سلكت المعاصي وصلت وبلغتك إلى النار، وإذا سلكت الطاعات بلغتك إلى الجنة، فأنت حينئذ تختار لنفسك، فإذا كنت تريد النار فاسلك طريق المعاصي، وإذا كنت تريد الجنة فاسلك طريق الطاعات، فالعبد له اختيار.\nولذلك فإن الله ﷿ لا يُعذب عبدًا على معصية اقترفها وهو لا يعلم أنها معصية، أو فعلها ناسيًا أو مخطئًا (إن الله رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، فلو أتاك السلطان وأكرهك على فعل معصية ففعلتها، ولو كانت هذه المعصية هي كلمة الكفر، وعذبك عذابًا لا طاقة لك به: إما أن تنطق بها، وإما أن يفتك بك، حينما لم يكن لك قِبل بهذا العذاب ونطقت بكلمة الكفر فإنك لا تكفر، فانظر إلى رحمة الله ﷿، فإنه يرفع عن عباده الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، ولذلك يقول النبي ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فإنما ذلك وقتها)، ويقول ﵊: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة)، والتفريط أن يكون الإنسان مستيقظًا فيأتي وقت صلاة العصر مثلًا فيقول: لا يزال الوقت بدري حتى يأتي وقت المغرب، ويقول: العشاء ممدودة إلى الفجر فهذا تفريط؛ لأن الله تعالى جعل ميقاتًا محددًا للصلاة فقال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] أي: موقتًا بوقت.\nولو أن رجلًا متعودًا أن يصلي جماعة، ففاتته الجماعة أو فاته الفرض، وفي الأسبوع المقبل تذكر أنه كان في الأسبوع الماضي قد نام وذهبت عليه صلاة العصر، ففي أي وقت تذ","vol":"35","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>مشيئة الله ﷿ القدرية</span>\nنرجع إلى موضوعنا الأول وهو مشيئة الله ﷿ القدرية، وهي التي قدر أن تقع في الكون، قال: ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن، يفعل ما يشاء؛ لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومن لا يقر بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء أن يقيم القلب أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه؛ لا يُقر بأن الله على كل شيء قدير، ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى منها، وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها، وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده، وأنه يتجلى لهم ويضحك، وأنه يريهم نفسه المقدسة، وأنه يضع رجله على النار فيضيق بها أهلها، وينزوي بعضها إلى بعض إلى غير ذلك من شئونه وأفعاله؛ من لم يقر بها لم يقر بأنه على كل شيء قدير، فيا لها من كلمة من حبر الأمة وترجمان القرآن! وقد كان ابن عباس شديدًا على القدرية، وكذلك الصحابة رضي الله ﵎ عنهم.","vol":"35","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-689>الحكمة من العمل مع أن الأمور مقدرة ومفروغ منها</span>\nوابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية يقول عند قول الإمام الطحاوي: وكل ميسر لما خُلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله.\nأي: أن كلٌ ميسر لما خلق له من السعادة أو الشقاوة، ولذلك في حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﵊ قال: (اعملوا فكلٌ ميسر لما خُلق له).\nولذلك فإن أكثر من واحد قال للنبي ﵊: (يا رسول الله! أرأيت ما بقي لنا من أعمالنا وعمرنا شيء قد سبق وقد كتبه الله ﷿، أو شيء مستأنف؟ قال: بل شيء سبق -أي: مكتوب ومعلوم لدى الله ﷿- قال الصحابي: (ففيم العمل إذًا؟) أي: إذا كانت الأمور معلومة لدى الله ﷿ ومقدرة ومكتوبة؛ فلماذا نعمل؟ فكل واحد إذًا يركن على المكتوب.\nفنقول: تشتغل لأنك لا تدري أأنت من أهل الشقاوة، أو أنك من أهل السعادة، فابذل جهدك لأن تكون من أهل السعادة، والله ﵎ ييسر لك بحرصك على الطاعة أمر الطاعة، ولو أنك تركت الطاعة وحرصت على المعصية؛ سهلها لك؛ لأنك نفسك تميل إلى المعاصي، فهناك نفوس خبيثة تميل إلى الخبيث، وهناك نفوس طاهرة نظيفة مؤمنة إذا سمعت بمعصية فرت منها فرارها من الأسد، وهرولت وأسرعت إلى طاعة الله ﷿.\nفهناك من إذا فاتته تكبيرة الإحرام يتفطر قلبه حزنًا، وهناك من إذا أجبرته على الدخول إلى المسجد فإنه لا يصلي، ولو كان اسمه محمدًا، أو أحمد، أو عبد الله، أو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ويشابه اسم النبي ﵊، فهناك نفوس خبيثة ونفوس طيبة، فهذا كله بقدر الله، لكن الله تعالى يسر لهذا لأنه علم منه أزلًا أنه لا يميل إلى الطاعة، وخلق الله النار لحكمة.","vol":"35","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>عدل الله تعالى والحكمة من خلق الجنة والنار</span>\nفتصور أنك رجل مؤمن موحد مطيع لله ﷿، وجارك رجل عاص وفاسق وزنديق وغير ذلك، لو أتيتما يوم القيامة والله تعالى أدخلكما جميعًا الجنة فستقول: ما هي القضية؟! وهذا لا يحصل؛ لأن الله خلق الجنة وخلق النار لحكمة عظيمة، فهل مآل هذا المشرك المعرض العاصي الجاحد الجنة؟ وهل أهل الجنة يقفون على الباب والعصاة يدخلون الجنة؟ لا، لا بد للكفرة من عقاب، وعقابهم أن يدخلوا النار.\nوالذي يهزأ ويسخر، بل ويُعذب المؤمنين الموحدين؛ لا يهنأ قلبك حينما يكون بجوارك في الجنة؟ فهو لن يدخلها، ولا بد له من عذاب وعقاب.\nولا بد أن تعتقد أن ما عند الله ﷿ من خيرات هي أعظم مما في أيدي العباد من خيرات، وما عند الله كذلك من عذاب وعقاب هو أشد وأبقى، فهناك من عنده روح الانتقام، ولا يحب أن يفوت صغيرة، فعندما يغلط عليه واحد لا بد أن يتشفى منه، ولا يقر له قرار إلا بعد أن يأخذ حقه، فالله بقادر على أن يأتي به يوم القيامة، والله يقدر على مثل ذلك بمئات المرات، فلماذا أنت متضايق؟ ففوض أمرك إلى الله ﷿، واصبر واحتسب، فالصبر عبادة، وقد فرضه الله على عباده ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]، فالحق عبادة، والصبر أيضًا عبادة.\nوهذه العبادة تستخدمها وقت الضعف، وأما في وقت القوة فتستخدم الحق؛ لأنك ستكون لك صولة وجولة ونجدة وغير ذلك حينما تكون في زمن القوة، فعندها تستخدم الجهر والصدع بالحق وغير ذلك، وكل الذي يقابلك في الطريق يعطلك عن هذه الدعوة خذه في طريقك، ولذلك نجد الإسلام حينما كانت له دولة وشوكة كان النبي ﵊ يبعث الجيش إلى أي بلد من البلدان ليغزوها، أو يفتحها، أو يدعوها فإنه يخيرهم بين ثلاثة أشياء.\nإما أن تسلموا وتدخلوا معنا في الدين، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا فليس هناك فرق بيننا وبينكم.\nوإما أن تبقوا على ديانتكم ولكن لا بد أن تأذنوا لنا في الدخول، فإذا أذنتم ولم تدخلوا في الدين فادفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون.\nوالواحد منا الآن حينما يسمع هذه الآية قلبه يتقطع فيقول: نحن صاغرون في هذا الوقت، يقول الإمام ابن تيمية: ولو أن اليهود والنصارى علوا وحاصروا المسلمين في ثغر أو بلد، وأمروهم بدفع الجزية وإلا أُريقت دماؤهم؛ كان واجبًا على المسلمين أن يدفعوا الجزية، وأصبحت الجزية على المسلمين بعد أن كانت مفروضة على رقاب النصارى واليهود، وليس هذا فحسب، وإنما أيضًا يدفعونها بذلة فيدفعونها وهم صاغرون، أي: أن زعيمهم وعمدة بلدهم يأتي بالجزية فتقول له: اذهب وخذها معك وهاتها غدًا، ثم يأتي في الغد فتقول له: خذها وأرجعها في الشهر القادم، وتذله وتذل أنفاسه، وأما الآن فنحن في ذلة؛ وهذا إنما هو بسبب بعدنا عن الكتاب والسنة.","vol":"35","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>العمل بالأسباب موافق للدين والعقل</span>\nيقول النبي ﵊ في حديث علي بن أبي طالب: (اعملوا فكل ميسر لما خُلق له)، وما يدريك أنك من أهل الشقاء أو السعادة؟ وفي حديث جابر: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، وهو من كبار الصحابة ﵁، وكان من أعظم المحاربين للنبي ﵊، وهو الذي بعثته قريش لقتل النبي ﵊ في هجرته من مكة إلى المدينة، وحينما كاد أن يلحق بالنبي ﵊ ساخت قدم فرسه في الأرض، فعلم أنه هالك، كل هذا كان لأجل أن يأخذ مائة ناقة من قريش في مقابل قتل محمد وصاحبه أبي بكر ﵁، ثم أسلم سراقة وحسن إسلامه، فأتى إلى النبي ﵊ وقال: (يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خُلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ -أي: نحن سنعمل لماذا؟ - أفيما جفت به الأقلام -يعني: فيما جرت به الأقلام وكتبته- وجرت به المقادير، أم فيما يُستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟) قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه فسألته: ماذا قال؟ قال: (اعملوا فكل ميسر) فهو يسأله: ففيم العمل؟ قال: اعملوا -أي: لا بد من العمل- فكل ميسر.\nوالجوع يكون بقدر الله، لكن هل من الممكن أن تقول: إن الله ﷿ قد كتب سلفًا وأزلًا أنني في الوقت الفلاني سأجوع، وما دام هذا بقدر الله فأنا لا آكل؟ لا يمكن؛ لأن الجوع بقدر والشبع بقدر، وكذلك المعاصي بقدر، والعقوبة المترتبة على هذه المعصية بقدر.\nوآخر يقول: أنا لن أتزوج، ولو شاء الله تعالى أن يرزقني الولد بغير زوجة لفعل، ونحن نعرف أن الله على كل شيء قدير، لكن الأسباب لا بد منها، ولذلك من اعتمد على السبب فقد أشرك، أي: أن الذي يعتبر أن الطعام الذي أكله هو الذي أشبعه، فهذا ضرب من ضروب الشرك؛ لأن الذي أشبع على الحقيقة هو الله، والذي شفى المريض على الحقيقة هو الله، وإنما الدواء عبارة عن سبب، فالله تعالى خلق المرض وهو ابتلاء، فهو مخلوق بقدر، وكذلك العلاج بقدر.\nوإذا قدر الله لي المرض فأنا أتداوى، ولذلك قال النبي ﵊: (تداووا عباد الله! فما من داء إلا وله دواء) إذًا فالداء بقدر الله، والدواء أيضًا من قدر الله ﷿.","vol":"35","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>بيان أن الأعمال بالخواتيم</span>\nوعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال النبي ﵊: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس) أي: أنه يعمل الطاعات، لكنه في هذه الطاعات لم يكن مخلصًا فيها لله ﷿، وإنما يعملها رياء ونفاقًا، كما كان عبد الله بن أبي ابن سلول يصلي، ويصوم، ويزكي، وكان أيضًا يجاهد مع النبي ﵊، لكن كان قلبه مليئًا بالكفر، وأما عمله في الظاهر فيما يبدو للناس فعمل رجل من أهل الجنة.\nوهناك رجل حارب حربًا شديدة جدًا، وقاتل قتالًا عنيفًا جدًا، حتى أُعجب الصحابة بفدائيته وفروسيته، فقالوا: إنه من أهل الجنة، ولكن النبي ﵊ قال: (والله إني لأراه من أهل النار) فاندهش الصحابة حينما رأوه يعمل بعمل أهل الجنة، فلم يجدوا فارسًا في الجيش فعل مثل ما فعل! ففزعوا كيف يكون من أهل النار مثل هذا الرجل؟! فتبعه رجل فكلما أسرع أسرع خلفه، وكلما وقف وقف، فكان يراقبه حتى أصابه سهم فلم يصبر على ألمه، فقتل نفسه، وضع ذبابة سيفه في صدره، واتكأ عليها فخرجت من ظهره، فحينئذ قال هذا الرجل للنبي ﵊: لقد فعل بنفسه كذا وكذا، فقال النبي ﵊: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)، فهذا الرجل عمل في الظاهر بعمل أهل الجنة، ولكنه في نفسه من أهل النار.\nوأول من تسعر بهم جهنم ثلاثة: العالم، والجواد، والمقاتل، فحينما ينادون للجهاد يخرج هذا المجاهد أول واحد، ويحضر إلى الصف بفرسه، والعالم تعلم العلم لغير الله ﷿ ليقال عالم، فيؤمر به فيُسحب على وجهه فيدخل النار، والجواد لا يترك بابًا من أبواب الخير إلا وينفق إليه، وهذا عمل صالح، لكنه لا ينوي بهذا وجه الله، وإنما يبتغي المدحة والثناء من الناس، والذي يصلي رياءً لو تركته في خلوة لا يصلي، وإذا حضر الناس تجده في خشوع وقيام وسجود وركوع ويطيل في ذلك، فتقول: ما أعبده! وما أخشعه لله ﷿! وفي الحقيقة هذا خشوع للبدن، وليس خشوعًا في القلب لله ﷿، أي: أن خشوعه اصطنعه لأجل أن يقال: خاشع أو عابد أو غير ذلك.\nولذلك قال النبي ﵊: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة)، لكن قد تلحقه التوبة، ولا حرج على فضل الله ﷿، ولو أن رجلًا أشرك وكفر وأتى بجميع المعاصي، ومات بعد أن نطق بالشهادة بلحظة؛ فهو لم يصل ولم يصم ولم يزك ولم يحج، ولم يأت طاعة إلا نطقه بكلمة التوحيد، فإنه يدخل الجنة، فلا حرج على فضل الله ﷿، فهذا له ﷾ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ولو كانت لك وأخذها أحد الناس منك فإنك لا ترضى بذلك، أما وهي لله ﷿ فله الحق حينئذ أن يعطيها لمن يشاء.\nقال: وزاد البخاري: (إنما الأعمال بالخواتيم) أي: حسب ختام الله لك.\nوهذا الكلام يجعلنا في غاية الوجل والخوف، والنبي ﷺ سمع رجلًا يقول: (والله لا يغفر الله لفلان! فغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا وصعد المنبر وقال: من ذا الذي يتألى على الله؟) أي: أن الجنة ملك لله فلا يدخل فيها إلا رجل قد أذن الله له، (قال الله تعالى: أشهدكم يا عبادي أني قد غفرت لفلان، وأني عذبت فلانًا) وهو المطيع.\nومن هنا تعلم قولهم: رب طاعة أدخلت صاحبها النار، ورب معصية أدخلت صاحبها الجنة.\nأي: أن رجلًا مثلًا صلى صلاة، وظل يفاخر بها، أو حج ولم يجد الناس يكتبون على الحيطان: حج مبرور وذنب مغفور، مبروك يا حاج فلان وغير ذلك فتجده يغضب غضبًا شديدًا حين لم يُكتب له مثل هذا، وأنه حينما دخل البلد لم يجد استقبالًا على عادة الناس، وظل يسب دين البلد بأكمله، مع أنه قد أتى من الحج، فالذي يقول له: يا عم أحمد أو يا سيد أحمد لا يرد عليه، وإذا أجابه إنما يقول: نعم يا بني! فهل يتصور أن العمل هذا ممكن يُقبل؟! لا يُقبل أبدًا، نسأل الله السلامة، والأعمال بالخواتيم.\nوقال النبي ﵊: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملك -وهو ملك الأرحام وليس جبريل- فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات -أي: يؤمر بكتابة أربع كلمات-: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)، أي: من أهل النار أم من أهل الجنة، فهذا مكتوب عليك قبل أن تولد، وليس في هذا ظلم للعبد؛ لأن الله تعالى منزه عن الظلم، ومتصف بالعدل والحكمة.\n(فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عل","vol":"35","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>القدر سر الله في خلقه فلا يتعمق فيه</span>\nثم قال الطحاوي: وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، أي: الذي يظل يجادل ويناظر في القدر، ويقول: لماذا فعل الله كذا؟ ولماذا لم يفعل كذا؟ وما هي الحكمة من كذا؟ فهذا يدل على أن العبد هذا مخذول، فالخير كل الخير في اتباع من سلف، والسلف لم يكونوا يعملون هذا، فالسلف ممسكون تمامًا عن الكلام في القدر، فما الذي يمنعنا أن نمسك عن القدر، ونؤمن به خيره وشره! قال: والتعمق والنظر في ذلك -أي: في القدر- ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه -أي: عن خلقه-، ونهاهم عن مرامه -أي: عن مقاصده وغاياته- كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فمن سأل: لم فعل الله كذا؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.","vol":"35","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-694>مذهب القدرية والمعتزلة في القدر والرد عليهم</span>\nوخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، وهذا صحيح: أن الله تعالى شاء الإيمان من الكافر، ولكن الله تعالى كذلك شاء منه الكفر، ومعنى أن الله تعالى شاء من خلقه الإيمان: أنه أمر الخلق جميعًا بالإيمان، فقد شاءه منهم، ولكن الله تعالى أذن لبعض عباده بوقوع الكفر منهم، وشاءه منهم، وهذه مشيئة قدرية كونية لا شرعية دينية، وبيت القصيد هو التفصيل بين الاثنين، فالإيمان من مشيئة الله القدرية الكونية؛ لأن الإيمان وقع في الكون بقدره، والكفر وقع بمشيئته الكونية القدرية، بمعنى أن الله أذن بوقوعه في الكون وقدره.\nفالمعتزلة والقدرية قالوا: إن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر، فقالوا هذا القول لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر وعذبه عليه! ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار! فإنهم هربوا من أشياء فوقعوا فيما هو شر منها، فإنه يلزم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله، فإن الله قد شاء الإيمان منه على قولهم، والكافر شاء الكفر فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى! ويلزم من قول المعتزلة والقدرية أن هناك مشيئتين: مشيئة الله، ومشيئة العبد، فالله ﷿ شاء الإيمان منه، وهو شاء الكفر من نفسه، ومشيئة الكافر غلبت مشيئة الله، وهذا كفر، أي: أنه حينما أقول لك: إن الله أراد مني الطاعة، لكني أريد المعصية، فتتعارض إرادتي مع إرادة الله، فحينما وقعت مني المعصية هذا دليل على أن إرادتي ومشيئتي غلبت إرادة الله ومشيئته! وهذا كفر.\nإذًا فلا بد أن أقول: إن الله تعالى شاء الكفر، لكن ليست هي المشيئة الشرعية الدينية وإنما هي المشيئة القدرية الكونية.","vol":"35","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-695>مناظرة بين قدري ومجوسي في القدر</span>\nقال عمرو بن الهيثم: خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم، قال المجوسي: حتى يريد الله.\nأي: إذا أراد الله لي الإسلام سأُسلم، وهذا المجوسي يعلم أن الإسلام بقدر الله ﷿.\nفقال القدري: إن الله يريد ولكن الشيطان لا يريد، أي: أن الله يريد منك الإسلام، ولكن الشيطان لا يريد منك الإسلام، وانظر إلى هذا المجوسي فقد كان فقيهًا جدًا فقال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قوي فأنا مع أقواهما!! وكأنه يقول له: تعارضت إرادة الله مع إرادة الشيطان، فغلبت إرادة الشيطان إرادة الله! فبقيت على مجوسيتي، فإذا كان الشيطان إرادته أقوى من إرادة الله، فالطبيعي جدًا والعقلي أنني أكون مع القوي، وهو الشيطان! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nفيستفاد من قول هذا المجوسي: أن إرادة الله أقوى من إرادة الشيطان؛ لأنه قال له: أسلم، قال: حتى يريد الله؛ لأنه يعلم أن الإيمان لا يكون إلا بإرادة الله.","vol":"35","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>أعرابي يغلب عمرو بن عبيد</span>\nووقف أعرابي على حلقة فيها عمرو بن عبيد -وهو رأس الاعتزال ورأس القدر، وكان أسوأ من بشر المريسي الذي ذكرنا ترجمته في الدرس الماضي- فقال الأعرابي: يا هؤلاء! إن ناقتي قد سُرقت، فادعوا الله أن يردها علي.\nفهو أتى إلى طلاب العلم لعل فيهم واحد تكون دعوته مقبولة ومستجابة، فقال لهم: فادعوا الله أن يرد ناقتي؛ لأنها سُرقت.\nأي: أن الله تعالى هو الذي أراد إرادة كونية قدرية أن تُسرق هذه الناقة.\nفقال له عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسُرقت، فأرددها عليه، أي: أن إرادة السارق أقوى من إرادة الله.\nفقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك.\nوبعض المتكلمين وأئمة الاعتزال والفلسفة بعد أن حاروا في علم الكلام؛ كانوا في فراش الموت يوصون بكلمة واحدة: عليكم بدين العجائز، أي: الزموا العقيدة الصافية.\nفحينما تقعد عند جدتك وجدك تجد أن عندهما من التوكل على الله والثقة بالله ما ليس عندك.\nفقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك، قال: ولِم؟ قال: أخاف أن يريد ردها فلا ترد.\nفالأعرابي غلب عمرو بن عبيد.\nوقال رجل لـ أبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى، وأوردني الضلال ثم عذبني أيكون منصفًا؟ فقال له أبو عصام: إن يكن الهدى شيئًا هو له فله أن يعطيه من يشاء، ويمنعه من يشاء.\nأي: أن الهدى له فهو يعطيه لمن يشاء، ويمنعه ممن يشاء، وإذا علم الله تعالى من العبد الخير واستحقاق الهدى لا يمنعه، وإذا علم الله ﵎ ميل عبده إلى المعصية، وحرصه عليها، فلِم يعطيه الهدى؟","vol":"35","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-697>مناظرة بين عبد الجبار المعتزلي وأبي إسحاق الإسفراييني في القدر</span>\nودخل القاضي عبد الجبار الهمداني أحد شيوخ المعتزلة على الصاحب بن عباد، وعنده أبو إسحاق الإسفراييني المعروف بالأستاذ، وهو من أئمة السنة، فلما رأى عبد الجبار الأستاذ الإسفراييني قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.\nأي: عن الإذن للفواحش بالوقوع، فهو يريد أن يقول له: إن الفحشاء لا تقع بإذن الله.\nفقال له: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.\nفقال القاضي: أيشاء ربنا أن يُعصى؟ فقال الأستاذ: أيعصى ربنا قهرًا؟ يعني: هل تقع المعصية في ملكه غصبًا عنه؟ فقال القاضي: أرأيت إن منعني الهدى، وقضى علي بالردى، أحسن إلي أم أساء؟ فقال الإسفراييني: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء.\nفبُهت القاضي عبد الجبار، لكنه مع ذلك ظل أيضًا قائمًا على اعتزاليته، ولم يستطع الرد.","vol":"35","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>الأدلة على عموم مشيئة الله تعالى وأنها الغالبة النافذة</span>\nوأما الأدلة من الكتاب والسنة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣].\nإذًا: فقد شاء الله تعالى الهداية لأهل الجنة، وشاء الضلال لأهل النار، وكل يقع بأمره، وقوله ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] أي: أن إرادته نفذت في أهل الضلال حتى أدخلهم النار، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩].\nفالله تعالى أثبت للعبد مشيئة، لكن مشيئة العبد مندرجة تحت مشيئة الله، فلا يمكن أبدًا أن يشاء العبد شيئًا إلا وقد سبق في مشيئة الله وإرادته، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وهذه إرادة شرعية دينية؛ لأنه أراد له الهداية، فهداه وشرح صدره للإسلام، «وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ» أي: أن الضلال يقع بإذنه ويقع بعلمه، والله تعالى كتبه أزلًا.","vol":"35","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>منشأ الضلال عند القدرية</span>\nومنشأ الضلال عند القدرية والمعتزلة أنهم سووا بين المشيئة والإرادة من ناحية، وبين المحبة والرضا من ناحية أخرى، وقالوا: إن الله تعالى لا يفعل شيئًا، أو لا يأذن في شيء، أو لا يشاء شيئًا إلا إذا أحبه ورضيه، ولذلك تساوى الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا: فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، أي: أن كل ما يقع في الكون بقضائه وقدره، وهو محبوب مرضي لله، أي: أن المعاصي محبوبة لله ﷿ وإلا لم يأذن في وقوعها، ويلزم من قولهم: أن الله ﷿ يحب الزنا، وشرب الخمر، والقتل؛ لأنه لا يقع في الكون إلا ما أراد وقدر، ولا تكون إرادته وقدره إلا متعلقًا بالمحبة والرضا.\nوسموا بالجبرية: لأنهم قالوا: إن الفاعل الحقيقي للفعل هو الله، والعبد لا علاقة له بالفعل؛ لأنه مجبور، أي: أن العبد كالحمار أو الجاموسة التي تسحبها من خطامها، ولا قدرة لها على الانفكاك، فقالوا: إن العبد يساق إلى المعاصي كما سيق إلى الطاعات، فهو مجبور على فعل الطاعات، ومجبور على فعل المعصية؛ فالله قد جبره على فعل ذلك، فالعبد ليس عليه ذنب، وليس عليه إثم.\nفلا يثاب على طاعته، ولا يأثم على معصيته؛ لأنه مجبور، وهذا فساد، وأنا لا أقول هذا القول وأقرره، وإنما أرد عليه وأُبين عوار هذا المعتقد.\nوهناك نوع آخر من القدرية وهم نفاة القدر، ويقولون: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فالمعاصي لا يحبها الله ولا يرضى عنها، فليست مقدرة ولا مقضية، أي: أن الله لم يأذن في وقوعها، وإنما أذن في وقوعها العبد.\nوقال قوم: إن الله يحب المعاصي؛ لأنه أذن في وقوعها، وجبر العبد على ذلك، وهؤلاء هم الجبرية المثبتة، أي: الذين يثبتون الجبر، وهو أن العبد مجبور على فعله الطاعة والمعصية، وإذا كان مجبورًا فلا يثاب على طاعته، ولا يأثم على معصيته؛ لأن الفاعل الحقيقي هو الله.\nومع هذا إلا أن عندهم وجه حق وهو: أن كل شيء من عند الله، أي أن الله تعالى أذن في وجوده وخلقه، لكنهم يقولون: إن العبد مجبور على ذلك، فلا ثواب له على طاعة، ولا عقاب عليه على معصية.\nوالجبرية النفاة قالوا: إن المعاصي لا يحبها الله ولا يرضى عنها، وهذا الكلام صحيح، لكن الغلط في قولهم: إنها ليست مقدرة ولا مقضية، أي: أنها وقعت في الكون بغير قضاء الله وقدره، ولكن بقضاء العبد، وهذه المصيبة السوداء التي نريد أن نعالجها.\nوقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة، بل والفطرة الصحيحة، فنصوص الكتاب في المشيئة والإرادة مثل قوله تعالى في المحبة والرضا: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، وقوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧].\nلكن الفساد واقع بإذن الله، بمعنى: أن الله تعالى أذن في وجوده وفي خلقه في الكون، وكذلك الكفر، وقال تعالى عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، أي: أن الله يكره هذه الأفعال كلها، وفي الصحيح: (إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).\nإذًا: فالله يكره هذه الأشياء، وكان من دعائه ﵊: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك)،وغير هذا من الكلام الجميل المتين الذي تكلم فيه أهل العلم، ولولا الإطالة لذكرت بقية كلامهم.","vol":"35","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>معنى حديث: (والشر ليس إليك)</span>\nوالشيخ ابن عثيمين قال في شرح الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا جميلًا يبين فيه حديث النبي ﵊ الذي قال فيه وهو يثني على ربه: (والخير كله في يديك، والشر ليس إليك).\nظاهر النص: أن الشر غير مقدر لله ﷿، بمعنى أن الله تعالى لم يأذن فيه، والكلام هذا مردود عليه، قال: القدر هو تقدير الله ﷿ للأشياء، وإذنه في وقوع الأشياء، وأما المقدور فهو اسم مفعول بمعنى فاعل؛ لأن المفعول والمقدور هو الفعل الذي يأتيه العبد، فالقتل فعل العبد، ولكنه وقع بقدر الله، ومقدور لله، بمعنى أنه مخلوق لله ﷿، ولكن هو شر.\nقال: القدر هو تقدير الله ﷿ للأشياء، وقد كتب الله مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما في الحديث، وكما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠].\nأي: أن الله كتب كل ما كان، وما يكون في السماوات والأرضين ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠].\nوقوله: (نؤمن بالقدر خيره وشره)، أما وصف القدر بالخير فلا إشكال فيه، أي: أن الطاعات كلها وقعت بقدر الله، وأما وصف القدر بالشر فالمراد به شر المقدور لا شر القدر؛ لأن القدر هو فعل الله ﷿، وأما المقدور هو فعل العبد الذي أذن الله في وقوعه.\nأي: أن فعل الله، فإن فعل الله ﷿ ليس فيه شر، فكل أفعاله خير وحكمة، ولكن الشر في مفعولاته ومقدوراته التي وقعت بكسب العبد وبقدر الله ﷿.\nفالشر هنا باعتبار المقدور والمفعول، وأما باعتبار الفعل فلا؛ لأن الفعل هو فعل الله ﷿، ولهذا قال النبي ﵊: (والشر ليس إليك).\nأي ليس إليك من جهة المقدور، وإنما هو من جهة القدر فقط، ففي المخلوقات المقدورات شر، ففيها الحيات والعقارب والسباع، والأمراض والفقر والجدب وما أشبه ذلك، وكل هذه بالنسبة للإنسان شر، فأنت حينما ترى ثعبانًا فإنه شر؛ لأنك لا تلائمه، وفيها أيضًا المعاصي والفجور، والكفر والفسوق والقتل وغير ذلك وكل هذه شر، لكن باعتبار نسبتها إلى الله هي خير، أي باعتبار أن الله تعالى أذن في وقوعها، وقدرها أن تقع في الكون فهي خير؛ لأن الشر المحض لا يُنسب إلى الله ﷿.\nقال: لأن الله ﷿ لم يقدرها إلا لحكمة بالغة عظيمة، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.\nوعلى هذا يجب أن نعرف أن الشر الذي وصف به القدر إنما هو باعتبار المقدورات والمفعولات التي يأتيها العبد، لا باعتبار التقدير الذي قدره الله ﷿ وفعله.\nثم اعلم أيضًا أن هذا المفعول الذي هو شر قد يكون شرًا في نفسه، لكنه خير من جهة أخرى، كما قال تعالى: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ»، وهذا الفساد بقدر، وهو من أفعال العباد؛ لأنه فساد، والله تعالى يُنسب إليه الشر على جهة القدر لا على جهة المقدور.\nقال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] أي: أن الفساد حينما يظهر على أيديهم يُعذّبهم المولى ﷿؛ لعلهم يستيقظوا بعد هذا، وإذا استيقظوا رجعوا إلى الله، وتابوا وأنابوا إليه.\nإذًا: فهذا هو وجه الفساد الذي فيه خير، وبما أن النتيجة طيبة فيكون الشر في هذا المقدور شرًا إضافيًا لا شرًا حقيقيًا، لأن هذا ستكون نتيجته خيرًا.\nفمثلًا حد الزاني، إذا كان الزاني غير محصن - أي: غير متزوج - فإنه يجلد مائة جلدة، ويغرب عامًا، وهذا لا شك أنه شر بالنسبة إليه، كما لو ربطنا شخصًا في الصحراء وضربناه، فهذا بالنسبه له شر.\nلكن لو أن العقوبة هذه تمت في التلفزيون على الهواء مباشرة، والأمة كلها تفرجت عليه، فإنه لا يتصور أن واحدًا يفكر في الجريمة مرة أخرى، ولو فكر فيها فإنه سيراجع نفسه مليون مرة.\nإذًا: فهذا بالرغم من أنه بالنسبة له هو شر، إلا أن فيه خيرًا عظيمًا لمجموع الأمة، بل وفيه خير له أيضًا، لأنه لن يفكر فيها مرة أخرى.\nإذًا: فالفساد هذا في طياته خير، فنسبته إلى الله ﷿ من هذه الحيثية نسبة مشروعة، ولذلك يقولون: إن الفساد والشر والمعاصي تقع في الأرض بقدر الله ﷿؛ لحكمة علمها الله ﷿، أو علمها من علمها وجهلها من جهلها.\nوأما بالنسبة للأمور الكونية القدرية فهناك شيء يكون شرًا باعتباره مقدورًا كالمرض، فالإنسان إذا مرض فلا شك أن المرض بالنسبة له شر، لكن فيه خير بالنسبة للواقع، وخيره تكفير الذنوب، فالمرض من هذه الحيثية خير وإن بدا لك أنه شر، ورغم أنه شر لكنه وقع بإذن الله.\nفالذي لا بد أن نعلمه جميعًا أن الخير والشر بقدر الله ﷿، وفي الدرس الماضي تحدثنا أن الله خلق إبليس، وهو رأس الشر، وأذن في بقائه وحياته إلى قيام الساعة، وعلم ما سيكون عليه إبليس، ومع هذا خلقه لحكمة عظ","vol":"35","page":18},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-701> الأدلة على أن الله خالق الخير والشر</span>\nإن الله ﷾ هو خالق كل شيء؛ ومن ذلك أفعال العباد، فالله خالق الخير والشر، ولا يقع في ملكه إلا ما أراد وشاء، وقد ذكر الله تعالى أدلة كثيرة على أنه خالق الخير والشر، وقد فسرها وبينها العلماء أحسن تفسير وأعظم بيان.","vol":"36","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>معنى قوله ﷺ: (والشر ليس إليك)</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nأما بعد: لا زال الكلام موصولًا عن إجابة السؤال الذي يحير العقول: هل الله تعالى خالق للخير والشر أم لا؟ وعرفنا في الدرس الماضي أن الله تعالى خالق لهما جميعًا، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد وشاء.\nوأما قوله ﵊: (والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) فمعناه: أن الشر المحض الذي لا خير فيه ليس إليك، وقد عرفنا في الدرس الماضي أن معظم الشر يبدو للناس أنه لا خير فيه، وفيه الخير كل الخير، وضربنا لذلك مثلًا بمن زنى وأُقيم عليه الحد، فالحد بالنسبة له في الظاهر شر مع أنه بالنسبة له خير؛ لأنه طهرة له، والله لا يحاسبه على ذنبه يوم القيامة؛ لأن من أقيم عليه الحد فهو كفارته، كما أنه فيه خير عام لجميع أبناء الأمة؛ لئلا يقعوا في مثل ما وقع فيه.","vol":"36","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>الأدلة على إثبات أن الله خالق للخير والشر</span>","vol":"36","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-704>ذكر ما روي في تفسير قوله تعالى: (فألهمها فجورها وتقواها)</span>\nفالله ﷿ هو الخالق الواجد للخير والشر؛ لأنه لا يقع في ملكه إلا ما أراد وشاء، وأما العبد فهو المكتسب لفعل الشر، وهو كذلك المكتسب لفعل الخير، والله ﷿ يتمنن على عباده أحيانًا بالخير والفضل والثواب دون عمل ودون سبب، ويتمنن عليهم بالخير والفضل والثواب بسبب العمل.\nوهنا سيذكر الأدلة في إثبات وبيان أن الله تعالى خالق للخير والشر جميعًا.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [:٨].\nقال أبو الأسود الدؤلي: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وثبتت به الحجة عليهم؟ قال: قلت: بل شيء مضى عليهم -أي: شيء مكتوب أزلًا- قال: فهل ذلك ظلم؟ -أي: فهل ذلك المكتوب الذي كتبه الله تعالى ظلم وعدوان على العبد؟ - ففزعت منه فزعًا شديدًا فقلت له: ليس شيء إلا خلقه وملك يده، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].\nقال: سددك الله! إنما سألتك لأحزر عقلك -أي: لأختبر ذكاءك- إن رجلًا من مزينة أو جهينة أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه، أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وأقيمت عليهم الحجة في دينهم؟ فقال: بل في شيء مضى عليهم، قال: ففيم العمل؟ -أي: لم نعمل إذًا إذا كان كل شيء مكتوب أزلًا؟ - قال: من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين -أي: للجنة أو النار- يهيئه لها، تصديق ذلك في كتاب الله ﷿ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨])].\nأي: فجبلها على الطاعة أو جبلها على المعصية بعلمه السابق الأزلي أن هذا العبد إنما يختار طريق الطاعة، أو يختار طريق المعصية، وإلا فالله ﷿ قادر على أن يجعل العباد جميعًا على قلب أتقى رجل واحد، وقادر كذلك على أن يجعلهم جميعًا على قلب أفجر رجل واحد، ولو شاء الله ﷿ لهدى الناس جميعًا، ولو شاء لأضلهم جميعًا، لكن هذا على غير مقتضى الحكمة من الخلق، والله ﵎ موصوف بالحكمة ومتسم بها، فلو خلق الله جميع الناس كلهم مؤمنين؛ فمن ذا الذي يعرف الكفر أو الشرك؟ وما فائدة خلق النار هنا؟ قال: [وعن الحسن في هذه الآية: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٨ - ١٠]].\nفي الحقيقة هذه الآية محل نزاع في عود الضمير فيها: هل يعود على الله ﷿، أو يعود على صاحب النفس في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] أي: قد أفلحت نفس زكاها الله ﷿، وقد خابت نفس دساها الله ﷿، هذا معنى، وهو الراجح، وهو مذهب جماهير المفسرين.\nوالمعنى الثاني: أن ذلك دعاء لصاحب النفس وعلى صاحبها بأنه هو الذي زكاها، وهو الذي دساها زكاها بالطاعة، ودساها بالمعصية، فيكون التقدير، قد أفلح عبد زكى نفسه، وقد خاب عبد دس نفسه بالمعصية.\n[وعن الحسن قال: قد أفلحت نفس اتقاها الله ﷿، وقد خابت نفس أغواها الله ﷿].\nإذًا: فالله ﵎ هو واهب التقوى، وهو باعث الضلال والشقاء، بمعنى أنه هو الذي أذن في وجوده وخلقه، وترتب في العبد لعلم الله تعالى الأزلي أن هذا العبد سيختار طريق التقوى أو طريق المعصية.\nفحينما علم الله ﷿ من عبده سلفًا وأزلًا أنه يختار طريق الطاعة حتى يموت عليها؛ أذن له في دخول الجنة، وجعله من قسمها، وحينما علم أن عبده الآخر لا يقبل الطاعة، وإنما يقيم على المعصية ويميل إليها، ويعملها ولا يتوب منها؛ جعله من قسم النار وهيأه لهذا العمل، وإلا فما فائدة بعث الرسل وإنزال الكتب؟ والله ﷿ أخذ الميثاق الأول على بني آدم حينما أخرجهم جميعًا من صلب آدم: أن يكونوا موحدين لا مشركين، وأقروا بذلك، فالله ﷿ أرسل بعد ذلك الرسل والأنبياء ليذكروا العباد فقط بذلك الميثاق الغليظ، وهو أعظم ميثاق على الإطلاق، ألا وهو ميثاق الإيمان والتوحيد.\nقال: [وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] يقول: قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دس الله نفسه].\nوهذا يدل على أن التزكية والطهارة والنقاء والتقوى من الله، كما أن الدس والضلال والحيرة والتيه من الله ﷿.\nإذًا: فيكون الله تعالى هو الخالق للخير والشر.","vol":"36","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>ما ورد في تفسير قوله تعالى: (وهديناه النجدين)</span>\nوقال في تفسير قول الله ﷿: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠].\n«وَهَدَيْنَاهُ» الضمير يعود على المهدي، وأما الهادي فهو الله ﷿؛ لأنه هو الذي هدى.\nقال: [وعن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] قال: الخير والشر].\nأي: هديناه لعمل الخير، وهديناه لعمل الشر.\nقال: [ومن طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] قال: الخير والشر.\nوعن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] قال: نجد الخير ونجد الشر].\nأي: طريق الخير، وطريق الشر.","vol":"36","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>ما ورد في تفسير قوله تعالى: (إني أعلم ما لا تعلمون)</span>\nقال: [وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠]-في قصة إبليس والملائكة في سورة البقرة- علم الله تعالى من إبليس المعصية وخلقه لها].\nأي: علم منه أنه سيكون عاصيًا، ومع هذا خلقه لها، إذًا: فالله هو الذي خلق إبليس، مع أنه أس الفساد والمعصية، ومع ذلك فإن الله تعالى خلقه وأوجده.","vol":"36","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>ما ورد في تفسير قوله تعالى: (فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة)</span>\nقال: [وعن علي بن أبي طلحة في قول الله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٣٠] أي: كتب عليهم الضلالة، فالله ﷿ هو الذي هدى فريقًا، وهو الذي أضل فريقًا آخر.\nقال: [وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٢٩ - ٣٠] قال: إن الله سبحانه بدأ خلق بني آدم مؤمنًا وكافرًا -أي: خلقهم على الإيمان والكفر فريق آمن وفريق كفر- ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم على صنفين: مؤمن وكافر].","vol":"36","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>ما روي في تفسير قوله تعالى: (أومن كان ميتًا فأحييناه)</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢].\n[قال ابن عباس: يعني: من كان كافرًا ضالًا فهديناه] لأن الكافر كالميت تمامًا، فقلبه ميت، ومن مات قلبه فلا خير فيه.\n﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] يعني بهذا النور القرآن، وذلك من صدق به وعمل به، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام:١٢٢] والظلمات هي الكفر والضلالة ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].\nوفي قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١].\n«مِنْ» هنا بمعنى الباء، أي: يحفظونه بأمر الله.\n[قال عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ» أي: الملائكة ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، فإذا جاء القدر المعلوم والمكتوب أزلًا تخلوا عنه؛ لينفذ القدر أو المكتوب].","vol":"36","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>ما روي في تفسير قوله تعالى: (يحول بين المرء وقلبه)</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤].\n[قال سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية: يحول بين المرء والكفر، حتى لو أراد المرء أن يكون كافرًا، وأن يخرج من الإيمان لا يستطيع إلا أن يكون ذلك مأذونًا فيه، مقدرًا عليه أزلًا.\nفمسألة أن يختار الواحد منا الإيمان أو يختار الكفر مسألة كلها بيد الله ﷿، وهذا الكلام يخوف جدًا ويرعب، لأن المرء ربما يعمل عملًا صالحًا ولكن يُختم له بعمل أهل النار، فيكون من أهلها، وربما يكون العكس، ففائدة الإيمان بالقدر في هذه المسألة بالذات أن المرء يتعلق قلبه في الليل والنهار بخالقه وبارئه أن يثبته على الإيمان.\nولذلك كان من دعاء النبي ﷺوهو أفضل الخلق على الإطلاق-: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك) مع أن المتصور في حقه ﵊ أنه لم يأت بمعصية أو بكبيرة من الكبائر فضلًا أن يتحول في إيمانه، أو يتحول قلبه، ومع هذا كان دائمًا معلقًا بالله ﷿ أن يثبته على الإيمان، وأن يصرف قلبه دائمًا إلى طاعته ﷾.\nفالحيلولة بين المرء وبين قلبه يملكها الله ﷿، فربما يفعل المرء طاعة ثم يعقبها بمعصية، والعكس بالعكس.\n[قال ابن عباس: يحول بين المرء والكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله].\nوفرعون عليه لعنة الله حينما غرق في البحر قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، فمنعه كبره أن يقول: آمنت بالله، أو آمنت برب موسى وهارون، أو أن ينطق بلفظ الرب؛ لأنه يعتقد في قلبه أنه هو الرب وهو الإله، فحرمه الله ﷿ من إطلاق هذا اللفظ أو من النطق به.\nولذلك ورد في الحديث الصحيح أن جبريل ﵇ كان يضع الطين في فم فرعون؛ حتى لا ينطق بكلمة التوحيد، والذي أمر جبريل بذلك هو الله ﷿، وهذا أمر رهيب جدًا تفزع منه القلوب، وكذلك بالإمكان أن يكون هذا المصير مآل كل مخلوق على وجه الأرض، سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، فإذا كان الأمر كذلك، وأن الخير والشر بيد الله ﷿؛ فهذا أمر يستدعي من المرء أن يكون دائمًا على صلة واتصال بالله ﷿ في الليل والنهار.","vol":"36","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>ما روي في تفسير قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم)</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩].\nقال: [قال ابن عباس: فريقين] أي: أن الله تعالى خلق الناس فريقين.\nفريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم فيختلف، فمنهم شقي وسعيد.\nقال: [وقال الحسن في هذه الآية: الناس مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك فهم غير مختلفين.\nفقال له منصور بن عبد الرحمن وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٩].\nقال: خلق هؤلاء -أي: الذين لا يختلفون- لجنته، وخلق الذين يختلفون للنار]، فخلق هؤلاء لرحمته، وهؤلاء لعذابه.\n[وقال أشهب: سألت مالكًا عن قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]؟ قال: خلقهم ليكون فريق في الجنة، وفريق في النار].","vol":"36","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-711>إثبات مشيئة الله تعالى للشر كونًا والرد على المشركين والقدرية</span>\nوقوله ﵎: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] يحتج به المشركون يوم القيامة على أنهم لم يكونوا يعرفون، فقالوا: وجدنا آباءنا مشركين فأشركنا معهم، ولو شاء الله لهدانا ولكنه لم يهدنا.\n«سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا» أي: لو أن الله أراد أن يهدينا لهدانا ﴿وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] وكذلك آباؤنا لم يشركوا، ولكن الله كتب عليهم الشرك، وكتبه علينا من بعدهم.\nوكذلك قوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام:٣٥].\nقال: [قال ابن عباس في قوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]: وكذلك كذب الذين من قبلهم، ثم قالوا: لو شاء الله ما أشركوا، فإنهم قالوا: عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى، فأخبر الله أنها لا تقربهم، قال تعالى: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧].\nيقول جل ثناؤه: ولو شئت لجمعتهم على الهدى.\nوعن ابن عباس أنه سمع رجلًا يقول: الشر ليس بقدر، فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] حتى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩].\nقال ابن عباس: والعجز والكيس بقدر].\nأي: حتى العجز والكيس والحركة والسكون كل ذلك بقدر، فأولى أن يكون الإيمان والكفر بقدر، وأن تكون الطاعة والمعصية بقدر كذلك.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩].\n«فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ» والذي شاء هنا هو العبد.\nقال: [قال ابن عباس يقول الله تعالى: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء له أن يكفر كفر، وهو قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]].\nإذًا تفسير هذه الآية: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر، ولكن الله ﵎ علم أزلًا أن هذا العبد سيختار الشرك على الإيمان، فمهده ويسره له، كما في قوله ﵊: (اعملوا فكل ميسر لما خُلق له) فهذا العبد خُلق للإيمان، والله ﵎ يسر له الإيمان، وهذا العبد خُلق للشر، فمال إليه واختاره على الإيمان، فيسره الله ﷿ له.","vol":"36","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-712>معنى قوله تعالى: (أم على قلوب أقفالها)</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].\nورد نص هنا وإن كان في سنده ضعف إلا أنه جميل جدًا، وهو يؤدي المعنى الذي هو معتقد أهل السنة والجماعة.\nفعن سهل بن سعد قال: (تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وغلام جالس عند النبي ﵊، فقال: بلى والله يا رسول الله! إن عليها لأقفالها، ولا يفتحها إلا الذي أغلقها).\nمعنى ذلك أن فتح القلوب وإغلاقها بيد الله ﷿.\n(فلما ولي عمر بن الخطاب طلبه ليستعمله) أي: أنه طلب هذا الغلام ليجعله عاملًا على إحدى الولايات؛ لما رأى من رجاحة عقله وثقيب سهمه لآيات القدر، وقال: (لم يقل ذلك إلا من عقل) أي: صاحب عقل راجح.","vol":"36","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-713>معنى قوله تعالى: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢].\n[قال مجاهد في هذه الآية: أي: في أم الكتاب].\nوقد قلنا: إن الكتاب كتابان: كتاب يقبل المحو والإثبات، وهو الكتاب الذي بيد الملائكة، وكتاب لا يقبل المحو والإثبات وهو اللوح المحفوظ.","vol":"36","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>معنى قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت)</span>\nوقال تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].\n[وعن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: الشقاء والسعادة والموت لا تقبل المحو ولا الإثبات].\nلأن الله تعالى علم من عبده أنه سيختار طريق السعادة أو سيختار طريق الشقاء، وعلم أنه سيولد هذا العبد في لحظة كذا، ويموت في لحظة كذا.\n[وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩] قال: إن الله ﷿ في ليلة القدر يمحو ما يشاء من المقادير والآجال والأرزاق، إلا الشقاوة والسعادة فإنهما ثابتان].","vol":"36","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>معنى قوله تعالى: (ما أصابك من مصيبة فمن الله)</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩].\n«مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ» أي: بفضل الله ﷿ عليك، فهو سبحانه يمن به عليك إما بسبب أو بغير سبب، «وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» أي: من جراء عملك وميلك إلى الشر، وإن كان الله تعالى هو الذي أذن في إيجادها.\nوهناك مناظرة وقعت بين عبد الجبار المعتزلي وسني، فحينما دخل عليه رجل من أهل السنة قال: الحمد لله الذي تنزه عن الفحشاء.\nفرد عليه السني قائلًا: الحمد لله الذي لا يكون في ملكه إلا ما يشاء.\nأي: من خير وشر حتى الفحشاء، فيكون ذلك في ملكه بإرادته وإذنه وخلقه وإيجاده.","vol":"36","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-716>معنى قوله تعالى: (قل كل من عند الله)</span>\n[قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨]، قال ابن عباس: أي: أن الخير والشر من الله ﷿].\nأي: أن الحسنة والسيئة من عند الله، فأما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها.\nوليس من اللازم أن تكون السيئة عقوبة من الله ﷿، فربما تكون السيئة منحة من الله ﷿ لك ليرفع بها درجاتك، أو يكفر بها سيئاتك، فالمرض بلية من البلايا، وهو شر في نظر العبد، ولكن الله ﷿ يبتلي العبد بالمرض حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، كما قال النبي ﵊: (وإن العبد ليبتلى حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة)، وحتى الأنبياء، فالنبي ﵊ يقول: (أشد الناس بلاء الأنبياء)، ولم يكن ذلك لمعصية عملوها، ولكن ليرفع الله ﷿ بها الدرجات، وأما في حق بقية العباد فإنه يرفع بها الدرجات، أو يحط عنهم السيئات.\nفإما أن تكون منحة ومكافأة من الله ﷿ لمحو الخطايا والذنوب، وإما أن تكون منحة لرفع الدرجات.\n[قال ابن عباس: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها].\n[وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩].\nقال: هو يوم أحد -أي: أن هذا خطاب موجه إلى النبي ﵊ يتعلق بما وقع على المسلمين من بلاء في يوم أحد- ما فتحت لك من خير فمني، وما كانت من بلية فبذنبك].\nأي: أن الله ﷿ هو الذي فتح عليك أبواب الخير، وأما ما وقع عليكم من بلاء فبذنبك [وأنا قدرت ذلك عليك] أي أنا أعلمه أزلًا وكتبته في القدر أنه سيقع وسيكون بسبب معصية، وبسبب ذنب، وإن لم يكن هو المذنب ﵊، فبعض أصحابه هم الذين خالفوا أمر النبي ﵊، ونزلوا لجمع الغنائم؛ ظنًا منهم أن الحرب قد وضعت أوزارها، ولم تضع الحرب أوزارها بعد، بل استدار خالد بن الوليد ﵁وكان في ذلك الوقت مشركًا، وكان على رأس جيش قريش- وصعد الجبل وكان ما كان في أواخر هذه المعركة.\nفالذي وقع من بلاء على النبي ﵊ وعلى أصحابه في يوم أحد إنما كان في آخر الغزوة بعد مخالفة أمره ﵊، وأما قبل مخالفة الأمر فقد كان نصرًا مبينًا.\n[وعن: أبي صالح في هذه الآية قال: بذنبك، وأنا قدرتها عليك].\nأي أنا قد كتبت عليك في اللوح المحفوظ أن هذا سيكون، فهو واقع لا محالة.\n[وعن طاوس عن أبيه: «وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ»، وأنا قدرتها عليك].","vol":"36","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>معنى قوله تعالى: (لولا كتاب من الله سبق) وقوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]، أي: لولا مكتوب كُتب عليك من الله في الأزل ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩]، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف:٣٧].\n[قال سعيد بن جبير في قوله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]، قال: ما سبق لأهل بدر من السعادة.\nوفي قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف:٣٧].\nقال: ما سبق لهم من السعادة.\nوفي قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩].\nقال: كما كتب عليكم تكونون، فما كتب الله تعالى عليكم من السعادة والشقاوة يكون عليكم لا محالة].","vol":"36","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>معنى قوله تعالى: (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين)</span>\nوفي قوله ﵎: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٠].\nقال: [قال حميد: قرأت القرآن كله على الحسن البصري من قبل أن يموت بسنة واحدة، وكان يفسر القرآن على الإثبات، فسألته عن قوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٠]؟ قال: كذلك سلكنا الشرك في قلوب المجرمين].\nأي: حينما علم الله ﷿ منهم أزلًا إجرامهم وإعراضهم وجحودهم؛ جعل للشرك طريقًا يتمكن في قلوبهم، فالذي خلق الشرك والمعاصي هو الله ﷿، ولكن الله تعالى ما كتبه على عباده ظلمًا، فهو العدل ﷾، ولكن حينما علم الله ﷿ أزلًا أن هذا العبد سيُعرض عن الرسل، ويجحد النبوات والآيات؛ جعله أهلًا للشرك، فسلك إلى قلبه طريقًا يتمكن الشرك منه.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣].\nقال: [عن ابن عباس في هذه الآية قال: هم الكفار؛ كان يُدعون في الدنيا وهم آمنون].\nإذًا فسالمون بمعنى آمنون، فقد كانوا يُدعون في الدنيا إلى السجود وإلى الطاعة والصلاة وهم آمنون، [فاليوم يدعوهم وهم خائفون] أي: فاليوم يدعوهم إلى السجود وهم خائفون.\nثم أخبر الله سبحانه أنه قد حال بين أهل الشرك وبين أهل طاعته في الدنيا والآخرة، فحينما علم منهم ميلهم إلى الشرك حال بينهم وبين الإيمان، أي: جعل هناك سدًا بينهم وبين قبول الإيمان.\nقال: [وأما في الآخرة فإنه قال: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣]].","vol":"36","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-719>معنى قوله تعالى: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين)</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧].\nسجين: هو أسفل سافلين، وعليين: أعلى عليين، فكتاب أهل الإيمان في أعلى عليين، وكتاب الفجار في سجين.\nقال: [قال خصيف: سأل مجاهد بن جبر المكي محمد بن كعب القرظي وأنا معه عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧]-أي: ما معنى هذه الآية؟ - قال محمد: رقم الله ﷿ كتاب الفجار في أسفل الأرض، فهم عاملون بما قد رُقم عليهم في ذلك الكتاب].\nأي: قدر عليهم أن يكونوا في أسفل سافلين، ولا يعملوا إلا بمعصية الله ﷿، وهذا بعلمه الأزلي أنهم يختارون المعصية على الطاعة.\nقال: [ورقم كتاب الأبرار فجعله في عليين، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا بما قد رُقم عليهم في ذلك الكتاب].","vol":"36","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>الإعجاز في قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب)</span>\nوقول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد:١].\nفيه إعجاز رهيب، ثم أكد هذا التب والخسارة والحسرة والندامة بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] وقد قدر الله تعالى سلفًا وأزلًا، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ وعلى أبي لهب؛ لعلمه بجحوده وإنكاره للنبوة، ومحاربته للرسالة والرسول ﵊، وقد كان بإمكان أبي لهب أن يُحرج هذه الآية، ويقول: ربك يا محمد يقول في كتابه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] وأنا قد آمنت، فمن الذي حال بين أبي لهب وبين الدخول في الإيمان؟ إن الله ﷿ لم يحل بينه وبين الإيمان ظلمًا وعدوانًا، لكن لعلمه الأزلي أنه لا يقبل الإيمان، ولو كان الأمر متعلقًا بمشيئة العبد لكان بإمكان أبي لهب أن يكذب هذه الآية ويقول: أنا آمنت، مع أنه ما استطاع أن يقولها ولو نفاقًا، وهذه آية تدلك دلالة يقينية على أن كل شيء يقع في الوجود فإن الله ﷿ يعلمه ويكتبه، وقد أذن في وقوعه وخلقه وإيجاده؛ وإن كان المكتسب من الفعل هو العبد.","vol":"36","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-721>معنى قوله تعالى: (وما كان الله معذبهم وأنت فيهم)</span>\nقال: [وفي قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]].\nالخطاب هنا للنبي ﵊ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] فهذه الآية عظيمة جدًا، أي: ما كان الله تعالى ليعذبهم يا محمد وأنت باق فيهم لمهمة قيام الحجة عليهم؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا إذا بلغته الحجة، فما دام النبي ﵊ قائم بحجة الله في خلقه فمن العدل أن الله تعالى لا يعذب أحدًا لم تبلغه الحجة.\nثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] الاستغفار هنا بمعنى الإيمان، أي: وما كان الله معذبهم وهم مؤمنون، وإنما يعذب أهل الشرك.\nويقول للكافر: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، والطيب يكون على غير ما عليه الكافر، ولا بد من الابتلاء، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، والفتنة هي التي تنقي المعادن الطيبة، وتميزها عن المعادن الخبيثة، فإذا وقعت الفتنة ظهر فيها من كان صادقًا في ادعائه للإيمان ومن كان كاذبًا في هذا الادعاء.\nقال: [فميز أهل السعادة من أهل الشقاء].\nوقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٤] أي: عذب الله أهل الشرك بالسيف يوم بدر، كما عذب أهل الإيمان بالسيف كذلك، لكنهم ثبتوا فتميز صف الموحدين في جانب النبي ﵊ وأصحابه، وتميز صف أهل الخبث والجحود والشرك في جانب قريش.","vol":"36","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-722>معنى قوله تعالى: (وجعلنا من بين أيديهم سدًا)</span>\nقال: [وفي قوله ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩].\nعن مجاهد قال: فأعشيناهم عن الحق].\n﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ [يس:٩] أي: فقد عموا تمامًا (فهم لا يبصرون) الحق؛ لأن الله تعالى حال بينهم وبين الحق بسد رباني منيع لم يروا من خلاله الحق؛ لأنهم أحبوا الباطل ومالوا إليه وألفوه وقبلوه.","vol":"36","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-723>معنى قوله تعالى: (وجعلنا على قلوبهم أكنة)</span>\nقال: [وعن مجاهد في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام:٢٥] قال: كالجعبة التي يوضع فيها السهام جعلها الله ﷿ على قلوبهم].\nأي: غلفت قلوبهم فكان عليها شيء كالران الذي لا يرى معه صاحبه خيرًا ولا شرًا، فلا يميز بين الحق والباطل؛ لأن قلبه أسود مرباد لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.","vol":"36","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>معنى قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم)</span>\nقال: [وفي قول الله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]] هذه هي آية الميثاق الغليظ، فحينما خلق الله ﷿ آدم مسح ﷾ بيده على ظهر آدم، فأخرج كل نسمة كاملة من نسل آدم إلى قيام الساعة، أخرجهم كالذر، وخاطبهم المولى ﷿ بخطاب قد علموه وعقلوه وفهموه.\n«وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ» أي: من ظهر آدم، «ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» أنا ربكم أم لا؟ «قَالُوا بَلَى» أي: أنت ربنا.\nقال: [قال عمر بن الخطاب حينما سُئل عن هذه الآية قال: سمعت النبي ﷺ يُسأل عنها؟ فقال: (إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه واستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، وخلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون)].\nفأنت حينما تنظر في هذا النص تقول: هذا ظلم؛ فالناس لم يُخلقوا بعد! ومع ذلك فربنا ﷾ كتب عليهم أنهم من أهل النار، لماذا لم ينتظر حتى يعملوا؟! ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن الله ﷿ سلفًا وأزلًا قد علم ما هم عاملون، فعلم منهم أنهم سيعملون الشر ويعملون الكفر، وعلم من هؤلاء أنهم سيعملون الإيمان ويعملون الطاعات، فحينما علم من هؤلاء الشرك جعلهم من قسم النار، وحينما علم من هؤلاء الإيمان جعلهم من قسم الجنة.\nإذًا: فالمسألة كلها مبنية على علم الله الأزلي، فالذي ينكر علم الله الأزلي لا بد أنه ينسب الظلم لله، فغلاة القدرية حينما نفوا علم الله الأزلي أنكروا مثل هذه الأحاديث، ولكن الله ﵎ هو العليم القدير اللطيف، وهو الحكم العدل، وما كان ليظلم عباده قط؛ لأنه المتصف بكمال العدل والحكمة، فلما علم أزلًا بما هؤلاء عاملون، وما هم إليه صائرون؛ كتب لهم الجزاء، وكذلك فعل مع القسم الثاني","vol":"36","page":24},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-725> الشقاوة والسعادة بيد الله</span>\nالخير والشر، والهداية والإضلال، والسعادة والشقاوة بيد الله ﷿ وفي علمه الأزلي القديم، والله ﷿ يقسم ذلك بين عباده بعدله وحكمته، فالعبد بعد توفير سبل الهداية له يختار إما طريق الخير أو طريق الشر.\nهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، بخلاف المبتدعة من الجبرية القائلين بأن العبد مسلوب الإرادة، والقدرية القائلين بأن الله لا علاقة له بأفعال العباد.","vol":"37","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-726>الأدلة على أن الهداية والإضلال بيد الله</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nوبعد: فما زال الكلام موصولًا حول مسألة مهمة من مسائل القدر وهي: (الشقاوة والسعادة) و(الكفر والإيمان)، و(الهداية والإضلال) بيد الله ﷿.\nوهذا لا يعني أن الله ﷿ يقسم هدايته ورضوانه على عباده بغير عدل ولا حكمة، والذي يعنيه هذا في الدرجة الأولى: أن الله تعالى أضل من سبق في علمه أنه يضل، وهدى من سبق في علمه أنه يقبل الهدى، لا أن الله تعالى فرض عليه الضلال، وإنما علم الله ﷿ سلفًا وأزلًا أن هذا العبد رغم إتاحة جميع سبل الهداية له إلا أنه يختار طريق الضلال والشقاء فكتبه عليه، وليس في ذلك من ظلم، وهذا معنى قول سلفنا: إن الله تعالى يملك الإضلال والهداية، الخير والشر، السعادة والشقاء.\nإذًا: عندنا الآن مسألتان: الأولى: أن الهداية والإضلال بيد الله ﷿.\nالمسألة الثانية: أنه سبق في علم الله الأزلي أن هذا العبد رغم إتاحة جميع سبل الهداية له إلا أنه يختار السعادة أو الشقاء، فلما علم الله ذلك من عبده أزلًا كتبه عليه، والأدلة على ذلك سبق بعضها في الدرس الماضي، وبقية الأدلة في هذا الدرس.","vol":"37","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>حديث: (كل مولود يولد على الفطرة)</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (كل مولود يولد على هذه الفطرة)].\nوهي فطرة الميثاق الأول الذي أخذه الله ﷿ على العباد لما أخرجهم كالذر من صلب أبيهم آدم وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢].\nقال: [(فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)] أخرجه البخاري ومسلم.\nوفي رواية عند مسلم: (ويشركانه أو ويشرِّكانه).\nأي: يجعلانه مشركًا.\n[(كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟)].\nيعني: لو أن البهيمة التي اجتمع جميع أعضائها لا عيب فيها ولا نقص فهي جمعاء؛ والجمعاء تلد جمعاء، ولذلك لما أخذ الله تعالى الميثاق الأول على ذرية آدم فلاشك أن كل واحد منهم يولد على هذه الفطرة الأولى، ولكن التغيير والتبديل إنما يطرأ عليه بسبب التربية، وبسبب المجتمعات التي يتربى فيها، وبسبب عوامل أخرى خارجية، أما أصل خلقه فإنه يخلق وقد اجتمعت فيه خصال الخير وفطرة الإسلام.\nقال: [ثم قال أبو هريرة ﵁: فاقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]].\n(فِطْرَةَ اللَّهِ) أي: سنة الله التي خلق الناس عليها أولًا وهي: التوحيد.\n[قال الأوزاعي: وذلك بقضاء وقدر].\nيعني: هذا التبديل وهذا التنصير والتهويد والإشراك إنما كله بقضاء وقدر.\nوقال الأوزاعي: [لا يخرجانه من علم الله، وإلى علم الله يصيرون].\nلأنه في الحديث: (يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه).\nيعني: ربنا يعلم أن الأبوين سيهودان المولود، فالله يعلم ذلك، وبتهويدهما لولدهما لم يخرجا هذا الولد من علم الله، وإنما الله تعالى علم ذلك أزلًا، ولذلك قال الأوزاعي لا يخرجانه -أي: الأبوين- يخرجانه من علم الله؛ لأن الله علم أزلًا أن أبويه سيهودانه، وأنه إذا عقل التهويد وخالف فطرته التي فطره الله عليها كتبه عليه.\nقال: لا يخرجانه من علم الله، وإلى علم الله يصيرون.\nقال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (من يولد على هذه الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما ينتجون بالبهيمة بهيمة، فهل ترون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟)].\nيعني: البهيمة تولد كاملة الأعضاء، ولكن يتدخل صاحبها بقطع جزء منها، ووسمها في أذنها أو وجهها، وغير ذلك من التشوهات والتغيير والتبديل الذي يطرأ عليها، فإنما ذلك يكون بتدخل صاحبها [(قالوا: يا رسول الله، أفرأيت وهو يموت وهو صغير؟)] يعني: أفرأيت إن مات هذا الغلام وهو صغير فما حكمه؟ قال النبي ﵊: [(الله أعلم بما كانوا عاملين)].\nقيمة هذا الكلام: أن كل شيء بعلم الله السابق في الأزل، ولو نفترض فرضًا: لو أن الطفل الصغير وهو من أبناء المشركين مات في صغره فالله ﷿ أعلم بما لو كان عاش وبلغ ماذا سيكون، يعلم ذلك، ولذلك الجواب هنا يقول: [(الله أعلم بما كانوا عاملين)]، أي: لو عاشوا وبلغوا مبلغ الرجال، فالله ﷿ يعلم ماذا كانوا يصنعون، وما سيصيرون إليه شقاء أم سعادة، هداية أم ضلال، يقبلون الهدى أو يقبلون الضلال، يعلم ذلك منهم، ولذلك أوكل النبي ﵊ أمرهم إلى الله ﷿؛ لأنه العليم ﷾.\nقال: [عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإما شاكرًا وإما كفورًا)].\nوهذا الحديث فيه ضعف إلا أنه يشهد له بقية الأدلة.\nقال: [عن ابن وهب قال: سمعت مالكًا قيل له: إن أهل الأهواء يحتجون بهذا الحديث: - (فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) - فقال مالك: احتج عليهم بآخره].\nأهل القدر يقولون: الغلام لا علاقة له بالتهويد ولا التنصير ولا المجوسية، لأن هذا فرض عليه فرضًا من قبل أبويه، أو أن الغلام ينشأ مؤمنًا في بيت مؤمن لا يختار هذا الإيمان، فيكون الإيمان وكذلك الشقاء واختيار ما يضاد أحدهما قصد للعبد به؛ لأنه إما أن يخلق مؤمنًا على فطرته الأولى في بيت مؤمن فهو لا يكون بذلك قد اختار الإيمان، وإما أن يفرض عليه التبديل والتغيير عن طريق والديه وهو صغير وبالتالي لا علاقة له بهذا.\nفقالوا لـ مالك: إن أهل الأهواء يحتجون بهذا الحديث؟ قال مالك: احتج عليهم بآخره.\nإذا كانوا يعتمدون صدر الحديث وأوله، وأن الشقاء ليس للعبد فيه دخل وأن ذلك جبر عليه وقهر بدون اختيار له، فاحتج عليهم بآخر الحديث: (الله أعلم بما كانوا عاملين).\nوعمل العبد بعد بلو","vol":"37","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>قوله تعالى حاكيًا عن إبليس: (فبما أغويتني)</span>\nقال: [عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى حاكيًا عن إبليس: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف:١٦] أي: فبسبب ما أغويتني وأضللتني].\nإذًا: الغواية والضلال بيد الله ﷿.","vol":"37","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>قوله تعالى: (وأضله الله على علم)</span>\nوفي قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] في تفسير ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] يقول: [أضله الله في سابق علمه].\nفهذا ليس متبعًا للكتاب والسنة، وإنما متبع لهواه، كل ما يمليه عليه هواه فهو دينه يتبعه كأنه شرع منزل من السماء، والله تعالى ينكر على صاحب الهوى أنه قد اتخذ إلهه هواه، مع أن الإله واحد والرب واحد ﵎، فكيف يترك العبد هذا الوحي من الكتاب والسنة، ويحل محلهما هواه ومزاجه وذوقه ووجده؟! فقال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ [الجاثية:٢٣] أي: يا محمد، ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْم﴾ [الجاثية:٢٣] إذًا: الضلال أتى بعد اتخاذ العبد إلهه هواه وليس في ذلك من ظلم، فالله تعالى جعل لك العقل لتميز به الحسن من القبيح، بل ربط الحسن والقبح بالكتاب والسنة.\nأي: بالوحي.\nفالحسن هو ما حسنه الله ﷿ ورسوله، والقبيح: هو ما قبحه الله ﷿ ورسوله، ولم يجعل للعقل في التمييز بين هذا وذاك مجالًا إلا مجالًا أذن الله تعالى فيه، فهنا نقول: إن الله ﷿ جعل لك العقل، وألزمك بالوحي، وأرسل إليك الرسل، وأنزل عليهم الكتب، كل ذلك لأجلك أنت.\nفإذا كان الأمر كذلك وأنت استغنيت عن هذا كله وذهبت تتخذ إلهًا من دون الله ﷿ وهو الهوى، فلابد وأن الله تعالى قد علم أنك ستعرض عن الوحي وعن الخير وعن الهدى، وتختار هواك إلهًا من دون الله ﷿ فكتبه عليك؛ لأنه علم ذلك منك أزلًا، فيكون معنى قوله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣].\nأي: سبق في علم الله أن هذا العبد سيضل ويترك الوحي ويتخذ إلهه هواه من دون الله، فلما علم الله ذلك منه أزلًا كتبه عليه.","vol":"37","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>قوله تعالى: (ما أنتم عليه بفاتنين)</span>\nوفي قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات:١٦٢].\nقال ابن عباس: [لا يضل أحد أحدًا إلا سبق في علم الله أنه من صال الجحيم].\nقال: [عن عمرو بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أراد الله ألا يعصى لم يخلق إبليس] لأنه رأس العصيان، ورأس الفساد، ولو أراد الله تعالى أن يطاع في الأرض ولا يعصى قط ما خلق إبليس.\n[وقد فصل لكم وبين لكم، قال تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات:١٦٢] إلا من قدر له أن يصلى الجحيم]، أي: فإنه حينئذ يضل.\nوقال خالد للحسن: [ألهذه خلق آدم ثم أشار إلى السماء، أم لهذه وأشار إلى الأرض؟] يعني: أخلق آدم للسماء أم خلق للأرض؟ ويشير بذلك إلى معصية آدم، وأن آدم كان في الجنة، وكان في السماء، وأهبط منها إلى الأرض فهو يسأله، ويقول له: آدم خلق لهذه وأشار إلى السماء أم لهذه وأشار إلى الأرض؟ قال الحسن: [بل لهذه وأشار إلى الأرض].\nرغم أنه كان في الجنة وكان في السماء، فما الذي أهبطه إلى الأرض؟ لأنه خلق لها وما نزلها إلا بقدر.\nيعني: الذي دار بين آدم وإبليس، وأن المعصية التي خالف فيها آدم ربه، لم تكن تخفى على الله قبل أن يخلق آدم، فقد وقعت بقدر والله ﷿ علم أزلًا أن إبليس سينتصر في هذه الخدعة التي بينه وبين آدم، وعلم أن آدم سيقنع بحجة إبليس، وأنه سينسى العهد الذي أخذه مع ربه.\nثم يسأل خالد الحسن فيقول: تصور لو أن آدم اعتصم من الخطيئة.\nيعني: لم يقع فيها، فلم يعملها أكان ترك في الجنة؟ قال الحسن: [سبحان الله! كان له بد من أن يعملها].\nكان لازم يعمل كذا؛ لأنه سبق في علم الله أنه سيعمل ذلك، والذي سبق في علم الله وكتبه في اللوح المحفوظ لابد وأن يقع.\nقال: [قلت: يا أبا سعيد قوله ﷿: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات:١٦٢] قال: ما أنتم عليه بمضلين إلا من قدر له أن يصلى الجحيم].","vol":"37","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>قوله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)</span>\nقال: [قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٥] الابتلاء: هو الاختبار، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، فإذًا: الخير والشر فتنة من الله ﷿ للعبد.\nقال: [عن ابن عباس -في تفسير هذه الآية- نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة].\n﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥].\nيعني: تصور لو أن عبدًا لم تتح له قط سبل المعصية هل سيشعر بحلاوة الطاعة وهو قائم بالطاعة بالليل والنهار؟ فلا يشعر بعناء المعصية ولا بمجاهدة نفسه في البعد عن طاعة الله ﷿.\nتصور لو أن واحدًا يعيش في مجتمع نقي نظيف لا فتنة فيه، أموره كلها لله، يقوم من طاعة ويقعد في طاعة، وينتهي من طاعة فإذا به يستلزم طاعة أخرى، ويعمل طاعة أخرى، لأن المجتمع كله يعينه على الطاعة.\nأما لو عاش في مجتمع كله فساد وشر، فالمرء يجاهد نفسه مجاهدة شديدة جدًا حتى لا يقع في معصية الله ﷿، كمن تعرض عليه جريمة الزنا، ولكنه يجاهد نفسه حتى لا يقع في هذه الفاحشة، فإذا لم يقع فيها فإنه يشعر بنعمة عظيمة جدًا، وأنه كان على مشارف معصية فنجاه الله تعالى منها.\nلو أن واحدًا قد طحنه الفقر طحنًا، وعرضت عليه أموال كثيرة جدًا يسرقها ويغنى، ولكنه جاهد نفسه وكف يده عن الحرام فأغناه الله ﷿، أو أبدله حلاوة لا يشعر بها إلا في قلبه.\nهذه أحلى من مد يده، يشعر العبد حين مجاهدة نفسه بأن الخير أحيانًا يكون فتنة والشر أحيانًا يكون فتنة.\nوالله تعالى يبتلي العبد بهذا وذاك، حتى يختار العبد لنفسه ما شاء مع قيام الحجة الرسالية عليه.","vol":"37","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-732>قوله تعالى: (صم بكم عمي)</span>\nوفي قول الله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٨] قال ابن عباس: [لا يسمعون الهدى، ولا يبصرونه ولا يعقلونه].\nلا يسمعون الهدى.\nأي: لا يسمعونه سماع إجابة، وإلا فهم يسمعون.\nفالمشركون لما دعاهم النبي ﵊ سمعوا قوله، ولكنهم لم يسمعوه سماع إجابة، وإنما سمعوه سماع جحود وإعراض.\nمثلما قلت لك: افعل كذا تسمعني وإلا ما تسمعني.\nتقول: سمعت.\nوأنت في نيتك أنك لا أنت منفذ ولا أنت سائل عنه، فهذا سماع إجابة وليس سماع جحود وإعراض، فالله ﷿ وصفهم بالصم والبكم والعمي، وعدم التعقل لما يسمعونه ويبصرونه، رغم أنهم يسمعون ويبصرون.","vol":"37","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إمامًا)</span>\nقال: [قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]].\nهذا على جانب التقوى، نحن نتكلم عن الخير والشر، والذي يملك التقوى هو الله ﷿، والله تعالى يصطفي من عباده من يشاء لأن يكون أهلًا للتقوى، فقال ابن عباس: [أئمة يهتدي بنا الناس ولا تجعلنا أئمة ضالين، لأنه قال لأهل الشقاء: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١]].\nفهناك أئمة للتقوى، وأئمة للضلالة.\nوأئمة التقوى وأئمة الضلال كثيرون في هذا الزمان، فالتقوى بيد الله ﷿، والإضلال بيد الله ﷿، ولما سبق في علم الله ﷿ أن عبده هذا يختار طريق التقى والهداية يسره له على عكس عبده الثاني.\nولذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، يعني: والذين اختاروا طريق الهداية الله ﷿ زادهم وثبتهم على طريق الهدى، وآتاهم تقواهم.","vol":"37","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثقاهم)</span>\nقال: [قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧]].\nوليس هناك إشكال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب:٧]، لكن الإشكال في قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧] مع أن الترتيب الطبيعي: ومن نوحًا ومنك، فإن نوحًا أسبق من محمد، بل نوح هو رسول أرسل إلى البشرية، وآدم أول نبي نبئ إلى البشرية، فالله تعالى قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧] ولم يقل: ومن نوح ومنك؛ ليدل على أن الله تعالى علم أزلًا أنه سيخلق محمدًا ﵊، مع أن خلق نوح كان قبل خلق محمد، ولكن الله تعالى قدمه هنا في الذكر؛ ليدلنا على أن محمدًا هذا كان في علم الله أزلًا فقدمه على نوح، فهذه حجة على القدرية.","vol":"37","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-735>قوله تعالى: (أو تقول لو أن الله هداني)</span>\nقال: [قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر:٥٧] عن ابن عباس: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٧ - ٥٨] من المهتدين].\nولذلك فإن بعض السلف بنى له قبرًا في بيته، واستشهد بهذه الآية: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨]، كان يدخل قبره كل ليلة حتى يغلق عليه القبر تمامًا ويحدث نفسه في داخل القبر: يا نفس أنت دخلت القبر، ثم يسمح لنفسه بالخروج مرة ثانية من القبر، ويقول: أنت عدت مرة ثانية إلى الدنيا فاعملي صالحًا: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨].\nأي: من المهتدين.\nاعملي صالحًا واهتدي قبل أن تموتي موتة لا بعث فيها إلا يوم القيامة.\nقال ابن عباس: [فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى؛ لأنهم اختاروا طريق الضلالة، وقد علم الله ﷿ ذلك منهم أزلًا فكتبه عليهم، قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]].\nأي: كاذبون في قولهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨]، ولو ردوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك لعادوا لما كانوا عليه قبل ذلك من تعاطي أسباب الشقاء والضلال.","vol":"37","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>قوله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم)</span>\nقال: [قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠].\nأي: لو ردوا إلى الدنيا ولحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة].\nيعني: سبق في علم الله أنهم لا يقبلون الهدى، فيسر لهم طريق الضلال.","vol":"37","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-737>قوله تعالى: (ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة)</span>\nقال: [وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام:١١١] يقول: معاينة].\n﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام:١١١].\nالكلام هذا خاص بأهل الشقاء، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ [الأنعام:١١١].\nيعني: لو أننا بعثنا لهم الملائكة يدعونهم إلى الهدى، ولم نرسل لهم رسلًا من أنفسهم ولكن نرسل إليهم الملائكة وكلمهم الموتى -للعظة- بأن يخرج الموتى من قبورهم فيقولون: أيها الأحياء! اعملوا صالحًا، فإنا وجدنا غب أعمالنا في قبورنا، وحشرنا عليهم كل شيء قبلًا -أي: معاينة- يرونهم بأعينهم ما كانوا ليقبلوا الإيمان والهدى إلا أن يشاء الله، وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أنهم يدخلون في الإيمان.","vol":"37","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-738>قوله تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)</span>\nقال: [قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] هذه أيضًا آية ترد على القدرية، ونحن قلنا في أول دروس القدر: إن القدرية نوعان: قدرية غلاة وهم الجهمية، وقدرية المثبتة.\nالنوع الأول: يقولون: إن العبد مجبور على عمله لا إرادة له، مسلوب الإرادة، لا علاقة له بعمله، ولذلك من الظلم أن يعاقبه الله ﷿.\nوالرد عليهم: أن هذا الشيء قدره الله عليه، فهو شيء مكتوب عليه، ولكنه قد سبق في علم الله أن العبد سيختاره فكتبه ﷾ له.\nإذًا: العبد ليس مجبولًا على المعصية، ولكن علم الله ﷿ ذلك منه أزلًا بعد تيسير سبل الدعوة، وإقامة الحجة الشرعية، وبيان الحلال من الحرام، ولكن العبد في المقابل هو الذي اختار طريق المعصية، فلما كان منه ذلك كتبه الله ﷿ عليه، لأنه العليم ﷾.\nفقوله هنا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] رد على القدرية، وأن للعبد مشيئة.\n﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].\nيعني: لك مشيئة، ولك إرادة، ولكن إرادتك في علم الله ومشيئتك سبقت في علم الله، فقد علم الله ماذا سيكون عملك، وكيف تصير إليه؟ فكتب ذلك في اللوح المحفوظ.\nالنوع الثاني من القدرية قالوا: لا علاقة لله ﷿ قط بأفعال العباد، والعبد له المشيئة المطلقة في إتيان الهدى وإتيان الضلال.\nفالقدرية ضد بعضهم البعض، فطائفة تقول: العبد مسلوب الإرادة، وطائفة تقول: لا مشيئة لله ﷿ ولا إرادة له في أفعال العباد، وأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وهو الذي يوجد فعل نفسه، وكلاهما على ضلال بين.\nفهذه الآية ترد على هاتين الفرقتين بإثبات الإرادة والمشيئة للعبد، وربط هذه المشيئة بعلم الله ﷿ الأزلي الأولي.\nقال: [عن زيد بن أسلم: والله ما قالت القدرية كما قال الله ﷿، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس].\nيعني: القدرية قد أتوا بالبدع التي لم يأت بها حتى إبليس، فما وجه مخالفتهم لله؟ وما وجه مخالفتهم للملائكة ولأهل الجنة والنار؟ [قال الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]] فهذه الآية ترد على القدرية بنوعيها، وذلك بإثبات المشيئة للعبد، وربط هذه المشيئة بعلم الله ﷿ الأزلي.\n[وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢].\nإذًا: الله تعالى هو الذي علم الملائكة قبل أن تعلم، والملائكة خلقهم الله ﷿ لا علم لهم ثم علمهم، ولا يتصور أن الله تعالى علمهم ما لا علم له به أصلًا، فهو العليم الخبير، تعلم ملائكته من علمه، وهو الذي علمهم من علمه.\nوالقدرية يقولون: إن الله تعالى لا يعلم الأشياء حتى تقع، وهذا في قولهم: أنه لا قدر وأن الأمر أنف.\nيعني: أن الله لا يعلم الشيء حتى يكون.\nإذًا: هذه الآية فيها إثبات العلم لله ﷿، فربنا علم الملائكة أسماء كل شيء، وأمر الملائكة أن تعلم آدم الأسماء، والله تعالى علم الأشياء بأسمائها وأفعالها وأقوالها وحركاتها وسكناتها وشقائها وسعادتها، علم ذلك كله أزلًا قبل أن يخلق الخلق فكتبه في اللوح المحفوظ، فالله تعالى يعلم ما العباد عاملون وكيف يصيرون إليه.\nقال: [وقال شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف:٨٩].\nفأثبت المشيئة الأزلية لله ﷿، وأنه إذا سبق في علمه الشقاء أجراه، وإذا سبق في علمه الهدى أجراه ويسره.\n[وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا﴾ [الأعراف:٤٣]] فالهداية بيد الله ﷿، ومعنى ذلك أنه سبق في علمه أن أهل الجنة سيختارون الطاعة فيسرهم لها ومهد لهم السبيل إلى الجنة.\n[﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]].\nفأثبت أهل الجنة أن الهداية بيد الله ﷿.\n[وقال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]].\nيعني قد اخترنا الشقاء وغلب علينا؛ لأن الله تعالى علم أزلًا أننا سنختار الشقاء فكتبه، وما يكتبه الله ﷿ لابد أن يغلب، لأنه الغالب على أمره.\n[وقال أخوهم إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]] يعني: رب بما أضللتني.\nفإبليس يعلم أن السعادة والشقاء، والهداية والإضلال بيد الله ﷿ فقال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩].\nقال الشافعي لما رأى قومًا يتجادلون في القدر بين يديه: [لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله ﷿ خير له من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء] يعني: من أهواء الفرق","vol":"37","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-739>قوله تعالى: (ومن يرد الله فتنته)</span>\nقال: [قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١].\nيعني: ومن علم الله ﷿ أنه سيختار طريق الفتنة والضلالة فلا يمكن لأهل الأرض -ولو اجتمعوا- أن ينقلوا هذا العبد مما اختاره الله وسبق في علم الله فكتبه عليه إلى الهداية والسعادة.\n(وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ)، يعني: ومن سبق في علم الله أنه يفتن فليس لأحد من الخلق، بل ليس للخلق أجمعين أن ينقلوه من الفتنة إلى الهداية.\nقال: [عن ابن عباس ﵄ قال: يقول الله: من يرد الله ضلالته لم تغن عنه شيئًا].","vol":"37","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وغيرها من الآيات</span>\nقال: [قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، قال ابن عباس: [ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي، ومن شقوتي وسعادتي].\nيعني: المهمة الأولى للخلق هي العبادة، ولكنه سبق في علم الله من يعبده ومن يعصيه، من يشقى بمعصيته ومن يسعد بطاعته، فلما سبق في علم الله ذلك كتبه.","vol":"37","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-741>قوله تعالى: (الذين خسروا أنفسم)</span>\nقال: [قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥]] قال ابن عباس: [هم الكفار الذين خلقهم الله تعالى للنار، وخلق النار لهم، فزالت عنهم الدنيا وحرمت عليهم الجنة، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]] يعني: فخسروا الدنيا والآخرة.\n[وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧]].\nوالدعاء هنا: هو الإيمان.\nأي: ما يعبأ بكم ربي لولا إيمانكم.\nقال: [يقول: لولا إيمانكم، فأخبر الله تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين].\nقال: [قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]] لأنهم اختاروا طريق الكفر والجحود والضلال، والله ﵎ لما علم ذلك منهم أزلًا كتبه عليهم، فسواء أنذرتهم أم لم تنذرهم فإنهم يخسرون الإيمان، وهم قائمون على الكفر والجحود والنكران، وهذا سابق في علم الله وكتبه، ولكن لابد من قيام الحجة عليهم حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.\nفليس هناك من يجيء يوم القيامة ويحتج على ربنا ويقول: يا رب! ما بعثت رسولًا، وما أنزلت كتابًا.","vol":"37","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>ذكر ابن عباس للآيات الدالة على أن الهداية والإضلال بيد الله</span>\nقال: [عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام:٣٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]، وقوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٠]، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، وقوله: ﴿الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [الرعد:٥]، وقوله: ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨]، وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥] ونحو هذا من القرآن].\nكل هذه الآيات تدل على أن الإيمان والكفر والشقاء والسعادة والهداية والإضلال بيد الله ﷿.\nقال: [وأن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول].\nالرسول ﷺ كان حريصًا على أن يجمع جميع الخلق على السعادة، وربنا قال له: أنت لا تستطيع أن تفعل ذلك، وليس هذا لك ولا لأحد، وإنما هذا لرجل قد سبق في علم الله أنه من أهل السعادة، وليست لرجل سبق في علم الله أنه من أهل الشقاوة.\nقال: [فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول.\nثم قال لنبيه ﵊: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦]-يعني: مهلك نفسك- ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣].\nيقول: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء:٤].\nثم قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [فاطر:٢].\nويقول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]].\nأي: ليس لك يا محمد من الأمر شيء، فأنت لا تعلم ما الذي كتبه الله ﷿ أزلًا على العباد من السعادة والشقاء، والهداية والإضلال، وما عليك يا محمد إلا أن تبلغ هذا الوحي إلى الناس، أما الخواتيم فلا يعلمها إلا الله ﷿.","vol":"37","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>قوله تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديرًا)</span>\nقال: [قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]].\nقال: [عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلق كلهم قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء)].\nومن المقادير: السعادة والشقاوة، الجنة والنار، الرزق.\nكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.\nفإذا كان الله تعالى كتب ذلك بعلم، فلابد أن نثبت أولًا العلم الأزلي لله ﷿، وهو علم كل شيء، علم لا نهاية له، ولا منتهى له، وأن الله تعالى علم ذلك أزلًا فكتبه في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل التبديل ولا التغيير ولا التحريف، ولا يلحقه إثبات غير ما هو مثبت فيه، أما الذي يقبل الإثبات والمحو فالكتب التي بيد الملائكة، أما اللوح المحفوظ فلا يقبل المحو ولا الإثبات إلا ما كان فيه، فلما علم الله ذلك أزلًا كتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم كتب للعبد الشقاء أو السعادة، وهذه الكتابة بعدل وحكمة من الله، وليس بظلم منه.\nوالله ﵎ خاطب المؤمن والكافر بالإيمان، وألزمهما وكلفهما به، ولكن العبد التقي اختار طريق التقى والهدى طلبًا للجنة ولرضوان ربه، فإن العبد الذي سبق في علم الله أنه شقي هو الذي اختار طريق الشقاء وطريق النار، فلما سبق في علم الله ذلك منه كتبه عليه بعد أن أرسل إليه الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ورزقه العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، وبين السعادة والشقاء، وبين الهدى والضلال.\nقال: [(كتب الله مقادير الخلق كلهم قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء)].\nقال: [عن طاوس قال: أدركت ناسًا من أصحاب النبي ﵊ يقولون: كل شيء بقدر.\nقال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس)].\nقال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)] مع أن هذا مؤمن وهذا مؤمن، لكن هذا مؤمن قوي، قوي في علمه، قوي في إيمانه، قوي في عمله، فهو أحب إلى الله ﷿ من المؤمن الضعيف.\n[(وفي كل خير)]؛ لأن كل واحد منهما فيه إيمان، والإيمان خير، [(فاحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ﵎ ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقولن: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)].\nيعني: كل شيء عنده بمقدار حتى العدل والكيل (فإن لو تفتح عمل الشيطان)].\nقال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (إن النذر لا يقدر لابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره)].\nيعني: أنت تقول: يا رب! لو ابني نجح سأذبح شاة، وابنك نجح، فهذا قد سبق في علم الله.\nلكي لا تتصور أن ذبح النعجة معلق بسبب نجاح ابنك، بل كتب في اللوح المحفوظ، ولذلك النبي ﵊ كان يكره النذر في الطاعة، ويقول: (إنما يستخرج به من البخيل).\nيعني كأنك تقول: يا رب لو ابني نجح أذبح، وإذا ما نجح ما أذبح.\nوهذا لا يصح، ففي زمن السلف لم يختلفوا في هذه القضية.\nولابد أن يكون النذر في طاعة، كما في قوله ﵊: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه).\nفمثلًا: واحد يقول: يا رب لو أنا حصل لي كيت سأترك الصلاة.\nفهذا النذر يأثم به العبد، ولا يلزمه هذا النذر، إنما لو نذر في طاعة يلزمه النذر والأفضل عدم النذر، والنذر لن يغير شيئًا في المكتوب والمقدر.\nفتقول: يا رب لو ابني نجح سأذبح شاة، فنجح ابنك، ثم بعد ذلك تلف وتدور وتتلمس الأعذار فتقول أصوم فأنا ممكن أصوم ستة شهور ولا أذبح -لأنك بخيل- وممكن أن تحدث نفسك بأنه كان مكتوب في اللوح المحفوظ أنه سينجح، فما الذي جعلك تنذر؟ ولذلك النذر يستخرج به من البخيل، أما للإحسان وهو أن ربنا أحسن إليك في نجاح ولدك، أو في قضاء مصالحك فاذبح من غير ما تنذر، فلا ينفع أن تعمل الطاعة وأنت محتار، بل وأنت راض ومبسوط، ومقبل على ربك، لابد أن تعمل الطاعة ورقبتك تحت رجلك، فلا تذبح الشاة وأنت كاره، قال: (إن النذر لا يقدر لابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره).\nيعني: هذا النذر لم يغير من القدر شيئًا، ولكن النذر يوافق القدر، والله ﷿ علم أزلًا أنك ستنذر فلابد أن تفي بالنذر.\nويفضل ألا تنذر حتى في الطاعة، وإذا كنت تريد أن تشكر ربك بذبح شاة، فلا يكن ذلك في صورة نذر، والنبي ﷺ أخبر أن الطاعة بدون نذر خير من الطاعة بنذر.\nإذًا: الأفضل هو ألا تنذر، وأن تفعل هذه الطاعة بلا نذر، لكن الله تعالى بعد أن أرسل إليك رسولًا، وبين لك أن الطاعة بغير نذر أفضل من الطاعة بنذر علم","vol":"37","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>الأسئلة</span>","vol":"37","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>ضرورة التفريق بين الإرادة الشرعية والكونية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا كان الله علم أزلًا أن العبد سيختار طريق الشقاء كتبه عليه فإنه سبحانه هو الذي جعل العبد يختار هذا الطريق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو يريد أن يقول: إذا كان الله ﷿ علم أزلًا أن هذا العبد سيختار طريق الشقاء كتبه عليه، فالله هو الذي جعل العبد يختار طريق الشقاء، وهذه شبهة القدرية، ولذلك فإن معظم السلف ما كانوا يتكلمون كلمة واحدة في القدر، لما تنظر إلى كلام أحمد بن حنبل تجد أنه لم يثبت عنه أنه تكلم في القدر بكلمة إلا كلمة واحدة قال: القدر هو قدرة الله ﷿.\nفليس معنى ذلك أن الإمام أحمد لم يستطع أن يؤلف مصنفات في القدر، ولكن معظم السلف كانوا ينكرون هذا الكلام إنكارًا عظيمًا جدًا.\nولذلك ورد عنهم: إذا جاء القدر فأمسكوا.\nلأن الشيطان سيسلمك من سؤال إلى سؤال، إلى حد أن تقول: إن ربنا ظالم لنا.\nونحن أثبتنا أن العبد له إرادة، والله ﷿ له إرادة، والعبد له مشيئة، والله ﵎ له مشيئة، والله تعالى لا يرضى لعباده الكفر ابتداءً، وأمرهم بالإيمان، ونهاهم عن الكفر ولم يرضه لهم، فالعبد لا يكفر غصبًا وإنما بمشيئة الله.\nفالذي حصل له ألم لا يرضى أنه يتعذب به في الدنيا وكذا في الآخرة، والذي صفعك لا يستطيع أن يصفعك إلا بإرادة الله، وسترد عليه بإرادة الله، وما رفع يده إلا بإرادة الله، ولا يقدر ينزلها إلا بإرادة الله، فهل الله ﵎ يرضى عن هذا الفعل؟ لا.\nومع هذا أذن بوقوعه؟ فالشيطان من خلق الله، وأعمال الشيطان هي من خلق الله وإيجاد الله، فهل ربنا رضى عنها؟ إذًا: نحن لابد أن نفرق بين المسألتين: الإرادة الشرعية الدينية، والإرادة الكونية القدرية: الإرادة الشرعية هي: أنك تصلي معنا المغرب والعشاء، فربنا أذن في ذلك وخلق فيك هذه الحركات من قيام وركوع وسجود وقراءة، وأضل غيرك، أو أنساه صلاة المغرب وصلاة العشاء، ويمكن أنه ما يصلي نهائيًا.\nوهذا بإرادة الله، لكن الله لا يرضاه، إنما أذن بوقوعه، مثلما أذن بوقوع الكفر في الكون، مع أنه حذر منه، وأرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب، والله لا يرضى الكفر، ومع هذا فالكافر هو الذي اختار الكفر.\nلما تقول لابنك: يا ابني! الطريق هذه تؤدي بك إلى النجاح، والطريق هذه تؤدي بك إلى الرسوب، ومع هذا ابنك يصر على عدم المذاكرة مع المراقبة الشديدة وتوفير جميع وسائل الراحة التي تؤهله للنجاح في نهاية العام، ومع هذا فالولد كلما تؤكد عليه يعرض عنك، فهذا الولد يعرض عنك بإرادة؛ بدليل أنك موفر له سبل الراحة، والولد لا يستغل سبل الراحة ولا يذاكر.\nفالله ﷿ علم إعراض هذا الولد، وعلم أنك ستقوم تجاهه بالواجب، ويأجرك على هذا الواجب والولد يأثم عند الله ﷿ بتمتعه بهذه النعم وإعراضه عن المذاكرة.\nالولد يعرف في نفسه أنه لو ذاكر سيرضي ربه ويرضي والده، ومع هذا يعرض.\nفإذا كان لا يعلم ذلك فإنه لا يأثم.\nإذًا: لا يوجد ظلم هنا، فالله ﵎ خلق الجنة وخلق النار، خلق لهذه قسم الله أعلم بهم، وخلق لتلك قسم الله أعلم بهم، وبين لهم الطرق والأسباب التي تؤدي بهم إلى الجنة، وإلى النار، وأنزل لهم الكتب، وأرسل لهم الرسل فقامت عليهم الحجة، فالذي يكفر يعلم أنه كافر، والذي يزني يعلم أنه يزني، ويعلم أن الزنا معصية، وأن الله سيعاقبه عليه، ولكنه لا يستطيع أن يزني بغير إرادة الله.\nوليس معنى: (بقدر الله) أن الله ﷿ يحب الزنا ولذلك أذن فيه، فهو لا يحبه، إنما يحب العفاف والطهر وأمر به، ويكره الزنا ويمقته ونهى عنه، لكن الذي يأتي الطاعة فهو يأتيها بإرادة الله، والذي يأتي المعصية هو يأتيها بإرادة الله؛ لأنه لا يقع في الكون إلا ما أراده الله وقدر، لكن من إرادته ما يثيب عليها، ومن إرادته ما يعاقب عليها.","vol":"37","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-746>بيان عدد الرضعات التي تحرم وحكم لبس الكرفتة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما عدد الرضعات التي تحرم الرضيع من أم غير أمه وهل يشترط أن تكون في وقت واحد؟ والرجل إذا لبس كرفتة هل يكون متشبهًا بالكفار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الكرفتة تشبه بالكفار، لكن من يلبسها ليس كافرًا، وإنما يجب على الرجل أن يتنزه عن مشابهة غير المسملين.\nأما عدد الرضعات المحرمة: فهي خمس رضعات في كلام الله، وحديث عائشة في الصحيحين: (كان مكتوب في الكتاب عشر رضعات محرمات جعلها الله ﷿ خمسًا، فهي خمس رضعات مشبعات متفرقات).\nوالنبي ﵊ يقول: (لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان).\n(سئل هل تحرم الرضعة يا رسول الله؟ قال: لا.\nقال: هل تحرم رضعتان؟ قال: لا).\nواختلف أهل العلم في التحريم، ورأي الجمهور هو الصواب: أن الرضاع يحرم كما قال ﵊: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).\nأي: أن الرضعات المحرمات خمس رضعات مشبعات، وهو أن يترك الولد الثدي باختياره وبإرادته.","vol":"37","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>حق المطلقة التي لم يبن بها زوجها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو حق الزوجة التي لم يبن بها زوجها بعد الطلاق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو يريد أن يقول: امرأة عقدت عليها ولم أبن بها ثم طلقتها، فهي تبين بينونة كبرى بهذه الطلقة، فإذا أراد أن يتزوجها لابد من عقد جديد ومهر جديد، وهذه المرأة ليس لها نفقة ولا متعة، ولا سكن ولا شيء من هذا نهائيًا، إنما إذا كان قد خلا بها خلوة شرعية فلها المهر كله، وإذا لم يخل بها أي: لم يدخلها في مكان ويغلق الباب، ويرخي الستر عليهما حتى وإن لم يقبلها ولم يمسها، فإذا حدثت هذه الخلوة وإن لم يمسها فيجب لها المهر كاملًا، أما إذا لم تحدث هذه الخلوة فليس للمرأة عند زوجها إلا نصف المهر، ولو عفت عنه لا يطالب الزوج به، ولكن لابد أن يكون العفو بإذن الولي أيًا كان، سواءً كان الولي أخوها أو عمها أو جدها، فأنت لا ترضى أن تعفو ابنتك إذا طلقت، فقد تضربها على ذلك.","vol":"37","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>حكم تخصص الرجل في قسم النساء والولادة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم التخصص في قسم النساء والولادة؟ وما حكم ذهاب النساء إلى دكتور أمراض النساء والولادة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التخصص في هذا سمج بارد، وأنا أظنه ظنًا يقينيًا: أن هذا معصية لله ﷿، كيف أن الدكتور يعيش حياته بالليل والنهار بين أفخاذ النساء؟ والعلماء يقولون: النساء عليهن أن يتعلمن، ومجال الطب لابد أن يكون فيه طاقم نسوي فيما يتعلق بتعليم المرأة في الطب، أما أن الرجل يكون رئيس قسم النساء والتوليد والعقم، فهذا من البلاء العجيب، وليس هذا مستساغًا فضلًا عن مخالفته، ولذلك نحن نرى الإخوة الطيبين الذين تورطوا في هذا القسم لما يتوبوا فإنهم يبحثون عن قسم آخر يتخصصون فيه، ويأخذون فيه دراسات من جديد.","vol":"37","page":24},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-749> أدلة السنة في إثبات القدر [١]</span>\nيعتقد أهل السنة والجماعة بوجوب الإيمان بالقدر وما يتضمنه من مراتب، ويعتقدون أنه سر الله تعالى في خلقه، لا يخوض فيه إلا من زلت به القدم، والآيات من الكتاب والأحاديث الصحيحة من السنة النبوية تشهد على ذلك، وهي كثيرة معلومة تناولها أهل العلم بالتفسير والإيضاح ورد كل شبهة أو متمسك للمبتدعة فيها.","vol":"38","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-750>سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله وما روي من السنة في إثبات القدر</span>\nالحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما بعد: فلا يزال الكلام موصولًا في سرد أدلة القدر، وأن ذلك كان أمرًا مستقرًا عند سلفنا رضي الله ﵎ عنهم، وأنهم كانوا يكرهون الخوض فيه، فقد كانوا يؤمنون ويسلمون به، ومن الأدلة على ذلك:","vol":"38","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-751>حديث: (جف القلم على علم الله ﷿)</span>\n[عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ﵎ خلق خلقًا في ظلمة ثم ألقى عليه من نوره، فمن أصابه شيء من ذلك يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك يقول: جف القلم على علم الله ﷿)].\nأي: حينما خلق الله ﵎ هذه النطفة وألقاها في رحم المرأة -رحم المرأة ظلمة- أفاض من نوره على هذه النطفة، فإن اقتبست هذه النطفة من نور الله ﷿ فهذا دلالة على سعادتها، وإن لم تقتبس فهذا دلالة على شقاوتها وتعاستها، وهذا معنى قوله ﵊: (قد جف القلم بما هو كائن).\nأي: أن هذا أمر قديم قد فرغ منه، ولذلك تعجب السامع من الصحابة وقال: (يا رسول الله! إذا كان هذا أمر قديم ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خُلق له).","vol":"38","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-752>حديث: (لا تكثر همك ما يقدر يكن)</span>\nقال: [وعن مالك بن عبد الله أن النبي ﵊ قال لـ ابن مسعود: (لا تكثر همك، ما يُقدر يكن، وما تُرزق يأتك)].\nأي: لا تنشغل بمسألة الأجل ومسألة الرزق، لذا فالعبد من الممكن أن يشرك بالله ﷿ لأجل الحفاظ على عمره وحياته ورزقه.\nأي: أن المرء قد يقع في أعظم ذنب على الإطلاق -وهو الشرك بالله- مخافة الرزق ومخافة الأجل، مع أنهما مضمونان لله ﷿، فلا يمكن لأحد قط أن يتدخل فيها مهما أوتي من قوة، فهذا فرعون ما استطاع أن يؤثر في رزق موسى أو في عمره، بل كان هلاك فرعون على يد موسى ﵇.","vol":"38","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-753>حديث: (خلق آدم وأخرج الخلق من ظهره)</span>\nقال: [عن عبد الرحمن بن أبي قتادة السلمي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (خلق آدم وأخرج الخلق من ظهره -هذا حديث النفاق الذي سبق ذكره- فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي)].\nأي: حينما خلق الله ﷿ آدم أخرج من صلبه كل نسمة تكون إلى يوم القيامة، إلى آخر نسمة من صلب آدم، ثم قال وهم كالذر: هؤلاء قسم الجنة وحظها ونصيبها، وهؤلاء قسم النار وحظها ونصيبها، وقال في كل: (لا أبالي)؛ لأنه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فهو الذي يحاسب الخلق وحده.\n[قيل: علام نعمل] أي: إذا كان ذلك مقدرًا ومقسومًا منذ أن خلق الله آدم بل قبل آدم والله ﵎ يعلم أهل الجنة وأهل النار ففيم العمل؟ قال: [(على مواقع القدر)].\nأي: أنك أنت لا تعمل إلا بقدر؛ لأن العجز بقدر، والعمل والنشاط والجد والخمول كل ذلك بقدر، فالله ﵎ علم أنك تفتر هنا وتنشط هنا، تصح هنا وتمرض هناك، تعلو هنا وتنخفض هناك، تغنى وتفقر، تُعز وتُذل، وغير ذلك مما يتعرض له المرء في أثناء حياته، فالله ﵎ قد علمه ليس قبل أن يخلق ذلك الشخص، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض.\nوالذي يسأل: إذا كان ذلك هو القدر فلِم نعمل؟ ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنه لا يدري الواحد منكم في أي فريق هو، في فريق الجنة أم في فريق النار، وهذا إجابة عقلية.\nأي: لو كان فهمنا مستقيم للمسألة هذه ففيم إذًا إرسال الرسل؟ أليس الأمر كله بقدر قبل أن يخلق الله ﷿ الخلق كلهم؟ فلماذا بعث الله الرسل إذًا؟ ولماذا أنزل الكتب؟ ولماذا جعلك عاقلًا؟ كل هذا لتميز به بين الحق والباطل.\nفلماذا هذا العمل كله؟ لأنه لا بد أن تعمل، ومن قدر الله ﷿ أن تطيع الرسل، وأن تؤمن بالكتب، ومن الإيمان بالكتب: الإيمان بالقدر، وأن كل شيء بقدر، فلا بد أن تعمل، ولا يصلح أن تكون بلا عمل؛ لأنك ابتداءً لا تدري هل جعلك الله ﷿ من فريق الجنة أم من فريق النار؟ فإن كنت لا تدري هذا عن نفسك فلا تغتر بعملك الصالح؛ لأنه ربما يُختم لك بغير ذلك! ولا تستمر في معصيتك فربما يوفقك الله ﷿ في آخر حياتك لعمل الخير، وأن تعمل بعمل أهل الجنة فتدخلها، فلا تتمادى في معصيتك ولا تغتر بطاعتك، فرُب رجل اغتر بطاعته وفاخر بها فعاقبه الله ﷿ بأن ختم له بخاتمة الشقاء، نسأل الله السلامة لنا ولكم.\nوقوله ﵊: (على مواقع القدر).\nأي: أنتم لا تعملون إلا بقدر، ولا تتركون العمل إلا بقدر؛ لأن الله علِم أزلًا أنك تعمل أو لا تعمل، وأنك تشقى أو تسعد، وأنك تغنى أو تفقر، وغير ذلك من أطوار حياة العبد، فلا بد من العمل، فليس هناك جنة بلا سبب، كما أنه ليس هناك نار بلا سبب، فالله ﷿ بإمكانه أن يأتي بأعظم الناس شركًا ويدخله الجنة ولا يعترض على ذلك أحد، وبإمكانه أن يأتي برجل من أهل الجنة ويدخله النار، لكنه سبحانه قطع على نفسه ألا يفعل ذلك، والله لا يخلف وعده أبدًا.\nإذًا: لماذا دخل هذا الجنة ودخل هذا النار؟ بالعمل.\nوإن كانت رحمة ربك تسبق من دخل الجنة؛ لأن الله تعالى هو الذي وفقه لطاعته، وهذه الطاعة هي السبب في دخوله الجنة، وأما هذا الذي دخل النار فبعدل الله ﷿؛ لأنه قد أقام عليه الحجة من كل جانب ومن كل وجه، فلا يبقى له عذر بعد أن أرسل إليه الرسل وأنزل الكتب، وجعله عاقلًا يميز بين الحق والباطل بين الصحيح والخطأ، فلا عذر لمن سلك طريق المعصية إلا أن يدخل النار، فإن كان موحدًا فإنه لا محالة يخرج من النار ويدخل الجنة، وإن كان من أهل الكفر والشرك البواح؛ فإنه مخلد في النار لا يخرج منها أبدًا.","vol":"38","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>حديث: (إن العبد ليعمل فيما يرى للناس بعمل أهل الجنة)</span>\nقال: [عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد ليعمل فيما يُرى للناس بعمل أهل الجنة)].\nأي: أن أول ما يروه الناس يعمل هذا العمل فإنهم يقولون: هذا رجل بعمله هذا من أهل الجنة، كما اغتر الصحابة بالمجاهد وقالوا: والله إنا لنراه من أهل الجنة، فالنبي ﷺ قال: (هو من أهل النار)؛ لأنه كان مرائيًا، فقد كان يجاهد ليقال عنه: مجاهد، وكان يبتغي الأجر من الناس، ويبتغي أن يمدحه الناس، ولذلك قال النبي ﵊: (بل هو من أهل النار).\nلكن هل هو من المخلدين في النار؟ لا.\nليس من المخلدين فيها، وإن مكث فيها مكثًا طويلًا فمآله أن يخرج منها.\nوأما قوله ﵊: (ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) فهذا الكلام على أصحاب المعاصي، أما أصحاب الكفر البواح فإنهم سيدخلون النار حتى لو لم يترد من جبل، فمثلًا: نتنياهو اليهودي، ما دام أنه لم يترد من جبل فهل سيدخل الجنة أم ماذا؟ أم هل سيدخل النار ثم يخرج منها إلى الجنة؟ لا.\nبل هو في النار مخلدًا فيها إن مات على كفره.\nوبالمناسبة فهناك من الناس من يعتقد أن اليهود والنصارى في الجنة ويقولون: هؤلاء إخواننا وأحبابنا! بل يزيدون ضلالًا ويقولون: والله إن هذا أحسن من المسلمين.\nوهذا من الخطأ الكبير! أن ترفع يهوديًا أو نصرانيًا أو كافرًا -عمومًا- فوق المسلم وإن كان أعتى العتاة ما لم يكفر، وإذا صدر منك ذلك فلابد أن تراجع إيمانك فورًا، فإيمانك فيه نظر، وأنت على خطر عظيم جدًا، فربما يُخرجك هذا من الإيمان إلى الكفر البواح.\nقال ﵊: [(إن العبد ليعمل فيما يُرى للناس بعمل أهل الجنة، وإنه لمن أهل النار، وإنه ليعمل فيما يُرى للناس بعمل أهل النار، وإنه لمن أهل الجنة)].\nوبعد هذا يبين النبي ﵊ المسألة هذه، لأن فيها إشكال.\nفبالنسبة للجزء الأول: أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، فهذا رياء وقد انتهينا منه، والله ﷿ يعلم ذلك.\nوأما المشكل في الجزء الثاني فهو: أن الرجل يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، (وإنه لمن أهل الجنة).\nفكيف يكون من أهل الجنة وهو تارك للصلاة والصيام والزكاة والحج وأركان الإسلام وأركان الإيمان؟! حدد النبي ﵊ الجواب عن هذا السؤال في تمام هذا الحديث فقال: (وإنما الأعمال بالخواتيم).\nحتى يحل الإشكال للرد على الجزئية الثانية، ولذلك الرجل الذي رأى أخاه على معصية فقال: والله لا يغفر الله لفلان -والمغفرة بيد الله ﷿- فغضب الله ﷿ غضبًا شديدًا، وأخبر نبيه بذلك فصعد النبي ﷺ المنبر وقال: (من ذا الذي يتألى على الله؟ إن أحدكم يقول: والله لا يغفر الله لفلان، والله تعالى يقول: أشهدكم يا ملائكتي أو يا عبادي أني قد غفرت لفلان وأدخلت فلانًا النار) أي: الذي اغتر بطاعته وحكم على صاحب المعصية بأنه لا يدخل الجنة قط أو لا يغفر الله تعالى له.","vol":"38","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-755>حديث: (لا عليكم ألا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بما يختم له)</span>\nقال: [عن أنس ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: (لا عليكم ألا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بما يُختم له)].\nأي: لا تقطعوا لأحد بالجنة أو النار حتى تنظروا ماذا يختم له.\nولذلك الإمام النووي رحمة الله تعالى ذكر خلاف أهل العلم في مسألة الدعاء للمشركين أو للكفار، أو الدعاء عليهم ما داموا أحياء، وذكر أن في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنه يجوز.\nالثاني: لا يجوز مطلقًا.\nالثالث: يجوز الدعاء عليهم إذا ماتوا على الشرك والكفر.\nونقل الثلاثة الأقوال ورجح القول الثالث.\nأي: أنه لا يجوز الدعاء عليهم في الحياة، وإنما يجوز الدعاء عليهم إذا خُتم لهم بالكفر.\nوإذا كان هذا في حق الكفار، وأهل العلم قد اختلفوا فيهم على هذه الأقوال، فما بالكم بأصحاب المعاصي؟! لو نظرنا إلى معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأهل القبلة من المسلمين من أصحاب المعاصي، فسنجد أن المعتقد فيهم: أننا نرجو الله ﵎ لهم الرحمة، وأن يوفقهم للطاعة، وأن يرحمهم في الآخرة، ولا نقطع لأحد بالجنة أو النار إلا من قطع له القرآن أو السنة بذلك؛ لأن الجنة والنار ليست ملكًا لأحد، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فكيف نقطع لفلان بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار؟! أرأيتم لو أن رجلًا مسلمًا قاتل كافرًا فلما تمكن المسلم من الكافر -وما هي إلا ضربة بسيف أو طعنة برمح ويذهب ذلك الكافر إلى ربه- نطق الكافر بكلمة التوحيد!! وقد فعل ذلك أسامة بن زيد كما في الحديث المعروف، فلما علم ذلك النبي ﵊ غضب غضبًا شديدًا، ولام أسامة لومًا عظيمًا، حتى قال أسامة: ليتني أسلمت الآن.\nوكأنه يقول: ليتني عملت هذا وأنا في حال كفري، ثم أسلمت الآن من غير أن أقترف هذا الذنب.\nلكن: لو أن الذي قالها قالها مخلصًا ولم يقلها مخافة السيف أو نجاة من القتل ولم يعمل شيئًا قط غير أنه نطق بكلمة التوحيد فإنه من أهل الجنة، مع أن عمله كله في حياته يشهد له بالنار، لكن الله تعالى ختم له بخاتمة السعادة.\nوكثير في التاريخ ما يروي عن بعض أهل الطاعات فيما يبدو للناس ما يخالف ذلك عند الموت، بل ذكر الذهبي ﵀ عن رجل أنه قال في سكرات موته حينما لُقن الشهادة: أنا لا أُحبها، أنا كافر بالله العظيم، ثم خرجت روحه، مع أن عمله كان فيما يبدو للناس أنه من أهل الجنة.\nفلما كان هذا أمرًا غيبيًا فإنه لا يجوز القطع لأحد قط بجنة ولا نار إلا من شهد القرآن أو السنة بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار، فذلك متعلق بمن شهد له القرآن أو السنة عينًا، كـ أبي لهب وغيره مما ذُكر في القرآن والسنة، ولا يجوز لمتنطع أن يقول: وما يدرينا أن هذا الكافر أو هذا النصراني أو هذا المشرك مات على الكفر البواح؟ فلعله كان مسلمًا ولكننا لا ندري، أو لعله أسلم وأخفى إسلامه، ولعل ولعل، والباب واسع جدًا! لذا فنحن لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر.\nفلو أن رجلًا مات على نصرانيته المعلومة لدينا، فهل يجوز لنا أن نقول: لعل هذا الرجل مات مسلمًا ونُنزله منزلة المسلمين فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويقبر في مقابر المسلمين؟ إن ذلك لا يصلح قط، أما إن كان قد أسلم وأخفى إسلامه فهذا بينه وبين الله ﷿، وهو يكافؤه على ذلك يوم القيامة، أما نحن فليس لنا إلا الظاهر.","vol":"38","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-756>حديث: (خرج النبي ﷺ قابضًا على شيئين في يده)</span>\nقال: [عن ابن عمر قال: (خرج النبي ﵊ قابضًا على شيئين في يده.\nقال: ففتح اليمنى فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من الله الرحمن الرحيم، فيه أهل الجنة بأعدادهم وأحسابهم وأنسابهم، مجمل عليهم إلى يوم القيامة لا يُزاد فيهم ولا يُنقص منهم أحد، وقد يُسلك بالعبد طريق الأشقياء حتى يقال: هم منهم هم هم، ثم يُدرك أحدهم سعادته، ولو قبل موته بفواق ناقة)].\nوالحديث طويل جدًا، وهو ضعيف.","vol":"38","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-757>حديث: (لا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له)</span>\nقال: [عن أنس قال: (لا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من عمره -أو برهة من دهره- بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا)].\nفهذه النصوص مروعة جدًا ومخيفة، وتدلنا على أن الأمر لا يزال في قبضة الرحمن ﵎ حتى تدخل الجنة فتأمن.\nقال: [(وإن العبد ليعمل زمانًا من عمره عملًا سيئًا لو مات عليه دخل النار، ويتحول فيعمل عملًا صالحًا.\nوإذا أراد الله ﷿ بعبد خيرًا استعمله فيه قبل موته)].\nأي: إذا أراد الله ﵎ أن يجعل هذا العبد من أهل السعادة استعمله بعمل أهل السعادة، ووفقه لطاعته ولصالح العمل حتى يقبضه عليه.\nقال: [(قيل: يا رسول الله! وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه)].\nمثال ذلك: أن أحد العلماء مات في الحرم سنة (١٩٩٢م)، وهو يلقي درسًا في شهر رمضان، والدرس كان بعد العصر، والرجل كان في لحظة موته قد وضع رأسه بين يديه واتكأ على فخذيه، وظننا أنه يفكر في مسألة ما، أو يستجمع أمره أو غير ذلك، فلما طال الأمر قال المستملي وكان بجواره: يا شيخ! يا شيخ! وإذا بالشيخ قد ذهب إلى ربه.\nأرأيت هذا الموقف؟ إنه موقف عصيب جدًا، بل لا أذكر أن واحدًا من أهل الموقف في ذلك اليوم إلا وقد بكى بكاء عظيمًا جدًا حتى خرج بفائدة وعبرة عظيمة ليس بعدها عبرة.\nوظللنا نضرب الأمثال فنقول: لو أن رجلًا كان خمارًا فمات على ذلك، أو مات على الزنا، أو غير ذلك من المعاصي، فكيف سيكون حاله؟","vol":"38","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>حديث مصير أولاد المشركين يوم القيامة</span>\nقال: [عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ سُئل عن أولاد المشركين؟ قال: الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين)].\nأي: أن الله قبل أن يخلقهم يعلم أنهم لو عاشوا بعد ذلك ماذا كانوا سيصنعون؟ ولكن الله قدر عليهم الموت في سن قبل سن الحساب وجريان القلم، ولذلك فالله ﷿ يعلم ما العبد يعمل، وما هو إليه صائر قبل أن يعمل العامل، وإذا عمل العامل عملًا صالحًا أو سيئًا ربما نسيه، ولكن الله ﵎ لا يضل ولا ينسى.\nوهذا الكتاب الذي تستلمه أنت بيمينك أو بشمالك أو من خلف ظهرك، فيه كل شيء، وهو محل ثواب وعقاب، كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].\nوقد اختلف أهل العلم في تأويل هذه الآية: هل كل قول يقوله المرء يُحاسب عليه أم يُكتب عليه؟ فبعض أهل العلم قال بظاهر الآية.\nأي: أن كل شيء يكتب على العبد وإن كان كلامًا مباحًا لا ثواب فيه ولا عقاب.\nوجمهور المفسرين على أن الذي يُكتب على العبد هو الكلام الذي يثاب ويعاقب عليه، والذي هو محل مساءلة، ومحل جزاء وحساب، وعليه فإذا كان الأمر كذلك فالله ﷿ علم ماذا سيعمل أولاد المشركين لو أنهم عاشوا بعد بلوغهم الحلم.\nواختلف أهل العلم في مصير أولاد المشركين، ولم يختلفوا في أولاد الموحدين المؤمنين لو ماتوا قبل بلوغهم سن التكليف، فإنهم لو ماتوا فهم من أهل الجنة، أما أولاد المشركين فلو ماتوا قبل سن التكليف فالعلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أنهم تبع لآبائهم.\nأي: أنهم في النار مع آبائهم.\nالقول الثاني: أنهم من أهل الجنة؛ لأن الله تعالى يحاسبهم على أساس فطرتهم -فطرة التوحيد- التي خلقهم عليها أولًا، كما قال النبي ﵊: (يولد المولود على الفطرة).\nوفي رواية: (على فطرة الإسلام، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).\nوفي رواية مسلم: (ويشركانه).\nأي: يجعلانه مشركًا.\nفهذا الولد لم يدخل في هذا الشرك، أو في هذه اليهودية، أو في هذه النصرانية إلا بعد أن يكبر ويميز ويختار هذا الكفر أو هذا التهويد أو هذا التنصير أو غير ذلك، فإذا مات قبل اختياره وقبل تمييزه واعترافه وإقراره بهذا الشرك، فإنه من أهل الجنة؛ لأنه مات على أصل فطرته الأولى، وهي فطرة التوحيد التي خلقه الله تعالى عليها.\nالقول الثالث: التوقف.\nوأصحاب هذا القول قالوا: الله ﷿ أعلم بمصيرهم، إما إلى الجنة وإما إلى النار، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].\nالقول الرابع: أن الله ﵎ يعقد له اختبارًا وابتلاءً يوم القيامة، فإذا اختار طريق المعصية وفقه إليها وأدخله النار، وإذا اختار طريق الطاعة وفقه إليها وجعل طريقه إلى الجنة.\nفهذه هي الأقوال الأربعة فيما يتعلق بمصير أولاد المشركين.","vol":"38","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-759>حديث أبي بن كعب في القدر</span>\nقال: [عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر، فأتيت أبي بن كعب].\nلما لمسألة القدر من أهمية عظيمة، إذ هي أعظم ما يمكن أن تتعامل معها، وهي السلاح التي تسلم به بين يدي الله ﷿ وتطمئن به في الدنيا، وهو أن تقول: آمنا وسلمنا وصدقنا، والخير والشر من عند الله ﷿.\nولذلك حينما سئل أحمد عن القدر؟ قال: هو قدرة الله ﷿.\nواستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].\nفحينما تسمع هذا التفسير، أو معتقد أحمد في القدر تقول: قد أجاب أحمد إجابة بعيدة جدًا! فنحن نسأله عن معتقده في القدر وهو يقول: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].\nإذًا: فنحن نعرف هذا، وإذا كنت تعرفه فهذا هو القدر.\n[عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر، فأتيت أبي بن كعب فقلت: يا أبا المنذر -وهي كنية أُبي -: إنه وقع في نفسي شيء من القدر، وقد خشيت أن يكون فيه هلاك ديني أو أمري].\nأي: أخاف أن يكون هذا الذي يدور في نفسي فيه هلاكي، [فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني].\nأي: فأنقذني وعلمني.\n[فقال] أي: أُبي نصًا رائعًا فيما يتعلق بالإيمان بالقدر، قال: [لو عذب الله أهل سماواته].\nأي: من الملائكة، مع أنهم مجبولون ومفطورون على طاعة الله ﷿.\n[وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم]، وهذا هو معتقد أُبي، بل هو معتقد السلف.\nوأنت سوف تقول في قوله: (لو عذب الملائكة): لماذا يعذبهم وهم أهل طاعة، ولا يمكن قط أن تصدر منهم معصية؟ سأقول لك: إن المصيبة هي فيما تقوله، إذ إن معتقدنا الصحيح من الملائكة: أنهم مجبولون على الطاعة، فإن نفسهم هو التسبيح والذكر والتهليل، وهم لا يملون ولا يفترون من طاعة الله ﷿، والمعصية هذه لا تخطر لهم على بال نهائيًا، والله ﵎ خلقهم من نور، ونزع منهم الشهوة، ولا شهوة لهم إلا شهوة حب الله، وشهوة الذكر والتسبيح والتهليل، والسجود والركوع لله ﷿، فإذا عذبهم فإنه يعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنهم عبيده.\nوهنا لا بد أن نرجع إلى مسألة أخرى، وهي: هل يجوز أن ننسب الظلم لله ﷿؟ ولو أنك نسبت الله تعالى إلى الظلم، أو نسبت الظلم إليه لكفرت.\nوهذا محل اتفاق بين كل الناس، فننفي الظلم عن الله ﷿ أولًا، سواء عذب من شاء أو رحم من شاء، ولو عذب أهل السماوات وأهل الأرض فإنه لا يكون ظالمًا؛ لأن الظلم صفة نقص لا تليق إلا بالعباد، بل ببعض العباد، وليس كل العباد ظالمًا، وإنما كثرة من العباد ظالمة.\nفإذا كان بعض العباد يتصف بالعدل والحكمة فرب العباد أولى بذلك، والله ﵎ قد سمى نفسه بأسماء الكمال كله، والنقص لا يُنسب إلى الله ﷿، والظلم صفة نقص لا تليق إلا بالمخلوق، ومقابلها تمام العدل، وهو الذي يليق بالله ﷿، فسواء عذب فلانًا أو رحم فلانًا، فلا ننسب إليه الظلم قط.\nبل نقول: إن الله تعالى إذا عذب أهل السماوات وأهل الأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم.\nأي: إنه عذبهم بعدله.\nونحن نعلم أن طاعة الطائع لا تنفع المولى ﷿، كما أن معصية العاصي لا تضر الله ﷿.\nإذًا: فعذابه لذلك الظالم أو لذلك العاصي إنما هو يعدله سبحانه، وإنما هو جزاؤه عند ربه على معصيته التي عصى بها، لكن الله ﵎ عدلًا منه ورحمة وعد ألا يعذب إلا العاصي، بل مجمل العصاة يدخلون في مشيئة الله ﷿، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.\nقال: [ولو رحمهم -أي: أهل السماوات والأرض- كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم].\nفلا يقولن أحد معكم: لا، فأنا أدخل الجنة بعملي! فقد أخرج الحاكم في مستدركه حديثًا لا بأس به، وهو حسن في الشواهد: (أن رجلًا عبد الله ستمائة سنة، فلما مات أوقفه الله ﷿ بين يديه، وقال: عبدي تدخل الجنة بعملك أم برحمتي؟ فقال: بل يا رب! بعملي -وهنا يظهر لنا مدى سعة رحمة الله ﷿- فقال الله ﷿: عبدي من قواك على طاعتي؟ -من الذي أعطاك الصحة التي عبدت بها؟ - قال: أنت يا رب!).\nإذًا الأصل في الرحمة هو الله ﷿، ثم عدد الله ﷿ عليه نعمه حتى بلغ إلى نعمة النظر، فأمر الله ملائكته أن يضعوا عبادة ستمائة سنة في كفة ونعمة النظر في كفة لوحدها، فطاشت بتلك العبادة، وثقل الميزان بنعمة النظر، مع أن الأعمى له أن يعبد الله ﵎ على تلك الحال، بخلاف المريض أو المكسر أو المكسح، فإنه لو نام في الفراش فربما لا يقدر أن يصلي، وكذلك لو ذهبت منه نعمة العقل فإنه لا يستطيع أن يأتي بطاعة لله ﷿، وليس مكلفًا بطاعة؛ لأنه ليس من أهل التكليف.\nوبعد أن رأى العبد أن عبادته لا تساوي نعمة واحدة، مع أن نعم الله لا تعد ولا تحصى.\nقال الله ﷿: أدخلوا عبدي","vol":"38","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>حديث ابن عباس: (احفظ الله يحفظك)</span>\nقال: [عن ابن عباس ﵄ قال: (ردفت النبي ﷺ يومًا -أي: كنت خلفه على الدابة- فأخلف يده ورائي)]، أي: أنه أتى بيده من ورائي، وكأنه يحضنه من الخلف.\n[(فقال: يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟)]، ومعلوم أنه سينفع ابن عباس بهذا وينفع الأمة كلها؛ لأن الخطاب وإن وجه إلى الصحابة بالدرجة الأولى إلا أن الأمة معنية بهذا الخطاب، فالخطاب عام للأمة كلها.\nقال: [(يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك)].\nأي: لو حفظت الله ﵎ في قلبك وجوارحك، وفي طاعتك، وفي إحسانك، وفي كرمك، وفي أدبك، وفي المحافظة على الفرائض والنوافل والسنن، فإن الله ﵎ سيحفظك ويوفقك إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧].\nقال: [(احفظ الله تجده أمامك)]، أي: تجده أمامك ولا يمنع هذا أنك تجده أمامك على الحقيقة برحمته وفضله وإحسانه وجوده، [(وإذا استعنت فاستعن بالله)].\nوهذه هي عقيدة التوكل على الله ﷿، والتي غابت من حساب معظم الأمة، فالواحد إذا أراد أن يقضي مصلحة فكر أولًا بالوسيط من البشر، ولا يعتمد أول الأمر على الله تعالى.\nوقد حدثتني امرأة قبض على زوجها، فقالت: ما تعرف فلانًا وفلانًا؟ فقلت: لا أعرفهم.\nقالت: إن زوجي حينما أعطاني أرقام التليفونات هذه قال لي: أول ما يعتقلوني اتصلي بالناس هؤلاء، فلن يخرجني من المعتقل إلا هم! فإذا كانوا لا يُخرجوك إلا هم فمن الذي أدخلك؟ بل إنك دخلت بقدر وسوف تخرج بقدر طال الزمن أم قصر، والناس هؤلاء إنما هم سبب فقط، ولذلك الاعتماد على الأسباب اعتمادًا كليًا شرك بالله ﷿، كما أن ترك الأسباب قدح في التوحيد، ولو كان ترك الأسباب أمرًا مشروعًا فهل تستطيع إنجاب الولد بغير زوجة، والشبع بغير طعام، والري بغير شراب؟ مستحيل.\nوعليه فلا تقل: إن الجنة هذه لو كانت بقدر، وأن هذا مكتوب وجف به القلم فأنا لا أشتغل! إذًا فنحن نريدك أن تشبع دون أن تأكل، ونريدك أن تأتنا بالولد دون أن تتزوج وأنت لا تستطيع ذلك.\nإذًا: الأسباب مسألة ضرورية ومهمة جدًا.\nقال: [(وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، رفعت الأقلام وجفت الصحف)].\nأي: جف القلم الذي أمره الله ﷿ بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة، فلن يكتب شيئًا بعد ذلك، فأول ما خلق الله خلق القلم فقال له: أقبل فأقبل.\nفقال له: اكتب كل شيء كائن إلى يوم القيامة.\nقال: [(لو جهدت الأمة)]، أو [(لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء)].\nوليس الضابط الفلاني، أو المدير الفلاني، وإنما الأمة بجميع فئاتها ومستوياتها، ووالله العظيم لو اعتقدت هذا لكنت أسعد الناس، وتمشي مطمئنًا وتدخل النار وتخرج من الناحية الأخرى، وإذا قدر الله ﷿ لك الحرق ستُحرق، وليس معنى ذلك أن تذهب بنفسك إلى النار؛ لأن من الأسباب ألا تدخل النار، لكن إن ألقاك أحد في النار فاعتقادك وأنت فيها أن هذه النار هي من قدر الله ﷿، وإن أمرها أن تكون بردًا وسلامًا عليك كما كانت على إبراهيم، فلا يسعها إلا سماع أمر الله ﷿، وإن قدر لك الحرق ستُحرق بقدر، ويؤتى بك يوم القيامة شهيدًا؛ لأن من مات بالحرق شهيد، ولكن ليس المنتحر.\nقال: [(لو جهدت الأمة على أن ينفعوك بشيء قد كتبه الله لك، ولو جهدت الأمة ليضروك بشيء قد كتبه الله عليك)].\nفلا يكون إلا ما قدره الله.","vol":"38","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>حديث أبي سعيد: (ألا أعلمك لعل الله ينفعك)</span>\nقال: [عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ لـ ابن عباس: (يا غلام! ألا أعلمك لعل الله ينفعك؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله يكن أمامك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، تعرف إلى الله في الرخاء)]، وهذه مصيبتنا اليوم، إذ إننا نتعرف إلى الله في الشدة، وحينما نخرج من هذه الشدة ننسى الله ﷿ وننسى طاعته وأمره ونهيه.\nقال: [(تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، جرى القلم بما هو كائن)].\nأي: أن القلم كتب كل شيء.\nقال: [(فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئًا لم يعطك الله لم يقدروا عليه)].\nأي: لو أنك أتيت بمليون لواء ليخرجوك من الحبس فلا يمكن ذلك، إلا إذا كان مقدر في اللوح المحفوظ أنك ستخرج منه بسبب فلان وفلان.\nقال: [(ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئًا قدره الله لك وكتبه لك ما استطاعوا)].\nفالمدير حين يقول لك: إذا لم تلتزم بعملك سأفصلك وأقطع عيشك ورزقك، فقل له: أنت كذاب.\nوليس معنى هذا أنه حين يفصلك من العمل أنك تأتيني وتقول لي: شغلني.\nفالشغل ليس بيدي وإنما بيد الله، فلا تحملني مسئوليتك.\nوقد حصل لي مثل هذا، جاء رجل فقال: إن المدير قال له: صل الظهر مع العصر حينما تذهب.\nفقال له: وهل أنا مسافر لكي أصلي الظهر والعصر جمع تأخير؟ الكلام هذا غير صحيح.\nفقال له: سنقطع عيشتك من هنا.\nقال له: أنت كذاب، فطرده.\nإذًا: كان قوله له: (أنت كذاب) بقدر، ولو لم يكن مكتوب لما قالها، وحينما طرد الرجل هذا من الشغل كان أيضًا بقدر، فهل أنت تسأل الله ﷿ أم لا؟ وهل تريد أن تدخل الجنة من غير ابتلاء؟ إن هذا الرجل يحاربك في أصل دينك فكيف تقعد معه؟ أنت مطالب أن تصاحب الخليل الذي هو على مثل نهجك وإيمانك، (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).\nففي هذه الحالة حينما تخرج من شغلك لا تأت إلي في مسجد الرحمة فتقول: أنت قلت لي أن أقول للمدير: أنت كذاب! وأنا الحمد لله خرجت فابحث لي عن شغل.\nسأقول لك: أنا آسف، فهذا الشغل ليس لي ولكنه رزق من السماء، والمطلوب منك أن تسعى، والله ﵎ سيرزقك.\nوقد قابلت أنا والشيخ عبد الفتاح الزيني رجلًا نصرانيًا أسلم، ووالله إنه ليأكل من القمح الذي يُلقى للحمام في المسجد الحرام، ويقول: لا يمكن أقبل شيئًا من أحد، فأنا أسلمت لله ﷿ فقط لا لأحد.\nونحن الآن نرى أناسًا ممن أسلموا في الشارع وورق إشهار إسلامهم في أيديهم يتسولون بها، وهذا المنظر في الحقيقة يغيظني جدًا، والذي يسألني بإسلامه وإيمانه وتحوله من الكفر إلى الإسلام أنهره نهرًا شديدًا جدًا، ولا أملك نفسي قط، والذي لا أملك نفسي أمامه من باب أولى أنه لا يزال حديث عهد بالإسلام، فيأتي يقعد على الكرسي ويحدث مشايخ المسلمين ويحدث علماءهم وطلاب العلم.\nما هذا؟ أنت لا تزال حديث عهد بالإسلام، وعمرك في الإيمان والإسلام يوم واحد، ثم تأتي الآن وتحدثنا عن محاسن الدين الإسلامي؟! يجب عليك أن تقعد وتبرك عند الركب ثلاثين عامًا حتى تتعلم دينك، كما قد تجد الجماعة الفلانية أو الجماعة العلانية تقول لك: أسلم المفكر الإسلامي العظيم، والذي عمل كذا وكذا، ثم من اليوم التالي يأتي ليلقي دروسًا في المساجد! والله المستعان.","vol":"38","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-762>حديث عبادة بن الصامت في القدر</span>\nقال: [عن عطاء بن أبي رباح قال: سألت ابن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟] وعبادة بن الصامت ﵁ من كبار الصحابة.\n[قال: جعل يقول: يا بني اتق الله! واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده، وتؤمن بالقدر خيره وشره].\nفيأمره بتقوى الله، ثم يقول له: إنك لا تستطيع أن تبلغ تقوى الله إلا بالعلم؛ إذ كيف تتقي الله وأنت لا تعرف الله ﷿، ولا تعلم ما تتقي ومن تتقي؟ فكيف تكون تقيًا أو متقيًا وأنت لا تعلم من تتقي أو ما تتقي؟ ثم أمره بالتوحيد، وعلى رأس التوحيد والإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره.\n[قلت: يا أبتي كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير هذا دخلت النار].\nأي: أن تعلم أن ما أصابك من خير فلن يفوتك، وما فاتك فلا يستطيع أحد أن يجلبه إليك، وهذا مجمل اعتقادنا في القدر.\nقال: [سمعت النبي ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب.\nفقال: ما أكتب؟ فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد)].","vol":"38","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>حديث: (سيكون في أمتي قوم يكفرون بالله)</span>\nقال: [عن عطاء بن أبي رباح: كنت عند سعيد بن المسيب جالسًا فذكروا رجالًا يقولون: إن الله قدر كل شيء ما خلا الأعمال].\nأي: أن كل شيء من قدر الله إلا الأعمال.\nوتصور حينما يسمع البخاري عليه رحمة الله شيئًا كهذا، فينتفض وينبري قلمه للرد على من اعتقد ذلك بتأليف كتاب كامل مسند اسمه: (خلق أفعال العباد)؛ ليرد على هؤلاء الذين يقولون: إن الله ﷿ قدر كل شيء إلا الأعمال.\nقال عطاء: [فوالله ما رأيت سعيدًا غضب غضبًا أشد منه حتى هم بالقيام.\nفقال: ثم سكت.\nثم قال: تكلموا به؟ أما والله لقد سمعت فيهم حديثًا كفاهم به شرًا، ويحهم لو يعلمون! قال: قلت: رحمك الله وما هو؟ قال: حدثني رافع بن خديج أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون)].\nإذًا: فالذي يُنكر القدر ولو في جزئية من جزئياته فإن حكمه أنه كذب الله، وكفر بالله، وكفر بكلام الله ﷿، وهو القرآن والسنة.\n[قال: قلت: (يقولون ماذا يا رسول الله؟)].\nأي: ما هو سبب كفرهم هذا؟ [(قال: يقولون الخير من الله، والشر من إبليس)].\nوفي هذا الزمان الكثير من الناس يقولون هذا، والقدرية يقولون هذا، بل هم أصل هذا البلاء، [(يقولون: الخير من الله، والشر من إبليس، ويقرءون على ذلك كتاب الله، ويكفرون بالله وبالقرآن بعد الإيمان والمعرفة، فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء، ثم يكون المسخ فيهم عامًا، أولئك قردة وخنازير، ثم يكون الخسف قل من ينجو منهم)]، أي: أن المسخ والخسف قائم في الأمة، وهذا من علامات الساعة، والمسخ أن يُمسخ البشر قردة وخنازير على الحقيقة، وهذا مذهب من المذاهب، وأن الإنسان يتحول إلى خنزير أو يتحول إلى قرد، وذلك كعقوبة من الله ﷿ لا أن أصل الإنسان قرد، وإنما يتحول بعد أن يخلقه الله تعالى آدميًا مكرمًا معززًا، فيعيش في وحل المعاصي، فالله ﵎ يعاقبه بأنه يجعله قردًا أو خنزيرًا.\nوإذا كان هذا المسخ على الحقيقة -وهو مذهب كثير من أهل العلم- فقد جاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال: صعدت جدارًا قد مسخ الله ﵎ أهل هذا الجدار بسبب معاصيهم، فلما نزلت على سلم أقبلوا إلي، إذ إنهم يعرفونني ولا أعرفهم.\nلأنهم خنازير وقردة.\nولذلك فهذا مذهب كثير من أهل العلم أن المسخ حصل على الحقيقة في صدر هذه الأمة، والسند إليه فيه نزاع، والراجح أنه حسن، ذكره الحافظ ابن كثير، وذكر كلامًا كثيرًا جدًا وعظيمًا حول تفسير المسخ.\nقال النبي ﵊: (لا يسبق أحدكم الإمام فإن من سبق إمامه حول الله رأسه رأس حمار، وصورته صورة حمار).\nوالحديث في صحيح البخاري ومسلم.\nقال الإمام النووي: وما المانع أن يحول الله تعالى رأسه رأس حمار على الحقيقة، فيكون بدنه بدن آدمي ورأسه رأس حمار؛ لأن العقوبة وقعت على الرأس دون غيره كما في الحديث، ولأن أول ما يتحرك من المأموم رأسه، وهو الذي يفكر به، فالله ﵎ يمسخه ويجعله في صورة حمار على الحقيقة.\nقال: وربما قصد بذلك مسخه من جهة الفكر والحس، فيكون بليدًا كالحمار.\nولو كانت القضية هكذا لامتسخت معظم الأمة والله العظيم، فهو لا يمكن أن يكون هذا دين الله ﷿ الذي نحياه الآن، وهذه حياة المسلمين تعج ليلًا ونهارًا بالمعاصي، فهل هذه الحالة الآن يرضاها الله ﷿ أم هي دينه، أو ربع دينه؟ لا يمكن، بل ولا جزء من مليون جزء من دين الإسلام الذي نحن عليه الآن.\nإذًا هذه الأمة ممسوخة، وامش مع واحد تجده يمشي مع امرأته على اليمين وبناته على الشمال عاريات كما لو كانوا يمشون في شوارع نيويورك وأمثالها، ويتبجح ويتحامق ويقول إنه مسلم، أو أنه موحد.\nوآخر يفرغ من صلاة الجماعة ثم يجد امرأته تنتظره في السيارة عريانة! ألم تكن قبل قليل تعبد الله ﷿؟ إن الذي أمرك أن تعبده أمرك أيضًا أن تستر امرأتك.\nفيقول لك: أنا حر في امرأتي! فلها أن تمشي عريانة، فالذي أمرك بالصلاة هو الذي يأمرها أن تأمر امرأتك بالحجاب والنقاب، ثم يقول لك: لا تأتي بسيرة امرأتي فهي شريفة! إلى غير ذلك من حماقة وجهل وقلة أدب وسفالة.\nوعندما تأتي لمناقشته في عقيدته تجده زبالة القوم وحثالة القوم، فتجده لا يقع إلا على كل ساقطة ولاقطة، فهذا واحد يقول: ليس هناك شفاعة في الإسلام، فيوافقه آخر فيقول: هذا كلام منطقي.\nوآخر يقول: ليس هناك عذاب قبر، فيوافقه آخر أيضًا فيقول: صحيح.\nوهل هناك عذاب في الدنيا وفي الآخرة؟! وآخر يقول: لا وجود للملائكة، فنحن لا نؤمن بالملائكة إلا بملك نراه.\nفيقول: صحيح.\nوما هي الحكمة من إخفاء الله ﷿ لملائكته؟! فتصور أن هذه هي حال المسلمين! وقل أن تجد رجلًا في الأمة كما أراد الله ﷿ وخاص","vol":"38","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>حديث: (لا يجربني عبدي)</span>\nقال: [عن الزهري عن ابن طاوس عن أبيه قالا: لقي عيسى بن مريم إبليس -وهذا كلام للاستشهاد لا للاحتجاج- فقال: أما علمت أنه لا يصيبك إلا ما قُدر لك؟ فقال إبليس: فأوف بذروة هذا الجبل -أي: اطلع هذا الجبل- فترد منه فانظر أتعيش أم لا؟].\nوانظر إلى إبليس وهو يقول لعيسى: أنت تعتقد أنه لا يصيبك إلا ما كُتب لك، إذًا فاصعد الجبل هذا وارم بنفسك من أعلاه، وانظر هل تعيش أم تموت؟ [قال ابن طاوس عن أبيه قال: أما علمت أن الله تعالى قال: لا يجربني عبدي فإني أفعل ما شئت.\nقال: فقال الزهري: إن العبد لا يبتلي ربه].\nأي: يختبر ربه، فيصعد الجبل ثم يرمي بنفسه من أعلاه، ففي هذا الاختبار سوف يموت.\nثم قال: [ولكن الله يبتلي عبده.\nقال: فخصمه].\nأي: عيسى ﵇ غلب إبليس.","vol":"38","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع)</span>\nقال: [عن علي عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله بعثني بالحق، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر)].","vol":"38","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-766>حديث: (لن يؤمن من لم يؤمن بالقدر)</span>\nقال: [وعن شداد قال: خرجت مع ابن عمر إلى السوق فكان أكثر كلامه مع من لقي: سلام عليكم، تعوذوا بالله من قدر السوء].\nأي: أن يكون الله قدر لنا سوءًا وشرًا، وهذا يعني أن القدر السيئ والشر أيضًا من الله ﷿.\n[قال: قال النبي ﵊: (لن يؤمن من لم يؤمن بالقدر خيره وشره)].","vol":"38","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-767>سياق ما روي في النهي عن الكلام في القدر والجدال فيه والأمر بالإمساك عنه</span>\nقال: [عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر: (أن النبي ﵊ خرج على الصحابة وهم يتنازعون في القدر هذا ينزع آية وهذا ينزع آية)].\nأي: يتخاصمون، فهذا يأتي بآية يثبت بها القدر، وهذا يأتي بآية ينفي بها القدر، فغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا [(فكأنما فقي في وجهه حب الرمان)].\nأي: غضب حتى احمر وجهه.\n[فقال: (بهذا أمرتم؟ أو بهذا وكلتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ أنظروا إلى ما أُمرتم به فاتبعوه، وما نُهيتم عنه فاجتنبوه)].\n[عن علي بن أبي طالب أنه سئل: يا أبا الحسن! ما تقول في القدر؟ قال: طريق مظلم فلا تسلكه].\nأليسوا هؤلاء هم السلف؟ إذًا فالذي يتكلم بالقدر بكلام طويل لا بد وأننا نقول: إن هذا المنهج خلاف ما كان عليه السلف، فأنت مطلوب منك أن تؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه من عند الله.\n[فقال: يا أبا الحسن! ما تقول في القدر؟] وهنا يكرر السؤال مرة أخرى.\nفقال: بحر عظيم فلا تلجه.\nفقال: يا أبا الحسن! ما تقول في القدر؟ فقال: سر الله فلا تكلفه].\nأي: أن القدر هو سر الله تعالى في الخلق، فلا تتكلف الدخول فيه.\nقال: [عن عمر قال: سمعت النبي ﵊ يقول: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم)].\nأي: إذا لقيتهم في طريق فاسلك طريقًا آخر، وليس أن تقول: إن هؤلاء عندهم شبهة في القدر فتذهب لمناقشتهم، وتقيم عليهم الحجة، ثم حين تذهب لمناقشتهم ترجع وتقول: فعلًا عنده حق.\nوهذه عقوبة من الله ﷿ حول بها قلبك وعقلك وفكرك؛ لأنك خالفت أمره.\nودائمًا تجد أهل البدع يتخصصون في بدعتهم فقط، وإن شئت فقل: هو أضل من حمار أهله، فلو ناقشته في الصلاة أو الصوم فإنه لا يعرف شيئًا، فحياته كلها وهمه اجتمع في معرفة القدر وشبهات الخصم والرد عليها، وتكلف تأويل النصوص التي وردت في هذا الباب.\nولذا أريد أن أقول: إنه يعرف كل شيء عن بدعته، فإذا كنت أنت ليس لديك الوقت لأن تعرف في مسألة واحدة مليون دليل وأنت الآن تؤمن بأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، فلو قلت لك: أعطني دليلين اثنين على ذلك، فإنك لن تستطيع.\nفعندما تجلس عند واحد من هؤلاء، كـ إسماعيل منصور ذلك المبتدع الضال الذي كان سنيًا، ولعله ينطبق عليه قوله ﵊: (ولعل أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).\nفالقلوب بيد الله ﷿ يقلبها كيف يشاء، ويختم لمن يشاء بخاتمة السعادة، ويختم لمن يشاء بخاتمة الشقاوة، فاللهم سلم يا رب.\nفهنا حينما تذهب إلى واحد قد ألف أن القبر ليس فيه عذاب ولا نعيم، فإنه سيغلبك عندما تناقشه؛ لأنه رجل متخصص في بدعته، ولذا فإن إسماعيل منصور ما تحول إلى مبتدع إلا لدخوله في مناظرات أهل البدع دون أن يتخصص فيها، فقد دُعي للسفر إلى أمريكا ليناظر رجلًا يدعي الألوهية، فلما أتى ما في جعبته ولم يستجب ذلك الإله المزعوم تحول إلى رجل آخر يدعي النبوة، فتأثر ببعض ما عنده، وما تلك النوازح التي تنزح من بئر إسماعيل منصور إلا من مخلفات النقاش مع المجرم الكبير رشاد المصري الأمريكي الذي زعم أنه لا إله، وأنه نبي ملهم.\nقال: [عن ابن سيرين قال: إن لم يكن أهل القدر من الذين يخوضون في آيات الله، فلا أدري من هم؟].\nقال: [عن ابن عباس قال: باب شرك فُتح على أهل الصلاة: التكذيب بالقدر] أي: فُتح على أهل القبلة وأهل الإيمان باب من أبواب الشرك، وهو الخوض في القدر [فلا تجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم].\nأي: لا تناظروهم ولا تخوضوا معهم حتى لا تتأثروا بهم.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"38","page":19},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-768> أدلة السنة في إثبات القدر [٢]</span>\nمعتقد أهل السنة والجماعة في القدر أن الله ﷿ يكتب أعمال العباد وأعمارهم وآجالهم وهم لا يزالون في الأرحام، فما من عبد إلا وقد حدد له مصيره إما أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة، إلا أن ذلك لا يمنع صاحب العقيدة السليمة من العمل والسعي فكل ميسر لما خلق له.","vol":"39","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>بعض الأحاديث الواردة في القدر</span>\nبسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nأما بعد: فقد تكلمنا عن القدر في الدروس الماضية، وقلنا: إن القدر ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وسردنا الآيات التي تدل على إثبات القدر، ومنها قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].\nومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وغير ذلك من الآيات.\nكما ذكرنا بعض النصوص الثابتة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﵊ الدالة على إثبات القدر، بل وعن السلف كذلك، ويبقى أن نسرد شيئًا منها في هذه المحاضرة والمحاضرات التي تليها، مع بيان مخالفة القدرية والجهمية وبعض المعتزلة وغيرهم لأهل السنة في ذلك.","vol":"39","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>حديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى وذكر بعض رواياته</span>\nأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: [(احتج آدم وموسى -أي: صارت بينهما محاجة، فصار أحدهما يقيم الحجة على صاحبه- فحج آدم موسى -أي: فغلب آدم بحجته موسى ﵇- فقال موسى: أنت خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض)].\nيعدد نعم الله ﷿، ثم يقول: وبسبب خطيئتك أهبطت الناس من الجنة، أو من السماء إلى الأرض.\nقال: [(قال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخلق؟ -أي: بكم سنة وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ - قال موسى: بأربعين عامًا)].\nأي: أنه موجود في التوراة التي بيد موسى ﵇ والتي خطها الله ﷿ وكتبها بيمينه أن آدم سيفعل ذلك، وهذا مكتوب على آدم قبل أن يُخلق بأربعين عامًا.\nقال: [(قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟).\nأي: هل هذا مكتوب في التوراة التي بين يديك؟ (قال: نعم.\nقال: فتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة)].\nأي: أنت تلومني على عمل مقدر ومكتوب عليَّ قبل أن يخلقني الله بأربعين عامًا.\n[قال رسول الله ﷺ: (فحج آدم موسى)].\nأي: أقام عليه الحجة وغلبه، فكانت الحجة لآدم، وهو أول من أثبت من البشر حجية القدر، وأن كل شيء بقدر قبل أن يُخلق المرء.\nوليس في هذا الحديث حُجة لأهل المعاصي؛ لأن آدم تاب وأناب ورجع إلى ربه، وإلا لكان لإبليس حُجة كذلك.\nأجمع أهل السنة والجماعة على أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، ومن قبل ضربنا عدة أمثلة على ذلك، منها: ذلك الرجل الذي زنا وجيء به إلى عمر بن الخطاب ﵁ ليقيم عليه الحد.\nقال: يا أمير المؤمنين! أتحدني في أمر قد قدره الله ﷿ علي؟! قال: نعم.\nنحدك بقدر الله ﷿.\nأي نقيم عليك الحد بقدر الله، فالذي قدر عليك المعصية هو الذي قدر عليك إقامة الحد.\nإذًا: ذاك بقدر، وهذا أيضًا بقدر، وغير ذلك من النصوص التي تثبت هذا المعنى.\nومنها: امتناع عمر بن الخطاب ﵁ عن الدخول إلى القرية التي سمع أن بها طاعونًا، فلقيه رجل وهو قافل، فقال: يا عمر أتفر من قدر الله؟ قال: نعم.\nنفر من قدر الله إلى قدر الله.\nفالدخول بقدر، والخروج أيضًا بقدر، الإقدام بقدر، والإحجام كذلك بقدر؛ لأن المرء لا يخطو خطوة واحدة إلا إذا أذن الله ﵎ له بها.