{"ً":{"ٌ":37478,"ٍ":"الشيعة والتشيع - فرق وتاريخ","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/الشيعة والتشيع فرق وتاريخ - ظهير","files":["47375.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الشيعة والتشيع - فرق وتاريخ\nالمؤلف: إحسان إلهي ظهير الباكستاني (ت ١٤٠٧هـ)\nالناشر: إدارة ترجمان السنة، لاهور - باكستان\nالطبعة: العاشرة، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م\nعدد الصفحات: ٤٠٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2345,"ٕ":1,"ٖ":1770155882,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الباب الأول التشيع الأول والشيعة الأولى","level":1,"page":10},{"title":"الشيعة لغة واصطلاحا","level":2,"page":10},{"title":"شيعة علي وشيعة معاوية","level":2,"page":10},{"title":"شروط معاوية للاعتراف بخلافة علي","level":2,"page":11},{"title":"شيعة آل محمد وشيعة بنى معاوية","level":2,"page":12},{"title":"العثمانية والعلوية","level":2,"page":13},{"title":"الخلاف بين علي ومعاوية لم يكن خلاف الكفر والإسلام","level":2,"page":14},{"title":"متى وجد التشيع ومتى تكونت الشيعة","level":2,"page":16},{"title":"ما قاله المظفرى","level":2,"page":17},{"title":"المجازفة بالقول والرد من الكتاب والسنة","level":2,"page":17},{"title":"تمسك القوم بالأحاديث الموضوعة","level":2,"page":20},{"title":"مخالفة العقل والنقل","level":2,"page":20},{"title":"اضطراب آراء القوم وأقوالهم","level":2,"page":21},{"title":"الخلاف قبل مقتل عثمان وبعد مقتله","level":2,"page":24},{"title":"نوعية الخلاف","level":2,"page":26},{"title":"تسمية علي أبناءه بأسماء الخلفاء الراشدين الثلاثة","level":2,"page":29},{"title":"صلح الحسن مع معاوية إحدى شروط الصلح","level":2,"page":30},{"title":"مبايعة الحسن والحسين معاوية أميرا وخليفة","level":2,"page":31},{"title":"أولاد علي نكحوا وأنكحوا بنى أمية","level":2,"page":31},{"title":"رواية الكافى عن زين العابدين فى حق يزيد","level":2,"page":34},{"title":"التشيع الأول لم يكن مدلوله عقائدا مخصوصة","level":2,"page":34},{"title":"الشيعة الأولى لم تكن إلا حزبا سياسيا يرى رأى علي دون معاوية","level":2,"page":34},{"title":"تردد الحسن والحسين على معاوية وقبولهما الهدايا منه","level":2,"page":35},{"title":"قبول زين العابدين الهدايا من مروان","level":2,"page":36},{"title":"آل علي كانوا يصلون خلف الأموين","level":2,"page":36},{"title":"تطور التشيع وتغيير الشيعة","level":2,"page":37},{"title":"محاولة اليهود والمنافقين والمجوس القضاء على الإسلام وعلى الخلافة الإسلامية - مطاعنهم على أصحاب النبى - براءة الشيعة الأولى منهم. تخاذل الشيعة ومعاتبة علي إياهم","level":2,"page":38},{"title":"الباب الثاني التشيع والسبأية","level":1,"page":42},{"title":"الشيعة الأولى مع تخاذلهم لم يكونوا مختلفين مع الآخرين فى العقائد، المؤمرات والدسائس لتطوير التشيع وتبديل الشيعة الأولى","level":2,"page":44},{"title":"عبد الله بن سبأ والسبئية","level":2,"page":45},{"title":"ما قاله الطبري وابن خلدون وابن حجر والإسفرائيني عن عبد الله بن سبأ","level":2,"page":46},{"title":"سعي ابن سبأ بالفتنة والفساد","level":2,"page":48},{"title":"الأفكار اليهودية المدسوسة","level":2,"page":50},{"title":"ما ذكره النوبختى والكشى والحلي والمامقاني والمرزا والاسترآبادي وابن أبى الحديد عن السبئية","level":2,"page":51},{"title":"ما قاله المحققون من أهل السنة عن السبئية","level":2,"page":56},{"title":"بعض المتأخرين من الشيعة أنكروا وجود ابن سبأ","level":2,"page":59},{"title":"الرد على من أنكر من الشيعة أنفسهم","level":2,"page":60},{"title":"شهادة المستشرق (ولهوزن) بأن الشيعة لم تكن فرقة دينية فى الأصل","level":2,"page":66},{"title":"إعلان علي بأنه لا يفضل نفسه على الخلفاء الراشدين - وإعلان براءته عن قتل عثمان -","level":2,"page":67},{"title":"وضع الشيعة الأحاديث الموضوعة المكذوبة","level":2,"page":69},{"title":"انخداع بعض الشيعة من السبئية واعتناقهم عقائدهم","level":2,"page":71},{"title":"الباب الثالث الشيعة ومطاعنهم على ذي النورين ﵁ والسبأية وفتنهم أيامه","level":1,"page":75},{"title":"دين الشيعة الكذب","level":2,"page":75},{"title":"رواة المطاعن هم الشيعة","level":2,"page":76},{"title":"أبو مخنف الأزدي من كتب الشيعة والسنة","level":2,"page":77},{"title":"الواقدى","level":2,"page":81},{"title":"الكذابون المعروفون بالكذب على رسول الله - ﷺ - أربعة","level":2,"page":83},{"title":"مخطط السبئية لتفريق وحدة المسلمين","level":2,"page":90},{"title":"إيرادات السبئيين على ذي النورين","level":2,"page":91},{"title":"رد عثمان عليهم","level":2,"page":92},{"title":"خطبة ذي النورين لتفنيد مزاعمهم","level":2,"page":94},{"title":"حوادث وفتن","level":2,"page":96},{"title":"محاصرة عثمان","level":2,"page":98},{"title":"قتل عثمان ظلما وعدوانا","level":2,"page":99},{"title":"استشهاد عثمان","level":2,"page":100},{"title":"مطاعن الشيعة على ذي النورين","level":2,"page":101},{"title":"الرد على طعن إيثار ذي القربى","level":2,"page":104},{"title":"تولية الوليد بن عقبة على الكوفة","level":2,"page":109},{"title":"سعيد بن العاص","level":2,"page":110},{"title":"قبول علي هدايا سعيد بن العاص","level":2,"page":111},{"title":"خطبة سعيد بن العاص أم كلثوم بنت علي","level":2,"page":112},{"title":"عبد الله بن عامر عامل عثمان على العراق","level":2,"page":112},{"title":"مروان بن الحكم","level":2,"page":114},{"title":"نقلة المطاعن السبئية","level":2,"page":115},{"title":"شفاعة الحسن والحسين لمروان بن الحكم - وصلاتهما خلفه","level":2,"page":116},{"title":"زواج ابنة علي من ابن مروان","level":2,"page":117},{"title":"زواج حفيدات علي من أحفاد مروان","level":2,"page":118},{"title":"الطعن بأن عثمان يؤثر أهله بالأموال والرد عليه","level":2,"page":119},{"title":"قتلة عثمان","level":2,"page":120},{"title":"ادعاء ضرب ابن مسعود وقضية عمار ونفي أبي ذر","level":2,"page":121},{"title":"عدم القصاص من ابن عمر","level":2,"page":123},{"title":"قضية الآذان الثانى فى الجمعة","level":2,"page":125},{"title":"دفاع علي عن عثمان","level":2,"page":125},{"title":"مقام عثمان وشأنه","level":2,"page":127},{"title":"الباب الرابع تطور التشيع الأول والشيعة الأولى ودور السبأية بعد مقتل عثمان ﵁ وأيام علي ﵁","level":1,"page":130},{"title":"المدينة بعد مقتل عثمان","level":2,"page":131},{"title":"امتناع الصحابة عن قبول الخلافة","level":2,"page":132},{"title":"امتناع علي عن قبول البيعة - إجباره على قبولها - امتناع الصحابة عن البيعة.","level":2,"page":134},{"title":"استتار قتلة عثمان وراء المبايعين لعلي","level":2,"page":135},{"title":"اجتماع الصحابة إلى علي ومطالبتهم إقامة الحد فى قتلة عثمان","level":2,"page":136},{"title":"منع ابن عباس عليا عن أخذ البيعة، ومنع الحسن أباه عن البقاء في المدينة","level":2,"page":137},{"title":"تجمعات السبئية ومطالبة الصحابة طردهم وإقامة الحد فيهم","level":2,"page":138},{"title":"قنوط الزبير وطلحة من اقتصاص عثمان، وعزل علي معاوية","level":2,"page":140},{"title":"سعي السبئية بالفتنة والفساد","level":2,"page":141},{"title":"منع الحسن أباه من الخروج إلى محاربة أهل الشام وحرب الجمل","level":2,"page":142},{"title":"تثاقل أهل المدينة عن الخروج مع علي","level":2,"page":143},{"title":"حرب الجمل وسعي السبئية فى إشعال نارها","level":2,"page":144},{"title":"محاولة الصلح","level":2,"page":148},{"title":"سعي السبئية لنسف محاولة الصلح","level":2,"page":149},{"title":"وقوع الكارثة - صلاة علي على قتلى الجمل من الطرفين","level":2,"page":151},{"title":"علي لا يزى مخالفيه كفارا","level":2,"page":152},{"title":"خبث السبئيين","level":2,"page":153},{"title":"حرب الصفين","level":2,"page":154},{"title":"الشيعة الأولى","level":2,"page":155},{"title":"الباب الخامس فرق الشيعة، تاريخها وعقائدها","level":1,"page":157},{"title":"اجتماع الشيعة بعد علي حول الحسن - بدعة السبئية فى الغلو","level":2,"page":157},{"title":"افتراق الشيعة بعد علي","level":2,"page":158},{"title":"مجاهرة ابن سبأ بأفكاره بعد قتل علي","level":2,"page":159},{"title":"محاربة الحسن لابن سبأ وأفكاره","level":2,"page":160},{"title":"فتن السبئية أيام الحسن","level":2,"page":161},{"title":"خذلان الشيعة للحسن","level":2,"page":162},{"title":"إمارة معاوية ونصيحة علي","level":2,"page":164},{"title":"شيعة ساباط المدائن - جرحهم للحسن - صلح الحسن مع معاوية","level":2,"page":165},{"title":"افتراق الشيعة","level":2,"page":166},{"title":"الكيسانية","level":2,"page":168},{"title":"الشيعة أيام الحسين","level":2,"page":170},{"title":"مكاتبة الكوفيين الحسين","level":2,"page":171},{"title":"خروج الحسين إلى الكوفة","level":2,"page":172},{"title":"خبر مسلم بن عقيل","level":2,"page":174},{"title":"الكوفيون","level":2,"page":177},{"title":"الكوفيون هم الذين قتلوا الحسين","level":2,"page":178},{"title":"عدد شيعة الكوفة","level":2,"page":179},{"title":"تطور التشيع","level":2,"page":180},{"title":"الفرس","level":2,"page":181},{"title":"الكيسانية","level":2,"page":182},{"title":"المختار الثقفي","level":2,"page":185},{"title":"تغير الشيعة الأولى","level":2,"page":189},{"title":"المختار الثقفي وحروبه","level":2,"page":191},{"title":"افتراق الشيعة بعد مقتل الحسين","level":2,"page":193},{"title":"الغرابية","level":2,"page":194},{"title":"المعتقدون بألوهية العباد","level":2,"page":195},{"title":"الشيعة بعد علي بن الحسين - الزيدية","level":2,"page":198},{"title":"الجارودية","level":2,"page":202},{"title":"معتقدات الزيدية","level":2,"page":203},{"title":"الشيعة أيام جعفر بن الباقر","level":2,"page":207},{"title":"التطور التام والتغيير الجذري","level":2,"page":208},{"title":"افتراق الشيعة أيام الجعفر","level":2,"page":212},{"title":"مدعي الإمامة من أهل البيت في حياة جعفر","level":2,"page":214},{"title":"الشيعة بعد وفاة جعفر","level":2,"page":218},{"title":"الناووسية السمطية","level":2,"page":219},{"title":"الفطحية","level":2,"page":220},{"title":"الإسماعيلية","level":2,"page":222},{"title":"موقف الإسماعيلية وأدلتهم","level":2,"page":225},{"title":"القرامطة","level":2,"page":227},{"title":"الأغاخانية والبهرة","level":2,"page":229},{"title":"الدروز","level":2,"page":230},{"title":"عقائد الدروز","level":2,"page":231},{"title":"كلام ابن تيمية في الدروز","level":2,"page":232},{"title":"فرق الشيعة أيام موسى الكاظم","level":2,"page":233},{"title":"مدعو الإمامة في عهد موسى الكاظم من أهل البيت","level":2,"page":239},{"title":"الشيعة أيام علي بن موسى","level":2,"page":241},{"title":"افتراق الشيعة أيام علي بن موسى","level":2,"page":242},{"title":"الشيعة أيام محمد بن علي","level":2,"page":245},{"title":"افتراق الشيعة أيام محمد بن علي","level":2,"page":246},{"title":"مدعي الإمامة عن أهل البيت أيام محمد بن علي","level":2,"page":248},{"title":"الشيعة أيام علي بن محمد - النصيرية","level":2,"page":249},{"title":"عقائد النصيرية","level":2,"page":250},{"title":"مدعي الإمامة أيام محمد بن علي من أهل البيت - الشيعة أيام الحسن العسكرى","level":2,"page":253},{"title":"افتراق الشيعة أيام الحسن العسكرى","level":2,"page":254},{"title":"الشيعة بعد وفاة الحسن العسكرى","level":2,"page":255},{"title":"افتراق الشيعة أربعة عشر فرقة","level":2,"page":256},{"title":"الباب السادس الشيعة الاثنا عشرية","level":1,"page":262},{"title":"أسماؤهم: الاثنا عشرية - الجعفرية - الرافضة - الإمامية","level":2,"page":263},{"title":"الإمام الثانى عشر ولد ولم يولد","level":2,"page":265},{"title":"لماذا قالوا بولادة هذا المعدوم","level":2,"page":275},{"title":"شروط الإمامة","level":2,"page":277},{"title":"للإمام علامات","level":2,"page":279},{"title":"شك الشيعة فى علوم أئمتم","level":2,"page":282},{"title":"فقدان جميع الشروط فى الحسن العسكري","level":2,"page":285},{"title":"حكايات وخرافات - قصص وأساطير","level":2,"page":292},{"title":"لم يكن واحد منهم معصوم","level":2,"page":294},{"title":"الإمام لا يبايع أحدا - لماذا أوجبوا أمامة أئمتهم","level":2,"page":295},{"title":"الإمامة واجبة","level":2,"page":296},{"title":"الرد عليهم","level":2,"page":297},{"title":"الأكاذيب، الأكاذيب - كلام ابن حزم","level":2,"page":299},{"title":"افتراق الاثنا عشرية - الشيخية","level":2,"page":300},{"title":"عقائدهم","level":2,"page":302},{"title":"النوربخشية - وعقائدهم","level":2,"page":307},{"title":"زعيم النوربخشية وعقائدهم","level":2,"page":308},{"title":"الإخبارية والأصولية","level":2,"page":313},{"title":"أهم كتب الشيعة الاثنى عشرية ورجالاتهم","level":2,"page":318},{"title":"الباب السابع الشيعة الإثنا عشرية والعقائد السبئية","level":1,"page":324},{"title":"العقائد السبئية ومخططات ابن سبأ","level":2,"page":325},{"title":"هل الدين إلا الحب","level":2,"page":326},{"title":"الولاية","level":2,"page":329},{"title":"القرآن والسنة","level":2,"page":332},{"title":"البغض لأصحاب رسول الله","level":2,"page":336},{"title":"عقيدة السيد الخميني","level":2,"page":337},{"title":"كتابه كشف الأسرار","level":2,"page":338},{"title":"الوصاية - روايات باطلة - الغيبة","level":2,"page":344},{"title":"الغيبة الكبرى والغيبة الصغرى - سفراء الغائب","level":2,"page":345},{"title":"تواقيع الإمام","level":2,"page":346},{"title":"أين الإمام","level":2,"page":347},{"title":"ماذا يعمل الإمام","level":2,"page":348},{"title":"حكايات وخرافات ... الرجعة","level":2,"page":352},{"title":"من يكون المهدى","level":3,"page":354},{"title":"منزلته وشأنه","level":3,"page":355},{"title":"متى يرجع المهدي","level":3,"page":356},{"title":"أضاليل وأباطيل","level":3,"page":357},{"title":"كيف يرجع المهدى وأين يرجع","level":3,"page":364},{"title":"يرجع عند البيت - أول من يبايعه جبرائيل والملائكة","level":3,"page":367},{"title":"ماذا يعمل بعد رجعته؟","level":3,"page":369},{"title":"يحيى الأموات ويقتل أصحاب النبي","level":3,"page":370},{"title":"ظلمه وقسوته - يدعو إلى أمر جديد وكتاب جديد","level":3,"page":374},{"title":"رجعة الأئمة مع رجعة القائم","level":3,"page":376},{"title":"رجعة الحسن ويزيد وأنصارهما","level":3,"page":377},{"title":"ويرجع علي ونبي أيضا","level":3,"page":378},{"title":"دابة الأرض","level":3,"page":380},{"title":"بعد القائم سيخرج اثنا عشر مهديا","level":3,"page":381},{"title":"خرافة الجزائرى","level":3,"page":382},{"title":"الحلول والتناسخ واتصاف الخلق بأوصاف الله","level":3,"page":384},{"title":"رأي المستشرق دوزي فى علاقة الشيعة بالسبئية","level":2,"page":386},{"title":"رأي المستشرق ملر - والمستشرق ولهوزن","level":2,"page":387},{"title":"تأليه أهل البيت","level":2,"page":390},{"title":"رأي أبو حمزة الخارجي","level":2,"page":391},{"title":"قول هشام بن عبد الملك","level":2,"page":392},{"title":"كلمة أحمد أمين","level":2,"page":392},{"title":"مصادر الكتاب ومراجعه","level":1,"page":395},{"title":"كتب التاريخ والرجال والفرق للسنة","level":2,"page":399},{"title":"كتب المستشرقين","level":2,"page":400}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,174":168,"1,175":169,"1,176":170,"1,177":171,"1,178":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":176,"1,183":177,"1,184":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,269":262,"1,270":263,"1,271":264,"1,272":265,"1,273":266,"1,274":267,"1,275":268,"1,276":269,"1,277":270,"1,278":271,"1,279":272,"1,280":273,"1,281":274,"1,282":275,"1,283":276,"1,284":277,"1,285":278,"1,286":279,"1,287":280,"1,288":281,"1,289":282,"1,290":283,"1,291":284,"1,292":285,"1,293":286,"1,294":287,"1,295":288,"1,296":289,"1,297":290,"1,298":291,"1,299":292,"1,300":293,"1,301":294,"1,302":295,"1,303":296,"1,304":297,"1,305":298,"1,306":299,"1,307":300,"1,308":301,"1,309":302,"1,310":303,"1,311":304,"1,312":305,"1,313":306,"1,314":307,"1,315":308,"1,316":309,"1,317":310,"1,318":311,"1,319":312,"1,320":313,"1,321":314,"1,322":315,"1,323":316,"1,324":317,"1,325":318,"1,326":319,"1,327":320,"1,328":321,"1,329":322,"1,330":323,"1,331":324,"1,332":325,"1,333":326,"1,334":327,"1,335":328,"1,336":329,"1,337":330,"1,338":331,"1,339":332,"1,340":333,"1,341":334,"1,342":335,"1,343":336,"1,344":337,"1,345":338,"1,346":339,"1,347":340,"1,348":341,"1,349":342,"1,350":343,"1,351":344,"1,352":345,"1,353":346,"1,354":347,"1,355":348,"1,356":349,"1,357":350,"1,358":351,"1,359":352,"1,360":353,"1,361":354,"1,362":355,"1,363":356,"1,364":357,"1,365":358,"1,366":359,"1,367":360,"1,368":361,"1,369":362,"1,370":363,"1,371":364,"1,372":365,"1,373":366,"1,374":367,"1,375":368,"1,376":369,"1,377":370,"1,378":371,"1,379":372,"1,380":373,"1,381":374,"1,382":375,"1,383":376,"1,384":377,"1,385":378,"1,386":379,"1,387":380,"1,388":381,"1,389":382,"1,390":383,"1,391":384,"1,392":385,"1,393":386,"1,394":387,"1,395":388,"1,396":389,"1,397":390,"1,398":391,"1,399":392,"1,400":393,"1,401":394,"1,402":395,"1,403":396,"1,404":397,"1,405":398,"1,406":399,"1,407":400},"ٜ":{"1":[5,407]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407"],"ٞ":{"2":[1],"10":[2,3,4],"11":[5],"12":[6],"13":[7],"14":[8],"16":[9],"17":[10,11],"20":[12,13],"21":[14],"24":[15],"26":[16],"29":[17],"30":[18],"31":[19,20],"34":[21,22,23],"35":[24],"36":[25,26],"37":[27],"38":[28],"42":[29],"44":[30],"45":[31],"46":[32],"48":[33],"50":[34],"51":[35],"56":[36],"59":[37],"60":[38],"66":[39],"67":[40],"69":[41],"71":[42],"75":[43,44],"76":[45],"77":[46],"81":[47],"83":[48],"90":[49],"91":[50],"92":[51],"94":[52],"96":[53],"98":[54],"99":[55],"100":[56],"101":[57],"104":[58],"109":[59],"110":[60],"111":[61],"112":[62,63],"114":[64],"115":[65],"116":[66],"117":[67],"118":[68],"119":[69],"120":[70],"121":[71],"123":[72],"125":[73,74],"127":[75],"130":[76],"131":[77],"132":[78],"134":[79],"135":[80],"136":[81],"137":[82],"138":[83],"140":[84],"141":[85],"142":[86],"143":[87],"144":[88],"148":[89],"149":[90],"151":[91],"152":[92],"153":[93],"154":[94],"155":[95],"157":[96,97],"158":[98],"159":[99],"160":[100],"161":[101],"162":[102],"164":[103],"165":[104],"166":[105],"168":[106],"170":[107],"171":[108],"172":[109],"174":[110],"177":[111],"178":[112],"179":[113],"180":[114],"181":[115],"182":[116],"185":[117],"189":[118],"191":[119],"193":[120],"194":[121],"195":[122],"198":[123],"202":[124],"203":[125],"207":[126],"208":[127],"212":[128],"214":[129],"218":[130],"219":[131],"220":[132],"222":[133],"225":[134],"227":[135],"229":[136],"230":[137],"231":[138],"232":[139],"233":[140],"239":[141],"241":[142],"242":[143],"245":[144],"246":[145],"248":[146],"249":[147],"250":[148],"253":[149],"254":[150],"255":[151],"256":[152],"262":[153],"263":[154],"265":[155],"275":[156],"277":[157],"279":[158],"282":[159],"285":[160],"292":[161],"294":[162],"295":[163],"296":[164],"297":[165],"299":[166],"300":[167],"302":[168],"307":[169],"308":[170],"313":[171],"318":[172],"324":[173],"325":[174],"326":[175],"329":[176],"332":[177],"336":[178],"337":[179],"338":[180],"344":[181],"345":[182],"346":[183],"347":[184],"348":[185],"352":[186],"354":[187],"355":[188],"356":[189],"357":[190],"364":[191],"367":[192],"369":[193],"370":[194],"374":[195],"376":[196],"377":[197],"378":[198],"380":[199],"381":[200],"382":[201],"384":[202],"386":[203],"387":[204],"390":[205],"391":[206],"392":[207,208],"395":[209],"399":[210],"400":[211]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الشيعة والتشيع\nفرق وتاريخ\n\nتأليف الأستاذ\nإحسان إلهي ظهير\nرئيس تحرير مجلة ترجمان الحديث لاهور باكستان","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين وعلى أهل بيته أمهات المؤمنين وآله الغر الميامين وأصحابه البررة المقربين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:\nفإنني بدأت في جمع الكتب عن الإسماعيلية وللإسماعيلية بعد ما فرغت من كتابي ... (البريلوية - عقائد وتاريخ) واشتغلت في ترتيب وتصفيف ووضعت الخطة وخططت الخطوط والتخطيط للكتابة عنهم وبوبت الأبواب ورتبت الفصول وجاوزت النصف من العمل حتى وصلتني الدعوة من الاخوة المخلصين الغيورين لدين الله وحملته لزيارة أمريكا وإلقاء الخطب والمحاضرات في عديد من ولاياتها في مراكز الطلاب ومجامعهم وأنديتهم ومحافلهم أندية الطهارة ومحافل التقوى في تلك البلاد الكافرة المنحطة في حضيض النجاسة والرذالة كالبساتين الوردية والأشجار الوارفة الظل واليانعة الأثمار في صحراء عطشانة حامية فيحاء والتي هي كمنارة النور في ليلة ظلماء مطيرة حالكة سوداء.","vol":"1","page":5},{"text":"الاخوة العرب المسلمون الذين ذهبوا إلى تلك البقاع لطلب العلم بدءوا يعلمونهم العلم، علم الأخلاق وعلم الآداب وعلم الحضارة والثقافة وعلم الروح علم القرآن وتعاليم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وإنني بعد ما رأيت وبعد ما شاهدت رأيت التحمس لدين الله والعمل به والغيرة لحملته أصحاب رسول الله ﷺ وأسلاف هذه الأمة وشاهدت العفاف والعفة والطهارة والتقوى والمحافظة على الصلوات والخضوع والخشوع فيها التشوق والاستماع إلى الأحاديث الدينية والكلمات العلمية والمحاضرات الإسلامية وبصرت أنديتهم ومحافلهم. أيقنت أن الله سيعلى كلمته ويرفع رايته ويظهر دينه على الأديان كلها، وينشر صيت نبيه واسمه وذكره في تلك البلاد النائية عن بلاد المسلمين المترامية الأطراف بهذا الجيل الميمون المبارك وتيقنت أنهم هم الذين قال فيهم وفي أنديتهم الشاعر العربي القديم\nوفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل\nوإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفي بأحلامها الجهل\nفلبيت دعوتهم وسافرت إليهم وشاركت مؤتمرهم وحاضرت في وسائل عديدة مختلفة والكلام ذو شجون وألوان والحديث ذو جوانب وأطراف وكان من بينه حول اختلاف الأمة وسبب الخلاف ومنشئه ومبناه وحول الفرق التي حدثت ونشأت بين المسلمين وتشتت وتفرقت وذهب بعضها بعيدًا في التفرق والاختلاف كما قرب البعض منها ومن بين الفرق التي ذهبت إلى الشأو البعيد واختلفت مع الأمة اختلافًا جذريًا وفي الأصول والأساس الشيعة فكثر الكلام وكثرت","vol":"1","page":6},{"text":"الأسئلة ثم الأجوبة عليها وكانت كتبي الثلاثة عن\nهذه النحلة في متناول الكثيرين من الطلاب والمستمعين والحاضرين في تلك المجالس ولذلك كان البحث جديًا والأسئلة في صميم الموضوع. والرحى كانت تدور على عقائد القوم ومعتقداتهم التي كشفت النقاب عنها وعن تاريخ هذه الطائفة ومنشئها والتطورات التي طرأت عليها والفرق التي تفرعت عنها واقتناع الاخوة بما ذكرته في كتبي من عقائد القوم والاكتفاء بها والاحتياج الشديد إلى معرفة تاريخ القوم ومنشئهم والتغيرات التي وقعت حتى جعلتهم يبعدون كل هذا البعد عن الجماعة والأمة وكان ينتهي الكلام والجلسات على مطالبات وضع الكتاب فوريًا في ذلك الخصوص ليكمل البحث ويتم الموضوع ومادام يكتب الكتاب عن التاريخ والتطورات والمنشأ فلازم أن يشمل الفرق التي انبثقت من التشيع فرجعت من تلك البلاد وأنا مقتنع بقضاء ما طلبوا ومصمم على ما أظهروا الاحتياج إليه فلم أصل إلى بلادي في السادس والعشرين من سبتمبر إلا وقد اشتغلت في هذه الموضوع مؤجلًا كتابتي في الإسماعيلية مع شدة حرصي على إكمالها وإتمامها. ولكن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولكل شيء أجل.\nفصرفت فيه جدي وجهدي ولم أعمل شيئًا في هذه المدة كلها ليلها ونهارها إلا البحث والتنقيب والترتيب والتسويد والتبييض في هذا.\nاللهم إلا الخطب والمحاضرات في المدن المختلفة في باكستان المجاورة للاهور والبعيدة عنها والتي هي لازمتني ولاحقتني كل حين وكل آن وكل ظرف وكل مكان ولا ولم ولعلي لن أستطيع التخلص عنها رغم تهربي وفراري في الآونة الأخيرة لكثرة ملاحقتها لي وتسلطها علي ومطاردتها إياي ولزومها لي، ولكثرة العناء والأسفار والمشقة وقلة الراحة","vol":"1","page":7},{"text":"والطمأنينة والسكون القلبي والذهني والفكري في سبيلها. فأحمد الله على إنعامه علي بأني استطعت حسب مقدوري وطاقتي وقدر استطاعتي وبضاعتي أن أكمل البحث في هذا ولعله يستفيد منه القارئ ويستمتع به الناظر ويسر به الباحث ويفرح به المؤرخ لأنه قلما كتب عن الشيعة والتشيع بالترتيب التاريخي والتسلسل الزمني بتنقية المطالب والمباحث من الأغراض والأهداف المشبوهة وبتصفيتها من القصص والأساطير ومن النسيج المدسوس المدخول.\nكما ندر من نبه على تطور التشيع الأول وتقلب الشيعة الأولى والأسباب والحوادث التي سببت هذا التغيير والتبديل. اللهم إلا بعض الإشارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.\nفنحن بدأنا الكتاب ببيان بدء التشيع ونشأته وبيان الشيعة الأولى.\nثم عقبنا ذلك الباب بالباب الثاني بينًا في السبئية ومؤسسها عبد الله بن سبأ وأفكاره وعقائده التي أراد ترويجها بين الشيعة الأولى وبينًا مع ذلك الفضائح والقبائح التي ارتكبها هو وأنصاره وأعوانه والمخدوعون به والواقعون في حبائله وبما قاموا من السعي بالفتنة والفساد والأحداث التي حدثت بسبب مؤامراتهم ومخططاتهم.\nكما بينا في الباب الثالث اندماج السبئية في صفوف الشيعة وإيقاع بعضهم في شراكهم وفخهم في خلافة علي ومحاربة علي ﵁ أفكار هؤلاء ومحاولته منع شيعته من الركون إليهم وإلى عقائدهم كما يتضمن هذا الباب وقائع حرب الجمل وصفين خالية من الأباطيل","vol":"1","page":8},{"text":"ومتضمنة الحقائق التي طالما خفيت على الكثيرين من الناس وحتى السنة ولعله أول مرة بهذا الوضوح والتفصيل.\nثم ذكرنا في الباب الرابع تطور التشيع الأول وتبديل الشيعة الأولى وتسلط السبئيين على التشيع وغلبتهم على الشيعة ومقاومة الحسن أفكارهم وعقائدهم ثم حدوث بعض فرق الشيعة الأخرى المتطرفة عنهم ثم ذكرنا وقائع شهادة الحسين بالاختصار والنتائج التي نتجت بعد هذه الشهادة وتطور التشيع من الفكر السياسي إلى الفكر الديني وتغير الشيعة من الحزب السياسي إلى الحزب المذهبي.\nوفي الباب الخامس ذكرنا ببعض الاختصار وبعض التفصيل أهم فرق الشيعة التي حدثت في مختلف الأيام والعهود وزمن أولاد علي بن أبي طالب العشرة منهم ومعتقداتهم ومختصر عقائدهم.\nوالجدير بالذكر أننا لم نذكر فرقة منهم لم تذكر في كتب القوم وذكرت في كتب السنة فمدارنا ومعولنا واعتمادنا لم يكن إلا على كتب القوم أنفسهم كي لا يقول قائل: قيل عنا ولم نقله، بل عكس ذلك نقول: قلتم فقلناه.\nوأما الباب السادس فخصصناه لذكر الفرقة الإثني عشرية أو الإمامية وهي الفرقة الموجودة حاليًا في العالم الإسلامي بكثرة وهي التي يطلق عيها اسم الشيعة ولا يقصد عند إطلاقه أحد غيرهم ثم ذكرنا في ذلك الباب وجهة نظر الشيعة تجاه إمامهم الثاني عشر أمولود وغائب أو موهوم ومعدوم؟\nوضمن ذلك بينا عقيدتهم في الإمامة وشروط الإمام التي تلزمه مع بيان فرق الإثني عشرية التي انبثقت منها مع ادعاء كل واحدة منها كونها من الإثني عشرية أو الإمامية أو الجعفرية.","vol":"1","page":9},{"text":"والباب الأخير خصصناه لبيان الروابط العقائدية التي تربطها بالعقائد السبئية المنقولة من اليهودية والمأخوذة منها وبهذا لقد أوشكنا على الانتهاء من هذا الموضوع حيث تكمل (١) في الكتب التي ألفناها في الشيعة بهذا الكتاب ولعلنا لا نكون مخطئين ولا\nمبالغين عندما نقول إن هذه الكتب الأربعة تغني الكثير من الناس في معرفة الشيعة والتشيع ومن كتبهم أنفسهم ومعرفة عقائدهم وتاريخهم وفرقهم وحتى الشيعة أنفسهم يجدون فيها ما يدعوهم إلى التفكير والتعقل والتبصر ودقة النظر لتمييز الحق من الباطل والصواب من الخطاء.\nوألفت أنظار القراء والباحثين إلى أننا حاولنا في كتابنا هذا كدأبنا\n_________\n(١) هذا حسب ظنا وإلا فكشف الحقائق يحتاج كتب كثيرة لا كما كنا نتوقع سابقًا بأن المختصرين يكفيان لتعريف القوم وبيان حقائقهم وها نحن نتبع الكتاب الأول بعد الكتاب الثاني والثالث بالكتاب الرابع وعند اللحظات الأخيرة وصل إلينا كتاب جديد في اللغة الفارسية باسم (حجت اثنا عشري) من إيران حاول صاحبه الرد علينا في القسم الأخير الكبير من الكتاب ولكنه اختفى تحت الاسم المستعار وبدون الإشارة والنص على شخصيته وهويته خوفًا من الفضيحة وتهربًا من الخجل والندم لما يرى من تخاذله وعجزه عن القيام بالرد العلمي على المطالب التي أوردناها في كتابنا (الشيعة والسنة) المباحث التي طرحناها أمام القاري والباحث من السنة والشيعة.\nومن الطرائف أن هذا المبرقع ببرقعه (حقكو - أي القائل بالحق) تحدانا مرات عديدة وقال: إنه سيعطينا جائزة إن خطأناه في رأيه فيما كتب وأثبتنا غلطه وعدم إصابته الصواب ثم ولا يكتب على الكتاب داخله ولا خارجه لا اسمه ولا رسمه، ومن وجله وتخوفه من بطشة الحق أنه لم يستطع ذكر المطبعة التي طبعت هذا الكتاب ولا الإدارة التي نشرته ولا الجهة التي صدرته فهذه هي جرأة القوم وهذه هي حقيقتهم.\nفهذه الحقيقة الواحدة هي التي تكفي لإحقاق الحق وإزهاق الباطل - والتفريق بين التخاذل والثبات وبين الصدق والكذب.\nفالحاصل أننا لا ندري أيكون هذا الكتاب هو آخر كتاب في هذا الموضوع أم يجبرنا القوم على مواصلة التعقيب والتنقيب والبحث والتفتيش للاستطلاع والاستكشاف وكشف النقاب عن الحقائق الأخرى الخافية المخفية عن أعين الناس من السنة وحتى الشيعة أنفسهم. وإننا لنرى أيضًا في كل مرة نرجع إلى كتب القوم أنها على قسمين: الكتب التي كتبت فقط للدعاية وكتب متضمنة للعقائد الأصلية والمعتقدات الحقيقية. فالكتب الدعائية كثرت في العصور المتأخرة وما أكثر ما استعمل مصنفوها الكذب والخداع لتغطية الأمور أمام المسلمين السنة فما أحوج السنة إلى معرفة الزور والخداع من الصدق والحق فلكم فكرنا في إصدار كتاب يتضمن نقد هذه الكتب وما ورد فيها من المكر والخداع والنفاق والتعمية بعنوان (بين يدي الكتب) ولكن الكتابة في المواضيع الأخرى تحول بيننا وبين ذلك. ولا ندري ما في مغيبات الأمور والله يعلم الأسرار","vol":"1","page":10},{"text":"في الكتب الأخرى أن لا نكرر شيئًا أوردناه في كتاب آخر وحتى عند الاحتياج نبحث عن شيء آخر مماثل لذلك الشيء الذي أوردناه فيما سبق تجنبًا للتكرار وزيادة في الفائدة اللهم إلا ما لا بد منه لتشابك المواضيع وترادفها وبذلك صارت هذه الكتب خالية من التكرار المشين ولكل قيمته.\nوعلى تلك الأصول والقاعدة لم نذكر ترجمة من نقلنا عنه عبارة أو اقتبسنا من كتابه كلامًا وقد ذكرنا ترجمته في الكتب الثلاثة السابقة واكتفينا بذكر تعريف موجز مناسب للمقام بالرجال اللذين لم ترد تراجمهم قبل ذلك.\nوميزة هذا الكتاب أنه يشتمل مع تاريخ التشيع والشيعة وتغيير التشيع الأول وتبدل الشيعة الأولى والفرق التي حدثت ونشأت بهذا الاسم وانقرضت أو بقيت على مطاعن الشيعة على أصحاب رسول الله ﷺ وخاصة عثمان ومعاوية وغيرهما رضوان الله عليهم أجمعين والرد عليها ردًا علميًا ومنطقيًا وإنني لأرجو الله العلي القدير أن ينفع به الخلائق الأحباء والأباعد وأن يتقبله خالصًا لوجهه الكريم ويجعله ذخيرة لي في الدين والدنيا وفي الحياة وبعد الممات وان يحشرني في زمرة أصحاب نبيه العظيم وان يوفقني للدفاع عن حوزة شريعته وكرامة نبيه ﷺ وعظمة أصحابه ورفاقه وتلامذته وأزواجه أمهات المؤمنين وعن أسلاف هذه الأمة وعلمائها ومحسنيها وجعلنا منهم إنه سميع مجيب\nوأخيرًا لا يسعني إلا أن أشكر جميع الأخوة والأحياء الذين ساندوني وساهموا في إخراج هذه الكتاب وناصروني في مواصلة الكتاب في مثل هذه المواضيع فبارك الله فيهم ويشكر مساعيهم وتقبل أعمالهم وجزاهم عنا وعن الإسلام خير الجزاء وصلى\nالله على رسوله وعلى آله","vol":"1","page":11},{"text":"وصحبه وأصحابه ومن اهتدى بهديهم وسلك مسلكهم إلى يوم الدين.\n\nإحسان إلهي ظهير\n٣٠ محرم المحرم ١٤٠٤هـ.\n٦ نوفمبر ١٩٨٣م","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول\nالتشيع الأول والشيعة الأولى</span>\nإن لفظة الشيعة لا تطلق إلا على اتباع الرجل وأنصاره فيقال: فلان من شيعة فلان أي ممن يهوون هواه كما قال الزبيدي: كل قوم اجتمعوا على أمر فهم الشيعة وكل من عاون إنسانًا وتحزب له فهو شيعة له وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة.\nفلم يكن استعمال هذه اللفظة في العصر الأول من الإسلام إلا في معناه الأصلي والحقيقي هذا كما لم يكن استعمالها إلا لأحزاب سياسية وفئات متعارضة في بعض المسائل التي تتعلق بالحكم والحكام، وقد شاع استعمالها عند اختلاف معاوية مع علي رضي الله تعالى عنهما بعد استشهاد عثمان ﵁ فكان يقال عن أنصار ﵁ الخليفة الراشد الرابع والأحق بالخلافة من معاوية وغيره وكانوا يشايعونه ويناصرونه في حروبه مع معاوية ﵁ كما كان شيعة معاوية يرون الأمر بالعكس للجوء قتلة عثمان بن عفان إلى معسكر علي ﵁ وتحت كنفه حسب زعمهم وما دام هؤلاء كذلك لم يكونوا معتقدين بثبوت الخلافة وأحقيتها لعلي بن أبي طالب ﵁ فإن قتل القتلة ونفذ فيهم","vol":"1","page":13},{"text":"حد السيف رجعوا إليه وإلى التسليم بخلافته والانقياد لأمره كما نقله المؤرخون أن معاوية ﵁ قال لمن بعث إليه من قبل علي ﵁ من عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبيث بن ربعي وزياد بن حفصة يدعونه إلى الجماعة والطاعة:\n\" أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلًا أعان على قتل عثمان وهو يزعم أنه لم يقتله؟ ونحن لا نرد ذلك عليه ولا نتهمه به (١) ولكنه آوى قتلة عثمان فيدفعهم إلينا حتى نقلتهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة \" (٢).\nوقال بمثل هذه المقولة لأبي الدرداء ولأبي أمامة المبعوثين أيضًا من قبل علي ﵁:\n\" اذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام \"\nوقبل ذلك حينما أرسل علي ﵁ جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى بيعته \" طلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان \"\nوإن المؤرخين ذكروا أيضًا أن أبا الدرداء وأبا أمامة عندما رجعا إلى علي قالا له ذلك، فقال:\nهؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان\n_________\n(١) - انظر إلى القول العدل الذي صدر من رجل يصب عليه الشيعة ويلاتهم ودفائن حقدهم وبغضهم بدعوى أنه قال في علي كيت وكيت فانظر إليه كيف يصرح بأننا لا نتهمه بقتل عثمان بل نصدق قوله في براءته من دمه ولا نقول بما ينكره علي ﵁.\n(٢) - البداية والنهاية ج ٧ص٢٥٧ ط بيروت الطبري ج٥ ص٦، الكامل ج٣ ص٢٩٠.","vol":"1","page":14},{"text":"فمن شاء فليرمنا \" (١)\nهذا ولسنا الآن بصدد بيان أسباب الحروب التي دارت بين علي ﵁ وبين معاوية ﵁ وغيره ولكننا نريد أن نبين هنا أن فئتين عظميتين من المسلمين - كما عبر عنها الرسول العظيم ﵊ في مدحه الحسن ﵁ انحاز كل واحدة منهما إلى جانب وشايعت وناصرت من رأوا الحق معه فسميت كل طائفة من هاتين الطائفتين شيعة علي وشيعة معاوية ولم يكن الخلاف بينهما إلا خلافًا سياسيًا محضًا طائفة كانوا يرون عليًا ﵁ خليفة صاحب حق شرعي حيث انعقدت له الخلافة بمشورة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار (٢) وقوم رأوا أحق الناس بها معاوية بن أبي سفيان ﵄ حيث أنه يريد الثأر لدم الإمام المظلوم صهر رسول الله ﷺ وخليفته للمسلمين الذي أخذ رسول الله ﷺ البيعة المشهورة لأخذ الثأر عنه يوم الحديبية وسميت فيما بعد هذه البيعة بيعة الرضوان حيث أنزل الله رضاه لكل من بايع لأجله (٣).\nوكذلك أطلقت هذه اللفظة على حزب سياسي موحد لبني علي وبني العباس بتركيب شيعة آل محمد مقابل شيعة بني أمية ولم يكن إطلاقها إلا لبيان رأي سياسي في من تولى الحكم وفي من يحق أن يتولاه وقد صرح بذلك شيعي مشهور ناقلًا عن كتاب الزينة للسجستاني:\n_________\n(١) - البداية والنهاية ج ٧ص ٢٥٣ - ٢٥٩ ط بيروت\n(٢) - كما استشهد علي ﵁ على أحقيتها له إنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضى فإن خرج منهم بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن أتى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى (نهج البلاغة ص٣٦٧)\n(٣) - بقوله جل وعلا ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة \"\".","vol":"1","page":15},{"text":"ثم بعد مقتل عثمان وقيام معاوية وأتباعه في وجه علي بن أبي طالب وإظهاره الطلب بدم عثمان واستمالته عددًا عظيمًا من المسلمين إلى ذلك صار أتباعه يعرفون بالعثمانية وصار أبتاع علي يعرفون بالعلوية مع بقاء إطلاق اسم الشيعة عليهم واستمر ذلك مدة ملك بني أمية \". (١)\nونقل أيضًا من نقيب الشيعة بحلب:\nكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيعة وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره ويقال: شايعه كما يقال والاه من الولي والمشايعة وكأن الشيعة لما اتبعوا هؤلاء القوم واعتقدوا فيهم ما اعتقدوا سموا بهذا الاسم لأنهم صاروا أعوانًا لهم وأنصارا وأتباعا، فأما من قبل حين أفضت الخلافة من بني هاشم إلى بني أمية وتسلمها معاوية بن صخر من الحسن بن علي وتلقفها من بني أمية ومالوا إلى بني هاشم وكان بنو علي وبنو عباس يومئذ في هذا شرع فلما انضموا إليهم واعتقدوا أنهم أحق بالخلافة من بني أمية وبذلوا لهم النصرة والموالاة والمشايعة سمو شيعة آل محمد ولم يكن إذ ذاك بين بني علي وبني العباس افتراق في رأي ولا مذهب فلما\nملك بنو العباس وتسلمها سفاحهم من بني أمية نزغ الشيطان بينهم وبين بني علي فبدا منهم في حق بني علي ما بدا فنفر منهم فرقة من الشيعة \" (٢)\nوقد كررنا لفظ السياسة حيث نقصد من ورائها أنه لم يكن بين القوم خلاف ديني يرجع إلى الكفر والإسلام كما أقر بذلك سيدنا علي ﵁ حيث قال مخاطبًا جنده عن معاوية وعساكره.\n_________\n(١) - أعيان الشيعة لمحسن الأمين / الجزء الأول القسم الأول ص ١٢.\n(٢) - غاية الاختصار في أخبار بيوتات العلوية المحفوظة من الغبار لسيد تاج الدين بن حمزة الحسيني نقيب حلب.","vol":"1","page":16},{"text":"أوصيكم عباد الله تقوى الله فإنها خير ما تواصى به العباد به وخير عواقب الأمور عند الله وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة (١) \".\nهذا وقد زاد علي ﵁ المسألة وضوحًا وبيانًا في كتاب له كتبه إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين ويبين فيه حكم من ناضلوه وقاتلوه وموفقه منهم:\nوكان بدء أمرنا التقينا والقوم من أهل الشام والظاهر أن ربنا واحد وبنينا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ﷺ الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء (٢) \".\nولأجل ذلك منع أصحابه من سب أهل الشام وأنصار معاوية وشتمهم إياهم أيام حربهم بصفين:\nإني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتهم أعمالهم وذكرتهم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم \" اللهم احقن دمائنا ودمائهم وأصلح ذات بيننا وبينهم (٣) \".\nويؤيد ذلك حديث شيعي مشهور رواه الكليني في صحيحه (الكافي) عن جعفر بن محمد الباقر - الإمام السادس المعصوم حسب زعم الشيعة - أنه قال: ينادي مناد من السماء أول النهار إلا إن عليًا صلوات الله عليه وشيعته هم الفائزون قال: وينادي مناد آخر النهار ألا إن\n_________\n(١) - نهج البلاغة ص ٣٦٧ ط بيروت.\n(٢) المصدر السابق ٤٤٨.\n(٣) المصدر السابق ٣٢٣.","vol":"1","page":17},{"text":"عثمان وشيعته هم الفائزون \" (١).\nومن طريف ما ذكرنا أن أبا العالية وهو تابعي مشهور أدرك النبي ﷺ وهو شاب ولكنه لم يسلم إلا بعد وفاة النبي ﷺ في عهد أبي بكر الصديق ﵁ فإن روى عنه أبو خلدة أنه قال: قال أبو العالية: لما كان زمان علي ومعاوية وإني لشاب القتال أحب إلى من الطعام الطيب فجهزت\nبجهاز حسن حتى أتيتهم فإذا صفان ما يرى طرفاهما إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء فراجعت نفسي فقلت: أي الفريقين أنزله كافرًا؟ ومن أكرهني على هذا؟ قال: فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم (٢) \".\nولا ننكر أنه كان هناك أناس تأثروا بدسائس يهودية وأفكار مدسوسة وخرجوا عن الجادة المستقيمة وأعطوا هذا الخلاف صبغة دينية أمثال السبأيين وغيرهم ممن وقعوا في حبائل اليهودية المبغضة للإسلام وهم الذين كانوا يؤججون نار الحرب كما خبت نيرانها كما سنفصل القول فيما بعد إن شاء الله ولكن عامة الناس كانوا على منأى عنها.\nفهذه هي بداية استعمال هذه اللفظة ثم اختص بكل من يوالي عليًا وأولاده ويعتقد الاعتقادات المخصوصة والمستقاة من دسائس عبد الله بن سبأ اليهودي وغيره من الذين أرادوا هدم عمارة الإسلام وكيانه وتشويه عقائده وتعليماته كما قال ابن الأثير في نهايته:\nوأصل الشيعة الفرقة من الناس وتقع على الواحد والاثنين والجمع والذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد وقد غلب هذا الاسم على كل من يزعم (؟). أنه يتولى عليًا ﵁ وأهل بيته حتى صار لهم اسمًا خاصًا فإذا قيل من الشيعة عرف أنه منهم وفي مذهب\n_________\n(١) الكافي في الفروع ج ٨ ص ٢٠٩.\n(٢) سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج ٤ ص ٢١٠ طبقات ابن سعد ج ٧ ص ١١٤.","vol":"1","page":18},{"text":"الشيعة كذا أي عندهم وتجمع الشيعة علي شيع وأصلها من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة \" (١) \".\nوأما ادعاء من يدعي بأن هذه اللفظة كانت شائعة في عهد النبي ﷺ كما كان التشيع موجودًا في عصره والشيعة موجودون في زمنه فلا ينهض به دليل ولا يقوم به برهان كما قال محمد الحسين في (أصل الشيعة وأصولها).\nإن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام - هو نفس صاحب الشريعة - يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبًا إلى جنب وسواء بسواء ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وازدهرت في حياته (٢) ثم أثمرت بعد وفاته (٣) \".\nوبمثل ذلك القول قال الآخر \" إن التشيع ظهر في أيام نبي الإسلام الأقدس الذي كان يغذى بأقواله عقيدة التشيع لعلي ﵇ وأهل بيته ويمكنها في أذهان المسلمين ويأمر بها في مواطن كثيرة (٤) \".\n_________\n(١) - النهاية لابن الأثير ج ٢ ص ٢٤٤.\n(٢) - واستشهد على ذلك بروايات واهية موضوعة ومكذوبة على رسول الله ﷺ ولا تصح منها ولا رواية واحدة مثل (أن عليًا وشيعتهم لهم الفائزون) وعلى ذلك قال ابن الحديد الشيعي الغالي: أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة فإنهم وضعوا في بدء الأمر أحاديث مختلفة في فضائل أئمتهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم (شرح نهج البلاغة ج١ص ٧٨٣).\n(٣) ومن أعجب العجائب أن رجلًا كهذا يكذب بكل وقاحة ولا يستحي حيث ينسب رواية باطلة موضوعة ألا وهي رواية الطير في الصحيحين ولا وجود لها فيهما:\n\" وكذلك من عد عددًا كبيرًا من أصحاب النبي ﷺ في حياته وأطلق عليهم بأنهم كانوا شيعة علي مثل محسن الأمين ومحمد حسين الزين وآل كاشف الغطاء وغيرهم فلا ندري بماذا يجيبون عن أحاديث كثيرة مروية في صحاحهم التي تحكم على ارتداد جميع أصحاب رسول الله ﷺ إلا الثلاثة سلمان وأبو ذر والمقداد \"انظر تفصيل ذلك في كتابنا الشيعة والسنة \" فهل هؤلاء كانوا كفرة مع كونهم شيعة علي ثم وكيف قبل سلمان إمارة من قبل عمر بن الخطاب ﵁؟ \" حياة القلوب للمجلسي ج٢ص٧٨٠\". وكان أحد القادة الذين أرسلهم الفاروق لفتح المدائن (ابن كثير ج٧ص٦٧).\n(٤) - أصل الشيعة وأصولها ص ٨٧.\n٣ - الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين ص٢٩.","vol":"1","page":19},{"text":"ولم يظن المظفري الشيعي هذا كافيًا فقال:\nإن الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد صلوات الله عليه صارخًا بكلمة لا إله إلا الله في شعاب مكة وجبالها ... فكانت الدعوة للتشيع لأبي الحسن ﵇ من صاحب الرسالة تمشي منه جنبًا لجنب مع الدعوة للشهادتين (١) \".\nولا يخفى ما فيه من المجازفة بالقول والغلو لأن معناه أن رسول الله ﷺ لم يدع إلى الإسلام وإلى وحدانية الله ﷿ والإقرار برسالته وطاعته وإلى الاتحاد والاتفاق والتآلف والمحبة والمودة بل كان يدعو إلى التحزب والتفرق والتشيع لعلي دون غيره كما أنه حسب دعوى المظفري كان يجعل عليًا شريكًا له في نبوته ورسالته مع أن كلام الله المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي أنزله الرحمن وضمن حفظه قرآنه وبيانه خال من كل هذا (٢) بل ويعكس ذلك أنه مليء بالدعوة إلى طاعة الله ﷿ وطاعة رسوله ﷺ والاعتصام بحبل الله وحده والتمسك بالقرآن والسنة والتجنب لما سواهما كما أمر المسلمين بالاتفاق والاتحاد والتسمي باسم الإسلام والمسلمين وكذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ (٣) لا تشتمل ولا تصرح إلا بهذا\n_________\n(١) - تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص ٨، ٩ ط قم.\n(٢) - ولعل هذا من أهم دواعي إنكار القرآن والاعتقاد فيه بالتغيير والتحريف والنقصان من قبل الشيعة لأنهم لا يجدونه مؤازرًا لهم ومناصرا بل كل ما فيه يخالف التشيع وعقائدهم بأصولها وفروعها ويفند مزاعمهم ويسفه عقولهم وآراءهم وأفكارهم. فانظر لتفصيل ذلك ومعرفته كتبانا (الشيعة والسنة) و(الشيعة والقرآن)\n(٣) - والعجب كل العجب أن الشيعة الذين ينكرون الأحاديث الصحاح لرسول الله ﷺ الثابتة عنه لأن رواة هذه الأحاديث وحملتها هم أصحاب رسول الله ﷺ وكلهم ارتدوا - عياذا بالله حسب زعمهم - يثقون بروايات هؤلاء ومروياتهم.\nولا ندري كيف أن الشيعة يتمسكون بالروايات الموضوعة الباطلة والأحاديث الواهية المكذوبة على رسول الله ﷺ؟ لأنه اختلق هذه الروايات واخترعها رجال منهم أو وضعها رواتهم والدعاة إلى أباطيلهم وأضاليلهم.\nوقلما تجد الشيعة يتمسكون بحديث صحيح أو يعتقدون بل كل بضاعتهم الموضوعات أو الأساطير والقصص.","vol":"1","page":20},{"text":"كله لا غير فلقد قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون﴾ وقال ﴿أطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾ وقال ﴿ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وقال ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد\nما تبين له الحق ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ وقال ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ وقال ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت﴾ وقال جلا وعلا ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾ وقال ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ وقال ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾","vol":"1","page":21},{"text":"وقال ﴿ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا﴾ وقال ﴿إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم الحق بغيًا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب﴾ وقال ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.\nوأخيرا أخبر الكون ومن في الكون بأنه لم يرسل نبيه ولا رسوله ﷺ خاتم النبيين إلا بما أرسل به الرسل والأنبياء من قبل حيث أمره أن يقول ﴿قل ما كنت بدعًا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ وما أنا إلا نذير مبين﴾ وكما قال ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم موسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب﴾\nولقد بين جلا وعلا ﷾ مجملًا بما أرسل الرسل من قبله حيث قال ﴿وما أرسلنا قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾.\nكما فصل في مواضع عديدة من القرآن بذكر كل واحد منهم","vol":"1","page":22},{"text":"برسالته وبمثل ذلك تمامًا وردت أحاديث رسول الله ﷺ الصحيحة الثابتة.\nوأما القوم فهم على خلاف ما بينه الرب جل وعلا وبينه رسوله العظيم ﵊ حيث يزعمون أنه لم يرسل الرسول ﷺ إلا للدعوة إلى التشيع والتفرق وإلى الإشراك في ذات الله وصفاته وإشراكه عليًا وأولاده في النبوة والرسالة والإطاعة ثم يسردون لإثبات ذلك روايات كلها باطلة وموضوعة رواية ودراية رواية حيث إن الرواة الذين رووا تلك الأحاديث شيعة ضالون ووضاعون كذابون ولم ترد هذه الروايات في كتب موثوقة معتمدة ودراية حيث تعارض القرآن ونصوصه كما تخالف العقل لأن العقل يقتضي أن لا يكون الشرائع مقصودها ومهمتها الدعوة إلى الحب لأشخاص والولاية لهم وبسبب هذه الولاية دخولهم في الجنة ونجاتهم من النار كما أن الآيات القرآنية تنفي ذلك نفي باتًا حيث لم يجعل الحب وحتى حب الله كافيًا للفوز والنجاح في الآخرة حيث قال الله ﷿ ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾.\nوما الاتباع إلا الإيمان بالله والعمل الصالح حسب أوامر الله ونبيه ﷺ والاجتناب عن نواهي الله ورسوله ﷺ ﴿إن الذين آمنوا\nوعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات عدن﴾ وقال ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من","vol":"1","page":23},{"text":"تحتها الأنهار ذلك الفوز العظيم﴾.\nولقد اضطربت أراء القوم أنفسهم في بد نشأة التشيع وتكوينه حيث قال إمام الشيعة في الفرق النوبختي أن نشأته لم تكن إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ كما كتب: \" قبض رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة وكانت نبوته ﵇ ثلاثًا وعشرين سنة وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فافترقت الأمة ثلاث فرق (فرقة منها) سميت الشيعة وهم شيعة علي بن أبي طالب ﵇ ومنهم افترقت صنوف الشيعة كلها، \" وفرقة منهم \" ادعت الإمرة والسلطان وهم والأنصار ودعوا إلى عقد الأمر لسعد بن عبادة الخزرجي \" وفرقة \" مالت إلي بيعة أبي بكر بن أبي قحافة وتأولت فيه أن النبي صلى الله عليه وآله لم ينص على خليفة بعينة وأنه جعل الأمر إلى الأمة تختار لأنفسها من رضيته واعتقل قوم منهم برواية ذكروها أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره في ليلته التي توفي فيها بالصلاة بأصحابه فجعلوا ذلك الدليل على استحقاقه إياه وقالوا رضيه النبي صلى الله عليه وآله لأمر ديننا ورضيناه لأمر دنيانا وأوجبوا له الخلافة بذلك فاختصمت هذه الفرقة وفرقة الأنصار وصاروا إلى سقيفة بني ساعدة ومعهم أبو بكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة الثقفي وقد دعت الأنصار إلى العقد لسعد بن عبادة الخزرجي والاستحقاق للأمر والسلطان فتنازعوا هم والأنصار في ذلك حتى قالوا منا أمير ومنكم أمير فاحتجت هذه الفرقة عليهم بأن النبي ﵇ قال: الأئمة من قريش: وقال بضعهم أنه قال:","vol":"1","page":24},{"text":"الإمامة لا تصلح إلا في قريش: فرجعت الأنصار ومن تابعهم إلى أمر أبي بكر غير نفر يسير مع سعد بن عبادة ومن اتبعه من أهل بيته فإنه لم يدخل في بيعته حتى خرج إلى الشام مراغمًا لأبي بكر وعمر فقتل هناك بحوران قتله الروم وقال آخرون: قتلته الجن فاحتجوا بالشعر المعروف وفي روايتهم أن الجن قالت:\nقد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة **** ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده\nوهذا قول فيه بعض النظر لأنه ليس في التعارف أن الجن ترمي بني آدم بالسهام فتقتلهم فصار مع أبي بكر السواد الأعظم والجمهور الأكثر فلبثوا معه ومع عمر مجتمعين عليهما راضين بهما (١) \"\nوأما ابن النديم الشيعي (٢) فيرى أن تكوين الشيعة لم يكن إلا يوم وقعة الجمل حيث قال:\nولما خالف طلحة والزبير (٣) علي ﵁ وأبيا إلا الطلب بدم عثمان وقصدهما علي ﵇ ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله تسمى من اتبعه على ذلك باسم الشيعة \".\nومنهم من قال: اشتهر اسم الشيعة يوم صفين (٤) \".\nوبمثل ذلك القول قال ابن حمزة وأبو حاتم وغيرهما من الشيعة وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه وبمثل هذا القول قال ابن حزم في (الفصل) (٥) من المتقدمين وأحمد أمين (٦) وغيره الكثيرون الكثيرون\n_________\n(١) - فرق الشيعة النوبختي ص ٢٣ - ٢٤.\n(٢) - هو ابن الفرج محمد بن إسحاق النديم الكاتب الفاضل الخير الماهر المتبحر الشيعي الإمامي مصنف كتاب الفهرست المولود سنة ٢٩٧هـ المتوفى سنة ٣٨٥هـ \" الكنى والألقاب للقمي ج١ص ٤٢٥ - ٤٢٦\"\n(٣) - الفهرست لابن النديم ص ٢٤٩\n(٤) - روضات الجنات للخوانساري ص٨٨\n(٥) - الفصل في الممل والأهواء والنحل ج ٤ص٧٩\n(٦) - فجر الإسلام ص٢٦٦ ط٨","vol":"1","page":25},{"text":"من المتأخرين.\nويقول شيعي معاصر: إن استقلال الاصطلاح الدال على التشيع إنما كان بعد مقتل الحسين حيث إن التشيع أصبح كيانًا مميزًا له طابع خاص (١).\nولأجل ذلك اضطر محسن الأمين إلى أن يقول:\nسواء كان إطلاق هذا الاسم في حياة الرسول ﷺ أو بعد الجمل فالقول بتفضيل علي ﵇ وموالاته الذي هو معنى التشيع كان موجودًا في عهد الرسول ﷺ واستمر بعده إلى اليوم (٢) \".\nوالمظفري أن يقول:\nفكان التجاهر بالتشيع أيام عثمان (٣).\nوهو الصحيح [لأن الأسماء لا توجد قبل المسميات] ولا الأحزاب قبل الخلافات فلما وجد الخلاف تحزب لكل رأي حزب وتعصبوا جماعات وفرقًا فآنذاك وجدت الجماعات ووجدت لها الأسماء ولم يكن هناك خلاف بين المسلمين ولم يتعصب له أشخاص قبل مقتل عثمان ذي النورين ﵁ وقبل النتائج التي نتجت من قتله وبعد تولية علي ﵁ إمرة المؤمنين وخلافة المسلمين وعندئذ نشأ الخلاف فمنهم من رأى رأي علي ﵁ وأنصاره ومنهم ومن رأى رأي طلحة والزبير ثم رأي معاوية وأتباعه وهناك تحزب حزبان سياسيان كبيران بين المسلمين شيعة علي وشيعة معاوية وكل واحد من هؤلاء يرى رأيه في تولية الحكم وتدبير الأمور ودينهما واحد وعقائدهم واحدة متفقة كما بيناه آنفًا.\n_________\n(١) - الصلة بين التصوف والتشيع لكامل مصطفى الشيبي ص ٢٣.\n(٢) - أعيان الشيعة القسم الأول الجزء الأول ص ١٣.\n(٣) - تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص١٥","vol":"1","page":26},{"text":"نعم كان هناك خلاف قبل شهادة عثمان ﵁ والذي جر إلى قتل عثمان ولكنه لم يكن إلا بين قادة اليهود والمخدوعين المغترين الواقعين في حبائل الدسائس اليهودية الأثيمة وبين المسلمين وإمامهم كما سيأتي بيانه في باب مستقل كما أنه وقعت الخلافات البسيطة الطفيفة ولكنها لم تبقى إلا للحظات لرجوع الفريق الثاني إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ امتثالًا لقول الله ﷿ ﴿وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾\nكالخلاف الذي وقع بين الأنصار والمهاجرين يوم السقيفة حيث رجع الأنصار عن رأيهم إلى رأي المهاجرين وبايعوا أبا بكر اتفاقا واتحادا ولم يكن هناك فريق ثالث كما يزعمه الشيعة ولم يقدم اسم رجل ثالث للخلافة والإمارة غير سعد بن عبادة وأبي بكر وعلى ذلك لم يكن هناك خلاف ولا نزاع ولا [زعماء ولا قادة] لهذه الآراء والأحزاب كما شهد بذلك علي ﵁ حينما دخل عليه عمرو بن الحمق وحجر بن عدي وحبة العرني والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم حزين كما رواه عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب فقالوا له:\n\" بين لنا ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال لهم علي ﵇: وهل فزعتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت؟ أنا مخرج إليكم كتابًا أخبركم فيه عما سألتم وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم فاقرؤوه على شيعتي وكونوا على الحق أعوانا وهذه نسخة الكتاب","vol":"1","page":27},{"text":"من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين: السلام عليكم فإني احمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.\nأما بعد إن الله بعث محمدًا ﷺ وآله نذيرًا للعالمين وأمينًا على التنزيل وشهيدًا على هذه الأمة وأنتم يا معشر العرب يومئذ على شر دين وفي شر دار منيخون على حجارة خشن وحيات صم وشوك مبثوث في البلاد تشربون الماء الخبيث وتأكلون الطعام الجشيب وتسفكون دماءكم وتقتلون أولادكم وتقطعون أرحامكم وتأكلون أموالكم [بينكم] بالباطل سبلكم خائفة والأصنام فيكم منصوبة ... [والآثام بكم معصوبة] ولا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون فمن الله عليكم بمحمد ﷺ وآله فبعثه إليكم رسولًا من أنفسكم وقال فيما أنزله من كتابه: هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم وقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فكان الرسول إليكم من أنفسكم بلسانكم وكنتم أول المؤمنين تعرفون وجهه وشيعته وعمارته فعلمكم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة وأمركم بصلة أرحامكم وحقن دمائكم وصلاح ذات البين وأن\nتؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن توفوا بالعهد ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وأمركم أن تعاطفوا وتباروا وتباذلوا وتراحموا ونهاكم عن التناهب والتظالم والتحاسد والتقاذف وعن شرب الخمر وبخس المكيال ونقص الميزان وتقدم إليكم فيما أنزل عليكم: ألا تزنوا ولا تربوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلمًا وأن","vol":"1","page":28},{"text":"تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولا تعثوا في الأرض مفسدين ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكل خير يدني إلى الجنة ويباعد من النار أمركم به وكل شر يباعد من الجنة ويدني من النار نهاكم عنه.\nفلما مضى لسبيله صلى الله عليه وآله تنازع المسلمون الأمر بعده فوا الله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد صلى الله عليه وآله عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني من بعدي، فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله في الناس ممن تولى الأمر من بعده فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين الله وملة محمد صلى الله عليه وآله وإبراهيم ﵇ فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلمًا وهدمًا يكون مصيبته أعظم علىّ من فوات ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب وكما يتقشع السحاب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت \" كلمة الله هي العليا \" ولو كره الكافرون.\nفتولى أبو بكر تلك الأمور فسير وسدد وقارب واقتصد فصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله جاهدا (١) \".\nومثل ذلك في (مقالات الإسلاميين) للأشعري:\nوأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم ﷺ اختلافهم في الإمامة وذلك أن رسول الله ﷺ لما قبضه الله ﷿ ونقله\n_________\n(١) - الغارات للثقفي ج١ص٣٠٢ - ٣٠٧ وورد مثل ذلك في شرح نهج البلاغة لابن الحديد الشيعي والميثم البحراني الشيعي وفي ناسخ التواريخ وفي مجمع البحار للمجلسي وغيرها ومن أراد التفصيل في ذلك فليرجع إلى كتابنا ... (الشيعة وأهل البيت).","vol":"1","page":29},{"text":"إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة بمدينة الرسول ﷺ وأردوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر رضوان الله عليهم [فـ]ـقصدا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج بقول النبي ﷺ الإمامة في قريش فأذعنوا لذلك منقادين، ورجعوا إلى الحق طائعين، بعد أن قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير وبعد أن جرد الحباب بن المنذر سيفه وقال أنا المحكك وعذيقها المرجب من يبارزني بعد أن قام قيس بن سعد بنصرة أبيه سعد بن عبادة حتى قال عمر بن الخطاب في شأنه ما قال، ثم بايعوا أبا بكر رضوان الله عليه\nواجتمعوا على إمامته واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته فقاتل أهل الردة على ارتدادهم كما قاتلهم رسول الله ﷺ على كفرهم فأظهره الله ﷿ عليهم أجمعين وأوضح الله به الحق المبين وكان الاختلاف بعد الرسول ﷺ في الإمامة ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر رضوان الله عليه وأيام عمر إلى أن ولي عثمان بن عفان رضوان الله عليهم وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالًا كانوا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين، وعن سنن المحجة خارجين، فصار ما أنكروه عليه اختلافًا إلى اليوم، ثم قتل رضوان الله عليه وكانوا في قتله مختلفين، فأما أهل السنة والاستقامة فإنهم قالوا: كان رضوان الله عليه مصيبًا في أفعاله قتله قاتلوه ظلمًا وعدوانًا، وقال قائلون بخلاف ذلك، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.\nثم بويع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فاختلف الناس في أمره فمن بين منكر لإمامته ومن بين قاعد عنه ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.","vol":"1","page":30},{"text":"ثم حدث الاختلاف في أيام علي في أمر طلحة والزبير رضوان الله عليهم وحربهما إياه وفي قتال معاوية إياه وصار علي ومعاوية إلى صفين (١) \".\nومثل الخلافات الأخرى كالخلاف في موضع دفن الرسول وقتال مانعي الزكاة وغيرها، فلم تكد تظهر هذه الخلافات حتى تلاشت بعد عرض الأمور على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ والرجوع إليهما.