\nفهنا آدم يختلف عن إبليس، فإبليس عصى وغوى واستمر في غوايته وأضل غيره ولم يتب، فكان جزاؤه النار، وأما آدم ﵇ فعصى وغوى، لكن بعد أن عصى وغوى وأهبط إلى الأرض تاب إلى الله ﷿، وعليه فالاحتجاج بالقدر على المعصية سبيل الشيطان، وليس في هذا الحديث حجة لذلك؛ لأن آدم قد تاب، فمن وقع في معصية وتاب منها إلى الله ﷿ وتفطر قلبه حسرة وندمًا على ما بدر منه وفرط، فله بعد ذلك أن يحتج.\nومعنى ذلك أنه لا يُعاقب في الآخرة، بل هو تحت مشيئة الله ﷿، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، لكن الله تعالى بفضله ورحمته وكرمه ومنه وعدنا أن من تاب توبة نصوحًا من ذنبه أنه ﷿ يتوب عليه، بل ربما كافأه بحسن توبته أنه يبدل سيئاته حسنات، لكن بشرط: إحسان التوبة.\nأي: أن يتوب توبة نصوحًا بحيث يتفطر قلبه، ويندم ندمًا شديدًا جدًا على ما بدر منه، ثم يعزم على عدم العودة إلى ما وقع منه من معاص وآثام، وكذلك آدم عصى ثم تاب، واحتج بالقدر بعد التوبة.\nولك أن تحتج بالقدر كما احتج آدم على المعصية، لكن هذا لا يكون إلا بعد التوبة.\nفلا تكن جريئًا على الله ﷿، فإذا زنى رجل تقول: الزنا بقدر، ومثلها السرقة، فتقول: لو لم يكن الله مقدرًا علي أن أسرق لما سرقت.\nفهذه الصورة لا تجوز في الشرع؛ لأنك الآن تحتج مطلقًا بالقدر على المعاصي، وهذا ليس مسلكًا لأهل الإيمان، وإنما هو مسلك أهل الجحود والنكران.\nقال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تحاج آدم وموسى: فقال موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة إلى الأرض؟! فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاك الله ﷿ كل شيء، واصطفاك على الناس برسالته؟ قال: نعم.\nقال: تلومني على أمر قد كان كتب علي قبل أن أفعله من قبل أن أُخلق؟ فحج آدم موسى)].\nوقال النبي ﵊: [(حج آدم موسى: قال: أنت آدم أبو البشر الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟)].\nوانظر كيف أن موسى كانت فيه حدة خاصة على أبيه آدم ﵇؟! قال: [(فقال: نعم)].\nأي: اعترف بذلك.\nقال: [(فقال: أنت موسى الذي اصطفاك الله على الناس برسالاته وبكلامه؟ قال: بلى.\nقال: ألست تجد فيما","vol":"39","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-771>حديث جندب بن جنادة في احتجاج آدم وموسى</span>\nقال: [عن جندب أو غيره أن رسول الله ﷺ قال: (لقي آدم موسى: فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، ثم فعلت ما فعلت، وأخرجت ذريتك من الجنة؟ قال: وأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، وكلمك وقرأك التوراة، فأنا أقدم أم الذكر؟ -أي: في الإيجاد- فقال: بل الذكر)].\nأي: الذكر الذي نزل على موسى، رغم أن موسى بعد آدم، بل بعد نوح، وبين نوح وآدم عشرة قرون، أي: ألف عام، وبين نوح وموسى ﵇ مسافة عظيمة جدًا كذلك من الزمن.\n[فقال رسول الله ﷺ: (فحج آدم موسى)].\nعلى اعتبار أن هذا مكتوب في التوراة.","vol":"39","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>إجماع الصحابة على إثبات القدر وإنكارهم على من ينكر ذلك</span>","vol":"39","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>رواية يحيى بن يعمر لحديث ابن عمر في إنكاره على القدرية</span>\nقال: [وعن يحيى بن يعمر -البصري- قال: كان رجل من جهينة وفيه رهق -أي: فيه مراهقة وشغب- وكان يتوثب على جيرانه].\nأي: يبغى عليهم ويظلمهم ويسرقهم، وهكذا أهل البدع دائمًا يكون تاريخهم أسود، فعندما تبحث عن تاريخه تجد تاريخًا لا تطمئن إليه أبدًا.\nقال: [ثم إنه قرأ القرآن، وفرض الفرائض، وقص على الناس -أي: أنه كان أيضًا قصاصًا- ثم إنه صار من أمره أنه زعم: أن العمل أنف، من شاء عمل خيرًا ومن شاء عمل شرًا].\nأي: أن الذي يريد أن يعمل خيرًا يعمل، والذي يريد أن يعمل شرًا يعمل، فالله لا يعرف شيئًا إلا بعد أن يقع! قال يحيى بن يعمر: [فلقيت أبا الأسود الدؤلي فذكرت ذلك له.\nفقال: كذب ما راينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ لا يُثبت القدر].\nوهذا يدل على إجماع الصحابة على إثبات القدر؛ لأن الله تعالى عليم بكل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض.\nقال: [ثم إني حججت وحميد بن عبد الرحمن الحميري، فلما قضينا حجنا وكنا -أي: بالمسجد الحرام- قلنا: نأتي المدينة فنلقى أصحاب رسول الله ﷺ فنسألهم عن القدر -وهذا الكلام كان بالبصرة؛ لأن أول ما نشأت وانتشرت هذه البدعة في البصرة- فلما أتينا المدينة لقينا أناسًا من الأنصار، فلم نسألهم، قلنا حتى نلقى ابن عمر أو أبا سعيد الخدري] وهذا يدلك على أن هذه الفتنة كانت في أوائل عهد الصحابة؛ لأن ابن عمر وأبا سعيد الخدري كانوا من صغار الصحابة، وكون يحيى بن يعمر وحميد يبحثان عنهما يدل ذلك على أنهما يبحثان عن كبار الصحابة في ذلك الوقت، وإلا لو كانت هذه الفتنة في أول عهد الصحابة بعد موت النبي ﵊ مباشرة لكانوا بحثوا عن أبي بكر أو عمر أو أبي بن كعب أو زيد بن ثابت، لكن حينما نأتي لننظر إلى ابن عمر أو أبي سعيد الخدري ثم ننظر إلى الصحابة الآخرين نجد أن هؤلاء كانوا صغارًا، فمثلًا ابن عمر في غزوة بدر وأحد كان عمره أربع عشرة سنة، وقد ذهب إلى النبي ﵊ ليجيزه للقتال، ولم يجزه؛ لأنه ما كان يجيز أحدًا إلا إذا بلغ خمسة عشر عامًا.\nومعنى هذا أنه كان من صغار الصحابة، ولذا فعندما يأتي واحد من البصرة يريد ابن عمر بالذات فلا بد أن يكون ابن عمر في ذلك الوقت كبيرًا في السن والشأن، ولا يكون هذا إلا في أواخر عهد الصحابة.\nقال: [فلقينا ابن عمر فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله.\nقال: قلت: تسأله أو أسأله؟ قال: لا.\nبل أسأله؛ لأني كنت أبسط لسانًا منه -وفي رواية: وكنت أحد منه لسانًا- قال: قلت يا أبا عبد الرحمن -وهذه كنية عبد الله بن عمر - إن ناسًا عندنا بالعراق قد قرءوا القرآن، وفرضوا الفرائض -أي: التزموا بالفرائض- وقصوا على الناس، يزعمون أن العمل أنف، من شاء عمل خيرًا ومن شاء عمل شرًا.\nقال ابن عمر: فإذا لقيتم ذلك فقولوا: يقول ابن عمر: هو منكم بريء، وأنتم منه براء، فوالله لو جاء أحدهم من العمل بمثل أحد ما تُقبل منه حتى يؤمن بالقدر.\nوفي الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر).\nثم قال: [لقد حدثني عمر -وهو أبوه- عن رسول الله ﷺ: (أن موسى لقي آدم فقال: يا آدم أنت خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك الجنة، فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحد من ذريتك النار)] أي: لولا الخطيئة التي فعلتها ما دخل أحد من ذريتك النار، وإنما كلهم كانوا سيدخلون الجنة.\nقال: [(فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، تلومني بما قد كان كُتب علي قبل أن أُخلق؟ فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى)].\nقال: قال -أي: ابن عمر - لقد حدثني عمر أن رجلًا في آخر عمر النبي ﵊ جاء إلى رسول الله ﵊ فقال: (يا رسول الله أدنو منك؟ -وانظروا إلى هذا الأدب الشديد، أدب المتعلم بين يدي المعلم- قال: نعم.\nقال: فجاء حتى وضع يده على ركبته -أي: حتى وضع هذا السائل يده على ركبته هو، لا على ركبة النبي ﵊؛ لأن هذا يتنافى مع أدب العالم والمتعلم- فقال: ما الإسلام؟ قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.\nقال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: نعم.\nقال: صدقت)].\nومن شأن السائل أنه جاهل، فلا يصدق المجيب ولا المفتي ولا المسئول، ولذلك قال عمر: [(قال: فجعل الناس يتعجبون منه يقولون: ا","vol":"39","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-774>رواية ابن بريدة لحديث ابن عمر في إنكاره على القدرية</span>\nقال: [عن ابن بريدة قال: قدمنا المدينة فأتينا عبد الله بن عمر فقلنا: يا أبا عبد الرحمن إنا بأرض قوم يزعمون أن لا قدر.\nفقال: من المسلمين هم؟ ممن يصلي إلى القبلة؟ قلنا: نعم ممن يصلي إلى القبلة.\nقال: فغضب حتى وددت أني لم أكن سألته.\nثم قال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء وأنهم منه براء].\nأي: أنهم ليسوا مني ولست منهم، ومعنى هذا أنهم ليسوا من المسلمين، ولا المسلمين يمتون لهم بصلة، فالحبل الذي بينهم قد انقطع، ولذلك إجمع الصحابة على أن من تكلم في القدر كافر خارج عن ملة الإسلام وخاصة هؤلاء الغلاة.\n[ثم قال: إن شئت حدثناك عن النبي ﵊.\nفقلت: أجل.\nقال: (كنا عند النبي ﵊ فأتاه رجل حسن الثياب طيب الريح حسن الوجه.\nفقال: السلام عليكم يا رسول الله.\nقال: وعليك.\nقال: يا رسول الله أدن منك؟ قال: ادن.\nفقلنا: ما رأينا كاليوم رجلًا أحسن ثوبًا ولا أطيب ريحًا ولا أحسن وجهًا ولا أشد توقيرًا للنبي ﵊.\nثم قال: يا رسول الله أدن منك؟ قال: نعم.\nفدنا منه نبذة)].\nأي: اقترب منه اقترابًا، وكلمة (نبذة) تفيدنا فائدة وهي: أنه لم يقترب منه حتى لزق ركبته إلى ركبته، ولذا إذا قال بعد ذلك: حتى وضع كفيه على فخذيه، فيكون الذي وضع كفيه على فخذيه هو جبريل؛ لأنه لم يلزق فيه لزوقًا، وإنما دنا منه نبذة.\nأي: اقترب منه شيئًا يسيرًا.\nقال: [(فقلنا مثل مقالتنا.\nثم قال الثالثة: أدن منك يا رسول الله؟ قال: نعم.\nفدنا حتى ألزق ركبته بركبة النبي ﵊.\nفقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتغتسل من الجناية.\nقال: صدقت.\nقال عمر: (فقلنا ما رأينا كاليوم رجلًا كأنه يعلم رسول الله، -أي: كأنه هو الذي يعلم النبي ﷺ، فإنه ليس جاهلًا، ثم تبين بعد ذلك أنه فعلًا معلم- ثم قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر والملائكة، والكتاب، والنبيين، والقدر كله خيره وشره، حلوه ومره)].\nإذًا: كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس والمعاصي، لكن الذي قدر المعاصي على العبد قدر لها عقوبة وحدًا، فتكون المعصية بقدر الله، ويكون الحد أو العقوبة بقدر الله.\n[قال: (صدقت.\nفقلنا: والله ما رأينا كاليوم قط فوالله كأنه يعلم رسول الله ﷺ، ثم قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما المسئول بأعلم بها من السائل.\nثم انصرف فقال رسول الله ﷺ: علي بالرجل -أي: اتبعوا هذا الرجل- قال عمر: فقمنا بأجمعنا نطلب الرجل فطلبناه فلم نقدر عليه)].\nلأنه بمجرد ما إن خرج من المسجد وغاب عن أعين الناس رجع إلى طبيعته التي خلقه الله عليها، وحجب عن الصحابة، فهو يراهم لكنهم لا يرونه.\nوتأمل حينما قال لهم: علي بالرجل.\nلم يعتذر أحد منهم؛ لأنه أمر.\n[فقال النبي ﵊: (هذا جبريل جاء ليعلمكم دينكم، وما أتاني في صورة إلا عرفته قبل مرتي هذه)].\nأي: أن النبي ﷺ ما عرف أنه جبريل إلا بعد أن ولى.\nوهناك أمارة أيضًا في صدر الحديث تقول: إن هذا الرجل ليس عاديًا، حيث أن عمر يقول: (بينما نحن جلوس عند النبي ﵊ إذ طلع علينا رجل).\nولم يقل إذ خرج علينا رجل، وهذا لا تنطبق على الرجال العاديين.\nقال: (شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر).\nأي: لا غبار عليه ولا تراب، فهو غريب عن المدينة، والمدينة كلها إنما هي عدة البيوت بين جبلين (لا يعرفه منا أحد، ولا يُرى عليه أثر السفر)، أي: أن هذا الرجل إما أنه أتى من الأرض أو أنه أتى من السماء؛ لأنه لو كان من المدينة لعرفناه، وهذا لم يعرفه منا أحد، ولو كان جاء من سفر لكان عليه أثر السفر، فليس في هذا الرجل أي علامة تدل على أنه أتى من سفر، إذًا فلا بد أن يكون رجلًا غير عادي.\nوفي هذا أيضًا: جواز أن يرى المسلم أو المؤمن الملائكة، لكن على غير صورتهم التي خلقهم الله ﷿ عليها، فقد خلق الله جبريل له ستمائة جناح، والجناح الواحد يسد الأفق.\nأي: أنك حين ترى جهة السماء لن ترى الشمس ولا النجوم ولا القمر، بل لن ترى شيئًا أبدًا؛ بسبب جناح جبريل.\nمع أنه لا يمكن أن تتصور مخلوقًا له ستمائة جناح، فإذا كان هذا جبريل فما بالك برب جبريل؟! لا يمكن لأحد أبدًا، ولا يسمح له ولا يجاز له في أن يطلق خياله لأن يتصور الذات العلية ﷾.","vol":"39","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>الروايات الواردة في إثبات كتابة مصير العبد قبل ولادته</span>","vol":"39","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>حديث ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)</span>\nقال: [عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق].\nوانظروا إلى هذا الكلام الجميل، فهو ﵊ الصادق المصدوق، حتى وإن كان الأمر لا تستوعبه عقولنا، لكن ما دام أن الذي حدثنا به هو النبي ﵊ فهو صحيح.\nثم أرأيت إلى إيمان الصحابة؟ فإنه ليس كإيماننا، تجد الواحد منا قد يقول: الشفاعة هذه ليست معقولة، والجنة والنار ليستا بمخلوقتين، وربما قال: لا أؤمن بالجنة أو النار حتى أرى رجلًا من أهل النار يخرج علينا، لطلع لنا واحد من أصحاب النار بعد أن رأى النار بعينيه فيقول: كان أبوك فيقول لنا: آمنوا بالنار والجنة؛ لأنني أنا رأيتها رأي العين.\nلكن من رحمة الله ﷿ أنه لا يبعث الموتى إلا يوم البعث، وترك الناس بعد أن أنزل لهم الكتب، وأرسل لهم الرسل، ورزقهم العقل الراجح الذي يميزون به بين الحق والباطل بين الصواب والخطأ.\nإذًا: فكل يعمل على شاكلته، فالذي يعمل خيرًا يجد خيرًا، والذي يعمل شرًا يجد شرًا، حتى وإن كان هذا الكلام لا تستوعبه عقولنا؛ لأنه يخفى الشيء الكثير عنها -أي: عن عقولنا- فأمور الغيب كلها لا تستوعبها عقولنا.\nأي: حينما نقيسها بالعقل فإننا لا يمكن أن نستوعبها، فمثلًا إذا كان القبر قطعة من الأرض متر في مترين، والكافر يُضرب فيها بمزربة عظيمة حتى يغوص في الأرض سبعين ذراعًا، فكيف هذا؟! إن هذه الأمور تريد قلوبًا مؤمنة مسلمة تقول: يا رب سمعنا وأطعنا، وهذا هو الابتلاء في الإيمان.\nوأما بالنسبة للابتلاء في البدن فهذه مسألة سهلة جدًا، بل لا يوجد أسهل منها، فتُضرب وتتألم وتعلق وتكهرب، كل هذه أشياء بسيطة؛ لأنك في النهاية تخرج، ولا سلطان لأحد على قلبك، إنما لو كان هناك سلطان على قلبك فهذه هي المصيبة السوداء، فيتحول قلبك من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، أو من الثبات إلى الزعزعة والشك، فتدخل بها النار والعياذ بالله.\nإنما السلطان على البدن إذا أرادوا أخذه فليأخذوه، أما القلب فلا يفرط فيه المسلم، ولذلك النبي ﷺوهو النبي ﵊- كان دائمًا يدعو ربه بقوله: (اللهم ثبتني على الإيمان).\nلأنه يعلم أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولذلك يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.\nفيأتي له واحد ويقول له: نريد منك أن تفتي في المسألة الفلانية بأنها حلال -وهي حرام- فيأتي بأدلة ونصوص ويلويها ليحلل هذه المسألة، أو يأتي بمسألة حلال فيحرمها.\nمع أنه يتهيأ لي أن الشيطان لا يستطيع أن يفكر بهذه الطريقة، فيعجز أن يلوي نصوص الرحمن، وإلا حينما خاطب الله ﷿ إبليس كان إبليس صريحًا في جحوده ونكرانه وكفره، بينما هؤلاء ليس عندهم صراحة، والمنافقين لم يبلغوا هذا المبلغ أيضًا.\nقال: [(إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك)].\nكل هذا الكلام غيب، ولهذا ابن مسعود قال: أنا مصدق للنبي ﷺ وإن لم يكن عندي علم بهذا وما يجري داخل رحم المرأة؛ لأنه ﵊ لا يتكلم إلا بالصدق، فهو صادق مصدق ﵊.\nقال: [(ثم يبعث إليه الملك، ويؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه)].\nما الذي سيأخذه؟ وما هو الشيء الذي هو من نصيبه أو ليس من نصيبه [(وعمله)].\nماذا يعمل؟ حلال أم حرام؟ قد يعمل في الشركة الفلانية، ثم ينتهي عمله فيها، ثم يعمل في شركة أخرى.\n[(وأجله)].\nمتى يموت؟ وكم يعيش؟ بالثانية الواحدة.\n[(وشقي أو سعيد)].\nولذلك الذين يقولون: نحن الآن بالتكنولوجيا قد توصلنا إلى معرفة الجنين: أذكر أم أنثى؟ نقول لهم: لا بأس بهذا الكلام، والشرع لم يمنع منه، وإنما الإسلام تحدى أن تعرف كل شيء عن الجنين.\nوأيضًا: مسألة الأجهزة التي تثبت الذكورة أو الأنوثة للجنين ليست صادقة في كل ما تقول، فربما تكون صادقة في معظم ما تقول، لكن قد تخطئ أحيانًا، والذي لا يخطئ قط هو الله ﷿.\nثم إذا علموا أنه ذكر أو أنثى فهل هذه الأجهزة تعلم شقاوته أو سعادته؟ هل تعرف أن هذا الجنين سيكون من أهل النار أم من أهل الجنة؟ لا تعرف.\nوهل تعرف رزقه؟ أيضًا لا تعرف؛ لأن الأرزاق بيد الله ﷿ لا يعرفها إلا هو، كما أنهم لا يعرفون ماذا يعمل في المستقبل؟ لكن أحيانًا الطبيبة تقول: أنا أعرف البنت هذه أو الابن هذا ماذا سيعمل؟ تقول لك: إنه طبيب مثلي، فهل جرت العادة على أن أبناء الأطباء مثل آبائهم؟ من الممكن أن يعمل عملًا آخر ممتهن وحقير، ويمكن أن يفقد عقله بشرب المخدرات وغير ذلك من البلايا التي تجعل أذكى الناس أغباهم، والمخدرات تدمر خلايا المخ تمامًا، فلا يحصل على الإعدادية؛ لأن شرب هذه المادة يبدأ من سنة أولى ابتدائي، ويم","vol":"39","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>رؤيا محمد بن يزيد الأسفاطي في حديث ابن مسعود</span>\nقال: [حدثنا محمد بن يزيد الأسفاطي قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله حدثت عن عبد الله بن مسعود حيث يقول: حدثني الصادق المصدوق -أعني حديث القدر- فقال: نعم إي والله الذي لا إله إلا هو حدثت به، رحم الله عبد الله بن مسعود حيث حدث به، ورحم الله زيد بن وهب حيث حدث به، ورحم الله الأعمش حيث حدث به، ورحم الله من حدث به قبل الأعمش، ورحم الله من حدث به بعد الأعمش].\nفهذه رؤيا منامية يدعو فيها النبي ﵊ لكل من حدث بهذا الحديث ابتداء من عبد الله بن مسعود -أول السند- إلى الأعمش، ثم دعا دعوة عامة لمن حدث به بعد الأعمش وقبل الأعمش.\nومعلوم أن هذه الرؤى إنما هي مبشرات لأصحابها، ولا يؤخذ منها أحكام عند أهل السنة والجماعة.\nقال: [قال ابن قتيبة في كتاب (مختلف الحديث): حُكي عن أبي الهذيل العلاف].\nوهو من مجرمي المبتدعة وليس مبتدعًا فحسب، بل من كبار الضُلال ورأس من رءوس المعتزلة، قد كذَّب بكل شيء، وشكك في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊، وعمل ليله ونهاره على محاربة أهل السنة في زمانه والتشكيك في المبادئ والمسلمات لديهم.\nحكى عنه ابن قتيبة: [أنه لما روي له عن عبد الله بن مسعود هذا الحديث فقال: كذب عبد الله بن مسعود على رسول الله ﷺ].\nوهل لك أنت أن تكذب أحد الصحابة؟ وما هي القيمة أن تقول: رسول الله؟ إن الذي يحترم الرسول لا بد أن يحترم أصحابه، والذي يؤمن بالرسول لا بد وأن يؤمن بأصحابه، ولذا فلو أنفق أحدنا مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فالصحابة لهم قدسية أخذوها من قدسية النبي ﵊، وما أخذوا هذه القدسية إلا لشرف الصحبة.\nإذًا كيف يأتي هذا ويقول: كذب عبد الله بن مسعود! بل هو الكذاب المجرم الجاحد الكافر.\nولذلك قال ابن قتيبة: [وكذب أبو الهذيل الكافر الجاحد لعنه الله].","vol":"39","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>حديث حذيفة بن أسيد: (إذا مضت على النطفة خمسة وأربعون)</span>\nقال: [عن عمرو سمع أبا الطفيل يقول: قال حذيفة بن أسيد: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: (إذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة يقول الملك: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول الله ﷿أي: فيقول الله: شقي أو سعيد- فيكتبانه فيقول الملك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله ويكتب الملك.\nويقول: عمله وأجله؟ فيقضي الله ويكتب الملك ثم يطوي الصحيفة فلا يزاد فيها ولا يُنقص منها)، أخرجه مسلم].\nوقد اختلف أهل العلم في السن التي يؤمر فيها الملك بكتب الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة، وهي اللحظة التي يؤمر الملك فيها بنفخ الروح، والراجح من أقوال أهل العلم: أن الروح لا تنفخ بعد مائة وعشرين يومًا، وإنما تنفخ بعد أربعين ليلة.\nوقيل: بعد خمس وأربعين ليلة.\nوينبني على هذا الكلام: أن الإجهاض حرام بعد الأربعين ليلة، وقبلها جائز، لكن قد تأتيك امرأة تستفتيك وتقول: والله أنا صحتي تعبانة، وعندي كثير من الأولاد، ولا أستطيع تربيتهم، فهل يجوز لي الإجهاض؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nلأن هذه ليست أعذارًا، والطبيبة أو الطبيب الحاذق المسلم الورع هو الذي يقرر أن هذا الحمل يضر بهذه المرأة، أو يقتلها، أو غير ذلك من الأضرار الجسيمة التي لا قِبل للمرأة بها، وعند ذلك يجوز للمرأة أن تسقط جنينها، أما بعد الأربعين فقد سمعت شيخنا الإمام العلم المبجل الشيخ ابن عثيمين يقول: لو ماتت المرأة لا تُسقِط جنينها وإن كانت صاحبة عذر بعد الأربعين.\nأي: أنها وإن كانت صاحبة عذر فلا يجوز لها؛ لأن من يقول بهذا الرأي -وهو الصواب- يأخذ المسألة من جانبين: الأول: أن الأربعين حد بين الحلال والحرام، والعذر في الإجهاض، وهو كذلك حد بين جواز الإجهاض وعدمه، فإذا بلغ الجنين في بطن المرأة أربعين يومًا، وكانت صاحبة عذر فلا يحل لها الإجهاض، أما إذا لم يبلغ وكانت صاحبة عذر فيحل لها الإجهاض، وإذا لم تبلغ الأربعين ولم يكن لديها عذر فلا يحل لها ولو كان الجنين ابن يوم واحد.","vol":"39","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>حديث ابن مسعود: (الشقي من شقي في بطن أمه)</span>\nقال: [عن ابن جريج قال: حدثني أبو الزبير عن أبي الطفيل: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره].\nوانظر إلى هذا الكلام الجميل! إذ هو فهم للقدر، وهل هذا ظلم أم عدل؟ أنت تشك في أن هذا عدل؛ لأنه لو كان عدلًا مستقرًا عندكم لقلتم: عدل.\nوليس هناك شيء اسمه ظلم؛ لأن الله تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة.\nإذًا: فلماذا قلنا: إنه عدل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لأنه سبحانه علِم ما سيعملون وما إليه يصيرون فكتبه عليهم.\nوعلة أخرى: الميثاق الذي أخذه الله على العباد وهم في عالم الذر، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.\nأي: أنهم شهدوا الله بالربوبية والوحدانية، ولذا عندما أدخلهم الله صلب آدم مرة أخرى، وكانوا بعد ذلك على هيئة البشر، نسوا ذلك؛ لأن الميثاق قد أُخذ عليهم من يوم أن خلق الله تعالى آدم وأخرجنا من صلبه كالذر، فنحن لا نذكر هذا الميثاق، وحجتنا أننا لا نذكر هذا الميثاق، فهل هذه الحجة تنفع بين يدي الله؟ لا.\nلأن الله أرسل لنا الرسل ليذكرونا بهذا الميثاق، وأنزل الكتب أيضًا لتذكرنا بالميثاق الأول، وعليه فليس لنا حجة بعد ذلك.\nلكن قد يقول قائل: إذا كان الإنسان مجنونًا فما ذنبه؟ نقول: هذا لا يحاسبه الله؛ لأنه غير مكلف، والقلم مرفوع عنه.\n[قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه].\nأي: أن الشقاوة والسعادة معلومة أزلًا لله ﷿، وأن هذا العبد بعد استنفاد الحجج معه سيختار طريق الشقاء، فالله تعالى يكتبه شقيًا قبل أن يخلقه.\nقال: [والسعيد من وعظ بغيره].\nولذلك حينما يفكر أحدنا بالسرقة ثم يفكر أن الحد يقام على سارق أمام الجميع، وأن هذا المشهد سيأتي على التلفزيون، والأمة كلها تراه، فإن مليونًا من السرق سيفكر في هذا الموقف قبل السرقة، وعليه فسيكون سعيدًا؛ لأنه قد وعظ بغيره، حيث أنه كان يفكر في الشقاء، فحينما رأى نتيجة الشقاء قال: كيف أسرق ربع دينار وأفقد ذراعي؟! فأنا سأذهب لأشتغل وآتي بهذا الربع الدينار، بل وآتي بألف دينار، وهنا يكون قد وعظ بغيره، وهذا باب من أبواب السعادة.\nإذًا علم الله ﷿ أزلًا أنه سيتعظ بغيره، فكتب أنه من أهل السعادة.\n[قال: قلت: خزيًا للشيطان أيسعد ويشقى قبل أن يعمل؟ قال: فأتى حذيفة بن أسيد فأخبره بما قال ابن مسعود.\nقال: أفلا أخبرك بما سمعت من النبي ﵊؟ قال: بلى.\nقال: سمعته يقول: (إذا استقرت النطفة في الرحم اثنين وأربعين صباحًا نزل ملك الأرحام فخلق عظمها ولحمها وسمعها وبصرها، ثم قال: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك بالصحيفة، وما زاد ولا نقص)].\nأي: دون زيادة ولا نقصان.","vol":"39","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-780>حديث أبي هريرة: (السعيد من سعد في بطن أمه)</span>\nقال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه)].\nوهذا الحديث ضعيف، لكن النصوص الأخرى تشهد بصحته.","vol":"39","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>روايات في إثبات أن العباد ميسرون لما خلقوا له</span>","vol":"39","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-782>حديث علي: (ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار)</span>\nقال: [عن علي ﵁ قال: (كان رسول الله ﵊ في جنازة فأخذ شيئًا فجعل ينكت به في الأرض -أي: أنه أخذ عصا أو شيئًا فظل يضرب به الأرض- ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة -أي: أن هذه المسألة محسومة قديمًا- فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ -أي: لماذا العمل؟ لا بد أن تعمل؛ لأنك لا تدري أمن أهل الشقاوة أنت أم من أهل السعادة؟ - فقال: لا اعملوا فكل ميسر لما خُلق له -أي: من خلق من أهل السعادة فبعمل أهل السعادة يعمل، ومن خُلق للشقاء فبعمل أهل الشقاء يعمل- قال: أما ما كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما ما كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠])، أخرجه البخاري عن آدم ومسلم من حديث شعبة].\nقال: [عن علي بن أبي طالب ﵁: (خرجنا مع النبي ﵊ فانتهينا إلى بقيع الغرقد -أي: حتى وصلنا إلى البقيع- فقعد النبي ﵊، ثم قعدنا حوله، وأخذ عودًا فنكت به في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: ما منكم من أحد من نفس منفوسة إلا وقد عُلم مكانها من الجنة أو النار، شقية أو سعيدة.\nفقال رجل: يا رسول الله ألا ندع العمل ونقبل على كتابنا، فمن كان منا من أهل السعادة صار إليها، ومن كان منا من أهل الشقاوة صار إلى الشقوة؟ فقال ﵊: اعملوا فكل ميسر، فمن كان من أهل الشقوة يُسر لعملها، ومن كان من أهل السعادة يُسر لعملها، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل:٥])] إلى آخر السورة.","vol":"39","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>حديث ابن عمر: (علام نعمل</span>؟)\nقال: [عن عبد الله بن عمر قال: نزل: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥]-فقال عمر: (يا نبي الله! علام نعمل على أمر قد فُرغ منه أم لم يُفرغ منه؟ -أي: هل نحن نعمل شيئًاَ جديدًا الآن الله يعلمه وكتبه علينا قبل ذلك، أم شيئًا في المستقبل؟ - قال: لا.\nعلى أمر قد فُرغ منه وجرى به القلم -أي: شيء مكتوب قديمًا- ولكن كل امرئ ميسر، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل:٥])].","vol":"39","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>حديث عمران بن حصين في معرفة أهل الجنة من أهل النار</span>\nقال: [عن عمران بن الحصين أن النبي ﵊ سُئل أو قيل: (أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: نعم.\nقال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: نعم كل ميسر لما خُلق له).\nأخرجه البخاري ومسلم].","vol":"39","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>حديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)</span>\nقال: [عن سراقة قال: قلت: (يا نبي الله! خبرنا عن ديننا كأننا ننظر إليه.\nقال: فيما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير يعملون؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) أخرجه مسلم].","vol":"39","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>حديث: (إن الله تعالى خلق للجنة أهلًا)</span>\nقال: [عن عائشة أم المؤمنين قالت: (دُعي رسول الله ﵊ إلى جنازة غلام من الأنصار.\nفقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يدركه السوء ولم يعمله -لأنه غلام صغير لم يبلغ الحلم، ولم يجري عليه القلم- قال: أوغير ذلك؟)].\nلأنها قالت: طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، ولذلك حينما سُئل النبي ﵊ عن الأطفال؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).\nوفي رواية أنه سئل عن أطفال المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).\nومذهب جماهير أهل السنة: أن أطفال المشركين في الجنة، وإجماعهم على أن أطفال المسلمين في الجنة.\nوقال بعض أهل العلم: إن الله تعالى يختبر ويبتلي أطفال المشركين يوم القيامة، فإذا عملوا صالحًا وقالوا صوابًا أدخلهم الجنة، وإذا قالوا غير ذلك أدخلهم النار.\nوالفريق الثالث توقف في أطفال المشركين، ولم يقل فيهم خيرًا ولا شرًا.\nفـ عائشة ﵂ حينما شهدت بأن هذا الغلام من عصافير الجنة فطوبى له قال النبي ﷺ: [(أوغير ذلك؟ إن الله تعالى خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا وهم في أصلاب آبائهم)] ولذلك حينما يسمع أحدنا هذا الحديث فإنه لا يطمئن أبدًا.\nفهذا أبو بكر الصديق أحد المبشرين بالجنة يقول: لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله.\nوهذا عمر بن الخطاب يقول: لو نودي في المحشر: كل الناس يدخلون الجنة إلا واحدًا لظننت أنني هو.\nفلا يأمن أحد من مكر الله ﷿.","vol":"39","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>حديث كفر الغلام الذي قتله الخضر ﵇</span>\nقال: [عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: (الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا)].\nألم ينكر عليه موسى حينما قتل الخضر الغلام فقال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]؟ أي: أمرًا منكرًا الذي أتيت به.\nوفي هذا الحديث سلوى لمن كان عنده أو عند امرأته عقم، فيشقى بالليل والنهار لأجل الولد، ويقول: إن الأطباء جميعًا قد قرروا أنه ليس هناك إنجاب، وأيضًا عنده أمل ويسعى، وإن كان يذهب ليشحت ويسرق ويستدين ليعمل عمليات هو يعلم أنه لا فائدة من ورائها، لكنه يعمل هذا كله رجاء في الإنجاب، وفي النهاية تنجب الزوجة ولد طاغية وعاص لله، فيقول: يا ليتني لم أسع، يا ليتني لم أذهب ولم أرجع، ويكره الأولاد ويكره الذرية والحياة بسبب هذا الولد، لذا كانت تربية الأولاد من أصعب الصعوبات، فهي مهمة الأنبياء.\nأي: أن التربية مهمة الأنبياء جميعًا، فعندما يكون لديك ولد من حُفاظ القرآن وحفاظ السنة وحريص على الصلوات في جماعة، ومؤدب معك ومع أمه وجيرانه والناس أجمعين، فما أسعدك به، لكن حينما يكون عندك ولد كل خطوة بمشكلة ومصيبة فأنت ستكره الأولاد وتكره عيشتهم السوداء، والواحد دائمًا يتمنى الولد الصالح الذي يسعد به في الدنيا والآخرة، ولا يتمنى الولد العاصي.","vol":"39","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-788>حديث اعتذار الهالك في الفترة والمعتوه والمولود</span>\nقال: [عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [طه:١٣٤]).\nويقول المعتوه: لم يجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا.\nويقول المولود: لم أدرك الحلم -أي: أن كلًا منهم عنده عذره وعلته، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن الشواهد في الشرع تشهد به- فترفع لهم نار فيقال: اوردوها أو ادخلوها.\nقال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل.\nقال: ويمسك عنها من كان في علمه شقيًا لو أدرك العلم.\nقال: فيقول: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب أتتكم؟)].\nوهذا الحديث ضعيف.\nنتوقف هنا؛ لأن هذا الباب فيه أدلة كثيرة، وأدلة إثبات الإيمان بالقدر أدلة ممتعة جدًا، وهي مئات الأدلة من كتاب الله وسنة النبي ﵊.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على النبي محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"39","page":21},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-789> أقوال الصحابة في إثبات القدر [١]</span>\nالإيمان بالقدر وما يتضمنه من مراتب من جملة أركان الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها، وقد امتلأت كتب الآثار بكلام الصحابة في إثبات القدر، ونكيرهم على الجبرية والقدرية الذين زاغوا عن الهدى القويم، والصراط المستقيم.","vol":"40","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-790>مراتب الإيمان بالقدر</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nلا زال الكلام موصولًا عن القدر، والقدر هو سر الله تعالى في الكون، وحكمته من خلق الخلق، ومراتب القدر أربع قد تكلمنا عنها، وقلنا: إن أول مرتبة هي مرتبة العلم.\nأي: أن الله ﵎ علم أزلًا ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فلما كان ذلك كتبه الله ﵎ في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل المحو ولا الإثبات، ثم قدر ذلك وشاءه لعباده، فشاء لهم الطاعة وشاء لهم البر والخير مشيئة شرعية دينية، محلها ومناطها الرضا، وشاء الله ﵎ الكفر والكبائر وسائر المعاصي، بمعنى أنه أذن في وجودها في الكون، وأذن الله تعالى في خلقها لا أنه يحبها ويرضاها، بل حذر منها ونهى عنها ورتب عليها العقوبات، ولأجلها أرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ومنحك العقل، حتى يهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.\nوالمرتبة الرابعة: هي مرتبة الخلق.\nفأفعال العباد جميعًا مخلوقة لله ﷿.\nبمعنى: أنه أذن في وجودها خيرها وشرها، فالخير والشر من الله ﷿، كما دل على ذلك تلك الآيات الكثيرة التي سقناها في دروس مضت، ثم أقواله ﵊ وأحاديثه التي مضت في دروسنا أيضًا لإثبات أن الخير والشر من عند الله ﷿، مع أنه لا يرضى الشر، ولكنه أذن في وجوده ووقوعه، وأذن في خلقه؛ لأن الله تعالى علم أن العبد سيختار طريق المعصية فكتب ذلك عليه، لا أنه سبحانه يرضى المعاصي.","vol":"40","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>أقوال الصحابة في إثبات القدر وأن الخير والشر من عند الله ﷿</span>\nوها نحن اليوم مع الأدلة من أقوال الصحابة ﵃ في إثبات أن الخير والشر من عند الله ﷿، ولا يجوز لأحد أن يقول: إذا كان الخير والشر من عند الله فلِم يعاقبنا عليه؟ لأنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية إلا بشرط التوبة منها.\nولذلك إذا كانت المعاصي من قدر الله فإن العقوبات كذلك من قدر الله، فهل ترضى أن تُقطع يدك؟ سيكون الجواب حتمًا: لا.\nلأنه لا أحد يرضى بذلك، فإذا كنت لا ترضى بقطع يدك فلِم مددتها للسرقة؟ لِم أطلقت ليدك العنان أن تأخذ أموال الناس من أحرازها؟ فإذا كانت المعاصي من قدر الله وهي كذلك، فلا بد أن هذه العقوبات هي كذلك من قدر الله، فلا بد لكل إنسان ذكي عاقل قبل أن يفكر في الذنب أن يفكر في عقوبته، وأن الذنب وعقوبته المترتبة عليه إنما هما بقدر الله ﷿.\nوأقوال الصحابة في إثبات أن الخير والشر من عند الله ﷿ كثيرة جدًا لا تكاد تحصى، بل لم يأتنا نص واحد عن صاحب من أصحاب النبي ﵊ يبين أن الخير من عند الله وأن الشر من عند الناس؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا أنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد وقدر، فإذا كان هذا الأمر محل إجماع الصحابة ﵃ فكفى به إجماعًا، بل كفى به دليلًا، فلو لم يأت في كتاب الله آية واحدة ولا في سنة النبي ﵊ حديث واحد لكفى إجماع الصحابة ﵃ على أن الخير والشر من عند الله ﷿.\nتصور أمر يُجمع عليه جميع الأصحاب ولم يأتنا مخالف لهم، بل لم يأتنا مخالف لهم حتى ممن أتى بعدهم من أهل السنة والجماعة وممن نهج منهج أهل السنة، فكيف يكون هذا الأمر محل نزاع أو محل خصومة؟","vol":"40","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>قول أبي بكر ﵁ في إثبات القدر</span>\nهذا أبو بكر الصديق ﵁ قال: [خلق الله الخلق فكانوا في قبضته -أي: في قبضة الله ﷿- فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال لمن في يده الأخرى -وهي اليمين كذلك؛ لأن كلتا يديه يمين ﷾، أما الحديث الذي ورد بإثبات الشمال لله ﷿ حديث شاذ كما ذكرنا ذلك بالتفصيل آنفًا- ادخلوا النار ولا أبالي فذهبت إلى يوم القيامة].\nأي: هذا كائن إلى يوم القيامة.\nمعنى ذلك: أن الله تعالى علم أهل الجنة سلفًا وأزلًا، وعلم أهل النار أزلًا، بل قبل أن يخلقهم علم أهل الجنة وأهل النار.\nقال: [عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى أبي بكر ﵁ فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال أبو بكر: نعم.\nقال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني؟ -يُنكر ذلك.\nأي: إذا كان الله تعالى هو الذي قدر علي الزنا فكيف يعذبني- قال أبو بكر: نعم يا ابن الخنا] يزجره؛ لأنه تكلم في القدر بكلام عجيب لم يرد عن سلف هذه الأمة.\n[قال: نعم.\nيا ابن الخنا] أي: يا ابن الفواحش [أما والله لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك].\nأي: أن يقطع أنفك.","vol":"40","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>قول عمر بن الخطاب ﵁ في إثبات القدر</span>\nعن أبي عثمان النهدي ﵀وهو من سادات التابعين، مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام- قال: [سمعت عمر بن الخطاب وهو يطوف بالبيت يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها -أي: إذا كنت كتبتني من أهل السعادة- فهو يرجو ربه أن يثبت على أهل السعادة وأن يبقى فيهم حتى يلقى الله ﷿- وإن كنت كتبتني في الشقوة -أي: من أهل الشقاء والتعاسة- فامحني منها وأثبتني في السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب] وتكلمنا أن أم الكتاب لا تقبل المحو ولا الإثبات، أما الصحف التي بأيدي الملائكة فهي التي تقبل المحو والإثبات.","vol":"40","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>قول علي بن أبي طالب ﵁ في إثبات القدر</span>\nقال: [عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ذُكر عنده القدر يومًا -أي: عند علي بن أبي طالب ذكر قوم القدر- فأدخل أصبعيه السبابة والوسطى في فيه فرقم بهما على باطن يده، فقال: أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب].\nأي: أن هذا قد علمه الله تعالى أزلًا.\nأي: حينما أدخل السبابة والوسطى في فمه فبلهما بريقه ولعابه فختم بهما باطن كفه قال: هذا الختم والله قد علمه الله تعالى قبل أن يخلق الخلق فكيف لا يعلم سبحانه وقوع الخير والشر من العباد؟ [عن علي قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه -أي: لن يستقر الإيمان في قلبه- حتى يستقر يقينًا غير ظن أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقر بالقدر كله] خيره وشره.\nفمسألة القدر تعلقها بالإيمان تعلق عظيم جدًا: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر).\nلأن القدر أمر عجيب جدًا، إذ ليس لك أمام القدر إلا التسليم والإيمان والإذعان، فلو قلت: لِم فعل كذا؟ ولِم قال كذا؟ فإنك ستضل كما ضل من قبلك.","vol":"40","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-795>قول عبد الله بن مسعود ﵁ في إثبات القدر</span>\nقال: [عن عبد الله يعني: ابن مسعود قال: أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن الشقي من شقي في بطن أمه]، أي: من كتب الله تعالى عليه الشقاء قبل أن يخلقه.\nوهل هذا من الظلم؟ الجواب لا.\nلأن الظلم نقص لا يليق إلا بالعباد، والله تعالى منزه عن كل نقص، فإن الله تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة.\nإذًا: فلِم كتب الله تعالى هذا العبد من أهل الشقاء وهو في بطن أمه.\nوهو لم يعمل خيرًا ولم يقم على الشر، بل لم يولد بعد، فلم كتبه الله تعالى من أهل الشقاء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لأن الله تعالى علم أزلًا قبل أن يخلق الخلق أن من عباده فلان ابن فلان سيميل إلى الشر مع بيان الشر والخير ووضوحهما له تمام الوضوح، ولكن العبد سيختار طريق الشر، ولذلك العبد له اختيار لأعماله، وليس معنى: أن الله تعالى كتب عليه الشر أنه جعله مقهورًا مجبورًا أن يقع في الشر.\nلا، فالله تعالى حينما علم أنه سيعمل الشر ويميل إليه ويترك الخير مع معرفته إياه كتب ذلك ﷾ في اللوح المحفوظ: أن عبده فلان سيعمل بالشر.\nوهكذا أعطانا الله ﵎ كل البينات والحجج، فلم يبق لنا بين يدي الله معذرة، بعد أن بين الله لنا طريق الجنة وطريق النار، لو سألناك عن أي عمل تعمله أو لا تعمله: هل هذا يؤدي إلى الجنة أم إلى النار؟ لو سألناك عن الصلاة لقلت: تؤدي إلى الجنة.\nفلم تتركها؟ لو سألناك عن الزنا لقلت: يؤدي إلى النار.\nفلم تأتيه؟ لماذا تدع الطاعة وتُقبل على المعصية، وأنت تعلم علمًا يقينيًا أن مآل الصلاة الجنة، ومآل الزنا النار، ومع هذا تخالف ما تعلمه من دينك يقينًا؟ علمت ذلك من الكتب التي أنزلها الله ﷿ عن طريق رسله، والله تعالى جعلك مكلفًا بالغًا عاقلًا مميزًا، فأين حجتك التي تحتج بها أمام الله ﷿؟ هل ستقول: لماذا يا رب! قدرت هذا علي؟ إذا كان الله قدر عليك الزنا فقدر عليك كذلك الرجم أو الجلد، فهل ترضى أن تُرجم أو تُجلد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، لا أحد يرضى بذلك أبدًا، فلم رضيت بشيء أدى بك إلى إيقاع هذه العقوبة ببدنك؟ ولذلك نحن لو أتيناك بطريقين يؤديان إلى غرض واحد، أحدهما قد امتلأ شوكًا والآخر ممهد ملطف، وقلنا لك: اسلك أحد الطريقين فإنهما جميعًا يؤديان إلى غرضك، فأي الطريق ستسلك؟ لا شك أن ستسلك الطريق الممهد، فلِم تختار طريق الشوك الذي يؤدي بك إلى النار؟ قال: [فإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره].\nأي: علم الله تعالى أن عبده سيختار طريق النار، فحينما علم ذلك من عبده قدره عليه، وأراده له إرادة كونية قدرية لا شرعية دينية.\n[عن عبد الله قال: لأن أعض على جمرة وأقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن].\n[عن الحارث قال: سمعت ابن مسعود يقول وهو يدخل أصبعه في فيه قال: لا والله لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر].\nوكأن الإيمان شيء محسوس له طعم، كما قال ﵊: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا) فهنا صور النبي ﵊ الإيمان بالشيء الذي يؤكل أو يُشرب وله مذاق جميل، لكن لا يتذوق الإيمان على هذا النحو إلا رجل آمن بالقدر.\n[ويقر ويعلم أنه ميت، وأنه مبعوث من بعد الموت].\n[عن ابن مسعود قال: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له نظر الله من فوق سبع سماوات فيقول للملائكة: اصرفوا عنه] أي: أن العبد يأتي عملًا من أعمال الدنيا، والله ﵎ ينظر له من فوق سبع سماوات، وربما يكون في هذا العمل شر للعبد، فإن الله تعالى يأمر ملائكته أن يصرفوا عبده عن الإتيان لهذا الفعل.\nقال: [فإني إن يسرته له أدخلته النار -أي: بسبب هذا الفعل- فيصرفه الله ﷿] أي: فيصرف العبد عن إتيان هذا العمل.","vol":"40","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>قول عبد الله بن عباس ﵄ في إثبات القدر</span>\nعن ابن عباس ﵁ قال: [العجز والكيس بقدر].\nوهذا كلام النبي ﵊، فيصح مرفوعًا وموقوفًا.\n[عن ابن عباس قال: لو أخذت رجلًا من هؤلاء الذين يقولون: لا قدر، لأخذت برأسه وقلت: لولا ولولا].\nأي: أن ابن عباس تمنى أن يقتله قتلًا؛ لأنه ينكر القدر.\nقال: [عن مجاهد قال: قيل لـ ابن عباس: [إن ناسًا يقولون في القدر].\nأي: هناك ناس تكلموا في القدر، وهذا الأمر كان منكرًا جدًا لدى الصحابة، فلم يكن يتكلم أحد في القدر، فلما تكلم الناس في القدر أنكر ذلك ابن عباس، بل الصحابة كـ ابن عمر وغيرهم أشد الإنكار.\nقال: [يُكذبون بالكتاب؟].\nلأن الكتاب أثبت القدر خيره وشره، فالذين تكلموا في القدر بعد كتاب الله وبعد سنة النبي ﷺ ماذا يريدون؟ وماذا يقولون؟ قال: [يُكذبون بالكتاب، لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه -أي: لآخذن بناصيته- إن الله ﷿ كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا، فخلق القلم فأمره أن يكتب فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة].\nقوله: (كتب ما هو كائن) أي: قبل أن يخلق الخلق؛ لأن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب.\nفقال: ما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء كائن إلى يوم القيامة، وكان آدم لم يُخلق بعد؛ لأن المقطوع به عند علماء المسلمين أن القلم مخلوق قبل آدم، والقلم جرى بما هو كائن وبما عليه العباد إلى يوم القيامة، وهذا يدل على علم الله الأزلي.\nقال: [فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فُرغ منه].\nأي: على أمر قد علمه الله تعالى أزلًا، فكتبه على العباد وقدره عليهم، وشاءه لهم، وأذن في خلقه وإيجاده ووقوعه، ومنه ما أراده إرادة شرعية دينية مبناها الرضا وهي اتباع الشرع في باب الأوامر، وأما في باب النواهي فإن العبد لو انتهى بما نهاه الله تعالى ورسوله عنه فهذا أيضًا من الإرادة الشرعية الدينية، وإذا وقع فيما نهاه الله ﷿ عنه فإنما يقع فيها بقدر من الله ﷿، لكن لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي.\nقال: [عن ابن عباس قال: القدر نظام التوحيد -القدر هو التوحيد- فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضًا للتوحيد].\nوهذا تفسير لقوله ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر) ابن عباس يقول: القدر نظام التوحيد.\nأي: أنه أساس التوحيد ومحل الابتلاء والاختبار فيه، فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء والقدر نقضًا للتوحيد.\n[ومن وحد الله وآمن بالقدر فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها].\nو[عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس! أرأيت من صدني عن الهدى، وأوردني الضلالة والردى، ألا تراه قد ظلمني؟] فهذا السؤال من جهة العقل له وجه، لكن الدين لا يثبت بالعقل وإنما يثبت بالنقل.\nيقول له: أليست الهداية والإضلال بيد الله ﷿؟ ما تقول فيمن صدني وردني وأضلني وأوردني الهلاك والردى والضلالة، ألا يكون قد ظلمني؟ إذًا فمن الذي بيده الضلالة؟ الله ﷿، والسؤال هذا يطرأ على أذهان الجميع إلا من رحم الله ﷿ من أهل العلم.\nوانظر إلى ابن عباس ماذا قال له؟ قال: [إن كان الهدى كان شيئًا لك عنده فمنعكه -أي الله ﷿ منعك إياه- فقد ظلمك].\nفـ ابن عباس قرب له المسألة من جهة العقل، وإلا فالأصل في هذا المثل ألا يُضرب، لكنه يريد أن يقرب له المعنى في مقابلة سؤاله الذي لا يجوز طرحه.\nقال: [إن كان الهدى كان شيئًا لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وإن كان هو له -أي: ملكه ﷾- يؤتيه من يشاء فلم يظلمك.\nقم لا تجالسني].\nأرأيتم إلى مسائل القضاء؟ تحتاج إلى قلوب واعية جدًا، وأفهام نيرة، وقلوب لا تملك إلا الخضوع والذل لله ﷿، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﷾.\nفليس لك بعد أن علمت أن الهداية والضلال بيد الله ﷿ إلا أن تتعلق بحبال الطاعة، ليس لك إلا ذلك، ترجو ثواب الله وتهرب من عقابه.\nفلو أنك علمت أن الله تعالى يسوق الرزق إليك عن طريق فلان من الخلق لتملقت له أشد التملق، فلماذا لا تتملق لله ﷿ فهو الأولى بذلك؟ قال: [عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الهدهد يدل سليمان على الماء -مع أن الهدهد هذا طائر ضعيف- فقلت له: كيف ذاك يا إمام! والهدهد يُنصب له الفخ عليه التراب؟].\nالصبيان ينصبوا الفخ للهدهد عليه التراب، حتى يأتي الهدهد فيقع فيه؟ أي أنه طائر غبي لا يعرف شيئًا، فكيف ينقر في الأرض وينقب فيها حتى يخرج الماء لسليمان ويدله على أن هذا المكان فيه ماء وأن هذا المكان ليس فيه ماء؟ [فقال -أي: ابن عباس - ألم يكن إذا جاء القضاء ذهب البصر؟] إذا قدر الله شيئًا","vol":"40","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-797>أقوال ابن عمر والحسن بن علي وعمرو بن العاص ﵃ في إثبات القدر</span>\nقال: [عن يحيى بن يعمر قال: قلت لـ ابن عمر: إنا نسافر فنلقى قومًا يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف -أي أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع- قال -أي: ابن عمر - إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء وهم منه براء، ثلاث مرات] قال ذلك.\nوبذلك قال أبي بن كعب وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان.\nوقال الحسن بن علي بن أبي طالب وهو صحابي صغير: [قضي القضاء -أي: قضى الله تعالى القضاء- وجف القلم، وأمور بقضاء في كتاب قد خلا].\nيعني: أمور قد قضى الله تعالى أن تكون، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق.\n[قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي إلى ثلاث -أي: إلى ثلاثة أمور-: المرء يفر من القدر وهو لاقيه] المرء يفر من شيء قدر له وهو ملاقيه، فقد تتوقع وجود الشر هنا فتفر منه، فإذا بك تجد الشر ينتظرك على ناصية الطريق الآخر الذي هربت إليه.\nإذًا: إيماننا بالقضاء يعلمنا حسن التوكل على الله ﷿.\n[قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه -وهذه واحدة- ويرى في أعين أخيه القذى فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها].\nوهذا معنى الحديث المرفوع إلى النبي ﵊ يقول: (يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه) الواحد منا ينظر إلى الناس فيرى عيوبهم مهما دقت وجلت وصغرت، فيستعظمها جدًا، ويرى أنه صاحب طاعة، وفيه من العيوب ما ليس في الآخرين، ولكنه لا يُبصر عيوبه وربما لا يرضى بالنصيحة أن توجه إليه؛ وذلك لأنه يرى نفسه أعلى من كل أحد، وأنه قد خلا عن كل مفسدة، فهو يرى في نفسه أنه صاحب طاعة، والآخرين أصحاب معصية، عبد هذه نظرته لا يُرجى خيره قط، فالذي يُرجى خيره أن يكون في عين نفسه حقيرًا وفي أعين الناس كبيرًا.\nالثالثة: [ويكون في دابته الصعر ويقومها جهده، ويكون في نفسه الصعر فلا يقومها].\nالصعر: آفة تصيب الحيوانات، فهو إذا أصابت دابته علة وآفة قام بإصلاحها، كأن تكون لديك سيارة إذا اشتكت أي شكوى قمت بإصلاحها من باب الأمان، فمهما كان عيبها صغيرًا حقيرًا لا بد من أخذ الاستعداد والأهبة لهذا الطريق الطويل، فبينما أنت على هذه الحال نسيت أنك قد امتلأت غشًا وحسدًا وبغضًا وضغينة وخيانة وغير ذلك من البلايا القلبية وغير القلبية، ومع هذا لا تُراعي في نفسك إصلاح هذه العيوب.","vol":"40","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-798>قول عبد الله بن عمرو بن العاص في إثبات القدر</span>\nقال: [عن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في حائط له -أي: بستان أو مزرعة- بالطائف.\nقال: ومعه فتى من قريش يزن بشرب الخمر -أي: يعاب عليه أنه يشرب الخمر- فقلت له: بلغني عنك حديث: (أنه من شرب شربة خمر لم يقبل الله توبته أربعين صباحًا، وإن الشقي من شقي في بطن أمه)] قال: نعم.\nيقر ذلك.\nمحل الشاهد قوله: (وإن الشقي من شقي في بطن أمه) وأنتم تعلمون حديث عبد الله بن مسعود عن الصادق المصدوق، إذا بلغ أربعين يومًا، فمذهب الجمهور: أن الروح تنفخ بعد مائة وعشرين يومًا، ولكن الراجح عند المحققين: أنها تنفخ بعد الأربعين، ويؤمر الملك الموكل بكتابة أربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، مع أنه ما زال في بطن أمه، ولكنه يُكتب: هل هو من أهل الشقاء أم من أهل السعادة، فهل في هذا شيء من الظلم؟ لا.","vol":"40","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>قول أبي الدرداء ﵁ في إثبات القدر</span>\nقال: [عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذروة الإيمان أربع:] أربعة أشياء هي قمة الإيمان التي تدل على أن صاحبها قد حقق الإيمان الكامل في قلبه وجوارحه.\nقال: [الصبر للحكم] والحكم هذا من أثقل الأشياء، فأنت إذا كانت لك الصولة والجولة وكان لك الحق في مسألة لطرت بها في الآفاق؛ لتثبت للناس أنك صاحب حق، ولو كنت مخطئًا تعلم ذلك من نفسك لخنست فلا تريد أن يعرف أحد عنك ذلك، ولو قضي عليك بالحق لكرهت ذلك، وتتمنى أن يخفى الحق أو يلتبس على الحكم فيحكم لك، مع أنك تعلم أنك مخطئ، والحُكم هو من خصائص الله ﷿؛ ولذلك قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] فليس الحكم إلا لله ﷿.\nولذلك قال الشافعي عليه رحمة الله: من شرع فاستحسن فقد كفر.\nلأن التشريع حق لله ﷿، ولرسوله الكريم ﵊، ولا يجوز لأحد من الأمة بأسرها أن يشرع أو أن يأتي بشيء من عند نفسه بين يدي الله ﷿، وإلا فإنه محاد لله ورسوله مضاد لشرعه، بل كافر بشرع الله ﷿.\nفالحكم لله ﷿ لا لأحد غيره، ولذلك لا يرضى به ولا يحقق مراد الله ﷿ في هذا الباب إلا رجل قد اكتمل إيمانه.\nوأنتم تعلمون على الساحة العالمية في كثير من العصور المتأخرة أن الناس قبل أن يجلسوا على كراسيهم يظنون أنهم يحكمون بشرع الله، فإذا ما جلسوا على هذه الكراسي المزيفة حكموا بآرائهم وأهوائهم ووثائقهم كما حكم التتار بتلك الوثائق المخترعة، فالحكم ثقيل جدًا ولا تقوى على حمله إلا قلوب قد امتلأت إيمانًا.\nولذلك قال أبو الدرداء: [ذروة الإيمان أربع: الصبر للحكم، والرضا بالقدر].\nوهناك فرق يا إخواني! بين من يصبر على القدر وبين من يرضى بالقدر.\nيقول علماء التصوف: إن البلاء إذا نزل بالعبد فصبر عليه فعمله عمل صغار القوم، أما كبار القوم فإنهم يرضون به ويفرحون.\nفحينما تمرض وتعلم أن هذا المرض هو من قدر الله ﷿ فتصبر على ذلك، فهذا بلا شك أجر عظيم جدًا وإيمان بالقضاء والقدر، لكن أعلى من ذلك أنك ترضى وتفرح بما آتاك الله ﷿، وابن تيمية عليه رحمة الله لما سجنوه علم أنهم ليس لهم سلطان إلا على البدن، وسلطانهم أيضًا مقيد بقدر الله ﷿، فكان يقول: فماذا يفعل أعدائي بي؟ إن سجنوني فسجني خلوة، وإن نفوني فنفيي سياحة.\nوهل هناك أفضل من الخلوة للذكر والتسبيح والتهليل وقراءة القرآن والصلاة وقيام الليل وغير ذلك؟ فالذي لا يستطيع أن يفعله في خارج السجن يفعله داخله، ولذلك فإن الذين هم بداخل السجون في نعيم نحن لسنا فيه، فنحن مشغولون بدنيانا، أما من كان بالداخل فهو أرق فؤادًا ممن كان بخارجه إلا من رحم الله ﷿.\nولذلك حينما أغلقوا عليه باب السجن تلا آية تغيظ الكفار والمجرمين.\nقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] أتظنون أنكم في سعة من أمركم، وفي حرية؟ بل أنتم والله المسجونون، وهذه حقيقة، فالواحد فيهم يمشي بحراسة وبمدرعات ومصفحات مدججة، ومع هذا لا يشعر بالأمان، وأنت بعد أن تصلي الفجر تخرج بأي لباس كان وتمشي بحرية تامة، فلا يستطيع أن يعمل مثل عملك هذا هؤلاء المجرمون؛ لأنهم يخافون.\nقال: [والرضا بالقدر، والإخلاص في التوكل، والاستسلام للرب].\nهذا هو الإيمان الكامل.","vol":"40","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-800>قول سلمان الفارسي ﵁ في إثبات القدر</span>\nقال: [عن أبي الحجاج الأزدي قال: سألت سلمان: ما الإيمان بالقدر؟ فقال: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك] الذي ليس لك ولا من نصيبك لو اجتمع العالم كله في صعيد واحد أن يجلبوه لك لا يقدرون، ولا يمكن أن يكون من حظك ولا من نصيبك.\nوقال أبو نعامة السعدي: [كنا عند أبي عثمان النهدي فحمدنا الله ودعوناه وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره -أي: أني مطمئن وفرح ومسرور بأن الله ﵎ كتب ما أنا عامل أولًا قبل أن يخلق الخلق- فقال: ثبتك الله! كنا عند سلمان: فحمدنا الله ودعوناه -أي: دعونا الله- وذكرناه فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره، فقال سلمان: ثبتك الله! إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار] وفي رواية: ما هو ذراري؛ وهذا حديث الميثاق الطويل الذي ذكرناه من قبل.\nقال: فأخذ عليهم العهد: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.\nإذًا: فقد اعترفوا بالربوبية وبالألوهية وتوحيد الرب ﵎ الذي ورد في حديث: (ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة).\nوفي رواية: (على فطرة الإسلام -ثم يأتي بعد ذلك النجس والخبث- فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه).\nوفي رواية مسلم: (ويشركانه) أي: ويجعلانه مشركًا.\nقال: [إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارٍ إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة، فمن علم الله تعالى أنه من أهل السعادة فعل الخير ومجالس الخير -أي: وفقه ويسر له هذا- ومن علم الله ﷿ فيه الشقاوة يسره لعمل أهل الشقاوة ففعل الشر وجلس مجالس الشر].","vol":"40","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-801>قول جابر بن عبد الله ﵁ في إثبات القدر</span>\nقال: [عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره].\nالمسألة مهمة جدًا، أي أن تؤمن بأن كل شيء من خير وشر إنما هو من عند الله ﷿.\n[ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه].","vol":"40","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-802>قول عائشة ﵂ في إثبات القدر</span>\nقال: [عن عائشة قالت: إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة، وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار].\nولذلك أنت تقول: العبد طيلة حياته يعمل بعمل أهل الجنة، فكيف يختم له بالنار؟ فنقول: النبي ﷺ كان يقول: (إنما الأعمال بالخواتيم)، ويقول: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)؟ أي: أنك ترى أن هذا العمل عمل أهل الجنة لا يعمله إلا ناس قد أحبهم الله ﷿ ويسرهم ووفقهم إلى فعل هذا الخير، ولكنه يصلي الفجر معك ويضع رجله على رجليك؛ ويجلس بجوارك ليتجسس عليك ويعرف اسمك ويكتب فيك تقريرًا فهذا العمل عمل أهل النار وليس عمل أهل الجنة.\nقالت: [إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار].\nإذًا: فهذا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ولا بد من كلمة: (فيما يبدو للناس)؛ لأن هذه قد وردت في رواية ابن مسعود من طريق آخر، وهي تحل جميع الإشكالات التي وردت في هذا الحديث.\nوقال محمد بن كثير العبدي: سمعت سفيان الثوري يقول: إن الرجل ليعبد الأصنام وهو حبيب الله.\nوعبادة الأصنام هذه محببة إلى الشيطان، ولكن العبد يعبد الأصنام وهو حبيب الله؛ لما سبق من علم الله أنه سيُختم له بخاتمة الطاعة، فيكون من أحبائه بعد الهداية لا أثناء عبادة الأصنام: (والأعمال بالخواتيم)، وقال: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) فحينئذ يكون حبيب الله ﷿.","vol":"40","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>أقوال التابعين في إثبات أن الخير والشر من عند الله ﷿</span>","vol":"40","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-804>قول عمر بن عبد العزيز ﵀ في إثبات القدر</span>\nعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: [إن الله لو كلف العباد العمل على قدر عظمته لما قامت لذلك سماء ولا أرض ولا جبل ولا شيء من الأشياء، ولكن أخذ منهم اليسر].\nقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، فلا يستطيع أحد أن يؤدي لله حقًا، فلو أن أحدنا سجد سجدة لله طيلة عمره من أول التكليف والتمييز حتى قبض هل أدى حق الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، بل لم يؤد نعمة واحدة من نعم الله ﷿ عليه، ولكن الله رضي منا بالشيء اليسير، فقد فرض علينا خمس صلوات وأعطانا فضلًا منه أجر خمسين صلاة، وهذا فضل عظيم جدًا.\nقال: [إن الله لو كلف العباد العمل على قدر عظمته -أي: على قدر قدره ومكانته ﷾- لما قامت لذلك سماء -وما قدرت على ذلك- ولا أرض ولا جبل ولا شيء من الأشياء، ولكن أخذ منهم اليسر، ولو أراد ألا يعصى لم يخلق إبليس رأس المعصية].\nفإبليس هو رأس الشر، فلو لم يخلق الله إبليس هل ستكون في الأرض معصية؟ لا يمكن.\nلأن مصدر كل معصية هو إبليس، فإذا كان الله تعالى لم يخلق إبليس لم يكن هناك معصية، بل كان جميع الخلق مؤمنين موحدين، لا يعرفون طريق المعصية كالملائكة تمامًا: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ولكن الله تعالى حينما علم أن عباده سيفعلون المعصية جعل لهم سببًا في ذلك وهو خلق إبليس، ولكنه عرفهم بأنه عدوهم وحذرهم من اتباعه، ولكن العباد تركوا هذا التحذير ووقعوا في حبائل الشيطان.\nقال: [عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتابًا فكان فيما كتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع فيها ما شاء من هدى وضلالة] إلى آخر الكلام.\nإذًا: يقول: أنا أسأل الله تعالى الذي بيده القلوب، كما في قوله ﵊: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).\nيعني: يجعلها كافرة، يجعلها مؤمنة، يجعلها طائعة، يجعلها عاصية، له ﷾ في قلوب عباده ما يشاء؛ لأننا ملك له ﷾، كما أن الهداية والإضلال ملك لله ﷿، فكذلك العباد وقلوبهم ملك لله ﷿، ومعلوم أن المالك يصنع في ملكه ما يشاء ﷾.","vol":"40","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>قول الحسن البصري ﵀ في إثبات القدر</span>\nقال: [عن نعيم العنبري وكان من جلساء الحسن -رحمه الله تعالى- يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢].\nقال -أي: الحسن في تفسير هذه الآية- لوح من ذهب مكتوب فيها: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟] عجبت لمن يؤمن بالقدر خيره وشره وأنه من عند الله كيف يحزن إذا وقع به البلاء؟ [وعجبت لمن آمن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله].\nهذا الكلام كلام موقوف عن الحسن وفيه نظر؛ لأن العبد إذا أدركه الموت إن كان من أهل الطاعة فرح بلقاء الله ﷿، وبذلك صحت الأخبار، وأما إذا كان من أهل المعصية فإنه يكره لقاء الله ﷿، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.\nعن تمام بن نجيح قال: [سمعت الحسن وقد تاه رجل فأخذ بعنان دابته فقال: أيها الضال المضل! حتى متى تضل الناس؟ فقال الرجل: وما ذاك؟ قال الحسن: أتزعم أن من قُتل مظلومًا فقد قُتل في غير أجله؟ قال -أي: الحسن - فمن يأكل بقية رزقه يا لكع؟] هل يمكن لأحد أن يأكل رزق الآخر؟ وهل يمكن لأحد أن يأخذ عمر الآخر؟ لا يمكن.\nولكن أليس داود ﵇ قد أخذ أربعين عامًا من عمر أبيه آدم؟ هو الوحيد الذي أخذ عمرًا من عمر أبيه آدم، أما بقية الخلق فإنه قد كُتبت أعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وشقاوتهم وسعادتهم على النحو المعلوم لدى الله ﷿ كتابة لا تقبل المحو في اللوح المحفوظ.\nقال: [أتزعم أن من قُتل مظلومًا فقد قُتل في غير أجله؟ فمن يأكل بقية رزقه يالكع؟ خل الدابة] أي: انزل عنها، فإنها أفضل منك.\nوهل هناك أحد يُقتل قبل أجله؟ فمن يكمل أجله؟ ولذلك من الأخطاء الفادحة جدًا في الاعتقاد أنك تذهب لواحد قد مات له ميت فتقول له: البقية في حياتك! هل هو مات قبل أجله؟ ولذلك علمنا النبي ﵊ عزاءً شرعيًا: (إن لله ما أعطى وله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل).\nأي: أن هذا الذي مات مات في أجله، فاصبر واحتسب وليس لك إلا هذا، قد أوجب الله تعالى عليك في هذا الموطن أن تصبر على ما نزل بك من بلاء وتحتسب عند الله ﷿ حتى تؤجر عليه، وتصبر صبرًا صادقًا، وترضى رضاء تامًا عن الله ﷿ وعن أفعاله ﷾، لا أن تظل تلطم وجهك وتضع التراب على رأسك، وفي الأخير أنت تعرف أنه قد مات ووضع في قبره، فلماذا الجزع؟ بل تصبر وتحتسب.\nوقال الحسن: [الشقي من شقي في بطن أمه].\nوقال في مرضه الذي مات فيه: [إن الله قدر أجلًا وقدر معه مرضًا -أي: جعل المرض سببًا لنهاية الحياة- وقدر معه معافاة].\nلأن النبي ﷺ يقول: (ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء.\nفتداووا عباد الله).\nفالمرض بقدر الله، وأيضًا العلاج بقدر الله، ومن الناس من يقول: العلاج هذا يقدح في التوحيد.\nفنقول: إن النبي ﵊ عولج من مرضه، وقال: (إن الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء) وكان النبي ﷺ يداوي أصحابه مرة بالتفل ومرة بالدعاء، وكلها أسباب للشفاء فقال: (تداووا عباد الله! ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء) فإذا كان العلاج يقدح في التوحيد فإذا جعت فلا تأكل؛ لأن هذا اعتماد على الطعام، وأنت رجل موحد فاعتمد على الله ﷿، وإذا عطشت فلا تشرب، وإذا أردت الولد فاحصل عليه دون زوجة!! وفي الحقيقة كل هذا كذب، والأصل أخذ الأسباب وإعمالها في حصول المسبب.\nقال الحسن في مرضه الذي مرض فيه: [إن الله قدر أجلًا وقدر معه مرضًا، وقدر معه معافاة، فمن كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن، ومن كذب القرآن فقد كذب بالحق].\nوقال: [من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام].\nكأن القدر هو الإسلام كله، كأن عنوانك في الإيمان والإسلام وثبوتك على ذلك إنما هو إيمانك بالقدر.","vol":"40","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>أقوال مطرف بن عبد الله الشخير ووهب بن منبه رحمهما الله في إثبات القدر</span>\nقال: [عن مطرف قال: نظرت فإذا ابن آدم ملقى بين يدي الله وبين يدي إبليس].\nمعنى (نظرت) أي: فكرت وتدبرت وأمعنت في النظر، فتصور لي أن ابن آدم ملقى بين يدي الله وبين إبليس.\nقال: [فإن شاء الله أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إبليس].\nواجتمع وهب بن منبه وعطاء الخرساني بمكة، فقال له عطاء: يا أبا عبد الله! بلغني أنك كتبت في القدر، أي: كتبت كتابًا عن القدر وتكلمت فيه.\nقال وهب: [ما كتبت كتبًا ولا تكلمت في القدر].\nأي: أنا على إيمان النبي ﷺ وعقيدته.\nثم قال وهب: [قرأت نيفًا وتسعين كتابًا من كتب الله، منها نيف وسبعون ظاهرة لا يعلمها إلا قليل من الناس، فوجدت فيها كلها: أن كل من وكل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر].\nوهذا كلام يرد به على الجهمية الذين يقولون: إن الله ﵎ لا علاقة له بأفعال العباد، وأنها من مشيئة العباد وأعمالهم وأفعالهم، وأن الله لا دخل له بأعمال العباد.\nولذلك لو رجعنا إلى نص مطرف قال: [فإن شاء الله أن يعصمه عصمه].\nفالعصمة والهداية والضلال بيد الله؛ لأن الله لو ترك عبده لتخطفه إبليس، وتخطف إبليس لهذا العبد إنما هو بقدر من الله ﷿.\n[عن ثابت أن مطرفًا قال: نظرت في هذا الأمر ممن كان فإذا بدؤه من الله ﷿، وإذا تمامه على الله] إذًا: بداية هذا الأمر بيد الله، ونهايته بيد الله ﷿.\nقال: [ونظرت ما ملاكه، -أي: ذروة سنامه- فإذا ملاكه الدعاء] لأن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل.\nيقول ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب الداء والدواء: الدعاء على ثلاث مراتب يشرح الحديث: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) أي: لا شيء ينفع مع القضاء إلا الدعاء.\nوأنتم تعلمون أن الدعاء كذلك بقضاء وقدر، فإن الله تعالى علم أزلًا أنه سيبتلي عبده فلان في المكان الفلاني والزمان الفلاني ببلية فلانية، وأن العبد بقدر الله سيوفق لدعاء يدعوه في هذا الموطن وفي هذا المكان وفي هذه الحالة، وأن الدعاء يكون أقوى من البلاء، إذ يلح فيه العبد بصدق وإخلاص وحسن لجوء وتوجه إلى الله ﷿؛ فيكون الدعاء أقوى من البلاء الذي نزل، فيدفع الله ﵎ هذا البلاء بهذا الدعاء؛ لأنه أقوى من البلاء.\nوأحيانًا يكون الدعاء رخوًا ميتًا لا روح فيه، فيكون البلاء أقوى منه ويستقر في العبد، وأحيانًا يكون الدعاء على قدر مساو للبلاء فيتعالجان أو يعتلجان أو يتناطحان في السماء إلى يوم القيامة، فلا هذا يغلب هذا ولا هذا يغلب هذا، وكله بقضاء الله وقدره وعلمه السابق.","vol":"40","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-807>قول كعب الأحبار ﵀ في إثبات القدر</span>\nقال: [عن يونس بن سيف أن عطية بن قيس: أخبره أن رهطًا عادوا كعب الأحبار.\n- كعب بن ماتع الحميري حينما مرض عاده أناس- فقالوا له: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟! قال: بخير، عبد أُخذ بذنبه -أي: أني أنا قد أخذني الله تعالى بذنب اقترفته- فإن قبضه الله إليه إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، وإن عاقبه ينشيه نظيفًا] أي: يبعثه في الجنة نظيفًا بلا ذنب.\nهذا الكلام فيه أصول وعقائد عظيمة جدًا، منها: الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من عند الله ﷿.\nومنها: أن صاحب الكبيرة أو أن صاحب الذنب يعفو الله عنه، أو يعذبه بذنبه في النار ثم يخرج منها.\nومنها: أن العبد العاصي الذي وحد الله وخلط ذلك بمعصية لا يستوي مع عبد كفر بالله ﷿ أصلًا، فإن هذا مخلد، والأول ناج وإن دخل النار أولًا.","vol":"40","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-808>قول محمد بن كعب القرظي ﵀ في إثبات القدر</span>\nوقال محمد بن كعب القرظي: [ما أُنزلت هذه الآية إلا تعييرًا لأهل القدر: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩]].\nما دون الله ﵎ وأسمائه وصفاته مخلوق.\nفكلامنا الآن وحديثنا وحركاتنا وسكناتنا وقيامنا وقعودنا مخلوق لله ﷿، والمرض مخلوق، والذي خلقه هو الله ﷿، فكل شيء من عند الله بقضائه وقدره، سواء كان خيرًا أو كان شرًا.","vol":"40","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>قول علي بن الحسين ﵀ في إثبات القدر</span>\nوقال علي بن الحسين: [إن أصحاب القدر حملوا مقدرة الله ﷿ على ضعف رأيهم فقالوا لله: لِم] أي: لم فعلت كذا يا رب؟! يسألون الله ﵎ سؤال استنكار: لِم قدر كذا؟ ولِم قضى بكذا؟ ولِم فعل كذا؟ [ولا ينبغي أن يقال لله لِمَ؟] مستنكرًا: لِم كذا؟ وكيف فعلت كذا؟ لأن أفعال الله ﵎ لا تحصر، ولا يقال فيها: لِم ولا كيف.","vol":"40","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-810>قول محمد بن علي بن الحسين ﵀ في إثبات القدر</span>\nقال أبو عبد الله العطافي -ينقل عن الشيعة- قال: [جاء رجل من أهل البصرة، فسأل عن محمد بن علي بن الحسين بن علي؟ والشيعة يقولون: إنه من رجالنا وأئمتنا فقيل له: هو ذاك الغلام.\nفقال: فجئت إليه وكأنه ما بلغ بعد -غُلام صغير- قال: فقلت: يا سيدي! إني وافد أهل البصرة إليك، وذاك أن القدر قد نشأ في البصرة، وقد ارتد أكثر الناس، وأريد أن أسألك عنه؟] إن أول من تكلم في القدر هو معبد وبئس المعبد هو، ومعبد شيخه سوسن النصراني، ولذلك أصل كل ضلالة في الإسلام إما نصراني أو مجوسي أو يهودي، وإذا نظرت إلى تاريخ كل بدعة وأصلها لوجدت أن أهل هذه البدعة يضعون أيديهم في أيدي أصل هذه البدعة عندهم حربًا على الإسلام وأهله.\n[قال: سل.\nفقلت: أحب الخلوة.\nفقام فمشى حتى خلا.\nقال له: سل.\nفقال: فقلت: الخير؟ فقال لي: اكتب: علم وقضى وقدر وشاء وأراد وأحب ورضي.\nقال: قلت: زدني.\nفقال لي: هكذا خرج أو هكذا جاء إلينا أو وصل إلينا].\nإذًا: نحن في باب القدر بالذات نتوقف عند الذي جاء عن سلفنا، ولذلك كان كثير من السلف جدًا يسكتون إذا سئلوا عن القدر، لا عن عجز وإنما اتباع لسلف هذه الأمة.\n[قال: قلت: الشر؟ قال: اكتب: علم وقضى وقدر وشاء وأراد ولم يرض ولم يحب].\nوفي الخير قال: ورضي وأحب، ولكن في الشر قال: ولم يرض ولم يحب، مع أنه قضى وقدر وأراد وشاء، لكن أراد وقدر وشاء إرادة الشر إرادة كونية قدرية، فليس من الممكن أن يذهب أحد فيزني ثم يقول: أنا سأذهب لأزني، قدر الله ذلك أو لم يقدره، شاءه أو لم يشأه؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراده الله، لكن لا يجوز الاحتجاج بهذا، فإذا أردت أن تحتج بهذا فاحتج بالعقوبة أيضًا، ولذلك جيء برجل قد سرق إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أو زنى في رواية أخرى، فلما أمر به عمر ليقام عليه الحد، قال: يا عمر! أتحدني في أمر قد قدره الله علي؟ قال: نعم.\nنحدك بقدر الله أيضًا.\nإذًا: الحد أيضًا من قدر الله.\n[قال: قلت: زدني.\nقال: هكذا خرج إلينا].\nالخير: أراده وقضاه وقدره وشاءه وأحبه ورضيه.\nوالشر: أراده وشاءه وقضاه وقدره ولم يحبه ولم يرضه، ومع هذا أذن في وقوعه وخلقه وإيجاده.\nفهل أنتم تحبون الكفر أم تكرهونه؟ فالله ﵎ أشد كراهية للكفر منكم، ومع هذا هل يستطيع أحد أن يكفر دون أن يقدر الله عليه هذا الكفر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، والله يقول: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] ومع هذا وقع الكفر في الكون، ولكن وقع بإذنه وأمره وإيجاده وخلقه، ولم يحبه ولم يرضه.\n[قال: زدني.\nقال: هكذا خرج إلينا].\nأي: هذا الذي وصلنا عن سلفنا.\nقال: [فقال الرجل: فرجعت إلى البصرة فنصب لي منبر في مسجد الجامع، فاجتمع الناس فقرأت عليهم ما كتبت فرجع أكثر الناس].\nفقد كان معبد قبل ذلك يُعمل لسانه في غيبة أهل العلم.","vol":"40","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>قول جعفر بن محمد الصادق ﵀ في إثبات القدر</span>\nقال: [قال رجل من الشيعة للصادق: إن القدرية تقول لنا: إنكم كفار.\nقال: فقال له: اكتب: إن الله ﷿ لا يُطاع قهرًا.\nولا يعصى قهرًا، فإذا أراد الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت، فإن عذب فبحق، وإن عفا فبفضل].\nفهل جعفر الصادق يرضى عن الخميني وعصابته؟ لا يرضى عنهم، ونسبتهم إليه نسبة كذب وافتراء.\nألم تعلموا أن شاه إيران هذا ليس له في الشيعة ولا في السنة حظ ولا نصيب وفي الإسلام أصلًا، إلا حظًا يتسلى به كما يتسلى الملوك عادة بأهل العلم أو أهل الالتزام أو غير ذلك.\nقال: اليوم سأعرف هل الشيعة على الحق أم أهل السنة؟ وجمع (١١) من أهل السنة، و(١١) من الشيعة، يريد أن يلعب ويتسلى، ووضع مناظرة فيما بينهم، فقال رجل من أهل السنة -وهو زعيم الفريق- آمرًا لإخوانه: لا تقولوا شيئًا ولا تفعلوا إلا أن تصدروا عني -أي: لا تتكلموا حتى أتكلم أنا- فلما دخل على طاولة النقاش قام بوضع نعله تحت إبطه، فلما رأوه فعل هذا قاموا بتقليده ووضعوا نعالهم تحت آباطهم، فلما دخلوا وجلسوا وضع زعيم أهل السنة نعله أمامه على الطاولة، فوضع أتباعه من أهل السنة أحذيتهم على الطاولة، فتعجب شاه إيران كيف يكون هذا بحضرة الملك؟! فقال: ما الذي حملك على ذلك؟ قال: عندنا نص عن النبي ﵊ أن الشيعة كانوا على زمانه يسرقون النعال، فقام زعيم فريق الشيعة وقال: لم يكن الشيعة في عهد النبي ﷺ وانتهت المناظرة.\n[قال رجل من الشيعة للصادق: إن القدرية تقول لنا: إنكم كفار.\nقال: فقال له: اكتب: إن الله ﷿ لا يُطاع قهرًا كما أنه لا يُعصى قهرًا، فإذا أراد الطاعة كانت -أي: كانت من العباد ووقعت منهم- وإذا أراد المعصية -إرادة كونية قدرية- كانت، فإن عذب فبحق، وإن عفا فبفضله ﷾].","vol":"40","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-812>قول زيد بن علي ﵀ في إثبات القدر</span>\n[جاء رجل إلى زيد بن علي فقال: يا زيد! أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يُعصى؟ فقال له زيد: أيُعصى عنوة؟ قال: فاقبل يحظر].","vol":"40","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>قول ربيعة الرأي ﵀ في إثبات القدر</span>\nقال: [قال غيلان الدمشقي -قدري- لـ ربيعة: يا أبا عثمان! أيرضى الله ﷿ أن يُعصى؟ فقال له ربيعة: أفيعصى قسرًا؟] أي: هل يمكن أن يعصى الله رغمًا عنه وقسرًا عنه ﷾؟ فهذا لا يمكن.\n[قال: ولا أعلمه إلا قال: يا أبا مروان].","vol":"40","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-814>قول سالم بن عبد الله بن عمر ﵀ في إثبات القدر</span>\nسأل رجل سالم بن عبد الله بن عمر فقال: [أيزني الرجل بقدر؟ قال: نعم.\nقال: أشيء كتبه الله عليه؟ قال: نعم.\nقال: فيعذبه عليه وقد كتبه عليه؟ قال: فحصبه] بحصى كانت في يده.\nوقال النبي ﵊ في خطبته التي كان يكررها دائمًا: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) أي: أن الهداية والإضلال بيد الله ﷿.","vol":"40","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>قول محمد بن سيرين ﵀ في إثبات القدر</span>\nقال: [قال يحيى بن عتيق: كنا في بيت محمد بن سيرين أنا وسالم بن قتيبة.\nفقال سالم: لوددنا أنا علمنا ما قول محمد بن سيرين في القدر؟ قال: فدخل رجل فقلنا: سله ما يقول في القدر.\nفسأله الرجل قال: فنكس محمد ونكسنا مطرقين -أي: أنه سكت وسكتنا؛ لأن الخوض في القدر مصيبة- ثم إن محمدًا قال: أيهم أمرك بها؟ ثم سكت ساعة ثم قال: إن الشيطان ليس له سلطان، ولكن من أطاعه أضله].","vol":"40","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>قول طاوس بن كيسان ﵀ في معبد الجهني</span>\nقال طاوس لأصحابه: [احذروا معبد الجهني فإنه قدري أو قال: فإنه كان قدريًا].","vol":"40","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>قول أبي قلابة ﵀ في إثبات القدر</span>\nقال أبو قلابة لـ أيوب: [يا أيوب! اضبط عني أربعًا -أي: احفظ عني أربع مسائل- لا تقولن في القرآن برأيك -لأن هذا محذور شرعي- وإياك والقدر -أي: أن تتكلم فيه- وإذا ذُكر أصحاب محمد فأمسك].\nوأنتم تعلمون أن الشيعة وقعوا في جُل أصحاب النبي ﵊، بل لم ينج من ألسنتهم إلا نفر قليل من أصحابه ﵊، والنبي ﵊ فيما رواه الشيخان يقول: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) أي: أقل من النصف.\nقال: [وإذا ذُكر أصحاب محمد فأمسك، ولا تمكن أصحاب الأهواء سمعك فيغيروا قلبك].\nأي: احذر أن تجتمع بصاحب بدعة.\nفهؤلاء الأئمة في الأزمنة السابقة كانوا يفرون من أصحاب البدع فرارهم من الأسد مع أنهم أئمة وكانت بإمكانهم مناظرتهم، فالحجة بأيديهم يقيمونها عليهم، ولكنهم ما فعلوا ذلك إلا ليقتدي بهم من يأتي بعدهم، فليس لك أن تقول: أنا من أهل العلم المجتهدين، وسأذهب لأناقش أصحاب التكفير والهجرة، ثم ما إن ترجع من مناقشتك معهم إلا وقد أخذت عنهم الكثير، ثم تقول بأنهم على حق، فهذا ليس ميدانك.\nنكتفي بهذا، وصلى الله على محمد، وآله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"40","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>الأسئلة</span>","vol":"40","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>حكم تعليم الرجال للطالبات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  بمناسبة الإجازة الصيفية للطلبة والطالبات يسأل كثير من الإخوة في أحد المساجد عن مدى مشروعية تحفيظهم للتلميذات داخل المسجد مع تعليمهن بعض آداب الإسلام، علمًا بأن كثيرًا من أبناء وبنات المسلمين لا يعلمون عن الإسلام شيئًا، ولو تركناهم وخلينا بيننا وبينهم لزاد فسادهم وفسادهن، وبالتالي يزداد إفسادهن للغير، مع العلم بعدم وجود أخوات يقمن بتحفيظهن وتعليمهن، فإن جاز قيام الإخوة بهذه المهمة، فما هي الاحتياطات اللازم اتخاذها، وإن لم يجز فيتساءلون: ألم يكن النبي ﵊ يعلم النساء ويخص لهن يومًا يذهب إليهن فيه.\nنرجو توضيح المسألة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الحقيقة تعليم البنات كتاب الله ﷿ وسنة النبي ﵊ أمر لازم لا يختلف فيه أحد، ولكن ما هي الضرورة إلى أن يتصدر إلى تعليم البنات رجل؟ خاصة وقد أثبت الواقع مفاسد لا نهاية لها، فإذا أرادت البنت أن تتعلم أو أراد والدها أن يعلمها فليأت لها بصاحبة مثلها تتعلم القرآن، وإذا كانت المسائل هذه في نطاق هذه المنطقة فأنا أدل الآباء والأمهات على إرسال أولادهن من الذكور والبنات إلى مسجد نور الإسلام، إذ يقوم على هذا الملتقى العلمي في الصيف إخوة أفاضل جدًا فيما يتعلق بتعليم الأولاد القرآن والآداب الإسلامية، وكذلك أخوات هنَّ نقابة قد أُجيزت، فالنقابات التي هناك حافظات خاتمات للقرآن الكريم، حاصلات على إجازة في رواية القرآن الكريم، وهن صاحبات دين كذلك ولا أزكي على الله أحدًا.\nفأيهما يزيدك اطمئنانًا: أن تدفع بابنتك إلى شاب مراهق ربما يتسلط عليه الشيطان، أو إلى امرأة مثلها؟ إنما حينما تحتج بحديث النبي ﵊ أنه جعل للنساء يومًا يعلمهن فيه! فهذا الحديث صحيح في البخاري في كتاب العلم، ولكن الزمان قد اختلف، والقلوب قد اختلفت والواقع يشهد بذلك.\nكما أنه لم يكن بين النساء وبين الرجال سترة في مسجد النبي ﵊ في الصلاة، والسترة مشروعة، لكنها لم تكن في زمانه لغلبة الإيمان، وحرص كل رجل على أن يتقرب بتقوى الله ﷿ إليه، وأن يتقيه من النار.\nفليس لك أن تحتج على جواز أن تتكشف المرأة أمام الرجل، كما هو منهج بعض المساجد أو بعض الجمعيات وتقول: لا دليل على وجوب السترة بين الرجال والنساء، أو بين المعلم والمتعلم حتى وإن كان المعلم رجلًا والمتعلم أنثى! نقول: هناك أدلة، منها أن الله تعالى أمرنا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] وغير ذلك من الأدلة، لكن على فرض أن المسألة ليس فيها دليل فالواقع يشهد بلزوم الساتر والحاجز بين المرأة وبين الرجل، فإننا الآن نسمع عن مصائب لم تكن من قبل، فإنه لم يكن من أحوال القرون الأولى أنه كان رجل يقابل امرأة في الطريق فيجامعها، بل على السيارات، وهل نسيتم ما يحصل في داخل السيارات من اختلاط النساء بالرجال؟","vol":"40","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>التداوي من الأمراض أمر مشروع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل التداوي من الأمراض -كما في الحديث- بالأسباب البشرية فقط أم بالأسباب الطبيعية الإلهية أي: الدعاء والعسل وغير هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بالأمرين.","vol":"40","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>كتابة الأشياء عن المولود وهو في بطن أمه قابلة للمحو والإثبات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الحديث الذي فيه أن الملك يؤمر بكتابة أربعة أشياء عن المولود، هل هذه الكتابة قابلة للمحو والإثبات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nقابلة للمحو والإثبات؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] وأم الكتاب: هو الكتاب المحفوظ، وهو لا يقبل محوًا ولا إثباتًا بعد الذي أُثبت فيه، أما الذي يقبل المحو والإثبات كما في الآية: «يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ» في الكتب التي بأيدي الملائكة.\nفإنه كما في الحديث: (صلة الرحم تزيد في العمر)، أو (البر يزيد في العمر)، مع أن العمر هو الأجل، وإذا كان الأجل مكتوبًا على نحو واحد لا يتبدل ولا يتغير، فليس لهذا الحديث معنى إلا معنى قد قاله بعض أهل العلم: أن ذلك متعلق ببركة العمر.\nلكن هناك تأويل آخر لهذا الحديث وهو: أن الله ﵎ علم أنه سيعطي ويمنح عبده هذا خمسين عامًا، وأخفى ذلك على ملك الأرحام فقال: اكتبه إن كان يصل الرحم فيعيش خمسين عامًا، وإن كان قاطعًا فيعيش ثلاثين عامًا.\nفهل الملك هنا يعلم يقينًا أن هذا العبد سيعيش ثلاثين أم خمسين؟ الذي يعلم ذلك هو الله، فلما علم الله تعالى أن هذا العبد سيكون واصلًا للرحم كتبه في اللوح المحفوظ الذي لا يعلمه أحد غيره أن العبد سيعيش خمسين عامًا، ولكن ملك الأرحام إنما يكتب أن عمر العبد سيتردد ما بين الثلاثين إلى الخمسين، على حسب صلته للرحم أو قطعه لها، ولا يعلم ذلك يقينًا بالتحديد، فإذا بالعبد يكون واصلًا للرحم، فيمحى العمر الأول (٣٠) سنة، ويثبت له عمر (٥٠) سنة.\nوهذا تأويل ابن القيم -وينقله عن كثير من أهل العلم- في كتابه الداء والدواء.","vol":"40","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>حكم خلط الثمار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الحكم في خلط الثمار كالكوكتيل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النبي ﵊ نهى عن الخليطين أو عن الثمرتين أن ينبذا جميعًا، فنهى كما في البخاري ومسلم عن خلط التمر بالبسر، وعن خلط التمر بالجنيب، والجنيب بالبسر، وأهل العلم اختلفوا في هذا فقالوا: النهي للتحريم، والجمهور: على أن النهي للكراهة، والراجح أنه للتحريم.\nثم ذكروا مسألة أخرى: هل الحرمة والكراهة متعلقتان بالمذكور نصًا؟ أي: أنها متعلقتان بأصناف الثمار المذكورة في الحديث؟ الظاهرية وبعض الحنابلة قالوا: بالمذكور نصًا، وجمهور أهل العلم على أن ذلك عام في كل الثمرتين.\nأي: حينما تضع فراولة وموز وتنقعهم في الماء فهذا خلط قد نهى عنه الشرع.\nوفي رواية المختار بن فلفل عن أنس ﵁ في سنن النسائي: (أن النبي ﷺ نهى عن الخليطين).\nوهذا حديث عام يعم الثمار كلها؛ ولذلك ذهب أهل العلم في الكوكتيل إلى مذهبين: الحرمة والكراهة إذا كان ذلك نقعًا؛ لأن الانتباذ هو النقع.","vol":"40","page":34},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-823> أقوال الصحابة في إثبات القدر [٢]</span>\nكثر السؤال عن القدر في زمن الصحابة، وكثر جوابهم عن هذه الأسئلة، حتى إنك لا تكاد تجد صحابيًا لم ينبه على مسألة القدر، ويوضح الأمر فيها لمن جاء بعدهم من الأمة، وما ذاك إلا لخطر الانحراف في هذا الباب، وكل من جاء بعد الصحابة والتابعين هم عيال عليهم ويسعه ما وسعهم فيه.","vol":"41","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>أقوال الصحابة رضوان الله عليهم في إثبات القدر</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.\nصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nتكلمنا عن القدر وسقنا الآيات ثم الأحاديث التي تدل على أن السلف كانوا يثبتون القدر، وأن من نفى القدر إنما أتى ببدعة في الإسلام.\nويبقى أن نتكلم وأن نسرد أقاويل الصحابة ﵃ في إثبات القدر.\nفروي في إثبات القدر عن أبي بكر وعمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة والتابعين.","vol":"41","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>أقوال الخلفاء الراشدين الأربعة في إثبات القدر</span>\nفهذا أبو بكر الصديق ﵁ أتاه رجل فقال أبو بكر: خلق الله الخلق فكانوا في قبضته فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام.\nحينما خلق الله ﷿ الخلق قسمهم إلى قسمين: فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال لمن في يده الأخرى -وهي اليمين أيضًا؛ لأن كلتا يديه يمين-: ادخلوا النار ولا أبالي.\nقال: فذهبت إلى يوم القيامة.\nأي: ذهبت كل طائفة منهما إلى يوم القيامة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن نافع عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ -يسأله عن وقوع المعاصي هل تقع بقدر، أي: هل الله ﷿ قدرها؟ - قال: نعم].\nأبو بكر قال: الزنا يقع بقدر، ولعلكم تذكرون أننا حينما تكلمنا عن القدر قلنا: هناك مشيئة كونية ومشيئة شرعية، أو قدر شرعي وقدر كوني، ولا يلزم في القدر الكوني محبة الله ﷿، وإنما يلزم في القدر الشرعي، فكل ما في الكون يقع بقدر الله ﷿ من خير وشر، بمعنى: أن الله تعالى أذن في وقوعه وقدره.\nفقال الرجل لـ أبي بكر: أرأيت الزنا بقدر؟ قال أبو بكر: نعم.\nقال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني؟ فهذا فهم القدر بمعنى: أن الله تعالى جبره على ذلك.\nقال: [فإن الله قدره علي ثم يعذبني؟ قال أبو بكر: نعم.\nيا ابن الخنا! -أي: يا ابن الفحش- أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك].\nأي: لو كان عندي الآن من آمره أن يجأ أنفك وأن يضربه لفعلت.\nقال: [وهذا عمر ﵁ قال: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني]، أي: إن كنت قدرت علي الشقاء فامحه عني واجعلني في السعداء، وهذا يثبت أن عمر إنما كان يؤمن أن الخير والشر بيد الله ﷿، وأن الله تعالى كتب وقدر الخلائق إلى قسمين فجعل أحدهما في النار والآخر في الجنة، فلما خفي هذا عن عمر ﵁ وفي أي القسمين هو ناجى الله ﷿ بقوله: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا -أي: قدرت علي الشقاء- فسامحني واكتبني في السعداء.\nقال: [وقال أبو عثمان النهدي: سمعت عمر بن الخطاب وهو يطوف بالبيت قال: اللهم إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في الشقوة -أي: في فريق الشقاء- فامحني منها وأثبتني في السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب].\nوالمحو والإثبات في الصحف التي بيد الملائكة، أما أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ فلا محو فيه ألبتة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩] فالمحو والإثبات بيد الملائكة ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] الذي ليس فيه محو ولا إثبات بعد الذي أُثبت فيه.\nقال: [وعن ابن أبزى قال: أتي عمر فقيل له: إن ناسًا يتكلمون في القدر فقام خطيبًا فقال: يا أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم في القدر، والذي نفس عمر بيده لا أسمع برجلين تكلما فيه إلا ضربت أعناقهما].\nحينما بلغ عمر أن رجلًا تكلم في القدر بمعنى أنكره أو أنكر علم الله ﷿، وأن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها قال: والله لا يأتيني أحد يتكلم في القدر إلا ضربت عنقه.\nوهكذا مهمة الأمراء والولاة والخلفاء: الحفاظ على الدين أولًا، وعلى عقيدة الناس بعد ذلك.\nقال: [فأحجم الناس فما تكلم فيه أحد حتى ظهرت نابغة الشام]، أي: حتى ظهر من يتكلم في ذلك بالشام.\nقال: [وهذا علي بن أبي طالب ﵁ خطب في الناس يومًا فقال: ما يمنعه أن يقوم فيخضب هذا من هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! أما إذ عرفته فأرنا نبير عترته.\nفقال: أنشدكم الله ألا يقتل بي غير قاتلي.\nقالوا: فأوصنا.\nقال: أكلكم إلى ما وكلكم الله ورسوله إليه.\nقالوا: فما تقول لربك إذا قدمت عليه؟ قال: أقول: كنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم حتى توفيتني، وهم عبادك إن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم].\nوالشاهد قوله: إن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم، يدل على أن الصلاح والفساد بيد الله ﷿.\nقال: [وهذا عبد الله بن سبع يقول: إن عليًا خطبهم بهذه الخطبة.\nوقال عبد الله بن الحارث: سمعت عليًا يقول: ليأتين على الناس زمان يُكذبون فيه بالقدر، تجيء المرأة سوقًا أو حاجتها، فترجع إلى منزلها وقد مُسخ زوجها بتكذيبه القدر].\nأي: أن المرأة تترك بيتها وتذهب إلى السوق وزوجها يتكلم في القدر، والمعلوم أن الواحد يقضي حاجته بأسرع وقت في السوق؛ لأنها شر البقاع، فإذا انقلبت المرأة بعد قضاء حاجتها من السوق إلى بيتها وقد اشترت حاجاتها تجد أن زوجها الذي تركته زوجًا ورجلًا قد مُسخ قردًا أو خنزيرًا؛ لماذا؟ لأنه يتكلم في القدر.\nقال: [وعن علي بن أبي طالب قال: إن القدر","vol":"41","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>قول عبد الله بن مسعود في إثبات القدر</span>\nقال: [عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره].\nوالشاهد هنا في قوله: (فإن الشقي من شقي في بطن أمه) أي: أن الله ﵎ كتبه من الأشقياء قبل أن يولد، فمن قال: إن هذا ظلم؛ كفر؛ لأنه يقصد أن الذي ظلمه هو الله، والله ﵎ لا يظلم الناس شيئًا، فما بال الله ﷿ كتبه وهو في بطن أمه من الأشقياء؟ وأنتم تعلمون حديث عبد الله بن مسعود: (ويؤمر الملك بكتب أربع: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) وهذا يكون بعد تكوين الجنين بأربعين يومًا، وقيل: بمائة وعشرين يومًا، والراجح: أن الروح تنفخ بعد الأربعين لا بعد المائة والعشرين، والمسألة محل خلاف بين أهل العلم.\nوالذي يترجح لدي: أنها تنفخ بعد الأربعين؛ ولذلك لا يجوز الإجهاض بعد الأربعين حتى وإن ماتت المرأة، أما إذا كانت هناك علة وعذر شرعي للإجهاض قبل الأربعين فبها ونعمت، وإن لم يكن هناك عذر حرم الإجهاض أيضًا.\nقال: (والشقي من شقي في بطن أمه) أي: يختار طريق الشقاء فيكتبه الله عليه حينئذ؛ لأن الله ﵎ علم ما كان وما سيكون إلى قيام الساعة، وما بعد ذلك وما قبل ذلك، فعلم الله ﷿ أن هذا العبد قبل أن يكون جنينًا حينما خلقه من ظهر أبيه آدم، أنه سيختار طريق الشقاء رغم إرسال الله ﷿ للرسل، وإنزاله الكتب، وتسخيره العقل السليم لهذا الرجل الذي يميز به بين الحق والباطل، ومع هذا يختار هذا الشقي طريق الشقاء.\nفإذا كان الأمر كذلك فما الضرر بعد ذلك أن يكتبه الله ﵎ من الأشقياء؟ قال: [وعن عبد الله بن مسعود قال: لأن أعض على جمرة وأقبض عليها حتى تبرد في يدي، أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله ليته لم يكن].\nأي: لا يعترض على قضاء الله وقدره.\nقال: [ويقول الحارث: سمعت ابن مسعود يقول وهو يدخل إصبعه في فيه: لا والله لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر، ويُقر ويعلم أنه ميت مُخرج، وأنه مبعوث من بعد الموت وكل هذا بقدر.\nوقال ابن مسعود: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له نظر الله من فوق سبع سماوات فيقول للملائكة: اصرفوا عنه.\nفإني إن يسرته له أدخلته النار].\nأرأيتم رحمة الله؟ أي: أن المرء يحب أن يفعل شيئًا، وربما يستخير الله ﷿ على فعل هذا الشيء، لكنه قبل أن يستخير يتمنى أن لو يُسر له هذا الأمر، إذًا: الاستخارة هذه ضعيفة جدًا، والدعاء فيها يكاد يكون ميتًا؛ لأنه قد عقد قلبه على محبة هذا الشيء وحب الحصول عليه، فـ عبد الله بن مسعود يقول: وإن هذا العبد ليهم بفعل الأمر ويهواه ويشتهيه ولو أن الله تعالى يسره له لكان فيه هلكته، ولكن الله تعالى يصرفه.\nفكم من رجل كان صاحب خلق ودين، فلما عمل بالتجارة فسدت أخلاقه وضاع دينه، وكم من رجل لما تأمر وتسلط وترأس نسي دينه تمامًا، فبسبب معاصيه وانهماكه في معصية الله ﷿ يدخله الله ﵎ النار، ولو أن الله صرف عنه التجارة من الأول لكان في ذلك النجاة كل النجاة، ولكن العبد إنما يحب ما يراه هو خيرًا لا ما يراه الله ﷿؛ ولذلك شرع الله تعالى الاستخارة: (إذا هم أحدكم بالأمر -أي: إذا أراد أن يفعل شيئًا- فليركع ركعتين من غير الفريضة -أي نافلة- ثم ليقل: اللهم إني أسألك بعلمك -أي بعلمك السابق الأزلي الذي تعلم به الخير والشر- وأستقدرك بقدرتك وأستخيرك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم -وهذا من الأدب- اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -الذي يريد أن يقدم عليه- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أي: في الآخرة- آجله وعاجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري آجله وعاجله فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم اقدر لي الخير حيث كان) فكأن العبد يرتمي بكليته في بحر علم الله ﷿ وبحر كرمه وفضله: يا رب اختر لي فأنا لا أعلم شيئًا.","vol":"41","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>قول عبد الرحمن بن عوف في إثبات القدر</span>\nقال: [وهذا عبد الرحمن بن عوف ﵁ مرض مرضًا شديدًا أُغمي عليه فأفاق فقال: أُعمي علي؟ قالوا: نعم.\nقال: إنه أتاني رجلان غليظان، فأخذا بيدي فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين.\nفانطلقا بي فلقيهما رجل قال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين، فقال: دعاه -أي: اتركاه- فإن هذا ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه].","vol":"41","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-828>قول عبد الله بن عباس في إثبات القدر</span>\nقال: [يقول طاووس -تلميذ ابن عباس -: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: العجز والكيس بقدر].\nأي: النشاط والقدرة والقوة وكذلك الضعف والخوف كل ذلك بقدر الله ﷿.\nقال: [وعن ابن عباس قال: لو أخذت رجلًا من هؤلاء الذين يقولون: لا قدر لأخذت برأسه وقلت: لولا ولولا.\nوقيل لـ ابن عباس: إن ناسًا يقولون في القدر -أي: أنهم يتكلمون في القدر ويقولون: لا قدر- وأن الأمر أنف، أي: أن الله تعالى لا يعلم الأمر إلا بعد وقوعه].\nونحن نعلم أن الإنسان لا يعلم الأشياء المستقبلية التي غابت عنه أو غابت عنه أسبابها حتى تقع؛ ولذلك لو حدث شيء الآن لقلنا: سبحان الله! كيف حدث؟ لم يكن عندنا علم ولا أسباب سبقته ولا غير ذلك، فالذي علم ذلك في الأزل هو الله ﷿، فهناك أناس يتكلمون في القدر ويقولون: إن الأمر أُنف، أي: أن الله تعالى لا يعلم ما سيكون.\nوهذا فيه تسوية للخالق بالمخلوق ﷾.\nقال: [قيل لـ ابن عباس: إن ناسًا يقولون في القدر، قال: يكذبون بالكتاب؟ -أي: يكذبون بالكتاب الذي أثبت العلم الأزلي لله ﷿؟ - لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه -أي: لأقطعنه- إن الله ﷿ كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا فخلق القلم -أول المخلوقات- فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة].\nفالذي أمر بأن يكتب كل شيء كائن إلى يوم القيامة عالم أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  عالم ﷾.\nقال: [فإنما يجري الناس على أمر قد فُرغ منه].\nأي: أن الذي يفعله الناس اليوم مقدر في الأزل، وأن الله تعالى علمه من عباده وخلقه؛ فقدره عليهم وكتبه عليهم، هذا من أهل السعادة وذاك من أهل الشقاء.\nقال: [وقال ابن عباس: القدر نظام التوحيد]، أي هو سلوك الموحدين وطريقهم؛ لأن من كفر بالقدر فقد كفر بالتوحيد وكفر بالله ﷿؛ ولذلك أفردته النصوص بإلزام الإيمان به، فلما سأل جبريل النبي ﵊: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) فلم يعطف القدر على بقية أركان الإيمان وإنما أفرده (قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله) ولم يقل: وأن تؤمن بالملائكة، وأن تؤمن بالرسل، وإنما قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر) فعطف هؤلاء جميعًا على قوله: (أن تؤمن) ثم أفرد القدر.\nقال: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره)، فلا يصح إسلام العبد ولا إيمانه إلا إذا آمن بالقدر خيره وشره، وأن القدر خيره وشره من عند الله ﷿، ولكن الله تعالى أراد من عباده الخير وكلفهم به وألزمهم بإتيانه وأثابهم عليه، وأن الشر يقع في الكون بإرادة الله وإذنه مع أن الله قد نهى عنه، وغضب وسخط على من يأتي الشر أو المعصية، لكن هذا لا يُفهم منه أن الخير من الله وأن الشر من الناس.\nفيكون الشر من خلق الله ﷿، ومعنى (من خلقه) أي: أن الله تعالى أذن في وجوده ووقوعه في الكون، وإلا لو أراد رجل أن يزني فقال: أنا أزني رغمًا عن الله ﷿.\nهل يستطيع ذلك؟ أبدًا لا يستطيع، إذا كان الله لم يقدر هذا الزنا؛ لأن الزنا لا يقع إلا إذا أذن الله تعالى به، وإن كان الله تعالى حرمه فما قصة وقوعه بقدر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لأنه لا شيء يقع في كون الله إلا إذا أمر الله تعالى به أو إذا قدره وأراده إرادة كونية قدرية لا إرادة شرعية دينية.\nفالإرادة الشرعية الدينية مبناها على المحبة والرضا كما اتفقنا، فإن الذي يصلي فيقوم ويركع ويسجد ويجلس ويسلم يمنة ويسرة كل ذلك بقدر، والله تعالى يحب ذلك؛ لأنه خير والله تعالى أمر به، والذي يخطو خطوات لأجل السطو على أموال الغير أو قطع الطريق أو الزنا أو شرب الخمر أو غير ذلك، هل يستطيع عبد أن ينقل قدمًا وأن يحط أخرى إلا بقدر، فإن الذي يمشي إلى الصلاة يمشي بقدر، وإن الذي يمشي إلى السرقة يمشي كذلك بقدر، ولكن الله تعالى يحب المشي إلى الصلاة ويبغض المشي إلى السرقة والكل بقدر الله ﷿، فإن الله تعالى قدر المشي إلى الصلاة وأمر به وأذن في وقوعه في كونه وأثاب فاعله على ذلك؛ لأنه أطاع الأمر، وفي المقابل الذي يخطو هذه الخطوات للسرقة الله تعالى أذن له وقدر له هذه الخطوات، مع أن الله تعالى أفرغ عذر هذا الرجل بأن أرسل له الرسل وأنزل عليهم الكتب، وبلغته الدعوة، وحذره وبين له أن هذا شر بناء على العقل السليم الذي ركبه في رأسه، وإلا لو زنى مجنون هل يؤاخذ؟ ولو سرق مجنون هل يؤاخذ؟ لو شرب الخمر مجنون هل يؤاخذ؟ لا، ولكن الله تعالى جعل العقل مناط التكليف.\nولذلك لو أتيناك بطريقين أحدهما قد امتلأ شوكًا، والآخر قد امتلأ وردًا وقلنا: اسلك أحد الطريقين وكلاهما يبلغ إلى المكان الفلاني أو الغرض الفلاني، فأي الطريقين تسلك أنت؟ الجواب: طريق الورد، فلو سألناك: لِم سلكت هذا الطريق وتركت الثاني؟ لقلت: إن هذا ممهد موطأ معبد، وإن هذا قد امتلأ شوكًا.\nفالذي جعلك تميز بعقلك السليم بين هذا وذاك يجع","vol":"41","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>قول ابن عمر في إثبات القدر</span>\nقال: [وعن يحيى بن يعمر قال: قلت لـ ابن عمر: إنا نسافر فنلقى قومًا يقولون: لا قدر.\nقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء وهم منه براء ثلاث مرات].\nفالعلماء حملوا براءة ابن عمر من القدرية على الكفر، ونحن قلنا: إن القدر هذا أربع مراتب: المرتبة الأولى: مرتبة العلم.\nالمرتبة الثانية: مرتبة الكتابة.\nالمرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة.\nالمرتبة الرابعة: مرتبة الخلق.\nمرتبة العلم: أن الله تعالى علم كل شيء يفعله العباد من خير وشر، فقدره عليه بعد أن أفرغ حجته.\nثم حينما علم الله ﷿ كل شيء كان خلق القلم، وأمره بأن يكتب كل شيء سيكون إلى يوم القيامة.\nوهاتان المرتبتان منكرهما وجاحدهما كافر خارج عن ملة الإسلام، والذي كان يقول: لا قدر في البصرة وهو معبد الجهني في زمن عبد الله بن عمر كان ينكر علم الله السابق وينكر الكتابة.\nفالذي ينكر هاتين المرتبتين والمنزلتين كافر خارج عن ملة الإسلام.\nأما المرتبة الثالثة وهي مرتبة المشيئة، والمرتبة الرابعة مرتبة خلق أفعال العباد خيرها وشرها فإن النزاع قائم بين أهل العلم في كفر من قال بغير ذلك أو عداه.\nقال ابن عمر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء وهم منه براء ثلاث مرات.","vol":"41","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>أقوال أبي بن كعب وابن مسعود وحذيفة وزيد بن ثابت في إثبات القدر</span>\nوالكلام في القدر من جهة الصحابة ثابت عن أبي بن كعب وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان وغيرهم.\nقال: [قال ابن الديلمي: أتيت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر! إنه وقع في قلبي شيء من هذا القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه عني].\nأي: أن ابن الديلمي ذهب لـ أبي بن كعب ليستنجد به، وأنتم تعلمون أن أبي بن كعب من كبار أصحاب النبي ﵊، ومن الحفاظ المتقنين المتثبتين.\nفهو يقول له: دخل في نفسي شيء من القدر فأرجو أن تتكلم حتى يزول عني؛ لأنه يعلم أنه باطل ولكن ربما دخلته الشبهة.\nقال: [فقال أُبي: إن الله ﷿ لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم].\nوأهل السماوات هم الملائكة، وهؤلاء الملائكة جبلوا وخلقوا وكتبوا على الطاعة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] أي: أن المعصية لا تأتي من جهتهم قط، فعلام يُعذبون؟ ولكن لو أن الله عذبهم هل يكون ظالمًا لهم؟ قال: [إن الله ﷿ لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير ذلك دخلت النار].\nقال ابن الديلمي: ثم أتيت ابن مسعود فحدثني بمثل ذلك، ثم أتيت حذيفة فحدثني بمثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني بمثل ذلك.\nفهؤلاء الصحابة قد تكلموا في القدر هنا بكلام جميل جدًا وممتع للغاية، ثم نجد أن مسائل القدر حاكت في صدور التابعين ومن بعدهم أيما حياكة، فكان من شأن علماء التابعين ومن بعدهم أنهم كفوا عن الكلام في القدر، وكان يوصي بعضهم البعض فيقولون: إذا ذُكر القدر فأمسكوا، وإذا ذُكر أصحاب محمد ﷺورضي الله عنهم- فأمسكوا، فكانت هناك مسائل إذا ذُكرت لا يتكلم فيها أحد لا عن جهل، وإنما يرون أن ذلك باب عظيم للفتنة، فقلة الكلام فيه أولى من التصدي له.","vol":"41","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>أقوال الحسن بن علي وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو وأبي الدرداء في إثبات القدر</span>\nقال: [وعن الحسن بن علي قال: قضى الله القضاء وجف القلم وأمور بقضاء في كتاب قد خلا].\nأي أن الله ﵎ قدر الأقدار وقضى القضايا قبل أن يخلق السماوات والأرض، فكتب ذلك في كتاب لا يقبل المحو ولا الإثبات.\nقال: [وعن عمرو بن العاص قال: انتهى عجبي إلى ثلاث -أي عجبت عجبًا شديدًا من ثلاث-: المرء يفر من القدر وهو لاقيه، ويرى في أعين أخيه القذى فيعيبها ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها].\nوهذا مصداق قوله ﵊: (يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه).\nأي: أن أحدنا يرى من أخيه أدق العيوب وهو عنده أعظم العيوب فلا يراها (يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه).\nقال: [ويكون في دابته الصعر ويقومها جهده، ويكون في نفسه الصعر فلا يقومها.\nوعن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في حائط له بالطائف بالوهط، -وهذا اسم الحديقة والبستان الذي تركه عمرو بن العاص ﵁ لولده عبد الله - ومعه فتى من قريش يزن بشرب الخمر -أي: أنه يُعرف بأنه شارب خمر- فقلت له: بلغني عنك حديث: (أنه من شرب شربة خمر لم يقبل الله توبته أربعين صباحًا، وإن الشقي من شقي في بطن أمه).\nوعن أبي الدرداء قال: ذروة الإيمان أربع -أعلى مسائل الإيمان أربع-: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب ﵎].\nوالشاهد: (والرضا بالقدر).","vol":"41","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-832>قول سلمان الفارسي في إثبات القدر</span>\nقال: [وعن أبي الحجاج الأزدي قال: سألت سلمان الفارسي: ما هو الإيمان بالقدر؟ قال: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.\nوعن أبي نعامة السعدي قال: كنا عند أبي عثمان النهدي فحمدنا الله ودعونا فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره.\nفقال: ثبتك الله، كنا عند سلمان فحمدنا الله ودعوناه وذكرناه فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره.\nفقال سلمان: ثبتك الله.\nإن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارٍ إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة، فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير، ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر].\nفقوله هنا: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره، أي: إنني أؤمن إيمانًا جازمًا بما قدره الله ﷿ وقضاه علي أولًا، فأنا أفرح بما قدره الله ﷿ علي أولًا قبل أن يخلقني، وأن عملي وإن كان صالحًا ما هو إلا سبب لدخول الجنة.\nفهو يفرح بما قدره الله له، ولا يفرح بعمله؛ لأن الأعمال بالخواتيم.","vol":"41","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-833>أقوال جابر بن عبد الله وعائشة في إثبات القدر</span>\nقال: [وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر]، وأهل العلم يقولون: (لا) هنا نافية لأصل الإيمان: فقوله: (لا يؤمن) أي: لا يؤمن ألبتة عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره.\nقال: [وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.\nوعن عائشة قالت: إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار].\nأي: إن العبد ليعمل عمرًا طويلًا بعمل أهل الجنة وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار، وهذا ليس ظلمًا، وتفسره الرواية التي تقول: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)، ولكنه مراءٍ ومنافق بهذا العمل، فلا يعمله لله ﷿، وإنما يعمله لوجوه الناس، فهو عمل حابط وإن كان في ظاهره صالح إلا أنه عند الله لا يساوي شيئًا؛ لأنه لم يبتغ به وجهه، وأشرك فيه مع الله تعالى آخر؛ ولذلك يقول المولى ﵎ في الحديث القدسي: (من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، أنا أغنى الشركاء عن الشرك أنا أغنى الشركاء عن الشرك أنا أغنى الشركاء عن الشرك).","vol":"41","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-834>أقوال التابعين ﵏ في إثبات القدر</span>","vol":"41","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-835>أقوال سفيان الثوري وعمر بن عبد العزيز في إثبات القدر</span>\nقال: [وقال محمد بن كثير العبدي: سمعت سفيان الثوري يقول: إن الرجل ليعبد الأصنام وهو حبيب الله].\nوليس هو حبيب الله في وقت عبادته للصنم، وهذا معلوم بداهة، وإنما هو حبيب الله لأن الله ﵎ قدر أن هذا العبد سيتوب وسيعبد الله ﵎.\nفـ عمر ﵁ كُتب له في اللوح المحفوظ أنه من أهل السعادة قطعًا؛ لأن النبي قطع بذلك ﵊، وهذا عمر كان يعبد الأصنام، وحينما كان يعبد الأصنام سبق في علم الله ﷿ أنه يتوب وأنه يؤمن وأنه يعبد الله ﵎، بل يحارب الدنيا بأسرها لأجل عبادة الله، فهل كان مكتوبًا أولًا أنه من أعداء الله ثم تغير اللوح المحفوظ وأُثبت مكان هذه العداوة محبة، أم أنه كان مكتوبًا أولًا أنه سيكون من أحباب الله؟ بل حتى في اللحظة التي كان يعبد فيها الصنم كان مكتوبًا أنه سيكون من أهل السعادة ومن أهل محبة الله ﷿.\nفهذا معنى كلام سفيان الثوري حتى لا تستنكره: إن الرجل ليعبد الأصنام وهو حبيب الله.\nليس حبيب الله ﷿ لأنه يعبد الأصنام، وإنما هو حبيب الله باعتبار ما سيكون بعد التوبة.\nقال: [كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتابًا فكان فيما كُتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع فيها ما شاء من هدى وضلالة].\nيعني: يقلبها كيف يشاء كما في الحديث، يصنع فيها ما شاء من هدى وضلالة، إذًا: فالله ﵎ يصنع في القلوب الهدى والضلالة، وهنا (يصنع) بمعنى: يخلق.\nيخلق الهدى ويخلق الضلال.\nأليس الهدى فعلًا والضلال فعلًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nإذًا: الأفعال مخلوقة لله ﷿، بمعنى أن الله تعالى قدر وجودها، فكما قدر وجود الصلاة قدر وجود السرقة، لكن الصلاة هدى والسرقة ضلال، فحينما قدر الله ﷿ هذا وذاك معناه: أنه يملك خلق الهدى والضلال ﷾.","vol":"41","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-836>قول الحسن البصري في إثبات القدر</span>\nقال: [وعن نعيم العنبري -وكان من جلساء الحسن البصري - قال في قول الله ﷿: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢] قال الحسن: لوح من ذهب مكتوب فيها: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن آمن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله].\nهذا تفسير الحسن البصري ﵀ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢] ولكن هذا التفسير مردود؛ لأنه من علم الغيب، ولا يتكلم أحدٌ في الغيب إلا بخبر الصادق المصدوق ﷺ.\nقال: [وقال تمام بن نجيح: سمعت الحسن وقد أتاه رجل فأخذ بعنان دابته فقال: أيها الضال المضل حتى متى تضل الناس؟].\nواحد اعترض للإمام الحسن البصري وأخذ بلجام دابته وقال: أيها الضال المضل! فهو يوجه الكلام للحسن البصري فيقول له: أنت ضال مضل.\nثم قال له: إلى متى تضل الناس؟ قال: [قال: وما ذاك؟ قال: تزعم أن من قتل مظلومًا فقد قُتل في غير أجله؟ قال الحسن: فمن يأكل بقية رزقه يا لكع! خل الدابة.\nقتل في أجله].\nأي: اترك الدابة لقد قُتل في أجله وأنا ما قلت ذلك.\nقال: [فقال الرجل: والله ما أحب أن لي بما سمعت منك اليوم ما طلعت عليه الشمس].\nأي: أن أحب شيء إلي هو هذا الكلام الذي سمعته منك الآن.\nقال: [وقال أبو خلدة: سمعت الحسن يقول: الشقي من شقي في بطن أمه].\nأي: من كُتب عليه الشقاء وهو في بطن أمه.\nوهذا لا يردنا عن العمل الصالح، لأن الشبهة هذه دخلت على الصحابة أيضًا ﵃.\nأتى رجل إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! إن ما نحن فيه اليوم أمر قد فُرغ منه أم بعد؟) أي: أنه قد قُدر علينا وانتهى أم ليس مقدرًا بعد؟ فقال النبي ﷺ: (بل أمر قد فُرغ منه، فقال الرجل: ففيم العمل إذًا؟ فقال النبي ﷺ: اعملوا.\nفكل ميسر لما خُلق له) فأنت لا تعتمد على ما قُدر لك، فهل تعرف ما الذي قدره الله ﷿ لك؟ أتعرف إذا كنت من أهل الشقاء أم من أهل السعادة؟ فمن الطبيعي أنك تحرص أن تكون من أهل السعادة، والذي يحرص أن يكون من أهل السعادة يأتي الطاعات ويترك المنكرات، وهي أسباب السعادة، فإذا اجتهد المرء في ذلك ولم يوفق وارتكب النهي واقترف المعصية واكتسب الإثم والوزر فكل هذا سبب في الشقاء، فالطاعة بأسباب والمعصية والشقاء بأسباب، وهذه الأسباب مقدرة، والله ﵎ علمها من عبده فقدرها عليه، فحينما كان الواحد منا لا يعلم ما هو مكتوب له في اللوح المحفوظ وهل هو من أهل الشقاء أم من أهل السعادة، فطبيعي أنه سيحرص على أن يكون من أهل السعادة فيأتي أسباب السعادة، فإذا تنكب الطريق فقد أتى الأسباب التي تؤهله لدخول النار.\nقال: [وقال عاصم: سمعت الحسن يقول في مرضه الذي مات فيه: إن الله قدر أجلًا، وقدر معه مرضًا، وقدر معه معافاة، فمن كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن، ومن كذب بالقرآن فقد كذب بالحق.\nوقال الحسن: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام.\nثم قال: إن الله خلق خلقًا فخلقهم بقدر وقسم الآجال بقدر، وقسم أرزاقهم بقدر، والبلاء والعافية بقدر].\nأي أن كل شيء في الدنيا لا بد أن يكون بقدر حتى البصمة التي ذكرناها في يد علي بن أبي طالب أيضًا مكتوبة في اللوح المحفوظ.","vol":"41","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-837>قول مطرف بن عبد الله بن الشخير في إثبات القدر</span>\nقال: [وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: نظرت فإذا ابن آدم ملقي بين يدي الله ﷿ وبين يدي إبليس].\nفهو يريد أن يقول: ابن آدم هذا إما أن يكون بين يدي الله ﷿ فيطيعه، أو بين يدي إبليس فيطيعه.\nقال: [فإن شاء الله أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إبليس].\nوإن تركه الله -وهذا الترك بقدر- ذهب به إبليس.\nقال: [وقال مطرف: نظرت في هذا الأمر ممن كان؟ فإذا بدؤه من الله ﷿ وإذا تمامه على الله، ونظرت ما ملاكه فإذا ملاكه الدعاء].\nأي: أن المرء الذي يؤمن بأن القدر خيره وشره من عند الله وأنه إما أن يكون من أهل الشقاء أو من أهل السعادة، فإذا كان الأمر هكذا في معتقد العبد فينبغي أن يتضرع إلى الله ﷿ بالليل والنهار بالدعاء، حتى يصرف عنه ذلك البلاء إذا كان كتب له.","vol":"41","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-838>أقوال كعب الأحبار في إثبات القدر</span>\nقال: [وجاء قوم إلى كعب الأحبار فقالوا له: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟! -أي: كيف حالك يا أبا إسحاق؟ - قال: بخير.\nعبد أُخذ بذنبه، فإن قبضه إليه ربه إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، وإن عاقبه ينشئه نظيفًا].\nكأنه يقول لهم: الحمد لله أنا في عافية، إن أراد الله ﷿ أن يدخلني الجنة فهذا فضل منه ورحمة، وإن شاء أن يدخلني النار حتى أتطهر من ذنوبي ثم ينشئني في الجنة نظيفًا بعد ذلك فله ما يشاء ﷾.","vol":"41","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>قول محمد بن كعب القرظي في إثبات القدر</span>\nقال: [وعن محمد بن كعب القرظي قال: ما أنزلت هذه الآية إلا تعييرًا لأهل القدر، وهي قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩]].\nفهنا لفظ (كل) من ألفاظ العموم، فهو يشمل كل شيء؛ الأشياء العظيمة والحقيرة، ويشمل الصغيرة والكبيرة وغير ذلك.","vol":"41","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-840>قول علي بن الحسين في إثبات القدر</span>\nقال: [وعن علي بن الحسين أنه قال: إن أصحاب القدر حملوا مقدرة الله ﷿ على ضعف رأيهم.\nفقالوا لله: لِم؟].\nأي: أن أصحاب القدر يقولون: لِم فعل الله كذا، ولِم قدر كذا؟ ولا ينبغي أن يقال لله: لِم؟ ولا كيف؟ ولا ينبغي أن يقول أحد لله: لماذا أخذت أبي؟ لماذا أمت ابني؟ فهذا اعتراض على الله ﷿؛ ولذلك لا يجوز ولا ينبغي.\nوغير ذلك أيها الإخوة الكرام من أقوال سلفنا -﵃- الشيء الكثير التابعين وأتباعهم، بل ورد في كلام العرب من الشعر والنثر والنظم الشيء الكثير.\nفبقية الباب أدعه لقراءتكم؛ لأنه لا يزيد الأمر إلا وضوحًا، ليس فيه جديد عما ذكرناه.","vol":"41","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>الأسئلة</span>","vol":"41","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>التوبة تجب ما قبلها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كنت تاركًا للصلاة مدمنًا للخمر، ولكن الله عافاني من ترك الصلاة، وظللت مدة أصلي وأنا أشرب الخمر، وذات يوم أخطأت في الصلاة فعاهدت ربي ألا أشرب خمرًا إلى أن يقبضني الله ﷿، وتبت إليه ولم أرجع إلى هذه الكبيرة، ولكني قرأت حديث طينة الخبال: (عهد الله إلى شارب الخمر أن يسقيه من طينة الخبال)، وأنا ندمت على هذه الأيام، وعزمت على عدم العودة، فهل يعافيني ربي من هذا العقاب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nإذا كنت صادقًا في توبتك عازمًا على الاستمرار في الطاعة، فإن الله ﵎ قد فتح باب التوبة على مصراعيه: (وإن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) وإن العبد إذا أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا وبلغ السلطان وجب إقامة الحد، أما إذا لم يبلغ السلطان فليس عليك إلا أن تتوب بينك وبين الله ﷿، والله تعالى يتوب عليك كما وعد سبحانه، ووعد الله ﷿ لا يتخلف ولا يُخلف؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، أما وعيده فإن شاء أنفذه وإن شاء عفا ﷾.\nفالتوبة معروضة على العبد حتى يغرغر كما في الحديث: (إن الله يقبل التوبة من عبده ما لم يغرغر) أي: ما لم يبلغ حالة الاحتضار، فهذا الأخ الذي كان تاركًا للصلاة شاربًا للخمر، ما دام قد تاب من هاتين البليتين العظيمتين فهنيئًا له التوبة، وأسأل الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يثبتنا والسائل على الطاعة.","vol":"41","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>بيان ما يفعل من سرق مالًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كنت أعمل أجيرًا عند أحد الناس، وتجمع لي عنده مبلغ من المال، وماطل في دفعه إلى أن يئست منه، فسرقت منه شيئًا مقابل مالي الذي عنده، ثم اكتشفت بعد ذلك أن هذا الشيء الذي سرقته ملك لوالد زوجته، وكنت في هذه الفترة لم أصل بعد، وأنا أعرف صاحب هذا الشيء الذي سرقته منه، وكلما رأيته -بعد أن هداني الله للصلاة- ذكرت أنني سرقته، ولا أعلم ماذا أفعل؟ هل أرد هذا الشيء وهو صعب جدًا، أم أدفع إليه ثمنه بطريقة غير مباشرة، أم أنه لا شيء علي حيث أني كنت لا أصلي ولا أعرف شيئًا حينها، وشكر الله لكم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ولكم شكر الله.\nالسؤال صريح جدًا وجريء، ويحتاج إلى جرأة كذلك في المنتهى.\nفإذا كنت جريئًا في الأولى فينبغي أن تكون جريئًا في الثانية، وهذا الذي ذكرته استوعبه شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه (إغاثة اللهفان) في شرحه لحديث (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).\nفقوله: (أد الأمانة إلى من ائتمنك) أمر، وقوله: (ولا تخن من خانك) نهي، فهذا الرجل الذي عملت عنده أجيرًا فماطل في دفع مالك أو أكل حقك أو غير ذلك لا يسمح لك أن تسرقه، وأنت في سؤالك قد سميت فعلك سرقة، والسرقة حرام بالكتاب والسنة والإجماع، فحينما سميته سرقة كان ينبغي أن تعطي لنفسك الجواب؛ لأن السرقة ليست بأمر مشروع، بل هي أمر محرم، فهنا يجب عليك -خاصة بعد أن علمت أن هذا المال الذي سرقته ليس مال الرجل الذي ماطل في دفع الحق، وإنما هو مال غيره الغير مكلف بدفع هذا المال إليك- وجوبًا شرعيًا أن تتخلص من هذا المال برده إلى صاحبه ما دام معلومًا فهو أولى به، ولا بد من رده إليه، وأنت تعلم أن من شروط التوبة رد المظالم إذا كانت بين العباد، فينبغي رد المظالم إلى أصحابها، وهو شرط في قبول التوبة الصحيحة، فهذا السائل يجب عليه أن يدفع هذا المال إلى صاحبه بأي طريقة كانت، ولا بأس أن يتحرى طريقة ليس فيها مفسدة أعظم، ولكن لا يسولن له الشيطان أن يتصدق بها عنه؛ لأنه بالإمكان إيصال هذه الأموال إلى أصحابها، أما التصدق عنه فهذا شيء يمكن عند خفاء صاحب الحق أو ذهابه وعدم عودته، أو أن يكون الأمر يتوقع منه مفسدة أعظم كمن زنى بامرأة الجار، وتاب إلى الله ﷿، وأراد أن يستسمح صاحب المعصية التي وقع فيها، فهل يتصور أنه يذهب إليه ويقول: سامحني! فأنا قد زنيت بامرأتك في اليوم الفلاني؟! فإذا كانت هناك مفسدة أعظم فما عليه إلا أن يستغفر ويتوب إلى الله ﷿، ويكثر من الصدقات والدعوات لصاحب هذه المظلمة.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"41","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>حكم تدريس الرجال للبنات في المرحلة الإعدادية والثانوية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز تدريس الرجال للبنات والعكس في المرحلة الإعدادية والثانوية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز، نحن في الحقيقة مللنا من توجيه السؤال هذا، إنك تذهب للتدريس في مدرسة ثانوية، والفتاة عمرها ثماني عشرة سنة أو أقل أو أكثر، فهي مؤهلة للزواج، وفي سن يفور شبابًا وحيوية وجمالًا واهتمامًا بمنظرها وجمالها، وأنت لست بحائط ولا عمود، أنت رجل لك شعور يتحرك، وإذا كنت ممن يشتهي الجمال ويطلق العنان لبصره أن ينفذ إلى أي شيء جميل فكبر على نفسك أربعًا لوفاتك في هذه المدرسة، وكثير جدًا من المدرسين يشكو ويقول: أنا أدرس في الفصل الفلاني، وهناك بنت جميلة، وأنا صراحة لا أستطيع أن أحجب نفسي عنها، وقد فعلت كذا وكذا، واتفقت معها وغير ذلك من البلاء الذي نسمعه في كل يوم، وقد علمتم بأنه قد وقع الزنا في المدارس الابتدائية، وعلمنا بأن مدرسًا يزني ببنت لا تزال ما بين سن السابعة إلى سن العاشرة من عمرها، هذا إذا كانت في سن الابتدائية فما بالك بالإعدادية ثم الثانوية ثم الجامعة؟! فهذا الأمر قطعنا فيه بعدم الجواز، فيجب أن يدرس في مدارس البنات نساء، ومدارس الأولاد يدرس فيها رجال.\nسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.","vol":"41","page":22},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-845> القدري من يزعم أن الله لم يخلق أفعال العباد</span>\nالقدرية هم الذين ينفون القدر، ويقولون: إن الأمر أنف، فيزعمون أن ثمة خالقًا مع الله ﷿، وهم في ذلك يشابهون المجوسية القائلين بوجود إلهين إله الخير والنور وإله الشر والظلمة، وقد رد عليهم أهل السنة والجماعة وأبطلوا مذهبهم وحاربوه، حتى أظهر الله على أيديهم الحق وأزهق الباطل.","vol":"42","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-846>مراتب الإيمان بالقدر</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله ومن والاه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد: ففي هذا الباب الذي بين أيدينا لا يزال الكلام موصولًا ابتداءً عن القدر، وزعم قوم أن الله ﵎ خالق الخير، وأنه ليس خالقًا للشر، وهذه عقيدة وثنية؛ لأن الوثنيين كانوا يعتقدون أن للكون إلهين: إله للنور وإله للظلمة.\nوغيرهم كان يعتقد أن للكون إلهين: إله للخير وإله للشر، وأن إله الخير لا يخلق الشر، وأن إله الشر لا يستطيع أن يخلق الخير، وهذه عقيدة مجوسية وثنية، ولذلك ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (القدرية مجوس هذه الأمة).\nفي الوقت الذي لم يكن هناك قدرية في ذلك الوقت؛ لأن القدرية في زمن النبي ﵊ لم يكن لهم ظهور ولا نابتة، ومع هذا حذر منهم النبي ﵊، وقبل أن نبدأ في هذا الباب لا بد وأن نعرج على أصول الإيمان بالقدر، أو مراتب القدر: المرتبة الأولى: مرتبة العلم.\nأي: أن الله ﵎ علم ما كان وما يكون وما سيكون.\nالمرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، لما علم الله ﷿ كتب، ولا أقول: لما علم أنه كان غير عالم ثم علم، ولكن العلم الأزلي السرمدي الأبدي ثابت لله ﷿، فعلم الله ﷿ بما هو كائن قبل أن يكون فكتبه في اللوح المحفوظ.\nالعلم أولًا ثم الكتابة، ثم المشيئة والإرادة.","vol":"42","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-847>الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية عند أهل السنة والجماعة</span>\nمشيئة الله ﵎ مشيئة شرعية دينية مبناها على المحبة والرضا، وهي أوامره التي أمر بها وأوامر الرسول ﵊ التي أمر بها كذلك.\nأما أوامره الكونية وهي الوقوع في مناهيه ومعاصيه فهي وقعت بإرادة الله ﷿؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد وقدر على العباد، وليس بلازم أنه أحب ذلك، فالزنا والسرقة وشرب الخمر وسائر المعاصي تقع في الكون بإرادة الله وإذنه، ليس معنى ذلك أن الله أحبها، ولا أنه يرضى عنها، وفي المقابل لا يزني الزاني رغمًا عن الله ولكن بإذن من الله ﷿، فالله أذن أن تقع هذه المعصية في كونه مع أنه لا يحبها، فهناك إرادة شرعية دينية مبناها على المحبة والرضا، أي: محبة الله ومحبة الرسول، ورضا الله ورضا الرسول.\nوإرادة كونية أي: أن هذه الأفعال والمعاصي تقع في الكون، فهذه إرادة كونية قدرية، أي: ما وقعت إلا بقدر من الله ﷿ وكتابة من الله ﷿ وعلم من الله ﷿ الأزلي السابق بأن عبده فلانًا سيفعل كيت وكيت من معاصيه في يوم كذا وكذا وفي مكان كذا وكذا، فلما علم الله ﷿ منه ذلك كتبه وقدره عليه.\nوالأمر عندنا أن الأشياء إما خالقة وإما مخلوقة، فلما كان مستقرًا عند العامة والخاصة أنه لا خالق إلا الله ﷿ تبين أن ما دون الله ﷿ مخلوق، وأسماء الله ﷿ وصفاته ليست مخلوقة، لأن الله ﵎ ليس بمخلوق وإنما هو الخالق الوحيد، فصفاته لازمة لذاته، أي: أنها ليست مخلوقة، فلا أولية لها كما أنها لا آخرية لها، لأن الله تعالى هو الأول وهو اسم من أسمائه ليس قبله أحد، وهو الآخر ليس أحد بعده، وهو الظاهر وهو الباطن، فأسماء الله ﷿ وصفاته ليست مخلوقة، لأن الله ﵎ المتصف بهذه الصفات ليس مخلوقًا، بل هو الخالق ﷾.\nفتبين أن ما دون الله ﷿ وما دون أسمائه وصفاته مخلوق، فالعبد مخلوق، وما ينتج عن هذا العبد مخلوق، مشيك، كلامك، حركاتك، سكناتك، أفعالك، تصرفاتك، خطواتك كل هذا الله ﷿ أذن فيه وخلقه وشاءه على هاتين المشيئتين دينية أو كونية قدرية، وكتب ذلك لأن الله علم أنك ستفعل ذلك، وأن هذا الفعل لا يكون إلا بإرادته ومشيئة، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فأثبت للعبد مشيئة وأثبت لنفسه سبحانه مشيئة، ولكن العبد لا يشاء شيئًا إلا بعد مشيئة الله له أن يشأ ذلك، فمشيئة العبد مندرجة تحت مشيئة الله ﷿، فليس لعبد أن يشأ شيئًا لم يشأه الله ﷿، وليس لعبد أن يريد شيئًا كما قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧] فأثبت العبد إرادة ولكن الله ﷿ له إرادة أخرى، فإرادة الله ﷿ فوق إرادة العبد، ومشيئة الله ﷿ فوق مشيئة العبد، فليس لعبد أن يريد شيئًا إلا إذا أراده الله إما إرادة شرعية وإما إرادة كونية، وليس للعبد أن يشأ شيئًا إلا أن يشاء الله إما مشيئة شرعية وإما مشيئة كونية قدرية.\nوالنبي ﵊ كما ثبت عنه قال: (إن الله تعالى خالق كل صانع وصنعته) يعني: أنت مخلوق لله ﷿ لأن الله هو الذي خلقك، وما ينجم عنك من حركة وسكنة ومشي وسكون وتكلم وسكوت وغير ذلك، هذا أيضًا مخلوق فيك لله ﷿.\nبمعنى: أن الله تعالى هو الذي خلق فيك الكلام ولو شاء لأخرسك، خلق فيك المشي ولو شاء لأقعدك، خلق فيك النظر ولو شاء لأعماك، فكلما تفعله أنت فإن الله تعالى خلقه وأذن فيه وشاءه وكتبه وعلمه، وهذه كلها مراتب القدر، ولذلك هذا تفسير وتأويل قول النبي ﵊: (إن الله خالق كل صانع) أي: كل مخلوق.\n(وصنعته) أي: وأفعاله وأقواله وحركاته وسكناته، فأنت وما تفعل مخلوق لله ﷿.\nهذا الكلام فيه الرد على القدرية الذين يقولون: إن الله تعالى لا يخلق الشر وإنما يخلق الخير.\nوبعضهم قال: إن الله تعالى جبر العبد - وهؤلاء هم الجبرية - على الأفعال فكيف يحاسبهم؟ أي: إذا كنت مجبورًا على إتيان الشر فكيف يعاقبك الله ﷿ وهو الذي جبرك وقهرك على أن تفعل الشر، وكيف يحاسبك حينئذ؟ فيلزمهم لزومًا أكيدًا بسبب هذه المقالة أن يقولوا: إن الله تعالى ظالم، والظلم صفة لا تليق بالله ﷿ إنما تليق بالمخلوقين.\nوبعضهم قال: ليس لله ﷿ في أفعال خلقه مشيئة، فأفعال العبد هو الذي شاءها وأرادها وفعلها وليس لله ﵎ فيها دخل.\nبمعنى: أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه.\nوهؤلاء سلبوا الله ﷿ صفة هي من أعظم صفاته وهي صفة الربوبية المتعلقة بالخلق، فيجعلون مع الله إلهًا آخر؛ لأن المعلوم أن الإله هو الذي يخلق، وأن أفعال العبد مخلوقة، فإما أن يخلقها العبد لنفسه، وإما أن يخلقها الله تعالى في عبده.\nفإذا قالوا: إن الله لم يخلقها في العبد وإن العبد هو الذي خلقها في نفسه فيكون العبد حينئذ خالقًا، وهذا سلب لصفة الربوبية عن الله ﷿، فكلاهما شر مستطير.","vol":"42","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>سياق ما روي في القدري الذي يزعم أن الله لم يخلق أفعال العباد</span>\nيقول المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي في أن القدري الذي يزعم أن الله لم يخلق أفعال العباد] القدري هو الذي يزعم أن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يقدرها عليهم، فمعتقد القدرية أنهم قالوا أولًا: إن الله لم يخلق أفعال العباد.\nإذًا: هنا أنكروا مرتبة من مراتب القدر وهي الخلق.\nوقولهم: (ولم يقدرها عليهم) إنكار لمرتبة المشيئة.\nقال: [ويكذب بخلق الله لها، وينسب الأفعال إلى نفسه دون الله].\nكأنه يقول: أنا خالق لفعل نفسي، بدليل: أنني لو أردت أن أقوم الآن لقمت، وإذا أردت ألا أقوم لا أقوم.\nونسي أن الله ﷿ قادر على أنه إذا هم بالقيام أقعده الله، وإذا كان واقفًا فأراد أن يجلس ما استطاع أن يجلس، وهذا يدل على أن الخلق بيد الله ﷿ لا بيد العباد، ولذلك جرت مناظرات بين سلفنا ﵃ وبين القدرية.\nقال: [عن ابن عباس: كلام القدرية كفر].\nلأنه لا ينكر مرتبة العلم ولا مرتبة الكتابة إلا كافر بالله ﷿ [وكلام الحرورية ضلالة].\nوقال أيضًا: [لا أعرف الحق إلا في كلام قوم ألجئوا ما غاب عنهم في الأمور إلى الله ﵎].\nفهذا الكلام يصح أن يكون أصولًا سلفية لترشيد هذه الصحوة الإسلامية فيما يتعلق بمسألة الاعتقاد.\nفقوله: لا أعرف.\nوابن عباس إذا قال: لا أعرف، فمعنى ذلك: أن الذي لا يعرفه ابن عباس لا يكون دينًا.\nقال: لا أعرف الحق إلا في كلام قوم ألجئوا - أي: فوضوا - ما غاب عنهم في الأمور إلى الله ﵎.\nيعني: الأمور الغيبية الاعتقادية نفوض الأمر فيها إلى الله ﷿ وإن كان ذلك أكبر من عقولنا.\nقال: [وفوضوا أمورهم إلى الله، وعلموا أن كلًا بقضاء الله وقدره].\nيعني: آمنوا بأن القضاء والقدر من عند الله ﷿ وإن كان ذلك أمر فوق طاقة عقولهم إلا أنهم يقولون سمعنا وأطعنا.\nقال: [أتى عبد الله بن عباس على قوم يتنازعون في القدر.\nفقال: لا تختلفوا في القدر، فإنكم لو قلتم: إن الله شاء لهم أن يعملوا بطاعته فخرجوا من مشيئة الله إلى مشيئة أنفسهم فقد أوهنتم الله بأعظم ملكه].\nأي: وجد قومًا يتخاصمون في القدر فقال: لا تختلفوا في القدر؛ لأن اختلافكم لا يدور إلا على أمرين اثنين لا ثالث لهما، فإن قلتم: إن الله أمر العباد وشاء لهم أن يعملوا بطاعته فخرجوا من طاعته ودخلوا في معصيته بمشيئة أنفسهم فقد أوهنتم الله.\nأي: سلبتم الله ﵎ أعظم ملكه وهي الربوبية.\n[وإن قلتم: إن الله جبرهم على الخطايا]، وعلى فعل المعاصي، فإما أن تكون المعاصي من عند الله ﷿، وإما أن تكون من عند العبد، فإن كان العبد يعمل المعصية بمشيئته وقدرته وإرادته وقضائه لنفسه وقدره على نفسه فإنه لا دخل حينئذ للإله وللرب ﵎ في أفعال العباد، فيكون العبد هو الخالق لفعل نفسه وليس الله ﷿ هو الذي خلق، وهذا سلب لصفة الربوبية عن الله ﷿.\n[وإن قلتم: إن الله جبرهم على الخطايا ثم عذبهم عليها لقلتم إن الله ظلمهم].\nفالقدر ليس هو إلا أمرين اثنين: إما أن يشاء الله ﷿ ويخلق ويكتب ويعلم ويقدر، وإما أن يسلب ذلك ويخلق العبد فعل نفسه، وإما أن الله يجبر العبد على فعل الخطايا ثم يعذبه فإنه حينئذ ظالم، فلا تختلفوا حينئذ لأنكم بين شرين وبين ضلالتين، بل وبين كفرين.\nقال: [ذكر ابن عباس ﵁ القدر فقال: الزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، والسرقة].\nولذلك قال النبي ﵊: (لا إيمان لمن لم يؤمن بالقدر)، فالإيمان بالقدر فرض، والتكذيب به كفر، والكلام فيه بدعة، والسكوت عنه سنة.","vol":"42","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>سياق ما روي عن الصحابة والتابعين والعلماء في إقامة الحدود على القدرية</span>\nقال: [سياق ما روي من المأثور عن الصحابة وما نقل عن أئمة المسلمين من إقامة حدود الله في القدرية من القتل والنكال والصلب.\nعن أبي الزبير قال: كنا نطوف مع طاوس فمررنا بـ معبد الجهني قال: فقيل لـ طاوس: هذا معبد الذي يقول بالقدر.\nقال: فقال: أنت الذي تفتري على الله بما لا تعلم؟! قال: فقال: يكذب علي -أنا لم أقل شيئًا- قال: فدخلنا على ابن عباس فقال له طاوس: يا ابن عباس! الذين يقولون في القدر، فقال: أروني بعضهم، قال: صانع ماذا؟ قال: أدخل يدي في رأسه ثم أدق عنقه].\nوقد مضى عنه أنه قال: أدخل يدي في عينيه فأقلعهما ولا نصونه.\nيعني: بعدما نقلع له عينيه لا نضمنهما.\nيعني: ليس علينا فيهما دية، لأنهم لا دية لهم.\nقال: [وهذا كله لا يفعل بالمسلمين وإنما يفعل بالكفار].","vol":"42","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>موقف عمر بن عبد العزيز من غيلان الدمشقي</span>\nقال: [قال عمر بن عبد العزيز: يا غيلان!] هذا من القدرية في دمشق سوريا اسمه غيلان الدمشقي.\n[قال عمر بن عبد العزيز: يا غيلان! بلغني أنك تتكلم في القدر.\nفقال: يكذبون علي يا أمير المؤمنين.\nقال: اقرأ علي سورة يس، فقرأ عليهم: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:١ - ٧] والشاهد: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧].\nوكذا قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ما كان في إمكان أبي لهب أن يؤمن لو أراد أن يعاند، ولكن علم الله تعالى السابق أن أبا لهب لا يؤمن قط وأنه من الهالكين، فلم يؤمن ولم يحرج النبي ﵊ لأنه سبق في علم الله أنه لا يقول ذلك، وأنه من الهالكين لا محالة، وأنه ليس من الناجين في يوم ما قط، فالله تعالى قال: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ [يس:٧] يعني: دخول النار، ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧] فلم ينطقوا بالشهادتين ولو كذبًا أو نفاقًا، فالله تعالى يتكلم بعلم، فإذا تكلم بعلم عن أمر في المستقبل وأنهم لا يؤمنون نثبت العلم الأزلي لله.\nولذلك معبد الجهني وغيلان الدمشقي ما كانوا يثبتون العلم لله ﷿.\nولذا فإن عمر بن عبد العزيز قال لـ غيلان: اقرأ علي يس، حتى تعلم أن الله ﵎ قضى على أشياء في المستقبل بأنها لا تكون، فهل هذا من العليم الخبير أم ممن لا يعلم؟ قال غيلان: لا والله، لكأني يا أمير المؤمنين لم أقرأها قط إلا اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب من القول بالقدر].\nوهو كذاب لأنه بين يدي أمير المؤمنين الذي سيقتله ويعلقه في السقف، فهو خائف أن يواجه أمير المؤمنين.\n[فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كان صادقًا فتب عليه، وإن كان كاذبًا فاجعله آية للمؤمنين].\nيعني: افضحه إذا كان كاذبًا، واجعله آية للمؤمنين.\nقال: [مر التيمي بمنزل ابن عون فحدثه بهذا الحديث.\nقال ابن عون: أنا والله رأيت غيلان الدمشقي مصلوبًا بدمشق] لأنه كان دجالًا، كان يكذب على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الذي قال: يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا.\nفـ غيلان كذب على عمر بن عبد العزيز، وطبعًا من غشنا في الله أو من خدعنا في الله خدعنا له، هذا منهج أهل السنة، من أقسم بالله أنه تاب فليس لنا عليه سبيل، وحسابه على الله ﷿، لكن علينا نحن بالدعاء له أو عليه، إن كان صادقًا فتب عليه، وإن كان كاذبًا فاجعله للمؤمنين آية.\nفصلب في دمشق.\nوقال أبو جعفر الخطمي: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه عنه في القدر.\nفقال له: ويحك يا غيلان! ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: يكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال علي ما لا أقول.\nقال: ما تقول في العلم -أي: في علم الله- قال: نفذ العلم.\nأي: العلم لله ثابت.\nقال: أنت مخصوم.\nيعني: مغلوب.\nفاذهب فقل ما شئت، يا غيلان! إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك إن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحد فتكفر.\nثم قال له: أتقرأ يس؟ قال: نعم.\nقال: اقرأ، فقرأ: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١ - ٢] إلى قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧] قال: قف كيف ترى الآية هذه؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين! قال: زد.\nفقرأ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس:٨ - ٩] فقال عمر: ﴿سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٩ - ١٠] علم الله أزلًا وسلفًا أن الإنذار لا ينفع معهم، فسواء أنذرتهم أو لم تنذرهم لا يؤمنون، ولا يعتبرون بهذا الإنذار، والذي علم أنهم لا يؤمنون هو الله.\nفالله تعالى عالم قبل هذا الإ","vol":"42","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>موقف هشام بن عبد الملك من القدرية</span>\nوعن الوليد بن هشام قال عن أبيه: بلغ هشام بن عبد الملك أن رجلًا يقول بالقدر وقد أغوى خلقًا كثيرًا، فبعث إليه هشام فأحضره.\nفقوله: وقد أغوى خلقًا كثيرًا مع أنه قدري ومخالف لأصول أهل السنة والجماعة، إلا أنه ما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة.\nفقال: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول: إن الله لم يقدر على خلق الشر.\nقال: بذلك أقول، فأحضر من شئت يحاجني فيه.\nقال له: أنا أقول ربنا لم يخلق الشر، وإذا كنت لا تصدقني أدخل علي من يناظرني في المسألة هذه.\nفبعث هشام بن عبد الملك إلى الأوزاعي فأحضره لمناظرته.\nالإمام الأوزاعي كان صاحب مذهب، عمل بمذهبه في الشام مائتي سنة، لم يكن هناك أحد يسمع عن أبي حنيفة ولا عن مالك ولا عن أحمد بن حنبل ولا عن الشافعي، كان أهل الشام يقولون في فتاويهم: قال الأوزاعي كذا، إلى أن ظهرت وانتشرت هذه المذاهب الأربعة فغطت على بقية المذاهب ومنها مذهب الأوزاعي.\nالأوزاعي كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، ينهى أمة ويأمر أمة، وقد صنفت في ترجمته رسالة لطيفة اسمها: (أحسن المساعي في بيان فضائل ومناقب الأوزاعي) لما تقرأها تحتقر نفسك، بل تحتقر علماء الأمة في هذا الزمان، كان جبلًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان لا يهمه الحجاج ولا غير الحجاج، الحجاج الذي لم يكن أحد يدخل عليه لا من الصحابة ولا من غيرهم إلا ويخاف على نفسه، أما الأوزاعي فما ضره ذلك، دخل عليه فوعظه وأمره ونهاه ثم انطلق وقال: لا يضرني ملكك ولا جبروتك، لأن الملك وصاحب الجبروت الأعظم في السماء قادر عليك.\nالأوزاعي جاء من أجل أن يناظر هذا القدري الذي يقول: إن الله لم يخلق الشر، فقال له الأوزاعي: إن شئت سألتك عن واحدة، وإن شئت سألتك عن ثلاث، وإن شئت عن أربع، أخبرني عن الله: هل تعلم أنه قضى على ما نهى؟ قال: ليس عندي في هذا شيء.\nأي: أنا لم أفهم شيئًا.\nفقلت: يا أمير المؤمنين! هذه واحدة.\nأي: الأوزاعي يقول لـ هشام بن عبد الملك: هذه واحدة لا يعرف كيف يرد عليها.\nثم قلت له: أخبرني هل تعلم أن الله حال دون ما أمر.\nيعني: هل الله منع دون ما أمر؟ فقال المبتدع: هذه أشد من الأولى.\nفقلت: يا أمير المؤمنين! هذه اثنتان.\nأي: سجل عندك.\nثم قلت له: هل تعلم أن الله أعان على ما حرم؟ يعني: ساعد ويسر على ما حرم؟ قال: هذه أشد من الأولى والثانية.\nفقلت: يا أمير المؤمنين! هذه قد حل بها ضرب عنقه.\nولم يأت بالمسألة الرابعة.\nفأمر به هشام فضربت عنقه.\nوهذا لما كانت للإسلام قوة وسطوة، وأيام ما كان لهم اهتمام بأمر الدين، هذه الأسئلة الثلاثة لما أنكرها هذا المبتدع حلت رقبته فقتله هشام بن عبد الملك، وهشام لا يفهم الكلام هذا، لكن المبتدع يفهم ولا يريد أن يجيب، لأنه إذا أجاب هزم ويلزمه التوبة.\nثم قال هشام بن عبد الملك للأوزاعي: يا أبا عمرو! فسر لنا هذه المسائل.\nيعني: بين لنا الكلام هذا.\nقال: نعم.\nيا أمير المؤمنين! سألته أولًا: هل يعلم أن الله قضى على ما نهى.\nالسؤال الأول وهو أن الله تعالى نهى آدم عن الأكل من الشجرة ثم قضى عليه بأكلها، وهذا ثابت في القرآن والسنة، فالله تعالى قضى عليه وقدر أن يأكل منها، ولو أن المبتدع أجاب عن هذا السؤال للزمه أن يقول: إن الله قضى على ما نهى، فالله لا يقضي على شيء إلا إذا علمه، وهذا الشر الذي وقع من آدم بعلم الله وبقدره، وأن الله هو الذي أذن فيه بقضائه وقدره.\nقال: وسألته ثانيًا: هل يعلم أن الله حال دون ما أمر؟ -أي: منع دون ما أمر- أمر إبليس بالسجود لآدم ثم حال بينه وبين السجود.\nلما إبليس أمر بالسجود امتنع، فامتناع إبليس مخلوق، والذي خلقه هو الله ﷿، خلقه بعلم سابق، فالامتناع عن السجود لآدم ومخالفة الأمر شر، والذي خلقه هو الله، فالله الذي خلق الخير والشر، لكن المبتدع لما أدرك هذه الحقيقة اعتذر عن الجواب، فقال: لا يعرف شيئًا.\nهذه مسألة صعبة جدًا.\nقال: وسألته ثالثًا: هل يعلم أن الله أعان على ما حرم أم لا؟ فقال: هذه أشد من الأولى والثانية.\nوالمعنى: أن الله حرم الميتة والدم ولحم الخنزير ثم أعاننا على أكله في وقت الاضطرار إليه، فالله تعالى أعان على ما حرم مع أنه شر ولكنه رخص في مواطن وظروف بعينها، والذي رخص هو الله ﷿.\nقال هشام: والرابعة ما هي يا أبا عمرو؟ فقال: كنت سأقول له: مشيئتك مع الله أم دون الله؟ فإن قال: مع الله فقد اتخذ مع الله شريكًا.\nيعني: أنه جعل مشيئته مع مشيئ","vol":"42","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-852>موقف المهدي من القدرية</span>\nويقول الإخباري: قرأت في أخبار إبراهيم بن المهدي أنه حدث عن زيبة المدني [أن المهدي أشخص من المدينة -أي: أرسل من المدينة- ثلاثين شيخًا ممن تكلم في القدر واشتهر به.