\nولكن الخلاف الذي لم ينحل والنزاع الذي لم ينته كان هو ذلك الاختلاف الذي شتت شمل المسلمين وفرق جمعهم وجعلهم فريقين كبيرين يرأس الأول منهما علي ﵁ والثاني معاوية ﵁، ونكرر القول بأن هذا الخلاف لم يجر واحدًا منهما إلى تكوين مذهب جديد واعتناق عقائد جديدة ولا إلى إنكار ما ثبت في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ ولا الانحراف عن الجادة المستقيمة التي سلكها رسول الله ﷺ ومن بعده أبو بكر وعمر وعثمان الخلفاء الراشدون المهديون من بعد كما لم يكن هناك مباغضة للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين قضوا نحبهم قبل كما اختلقها شيعة اليوم ن ولا إثارة إلى الضغائن القبلية والمبنية على الحسب والنسب، وخاصة لم يكن لأنصار علي ﵁، الخلص منهم، عقائد الشيعة اليوم، المنطوية على بغض السلف الصالح وعلى الأخص أبو بكر وعمر وعثمان وأزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، والمبنية على إنكار القرآن الموجود بأيدي الناس، ولا سنة رسول الله ﷺ، التي أخذوها عن عبد الله بن سبأ وتوارثوها عن اليهودية البغيضة كما سنبرهن ذلك قريبًا إن شاء الله بل، كانوا\nمحبين لأصحاب محمد ﷺ وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وأزواج النبي الطاهرات\n_________\n(١) - مقالات الإسلاميين للأشعري ج١ص٣٩.","vol":"1","page":31},{"text":"المطهرات، والمقتفين آثارهم والمقتدين هداهم، وعلى رأسهم علي ﵁ أمير المؤمنين وخليفة رسول الله الأمين الراشد الرابع حيث كان يحبهم حبًا جمًا ويظهر موالاته لهم ويعاند كل من يعارضهم، ويعاقب كل من يتكلم فيهم، كما كان يحارب بكل قوة وشدة تسرب أفكار السبئية واليهودية في أتباعه وأنصاره وشيعته، ويطرد كل من يشك فيه بتسممه من هذه العقائد المسمومة\nفلقد ذكر الشيعة أنفسهم بأن عليًا ﵁ سمى أبناءه بأسماء الخلفاء الراشدين السابقين الثلاثة، بأبي بكر وعمر وعثمان (١) وابنه الحسين كذلك سمى أبناءه بأي بكر وعمر (٢) وكذلك الآخرون من أبناء علي وأبناء الحسين سمو أبناءهم بأسماء هؤلاء الأخيار البررة تحببًا إليهم وتبركًا بهم (٣).\nوأما الاقتداء والاتباع فلقد ذكرنا عنه كثيرًا في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) ولا نريد تكرار ما قلناه هناك فليرجع إلى ذلك، ولكنا نثبت هاهنا عبارة عن ألد أعداء السنة وأكبر السبابين اللعانين الشيعة، عن الملا باقر المجلسي الشيعي الإيراني الذي يلقب بخاتمة المحدثين، والذي ألف أكبر مجموعة في الحديث باسم ... (بحار الأنوار) فهو يكتب في كتابه (جلاء العيون في حياة ومصائب أربعة عشر معصومًا) أن حسين بن علي بن أبي\n_________\n(١) - أعلام الورى للطبرسي ص ٢٠٣، الإرشاد للمفيد ص ١٨٦، تاريخ اليعقوبي ج ٢ص ١١٩، مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصبهاني ص ١٤٢، كشف الغمة للأربلي ج ٢ص٦٤، جلاء العيون للمجلسي ص٥٨٢.\n(٢) - أعلام الورى للطبرسي ص ٢١٣، تاريخ اليعقوبي ج٣ص٢٢٨، مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصبهاني ص ص٧٨ص١١٩، منتهى الآمال ج١ص٢٤٠.\n(٣) - التنبيه والإشراف للمسعودي الشيعي ص٢٦٣، جلاء العيون للمجلسي ص٥٨٢.","vol":"1","page":32},{"text":"طالب صالح معاوية بن أبي سفيان على أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ سيرة الخلفاء الراشدين (١) وأن لا يعين أحدًا بعده وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم وأخذ على هذه الشروط العهود المغلظة باليمين (٢) \".\nفجعل الحسن بن علي - وهو الإمام الثاني عند الشيعة - أحد شروط الصلح مع معاوية أن يكون متبعًا لسيرة الخلفاء الراشدين، ولم يكن هؤلاء إلا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا، كما أنه لم يجعل العمل بسيرة هؤلاء شرطًا من أهم الشروط إلا لأنه كان يحسن فيهم الظن ويعتقد فيهم الخير ويؤمن بتقواهم وطهارتهم زيادة على إيمانهم وإسلامهم الصحيح الخالص.\nهذا ومثل هذا كثير لمن تتبع أخبار علي وأولاده (٣) ﵃ ورحمهم أجمعين.\nونريد أن نضيف إلى ذلك أن الخلاف الذي وقع بين علي ومعاوية ﵄ لم يؤد إلى التكفير والتفسيق فيما بينهم ولا إلى المقاطعة الدائمة والمباغضة الأبدية والهجران والقطيعة كما تصوره القوم في العصور المتأخرة وكما وضعت الأساطير والقصص، بل كل واحد من الحزبين كان يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية ﵃ أجمعين وبايعه، ولم يكن يظنه كافرًا خارجًا عن الإسلام لما اتفق معه ولم\n_________\n(١) - فليلاحظ لفظ الخلفاء الراشدين لأن الذين أعمى الله أبصارهم لا يستحيون من تأويلات سخيفة ركيكة كلما عرض عليهم دليل أو برهان مثبت في كتبهم وعن أعيانهم.\n(٢) - جلاء العيون للمجلسي ج١ ص٢٩٣ ط طهران ١٣٩٨هـ، الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة ص١٦٣ ط طهران، منتهى الآمال للعباس القمي ص٣١٤.\n(٣) - ونبذة غير يسيرة موجودة في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) من أراد ذلك فليرجع إليه.","vol":"1","page":33},{"text":"يصالحه ولم يبايعه ولم يأمر ولم يأمر أخاه الحسين ولا قائد جيشه قيس بن سعد أن يبايعاه كما ثبت ذلك في كتب الشيعة وهذه هي ألفاظ الكشي:\nجبرائيل بن أحمد وأبو إسحاق حمدويه وإبراهيم ابنا نصير قالوا: حدثنا محمد بن عبد الحميد العطار الكوفي عن يونس بن يعقوب عن فضل غلام محمد بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي صلوات الله عليهما أن أقدم الأنصاري وقدموا الشام فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء فقال: يا قيس قم فبايع، فالتفت إلى الحسين ﵇ ينظر ما يأمره فقال يا قيس إنه إمامي - يعني الحسن ﵇ (١) \".\nوقبل ذلك أبوه علي بن أبي طالب - وهو الإمام المعصوم الأول عند الشيعة - خاطب معاوية بقوله في رسالته التي أرسلها جوابا له - حسب زعم القوم:\n\" لم يمنعنا قديم عزنا وعادي طولنا على قومن أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء (٢) \".\nوكذلك لو كان هناك مسألة الكفر والنفاق لما تزوجت رملة بنت علي بن أبي طالب ﵁ من معاوية بن مروان بن الحكم (٣) \".\nو(رملة) بنت علي كانت أم سعيد [بنت] عروة بن مسعود الثقفي (٤)\n_________\n(١) - رجال الكشي ص١٠٢، أيضًا منتهى الآمال ص٣١٦، وجلاء العيون للمجلسي ج١ص٣٩٥.\n(٢) - نهج البلاغة تحقيق صبحي صالح ص ٣٨٦، ٣٨٧ ط بيروت.\n(٣) - نسب قريش ص٤٥، جمهرة أنساب العرب ص٨٧.\n(٤) - الإرشاد للمفيد ص١٨٦، إعلام الورى للطبرسي ص٢٠٣.","vol":"1","page":34},{"text":"وابنته الثانية خديجة كانت متزوجة من عبد الرحمن بن عامر الأموي (١) \".\nوكان أبوه عامر بن كريز الأموي أميرًا على البصرة من قبل معاوية وشريكًا في حرب الجمل مع طلحة والزبير ضد علي \"رضوان الله عليهم جميعًا \" وأن\nخديجة بنت علي كانت من أم ولد له كما ذكرها الطبرسي في الأعلام (٢) والمفيد في الإرشاد (٣) \".\nكما أن إحدى بناته تزوجت من عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي (٤).\nوكما أن بنات الحسن وبنات الحسين زوجن من الأمويين وبنات الأمويين زوجن من أبناء الهاشميين ومن أولاد علي بالأخص. ولقد ذكرنا هذه المصاهرات بين بني أمية وبين بني هاشم في كتاب (الشيعة وأهل البيت) ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ذلك ولكن نذكر هاهنا واحدة من بنات الحسن وواحدة من بنات الحسين. فلقد تزوجت سكينة بنت الحسين وحفيدة علي من حفيد عثمان بن عفان: زيد بن عمرو بن عثمان\nوزيد بن عمرو بن عثمان هذا هو الذي كانت عنده سكينة بنت الحسين فهلك عنها فورثت عنه (٥) \".\nوكذلك نفيسة بنت زيد بن حسن بن علي تزوجت من الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان، قد ذكر هذا الزواج شيعي نسابة مشهور أيضًا في كتابه وما أقبحه في التعبير:\n_________\n(١) - جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص٦٨.\n(٢) - ص٢٠٣\n(٣) - ص١٨٦\n(٤) - البداية والنهاية ج ٩ص٦٩ ط بيروت\n(٥) - نسب قريش للزبيري ج٤ص١٢٠، المعارف لابن قتيبة ص٩٤، جمهرة أنساب العرب لابن حزم ج١ص٨٦، طبقات ابن سعد ج٦ص٣٤٩.","vol":"1","page":35},{"text":"\" وكان لزيد بن الحسن بن علي ابنة اسمها نفيسة خرجت إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان فولدت له منه وماتت بمصر .... وكان زيد يفد إلى الوليد بن عبد الملك ويقعده على سريره ويكرمه لمكان ابنته ودفع له ثلاثين ألف دينار دفعة واحدة (١) \".\nوالجدير بالذكر أن زيد بن الحسن هذا كان ممن حضر كربلاء مع عمه الحسين ﵁، كما أن حفيدة الحسن بن علي: زينب بنت الحسن المثنى أيضًا كان متزوجة من الوليد بن عبد الملك الأموي (٢).\nوأبوها الحسن بن المثنى أيضًا ممن حضر كربلاء مع عمه وصهره الحسين وجرح جرحًا شديدًا. ونلفت الأنظار إلى أن الستة من حفيدات الحسن من أبناء مختلفين كن متزوجات من الأمويين من قادتهم وزعمائهم، [وهذه المصاهرات عدد منها أصحاب الأنساب] أكثر من عشرين مصاهرة [وكلها حصلت بعد الخلاف الذي]\nوقع بين علي ومعاوية وبعد حروب الجمل وصفين (٣) وكذلك تزوج كثير من الهاشميين من بنات الأمويين ومن الأسرة الحاكمة بالذات كما كان بينهم الصلات والهبات ولقاء وزيارات وخاصة بين أئمة الإثني عشرية وعوائلهم حيث لم يقم واحد منهم [بمحاربة الأمويين] ومنازعة ملكهم غير الحسين بن علي ﵄. وأما حروب والده العظيم علي بن أبي طالب مع معاوية فمشهورة معروفة، كما أن مصالحة أخيه الأكبر مع معاوية أمر مشهور لا يستطيع إنكاره أحد، وأما ما روي عن ابن الحسين زين العابدين علي، والراوي هو بخاري القوم الكليني، [حيث] يروي في صحيحه الذي قال فيه محدث الشيعة النوري الطبرسي \" هو أحد الكتب\n_________\n(١) - عمدة الطالب في أنساب أبي طالب ص٧٠، طبقات ابن سعد ج٥ص٢٣٤.\n(٢) - جمهرة أنساب العرب.\n(٣) - ولا ندري من أين جاء الشيعة بهذه الاعتقادات أن محاربة علي كفر، والمحارب معه كافر، فهؤلاء أولاده وأهل بيته يكذبون هذه الأقاويل ويفندون هذه المزاعم.","vol":"1","page":36},{"text":"الأربعة التي عليها تدور رحى الفرقة الإمامية. وكتاب الكافي بينها كالشمس بين نجوم السماء .... وإذا تأمل فيها المنصف يستغني عن ملاحظة حال آحاد رجال سند الأحاديث المودعة فيه وتورثه الوثوق ويحصل له الاطمئنان بصدورها وثبوتها وصحتها (١) \".\nأن علي بن الحسين قال ليزيد بن معاوية: \" أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع (٢) \".\nوكذلك كان البقية ممن أدركوا بني أمية، وعلى منوالهم من أدركوا الدور العباسي اللهم إلا الذين حاربوا ونازعوا الملك فلم يكن حظهم حليفهم حيث حوربوا ممن حاربوا وقتلوا، كما لم يكن معاملة الشيعة وخاصة الإثني عشرية مع أئمتهم طيبة حيث رفضوهم وكفروهم، فقوتلوا وحوربوا من جانب (الأعداء) وكفروا ورفضوا من قبل (الأحياء) بدعوى: من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر (٣).\nوعن الحسين بن المختار قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك: ويوم ترى الذين كذبوا على الله؟ قال: كل من زعم أنه إمام وليس بإمام، قلت وإن كان فاطميًا علويًا ٣ \".\nوحصيلة البحث أن التشيع الأول لم يكن مدلوله العقائد المخصوصة والأفكار المدسوسة، كما لم تكن الشيعة الأولى إلا حزبًا سياسيًا يرى رأي علي ﵁ دون معاوية ﵁ في عصر علي. وأما بعد استشهاده وتنازل الحسن عن الخلافة فكانوا مطاوعين لمعاوية أيضًا، مبايعين له، كما حصل مع إمامهم الحسن وأخيه الحسين\n_________\n(١) - مستدرك الوسائل للطبرسي ج٣ص٥٤٦ ط مكتبة دار الخلافة طهران ١٣٢١هـ.\n(٢) - كتاب الروضة من الكافي ج٨ ص ٢٣٥.\n(٣) - الكافي في الأصول ج١ ص٣٧٣.","vol":"1","page":37},{"text":"وقائد عساكره قيس بن سعد، ولم يكن بينهم خلاف ديني ولا نزاع قبلي ولا عصبية الحسب والنسب، وكانوا يفدون على الحكام ويصلون خلفهم\n، كما كان الحسن والحسين هما ابنا علي وفاطمة وسبطا رسول الله ﷺ يفدان على معاوية.\n\" فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكرامًا زائدًا، ويقول لهما: مرحبًا وأهلًا، ويعطيهما عطاء جزيلا وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا بن هند، والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطي أنت لا وأحد قبلك ولا بعدك رجلا أفضل منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه (١) \".\nوكذلك ذكر المجلسي عن جعفر بن الباقر - الإمام السادس عند الشيعة - أنه قال الإمام الحسن يومًا للإمام الحسين وعبد الله بن جعفر إن هدايا معاوية ستصل في أول يوم من الشهر القادم ولم يأت هذا اليوم إلا وقد وصلت الأموال من معاوية وكان الإمام الحسن بن علي [مدينًا بديون كثيرة فأداها] من ذلك المال وقسم الباقي بين أهله وشيعته، وأما الإمام الحسين فبعد أداء الديون قسم ماله إلى ثلاث حصص قسمًا لشيعته وخاصته وقسمين لأهله وعياله، وكذلك عبد الله بن جعفر (٢) \".\nوكذلك ذكر الكليني أن مروان بن الحكم فرض لعلي بن الحسين مالًا كما فرض لشباب المدينة الآخرين:\nاستعمال معاوية مروان بن الحكم على المدينة وأمره أن يفرض لشباب قريش، ففرض لهم فقال علي بن الحسين ﵉: فأتيته\n_________\n(١) - البداية والنهاية ج ٨ص١٥٠، ١٥١ ط بيروت\n(٢) - جلاء العيون للمجلسي ص ٣٧٦.","vol":"1","page":38},{"text":"فقال: ما اسمك؟ فقلت: علي بن الحسين، ففرض لي (١) \".\nوكذلك عم الحسين والأخ الأكبر لعلي ﵁، عقيل بن أبي طالب كان يفد على معاوية ﵄ ويأخذ منه الهدايا والهبات ومرة \"أعطاه مائة ألف درهم (٢) \".\nوقد أقر بذلك ابن أبي الحديد الشيعي حيث كتب:\nومعاوية أول رجل في الأرض وهب ألف ألف، وابنه يزيد أول من ضاعفه، كان يجيز الحسن والحسين بن علي في كل عام لكل واحد منهما بألف ألف درهم وكذلك كان يجيز عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر (٣) \".\nوكذلك أبو مخنف الغالي:\nوكان معاوية يبعث إليه (أي إلى الحسين) في كل سنة ألف ألف دينار سوى الهدايا من كل صنف (٤) \".\nكما كانوا يصلون خلف الحكام وأمراء معاوية، وقد ذكر جعفر بن محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين \" أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها، ويعتدان بها (٥) \".\nوكان مروان أميرًا آنذاك على المدينة كما أن أبان بن عثمان أمير المدينة من قبل عبد الملك بن مروان الأموي قدم إلى الصلاة من قبل علي بن محمد بن علي المشهور بمحمد بن الحنفية حيث قال له أبو هاشم بن محمد بن علي:\nنحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذاك ما قدمناك\n_________\n(١) - الكافي في الفروع، كتاب العقيقة باب الأسماء والكنى ج٦ ص١٩.\n(٢) - الآمالي للطوسي ج٢ ص ٣٣٤ط النجف\n(٣) - شرح ابن أبي الحديد ج٢ ص٨٢٣.\n(٤) - مقاتل أبي مخنف ص٧.\n(٥) - البداية والنهاية ج ٨ص٢٥٨ ط بيروت","vol":"1","page":39},{"text":"فتقدم فصلى عليه (١) \".\nكما صلى على ابن أخي علي عبد الله بن جعفر الطيار (٢) \".\nوكما صلى أبوه على جدهم عم النبي ﷺ وعم علي ﵁ ن علي عباس بن عبد المطلب:\nتوفي العباس في يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين، عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان ودفن بالبقيع (٣) \".\nهذا ومثل هذا لكثير.\nوبعد هذا العصر تطور التشيع وتغيرت الشيعة، وتأثر وتأثروا من أفكار يهودية ومجوسية ونصراني، وبعقائد مدخولة مدسوسة، نقمة على الحكام ومخدوعين بالتزويرات اليهودية والدسائس المجوسية، ومتأثرين من الذين تظاهروا بالإسلام تسترًا على مكايدهم الخبيثة وتدابيرهم الهدامة، ومن الاختلاط بالفرس والبابليين، ومن الموالي الكارهين للعرب، الحاكمين عليهم والفاتحين بلادهم، والآخذين زمام أمورهم.\nوالذي تولى كبر هذه العقائد والأفكار كان عبد الله بن سبأ مبعوث اليهود المتستر وراء اسم الإسلام، والمؤجج نار الفتنة، والنافخ فيها ضد أمير المؤمنين وخليفة المسلمين المنتخب بالاتفاق، صاحب رسول الله ﷺ وزوج ابنتيه\nوابن عمته، الجواد الكريم، السخي ذي النورين عثمان بن عفان ﵁، كما سنتحدث عنه في الباب الآتي مفصلًا وبالأدلة والبراهين إن شاء الله تعالى\nولا شك أن كثيرًا من أتباعه - أي عبد الله بن سبأ - السبئيين\n_________\n(١) - طبقات ابن سعد ج ٥ ص ٨٦.\n(٢) - الاستيعاب لابن عبد البر ج ٢ ص ٢٦٧، الإصابة لابن حجر ج ٢ ص ٢٨١، أسد الغابة لابن الأثير ج ٣ ص ١٣٥.\n(٣) - البداية والنهاية ج ٧ص ١٦٢، الاستيعاب ج ٣ ص ١٠٠.","vol":"1","page":40},{"text":"والمجوس واليهود والمنافقين دخلوا في معسكر علي ﵁ تحت ستار شيعة علي، كما دخل بعض منهم في معسكر معاوية ﵁ ولكنهم لم يكونوا لا من شيعة ولا من شيعة معاوية، بل هم كانوا كتلة مستقلة وفئة باغية، لها أفكارها وعقائدها، ولها أغراضها وأهدافها، وهم الذين كانوا يسعون بالفساد ويضرمون نار الحرب كلما أراد الطرفان لصلح والاتحاد بينهما، ومنهم نشأت فتنة الخوارج الذين كفروا عليًا وعثمان ومعاوية معًا، لأنه لم يكن همهم إسقاط خلافة عثمان ولا تحريض الناس عليه، بل كان كل ما يقصدون هو القضاء على دولة الإسلام وسد باب فتوحاتهم وغزواتهم، ولذلك عندما نجحوا بإيقاع الفتنة بين المسلمين وتأليبهم على خليفة رسول الله الراشد الثالث وتفريق كلمة المؤمنين والتشتيت بينهم، تألبوا على عليّ كما تألبوا عليه وهذا مما لا ينكره إلا مكابر أو مجادل بلا حق وعلم وبصيرة.\nومما لا شك فيه أن الشيعة الأولى المخلصين كانوا من هؤلاء براء، كما كان إمامهم وقائدهم يتبرأ منهم ويطردهم ويقتلهم. نعم ولكن الشيعة - أي شيعة علي كان يغلب عليهم التخاذل والتكاسل والجبن وعدم الاستقامة والعزيمة والنجدة والجلد والمروءة عكس ما كانوا عليه شيعة عثمان أو شيعة معاوية ﵄، كما كان يغلب عليهم عدم الوفاء والإخلاص والأمانة والصدق عكس مخالفيهم، وعلى ذلك كان علي ﵁ يشكو منهم ويواجه الصعاب والمتاعب مع شجاعته النادرة وجرأته المشهورة وإقدامه المعروف وتفوقه على الأقران، ولأجل ذلك كان يقول لهم:\nيا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة - والله - جرت ندما","vol":"1","page":41},{"text":"وأعقبت [سقما]، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيضا، وجرعتموني نغب التهام أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب لا علم له بالحرب.\nلله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسا، وأقدم فيها مقاما مني لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع (١) \".\nويقول مقارنًا بينهم وبين شيعة معاوية:\nأما والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخف ظلم رعيتي، استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم\nفلم تسمعوا، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا: أشهود كغياب وعبيد كأرباب، أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتفرقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم، وتتخادعون عن مواعظكم، أقومكم غدوة وترجعون إلى عشية، كظهر الحنين، عجز المقوم وأعضل المقوم.\nأيها القوم الشاهدة بأبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم المختلفة أهواءهم، المبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه. لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم.\n_________\n(١) - نهج البلاغة ص٦٧","vol":"1","page":42},{"text":"يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث واثنتين، صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمى ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء ولا إخوان ثقة عند البلاء، تربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلما جمعت من جانب تفرقت من آخر، والله لكأني بكم فيما أخالكم أن لو حمس الوغى، وحمي الضراب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها (١) \".\nوأكبر دليل على خذلان الشيعة عليًا أن أخاه الحقيقي وكبير شيعته وابن أبيه عقيل بن أبي طالب تركه والتحق بمعاوية ﵁ وحارب تحت لوائه ضده كما أقر بذلك مؤرخ شيعي كبير:\nإن عقيلًا فارق أخاه عليًا في أيام خلافته وهرب إلى معاوية وشهد صفين معه (٢) \".\nوأما ما فعلوه بالحسن وبعده بالحسين فهذه ودائع في التاريخ لا يمكن التستر عليها، ولو سردنا كل ذلك لطال بنا الكلام.\nوأما عدم أمانتهم و[عدم] صدقهم وصفائهم فقد أقر بذلك جعفر بن الباقر الملقب بـ[الصادق] حيث ذكر أمامه أحد تلامذته عبد الله بن يعفور قال:\nقلت لأبي عبد الله ﵇: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق. قال: فاستوى أبو عبد الله ﵇ جالسًا فأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام ليس من الله ولا عتب على من دان بولاية إمام من الله ٢ \".\n_________\n(١) - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص ١٥ ط الهند.\n(٢) - الأصول من الكافي ج ١ ص ٢٣٧.","vol":"1","page":43},{"text":"فهذا كل ما أردنا أن نثبته في هذا الباب. وأما النقاط على الحروف فسنضعها في الباب الثاني إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الباب الثاني\nالتشيع والسبأية</span>\nإن الشيعة الأولى مع ما كان فيهم من التخاذل عن الحق والتكاسل عن مناصرة قائدهم علي ﵁ وجبنهم وغدرهم وخيانتهم وحبهم الدنيا وما فيها وإيثار الحياة على الموت في سبيل الحق كما وصفهم علي ﵁ مخاطبًا إياهم:\nوإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته (١) \".\nكانوا مع ذلك كله لا يختلفون عن الآخرين في العقائد والأفكار كإنكار القرآن والاعتقاد بتحريفه وتغييره، وإنكار السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة\nوالسلام، كما لم يكونوا مكفرين لأصحاب رسول الله ﷺ ومنكرين فضلهم، وبخاصة الخلفاء الراشدون الثلاثة، أبو بكر وعمر وعثمان، وأزواج النبي صلوات الله عليه وسلامه عليه أمهات المؤمنين ولم [يكن لهم] مذهبًا خاصًا غير مذهب المسلمين، العامة ولا عبادات وشعائر وطقوسا مخصوصة، فكانوا يصلون بصلواتهم وخلفهم، ويحجون بحججهم وتحت إمرتهم، كما كانوا يصاهرونهم، يزوجونهم ويتزوجون منهم قبل الحروب وبعدها، وقبل الحوادث الأليمة وبعدها كما بيناه سابقًا وكما سنبينه مفصلًا إن شاء الله، إلا من تأثر بالأفكار المدخولة والدسائس\n_________\n(١) - نهج البلاغة ص ٦٧ ط بيروت.","vol":"1","page":45},{"text":"اليهودية والأفكار غير الإسلامية من السبئيين المتظاهرين بالإسلام، والمتسترين به، وخرج بذلك عن الجادة المستقيمة، وعن جماعة علي وشيعته، كالسبئيين والخوارج وغيرها من الفرق المنحرفة الضالة الباغية الذين ليس لهم علاقة لا بعلي ولا بأولاده، وهو والطيبون من أولاده منهم براء، وقد اخترعوا في الدين وباسم الدين ما لم ينزل به القرآن ولم يتكلم به رسول الله ﷺ.\nفكان الأولون على ذل ولم ينقل عن واحد منهم خلاف هذا ولكنهم بعد ذلك بزمان وخصوصًا بعد شهادة الحسين ﵁ تمسكوا بنفس الأفكار التي كانت تحملها السبئية وبث سمومها اليهودية والمجوسية وغيرها من الفرق الباطلة الهدامة المعاندة للأمة الإسلامية، فاعتنقوها وعلى قدر الإغراق والتمسك والاعتصام بهذه الأفكار زادوا في الضلالات والسفاهات، وافترقوا بفرق، فمنهم من غالى وجازف وتجاوز جميع الحدود، فسموا المغالين، ومنهم من توسط لا في الحق ولكنه في الأخذ عن الباطل فسموا المتوسطين، ومنهم من أخذ أشياء يسيرة واغترف غرفة أو غرفتين ولم ينزل في قعرها ولم يسبح في وسطها فسموا المعتدلين والمنصفين، ولكن كل هؤلاء يجمعهم التلمذة على اليهودية الأثيمة والتشبث بأذيال عبد الله بن سبأ، ابن سوداء اليهودي الخبيث الماكر، فكل أخذ بقدره واكتفى بحظه، اللهم إلا من تبرأ منهم علنًا وجهرًا ومن أفكارهم، فرفضوه على تبرئه الكامل (١)، وكانت هذه الأفكار والآراء التي دست بين المسلمين وخصوصا بين الموالين لعلي (٢) وأولاده بعد مؤامرة دبرت واحكم نسيجها من قبل يهود اليمن باشتراك الآخرين على يد عبد الله بن سبأ، تتكون من تفريق كلمة المسلمين\n_________\n(١) - كأتباع زيد بن علي بن الحسين المنصفون منهم، ولو أن بعضًا منهم يدعي اتباعه بنهج نفيس المنهج ويسلك نفس المسلك كما سيأتي بيانه مفصلًا إن شاء الله.\n(٢) - لأنهم استعملوا اسم علي وأهل بيته - كذبًا وزورًا - لتستر على نواياهم الخفية ومقاصدهم الخبيثة، ولذلك اغتر بهم قوم يدعون موالاة علي وأهل بيته - رضوان الله عليهم أجمعين.","vol":"1","page":46},{"text":"وتشتيت شملهم وإيقاع الفتن وسل السيوف بينهم وإفساد الدين على\nالمسلمين ونشر الإباحية والإلحاد، ولقصد تبديل الشريعة السماوية وتغييرها وتعطيلها، وعلى ذلك قال الإسفراييني (١) بعد ذكر جميع فرق الشيعة.\nوأعلم أن جميع من ذكرناهم من فرق الإمامية متفقون على تكفير الصحابة ويدعون أن القرآن قد غير عما كان ووقع فيه الزيادة والنقصان من قبل الصحابة ويزعمون أنه لا اعتماد على القرآن الأول ولا على شيء من الأخبار المروية عن المصطفى ﷺ، ويزعمون أنه قد كان في القرآن النص على إمامة علي فأسقطه الصحابة عنه. ويزعمون أنه لا اعتماد على الشريعة التي في أيدي المسلمين، وينتظرون إمامًا يسمونه المهدي يخرج ويعلمهم الشريعة وليسوا في الحال على شيء من الدين، وليس مقصودهم من هذا الكلام تحقيق الكلام في الإمامة، ولكن مقصودهم إسقاط كلمة تكليف الشريعة عن أنفسهم، حتى يتوسعوا في استحلال المحرمات الشريعة، ويعتذر عند العوام بما يعدونه من تحريف الشريعة، وتغيير القرآن من عند الصحابة، ولا مزيد على هذا النوع من الكفر، إذ لا بقاء فيه على شيء من الدين (٢) \".\nهذا وبما أننا ذكرنا ونريد أن نذكر ونثبت أن تطور التشيع الأول وتغيير الشيعة الأولى لم يكن إلا لإدخال الأفكار اليهودية والمجوسية، والمتمثلة في عبد الله بن سبأ أو السبئية واعتناق الشيعة لها واعتقادها، فلا بد لنا أن نذكر عبد الله بن سبأ وجماعته السبئيين ومساعيهم لنشر الفتنة والفساد وبث سموم المعتقدات غير الإسلامية في نفوس الضعفاء والجهلة\n_________\n(١) - هو أبو المظفر شاهنور بن طاهر بن محمد الإسفراييني الشافعي المفسر، إمام بارع، صنف التفسير الكبير وصنف في الأصول وسافر في طلب العلم وحصل الكثير، ارتبطه نظام الملك بطوس، فأقام بها سنين ودرس بها العلوم وأفاد الكثير، واستفاد الناس منه، وله مؤلفات عديدة منها كتاب التبصير توفي سنة ٤٧١هـ.\n(٢) - التبصير في الدين للأسفراييني ص ٤٣ ط بغداد.","vol":"1","page":47},{"text":"من الناس لأن الكلام إلا على الكلام حولهم وحولها أي السبئيين وأفكارهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>عبد الله بن سبا والسبئية</span>\nإن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا من أهل صنعاء. أمه سوداء \" وقد كان عبد الله بن سبأ هذا يهوديًا في قلبه حفيظة على الدين الجديد الذي أزال ما كان اليهود يتمتعون به من الهيمنة والسلطان على عرب المدينة والحجاز عامة، فأسلم في أيام عثمان، ثم تنقل في بلاد الحجاز، ثم ذهب إلى البصرة، ثم إلى الكوفة، ثم إلى الشام، وهو يحاول في كل بلد ينزل بها أن يضل ضعاف الأحلام، ولكنه لم يستطع السبيل إلى ذلك، فأتى مصر فأقام بين أهلها، وما فتئ يلفتهم/ عن أصول دينهم، ويزيد لهم بما يزخرفه من القول حتى وجد مرتعًا خصيبًا، وكان مما قاله لهم: إني لأعجب كيف تصدقون أن عيسى بن مريم يرجع إلى هذه الدنيا وتكذبون أن محمدًا يرجع إليها؟. وما زال بهم حتى انقادوا إلى القول بالرجعة وقبلوا ذلك منه، فكان هو أول من وضع لأهل هذه الملة القول بالرجعة وقبلوا ذلك منه، إنه قد كان لكل\nنبي وصي، وأن علي بن أبي طالب هو وصي محمد ﷺ! وليس في الناس من هو أظلم ممن احتجر وصية رسول الله ولم يجزها، بل هو يتعدى ذلك فيثب على الوصي ويقتسره على حقه، وإن عثمان قد أخذ حق على وظلمة، فانهضوا في هذا الأمر، وليكن سبيلكم إلى إعادة الحق لأهله الطعن على أمرائكم وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنكم تستميلون بذلك قلوب الناس، واتخذ لهذه الدعوة وأنصار بثهم في الأمصار، وما زال يكاتبهم ويكاتبونه حتى نفذ قضاء الله، وكان الضحية الأولى لهذه المؤامرة ذلك الخليفة الذي قتل مظلومًا، وبين يديه كتاب الله واعتدى على منزله وحرمه، وكان قضاء الله قدرًا مقدورا (١) \".\n_________\n(١) - مقالات الإسلاميين للأشعري ج ١ ص ٥٠ الهامش ط مصر.","vol":"1","page":48},{"text":"ولقد ذكره أقدم المؤرخين الطبري عنه بقوله:\" كان عبد الله بن سبأ يهوديًا من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمد يرجع وقد قال الله ﷿ ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك أنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد ثم قال محمد خاتم الأنبياء وعلى خاتم الأوصياء ثم قال بعد ذلك من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدءوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر فبث دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل كل مصر إنا لفي عافية مما فيه الناس وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان قالوا فأتوا عثمان فقالوا يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس","vol":"1","page":49},{"text":"الذي يأتينا قال لا والله ما جاءني إلا السلامة قالوا فإنا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم قال فانتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي قالوا نشير عليك أن تبعث رجالًا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام وفرق رجالًا سواهم فرجعوا جميعًا قبل عمار فقالوا أيها الناس ما أنكرنا شيئًا ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم وقالوا جميعًا الأمر أم المسلمين إلا أن\nأمرائهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم واستبطأ الناس عمارًا حتى ظنوا أنه قد اغتيل فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمار قد استماله قوم مصر وقد انقطعوا إليه منهم عبد الله بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر (١) \".\nوبمثل ذلك قال ابن كثير وابن الأثير (٢).\nوقال ابن خلدون في تاريخه عنه:\n\" إن عبد الله بن سبأ يعرف بابن السوداء كان يهوديًا فهاجر أيام عثمان فلم يحسن إسلامه، فأخرج من البصرة فلحق بالكوفة ثم بالشام وأخرجوه فلحق بمصر، وكان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر إلى أهل البيت .... وكان يحرض الناس على القيام في ذلك والطعن على الأمراء فاستمال الناس بذلك في الأمصار وكاتب به بعضهم بعضًا، وكان معه خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر، فثبطوا عمارًا عن المسير إلى المدينة، (وكان مما أنكروه على عثمان) إخراج أبي ذر من\n_________\n(١) - الطبري ج٥ ص٩٨ - ٩٩.\n(٢) - البداية والنهاية ج ٧ ص ١٦٧ ط بيروت","vol":"1","page":50},{"text":"الشام ومن المدينة إلى الربذة، وكان الذي دعا إلى ذلك شدة الورع من أبي ذر وحمله الناس على شدائد الأمور والزهد في الدنيا، وأنه لا ينبغي لأحد أن يكون عنده أكثر من قوت يومه، ويأخذ بالظاهر في ذم الادخار بكنز الذهب والفضة، وكان بن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ويعيب قوله: المال مال الله، ويوهم أن في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين حتى عاتب أبو ذر معاوية، فاستعتب له وقال: سأقول: مال المسلمين، واتى ابن سبأ إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك، فدفعوه، وجاء به عبادة إلى معاوية وقال: هذا الذي بعث عليك أبا ذر (١) \".\nوقد ذكره الحافظ ابن حجر عن [ابن] عساكر في تاريخه:\n\" كان أصله من اليمن، وكان يهوديًا فأظهر الإسلام وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة ويدخل بينهم الشر، ودخل دمشق لذلك (٢) \".\nومثل ذلك قال الإسفراييني:\n\" إن ابن سوداء كان رجلًا يهوديًا ن وكان قد تستر بالإسلام، أراد أن يفسد الدين على المسلمين (٣) \".\nوأما سعيه للفتنة والفساد فلقد ورد طرف من أخباره فيما ذكرناه وكما ذكره الطبري مفصلًا في تاريخه أنه كان يومًا في البصرة ويومًا في الكوفة ويومًا في مصر كما ذكر عن حكيم بن جبلة.