\nقال: فكنت فيهم -يعني: زيبة كان فيهم وكان صبيًا صغيرًا أتى من المدينة إلى العراق مع ثلاثين شيخًا يتكلمون في القدر -فلما مثلنا بين يديه ضربهم بالسياط أجمعين وأخرني لصغره- فلما قدمت قال: أراك صبيًا ألم يكن بالمدينة من هو أسن منك تتم به العدة؟] يعني: إبراهيم بن المهدي يقول له: هم ما أرسلوا رجلًا يكمل الثلاثين، كأن العدة ثلاثين شخصًا، حتى أرسلوك وأنت صبي صغير.\n[قلت: جماعة يا أمير المؤمنين! فقال: إذًا إنما قربت إليهم لأنك من مثلهم -يعني: أنت جئت معهم لأنك قدري مثلهم- ثم دعا بالسياط، فلما ضربت سوطًا، فقلت: يا أمير المؤمنين! نشدتك الله إلا أدنيتني إليك أكلمك ولك رأيك.\nفقدمني فقلت: أنا رجل من أهل المدينة قطن أبي فيها -أي: سكن أبي في المدينة- وهو من وادي القرى -أي: بمكة- وكان تاجرًا ذا مال، فعلمني القرآن ثم أمرني أن أغدو إلى حلقة ابن أبي ذئب - ابن أبي ذئب كان قدريًا- وأروح إلى ربيعة الرأي، فعن لي شيخ لم أكن رأيته قط -يعني: أنا فكرت بشيخ لم أره قط- فقال لي: يا بني! قد بلغت من العلم وما أراك استبصرت في دينك] يعني: أنت يا ابني عالم أخذت العلم عن ربيعة الرأي وعن ابن أبي ذئب ولكن العلم هذا ليس له قيمة، لأنك لست بصيرًا بدينك.\n[فقلت: وما ذاك يا عم؟] يعني: أنت ماذا ترى؟.\n[قال: هل رأيت مقعدًا قط؟] يعني: هل رأيت رجلًا مشلولًا لا يستطيع أن يقوم.\n[قلت: نعم.\nقال: فلو رأيت رجلًا كلفه صعود نخلة ما كنت تقول؟] يعني: لو رأيت رجلًا قال لهذا القعيد: اصعد هذا الدرج أو السطح، أيستطيع؟ [قلت: هو جاهل.\nقال: فلو ضربه على قصوره عن صعودها؟ قلت: ظالم] لأنه يضرب رجلًا ليس في إمكانه أن يصعد ويحمله الصعود فهو ظالم.\n[فقال: يا بني! هذا حكمك على إنسان فكيف بالله سبحانه في عدله؟ أتقول: إنه يكلف عباده ما ليس في وسعهم ثم يعاقبهم عليه مع قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: فتعدني يا أمير المؤمنين بالمقعد -يعني: أنت تأمرني مثل المقعد، تكلفني فوق طاقتي ثم تعذبني- قال زيبة: فضحك المهدي أمير المؤمنين ثم أمر فطرح ثيابي علي، فلما لبست أدناني ثم قال: أجبني وأنت آمن -يعني: تكلم براحتك، واعلم أنني لا أمد على بدنك السوط نهائيًا- قال أمير المؤمنين: لو أنك في سفر فرأيت عليلًا في برية -أي: في الصحراء- فاستطعم رجلًا فلم يطعمه وتركه ومضى ما كنت قائلًا؟ قلت: ظالم.\nقال: فهل علمت أن أحدًا من خلق الله كان في برية عليلًا عادمًا للطعام والشراب؟ قلت: كثيرًا -أي: كثير من يموت من الجوع- قال: فإن دعا ربه أن ينجيه هل كان الله سبحانه قادرًا على أن يطعمه ويسقيه؟ قلت: اللهم نعم -أي: لو دعا ربه فإن الله قادر على أن يطعمه ويسقيه- قال: فهل تقول إن دعا ربه أن يطعمه ويرويه فلم يجب دعاءه ومات أن الله ظلمه؟ -يعني: ربنا ما استجاب دعاء هذا الذي في البرية للطعام والشراب فمات، هل الله تعالى قد ظلمه في هذا؟ - قلت: لا.\nقال: فكيف تقول لمن أقعدك مثل هذا؟ -أي: كيف تقول لمن أقعدك إنه ظالم- قال: لأن الأشياء كلها لله تعالى لا عليه، والتجوير يجب علي من الأشياء لا له يا زيبة، إن الإيمان إذا سكن القلب قبل الاحتجاج لم يخرجه الاحتجاج].\nيعني: الإيمان عندما يكون في القلب حتى وإن كان صاحب هذا الإيمان جاهل وحجة الخصم أقوى فهذه الحجة لا تخرج هذا الإيمان من القلب.\nأذكر وأنا في معهد البخوري سنة (١٩٨٢) دخل علينا رجل يتكلم عن الإسراء والمعراج وأنه كان بالروح دون الجسد.\nقلت له: يا شيخ! هل هذه عقيدتك؟ قال: نعم.\nقلت: ولكن عقيدة أهل السنة أن الإسراء كان بالروح والجسد.\nفقال لي: قم واقفًا من أجل أن أراك.\nفقمت نصف ساعة وأنا واقف على قدمي يشرح لي معنى حرف الباء فقط في قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ليخرج في النهاية أن من معاني الباء أنها مصاحبة للروح دون البدن، وبعد نصف ساعة قال لي: فهمت يا ابني.\nقلت له: نعم فهمت.\nقال: وماذا فهمت؟ قلت: أن الإسراء بالروح والجسد.\nفقال لي: اقعد فأنت يا ابني عامل حسابك ألا تفهم.\nقلت له: صحيح.\nلأنني فهمت معتقد أهل السنة والجماعة فليس عندي استعداد أن أغيره.\nقال: [إن الإيمان إذا سكن في القلب قبل الاحتجاج لم يخرجه الاحتجاج، وإذا سكن الحجاج قبل الإيمان كان منتقلًا متى حاجه من هو أحج منه].\nيعني: إذا كان لا يقوى على حجج المبتدعة فإنه كلما أتاه مبتدع حجته أقوى من حجة المبتدع الأول تنقل، النهار هذا قدري، بكرة شيعي","vol":"42","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>الأسئلة</span>","vol":"42","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>الحكم على أثر عمر (اللهم إن كنت كتبتني من أهل الشقاء) وبيان معناه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جاء عن عمر أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني من أهل الشقاء فامحني واكتبني من أهل السعادة، هل صح هذا الدعاء؟ وما معناه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا دعاء صحيح، فقد صح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه دعا بهذا الدعاء، ومعنى ذلك: أن هذا العبد يتمنى على الله ﷿ أنه إن كان كتبه من أهل الشقاء فليمح ذلك وليثبته من أهل السعادة، وهذا لا يعدو أن يكون دعاءً ورجاءً في الله ﷿.\nيعني: يحسن نية هذا العبد أن يميته على الإسلام، والله أعلم.","vol":"42","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>حكم تحديد مواقيت إقامة الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم تحديد مواقيت إقامة الصلاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس ذلك من السنة، المحدود في المساجد أن صلاة الفجر بعد نصف ساعة وصلاة الظهر والعصر والعشاء بعد ربع ساعة، والمغرب بعد خمس دقائق أو عشر دقائق، هذا ليس من السنة، ولكن إقامة الصلاة تكون بإذن إمام المسجد لا بغير إذنه، ولا ينبغي لإمام المسجد أن يأمر بإقامة الصلاة ولم يجتمع إليه أهل الحي، إنما هذا الأذان فائدته إعلام القوم وإخبارهم بدخول وقت الصلاة، فالذي يسمع الأذان بعد أن يبتدئ دخول الوقت يستعد له فيتوضأ ويأتي إلى المسجد فيصلي ركعتين ثم يصلي مع الإمام.\nوليس معقولًا أن الإمام يأمر بإقامة الصلاة وكل من في المسجد أو غالبهم يصلي السنة، بل ينتظر حتى يفرغ الناس من السنة، فإذا اجتمع أهل الحي فلا قيمة للانتظار، بل يقيم بعد خمس دقائق، أو عشر دقائق، أو خمسين دقيقة، على حسب عادة أهل الحي، فإذا كنا أهل الحي قد اجتمعنا جميعًا في الدرس بعد المغرب وأذن لصلاة العشاء، أقيموا الصلاة، نحن لسنا منتظرين أحدًا، أهل الحي موجودين من المغرب وأذن لصلاة العشاء فلا قيمة للانتظار.","vol":"42","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-856>الفرق بين نافع مولى ابن عمر ونافع صاحب القراءة المشهورة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل نافع الذي روى عنه ورش القراءة المعروفة هو نافع الذي روى الحديث عن ابن عمر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، نافع الذي يروي عن ورش هو غير نافع الفقيه مولى ابن عمر.","vol":"42","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>حكم لبس الطاقية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل لبس الطاقية من السنن المستحبة أم ماذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لبس الطاقية من السنن المستحبة، وهو هدي النبي ﵊.","vol":"42","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-858>مقدار الأخذ من اللحية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو مقدار الأخذ من اللحية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا زادت عن القبضة فخذ ما دون القبضة.\nيعني: تمسك لحيتك من الذقن والعارضين، والذي يفضل عن القبضة خذه.","vol":"42","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>حكم من عصى الله في رمضان وأفطر فيه ثم تاب إلى الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم من ارتكب الفواحش في رمضان وأفطر فيه ثم تاب إلى الله تعالى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأخ الذي يسأل من أنه في أيام معاصيه وقبل توبته ارتكب فاحشة في رمضان أو ارتكب معصية أو كبيرة ولكنه تاب منها وندم على ما فعل وقضى الأيام التي أفطر فيها في أثناء معصيته فهذا يكفيه ولا شيء عليه، ولكن لو أكثر من السنن والمستحبات لكان خيرًا له حتى تتم له التوبة، والله تعالى أعلم.","vol":"42","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>حكم من أقيمت الصلاة وهو يصلي السنة القبلية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من كان يصلي سنة والسنة -مثلًا- رباعية وهو في الركعة الثالثة وأقيمت فهل يسلم قبل أن يصلي الرابعة لحديث: (لا صلاة إلا المكتوبة)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) وهو حديث صحيح، ولكن تأويله محل نزاع بين أهل العلم.\nالرأي الأول: أنه لا صلاة قط بحضرة المكتوبة، إذا أقيم لها فلا صلاة.\nوهذا كان مذهب الشيخ الألباني ﵀، كان يقول: إذا أقيمت صلاة الفرض فلا صلاة مطلقًا لأحد في المسجد، وإن أتم الصلاة فصلاته باطلة، ولكن هذا الرأي فيه غلو.\nوبعض أهل العلم قالوا وهو الرأي الراجح وهو مذهب الجمهور: إذا أقيم لصلاة الفرض فلا صلاة لمصل يشرع فيها.\nوهذا أقوى الأقوال، وكنت آخذ بغيره آنفًا والآن أرجع عن القول الأول وأميل إلى الرأي الثاني، والمرء قد يرجع عن قوله ويتبنى قولًا جديدًا، وهذا الرأي هو مذهب الجمهور: أنه إذا أقيمت الصلاة فلا يجوز لأحد أن يشرع في صلاة سنة، فإن شرع فصلاته باطلة.","vol":"42","page":16},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-861> ما روي في منع الصلاة خلف القدرية</span>\nالإيمان بالقدر مرتبة من مراتب الإيمان ضل فيها الجبرية والقدرية لانحرافهم عن دلائل النصوص من الكتاب والسنة، ولا يتم إيمان العبد إلا بالإيمان بالقدر كما ورد عن النبي ﷺ، وقد شنع النبي ﷺ وصحابته الكرام وسلف هذه الأمة من التابعين والفقهاء والعلماء على القدرية وحذروا من اتباعهم ومجالستهم والصلاة خلفهم، وتزويجهم وأكل ذبائحهم ومجالستهم ومبايعتهم وقبول شهادتهم، بل جعلوهم بمنزلة أهل الكتاب، حتى سماهم النبي ﵊ مجوس هذه الأمة؛ لفظاعة ما أتوا به وشناعة ما نسبوه إلى الله تعالى.","vol":"43","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>سياق ما روي في منع الصلاة خلف القدرية</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فلا يزال الكلام موصولًا عن القدر، والآن مع [ما روي في منع الصلاة خلف القدرية والتزويج إليهم وأكل ذبائحهم، ورد شهادتهم].\nقال المصنف ﵀: [سياق ما روي في منع الصلاة خلف القدرية، والتزويج إليهم وأكل ذبائحهم، ورد شهادتهم] شهادة الفاسق مردودة عند جماهير العلماء، ولكن ترك أكل الذبائح لا يكون إلا مع الكفار، ومنع الصلاة لا يكون إلا خلف المبتدع والكافر، وكذلك ترك الزواج لا يكون إلا من الكافرين والكافرات.","vol":"43","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-863>كلام السلف في حكم الصلاة خلف القدرية</span>\nقال: [روي عن واثلة بن الأسقع أنه أمر بإعادة الصلاة خلف القدرية، ونهى عن الائتمام بهم].\nرجل يقول: إن الله لا يعلم الأشياء حتى تقع، فهذا لا تجوز الصلاة خلفه، لأنه كافر مرتد، وبالتالي من صلى خلف قدري وجبت عليه الإعادة ولو بعد مائة عام.\nقال: [ومن التابعين: عن علي بن عبد الله بن العباس أنه كان يقول: إذا كان الإمام صاحب هوى فلا يصلى خلفه].\nأي: صاحب بدعة وهو داعٍ إلى بدعته ورأس فيها فلا يصلى خلفه.\n[وعن محمد بن علي بن الحسين: أنه أمر بإعادة الصلاة خلف القدري.\nوعن سيار أبي الحكم يقول: لا يصلى خلف القدرية، فإذا صلي خلف أحد منهم أعاد].\nأي: وجبت عليه الإعادة.\n[وعن أيوب السختياني مثله].\nالكلام السابق.\nقال: [ومن الفقهاء: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي وأبو يوسف القاضي -صاحب أبي حنيفة - والإمام أحمد بن حنبل مثله].\nأي: هذا الكلام.\n[وعن ابن سيرين: أنه كره ذبائح القدرية].\nلم يحرمها تحريمًا إنما كرهها.\nقال: [عن حبيب بن عمر الأنصاري قال: حدثني أبي قال: سألت واثلة بن الأسقع -وهو صحابي ﵁- عن الصلاة خلف القدري، فقال: لا يصلى خلفه، أما إني لو صليت خلفه لأعدت صلاتي].\nأي: لو أني صليت خلفه لوجبت علي الإعادة.\n[عن الحارث بن سريج البزاز قال: قلت لـ محمد بن علي: إن لنا إمامًا يقول بالقدر -إمامنا في المسجد قدري- فقال: يا ابن الفارسي! انظر كل صلاة صليتها خلفه أعدها، إنما هم إخوان اليهود والنصارى، قاتلهم الله أنى يؤفكون].\nالقدرية إخوان اليهود والنصارى، وما من بدعة من البدع وردت في الإسلام إلا وأصولها يهودية أو نصرانية أو مجوسية، والقدرية إنما هي بدعة نصرانية في أصلها قال بها سوسن العراقي، وعنه أخذ معبد الجهني، وعن معبد غيره حتى تسلسل الأمر.\nقال: [كان سيار أبو الحكم يقول: لا يصلى خلف القدرية، فإذا صلى خلف أحد منهم أعاد الصلاة].\nعن صدقة بن يزيد قال: [مررت مع أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني البصري - وهو آخذ بيدي إلى المسجد لنصلي فيه، فمررنا بمسجد قد أقيمت الصلاة فيه، فذهبت لأدخل فنتر يده من يدي فترة، ثم قال: أما علمت أن إمامهم قدري].\nوما قصد صدقة أن يصلي خلف قدري، وإنما اجتهد في إدراك الصلاة خاصة وأنه قد سمع إقامة الصلاة، ولكن أن تفوتك الصلاة خير من أن تصلي خلف قدري، والسلف ﵃ كانوا يتحرون الصلاة خلف أوثق وأعدل الأئمة الذين أنيطت بهم إمامة الناس في الصلاة وفي غيرها.\nعن مصعب قال: [سمعت مالك بن أنس يقول: لا يصلى خلف القدرية].\nوعن مروان بن محمد قال: [سألت مالك بن أنس عن تزويج القدري فقال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة:٢٢١]].\nوهذا حكم عقدي عليه بأنه كافر.\n[وروي عن مالك أنه سئل عن القدري الذي يستتاب من هو؟ قال: الذي يقول: إن الله ﷿ لم يعلم ما العباد عاملون حتى يعملوا].\nيعني: الذي ينكر العلم الأزلي الأبدي السرمدي لله ﷿، فهذا الذي يستتاب فإن تاب وإلا قتل.\nوهل يقتل حدًا أو ردة؟ يقتل ردة؛ لأنه لا يقتل حدًا إلا صاحب المعصية، على أن تكون هذه المعصية دون الشرك، إذ كل معصية دون الشرك فالعقوبة فيها حد، مثل حد الزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك من المعاصي كلها العقوبة فيها الحد، وما دون هذه الكبائر فإن العقوبة فيها التعزير، أما الشرك والردة -وهي نوع من الشرك والكفر- فالعقوبة فيها ردة لا حدًا.\nفإذا استتيب هذا القدري فتاب تاب الله ﷿ عليه، فإن لم يتب قتل ولكنه يقتل ردة، ويموت على الكفر لا يرث ولا يورث، وماله لبيت المال.\nوعن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل قال: [سمعت أبي يقول: لا يصلى خلف القدرية والمعتزلة].\nوعن سوار بن عبد الله قال: [حدثني معاذ بن معاذ قال: صليت خلف رجل من بني سعد، ثم بلغني أنه قدري، فأعدت الصلاة بعد أربعين سنة، أو ثلاثين سنة].\nشك الراوي.\nانظروا إلى اهتمام السلف بأمر الصلاة إلى أي حد بلغ! [عن أبي يوسف القاضي -وهو صاحب أبي حنيفة - قال: لا أصلي خلف جهمي، ولا رافضي -شيعي خبيث- ولا قدري.\nوعنه أنه سئل: ما الحكم في القدرية -يعني: لو أنك حاكم ماذا تصنع بهم- قال: الحكم أنه من جحد العلم أستتيبه فإن تاب وإلا قتلته].\nوالعلم هو أول مرتبة من مراتب القدر، والذين كفرهم عبد الله بن عمر رضي الل","vol":"43","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-864>حكم الأئمة في تزويج القدرية</span>\nوعن عبد الصمد بن مردويه قال: [سمعت رجلًا يقول للفضيل: من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها، فقال له الفضيل: من زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها].\nفالفاسق أهون من المبتدع، الفاسق صاحب كبيرة أو المصر على الصغيرة المبتدع شر منه، ولذلك العلماء لما قسموا المعاصي قسموها على الترتيب الثلاثي: الكفر، البدعة، المعصية، والكفر أمره معلوم، وصاحب المعصية إنما يعصي الله وهو يعلم أنه عاصٍ، وهل يتصور أن الزاني يزني وهو يعتقد أن الزنا طاعة وقربة؟ أو أن سارقًا يسرق وهو يتقرب بهذه السرقة إلى الله؟ لا يمكن أن يكون هذا.\nأما المبتدع فهو قائم على بدعته ظنًا منه أنها الحق، وأنها قربة إلى الله ﷿، ولذلك هو يتمسك ببدعته فوق تمسك صاحب المعصية بمعصيته.\nولذلك أنت إذا حدثت صاحب معصية في معصيته وضع وجهه في الأرض استحياء مما يأتي، حتى لو كانت من المعاصي الصغيرة التي لم تبلغ حد الكبائر، ويبدأ يلوم نفسه ويسأل الله المغفرة، وغير ذلك من الكلمات التي تسمعها بصدق من لسان هذا العاصي.\nولكن انظر إلى رافضي خبيث شيعي مجرم يتقرب إلى الله -وقد صحت النصوص عندهم- بتكفير الشيخين، بل جاء في كتاب الكافي وهو عند الشيعة كـ البخاري عند أهل السنة، جاء فيه: أن من لم يلعن أبا بكر وعمر في كل صباح ومساء فليس برافضي حقًا، وليس بشيعي حقًا.\nتصور رجلًا يقوم مبكرًا ويسب أبا بكر وعمر وهو يعتقد أنه يتقرب إلى الله ﷿ بذلك، خاصة إذا كان من رعاع المذهب لا من رءوسهم، فهذا الذي تريد أن تخلعه عن هذه الكبيرة وهذا الجرم وهذا الكفر كيف تخلعه؟ أمر صعب جدًا، ولذلك نسمع في كل يوم أن عشرات من أصحاب المعاصي يتوبون إلى الله ﷿ ويتركون معاصيهم، وفي كل مائة عام نسمع عن توبة رجل من رءوس البدعة، لأنه أشد تمسكًا ببدعته من صاحب المعصية بمعصيته، ولذلك المعصية أخف ضررًا من البدعة، ولذلك النبي ﵊ يقول: (إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته).\nولم يقل ذلك في أصحاب المعاصي، بل أصحاب المعاصي تحت مشيئة الله، وهذا في حالة ما إذا ماتوا وهم مصرون على معاصيهم وإن كانت كبائر، فإن تابوا تاب الله ﷿ عليهم، وإن ماتوا على ذلك غير مستحلين لها فهم تحت مشيئة الله إن شاء تاب عليهم وعفا عنهم، وإن شاء أخذهم بذنبهم، بخلاف صاحب البدعة؛ فإن الله تعالى يؤاخذه لأنه يدخل في الدين ويلحق به ما ليس منه، كما أنه اتهام الله ﷿ بعدم تمام الشريعة وبنقصان هذا الدين، مكذبًا بالقرآن والسنة، ومكذبًا بأقوال الرسول ﵊.","vol":"43","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>حكم الأئمة في عيادة المريض من القدرية</span>\nقال الأثرم: قيل لـ أحمد بن حنبل: [رجل قدري أعوده إذا مرض؟] أي: هل يحل لرجل من أهل السنة أن يعوده في مرضه؟ قال: [إذا كان داعية إلى الهوى فلا].\nيفرق أحمد هنا بين صاحب البدعة الداعي إليها الرأس فيها، وبين عامة الناس في هذه البدعة، فلهذا حكمه وللآخر حكم آخر يفرق بين صاحب البدعة، ومن هو رأس فيها وداعٍ إليها ومدافع ومنافح عنها في الليل والنهار، وينفق ماله ومال أمته على هذه البدعة وعلى إظهارها، وطمس مذهب أهل السنة والجماعة، فهذا الرجل له حكم بخلاف من نشأ في بدعة أو في بلد قد انتشرت فيه هذه البدعة.\nأقول: الخميني الذي أقام ثورته الإسلامية المكذوبة، والذي طبل له المغفلون في هذه البلاد وفي غيرها شرقًا وغربًا وصفق له المغفلون والجهلة في كل مكان ظنًا منهم أن هذه ثورة إسلامية، وهم لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين العقيدة الصحيحة وبين غيرها، بل معظمهم على غير العقيدة السليمة، وعلى غير عقيدة السلف، ولذلك الخميني له حكم ورعاع الشعب الإيراني لهم حكم، أما الخميني فإنما هو رأس في البدعة مجتهد فيها، داع إليها، فهذا له الحكم الذي ينطبق على معبد الجهني، وغيلان الدمشقي وغيرهم من أصحاب البدعة، أما عامة الشعب فلا يكفرون، وإنما يفسقون ببدعتهم، وفرق بين الكفر وبين الفسق.\nقال: [إذا كان داعية إلى الهوى فلا.\nقيل له: أصلي عليه؟ فلم يجب].\nيعني: إذا مرض هذا الرجل القدري وكان رأسًا في البدعة فلا تعده، وأما عن الصلاة خلفه فما استطاع أحمد ﵀ أن يتكلم، ولا أن يجيب عن هذا السؤال، وكان بحضرته إبراهيم بن الحارث العبادي.\n[فقال له إبراهيم بن الحارث العبادي وأبو عبد الله يسمع: إذا كان صاحب بدعة فلا تسلم عليه، ولا تصلي خلفه، ولا تصلي عليه.\nقال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: كافأك الله يا أبا إسحاق وجزاك خيرًا].\nوهذا إقرار منه لفتواه.","vol":"43","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>رأي الأئمة في ذبائح القدرية ورد شهادتهم</span>\nقال: [عن ابن سيرين: أنه كره ذبائح القدرية].\nوعن علي بن المديني شيخ الإمام البخاري وقرين أحمد بن حنبل قال: [سمعت معاذ بن معاذ حين قدم من عند هارون الرشيد في القدمة التي كان أجازه فيها هارون، فسمعته يقول: قال لي أمير المؤمنين: إني والله ما بعثت إليك لموجدة وجدتها عليك، ولكن لم أزل أحب رؤيتك ومعرفتك].\nيعني هارون يقول له: أنا ما أرسلت إليك لأجل خصومة بيني وبينك وغضب مني عليك، وإنما أرسلت إليك، لأني أحب رؤيتك، أيام ما كان الأمراء والخلفاء يحبون أهل العلم.\nثم قال: [بلغني أنك ترد شهادة قوم.\nقلت: يا أمير المؤمنين! قدرية ومعتزلة.\nقال: أصبت وفقك الله].","vol":"43","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-867>كراهة العلماء لمجالسة ومبايعة أهل القدر</span>\nقال: [عن إدريس القصير عن أبيه قال: شهدت عبيد الله بن الحسن العنبري واختصم إليه رجلان -كان قاضيًا عظيمًا مشهورًا، واختصم إليه رجلان في قضية من القضايا- فقال أحدهما: اشتريت منه عبدًا على أنه ليس به داء ولا علة ولا غليلة، بيع المسلم للمسلم وأنه قدري].\nيعني: ممنوع أن يكون هناك غليلة وإخفاء للعيب بين المسلم والمسلم، ولكني لما اشتريته وجدت هذا الغلام قدري، وهذا أمر لابد أن يبينه البائع، فلما اشتراه كان لزامًا على البائع أن يبين عيبه أنه قدري، ولما أخفى هذا العيب بطل البيع، ولذلك حكم عبيد الله العنبري ببطلان البيع للعيب.\nقال: [فقال عبيد الله بن الحسن له: إنما اشتريت مسلمًا ولم تشتر كافرًا فرد عليه].\nقال: [أرسل رجل من أهل خراسان بكتاب يسأل أبا ثور -وهو إمام عظيم من أئمة الفقه- فأجاب: سألتم رحمكم الله عمن قال: إن المعاصي لم تقدر هل هو فاسق يصلى خلفه].\nرجل يقول: المعاصي ليست من عند الله، ولم يقدرها الله ﷿ على العباد إنما هي من فعل البشر، ووقعت بمشيئة الفاعل ولا علاقة لمشيئة الله بها، فهل هو فاسق؟ وهل يصلى خلفه أم لا؟ فقال: [فهذا فاسق بتفسيق أهل العلم، لا يصلى خلفه، وهو داخل في حكم أهل القدر، ومن قال: الأشياء كلها بقدر إلا المعاصي فلا يصلى خلفه].\nوهذا يبين أن الأشياء من عند الله ﷿ خيرها وشرها، ويكفينا حديث النبي ﵊ (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره).\nفأثبت أن الشر بقدر.\nإذًا: الخير من الله والشر من الله، الخير أراده الله ﷿ وأمر به إرادة شرعية دينية، والشر نهى الله ﷿ عنه، ولكنه أراده في كونه إرادة كونية قدرية لا شرعية دينية.\n[قال سفيان بن عيينة: لا تصلوا خلف الرافضي، ولا خلف الجهمي، ولا خلف القدري، ولا خلف المرجئ].\nتصور عندما يذهب من يزعم أنه أمير جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يذهب إلى إيران بدعوى من الخميني، وهذا الرجل قد تربينا على يديه من سنة (١٩٧٩م) إلى سنة (١٩٨١م)، ثلاث سنوات ونحن نسمعه في مسجد سوق الآخرة بحلوان، وكان لا يتوقف عند المحطات الصغيرة، والذي كان يفسقه أهل العلم كان يكفره هو، فما بالك بالذي يكفره من أهل العلم؟! فكان قد حكم في ذلك الزمان بأن خميني إيران كافر، وأن هذه الثورة ثورة كاذبة لا تمت للإسلام بصلة، بل كان يحكم على طلاب إيران الموجودين في كلية دار العلوم في ذلك الوقت بالكفر، وكان يطردهم من مسجده، ويقول: إنما أتوا إلينا تقية؛ لأن خميني إيران سئل بعد ثورته بعام من قبل طلاب كلية دار العلوم بالقاهرة: ماذا نفعل في مسائل تعترضنا في حياتنا بمصر لا نجد لها جوابًا ولا نعلم لها حلًا في ديننا؟ أي: في دين الشيعة.\nقال: سلوا علماء الناصبة -أي: علماء السنة- ثم خالفوهم، فإذا قالوا حلالًا، فاعلموا أنه حرام، وإذا قالوا حرامًا فإنما هو حلال.\nهذه فتوى الخميني عليه لعنة الله.\nهذا الرجل لما فتن في دينه، وأراد أن يظهر، وقد حذرنا منه الصادقون المخلصون ولكننا على عادتنا ونحن في بداية طريقنا لم نقبل هدى الذي يريد أن يهدينا، ولا نصح الذي يريد أن ينصحنا، لأننا ألفنا أن نسمع من رجل واحد، وهذا خطأ، ولذلك أنت لا تعلم خطأ شيخك حتى تسمع من غيره، إذ كيف يتسنى لك أن تعرف الحق من الباطل وأنت تزعم أن كل إنسان ليس معصومًا إلا الأنبياء؟ فشيخك ليس معصومًا، فينبغي أن تسمع من غيره حتى يتبين لك الخطأ، فإذا كان الأمر كذلك فنحن خالفنا في أول الطريق حتى رأينا بأعين رءوسنا وقلوبنا أن هذا الرجل قد فتن، وأنه ذهب يبحث عن المناصب والمظاهر شرقًا وغربًا أماته الله ﷿، وهو حي الآن يحمل وزره، ولكنه في قلوب الشباب ميت لا قيمة له، ولا دعوى له تسمع.\nذهب هذا الرجل إلى إيران فصلى خلف الخميني، وهو الذي كان يكفره، صلى خلفه وقد مرت به هذه النصوص، وهو يعلم أن الصلاة خلف الرافضي لا تصح وتجب إعادتها، إذا صلى خلفه مسرورًا أو مكرهًا أو خائفًا، وجبت عليه الإعادة ولو إيماءً، فصلى خلفه ثم أتى إلى مصر وهو يشيد بثورة الخميني، ويقول: لقد جالسته فوجدته صالحًا! والله كلاكما كاذب، وأنت ما سافرت إلا ليقال: فلان سافر، وفلان رحل، وفلان قابل الزعيم الشيعي وغير ذلك.\nقال روح بن عبادة: [سمعت مناديًا ينادي على الفجر يقول: إن الأمير أمر ألا يبايع زكريا بن إسحاق ولا يجالس، فمن فعل ذلك فقد حلت به العقوبة لموضع القدر].\nأي: بعلة القدر.","vol":"43","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>موقف الحارث المحاسبي من أبيه لقوله في القدر</span>\nقال: [مات أبو الحارث المحاسبي] يعني: والد الحارث المحاسبي، وأنتم تعلمون أن الحارث المحاسبي كان إمامًا في الزهد والورع، وعاش في عصر أحمد بن حنبل، وأثنى عليه أحمد بن حنبل خيرًا في زهده وورعه وتقواه.\nولذلك لما سألت امرأة أحمد بن حنبل أيغزل في ضوء موكب السلطان، ثم يباع ويتربح ويتكسب من هذا وهذه الإضاءة وهذه الأنوار ليست له خاصة، فتعجب أحمد بن حنبل من السؤال، وقال: من السائل؟ قالت: أنا أخت الحارث.\nقال الإمام: من بيتكم خرج الورع، أما إنه لا يحل لك أنت بالذات إنما لسائر الناس يحل؛ لأن الأمر على الإباحة والجواز، لكن الحارث لو سمع بهذا ما أجازه من شدة ورعه وزهده وخوفه من الله ﷿، فقال: من بيتكم خرج الورع.\nكان والد الحارث المحاسبي قدريًا.\nقال: [يوم مات وحارث محتاج إلى أقل من درهم -أو كما قيل- لعيال وبنات عليه، وترك أبوه مالًا وضيعه وأثاثًا وأموالًا كثيرة نفيسة، فلم يقبل -أي: الحارث - منها شيئًا.\nفقيل له في ذلك؟ فقال: روي عن النبي ﵊: (أهل ملتين شتى لا يتوارثان)] نعم.\n(لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم).\nيعني الحارث المحاسبي يكفر والده، لأنه كان قدريًا.\nوهذا فارق ما بيننا وبين السلف! كما قيل للفقيه: إن الكلب قد بال على الجدار كيف نطهره؟ قال: بهدمه وبنائه سبع مرات.\nقيل له: إن الجدار بيننا وبينك.\nقال: إنما يكفيك شيء من الماء ترشه عليه.\nهذا الفقيه هو أنا أو أنت، إذا كانت النصوص لنا فبها ونعمت، وإذا كانت علينا لوينا رءوسنا وتنكرنا لها.","vol":"43","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-869>ما ذكر من مخازي مشايخ القدرية وفضائح المعتزلة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [ما ذكر من مخازي مشايخ القدرية وفضائح المعتزلة].\nعن معاذ بن معاذ قال: [كنت عند عمرو بن عبيد -وعمرو بن عبيد رأس في القدر- فجاءه رجل، فقال: ألا تعجب من فلان يزعم أن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد:١] في اللوح المحفوظ؟ فقال عمرو بن عبيد: لئن كانت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] وتب في اللوح المحفوظ فما على أبي لهب من لوم، وما على الوليد من لوم، يعني في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١]].\nيعني: جاءه رجل في حضرة معاذ بن معاذ يقول له: يا عمرو بن عبيد! يزعم رجل أن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] في اللوح المحفوظ.\nفقال له: إذا كانت في اللوح المحفوظ فلم يعاقبه الله وقد حكم عليه بأنه من الهالكين أولًا قبل أن يخلقه؟ ولم يعاقب الوليد والد خالد بن الوليد ﵁؟ وهو الذي نزلت فيه الآيات الطويلة في سورة المدثر: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر:١١ - ١٤] إلى آخر الآيات.\nقال: فلم يعاقبهم الله وقد قضى عليهم في الأزل أنهم من الهالكين.\nقال [عن ثابت البناني قال: رأيت عمرو بن عبيد في النوم يحك آية من المصحف، فقلت: ما تصنع؟ فقال: أثبت مكانها خيرًا منها].\nهذا عمرو بن عبيد يريد أن يثبت آية في كتاب الله خيرًا من كلام الله ﷿.\nوعن عاصم الأحول قال: [جلست إلى قتادة فذكِر في هذا المجلس عمرو بن عبيد، فقلت: يا أبا الخطاب! -وهي كنية قتادة - ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض.\nقال: يا أحول! أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة فينبغي لها أن تذكر حتى تعلم؟!] لأن النبي ﷺ استثنى أشياء من الغيبة، فذكرك أخاك بما يكره غيبة إلا ما استثناه النبي ﵊، ومن هذا المستثنى ذكرك صاحب البدعة، وصاحب الفجور الذي يجاهر بفجوره ومعصيته.\nولذلك تلك المرأة التي لاعنها زوجها هلال بن أمية عند النبي ﵊، قيل: لـ ابن عباس أهي هذه المرأة التي قال فيها النبي ﵊: (لو كنت جالدًا أحدًا أو راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت هذه) قال: لا.\nإنما هذه امرأة أعلنت السوء، والحديث في الصحيحين.\nيعني: لو كان يحل لي أن أرجم أحدًا بغير بينة ولا شهود ولا إقرار لرجمت هذه المرأة التي اشتهر عنها البغاء والزنا، ولكن لم يثبت عليها بشهادة أربعة، وهو نصاب الشهادة في الزنا فلا يحل إقامة الحد، بل من تكلم في عرض أحد بغير نصاب الشهادة جلد هو في ظهره ثمانين جلدة، وهو حد القذف.\n[قال: يا أحول! أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة فينبغي لها أن تذكر حتى تعلم؟!] هذا صاحب البدعة ينبغي أن يذكر ببدعته في المجالس وعلى الملأ حتى نحذر بدعته.\nقال: [فجئت من عند قتادة وأنا مغتم -لم يعجبه كلام قتادة، مع أنه كان قدريًا ثم تاب- لقوله في عمرو بن عبيد، وما رأيت من نسك عمرو بن عبيد وهديه]، يعني: غره نسك صاحب البدعة، وأصحاب البدع لعلهم أشد في العبادة من أصحاب السنة، فيغتر الجهلاء والحمقى بهذه العبادة، كيف لا والنبي ﵊ نفسه شهد بهذا فقال: (سيأتي أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).\nوأنكر أبو موسى الأشعري على هؤلاء الناس العبادة والذكر والتسبيح والتهليل، وابن مسعود الفقيه الصحابي الجليل ﵁ لم تنطلي عليه هذه العبادة، وأنها عبادة غير مستقيمة ولا مرضية، فلذلك قال لهم لما رآهم على هذه الكيفية من العبادة والتي لم تأت في سنة النبي ﵊ قال: إما أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة ولا أراه إلا هذا.\nأي: ولا أراكم إلا على ضلالة، مع أنه رآهم يسبحون ويكبرون ويهللون ويحمدون.\nفأنت رجل لا علم عندك، أول ما ترى صاحب بدعة له عبادة أو له شهرة بالدعوة إلى الإسلام تغتر به، مثل من سمع عن خميني إيران عندما قاد الثورة الإسلامية، الكل ذهب يطبل ويزمر فرحًا بالثورة الإسلامية الثورة بنيت على غير أساس ودليل، بل بنيت على الباطل من أولها إلى آخرها، وكل ما في الأمر أنه نجح في تطويع شعبه","vol":"43","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>سياق ما روي عن الرؤيا السوء من المعتزلة</span>\nقال: [وسمعت أبا أحمد عبيد الله بن محمد بن أحمد الفرايضي ﵀ الشيخ الصالح الأمين الثقة يقول غير مرة: كان رجل ضرير من أهل القرآن يقرأ علي، وأثنى عليه خيرًا أبو أحمد، فقال لي بعدما مات الجعد لعنه الله: قد رأيت رؤيا.\nفقلت: ماذا رأيت؟ قال: رأيت كأني كنت في مسجد وفيه جماعة من الناس يريدون الصلاة، وقد قام الإمام ليقيم الصلاة، فدخل رجل من برا -أي: من البر- وأسر إليه شيئًا، فالتفت الإمام وقال: قد مات جعد لا رحم الله جعدًا، وحشا قبره نارًا وأراح المسلمين منه].\nفموت الجعد كان لهذا الإمام بشرى طيبة، ولذلك أعلن قبل الدخول في الصلاة هذا القول، قال: [لا رحم الله جعدًا وحشًا قبره نارًا، وأراح المسلمين منه].\nولذلك حمل هذا الإمام على أن يصلي على الجعد، فقال: والله لأصلين عليه وإن حملتموني على ألا أصلي عليه.\nيعني: حتى لو لم تريدوا أن أصلي عليه لابد من أن أصلي عليه، فغضب عليه أهل السنة وتركوا الصلاة خلفه فترة من الزمان حتى قدموا إلى بيته، وقالوا: يا فلان، ما الذي حملك على أن تصلي على هذا الرجل؟ قال: وما الذي يمنعني من أن أصلي عليه؟ قالوا: كيف قلت في صلاتك؟ قال: والله ما قرأت فاتحة الكتاب، ولا صليت على النبي ﷺ ولا على أبي الأنبياء، وإنما أخذتها من أولها إلى آخرها: اللهم احشره في زمرة فرعون وهامان وقارون، اللهم العنه في الدنيا والآخرة، اللهم املأ قبره عليه نارًا، اللهم لا تخلفه بخير في المسلمين.\nوظل يدعو عليه، فاعترفوا به إمامًا للمسجد وصلوا خلفه بعد ذلك.\nقال الشيخ أبو أحمد: [قلت له: تعرف هذا الرجل الذي رأيت له الرؤيا؟ قال: لا والله ما أعرفه، ولا سمعت باسمه إلا في الرؤيا.\nقلت: هذا من متكلمي المعتزلة، وقد مات في هذه الأوقات.\nقال الشيخ أبو القاسم ﵀: وسمعته غير مرة يذكر أبا حامد المرورذي يثني على عمله، ويطنب في فضله وحسن صورته وجملته، فقال: رأيته في النوم وكأنه على سطح مسجد قاعد وحوله جماعة وسخة ثيابهم كأنهم يشبهون غلمان البزارين، وبين يديه طبق عليه عود يلوكه بأسنانه، وقد أسودت جلدة وجهه بعد حسنها ونضارتها في حياته، فلما نظرت إليه أنكر نظري وكأنه خُيل إليه أنه أنا نائله- أي: آخذ منه، أو مصيبه بشيء مكروه -لما أعلم مما كان يرمي به من بدعته.\nفقال: إنا لا نظلم الله.\nفقلت: ألا لعنة الله على الظالمين.\nفهمَّ الذين حواليه بسوء يوقعونه بي، فقرأت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وأخذت أشير بأصبعي، وكان ﵀ يشير في اليقظة كذلك وانتبهت].\nوهذا النص لا أراه نصًا صريحًا ولا صحيحًا ولا جيدًا، خاصة: وأن من رؤيت له هذه الرؤيا كان من كبار فقهاء الشافعية العاملين بسنة النبي ﵊.","vol":"43","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-871>سياق ما روي أن مسألة القدر متى حدثت في الإسلام وفشت</span>\nقال: [سياق ما وري أن مسألة القدر متى حدثت في الإسلام وفشت.\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي ﵊: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر)]، قوله: (لا يؤمن عبد).\nهل هذا النفي على إطلاقه؟ أي: لا إيمان للعبد ألبتة؟ هل هذا نفي لمطلق الإيمان أم الإيمان المطلق؟ يعني: نفي لأصل الإيمان أم نفي لكمال الإيمان؟ [قال أبو حازم: لعن الله دينًا أنا أكبر منه.\nيعني التكذيب بالقدر]، أي: لعن الله دين القدرية الذي أنا لا أعتقده، وأنهم يكذبون بالقدر.\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: [أتيت ابن عباس وهو ينزع في زمزم -يأخذ ماءً بدلو من زمزم- قد ابتلت أسافل ثيابه، فقلت: قد تكلم في القدر.\nقال: أوقد فعلوها؟ فقلت: نعم.\nفقال: والله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩] أولئك شرار هذه الأمة].\nوكل من ألفاظ العموم أو من الخصوص؟ لو قلت: من ألفاظ الخصوص، فأنت متفق مع القدرية بأن الله تعالى خلق الخير ولم يخلق الشر، لكن إذا قلت: إن كل من ألفاظ العموم فيشمل الخير والشر وهو من عند الله ﷿، والله ﷿ هو الذي خلقهم.\nوعن أيوب بن أبي تميمة السختياني قال: [أدركت الناس هاهنا وكلامهم: وإن قضى وإن قدر].\nيعني: وإن قضى الله قضاءً أمضاه، وإن قدر الله قدرًا أمضاه.\nوعن عثمان بن عبد الله قال: [أول من تكلم في شأن القدر: أبو الأسود الدؤلي.\nوأنتم تعلمون أن أبا الأسود الديلي] تاب ونزع من هذه البدعة، وقد مر بنا التنبيه على أن أبو الأسود الدؤلي ﵀ إمام من أئمة البصرة، بل هو الذي نقط القرآن وشكله وضبطه بأمر علي بن أبي طالب ﵁، وهو من سادات التابعين ومن أئمة اللغة، وهو الذي وضع علم العروض وعلم العربية وغير ذلك من مناقبه العظيمة، ويكفي أنه تلميذ علي بن أبي طالب.\n[عن الحسن بن محمد قال: أول من تكلم في القدر حين احترقت الكعبة] سنة أربع وستين هجرية.\nكانت هذه أول مرة تحترق فيها الكعبة، وقد احترقت بعد ذلك مرات، وسرق الحجر الأسود منها مرات، لكن أول مرة حرقت الكعبة كانت سنة أربع وستين في دولة بني أمية على يد الحجاج في زمن الزبير، فقال قائل أهل السنة: إن احتراق الكعبة من قدر الله، فقال آخر: ما كان هذا من قضاء الله.\nإحراق الكعبة شر من عند الناس، والناس هم الذين يفعلون الخير والشر، ويجري على أيديهم الكسب، والكسب هو العمل، والعفة مخلوقة في العبد، والشر مخلوق في العبد، والزنا مخلوق في العبد.\nهل هناك خالق غير الله ﷿؟ فالله ﷿ خلق الشر وقدره ولم يرض عنه وحذر منه، وعاقب عليه بخلق النار، وأمر بالطاعة وأحبها ورضيها ويسر لها أهلها، ثم كافأهم بأن جعل لهم في الآخرة الجنة.\nعن حازم قال: [سمعت حوشب يقول لـ عمرو بن عبيد في حبوة الحبس: ما هذا الذي أحدثت؟ قد نبت قلوب إخوانك عنك.\nقال: انطلق إلى الحسن حتى نسأله عن هذا الأمر.\nقال: كسرها الله لو ذهبت إليه -يعني: رجليه- وكان قتادة يتكلم في حقه ويسبه وربما يلعنه، قال: فجثوت -أي: عاصم الأحول - على ركبتي، وقلت: يا أبا الخطاب! وإن الفقهاء ينال بعضهم من بعض -يعني: لا يصح أن تقع فيه ولا هو يقع فيك- قال: يا أحول! رجل مبتدع ابتدع بدعة تذكر بدعته خير من أن يكف عنها.\nقال: فوجدت على قتادة -أي: فغضبت منه- فوضعت رأسي، فإذا بـ عمرو يحك آية من القرآن.\nقلت: لم تصنع؟ قال: إني أعيدها.\nقال: فحكها.\nقلت: أعدها.\nقال: لا أستطيع].\n[عن ابن عون قال: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان حتى نشأ هاهنا حقير يقال له: سنسويه البقال].\nوهو اسم فارسي معرب بـ سوسن، وهو رجل نصراني أسلم ثم ارتد، ثم أسلم ثم ارتد، فتكلم في القدر، فأخذ عنه معبد الجهني قال: [فكان أول من تكلم في القدر.\nقال حماد: ما ظنكم برجل يقول عنه ابن عون: هو حقير؟!] يعني: تكفي عليه هذه الشهادة.\nوقال الأوزاعي: [أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن كان نصرانيًا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد].\nوهلم جرا إلى يومنا هذا.\nفبدعة القدر أصلها نصراني من العراق، ومعظم الفتن أصلها العراق، والنبي عليه الصلاة والسل","vol":"43","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-872>الأسئلة</span>","vol":"43","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-873>حكم الاستدلال بالرؤى على الأحكام</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  فيما يتعلق برؤى أهل العلم، هل يترتب على هذا شيء في الاعتقاد أو غيره؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الرؤى والأحلام في مذهب سلفنا ﵃ لا يبنى عليها اعتقاد، وإنما هي من المبشرات، والصحابة ﵃ منهم من رأى الخير في منامه ومنهم من رأى الشر، ورؤية الشر في المنام لا تعد من أسباب سوء الخاتمة، يقول النبي ﵊: (من رأى منكم في منامه ما يكره فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا، وليتفل عن يساره ثلاثًا، ويتحول عن مكانه الذي كان ينام فيه، ولا يخبر بذلك أحدًا، فإنها إن شاء الله لا تضره).\nإذًا: الذي يرى ما يكره في منامه عليه: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بمجرد أن يستيقظ، وأن يتفل عن يساره ثلاثًا، وأن يقوم فيتوضأ ويصلي ركعتين، ولا يخبر بذلك أحدًا، فإنها إن شاء الله لا تضره.","vol":"43","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>الجمع بين حديث: (ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة) وحديث ادخار الدعاء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كيف نوفق بين قول النبي ﵊: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)، وبين الحديث الآخر الذي مؤداه: أن الدعاء يجاب في الحال، أو في المآل، أو يدخر له إلى يوم القيامة، أو يدفع من السوء مثله، كيف نجمع بين اليقين بإجابة الدعاء، وبين ما سبق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس هناك تعارض بين الدليلين.\nقوله ﵊: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)؛ وبين قوله ﵊: (دعاء المؤمن إما أن يدخر له إلى يوم القيامة، أو يدفع عنه من الشر مثله).\nأنا في كل الأحوال على يقين بأن الله تقبل دعائي خاصة إذا حققت شروط قبول الدعاء من أكل الحلال واليقين بالله ﷿، والتوكل عليه، وغير ذلك من أسباب الطاعة التي تؤهلني لرفع دعائي إلى الله ﷿، فإذا كان الأمر كذلك فأنا على يقين بأن الله تقبل دعائي، خاصة وأن النبي ﷺ أخبرني أن قبول الدعاء ليس بلازم أن يكون مرئيًا رؤيا العين؛ لأن الله تعالى يؤخر لي الإجابة ليكافئني بها يوم القيامة، أو يدفع عني من الشر الذي لا أعلمه مثل الذي طلبته، فأنا أحوالي كلها تدور من خير إلى خير إلى خير، فإذا كان النبي ﷺ وعد بهذا فما الذي يضيرني أن أعقد قلبي وأعزم عقيدتي على أن دعائي مجاب في كل الأحوال، فليس هناك تعارض بين الدليلين.","vol":"43","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>المكتوب في اللوح المحفوظ هو علم الله فيما سيعمله العبد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل المكتوب في اللوح المحفوظ هو قدر الله على العباد، أم أنه علم الله بما سيعمله العباد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المكتوب في اللوح المحفوظ هو علم الله ﵎ فيما سيعمله العباد، فقدره عليهم ثم كتبه.","vol":"43","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>معنى قوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه الآية وافقت قول النبي ﵊: (الله خالق كل صانع وصنعته) فأنت مخلوق لله ﷿، وهذا الذي يوافق قول الله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].\nأي: وما تصنعون.\nفهذا الكلام الذي تتكلمه أنت مخلوق فيك أي: حركات فمك ولسانك وأطرافك وحلقومك وغير ذلك كلها حركات مخلوقات، والصوت الذي خرج من فمك مخلوق كذلك.\nأما الذي تتكلمه فإما أن يكون مخلوقًا أو غير مخلوق، فإن تكلمت بكلام الله ﷿ فكلام الله غير مخلوق، وإن تكلمت بكلام غير الله فكلام غير الله مخلوق.\nوحركاتك وأداؤك وإخراجك الحروف والأصوات مخلوق، وصناعتك ومشيك وقعودك وسكونك وحركتك كل هذا مخلوق، وأعمالك التي تنتجها كلها مخلوقة لله ﷿، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].","vol":"43","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-877>مصير الكفار في الآخرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الكافر يوم القيامة داخل في مشيئة الرحمة أو العذاب، أم أنه ليس له إلا النار؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الكافر لا رحمة له في الآخرة، وليس له إلا النار.","vol":"43","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>الأحاديث في غير الصحيحين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل كل حديث خارج الصحيحين لا يعمل به إلا بعد التأكد من صحته أو حسنه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كل حديث ليس في الصحيحين ينبغي البحث عن أحوال رواته وعنه قبولًا وردًا.","vol":"43","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>صحة حديث: (استوصوا بأهل مصر خيرًا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول النبي ﵊: (استوصوا بأهل مصر خيرًا، وبأرض الكنانة).\nهل هذه الأحاديث صحيحة أم لا؟ وما معنى كلمة: شعب مصر وهل هو دليل أم كلام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه الأحاديث في مجموعها حسنة.","vol":"43","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>تفسير رؤيا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رأيت في المنام الشيخ يمسك يدي اليمنى ويقرأ قرآن، وعندما استيقظت من نومي سمعت هذا القرآن في محطة القرآن الكريم، أرجو الإفادة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الكلام هذا غلط، لا يحل للشيخ أن يمسك بيدك وأنت أجنبية.","vol":"43","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>حكم المجامع يسمع أذان الفجر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجب على من يجامع أهله أن ينزع عند الأذان الصادق؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nبل قبل الأذان الصادق، ولكن إن وافق ذلك الأذان نزع، مع أن هذه مسألة قد اختلف فيها أهل العلم، قالوا: لو أن الرجل سمع أذان ابن أم مكتوم وهو يجامع ماذا يصنع، والنبي ﷺ يقول: (إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم).\nقال الجمهور: إذا كان الرجل يجامع أهله فسمع تأذين ابن أم مكتوم فلينزع.\nقال الأحناف: لا ينزع.\nقيل: لم؟ قالوا: لأن النزع لذة، ولا تحل اللذة بعد دخول الوقت.\nفيقال لهم: فماذا يعمل؟ هل يبقى مجامعًا حتى ليل اليوم الثاني؟ طبعًا رأي الأحناف رأي باطل وفاسد، والمذهب الصحيح أن الرجل ينبغي عليه أن ينزع قبل الفجر الصادق في وقت يسمح له بالاغتسال والطهارة.\nفإذا قام من الليل وظن أن الفجر بقي عليه من الوقت ما يسمح له ثم جامع ففوجئ بالأذان وجب عليه أن ينزع ثم يبادر بالاغتسال، وإن جامع الرجل ونام بلا غسل وهو ينوي أن يقوم قبل الفجر ليغتسل ثم أخذته نومة فقام بعد أن طلع النهار أو أذن الفجر فلا شيء عليه، ويغتسل، ويتم صيامه ولا إعادة عليه.","vol":"43","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>نصيحة لموسوس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  خلاصة\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنه موسوس، لا يكاد يتوضأ وضوءًا إلا ويرهقه الوساوس، وهو في الصلاة كذلك، وبعد الصلاة إذا خرج منه ريح يسأل هل يذهب يتوضأ حتى يتمكن من التسبيح أم التسبيح يحصل بغير وضوء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  التسبيح يمكن بغير وضوء، وذكر الله تعالى على غير وضوء جائز، وهذا مذهب العلماء.\nأما السائل الذي يسأل عن وسوسته عند قيامه للصلاة، فهذا السائل نسأل الله تعالى لنا وله العافية، فالوسوسة ليست من دين النبي ﵊، ولهذا نقول: ما عليه إلا أن يتوضأ ثلاثًا ويقف خلف الإمام، ويكبر للصلاة فور تكبير الإمام، ولا شيء عليه بعد ذلك، والنبي ﵊ يقول: (إذا دخل أحدكم في صلاته فلا يخرج منها حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) وهذا يدل على المبالغة في رد الوسواس.","vol":"43","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-883>حكم رواية المبتدع بدعة مكفرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  المبتدع إن كفر ببدعته ترد روايته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nإن كفرته ببدعته ترد روايته، وإن لم يكفر ببدعته ولم يستحل الكذب وتوافرت فيه شروط قبول الرواية قبلت.\nمداخلة: وهل هناك فرق بين المبتدع الداعية وغير الداعية؟ الشيخ طبعًا هناك فرق بين المبتدع الداعية وغير الداعية، فالداعي إلى بدعته يغلب عليه الكذب، ولذلك ترد روايته، وهناك فرق بين المستحل وغير المستحل.","vol":"43","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>حكم الصلاة خلف القدرية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من عقائد أهل السنة والجماعة: (أن الصلاة تجوز خلف كل بر وفاجر)، وأنت قلت: إن الصلاة لا تجوز وراء القدرية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس هذا قولي: (إن الصلاة لا تجوز خلف القدرية)، بل إن أمة لا إله إلا الله تقول هذا الكلام، والذي قلته هو إن الصلاة تجوز خلف كل بر وفاجر ما لم يكن مبتدعًا بدعة تكفره ويدعو إليها.","vol":"43","page":24},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-885> جماع الكلام في الإيمان - الأركان الخمسة</span>\nجماع الكلام في الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت، وتؤمن بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وتعلم أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذا هو مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة، ومن خالف أهل السنة والجماعة في شيء من ذلك فهو من أهل الضلالة والزيغ والغواية.","vol":"44","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>مسلك اللالكائي في كلامه عن مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد: فهذا كتاب (مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة) لإمام كبير من أئمة السنة، وهو أبو القاسم الطبري اللالكائي ﵀، وهو كتاب عظيم جدًا في بابه، فقد جمع شتات مسائل الاعتقاد التي خالفت فيها الفرق الضالة أهل السنة والجماعة.\nوهذا الكتاب سلك فيه مؤلفه مسلكًا عظيمًا وإن كان فيه شيء من الخلل، فقد ذكر المسائل التي خرج بها من خرج عن حد الاستقامة من أصحاب الفرق الضالة، والتي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة، وإذا كانت المسألة محل نزاع عند أهل السنة فإنه لا يذكر هذا النزاع ولا يعتني به، وإنما يذكر ما ترجح لديه وأدلته، فمثلًا في مسألة رؤية الله ﷿ للنبي ﵊ لم يسق فيها الخلاف الذي حدث، وإنما ذكر ما ترجح لديه -وهو الراجح حقًا- أن النبي ﵊ لم ير ربه بعيني رأسه، وإنما رآه بفؤاده، فساق الأدلة لإثبات هذا المعتقد، وهو الصحيح.\nفهو لا يعنى بالخلاف حتى وإن كان هذا الخلاف بين جماعة أهل السنة والجماعة.\nوالكتاب قد شرحناه منذ عام يقل قليلًا أو يزيد قليلًا، ولن نرجع نسرد أدلة الكتاب ونقرأ الأبواب من أول الكتاب، وإنما سنبني على ما مضى، وكنا قد وقفنا عند موضوع حيوي جدًا، وهو الكلام في الإيمان وأصوله، والتعليق على عقائد الفرق الضالة.\nوهذا الموضوع بدأ في نهاية الجزء الرابع وينتهي في نهاية الجزء التاسع، والكتاب طبع في خمسة مجلدات، الأربعة الأولى كل واحد منها جزءان، وكان الجزء الثاني مفقودًا من المخطوط، ولكن المحقق عثر عليه أخيرًا فطبعه في مجلد مستقل.\nوقد عقدنا العزم على دراسة كتب السنة المفردة -أي: كتب الاعتقاد المسندة- ككتاب الإيمان لـ ابن مندة، وكتاب السنة للخلال، وكتاب السنة لـ عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الشريعة للإمام الآجري، وغيرها من الكتب لمؤلفيها.","vol":"44","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>جماع الكلام في الإيمان</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب جماع الكلام في الإيمان.\nسياق ما روي عن النبي ﵊ في أن دعائم الإيمان وقواعده: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان].\nوسنستغني عن ذكر الأدلة الضعيفة وسردها، وسنذكر الأدلة الصحيحة، ولن نذكر الإسناد وإنما سنذكر المتن مع الصحابي الذي رواه، أو مع الراوي الذي قاله.\nقال ابن عباس: [إن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﵊ أمرهم بالإيمان بالله قال: (أتدرون ما الإيمان؟)].\nووفد عبد القيس كانوا لا يأتون النبي ﵊ إلا في الأشهر الحرم؛ لأن بينهم وبين النبي ﵊ كفار مضر، فقالوا: (يا رسول الله! إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا، فقال النبي ﵊: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم).\nوهذا من شدة أدبهم ﵃، وإلا فالإيمان بالله معلوم لدى العامة فضلًا عن الخاصة، ووفد عبد القيس أتوا إلى النبي ﵊ ليسألوه عن أصول دينهم، وعما يجب عليهم وما حرم، وعما أحل لهم، فهم لم يكونوا يعملون ذلك، فالنبي ﵊ قال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم).\nومن أدب الطالب: أن ينسب الجهل إلى نفسه، وأن ينسب العلم إلى شيخه، وإن كان جاهلًا، وهذا من باب حسن الأدب ومكارم الأخلاق، حتى يستفيد مما عند شيخه، ولو أن طالبًا أظهر ما عنده من علم ثم عرج على جهل شيخه فإنه لن يحظى منه بشيء، فالأدب الصادق أن يظهر جهله وإن كان عالمًا، وأن يظهر علم الشيخ وإن كان جاهلًا.\n[[(قالوا: الله ورسوله أعلم.\nفقال النبي ﵊: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)].\nوالصواب أن هذا الحديث ليس فيه الحج؛ لأن الحج لم يكن قد فرض بعد، فهو إنما فرض مؤخرًا، والسؤال كان قبل فرض الحج، فيكون الأمر: (آمركم بالإيمان بالله، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان).\nوليس فيه الحج.\nثم قال: [(وأن تؤدوا الخمس من المغنم)].\nأي: من المغانم، فقد كانوا أهل جهاد مع كفار مضر، وأهل الجهاد إما أن يخسروا وإما أن يغنموا، فلما غلب النصر على هؤلاء لزم من ذلك حصولهم على الغنائم الكثيرة، فالنبي ﵊ قال لهم: (وأن تؤدوا الخمس من المغنم).\nوليس معنى ذلك أن أداء الخمس معطوف على ما أمرهم به ﵊ من أصول الإيمان، بل هو من الإيمان، وقد أفرده البخاري في كتاب الإيمان له فقال: باب قوله: باب أداء الخمس من الإيمان.\nوقد ذكره في نهاية كتاب الإيمان من صحيحه، وعد أداء الخمس شعبة من شعب الإيمان.\nفهنا قال: (آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقالوا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان).\nوقد كان قال لهم: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع).\nوقوله: (وأن تؤدوا الخمس من المغنم) تعد خامسة، فهي معطوفة على قوله: (آمركم بأربع).\nيعني: ليست داخلة في الأربع، وإنما هي خامسة، فقد كانوا في حاجة إليها لأنهم أهل جهاد، فزادهم ما يخص عملهم وكفاحهم وجهادهم مع كفار مضر، فهم لما كانوا أهل جهاد وغنيمة لزمهم في ذلك أن يؤدوا الخمس، فزادهم هذه من عنده، وليس هذا من الأربع التي أمرهم بها ﵊، بل هذا أمر مستقل يبعد عما أراد النبي ﵊ أولًا أن يأمر به.\nقال: (وأنهاكم عن الحنتم والنقير والدباء والمزفت).\nوهذه أوان كان يستعملها العرب في الجاهلية في تخمير الخمر، والشيء إذا وضع في هذه الأواني كان سريع التخمر والحموضة، فنهانا النبي ﵊ عن استعمال هذه الأواني.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري.\nقال: [عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)].\nوهذا الحديث كذلك عند الشيخين في الصحيحين.\nوالشاهد في هذا الحديث قوله: (بني).\nوهذا يدل على أن دعائم الإيمان والإسلام تقوم على هذه الأسس؛ لأنها مبانٍ، وليست مكملات ولا فرعيات ولا شكليات، وإنما هي مبانٍ كالقواعد والسواري والأعمدة للبناء العظيم الذي هو الإسلام، وهذا يعني أن من لم يأت بقائمة من هذه القوائم اختل إسلامه، فالخلل لا يقع في الإيمان فحسب","vol":"44","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-888>سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإسلام أعم من الإيمان والإيمان أخص منه</span>\nقال: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإسلام أعم من الإيمان، والإيمان أخص منه].\nالإسلام دائرته أوسع من دائرة الإيمان، فدائرة الإيمان خاصة، ودائرة الإسلام عامة، فالإسلام أعم من الإيمان، والإيمان أخص منه.\n[قال الله ﵎: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات:١٤]]، أي: ادعوا أنهم قد آمنوا، [﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]].\nفانظر إلى نفي الله ﷿ ادعاء الأعراب أنهم آمنوا، [﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]].\nأي: لم يدخل بعد، ولكنه سيكون في المستقبل، فـ (لما) تفيد عدم التحقق حالًا، وربما يتحقق مآلا في المستقبل، ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤] فهنا فرق بين الإيمان والإسلام، بأن الإيمان شيء والإسلام شيء آخر.\nفالإسلام أصل وهو يثبت لصاحبه ومدعيه بالشهادة وإن كان كاذبًا.\nيعني: لو قالها متعوذًا ثبت له الإسلام ظاهرًا في أحكام الدنيا وإن كان عند الله كافرًا، ولو قالها كافر في ساحة الوغى والجهاد فرارًا من القتل لما تمكن منه المسلم فيجب على المسلم الذي تمكن منه وكان على وشك قتله أن ينتهي عن قتله، وإلا صار آثمًا إثمًا عظيمًا، ولا أدل على ذلك مما فعله أسامة بن زيد ﵄، فإنه لما تمكن من رقبة كافر نطق بالشهادتين فقتله أسامة، فلما أخبر النبي ﵊ بذلك قال: (يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله.\nفقال أسامة: إنما قالها متعوذًا).\nيعني: يريد أن ينجو بها لما أيقن الهلاك، فقال النبي ﵊: (يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله.\nقال: يا رسول الله! قالها تعوذًا.\nقال: يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله.\nثلاث مرات، حتى قال أسامة: ليتني ما أسلمت إلا الآن).\nيعني: يا ليت هذا الجرم لم يقع مني في حال إسلامي، ويا ليتني أسلمت الآن إسلامًا لا خطأ فيه، وحزن أسامة على فعله حزنًا شديدًا حتى مات رضي الله تعالى عنه.","vol":"44","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>ما ينقض به الإسلام</span>\nالإسلام يثبت بكلمة الشهادة، وإذا ثبت بهذه الكلمة فلا ينتفي إلا بما يضادها، فإذا أتى بنقيضها كأن يصرح بأنه يعبد إلهًا آخر غير الله ﷿ كفر، كهؤلاء الذين ظهروا في مصر مؤخرًا يعبدون الشيطان، وقد صرحوا بأنهم يعبدون الشيطان، فالذي يعبد إلهًا غير الله يكفر، وإن لم يكفر فلا يوجد في الدين أو الدنيا كفر بعد ذلك، فهؤلاء قد كفروا من أوسع الأبواب، وكذلك من رضي بفعلهم والتمس العذر لهم مع إقرارهم الذي لا يحتاج معه إلى إقرار، وهم معلومون بأعيانهم وذواتهم؛ لأنهم من أبناء علية القوم، فهم قد كفروا بالله العظيم، كما كفر ذلك الدعي الذي سماه الناس أو سمى نفسه أو سمته وزارة الثقافة حيدر، وهو صاحب الكتاب المشهور الذي ذكر فيه قبل أسبوعين أن كلام الله (خرى) هكذا -أعوذ بالله- وأن الله تعالى كذاب فاشل.\nهكذا قال، وأن الرسول مزواج كما جاء في كتابه.\nفهذا الكلام كفر بواح، ومن دافع عنه بأنه ليس كفرًا أو أن كاتبه أو ناشره أو طابعه أو طالبه ليسوا كذلك فهو كذلك كافر، فمسائل الإيمان والكفر لا تحتاج إلى هوادة خاصة في هذا الزمان الذي رفع فيه كل كذاب عقيرته، بل ينبغي في مسائل الإيمان والكفر وضع النقاط على الحروف من أول وهلة؛ حتى يعلم كل عبد أهو مسلم أو كافر.\nوإذا كنا أهل السنة ندع هؤلاء بيننا يتكلمون بما شاءوا من طعن في الله ﷿، وفي الرسول والقرآن ثم نذهب نلتمس لهم الأعذار التي لا يتمنونها هم فهذا خبل وجنون.\nهو نفسه لا يتمنى ذلك، ولا يريد أن يلتمس أحد له عذرًا، بل إنه أتى برسالة ومهمة يؤديها على أكمل وجه تحت عين ونظر وبصر وزارة الثقافة، وإن شئت فقل: وزارة السفالة والإباحة المصرية.\nفهذا كفر ليس بعده كفر، ومن رأى غير ذلك فليهنأ بكفره ذلك، سواءً كان ذلك كبيرًا أو صغيرًا، أو حتى رجل الشارع.\nفهذه مسائل لا يعذر بالجهل فيها، فلا يعذر بالجهل من سب الله ﷿؛ لأنه لا يجهل أحد أن سب الله تعالى كفر حتى يسب الله تعالى، ويسب كلام الله القرآن الكريم.\nوأما أن يهان الله ﷿ وحاشاه أن يهان، أو يهان كلامه، أو يهان رسله وأنبياؤه ونحن باقون على وجه الحياة فلا قيمة لنا، والموت أهون من كل شيء، وهو خير من أن يحاسبنا الله ﷿ كيف قيل هذا الكلام ولم يكن لكم فيه كلام ولا رد.","vol":"44","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-890>ثبوت أصل الإيمان بالإسلام</span>\nقال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: الإسلام باق لكم، وأما الإيمان الذي تزعمونه وتدعونه فإنه شيء آخر لم تكسبوه بعد.\n﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، أي: فهذا غير موجود الآن، وليس معنى ذلك أن الإيمان لم يوجد منه شيء قط في قلوبهم؛ لأن الإيمان قول وعمل، والعمل إما بالقلب وإما باللسان والجوارح، والقول هو إقرار العبد بلا إله إلا الله محمد رسول الله، وإقراره بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالقدر خيره وشره، فإذا آمن العبد بهذا فقد آمن بأصول الإيمان.\nأي: تمسك بأصول الإيمان.\nوأما كمال الإيمان ونقصانه فهذا محله الطاعات التي فرضها الله ﷿ على العباد من الفرائض والواجبات والسنن والمستحبات وغير ذلك، فكلما اجتهد فيها العبد وأداها على أكمل وجه كلما ازداد إيمانه، وكلما قصر في شيء من ذلك فقد قصر في شيء من تمامه وكماله، وهذا يعني أن المسلم لابد أن يكون عنده شيء من الإيمان، ولذلك أهل العلم يفرقون بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فالإيمان المطلق: هو الإيمان الكامل الشامل، وهو تمام الإيمان وكماله وزيادته إلى أقصى حد، وأما مطلق الإيمان فهو أصل الإيمان.\nوالإيمان له قاعدة وجذور، وله فروع، فأصل الإيمان موجود مع من دخل في دين الله -أي: في الإسلام- ولو بمجرد النطق بالشهادتين، واستقرار هذا الأصل الإيماني محله القلب.\nفالإيمان الآن له أصل وله فروع، فالأصل موطنه القلب، وهو أنه إذا نطق بالشهادتين صدق هاتين الشهادتين وآمن بهما، وأحبهما وعلم معناهما، وهو على استعداد كامل لأداء ما أوجبته هذه الكلمة، وكل هذا محله القلب، ويسمى إيمانًا، فالمسلم معه أصل الإيمان، ثم يأتي بعد ذلك بالطاعات التي هي عمل الجوارح، فكلما ازداد المرء منها ازداد من الِإيمان بفروعه وجذوره وأصوله، فكلما ازداد العبد من الطاعات ازداد إيمانه ويقينه بالله ﷿، وكلما نقص نقص إيمانه، حتى إذا ترك العمل بالكلية خرج من إيمانه بالكلية إذا خرج من أصل هاتين الكلمتين، وهما: الشهادتان.","vol":"44","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>مخالفة المرجئة لأهل السنة في زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] لا يعني أنهم كفار، بل المسلم معه أصل الإيمان، ولا يتصور إسلام بلا إيمان، وهذه شبهة من قال: الإيمان هو التصديق، والتصديق محله القلب وليس الجوارح، فقالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لا يتصور على تعريفنا للإيمان بأنه التصديق أن يكفر بهذا، لأن المصدق للخبر إذا نقص تصديقه نقص إلى العدم، فكأن المصدق للإسلام والإيمان إذا نقص تصديقه فقد ذهب إيمانه، ولذلك الإيمان عند المرجئة لا يزيد، كما أنه غير قابل للنقصان؛ لأنه إذا نقص يكفر صاحبه كما قالوا، فهم يقولون: الإيمان هو التصديق، وأما أهل السنة والجماعة فالإيمان عندهم ليس هو التصديق فحسب؛ لأن التصديق عند أهل السنة يعني أصل الإيمان الذي لا يثبت إسلام العبد إلا به، ولكن كمال الإيمان وتمامه باب آخر عند أهل السنة والجماعة، وله تعليق آخر عند أهل السنة والجماعة.\nوليس معنى ذلك أن أهل السنة لا يقولون بأن الإيمان هو التصديق، بل يقولون: بأن الإيمان هو التصديق والزيادة.\nفالتصديق عند أهل السنة يعني التصديق بالشهادتين، وهو: استقرار أصل الإيمان في القلب.\nوالجوارح لها عمل، والقلب له عمل، وعمله: المحبة والرضاء والتصديق والإيمان، وكل هذه أعمال قلبية، فالقلب له عمل كما أن الجوارح لها عمل، ولكن عمل القلب أصل في الإيمان، وأما عمل الجوارح فهو من مكملات ومتممات الإيمان، ومن أسباب كماله وزيادته، وبعض أعمال الجوارح أصل في الإيمان.","vol":"44","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>تفريق العلماء بين الإيمان والإسلام</span>\nقال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤].\nهذه الآية تدل على أن الإسلام لابد أن يكون معه أصل الإيمان.\nقال: [وقال الزهري: الإيمان: العمل].\nعرف الإيمان بالعمل، والزهري من أكابر أهل السنة، فقال: الإيمان هو العمل.\nأي: عمل القلب وعمل الجوارح.\nولو أن إنسانًا عمل بجوارحه جميع أعمال الطاعات التي تؤدى بالجوارح ولم يستقر الإيمان في قلبه لم يصلح إيمانه، بل لا يصلح إسلامه أيضًا، وإن استقر الإيمان في قلبه ولم ينطق بالشهادتين لم يصح إسلامه، فلو أن أحدًا يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويعمل كل شيء ويجاهد ولكنه يبغض هذا كله فليس بينه فرق وبين عبد الله بن أبي بن سلول، فقد كان يصوم ويصلي ويزكي ويحج، بل كان يجاهد مع النبي ﵊ في ساحة الجهاد، ولكنه لم ينفعه ذلك؛ لأن أعمال الجوارح هذه كلها لم يستقر أساسها وأصلها في قلبه، بل كرهها وأبغضها، وإنما كان يفعلها نفاقًا ورياءً.\n[قال الزهري: الإيمان: العمل.\nوالإسلام: الكلمة]، يعني: الإسلام يثبت بمجرد الكلمة.\nوالمبحث الذي تدور حوله المشكلة دائمًا ليس في كيفية ثبوت الإسلام، بل الكل يعلم يقينًا أن الإسلام يثبت بالكلمة، بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، ولكن كيف يخرج المرء من الإسلام، فالقضية كلها في أحكام الردة، والمشكلات التي تثار حول الإيمان والإسلام كلها متعلقة بكيف يحكم بالردة على المسلم.\nقال: [وعن الحسن البصري ومحمد بن سيرين أنهما كان يهابان مؤمن ويقولان: مسلم].\nوهذا من باب كراهة التزكية، وأن الله تعالى أعلم بمن اتقى، وهؤلاء كانوا يقولون: نحن مسلمون، أو أنا مسلم، ولا يزكون أنفسهم بقولهم: أنا مؤمن.\nوفي حديث جبريل لما سأل النبي ﵊ عن الإسلام عرفه له وبينه، ثم سأله عن الإيمان فعرفه وبينه، ثم سأله عن الإحسان، وهذا يدل على أن كل محسن مؤمن، وليس كل مؤمن محسن، ويدل على أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن.\nوبين هذه الألفاظ والمصطلحات الثلاثة عموم من جهة وخصوص من جهة أخرى.\nوأما إذا كان قول أحدهم أنا مؤمن من باب بيان الحال، وكذلك يؤدي إلى نفع المجتمع فإنه لا بأس أن يقول المرء: أنا مؤمن.\nقال: [وبه قال من الفقهاء: حماد بن زيد ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وأحمد بن حنبل] أي: نفس هذا الكلام.","vol":"44","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-893>تفريق النبي ﷺ بين الإيمان والإسلام</span>\nقال: [عن عامر بن سعد - وهو ابن سعد بن أبي وقاص ﵁- يروي عن أبيه قال: (أن النبي ﵊ أعطى رجالًا ولم يعط رجالًا)].\nيعني: في توزيع الغنائم أعطى النبي ﵊ أناسًا ولم يعط آخرين، [(فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله! ما بالك أعطيت أناسًا ولم تعط آخرين، وإني لأراهم مؤمنين -يعني: رأيتك أعطيت فلانًا ولم تعط فلان وهو مؤمن- فقال النبي ﵊: أوهو مسلم.\nفقال: يا رسول الله! هذا مؤمن)].\nوهذا لما يعلمه سعد بن أبي وقاص من حال ذلك الرجل، وأنه يأتي بجميع الطاعات صغيرها وكبيرها ويحافظ عليها، فهو قدوة ومثل يقتدى به، ومعلوم من صلاحه وتقواه الشيء الكثير، ولذلك أصر سعد بن أبي وقاص على أن هذا الرجل مؤمن، ولكن لما كان الإيمان أصله القلب ثم يظهر ذلك على الجوارح، وربما ظهر على الجوارح ما لا يدل بالضرورة على أصله في القلب كان الحكم بالإيمان لله ﷿ أو للرسول ﵊ إذا أطلعه ربه على إيمان عبد بعينه، ولكن سعد بن أبي وقاص لما أعطى النبي ﵊ أناسًا من الغنائم ولم يعط آخرين قال لرسول الله ﷺ: (إنك أعطيت فلانًا ولم تعط فلانًا، وإني لأراه مؤمنًا، فقال النبي ﷺ ثلاثًا: أو هو مسلم -يعني: يا سعد أو هو مسلم- قال: يا رسول الله! بل مسلم) ثلاث مرات ينازعه سعد في إثبات إيمان من منعه وحرمه النبي ﵊ من قسم الغنائم، ثم بين له النبي ﵊ في هذا الحديث أن الفرق قائم بين المؤمن والمسلم، وهذا يدل على أن الإسلام شيء والإيمان شيء آخر أخص منه، فبين النبي ﵊ عذرًا لإعطائه أناسًا وحرمانه آخرين رغم بيان الأفضلية ولو في الظاهر، فقال: [(إني لأعطي أناسًا وغيرهم أحب إلي منهم؛ مخافة أن يكبهم الله تعالى على وجوههم أو قال: على مناخرهم).\nوفي رواية: (على مناخرهم في النار).\nفقوله: (إني لأعطي أناسًا وغيرهم أحب إلي) أي: في إيمانهم وإسلامهم أحب، وهم يقدرون القضية أيما تقدير، ولذلك شرع أن يصرف من مال الزكاة على المؤلفة قلوبهم، وهم: حديثو العهد بالإسلام والإيمان؛ لتثبيتهم على الإيمان.\nوقد سن النبي ﵊ سننًا عظيمة جدًا وسار عليها الصحابة ﵃ وخاصة الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في إعطاء كل صاحب منزلة منزلته وزيادة؛ تثبيتًا له على الإيمان والإسلام، ولذلك قال النبي ﵊: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن).\nودار أبي سفيان ليست حرمًا حتى ينعقد الأمن فيها؛ ولكنها منقبة لـ أبي سفيان، لأنه قد ورد في رواية: (إن أبا سفيان رجل يحب الفخر).\nفهذا منقبة لـ أبي سفيان يفاخر بها أصحابه بأن من دخل داره كان آمنًا، وهذا بحكم النبي ﵊ وشهادته وإقراره، ولم يجعل النبي ﵊ بيت أحد من أصحابه حتى ولا بيت الخلفاء الراشدين مع بيت أبي سفيان حتى يكون لـ أبي سفيان هذا المنقبة منفرد بها؛ لأنه رجل يحب الفخر.\nوسلمة بن الأكوع ﵁ كان في الجاهلية رجلًا عظيمًا شريفًا في قومه، فإذا أسلم فلابد أن ينزل منزلة عظيمة في الإسلام، وهذا يشهد له قوله ﵊: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا).\nولما أسلم سلمة بن الأكوع ﵁ وكان من أشراف قومه أمره النبي ﵊ أن ينزل في عوالي المدينة.\nيعني: يسكن في القصور التي هي على مشارف المدينة؛ لأنها تتناسب مع مقامه.\nوهذا يلزم منه أن يركب البعير فوق الأرض الساخنة والرمال الملتهبة، فأمر النبي ﵊ معاوية بن أبي سفيان أن يأخذ بخطام بعير سلمة، فأخذ معاوية بخطام بعير سلمة بن الأكوع، وسلمة يعرف أي فتى معاوية، فقد كانوا يعرفون بعضهم بعضًا، فلما اشتدت الحرارة في أقدام معاوية قال: يا سلمة! احملني خلفك.\nقال سلمة: إنما يكفيك أن تستظل بظل البعير، وسلمة لا يخفى عليه الحال في مثل هذا ولكنه أبى.\nفقال: يا سلمة! هل لك أن تسلفني نعلك؟ فقال: لا.\nفاستمر معاوية في سوقه البعير حتى وصل إلى عوالي المدنية؛ لأنه أمر الرسول ﵊ وليس أمر سلمة، وهذه المنزلة هي منزلة سلمة، وسلم","vol":"44","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-894>الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا</span>\nاختلف أهل العلم في الإيمان والإسلام، فبعض أهل العلم قالوا: الإيمان هو الإسلام، ولا فرق بينهما، واحتجوا بأدلة، منها قول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩].\nقالوا: فهذان وصفان لموصوف واحد وهو المخاطب، فوصفهم بالإيمان والإسلام، وهذا يدل على أنه لا فرق بينهما.\nوقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].\nوهذا يدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد.\nوالأصل ألا نضرب آيات الله ﷿ بعضها ببعض، ولا نضرب كلامه بعضه ببعض، فهذه الآية بينت أن الإيمان والإسلام قد اجتمعا في موصوف واحد، ولكن الآيات والأدلة الأخرى بينت الفرق بين الإيمان والإسلام بنفي الإيمان، ولذلك أهل العلم يقولون: الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.\nيعني: إذا ذكر الإيمان والإسلام في دليل واحد، فهذا يدل على أن الإسلام له مدلول، والإيمان له مدلول آخر، وإذا افترق الإيمان والإسلام دلا على أن كل منهما بمعنى الآخر، ومثاله: قول النبي ﵊ لما سأله جبريل ما الإسلام؟ قال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت).\nفعلمنا أن دعائم وأركان الإسلام هي هذه.\n(فقال: صدقت.\nثم سأله عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره).\nفعلمنا أن هذا هو مدلول الإيمان.\nإذًا: الإيمان إذا اجتمع مع الإسلام كان لكل منهما مدلول يخصه، مثل الفقير والمسكين، وإذا افترقا فهما بمعنى واحد.\nيعني: إذا ذكر الفقير شمل المسكين، وإذا ذكر المسكين فقط شمل الفقير، فكذلك الإيمان والإسلام إذا اجتمعا في دليل واحد كان لكل واحد منهما مدلول يخصه، وإذا ذكر واحد منهما في دليل شمل الآخر معه، كما في حديث وفد عبد القيس قال: (وآمركم بالإيمان.\nأتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان).\nوهذا نفس تعريف الإسلام في حديث جبريل، ولكنه لم يذكر الإسلام هنا، فدل على أن الإيمان يشمله، كما ذكر الإسلام في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فشمل معه الإيمان.\nفهذا معنى قول أهل العلم: إذا اجتمعا -أي: في دليل- افترقا.\nيعني: كان لكل واحد منهم تعريف خاص.\nوإذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الإيمان أو الإسلام في دليل خاص شمل معه الآخر.\nقال: [عن أبي برزة الأسلمي قال: قال النبي ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته).\nفقال في هذا الحديث: (يا معشر من آمن بلسانه)، واللسان جارحة، ولابد من النطق في إثبات الإسلام، ولا يثبت الإسلام لعبد قادر على الكلام إلا بالنطق بالشهادتين، والنطق بالشهادتين محله اللسان، والنطق بالشهادة شرط في صحة إسلام العبد، أي: الخارج عن الكفر.\nفقوله: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه)، أي: لم يدخل كمال الإيمان وليس أصل الإيمان، لأنه لو آمن بلسانه فإنه يلزم من هذا الإيمان الظاهري وجود أصل الإيمان في القلب من المحبة والرضا والقبول والاستعانة والاستغاثة وغير ذلك، وأما عمل الجوارح فهو مكمل ومتمم للإيمان.\nعن أبي سلمة الخزاعي: [إن حماد بن زيد كان يفرق بين الإيمان والإسلام، ويجعل الإسلام عامًا والإيمان خاصًا].\nأي: يضع الإسلام عامًا مع أصل الإيمان.\nأي: معه مطلق الإيمان، وأما الإيمان المطلق فهو فوق الإسلام بكثير.\nوقال حنبل - وهو ابن أخ الإمام أحمد بن حنبل قال: [سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - وسئل عن الإيمان والإسلام قال: قال ابن أبي ذئب: الإسلام: القول.\nوالإيمان: العمل].\nوهذا نفس كلام الإمام الزهري الذي تقدم.\nوقوله: الإسلام القول.\nيعني: يثبت الإسلام بالنطق بالشهادتين، وهو عمل اللسان.\nوالإيمان: العمل.\nإما عمل قلب أو عمل جوارح، فإذا فرط العبد في عمل الجوارح نقص إيمانه على قدر ما فرط من العمل، وإذا انخلع أصل الإيمان من قلب العبد انخلع إسلامه؛ لأن الإيمان نوعان: إيمان القلب، وهو عمل القلب، وإيمان الجوارح، فإيمان القلب هو مطلق الإيمان، وإيمان الجوارح هو الإيمان المطلق.\nفلابد أن نفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فمطلق الإيمان هو أصل الإيمان المستقر في القلب، فإذا زال هذا الإيمان زال إسلام العبد؛ لأن هذا يشمل التصد","vol":"44","page":10},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-895> ما روي أن الصلاة ركن في الإيمان</span>\nالصلاة من أعظم أركان الدين، فهي تأتي في الأهمية بعد الشهادتين، ومن ثم فقد اعتنى بها الإسلام، وحث عليها، ورتب أعظم الأجور عليها، وأيضًا رتب الإثم والعقوبة على تاركها، وهدده أعظم تهديد، بل جاءت النصوص موضحة أنه لا يتركها مسلم أبدًا.\nوأمام هذه النصوص الشديدة التهديد اختلف العلماء في تاركها، وهل يحكم له بالإسلام أم أنه قد انخلع منه ودخل في الكفر؟ فمن العلماء من حكم بإسلامه، ومنهم من كفره.","vol":"45","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-896>سياق ما جاء عن النبي في أن الصلاة من الإيمان</span>","vol":"45","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-897>اختلاف العلماء في كفر تارك الصلاة</span>\nبسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nوبعد: فالذي يقرأ الأدلة من الكتاب والسنة، ويعرف كلام أهل العلم في تارك الصلاة يكاد يحار ويتوقف في حكم تاركها ولا يجزم بأمر منهما، وهل هو كافر خارج من الملة، أو أنه فاسق بتركه للصلاة؟ ولاشك أن من قال بعدم كفره كفرًا اعتقاديًا يثبت له الكفر العملي، بل هو عنده من أخبث الناس، يعني: أنه يثبت له أخطر درجات الكفر، وذهب كثير من السلف خاصة من أصحاب النبي ﵊ والتابعين والأئمة المتبوعين إلى كفر تارك الصلاة كفرًا أكبر يخرج به صاحبه عن ملة الإسلام.\nوالناظر في الأدلة يكاد يرجح جانب الكفر الاعتقادي على جانب الكفر العملي، يعني: يكاد يرجح أنه خارج عن ملة الإسلام، والأدلة تشهد بهذا.\nوالعلماء الذين لم يكفروه أولوا هذه الأدلة وصرفوها عن ظاهرها، وإن شئت فقل: رجحوا صرفها وتأويلها بغير مرجح.\nوهذه المسألة ما جزمت فيها إلى يومي هذا بحكم من الاثنين، هل هو كافر حقًا ويخرج من الملة، أو أنه فاسق فسقًا عظيمًا جدًا لكن لا يخرج من الملة.\nوكثيرًا ما ذهبت إلى كفره ثم رجعت، ثم عدت إلى تكفيره ثم رجعت؛ وهذا لغلبة كل من القولين على الآخر، وإن كان في كل مرة يترجح لدي كفره، وما ذهبت إلى كفر تارك الصلاة إلا من تركها بالكلية، وأما من تركها ثم عاد إليها ثم تركها ثم عاد إليها -يعني: يصلي تارة ويقطعها تارة- فهذا يرفع عنه حكم الكفر، ولا خلاف عندي في أن هذا من أفسق الناس، وأما كونه كافرًا فلا، وأما من تركها بالكلية ولم يصل قط فالذي يترجح لدي أنه كافر خارج عن ملة الإسلام.\nوأنت إذا اطلعت على أدلة القائلين بكفره وعدم إسلامه فلابد أن تقف إذا كنت صاحب علم، ولست متبعًا للهوى، وإن لم تقف فستجزم بكفره؛ لأن الأدلة الواردة عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كلها قاضية بكفره، فالإمام أبو القاسم اللالكائي يذهب في هذا الكتاب إلى كفر تارك الصلاة، وذهب غير واحد ممن صنف في السنة إلى كفر تارك الصلاة؛ لأن الله تعالى ذكر أن الصلاة من الإيمان، فهي ليست من أعمال الجوارح فحسب، وإنما هي من أصول الإيمان.","vol":"45","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>من ذهب إلى كفر تارك الصلاة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وروي ذلك -يعني: كفر تارك الصلاة- عن الصحابة منهم عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء والبراء وجابر بن عبد الله الأنصاري ﵃ أجمعين].\nقال: [فعن جابر بن عبد الله أنه سئل ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم في الأعمال في عهد رسول الله ﷺ؟ قال: الصلاة].\nولو كان المقصود من هذا النص الكفر العملي لجمع الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك؛ لأن من ترك شيئًا من هذا سمي كافرًا كفرًا عمليًا، ولا يخرج من الملة.\nولكن السؤال هنا انصب على الكفر المخرج من الملة، فقد قال: ما الذي كان يفرق بين الإيمان والكفر؟ ولو كان يسأل عن الكفر العملي لما كان للإيمان هنا معنى؛ لأنه ذكر الإيمان في مقابلة الكفر، فدل على أن الكفر المذكور في السؤال هو الكفر الذي يناقض الإيمان، وهو المخرج من الملة.\nهذه إجابة جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، وهو من أصحاب النبي ﷺ، بل هو من المقربين إلى النبي ﵊ ومن كبار الصحابة.\nقال: [وعن الحسن قال: بلغني أن أصحاب النبي ﵊ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر].\nوهذا القول قاله من التابعين مجاهد بن جبر المكي تلميذ ابن عباس، وسعيد بن جبير تلميذ ابن عباس كذلك، وجابر بن زيد، وعمرو بن دينار تلميذ ابن عمر، وإبراهيم النخعي، والقاسم بن مخيمرة، كلهم يقولون: بأن تارك الصلاة كافر خارج عن الملة.\nولو لم يكن في هذه القضية عار لتارك الصلاة إلا أن أهل العلم اختلفوا في كفره من عدمه لكفى.\nومن الفقهاء الذين يقولون بكفر تارك الصلاة الإمام مالك بن أنس، والأوزاعي إمام الشام، والشافعي وشريك بن عبد الله النخعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور، وأبو عبيد القاسم بن سلام، جميع هؤلاء يقولون بكفره وخروجه من ملة الإسلام.\nوهؤلاء الذين كفروا تارك الصلاة هم علماء السنة وعلماء الإسلام فلا يقال: إن من كفر تارك الصلاة من الخوارج، ومن قال ذلك يلزمه أن يسحب هذا الحكم وهذا الاستهزاء على كل من كفر تارك الصلاة.","vol":"45","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-899>سبب نزول قول الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)</span>\nروى أبو إسحاق عن البراء -أي ابن عازب - في قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣] قصة طويلة في سبب نزولها، ومفاد هذه القصة كما في الصحيحين وغيرهما: أن النبي ﵊ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا قبل أن تتحول القبلة إلى بيت الله الحرام، وهذا كان في المدينة، وصلى معه أناس وماتوا قبل أن تتحول القبلة إلى بيت الله الحرام، فلما مات من مات ممن صلى إلى بيت المقدس أشفق عليهم أصحابهم الذين بقوا حتى تحولت القبلة، فسألوا النبي ﵊ عن حكم صلاة من صلى إلى بيت المقدس، وهل هي مقبولة صحيحة يثابون عليها؟ فلما سألوا عن ذلك أنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣].\nفالإيمان هنا بمعنى الصلاة، والتقدير: وما كان الله ليضيع صلاة من صلى إلى بيت المقدس، بل صلاته محفوظة مقبولة صحيحة.\nفسمى الله ﷿ الصلاة في هذه الآية إيمانًا، وهذا يدل على أن الصلاة من الإيمان، لا أنها من أعمال الجوارح فحسب، فهي وإن كانت تؤدى بالجوارح إلا أن الله تعالى سماها إيمانًا، فمن أتى بهذه الصلاة كان مؤمنًا، ومن تركها كان كافرًا.\nوهذا هو ما فهمه كل من ذكرناهم بل وغيرهم من أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء والأئمة المتبوعين، فقد فهموا أن الصلاة من الإيمان، فمن أتى بها كان مؤمنًا، ومن تركها كان كافرًا، فهذا الفهم قديم قدم هذه الرسالة، وقد فهمه الصحابة ﵃.","vol":"45","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-900>التحذير من ترك الصلاة</span>\nقال: [قال النبي ﵊: (بين العبد وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة -أي: بيننا وبين اليهود والنصارى، أو بيننا وبين الكفار- فمن تركها فقد كفر)، وفي رواية: (فقد كفر وأشرك)، بالعطف لا بأو التي تفيد التخيير.\nوعن شريك قال: استأذنت على المهدي وعنده أبو يوسف القاضي -وهو صاحب أبي حنيفة، والأحناف لا يقولون بكفر تارك الصلاة، ومنهم أبو يوسف القاضي -وقد امتريا- يعني: تجادلا وتخاصما وتناظرا- في تارك الصلاة هل هو كافر أم غير كافر؟ فقال المهدي: هو كافر، وقال أبو يوسف: ليس بكافر، فقال المهدي: لقد دخل من يفصل بيننا، يعني: شريك بن عبد الله النخعي دخل وهو الذي يقضي بيننا، وكان المهدي يقول: الصلاة من الإيمان، وأبو يوسف يقول: الصلاة ليست من الإيمان، قال: فلما دخل سلم، قال: فردوا عليه، فقال -أي المهدي -: يا أبا عبد الله! ما تقول في رجلين امتريا فقال أحدهما: الصلاة من الإيمان، وقال الآخر: الصلاة من العمل؟ أي من عمل الجوارح التي لا علاقة لها بأصل الإيمان.\nقال شريك: أصاب الذي قال الصلاة من الإيمان، وأخطأ الذي قال الصلاة من العمل، قال: فقال أبو يوسف: من أين قلت ذاك؟ قال: حدثني أبو إسحاق عن البراء بن عازب في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] قال: صلاتكم نحو بيت المقدس، قال: فألقمه حجرًا]، أي: أقام عليه الحجة أن الصلاة من الإيمان، وأن تركها كفر.\nقال: [وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله -لأن هذا أصل الإسلام- ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)].\nفهنا قرن الصلاة والزكاة بالشهادة، وهذا يدل على أن الصلاة من الإيمان؛ لأن الشهادة إيمان بلا خلاف بين أهل العلم، وهذا الحديث أخرجه الشيخان في صحيحيهما.\nقال: [وعن أنس قال: قال رجل: (يا رسول الله! كم افترض الله على عباده من الصلوات؟ قال: خمس صلوات، قال: هل قبلهن وبعدهن شيء -أي مفروض-؟ قال: افترض الله على عباده صلوات خمسًا، فحلف الرجل لا يزيد عليهن ولا ينقص، فقال النبي ﵊: إن صدق دخل الجنة).\nوفي رواية قال ﵊: (والذي نفسي بيده لئن صدق ليدخلن الجنة)]، يعني: لو صدق في إتيانه لهذه الصلوات الخمس، فهو يتكلم هنا عن الصلوات الخمس فحسب، ومن البدهي أن الصلاة بعد الشهادتين؛ لأنها لا تصح قبلها، وتكون مردودة على صاحبها.\nوقوله ﵊: (لئن صدق) أي في إتيانه بهذه الصلوات الخمس على أكمل وجه، (ليدخلن الجنة)، وهذا يدل على أن من لم يأتها دخل النار.\nقال: [وعن جرير بن عبد الله البجلي قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم).\nأخرجه الشيخان.\nوعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: (بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة)].\nوهذا يدل على أن من ترك الصلاة وقع في الشرك.\nوهذا الحديث يدل على أن الصلاة من الإيمان، وأن إتيانها إيمان، وتركها كفر ونفاق.\nقال: [وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة).\nوعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ: (ليس بين العبد وبين الشرك إلا ترك الصلاة).\nأخرجه مسلم].","vol":"45","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>حكم تارك الزكاة</span>\nيتساءل البعض لماذا لم يقم الخلاف في منع الزكاة كما قام في ترك الصلاة؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لوجود هذا النص وأمثاله، فإنه مخصص لعموم الأدلة التي ذكرت الزكاة، وإن كان بعض أهل العلم أخذ بظاهر النصوص التي شملت وقرنت الزكاة بالصلاة، وهي كثيرة جدًا تبلغ أكثر من سبعين آية، وهناك مئات الأحاديث قرنت الزكاة بالصلاة، فأخذ بعض أهل العلم بظاهرها وقالوا: إن مانع الزكاة وتارك الصلاة كافران، ولكن جمهور السلف على أن مانع الزكاة لا يكفر إلا إذا جحد ذلك بعد قيام الحجة عليه، مثل تارك الصلاة جاحدًا ليس هناك نزاع بين أهل العلم في كفره.","vol":"45","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>استتابة تارك الصلاة</span>\nتارك الصلاة يستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل.\nولا يتصور أن يترك إنسان الصلاة متكاسلًا، فليس هناك شيء اسمه كسل، وإنما هو إيمان وكفر، فيحبس ثلاثة أيام، فإما أن ينيب ويتوب إلى الله ﷿ ويرجع ويتوب ويؤدي هذه الصلاة، وإما يقتل بالسيف.\nوتصور شخصًا يحبس في غرفة ثلاثة أيام وهو يعلم أنه إن صلى ثبت له الإسلام وأخرج وإلا قتل بالسيف ردة وليس حدًا ومع هذا يبقى ثلاثة أيام في الحبس ولا يصلي، فهل هذا يعد متكاسلًا؟ لا يمكن، فأي كسل هذا؟","vol":"45","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>كيفية التعامل مع تارك الصلاة مع تعذر إقامة حكم الردة عليه</span>\nإن الرجل الصالح في المجتمع اليوم هو الذي لا يصلي، ولا يصوم، ولا يزكي، ولا يحج، ويسب الله والرسول، ولكنه ليس صالحًا عند الله.\nوالذي لا يصلي الآن ليس بإمكان أحد من حملة الراية والمهتمين بنشر دعوة الإسلام لا من الحكام ولا من المحكومين استتابته، لكن يبقى إقامة الحجة عليه، وتخويفه بكلام أهل العلم سلفًا وخلفًا أنه يكفر إن لم يرجع إلى الصلاة، ثم يقرع سمعه بالأدلة من الكتاب والسنة، فإن رجع في خلال ثلاث فقد رجع إلى إيمانه وإلا فهو كافر ولا كرامة، فهذه نصوص شرعية، وهذا فهم أهل العلم لها.\nونحن نخاف اليوم من تكفيره لأنه ليس بإمكاننا استتابة تاركها.","vol":"45","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>تلون بعض أهل الإسلام اليوم في عقائدهم ومقارنته بثبات أهل الجاهلية على ضلالهم</span>\nوالناس في هذا الزمان يتلونون في كل لحظة عدة ألوان، وأما في السابق فقد كان الرجل عند كلمته، إذا قال: نصلي يذعن، وإذا كان تركه للصلاة عن اعتقاد وردة فإنه لا يرجع إلى الإسلام وإن كان في ذلك قتله، ونحن نعلم أن دخول الإسلام بكلمة، واليوم لو قابلت نصرانيًا أو يهوديًا في الشارع وقلت له: قل: لا إله إلا الله فإنه يقولها أمامك مائة مرة، بل ويشرحها لك ويبين شروطها وواجباتها وأركانها، وهو مع هذا باق على يهوديته ونصرانيته وكفره.\nوقد كان أبو سفيان يستطيع أن يقولها قبل أن ينشرح صدره للإسلام، ولكنه لم يرض بهذا، وكانت الحروب الضارية التي قامت بين معسكر الإيمان والكفر في زمن النبوة بسبب هذه الكلمة، وكان الواحد يتعرض لبريق السيف على أم رأسه، ومع هذا كان يفضل أن يقتل ولا يرجع عن دينه، وكان بإمكان أبي طالب أن يقولها، ولكنه كان رجلًا قوميًا شديدًا، فلما قال له النبي ﷺ وهو في حالة الاحتضار: (قل كلمة أشهد لك بها عند ربي)، قال: أتريد أن تقول العرب: إن أبا طالب صبأ عن دين قومه وأجداده؟ فالشاهد من ذلك: أن الشخص منهم كان بإمكانه على الأقل في وقت الضيق أن يقولها، ولكنه كان رجلًا مع أنه مشرك.\nوأبو سفيان يقول بعدما سأله هرقل عن النبي ﵊: لولا أن تعدها العرب علي كذبة لكذبت، ومع أن الشرك أعظم من الكذب، إلا أنه لما اتخذ الشرك والكفر وعبادة الأصنام والأوثان دينًا، وصار هذا عامًا في أهل ذلك الزمان صار الشرك أعظم من الكذب؛ إلا أنه مألوف، ولكن الكذب لم يكن مألوف، ولذلك خشي أبو سفيان أن تعيره العرب بأنه كذب، فلم يكذب، وكان كلما سأله هرقل عن النبي ﵊ سؤالًا أجاب إجابة على الحقيقة، ليس فيها خداع، ولما سأله هرقل: هل يغدر؟ قال: لا، ولكنا منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها.\nوقد كان المشركون في ذلك الوقت في هدنة بينهم وبين النبي ﵊، فلما سأله هرقل: هل يغدر محمد؟ قال له: لا يغدر، ولكن بيننا وبينه في هذا الوقت عهد لا نزال فيه، فيمكن أن يغدر ويمكن ألا يغدر.\nقال أبو سفيان: وما استطعت أن أدخل إلا بهذه الكلمة، يعني: أنه كان يريد أن ينتقص النبي ﷺ بأي شيء ولكنه يخاف من الكذب، عن الذي مضى.\nاليوم قد تأتي إلى الشخص وتدعوه إلى الصلاة فيقول: نعم سأصلي فالصلاة هذه أفضل شيء، فالواحد يخرج من الصلاة مرتاحًا وقلبه منور، فإذا سألته: إذا كنت تعلم بهذه الفوائد كلها عن الصلاة والتي لا نعرفها نحن ونحن نصلي فلماذا لا تصلي؟ فيقول لك: يمنعني صاحب العمل وصاحب الشركة، وهل يمنعه صاحب الشركة عن الصلاة في يوم الجمعة وهو في البيت؟ فكل هذا كذب ودجل، ويدل على فساد قلب ذلك المتكلم.\nقال معدان بن أبي طلحة: قلت لـ ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثنا حديثًا ينفعنا الله به فسكت، فقلت: حدثنا حديثًا ينفعنا الله به قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك).","vol":"45","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-905>فضل الصلاة</span>\nقال: [عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: (يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون -يعني: تعرفون من أحوالهم، وتنكرون منها- فمن أنكر فقد بريء، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع -أي: من رضي هذا منهم وتابعهم على ما أساءوا فيه وما أتوا به من منكر- قالوا: أفلا نقتلهم؟ -يعني: إذا أظهر هؤلاء الأمراء المنكر هل نقاتلهم؟ - قال النبي ﵊: لا ما صلوا، لا ما صلوا)]، يعني: لا تقاتلونهم إذا كانوا يصلون، وهذا يدل على أن الصلاة مانعة وعاصمة للدماء والأموال، وهذا كما في حديث عبد الله بن عمر السابق: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فمن فعل ذلك فقد عصم مني دمه وماله إلا بحقها وحسابه على الله).\nقال: [وعن جابر قال: (قال النعمان بن قوقل: يا رسول الله! أرأيت إن صليت المكتوبات، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئًا أدخل الجنة؟ قال النبي ﵊: نعم)].\nفذكر الصلاة في هذا الدليل يدل على أن لها حكمًا خاصًا دون بقية الفرائض والواجبات والأركان.\nقال: [وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: (إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان وهو يبكي، ويقول: يا ويلي! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار)]، وهذا يدل على أن السجود هو أعظم ركن من أركان الصلاة، من فعله دخل الجنة ومن لم يفعله دخل النار، وأن من ترك الصلاة فيه شبه عظيم من الشيطان؛ لأن الشيطان أمر بالإيمان أولًا فكفر، وأمر بالسجود فلم يسجد، وكذلك الذي أمر بالإيمان فلم يؤمن، والصلاة من الإيمان، فهو أمر بالصلاة -أي: أمر بالإيمان- فلم يؤمن، وأمر بالسجود فلم يسجد.\nفالذي ترك الصلاة فيه شبه بالشيطان عظيم جدًا.\nوقد جاء هذا عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ﵃.","vol":"45","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>حكم عمر بن الخطاب فيمن ترك الصلاة</span>\nقال: [عن المسور بن مخرمة أنه دخل هو وابن عباس على عمر بن الخطاب بعد ما أسفر، يعني بعد ما كاد يخرج وقت الفجر، وقالا له: الصلاة يا أمير المؤمنين! فقال: نعم، لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وجرحه يثعب دمًا]، يعني: يسيل دمًا.\nوالذي طعنه هو أبو لؤلؤة المجوسي في أثناء الصلاة، وهكذا أهل الغدر ينتهزون الفرص التي لا يجابههم فيها أحد كالمشركين، كما قال تعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤] فهذا أتى لـ عمر وهو في الصلاة فطعنه وطعن غيره، فقتل عددًا من أصحابه، ومات عمر بسبب هذه الطعنة ﵁، ولكنه لم يمت في الحال، وإنما مات بعدها وقد أدركته عدة فروض بعد ما طعن، فكانوا في كل فرض ينبهونه من غيبوبته التي هو فيها ويقولون: يا أمير المؤمنين! الصلاة، فيلتفت إليهم ويقول: نعم، إنه لا حظ في الإسلام لمن لا حظ له في الصلاة، وهذا يدل على أن الصلاة إسلام وإيمان، فمن تركها فقد ترك الإسلام وترك كذلك الإيمان.\nقال: [وعن ابن عباس قال: لما طعن عمر أخذته غشية - أي: إغماء- قال: فقال رجل: إنكم لن تفزعوه إلا بالصلاة]، يعني: لا يمكن أن يفيق معكم إلا إذا ذكرتم عند أذنه الصلاة فإنه حينئذ يفيق، هذا لأهمية الصلاة في الإسلام، وبيان أهميتها عند عمر ﵁، وليس الزكاة والصيام والحج كالصلاة، وهذا قد جاء في نصوص كثيرة لأهل العلم.\nقال: [فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين! قال: ففتح عينيه فقال: أصلى الناس؟ قلنا: نعم، قال: أما إنه لا حظ في الإسلام لأحد أضاع الصلاة، وربما قال: ترك الصلاة، ثم صلى وجرحه يثعب دمعًا].","vol":"45","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-907>الصلاة قوام الدين</span>\nقال: [نزل عمر بالجابية في الشام لما ذهب إلى بيت المقدس، قال: فمر بـ معاذ بن جبل وهو في مجلس قال: فقال له يا معاذ! ائتني ولا يأت معك من القوم أحد، قال: فجاءه معاذ، فقال أمير المؤمنين يا معاذ! ما قوام هذا الأمر]، يعني ما هو الشيء الذي يقوم الدين والإسلام به ويعتمدا عليه وإذا انكسر انكسرا معه؟ قال: [قال معاذ: الصلاة، وهي الملة، قال: ثم مه؟ -أي: ما الذي بعد ذلك؟ - قال: ثم الطاعة وسيكون اختلاف]، أي: طاعة العلماء والأمراء.\nوقد أخرج أبو داود والترمذي من حديث العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﵊ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة)، أي: السمع لأولي العلم، والطاعة لأولي الأمر، أو كلًا منهما لأهل العلم وللأمراء.\nقال: (والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي مجدع، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا).\nوالمخرج من هذا الاختلاف قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة).\nفالنبي ﷺ شخص الداء ووصف معه الدواء، وهو السمع والطاعة.\nفقول معاذ: الخلاف والاختلاف لابد أن يقع، يعني: عدم السمع والطاعة لابد أن يقع.\nقال: [فقال عمر: حسبي].\nوعمر لم ينكر على معاذ أن قوام الإسلام والدين والإيمان هو الصلاة، بل قال: حسبي، ولو لم يكن لـ عمر من رحلته من المدينة إلى الشام إلا هذه الفائدة من معاذ بن جبل لكفاه.\nقال: [فلما ولى عمر -أي ذهب- قال معاذ: ما -ورب معاذ - سأل بشر منهم، قال: فأخبرني أنه سمع عمر يدعو على المنبر: اللهم ثبتنا على أمرك، واعصمنا بحبلك، وارزقنا من فضلك].\nفـ عمر يدعو؛ لأن هذه الفتنة ليست بعيدة على أحد.\nالناس اليوم يقولون: إن المشايخ والعلماء والدعاة معصومون، وأنهم لا يتأثرون بالفتنة وبالبلاء الذي عم المجتمع في الليل والنهار، ولا يعلمون أن الشيخ معرض للفتنة في كل وقت أكثر من غيره؛ لأن الشيخ معروف وظاهر، فإذا وقعت فتنة من الفتن فالشيخ معرض لأولها وآخرها، وبقية الناس معرضون لآخرها فقط، فلا يتصورن أحد أن الشيخ هو خباب بن الأرت أو معاذ بن جبل أو حذيفة أو عمر أو أبو ذر.\nوهذه الفتن تعرض على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا فأيما قلب أشربها -سواء كان قلب العالم أو الشيخ أو الداعية- نكت في قلبه نكتة سوداء، حتى يصير في القلب ران أسود لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، اللهم سلم.","vol":"45","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>دلالة ومفهوم إكثار الله ﷿ من ذكر الصلاة في القرآن</span>\nقال: [قال عبد الله بن مسعود: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن]، فهنا ينبهنا ابن مسعود أن الله تعالى يكثر ذكر الصلاة في القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:٣٤].\nوقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣].\nقال: [قال: ذلك على مواقيتها، قال: نرى ألا تترك؛ فإن تركها الكفر]، ولم يقل: فإن تركها كفر، وإنما قال: فإن تركها الكفر، والألف واللام هنا للعهد، يعني: أنه الكفر الذي تعهدونه وتعرفونه، وهو المخرج من الملة، فقوله: فإن تركها الكفر، يعني: الكفر المعروف لدينا.\nقال: [وقيل لـ عبد الله: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن الكريم، قال: ذاك على مواقيتها.\nوقالوا: ما كنا نرى أن تترك الصلاة].","vol":"45","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>اختلف الصحابة في حكم تارك الصلاة مع أنه لم يتركها أحد منهم</span>\nإن لنا أن نتساءل كيف وقع هذا الخلاف بين الصحابة مع أنه لم يرد أن أحدًا من الصحابة ولا من التابعين ترك الصلاة؟\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن هذا الخلاف وقع على فرض أن أحدًا ترك الصلاة، هو ترك الصلاة، والذي يصلي يوصف بأنه إرهابي ومتشدد ومتطرف، ويقولون: إن المصلي يمرض القلب، فهو كلما سمع الأذان ذهب إلى المسجد ثم يرجع منه، فما هذا العمل المزعج.","vol":"45","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-910>حال الناس اليوم مع الصلاة</span>\nإن صلاتنا اليوم ليس فيها طعم ولا لون ولا رائحة في الحقيقة، ولو عرضت هذه الصلاة على سلف الأمة لردوها ولما قبلوها؛ لأنه ليس فيها خشوع أو خضوع أو ذل.\nهل صلاتنا هذه هي الصلاة التي أمرنا الله ﷿ بها؟ وأجيب عن نفسي وعنكم بالنيابة واسمحوا لي بهذا: ليست هي الصلاة التي أمرنا الله بها؛ لأن الذي يراجع حال السلف في الصلاة يوقن أننا لا نصلي، فقد كان الواحد منهم يقف في الصلاة فيحمر ويخضر لونه، ويكاد يذهب عقله، فإذا سئل عن ذلك؟ قال: أتدرون بين يدي من أقف؟ يعني: أن الواحد منهم كان يستشعر أنه واقف بين يدي الله تعالى، ومن منا اليوم يستشعر أن الله تعالى ينصب وجهه إليه؟ وهناك أناس صالحون، فإنه لا يعدم الخير في الأمة، والطائفة المنصورة ستبقى موجودة وقائمة إلى قيام الساعة رغم أنف المعاندين والجاحدين.\nولا تصح صلاة من صلى بغير وضوء، كما لا يصح إيمان من ترك الصلاة، وفي الحديث: (لا إيمان -وهذا نفي للإيمان- لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له).","vol":"45","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>تفريق الصحابة بين المؤمن والكافر كان بالصلاة</span>\nقال: [وجابر لما سئل: هل كنتم تعدون الذنب فيكم كفرًا؟] يعني: هل كنتم تسمون المذنب كافرًا؟ وجابر صحابي، فقال: [لا إلا الصلاة]، يعني: كنا متفقين ومجمعين على أن صاحب الذنب لا يكفر بذنبه إلا تارك الصلاة، وقال: [وما بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة].\nقال: [قلت له: ما كان يفرق بين الإيمان والكفر عندكم من الأعمال على عهد رسول الله ﵊؟ قال: الصلاة.\nوعن الحسن قال: بلغني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر].\nوقد جاء هذا في نصوص كثيرة، ولكن أكتفي بذكر هذا في بيان أن السلف كان جمهورهم على أن تارك الصلاة كافر كفرًا أكبر وقد خرج من الملة.","vol":"45","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-912>قول أهل العلم في حكم تارك الصلاة جحودًا أو جهلًا أو تكاسلًا</span>\nهذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم.\nاتفق أهل العلم على أن تارك الصلاة جاحدًا لها كافر، وهذا محل إجماع لا نزاع فيه.\nواتفقوا كذلك على أن من ترك الصلاة جاهلًا بها لحداثة عهده بالإسلام أو لعجمة عنده لم يتعرف بها على فراض الله ﷿ أنه لا يكفر، كأن يكون مثلًا في دولة أجنبية كدول أوروبا أو أمريكا ثم أسلم ولم يسمع عن صلاة ولا صيام ولا زكاة، ولا شيء من هذا، فلو أنه ترك كل هذا لم يكفر؛ لأنه جاهل لا يعرف ما فرض الله ﷿ عليه.\nوأما إذا عرف ذلك فحكمه حكم من عاش في ديار المسلمين وقامت عليه الحجة بظهور العلم.\nوأما تارك الصلاة كسلًا فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافًا بينًا، فمنهم من كفره وهم جمهور السلف، ومنهم من قال: لا يكفر؛ لأن تارك الصلاة كسلًا لا يستوي مع تاركها عمدًا بغير عذر، والذي يترجح لدينا أن تارك الصلاة بالكلية كافر، وينبني عليه أحكام الكفر المعروفة.\nأسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.\nوصلى الله على نبينا محمد.","vol":"45","page":18},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-913> الإيمان قول وعمل</span>\nاعتقاد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات، وقد وردت في ذلك الآيات الكثيرة، والأحاديث الصحيحة المستفيضة، والآثار عن الصحابة والتابعين.","vol":"46","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>سياق ما روي عن النبي في أن الإيمان تلفظ باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.\nأما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإيمان تلفظ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح].\nوهذا معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان؛ ويتكون من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول: وهو واجب اللسان، فلابد من التلفظ بالشهادة لمن كان قادرًا عليها، ثم ما تلفظ به يعتقده ويقر به جازمًا بذلك قلبه، ثم يعمل بمقتضى ما تلفظ به وما استقر في قلبه سواء كان ذلك من عمل القلب أو من عمل الجوارح.\nهذا معتقد أهل السنة والجماعة: أن الإيمان لفظ باللسان، أي: النطق بالشهادتين، واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، فمن اعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا وعمل بمقتضاه، ولكنه لم يتلفظ فإنه ليس مؤمنًا، بل ليس مسلمًا، ومن تلفظ ولكنه كره ما تلفظ به ولم يعمل بمقتضاه فإنه ليس مسلمًا، بل هو كافر، فمن تلفظ بالإيمان وجزم بذلك قلبه ثم قصر في العمل فعنده من الإيمان على قدر ما عنده من العمل، وعنده من النفاق والفسق على قدر ما فيه من تقصير في العمل.\nعلى اختلاف بين أهل العلم في الأعمال المكفرة من غيرها، ومن الأعمال القلبية ما يجعل صاحبه كافرًا، ومنها ما يجعله صادقًا، فذكر أن الذي يبغض الله تعالى أو يبغض رسوله ﷺ أو يبغض الشرع، وإن أقر بلسانه وصام وصلى وزكى وحج فإنه عند الله كافر، وإن كان حكمه في الدنيا أنه مسلم؛ لأنه أتى بالشهادتين، لكنه عند الله تعالى كافر لبغضه لشرعه.\nومن عرف الإيمان بأنه معرفة الله ﷿ فقط، فهو جهمي، فإن الجهمية قالوا: الإيمان هو العلم.\nإبليس عليه لعنة الله كان يعلم أن الله تعالى واحد، ولا يخفى عليه وحدانية الله ﷿، بل أبو طالب لما دعاه النبي ﵊ في مرض موته إلى أن ينطق بالشهادتين قال: إني لأعلم أنك على الحق، لكني أخشى أن تعيرني نساء قريش، يعني: هو كان يعرف ذلك.\nفالإيمان ليس هو المعرفة فحسب ولا هو اليقين فحسب، بل هو عند أهل السنة والجماعة مجموع من ثلاثة: إقرار باللسان وهو نطق بالشهادتين، واعتقاد بالقلب، ثم عمل يصدق الإقرار والاعتقاد الجازم.","vol":"46","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-915>الأدلة على أن الإيمان قول باللسان</span>\nوأراد الإمام في هذا الباب أن يبين أدلة هذا عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.\nوالأدلة من كتاب الله ﷿ ومن سنة النبي ﵊ على صحة ما عليه أهل السنة والجماعة، على أنه تلفظ باللسان؛ قول الله ﷿: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤].\nهذه الآية لم تنف عن الأعراب أصل الإيمان، وإنما نفت كماله وتمامه، قالت الأعراب وزعمت الأعراب أنهم آمنوا، والله ﵎ رد عليهم زعمهم فقال: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، يعني: لم يدخل الآن، ولكنه سيدخل في المستقبل بالعمل، و(لما) لنفي الحال وجواز وقوعه في المستقبل.\nلا أعني من هذا أن الله تعالى نفى عنهم الإيمان من أصله، ففي الدروس الماضية قد بينا الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فمطلق الإيمان: هو أصل الإيمان، والإيمان المطلق هو الإيمان الكامل.\nإذًا: الله ﵎ نفى عنهم مطلق الإيمان؛ لأنهم لم يعملوا بعد، ولذلك أوقفهم الله تعالى عند حد الإسلام؛ لأنهم أقروا به ولم ينف عنهم أصل الإيمان؛ لأن المسلم إذا تلفظ بالشهادتين يلزمه أصل الإيمان بجوار الإقرار والنطق بالشهادتين حتى يكون مسلمًا صحيح الإسلام.\nفلو قال إنسان تعوذًا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ يعني: خائفًا من السيف؛ أول ما تمكن منه المسلم في ساحة الجهاد نطق بالشهادتين، لكنه لم ينطق بها معتقدًا بذلك قلبه وإنما مخافة السيف.\nولذلك أنكر النبي ﵊ على أسامة بن زيد لما قتل من نطق بالشهادتين في الجهاد؛ لما تمكن منه أسامة قال: (يا رسول الله! والله ما قالها إلا تعوذًا، قال: أشققت عن صدره؟)، يعني: ما يدريك أنه قالها تعوذًا ربما يكون صادقًا.\nفهذا يدل على أن لنا الظواهر والله يتولى السرائر؛ فالله يتولى فعل هذا المتعوذ الذي اضطر حتى نطق بالشهادتين، ولذلك ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، ولم من ألفاظ النفي، لكنه لم ينف مطلق الإيمان وإنما نفى الإيمان المطلق؛ نفى كمال الإيمان وتمامه؛ لأن من نطق بالشهادتين يلزمه محبة هذه الكلمة والرضا بها، والاقتداء بسنة النبي ﵊، وتقديم محبة الله ورسوله على محبة غيره، وغير ذلك من مقتضيات وشروط هذه الكلمة؛ كالعلم واليقين والصدق.\nفإذا جمع هذه الأعمال القلبية من الصدق والمحبة والرضا وغير ذلك إلى هذه الكلمة فهذا يسمى عمل القلب، وقد قلنا من قبل: إن الأعمال أعمال جوارح وأعمال قلب، أما أعمال القلب فهذه يطلق عليها من أول وهلة أصول الإيمان؛ ولو أن شخصًا نطق بالشهادتين ولم يكن في حال نطقه بالشهادتين مقرًا بقلبه بيقين وصدق وإخلاص وحب لهذه الكلمة لا يكون مسلمًا عند الله.\nولذلك لابد أن يجمع مع الإقرار محبة هذه الكلمة والصدق في نطقها، والاستعداد التام للعمل بمقتضاها والعلم بمعناها الحقيقي لله ﷿، وغير ذلك من شروط التوحيد.\nفإذا اكتملت هذه الأعمال القلبية في حال النطق بالشهادة فيكون قد جمع أصول الإيمان في قلبه مع النطق بالشهادتين.\nفإذًا: قول الله ﷿: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: لم تؤمنوا الإيمان الكامل، وأصل الإيمان موجود في قلوبهم.\nوهنا بين النبي ﵊ شرط نطق الشهادتين باللسان، وذلك لمن كان قادرًا على ذلك بخلاف من كان أخرس أو أبكم لا يستطيع أن ينطق، أو لا يستطيع أن يتكلم من أصله فإنه لا يلزمه ذلك إلا إذا علم ذلك بالإشارة، وإنما تكفيه الإشارة.\nوما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله -أي: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا بألسنتهم لا إله إلا الله- فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿).","vol":"46","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>الأدلة على أن الإيمان اعتقاد بالقلب</span>\nوالدلالة على أنها اعتقاد بالقلب قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: كماله وتمامه ليس موجودًا؛ ولكنه سيوجد في المستقبل، وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧]، وموطن هذا الحب هو القلب: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ﴾ [الحجرات:٧]، وتفسير الآية: وحبب وزين الإيمان في قلوبكم.\nإذًا: الحب والتزيين للإيمان محله القلب، ولذلك محبة هذه الكلمة شرط في صحة إيمان من قالها، ولذلك من قالها وهو يبغضها لا يكون عند الله مسلمًا مؤمنًا.\nوقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] أي: فرض في قلوبهم الإيمان، أي: جعله فرضًا في القلب لا يغادره، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١]، يقول بلسانه: أنا مؤمن كمال الإيمان، أما قلبه فليس فيه من الإيمان حبة خردل، ومحل الإيمان هو القلب.\nوحديث أبي برزة الأسلمي وبريدة بن الحصيب والبراء بن عازب كلهم يروي عن النبي ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولما يدخل الإيمان قلبه -يعني: يا معشر من زعم أنه مؤمن بلسانه ولما يدخل الإيمان قلبه- لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عورتهم اتبع الله تعالى عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته)، أي: الجزاء من جنس العمل.\nوهذا يدل على أن محل الإيمان في القلب.\nوالأدلة على أنه اعتقاد بالجنان -أي: القلب- قال الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فالعبادة على القلب والجوارح، «مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ» فأعاد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على إخلاص العبادة لله ﷿.","vol":"46","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>الأدلة على أن الإيمان عمل بالجوراح</span>\nلما كان الإخلاص عملًا قلبيًا وكذلك الزكاة والصلاة عمل من أعمال الجوارح جمع الله ﵎ العبادة في آية واحدة مما يدل على أن الإيمان يشمل عمل القلب وعمل الجوارح.\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف:١١٠]، أي: يؤمل أن يلقى الله ﵎ أحسن لقاء، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].\nأما قوله: «وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا» فهذا يدل على شرط الإخلاص لله ﷿ وعدم الشرك به في القول والعمل، وهذا قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: فليعمل عملًا مستقيمًا من صلاة وزكاة وصيام وحج وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وكل ما سوى ذلك من عمل شرعي يعمله الإنسان على وجه الصلاح، ووجه الصلاح لا يكون إلا باتباع النبي ﵊، وعدم إدخال الزيادة على العبادة، كما أنه لا يجوز له أن ينقص منها.\nلابد أن يكون العمل الصالح مستقيمًا على منهاج النبي ﵊ بغير زيادة ولا نقصان، فالزيادة كالنقصان بدعة سواء بسواء.\nأما عدم الشرك بالله ﷿ وهو الشرط الثاني من شرطي قبول العمل عند الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، هذا هو محل الشاهد.\nوالخير هنا بمعنى: العمل الصالح من الطاعات التي فرضها الله ﷿ على العباد، والعبد الذي يأتيه بعض آيات ربه وهو الموت في ساعة الاحتضار يتمنى ويقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]؛ لأنه يرى الحقائق في لحظة موته عيانًا بيانًا، فحينئذ يستبشر بلقاء الله ﷿ إذا كان من أهل الصلاح، أو يسوءه لقاء الله ﷿ وهو على هذا الحال، وفي هذا يقول النبي ﵊: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)؛ لأن العبد إذا كان من أهل العمل الصالح بشر بمقعده من الجنة، ورأى مقعده من النار؛ لأن كل إنسان أعد الله ﵎ له مقعدًا في النار ومقعدًا في الجنة.\nفالعبد الصالح في لحظة الاحتضار يرى مقعده من النار، والملائكة تبشره وتقول: يا فلان هذا مكانك من النار أبدلك الله ﵎ به مكانك في الجنة وهو هذا فانظر إليه، فحينئذ يستبشر ويفرح بلقاء الله ﷿، فالله ﵎ يرضى ويفرح بلقائه، وهو يفرح بلقاء الله ﷿.\nوكذلك العبد السيئ الذي لم يعمل صالحًا، أو لم يكن لديه عمل يؤهله لدخول الجنة يرى مكانه من الجنة، والملائكة تبشره بالعذاب والسوء، فيقولون: يا فلان هذا مكانك في الجنة، ولكن الله أبدلك به مكانًا في النار فانظر إليه، فحينئذ يكره لقاء الله فيكره الله تعالى لقاءه.\nفهنا لابد أن يجمع العبد في قلبه إيمانًا، هذا الإيمان يترجم ترجمة عملية في أداء الطاعات واجتناب المنهيات، والنبي ﵊ في مرض موته لما نزل إليه ملك الموت وبشره بالرفيق الأعلى، وما من نبي قبض إلا خير بين البقاء والقبض، وهذه علامة من علامات موت الأنبياء، فلما بشره ملك الموت بالرفيق الأعلى قال: (يا محمد أتبقى؟ قال: بل الرفيق الأعلى)، فعلمت ابنته فاطمة ﵂وكانت تحضر وفاته- أن أباها يحتضر ﷺ.\nقال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، يعني: أتت من الأعمال الصالحة ما يؤهلها لهذا الخير.\nوحديث الأعرابي لما عد عليه النبي ﷺ الأعمال، وهو حديث في الصحيحين طويل معروف يقول: يا رسول الله! ماذا علي من الصلاة؟ ماذا علي من الصيام؟ ماذا علي من الحج؟ ماذا علي من الزكاة؟ فكل مرة يقول: هل إذا فعلت ذلك فأنا مسلم صادق؟ قال: نعم.\nثم قال: بأن الإيمان يزيد وينقص، وهو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، وهذا مذهب الصحابة من تقدم ذكرهم في الرواية وغيرهم كـ عمر وعلي ومعاذ وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله وغيرهم كثير، يعني: هذا مذهب السلف جميعًا.\nوكذلك من التابعين الحسن وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ومجاهد وهشام بن حسان و","vol":"46","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>حكم تارك الزكاة في الإسلام كحكم تارك الصلاة</span>\nقال: [وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة أخبره قال: (لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: يا أبا بكر كيف نقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال ذلك عصم مني ماله ودمه ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق)].\nهذا الحديث من أعظم الأحاديث وأجلها وأكثرها فوائد.\nيقول فيه أبو هريرة: (لما توفي النبي ﵊ واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب) يعني: ارتد من العرب من ارتد، والردة هي الخروج والمروق عن الإسلام تمامًا، مع أن الأدلة قضت بأن في هؤلاء المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر من لم يكونوا في الحقيقة مرتدين، بل كانوا مقرين بالزكاة، بل بنو يربوع جمعوا الزكاة -أي: زكاة أموالهم- وأرادوا أن يرسلوها إلى المدينة إلى أبي بكر وهو الخليفة بعد النبي ﵊ فمنعهم مالك بن نويرة وأخذ أموالهم فصرفها فيهم.\nولكن هؤلاء لم يتميزوا ولم يتحيزوا، وإنما كانوا في ضمن صفوف وبيوت هؤلاء المرتدين، والمرتدون الذين حاربهم أبو بكر على عدة أصناف: منهم أتباع مسيلمة الكذاب وأتباع الأسود العنسي، وهؤلاء مرتدون، وحتى في زمن النبي ﵊ كانوا من المنافقين وأنتم تعلمون ذلك.\nوقسم آخر من هؤلاء جحدوا الإسلام فتركوا الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك.\nوأما الصنف الثالث فمنهم من منع الزكاة متأولًا ومنهم من أدى الزكاة، ولكن مجموع هؤلاء جميعًا كانوا في صعيد واحد، وخطرهم على المدينة محدق، ولابد لـ أبي بكر أن يتخلص من هؤلاء حتى يستقيم له الأمر وإلا فهؤلاء يشكلون خطرًا عظيمًا جدًا على الإسلام، ولما لم يتحيز ويتميز هؤلاء الذين أقروا بالزكاة أو جمعوها بالفعل وأرادوا إرسالها ولكن منعهم مالك بن نويرة؛ فحينئذ حاربهم جميعًا أبو بكر الصديق ﵁؛ لأن هذا المعلوم في الإسلام بحكم الثغر.\nإذا كان في ثغر من ثغور الإسلام بعض الأعداء وخطرهم محدق بالإسلام وأهله، ومع هؤلاء في نفس الموضع أناس من أهل التوحيد والإيمان، لكن لا يمكن تخليص هؤلاء من بين الأعداء كما لا يمكن التخلص من الأعداء إلا بقتلهم فيقتل الجميع ثم يبعث المسلم على نيته، ولذلك قاتل أبو بكر الصديق ﵁ هؤلاء جميعًا المتأول وغير المتأول، وعمر بن الخطاب ﵁ قامت عنده شبهة فقال: كيف تقاتل الناس وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والنبي ﵊ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوها، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)؟ فـ عمر نظر إلى صدر الكلام ولم ينظر إلى عجزه، فـ أبو بكر الصديق ﵁ انتبه إلى الشرط (إلا بحقها) أي: إلا بحق هذه الكلمة، وحق هذه الكلمة: أن يصلوا وأن يصوموا ويؤدوا الزكاة، فقال: يا عمر! لو أن الناس تركوا الصلاة أكنت تقاتلهم؟ قال: نعم.\nهذا أمر مستقر لدى الصحابة أن من منع الصلاة أو ترك الصلاة يقاتل حتى يصلي، مع أنه تارك للصلاة وهو دائم على قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله.\nوهذا كان أمرًا معلومًا مستقرًا لدى الصحابة ﵃ أن من ترك الصلاة قوتل حتى يرجع إليها وإلا قتل ردة، فلما كان هذا معلومًا مستقرًا عند عمر وعند غيره من الناس أراد أبو بكر الصديق ﵁ أن يلفت نظره إلى أن الصلاة كالزكاة، إذا كانت الصلاة هي علاقة العبد بربه، فكذلك الزكاة هي حق المال الذي فرضه الله ﷿.\nفكما أن الله هو الذي فرض الصلاة هو كذلك الذي فرض الزكاة، فمن فرق بين الصلاة والزكاة قاتلته، لأن الذي يفرق لا حجة له بعد التفريق؛ لأن الله تعالى جمع بينهما في أكثر من سبعين آية في كتاب الله ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فمن فرق بينهما وجعل لكل واحد منهما حكمًا فقد فرق بغير مسوغ وبغير دليل.\nولذلك قال: (فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ودمه ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله).\nوقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن","vol":"46","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-919>منهج الإيمان في الأخذ بالأسباب</span>\nقال: [وعن سعيد بن المسيب أن عمر قال: (يا نبي الله! أرأيت ما نعمل نحن الآن لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستقبله استقبالًا؟)] هذا كلام جميل جدًا في القدر.\nأي: الأعمال التي عملناها يا رسول الله أهي أعمال قد كتبت علينا وفرغ الأمر منها أو هي مستقبلية؟ قال: [(فقال النبي ﵊: بل لأمر قد فرغ منه، فقال عمر: فعلام العمل إذًا؟)] أي: لماذا نعمل؟ لأن هذا العمل قد كتبه الله ﷿ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في رواية مسلم، ألسنا نريد مقاتلة المشركين؟ فالله ﷿ إما أن يكون قد كتب النصر أو الهزيمة، من منا يعلم قبل بدء المعركة ما كتب لنا من نصر أو هزيمة؟ لابد من خوض المعركة.\nفإذا كتب لنا النصر علمنا أن الله تعالى كان قد كتب لنا النصر، ولذلك سخرنا وهدانا لهذا النصر أخذًا بالأسباب، هل يستطيع إنسان أن يقول: أنا جائع ولا داعي للأكل، لأن الله تعالى لو كتب لي الشبع فإنه قادر على أن يشبعني دون أن أطعم أو أشرب، وكذلك من يريد ولدًا يقول: إن الله تعالى قادر على أن يرزقني الولد من غير أن أتزوج؟ هذا لا يمكن أن يقوله إنسان عاقل.\nلابد من استعمال السبب، وترك السبب قدح في توحيد الله ﷿، كما أن الاعتماد على السبب شرك بالله ﷿.\nومعنى (فرغ منه) أي: علمه الله ﷿، ولما علمه كتبه في اللوح المحفوظ وسطره على العباد، لكن هل العباد يعلمون هذه القضية؟ هل العباد علموا ما كتب لهم وقدر؟ هل هم يعلمون ذلك إلا بعد أن يقع؟ فالعباد لا يعلمون ذلك.\nفلذلك لابد من اتخاذ الأسباب، وبعد اتخاذ الأسباب يعلمون ما كان قد قدر لهم، لأن ربنا كتب كل شيء، فهو عنده في كتاب تحت العرش، وأنت ما أدراك أن هذا المكتوب خير أم شر، لك أو عليك؟ لابد من العمل حتى تدرك بعد ذلك ما كان قد قدر لك من الخير أو الشر.\nكان أحدهم ممن لا يؤمن بالقدر وعنده فلسفات جدلية على القدر، وكان في إحدى زياراتي له ضرب ابنه ضربًا مبرحًا من أجل أن يجتهد في المذاكرة، والامتحان كان على الأبواب، مع أنه قبل ساعات طويلة كان يقول: إن كل شيء قدره الله ﷿، فلم العمل؟ نفس السؤال الذي عرضه عمر على النبي ﵊، ولكن عمر آمن بكلام النبي ﷺ فورًا، ولا يمنع أن يكون عمر سأل لأجل أن يتعلم الجاهل، فهذا لا يخفى عليكم.\nفهذه العشرون عامًا أجرى الله ﵎ فيها أحكام الدنيا إلى قيام الساعة تأصيلًا أو فروعًا أو سياسة، ولذلك أحداث الدنيا إلى قيام الساعة لابد أن يكون لها أصلا في كتاب الله أو في سنة رسوله ﵊ أو في إجماع الأمة أو بالسند الصحيح، وهي مصادر الإسلام.\nفقلت لهذا المخبول بعد أن ضرب ابنه: لم تضربه هذا الضرب كله؟ قال: الامتحان على الأبواب، وهو لا يريد أن يذاكر، قلت: ولم يذاكر؟ قال: حتى يوفق في الامتحان وينجح، قلت: إذا كان الله قدر له النجاح سينجح وإن لم يذاكر ويدخل الامتحان، فنظر وبحلق في عيني، قلت: هذه مثل تلك التي كنت تناقش فيها منذ ساعات؛ لأنه لم يكن يعمل، وكان يظن أن العمل شرك بالله ﷿، وهذا هو البرماوي وأنتم تعرفونه، ويعتقد أن هذا من باب التوكل على الله.\nقلت: وما الذي يمنع ابنك أن يتوكل على الله أعظم من توكلك؛ بأن يجتهد في المذاكرة قبل دخول الامتحان، وعلى اعتقادي أن الله ﵎ لو أراد أن يجعله الأول على الجمهورية وعلى العالم كله لفعل ذلك؛ لأن كل شيء بيده ﷾، لكن لما كان كل شيء بيده ﵎ أمرنا باتخاذ الأسباب.\nوقلت له بعد ذلك: يلعب ويمرح ويلهو ويأخذ الذي قدره الله ﷿ له، وعلمت بعد أيام من هذا اللقاء أنه رجع عما كان عليه؛ لأن مناقشته في قدرة الله ﷿ وإرادته في أمر قد مسه هو شخصيًا، لم يتلقاه عن شيخه المضل، وإنما تلقاه عن ولده الذي ربما يضيع لو ترك المذاكرة، والمذاكرة سبب من أسباب الله ﷿.\nقال: [(قال عمر ففيم العمل؟ قال النبي ﵊: لا ينال إلا بعمل -يعني: هذا المفروغ المقدر لا ينال إلا بعمل- فقال عمر: إذًا نجتهد)]، إذا كان المقدر والمكتوب هذا لا ينال إلا بعمل، إذًا: لابد أن نجتهد ونعمل.\nالله ﷿ كتب أن العبد لابد أن يعمل فعمل العبد هو كذلك مكتوب، والله ﵎ كتب أن إبراهيم سينجح وكتب أن إبراهيم سيذاكر، فالله كتب العمل وكتب نتيجته، فإذا كان هذا وذاك مكتوبان فلابد من الإتيان بهما.\nقال: [وقال عمران بن حصين: (قال رجل: يا رسول الله! أعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: ففيم يعمل العامل)]، فالله ﷿ يعلم أهل الجنة من أهل النار، وما أدراك أنك من أهل الجنة أو من أهل النار؟ والله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق","vol":"46","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-920>فضل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله</span>\nقال: [وعن أنس ﵁ أن نبي الله ﷺ كان رديفه معاذ ﵁ على الراحلة فقال: (يا معاذ بن جبل -ثلاثًا- ومعاذ يقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا حرمه الله على النار)]، هاتان الكلمتان لهما مقتضيات، فمن تلفظ بهما وهو لا يعلم معناهما ولا يعرف أي شيء عنهما لا يصح هذا منه.\nوآخر يقول هاتين الكلمتين ولكنه يبغض الرسول ﷺ أشد البغض لا يقبل منه هذا، ويكون هذا رياء ونفاقًا.\nإذًا: هذه الكلمة عند إطلاقها ليست مقصودة في ذاتها، ولكن تنفع صاحبها إذا كانت مكتملة الشروط والأركان.\nقال: [(يا رسول الله! أفلا أخبر به الناس)، معاذ بن جبل يقول: يا رسول الله! هل تأذن لي وتسمح أن أبشر الناس بذلك؟ قال النبي ﵊: [(إذًا يتكلوا)]، يعني: يتكلوا على مجرد القول، ويتركوا العمل.\nقال: [(فأخبر بها معاذ في آخر حياته تأثمًا)]، يعني: مخافة أن يموت وهو كاتم العلم.\nقال: [وعن سليم أبي عامر قال: (سمعت أبا بكر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أخرج فأنادي من يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فله الجنة.\nقال: فخرجت فلقيني عمر فسألني فأخبرته، فقال: ارجع إلى رسول الله ﷺ قل له: دع الناس يعملون فإنهم إن سمعوا اتكلوا عليه)].\nوحديث أبي هريرة عند مسلم، قال ﵁: (كان النبي ﵊ في نفر من أصحابه، وفينا أبو بكر وعمر، فقام عنا فأبطأ علينا، فخشينا عليه، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت حائطًا من حوائط الأنصار فدرت به حتى وجدت جدولًا -والجدول الربيع أو قال: وجدت ربيعًا والربيع جدول- فاحتفزتُ كما يحتفز الثعلب، فلقيني النبي ﷺ وقال: أبا هريرة؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قلت: يا رسول الله! إنك كنت بيننا فقمت عنا، فأبطأت علينا وخشينا عليك، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فمررت به علِّي أجد مكانًا أدخل منه، ولم أجد إلا جدولًا فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، قال النبي ﵊: يا أبا هريرة خذ نعلي هاتين، أو خذ نعلي هذا واذهب، فمن لقيت خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فبشره بالجنة، قال: فخرجت فكان أول من لقيني عمر، وقال: ما هذا يا أبا هريرة؟ قلت: هما نعلا رسول الله ﷺ فقص عليه القصة، فقال: أمرني النبي ﵊ أن آخذ نعله وأخرج خارج الحائط، فمن لقيته يشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله بشرته بالجنة، قال: فضربني عمر في صدري حتى خررت على استي، أو وقعت على مؤخرتي، قال: فقدمت إلى النبي ﷺ وعمر على إثري -يعني: عمر وراءه خطوة بخطوة- فلما دخلت على النبي ﵊ قصصت عليه ما كان من أمر عمر، فقال: يا عمر ما حملك على هذا؟ قال عمر: يا رسول الله أأنت قلت له كيت وكيت؟ -يعني: أنت الذي قلت له: اعمل كيت وكيت وكيت؟ - قال: نعم، قال: يا رسول الله! لا تفعل؛ خل الناس يعملوا، فقال النبي ﵊: خلهم يا عمر يعملوا) عمر ﵁ خشي أن يتكل الناس على مجرد النطق بهذه الكلمة، وأما النبي ﵊ فإنه يعلم علمًا يقينيًا أن من أتى بها مجردة عن العمل القلبي وعمل الجوارح لا تنفعه بين يدي الله ﷿، وخشي أن يتغير الزمان وتتقلب الأحوال ويكتفي الناس من إسلامهم وإيمانهم بمجرد الكلمة.\nولذلك وافق عمر على الفور في وجوب أو استحباب ستر هذه البشارة عن الناس؛ لأنه فعلًا ربما اتكلوا عليها، وأنتم ترون أن الناس متكلون عليها، يأتي العبد من العباد أفجر خلق الله لم يترك معصية إلا وهو في أوحالها بالليل والنهار، أما الطاعات فلا دراية له بها ألبتة، لسانه لسان الزنباوي؛ لأن الزنباوي من أيام الثورة سنة ١٩٥٧م، يقلب الحق باطلًا والباطل حقًا، فلم يكن أحد أشطر منه في الأفق، حتى ضرب بلسانه المثل بعد ذلك.\nفتصور شخصًا تكلمه يقول لك: أتظن أنك لا تصلي إلا أنت، أبعد عني، أتعلمني كيف أصلي، وكيف أتوضأ وعمري ستون أو سبعون سنة؟ وهو لا يريد أن يتعلم، وهو يدعي أن قلبه أنظف القلوب، بل هذا القلب من أوسخ القلوب التي خلقت، فهو أوسخ من قلوب اليهود والنصارى.\nفهذا دليل وعلامة من علامات النبوة أن النبي عليه الصلاة","vol":"46","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>كلام بعض السلف في معنى الإيمان ومقتضياته</span>\nقال: [وعن عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز]، وعدي بن عدي هو والي الجزيرة لـ عمر بن عبد العزيز في فترة خلافته.\nقال: [كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن للإيمان فرائض]، يعني: أعمالًا مفروضة مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك.\nإذًا: الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك من فرائض الإسلام هي من فرائض الإيمان كذلك.\nقال: إن للإيمان فرائض، وهي الأعمال التي فرضها الله ﷿ على أهل الإسلام.\nقال: [فإن للإيمان فرائض وشرائع]، هذه الشرائع هي العقائد الدينية، أو الأمور الغيبية الاعتقادية.\nإذًا: عندنا الفرائض هي الأعمال المفروضة، وعندنا الشرائع هي المعتقدات.\nإذًا: فجانب الاعتقاد يطلق عليه شريعة، وجانب الفرائض يطلق على الأعمال، والشريعة عمل قلبي، وهي: مجموعة الاعتقادات، والاعتقادات محلها القلب.\nفيكون قول عمر هنا: إن للإيمان فرائض وشرائع، وفي رواية البخاري في مقدمة كتاب الإيمان أنه أورد هذا الأثر قال: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا، والحدود هي التي ترتبت عن ارتكاب المنهيات.\nقال: [وسننًا -أي: مندوبات- فمن استكملها استكمل الإيمان]، يعني: من أتى بالفرائض والشرائع وترك ما يستوجب الحد وأتى بالسنن والمندوبات والمستحبات فقد استكمل الإيمان.\nوهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص عند عمر بن عبد العزيز، من أتى بهذه الأعمال كلها سواء كانت اعتقادية أو عملية فقد استكمل الإيمان.\nقال: [ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن عشت أبينها لكم حتى تعملوا بها]، ليس المقصود بيان الأصول، وإنما بيان الفرعيات الدقيقة؛ لأن الأصول مستقرة لدى التابعين.\nقال: [فإن عشت أبينها لكم حتى تعملوا بها إن شاء الله، وإن مت فوالله ما أنا على صحبتكم بحريص.\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له]، يعني: أنتم أمرتم بالصلاة والزكاة، والأمر بهما مقرون في كتاب الله وفي سنة رسوله، فلم فرقتم بين هذا وذاك؟ قال: [فمن ترك الزكاة فلا صلاة له.\nوقال: من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فليس بمسلم ينفعه عمله.\nوعنه قال: ما تارك الزكاة بمسلم.\nوكان هشام بن حسان في حلقة بمكة فقيل له: ما كان الحسن يقول في الإيمان؟ قال: كان الحسن يقول: هو قول وعمل، وقيل للحسن: ما الإيمان؟ قال: الصبر والسماحة، قال: الصبر على محارم الله، والسماحة في فرائض الله]، فالصبر على ألا يقترف معصية من معاصي الله ﷿، والسماحة القيام بطاعة الله ﷿.\nقال: [وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: الإيمان قائد]-أي: الإيمان هو بمثابة القائد الذي يقودك إلى الله- والعمل سائق، والنفس حرون]، ومعنى حرون: تأبى عليه، يقال هذا حرون، أو هذا الحمار أو الحصان حرن، وهذه الكلمة عربية أصيلة، يعني: أن الدابة مهما ضربتها فإنها لا تنقاد.\nفهو يقول: الإيمان قائد والعمل سائق، أي: الإيمان يقودك إلى الله والعمل معه بمرتبة السائق، والنفس بطبيعتها تأبى وترفض هذا، فمن تغلب على نفسه نفعه إيمانه وعمله.\nقال: فإذا وني قائدها، كأنه يقول لك: إياك أن تضعف، إياك أن تفتر.\nقال: [فإذا وني قائدها لم يستقم سائقها]، يعني: إذا نقص الإيمان لم ينفعه العمل، إذا وني قائدها لم يستقم سائقها، قال: [الإيمان بالله مع العمل والعمل مع الإيمان، ولا يصلح هذا إلا مع هذا حتى يقدمان على الخير إن شاء الله تعالى.\nوعن إبراهيم التيمي قال: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا]، أي: ما عرضت بزعمي الإيمان الكامل على عملي القليل النادر إلا خشيت أن أكون إنسانًا كذابًا، وهذا الكلام محمول منه على الورع الشديد جدًا في قوله هذا، وهذا هو الظن به.\nفإذا كان إبراهيم التيمي لم يحقق كمال الإيمان، فمن الذي سيحققه؟ فكيف إذا أتى ورآنا ونحن في أسوأ حال؟ ومع هذا تجد منا من هو في منتهى الجرأة على الله فيدعي تمام الإيمان وكماله، ويقول بكل بجاحة: إن قلبي عامر بالإيمان! وكل هذا كذب وعواطف، وإبراهيم التيمي لم يكن يعرف هذا.\nإبراهيم التيمي قد حقق أحسن الأعمال وأكملها وأتمها، ولكنه يقول: العملية أقل مما يطلب منا بكثير جدًا.\nوقال عبد العزيز بن أبي رواد بعد أن سأل هشام بن حسان وهو في الطواف، ما كان الحسن يقول في الإيمان؟ قال: كان يقول: هو قول وعمل.\nقال: [وعن زيد بن أسلم -وهو من أئمة المدنيين وسيد من سادات التابعين- يقول: لابد لهذا الدين من أربع]، يعني: حتى يستقيم لك دينك لابد من اجتماع أربع مسائل: قال: [دخول في دعوة المسلمين]، أي: ألا تفارق جماعة المسلمين.","vol":"46","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>مناقشة كلام أبي ثور في الإيمان وضوابطه</span>\nقال: [وعن إدريس بن عبد الكريم المقرئ قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان]، وأبو ثور إمام كبير من الأئمة الفقهاء، وللأسف الشديد لا تعرفون مذهبه! قال: [سأل رجل أبا ثور عن الإيمان ما هو؟ وهل يزيد وينقص؟ وهل هو قول وعمل؟ فأجابه أبو ثور فقال: اعلم يرحمنا الله وإياك]، وهذا من المستحب أن يبدأ الإنسان بالدعاء لنفسه قبل الغير، فلا ينبغي أن يقول: يرحمك الله وإيانا.\nقال: [أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح]، وانتبه لهذه الوصية فإنها وصية جامعة، وفيها مناقشة عقلية رائعة.\nقال: [اعلم أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن الله تعالى واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به، أنه ليس بمسلم].\nيعني: ليس بين أهل العلم خلاف أن هذا ليس بمسلم، هل قد سمعتم مثل هذا الكلام أيها الإخوة؟ فهذا الإنسان علم أو اعترف، ولم يستقر ذلك في قلبه، فليس بمسلم.\nقال: [وأنه ليس بين أهل العلم قط خلاف في أن من قال ذلك ليس بمسلم، ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، ولم يعتقد قلبه على شيء من ذلك أنه كافر في إظهار ذلك وليس بمسلم]، وهذا كلام جميل.\nفي الصورة الأولى يقول: أنه أقر بما يجب عليه أن يقر به بلسانه، ولم يعقد قلبه على ذلك ليس هو بمسلم، بل هو منافق.\nوفي الصورة الثانية: أنه أقر بأن المسيح هو الله، وقال: إياكم أن تصدقوني أنا أضحك فقط؛ لأني في قرارة نفسي لا أعتقد أن المسيح هو الله، أرأيتم كيف أن هذه الصورة عكسية؟ في الصورة الأولى أقر بالإيمان بلسانه ولم يعتقده بجنانه، فهذا ليس بمسلم.\nوالصورة الثانية: أتى ما يستوجب الكفر وهو قوله: إن المسيح هو الله، وإن لم يعتقد ذلك في قلبه فلنا نحن الظاهر، والظاهر في الصورتين الكفر؛ لأنه لما أقر بالإيمان بلسانه، رجع مرة أخرى فأقر بلسانه وسمعناه يقول: أنه لم يعتقد شيئًا من هذا كله، وحكمنا عليه بالكفر؛ لأنه لما أقر بالإيمان رجع مرة أخرى فأنكره، وقال: لا تصدقوا أني أصدق شيئًا من هذا ولم يستقر منه شيء في قلبي.\nوالصورة الثانية: نطق بالكفر، وهو قوله أن المسيح هو الله، وأنكر شرائع الإسلام، فمثلًا تقول له: صل يا فلان، يقول لك: صلاة ماذا؟ وما هذه الصلاة؟ أنترك أعمالنا ونذهب إلى هذه الصلاة؟ أتظن أننا غير مشغولين؟! أو تقول له: زك يا فلان، فيقول: ولمَ أزك؟ والنبي قد مات، وكلما تكلمه في فريضة من فرائض الإسلام ينكرها ويركض كالحمار، ومع هذا يقول: المسيح هو الله، أو ابن الله، هذا لا يكون مسلمًا، فالذي لا يكفره يكون كافرًا.\nقال: [ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، قال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن.\nفلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنًا، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنًا حتى يكون مصدقًا بقلبه مقرًا بلسانه] يعني: الإقرار باللسان لا يكفي، وجزم القلب وتصديق القلب بذلك مع عدم الإقرار وإمكانية الإقرار، هو كذلك ليس بمسلم.\nقال: [فإذا كان تصديق بالقلب وإقرار باللسان كان عندهم مؤمنًا]، فإذا كان إقرار باللسان وتصديق بالجنان -أي: بالقلب- كان عند البعض مؤمنًا.\nقال: [وعند بعضهم لا يكون حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت فيه مؤمنًا.\nفلما نفوا أن الإيمان شيء واحد وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم وثلاثة أشياء في قول البعض الآخر لم يكن مؤمنًا إلا بما اجتمعوا عليه]، يعني: البعض قالوا: إذا أقر بلسانه واعتقد بقلبه فهو مؤمن، والبعض الآخر قالوا: هذا الذي يقر بلسانه ويعتقد بقلبه والجوارح تصدق ذلك، بأن يعمل بمقتضى الإقرار والتصديق هذا الذي يكون مؤمنًا.\nوالذين قالوا: إن المؤمن هو من أقر بلسانه وصدق بقلبه وفرط في العمل أو لم يعمل لا يختلف مع من يقول بوجوب العمل وهذا هو الإيمان، يعني: الذي يقول الآن بعدم وجوب النقاب، هل يقول بعدم الاستحباب؟ فنفي الوجوب لا ينفي الاستحباب.\nفالذي ينفي شيئًا يثبت ما هو دونه من دون الوجوب ويثبت ما هو فوقه من باب الاستحباب، فالذي يقول: إن النقاب ليس بواجب على المرأة، يقول: ولو انتقبت لكان ذلك أفضل.\nإذًا: ينفي الوجوب لأجل الاستحباب، فالذين يقولون: الإيمان يثبت بالإقرار باللسان والتصديق بالقلب، هم من باب أولى يثبتون الإيمان بالدرجة الأولى لمن جمع إلى هذين العمل، فيتفقون مع من يوجب العمل، لكن يختلفون في مسألة واحدة أن هذا العمل شرط أم ليس بشرط؟ القول الأول: العمل ليس شرطًا في الإيمان، والثاني: العمل شرط في الإيمان، لكنهما يجتمعان في أن العبد إذا عمل لكان هذا إيمانًا.\nقال: [فلا ندع ما اجتمعوا عليه لما اختلفوا لها]، يعني: إذا كان هذا إيمانًا فلا ندع ما اجتمعوا عليه من لزوم العم","vol":"46","page":10},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-923> شعب الإيمان [١]</span>\nالإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، منها: الشهادتان والحياء، وإماطة الأذى عن الطريق، والعمل بأركان الإسلام وأركان الإيمان، والجهاد لإعلاء كلمة الله، وتفضيل حب الله ورسوله على حب ما سواهما، وحب الأنصار، والحب في الله والبغض في الله، وحب علي بن أبي طالب، وعدم إيذاء الجار، وإكرام الضيف، وإلقاء السلام، وصيام رمضان وقيامه، وغيرها من الشعب.","vol":"47","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-924>الشهادتان والحياء وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان</span>\nبسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد: في الدرس الماضي من دروس الاعتقاد استعرضنا سريعًا كتاب الإيمان في صحيح البخاري، وقلنا: إن شعب الإيمان محل نزاع بين أهل العلم، منهم من قال: هي بضع وستون، ومنهم من قال: هي بضع وسبعون، وسبق العلماء الإمام ابن حبان، فعد خصال الإيمان من القرآن والسنة، ومن أقاويل السلف ﵃ أجمعين فبلغ بها بضعًا وسبعين شعبة.\nومرد هذه الشعب إما أن يكون إلى أعمال الجوارح، أو أعمال القلب، أو أعمال اللسان، فمرد هذه الشعب كلها إلى هذه الثلاثة الأصول.\nوالإمام البخاري إنما نهج في كتاب الإيمان على منوال واحد، فذكر أولًا الإيمان، وبين اختلاف أهل العلم في تعريف الإيمان، هذا في أصول الأبواب عنده.\nثم بين أن الإيمان يزيد وينقص، وعلامات ذلك من كتاب الله تعالى ومن سنة النبي ﵊، ثم بين أن الإيمان شعب ومراتب، ثم ذهب في بقية الكتاب يعدد هذه المراتب وهذه الشعب، فقال: الصلاة من الإيمان، الزكاة من الإيمان، الحج من الإيمان، الجهاد من الإيمان، أداء الخمس من الإيمان، إلى أن عد شعبًا عديدة، لكنه لم يجمع شعب الإيمان؛ لأنه إنما قصد في كتابه هذا أن يعد شعب الإيمان التي على شرطه؛ لأنه لا يخرج عن شرطه لأجل أن يعد شعب الإيمان؛ لأن هذا ليس مقصدًا أساسيًا له بخلاف أنه أراد ألا يذكر في كتابه إلا حديثًا كان على شرطه؛ فهذا استعراض سريع لكتاب الإيمان عند البخاري وليس هو المراد، إنما المراد ذكر كتاب وشعب الإيمان عند الإمام اللالكائي في كتاب أصول الاعتقاد.\nولذلك آثرت أن أرجع إلى نفس الباب من كتاب أصول الاعتقاد للالكائي خاصة وأن الإمام إنما ذكر شعبًا لم يذكرها البخاري ولم يذكرها كذلك الحافظ ابن حجر، فقد ذكر شعبًا أدلتها ضعيفة لا يمكن تقوى، ولا يمكن إثبات أنها من الإيمان لعدم نهوض الدليل على كونها كذلك.\nفقال: [ذكر الخصال المعدودة من الإيمان المروية في الأخبار، فأول مرتبة من إيمانه وأعلاه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله].\nقال: [وأدناه -أي: أدنى مراتب الإيمان- إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان].\nثم ذكر حديث أبي هريرة: (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).\nفهذا الحديث إنما ذكر ثلاث شعب من شعب الإيمان.","vol":"47","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>أركان الإسلام كالصلاة والزكاة وغيرهما من شعب الإيمان</span>\nوالخصلة الرابعة هي: الصلاة، وبينا في الدرس الماضي أن الصلاة من الإيمان في قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، أي: ليضيع صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس قبل إنزال الوحي بتحويل القبلة إلى البيت الحرام.\nوالخصلة الخامسة: الزكاة، والسادسة: الخمس من المغنم، والسابعة: الصوم، والثامنة: الحج.\nكل هذا من الإيمان، ومن هذه الخصال ما يتعلق بالقلب وهو الاعتقاد، ومنه ما يتعلق بالجوارح، ومنه ما يتعلق باللسان وهو الشهادتان.\nكما في حديث ابن عباس وهو المعروف بحديث وفد عبد القيس لما أتوا إلى النبي ﵊ وقالوا: (يا رسول الله! إن بيننا وبينك كفار مضر ولا نخلص إليك -أي: ولا نأتي إليك ولا نتمكن من لقائك- إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا، قال: آمركم بالإيمان بالله وحده؟ أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وتؤدوا الخمس من المغنم).\nفعرف الإيمان هنا بما عرف به الإسلام في حديث جبريل ﵇، قال: (وأنهاكم عن أربع: أنهاكم عن الدباء والحنتم، والنقير، والمقير) وفي رواية: (والمزفت).\nوكل هذه إنما هي أسامي أواني كانوا يخمرون فيها الخمر، ومن شأن هذه الأواني على جهة الخصوص أن الخمر أو أن الشراب إذا وضع فيها اشتد سريعًا؛ ولذلك كان العرب قبل الإسلام يأتون بهذه الأواني خصيصًا حتى لا تتأخر فيها الأشربة بحيث تتخلل وتتخمر سريعًا، فنهاهم النبي ﵊ عن ذلك.","vol":"47","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>أركان الإيمان الستة من شعب الإيمان</span>\nوذكر الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، والقدر خيره وشره فذلك ثمان خصال؛ إلا أن ذكر الإيمان بالله تعالى تقدم فتبقى سبع، وهي مع الثمان الخصال السابقة التي ذكرناها تكون حينئذ خمس عشرة خصلة.\nقال: [وعن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ -أي: ما هو الإيمان وما حقيقته؟ - قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم، قال: ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: أرأيت إن فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: نعم) إلى آخر الحديث فبين النبي ﵊ هنا أن شعب الإيمان تتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره، وبالبعث بعد الموت، والجنة والنار، والصراط والحساب والجزاء؛ كل هذا من الإيمان، بل كل ما يتعلق بأمر غيبي هو من أصول الإيمان، فإنكاره يؤدي بالعبد إلى النار عياذًا بالله.\nفلو أن عبدًا أنكر الجنة والنار لأنه لم يرهما، أو أنكر البعث بعد الموت؛ كل من أنكر شيئًا من أمر الغيب الذي جاء في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊ المتواترة فإنه يكفر بذلك ويخرج عن ملة الإسلام.","vol":"47","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-927>الجهاد لإعلاء كلمة الله من شعب الإيمان</span>\nالخصلة السادسة عشرة: هي الجهاد، أي: إثبات أن الجهاد من الإيمان.\nقال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: (سأل رجل رسول الله ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور)].","vol":"47","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>تفضيل حب رسول الله على حب الولد والوالد والناس أجمعين</span>\nالخصلة السابعة عشرة: قال: [عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).\nيعني: حتى يكون الرسول ﵊ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.\nالناس يخالفون هذه الشعبة من حيث لا يدرون، فالوالد يقدم محبة ولده على محبة الله ورسوله وهو لا يدري، لو كان الولد عاصيًا أو شاربًا للخمر مثلًا، فالوالد يعطي ولده المال ليشرب الخمر أو ليشرب البانجو، أو ليعصي بها أيًا كان نوع المعصية، فإذا قيل للوالد: لم تفعل هذا؟ قال: والله هو شباب ولا بأس في ذلك وغير هذا من الأعذار، وهو لا يدري أن هذا فيه معصية لله ومعصية للرسول ﵊ ثم يميع أمر الله ﷿ في مقابلة أن يرضي ولده، فمثل هذا العبد فاقد للإيمان، لأنه قدم حب ولده على حب الله ورسوله، ولذلك قال ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، وفي رواية: (حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين)، فلا بد من تقديم محبة الله ومحبة الرسول ﵊ على كل محبوب دونهما.","vol":"47","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-929>الحب في الله وكراهية الكفر من شعب الإيمان</span>\nوالخصلة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرون: قال: [عن أنس ﵁ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)]، وهذا من أعظم شعب الإيمان وعرى الإيمان.\nقال: [(وأن يكره أن يرجع في الكفر كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها)].\nفلو أن نارًا أججت وقالوا: إما أن ترجع عن دينك وإما أن نلقيك في النار، فقل: النار أحب إلي، وليس هذا كلامًا يقرأ، فهذه عقيدة المسلمين دائمًا.\nفلا بد من الوقوف عند كل نص شرعي، واستنباط المعاني والأحكام والعقائد والأخلاق والآداب والسلوكيات منه، ولا يمكن أن تبنى الشخصية الإسلامية المحترمة إلا بالوقوف عند كل نص، واستنباط ما ذكرت منه، بل والوقوف عند هذه الاستنباطات لأجل العمل بعد الاعتقاد.\nأما إنسان يقرأ القرآن من أوله إلى آخره دون أن يقف على حدوده، ودون أن يقف على حلاله وحرامه فكيف له أن يتعرف على الحلال والحرام؟ وكيف له أن يتعرف على العقيدة الصحيحة عقيدة التوحيد، وكذلك سنة النبي ﵊؟ فلا بد للإنسان من الوقوف عند كل نص ليستفيد، ثم لا يجاوز هذه النصوص إلا بعمل.","vol":"47","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>حب الأنصار من شعب الإيمان</span>\nقال: [وعن أنس ﵁ قال: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)].\nإذًا: ما دام النبي ﵊ علق هذه الشعبة بالإيمان فهي من الإيمان، فحبي للأنصار علامة على إيماني، وبغضي للأنصار علامة على نفاقي.\nوهذا الحديث فيه فضيلة للأنصار وأبنائهم إلى قيام الساعة، وإن كان لفظ الأنصار عند الإطلاق يطلق على من ناصر النبي ﵊ من أهل المدينة خاصة، مع أنه قد نصره من هم من غير أهل المدينة، فالمهاجرون لما هاجروا من مكة إلى المدينة أليس هذا نصرة للنبي ﵊ ولدين الإسلام؟ وغيرهم من القبائل والبلاد المجاورة للمدينة، بل أهل الحبشة الذين ناصروا النبي ﵊، وغير أهل هذه البلدان قد ناصروا النبي ﵊.\nفكلهم أنصار، وكلهم قد تحققت فيهم النصرة والمؤازرة والتعزير والتوقير للنبي ﵊، لكن لفظ الأنصار عند الإطلاق يطلق على أهل المدينة ممن صحب النبي ﵊.\nأما عند إرادة إطلاق اللفظ فيطلق على الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار إلى آخر الزمان، فبغض الأنصار لأجل النصرة علامة على النفاق، حتى لا يتحرج الإنسان الآن أنه يدخل المدينة فيجد رجلًا مثلًا من أهل المدينة لكنه من أهل المعصية ليس من أهل الطاعة، أي: أنه رجل مثلًا يزني ويسرق ويشرب الخمر وغير ذلك، فهذا لا يحب وإن كان من الأنصار، فقوله ﵊: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) أي: علامة الإيمان أن تحب الأنصار لكونهم ناصروا النبي ﵊، وعلامة النفاق أن تبغض الأنصار لأنهم ناصروا النبي ﵊، فإثبات الإيمان ونفيه متعلق بحب الأنصار وبغضهم لأجل النصرة.\nفحينما نذكر مثلًا سعد بن معاذ نقول: ﵁، لقد ناصر النبي ﵊، ونحب أبناءه وأبناء أبنائه الذين هم على الطاعة؛ لأنهم ناصروا النبي ﵊، وناصروا الله ﷿.\nأما أن يأتيني رجل مثلًا من الأنصار، لكنه يعيث في الأرض فسادًا فأنا أبغضه، لا أبغضه لأن آباءه ناصروا النبي ﵊، لكني أبغضه لأنه يعصي الله، فهذا أيضًا من الإيمان، لقوله ﵊: (إن أوثق عرى الإيمان أن تحب لله وأن تبغض لله) يدخل في هذا المهاجرون والأنصار.\nلو أن مهاجرًا ممن هاجر من مكة إلى المدينة مع النبي ﷺ ثم ارتد بعد موت النبي ﵊ عن الإيمان إلى الكفر فلا نحبه؛ فهجرته نسخت بردته؛ لأن الردة تمحو ما كان قبلها من خير، كما أن الإيمان يمحو ما كان قبله من شر.","vol":"47","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-931>حب الخير للآخرين من شعب الإيمان</span>\nقال: [وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)]، وهذه علامة مهمة، وهي أن تحب لأخيك مثل الذي تحب لنفسك تمامًا، وهذه مرتبة ينبغي أن نقف عندها؛ فقد قل من الناس من يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل كل الناس أو جلهم إنما يحب نفسه أكثر من كل شيء، حتى قال عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﵊: (والله يا رسول الله إني لأحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي التي بين جنبي)، وهو عمر، وهذه نفس بشرية جبلت على هذا، فقال النبي ﵊: (لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك التي بين جنبيك، فوقف عمر مع نفسه وقفة فقال: والله يا رسول الله! إنك لأحب إلي من كل شيء حتى من نفسي التي بين جنبي، فقال النبي ﷺ: الآن يا عمر) يعني: الآن قد حققت كمال الإيمان، لأن عمر قال هذا حينما سمع قوله ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).","vol":"47","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-932>عدم إيذاء الجار واجتناب الغيبة والنميمة من شعب الإيمان</span>\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره)].\nهنا علق حقوق الجار بالإيمان، فلا يحفظها إلا مؤمن، ولا يضيعها إلا إنسان ناقص الإيمان أو فاقد الإيمان.\nفالذي يؤذي جاره لا يتحقق لديه كمال الإيمان، فليس من الإيمان إيذاء الجار، بل من الإيمان حفظ حقوق الجار، والجيران في هذا الزمان كاد كل واحد منهم أن يخرج من داره ومن أهله وبيته هربًا مما يحدثه الجار من إزعاج ومعاص وارتفاع بالمذياع وسباب للدين، وسباب للرسول والقرآن والسنة وغير ذلك عيانًا بيانًا.\nولو كان لهذه الأمة حارس يخشى على دين الله ﷿ لأدب الناس في حجر نومهم، لكن لا حارس للأسف الشديد، فلا يبقى أمام الناس إلا الوازع الديني الذي استقر في قلوبهم، فإذا غاب السلطان والحاكم لا بد من استخلاف الوازع الديني في قلب العبد المؤمن، بحيث يحمله على ملازمة التقوى والمروءة، ويأمره ويحضه على ملازمة التقوى؛ لأن السلطان لا يمكنه أن يفلح في هذا مهما بلغ بجبروته وطغيانه وعدته وعتاده لا يمكن للسلطان أن يسيطر على قلبك، بل القلب موهبة من الله ﷿، والوازع الديني والإيماني في قلب العبد هو منحة ربانية من الله ﷿؛ ولذلك لو راقبك العالم أجمع فاستطعت أن تصنع شيئًا في غفلة هؤلاء لفعلت، لكن لو أن العبد قد استكمل الإيمان بقلبه بمعنى أنه حقق خشية الله ﷿ على أعلى مستوى، فلو وضعوه مع أعظم المشتهيات كملكة جمال مثلًا، أو كان يشرب الخمر سابقًا ووضعوه في غرفة خمر مثلًا، لكنه تاب إلى الله ﷿ وعرف الله تعالى، فإنه لا يستطيع بل ولا يجرؤ أن يزني أو يشرب الخمر لأن معه الوازع الديني، ولأنه يملك بين جنبيه مخافة الله ﷿، فلا يمكن أن ينظر إلى تلك المرأة، بل ربما يراها أذم الخلق، ويراها خبيثة فينصرف عنها، وهذه تكون منحة من الله ﷿.\nوالسلطان الحاكم لا تأثير له إلا على الأبدان، أما تأثير الإيمان فإنه ينطلق بالعبد فيمشي في وسط الشوك بلا خدش، لا تخدشه المعاصي ولا تخدشه الشهوات ولا الشبهات من هنا وهناك؛ لأن حارسه نابع من داخله، فلا يتأثر بهذا الفساد الذي يحيط به من كل جانب.\nقال: [(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)].\nإذًا: الغيبة والنميمة وطول اللسان وهتك الأعراض وغير ذلك ليس من الإيمان، وليست القضية مجرد أنه بمقدورك أن تغتاب ما شئت، ثم تنصرف من المجلس وتقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت حتى يُغفر لك ما كان في المجلس، فالقضية هذه متعلقة بالإيمان، وإن غفر الله تعالى لك غيبتك لأخيك في مجلس جلسته واغتبته فيه فيبقى أن إيمانك تأثر بهذا الكلام، فلو كان منسوب الإيمان عندك مثلًا (٧٠%) واغتبت أخًا في الله ربما ينزل إلى (٥٠%) وأقل من ذلك، لأن الغيبة والنميمة وهتك العرض والكلام في أعراض الناس والطعن والقذف؛ كل هذا مناف للإيمان، وقديمًا كان السلف إذا ذكرت غيبة في مجلس أنكروا، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر بأمر الله ورسوله، فإذا استجاب القوم وإلا انصرفوا.\nولذلك يقول قائلهم: إذا كنت في مكان به منكر فأنكر، فإن زال وإلا فزل أنت عنه.\nأي: فإن استطعت أن تغير هذا المنكر إلى معروف، أو على الأقل تزيل المنكر فافعل، وإلا فيجب عليك أن تقوم من هذا المكان وتنصرف.\nولذلك عذب الله ﷿ بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا إذا رأوا المنكر أنكروا، حتى إذا كان الغد لم يمنع هؤلاء الذين أنكروا بالأمس أن يكونوا معهم في الأكل والشرب والمجالس، والله ﷿ قد لعن قومًا جلسوا على مائدة يدار عليها الخمر.\nفهم لم يشربوا وإنما جلسوا على مائدة يدار عليها الخمر؛ فكأنهم رضوا بهذا، والراضي بالذنب كالفاعل للذنب.\nقال عبد الله بن عمر ﵁: (سمع النبي ﷺ رجلًا يعظ أخاه في الحياء فقال: دعه فإن الحياء من الإيمان).\nيعظ أخاه أي: ينهاه.\nوليس معنى هذا أن تقول له: ما من داع لأن تستحي كثيرًا، فأنت كثير الحياء؛ فبهذا تكون قد نهرته عن الحياء ولم تعظه.\nفحينما نرى من عنده حياء فنقول: هذا حيي فوق اللازم وأكثر من اللازم، فنحن ننهره بهذا، بل الحياء كله خير.\nإذًا: ما في الحياء شيء اسمه أكثر من اللازم إذا كان هو كله خير كما قال ﵊: (الحياء لا يأتي إلا بخير)، أي: أنه لا يأتي من روائه إلا خير، فهل يقال لفلان: انته عن الحياء؟ أليس النبي ﵊ حينما سمع رجلًا يعظ أخاه في الحياء، يعني: سمعه يقول له ليس بالضرورة كثرة الحياء، قال له: (دعه فإن الحياء من الإيمان).","vol":"47","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-933>إلقاء السلام وإفشاؤه من شعب الإيمان</span>\nقال: [قال: النبي ﵊: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا -لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة- ولا تؤمنوا حتى تحابوا).\nإذًاَ: فسبب الإيمان هو المحبة، أو علامة الإيمان محبة المؤمنين بعضهم لبعض.\nقال: [(أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟)]؛ يعني: أدلكم على البوابة التي إذا فعلتموها ودخلتم منها حصلت لكم المحبة والثواب، قال: [(أفشوا السلام بينكم)].\nذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إلقاء السلام، لقوله ﵊: (ألق السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف)، أي: من المسلمين، ولقوله ﵊: (إذا لقيتم اليهود والنصارى فلا تبدءوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم، فإنهم لا يقولون السلام: وإنما يقولون: السام.\nأي: يقول اليهود والنصارى: السام عليكم، فإذا قالوا لكم ذلك فقولوا: وعليكم).\nولذلك دخل رجل من اليهود على النبي ﵊ فقال: (السام عليك يا محمد! فقالت عائشة من خلف الجدار ﵂: وعليك السام واللعنة والغضب يا عدو الله! فقال النبي ﷺ: يا عائشة! ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، يا عائشة! إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.\nقالت: يا رسول الله! أما سمعت ما قال؟ -أي: أما سمعت أنه يقول: السام عليك يا محمد أي: الهلاك والموت عليك يا محمد! - قال: أما سمعت ما رددت به عليه؟) يعني: أنا قلت: وعليكم، وهذا فيه كفاية.\nلو أني سمعت مسلمًا يقول لرجل من المسلمين أحبه: السام عليك لغضبت غضبًا شديدًا، ولو قال أحد لشيخك مثلًا: السام عليك، وأدركت المقصود ربما غضبت غضبًا شديدًا وحدثت بينكما مشاجرة.\nفهذه عائشة ﵂ أخذتها الغيرة والغضب والحب للنبي ﵊؛ لأن حبها للنبي انعقد في الله ﷿، فتأبى هذه المحبة أن تسمع دعاء بالهلاك على النبي ﵊، وقال النبي ﵊: (لا تبدءوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه).\nقال العلماء: اضطرار اليهود والنصارى في أضيق الطريق أن يكون للمسلم عرض الطريق، أي: وسطه، ولليهود والنصارى حافة الطريق، فهذا الاضطرار لأضيق الطرق؛ لأن بعض الإخوة فهمه للنص أن يظل يضيق عليه في مطلق التعامل معه.\nوهذا مفهوم غير صحيح للنص، وإنما دعه يمشي على حافة الطريق، أما المسلم فله وسط الطريق، وهذا الوسط يدل على العزة، ولكن هذا الكلام حينما كان للمسلمين عزة، ودولة وصولة وجولة، وحكام يدافعون عنهم ويحبون الإسلام والمسلمين وغير ذلك، ولما كنت كذلك محترمًا لدينك ولإسلامك ولإيمانك، لكن حينما فقدنا هذه المؤهلات كلها وصرنا أذل أمة وأحط من اليهود والنصارى فينبغي أن نجعل اليهود والنصارى يمشون معنا في وسط الطريق.\nفهذا كان من قبل خاصة أيام الدولة الأموية ناهيك عن الخلافة الراشدة أو فترة النبوة، كان النصراني أو اليهودي إذا كان في شارع أمام بيته ووجد مسلمًا أتى من بعيد كان يهرب إلى داخل بيته ويغلق البيت، حتى يوسع الطريق للمسلم، وما كان ممكنًا أن يضع رجلًا على رجل والمسلم يمشي في الشارع، لم يكن هذا موجودًا، فلو كان ممكنًا لقطع رقبته، ولقامت فيها مجازر بين اليهود والمسلمين.\nفـ سنسبري اليهودي الذي كتب على محلاته في لندن: ممنوع دخول الكلاب والعرب، أي: أنه يساوينا بالكلاب! ثم يأتي إلى بلادنا ويستثمر فيها، وهذا كله لمصلحة البلد، نعم لمصلحة ضرب اقتصاد البلد، وغيرها من الشركات التي ترتع في أموال المسلمين بالليل والنهار، فهذه الشركات النصرانية واليهودية التي تمرح وترعى في البلد بغير رقيب ولا حسيب، هم هؤلاء ناس صالحون ومحترمون!! أما أن تقوم شركات إسلامية تظهر للعالم حسنة واحدة من حسنات الإسلام ومن حسنات الاقتصاد الإسلامي فهذا لا يمكن، فهؤلاء ينبغي أن يقتلوا في مهدهم وينبغي ألا يظهروا.\nوهذا ليس موضوعنا، إنما موضوعنا لما يسلم علينا يهودي أو نصراني إذا تأكدنا من أنه يقول: السلام عليكم، نقول: وعليكم السلام، وهذا مذهب ابن تيمية وابن القيم، أما إذا لم نتأكد ماذا قال فيجب علينا أن نقول: وعليكم فقط، أي: الهلاك علينا وعليكم، نحن وأنتم سنموت فليس أحد منا سيخلف.\nولو اضطررت إلى ذلك فاخرج منها واهرب منها، فقل: كيف حالك، سلامات، صباح الخير، مساء الخير.\nالخصلة السابعة والعشرون: [قال ﵊: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)]، وأفشوا من الفشو والانتشار، وكأنه يريد أن يقول: ما أحد يمر على أحد إلا ويسلم عليه، سواء يعرفه أو لا ي","vol":"47","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-934>صيام رمضان وقيامه واتباع جنازة المسلم من شعب الإيمان</span>\nقال: [قال ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)]، إذًا: صيام رمضان من الإيمان.\nقال: [(ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا)]، وقيام رمضان من الإيمان.\nقال: [(ومن تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا)]، وتشييع الجنائز من الإيمان، ففي هذا الوقت الناس لا تفعل ذلك من باب الإيمان؛ ولذلك يا إخواني لابد من الإخلاص في هذا العمل.\nوالواحد منا لما يقرأ في الإخلاص أو يقرأ في سير المخلصين من السلف يوقن بالهلاك، ويتهم نفسه بالنفاق في كل قول وعمل، لأن السلف ما كانوا يصنعون شيئًا إلا بعد أن يحاسبوا أنفسهم قبل العمل، أنا أعمل العمل هذا لله وإلا للناس؟ إذًا: المسألة هذه متعلقة بأداء الواجب، فأنت ترى أن هذا واجب عرفي فلا بد أن تؤديه، فلا تفعله من باب الإيمان، هذا عبد الله بن عمر ﵁ لما سمع قول النبي ﵊: (من تبع جنازة من بيتها حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى توارى في قبرها فله قيراطان، والقيراط كجبل أحد، بكى عبد الله بن عمر وقال: والله لقد فرطنا في قراريط كثيرة).\nفلو كنت راكبًا في سيارة ولست مستعجلًا، ورأيت جنازة ماشية استأذن من السواق، أو إذا كانت سيارتك فأوقفها على جنب، وانزل وشيعها تأخذ قيراطًا، أو إذا صليت عليها أخذت قيراطين، القيراط الواحد كجبل أحد من الثواب والحسنات.\nإن عضلة القلب كعضلة الذراع تمامًا بتمام، عضلة الذراع لا تتقوى إلا بالمجهود، كذلك عضلة القلب لا يمكن أن تتربى على الإيمان إلا بالعمل، ومن العمل الصالح أن تشيع الجنازة، وأن تقف على القبر حتى يدفن ويوارى هذا الميت، وتبقى بعد المواراة قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه، هذه هي السنة، وليست السنة أن نرميه ثم نجري ونخرج من المقبرة، بل نضعه بمنتهى الشفقة والرفق، لقوله ﵊: (كسر عظم الميت ككسره حيًا) يعني: احترام الميت مثل احترام الحي؛ لأن كسر عظم الميت ككسره وهو حي.\nثم تنتظر على شفير القبر مقدار أن يذبح جمل ويسلخ ويوزع لحمه على الفقراء، فهذه المدة نحن مأمورون أن نقف على القبر بمقدارها بعد أن يوارى الميت.\nفإنه يسأله منكر ونكير؛ ولذلك قال النبي ﵊: (اسألوا الله لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل)، فكل إنسان ينشغل بالدعاء للميت، وهذا تقريبًا يعتبر من أخريات الحقوق لهذا الرجل على من شيع جنازته، أنهم يقفون معه في الموقف العصيب.\nفقد ورد في وصف منكر ونكير ما يدل على أنه لا يصمد أمامهما أحلم الحلماء.\nوالدعاء الجماعي بدعة، والمسنون أن يتقدم أحد الوعاظ بموعظة، يذكر الناس فيها بالله في هذا الموطن الذي جرحت فيه القلوب، وتعلقت بربها، فإن فعل كان ذلك حسنًا، أما الدعاء فكل يدعو بنفسه، ولو كان الدعاء جماعيًا في هذا الموطن مشروعًا لدعا النبي ﵊ وأمر أصحابه، ولكنه أمرهم جميعًا أن يدعو كل واحد بما تيسر له، والدعاء عبادة لقوله ﵊: (الدعاء هو العبادة)، فإذا كان الدعاء عبادة فلا تحرم نفسك من العبادة في هذا الموطن.\nأما رواية: (الدعاء مخ العبادة)، فهي رواية ضعيفة.\nقال: (من تبع جنازة مسلم) إذًا: القيد هنا بأنها جنازة مسلم، فلا تتبع جنازة كافر، وليس للتابع فيها أجر، فالكافر يلقى، وهذا إجماع أهل العلم أنه لا يستحب دفن الكافر إلا إذا خيف التأذي به بعد الموت؛ لأن الكفار لا يكرمون أحياء ولا أمواتًا، فدفن الميت من أعظم إكرام الميت، وغير المسلم إذا مات الأصل فيه أنه لا يوارى ولا يقبر ولا يدفن ولا يصلى عليه، وغير ذلك مما يترتب للمسلم، فالذي يفعل ذلك من المسلمين هذا من خيبة الأمل، لما يموت نصراني أو نصرانية، فإذا نظرت ستجد أن معظم المعزين مسلمون، ومع ذلك فإنهم قد ابتدعوا أيضًا، فالنصارى يقلدون المسلمين فيأتون بقسيس يعظ، يعني: إبليس يتكلم ويعظ الناس، وتجد المسلمين وهم جلوس، ويضعون أيديهم على جيوبهم، فهم متأثرون ومتجاوبون مع القسيس.","vol":"47","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-935>الجهاد من شعب الإيمان</span>\nوالجهاد من الإيمان، وهل ضيع المسلمين إلا ضياع الجهاد وترك الجهاد، أقسم بالله لو أن اليهود في فلسطين يسمعون أن المسلمين يعدون للجهاد، وأن المسلمين اصطلحوا مع بعضهم وقرروا الجهاد، فإن اليهود سيسلمونا المفاتيح.\nهم هكذا؛ لأنهم أجبن الخلق، ربنا يخبرنا بأن أجبن الخلق هم اليهود: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]؛ لو كانوا شجعان لكان القتال وجهًا لوجه، لكن هم أهل غدر، لا يقاتلون إلا غدرًا.\nقال: [(أنتدب الله لمن خرج في سبيله)]، بمعنى: تكفل الله لمن خرج في سبيله مجاهدًا.\nقال: [(لا يخرجه إلا إيمان به)]، أي: لا يخرجه إلى الجهاد في سبيل الله، إذًا: الجهاد إيمان.\nقال: [(وتصديق برسله أنه ضامن -أي: أن الله تعالى ضامن- أن يدخله الجنة، أو أن يرده إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة)]، يعني: معه الذي معه من الأجر عند الله أو الغنيمة التي يأخذها.","vol":"47","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>دفع الوسوسة ومجاهدة النفس من شعب الإيمان</span>\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﵊ فقال: يا رسول الله! إن أحدنا ليحدث نفسه بشيء ما يود أن يتكلم به -يعني: الواحد فينا يحيك في صدره أشياء- لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، فقال النبي ﵊: ذاك محض الإيمان)]، إذًا: هذا الكلام يفهم منه أن دفع الوسوسة ومجاهدة النفس من الإيمان.\nقال: [وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (شكا إلى رسول الله ﵊ رجل الوسوسة، فقال: ذاك صريح الإيمان)] يعني: كونك تألمت من هذا الوسواس فهذا يدل على صحة إيمانك.","vol":"47","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-937>السرور عند الحسنة والحزن عند السيئة من شعب الإيمان</span>\nقال: [وعن أبي أمامة ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)]، يعني: الذي يصنع المعروف ويفرح به علامة على الإيمان، والذي يفعل السيئة ويغتم ويستاء من نفسه ويكره نفسه؛ لأنه فعل السيئة وما كان ينبغي لمثله أن يفعل ذلك، فهذا دليل على الإيمان أيضًا، يعني: تصور أنك لما تعصي الله ﷿ بمعصية تضيق عليك نفسك حتى لا تجد في الأرض رحبًا، مع أن الأرض واسعة، فتحس بضيق صدر وضيق أفق عندك، حتى كدت أن تموت وتختنق؛ لأنك وقعت في معصية الله، هذا الضيق وهذا الألم الناتج عن حدوث المعصية علامة على إيمان العبد، لكن واحد يشرب خمرًا، وحين تقول له: يا فلان هذا حرام، يقول: أنا أحسن من غيري ألف مرة، فهذا معناه أنه مستمر على المعصية، فقل أن يوجد عنده إيمان، لما تكلمه في معصية يذكر لك معصية أعظم منها وأفجر منها، يقول لك: صحيح أنا أزني وأسرق واقتل وأشرب الخمر، لكن غيري يعمل مثل الذي أنا أعمله عشر مرات، أنا والحمد لله ما أعمل إلا هذه الخمس فقط.\nفالعبد الصالح الذي نقى قلبه لله ﷿ يفرح فعلًا بالطاعة، ومع فرحه بالطاعة يخشى ألا تتقبل منه، فهذه خشية تحمله على المزيد من أداء العمل الصالح؛ ولذلك (لما تلت عائشة ﵂ قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]-فمعنى قلوبهم وجلة أي: خائفة- قالت: يا رسول الله! أهذا الزاني يزني والسارق يسرق؟ قال لها: لا يا ابنة الصديق! إنما هؤلاء أقوام قد أتوا بصلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، يخافون ألا يتقبل منهم) يعني: قد عملوا الصالحات، لكنهم يخافون ألا يتقبل الله منهم ذلك، فيحملهم الخوف على المزيد من العمل، لا يحملهم الخوف على اليأس؛ لأن الخوف منه ما هو ممدوح ومنه ما هو مذموم، فالخوف الذي يؤدي إلى اليأس من رحمة الله، هذا نوع كفر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، إنما الخوف الذي يؤدي بك إلى المزيد من الطاعة هذا هو الخوف الممدوح، فالذي هو خائف من النار فإنه يعمل من أجل أن ينجو من النار، فيلتزم الأوامر وينتهي عن النواهي ولا يتعدى الحد، فإن من يتعدى حدود الله فقط ظلم نفسه.\nإذًا: أمامك ثلاثة أشياء: التزام الأمر والعمل به، وترك النهي طاعة لله ﷿ واستجلابًا لرضاه، والوقوف عند حدود الله ومحارمه لا تتعداها.\nلو أن عبدًا أتى إلى الله بهذه الثلاث لنجا من النار ودخل الجنة.\nوالنبي ﵊ يقول: (عمر أمتي ما بين الستين إلى السبعين لا يزيد عنه إلا قليل) فمن زاد عن ذلك فقوته تتهدد، وإن ارتكب المعاصي فهو أشقى الخلق، فإن الأصل أن الإنسان بعد الستين سنة ينتهي أمره، ويبدأ في العد التنازلي.\nفالأصل في هذا السن أنه لا يقع في المعصية، لأنه يعجز غالبًا عن الوقوع فيها، فإذا كان عمر الإنسان يتحدد بستين سنة، وهذه الستين السنة منها عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة نوم، وعشر سنوات إلى خمس عشرة سنة قبل البلوغ، ومجموع ذلك ثلاثون سنة، والباقي ثلاثون سنة، فهل يعجز المرء أن يستقيم على أمر الله ثلاثين سنة، مقابل نعيم لا ينفد ولا ينقطع، في جنة عرضها السماوات والأرض؟ حياة أبدية سرمدية لا نهاية لها، من النعيم واللذة والنظر إلى وجه الله الكريم، الواحد منا لو يحجز نفسه في بيت، ويلزم نفسه بالطاعة إلى أن يأتيه أجله، يفعل ذلك من أجل النعيم الذي سيأتي.\nفما وقع عبد في معصية إلا وأحس بتفاهة نفسه بعد الوقوع فيها، خاصة العبد الذي عنده أصول الإيمان.\nتصور لو أنك سرقت مال أخيك، فحين تنفقه لا تشعر بلذة، وتتمنى لو أنه رجع إلى صاحبه ثانية، ولو أن أحدهم زنى، فبعد الفراغ من الزنا مباشرة يحتقر نفسه، بل ربما يبصق على نفسه من سوء ما فعل؛ ولذلك فإن بين الطاعة والمعصية لحظة، فاضغط على نفسك فيها.\nتصور لو أن امرأة جميلة مشت في الشارع تنادي على الزناة أن ينظروا إليها، وأن يقعوا عليها، وأنت لقيت هذه المرأة في الطريق، فما بينك وبينها إلا أن تغض بصرك لحظة حتى تمر خلف ظهرك، وتفرغ من أمرها، ثم ترى بعد ذلك ما يقدر الله ﷿ لك من الخير.\nفالفرق بين الطاعة والمعصية ما هي إلا لحظات! يضغط فيها العبد على نفسه حتى ينجو من عذاب الله ﷿.","vol":"47","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-938>حسن الخلق من شعب الإيمان</span>\nقال: [وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة)].\nفقوله: (إن أكمل المؤمنين) يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فهنا شيء كامل وشيء ناقص.\nفمن حسن خلقه فقد وافق شعبة من شعب الإيمان، ومن ساء خلقه ثم تاب إلى الله من ذلك، واعتذر إلى إخوانه فهو دليل على صدق إيمانه، وقل أن يأتي أحد في هذا الزمان ويعتذر عن فعل قبيح قد فعله، وعلى المسلمين أن يقبلوا عذر هذا المعتذر، وأن يعفوا جميعًا عنه ويقبلوا معذرته، ولهم أن يجربوه في الأيام المقبلة، فإن تحسن خلقه حقيقة كان ذلك فضلًا من الله ﷿، وإن ساء خلقه أو عاملهم بمثل معاملته السابقة فلهم أن يتجنبوه أو يحتملوه.\nفلا يقبل العذر إلا كريم، ولا يرده إلا لئيم، وإذا أتاك أخوك معتذرًا فاقبل منه، وهذا قول ابن سيرين عليه رحمة الله.","vol":"47","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-939>حفظ الأمانة من شعب الإيمان</span>\nقال: [وعن أنس ﵁ قال: (خطبنا نبي الله ﷺ فقال: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له)]، وقل من الناس من يستأمن على شيء فيكون أمينًا، وهذه شكوى عامة في الخلق، لا يؤتمن أحد على شيء إلا كما يؤتمن الذئب على الغنم.","vol":"47","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-940>أعجب الخلق إيمانًا</span>\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (أي شيء أعجب إيمانًا)] النبي ﵊ يخاطب أصحابه يقول لهم: ما أعجب شعب الإيمان أو ما أعجب شيء في الإيمان؟ قالوا: [(الملائكة، قال النبي ﵊: كيف وهم في السماء يرون من أمر السماء ما لا ترون؟!)] يعني: كيف لا يؤمنون وهم عند ربهم يرون من أمر السماء ما لا ترون؟ فالملائكة جبلوا على الطاعة، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وهؤلاء أيضًا لهم منزلة، فهم أهل السماء، يعرفون من الأخبار ما لا تعرفون فكيف لا يؤمنون؟ [(قالوا: يا رسول الله! فالأنبياء قال: كيف وهم يأتيهم الوحي؟)]، يعني: النبي يأتيه الوحي، وهو رسولٌ اصطفاه الله تعالى من الخلق فكيف لا يؤمن؟ قالوا: [(فنحن يا رسول الله! -أي: فلم يبق لك إلا الصحابة- قال: فكيف وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟!)] يعني: أنتم تقرءون القرآن بالليل والنهار وفيكم رسوله، فكيف لا تؤمنون؟! قال النبي ﵊: [(أعجب الخلق إيمانًا قوم يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيؤمنون بي ولم يروني)] وهم التابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة.\nوالحديث هذا محل نزاع بين أهل العلم، والراجح أنه حديث حسن.\nومعنى الحديث أنك إذا قرأت هذا القرآن وصدقته وصدقت أنه من عند الله، وسمعت أبًا عن جد أن الله أرسل نبيًا اسمه محمد فآمنت به واتبعته، هذه درجة من الإيمان عظيمة جدًا.\nوبنو إسرائيل ما كانوا يؤمنون بشيء إلا بعد أن يروه، إلى أن قالوا لموسى: أرنا الله جهرة من أجل أن نؤمن، فبنو إسرائيل ما كانوا مؤمنين بالله؛ لأنهم اعتادوا وألفوا ألا يؤمنوا بشيء إلا إذا رأوه، حتى طلبوا من موسى أن يريهم الله تعالى عيانًا بيانًا.","vol":"47","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-941>انتفاء الإيمان عمن يؤذي جيرانه</span>\nقال: [وقال النبي ﵊: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من هو يا رسول الله! خاب وخسر -أي: من هذا الذي تحلف عليه بقولك: والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن- قال النبي ﵊: من لا يأمن جاره بوائقه)] والبوائق التي هي الغوائل والشرور.\nيعني: جارك لا يأمن شرك فكيف تكون مؤمنًا؟ والنبي ﵊ أقسم ثلاثًا وهو الصادق المصدوق بغير قسم ﵊، لكنه أقسم هنا وأكد قسمه ثلاثًا بالتكرار وكثرة العدد لبيان خطورة الأمر، وأن الجار الذي لا يأمن جاره بوائقه يدل على فساد إيمانه.","vol":"47","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-942>الألفة والمحبة بين المسلمين من شعب الإيمان</span>\nقال: [وقال النبي ﵊: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).\nوقال ﵊ في حديث النعمان عند مسلم: (المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر).\nوعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﵊ قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا).\nوقال النبي عليه الصلاة السلام: (وإن الشيطان ليأكل من الغنم القاصية)]، ويقول غير واحد من السلف كـ عبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: وإن ما تعملونه في الجماعة وأنتم تكرهون خير لكم مما تعملونه في الفرقة وأنتم تحبون، يعني: العمل الذي تعمله في وسط جماعة المسلمين وإن كنت لا تحبه هو خير لك بين يدي الله ﷿ من أن تعمل عملًا في الفرقة وإن كنت تحبه.\nولذلك الخلاف شر، والود والألفة والمحبة بين المسلمين خير، فمحبة الله ورسوله والمؤمنين من العمل الصالح، والنصارى دائمًا يدندنون على المحبة، وهذه بضاعتنا فإن الغرب أخذوا ديننا فعملوا به فسادوا الدنيا بأسرها في الوقت الذي نحن تأخرنا عن ركب الحضارة؛ لأننا لم نتمسك بحبل الله المتين.\nالأصل في كل رقي ديني أو دنيوي، عقائدي أو أخلاقي هو القرآن والسنة، فإذا تمسك به الكفار سادوا، وإذا تمسك به المسلمون سادوا، فهذه القضية ما فيها محاباة، فهي قضية اتباع وقضية إيمان بالله وبرسوله ﵊.\nوالنبي ﵊ يقول: (المسافر شيطان، والمسافران شيطانان، والثلاثة ركب)، فقد نهى النبي ﷺ أن يسافر الرجل وحده، وفي حديث آخر: (نهى النبي ﵊ أن يسافر الرجل وحده، أو أن يبيت وحده)، الواحد فينا لما يبيت في بيت لوحده، لو قام في الليل وفزع، فربما يذهب عقله، وهذا يحصل.\nولو أن شابًا في ريعان شبابه يبيت وحده، ربما مارس العادة الخبيثة مرتين وثلاث في الليلة؛ لأنه يبيت في بيته مع الشيطان، والشيطان يأمره بالمعصية؛ ولذلك إذا بات الرجل وحده فقد بات معه الشيطان، ولا يبيتن رجل في غرفة لوحده، إنما يبيت الاثنان؛ لأن المرء إذا دخل غرفته وأغلق على نفسه الباب وإن كان معه في الغرف المجاورة أناس آخرون، فهو يمكن أو يسهل عليه أن يقع في المعصية؛ ولذلك من عوامل تثبيت الإيمان في القلب الصحبة المؤمنة، والذي يتعرف على شباب فاسدين سيتأثر بهم، بخلاف ما لو تعرف على شباب صالحين.\nفالصحبة المؤمنة تزيد من إيمان المرء، لأن المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.\nوقال النبي ﵊: (المؤمن يألف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف).\nفمن كان لا يألف ولا يؤلف فهو في خطر عظيم؛ وعلى المسلم أن يعامله معاملة حسنة وأن يحتسبه عند الله، فالنبي ﵊ قد أوذي ومع هذا تكلف الود.\nفقد كان يأتي الأعرابي البدوي الجلف من البادية فيجذب النبي ﷺ حتى يؤثر في رقبته، يقول: (يا محمد! أعطني من مال الله فإنه ليس من مالك ولا من مال أبيك!).\nفيقول النبي ﵊: (دعه يا عمر! واقض حاجته)، فـ عمر هو الذي سيأخذ هذا الرجل وسيذهب به إلى بيت المال، وسيعطيه إلى أن يقول: كفاية، فأعطاه منه حتى قال له: أرضيت؟ قال: رضيت.\nفرجع الرجل إلى النبي ﵊ وقال له: (يا رسول الله! لقد قرأت في كتب أهل الكتاب أن علامة النبي العربي أنه إذا جهل عليه أحد حلم، فأردت أن أعرف ذلك فيك) يعني: ما عمل هذا إيذاء للنبي ﷺ، وإنما كان يتأكد من أن هذه علامة النبي الجديد، أنه كلما يجهل عليه أحد يزداد حلمًا، إلى أن رأى بعينه.\nوالنبي ﵊ لم يكن في حاجة لدفاع عمر، فإنه لم يدخل في مصارعة قط مع أحد إلا صرعه، فهو ما يرد الإساءة بالإساءة، إنما يرد الإساءة بالإحسان.\nاجعل بينك وبين أخيك المؤمن أو المسلم ودًا وألفة ومحبة، أما غير المسلم فإنك تتصنعه لاستمالة قلبه للدخول في الإسلام.","vol":"47","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>حب الإمام علي بن أبي طالب من شعب الإيمان</span>\nقال: [وقال علي بن أبي طالب ﵁: (والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لعهد إلي نبي الله ﷺ أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)]، إذًا: حب علي بن أبي طالب دليل على الإيمان، وبغضه دليل على النفاق، فالذي يبغض علي بن أبي طالب يكون على خطر عظيم جدًا.\nلكن على آية حال نحن نحب النبي ﵊ وآل بيت النبي ﵊ حبًا كما أحبهم أهل السنة والجماعة، بغير إفراط ولا تفريط، النبي ﵊ يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم) يعني: لا تمدحوني وتثنوا علي بما ليس في ولا أستحقه؛ لأن النبي ﵊ يستحق شيئًا ولا يستحق شيئًا آخر، فلا يستحق أن يكون إلهًا، أو أن يكون ابن الإله؛ لأن النصارى مدحت عيسى بن مريم وجعلته إلهًا، وبعضهم قال: هو ليس إلهًا ولكنه ابن الإله، فهذا بلا شك غلو شديد جدًا في الأنبياء.\nفالنبي ﵊ أراد أن يحذر من ذلك، فلا يجوز أن يسجد أحد للنبي ﵊؛ لأنه صرف ما لله لغير الله، ولا يجوز صرف ما يجب أن يصرف لله لغير الله، كما لا يجوز أن يصرف لغير الرسول ما للرسول، فلا يجوز أبدًا أن نؤمن بـ علي بن أبي طالب كما نؤمن بالنبي ﵊؛ لأن علي بن أبي طالب ما هو إلا رجل من المسلمين، وهو خليفة من الخلفاء الراشدين، نحبه؛ لأنه رجل مؤمن؛ ولأنه رجل صالح؛ ولأنه من أصحاب النبي ﵊؛ ولأنه أحد الخلفاء؛ ولأنه من أهل بيته ﵊.\nوغير ذلك من مناقبه وشمائله ﵁، لكن لا نرفعه إلى مرتبة النبوة، كما فعلت الشيعة، الذين يجعلون مرتبة الولاية فوق مرتبة النبوة كما تقوله الصوفية تمامًا بتمام، حتى قالوا: الخلفاء الاثنا عشر هم الخلفاء الراشدون، فلا يعترفون بـ أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، إنما يعترفون بـ علي بن أبي طالب ومن بعده من أهل بيته، حتى الإمام الثاني عشر وهو عندهم المهدي المنتظر، والمهدي المنتظر عند الشيعة يختلف عن المهدي المنتظر عند اليهود والنصارى، وأهل السنة والجماعة.\nفالمهدي المنتظر عند الشيعة هو أبو الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء في العراق، وله من العمر أربع سنوات، يزعمون أنه اختفى وأخذ قرآن فاطمة، ويقولون: القرآن الذي بيد النواصب -ويقصدون بذلك أهل السنة- ليس منه حرف واحد نزل من السماء، وهو يقدر بثلث القرآن الحقيقي الذي اختفى في سرداب سامراء مع المهدي المنتظر، وهم ينتظرونه يومًا في كل عام على فوهة السرداب بالخيل المزينة والمزخرفة وغير ذلك، والله ﵎ في كل عام يخيب سعيهم إلى قيام الساعة.\nوالمهدي المنتظر عند اليهود والنصارى هو المسيح الدجال الذي حذرنا منه النبي ﵊، أما المهدي المنتظر عند أهل السنة والجماعة فإنه محمد بن عبد الله القرشي، رجل من قريش، وافق اسمه اسم النبي ﵊، واسم أبيه اسم أبي النبي ﷺ، رجل يصلحه الله تعالى في ليلة، ثم يظهر في الأرض فيقطعها شرقًا وغربًا يدعو الناس إلى الله ﷿، ويمكث في الأرض قدرًا من الزمان، ويضع يده في يد عيسى بن مريم ﵇، فينزل عيسى بن مريم عند باب لد في فلسطين فيقتل المسيح الدجال وهو مهدي اليهود والنصارى، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير وهما رمز النصارى.\nثم ينطلق عيسى بن مريم مع محمد بن عبد الله المهدي لدعوة الناس إلى دين محمد ﵊، ولذلك أجمع أهل السنة والجماعة على أن عيسى بن مريم هو أحد أفراد أمة النبي ﵊، وهو آخر الصحابة موتًا في آخر الزمان على الإطلاق؛ لأن عيسى حي ﵇، رفع إلى الله ﷿ في السماء، وهو حي الآن، وينزل في آخر الزمان، ولا يموت إلا موتة واحدة في آخر الزمان، وقد رأى عيسى بن مريم النبي ﵊ في أثناء الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، وقد صلى النبي ﵊ بالأنبياء، وسلم عليهم نبيًا نبيًا، فهنا بيان أن عيسى بن مريم هو آخر الصحابة موتًا؛ قال ذلك الإمام الذهبي في كتاب تجريد أسماء الصحابة.","vol":"47","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-944>مراقبة الله في السر والعلن من شعب الإيمان</span>\nقال: [وقال النبي ﵊: (إن أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان)]، وهذه مرتبة الإحسان والمراقبة؛ ولذلك فإن في حديث جبريل: الإحسان يشمل الإيمان والإسلام، والإيمان يشمل الإسلام بغير عكس، يعني: كل محسن مؤمن ومسلم، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، كما أنه ليس كل مؤمن محسنًا.\nوقد فسر النبي ﷺ الإحسان بـ: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهذا تمام وكمال المراقبة لله ﷿، وهذه شفافية ما بعدها شفافية بين العبد وبين الله ﷿، وهذه من الإيمان، لأن كل محسن مؤمن، فالإحسان إيمان.","vol":"47","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-945>الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستئذان الأهل من شعب الإيمان</span>\nالخصلة الثالثة والخمسون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nالخصلة الرابعة والخمسون: تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، [قال النبي ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليسلم على أهله -أو على أهل بيته- إذا دخل)]، يعني: إذا دخلت البيت فقل: السلام عليكم يا أم فلان، أو يا أولاد أو يا فلانة، فلا تدخل وتضع عصاك أمام الباب، ثم تأخذها وتدخل بالضرب والصياح والشتيمة وغير ذلك، لا يمكن أن تكون هذه عيشة أبدًا.\nفالتأديب بقدره، إما بالهجر وإما بالضرب غير المبرح، فقد فسره النبي ﵊ بقوله: (ألا تشق رأسًا ولا تكسر عظمًا)، وبعض الناس لا يحلو له إلا الضرب في الرأس والوجه، مع أن معاوية بن حيدة ﵁ قال: (يا رسول الله! ما حق امرأة أحدنا عليه قال: أن تطعمها مما تطعم، وأن تلبسها مما تلبس، وألا تقبح ولا تضرب الوجه) يعني: لا تقولن لامرأتك: قبح الله وجهك؛ لأن الله تعالى خلق آدم على صورته، فسب الوجه أو سب الخلقة إنما هو كسب آدم ﵇.\nنكتفي بهذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"47","page":23},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-946> شعب الإيمان [٢]</span>\nشعب الإيمان كثيرة ومتعددة، فمنها: الحب في الله والبغض في الله، وحسن الخلق، والزهد عن الدنيا والتقلل منها، والجهاد في سبيل الله تعالى، وذكر الله ﷾، والمحافظة على الطهور والورع، والتعرف على الله والإيمان به قبل تعلم العلم ثم الإقبال عليه.","vol":"48","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-947>الحب في الله والبغض في الله من شعب الإيمان</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أنس بن مالك ﵁ قال: (ثلاث من كن فيه فهو عبد طعم الإيمان وحلاوته)]، ثلاث من كن فيه أي: من توفرت فيه هذه الخصال الثلاث فقد حقق العبودية لله ﷿، وقد ذاق طعم الإيمان، فشبه الإيمان بالشيء الحلو الذي يتذوق من طَعِمَه.\nقال: [فقال: قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ]، يعني: الراوي عن أنس يسأله هذا السؤال يقول: هل أنت سمعت هذا من النبي ﵊ قال: [(أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) أي: أن يكون الله ورسوله من جهة الاعتقاد والعلم والعمل والمحبة والرضا وغير ذلك من شعب الإيمان القلبية والعملية، قال: [(وأن يحب في الله ويبغض في الله)] لأن أعظم عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.\nقال: [(وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها ولا يشرك به شيئًا)]، يعني: لو أن نارًا عظيمة أججت في أخدود عظيم جدًا وألقي فيها المرء كان ذلك أحب إليه من أن يقع في الشرك بالله ﷿، هذه الثلاثة الأشياء لو اجتمعت في قلب العبد المؤمن وجرت مقتضياتها على جوارحه فإنه يكون قد حقق الإيمان الكامل التام، وذاق طعم الإيمان.\nقال: [وعن ابن عباس ﵄ قال: حب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله ﷿ وعاد في الله، فإنه لا تنال ولاية الله ﷿ إلا بذلك].\nفإن تحب في الله، وتبغض في الله، وتعطي لله، وتمنع لله، كل ذلك لا يمكن للعبد المؤمن أن يفعله إلا لله ﷿، ولو فعله لنفسه أو نصرة أو غضبًا لنفسه أو حمية أو غير ذلك من النيات والأغراض والمقاصد الأخرى فإنها ليست لله ﷿، وإنما هي انتقام أو انتصار لنفسه؛ ولذلك لو أن العبد منع العطية لوجه الله ﷿، أو أعطى العطية لوجه الله ﷿، أو خاصم هذا في الله، أو صالح هذا في الله، فهذا العبد قد ضبط نفسه وسلوكه وعمله على أن تكون كلها لله ﷿.\nأنت تخاصم أخاك الفلاني؛ لأنه قد عصى الله ﷿، وعلمت من واقع حاله أنه لا يصلح إلا بالهجر، فتهجره في الله ﷿، كما هجر الصحابة ﵃ الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وصار الواحد منهم لا يدري أين يذهب.\nكان لـ كعب -وهو أحد الثلاثة- جار وقريب له، وكان يصعد الجدار ويسلم على جاره، ولكن هذا الجار ما كان يرد ﵇مع أن رد السلام واجب- لأن النبي ﷺ أمرهم أن يقاطعوا هؤلاء الثلاثة، فكان الواحد منهم يمشي في شوارع المدينة حائرًا لا يدري ماذا يفعل، ضاقت عليه الأرض، الوفاة خير له من الحياة من فرط ما ضاقت به أموره وأحواله؛ لأنه تخلف عن الجهاد بغير عذر، فلما نزلت توبتهم من السماء فرح هذا الجار فرحًا عظيمًا جدًا، وأسرع بمجرد سماع الآيات إلى كعب يبشره بأن الله تعالى قد تاب عليه، فلو كان هذا خصامًا للذات أو لخلاف وقع بين الجيران أو غير ذلك لا يهمه أن تنزل فيه توبة، وكذا الصحابة لما أمرهم النبي ﵊ ألا يكلموهم، فامتنع الصحابة جميعًا عن محادثة القوم، فلما نزلت التوبة فرح الصحابة، وليس الثلاثة فحسب، فهذا المنع من محادثة القوم كان لله ﷿، وهذا المنع قد بلغ خمسين يومًا، فتصور أن امرأة لا تكلمه، وأن ولدًا لا يكلمه، وأن جارًا لا يكلمه، وأن صديقًا لا يكلمه، وأن تاجرًا لا يكلمه، المدينة كلها امتنعت عن محادثة القوم، حتى أهل بيت الثلاثة لم يكونوا يكلمون هؤلاء الثلاثة قط، فتصور رجلًا يعيش وحده في مجتمع يعج بالأفراد شرقًا وغربًا، لا يتكلم أحد منهم معه، فماذا يكون حاله؟ يكلم نفسه، أو يتكلم هؤلاء الثلاثة، مع أنهم قد كره بعضهم بعضًا في هذه المدة؛ لأنهم شعروا باتحاد المعصية بينهم، فكره الواحد منهم أن يكلم أخاه؛ ولذلك لما جاءت لـ كعب رسالة من أمير من أمراء الكفر أن ائتنا نولك ما رغبت يعني: ائت إلينا وسنوليك ونعطيك من المال ما ترغب فيه، قال: هذه ثالثة الأثافي، هذا ابتلاء واختبار، ثم قال: لا والله إن محمدًا ﵊ وأصحابه أحب إلي من الدنيا وما فيها، فالإيمان لا يزال متمكنًا في قلوبهم، لكنها غفلة انتهزها الشيطان فخلفهم عن الجهاد.\nالشاهد من هذا كله أن الصحابة امتنعوا حيث أمروا بالامتناع عن المحادثة، وفرحوا أشد الفرح حيث كان الأمر يستوجب الفرح، فهم فرحوا لله، وامتنعوا لله ﷿، وهذا من فرط وكمال وتمام إيمان الصحابة ﵃.\nقال: [ولن تجد طعم ا","vol":"48","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-948>حسن الخلق من شعب الإيمان</span>\nالخصلة الحادية والستون: [قال النبي ﵊: (لا يستكمل العبد الإيمان حتى يحسن خلقه، ولا يشفي غيظه)]، وهذا الحديث في سنده بعض الضعف، وبعض أهل العلم حسنه، ومعنى حسن خلقه يعني: عامل الناس بالخلق الحسن؛ ولذلك كان النبي ﷺ يوصي بعض أصحابه ويقول: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، فهذا الخلق الحسن الذي تخلق به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وتخلق به أصحابهم وحواريهم.\nفقوله: (لا يستكمل العبد الإيمان) يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وقوله: (حتى يحسن خلقه، ولا يشفي غيظه) يعني: لا ينتقم ولا ينتصر لنفسه.","vol":"48","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-949>تغيير المنكر من شعب الإيمان</span>\nٌقال: [وقال النبي ﵊: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)] وهذا باب عظيم جدًا من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأنه أراد أن يقول: وتغيير المنكر من الإيمان؛ لأنه من شعب الإيمان، فقال: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لم يخالط الناس ولم يصبر على أذاهم.\nأحيانًا يبلغ اليأس ببعض الدعاة ورؤيتهم القاتمة لما عليه المسلمون من ضلال وانحراف عن شرع ربهم بأن يؤثر في أحدهم اليأس أن يقيم في بيته وألا يتكلم مع أحد، وهذا الحديث أو النص كفيل وخليق بأن يرده إلى رشده وصوابه.\nوقال ﵊: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم)، وفي رواية: (فهو أهلكَهم) أي: فهو الذي تسبب في إهلاكهم، أو على الرواية الأولى: فهو أشدهم هلاكًا، ومن قال: (هلك الناس فهو أهلكهم) أي: فهو الذي أهلكهم، وهذا نص كفيل بأن يحاسب كل أحد منا نفسه.\nوإذا كان الناس فيهم خلل أو نقص أو عيب أو جرأة أو فجور فلا بد أن يكون في الداعية حظ ونصيب من هذا كذلك، فإذا كان يعيب على الناس أشياء مثل هذه فلا بد أن يرجع لنفسه باتهامها أكثر من اتهامه للناس، حتى يستقيم له الأمر.\nوفي حياة الأنبياء وجهادهم أعظم قدوة ونبراس لنا، فنوح ﵇ الذي مكث في قومه ٍيدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فما آمن معه بعد هذه الأعوام كلها إلا قليل، فأعظم عدد ذكر أنهم ثمانون رجلًا، وأقل العدد اثنا عشر رجلًا، وحتى لو كانوا خمسين رجلًا، فمعنى ذلك أنه يؤمن كل عشر سنين رجلًا واحدًا، فهذا أسوة وقدوة لنا، خاصة للإخوة في الريف، فالأخ قد يمكث أربع سنوات في القاهرة من أجل الدراسة في الجامعة أو غير ذلك فيمن الله ﵎ عليه بالعلم الشرعي والفهم الصحيح وغير ذلك، فيذهب إلى قريته بعد التخرج، فيفاجأ بالواقع المر الأليم في قريته، ويعرف أن الناس إنما مكثوا على دين منذ مئات السنين وما عند أحدهم استعداد أن يغير ذلك، فيصدم في واقعه الذي عاش فيه وكان هو أحد أفراده، فيصاب بيأس شديد جدًا، فيأتي بعد ذلك من القرية ويشكو مر الشكوى من قومه الذين لا يقبلون دعوته، هو كان أحد أفراد هذا المجتمع الذي لم يقبل دعوة من سبقه، فلا بد من الصبر، فهذه سنة كونية قدرية في أهل الإيمان، بدءًا بالأنبياء والمرسلين وانتهاءً بالصالحين، وحذاري أن تظن أنك إذا آمنت بالله ورسوله، وحملت هذه الدعوة ورفعت لواءها أن الأرض تفرش لك بالحرير، إذا كنت تتصور ذلك فأرجو أن تعتزل وأن تعتذر الآن وتمكث في بيتك، فطريق الدعوة هو أصعب طريق خلقه الله ﷿؛ ولذلك خلق له أعظم البشر وهم الأنبياء والمرسلون؛ ولذلك يقول النبي ﷺ: (أعظم الناس بلاءً -وفي رواية: أشد الناس بلاءً- الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) يعني: ثم من يشبه الأنبياء ثم من يشبه من يشبه الأنبياء، وهكذا.\nفالمعلوم أن الأنبياء وأتباعهم من الدعاة والعلماء هم على نسق ومنوال واحد من وقوع الأذى بهم؛ لأن الناس الذين انتكست فطرهم إنما يحبون الحياة الدنيا حبًا جمًا، ويحبون جمع المال من حل ومن حرام، وإن الدعاة هم الذين يقفون حائل صد أمام هؤلاء لبيان الحلال والحرام، وبنهي هؤلاء الذين يرتكبون المنكرات والفظائع والفجور ينهونهم عما هم عليه؛ ولذلك تكون العداوة بينهم وبين أهل الإيمان، وكذلك أصحاب الجاه والمناصب والكراسي وغيرها، كل حظ ليس لله ﵎ فيه نصيب لا بد أن تحدث العداوة بين أصحاب هذه الحظوظ وبين الدعاة إلى الله ﷿.\nوسنة الله ﵎ قضت بأن عامة الفساق لهم تمكن في وقوع الأذى بأهل الإيمان ما لم يكن لأهل الإيمان راية تحميهم، فإذا كان الأمر كذلك فينبغي بل يجب على أهل العلم بالذات من أهل الإيمان أن يعدوا صبرًا عظيمًا جدًا وتحملًا فوق طاقة البشر في حمل دعوة الله ﷿ وتبليغ دعوة الحق إلى الخلق.\nأما أن تتصور أنك صاحب سنة أو صاحب دين أو صاحب علم أو غير ذلك، وأن الناس ستفرش لك الأرض حريرًا ويضعونك على الرءوس فهذا لن يكون، فلا بد أن توقن أن الناس يضعونك تحت أقدامهم، وأن الناس يحاربونك من أول وهلة تخرج عليهم فيها فتسفه أحلامهم، وتبطل ما هم عليه من باطل، وترتفع بإيمانك وعلمك على هذا الواقع الباطل الذي يعيشه الناس، فلو أنك بهذه الأخلاق، وبهذه القوة والمتانة، فلا أحد يتركك، بل كل من استطاع أن يلحق بك الأذى فعل ولا يقصر، فمخالطة الناس والصبر على أذاهم أعظم أجرًا ودرجة ممن اعتزل الناس؛ لأنه لم يصبر على أذاهم بلا شك.","vol":"48","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-950>الحب في الله من شعب الإيمان</span>\nقال: [وقال عبد الله بن مسعود: إن من الإيمان أن تحب أخاك عن غير معرفة ولا قرابة ولا مال أعطاك لا تحبه إلا لله]، أي: من شعب الإيمان أن تحب أخاك المؤمن من غير معرفة سابقة ولا قرابة ولا جوار، إنسان قابلته فبدا منه الصلاح والعمل الصالح، وحب الله ورسوله، فهذا الإنسان يجب عليك أن تحبه في الله، وإلا فلا يزال الإيمان في نقصان ويحتاج إلى زيادة.","vol":"48","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-951>الزهد عن الدنيا من شعب الإيمان</span>\nقال: [وعنه قال: إن الله قسم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم]، فالأخلاق رزق كالطعام والشراب، الأخلاق رزق والمنطق رزق، لسانك الذي في فمك هو رزق من السماء، إما أن يكون حلوًا لذيذًا يقطر عسلًا أو يقطر سمًا وهو اللسان في نهاية أمره، وشتان بين منطق كل لسان واللسان الآخر، فهذا يقطر سمًا وهذا يقطر عسلًا، هذا أديب، وهذا فصيح، وهذا بليغ، وهذا مفسر، وهذا محدث، وكل ذلك إنما تظهر آثاره على اللسان.\nقال: [وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن يبغض]؛ لأن الدنيا لا قيمة لها، ولا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء، وهذا من هوان الدنيا على الله.\nولذلك النبي ﵊ عاش حياته كلها يحذر أصحابه الفتن، ومنها وأعظمها فتنة الدنيا، أن يفتن المرء بأي فتنة من فتن الدنيا، فتنة النساء، فتنة المال، فتنة الجاه، فتنة السلطان، كل هذا من فتن الحياة الدنيا.\nولذلك النبي ﵊ يقول: (والله لا أخشى عليكم الفقر) أو (ما أخشى عليكم الفقر ولكني أخشى أن تفتح عليكم -أي: الدنيا- فتنافسوها كما تنافسوها -أي: كما تنافسها من كان قبلكم- فتهلككم كما أهلكتهم).\nفبين ﵊ أن الدنيا مهلكة، وقال أيضًا: (ويقول الإنسان: مالي مالي مالي، وليس له من ماله إلا ما أكل فأفنى، ولبس فأبلى)، فالذي هو حريص على جمع المليارات هو يحب من؟ ميمون بن مهران ﵁ ورحمه يقول: عجبت لجامع الدنيا يحاسب عليها مرتين، يعني: يحاسب على ماله مرتين، أو قال: يسأل عنه مرتين، يتركه كله ويسأل عنه كله.\nولو أنه جمعه من حلال وأدى حق الله فيه فنعم المال الصالح للعبد الصالح، لكن الحذر كل الحذر لمن يجمع الدنيا من حل وحرام من أجل أن يبقى عنده مال، فلو لبس أحسن الملابس، وركب أحسن المراكب، وأكل أفخر الطعام، فلا بد أنه سيترك المال لورثته، ثم يسأل عن هذا المال كله يوم القيامة، فيشقى به حيًا وميتًا.\nفي الوقت الذي لا تضمن فيه أن هذا المال ربما يكون سببًا لفتنة أبنائك، فما وجدت أعظم من أن يعرق الإنسان بجبينه في جمع لقمة عيشه، وإذا أتت الدنيا إلى آحاد الناس بسهولة لا بد أنها تذهب عنه كذلك بسهولة، الإنسان منا لو أنه جد واجتهد في جمع الدينار والدرهم لا بد أنه يحافظ عليه ويفكر ألف مرة قبل إنفاقه.\nأما إنسان انتقلت إليه الملايين أو الألوف عن طريق الميراث مثلًا أو الهدايا أو المنح والهبات فإن هذا المال يكون أهون عليه من أن يفكر مرة واحدة حين إنفاقه، ولذلك فإن أصحاب الأعمال هم أنجح الناس، كالذي يعمل بمسحاته وفأسه وفي مصنعه وفي شركته بيده ويبيت في ليله مكدودًا من عمل يده طول النهار، فهؤلاء هم أنجح الناس وهم الرجال وعليهم اعتماد الأمة.\nأما هؤلاء المرفهون المترفون الذين يرتعون في أموال آبائهم وأمهاتهم لا يدرون من أين أتت هذه الأموال فهم كذلك لا يدرون كيف ينفقون هذه الأموال، وإننا لنعلم أطفالًا مصروف أحدهم يبلغ مائتي جنيه، وهذا في اليوم الواحد وليس في الشهر؛ ولذلك فسد هذا الولد وشرب الخمر، وتعرف على النساء وانحرف أيما انحراف، فكل مجالات الانحراف انحرفها.\nفلما استدعانا أبوه لنكلم الولد قلت له: أنا منذ أن رأيت هذا الولد لا يطمئن قلبي له ولا لك، قال: وهل آذاك أحدنا؟ قلت: أنت قد آذيت نفسك وآذيت أمتك، لما دخل عليه الولد وقال: أعطني مصروفي، فناوله الأب خمسين جنيهًا، -أنا قلت: ليتني ابنه- وإذا بالولد يقذف بالخمسين جنيهًا في وجه أبيه، فقلت له: لماذا يا بني عملت هذا؟ قال: أنا مصروفي مائتي جنيه.\nوكان من قبل أبوه يشكو لي ظروف الحياة، فقلت: ماذا تعمل؟ قال: أنا مدير بنك، قلت: تأخذ كم؟ قال: سبعة آلاف جنيه، فقلت: وتشتكي ظروف الحياة، والإخوة يعملون في المحلات في مقابل مائتين أو ثلاثمائة جنيه في الشهر، وابنك يأخذها مصروفًا في اليوم، قال: أنا مضطر أن أعطيه.\nوأعطاه مائة وخمسين جنيهًا، قلت: لا بأس أن تقبل يده من أجل أن ترضيه؛ لأنه ممكن أن يغضب، ويخرج غضبان، قال: إذا لم يأخذ مني مائتي جنيه فإنه سيأخذ السائق ويذهب معه إلى المصنع، وهناك يأخذ بالقوة ما يشاء من خزينة المصنع.\nانحرف الولد انحرافًا ما بعده انحراف، ومع هذا كان يتمتع بذكاء خارق، حتى كان أبوه يرسله إلى أعمامه وأخواله وإخوانه في أمريكا وأوروبا لوحده، وعنده من العمر ستة عشرة أو سبع عشرة سنة.\nفإذا بهذا الولد ينقلب بزاوية (١٨٠) درجة على والده وعلى والدته فيلقيهما أشد أنواع العذاب، حتى دعا عليه أبوه، وكان دائمًا يدعو عليه لما كبر الولد صار الأب من فرط ما تأذى بولده يدعو عليه.\nوفي يوم من الأيام اتصلت به شرطة المرور من طريق الصحراوي وقالوا له: أنت فلان؟ قال: نعم، قالوا: وجدنا سائق سيارة مرسيدس نوعها كذا وموديلها كذا، قال: نعم، قالوا: ولك ابن اسمه كذا، قال: نعم، قالوا: تفضل استلمه فإنه مقتول في سيارته، وهذا فعلًا هو نهاية سوء التربية.\nقا","vol":"48","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-952>ذروة الإيمان وكماله</span>\nقال: [وقال أبو الدرداء ﵁: ذروة الإيمان أربع -يعني: كمال الإيمان وتمامه أربع- الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص والتوكل، والاستسلام للرب ﵎.\nوعن عمار بن ياسر ﵁ قال: ثلاث من استكملهن فقد استكمل بهن الإيمان -أي: ثلاث خصال من واضب عليها وحققها كاملة فقد حقق الإيمان كله-: إنصاف المرء من نفسه]، من منا ينصف الناس من نفسه؟ بل كل الناس لهم الحق عند هذا الرجل من بعضهم البعض، أما إذا كان حق آحاد الناس عنده فلا حق له؛ ولذلك ينبغي إذا اتهم الإنسان الآخرين أن يكون لنفسه أشد اتهامًا، لا يزكي نفسه فالله تعالى أعلم بمن اتقى.\nقال: [إنصاف من نفسك، والإنفاق من الإقتار -يعني: إنسان فقير محتاج ومع هذا يتصدق- وبذل السلام للعالم]؛ لأن هذا دليل المحبة، وسبب لانتشار الإيمان بين الناس، الذي يؤدي بدوره إلى دخول الجنة، كما في قوله ﵊: (لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، فإفشاء السلام للعالم يوازي قوله ﵊: (وألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف) أي: من المسلمين.","vol":"48","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-953>الجهاد في سبيل الله من شعب الإيمان</span>\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بموعد الله كان شبعه وروثه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة)]، وهذا يدل على أن الجهاد من شعب الإيمان، فهذا إنسان حبس فرسه في سبيل الله إيمانًا بالله، وتصديقًا بوعد الله ﷿، فإذا حازه وميزه وقال: هذا الفرس أنا أعده للجهاد في سبيل الله ﷿، فإذا كانت نيته هكذا إيمانًا بالله وتصديقًا بما عند الله من ثواب للمجاهدين، فإن روث هذا الفرس وبوله وطعامه وشرابه كله في ميزان صاحب الفرس، وكذا السيارة، فإنها لا تأكل ولا تشرب ولا تبول ولا تتروث، فالله ﵎ قادر على أن يجعل لك من الثواب أعظم مما جعل لصاحب الفرس.\nوهذا مثل حديث: (من خرج من بيته إلى صلاة الجمعة فلا يرفع قدمًا ولا يحط قدمًا إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة) فمن خرج إلى صلاة الجمعة راكبًا فله مثل ذلك، فإن الله تعالى قادر على أن يثيبك الأجر الذي يناسبك، ماشيًا أو راكبًا، والنبي ﵊ ذهب للصلاة ماشيًا وراكبًا.","vol":"48","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-954>زيادة الإيمان ونقصانه عند الصحابة</span>\nأما قانون الصحابة في شعب وخصال الإيمان وإثبات أن الإيمان يزيد وينقص، فقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: [هلموا نزدد إيمانًا، فيذكرون الله ﷿]، يعني: يا معشر الصحابة! هلموا نجتمع فنذكر الله تعالى حتى نزداد بهذا الذكر إيمانًا بالله، إذًا: الذكر سبب لزيادة الإيمان، لكن يكون الذكر على الطريقة السلفية، ليس على الطريقة الصوفية.\nقال: [وفي حديث علي: إن الإيمان يبدأ لمظة في القلب]، يعني: نَكتة مثل النقطة، فاللمظة في اللغة هي النَكتة.\nقال: [كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة]، يعني: القلب تنكت فيه نكتة إيمان، ثم مع العمل تزداد هذه النكتة أو هذه اللمظة إيمانًا، حتى يمتلئ القلب كله إيمانًا، يعني: الإيمان بسبب ترك الأعمال يظل في نقصان، حتى لا يبقى منه في القلب شيء، ومع العمل واستمراره يزيد الإيمان حتى يطفح عن القلب ويسيل، فيكون في اللحم والدم والعظم والأحشاء وغيرها، فيمتلئ المرء كله إيمانًا؛ ولذلك النبي ﵊ رأى رؤيا في المنام، أن الناس يلبسون أثوابًا فمنهم من بلغ ثوبه إلى ثديه، ومنهم من بلغ إلى سرته، ومنهم من بلغ إلى حقوه، ورأى عمر يجر ثوبه، يعني: رأى عمر مسبلًا ثوبه، فهذه رؤيا في المنام لا تفيد جواز الإسبال؛ ولذلك قال الصحابة: (فما أولتها يا رسول الله! قال: بالدين) وهذه رواية البخاري، والدين هو عبارة عن الإيمان والإحسان والإسلام، كما في حديث جبريل ﵇.\nفـ عمر ﵁ قد بلغ في الديانة والإيمان والإسلام مبلغًا عظيمًا حتى فاض عنه، فالإيمان في القلب يكون مثل ما لو أتيت بقدر مثلًا أو إناء من الأواني، فامتلأ بالماء حتى تسرب من الإناء.\nقال: [وعن علي قال: الطهور نصف الإيمان]، وهو الوضوء، وفي الحديث: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) وهذا يدل على أن الوضوء شعبة من شعب الإيمان، فمع كل وضوء تزداد إيمانًا، ويا حبذا لو أتيت بعد كل وضوء بركعتين.\nقال: [وعن عبد الله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود في دعائه يقول: اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا]، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد، اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا.\nقال: [وعنه قال: ينتهي الإيمان إلى الورع]، يعني: أعظم درجات الإيمان في الورع، والورع أنواع، وأعظم الورع ترك المباح، لكن من كان صدرًا في الناس يشار إليه بالبنان أنت لو رأيت واحدًا من عامة الناس يجري وراء الحافلة ويستمر يجري على أمل أن يدرك الحافلة ستقول: ما شاء الله، هذا الرجل عنده عزيمة وإصرار، الحافلة ذهبت ومع هذا هو مصر على أنه يدركها، فأنت تنظر إلى هذا الفعل من عامة الناس على أنه عمل جيد، ودليل على الفتوة وعلى قوة العزيمة والإصرار على إدراك المصلحة.\nلكن لو وجدت شيخًا قد ألقى محاضرة ثم هو يجري وراء الحافلة، فهذا العمل لا يليق بالرجل هذا، ستقول: كيف تجري وراء الحافلة وأنت شيخ وعالم؟ لماذا لا تركب تكسيًا بجنيه؟ أما غير العالم فبالنسبة له هذا عمل مباح.\nمثل بعض الناس الذين يسبون الدين، فهم يقولون: الشيخ لا يسب الدين، فإن دين الشيخ غير ديننا، فهذا عيب على الشيخ، لا يصح منه ذلك.\nكذلك مثلًا عندما يدخل السينما، فإن أول شخص سينكر عليه هو الذي يقطع التذكرة، وصاحب السينما نفسه ممكن يعترض ويقول: أنت شيخ لا تدخل، وهذا عيب لا يصح، أما أنا فهذه تجارتي، وهذا عملي، إنما منك فهذا عيب لا يصح، هذا لا يستقيم مع أخلاقك ولا دينك، ومعنى هذا أن الناس تعرف منهجك، وتعرف الحلال والحرام، إنما الأمر من باب وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.\nفهنا ينبغي للشيخ أو لطلاب العلم أن يتورعوا عن بعض أو كثير من المباح، وهذا أعلى درجات الورع.\nقال: [ومن خير الدين -أي: ومن أعظم الدين- ألا تزال تاليًا باكيًا]، يعني: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله ﷿ وأنت باك، وهذا من أعظم شعب الإيمان.\nقال: [من ذكر الله ومن رضي بما أنزل الله من السماء أدخله الله الجنة إن شاء، ومن أراد الجنة لا شك فيها فلا يخاف في الله لومة لائم]، من أراد الجنة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فلا يخشى في الله لومة لائم؛ لأن أعظم ما يمكن أن يحققه من لوم اللائمين القتل.\nبمعنى: لو أراد أحد أن ينكر عليك وأنت تدعو إلى الله ﷿، فإن أعظم ما يمكن أن ينزله بك هو القتل، وقبل ذلك السباب والشتم والتعذيب والضرب وغير ذلك، فأعظم درجة يوقعها أعداء الملة بك وأنت تدعو إلى الله هي القتل، فإن قتلت وأنت تدعو إلى الله ﷿ فهذا عين الشرف.\nأذكر منذ حوالي سبع أو ثمان سنوات ونحن في الحرم، مات رجل عالم من علماء الحرم بعد صلاة العصر وهو يلقي الدرس، فالفضائل التي اجتمعت على هذا الرجل، أنه رجل من أهل العلم والإيمان -نحسبه كذلك- وأتاه الموت وهو يلقي الدرس بعد صلاة العصر، وفي بيت الله الحرام، وهو صائم، وكان اليوم يوم جمعة، فهذه الم","vol":"48","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-955>التعرف على الله تعالى والإيمان به قبل تعلم القرآن</span>\nقال: [يقول جندب بن عبد الله البجلي ﵁: (كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة -يعني: أشداء- فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن بعد فازددنا إيمانًا)، وهذا نص عظيم جدًا، أخرجه ابن ماجة بإسناد حسن.\nوهذا يدل على وجوب التعرف على الله ﷿ أولًا قبل دراسة العلم، أو قبل القرآن الكريم؛ ولذلك الذي كان يأتي من أهل الشرك والكفر بين يدي النبي ﵊ كان يشهد الشهادتين بين يديه ويدخل في الإيمان، ثم بعد ذلك يتعلم الآيات القليلات من كتاب الله ﷿ فيزداد بها إيمانًا.\nعبد الله بن عمر ﵄ يقول: (ما كنا نجاوز العشر آيات من كتاب الله ﷿ حتى نتعلم ما فيها من حلال وحرام وأحكام وإيمان وغير ذلك، فإذا حفظنا ذلك وعملنا به حفظنا غيرها) أي: غير هذه العشر الآيات، كل هذا بعد أن اكتسبوا الإيمان بسبب صحبتهم للنبي ﵊، وهذا فيه إثبات أن الإيمان يزيد وينقص؛ ولذلك لا يمكن قط أن يستوي إيمان عبد يحفظ كتاب الله ﷿ مع عبد لا يحفظ كتاب الله، لقول جندب وعبد الله بن عمر: ثم نتعلم كتاب الله فنزداد به إيمانًا، وهذا يدل على أن من درس كتاب الله لا بد وأن يزداد به إيمانًا، بخلاف العبد الذي لم يدرس كتاب الله ﷿.\nقال: [وقال عقبة بن عامر الجهني ﵁أمير مصر-: إن الرجل يتفضل بالإيمان كما يتفضل ثوب المرأة]، يعني: يزداد في إيمانه حتى يفضل عنه، يقصد أن الإيمان يزيد زيادة ملحوظة حتى يشمل ويعم جميع صاحبه ويزيد عنه، كما أن ثوب المرأة ينبغي أن يكون ساترًا وزائدًا، كما في حديث أم سلمة لما قال النبي ﵊: (إزرة المؤمن إلى منتصف الساق، فإن أبى ففوق الكعبين، فقالت أم سلمة: وإزرة النساء يا رسول الله! قال النبي ﷺ: إلى الأرض -يعني: أن يبلغ ثوبها الأرض- قالت: يا رسول الله! إذًا ينكشفن) المرأة لما يكون ثوبها إلى الأرض ثم تركع أو تسجد ممكن تنكشف، فـ أم سلمة أم المؤمنين ﵂ قالت: (إذًا ينكشفن يا رسول الله! قال: تزيد شبرًا -وفي رواية- ترخي أو يرخين شبرًا، قالت: إذًا ينكشفن يا رسول الله! قال: يرخين ذراعًا ولا يزدن عليه) معذرة في سياق الرواية أنا أتيت بها بالمعنى ولذلك زدت فيها.\nلما كانت أم سلمة تسأل النبي ﵊ عن ثوبها قال: (يرخين شبرًا) لم يقل إلى الأرض، وإنما قال: يرخين شبرًا تحت الكعب، فقالت: (إذًا ينكشفن) قال النبي ﵊: (يرخين ذراعًا لا يزدن عليه) يعني: لا يجوز أن تطيلي بعد هذا، هذا آخر حد المرأة، المرأة التي ترخي شبرًا أو ذراعًا من ثوبها بعد كعبها لا شك أنه يجرجر خلفها، ويفيض على الأرض، فكذلك الإيمان يتفضل في العبد كما يتفضل ثوب المرأة، يعني: يزيد ويكون زائدًا كما يزيد ثوب المرأة عن عادته.","vol":"48","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-956>حكم من قال بأن الإيمان هو التصديق فقط</span>\nقال: [وقال حذيفة: إني لأعلم أهل دينين في النار]، يعني: أنا أعرف فرقتين في النار، وإن كانوا يدينون بدين واحد، ويزعمون أنهم مسلمون.\nقال: [يقولون: الإيمان كلام وإن زنى وإن سرق]، يعني: يقولون: الإيمان تلفظ فقط، وهذا قول المرجئة، وغلاة الجهمية.\nفالمرجئة يقولون: الإيمان هو التصديق، يعني: لو أن العبد صدق بقلبه يكون كفاية، لكن الجهمية يقولون: الإيمان هو الإقرار، يعني: لا بد أن يقر العبد بلسانه أنه مسلم، وكلاهما باطل.\nفيقولون: الإيمان كلام وإن زنى وإن سرق وإن قتل، وهم يقولون: إن من كان قبلنا كانوا ضلالًا، وهذه الفرقة الثانية يزعمون أن الصلوات ليست خمسًا وإنما هي اثنتان، واحدة في الصباح وواحدة في المساء، فالقائلون بهذا حوالي ثنتي عشرة فرقة من فرق الضلالة.\nوالحقيقة ليست كل فرقة قالت هذا وإنما بعض الفرق الفرعية التي تشعبت عن الفرق الأصلية قالوا هذا؛ ولذلك هذا القول غير مشهور.\nلكن الصلاة أمر معلوم من دين الله بالضرورة، من حيث العدد أمر معلوم، فمثلًا: لو قال رجل: الظهر ثلاث ركعات، لا نقبل منه هذا الكلام، ولا يحل له أن يقول هذا، فأنت لما تسأل طفلًا صغيرًا لم يبلغ الحلم: كم ركعات صلاة الظهر؟ يقول لك: أربع ركعات، ولما تقول له: والصبح كم ركعة؟ يقول لك: ركعتان وهكذا، فهو يريد أن يقول لك: إن عدد الصلوات والركعات من الأصول التي لا يقبل من أحد خلاف ما هو مجمع عليه، وما جاء في الكتاب والسنة فيها.\nوهناك شخص يقول بهذا القول وهو لا يخفى عليكم، وهو المعروف بـ إيهاب بن حسن السلفي الأسدي، فقد كتب كتابًا ينكر فيه دخول الجني في الإنسي، وأنا لما قرأت قليلًا من هذا الكتاب ما طقت، لأنه كلام ليس فيه روح العلم ولا نور العلم ولا إيمان أبدًا، كلام من عند نفسه، لم يرجع فيه إلى أحد من أهل العلم، وقد رد عليه سماحة الشيخ ابن باز وسلخه سلخًا.\nفـ ابن باز قال بجواز دخول الجني في الإنسي، فقلت للذي أعطاني الكتب: أنا لا أستطيع قراءة هذا الكتاب، وأرجعه للحيوان هذا وأخبره أنه لا بد أن يبتلى في دينه؛ لأن هذه ضريبة الوقوع في أعراض أهل العلم، هذا ليس من عندي ولا أنا مكشوف عني الحجاب، لكنها سنة الله تعالى الكونية في الخلق، أن الذي يقع في أهل العلم لا بد أن يبتلى؛ لأن أهل العلم يقولون: لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وما تعرض أحد لعالم بالثلب إلا ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، فقلت له: سيبتلى، وفوجئنا بثنتي عشرة رسالة، منها: الرد على جهالة الألباني، والرد على سفالة الألباني، فكل عنوان رسالة، فيزين العنوان حتى أن الناس تقرؤه وتشتريه، وهكذا.\nففي هذه الرسالة تضعيف ما صححه الألباني، وتصحيح ما ضعفه الألباني، فهذا لا يمكن أن يصدر من إنسان سوي محترم، فلم يكتب لهذه الكتب القبول، بل صبت اللعنات والسباب والشتائم على قائل هذه الكلمات، وما برح هذا الرجل أن مضى على طباعة هذه الكتب سنة أو سنتين إلا وسمعنا أنه يخطب في الناس ويقول: بأن الصلوات الخمس لم يثبت بها دليل، إنما هما صلاتان في الصباح والمساء، قلت: الحمد لله أنه وصل إلى هذه المرحلة، الحمد لله أنها جاءت منه، من أجل يأخذ الختم الأحمر ليس خسارة فيه.\nقال: [إني لأعلم أهل دينين في النار، يقولون: الإيمان كلام وإن زنا وقتل]، يعني: يقولون: الإيمان هذا عبارة عن إقرار، فمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يكون إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وإن أتى جميع القبائح والنقائص، فهم لا يعدون العمل من الإيمان.\nقال: [وقوم آخرون يقولون: إن من كانوا قبلنا ضلالًا يزعمون أن الصلاة ليست خمسًا وإنما هما صلاتان: صلاة العشاء وصلاة الفجر].","vol":"48","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-957>معنى زيادة الإيمان ونقصانه عند السلف</span>\nقال: [وفي تفسير الزيادة والنقصان يقول عمير بن حبيب: الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله ﷿ وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه]، وهذا يدل على أن العمل من الإيمان.\nقال ابن رواحة وابن عمر وابن مسعود ومعاذ وعمر وغيرهم: إن الزيادة هي ذكر الله تعالى، والنقصان ضد ذلك، وهذا قد ثبت عن غير واحد من السلف.\nأما أقوال التابعين فقال كعب: [من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وسمع وأطاع توسط الإيمان]، يعني: بلغ في الإيمان وسطه ونصفه.\nقال: [ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان]، فهذا يدل على أن الإيمان له أصل ووسط وكمال.\nأصل: وهو لا يمكن أن يقبل من عبد أن يأتي الله بغيره، وهناك فرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فالإيمان المطلق هو الكامل، ومطلق الإيمان هو أصل الإيمان، هذا لا بد أن يكون موجودًا مع كل إنسان مسلم.\nولما قال الله ﵎ للأعراب: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، يعني: إسلام ليس معه أي إيمان لا يمكن أن يقبل منه؛ ولذلك لو قال إنسان بلسانه فقط دون أن يعتقد بقلبه ما يقول: آمنت بالله ورسوله، لو قالها بلسانه ولم يكن لها ظل في قلبه ولا رصيد في قلبه لا يقبل ذلك منه عند الله، وهو منافق؛ ولذلك قالها المنافقون في زمن النبي ﵊، وقبلت منهم وعوملوا على أنهم مسلمون، ولم يقتلهم النبي ﵊، مع أنه عرفهم بأعيانهم وأسمائهم وذواتهم، بل وأخبر بعض أصحابه بأعيانهم، ولذلك لما نصح ﵊ أن يقتلهم حيث عرفهم، قال: لا، مخافة أن يتحدث الناس غدًا أن محمدًا يقتل أصحابه، صناديد الشرك يعرفون أن عبد الله بن أبي ابن سلول هو رأس المنافقين؛ لأنه لا تزال الصحبة بينه وبينهم قائمة، لكن لو أن النبي ﵊ قتلهم فإن هؤلاء على الأقل سيقولون: ألم نقل لكم: إن محمدًا يقتل المسلمين، فقد قتل عبد الله بن أبي ابن سلول، رغم أنه كان يصلي ويصوم ويجاهد معه، فما الداعي في قتله؟ ألم نخبركم من قبل أن محمدًا يقتل أصحابه؟ إذًا: هذا باب من أبواب الصد عن دين الله ﷿، فالنبي ﷺ ترك قتل هؤلاء لأجل المصلحة العامة، وهي مصلحة الإسلام.\nوكذلك قال ﵊ لـ عائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم) والمعنى: أن نقض الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم هو الأولى، وهذا من المصلحة الشرعية، لكن المصلحة الخاصة هي ألا يقول المشركون والمنافقون والملحدون في زمانه: أرأيتم الكعبة معظمة ومشرفة قبل بعثة النبي ﵊، ألم تكن معظمة عند أهل الجاهلية؟ هذا محمد بعدما سفه أحلامنا وجعل الآلهة كلها إلهًا واحدًا، رجع إلى الكعبة وهدمها، وأنتم تعرفون أنها معظمة ومشرفة.\nقال كعب: من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان.\nوقال: ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه؛ ولذلك يقول النبي ﵊: (لا إيمان لمن لا أمانة له) يعني: أنه إنسان خائن للأمانة دائمًا يبقى معه أصل الإيمان الذي هو مطلق الإيمان، أما كمال الإيمان وتمامه فلا، حتى يكون أمينًا، ويتعلم كيف يكون مؤتمنًا على ما كلف بحفظه ورعايته، ففي الحالة هذه يزداد إيمانًا.\nقال: [وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿َمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] قال: ما زادهم البلاء إلا إيمانًا بالرب، وتسليمًا للقضاء].\nوبعض الناس ما زادهم البلاء إلا تسخطًا على الله ﷿ وعلى شرعه وقدره، أما أهل الإيمان فما زادهم البلاء إلا إيمانًا بالله، لما ينزل على أحدهم البلاء يكون مثل الذهب الذي أدخل النار، فيصير خالصًا؛ ولذلك لا بد من الابتلاء.\nإذًا: القضية كلها متعلقة بك أنت وليس بالغير.\nأسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"48","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-958>الأسئلة</span>","vol":"48","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-959>صفة توبة من سب الدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من سب الدين فهذا كفر مخرج من الملة، فكيف الدخول في الملة مرة أخرى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال السائل مصيب في هذا، وإن كان قد حدث عنده في الفهم لبس.\nسب الدين لا يختلف أحد أنه كفر؛ ولذلك نقل الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم الصارم المسلول في حكم سب الرسول، تعرض في المسألة الرابعة لسب الدين وقال: أجمع العلماء نقلًا عن ابن عيينة وسفيان الثوري على أن سب الدين كفر لا خلاف على ذلك.\nلكن الخلاف هو مناط البحث في الساب نفسه، هل يكفر بسبه للدين؟ إذًا: نريد أن نفرق بين القول وقائله، فالقول هو سب الدين وهو كفر بلا خلاف بين أهل العلم.\nأما القائل أي: الساب هل يكفر بهذا أم لا يكفر؟ هذا الذي وقع فيه الخلاف والاجتهاد، فبعضهم قال: يكفر، وبعضهم قال: لا يكفر إلا إذا توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع، فمن موانع إلحاق الكفر بقائل الكفر أن يكون ناقلًا لذلك عن الغير؛ ولذلك أهل العلم يقولون: ناقل الكفر ليس بكافر، كمن كلف بتوصيل أو نقل رسالة فيها كفر.\nوكمن قال: سمعت فلانًا يسب الدين، ويحكي قوله، أو أن القاضي يسأل الشاهد ويقول: ماذا سمعته يقول؟ فيقول: سمعته بأذني ورأته عيناي يسب الدين ويقول كذا وكذا، فهذا القول كفر لكنه ناقل له لا فاعل له على الحقيقة، هذا مانع من الموانع.\nالمانع الثاني: أن يكون مجنونًا، إنسان مجنون سب الدين، ليس عليه حرج، وصبي لم يبلغ ولم يعرف خطورة الأمر ليس عليه حرج كذلك.\nوالعجيب أنني سمعت امرأة شامية تدرس نساء فيما يتعلق بسب الدين وكان ذلك سنة ١٩٨٣م، وتقول لهن: وكذلك من الموانع: امرأة حائض، هذا عذر، فهذا ليس عذرًا.\nوقالت لهن: إن رفع الفستان قريبًا من الركبة أمر جائز ليس حرامًا، واستشهدت بقول الله ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل:٤٤].\nومن الموانع كذلك عدم توجه القصد والإرادة، كمن يسب الدين وهو لم يقصد دين الله الذي نزل من السماء، إنما قصد بالدين أخلاق المسبوب وأفعاله، هذا لا يكفر، لكن يعزر لأنه أطلق السب على الدين.\nوكذا من توجهت إرادته لغير دين الله، فلو أن إنسانًا سب الدين فقلنا له: ماذا تقصد؟ قال: أقصد دين الله الذي نزل من السماء على محمد ﵊، فهذا يكفر، فالذي توجهت نيته وإرادته إلى سب دين الله والذي توجهت إرادته إلى سب أخلاق المسبوب لا يستويان في الحكم.","vol":"48","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-960>حكم منح المدير إجازات للموظفين من غير أيام الإجازة الرسمية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا أعمل في إحدى الشركات وصاحب القرار في هذه الشركة هو المدير، فاجتهد المدير في أن يعطي لكل موظف في الشركة يوم راحة، وكأنه يقصد غير يوم الجمعة، فهل هذا يجوز له أم لا يجوز؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كان قد خول من قبل الدولة في إدارة هذه الشركة، وأن الحكومة قد أعطته الحق في أن يدير هذه الشركة بما يجلب عليها المصلحة والنفع، ورأى هذا المدير أن المصلحة في أخذ يوم أو اثنين إجازة فلا حرج على الموظفين في قبول هذه الهدية.","vol":"48","page":15},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-961> الاستثناء في الإيمان</span>\nاختلف السلف ﵏ في مسألة الاستثناء في الإيمان إلى مذاهب مختلفة، والصواب -كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية- هو التفصيل، وهو أنه إن صدر الاستثناء عن شك فهو حرام، وإن صدر تورعًا من العبد مخافة أن يزكي نفسه فهو واجب.\nوالأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، ولم يخالف في ذلك إلا المبتدعة كالمرجئة القائلين بحرمة الاستثناء في الإيمان.","vol":"49","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-962>سياق ما ذكر في وجوب الاستثناء في الإيمان</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.\nفإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما ذُكر من كتاب الله ﷿ وما روي عن رسول الله ﷺ والصحابة، والتابعين من بعدهم، والعلماء الخالفين لهم في وجوب الاستثناء في الإيمان].","vol":"49","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-963>المذاهب في حكم من قال: (أنا مؤمن إن شاء الله)</span>\nجاء في الحديث: (من حلف فاستثنى -أي: في يمينه- لم يحنث) أي: لو قال رجل: والله لأفعلن كذا إن شاء الله فإن لم يفعل فلا حرج عليه ولا كفارة، لأنه علق الفعل على مشيئة الله ﷿، فهل يجوز لمسلم أن يقول: أنا مؤمن بغير أن يعلق هذا الإيمان على مشيئة الله ﷿، أي: بغير أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؟ هذه المسألة أخذت مآخذ وردودًا عند أهل العلم قديمًا وحديثًا، وهذه القضية فيها أربعة مذاهب: المذهب الأول: وهو مذهب الأحناف قالوا بحرمة الاستثناء، أي: أنه لا يجوز عند الأحناف أن يقول المؤمن أو المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله، أو تعليق الإيمان على المشيئة، وهذا الحكم جريًا عندهم على أن الإيمان هو التصديق أو القول، وهذا هو مذهب الجهمية من قبلهم.\nفقالوا بحرمة الاستثناء، لأن الإيمان عندهم هو التصديق بالقلب، أو هو قول اللسان، ويقولون: هذا التصديق لا يتصور نزوله إلا إلى الكفر البواح، وأن التصديق عندهم لا يقبل الزيادة والنقصان، ولذلك هم يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن الإيمان عندهم تصديق، كما أن الإيمان عند الجهمية قول باللسان وقد قال، أي: قد نطق بالشهادتين وقال: أنا مؤمن بالكتاب والسنة وغير ذلك، فلا يتصور الرجوع عن هذا القول باللسان ولا ترك الاعتقاد القلبي أو التصديق عند المرجئة إلا من باب الشك.\nولذلك يقولون: من استثنى في الإيمان فإنما مرده إلى الشك في إيمانه، ولذلك يسمون أهل السنة الذين يقولون بوجوب الاستثناء بأنهم شكاكون، وهذا المصطلح معروف في كتب الاعتقاد التي صنفها المرجئة والجهمية، لأن الإيمان عندهم تصديق وقول أو تصديق أو قول، وقد قالوا وقد صدقوا، فلا يشكون ولا يعلقون هذا الإيمان على مشيئة الله ﷿، لأنه قد وقع منهم حقيقة، فلماذا يعلقونه إذًا؟ المذهب الثاني: وهو مذهب عامة السلف يقولون بوجوب الاستثناء، وهذا يعتبر مذهب مناقض للمذهب الأول، فالمذهب الأول يقول بحرمة الاستثناء، وهذا المذهب يقول بوجوب الاستثناء.\nوهذا المذهب اعتمد على اعتبارين: الاعتبار الأول: أن الإيمان هو ما يُختم به للمرء لا ما يحيا به، فالعبرة عند عامة السلف في الإيمان بما يُختم للعبد به، وهذا في المستقبل.\nفربما عاش العبد في إيمان فيما يبدو للناس وخُتم له بغير ذلك، كما في حديث عبد الله بن مسعود (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).\nفالأعمال بالخواتيم كما أخبر النبي ﵊، والإيمان عمل قلب وعمل جوارح، وإذا كانت هذه الأعمال بالخواتيم فإن الإيمان إنما يُحكم به للعبد إذا خُتم له بذلك، والعبد لا يعلم ذلك من نفسه؛ لأن هذا أمر سيكون في آخر حياته، فكيف يتعرف عليه العبد؟ فهم يقولون: لا بد أن يقول العبد: أنا مؤمن إن شاء الله، أي: إن قدر لي ذلك في المستقبل وختم لي به، وإلا فأنا لا أعرف شيئًا.\nالاعتبار الثاني بهذا المذهب: هو أن عدم الاستثناء تزكية للنفس، وشهادة لها بأنها من الأتقياء الأبرار.\nفلو قال عبد: أنا مؤمن، فكأنه يقول: أنا من أهل الجنة، مع أن بعض الصحابة ﵃ رغم أنهم مبشرون بالجنة كانوا يخافون أشد الخوف على أنفسهم من النفاق في أعمالهم وأقوالهم، وقد ورد هذا عن أبي بكر وعمر وعثمان، وهذا يعني أنهم لا يأمنون مكر الله ﷿، ولا يعرفون ما يُختم لهم به، ولذلك قال عامة السلف أن الاستثناء في الإيمان واجب من باب الهروب من تزكية المرء نفسه.\nوعلى العبد أن يأتي بجميع المأمورات وأن يكون قد ترك جميع المنهيات، وأن عبدًا ما ليس في وسعه أن يفعل هذا كله، فالعبد الكامل الإيمان إنما هو الذي حقق المأمورات وترك المنهيات، ومن من الناس لم يقع في معصية؟ أو لم يترك أمرًا أمر الله ﷿ به أو أمر به رسوله ﵊؟ فإذا كان أحدنا فرط في الأمر أو اقترف النهي، فكيف يزعم أنه مؤمن كامل الإيمان حينئذ؟ إذًا: عندنا مذهبان: مذهب يقول بحرمة الاستثناء وهو مذهب المرجئة والجهمية.\nوالمذهب الثاني وهو مذهب عامة السلف: القائل بوجوب الاستثناء تحقيقًا لمخافة الله ﷿ وخشيته، وهروبًا من تزكية المرء نفسه، وكذلك هروبًا من الشهادة لنفسه بأنه من الأتقياء الورعين المتقين.\nوالمذهب الثالث: يذهب إلى التفصيل، فإن صدر الاستثناء عن شك في أصل الإيمان فهذا بلا شك حرام بل كفر.\nفعندما يسألك سائل: هل أنت مؤمن؟ تقول: أنا لا أعلم ذلك من نفسي هل أنا مؤمن أم لا وما معنى الإيمان؟ فإنه إذا صدر جوابه هذا من باب الشك في الإيمان وأصوله فلا شك أنه كافر.\nوإن صدر استثناؤه في الإيمان من باب التورع عن التزكية والشهادة فهو واجب مخافة الوقوع في التزكية وإثبات أنه من المتقين أو الأبرار أو من أهل الجنة.\nالمذهب الرابع: هو التوقف واعتبار أن توجيه مثل هذه الأسئلة بدعة في الدين، ولذلك أنكرها كثير من السلف كالإمام","vol":"49","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-964>الأدلة على وجوب الاستثناء في الإيمان</span>\nأما الإمام اللالكائي فإنه رجح المذهب الثاني القائل بوجوب الاستثناء، فذكر من أدلة ذلك: [من كتاب الله ﷿ قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح:٢٧]]، أي: أن الله تعالى علم أنه لا بد ولا محالة أنهم داخلون المسجد الحرام.\nقال: [وقوله تعالى كذلك: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].\nوقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] والمؤمنون يكونون في الجنة قال النبي ﵊ حين دخل المقبرة: (إنا إن شاء الله بكم لاحقون)]، مع أنه لو قال: إنا بكم لاحقون لما أخطأ في ذلك، لأنه لا محالة سيموت الأحياء ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فلماذا علق اللحوق بأصحاب القبور والموتى على المشيئة؟ مع أن ذلك لا بد أنه واقع.\nوروي عنه ﵊ بسند ضعيف: (من تمام إيمان المرء استثناؤه في كل كلام) أي: تعليق كل كلام المرء على مشيئة الله ﷿.\nوروي عن عمر وهو كذلك حديث ضعيف قال: من قال أنا مؤمن حقًا فهو كافر حقًا، وهذا كلام لم يثبت عنه ﵁.","vol":"49","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>القائلون من الصحابة والسلف بالاستثناء في الإيمان</span>\nوروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وعائشة وابن أبي مليكة الاستثناء في الإيمان.\nقال ابن أبي مليكة: أدركت كذا وكذا من أصحاب رسول الله ﷺ ما مات رجل منهم إلا وهو يخشى النفاق على نفسه.\nوابن أبي مليكة أدرك أكابر الصحابة.\nأما التابعون فمنهم طاوس والحسن ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وأبو البختري سعيد بن فيروز والضحاك والأعمش ومنصور وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وحمزة الزيات وعمارة بن القعقاع ومغيرة بن مقسم ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم ومحل بن خليفة.\nومن الفقهاء كذلك ابن شبرمة ومعمر والثوري وابن عيينة وجرير وابن المبارك والقطان قالوا جميعًا: وما أدركت أحدًا من أصحابنا وما بلغني عنه إلا الاستثناء.\nوكذلك عن أحمد وأبي عبيد وأبي ثور الاستثناء في الإيمان.","vol":"49","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>الاستثناء في الدعاء عند المقابر</span>\nقال: [وعن ابن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ: (كان إذا أتى على المقابر) أي: زار المقابر، وفي رواية سفيان: (كان النبي ﵊ إذا خرجنا إلى المقابر قال: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا سلف، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)].\nالشاهد هنا: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) فحينما علم النبي ﷺ أنه لا محالة هو وجميع الخلق لاحقون بأهل القبور، فلماذا علق ذلك على المشيئة؟ قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ إلى المقبرة فسلم على أهلها فقال: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).\nوعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يخرج إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).\nوعن أنس: (أن النبي ﷺ أتى البقيع فقال: سلام عليكم وإنا بكم لاحقون إن شاء الله، أسأل الله ألا يحرمنا أجركم ولا يفتنا بعدكم)].","vol":"49","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-967>عدم حصول الولد لسليمان ﵇ لعدم استثنائه</span>\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁: (أن نبي الله سليمان ﵇ كان له ستون امرأة فقال: لأطوفن الليلة على النساء، وستحمل كل امرأة، ولتلدن فارسًا يقاتل في سبيل الله، قال: فطاف على نسائه فما ولدت منهن إلا امرأة ولدت شق إنسان، أي: إنسانًا معيبًا، فقال نبي الله ﷺ: لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن فولدت فارسًا يقاتل في سبيل الله) وفي رواية أخرى أن النبي ﷺ قال: (قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحب -أي صاحب سليمان-: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعًا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون)]، أي: لأتت كل امرأة بولد فارس يجاهد في سبيل الله ﷿.\nوالحديثان في الصحيحين.","vol":"49","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-968>استثناء النبي في إخباره أنه أتقى الخلق وأعرفهم بالله</span>\nقال: [وعن عائشة ﵂ أن رجلًا قال: (يا رسول الله إني أُصبح جنبًا وإني أريد الصيام، فقال النبي ﵊: وإني أُصبح جنبًا وإني أريد الصيام فأغتسل ثم أُصبح من ذلك صائمًا، فقال الرجل: إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقيه)] أي: بما أتقي من عذاب الله ﷿، أو بمن أتقي أي: بالله ﷿.\nفالنبي ﵊ رد على هذا الرجل الذي يقول: أنا أُصبح جنبًا وإني أريد الصيام، فماذا أصنع؟ أي: يؤذن الفجر ويدخل وقت الصبح وأنا جنب، وإني أريد الصيام، فقال النبي ﵊ لهذا السائل: وأنا يحدث لي مثل الذي يحدث معك، فأُصبح جنبًا من جماع غير احتلام فأغتسل وأصلي الصبح، ثم أصوم ولا يمنعني هذا.\nقال: يا رسول الله! إنك لست كهيئتنا، أنت رجل قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأنت خير الخلق، وأنت أول من ينشق عنه القبر، وأنت الشافع المشفع، وأنت وأنت وظل يعدد من خصائص النبي ﵊، أي: أنت في غنى عما نحن فيه.\nوقصة الثلاثة الذين أتوا إلى بيته يسألونه عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالوها قالوا: إنما يلزمنا أن نجتهد في العبادة، أما النبي ﵊ فإنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، أما نحن فنؤاخذ بذنوبنا، فنحن نحتاج إلى مزيد من الطاعة حتى تشفع لنا طاعتنا عند ربنا.\nفقال النبي ﵊: إذا كنتم تقولون إنني أول من تنشق عنه الأرض وقد غفر الله لي وكذا وكذا وظللتم تعددوا من خصائصي ومناقبي، كأنه أراد أن يقول لهم هذا، فإن الذي قد حباه الله تعالى بهذه الخصائص إنما يلزمه أن يكون أخشى الناس لله وأتقاهم له، وإن العبد إنما يعبد ربه على نحو خوفه ورجائه في الله ﷿، فإذا كان النبي ﵊ هو أعلم الناس بالله فلا بد أنه أعلم الناس بما عنده من نار وبما عنده من جنة بما عنده من ثواب وبما عنده من عقاب، فالذي يعلم ما عند الله من خير وشر، من جنة ونار، من ثواب وعقاب أحق الناس بالعبادة، ولكن الفارق بين عبادة المذنب وعبادة غير المذنب أن عبادة غير المذنب إنما هي عبادة شاكر، أما عبادة المذنب فإنما هي عبادة مستغفر يرجو أن يغفر الله تعالى له ذنبه.\nولذلك قال: (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقيه) والحديث أخرجه مسلم.","vol":"49","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-969>استثناء النبي في ادخاره دعوته لأمته يوم القيامة</span>\nقال: [وقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ: (لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له)]، أي: كل نبي له دعوة واحدة مستجابة وهي الدعوة العامة التي تخص الأمة بأسرها، فكل نبي استنفد دعوته في أمته إلا نبينا ﵊ قال: [(وإني أريد إن شاء الله أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)]، فلماذا قال: إن شاء الله مع أن الله تعالى خيره بين أن يدعو بدعوته أو أن يدخرها شفاعة لأمته في عرصات القيامة، فاختار اختيارًا سبق وانتهى أمره وحسم بأن النبي ﵊ قال: (وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي في عرصات القيامة) فلماذا حينما أخبر ﵊ بأنه ادخر دعوته علق ذلك على المشيئة؟ مع أن هذا قد مر وانتهى.\nقال: (لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد إن شاء الله) وهذا الشاهد (أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) والحديث كذلك أخرجه مسلم.","vol":"49","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-970>في ذكر صفات المؤمن والمسلم</span>\nقال: [وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: خطب عمر ﵁ الناس بالجابية وهي قرية بالشام فقال: إن رسول الله ﷺ قام في مثل مقامي هذا، أي: صعد المنبر فخطب الناس ووعظهم فكان فيما قال: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن).\nمن سرته حسنته أي: من فرح بطاعته واغتم لذنبه، فهذا علامة إيمانه.\nوعن عامر الشعبي قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقال له: أخبرني ما حفظت من رسول الله ﷺ؟ فقال عبد الله: سمعته ﷺ يقول: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)].\nالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، مع أن تعريف الإسلام غير ذلك، لكن النبي ﵊ أراد أن يعالج أمرًا عند السائل قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وذكر اللسان واليد على جهة الخصوص؛ لأن معظم الأذى إنما يقع بهما ومنهما، معظم الأذى يقع باليد التي تبطش وباللسان الذي ينم ويغتاب ويعير وغير ذلك فمن حفظ لسانه ويده فقد حقق كمال الإسلام الذي هو الاستسلام والخضوع لله ﷿.\nوالمهاجر عند الإطلاق يعني الذي يهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، وأصل الهجرة كانت من مكة إلى المدينة، وهذه الهجرة منسوخة إلى يوم القيامة؛ لأن مكة دار إيمان إلى قيام الساعة، أما النبي ﵊ فإنه عرف المهاجر هنا بالتعريف العام للهجرة لا التعريف الخاص، فقال: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)، وفي رواية قال: (المهاجر من هجر المعاصي) والمعنى واحد.","vol":"49","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-971>الحكم لمعين بالشهادة</span>\nقال: [وقال عمر ﵁: (لما كان يوم خيبر قُتل نفر من أصحاب النبي ﷺ، فقالوا: فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال النبي ﵊: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة غلها، ثم قال رسول الله ﷺ: يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون) والحديث أخرجه مسلم].\nإذا قلت لفلان إنه شهيد فكأنك تقول إنه من أهل الجنة؛ لأن الشهداء في الجنة، لكن الحرج أن تشهد لفلان بعينه أنه شهيد، فكأنك قلت: فلان بعينه من أهل الجنة، وأنت لا تعلم ما صنع.\nولذلك حينما قُتل هذا الرجل في يوم خيبر، وأنتم تعلمون أن خيبر كانت بين اليهود وبين المؤمنين، وأن القتلى الذين يكونون في مثل هذه المعارك إما قتلى في معسكر الإيمان أو في معسكر الكفر، فأما من قتل في معسكر الكفر فهو في النار لا محالة؛ لأنه مات على الكفر، إلا أن يكون أخفى إسلامه، ولم يقاتل وإنما خرج قهرًا أو قسرًا وجبرًا وأخفى إسلامه مخافة القتل، فهذا بلا شك على معصية في تكثير سواد المشركين، لكن إن دعته دواع للخروج لقتال معسكر الإيمان ولكنه لم يشارك حقيقة في القتال ومات بسيف الإيمان بسبب قتال معسكر الإيمان فهو من أهل الإيمان ومن أهل الإسلام.\nأما الذين يموتون من معسكر الإيمان فلا يقطع لهم بالشهادة، إنما نرجو الله أن يتقبلهم في الشهداء، أما القطع لهم بالشهادة حتى لو كانوا من أصحاب النبي ﵊ فلا يجوز، ولذلك من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد الله ﵎ له في كتابه، أو شهد له الرسول ﷺ في صحيح سنته.\nولذلك فالصحابة ﵃ إنما ساروا على الأصل الأصيل عندهم، وأن من مات في القتال مع العدو فهو شهيد، فساروا بين القتلى وهم يقولون: هذا فلان نعرفه كان في معسكرنا إنه شهيد، وهذا فلان كان في معسكرنا وإننا نعرفه هو فلان بن فلان فهو شهيد، لأنه قُتل في معركة بين المؤمنين والكفار فقال النبي ﵊: (كلا والله إني رأيته في النار في بردة غلها أو في عباءة غلها).\nوالذي يحول بين العبد وبين الشهادة بردة أو عباءة أخذها من الغنيمة قبل توزيعها، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران:١٦١]، ويحرم على النبي ﷺ أن يأخذ شيئًا من الغنيمة قبل توزيعها؛ لأنه له فيها الخمس ولا شيء له بعد ذلك.\nفقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١] حتى لو كان نبيًا، والغلول كبيرة من الكبائر، ولا يمكن أن يقع النبي في كبيرة، ولكن الله تعالى ضرب هذا المثال لفظاعة الغلول، وأنه مهلك، وأنه حائل بين العبد وبين دخوله الجنة، ولذلك قال: (كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها أو في عباءة أو شملة غلها)، ولذلك حينما رأى الصحابة ﵃ رجلًا يقاتل قتالًا عنيفًا حتى أن هذا القتال أثار إعجابهم جميعًا قالوا: إن فلانًا يمشي بيننا وهو من أهل الجنة، كأنهم كانوا ينظرون إليه ويعجبون به أيما إعجاب، يظنون أنه من أهل الجنة، بسبب قتاله وقوته وشدته على العدو، فقالوا للنبي ﵊: (والله يا رسول الله إنا لنرى فلانًا من أهل الجنة، فقال: وإني لأراه من أهل النار) أي: أنتم ترونه من أهل الجنة وأنا أراه من أهل النار، ففزع الصحابة أيما فزع لهذا، إذا كان هذا الرجل على قوة قتاله وتقدمه في صفوف الأعداء من أهل النار، فكأنهم قالوا: فما بالنا نحن؟ قال أحدهم: فتبعت هذا الرجل، فكلما أسرع أسرعت وكلما وقف وقفت أنظر ماذا يصنع؟ أي: ماذا يأتي من الأعمال التي تجعله من أهل النار لا من أهل الجنة، فقال: فأُصيب بسهم فلم يصبر عليه، فوضع ذبابة سيفه في بطنه فاتكأ عليه فخرج من ظهره فقتل نفسه، فذهب هذا الرجل مسرعًا إلى النبي ﵊ وقال: (يا رسول الله أترى هذا الرجل الذي قلنا فيه إنه من أهل الجنة وقلت فيه إنه من أهل النار، لقد صنع في نفسه كيت وكيت، فقال النبي ﵊: الحمد لله أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) فالأعمال بالخواتيم أسأل الله أن يحسن خاتمتنا جميعًا.\nفقال: (يا ابن الخطاب اذهب وناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون).","vol":"49","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-972>حكم الشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة</span>\nقال: [وقال علي بن أبي طالب ﵁: الإرجاء بدعة، والشهادة بدعة]، أي: الشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة بدعة مخالفة لمعتقد السلف ومعتقد أهل السنة، والبراءة كذلك بدعة.\nقال: [ويقول ابن مسعود: من شهد على نفسه أنه مؤمن فليشهد أنه في الجنة].\nهل يستطيع أحد منا أن يقطع لنفسه بأنه من أهل الجنة؟ والله لقد قطع رجل لنفسه بأنه من أهل الجنة فمات على الكفر البواح وارتد عن الدين تمامًا، وصنف كتبًا يسب فيها الإسلام.\nقطع لنفسه بالجنة فحول الله تعالى قلبه، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فيصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، والعكس بالعكس.\nوالبراءة مختلف فيها، ولذلك يقول المحشي: البراءة المراد بها ما يفعله الخوارج مع بعضهم البعض ومع غيرهم إذا خالفهم في أمر فإنهم يتبرءون منه، ولا يكاد يخلو هذا الوصف في عقائد جميعهم.\nقال نافع بن الأزرق: والذي أحدثه البراءة من القعدة.\nوقال عن الأزارقة أنها لتتبرأ ممن تقدمها من سلفها من الخوارج، وهكذا تُذكر البراءة في مواطن من عقائدهم.\nوكأنه يريد أن يقول: إن ترك البراءة بدعة، أي: حينما يأتي إنسان فيسأل: هل أنت مسلم يا فلان؟ فيجيب: نعم، أنا مؤمن، والحمد لله، ثم يسأل: هل تبرأت من الكفر والطواغيت؟ فيقول: لا، هذا لا يلزمني كمن يأتي إلى أحد من أهل السنة فيقول له: هل أنت من أهل السنة؟ يقول: نعم إن شاء الله، هل تبرأت من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والقدرية وو؟ يقول: لا، أنا ليس لي علاقة بهؤلاء أبدًا، لأنه ليس من معتقدي البراءة، إنما من معتقدي الولاء، فأنا أوالي الله ورسوله والمسلمين.\nكما يقال لرجل: من تعبد؟ يقول: الشيطان، فيقال: لماذا؟ قال: حتى أتجنب شره، أي حتى يكون بيني وبينه سلم ولا يكون هناك حرب بيني وبين الشيطان فأنا لا أعبده وإنما أراضيه، وبالتالي لا يوسوس لي ولا يتسلط علي ولا يفعل بي أي شيء! هذا الكلام كفر بواح.\nفكذلك أهل البدع لا يتبرءون من عقائد بعضهم البعض، ولكن أهل السنة يلزمهم في حسن إيمانهم وإسلامهم إثبات البراءة أولًا ثم إحلال الولاء محل هذا البراء، ولذلك لا يمكن أبدًا أن يحقق العبد الإيمان لله ﷿ إلا بالكفر بالطواغيت فكيف تؤمن بالله والطواغيت في وقت واحد؟ لا يمكن أبدًا أن يجتمعا في قلب عبد مؤمن.\nقال: [وقال علقمة: قال رجل عند عبد الله بن مسعود: أنا مؤمن أي: ولم يستثن، قال: قل: إني في الجنة].\nعبد الله بن مسعود يسكته فيقول له: أنت تقول أنك مؤمن ولم تقل: إن شاء الله، ما دام الأمر كذلك فقل أنك في الجنة.\nثم قال ابن مسعود: [ولكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر] إلى آخر فروع وأصول الإيمان.\nقال: [وعن أبي وائل قال رجل لـ عبد الله بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن! لقيت ركبًا فقلنا: من أنتم؟ قالوا: نحن المؤمنون.\nوقال أبو وائل: إن حائكًا -أي: خياطًا- من المرجئة بلغه قول عبد الله بن مسعود في الإيمان قال: زلة عالم]، وأنه يقول بوجوب الاستثناء، والمرجئة يقولون بحرمة الاستثناء، أي: أن المرجئ يقول: أنا مؤمن من غير أن يقول: إن شاء الله، وعامة السلف على وجوب الاستثناء مخافة التزكية، ومخافة أن يكون قد فرط في أمر أو ارتكب نهيًا أو مخافة أن يُختم له بغير ذلك، وأن الإيمان أمر مستقبل، والعبرة فيه بالخواتيم، وهذا أمر لا يعلمه المرء حتى يموت، فكيف يقطع بالإيمان؟ ولذلك مذهب عامة السلف وجوب الاستثناء في الإيمان.\nفهذا المرجئ يقول بغير قول عامة السلف، حينما بلغه أن عبد الله بن مسعود استثنى قال: زلة عالم.\nخياط يعدل على عبد الله بن مسعود ولكنه يعلق بأدب، ويثبت أن ابن مسعود لا يفهم شيئًا، ولكن بأسلوب رقيق نوعًا ما فيقول: هذه زلة عالم خياط يعدل على سادس ستة في الإسلام صاحب النعل للنبي ﵊.\nأحد الخياطين من التابعين يقول عن عبد الله بن مسعود أحد أكابر المحدثين والفقهاء في الصحابة: زلة عالم، وقد أحسن حينما قال أنه عالم، ولكن أخطأ حينما قال أنه زل.\nوآخر يقول مثلًا: الشيخ ابن باز شيخ عالم وفاضل، ولكنه لم يوافق التوثيق أو خالف الصواب في هذه المسألة وإذا قلت له: الظهر كم ركعة؟ وما الأدلة على ذلك؟ والله لا يستطيع أن يجيب أن يجيب.\nقال: [وعن سلمة بن كهيل قال: اجتمع الضحاك وبكير الطائي وميسرة وأبو البختري فأجمعوا أن الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، والولاية بدعة، والإرجاء بدعة].\nالشاهد هنا أنهم اعتبروا أن الشهادة بدعة، وهي كذلك.\nولذلك كثيرًا ما نسمع الشهيد فلان والشهيد فلان وهذا الكلام لو عرضناه على كلام أهل العلم فإنه لا يصح.","vol":"49","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-973>حكم من لا يستثني في الإيمان عند السلف</span>\nقال: [وقال جرير: سمعت منصور بن المعتمر والمغيرة بن مقسم والأعمش وليث بن أبي سليم وعمارة بن القعقاع وابن شبرمة والعلاء بن المسيب وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وحمزة بن حبيب الزيات ويزيد بن أبي زياد وسفيان الثوري وابن المبارك ومن أدركته يستثنون في الإيمان ويعيبون على من لا يستثني].\nفالسلف يستثنون في الإيمان، إذا سئل أحدهم قال: أنا مؤمن إن شاء الله، ويعيبون على من قال: أنا مؤمن فقط ولم يستثن.\nقال: [وعن جرير بن عبد الحميد قال: كان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني.\nوعن محل بن محرز قال: قال لي إبراهيم النخعي: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله].\nأي: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ ويمكن السؤال هذا يواجهك، وربما تظل محتارًا في الإجابة عن هذا السؤال بسبب اختلاف العلماء، ولكن قل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والحساب والجزاء والجنة والنار والصراط وغير ذلك وبهذا تكون قد خرجت من الخلاف، فلا تقل: نعم أنا مؤمن، أو أنا مؤمن إن شاء الله.\nفعدد أصول الإيمان وقل: آمنت بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره فإذا كنت مؤمنًا بهذا كله فيكون جوابك من غير إن شاء الله، لأنك قاطع بأنك مؤمن بهذا كله، وهذه غيبيات وأنت قد آمنت بها، وقد عرف النبي ﵊ الإيمان في حديث جبريل وغيره بهذا حين سئل عن الإيمان؟ فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره) فلو سئلت عن الإيمان فعدد أنك قد آمنت بأصول الإيمان، وأنت الآن مؤمن بالأعمال الموجبة لدخول الجنة، فأنت لم تزك نفسك بعمل، لأن هذا من أصول الإيمان، عليك أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخره فأنت قد قررت بأنك آمنت بكذا وكذا وكذا ولم تزك نفسك بخلاف لو قال لك: أنت مؤمن؟ فقلت: نعم أنا مؤمن، مع أن الإيمان يستلزم فوق ما آمنت به غيبًا أن تأتي به عملًا وأن تنتهي عنه تركًا، وهذا متعلق بالأوامر والنواهي بالواجبات والمحرمات، فهذا باب آخر غير الباب الغيبي الذي آمنت به.\nفلو أنك قلت: نعم أنا مؤمن، فكأنك تقول: أنا قد أتيت من الأعمال ما يستوجب على الله أن يدخلني الجنة، ولكن حينما تقول: أنا آمنت بالله وملائكته وكتبه فأنت هنا تقرر حالتك الإيمانية.","vol":"49","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>الإيمان والإسلام بين أهل السنة والمرجئة والجهمية</span>\nدرسنا كله متعلق بالإيمان، ولكن يعكر على ذلك تعريف المرجئة والجهمية للإيمان؛ لأن المرجئة والجهمية إنما يعرفونه بمطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، وهناك فرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان.\nوقلنا: إن مطلق الإيمان هو أصل الإيمان، وهي القاعدة التي لا يمكن أن تنزل ولا يتصور نزولها إلا إلى الكفر، وهو التصديق عند المرجئة والتلفظ عند الجهمية هذا تعريف مطلق الإيمان عند الجهمية والمرجئة.\nأما الإيمان عند أهل السنة فإنما يعني الإيمان المطلق الكامل، فالاستثناء في درسنا هذا متعلق عند أهل السنة بالإيمان المطلق، أما عند المرجئة والجهمية فإنه متعلق بمطلق الإيمان.\nوأنت لا يسعك إلا ما وسع السلف بصرف النظر عنهم، سواء كان سائلك جاهلًا أو عالمًا: هل أنت مؤمن؟ قل: نعم أنا مؤمن إن شاء الله.\nوحديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين: (أن النبي ﷺ أعطى أناسًا ولم يعط آخرين، فقال: يا رسول الله! أعطيت فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن قال: أو مسلم؟ قال: بل مؤمن يا رسول الله! قال: أو مسلم؟ ثلاث مرات)، والمعلوم أن المسلم إن وقف عند حد الإسلام فمعه مطلق الإيمان، ومع هذا تغاضى النبي ﷺ عن مطلق الإيمان، لأن القصد في الإيمان: الإيمان المطلق، وحينما قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات:١٤]، والأعراب مسلمون، والمسلم معه أصل الإيمان وهو يسعه أن يدخل الإسلام بهذا الأصل، ومع هذا نفى الله ﵎ عنهم الإيمان ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤] هل النفي هنا يشمل أصل الإيمان أم الكمال؟ إذًا: يجوز أن أنفي الإيمان عن المرء ولكن هذا النفي ينصب على الإيمان الكامل التام، ويبقى معه أصل الإيمان؛ لأن الله تعالى نفى ذلك عن الأعراب، مع أنه لا يسعهم إلا المحافظة على أصل الإيمان، ومع هذا قال لهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ﴾ [الحجرات:١٤]، يدخل هنا بمعنى يزداد ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: حينما يزداد الإيمان في قلوبكم، و(لما) التي تفيد نفي الحصول في الماضي ولا تفيد نفيه في المستقبل، أي: أنه سيكون عندكم الإيمان الكامل في المستقبل، فالواحد حينما يسأل: هل أنت مؤمن؟ وهو يعلم أنه مؤمن وأنا أعرف أنه مؤمن، لأن هذا لا يسعنا أن ننزل عنه، وهو مطلق الإيمان، لأن المؤمن بغير هذا اليقين لا يصح منه حتى الإسلام، لكن النزاع في مطلق الإيمان، ولذلك فإن الذين يخالفون أهل السنة هم الجهمية والمرجئة، لأن الإيمان عندهم لا علاقة له بالزيادة ولا بالنقصان، إذًا: فالكلام كله متعلق بالإيمان الكامل.\nقال: [وقال حماد بن زيد قال: سمعت هشامًا وهو ابن حسان الأزدي يقول: كان الحسن ومحمد يقولان: مسلم، ويهابان مؤمن].\nإذًا: الحسن البصري قد حقق كمال الإيمان، وكذلك محمد بن سيرين، وهما من المنزلة بمكان في قلوب كل الموحدين، لكن لا نستطيع أن نقطع لهما بالجنة، فالجنة ليست ملكًا لأحد، فالذي يجعلك تقطع لفلانًا بالجنة يجعلك تقطع لفلان بالنار، فهل هذا شأنك؟ ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.\nقال: [وقال محمد بن سيرين: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق].\nكمن يقول لك: في أي جماعة أنت؟ فقل: أنا مسلم.\nأو يقول لك: كل الناس هؤلاء مسلمون، ولكن من أي جماعة أنت؟ فقل: ولكني أنا مسلم، على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ، وعلى منهج السلف الصالح، وعلى ما فهمه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.\nفاختصر هذا وقل: أنا سلفي.\nفحينما تقول: أنا سلفي، فعندها أنا سأعرف كيف تفكر.\nلأن المصطلح هذا يتناول عدة عناوين ورءوس أقلام ومعتقدات وقواعد، وسأفهم أنك على كل هذه الأصول والقواعد بكلمة واحدة وهي كلمة: سلفي، كما يقول آخر: أنا كذا.\nفنكون بهذه الكلمة الواحدة قد عرفنا منهجه كاملًا.\nوالسلف كانوا يقولون للذي يسألهم عن الإيمان بأنهم قد آمنوا بالله وكتبه ورسله وما أُنزل على نبينا وعلى الأنبياء السابقين وهذا كلام جميل جدًا، لأن هذا ليس سؤال عبد، فأنت حينما تقول: أنا مؤمن فتكون قد زكيت نفسك على ربك، فالمسألة متعلقة بالله ﷿ وليست متعلقة بالسائل.\nقال: [قال أبو أسامة: قال لي الثوري وأنا وهو في بيته مالنا ثالث ثلاثة: نحن مؤمنون والناس عندنا مؤمنون، ولم يكن هذا أفعال من مضى].\nكأن الإمام الثوري يقول له: نحن مؤمنون والناس الذين عندنا أيضًا مؤمنون، لكن لا بد أن تعرف أن هذا ليس نهج سلفنا، إنما نهج سلفنا أنهم لا يقولون نحن مؤمنون إلا أن يستثنوا، و","vol":"49","page":14},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-975> مذهب المرجئة في الإيمان [١]</span>\nلقد تعددت الفرق في باب العقيدة وتنوعت، واختلفت فيما بينها اختلافًا كثيرًا، واختطت كل فرقة لنفسها خطًا سلكته وسارت عليه، وتميزت به، ومن هذه الفرق المرجئة، فقد سلكت لنفسها طريقًا خاصًا بها في باب الإيمان بالله ﷿، ثم إنها انقسمت على نفسها إلى فرق شتى، مبنية على المنهج الأساس، وكل هذه الفرق ضالة منحرفة، تتفاوت في درجة انحرافها بحسب ما عندها من تفصيلات، وقد حذر علماء الإسلام من هذه العقيدة وبينوا قبح لوازمها وفساد نتائج القول بها.","vol":"50","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-976>الإرجاء بين أهل السنة والمرجئة</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد: فقد ذكر الإمام اللالكائي الإرجاء باعتبار أنه بدعة وفرقة من الفرق الضالة، ولكنه قدم ما حقه التأخير وأخر ما حقه التقديم، فذكر في الفصل الأول ذم الإرجاء وذكر من ذم الإرجاء، ثم عقب بباب لمدح من ترك الإرجاء، ثم ثلث بباب أول ظهور الإرجاء، وكان الحق أن يقدم الباب الثالث بدل الباب الأول.\nوالإرجاء هو تأخير العمل عن الإيمان، ونحن قلنا في الدروس الماضية: إن العمل من الإيمان.","vol":"50","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-977>مذهب أهل السنة والجماعة أن العمل من الإيمان</span>\nوكثير من السلف في مصنفاتهم -وعلى رأسهم الإمام البخاري عليه رحمة الله، ومن قبله الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة- التي صنفوها في معتقد أهل السنة والجماعة قالوا: العمل من الإيمان، وكانوا يصدرون هذا الباب بحديث النبي ﵊: (الإيمان بضع وسبعون أو وستون شعبة -وفي رواية عند مسلم - أعلاه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، ثم يعقبون هذا بأبواب تتعلق بالعمل، وأنه من الإيمان، وذلك مثل: باب الصلاة من الإيمان، باب الزكاة من الإيمان، باب الحج من الإيمان، باب الجهاد من الإيمان، باب دفع الخمس من الإيمان.\nوكل هذه أعمال جوارح، وقد أطلق النبي ﵊ عليها أنها من الإيمان كما أطلق القرآن كذلك على بعض الأعمال أنها من الإيمان، وأنها الإيمان ذاته.","vol":"50","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-978>تعريف الإيمان عند أهل السنة وعند المرجئة</span>\nتعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة مختلف عن تعريفه عند الفرق الضالة، فالإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، وهو يزيد وينقص، بخلاف المرجئة الذين يقولون: الإيمان هو التصديق، ومنهم من قال: هو الإقرار، ومنهم من قال: هو العلم.\nفهذه تعريفات ثلاثة للإيمان عند أهل البدع، وليس يصح عند أهل السنة والجماعة تعريف منها.\nوالمرجئة يقولون: الإيمان هو التصديق، أي: تصديق القلب، وهو متعلق بالقلب فقط، ولو لم يتلفظ به صاحبه أو يعمل بمقتضاه، وهم متفقون على أن العمل لا علاقة له بالإيمان، ولذلك يقولون: العمل يتأخر عن الإيمان، أي: لا علاقة له به، وبالتالي يستوي عندهم أطوع الناس لله ﷿ ولرسوله الكريم مع أعصى وأفسق الناس لله ﷿ ولرسوله الكريم ﵊، حتى قال قائلهم: يستوي إيمان أفسق الناس مع إيمان جبريل وميكائيل؛ لأن تفاضل الأعمال عنده لا علاقة له بالإيمان، بل الإيمان عنده هو التصديق، وقد صدق جبريل وميكائيل كما صدق هذا الفاسق الزنديق العاصي بأن الله ﵎ واجد وموجود وموجد، وأنه أرسل الرسل، وغير ذلك.\nفالإرجاء هو تأخير العمل عن مسمى الإيمان، وهذه قضية عظيمة جدًا، وهي تقريبًا بيت القصيد في خلاف أهل العلم قديمًا وحديثًا حتى في وقتنا الحاضر، فالذي يؤخر العمل عن الإيمان لا يفسق ولا يبدع ولا يكفر، حتى وإن كان ترك العمل كفرًا فإنه لا يكفر تاركه؛ لأنه لا علاقة لهذا العمل بالإيمان أصلًا.\nقال الإمام البغدادي في كتابه العظيم الفرق بين الفرق: وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان.","vol":"50","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-979>أول ظهور الإرجاء وسببه والمقصود به</span>\nسبب ظهور الإرجاء أنه كان رد فعل لتكفير الخوارج للحكمين ولـ علي بن أبي طالب ﵁، وليس هو الإرجاء المتعلق بالإيمان، يعني: أن أول كلمة إرجاء ظهرت على الساحة كانت في القرن الأول الهجري، وأطلق هذا المصطلح على الحكمين وعلى علي بن أبي طالب ﵃، والحكمان هما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص ﵄ اللذان انتخبا لفصل النزاع وفض الخلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فلما حصل ما حصل في شهادة الحكمين أرجأ أناس أمرهما إلى الله وعلى رأسهم الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، فـ الحسن لما سئل عن حكم الحكمين، أي: عن عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري أرجأ أمرهما إلى الله ﷿، وقال: أرجئ أمرهما إلى الله ﷿، ومن هنا قيل لأول مرة: الإرجاء، أي: أن مذهب الحسن بن محمد بن الحنفية في الحكمين الإرجاء، أي: تأخير حكمهما حتى يحاكمهما الله ﷿.\nفالإرجاء الذي تقدم به الحسن بن الحنفية لم يكن له أدنى علاقة بالإيمان، وليس هو الإرجاء الاصطلاحي الذي ظهر بعد ذلك، وإنما كان عبارة عن تأخير الحكم على الحكمين حتى يحكم الله ﷿ فيهما.\nوالناظر إلى هذا الكلام لا يمكن أن يقول: إن هذا هو الإرجاء المذموم، بل هو الإرجاء اللغوي، أي: تأخير الحكم على هذين حتى يحكم الله ﷿ فيهما، وأما مصطلح الإرجاء فقد ظهر بعد ذلك واتخذ شكلًا آخر سياسيًا، ثم شكلًا آخر شرعيًا، وصار له أصوله وقواعده وأتباعه وجماعته وفرقته، ثم استقر مصطلح الإرجاء بعد ذلك على ما يسمى بتأخير العمل عن مسمى الإيمان، وأن العمل لا علاقة له بالإيمان وليس داخلًا فيه.\nقال: فإن أول من تكلم في الإرجاء لم يكن كلامه إلا في إرجاء أمر المتقاتلين من الصحابة إلى الله ﷿، وأول من تكلم في الإرجاء هو الحسن بن محمد بن الحنفية المتوفى عام (٩٩هـ)، وقد ذكر ذلك كل من ترجم له، فقال ابن سعد في كتابه الطبقات في ترجمة ابن الحنفية: وهو أول من تكلم في الإرجاء، ويذكر كذلك أن زادان وميسرة دخلا عليه، فلاماه على الكتاب الذي وضعه في الإرجاء، يعني: أن الحسن بن محمد بن الحنفية كتب كتابًا في الإرجاء، وعاب عليه زادان وميسرة لما دخلا عليه أن يكتب كتابًا في الإرجاء، فقال ابن الحنفية لـ زادان: يا أبا عمر! لوددت أني كنت مت ولم أكتبه.\nويبدو من كلامه هذا أنه تكلم في الإرجاء الاصطلاحي ولم يكن الأمر كذلك، وإنما تكلم فيه عن إرجاء أمر المشتركين في الفتنة التي حدثت بعد خلافة الشيخين أبي بكر وعمر إلى الله ﷿.\nوهذا المعنى أكده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه تهذيب التهذيب، فقال: وقد اطلعت على هذا الكتاب، والمراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه هو غير الإرجاء المتعلق بالإيمان الذي يعيبه أهل السنة، فهذا إرجاء وذاك إرجاء آخر؛ وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور، وأخرجه ابن أبي عمر في كتاب الإيمان له، وقال في آخره: حدثنا إبراهيم بن عيينة عن عبد الواحد بن أيمن قال: كان الحسن بن محمد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس -يعني: الحسن عندما صنف هذا الكتاب في الإرجاء كان يأمر عبد الواحد بن أيمن أن يقرأه على الناس- وقال فيه: أما بعد: فإنا نوصيكم بتقوى الله، وذكر كلامًا كثيرًا في الموعظة والوصية بكتاب الله واتباع ما فيه وذكر اعتقاده، ثم قال في آخره: ونوالي أبا بكر وعمر ﵄، ونجاهد فيهما؛ لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة ولم تشك في أمرهما، ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله.\nإلى آخر الكلام.\nوهذا محل الشاهد، فقد قال: نوالي ونحب أبا بكر وعمر؛ لأن الأمة أجمعت عليهما، ولم يخالف في ذلك إلا الشذاذ من الشيعة وغيرهم، وأما عثمان وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان والحكمان أبو موسى وعمرو بن العاص وما وقع من فتنة ومن هرج وقتل وإراقة للدماء وغير ذلك فلا نتكلم فيها، بل نكل أمرها إلى الله ﷿ يفصل فيها بما يشاء.\nوبلا شك فإن هذا هو الإرجاء اللغوي وليس الإرجاء الاصطلاحي المتعلق بالإيمان الذي يعيبه أهل السنة والجماعة، والذي مفاده تأخير العمل عن مسمى الإيمان.\nقال: فهذا هو الإرجاء الذي تكلم فيه الحسن بن محمد، وقد أكد","vol":"50","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-980>اختلاف الفرق في حكم مرتكب الكبيرة</span>\nيقول الشهرستاني في بدعة واصل بن عطاء المعتزلي: دخل واصل على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج عن الملة، وهؤلاء هم وعيدية الخوارج، -يعني: الذين يأخذون بالوعيد ولا يعتبرون الوعد- وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، يعني: يؤخرون الحكم على صاحب الكبيرة ولا يحكمون عليه بشيء ألبتة، لا بالفسق ولا بالكفر ولا بالإيمان.\nوالكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، يعني: لو قال الإنسان: أنا مؤمن وارتكب جميع الكبائر إلا الشرك فإن هذه الكبائر كلها لا تضر الإيمان؛ لأن العمل على مذهبهم ليس ركنًا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الإيمان، فكيف تحكم لنا في ذلك يا إمام الدين؟! أي: فكيف تحكم على هؤلاء؟ أو ما هو الحكم الصحيح الصواب في مثل هذا المعتقد؟ ففكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا ولا كافر مطلقًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، أي: لا مؤمن ولا كافر.\nوأما المرجئة فهم يقولون: صاحب الكبائر مؤمن كامل الإيمان، وإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل؛ لأن العمل لا علاقة له به، وسواء كان عملًا صالحًا أو عملًا سيئًا، ولذلك يستوي عندهم صاحب المعصية مع صحاب الطاعة، بل المطيع دومًا يستوي عندهم مع العاصي دومًا؛ لإخراجهم العمل عن مسمى الإيمان، وأنه لا علاقة له به.","vol":"50","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-981>الاختلاف في تعريف الإرجاء</span>\nقال ابن الجوزي: المرجئة لقبوا بذلك لأنهم يرجئون العمل عن النية، أي: يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، أو أنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.\nوقد عرف الإرجاء بتعريفات عدة، الأول: إن الإرجاء هو التأخير، كما قال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِه وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف:١١١]، أي: أخره وأمهله.\nوالتعريف الثاني: أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، هذا باعتبار إعطاء الرجال، فقد كانوا يعطون المؤمن العاصي الرجاء في ثواب الله، يعني: لا يقنطونه من رحمة الله، ومهما ارتكب من المعاصي فإنهم يبشرونه بأن الله سيغفر له.\nوقيل: الإرجاء هو تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة.\nوهذا تعريف ثالث للإرجاء فلا يحكمون على صاحب الكبيرة ولا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا من كونه مثلًا من أهل الجنة أو من أهل النار.\nوعلى هذا فالمرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان، فالمرجئة يقولون: لا تضره كبيرته، والوعيدية -أي: الخوارج- يقولون: هو كافر يخلد بكبيرته في النار.\nوقيل: الإرجاء هو تأخير علي بن أبي طالب عن الدرجة الأولى إلى الرابعة.\nوعلى هذا فالمرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان، فالمرجئة يقولون: علي بن أبي طالب يؤخر إلى المرتبة الرابعة، والشيعة يقولون: هو مقدم على أبي بكر وعمر، بل من الشيعة من جعل علي بن أبي طالب في مرتبة النبوة، ومنهم من جعله في مرتبة الإلهية، وهم السبئية عليهم لعنة الله.","vol":"50","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-982>فرق المرجئة وأصنافهم</span>\nالمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج ومرجئة القدرية ومرجئة الجبرية والمرجئة الخالصة.\nقال ابن الجوزي: وفرق المرجئة خمس، ومنهم من جعلها سبعًا، ومنهم من جعلها عشرًا، ومنهم من جعلها ثنتي عشرة، ومنهم من جعلها خمس عشرة فرقة، وهذا لا يضر؛ لأن الذي زاد إنما قسم الفرقة الواحدة إلى أقسام متعددة باعتبار الخلافات الداخلية التي حصلت في كل فرقة على حدة.","vol":"50","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-983>من فرق المرجئة اليونسية</span>\nأول فرق المرجئة: اليونسية، وهم أصحاب يونس النميري، وهؤلاء قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله تعالى، ولا شك أن أعرف الخلق بالله ﷿ هو أول الخلق، وهو إبليس، فهو أعرف الخلق بالله، وأعلم الخلق بقدر الله ﷿، ولكنه عصى وطغى وبغى.\nومن يسمع هذا الكلام يظن أنه كلام مستقيم ومتزن، فهم يقولون: الإيمان هو المعرفة، أي: هو معرفة الله ﷿، ولكن هذا التعريف غير كاف؛ لأن من الكفار من يعرف الله تعالى، فمجرد المعرفة بالله ﷿ لا يثبت بها الإيمان لصاحبها، وإلا لكان إبليس من أوائل المؤمنين.\nويقولون: الإيمان هو المعرفة بالله تعالى والخضوع له والمحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الصفات فهو مؤمن، ولا يضر معها ترك الطاعات وارتكاب المعاصي، بل ولا يعاقب عليها صاحبها، يعني: لو أن العبد عرف الله تعالى وأحبه وخضع له وذل فإن أتى بعد ذلك بجميع المعاصي فإنه لا يعاقب عليها.\nوهذا كلام كله ضلال؛ لأن إبليس كان عارفًا بالله تعالى، والمرجئة لم يكفروا إبليس لكفره بالله ﷿، وإنما كفروه لاستكباره وترك الخضوع لله تعالى، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤].\nهذه الفرقة الأولى، وكلامها كله تخبيط وخلط.","vol":"50","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-984>من فرق المرجئة العبيدية</span>\nالفرقة الثانية من فرق المرجئة: العبيدية، وهم أصحاب عبيد المكتب، وهؤلاء قالوا بنفس مقولة اليونسية، وزادوا عليها أن علم الله تعالى لم يزل شيئًا غير ذاته، وكذلك باقي صفات المولى ﵎، وهذا كلام يخالف كلام أهل السنة.","vol":"50","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-985>تشبيه العبيدية للخالق بالمخلوق والرد على أدلتهم</span>\nقالت العبيدية: إن الله تعالى على صورة إنسان، يعني: قالوا: إن الله تعالى إنسان، وعلى صورة إنسان، ولكنه أجمل وألطف وأطيب وأطهر من الإنسان، وهذا بلا شك تمثيل في غاية القبح، واستندوا في هذا الكفر الذي أتوا به إلى قول النبي ﵊: (إن الله تعالى خلق آدم على صورته)، وهذا الحديث في الصحيحين، وفي رواية خارج الصحيحين: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن).\nوهذا حديث مشكل، وبعض أهل العلم ضعف رواية الرحمن، ولكن الصحيح من مذاهب المحدثين أن الحديثين صحيحان.\nفقوله: (إن الله خلق آدم على صورته) أخرجه الشيخان، ومناسبته: أن معاوية بن الحكم السلمي لطم جاريته، ثم ذهب يسأل النبي ﵊ عن كفارة ذلك، فقال النبي ﵊: (لا تضرب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته)، فقال بعض أهل العلم: الضمير في قوله: (صورته) يعود على وجه المضروب، وربما يكون الأمر كذلك، ولكن الرواية الأخرى: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) يعكر هذا التفسير، وقال المحققون من أهل السنة: إن الله تعالى له ذات وله صورة، وإن العبد له ذات وله صورة، فيكون التقدير: لا تضرب الوجه؛ فإن الله تعالى خلق هذا الوجه وصوره في صورة بمشيئته وقدرته، كما أن لله تعالى صورة تليق بجلاله وكماله.\nإطلاق لفظ الصورة على الله ﷿ أمر اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وليس إثبات الصورة لله ﷿ يساوي إثبات الصورة للعبد، كما أن إثبات الصورة للعبد لا تعني بذلك أنه شبيه ومثيل لله ﷿ في صورته.","vol":"50","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-986>قاعدة في اللفظ المجرد واللفظ المطلق وتطبيقها في مسألة الصفات</span>\nاللفظ المجرد دائمًا يراد به المعنى المطلق المتبادر إلى الأذهان، بخلاف ما لو قيد هذا اللفظ المطلق، فإذا قلت: يد، تبادر إلى ذهن المستمع يد الإنسان، ولكنه لا يتصور أنها يد محمد أو يد إبراهيم أو يد زيد أو يد عمرو؛ لأن هذه الكلمة مفردة مطلقة غير مقيدة، ولكن لو قلت: يد الله فقد أضفت اليد لله ﷿، وعند إطلاق هذه اليد مقيدة ومضافة لله ﷿ لا يمكن قط أن يخطر ببال وعقل إنسان تصور ولا تمثل لهذه اليد؛ لأنها يد الإله ﵎، وكما خفيت ذاته ﵎ عن أفهام خلقه فكذلك لابد أن تخفى صفاته عن أفهام خلقه، وإذا قلنا: يد محمد تصورنا يد محمد، ولو قلنا: ضرب عمرو زيدًا بيده لم نجد عناء في تصور اليد وتصور الضرب، لأن يد عمرو يد مخلوقة يستوي معها كثير من أيدي المخلوقين، وأما لو قلت: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فهذا فيه إضافة اليد لله ﷿، ولا يمكن أن نتصور يد الله ﷿، ولكن هناك قدر مشترك، فإن لله يدًا ولمحمد يدًا، فالقدر المشترك أن لكل منهما يدًا، ولكن عند الإضافة لابد أن تختلف يد الله عن يد محمد، ولذلك لو قلنا: يد فقط لشردت الأذهان إلى تصور اليد وتمثيلها وتكييفها، ولو أضفنا هذه اليد إلى الله فإن الأذهان تتوقف تمامًا ولا تخوض في الكيفية، ويحرم عليها التصوير والتمثيل، ولابد أن نثبت أن ليد الله ﵎ صورة لا يعلمها إلا الله، أما يد محمد فأنا أتصورها وأكيفها وأمثلها وأصورها، فالصورة في اللغة هي الذات المتصفة بالصفات.\nوالحق ﵎ له ذات وله صفات، وآدم له ذات وله صفات، واللغة عند تجردها تكون عامة في الاستخدام بين الله وبين الخلق، مثلما لو قلت: عين مطلقة ومجردة ومفردة، فهي في اللغة تعني: العين الباصرة التي يبصر بها المرء، وتعني: الفهم أحيانًا، وتعني: الجاسوس والمخبر، وتعني: العين التي ينبع منها الماء، فكل هذه يطلق عليها عين عند التجرد، وأما لو أضفت هذه الكلمة فقلت: عين محمد فيكون المقصود بالعين هنا عين محمد، ولو قلت: عين الله كما في قول الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، فالضمير في (عيني) يعود على عين الله، ولا يستطيع أحد أن يصف عين الله؛ لأنه لا يعلم كيفيتها إلا الله ﷿.\nفاللغة عند تجردها عامة الاستخدام بين الله وبين الخلق.\nفلما قال ﷺ: (خلق الله آدم على صورته) أي: في القدر المشترك؛ لأن هذه الألفاظ متجردة عن الإضافة، وصورة آدم بينها وبين الحق ﵎ ما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].\nوصفة اليد عند التجرد صالحة للاستخدام في حق الله وحق آدم، ولكنها لو أضيفت إلى الله فليست هي يد آدم، ولو أضيفت إلى آدم فليست هي يد الله.","vol":"50","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-987>القدر المشترك والقدر الفارق بين الموصوفات</span>\nقال ابن تيمية عليه رحمة الله: ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق، وهذا القدر المشترك يكون عند التجرد والإفراد، مثل لو قلت: يد، فهي عند الإطلاق تصدق على يد الله وعلى يد آدم، وأما عند التقييد والإضافة مثل قولنا: يد الله فهذه الإضافة تخرج يد آدم، ولو قلنا: يد آدم فإنه يخرج منها يد الله ﷿.\nفالقدر المشترك بين يد الله ويد آدم هو الاسم فقط، والقدر الفارق أن يد الله تختلف عن يد آدم.\nوهذا حتى في الفاكهة ففي الجنة تفاح ورمان وزيتون، والتفاح والزيتون والرمان الذي في الجنة لا يشترك مع التفاح والزيتون والرمان الموجود في الدنيا والذي نأكله نحن الآن إلا في الأسماء، فالذي في الجنة غير الذي في الدنيا، ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذا يدل على أن الاشتراك بينهما في الاسم فقط، وأما الكنه والكيفية فتختلف تمامًا، ففاكهة الدنيا وإن اشتركت مع فاكهة الآخرة ونعيم الجنة في الاسم إلا أنها تختلف عنها في الكيفية، ومن باب أولى أن تختلف الأوصاف المخلوقة في الدنيا مع أوصاف الخالق ﵎، فما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، وهذا القدر المشترك يكون في الاسم، والقدر الفارق يكون في الأوصاف والكيفيات.\nيقول ابن تيمية: فمن نفى القدر المشترك فقد عطل، فالمعطلة والجهمية قالوا: لو أثبتنا لله يدًا وعينًا ورجلًا وغير ذلك فسيكون في النهاية إنسانًا، ولذلك نفوا جميع الصفات، والنفي بمعنى التعطيل، أي: عطلوا الخالق ﵎ عن صفاته، فقالوا: هو ذات بغير صفات، مع أنه لا يمكن تصور ذات بغير صفات خاصة، والله ﵎ قد وصف نفسه ووصفه رسوله الكريم ﵊ بصفات عديدة.\nفمن نفى القدر المشترك فقد عطل، ومن نفى القدر الفارق فقد مثل، يعني: لا نقول: إن يدي كيد الله ﵎، وعيني كعين الله ﵎، فهذا تمثيل.\nوكلام شيخ الإسلام ابن تيمية كلام ممتع ورائع جدًا، وقل أن تجده في كتاب أو تسمعه من عالم إلا إذا كان قد أتى بعده واستفاد منه، فهو يقول: ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق، فمن نفى القدر المشترك فقد عطل، ومن نفى القدر الفارق فقد مثل.\nفلو علمت هذه القاعدة وعرفت معناها فستكون إن شاء الله عصمة لك في كل أسماء وصفات الباري ﵎.","vol":"50","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-988>الرد على من قدر عود الضمير على آدم في حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)</span>\nمن قدر عود الضمير في قوله ﷺ: (صورته) على آدم تقديره مردود من ناحيتين، الأولى: لأن المعنى يكون حينئذ: إن الله خلق آدم على صورة آدم.\nوهو كلام غير بليغ ولا فصيح، ولا يليق بكلام النبوة ولا بالنبي الذي أوتي جوامع الكلم.\nالثاني: أن هذا التقدير لا يبين القدر المشترك والقدر الفارق للصورة، والذي تقدم بسطه آنفًا.\nوالذين استبشعوا لفظ صورة الرحمن قالوا: لأنه يلزم من هذا تشبيه الله بخلقه، وليس الأمر كذلك، ولا يضرهم أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله الكريم ﵊ على ما يليق بجلاله وكماله سبحانه، وتنزيه الله تعالى لا يكون بسلب ونفي صفاته وما تدل عليه من العظمة والكمال كما أراد سبحانه، ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠].\nوإن التنزيه حق التنزيه إنما يكون في إثبات الصفة في أعلى درجات الكمال؛ لأن الكمال المطلق لا يوصف به إلا الله ﷿ وحده.\nهذا وإنه ليترجح لدينا مع قلة البضاعة وفقدان الصناعة صحة الحديث بلفظيه، أي: على صورته، وصورة الرحمن، وأن الضمير في اللفظ الأول محمول على التصريح في اللفظ الثاني على أصول السلف في صفات الباري ﵎.","vol":"50","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-989>تابع: فرق المرجئة وأصنافهم</span>","vol":"50","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-990>من فرق المرجئة الغسانية</span>\nالفرقة الثالثة من فرق المرجئة هي: الغسانية، وهم أصحاب غسان الكوفي، وهؤلاء قالوا: الإيمان هو المعرفة، ولكنهم زادوا فقالوا: المعرفة بالله وبرسوله إجمالًا لا تفصيلًا.\nوهذا الكلام في منتهى الخطورة، ودائمًا كلام أهل البدع كلام مجمل؛ حتى لا ينتبه له من لا حظ له من العلم.\nوالإجمال مثل أن يقول العبد: قد فرض الله الحج، ولكن لا أدري أين الكعبة، فأنا مؤمن بأن الله تعالى فرض علي الحج، ولكن كيف أحج؟ وأنا مؤمن أن الله ﵎ أمرنا أن نصلي إلى الكعبة، ولكني لا أدري أين الكعبة، فلعلها التي في مكة، ولعلها غير التي في مكة، وأعلم أن الله تعالى حرم الخنزير، ولكني لا أعرف الخنزير، فربما يكون هو هذه الدابة أو هذه الشاة أو غيرها، وأعلم أن الله تعالى حرم الخمر، ولكني لا أعرف الخمر التي حرمها الله ﷿، يعني: أنه يقر بالأصول وينكرها في نفس التوقيت، وهذا تلاعب.\nوالقائل بهذه المقالات عندهم مؤمن، ومقصوده بما ذكره أن هذه الأمور ليست داخلة في حقيقة الإيمان، وإلا فهذه الأمور لا يشك فيها عاقل.\nوالإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وإذا كان إنكار أصول الإسلام وثوابت الإيمان عندهم هو تمام الإيمان فكيف يتصور نقصانه وزيادته؟","vol":"50","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-991>من فرق المرجئة الثوبانية</span>\nالفرقة الرابعة: الثوبانية، وهم أصحاب أبي ثوبان المرجئ، وهؤلاء قالوا: الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى وبرسوله وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله، وما جاز في العقل أن يفعله فليس اعتقاده من الإيمان.\nوقولهم: الإيمان هو الإقرار والمعرفة بالله وبرسوله هذا الكلام لا بأس به، ولكن قولهم: وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله الله ولا أن يفعله الرسول غير مقبول؛ إذ إن مرد الإيمان عندهم إلى العقل، فما تصوره العقل في حق الله وفي حق الرسول ﵊ فهو من الإيمان، وما لا يمكن أن يتصوره العقل في حق الله ولا في حق الرسول فليس من الإيمان، فجعلوا العقل حاكمًا على الله وعلى رسوله، حتى في الأمور الغيبية.\nوقال لي شخص من المرجئة سنة (١٩٨٣م): أنا لا أتصور أن الله تعالى خلق السماوات في يومين والأرض في يومين، ولا أتصور أن الله خلق جميع الخلق وقدر السماوات والأرض والأقوات والمخلوقات في ستة أيام، ونازع وأصر أن الله على فرض أنه فعل ذلك فلابد أن يكون يوم الجمعة هو يوم راحته، مع أن القرآن نفى أن الله يكل أو يمل أو يتعب نفيًا صريحًا أكيدًا، ولكنه أصر على هذا الكفر والعناد.\nقالت الثوبانية: إن الإيمان هو: أن نؤمن بكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله -أي: أن يفعله الله ورسوله- وما جاز في العقل أن يفعله ليس اعتقاده من الإيمان.\nومن أصول المعتزلة الأصيلة تقديم العقل على النقل، ومعنى تقديم العقل على النقل: أن التحسين والتقبيح راجعان إلى العقل، فالذي يحسن ويقبح هو العقل عند المعتزلة، وهو كذلك عند هذه الفرقة الضالة الثوبانية.\nأما التحسين والتقبيح عند أهل السنة فإنه يستند إلى الشرع، والشرع عبارة عن الكتاب والسنة، والتحسين والتقبيح في الشرع مداره على النقل، فما قضى النقل بأنه قبيح يكون قبيحًا، وما قضى النقل بأنه حسن يكون حسنًا.","vol":"50","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-992>دليل المعتزلة على قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين والرد عليهم في ذلك</span>\nاستدل المعتزلة على قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين بحديث عبد الله بن مسعود: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو قبيح)، وهو حديث ضعيف، قالوا فلم يقل: ما قضى الله ورسوله أنه قبيح يكون قبيحًا، وما قضى الله ورسوله أنه حسن يكون حسنًا، وإنما قال: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن)، وفي رواية: (ما رآه المؤمنون حسنًا فهو حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو قبيح).\nوهذه شبهة المعتزلة، فهم يستدلون بهذا الحديث، ويهتمون ببيان صحته وثبوته، ولو افترضنا أن الحديث صحيح فمعناه ما رآى المسلمون اجتهادًا منهم أنه حسن، فيكون الحكم على الشيء بأنه حسن موافق للشرع، ولا يكون هذا إلا باجتهاد المجتهدين.\nومعنى المؤمنون في الحديث أي: المجتهدون من أهل العلم، فما أجمع عليه العلماء أنه حسن فهو حسن، فيكون حسنًا بتحسين الشرع.\nوقد أجمع العلماء على تحسين الصلاة، وأنها من الأعمال الحسنة الطيبة، وإجماعهم على تحسين الصلاة وأنها من العمل الحسن الطيب المبارك مرده إلى الشرع.\nوأجمعوا على قبح شرب الخمر، وهذا الإجماع مرده إلى الشرع.\nإذًا: فما رأى المسلمون باجتهادهم وإجماعهم أنه حسن بتحسين الشرع له فهو عند الله حسن، وما رأى المسلمون المؤمنون المجتهدون العالمون أنه قبيح بتقبيح الشرع له فهو عند الله قبيح.\nفمدار الحسن والقبح عند أهل السنة والجماعة على النقل لا على العقل خلافًا للمعتزلة، وبذلك تزول شبهة المعتزلة حول حديث ابن مسعود، وللشيخ الألباني بحث طيب جدًا في هذا في السلسلة الصحيحة بإمكانك أن ترجع إليه.","vol":"50","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-993>مشابهة عقائد الثوبانية لعقائد المعتزلة</span>\nقال: والثوبانية يرون تأخير العمل كله عن الإيمان، يعني: أنه لا علاقة للعمل قط بالإيمان، لا عمل القلب ولا عمل اللسان ولا عمل الجوارح؛ لأن العمل عندهم خارج عن مسمى وماهية الإيمان، واتفقوا على أنه تعالى لو عفا يوم القيامة عن عاص فلابد أن يعفو عن كل من هو مثله، يعني: لو أن الله ﵎ عفا عن زان أو سارق أو شارب للخمر فعلى مذهب الثوبانية يلزمه لزومًا أن يعفو عن كل من هو مثل هذا المذنب أو العاصي.\nوهذا المبدأ عند الثوبانية يشبه مبدأ جبرية المعتزلة، وهذا المبدأ عند المعتزلة يسمونه العدل، وهو من أصولهم.\nوأصول المعتزلة خمسة، أولًا: التوحيد.\nثانيًا: العدل.\nثالثًا: المنزلة بين المنزلتين.\nرابعًا: الوعد والوعيد.\nخامسًا: تقديم العقل على النقل.\nوهناك أصل سادس يدخل تحت الوعد والوعيد وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوالناظر إلى هذه الأصول يجدها جيدة، يعني: إذا قلنا: من أصول المعتزلة التوحيد فليس هناك من يكره التوحيد، ولكن التوحيد عندهم يساوي تعطيل الصفات؛ لأنهم قالوا: بلزوم التشبيه حين إثبات الصفات، فقد قالوا: نحن نريد أن ننزه ربنا، فنفوا جميع الصفات الموجودة في الكتاب والسنة وأولوها، قالوا: لأن الإثبات يستلزم تشبيه الخالق بالمخلوق، فمثلًا إذا أثبتنا اليد فإن الذهن ينصرف إلى تشبيه يد الخالق بيد المخلوقين، وإذا قلنا بهذا فنحن لم نوحده، بل جعلنا الخلق شركاء له في الصفات، فكلمة التوحيد التي يزعمونها أصلها ضلال.\nومن أصول المعتزلة العدل، وهو يعني عندهم وجوب الأصلح على الله ﷿، وقيل: وجوب الصالح، يعني: أنهم مختلفون فيما بينهم، فالعدل عندهم يساوي وجوب الأصلح في حق الله أو وجوب الصالح، وكلاهما باطل.\nوالله ﵎ لا يشرع لعباده إلا الأصلح أو الصالح، ولا يقدر لهم إلا الأصلح أو الصالح.\nوقالوا: بوجوب إثابة المطيع ومعاقبة العاصي، وأن هذا عدل، وأن الله ﵎ لا يساوي بين الطائع والعاصي، بل الطائع لزامًا على الله أن يثيبه، والعاصي لزامًا على الله أن يعاقبه، وهذه جرأة وقلة أدب مع الله ﷿.\nوأهل السنة والجماعة يقولون: لو مات مرتكب الكبيرة عليها فإنه في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، والله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فهو يفعل ما يشاء، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، وأن هذه كلها مشيئة الله ﷿، ولا يستطيع أحد أن يحاسب الله تعالى لم أثاب هذا ولم عاقب هذا، بل المقطوع به يقينًا عند أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى لو أدخل عبدًا الجنة لأدخله برحمته وفضله، ولو أدخله النار لأدخله بعدله غير ظالم له، وأنه إذا عفا ﵎ عن عبده فإن ذلك يكون لحكمة؛ لأن أفعال الله ﵎ كلها موصوفة بالحكمة.\nوهؤلاء قالوا: العدل يعني: أن الطائع لابد أن يأخذ ثواب الطاعة، ونحن نسألهم: إذا رأينا رجلًا يصلي لغير الله، ومعلوم أن الصلاة طاعة، أو يصلي رياء وسمعة، وآخر يجاهد رياء وسمعة، وآخر يعلم العلم رياء وسمعة وطلبًا للشهرة والرئاسة وغير ذلك، هل يلزم الله ﵎ أن يثيب هذا العبد؛ لأنه طائع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، والأعمال بالخواتيم، ونحن نعرف حديث ابن مسعود الطويل: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار -أي: طوال حياته- فإذا ما كان بينه وبينها إلا ذراع -يعني: وقت يسير جدًا- سبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).\nوالمعتزلة يقولون: لا، إذ كيف يعمل خمسين سنة بعمل أهل النار من المعاصي والفجور وغير ذلك ثم قبل أن يموت بيومين أو ثلاثة يعمل بالطاعة ويدخل الجنة؟ بل لابد أن يأخذ عقابه تمامًا على معاصيه طوال الخمسين السنة، وبعد ذلك يثاب على طاعة اليومين أو الثلاثة، مع أنه جاء في الحديث: (الأعمال بالخواتيم).\nفهم قالوا بلزوم الأصلح في حق الله ﷿ أو بلزوم الصالح، ووجوب إثابة الطائع وعقاب العاصي على الله ﷿، وأوجبوا ذلك على الله ﷿.\nوهذا المبدأ يسمى عند المعتزلة مبدأ العدل.\nوكلمة العدل عند الإطلاق ممدوحة، ولكنها على تفسيرهم صارت مذمومة، وهذا من أجل أن تعلم أن كلام أهل البدع دائمًا مجمل؛ لأنهم لو شرحوه وبينوه فسيكون قبيحًا وسيرد عليهم في ذلك.\nواتفق الثوبانية على أنه تعالى لو عفا في القيامة عن عاص فإنه يلزمه أن يعفو عن جميع العصاة من أمثاله، وكذا لو أخرج أحدًا من النار للزمه أن يخرج كل من هو مثله.\nوهذا الكلام شبيه بمبدأ العدل عند المعتزلة.\nوالثوبانية لم يجزموا بخروج عصاة المؤمنين من النار، بل قالوا: يمكن أن يخرجوا ويمكن ألا يخرجوا.\nوكلمة يمكن أنهم لا يخرجون تعني: أنهم قد يخلدون في النار، وأهل السنة والجماعة يجزمون بأنه لا يبقى في النار قط من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وإن دخل بعض المؤمنين النار بسبب أعمالهم التي استوجبت لهم العذاب في النار فإنهم لابد خارجون منها، وداخلون الجنة ومخلدون فيها، ولا يخلد في النار إلا الكفار والمنافقون، وأما المؤمنون فإنهم وإن دخلوا الن","vol":"50","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-994>من فرق المرجئة التومنية</span>\nالفرقة الخامسة والأخيرة من فرق المرجئة هي: التومنية وهم أصحاب أبي معاذ التومني، وهؤلاء قالوا: الإيمان هو المعرفة والتصديق والمحبة والإخلاص والإقرار بما جاء به الرسول ﵊، وترك كله أو بعضه كفر، وليس بعضه إيمانًا ولا بعضه كفرًا.\nقالوا: ولو ترك كل ما جاء به الرسول يكون كافرًا، وكل معصية لم يجمع على أنها كفر فصاحبها يقال له: فاسق، أو يقال: إنه فسق، أي: ارتكب عملًا من أعمال الفسق، ومن ترك الصلاة مستحلًا يكفر؛ لتكذيبه بما جاء به النبي.\nوقولهم: ومن ترك الصلاة مستحلًا يكفر هذا معتقد أهل السنة والجماعة، ولكن علة الكفر عندهم هو تكذيب ما جاء به الرسول ﵊، ومن تركها بنية القضاء لا يكفر، ومن قتل نبيًا أو لطمه يكفر، لا لأجل القتل أو اللطم، بل لكونه دليلًا على تكذيبه وبغضه.\nوهذه هي المرجئة الخالصة.