\nلما مضى من إمارة ابن عامر ثلاث سنين بلغه أنه في عبد القيس رجلًا نازلًا على حكيم بن جبلة وكان حكيم بن جبلة رجلًا لصًا إذا قفل الجيش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس يغير على أهل الذمة\n_________\n(١) - تاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ١٣٩ تحت عنوان بدا الانتقاص على عثمان.\n(٢) - لسان الميزان ج ٣ ص ٢٨٩.\n(٣) - التبصير في الدين لأبي المظفر الإسفراييني: ص ١٠٩.","vol":"1","page":51},{"text":"ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ن ثم يرجع فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها، فلما قدم ابن السوداء نزل عليه واجتمع إليه نفر فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرح فقبلوا منه واستعظموه، وأرسل إليه ابن عامر فسأله من أنت؟. فأخبر أنه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام ورغب في جوارك، فقال: ما يبلغني ذلك، فاخرج عني فخرج حتى أتى الكوفة فأخرج منها فاستقر بمصر وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ويختلف الرجال بينهم (١) \".\nثم كان في مصر، ومن مصر جاء مع قتلة عثمان إلى المدينة.\nخرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر الليثي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوني وعلى القوم جميعًا الغافقي بن حرب العكي، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب وإنما خرجوا ومعهم ابن سوداء (٢) \".\nولقد كتب أحمد أمين المصري عنه:\n\" إن ابن السوداء أتى إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت فلم يسمعا قوله وأخذه عبادة إلى معاوية وقال له: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر، ونحن نعلم أن ابن السوداء هذا لقب به عبد الله بن سبأ، وكان يهوديًا من صنعاء أظهر الإسلام في عهد عثمان وأنه حاول أن يفسد على المسلمين دينهم، وبث في البلاد عقائد كثيرة: في الحجاز والبصرة\n_________\n(١) - الطبري ج٥ ص٩٠\n(٢) - الطبري ج٥ ص ١٠٣، ١٠٤.","vol":"1","page":52},{"text":"- والكوفة والشام ومصر، فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن (١) \".\nوكتب أيضًا:\n\" وهو الذي حرك أبا ذر الغفاري لدعوة الاشتراكية وهو الذي كان من أكبر من ألب على عثمان في الأمصار .... والذي يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم\nالإسلام وألف جمعية سرية لبث تعاليمه واتخذ الإسلام ستارًا يستر به نواياه، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته، فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فاخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله أناس من أهلها \" (٢).\nوقبل أن نستطرد في الأسباب التي جعلوها وسيلة لتفريق كلمة المسلمين وتشتيت شملهم وتمزيق كلمتهم والتآمر على أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، صاحب رسول الله ﷺ وصهره ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ نريد أن نذكر العقائد اليهودية التي نفث سمومها هذا الخبيث، الملعون على لسان علي ﵁ وأتقنها القوم، وفرعت عليه الفروع، وعليها وبها افترقت فرقهم وذهب كل فريق منهم إلى ما يهوونه ويشتهونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الأفكار اليهودية المدسوسة</span>\nولقد أخبرنا عن أفكار ابن السوداء هذا، والتي حملها من اليهود المبغضين لرسول الله ﷺ الصادق الأمين وأمته أشد البغض وما جاء به عن الله ﵎، الناقمين عليه وعليهم، والمكايدين والماكرين له ولهم، من أول يوم دخلوا يثرب وحولوها إلى المدينة، وقضوا على يهود قينقاع وبني النضير\n_________\n(١) - فجر الإسلام ص ١١٠، ١١١.\n(٢) - نفس المصدر ص ٢٦٩.","vol":"1","page":53},{"text":"وبني المصطلق ويهود خيبر وغيرهم، يخبرنا عن كل ذلك أقدم مؤرخ شيعي، وأول من كتب في الفرق من القوم ألا وهو النوبختي أبو محمد الحسن بن موسى من أعلام الشيعة في القرن الثالث للهجرة فقال:\n\" السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال: إن عليًا ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقربه، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين أتقتل رجلًا يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك؟. فصيره إلى المدائن.\nوحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ﵇ أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم وولى عليًا ﵇ وكان يقول وهو علي يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال بعد إسلامه في علي ﵇ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ﵇ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعى علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض (١) \".\nويذكر أبو عمرو بن عبد العزيز الكشي من علماء القرن الرابع للشيعة في أقدم كتاب شيعي في الرجال عديدا من الروايات عن عبد الله بن سبأ وعقائده وأفكاره نثبت بعضًا منها هاهنا:\n\" حدثني محمد بن قولويه. قال: حدثني سعد بن عبد الله. قال حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة\n_________\n(١) - فرق الشيعة للنوبختي ص ٤١، ٤٢ ط المطبعة الحيدرية نجف بتعليق آل بحر العلوم ط ١٩٥٩م.","vol":"1","page":54},{"text":"بن أيوب الأزدي عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين ﵇، وكان والله أمير المؤمنين ﵇ عبدًا لله طائعًا، الويل لمن كذب علينا، وأن قومًا يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم \".\nوبهذا الإسناد عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه والحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين - صلوات الله عليهما: لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمرًا عظيمًا ماله لعنه الله، كان علي ﵇ والله عبدًا صالحًا أخا رسول الله ﷺ، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله صلى الله عليه وآله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله.\nوبهذا الإسناد: عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن أبي نجران عن عبد الله [بن سنان] قال: قال أبو عبد الله ﵇ إنا أهل بيت صديقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين ﵇ أصدق من برأ الله بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ.\nوذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًا ﵇ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون (وصي موسى بالغلو) فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في علي ﵇ مثل ذلك، وكان أول من أشهر بالقول","vol":"1","page":55},{"text":"بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخاليفه وكفرهم فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية (١) \".\nوقال الحلي الشيعي الحسن بن علي في كتابه الرجالي المشهور:\n\" عبد الله بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو، كان يدعي النبوة وأن عليًا ﵇ هو الله، فاستتابه ﵇ ثلاثة أيام فلم يرجع، فأحرقه في النار في جملة سبعين رجلًا ادعوا فيه ذلك (٢) \".\nومثل ذلك القول قام إمام متأخري الشيعة في الرجال المامقاني كتابه تنقيح المقال (٣) \"\nوذكر مؤرخ شيعي إيراني في تاريخه بالفارسية:\nإن عبد الله بن سبأ توجه إلى مصر حينما علم أن مخالفيه (أي عثمان بن عفان) كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى، حتى افتتن الناس به، وبعد رسوخه فيهم بدا يروج مذهبه ومسلكه، وإن لكل نبي وصيًا وخليفة، فوصى رسول الله وخليفته ليس إلا عليًا، المتحلي بالعلم والفتوى، والمتزين بالكرم والشجاعة، والمتصف بالأمانة والتقى، وقال: إن الأمة ظلمت عليًا، وغصبت حقه، حق الخلافة والولاية، ويلزم الآن على الجميع مناصرته ومعاضدته وخلع طاعة عثمان وبيعته، فتأثر كثير من المصريين بأقواله وآرائه، وخرجوا على الخليفة عثمان (٤) \".\nومثل ذلك قال الرجالي الشيعي الإسترا آبادي:\nإن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين \"ع\" هو الله تعالى، فبلغ أمير المؤمنين ذلك فدعاه وسأله، فأقر، وقال: نعم أنت هو. فقال له أمير المؤمنين قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا\n_________\n(١) - رجال الكشي ص ١٠٠، ١٠١.\n(٢) - كتاب الرجال للحلي ص ٤٦٩ ط طهران ط ١٣٨٣هـ.\n(٣) - ج ٢ ص ١٨٤ ط إيران.\n(٤) - تاريخ شيعي: روضة الصفا في اللغة الفارسية [ج ٢ص ٢٩٢] ط طهران.","vol":"1","page":56},{"text":"وتب ثكلتك أمك، فأبى، فحبسه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار (١) \".\nولكن ابن أبي الحديد الشيعي الغالي المعتزلي شارح النهج يخالف ذلك بأن عليًا أحرقه فإنه يرى أن القول بتأليه علي لم يظهره عبد الله بن سبأ إلا بعد وفاة علي ﵁ فأظهره واتبعه قوم فسموا السبئية (٢) \".\nويؤيده في ذلك من السنة عبد القادر البغدادي ولكنه يضيف إلى ذلك أن عليًا لم يحرقه خوفًا من شماتة أهل الشام حيث يذكر ابن سبأ والسبئية:\nالسبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي ﵁ وزعم أن كان نبيًا، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قومًا من غواة الكوفة،\nورفع خبرهم إلى علي ﵁ فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين، حتى قال بعض الشعراء في ذلك:\nلترم بي الحوادث حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين\nثم إن عليًا ﵁ خاف من إحراق الباقين منهم شماتة أهل الشام، وخاف اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى سباط المدائن، فلما قتل علي ﵁ زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن عليًا، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورة علي، وأن عليًا صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم ﵇ وقال: كما كذبت اليهود والنصارى في دعواها قتل عيسى كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي، وإنما رأت اليهود والنصارى شخصًا مصلوبًا شبهوه بعيسى، كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه عليًا فظنوا أنه علي، وعلي قد صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه\n_________\n(١) - منهج المقال ص ٢٠٣.\n(٢) - شرج نهج البلاغة: ج٢ ص ٣٠٩.","vol":"1","page":57},{"text":"وزعم بعض السبئية أن عليًا في السحاب وأن الردع صوته والبرق صوته، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين.\nوقد روى عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن سبأ قيل له: إن عليًا قد قتل، فقال: إن جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته، لا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها.\nوهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو علي دون غيره، وفي هذه الطائفة قال إسحاق بن سويد العدوي قصيدة بريء فيها من الخوارج والروافض والقدرية منها هذه الأبيات:\nبرئت من الخوارج لست منهم من الغزال منهم وابن باب\nولكني أحب بكل قلبي ... وأعلم أن ذاك من الصواب\nرسول الله والصديق حبا ... به أرجو غدًا حسن الثواب\nوقد ذكر الشعبي أن عبد الله بن السوداء وكان يعين السبئية على قولها، وكان ابن السوداء في الأصل يهوديًا من أهل الحيرة فأظهر الإسلام، وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة، فذكر لهم أنه وجد في التوارة أن لكل نبي وصيًا، وأن عليًا ﵁ وصي محمد ﷺ وأنه خير الأوصياء كما أن محمدًا خير الأنبياء، فلما سمع ذلك منه شيعة علي قالوا لعلي: إنه مجيبك، فرفع علي قدره، وأجلسه تحت درجة منبره. ثم بلغه فيه فهم بقتله، فنهاه ابن عباس عن ذلك وقال له: إن قتلته اختلف عليك أصحابك، وأنت عازم على العود إلى قتال أهل الشام، وتحتاج إلى مداراة أصحابك، فلما خشي من قتله ومن قتل ابن سبأ الفتنة التي خافها ابن عباس نفاهما إلى المدائن فافتتن بهما الرعاع بعد قتل علي ـ\n﵁ وقال لهم ابن السوداء: والله","vol":"1","page":58},{"text":"لينبعن لعلي في مسجد الكوفة عينان تفيض إحداهما عسلًا والأخرى سمنًا، ويغترف منهما شيعته.\nوقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء كان على هوى دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى ﵇ فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الأهواء في الكفر ودلس ضلالته في تأويلاته (١) \".\nوذكر هذه وعقائده وجماعته من الشيعة كل من سعد القمي المتوفى ٣٠١هـ (٢) \".\nوالطوسي شيخ الطائفة (٣) والتستري في قاموس الرجال (٤) وعباس القمي في تحفة الأحباب (٥) والخوانساري في روضات الجنات (٦) والأصبهاني في ناسخ التواريخ وصاحب روضة الصفا في تاريخه (٧) \".\nكما ذكر عقائده علماء من السنة كالبغدادي في الفرق بين الفرق كما مر آنفًا.\nوبمثل هذا قال الإسفراييني في كتابه التبصير (٨) والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (٩) وابن حزم في الفصل وغيرهم.\nوقال الشهرستاني تحت عنوان السبئية:\nالسبئية أصحاب عبد الله بن سبأ الذي قال لعلي ﵇:\n_________\n(١) - الفرق بين الفرق ص ٢٣٣ - ٢٣٥ ط مصر.\n(٢) - المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الشيعي القمي: ص ٢١ ط طهران ١٩٦٣م.\n(٣) - رجال الطوسي ص ٥١ ط نجف ١٩٦١ م.\n(٤) - ج ٥ ص ٤٦٣.\n(٥) -ص ١٨٤\n(٦) - روضات الجنات\n(٧) - ج ٣ ص ٣٩٣ ط إيران.\n(٨) - ص ١٠٨، ١٠٩\n(٩) - ص ٥٧ ط دار الكتب العلمية","vol":"1","page":59},{"text":"أنت أنت يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن، وزعموا أنه كان يهوديًا فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصي موسى مثل ما قال في علي ﵇ وهو أول من أظهر بالفرض بإمامة علي، ومنه انشعبت أصناف الغلاة، وزعموا أن عليًا حي لم يقتل وفيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يستولى عليه، وهو الذي يجيء في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه، وإنه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورا، وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي ﵇ (١) \".\nوقال ابن عساكر في تاريخه عن جابر قال:\nلما بويع علي ﵁ خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: أنت دابة الأرض، فقال له: اتق الله، فقال له: أنت الملك، فقال اتق الله، فقال له: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله، فاجتمعت الرافضة فقالت: دعه وانفه إلى سابط المدائن (٢) \".\nوذكر الآلوسي نقلًا عن ابن الحكيم الدهلوي:\nالسبئية: وهم عبارة عن الذين يسبون الصحابة، إلا قليلًا منهم كسلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد وعمار بن ياسر ﵃ وينسبونهم - وحاشاهم - إلى الكفر والنفاق، ويتبرأون منهم، ومنهم من يزعم والعياذ بالله تعالى ارتداد جميع من حضر غدير خم يوم قال ﵊:\" من كنت مولاه فعلي مولاه \". الحديث، ولم يف بمقتضاه من بيعة الأمير كرم الله وجهه بعد وفاته ﵊، بل بايع غيره، وهذه الفرقة حدثت في عهد الأمير رضي الله تعالى عنه\n_________\n(١) - الملل والنحل ج ٢ ص ١١: بهامش الفصل.\n(٢) - تهذيب تاريخ ابن عساكر ج ٧ ص ٤٣٠.","vol":"1","page":60},{"text":"بإغراء عبد الله بن سبأ اليهودي الصنعاني (١) \".\nوأخيرًا ننقل ما كتبه أحمد أمين عنه وعن جماعته:\nانتشرت الجماعة السرية في آخر عهد عثمان تدعو إلى خلعه وتولية غيره، ومن هذه الجمعيات من كانت تدعو إلى علي، ومن أشهر الدعاة له عبد الله بن سبأ - وكان من يهود اليمن فأسلم - فقد تنقل في البصرة والكوفة والشام ومصر يقول: إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله (ﷺ) ووثب على وصيه، وكان من أكبر الذين ألبوا على عثمان حتى قتل (٢) \".\n\" وأنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذا الإسلام ستارًا يستر به نياته، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله ناس من أهلها، وأشهر تعاليمه: الوصاية والرجعة. فأما الوصاية فقد أبناها قبل، وكان قوله فيها أساس تأليب أهل مصر على عثمان، بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة من علي بغير حق، وأيد رأيه بما نسب إلى عثمان من مثالب، وأما الرجعة فقد بدأ قوله بأن محمدًا يرجع، وكان مما قاله: العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمدًا يرجع، ثم نراه تحول - ولا ندري لأي سبب - إلى القول بأن عليًا يرجع. وقال ابن حزم: إن ابن سبأ قال - لما قتل علي - لو أتيتموني بدماغه ألف مرة ما صدقناه موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبي الياس (﵇) صعد إلى السماء،\nوسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في\n_________\n(١) - مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٥ - ٦ ط مصر ١٣٨٣م\n(٢) - فجر الإسلام٤ ٣٥.","vol":"1","page":61},{"text":"النصرانية أيضًا في عصورها الأولى (١) \".\nفهذا هو عبد الله بن سبأ وهذه دعوته وأفكاره وعقائده، وهذه هي الأفكار التي حملها من اليهودية والمجوسية وغيرها بخطة مدبرة ومؤامرة محكمة من قبل أعداء الله وأعداء رسوله ﷺ والإسلام وأعداء الأمة وقادتها وأبطالها لبث سمومها بين المسلمين باسم الإسلام. وسوف نرى ونحقق كيف اعتنق الشيعة هذه الأفكار وتمسكوا بهذه العقائد، وكيف تطور التشيع الأول وتغيرت الشيعة الأولى وتسربت فيهم نفس الأفكار التي كان يرد عليها ويعارضها علي ﵁ وكيف توغل في الشيعة من كان يطاردهم ويتبرأ منهم ويؤدبهم ويقتلهم علي، ويلعنهم أبناءه وأولاده.\nوقبل أن نضع النقاط على الحروف نريد أن نذكر أن بعض الرجال من مواليد القرن الرابع عشر من الهجرة - وأخص الشيعة منهم - أنكروا وجود هذا اليهودي الماكر، ولكن إنكارهم لا يستند إلى دليل وبرهان، وإنكارهم هذا ليس إلا كإنكار الشمس وهي طالعة، لأنه لم يذكر ابن السوداء هذا واحد ولا اثنان من المخاصمين والمعاندين، بل ذكر كل من ألف في الفرق والرجال، في التاريخ وفي السير كما أثبتناه من أئمة الشيعة في الفرق والرجال والتاريخ والنقد غير السنة ومن رجال السنة، وقد بحثنا هذه القضية بتحليل منطقي وواقعي وبغربلة الدعاوى التي أطلقت في هذا المضمار في كتاب: \"الشيعة وأهل البيت \" ولكن نقولها هاهنا كلمة قصيرة ألا وهي: هل يوجد واحد قبل القرن الرابع عشر وحتى من الشيعة من أنكر وجود هذا الرجل؟\nثم وماذا عن الكتب التي تتحدث عن هذا الرجل من كتب الفرق\n_________\n(١) - نفس المصدر ص ٢٦٩ - ٢٧٠.","vol":"1","page":62},{"text":"والملل والرجال والتاريخ وهي متفقة لفظًا ومعنى تقريبًا في ذكره وأوصافه ونعوته وعقائده وأفكاره؟\nثم ولماذا الخوف من الفضيحة والعار؟ وإن كان هناك عار فلماذا التستر.\nوهل لا يجر هذا الإنكار إلى أن ينكر شخص وجود علي ومعاوية ووقوع الحوادث إن كان هناك مجرد إنكار؟. وما أعدله ما قاله عالم شيعي معاصر قريب - مع تعصبه - وهو يذكر الغلو وتاريخه، فيقول: إنه بعد تولية أمير المؤمنين على منصب الخلافة ظهر في أيامه قوم وأرادوا إخراجها من قالب \" الموالاة والتمسك \" إلى قالب التأليه لعلي (ع) \" ولما بلغه عنهم ذلك أنكره أشد الإنكار. وحرق بالنار جماعة ممن غلا فيه \".\nوالظاهر أن عبد الله بن سبأ لم يكن (وقتئذ) على هذه المقالة الغالية ولا شمله الإحراق، وهذا ما يراه ابن أبي الحديد بقوله: استترت هذه المقالة سنة أو نحوها ثم ظهر عبد الله بن سبأ بعد وفاة علي أمير المؤمنين (ع) فأظهرها واتبعه قوم فسموا السبئية.\nويوافقه الشهرستاني بقوله: وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي ﵇ \" ولكن الاسترا بادي يخالفهما بما رواه من أن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين (ع) هو الله تعالى. فبلغ أمير المؤمنين: قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا وتب ثكلتك أمك. فأبى فحبسه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار \" ولا يبعد أن يكون الأرجح ما قاله ابن أبي الحديد من أن ابن سبأ لم يشمله الإحراق وأنه أظهر تلك المقالة بعد وفاة أمير المؤمنين (ع). ووافقه الشهرستاني على ذلك وأن قال قلبه: \" إن ابن سبأ قال لعلي ﵇","vol":"1","page":63},{"text":"أنت، أنت، يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن \" ولا ينافي هذا القول قوله الآخر إذ من المحتمل قريبًا أن يكون ابن سبأ قد قال لعلي (أنت، أنت) لكنه قد أخفاه في حياة علي (ع) أيام منفاه وبعدها إلى أن توفي علي (ع) فأظهره بعد ذلك بسنة أو بأقل.\nوعلى كل حال فإن الرجل - أي ابن سبأ - كان في عالم الوجود وأظهر الغلو. وإن شك بضعهم في وجوده وجعله شخصًا خياليًا شخصته الأغراض الشخصية، أما نحن بحسب الاستقراء الأخير فلا نشك بوجوده وغلوه ..... نعم غلا ابن سبأ في دينه وتسربت بدعته هذه إلى أفكار جماعة غير قليلة، قد سميت باسمه. وأخذت بعد ذلك بالتطور السريع حتى تجاوزت عن القول بإلهية فرد من المخلوقين إلى القول بإلهية اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو أكثر من أهل البيت ﵈ (١).\nوقد أقر بوجوده من أعلام الشيعة المتأخرين المظفري في كتابه تاريخ الشيعة (٢).\nوكذلك كبير القوم السيد محسن الأمين في موسوعته (٣).\nوغيرهم الكثيرون، الكثيرون.\nفهذا هو عبد الله بن سبأ، وهذه العقائد التي حملها إلى المسلمين وإلى الشيعة بالذات بتعبير صحيح ودقيق، لأنهم هم كانوا الحقل الصالح لبذر هذه البذور، ومنهم [من] كان يتوقع أن يجد آذانا صاغية وقلوبًا واعية، وباسم قائدهم كان يتوقع إثارة الضغائن والأحقاد.\n_________\n(١) - الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين: ص ٢١٢ - ٢١٣ ط دار الآثار - بيروت الطبعة الثانية ١٩٧٩م\n(٢) - انظر تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري ص ١٠ ط. قم.\n(٣) - انظر أعيان الشيعة وخاصة الجزء الأول من القسم الأول.","vol":"1","page":64},{"text":"وفعلًا استطاع جذب الكثير منهم إليه وإلى معتقداته خصوصًا بعد ما كان مظفرًا منصورًا في إتاحة حكم الإمام المظلوم عثمان بن عفان له اختلاق قصص باطلة وأساطير كاذبة (١) وتكوينه جمعية سرية تعتقد في علي ﵁ وصابة النبي ﷺ ووراثته، وإيجاد رجال يقدسونه ويؤلهونه ويصفونه بأوصاف ونعوت هي لله خاصة، فدخل هؤلاء كلهم تحت رايته في شيعة علي ﵁ واندمجوا معهم، وبدأوا ينفثون السموم إلى رفاقهم ومصاحبيهم ومجالسيهم، فتأثر من تأثر وكتم من كتم وظهر من ظهر، فنكل الإمام علي بن أبي طالب ﵁ بمن اكتشف وأظهر عقيدته الأصلية الخافية وعذبهم أشد العذاب، وطرد بعضًا منهم وقتل البعض الآخرين سيفًا وحرقًا، وأعلن في ملأ من الناس أنه ليس إلا عبد الله طائعًا، وأن من يكتشف أنه من السبئيين يعمل به ما عمل بالمحرقين، ومن وجده متأثرًا منهم وعلم أنه يفضله على الشيخين أو يتكلم فيهم فيجلده حد المفتري كما روى زيد بن وهب أن سويد بن غفلة.\nدخل على علي في إمارته فقال: إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك منهم، عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله بن سبأ أول من أظهر ذلك، فقال علي: مالي ولهذا الخبيث الأسود، ثم قال: معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى عبد الله بن سبأ فسيره إلى المدائن، وقال: لا يساكنني في بلدة أبدا، ثم نهض إلى المنبر حتى اجتمع الناس، فذكر القصة في ثنائه عليهما بطوله وفي آخره: ولا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد\n_________\n(١) - نخصص لهذه القصص الباطلة والأساطير الموضوعة بابًا مستقلًا في هذا الكتاب لما لها من علاقة وثيقة بشيعة اليوم، وأنهم لم يأخذوا هذه التهم إلا من عبد الله بن سبأ، كما أخذوا العقائد منه وسنبين هذا كله مفصلًا إن شاء الله بالبراهين والأدلة.","vol":"1","page":65},{"text":"المفتري (١) \".\nوذكر الهمداني المعتزلي المتوفى ٤١٥هـ هذه الرواية أيضًا ولكن فيها من الفوائد ما ليست في غيرها، فنريد أن نثبتها هاهنا، فإنه يقول: وكان ابن سبأ هذا يقول لأصحابه: إن أمير المؤمنين قال لي: إنه يدخل دمشق ويهدم مسجدهم حجرًا، حجرًا، ويظهر على أهل الأرض ويكشف أسرارا ويعرفهم أنه ربهم، وليس لهذا كأبي بكر وعمر وعثمان.\nولقد أتى أمير المؤمنين ﵁ سويد بن غفلة، وكان من خاصته وكبار أصحابه، فقال له: يا أمير المؤمنين، مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر بغير الذي هما من الأمة له أهل، ويرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا، فقال: أعوذ بالله أعوذ بالله مرتين، أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله ﷺ وصاحباه ووزيراه - رحمة الله عليهما - ثم نهض دامع العينين يبكي، قابضًا على لحيته، وهي بيضاء، حتى اجتمع الناس. ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة،\nثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عليه متنزه، ومما قالوا برئ، وعلى ما قالوا معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء، صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء يأمران وينهيان، ويقضيان ويعاقبان فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ، وكان لا يرى مثل رأيهما رأيًا، ولا يحب كحبهما أحدًا، مضى رسول الله ﷺ وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنين عنهما راضون، أمر رسول الله ﷺ أبا بكر على صلاة\n_________\n(١) - لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج٣ ص ٢٩٠ ط بيروت.","vol":"1","page":66},{"text":"المؤمنين فصلى بهم تلك الأيام في حياة رسول الله ﷺ فلما قبض الله نبيه ﵇ واختار له ما عنده، مضى مفقودا ﷺ، ولاه المؤمنين ذلك، وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، أنا أول من سن له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يود لو أن بعضنا كفاه، فكان والله خير من بقي رأفة، وأرحمه رحمة، وأيبسه ورعًا، وأقدمه سلمًا وإسلاما، شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوًا ووقارا، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ، حتى قبضه الله على ذلك، ثم ولى الأمر بعده عمر، واستأمر في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي منهم ومنهم من كره، فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي ﷺ، يتبع أثرهما كاتباع الفصيل أثر أمه، وكان والله رفيقًا رحيمًا لضعفاء المسلمين، وبالمؤمنين عونًا وناصرًا على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شانه، حتى إن كنا لنظن أن ملكًا ينطق على لسانه، أعز الله بإسلامه الإسلام وجعل هجرته للدين قوامًا، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة وفي قلوب المشركين المنافقين الرهبة، شبهه رسول الله ﷺ بجبريل فظًا غليظًا على الأعداء، وبنوح حنقًا مغتاضًا على الكفار، والضراء على طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله فمن لكم بمثلهما - رحمة الله عليهما - ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا بالحب لهما ن واتباع آثارهما، فمن أحبني فليحبهما ن ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا اشد العقوبة، فمن أوتيت به بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي","vol":"1","page":67},{"text":"ولكم (١) \".\nوأورد هذه الخطبة كثير من الشيعة والسنة، ويؤيد ذلك ما ذكره النوبختي الشيعي من همه البطش بمن يتكلم في أبي بكر وعمر كما مر.\nفكتم السبئيون أمرهم وبدأوا يعملون في السر والخفاء وتقنعوا بقناع التقية (٢) \"\nوهكذا حاول واستطاع علي ﵁ الحفاظ على شيعته، وحال بينهم وبين العقائد اليهودية المجوسية ولكنه لم يكد يقضي عليه ويستشهد بيد ابن ملجم المرادي الخارجي حتى ظهرت السبئية بكل قوة، وعبد الله بن سبأ بكل صراحة، حتى قال لمن نعاه بشهادته:\nكذبت عدو الله لو جئتنا - والله - بدماغه في صرة فأقمت على قتله سبعين عدلًا ما صدقناك ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض، ثم مضوا من يومهم حتى أناخوا بباب علي، فاستأذنوه عليه استئذان الواثق بحياته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده: سبحان الله، ما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد؟ قالوا: إنا نعلم أنه لم يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه كما قادهم بحجته وبرهانه، وإنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الدثار الثقيل ويلمع في ظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام (٣) \".\n_________\n(١) - تثبيت دلائل النبوة للهمذاني ج ٢ ص ٥٤٦ - ٥٤٨ ط بيروت.\n(٢) - ولعل عقيدة التقية أيضًا انتقلت إلى الشيعة من هؤلاء الناس لأنهم أول من استعملها خوفًا من عقوبة علي ﵁ ومطاردته.\n(٣) - المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الشيعي القمي، تثبت دلائل النبوة ج٢ ص ٥٤٩.","vol":"1","page":68},{"text":"وادعت هذه الفئة الخبيثة وهذه الفرقة المارقة عن الدين وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ أن علي بن أبي طالب ﵁ هو الذي لقنهم هذه التعاليم، وهم لم يتلقوا هذه الأفكار إلا منه كما أشار إلى ذلك الكثيرون من المؤرخين وأئمة الرجال والفرق. ويؤيد ذلك ما ذكره النوبختي أن عبد الله بن سبأ كان يقول في حياة علي ﵁ أن عليًا هو الذي أمره باللعن والطعن على أبي بكر وعمر ﵄ (١).\nفانخدع به كثير من الشيعة ومالوا إليه وإلى أقواله والعقائد التي اخترعها واختلقها، وبذلك تطور التشيع الأول وتغيرت الشيعة الأولى، فصار التشيع مذهبًا دينيًا بعد أن كان سياسيًا محضًا، وصارت الشيعة حزبًا دينيا بعد أن كانوا حزبًا سياسيًا خالصًا.\nولقد قال بهذا القول المستشرق الألماني \"ولهوزن\" أيضًا حيث يذكر الشيعة الأولى بأنهم تمكنوا أولًا في العراق.\nولم يكونوا في الأصل فرقة دينية، بل تعبيرًا عن الرأي السياسي في هذا الإقليم كله. فكان جميع سكان العراق، خصوصًا أهل الكوفة، خصوصًا القبائل ورؤساء القبائل، ولا يلاحظ بينهم إلا درجات في التشيع. لقد كان علي في نظرهم رمزًا لسيادة بلدهم المفقود. ومن هنا نشأ تمجيد شخصه وآل بيته، تمجيدًا لم يرتح له أثناء حياته، على أنه ما لبث أن تكونت في أحضان مذهب سري عبادة حقيقية لشخصه (٢) \".\nوهذا هو القول الحق لأن عليًا ﵁ لم ينقل في الصحيح عنه أنه كان يعد نفسه أو أهل بيته مختلفين عن أبي بكر وعمر\n_________\n(١) - فرق الشيعة للنوبختي ص ٤٤.\n(٢) - الخوارج والشيعة ص ١١٣ ..","vol":"1","page":69},{"text":"وعثمان، بل كان يفضلهم عليه وعلى أولاده، وكان ينتهج منهجهم ويسلك سبيلهم، وكان يعد خلافته امتدادًا لخلافتهم كما ذكر ذلك في خطبته المشهورة المنقولة عنه أنه قال مخاطبًا معاوية في كتاب له إليه:\nإنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار والغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى.\nولعمري، يا معاوية، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك. والسلام (١) \".\nوعلى ذلك قال ولهوزن:\nكان القدماء من أنصار علي يعدونه في مرتبة مساوية لسائر الخلفاء الراشدين. فكان يسلك مع أبي بكر وعمر وكذلك مع عثمان - طالما كان عادلًا في خلافته - في سلك واحد، وكان يوضع في مقابل الأمويين المغتصبين للخلافة بوصفه استمرارًا للخلافة الشرعية. وحقه في الخلافة ناشئ عن أنه كان من أفاضل الصحابة وأنهم وضعوه في القمة وتلقى البيعة من أهل المدينة، ولم ينشأ هذا الحق - أو على الأقل لم ينشأ مباشرة - عن كونه من آل بيت الرسول (٢) \".\nوهذه الحقيقة الثابتة الناصعة لا ينكرها إلا لجاهل أو المتجاهل المكابر المعاند.\nثم ولم يجد التشيع هذا والسبئيون طريقًا للتقدم أمامهم إلا\n_________\n(١) - نهج البلاغة ص ٣٦٦ - ٣٦٧.