\nومنهم من جمع بين الإرجاء والقدر، بمعنى إسناد الأفعال إلى العباد، وقال: إن الله ﷿ لم يقدر أفعال العبد، وإن العبد هو المتصرف في أفعاله، وأنها ليست مخلوقة لله ﷿، وهذا ضلال، ومن هؤلاء الصالحي وأبي شمر ومحمد بن شبيب، بل منهم من جمع إلى ذلك الخروج أيضًا كـ غيلان حيث قال: يجوز ألا يكون الإمام قرشيًا، يعني: يجوز أن يكون من غير قريش، والنبي ﵊ يقول: (الأئمة من قريش).","vol":"50","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-995>بعض ما يرد به على المرجئة</span>\nروى اللالكائي عن زبيد بن الحارث اليامي قال: [لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فحدثني عن النبي ﷺ قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).\nقال شعبة: وحدثني منصور بن المعتمر وسليمان الأعمش أنهما سمعا أبا وائل يحدث عن عبد الله عن النبي ﵊ قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).\nقال شعبة: فذكرت ذلك لـ حماد بن أبي سليمان -وهو شيخ أبي حنيفة، وكان رأسًا في الإرجاء في الكوفة- فقال حماد لـ شعبة: يا شعبة! أنت منا إلا قطرة؛ لأن حماد بن أبي سليمان كان من كبار المرجئة، وهو شيخ أبي حنيفة، بل وأبو حنيفة ﵀ أخذ بعض الإرجاء عن حماد بن أبي سليمان، وهذا مما عيب عليه، فأراد حماد بن أبي سليمان أن يجر شعبة إلى الإرجاء]، فقال: يا شعبة! أنت منا لولا قطرة، يعني: نحن وأنت متفقون في كل شيء، لولا أنك تخالفنا في هذه القضية، أي: قضية العمل هل هو من الإيمان أو ليس من الإيمان، فيا ليتك تقول: إنه ليس من الإيمان، فتكون منا تمامًا، وأما كونك تخالفنا في هذه القضية فأنت منا ونحن منك في كل شيء إلا في هذه القضية.\nقال: [قال شعبة: أتتهم زبيدًا؟ قال: لا، قال: أتتهم منصورًا؟ قال: لا، قال: أتتهم سليمان؟ قال: لا، ولكني أتهم أبا وائل] وهو شقيق بن سلمة الكوفي تلميذ عبد الله بن مسعود ﵁، فقد كان متهمًا بالإرجاء كذلك، يعني: أن الإرجاء كان من القدم، فـ أبو وائل كان من كبار أصحاب عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن مسعود مات مبكرًا بالكوفة، وأكبر تلاميذه على الإطلاق أبو وائل كان مرجئًا.","vol":"50","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-996>ترفع السلف عن كلام المرجئة</span>\nقال: [قال أبو المليح: سئل ميمون بن مهران عن كلام المرجئة فقال: أنا أكبر من ذلك]، يعني: أنا أكبر من أن أتكلم في كلام المرجئة، يعني: كلامهم سخيف ليس عليه أحد من سلف الأمة، ولذلك أنا أجل نفسي أن أتكلم فيه.\nقال: [وعن قتادة قال: إنما حدث هذا الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث]، وابن الأشعث مات في سنة (٨٢) في قتال دار بينه وبين الحجاج بن يوسف الثقفي.\nقال: [وقال جرير: ذكر الإرجاء عند سليمان بن مهران الكوفي الأعمش فقال: ما ترجو من رأي أنا أكبر منه]، يعني: لا أتكلم في مثل هذا؛ لأنه أسخف من أن نتكلم فيه.\nقال: [قال جرير: وكان المغيرة يقول: أخبرنا حماد بن أبي سليمان قبل أن يصير مرجئًا، وربما قال: حدثنا حماد من قبل أن يفسد]، فالمؤلف في هذا الباب يريد أن يقول: إن الإرجاء قديم جدًا في القرن الأول الهجري؛ لأنه يذكر عن أبي وائل وحماد بن أبي سليمان، وكل هؤلاء من أبناء القرن الأول الهجري.\nقال: [عن المغيرة قال: لم يزل في الناس بقية -أي: بقية خير- حتى دخل عمرو بن مرة في الإرجاء، فتهافت الناس فيه].\nوعمرو بن مرة هو المرادي، وكان رجلًا عابدًا صالحًا أثنى عليه العلماء، وإنما عيب عليه دخوله في الإرجاء، حيث كان دخوله في الإرجاء فتنة عظيمة جدًا لغيره، فمثله في علمه وفضله وصلاحه إن أظهر قولًا أو عمل عملًا فإنه يؤثر في اتجاه العامة.\nفـ عمرو بن مرة المرادي على جلالة قدره وعلو منزلته في العلم والعمل والزهد والعبادة والصلاح والتقوى دخل في الإرجاء، وكان قد بلغ منزلة في العلم والعمل لم يبلغها أحد في زمانه، فلما دخل في الإرجاء ظن العامة أن الإرجاء حق، فلما زلت قدم عمرو بن مرة المرادي في الإرجاء زلت بزلته أقدام كثيرة، ولذلك دائمًا أهل العلم يقولون: زلة العالم بزلة عالم، ودائمًا كلام وعمل أهل العلم محسوب عليهم.\nوأنا لست من أهل العلم، وأحد ضباط الجيش كان صديقًا لي منذ أن كنا أطفالًا رضع، فهو ينظر إلى عملي ولا يسألني، ففوجئت بوالده -وهو بلدي- يقابلني في المنصورة، ويقول: يا شيخ حسن! أريد أن أسألك سؤالًا وأرجو ألا تتحرج مني وأن تجيبني بصراحة، فقلت له: تفضل، قال: المرآة حلال أم حرام؟ قلت: المرآة حلال، ومن الذي حرمها؟ فسكت، قلت له: لابد أن تخبرني؛ لأن في بلادنا جميع أنواع البدع، فأريد أن أعرف من القائل، قال: إن هذا الكلام منقول عنك، قلت: منقول عني؟ قال لي: قاله ابني علي، فقابلت عليًا وهو عقيد في الجيش، يعني: أنه ليس بسيطًا، فقلت له: يا علي! أنا حرمت المرآة؟ فاصفر وجهه، وقال: يا شيخ! أنا دائمًا أدخل عندك وأنت تدخل عندي وعندما أدخل عليك لا أرى عندك مرآة قط، قلت: وهل يلزمني أن أضع المرآة في غرفة الضيوف؟ وأدخلته غرفة النوم وغرفة الأولاد وهنا وهنا، وقلت له: انظر، عد المرايا، بل الدولاب في غرفة النوم في داخله مرايا، حتى إذا لبس الشخص الملابس لا يتكلف الذهاب إلى مرآة أخرى.\nفهذا حرم المرآة على أهل بيته؛ لأنه لم يسأل، وإنما رأى أن أحدًا ممن يظنه من أهل العلم لا يوجد عنده مرآة، فظن أنها محرمة، ودائمًا العلماء يقولون: العامة يتورعون في الحلال والحرام، وأما أهل العلم فيجب أن يتورعوا في باب المباح؛ لأن الناس ينظرون إليهم على أنهم القدوة والأسوة والمثل الأعلى.\nفينبغي على أهل العلم أن يحتاطوا دائمًا في أقوالهم وأفعالهم، ويتورعوا عن المباح؛ مخافة أن يقع الناس فيما هو أعظم من ذلك وشر.\nقال: [قال أيوب: أنا أكبر من المرجئة، يعني: أنا أكبر من أن أصاحبهم وأجالسهم وأتكلم فيهم.\nوقال مصعب بن عبد الله الزبيري: الحسن بن محمد بن علي أمه جمال بنت قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي أول من تكلم في الإرجاء.\nوقال مسعر: رأيت مسلم البطين يهجو المرجئة، يعني: يقول فيها شعرًا يذمها، فقلت له: سبحان الله! وقال عبد الله بن نمير: سمعت سفيان وذكر المرجئة، فقال: رأي محدث أدركت الناس على غيره]، رأي محدث، أي: مذهب المرجئة مذهب محدث، رأيت الناس -أي: سلف الأمة- على غير هذا.\nقال: [قال الحسن بن وهب الجمحي: قدم علينا عبد العزيز بن أبي رواد وهو شاب يومئذ ابن نيف وعشرين سنة -وكان من العلماء الصالحين جدًا ومن العباد والثقات الأثبات في الرواية- فمكث فينا أربعين أو خمسين سنة لا يعرف بشيء من الإرجاء -يعني: لا أحد يعلم عنه أي خلل في اعتقاده- حتى نشأ ابنه عبد المجيد -يعني: حتى","vol":"50","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-997>الأسئلة</span>","vol":"50","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-998>حسن العشرة مع الزوجة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما نصيحتكم للزوج الذي يظهر لزوجته الحدة وسوء الخلق، ويعاملها بمنتهى العنف والشدة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المؤمن أو الحر تكفيه الإشارة، والعبد يقرع بالعصا، وربما لا تنفع معه العصا، فالحر المؤمن الواعي يكفيه أن تقرع سمعه بقال الله وقال رسوله، والله تعالى يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢].\nفالإمساك دائمًا -أي: الإبقاء على الزوجة دائمًا- يكون بالمعروف، ولما سئل معاوية بن حيدة النبي ﵊ عن حق الزوجة بقوله: (ما حق امرأة أحدنا علينا يا رسول الله؟! قال: أن تعاشرها بالمعروف، وأن تطعهما مما تطعم، وتلبسها مما تلبس، وتسكنها مما تسكن، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح).\nوفي حديث جابر في صحيح مسلم في حجة الوداع ذكر هذه الحقوق كذلك، فقال: (ولكم عليهن ألا يأذن في فرشكم لأحد تكرهونه)، وقال النبي ﵊: (النساء شقائق الرجال).\nفكل هذه النصوص تبين أنه يلزم الرجل أن يعامل امرأته بالمعروف، كما يجب على المرأة كذلك أن تعامل زوجها بالمعروف وحسن الخلق، فمن تنكب هذا فإنما يتنكب طريق السنة والهداية، وآثر سوء الخلق على حسن الخلق، وربما يكون المشكو منه موجودًا معنا.\nفأسأل الله تعالى أن ينتفع بهذه الكلمات.","vol":"50","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-999>حث الشريعة على الإكثار من الأولاد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل من الشريعة الإسلامية والسنة النبوية الاكتفاء بولد أو اثنين أم الإكثار من الأولاد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الشريعة حضت على كثرة الولد، ولذلك أوصى النبي ﵊ بنكاح الولود الودود، وقال: (إني مباه بكم الأمم يوم القيامة)، وقال النبي ﵊: يأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي ومعه الفئة، ويأتي ومعه العشرة، ويأتي ومعه الاثنان، ويأتي النبي وليس معه أحد، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة.\nفالإكثار من الأولاد سنة النبي ﵊.","vol":"50","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>حكم الزكاة على مبلغ (١٤٠٠) جنيه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  عندي أموال عمرة ألف وأربعمائة جنيه، هل عليها زكاة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس على هذا المال زكاة؛ لأن هذا المال لم يبلغ النصاب.","vol":"50","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1001>الكتب التي تتحدث عن كيفية تحديد القبلة، وكيفية تحديد القبلة لمن يعيش في بلاد المشرق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي طرق العرب أو المسلمين في التعرف على القبلة، وما هي الكتب التي تتحدث عن هذا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعرف كتبًا خاصة في مثل هذا، ولا يخلو الأمر من إخراج كتب، وهذا يوجد في شروح النصوص المتعلقة بمعرفة القبلة، وجهة القبلة في بلاد المشرق أن يقف الإنسان ووجهه جهة الشمال ويده اليسرى جهة طلوع الشمس ويده اليمنى جهة الغروب ثم يميل بزاوية خمسة وأربعين درجة جهة الشمال.","vol":"50","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1002>الأحكام تجرى على الظاهر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أخت تقول: إنها لم تكن ملتزمة من قبل، فمن الله عليها بالهداية، وحاولت مع زوجها مرارًا أن يلتزم، وهو يتصنع الصلاة أمامها، فما العمل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنت غير ملزمة بالبحث والتنقيب عن مثل هذا، ويكفي أنه يصلي، وأما كونها تذهب معه أو تذهب وراءه إلى العمل وتسأل زملاءه هل يصلي أو لا يصلي وتسأل الجيران وغير ذلك فهي ليست مطالبة بهذا، وأما كونه يتصنع لها الصلاة أو يصلي لأجلها فهذا أمر لا يعلمه إلا الله ﷿، ولذلك نحن مأمورون بإجراء الأمور على الظاهر والله تعالى يتولى السرائر.\nوهناك كثير من الإخوة يسألون أسئلة لا ينبني عليها عمل، وهذا باب من أبواب التنطع، فمثلًا أحدهم يسأل ما اسم أم موسى؟ وما له وأم موسى؟ فهو لن يسأل عنها يوم القيامة، ولو عرف أن اسمها زليخة أو زينب أو فاطمة فما الداعي لهذه المعرفة؟ وهناك من يسأل وهو مهتم وحزين ومغموم وسيموت كمدًا إن لم يعرف اسم كلب أصحاب الكهف، مع أنه مطالب بالإيمان أن هؤلاء الناس الطيبين كان معهم كلب فقط، وليس مكلفًا بمعرفة اسمه، ومع ذلك فهو مغموم بشدة وحزين ومستاء غاية الاستياء، وقد وضع في رأسه هم الدنيا لمعرفة اسم الكلب!","vol":"50","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1003>العقيدة في كتب الأزهر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ذكر في كتاب التوحيد في المدارس أن اليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] تعني: قوة الله فوق أيديهم، فهل هذا صحيح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنصح الإخوة ألا يقرءوا نهائيًا في العقيدة في كتب الأزهر؛ لأنها عقيدة الأشاعرة، وهي بلا شك عقيدة فاسدة.","vol":"50","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1004>الحجة في تعدد الزوجات ولمن يكون، وضوابط التعدد، وحكم الطلاق</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الحجة في تعدد الزوجات؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الحجة كتاب الله ﷿ وسنة النبي ﵊ وفعله، وفعل الصحابة والسلف إلى يومنا هذا، وليس هناك حجة أفضل من ذلك.\nوأنا عندما تكلمت في مؤتمر مسجد العزيز وعلقت تعليقًا سريعًا عن تعدد الزوجات استاء الناس مني، ومن سوء الأدب الشديد جدًا أن يتكلم رجل في مسألة فيتلقفها المستمع ويؤولها حسبما يراه، فأنا عندما تكلمت في مؤتمر العزيز عن الطلاق وأنه شريعة الله ﷿ قلت: الطلاق الأصل فيه المنع والحظر، وبينت بالدليل أن الأصل في النكاح الدوام والاستمرار والطلاق طارئ عليه، وهو استثناء له من البقاء، ولذلك لا يصار إليه إلا لعلة، وبعد استنفاد الوسائل المشروعة في قيام البيت، وكما يقال: آخر الدواء الكي، أي: أننا لم نتزوج لنطلق، وإنما تزوجنا لنستمر، ويقطع هذا الاستمرار علة قوية لا ينفع معها البقاء.\nفلابد من اختيار الزوجة على أصل سليم، وتربيتها على كتاب الله وسنة الرسول ﵊، وتعليمها وتثقيفها بأمر دينها وحق زوجها، ولو دفع ما دفع من المهر.\nوليست هذه هي القضية، وإنما القضية الآن أن البيت الواحد الذي يعيش في مستوى الدون يصرف أهله في اليوم عشرة جنيهات، أي: ثلاثمائة جنيه في الشهر، وممنوع أن يطرق الضيف الباب؛ لئلا تختل الميزانية.\nفلا يصح أن أقول لشخص دخله مائتي جنيه في الشهر وهو متزوج وعنده ثلاثة أو أربعة أولاد يفطرون فولًا ويتغدون فولًا ويتعشون فولًا: إن عليك الزواج مرة أخرى، ولو لم تتزوج فأنت آثم ومكذب للقرآن والسنة.\nوبعض الناس كتب كتبًا يقول فيها بوجوب تعدد الزوجات، وعندما يقرأ شخص هذه الكتب يتزوج حتى ينجو من الإثم، ثم يتابع الزواج بعد ذلك، ثم يفاجأ بواقع مرير، فهو يتقاضى مائتي جنيه أو ثلاثمائة أو حتى خمسمائة جنيه، وهذا المبلغ لا يقيم بيتًا، ولو افترضنا أن هذا يقيم في بيت وعنده أربعة أولاد في المدرسة، وكل ولد مصروفه في كل يوم نصف جنيه في المدرسة، واثنين أو ثلاثة جنيه للإفطار فهذا المبلغ لن يكفي الأولاد عشرة أيام في الشهر، فإذا تزوج امرأة أخرى فكيف سيصنع معها ومع أولادها ومع استئجار بيت لها.\nويعلم الله ﷿ أنني دائمًا أنصح من يريد الزواج والظروف تسمح له بذلك بالزواج.\nولا يحل للشخص المدين والمغرق في الدين الزواج.\nوالنبي ﵊ قال: (يا معشر الشباب)، والمعلوم من الخطاب لأول وهلة أنه للزواج الأول، فلم يقل له: يتوكل على الله إذا كان ليس له دخل، ولم يقل له: اذهب وتزوج صاحبة المغزل كما في الحديث الموضوع الذي يحتجون به، فإذا كانت الباءة والقدرة عليها مشروطة في الزواج الأول فمن باب الأولى أن تكون مشروطة في الأنكحة المتعاقبة أو المتعددة.\nوأقسم بالله العظيم أن هناك اثنين وعشرين بيتًا مسجلين عندي في دفتر الذي انهار منهم قد انهار والذي لم ينهر على وشك الانهيار؛ بسبب أنه صدق بوجوب التعدد، وهناك شخص يعيش أصلًا على أموال الصدقات والزكوات وينتظر الصدقة من الناس، ثم فوجئت بأنه تزوج الثانية، فلما نصحناه قال: أبو الأشبال يحارب التعدد، وهو الآن بصدد طلاق امرأتيه، وهذا مثل شخص من أصحابنا تزوج امرأة واختلف معها فقال: لابد أن أؤدبها وآتي بامرأة أخرى، فاتفقتا، فتزوج الثالثة فاتفقن على غير قياس، فتزوج الرابعة فاتفقن على غير قياس، فترك الأربع وذهب إلى أمه.\nوهناك أمثلة كثيرة جدًا من المحيط الذي نعيش فيه، وأصحابه يندمون ندمًا كبيرًا جدًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، هذا في النكاح الأول.\nوالفقير هو الذي له دخل لا يكفيه، وهو درجات، فذكر في الآية أنهم فقراء، وليس معنى ذلك أنهم معدمون مساكين ليس لهم شيء، بل إن لهم دخلًا، فالله ﵎ يغنيهم إن شاء الله من فضله، هذا في الزواج الأول، وزواج الثانية والثالثة والرابعة لمن كان غنيًا يقدر أن يفتح بيتًا واثنين وثلاثة وأربعة، والزوجة الواحدة لا تكفيه، وكانت حاجته إلى النساء شديدة، فله أن يتزوج، وأي إنسان مجنون وليس عاقلًا فقط يقول له: يتزوج.\nوالإمام أحمد بن حنبل لم يتزوج المرة الأولى إلا في سن الأربعين حرصًا على طلب العلم، ولا زلت أسمع أهل العلم وآخرهم الشيخ الألباني عليه رحمة الله يقول: لا أحب تعدد الزوجات لطالب العلم حرصًا على طلب العلم، وأنا أقول هذا الكلام، وأقول: إذا غلب على ظنك أنك لا تعدل بين الزوجتين لم يجز لك تعداد الزوجات، فهذه كلها قيود وشروط.\nوهذا الذي يدعو إلى تعدد الزوجات يذكر الأمر بغير هذه القيود والشروط، وأنت إذا أردت التكلم عن هذه المسألة فعليك أن تأخذها من جميع جوانبها وشروطها وقيودها، فإذا سمعها شخص قال: أنا لست من أهل التعدد، فأنا أحب امرأتي جدًا جدًا جدًا، ولا يمكن أن أستغني عنها، ويغلب على ظني أني لو تزوجت مرة أخرى فسأظلمها، ولو سمعها رجل فقير جدًا لقال: يكفيني واحدة فقط، ويعرف أ","vol":"50","page":30},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1005> مذهب المرجئة في الإيمان [٢]</span>\nعقيدة الإرجاء عقيدة فاسدة، حذر منها السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم والصلاح، وذلك لأنها تؤول بصاحبها إلى المجوسية، ولهذا فقد حكم السلف على أصحابها بالضلال، وأوصوا بهجرهم وعدم الجلوس معهم؛ حتى لا تنطلي بدعهم على الناس.","vol":"51","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1006>باب ما روي في تضليل المرجئة وهجرانهم</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد: في الدرس الماضي عرفنا الإرجاء، ومتى ظهر الإرجاء في الأمة.\nوهذا باب جديد في سياق ما روي مرفوعًا وموقوفًا في تضليل المرجئة وهجرانهم، وترك السلام عليهم والصلاة خلفهم والاجتماع معهم.\nوالمرجئة من المبتدعة، والمبتدع قسمان: فإما أن يكون داعية ضلالة، كأن يكون مؤصلًا لها أو كاتبًا داعيًا إليها، وإما أن يكون من رعاع أهل البدع يتبع كل ناعق، ولا يدري حقيقة ما هو عليه، وربما يقرأ القارئ كلمات أو نصوصًا في تكفير أهل البدع، ونصوصًا أخرى في عدم تكفيرهم، وقد قال أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية: إن نصوص التكفير إنما تقع على رءوس أهل البدع والدعاة إلى البدعة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما روي في تضليل المرجئة وهجرانهم]، وهجر أهل البدع دائمًا هو وصية السلف للخلف.\nقال: [وترك السلام عليهم والصلاة خلفهم]، أي: لا نصلي خلف مبتدع داع إلى بدعته، خاصة إذا كانت بدعته مكفرة.\nقال: [والاجتماع معهم] ولا نجتمع معهم مخافة أن تتغير وتتبدل قلوبنا.\nقال: [عن ابن عمر قال النبي ﵊: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: القدرية، والمرجئة)]، وكل الأحاديث المرفوعة التي رويت في ذم الإرجاء لم يصح منها شيء، والأمر لا يحتاج إلى التعلق بشيء ثابت عن النبي ﵊ في ذلك بعد أن أجمعت الأمة على أن الإرجاء ضلالة محدثة في الدين، وأن المرجئة فرقة من فرق الضلالة في الإسلام.\nقال: [وفي حديث حذيفة قال النبي ﵊: (صنفان من أمتي كلاهما في النار)] فهنا حكم عليهما بدخول النار، ولا يعني ذلك أنهم كفار، كما لا يعني أنهم مخلدون فيها أبدًا.\nوقد تكلمنا عن هذا أثناء كلامنا على حديث النبي ﵊: (كلها في النار إلا واحدة هي ما أنا عليه وأصحابي) في معرض كلامه عن فرق الضلالة.","vol":"51","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>ملحوظتان حول حديث (كلها في النار إلا واحدة)</span>\nحديث: (كلها في النار إلا واحدة هي ما أنا عليه وأصحابي) يحتاج إلى عدة ملحوظات.\nالأولى: قوله ﵊: (كلها في النار) لا يستلزم أنها كافرة؛ لأن عصاة الموحدين كذلك يدخلون النار ولا يخلدون فيها، وإنما أمرهم إلى الله ﷿ إن شاء عذبهم ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، وإن شاء عفا عنهم بمنه وكرمه ﷾.\nالثانية: قوله: (كلها في النار إلا واحدة)، أي: إلا فرقة واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية، وليسوا هم من علم معنى الأسماء والصفات فقط، أو من لهم موقف سليم سديد من جهة ذات الإله ﵎ وأسمائه وصفاته، وليسوا بالضرورة أنهم الذين أطلقوا لحاهم ولبسوا الثياب البيض وغير ذلك، بل هم من تمسك بما كان عليه النبي ﵊ من جهة العقيدة والأخلاق والسلوك والمعاملات والعلم والعمل، فإذا كنت كذلك فأنت من أهل السنة حقًا، ولا يلزم من تزييك بزي أهل الصلاح أن تكون صالحًا، حتى يعلم أبناء الصحوة أنهم مطالبون بأخذ الدين مظهرًا وجوهرًا، وأنهم لن يكونوا من أهل السنة على الحقيقة إلا إذا كانوا كذلك، وأما إذا اكتفوا من الإسلام بالظاهر فليسوا من السنة في شيء.","vol":"51","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1008>شرح حديث (صنفان من أمتي كلاهما في النار)</span>\nيقول ﵊ في حديث ضعيف: [(صنفان من أمتي كلاهما في النار: قوم يقولون: إنما الإيمان كلام وإن زنا وإن سرق)]، أي: هذا المؤمن عندهم؛ لأن العمل عندهم ليس من الإيمان، ولا يدخل في مسمى الإيمان، فاحتجوا بأن الإيمان هو التصديق، فإذا قال الإنسان: آمنت بالله أو شهد الشهادتين وأتى جميع المعاصي فإنه مؤمن؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق بالقلب فقط، ولم يقولوا حتى: الإيمان هو الإذعان.\nوالانقياد والخضوع بالقلب والجوارح، وإنما قالوا: الإيمان هو التصديق فقط.\nوليس الأمر كذلك، فالإيمان ليس هو الإقرار فقط، ولا الشهادتان فقط، وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهو يزيد وينقص، وزيادته ونقصانه متعلق بالعمل، وسواء كان ذلك عمل القلب أو عمل الجوارح.\nفقال في الحديث: (قوم يقولون: إن الإيمان كلام)، أي: نطق أو إقرار أو شهادة فقط.\nقال: [(وإن زنا وإن سرق، وآخرون يقولون: إن أولينا كانوا ضلالًا يقولون: خمس صلوات في اليوم والليلة، وإنما هما صلاتان)]، يعني: حكموا على الأوائل بأنهم أهل ضلالة؛ لأنهم أجمعوا على أن الصلوات خمس في اليوم والليلة، وهؤلاء أي: ضلال القدرية يزعمون أن الصلاة إنما هي صلاتان فحسب، صلاة في أول النهار، وصلاة في أول الليل، وكل صلاة منهما ركعتان، ولا ندري من أين أتوا بهذا الكلام، فإنه من أعجب الكلام.\nوهذا الكلام من جهة الرفع غير ثابت، وإن ثبت أن بعض الفرق الضالة قالت به فعلًا، وقد ذكرت لكم منذ عدة أشهر أن إيهاب بن حسن الأثري أبو عبد الرحمن صنف كتابًا يذم فيه أهل العلم مثل الشيخ الألباني مثلًا والشيخ ابن باز وغيرهما من أهل العلم، وهو الآن ينكر الصلوات الخمس ويقول: ما هما إلا صلاتان في أول النهار وفي آخره، يعني: أن هذا ما زال موجودًا إلى يومنا هذا.\nفلا يزال ميراث الفرق الضالة التي ظهرت ونشأت منذ عدة قرون تتوارثه الأجيال إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة؛ لأن الناس في نقصان دائمًا، وأعظم النقصان أن يكون في الدين وفي الإيمان.","vol":"51","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1009>ذم الصحابة للمرجئة</span>\nقال: [جاء عن ابن عباس أنه قال: اتقوا الإرجاء؛ فإنه شعبة من النصرانية]، أي: خصلة منها.\nقال: [وقال معاذ بن جبل ﵁: لقد لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيًا آخرهم محمد ﷺ].\nوهذا كلام يحتاج إلى نظر.","vol":"51","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1010>تدرج البدع من الإرجاء إلى المجوسية</span>\nقال: [قال مجاهد: يبدءون فيكم مرجئة، ثم يكونون قدرية، ثم يصيرون مجوسًا].\nوهذا في الحقيقة ترتيب وتدرج طبيعي لأهل البدع؛ لأنهم يبدءون بالرجاء في الله ﷿، وهذا الرجاء يحملهم على ترك العمل، ومنهج أهل السنة والجماعة أن الخوف والرجاء جناحا المؤمن إلى الله ﷿، فالخوف يحمله على مزيد الطاعة، والرجاء يحمله على عدم الإياس من رحمة الله ﷿، فهما صنوان لكل عبد يريد أن يسير إلى الله سيرًا حثيثًا، وأما إذا غلب جانب الخشية على إنسان وخاصة عند مماته فإنه يلقى الله تعالى آيسًا من رحمته، وهذه كبيرة من الكبائر، وإذا غلب على إنسان في حال حياته جانب الرجاء على الخوف فإنه يقع في التسويف وترك العمل، ومعظم الأمة الآن مفرطة عاصية تاركة لفرائض الإيمان والإسلام، إذا ذكرتهم بالله أو بالصلاة أو بالزكاة أو بالحج وهم قادرون على ذلك قالوا: رحمة ربك واسعة، وإن ربك غفور رحيم، فهم يرجون الله تعالى بغير عمل، وفي حقيقة الأمر ليس هذا من باب الرجاء المشروع، وإنما الرجاء أن تعمل ثم ترجو الله تعالى أن يتقبل منك ذلك، كما كان حال النبي ﵊، فقد كان أعبد الناس وأتقاهم وأعلمهم وأخشاهم لربه، ومع ذلك لم يفرط قط ﵊ في عمل سواء كان مفروضًا أو واجبًا أو مستحبًا أو مندوبًا، فقد كان يقوم الليل كله حتى تتفطر قدماه، ويقول: (أفلا أكون عبدًا شكورًا)؟ فالنبي ﵊ هو القدوة والأسوة والمثل الأعلى الحسن، وهو الذي ما فرط في عمل قط مهما دق وجل، فينبغي إذا كنا فعلًا صادقين في زعمنا أو قولنا بأننا مؤمنون ومسلمون ومتبعون أن نضع النبي ﵊ نصب أعيننا في المثل والقدوة.\nفقوله: يبدءون فيكم مرجئة، يعني: يبدءون أول بدعتهم بالإرجاء، وهو تأخير العمل عن مسمى الإيمان وترك العمل بالكلية استنادًا واتكالًا على رحمة الله ﷿، وأنها وسعت كل شيء.\nثم يكونون قدرية، يعني: ينتقل من الإرجاء إلى القدر، ثم ينتقل من القدرية إلى المجوسية؛ لأن بين القدرية والمجوسية شبه عظيم جدًا مثل الشبه بين النصرانية والإرجاء.","vol":"51","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1011>حكم سؤال الشخص أهو مؤمن</span>\nقال: [عن ابن سيرين قال: سؤال الرجل أخاه: أمؤمن أنت؟ محنة وبدعة].\nوهذا كما يمتحن الخوارج الناس.\nوهذا النص كان أليق به أن يكون في الباب قبل الماضي.","vol":"51","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1012>تحذير إبراهيم النخعي من المرجئة</span>\nقال: [عن المغيرة قال: كان إبراهيم التيمي يدعو إلى هذا الرأي، أي: إلى الإرجاء، فحدث بذلك إبراهيم النخعي، فأتيته فقال: أخبرني يا مغيرة! هل يدعو إلى هذا الرأي أحدًا؟ فإنه حلف لي بالله أن الله لم يطلع على قلبه أنه يرى هذا الرأي، وقد كنت سمعته يدعو إليه]، يعني: أن إبراهيم النخعي جاء إلى إبراهيم التيمي وقال له: بلغني أنك تدعو إلى الإرجاء؟ قال: والله ما دعوت إليه، ووالله ما أنا بمرجئ، فسأل إبراهيم النخعي المغيرة: هل كان إبراهيم التيمي يدعو إلى الإرجاء، فإني قد سألته فأقسم أنه ليس كذلك؟ قال: [فدارى عليه المغيرة وقال: لعله تاب من ذلك، مع أني قد سمعته يدعو إلى ذلك، وقال إبراهيم: لأنا لفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة].\nوالأزارقة هم أتباع نافع بن الأزرق، وهو من رءوس الخوارج، فاختلف مع بقية الرءوس في هذه الفرقة، فتنحى وصنع لنفسه فرقة هي أضل فرق الخوارج وأسماها باسمه، وهم الأزارقة نسبة إلى أبيه.\nوكلام إبراهيم النخعي حقيقة، وصحيح أن كل فتنة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وأن الإرجاء والخارجية مصيبتان حلتا بالأمة، ولكن الإرجاء وجهه حسن لأول وهلة، والخوارج وجههم قبيح لأول وهلة، ولذلك فتنة الخوارج لا يشربها أحد إلا بعد مناظرات ومجادلات وربما تأثر بها فدخل فيها، وأما الإرجاء فشكله جميل؛ لأنه دعوة إلى رحمة الله وإلى فضله ومغفرته وتوبته، وأن الله يتجاوز ويعفو عن المسيء، وهو يعطي الرجاء والأمل للعاصي أن الله لا يعذبه، وهذا أمر يتعلق به كل عاص.\nوتصور لو أنك وقعت في ذنب أتحب من يتوعدك ويتهددك أو من يؤملك خيرًا ويطمئنك على موقفك بين يدي الله ﷿؟ لا شك أنك تحب الثاني.\nفالمرجئة خرجت على الأمة بهذا الرجاء في الله ﷿، ولكنه زاد وفاق عن الحد حتى أثر في اعتقاد القوم من جهة إتيان العمل المستلزم للإيمان أو الذي هو ثمرة الإيمان الذي وقر في القلب، فتركوا العمل اتكالًا على رحمة الله ﷿.\nقال: [وقال إبراهيم النخعي: تركت المرجئة الدين أرق من ثوب سابري].\nوأنا لا أدري من هو سابري هذا، وربما يكون في النص تحريف، فإني لم أطلع عليه إلا في هذا الكتاب وفي هذا النص، ولم أجد من تعرض لتعريفه، وربما يكون رجلًا رقيقًا أو ناعم الملبس أو غير ذلك، فأراد إبراهيم النخعي في الكوفة أن يبين أن فتنة المرجئة إذا دخلت في قلب إنسان فإنما تأخذ دينه عروة عروة وشيئًا فشيئًا حتى تدعه بلا دين، أو لا تدع فيه من الدين إلا الشيء اليسير واليسير جدًا، ربما يكون المعنى هكذا.\nوالله أعلم.","vol":"51","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>هجر العلماء للمرجئة</span>\nقال: [عن المغيرة قال: مر إبراهيم التيمي بـ إبراهيم النخعي فسلم عليه فلم يرد ﵇].\nوهذا فيه جواز هجر أصحاب المعاصي والبدع الكبار.\nقال: [وعن سعيد بن جبير -وهو سيد من سادات التابعين ومن تلاميذ عبد الله بن عباس ﵄- قال: المرجئة يهود أهل القبلة]، يعني: يهود أهل الإسلام.\nقال: [وعن أيوب -وهو ابن أبي تميمية السختياني البصري - قال: رآني سعيد بن جبير وأنا جالس إلى طلق بن حبيب -وكان طلق من أهل البدع- قال أيوب: وما أدركت في البصرة أعبد منه]، أي: من طلق بن حبيب، فجلس أيوب معه لأجل عبادته.\nقال: [فلما رآه سعيد أنكر عليه ذلك، وقال: لا تجلس معه؛ لأنه يرى رأي المرجئة].","vol":"51","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1014>قاعدة في الحكم على الأشخاص</span>\nأيها الإخوة! إن الحكم على الأشخاص يستلزم دائمًا نظرة عامة له من جهة العلم والعمل، فلا يحكم على إنسان بأنه ضال لمجرد وقوعه في الضلال، ولا يحكم عليه بالاستقامة لمجرد أنه وجد متلبسًا بعمل طاعة، بل لابد من نظرة شاملة عامة لما هو عليه من علم وعمل، وأقصد بالعلم الاعتقاد، فالعلم دائمًا يطلقه أهل العلم الذين تكلموا في السنة على الاعتقاد، والسنة كذلك إنما تعني الاعتقاد، فإذا كان المرء من جهة العلم والاعتقاد والدعوة على السنة، وكان عاملًا بهذا العلم ويجري هذا العلم على جوارحه فإنه بلا شك على استقامة وإن تلبس بمعصية، وإن وقع في بعض البدع سواء من بدع الاعتقاد أو العمل، أما إذا كان المرء الأصل فيه الانحراف والزيغ والضلال فلا يحكم عليه بالصلاح والتقوى لمجرد أنه قائم بالليل أو صائم بالنهار، أو يصلي في اليوم ألف ركعة؛ لأن الأصل فيه الفساد من جهة العلم والعمل كذلك، فلابد للحكم على الآخرين من نظرة عامة شاملة، فلا يحكم عليه بعدم الصلاح لكونه مثلًا زنى، أو سرق، ولست بذلك أهون من شأن هذه الكبائر والمعاصي، بل أقول: إن هذه المعاصي والكبائر وقعت من سلف الأمة ومن صحابة النبي ﵊، وقد ثبت عنه ﵊ أنه أقام حد الزنا على بعض أصحابه، كما أقام حد السرقة على بعض أصحابه، والحدود إنما وردت للأمة بأسرها، والمخاطب بها أولًا هم أصحاب النبي ﵊، فإذا زنى أحد صحابة النبي ﵊ فلا يعني هذا أنه فاسد، وأنه خارج عن حد الصحبة وعن حد قول الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، بل هذه لحظة ضعف تسلط فيها عليه الشيطان، ولا يخرج بهذا عن صلاحه، وإنما نقول: إنه كان غافلًا ساهيًا، فتسلط عليه الشيطان فأوقعه في حبائله وفي معاصي الله ﷿ ومحارمه، وأما غيره -أي: غير الصحابة من الأمة- فإن الذي يأتي بهذه الكبائر والمعاصي فلا شك أنه فاسق بكبيرته مؤمن ببقية أعماله العلمية والعملية.\nوفي خطبة الجمعة الماضية في مسجد العزيز تكلمت عن الشيعة وانتشارهم في هذه البلاد، وأن أحدهم يقرر أن الشيعة بلغوا ستة ملايين شخص في مصر، وبصرف النظر عن صحة هذا الكلام أو عدم صحته أقول: إن العبرة بصحة ما أنت عليه من عمل، وليس بكثرة الأتباع، ولكن العبرة بموافقة ذلك للحق والإخلاص لله ﷿.\nوأقول بهذه المناسبة: إن طلق بن حبيب كان من أعبد الناس بالبصرة وأبر الناس بوالديه، ولكن هذا لا يعني أنه على الحق، ولا شك أن العبادة وبر الوالدين أمران ممدوحان، ولكن توفرهما في شخص لا يلزم منه أن يكون بالضرورة صالحًا من جميع الوجوه.\nفتكلمت عن الشيعة وسوء معتقدهم، وقد تناولنا منذ عدة سنوات معتقد الشيعة في هذا المسجد بتفصيل لم نتناوله في غيره من بيوت الله ﷿، فقام أحد الأشخاص لا أدري أهو جاهل أو مغرض أو غير ذلك فقال: أنت تسب الشيعة وتقول: عليهم من الله ما يستحقون، ويكفي أن الإمام الخميني هو الذي وقف من حكام المسلمين بجوار العراق، ويكفي أنه الذي رصد مليون دولار لمن يقتل سلمان رشدي، وله مواقف محمودة جدًا.\nوأقول: نعم هذه مواقف محمودة، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].\nفالعمل الصالح صالح وإن أتى من الكافر، ولو أن يهوديًا اتصف بإكرام الضيف لحمد له هذا، ومن الظلم البين عدم احترامه واعتباره في هذا الباب؛ لأن هذا من مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، بل وجعلها شعبة من شعب الإيمان، لكن لا يقبل هذا عند الله إلا بعد الإيمان إذا صدر من الكافر، فكون خميني إيران رصد مبلغًا من المال لفلان أو أنه وقف بجانب فلان ليس له ثمرة، ونحن نعتقد أن الذي حدث من خالد الإسلامبولي ليس موافقًا للشريعة، وإذا كان موافقًا فليس له ثمرة جنتها الصحوة الإسلامية، بل تأخرت مائة عام، والذي سبق خير من الحادث، وإن اشتركا في كثير من الباطل، وأظن أن الذي عاصر ذلك الوقت يقول اليوم: يا ليت يومًا واحدًا من أيام السابق يعود، فقد كان الواحد منا يرتع بالليل والنار، ويجوب محافظات مصر بحرية، فإذا سمع بمحاضرة للشيخ الفلاني في البحر الأحمر ذهب إليها دون أن يستوقفه أحد، واليوم لا تستطيع أن تزور أبويك في الفيوم مثلًا إلا واستوقفك غير واحد على الطريق ويحاكمك، فأيهما خير هذه الأيام أم الأيام السابقة؟ وما حدث هذا إلا بسبب الخروج.","vol":"51","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1015>شروط الخروج على الحاكم</span>\nنحن نعتقد أن الخروج على السلطة له فقهه وأحكامه، ومن أعظم فقهه وأحكامه عدم الخروج إلا إذا رأينا كفرًا بواحًا لنا فيه من الله برهان، أي: دليل قاطع على أن هذا كفر مجمع عليه لا يختلف فيه، ثم الحكم بالكفر يختلف عن الخروج عليه، فلا يخرج على الحاكم إلا بإجماع أهل الحل والعقد، وأن يكون ذلك بسبب الكفر، والشرط الثالث: أن يكون هذا الخروج مضمون النتيجة، فلا يكون الخارج ضعيفًا، بل لابد أن يكون قويًا متسلحًا، فالذي يحمل نبلًا مثلًا أو حجرًا أو غير ذلك لا يقال: إنه قوي وبإمكانه أن يخرج، فهذا خبل، وإن فعل ذلك بحسن نية فنسأل الله تعالى أن يغفر له ويأجره على نيته، وأما العمل من جهة ميزان الحق فليس هذا من عمل السلف، ولا يوافق عليه لا السلف ولا حتى الخلف، وأما تزكية الخميني الإيراني فإنها لا تعطي لهذا العمل مشروعية، وخميني إيران يعرف جيدًا من أين تؤكل الكتف، وكان رجلًا ذكيًا فقيهًا في مذهبه، أي: في مذهب التشيع، على مستوى العقيدة والفقه، وكان عالمًا بأصول الاعتقاد عند الشيعة الإثني عشرية، بل وغيرهم من فرق الشيعة.\nوالذي أقرره وأؤكد عليه دائمًا أن المرء لو وقف بعض المواقف المحمودة في نظر البعض لا يستلزم بالضرورة أن يكون محمودًا من كل جانب، بل ربما يكون الأصل فيه الفساد والضلال كما هو شأن الخميني.\nقال: [قال سعيد بن جبير: ألم أرك جالسًا إليه؟ -أي: أيوب - لا تجالسه، قال أيوب: وكان والله ناصحًا وما استشرته]، أي: سعيد بن جبير كان ناصحًا لـ أيوب وأبدى إليه نصيحة من غير أن يستشيره فيه.","vol":"51","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1016>تحذير العلماء من التنقل بين الفرق</span>\nقال: [قال سعيد بن جبير لـ ذر: يا ذر! ما لي أراك كل يوم تجدد دينًا؟] يعني: تنتقل من الاعتزال إلى الإرجاء إلى القدرية، وهكذا، فما لي أراك تتقلب وتجعل دينك عرضة للخصومات والمنازعات، فكل يوم أنت في حدث وشكل.\nقال: [وعن أبي البختري قال: شكا ذر سعيد بن جبير إلى أبي البختري الطائي قال: مررت به فسلمت عليه فلم يرد علي، وقال أبو البختري لـ سعيد، فقال سعيد بن جبير: إن هذا كل يوم يجدد دينًا، لا والله لا أكلمه]، أي: حتى يثبت على السنة.\nقال: [وعن عطاء بن السائب قال: ذكر سعيد المرجئة قال: فضرب لهم مثلًا، فقال: مثلهم مثل الصابئين -يعني: الروحانيين، وإذا أطلق الصابئون في كتب الاعتقاد فإنما يقصد بهم الروحانيون من الفلاسفة- أتوا اليهود فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: اليهودية، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: موسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، فتركوهم وأتوا النصارى، فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: النصرانية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: الإنجيل، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: عيسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، قالوا: فنحن بين دينين، فلم يثبتوا على دينهم ولم يتهودوا ولم يتنصروا، فهم مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء]، وهكذا شأن من أراد أن ينتقل ويتحول من دين إلى دين أو من ملة إلى ملة، أو من فرقة إلى فرقة.","vol":"51","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1017>تشبيه العلماء للمرجئة باليهود</span>\nقال: [عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: ما ليل بليل، ولا نهار بنهار أشبه من المرجئة باليهود]، يعني: أن هؤلاء المرجئة أشبه باليهود من الليل بالليل ومن النهار بالنهار، يعني: إذا دخل عليك الليل فلن تستطيع أن تميز ولا أن تفرق بين هذه الليلة وما فيها من سواد وبين الليلة الماضية، وإذا طلعت الشمس فلا تستطيع أن تفرق بين هذا النهار وما فيه من ضوء ونور وبين النهار الذي سبقه أو الذي يتلوه، وكذلك المرجئة هم أشبه باليهود تمامًا بتمام.\nهكذا ضرب لهم المثل.","vol":"51","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>التحذير من الإرجاء وتضليل السلف لهم</span>\nقال: [قال الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهما على هذه الأمة من الإرجاء]، يعني: أعظم هوى في الأمة هو الإرجاء.\nقال: [قال منصور بن المعتمر: أعداء الله المرجئة والرافضة].\nوالرافضة هم الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين لما قالوا لـ زيد: أنت إمامنا لكن بشرط أن تلعن أبا بكر وعمر، قال: كيف ألعنهما وهما وزيرا جدي؟ ولما خرج الخوارج على أمير المؤمنين والخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز كفروه، فقال: وما وجه تكفيري؟ قالوا: إنك لا تلعن بني أمية، وهو من بني أمية، يقصدون معاوية وولده يزيد، قالوا: فإما أن تلعنهم وإما تبرأنا منك، قال: أسألكم بالله أتلعنون فرعون؟ أي: وقد جاء صريحًا في النصوص وجوب اللعنة عليه، ووجوب التبري منه ومن دينه، قالوا: لا، قال: فكيف بكم تركتم من استحق اللعنة في الكتاب والسنة وتلزموني أن ألعن رجلًا آمن بالله ورسوله؟ فهذا خلط وتخبيط.\nفلما رفض زيد أن يلعن أبا بكر وعمر رفضوه وخرجوا عليه، ومن هنا سموا الرافضة، وهم فرقة من أضل فرق الشيعة، وفرق الشيعة بلغت حوالي خمسة عشر فرقة أو زيادة.\nقال: [وعن جعفر الأحمر قال: قال منصور بن المعتمر في شيء: لا أقول كما قالت المرجئة الضالة المبتدعة.\nوعن أبي عاصم قال: جاء عكرمة بن عمار إلى ابن أبي رواد فدق عليه الباب وقال: أين هذا الضال؟] لأن ابن أبي رواد كان مرجئًا.","vol":"51","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1019>ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وأقوال العلماء فيه</span>\nقال: [عن طاوس قال: يا أهل العراق! أنتم تزعمون أن الحجاج مؤمن؟] والحجاج هو ابن يوسف الثقفي، وقد أخبر النبي ﵊: (أنه يخرج من ثقيف كذاب ومبير).\nفأما الكذاب فهو المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي ادعى النبوة، وأما المبير -أي: الظالم لنفسه ولأمته- فهو الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد تولى حكم المسلمين في العراق في خلافة بني أمية كذلك.\nوقوله: يا أهل العراق! أنتم تزعمون أن الحجاج مؤمن؟ أي: مع كل ما أتاه من ظلم وفجور؟ والحجاج اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من كفره، ومنهم من توقف عن تكفيره، ومنهم من أثبت له الإسلام وقال: الذي أتاه الحجاج كان معاص، فقد كان الحجاج معروفًا مشهورًا بسفك وإراقة الدماء، وكان معروفًا بشدته وقسوته على أصحاب النبي ﵊، وكان له موقف مع أنس بن مالك خادم النبي ﵊، فقد اتخذ الحجاج خاتمًا وكان يحميه في النار حتى يحمر ويختم به أصحاب النبي ﵊ بين أكتافهم في ظهورهم، فلما جاء الدور إلى أنس بكى، فقال: ما يبكيك يا خادم رسول الله! يعني: أن الحجاج يعلم أن هذا خادم النبي ﵊، قال: والله لا أبكي جزعًا، وإنما أبكي أن النصارى لا يفعلون هذا بأساقفتهم ولا رهبانهم، وأنت تفعل هذا بأصحاب النبي ﷺ، فهو يبكي لأن الأمة أنجبت مثل هذا.\nويقول عمر بن عبد العزيز كما قال الحسن البصري: لو جاءت كل أمة بأخبث من فيها وجئنا بـ الحجاج لغلبناهم.\nوقد كان الحجاج محبًا للقرآن الكريم، ومعظمًا جدًا للقراء، وأنس من أهل القرآن، ولكنه لم يكن مشهورًا به كشهرة أبي بن كعب مثلًا، كما كان الصحابة يعرفون الفرائض ولكن ليس كمعرفة زيد بن ثابت بها، فـ الحجاج كان يعظم رءوس القراء الذين لهم اجتهاد وحذق في كتاب الله ﷿، وكان يغدق عليهم ويكرمهم، وهذه بلا شك منقبة، وكانت له عبادة طويلة في ليله ونهاره كالصيام والقيام، وكانت له من البلاغة ومحبة الفصاحة ونصرة اللغة العربية على غيرها الشيء والباع الطويل.\nوالشاهد: أنه كانت له مناقب ومثالب، وهذا الذي حدا ببعض أهل العلم أن يتوقف فيه، وهم كثرة، وكان الحسن يقول فيه قولًا شديدًا، فلما مات الحجاج، قيل: إن الحسن رآه في نومه فسأله: ما فعل الله بك يا حجاج؟! قال: قتلني بكل نفس قتلتها قتلة، أي: قتلني قتلة في مقابل كل نفس قتلتها، ثم غفر لي، قال الحسن: فوالله لا أقول فيه شيئًا بعد اليوم، أي: لا أكفره بعد اليوم، إلى غير ذلك من النصوص التي وردت عن السلف، فمن قادح ومن مادح ومن متوقف ومن مكفر في أمر الحجاج، ويكفيه عارًا أن الأمة اختلفت في إيمانه وإسلامه وفي كفره، ولأجل هذا قال طاوس لأهل العراق: أنتم تزعمون أن الحجاج مؤمن؟ قال: [وقال منصور عن إبراهيم: كفى به عمى الذي يعمى عليه أمر الحجاج]، يعني: الذي يعمى أن الحجاج كافر مثلًا فهذا عمى وعقوبة من الله ﷿، وقد طمس على بصيرته.\nقال: [وقال إبراهيم لما ذكر الحجاج: ألا لعنة الله على الظالمين].\nومن المعلوم أن اللعنة لا توجه إلا إلى كافر.\nقال: [وعن طاوس قال: عجبت لإخواننا من أهل العراق يقولون: الحجاج مؤمن! وعن أبي رزين قال: إن كان الحجاج على هدى إني إذًا لفي ضلال]، يعني: إذا كان الحجاج مع كل هذا البلاء مؤمن وعلى هدى فمن يحمل عليه فهو على ضلال، وهذا الكلام مفاده أنه لا يستوي أهل المعاصي مع أهل الإيمان والطاعات، يعني: يريد أن يقول: نحن نعلم يقينًا أننا على الهدى، وأن الحجاج على المعاصي، ويكفي أنه سفاك للدماء، فإذا كان الحجاج يستوي مع أهل الطاعة فهذا يعني أن أهل العراق وخاصة الكوفة يقولون: إن أصحاب المعاصي يستوون في الإيمان مع أصحاب الطاعات، وهذا هو الإرجاء، فالمرجئة يقولون: أفسق الناس كأعبد الناس فيما يتعلق بالإيمان، حتى قال قائلهم: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل.\nوهذا بلا شك كلام يخالف أصل الاعتقاد.\n[وقال الأجلح: قلت للشعبي: إن الناس يزعمون أن الحجاج مؤمن؟ قال: صدقوا، مؤمن بالجبت والطاغوت كافر بالله].\nوالإيمان أشكال وأنواع.\nقال: [وقال الحجاج -وهو الحجاج بن محم","vol":"51","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1020>اشتراط العمل في صحة الإيمان</span>\nوكثير من الطلاب يسألون خاصة مع الفتنة التي تدور على الساحة الدعوية: هل العمل شرط صحة أو شرط كمال؟ ونقول ابتداء: إن أهل السنة يعتقدون أن الإيمان قول وعمل، وأن العمل داخل في مسمى الإيمان، فالإيمان قول باللسان وعمل بالقلب والجوارح، والعمل القلبي: هو انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لما أقر به اللسان، وعمل القلب شرط صحة في الإيمان، وأما عمل الجوارح فمكمل للإيمان.\nوالكمال نوعان: كمال واجب وكمال مستحب، وهذا أعظم كلام في الإيمان وهو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد السابع من الفتاوى، فهو يقول: إن العمل عملان: عمل واجب، وهو ما يطلق عليه الكمال الواجب في الإيمان من الحلال والحرام وغير ذلك من الأمور المفروضة والواجبة، وكمال مستحب وهو الذي يتعلق به المستحبات من سائر النوافل المطلقة والراتبة وغير ذلك، فكلما ازداد المرء من هذه النوافل أحبه الله ﷿، كما في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فهذا هو الكمال الواجب، وأما الكمال المستحب ففي قوله تعالى في نفس الحديث: (ولا يزال المرء يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) إلى آخر الحديث.\nفالكمال الواجب متعلق بالواجبات والفروض في الإسلام، ولها تأثير قوي جدًا في زيادة الإيمان ونقصانه، والكمال المستحب هو الذي يبلغ بصاحبه ذروة الإيمان وكماله وتمامه.\nهذا معتقدنا في كون العمل شرطًا في صحة الإيمان أو شرط كمال، نقول: إذا كان الكلام منصرفًا إلى عمل القلب فإن عمل القلب من الذل والخضوع والانقياد شرط صحة في الإيمان، وأما عمل الجوارح فمنها ما هو متعلق بالكمال الواجب، وهذا يتعلق كذلك بأعمال الجوارح فعله المفروضة الواجبة، وأما الأعمال المستحبة فإنها تدخل في الكمال المستحب.\nونعتقد أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن الشيء إذا كان قابلًا للزيادة فلابد أن يقبل النقصان، وهذه القاعدة مسلم بها حتى عند المنطقيين والفلاسفة، وكذلك عند المرجئة، فالمرجئة يقولون: إذا كان الإيمان يزيد فلابد أن ينقص، ولما كان الإيمان عندهم هو التصديق فقد قالوا بعدم الزيادة في الإيمان، قالوا: لأن تصور الزيادة يستلزم تصور النقصان، والتصديق عندهم لا يقبل النقصان؛ لأنه لو قبل النقصان ونقص لنقص إلى الكفر والخروج عن الملة.","vol":"51","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1021>حكم تارك الصلاة</span>\nأهل العلم الذين كفروا تارك الصلاة لم يكفروا الذي يأتيها مرة ويدعها أخرى، وإنما كفروه إذا تركها بالكلية، وهذا هو الراجح لدى أهل العلم، والإمام الحميدي نقل الإجماع في مسنده على أن تارك الخمس كافر في آخر المجلد الثاني قبل الفهرس، فقد ذكر هناك مجمل اعتقاده، وهو مجمل اعتقاد أهل السنة، وقد أجمل معتقد أهل السنة والجماعة في ورقة واحدة، حتى تعلموا بساطة الشرع وبساطة الاعتقاد، يعني: تصور أن اعتقادك يجمل في ورقة، هذا شيء عظيم جدًا.\nفقد قال: وأجمع أهل السنة أن تارك الخمس كافر، أي: تارك الخمسة الأركان، ووقع النزاع في تارك الواحدة منهن، يعني: من ترك الصلاة الواحدة هل يكفر أو لا يكفر نزاع بين أهل العلم، والنزاع هذا معتبر، وتارك الزكاة كذلك وقع فيه النزاع، وأما تارك الصيام فلم يقع فيه كبير نزاع، وأعظم النزاع شهرة هو ما وقع في ترك الصلاة.","vol":"51","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1022>حكم تارك الزكاة</span>\nاختلف العلماء في تارك الزكاة؛ لما ورد عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قاتل مانعي الزكاة، لكن مقاتلة أبي بكر لمانعي الزكاة كان لها فقه وتأويل، بدليل أن أبا بكر لما سئل: أكفار هم؟ قال: لا، وعلي بن أبي طالب ﵁ لما سئل عن مقاتله الخوارج: أكفار هم؟ قال: لا، ولكنهم إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم، فعدهم من البغاة، بل والنبي ﵊ حكم بذلك عندما قال: (تقتل عمار الفئة الباغية).\nوكان عمار بن ياسر في صف علي بن أبي طالب، فسماهم بغاة، والبغاة لا يقاتلون إلا بشرطين، الشرط الأول: أن يتحزبوا ويتميزوا ويتحيزوا في صعيد واحد، والشرط الثاني: أن يعظم خطرهم على الإمام ومن معه، أو أن يبدءوا الإمام بالقتال، فحينئذ يجوز بل يجب على الإمام أن يقاتل من بغى وخرج عليه، وهذا الذي حدث من علي بن أبي طالب مع الخوارج ومن قبله أبي بكر الصديق ﵁، ومن مانعي الزكاة من تأول قول الله ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣].\nفمانعو الزكاة الذين حاربهم أبو بكر الصديق كانوا صنفين، منهم قوم ظنوا واجتهدوا اجتهادًا خاطئًا أن الزكاة إنما تخرج لرسول الله ﷺ دون من يأتي بعده، لقول الله تعالى لمحمد ﵊: «خُذْ»، أي: يا محمد! «مِنْ أَمْوَالِهِمْ»، وفهموا أن هذا الخطاب للنبي ﵊ خاصة، وليس لأحد من الخلفاء ممن يأتي من بعده.\nفهؤلاء تأولوا، ولكنهم أخطئوا، والمتأول المخطئ لا يحارب، وإنما يفهم ويبين له الأمر، ولكن هؤلاء تميزوا وتحيزوا مع المرتدين الذين ارتدوا عن دين الإسلام، فصاروا في صعيد واحد، فأخذ هذا الأمر حكم ما يسمى في الإسلام بقتال أهل الثغر.\nوالثغر يجوز فيه قتل المؤمنين الموحدين إذا بقوا في وسط الكفار إذا قامت الحرب بينهم وبين الإمام، وهذا أمر معلوم، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح:٢٥]، ولكنهم لم يتزيلوا، ومعنى تزيلوا: أي: تحيزوا وتميزوا، فهؤلاء لم يتميزوا ولم يتحيزوا، وصاروا ثلة قليلة من مانعي الزكاة المتأولين في وسط قوم عظام كثرة ارتدوا عن دين الإسلام صراحة، وكان يلزم أبا بكر الصديق أن يقاتل ويحارب هؤلاء المرتدين حتى يردهم إلى الإسلام أو يقتلهم، وإذا قتلهم فلابد أن يقتل معهم المتأولين في منع الزكاة، وإما أن يتركهم بلا قتال، وبالتالي يعظم خطرهم جدًا على المدينة وعلى أهل المدينة من المؤمنين، خاصة مع موت النبي ﵊ وجرح جميع القلوب في المدينة، بل وفي كل بقعة دخلت في الإسلام، فكانت المصلحة تستدعي قتالهم، وقد أنكر عمر بن الخطاب على أبي بكر قتالهم في أول الأمر، ثم أقره في آخر الأمر وشاركه في مقاتلتهم وقال: فما خاصمت أبا بكر فيها بعد، فسرعان ما انشرح لذلك، وعلمت أنه الحق، أي: علمت أن ما عليه أبو بكر الصديق هو الحق، وعلمت أن الله شرح صدره لذلك، فعلم عمر بذلك أن أبا بكر ﵁ على الحق.","vol":"51","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1023>حكم السجود للأصنام</span>\nمن سجد للصنم خوفًا من القتل وقلبه مطمئن بالإيمان فقد قال الله فيه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، أي: إلا من أكره على النطق بكلمة الكفر، وأهل العلم يقولون: ليس كل من تلبس بالبدعة لبسته البدعة، وليس كل من وقع في الكفر كان كافرًا.\nهذا كلام أهل السنة، فلو أن رجلًا سجد لصنم فقد يكون لم يره، فالمبادرة إلى الحكم الشرعي عليه بالكفر تجاوز، وربما سجد للصنم وهو لا يدري أن هذا صنم، لكن الرائي له يعلم أن هذا صنم، وأما الذي سجد فلا يعلم أنه صنم، فهو جاهل هنا بأن هذا صنم، وأما من سجد للصنم مختارًا غير مكره وهو راض بذلك فلا شك أنه كافر.","vol":"51","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>حكم العمل وتركه في الإيمان</span>\nلو قلنا: إن العمل ركن مجمل في الإيمان فهذا كلام لطيف، والركن هو ما كان داخلًا في ماهية الشيء، فيصح الشيء بصحته ويبطل بإبطاله، فهو داخل في ماهية الشيء، كالركوع في الصلاة مثلًا، فلا تصح الصلاة بغير ركوع، سواء تركه المرء عامدًا أو جاهلًا أو ناسيًا.\nهذا تعريف الركن عند الأصوليين.\nوماهية الشيء: أصله وذاته، فيبطل الشيء بترك ركنه عمدًا أو سهوًا أو جهلًا، ودائمًا الذي تربى على مذهب واحد في قضية ما يصعب عليه أن يتعايش مع القضايا الأخرى، وإذا كان الخلاف بين أهل العلم معتبرًا فأرجو أن يكون عندك معتبرًا، والذي يترجح لدي في تارك الصلاة أنه كافر، وهذا هو الذي تخدمه الأدلة، ولكني لا أكفر إلا من ترك الصلاة بالكلية، وأما الذي يأتيها أحيانًا ويدعها أحيانًا فإنه وإن كان على خطر عظيم لكني لا أجرؤ على تكفيره، هذا إذا كنت تريد أن تسمع رأيي في القضية، وأما إذا كان الأمر لا يعنيك فهو كذلك لا يعنيني إن شاء الله.\nفمجمل العمل ركن في الإيمان، بمعنى: أن المرء لو ترك العمل كله لكفر، وهذا هو كلام الحميدي الذي نقلته، قال الحميدي: أجمع العلماء على أن من ترك الخمس كفر.\nوأنا أيدت الحميدي، وهذا هو كلام ابن تيمية، فالرجل الذي يصلي الصلوات الخمس مؤمن، وكلما صلى كلما ازداد إيمانه، فإن كان لا يصلي السنن الراتبة ولا النوافل وغيره يصلي الخمس مثله ويحافظ على السنن الراتبة والنوافل فالذي يصلي الرواتب والنوافل أعظم أيمانًا منه، فزيادة الإيمان هنا ترتبت على العمل، لكن العمل منه ما هو فرض ومنه ما هو مستحب، والكمال الواجب في الإيمان هو الذي لا يسع المؤمن تركه، ويمكن أن نقول عنه: إنه المفروض، أو أصل الإيمان.\nولو أن شخصًا الآن يصوم رمضان دائمًا، وآخر يصوم رمضان ويصوم الإثنين والخميس والثلاثة الأيام البيض من كل شهر وغير ذلك من الأيام، وثالث يصوم يومًا ويفطر يومًا -وهذا خير الصيام وهو صيام داود ﵇- فإن الثالث أعظم إيمانًا، وهذا بلا خلاف بيني وبينك، والثاني أعظم إيمانًا من الأول، وقد أتت زيادة الإيمان من النوافل، وزيادة الإيمان هنا متعلقة بالإيمان المستحب، ونحن لا نختلف في هذا.\nوتسمية ابن تيمية للإيمان بالإيمان الواجب والإيمان المستحب هذا محل اجتهاد، فلك أن تسمي الكمال الواجب بأصل الإيمان أو فرض الإيمان، خاصة إذا كان هذا فيما يتعلق بمجمل العمل وعمل الفرائض، وأما عمل المستحبات فلا خلاف بيني وبينك -كما لا خلاف بيننا وبين ابن تيمية - أنه متعلق بالكمال المستحب.","vol":"51","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1025>ضرورة التفريق بين رؤساء الفرق والأتباع</span>\nقال: [قال: سألت سفيان الثوري: أصلي خلف من يقول: الإيمان قول بلا عمل؟ قال: لا، ولا كرامة]، يعني: لا تصل خلفه.\nوهذا محمول على الداعية، أو على الرءوس.\nوقد سئل مرة عالم من علماء الحرم: هل الشيعة كفار أو مسلمون؟ وهذا السؤال وجيه جدًا، وأوجه من ذلك أن يوجه لكل فرقة من فرق الضلالة، هل هي كافرة أو مسلمة؟ فأجاب الشيخ إجابة عظيمة جدًا، فقال: تقصد الشيعة الذين ينظرون ويدعون ويكتبون ويؤلفون، أم تقصد الشيعة الذين يسيرون في الشوارع والطرقات؟ ولو قرأت في ترجمة علي بن أبي طالب أو معاوية بن أبي سفيان ﵄ لوجدت أن شيخ الإسلام الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء يقول بعد أن تكلم في الفتنة بكلام لطيف جدًا: وما ذنب من نشأ في الشام يحب يزيد؟ أو قال: ما ذنب من نشأ في الشام على رضاع حب يزيد وحب معاوية ولا يعرف الرأي الآخر، وهو ليس من أهل العلم والنظر؟ كما أنه كذلك ما ذنب من نشأ بالعراق على حب علي ﵁، ولا حظ له من العلم والبحث والنظر فدرس القضية من أولها إلى آخرها، وإنا لنحمد الله تعالى أنه لم يجعلنا من هؤلاء ولا من هؤلاء، فإننا نحب عليًا ومعاوية ونواليهما ونترضى عنهما.\nوهذا كلام جميل جدًا، فهو يحمد الله أنه لم يكن من أهل هذا الفريق ولا من ذاك، ولكنه يلتمس العذر لمن نشأ من عامة الشعب الشامي أو من عامة الشعب العراقي، فهذا نشأ في حب معاوية وذاك نشأ في حب علي، وهما لا علم عندهما ولا فقه، ولو أخذت الآن طفلًا عمره سنتان ووضعته في بيئة نصرانية فبلا شك أنه سيكون نصرانيًا، وربما تعصب للنصرانية؛ لأنه لم ير غيرها، ولو أتيت بطفل نصراني إلى بيئة المسلمين فنشأ بينهم فسيكون مسلمًا، ولو نشأ بين إخوة داعين للسنة ومحبين لها فسينشأ معهم في مسجدهم محبًا للسنة مدافعًا عنها، يغضب إذا انتهكت حرمة من حرماتها؛ لأنه نشأ على هذا.\nوقد التقيت في أمريكا برجل كان من رءوس الشيعة في العراق، وكان قد أخذ على عاتقه دعوة الشيعة في مدينة دترويت، وهي أعظم مدينة في أمريكا تشيعًا، والذي يدخل في الإسلام من الأمريكان يدخل على مذهب الشيعة؛ لأن أحدًا هناك لا يجرؤ أن يدعو إلى السنة مخافة بطش الشيعة في هذه البقعة من الأرض، فهم لهم شوكة ونجدة قوية جدًا في هذا البلد، حتى إن الإخوة السلفيين يخافون أن يتكلموا، وبالمناسبة -والحر تكفيه الإشارة- الشيعة لا يسمحون لأحد بالكلام إلا لجماعة التبليغ، وهذا له مدلوله عندي.\nفالشيعة يدعون في هذا المكان، والذي يدخل في الإسلام يدخله على مذهبهم، وهذا الأخ العراقي كان مشاركًا في الحرب الإيرانية العراقية والعراقية الكويتية، فأسر في بلاد الحجاز ومكث في بلاد الحجاز عامين، ثم خيروه بعد ذلك بين أن يرجع إلى بلاده أو يهاجر إلى أي بلد من بلاد المهجر؛ لأن السعودية أبت أن تبقي الأسرى بين أحضانها أكثر من ذلك، فاختار هذا الأخ السفر إلى بلد أوروبي آمن، فاختارت السعودية أن تذهب بهؤلاء إلى لندن وفرنسا وأمريكا، فكانت قرعة هذا في أمريكا، وفي أمريكا اختلط رغمًا عنه بإخوة سلفيين، وظل يسمع منهم تقريبًا على مدار عام وهو على تشيعه، وكانت له زوجة بالعراق وسبعة من الأبناء، فلما هداه الله ﷿ للسنة أنفق كل ماله على الهاتف مع امرأته وأولاده يدعوهم إلى السنة وإلى ترك التشيع، وحتى عهد قريب جدًا لم يدخلوا، بل إنهم من أشد الناس حربًا على أبيهم، وحاربته المرأة مع أهلها وحاربه أهله؛ لأنه صبأ وخرج عن التشيع الذي هم فيه.\nوقد أخبرني هذا الأخ أن بلاد العراق يكاد البيت لا يخلو من أصنام أهل البيت، فهم يصورون التماثيل لـ علي بن أبي طالب أو لـ محمد الباقر أو لـ موسى أو لـ جعفر الصادق أو غيرهم من أئمة الشيعة، حتى أبو الحسن العسكري مهديهم المنتظر، فيصورون هذه التماثيل ويتقربون إلى الله بعبادتها، كل في بيته.\nويقول: لا يخلو شارع ولا حارة ولا مسجد ربما من قبر من قبور أهل البيت.\nوقال: يصعب جدًا على رجل يعيش في العراق أن ينخلع من شيعيته.\nولا بد أن نعلم أن أصل العراق كان على السنة، والذي أدخل التشيع في العراق هي إيران، كما أنها تحاول جاهدة الآن إدخال التشيع في بلاد مصر.","vol":"51","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1026>ترك العلماء شهود جنائز أهل البدع</span>\nقال: [قال أبو نعيم: مرت بنا جنازة مسعر بن كدام منذ خمسين سنة ليس فيها سفيان ولا شريك]، مع أن الكل من الكوفة، ولكن لما كان مسعر بن كدام مرجئًا لم يشهد جنازته سفيان ولا شريك النخعي؛ لأنه مبتدع، مع أن الأئمة احتملوا حديث مسعر بن كدام، بل إن حديثه في صحيح مسلم، وهو من رجال مسلم.","vol":"51","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1027>حكم رواية المبتدع</span>\nالبدعة شيء والعدالة في الرواية شيء آخر، فربما يكون المبتدع من أشد الناس في روايته، ولذلك يقول الإمام الشافعي: رواية أهل البدع الأصل فيها الرد ما لم يوافق الثقات إلا الخوارج، مع أن الخوارج هؤلاء من شر خلق الله كذلك، ولكن الأصل عندهم تكفير مرتكب الكبيرة، والكذب المتعمد في حديث الناس كبيرة، فما بالك في حديث النبي ﵊، فهم مع بدعتهم لا يكذبون قط في حديث النبي ﷺ؛ لأنهم لا يكذبون في حديث الناس، فكيف يكذبون على الله ورسوله؟ فلما اطمأن أهل السنة إلى أن رواية الخوارج ليس فيها كذب ولا تدليس ولا خيانة ولا غش احتملوها؛ لأنهم من جهة الرواية ثقات عدول، وأما من جهة الاعتقاد فهم على بدعة، وأهل السنة يقولون: لا بأس بحمل الرواية عن المبتدع ما لم يكن داعية إلى بدعته، وما لم تكن روايته مؤيدة لبدعته، مثل أن يأتي حنفي مثلًا يروي بالسند المتصل إلى النبي ﵊ ويقول: (سيخرج في أمتي رجل يسمى محمد بن إدريس هو أشد عليها من إبليس).\nومحمد بن أدريس هو الشافعي، فهذا الكلام فضلًا عن نكارته الظاهرة فإن رواته أحناف وكذابون فلا يقبل، ولم يرد الشافعية عليهم، يعني: لم يردوا عليهم الكذب بالكذب والاختراع بالاختراع.","vol":"51","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1028>نهي الإمام مالك عن تزويج المرجئة</span>\nقال: [كان رجل بالمدينة يقال له: أبو الجويرية يرى الإرجاء، فقال مالك بن أنس: لا تناكحوه].","vol":"51","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1029>بعض معتقدي الإرجاء كانوا من أكثر الناس عملًا</span>\nكان أئمة الإرجاء من أشد الناس عملًا، وليس معنى أن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان عندهم أنهم لا يعملون اتكالًا على هذا، فـ طلق بن حبيب كان مرجئًا وكان من أعبد الناس، فلا يلزم من المخالفة في المعتقد أو القول بشيء يخالف المعتقد أن يخالف كذلك من جهة العمل، فعندما يروى عن إمام من أئمة الإرجاء أنه يقول: الإيمان قول بلا عمل فهذا لا يستلزم أنه نفسه تارك للعمل، بل ربما يكون من أشد الناس وأحرصهم على العمل، وعندما نتكلم عن حكم صلاة الجماعة سنقول اختلف أهل العلم فيها على أربعة مذاهب، منهم من قال: هي واجبة، ومنهم من قال: سنة مؤكدة، ومنهم من قال: هي واجبة لكنها ليست شرط صحة في الصلاة، ومنهم من قال: بل هي واجبة وشرط صحة في الصلاة، وجمهور العلماء الذين قالوا: إن صلاة الجماعة سنة مؤكدة لم يرد عنهم أنهم تركوا الجماعة.","vol":"51","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1030>اختلاف حكم الداعية للبدعة عن المتبع لها فقط</span>\nقال: [قال يزيد بن هارون: من كان داعية إلى الإرجاء فإن الصلاة خلفه تعاد].\nوهذا النص فيه تصريح في التفريق بين الداعية وبين الأتباع.\nفلا يصح عند أهل السنة إطلاق البدعة على المتبع للبدعة، وإنما يصح على المبتدع أو الداعية، وقد قلت: إن الشيخ الذي في الحرم عند أن سئل: هل الشيعة مسلمون أم لا؟ قال: تسأل عن من؟ أتسأل عن الخميني الذي هو إمامهم والمنظر لهم، وهو روح الله آية من الآيات عندهم، وهو الذي يدعو إلى التشيع ويحميه في العالم كله؟ أو تسأل عن شخص نشأ في إيران؟ فكان هذا التفريق من توفيق الله ﷿ لهذا الشيخ.","vol":"51","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1031>مخالفة المرجئة للإيمان</span>\nقال: [وقال محمد بن يوسف دخلت على سفيان الثوري وفي حجره المصحف وهو يقلب أوراقه، فقال: ما أحد أبعد منه من المرجئة]، أي: أنه يريد أن يقول: المصحف كله من أوله إلى آخره يأمرنا بالعلم والعمل على حد سواء، فكيف بالمرجئة يفرقون في كلام الله ﷿ بين الأمر بالإيمان والأمر بالعمل الذي هو أصل أو داخل في مسمى الإيمان.","vol":"51","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>باب ما نقل من مقابح مذهب المرجئة</span>\nقال: [باب ما نقل من مقابح مذهب المرجئة].","vol":"51","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1033>ما روي عن أبي حنيفة من القول بالإرجاء</span>\nقال: [عن سفيان الثوري قال: سمعت عباد بن كثير يقول: استتيب أبو حنيفة مرتين، قال مرة: لو أن رجلًا قال: أشهد أن لله بيتًا إلا أني لا أدري أهو هذا أو بيت بخراسان كان عندي مؤمنًا].\nوهذا صريح في كتاب المجروحين لـ ابن حبان بلفظ: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين.\nهكذا ورد النص.\nوأبو حنيفة عند الإطلاق هو الإمام العلم المشهور النعمان بن ثابت الكوفي، وهو معاصر لـ سفيان الثوري وعباد بن كثير، وكلهم من بلد واحد، وكان بينهم من الإحن ما بينهم، فقد كان أبو حنيفة إمام الرأي، وكان سفيان الثوري وعباد بن كثير رأسان في السنة، وأنتم تعلمون أنهم بشر، والقاعدة عند أهل العلم: كلام الأقران بعضهم في بعض يطوى ولا يروى، ولو أصغينا لكلام كل قرين في قرينه لم يسلم لنا أحد لا من السلف ولا من خلف.\nوأما قول عباد: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين، فهذا فيه نظر من جهة السند ومن جهة النظر، ولو صح هذا الأمر في حق أبي حنيفة لكان مشهورًا جدًا شهرة النار على العلم، أو شهرة الشمس في رابعة النهار، ولا يتصور أن أمرًا خطيرًا كهذا يروى بإسناد واحد ومن طريق واحد، وأي عمل أوقع أبا حنيفة في الكفر؟ وأنا ما كنت أحب دراسة هذا الباب، لكني خشيت أن يفهم فهمًا مغلوطًا معكوسًا فأحببت التعريج والتعليق عليه.\nفأما التعليق فأحيل إلى الكتاب الجليل العظيم لشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وذكر منهم أبا حنيفة ﵁ ورحمه.\nفـ أبو حنيفة وقع حقيقة في شيء من الإرجاء، ولكنه لم يكن داعية إليه، وليس هو الذي ابتدع الإرجاء، وإنما قال بقول المرجئة أحيانًا، ولم يتبن مذهب الإرجاء في كل قضية من قضايا الإيمان، وإنما زلت قدمه في بعض القضايا فوافق فيها المرجئة، فهذه المسائل تعاب عليه وترد، ولا ننفي أن الأصل فيه الاستقامة والصلاح من جهة العلم والعمل، وكان داعية إلى السنة وإن خفيت عليه في بعض الأحيان، وأما كونه استتيب من الكفر مرتين، يعني: أنه حبس في بيت ثلاثة أيام في كل مرة، ويقال له: إما أن ترجع عن هذا الكفر الذي تقوله أو نقتلك، فما وجد بدًا إلا أن يرجع مخافة القتل، فهذا كلام بعيد جدًا أن يصدر من إمام من أئمة الهدى كـ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولا يتصور أن أبا حنيفة يقول: أشهد أن لله بيتًا، لكني لا أدري أهو الذي بمكة أو بيت آخر بخراسان، لا من جهة النظر ولا من جهة العقل، وقد ثبت أن أبا حنيفة حج مرارًا، فلم يحج إلى خراسان ولا مرة يبحث عن البيت هناك، بل كان حجه مع المسلمين إلى بيت الله الحرام.\nقال: [ولو أن رجلًا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله إلا أني لا أدري أهو الذي بالمدينة أو رجل كان بخراسان، كان عندي مؤمنًا].\nوهذا لا يتصور عنه كذلك كما لا يتصور الأول.\nقال: [وقال حمزة بن الحارث عن أبيه: سمعت رجلًا سأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: أشهد أن الكعبة حق، ولكني لا أدري هي هذه أم لا، فقال: مؤمن حقًا.\nوسأله رجل فقال: أشهد أن محمد بن عبد الله نبي، لكن لا أدري هو الذي قبره بالمدينة أم لا، قال: مؤمن حقًا.\nقال حنبل: قال الحميدي: من قال هذا فقد كفر، وسمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر].\nوهذا صحيح عن أحمد.\nولكنهم لم يكفروا أبا حنيفة، وإنما قالوا: من قال هذا.\nوفي ثبوت هذا عن أبي حنيفة أكبر النظر من جهة الإسناد ومن جهة النظر كذلك في حال أبي حنيفة وفي عمله.\nفمن قال: إن لله كعبة لكني لا أدري أهي التي في مكة أم في غيرها، ومن قال: إن الله أرسل محمدًا نبيًا، ولكني لا أدري أهو الذي قبره بالمدينة أم غير ذلك، ومن قال: إن الله افترض خمس صلوات في اليوم والليلة، ولكني لا أدري أهي الصلاة التي يصليها الناس أو غيرها، ومن قال: إن الله افترض زكاة في أموال الأغنياء ترد إلى فقرائهم، ولكني لا أدري ما كنه هذه الزكاة وما مقدارها وعددها، وغير ذلك على سبيل التنكر فإنه لا يكون مؤمنًا، ولم يكن أبو حنيفة من هذا الصنف.\nقال: [قال أبو إسحاق الفزاري: قال أبو حنيفة: إيمان أبي بكر وإيمان إبليس واحد].\nوهذا لا يمكن أن يقوله أحد من أجهل جهلة المسلمين، بل لو سئل كافر يهودي عن هذا الكلام لأنكره، وقال: لا يعقل هذا، مع أن اليهود يكرهون جبريل؛ لأنه صاحب الوحي، وعداؤهم لجبريل لا ينتهي، وقد بين الله تعالى عداءهم له ﵇ في سورة البقرة وفي غيرها من السور، حتى هم نفس","vol":"51","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1034>تحذير السلف من منهج المرجئة</span>\nقال: [قال الثوري: اتقوا هذه الأهواء، قيل له: بين لنا -رحمك الله- ما هي الأهواء وماذا نجتنب؟ فقال: أما المرجئة فيقولون: الإيمان كلام بلا عمل، من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فهو مؤمن مستكمل الإيمان -أي: عند المرجئة- إيمانه على إيمان جبريل والملائكة، وإن قتل كذا وكذا فهو مؤمن، وإن ترك الغسل من الجنابة فهو مؤمن، وإن ترك الصلاة، وهم يرون السيف على أهل القبلة.\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: من قال: إنه مؤمن فهو مرجئ.\nوقال الأوزاعي: من آمن وعصى إيمانه كإيمان إبليس أشبه منه بإيمان جبريل؛ لأن جبريل آمن وأطاع، وإبليس آمن وعصى.\nوقال وكيع: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة تقول: الإيمان قول بلا عمل، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة.\nومر أبو حنيفة بسكران -أي: برجل سكران- فقال له: يا أبا حنيفة! يا مرجئ! -أي: السكران هو الذي يقول لـ أبي حنيفة: يا مرجئ! - فقال له أبو حنيفة: صدقت، الذنب مني، جئت سميتك مؤمنًا مستكمل الإيمان]، يعني: أنا المخطئ إذ سميتك مؤمنًا؛ لأنه مرتكب كبيرة، وعند المرجئة أن من ارتكب جميع الكبائر إيمانه كإيمان أبي بكر.\nفتصور أن أبا حنيفة كان مخطئًا في مذهبه وجاءه شخص سكران فأفاق أبو حنيفة مما هو فيه من الباطل عندما قال له السكران: يا مرجئ! فقال أبو حنيفة: أنا مخطئ إذ جعلت لهؤلاء الناس أشياء لا يستحقونها.","vol":"51","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1035>ثناء العلماء على أبي حنيفة</span>\nأثنى العلماء على أبي حنيفة، ولا يكاد أحد منهم يذكر أبا حنيفة إلا ويثني عليه، وقد قال ابن تيمية كلامًا جميلًا حيث قال: من ظن بـ أبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن وإما بهوى.\nوقال ابن كثير في ترجمته: فقيه العراق وأحد أئمة الإسلام والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء.\nوأورد ثناء الأئمة عليه، منهم يحيى بن سعيد وابن المبارك والشافعي وأبو نعيم ومكي بن إبراهيم وهؤلاء العلماء كانوا قريبي عهد به، فلو كان ما نسب إليه من مستشنعات صحيحًا عنه لكانوا أول من يعلم به، ولكنهم أثنوا عليه مع اطلاعهم على هذه المستشنعات ولم يلتفتوا إليها، فرحم الله علماء الأمة الإسلامية، وكتب لهم أجر جهودهم ونشرهم لدينه ﷾.\nأقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم.\nوصلى الله على نبينا محمد.","vol":"51","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1036>الأسئلة</span>","vol":"51","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>تحالف الشيعة مع المجوس واليهود والنصارى</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إن الشيعة على فساد عقيدتهم هم الذين تحدوا الظلم والجبابرة على مر العصور، فهل هذا فتنة لأهل السنة والجماعة، أم أن الأسماء ليست دليلًا دقيقًا على المسميات، أقصد أن أهل السنة والجماعة أيضًا يشوبهم كأشخاص نقص؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ليس الشيعة هم الذين تحدوا الظلم وتصدوا للجبابرة، بل الدارس لتاريخ الشيعة يعلم جيدًا أن الشيعة وضعوا أيديهم في أيدي المجوس تارة والنصارى واليهود تارات أخرى في محاربة أهل السنة والجماعة، وهذا أمر يطول، وقد تناولت طرفًا عظيمًا منه في أثناء التعليق على معتقدات الشيعة، والمقام لا يسمح بسرد شيء منه، ولو رجعت مثلًا إلى البداية والنهاية لـ ابن كثير، أو إلى كتاب تاريخ السنن والملوك أو العواصم من القواصم للإمام ابن العربي أو غيرها من الكتب لعلمت أن هؤلاء فرقوا المسلمين، وهم يعملون بالليل والنهار على محاربة السنة.\nومصر كانت في زمن الدولة الفاطمية بلدًا شيعيًا، فقد حمل البلد على التشيع رغم أنفه، والذي يتتبع تاريخ الفاطميين يعلم أنهم لما فتحوا مصر بنوا الأزهر لنشر مذهب الباطنية والإسماعيلية والرافضة وغير ذلك، بل هذه المذاهب هي التي كانت تدرس فحسب في الأزهر الشريف، لما لم يكن شريفًا في ذلك الوقت، وما كان الأزهر شريفًا إلا في فترة صلاح الدين الأيوبي عليه رحمة الله.\nولما كان للشيعة في مصر الغلبة والنجدة والصولة كانوا يفتشون بيوت أهل السنة بيتًا بيتًا في كل ليلة، فإذا وجدوا عند أحدهم مصحفًا أو كتابًا من كتب السنة كـ البخاري أو مسلم أو موطأ مالك أو مسند أحمد شنقوا صاحب هذا الكتاب في الميادين العامة حتى يكون عبرة لغيره.\nوهذا الكلام مذكور في كتب التاريخ ككتاب البداية والنهاية.","vol":"51","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1038>حكم إقامة غير المؤذن، وحكم الخروج من المسجد بعد الأذان</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أذنت أذان صلاة العشاء، ثم وكلت شخصًا لإقامة الصلاة؛ لأنني أريد أن أحضر درس العلم وأحرص على حضور الدرس من أوله، فما حكم هذا الفعل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو مشروع وإن كان خلاف الأولى، والنبي ﵊ قضى بأن من دخل المسجد بعد الأذان فلا يخرج منه حتى يصلي الفرض الذي أذن له، وهذا الأمر محمول على الاستحباب، ومن خالف ذلك فقد وقع في الكراهة التنزيهية، والحكم يختلف بحسب السبب الداعي للخروج، فلو أنك دخلت مسجدًا فوجدت فيه قبرًا فيجب عليك أن تخرج منه، ومن كانت له حاجة أو عنده مصلحة تقضي أن يصلي في مسجد آخر فلا بأس أن يخرج من هذا المسجد إذا أيقن أنه يدرك الجماعة في المسجد الآخر، حتى وإن كان هذا الخروج بعد الأذان.","vol":"51","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1039>حكم الاتكاء على راحة اليد الشمال</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل النهي عن الاتكاء على راحة اليد الشمال في الصلاة فقط، أم هو نهي عام؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هو نهي عام في الصلاة وغيرها.","vol":"51","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1040>حكم الأكل من الطعام المصنوع بمناسبة مولد الحسين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  اشترت جارة لنا لحمًا وصنعت طعامًا بمناسبة مولد الحسين -﵁- ووزعته على الجيران، فهل يجوز الأكل منه أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يجوز، سواء ذبحته لهذه المناسبة أو اشترته من الجزار لأجل هذه المناسبة، فلا يجوز الأكل منه، وهو أشبه بلحم ذبح على النصب.","vol":"51","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1041>صفة ثوب الصلاة للمرأة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما صفة ثوب الصلاة للمرأة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجب على المرأة أن تلبس ثوبًا طويلًا للصلاة، يغطي ذراعيها إلى الرسغين على الأقل ويغطي ظهر القدم.","vol":"51","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1042>حكم العقيقة، وميقاتها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا لم يعق عن الولد في اليوم السابع أو الرابع عشر أو الواحد والعشرين هل يعق عنه في أي وقت؟ وهل كل إنسان يعق عن نفسه إذا كبر إذا لم يعق عنه والده؟ وهل العقيقة سنة أم واجبة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  العقيقة محل نزاع بين أهل العلم بين سنيتها ووجوبها، والذي يترجح من مذاهب جميع العلماء: أن العقيقة سنة مؤكدة، والنبي ﵊ عق عن نفسه بعد البعثة، وهذا يدل على تأكيدها، وقال: (كل غلام مرتهن بعقيقته).\nوهذا تهديد ربما تناسب مع قول القائلين بأن العقيقة واجبة.\nوأما ميقاتها ففي اليوم السابع، قال النبي ﵊: (يعق عنه يوم سابعه ويماط عنه الأذى)، يعني: يحلق رأسه ويماط عنه الأذى في يوم سابعه، وأما حديث الأربعة عشر أو الواحد والعشرين فحديث ضعيف، وذهب ابن حزم إلى أن من لم يعق عن ولده في اليوم السابع لم يقبل ذلك بعد السابع، ولكن جمهور أهل العلم -ورأيهم هو الرأي الصواب- أن من لم يتيسر له العق عن ولده في اليوم السابع فهي في ذمته متى تيسر له ذلك، واستحب أحمد أن يستدين ليعق عن ولده في اليوم السابع إذا غلب على ظنه أن يأتيه مال بعد السابع.\nويستحب للإنسان أن يعق عن نفسه إذا لم يعق عنه والده، وليس على سبيل الوجوب؛ لأنه إن كان فيها إثم فإنما يقع على الأب إذا تيسر له ذلك فلم يفعل.\nوأما من لم يتمكن من العق مطلقًا في حياته لعدم الميسرة فإن الله لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، ولا شيء عليه.","vol":"51","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1043>قول الشيعة الإمامية بنقص القرآن الكريم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي الفرقة التي ادعت أن القرآن غير مكتمل، وأن ثلثيه سيأتي به المهدي المنتظر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإمامية، قالوا: القرآن الذي بين يدي الناصبة -الذين هم نحن، يعني: أهل السنة، فهم يسموننا ناصبة أو نواصب؛ لأننا نناصبهم أو نناصب أهل البيت العداء، وليس الأمر كذلك، بل إننا نحب أهل البيت حبًا جمًا، ونعطي لهم حقهم، ﵃- إنما هو ثلث القرآن الحقيقي، ومنهم من يقول: ليس هو القرآن الذي بين يدي الناصبة -أي: أهل السنة- وأن هذا القرآن لم ينزل منه حرف واحد من السماء، وأن القرآن الذي نزل من السماء خص النبي ﵊ به عليًا، وخص علي به فاطمة، وخصت به فاطمة أبناءها الحسن والحسين وغير ذلك، حتى اختفى هذا القرآن مع المهدي المنتظر أبو الحسن العسكري في سرداب سامراء في العراق، وسيظهر آخر الزمان، وهو المهدي المنتظر عندهم، بخلاف المهدي المنتظر عندنا.","vol":"51","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1044>حكم حلق اللحية للسفر إلى العمرة</span>\nالشيخ: شخص يريد السفر لأداء العمرة وجواز سفره فيه صورة من غير لحية، وأصبح الآن له لحية، فهل يحلق لحيته أم لا؟ وإذا لم يحلقها فهل يلحقه ضرر من ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن شاء الله لا يكون في ذلك ضرر، وتوكل على الله وسافر، وقد سافر معنا أناس على نحو ما ذكرت، وإن شاء الله بالخروج بالدعاء والتضرع إلى الله ﷿ تنجو من فتنة القوم.","vol":"51","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1045>حكم لعن إبليس والاستعاذة منه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز لعن إبليس أم نستعيذ بالله منه فقط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يجوز الاثنان، فإذا كانت اللعنة جائزة على أصحاب المعاصي أحيانًا، فكيف برأس المعاصي كلها والسبب في وجودها.","vol":"51","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1046>العذر بالإكراه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لو قال رجل من أهل العلم المتبعين قولًا وهو مجبر مضطر، والعامة والجمهور يعتقدون أنه قال ذلك عن علم وحجة، واتبعوه على ذلك، فما حكمه، مثل أن يقول للعامة: إن بين المسلمين وغيرهم أخوة وطن وقومية، فهل يعذر لو كان مجبرًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  دائمًا ينظر الواحد للقضية على أنها قضية الغير وليست قضيته، فلماذا لا تضع نفسك أنت في هذا الموقف، فإنك إذا أخذت وعزلت ستقول ذلك، وأنت مجبر؛ لأنك قد عذبت غاية العذاب، وعندما نرى أن ما نزل بك من بلاء أقوى من قدرتك على تحمله فسنعذرك.\nنسأل الله السلامة لنا ولكم.","vol":"51","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1047>حد عورة المرأة المسلمة بين المحارم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هو حد العورة للمرأة المسلمة بالنسبة لمحارمها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الكلام في هذه القضية كلام طويل جدًا، وقد سمعت في الأسبوع الماضي شريطًا مدته ساعة ونصف تقريبًا للشيخ الألباني ﵀ يتعلق بهذه القضية فقط، وعنوان الشريط عورة المرأة المسلمة أمام المحارم، وخلاصته: أن عورة المرأة المسلمة أمام محارمها -يعني: أمام ولدها وعمها وأبيها وخالها وابنها من الرضاعة- هي مواضع الوضوء، يعني: لا بأس أن تظهر المرأة شيئًا من قدمها وشيئًا من ذراعها مثلًا، ورقبتها ووجهها وكفيها إذا كانت من أهل النقاب، وأما الشعر فقد وقع فيه نزاع، وكره أحمد بن حنبل ﵀ أن يطلع -أي: المحارم- على شعر المرأة، وهذا طبعًا داعية إلى تمام الصيانة والعفة.","vol":"51","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1048>حكم الصلاة خلف مرتكب البدعة غير المكفرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل تجوز الصلاة خلف الإمام المرتكب بدعة غير مكفرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم إذا كانت البدعة غير مكفرة، والذي يطوف حول القبر ويستغيث بالمقبور بدعته مكفرة، لأنه صرف ما يجب لله ﷿ لغير الله، وهذا النوع شرك، فإذا دخلت المسجد ووجدت حلقة ذكر مثلًا وأصحابها يترنحون يمنة ويسرة ويذكرون الله على الحقيقة، وفي أثناء ذكرهم يتلون أشعارًا أو يذكرون الله تعالى ذكرًا ليس فيه نوع شرك، فهذه الطريقة طريقة مبتدعة، ولو صلى أحد الصوفية وليس له من البدعة إلا هذا النوع من الذكر فهذه البدعة غير مكفرة، وهي لا تمنع من الصلاة خلفه، فإذا كانت البدعة غير مكفرة فلا بأس أبدًا بالصلاة خلفه، مع اعتقاد أن الأمة سلفًا وخلفًا لا تزال تحرص على أداء الصلاة، وعلى صحبة أفضل الناس وأخيرهم وألزمهم للسنة، ولست بذلك أعني أنه لابد أن تصلي خلفه، بل لو كان هناك من الأئمة من هو أحسن منه حالًا فلا شك أن الصلاة خلفه أولى من الصلاة خلف هذا، ولكن لو اضطررت إلى أن تصلي خلف مبتدع بدعة غير مكفرة فإنه لا بأس بهذه الصلاة وهي صحيحة.","vol":"51","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1049>إفتاء الشيخ الألباني بإخراج زكاة الفطر حبوبًا وما شابهها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  المعروف عن الشيخ الألباني ﵀ أنه يقدم الحديث على أي قول، فكيف قال بجواز صدقة الفطر من المال، ولم يقل من الطعام كما ورد في النص؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أين قرأت هذا الكلام للشيخ؟ وهل قال هذا الشيخ الألباني؟ فالمشهور والمعروف عن الشيخ الألباني أنه يرفض رأي أبي حنيفة في هذا تمامًا، وهو معروف بتشدده جدًا في هذه القضية، وقد سئل مرارًا وسمعناه مشافهة وفي المسجلات يرفض تمامًا أن تخرج زكاة الفطر مالًا، ويقول بوجوب إخراج زكاة الفطر حبوبًا وما شابهها، بل إنه سئل -وأنا جالس أسمع- عمن أخرج زكاة فطره مالًا فقال: يعيد إخراجها طعامًا إذا كان في رمضان، يعني: إذا كان ما زال في رمضان يعيد مرة أخرى ويخرجها طعامًا، فنسبة الوهم إلى الناقل لهذا الكلام أولى من نسبة هذا القول إلى الشيخ مع ما اشتهر عنه من القول بالرأي الآخر.","vol":"51","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1050>حكم الدراسة عند أهل البدع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أريد أن أقرأ على شيخ في أحد المذاهب الفقهية وأنا محتاج إلى هذا، ولكن هذا الشيخ تغلب عليه البدعة في بعض مسائل العقيدة، ويغلب على ظني أني لن أتأثر به إن شاء الله، فهل يجوز أن أقرأ عليه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أصل هذا السؤال عند أهل العلم الجواز، فربما يكون مبتدعًا في باب الاعتقاد مجتهدًا في غيره من الأبواب، وتاريخ الأمة يقضي بأن الواحد إذا كان عنده خلل أو تقصير أو ضعف في جانب فلا يمنع أن يبلغ ضابط الاجتهاد في جوانب أخرى، والأمة تستفيد منه في هذه الجوانب التي تفوق فيها، ولكن الخطر كل الخطر على من يأخذ على يد هذا المبتدع، فإذا كان متيقظًا وحذرًا جدًا من بدعته وفتنته في الاعتقاد أو في المسلك فلا بأس بالأخذ على يديه.\nوكثير من أبناء هذا المسجد -حتى لا نبعد بعيدًا- ذهبوا إلى شيخ من شيوخ البدعة في الأزهر مشهور ومعلوم عنه البروز في الفقه وأصوله خاصة فقه الشافعية، ولكنه في الاعتقاد أشعري، حتى أصبح الواحد منهم يرسل الرسائل ويقول: أنا مستعد للخصومة والمحاججة في أن مذهب الأشاعرة هو الحق، وأن الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، والذي أرسل إلي بهذه الرسالة كان قد أرسل إلي بمثل هذا السؤال سواء بسواء، وقال: أنا آمن على نفسي الفتنة منه، وإذا به في حقيقة الأمر لم يأمن، بل وقع في براثن الانحراف من أول وهلة؛ لأن هؤلاء يملكون الحجج والبينات والبيان والفصاحة واللسان الطلق الذي لا يمكن لأحد أن يقف أمامهم إلا أحد على مثل ما هم عليه من فصاحة وبيان وإلمام بالأدلة ومعرفة بما عليه الخصم ورد أهل السنة على مفترياتهم وغير ذلك، وما أظن أن أحدًا تأهل لذلك.\nفالأصل في هذا عند السلف الجواز، وواقع الناس يخوف من الأخذ بما قاله السلف تمامًا.","vol":"51","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>حكم العلاج بالعسل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم استخدام العسل في العلاج مثل استخدامه في فتحة الشرج؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  جائز.","vol":"51","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>حكم تشميت العاطس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا قال العاطس: الحمد لله، فهل يجب على كل من سمعه أن يقول له: يرحمك الله؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، وقد ذكر ابن عبد البر في مطلع كتابه الاستذكار فروض الكفايات وفروض الأعيان وحقوق الإسلام، فذكر كما هو راجح في مذهب المالكية أن هذا من فروض الأعيان، كتشييع الجنازة مثلًا أو الصلاة عليها أو رد السلام أو عيادة المريض، فترجح لديه أن هذا فرض عين على كل من سمع السلام مثلًا أو ألقي ﵇، فلو دخل شخص الآن المسجد وقال: السلام عليكم فعلينا كلنا الرد عليه، والجمهور على أن هذه الواجبات من فروض الكفايات، وإذا رد البعض سقط الإثم عن الباقين.\nوأما المالكية فترجح لديهم أن هذه الواجبات هي واجبات على الأعيان، والراجح هو مذهب الجمهور.","vol":"51","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1053>حكم الاستعانة بالجن على إخراج الكنوز من باطن الأرض</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز الاستعانة بالجان لاستخراج الكنوز وغيرها من باطن الأرض؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قد أجبنا على هذا السؤال مرارًا بأنه لا يجوز ذلك.","vol":"51","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1054>الواجب على من أراد أن يكون طالب علم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ماذا أفعل لكي أكون طالب علم وماذا علي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي عليك أن تواظب على حضور مجالس العلم.","vol":"51","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1055>النية شرط في العبادات</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل النية شرط في أعمال العبادات والطاعات وأيضًا في الأعمال المباحة كالأكل والشرب والاغتسال المباح والنوم، أم في العبادات فقط، وكيف تعقد عند كل عمل إن كانت شرطًا لصحة العمل، وجزاكم الله خيرًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النية شرط في العبادة بلا خلاف بين أهل العلم، والنية هي التي تفرق العادة من العبادة، كما أنها تفرق العبادات بعضها عن بعض، فهذا فرض وهذا نفل، فالنية هي التي دفعتك إلى الدخول في العبادة، فمثلًا: أنت عندما تسمع أذان العشاء وتتوضأ وتخرج من البيت وتقف في الصف خلف الإمام، فهذا الخروج من البيت والوقوف مع الإمام وأداء الصلاة معه من النية، فهي لا تنعقد نطقًا وإنما تنعقد بالقلب؛ لأن محلها القلب، فلا يلزم أن تقول مثلًا: نويت أن أصلي العشاء في المسجد الفلاني في الساعة الفلانية خلف الإمام الفلاني، وغير ذلك من الكلام الطويل الذي يقوله الناس.","vol":"51","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>ما يحذر العاقد فعله أيام العقد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز للعاقد أن يقبل ويضم زوجته قبل البناء، وإن كان لا يجوز فما الذي يجوز له؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الأخ عبد المنعم إبراهيم صنف كتابًا لطيفًا في هذه الحقوق اسمه الإتحاف، وأعطاني نسخة منه يوم الجمعة الماضية، وهو كتاب لطيف إن شاء الله، فيه من الفوائد والأحكام الشيء الكثير، ويلزم كل عاقد على أن يعرف ما له وما عليه.\nوأما هل يجوز له أن يضم ويقبل؟ فإذا كانت الإجابة بالإيجاب فإنه يخشى مما هو أبعد من ذلك، فينبغي لكل عاقل أن يحترم نفسه، وأن يصبر على حرقة الشوق مدة العقد حتى يدخل بشيء من الحب والشوق إلى امرأته بعد البناء؛ لأن الذي يقبل ويحضن وغير ذلك خاصة إذا طالت مدة العقد فإنه يفتر شيئًا فشيئًا حتى إذا أتى موعد البناء لم يكن له حاجة فيها في الغالب، ثم إن هذا قد يؤدي إلى جماعها، وغالبًا الإنسان إذا كان شابًا ولم يسبق له الزواج لا يأمن على نفسه، وعائشة ﵂ في غير ما حديث تقول: (فكان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم ويخرج إلى الصلاة فيصلي ولا يتوضأ)، يعني: بوضوئه الأول، (وكان النبي ﷺ أملككم لإربه، وأيكم -تخاطب الصحابة- أيكم أملك لإربه؟) أي: حاجته وشهوته، فإن أحدًا لا يستطيع ذلك، فإذا كان هذا الخطاب للصحابة فهو من باب أولى أن يكون لشباب اليوم الذي يتحرق نارًا وشوقًا إلى معاشرة النساء.\nفإذا علم أن المعقود عليها حلال له الاستمتاع بها ظاهرًا فربما أدى به إلى الإيقاع بها باطنًا، وأحد الإخوة لما علم أن ذلك له مباح فعل، فلما فعل استنكف جدًا أن تكون هذه امرأته، وقال: هذه المرأة ليست شريفة، ولو كانت شريفة لدفعتني ومنعتني، فلما فعلت ذلك هذا يدل على أنها مكنت من نفسها غيري، فلا مانع أن تمكن الغير منها بعد البناء، ولعب الفأر بعبايته أو برأسه واستقر أمره على أن يطلقها.\nووقعت أكثر من عشر حالات على هذا النحو ثم وقع بينهم الطلاق، ولابد من النظر إلى العرف، فكيف ينظر أهل الحي لهذه المرأة؟ وهل ينظرون إليها على أنها زانية أم أنها شريفة وأن زوجها هو الذي أتاها؟ فينظر المجتمع الجاهل على أن هذا المرأة زانية، وظاهر نصوص القرآن والسنة توجد فيها فروق كثيرة بين المعقود عليها وبين المدخول بها من جهة الحقوق، من الميراث والعدة، وغير ذلك من سائر الحقوق التي بين الزوجين.\nأسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nوصلى الله على نبينا محمد.","vol":"51","page":52},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1057> ما جاء في أن الإيمان اسم مدح</span>\nمعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات، فالأعمال الصالحة داخلة في مسمى الإيمان؛ وما من عمل إلا وهو يؤثر في إيمان العبد؛ فإما يزيده، وإما ينقصه، وإما يسلبه بالكلية.","vol":"52","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1058>ما ورد في كتاب الله تعالى في أن اسم الإيمان اسم مدح وأن المؤمنين في الجنة</span>\nبسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد: فأول الجزء السادس من كتاب أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي يتكلم عما ورد من الآيات في كتاب الله ﷿، في أن اسم الإيمان اسم مدح، وأن المؤمنين في الجنة.","vol":"52","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1059>المقصود من اسم الإيمان الوارد في الكتاب والسنة</span>\nأنا أريد أن أقول: إن مصطلح الإيمان أو اسم الإيمان واسم الكفر أو الفسوق أو العصيان وضعت لمعانٍ معينة.\nأما ما ورد في الكتاب والسنة باسم الإيمان فإنما ورد في معرض المدح لا في معرض الذم، وأن هذا المصطلح إنما وضع للأعمال والمعتقدات، مما يدل على أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ لأنه لما تكلم الله ﷿ في غير ما موطن من كتابه عن المؤمنين تكلم لا عن ذات المؤمنين وإنما عن السبب الذي مدح به المؤمنون، وهو أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم عن اللغو معرضون، وغير ذلك من صفات المؤمنين، فالمدح إنما انصب على عملهم.\nأما هم فهم في الجنة والسبب أعمالهم التي هي داخلة في مسمى الإيمان أو في حقيقة الإيمان، وهذا بخلاف غيرهم ممن أوردهم الله ﷿ على سبيل الذم، وهم المنافقون، والكافرون، والعصاة، ولكل واحد منهم منزلة في النار، أو يعفو الله ﷿ عن عصاة الموحدين، فهو يفعل ما يشاء ﷾.\nفالمؤلف ﵀ أراد أن يبين في هذا الباب أن مصطلحات معينة في الشرع وضعت، منها ما وضع للمدح كمصطلح الإيمان، ومنها ما وضع للذم كمصطلح الفسوق والعصيان والنفاق والكفر.\nأما الإيمان فإنما هو اسم مدح لأهله؛ لأنهم عملوا كيت وكيت من الأعمال الصالحة، وأما مصطلحات الفسوق والعصيان والفجور والنفاق والكفر فكلها مصطلحات ذم وضعت لأقوام عملوا لمعصية الله ﷿، وعدد بعض الصفات التي استوجبت لأصحابها النار، كما أنها استوجبت لأصحابها اسم الفسوق أو العصيان أو النفاق أو الفجور أو الكفر، وغير ذلك من سائر المصطلحات التي تستوجب النار أو يعفو عنها الغفار ﵎.\nقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، أي: أفمن كان مؤمنًا من الناس يعمل الطاعات وينتهي عن المعاصي كمن كان فاسقًا، والفاسق: هو من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة، سواء من جهة الميل القلبي أو من جهة العمل، أي: عمل الجوارح.\nفإن الذي يزني لا بد أن يسلب عنه حين الزنا اسم الإيمان، ولذا فإننا نفرق دائمًا بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق.\nأما مطلق الإيمان فهو أصل الإيمان الذي استقر في القلب وقت النطق بالشهادتين، وهذا الإيمان الذي هو من عمل القلب إذا زال عن المرء زال عنه تمامًا اسم الإيمان والإسلام.\nأما الإيمان المطلق فهو كمال الإيمان وتمامه، إما كماله الواجب أو كماله المستحب، فالكمال نوعان: إما كمال واجب يتعلق بالحلال والحرام وغير ذلك من سائر الفرائض والأركان الشرعية، وإما كمال مستحب يتعلق بسائر النوافل.\nفمن أدى الفرائض وحرم الحرام وأحل الحلال وعمل بالأمر وانتهى عن النهي فإنما يكون قد أدى الكمال الواجب في الإيمان المتعلق بالجوارح، وأما إذا زاد عن ذلك فعمل النوافل وتقرب إلى الله ﷿ بسائر المستحبات فإنما قد حقق الإيمان الكامل أو قد بلغ حقيقة الإيمان؛ ولذلك لما أثنى الله تعالى على المؤمنين بأعمالهم قال في نهاية مدحه لهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤] يعني: هؤلاء الذين بلغوا حقيقة الإيمان، وكمال الإيمان، وتمام الإيمان، لأنهم فعلوا أعمالًا صالحة.","vol":"52","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1060>تفريق الله تعالى في كتابه بين المؤمن والفاسق أو المنافق</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة:١٨] هذه الآية فيها رد على المرجئة الذي يقولون: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، لأنهم يخرجون العمل عن ماهية الإيمان وعن مسمى الإيمان وعن حقيقة الإيمان، فيقولون: الإيمان هو: التصديق بالقلب والقول باللسان.\nوالجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة، حتى وإن لم يستقر ذلك في القلب، وإن لم يتلفظ به اللسان، فإبليس عليه لعنة الله يعلم جيدًا أن الله ﷿ حق، وبالتالي يرد عليهم بأيسر ما يمكن؛ لأن حجتهم أوهن من بيت العنكبوت.\nوكذلك المرجئة الغلاة فهم لا يفرقون بين الطائع والعاصي؛ وهذا كلام استقر في أذهان العامة، فضلًا عن الخاصة؛ فالذي يزني ويعتاد الزنا ليس كالطاهر العفيف، حتى في أعراف الناس لا يستويان، وكذلك السارق الذي أدمن وألف السرقة لا يمكن قط أن يستوي مع إنسان عف نفسه عن الحرام أو امتنع عما ليس له.\nفالمرجئة يقولون: إيمان أطوع الناس لله ﷿ كإيمان أعصى الناس لله ﷿.\nإذا كان إيمان أبي بكر الصديق ﵁ ليس كإيمان جبريل، وأبو بكر ﵁ هو من هو في الإمامة والهدى والعلم وغير ذلك؛ ومع هذا لا يستوي إيمانه مع إيمان جبريل ﵇، بل جبريل ﵇ أسبق إيمانًا من أبي بكر؛ لأن الله تعالى خلق الملائكة قبل أن يخلق الإنس، فجبريل في الخلق سابق على أبي بكر الصديق ﵁، وأبو بكر الصديق في آخر أمة من أمم الله ﷿، فجبريل قد وحد الله تعالى آلاف السنين قبل أن يخلق الله أبا بكر، فكيف يستويان، فضلًا عن استواء العاصي مع الطائع؟ ولذلك الله تعالى إنما ذكر هذه الآية على سبيل التقريع والتوبيخ أو لفت الأنظار.\nفقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة:١٨]، يعني: هما الاثنان لا يستويان، فبين الله ﵎ الفرق بين المؤمن العامل بمقتضى الإيمان وبين الفاسق الذي لم يعمل بمقتضى الإيمان.\nقال: [وقال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١]]، ففرق بين الإيمان والنفاق، فالنفاق هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، ولكن إذا خفي هذا على الخلق فإنه لا يخفى على الله ﷿، والله تعالى يعلمه حقيقة العلم قبل أن يوجد وقبل أن يخلق.\nقال: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧]، فكيف يكون مؤمنًا من كان فاسقًا منافقًا؟ وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]]، النداء وجه لأهل الإيمان، فإذا كان الإيمان اسم مدح لصاحبه فلم أمرهم الله ﷿ في هذه الآية بعد أن مدحهم أن يتوبوا إليه؟ وقد قال النبي ﵊: (كل بني آدم خطاء) ولفظ (كل) من ألفاظ العموم، والراجح أن الأنبياء غير معصومين من الصغائر، وهذا مذهب جماهير أهل العلم من أهل السنة وهو الحق الذي أيدته الأدلة من الكتاب والسنة، فأصلح الصلحاء، وأطوع الطائعين من بعد الأنبياء أولى باقتراف الذنب، إما هفوة ولممًا أو صغيرة وإما كبيرة، بل أحيانًا نجد من أهل الصلاح من يرتد عن دين الله ﷿ ثم يرجع إليه أخرى، فالنداء هنا لأهل الإيمان الممدوحين سلفًا.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٨] توبوا: فعل أمر يفيد الوجوب.\nأي: توبوا توبة خالصة صادقة لا ترجعوا بعدها إلى الذنب، بأن تعزموا على الاقتلاع والانتهاء عن المعصية، وأن تتفطر قلوبكم عما بدر منكم، مهما قل ودق وصغر حجمه.\nقال: [ولا شك أن التوبة تكون من المحظورات والمناهي]، فالمسلم يتوب من شيء وقع فيه، من معصية صغيرة أو كبيرة، فإذا كان الله تعالى أمر أهل الإيمان أن يتوبوا فمن باب أولى أن يوجه هذا النداء لأهل العصيان والفجور والفسوق وغير ذلك من أصحاب الكبائر.\nفدلت هذه الآية مع قوله ﵊: [(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة كبيرة يتطلع إليه فيها الناس بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل الغال حين يغل وهو مؤمن)].\nأي: لا يزني الزاني، ولا يسرق السارق، ولا ينهب الناهب، ولا يغل الغال، إلا ويسلب عنه اسم الإيمان، لكن سلب الإيمان لا يدل على أنه قد كفر؛ لأن بعض الناس يقول: إن لم يكن مؤمنًا لا بد أن يكون كافرًا، لابد أن تعلم كما قال كثير من السلف وأشاروا بأصابعهم إلى أن الإسلام دائرة كبيرة عظيمة، وأن الإيمان هكذا، وحلقوا بأصابعهم حلقة صغيرة في وسط دائرة الإسلام، إذا نزع هذا الإيمان لا بد أن يقع صاحبه في دا","vol":"52","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1061>الأدلة على أن الأعمال الصالحة داخلة في مسمى الإيمان</span>\nودلت الآيات والأخبار كلها عن أن الإيمان اسم مدح يستحق صاحبه المدح على أفعاله، والفسق اسم ذم يستحق صاحبه الذم على أفعاله، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ﴾ [الأنفال:٢] يعني: خشعت قلوبهم وذلت وانقادت وخضعت لله ﷿، فالإيمان يزيد بسماعهم لتلاوة آيات الذكر الحكيم، كلما سمعوا آية ازدادوا إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون، فكل الذي سبق عمل قلبي.\n﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣]، الصلاة عمل الجوارح، وعمل القلب كله داخل في الإيمان.\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، والنفقة تكون بالجوارح.\nإذًا: عمل الجوارح وعمل القلب داخل في حقيقة الإيمان.\nوقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، بين الله ﷿ أن من جمع بين عمل القلب الإيماني وعمل الجوارح هو المؤمن حقًا، وهذا يدل على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، كل على حسبه، ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤].\nقال: [وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٧٢]]، والوعد والجزاء للمؤمنين الذين أتوا من الأعمال القلبية وأعمال الجوارح ما يحقق لهم الإيمان الكامل أو الإيمان التام.\nٌقال: [وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة:٦٥]، وقال تعالى في صفة المنافقين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨]]، فهؤلاء استحقوا هذه الدركة من النار بسبب ما قد أتوا من أفعال استوجبت لهم هذه الدركة، وسماهم الله تعالى منافقين وهو اسم ذم.\nقال: [وقال النبي ﵊: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)]، فلا يمكن أن يستوي الذي يسب الناس ويشتمهم ويلعنهم ويؤذيهم مع الذي لا يسبهم ولا يشتمهم ولا يلعنهم ولا يؤذيهم؛ لأن الذي يسب ويشتم ويلعن ويفسق ويبدع بغير حق يستحق الذم لما قد بدر من لسانه من السب والشتم واللعن، والضرب باليد والقدم، كل هذه من أعمال الجوارح، فإنها تخرج صاحبها من اسم المدح وهو الإيمان وتدخله في اسم الذم وهو الفسوق، فالذي يسب ويشتم ويلعن وغير ذلك بغير حق فإنما هو فاسق.\nوإذا كان لفظ القتال، يعني: إراقة الدماء، فقتل المؤمن بغير حق لا شك أنه معصية كبيرة، ونحن نعلم أن صاحب المعصية لا يكفر مهما كانت كبيرة إلا إذا استحلها، مع قيام الحجة عليه، كل أنواع الكبائر لا يكفر صاحبها إلا إذا استحلها، حاشا الشرك، فإذا تاب تاب الله ﷿ عليه، وإذا أقيم عليه الحد فهو كفارته، وإذا مات مصرًا على الذنب غير مستحل له فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.\nهذا تأصيل علمي لمرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة، بخلاف المرجئة فإنهم يقولون: لو ارتكب امرؤ كل الكبائر عدا الشرك بالله فإنه مؤمن كامل الإيمان، وإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، ولا حرج عليه.\nلا شك أن هذه دعوة إلى الفجور والمعاصي، إذا علم المرء من نفسه أن إيمانه لا يتزعزع ولا ينقص، وأنه داخل الجنة لا محالة مهما ارتكب من كبائر وسيئات، فلا يردعه عن الكبائر شيء؛ لأنه وجبريل ﵇ في منزلة واحدة في الجنة مهما ارتكب من الكبائر.\nفإذًا: ما الذي يمنعه عن ارتكاب الكبائر؟! فهذا المذهب من أفسد المذاهب، وأنا لا زلت في حيرة من أمري، هل هؤلاء القائلون بهذا الرأي فقدوا عقولهم تمامًا حتى يتجرأ قائلهم ويقول: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، وأنهم في منزلة واحدة في الجنة؟ أما الخوارج فإنهم قاموا على مرتكب الكبيرة وكفروه وغلاتهم كفروا مرتكب الصغائر، أما عامة الخوارج فإنهم يكفرون مرتكب الكبيرة، بخلاف المعتزلة، فإنهم وقفوا من مرتكب الكبيرة موقفًا مخزيًا إلى أقصى حد، فقالوا: مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر، وهذا حكمه في الدنيا.\nأما في الآخرة فإنه مخلد في النار لا يخرج منها أبدًا، كيف ذلك والعقيدة المستقرة بأنه لا يخلد في النار إلا الكفار والمنافقون، سواء كان الكفر كفرًا أصليًا أو كفر ردة، والمنافقون كذلك، هؤلاء هم الذين يخلدون في النار ولا يخلد أحد غيرهم، فكيف لا هو مؤمن ولا هو كافر ومع هذا هو مخلد في النار؟ وأهل السنة والجماعة يقولون: مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فهم لا ينفون عنه اسم الإيمان بالكلية، كما لا يعطونه م","vol":"52","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1062>الأعمال التي تنقص من الإيمان أو تسلبه بالكلية</span>\nفقوله ﷺ: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، أي: لا يستوي قط من سب مسلمًا ومن لم يسب، ولا من قاتل مسلمًا ومن لم يقاتل، فالذي لم يقاتل يستحق المدح، والذي قاتل وسب يستحق الذم، وذمه إما أن يكون كافرًا، وإما أن يكون فاسقًا، فالسباب فسوق، أما القتال فمنه ما هو فسوق إذا كان كبيرة، ومنه ما هو كفر إذا استحل ذلك بعد قيام الحجة عليه.\nقال: [وروي عن أبي بكر الصديق ﵁: الكذب يجانب الإيمان]، يعني: الكذب لا يمكن أن يتفق قط مع الإيمان؛ لأن الكذب كبيرة من الكبائر، خاصة الكذب على الله ﷿ وعلى رسوله الكريم ﵊.\nوقال النبي ﵊: (آية المنافق ثلاث -يعني: علامة المنافق ثلاث- إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)، وفي رواية: (وإذا عاهد غدر).\nوالمعلوم أن الواحد منا يكذب، ويعد ولا يفي، ويؤتمن ويخون، وغير ذلك من الخصال المذكورة في الحديث، فهل الواحد إذا كذب في حديثه يكون منافقًا؟ أنتم تعلمون أن النفاق أشد خطورة من الكفر البواح؛ لأنه يبدي ويظهر خلاف ما يبطن، فيأمنه الناس على دينه، وهو في حقيقة الأمر غير أمين على شيء، فخطورته عظيمة جدًا.\nوهذا الحديث قال فيه أهل العلم: أنه ورد بصيغة الاستمرار (إذا) التي تفيد الاستمرار، فقوله: (إذا حدث كذب) قالوا: الغالب عليه في حديثه الكذب، فقل أن يصدق، فهو مثل الشيطان الذي قال فيه ﷺ: (صدقك وهو كذوب)، لأنه ليس له مصلحة في هذا الموطن أن يكذب فصدق حتى يأخذ النوال والعطاء.\nفلما دعته المصلحة الشخصية للصدق صدق، لكن الأصل فيه أنه كذوب، فقوله: (إذا حدث كذب)، يعني: مستمر وقائم ومداوم على الكذب، حتى إن الناس يشيرون إليه بأصابع الاتهام: إن فلانًا هذا كذاب فلا تصدقوه.\nعلى عكس ما كانوا يشيرون إلى النبي ﷺ قبل البعثة أنه الصادق المصدوق ﵊، فالصدق اسم مدح، والكذب اسم ذم، ومن وقع في الكذب استحق الذم، ومن تلبس بالصدق استحق المدح، فالصادق والكاذب لا يستويان، هذا مذموم وذاوك ممدوح، هذا في الجنة وذاك في النار.\nفالكاذب في أثناء ما يحدثك هو يكذب ويعلم أنه يكذب ومستمر على الكذب ومصر عليه.\nوإذا استحل الكذب كفر، وإذا كان مداومًا عليه غير مستحل له فإنه فاسق مرتكب لكبيرة عظيمة من الكبائر.\nوقوله ﵊: (وإذا وعد أخلف) أي: كما أنه إذا وعد أخلف، وحرف (إذا) يفيد الاستمرار، يعني: هذا الإنسان معلوم عند الناس أنه لا يفي بوعد قط، بل في أثناء وعده إياه بعمل الشيء أو باللقاء في المكان الفلاني هو غير ناو الوفاء، لأنه يخلط بين الكذب في الوعد وبين خلف الوعد في أثناء الوعد، وكذلك (إذا عاهد غدر).\nوهذه الخصال كانت في الجاهلية مذمومة، فـ أبو سفيان ﵁ لما كان مشركًا كافرًا وسأله هرقل عظيم الروم عن النبي ﵊، كان يصدق في كل جواب ردًا على هرقل ويقول: (لو لم تعدها علي العرب كذبة لكذبت) يعني: هو خائف أن العرب تقول: أبو سفيان كذاب، لأجل كذبة واحدة.\nوكذلك مسألة الجوار، فقد كان الجوار معروفًا في الجاهلية، فإن الواحد منهم كان يفعل الفعلة أو يأتي من بلاد بعيدة وينزل على فلان من الناس عظيم أو شريف من الشرفاء ويقول له: أدخلني في جوارك، أو ارحمني، فلا يمكن لأحد قط أن يمسه بأذى إلا أن يخرج من الجوار، وكانوا يحترمون هذا ولا يغدرون به قط.\nأما هذا الوقت فإن فيه من التفريط والإهمال والمعاصي والمنكرات التي تسربت إلى أبنائنا لما تشربوها من آبائهم وأمهاتهم، فعندما يقول القائل: أنا في جوار ربنا، فإن الخصم ينتقم منه أشد الانتقام، لا يراعي جوار الله، ولا جوار الشرع ولا أصل الأصول ولا أي شيء، وهذا يدل على أنه إذا عاهد غدر، يعني: بعدما يدخل بجواره يقتله وهذا غدر، فلا يمكن قط أن يستوي صاحب هذه الخصال مع من يأتي بنقيضها مما يأمر به الإيمان.\n[وروي عن ابن عباس وأبي الدرداء وأبي هريرة وعقبة بن عامر الجهني والحسن وعطاء وأبي جعفر الباقر والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم ممن تقدم وممن لم يأت.\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)]، فقوله: (حين) يعني: في وقت زناه يسلب عنه الإيمان، وكذلك في وقت السرقة يسلب عنه الإيمان ثم يعود إليه، لكن لا يعود إليه الإيمان إلا إذا تاب، ولكنه لا يخرج من حظيرة الإسلام إلا إذا استحل هذه المعصية اعتقادًا، سواء عمل بها بالجارحة أو لم يعمل.\nقال: [(ولا يغل","vol":"52","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1063>كلام ابن عباس في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي</span>\nقال: [وعن ابن عباس أنه قال لغلمانه -أي: لمواليه-: من أراد منكم الباءة زوجناه -يعني: من أراد منكم أن يتزوج زوجناه- لا يزني منكم زان إلا نزع الإيمان منه].\nهو يقول لهم: ممنوع لأي شخص منكم أن يفكر أن يزني؛ لأن الواحد منكم إذا كان في حاجة إلى الزواج فليخبرني وأنا أزوجه، مخافة أن يقع في الزنا الذي يسلب معه الإيمان.\nقال: [فإن شاء أن يرده الله عليه رده وإن شاء أن يمنعه منعه]، لأن الأمر مثلما يقول ابن تيمية وابن الجوزي وغيرهما أن الطاعة دائمًا تسلم إلى أختها، وأن المعصية في الغالب تسلم إلى أختها، وقل أن يوفق صاحب كبيرة إلى التوبة، لأن المعصية لها حلاوة، والقلب يتعلق بها أيما تعلق، فيصعب جدًا على صاحب القلب الضعيف والإيمان القليل أن يرجع إلى إيمانه الذي تركه أو الذي سلب عنه آنفًا.\nفتصور لو أنك مثلًا شاهدت حلقة من مسلسل في التلفزيون، وإن كان المسلسل خنا وضياع وشذوذ لكنك وقفت على لقطة سلبت قلبك فأنت متعلق بالحلقة التالية منتظر لها لأنه قد نزع من قلبك الإيمان الذي يحملك على بغض النظر إلى هذا، وركب في قلبك شهوة لها اتصال قوي بالمعاصي، فهي تريد أن تعرف إلى أي حد تصل هذه المعصية، فأنت مع كل حلقة تسلمك إلى الثانية.\nأما إذا كنت من أهل الإيمان وأهل الطاعة وأصحاب الصلاة وأصحاب العلم فإنك إذا سمعت درسًا في شعبة من شعب الإيمان فأنت متعلق بهذا الدرس حتى تعلم الشعبة الثانية والثالثة والرابعة والعاشرة والخمسين والسبعين والبضع والسبعين، حتى تكتمل لديك شعب الإيمان.\nفالطاعة دائمًا تسلم إلى طاعة، والمعصية تسلم إلى معصية، وقل أن تسلم معصية إلى طاعة، لأن التوبة شديدة جدًا على نفس العاصي، فاحذر من هذا؛ ولذلك فإن قول النبي ﷺ فيه تهديد حيث قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) وفي نهاية الأمر (والتوبة معروضة بعد) يعني: بعدما وقعت في هذا كله التوبة أمامك، فهل تستطيع أن تتوب أو لا؟ فقل أن يتمكن إنسان بعد انغماسه في المعاصي من الرجوع إلى الله ﷿؛ لأن الشيطان لا يتركك، الشيطان يقول لك: انظر إلى هذا الفيلم فقط، أو إلى هذه الحلقة فقط، أو إلى هذه البنت الجميلة فقط.\nأو يزين لك فيقول: يا رجل أنت بعيد عن الزنا، نحن نسمع من الشيوخ أنه حرام، وربنا أكده والرسول ﵊ فقط أنظر إليها، استمتع فقط بالنظر.\nوالاستمتاع بالنظر يأتي بعده البسمة، ثم الضحك، ثم الغمز، ثم اللمز، ثم الوعد، ثم المقابلة وغير ذلك من أعمال المعاصي التي هي بريد الزنا.\nفلا بد في نهاية الأمر أن تقع في الفاحشة البينة، فإذا كان ذلك منك فهل يا ترى تستطيع أن تقلع عن الذنب حينئذ؟ ربما يكون ذلك وربما لا يكون، فإذا كان الأمر غير راجح عندك أنك تترك المعصية فلا بد أن تستأصل شأفة الأسباب المؤدية إلى اقتراف الذنب من أول وهلة.\nقال: [وقال ابن عباس: الحياء والإيمان في قرن واحد، فإذا انتزع أحدهما من العبد اتبعه الآخر]؛ لأنه ما امتلك زمامه.\nفأنتم تعلمون أن الحياء من الإيمان، وهو شعبة من شعبه كما أخبر ﵊، إذا نزع الإيمان نزع الحياء، وإذا نزع الحياء نزع قدره من الإيمان.\nإذا كانت هذه كلها شعب الإيمان فبلا شك أن ترك شعبة من الإيمان يترك من الإيمان على قدر تركها، فمن ترك مثلًا الصدقة لا بد أن يخدش إيمانه على قدر تفريطه في الصدقة، والذي يترك الحياء فلا بد أن يخدش إيمانه على قدر تركه للحياء، وهكذا كل شعبة من شعب الإيمان.","vol":"52","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1064>كلام أبي هريرة في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي</span>\nقال: [وقال أبو هريرة: لا يزني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن.\nقال عطاء: يتنحى عنه الإيمان]، ولا يبقى في القلب إلا غبرات الإيمان وأصله وشبحه.\nأما الإيمان الذي ينير القلب لصاحبه ليسلك الطريق إلى الله ﷿، فلا شك أن ذلك مرهون بالعمل؛ فإن جملة العمل -أي: عمل الجوارح- في الإسلام داخلة في مسمى الإيمان.\nقال: [وقال أبو هريرة: إذا أتى الرجل امرأة حرامًا فارقه الإيمان]، يعني: إذا زنا الرجل فارقه الإيمان، ووصفه أحد الرواة بأن وضع إحدى يديه على الأخرى ثم فرق بينهما قليلًا.\nقال: إذا أتى الرجل امرأة حرامًا انتزع منه الإيمان ورفع إحدى كفيه عن الأخرى شيئًا يسيرًا، فإذا سرق زادت، أي: زادت المفارقة بسبب المعاصي، فإذا غل زاد، وهكذا كلما ارتكب ذنبًا تباعد إيمانه، أو انسلخ إيمانه من قلبه.\nقال: ثم فرق بينهما قليلًا ثم قال: يفارقه الإيمان هكذا حتى إذا رجع أعمال الطاعة رجع الإيمان حتى أطبق بين يديه؛ ولذلك فإن إبراهيم بن عيينة وهو أخو سفيان بن عيينة لما سمع الثوري أو سمع أخاه سفيان بن عيينة يقول: وإن الإيمان يزيد وينقص، قال: يا إمام! يزيد لكنه لا ينقص، قال: اسكت يا غبي، فإن الإيمان ينقص حتى لا يبقى في القلب شيئًا.\nهذا نص عظيم جدًا من إمام من أئمة السنة سواء كان هو ابن عيينة أو الثوري فإنهما إمامان عظيمان من أئمة السنة والأثر.","vol":"52","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1065>كلام أبي الدرداء في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي</span>\nقال: [قال أبو الدرداء: ما الإيمان إلا كقميص أحدكم يخلعه مرة ويلبسه أخرى].\nوأريد أن أؤكد على أن هذه النصوص وغيرها إنما تتكلم عن الإيمان الواجب والإيمان المستحب، أما أصل الإيمان فإنه إذا فارقه العبد لا بد أن يفارقه الإسلام جملة.\nيعني: لو قلنا: إن الإيمان أصل ومقتضى، فالأصل إنما هو القدر الذي يلزم المرء في ثبوت إسلامه، فهذا الذي يسميه العلماء أصل الإيمان، أو مطلق الإيمان، فإذا ذهب هذا الإيمان أو ذهب هذا الأصل لا يبقى مع صاحبه لا إيمان ولا إسلام.\nأما الآيات والأحاديث التي تسلب المسلم اسم المدح بسبب ذنب ارتكبه فإنما سلبت هذه الآيات وهذه الأحاديث اسم المدح وهو الإيمان المتعلق بالإيمان الواجب والإيمان المستحب الذي يتعلق بالحلال والحرام ويتعلق بالواجبات والفرائض وأركان الشريعة وغير ذلك.\nأما الإيمان المستحب فهو المتعلق بسائر النوافل والطاعات التي ليست بواجبة أصلًا.\nقال: [قال: ما الإيمان إلا كقميص أحدكم يخلعه مرة ويلبسه أخرى، والله ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه]؛ لأن الأصل في المؤمن أنه يسير إلى الله تعالى بجناح الخوف وجناح الرجاء، والله ﷿ يقول في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، فمن أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة، ومن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة) وفي رواية: (يوم يقوم الحساب).","vol":"52","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1066>كلام أبي بكر في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي</span>\nقال: [وقال أبو بكر الصديق ﵁: إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب الإيمان.\nوقال الحسن: يجانبه الإيمان ما دام كذلك]، فإذا ترك الكذب رجع إليه الإيمان، فالذي يقع في الكذب وهو كبيرة من الكبائر لا بد أن يخصم من إيمانه على قدر كذبه.\nوالإيمان والفجور مخلوقان، فالله ﵎ جعل الإيمان على قدر الطاعات، وجعل الفجور على قدر المعاصي.\nومدح الله تعالى أهل الإيمان باسم المؤمن، وذم أهل المعاصي باسم الفسوق والعصيان وبكل أساليب الذم.\nفإذا كان هذا وذاك رزق أو خلق فإن الله تعالى جعل الإيمان على قدر ما خلق من أعمال الطاعات، فكلما أتى المرء طاعة من الطاعات ازداد من الإيمان على قدر حفاظه على هذه الطاعة، فإذا فرط في طاعة وتلبس بمعصية فإنما يمقت إيمانه على قدر هذه المعصية، كما أنه يستحق اسم الذم للوقوع في المعصية، فإذا كانت مفسقة كان بها فاسقًا، كالزنا والسرقة وسائر الكبائر أو الإصرار على الصغائر.","vol":"52","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1067>خروج العاصي من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام</span>\nقال: [وسئل أبو جعفر محمد بن علي وهو أبو جعفر الباقر عن قول النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن)، فقال: هذا هو الإسلام، ودور دائرة عظيمة، ثم دور دائرة في جوفها أصغر منها، ثم قال: هذا الإيمان].\nإذًا: حظيرة الإسلام أوسع من حظيرة الإيمان، والذي يشمله الإسلام لا يلزم أن يشمله الإيمان، لكن الذي يشمله الإيمان لا بد أن يشمله الإسلام من باب أولى، والذي يسلب عنه الإيمان لا يلزم أن يسلب عنه الإسلام، بخلاف الذي يسلب عنه الإسلام لا بد أن يسلب عنه الإيمان من باب أولى.\nقال: [هذا الإيمان مقصور في الإسلام، فإذا هو زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام]، ولا يخرج من الإيمان إلى الكفر، لأن فيه مرتبة لا يتعداها إلا إذا أتى فيها ما يستوجب الخروج عنها.\nيعني: يعتبر أن الإيمان دائرة ومن بعده دائرة الإسلام وهو أوسع، ومن بعده دائرة الكفر وهو أوسع الدوائر، فمن خرج من الإيمان ينحط إلى الإسلام، ومن أتى عملًا يناقض الإسلام متعمدًا مع قيام الحجة عليه يسقط إلى هاوية الفسق أو الكفر.\nونذكر من الدوائر دائرة الفسق؛ لأنه لا يمنع أن يكون الرجل مؤمنًا وفاسقًا، ولا يمنع أن يكون مسلمًا وفاسقًا، وهذا الذي تكلمنا عنه منذ قليل فيما يتعلق بارتكاب الكبائر، وأن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مؤمن بطاعته، فاسق بكبيرته أو فاسق بمعصيته.\nقال: [فإذا هو زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، فإذا تاب رجع إلى الإيمان، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله]، وأنا أرى النص هذا من أفضل وأوضح النصوص فيما يتعلق بالإيمان والإسلام والكفر، فهو في غاية الأهمية.","vol":"52","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1068>سياق ما روي عن النبي في أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وعلامة المنافق</span>\nقال: [سياق ما روي عن النبي ﵊ في أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر].\nوكذلك باقي علامات المنافقين.\nفمعنى الحديث: أن المسلم إذا سب المسلم وقذفه فقد كذب، والكذاب فاسق ويزول عنه اسم الإيمان، وباستحلاله قتاله يصير كافرًا.\nوقال: (من علامات المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر)، وغير ذلك من خلال وخصال المنافقين، لكن لا يكون منافقًا -أي: خارجًا عن الإسلام وداخلًا في دائرة الكفر- إلا إذا استحل هذا مع قيام الحجة عليه بحرمة هذا كله.\nأما إذا وقع فيها مرة أو مرتين فإن هذا لا يضره، إلا على قدر ما قد أتى، أما إذا كان مداومًا عليه يشار إليه بأصابع الاتهام أنه مقيم على ذلك على اعتبار ما يفيده حرف (إذا) الذي يفيد الاستمرار، من أنه دائمًا كذاب، ودائمًا مخادع، ودائمًا غدار، ودائمًا فاجر عند الخصومة، وغير ذلك من الأعمال التي ذكرت في هذا الحديث.\nوبعضهم قال: إن هذا الحديث ورد في رجل خاص بعينه، فهي حادثة عين في زمنه ﵊.\nوبعضهم قال: بل هذا إنما هو نفاق العمل، وكل عالم يرجح قولًا من هذه الأقوال، كما اختلف ابن بطال عن الإمام الحافظ ابن حجر عن الإمام النووي، فكل منهما رجح قولًا من هذه الأقوال، ولا بأس أبدًا بحمل الحديث أو بحمل هذه الأقوال كلها على الحديث، خاصة أنه ورد بصيغة العموم.\nوهنا حديث مرسل من طريق الحسن عن النبي ﵊، لكن في أثناء الحديث ما يفيد باتصاله، وإن كان الذي يترجح لدي ضعف هذا الحديث.\nقال: [قال ﵊: (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، من إذا حدث كذب)]، (ومن) من صيغ العموم، (وإذا) تفيد الاستمرار، يعني: أي إنسان مسلم.\nقال: [(إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)، هذه خمس خصال وخلال من علامات المنافقين.\nقال: فسأل محمد بن محرم الحسن البصري فقال: لئن كان لرجل علي دين فلقيني فتقاضاني فخفت أن يحبسني أو يهلك عيالي، فوعدت أن أقضيه إذا رأيت الهلال، فلم أفعل، أمنافق أنا؟ فقال: حدثته ووعدت فأخلفته.\nثم قال: إن عبد الله بن عمرو حدث أن أباه لما حضره الموت قال: إني كنت وعدت فلانًا أن أزوجه فزوجوه، لا ألقى الله ﷿ بثلث النفاق.\nقال محمد بن محرم: يا أبا سعيد! أيكون في الرجل ثلث النفاق وثلثان إيمان؟ قال: هكذا جاء الحديث.\nقال محمد بن محرم: فحججت إلى بيت الله الحرام، فلقيت عطاءً، فذكرت له هذا الحديث، وما قال لي الحسن البصري.\nقال عطاء: فقال: أعجزت أن تقول للحسن: أخبرني عن إخوة يوسف، ألم يعدو أباهم فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، وحدثوه فكذبوا، أمنافقين كانوا؟ أفلم يكونوا أنبياء؟ وأبوهم نبي وجدهم نبي؟] والحقيقة أنهم فعلوا ذلك قبل أن يكونوا أنبياء، فقد كانوا مسلمين، وعملهم هذا لم يخرجهم هذا من دائرة الإسلام.\nقال: [قلت: يا أبا محمد! حدثني بأصل هذا الحديث وأصل النفاق، يعني: زدني فيما يتعلق بالحجة، قال: حدثني جابر بن عبد الله أن هذا الحديث خاصة في الذين حدثوا النبي ﵊ فكذبوه، وائتمنهم على سره فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه.\nفقال: وأتى جبريل النبي ﷺ وأخبره أن أبا سفيان قد توجه وهو في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا، قال: فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان: إن محمدًا يريدكم فخذوا حذركم، فأنزل الله ﷿: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال:٢٧]، ونزل في المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة:٧٥] إلى قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:٧٧] إلى آخر الآية.\nقال عطاء: فإذا أتيت الحسن فأخبره بالذي قلته لك، وبأصل هذا، قال: فرجعت إلى الحسن فأخبرته بما قلت لفظًا وبما قال لي، قال: فأخذ الحسن بيدي فأشالها، ثم قال: يا أهل العراق! أعجزتم أن تكونوا مثل هذا سمع مني حديثًا فلم يقبله حتى استنبط أصله، صدق عطاء].\nوهذا الحديث يغلب على ظني أنه ضعيف، خاصة وأن الحسن البصري إمام أهل البصرة، وإمام أهل السنة في زمانه، لا تخفى عليه مسائل الإيمان والكفر ما دق منها وجل وصغر وعظم، فلا يخفى عليه قط أن علامة المنافق لا تخرج صاحبها عن دائرة الإسلام إلا إذا استحل هذا.\nوهذا الحديث يقضي بأن الحسن البصري إنما عد أن من ارتكب هذه الخلال","vol":"52","page":12},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1069> حكم القاتل عمدًا وهل له توبة</span>\nالقتل كبيرة من كبائر الذنوب، بل هو أعظم الذنوب على الإطلاق بعد الشرك بالله ﷿، وقد اختلف الصحابة ﵃ في القاتل عمدًا، فمنهم من قال بأنه ليست له توبة، وأنه مخلد في النار، ومن من قال غير ذلك.","vol":"53","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1070>مسائل في الإيمان</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nأما بعد: فلا يزال الكلام موصولًا عن الإيمان، والإيمان في عقيدة أهل السنة والجماعة قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nوأنواع الطاعات كثيرة، فكل ما أمر الله ﷿ به فامتثال الأمر فيه طاعة، وكل ما نهى الله ﷿ عنه ورسوله فالانتهاء بهذا النهي طاعة، فالامتناع عن الزنا لأن الله نهى عنه طاعة لله ﷿، والتعفف عن السرقة لأن الله نهى عنها طاعة لله ﷿، فالطاعة تكون بامتثال الأمر واجتناب النهي.\nوإذا كان في عقيدتنا أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فهذا يدل على أن المرء كلما ازداد من الطاعات ازداد معه الإيمان، وكلما وقع في معصية نقص من إيمانه بقدر هذه المعصية التي ارتكبها.","vol":"53","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1071>حديث شعب الإيمان وبيان تعدد هذه الشعب</span>\nالإيمان شعب، كما في حديث أبي هريرة في مسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة).\nوفي الصحيحين: (بضع وستون شعبة، أعلاها -كما في رواية مسلم - لا إله إلا الله).\nوهو توحيد الله ﷿.\nفأعلى شعبة من شعب الإيمان توحيد الله ﷿، ويقابله في أعظم الذنوب الشرك والكفر بالله ﷿، فأعظم ذنب يرتكبه المرء هو أن يشرك بالله ﷿.\nوأعلى شعبة من شعب الإيمان التوحيد الخالص لله ﷿، كما في الحديث: (أعلاها -أي: أعلى هذه الشعب- لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان).\nوهذا الحديث فيه إشارات متعددة: الأولى: بيان أن شعب الإيمان متعددة، وبالتالي الطاعات متعددة.\nالثانية: أن شعب الإيمان بعضها أقوى من بعض، فلا يمكن أبدًا أن يستوي إماطة الأذى عن الطريق مع توحيد الله ﷿، بدليل أن من ترك الأذى في طريق الناس وهو قادر على أن يميطه لا يستوي مع من أشرك بالله ﷿، بل هذا ذنب وذاك كفر بواح.\nفإذا كانت شعب الإيمان متعددة فهي كذلك متفاوتة في المرتبة والفضل والخلق وغير ذلك، ويجمعها كلها اسم الإيمان، ولذلك قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة).\nوهذا يدل على أن هذه الشعب كلها تدخل في مسمى الإيمان.\nالثالثة: أن النبي ﵊ قال: (والحياء شعبة من الإيمان).\nولم يذكر بقية الشعب.\nولو نظرنا إلى المذكورات في هذا الحديث لوجدنا أن المذكورات: شهادة أن لا إله إلا الله، وإماطة الأذى عن الطريق، والحياء.","vol":"53","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1072>توحيد الله ﷿ من شعب الإيمان</span>\nجعل النبي ﵊ توحيد الله ﷿ أعلى مراتب الإيمان، وهو كذلك حقًا، وهذا التوحيد متعلق بالقلب واللسان والجوارح، فهو متعلق باللسان أولًا؛ لأن المرء القادر على أن ينطق بالشهادتين إذا لم ينطق بهما لا يصح له الإسلام، بل لا يثبت له الإسلام وإن عمل بمقتضى الإسلام كله؛ لأنه يجب عليه أولًا قبل العمل أن ينطق بالشهادتين، وفي حين نطقه بالشهادتين يستقر في قلبه الإيمان الجازم بهذه الكلمة محبة ورضًا وذلًا وخضوعًا، وغير ذلك من لوازم الإيمان.\nإن كلمة التوحيد تستلزم نطقًا باللسان واعتقادًا بالقلب وعملًا بالجوارح بمقتضى هذا الإيمان، ونحن نقول دائمًا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وعمل بالجوارح والقلب، فلا بد أن يحب القلب هذه الكلمة، وأن يرضى عنها، وأن يعلم حقيقتها، وإلا فقد امتنع المشركون عن النطق بهذه الكلمة؛ لأنهم علموا مقتضياتها، وأنها ليست مجرد كلمة تقال فقط.\nهذه الشعبة الأولى من شعب الإيمان، وهي في أصل الطاعة.","vol":"53","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1073>الحياء وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان</span>\nالشعبة الثانية: إماطة الأذى عن الطريق، وإماطة الأذى عن الطريق من عمل الجوارح، فجمع ﵊ بين عمل اللسان وعمل القلب في شهادة التوحيد، مع عمل الجوارح في إماطة الأذى عن الطريق، مع العامل النفسي الحياء؛ لأن الحياء هو انفعالات نفسية تدور في نفس الإنسان، فكأن النبي ﵊ أراد أن يقول: الإيمان لا بد أن يتخلل لسان المرء وقلبه وجوارحه وعواطفه، وحينئذ يكتمل الإيمان.\nولو أن المرء استقصى أعمال الإيمان كما استقصيناها من قبل مرارًا، لوجدنا أن أعمال الإيمان فيما هو الراجح من أقوال أهل العلم بلغت تسعًا وسبعين شعبة، فلو أن المرء حقق هذه الشعب كلها لاكتمل إيمانه؛ لأنه قال: (الإيمان - أي: الإيمان الكامل التام - بضع وسبعون شعبة).\nوالبضع من ثلاث إلى تسع.\nوقد تتبع ابن حبان وغير واحد الأعمال القلبية وأعمال الجوارح واللسان التي وردت في القرآن والسنة فوجدوها تسعًا وسبعين عملًا، وهذا قد صنف في غير ما كتاب، كما صنف في ذلك القزويني والإمام البيهقي وغير واحد في كتب أسموها: شعب الإيمان، وأقوى هذه الكتب وأكثرها استيعابًا هو كتاب شعب الإيمان للبيهقي، وهو كتاب عظيم جدًا في حوالي عشرين مجلدًا شرح فيها شعب الإيمان، وقد سار فيه على منهج ابن حبان بأن شعب الإيمان تسعًا وسبعين شعبة.\nوهناك كتاب الإيمان للإمام البخاري، وكذلك كتاب الإيمان للإمام مسلم، وهما في صحيحيهما، وأصرح من مسلم الإمام البخاري حيث كان يقول: باب الزكاة من الإيمان وأتى بالدليل باب الصلاة من الإيمان باب الحج من الإيمان باب الصدقة من الإيمان باب الجهاد من الإيمان وفي كل باب كان يأتي بأدلة من السنة؛ ليثبت أن هذا العمل هو شعبة من شعب الإيمان.","vol":"53","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1074>كما أن الإيمان يزيد بالطاعة فإنه ينقص بالمعصية</span>\nإذا كان كل طاعة يأتيها المرء يزداد بها إيمانه فكذلك كل معصية في المقابل لا بد أن ينقص بها إيمان المرء، كما في قول النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).\nفالعفاف والإحصان والطهر من الإيمان، وفي المقابل الزنا والفجور والخنا لا بد أن تكون مؤثرة في الإيمان بالنقصان.\nقال: (ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها ذات شرف يتطلع إليه فيها الناس وهو مؤمن)، يعني: الغصب، فمن غصب شيئًا فهذا مؤثر في إيمانه.","vol":"53","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1075>حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة وغيرهم</span>\nقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) استدل به بعض الناس على إخراجه من الإيمان مطلقًا وأبقوا له الإسلام، وبعضهم قال: بل ينتفي عنه الإيمان في لحظة الزنا ثم يعود إليه فور انتهائه من الزنا، وهذا الرأي التزام بظاهر النص (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، يعني: ينزع عنه اسم الإيمان -وهو اسم المدح- حين المعصية، ثم يعود إليه اسم المدح بعد انتهائه من المعصية.\nوالخوارج يقولون: بل يكفر بهذا الذنب، لأن الخوارج أو غلاة الخوارج عندهم أن مرتكب الكبيرة كافر خارج عن الملة، والمعتزلة عندهم أن مرتكب الكبيرة لا كافر ولا مؤمن، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين بين الإيمان والكفر.\nومن عجيب أقوالهم أنهم يقولون: هذا حكمه في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه مخلد في النار، مع أن المقطوع به عند أهل السنة والجماعة أنه لا يخلد في النار إلا الكفار سواء كان كفرهم كفرًا أصليًا أو ردة أو نفاقًا، وأما الزنا فمع بشاعته وجرمه ونفور النفوس الطيبة عنه إلا أنه من جهة حكمه الشرعي كبيرة، وصاحب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة إن تاب منها تاب الله ﷿ عليه بغير حد، وإن رفع أمره إلى السلطان واعترف أو أقيمت عليه البينة وأقيم عليه الحد فالحد كفارته؛ لأن الحدود كفارات لأهلها.\nوإذا مات من ذنبه -أي: مات وهو مذنب مصر على ذنبه- وهو غير مستحل له فهو في مشيئة الله ﷿ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].\nوهذا قطع، فالله ﷿ لا يغفر الشرك مطلقًا إلا إذا تاب صاحبه منه، فإذا مات عن غير توبة فإنه لا يغفر له شركه، بل هو من المخلدين في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].\nوكلمة ما دون ذلك تشمل الكبائر والصغائر، ولكن هذا مرهون ومعلق على مشيئة الله، يعني: إن شاء الله تعالى عذبه بعدله، وإن شاء ﷾ عفا عنه بفضله.\nفصاحب الكبيرة بل وصاحب الصغائر هو في مشيئة الله ﷿ إن لم يتب قبل موته.\nومن ارتكب كبيرة وهو مستحل لها عالم بحرمتها خرج من دائرة الإسلام، فمن علم أن القتل كبيرة، وعلم أدلة هذا العمل الشنيع البشع، ولكنه أقدم على قتل صاحبه استحلالًا، يعني: وهو لا يعتقد أنه يأتي معصية، وإنما يفعل ذلك مستحلًا، كأن يقال له: إن هذا الدم حرام، فيقول: لا، بل هو حلال، فكأنه عاند وجحد، فمن استحل ذنبًا كبيرًا فلا شك أنه يخرج به من دائرة الإسلام إلى الكفر.","vol":"53","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1076>اختلاف الصحابة في حكم قاتل المؤمن عمدًا راجع إلى قول بعضهم بنسخ آيات النساء المتعلقة بجزاء قاتل المؤمن عمدًا</span>\nوقضية قاتل المؤمن عمدًا قضية مشكلة، ولذلك أشكلت على بعض أصحاب النبي ﵊، لأن الأمر فيها يحكمه عدة أدلة، فمنهم من ادعى النسخ بين هذه الأدلة التي جاءت في كتاب الله ﷿، ومنهم من قال بأن الآيات محكمة وليست منسوخة، وإذا قيل: آية محكمة فهذا يعني أن زعم النسخ فيها غير صحيح، أو أنه لم يقل أحد بأن فيها نسخًا، وقول الخطيب أو الواعظ: وجاء في آيات الله المحكمات، أي: التي لم يلحقها نسخ.\nوالنسخ لا يشمل الأخبار قط، وإنما يشمل الأحكام، وقضية النسخ في القرآن والسنة أو في العلم عمومًا لا تلحق الخبر؛ لأن الخبر لا يحتمل إلا أمرين، الصدق أو الكذب.\nأما الإنشاء فيدخله النسخ، ومنه الأحكام، فالأحكام تتغير وتتبدل، فالله ﷿ قد أمر المسلمين أول الأمر أن يصلوا إلى بيت المقدس، حتى صلوا إليه سبعة عشر شهرًا أو ستة عشر شهرًا كما في الصحيحين، ثم نسخ ذلك وأمرهم بالصلاة إلى بيت الله الحرام، وهذا حكم.\nوالله تعالى لم يخبرنا عن أمة أو عن نبي أو عن رسول من السابقين ثم قال: لا، هذا لم يحدث، لأن هذه كلها أخبار عن الأمم الماضية والغابرة لا يلحقها النسخ، والنسخ إنما يلحق الأحكام.\nلما كان القتل من الأحكام لا من الأخبار وتعارضت ظواهر نصوص الكتاب فيما يتعلق بهذا الحكم زعم جمهور أهل العلم من الصحابة وغيرهم أن الآيات التي وردت في هذه القضية أو في هذا الحد -فيما يتعلق بقتل المؤمن عمدًا- منسوخة بآيات أخر سنذكرها الآن.\nوزعم ابن عباس وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل: أن الآيات غير منسوخة، بل هي محكمة، وسموا الآيات كما أسماها زيد بن ثابت ﵁: آيات الغلظة وآيات اللين، فسمى آيات سورة الفرقان بالآيات اللينة أي: التي لانت في أسلوبها مع القاتل أو مع وصف عباد الرحمن، وسمى آيات سورة النساء المتعلقة بجزاء القاتل للمؤمن عمدًا بالغلظة والشدة.","vol":"53","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1077>سياق ما روي في أن القاتل عمدًا له توبة</span>\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي في أن القاتل عمدًا له توبة، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] وأنها منسوخة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].\nوروي ذلك عن عمر وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وإحدى الروايتين عن ابن عباس.\nومن التابعين روي ذلك عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وأبي مجلز لاحق بن حميد وغير واحد].","vol":"53","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1078>كلام ابن عمر في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار</span>\nقال: [قال ابن عمر: كنا نرى أن من قتل مؤمنًا فقد وجبت له النار.\nيعني: كانوا في أول الأمر وفي صدر الإسلام يرون أن من قتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه النار.\nقال: وكنا نرى أن من أكل مال يتيمه فقد وجبت له النار، ومن أكل الربا فقد وجبت له النار، حتى أنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]].\nوالشاهد من هذا الحديث: أنهم كانوا يرون أن قاتل المؤمن عمدًا قد وجبت له النار، حتى نزل قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] فلم يستثن من عدم المغفرة إلا ذنبًا واحدًا وهو الشرك، وعلق مغفرة الذنوب التي هي دون الشرك على مشيئته، فقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، أي: ما دون الشرك.\n﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nومنها القتل سواء كان ذلك قتل المؤمن أو قتل غير المؤمن.\nقال: [قال ابن عمر: فلم ندر من يدخل في مشيئة الله ومن يخرج منها، فكففنا ورجونا].\nيعني: يقول ابن عمر: لما أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] علمنا يقينًا أن الشرك ذنب لا يغفر، وأن ما دون الشرك يغفر إذا أراده الله ﷿ وشاءه، فلما خفيت علينا مشيئة الله في من أراد الله تعالى عذابه بذنبه أو مغفرته تفضلًا منه سبحانه كففنا عما كنا نعتقده أولًا أن آكل الربا قد وجبت له النار، وأن آكل مال اليتيم قد وجبت له النار، وأن قاتل المؤمن عمدًا قد وجبت له النار، فكففنا عن هذا المعتقد وقلنا: ما هي إلا ذنوب لا تبلغ درجة الشرك، وإذا كانت دون الشرك فهي داخلة في الذنوب التي علقت على مشيئة الله، فإن شاء أخذ المذنب بها وإن شاء عفا ﷾.\nفلما خفي هذا على ابن عمر وغيره من سائر الخلق قال: فكففنا ورجونا.\nوكلمة رجونا إشارة إلى معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بمعصية العاصي، فلو عصى إنسان معصية كبيرة فلا نتمنى له أن يدخل النار، وهذا من سعة رحمة رب العالمين، فقد أمرنا أن نترحم على أصحاب المعاصي، ونرجو لهم أن يرحمهم الله ﷿.\nوالناس عندهم من المعاصي الظاهرة ما يوجب لهم النار، ولو أراد الله تعالى أن يعاملهم بعدله لأدخلهم النار، ولكنه ﷾ يتفضل بالعفو عنهم؛ لأنه الغني عن عذاب عباده.\nونحن عندنا من الذنوب الشيء الكثير الذي يبلغ درجة الزنا وشرب الخمر والقتل أحيانًا، وهو الوقيعة في أعراض الناس بالغيبة والنميمة، ونقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، وهذه من كبائر الذنوب، ونحن نقع فيها بالليل والنهار، والإخوة الصالحون يأنفون جدًا من سماع لفظ الزنا والسرقة والقتل وشرب الخمر وغير ذلك، وهم أبعد الناس عن ذلك، وإذا كانوا يحرمون السجائر فكيف بالخمر الصريحة؟ وهذا من فضل الله ﷿ على أبناء الصحوة وأصحاب الالتزام، لكن هناك كبائر عظيمة جدًا مهلكة لأصحابها يقعون فيها، بل من فرط ما وقعنا فيها استمرأناها، كالغيبة والنميمة وغيرها من الذنوب.\nولو أنك راجعت كتابًا من كتب الكبائر ككتاب الكبائر للإمام الذهبي فإنك ستجد أنه عد اثنتين وسبعين كبيرة، ولعلمت أنك واقع في عشر كبائر على الأقل، مع أنك تنظر بعين السخط لأصحاب الكبائر الظاهرة، في الوقت الذي تقع أنت فيه في كبائر أخرى، لكنها كبائر خفية، مثلما تقع في الغيبة والنميمة في ثوب النصح، ولكن هذا المكر لا يخفى على الله ﷿.\nفينبغي على كل منا أن يعلم الفرق بين كبائر الذنوب وصغائرها، وأن ينزه نفسه ودينه وعرضه عن كبائر الذنوب وصغيرها.\nقال: [وقال ابن عمر: كنا نبت على القاتل -أي: نقطع للقاتل عمدًا بأنه في النار- حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فأمسكنا]، أي: فأمسكنا عن هذا البت والقطع.\nيعني: كانوا إذا أتاهم قاتل يقول: أنا قتلت مؤمنًا، يقولون له: أنت في النار لا محالة، وليس عندنا من العلم إلا هذا، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].\nومنه القتل.","vol":"53","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1079>كلام عمر في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار</span>\nقال: [وجاء رجل إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! إني قتلت، فهل لي من توبة؟ فقرأ عليه عمر: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:١ - ٣]، ثم قال له: اعمل ولا تيئس].\nفبين له أن الله تعالى غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وإجابة عمر إجابة ليس فيها قطع في القضية، ولكن عمر شرح له هذه الآية وقال له: اعمل ولا تيئس، وإذا كان مقطوعًا له بالنار لا محالة فلم العمل؟ والكافر الذي يموت على كفره لا ينفعه عمل صالح إلا إذا أسلم وآمن، فحينئذ يضاعف له عمله ويضم إليه عمله الصالح الذي كان يعمله في الجاهلية.","vol":"53","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1080>كلام ابن عباس في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار</span>\nقال: [وجاء إلى ابن عباس رجل فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها]، أي: لما تقدم لها غيره رضيت بذلك وقبلت ووافقت، فغار عليها مع أنه ليس خاطبًا ولا عاقدًا ولا قريبًا لها، فلما غار عليها قام إليها فقتلها، وهذا حب أعمى.\nقال: [قال ابن عباس: أمك حية؟ قال: لا.\nقال: تب إلى الله ﷿ وتقرب إليه].\nوابن عباس من صغار الصحابة، فقد ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات، في شعب من شعاب قريش قبل هجرة النبي ﵇ بثلاث سنين، وصغار الصحابة هو وعبد الله بن عمر والبراء وأنس بن مالك وغيرهم لما كانت غزوة بدر لم يكن سنهم بلغ الخامسة عشر، ولذلك لم يجزهم النبي ﵊ في القتال، لأنه ما كان يجيز من كان أقل من سن خمسة عشر عامًا، ابن عباس كان أصغر منهم جميعًا.\nولما جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس بعد موت النبي ﵊ ولم يكن ابن عباس نبت له، يعني: كان صغيرًا لم ينبت له شعر، فالنبي ﵇ مات وعند ابن عباس ثلاثة عشر عامًا فقط، وكان طفلًا أو غلامًا ذكيًا جدًا ببركة دعوة النبي ﵊ له، فلما سأل عمر كبار المهاجرين والأنصار عن معنى قول الله ﷿: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣] أجمعوا كلهم على أن المقصود بها فتح مكة.\nفلما جاء الدور على ابن عباس قال: ما أرى إلا أن الله تعالى نعى إلينا رسوله، فقال أمير المؤمنين: وأنا والله لا أرى منها إلا ما ترى يا ابن عباس! قال: [وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠]-ولا شك أن القاتل قد عمل سوءًا وقد ظلم نفسه- قال: أخبر الله تعالى عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا].\nولم يقل له ابن عباس: كفرت، أو وجبت لك النار.\nونحن نعلم أن هذه المسألة - أي: مسألة قتل المؤمن عمدًا - خالف فيها ابن عباس جميع الصحابة، فقال بأنه في النار خالد مخلد فيها أبدًا، وقال جمهور الصحابة: بل قتل المؤمن كبيرة من الكبائر، وتأخذ حكم الكبيرة، فإذا أقيم عليه الحد أو تاب منها أو مات ولم يتب فإنه في مشيئة الله ﷿.\nوالشاهد من ذلك: أن ابن عباس اجتهد في أول أمره في حكم قاتل المؤمن عمدًا فقال بخلوده في النار، وأنه لا يغفر له ذلك، ثم تغير اجتهاده بعد ذلك لما وقف على قول جماهير الصحابة أو قول كل الصحابة دونه، فلما علم أن الحق معهم رجع عن قوله الأول.","vol":"53","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1081>سبب إهمال اللالكائي لما روي عن ابن عباس أول الأمر من عدم قبول توبة القاتل عمدًا</span>\nلما كانت هذه المسألة محل اضطراب عند ابن عباس، ولم يعلم ويشتهر بمخالفة جماهير الصحابة فيه إلا هذا الصحابي الجليل ابن عباس لم يورد الإمام اللالكائي الآراء المسندة إليه بعدم قبول توبة التائب من قتل المؤمن عمدًا، وإنما أتى بالرأي الثاني الموافق لجماهير العلماء ومنهم الصحابة أجمعون إلا هو، وقيل: وافقه زيد بن ثابت.\nوهذا ضعيف عنه.\nوقد روي عن ابن عباس ما يدل على أنه رجع، فقد قال: أخبر الله تعالى عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا - والمعلوم أن القتل كبيرة من الكبائر - ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال.","vol":"53","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1082>ما جاء عن بعض الصحابة والتابعين في قبول توبة القاتل عمدًا</span>\nقال: [وقال ثمامة بن حزن: كنت مع أبي فسأل رجل عبد الله بن عمرو - أي: ابن العاص - فقال: من كل ذنب توبة يقبل الله التوبة؟ -يعني: لو أن العبد أذنب ذنوبًا فتاب من كل ذنب هل يقبل الله تعالى التوبة؟ - قال: نعم].\nوهذا اللفظ من ألفاظ العموم، فقوله: (لو أن عبدًا أذنب كل ذنب) يشمل الكبائر والصغائر ويشمل القتل كذلك.\nقال: [وعن مجاهد - وهو مجاهد بن جبر المكي من التابعين- قال: لقاتل المؤمن توبة].