\n(٢) - الخوارج والشيعة ص ١٧١","vol":"1","page":70},{"text":"لضعف الحسين بن علي ﵁ في لم الأمور وجمعها أو السيطرة الكاملة على جماعة أبيه، والمؤامرات الكامنة وراء الأستار من قبل اليهودية وانظمام المجوسية، إليها لاندحارها أمام زحف الإسلام والجيوش الإسلامية الظافرة المنصورة، وتكالب الموالي الفرس ضد العرب المسلمين الهازمين قوتهم وشوكتهم، والمدمرين حضارتهم، وأيضًا تكاتف المنتفعين الآخرين ومن أبناء الأمم المدحورة الأخرى الذين كانوا يتحينون الفرص المواتية للانتفاضة ضد الفاتحين والحكام الباعثين البعوث، والمرسلين العساكر، والمجندين الجنود للقضاء على بقيتهم الباقية وعلى الوثنيات والشركيات، وظلم الظلمة وغلبة الطغاة المستبدين.\nفلم يجد الحسن ﵁ وعن أبيه - قوة كافية لردع هؤلاء والحيلولة بينهم وبين تسرب أفكارهم إلى شيعته وشيعة أبيه المخلصين، خصوصا بعدما تسرب في قلوب شيعته الوهن والضعف، وازداد جبنهم وتخاذلهم، فكثر الكذب باسم أهل البيت، وفشت العقائد المدسوسة كما أقر بذلك الشيعي المشهور السيد محسن الأمين في موسوعته نقلًا عن واحد من أئمته أنه قال:\n\" قال السيد علي خان في كتاب الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة: روى عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ﵉ أنه قال لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس أن رسول الله (ص) قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس، فمالأت علينا قريش حتى أخرجت قريش الأمر عن معدنه واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت فنكثت بيعتنا","vol":"1","page":71},{"text":"ونصبت الحرب لنا ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غدر به وأسلم ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه وانتهب عسكره وعوجلت خلاخل أمهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودم أهل بيته وهم وقليل حق قليل، ثم بايع الحسين أهل العراق عشرون ألفًا غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم فقتلوه ن ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام ونقصى ونمتهن ونحرم، نقتل ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أولياءنا، ووجد الكذابون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعًا يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس (١) \".\nفكذب الكذابون ووضعوا أقوالًا وروايات مختلقة ومخترعة لترويج باطلهم ونشر ضلالاتهم، وعليّ وأولاده الطيبون منها براء، وعلى رأس الوضاعين الدجالين والسعاة السبئيون وقائدهم عبد الله بن سبأ، فنجح ونجحوا أيما نجاح حيث استطاعوا وبعد مدة طويلة وحوادث عديدة أن يفتنوا كثيرًا من الناس وأن يخدعوهم ويخرجوهم عن الإسلام الصحيح الصريح، عن دين الله إلى المذهب الأجنبي الغريب، أن يخرجوهم عن العقائد الإسلامية الساذجة البسيطة، الخالية من شوائب الشرك والوثنية، وعن وحدانية الله ﷿، وعن الحرية والجهاد والديمقراطية! والعدل وعن كرامة الإنسان بعدم التفريق بينه وبين الآخر في الحسب والنسب والجاه والحكومة والرئاسة، نعم أخرجهم عن هذا كله وألزمهم العقائد الفلسفية الكلامية المعقدة المأخوذة عن التفلسف اليهودي والوثنية المجوسية والغوامض المسيحية، وإلى الإشراك بالله\n_________\n(١) - أعيان الشيعة ج ١ ص ٣٤.","vol":"1","page":72},{"text":"والعبودية والاستغلال والتفرقة بين بني آدم بالحسب والنسب والجاه والحكم والرئاسة، وأن شخصًا أفضل لأنه ولد في بيئة فلانية، وليس له شرف سواه، وأن فلانًا أرذل لأنه لم يولد في تلك الأسرة الأرستقراطية ولو حاز جميع أوصاف الشرف والمكرمة وغير ذلك من السخافات والترهات، فصار\nالسبئيون أصلًا لكل فرقة خرجت عن الشيعة، وصارت أفكار ابن السوداء عقائد لجميع تلك الفرق، فافترقوا حسب اختلافهم بالأخذ عنهم وعنها، فمن أخذها بحذافيرها سمي بذلك ومن أخذ بعضها وترك بعضًا منها سمي بأولئك، ومن أخذ الأكثر وترك القليل سمي بهذا الاسم، وهكذا ولكنها ولا واحدة منها سلكت مسلكًا غير مسلكهم، ولا انتهجت غير منهجهم، ولا مشت غير ممشاهم، وسوف ترى كل ذلك بعينيك وتشاهدها بنفسك بكتب موثوقة معتمدة وبالأدلة والبراهين كما سنبينه في باب الفرق في الباب المستقل من هذا الكتاب حول فرق الشيعة.\nوعلى ذلك قال الحكيم الدهلوي عند بحثه عن فرق الشيعة وبعد ذكر الصحابة.","vol":"1","page":73},{"text":"وهذه الفرقة هم رؤساء الروافض وأسلافهم ومسلمو الثبوت عندهم فإنهم وضعوا بناء دينهم وأيمانهم في تلك الطبقة على رواية هؤلاء الفساق المنافقين ومنقولاتهم، فلذا كثرت روايات هذه الفرقة عن الأمير - كرم الله تعالى وجهه - بواسطة هؤلاء الرجال. وقد ذكر المؤرخون سبب دخول أولئك المنافقين في هذا الباب، وقالوا إنهم قبل وقوع التحكيم كانوا مغلوبين لكثرة الشيعة الأولى في عسكر الأمير وتغلبهم ولما وقع التحكيم وحصل اليأس من انتظام أمور الخلافة وكادت المدة المعينة للخلافة تتم وتنقرض وتخلفها نوبة العضوض رجع الشيعة الأولى من دومة الجندل التي كانت محل التحكيم إلى أوطانهم لحصول اليأس من نصرة الدين وشرعوا بتأييده بترويج أحكام الشريعة والإرشاد ورواية الأحاديث وتفسير القرآن المجيد كما أن الأمير - كرم الله تعالى وجهه - دخل الكوفة واشتغل بمثل هذه الأمور، ولم يبق في ركاب الأمير إذ ذاك من الشيعة الأولى إلا القليل ممن كانت له دار في الكوفة فلما رأت هاتيك الفرقة الضالة المجال في إظهار ضلالتهم أظهروا ما كانوا يخفونه من إساءة الأدب في حق الأمير وسب أصحابه وأتباعه الأحياء منهم والأموات، ومع هذا كان لهم طمع في المناصب أيضًا لأن العراق وخراسان وفارس والبلاد الأخر الواقعة في تلك الأطراف كانت باقية بعد في تصرف الأمير وحكومته، والأمير - كرم الله تعالى وجهه - عاملهم كما عاملوه كما وقع ذلك لموسى ﵇ مع اليهود ولنبينا محمد ﵊ مع المنافقين (١) \".\nوقد أقر بذلك النوبختي حيث كتب:\n\" فلما قتل علي ﵇ افترقت [الناس] التي تثبت على إمامته\n_________\n(١) - مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٥٦ - ٥٨.","vol":"1","page":74},{"text":"فصاروا فرقًا ثلاثا: فرقة منهم قالت إن عليًا لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، وهي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي صلى الله عليه وآله من هذه الأمة، وأول من قال بالغلو، وهذه الفرقة تسمى السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وقال: إن عليًا ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقر به، فأمر بقتله\nفصاح الناس إليه يا أمير المؤمنين أتقتل رجلًا يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك فصيره إلى المدائن، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ﵇ أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًا ﵇ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله في علي ﵇ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ﵇ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض (١) \".\nومثل ذلك ذكره الكشي وغيره ممن تقدم ذكرهم.\nوقصدًا أعدنا هذه العبارة لما لها من علاقة مباشرة بالموضوع، ولما لها أهمية كبيرة في فهم التشيع والشيعة، ولنعيد إلى ذهن القارئ ما لعله قد غاب عنه.\n_________\n(١) - فرق الشيعة للنوبختي ص ٤٣ - ٤٤.","vol":"1","page":75},{"text":"فكان هذا أول حدث عقائدي في التشيع وتغيير جذري غير منهج الشيعة في الفكر والرأي عبر القرون، ومن هنا بدأت تتزعم اليهودية وتترأس أفكار التشيع والشيعة كما أقر بذلك النوبختي وبعده الكشي وقبله سعد القمي وغيرهم الكثيرون، الكثيرون، وإليه ذهب كل من حقق ودقق وغربل التاريخ من المسلمين وغير المسلمين من المؤرخين والرجاليين وأصحاب المقالات في الفرق والعقائد من السنة والشيعة والمستشرقين من اليهود والنصارى وغيرهم فيقول ولهوزن وهو يذكر السبئية:\nومنشأ السبئية يرجع إلى زمان علي والحسن وتنسب إلى عبد الله بن سبأ. وكما يتضح من اسمه الغريب، فإنه أيضًا يمنيًا، والواقع أنه من العاصمة صنعاء. ويقال أيضًا أنه كان يهوديًا. وهذا يقود إلى القول بأصل يهودي لفرقة السبئية. والمسلمون يطلقون (اليهودي) على ما ليس في الواقع كذلك. بيد أنه يلوح أن مذهب الشيعة، الذي ينسب إلى عبد الله بن سبأ أنه مؤسسه، إنما يرجع إلى اليهود أقرب من أن يرجع إلى الإيرانيين (١) \".\nوسوف نتكلم عن السبئية وعقائدها التي سلحهم بها اليهود وغيرهم في باب آخر حيث نضطر إلى إعادة القول عن السبئية هناك، وقبل أن نأتي إلى آخر القول نريد أن نذكر هاهنا أن جماعة من الشيعة الأولى لا زالوا على عقائدهم الأصلية والتي ليس بينهما وبين عقائد المسلمين الأولين أي فرق إلى أن حصلت التغييرات الأخرى وعلى رأس هؤلاء كان أولاد علي ﵁ من الحسن والحسين\nومحمد وأبي بكر وعمر وعثمان والعباس وغيرهم من أبناء عليّ وبقية الهاشميين.\n_________\n(١) - الخوارج والشيعة ص ١٧٠ - ١٧١.","vol":"1","page":76},{"text":"من أبناء العباس وعقيل وجعفر وطالب وغيرهم من أبناء عمومة الحسنين وأبناء أعمام أبيهم.\nوهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الباب، ومن ثم ننتقل إلى باب آخر. وهو يشتمل على التهم الباطلة والإيرادات الواهية والمطاعن المختلفة التي اخترعها السبئيون للقضاء على دولة الإسلام وأميرها خليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁ لأنه خلف بعد الشيعة الأولى خلف تبنوا هذه الأفكار وتركوا سبيل عليّ وأهل بيته، فسلطوا ألسنتهم وأقلامهم تبعًا لسلفهم غير الصالح على ذلك الإمام المظلوم الذي قتل ظلمًا وبغيًا وجورًا، كما أن له علاقة بالموضوع حيث إن قتلته أو من ساعد قاتليه على قتله هم الذين أيدوا السبئية، ومنهم تكونت وبآرائهم اعتنقوا وبأفكارهم تضللوا وانحرفوا عن جادة الحق والهدى، والضغائن، وثبت التفرقة والانشقاق، وتثير الآلام وتقشر الجراحات وتحيي الأوجاع، وبهذا نمشي أيضًا مع مجرى التاريخ وثمراته ونتائجه وبالله التوفيق ونسأله العدل في القول، والإصابة في الحق، وهو لي القبول.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الباب الثالث\nالشيعة ومطاعنهم على ذي النورين ﵁\nوالسبأية وفتنهم أيامه</span>\nقبل أن نتكلم في هذا الموضوع نريد أن نكشف الحجاب عن بعض الحقائق الواقعة التي طالما خفيت على كثير من الناس وحتى على الخاصة منهم. ومنها أن الشيعة عامة جعلوا الكذب شعار لهم وأصبغوا عليه صبغة دينية باسم التقية حيث قالوا:\nلا إيمان لمن لا تقية له (١) \".\nونسبوا هذه الرواية إلى محمد الباقر زورًا وبهتانًا.\nحتى اشتكى منهم ومن أكاذيبهم الكثيرة والجريئة، عليُ وأهل بيته الذين يعدونهم أئمة لهم، اشتكوا منهم كثيرا لهذا، فقد ذكر الكشي كبيرهم في الرجال عن ابن سنان:\nقال أبو عبد الله (ع) إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس. كان رسول الله ﷺ أصدق البرية لهجة وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين (ع) أصدق من برأ الله من بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه عبد الله بن سبأ لعنه الله، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي (ع) قد ابتلي بالمختار. ثم ذكر أبو عبد الله الحارث الشامي وبنان، فقال: كانا يكذبان على عليّ بن الحسين (ع)، ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيغا والسري وأبا الخطاب ومعمرًا وبشار الأشعري وحمزة اليزيدي وصائد النهدي فقال:\n_________\n(١) - الكافي في الأصول باب التقية ج ٢ ص ١٩ ط إيران.","vol":"1","page":79},{"text":"لعنهم الله، إنا لا نخلو من كذاب يكذب علينا، كفانا الله مؤنة كل كذاب وأذاقهم الله حر الحديد (١) \".\nثانيًا: أن أكثر الرواة الذين ذكروا تلك التهم والمطاعن التي جرت إلى قتل عثمان أمير المؤمنين، وفتح باب الفتنة بين المسلمين هم من الشيعة، وقد كبروا الصغير وفخموا الحقير ونفخوا في الكير، وعنهم نقل المؤرخون كل ما هب ودب بدون تنقية وتحقيق وبدون نقد وتدقيق، ولم يميزوا الصدق من التلفيق والباطل من\nالحق والغث من السمين، وأدرج المؤرخون والنقلة منهم كل ما اخترعوها واختلقوها دعاية لباطلهم وتأييدًا لمذهبهم وتصديقًا لأهدافهم وأغراضهم.\nثالثًا: ولم ينقلوا هذه الوقائع عمن شاهدوها، بل كان سمعًا، على سمع وكذبًا على كذب، وباطلًا على باطل. وكثيرا ما يروي الراوي الحادثة والواقعة وبينه وبينها بعد عشرات السنين كما سنبين.\nرابعًا: الرواة مع كذبهم ودجلهم وكونهم دعاة إلى مذهبهم هم طرف في تلك الوقائع والحوادث حيث يتبعون تلك الشلة والطائفة التي نفخت في الرماد وسعرت نار الفتنة، فهم على شاكلتهم يعملون نفس العمل ويسعون بنفس الفساد بالقلم واللسان، الذي سعى به أسلافهم بالجسد والروح. فعلى ذلك يجب التحرز على كل منصف يريد أن يعرف الحقائق عن قبول رواياتهم ومروياتهم، مغمضا العينين، معرضا عن الشكوك والشبهات. فيحتاط في كل رواية لاتؤيده رواية أخرى من الثقات المعتمدين غير المنحازين الى طرف في الموضوع.\nولذلك لايلفت الى ماتفرد به أبومخنف والواقدي والكلبيان للاستنباط والاستنتاج والحكم.\n_________\n(١) - رجال الكشي ص ٢٥٧، ٢٥٨.","vol":"1","page":80},{"text":"ومن سوء الحظ أن هؤلاء هم العمدة للرواية عن هذه الوقائع والوقيعة في أصحاب النبي ﷺ وسادة هذه الأمة وقادتها، وهم خلف لسلفهم الذين كانوا قادة البغاة والطغاة وعملاء اليهودية العالمية التي كانوا يعتقدونها، وحاملين نفس الأفكار التي كانوا مسومين بها، سالكين نفس الأسلوب الذي عرف في الزمن الأخير بأسلوب \"جوئبلز\":\nأكثر الكذب قدر ما تستطيع حتى تظنه صدقًا بدون خجل ولا وجل ولا حياء، فما أكثر ما كذبوا وما أشنعه، وما أجراءهم على ذلك. ونحن تعودنا أن لا نتكلم إلا مستندين إلى الحقائق [متثبتين] بالأدلة الناصعة والبراهين القاطعة، ولا نتفوه بالظن والتخمين [بل] بالوثائق الموثوقة والمصادر المعتمدة. وهاهي الوثائق:\nأبو مخنف: فقد ذكره محسن الأمين في كتابه (أعيان الشيعة) تحت عنوان مؤلفي الشيعة في السير والتاريخ والمغازي، فيقول:\nأبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي الغامدي. قال النجاشي: من أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم وصنف كتبًا كثيرة منها: فتوح الشام، العراق، خراسان، الجمل، صفين، النهر، الغارات، مقتل الحسين (ع) وغيرها، وقال ابن النديم في الفهرست: قرأت بخط أحمد بن الحارث الخزاز قالت العلماء: أبو مخنف بأمر العراق وأخبارها وفتوحها يزيد على غيره، والمدائني بأمر خراسان والهند وفارس\nوالواقدي بالحجاز والسيرة. وقد اشتركوا في فتوح الشام واثنان من الثلاثة شيعة: أبو مخنف، والواقدي (١) \".\nولقد ذكره النجاشي كما عرفت في مصنفي الشيعة، وزاد على\n_________\n(١) - أعيان الشيعة الجزء الأول من القسم الثاني ص ١٢٧.","vol":"1","page":81},{"text":"كتبه التي ذكرها المحسن: كتاب السقيفة، وكتاب الشورى، وكتاب قتل عثمان، وكتاب الحكمين، ومقتل أمير المؤمنين، وقتل الحسين، ومقتل الحسين حجر بن عدي، وأخبار المختار، وأخبار الزيات، وأخبار محمد بن أبي بكر، ومقتل محمد - وغيره من الكتب - كما ذكر أنه شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يسكن إلى ما يرويه، روى عن جعفر بن محمد ﵉ (١) \".\nوذكر الطوسي أن أباه كان من أصحاب عليّ كما ذكره في رجاله وقد ذكره الحلي في الثقات، أبوه كان من أصحاب الباقر وهو من أصحاب جعفر (٢) \".\nوقد ذكره القمي في كتابه فقال:\nلوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي شيخ أصحاب الأخبار الكوفة ووجههم كما جش، وتوفي سنة ١٥٧ هـ يروى عن الصادق (ع) ويروى عنه هشام بن الكلبي وجده مخنف بن سليم صحابي شهد الجمل في أصحاب علي (ع) حاملًا راية الأزد، فاستشهد في تلك الوقعة سنة\n٣٦ هـ، وكان أبو مخنف من أعاظم مؤرخي الشيعة ومع اشتهار تشيعه اعتمد عليه علماء السنة في النقل عنه كالطبري وابن الأثير وغيرهما، وليعلم أن لأبي مخنف كتبًا كثيرة في التاريخ والسير، منها كتاب مقتل الحسين (ع) الذي نقل منه أعاظم العلماء المتقدمين، واعتمدوا عليه (٣) \".\nهذا ما صرح به علماء الشيعة بتشيعه وتنبئ أسماء كتبه عن مغالاته وإغراقه في التشيع كما عددناها من النجاشي.\n_________\n(١) - فهرست أسماء مصنفي الشيعة للنجاشي ص ٢٢٤ - ٢٢٥ ط قم.\n(٢) - انظر رجال الحلي ص ٢٨٢.\n(٣) - الكنى والألقاب ج ١ ص ١٤٨ - ١٤٩.","vol":"1","page":82},{"text":"وأما السنة فقد قالوا فيه كما نقل عنهم الإمام ابن حجر العسقلاني:\nلوط بن يحيى أبو مخنف: إخباري تالف، لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره.\nوقال الدارقطني: ضعيف. وقال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء.\nوقال ابن عدي، شيعي محترق صاحب أخبارهم - قلت: روى عن الصعقي بن زهير وجابر الجعفي ومجالد. روى عن ابن المدائني وعبد الرحمن بن مغراء،\nومات قبل السبعين ومائة - وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا حاتم عنه فنفض يده، وقال: أحد يسأل عن هذا؟. وذكره العقيلي في الضعفاء (١) \".\nومثل ذلك ذكر الذهبي في ميزانه (٢).\nكما ذكره الذهبي في (المنتقى) من منهاج السنة عن شيخ الإسلام ابن تيمية تحت المعروفين بالكذب وعقب ذكره بقول الأشهب بن عبد العزيز القيسي أنه قال:\nسئل مالك ﵁ عن الرافضة؟ فقال: لا تكلمهم ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون، وعن حرملة بن يحي أنه قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول: لم أر أحد أشهد بالزور من الرافضة، وعن مؤمل بن إهاب الربعي أنه قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: يكتب عن كل مبتدع - إذا لم يكن داعية - إلا الرافضة، فإنهم يكذبون، وعن محمد\n_________\n(١) - لسان الميزان ج ٤ ص ٤٩٢ - ٤٩٣.\n(٢) - انظر لذلك ميزان الاعتدال للذهبي ج ٢ ص ٣٦٠.","vol":"1","page":83},{"text":"بن سعيد الأصفهاني أنه قال: سمعت شريك بن عبد الله النخعي يقول: أحمل العلم عن كل من لقيته إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه حديثًا. وعن أبي معاوية أنه قال: سمعت الأعمش يقول: أدركت الناس وما يسمونهم إلا الكذابين (يعني الروافض) ثم قال نقلًا عن شيخ الإسلام:\nومن تأمل كتب الجرح والتعديل رأي المعروف عن مصنفيها بالكذب في الشيعة أكثر منهم في جميع الطوائف. والرافضة يقرون بالكذب حيث يقولون بالتقية (١) \".\nفتلك هي آراء أئمة الجرح والتعديل ومهرة الفن في نقد الرجال في أبي مخنف، وهذه هي أقوال الأئمة والحفاظ والمحدثين في الاعتماد عليهم.\nوخلاصة ما ذكرنا أن أبا مخنف متفق على تشيعه عند الطرفين، الشيعة والسنة، غير معتمد وموثوق فيه. وأما قول القمي: ومع اشتهار تشيعه اعتمد عليه علماء النقل من السنة كالطبري، فليس إلا كذب عادة قومه وذويه، لأنه من المعروف عند كل من قرأ الطبري ونظر فيه بأنه لم يشترط إدراج كل ما صح عنده في تاريخه ولم يلتزم صحة ما نقل. وقد صرح في مقدمة كتابه حيث قال:\nفما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدى علينا (٢) \".\n_________\n(١) - المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص ٢١، ٢٢، ٢٣ ط المطبعة السلفية القاهرة.\n(٢) - تاريخ الأمم والملوك للطبري ج ١ ص ٥ مقدمة الكتاب ط بيروت.","vol":"1","page":84},{"text":"وأما ابن الأثير فإنه صرح أيضًا في مقدمة كتابه أنه ناقل عن الطبري ومعتمد عليه في نقله كما يقول:\nإني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد، ومن تأمله علم صحة ذلك فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعول عند الكافة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه لم أخل بترجمة واحدة منها (١) \".\nفهذه هي حقيقة أبي مخنف والاعتماد عليه من الطبري وابن الأثير.\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-47> الواقدي </span>فلقد قال فيه الحسن الشيعي:\nومحمد بن عمر الواقدي، قال ابن النديم: كان يتشيع، حسن المذهب، يلزم التقية، وهو الذي روى أن عليًا ﵇ كان من معجزات النبي (ص) كالعصا لموسى (ص) وإحياء الموتى لعيسى بن مريم ﵇ وغير ذلك من الأخبار. عالمًا بالمغازي والسير والفتوح والأخبار خلف ٦٠٠ قمطر كتبًا كل حمل رجلين وقبل ذلك بيع له كتب بألفي دينار، وكان له غلامان مملوكان يكتبان الليل والنهار له التاريخ الكبير، المغازي، المبعث، أخبار مكة، فتوح الشام، فتوح العراق، الجمل، مقتل الحسين ﵇، السيرة، إلى غير ذلك من الكتب الكثيرة في السير والتاريخ (٢) \".\nوذكره القمي:\nأبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد المدني: كان إمامًا عالمًا، له التصانيف والمغازي وفتوح الأمصار، وله كتاب الردة وغير ذلك، كان من\n_________\n(١) - الكامل لابن الأثير ج ٤ ص ٥ مقدمة.\n(٢) - أعيان الشيعة القسم الأول الجزء الأول ص ١٢٨.","vol":"1","page":85},{"text":"أقدم مؤرخي الإسلام. وكتاب مغازيه له مقدمة وشروح باللغة الإنجليزية يروى عنه كتابه محمد بن سعد وجماعة من الأعيان ... وكان الواقدي مع ما ذكرناه من سعة علمه وكثرة حفظه لا يحفظ القرآن، ثم روى عن المأمون أنه قال للواقدي: أريد أن تصلي الجمعة غدا بالناس قال: فامتنع، قال: لا بد من ذلك، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أحفظ سورة الجمعة حتى يبلغ النصف منها، فإذا حفظه ابتدأ بالنصف الثاني، فإذا حفظ النصف الثاني نسى الأول فاتعب المأمون وتعس، فقال لعلي بن صالح: يا علي احفظه أنت، فذكر أنه مثل المأمون لم يقدر على أن يحفظه، فقال المأمون: اذهب فصل بهم واقرأ أي سورة شئت، وروى عن غسان قال: صليت خلف الواقدي صلاة الجمعة فقرأ: إن هذا لفي الصحف الأولى صحف \" عيسى \" (١)\nوموسى .. كان يتشيع حسن المذهب يلزم التقية، وهو الذي روى أن عليًا (ع) كان من معجزات النبي ﵌ كالعصا لموسى وإحياء الموتى لعيسى بن مريم (ع) وغير ذلك من الأخبار (٢) \".\nوقد ذكره الخوانساري في كتابه (٣) ولقبه بالإمام العلام.\nهذا ما أقر به الشيعة بأنه شيعي سيء الذاكرة، غير ضابط لم يكن القرآن يستقر في ذاكرته وقلبه.\nوأما ما ذكره أئمة الرجال وجهابذة الجرح والتعديل من السنة فإليك بيانه، قال ابن حبان: كان يروي عن الثقات مقلوبًا وعن الأثبات\n_________\n(١) - ولا ندري كيف يعتقد القوم فيه الأمانة في التاريخ والأخبار ونقل الحوادث والوقائع وهو الذي لا يستطيع ضبط سورة قصيرة من القرآن، فهل مثل هذا يعتمد عليه أن يضبط الوقائع والحوادث بالتاريخ والتفصيل؟. أولم يكن يستطيع حفظ القرآن لأنه لم يكن من القوم الذين يعتقدون فيه؟ كما أثبتنا عقيدتهم في القرآن في كتابنا (الشيعة والسنة) ومن أراد معرفة ذلك فليراجع\n(٢) - الكنى والألقاب ج ٣ ص ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢.\n(٣) - روضات الجنات ج ٧ ص ٢٦٨.","vol":"1","page":86},{"text":"معضلات ... وكان أحمد بن حنبل يكذبه ..... وكان يقول المديني: الواقدي يضع الحديث (١) \".\nوقال الذهبي: مجمع على تركه، وقال النسائي: كان يضع الحديث (٢) \".\nوأما ابن حجر فجمع أقوال العلماء فيه، فذكر أن البخاري قال: الواقدي مدني سكن بغداد، متروك الحديث، تركه أحمد وابن المبارك وابن نمير وإسماعيل بن زكريا، وقال معاوية بن صالح: قال لي أحمد بن حنبل:\nالواقدي كذاب.\nوقال لي يحيى بن معين: ضعيف. وقال مرة ليس بشيء ... قال ابن المديني: الهيثم بن عدي أوثق عندي من الواقدي، وأرضاه في الحديث ... قال الشافعي كتب الواقدي كلها كذب.\n\nوقال النسائي في (الضعفاء):<span data-type=\"title\" id=toc-48> الكذابون المعروفون بالكذب على رسول الله ﷺ أربعة: </span>الواقدي في المدينة، ومقاتل في الكوفة، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام، وذكر الرابع، وقال ابن عدي: أحاديثه غير موثوقة.\nقال ابن المديني: عندي عشرون ألف حديث ما لها أصل، وإبراهيم بن يحيى كذاب وهو عندي احسن حالًا من الواقدي.\nوقال أبو داود: لا أكتب حديثه ولا أحدث عنه، ما اشك أنه كان يفتعل الحديث ..... وقال بندار: ما رأيت أكذب منه.\nوقال إسحاق بن راهويه: هو عندي ممن يضع. وحكى ابن\n_________\n(١) - كتاب المجروحين لابن حبان ج ٢ ص ٢٨٤ ط دكن.\n(٢) - المغني للذهبي ج ٢ ص ٦١٩.","vol":"1","page":87},{"text":"العربي عن الشافعي قال: كان بالمدينة سبعة رجال يضعون الأسانيد أحدهم الواقدي، وقال أبو زرعة وأبو بشر الدولابي والعقيلي: متروك الحديث.\nوقال أبو حاتم الرازي: وجدنا حديثه عن المدنيين عن شيوخ مجهولين مناكير ..... وحكى ابن الجوزي عن أبي حاتم أنه قال: كان يضع. ولقد حدث بعد ذلك ابن حجر قصة تنبئ عن جرأته على الكذب والدجل:\nحدثنا عمرو الناقد قال: قلت للواقدي: تحفظ عن الثوري عن ابن خيثم عن عبد الرحمن بن نبهان عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبي في لعن زوارات القبور، فقال: حدثنا سفيان، فقلت أمله عليّ، فأملاه علي بالمسند، فقال نا عبد الرحمن بن ثوبان فقلت: الحمد لله الذي أوقعك، أنت تعرف أنساب الجن ومثل هذا يخفى عليك؟ قال الساجي: والحديث حديث قبيصة ما رواه عن سفيان غيره، وقال النووي: الواقدي ضعيف باتفاقهم، وقال الذهبي في الميزان: استقر الإجماع على وهن الواقدي، وتعقبه بعض مشايخنا بما لا يلاقي كلامه.\nوقال الدارقطني: الضعف يتبين على حديثه، وقال الجوزجاني: لم يكن مقنعًا (١) \".\nفهذا هو الواقدي، وهذا هو شأنه عند العلماء الأعلام من السنة، وهذا مع تشيعه باعتراف الشيعة أنفسهم بأنه شيعي وليس شيعيًا فحسب، بل من الذين يلزمون التقية أي الكذب بتعبير صحيح.\nوأما محمد بن السائب وابنه هشام فلقد ذكرهما محسن الأمين في\n_________\n(١) - تهذيب التهذيب للإمام ابن حجر العسقلاني ج ٩ ص ٣٦٣ إلى ٣٦٨ ملخصًا ومختصرًا ومثله ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال ج٣ ص ١١٠.","vol":"1","page":88},{"text":"طبقات المؤرخين من الشيعة (١) \".\nكما ذكرهما ابن النديم الشيعي في فهرسته.\nوكما ذكر النجاشي هشام بن محمد بقوله:\nهشام بن محمد بن السائب بن بشير بن زيد بن عمرو بن الحارث بن عبد الحارث بن عزى بن امرئ القيس عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن زيد اللات وقيده بن ثور بن كلب بن وبرة المنذر: الناسب العالم بالأيام، المشهور بالفضل والعلم، وكان يختص بمذهبنا، وله الحديث المشهور، وقال: اعتللت علة عظيمة نسيت علمي، فجلست إلى جعفر بن محمد ﵇ فسقاني العلم في كأس فعاد إليّ علمي، وكان أبو عبد الله ﵇\nيقربه ويدينه ويبسطه، وله كتب كثيرة منها: كتاب مثالب ثقيف، كتاب مثالب بني أمية، كتب مقتل عثمان، كتاب مقتل أمير المؤمنين، كتاب حجر بن عدي، كتاب الحكمين، كتاب مقتل الحسين ﵇، كتاب أخبار محمد بن الحنفية وغيرها (٢) \".\nوكما ذكره أباه ابن داود الحلي في القسم الأول من رجاله، وذكر أنه من أصحاب الباقر (٣) \".\nوذكر ابنه هشام وذكر أنه كان يقربه جعفر ويدنيه (٤) \".\nوعد شيخ الطائفة الطوسي محمد بن السائب في رجاله من أصحاب الصادق (٥) \".\nوأيضًا من أصحاب الباقر (٦) \".\n_________\n(١) - أعيان الشيعة ج ١ ص ١٢٧ - ١٢٨.\n(٢) - رجال النجاشي ص ٣٠٥، ٣٠٦.\n(٣) - رجال ابن داود الحلي ص ٣١٢.\n(٤) - أيضًا ص ٣٦٨ - ٣٦٩.\n(٥) - رجال الطوسي ص ٢٨٩\n(٦) - أيضًا ص ١٣٦.","vol":"1","page":89},{"text":"وكان غاليًا في التشيع، أخباره في الأغلوطات أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق (١) \".\nولقد ذكرهما عالم الشيعة في الرجال العباس القمي بقوله:\nالكلبي النسابة، ويقال له ابن الكلبي أيضًا أبو المنذر هشام بن أبي النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي الكوفي، كان من أعلم الناس بعلم الأنساب، وقد أخذ بعض الأنساب عن أبيه أبي النضر محمد بن السائب الذي كان من أصحاب الباقر والصادق ﵈، وأخذ أبو النصر نسب قريش عن أبي صالح عن عقيل بن أبي طالب، قال ابن قتيبة: وكان جده بشر وبنوه السائب وعبيد الرحمن شهدوا الجمل وصفين مع علي بن أبي طالب ﵇، وقتل السائب مع مصعب بن الزبير، وشهد محمد بن السائب الكلبي الجماجم مع ابن الأشعث، وكان نسابًا عالمًا بالتفسير، وتوفي بالكوفة وعن السمعاني أنه قال في ترجمة محمد بن السائب أنه صاحب التفسير، وكان من أهل الكوفة قائل بالرجعة، وانه هشام ذا نسب عال وفي التشيع غال، وفي (الرجال الكبير): هشام بن محمد بن السائب أبو المنذر الناسب العالم، المشهور بالفضل والعلم، العارف بالأيام، كان مختصًا بمذهبنا، قال اعتللت علة عظيمة نسيت علمي، فجئت إلى جعفر بن محمد (ع) فسقاني العلم في كأس، فعاد إليّ علمي، وكان أبو عبد الله (ع) يقربه ويدنيه وينشطه، قلت: حكى المعاني وغيره، عن قوة حفظه أنه حفظ القرآن في ثلاثة أيام، وأنا أقول: لا\nبدع في ذلك، فإن من سقاه الصادق (ع) العلم في كأس يحفظ القرآن بأقل من ثلاثة أيام، توفي سنة ٢٠٦ أو ٢٠٤ (٢) \".\n_________\n(١) - أعيان الشيعة ج ١ ص ٥٩.\n(٢) - الكنى والألقاب ج ٣ ص ٩٤ - ٩٥ - ٩٦.","vol":"1","page":90},{"text":"وأنا أظن بأنه يكفي هذا لبيان حقيقة أحوال هشام وأبيه محمد حيث أنهما من أسرة شيعية بحتة من قديم الزمن.\nوأما ما قاله السنة فنقل عن معمر بن سليمان عن أبيه أنه قال: كان بالكوفة كذابان أحدهما الكلبي، وقال ليث بن أبي سليم كان بالكوفة كذابان أحدهما الكلبي، والآخر السدي. وقال الدوري عن يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال معاوية بن صالح عن يحيى: ضعيف وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عنه بشيء، وقال البخاري تركه يحيى وابن مهدي وقال الدوري عن يحيى بن يعلى المحاربي قال: قيل لزائدة: ثلاثة لا تروي عنهم ابن أبي ليلى وجابر الجعفي، والكلبي، قال أما ابن أبي ليلى فلست أذكره وأما جابر فكان والله كذابا يؤمن بالرجعة، وأما الكلبي وكنت أختلف إليه فسمعته يقول مرضت مرضة فنسيت ما كنت أحفظ فأتيت آل محمد فتفلوا في فيّ فحفظت ما كنت نسيت فتركته، وقال الأصمعي عن أبي عوانة: سمعت الكلبي يتكلم بشيء من تكلم به كفر فسألته عنه فجحده، وقال عبد الواحد بن غياث عن ابن مهدي: جلس إلينا أبو جزء على باب أبي عمرو بن العلاء، فقال أشهد أن الكلبي كافر قال فحدثت بذلك يزيد بن زريع فقال سمعته يقول: أشهد أنه كافر قال فماذا زعم؟ قال سمعته يقول: كان جبريل يوحي إلى النبي ﵌ فقام النبي لحاجته وجلس علي فأوحى إلى علي، فقال يزيد: أنا لم أسمعه يقول هذا ولكني رأيته يضرب صدره ويقول أنا سبئي أنا سبئي. قال العقيلي هم صنف من الرافضة أصحاب عبد الله بن سبأ، وقال ابن فضيل عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال لمحمد بن السائب: ما دمت على","vol":"1","page":91},{"text":"هذا الرأي لا تقربنا وكان مرجئًا وقال زيد بن الحباب سمعت الثوري يقول: عجبًا لما يروى عن الكلبي، قال ابن أبي حاتم: فقلت لأبي: إن الثوري روى عنه، فقال: كان لا يقصد الرواية عنه ويحكي حكايته تعجبًا فيعلقه من حضره ويجعلونه رواية، وقال علي بن مسهر عن أبي جناب الكلبي حلف أبو صالح: أني لم أقرأ على الكلبي من التفسير شيئًا، وقال أبو عاصم: زعم لي سفيان الثوري قال: قال الكلبي: ما حدثت عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب فلا ترووه، وقال الأصمعي عن قرة بن خالد: كانوا يرون أن الكلبي يزخرف يعني يكذب، وقال يزيد بن هارون، كبر الكلبي وغلب عليه النسيان، وقال أبو حاتم: الناس مجمعون على ترك حديثه هو ذاهب الحديث لا يشتغل به، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال ابن عدي، له غير ما ذكرت أحاديث صالحة وخالصة عن أبي صالح وهو معروف بالتفسير وليس لأحد أطول من تفسيره وحدث عنه ثقات من الناس ورضوه في التفسير وأما في الحديث ففيه مناكير ولشهرته فيما بين الضعفاء يكتب حديثه وقال ابن أبي حاتم: كتب البخاري في موضع آخر محمد بن بشر سمع وعمرو بن عبد\nالله الحضرمي وعنه محمد بن إسحاق قال ابن أبي حاتم: هو الكلبي، قال محمد بن عبد الله الحضرمي مات: بالكوفة سنة ست وأربعين ومائة. قلت: ساق ابن سعد نسبه إلى كلب بن وبرة قال: وكان شهد جده بشر وبنوه السائب الجماجم مع ابن الأشعث وكان عالمًا بالتفسير وأنساب العرب وأحاديثهم توفي بالكوفة سنة ست وأربعين أخبرني بذلك ابنه هشام، قالوا: ليس ذاك، في روايته ضعيف جدًا، وقال علي بن الجنيد والحاكم أبو أحمد والدارقطني: متروك وقال الجوزجاني: كذاب","vol":"1","page":92},{"text":"ساقط، وقال ابن حبان، وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه روى عن أبي صالح التفسير وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس لا يحل الاحتجاج به، وقال الساجي: متروك الحديث وكان ضعيفًا حدًا لفرطه في التشيع، وقد اتفق ثقات أهل النقل على ذمه وترك الرواية عنه في الأحكام والفروع، قال الحاكم أبو عبد الله: روى عن أبي صالح أحاديث موضوعة (١) \".