\nولما عدد الله ﷿ الكبائر أو بعض الكبائر ومنها قتل النفس قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفرقان:٧٠]، يعني: لا يتوب عليهم فقط، بل يجعل أعمالهم السيئة حسنات بحسن إيمانهم وصدقهم في توبتهم.\nقال: [وعن سعيد بن جبير قال: ما أعلم لقاتل المؤمن توبة إلا الاستغفار].\nيعني: جعل الاستغفار علامة توبة المؤمن.\nوهناك حديث ضعيف يشهد لهذا المعتقد، قال: [فعنه ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] قال ﵊: (هو جزاؤه إن جازاه)]، يعني: هذا جزاؤه إن جازاه الله ﷿.\nقال: [وعن سعيد بن جبير: أنها نزلت في مقيس بن صبابة حين قتل الفهري، وكان بعثه النبي ﷺ معه ليأخذ دية أخيه فأنزل الله فيه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]]، يعني: أن الله ﷿ سماه مؤمنًا وأخًا لك، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨].\nفالمعفو له هو القاتل، وصاحب العفو هم أولياء المقتول.\n﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، يعني: تلطف حتى في الكفارات وغير ذلك.\nوالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩].\nفلم ينف الإيمان عن إحدى الطائفتين سواء كانت قاتلة أو مقتولة، ولا يمكن قط أن يستقيم وصف الإيمان - وهو اسم مدح - مع معتقد أن القاتل المؤمن عمدًا مخلد في نار جهنم وأنه لا تقبل منه التوبة، إذ كيف يكون مؤمنًا حينئذ؟","vol":"53","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1083>شرح حديث قاتل المائة نفس</span>\nقال: [وعن أبي سعيد الخدري: أنه حدث أصحابه قال: لا أحدثكم إلا ما سمعته من رسول الله ﷺ، سمعته أذناي ووعاه قلبي: (أن عبدًا قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم عرضت له التوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل -أي: راهب- فأتاه، فقال: إني قتلت تسعة وتسعين نفسًا فهل لي من توبة؟ فقال: أبعد قتل تسعة وتسعين نفسًا؟)] يعني: جئت تسأل عن التوبة بعدما قتلت تسعة وتسعين نفسًا.\nقال: [(فانتضى سيفه فقتله فأكمل به المائة)]، يعني: فأشهر سيفه وقتله؛ لأنه أيسه من رحمة الله ﷿، فقد قال له: قتلت مائة نفس وتريد تتوب؟ كيف تتوب؟ فأيسه من رحمة الله، فأتم به المائة.\nقال: [(ثم عرضت له التوبة)]، يعني: ثم فكر في التوبة من جديد: [(فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل فأتاه، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟)]، واللغة تسمح بأن يعبر الشخص عن نفسه بضمير الغائب.\n[(قال العالم: من يحول بينك وبين التوبة؟)] يعني: ومن الذي يمنعك من ذلك إذا كان باب التوبة مفتوحًا؟ والله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، والتوبة تكون من المعصية، والله تعالى يقبل توبة العبد، وهي التوبة الخاصة بكل عبد على حدة، بخلاف التوبة العامة، فإن بابها مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، فحينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا.\nوأما التوبة الخاصة بكل عبد على حدة فوقتها الذي ترفع فيه ولا يقبل من صاحبها توبة هو أن تبلغ الروح الحلقوم ويصل إلى الغرغرة، أي: أن يشرف على الموت، فإذا أشرف على الموت وعاينه قال: إني تبت الآن، ولا يقبل منه ذلك.\nقال: [(من يحول بينك وبين التوبة؟ اخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها)]، يعني: أيضًا فتح له باب الأمل والرجاء في سعة رحمة رب العالمين، ثم وصف له الطريق الذي ينجو به، وهو أن يهجر أرض السوء والمعصية وصحبة الباطل وينصرف إلى أرض جديدة يعبد الله تعالى فيها ولا يشرك به.\nقال: [(اخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها إلى القرية الصالحة كذا وكذا، فاعبد ربك فيها.\nقال: فخرج فعرض له أجله)]، يعني: أدركه أجله في أثناء الطريق قبل أن يصل.\n[(فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، فقال إبليس عليه لعنة الله: لم يعصني ساعة قط -يعني: هذا تبعي، ومن حزبي- فقالت ملائكة الرحمن: إنه خرج تائبًا)] أي: يردون على إبليس فهو لم يعصك قط، لكن آخر أمره هو التوبة والرجوع والإنابة، والأعمال بالخواتيم كما أخبر ﵊.\nقال: [(فبعث الله ملكًا فاختصموا إليه)، يعني: رضوا بأن يحكم بينهم].\nقال: [(فاختصموا إليه، قال: انظروا إلى أي القريتين كان أقرب)] أي: قيسوا ما بين القريتين التي خرج منها والتي هو قادم إليها، فأيًا كان قربه إليها فهو من أهلها، فإذا كان لا زال في النصف الأول فقرية الخبث أولى به، وإذا كان أقرب إلى القرية التي هو ذاهب إليها فهو إلى الرحمة أقرب، قال: (انظروا إلى أي القريتين كان أقرب فألحقوه بها.\nقال قتادة: فحدثنا الحسن: أنه لما عرف الموت احتضر بنفسه فقرب الله منه القرية الصالحة، وباعد منه القرية الخبيثة فألحقه بأهلها)]، يعني: أمر الله تعالى الأرض أن تطوى وأن تقترب حتى - جاء في أحدى الروايات - أنه كان أقرب إلى الأرض الطيبة قدر شبر واحد، فألحقوه بأهلها.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.","vol":"53","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1084>كفارة القتل العمد إذا عفى أولياء المقتول عن القصاص</span>\nقال: [وعن ابن الديلمي قال: أتيت واثلة بن الأسقع]، وواثلة بن الأسقع هو آخر الصحابة موتًا على الإطلاق.\nقال: [فقلنا له: حدثنا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان فغضب، وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، فقلنا: إنما أردنا حديثًا سمعته من النبي ﵊]، يعني: ما قصدوا ظاهر الكلام، واعتذروا بأن مقصودهم: حدثنا بحديث سمعته من الرسول لكن بغير زيادة ولا نقصان، فلا نريد أن نسمع من قولك شيئًا، ولكن انقل إلينا ما سمعته حرفيًا، فغضب لذلك وقال: إن أحدكم يقرأ في المصحف في بيته فيزيد وينقص، فكيف تلزموني بهذا؟ قال: [(فقال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا أوجب -أي: وجبت له النار- فقال: اعتقوا عنه يعتق الله كل عضو منه عضوًا منه من النار)].\nولذلك جماهير العلماء يقولون: إن كفارة القتل العمد إذا رضي أهل القتيل بذلك هي عتق رقبة مؤمنة، فإذا أعتق نصف هذه الرقبة، يعني: لو كان شريكًا في رقبة فأعتق نصيبه فقد أعتق نصفه أو حظه في الشركة من هذا العبد من بدنه من النار، ويلزمه أن يشارك في عبد آخر ثم يعتق نصيبه حتى يكتمل له عبد كامل، مع إلزامه بالاستغفار والتوبة وحسن الإنابة إلى الله ﷿.\nقال: [وعن ابن عمر: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أذنبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة؟ فقال رسول الله ﷺ: ألك والدة؟ قال: لا.\nقال: ألك خالة؟ قال: نعم.\nقال: اذهب فبرها)]، وهذا يدل على أن الخالة بمنزلة الأم.\nأكبر الذنوب هو قتل المؤمن عمدًا، ولذلك الصحابة ﵃ لم يختلفوا قط في كبيرة من الكبائر بأن لها حكم الكبيرة إلا في قتل المؤمن عمدًا، ولذلك آثر اللالكائي أن يتكلم عن هذا في مقدمة موضوع حكم مرتكب الكبيرة لأجل الخلاف الناشئ فيه بين ابن عباس وبين الجمهور، والذي يترجح لدي أن ابن عباس رجع عن رأيه الأول وهو أن قاتل المؤمن عمدًا لا توبة له، وأن الله تعالى يقبل توبة التائب من ذنبه مهما كبر حتى وإن كان قتل المؤمن عمدًا.\nوالمعاصي كلها صغيرها وكبيرها مؤثرة في نقصان الإيمان، كما أن الطاعات مؤثرة في الإيمان بالزيادة، حتى وإن كانت أعظم الذنوب، وأعظمها هو قتل المؤمن عمدًا.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"53","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1085>الأسئلة</span>","vol":"53","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1086>حكم من لم يقدر على إرجاع ما أخذه من الغير</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  كنت أعمل في أحد الفنادق وألزمني المدير أن آخذ ملاحتين من الفندق، ثم تركت العمل لما علمت بخبثه، وأريد إرجاع ما أخذت، ولا سبيل إلى ذلك، فكيف أعمل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  بإمكانك أن تتصدق بهما وتتخلص منهما.","vol":"53","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1087>ما يباح للخاطب</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا خاطب، فهل يجوز للمخطوبة أن تجلس معي وهي كاشفة وجهها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا تجلس لا وهي كاشفة ولا وهي مغطية، وأنا قد سألت هذا السؤال الشيخ الألباني ﵀ فقال: ولا أن يراسلها مراسلة، ولا أن يشافهها على الهاتف؛ لأن المخطوبة امرأة أجنبية، فإذا أردت أن تجلس معها فاعقد عليها، وأما قبل ذلك فإن الخطبة لا تثبت حقًا إلا حق الاحتجاز، يعني: أنها محجوزة لك، فلا يجوز لأحد أن يخطبها إلا أن تدع أنت، وبعضهم يقول: أجلس معها حتى أعلمها، فنقول: علم أبوها وأبوها سيعلمها، وتكون قد ضربت عصفورين بحجر.","vol":"53","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1088>الإيمان بكرامات الأولياء والتحدث بها إلى الآخرين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز التحدث عن كرامات بعض الصالحين في هذا الزمن وأنا لم أرها، ولكني سمعتها من بعض الإخوة، فهل يجوز لي التحدث بها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الإيمان بكرامات الأولياء من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، فكيف نكتم أصلًا من أصول إيماننا.\nولكن نخشى أن يلتبس هذا الكلام بخرافات الصوفية وغيرهم، وكرامات الأولياء والصالحين أمر ثابت مستقر في عقيدة الموحدين، والتحدث به من باب البشارة ومن باب الخير، وأرجو ألا يخلط بين هذا وذاك، ولذلك جعل شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله حدًا فاصلًا بين هذه الخزعبلات والخرافات وبين الكرامات، كما نقل عنه غير واحد، فقد قال: لا تعجب من عمل العامل حتى لو طار في الهواء ومشى على الماء حتى تنظر إلى عمله، فإن كان عمله مستقيمًا على كتاب الله وسنة رسوله فاعلم أن هذه كرامة، وإذا كان عمله غير ذلك فاعلم أن هذا استدراج من الشيطان.","vol":"53","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1089>مدى صحة حديث (من أدخل سرورًا على مسلم)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: (إن من أدخل سرورًا على مسلم خلق الله من هذا السرور ملكًا يعبد الله ﷿ إلى يوم القيامة)؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعرفه أبدًا، ويبدو أنه من وضعك أنت، يعني حتى أنك لم تأت به من كتب الموضوعات.","vol":"53","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1090>حكم تأخر من يصلح للإمامة إذا لم يوجد غيره</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  من كان يعمل كبيرة توجب لعنة الله ثم تركها لأجل الله ﷿ وتعلم القرآن وصار الناس يرونه أهلًا للإمامة وهو يخاف أن يتقدمهم، ويخاف أيضًا أن يتخلف عن إمامتهم فهو من أقرئهم للقرآن، حتى لا يدخل للإمامة من يفسد الصلاة، فكيف المخرج يرحمكم الله تعالى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  ويرحمكم.\nلا بد أن تعلم أن الإمامة هي دين الله ﷿، يعني: أن مسألة الإمامة والتصدي لإمامة الناس أو تدريسهم أو قضاء حوائجهم من التكليف الشرعي، فهذا الأمر ليس من باب التشريف بل هو تكليف شرعي، فإذا تعينت عليك الإمامة -بمعنى: أنه لا يوجد أحد في الناس يصلح أن يكون إمامًا إلا أنت- فتأخرك معصية لله ﷿، وهذا ورع كاذب، بل الورع هو الاستقامة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فالاستقامة: أن تحافظ على صحة صلاتك وصحة صلاة الناس.\nولو تورعت أن تصلي بالناس ثم دخلت في الصلاة الجهرية خلف شخص لا يحسن قراءة الفاتحة فإنك ستبقى في صراع نفسي أثناء الصلاة هل تعيد الصلاة أم لا؟ وإذا كنت خائفًا على صلاة الناس أيضًا فماذا ستقول لهم بعد الصلاة؟ وهل ستأمرهم بإعادة الصلاة؛ لأن هذه الصلاة باطلة.\nوقد قال النبي ﵊: (ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله في النار)؛ لأنه تعين عليهم العمل فتخلفوا عنه عمدًا، فهذه معصية أخرى، فلا تتصور أن هذا ورع في وقت قد تجرأ فيه جل الناس على الإمامة، وكل واحد يرى أنه أولى بالإمامة وأنه أهل للإمامة، بل إن المؤذن الذي لا يحسن أن يؤذن إذا أذن وأقام الصلاة يجد شخصًا واقفًا جنبه أو اثنين أيضًا، بل إنه بعد أن يفرغ من الإقامة يطمع في الإمامة، وكل واحد يرى أنه أهل للإمامة، والورع أن تنظر بتقوى الله فلا ترى من هو أفضل منك للإمامة، وليس معنى ذلك أنك أفضل الناس على الإطلاق، ولكنك أفضل الموجودين في شروط الإمامة، مع أنه يمكن أن تكون فاسقًا عياذًا بالله، فقد يكون عندك كبيرة تفسق بها، وصاحب الكبيرة المحافظ عليها فاسق، وإمامة الفاسق جائزة، والفاسق لا يفسق إلا بكبيرة أو بالمحافظة على الصغيرة.\nوتسعون في المائة من الأئمة في التكبير حتى في الصلاة السرية يقول: الله أجبر بالجيم بدل الكاف، ومذهب جماهير الفقهاء أن تحويل الكاف إلى جيم يبطل الصلاة ويلزم الإعادة حتى في الصلاة السرية.\nفهذه مسائل فنية لا دراية لأحد بها إلا أحد تدرب عليها وعرف أحكام التجويد ومخارج الحروف، وعامة الناس لا علم لهم بذلك.\nوهذه من مسائل الدين.","vol":"53","page":22},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1091> حكم مرتكب الكبيرة</span>\nلقد رغبت الشريعة الإسلامية في التوبة من الذنوب، والعودة إلى الله ﷿، بل جعلت التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأخبرت أن من مات مصرًا على معصيته فهو تحت مشيئة الله ﷿، وخالف بعض أهل البدع في حكم الكبائر، فمنهم من حكم بكفر مرتكبها، ومنهم من فسقه، ومنهم من حكم له بالخلود في النار.","vol":"54","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1092>سياق ما روي فيمن تاب من الكبائر</span>\nبسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.\nفإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن المسلمين لا تضرهم الذنوب التي هي الكبائر إذا ماتوا عن توبة من غير إصرار، ولا يوجب التكفير، وإن ماتوا عن غير توبة فأمرهم إلى الله تعالى، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم].\nهذا الباب متعلق بحكم مرتكب الكبيرة، وأن من وقع في كبيرة إن تاب منها تاب الله ﷿ عليه قولًا واحدًا، وإن أقيم عليه الحد فالحد كفارته، وإن مات من غير توبة فأمره إلى الله ﷿ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.\nهذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بمرتكب الكبيرة.\nوأما المعتزلة فقالوا: مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا ولا كافرًا في الدنيا، وأما في الآخرة فهو مخلد في النار أبد الآبدين.\nوالمعلوم قطعًا عند أهل السنة أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، والمعتزلة لم يجعلوه مؤمنًا ولا كافرًا، ثم جعلوه من المخلدين في النار.\nوأما الخوارج فقالوا: مرتكب الكبيرة كافر خارج عن الملة مخلد في النار إلا من تاب.\nونصوص القرآن والسنة شاهدة على بطلان قول الخوارج وقول المعتزلة في آن واحد، ولا يسلم لنا إلا مذهب أهل السنة والجماعة، وهو أن مرتكب الكبيرة إن أُقيم عليه الحد فالحد كفارته، ولا يطالبه الله ﷿ يوم القيامة، ولا يسأله عن هذا الذنب أبدًا؛ لأنه تطهر منه في الدنيا بقيام الحد عليه، وإن تاب فيما بينه وبين الله ﷿ تاب الله ﷿ عليه، وأما إن بلغ أمره إلى السلطان فيجب على السلطان أن يقيم عليه الحد حتى وإن تاب، وليس للسلطان العفو عن صاحب الكبيرة إذا قال: لقد تبت إلى الله ﷿؛ لأن السلطان حر فيما يتعلق بما هو دون الكبيرة، وأما الكبائر فلا بد من إقامة الحد على المذنب إذا بلغ الأمر إلى السلطان، وإذا مات صاحب الكبيرة وهو مصر عليها غير مستحل لها فأمره إلى الله ﷿ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.","vol":"54","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1093>موقف الصحابة والتابعين من أهل الكبائر من المسلمين</span>\nقال: [قال أبو سفيان: قلت لـ جابر: كنتم تقولون لأهل القبلة: إنكم كفار؟ قال: لا.\nوعن سليمان اليشكري: أكنتم تعدون الذنب شركًا -أي: مخرجًا عن الملة- قال: لا.\nوعن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود: أنهم كانوا يرجون لأهل الكبائر -أي: يرجون الله تعالى أن يغفر لأهل الكبائر-.\nوصلى علي ﵁ على قتلى معاوية.\nوعن أبي أمامة قال: شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح -أي: لا يجهزون عليه إذا أدركوه جريحًا ولا يقتلونه، وإنما يعفون عنه- ولا يطلبون موليًا -أي: الذي يهرب منهم لا يطلبونه، ولا يعدون خلفه لقتله- ولا يسلبون قتيلًا]؛ لأنه لا يُسلب إلا كافر، والسلب هو: أخذ متاع الفارس أو المقاتل، مثل أخذ فرسه وماله وطعامه وشرابه، وكل هذا لا يحل إلا في قتال الكافرين، ولما لم يفعل علي ﵁ شيئًا من ذلك دل ذلك على أن مقاتليه لم يكونوا عنده كفارًا، ولذلك حينما سئل علي ﵁ عن الخوارج: أهم كفار؟ قال: بل هم من الكفر فروا، قيل: إذًا فمن هم؟ قال: هم إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم، فما سماهم أكثر من بغاة، والباغي لا يزال الإسلام ثابتًا له.\nقال: [وعن أبي الجوزاء قال: ليس فيما طلبت من العلم ورحلت فيه إلى العلماء وسألت عنه أصحاب النبي ﷺ فسمعت الله ﷿ يقول لذنب: لا أغفر].\nوكأنه يقول: ما سمعت أحدًا قط ينقل عن الله ولا عن رسوله أن صاحب الذنب لا يغفر له، بل صاحب الذنب يغفر له إذا تاب من ذنبه.\nقال: [وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أنه سئل عن أصحاب الجمل؟ فقال: مؤمنون وليسوا بكفار.\nوعن ابن سيرين قال: لا نعلم أحدًا من أصحاب محمد ﷺ ولا من غيرهم من التابعين تركوا الصلاة على أحد من أهل القبلة تأثمًا].\nومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يصلون خلف كل بر وفاجر، وعلى كل بر وفاجر، ما لم يكفر وما لم يشرك، وأما الكافر فإنه إن مات على كفره فإنه لا يصلى عليه؛ لأنه ليس أهلًا للصلاة عليه.\nوهنا ينقل ابن سيرين عن جميع أصحاب النبي ﵊ وعمن أدركه من التابعين أنه لم يترك أحد منهم الصلاة على فاجر تأثمًا، أي: مخافة الوقوع في الإثم؛ لأنه لا يزال من أهل القبلة.\nقال: [وعن النخعي قال: لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد من أهل القبلة]، أي: لم يكونوا يمنعوا الصلاة على أحد من أهل القبلة.\nومعلوم أنه عند إطلاق مصطلح أهل القبلة يدل على أنهم ليسوا على السنة ولا يعني أنهم كفار، فليس معنى أن الأشاعرة مثلًا أو الماتريدية أو المعتزلة أو المرجئة ليسوا من أهل السنة أنهم كفار، ولكن العلماء يفرقون بين قول: ليسوا من أهل السنة، وقول ليسوا من أهل القبلة، فإذا لم يكونوا من أهل القبلة فهذا يعني أنهم كفار، وأما كونهم ليسوا من أهل السنة فهذا يعني: أنهم من أهل القبلة.","vol":"54","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1094>الصلاة على من مات من أهل الكبائر من المسلمين</span>\nقال: [وعن عطاء قال: صل على من صلى إلى قبلتك.\nوعن الحسن قال: إذا قال: لا إله إلا الله صل عليه.\nوعن ربيعة الرأي قال: إذا عرف الله فالصلاة عليه حق]، أي: إذا كان موحدًا فالصلاة عليه حق واجب له.\nقال: [وعن مالك قال: إن أفضل ذلك وأعدله عندي إذا قال: لا إله إلا الله ثم هلك -أي: ثم مات- أن يغسل وأن يصلى عليه.\nوعن أبي إسحاق الفزاري قال: سألت الأوزاعي والثوري: هل تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة وإن عمل أي عمل؟ قال: لا.\nوعن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد مثله].\nوالنبي ﷺ حينما قُرب إليه أحد أصحابه ليصلي عليه قال: (أعليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: هل ترك ما يؤدي عنه؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم).\nوصلاة النبي ﷺ ليست كصلاة غيره، والله تعالى قال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، أي: ادع لهم، وصلاة الجنازة دعاء، ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣].\nفصلاته مخصوصة بهذا، والرجاء معقود في أن تكون صلاة الشفعاء جميعًا رحمة وسكينة للميت، وهذا مقطوع به في حق النبي ﷺ دون غيره من أئمة الإسلام.\nوالنبي ﵊ ما ترك الصلاة على هذا الرجل تكفيرًا له، أو إخراجًا له عن الملة، أو لأنه ليس من أهل القبلة، والدليل على ذلك قوله لهم: (صلوا على صاحبكم).\nولو كان كافرًا بهذا الذنب لما أمرهم ﵊ أن يصلوا عليه.\nوالذي دفع النبي ﵊ أن يقول ذلك هو أنه مشرع، وقوله دين يُتعبد به إلى قيام الساعة، فأراد النبي ﵊ أن يبين خطورة الدين، وأن يزجر الأحياء أن يقعوا في مثل ما وقع فيه الميت، وليس من باب أنه كافر أو أنه ليس من أهل القبلة، ولكن لزجر الأحياء أن يفعلوا مثله، وقد بين النبي ﵊ ذلك في صاحب دين عليه ديناران، فإنه لما قال: (صلوا على صاحبكم، قام إليه أبو قتادة وقال: يا رسول الله! صل عليه وعلي دينه، ثم لما قال النبي ﵊ لـ أبي قتادة: هل أديت عن صاحبك؟ قال: يا رسول الله! ما هو إلا اليوم -أي: أنك لم تأمرني إلا اليوم والرجل ما مات إلا اليوم- فقال: اذهب فأد عن صاحبك، فذهب فأدى عن صاحبه في الليل وأتى في الغداة -أي: في صلاة الفجر- فقال النبي ﷺ: أين أبو قتادة؟ فقال: ها أنا يا رسول الله! قال: هل أديت عن صاحبك؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: الآن، قال النبي ﷺ: الآن بردت عليه جلده).\nوقال ﵊: (الشهيد يُغفر له كل شيء إلا الدين).\nوقد قيل: إن هذه الأحاديث منسوخة بقوله ﵊: (من مات وله مال فلعياله، ومن مات وعليه دين فلي وعلي)، وفي رواية: (فإلي وعلي)، أي: يعطى من بيت مال المسلمين إذا لم يكن قادرًا.","vol":"54","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1095>فضل التوحيد وخطورة الشرك</span>\nقال: [قال عبد الله بن مسعود: حينما أُسري بالنبي ﷺ فانتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يخرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما هُبط من فوقها فيقبض منها، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦] قال: فراش من ذهب، فأُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته المقحمات]، أي: الكبائر، التي يُقحم صاحبها في النار بسببها، فتسمى المقحمات، وتسمى الكبائر، وفظائع الأعمال والأمور.\nوالشاهد هنا قوله: وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته المقحمات، أي: الكبائر، وهذا محمول على أنه قد تاب منها، والحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي أسامة.\nقال: [وعن المعرور بن سويد قال: سمعت أبا ذر ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، رغم أنف أبي ذر)].\nوقد أجمع العلماء على أن هذا الحديث محمول على من تاب من زناه ومن سرقته.\nقال: [وعن الزهري قال: قال لي عبد الملك بن مروان هذا الحديث الذي جاء فيه: (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)، فقلت: أين تذهب يا أمير المؤمنين؟! هذا قبل الأمر والنهي وقبل الفرائض.\nوعن المعرور بن سويد عن أبي ذر: قال النبي ﵊: (يقول الله تعالى: من عمل حسنة فله عشر أمثالها، ومن عمل سيئة فجزاء مثلها وأغفر)]، والكبائر سيئة كما أن الصغائر سيئة.\nوالشاهد من الحديث: (وأغفر)، فمن عمل سيئة فهو في مشيئة الله، إن شاء عاقبه بها وإن شاء غفرها له.\nقال: [(ومن عمل قراب الأرض خطيئة -أي: ما يوازي ويقارب ملء الأرض خطايا- ثم لقيني لا يُشرك بي شيئًا جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إلي ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).\nوالحديث عند مسلم.\nوفي لفظ: (يقول ربكم ﷿: ابن آدم! إنك إن تأتني بقراب الأرض خطيئة بعد ألا تشرك بي شيئًا جعلت قرابها مغفرة لك ولا أبالي)].\nوعن جابر قال: (أتى النبي ﷺ أعرابي فقال: ما الموجبتان؟ قال النبي ﵊: من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يُشرك بالله شيئًا دخل النار).\nفالموجب لدخول الجنة هو التوحيد، والموجب لدخول النار هو الشرك، وما دون ذلك فهو في مشيئة الله ﷿، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ودليل ذلك في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nومن الأمور القطعية أن الشرك لا يُغفر قط، والكفر لا يُغفر قط، وكل شيء غيرهما داخل في مشيئة الله ﷿، وبعض الناس يقول: إن الله قادر على أن يغفر للمشرك، وهو قادر على كل شيء ﷾، ومن قدرته وبقدرته قضى وأمر وأخبر أنه لا يغفر للمشرك، ولو أراد أن يغفر له لأخبرنا، ولكن الله أخبرنا خبرًا يقينيًا قطعيًا أن المشرك أو الكافر لا يُغفر له قط، وأما ما دون الشرك من الكبائر والصغائر فإن الله ﵎ إذا شاء عذب بها وإذا شاء غفر؛ لأنه قال: «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ».\nفعلق مغفرة الذنوب التي هي دون الشرك بالله ابتداء على مشيئة الله، فإن شاء آخذ الناس بها وإن شاء عفا عنها.","vol":"54","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1096>بيان أن من ستر في الدنيا من أصحاب الكبائر فهو في مشيئة الله تعالى يوم القيامة</span>\nقال: [عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (قال لنا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف)].\nفبايع الصحابة النبي ﵊ على هذا، فجمع بين الكبائر وبين الشرك في هذا، ثم قال النبي ﵊: (فمن وفى منكم فأجره على الله)]، أي: فمن وفى منكم بأصل البيعة فأجره على الله ﷿، أي: أنه يثيبه على ما أطاع فيه ولم يعصه.\nقال: [(ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله في الدنيا فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له، قال: فبايعناه على ذلك)].\nوالشاهد من هذا الحديث قوله: (ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله في الدنيا).\nفلو أن رجلًا زنى أو سرق أو قتل فستره الله فإن تاب من هذا تاب الله ﷿ عليه، وإن مات ولم يتب فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له.\nوعن علي ﵁ قال: قال النبي ﵊: (من أصاب في الدنيا ذنبًا فعوقب به فالله ﷿ أعدل من أن يثني عقوبته في الآخرة)، أي إذا أُقيم عليه الحد في الدنيا فإنه لا يطالب قط بهذا الذنب يوم القيامة، أي: لا يُعاقب على ذنب واحد مرتين، وإذا عوقب بإقامة الحد عليه فقد برئت ساحته من هذا الذنب، والله تعالى لا يذكره ولا يطلعه على هذا الذنب؛ لأنه محي تمامًا.\nقال: (ومن أذنب ذنبًا وعفا عنه فالله تعالى أعدل من أن يعود في شيء عفا عنه).\nأي: إذا تاب المذنب من ذنبه فالله ﷿ يتوب عليه؛ لأنه وعد بذلك في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] بشرط أن يكون صادقًا في توبته كما ذكرنا آنفًا.","vol":"54","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1097>إشكال حول حديث جعل ذنوب ناس من هذه الأمة على اليهود والنصارى والجواب عليه</span>\nقال: [عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ: (ليجيئن ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى).\nقال أبو بردة: فحدثت به عمر بن عبد العزيز -وهذا يقوله لـ غيلان بن جرير - فقال: آلله سمعته من أبيك يحدث به عن النبي ﷺ؟ قال: نعم.\nفـ عمر يستوثق من أبي بردة أنه سمعه من أبي موسى الأشعري، أي: من أبيه؟ قال: نعم.\nوقوله: (ليجيئن ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال، يغفرها الله ﷿)، أي: يغفرها بسبب توبتهم، أو لعل لهم من الأعمال الصالحة ما يكافئ مغفرة ذنوبهم، ولهم من الأعمال والرصيد في الطاعة الشيء الكثير الذي يؤدي إلى مغفرة هذه الذنوب، ويبدو أن هذه الذنوب كثيرة جدًا؛ لأنها أمثال الجبال، ولكن الله تعالى يغفرها لهم ويضع هذه الذنوب على اليهود والنصارى.\nوهذا الحديث عند مسلم في صحيحه في كتاب التوبة.\nوربما يقول قائل: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، فما بال هذا اليهودي والنصراني يتحمل ذنوب المسلم، والأصل أن يتحمل كل إنسان ذنبه الذي اقترفه؟ وأقول: هذا حق، وليس هذا معنى الحديث، وإن كان هذا باد في ظاهره إلا أنه ليس مرادًا على الحقيقة، والمراد هو أن الله ﷿ جعل لكل مخلوق مكانه في النار ومكانه في الجنة، فإذا مات الكافر اطلع على مكانه في الجنة ثم قيل له: هذا مكانك لو أنك آمنت، ثم يطلع على مكانه في النار ويخلد فيها أبد الآبدين، فيبدل الله ﷿ المسلم مكان الكافر في الجنة مع مكانه الأصلي، فهذا المسلم إنما دخل الجنة رغم ذنوبه لكن الله تعالى غفرها، وأدخل هذا اليهودي أو النصراني المكان الذي أُعد للمسلم في النار بسبب كفره ويهوديته ونصرانيته، لا بسبب ذنوب المسلم التي وضعت على هذا الكافر.\nفهو تبديل مكان في الجنة أو النار، فالمسلم يغفر الله تعالى له ويدخله الجنة، وأما الكافر فإن الله لا يغفر له ويدخله النار، وهذا معنى الحديث.","vol":"54","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1098>فضل استمرار العبد في التوبة والاستغفار من الذنوب</span>\nقال: [عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ: (أن رجلًا أذنب ذنبًا فقال: رب! أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فقال الله تعالى: عبدي عمل ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي)].\nأي: بمجرد أن رجع العبد بعد أن أذنب إلى الله تعالى وتاب، وطلب منه العفو والمغفرة، ففرح الله تعالى بتوبة عبده إليه وقال: (قد غفرت لعبدي).\nقال: [(ثم عاد هذا المذنب فعمل ذنبًا آخر أو قال: أذنب ذنبًا آخر فقال: رب! إني عملت ذنبًا فاغفر لي، فقال: عبدي علم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء)]، وهذا محمول على أنه إذا وقع في الذنب أحدث توبة، وإلا فالخطر كل الخطر أن يذنب العبد الذنب ولا يتوب منه ولا يستغفر الله تعالى عما بدر منه، فيكون في مشيئة الله تعالى.\nولا بد من الاحتياط والحرص ألا يكون الشخص تحت المشيئة، فربما يئول الأمر به إلى العذاب وإلى دخول النار لأول وهلة، فالأمر ليس هينًا؛ لأن بعض الناس قد يقول: ما دمت في مشيئة الله فرحمته واسعة.\nوهذا صحيح، ولكن عذابه كذلك شديد أليم، والله ﵎ لم يعدك على الخصوص بالمغفرة، فأنت في مشيئة الله ﷿ إن شاء عذبك وإن شاء غفر لك.\nقال: [عن عبد الله بن مسعود قال: (لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] فزع الصحابة واشتد ذلك عليهم وقالوا: أينا لم يتلبس بظلم؟ وفهموا هذه الآية على عموم الظلم الكبير منه والصغير، فقال النبي ﵊: ألم تسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]؟)]، فبين لهم أن الظلم في هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] بمعنى الشرك، أي: ولم يشركوا بعد إيمانهم، فأولئك يغفر الله تعالى لهم، والحديث أخرجه الشيخان.\nقال: [وعن حذيفة عن النبي ﷺ قال: (إن رجلًا مات فدخل الجنة، فقيل له: ما كنت تعمل؟ فإما ذكر وإما ذكر فقال: كنت أبايع الناس -أي: أبيع وأبتاع- وكنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو النقد فغُفر له.\nقال ابن مسعود: أنا سمعت من النبي ﵊).\nوعن حميد بن عبد الرحمن الحميري أن أبا هريرة ﵁ أخبره قال: سمعت رسول الله يقول: (أسرف رجل على نفسه، حتى إذا حضرته الوفاة قال لأهله: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في الرياح، فوالله لئن قدر الله ﷿ علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، قال: ففعل ذلك به -أي: حينما مات أحرقوه ثم سحقوه ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر- ثم قال الله ﷿ لكل شيء أخذ منه شيئًا: رد ما أخذت منه -فأتى البحر بما عنده، وأتى البر بما عنده- فإذا هو قائم بين يدي الله ﷿، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ -أي: ما الذي جعلك توصي بهذه الوصية الجائرة؟ -قال: خشيتك)]، أي: الذي حملني على هذا خشيتك، والمعلوم أن الكافر لا يخشى الله تعالى وإنما يخشاه المؤمن، ولكن هذا الرجل كان جاهلًا.\nوالقدرة صفة من صفات الله تعالى، وأهل السنة مجمعون على أن من جهل صفة من صفات الله ﷿ فإنه لا يكفر بذلك، والإمام ابن الجوزي عليه ﵀ تكلف تأويل هذا الحديث، فقال في قول هذا الرجل: (فوالله لئن قدر الله تعالى علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين): أي: لئن ضيق الله علي كما في قوله تعالى: «وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ»، أي: ضيق عليه رزقه، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦].\nوليس الأمر كذلك، وأقوى الأقوال في هذا هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله وهو: الأمر الأول: أن هذا الرجل كان جاهلًا، فقد كان من أهل الإيمان ولكنه جهل صفة من الصفات، والدليل على أنه مؤمن قوله: (يا رب! خشيتك)، أي: هي التي حملتني على هذا.\nوالأمر الثاني: إيمان هذا الرجل بأن الله تعالى يبعث الخلائق، وتصور جهلًا منه أنه لو أُحرق وذُري هنا وهناك فإنه لن يُجمع ولن يُبعث بعد ذلك، وهذا لا ينفي أنه يؤمن بحقيقة البعث، ولكنه تصور أنه لو ذر في التراب والبحر فلن يبعث ولن يجمع، وهذا جهل.","vol":"54","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1099>معنى الاستقامة في قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)</span>\nقال: [عن أبي بكر الصديق في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] قال لهم أبو بكر: ما تقولون في هذه الآية؟ فقالوا: استقاموا فلم يذنبوا، فقال أبو بكر: حملتم الأمر على أشده، ثم قال: استقاموا فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان].\nفلما قالوا: استقاموا فلم يذنبوا، قال: لقد شددتم على أنفسكم جدًا، وأينا لا يذنب؟ وإنما تفسير هذه الآية وتأويلها: استقاموا فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان مرة أخرى، أي: لم يشركوا بالله.\nوالذنب لا يخلو أحد منه إما كبيرًا وإما صغيرًا.\nفأما صغائر الذنوب فتغفرها الطاعات، وهذا أمر معلوم، فتغفرها الصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الكفارات.\nوأما كبائر الذنوب فتحتاج إلى توبة أو إقامة حد أو عمل أعظم منها من الطاعات كالحج مثلًا، أو الجهاد في سبيل الله حتى يكفر كبائر الذنوب.\nوأما الأوثان وعبادتها فإنها أمر لا يُغفر قط إذا مات صاحبه على ذلك.","vol":"54","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1100>آيات الرجاء في سورة النساء</span>\nقال: [قال عبد الله بن مسعود: آيات في كتاب الله في سورة النساء خير للمسلمين من الدنيا وما فيها، وهي قول الله ﷿: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١]] والآية محل نزاع في تأويلها عند أهل العلم.\nفقال بعض العلماء: شرط مغفرة الصغائر عدم الوقوع في الكبائر، فمثلًا قوله ﵊: (الوضوء إلى الوضوء، والجمعة إلى الجمعة، والصلاة إلى الصلاة)، وغير ذلك من المكفرات مثل (ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر)، أي: إذا اجتنبت الكبائر، فهذه الأعمال والطاعات وغيرها كفيلة بمغفرة الصغائر ومحوها إذا اجتنبت الكبائر، هذا تأويل.\nأي: هذه الأعمال لا تكفر الصغائر إلا إذا اجتنبت الكبائر.\nوبعضهم يقول وهو مذهب جماهير أهل العلم: هذه الأعمال -أي: الصغائر- تكفرها هذه الطاعات وقعت الكبائر أو لم تقع، أي: أنهم يقولون: هذه الطاعات تكفر الصغائر دون الكبائر.\nقال: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠].\nقال الحسين: وأنا أقول آية خامسة خير للمسلمين من الدنيا وما فيها هي في سورة النساء كذلك، وهي قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء:١٤٧].\nوعن ابن عمر قال: ما زلنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا ﷺ: (﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nقال النبي ﷺ: وإني ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة).\nوعن معبد الجهني قال: قلت لـ عبد الله بن عمر: رجل لم يدع شيئًا من الخير إلا عمله، إلا أنه كان شاكًا؟ قال: هلك ألبتة].\nفلو أن رجلًا لم يعمل سوءًا قط، بل كانت كل أعماله خيرًا وصلاحًا وبرًا وتقوى؛ غير أنه كان يشك في الله ﷿ فقد هلك ألبتة، أي: لا ينفعه عمله قط.\nقال: [قلت: رجل لم يدع من الشر شيئًا إلا عمله، غير أنه يشهد أن لا إله إلا الله، قال: عش ولا تغتر].\nوهذا مثل سائر بين العرب: عش ولا تغتر.\nوهذا المثل قيل لبدوي كان يريد أن يسافر بإبله ليلًا في الصحراء ويقطع المسافات، فظن أن الصحراء لا تخلو من طعام وشراب ليطعم وتطعم دابته ويشرب وتشرب دابته، وظن أن هذا من باب التوكل على الله، فلما سأل الناس عن ذلك، قالوا: عش ولا تغتر، أي: لا تركن إلا إلى أمر يقيني موثوق منه، وأما ظنك أن الصحراء بها طعام وشراب فهذا مجرد ظن وليس يقينًا، ولكن اليقين أن طعام الدبة وشرابها بين يديك الآن، فعشها وأطعمها وأسقها، ولا تغتر، أي: لا تقع في أمر مظنون، فإن وجدت في الصحراء طعامًا وشرابًا فيكون ما قد فعلته في حضرك زيادة في الخير، وإذا انقطع بك السبيل في الصحراء فتكون قد عشيت ولم تغتر.\nوهكذا قال عبد الله بن عمر وابن عباس وغير واحد لمن تكلم في هذه القضية، والمثل كان معلوم المعنى لدى السامع والمتكلم، أي: افعل الخير وتب من الذنب ولا تغتر برحمة الله تعالى، فإن رحمك كان بها، وكانت طاعتك زيادة في البر والتقوى، وإن حاسبك الله ﷿ كان عندك من الطاعة ما يؤهل لمغفرة الذنب.","vol":"54","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1101>عدم تكفير الصحابة لأصحاب الكبائر</span>\nقال: [وعن أبي سفيان قال: قلت لـ جابر: كنتم تقولون لأهل القبلة أنتم كفار؟ قال: لا، قلت: فكنتم تقولون لأهل القبلة: أنتم مسلمون؟ قال: نعم].\nوهذا بيان أنه لا يلزم من كون الرجل من أهل القبلة أن يكون من أهل السنة، فأهل السنة أهل الاستقامة وأهل الحسنى، وأهل القبلة كذلك، ومن خالف طريق السنة فلا يلزم منه أن يكون كافرًا بل يكون من أهل القبلة فحسب.\nوأتى رجل ابن مسعود فقال: إني ألممت بذنب، فأعرض عنه ابن مسعود، فأقبل على القوم يحدثهم، فأقبل المذنب على ابن مسعود قد نزف الدمع من عينيه، فقال ابن مسعود: ما جئت تسأل عنه؟ إن للجنة ثمانية أبواب تفتح وتغلق، غير باب التوبة عليه ملك موكل، فاعمل ولا تيئس.\nوالشاهد: لا تيئس، وأعظم منه قوله: اعمل؛ لأن بعض الناس يتكل تمامًا على رحمة الله ﷿، وكأن الله تعالى وعده أن يرحمه وأن يغفر له، فهو يترك العمل دائمًا اتكالًا على رحمة الله، وأخشى أن يفاجأ يوم القيامة بأنه من أهل النار لأول وهلة، والمعلوم أنه إن دخل النار فإنه لا يخلد فيها، والله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يخاف عاقبة الأمور، ولذلك قال: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس:١٥].\nفهو يعذب من يشاء بعدله ويغفر لمن يشاء بفضله ﷾.\nفإذا كنت في مشيئة الله ﷿ فلا بد أن تقدم بين يديك وبين يدي الله ﷿ عملًا صالحًا ترجو به ثواب الله تعالى ومغفرته، وأما اتكالك على مغفرته وأنت مستمر في المعاصي والذنوب فإن هذا ليس من عقيدة أهل السنة أبدًا.","vol":"54","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1102>الصلاة على أصحاب المعاصي</span>\nقال: [قال أبو العالية: قلت: يا أبا أمامة! الرجل يكون فينا رجل سوء فيشرب الشراب فيموت أنصلي عليه؟ قال: فإلى من تكلون جنائزكم؟ أي: إذا لم تصلوا على أصحاب الذنوب والمعاصي والكبائر فمن يصلي عليهم؟ وما يدريك لعله استلقى على فراشه فقال: لا إله إلا الله فغفر الله ﷿ له].\nونحن في الحقيقة نعامل أصحاب الصغائر معاملة فيها فظاظة وجلافة، مع أن الأصل أن نتلطف ونرحم أصحاب الكبائر، ونأخذ بنواصيهم إلى الله ﷿.\nقال: [وعن عقبة بن علقمة اليشكري قال: رأيت عليًا وقد شهدت معه صفين، فأُتي بخمسة عشر أسيرًا من أصحاب معاوية، فكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه].\nواليوم لو كان هناك خمسة إخوة فقتل أحدهم وبينه وبينهم عداء فإن الجميع سيمتنع من الصلاة عليه وعن تغسيله والدعاء له، مع أنه مجرد خلاف لم يصل إلى حد ما حدث في صفين أو الجمل أو غيرها.\nقال: فأُتي بخمسة عشر أسيرًا من أصحاب معاوية، فكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه، أي: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.\nقال: [وعن محمد بن المنكدر قال: كان رجل بالمدينة يقال له: عمران بقرة، وكان مسرفًا على نفسه، فحينما مات أُتي بجنازته فتفرق الناس عنه، أي: ما صلوا عليه، قال: وثبت مكاني -أي: صليت عليه- فكرهت أن يعلم الله ﷿ مني أني أيست له من رحمته].\nوهذا موقف محمد بن المنكدر من أصحاب الكبائر.\nقال: [وقال محمد بن القاسم: سمعت أعرابيًا خرج من خيمته فوقف على بابها، ثم رفع يديه فقال: إلهي إن استغفاري لك مع إصراري للؤم، وإن تركي الاستغفار مع سعة رحمتك لعجز، إلهي كم تحببت إلي وأنت عني غني! وكم تبغضت إليك وأنا إليك فقير! فسبحان من إذا وعد وفى، وإذا توعد عفا.\nقال: وخرج أعرابي فقال: اللهم إني أخافك لعدلك، وأرجوك لعفوك، خلصني ممن يخاصمني إليك، فإنه لا يخاصمني إليك إلا كل مظلوم، وأنت حكم عدل لا تجور، عوضهم بكرمك، وخلصني بعفوك يا كريم!].","vol":"54","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1103>رحمة النبي ﷺ بأصحاب الكبائر</span>\nوالنبي ﵊ كان رحيمًا جدًا بأصحاب الكبائر إذا تابوا منها، ولو نظرنا إلى المرأة الغامدية مثلًا فالنبي ﵊ صلى عليها وهي زانية، ولكنها تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وفي رواية: لو تابها صاحب مكس لتاب الله ﷿ عليه.\nوكذلك ماعز الأسلمي حينما أُقيم عليه الحد فمات سبه أحد ممن رجمه فقال النبي ﷺ: (لا تفعل، فإني أراه الآن يسبح في أنهار الجنة).\nوغير ذلك.\nبل كان الأعرابي البدوي الجلف يأتي إلى النبي ﵊ فيأخذه من ثوبه ويجبذه إليه حتى يؤثر ذلك في رقبته ويقول: (يا محمد! أعطني من مال الله، فإنه ليس مالك ولا مال أبيك).\nوالمعلوم أن إيذاء النبي ﵊ بالقول أو الفعل من عظائم الذنوب، ومع هذا ما كان يزيد على أن يبتسم ثم يأمر له بالعطاء.\nفصاحب الكبيرة إما أن تقول هو كافر فلا تصلي عليه، وإما أن تقول هو من أهل القبلة فتصلي عليه، وهو من أهل القبلة، إلا أن يشرك بالله.\nوأما أن نذكر كلامًا عامًا فهذا ينبغي أن نتوقف فيه، إلا أن تُبحث كل حالة معروضة على ذلك، فلا يصح أن تقول: ما حكم من فعل كذا وكذا؟ ثم تأخذ مني الجواب فتطبقه على فلان بعينه، ثم تقول: فلان أفتاني أو فلان قال كذا.\nهذا كلام لا يصح.","vol":"54","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1104>الأسئلة</span>","vol":"54","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1105>كفارة الكبيرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يكون السجن كفارة لمقترف الكبيرة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  السجن ليس كفارة؛ لأن السجن والحبس ليس من العقوبات الشرعية ابتداء، وإنما الحدود كفارات لأهلها كما جاء عن عمر وغيره من صحابة النبي ﵊؛ وهذا الحديث مرفوع، وليس له سند يصح، والأمة مجمعة على أن من أُقيم عليه الحد فالحد كفارته، ويستندون إلى أقوال مأثورة عن الصحابة ﵃ بأن الحدود كفارات لأهلها.","vol":"54","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1106>الدعاء للشخص باسمه في السجود</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز الدعاء في السجود لأحد الإخوة بالاسم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم يجوز، بل وفي القنوت كذلك يجوز.","vol":"54","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1107>حكم مرتكب الكبيرة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الذي يأتي كبيرة وهو عالم بها وبقبحها ما حكمه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حكمه حكم مرتكب الكبيرة.","vol":"54","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1108>حكم اختلاف العلماء، وحكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هناك اختلافات في بعض الأمور الفقهية بين الأئمة الأربعة، فهل يجوز أن نأخذ برأي إمام واحد دون الأئمة الآخرين، وهل هذا الاختلاف رحمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  اختلاف العلماء اختلف فيه الناس إلى قسمين: قسم يرى أن الاختلاف منه خطأ وصواب.\nوقسم يرى أن الاختلاف رحمة، وأنه يجوز للعامي الذي ليس له نظر في الأدلة أن يقلد أي المذهبين.\nوالأدلة التي جاءت في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊ تشهد لهذين الرأيين، فمثلًا الاختلاف في العقائد وفي أصول الدين وكليات الشريعة عبارة عن خطأ وصواب، وقول بعض فرق الإباضية مثلًا بإنكار الصلوات الخمس، وأنها صلاتان، صلاة في أول النهار وصلاة في آخر النهار هذا الخلاف في الأصول، والخلاف فيه خطأ وصواب.\nوالشيعة ينكرون المسح على الخفين، وجماهير المسلمين يقولون بسنية وجواز المسح على الخفين.\nفخلاف الشيعة لجماهير علماء المسلمين خلاف غير معتبر، وهو خطأ.\nفالخلاف منه ما هو خطأ وصواب، ومنه ما هو رحمة وسعة.\nومثال اختلاف الرحمة: قوله قال ﵊ لأصحابه: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة)، فلما كادت الشمس أن تغرب قبل أن يصلوا العصر ولم يدخلوا بني قريظة انقسم الصحابة فريقين، فقال أحدهما: ما أراد النبي ﵊ ظاهر لفظه، ولكنه أراد أن يبشرنا بأننا سندخل في بني قريظة قبل غروب الشمس، فحملوا كلامه على أنه خبر بشارة بدخول بني قريظة قبل غروب الشمس، ولكن الواقع أننا لم ندخل، فلن نترك الصلاة وقد علمنا النبي ﵊ مواقيت الصلاة، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].\nوهذا وقت العصر، فكيف نتركه متعمدين حتى تغرب الشمس؟ والله لنصلين، فصلوا.\nوقال الفريق الثاني: إنما أراد النبي ﵊ ظاهر نصه، وأننا لا نصلي العصر إلا في بني قريظة حتى وإن غربت الشمس.\nفهؤلاء قالوا: النبي ﵊ ما أراد منا ترك الصلاة، والفريق الثاني قالوا: نأخذ بظاهر كلامه ﵊ وعليه المسئولية ﷺ.\nوالحجة ليست في فعل هذين الفريقين، وإنما الحجة في أنهم لما رجعوا إلى النبي ﵊ قصوا عليه الخبر فلم ينكر على أحد الفريقين، فلم يقل للذين صلوا: لِم صليتم وقد أمرتكم ألا تصلوا إلا في بني قريظة؟ ولا للذين لم يصلوا: أنا ما أردت ذلك، ولم لم تصلوا لما كادت الشمس أن تغرب وقد علمتكم مواقيت الصلاة؟ لم يثبت عنه ذلك.\nبل الثابت أنه أقر هؤلاء وهؤلاء، مع اختلافهم في الاجتهاد؛ لأن الأصل واحد.\nفأصل هؤلاء أنهم حرصوا على طاعة الرسول ﷺ، وأصل هؤلاء كذلك أنهم حرصوا على طاعة الرسول ﷺ، وهذا بخلاف من حرص على معصية الرسول ﷺ، فهذا شيء آخر.\nوغسل الوجه في الوضوء لم يختلف أحد من أهل العلم أنه واجب؛ لأن الأصل واحد، ومرده إلى الكتاب والسنة.\nولكن أهل العلم من أهل السنة اختلفوا في المضمضة والاستنشاق، فمنهم من قال بالوجوب، ومنهم من قال بالاستحباب، وترك الاستحباب لا يؤثر في صحة العمل، وخلافهم لم يقع عن هوى، والظن بعلمائنا أن مرد أمرهم كله إلى الله ﷿ ورسوله.\nفقال الفريق الأول: إذا كان الله تعالى أمر بغسل الوجه فالفم والأنف من الوجه، فهما داخلان في الأمر، وقد بين ذلك بسنته العملية ﷺ، فقد كان يحافظ على المضمضة والاستنشاق، فتكون المضمضة والاستنشاق واجبتان لعموم الأمر بغسل الوجه والسنة العملية للنبي ﵊، وهذا كلام وجيه.\nوقال الفريق الثاني: نحن متفقون مع الفريق الأول على وجوب غسل الوجه، وهذا أصل لا نختلف فيه، وإنما نختلف معهم أن الفم والأنف من الوجه، فظاهر الأنف وظاهر الفم من الوجه، وأما باطن الأنف الذي هو محل الاستنشاق وباطن الفم الذي هو محل المضمضة فليسا من الوجه.\nفلما سألهم الفريق الأول: لِم كان يتمضمض ويستنشق ﵊ وعمل بهذا الخلفاء من بعده، وعملهم حجة؟ قالوا: إن فعلهم ومواظبتهم محمولة على الاستحباب والندب لا على الوجوب، ونحن لا نختلف معكم في جواز ومشروعية المضمضة والاستنشاق، وإنما نختلف معكم في حكم المضمضة والاستنشاق، فأنتم تقولون: واجب، ونحن نقول: مستحب، والفرق بيننا وبينكم أن ترك الواجب يأثم به التارك، وأما ترك المستحب فلا يأثم به التارك.\nوهذا الخلاف مقبول ومعتبر.\nفإن كنت ممن لا نظر لهم ولا فقه في أدلة أهل العلم والترجيح بينها فإمامك هو مفتيك، وأما إذا كنت من أهل العلم أو من طلاب العلم الذين لهم نظر وبصر في الأدلة، وتستطيع أن ترجح بين أقوال العلماء من واقع الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع فإن التقليد لا يسعك، ولا يسعك إلا أن ترجح في كل مسألة من مسائل دينك فتلتزمها.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"54","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1109>حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الصلاة في المساجد التي فيها قبور صحيحة أم غير صحيحة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الذي يترجح لدي أن الصلاة في المساجد التي فيها قبور غير صحيحة.","vol":"54","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1110>حكم تعليق الصور</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز تعليق الصور في المنزل، وهل يوجد خلاف في هذه المسألة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في حرمة تعليق التصاوير، وإنما الخلاف وقع في جواز التصوير، وأما التعليق فلم يختلف على حرمته أحد.","vol":"54","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1111>حكم إقامة جماعتين في مسجد واحد في وقت واحد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم إقامة جماعتين في مسجد واحد في آن واحد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الجماعة الثانية باطلة؛ لأنها انعقدت في غير وقت الجواز، وبطلانها متوقف على بلوغها العلم بإقامة جماعة أولى، والجماعة الثانية جماعة باطلة، ويلزم أصحابها الإعادة إما جماعة أو فرادى؛ لأنهم علموا بقيام الجماعة الأولى، حتى وإن كانت هذه الجماعة الأولى جماعة أفسق الخلق، وكان إمامها لا يحسن البسملة، فتنتظر الجماعة الثانية حتى تفرغ الأولى من صلاتها، وإلا يجب عليهم أن يدخلوا معهم في الصلاة.\nفلا تقام جماعتان مطلقًا سواء في فرض أو في فرضين أو أكثر في مسجد واحد، وإذا كان هناك جماعتان في آن واحد فالذي يدخل المسجد مع من يصلي وبمن يلتحق في الصلاة؟ فهذا لا يجوز، وهذه المسألة من مسائل الإجماع.\nويمكن أن يكون هناك سعة في الأمر إذا جهلنا، كأن يكون المسجد كبيرًا جدًا، فتكون الجماعة الأولى مثلًا في أول المسجد، وهم وإن صلوا بميكرفون أيضًا فالناس الذين في آخر المسجد لا يسمعونهم ولا يعلمون بقيام الجماعة الأولى، فلا بأس بتعدد الجماعات على هذا النحو، بشرط ألا تعلم الجماعة الثانية بقيام الجماعة الأولى، وإذا علموا في أثناء الصلاة وجب عليهم الانصراف، وإذا علموا في أثناء الصلاة ولم تعرف الأولى منها وجب على الجماعتين حينئذ الانصراف وإنشاء جماعة واحدة.\nوإذا صلت الجماعتان ولا يعلم أحدهما بقيام الجماعة الأخرى، فصلاتهما صحيحة.","vol":"54","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1112>حال طارق السويدان وأشرطته</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الأخ يسأل عن أشرطة طارق السويدان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  طارق السويدان فتنة في هذا الزمان، وهو له ميول شيعية، وليس شيعيًا صريحًا، وقد أساء غاية الإساءة فيما يتعلق بالنبي ﵊، وقد علق على الفتنة التي دارت بين علي ومعاوية ﵄ بكلام يخالف تمامًا عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذه مسألة ليست هينة، وإنما هي مسألة من أصول اعتقاد المسلمين، والدكتور طارق السويدان في الحقيقة جريء جدًا في انتقاد أهل السنة، وجبان جدًا في انتقاد الشيعة، وقد قلت له في الكويت في شهر (٨) في العام الماضي: لقد أثنيت على الشيعة ولم نرك تثني على أهل السنة كما أثنيت على الشيعة، والشيعة في الكويت لهم نواب في مجلس الأمة وغير ذلك، فقال: وماذا أنقم على الشيعة، فلو جمعت أخطاء أهل السنة لفاقت أخطاء الشيعة؟ وهذا الكلام لا يقوله أحد قط عنده بصيرة ولا علم ونور في قلبه.\nقلت: وما هي أخطاء أهل السنة الظاهرة أو الأخطاء الأصلية الكلية في الاعتقادات، والشيعة يخالفوننا فيما يتعلق بأصول الاعتقاد، وفي النبي ﵊، وفي الإمامة، وفي اتخاذ التقية مذهبًا لهم، وفي كلام الله ﷿ في القرآن الكريم، وفي أصحاب النبي ﵊، فهم يتقربون إلى الله بزعمهم بسبهم وتكفيرهم، ونحن نتقرب إليه بحبهم والترضي عنهم.\nوهذه كلها أصول وغيرها كثير.\nقال: دعنا من هذا، فإن أهل السنة عندهم أكثر مما عند الشيعة مما يُنقم عليهم.\nوالكلام هذا مسجل، وكنت أود ألا ينتشر أمره، فلما انتشر وجب التحذير منه، وخاصة الأشرطة قد انتشرت بين العامة، والعامة لا يعرفون أصول الاعتقاد ولا فروع الاعتقاد من باب أولى.\nوأنا لا أرى غضاضة قط بسماع أشرطته دون أشرطة التاريخ الإسلامي، فله عشرة أشرطة في التاريخ الإسلامي جمع فيها البلاء، وتكلم عن الصحابة بكلام ليس من عقيدة أهل السنة والجماعة، فإن شئت أن تسمع له غير هذه الأشرطة فبها ونعمت، وإن تركته كله فهو أحسن.\nوالله تعالى أعلم.","vol":"54","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1113>صيغة إرجاع الزوجة المطلقة طلاقًا رجعيًا</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حدثت مشادة بيني وبين زوجتي وأخطأت فضربتها، ثم أخطأت مرة أخرى فقلت لها: أنتِ طالق، وهذه المرة الأولى، فما الحكم في ردها، مع العلم بأنها لم تكن في المنزل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كانت الصيغة كما قلت تمامًا: أنتِ طالق، فهذا لفظ صريح يقع به الطلاق، والطلاق يقع وإن كانت المرأة حائضًا مع الإثم، ويلزمك أن ترد هذه المرأة إذا أردت ردها بقولك أمام شاهدي عدل: أرجعت امرأتي فلانة إلى عصمتي.\nوتحسب هذه طلقة أولى، ويبقى لك طلقتان، وربما تتلفظ بهما هذه الليلة، فلا تقل مثلًا: إن لي عشر سنين لم أطلق إلا مرة، فربما تغضب غضبة شديدة فينتهي الزواج كله في هذه الليلة.\nوبإمكانك أن تعالج كل خطأ حتى إن أنت ضربتها، ومع أن هذا أمر بشع، إلا أنه يمكن علاجه بكلمة بسيطة جدًا لها، أو هدية منك تقدمها لها، وبهذا ينتهي كل شيء.\nفالضرب له علاج، ولكن الطلاق ليس له علاج، (وهل يكب الناس على مناخيرهم يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم؟) فكما يقولون: لسانك حصانك، إن صنته صانك وإن هنته هانك.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"54","page":23},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1114> الشفاعة لأهل الكبائر يوم القيامة</span>\nمن ضرورات الإيمان: التصديق بالشفاعة الثابتة يوم القيامة للنبي ﷺ وغيره، واختصاص الشفاعة الكبرى لنبينا محمد ﷺ، وذلك حين يبعثه الله المقام المحمود، والشفاعة أنواع منها شفاعة المؤمنين لإخوانهم، وشفاعة الأطفال لآبائهم، وشفاعة الملائكة، وشفاعة رب العالمين، التي يعتق بها أقوامًا برحمته ويخرجهم من النار.","vol":"55","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1115>باب الشفاعة لأهل الكبائر</span>\nبسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [(باب الشفاعة لأهل الكبائر)].\nأي: باب إثبات أن الشفاعة ينتفع بها أصحاب الكبائر.\nهذا الباب معقود للرد على المعتزلة الذين يقولون بأن من دخل النار لا يخرج منها، ونحن نعلم أن صاحب الكبيرة في مشيئة الله ﷿ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عذبه فمآله الخروج من النار ودخول الجنة.\nوالخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة كما عرفنا مرارًا، والمعتزلة يقولون: لو دخل النار لا يخرج منها قط، ثم يأتون بالآيات والأحاديث التي تدل على دخول النار والأبدية والخلود فيها الواردة في حق الكفار فيحملونها على من دخل النار عمومًا أو مطلقًا، وأنتم تعلمون أن أصحاب الكبائر أو أصحاب الذنوب والمعاصي إذا أراد الله ﷿ أن يعذبهم أدخلهم النار ثم يخرجون منها، والأدلة على ذلك كثيرة ومتواترة، وستأتي معنا بإذن الله تعالى.\nقال: [سياق ما روى عن النبي ﷺ في الشفاعة لأمته، وأن أهل الكبائر إذا ماتوا عن غير توبة يدخلهم الله ﷿ إن شاء النار، ثم يخرجهم منها بفضل رحمته ويدخلهم الجنة، وقد مضى في حديث جابر وغيره في فضائل النبي ﷺ: (أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي) وذكر منها الشفاعة].\nقال: (وأوتيت الشفاعة).","vol":"55","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1116>رواية أبي هريرة في الشفاعة</span>\nقال: [عن أبي هريرة ﵁: أن رسول ﷺ قال: (إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني أحب أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ولفظ الحديث لـ عبد الرزاق أخرجه مسلم].\nقال ابن حزم: اختلف الناس في الشفاعة، فأنكرها قوم وهم المعتزلة والخوارج.\nإذًا: الذي ينكر الشفاعة يركب مركب الخوارج ومركب المعتزلة، أما أهل السنة فيثبتون الشفاعة الواردة بقيودها، وشروطها في الكتاب والسنة، وذهب معهم الأشعرية والكرامية وبعض الرافضة.\nواحتج المانعون بقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].\nولعلكم تذكرون أن هذه الآيات كانت حجة ذلك الغبي الذي أنكر الشفاعة منذ أشهر قلائل، احتج بقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وبقوله ﷿: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩].\nقال الآجري: قال محمد بن الحسين ﵀ اعلموا رحمكم الله أن المنكر للشفاعة يزعم أن من دخل النار فليس بخارج منها.\nوهذا مذهب المعتزلة، يكذبون بها -أي: بالشفاعة- وبأشياء سنذكرها إن شاء الله مما لها أصل في كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﵊، وسنن الصحابة ﵃، وقول فقهاء المسلمين.\nويعتقد أهل السنة والجماعة بأن عصاة الموحدين الذين استحقوا دخول النار -بسبب معاصيهم وجزاء ذنوبهم التي ارتكبوها- أنهم يخرجون منها ولا يخلدون فيها، وأن نبينا ﷺ يشفع فيهم يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]].\nوقد تواترت الأحاديث بوقوع الشفاعة يوم القيامة، وسيذكر المؤلف معنا شيئًا منها، ومنها هذا الحديث [عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (لكل نبي دعوة مستجابة)].\nأي: لا محالة؛ لأن هذا وعد من الله ﷿، ووعده سبحانه لا يتخلف بخلاف الوعيد [(فتعجل كل نبي دعوته)].\nيعني: كل نبي تعجل دعوته العظمى.\nأنتم تعلمون أن النبي ﷺ كان يدعو دائمًا في ليله ونهاره، ودعوته هذه ليست الدعوات المقصودة في هذه الروايات، فلكل نبي دعوة عظمى عامة تنفع الأمة بأسرها، أما نبينا ﵊ فإنه اختبأ دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة: [(وإني اختبأت دعوتي لأمتي يوم القيامة)].\n[عن أبي هريرة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت ألا يسألني عن ذلك أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث إن أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه)].\nأي: من كان موحدًا لله ﷿، وذكر شرطًا من شروط (لا إله إلا الله) وهو الإخلاص.\nقال: (مخلصًا من قلبه)؛ لأن لا إله إلا الله مجردة بغير شروطها ومقتضياتها لا تنفع صاحبها، فقول الإنسان: (لا إله إلا الله) وهو يبغض هذه الكلمة ولا يعلم حقيقتها وغير ذلك من شروطها لا تنفعه، فقال: (إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه).","vol":"55","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1117>رواية جابر بن عبد الله ﵁ في الشفاعة</span>\nقال: [عن سفيان بن عيينة قال: قلت لـ عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله يحدث عن النبي ﷺ: (إن الله يدخل قومًا النار ثم يخرجهم منها)].\nيعني: هل سمعته يقول ذلك وينقله عن النبي ﵊؟ [قال -أي: عمرو - نعم] والحديث في الصحيحين.\n[عن حماد بن زيد قال: قلت لـ عمرو بن دينار: يا أبا محمد! سمعت جابر بن عبد الله يحدث عن النبي ﵊ أنه قال: (إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة؟ فقال: نعم)].\n(إن الله يخرج قومًا من النار) أي: بعد أن استحقوا دخول النار ودخلوها حقًا، فإنهم يخرجون بشفاعة النبي ﵊.\nوالحديث في الصحيحين.\n[عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: (يخرج الله قومًا من النار بعدما امتحشوا فيدخلون الجنة)] أي: بعدما احترقوا في النار، فالله تعالى يخرجهم ويدخلهم الجنة.\n[قال عمرو بن دينار: قال عبيد بن عمير.\nقال رسول الله ﷺ: (يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة).\nقال: فقال رجل: يا أبا عاصم! ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ فقال عبيد بن عمير: إليك عني يا علج -أي: يا قبيح- فلولا سمعه من يتبين من أصحاب رسول الله ﷺ لما حدثته.\nقال سفيان: وقدم علينا عمرو بن عبيد ومعه رجل تابع له على هواه فدخل عمرو بن عبيد الحجر فصلى فيه وخرج صاحبه، وقام على عمرو بن دينار وهو يحدث هذا عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ].\nيعني: هذا الذي أتى إلى مكة مع عمرو بن عبيد صاحب هوى من أهل الاعتزال، سمع عمرو بن دينار يحدث عن جابر عن النبي ﵊: (أن الله ﷿ يخرج قومًا من النار بعد ما امتحشوا فيدخلهم الجنة)، فلما سمع هذا من عمرو بن دينار قال: ما هذا الذي تحدث به يا عمرو؟! قال: سمعت جابر بن عبد الله يرفعه إلى النبي ﷺ، فلما كان السند قويًا ما استطاع هذا المبتدع أن يرد هذا الكلام، قال: إن لهذا الكلام معنى آخر؛ لأنه لم يستطع أن يرد أصل الكلام، فتكلم في معناه.\nقال: هذا الكلام ليس على ظاهره، بل له معنى آخر لا يعرفه كثير من الناس.\nقال: فقال الرجل لـ عمرو بن عبيد: وأي معنى لهذا الكلام، وفك ثوبه من يديه وفارقه.\n[عن يزيد الفقير قال: كان قد شغفني رأي الخوارج -ومعنى شغفني: شغلني- ودخلت فيه، وكنت أعتقد صحة ما عليه الخوارج أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار.\nقال: فكنت رجلًا شابًا، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله ﷺ جالسًا إلى سارية وإذا هو يذكر الجهنميين].\nقصة الجهنميين أنهم يدخلون جهنم ويخرجون منها بشفاعة الشفاعين، ويدخلون في نهر يقال له: نهر الحياة، ينبتهم الله ﷿ فيه، ثم يسكنهم الجنة، فأهل الجنة يدعون هؤلاء بالجهنميين، أي: لمن استحقوا العذاب في جهنم، وقد خرجوا منها بشفاعة الشافعين.\nقال: [فلما سمعت جابرًا يحدث عن الجهنميين فقلت له: يا صاحب رسول الله ﷺ! ما هذا الذي تحدثون وقال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]؟] يعني: أنت تقول يا جابر! أن من دخل النار يخرج منها من أصحاب الكبائر، والله تعالى قد حكم عليه بالخلود في قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢].\nقال: [ولم يذكر بعد الخزي شيء آخر] أي: من النجاة.\n[قال: فقال جابر: أي بني! أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم.\nقال: فهل سمعت بالمقام المحمود الذي يخرج الله به من يخرج.\nقال: ثم نعت وضع الصراط وممر الناس عليه.\nقال: فأخاف ألا أكون حفظت، غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد إذ كانوا فيها.\nقال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، ويخرجون كأنهم القراطيس البيض.\nقال: فرجعنا، وما خرج منا غير واحد].\nأي: رجعنا كلنا عن رأي الخوارج، لم يبق مع الخوارج منا إلا واحد فقط.\nهذا هو الإشعاع النوراني الذي يصلح الله ﷿ به العباد على يد رجل واحد من أهل العلم، كما وقع من جابر بن عبد الله ﵁، وهذا الحديث [أخرجه مسلم].","vol":"55","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1118>الخلود نوعان في كتاب الله أبدي ومؤقت</span>\nوقال طلق بن حبيب: [كنت أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله الأنصاري، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها فيها ذكر خلود أهل النار].\nقال النبي ﵊: (من تحسى سمًا فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها) حديث كهذا عند الخوارج يقولون: هاهو الحديث يقول: (خالدًا مخلدًا فيها)، ونحن نعلم أن من قتل نفسه ارتكب معصية، والمعصية ليست كفرًا، فإن كان الذي قتل نفسه كافرًا فإنه يحمل الخلود في هذا الحديث على الأبدية، وإن كان عاصيًا صاحب كبيرة فلابد أن تصيبه الشفاعة، ويحمل الخلود هنا على المكث الطويل، وهذا معروف في كلام العرب، أن الخلود بمعنى: المكث الطويل.\nقال: [فقرأت عليه كل آية أقدر عليها فيها ذكر الخلود في النار، فقال لي: أتراك يا طلق بن حبيب! أقرأ لكتاب الله، وأعلم بسنة نبيه مني؟] يعني: أنت يا طلق بن حبيب! ترى أنك أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنة الرسول مني؟ قال: [قلت: لا.\nقال: فإن الذي قرأت إنما نزلت في المشركين].\nوهذه بلية الخوارج في هذا الزمان التي يطلق عليها جماعة التكفير والهجرة، إذ يأتون بأحاديث الوعيد كلها التي وردت في حق الكفار والمشركين فينزلونها على أصحاب المعاصي من الموحدين، وهذا بلاء عظيم جدًا.\nقال: [ولكن هؤلاء -أي أصحاب الكبائر- أصابوا ذنبًا فعذبوا ثم أخرجوا من النار، وأومأ بيده إلى أذنيه -يعني: أشار بيده إلى أذنيه- فقال: صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله ﷺ ونحن نقرأ الذي تقرأ].\nيعني: ونحن نقرأ القرآن على النبي ﵊ كان يفسر لنا بأن الخلود الوارد في هذه الآيات إنما ذلك في حق المشركين والكفار، أما في حق عصاة الموحدين فلا؛ لأنهم إن دخلوا النار ولم يعصوا الله ابتداء فمآلهم الخروج من النار ودخول الجنة.","vol":"55","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1119>رواية أبي سعيد الخدري ﵁ في الشفاعة</span>\nقال: [عن أبي سعيد قال: (تخرج ضبارة من النار حتى كانوا فحمًا -يعني: بعد أن كانوا فحمًا يخرجون من النار- فيقال: بثوهم في الجنة -أي: أدخلوهم الجنة- وصبوا عليهم من الماء -أي: من نهر الحياة- فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل -أي: فيما يحمله السيل وما يتجمع على سطح الماء، لو أنك ألقيت حبة فيها نبتت- قال: قال رجل من القوم: كأنما كنت من أهل البادية يا رسول الله!)].\nأي: رجلًا تفهم كأهل البوادي.\nثم قال ﵊: [(إن للنار أهلًا لا يموتون فيها ولا يحيون)] لا يموتون فيها؛ لأنهم يعذبون فيها أبد الآبدين، ولا يحيون فيها يعني: حياة كريمة.\nقال: [(فأما ناس يريد الله بهم الرحمة فإن النار تصيبهم، فتدخل عليهم الشفعاء، فتحمل الشفيع للشفعاء منهم الضبار، فيبثهم الله على نهر في الجنة، فينبتون نبات الحبة في حمالة السيل.\nقال: قال رسول الله ﷺ: ألا ترون إلى الشجرة تكون خضراء تكون حمراء؟ فقال بعض الناس: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية)].\nثم قال ﵊: [(ثم يدخلون الجنة فيمكثون فيها فيسمون الجهنميين، ثم يطلبون إلى الرحمن، فيذهب ذلك الاسم عنهم فيلحقون بأهل الجنة) أي: يسمون عتقاء الرحمن، فالله ﷿ أعتقهم من النار بشفاعته.\n[عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (إذا خلص المؤمنون من النار)] أي إذا خرج المؤمنون من النار.\nوالمعاصي لا تنفي اسم الإيمان؛ وذلك لأن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ليس كافرًا بكبيرته، ولا يحمل فسقه على نفي الإيمان عنه، بل يبقى فيه شعب إيمان كما عنده شعب فسق.\n[قال: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا نقوا وهذبوا أمر بهم إلى الجنة -نقوا وهذبوا، أي: أدخلوا نهرًا على باب الجنة يسمى نهر الحياة- فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمنزله في الجنة أدل منه في الدنيا)].\nيعني: هؤلاء إذا دخلوا الجنة كل واحد منهم ينطلق إلى مكانه في الجنة؛ لأنه أعرف به من منزله الذي كان يسكنه في الدنيا.","vol":"55","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1120>رواية أنس بن مالك ﵁ في الشفاعة</span>\nقال: [عن أنس عن النبي ﷺ قال: (يخرج قوم من النار بعد ما تصيبهم فيها -أي: بعدما تحرقهم النار- فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين)].\n[عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (يجتمع المؤمنون يوم القيامة يلهمون لذلك)] أي: الله ﷿ يلهم أهل الإيمان أن يتعرف كل منهم على صاحبه، فيجتمعون ويقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا.\nيعني: أن المؤمنين في هذا الموطن يعلمون أن لهم شفاعة عند الله ﷿.\nقال: [(فيأتون لآدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا.\nفيقول: لست هناكم -يعني: لست أهلًا لهذه الشفاعة- وذكر لهم خطيئته التي أصاب -أي: أكله من الشجرة- ولكن ائتوا نوحًا.\nفيقول: لست هناكم، وذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا خليل الرحمن إبراهيم.\nفيأتون فيقول: لست هناكم، ويذكر خطايا أصابها، ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه تكليمًا، فيأتون موسى ﵇، فيقول لهم: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى رسول الله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى ﵇ فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\nقال: فيأتوني، فأنطلق إلى ربي -يعني: المؤمنون لهم شفاعة، ورب العزة له شفاعة، والنبي ﵊ في هذا الحديث له شفاعة- فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا، فيدعني ﷿ ما شاء الله أن يدعني -يعني: يتركني ساجدًا على هذه الحال، فألهم دعاء لم أدع به من قبل- ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع.\nقال: فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة -الله ﷿ يجعل له قسمًا ممن دخل النار، ويقول: هؤلاء نصيب شفاعتك خذهم وأدخلهم الجنة- ثم أرجع، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا -للمرة الثالثة- قال ثم أرجع فإذا رأيت ربي -للمرة الرابعة- قال: ثم أشفع فيحد لي خمس مرات، قال: ثم أرجع فأقول: يا رب! ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن)].\nأي: إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي في النار.\nيعني: لم يبق في النار إلا الكفار.\nوهذا الحديث [أخرجه البخاري ومسلم من حديث هشام].\n[عن أنس أن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله)].\nانظر إلى هذا الترتيب الذي نستفيد منه كذلك أن الإيمان يزيد وينقص.\nقال: [(يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، ثم من كان في قلبه من الخير ما يزن برة -أي: من الإيمان والدين- ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ثم من كان في قلبه ما يزن ذرة)].\nوالمعلوم أن الذرة أقل من حبة القمح، فهذا يدل على أن الإيمان في القلب نفسه يتجزأ ويتبعض ويزيد وينقص.\n[عن أنس: قال: قال رسول الله ﷺ: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)].\nوقال أنس مرفوعًا: [(يقول الله ﷿: أخرجوا من النار من وحدني -أي: من كان موحدًا، وأصحاب المعاصي موحدون- ومن خافني في مقامي)].\nلأنه لا يخاف الله ﷿ إلا المؤمن وإن وقع في المعاصي.","vol":"55","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1121>رواية ابن مسعود ﵁ في الشفاعة</span>\nقال: [عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار)] يحكي لنا عن رجل هو آخر أهل النار خروجًا منها، فيكون آخر واحد يدخل الجنة.\nقال: [(إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، رجل يخرج منها زحفًا يقال له: انطلق.\nادخل الجنة.\nفيذهب يدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل -يعني: كل واحد جلس في مكان في الجنة- فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت؟ فيقول: نعم)].\nفالرجل لما رأى كل واحد من الناس قد جلس في مكانه أيس أن يكون له مكان.\nقال: كل واحد أخذ نصيبه، ولم يبق لي مكان في الجنة، فلما وجد الله ﷿ منه ذلك قال له: (أتذكر الزمن الذي كنت؟ فيقول: نعم.\nفيقال له: تمن قال: فيتمنى.\nفيقال له: إن لك الذي تمنيت.\nوعشرة أضعاف الدنيا.\nفيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟! -أي: لك ما تمنيت في الزمان الذي كنت تعيش فيه وعشرة أضعاف الدنيا، فيقول: يا رب أتسخر بي وأنت الملك- فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه)].\nهذا الرجل أقل حظًا في الجنة، فالجنة بطولها وعرضها لا يمكن لأحد أن يتصورها.\nهذا الحديث [أخرجه مسلم من حديث الأعمش والبخاري من حديث منصور].","vol":"55","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1122>رواية أبي ذر الغفاري في الشفاعة</span>\nقال: [عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (لقد علمت آخر الناس خروجًا من النار، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة، رجل يؤتى فتعرض عليه سيئاته وتخبأ عنه كبائره فيقال: أتذكر يوم عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم.\nوهو يشفق من الكبائر أن تعرض عليه -يعني: يخاف من أن تعرض الكبائر فيستوجب النار- فإذا فرغ من عرض السيئات قيل له: اذهب.\nفإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: قد كانت لي ذنوبًا لا أراها -سترها الله عليه في الدنيا وغفرها له في الآخرة- فكان رسول الله ﷺ إذا ذكر هذا الحديث ضحك حتى بدت نواجذه).\nأخرجه مسلم].","vol":"55","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1123>رواية عبد الله بن عمر ﵁ في الشفاعة</span>\nقال: [وعن ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة.\nقال: لأنها أعم وأكفى)].\nفالشفاعة مضمونة؛ لأنها دعوة مستجابة قد خبأها النبي ﵊ لأمته يوم القيامة.\n[(أترونها للمؤمنين المتقين؟)]، يقول لهم: أنا خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، ولما خيرت بين أن يدخل نصف الأمة الجنة والشفاعة اخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وسيدخل بها أكثر من نصف أهل الجنة، قال النبي ﵊: [(أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا.\nولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين)].","vol":"55","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1124>رواية أبي موسى الأشعري في الشفاعة</span>\nقال: [عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة فإنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمذنبين والخطائين والمتلوثين)].","vol":"55","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1125>رواية عوف بن مالك في الشفاعة</span>\nالحديث كذلك جاء من رواية عوف بن مالك ﵁.\nوفي رواية: أن عوف بن مالك سمع رسول الله ﷺ يقول بعدما ذكر ما أعطاه الله من الشفاعة يوم القيامة: [قلت له: (ناشدتك الله يا رسول الله! لما سألت الله أن يجعلني من أهلها فقال النبي ﷺ: يا عوف! إن شفاعتي يوم القيامة للكل)].","vol":"55","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1126>رواية حذيفة بن اليمان في الشفاعة</span>\n[عن حذيفة بن اليمان قال: سمع رجلًا يقول: اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد].\nوقال حذيفة: [(إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد، فيقال: يا محمد! فيقول: لبيك وسعديك، والخير بين يديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، والمهدي من هديت، منك وإليك، ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحان رب البيت.\nقال: عند ذلك يشفعني)].\nأي: يشفعه بهذه الدعوات والمحامد التي يفتح عليه بها في ذلك الوقت.\nقوله: (والشر ليس إليك).\nأي: والشر المحض ليس من أفعال الله ﷿.","vol":"55","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1127>حكم المكذب بالشفاعة</span>\nعن أيوب قال: [(من كذب بالشفاعة فلا نصيب له فيها)].\nوكذلك من قول أيوب بن أبي تميمة السختياني: [(من كذب الشفاعة فلا ينالها)].\nأي: لا تصيبه، ولا يدخل تحتها.","vol":"55","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1128>وجوب الإيمان بأحاديث الشفاعة وإمرارها كما جاءت</span>\nقال: [قال حنبل: قلت لـ أبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل -: ما يروى عن النبي ﵊ في الشفاعة؟ قال أحمد بن حنبل: هذه أحاديث صحاح، نؤمن بها ونقر -لأنه إذا صح الحديث لابد من الإيمان به والعمل- قال: وكل ما روي عن النبي ﵊ بأسانيد جيدة -يعني: حسنة- نؤمن بها ونقر -أي: ليس الشفاعة فحسب، بل كل ما ثبت في سنة النبي ﵊- قال حنبل: قلت له: وقوم يخرجون من النار؟ -يعني: حتى من دخل النار يخرج منها؟ - قال: نعم.\nإذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه -أي: ورددناه- رددنا على الله أمره، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].\nقلت: والشفاعة؟ قال: كم حديث يروى عن النبي ﷺ في الشفاعة والحوض -يريد أن يقول له: هذه أحاديث كثيرة ليست واردة في أسانيد جيدة فحسب، بل صحيحة قد بلغت حد التواتر والزيادة في الشفاعة والحوض- فهؤلاء يكذبون بها ويتكلون -أي: على رحمة الله ﷿- وهي قول صنف من الخوارج، وإن الله تعالى لا يخرج أحدًا من النار بعد إذ أدخله، والحمد لله الذي عدل عنا ما ابتلاهم به].\nيعني: قول الخوارج: أن من دخل النار لا يخرج منها، أما قولنا نحن فإننا نقول: بأن من دخل النار من عصاة الموحدين لا محالة سيخرج منها، إما بتوحيده، وإما بإيمانه، وإما بشفاعة الملائكة، أو بشفاعة النبيين، أو بشفاعة المؤمنين أو بشفاعة الأطفال البرآء قبل البلوغ، وقبل أن يجري عليهم القلم ويبلغوا الحلم، فإذا انتهى هؤلاء من شفاعتهم لم يبق إلا شفاعة أرحم الراحمين، وهؤلاء الذين يسمون بعتقاء الرحمن أو بالجهنميين.\nوشفاعة الله ﷿ تفضل على عباده الموحدين العصاة بأن يخرجهم من النار.\nوالشفاعة تستلزم مشفوعًا ومشفوعًا عنده ومشفوعًا فيه.\nهذه أركان الشفاعة، فأما شفاعة الملائكة فالشافع هو الملك، والمشفوع عنده هو الله ﷿، والمشفوع فيه هو المذنب.\nأما شفاعة رب العالمين فهي من أفعال الله ﷿، وليس لأفعال الله مثيل ولا شبيه، فهذا الذي تعودناه وعرفناه يقينًا من خلال توحيد الله ﷿ في أسمائه وصفاته وأفعاله، فالله تعالى يشفع عند نفسه بأن يخرج من بقي من عباده الموحدين بشفاعته ﷾.\nأي: يتمنن على عباده الموحدين بأنه يخرجهم من النار، فيقال: هؤلاء عتقاء الرحمن.\nوقال علي بن المديني: [الإيمان والتصديق بالشفاعة وبأقوام يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمًا نقول به كما جاء الأثر والتصديق به والتسليم].","vol":"55","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1129>سياق ما روي في أن المقام المحمود هو الشفاعة</span>\nقال: قال ابن عمر: [إن الناس يوم القيامة يصيرون جُثىً، كل أمة تتبع نبيها].\n(جثىً) أي: يجثون على ركبهم، كل أمة تأتي إلى نبيها، فيخرون على أقدامهم وأيديهم، يجلسون كما يجلس الطفل الرضيع ويلهث خلف أمه، فهؤلاء يلهثون خلف أنبيائهم.\nقال: [(يقولون: يا فلان! اشفع لنا حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود)].\nإذًا: المقام المحمود: هو مقام الشفاعة، والحديث عند البخاري.\n[عن كعب بن مالك: أن الرسول ﷺ قال: (يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل -أي: على مكان مرتفع- ويكسوني ربي حلة خضراء، ثم يؤذن -أي: يؤذن لي- فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود)].\n[عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي فيقول: يا محمد! يا محمد! فأقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، تباركت وتعاليت.\nقال: فهذا هو المقام المحمود)].\nوقد ورد موقوفًا عن حذيفة: [يجمع الله الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر حفاة عراة سكوتًا كما خلقهم، لا تكلم نفس إلا بإذنه -أي: لا يشفع أحد إلا بإذن الله تعالى- قال: فينادى: يا محمد! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والمهدي من هديت، عبدك بين يديك، ولك وإليك، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.\nوذلك المقام المحمود الذي ذكر الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]].\nو[عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: (﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].\nقال: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي)] والحديث ضعيف، لكن يشهد له ما قبله.\nوعند البخاري وكذا مسلم من حديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﵊ قال: [(لا يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة من لحم)] لا يزال العبد يتسول ويسأل الناس في الشوارع والطرقات حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم.\nأي: قطعة لحم.\nوقال: [(إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن)].\nوفي رواية: (قدر ميل).\nقيل: هو ميل المسافة.\nوقيل: هو المرود التي تكتحل به المرأة.\nيسمى ميلًا.\nقال: [(وإن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما كذلك -أي: بينما الناس كذلك- استغاثوا: يا نوح! فيقول: لست صاحب ذلك، ثم موسى فيقول كذلك، ثم بمحمد ﵊ فيشفع، يقفز بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا)].\nوعند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص [: (أن النبي ﷺ تلا قوله تعالى في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة:١١٨]، فرفع يديه فقال: اللهم! أمتي، أمتي، أمتي وبكى ﵊، وقال الله تعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فاسأله ما يبكيك، فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله ﷺ.\nقال -وهو أعلم- فقال الله ﷿: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)].\nفمقام الشفاعة مقام عظيم جدًا، وهذا الحديث [أخرجه مسلم].\nوبعد أن عرفنا أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة، نتوقف عند الحوض؛ لأن الحوض فيه كلام كثير واختلاف لأهل العلم، فيفضل أن يكون له بإذن الله تعالى درس خاص.","vol":"55","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1130>الأسئلة</span>","vol":"55","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1131>حكم صيام التسعة الأيام الأول من ذي الحجة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صيام التسعة الأيام الأول من ذي الحجة سنة عن النبي ﵊؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  في الحقيقة هناك حديث في سنن أبي داود من طريق هنيدة بن خالد محل نزاع بين أهل العلم، والراجح أنه حديث ضعيف.\nهذا الحديث يقضي باستحباب الصيام، لكن على أية حال لو صام المرء من باب مطلق الطاعة والعمل الصالح فلا ينكر عليه، وأفضل ألا يصوم التسع كلها، بل يصوم بعضها ويترك بعضها، ويترك صوم يوم السبت، وأفتى شيخنا الألباني عليه رحمة الله فيما يتعلق بحرمة يوم السبت إلا الفريضة وهو رمضان، وهذا المذهب خالف إجماع الأمة؛ لأن الحديث محمول على كراهة الإفراد كما أنه ﵊ نهى عن إفراد الجمعة، وأمرنا ألا نصومه إلا أن نصوم يومًا قبله أو يومًا بعده.\nفأقول: لسنا مخيرين في رمضان أن نصوم الجمعة ونصوم يومًا قبله أو يومًا بعده، ولم يرد في تخصيص هذه التسع بالصيام شيء صحيح، لكن إن صامها المرء من باب مطلق العمل الصالح فلا بأس، فالذي ورد في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر.\nقالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء) فإذا كنت تصوم من باب مطلق العمل الصالح في هذه الأيام فهو حسن، والذي أتحرج منه أن يداوم المرء على صيامها أو يصومها كلها، فلا بأس أن تصوم بعضها وتترك البعض الآخر، أو أن تصوم عامًا وتترك آخر؛ حتى لا يتصور الناظر أو من سمع هذا أن ذلك أمر مسنون على جهة الخصوص، ثم ليست الطاعة الوحيدة التي يتقرب بها المرء في هذه الأيام هي الصيام بل مطلق العمل الصالح، وتكثر من الذكر والاستغفار وقراءة القرآن وغير ذلك.","vol":"55","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1132>كيفية صلاة الفجر لمن نام عنها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  شخص نام عن صلاة الفجر، فهل عندما يصليها ينوي صلاتها قضاء أم أداء، وهل يصلي لها سنة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النية بالأداء والقضاء ليست مطلوبة منك، إنما أنت تصليها، فإذا كانت أداءً وقعت أداء، وإذا كانت قضاء وقعت قضاء، أما أنك تقول: نويت أصلي الصبح ركعتين خلف الإمام الفلاني جماعة في الساعة الفلانية في المسجد الفلاني يوم كذا قضاءً وأداءً على طهر مني مثلًا.\nهذا كله ليس من السنة، بل هذا من البدع، والمطلوب قوله ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، فذلك وقتها سواء كان أداء أو قضاء.","vol":"55","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1133>منزلة الخوارج والمعتزلة في الدين واعتقادهم في عصاة الموحدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  الخوارج والمعتزلة مسلمون، فما قولهم في كل هذه الأحاديث الصحيحة التي تثبت الشفاعة؟ وهل يفسرونها بطريقة أخرى؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هم في الحقيقة يفسرونها بطريقة أخرى، والآيات التي وردت في الخلود أو في الأبدية حملوها على عصاة المسلمين وليس هذا بصواب، أما قولك: الخوارج والمعتزلة مسلمون فهذا السؤال يحتاج إلى تفصيل طويل جدًا، والراجح: أن غلاة الفرق كفار، بخلاف عامة الفرق جميعًا.","vol":"55","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1134>معنى قوله ﵊: (البيعان بالخيار)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  قال ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).\nهل معنى هذا الحديث: أنه إذا باع البائع سلعة ما فإن المشتري لا يردها، وإذا ردها المشتري ولم يأخذها البائع هل في ذلك شيء، نريد تبيين ذلك الحديث والمقصود منه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  قول ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).\nوالحديث في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر وغيره، وهذا الكلام يجرنا إلى عدة خيارات عند الفقهاء، فهناك شيء يسمى: خيار المجلس، وخيار المجلس هو أني دخلت عليك في متجرك، فاشتريت منك سلعة ما، وأعطيتك ثمنها، ولا زلت أصوب بصري إلى بقية أنواع السلع، ثم قبل أن أغادر المكان - أي: المتجر- رجعت عن هذه البيعة، فليس من حق البائع أن يمتنع عن أخذ هذه السلعة ورد الثمن إليه مرة أخرى؛ وذلك لتمام الحديث: (فإذا تفرقا فقد وجب البيع).\nوجب بمعنى: تم.\nوكان عبد الله بن عمر ﵄وأنتم تعلمون أنه من أفقه الصحابة- إذا اشترى شيئًا انصرف بعيدًا ثم رجع، وانصرافه هذا لإتمام البيع، فإذا أراد البائع أن يرجع في بيعه اعتذر عبد الله بن عمر.\nوهناك خيار الشرط: كأن أكون اشتريت منك كتابًا، وأنا رجل ليس لي خبرة في الكتب، ولا أعرف أن هذا الكتاب جيد أم لا، وهل هو كتاب سليم من جهة المعتقد أم غير سليم، فاشترطت أن آخذ هذا الكتاب وأعرضه على أهل الخبرة وفي خلال ثلاثة أيام أعطيك الخبر، فأنا سأحتفظ بهذا الكتاب، وإذا لم أرد الكتاب بعد ثلاثة أيام أعتبر البيع قد تم، ولو خرجت بالكتاب ووقفت بالشارع أنتظر سيارة مواصلات فإن البيع لم يتم، ولا يتم البيع إلا بتمام الشرط.\nهذا اسمه خيار الشرط.\nواختلفوا في الشرط، والراجح: أن ذلك راجع إلى البائع والمشتري حسبما اتفقا.\nوهناك خيار العيب.\nوالعيب نوعان: عيب ظاهر، وعيب خفي، فلو أن واحدًا ذهب يشتري طماطم من السوق، وهذه الطماطم يراها أمامه رديئة لا تخفى على أحد، لكنه ذهب بها إلى البيت، فطلبت منه زوجته إرجاعها، فعاد بها إلى السوق، ففي هذه الحالة ليس واجبًا على البائع أن يرد البيعة؛ وذلك لأنه كان يرى العيب، وعيبها ظاهر للناس.\nمثال آخر: شخص ذهب ليشتري سيارة منمقة وجميلة، فيها عيب خفي، وهذا العيب ربما يخفى في أول وهلة على أصحاب الفن، فاشتراها هذا الشخص، وبعد أن بدأ باستخدامها حصل لها أعطال داخلية، ولا يعرف الأعطال الداخلية إلا صاحب الميزان الذي يكشف بالكمبيوتر فيعرف عطلها الداخلي، فالبائع سكت وهذا اشترى، ولم يظهر البائع عيبها الخفي فمن حق المشتري بعد ما ركب السيارة ستة شهور أن يرجعها؛ لأن فيها عيبًا يخفى على المشتري، ولو أنه عرف العيب لكن لم يذهب لمراجعة البائع واستمرت معه السيارة شهرين فليس من حقه أن يرجعها.\nوالعلماء حددوا ثلاثة أيام للرجوع؛ قياسًا على حديث المصراة.\nوالمصراة: بقرة أو جاموس أو شاة أو أنثى الجمل، يجوعها صاحبها عدة أيام ويعطشها، وفي اليوم الذي يريد أن يبيعها فيه يطعمها، فيكون ضرع البقرة كبيرًا، وبطنها منتفخ جدًا، فالذي سيشتري هذه البقرة لابد أنه سيقع في نوع عظيم من أنواع الغرر، حيث يظن أنها سمينة بانتفاخ بطنها، فالنبي ﵊ يقول: (من اشترى مصراة فليمسكها ثلاثًا فإن رضي وإلا ردها ومعها صاع من تمر).\nيعني: يجعلها عنده ثلاثة أيام ويحلبها، وينتفع بلبنها ويطعمها، فإن رضيها ولم يسخطها كانت له، وإن كرهها ردها ومعها صاع من تمر مقابل اللبن الذي أخذه.\nفالعلماء قالوا: إن خيار العيب بعد معرفة العيب قياسًا على المصراة تكون ثلاثة أيام، فلو رضي المشتري بهذا العيب، ومر على ذلك ثلاثة أيام فليس من حقه إرجاع الشيء المعيب.","vol":"55","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1135>وجوب ستر المذنب على نفسه مع التوبة إلى الله</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  شخص يريد أن يخبر عن نفسه أنه أذنب ذنوبًا عظيمة، ويريد أن يتوب إلى الله ﷿؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  باب التوبة مفتوح، أما كونك تريد مقابلتي فنصيحتي لك أن تستر على نفسك وتتوب إلى الله ﷿.","vol":"55","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1136>حكم صلاة السنة القبلية للظهر أربعًا مجتمعة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صلاة السنة القبلية في الظهر تصلى أربعًا مجتمعة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا أو ذاك، تصلى اثنتين اثنتين أو تصلي أربعًا، ولا بأس في ذلك، والتشهد الأوسط يكون كاملًا إلى قوله: إنك حميد مجيد.","vol":"55","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1137>حكم الإفرازات الخارجة من قبل المرأة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الإفرازات التي تنزل من المرأة بصورة مستمرة توجب الوضوء لكل صلاة، أم أن هذا مستحب؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا توجب الوضوء لكل صلاة.","vol":"55","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1138>حكم صلاة التسبيح</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل صلاة التسبيح سنة وما صحة حديث العباس الوارد فيها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  صلاة التسبيح سنة، والذي أعتقده أن هذا الحديث حديث حسن.","vol":"55","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1139>حكم ذبح المعز مكان الخروف في الأضحية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز في العقيقة والأضحية ذبح المعز مكان الخروف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم؛ لأن لفظ الشاة يطلق على المعز ويطلق على البقر كذلك.","vol":"55","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1140>معنى (شرع من قبلنا هو شرع لنا)</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما معنى (شرع من قبلنا هو شرع لنا)، وقد نال شرع من قبلنا التبديل والتحريف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يقصد به الذي لم يبدل ولم يحرف، أو الذي يوافق في شرعهم ما عندنا، فهذا دليل على أنه غير محرف.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"55","page":27},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1141> الإيمان بعذاب القبر ونعيمه</span>\nعذاب القبر ونعيمه حق، وإثباته أصل أصيل في معتقد أهل السنة والجماعة، كما أنه معتقد أكثر أهل الإسلام حتى من المبتدعة، ولم ينكره غير الخوارج والمعتزلة، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه يلزم منه الإيمان بأن العذاب شامل للروح والجسد، وكذلك النعيم، وسواء كان الجسد في بطون السباع أو أعماق البحر فإنه يلحقه ما قدر عليه من عذاب وما كتب له من نعيم.","vol":"56","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1142>سياق ما روي في أن المسلمين إذا دلوا في القبر سألهم منكر ونكير وأن عذاب القبر حق</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم -أي: إذا أنزلوا في المقابر- يسألهم منكر ونكير، وأن عذاب القبر حق، والإيمان به واجب].\nقوله: (سياق ما روي عن النبي ﷺ).\nمعنى ذلك: أنه يتناول عذاب القبر فيما ثبت في سنة النبي ﵊ بسنده.\nقوله: (في أن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير).\nفي الحقيقة أن منكرًا ونكيرًا إنما يسألان كل من أدخل القبر سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وكأن المصنف ﵀ قاس هنا قياسًا أولويًا مع وجود النص أن المسلم إذا نزل في قبره يسأل سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية، فإذا كان قد تقرر في الأذهان أنه سيسأل في قبره عن عمله وعن إيمانه بالله وبالرسول وبالشريعة وغيرها، فمن باب أولى أن يسأل الكافر.\nقوله: (وأن عذاب القبر حق، وأن الإيمان به واجب).\nيعني: عذاب القبر حق بل هو أصل أصيل من معتقد أهل السنة والجماعة، ونقول: من معتقد أهل السنة والجماعة؛ لأن الخوارج والمعتزلة نازعوا في ذلك، كما قال أبو الحسن الأشعري: اختلفوا في عذاب القبر، فمنهم من نفاه وهم المعتزلة والخوارج.\nأي: قالوا: ليس هناك شيء اسمه عذاب القبر.\nومنهم من أثبته، وهم أكثر أهل الإسلام.\nأي: أهل السنة قاطبة يثبتون عذاب القبر، وبعض أهل البدع أثبت عذاب القبر، ومنهم من زعم أن عذاب القبر وإن كان حقًا إلا أنه ينزل على الروح دون البدن، كما قالت طائفة: إن المعراج إلى السماوات السبع كان بالروح دون الجسد، وهذا كلام في غاية البطلان والسقوط سواء من جهة النص الشرعي أو من جهة النص اللغوي، فالآيات والأحاديث التي وردت والوقائع والأحداث التي تمت في أثناء رحلته ﵊ إلى بيت المقدس ومنها إلى السماء السابعة ثم العودة، كل هذه لا يمكن أبدًا أن تدل على أن المعراج كان رؤية منامية، أو كان بالروح فقط دون الجسد، فكما اختلفوا في هذه المسألة كذلك اختلفوا في عذاب القبر.\nأما أهل السنة والجماعة فعلى مذهب واحد دون خلاف فيه: أن عذاب القبر حق، وأن الإيمان به واجب، وأن عذاب القبر إنما يكون على الروح والجسد.\nوظن هؤلاء الذين يقولون بأن العذاب إنما هو على الروح فقط دون الجسد بما عندهم من شبه أنهم قادرون على أن يردوا على أهل السنة والجماعة قولهم، فقالوا: إذا كان العذاب يلحق الجسد فما بال المرء لو أنه غرق في بحر فأكله السمك؟ أو أن سيارة دهسته فمسح بالأرض تمامًا وانتهت آثار بدنه؟ وما بالكم بمن يموت حرقًا؟ فكيف تقولون: إن العذاب يقع على جسده مع أن السمك أكله ومع أن النار أحرقته؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إن الله على كل شيء قدير، هذا لمن آمن بالله ﷿؛ فالله تعالى قادر على أن يجري العذاب على البدن حتى وإن لم يوجد البدن.\nوالسبب في هذا الانحراف العقدي الذي جعل الخوارج والمعتزلة ينكرون عذاب القبر سواء الذين أنكروه منهم على الروح أو البدن، أو من قال بإثبات عذاب القبر على الروح فقط، فسبب هذا الانحراف أنهم حكموا عقولهم في الأمور الغيبية؛ لأن ما بعد حياة الإنسان غيب، كما أن ما قبل حياة الإنسان غيب، فحياة الجنين في بطن أمه لها قوانين تحكمها حيث لا طعام ولا شراب ولا نفس ولا هواء ولا غذاء ولا شيء من هذا، إلا ما قدره الله ﷿ والذي لا يعلمه إلا هو ﷾، فإذا كان القانون الذي يحكم حياة الجنين غيبًا عن المرحلة التي تأتي بعد ذلك -أي: بعد الولادة- فكذلك الحياة التي تكون بعد الموت غيب، وتحكيم العقل في الغيب لابد أن يذهب بصاحبه إلى التيه والحيرة والضلال؛ لأن الإنسان لا يعرف من علمه ومن حياته إلا ما يعلمه من نفسه وممن يعيش معه على هذا الكون، ولا يمكن قياس الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة، وإذا كان الله ﷿ إنما جعل الأمر أمران: غيب وشهادة؛ فالله تعالى يعلم الغيب كما يعلم الشهادة، فإنما سمى الغيب غيبًا لأنه غيب عنا، أما الله ﷿ فهو عالم الغيب والشهادة، فإذا أخبر الله تعالى أنه يعذب بعد الموت في القبر وقبل الحساب وقبل البعث آمنا بذلك وسلمنا، ولو أن الله تعالى أخبرنا أنه يعذب الجنين في بطن أمه لصدقنا وآمنا؛ لأننا لا نعلم عن هذا الغيب شيء، فيجب أن نسلم وأن نؤمن بهذه النصوص ولا نرد شيئًا من ذلك.\nقال شارح الطحاوية: قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد","vol":"56","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1143>حديث البراء في معنى قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا)</span>\nقال: [عن البراء أن رسول الله ﷺ قال: (إن المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧])].\nفثبات المرء حين يسأله الملكان في القبر عن شهادته بالله: أن الله إله واحد، وأن محمدًا هو رسول الله.\nوهذا أول سؤال يوجه للمرء في قبره أأنت مسلم أم لا؟ فإذا كان جوابه مصيبًا وموافقًا للسؤال فهذا هو التثبيت الذي قص الله تعالى علينا في كتابه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم:٢٧]، وهذا يعني أن الكفار لا يثبتون عند السؤال.\nوهذا كذلك يشير إلى أن عذاب القبر وسؤال القبر يوجه للمسلم والكافر، وكل ما في الأمر: أن السؤال إذا وجه للمؤمن ثبته الله تعالى بالجواب الثابت حين توجيه السؤال إليه، وأن الكافر لا يثبت حين يوجه السؤال إليه، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: بشهادة التوحيد والإقرار بها.\nوهذا الحديث في الصحيحين.","vol":"56","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1144>حديث عثمان: (ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل)</span>\nوعن عثمان بن عفان ﵁ قال: [(كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه)] أي: وقف على القبر.\nوفي هذا إشارة إلى استحباب الجلوس عند القبر، وقد وردت نصوص كثيرة جدًا بأن من شيع جنازة جلس عندها قدر ما ينحر جزورًا ويوزع لحمه حتى لا ينصرف الناس بسرعة، وإنما هذا الوقت حق لهذا المقبور على من شيعه؛ أن يقفوا عنده مدة من الزمان تقرب ساعة يدعون له بالتثبيت، كما قال ﵊: (ادعوا الله لأخيكم الآن فإنه الآن يسأل).\n[(كان النبي ﵊ إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه -أي: وقف إليه.\nأي: بقبالة قبره- وقال: استغفروا لأخيكم وسلوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل).\nفقوله: (استغفروا لأخيكم) يعني: قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تجاوز عنه وغير ذلك مما يفتح الله ﷿ به على الواقف عليه.\nقوله: (ثم سلوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل).\nأي: بمجرد مواراته وإهالة التراب عليه يبدأ الملكان يسألانه.\nنسأل الله السلامة لنا ولكم! أما الموعظة على القبر فإنها أمر مشروع، فقد وعظ النبي ﵊ أصحابه على القبر وقال: (لمثل هذا فليعمل) يعني: فليعمل العاملون، من أراد أن يعمل وأن يستعد فلابد أن يستعد لمثل هذا اليوم فإنه لابد وارد، وهو آت إلى هذا المكان، وربما ذهبت تشيع ميتًا فلا ترجع بل تدفن بجواره في مقبرة واحدة، فالموت ليس منك ببعيد؛ سواء كنت شابًا أو هرمًا أو عجوزًا أو حتى طفلًا رضيعًا فالموت يلحق الجميع ولا سن له، فليس هناك وعد بأن لا يموت المرء إلا في شيخوخته أو في كبره.","vol":"56","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1145>حديث ابن عمر: (إن أحدكم يعرض على مقعده بالغداة والعشي)</span>\nقال: [عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: (إن أحدكم يعرض على مقعده بالغداة والعشي -يعني: في الصباح وفي المساء- إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار يقال له: هذا مكانك إلى يوم القيامة)] وهذا الحديث مراده: أن الميت إنما يعرض في قبره على مقعده من الجنة ومقعده من النار، فإذا كان من أهل الجنة فتح له باب في قبره ينظر إلى مقعده في الجنة، أي: بعد مبعثه وحسابه وجزائه فإنه يدخل هذا المكان الذي يتنعم به في قبره.\nوهذا الحديث فيه: إثبات العذاب والنعيم للمقبور، والله تعالى علم أن هذا العبد من أهل الجنة فقد أعد له مكانًا في الجنة، فيفتح له في كل يوم صباحًا ومساءً، وصاحب القبر لا يعرف الصباح والمساء، إنما الذي يعرفه هو الله ﷿، (فيفتح له في كل غداة وعشي) أي: في كل صباح ومساء، بابًا وهو في مقبرته ينظر منه إذا كان من أهل الجنة إلى مكانه في الجنة، وإذا كان من أهل النار ينظر وهو في قبره إلى النار، (ويقال: هذا مقعدك إلى قيام الساعة).\nأي: هذا مقعدك إلى يوم القيامة.","vol":"56","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1146>حديث ابن عمر: (ما من عبد يموت إلا وعرضت عليه روحه)</span>\n[عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من عبد يموت إلا وعرضت روحه، إن كان من أهل الجنة على الجنة، وإن كان من أهل النار على النار)] وهو بمعنى الحديث السابق.","vol":"56","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1147>حديث ابن عباس: (ما من ميت يموت حتى يعرض عليه أهل مجلسه)</span>\n[عن مجاهد -تلميذ ابن عباس - قال: ما من ميت يموت حتى يعرض عليه أهل مجلسه -أي: أخلاؤه وأحبابه وأصحابه وغير ذلك- إن كانوا من أهل لهو فأهل لهو، وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر].\nيعني: المرء يعذب بأصحابه، لكن هذا الخبر غير صحيح عن مجاهد، وإن صح ففي النفس منه شيء، على اعتبار أن مجاهدًا إنما أخبر بشيء من أمور الغيب، وهل يعذب المرء بصحبته في قبره؟ أمر يحتاج إلى نص مرفوع لا إلى نص موقوف أو مقطوع كمثل نص مجاهد.","vol":"56","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1148>حديث أبي أيوب: (هذه يهود يعذبون في قبورهم)</span>\n[عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: (سمع رسول الله ﷺ أصوات يهود حين غربت الشمس، قال: هذه يهود يعذبون في قبورهم)] واليهود كفار كما أن النصارى كفار، فهذا الحديث أثبت أن عذاب القبر على غير المسلمين، وهذا ما يمكن أن يضاف إلى تصنيف هذا الباب في قوله: وأن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير، بل كذلك يسألهم منكر ونكير إذا كانوا غير مسلمين.","vol":"56","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1149>شرح حديث زيد: (إن هذه الآمة لتبتلى في قبورها)</span>\nوعن زيد بن ثابت ﵁ قال: [(بينا رسول الله ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له -الحائط هو البستان أو المزرعة أو الجنينة- فحادت به فكادت تقلبه)] حادت أي: ماجت به وأسرعت تعدو هنا وهناك بغير هدف كأنها نفرت نفرة عظيمة جدًا كادت أن تقلب النبي ﷺ من على ظهرها.\n[(وإذا قبر ستة أو خمسة أو أربعة -يعني: كان في هذا البستان أو في هذا الحائط قبر فيه أربعة أو خمسة أو ستة- فقال النبي ﵊: إن هذه الأمة -أي: الأمة الإسلامية- لتبتلى في قبورها -والابتلاء هو الاختبار والامتحان.\nيعني: هذه الأمة تبتلى وتختبر في قبرها- فلولا ألا تدافنوا دعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه)].\nيعني: يريد أن يقول: هذه القبور التي تنظرون إليها ملئت نعيمًا وعذابًا، أما من تنعم فيها فإنه لا يصيح أو يبكي أو غير ذلك، وأما من يعذب فشأنه أن يصيح وأن يبكي وأن يندم ويتحسر على ذلك، فالنبي ﵊ يسمع هذه الأصوات بدليل: أنه سمع أصوات اليهود وهم يعذبون في قبورهم.\nوقال ﵊ في حديث آخر في الصحيحين: (لما مر على قبرين قال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) وسيأتي الحديث معنا بإذن الله.\nفالنبي ﵊ أعطاه الله تعالى من القدرة والثبات ما يمكن أن يسمع به العذاب في القبر، والنبي أخبر أن الخلق لا يقدرون على سماع هذا العذاب، ولو أنهم سمعوا العذاب لا يتدافنون قط، لو أن واحدًا منهم مات ألقوه على المزابل لا يدفنونه، فلما كان الدفن حق واجب على الأحياء -وهو فرض كفاية وكذلك الصلاة على الميت وغير ذلك من أعمال الميت -حجب الله ﷿ عنهم عذاب المعذبين؛ لأنك لو دخلت قبرًا أو مقبرة فسمعت العذاب والبكاء والصياح والعويل والصراخ فلا يمكن قط أن تذهب إلى المقابر ولو أن أباك هو الذي مات أو أمك أو ولدك؛ لأن الهول شديد والعذاب أليم، ولا يمكن للمرء أن يتحمل سماع هذا العذاب، ولذلك قال ﵊: [(فلولا ألا تدافنوا دعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمعه منه)] يعني: لولا مخافة النبي ﵊ أننا نهمل في دفن الأموات مخافة أن نسمع أصوات المعذبين لدعا الله تعالى أن يسمعنا أصوات المعذبين.\n[ثم قال: (تعوذوا بالله من عذاب القبر.\nقلنا: نعوذ بالله من عذاب القبر.\nقال: تعوذوا بالله من الفتن.\nقلنا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.\nقال: تعوذوا بالله من الدجال.\nقلنا: نعوذ بالله من الدجال) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة].\nفحينئذ يجب على المرء أن يتعوذ بالله من كل شر خاصة عذاب القبر والفتن ما ظهر منها وما بطن، والمسيح الدجال، بل كان النبي ﵊ يستعيذ من هذه في دبر كل صلاة قبل أن يسلم، فإذا فرغ من التشهد قال: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) أو قال: (ومن شر فتنة المسيح الدجال).\nوقال ﵊: (ما من نبي إلا حذر أمته الدجال)، ثم قال ﵊: (وما بين يدي الساعة فتنة شر من فتنة الدجال)، والدجال تكلمنا عنه مرارًا.","vol":"56","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1150>حديث أنس: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)</span>\n[عن أنس ﵁ قال: (أن رسول الله ﷺ سمع صوتًا من قبر من حيطان بني النجار -أي: من بساتين بني النجار- فسأل عنه، فقيل له: دفن في الجاهلية، فأعجبه)].\nلما سمع صوتًا يخرج من قبر في بعض حوائط بني النجار سأل عن المقبور من هو؟ قالوا: يا رسول الله! هذا دفن في الجاهلية، فأعجبه وإعجاب النبي بذلك أن المعذب لم يكن من أمته، بل كان من أهل الجاهلية الذين يستحقون كل عذاب.\nوهذا يدل على مزيد شفقته على أمته ﵊.\nثم قال: [(لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)].","vol":"56","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1151>حديث أنس في سماع الميت خفق النعال وسؤال منكر ونكير له</span>\n[عن أنس أن النبي ﵊ قال: [(إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه -يعني: ذهبوا عنه- حتى إنه ليسمع خفق نعالهم)] يعني: أصوات نعالهم وهم يمشون، فالميت في هذه اللحظة يسمع حركات وكلام الأحياء حتى يسمع خفق النعال الذي بمثابة الهمس، فإن الميت حينئذ يسمع، ولذلك لما وضعت الحرب في غزوة بدر أوزارها ذهب النبي ﵊ إلى قليب بدر -أي: الحفرة التي وضع فيها المشركون وهم قتلى- فوقف على رءوسهم وقال: (يا أهل القليب -وفي رواية- يا أهل بدر) أي: يا من قتلتم في بدر من صناديد الشرك والكفر: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فقام إليه عمر وقال: يا رسول الله! أتخاطب قومًا قد ماتوا؟ فقال: والله ما أنتم بأسمع لما أقوله منهم)، يعني: هم يسمعونني كما أنكم تسمعونني تمامًا بتمام وسواء بسواء.\nوالجمع بين حديث: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع خفق نعالهم) والحديث الآخر: (رأى النبي ﵊ رجلًا يلبس نعلين سبتيتين ويمشي بين القبور، فقال ﵊: يا صاحب السبتيتين ألق عنك سبتيتيك) قال العلماء: السنة ألا يدخل المسلم المقابر وهو منتعل.\nوبعضهم قال: بل هذا خاص بصاحب النعلين.\nومنهم من قال: بل هذا خاص بالنعال السبتية دون غيرها.\nوالصواب: أن المرء يستحب له أن يدخل المقابر وهو حاف غير منتعل؛ لأن النبي ﵊ قال له: (ألق عنك سبتيتيك).\nوألق فعل أمر، والأمر للوجوب، لكننا لا نقول: إن الأمر هنا للوجوب، وإنما هو للاستحباب؛ لأن الحديث الثاني قال: (وإن الميت ليسمع خفق نعالهم) والمعلوم أن هذا كان في المقابر.\nفنقول: هذا الحديث الذي جوز المشي بين المقابر بالنعال ينسخ الوجوب الوارد في قوله: (ألق عنك سبتيتيك)، والمعلوم أن نفي الوجوب لا ينفي الاستحباب.\nهذه قاعدة أصولية، فإذا نفينا الوجوب في قوله: (ألق عنك سبتيتيك) يبقى استحباب ألا ينتعل الذي يمر بين المقابر.\nقال: [(أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له)].\nأول شيء يصنعونه: أنهما يقعدانه، مع أننا ندفن الميت ونهيل عليه التراب حتى نقول: ليس هناك مكان يجلس فيه؛ لأن التراب يحيط به من كل مكان، خاصة لو أننا التزمنا السنة في الدفن، قال ﵊: (اللحد لنا والشق لغيرنا).\nواللحد هو أن تشق شقًا في الأرض رأسيًا ثم تشق جانبه الأيمن باتجاه القبلة شقًا يسيرًا بحيث يسمح بأن ينام الميت على جنبه الأيمن متوجهًا إلى القبلة، ولا يلزم من ذلك أن يكون هذا الشق الثاني أو هذا اللحد عاليًا بحيث يتمكن الملكان من إجلاس هذا الميت؛ لأننا نعتقد أن الله ﵎ إنما يهيئ لهذين الملكين مكانًا عظيمًا جدًا يجلسان فيه الميت، هذا أمر لا يعجز الله تعالى، ولذلك -يا إخواني- النصوص الشرعية ينبغي أن نتعامل معها بقلوب مؤمنة.\nشخص يقول مثلًا: إذا كانت السنة أثبتت أن الأرض بالليل تطوى، وقال ﵊: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) فالذي يخاف على نفسه إنما يبدأ السير من أول الليل.\nثم قال ﵊: (فإن الأرض تطوى) فكيف تطوى مع أن المسافة من القاهرة إلى المنصورة مائة وعشرين كيلو متر، هل ستصير مائة كيلو مثلًا؟ أو ثمانين؟ فالله أعلم، يمكن تكون أقل من ذلك، يمكن يكون الطي في البركة.\nأنت الآن إذا نظرت إلى يومك هذا ويوم ابن تيمية أو الذهبي أو ابن حجر أو غيرهم من أهل العلم هو نفس اليوم، فالشمس تشرق في الصباح وتغرب في المساء، يدخل الليل فإذا انتهى الليل بدأ النهار وهكذا، لكن هل يومك كيوم ابن حجر أو ابن تيمية؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن يومك ليس كيومهما أبدًا ولا يمكن، وهذه مسألة ينبغي أن تقرر.\nإذا نظرت إلى تراث ابن تيمية أو الحافظ ابن حجر تجده مذهلًا جدًا، ومن حكم عقله لا يكاد يصدق أن هؤلاء الناس مع صغر سنهم قد ألفوا هذه المؤلفات الكثيرة، فالإمام الشافعي مات عن أربع وخمسين سنة، وعلمه أطبق الأرض شرقًا وغربًا، فمتى تعلم ثم متى صنف ومتى انتشر علمه؟ أمر عجيب جدًا.\nنحن الآن نبلغ من العمر خمسين سنة ولا نعرف ماذا كتب الشافعي فضلًا أن نكون قد تعلمنا علمه وصنفنا فوق علمه علمًا آخر.\nفإذا أخبر الله تعالى أو أخبر رسوله بأمر يتعلق بالغيب فإنه لا مجال للعقل فيه ألبتة، ويجب على العقل أن يقول: سلمنا وآمنا، سمعنا وأطعنا أما غير ذلك فلابد أن يئول أمره إلى الحيرة والتيه والضلال.\nقال: [(أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له)] أول شيء: يرد إليه الروح التي نزعت منه وقت الغرغرة، فإنها ترد إليه مرة أخرى.\nثم يقعد فيقولان له: [(ما كنت تقول","vol":"56","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1152>حديث: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)</span>\nقال: [عن ابن عباس قال: (مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان -واللام هنا للتوكيد وليست للنفي- ما يعذبان في كبير) يعني: المسائل التي يعذب بسببها أصحاب هذه القبور ليس أمرًا عسيرًا ولا شاقًا، كان بإمكانهما أن يتحرزا منها وأن يجتنبا سبب هذا العذاب.\n[(أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول) وفي رواية: (كان لا يستتر من البول).\nأما قوله: (لا يستنزه من البول) أي: يتبول ولا يتطهر ثم ينطلق.\nوآلاف من الناس تتنجس ملابسهم وأبدانهم بالبول، فكم من شخص يبول ثم ينصرف، وأعجب من ذلك -والله- أني رأيت منذ شهرين تقريبًا أن واحدًا بال واقفًا -وكنت في زيارة للإسكندرية- والبول قائمًا مخالفة، ثم لم يستنج من بوله، وإنما مسح ذكره بكفه اليمنى -وهذه مخالفة أخرى- ثم مسح كفيه مع بعضهما البعض وأجراهما على وجهه.\nفلم أدر من أين أبدأ معه.\nولابد أن تعلم أن الشرع لم يترك لأحد قط أن يتصرف في نفسه أدنى تصرف دون هداية وإرشاد حتى في البول كما في قول اليهود: (لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة).\nأي علمنا كل شيء حتى علمنا إذا دخل الواحد منا الحمام ماذا يصنع وكيف يتطهر وبأي شيء يتطهر، فلم يترك شاردة ولا واردة إلا وبين لنا فيها أحسن بيان، فأي دين أعظم من هذا الدين؟ وأي رسول أعظم من هذا الرسول؟ لا أحد ولا شيء قط، فهذا دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده.\nوبعض الناس يقول لك: يا أخي! أنا رجل مثلي مثل هذا، فلم أستر نفسي عنه؟ ولعلكم تذكرون أني قلت لكم مرة أني كنت في المدينة المنورة، فرآني أحد الناس في المسجد فألح علي أن أفطر عنده فذهبت تلبية للدعوة، فلما ذهبت لأغسل يدي وجدت أن الحوض خارج الحمام في الصالة، وقد سبقني إلى الحمام والحمام مفتوح على مصراعيه وهو جالس فيه يقضي حاجته، فلما وقع نظري على عورته قلت: أعوذ بالله، ما هذا يا أخي؟ وغضبت غضبًا شديدًا جدًا، فخرج من الحمام وهو غضبان.\nقال: ولم نغضب؟ قلت له: غضبان! وهل أنت محتاج أن أقول أنك مخطئ أو ماذا؟ فقال لي: هذا ليس خطأ.\nقلت: بل إنك مخطئ.\nفقال: ألست أنت رجل؟ قلت: أنا رجل ونصف.\nقال: وأنا كذلك رجل فلم تضغب؟ فذهبت إلى الذي سينصرني فقلت له: انظر يا حاج فلان أو يا دكتور فلان، أرأيت فلانًا ماذا قال؟ وهو جالس ينظر إلي باستغراب ويقول: ومم تغضب؟! قلت له: سبحان الله! أهذه المسألة إجماع وأنا المخالف فيها أم ماذا؟! قلت: أهذا صحيح؟ قال: يا أخي! المعذرة وهل بيننا امرأة؟ قلت له: نعم هو امرأة، إنما أنا لا، ألم يكن من المفترض عليها أنها لا تكشف عورتها بهذا الشكل؟ فغضب مني جدًا، كيف أنني أقول على الدكتور في الجامعة أنه امرأة! تصور إلى هذا الحد! فانظر إلى قوله ﵊: (أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله) يعني: عند أن يأتي للبول يبول أمام الماشي والآتي.\nقال: [(وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة)] والمعلوم أن النميمة إنما هي النم والنقل على وجه الإفساد، وهي من الكبائر، فمن علامات الكبائر الوعيد الشديد؛ لأن الناس يتصورون أن الكبيرة معناها أنه لابد أن يقام عليها الحد، وهذا ليس بلازم، كما أن بعض الناس أن علامات الساعة كطلوع الشمس من مغربها من الأمور المحرمة، وهذه أمور كونية ليس لها علاقة بهذا، بل هذه علامات وأمارات للساعة لا يلزم أن تكون حرامًا.\nفهنا قال: (وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة)، يأتي ويقول لك: إن فلانًا قال عليك كذا، ويذهب إلى فلان ويقول: إن فلانًا قال عليك كذا، فتقع الشحناء والبغضاء بين المسلمين، ولا شك أن هذا باب عظيم جدًا من أبواب الكبائر.\nقال: [(ثم أخرج جريدة فشقها بنصفين فغرز في كل قبر واحدة.\nفقيل: يا رسول الله ﷺ لم فعلت هذا؟ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا)].\nالسؤال الذي أريد أن أطرحه: لو أن شخصًا وضع جريدة الآن أمام القبر أيخفف عن صاحب القبر من عذاب القبر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nلأنه ابتداء لا يدري أهو يعذب أم لا يعذب؟ ولكن الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه علم أن هذان يعذبان، بل علم سبب التعذيب، ثم أطلعه الله تعالى على بعض النجاة لمدة محدودة وهو إشفاق على أصحاب القبور أنه أخذ جريدة وشقها نصفين ثم وضع كل نصف في قبر وهي خضراء.\nقال: (لعله أن يخفف عنهما -أي: من عذاب القبر بهذا السبب- ما لم ييبسا) أي: ما لم تيبس هاتان الجريدتان.\nفهل لأحد الناس أن يضع جريدة نخل رطبة على القبر؟ لا.\nولكن للأسف نحن نراه اليوم على القبور، فعند أن تدخل القبور تجدها بساتين وعمارات وقصور وفلل! وهذا بلاء عظيم جدًا.","vol":"56","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1153>حديث عائشة في تصديق النبي ﷺ للعجوز اليهودية في إثبات عذاب القبر</span>\n[عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي عجوز من عجائز يهود المدينة)] يعني: امرأة يهودية كبيرة في السن دخلت على عائشة في المدينة.\n[فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم)] هذا قول العجوز اليهودية، والعجيب أن اليهودية معتقدها في عذاب القبر أحسن من معتقد الخوارج والمعتزلة! فعقائد المعتزلة والخوارج أفسد من عقائد اليهود في هذا الباب [فقالت عائشة: كذبت، ولم أنعم أن أصدقها)]  p=١٠٠٠٠٤٣&gt;  عائشة تقول لها: أنتِ كذابة، الذي يموت لا يعذب، ولكن عائشة كان عمرها صغيرًا، فكان عمرها: تسع سنين، أو عشر سنين، أما بعد ذلك فهي من كبار المحدثات ومن المكثرات في الرواية، وعاشت حتى احتاجت الأمة إلى علمها وفقهها.\n[قالت: (فخرجت -أي: خرجت هذه اليهودية من عندها- فلما خرجت دخل النبي ﵊ على عائشة، فقالت له: يا رسول الله إن عجوزًا من عجائز اليهود دخلت علي فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم؟ فقال: صدقت)].\nفلم يقل لها: هذه يهودية بنت كلب، إياك أن تصدقيها! فلم يقل لها ذلك، انظر إلى الحق! وأعظم من هذه اليهودية: الشيطان، فإنه أعظم منها ضلالًا وشيطنة، قال ﵊ لـ أبي هريرة: (صدقك وهو كذوب) أرأيت إلى العدل! وقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، مع أنهم الكفار، لكن منهم الأمناء، ولا يصح أن يلف الكافر بخرقة ويلقى ولا ينتفع به، بل ينتفع به فيما يمكن الانتفاع به.\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥]، أي: إذا كنت واقفًا على رأسه: هات الدينار الذي عندك، وترفعه إلى المحاكم، ومن أهل الكتاب من لو وضعت عنده قنطار ذهب يؤده إليك.\nوالنبي ﵊ صدَّق هذه اليهودية، وعائشة معذورة في تكذيبها لها، لأنها طفلة صغيرة في ذاك الوقت.\nقالت: [(فقال لي: صدقت.\nإنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم كلها.\nقالت: فما رأيته في صلاة قط إلا يتعوذ من عذاب القبر)].\nيقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) والحديث في الصحيحين.","vol":"56","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1154>حديث عائشة في تعوذه ﷺ من عذاب القبر</span>\n[عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان يتعوذ في دعائه، فيقول: اللهم أعوذ بك من فتنة النار، ومن فتنة القبر، ومن عذاب القبر، ومن شر فتنة الغنى والفقر، ومن شر فتنة المسيح الدجال، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم -الهرم: كبر السن- والمأثم)] والمأثم أي: الإثم.\nوالحديث كذلك في الصحيحين.","vol":"56","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1155>حديث: (إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة)</span>\n[عن البراء بن عازب قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار -يعني: مسلم وهو من الأنصار- فانتهينا إلى القبر ولم يلحد له -يعني: ذهبنا به إلى المقبرة، ولم يوضع هذا الأنصاري في قبره بعد- فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير)] يعني: تشبيه بالحجارة أو بالشيء الثابت الذي لا يتحرك حتى ظن الطير أنهم ليسوا بشرًا! أما اليوم تنظر وتجد الناس يمشون في الجنازة يغمز بعضهم البعض، ويضحكون مع بعض، ويحكون حكايات وروايات وقصصًا، ومنهم الذي يبكي من الضحك جبرًا لخاطر أهل الميت فهذه مناظر مخزية كلها، لا يفكر صاحبها أنه يمكن أن يكون في آخر النهار في هذا النعش.\nوسئل بعض الناس ممن يمشي مع الجنازة: هل الذي يمشي أمام الجنازة أفضل أم الذي يمشي وراءها؟ قال: يمشي وراءها أو يمشي أمامها لا مشكلة، المهم ألا يكون في النعش! ويمشي وهو يضحك وكأن الأمر يستحق الضحك! [(فجلس رسول الله وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير، في يده عود ينكت به في الأرض)]، وهذا تصرف الإنسان الذي امتلأ فكرًا وعبرة، الذي يفكر في أمر عظيم وخطير [(فرفع رأسه ﵊ فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا.\nثم قال: إن العبد المؤمن)] هو يعقد مقارنة بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين، وماذا يقدم كل منهما؟ وكيف يقدم العبد على ربه؟ فبدأ بالمؤمن.\nقال: [(إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا)] يعني: إذا انتهت حياته وبدأ حياة أخرى، والقبر هو أول منازل الآخرة، وآخر منازل الدنيا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: في القبر، كما مر بنا آنفًا.\nقال: [(نزلت إليه ملائكة بيض الوجوه)] فهو أمر يناسب العبد المؤمن، فالملائكة عند ذلك يأتونه في صورة حسنة بهية، في ثياب بيض.\n[(كأن وجوههم الشمس -من البياض- معهم كفن من كفن الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه)] وهذا في لحظة الاحتضار، كما قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وإدبار من الدنيا) يعني: لحظة الاحتضار، التي يكره المرء فيها لقاء الله أو يحب لقاءه، إذا نظر إلى مكانه من النار كره لقاء الله، وإذا نظر إلى مكانه من الجنة أحب لقاء الله، فتأتي الملائكة بيض الوجوه يجلسون منه مد البصر.\nأي: بعيدًا عنه قليلًا.\n[(ثم يأتي ملك الموت ويقف عند رأسه فينزع منه الروح نزعًا رفيقًا لينًا)] هذا النزع ربما يكون فيه بعض الإيلام، لكنه إذا قورن بنزع روح الكافر كان في منتهى اليسر والسهولة، وشيء هين لين.\nقال: [(ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.\nقال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين)] قوله: لم يدعوها، الضمير عائد على الملائكة الذين جلسوا منه مد البصر، فالذي يتولى نزع الروح هو ملك الموت، ثم الذي يصعد بها: الملائكة الآخرون، والذي يتوفى الأنفس هو الله ﷿.\nإذًا: المميت على الحقيقة هو ﷾، والذي يتولى إخراج الروح هو ملك الموت، والذي يتولى الصعود بهذه الروح ملائكة آخرون.\nقال: [(لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلونها في ذلك الكفن وذلك الحنوط -الذي هو من أكفان الجنة ومن حنوط الجنة- فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على ظهر الأرض -أي: لها رائحة طيبة جدًا، وهي رائحة الإيمان والعمل الصالح- فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا -أي: هؤلاء الملائكة- ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه الذي كان يدعى بها في الدنيا -أي: في أثناء حياته- حتى ينتهون بها إلى سماء الدنيا -أي: السماء الأولى- فيستغفرون له -وفي رواية-: فيستفتحون له)] يعني: يستغفر للمؤمن أهل السماوات الدنيا، أو يستفتح الملائكة الذين معهم هذه الروح أهل السماء الدنيا من الملائكة فيفتحون لها ولهم.\nقال: [(فيشيعه من كل سماء مقربوها -أي: الملائكة المقربون في كل سماء هم الذين يشيعون هذه الروح الطيبة- إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض)] أي: تذهب الروح إلى جسد صاحبها.\nقال: [(فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى.\nقال: فتعاد روحه في جسده)].\nإذًا: عند أن قلنا: تعاد إلى الأرض في جسده لم يكن هذا اجتهادًا وإنما هو نص، كما في قوله: [(فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسل","vol":"56","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1156>إثبات الصحابة والتابعين لعذاب القبر وإيمانهم بذلك</span>\n[عن ميمون بن أبي ميسرة قال: كان لـ أبي هريرة ﵁ صيحتان في كل يوم، أول النهار فيقول: ذهب الليل وجاء النهار، وعرض آل فرعون على النار].\nفيصيح أبو هريرة لهذا ويفزع.\n[وإذا كان العشي قال: ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار].\nيعني: كان يستعيذ بالله من النار في كل صباح وعشي؛ لأنه يعلم ويوقن أن العذاب قائم وكائن لآل فرعون في هذا التوقيت، كما في قول الله تعالى: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦].\nقد يقول قائل: هذا العذاب في حق الكافر؛ لأن فرعون وقومه كفار، وعذاب القبر لا يثبت إلا للكفار، ف\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أين حديث الجريد؟ وأين حديث صاحب الغيبة وصاحب البول والذي غل من الغنيمة وغير ذلك؟ وهناك من يقول: لا يوجد عذاب قبر بالمرة ولا حتى آل فرعون، فإن آل فرعون سيعذبون يوم القيامة.\nو\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أن يوم القيامة شيء، وعذاب القبر شيء آخر، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦].\nيعني: بعد الموت.\nقول الله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] معناه: أن هناك عذابًا بعد البعث، وعذابًا قبل البعث، وهو أنهم يعرضون على النار وهم في قبورهم في الصباح وفي المساء، وأما يوم القيامة فشيء آخر، فعذابهم في الآخرة أشد من عذابهم في القبور، مع أنهم كانوا في قبورهم يعرضون صباحًا وعشيًا على النار، لكن النار التي أعدت لهم في الآخرة أعظم، بل لا يقاس عليها عذاب القبر ولا عذاب الدنيا من باب أولى.\nوقال عبد الله الداناج: [شهدت أنس بن مالك وقال له رجل: إن قومًا يكذبون بالشفاعة، قال: لا تجالسوهم، فسأله آخر فقال: إن قومًا يكذبون بعذاب القبر، قال: لا تجالسوهم] وهذا كلام عظيم لأهل العلم، فهم ينهون عامة الأمة عن مجالسة أهل البدع والزيغ والضلال.\n[عن مجاهد قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات:١٣] قال: يحرقون عليها ويعذبون].\nوعن حوثرة بن محمد المنقري البصري قال: [رأيت يزيد بن هارون الواسطي في المنام بعد موته بأربع ليال، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: تقبل مني الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ووهب لي التبعل، قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم؟ غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة، قلت له: بم نلت الذي نلت -يعني: كيف أخذت هذا؟ - قال: بمجالس الذكر -أي: مجالس العلم- وتولي الحق، وصدقي في الحديث، وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الفقر، قلت: ومنكر ونكير حق؟ -بمعنى: أنت فعلًا رأيت منكرًا ونكيرًا؟ - قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، لقد أقعداني وقالا لي: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب، فقلت: مثلي يسأل؟ أنا يزيد بن هارون الواسطي، وكنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس.\nفقال أحدهما لصاحبه: صدق، هو يزيد بن هارون نم نومة العروس: فلا روعة عليك بعد اليوم]، يعني: لا حزن ولا هم عليك بعد اليوم، نم إلى نعيم ورغد لا منتهى له سواء كان في قبرك أو بعد مبعثك ودخولك الجنة.\nوهذا المنام وغيره من المنامات إنما هي من البشارات لأهل الإيمان، وإن كان لا يتوقف عليها حسن اعتقاد ولا سوء اعتقاد ولا تحليل ولا تحريم ولا شيء من هذا، إنما هو عاجل بشرى المؤمن في الدنيا.","vol":"56","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1157>سياق ما روي بما أرى الله أو أسمع من عذاب القبر في الصحابة والتابعين ومن بعدهم</span>\nقال حنبل: [سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: إذا صير العبد إلى لحده، وانصرف عنه أهله أعيد إليه روحه في جسده].\nولذلك فإن عقيدة أهل السنة سهلة، وأنا سأقول لك: هات أي كتاب من كتب المعتزلة أو الشيعة أو الخوارج أو أي فرقة من الفرق الضالة في المعتقد واقرأه أو اقرأ بابًا منه ثم اقرأ ما يواجه هذا الباب في كتب أهل السنة والجماعة، فلن تحتاج أبدًا إلى شخص يشرح لك، فعندما نقرأ في عقيدة أهل السنة فيما يتعلق بالقبر ستجد الكلام سلسًا، وعند أن نأتي ونقرأ العقيدة الطحاوية مثلًا أو في كتاب السفاريني أو في كتاب اللالكائي أو ابن أبي عاصم أو أحمد بن حنبل أو غيرهم من أهل العلم الذين صنفوا في المعتقد والسنة تجد أن الكلام سهلًا وحلوًا ومقبولًا وجميلًا، ولا تحتاج أبدًا أن أبا الأشبال يقول لك: هذه معناها كذا، وهذه معناها كذا، أو أن المحشي سيضع لك تحت هذه الكلمة الصعبة أن معناها كذا، فبمفردك ستفهم هذا الموضوع وتقول: سهل جدًا، لكن عند أن تأتي إلى كتب المبتدعة؛ تجدها فلسفة وكلامًا معقدًا ومنطقيات ومقدمات ومؤخرات ونتائج، شيء صعب إلى أقصى حد، وربما قرأت الموضوع وخرجت منه وأنت لم تفهم ما هو الموضوع الذي يتكلم فيه؛ لأنه طلاسم، والذي يترك كلام أهل السنة لابد أنه يقع في الحيرة والتيه والضلال، ويكون كلامه كله عبارة عن فلسفات كلامية ومقدمات ومؤخرات منطقية لا يمكن أبدًا أن يستقيم في الأمور الغيبية مع كلام أهل السنة والجماعة أبدًا، ولذلك النبي ﵊ لما قال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) لم يقل الصحابة: من هؤلاء الفرق يا رسول الله؟ وإنما قالوا له: من هذه الفرقة الواحدة؟ قال: (هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).\nفهذه إشارة إلى وجوب تعلم عقيدة أهل السنة والجماعة، ثم اعلم أن ما عدا هذه العقيدة عقائد فاسدة وباطلة، وأصحابها من أهل النار، أما أن يأتي شخص ويتفلسف ويقول لك: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه فيقول: أنا قبل أن أدرس عقيدة أهل السنة لابد أن أدرس عقائد الفرق الثلاثة والسبعين أو الاثنتين والسبعين لا أعرف الفرق الباطلة؛ من أجل أن تحلو لي عقيدة أهل السنة والجماعة! إذا كنت تظل تدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة سنوات وسنوات فكيف يتسنى لك أن تدرس عقيدة هذه الفرق كلها؟ أتضمن الحياة؟ وبعد ذلك أأنت مكلف بمعرفة هذه العقائد؟ هل سيقول الله ﷿ لك يوم القيامة: ماذا قالت المعتزلة في رؤية الله ﷿؟ أم أنه سيسألك عن معتقدك أنت، فيما يتعلق بجواز أو استحالة رؤية المولى ﷿، سيسألك عن عقيدتك، عقيدة أهل السنة، بل هو سيسأل ﷾ هؤلاء الضلال الحيارى عن سر وسبب انحرافهم عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وعملهم يأتي يوم القيامة كله هباء منثورًا؛ لأنه لا يستند إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما استند إلى فلسفات غربية، ولذلك فإنه كلما ازدادت رقعة الإسلام في الأرض ازداد الفساد في الأمة.\nفـ عمر بن الخطاب ﵁ عند أن كان تفتح عليه البلدان كان يظل يبكي؛ لأنه عمر ﵁ الرجل الثالث في الأمة بعد النبي ﵊ وبعد أبي بكر فليس هذا من فراغ أيها الإخوة! ولذلك قيل: إن أبا بكر لم يسبق الأمة بكثير صلاة ولا صيام، وإنما بإيمان استقر في قلبه، فنور الوحي استقر في قلبه فصارت الأمور بالنسبة له كما لو كان يشاهدها عيانًا، وهذا نور الإيمان جزاءً وفاقًا للعمل الصالح، وهو فضل الله ﷿ أولًا وآخرًا، بعث عمر الجيش، فلما سمع أن مصر فتحت وأن الأمر استقر لـ عمرو بن العاص بكى عمر بن الخطاب لأنه يذكر قوله ﵊: (ما أخشى عليكم الفقر، ولكني أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)، ونحن ننظر إلى الوجه الآخر للفتح، الفتح جيد، وشيء جميل، ودخول الناس في دين الله ﷿ أجمل ما يمكن، لكن الوجه الآخر لهذا الفتح هو الأمر العصيب جدًا الذي كان يعصر قلب عمر، وأن كل زيادة في الأرض زيادة في فساد أبناء الأرض.\nولا شك أن عالم الترجمة أمر يسعد كل مسلم، فلما أمرت الدولة العباسية بترجمة كتب الفلاسفة والمتكلمين، كان هذا مبدأ وأساس الشر في الأمة، بأن تُرجمت كتب فلاسفة اليونان وأثينا للغة العربية، فدخل الشر منها.\nوأنت عندما تجلس مع أستاذ أو طالب في كلية الآداب أو التربية قسم الفلسفة لا يمكن أن تقول: هذا الإنسان مسلم، أو هذا قلبه أو عقله يفكر في الإسلام، لأنه لا يتكلم أبدًا بقال الله ولا قال الرسول، فكلامه كله ظلمة إلا من رحم الله ﷿؛ لأن بضاعته هي قال أرسطو طاليس قال","vol":"56","page":17},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1158> أرواح المؤمنين أين تكون بعد الموت</span>\nمما يجب الإيمان به إيمانًا جازمًا أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر معلقة تأكل من ثمار الجنة حتى يردها الله ﷿ إلى أجسادهم، كما يجب الإيمان بأن أرواح الكفار في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة تتفاوت مراتبها ودرجاتها بتفاوت مراتبهم ودرجاتهم في الإيمان.","vol":"57","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1159>سياق ما روي في أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر تعلق في شجر الجنة، حتى يردها الله ﷿ إلى أجسادهم].\nكأن الإمام اللالكائي ﵀ يقطع أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر في الجنة، وأن الله تعالى يردها إلى أجسادهم حين بعثهم، كأنه بهذا قد رجح هذا الرأي؛ لأن مسألة أين تكون الأرواح إذا ماتت الأجساد مسألة محل نزاع عظيم جدًا بين أهل العلم، فاختياره لهذا التبويب إنما هو بمثابة الترجيح لهذا الرأي.\nوحقيقة هو الرأي الراجح، فالمؤمن إذا مات كانت روحه في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وأشجارها، حتى يردها الله ﷿ إلى أجساد أصحابها.\nوالإمام هنا قد ذكر بعض النصوص التي تشهد لصحة قوله، وفاته كذلك أن يورد نصوصًا صحيحة بل هي أصح مما أورده في هذا الباب، وأظن أن النصوص الأخرى لم تقع إليه بسنده؛ ولذلك ما استطاع أن يوردها هنا.\nقال: [عن عبد الرحمن بن كعب -وهو ابن كعب بن مالك - عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: (إنما نسمة المؤمن -أي: روح المؤمن- طير)، وفي حديث مالك: (طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يُرجعه الله في جسده يوم يبعثه)، وفي حديث مالك: (إلى جسده).\nقوله: (إنما نسمة المؤمن) أي: روح المؤمن كالطائر، أو هي نفسها الطائر، على خلاف بين أهل العلم في تأويل هذا الحديث.\nقال: (طائر يعلق في شجر الجنة) ومعنى يعلق: يأكل، فقال: (طائر أو كالطائر) فإما أن تكون روح المؤمن هي الطائر أو أنها كالطائر الذي يحلق في السماء، ولكنها تحلق في الجنة، فتأكل من أشجارها حتى يردها الله ﷿ في جسد صاحبها يوم يبعثه.\nومن نفس الطريق قال كعب بن مالك: [لما حضرت كعبًا الوفاة أتته أم مبشر بنت البراء بن معرور فقالت: يا أبا عبد الرحمن! إن لقيت ابني فلانًا فأقرئه مني السلام].\nوهذا تفريع عن الأصل الذي نحن بصدده وهو: هل تتلاقى أرواح المؤمنين إذا ماتت أجسادهم؟ يعني: إذا مات المؤمن ثم مات المؤمن هل تلتقي أرواحهما؟ بلا شك أن كلام أم مبشر هنا يوحي بذلك.\n[فقالت: يا أبا عبد الرحمن! إن لقيت ابني فلانًا فأقرئه مني السلام، فقال: غفر الله لك يا أم مبشر! نحن أشغل من ذلك].\nأي: أنا في شغل عظيم وكرب كبير، لا يفيق أحدنا لصاحبه حتى يبلغه السلام من فلان أو فلانة.\n[فقالت: يا أبا عبد الرحمن! أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أرواح المؤمنين في طير خضر تعلق في شجر الجنة)؟ قال: بلى.\nقالت: فهو ذاك].\nأي: التقاء أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر في الجنة.\n[عن أبي موسى قال: (تخرج روح المؤمن وهي أطيب من المسك، فتعرج به الملائكة الذين يتوفونه، فتلقاهم ملائكة دون السماء -قبل السماء الأولى- فيقولون: من هذا الذي جئتم به؟ فتقول الملائكة: توجوه هذا فلان ابن فلان، كان يعمل كيت وكيت لأحسن عمل له.\nقال: فيقولون: حياكم الله وحيا ما جئتم به.\nفتقول الملائكة الذي يصعد فيه قوله وعمله، فيصعد به إلى ربه حتى يأتي ربه ﷿ وله برهان مثل الشمس)].\nوهذه روح المؤمن.\n[(وروح الكافر أنتن من الجيفة، وهو بوادي حضرموت)]، وهذا أحد الأقوال.\nأين توجد أرواح الكفار؟ إذا اتفقنا أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر في الجنة تأكل من ثمارها وأشجارها حتى يبعث الله أجسادها، فأين أرواح الكافرين؟ أحد الآراء أنها بواد في حضرموت، [(ثم أسفل الثرى من سبع أرضين)]، وهذا رأي ثان.\nأي: أن بعضهم قال: إن أرواح الكافرين في واد بحضرموت -أي: باليمن- والرأي الثاني يقول: أنها في أسفل سافلين، ويستشهد على ذلك بآيات وأحاديث ضعيفة.\nوعن ابن عباس قال: [(إن أرواح الشهداء تجول في أجواف طير تعلق في ثمار الجنة)]، لكن بعض أهل العلم ينازع في أرواح الشهداء وفي أرواح عامة المؤمنين، فيقول: الشهداء لهم خاصية تزيد على خواص عامة المسلمين.\nوعن ابن مسعود ﵁ قال: [(أرواح آل فرعون -أي: أرواح الكافرين- في أجواف طير سود يُعرضون على النار كل يوم مرتين، يقال لهم: هذه داركم.\nوهذا قول الله ﷿: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا","vol":"57","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1160>أقوال العلماء في مسائل الروح</span>\nشيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله صنف رسالة اسمها (الروح)، والكتاب مشهور جدًا، ولكن هذا الكتاب فيه أغلاط وأخلاط كثيرة جدًا؛ ولذلك يشكك كثير من أهل العلم في نسبة هذا الكتاب إلى شيخ الإسلام ابن القيم ويقولون: ليس من كلامه ولا بقلمه، ولا يتناسب مع علم المدقق المحقق شيخ الإسلام ابن القيم.\nوبعضهم اعتذر اعتذارًا لطيفًا فقال: هو من كلامه وهو كتابه، وصحح نسبته إليه، لكن شيخ الإسلام إنما صنف هذا الكتاب في مقتبل عمره العلمي -أي: أيام كان صغيرًا في السن- ولما كانت هذه المسألة من المسائل الدقيقة جدًا التي يصعب على أهل العلم المبتدئين تحقيق مسائلها أخطأ فيها شيخ الإسلام ابن القيم.\nلكن على أية حال هذا الكتاب وهو كتاب (الروح) نحن لا نحبه قط، ولا ننصح أن يقرأه طالب العلم المبتدئ، وإنما يقرأه أهل العلم الذين لهم دراية بمسائل الخلاف حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، وهناك كتاب (الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات) للإمام الآلوسي، وحققه شيخنا العلامة الألباني رحم الله الجميع.\nقال الإمام الآلوسي في الخاتمة: (الخاتمة -ونسأل الله تعالى حسنها إذا بلغت الروح المنتهى- في بيان الخلاف في مستقر الأرواح بعد مفارقتها البدن إلى يوم القيامة والبعث)، فأين تكون الروح إذا خرجت من المؤمن ومات البدن؟ قال ابن القيم في كتاب الروح: (هذه مسألة عظيمة تكلم فيها الناس، واختلفوا فيها، وهي إنما تتلقى من السمع فقط).\nأي: هذه المسألة لا يحل فيها الاجتهاد، وإنما الذي يجب فيها الوقوف عند حد السمع.\nويعني: بالسمع: القرآن والسنة، ولذلك لا يمكن أن تجد قولًا لأهل العمل يأمر بالوقوف عند حد السمع فحسب إلا إذا كانت المسألة من مسائل الغيب، ومسائل الغيب يجب وجوبًا حتميًا ضروريًا أن يتوقف المسلم عند حد قال الله قال رسوله أبدًا، ولا يحل له أن يتجاوز النص.\nقال ابن القيم: (وإنما تتلقى من السمع -أي: لا يحل لأحد أن يخوض فيها- واختلف في ذلك).\nفحينما أرادوا الخوض فيها قال الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] أي: لا علاقة لكم بها.","vol":"57","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1161>أقوال العلماء في مستقر الأرواح إذا فارقت الأجساد</span>\nقال ابن القيم: (فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله تعالى في الجنة)، ونحن من قبل رجحنا هذا الرأي وقلنا هو الرأي الراجح، فأرواح المؤمنين عند الله تعالى في الجنة، شهداء كانوا أم غير شهداء.\nأي: جميع المؤمنين.\n(إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين).\nوهذا يدل على أن المرتكب للكبيرة لا ينفى عنه الإيمان، كما أن صاحب الدين محبوس بدينه إلا أن يعفو الله ﷿ عنه، وأن يكافئ الدائن له، وأنتم تعلمون أن صاحب الكبيرة في مشيئة الله ﷿ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فكونه محبوسًا حتى يشاء الله تعالى له العذاب أو المغفرة، يدل هذا على أن روحه كذلك في داخل هذه المشيئة.\nقال: (ويلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم)، أي: صاحب الدين وصاحب الكبيرة (وهذا مذهب أبي هريرة وعبد الله بن عمر ﵄).\nقال الشيخ الألباني: وهو الصحيح من الأقوال -أي: أن هذا أصح الأقوال في المسألة؛ لأن غيره مما لا دليل عليه في السنة أو في أثر صحيح- قال: ومع ذلك ستتصل بالبدن متى شاء الله ﷿.\nأي: أن الروح ترجع إلى البدن، والأصل عدم رجوعها، لكن إذا شاء الله تعالى أن ترجع الروح إلى البدن رجعت، فالأصل عدم نزول الروح مرة أخرى في البدن، لكن إذا شاء الله تعالى إنزالها نزلت، وإذا شاء الله تعالى تركيب الروح في البدن ركبت، وذلك في اللحظة.\nأي: في أقل من اللحظة؛ وذلك لأنه كان السائل يأتي إلى النبي ﵊ فيسأله؟ فينزل جبريل بالخبر في أقل من لمح البصر، وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم، أي: أن المقصود: أن مسألة إتيان الروح من الجنة أو من السماء السابعة أو من السماء عمومًا فتكون في بدن الميت ليست مسألة عسيرة ولا متأخرة، بل هي تتم كما لو كنت نائمًا فانتبهت، وهي لحظة واحدة بين النوم واليقظة، فكذلك نزول الروح ودخولها في البدن.\nالرأي الثاني: (وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها -يعني: هم على أبواب الجنة- يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها.\nوقالت طائفة: الأرواح على أفنية قبورها -أي: في الأفنية والشوارع والساحات التي أمام القبور معسكرة هناك- وقال الإمام مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت -أي: تذهب في أي مكان، وكل هذا في أرواح المؤمنين- وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: أرواح الكفار في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة).\nوهذا الرأي يوافق المذهب الأول الذي رجحناه وصححناه.\n(وقال أبو عبد الله ابن منده: وقال طائفة من الصحابة والتابعين: أرواح المؤمنين عند الله ﷿ ولم يزيدوا على ذلك.