\nفهذا هو الرجل وهذا هو مقامه وشأنه، وهذه هي أقوال العلماء فيه، وهذا هو وضعه من التشيع والكذب إلى حد الكفر.\nوأما ابنه هشام فهو، يروي عنه وهو مثله، رافضي متروك كما ذكره الذهبي وغيره (٢) \".\nوأما الكلبي هذا فلقد صنف كتابًا في مثالب الصحابة كما ذكره ابن المطهر الحلي في كتابه منهاج الكرامة (٣) \".\nوقال الإمام ابن تيمية فيه وأيضًا نقل كلام الأئمة الأعلام في كتابه:\nهشام الكلبي: وهو من أكذب الناس وهو شيعي يروي عن أبيه وعن أبي مخنف لوط بن يحيى، وكلاهما متروك كذاب، وقال الإمام أحمد: ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه، إنما هو صاحب سمر ونسب، وقال الدارقطني: هو متروك، وقال ابن عدي: هشام الكلبي الغالب عليه الأسمار، ولا أعرف له في المسند شيئًا وأبوه أيضًا كذاب ساقط، وقال زائدة والليث وسليمان التميمي: هو كذاب، وقال يحيى: ليس بشيء كذاب ساقط، وقال ابن حبان: وضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج\n_________\n(١) - تهذيب التهذيب لابن حجر ص ١٧٨ - ١٧٩ - ١٨٠١٨١.\n(٢) - انظر لذلك ميزان الاعتدال ص ٣٠٤، ٣٠٥.\n(٣) - ص ٥٨ الملحق بكتاب منهاج السنة لابن تيمية.","vol":"1","page":93},{"text":"إلى الإغراق في وصفه (١) \".\nفهؤلاء الأربعة هم العمدة للمؤرخين في سرد الروايات والحكايات والخزعبلات عن الحوادث والكوارث التي وقعت أيام عثمان ﵁ والحروب التي حلت بين علي وبين المطالبين بثأر عثمان وقصاصه إلى شهادة الحسين وما ترتب عليها من الأمور والنتائج، فصبغوها بصبغة خاصة واستغلوها\nلنشر السبئية وعقائدهم من مدخل التاريخ بعدما خدعوا كثيرًا من الناس باسم العقائد وحب أهل البيت، ففتحوا مدخلًا جديدًا للطعن والتشنيع في أصحاب محمد ﷺ، في الأخيار البررة، ولإدخال السذج الغفلة من الناس في دينهم الذي لم يأت به إلا عبد الله بن سبأ وأنصاره وأشياعه، ولم يؤسس قواعده وأصوله ولم يكون أسسه وضوابطه إلا هم ومن والاهم. ولذلك قدمنا الكلام في هؤلاء الناس قبل ذكر الوقائع والمطاعن لكي يعرف قيمة الروايات بقدر الرواة، ويعلم أن كل واقعة وحادثة يتفرد بروايتها هؤلاء السبئيون والشيعة لا يعتمد عليها ولا يكون لها اعتبار\nوبعد بيان هذه الأمور الهامة نقول: إن السبئيين خططوا خطة ودبروا مؤامرة للتفريق بين المسلمين وتمزيق كلمتهم وتشتيت شملهم وهدم كيان الإسلام والقضاء على الخلافة الإسلامية.\nفأولًا: بنشر العقائد اليهودية والمدخولة الأجنبية بين المسلمين، ثم بنشر الأكاذيب والأراجيف عن الحكام وولاة الأمور. فنعيد عبارة ابن جرير الطبري، التي ذكرناها في مبحث السبئية لتبيين الحقائق عن المطاعن التي اخترعوها على خليفة رسول الله ﷺ الراشد الثالث عثمان بن\n_________\n(١) - منهاج السنة ج ٣ ص ١٩.","vol":"1","page":94},{"text":"عفان ﵁، وأن عثمان هو عثمان المعروف بالكريم الحليم، الجواد السخي، الشريف الحيي، ابن بنت عمة رسول الله ﷺ وزوج ابنتيه، والممدوح من قبل النبي ﷺ وأهل بيته وعلي وأولاده (١) \".\nوليعرف كيف حكيت ضده المؤامرات وكيف أحكم نسيجها وكيف أثيرت ضده الفتن ومن كان وراءها. فيقول الطبري:\nكان عبد الله بن سبأ يهوديًا من أهل صنعاء أمة سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمد يرجع وقد قال الله ﷿: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك: إن كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلى خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدءوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر، فبث دعاته وكانت من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر\nإلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى\n_________\n(١) - انظر لتفصيل ذلك كتابنا (الشيعة وأهل البيت).","vol":"1","page":95},{"text":"مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تنالوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا إنا لفي عافية مما فيه الناس وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان قالوا فأتوا عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله ما جاءني إلا السلامة، قالوا: فإنا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا، إليهم: قال فأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي، قالوا نشير عليك أن تبعث رجالًا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام وفرق رجالا سواهم فرجعوا جميعًا قبل عمار فقالوا: أيها الناس ما أنكرنا شيئًا ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم، وقالوا جميعًا: الأمر أمر المسلمين إلا أن أمرائهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم، واستبطأ الناس عمار حتى ظنوا أنه قد اغتيل فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمارًا قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا إليه منهم عبد الله بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر (١) \".\nوإتمامًا للفائدة نذكر ما ذكره الطبري من رد فعل عثمان ﵁ على ذلك:\nثم كتب عثمان إلى أهل الأمصار أما بعد فأتى آخذ العمال بموافاتي في كل موسم وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف\n_________\n(١) - الطبري ج ٥ ص ٩٨، ٩٩.","vol":"1","page":96},{"text":"والنهي عن المنكر فلا يرفع علي شيء ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته وليس لي ولعيالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم وقد رفع إلى أهل المدينة أن أقوامًا يشتمون وآخرون يضربون فيا من ضرب سرًا وشتم سرًا من ادعى شيئًا من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقه حيث كان مني أو من عمالي أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين، فلما قريء في الأمصار أبكى الناس ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتمخض بشر وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه، عبد الله بن عمار ومعاوية وعبد الله بن سعد وأدخل معهم في المشورة سعيدًا وعمرًا فقال: ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقًا عليكم وما يعصب هذا الأبي فقالوا: ألم تبعث ألم نرجع إليك الخبر عن القوم ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلًا وما كنت لتأخذ به أحدًا فيقيمك على شيء وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها ولا الانتهاء إليها، قال: فأشيروا علي؟ فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يصنع في السر فيلقى به غير ذي المعرفة فيخبر به\nفيتحدث به في مجالسهم قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم، وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم، قال معاوية: قد وليتني فوليت قومًا لا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان أعلم بناحيتيهما قال: فالرأي؟ قال: حسن الأدب قال: فما ترى يا عمر وقال أرى أنك قد لنت لهم وتراخيت عنهم وزدتهم على ما كان يصنع عمر فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين إن الشدة تنبغي لمن لا يألوا الناس شرا واللين لمن يخلف الناس بالنصح وقد فرشتهما جميعًا اللين، وقام عثمان فحمد الله","vol":"1","page":97},{"text":"وأثنى عليه وقال: كل ما أشرتم به عليّ قد سمعت ولكل أمر باب يؤتى منه إن هذا الأمر الذي على هذه الأمة كائن وأن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها فإن سده شيء فرفق فذاك والله ليفتحن وليست لأحد على حجة حق وقد علم الله أني لم آل الناس خيرًا ولا نفسي ووالله إن رحى الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا بهم وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها (١) \".\nوأما الإيرادات التي أوردوها عليه والمطاعن التي اخترعوها لتمزيق دولة الإسلام، فهي التي ذكرها واحدًا بعد واحد وردها عثمان ذو النورين في خطبته التي ذكرها جميع المؤرخين أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:\nإن هؤلاء ذكروا أمورًا قد علموا منها مثل الذي علمتم إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها علىّ عند من لا يعلم وقالوا: أتم الصلاة في السفر وكانت لا تتم، ألا وإني قدمت بلدًا فيه أهلي فأتممت لهذين الأمرين، أو كذلك قالوا: اللهم نعم، وقالوا؟ وحميت حمى؟ وإني والله ما حميت حمى قبلي والله ما حموا شيئًا لأحد ما حموا إلا ما غلب عليه أهل المدينة ثم لم يمنعوا من رعيه أحدًا واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع ما منعوا ولا نحّوا منها أحد إلا من ساق درهمًا ومالي من بعير غير راحلتين ومالي ناغية ولا راغية وأني قد وليت وإني أكثر العرب بعيرًا وشاء فما اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم، وقالوا كان القرآن كتبًا\n_________\n(١) - الطبري ج ٥ ص ٩٩، ١٠٠.","vol":"1","page":98},{"text":"فتركها إلا واحدًا، ألا وإن القرآن واحد جاء من عند واحد وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك؟ قالوا: نعم، وسألوه أن يقتلهم، وقالوا أني رددت الحكم وقد سيره رسول الله ﷺ والحكم مكي سيره رسول الله ﷺ سيره ورسول الله ﷺ رده أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم، وقالوا: استعملت الأحداث ولم أستعمل إلا مجتمعًا محتملًا مرضيًا وهؤلاء أهل عملهم فسلوهم عنه وهؤلاء أهل بلده ولقد ولي من قبلي أحدث منهم وقيل في ذلك لرسول الله ﷺ أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم، يعيبون للناس ما لا يفسرون، وقالوا: أني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه وأني إنما نفلته\nخمس ما أفاء الله عليه من الخمس فكان مائة ألف وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر \"﵄\" فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم وليس ذاك لهم، أكذلك؟ قالوا نعم، وقالوا: أني أحب أهل بيتي وأعطهم فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور بل أحمل الحقوق عليهم وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة والرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ وأنا يومئذ شحيح حريص أفحين أتيت على ما قالوا، وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلًا فيجوز ذلك لمن قاله، وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلًا فيجوز ذلك لمن قاله، ولقد رددته عليهم وما قدم علىّ إلا الأخماس ولا يحل لي منها شيء فولى المسلمين وضعها في أهلها دوني ولا يتلف من مال الله بفلس فما فوقه وما أتبلغ منه ما آكل إلا من مالي، وقالوا: أعطيت الأرض رجالًا وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتتحت فمن","vol":"1","page":99},{"text":"أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب فنقلت إليهم نصيبهم فهو في أيديهم دوني. وكان عثمان قد قسم ماله وأرشه في بني أمية وجعل ولده كبعض من يعطى فبدأ ببني أبي العاص فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف فأخذوا مائة ألف وأعطى بني عثمان مثل ذلك وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب، ولانت حاشية عثمان لأولئك الطوائف، وأبى المسلمون إلا قتلهم وأبى إلا تركهم، فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوهم مع الحُجاج كالحجاج، فتكاتبوا وقالوا موعدكم ضواحي المدينة في شوال (١) \".\nولما كان شوال سنة ٣٥هـ خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف، على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر والليثي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوني وعلى القوم جميعًا الغافقي بن حرب العكي، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب وإنما خرجوا كالحجاج ومعهم ابن السوداء وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق، وعلى الرفاق زيد بن صوحان العبدي والأشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبد الله بن الأصم أحد بني عامر بن صعصعة وعددهم كعدد أهل مصر وعليهم جميعًا عمرو بن الأصم، وخرج أهل البصرة في أربع رفاق وعلى الرفاق حكيم بن جبلة العبدي وزريح بن عباد العبدي وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي وابن المحرش بن عبد عمر والحنفي وعددهم كعدد أهل مصر وأميرهم جميعًا حرقوص بن زهير السعدي سوى من تلاحق بهم من الناس، فأما أهل مصر فإنهم كانوا يشتهون\n_________\n(١) - نفس المصدر السابق ص ١٠٢، ١٠٣.","vol":"1","page":100},{"text":"عليًا، وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهما كانوا يشتهون الزبير، فخرجوا وهم على الخروج جميع وفي الناس\nشتى لا يشك في كل فرقة إلا أن الفلج، معها وأن أمرها سيتم دون الآخرين، فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص، وجاءهم ناس من أهل مصر وتركوا عامتهم بذي المرؤة ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم وقالا: لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا فوا الله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشد وإن أمرنا هذا لباطل، وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلًا لنرجعن إليكم بالخبر قالوا اذهبا فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي ﷺ وعليًا وطلحة والزبير وقالا: إنما نأتم هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا ما جئنا إلا لذلك بالدخول، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلهم أبى ونهى وقال بيضُ ما يفرخن، فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليًا ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير وقال كل فريق منهم إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبغتهم فأتى المصريون عليًا وهو عسكر عند أحجار الزيت عليه حلة أفواف معتم بشقيقة حمراء يمانية متقلد السيف ليس عليه قميص وقد سرح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فالحسن جالس عند عثمان وعليّ عند أحجار الزيت، فسلم عليه المصريون وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المرؤة وذي خشب ملعونون على لسان محمد ﷺ فارجعوا لا صحبكم الله قالوا: نعم","vol":"1","page":101},{"text":"فانصرفوا من عنده على ذلك وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب عليّ وقد أرسل ابنيه إلى عثمان فسلم البصريون عليه وعرّضوا له فصاح بهم واطّردهم وقال لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خُشب والأعوص ملعونون على لسان محمد ﷺ، وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى وقد سرّح ابنه عبد الله إلى عثمان فسلموا عليه وعرضوا له فصاحبهم واطردهم وقال لقد علم المسلمون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد ﷺ، فخرج القوم وأروهم إنهم يرجعون فانفشّوا عن ذي خشب والأعوص حتى انتهوا إلى عساكرهم وهي ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة ثم يكرا راجعين، فافترق أهل المدينة لخروجهم فلما بلغ القوم عساكرهم كّروا بهم فبغتوهم فلم يفجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة فنزلوا في مواضع عساكرهم وأحاطوا بعثمان، وقالوا من كفّ يده فهو آمنٌ، وصلى عثمان بالناس أيامًا ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا أحدًا من كلام فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم عليٌّ فقال ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم، قالوا أخذنا مع بريد كتابًا بقتلنا، وأتاهم طلحة فقال البصريون، مثل ذلك وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك وقال الكوفيون والبصريون فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعًا كأنما كانوا على ميعاد فقال لهم عليٌّ: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا هذا\nوالله أمرٌ أبرم بالمدينة، قالوا فضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا\" (١) \"\nفحاصروا بيته محاصرة شديدة وجاء على \" (٢) \"أهل بيته وطلحة\n_________\n(١) - الطبري ج٥: ص١٠٣ - ١٠٥.\n(٢) - ولقد أثبتنا كل هذا من كتب القوم أنفسهم في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) من أراد فلينظر إلى ذلك.","vol":"1","page":102},{"text":"والزبير مع أبنائهم للدفاع عنه فقال مخاطبًا إياهم:\nيا أهل المدينة إني أستودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي. إني والله لا أدخل على أحد بعد يومي هذا حتى يقضي الله فيّ قضاه ولأدعن هؤلاء وراء بابي غير معطيهم شيئًا يتخذونه عليكم دخلًا في دين الله أودنا حتى يكون الله ﷿ الصانع في ذلك ما أحب. وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم فرجعوا إلا الحسن ومحمد بن طلحة وابن الزبير وأشباهًا لهم، فجعلوا بالباب عن أمر آبائهم وثاب إليهم ناس كثير ولزم عثمان الدار\" (١) \".\nحُصر عثمان اثنين وعشرين يومًا ثم أحرقوا الباب وفي الدار أناس كثير فيهم عبد الله بن الزبير ومروان فقالوا ائذن لنا، فقال إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهدًا فأنا صابرٌ عليه وإن القوم لم يحرقوا باب الدار إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه فأحرّج على رجل يستقتل ويقاتل وخرج الناس كلهم ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده فقال أن أباك الآن لفي أمر عظيم فأقسمت عليك لما خرجت وأمر عثمان أبا كرب رجلًا من همدان وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال وليس فيه إلا غرارتان من ورق فلما أطفئت النار بعدما ناوشهم ابن الزبير ومروان وتوعّد محمد بن أبي بكر ابن الزبير ومروان فلما دخل على عثمان هربا ودخلوا عليه فمنهم من يجؤه بنعل سيفه وآخر يلكزه وجاءه رجل بمشاقص معه فوجأه في ترقوته فسال الدم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله وكان كبيرًا وغُشي عليه ودخل آخرون فلما رأوه مغشيًا عليه جرّوا برجله فصاحت نائلة وبناته وجاء التُّجيبي مُخترطًا سيفه ليضعه في بطنه فوقّته نائلة فقطع يدها واتّكأ بالسيف عليه في صدره وقتل عثمان ﵁ قبل غروب\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص١٢٦.","vol":"1","page":103},{"text":"الشمس ونادى منادٍ ما يحلّ دمه ويحرج ماله فانتهبوا كل شيء ثم تبادروا بيت المال فألقى الرجلان المفاتيح ونجوا وقالوا الهرب هذا ما طلب القوم. وذكر محمد بن عمران عبد الرحمن بن عبد العزيز حدّثه عن عبد الرحمن بن محمد أن محمد بن أبي بكر تسوّر على عثمان من دار عمرو بن حزم ومعه كنانة بن بشر بن عتاب وسُودان بن حمران وعمرو بن الحمق فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة وهو يقرأ المصحف في سورة البقرة فتقدّمهم محمد بن أبي بكر فأخذ بلحية عثمان فقال قد أخزاك الله يا نَعثَلُ فقال عثمان لست بنعثل ولكني عبد الله وأمير المؤمنين قال محمد ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان وفلان فقال عثمان يا ابن أخي دع عنك لحيتي فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه\nفقال محمد لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك وما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك قال عثمان أستنصر الله عليك وأستعين به ثم طعن جبينه بمشقص في يده ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل أذن عثمان فضت حتى دخلت في حلقه ثم علاه بالسيف حتى قتله فقال عبد الرحمن سمعت أبا عون يقول ضرب كنانة بن بشر جبينه ومقدَّم رأسه بعمود حديد فخرّ لجبينه فضربه سودان بن حمران المرادي بعدما خرّ لجبينه فقتله. قال محمد بن عمر حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال الذي قتله كنانة بن بشر بن عتاب التُّجيبي وكانت امرأة منظور بن سيَّار الفزاري تقول خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل حتى إذا كنا بالعرج سمعنا رجلًا يتغنّى تحت الليل:\nألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيلُ التَّجيبي الذي جاء من مِصْر\nقال وأما عمر بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمَقَ فطعنه تسع طعنات قال عمرو فأما ثلاث منهن فإني طعنتهن إياه","vol":"1","page":104},{"text":"لله وأما ستّ فإني طعنتهن إياه لما كان في صدري عليه\" (١) \".\nفهذه هي القصة، اختصرناها من تاريخ الطبري ومروج الذهب للمسعودي الشيعي بدون تغيير لفظ وتحريفه. وهكذا فاز السبئيون في تفريق كلمة المسلمين وإيقاع الخلاف والشقاق بينهم الذي لا ينتهي إلى يوم القيامة كما تنبأ عن ذلك عثمان ﵁ مخاطبًا الأشتر وغيره:\nفوالله إن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدًا ولا تصلون جميعًا بعدي أبدًا ولا تقاتلون بعدي جميعًا أبدًا\" (٢) \".\nفهذا هو الذي حصل. ولقد أطلنا النقل في هذا الخصوص لما أن له علاقة مباشرة بهذا الموضوع وهي المطاعن التي استغلها السبئيون لقلب نظام الحكم. فهي كما تلي، بلسان أحد أخلافهم. فيقول ابن المطهّر الحلي:\nوأما عثمان فإنه ولَّى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية، حتى ظهر من بعضهم الفسوق ومن بعضهم الخيانة، وقسم الولايات بين أقاربه، وعوتب على ذلك مرارًا فلم يرجع. واستعمل الوليد بن عقبة حتى ظهر منه شرب الخمر وصلَّى بالناس وهو سكران، واستعمل سعيد بن العاص على الكوفة، فظهر منه ما أدى إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها. وولَّى عبد الله بن أبي سرح مصر حتى تظلَّم منه أهلها، وكاتبه أن يستمر على ولايته سرًّا، خلاف ما كتب إليه جهرًا، وأمره بقتل محمد بن أبي بكر. وولَّى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما أحدث. وولى عبد الله بن عامر العراق، ففعل من المناكير ما فعل. وولى مروان أمره، وألقى إليه مقاليد أموره، ودفع إليه\nخاتمه، فحدث من ذلك قتل عثمان، وحدث الفتنة بين الأمة ما حدث. وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص١٣١ - ١٣٢\n(٢) - تاريخ الطبري: ج٥ ص١١٨","vol":"1","page":105},{"text":"بيت مال المسلمين، حتى إنه دفع إلى أربعة نفر من قريش زوَّجهم بناته أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ألف ألف دينار. وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره، ولما حكم ضربه حتى مات. وضرب عمًّارًا حتى صار [به] فتق، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: عمار جلدة بين عيني، تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة؛ وكان عمار يطعن عليه.\nوطرد رسول الله صلى الله عليه وآله الحكم بن أبي العاص عم عثمان عن المدينة، ومعه مروان، فلم يزل طريدًا هو وابنه في زمن النبي صلى الله عليه وآله. وأبي بكر وعمر، فلما ولي عثمان آواه ورده إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه، وصاحب تدبيره؛ مع أن الله تعالى قال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة: ٢٢] الآية.\nونفى أبا ذرّ إلى ربذة، وضربه ضربًا وجيعًا، مع أن النبي صلى الله عليه وآله قال في حقه: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، وقال صلى الله عليه وآله: إن الله أوحى إليّ أنه يحب أربعة من أصحابي، وأمرني بهم، قيل له: من هم يا رسول الله؟ قال: علي ﵇ سيدهم، وسلمان، ومقداد، وأبو ذر.\nوضيَّع حدود الله فلم يحد عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين ﵇ بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين ﵇ يطلب عبيد الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية. وأراد أن يعطل حد الضرب في الوليد بن عقبة، حتى حدّه أمير المؤمنين ﵇ وقال: لا يبطل حد الله وأنا حاضر. وزاد الأذان يوم الجمعة وهو بدعة، وصار سنة الآن. وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل\" (١)\n_________\n(١) - منهاج الكرامة الملحق بمنهاج السنة ص٦٦ - ٦٧.","vol":"1","page":106},{"text":"\"فهذه هي تركة السبئيين تلقفها الشيعة منهم وتوارثها آباء آبائهم قبل، وهذه أحد الأدلة بأن شيعة اليوم لم يكوّنوا مذهبهم ولم يؤسسوا قواعده وأركانه إلا على الأسس التي وضعها السبئية، وليس لهم علاقة بالشيعة الأولى، شيعة عليّ وأولاده، لا من قريب ولا من بعيد وكما سنبينه قريبًا إن شاء الله في موضعه.\nفالإيرادات هذه التي اخترعها واختلق بعضها السبئيون ردّ عليها ذو النورين في حينها كما ذكرناه آنفًا من الطبري وغيره، ولم يكن لبعض منها وجود آنذاك، وقد تصدى للرد على جميع هذه الأكاذيب والأباطيل أعيان هذه الأمة وأسلافها، وأئمة السنة وأعلامها، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية حيث ذكر واحدًا واحدًا منها ثم ردّ عليها بالأصول الثابتة والبراهين الساطعة. وكذلك تلميذه الذهبي حيث لخص كتابه، والقاضي أبو بكر بن العربي وغيرهم من العلاء والمتكلمين والفقهاء. وفي شبه القارة الهندية الباكستانية انبرى لها الكثيرون وعلى رأسهم الحكيم الدهلوي وليّ الله\nصاحب (حجة الله البالغة) و(قرة العينين في تفضيل الشيخين) و(إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء) وابنه عبد العزيز الدهلوي الذي لخص كتابه الآلوسي الصغير وغيره الكثيرون الكثيرون، ولكن القوم تعوّدوا على الكذب والإصرار عليه، ويكثرون كيما ينطلي على السذج والمغفلين من الناس.\nولكن لأننا بدأنا في البحث عن السبئية وأفكارهم والفرق التي تفرعت من الشيعة وتاريخها وتبنيها أفكارهم دون أفكار الشيعة الأولى أردنا ذكر هذه المطاعن، وعلاوة على ذلك نبتغي من الرد عليها بأسلوبنا الخاص وذكرنا الاستشهادات من كتب القوم ابتغاء مرضاة الله للدفاع عن حمى الإسلام والذود عن أصحاب محمد ﷺ، الذين نحبهم لحب","vol":"1","page":107},{"text":"نبينا إياهم ولحبهم إياه، ونرجو الله القبول والتوفيق.\nفأول إيراد أوردوه على سيدنا عثمان ﵁ أنهم قالوا: إنه آثر القربى، وذكر أيضًا المؤرخ الشيعي المشهور اليعقوبي حيث قال:\n\"ونقم الناس على عثمان بعد ولايته بست سنين وتكلم فيه من تكلم وقالوا: آثر القربى\" (١) \".\nفلننظر ما حقيقة هذا الإيراد وهذا الطعن؟ هل حقيقة قسم الولاية بين أقاربه أم هذه من أكاذيب السبئية التي اخترعوها لتأليب الناس على عثمان، وتبنتها الشيعة وحتى اليوم لتأييد السبئيين في خروجهم وبغيهم وإظهارًا للولاء لهم والوفاء بهم. فها هو ذا المؤرخ الشيعي المشهور اليعقوبي بذكر عمال عثمان على الولايات، فيقول:\n\"وكان لعثمان على اليمن يعلى بن أمية التميمي، وعلى مكة عبد الله بن عمرو الحضرمي، وعلى همذان جرير بن عبد الله البجلي، وعلى الطائف القاسم بن ربيعة الثقفي، وعلى الكوفة أبو موسى الأشعري، وعلى البصرة عبد الله بن عامر الكريز، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وعلى الشام معاوية بن أبي سفيان بن حرب\" (٢) \".\nوقد ذكر الطبري وابن الأثير أسماء بقية العمال الذين كانوا على الولايات وعلى المناصب العليا فذكر الطبري وابن الأثير:\nوعلى حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنسرين حبيب ابن مسلمة، وعلى الأردن أبو الأعور السلمي، وعلى فلسطين علقمة بن حكم الكنعاني، وعلى البحر عبد الله بن قيس الفزاري، وعلى القضاء (الشام) أبو الدرداء، وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وعلى حربها القعقاع بن عمرو، وعلى قرقيسياء جرير بن عبد الله\n_________\n(١) - تاريخ اليعقوبي: ج٢ ص١٧٣ - ١٧٤\n(٢) - تاريخ اليعقوبي: ج٢ ص١٧٦.","vol":"1","page":108},{"text":"البجلي، وعلى آذربيجان الأشعث بن قيس الكندي، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى الري سعيد بن قيس، وعلى أصبهان\nالسائب بن الأقرع، وعلى ما سبذان حبيش، وعلى بيت المال عقبة بن عامر، وعلى القضاء زيد بن ثابت\" (١) \".\nونائبه في الحج سنة كان عبد الرحمن بن عوف، وفي السنة الأخيرة كان عبد الله بن عباس كما ذكر اليعقوبي في تاريخه\" (٢) \".\nومثل هذا ذكر كل من ابن سعد في طبقاته وابن كثير وابن الأثير في تاريخهما وابن عبد البر في الاستيعاب وغيرهم في غيرها.\nويظهر من هذا الفهرست بداهة ولأول وهلة كذب السبئيين المعلنين لسبئيتهم والمفتخرين بها وكذب المتخلفين والوارثين في أفكارهم ومطاعنهم والمتسترين المتخفين تحت اسم التشيع خوفًا من افتضاح ما هو مفضوح.\nفهذه هي الولايات وهؤلاء هم العمال، وهذه هي المناصب وهؤلاء هم الحائزون عليها بثبت التاريخ وبشهادة القوم أنفسهم.\nفالمناصب العليا في الدولة كانت هي:\nأولًا: القضاء، ولم يكن يتولاها أحد من أقاربه، بل كان يتولاها زيد بن ثابت الأنصاري ﵁.\nثانيًا: وبيت المال كان عليه عقبة بن عامر.\nثالثًا: وعلى إمارة الحج عبد الله بن عباس.\nرابعًا: وعلى الخراج جابر بن فلان المزني وسماك الأنصاري.\nخامسًا: وعلى الحرب القعقاع بن عمرو.\n_________\n(١) - تاريخ الطبري: ج٥ ص١٤٨ - ١٤٩، ابن الأثير ج٣ ص٩٥، وورد بعض هذه الأسماء في البداية والنهاية ص٣٢٢\n(٢) - ج٢ ص١٧٦","vol":"1","page":109},{"text":"سادسًا: وقد ذكر بعض المؤرخين أن رئيس الشرطة في أيامه عبد الله بن قنفذ من بني تيم\" (١) \".\nفهذه هي المناصب الستة العليا في الدولة لم يكن واحد منها من بني أمية أو أقارب عثمان ﵁ وعن باقي الصحابة أجمعين.\nسابعًا: وأما عمال الولايات وولاتها فلم يكن مع كثرتهم إلا الثلاثة من بني أمية، وواحد من هؤلاء الثلاثة لم يولّه عثمان على ولايته، بل كان قد ولّى من قبل أبي بكر\nثم أثبته على تلك الولاية عمر مع كثرة عزله العمال والولاة ألا وهو معاوية بن أبي سفيان ﵄ كما ذكر مؤرخ شيعي معاوية من عمال عمر\" (٢) \".\nولم يكن أبو بكر ولاّه على تلك الولاية إلا نائبًا لأخيه يزيد بن أبي سفيان ﵄ رسول الله ﷺ على تيماء \" (٣) \"كما استعمل أباهم، أبا سفيان ﵁ على نجران \" (٤) \".\nولم يبق إلا الاثنان: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن عامر بن كريز.\nوالجدير بالذكر أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيضًا ليس من بني أمية، بل هو من بني عامر ولكن المرضعة التي أرضعت عثمان ﵁ كان أم عبد الله هذا، فهذه حقيقة القرابة كلها.\nثم فهل كان تولية عبد الله بن عامر بن كريز وأضف إليه عبد الله بن سعد من بين العمال الكثيرين فيها مأخذًا ومطعنًا في سيدنا عثمان بن عفان ﵁؟.\n_________\n(١) - تاريخ خليفة ابن خياط: ج١ ص١٥٧\n(٢) - انظر تاريخ اليعقوبي: ج٢ ص١٦١\n(٣) - تاريخ الطبري: ج٤ ص١٣٠، البداية ج٧ ص٢٤].