\nقال: روي عن جماعة من الصحابة والتابعين: أرواح المؤمنين بالجابية -والجابية: اسم قرية بالشام- وأرواح الكفار ببرهوت بئر بحضرموت.\nوقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟) عبر عن الروح هنا بالنفس، وهذه مسألة محل نزاع: هل النفس هي الروح أم أن النفس شيء والروح شيء آخر؟ محل نزاع، والراجح: أن النفس هي الروح.\nقال: (هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟) يعني: هل لهم مكان يجتمعون فيه؟ (فقال: إن الأرض التي يقول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] قال: هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث).\nأي: أنه قال: نعم.\nهناك مكان في الأرض سيجتمع فيه أرواح المؤمنين، وهذا أحد المذاهب، والمسألة فيها أكثر من اثني عشر مذهبًا.\nمذهب منهم يقول: هي في بقعة من بقاع الأرض تجتمع أرواح المؤمنين فيها حتى يكون البعث.\n(وقالوا: هي الأرض التي يورثها الله المؤمنين في الدنيا.\nوقال كعب الأحبار: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة تحت جند إبليس).\nعلى أية حال يغلب على الظن أن كعب الأحبار إنما أخذ الكلام من كتب بني إسرائيل؛ لأنه كان حبرًا من أحبارهم، ويروي من كتب الإسرائيليين بعد إسلامه.\n(وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر برهوت.\nوقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفار في سجين.\nوفي لفظ عنه: نسمة المؤمن -أي: روحه- تذهب في الأرض حيث شاءت.\nوقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله).\nوتأولوا في ذلك أحاديث ربما ذكرناها في هذا المكان من قبل، لكنها لا تشهد لهذا المعتقد.\n(وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم -الإمام ابن حزم الظاهري أبو محمد - قال: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها).\nيعني: لو قيل: أين كانت الروح قبل خلق الجسد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا أحد يعلم، فكذلك إذا مات البدن رجعت الروح إلى مكانها قبل أن توضع في هذا","vol":"57","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1162>مسألة في تلاقي أرواح الموتى وتزاورها وتذاكرها</span>\nقال ابن القيم: (المسألة الثانية: وهي أن أرواح الموتى هل تتلاقى وتتزاور وتتذاكر أم لا؟) وهذه المسألة هي فرع عن هذا الأصل الذي نحن بصدده.\nقال ابن القيم: (وجوابها أن الأرواح قسمان: أرواح معذبة، وأرواح منعمة).\nأما أرواح الكفار فهي معذبة، وأما أرواح المؤمنين فهي منعمة.\nقال: (فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي).\nأي: أنهم إذا التقوا التقوا على اللوم والتقريع والتوبيخ، كما جاءت بذلك النصوص.\nوالأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان بينها في الدنيا، وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها).\nفإن قيل: هل تتلاقى الأرواح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nأرواح المؤمنين فقط، أما أرواح الكافرين فهي في شغل عما نزل بها من بلاء وعذاب وعقاب.","vol":"57","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1163>مسألة في تلاقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات</span>\nقال: (المسألة الثالثة: وهي هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات أم لا؟) نحن قلنا في المسألة الأولى: إن أرواح الموتى تتلاقى وتتذاكر وتتزاور، ويذكرون ما كان من أمرهم في شأن الدنيا، بل ما كان من أهل الدنيا.\nلكن المسألة الثانية: هل تلتقي روح الحي من المؤمنين مع روح الميت من المؤمنين؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nتلتقي، وما رؤيتك لميت ومحادثته وسؤاله أو سؤالك -أي: أنه يسألك عن حالك وحال أبنائك وحال دينك وغير ذلك- إلا مجرد لقاء بين روح الميت من أهل الإيمان وروح الكافر.\nوفي الحديث قال: (وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين، فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض) أي: يسألونه عن أخبار المؤمنين من أهل الأرض الذين لم يموتوا بعد.\nوهذا فيه جواب عن المسألة التي ذكرناها.\nالحديث يقول: (وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين، فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض) فهي روح مع أرواح، لكنهم يذكرون أشخاص المؤمنين الذين لم يموتوا بعد، فهو قد مات، فلما صعد إلى السماء التقى بأرواح المؤمنين الذين ماتوا مثله، فهم يسألونه عن الأحياء.\nفـ ابن القيم يقول: وأعظم دليل على التقاء روح الحي بروح الميت هو الرؤى والمنامات التي يراها.","vol":"57","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1164>مسألة في كون الروح التي تموت أم البدن</span>\nقال: (المسألة الرابعة: وهي أن الروح هل تموت أم الموت للبدن وحده؟) جوابها: (اختلف الناس في هذا، فقالت طائفة: تموت الروح وتذوق الموت؛ لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت.\nقالوا: وقد دلت الأدلة على أنه لا يبقى إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].\nيعني: إذا كانت الروح هي النفس، فلا بد أن تذوق الموت بنص القرآن.\n(قالوا: وإذا كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت) لأن مسألة موت الملائكة مسألة بعيدة عن الأذهان، ولكن المستقر عند عقيدة المسلمين أن الملائكة تموت، وأن آخر الملائكة موتًا من أصحاب التكليف هو ملك الموت.\nوالمسألة هذه في الحقيقة لم يرد فيها نص، والكلام فيها أنا أكرهه جدًا كما أكره الكلام في القدر، فإذا كان الشرع قد عافانا من الخوض في هذه القضية فالأولى بنا أننا نتوقف.\n(وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان.\nقالوا: وقد دل على هذا الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة).\nوإذا كنا قد أيقنا أن روح المؤمن منعمة، وأن روح الكافر معذبة حتى يبعث الله المؤمن والكافر فيرد إليه روحه، إذًا: الروح لا تموت مع الجسد، ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم والعذاب، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] هذا مع القطع بأن أرواحهم قد فارقت أجسادهم.\nفمن مِن الناس يعتقد أن الشهيد بعد أن يموت تموت روحه معه؟ لا أحد يعتقد ذلك.\nأما حياتهم فإنهم يرزقون النعيم الأبدي السرمدي في القبر وفي يوم القيامة وإذا دخلوا الجنة، فحياتهم في قبورهم حياة برزخية لا يعلم كنهها إلا الله ﷿، كحياة الأنبياء تمامًا بتمام، وشبهت هذا بذاك من جهة أنها علم غيب لا يعلمه إلا الله، لكن لا بد أن يكون هناك فارق؛ لأن الأنبياء أفضل من الشهداء بلا شك، وأنتم تعلمون أن أرواح المؤمنين متفاوتة، فإذا كان الأمر كذلك فأرواح المؤمنين في أعلى عليين.\nكما أننا نعتقد اعتقادًا جازمًا أن القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، فإذا كنا نعتقد أن المؤمن إذا مات صعدت روحه إلى السماء، أو دخلت الجنة فتنعمت فيها فالذي يبقى في القبر الجسد، فنحن لا نعتقد أن القبر روضة من رياض الجنة إلا إذا كنا نعتقد أن الجسد يتنعم ويُعذب، وليس بلازم أن يكون الجسد باقيًا، وإلا لقلنا: إن الذي تأكله الأسماك في البحار أو تأكله حوادث الدهر، أو يُحرق أو غير ذلك، وقد انتهى بدنه لا يقع على بدنه العذاب، أو لا يقع لبدنه النعيم! وهذا مخالف لعقيدة المسلمين، فالله ﷿ على كل شيء قدير.","vol":"57","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1165>مسائل في حقيقة الروح</span>\nيقول الألوسي: (الخامسة: اختلف الناس في حقيقة الروح من سائر الطوائف، وكذا اختلفوا في أنها هل هي النفس أم غيرها؟ وهل هي جزء من أجزاء البدن أو عرض من أعراضه، أو جسم مساكن له مودع فيه، أو جوهر مجرد؟ وهل النفس الأمارة واللوامة والمطمئنة نفس واحدة أم أنفس متعددة لها هذه الصفات أم هي ثلاث أنفس؟ وهل الروح هي الحياة أو غيرها؟ وهل هي مخلوقة قبل الأجساد أم بعدها؟).\nوهناك مسائل كثيرة جدًا أجاب عنها العلماء، الأولى السكوت عنها.\nقال: (وأما الكلام على بقية المسائل فقد قال: ابن القيم عليه رحمة الله: والذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة: أنه جسم حادث مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس).\nيريد أن يقول: أن الروح جسم، لكن يحكمها قوانين أخرى، وهي القوانين التي تحكم المشاهد أو الأجسام المرئية.\nقال: (وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء -يعني: يتخلل البدن- ويسري فيه سريان الماء في الورد والدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي هذا الجسم اللطيف متشابكًا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة، وخرجت عن قبول الآثار فارق الروح البدن وانفصل بأمر الله تعالى إلى عالم الأرواح، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]).\nثم يحيلنا الإمام الآلوسي إلى كتاب الروح لمعرفة المزيد من هذه المعلومات.\nوهذا الكلام كله هو خلاصة البحث: أنني أؤمن إيمانًا جازمًا أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر معلقة تأكل من ثمار الجنة حتى يردها الله ﷿ إلى أجسادها، وإذا كان كذلك فينبغي أن تكون أرواح الكفار في النار، وأرواح المؤمنين إذا كانت تفاوتت مراتبهم في الإيمان فكذلك تتفاوت مراتبهم في النعيم، لكن كلها في الجنة تسرح حيث شاءت، تأكل وتلتذ بنعيم الجنة على درجات متفاوتة؛ ولذلك الجنة مراتب ودرجات، فكل مرتبة هي أفضل ممن هي دونها، وكل مرتبة دونية هي أقل في النعيم ممن هي فوقها وكذلك أرواح المؤمنين.","vol":"57","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1166>سياق ما روي في استحباب الصدقة وقراءة القرآن والاستغفار والترحم والدعاء للميت</span>\nهذا عنوان عريض يحتاج إلى تقريب؛ لأن هذا التبويب يدل بظاهره على أن الميت ينتفع بكل شيء، ولكل أحد أن يقدم خدمة للميت من عبادة أو طاعة.\nقال: [عن ابن عباس: (أن رجلًا قال: يا رسول الله! توفيت أمي ولم توص، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم)] لكن السائل بالنسبة للمسئول عنه هو ابنها، والنبي ﵊ يقول: (خير مال المرء من كسب يده، وولده من كسبه) فالولد امتداد لأبيه، وأثر من آثاره، وسواء نوى الولد نفع الوالدين بعمله أو لم ينو فهما منتفعان بعمله، لا ينقص ذلك من أجره شيء، كما في حديثه ﵊: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا).\nإن الذي يأخذ ولده إلى معلم القرآن أو معلم السنة حبًا في الله وفي كلامه ودينه وشرعه، ويحرص كل الحرص على أن يتعلم ولده الأخلاق الفاضلة، وأن يتأسى بالنبي محمد ﵊، وأن يتعلم كلام الله تلاوة وحفظًا وعلمًا وعملًا وعبادة وغير ذلك، ويتمنى لو أن ولده بلغ في ذلك مبلغًا عظيمًا جدًا، لا شك أن هذا الأب إذا مات فإن عمل ولده ينفعه، ويسري أجر الولد في عمله الصالح إلى الوالد، فإذا بدر من الولد عملًا سيئًا فلا حظ لأبيه فيه؛ لأنه كان معلومًا من حياته أنه يحرص على أن يعلمه الخير، بخلاف رجل كان يحض ولده على الشر، وعلى معاداة شرع الله، وعلى معاداة السنة واتهامها وانتهاك حرمتها وخدش حشمتها وغير ذلك فإن الولد إذا عمل بهذا الأصل التربوي السيء فإن الوالد يلحقه من كل عمل يعمله الولد حظ وكفل ونصيب؛ لأنه رباه على ذلك واستحبه، بل حمله على ذلك حتى صارت معاداة الشرع ديدنًا لهذا الولد.\nهب أن الولد تاب من ذلك.\nهل ينفع الوالد توبة ولده؟ لا ينفعه؛ لأنه لو كان ينفعه لما قال النبي ﵊: (إن الميت يُعذب ببكاء أهله عليه)، وقد قال العلماء وهو أرجح الأقوال في المسألة: هذا إذا كان معلومًا من حياته: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩].\nإذًا: ينظر هل كتب وصية وقال: لو أني مت استأجروا فلانة وفلانة ينحن علي ثلاثة أيام أو سبعة أيام أو عشرة أيام فهذا من سعيه، أو أنه لم يفعل ذلك لكن كان أستاذًا كبيرًا، فكان إذا مات أحد من الناس ذهب وأدى واجبًا وظل يلطم ويشق الجيوب، فإذا عُلم من حياته أنه يحب ذلك ويفعله، حتى لو لم يوص به فإنه يُعذب ببكاء من ناح عليه؛ لأن هذا كان ديدنه في حياته، من خلال ذلك نقول: لو أن شخصًا قال: يا إخواني! لا يبكي علي أحد ولا ينوح، والذي يريد أن يبكي يبكي بالدمع فقط، أما بكاء وولولة ودعاء جاهلية فأنا بريء من ذلك، فلو أن الناس كلهم ناحوا عليه هل يلحقه شيء من ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا يلحقه؛ لأنه قد تبرأ منهم، وأوصى بخلافه.\nومن ذلك: قوله ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث).\nفـ عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين ابنه رجل صالح، فهل ينتفع الأب بعمل الولد الصالح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nفإذا كنا نحن نقطع الآن بغير رجوع إلى كلام أهل العلم أن الكافر لا ينتفع بعمل ولده المسلم الصالح، فلا بد أن تتفرع على هذا تفريعة أخرى، وهو أن الأب الفاسق العاصي الذي كان يكره الخير ويقبل على الشر لا ينتفع بالخير، وهذا كلام الإمام ابن أبي جمرة وكلام الحافظ ابن حجر والإمام النووي والإمام أحمد بن حنبل وغير واحد من السلف.\n[عن ابن عباس: (أن رجلًا قال: يا رسول الله! توفيت أمي ولم توص.\nأفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال النبي ﵊: نعم)] الولد يسأل عن مدى انتفاع الأم بالصدقة، فالولد ينفع أمه في باب الصدقات، وسيأتي معنا خلاف في عبادات أخر؛ لأن الصدقة عبادة، فإذا فعلها المرء تقربًا عن أبيه أو عن أمه انتفع الأب والأم بذلك.\nقال ابن عباس: [(إن رجلًا قال: يا رسول الله! توفيت أمي ولم توص.\nأفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم.\nقال: فإن لي مخرفًا فأشهدك أني قد تصدقت به عنها)] والمخرف: هي الأرض المثمرة.\nأي: أن لي بستانًا ونحن في وقت جني ثماره، فأشهدك يا رسول الله! أني قد تصدقت بثمار هذه الأرض عن روحها.\nهذا الحديث أخرجه البخاري.\n[عن عائشة ﵂ قالت: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت)] أي: ماتت فجأة، أي أنها لم تكن متوقعة أنها تموت، فإذا كان الشخص مريضًا بمرض خبيث وهو نائم على الفراش، وكل يوم يزداد سوءًا، فلا بد أنه سيتوقع في هذا المرض الموت، بخلاف شاب قوي، فهذا في الغالب لا يتوقع الموت في هذه اللحظات، ولا مانع أن يصح المريض وأن يموت الصحيح، لك","vol":"57","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1167>كلام الألباني في تلقين الميت وتجهيزه وقضاء دينه</span>\nالشيخ الألباني ﵀ في باب تلقين المحتضر من كتاب أحكام الجنائز.\nيقول: إذا حضره الموت فعلى من عنده أمور، وذكر منها: أن من حضر محتضرًا فعليه أن يدعو له، ولا يقول في حضوره إلا خيرًا، كما قال ﵊: (إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون).\nوليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة المحتضر؛ لأن الشخص يستحيي أن يقول له: قل: لا إله إلا الله أو تشهد أو غير ذلك فهذا من أعظم الواجبات عليك إذا حضرت، حتى يكون آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله، وأما قراءة سورة يس عند الاحتضار أو عند الميت أو على القبر، أو شيء ورد في فضل يس فلم يكن شيء من ذلك صحيحًا قط في سنة النبي ﵊.\nأي: أنه لم يرد في فضل يس قط حديث صحيح يذكر فضلها، وليس معنى ذلك: أن يس ليس لها فضل، يكفي أنها كلام الله ﷿، لكن الذي اعتاده الناس على أنها تقرأ (٧٠) مرة و(٧٥) مرة و(٣٠٠٠) مرة كل هذا غير صحيح، فإنه لم يصح في فضلها ولا في كيفيتها وعدد قراءتها شيء من السنة.\nوكذلك توجيه الميت نحو القبلة لا يصح فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها، وقال: أليس الميت امرءًا مسلمًا؟ أي: لماذا توجهوه؟ ما دام الميت مسلمًا فيموت على أي جهة، فإنه لا يلزم أن توجهوه إلى القبلة.\nوكذلك أن يبادر بعضهم لقضاء دينه ولو من ماله، وأنتم تعلمون أن الميت إذا مات فعليه حقوق لله ﷿ في ماله، وعليه حقوق في ماله لعباد الله، واختلف العلماء: هل يُقضى من ماله الدين أولًا أم تجهيزه؟ فهب أن الدين أكل المال كله ولم يجهز بعد.\nقالوا: يجب تجهيزه على أوليائه، فإن عجز الأولياء ففي بيت المال، فهنا يجب عليهم أن يبادروا بقضاء دينه ولو أتى عليه كله، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان جهد في قضائه، فإن لم تفعل الدولة وتطوع بذلك بعضهم جاز، وفي ذلك أحاديث كثيرة جدًا.","vol":"57","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1168>كلام الألباني فيما ينتفع به الميت</span>\nويقول الشيخ الألباني ﵀ في باب ما ينتفع به الميت: ينتفع الميت من عمل غيره بأمور، والأصل أن الميت لا ينتفع إلا بعمله هو: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] والاستثناء أنه ينتفع بعمل الغير، وهذا هو التخريج على هذا الأصل.\nأولًا: دعاء المسلم له ينتفع به، ولا تزال الأمة تدعو لبعضها البعض، إذا توفر في هذا الدعاء شروط القبول؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].\nوأما الأحاديث فهي كثيرة جدًا، فنذكر منها شيئًا: قوله ﵊: (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين.\nولك بمثل).\nبل إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك؛ لأنها دعاء للميت واستغفار له.\nثانيًا: ينتفع الميت من عمل الغير بقضاء ولي الميت صوم النذر عنه.\nأي: أن الدعاء يُقبل من كل أحد للميت، أما الصوم فلا يُقبل إلا من الولي، فلا أقول في شأن شخص أجنبي مات ولا تربطني به علاقة نسب: أنا سأصوم عنه أيام نذره التي نذرها! فهذا كلام مرفوض، لقوله ﵊: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه).\nوالولاية: اثنتا عشرة مرتبة، كل مرتبة يمكن أن يكون فيها خمسة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرين حسب توسع هذه الأسرة.\nوالعلماء يفرقون بين هذا والصيام: (من مات وعليه صيام).\nفبعضهم قال: لا يصوم عنه قط؛ لأن الصوم عبادة خاصة.\nوالبعض قال: يصوم عنه جميع أنواع الصيام: صيام النفل، وصيام النذر، وصيام الواجب، وصيام الفرض.\nوالرأي الراجح: أنه لا يصوم عنه إلا صيام النذر؛ لأنه هو المتعلق بالذمة، أما صيام الفرض فيدور بين أمرين: أن يتركه صاحبه معذورًا أو غير معذور، فإن تركه وهو غير معذور في تركه يأثم بذلك ويستحق العقاب، وإن تركه بعذر فالكفارة فيه إطعام، فيطعم عن كل يوم مسكينًا، والإطعام واجب على الأولياء.\nثبت عن ابن عباس: أن امرأة ركبت البحر فنذرت إذا أنجاها الله ﵎ أن تصوم شهرًا، فأنجاها الله ﷿، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها إلى النبي ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال: (أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضينه؟ قالت: نعم.\nقال: فدين الله أحق أن يقضى.\nاقضِ عن أمكِ).\nوهذا يدل على أن السائلة كانت بنتًا، وبين البنت وأمها ولاية، ولكن إن لم تستطع تكفر، فإن كانت فقيرة لا تستطيع فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فانظر إلى رحمة الإسلام! وعن سعد بن عبادة ﵁: أنه استفتى رسول الله ﷺ فقال: (إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: اقضه عنها).\nثالثًا: قضاء الدين عنه من أي شخص وليًا كان أو غير ولي، وفيه أدلة كثيرة جدًا.\nرابعًا: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره، دون أن ينقص من أجرهما شيء؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله ﷿ يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، وقال ﵊: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه) وهو على شرط الشيخين.\nفالصلاة عبادة متعلقة بالشخص؛ ولذلك أرجح الأقوال في الصيام -أي: صيام الفرض- أنه لا يؤدى عنه.\nأي: أن قوله: (من مات وعليه الصيام فليصم عنه وليه) هذا كلام عام، خصصه حديث سعد بن عبادة: أنه سأل عن نذر أمه التي توفيت، فالعلماء حملوا هذا على ذلك، وفرقوا بين صيام الفرض وصيام النذر.\nوالزكاة عبادة متعلقة بالمال، وما دام المال موجودًا يؤدى، وهذا من الحقوق التي هي محل اتفاق بين أهل العلم: إذا مات الميت ولم يخرج زكاة ماله وجب إخراج زكاة المال أولًا قبل توزيع الميراث، وإخراجها عنه تنفعه؛ لأنه كان معتادًا على إخراجها، لكنه إذا تأخر عن إخراجها فأرجح الأقوال عندي: أنه يعذب بذلك، وينتفع الأبناء بهذا الواجب.\nالخامس: ما خلفه من بعده من آثار صالحة ينتفع بها وصدقات جارية؛ لقول الله ﵎: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] أي: وكل شيء تركوه خلفهم.\nوعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة أشياء) إلى آخر الحديث.\nوعن أبي قتادة: قال النبي ﵊: (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يُعمل به من بعده).\nوعن أبي هريرة ﵁: قال النب","vol":"57","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1169>الأسئلة</span>","vol":"57","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1170>المدين يعذب حتى يؤدى عنه الدين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الدليل على أن الميت الذي عليه دين يعذب بسبب دينه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حديث أبي قتادة الذي تحمل الدين عن الأنصاري، قال النبي ﵊: (أقضيت عن صاحبك؟ قال: يا رسول الله! إنما مات بالأمس قال: اقض عنه، فقضى عنه إلا دينارين، فلما قضاهما قال النبي ﵊: الآن بردت عليه جلده) وهذا يدل على أن العذاب لا يرفع عن المدين حتى يؤدى عنه الدين لا بمجرد الحمالة.","vol":"57","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1171>الفائدة من دراسة الروح ونزولها في البدن من عدمه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما الفائدة المترتبة من دراسة الروح ونزولها في البدن من عدمه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نحن نهينا أن نخوض في كيفية الروح نفسها، يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥] والآية عن ذات الروح، وقلنا: إن الذي يعنينا: أين توجد الروح بعد مفارقتها البدن؟ وهذه من مسائل الاعتقاد، ولو كان الكلام في الروح وأين توجد إذا خرجت من البدن؟ لما كان لقوله ﵊: (إن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر معلقة أو تعلق في ثمار الجنة حتى يردها الله إلى أجسادها) مجال للتكلم عنه، فالمنهي عنه: الكلام في كيفية الروح وفي أصل الروح فقط، ولذلك حينما تكلمت عن بقية المسائل المتعلقة بالروح قلت: إنما يعنينا الأول الذي ورد به النص، وبقية الفروع نتغاضى عنها؛ لأننا لسنا محاسبون عليها، كما أن المسألة التي اهتممنا بها في هذا المبحث إنما هي مسألة اعتقادية تمامًا كما لو قلت: وماذا ينفعنا إذا كان القرآن كلام الله أو غير كلام الله؟ أو أحد يقول عن أي مسألة من مسائل الاعتقاد: ما قيمة الدراسة في هذه المسألة؟ ولو أنك ذهبت إلى ساحر ليخدعك فإنهم لا يتكلمون إلا في الأرواح، ولذلك إذا ذهبت إلى الساحر وليس عندك علم بهذه المحاضرة لاغتررت بكلامه فوقعت في شراكه وحباله، وهذا الكلام معلوم، وكثير من الناس يذهب إلى السحرة فيدجل عليه كلامًا يتعلق بالروح والنفس وغير ذلك فيصدقه، وهذه المسألة تكلم فيها علماء المسلمين، وفوق علماء المسلمين الصحابة والخلفاء الراشدون، وقبلهم النبي ﵊، والذي أوحى بهذا الحديث هو جبريل ﵇ من عند الله ﷿، فلا يقال لمسألة فيها نص شرعي صحيح: ما قيمة دراستها؟ قيمة دراستها: أن تكون شخصيتك شخصية علمية اعتقادية، وهذا هو قيمتها.","vol":"57","page":14},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1172> سماع الموتى للأحياء</span>\nاختلف أهل العلم في مسألة سماع الموتى، فذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الموتى يسمعون، وذهبت طائفة أخرى إلى أنهم لا يسمعون، لصريح الأدلة من الكتاب والسنة، وقالوا بأن ما ورد من النصوص في سماع الموتى مخصص بمن ورد النص فيهم، في أوقات خاصة وأشخاص معينين، وحادثة معينة، وبينوا مخاطر القول بسماع الموتى على عقيدة المسلم، وأن ذلك ذريعة إلى الشرك بالله وعبادة غيره تعالى.","vol":"58","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1173>سياق ما روي عن النبي ﷺ بأن الموتى في قبورهم لا يعلمون ما عليه الأحياء</span>\nإن الحمد لله تعالى.\nنحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الموتى في قبورهم لا يعلمون ما عليه الأحياء إلا إذا رد الله عليهم الأرواح.\nقال الله ﵎: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]].\nوفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: [(وقف رسول الله ﷺ على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول.\nقال: فذكرت ذلك لـ عائشة فقالت: وهل أبو عبد الرحمن، إنما كان رسول الله ﷺ وقف على قليب بدر فقال: إنهم الآن يعلمون)].\nيعني: رواية ابن عمر فيها قوله ﵊: (إنهم الآن يسمعون)، عائشة اعترضت على هذا الكلام وذكرت أنه قال: (إنهم الآن يعلمون)، لم يقل: يسمعون، أي: يعلمون أن ما كنت أقول لهم حقًا [(وإنهم لفي النار.\nثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل:٨٠])].\nقال: [عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ وقف على قليب بدر)] وقليب بدر: الحفرة العظيمة التي ألقي فيها صناديد الشرك بعد أن وضعت الحرب أوزارها.\nقال: [(وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ ثم قال: إنهم يسمعون ما أقول، فذكرت ذلك)]، والذاكر هو عروة، فهو الراوي عن ابن عمر ذكر ذلك لـ عائشة [فقالت: (وهل ابن عمر)] وهل بمعنى نسي وأخطأ أن يأتي بالرواية على وجهها.\n[(إنما قال ﷺ: ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق)]، وهذا الحديث أخرجه البخاري.\nهذه المسألة يا إخواني! من مسائل التوحيد العظيمة جدًا، والبعض يذكرها في مسائل الفقه، لكن تعلقها بالاعتقاد والتوحيد أعظم بكثير جدًا من تعلقها بالفقه، بل لا أرى لها وجه شبه أو تعلق بالفقه، إنما هذه المسألة من مسائل الاعتقاد، خاصة وأنها تتعلق بأمر من أمور الغيب، وأمور الغيب كلها أمور توقيفية، لا مكان للعقل ولا للاجتهاد فيها، فكونهم يسمعون أو لا يسمعون، ينعمون أو يعذبون، يردون السلام أو لا يردون السلام، يشعرون بالزائرين أو لا يشعرون بالزائرين كل هذا من مسائل الغيب، فلا يحل لأحد أن يثبت شيئًا من مسائل الغيب أو يأتيه إلا بنص؛ ولذلك العلماء -خاصة الأشاعرة- يسمون هذه المسائل مسائل السمعيات، سميت بهذا لأنها من مسائل الغيب التي لا يصح فيها الكلام بالاجتهاد؛ وإنما الكلام فيها متوقف على ثبوت السمع، ومعنى السمع: النقل كتابًا وسنة.\nوهم يعنون بالسمعيات الغيبيات؛ لأنها لا تثبت إلا عن طريق السمع أي: عن طريق النقل، قال الله، قال رسوله، ولا مجال لاجتهاد العقل فيها ألبتة.\nهذه المسألة مسألة سماع الأموات: هل الموتى يسمعون أو لا يسمعون؟ محل نزاع قديم جدًا بين العلماء، ومذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية أن الموتى لا يسمعون، وذهب بعض أهل العلم إلى أنهم يسمعون ونافحوا عن رأيهم وأتوا بأدلة عظيمة جدًا وكثيرة، ومعظمها لا يثبت من جهة النقل، والثابت منها فهموه على غير مراده.","vol":"58","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1174>أدلة القائلين بعدم سماع الموتى</span>\nأدلة القائلين بعدم السماع وهم جمهور أهل السنة: قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، وهذا القول موجه لنبينا ﵊، ومن باب أولى لعامة الأمة إذا كان النبي ﵊ لا يستطيع أن يسمع من في القبور، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل:٨٠]، فهاتان آيتان من كتاب الله ﷿، وهناك تأويل لهاتين الآيتين بأنهما تعنيان بالكافرين وهم أحياء وتشبيههم بالموتى؛ لأن الحياة الحقيقية إنما هي حياة القلب وحياة الإيمان، لكن لا بأس بجريان هذا على الموتى من باب أولى.\nوالدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]، وهذا هو الدليل الثاني.\nأما من السنة: فحديث قليب بدر الذي نحن بصدده، وله روايات منها حديث ابن عمر الذي ذكرناه وأخرجه البخاري ومسلم، والطريق الثاني: حديث أبي طلحة: (أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش فقذفوا في طوي) وهو القليب، يعني: أمر بأربعة وعشرين رجلًا فألقوا كما تلقى الزبالات على المزابل.\nقال: (فقذفوا في طوي من أطواء بدر) أي: في قليب من أحفارها (خبيث مخبث)، يعني: منتن جدًا، وهذا الذي يليق بأمثال هؤلاء.\nقال: (وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث بعد أن وضعت الحرب أوزارها أمر النبي ﵊ براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى النبي ﵊ واتبعه أصحابه)، ومن أصحابه الذين اتبعوه: عبد الله بن عمر الذي روى هذا الحديث، إذ إن البعض يقول: هذا الحديث مطعون فيه؛ لأن عبد الله بن عمر لم يشهد غزوة بدر، فالنبي ﵊ أرجعه من غزوة بدر.\nنقول: نعم.\nهذه حقيقة، ولكن عبد الله بن عمر شهد الواقعة في ثالث أيام بدر، وذلك لما وضعت الحرب أوزارها رجع المشركون إلى بلادهم إلى مكة، ورجع النبي بأصحابه بعد أن وضعت الحرب أوزارها إلى المدينة، وكان منهم ابن عمر، فهذا لا علاقة له بالحرب، وإنما هذا كان بعد الحرب بثلاثة أيام.\nقال: (واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم -يعني: يقول:- يا فلان ابن فلان! ويا فلان ابن فلان! ثم يقول: أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟)، يعني: أما ندمتم وتحسرتم على هذه المعاصي وعلى عنادكم وكفركم، وأنكم متم وقتلتم على الكفر والإلحاد.\nقال: (فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًاّ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًاّ؟) الله تعالى وعد الطائعين الجنة ووعد العصاة النار، (فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ قال -أي: وائل بن عبد الله - يا رسول الله! ما تكلم من أجسادًا لا أرواح فيها؟) يعني: ما قيمة هذا الكلام وما قيمة هذا النداء، وأنت يا رسول الله! تعلم أنهم أموات لا يسمعون؟ (فقال رسول الله ﷺ: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، يعني: هم يسمعونني كما تسمعونني أنتم الآن وزيادة، وانظروا إلى لفظة (الآن) التي وردت في حديث عبد الله بن عمر: (وقف النبي ﵊ على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول) ولفظة (الآن) لها اهتمام عظيم جدًا في هذه الرواية.\nقال: (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم).\nقال قتادة وهو ابن دعامة السدوسي من كبار التابعين: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندمًا.\nانظروا إلى فهم هذا الراوي قتادة، يقول: (أحياهم الله) أي: في لحظة نداء النبي ﵊ لهم الله تعالى أحياهم حياة برزخية؛ ليسمعوا تقريع وتصغير النبي ﷺ لهم؛ لما فاتهم من الإيمان به.\nووجه الاستدلال بحديث أبي طلحة وحديث عبد الله بن عمر ما في الرواية الأولى منه من تقييده ﷺ سماع موتى القليب بقوله: (إنهم الآن يسمعونني)، وهذا يدل على تخصيص السماع بوقت النداء، وأن الأصل أنهم لا يسمعون، ولكنهم يسمعون الآن؛ مع","vol":"58","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1175>أدلة القائلين بأن الموتى يسمعون</span>\nمن أدلة القائلين بالسماع: حديث القليب -نفس الحديث الذي معنا- لكن جمهور أهل السنة فهموا منه كما فهم عمر وغيره أن هذا ربما يكون وهمًا للنبي ﵊، حتى بين لهم النبي ﷺ أن هذا خصوصية، وأن هذا الكلام يخصص الآية في حق أصحاب القليب، وبين لهم أن هذه حادثة عين لا يجوز القياس عليها.\nأما القائلون بسماع الموتى وأنهم يسمعون مطلقًا دون تقييد بوقت معين أو بأشخاص معينين فقالوا: حديث القليب يدل على سماع الموتى في القبر.\nوقد عرفنا فيما سبق أنه خاص بأهل القليب من جهة، وأنه دليل على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون من جهة أخرى، وأن سماعهم كان خرقًا للعادة، ولا داعي للإعادة.\nهذا هو الدليل الأول.\nالدليل الثاني: حديث: (إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا) وفي رواية: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: من ربك) إلى آخر الحديث.\nالشاهد: أن الميت يسمع قرع نعال من شيعه، وهذا الحديث -كما طرأ- خاص بوقت وضع الميت في القبر، ومجيء الملكين إليه بسؤاله، فلا عموم فيه، كذلك هذا الحديث حادثة عين لا يقاس عليه، وعلى ذلك حمله العلماء ك ابن الهمام وغيره، وسيأتي معنا بإذن الله تعالى.\nوخلاصة البحث كما قال شيخنا الشيخ الألباني ﵀، يقول: إن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الحنفية وغيرهم على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما كما في حديث القليب فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلًا فيقال: إن الموتى يسمعون كما قال بعضهم.\nواستدلوا بقضايا جزئية لا تشكل قاعدة سنية يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثنى منه.\nيعني: هذه الأحوال التي وردت أن الموتى فيها يسمعون إنما هي بمثابة استثناء من الأصل، على قاعدة استثناء الأقل من الأكثر أو الخاص من العام كما هو المقرر في علم أصول الفقه.\nولذلك قال العلامة الألوسي في روح المعاني بعد بحث مستفيض في هذه المسألة: والحق أن الموتى لا يسمعون في الجملة، فيقتصر على القول بسماع ما ورد السمع بسماعه.\nانظر الكلام الجميل! والحق أن الموتى لا يسمعون في الجملة، يعني: الأصل العام أن الموتى لا يسمعون، فيقتصر على القول بسماع ما ورد السمع بسماعه، ما ورد السمع -أي: القرآن والسنة- بسماعه على أهل القليب، وأن الميت إذا وضع في قبره سمع خفق نعال من شيعوه.\nهذه حوادث عين لا يقاس عليها.","vol":"58","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1176>مسألة في سماع الموتى للسلام</span>\nمسألة: السلام على الموتى: هل يسمعونه أو لا يسمعونه؟ الراجح: أنهم لا يسمعونه، والدليل على ذلك: أن الصحابة ﵃ كانوا يصلون خلف النبي ﵊، والمعلوم أن المصلي يقول في تشهده أو في صلاته: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وكانوا يقولون: السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله، كان يقول هذا القريب منه ﵊ والبعيد عنه ﵊، فهل كان النبي ﵊ يسمع كلام من يسلم عليه ويصلي عليه في صلاته وهو خلفه أو وهو بعيد عنه، هل كان يسمعه؟ إنما هذا عبادة مجردة.\nالنبي ﵊ كان يزور المقابر فيسلم عليهم ويأمر بذلك، لكن لم يثبت لنا في الشرع أن الموتى إذا سلمنا عليهم سمعوا كلامنا وردوا عليهم، ولو كان الرد واجبًا عليهم لكان من رحمة الله ﷿ أن نسمع ردودهم على سلامنا، فلما لم نكن نسمع دل هذا كذلك على أنهم لا يسمعون كلامنا، ولو سمعوا ما استجابوا لنا؛ لأن ذلك في غير مقدورهم وغير ذلك من الأدلة.\nوثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان يزور البيت في الحج) ركز على كلمة (يزور)، وأنه كان -وهو في المدينة- يزور قباء راكبًا وماشيًا، ومن المعلوم تسمية طواف الإفاضة بطواف الزيارة، فهل من أحد يقول: بأن البيت وقباء يشعر كل منهما بزيارة الزائر أو أنه يعلم بزيارته، فهذه زيارة كذلك، وهذه حجة عقلية للرد على من يزعم أن زائر القبور إذا سلم عليهم سمعوا سلامه وردوه، وليس بذلك، بل لا يسمعه ولا يدركه ولا يستمع له؛ لأنه في عالم الموتى.\nولذلك الحجة العقلية: أن اللازم من الزيارة: السلام، لكن لا يلزم من إلقاء السلام سماعه والرد عليه؛ بدليل أن زيارة البيت تسمى زيارة، وزيارة قباء تسمى زيارة، والنبي ﵊ يقول: (من زار مسجد قباء وصلى فيه ركعتين كان كمن اعتمر).\nيعني: صلاة ركعتين في مسجد قباء كعمرة، وهذا ثابت عن النبي ﵊، فهل من زار مسجد قباء وصلى ركعتين فيه يشعر به المسجد؟ وكذلك زيارة البقيع، فهل يشعر أهل البقيع بزائريهم؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  أنهم لا يشعرون ولا يسمعون السلام فضلًا عن أن يردوا عليه.","vol":"58","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1177>مسألة في سماع الميت للأحياء عند الدفن</span>\nمسألة: هل يسمع الميت عند دفنه؟ لا.\nوالثابت عند الدفن أننا إذا أدخلناه القبر قلنا: (بسم الله وعلى ملة رسول الله) هذا هو الثابت عن النبي ﵊، أما أن تأمره بالتوحيد فهذا عند الاحتضار، وهذا ما يسمى بالتلقين، أما التلقين الذي بعد الموت فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة آراء: منهم من قال به مطلقًا، ومنهم من منعه مطلقًا، والثالث: قالوا: يلقن حين النزول لا بعد النزول، والراجح: عدم تلقين الشهادتين وغير ذلك، والصواب في هذه القضية: أن التلقين حين نزول الميت القبر لا يكون إلا بقولك: (بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ).\nأما الدعاء له بالتثبيت فهو الدعاء الذي ينفعه، لكن ليس فيه أنه يسمعه، إنما الذي فيه أنه يستفيد من ذلك، وبعض أهل العلم افترى على الإمام أبي حنيفة وأصحاب المذهب أنهم قالوا بسماع الأموات مطلقًا، فالإمام الألوسي صنف كتابًا عظيمًا جدًا في الرد على من قال ذلك وسماه: الآيات البينات في إثبات عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات، وحققه شيخنا العلامة الألباني ﵀.\nفقال بعد أن ذكر كلام الأحناف بعدم سماع الأموات قال: وممن قال بقولهم -أي: بقول الحنفية- أصحاب المذاهب الأخرى.\nوقال الإمام النووي -وهو شافعي- في شرح مسلم في باب عرض مقعد الميت من الجنة في الكلام على قوله ﵊ في قتلى بدر: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) قال المازري: قال بعض الناس: الميت يسمع؛ عملًا بظاهر هذا الحديث.\nهكذا قال المازري.\nثم أنكره المازري وادعى أن هذا خاص في هؤلاء.\nيعني: المازري أول من خالف فقال بأن الموتى يسمعون، ثم أنكرها وأثبت أن هذا خاص بأهل القليب خاصة، وأنت تعلم أن المازري من أجل العلماء المالكية المتقدمين.\nأما إنكار عائشة ﵂ سماع الموتى وقالت: ما قال رسول الله ﷺ: (إنهم ليسمعون، إنما قال: إنهم ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم أنه حق، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠]، وقرأت: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]).\nقال الحافظ ابن رجب: وقد وافق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء طائفة من العلماء، ورجح القاضي أبو يعلى من أكابر أصحابنا في كتابه الجامع الكبير، واحتج بما احتجت به، وأجابوا عن حديث قليب بدر يما أجابت فيه عائشة رضي الله تعالى عنها، وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي ﷺ دون غيره، وهو سماع الموتى لكلامه.\nوفي صحيح البخاري قال قتادة: أحياهم الله تعالى -يعني: أهل القليب- حتى أسمعهم قوله ﷺ توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندمًا.","vol":"58","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1178>الرد على من قال بسماع الموتى للأحياء</span>\nذهب طوائف من أهل العلم إلى سماع الموتى كلام الأحياء في الجملة، فبين منه أن طائفة من العلماء وافقوا عائشة ﵂ على عدم السماع وأن منهم القاضي أبو يعلى الذي هو من أكابر علماء الحنبلية، كما هو مذهب أئمتنا الحنفية ﵏.\nوفي كتاب روح المعاني احتج من أجاز السماع بالجملة بما رواه البيهقي والحاكم وصححه وغيرهما عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ وقف على مصعب بن عمير وعلى أصحابه حين رجع من أحد فقال: أشهد أنكم أحياء عند الله تعالى، فزوروهم وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلم أحد عليهم إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة)، هذا يدل في ظاهره أن الموتى يسمعون إلى يوم القيامة، ولكن هذا الحديث حديث باطل منكر.\nكما في الحديث الآخر: (ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه) هذا الحديث يحفظه عامة الناس، وهو حديث أشد نكارة من الذي قبله.\nوقال البخاري في بابه: دعاء النبي ﷺ على كفار قريش، وهلاكهم يوم بدر، ذكر عند عائشة ﵂ أن ابن عمر رفع إلى النبي ﷺ قوله: (إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله) فقالت: (ذهل ابن عمر، إنما قال رسول الله ﷺ: إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن).\nقال: وذلك مثل قولها: (إن رسول الله ﷺ قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فما قال لهم: إنهم ليسمعون ما أقول، إنما قال: إنهم الآن ليعلمون) ولم يقل: يسمعون.\nقال الحافظ ابن حجر في شرحه: قال السهيلي: إن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة بذلك للنبي ﷺ؛ لقول الصحابة له: (أتخاطب أقوامًا قد جيفوا؟) يعني: صاروا جيفًا فأجابهم.\nقال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين جاز أن يكونوا سامعين، وذلك إما بآذانهم في رءوسهم على القول الأكثر، أو بآذان قلوبهم.\nقال: وقد تمسك بهذا الحديث من يقول: إن السؤال يتوجه على الروح والبدن، ورده من قال: إنما يتوجه على الروح فقط؛ لأن الأسماع يحتمل أن يكون بأذن الرأس، ويحتمل أن يكون بأذن الرأس وبأذن القلب، فلم يبق فيه حجة.\nوإذا كان الذي وقع حينئذ من خوارق العادة للنبي ﵊ لم يحسن التمسك به في مسألة سؤاله أصلًا.","vol":"58","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1179>أوجه خطورة القول بأن الموتى يسمعون</span>","vol":"58","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1180>الوجه الأول: أن القول بأن الموتى يسمعون يؤدي إلى الشرك</span>\nالوجه الأول: أن القول بأن الموتى يسمعون كلام في غاية الخطورة؛ لأنه يؤدي إلى الشرك، وهو ذريعة إلى الشرك، فهذه مسألة متعلقة كما قلنا بتوحيد الله ﷿ وإخلاص العبادة له وحده، ودعائه ﷾ دون سواه، ومن المعلوم أن اعتقاد سماع الموتى هو الدافع والسبب الأقوى في وقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأصغر وهو دعاء الأولياء والصالحين، وعبادتهم من دون الله ﷿، واعتقاد أنهم يسمعون فيستجيبون لهم، بل ويدفعون عنهم الضر ويجلبون لهم النفع.\nوهناك الآن من ينادي الحسين أو البدوي أو غير ولي من هؤلاء الأولياء، ولولا أن الداعي لهذا الوثن يعتقد أن المقبور يسمعه ويستجيب له ما دعاه، ويقع في الفلاحين الطوام من هذه الأحوال، وإذا خرج صاحب الاعتقاد السليم ينكر على أهل القرية كل منهم تنصل وتبرأ منه، حتى الوالد يتبرأ من ولده مخافة أن يؤذيه ذلك الميت، ولا يكون ذلك المعتقد إلا لإثبات أنه يعتقد أنه يسمع، وأنه بيده الضر والنفع، ويشاركهم في ذلك كثير ممن ينتسبون إلى العلم قولًا وعملًا، فالطرابيش الحمراء معظمها أصحاب منفعة، فهم صناديق النذور، فلو أن أصحاب الطرابيش تركوا تقديم البراهين وقرابين الطاعة لأهل القبور واعترفوا اعترافًا جازمًا بأن هؤلاء لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرون وغير ذلك فإنه لا حظ لهم في صندوق النذر.\nوهكذا كل إنسان على قدر منزلته، وعلى قدر مكانه، وإن شئت فقل: على ضعف الإيمان في القلب، مع أن الله تعالى جعل على لسان كل نبي ورسول أرسله: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].\nفإذا تبين أن الموتى لا يسمعون لم يبق حينئذ معنى لدعاء الموتى من دون الله ﷿، إذ لا يدعى ولا يستغاث بغير الحي ﷾، فهو سبحانه الذي بيده النفع والضر.\nقال بعض القائلين: نظرة من الشيخ تقلب الشقي سعيدًا، فيصرخ: نظرة يا بدوي! نظرة يا حسين! نقول: النظرة هذه ماذا ستجلب؟ يقول: هذه النظرة تجعل الشقي سعيدًا، تجعل من إذا كان قد كتب من أهل الشقاء وأهل النار من أهل السعادة ومن أهل الجنة، ومعلوم أن هذا الشيء لا يجوز إلا لله ﷿، وهل هناك أحد يملك الشقاء والسعادة إلا الله ﷿، فالذي يملك ذلك هو الله، وصرف ذلك إلى غير الله شرك أكبر، وإنهم ليعتقدون أن الكون إنما يتصرف فيه المشائخ والأقطاب والأوتاد والمدرسون وغيرهم، والله تعالى يقول لنبيه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٨٨] ومعنى (إلا) هنا: لكن.\nأي: لا أملك لنفسي ضرًا ولا نفعًا لكن الله يملك ذلك، فمعنى الآية: قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا لكن ما شاء الله أن ينفعني نفعني وما شاء أن يضرني ضرني، فـ (إلا) هنا بمعنى: لكن.\nوهناك كتاب باطل جدًا، كله خرافات وخزعبلات اسمه: (شواهد الحق بالاستغاثة بسيد الخلق) لـ يوسف النبهاني، ويوسف النبهاني رجل قديم ومعروف بسلوكه وتصوفه وغير ذلك، وفي هذا أعظم وازع وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه المناداة لرسول الله ﷺ، أو الاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله تعالى، وكذلك من صار يطلب من الرسول ما لا يقدر على تحصيله إلا الله، فإن هذا مقام رب العالمين، الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين، ورزقهم وأحياهم وهو الذي يميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه بنفسه؟ يعني: كيف أطلب أنا من ميت لا يملك -وهو حي- النفع والضر بنفسه، فضلًا أن أطلبه أنا منه وهو ميت؟ هذا أمر محال! كيف يفعل ذلك ويترك الطلب من رب الأرباب القادر على كل شيء، الخالق الرزاق، المعطي المانع؟ وحسبك ما في الآية من موعظة، فإن سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [يونس:٤٩] فكيف يملكه لغيره؟ أو كيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبة النبي ﷺ، ومنزلته لا تبلغ منزلته فضلًا أن يملكه غيره؟ فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا الله، ولمعنى: قل هو الله أحد؟ وأعجب من هذا: اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء دون النكير عليهم، بل وأعجب من ذلك وأشد إعجابًا: أن يشارك أهل العلم في هذا البلاء وهذا الشرك، وأنهم يدعون إلى ذلك، وهؤلاء الذين وقعوا في هذا الشرك الأكبر البين إنما تضم صحائفهم إلى صحائف سيئات هؤلاء أصحاب العمائم الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.\nفإنا لله وإنا إليه راجعون.\nيقول الله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِ","vol":"58","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1181>الوجه الثاني: أن ذلك يتنافى مع الإخلاص لله تعالى في العبادة</span>\nالوجه الثاني: أن اعتقاد أن الموتى يسمعون يتنافى مع الإخلاص لله تعالى في دعائه وعبادته وحده، وفي ذلك آيات كثيرة صريحة في النهي عن دعاء غير الله تعالى من الأولياء والصالحين، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].\nقال ابن تيمية عليه رحمة الله: ومثل هذا في القرآن كثير، ينهى أن يدعى غير الله، لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم، فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك، بخلاف ما يطلب من أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة، فإنه لا يفضي إلى ذلك، فإن أحدًا من الأنبياء والصالحين لم يُعبد في حياته بحضرته، فإنه ينهى من يفعل ذلك، بخلاف دعائهم بعد موتهم فإن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم، وكذلك دعاؤهم في مغيبهم هو ذريعة إلى الشرك.\nوابن تيمية يقصد أن هناك فارقًا كبيرًا جدًا، فمن الناس من يطلب الدعاء من النبي ﵊، أو يطلب الشفاعة أو الوساطة في قضاء مصلحة ما من النبي ﵊، كمن جاء إلى النبي ﷺ يقول: (يا رسول الله! استغفر لي)، فهذا ليس شركًا، لكن لو أن واحدًا أتى بعد وفاة النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! استغفر لي فإن هذا شرك.\nإنَّ النبي ﵊ يشفع للأمة، والأنبياء يشفعون، والصالحون يشفعون، والملائكة يشفعون بغير أن يطلب أحد منهم الشفاعة، فهل هذه الشفاعة شرك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا؛ لأنهم إما أن يشفعوا في حياتهم الدنيا، أو يشفعوا في حياتهم الأخروية، المهم أنهم يشفعون في حال الحياة.\nفلا شك أن هناك فارقًا كبيرًا جدًا بين من يدعو الميت ويطلب منه جلب النفع ودفع الضر وبين من يطلب شفاعة الأنبياء والمرسلين والملائكة والصالحين.\nثم هو يحتج كذلك بأن الصحابة إنما كانوا يسألون النبي ﵊ في حياته، ولم يثبت أن واحدًا من أصحابه سأله بعد موته، فمن رأى نبيًا أو ملكًا من الملائكة وقال له: ادع لي، لم يفض ذلك إلى الشرك، بخلاف من دعاه في مغيبه فإن ذلك يفضي إلى الشرك؛ فالغائب والميت لا ينهيان من يشرك، فإذا تعلقت القلوب بدعائه وشفاعته أفضى ذلك إلى الشرك، فدعي وقصد مكان قبره أو تمثاله أو غير ذلك، كما قد وقع فيه المشركون، ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين.\nومعلوم أن الملائكة تدعو للمسلمين وتستغفر لهم، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] فالذين آمنوا لم يطلبوا من الملائكة أن يستغفروا لهم، وإنما استغفروا لهم ابتداءً: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧].\nفالملائكة يستغفرون للمؤمنين من غير أن يسألهم أحد.\nوكذلك ما روي أن النبي ﵊أو غيره من الأنبياء والصالحين- يدعو ويشفع للأخيار من أمته، وهذا من جنس العمل، فهم يفعلون ما أذن الله لهم فيه بدون سؤال أحد من الناس.\nوقال ابن تيمية: وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قدر أنهم يدعون للأحياء وإن وردت به آثار فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك، ولم يفعل ذلك أحد من السلف؛ لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بالله وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته، فإنه لا يُفضي إلى الشرك؛ ولأن ما تفعله الملائكة ويفعله الأنبياء والصالحون هو بالأمر الكوني لا بالأمر الشرعي، فلا يؤثر فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته فإنه يشرع إجابة السائل، وأما بعد الموت فقد انقطع التكليف عنهم.\nفالخلاصة: أن طلب الدعاء والشفاعة ونحو ذلك من الأنبياء والصالحين بعد موتهم لا يجوز؛ لأنه شرك أو ذريعة إلى الشرك.\nوهذا هو الوجه الثاني.","vol":"58","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1182>الوجه الثالث: أن ذلك يقتضي الاعتقاد بأن الموتى قادرون على إجابة مسائلهم وقضاء حوائجهم</span>\nالوجه الثالث في خطورة اعتقاد أن الموتى يسمعون: اعتقاد أن الأنبياء والصالحين قادرون على إجابتهم وإلا كان دعاؤهم ومناداتهم بذلك سخفًا جليًا، وضلالًا بينًا، وهذا مما يترفع عنه العاقل، بل المؤمن؛ لأنه باطل بداءة وفطرة؛ ولذلك احتج الله على المشركين في مواطن كثيرة من القرآن، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤]، فهذا ليس فعل أمر يدل على الوجوب، بل توبيخ وتقريع.\nقال: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٩٤ - ١٩٥] إنكار؛ ولذلك كانت حجة إبراهيم على أبيه وقومه كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢].\nفإن قيل إن أبا إبراهيم كان يعبد صنمًا وهذه الآية في الأصنام لا في الأموات.\nنقول: لا فارق بين الميت والصنم بجامع أن كلًا منهما لا يسمع، وأنه لا يجوز دعاء أحد إلا من يسمع.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٩٥]، وقول إبراهيم: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء:٧٢ - ٧٣]، هذا يدل على أن هذه مؤهلات من يجوز دعاؤه.\nيعني: لا بد أنه يسمع ويبصر ويرى ويملك النفع والضر وغير ذلك، أما كون هؤلاء الموتى أو هؤلاء الأصنام لا يملكون شيئًا من ذلك فهذا يدل على تحريم دعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم والذبح لهم وغير ذلك من سائر العبادات.\nإذا عرفت هذا فتنبه أيها المسلم المبتلى بدعاء الأولياء والصالحين من دون الله تعالى، هل أنت تعتقد أنهم حين تناديهم لا يسمعونك؟ إذًا: فأنت مع مخالفتك للعقل والفطرة مثل أولئك المشركين من قوم إبراهيم وغيرهم ولا فرق، فلا ينفعك والحالة هذه ما تدعيه من إسلام أو إيمان؛ لأنك حينئذ مشرك؛ لأنك قد صرفت ما يجب لله إلى غير الله؛ ولأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].\nوإن كنت تزعم أنهم يسمعونك ولذلك تناديهم وتستغيث بهم وتطلب منهم فهي ضلالة أخرى فقت بها المشركين، وإني لأعيذك بالله أن تكون منهم في شيء.\nفاعلم أخي المسلم! أن كل ما أعطاه الله تعالى للبشر وفيهم الأنبياء والأولياء من قدرات وصفات يذهب بالموت، كالسمع والبصر والبطش والمشي ونحو ذلك، فما يبقى منها شيء كما هو مشاهد، اللهم إلا الروح باتفاق المسلمين.\nفالذي أريد أن أجمله في هذه اللحظات أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون إلا ما ورد الدليل أنهم يسمعون في لحظات وأوقات معينة وأشخاص معينين، أما الأشخاص فهم أهل القليب من باب إثبات المعجزة للنبي ﵊، والتقريع والتصغير لهؤلاء على جهة الخصوص، وفي هذا التوقيت بالذات.\nأما ما دون هؤلاء فإنهم يسمعون خفق النعال فقط، ولا بد أن تعتقد أن الميت إنما ينتفع بعمل الحي من الدعاء له والاستغفار والسلام والصدقة والحج والصيام عنه وغير ذلك، ينتفعون بذلك انتفاعًا لا يستلزم سماعهم له، والنبي ﷺ كذلك ينتفع بسلام الناس عليه وصلاتهم عليه، ولا يلزم من ذلك أنه يسمعهم، أما قوله ﵊: (ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد ﵇) فهذا خاص للنبي ﷺ.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.","vol":"58","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1183>الأسئلة</span>","vol":"58","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1184>حكم من لم يصل الظهر ودخل المسجد والإمام يصلي بالناس العصر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  أنا لم أصل الظهر، ودخلت المسجد والإمام يصلي بالناس صلاة العصر، فماذا علي؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذه المسألة تنازع فيها أهل العلم نزاعًا كبيرًا، فمنهم من قال: تخالف الإمام في النية فتصلي الظهر خلف الإمام الذي يصلي العصر، ثم تصلي العصر وحدك.\nومنهم من قال: بل تصلي مع الإمام وتوافقه في النية -تصلي العصر معهم- ثم ترجع فتصلي الظهر، ثم ترجع فتصلي العصر حفاظًا على الترتيب.\nوالمذهب الثالث: أن الترتيب ليس بلازم، أي: تصلي معه العصر، ثم تصلي الظهر ولا إعادة عليك، هذا هو المذهب الثالث في القضية.\nوالذي يترجح لدي أنه إذا اتفقت عدد الركعات جاز مخالفة الإمام بالنية، يعني: لو أنك صليت معه الظهر وهو يصلي العصر فلا بأس أن تفارقه في النية، فتنوي الظهر ثم تنوي بعد ذلك العصر في صلاتك وحدك.\nأما إذا اختلفت عدد الركعات كمن فاته المغرب ودخل والإمام يصلي العشاء، فالذي يترجح لدي موافقة الإمام في النية وصلاة العشاء معه، ثم يصلي المغرب بدون إعادة العشاء؛ لأن الفرض لا يصلى في يوم مرتين، والله أعلم.","vol":"58","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1185>حكم دفن أكثر من ميت في قبر واحد</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز دفن أكثر من ميت في قبر واحد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nكما هو واقع في قتلى أحد، فالنبي ﵊ دفن الجماعة في قبر واحد، ومسألة أن كل ميت له قبر مسألة مستقرة، لكن إذا تعذر الأمر وكثر الموتى وقلت القبور جاز للضرورة دفن أكثر من واحد في قبر واحد، ويقدم أكثرهم قرآنًا أو علمًا بالسنة.\nوالإمام الشافعي عليه رحمة الله قال: وإن ضاقت المسألة ولا بد من دفن الرجل مع المرأة أو المرأة مع الرجل فلا بأس بذلك للضرورة على أن يكون بينهما ساتر، ساتر من رمال أو تراب أو غير ذلك، مع أنه لا يخاف الفتنة والحالة هذه، لكن هذا والله يا إخواني! من تمام رحمة الإسلام بالمرأة، فقد اهتم الإسلام بصيانة المرأة وعفتها حتى في نعشها وفي قبرها، فالمرأة في النعش تستر خلافًا للرجل.","vol":"58","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1186>حكم من ترك صلوات وأراد قضاءها وتعويضها</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا أراد أحد قضاء ما ترك من صلوات كأن يصلي الظهر مثلًا مرتين أو ثلاثًا هل هذا يصح؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا مذهب الجمهور، لكن ليس عليه دليل، والذي يترجح لدي أن تارك الصلاة بالكلية كافر خارج عن الملة، وإنما يكفيه إذا صلى أن يتوب إلى الله ﷿ مما بدر منه ومما كان منه من أمر الكفر أو الشرك، ويكثر من النوافل والصدقات وغير ذلك.","vol":"58","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1187>حكم العمل في كوافير النساء وكوافير الرجال، وحكم الاختلاط في الوظائف</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هناك أشرطة للشيخ وجدي غنيم حرم فيه عمل الكوافير للحريم؛ لأنه يساعد على خروج النساء متبرجات، فما حكم الإسلام في كوافير الرجال الذي يحلق الذقن، وحكم الاختلاط في الوظائف؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  كوافير الحريم الذي يستقر عندي أنه حرام إلا أن تفعل المرأة ذلك تزينًا لزوجها، أو يكون ذلك في بيتها أو في بيت آمن، فلا بأس أن تأتي امرأتك عند امرأتي أو امرأتي عند امرأتك في غيبة الرجال عن البيت، وتساعد كل أخت أختها في حسن زينتها، أو أن هذه المرأة التي تسأل إذا كانت تعمل في الكوافير فلا بأس أن تتفق مع مجموعة من الأخوات على أن تذهب إلى بيوتهن لأجل التزين وغير ذلك مما تصنعه النساء لأزواجهن في البيوت.\nأما حلق اللحية للرجال فهو حرام بالإجماع، كذلك حكم الاختلاط في الوظائف حرام بالإجماع، إلا إذا اضطرت امرأة إلى العمل، والضرورة تقدر بقدرها، ولا تعرف حالة الاضطرار إلا من قبل الشرع، فإذا اضطرت امرأة لظروف ما أن تعمل فعملها حلال بشرط أن يكون قصد العمل حلالًا لا حرامًا، وأن تخرج ملتزمة الصيانة والأدب، وألا تخالط الرجال إلا على قدر المصلحة، بغير هذا فالعمل حرام، والله تعالى أعلم.","vol":"58","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1188>حكم قول العامي لأحد من المشايخ يا مولانا</span>!\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما رأيكم في قول أحد العوام لأحد المشايخ: يا مولانا؟!\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الله تعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، فلا بأس بذلك، يا مولانا! وشيخنا! وسيدنا! لا بأس بذلك.","vol":"58","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1189>حكم اللحوم المستوردة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل أكل سندوتشات الكبدة المستوردة وبيعها وشراؤها حرام، وما حكم العمل في اللحوم المستوردة عمومًا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nالذي لا أتوقف فيه حرمة اللحوم المستوردة، سواء الأكل منها أو الاتجار فيها أو العمل، فكل هذا حرام، وهؤلاء القوم وإن كانوا أهل كتاب إلا أنهم لا يذبحون، ولا يحل أكلهم وهم أهل كتاب إلا إذا ذبحوا، وفي الغالب أنهم يصعقون ويقتلون ويميتون، فاللحوم المستوردة قامت وحامت حولها شبهات عظيمة جدًا، أما اللحوم البلدية التي تذبح في بلادنا فأنا لا أحرمها على الناس وإن كنت أتحرى ذلك في نفسي وأهل بيتي، فاللحوم التي تذبح في بلاد المسلمين الأصل فيها الحل، لكن يعكر على هذا الحل ويجعل الأمر محل اشتباه عظيم أن معظم من يقومون بالذبح في المجازر يتركون الصلاة ويسبون الدين، بل يسبون الله سبحانه، وهذه كلها أعمال ردة وكفر وخروج عن ملة الإسلام؛ ولذلك لما عكر على الأصل فعل القائمين على الأمر احتطت لنفسي، لكني لا أحرم ذلك على الناس.","vol":"58","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1190>وجوب غض البصر عن المرأة في مكان العمل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: هل يجوز غض البصر عن الحريم حتى ولو كانت في العمل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nهذا يجب، والله تعالى يقول: ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠].","vol":"58","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1191>اهتمام الإسلام بحسن الجوار</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  جيراني يؤذونني بالأفعال السيئة والألفاظ القبيحة، ويسكبون على شقتي الماء، وأفتح الشقة فأجدها مليئة بالماء، وتقول صاحبة البيت: اخرج من المنزل إن كنت لا تحبه! فما حكم هذا، وكيف أتصرف معهم؟ أرجو الإفادة.\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حسن الجوار شعبة من شعب الإيمان، ومن لم يقم بهذه الشعبة نقص إيمانه على قدر نقصان هذه الشعبة، وجبريل ﵊ وصى بالجار حتى ظن النبي ﵊ أنه سيجعل الجار وارثًا لجاره من كثرة ما أوصى جبريل ﵊ نبينا ﷺ بحسن الجوار.\nوحسن الجوار قد وردت فيه آيات وأحاديث لا حصر لها، وسلفنا ﵃ كان من أحوالهم أنهم يتحملون أذى الجار مخافة أن يردوا عليهم الأذى بأذى، فكانوا يحتملون أذى الجار في سبيل الله ﷿، فهذا يخسر إيمانه بسبب إساءته للجار وذاك يزداد إيمانه بسبب احتماله لهذا الجار.\nوفي الحقيقة سوء الجوار هذا سمة عامة على المجتمع، فلا تكاد تدخل في مكان إلا وتفكر في الرحيل عنه إلى مكان آخر، وذلك بسبب الكلمات القبيحة جدًا التي لا يمكن أن تصلح لتربية الأبناء، وبسبب الأفعال والاتهامات، والنبي ﵊ أقام الحد على امرأة مخزومية؛ لأنها سرقت، لكن ورد عند مسلم أنها كانت تستعير العارية وتجحده وكانت جارة، ووقع الخلاف عند أهل العلم: هل جاحد العارية سارق تقطع يده لجحد العارية أم ليست سرقة؟ والراجح: أن جحد العارية ليس بسرقة؛ لأن السرقة لها شروط، منها أن يسرق من حرز مغلق، وجحد العارية ليس حرزًا، لكن الرواية ذكرت أن هذه المرأة كانت تجحد العارية من باب ذكر صفتها، وقد كان بنو مخزوم يستحيون من هذه المرأة؛ لأنها قد جلبت لهم العار وهم من أشراف القوم.\nوأتى رجل النبي ﵊ وقال: (يا رسول الله! إن لي جارًا يؤذيني، فقال له النبي ﵊: أخرج متاعك على الطريق، فأخرج الرجل متاعه على الطريق ومكث بجواره، وكلما مر عليه أحد قال: ما شأنك؟ قال: يؤذيني جاري ويأمرني النبي ﵊ بإخراج متاعي، فكان كلما مر عليه أحد وسمع بهذا قال: لعنة الله على جار السوء).","vol":"58","page":20},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1192> وجوب الإيمان بالجنة والنار والبعث</span>\nالإيمان بيوم القيامة واجب، لا يتم إيمان المؤمن إلا به، فإن الله سبحانه قدر المعاد ليحاسب كل إنسان على ما عمل، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بإثبات أوصاف يوم القيامة، وما فيه من حساب وجزاء، وثواب وعقاب، وجنة ونار.","vol":"59","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1193>باب جماع وجوب الإيمان بالجنة والنار والبعث بعد الموت والميزان والحساب والصراط</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب جماع وجوب الإيمان بالجنة والنار، والبعث بعد الموت، والميزان، والحساب والصراط يوم القيامة].\nذكر الإمام اللالكائي في هذا الباب حديث عمر بن الخطاب ﵁ من أحد طرقه، قال: [(بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ في أناس، إذ جاء رجل ليس عليه عناء سفر -يعني: لا يبدو عليه مشقة السفر- وليس من أهل البلد -أي: ليس من أهل المدينة- يتخطى حتى برك بين يدي رسول الله ﷺ كما يجلس أحدنا للصلاة -أي: على هيئة التشهد- ووضع يده على ركبتي رسول الله ﷺ)].\nوهذا فيه بيان لما أبهم في الرواية الأخرى، قال: (حتى أسند ركبتيه إلى ركبتيه) فقوله: إلى ركبتيه الضمير يعود على من؟ اختلف بعض أهل العلم فقالوا: إلى ركبتي النبي ﵊.\nوالبعض يقول: بل وضع يديه على ركبتي نفسه.\nوقالوا: لأن وضع التلميذ يده على ركبتي أستاذه يتنافى مع الأدب.\nلكن في حقيقة الأمر يعلم أنه جبريل، ويعلم أنه ليس تلميذًا لمحمد ﵊، ولذلك ليس من حرج أن يضع جبريل ﵇ يده على ركبتي النبي ﵊، فقال: [(ثم وضع يده على ركبتي رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان -هذا هو الإسلام- قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: نعم.\nقال: صدقت.\nقال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالجنة والنار، والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره.\nقال: فإذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال: نعم.\nقال: صدقت)].\nالشاهد من هذا الحديث كله: قوله: (ما الإيمان يا محمد؟! قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن تؤمن بالبعث بعد الموت، وأن تؤمن بالجنة والنار) وغير ذلك مما ذكر، فهذا جماع وجوب الإيمان بالجنة والنار والبعث بعد الموت، والميزان والحساب والصراط.","vol":"59","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1194>سياق ما روي عن النبي ﷺ في الصور والحشر والنشر</span>\nقال: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في الصور، والحشر، والنشر].\nعن أبي هريرة وأبي سعيد: [قال رسول الله ﷺ: (كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم الصور)] وفي رواية: (كيف أنتم؟) أي: ما حالكم لو أن صاحب الصور -وهو إسرافيل ﵇- قد التقم الصور بفيه، أي: قد وضع فمه على البوق لينفخ فيه.\nقال: [(وأصغى سمعه، وأحنى جبهته ينتظر متى يؤمر أن ينفخ)] أي: ينتظر الأمر الموجه إليه.\n(وأحنى جبهته).\nأي: لينظر إلى جهة العلو متى يؤمر أن ينفخ، ينتظر الأمر الموجه إليه، فإذا كان هذا قد أخبر به النبي ﵊ منذ أربعة عشر قرنًا وزيادة فهذا يدل على تمام قرب الساعة.\nقال: [(قالوا: يا رسول الله! كيف نقول -أي: والحالة هذه؟ - قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا)].\n[عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (أن أعرابيًا قال للنبي ﷺ: ما الصور؟ -أي: ما كنه الصور وما حقيقته؟ - قال: قرن ينفخ فيه)].\nوالقرن كالبوق ينفخ فيه، لكنه بوق عظيم لا مثيل له في حياة الناس.\nوقد جاء من حديث ابن عباس: (ما طرف صاحب الصور مذ وكل، مستعدًا ينظر حول العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان)].\nأي: ما غمضت عين إسرافيل وهو صاحب الصور منذ أن أوكله الله ﷿ بالنفخ في الصور، مستعدًا لهذه المهمة التي أوكل بها.\nقال: (ينظر حول العرش) وبين النبي ﵊ علة أنه أحنى جبهته تحت العرش ونظر إلى جهته.\nقال: (مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه) يعني: هو لم يطرف مخافة أن يصدر إليه الأمر في وقت طرفة عينه، يقول: (كأن عينيه كوكبان دريان).\n[عن عبد الله بن عمرو قال: إن الملكين النافخين في السماء الدنيا مستعدان ينظران متى يؤمران ينفخان في الصور.\nقال: ورأس أحدهما بالمشرق ورجلاه في المغرب، ورأس الآخر بالمغرب ورجلاه بالمشرق].\nوهذا موقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص، وأغلب الظن أنه أخذه من كتب الإسرائيليات، فهذا النص في غاية النكارة خاصة وأن النصوص أثبتت أن النافخ في الصور واحد لا اثنان.\n[عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨]]، وهذه نفخة الصعق.\nوقد وقع الخلاف بين أهل العلم في عدد النفخ، والصواب الذي عليه جماهير أهل السنة: أن النفخ ثلاث نفخات: النفخة الأولى: تسمى نفخة الفزع.\nوالنفخة الثانية: تسمى نفخة الصعق.\nوالثالثة: تسمى نفخة البعث.\nلما سئل ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨] قال: [نفخ فيه أول مرة فصاروا عظامًا ورفاتًا، ثم نفخ فيه الثانية فإذا هم قيام ينظرون].\nوفي حقيقة الأمر: أن هذه هي النفخة الثانية والثالثة، وليست الأولى والثانية، وابن عباس لم يتكلم عن نفخة الفزع.\nوعن أبي هريرة مرفوعًا: أن النبي ﷺ قال: [(ما بين النفختين أربعون.\nقالوا: يا أبا هريرة! أربعون سنة؟ قال: أبيت.\nقالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت.\nقالوا: أربعون يومًا؟ قال: أبيت)] يعني: أبيت أن أجزم بشيء من ذلك، وليس عندي فيه نص، وهذا من أمور الغيب، هذا فيما يتعلق بـ أبي هريرة، وقد ورد في غير الصحيح بإسناد صحيح من غير طريق أبي هريرة أن هذه الأربعين إنما هي أربعون سنة، فما بين النفختين -نفخة الصعق ونفخة البعث- أربعون سنة.\nقال: [(ثم ينزل الله ﵎ ماءً)]، أي: في خلال هذه الأربعون سنة، أو في نهاية هذه الأربعين.\nقال: [(فينبتون كما ينبت البقل)] يعني: ينبت الخلق من هذا الماء كما ينبت البقل، منه ما هو أحمر، ومنه ما هو أبيض، ومنه ما هو أصفر.\nقال: [(وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا -كل شيء في الإنسان يبلى إلا عظمة واحدة وهي عجب الذنب- ومنه يركب الخلق يوم القيامة)] يعني: من عجب الذنب تبدأ إعادة الإنسان في الحياة والبعث مرة أخرى، فنقطة الانطلاق والتكوين والبعث والإعادة والإحياء تبدأ من عجب الذنب، وعجب الذنب: هو العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب وهي كحبة الذرة في نهاية العمود الفقري، وهي التي يسميها العامة: رأس العصعص، وهو أول ما يخلق من الآدمي، كما أنه هو الذي يبقى منه؛ ليعاد تركيب الخلق عليه مرة أخرى.\nيعني: هذه القطعة الصغيرة جدًا هي التي تتكون ابتداءً في رحم الأم، فإذا مات الإنسان أكل منه كل شيء وبلي من","vol":"59","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1195>تحريم الله لأجساد الأنبياء على الأرض</span>\nهذه الأحاديث بلا شك يستثنى منها أجساد الأنبياء، فهذه الأحاديث عامة في كل إنسان دون الأنبياء؛ لقول النبي ﷺ: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).\nودليل ذلك حديث النبي ﷺ في ذكر مناقب موسى ﵇، قال: (مررت ليلة أسري بي إلى بيت المقدس بقبر موسى ﵇، فرأيته قائمًا في قبره يصلي عند الكثيب الأحمر، ولو أني وإياكم ثم لأريتكم قبره هناك) يعني: لو أنا وأنتم هناك في هذا الموطن الآن لأريتكم قبر موسى.\nفأخبر ﵊ أن موسى قائمًا في قبره يصلي، بمعنى: يدعو، أو صلاة لا يعلم كنهها إلا الله ﷿، فهذه الأحاديث تبين عقيدة الإعادة والبعث بعد الموت.\nوقال ﵊: (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق).\nوقال ﵊: (أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة) هذا في نفخة البعث، فأول من يبعث هو النبي ﵊.\nوفي رواية: (فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري: أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ﷿).\nوفي رواية: (أم أنه لم يصعق اكتفاءً بصعقة الطور)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣] يعني: هل جعل الله ﷿ صعقة الطور فيها كفاية وغنية لموسى ﵇، فاستثناه من صعقة يوم القيامة، فكان في الأحياء قبل نبينا ﵊، أو أنه أفاق قبل نبينا ﵊؟","vol":"59","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1196>النفخ في الصور من أهوال يوم القيامة</span>\nقول الله ﷿: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] فيه استثناء.\nيعني: هناك من الخلق من يستثنى من هذا الصعق، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].\nوالنفخة الأولى في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر:٦٨] وهي نفخة الإماتة.\nقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] هي نفخة البعث، ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ﴾ [الزمر:٦٩] أي: حينئذ ﴿بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٦٩ - ٧٠].\nقال الله تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨]، وهذه هي النفخة الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت فيها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، كما هو مصرح به، مفسر في حديث الصور المشهور الطويل، وسيأتي معنا بإذن الله، ثم يقبض الله أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم -الذي كان أولًا وهو الباقي آخرًا- بالديمومة والبقاء، فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ثلاث مرات، فلما لم يجبه أحد يجيب المولى ﵊ وجل نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].\nأي: واحدٌ قهر كل شيء، وحكم بالفناء على كل شيء، ثم يحيي الله ﷿ أول من يحيي إسرافيل.\nإذًا: إسرافيل لا يدخل تحت الصعقة الثالثة؛ لأن الله تعالى يحييه لينفخ في الصور، فالله ﷿ يحييه ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي النفخة الثالثة نفخة البعث.\nإذًا: النفخة الثالثة: هي نفخة البعث.\nوالثانية: نفخة الصعق.\nوالأولى: نفخة الفزع.\nقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] أي: أحياء بعد أن كانوا عظامًا ورفاتًا ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣ - ١٤].\nوالساهرة: هي الأرض المنبسطة التي لا نتوء فيها ولا جبال ولا مرتفعات ولا منخفضات، أرض غير الأرض التي يعرفها الناس، كما قال العلماء: أرض لم يقع بها خطيئة ولم يرق فيها دم، أرض بغير خطيئة وبغير معصية، ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣ - ١٤].\nقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥]، وهذه هي دعوة البعث.","vol":"59","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1197>حديث عبد الله بن عمرو في أمارات الساعة</span>\nروى الإمام أحمد بسنده: عن عبد الله بن عمرو.\nقيل له: إنك تقول: الساعة تقوم إلى كذا وكذا.\nكأنه يريد أن يحدد قيام الساعة؛ ولذلك عبد الله بن عمرو تبرأ من هذا وقال: لقد هممت ألا أحدثكم شيئًا، لأنني ما حدثتكم بهذا فكيف تفترون علي، إنما حدثتكم عن قيام الساعة بعلاماتها وأماراتها.\nقال: لقد هممت ألا أحدثكم شيئًا، إنما قلت: سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا، ومهما طال الليل والنهار فإن الساعة قريب.\nثم قال عبد الله بن عمرو قال رسول الله ﷺ: (يخرج الدجال في أمته فيمكث فيهم أربعين -لا أدري أربعين يومًا أو عامًا أو شهرًا أو ليلة- فيبعث الله عيسى بن مريم، كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه الله ﷿، ثم يلبث الناس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة) هذه السنوات السبع بعد هلاك المسيح الدجال يكون الناس على الود والتحاب والإخاء والألفة، ليس بين اثنين عداوة.\nقال: (ثم يرسل الله تعالى ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته) هذا الريح الباردة من علامات الساعة الكبرى، وأنها تقبض روح كل عبد مؤمن فقط، (حتى لو أن أحدهم -أي من المؤمنين- كان في كبد جبل لدخلت عليه).\nهذه الريح تدخل عليه وإن كان في جبل لتأخذ روحه.\nقال: (سمعتها من رسول الله ﷺ، وقال: ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا) يبين علامات القوم الأشرار الذين تقوم عليهم الساعة.\nبلا شك أن هذه الريح الشامية إذا جاءت وقبضت روح كل عبد مؤمن لا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة كما أخبر النبي ﵊.\nقال: (فيتمثل لهم الشيطان -أي: لهؤلاء الأشرار- فيقول: ألا تستجيبون؟ -أي: ألا تستجيبون لي إذا أمرتكم؟ - فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارة أرزاقهم، حسن عيشهم).\nولذلك اغتر شرار الخلق بما هم عليه من شر، يظنون أنهم على شيء وليسوا على شيء، يقولون: علامة ذلك أن الله تعالى وسع علينا في أرزاقنا، ومتعنا في عيشنا، تمامًا كما يقول الكفار اليوم، وبعض المسلمين يظن أن السعة في الرزق هي علامة رضا الرب، وليس الأمر كذلك.\nقال: (وإذ هم على ذلك إذ ينفخ في الصور) وبينما هم يتنعمون في أرزاقهم ومعاشهم ينفخ إسرافيل في الصور (فلا يسمعه أحد إلا أصغى له) أي: لا يسمع هذه النفخة أحد إلا أصغى لهذا الصوت.\nوهذه نفخة الفزع النفخة الأولى.\nقال: (فلا يسمعه أحد إلا أصغى له، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق).\nنفخة الصعق، أول من يسمعه رجل يلوط حوضه.\nيعني: يصلح شأن دابته، وهو كذلك إذ تأتيه الصعقة فيموت، ثم لا يبقى أحد إلا صعق؛ ولذلك قال النبي ﵊ في هذه النفخة (يسمعها الرجل وهو يلوط حوضه فلا يلوطه حتى يموت) يعني: يموت قبل أن يلوط الحوض.\nقال: (وإن المتبايعين يتبايعان الثوب فيسمعان الصعقة فلا يتمان بيعهما).\nيموتان.\n(وإن الرجل ليحلب اللقحة فيسمع الصعقة فلا يدرك لقحته) يعني: لا يتم حلب شاة أو حلب ناقة.\nقال: (ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم ينزل الله ﷿ مطرًا كأنه الطل أو الظل فتنبت منه أجساد الناس، فهذا قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].\nثم يقال: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم) ينادي مناد: أيها الناس! -بعد الصعقة الثالثة- هلموا إلى ربكم، فهذا قول الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤].\nقال: (ثم يقال: أخرجوا بعث النار) إذا اجتمعوا في موقف الحشر والنشر والحساب قال: (فيقال: يا رب! كم بعث النار؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون) يعني: لا ينجو إلا واحد من الألف، و(٩٩٩) كلهم هلكى في النار.\nقال: (فيومئذ تبعث الولدان شيبًا) أي: من هول يوم القيامة تبعث الولدان الصغار شيبًا.\nقال: (ويومئذ يكشف عن ساق).\nأي: هذا يوم يكشف الله تعالى للخلائق عن ساقه.\nوهذا الحديث أخرجه مسلم.\nأما قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٩].\nأي: أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق ﵎ للخلائق لفصل القضاء، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر:٦٩] أي: يوضع الكتاب، كتاب الأعمال ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ [الزمر:٦٩] ليشهدوا على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات الله تعالى، وجيء بالشهداء كذلك -أي: من الملائكة الحفظة- على أعمال العباد من خير وشر، وقضي بينهم بالحق والعدل، وهم لا يظلمون، كما قال الله تعالى، ﴿","vol":"59","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1198>تفسير آيات سورة النازعات التي تتحدث عن يوم القيامة</span>\nقال ﷾: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات:١ - ١٠] أي: في القبر، ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات:١١] أي: في هذا القبر عظامًا بالية، ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات:١٢] يعني: يا ويلها! لو أننا عدنا بعد هذه الموتة إلى البعث مرة أخرى، فإنما هذا عود وكرة خاسرة، ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [النازعات:١٣].\nقال ابن مسعود وابن عباس ومسروق وابن جبير وأبو صالح وأبو الضحى والسدي: النازعات غرقًا.\nأي: الملائكة، حين تنزع أرواح بني آدم، فمنها من تأخذ روحه بعنف فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهوله وكأنما حلته من نشاط، وهي قوله تعالى: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات:٢].\nقال ابن عباس في النازعات: هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشر ثم تغرق في النار.\nوأما قوله: والسابحات سبحًا قال ابن مسعود: هم الملائكة.\nوقيل غير ذلك.\nوعن مجاهد قال: السابحات: هي الموت.\nوقال قتادة: هي النجوم.\nوقال عطاء: هي السفن.\n﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ روي عن غير واحد: أنهم قالوا: هي الملائكة.\nوقال الحسن: لأنها سبقت إلى الإيمان والتصديق به، وعن مجاهد قال: هي الموت، وعن عطاء قال: هي الخيل التي تسبق في سبيل الله ﷿ في الجهاد.\nأما (المدبرات أمرًا) فقال غير واحد: هي الملائكة.\nزاد الحسن: سميت بذلك؛ لأنها تدبر الأمر من السماء إلى الأرض، يعني: بأمر ربها ﷿، ولم يختلفوا في هذا، ولم يقطع ابن جرير بالمراد من ذلك، إلا أنه حكى أن المدبرات هي الملائكة.\nأما قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات:٦ - ٧] قال: هما النفختان: الأولى والثانية.\n﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات:٦] هي نفخة الفزع، ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات:٧] هي نفخة الصعق.\nوهذا قول ابن عباس.\nوقال مجاهد والحسن وقتادة والنحاس وغير واحد: هما النفختان الأوليان.\nوعن مجاهد قال: أما الأولى فهي قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات:٦]، فكقوله جلت عظمته: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل:١٤].\nمجرد إرجاف، مثل الزلزال، وهو فزع شديد جدًا.\nولذلك إذا حصل زلزال تجد أن كل الناس في غاية الذعر والرعب، فهذا هو الفزع؛ ولذلك سميت النفخة الأولى بنفخة الفزع؛ لما يصيب الناس من ذعر ورعب وفزع.\nقال: أما الثانية: وهي الرادفة التي تتبعها، فهي كقوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة:١٤].\nهذه نفخة الصعق.\nوعند الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب: قال النبي ﵊: (جاءت الراجفة) أي: النفخة الأولى.\n(تتبعها الرادفة) أي: النفخة الثانية (جاء الموت بما فيه) أي: من أهوال، (فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟) أي: أهذا أمر ينجيني من هول هذا الموقف؟ قال: (إذًا: يكفيك الله ما أهمك من شأن دينك ودنياك).\nلو كنت صادقًا مخلصًا في أنك وجهت كل دعائك للنبي ﵊ فإن الله يكفيك هول هذا الموقف.\nاللهم صل على نبينا محمد! وعند الترمذي: (كان النبي ﵊ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس! اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه).\nوالصلاة هنا بمعناها اللغوي: الدعاء؛ لأنه لا يجوز صرف الصلاة الشرعية للنبي ﵊؛ لأن هذا شرك بالله؛ ولذلك كثير من العوام يعتقد أن الفرض حق الله، وأن السنة للنبي ﷺ.\nيعني: يصلي الفرائض لله، ويصلي السنة للنبي ﷺ، وه","vol":"59","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1199>تقسيم القيامة إلى قيامتين وبيان عودة الأرواح إلى أجسادها</span>","vol":"59","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1200>إعادة الأرواح إلى الأجساد في القيامة الكبرى</span>\nذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن القيامة قيامتان، وتكلم عن القيامة الكبرى فقال: الأمر الأول في هذه القيامة إعادة الأرواح إلى الأجساد.\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ويكون -أي: إعادة الأرواح إلى الأجساد- بعد النفخة الثانية في الصور، وذلك بعد أن فارقتها بالموت، وهذا غير الإعادة التي تكون في البرزخ حين سؤال الملكين للميت عن ربه ودينه ونبيه، وذلك أن الله يأمر إسرافيل فينفخ في الصور؛ فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه مرة أخرى، فتتطاير الأرواح من الصور إلى أجسادها وتحل بها.\nيعني: أن الأرواح في الصور لا تتعداه ولا تتخطاه، فإذا نفخ في الصور ذهبت الأرواح إلى الأجساد فتركبت فيها.\nوفي الحديث القدسي: يقول الله ﷿: (ليس أول الخلق بأهون علي من إعادته)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، وقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].\nيسوق ﵀ هذه الآيات وهذا الحديث لإثبات أن هذه الإعادة ليست من باب تجديد الأجساد، وإنما هي من باب إعادتها وخلقها خلقًا جديدًا كما خلقها الله ﷿ أول مرة؛ ولذلك جاء في الحديث: أن النبي ﵊ قال: (إن الناس يحشرون فيها حفاةً عراة غرلًا) فالناس هم الذين يحشرون وليس سواهم.\nقال ابن تيمية: وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون.\nيعني: مبدأ البعث بعد الموت قد جاءت أدلته في الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون، وهذا يدل على أن من أنكر البعث فقد نقض إيمانه وإسلامه من الأساس.\nقال: فأما كتاب الله تعالى فقد أكد الله تعالى في كتابه هذه القيم، وذكرها بأوصاف عظيمة توجب الخوف والاستعداد لها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].\nوقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٣]-اسم من أسماء القيامة- وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:١ - ٥].\nوالأوصاف ليوم القيامة في القرآن كثيرة جدًا، كلها مروعة ومخوفة؛ لأنها عظيمة، وإذا لم نؤمن بها فلن نعمل لها، إذ لا يمكن للإنسان أن يعمل لهذا اليوم حتى يؤمن به، وحتى يذكر له أوصاف هذا اليوم التي توجب العمل لهذا اليوم.\nوأما السنة: فالأحاديث فيها كثيرة جدًا في إثبات الحوض والصراط والثواب والعقاب والجنة والنار، وقد انعقد إجماع المسلمين إجماعًا قطعيًا على الإيمان بيوم القيامة؛ ولهذا كان من أنكره كافرًا بالله ﷿، إلا إذا كان غريبًا عن الإسلام أو جاهلًا فإنه يعلم، فإن أصر على موقفه من إنكار البعث بعد الموت فهو كافر.\nكما أثبتت الكتب السماوية هذا الأمر، فما من نبي إلا حذر أمته البعث والقيامة، والعقل يوجب ذلك كذلك، إذ لا يتصور عاقل أن يستوي الناس أو أن يستوي الطيبون والأشرار، الصالحون والطالحون، العاملون صالحًا والعاملون سوءًا، لا يستويان قط، بل لا بد أن يجازى هذا وأن يعاقب ذاك؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]، وإن كان الخطاب لشخص النبي ﵊ إلا أنه عام لجميع الخلائق.","vol":"59","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1201>قيام الناس لرب العالمين في القيامة الكبرى</span>\nالأمر الثاني مما يكون يوم القيامة: يوم يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا.\nحفاة أي: لا يلبسون في أقدامهم شيئًا.\nعراة: لا يلبسون على أجسادهم شيئًا.\nغرلًا: وهي القلفة التي أخذت من المرأة والرجل في أثناء الختان.\nهذه القطعة التي أخذت من ذكرك وأنت صغير ترد إليك وتبعث بها، ويعيدك الله تعالى كما بدأك، فإذا كنت تؤمن بالله ﷿ فلابد أن تعلم أن هذه القلفة منذ ستين أو أربعين أو خمسين أو عشرين سنة أو أكثر من ذلك أو أقل قد دفنت أو ألقيت على المزابل، فذابت وانتهى أمرها منذ عشرات السنين، وبعد ذلك تموت ثم تبعث وتبعث معك هذه القطعة من اللحم، أفلا يدل هذا على أن الله تعالى قادر على الإحياء بعد الإماتة؟ بلى.\nفإذا كان الله تعالى قادرًا على إنشائك من العدم فإعادتك أهون عليه! أما قوله: (فيقوم الناس من قبورهم) إن مات إنسان ولكنه لم يدفن في القبر، كأن مات في البحر وأكلته الأسماك والحيتان، أو مات وأكلته الوحوش في البرية، أو سقط عليهم سقف البيت فماتوا تحت السقف ولم يقبروا، أليس الله تعالى قادرًا على أن يعيد هذه الأبدان ويحييها ويحاسبها، فيقذف الكافر في النار، ويدخل المؤمن الجنة؟ بلى، سبحان الله! ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، لأن الله ﷿ يناديهم، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق:٤١ - ٤٢]، والصيحة هذه صيحة البعث، فيقومون لهذا النداء العظيم من قبورهم لرب العالمين، كما قال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦].\nقال: أما قوله: (حفاة عراة غرلًا) فقد ذكرناها، كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، فيعاد كاملًا لا ينقص منه شيء.\nيعودون على هذا الوصف مختلطين رجالًا ونساءً، (حفاة عراة غرلًا).\nولذلك استغربت عائشة ﵂ هذا فقالت: (يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال النبي ﵊: يا عائشة! يا ابنة الصديق! الأمر أشد من ذلك) وفي رواية: (الأمر أشد من أن يهمهم ذلك) يعني: من أن ينظر بعضهم إلى بعض، فكل إنسان له شأن يغنيه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]، لا رجل ينظر إلى امرأة، ولا امرأة تنظر إلى رجل، حتى إن ابنه أو أباه يفر منه خوفًا من أن يطالبه بحقوق له، وإذا كان هذا هو الواقع فإنه لا يمكن أن تنظر المرأة إلى الرجل ولا الرجل إلى المرأة، فالأمر أشد وأعظم من ذلك بكثير.\nومع هذا فإن الناس يكسون بعد ذلك، وأول من يكسى بعد عري هو إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عباس عن نبينا ﷺ.\nأما دليل القيامة الصغرى فهو قول النبي ﵊: (لما سألوه عن الساعة فنظر إلى أصغر طفل معهم وقال: إن يعش هذا حتى يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم)، أي: قامت عليكم قيامتكم الصغرى، والحديث أخرجه الإمام مسلم.\nقال شاعرهم: خرجت من الدنيا وقامت قيامتي غداة أقل الحاملون جنازتي وعجل أهلي حفر قبري وصيروا خروجي وتعجيلي إليه كرامتي كأنهم لم يعرفوا قط صورتي غداة أتى يومي علي وليلتي وأما القيامة الكبرى فتعاد فيها الأرواح إلى الأجساد التي كانت تعمرها في الدنيا، وهذه القيامة التي أخبر الله تعالى بها في كتابه، وأخبر بها رسوله في سنته، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] إلى قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] وقال تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].","vol":"59","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1202>كلام ابن أبي العز في الإيمان بالمعاد</span>\nقال ابن أبي العز في شرح الطحاوية: والإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، فأخبر الله ﷾ في كتابه، وأقام الدليل عليه، ورد على المنكرين في غالب سور القرآن، وذلك أن الأنبياء كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم.\nيعني: توحيد الربوبية هذا أمر كان المشركون يقرون به، أما الإلهية فلا، فكلهم يقر بالرب إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر فإن منكريه كثيرون، ومحمد ﷺ لما كان خاتم النبيين، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وأشار إلى السبابة والوسطى لقربهما، وأنه ليس بينه وبين الساعة نبي ولا رسول، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى حتى نبينا محمد ﷺ.\nوقد أخبر الله عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام:١٣٠].\nيعني: هل ما جاء أحد من الرسل والأنبياء وحذروكم من هذا اليوم وأخبروكم بيوم القيامة؟ فماذا قالوا حينئذ؟ قالوا: بلى.\nالرسل أخبرونا وأنذرونا، قامت علينا الحجج والبراهين ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين، وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا، فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم محمد ﷺ.\nوأمر الله تعالى نبيه أن يقسم على المعاد، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣].\nيعني: اقسم لهم يا محمد! أنها آتية لا ريب فيها.\nوقال: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس:٥٣]؟ يستخبرونك يا محمد! هذا المعاد وهذا البعث حق كما تزعم؟ ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣].\nجاء أبي بن خلف إلى النبي ﵊ وفي يده عظم قد أرم وقال: (يا محمد! أتزعم أن الله تعالى يحيي هذه العظام بعد أن رمت وبليت؟) ثم فت العظام بيده فصارت رمادًا، فقال النبي ﵊: (والذي نفس محمد بيده يحييها الله ﷿، ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار).\nوقال الله ﷿: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، وأخبر الله تعالى عن اقترابها فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:١ - ٢] إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧].\nوذم الله تعالى المكذبين بالمعاد فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١]، وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى:١٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل:٣٨] أنه يبعث من يموت.\nإلى أن قال الله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل:٣٩]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر:٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء:٩٧ - ٩٩].\n﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء:٤٩].\n﴿قُلْ كُونُوا حِجَا","vol":"59","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1203>الأسئلة</span>","vol":"59","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1204>نصائح للمبتلى بالعادة السرية</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  لقد من الله ﷿ علي بالهداية منذ حوالي (١٠) سنوات، ولكن منذ ذلك الحين وأنا لا أستطيع أن أتوب عن العادة السرية، فما العلاج؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  العلاج يا أخي الكريم! أن تستحضر مراقبة الله ﷿، وأنك حين تفعل هذه المعصية أو غيرها من المعاصي توقن أن الله تعالى ينظر إليك وأنت تفعل هذا، فأول علاج لجميع المعاصي هو استحضار عظمة الله ﷿ وجلاله، كما أخبر النبي ﵊ في معنى الحديث: (وإن أحدكم لو خاف من ربه كما يخاف من رجلين عظيمين في قومه) يعني: لو أن واحدًا من البشر ينظر إليك وأنت تصنع بنفسك هذا فهل تتم هذا الفعل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا.\nفستنصرف عنك فورًا بمجرد أن تظن أو تتيقن أن أحدًا من الخلق ينظر إليك، فنظر الله ﵎ أسرع وأعظم، فلا تجعل الله تعالى أهون الناظرين إليك.\nالأمر الثاني: أن تعتقد أن هذا حرام، وأما من رخص في الاستمناء فرخص فيه في وقت الضرورة الملحة جدًا، وذكروا لذلك أمثلة: الأول: الغزو والبعد عن الأهل والنسوة وغير ذلك، وأن ذلك يوقعه في مشقة وعنت شديدين جدًا.\nالثاني: أن يخير العبد بين الوقوع في الزنا الذي يقام به الحد وبين الاستمناء.\nيعني: أن تعرض عليك الفتنة عرضًا فلا يكون أمامك إلا واحد من اثنين: إما أن تهرب من هذه الفتنة فتستمني فتنطفئ شهوتك، فمهما عرضت عليك الفتنة فأنت لا تقبلها؛ لأن الشهوة قد انطفأت وزالت.\nفهذه أمثلة ذكرها بعض أهل العلم لجواز الاستمناء.\nأما حرمته فدليل ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦]، ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧].\nأي: الظالمون المتعدون لحدود الله ﷿، والذي يبتغي كما قال عبد الله بن عمر جلد عميرة فهو معتد؛ لأن الصحابة كانوا يسمون الاستمناء: جلد عميرة، والجلد نوع من أنواع العقوبات والتعزيرات، فتسمية السلف للاستمناء بالجلد فيه نوع عقوبة، وأنا أنصح السائل وغيره ممن ابتلي بهذا أن يحافظ على الأذكار، وأن يداوم على قراءة القرآن الكريم، والنظر في سنة النبي الأمين، والانشغال ببحث المسائل العلمية في ليل ونهار وفي وقت فراغه، وألا يصاحب إلا الأخيار، وأن يهجر مجلات الجنس -وما أكثرها في هذه البلاد وغيرها- كمجلات الكواكب وغيرها، وأن يهجر الصحف القومية؛ لأنها صارت مجلات جنسية وصحفًا جنسية بالدرجة الأولى، فضلًا عن أنها صحف نفاق وصحف عري وفجور ودعوة إلى الانحلال والوقوع في الجنس المحرم.\nثم أنصح هذا السائل وإخوانه ممن ابتلي بهذا ألا ينفرد بنفسه، لا في نومه ولا في يقظته؛ لأنه إذا انفرد بنفسه لعب الشيطان برأسه، وليكن معه من يعينه من إخوانه وأصدقائه على تقوى الله ﷿ ويبتعد عن صحبة السوء؛ فإنهم يعينونه على طاعة الله، ويذكرونه دائمًا بالله ﷿، وهكذا علاج كل معصية.","vol":"59","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1205>الأموات لا يحسون بنفخة الفزع</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل الميتون في القبور يحسون بالنفخة الأولى وهي نفخة الفزع وأيضًا نفخة الصعق؟ الشيخ: الذي ينقدح في ذهني -والله تعالى أعلم- أنهم لا يشعرون بشيء من ذلك؛ لأن النفخة الأولى متعلقة بالأحياء لا بالأموات، وأما النفخة الثالثة فإنها ستكون لجميع الخلق؛ لأنهم يكونون في عداد الموتى، وإذا ثبت أن هذا الكلام غير صحيح فأنا أرجع عنه.","vol":"59","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1206>استغفار الملائكة يكون للمؤمنين دون الكافرين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول الله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥].\nهل استغفار الملائكة هنا للمؤمنين والعاصين وللكافرين سواء؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  للكافرين لا.","vol":"59","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1207>حكم كون الأذان من شخص وإقامة الصلاة من شخص آخر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل يجوز للإنسان أن يؤذن لصلاة ولا يصليها مع الجماعة الأولى، ويقوم بإقامة الصلاة رجل آخر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  نعم.\nليس بلازم أن من أذن هو الذي يقيم، ولكن عمل أهل العلم جرى على ذلك، فقد روي عن النبي ﵊: (من أذن فهو يقيم)، وهذا حديث ضعيف باتفاق.\nيقول الإمام الترمذي: ولكن عليه العمل، عمل به الشافعية ومالك وابن حنبل وسفيان والليث.\nفإن قيل: كيف يكون الدليل ضعيفًا وعليه العمل؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  يعني: يقول لك: لك أن تفترض أن هذا الدليل لم يأت أصلًا، ولم يرد إلينا حديث بهذا المعنى ولا بهذا اللفظ، لكن ورد إلينا مشروعية الأذان، فإننا سنقول: إن الذي يؤذن هو الذي يقيم.\nولذلك هذا الحديث من باب الضعيف، ولكن الأمة عملت بمقتضاه، وهذا العمل ليس بواجب في كل الأحايين، بدليل أنه يجوز أن يجتمع عدة مؤذنين في مسجد واحد، كما هو حاصل في مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد القدس الكبير، ومسجد الشام، ومسجد عمرو بن العاص قبل أن يوجد مكبرات للصوت، تجد كل مؤذن في ركن من الأركان أو في ناحية من النواحي، لكن الذي يقيم واحد منهم فقط، ولو أن واحدًا من غير المؤذنين أقام الصلاة صح ذلك منه.","vol":"59","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1208>حكم من لم يدرك صلاة الجماعة بسبب النوم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  يقول: أخذتني نومة بعد الأذان بخمسة وأربعين دقيقة، فأيقنت أن الناس قد انصرفوا من الصلاة في المسجد فصليت في البيت فهل علي من حرج؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا حرج عليك، بل أنت مأجور أجر الجماعة.","vol":"59","page":17},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1209> ما روي أن الجنة والنار مخلوقتان الآن</span>\nلقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الصراط حق يمر عليه المؤمنون والكافرون، وهو مضروب على متن جهنم، وعلى أن رؤية الله تعالى يوم القيامة حق، كما أثبتت الأدلة أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، والجنة رحمة الله يرحم بها من يشاء، والنار عذابه يعذب بها من يشاء، فيجب الإيمان بذلك، ومن اعتقد خلافه فهو على شفا هلكة والعياذ بالله.","vol":"60","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1210>ما روي في أن الإيمان بالصراط واجب</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nأما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما روي في أن الإيمان بالصراط واجب].\nذكرنا من قبل: أن بعض علماء الأزهر للأسف الشديد قال: الصراط شيء معنوي لا حقيقة له، وإنما خوف الله ﷿ بذكره عباده حتى يستقيموا على الطاعة.\nوهذا كلام في غاية الفساد، فالصراط حق والإيمان به واجب، والصراط كما ذكر سلفنا ﵃ من أمور الغيب التي لا يمكن أن يقع لآحاد الناس الإخبار بها إلا الصادق المصدوق.\nفنقول: إن هذه النصوص التي وردت عن سلفنا ﵃ وإن كانت موقوفة إلا أن لها حكم الرفع، لأن هذا من أمور الغيب التي لا يعلم خبرها إلا الله ﷿ وأخبر بذلك أنبياءه ورسله.","vol":"60","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1211>شرح حديث: (يضرب الصراط بين ظهري جهنم)</span>\nقال: [عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يضرب الصراط بين ظهري جهنم -أي: ينصب ويقام- فأكون أنا وأمتي في أول من يجوز -أي: من يتعداه ويعبره- ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعاؤهم يومئذ: اللهم سلم سلم -أي: دعاء الرسل من الوجل والخوف والشفقة على أممهم أنهم يقولون: اللهم سلم سلم- وفي جهنم كلاليب - والكلاليب: هي كالخطاطيف، أي: كالعصا المعكوفة إما من خشب أو حديد- كشوك السعدان.\nقال رسول الله ﷺ: هل رأيتم شوك السعدان؟ -والسعدان ينبت في بلاد نجد، وشوكة السعدان معكوفة من أعلاها- قالوا: نعم.\nقال: فإنه مثل شوك السعدان، غير أنه ما يدري ما قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم)].\nإذًا: وقوع الناس في جهنم وهم يعبرون الصراط على قدر أعمالهم تخطفهم هذه الكلاليب، والحديث في الصحيحين.","vol":"60","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1212>شرح حديث أبي سعيد في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وإثبات ضرب الصراط على متن جهنم</span>\nقال: [وعن أبي سعيد الخدري -وهو سعد بن مالك بن سنان ﵁- قال: (قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)]؛ لأنهم يوقنون أنهم لا يرونه في حياتهم الدنيا لا يقظة ولا منامًا، ولم ير الله ﵎ منامًا إلا نبينا ﵊، وأنتم تعلمون الحديث الطويل حديث أنس المعروف باختصام الملأ الأعلى، قال: (بينما أنا نائم إذ رأيت ربي في أحسن صورة) والحديث عند أحمد بسند طويل وقد شرحناه.\nقال: [(قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال ﵊: اعلموا أنكم لن تروا ربكم إلا أن تموتوا فتبعثوا)]، وهذا للتحذير من اتباع الدجال الذي إذا ظهر زعم أنه الله، أو أنه الرب.\nقال: [(اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا فتبعثوا، فلما سألوه ﵊: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب -أي: هل يحصل لكم ضير أو ضيم أو شك؟ - وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قال: قلنا: لا يا رسول الله! قال: ما تضارون في رؤيته يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما)]، أي: في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب.\nالنبي ﵊ لم يمثل الله تعالى بمخلوقاته الشمس والقمر، وإنما مثل الرؤية بالرؤية، فهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فكما أنكم ترون الشمس في رابعة النهار صحوًا ليس دونها سحاب لا تضامون ولا تشكون أن هذه هي الشمس؛ فإنكم سترون الله ﷿ يوم القيامة لا تشكون أن هذا هو الله ﷿، فهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي.\nقال: [(إذا كان يوم القيامة نادى مناد: لتلحق كل أمة بما كانت تعبد -أي: لتذهب كل أمة إلى معبودها فتكون تبعًا له- فلا يبقى أحد كان يعبد صنمًا ولا وثنًا ولا صورة إلا ذهبوا -أي: ذهبوا إلى متبوعيهم- فأخذوهم بأيديهم ثم يتساقطون في النار، ويبقى من كان يعبد الله وحده من بر وفاجر)]، أي: ما دام موحدًا، وبعضهم قال: الفاجر هو المنافق، فلما كان في مجموع المؤمنين في الدنيا فيكون في مجموعهم في الآخرة، لكنهم إذا كانوا في وسط الصراط ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويذهب عنهم نور المؤمنين فيكونون في ظلمة ثم يسقطون في جهنم.\nقال: [(ويبقى من كان يعبد الله وحده من بر وفاجر وغبرات أهل الكتاب)]، أي: القلة من أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى والذين آمنوا بعيسى قبل بعثة محمد ﵊؛ لأن من آمن بموسى ولم يؤمن بمحمد ﵊ فهو كافر، وكذلك من آمن بعيسى.\nقال: [(ثم تعرض جهنم -أي: تنصب- كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، ثم يضرب الجسر -أي: الصراط- قلنا: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، له كلاليب وخطاطيف وحسك كشوك السعدان، فيمر المؤمنون كلمح البرق وكالطرف وكالريح وكالطير وكأجود الخيل والراكب -أي: المسرع- فناج مسلم -أي: هؤلاء المؤمنون في عبورهم على الجسر منهم من ينجو ويسلم من العذاب- ومخدوش مرسل -أي: مخدوش منهوش في بدنه بكلاليب السعدان، ولكنه في نهاية أمره يعبر هذا الجسر- ومنهم المكدوس أو المكردس في نار جهنم، فوالذي نفسي بيده! ما أحد بأشد مناشدة في الحق من المؤمنين إخوانهم)]، يعني: حينئذ تكون شفاعة المؤمنين في إخوانهم الذين سقطوا في النار من الموحدين.\nوالشاهد من هذا الحديث: (ثم يضرب الجسر) والجسر هو الصراط، وهذا فيه إثبات أن الصراط أو الجسر شيء حقيقي لا معنوي، ولا أنه من آيات الله التي يخوف بها عباده.","vol":"60","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1213>شرح حديث أبي هريرة في إيقاف الموت على الصراط</span>\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (يؤتى بالموت فيوقف على الصراط)،فلا يوقف الموت على شيء معنوي لا حقيقة له.\nقال: [(فيقال: يا أهل الجنة! فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه)]، أي: خائفون أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه؛ لأنه لا يأمن أحد مكر الله ﷿، مع أن العقيدة قد استقرت في قلوبهم أن من دخل الجنة لا يخرج منها أبدًا، بخلاف النار فإن من دخلها من الموحدين فلا بد ولا محالة أنه خارج منها يومًا ما.\nقال: [(فيشار إلى الموت ويقال لأهل الجنة: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم ربنا، هو الموت -أي: نعم يا ربنا نعرفه، إنه الموت- فيؤمر به فيذبح على الصراط، ثم يقول للفريقين: خلودًا خلودًا)]، فهذا النداء وجه مرة لأهل الجنة ومرة لأهل النار.\nومعنى (خلودًا خلودًا) أي: فيها تخلدون فلا موت في النار ولا موت في الجنة.\nوالموت الذي يلحق الناس في النار إنما يعادون من بعده ليذوقوا العذاب.\nوقال الإمام أحمد: نؤمن بالصراط والميزان والجنة والنار والحساب لا ندفع ذلك ولا نرتاب.\nأي: ولا نشك فيه.","vol":"60","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1214>ما روي عن النبي ﷺ في صفة القيامة</span>\nوأما ما روي عن النبي ﷺ في صفة القيامة فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: [(يقول الله ﷿ لآدم ﵇ يوم القيامة: يا آدم! قم ابعث من ذريتك بعثًا إلى النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ قال: فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فعند ذلك يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذب الله شديد.\nقال: فشق ذلك على الناس، فقام رسول الله ﷺ ثم خرج، ثم رجع، فقال: أبشروا؛ فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم واحد)]، ويأجوج ومأجوج هم من ولد يافث بن نوح.\nوقيل: هم جيل من الترك.\nولعل هذه الآراء مقبولة، ولكن الذي ليس مقبولًا هو الرأي القائل بأن بعث النار هم من أثر احتلام لآدم ﵇ خالط منيه التراب فنبتت الذرية من هذا الخليط بين المني وبين التراب.\nوهذا كلام بعيد جدًا، خاصة أن هؤلاء لا يسمون ولا حتى في اللغة أبناء، والحديث يقول: (يا آدم! قم فابعث من ذريتك بعثًا إلى النار) وهؤلاء لا يمكن أن يصدق عليهم أنهم ذرية.\nقال: [(والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، قال: فكبروا وحمدوا -أي: فرح الصحابة بذلك- ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، قال: فكبروا وحمدوا.\nثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبروا وحمدوا الله، قال: ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود)]، يعني: ما أنتم في الأمم قبلكم إلا شيئًا يسيرًا نزرًا، كأنه يبشرهم أنهم أكثر أهل الجنة، كما ثبت أيضًا في الصحيح أن النبي ﵊ قال: (إن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، أنتم منهم ثمانون) أي: أن هذه الأمة المحمدية ثلث أهل الجنة.\nقال: [وقال ابن عمر: (قال النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] قال: يقومون في رشحهم -أي: في عرقهم- إلى أنصاف آذانهم)]، والحديث في الصحيحين.\nقال: [وقال المقداد صاحب النبي ﷺ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد قدر ميل.\nقال الراوي: لا أدري هذا الميل أهو ميل الأرض -يعني: المساحة المعروفة بالميل- أو أنه ذاك المرود الذي تكتحل به المرأة؟)]، فالعرب تسميه ميلًا، فتصور أن الشمس تدنو من رأسك قدر ميل، ولنعتبره على أحسن الأقوال ميل مساحة الأرض، وانظر إلى هذه الملايين من الأميال بين الشمس وبين رءوس العباد ومع هذا إذا اقتربنا من خط الاستواء قتل الناس حرًا وزهقًا من شدة الحر، فما بالك والشمس فوق رأسك مباشرة؟ نسأل الله السلامة والعافية.\nقال: [(فتصهرهم الشمس -يعني: تذيبهم أو تكاد- فيكون العرق على قدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبه، ومنهم من يأخذه إلى ركبته، ومنهم من يأخذه إلى حقوه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا)].\nبعض الملاحدة لا يعجبه هذا الحديث، ويقول: الناس في موقف واحد ومحشر واحد وأرض واحدة فكيف يختلفون في عرقهم على قدر أعمالهم مع أن الماء سيال؟ والرد عليه: أن الله تعالى على كل شيء قدير، كما أن الله تعالى قادر على أن يبعث هذا الملحد ويلجمه إلجامًا، أو يلقيه في النار ولا يبالي، فكما أننا نؤمن بهذا نؤمن بذاك، وليس هذا ببعيد، فإننا نعتقد أن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مع أن القبر الواحد يدفن فيه البر والفاجر، الصالح والطالح، ومثال ذلك في حياة الناس: الرجل مع امرأته ينامان في موضع واحد وفي سرير واحد، فهذا يرى رؤيا طيبة وذاك يحلم حلمًا سيئًا مفجعًا، فهذا يعذب بما رأى في حلمه، وذاك ينعم بما رأى في رؤياه، وكلاهما في موطن واحد.\nوالنبي ﵊ كان ينزل عليه الوحي في الليلة الباردة حتى يتصبب عرقًا وبجواره أصحابه لا يشعرون بشيء من ذلك، لا يشعرون بآلام الوحي وشدته التي كانت تنزل على النبي ﵊ وهو معهم في موطن واحد، فإذا كان هذا في حياة الناس فكيف لا نؤمن به في يوم القيامة؟ فالله تعالى على كل شيء قدير.\nقال: [وقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﵊: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)]، أي: التي نطحتها.","vol":"60","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1215>ما روي عن النبي في أن الجنة والنار مخلوقتان الآن</span>\nقال: [باب ما روي عن النبي ﷺ في أن الجنة والنار مخلوقتان الآن]، وهما موجودتان مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة لا خلاف في ذلك، خلافًا لما ذهبت إليه المعتزلة والجهمية وبعض المرجئة، من أن الجنة والنار غير مخلوقتين الآن.\nوالأدلة متظاهرة متضافرة على أنهما مخلوقتان الآن، وقد دخل النبي ﵊ الجنة فرأى فيها بعض النعيم، كما أنه اطلع على النار ورأى فيها بعض أهلها.\nأما مكان وجود الجنة والنار فقد كثرت فيه الأقوال، وأعظم الأقوال هو الإيمان به والسكوت وعدم الخوض.\nومنهم من يقول: هي في الأرضين السبع، ومنهم من يقول: هي مكة وما حولها، ومنهم من يقول: بل هي في السماوات.\nوهذه أقوال تحتاج إلى أدلة خاصة وأن هذا من أمور الغيب، وليس عندنا نص صريح في أن بقعة من الأرض هي من بقاع الجنة إلا ما بين بيت النبي ﵊ ومنبره؛ لحديث: (ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة).","vol":"60","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1216>شرح الأحاديث في إثبات وجود الجنة والنار الآن</span>\nقال: [وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)]، يعني: لا يدخل الجنة من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه إلا أن يعمل بمقتضى هذا الإيمان، وإلا كان لزامًا علينا أن نقول: إن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، وهذا مذهب المرجئة كما هو مذهب الجهمية من باب أولى؛ لأن المرجئة يقولون: الإيمان هو التصديق بالقول.\nأما الجهمية فيقولون: الإيمان هو المعرفة القلبية بغير قول، وعلى مذهبهم ففرعون وإبليس مؤمنان، وإذا كان إبليس مؤمنًا عند الجهمية فما بالك بمن دونه؟ فليس عندهم أحد يكفر بالله إلا من أنكر الله تعالى بقلبه ولم يعرفه.\nأما أهل السنة والجماعة فإن الإيمان عندهم قول باللسان وعمل بالقلب والجوارح، ومن الأعمال ما هو شرط في صحة الإيمان، وهو الإيمان الواجب كما سماه ابن تيمية كما في الجزء السابع من مجموع الفتاوى فقال: الإيمان الواجب المتعلق بالواجبات والحلال والحرام، ومنه الإيمان المستحب، وهذا الذي ينفى في كثير من النصوص، نحو: (لا يؤمن أحدكم)، (ليس منا)، (أنا بريء)، (غضب الله)، (لعن الله) وكل هذه النصوص ظاهرها تدل على ترك الملة، ولكن معنى هذه النصوص -إن لم يستحل صاحبها مع قيام الحجة عليه- أنه نفي الإيمان المستحب الذي هو الإيمان الكامل.\nفالنفي في هذه النصوص كما في قوله ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، والخوارج يحملون هذا النص على ظاهره وكذلك المعتزلة أن الزاني حين يزني كافر؛ لأن الأمر عندهم إيمان وكفر، وهذا الكلام قد شرحناه مرارًا.\nقال عبادة بن الصامت ﵁: قال النبي ﵊: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) أي: أدخله من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء.\nقال: [وعن ابن عباس قال: قال النبي ﵊: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء)]، عندما تسمع هذا الحديث وأنت فقير لا تملك ما تتبلغ به إلى درس العلم فإنك لا تحزن حينئذ، لو أنك أتيت على قدميك إلى هذه المجالس المباركة الطيبة التي تتنزل فيها الرحمات، وتنزل فيها السكينة، وتغشاكم الرحمة من كل جانب، وتحضرها الملائكة، إذا كنت فقيرًا لا تملك شيئًا وتعلم أن أكثر أهل الجنة الفقراء، وأن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم أي: بخمسائة عام، فلن تحزن أبدًا.\nقال: [وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال النبي ﵊: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)، والحديث في الصحيحين.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (رأيت عمرو بن لحي بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب)]، والقصب: الأمعاء، أي: يجر أمعاءه في النار، وهو أول من أشار على أهل مكة بعبادة الأصنام، فهو السبب الأول في عبادة الأصنام في مكة.\nقال: [وعن ابن عمر قال: قال النبي ﵊: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي)].\nفقوله: إذا مات، أي: سواء دخل القبر أو لم يدخله.\n(إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده من الجنة والنار) ومن قبل ذكرنا حديث: (ما من آدمي مؤمن أو كافر إلا جعل الله تعالى له مقعدًا في الجنة ومقعدًا في النار، فيفتح له أولًا باب في قبره إلى مقعده من النار، فإذا فزع قيل له: هذا مقعدك من النار لولا أنك آمنت بالله ورسوله، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويفرش قبره بفرش من فرش الجنة) كما في حديث البراء ﵁.\nقال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي) الغداة أي: الصبح.\nوالعشي أي: المساء.\nقال: [(إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، حتى يبعثه الله يوم القيامة، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة).\nوعن ابن عمر أيضًا قال: قال النبي ﵊: (إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي)]، وهذا فيه إثبات عذاب القبر ونعيمه.\nقال: [(إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)،","vol":"60","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1217>شرح الأحاديث في وصف الجنة والنار واختصامهما إلى ربهما</span>\nقال: [وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (اختصمت الجنة والنار -أي: تحاجت الجنة والنار- فقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: يدخلني ضعفاء الناس وسقاطهم، فقال الله ﷿ للنار: أنتِ عذابي أصيب بكِ من أشاء، وقال للجنة: أنتِ رحمتي أصيب بكِ من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها -يعني: علي أن أملأ كل واحدة منكما- فإذا كان يوم القيامة لم يظلم الله ﷿ أحدًا من خلقه شيئًا، ويلقي في النار فتقول: هل من مزيد، حتى يضع الله ﷿ قدمه فهناك تملأ وينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط)] أي: كفى، كفى.\nوفي هذا إثبات أن لله ﵎ قدمًا، وقد بينا قبل ذلك إثبات الساق لله ﷿، وأن الساق أو القدم لله ﷿ ثابتة حقيقة بغير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، فهي ثابتة لله ﷿ كصفة من صفات ذاته، ولا تنفك عنه على المعنى اللائق بالله ﷿، ليست كأقدام المخلوقين ولا كسوق المخلوقين.\nقال: [وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال النبي ﵊: (احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم.\nقال: فقضى بينهما، إنكِ الجنة رحمتي أرحم بكِ من أشاء، وإنكِ النار عذابي أعذب بكِ من أشاء، ولكليكما علي ملؤها).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، وهو أشد ما تجدون من الزمهرير)]، يعني: إذا رأينا حرًا شديدًا جدًا لا يطاق فلنعرف أن هذا هو نفس النار في الصيف، وإذا رأينا بردًا شديدًا لا يكاد يحتمل فلنعلم أن هذا هو النفس الثاني للنار في الشتاء.\nقال: [وعن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (أبردوا بالصلاة -أي: انتظروا بصلاة الظهر حتى يبرد الجو- فإن شدة الحر من فيح جهنم)] أمر النبي ﵊ بالإبراد بالصلاة في شدة الحر؛ لأن شدة الحر من فيح جهنم، فلا يخرج أحدنا للصلاة فيصيبه لفح فيح جهنم ونارها وحرها وسمومها، فمن رحمة الله ﷿ ومن إشفاق النبي ﵊ بهذه الأمة أن أذن لنا في الإبراد.\nوفي كتاب الطب النبوي: (الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء).\nقال: [وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن شدة الحر من فيح جهنم، فأبردوها بالماء)].\nوالشاهد من هذه الأحاديث كلها: إثبات أن الله تعالى خلق الجنة والنار، وأنهما موجودتان الآن، فقوله ﵊: (إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوها بالماء) لا يمكن أن يكون هذا الحر الشديد من فيح جهنم وهي لم تخلق بعد.","vol":"60","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1218>شرح حديث كسوف الشمس على عهد رسول الله ﷺ وبيان دلالته على أن الجنة والنار مخلوقتان</span>\nقال: [وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (كسفت الشمس على عهد النبي ﵊، فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قيامًا طويلًا فقرأ نحوًا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا ثم رفع، فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول يقرأ فيه أيضًا، ثم ركع ركوعًا طويلًا دون الركوع الأول، ثم سجد)]، أي: أن الركعة الأولى من صلاة كسوف الشمس عبارة عن قيامين وركوعين، وهي ركعتان، كل ركعة بقيامين يقرأ فيهما الفاتحة وما تيسر له من القرآن، والتطويل مستحب، ثم يركع ثم يقوم فيفعل في القيام الثاني كما فعل في القيام الأول أو أقل قليلًا، يقرأ بعد الفاتحة أربع مرات، وتكون القراءة جهرًا، لأن صلاة الكسوف تؤدى نهارًا.\nقال: [(ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا -يعني الركعة الثانية- ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس -يعني: ذهب كسوفها- ثم سألهم النبي ﵊: ماذا تعدون هذا فيكم؟ -أي: ماذا تعدون كسوف الشمس في الجاهلية؟ - قالوا: يا رسول الله! لا يكون ذلك إلا لموت عظيم أو ميلاد عظيم -أي: الشمس لا تنكسف والقمر لا ينخسف إلا لميلاد عظيم أو لوفاة عظيم، وكانوا يتطيرون بذلك في الجاهلية- فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله.\nقالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت -أي: رجعت- قال: إني رأيت الجنة -أي: المخلوقة- أو أريت الجنة فتناولت منها عنقودًا، لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار، فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء.\nقالوا: بم يا رسول الله؟ قال: يكفرن.\nقيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير)] يعني: تكفر المرأة عشرة زوجها، وقد بين النبي ﵊ كيفية هذا الكفر فقال: (يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا -أي: ولو يسيرًا- لقالت: ما رأيت منك خيرًا قط) فهذا هو كفران العشير، وهو كبيرة من الكبائر، لا يخلد صاحبه في النار، وصاحب الكبيرة لا يكفر إلا عند الخوارج، وهو عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين، أما عند أهل السنة والجماعة فإنه إن أقيم عليه الحد فالحد يدرأ عنه العذاب في الآخرة، والحدود كفارات لأهلها.\nوإذا تاب إلى الله ﷿ من ذلك حتى قبل قيام الحد فالتوبة كفارة لأصحابها، وإذا مات مصرًا على كبيرته فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.\nفهذه هي التي تكفر الإحسان، وما أكثرهن في هذا الباب وهذا الضرب! قال: [وعن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قيامًا يصلون، فإذا هي قائمة -أي: تصلي- فقلت: ما للناس؟].\nأسماء تسأل عائشة ﵂ وهي في داخل الصلاة، تقول: لماذا يصلي الناس؟ لأن هذه صلاة ليست في العادة، لأن أسماء دخلت في غير وقت صلاة الفرض فرأت الناس يصلون، وأيضًا لأنها صلاة نهارية جهرية، فسألت عائشة تقول لها: ما للناس؟ ماذا يعمل الناس؟ وهذا كما حدث من معاوية بن الحكم السلمي ﵁، حين كان الكلام في داخل الصلاة في أول الأمر مباحًا، لما جاء من السفر ونظر إلى الناس سأل من بجواره، قال: (فضرب الناس أفخاذهم بأيديهم كأنهم يصمتونني).\nوفي الرواية الأخرى أنه عطس فحمد الله، قال: (فنظر الناس إلي أو رماني الناس بأبصارهم، فقلت: ما لكم؟ كأنهم يسكتونني فسكت، فلما فرغت من الصلاة دعاني النبي ﵊ وقال: يا معاوية! إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس -يعني: الكلام الذي ليس في مصلحة الصلاة- إنما هي لذكر الله ولقراءة القرآن).\nقالت أسماء: [(أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قيامًا يصلون فإذا هي قائمة، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء، وقالت: سبحان الله)] يعني: انظري للشمس وستعرفين السبب.\nوقول عائشة ﵂: سبحان الله، هذا نوع من أنواع الذكر.\nقالت: (فقلت: آية؟) أسماء لا تزال تجادل عائشة، وعائشة تستجيب لها، مرة تشير بيدها ومرة تسبح الله.\nقالت: [(فقلت: آية؟ فأشارت إلي أن نعم -أي: آية من آيات الله- قالت: فقمت حتى تجلاني الغشي -أي: فقمت حتى علاني الإرهاق الشديد حتى كاد يغشى علي من طول ما قام النبي ﵊- فجعلت أصب فوق رأسي الماء -أي: وهي في الصلاة- فحمد الله رسول الله ﷺ وأثنى عليه ثم قال: ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار)]، وهذا الشاهد، أنه ﵊ رأى ال","vol":"60","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1219>ما روي في أن الرحمة مخلوقة وكذلك الموت والحياة</span>\nسياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الرحمة التي يتراحم بها الخلق فيما بينهم وإن كانت شيئًا معنويًا إلا أنها مخلوقة، والموت كذلك شيء معنوي وهو مخلوق، والحياة شيء معنوي وهي مخلوقة، فالله ﵎ خلق الأعراض والأجسام وخلق المعنويات وخلق كل شيء.\nقال: [قال أبو هريرة ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه)]، هذا الحديث هو من أعظم أحاديث الرجاء، والتي تدل على سعة رحمة رب العالمين ﵎، وأنه اختزن تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها الخلائق في عرصات القيامة، فإذا كانت هذه الرحمات التي يراها المرء على هذه البسيطة من جراء رحمة واحدة من رحمة الله ﷿ فما بالك بتسع وتسعين رحمة؟! وقد ذكرنا من قبل في الموازنة بين الخوف والرجاء: أن الخوف والرجاء هما بمثابة جناحي الطائر، ولا يمكن لأحد أن ينجو قط بين يدي الله ﷿ يوم القيامة إلا إذا حقق الخوف والرجاء، ولا بأس في حال الصحة أن يغلب شيئًا يسيرًا من الخوف ليدفعه إلى العمل الصالح، وإذا كان في مرض أو كبر سن أو غير ذلك فليغلب جانب الرجاء حتى لا يقنط من رحمة ربه، وأن يحسن الظن بربه قبل أن يغادر هذه الحياة، قال النبي ﵊: (قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء).\nوفي رواية: (فلا يظن بي إلا خيرًا).\nوقال ﵊: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله).\nوهذا لا يكون إلا بتغليب جانب الرجاء على جانب الخوف، فإذا قرأت آية في الخوف فاقرأ مقابلًا لها في الرجاء، والعكس بالعكس.\nوكذلك أحاديث الرجاء لا بد أن تضمها إلى أحاديث الخوف والعكس بالعكس، لأن الأمة -الآن- فرطت اتكالًا على رحمة الله ﷿، ولو أنها علمت عذاب الله كما علمه السلف ﵃ لقل كلامهم وكثر عملهم، ولكن الأمة فرطت فكثر كلامها وقل عملها، فهذا نهج مخالف لما كان عليه من سلفنا رضي الله ﵎ عنهم.\nوبهذا الدرس ينتهي هذا المجلد وهو المجلد السادس من كتاب أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي، وموعدنا إن شاء الله تعالى مع المجلد السابع.","vol":"60","page":11},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1220> السحر، الكرامة، المعجزة، الحسد</span>\nالسحر من الأمور المحرمة التي قد تؤدي بصاحبها إلى الكفر؛ لأنه يشتمل على ممارسة بعض الأمور الكفرية كالسجود للشيطان ونحو ذلك، والسحر له حقيقة وله تأثير على المسحور، وهو يختلف عن المعجزة والكرامة، فالسحر من لدن الشيطان، والمعجزة والكرامة من لدن الرحمن، مع وجود فوارق أخرى بين المعجزة والكرامة.","vol":"61","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1221>تعريف السحر لغة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nالكلام عن السحر في باب واحد موجود في أصول الاعتقاد، وقد فرغنا منه، وإن كنت قد وعدت بشيء من التعريج على بعض المسائل المتعلقة بالسحر، وعلقت هناك على الواقع المر الأليم الذي تمر به الصحوة من تصدي كثير من الجهال لما يتعلق بهذا العالم الغيبي، كنت قد وعدت من قبل الكلام عن ذلك، فلما تكلمت كأني خرجت من وعدي في الكلام، ولكني فوجئت برجل يسلم لي في مسجد العزيز بالله ورقة فيها إعلان عن السحر، قال فيه: الشيخ أبو الأشبال أرسل إلي بهذه الورقة لتعلن عنها.\nقلت: أنت تعرف أبو الأشبال؟ قال: نعم.\nأنا أعرفه وهو الذي سلمني هذه الورقة، وهو يرجوك أن تعلن عنها.\nقلت له: يا أخي أنا أبو الأشبال.\nوأنا والله! لأول مرة آخذ خبرًا بهذه الورقة، فضلًا أني سلمتك إياها.\nوسأذكر لك قصة يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، فإنه يروى عن أحد الوضاعين -أي: الكذابين في الحديث- أنه ظل يحدث الناس ليلة كاملة، وهو يقول في حديثه: حدثني أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وكان أحمد ويحيى في المسجد، فلما فرغ الرجل القاص من قصصه، استدعاه أحمد ويحيى فقالا له: أتعرف أحمد ويحيى؟ قال: نعم.\nأعرفهما، ومن لا يعرفهما؟! قال ابن معين: أما أنا فـ يحيى بن معين وأما هذا فـ أحمد بن حنبل، وأما أنا فلم أحدثك بهذا، أحدثته بهذا يا أحمد؟ قال: لا.\nفقال الرجل متعجبًا ومندهشًا من كلامهما: ما رأيت أحمق منكما، أتظنان أنه ليس في الدنيا إلا أنتما أحمد بن حنبل ويحيى بن معين؟! لقد حدثت عن مائة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.\nفهذا يزعم أني سلمته الورقة، فاستوثقت منه، وهو الذي سلمني الورقة، وأنا لم أسلمه الورقة، لكني أجد نفسي مضطرًا للرجوع إلى وعدي الأول للتعليق على بعض المسائل المتعلقة بالسحر: فنبدأ بتعريف السحر لغة، واللغة إنما وضعت تعريفًا محددًا، إما في لغة العرب، وإما معنى لمعنى السحر، هذا التعريف يدور حول أن السحر في لغة العرب يطلق على كل شيء خفي سببه، ولطف، ودق.\nيعني: شيء خفي، غامض، لكنه قائم على السبب، ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر، وتصف ملاحة العينين بالسحر، يقال: فلان عيناه كالسحر، أو لما نظر إلي سحرني، أبهرني ببريق عينيه، أو بنظرته إلي؛ لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء، كما يوصف البيان بالسحر، ومنه قوله ﷺ: (إن من البيان لسحرًا)، وإنما كان بعض البيان سحرًا؛ لأنه يروق للسامعين، ويحلو لهم، ويستميل قلوبهم، ويغلب على نفوسهم، ويحول الشيء عن حقيقته، ويصرفه عن وجهته.\nوالسحور وهو الطعام آخر الليل، سمي سحورًا لأنه يقع خفيًا آخر الليل، بعيدًا عن أعين الناس.\nوالرئة وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن.\nوتطلق العرب السحر على الخديعة، والمكر، والتمويه؛ لأنه يخفى سببها ويدق، ومنه قول لبيد: فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير في هذا الأنام المسحر فمعنى السحر في لغة العرب: هو الشيء الذي دق سببه وخفي ولطف، بحيث لا يدرك.\nامرأة نظرت إليك فسحرتك، بحيث إن قلبك يكاد أن ينخلع من مكانه؛ لمجرد أنها نظرت إليك.\nفتقول: هذه المرأة سحرتني، في حين أنها ليست ساحرة ولكن نظرتها إليك فيها معان خفية جعلت قلبك ينخلع من مكانه، فأنت تعبر عن هذا الشيء الخفي بالسحر في حين أنها ليست ساحرة على الحقيقة.\nوكذلك الأداء أو البيان، البيان في أصل الكلمة، أو في كيفية إخراج الألفاظ والجمل، فالذي يسمع الشيخ محمد صديق المنشاوي ليس كالذي يسمع غيره، وأظن أن من ألف وأدمن سماع الشيخ المنشاوي لا يمكن أبدًا أن يستغني عنه، ولا يمكن كذلك أن يشبع منه، فالقرآن كذلك له سحر في القلوب، ولذلك الأمر يختلف تمامًا بين أن تسمع آية من كلام الله وأن تسمع معنى هذه الآية، فمعنى الآية ربما يمر عليك بغير تأثير، بخلاف أن تسمع كلام الله ﷿ فله تأثير خفي في القلب ربما جاز لك أن تعبر عن هذا المعنى بالسحر، وليس سحرًا لكنك لا تملك إلا أن تعبر أن القرآن له تأثير عظيم في القلب، هذا التأثير تعبر عنه مرة بالتأثير، ومرة بالسحر (إن من البيان لسحرًا)، وكلام الله ﷿ في قمة البيان وا","vol":"61","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1222>تعريف السحر اصطلاحًا</span>\nأما تعريف السحر في اصطلاح العلماء: فقد عرفنا من قبل أن لكل مصطلح تعريفًا لغويًا، وتعريفًا اصطلاحيًا، فإذا أردنا مثلًا أن نعرف السنة قلنا: السنة في اللغة هي الطريقة سواء كانت هذه الطريقة محمودة أو مذمومة، ولذلك النبي ﵊ يقول: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا)، فالسنة في اللغة تختلف عن السنة في الاصطلاح؛ لأن السنة عند الأصوليين لها معنى، وعند الفقهاء لها معنى، وعند المحدثين لها معنى، وغير ذلك.\nفإذا قلنا: السحر في لغة العرب: هو كل شيء خفي سببه، ودق، ولطف، فلا بد أن يشترك المعنى اللغوي مع المعنى الاصطلاحي الذي وضعه العلماء، وهو الذي يعرف عند أهل الاصطلاح بالحد، والحد هو التعريف، وربما يكون بين كلمة الحد والتعريف فروق لكن اصطلح أهل العلم على أن حد الشيء هو تعريفه، والعلماء يشترطون في كل حد شرطين: الأول: أن يكون جامعًا، والشرط الثاني: أن يكون مانعًا، أما الجامع فهو: الجامع لأوصاف، وأركان، وشروط التعريف، وسمي جامعًا لأنه جمع جميع الأوصاف والشروط والأركان المتعلقة بهذا المصطلح، واشترط أن يكون مانعًا حتى لا يدخل غير المعرف أو المحدود في هذا الحد، فمثلًا: الصاحب في اللغة: هو من طالت ملازمته لصاحبه، وفلان صاحبي يختلف عن فلان رفيقي، والرفيق يطلق على رفيق الطريق، أما الصاحب ففيه معنى الملازمة وطول الصحبة، لكن لشرف النبي ﷺ فإن من نظر إليه ورآه ولو للحظة تثبت له الصحبة، هذا خاص بالنبي ﵊، ولذلك إثبات الصحبة لـ أبي بكر كإثباتها لرجل أتى من البادية فنظر إلى النبي ﵊ حتى وإن لم يكلمه، أو لرجل عمي أو كان أعمى فحضر مجلس النبي ﵊، ثم انطلق أو مات عنه النبي ﵊، فتثبت له الصحبة.\nفحينئذ إذا أردت أن أضع تعريفًا جامعًا مانعًا -أي: جامعًا للأوصاف، مانعًا من دخول الغير فيه- لمعنى كلمة صاحب، فأقول: الصاحب هو من رأى النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، وهذا لا يصح أن يكون هو معنى الصاحب، لأنني قلت: الصاحب هو من رأى، وهذا مصطلح لا يطلق إلا على من رأى النبي ﷺ، فلا شك أننا سنخرج من الصحبة من كان أعمى؛ لأننا قلنا: الصاحب هو من رأى، والأعمى لا يرى، ولو أني قلت: الصاحب هو من لقي فاللقاء يثبت للأعمى والمبصر، فحينئذ يكون هذا التعريف من التعاريف الجامعة المانعة.\nولذلك إذا نظرنا إلى أقوال أهل العلم في تحديد معنى دقيق للسحر نجد أنهم يختلفون اختلافًا بينًا في تحديد معنى السحر، وكل تعريف لا يخلو من نقص؛ إما أنه جامع غير مانع، أو مانع غير جامع، ولن يستقر الأمر على تعريف محدد دقيق مانع جامع لأوصاف السحر وأركانه وشروطه، ومرد ذلك إلى خفاء السحر، وتعلقه بالغيب، وقوة التأثير النفسية له، فلما كان هذا من الأمور الغيبية الدقيقة اختلفت أقوال أهل العلم في وضع تعريف جامع مانع لمعنى السحر، لكنهم على أية حال ذكروا أوصافًا وشروطًا، هذه الأوصاف والشروط، وتلك العلامات والأمارات لو عرفناها لكان ذلك مغنيًا لنا عن هذه الطاحونة في التعاريف التي ذكرها العلماء.\nفمثلًا: الجصاص ﵀ يقول: السحر اسم لكل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، وجرى مجرى التمويه والخداع.\nوبلا شك أن هذا التعريف يحتاج إلى نقد؛ لأننا لو أنزلنا هذا التعريف على قوله ﵊: (إن من البيان لسحرًا) فلن يستقيم هذا، وغير ذلك من التعاريف، كـ الفخر الرازي، وكذلك ابن خلدون، وغير واحد ممن عرف السحر.\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: سحر الأدوية والتدخين ونحوه ليس بسحر، إن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز، كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه حرام لمضرته، يعزر من يفعله تعزيرًا بليغًا.\nوهذا أيضًا لا يستقيم أن يكون تعريفًا لمعنى السحر.\nوكذلك يقول سيد قطب ﵀ في تعريفه للسحر: إن السحر خداع الحواس، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، أي: لما نظر موسى ﵇ إلى عصي السحرة لما ألقوها فخيل إليه أنها حيات تسعى، وهذا بلا شك تخيل، وتمويه، وخداع للعين، والعين حاسة، فقال: إن السحر خداع الحواس، وخداع الأعصاب، والإيحاء إلى النفوس والمشاعر، وهو لا يغير من طبيعة الأشياء، وقد قلنا في الدرس الماضي: من السحر ما يغير طبيعة الأشياء، ومنه ما لا يغير طبيعة الأشياء.\nقال: ولا ينشأ حقيقة جديدة لها، ولكنه يخيل للحواس والمشاعر بما يريده الساحر.\nأما الذين ذهبوا إلى أن للسحر حقيقة فقد عرفوه بمثل ما عرفه به ابن خلدون، فقال: السحر علوم بكيفية","vol":"61","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1223>الفروق بين السحر والمعجزة والكرامة</span>","vol":"61","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1224>السحر مكتسب والمعجزة والكرامة هبة ومنحة من الله لأوليائه</span>\nومن الفروق الدقيقة بين السحر، والمعجزة، والكرامة: أن السحر علم مكتسب يحصل بالتعلم والصناعة، والعلوم منها ما هو مكتسب، ومنها ما هو جبلي، كما أن من الحسد ما يكون جبليًا ومن الحسد ما يكون علمًا، شخص يعرف أصول الحسد، ويحرص عليه، ويتابع أخبار الحساد أولًا بأول، وآخر ما وصل إليه الحاسد أو الحسود، ولذلك سنتعرض للحسد عند الكلام عن السحر، وسنذكر التفريق بينه وبين السحر لما بينهما من مفارقات واشتراكات، فالسحر علم مكتسب تمامًا، كما أنك تتعلم العلم الشرعي، تجلس لتتعلم العلم الشرعي هذا اكتساب، فالعلم الشرعي لم يأتك من السماء وإنما أنت سعيت له لتتعلمه فهذا كسب منك في طلب العلم، وكذلك السحر، والدليل على ذلك حديث صهيب عند الإمام مسلم في كتاب الفتن أو كتاب القدر: (أنه كان ملك ممن كان قبلكم له ساحر يسحر له، فلما كبر الساحر قال للملك: لقد رق عظمي، وحضر أجلي، وكبر سني، فأرسل إلي بغلام أعلمه السحر) أي: حتى يكون خليفة له، والشاهد من الحديث: (أعلمه السحر)، فالسحر علم مكتسب.\nوقال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، يعني: يتعلمون من هاروت وماروت علم السحر الذي به يستطيعون أن يفرقوا بين المرء وزوجه.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه:٦٩]، وقال موسى لسحرة فرعون: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، فهذه الآيات وهذا الحديث تدل دلالة واضحة على أن السحر علم ويأتي عن طريق التعلم، وهو يتم بمعاناة أقوال وأفعال، وتعلم السحر حرام، وسيأتي معنا هذا الحكم بأدلته، لكن لا بد لمن تعلم السحر أن يتعلمه عن طريق القول والفعل.\nأما الكرامة فلا تحتاج إلى شيء من المعاناة؛ لأنها هبة ومنحة من الله تعالى لولي من أوليائه، وعبد من عباده الصالحين، كالغلام الذي جاءت قصته في حديث صهيب: (لما كان يذهب إلى الساحر كان يمر براهب في الطريق فيقعد إليه ويسمع منه حتى إن كلامه أعجبه، فذات يوم وهو ذاهب إلى الساحر وجد دابة عظيمة قد حبست الناس، ومنعتهم من السير، فأخذ حجرًا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، ثم ألقى بالحجر فقتله).\nقال العلماء في شرح هذا الحديث: وفي هذا إثبات كرامات الأولياء، كما أنه في نهاية الأمر قال للملك الجبار الطاغية: (إنك لا تستطيع أن تقتلني إلا إذا فعلت ما آمرك به، قال: وما هو؟ -أي: وماذا تأمرني به؟ - قال: أن تأخذ سهمًا من كنانتي، فتضعه في كبد القوس، وتصلبني على جذع نخلة وتجمع الناس في صعيد واحد ثم تقول: باسم الله رب الغلام، فإذا فعلت قتلتني وإلا فلا، فلما فعل الملك قتله، فقال الناس جميعًا: آمنا بالله رب الغلام، آمنا بالله رب الغلام، آمنا بالله رب الغلام).\nوالإمام ابن تيمية عليه رحمة الله لما كان يقال له: فلان مصروع أو فيه مس أو شيء من هذا، كان يرسل نعله، وكان أحمد بن حنبل يرسل نعله، فإذا رأى الجن نعل أحمد قال: والله لو أمرني أحمد بن حنبل أن أخرج من بغداد لخرجت، وليس من بدن المصروع فحسب، فهذه المسألة متعلقة بتقوى الله ﷿، وبقوة الإيمان، ورسوخ اليقين في قلب العبد، فما بالنا نجد الشاب في هذه الأيام لا يحفظ شيئًا من القرآن، ولا يحسن الصلاة ولا الصيام، ولا شيئًا من العبادة ثم هو يذهب بنفسه إلى المصروع فيضربه، ويحرقه بالنار أحيانًا، ويشتمه، ويبصق في وجهه ويفعل الأفاعيل، ولا زال الجني يتلاعب به، وهذه المسألة ليست صناعة بل هي من كرامات الأولياء، وهبة من هبات الله ﷿، ومنحة من منحه لعباده الصالحين.\nوهذا بخلاف المعجزة، فالمعجزة تعطى لأنبياء الله ورسله، كما أن الكرامة لعباد الله الصالحين من أوليائه دون الأنبياء والمرسلين، أما المعجزة فهي للأنبياء والمرسلين، فلا يقال لأمر خارق للعادة على يد ولي من أولياء الله: هذه معجزة؛ لأن المعجزة لا تكون إلا مع نبي خلافًا للكرامة فإنها مع الولي.\nيقول ابن خلدون: المعجزة قوة إلهية تبعث في النفس ذلك التأثير، فهو مؤيد بروح الله على فعله ذلك، والساحر إنما يفعل ذلك من عند نفسه، وبقوته النفسانية الشريرة، وبإمداد من الشياطين في بعض الأحيان.\nإذًا: السحر علم مكتسب، والكرامة هبة ومنحة من الله تعالى، وكذلك المعجزة، لكن المعجزة تكون على يد أنبياء الله ورسله، هذا هو الفارق الأول بين السحر والكرامة والمعجزة.","vol":"61","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1225>المعجزة والكرامة من خصائص الأنبياء الصالحين</span>\nالفارق الثاني: المعجزة والكرامة لا تظهر على فاسق قط، والفسق هو الخروج، وسمي الفاسق فاسقًا؛ لأنه خارج عن طاعة الله ﷿، منتهك لحرمات الله تعالى، غير منقاد للأمر، مرتكب للنهي، والكرامة والمعجزة لا يمكن أن تكونا على يد فاسق، وأعدل الخلق هم الأنبياء والمرسلون، ولذلك خصهم الله تعالى بالمعجزات التي هي كرامات وزيادة، فالمعجزة والكرامة يستحيل أن تظهر على يد فاسق، والسحر لا يظهر إلا من فاسق، هذا فارق جوهري بين الكرامة والمعجزة من ناحية وبين السحر من ناحية، فالسحر لا يتعاطاه إلا الفساق، وربما الكفار، أما المعجزة والكرامة فيختلفان عن ذلك تمامًا، فلا يظهران على فاسق، فالنبي الذي تظهر المعجزات على يديه أفضل الناس نشأةً، ومولدًا، ومزية، وخلقًا، وخلقًا، وصدقًا، وأدبًا، وأمانة، وإشفاقًا، ورفقًا، وبعدًا عن الدناءات، والكذب، والتمويه، أما الساحر فعلى العكس من ذلك كله لا تجده في موضع إلا ممقوتًا، حقيرًا بين الناس، وأصحابه وأتباعه ومن كانوا على شاكلته لا تجدهم أبدًا إلا مبطلين، ملعونين، مشتومين على ألسنة الخلق، ولذلك فإن الحافظ ابن حجر يبين كما بين شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أنه هناك أمارات وعلامات يعرف بها الأمر الخارق للعادة؛ لأنه يلتبس على العامة، فإذا مشى رجل على الماء قلنا لأول وهله: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، هذا رجل من أولياء الله الصالحين، وإذا طار رجل في الهواء قلنا: ما شاء الله لا قوة إلا بالله هذا رجل من الأولياء، ولا يلزم من ذلك أن يكون من أولياء الله، بل ربما يكون الذي طار في الهواء من أفسق الناس وأكفرهم، وربما يكون الذي مشى على الماء من أفجر الناس وأفسقهم، إذًا فما هو الضابط الذي يعرف به ما إذا كان هذا الأمر الخارق للعادة كرامة أو سحرًا؟ يقول ابن تيمية عليه رحمة الله: إذا رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تغتر بذلك حتى تنظر إلى موقعه من الشرع، فإذا كان من أهل الطاعة والانقياد والاستسلام لله رب العالمين فإن الذي يجري على يديه كرامة، وإذا كان غير ذلك فاعلم أنه من أعمال السحر.\nفالأول من أولياء الرحمن والثاني من أولياء الشيطان، وإن كان الفعل واحدًا، ولا يزال أهل ريف مصر وبالذات في هذه القرى والنجوع البعيدة عن حضارة العلم، وعن انتشار العلم وذيوعه، وانتشار عقيدة التوحيد إذا دفنوا ماجنًا، أو فاسقًا، ممن يسمى بشيخ التصوف، أو القطبي، أو الغوثي، نجد في جنائزهم صيحات وويلات، وتهليلات، كما أننا لا نسمع شيئًا، وإنما هي حكايات يلبسون بها، ويفسدون بها عقائد العامة، يقولون: القطب الفلاني أثر في حامليه حتى دكهم في الأرض دكًا، ونسمع أنه طار بنعشه في الهواء وما رأينا شيئًا من ذلك، وهذا كله كذب، هب أنه صدق وهب أن هذا حدث بالفعل لا يلزم منه أن الفاعل لذلك ولي، ولمَ لا نقول: إن الشيطان هو الذي فعل ذلك، حمل النعش وطار به في الهواء؟ كذلك يمتنع إساءة الظن حتى ننظر في عمل هذا الميت، أو في عمل الحي، فإذا كان صالحًا من أهل الصلاح والتقوى والالتزام الشرعي فهذه كرامة أجريت له بعد موته على يد ملائكة صالحين، وإذا كان عكس ذلك فهذه خارقة من خوارق العادة ومن باب السحر والشعوذة جرت على يد إبليس وأعوانه، فلا يجوز لنا أن نحكم لفلان أو على فلان حتى ننظر أين موقعه من الشرع، هذا ما نبه عليه الحافظ ابن حجر وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.\nقال ابن حجر ﵀: ينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه؛ فإن كان متمسكًا بالشريعة متجنبًا للموبقات المهلكات، والمعاصي الكبائر، فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة وإلا فهو سحر؛ لأنه ينشأ عن أحد أعوان الشياطين.