\n(٤) - تاريخ خليفة ابن خياط تحت عنوان عمال رسول الله: ج١ ص٦٢، نسب قريش لمصعب الزبيري، كتاب المحبر لأبي جعفر البغدادي: ص١٢٦ تحت عنوان أمراء رسول الله","vol":"1","page":110},{"text":"فهل من المحرّم شرعًا أن يولى الخليفة والأمير أحدًا من أقاربه يستأهله فقط لأنه من أقاربه أو قبيلته وعشيرته. فهل ورد بذلك الكتاب أم السنة، وهل صرح بذلك أحد من الصحابة وأهل البيت وحتى عليّ وأولاده؟.\nوهل هذا من المطاعن؟.\nفإن كان هذا طعنًا فوقوعه في عليّ بن أبي طالب ﵁ - أحق وأولى حيث ولّى أيام خلافته فثم بن عباس على مكة وعبد الله بن عباس على اليمن \" (١) \"وولّى عبد الله بن عباس على البصرة وولّى ربيبه محمد بن أبي بكر على مصر\" (٢) \".\nوولّى صهره وابن أخته جعد بن الهبيرة على خراسان، كما كان على عساكره محمد بن الحنفية\" (٣) \"\nوقد ناب عنه في الحج سنة ٣٦هـ عبد الله بن عباس، وسنة ٣٧هـ فثم بن العباس، وسنة ٣٨هـ عبيد الله بن العباس \" (٤) \".\nثم من أين لقوم أن يعترضوا على عثمان لتوليته أقاربه وهو لم يولّ كما أثبتناه - وهم لم يجعلوا عليًّا ﵁ وصى رسول الله إلا لقرابته منه، ولم يجعلوا الإمامة في أولاده إلا لأنهم من أولاده.\nوعار عليك إذا فعلت عظيم\nثم ولولا أن يطول بنا الحديث لأثبتنا أن عمل عثمان ﵁ كان أقرب لسنة رسول الله ﷺ ممن جاء بعده، ولم يعترض على عمله\n_________\n(١) - تاريخ اليعقوبي الشيعي: ج٢ ص١٧٩\n(٢) - مروج الذهب.\n(٣) - انظر لذلك مروج الذهب للمسعودي الشيعي ج٢ ص٣٥١، ومنهاج السنة لابن تيمية والعواصم من القواصم\n(٤) - تاريخ اليعقوبي: ص٢١٣","vol":"1","page":111},{"text":"وعماله أحد من أصحاب رسول الله ولا عليّ والهاشميون الآخرون غيره، ولا أهل الأمصار والولايات الذين أمّر عيهم هؤلاء العمال كما هو ثابت في التاريخ.\nفهذا كل ما يدندن حوله القوم من السبئيين إلى شيعة عصرنا الحاضر. وهذه هي الحقيقة وهذه هي الحقائق، وهذه هي التهمة الكبيرة والمطعن الأكبر الذي استعمله السبئيون قديمًا، ويستعمله الشيعة حديثًا.\nوأخيرًا ننقل هاهنا ما ذكره الذهبي في (المنتقى) جوابًا على هؤلاء:\nإنّ نوّاب عليٍّ قد خانوه وعصوه أكثر مما خان عمال عثمان له وعصوه وذهب بعضهم إلى معاوية. وقد ولَّى علي ﵁ زياد بن أبي سفيان أبا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين وولَّى الأشتر، وولى محمد بن أبي بكر، ومعاويةُ خيرٌ من هؤلاء كلهم. ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان ما يدعون أن عليًّا كان أبلغ فيه من عثمان، فيقولون إن عثمان ولى أقاربه من بني أمية وعليّ ولَّى أقاربه من قبل أبيه وأمه كعبد الله وعبيد الله ابني عمه العباس وقُثَم بن العباس وثُمامة ابن العباس. وولى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي رباه في حجره وولد أخته أم هانئ ثم إن الإمامية تدَّعي أن عليًّا نص على أولاده في الخلافة ... ومن المعلوم أنه إن كان تولية الأولاد أقرب إلى الإنكار من تولية بني العم ... وإذا ادُّعي لعلي العصمة ونحوها مما يقطع عنه ألسنة الطاعنين كان ما يُدَّعى لعثمان من الاجتهاد الذي يقطع ألسنة الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول. وأما عثمان فله أسوة في استعمال بني أمية بالنبي ﷺ فقد استعمل عتّابَ بن أسيد الأموي على مكة، وأبا سفيان","vol":"1","page":112},{"text":"على نجران، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص، حتى إنه استعمل الوليد بن عقبة ...\nفيقول عثمان: \"أنا لم أستعمل إلا من استعمله النبي ﷺ ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، فقد ولّى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان بن حرب في فتوح الشام، وأقرَّه عمر، ثم ولّى عمى بعده، أخاه معاوية. وهذا النقل عن النبي ﷺ في استعمال هؤلاء ثابت مشهور عنه، بل متواتر عند أهل العلم، فكان الاحتجاج على جواز الاستعمال من بني أمية بالنص الثابت عن النبي ﷺ أظهرَ عند كل عاقل من عوى كون الخلافة في واحد معين من بني هاشم بالنص، لأن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالنقل، وذاك صدق\nباتفاق أهل العلم بالنقل. وأما بنو هاشم فلم يستعمل النبي ﷺ منهم إلا عليًّا على اليمن وجعفر على غزوة مؤتة مع مولاه زيد وابن رواحة\" (١) \".\nوأما توليته الوليد بن عقبة على الكوفة فليس فيه شيء، لأن الوليد كان من أعيان قريش:\nوكان من رجال قريش ظرفًا وحلمًا وشجاعة وأدبًا، وكان شاعرًا شريفًا \" (٢) \"ثم رسول الله ﷺ نفسه أمّره على صدقات بني المصطلق:\nأسلم يوم الفتح وبعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق\" (٣) \".\nوأما سعيد بن العاص فنثبت هاهنا ما ذكره الخطيب محب الدين على هامش (المنتقى من منهاج السنة):\n_________\n(١) - المنتقى للذهبي: ص٣٨٢ - ٣٨٣\n(٢) - تهذيب التهذيب: ج١١ ص١٤٣.\n(٣) - تهذيب التهذيب: ج١١ ص١٤٢، وكتاب المحبر: ص١٢٦","vol":"1","page":113},{"text":"\"كان<span data-type=\"title\" id=toc-60> سعيد بن العاص </span>في الذروة العليا من فصحاء قريش، وندبه عثمان عند كتابة القرآن فأقيمت عربية القرآن على لسانه، لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله ﷺ وبلغ من صدق إيمانه أن قال له عمر يومًا أنا لم أقتل أباك، وإنما قتلت خالي العاص بن هشام فقال له سعيد: ولو قتلته لكنتَ على الحق وكان على الباطل. وسعيد بن العاص هو فاتح طبرستان وغزا جرجان وكان في عسكره حذيفة وغيره من كبار الصحابة. وحسبه شرفًا ما رواه عبد الله بن عمر بن الخطاب أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ببردة فقال: إني نذرت أن أعطي هذه البردة لأكرم العرب، فقال لها ﷺ: أعطيها لهذا الغلام. وهو واقف. \" (١) \" فإن لم تكن إقامة القرآن على لسان سعيد بن العاص مفخرة عند الرافضة فشهادة النبي ﷺ له بأنه أكرم العرب من أعظم مفاخر الدنيا والدين، إلا أن له عيبًا وهو أنه أحد الذين أخرجوا إيران من المجوسية إلى الإسلام بتسجيل التاريخ له أنه فاتح طبرستان وقائد كبار الصحابة في غزو جرجان. وأحاديثه في صحيح مسلم وسنن النسائي وجامع الترمذي. ولكن الرافضة لا تعبأ بصحيح مسلم ولا بجميع دواوين السنة المحمدية مادامت مكتفية بأكاذيب كتابهم الذي يسمونه الكافي. ومن مفاخر سعيد بن العاص التي يموت الرافضة بسببها كمدًا وحنقًا ما أخرجه الطبراني من طريق محمد بن قانع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ عاد سعيد بن العاص، فرأيته يكمده بخرقة. وأراد بعضهم أن يصرف هذه المنقبة إلى جد سعيد بن العاص - وهو أيضًا يسمى سعيد بن العاص - لكن ذلك لا يمكن أن يكون إلا في مكة قبل الهجرة وجد\nسعيد بن العاص مشرك، فإن صحّ أن\n_________\n(١) - وكان هذا الغلام هو سعيد بن العاص المجاهد الفاتح الذي يعير الرافضي أمير المؤمنين عثمان بأنه ولاه الكوفة","vol":"1","page":114},{"text":"النبي ﷺ فعل ذلك بجد سعيد بن العاص الأموي وهو مشرك فيكون ذلك من باب المودة في القربى لأنهما من بني عبد المناف، وسبُّ الرافضة للأمويين من بني عبد المناف في جاهليتهم وإسلامهم ينافي ما كان يحتج إليه النبي ﷺ من أسباب المودة في القربى التي تقدم الكلام عليها لمناسبة ما كان النبي ﷺ يبادل به أبا سفيان في الجاهلية من أسباب هذه المودة العائلية. وعلى ذكر حديث البردة التي نذرت إحدى الصحابيات أن تعطيها لأكرم العرب فأمرها النبي ﷺ أن تعطيها لسعيد بن العاص وكان غلامًا بعد، فإن هذا الحديث من أعلام النبوة، وقد اكتشف النبي ﷺ بنور الوحي الإلهي أن سعيدًا سيكون أكرم العرب، روى ابن أبي خيثمة من طريق يحيى بن سعيد قال: قدم محمد بن عقيل بن أبي طالب على أبيه فقال له: من أشرف الناس؟ قال: أنا وابن أمي، وحسبك بسعيد بن العاص وقال معاوية: كريم قريش سعيد بن العاص. وكان مشهورًا بالكرم والبر، حتى كان إذا سأله السائل وليس عنده ما يعطيه كتب له بما يريد أن يعطيه مسطورًا، فلما مات كان عليه ثمانون ألف دينار فوفاها عنه ولده عمرو الأشدق .... وهذا هو الأموي الذي يعير الرافضيُّ أمير المؤمنين عثمان بأنه ولاه الكوفة، مات سعيد بن العاص في قصره بالعقيق سنة ٥٣\" (١) \"ونضيف إلى ذلك أنه كان يهدي عليًّا ﵁ وكان يقبل منه كما ذكره ابن سعد في طبقاته:\nإن سعيد بن العاص قدم المدينة وافدًا إلى عثمان، فبعث إلى وجوه المهاجرين والأنصار بصلات، وإلى علي بن أبي طالب فقبل منه\" (٢)\n_________\n(١) - المنتقى من منهاج السنة للذهبي: ص٣٧٥ - ٣٧٦ الهامش\n(٢) - طبقات ابن سعد: ج٥ ص٢١","vol":"1","page":115},{"text":"\"فإن كان كما يذكره السبئيون والشيعة فكيف يقبل منه صلات وهدايا؟. وأكثر من ذلك أن سعيد بن أبي العاص هذا:\n\"خطب أم كلثوم بنت علي من فاطمة التي كانت زوجة عمر بن الخطاب فأجابت إلى ذلك\" (١) \".\nفارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير.\nفانظر إلى شهامة عمال عثمان وكرم البيت الأموي كما يذكره الذهبي وغيره:\n\"خطب سعيد بن العاص أم كلثوم بنت علي بعد عمر، وبعث لها بمائة ألف، فدخل عليها أخوها الحسين وقال: لا تزوجيه، فقال الحسن: أنا أزوّجه واتعدوا لذلك، فحضروا فقال سعيد: وأين أبو عبد الله؟ فقال الحسن: سأكفيك، قال: فلعل أبا عبد الله\nكره هذا، قال: نعم، قال: لا أدخل في شيء يكرهه ورجع ولم يأخذ من المال شيئًا\" (٢) \".\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-63> عبد الله بن عامر عامل عثمان على العراق </span>فيكفيه شرفًا أنه:\nأتى به النبي ﷺ وهو صغير، فقال: يشبهنا وجعل يتفل عليه ويعوذه، وجعل عبد الله يبتلع ريق رسول الله ﷺ إنه المستقى، فكان لا يعالج أرضًا إلا ظهر له الماء ... فكان كما قال رسول الله ﷺ \" (٣) \"\nوزاد ابن سعد أن رسول الله ﷺ قال:\n\"هذا ابننا وهو أشبهكم بنا\" (٤) \"\nلأن جدته كانت عمة رسول الله ﷺ وهي أم حكيم بنت عبد المطلب\n_________\n(١) - البداية والنهاية: ج٨ ص٨٦\n(٢) - سير أعلام النبلاء: ج٣ ص١٩٥\n(٣) - الاستيعاب ج٣ ص١٥١، الإصابة ج٣ ص١٦٠، أسد الغابة: ج٣ ص١٩١.\n(٤) - طبقات ابن سعد: ج٥ ص٣١].","vol":"1","page":116},{"text":"بن هاشم \" (١) \"\nوكان سخيًّا شجاعًا، وصولًا لقرابته ولقومه، محببًا فيهم، رحيمًا \" (٢) \".\nوولاه بلاد فارس وكان عمره خمسًا وعشرين سنة، فافتتح خراسان كلها وأطراف فارس وسجستان وكرمان وزابلستان \" (٣) \"\nكما أرسل العساكر إلى كل من قومس ونسّا وابرشهر وجام وطوس واسفرائين وسرخس ومرو وبوشنج وزرنج\" (٤) \"وهو الذي قتل كسرى في ولايته \" (٥) \".\nوأرسل العساكر إلى الكاريان والفيشجان وناشب وبهراة وبيهق وطخارستان وجوزجان والفاريان والطالقان وبلخ وخوارزم وبادغيس وأصبهان وحلوان \" (٦) \".\nوافتتحت هذه البلدان كلها تحت إشرافه وبأيدي عساكره \" (٧) \"وهو أول من اتخذ الحياض بعرفة، وأجرى إليه العين وسقى الناس الماء، فذاك جار إلى اليوم \" (٨) \"\nوعلى ذلك قال شيخ الإسلام:\n\"إن عبد الله بن عامر له من الحسنات والمحبة في قلوب الناس ما لا ينكر\" (٩) \"\n_________\n(١) - انظر كتاب مصعب ابن الزبير: ص١٤٨ - ١٤٩.\n(٢) - طبقات ابن سعد ج٥ ص٣٢، الاستيعاب لابن عبد البر: ج٢ ص٣٥٢، كتاب نسب قريش ص١٤٩\n(٣) - أسد الغابة: ج٣ ص١١٩، طبقات ابن سعد: ج٥ ص٣٣.\n(٤) - كتاب البلدان لليعقوبي الشيعي: ص٤٠ وما بعد.\n(٥) - الاستيعاب لابن عبد البر: ج٢ ص٥٢\n(٦) - تاريخ خليفة ابن خياط: ج١ ص١٤٠، ١٥٨.\n(٧) - تاريخ خليفة ابن خياط: ج١ ص١٤٠، ١٥٨.\n(٨) - طبقات ابن سعد: ج٥ ص٣٤، أسد الغابة: ج٣ ص١٩١، البداية: ج٨ ص٨٨.\n(٩) - منهاج السنة لابن تيمية: ج٣ ص١٨٩ - ١٩٠.","vol":"1","page":117},{"text":"وأنى للشيعة من أولهم إلى أخرهم أن يكون لهم وال مثله في الجهاد والغزوات وفي الفتوحات وتقديم الهبات والصلات والبر بالناس وعمل الخيرات.\nوأما مروان الذي طالما كثر الكلام حوله فتفصل فيه القول بعض التفصيل لأنه هو كان محور المطاعن ومركز التجريح، ولا زال من قبل السبئية ومن فرق الشيعة كلها.\nفإن أكثر ما روي عنه من المطاعن والتهم من قبيل شتمه وسبابه لعليّ، وأخذه خمس أفريقيا، ونفى والده وطرده هو معه، وكتابته الكتاب المزعوم لقتل محمد بن أبي بكر وغيرها من الروايات لم ترو إلا من طريق الواقدي ومحمد بن السائب الكلبي وابنه هشام أو أبي مخنف لوط بن يحيى، وقد ذكرنا أحوال جميع هؤلاء الرواة بأنهم من بقايا السبئيين ومن الشيعة مع الانقطاع في رواياتهم ومروياتهم لأنهم يروون ممن لم يسمعوا عنه ولم يلتقوا به، وعلى ذلك لا يلتفت إلى ما ورد بطرقهم وتفردوا بنقلها مثل الطبري وابن سعد فإنهم لم يروا إلا من الواقدي. وأما البلاذري في (أنساب الأشراف) فلم يروا إلا من هشام الكلبي وابن مخنف. وأما البقية من المؤرخين فلم يأخذوا إلا من هؤلاء. ولأجل ذلك قال القاضي أبو بكر بن العربي وابن حجر الهيتمي وابن تيمية والذهبي وغيرهم:\n\nإن أكثر الأخبار في ذلك مختلقة ولم يصح منه شيء \" (١) \"وبذلك صرح علماء الحديث تحت ذكر الروايات الموضوعة أن أكثر ما ورد في هذه الروايات من ذم معاوية وعمرو بن العاص وبني أمية وكذلك من ذم الوليد و<span data-type=\"title\" id=toc-64>مروان بن الحكم </span>فهي موضوعة مكذوبة اختلقها الكذابون الدجالون من الشيعة الذين جعلوا دينهم الكذب، وجعلوا\n_________\n(١) - انظر العواصم من القواصم ص١٠٠، الصواعق المحرقة ص٦٨، منهاج السنة: ج٣ ص١٩٦، المنتقى: ص٣٩٥، التحفة الاثنا عشرية: ص٣١١. ط. الهند.","vol":"1","page":118},{"text":"الكذب من أقدس المقدسات عندهم \" (١) \".\nكما صرح بذلك الملا علي القاري في كتابه (الموضوعات) \" (٢) \" وانظر أيضًا الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة \" (٣) \" والمنار المنيف في الصحيح والسقيم لابن القيم وغيرهم.\nهذا قسم من المطاعن. وأما القسم الآخر فردّ عليه المؤرخون أنفسهم، كما ردّوا على الكتب المزوّرة التي نسبت إلى مروان بأنه هو الذي كتبها وختم عليها عثمان لأن الختم كان عنده فقالوا إن هذا كب على الصحابة:\n\"إنما كتبت مزورة عليهم كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير كتبًا مزوّرة عليهم\" (٤) \".\nوذكر ابن خلدون:\nفانصرفوا قليلًا ثم رجعوا وقد لبسوا بكتاب مدلس يزعمون أنهم لقوه في يد حامله إلى عامل مصر بأن يقتلهم، وحلف عثمان على ذلك، فقالوا مكنّا من مروان فإنه كاتبك فحلف مروان فقال: ليس في الحكم أكثر من هذا\" (٥) \"\nوقبل ذلك قد أعلن باختلاق هذه الكتب علي بن أبي طالب ﵁ دراية وفراسة منه كما نقلنا كلامه في بداية الأمر بأنه قال:\n\"كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا، هذا والله أمر أبرم بالمدينة، قالوا: فضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا\" (٦) \".\n_________\n(١) - انظر لذلك كتابنا (الشيعة والسنة).\n(٢) - ص ١٠٦.\n(٣) - ص٣٧٧. ط. بيروت\n(٤) - البداية والنهاية: ج٧ ص١٧٥.\n(٥) - مقدمة ابن خلدون الفصل الثلاثون في ولاية العهد: ص٢١٥.\n(٦) - الطبري: ج٥ ص١٠٥","vol":"1","page":119},{"text":"هذا من ناحية الرواية. وأما دراية فهل يعقل أن شخصًا كهذا يكون كاتبًا لسيدنا عثمان بن عفان ﵁ ولا يعترض عليه أحد من كبار الصحابة بما فيهم علي بن أبي طالب حامل راية رسول الله يوم خيبر، وسعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة وفاتح إيران، والزبير ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه، وطلحة الذي وقى رسول الله ﷺ من سهام مشركي مكة وصار له كالترس، وغيرهم من أعيان الصحابة وأكابرهم؟ ولا يصدر هذا الكلام الذي يخترعونه ويختلقونه من أعيان الصحابة وأكابرهم.\nثم وهل يمكن أن يشفع له الحسن والحسين ﵄ إلى أبيهما أن يطلق سراحه يوم كان أسيرًا عنده؟ كما ذكره الشيعة أنفسهم، قالوا:\n\"أخذ مروان بن الحكم أسيرًا فاستشفع له الحسن والحسين ﵉ إلى أمير المؤمنين عيه السلام فكلم فيه فخلّى سبيله\" (١) \"\nوهؤلاء الثلاثة أي علي وابناه الحسن والحسين معصومون عند الشيعة حسب زعمهم، وعند السبئيين كان عليّ هو هو - أي الله - فالإله يقبل الشفاعة ويطلق السراح لشخص يكون متصفًا بتلك الأوصاف التي وصفه بها القوم كذبًا ومينًا؟.\nوأكثر من ذلك. نعم أكثر من ذلك قد ذكر كبير القوم المجلسي حديثًا في كتابه عن موسى بن جعفر عن جعفر أنه قال:\n\"كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان بن الحكم فقالوا: لأحدهما (أي لموسى أو جعفر): ما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى\n_________\n(١) - نهج البلاغة: ص١٢٣ في خطبة له ﵇ علم فيه الصلاة على النبي.","vol":"1","page":120},{"text":"البيت؟ فقال: والله لا، ما كان يزيد على صلاة\" (١) \".\nومثل ذلك ذكره ابن كثير في تاريخه\" (٢) \".\nكما ذكر الإمام البخاري في تاريخه عن شرحبيل بن سعد قال:\n\"رأيت الحسن والحسين يصليان خلف مروان\" (٣) \".\nهل بعد هذا شك لشاك بأن هذه التهم كانت كلها باطلة ومختلقة، لا صحة لها على الإطلاق، ولو كان فيها شيء من الصحة لما كانت معاملة علي وأهل بيته له مثل ما ذكر في كتب الشيعة أنفسهم.\nهذا ولقد ذكر المؤرخون كثيرًا من الوقائع التي تنبئ وتثبت صراحة عكس ما ذكره السبئيون وما يعيده الشيعة في مختلف الأدوار. ومنها ما ذكروه أن علي بن الحسين الملقب بزين العابدين - وهو الإمام المعصوم الرابع عند القوم - استقرض من مروان ستة آلاف دينار ومائة ألف درهم، فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع من علي بن الحسين شيئًا مما كان أقرضه \" (٤) \".\nثم إن ابنة علي ﵁ ألا وهي رملة زوّجت من ابن مروان هذا، كما ذكر هذا الزواج عديد من النسابين:\n\"كان رملة بنت علي عند أبي الهياج - الهاشمي - واسمه عبد الله بن سفيان بن أبي الحارث بن عبد المطلب ولدت له وقد انقرض ولد سفيان بن الحارث، ثم خلف عليها معاوية بن مروان بن الحكم\" (٥) \".\nوكذلك زينب بنت الحسن المثنى كانت متزوجة من حفيد مروان وليد بن عبد الملك، وكانت زينب هذه نجيبة الطرفين حيث أنها حسنية\n_________\n(١) - بحار الأنوار لمجلسي: ج١٠ ص١٣٩\n(٢) - ج٨ ص٢٥٨\n(٣) - التاريخ الصغير للبخاري\n(٤) - البداية والنهاية: ج٨ ص٢٤٩ وج٩ ص١٠٥.\n(٥) - نسب قريش لمصعب الزبيري تحت ذكر أولاد علي بن أبي طالب: ص٤٥، جمهرة أنساب العرب لابن حزم تحت ذكر ولد مروان: ص٨٧.","vol":"1","page":121},{"text":"من قبل أب وحسينية من قبل الأم، فإن أمها كانت فاطمة بنت الحسين بن علي.\nولقد ذكر هذا الزواج أيضًا عديد من أصحاب الأنساب:\n\"وكانت زينب بنت الحسن بن الحسن بن علي عند الوليد بن عبد الملك بن مروان وهو خليفة\" (١) \".\nوكذلك تزوج الوليد بن عبد الملك هاشمية علوية أخرى نجيبة الطرفين. ألا وهي نفيسة بنت زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب سبط الرسول، وأم نفيسة كانت لبابة بنت عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. وقد ذكر هذا الزواج نسابة شيعي مشهور كما ذكرنا من قبل:\n\"وكان لزيد ابنة أمها نفيسة خرجت إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان، فولدت منه\" (٢) \".\nوهناك مصاهرات أخرى ذكرها أصحاب الأنساب.\nفهذه هي شهادات التاريخ وشهادات الشيعة أنفسهم بأن الفاطميات والعلويات تزوجن من أبناء مروان وأحفاده، فإن كان مروان كما يصفه الواصفون، وكما يكذب عليه الكذابون فكيف كان هذا؟ وما الجواب عنه؟.\nوالجواب يعلمه المنصفون لأول وهلة أنه لم يكن هناك شيء إلا ما اختلقه السبئيون أبناء اليهود ومن سلك مسلكهم، وإلا فهل يعقل من أولاد عليّ ﵁ بأنهم يزوّجون بناتهم من أبناء مروان وأحفاده إن كان مروان كما قيل عنه وكما يقال؟.\nوأما اتهام السبئيين ومن خلفهم بأن عثمان كان يؤثر أهله بالأموال\n_________\n(١) - نسب قريش تحت أولاد الحسن المثنى: ص٥٢، جمهرة أنساب العرب: ص١٠٨\n(٢) - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب بجمال الدين بن عنبة الشيعي: ص٧٠ تحت أولاد زيد بن الحسن، طبقات ابن سعد: ج٥ ص٣٤","vol":"1","page":122},{"text":"الكثيرة من بيت المال فلا يثبت في ذلك شيء لأن عثمان ردّ على السبئيين يوم ذاك كما نقلنا مقدمًا أنه قال:\n\"وأما إعطاءهم فإني أعطيهم من مالي ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الثمينة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله ﷺ أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي وفني عمري وودعت الذي لي في أهلي\" (١) \".\nوقد أقر المخالفون لعثمان حينما قال لهم:\n\"وإني قد ولّيت وإني أكثر العرب شاة وبعيرًا ومالًا، فمالي اليوم شاة ولا بعير غير البعيرين لحجي، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم\" (٢) \".\nثم كل ما ورد بعد هذا ليس إلا من اختلاق السبئية الذين تعودوا على تكرار الكذب والإصرار عليه ليورثوا الضغائن والأحقاد ضد رحماء رسول الله وأصهاره وضد رفاق رسول الله وتلامذته وأحبائه.\nوالجدير بالذكر أن رواة هذه الأشياء هم نفس الرواة الذين ينقلون الأكاذيب في أصحاب رسول الله ﷺ يفخمونها ويكبرونها، بل ويختلقونها ويخترعونها من الواقدي الرافضي، ولوط بن يحيى أبي مخنف الشيعي، لا عن واحد من الثقات ومن رواة السنة، ولقد قدمنا الكلام في هؤلاء في بداية البحث، فلا التفات إلى رواياتهم الكاذبة الموضوعة ولا اعتبار بها.\nفلم يأت عثمان بمنكر. لا في أول الأمر ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكر، وكل ما سمعت من خبر باطل إياك أن تلتفت إليه.\nومثل ذلك قال أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري عن الحسن بن علي أنه قال:\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص١٠٣\n(٢) - أيضًا، ومثل ذلك في البداية والنهاية لابن كثير: ص١٦٩.","vol":"1","page":123},{"text":"\"عمل أمير المؤمنين عثمان ثنتي عشرة سنة لا ينكرون من إمارته شيئًا حتى جاء فسقة فداهن والله في أمره أهل المدينة\" (١) \".\nوبذلك شهد محمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر أنه لم يكن هناك شيء، بل كان ما كان هو مؤامرة دبّرها عبد الله بن سبأ بمؤامرة خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر وغيرهم \" (٢) \".\nوجمعوا حولهم قومًا لأحقاد اعتقدوها ممن طلب أمرًا فلم يصل إليه، وحسد حساد أظهر داؤها، وحمله على ذلك قلة دين وضعف يقين، وإيثار العاجلة على الآجلة \" (٣) \".\n\"والجدير بالذكر أن سودان بن حمران وخالد بن ملجم كانا من الذين نظر إليهم عمر بن الخطاب في إمرته فأعرض عنهم ثم أعرض ثم عرض حتى قيل: مالك ولهؤلاء؟ فقال: إني عنهم لمتردد، وما مرّ بي قوم من العرب أكره إلي منهم\" (٤) \".\nوأما ضربه ابن مسعود وعمارًا ونفيه أبا ذر إلى الربذة فلم يثبت شيء منه، كلها أباطيل وأكاذيب، اللهم إلا أنه اختلف مع ابن مسعود على حمله الناس على مصحف واحد حيث إن ابن مسعود كان يعارضه، والأمة قاطبة وعلى رأسهم أصحاب رسول الله كانوا مع عثمان، ولا زال مصحفه هو متداولًا بين الناس. فلم ينقل عن الثقات أنه ضرب ابن مسعود حتى مات، ولم يذكره السبئيون فيما ذكروا من تهمهم على عثمان.\nوأما قضية عمار فقد كان كل ما فيه كما ذكره المؤرخون أنه كان بينه\n_________\n(١) - التاريخ الصغير للإمام البخاري: ص٣٢ تحت ذكر من مات في خلافة عثمان.\n(٢) - تاريخ الطبري: ج٥ ص٩٩، تاريخ ابن خلدون تحت ذكر بدء الانتفاض على عثمان ص١٣٨\n(٣) - العواصم من القواصم لابن العربي: ص١١١\n(٤) - انظر لذلك الطبري: ج٤ ص٨٦.","vol":"1","page":124},{"text":"وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب خلاف فأدبهما عثمان بالضرب ولم يكن بينهم شيء، ولأجل ذلك أرسل أمير المؤمنين عثمان عمارًا فيمن أرسل لاستخبار أحوال المسلمين واكتشاف أمورهم كما مرّ ذلك مقدمًا\" (١) \".\nنعم استغل السبئيون وجوده في مصر والتفوا حوله وأثاروا حفيظته ليستميلوه إليهم، فلما وصل المدينة عاتبه عثمان على ممالأته السبئيين وقال له:\n\"يا أبا اليقظان قذفت ابن أبي لهب قذفك ... وغضبت على أن أخذت لك بحقك وله بحقه، اللهم قد وهبت ما بيني وبين أمتي من مظلمة، اللهم إني متقرب إليك بإقامة حدودك في كل أحد ولا أبالي\" (٢) \".\nوأما أمر أبي ذر فنذكر لبيان الحقيقة عبارة من تاريخ ابن خلدون حيث يذكر مطعن السبئيين على سيدنا عثمان لقلب حكم المسلمين ويذكر حقيقة هذا الطعن بقوله:\nوكان مما أنكروه على عثمان إخراج أبي ذر من الشام ومن المدينة إلى الربذة وكان الذي دعا إلى ذلك شدّة الورع من أبي ذر وجعل الناس على شدائد الأمور والزهد في الدنيا وأنه لا ينبغي لأحد أن يكون عنده أكثر من قوت يومه ويأخذ بالظاهر في ذم الادخار بكنز الذهب والفضة وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ويعيب قوله المال مال الله ويوهم أنّ في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين حتى عتب أبو ذر معاوية فاستعتب له وقال سأقول مال المسلمين، وأتى ابن سبأ إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك فدفعوه وجاء به عبادة إلى معاوية وقال هذا الذي بعث عليك أبا ذر ولما كثر ذلك على معاوية شكاه إلى عثمان\n_________\n(١) - انظر تاريخ الطبري: ج٥ ص.\n(٢) - تاريخ دمشق لابن عساكر: ج٧ ص٤٢٩","vol":"1","page":125},{"text":"فاستقدمه وقال له ما لأهل الشام يشكون منك؟ فأخبره، فقال يا أبا ذر لا يمكن حمل الناس على الزهد وإنما عليّ أن أقضي بينهم بحكم الله وأرغبهم في الاقتصاد، فقال أبو ذر لا نرضى من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا للجيران والإخوان ويصلوا القرابة، فقال له كعب الأحبار من أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه فضربه أبو ذر فشجه، وقال يا ابن اليهودية ما أنت وهذا! فاستوهب عثمان من كعب شجته فوهبه، ثم استأذن أبو ذر عثمان في الخروج من المدينة وقال إنّ رسول الله ﷺ أمرني\nبالخروج منها إذا بلغ البناء سلعًا، فأذن له ونزل بالربذة وبنى بها مسجدًا وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين وأجرى عليه رزقًا وكان يتعاهد المدينة فعدّ أولئك الرهط خروج أبي ذر فيما ينقمونه على عثمان\" (١) \".\nوقد ثبت بذلك أشياء منها:\nأولًا: أن أبا ذر ﵁ لشدة ورعه وزهده وسذاجته انطلى عليه أكاذيب عبد الله بن سبأ، وهو الذي كان يحرضه.\nثانيًا: كان ﵁ يقول بأقوال ويدعوا الناس إلى آراء لم يأخذ بها أحد من الصحابة ولم يعمل بها أحد من حكام المسلمين وحتى عليّ لم يعمل بها في إمرته.\nثالثًا: كان معاملة عثمان معه معاملة الرفق والرفيق.\nرابعًا: شدة أبي ذر بآرائه وأفكاره، وضربه كعب الأحبار وجرحه إياه.\nخامسًا: شفاعة عثمان إلى كعب الأحبار لعدم الاقتصاص منه وطلبه العفو والسمح.\n_________\n(١) - ابن خلدون: ج٢ ص١٣٩","vol":"1","page":126},{"text":"سادسًا: استيذان أبي ذر عثمان في الخروج من المدينة امتثالًا بقول رسول الله.\nسابعًا: نزوله الربذة برضاه، لا نفيًا ولا طردًا من عثمان.\nثامنًا: لم يكن الربذة خلاء ولا صحراء كما يصورها الأعداء، بل كان فيها عمران حتى بني بها مسجدًا.\nتاسعًا: إقطاع عثمان إياه صرمة من الإبل وإعطاؤه إياه مملوكين للخدمة، وإجراء الأرزاق عليه.\nعاشرًا: لم يكن منفيًّا ومطرودًا حيث كان يتعاهد المدينة.\nفتلك عشرة كاملة\nوالجدير بالذكر أن الربذة لم تكن بعيدة من المدينة لأن بنيهما ثلاثة أميال فقط، وقال ياقوت: وكانت في أحسن منزل في طريق المدينة\" (١) \".\nوعلى ذلك قال أبو بكر ابن العربي:\n\"وأما نفيه أبا ذر إلى الربذة فلم يفعل\" (٢) \".\nونقل الذهبي عن الحسن البصري أنه قال:\n\"معاذ الله أن يكون أخرجه عثمان\" (٣) \".\nومثل هذا روي عن زوجة أبي ذر أنها قالت:\n\"والله ما سير عثمان أبا ذر إلى ربذة\" (٤) \".\nوأما عدم أخذه القصاص من عبيد الله بن عمر على قتله هرمزان فالغريب أن الشيعة يقولون بهذا القول، الذي يدعون موالاة علي ﵁\n_________\n(١) - هوامش المنتقى: ص٣٨٠\n(٢) - انظر العواصم من القواصم: ص٧٣\n(٣) - المنتقى: ص٣٩٦. ط. مصر\n(٤) - نفس المصدر والصفحة.","vol":"1","page":127},{"text":"ومشايعته، وأنّى لهم تلك وهم أنفسهم يذمون كل من طالب عليها قصاص عثمان ممن قتله؟.\nثانيًا: ولقد ثبت أن الهرمزان كان واحدًا ممن دبروا اغتيال الفاروق الأعظم ﵁ وقتله، وهاهو عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ يذكر غداة طعن عمر:\nمررت بأبي لؤلؤة عشي أمس، ومعه جفينة والهرمزان وهم نجيّ، فلما رهقتهم ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فانظروا بأي شيء قتل وقد تخلل أهل المسجد وخرج في طلبه رجل بني تميم، فرجع إليهم التميمي وقد كان ألظّ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه فقتله وجاء بالخنجر الذي وصفه عبد الرحمن\" (١) \".\nثالثًا: إن القمازبان بن الهرمزان عفى عنه وغفر له قتل أبيه، وهاهو النص كما رواه أبو المنصور أنه قال:\nسمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه قال: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمرّ فيروز بأبي ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد؟. فقال: ابس به، فرآه رجل. فلما أصيب عمر قال: رأيت هذا مع الهرمزان دفعه إلى فيروز، فأقبل عبيد الله فقتله، فلما ولّى عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به وما في الأرض أحد إلا معي إلا أنهم يطلبون إلي فيه، فقلت لهم: إلى قتله؟ قالوا: نعم، وسبوا عبيد الله، فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا وسبّوه، فتركته لله ولهم، فاحتملوني. فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم \" (٢) \".\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص٤٢.\n(٢) - الطبري: ج٥ ص٤٣ - ٤٤","vol":"1","page":128},{"text":"رابعًا: أن عثمان دفع ديته من ماله:\nقال عثمان: أنا وليّه وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي \" (١) \".\nأو بعد هذا مجال لقائل أن يقول، وطاعن أن يطعن؟.\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-73> قضية الأذان الثاني في الجمعة </span>فلم يكن مما اعترضه عليه السبئيون، وهذا من زيادات أسلافهم، وعلى ذلك نقول لهم: هل عليّ أزال هذا الأذان حينما تولّي الخلافة؟.\nوالثابت أنه لم يزل طيلة خلافته، فلماذا سكت على هذا المنكر إن كان منكرًا؟. ولم الطعن على عثمان دون عليّ إن كان هذا من المطاعن؟.\nوبذلك قال الذهبي:\nوأما زيادات الأذان الثاني يوم الجمعة فعليّ ممن وافق على ذلك في خلافته ولم يزله وإبطال هذا كان أهون عليه من عزل معاوية وغيره من قتالهم. فإن قيل إن الناس لا يوافقونه على إزالة الأذان قلنا: فهذا دليل على أن الناس وافقوا عثمان على الاستحباب حتى مثل عمار وسهل بن حنيف والسابقين. وإن اختلفوا فهي من مسائل الاجتهاد \" (٢) \".\nهذا ما قاله السبئية وطعنوا له على عثمان المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين ﵁ حتى ألّبوا الناس عليه وقتلوه خدعة ومكرًا، غدرًا وطغيانًا، بعدما أراد علي وسبطا رسول الله الحسن والحسين وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعبد الله بن الزبير الدفاع عنه والمقاتلة دونه، وغيرهم الكثيرون حتى جاءه زيد بن ثابت الأنصاري فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، فقال له عثمان: لا حاجة لي في ذلك،\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص٤١\n(٢) - المنتقى: ص٣٩٩","vol":"1","page":129},{"text":"كفّوا\" (١) \".\nوقد ذكر ذلك ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي:\nومانعهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان وسعيد بن العاص وجماعة معهم من أبناء الأنصار، فزجرهم عثمان وقال: أنتم في حل من نصرتي فأبوا\" (٢) \".