\nويقول ابن تيمية عليه رحمة الله في السحرة والعرافين والكهان والمجتهدين في العلم والزهد والعبادة، أنهم لا علاقة لهم بالعلم، ولذلك علي بن أبي طالب ﵁ كان يدخل صوامع العباد ويضربهم على ذلك حتى يتعلموا كيف يعبدون الله تعالى، أما أن يدخل رجل لا علاقة له بالعلم الشرعي، ولا يدري متى تصح الصلاة ومتى لا تصح؟ متى يصح الصيام ومتى يفسد؟ وإذا سها في الصلاة ماذا يفعل؟ وهو لا يعرف شيئًا من ذلك، كان علي بن أبي طالب يضربه ويقول: تعلم أولًا ثم تزهد، ولذلك كثير من الزهاد والعباد بينهم وبين العلم بون شاسع.\nوقد ذكر ابن الجوزي عليه رحمة الله في كتاب تلبيس إبليس في باب التلبيس على العباد والزهاد مخازي وفضائح، أذكر منها: أن عالمًا زار عابدًا وفي حين زيارته أتى العابد سائل -ولا علم للسائل بهذا العالم، فالناس اعتادوا أن يتوجهوا في قضاياهم إلى ذاك العابد- فقال: أيها العابد! إن الدجاجة وقعت في البئر، فماذا أصنع؟ هل هو باق على طهوريته أم قد تنجس؟ فقال العابد: ولم وقعت؟ قال: لأن البئر لم يكن مغطى.\nقال: هلا غطيته، وقام العابد إلى السائل يضربه.\nتصور أن يكون هذا جو","vol":"61","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1226>المعجزات حقيقية وليست تخيلية</span>\nالفارق الثالث: أن معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على حقائقها، يعني: لا يمكن أن يقال في المعجزة أنها من باب التخيل والتمويه والخداع، فلا يقول أحد: إن هذا القرآن ليس قرآنًا حقيقيًا، وليس كلام الله تعالى حقيقة، بل هو تمويه وخداع، ولو قال ذلك أحد لكفر.\nإذًا: المعجزات حقيقية وليست من باب التخيل ولا الأوهام، وبواطنها كظواهرها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها، والذي يقرأ كلام الله ﵎ مرة يستفيد فائدة، فإذا أعاد قراءة نفس الآيات ازداد فائدة ثانية، وثالثة، ورابعة، ولا يزال هذا القرآن كنوزه وفوائده دائمة إلى قيام الساعة، حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها، ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها ظهر عجزهم عنها.\nوالمعجزة فيها نوع التحدي، ولذلك فإن الله تعالى تحدى العرب وهم أبلغ الخلق على الإطلاق أن يأتوا بعشر سور، أو بسورة، أو بعشر آيات، فعجزوا مع بلاغتهم وفصاحتهم، والنبي صاحب معجزات كثيرة لكن أعظم معجزة أتى بها النبي ﵊ هي معجزة القرآن الكريم، الذي هو كلام الله تعالى، ومخاريق السحرة وتخيلاتهم إنما هي ضرب من الحيل والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، يلقي العصا على الأرض فيراها الناظر إليها حية تسعى، فهذا تخيل وأوهام.","vol":"61","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1227>السحر ليس فيه شيء خارق للعادة</span>\nوما يظهر منها على غير حقيقتها يعرف ذلك بالتأمل والبحث ومتى شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره، ولذلك قال الراهب للغلام لما قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتلها، فلما رماها بحجر قتلها، ولما ذهب إلى الراهب وقص عليه ما كان منه قال الراهب: إنك اليوم أفضل مني، أي: بلغت مبلغي وزيادة، ولو أن شخصًا لا علاقة له بالسحر يذهب ليتعلم السحر على يد فلان من الناس قد يتفوق عليه، أما الكرامة فلا يمكن أن نتعلمها؛ لأن الكرامة والمعجزة منحة من الله، الأولى على يد ولي، والثانية على يد نبي أو رسول، بخلاف السحر فإنه علم يتعلمه صاحبه، ومصدره الشيطان، وإذا أراد أحد أن يتعلم السحر ربما فاق المعلم، أو ضاهاه، أو قاربه، حتى ولو بذكائه، لكن المعجزة ليست من هذا الباب، لا تخضع لتعليم، وكذا الكرامة لا تخضع لتعليم.\nوقد تناول الإمام القرافي هذا المعنى في الفرق بين السحر والمعجزة، حيث قال: الفرق بينهما أن السحر والطلسمات والسيمياء ليس فيها شيء خارق للعادة؛ بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها، غير أن تلك الأسباب لم تحصل لكثير من الناس بل للقليل، ولذلك ليس كل الناس سحرة، وهناك بقاع من الأرض يغلب عليها السحر، فمثلًا: بلاد المغرب العربي وبالذات دولة المغرب فإن السحر فيها مثل (السلام عليكم)، وضع طبيعي جدًا، وأنا يحزنني جدًا أن أقول: إن العلماء السلفيين وطلاب العلم السلفيين متأثرون بالسحر، وهم منتشرون في أمريكا بالذات؛ لأن بلاد المغرب أقرب البلاد العربية لأمريكا، فبينهما المحيط، ومع هذا لا يزال عندهم لوث السحر، وإذا راجعتهم غضبوا غضبًا شديدًا جدًا، مع صحة اعتقادهم في العموم، فهذا الباب كأنهم مسحورون فيه أيضًا، حتى إن أحد الإخوة الطيارين من بلاد السعودية كان استنصحني ذات مرة أن يغير طريقه من القاهرة جدة إلى جدة المغرب، فقلت له: احذر السحر، وما سمع الكلام حتى ذهب إلى هناك فسحرته امرأة في مطار المغرب؛ لأن السحر عندهم في وضع طبيعي جدًا، حتى إن الساحر يسحر الساحر، فالسحر في المغرب أعظم انتشارًا من أمريكا وأوروبا، مع اشتهار السحر في تلك البلاد، لكنه في المغرب أكثر من ذلك بكثير.\nقال: بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها، غير أن تلك الأسباب لم تحصل لكثير من الناس، بل للقليل منهم كالعقاقير التي تعمل منها الكيمياء، والحشائش التي يعمل منها النفط الذي يحرق الحصون والصخور، والدهن الذي من ادهن به لم يقطع فيه الحديد.\nوقد جرت مناظرة بين ابن تيمية وبين الرفاعية، فقالوا له: ندخل النار وأنت معنا؛ والذي يحرق منا دليل على فساده، والذي لا يحرق دليل على صلاحه، فوافق ابن تيمية على ذلك نصرًا للدين، وتوكلًا على الله، ويقينًا في الله، وقال: ولكن لي شرط، أن يغتسل الجميع قبل دخول النار، لأنه يعرف أنهم سوف يتدهنون بنوع من الدهن لا يتأثر بالنار، ولا تؤثر فيه النار، فرفضوا على الفور، فعلم أنه صاحب الحق.\nوكذلك إذا وجدت أسباب السحر الذي أجرى الله به العادة حصل، فالسحر مترتب على درجات وأسباب، إذا أتى الساحر بهذه الدرجات وتلك الأسباب حصل السحر، وكذلك السيمياء، وغيرها.\nفالمعجزة في نهاية الأمر لا يمكن مضاهاتها، ولا يعلم البشر لها سببًا، أما السحر فله أسباب خفية، هذا فارق بين المعجزة وبين السحر، لا يمكن لشخص أن يأتي بمعجزة، والنبي ﵊ لما أتى بهذه المعجزة تحداه بلغاء العرب الذين لم يؤمنوا بالله، وقالوا: نحن باستطاعتنا أن نأتي بقرآن مثل قرآنك وأحسن منه، فأتوا بفضائح ومخازي حتى إن بعضهم قال لبعض: إنكم لتعلمون أننا نعلم أنكم كاذبون، يعني: نحن كتبناه مع بعض وفهمنا أن هذا سحر، ودجل، وشعوذة، وكلام فارغ، لا يصلح أن يكون من عند العقلاء فضلًا أن يكون من رب العالمين.\nوقد استطاع البشر في هذا العصر أن يصلوا إلى هذا الذي وصل إليه الجن، فقد دار الحوار بين سليمان ﵇ وبين الطير والدواب والهوام والحشرات وغير ذلك، قال تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل:٣٨]، فقال له أحدهم: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩]، فالعالم كله مسخر لسليمان ﵇، وهذا ملك خاص به ﵊، هذا ليس معجزة للطير، ولا للهدهد، وإنما معجزة لسليمان ﵇؛ لأنه صاحب السلطان في هذا البلد، ولا أدل على حصول ذلك للأنبياء ما قد وقع وتم في هذا الزمان من الاتصالات الهاتفية، واللاسلكية، وسرعة الضوء، وسرعة الكهرباء، فإن ملايين الأميال في الثانية الواحدة لسريان التيار الكهربائي في الأسلاك.\nفكذلك الشياطين يضلون بهذا العباد ولا يمكنون العباد من الاستفادة منها إلا إذا عبدوهم من دون الله، والانتقال من مكان إلى مكان بسرعة فائقة أصبح اليوم يتم في وقت قصير، والمسافر من المدينة إلى الشام أو من المدينة إلى مصر كان يستغرق عشرين يومًا وأحيانًا ش","vol":"61","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1228>المعجزة لا يمكن إبطالها ولا يجوز</span>\nالفارق الرابع: أن المعجزة لا يمكن إبطالها، ويحرم تعرضها للبطلان، أي: يحرم علينا أن نقول: نحن جربنا القانون الفرنسي، والإيطالي، والإنجليزي، والأمريكي، ولم تنفع هذه القوانين، ما رأيك في أن نجرب الشرع؟ الشرع لا يخضع للتجربة؛ لأن الذي يخضع للتجربة إما أن تثبت صحته أو بطلانه، أما الشرع فصحيح كله، لا يرد منه شيء، ولا يتبدل ولا يتغير، هذه قوانين أرضية لا يمر عليك عام إلا وتسمع أن القول الفلاني تغير، وتبدل، وزودوا فيه، ونقصوا منه، وثبت فشله، أما القرآن الكريم والسنة النبوية فهما وحي الله، كلام اللطيف الخبير، الذي خلق الخلق وهو أعلم بما ينفعهم ويضرهم، فشرع لهم أمرًا ما ينفعهم، وشرع لهم نهيًا ما يضرهم، وأمرهم بائتمار الأمر واجتناب النهي، وهذا هو دين الله، فالمعجزة لا يمكن إبطالها.\nولذلك تكلم بعض أهل العلم من المعاصرين فقالوا: هذه النظريات العلمية الحديثة التي يأتي بها علماء الطبيعة والفيزياء أو الكيمياء أو علماء الأرض والبيولوجيا والسيلوجيا، هذه نظريات صحيحة لتعلقها بالآية الفلانية، أو الآية الفلانية تشهد لها، ثم يأتي من بعدهم أقوام يثبتون بطلان النظرية، فاللازم لبطلان النظرية يستلزم بطلان الآية؛ لأنه لما أثبت صحة النظرية ربطها بالآية، فهذا باب خطير جدًا ومزلق شر عظيم، هذه النظريات العلمية كثر الله خيرهم الذين بذلوا جهدهم المضني المشكور في إثبات ما قد اعتقدوا أنه صحيح، لكن لا يلزم من ذلك ربطه بالكتاب والسنة؛ لأنه يلزم في بطلان النظرية عند هؤلاء بطلان الدليل.\nفالمعجزة لا يمكن إبطالها، أما السحر فإنه يمكن إبطاله، ولذلك من الطبيعي جدًا فك السحر، وإبطال مفعوله، وتأثيره، لكن لم نسمع شخصًا يقول: نريد إبطال هذا القرآن، فهذا مستحيل! المعجزة لا يمكن إبطالها بينما السحر يمكن إبطاله، إما أن يبطله ساحر مثله أو أعلم منه، ولذلك تقوم صراعات وحروب بين السحرة وشياطينهم، وإما أن يبطله أهل التقى والإيمان بما أعطاهم الله من اليقين، وبما يتلونه من آيات الكتاب، والأدعية، والأذكار، وقد حدث أن حضر بعض الأتقياء عند بعض هؤلاء المنحرفين فقرأ آية الكرسي في أثناء إتيانه بأسباب السحر، وهذا يتم كثيرًا وكثيرًا بين إخواننا أصحاب العقيدة السليمة وبين السحرة بالذات في القرى، وهذا قد حدث من قبل، وأذكر أن حدادًا في قريتي ما ترك عريسًا في عرسه إلا وربطه، كان بالنهار يعمل حدادًا وفي الليل يسحر، فلما تقابلنا في الشارع قال: يا شيخ حسن أنت لا تريد أن تتزوج أم ماذا؟ قلت: والله ما دامت الكلمة أتت منك فأنا إن شاء الله زواجي في الخميس القادم، قال: إن شاء الله في الصبيحة تأتي إلينا ومعك المعلوم، قلت: لن يكون بإذن الله، وأتحداك، والله لن تقدر على ذلك، وأعطاني الله تعالى في ذلك الوقت من اليقين ما تحديت به هذا الأفاك الفاسق، مع كبر سنه فإنه قد بلغ من العمر ثمانين عامًا، وفي الحديث: (شر الناس من طال عمره وساء عمله)، فلما أتيت بزوجتي من بلدها والله ما قدر أن يفعل شيئًا، وهذا من فضل الله ﷿، ونعمته، وهبته، ولست وليًا من أوليائه، فعندي من المعاصي أكثر من الطاعات، لكن الله تعالى نصرني في هذا الموقف تثبيتًا لإيمان الموحدين في هذه القرية، حتى يعلم هذا المبطل أنه لا يصدر إلا عن أمر الشيطان، وأنه والشيطان في قبضة الله ﷿، فما استطاع أن يفعل شيئًا، وما كنت أريد أن أذكر ذلك لكني ذكرته لتثبيت اليقين والإيمان في قلوب كثير من السامعين.\nقال: وقد حدث أن حضر بعض الأتقياء عند بعض هؤلاء المنحرفين فقرأ آية الكرسي فلم يستطع أن يفعل الساحر شيئًا، وطار بعض هؤلاء في الهواء فلما هلل الموحدون سقط المحمول ووقع، أي: فر الشيطان وتركه، وهذا في الحقيقة حاصل في قرى كثيرة جدًا، وهناك أخ وصديق من قريتي ذهب إلى ساحر في القرية المجاورة، فلما استدعاه المسحور وقال له: أنا ذاهب إلى فلان، قال: هو لا ينفعك، والذهاب إليه معصية وكبيرة من الكبائر، ورد للأعمال الصالحة وغير ذلك، فقال له: لقد كشف الضر عن فلان، وفلان، وفلان، وشيء من هذا، قال: فإنه إن شاء الله لا يكشف عنك شيئًا إنما يكشفه الله، وذهب معه إلى الساحر، ووضع رأسه بين يديه عند الساحر وظل يتلو كتاب الله ﷿ حتى جن جنون الساحر وغضب واحمر وجهه ثم اسود، وقال: أخرجوا هذا من عندي، أنت ماذا تصنع؟ قال: أنا لا أصنع شيئًا غير أني أقرأ الإخلاص والمعوذتين، فهذا القرآن أبطل سحره.\nولذلك العصمة دائمًا في كتاب الله، وفي سنة النبي ﵊، أما اعتقاد أن هذا الساحر ينفع ويضر فهذا ضرب عظيم من ضروب الشرك بالله ﷿، وكثير من الناس العامة وبعض الإخوة الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم إذا أصيب بمس، أو صرع، أو جن، أو شيء من هذا، أو سحر، ذهب فورًا إلى الساحر، وربما ذهب إلى الكنيسة ليعالجه ويدفع عنه الضر قسيس مجرم من المجرمين، هو يعتقد أن العلاج في الكنيسة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فهذا باب عظيم جدًا من أبواب الشر.\nويذكر","vol":"61","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1229>السحر يحصل من الساحر وغيره بخلاف المعجزة</span>\nالفارق الخامس: السحر يوجد من الساحر وغيره، أخت من أخواتنا تريد أن تتعلم إخراج السحر من البدن، وتعالج المصروع، فحدث أنها ذهبت إلى أخت لتعالجها من الصرع، فشعرت بشيء يدخل في دبرها ولم تتمكن من طرده، فخرجت وهي امرأة منتقبة عارية الرأس حافية القدمين تبكي وتولول في الشارع، ثم أصابها من الذعر والخوف ما الله به عليم، حتى إن زوجها إذا أتى من صلاة الفجر كانت تنتظره خلف باب العمارة من جهة الشارع، تنزل من شقتها وتنتظر خلف باب العمارة في الشارع، فقد أصابها من الرعب والذعر الشيء العظيم؛ لأنها دخلت في باب لا تحسنه، فالسحر يوجد من الساحر وغيره، وقد يوجد جماعة يعرفونه ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد، والمعجزة لا يمكن أن يأتي أحد بمثلها، أي: السحر قد يأتي به واحد أو اثنان، أو جماعة، لكن المعجزة لا يأتي بها إلا واحد.","vol":"61","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1230>المعجزة فيها تحد بخلاف الكرامة</span>\nالفارق السادس: أن المعجزة فيها شيء من التحدي، خلافًا للكرامة، فالولي لا يتحدى لأنه لا يزكي نفسه، والنبي تحدى قومه بالمعجزة دلالة على صدق نبوته ورسالته، وهذا للمصلحة العامة، ولمصلحة الخلق، كما أنه مأمور بأن يتحدى ولم يصدر عن نفسه أو هواه؛ لأن الأنبياء أبعد الناس عن الهوى، وألزم الناس للشرع، خلافًا للكرامة فإنه لا ينفع فيها التحدي، لأنها هبة من الله، قد يسلبها منك، ومنحة قد يأخذها، فهي حقه ﷾، فالمعجزة فيها نوع تحدي وهو دعوى وقوعها على وفق ما ادعاه الرسول، فالنبي ﵊ قال للأعرابي لما كذبه في نبوته ورسالته: (أرأيت لو أني قلت لهذه الشجرة وأمرتها أن تأتي أمامي هنا، ثم أمرتها أن تذهب إلى مكانها أكنت تؤمن أني نبي؟ قال: نعم) ففعل النبي ﵊ ذلك.\nومرة قال لأصحابه: (أجمعوا خبزكم وطعامكم) وهو يسير وقليل لو جمعوه ربما لا يكفي واحدًا منهم أو اثنين، (فلما جمعوه برك عليه النبي ﵊أي: دعا فيه بالبركة- فأكلوا جميعًا، وشبعوا وملئوا مزاداتهم).\n(ولما جيء بإناء فيه ماء، وضع النبي يده في الماء فصار الماء يفور من بين أصابعه) فلا أحد يستطيع أن يعملها، ولو تحدى بها النبي لكان محقًا في تحديه؛ لأنها معجزة مادية أتى بها ﵊، والمعجزات المادية للنبي ﵊ لا نهاية لها، فقد جمعها بعض العلماء في مجلدات، ولا تزال هذه المجلدات تفتقر إلى بعض المعجزات.\nهذه بعض الفروق بين السحر، والكرامة، والمعجزة.","vol":"61","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1231>الفروق بين السحر والحسد</span>\nوهناك فروق يسيرة بين السحر والحسد: فالحاسد تتكيف نفسه بالخبث؛ أي: تتصف نفسه بالخبث فتصبح نفسًا غضبية خبيثة حاسدة تؤثر في المحسود بطريقين: الطريقة الأولى: قوة النفس الذاتية، بحيث يتمكن الخبث من النفس، فلا تكاد تجد في نفس الحاسد طيبًا، وهي في هذه الحال تؤثر في المحسود غاب أم حضر، يعني: هو جالس في مصر يحسد واحدًا في قطر، فهي نفس خبيثة امتلأت شرًا.\nأما الطريقة الثانية: فهي طريقة العائن، والعائن هو الذي ينظر بعينه، لا يستطيع أن يحسد شخصًا بعيدًا عنه، لا بد أن يراه، وقد كان في بلادي رجل عائن يحسد، وكان ساكنًا في آخر الشارع، وكان يحسد رجلًا، فذهب المحسود وأتى بشخص حاسد آخر من أجل أن يحسد له الحاسد، فلما رأى الحاسد قد خرج من البيت قال له: هذا هو في آخر الشارع فاحسده إذًا، فقال له: أنا لا أرى شيئًا وأنت تراه؟ قال له: نعم، قال له: أنت نظرك حاد، وغير ذلك من هذه البلايا، فوقع المحسود في الحسد، فالعائن لا يستطيع أن يحسد من غاب عنه، فإن نفسه خبيثة لكن لم تبلغ في الخبث مبلغ الأول، والعائن الذي يمرض ويؤذي غيره بسبب تلك النظرة الخبيثة المنبعثة من أعماق نفسه يضر غيره لأمرين: أولًا: لشدة العداوة والحسد، فإذا قابل العائن عدوه ورآه بعينه وتوجهت نفسه الخبيثة إلى المنظور إليه أضر به، وكل ذلك لا يقع إلا بإذن الله وقدره.\nالثاني: الإعجاب، فهو يضره عن طريق الإعجاب، كأن يقول: يا سلام! أنت تراه وأنا لا أراه، فهذا إعجاب بحدة النظر، ولذلك فإن الحسد يقع من الحاسد قصده أو لم يقصده، والصحابة الذين هم أشرف مني ومنك وقع بينهم الحسد ولم يقصدوه، وهذا اسمه حسد الإعجاب، ففي السنة: (أن رجلًا من أصحاب النبي ﵊ كان يغتسل، وكان بدنه أبيض، فلما نظر إليه صاحبه سر ببدنه فقال: ما أبيض بدنه! وأجمل لحمه! -أو شيء من هذا- فأصابته هذه العين فورًا، فاحمر بدنه، فأمر النبي ﷺ الحاسد أن يغتسل من الماء ويؤتى بهذا الماء ليغتسل منه المحسود، فشفى الله تعالى المحسود).\nفالحسد يقع من الرجل بالإعجاب قصده أو لم يقصده، فإذا قصد الحسد فهو خبيث النفس، وإذا لم يقصده فهو ما يسمى عند العلماء بحسد الإعجاب، وحسد الإعجاب هو أن الناظر يرى الشيء رؤية إعجاب أو استعظام فتتكيف روحه بكيفية خاصة تؤثر في ذلك المتعجب منه.\nوالشياطين تعين الحاسد والساحر، ولكن الحاسد تعينه بلا استدعاء منه لهم، وهذا فارق بين الحسد والسحر، والساحر يستدعي الشياطين، ويطلب منهم أن يعينوه، وربما طلب الشيطان من الساحر أن يعبده أولًا قبل أن يقضي له حاجته، وينفذ الساحر للشيطان طلبته، وقد قرن الحق ﵎ في سورة الفلق بين الاستعاذة من شر الحسد وشر الساحر في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:١ - ٥]، والاستعاذة من هذين الشرين تعم كل شر يأتي من شياطين الإنس والجن، فالحسد يكون من شياطين الإنس والجن وكذلك السحر.\nوقد دل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥]، على أن للحاسد شرًا يؤذي المحسود، فلا يجوز أن يدعي مدع أن الحاسد لا يؤثر في المحسود ولا يضره، وقد رأينا في هذا العصر حيوانات برية وبحرية تقتل غيرها عن طريق أشعة تنبعث من عينها أو جسدها، فلم لا يكون في بعض الناس قوة خاصة تؤذي الآخرين وتضر بهم؟","vol":"61","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1232>حكم الشرع في السحر والسحرة</span>\nوالشرع له موقف ثابت لا يتزعزع من السحر والسحرة، ومن الحسد والحاسدين، وقد جاء الإسلام وشن حربًا لا هوادة فيها على السحرة، والكهان، والعرافين، وعد الرسول ﷺ السحر واحدًا من الجرائم المهلكات، وفي حديث آخر قال عن مصدق الكهان: (فقد كفر بما أنزل على محمد) وعد الذي يقتبس شعبة من النجوم أنه قد اقتبس شعبة من السحر، وذهب كثير من العلماء إلى وجوب قتل الساحر، وعدم صحة توبته، وصح عن عمر بن الخطاب أنه أمر ولاته في شتى أنحاء الدولة الإسلامية بقتل كل ساحر وساحرة، وفعلًا نفذ بعض الولاة أوامر الخليفة الراشد، ولذا فإن السحرة لم توجد لهم سوق رائجة في ديار الإسلام، وكان المسلمون المستقيمون ينظرون إلى السحرة نظرة ازدراء واحتقار، ومع ذلك فإن ديار الإسلام لم تخل على مر التاريخ من السحر والسحرة، ولكن المسلمين كانوا ينظرون إليهم نظرة مقت، وكانت سيوف الحكام تلاحقهم بالقتل، والطرد، والإيذاء، وألسنة العلماء تبين خبثهم ودجلهم، وضلالهم.\nيذكر ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة أربع وثمانين ومائتين: أن الخليفة المعتضد أمر بأن ينادى في جميع أنحاء البلاد بألا يجتمع العامة على قاص، ولا منجم، ولا جدلي، والقاص هو الذي يقص الإسرائيليات والخرافات وغير ذلك، والمنجم هو ساحر عن طريق استعمال النجوم، والجدلي هو الذي يجادل في الدين بغير علم.\nوقد تحدث ابن خلدون عن تاريخ السحر عند المسلمين فقال: علوم السحر والطلسمات مهجورة عند الشرائع لما فيها من الضرر، ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من الكواكب والنجوم وغير ذلك، ولذلك فإن كتبها -أي: الكتب المؤلفة في السحر- كالمفقودة بين الناس، إلا ما وجد من كتب الأقدمين فيما قبل نبوة موسى ﵇، ولم يترجم لنا من كتبهم إلا القليل، مثل كتاب الفلاحة النبطية لـ ابن وحشية من أوضاع أهل بابل، فأخذ الناس منها هذا العلم وتفننوا فيه، ووضعت بعد ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة، وكتاب طمطم الهندي في صور الدرج والكواكب وغيرها.\nثم ظهر بالمشرق جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة، فتصفح كتب القوم، واستخرج الصناعة، وغاص في زبدتها، واستخرجها ووضع فيها عدة من التآليف، وأكثر من الكلام فيها، وفي صناعة السيمياء؛ لأنها من توابعها؛ ولأن إحالة الأجسام النوعية وتبدلها من صورة إلى صورة ومن هيئة إلى هيئة، إنما تكون بالقوة النفسية الخبيثة لا بالصناعة العملية، فهو من قبيل السحر، وسيأتي معنا ذلك بإذن الله تعالى.\nوغير ذلك من الكتب المصنفة في هذا ككتاب غاية الحكيم الذي صنفه مسلمة بن محمد المجريطي إمام أهل الأندلس في السحر، وكتاب آخر اسمه: الغاية لنفس المؤلف، وهو مدونة وموسوعة في هذه الصناعة، وكتاب لـ صخر بن الخطيب اسمه: السر المكتوم، وذكر ابن خلدون أن بالمغرب صنفًا من هؤلاء المنتحلين لهذه الأعمال السحرية يعرفون بالبعاجين، يشير الواحد منهم إلى الكساء أو الجلد فيتخرق، ويشير بإصبعه إلى الجدار فينخرم الجدار، ويشيرون إلى بطون الغنم بالبعج -يعني: بالخرم- فتنخرم بطن النعجة، ويسمى أحدهم لهذا العهد باسم البعاج؛ لأن أكثر من ينتحله من السحر متخصصون في البهائم، ويرهب بذلك أهلها ليعطوه من فضلها، خوفًا على أنفسهم من الحكام، فإن الحكام في المغرب كانوا يتعلمون السحر ويعانونه كذلك.\nوقال ابن خلدون: سألت بعضهم فأخبرني فقال: وأما أفعالهم فظاهرة موجودة وقفت على الكثير منها، وعاينتها من غير ريبة في ذلك.","vol":"61","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1233>موقف الشرع من علم أسرار الحروف</span>\nذكر ابن خلدون: أن بعض المتصوفة خاضوا في نوع من السحر هو علم أسرار الحروف، وهذا نوع من أنواع السحر، يظل الشخص يفسر لك (بسم الله الرحمن الرحيم) في شهر، يقول لك: الباء تعني كذا وتفيد كذا، والباء من كذا، وأصلها كذا، ومردها إلى كذا، والمحاضرة التي بعدها عن السين وهي تفيد كذا، وأصلها كذا، وذاهبة إلى أين، وأتت من أين، وهذا ما يعرف بالتفسير العددي للقرآن الكريم، وعبد الرزاق نوفل هو إمام أئمة هؤلاء الدجالين السحرة.\nوفي أحداث سبتمبر رأينا أناسًا يستشهدون بالآية رقم مائة وعشرة من سورة التوبة على أن البرج مائة وعشرة، مع أن البرجين كانا مائتين وعشرين، وهذا ما يدل على كذبهم، فيستخدمون أسرار الحروف، وهذا النوع هو المسمى بالسيمياء، نقل وضعه من الطلسمات في اصطلاح أهل التصوف من المتصوفة استعمل هذا الاستعمال الخاص.\nويذكر ابن خلدون: أن هذا العلم حدث في الملة بعد صدر منها، يعني: خلف الأمة لم يكونوا يعرفون علم السيمياء هذا، ولا علم تفسير القرآن بالأعداد، ولا علم التفسير بالحروف، وعند ظهور غلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحفظ، وظهور الخوارق على أيديهم، والتصرفات على عالم العناصر، وتدوين الكتب والاصطلاحات، ومزاعمهم في تنزل الوجود على الواحد وترتيبه، وزعموا أن الكمال الأسمائي مظاهره أرواح الأفلاك والكواكب، وأن طبائع الحروف وأسرارها سارية في الأسماء فهي سارية في الأكوان على هذا النظام، والأكوان من لدن الإبداع الأول تنتقل في طوره، وتعرب عن أسراره، فحدث لذلك علم أسرار الحروف، وهو من تفاريع علم السيمياء لا يوقف على موضوع، ولا تحاط بالعدد مسائله، وتعددت فيه تآليف البوني وابن عربي وغيرهما ممن اتبع آثارهما، وحاصله عندهم وثمرته تصرف النفوس الربانية في عالم الطبيعة في الأسماء الحسنى والكلمات الإلهية الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السارية في الأكوان.\nوفي الشهر الماضي رأينا بعض الأوراق التي فيها معالجة بعض الأمراض بالأسماء الحسنى، وهذا الباب من أبواب السحر، يقولون: الذي عنده جذام يكون علاجه في اسم الله كذا، يقرؤه ألف مرة، أو مائة مرة، أو ثلاثمائة وسبعين مرة، أو مائة واثنين وخمسين مرة، فمن أتيتم بهذه الأعداد؟ وما يدريكم بأن هذا الاسم هو الذي يوافق هذا المرض؟ ألستم تعرفون أن الدواء إذا وافق الداء كمًا، وقدرًا وكيفًا أصابه بإذن الله تعالى، وممكن أن شخصًا يأخذ علاجًا لكن لا يبرأ؛ لأن العلاج هذا لا يناسب الداء، أو أنه مناسب للداء لكن الجرعة التي يأخذها ليست كافية، ومما يدل على ذلك: (أن رجلًا أتى إلى النبي ﵊ وقال: يا رسول الله! إن أخي استطلق بطنه، - يعني: بطنه توجعه - فقال: مره فليشرب عسلًا، فشرب عسلًا فلم يبرأ، فأتى أليه مرة أخرى وقال: يا رسول الله! لم يحصل أي شيء إنه مريض، قال: مره فليشرب عسلًا، ثم مره فليشرب عسلًا، حتى برأ).\nيقول ابن القيم عليه رحمة الله: لم يبرأ أولًا لأنه لم يأخذ القدر الكافي من الدواء، فلو قال لك: أنت علاجك بإذن الله تعالى في هذا الدواء، فتقول: من أجل أن أخلص نفسي أشربه كاملًا من أجل أن أرى صدق هذا الطبيب من كذبه، ثم تفاجأ بأن الطبيب صار كذابًا؛ لأنك تصاب بتسمم، وفي الحقيقة الطبيب ليس كاذبًا، الطبيب محق في صرف هذا الدواء وهو المناسب للداء، لكن المناسب له بالكيفية المعينة، وأنت خالفت الكيفية، فربما تصاب بداء أعظم من دائك الذي تريد التطبب والعلاج منه.\nنتوقف عند هذا الحد، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله.","vol":"61","page":14},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1234> السحر بين الحقيقة والخيال</span>\nالسحر له حقيقة، وهو حرام في شريعة الإسلام، تعلمه وتعليمه وممارسته، ومذهب جماهير العلماء أن الساحر كافر، وحده القتل، وقد أرشدنا القرآن الكريم وسنة النبي ﵊ إلى كيفية العلاج من السحر، فقد سُحر النبي ﵊ فأنزلت عليه سورة الفلق، ورقى نفسه حتى شفي.","vol":"62","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1235>سياق ما روي في أن السحر له حقيقة</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nهل السحر حقيقة أم خيال؟ والخيال: بمعنى التخييل، والوهم: أن يتوهم الإنسان أن التراب صار ذهبًا، أو أن الذهب صار ترابًا، أم أنه بالفعل قد صار الأبيض أسود، أو صار الأسود أبيض؟ اختلف العلماء: هل للسحر حقيقة في قلب طبائع الأشياء وأصولها، أم أنه ما هو إلا تخييل؟ يقول الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] فهل هذا تخييل أم أنها بالفعل كانت تسعى، فانقلبت وتحولت من عصا إلى حية؟ أم أنه خيل إليه فقط أنها تسعى، وهي في حقيقة الأمر لا تسعى؟ اختلف أهل العلم في هذه القضية: هل للسحر حقيقة أم أنه خيالات وأوهام؟ وهذه مسألة محل بحث، وسوف نسرد الأدلة فيها فيما يلي: أولًا: قال الله ﷿: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢].\nفتبين بهذا أن السحر علم، وباتفاق أهل العلم أنه من العلوم الضارة.\nوالعلوم: إما نافعة، وإما ضارة.\nفالعلوم النافعة: هي التي تخدم دين الله ﷿، أو أنها هي من دين الله، كعلم التفسير، وعلم التوحيد والعقيدة، وعلم الحديث وعلم الفقه، والعلوم التي تخدم هذه العلوم وهي علوم الآلة: كعلم اللغة العربية والأدب وغير ذلك، وأصول الفقه وأصول الحديث، كل هذه العلوم تسمى علوم الآلة، وهي التي نتوصل من خلالها إلى فهم كتاب الله تعالى، وفهم سنة النبي ﵊، وفهم الفقه الصحيح على هذه الأصول الشرعية.\nفالعلوم هذه هي العلوم النافعة، ومن العلوم النافعة كذلك: العلوم التي تخدم عمارة الكون بما لا يتعارض مع دين الله ﷿، كعلوم الطب والفيزياء والهندسة وغير ذلك.\nأما العلوم الضارة فهي العلوم المحرمة، كعلم النجوم، أن تتعلم من النجوم ما يعارض الشرع، وعلم السحر وعلم التنجيم، وعلم السيمة الذي يعرف عند السلف بعلم السيمياء، وهو الذي عبر عنه بعض المفسرين: بمعرفة طبائع وأصول الأحرف، فهذا علم قد تبنته البهائية يقولون: بسم الله الرحمن الرحيم، الباء تعني كذا والسين تعني كذا، والميم تعني كذا، وهذا في الحقيقة لا علاقة له أبدًا بالمنهجية السلفية في تفسير كتاب الله ﷿.\nفهذا من العلوم الضارة كذلك، وقد تبنته بعض الفرق الضالة، وغير ذلك من العلوم التي تتعارض مع دين الله ﷿ حلًا وحرمة.\nوقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ [يونس:٨٠]؛ أي: الذين يسحرون غيرهم.\nوقال تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦].\nفهذه الآيات كلها تدل على أن للسحر حقيقة، وهذا مذهب جماهير العلماء أن السحر له حقيقة.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن عمر، وعثمان، وجندب، وعائشة، وحفصة أنهم أمروا بقتل الساحر وقالوا: حد الساحر ضربة بالسيف].","vol":"62","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1236>شرح حديث عائشة في سحر النبي ﷺ</span>\nقال: [وعن عائشة قالت: (سحر رسول الله ﷺ حتى إنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله)]، بسبب السحر الذي سحر به ﵊.\nقال: [وعن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ أصابه شيء - أي: من السحر - حتى كان يرى أنه يأتي نساءه ولا يأتيهن)].\nوهو في حقيقة الأمر لم يأتهن، لكنه كان يخيل إليه أنه قد أتاهن، فانتبه من نومه فقال: [(يا عائشة، إن الله تعالى أفتاني فيما استفتيته)]، يعني: إن الله تعالى أراني حقيقة رؤيا قد رأيتها، (أتاني آتيان -أي: رجلان- فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي فقال أحدهما للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب)، يعني: مسحور، من الطب، وسموا المرض علاجًا أو صحة كما سموا السحر طبًا من باب التفاؤل، كما سموا الشقاء سعادة من باب التفاؤل.\n[(قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم)]، ولبيد بن الأعصم رجل من اليهود سحر النبي ﷺ، [(قال الملك لصاحبه: فيم؟ قال: في مشط ومشاطة)]، المشط هو الذي يرجل به الشعر، والمشاطة: هي الشعر الذي يخرج في أثناء التمشيط وتسريح الشعر.\nقال: [(وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان)]، أي: في طلعة نخل، وأنتم تعلمون أن قشر النخل يسمى الطلعة، فقد وضعه لبيد بن الأعصم في هذه الطلعة في بئر يسمى: بئر ذروان.\nقال: [(فأتى النبي ﷺ البئر فاستخرجه)].\nوفي رواية عند البخاري كذلك: (أنه أرسل بعض أصحابه فاستخرجه، وقال النبي ﵊: هذه البئر التي رأيتها كأن ماءها نقاعة الحناء).\nأي: هذه البئر هي التي قد رأيتها في المنام، وكأن ماءه كماء الحناء المنقوع، قال: (وكأن نخلها رءوس الشياطين)، يعني النخل الذي خرج من هذا البئر كأنه رءوس الشياطين.\nقال: [(قالت عائشة: فقلت له: ألا تنتصر يا رسول الله!)].\nوفي رواية: (ألا تنتشر)، أي: ألا تعالج نفسك بالنشرة، والنشرة عند المسلمين الأوائل وعند العرب معروفة، وهي: ضرب من ضروب العلاج كان الصحابة ﵃ يتعاطونه، ولا يزال إلى يومنا هذا من يتعاطى النشرة ويعالج بها من بعض الأمراض.","vol":"62","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1237>علاج السحر وشروط الانتفاع به</span>\nكثير من الشباب في مقتبل عمرهم الزوجي أو بعد زواجهم، يشكون أنهم لا يقدرون على وصل نسائهم، فيشكو ذلك ولا علة فيه في الحقيقة، فهو يرى أنه كان قبل أن يقترب من امرأته طبيعيًا، فإذا اقترب منها لا يقوى على وصالها.\nفلاشك أن العلاج الشرعي في هذه القضايا هو ما أسماه العلماء: بالنشرة، وهي عبارة عن سبع ورقات خضر من ورق السدر، أو ورق النبق، والسدر والنبق هما شجرة واحدة تسمى السدر، وتسمى النبق في بعض النصوص، فتؤخذ الورقات السبع وتدق بين حجرين دقًا، ويطحنهما طحنًا، حتى يصيرا كالعجينة، ثم يضعها في ماء كثير يسع للاغتسال، ثم يقرأ على هذا الماء آية الكرسي، والفاتحة، ويقرأ المعوذتين والإخلاص، يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يشرب من هذا الماء ويتظلع، فإذا شبع من هذا الماء اغتسل بالباقي.\nويعتقد أن العلاج من عند الله ﷿، وأن الشفاء من عند الله؛ لأن اعتقادك أن الدواء شفاء بذاته هذا باب من أبواب الشرك، وإنما الدواء سبيل وسبب للشفاء، أما الشافي على الحقيقة فهو الله ﷿.\nوترك الأسباب -كما يقول أهل العلم- قدح في التوحيد، والاعتماد على الأسباب شرك بالله تعالى.\nقدح في التوحيد أن تترك السبب، وشرك بالله أن تعتمد على السبب، تقول: أنا مريض بكذا، وعلاج هذا المرض هو الدواء الفلاني، فكوني قد أخذت هذا الدواء فلابد أن يتم العلاج، وأن يذهب الداء وأن تذهب العلة؛ لأن هذا الداء يناسبه الدواء، فإما أن يتعاطى الرجل الدواء بنسبة معينة، فتوافق هذه الجرعات ما عندك من مرض.\nأما تعلمون أن النبي ﵊ أتاه رجل وقال: (يا رسول الله! إن أخي يشتكي بطنه، فقال: أسقه عسلًا، فذهب فأمر أخاه أن يشرب العسل، ثم أتاه مرة أخرى فقال: (يا رسول الله، إن أخي لا يزال يشتكي بطنه، قال: أسقه عسلًا، فعل ذلك ثلاث مرات، وفي الثالثة قال النبي ﵊: صدق الله وكذبت بطن أخيك)؛ لأن الله تعالى صادق فيما أخبر ﷾: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩].\nيقول ابن القيم في شرح هذا الحديث: العلاج لا يؤثر في الداء إلا إذا ساواه في العطية.\nفربما لا يذهب الداء إلا إذا أخذت جرعة بمقدار معين، أما إذا أخذت أكثر منها أو أقل فلا.\nألا ترون أن رجلًا يذهب إلى الصيدلية فيأتي بزجاجة من الأدوية فيتعجل الشفاء زعمًا وظنًا منه أنه لو تناولها كلها لكان ذلك أعجل في ذهاب المرض، فإذا به يموت أو يسم أو يمرض مرضًا خطيرًا أعظم مما كان عنده، فيقول: كيف ذلك وقد أخذت العلاج أخذًا ربما لم يأخذه أحد مثلي؟! نعم لم يأخذه أحد مثلك، لكنك أخطأت الطريق، وربما وصفها لك الطبيب أن تشرب ملعقتين، فأنت شربت ملعقة واحدة، فقد أخذت جرعة أقل من الجرعة المطلوبة التي توازي مقاومة الداء، وهكذا في كل علاج.\nهب أنك أخذت العلاج المناسب للداء، ولكن الله تعالى ما أذن لهذا الدواء أن يقوم بدور الطعام في البدن، وأن تكون في هذه الحالة قد قمت بأخذ السبب، كما لو أنك أردت أن تتزوج، وأن يكون لك ولد، فالسبب الموصل لحصول الولد أن تتزوج، ولا يتصور أن إنسانًا عاصيًا يقول: الله تعالى قادر أن يرزقني الولد بغير زوجة، فأنا أطلب من الله أن يرزقني الولد، ولكني أعزم ألا أتزوج، هذا لا يقوله إلا إنسان مجنون قد ذهب عقله.\nأو يقول: الله تعالى قادر على أن يطعمني ويسقيني، نعم هو قادر على ذلك، ولكن القادر على ذلك هو الذي أمرك أن تأكل وأن تشرب؛ لأن الطعام والشراب سبب، وربما أكلت وشربت قدر ما يأكل عشرة وزيادة، ولكنك لا تشعر بالشبع ولا بالري؛ لأن الله أفقد من هذا الطعام خاصية الشبع، أراد لك أن تكون جائعًا مهما أكلت، فالذي يشبع في الحقيقة هو الله، والذي يروي من الضمأ في الحقيقة هو الله.\nوربما تشرب، أو يشرب الإنسان الماء، ثم يشرب بعد الماء ماءً، وبعد الماء ماءً، وهكذا، ومع هذا يشعر دائمًا بأنه عطشان، وإذا أراد الله تعالى لآخر أن يروى ولو بجرعة أو شربة ماء لكان ذلك، والله تعالى على كل شيء قدير.\nإذًا: فلابد من اتخاذ الأسباب وعدم الركون إليها، ولذلك قال النبي ﵊: (ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم)، يعني: من شرب ماء زمزم بنية أنه طعام طعم كفاه هذا الماء، وأنتم تعلمون أن أبا ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه ظل في أول العهد المكي في بئر زمزم أربعين يومًا ليس له من طعام إلا التمر، ولا من شراب إلا ماء زمزم، وخرج وقد صارت بطنه تجاعيد لحم من غذاء الماء، ومن غذاء التمر.\nرجل لا طعام له إلا التمر والماء، مع أن الواحد منا الآن توضع أمامه المشنة من التمر والقلال من ماء زمزم، فإذا فرغ منها قال: أين الطعام؟ كأنه لا يعتمد على هذا، ولو لمجرد أنه سبب.\nوالنبي ﵊ يقول: (ماء زمزم لما شرب له).\nتذهب إلى الحرم، وتشرب ماء زمزم بنية طلب العلم والجد فيه، وأن تبلغ فيه مبلغ السيوطي وابن حجر وفلان وفلان، وأنت في قمة الكسل لا","vol":"62","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1238>الرد على من أنكر أن النبي سحر</span>\nقال: [قال النبي ﵊: (أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على أحد شيئًا) -يعني: أنا أكره أن أثير على أحد ولو كان يهوديًا شيئًا تقوم به الفتنة- ونزلت: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] إلى آخر السورة].\nوهذا الحديث في صحيح البخاري، ومسلم.\nوالعجيب أن هذا الحديث أثار جدلًا لدى الأوساط العلمية، لكن في الحقيقة: لم يقل بتأويل هذا الحديث وصرفه عن ظاهره إلا كل إنسان فقد عقله، أو على الأقل لم تنضبط عنده الأصول العلمية السلفية.\nفالكثير يستنكر هذا الحديث ويقول: هو حديث في غاية النكارة.\nوليس في الحديث نكارة، ونحن قد علمنا أن الحديث في الصحيحين، اتفق عليه البخاري ومسلم، فكيف يحكم عليه بالنكارة، وإذا كان الحديث متفقًا عليه فهو في أعلى درجات الصحة؟ فكيف يحكم عليه بالنكارة لمجرد أن عقول هؤلاء لم تقبله؟ ولم يقل بإنكار هذا الحديث إلا المعتزلة والجهمية.\nالمعتزلة الذين اعتمدوا العقل أصلًا في قبول الأخبار أو ردها، فما وافق العقل من الأخبار قبلوه، وما رده العقل من الأخبار ردوه ولم يعتمدوه.\nواعتبروا أن العقل حاكم على النص، والحقيقة عند أهل السنة: أن النص حاكم على العقل، وإلا لو كان العقل حاكمًا على النص، فالعقول مختلفة ومتباينة، فما يقبل هذا لا يقبله ذاك والعكس بالعكس، وبالتالي: لا تنضبط الأمور العلمية، ولا تستقر الأحكام الشرعية، فيحصل اضطراب وخلل في المسائل الشرعية، بل في دين الله ﷿ كله.\nولذلك قبل العلماء هذا الحديث؛ لأنه قد توفرت فيه شروط الثبوت كلها، ومعلوم أن شروط القبول أو الثبوت كثيرة جدًا اتفق العلماء على بعضها واختلفوا في البعض الآخر.\nأما ما اتفقوا عليه بغير منازع فهو: شرط اتصال الرواية، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، وانتفاء الشذوذ والعلة، هذه خمسة شروط اتفق عليها العلماء.\nفهذا الحديث قد توفرت فيه هذه الشروط الخمسة.\nواتفق البخاري ومسلم على إخراج هذا الحديث، وكما يقول العلماء: الأحاديث المتفق عليها عند البخاري ومسلم في أعلى درجات الصحة، ليس صحيحًا فحسب، بل في قمة درجات الصحة، فكيف ترد هذه الأخبار لمجرد التوهم العقلي أن النبي ﷺ لم يسحر؟ ثم يثيرون شبهة أخرى فيقولون: سحر النبي ﵊ يؤدي إلى إبطال الشرع بعدم الوثوق في كلام النبي ﵊؛ لأنه كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، وأنه يأتي نساءه ولم يأتهن، لكن يخيل إليه ذلك.\nفما المانع أن يخيل إليه أن الله تعالى أوحى إليه وفي الحقيقة لم يوح إليه؟ فيتكلم بكلام يظن أنه وحي وليس الأمر كذلك.\nهكذا أثاروا هذه الشبهة، والرد عليها: أن التخييل في السحر: هو من باب الأمراض التي تلحق الأنبياء، فإن الأنبياء يبتلون ويمرضون، ويعذبون، كما فعلت بنو إسرائيل في أنبيائها، والنبي ﵊ كان يمرض بالحمى وبالسخونة، وكان يوعك في فراشه وعك اثنين منكم، كما قال: (إني أوعك كما يوعك الاثنين منكم)، يعني: يتألم، وقال في سكرة الموت: (إن للموت لسكرات)، وكان يعاني منها ﵊.\nوالنبي ﷺ جلس مدة من الزمان قبل أن يموت بساعات وهو مريض أصابته الحمى، وغير ذلك من الأمراض التي يشترك فيها الأنبياء مع غير الأنبياء.\nوهذا أمر لا يؤثر على الوحي مطلقًا، ودليل ذلك: أن النبي ﵊ لم ينس شيئًا مما أوحى الله تعالى به إليه، وكلفه أن يبلغ ذلك إلى الأمة.","vol":"62","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1239>عصمة النبي في باب البلاغ</span>\nأما عصمة النبي ﷺ في باب التلقي والبلاغ فثابتة بالقرآن والسنة، وإجماع الأمة.\nفالنبي ﵊ معصوم فيما تلقى عن ربه وفيما بلغه إلى الناس، لم يخف عنه شيئًا، ولم يزد في الشرع شيئًا، هذا أمر محل إجماع، ودليل الإجماع: نصوص الكتاب والسنة، ولذلك النسيان عرض من الأعراض، وقد أصيب النبي ﷺ بالنسيان، ولو قلنا: إن النبي ﷺ لا ينسى أو أن نسيان الأنبياء يطعن في الشرع؛ لأنه ربما نسي حكمًا شرعيًا، فأبدل مكانه كلامًا من عنده ظنًا منه أنه وحي وليس كذلك، فلابد أن نقول حينئذ: إن نسيان الأنبياء أمر قد يقدح في الشرع، وليس كذلك باتفاق؛ لأن النبي ﵊ نسي ولكن نسيانه لم يكن له أدنى تأثير على الوحي، لا من قريب ولا من بعيد؛ بدليل أنه ﵊ سمع رجلًا من أصحابه يقرأ في المسجد والنبي ﷺ في بيته، فقال: (يرحم الله فلانًا قد ذكرني آية كنت قد نسيتها).\nوقد صلى النبي ﵊ الظهر مرة ركعتين، ثم سلم، فتهمهم الصحابة فيما بينهم، ولم يجرؤ أحد أن يراجع النبي ﷺ في ذلك إلا رجلًا طويلة يداه يلقب: بذي اليدين، فقام إليه وقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ لم ينكر عليه النبي ﷺ قوله: أم نسيت، ولو كان النسيان ممتنعًا في حق الأنبياء لقال له: كيف تعتقد في النبي ﷺ أنه ينسى؟ أما علمت أن النسيان يؤثر في الوحي، ويؤثر في البلاغ؟ فلما لم يقل له ذلك؛ فدل هذا على إقرار هذا الصاحب أن الأنبياء ينسون، وأنه لا حرج عليهم في ذلك، وأنهم ما نسوا شيئًا إلا بعد البلاغ.\nولذلك النبي ﵊ لما كان يتعجل أن يحفظ ما يلقى إليه عن طريق جبريل ويحاول قبل أن ينصرف جبريل عنه أن يحفظ الآيات التي نزلت، فأنزل الله تعالى قرآنًا يضمن له أنه لا ينسى ذلك قبل البلاغ، فقال: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩].\nيعني: لا تتعجل أن تحفظ ما يلقيه عليك جبريل ولا تهتم لذلك، فسيعيده لك مرة واثنتين وثلاثًا وعشرًا حتى تحفظه حفظًا جيدًا، وتفهم معناه وتأويله وتفسيره، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩]، أي: شرحه وتوضيحه وتفسيره، فلا تحمل الهم يا محمد، إنك لن تنسى أمرًا قبل أن تبلغه للناس، مستحيل أن يكون ذلك؛ لأن هذا باب من أبواب العصمة.\nفالنبي ﷺ معصوم من أن يتلقى الوحي عن الله ثم ينساه، وقد لا يبلغه للأمة، هذا مستحيل! ومن قال بذلك كفر بالله تعالى، لأنه يلزمه أن يقول: إن الشريعة لم تتم، وإن الدين لم يكمل، وإن النبي ﷺ قصر في البلاغ، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧].\nفالنبي ﵊ ما مات حتى بلغ دين الله تعالى كاملًا، وأقره الله تعالى على ذلك قبيل موته، فأنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].\nفالذي يقول: إن النبي ﷺ نسي أن يبلغ شيئًا يلزمه أن يقول: إن الدين لم يكمل، وإن الشريعة لم تتم، وبالتالي: يلزمه أن يكذب الله تعالى فيما أخبر وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، فإذا كان النبي نسي شيئًا فالدين لم يكمل، فتكون هذه الآية كذب عياذًا بالله تعالى.\nفهذا باب من أبواب الضلال العظيم.\nوالنبي ﵊ لما قام إليه ذو اليدين وقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة؟ أي: أنزل عليك جبريل يأمرك بقصر الصلاة، فصليت الظهر ركعتين بدل الأربع، أم أنك نسيت؟ فقال النبي ﷺ: (ما قصرت وما نسيت)، يعني: لم ينزل علي الوحي بأنها قصرت، وما أظن أني نسيت، فقال: يا رسول الله! بل قد صليت ركعتين، فقال النبي ﷺ: (أصحيح ما يقوله صاحبكم؟ قالوا: نعم يا رسول الله! فقام وكبر وصلى ركعتين ثم سلم، ثم سجد للسهو).\nفالنبي ﷺ نسي بعد البلاغ، إذ إن ذا اليدين ما قال له ذلك إلا لشرع قد استقر عنده آنفًا أن الظهر أربع ركعات.\nإذًا: النسيان الطارئ على الأنبياء لا يطرأ إلا بعد البلاغ، أما قبل البلاغ فمستحيل؛ لأن هذا يناقض عصمة التلقي والبلاغ، والنبي ﷺ معصوم، بل كل الأنبياء معصومون في هذا الباب.\nفقالت له عائشة: (يا رسول","vol":"62","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1240>شرح حديث: (اجتنبوا السبع الموبقات)</span>\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)]، أي: إياكم أن تقربوا هذه الموبقات المهلكات التي إذا اجتمعت على صاحبها، أو انفردت به واحدة منهن أهلكته ودمرته، والسبع الموبقات، أي: المهلكات.\nقال: [(قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله)]؛ لأن الشرك بالله أعظم ذنب، وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nوالذي دون الشرك هو الكبائر والصغائر من الذنوب، أما الشرك فهو أكبر الكبائر على الإطلاق، وهو الذنب الذي لا يغفره الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، ومغفرة ما دون الشرك متعلق بالمشيئة، ولذلك قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وأصحاب الكبائر في مشيئة الله إن شاء عذبهم غير ظالم لهم، وإن شاء عفا عنهم متفضلًا عليهم ﷾.\nوقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، وغير ذلك من آيات الوعيد والتهديد فيمن أشرك بالله تعالى.\nقال: [(اجتنبوا السبع الموبقات.\nقيل: يا رسول الله! ما هن؟ قال: الإشراك بالله، والسحر)].\nفتبين أن السحر له حقيقة، وله واقع، والعجيب: أن النبي ﷺ ذكر السحر بعد الشرك بالله، فكأنه من أخطر الذنوب والمعاصي.\nومن أهل العلم من ذهب إلى كفر الساحر، بل ذهب جماهير العلماء إلى أن الساحر كافر.\nقال: [(وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق)]، فكل نفس معصومة إلا ما أحل الله تعالى إزهاقها، كما قال ﵊: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة).\n(النفس بالنفس) يعني: لا تقتل نفس إلا إذا قتلت، فتقتل حدًا وقصاصًا بمن قتلتها.\n(والتارك لدينه المفارق لجماعة المسلمين) هو المرتد.\nو(الثيب الزاني) ولم يقل: الزاني؛ لأن مطلق الزنا قبل الإحصان لا يستوجب إلا الجلد مائة وتغريب عام على خلاف في التغريب، فإن بلاد الكفر لا يأمن المرء فيها على دينه، فكأنه في سياحة لا منفى.\nأنت كنت تشعر بشيء مما يسميه الغرب: الحرية، فهذه كذبة، ولا تزال معلومة لأهل العلم وأهل الإيمان أنها كذبة وخدعة، والله ليست حرية مطلقة، ما قيمة الحرية إذا أعطتني هذه البلاد حرية الزنا، والقتل، والخمر، وأكل الخنزير، والتعامل بالربا؟ هذا هو السجن الحقيقي الذي يؤدي بصاحبه إلى نار جهنم عياذًا بالله.\nفمهما عومل المرء في بلاد الإسلام بعنف وقوة وقسوة فهو خير له ألف مرة من بلاد يرى فيها في الظاهر الحرية، وهي ليست كذلك، أي حرية من يحكي لك الكبائر، ويقصها لك، ومستعد أن يقبل منك أي حل إلا أن تقول له: اذهب إلى بلادك وارجع إلى بلادك، فلا يقبل هذا الحل؛ لأنه ألف حياة المعاصي، وأنتم تعلمون أن المعصية الأولى تؤدي إلى الثانية، والثانية تؤدي إلى الثالثة وهكذا، ولا يزال المرء إذا عصى الله تعالى في أمر من الأمور يستعظم المعصية في أول الأمر، فالذي يزني مثلًا أو يشرب الخمر، كان مثلك تمامًا قبل أن يزني أو يشرب، كان لا يستسيغه، لكن مرة مع الثانية مع الثالثة استساغه، وصار أمرًا مألوفًا له، وكذلك الزاني إذا زنى أول مرة ارتعدت فرائصه، وظن أن الله تعالى لا يغفر له، ثم يمنيه الشيطان ويزين له المعصية مرة ثانية وثالثة ورابعة وعاشرة حتى يدمن الزنا، ولا يستغني عنه إلا من رحم الله.\nثم بعد ذلك هذا الشعور الإيماني الذي ارتجف منه في أول مرة لا يشعر به بعد ذلك، فيموت قلبه تمامًا ولا يفكر في الله تعالى، ولا يفكر لا في جنة ولا في نار، إنما جنته هي فعله سائر المحرمات، نسأل الله العافية لنا ولكم.\nفهذه الحرية التي يتمتع بها بلاد الغرب ما هي بالنسبة للمؤمن إلا نار جهنم، ولذلك أهل الإيمان لا يطيقون أبدًا المكث في بلاد الكفر، وهم مأمورون أن يتركوا هذه البلاد، وأن يذهبوا إلى بلاد المسلمين، خاصة في هذه الأيام التي صارت فيها أوروبا وأمريكا بلاد حرب على الإسلام والمسلمين، ويجب على المسلمين والموحدين في كل بلاد أوروبا وأمريكا أن يتركوها وأن يعودوا إلى بلادهم شاءوا أم أبوا، فهذا حكم الله ﷿.\nقال: [(الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا)]، فالربا من أعظم الكبائر، والنبي ﵊ يقول: (من أكل دينارًا من الربا وهو يعلم أنه ربا فهو أشد عند الله من ست وثلاثين زنية)، مَن مِن الناس يستشعر أنه وهو يأكل مال الربا أنه يقع في ذنب أعظم من ست وثلاثين م","vol":"62","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1241>النهي عن تعلم السحر وممارسته</span>\nقال: [وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (من تعلم بابًا من النجوم تعلم بابًا من السحر زاد ما زاد)]، أي: فمن تعلم بابًا من النجوم فقد تعلم بابًا من السحر، والله تعالى يقول: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]، فبين أن للنجم منفعة كما بين أن للنجم مضرة ومفسدة، فمنفعة النجم: أن تهتدي به إلى الطرق، وإلى الأوطان، ومعرفة الأشهر بدايتها ونهايتها وغير ذلك، وهذا من العلم النافع بالنجوم، والعلم المضر كما قال النبي ﵊ (قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما من قال: مطرنا بفضل الله فهذا مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فقد أصبح كافرًا بي مؤمنًا بالكوكب).\nقال: [وعن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة بن عبدة قال: كنت كاتبًا لـ جزء بن معاوية ثم الأحنف بن قيس، وأتانا كتاب عمر قبل موته بسنة، قال: اقتلوا كل ساحر وساحرة].\nهذا الكتاب كتبه أمير المؤمنين عمر لولاته: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس.\nيعني: إذا رأيتم الرجل تزوج أمه أو أخته، أو ابنته أو عمته أو خالته أو جدته ففرقوا بينهما، وانهوهم عن الزمزمة، والزمزمة نوع من أنواع السحر.\nقال: [فقتلنا ثلاث سواحر، وفرقنا بين الرجل ومحارمه كما نص على ذلك كتاب الله تعالى.\nوصنع طعامًا كثيرًا، وألقوا وقر بغل أو بغلين من ورق، وعرض السيف على فخذه فأكلوا بغير زمزمة]، والحديث يطول شرحه جدًا وهو عند البخاري في الصحيح.\nقال: [وعن رجل من ولد عروة بن مسعود أنه دخل على عائشة وسمع أمه وجدته، سمع امرأة تسأل عائشة: هل علي جناح أن أزم جملي؟ أي: هل علي وزر وذنب وإثم أن أسحر جملي؟]، وبلا شك أن الجمل في الظاهر هو الجمل البعير، ولكنها أرادت هنا بالجمل البعل والزوج.\nقال: [فقالت عائشة: لا.\nقالت: يا أم المؤمنين! إنها تعني زوجها -أي: هذه المرأة لا تقصد الجمل، وإنما تقصد البعل أو الزوج- قالت عائشة: ردوها علي، فقالت وهي راجعة: ملحة ملحة في النار، ملحة ملحة في النار، وهذا كلام يستخدمه السحرة ويفهمون معناه، فقالت عائشة: اغسلوا على أثرها بالماء والسدر]، يعني: اغسلوا أثر خطواتها التي مشتها في الطريق بماء وسدر.\nفتبين أن هذا أحد العلاجات لذهاب السحر، وهو غسل الأماكن بالماء والسدر.","vol":"62","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1242>ما ينبغي أن يتمتع به المعالج بالقرآن من خصال</span>\nوالعلاج بالقرآن الكريم لا ننكره، وإنما نقول بمشروعيته، ونعتقد صحته في كتاب الله وسنة الرسول ﵊، لكن هؤلاء الإخوة المعالجون بالقرآن في الغالب أنهم يتصدرون بغير علم فيفسدون أكثر مما يصلحون، قد يكون كثير منهم في الغالب ما عنده شغل، وليس له مصدر دخل فيتخذ هذا مصدرًا للدخل، وعدته قليلة، فتصور أن هذا أخف عمل يحتاج إلى عدة، فيستقبل المريض على قفاه وعلى وجهه وعلى صدره ويلاقيه وهو كامل البدن فيخرج بغير ذراع، أو بغير رجل، أو بغير ضلع.\nولم يثبت أن النبي ﷺ ضرب أحدًا، ولم يثبت عن شيخ الإسلام ولا عن الإمام أحمد، والإمام أحمد بن حنبل لم يكن متخصصًا بشأن العفاريت، فلم يكن عالم متخصصًا من الأئمة لهذا الكلام.\nفهذا الأمر يريد جبالًا من التقوى، لأن الجني وهو في بدن المصروع يراك قادمًا عليه فيفر ويهرب.\nأحمد بن حنبل ثبت عنه رضي الله تعالى عنه ورحمه أنه كان يرسل نعله، كان يبعثه مع ابن هاني، أو مع عبد الله ولده، فيأتي إلى المصروع، فينطق الجني من غير أن يكلمه عبد الله ولا ابن هاني، ويقول: قل لـ أحمد: لو أمرتنا أن نخرج من بغداد لخرجنا، ليس من هذا المصروع فقط، فـ أحمد بن حنبل كان بغداديًا، فهو من بلد صدام، فأين الثرى من الثريا؟ أما بعض أهل العلم الموثوق بدينهم وأمانتهم وورعهم، فإن الله تعالى يجري على أيديهم الطيبة الطاهرة كثيرًا من الشفاء من حالات المرض، وهذا الذي يقدره الإنسان ويحترمه أشد الاحترام.\nالجن يحتاجون إلى علم راسخ أصيل حتى لا يزل المؤمن مع الجن، فقد يضحك عليه هؤلاء الجن، كما رأيت بعين رأسي منذ سنوات عديدة سنة خمس وثمانين في الجمعية الشرعية بالمنصورة، واحدًا من كبار القوم بل أقول: إنه صاحب مدرسة الجن في هذا العصر، أتته امرأة مصروعة على باب المسجد وقال له وليها: هذه امرأة مصروعة، وأريد أن تعالجها، وأن تقرأ عليها، فقرأ عليها إلى أن حضر الجني، فقال له الشيخ: اخرج، قال: لن أخرج إلا إذا أعطيتني سيجارة، ثم قال له الجني: أنا أشربها لكن لابد أن تولعها، فقال له: أولعها لك، ثم قال له الجني: اشرب منها نفسين، فشرب الشيخ منها نفسين ووضع السجارة في فم المصروع، وهكذا أصبح الشيخ بالنسبة للجني لا قيمة له، فالجني عرفه من أول جولة، وانتهى أمره مهما فعل لا يمكن أن يحترمه الجني.\nفتصور أن إنسانًا لا يحترم أحدًا من الإنس ولا من الجن، هذا لخوائه وفراغه مع الله ﷿، ولو كان صاحب علم لأخبره بحرمة الدخان فورًا، وأتى له بالآيات والأحاديث التي تذيبه ويجعله يهرب من بدن المصروع.\nإنما هذا الإنسان هو الذي يسيره الجن، فكيف يستقيم هذا؟! وهذا رجل أتى إلى هذا المسجد سنة ست وثمانين وسبع وثمانين، وكان له مجلس عظيم جدًا يشهده أناس كثيرون، وكان صاحب دعوة زواج الإنسي من جنية، وقال: قال بذلك ابن تيمية، والإمام مالك.\nوفي الحقيقة الإمامان قالا بإمكانية وقوع ذلك مع حرمتها، وهناك فرق بين إمكانية الوقوع ومشروعية الوقوع، بدليل أن الناس تسرق وتقتل وتزني وتشرب الخمر وغير ذلك، فهذا ممكن الوقوع لكنه ليس مشروعًا، فكذلك زواج الإنس والجن ممكن الوقوع، لكنه ليس مشروعًا.\nوضحك على هذه التفاهة الآلاف من الناس التي كانت تحضر له في هذا المكان، ومن ضمن ما قال: يوم الأحد الآتي سنزوج فلانًا من خشخاشة من الجن، فكلما يقول لها تظهر من أجل أن تنظر تلاقي العدد يزيد أربعة أضعاف، فإذا خشخاشة مشغولة وما قدرت تأتي، واعتذرت لي بالتلفون.\nوقد التقيت به في مؤسسة الريان، وكان قد تقدم باثني عشر كتابًا لكي نطبعها، وكل هذه الكتب عن الجن، قال لي: أنا عندي موسوعة من خمسة وعشرين كتابًا، قلت: لم هذا كله؟ والآيات والأحاديث المتعلقة بهذا العالم لا تتعدى عشر صفحات في كتاب الله وفي سنة الرسول ﵇، لم هذا الكم الهائل تشغل الناس بالكلام الفارغ؟ قال لي: هذا كلام فارغ؟ قلت: نعم، وأنا قد أعددت لك رسالة وأسميتها: إرشاد المحتار في الرد على الشيخ العطار.\nفقرأ الرسالة ثم قلت له: سأشرح هذه الرسالة في يوم الأحد القادم في مسجد الرحمة، أنا سأجلس بجانبك وأنت تقول الذي عندك وأنا أقول الذي عندي، فقال لي: لأجل هذا لا تحرجني، قلت له: إذًا: تقسم لي على كتاب الله تعالى أن خشخاشة هذه اتصلت عليك، وأنك تعلم امرأة من الجن معروفة لديك، وأنها على وعد معك أنها ستتزوج محمدًا هذا؟ قال: لا والله، ولكن أحببنا أن نجمع الناس؛ لكي نقول لهم أي شيء.\nفقلت: ما دام أنت جمعت الناس فلم لم تقل شيئًا، وقد ظللت شهر أو شهرين في وسط عمان تعد الناس بإيقاع الزواج، لم لم تنفذه؟! فاقتنع الرجل أن هذا غير مشروع، ولا يجوز وقوعه وغير ذلك.\nوحكيت له أن رجلًا كان معنا قبل سنة خمس وسبعين في الأردن، وفعلًا كانت تظهر","vol":"62","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1243>قصة عائشة ﵂ والمرأة الساحرة</span>\nقال: [عن عائشة ﵂ قالت: قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حداثة ذلك -أي: بعد موته ﵊ مباشرة، فلازال موته حديثًا- تسأل عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعلم].\nأي: أن هذه المرأة كانت تتعلم السحر، وأتت بعض أعمال السحر وهي لم تعلم أن هذا سحر، لكنها أرادت أن تتوب إلى الله ﷿، فأتت إلى النبي ﵊ تسأله عن صحة توبتها.\nقال: [قالت عائشة لـ عروة: يا ابن أخي! فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها، فكانت تبكي حتى إني لأرحمها، تقول: إني لأخاف أن أكون قد هلكت، ثم تقص القصة، قالت: كان لي زوج فغاب عني، فدخلت عليَّ عجوز فشكوت إليها ذلك، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فسأجعله يأتي.\nفلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين -والكلب الأسود شيطان بنص الحديث- فركبت أحدهما وركبت الآخر -والكلب لا يركب- فلم يكن كشيء حتى وصلنا إلى بابل -وهي المدينة المعروفة- فإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر.\nفقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فأبيت وقلت: لا، قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم.\nفقالا: هل رأيت شيئًا؟ قلت: لم أر شيئًا، فقالا: لم تفعلي، ما بلت في التنور -والتنور هو الفرن- فارجعي إلى بلادك ولا تكفري، وأبيت -أي: فأرادت أن تتعلم السحر وأبت أن ترجع- فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فاقشعر جلدي، ثم رجعت إليهما فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئًا، فقالا: كذبت لم تفعلي فارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك]، يعني: أنت الآن لا زلت بخير.\nقال: [قالت: فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد قد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عني].\nيعني: لما بالت في التنور رأت فارسًا مقنعًا مربوطًا في الحديد قد خرج من بدنها وصار يحلق في السماء حتى غاب عنها.\nقال: [قالت: حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ فقلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه، فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك].\nوهذا يؤيد مذهب من ذهب إلى كفر الساحر.\nقال: [ثم قالا: اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًاَ، قالت: بلى.\nإن تريدي شيئًا إلا كان].\nالمرأة العجوز تقول لهذه المرأة بعد هذا الذي خرج منها ورأته بعيني رأسها: لا تطلبي شيئًا إلا كان.\nقال: [ثم قالت: خذي هذه الحنطة فابذري، فبذرت، فقلت: اطلعي فطلعت، فقلت: احقلي -أي: املئي الحقل بهذا البذر- فأحقلت، ثم قلت: افركي ففركت، ثم قلت: أيبسي -يعني: صيري جامدة- فيبست، ثم قلت: اطحني فطحنت، ثم قلت: اخبزي فخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان سقط في يدي وندمت.\nوالله يا أم المؤمنين! ما فعلت شيئًا قط ولا أفعله أبدًا، قالت عائشة: فسألت أصحاب رسول الله ﷺ حداثة وفاة النبي ﷺ وهم يومئذ متوافرون -أي: كثيرون لما سألتهم عن ذلك بعد موت النبي ﷺ- فما عرفوا ما يقولون لها].\nوكان أمرهم مبنيًا على الورع، فما عرفوا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلم، قال: [إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما.\nقال هشام: فلو جاءتنا اليوم أفتيناها بالضمان].\nكما يقول النبي ﷺ: (الخراج بالضمان).\nيعني: الذي فعلته قبل ذلك أنت ضامنة له، فما أفسدتي شيئًا إلا وقد وجب عليك أن تصلحي ما قد أفسدت.","vol":"62","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1244>ما روي عن النبي ﵊ في أن إبليس خلق من خلق الله</span>\nقال: [ما روي عن النبي ﵊ في أن إبليس خلق من خلق الله].\nإبليس مصدر الشر، ومع هذا فالله هو الذي خلقه، والله تعالى أذن في وقوع الشر كما أذن في وقوع الخير، وهو الخالق الموجد للشر كما أنه الخالق والموجد للخير.\nأما العبد فهو المكتسب للخير والشر، العبد هو الذي مارس بجوارحه صورة الخير وصورة الشر.\nأما الذي أذن في وجود الخير والشر فهو الله ﷿.\nقال: [ما روي عن النبي ﵊ في أن إبليس والجن خلق من خلق الله يرون من يريهم الله لا كما زعمت المبتدعة أن الجن لا حقيقة لهم، وأن إبليس كل رجل سوء]، وهذا قول الفلاسفة وقال بقولهم الجهمية.\nقالوا: ما هناك شيء اسمه المسيح الدجال، والمهدي المنتظر.\nوالمستقر في عقيدة أهل السنة والجماعة: أن عيسى بن مريم لم يمت، ولم يقتل، ولم يصلب، وإنما رفعه الله ﷿ إليه، فهو عنده حي، وسينزل في آخر الزمان يدعو بدعوة نبينا محمد ﵊، ويضع يده في يدي المهدي المنتظر، وهو الذي يقتل المسيح الدجال عند باب لد في فلسطين.\nوهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة وليس فيها خلاف.\nأما أهل البدع فقالوا: لا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه المسيح الدجال، إنما هو رمز للشر.\nوكذلك المسيح عيسى بن مريم إنما هو رمز للخير، وما ورد أن المسيح عيسى بن مريم يقتل المسيح الدجال، فهو كناية عن انتصار الخير على الشر في آخر الزمان، وهذا ضلال مبين قال به كثير من المعاصرين فضلًا عن المتقدمين.\nفالجهمية أو المبتدعة عمومًا أتباع الفلاسفة يقولون: بأن إبليس ليس له حقيقة، ولا كنه، إنما هو رمز الشر، أراد الله ﷿ أن يعبر به على عادة العرب، كالأم لما تريد أن تخوف ابنها تقول: اسكت وإلا سآتي لك بالعفريت، فانبطع في ذهن هذا الغلام الصغير أن العفريت شيء مخيف، فيخرج الولد بهذا الانطباع ويتربى على أن العفريت عبارة عن رمز الشر وليس جسمًا، ولا كنهًا.\nوقالوا أيضًا: لا يوجد شيء اسمه إبليس أو شياطين أو جن، إنما هي أسماء للشر.\nكما يقولون أيضًا: السحر مجاز عن الشر، ومعلوم أن السحر له حقيقة، وهذا مذهب جماهير أهل العلم من أهل السنة والجماعة أن السحر له حقيقة.\nوبعضهم يقول: السحر ليس له حقيقة، وإنما هو خيالات وتوهمات، وهذا بلا شك رأي فاسد باطل ترد عليه أدلة الرأي الأول.\nقال: [قال أبو ثعلبة الخشني ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: (إن الجن على ثلاثة أصناف: ثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وثلث حيات وكلاب، وثلث يحلون ويظعنون)]، يعني: يروحون ويجيئون مسافرين قاعدين وغير ذلك.\nقال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (أمرني النبي ﷺ أن أحتفظ بزكاة رمضان، وأتاني آت من الليل، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج وحالي شديدة -يعني: أنه محتاج وله عيال- قال: فرحمته فخليت سبيله، فلما أصبح أبو هريرة قال النبي ﷺ: ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: يا نبي الله! زعم أنه محتاج وحاله شديدة فرحمته، قال النبي ﷺ: أما إنه قد كذبك وسيعود، فلما كان في الليلة الثانية رصده أبو هريرة فجاءه فأخذه فقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، زعمت أنك لا تعود فقد عدت، قال: دعني فإني محتاج وحالي شديدة، فخلى سبيله، فلما أصبح قال النبي ﷺ: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك الليلة؟ قال: يا رسول الله! شكا حاجة وعيالًا وإني رحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فلما كان في الليلة الثالثة راقبه أبو هريرة فتخبأ له فأخذه فقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها)]، فالصحابة ﵃ كانوا حريصين على الخير.\nقال: [(إذا أخذت مضجعك -يعني إذا أردت أن تنام- فاقرأ آية الكرسي): ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى آخر الآية، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأصبح فقال النبي ﵊: ما فعل أسيرك الليلة؟ قال: يا نبي الله! علمني كلمات زعم أن الله ينفعني بها، قال: وما هي؟ قال: أمرني أن أقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها، فإنه لن يزال علي من الله حافظ، ولا يقربني شيطان حتى أصبح، قال النبي ﵊: أما إنه قد صدقك وهو كذوب)].\nأي: فيما أخبرك به إنه لصادق وإن كان الأصل فيه أنه كذوب، قال: [(أتدري من يخاطبك يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: فذاك شيطان)]، وهذا الحديث في البخاري.\nوعليه فلا ي","vol":"62","page":11},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1245> معجزات الرسول ﷺ</span>\nلقد اختص الله ﷿ الأنبياء والرسل بالمعجزات، واختص الأولياء بالكرامات، وكل ذلك من خوارق العادات، ولكن معجزات الرسل مصحوبة بالتحدي لأقوامهم، وإقامة الحجة عليهم، ونبينا محمد ﷺ من أكثر الرسل معجزات، منها ما حصل وشهد عليه أصحابه، كنبع الماء من بين أصابعه، وتسبيح الحصى والطعام بين يديه، ومنها ما حصل بعد وفاته من بشارات ودلائل على نبوته، أما أعظم معجزاته ﷺ فهو القرآن والذي سيبقى ما بقيت السماوات والأرض.","vol":"63","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1246>الفرق بين المعجزة والكرامة</span>\nإن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nلقد اختص الله ﷿ الأنبياء والرسل بالمعجزات، واختص الأولياء بالكرامات، وجعل الجميع يشتركون في صفة وهي: أن ما يحدث لهم هو من خوارق العادات، فالمعجزة خارقة للعادة، والكرامة خارقة للعادة، بل حتى السحر كذلك، لكن المعجزة تختلف عن الكرامة بأنها خاصة بالنبي، ولذلك سميت معجزة؛ لأنها مصحوبة بالتحدي، فالنبي يتحدى قومه أن يأتوا بمثلها، ولذلك تحدى الله تعالى في كتابه أبلغ العرب وأفصحهم أن يأتوا بمثل هذه القرآن، أو بعشر آيات، أو بسورة، أو بآية، فما أفلح أبلغهم وأفصحهم وأبينهم وأعذبهم لسانًا أن يأتي بآية واحدة تشبه آية من كتاب الله ﷿، مع أن الله تعالى تحداهم في مجال مشهود لهم فيه بالكفاءة.\nكان الأعرابي في باديته يعلم لحن القارئ؛ لأن الآية عنده لا تستقيم على ذلك النحو، فإذا صححها التالي وافقه على هذا التصحيح، وهو أعرابي ربما لم يسمع أهل العلم من قبل، لكن القوم كانوا أبلغ الخلق، ومع هذا فقد تحداهم الله ﷿ أن يأتوا ولو بآية واحدة مما أوحاه الله وأنزله على محمد ﵊ فعجزوا عن ذلك، ولذلك المعجزات لا تكون إلا للأنبياء، بخلاف الكرامة فإنها تكون للنبي ولغيره، لأن المعجزة ما هي إلا كرامة لهذا النبي، وإظهار لنبوته.\nكما أن المعجزة مصحوبة بالتحدي، وإلا فلن تكون معجزة، أما الكرامة فغير مصحوبة بالتحدي، وإلا كانت معجزة، ولذلك إذا أجرى الله تعالى كرامة على يد رجل صالح فلا يحل له أن يتحدى بها، وإلا كانت بابًا عظيمًا من أبواب فساد القلب لمن جرت على يديه هذه الكرامة، ويوشك أن تؤخذ منه، وأن يحرمها بقية حياته؛ لأنه لا يحل له أن يتحدى بها، بل الكرامة للأولياء والصالحين إنما هي محض فضل من الله ﷿.\nوإذا أردنا أن نفرق بين الكرامة وبين السحر، ونميز بين ما إذا كانت هذه الخارقة للعادة هي كرامة أم دجل، فلابد من النظر إلى من جرت على يديه هذه الخوارق، وهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله وكلام من سبقه وأتى بعده، يقول: لا تحكم على فعل الرجل إلا إذا نظرت إلى دينه واستقامته، فإذا جرت على يديه أمور خارقة للعادة فلا تحكم بأنها كرامة أو دجل إلا بعد النظر إلى استقامة الرجل وإلى دينه، فإذا كان مستقيمًا فهذه كرامة، وإذا كان غير مستقيم فهذا دجل، ويقول في كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان): إذا رأيت الرجل يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، فلا تحكم له حتى ترى أمن أهل الاستقامة هو أم لا؟ فإذا كان من أهل الاستقامة فاعلم أن ما هو عليه كرامة من الله ﷿ وإلا فلا.\nهذه مقدمة سريعة في بيان الفرق بين المعجزة وبين الكرامة، وبين السحر أو الدجل.","vol":"63","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1247>حديث قصة أبي سفيان مع هرقل وما فيها من المعجزات</span>\nلم يأت النبي ﵊ بمعجزة واحدة فحسب بل أتى بمعجزات عدة، بل هو أكثر الأنبياء معجزة، وإذا كان قد جرى على يد موسى أو عيسى أو إبراهيم ﵈ بعض الأمور الخارقة للعادة، وهي معجزات في حق الأنبياء، فلابد أن تعلم أن النبي ﵊ قد جرت على يديه المئات من المعجزات الخارقة للعادة، والتي لا تكون إلا على يد نبي، نذكر بعضًا منها: قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان من فيه إلى في -أي: من فمه إلى مسمعه مباشرة- قال: انطلقت في المدة التي كانت بيننا وبين رسول الله ﷺ، فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل ملك الروم، جاء به دحية الكلبي ﵁، فدفعه إلى عظيم بصرى -أي: إلى أمير بصرى، وهي إحدى القرى بالشام، وهي غير البصرة التي هي إحدى مدن العراق- قال: فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل] وهو سيد مملكة الشام، وكانت الشام تحت حكم الرومان في ذلك الوقت، وأبو سفيان لما ترك مكة وذهب إلى الشام كان هذا في مدة عهد صلح الحديبية بين النبي ﵊ وبين مشركي مكة.","vol":"63","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1248>أسئلة هرقل لأبي سفيان</span>\nوكان أبو سفيان أثناء حديثه مع هرقل يتمنى لو أنه يكذب كذبة واحدة، ولكن لما كان الكذب صفة مذمومة حتى في الجاهلية، وخاف أبو سفيان أن يؤثر عنه الكذب في قومه ترك ذلك، وكان يريد أن يكذب إظهارًا لعوار يلحق محمدًا ﵊.\n[قال هرقل لترجمانه: سله: كيف حسبه فيكم؟ أهو من أوضع القوم، أو من أعلى القوم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب]، وهذا صحيح، أما من جهة الحسب فهو خيار من خيار من خيار.\n[قال: فهل كان من آبائه ملك؟ -يعني: من عائلته: أبوه، جده، جد أبيه، جد جده- قال أبو سفيان: لا.\nقال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول؟ -أي: قبل أن يزعم أنه نبي، وأنه يأتيه الوحي والخبر من السماء؟ - قال: قلت: لا].\nوأنتم تعلمون أن أهل الجاهلية كانوا يدعونه الصادق الأمين قبل أن يوحى إليه، ولو أنه قال: نعم، لطولب بالبينة، ولكن أبا سفيان صدق في الجواب.\n[قال هرقل: من تبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قلت: لا، بل ضعفاؤهم هم الذين اتبعوه، قال: فهل يزيدون أم ينقصون؟ -أتباعه ﵊ في زيادة مستمرة أم ينقصون؟ - فقال: بل يزيدون.\nقال: فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة لدينه؟] بيت القصيد هنا: هل يرتد سخطة لدينه؟ أما الذين ارتدوا فهم كثير، لكن هل فعلًا يرتد أحد سخطة لدينه؟ الآن كثير من المسلمين إذا ذهب إلى بلاد الكفر، وضاق به الحال هناك ذهب إلى الكنائس وإلى أديرة اليهود يأخذ مالًا مقابل أن يغير اسمه وبطاقته وينطق بشهادة الكفر، أن ينخلع من إسلامه ويدخل في دين اليهود أو النصارى، لكن الذي دفعه إلى ذلك هو حاجته، لكنه في الحقيقة وفي قرارة نفسه لا يرتد سخطة لدينه، بل حبه لدينه سيظهر وقتًا ما، فهو يسأله هنا: هل يرتد منهم أحد بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ [فقال أبو سفيان: لا.\nقال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، يصيب منا ونصيب منه].\nأي: يأخذ منا تارة ونأخذ منه تارة، يغلبنا تارة، ونغلبه أخرى.\n[فقال هرقل: هل يغدر؟ قلت: لا، ونحن في مدة لا ندري ما هو صانع فيها]، هذه هي الفرصة الوحيدة لـ أبي سفيان التي استطاع أن يدخل منها ويطعن في النبي ﵊، يعني: إذا كان الغدر ليس من شيمته، وليس معروفًا عنه حتى قبل البعثة، فكيف يغدر؟ الإجابة سليمة إلى الآن، لكنه أراد أن يغمز النبي من خلال هذه الإجابة، ثم يقول: [فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه.\nقال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ -هل زعم أحد قبله أنه نبي؟ - قال أبو سفيان: لا].","vol":"63","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1249>رد هرقل على إجابات أبي سفيان واستنتاجاته منها</span>\n[قال هرقل لترجمانه: قل له -أي: قل لـ أبي سفيان - إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها].\nإذًا ليس هناك نبي عنده منقصة في قومه، ولا في حسبه، فقد أرسل الله ﷿ الأنبياء والرسل وهم أشراف أقوامهم، وأحساب أقوامهم.\nقال: [وسألتك: هل كان من آبائه ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان في آبائه ملك لكان رجلًا يطلب ملك آبائه]، أي: له حق مسلوب مغصوب يطالب به الآن، بعد أن اشتد ساعده يطالب بثأر آبائه وأجداده.\n[وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، قال هرقل: وهم أتباع الرسل].\nولذلك الإسلام ينتشر بحمد الله ﷿ في طبقة الفقراء أكثر من انتشاره في طبقة الأغنياء، والالتزام والإقبال على دين الله ﷿، والتمسك بالسنة إنما يكون بين الفقراء أكثر، فالإسلام ينتشر، والالتزام يظهر، وتظهر السنن في وسط هؤلاء الأقوام على علة فيهم على أية حال، لكن يبقى أن الإسلام يجد طريقه سهلًا ميسورًا إلى قلوب الفقراء والمساكين، ولذلك قال ﵊: (اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين)، وهو حديث حسن على الراجح، وغير ذلك من الآيات التي وردت في كتاب الله تحث على صحبة المساكين، وعدم ازدرائهم، وكذلك في سنة النبي ﵊، والناظر إلى أتباعه يجد أن من أوائل أتباعه صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وغير ذلك من الموالي والعبيد.\nقال: [وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت: أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويذهب يكذب على الله ﷿]، يعني: لا يتصور أنه يدع الكذب عليكم ثم يكذب على الله! لأن الذي يكذب على الله من باب أولى أن يكذب على الناس، والذي اعتاد الكذب في حديث الناس ربما يكذب على الله ﷿، فإذا كان النبي ﵇ لا يعلم عنه الكذب قط في حديثه مع الناس فمن باب أولى ألا يفتري الكذب على الله ﷿ بأن الله أرسله، وأن الله أوحى إليه، وأن الله تعالى كلفه بالرسالة والنبوة كل هذا ممتنع في حقه؛ لأنه لم يعلم عنه الكذب في حديث الناس؛ فمن باب أولى أن يكون كذلك مع الله.\nقال: [وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة لدينه؟ فزعمت: أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب].\nيعني: إذا تمكن نور الإيمان من القلب لا يمكن أن ينخلع منه، ولذلك الذي يرتد عن دينه، أو منهجه، أو مسلكه لابد أن تعلم أن أصل تربيته على هذا النهج كان فيها خلل، فالذي يتحول عن تمسكه بالكتاب والسنة ويترك مذهب ومنهج السلف وسبيلهم فلابد أن تعلم مهما طال التزامه وانخرط في سلك السلف لابد أن تعلم أن تربيته إنما كانت تربية سطحية ليس فيها تأصيل، ولذلك لما عرض عليه منهج الغير تحول إليه، ولذلك لا يمكن لأحد قط أن يتعرف على منهج الخلفاء الراشدين، والأئمة المتبوعين وكلامهم في المنهج، والمسلك، والمشرب، والأخلاق، والسلوك، ثم يتعرف على أئمة الرواية كـ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، وأحمد بن حنبل وغيرهم ثم يرضى أن يكون بعد هؤلاء العظماء الشرفاء تبعًا لواحد من الناس خطؤه أكثر من صوابه، لابد أن يكون في تربيته خلل.\nقال: [وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت.\nأنهم يزيدون، قال: وكذلك الإيمان حتى يتم].\nيعني: كذلك الإيمان يزيد حتى يبلغ المنتهى، وتصوروا أن الرجل الكافر يعلم أن الإيمان يزيد وينقص! لماذا؟ لأن الإيمان هو دين الأنبياء جميعًا، وهرقل كان نصرانيًا يعلم من دين عيسى ﵇ أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد حتى يبلغ درجة التمام، وينقص بالمعاصي حتى لا يبقى منه شيء.\nولذلك قال سفيان: واعلم أن أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: لا تقل: وينقص، قال: اسكت يا صبي -وفي راوية: اسكت يا غبي- إنما ينقص حتى لا يبقى منه شيء.\nوأظن أن رواية: (اسكت يا غبي) إنما هي تصحيف صبي؛ لأن إبراهيم أصغر من سفيان، وسفيان كان إمامًا منذ كان عمره عشرين عامًا، وهكذا أئمة الدين السابقين، كما ثبت عن مالك ﵀ أنه قال: ما جلست في مجلسي هذا -أي: في مجلس التدريس والإفتاء- إلا بعد أن أجازني سبعون من أهل المدينة، قيل: كم كان عمرك وقتئذ قال: لقد بلغت خمسة عشر عامًا! وكذلك ثبت عن الشافعي عليه رحمة الله أنه بلغ الإمامة في صباه، قيل له: متى؟ قال: قبل أن تنبت لحيتي، وفي رواية: قبل أن يسود وجهي، أي: تنبت لحيتي.\nقال: [وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم]، يعني: الإيمان ي","vol":"63","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1250>تصديق هرقل لنبوة محمد ﵊</span>\n[قال هرقل: إن كان ما تقول حقًا فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم -أي: من العرب- ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي هاتين].\nوهذه بشرى النبي ﵊ لنا، أن الإسلام سيدخل كل بيت من حجر أو مدر، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًا يعز به الله تعالى الإسلام، وذلًا يذل الله به الشرك وأهله.","vol":"63","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1251>قراءة هرقل لكتاب النبي وما يستفاد منه</span>\n[دعا هرقل بكتاب رسول الله ﵊ الذي حمله إليه دحية الكلبي فقرأه فإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم.\nإلى هرقل عظيم الروم)]، وليس هذا تفخيمًا لـ هرقل وهو كافر؛ حتى لا يعترض عليه بأن النبي ﵊ قال: (لا تقولوا للمنافق يا سيد)، فإن النبي ﵊ إنما خاطبه بما اتصف به على الحقيقة؛ لأنه كان فعلًا عظيم الروم وسيدهم في ذلك الوقت، وأخبره أنه رسول الله، قال: [(من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى)]، لم يقل: السلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ لأنه لا سلام من الله له، ولا بركة من الله على هرقل؛ لأنه كافر.\nومن أراد أن يسلم على الكفار يقول: سلام على من اتبع الهدى، ومعناها: لو اتبعت الهدى يا هرقل فسلام عليك من الله ومنا.\n[أما بعد]، وفي هذا سنية أن يقول الرجل بعد المقدمة: (أما بعد)، وهي كلمة للفصل بين المقدمة وبين ما بعدها، وهي تقال في الخطب، والرسائل، والرسالة المكتوبة ما هي إلا خطبة موجهة إلى القارئ، بخلاف الخطبة والكلمة المسموعة فهي رسالة موجهة إلى مستمع، ويستحب أن يكون بين المقدمة وبين غرض الرسالة كلمة أما بعد؛ ليعلم أن ما بعد هذه الكلمة هو أصل الرسالة، وكل رسالة وخطبة إنما تتكون من مقدمة، وغرض، ونهاية.\nثم قال: [(فإني أدعوك بدعاية الإسلام -يعني: أدعوك للإسلام- أسلم تسلم)] تسلم من القتال، تسلم من الآفات، تسلم من العاهات، تسلم من المصائب، تسلم من لقاء عدوك؛ لأن أهل الإيمان هم أعداء هرقل في ذلك الوقت، ويمكن أن يكون قوله ﵊: (تسلم) أي: من عذاب الله في الآخرة إذا أسلمت في الدنيا.\nقال: [(يؤتك الله أجرك مرتين)] لماذا مرتين وليس مرة واحدة؟ لأن العظيم في الغالب إذا أسلم أسلم من بعده، فيأخذ أجر إسلامه هو، ثم يأخذ أجر إسلام من تبعه على الإسلام، [(فإن توليت -أي: فإن أعرضت وكذبت ولم تسلم- فإن عليك إثم الأريسيين)]، والأريس: هو الفلاح، وهذا يدل على أن ولاية الشام إنما كان عملها الفلاحة والزراعة، يعني: بامتناعك عن الإسلام فيمتنع من بعدك في مملكتك وولايتك، فكما أنك إذا أسلمت تأخذ أجرين، أجر إسلامك وإسلام من تبعك، فإذا جحدت وكذبت ولم تسلم فإن عليك إثمك وإثم من تبعك، وهم الأريسيون، وهم أصحاب مملكة الشام.\nثم قال النبي ﵊: [(﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران:٦٤] إلى قوله: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤])]، هذه الآية وجهت إلى هرقل، والكافر نجس العقيدة، ويستشهد بها ابن حزم وغيره كالشيخ الألباني عليه رحمة الله وكثير من أتباع مدرسته إن لم تكن كل المدرسة، وكذلك بعض علماء الحجاز يستشهدون بأن مس القرآن للجنب والحائض جائز من باب أولى، فإذا كان النبي ﵊ أرسل بهذا الكتاب وفيه آية من كتاب الله ﷿ إلى رجل كافر، وهو يعلم أنه لا محالة سوف يأخذه بيده، فمن باب أولى أن يأخذه المسلم الذي لا ينجس؛ فإن الجنابة ليست بنجاسة، وقد ورد في الحديث: (أن أبا هريرة ﵁ أجنب، فتنحى من طريق النبي ﵊، ثم دعاه النبي ﵇ فلم يأته، فقال: ما منعك؟ قال: يا رسول الله إني نجس، قال: إن المؤمن لا ينجس) فإذا كان الأمر كذلك، وأن الجنب والحائض ليسوا بنجس؛ فمن باب أولى أن يقرأ كتاب الله ﷿.\n[فلما فرغ هرقل من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر هرقل بـ أبي سفيان ومن معه فأخرجوهم، فقال: أبو سفيان لأصحابه حينها: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة -أي: لقد ظهر أمر ابن أبي كبشة، وأبو كبشة هو من أجداد النبي ﵊-[إنه ليخافه ملك بني الأصفر]، أي: الروم، قال لهم: إذا كان هرقل نفسه يخشاه فكيف بنا؟ ويقول: إن ملك محمد سيبلغ ما تحت قدمي هنا.\nقال: [فما زلت موقنًا بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام] والحديث أخرجه البخاري ومسلم.","vol":"63","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1252>معجزة انشقاق القمر</span>\nقال: [عن ابن مسعود ﵁ قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقين، فقال النبي ﵊: اشهدوا)] أي: انظروا وعاينوا انشقاق القمر فإنه لم ينشق إلا بعد أن أمرته، أو لم ينشق إلا بعد أن طلبت انشقاقه من ربي، فهي معجزة ساقها الله تعالى إليه لم تكن لنبي قبله، وهذا الحديث كذلك أخرجه الشيخان.\n[وعن عبد الله قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﵊ شقة فوق الجبل، وشقة يسترها الجبل، فقال النبي ﵊: اشهد)]، أي: اشهد يا عبد الله بن مسعود ﵁.\n[وعنه قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﵊ فقال القوم: هذا سحر سحركموه ابن أبي كبشة فسلوا السفار)] يعني: المسافرين الذين يأتون من خارج مكة؛ لأن أهل مكة المعاندين أتوا إلى النبي ﵊ وقالوا: يا محمد! إذا كنت صادقًا فيما تقول فأرنا آية مثلما صنع الأنبياء من قبلك، فقد كانوا يأتون بآيات يعجز عنها الخلق، قال: بأي آية؟ قالوا: اطلب من ربك أن يشق القمر فلقتين، وهذا ليس أمامه على الأرض ليتصرف فيه كما يريد، هذا شيء في السماء لا يمكن له أن يبلغه، وكأنهم اختاروا ذلك تعجيزًا له، فقال: إذا نشق آمنتم؟ قالوا: نعم، فلما طلب من ربه أن يفلق له القمر فلقتين وفعل، قالوا: هذا سحر مبين! ثم قال أنصفهم: اسألوا المسافرين إن كانوا رأوا ذلك، واختاروا المسافرين؛ لأن القمر واحد لأهل الحضر وأهل السفر، فإذا كان القمر انشق، ففعلًا سيراه المسافرون، فسلوهم إذا قدموا، فإن كان مثل ما رأيتم فقد صدق، وإلا فهو سحر سحركموه ابن أبي كبشة، فلما قدموا السفار وسألوهم، قالوا: نعم.\nقد رأيناه انشق.\n[وعن أنس قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﵊) أخرجه البخاري ومسلم.\nولفظ أبي داود: (انشق القمر على عهد رسول الله ﵊ فلقتين أو فرقتين).\nأما رواية ابن عباس فقال: (إن القمر انشق على عهد رسول الله ﵊، وإنه بلغني أنه كانت فلقة على البيت، وفلقة على أبي قبيس)] فلقة من القمر على البيت يراها من كان في البيت فوق البيت، والبيت هو البيت الحرام، وأبو قبيس اسم جبل في منى.\n[وعن جبير بن محمد بن الزبير عن أبيه عن جده أنه قال: في قول الله ﷿: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] قال: انشق ونحن بمكة]، وهذا كان في أول بعثته ﵊.\nبعض الناس يزعم أن القمر انشق مرتين، والصواب أن القمر انشق مرة واحدة، وهي هذه الذي نذكرها، وقد كانت على يد النبي ﵊، وهي معجزة من معجزاته التي أتى بها، ومن قال: إنه انشق مرتين إنما تصحف عليه لفظ فلقتين، أو فرقتين، فقرأها مرتين، والصواب أن القمر لم ينشق إلا مرة واحدة، فلقة فوق البيت، والأخرى فوق جبل أبي قبيس.","vol":"63","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1253>معجزة حنين الجذع</span>\nلما دخل النبي ﵊ المدينة وجد أرضًا لأخواله من بني النجار فيها قبور مشركين قديمة فنبشها ونقلها، ثم بنى النبي ﵊ المسجد النبوي في هذه الأرض، وكان بين المقابر نخيل، فجعل النبي ﵊ أعمدة المسجد عبارة عن هذه النخيل، وكان يسقف المسجد بالجريد.\nفالجذع هو أحد أصول النخل التي كانت في قبلة النبي ﵊، ولكنه قطعها حتى يقف عليها مرتفعًا ليخطب في الناس، وهذا من السنن الثابتة: أنه يسن للمتكلم أن يجلس في مكان مرتفع حتى يراه الناس، عمل بهذه السنة النبي ﵊، وأمر بها، وعمل بها خلفاؤه، وكل من تكلم على مشروعية ذلك وسنيته.\nقال: [عن ابن عمر: (أن رسول الله ﵊ كان يخطب إلى جذع -إما مستندًا عليه، وإما واقفًا فوقه- فلما اتخذ المنبر تحول إليه -أي: تحول النبي ﵊ إلى الوقوف على هذا المنبر وترك الجذع- فحن الجذع، فأتى النبي ﷺ فمسحه)] يعني: هذا الجذع حن إلى النبي ﵊، واحتضنه ومسحه حتى سكن وهدأ.\n[وعن ابن عمر: (أن تميم الداري لما ثقل النبي ﵊.\nقال: يا رسول الله! ألا أتخذ لك منبرًا؟ -يعني: ألا أصنع لك منبرًا- يحمل عظامك أو يجمعك)] والخطيب غالبًا يريد شيئًا يجمعه، ولذلك إذا جلس في مكان على قدر بدنه فإن ذلك يفيده أفضل من أن يجلس في العراء، ولعله إذا أراد أن يجلس وقع أو زلت مقعدته، أو قدمه، بخلاف ما لو كان له مكان محكم يجلس فيه إذا مال يمنة أو يسرة فإنه لا يخشى عليه الوقوع والسقوط؛ لأن المنبر يحوطه من جميع الجوانب، ولذلك قال تميم: [(ألا أتخذ لك منبرًا يحمل عظامك أو يجمعك، فاتخذ له مرقاتين، وكانت سواري المسجد جذوعًا وسقايفها جذوعًا)]، يعني: الأعمدة التي هي السواري كانت جذوع نخل، وكذلك سقف المسجد كانت عليه جذوع أخرى وأعمدة من النخيل، ثم بعد ذلك كان عريشه من الأوراق والقش وغير ذلك.\n[وعن ابن عباس: (أن النبي ﵊ كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر تحول النبي ﵊ إلى المنبر، فحن الجذع فاحتضنه فسكن).\nوقال أنس: (أن رسول الله ﷺ كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، فجاء رومي -في اسمه اختلاف كثير، والراجح أن اسمه: ميمون - فقال: ألا نصنع لك شيئًا تقعد عليه فكأنك قائم؟ فصنع له منبرًا درجتين، ويقعد على الثالثة)]، وهذا يدل على أن المنبر ثلاث درجات اثنتان يرقاهما الخطيب، والثالثة يجلس عليها، قال: [(فلما قعد نبي الله ﷺ على المنبر خار الجذع كخوار الثور -يعني: أخرج صوتًا يشبه خوار الثور- حتى ارتج المسجد لخواره؛ فنزل النبي ﷺ من المنبر فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه رسول الله ﷺ سكن، ثم قال: والذي نفسي بيده! لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة) حزنًا على رسول الله ﵊].\nكان النبي ﵊ رحمة حتى للجمادات، أما عن كونه جمادًا ويعقل فدليل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] كل هذا من خوارق العادات التي جرت على يديه ﵊.\n[وعن أنس قال: (كان رسول الله ﵊ يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة يسند ظهره إليها، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرًا، قال: فبنوا له منبرًا له عتبتان، فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة إلى رسول الله ﵊، قال أنس: وأنا في المسجد فسمعت الخشبة تحن حنين الواله -أي: تئن وتحن حنين الحزين الواله الشفيق- فما زالت تحن حتى نزل إليها رسول الله ﵊ فاحتضنها فسكتت)، وكان الحسن بن أبي الحسن البصري إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الله! الخشبة تحن إلى رسول ﵊ شوقًا إليه لمكانه من الله ﷿، وأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.\nوعن أبي بن كعب عن أبيه ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع، إذ كان في المسجد عريشًا، وكان يخطب إليه، فقال له رجل من أصحابه: هل لك أن نجعل لك عريشًا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس ويسمعوا خطبتك؟ قال: نعم، فصنعوا له ثلاث درجات هي التي على المنبر -أي: هي التي عليها المنابر إلى يومنا هذا- فلما صنع المنبر ووضع في موضعه الذي وضعه رسول الله ﷺ، فلما أراد أن يأتي المنبر مر عليه، فلما جاوزه حن الجذع حتى سقط، فرجع رسول ا","vol":"63","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1254>معجزة جريان الماء من بين أصابع النبي ﵊</span>\n[عن عبد الله بن مسعود قال: (كنا نعد الآيات بركة -أي: المعجزات- وأنتم تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فعز الماء -أي: قل- فقال: اطلبوا فضلة من ماء)] النبي ﵊ لما قل الماء معهم وهم في سفر أشرفوا على الهلاك، ولكن النبي ﵊ قال: اطلبوا لي الماء ولو كان فضلًا يسيرًا، [قال: (فأتي بها في إناء قليل، فأدخل رسول الله ﷺ يده في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله ﷿أي: تعالوا إلى الماء الطاهر المبارك من عند الله ﷿- قال ابن مسعود: فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﵊ حتى ارتوينا، وقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)]، فهاتان معجزتان: نبع الماء، وتسبيح الطعام.\n[وعن أنس: (أن النبي ﷺ أتي بإناء فيه ماء فأغمر أصابعه -يعني: أدخلها في الماء- ولا يكاد يغمرها، فجعلوا يتوضئون، وجعل الماء ينبع من بين أصابعه، قال: قلت لـ أنس: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثمائة)] تصور أن فضلة من ماء يضع النبي ﵊ أصابعه فيها ولا يكاد يغمرها، لأن أصابعه هذه تصل إلى قعر الإناء، وهذا يدل على قلة الماء وندرته مع الصحابة في ذلك الوقت، ومع هذا توضئوا منه وشربوا حتى ارتووا وهم زهاء ثلاثمائة! هذا يدل فعلًا على أن البركة من عند الله ﷿، وأن هذا لا يكون ولا يجرى إلا على يد نبي ﷺ.\n[وعن جابر قال: (أصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله ﵊)] يعني: فزعنا إلى رسول الله، نحن سنموت في الصحراء، ونحن في سفر ولا ملاذ لنا ولا ملجأ إلا إليك بعد الله ﷿، فاطلب من ربك أن يغيثنا، وأن يروي ظمأنا، قال: [(أصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله ﵊ فدعا بتور فيه ماء)] والتور: إناء صغير يسع مدًا وثلثًا بالرطل العراقي أو كما قال أهل العلم، قال: [(فوضع كفه فيه حتى توضأنا وشربنا)].\nانظر إلى الصحابة ﵃، لم يقولوا: حتى شربنا وتوضأنا، وإنما قالوا: حتى توضأنا أولًا، وهذا يدل على حرصهم البالغ على العبادة، ثم على أنفسهم بعد ذلك، [(فقال: خذوا باسم الله حتى توضأنا وكفانا)، قال الراوي عن جابر: قلت لـ جابر: (كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، ولكنا كنا ألفًا وخمسمائة)، رواه البخاري]، ألف وخمسمائة شخص يتوضئون من تور لا يأخذ إلا مدًا أو مدين! [وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو طلحة لـ أم سليم -وهي زوجة أبي طلحة وأم أنس بن مالك - (لقد سمعت صوت رسول الله ﵊ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟)] وهذا يدل على كمال شفقة أصحابه ﵊، وحرصهم ومتابعتهم لأحوله أولًا بأول ﵃ أجمعين وصلى الله على نبينا محمد.\n[قالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﵊] قرص الشعير هذا لو وضع أمامك لن تأكله حتى لو مت من الجوع، ثم وضعته في طرف خمارها، ووضعت بقية الخمار على أنس حتى لا يراه أحد وهو ذاهب إلى النبي ﵊؛ من أجل أن يعطيه أقراص الشعير، وكأنه سر كبير، لا يوجد أحد ضعيف من الصحابة، فالخبر هذا كله عن النبي ﵊ فهو الضعيف، ومصدر هذا الضعف هو الجوع، قال: [(فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، وقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ: أرسلك أبو طلحة؟ قال: قلت: نعم، فقال النبي ﵊: بطعام؟ قال: قلت: نعم، فقال النبي ﷺ لمن معه: قوموا، قال: فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئنا أبا طلحة فأخبرته -لم يأخذ منه الطعام وإنما أمر أنسًا أن يرجع إلى البيت في صحبة النبي ﵊ وصحبة من معه- قال: فقال أبو طلحة: يا أم سليم! قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، قالت أم سليم: الله ورسوله أعلم)] يعني: إذا كان النبي أتى معهم فهو من سيتولى الأمر بنفسه، قال: [(فانطلق أبو طلحة حتى تلقى رسول الله ﷺ، فأقبل رسول الله وأبو طلحة معه حتى دخلا، فقال رسول الله ﷺ: هلمي يا أم سليم ما عندك -يعني: هاتي الذي عندك- فأتت بذلك ا","vol":"63","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1255>تسبيح الحصى في يد النبي ﵊</span>\n[قال: سويد بن يزيد السلمي: (مررت بمسجد رسول الله ﵊، فإذا أبو ذر فسلمت وجلست إليه، فذكر عثمان فقال: لا أقول أبدًا إلا خيرًا لشيء رأيته من رسول الله ﵊ في خلواته، فمر به فاتبعته حتى انتهى إلى موضع قد سماه، فجلس فقال: يا أبا ذر! ما جاء بك؟ قلت: الله ورسوله؛ إذ جاء أبو بكر فسلم وجلس عن يمين رسول الله ﵊، ثم جاء عمر فسلم وجلس عن يمين أبي بكر، وجاء عثمان فسلم وجلس عن يمين عمر، فتناول النبي ﵊ سبع أو تسع حصيات فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل)]، وهذه الرواية فيها ضعف.\nوالصحيحة [عن ابن عباس قال: (أتى النبي ﷺ رجل من بني عامر قال: أرني هذا) أنتم تعرفون أن من علامات نبوته على بدنه الخاتم الذي بين كتفيه في ظهره، فجاء رجل من بني عامر يقول: [(أرني هذا الخاتم الذي بين كتفيك، فإن يك بك طب داويتك فإني أطب العرب)]، يعني: إذا كان هذا الختم عبارة عن عيب في بدنك فأنا أعالجك منه، [(فقال النبي ﵊: إني أريك آية)] هذا الخاتم ليس داء وإنما هو علامة على النبوة، وإذا كنت تريد آية على إثبات نبوتي أريتك، [(قال: نعم، قال: ادع ذاك العذق، قال: فنظر إلى عذق في نخلة فدعاه فجاء ينقز حتى قام بين يديه، فقال: قل له يرجع، فقال النبي ﷺ للعذق: ارجع إلى مكانك، فرجع إلى مكانه، فقال: يا بني عامر! ما رأيت كاليوم أسحر)]، أي: ما رأيت ساحرًا كما رأيت هذا الرجل اليوم.\n[وعن عبد الله بن مسعود قال: (كنت غلامًا يافعًا في غنم لـ عقبة بن أبي معيط أرعاها، فأتى علي رسول الله ﷺ وأبو بكر معه، فقال: يا غلام هل عندك من لبن؟ قال: فقلت: نعم، ولكن مؤتمن)] أنا صحيح أرعى الغنم وفي الغنم من هي والدة ولها ضرع يدر اللبن، لكن أنا مؤتمن لا أستطيع أن أعطيك لبنًا، [(فقال النبي ﵊: ائتني بشاة لم ينز عليها الفحل، قال: فأتيته بعناق جذعة فاعتقلها رسول الله ﵊يعني: أنامها، وأراحها على الأرض- ثم جعل يمسح ضرعها ويدعو حتى حلبت -وهذا يوافق حديث أم معبد - قال: وأتاه أبو بكر بصحن فاحتلب فيه، ثم قال لـ أبي بكر: اشرب فشرب أبو بكر، ثم شرب النبي ﵊، قال: ثم قال النبي ﵊ للضرع: اقلص -يعني: ارجع إلى ما كنت عليه آنفًا- فقلص فعاد كما كان، قال: ثم أتيت النبي ﷺ بعد فقلت: يا رسول الله! علمني من هذا الكلام أو من هذا القرآن، قال: فمسح رأسي ثم قال: إنك غلام معلم، فأخذت منه سبعين سورة)].\nهذه بعض معجزاته ﵊، وقد أوتي من المعجزات ما لم يؤته نبي قبله، وهذه المعجزات إنما كانت مصحوبة بالتحدي، ولم يحدث مثلها أو قريب منها لأحد ولا حتى من الصالحين، بل ولا من الخلفاء الراشدين.\nأقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.\nوصلى الله على نبينا محمد.","vol":"63","page":11},{"text":"شرح أصول اعتقاد أهل السنة -<span data-type=\"title\" id=toc-1256> شمائل الرسول ﷺ</span>\nلقد اختص الله ﷾ الأنبياء والرسل بخصائص على سائر البشر، وخص نبينا محمدًا ﷺ بخصائص تميزه عن سائر الأنبياء والرسل، فهو سيد ولد آدم، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع، وقد أوتي جوامع الكلم، ونصر بالرعب مسيرة شهر، وأحلت له ولأمته الغنائم، وغير ذلك من الخصائص والمميزات التي امتن الله بها على نبيه وعلى أمته، أما صفاته الخَلْقية والخُلُقية فقد زخرت بها كتب السير، فهو أكمل الخلق على الإطلاق خلقًا وخُلُقًا ﷺ.","vol":"64","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1257>ذكر رؤيا النبي ﷺ ووصفه لبعض الأنبياء ليلة أسري به</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.\nوبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nلا زال الكلام عن معجزاته ﵊ وشمائله ومناقبه موصولًا.\nقال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو العالية: حدثني ابن عم نبيكم -وهو ابن عباس ﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: (رأيت ليلة أسري بي موسى آدم طوالًا جعدًا)] هنا يذكر أوصاف موسى ﵇، وكانت هذه الرؤية رؤية حقيقة، وهي رؤية في اليقظة، فأحد أوصاف موسى أنه كان طويلًا، وقوله: (آدم) يعني: فيه شيء من السمرة.\n[(كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض -يعني: يميل إلى البياض المشرب بحمرة- سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار، ورأيت الدجال، في آيات أراهن الله ﷿ إياه، فلا تكن في مرية من لقائه -أي: أنه لقي موسى ليلة أسري به- ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء:٢])]، أي: جعلنا موسى هدى لبني إسرائيل، وهذا الحديث عند البخاري ومسلم.\n[وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (إني رأيت موسى وعيسى وإبراهيم -أي: ليلة أسري به رأى موسى وعيسى وإبراهيم ﵈- فأما عيسى فأحمر جعد -والجعد بخلاف السبط- عريض البدن، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال أزد شنوءة، وأما إبراهيم فإذا أردتم أن تعرفوا شبهه ومثله فانظروا إلى صاحبكم، يعني: نفسه ﵊)].\nفكان ﵊ أشبه الناس بإبراهيم ﵇، والحديث أخرجه البخاري.","vol":"64","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1258>حديث عائشة في قصة هجرة النبي ﷺ وأبيها إلى المدينة</span>\nقال: [وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (قد أريت دار هجرتكم -يعني: المدينة- أريت سبخة ذات نخل بين لابتين، وبهما حرتان)]، يعني: قبل أن أدخل المدينة قد رأيتها، قيل: رآها على قطعة من قماش، وقيل: أنه رآها في المنام وغير ذلك من تأويلات هذا الحديث.\nوالراجح من أقوال أهل العلم: أنه يتكلم هنا عن رؤيته للمدينة في المنام، ولا مانع أن يكون رآها مصورة على قطعة من قماش أو زجاج أو صخر أو غير ذلك، المهم أنه رأى المدينة ورأى أنها في واد بين لابتين -أي: بين جبلين عظيمين- وفي سفح هذين الجبلين حرتان عظيمان، والحرة: هي الكومة أو الجبل الصغير من حجارة سوداء.\n[قالت: (فهاجر من هاجر قِبَل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ﷺأي: لما ذكر لهم هذا الكلام هاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة- ورجع إلى المدينة بعض من هاجر إلى أرض الحبشة -كما فعل جعفر ﵁- وتجهز أبو بكر مهاجرًا إلى المدينة)]، يعني: أراد أبو بكر أن يهاجر إلى المدينة لما سمع أن النبي ﵊ أريها في المنام، فأراد أن يحوز قصب السبق في الهجرة إلى المدينة قبل أن يأذن ﵊، [فقال له رسول الله ﷺ: (على رسلك -أي: تمهل يا أبا بكر! - فإني أرجو أن يؤذن لي) أي: بالهجرة من مكة إلى المدينة، فإذا كان الأمر كذلك، فأنت صاحبي في هذه الهجرة، [(فقال أبو بكر: أوترجو ذلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟! قال النبي ﵊: نعم)، فحبس أبو بكر الصديق ﵁ نفسه على رسول الله ﷺ لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر]، وهكذا أعد أبو بكر راحلتين لهذه الرحلة العظيمة التي هي أعظم حدث في تاريخ البشرية على الإطلاق، كما أنه حبس نفسه على صحبة النبي ﵊ ولم يفكر بالهجرة وحده قط.\n[قالت عائشة: (فبينما نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لـ أبي بكر: هذا رسول الله ﷺ)]، والنبي ﵊ كان يزور أبا بكر غدوة وعشيًا، ولم يكن معتادًا أن يزوره في وقت القيلولة أو في وقت الظهيرة، ففي وقت الظهيرة وأبو بكر ﵁ قائل في بيته ناداه مناد: [هذا رسول الله ﷺ مقبلًا متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها]، وهذا قول عائشة.\n[قال أبو بكر: (فداه أبي وأمي إن جاء به هذه الساعة إلا لأمر)] يعني: ما جاء به في هذه الساعة على غير عادته في زيارتنا إلا أمر عظيم دفعه إلى ذلك.\n[قالت: (فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل، فقال رسول الله ﵊ حين دخل لـ أبي بكر: أخرج مَن عِندَك؛ لأن الأمر يستدعي السرية التامة- قالت: فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله!)]، وهو يتكلم عن أبيه وعن بنيه وعن زوجه، وهؤلاء هم أهل النبي ﵊، بمعنى: أنهم يحفظون السر كـ أبي بكر تمامًا بتمام وسواء بسواء، [فقال النبي ﵊: (إنه قد أذن لي في الخروج -أي: في الهجرة من مكة إلى المدينة -فقال أبو بكر: فالصحبة يا رسول الله! -يعني: ائذن لي أن أصحبك في هذه الرحلة- فقال النبي ﵊: نعم.\nفقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله! أحد راحلتي هاتين، فقال النبي ﵊: بالثمن آخذها، قالت: فجهزناهما أحث الجهاز -يعني: أحسن الجهاز- فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء ابنة أبي بكر من نطاقها -أي: من خمارها- فأوكت به الجراب -أي: فربطت به الجراب- فلذلك كانت تسمى ذات النطاق -وفي رواية: ذات النطاقين- لأنها قطعت خمارها نصفين وأوكت به الجراب فسميت ذات النطاقين -ثم لحق رسول الله ﷺ بغار في جبل يقال له: ثور، فمكث فيه ثلاث ليال)]، وهذا الحديث عند البخاري ومسلم.","vol":"64","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1259>حديث حزام بن هشام عن أبيه عن جده في هجرة النبي ﷺ إلى المدينة</span>\nقال: [وعن حزام بن هشام عن أبيه عن جده حبيش -وهو صاحب للنبي ﵊- قال: (إن النبي حين خرج من مكة خرج منها مهاجرًا إلى المدينة)]، والنبي ﵊ ما خرج من مكة قط بعد البعثة إلا مهاجرًا، لم يخرج منها إلا إلى الطائف، أما قبل البعثة فقد خرج في رحلات تجارية إلى الشام وغيرها، أما خروجه بعد البعثة وقبل الهجرة فلم يكن إلا مرة واحدة إلى الطائف.\nقال: [حين خرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة هو وأبو بكر ﵁، ومولى لـ أبي بكر وهو عامر بن فهيرة، ودليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط].","vol":"64","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1260>اختلاف العلماء في حكم الاستعانة بالمشرك</span>\nوعبد الله بن الأريقط كان كافرًا في ذلك الوقت، ولكن النبي ﵊ استعمله واستخدمه في الاستعانة به في الدلالة على الطريق، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الاستعانة بالكافر أو المشرك في قضاء بعض الأعمال والمصالح، كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم في حال غزو العراق للكويت، واستخدموا بلاد الكفر بأسرها، ونزلوا أرض الجزيرة، ويحتجون في ذلك باستعانة النبي ﵊ بهذا الرجل وهو عبد الله بن الأريقط في الدلالة على الطريق.\nوعلى أية حال هذا كلام سبق به أهل العلم، وقضية الاستعانة بالكافرين هي محل نزاع طويل بين أهل العلم، وقد ذكر هذا الخلاف غير واحد من أهل العلم، وتوسع فيه جدًا الإمام الشوكاني، وكذلك الصنعاني وابن تيمية عليهم جميعًا رحمة الله ﷿.\nأما القائلون بجواز الاستعانة فإنهم يحتجون بهذا الحديث وبغيره من الأدلة التي يفهم منها فهمًا بعيدًا جواز الاستعانة، وبعضهم يمنع مطلقًا، والبعض يقول: يجوز الاستعانة بالمشرك إذا كان في موطن الذل والصغار، وأنه لا تأثير له على المسلم بعد ذلك، وأن دوره ينتهي بمجرد أداء مهمته، وقيدوا ذلك بشروط طويلة كثيرة، وأظن أن هذا أرجح الأقوال.\nفالنبي ﵊ لما استعان بهذا الرجل استعان به فقط في الدلالة على الطريق، في حين أن جانبه مأمون ولا خوف منه، وأن مهمته تنتهي بانتهاء هجرة النبي ﵇ أو معرفته للطريق.\nفقد أتى النبي ﵊ رجل مشرك يريد أن يحارب معه، فقال النبي ﵊: (ارجع.\nفإنا لا نستعين بمشرك)؛ لأن الدلالة على الطريق بخلاف المشاركة في الغزو والجهاد، فقد أراد هذا المشرك أن يشارك في الغزو والقتال، فرده ﵊، فكيف يؤذن لهؤلاء القوم بدخول أرض الجزيرة التي أخبر النبي ﵊ أنه لا يجتمع بالمدينة -أي: بالجزيرة- أهل دينين ولا يجتمع فيها أهل ملتين سواء، فهؤلاء إنما حرصوا كل الحرص من أول الأمر على أن يكون لهم وجود بعد أن فشلوا سنوات طويلة في عهد سعود ومن بعده فيصل ومن بعد فيصل خالد، ولكنهم نجحوا في هذا العهد، وهذه قصة معلومة وأمر مدروس بين هؤلاء القوم وبين العميل الكبير صدام حسين، فهؤلاء القوم دخلوا هذه البلاد للسيطرة الكاملة على حقول البترول أولًا، ثم لاعتقادهم أن أرض الجزيرة تئول إليهم في آخر الزمان وقبل نزول المسيح ﵇.\nهكذا معتقدهم.\nولذلك تنبه لذلك كثير من أهل العلم، فقال الشيخ الألباني عليه رحمة الله: إن هؤلاء إنما أتوا لاسترداد خيبر، والعجيب أن هذا الكلام يردده هؤلاء الآن في أرض الجزيرة، يقولون: لا نخرج منها وقد دخلناها إلا بعد أن نسترد خيبر كما سلبت منا، وهذا كلام تنبه له الشيخ الألباني وغيره من أهل العلم، وكان هذا فيضًا من فيوضات الرحمن ﵎ على أهل العلم، فهؤلاء لهم مطامع عظيمة جدًا، وهم اليهود والنصارى، فقد كانت مطامعهم من قبل من النيل إلى الفرات، ولكن الآن مطامعهم أن يكون العالم كله تحت سيطرتهم وتحت أمرهم.\nالأمر الثاني: أن غالب البترول في أمريكا الذي كانوا يحتضنونه منذ خمسين عامًا تحت الأرض أوشك على النفاد، فلابد من بترول وإلا ستضيع أمريكا وستضيع سيطرة أمريكا والنظام العالمي الموحد، فإنها من جهة أرادت أن تحقق مكسبًا اعتقاديًا بسيطرتها على الأرض، والأمر الثاني: أرادت أن تبقى السيطرة والزعامة هناك، ولا تبقى هذه السيطرة ولا تلك الزعامة إلا ببقاء مسوغات الحياة بوجود البترول فيها.","vol":"64","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1261>معجزة النبي ﷺ في حلبه شاة أم معبد</span>\nقال: [(خرج النبي ﵊ مهاجرًا إلى المدينة ومعه مولى لـ أبي بكر وهو عامر بن فهيرة، ومعهم عبد الله بن الأريقط، فمروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في تلك الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟! فقالت: خلفها الجهد عن الغنم)]، هذه الشاة من فرط إعيائها ما استطاعت أن تلحق ببقية الشياه، فتخلفت في الخيمة، [(فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك)] أي: هي ليس فيها لبن، ولو كانت مما تُحلب فإن جهدها وتعبها يمنعها من ذلك.\n[قال: (أتأذنين أن أحلبها؟ قالت: نعم.\nإن رأيت فيها حليبًا فاحلبها)]، هذه الشاة ليس فيها حليب، وهي لم تلد ولم يقربها فحل، ولكن أنت وشأنك إذا أردت أن تحلبها وتستجيب لك فافعل، [(فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها، وسمى الله تعالى ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه -أي: فتدفق اللبن عليه- ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط -أي: يروي القوم والفئة من الناس- فحلب فيه ثجًا -يعني: نزولًا سريعًا- حتى علاه البهاء -يعني: علاه الرغوة اللبنية وهذا للدلالة على أنه قد امتلأ- ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب ﷺ)]، آخر من شرب الرسول ﵊ امتثالًا لأمره: (إن ساقي القوم آخرهم شربًا).\n[قال: (ثم أراضوا -يعني: استراحوا شيئًا من الزمان يسيرًا- ثم حلب حلبة ثانية ثم غادره عندها، ثم بايعها وارتحلوا عنها)] (ثم بايعها) أي: أسلمت على يديه ﵊ لما رأت من معجزاته في شاتها، ومن مزيد رحمته ﵊ أنه حلب حلبة ثانية وجعلها خاصة بصاحبة الشاة، وهي أم معبد ﵂، قال: [(فقلما لبثت -أي: لبثت هذه المرأة وقتًا يسيرًا- حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزلىً وضحى، مخهن قليل)] والمخ بمعنى: سوق الشياه والأعنز التي ساقها أبو معبد كادت تكون عظامًا، يعني: غدت خماصًا وعادت خماصًا، لم تعد بطانًا.\nقال: [(فلما رأى أبو معبد اللبن عجب)] وأنتم تعلمون أن هذا في طريق الرحلة إلى المدينة، فهذا الكلام تم في الصحراء، فمن أين لـ أم معبد اللبن؟ لكن انظر إلى تقدير الله ﷿ في هذا اليوم بالذات تتخلف هذه الشاة دون بقية الشياه، حتى تتم المعجزة أمام عين أم معبد صاحبة الشاة، والأمور تجري بمقادير.","vol":"64","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1262>وصف أم معبد للنبي ﷺ</span>\n[قال: (فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزلى -يعني: يتمايلن من فرط الهزال والضعف- مخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد! والشاء عازب حيال؟ -يعني: لها حول لم يقربها الفحل- قالت: لا والله؛ إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا)] أي: قصت له القصة التي رأتها بعينيها، [قال: (صفيه لي يا أم معبد! قالت: رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة)] يعني: حسن المنظر، هذه أوصاف نبينا ﵊، [(أبلج الوجه)] يعني: نير الوجه، [(حسن الخلق لم تعبه علة)] يعني: بلغ في الكمال البشري منتهاه ﷺ، [(ولم يزربه صقلة -أي: ولم يعبه أدنى شيء- وسيم قسيم)] وسيم من الوسامة، وقسيم أي: جميل، [(في عينيه دعج -أي: في عينيه سواد شديد- وفي أشفاره غطف، وفي صوته صهل -يعني: بحة- وفي عنقه سطع -أي: طول- وفي لحيته كثافة)] يعني: كث اللحية وكثيفها [أزج أقرن، إن صمت فعليه وقار) يعني: لو سكت يعلوه الوقار، [(وإن تكلم سما به)]، يعني: إن تكلم ازداد وقارًا وسما به وعلا، [(أكمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأعلاهم من قريب، حلو المنطق، كلامه جميل لا يمله السامع، فضل لا نزر به ولا هزر) أي: لا يتكلم بكلام لا قيمة له، [(ولا يهذر في كلامه)] أي: لا يقول كلامًا مستقبحًا، [(كأن منطقه خرزات)]، أرأيتم عقد اللؤلؤ؟ كأن كلامه عقد يتساقط حبة بعد الأخرى.\nقالت: [(نظم يتحدرن، ربعه يأسن من طول، وتقتحمه العين من قصر، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا)].\nإن وصفه ﵊ عجيب جدًا، ومن أراد أن يتعرف على شمائله ومناقبه وخلقته ﵊ وخُلُقه فلينظر في كتاب الشمائل للإمام الترمذي، فموضوع الكتاب من أوله إلى آخره هو بيان حاله ووصفه ﵊.\nقالت المرأة: [(وله رفقاء -يعني: أصحاب- يحفون به -أي: يحوطونه من كل جانب-، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر بادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند)] محفود أي: مسارع في خدمته، محشود عنده حشد من الناس يحفون به من كل جانب لخدمته، (لا عابس ولا مفند)، يعني: لا يتكلم بكلام فيه عبس، ولا أصابه الخرف ولا أصابه شيء في عقله.\n[قال أبو معبد: (هذا والله صاحب قريش) هذا الرجل الذي كنا نسمع عنه، وإنه نبي آخر الزمان وإنه من قريش؛ الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، قال: (ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا، فأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه.\nيقول: جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين قالا خيمتي أم معبد قالا بمعنى: أنهما بقيا في خيمة أم معبد وقت القيلولة: هما نزلاها في هدى واهتدت به فقد ساد من أمسى رفيق محمد فيا آل قصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا يجازى وسؤدد ليهن بني كعب مقام فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حايل فتحلبت عليه بصريح ضرة الشاة مزبد فغادره رهنًا لديها لحالب يرددها في مصدر ثم مورد] أي: ترك لها الحلوب الثاني لديها رهنًا [ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد] إلى آخر هذه الأبيات.","vol":"64","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1263>سياق ما روي من فضائل النبي ﵊ التي خصه الله بها من بين سائر الأنبياء</span>\nإن المعجزات التي مضت معجزات عامة، ربما وقعت لبعض الأنبياء والمرسلين، ولكن الله ﵎ خص نبيه محمدًا ببعض المعجزات والخصائص التي منعها حتى من الأنبياء من قبله.","vol":"64","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1264>أوتي النبي ﷺ جوامع الكلم</span>\nقال: [فمنها: أنه أوتي جوامع الكلم]، وأرجح الأقوال في معنى جوامع الكلم: أنه القرآن الكريم، لكن لا يمنع أن يكون جوامع الكلم في كلامه ﵊، فهو من أحسن الناس منطقًا، ومن أبينهم وأفصحهم في لغة العرب، ولذلك كان الواحد منهم إذا عجز أن يأتي بكلام يشبه كلام الله ﷿ إنما يأتي بكلام يظن أنه يشبه كلام النبوة، ولا يفلح في ذلك كذلك.\nومعنى جوامع الكلم: الكلام القليل المبنى الكثير المعنى، آية تتكون من كلمتين أو ثلاث كلمات، أو حديث يتكون من كلمتين أو ثلاث كلمات، فإذا به قاعدة عظيمة تصلح لفض المنازعات والخصومات إلى قيام الساعة.\nفمثلًا: قوله ﵊: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) إلى آخر حديث عمر ﵁، هذا كلام عظيم يضبط مسائل النيات الصالحة وغير الصالحة، ويرتب الثواب والعقاب عليها، ويرتب الصلاح والفساد عليها، وغير ذلك إلى قيام الساعة في أعمال العباد، فإذا أردت أن تحتج على صحة العمل أو فساده أو على الثواب والعقاب فإنما حجتك هذا الحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، حتى صار هذا الحديث مثلًا دارجًا على ألسنة العوام.\nمثال آخر: قوله ﵊ في عالم القضاء: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، هذه قاعدة في القضاء تصلح لفض النزاع إلى قيام الساعة، فالقاضي لا يأمر المدعى عليه باليمين إلا إذا عجز المدعي عن إتيانه بالبينة، والمطلوب من المدعي أن يبرز البينة ولا يمين عليه.\nهذه قاعدة عامة، وأنتم تعلمون أن بعض أهل العلم كـ ابن رجب الحنبلي والإمام النووي وغيرهم من أهل العلم اعتنوا عناية فائقة بكلامه ﵊، فكل كلامه يصلح أن يكون قاعدة تضبط أمرًا من الأمور إلى قيام الساعة.\nفجمع الإمام النووي عليه رحمة الله ما ظن أنه من جوامع الكلم، فبلغ أربعين أو أربعين ونيفًا، ثم جاء من بعده ابن رجب الحنبلي وزاد عليه عشرة من الأحاديث وهي المعروفة بجامع العلوم والحكم، فهذه الأحاديث كلها من جوامع كلمه ﵊، كلام قليل المبنى كثير المعنى يصلح أن يكون قواعد ثابتة راسخة إلى قيام الساعة.","vol":"64","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1265>بعثه إلى الناس عامة</span>\nقال: [وبعث إلى الناس عامة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة].\nفالنبي ﵊ بعث إلى الناس عامة، إلى الأحمر والأسود والأبيض، إلى العجم وإلى العرب، إلى الإنس وإلى الجن كذلك، فالجن مكلفون كتكليف البشر سواء بسواء، بالإيمان بالنبي ﵊، والعمل بأوامره على مقتضى أصل خلقتهم وما يتفق مع خلقتهم، فالنبي ﵊ من مناقبه وشمائله أنه بعث إلى الناس عامة، وكان النبي من قبله يبعث إلى الناس خاصة.","vol":"64","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1266>نصره بالرعب مسيرة شهر</span>\nقال: [ونصر بأنه يرعب عدوه على مسيرة شهر]؛ لقوله: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، يعني: يسمع العدو أن محمدًا وجيشه قد انطلقوا من المدينة -وبين محمد ﵊ وبين العدو مسيرة شهر على الأقدام أو ركوبًا- فينهزم العدو في عقر داره، وأنتم تعلمون أن الهزيمة النفسية أعظم من الهزيمة المادية، إذا انهزم الإنسان في نفسه سهل أن ينهزم في بدنه، يعني: يتملك العدو الرعب؛ فإذا سمع العدو بمخرج النبي ﵊ ارتعدت فرائصه، وخاف خوفًا لا يؤهله للمقابلة واللقاء بجيش النبي ﵊، وهذا يكون على مسيرة شهر، وأنتم تعلمون أن بين المدينة ومكة قرابة عشرين يومًا وزيادة، فتصور لو أن العدو بمكة والنبي ﵊ خارج من المدينة هو وأصحابه، فإن القوم ينهزمون في عقر دارهم قبل أن يخرج النبي ﵊ وأصحابه من المدينة النبوية.","vol":"64","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1267>كونه خاتم الأنبياء</span>\nقال: [وختم به النبيون فلا نبي بعده]؛ لقوله ﵊: (أنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي)، هذا الكلام صريح للغبي والأعمى، فالغبي يفهم هذا الكلام فضلًا عن طلاب العلم والناس الطيبين أمثالكم، لكن بعض الملاحدة لم يهدأ له بال، وأنتم تعلمون أن المجرم رشاد خليفة الذي هلك سنة (٨٨) بأمريكا وادعى النبوة هناك، سمى نفسه: (لا) ولما احتج عليه بأن النبوة انقطعت بالنبي ﵊، قال: ومن قال هذا، النبي ﵊ بشر بي.\nقال: أنا خاتم النبيين، والخاتم يوضع في الأصبع، يعني: أنا زينة النبيين وحلية الأنبياء، و(لا) الذي هو أنا نبي بعدي! والله العظيم قال هذا، وسمى نفسه (لا) حتى إنه لما نزل مطار القاهرة ومعه الجنسية الأمريكية قال أحدهم: إن اسم رشاد خليفة هذا قد غيره ولم يعد هذا الاسم له.\nقال: والقرآن شهد بنبوته، قيل: كيف ذلك؟ قال: لفظ الرشاد عندما تأتي بمادة رشد في القرآن الكريم ستجدها وردت في القرآن الكريم (١٩) مرة، وأنتم تعلمون أن العدد عندنا مقدس، فكيف يكون اسمه (لا) وكيف يكون اسمه (رشاد)؟ هذا تخبط وضرب في الظلمات.","vol":"64","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1268>إعطاؤه الشفاعة في أمته ومفاتيح خزائن الأرض</span>\nقال: [وأعطي الشفاعة في أمته -أي: لأمته- وأعطي مفاتيح خزائن الأرض؛ لكرامته على الله ﷿ فأبى أن يأخذها].\nعرض الله عليه خزائن الأرض، وخيره بين أن يكون ملكًا نبيًا، فقد كان سليمان ﵇ ملكًا نبيًا، فاستشار النبي ﷺ جبريل ﵇ ماذا يختار، فأشار عليه جبريل بما هو خير، قال: (بل عبد نبي)، يعني: اختر يا محمد! أن تكون عبدًا نبيًا، ولا داعي للملك، وأنتم تعلمون أن الله تعالى خيره أن يجعل له الجبال ذهبًا، فأبى ذلك وهذا هو الزهد الحقيقي، أن تكون الدنيا فعلًا تعرض عليك وأنت ترفضها، أما الآن فالناس يزهدون رغمًا عن أنوفهم بقرار وزاري!","vol":"64","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1269>تسميته بأحمد، وأحلت له الغنائم ولم تحل لنبي قبله</span>\nقال: [فأبى أن يأخذها واختار الدار الآخرة، وسمي أحمد ﷺكما جاء في سورة الصف- فجعل معاني نبوته وأفعاله في اسمه، فكانت أموره كلها محمودة وأقواله مرضية، وأحلت له الغنائم ولم تحل لنبي قبله]، وهذا كنا قد ذكرناه من قبل في أثناء شرح صحيح مسلم، وذكرنا الأدلة من الصحيحين وغيرهما؛ أن الغنائم من خصائصه ﵊، وشرحنا حديث: (فضلت على الأنبياء بخمس)، وذكرنا أن النبي ﵊ أحلت له ولأمته الغنائم، ولم تكن حلالًا للأمم السابقة كلها، فأول نبي أحلت له الغنائم هو نبي الإسلام محمد ﷺ وأمته من بعده، فالأنبياء من قبله كانوا إذا غنموا مغنمًا وقفوا عندها في الحرب لا ينفكون عنها حتى يعرفوا: هل قبل الله ﵎ منهم ذلك أم لا؟ وعلامة ما بينهم وبين ربهم أن تنزل نار من السماء تأكل هذه الغنائم، والحديث في البخاري.\nوأما الغنائم في شرع نبينا محمد ﵊ فهي حلال له ولنا، لقوله: (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي).","vol":"64","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1270>جعلت الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا</span>\nقال: [وجعلت له الأرض ولأمته مسجدًا]، معناه: أن الأرض طاهرة إلا ما تيقنا نجاسته، كالمقبرة والحمام ومرابض الإبل؛ وذكر مرابض الإبل لأنها من الشيطان، والحمام لأنه مظنة النجاسة، والمقبرة لاختلاطها بالدماء وصديد الموتى، وما إذا تيقنا نجاسته بوقوع البول فيه دون جفاف الأرض أو تطهيرها بالماء، فهذه الأماكن نجسة وما عداها طاهرة، فأينما أدركتك الصلاة فعندك المسجد -وهو الأرض- وعندك الطهور -وهو صعيد الأرض- تتيمم وتصلي.\nأما اليهود والنصارى فإن جميع الأرض عندهم نجسة إلا ما تيقنوا طهارته، وهي البيع والكنائس.\nفانظروا إلى الفرق بين هذه الأمة والأمم السابقة، إنه لفرق عجيب جدًا، ولذلك وضع الله ﵎ الإصر والأغلال التي افترضها على الأمم السابقة عنا ورحمنا فيها، فجعل لنا الأرض كلها طاهرة إلا ما تيقنا نجاسته، وجعل لأهل الكتاب الأرض كلها نجسة إلا البيع والكنائس، فصلاة الواحد منهم لا تصح إلا في البيع والكنائس، وهذا الشيء بكامله كان قبل مبعث النبي ﵊، أما بعد البعثة فلا صلاة له؛ لأنه بمجرد البعثة إن لم يؤمن فهو كافر، فلا صلاة له ولا طاعة له مقبولة.","vol":"64","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1271>جعلت صفوف أمته في الصلاة كصفوف الملائكة عند ربها</span>\nقال: [وجعلت له الأرض ولأمته مسجدًا، وكان غيره من الأنبياء لا تجزئ صلاته إلا في كنائسهم وبيعهم، وجعلت صفوف أمته -أي: في الصلاة- كصفوف الملائكة عند ربها].\nيعني: وأنتم تقوم في الصلاة اعلم أن هذا فيه وجه شبه بصفة الملائكة في صفها عند ربها.","vol":"64","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1272>أحاديث واردة في خصائص النبي ﷺ وأمته</span>\nقال: [عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (فضلت على الأنبياء بست)]، يعني: خص من دون الأنبياء بستة أشياء، مع أنه خص بأشياء كثيرة جدًا، قال: [(أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون).\nقال: (ومثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى قصرًا فأجمله -يعني: زينه وأحسنه- إلا موضع لبنة، فطاف الناس بالقصر فعجبوا لبنيانه وقالوا: ما أحسن هذا القصر لو تمت هذه اللبنة، قال: فأنا تلك اللبنة)]، يعني: هو المتمم لرسالة الأنبياء من قبله والخاتم لها، بل هو الناسخ لما تقدمه من رسالات ونبوات.\n[وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (فضلت بخصال ست لا أقولهن فخرًا)]؛ لأننا مطالبون أن نؤمن بجميع الأنبياء وألا نفضل بين الأنبياء؛ ولذلك يقول النبي ﷺ: (لا تقولوا أنا خير من يونس بن متى)، ويونس بن متى نبي من الأنبياء، والمعلوم أن النبي ﵊ هو خير الخلق قاطبة، وهذا أمر قد أجمعت عليه الأمة وقد وردت به الأدلة، والنبي ﵊ نفسه قال: (أنا خير ولد آدم ولا فخر)، والمعلوم أن يونس بن متى من ولد آدم، والله تعالى يقول في أمره لنا بالإيمان بالرسل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، أي: لا نفرق بين أحد من رسله في مبدأ الإيمان، فنحن كما نؤمن بمحمد نؤمن بعيسى وموسى وجميع الأنبياء المذكورين في القرآن والسنة وغير المذكورين إجمالًا، نؤمن بأن الله تعالى أرسل قبل نبينا أنبياء ورسلًا وأنزل معهم الكتب، وكانوا هداة مهديين بهداية ربهم ﵎، نؤمن بهم جميعًا إجمالًا، ونؤمن بنبينا إجمالًا وتفصيلًا، فإيماننا بالنبي ﵊ كنفس إيماننا بموسى وعيسى من جهة أنه نبي أرسله الله ﷿، وأنزل معه الكتب، وأمره أن ينزل في بني إسرائيل أو في قوم كذا وكذا.\nفالأمر الذي ورد في النصوص في عدم التفريق بين الأنبياء هو أمر بعدم التفرقة في مبدأ الإيمان بالأنبياء، أما النصوص الواردة بأن النبي ﵊ هو خير الخلق وهو خير الأنبياء وفضل على الأنبياء فهذا أمر معلوم، وإنما هي خصائص خصه الله ﵎ بها.\nقال: [عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﵊: (فضلت بخصال ست لا أقولهن فخرًا)]؛ لأنه من أشد الناس تواضعًا ﵊.\nقال: [(لم يعطهن أحد كان قبلي، قال: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر)]، وأنتم تعلمون حديث الشفاعة الطويل الذي فيه: أن الناس هرعوا في الموقف إلى آدم فذكر خطيئته، ثم إلى إبراهيم فذكر خطيئته، ثم إلى موسى فذكر خطيئته، ثم إلى عيسى حتى أتوا إلى محمد ﵊، فقال: (أنا لها أنا لها، فذهب فخر تحت العرش ساجدًا حتى دعاه ربه بقوله: اشفع تشفع وسل تعطه) صلى الله على نبينا محمد.\nقال: [(وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا، وأعطيت الكوثر، ونصرت بالرعب، والذي نفسي بيده إن صاحبكم -أي: أنا- لصاحب لواء الحمد يوم القيامة غير فخر، تحته آدم ومن دونه)]، يعني: لواء الحمد يحمله النبي ﵊، وتحت لواء الحمد جميع الأنبياء والمرسلين بما فيهم آدم، والمعلوم أن آدم هو أول نبي، وأما أول رسول فهو نوح ﵇.\n[وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: (فضلنا على الناس بثلاث -أي: نحن المؤمنين المسلمين- جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجعلت ترابها لنا طهورًا، وجعل صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتينا الآيات الأخر من سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط أحد قبلي، ولا يعطى أحد منه بعدي)] أي: من أول قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى آخر سورة البقرة.\nفهذه الآيات من سورة البقرة نزل بها جبريل مرة، وأعطيها النبي ﵊ من كنز تحت العرش في رحلة معراجه إلى السماء.\n[وكان علي بن أبي طالب يقول: قال رسول الله ﷺ: (أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، قلنا: ما هو يا رسول الله؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت لي الأرض طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم)].\nفالأمة لها خصائص تخصها دون بقية الأمم، ونبي الأمة ﷺ له خصائص تخصه دون بقية الأنبياء.\n[وعن علي عن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسًا لم يؤتهن نبي قبلي: أرسلت إلى الأبيض والأسود والأحمر، -وهذا يد","vol":"64","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1273>الأسئلة</span>","vol":"64","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1274>الحكم على حديث (عبدي لا تخف) وحديث صلاة الحاجة</span>\nس\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما قولكم في الأحاديث الآتية: الحديث القدسي: (عبدي لا تخف من ذي سلطان مادام سلطاني لا يزول) إلى آخر الحديث؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  هذا حديث غير صحيح.\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  حديث صلاة الحاجة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  حديث صلاة الحاجة قد أنكره بعض أهل العلم، ولكنه حديث صحيح، والراجح من أقوال المحدثين: أن من كان في حاجة أو عرضت له حاجة فليركع ركعتين، ثم ليدع الله ﷿.\nالسؤال: وحديث: (من تعار من الليل- أي: من قام واستيقظ من نومه في الليل- فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له) إلى آخر الحديث: (ثم توضأ فصلى ركعتين ودعا الله ما رد الله دعاءه)، يعني: الذي يفعل هذا وله حاجة فإنها مقضية بإذن الله تعالى؟ الجواب: هناك شواهد كثيرة جدًا للحديث الأول التي تدل على ما يسمى في الشرع بصلاة الحاجة.","vol":"64","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1275>حكم النداء في المساجد عن الأولاد الضائعين</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  هل النداء عن الأولاد التائهين في مكبر صوت المسجد من إنشاد الضالة المنهي عنه؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  لا، ليس منه، يدل على ذلك سبب ورود الحديث، كما يدل عليه لغة العرب، فسبب ورود الحديث أن بعيرًا ضل، فناداه صاحبه في المسجد، فقال النبي ﵊: (إذا رأيتم الرجل ينشد الضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك)، يقول أهل العلم والشراح من المحدثين وأهل اللغة: الضالة تطلق على ذوات الأربع فقط، وما دون ذلك يجوز النداء عنه في المسجد وفي غيره.","vol":"64","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1276>حكم الإعلان عن المتوفى في المساجد بالمكبر</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما حكم الإعلام عن المتوفى بواسطة مكبر الصوت في المسجد؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  النبي ﵊ نهى عن العزاء ابتداء، ويقول سعيد بن المسيب: كنا نعد الاجتماع للعزاء من النياحة، فالأفضل عندما يموت شخص أن نخبر الأهل والجيران والخلان والأصحاب؛ وكل واحد يخبر الآخر بالهاتف، وكل واحد يخبر الآخر عن طريق الزيارة أو المسارعة في نشر الخبر أو غير ذلك، أو بدعوة الناس في المسجد إلى أن يحضروا الجنازة غدًا في المكان الفلاني، وقد مات كثير من أهل العلم في الأيام الأخيرة، وهذه من علامات الساعة، وكان آخر من مات من الفضلاء الشيخ سيد سابق ﵀، فذهبنا وصلينا في الشارع وانسدت الطرق بواسطة الهواتف التي اتصل بها طوال الليل فقط، ولم يحصل أكثر من ذلك، لا عزاء ولا نداء ولا شيء من هذا القبيل، فليس بلازم أن تستخدم ميكرفون المسجد أو تدور بطبلة في البلد، أو بميكرفون سيارة نقل وغير ذلك، فلا يجوز هذا.","vol":"64","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1277>الحكم فيما إذا نزف الدم من الرجل وهو يصلي</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا نزف الرجل وهو يصلي فهل يقطع صلاته أم يتمها؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال النزيف لا يفسد الوضوء، وجاء عن غير واحد من السلف أن النزيف منه الغسل، يعني: الذي يلزمه غسل موضع الدم فقط، كما جاء عن ابن عمر وجابر وابن سيرين والحسن البصري وغيرهم: النزيف منه الغسل، أما الحديث الوارد عند ابن ماجة: (أن الرعاف يفسد الوضوء)، فهو حديث ضعيف.","vol":"64","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1278>معنى البيع والكنائس</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ما هي البيع؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  البيع: اسم معابد اليهود، كما أن الكنائس اسم معابد النصارى، كما أن المساجد اسم معابد المسلمين.","vol":"64","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1279>بيان متى يكون الدعاء في الوتر وغيره</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  إذا صلى الرجل وقنت بالليل فهل يدعو في آخر وتره أم قبل الوتر؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  الدعاء يكون في آخر ركعة بعد القيام من الركوع، والدعاء في غير الوتر يكون قبل الركوع من آخر ركعة.","vol":"64","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1280>ما يفعله من عصى الله ثم أراد التوبة وطلب العلم</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ماذا يفعل من كان في أول سن البلوغ والمراهقة ومارس مع الصبية والفتيات الأقارب الفحشاء في نهار رمضان، علمًا بأنهم كانوا ممسكين، ولكنهم مارسوا الفحشاء، حيث لم يكونوا يعلمون بمدى حرمة ذلك، ولا عقوبته، وإن كانوا يعلمون بفطرتهم أن ذلك حرام، فهل يفسد صيامهم، وعليهم إعادة؟ مع العلم أن ذلك تكرر خلال رمضانين، وقام أحدهم -عندما نوى التوبة- بحصر الأيام التي فعل فيها ذلك وصام أغلبها، ولضعف بدنه وفتور صحته فدى عن الباقي، وأقلع عن تلك الأفعال ومصاحبة هؤلاء الأقارب، وكان ذلك منذ أربع سنين تقريبًا، ولكن لا زال ألم المعصية يقلقه ويريد القول الفصل في ذلك، فهل يكفيه ما فعل، وإن لم يكن فأين السبيل يرحمكم الله، وماذا يفعل من يريد التخلص من مظلمة عرض مع العلم أن صاحبها ذو قرابة، وإن صارحه بذلك قد تنقطع صلة الرحم ولا يعفو إلا قليلًا، وأن الحكمة في سؤالهم العفو وابتغاء وجه الله ويحدث ما يحدث أم ماذا؟ والذي يريد طلب العلم مع العلم بفقره الواضح، وأن أهله وأبويه يضطرونه لجلب المال، هل عليه أن يستجيب لهم وينعزل في المنزل بعد ذلك للقراءة حتى يتيسر الحال، أم يضرب بهم عرض الحائط، ويتفرغ لطلب العلم، خاصة وأن جهله قد أورده الموارد؟ أسألك بالله أن تكون بي رفيقًا في الجواب، فإني لا أهنأ بعيش ولا بنوم وأشعر أنني من كثرة ذنوبي أن توبتي لن تقبل، وأنني سأصير بعد حياتي هذه والعياذ بالله حطبًا لجهنم، فأرجو مراعاة إقبالي على ربي وحالتي النفسية، وبم تنصحني لأجتنب حياة الفساد وأحيا حياة كريمة؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال هذه الرسالة تشير إلى توبة صاحبها، فهنيئًا له أنه يتقلب بالليل والنهار ألمًا، فهذا يدل على صدق التوبة والأوبة والرجوع إلى الله ﷿، ولكن سؤال السائل ينقسم إلى عدة أمور: الأمر الأول: أنه وقع في الفحشاء، والواضح من قراءة الرسالة بتمامها أنه وقع في الزنا، فإن تكرر منه هذا فإجماع أهل العلم أن كل زنا يحتاج إلى كفارة، ولا تجزئ كل كفارة واحدة لمجموعة من الوقائع أو الفحشاء، فعلى الأخ أن يتقرب إلى الله ﷿ في صدق توبته بأن يصوم شهرين متتابعين ومعها يوم إذا كان ذلك في رمضان لكل وقعة فاحشة وقع فيها بغير اتصال، وإذا كنت تتلذذ بهذه المعصية فاعلم أنك لو داومت على الصيام فإنك تستمرئ صوم الدهر كله.\nوكثير من السلف كانوا يقولون: لقد عانينا قيام الليل عامًا حتى صار سجية، وقد سأل غير واحد من أصحاب النبي ﵊ النبي ﷺ أنهم يقدرون على سرد الصوم، فأذن لبعضهم ولم يأذن للبعض الآخر، فكل هذه النصوص هي بشرى لك بأنك إذا ألفت أن تصوم هذه الكفارات فستكون في نهاية الأمر سجية لك، وما الذي يمنعك أن تصوم عامًا أو عامين أو ثلاثة، كفارات لهذه الفواحش التي وقعت فيها؟ الأمر الثاني: أن صحبة هذا الرجل كلها صحبة فساد كما هو واضح من سؤاله، وأنتم تعلمون أن من عوامل نجاح التوبة التخلص من أصحاب السوء، ولا أدل على ذلك من هذا الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم ختمها بالراهب فأتم المائة؛ فأمر به أن يرحل عن بلده؛ لأن بها قومًا سوءًا، إلى أرض أناس صالحين يعينونه على طاعة الله ﷿، والنبي ﵊ يقول: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).\nويقول الحسن البصري: صديقك من صادقك -أي: من نصحك- لا من صدقك، صديقك من صادقك، أي: من نصحك وأخذ على يديك وأرجعك إلى الصواب، لا من صدقك في كل ما تقول من خير وشر، فإن هذا ليس بصاحب.\nوأنصح هذا الأخ السائل أن يحرص على طلب العلم فإنه النجاة كل النجاة، وما أوقعه فيما وقع فيه إلا الجهل كما يقول، وهو صادق إن شاء الله في زعمه أنه لم يكن يعرف أن هذا حرام أو لا يعرف عقوبة هذا الفعل، غير أنه يعلم بفطرته أن هذا الفعل قبيح، بل إن لفظة قبيح تعتبر قولًا رقيقًا بالنسبة لهذه المسائل، فهذا وقوع في الفاحشة.\nفعلى أية حال لو فرضنا صدقه -والأصل فيه الصدق- فيجب عليه أن يتخلص من صحبته تمامًا، وأن يقبل على الله ﵎، ولا يجد أحسن من طلب العلم؛ ففيه النجاة كل النجاة، ويتخلص من الصحبة السيئة، ولا ينام وحده حتى لا يفكر في مقدمات هذه المعصية مرة أخرى، وألا يغلبه الشيطان في وحدته، ولا أدل على ذلك من قوله ﵊: (لا يسافر الرجل وحده ولا يبيتن وحده)؛ وذلك لتسلط الشيطان وغلبته على هذا الوحيد الشريف، ويقول ﵊: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، فربما حدثتك نفسك بالوقوع في المعصية، ولكنك لعلمك أن فلانًا أو فلانًا ينظر إليك تكف عن هذه المعصية؛ ولذلك يقول النبي ﵊: (استحيوا من الله على قدر حيائكم من رجلين صالحين من قومكم)، فتصور لو أنك أردت أن تنظر إلى امرأة أجنبية جميلة تمر في الشارع، ولكن معك رجل من صالحي قومك، هل تجرؤ أن تنظر إليها؟! فاستحي من الله ﷿ استحياءك من هذا الرجل الصالح.\nأما ما ذكره من صلة","vol":"64","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1281>بيان ما يفعله من وقع في عرض أخيه</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  ماذا يفعل من وقع في عرض فلان؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  إذا كنت وقعت في عرضه بالغيبة والنميمة فلا بأس أن تذهب إليه وتستسمحه، وإذا كان يحدث من ذلك مفسدة عظيمة فقم الليل دعاء له واستغفارًا له، وإن كنت ذا مال فتصدق عنه، يعني: ابذل له كما بذلت عليه.","vol":"64","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1282>حكم تحريك الأصبع عند التشهد في الصلاة</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  عند التشهد في الصلاة الأولى تحريك الإصبع، أم الإشارة به فقط؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  المسألة محل نزاع، لكن الذي يترجح لدي أن التحريك زيادة من زائدة بن قدامة، وإن كانت هذه اللفظة قد جاءت في صحيح مسلم، فالحافظ ابن حجر غمزها في تلخيص الحبير، والإمام البيهقي في كتابه السنن غمزها وقال: هذه اللفظة إما أنها شاذة، وإما أن يحمل التحريك على الإشارة، وسئل أحمد بن حنبل: ماذا نعمل في التشهد؟ قال: تنصب السبابة بشدة.\nقيل له: أنحركها؟ قال: لا، فمن أقوال أهل العلم الذي يترجح لدي: أنك تشير بالسبابة دون أن تحركها خفضًا ورفعًا، والله تعالى أعلم، وعلى أية حال، هذه من المسائل المختلف فيها، والخلاف فيها أمره هين.","vol":"64","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1283>حكم الاستمناء</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  رجل أصيب بمرض في شيء من عضوه التناسلي، ولا يستريح إلا بالاستمناء مرة كل شهر أو شهرين فما حكم الشرع في ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال يا أخي! لابد أن تعلم أن النار حفت بالشهوات، وأن الجنة حفت بالمكاره، فمن الشهوات الاستمناء، والاستمناء حرام، وهذا الراجح من أقوال أهل العلم، وأقوال أهل العلم في الاستمناء ثلاثة: منهم من قال بالجواز، ومنهم من قال: بالحرمة مطلقًا، ومنهم من فصل فقال: لا يكون الاستمناء مأذونًا فيه أو مباحًا إلا في حال حرب أو سفر أو غياب الرجل عن امرأته، وخوفه أن يقع في الفتنة، يعني: لو أن امرأة جميلة عرضت عليك، فإما أن تزني وإما أن تستمني، ولا خيار ثالث في هذه القضية، فأيهما أولى؟ الاستمناء بغير تردد، فكلاهما ضرر، وكلاهما حرام، لكن ليست حرمة الاستمناء كحرمة الزنا الصريح، فارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب الضرر الأكبر.\nوالإمام الشافعي عليه رحمة الله احتج على حرمة الاستمناء بقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]، فأنت لست مأذونًا إلا مع امرأتك الحرة أو مع إمائك، فمن ابتغى بعد ذلك استمتاعًا مع غير الأمة والمرأة الحرة فإنه يكون متعديًا، حده: «فَمَنِ ابْتَغَى» أي: فمن أراد بعد الحرة والأمة «فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ» والعدوان هنا يفيد الحرمة في مقابلة حل الزوجة والأمة، فعلى جهة المقابلة يكون حرامًا.","vol":"64","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1284>حكم الذهاب إلى أمريكا للعمل</span>\n\n<span data-type=\"title\">السؤال</span>\n  عرض علي السفر إلى أمريكا للعمل أكثر من مرة ورفضت ذلك، فما قولكم في السفر هناك للعمل، خاصة وأن من يذهبون يعملون في مجالات تخدم القوم، وتعينهم على التفوق في مجالات الكمبيوتر والتكنولوجيا؟\n\n<span data-type=\"title\">الجواب</span>\n  على أية حال أظن أن بلادنا -والحمد لله- فيها من التقدم التكنولوجي وفي عالم الكمبيوتر وغيره الشيء الذي يغنينا ويسد الحاجة، لكن إذا أردت أن تذهب هناك كرحلة علمية فأهلًا وسهلًا بشرط أن تصحب معك امرأتك، أو ألا تغيب عنها أكثر من أربعة أشهر لحاجتك إليها وحاجتها إليك، فإن عمر وابنته حفصة ﵄ قد حددا أقصى مدة يمكن أن تحتملها المرأة في غياب زوجها، وهي أربعة أشهر؛ ولذلك كان عمر ﵁ يقسم الجيش أقسامًا فلا يزيد قسم عن أربعة أشهر حتى يأذن لهم بالرجوع إلى زوجاتهم في المدينة، لكن لابد أن تعلم أن الذهاب إلى بلاد الكفر عمومًا أمر منكر في الشرع، والنبي ﵊ كما جاء في سنن أبي داود قال: (أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين)، فهذا الحديث فيه ترهيب ووعيد شديد لمن يذهب إلى هناك بغير حاجة ولا ضرورة ولا مصلحة شرعية، إن الدعاة يذهبون هناك من أجل الدعوة، وهذا أمر قد كلفنا الله ﷿ به، أما أن تذهب إلى هناك لترى المومسات فهذا هو الإجرام، كما أنك حين تذهب إلى هناك، يحصل لك تمييع لعقيدتك، فالأرض غالبًا تلعب مع أصحابها، فالأرض هناك تلعب مع الكفر، وإنك إذا نظرت فوق وتحت وفي جميع الجوانب لا تجد إلا كفرًا بواحًا، وعندما تذهب إلى هناك ستجد صعوبة في كل شيء، ولو أردت أن تكون متمسكًا بدينك فإنك تجد صعوبة في ذلك.\nوأذكر أنني لما ذهبت إلى هناك قلت لهم: إنني مقاطع للحم الذي في هذا البلد نهائيًا، فمعذرة أريد سمكًا، فقالوا لي: إنهم يشوونه بشحم الخنزير، وما قيل لي هذا الكلام إلا بعد أن أكلت سمكًا حتى شبعت، وعندما سافرت إلى منطقة اسمها (بورتلاند) في غرب أمريكا أحضروا لي لحمًا، فقلت لهم: الأصل في لحوم هذه البلاد التحري، فقالوا: يا شيخ! إننا ذبحنا هذا في إحدى رحلات الصيد، فقلت: إذن لا مشكلة نأكله، فلابد في كل مرة أن تسأل وتتحرى، فقلت: ألا تخلصوننا من هذا القلق وتعطونا سمكًا ويكفي، فقالوا: من أين نأتي لك بسمك، فإنه من الممنوع أن نشوي في البيوت.\nوفي المقابل المركز الذي نزلت فيه قلت للطباخ: بالله عليك أتقلي السمك في شحم خنزير أو في زيت؟ قال لي: الذي يريد في زيت أقلي له في زيت، والذي يريد في شحم أقلي له في شحم.\nفقلت: السمك الذي وصلني وأنا في المركب أستحلفك بالله بماذا قليته؟ قال لي: والله مرة هكذا ومرة هكذا! فدعوت عليه، لأنه من المفروض حتى وإن قيل له: أنا أريد سمكًا بشحم خنزير أن يقول: لا، وينكر عليه، فضلًا عن أنه لا يحل لك أن تستخدم شحم الخنزير في محلك أبدًا، وغضبت غضبًا شديدًا، ونهرت هذا الأخ، مع أن كان يصلي معنا كل فرض، وكان أحيانًا يذهب بعد صلاة الفجر ويأتينا إلينا بالحليب وغير ذلك من وجبات الإفطار، فلما سألته عن سبب فعله لهذا الشيء قال: يا شيخ! هذه طبيعة الحياة هنا، هذه طبيعة الحياة هنا!! وعندما رجعت إلى مصر وسألت الإخوة في السويس عن هذا الرجل وقصصت عليهم قصته، فقالوا: هذا كان من الدعاة هنا، وإيرادي لهذه القصة من أجل أن أثبت لك أنك إذا ذهبت إلى هناك تتأثر، فهو مطلوب منه هناك أن يسدد ألفي دولار شهريًا للمحل، وألف دولار للسكن، وألفي دولار آخرين للطعام والشراب، يعني: خمسة آلاف دولار شهريًا من أين يأتي بها؟ فلابد أن يتجاوز دائرة الحل إلى الحرمة، وأنت يا أخي! من الذي أكرهك على ذلك؟ لماذا يا أخي! لا تأتي إلى بلادك وتأكل من تحت رجليك، وفي بلدك اليوم الذي لا تجد فيه فولًا وطعمية خذ ترابًا من تحت رجليك، وما أظن أن أحدًا في هذا الزمان يبيت جائعًا لا في بلاد المسلمين ولا في بلاد الكفار.\nفالشاهد: أنني أنصح دائمًا بعدم الذهاب إلى بلاد الكفار عامة وبخاصة أمريكا، وأنا قد تكلمت وشتمت ولعنت أمريكا والذي يريد أمريكا في هذا المسجد وفي غيره مرات ومرات، وقلت: إن الذين يذهبون إلى هناك يصعب عليهم جدًا أن يتمسكوا بدينهم، فضلًا عن أنهم ضعفاء أصلًا قبل ذهابهم، فأنت لن تسافر من هنا وأنت ابن تيمية أو أحمد بن حنبل، إنك ستسافر من هنا بضعف إيمانك وهزالته، فتذهب إلى هناك، فيكون ضعفًا على ضعف على كفر على فجور على مجون، وستلقى نفسك بعد سنة ضائعًا تائهًا.\nوقد أساء بي الظن بعض المستمعين، وظنوا أني أرد على بعض إخواني كالشيخ محمد حسان والشيخ عمر بن عبد العزيز القرشي وغيرهم من الإخوة الأفاضل الطيبين، والله ما قصدت الرد على هؤلاء، بل قبل أن أذكر هذا وقبل أن أنقم على أمريكا وعلى من يريد أن يذهب إلى أمريكا، تحدثت مع أخي محمد حسان ومع الشيخ عمر بن عبد العزيز، وقلت: يا إخواني! الذي ذكرتموه على سبيل المدح","vol":"64","page":29}]}