\nوأيضًا نهى عليّ أهل مصر وغيرهم عن قتل عثمان قبل قتله مرارًا، نابذهم بيده وبلسانه وبأولاده \" (٣) \": وقد ذكر ذلك المؤرخ الشيعي المسعودي ببعض التفصيل وقد\nذكرناه من قبل، ونعيد عبارته في آخر الكلام لأن فيه تذكرة لمن يتذكره وإن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد:\nفلما بلغ عليًّا أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه محمدًا، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداء بمن ذكرنا، فصدُّوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجرح الحسن، وشج قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوروا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران، وعند عثمان زوجته، وأهلُه ومواليه مشاغيل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال: يا محمد، والله لو رآك أبوك لساءه مكانك فتراخت يده،\n_________\n(١) - أنساب الأشراف للبلاذري: ج٥ ص٧٣\n(٢) - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج١ ص١٩٧ تحت محاصرة عثمان ومنعه الماء\n(٣) - نفس المصدر ج٣ ص٤٤٩ تحت أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر.","vol":"1","page":130},{"text":"وخرج عن الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجدوه قد فاضت نفسه ﵁، فبكوا، فبلغ ذلك عليًّا وطلحة والزبير وسعدًا وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل عليّ الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟. ولَطَمَ الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير\" (١) \" فهل لهم أن ينتهوا؟.\nلقد أسمعت لو ناديت حيًّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي\n\nونختم هذا الباب على حديث رواه البخاري:\nعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فضربه برجله فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان \" صحيح البخاري \".\nوعلى حديث آخر رواه البخاري ومسلم أيضًا:\nعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح. فقال النبي ﷺ: افتح له وبشّره بالجنة، ففتحت له فإذا أبو بكر فبشرته بما قال رسول الله ﷺ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ: افتح له وبشّره بالجنة ففتحت له فإذا عمر فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله، ثم استفتح رجل فقال لي: افتح له وبشّره بالجنة على بلوى تصيبه. فإذا\n_________\n(١) - مروج الذهب للمسعودي الشيعي: ج٢ ص٣٤٤ - ٣٤٥.","vol":"1","page":131},{"text":"عثمان فأخبرته بما قال النبي ﷺ، فحمد الله، ثم قال: الله المستعان \"متفق عليه\".\nوأخيرًا ما رواه الترمذي وابن ماجة عن مرة بن كعب قال:\nسمعت رسول الله ﷺ ذكر الفتن فقرّبهما، فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان، قال: فأقبلت عليه بوجهه - أي النبي ﷺ - فقلت: هذا؟. فقال: نعم\n\"رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث صحيح\".\nفهذا هو عثمان بن عفان ﵁ على لسان رسول الله ﷺ، وهذا هو شأنه، وهذا هو ما فعله السبئيون والمخدوعون بهم، وهذه هي المطاعن المزوّرة التي اخترعوها لقلب نظام الحكم الإسلامي الراشد \" (١) \" ولبثّ سموم الفتنة بين المسلمين وتزحزحهم عن العقائد الإسلامية الصحيحة وردّهم بالمرحلة الأولى بقتل أمير المؤمنين وخليفة المسلمين والتفريق بين الجماعة الواحدة والأمة المرحومة، ثم تخطوا بعد ذلك بخطوة أخرى ألا وهي الإيقاع بين المسلمين وإشعال نيران الحرب بينهم وإثارة الفتن والبغضاء، ثم إبعادهم عن العقائد الإسلامية الصحيحة وإدخالهم في العقائد اليهودية المدسوسة والفكر اللاإسلامي، وفعلًا نجحوا في المرحلة الثانية أيضًا ألا وهي إيقاع الفتن بين المسلمين والهرج والمرج حتى ينفلتوا عن الجهاد في سبيل الله ويرجعوا لضرب بعضهم بعضًا، وينحصر القتال فيما بينهم ويدور بين فئاتهم وأحزابهم\n_________\n(١) - ومن المؤسف جدًّا بأن كثيرًا ممن يدعون الانتساب إلى السنة تأثروا من دعايات السبائية الكثيرة المكررة فلم يفرقوا بين الحق والباطل وأطلقوا عنان أقلامهم لنقل هذه الخرافات والخزعبلات دون النظر إلى الأكاذيب السبائية وأباطيلها، ودون التمييز بين الغث والسمين فقالوا ما قالوا وكتبوا ما كتبوا - وما أكثرهم - وما أبعدهم عن الحق والصواب مع انتسابهم إلى العلم والزعامة الدينية","vol":"1","page":132},{"text":"بعدما كانت تدور رحاها على ثغور الكفر وبلاد الشرك والوثنيات. وسنلخص القول في الباب القادم ما حصل فعلًا بأن الرقاع الإسلامية التي اتسعت في عهد عثمان امتدادًا لاتساع الفاروق والصديق انحصرت على ما كانت عليه في عهد علي ﵁، وبدأ علي ﵁ يشكو ويقول متأسفًا:\n(أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإنها خير ما تواصى به العباد وخير عواقب الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة) \" (١) \".\nفبدل أن يتوجه المسلمون إلى أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء هذه الأمة بدأت سيوفهم تتفلل فيما بينهم. وهذا ما كانت تريده اليهودية البغيضة وهذا ما حصل كما نحن بصدد بيانه وذكره.\n_________\n(١) - نهج البلاغة ص٣٦٧ ط. بيروت.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الباب الرابع\nتطوّر التشيع الأول والشيعة الأولى\nودَور السبأية بعد مقتل عثمان ﵁ وأيام علي ﵁</span>\nلم يكن قصدنا من كتابة هذا الكتاب أن نسرد وقائع تاريخية حدثت، بل ما قصدنا هو سرد تاريخ السبئية وما قاموا بها من شنائع واقترفوا من الجرائم والمآثم وارتكبوا من الفضائح والوقاحات ولكنه لما كنا نحتاج لسرد تاريخ هذه الفئة الباغية التي أسست في الإسلام عقائد خاصة، وكوّنت فرقًا مخصوصة، اضطررنا لسرد بعض الحوادث التاريخية التي حدثت وللسبئية فيها دخل كبير بل لم تكن لتقع لولا دسائسها ومؤامراتها، وليكون لنا بتوفيق الله وتقديره وتيسيره في هذه الحوادث والوقائع كتاب مستقل ومنزه عن الخرافات والسخافات، وخال من القصص والأساطير، ومجرد عن الأكاذيب والأباطيل التي طالما استعملها أعداء الإسلام وأعداء أمة محمد ﷺ للنيل من أسلافها وأكابرها. وما ذلك على الله بعزيز.\nويكون بحثنا مقتصرًا على الحوادث التي تتعلق بموضوعنا فقط، ونتجنب وقائع أخرى لعدم علاقتها بموضوعنا علاقة مباشرة قاصدين الاختصار دون الإطناب والتطويل، فنقول:\nلما قتل الإمام المظلوم عثمان بن عفان - ﵁ - بقيت المدينة خمسة أيام لا أمير لها. أو أميرها واحد من قتلة عثمان هو الغافقي","vol":"1","page":135},{"text":"بن حرب وحوله السبئيون وقتلة عثمان، وأهواؤهم مختلفة فيمن يجعلونه خليفة بعد عثمان أمير المؤمنين، اللهم إلا السبئية منهم فإنهم لم ينادوا إلا باسم عليّ - ﵁ - ولم يتستروا إلا وراءه وهو منهم بريء، ولقد مرّ مقدّمًا أن عبد الله بن سبأ اليهودي الماكر الخبيث الذي كان وراء كل هذه المؤامرات كان مع المصريين، فاختلفت آراء البغاة والطغاة والأوباش السفلة \" (١) \"، فقوم يريدون طلحة، وقوم يريدون الزبير، وقوم يريدون عليًّا، وكل واحد منهم يأبى وينكر لما يعرف منهم الخبث والطغيان والاشتراك في مؤامرة مدبرة لهدم كيان الإسلام والقضاء على الدولة الإسلامية، المترامية الأطراف، التي لم تتسع رقعتها إلا في عصر عثمان الذهبي، والعصر الذي يندر مثيله في تاريخ الإسلام في كثرة الغزوات والفتوحات، ثم ييئسون من هؤلاء\nالثلاثة ويذهبون إلى سعد بن أبي وقاص فاتح إيران. ومن ثم إلى ابن الخليفة الفاروق الأعظم عبد الله بن عمر، فلم يكن جوابهما إلا ما أجاب بهم الثلاثة من العشرة المبشّرة. وإليك ما ذكره أقدم المؤرخين الطبري ووافقه عليه كل من ابن كثير وابن الأثير وابن خلدون وغيرهم:\nحدثنا محمد بن عبد الله وطلحة بن الأعلم وأبو حارثة وأبو عثمان قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان - ﵁ - خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر، فلا يجدونه. يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدهم وتبرأ منهم ومن مقالتهم مرة بعد مرة، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه فأرسلوا إليه حيث هو رسلًا فتبرأ من مقالتهم، ويطلب البصريون طلحة فإذا لقيهم باعدهم وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة وكانوا\n_________\n(١) - ولقد سماهم بهذه الأسماء كل من ابن العربي وابن تيمية وغيرهم.","vol":"1","page":136},{"text":"مجتمعين على قتل عثمان، مختلفين فيمن يهوون، فلما لم يجدوا ممالئًا ولا مجيبًا جمعهم الشر على أول من أجابهم وقالوا: لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة، فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع فأقدم نبايعك، فبعث إليهم أني وابن عمر خرجنا منها فلا حاجة لي فيها على حال، وتمثل:\nلا تخلطن خبيثات بطيبة ... واخلع ثيابك منها وانج عريانا\n\nثم أنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري، فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم \" (١) \".\nولم تكن حيرتهم إلا لمعرفتهم أنه لو قام قائم دون مشورتهم وبغير رأي منهم لحكّم فيهم السيف وأخذ منهم القصاص للإمام المظلوم وخليفة رسول الله وزوج ابنتيه وابن بنت عمته، القائم بالحق، ذي الجود والحياء عثمان بن عفان - ﵁ - ولقد صرح بذلك ابن كثير في روايته التي ساقها أن القوم لما يئسوا من الجميع وحاروا في أمرهم قالوا:\n\"إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بعد قتل عثمان بغير إمرة اختلف الناس في إمرتهم ولم نسلم\" (٢) \".\nثم جاءوا إلى أهل المدينة وجمعوهم:\n\"فوجدوا سعدًا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائطه، ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب، وهرب الوليد وسعيد إلى مكة في أول من خرج وتبعهم\nمروان وتتابع على ذلك من تتابع، فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص١٥٥، ابن الأثير: ج٧ ص٢٢٦، ابن الأثير: ج٣ ص٩٩، ابن خلدون: ج٢ ص١٥١\n(٢) - البداية والنهاية: ج٧ ص٢٢٦","vol":"1","page":137},{"text":"الإمامة وأمركم عابر على الأمة فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبع ... فقد أجلناكم يومين فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدًا عليًّا وطلحة والزبير وأناسًا كثيرًا، فغشي الناس عليًّا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من ذي القرب\" (١) \"فردّ عليهم علي - ﵁ - بقول: - وقد نقل هذا القول في أقدس كتاب شيعي حسب زعم القوم ألا وهو نهج البلاغة -:\n\"دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا \" (٢)، (٣) \".\nوذكر ذلك من مؤرخين السنة الطبري في تاريخه \" (٤).\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص١٥٦، الكامل: ج٣ ص٩٩، ابن خلدون: ج٢ ص١٥١.\n(٢) - وفي هذا أكبر دليل رغم أنوف من يرى خلاف ذلك أن عليًّا ﵁ لم يكن يعدّ نفسه إمامًا منصوبًا من قبل الله ﷿ ولا منصوصًا عليه لأنه لو كان كذلك لما كان له الخيار في ردّ الإمامة والخلافة عندما جاءت إليه تسعى بقول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].\nفهذا الكلام الصادر عن علي ﵁ المنقول في أقدس كتبهم لكلام فصل وقضاء مبرم واضح صريح بيننا وبين الذين يرون خلاف هذا، وعلى ذلك قال ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي مع تشيعه أن هذا الكلام يدل على:\n\"أنه ﵇ لم يكن منصوصًا عليه بالإمامة من جهة الرسول ﷺ، وإن كان أولى الناس بها وأحقهم بمنزلتها، لأنه لو كان منصوصًا عليه بالإمامة من جهة الرسول ﷺ لما جاز له أن يقول: دعوني والتمسوا غيري، ولا أن يقول: وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا، ولا أن يقول: ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج٧ ص٣٣ - ٣٤.\nكما أن مجرد امتناعه عن قبول الخلافة لكان من الحجة القاضية عليهم، والنصوص في هذا المعنى كثيرة وبعضها آتية مذكورة قريبًا.\nفهل منصف ينصف وعادل يعدل؟. وإن في ذلك لذكرى لأولي الأبصار\n(٣) - نهج البلاغة: ص١٣٦ ط. بيروت\n(٤) - ج٥ ص١٥٦","vol":"1","page":138},{"text":"\"وابن الأثير في الكامل\" (١) \". ولكنهم أكرهوه على ذلك وأجبروه:\nوأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس - من بايعه -\" (٢) \".\nكما ذكر علي - ﵁ - ذلك أيضًا فيما ينقله الشيعة عنه في رسالته التي أرسلها إلى أهل مصر أو خطبة ألقاها:\nحتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني لتبايعوني، فأبيت عليكم، وأمسكت يدي فنازعتموني ودافعتموني، وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، وازدحمتم عليّ حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعضكم أو أنكم قاتليّ. فقلتم: بايعنا لا نجد\nغيرك، ولا نرضى إلا بك، بايعنا لا نفترق ولا تختلف كلمتنا. فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايع طوعًا قبلته، ومن أبى لم أكرهه وتركته\" (٣) \".\nومثل ذلك نقل الشريف الرضي في (نهج البلاغة) تحت عنوان أمر البيعة \" (٤) \"\nفبايعه من بايعه ولم يبايعه من لم ير الجوّ والوقت مناسبًا. وممن امتنع عن بيعته من كبار الصحابة كما ذكر المؤرخين:\n\" ثم بايعه الناس وجاءوا بسعد فقال لعليّ حتى يبايعك الناس، فقال: أخلوه. وجاءوا بابن عمر فقال كذلك، فقال: ائتني بكفيل قال: لا أجده، فقال الأشتر: دعني أقتله، فقال: دعني أنا كفيله، وبايعت الأنصار وتأخر منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن خالد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد\n_________\n(١) - ج٣ ص٩٩\n(٢) - ابن كثير: ج٥ ص٢٢٦\n(٣) - الغارات للثقفي الكوفي الشيعي: ج١ ص٣١٠ - ٣١١ ط. طهران، شرح النهج لابن أبي الحديد الشيعي: ج٦ ص٩٦ - ٩٧، بحار الأنوار للمجلسي: ص٥١ - ٥٢\n(٤) - نهج البلاغة: ص١٩٥ ط. بيروت.","vol":"1","page":139},{"text":"بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، وسلمة بن سلامة بن وقش. وتأخر من المهاجرين عبد الله بن سلام، وصهيب بن سنان، وأسامة بن زيد، وقدامة بن مظعون، والمغيرة بن شعبة. وأما النعمان بن بشير فأخذ أصابع نائلة امرأة عثمان وقميصه الذي قتل فيه ولحق بالشام صريخًا\" (١) \"وأما طلحة فقال:\nبايعت والسيف فوق رأسي \" (٢) \".\nوقال الزبير:\n\"جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت واللجة في عنقي\" (٣) \"وفي رواية: \"جاء القوم بطلحة فقالوا: بايع فقال: إني أبايع كرهًا ... ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك\" (٤) \".\nوقال قوم: إنما بايعا على شرط إقامة الحدود في قتلة عثمان \" (٥) \".\nوقيل: إنه قد بايع طلحة ولم يبايع الزبير ولا سلمة بن سلامة ولا أسامة بن زيد \" (٦) \".\nوالمدائني نقل عن الزهري:\nهرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليًّا \" (٧) \".\nفهكذا انعقدت البيعة للإمام علي - ﵁ - واستتر السبئيون والمخدوعون بهم من قتلة عثمان وراء المبايعين لعليّ - ﵁ -\n_________\n(١) - ابن خلدون: ج٢ ص١٥١، ابن الأثير: ج٣ ص٩٨، ابن الكثير: ج٧ ص٢٢٦.\n(٢) - الطبري: ج٥ ص١٥٤\n(٣) - الطبري: ج٥ ص١٥٤، الكامل: ص٩٩.\n(٤) - أيضًا: ص١٥٧، ابن خلدون: ج٢ ص١٥١\n(٥) - أيضًا: ص١٥٨ -\n(٦) - الكامل لابن الأثير: ج٣ ص٩٨\n(٧) - البداية والنهاية: ص٢٢٦ -","vol":"1","page":140},{"text":"واختلفوا خلف المشايعين له وأحاطوه من كل جانب كما ذكر الطبري أن عليًّا - ﵁ - لما خطب بخطبته الأولى بعد بيعته ثم أراد الذهاب إلى بيته قالت السبئية:\nخذها إليك واحذرًا أبا الحسن ... إنما نمرُّ الأمر إمرار الرسن\nصَوْلَةَ أقوامٍ كأسداد السُّفُن ... بِمَشْرَفيّاتٍ كغُدرانِ اللبن\nونَطعُنُ المُلكَ بِلَينٍ كالشَّطَن ... حتى يُمَرَّنَ على غيرِ عَنن\n\nفقال علي وذكر تركهم العسكر والكينونة على عدة ما مُنُّوا حين غمزوهم ورجعوا إليهم فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى:\nإني عجزتُ عجزةً لا أعتذر ... سوف أكيسُ بعدها وأستمر\nأرفَعُ من ذَيليَ ما كنتُ أجُر ... وأجمَعُ الأمرَ الشّتيتَ المنتشر\nإن لم يُشاغبني العَجولُ المُنتَصِر ... أو يترُكوني والسلاحُ يُبْتَدَر\n\n\"واجتمع إلى علي بعدما دخل طلحة والزبير في عدة من الصحابة فقالوا يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم، فقال لهم: يا أخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم، هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه إن شاء الله، إن هذا الأمر أمر جاهلية وإن لهؤلاء القوم مادة وذلك إن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدًا إن اليأس من هذا الأمر إن حرك على أمور فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ\nالحقوق فاهدؤوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا، واشتد على قريش وحال بينهم وبين الخروج على حالها وإنما","vol":"1","page":141},{"text":"هيجه على ذلك هرب بني أمية، وتفرق القوم وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤلاء الأشرار لتركوا هذا إلى ما قال عليّ أمثل، وبعضهم يقول: نقضي الذي علينا ولا نؤخره، ووالله أن عليًّا لمستغن برأيه وأمره عنا\" (١) \".\nولأجل ذلك منعه ابن عمه عبد الله بن عباس عن أخذ البيعة، كما منعه ابنه الحسن من قبل عن بقائه في المدينة والسبئيون يفعلون ما يفعلون ويعملون ما يعملون:\nفقال ابن عباس: \"أطعني وادخل دارك، والحق بمالك بينبع، وأغلق بابك عليك، فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك، فإنك والله لأن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنك الناس دم عثمان غدًا، فأبى عليّ\" (٢) \".\nوأما منع الحسن إياه عن بقائه في المدينة يوم استولت السبئية فذكرها المؤرخون \" (٣) \" أيضًا.\nوبدأ السبئيون يتقوون ويجمعون حولهم الموالي والأعراب إلى أن فحل أمرهم، فأراد علي - ﵁ - أن يضعف قوتهم ويكسر شوكتهم بالحيلولة بين السبئية والعبيد والأعراب والتفريق بينهم، فنادى في الناس:\n\"برئت الذمة من عبد لم يرجع إلى مواليه، فتذامرت السبائية والأعراب وقالوا: لنا غدًا مثلها\" (٤) \".\nوفي اليوم الثالث من بيعته خرج عليّ على الناس فقال:\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص١٥٨\n(٢) - الطبري: ج٥ ص١٦٠، ابن الأثير: ج٣ ص١٠١، ابن خلدون: ج٢ ص١٥١.\n(٣) - الطبري: ج٥ ص\n(٤) - الطبري: ج٥ ص١٥٨. ابن الأثير: ج٣ ص١٠٠","vol":"1","page":142},{"text":"\"يا أيها الناس أخرجوا عنكم الأعراب، وقال: يا معشر الأعراب الحقوا بمياهكم، فأبت السبئية وأتاهم الأعراب\" (١) \".\nولما رأى الناس وفي مقدمتهم رؤوس الصحابة وأكابرهم أن السبئية يزدادون يومًا فيومًا في غلوائهم وطغيانهم، وأيديهم متلطخة بدم الإمام المظلوم، وهم زيادة على ذلك يريدون أن يلفّوا حولهم أوباشًا من الناس والفسقة والفجرة، كما أنهم بدءوا يبثون العقائد الأجنبية بينهم، طالبوا عليًّا - ﵁ - أن يقتص منهم لعثمان بأن يحكّم فيهم بالسيف، ولكن أمير المؤمن عليًّا هاب من نفوذهم، وخاف من سلطتهم، فماطل الصحابة وطلب منهم المهلة لازدياد نفوذ السبئية وقوتهم، فلقد ذكر\nالمؤرخون ألفاظًا عديدة منه - ﵁ - تبريرًا لقصوره عن أخذ الثأر وإقامة الحد، فقد ذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه:\n\"ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة - ﵃ - وطلبوا منه إقامة الحد والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يواليه على إمرة الكوفة ليأتي له بالجنود، وطلب منه طلحة أن يواليه إمرة البصرة ليأتي له منه بالجنود ليقضي على شوكة هؤلاء الخوارج وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان - ﵁ - فقال لهما: مهلًا عليَّ حتى أنظر في هذا الأمر\" (٢) \".\nوعبارة الطبري:\nيا عليّ إنا قد شرطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم، فقال لهم: يا إخوتاه إني لست أجهل ما\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص١٥٩. ابن الأثير: ص١٠١، ابن خلدون: ج٢ ص١٥١.\n(٢) - البداية والنهاية لابن كثير: ج٧ ص٢٢٧ - ٢٢٨.","vol":"1","page":143},{"text":"تعلمون ولكني كيف يملكوننا ولا نملكهم. هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون\" (١) \".\nوأما ابن الأثير فنقل عنه أنه قال:\nكيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم \" (٢) \".\nوأما ابن خلدون فذكر أنه قال في جوابهم:\nلا قدرة لي على شيء مما تريدون حتى يهدأ الناس وننظر الأمور فتؤخذ الحقوق\" (٣) \".\nفافترقوا عنه وأكثر بعضهم المقالة في قتلة عثمان \" (٤) \".\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص١٥٨ -\n(٢) - ابن الأثير: ج٣ ص١٠٠\n(٣) - ولا أدري أي شيء جعل أمير المؤمنين عليًّا ﵁ أن يستعجل في إقامة الحد على ابن أمير المؤمنين الفاروق، على عبيد الله الذي قتل الهرمزان مع أنه مضى على تلك الحادثة أكثر من عشر سنوات، وأن القضية كانت قضية مختلف فيها من عدة وجوه كما مرّ، مع تأجيله وتأخيره في أخذ القصاص عن عثمان أمير المؤمنين وإمام المسلمين وخليفة رسول الله وصهره وخال السبطين وعديله هو نفسه؟\nوأين هرمزان من عثمان وأين عبيد الله بن عمر من عبد الله بن سبأ والسبئية؟\nثانيًا: ولا ندري ما الذي جعل الإمام عليًّا ﵁ وهو في ذلك الضيق من الأمر أن يستعجل عزل عمال عثمان وأن يستبدل بهم عماله وأبناء عمه وأقاربه؟\nثالثًا: كما أننا لا نعلم لأي شيء استعجل عزل معاوية أمير الشام وقد عيّنه على ذلك المنصب خليفة رسول الله الصديق، ثم أقرّه على ذلك شديد في أمر الله الفاروق، ثم الخليفة الراشد الثالث عثمان. وفوق كل ذلك لم يرفع عنه شكوى واحدة مع كثرة الشكاوى على العمال والحكام والولاة، وهذا مع نصيحة ابن عمه وأقرب المقربين إليه عبد الله بن عباس وداهية العرب المغيرة بن شعبة إياه بالإعراض عن عزله وإثباته على عمله كما يرويه ابن عباس ﵁ نفسه:\nيا أمير المؤمنين أخبرني عن شأن المغيرة ولم خلا بك قال جاءني بعد مقتل عثمان بيومين فقال لي أخلني ففعلت فقال إن النصح رخيص وأنت بقية الناس وإني لك ناصح وإني أشير عليك برد عمال عثمان عامك هذا فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم فإذا بايعوا لك واطمأن الأمر لك عزلت من أحببت وأقررت من أحببت، فقلتُ: والله لا أدهن في ديني ولا أعطي الدنيَّ في أمري قال: فإن كنتَ قد أبيت عليَّ فانزع من شئت واترك معاوية، فإن لمعاوية جُرأة وهو في أهل الشام يسمع منه ولك حجة في إثباته، كان عمر بن الخطاب قد ولاه الشام كلها، فقلتُ لا والله لا أستعمل معاوية يومين أبدًا فخرج من عندي على ما أشار به ثم عاد فقال لي: إني أشرت عليك بما أشرت به فأبيت = =\n= = عليَّ ثم نظرت في الأمر فإذا أنت مصيب لا ينبغي لك أن تأخذ أمرك بخدعة ولا يكون في أمرك دُلسة، قال فقال ابن عباس: فقلت لعلي: أما أول ما أشار به عيك فقد نصحك وأما الآخر فغشك وأنا أشير عليك بأن تثبت معاوية فإن بايع لك فعليّ أن أقلعه من منزله. قال علي: لا والله لا أعطيه إلا السيف قال ثم تمثل بهذا البيت:\nما ميتةٌ إن مُتُّها غيرَ عاجِزٍ ... بعارٍ إذا ما غالت النفس غَولُها\n\nفقلت: يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لست بأرَبٍ بالحرب\" (الطبري).\nلا ندري هذا كله، ولا نستطيع أن نقول شيئًا اللهم إلا أنه لم يكن معصومًا، فلكل اجتهاد، وقد يخطئ وقد يصيب-\n(٤) - ابن خلدون: ج٢ ص١٥١.","vol":"1","page":144},{"text":"وهذا الذي جعل الزبير وطلحة يقنطان من اقتصاص الإمام المظلوم عثمان - ﵁ - ويخرجان من المدينة، وهناك التقيا أم المؤمنين عائشة - ﵂ - ومن طرف آخر بدأت الرسائل تتبادل بين علي ومعاوية - ﵄ - لأن عليًّا عزل معاوية - ﵄ - عن الشام وأمّر عبد الله بن عباس - ﵄ - فقال ابن عباس:\n\"ما هذا برأي، معاوية رجل من بني أمية وهو ابن عم عثمان وهو عامل الشام ولست آمن أن يضرب عنقي لعثمان\" (١) \".\nفاعتذر إليه وأعفاه منها. وبينا هم في ذلك بدأت السبئية يشتغلون ويثيرون الفتن والقلاقل ويسعون فسادًا، ويثيرون الأحقاد والضغائن، وينفخون في الرماد، ويحاولون إسعار الحرب بين المسلمين، ويحرضون شيعة عليّ ضد كل من يطالب بثأر عثمان وقصاصه، وخاصة معاوية - ﵁ - الذي بدأ يمتنع من الخضوع لخلافة عليّ - ﵁ - والتسليم بإمارته بدعوى أن بيعة علي لم تنعقد، لأنه لم يحصل الشورى ولم يبايعه أهل الحل والعقل، ولم ينتخبه إلا رجال معدودون من المهاجرين والأنصار ومن أهل المدينة. وفوق ذلك كله قتلة عثمان والسبئية التجئوا في معسكره واكتنفوا بكنفه.\nولقد أشرنا إلى تلك الأمور كلها في الباب الأول بثبت من عبارات التاريخ والمؤرخين. فبينا هم كذلك في الجواب وجواب الجواب إذ جاءه\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص١٦٠","vol":"1","page":145},{"text":"رسول معاوية - ﵁ - فقال: آمن أنا؟ قال علي - ﵁ -:\n\"نعم إن الرسول لا يقتل، فقال: إني تركت قومًا لا يرضون إلا بالقود، ثم بّلغ الرسالة، فاستأذن بالخروج، فقال له علي: اخرج، قال: وإني آمن؟. قال: وأنت آمن\" (١) \".\nفاشتغل السبئية لزيادة التوتر والحدة وإخراج الحرب من الكلام إلى السيوف، وإليك النص ما ذكره المؤرخون:\n\"وصاحت السبئية: هذا الكلب رسول الكلاب، اقتلوه، فنادى: يا لمضر، يا لقيس الخيل والنبل، إني أحلف بالله جل اسمه ليردنها عليكم أربعة آلاف خصيّ فانظروا كم الفحولة والركاب وتعاووا عليه ومنعته مضر وجعلوا يقولون له: اسكت، فيقول: لا والله لا يفلح هؤلاء أبدًا فلقد أتاهم ما يوعدون، فيقولون له: اسكت، فيقول: لقد حل بهم ما يحذرون انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم، فوالله ما أمسوا حتى عرف الذل فيهم\" (٢) \".\nوهذه العبارة وهذه الألفاظ الصادرة عن السبئية تدل وتنبئ صريحًا عما كانوا يسعون لأجله، فبدءوا ينشرون الأراجيف ويشيعون الأكاذيب حتى يستل سيوف المسلمين ما بينهم ويقع الاصطدام ويحصل الحرب ويشتغلون بها ويضرب بعضهم رقاب بعض، وينسى هؤلاء ويعرض عنهم وعن فعلتهم، ويكثر الشقاق والاختلاف، ويزداد الابتعاد ويمتد بينهم الجدال والقتال. هذا كل ما كانوا يقصدونه، وهذا كل ما يرجونه.\nولما سمعوا باجتماع طلحة والزبير - ﵄ - مع أم\n_________\n(١) - انظر الكامل لابن الأثير: ج٣ ص١٠٤\n(٢) - ابن الأثير: ج٣ ص١٠٤، الطبري: ج٥ ص١٦٣","vol":"1","page":146},{"text":"المؤمنين عائشة - ﵂ - في مكة بدءوا يحرضون شيعة عليّ - ﵁ - وعليًّا نفسه على محاربة أهل الشام، قبل أن يعظم الأمر ويستفحل الخطر، فأمر علي - ﵁ - الناس بالمسير إلى أهل الشام، فتثاقل أهل المدينة، كما أن ابنه الحسن سبط رسول الله ﷺ منعه عن ذلك قائلًا:\n\"يا أبتِ دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين ووقوع الاختلاف بينهم فلم يقبل منه ذلك بل صمم على القتال ورتّب الجيش، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية\" (١) \"\nكما منعه عن ذلك زياد بن حنظلة التميمي:\nوكان منقطعًا إلى علي، فجلس إليه ساعة ثم قال له علي: يا زياد تيسّر، فقال لأي شيء؟. فقال: لغزو الشام، فقال زياد: الأناة والرفق أمثل، وقال:\nومن لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم\n\n\"فخرج زياد والناس ينتظرونه فقالوا: ما وراءك؟. فقال: السيف يا قوم، فعرفوا ما هو فاعل\" (٢) \".\nولم يخرج إلى الشام حتى جاءه خبر خروج أم المؤمنين وطلحة والزبير إلى البصرة يطالبون بدم عثمان، فبادر إليهم بناس من المدينة ليمنع أولئك من دخولها:\n\"فتثاقل عنه أكثر أهل المدينة، واستجاب له بعضهم، قال الشعبي: ما نهض معه في هذا الأمر غير ستة نفر من البدريين، ليس لهم سابع. وقال غيره أربعة. وذكر ابن جرير وغيره قال: كان ممن استجاب له من كبار الصحابة أبو الهيثم بن التيهان، وأبو قتادة الأنصاري، وزياد\n_________\n(١) - البداية والنهاية: ج٥ ص١٦٣، ابن الأثير: ج٣ ص١٠٤.\n(٢) - الطبري: ج٥ ص١٦٣، ابن الأثير: ج٣ ص١٠٤","vol":"1","page":147},{"text":"بن حنظلة، وخزيمة بن ثابت. قالوا: ليس بذي الشهادتين، ذاك مات في زمن عثمان - ﵁ - وسار علي من المدينة نحو البصرة على تعبئته المتقدم ذكرها، غير أنه استخلف على المدينة تمام بن عباس وعلى مكة قثم بن عباس وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وخرج علي من المدينة في نحو من تسعمائة مقاتل، وقد لقي عبد الله بن سلام - ﵁ - عليًّا وهو بالزبدة، فأخذ بعنان فرسه وقال: يا أمير المؤمنين! لا تخرج منها، فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدًا، فسبَّه بعض الناس، فقال علي: دعوه فنعم الرجل من أصحاب النبي ﷺ وجاء الحسن بن علي إلى أبيه في الطريق فقال: لقد نهيتك فعصيتني تقتل غدًا بمضيعة لا ناصر لك، فقال له علي: إنك لا تزال تحن على حنين الجارية، ما الذي نهيتني عنه فعصيتك؟ فقال: ألم آمرك قبل مقتل عثمان أن تخرج منها لئلا يقتل وأنت بها، فيقول قائل أو يتحدث متحدث؟ ألم آمرك أن لا تبايع الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم؟ وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فعصيتني في ذلك كله؟ فقال له علي: أما قولك أن أخرج قبل مقتل عثمان فلقد أحيط بنا كما أحيط به، وأما مبايعتي قبل مجيء بيعة الأمصار فكرهت أن يضيع هذا الأمر، وأما أن أجلس وقد ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه. فتريد مني أن أكون كالضبع التي يحاط بها، ويقال ليست هاهنا، حتى يشق عرقوبها فتخرج، فإذا لم أنظر فيما يلزمني في هذا الأمر ويعنيني، فمن ينظر فيه؟. فكف عني يا بني، ولما انتهى إليه خبر ما صنع القوم بالبصرة من الأمر الذي قدمنا كتب إلى أهل الكوفة مع محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، إني قد اخترتكم على أهل الأمصار، فرغبت إليكم وفرغت لما","vol":"1","page":148},{"text":"حدث، فكونوا لدين الله أعوانًا وأنصارًا، وانهضوا إلينا فالإصلاح نريد لتعود هذه الأمة إخوانا، فمضيا، وأرسل إلى المدينة فأخذ ما أراد من سلاح ودواب\" (١) \".\nفاجتمع الناس حول الفريقين من المدينة ومكة والكوفة والبصرة، كما اعتزل أكثر أصحاب النبي الموجودون، الأحياء منهم آنذاك عن الطرفين، فنزلت أم المؤمنين مع من كان معها بالبصرة ونزل علي - ﵄ - بذي قار، ثم دعا علي - ﵁ - القعقاع بن عمرو وبعثه رسولًا إلى طلحة والزبير بالبصرة\nيدعوهما إلى الألفة والجماعة ويعظم عليهما الفرقة والاختلاف فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين. فقال:\n\"أي أماه! ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بنيَّ! الإصلاح بين الناس، فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضروا عندها، فحضروا فقالا القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت إنما جئت للإصلاح بين الناس، فقالا: ونحن كذلك قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ وعلى أي شيء يكون؟ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن، ولئن أنكرناه لا نصطلحن، قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان تركًا للقرآن، فقال: قتلتما قتلته من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل، فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الذي حذرتم وفرقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون وتجمعون منه - يعني أن الذي تريدونه من قتل قتلة عثمان\n_________\n(١) - ابن كثير ج٧ ص٣٣٣ - ٣٣٤، ابن الأثير ج٢ ص١١٣ - ١١٤، الطبري ج٥ ص١٦٩، ابن خلدون ج٢ ص١٥٧","vol":"1","page":149},{"text":"مصلحة، ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها - وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير، لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلي أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخّر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم، فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفة، ثم أعلمهم أن خلقًا من ربيعة ومضر قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الأمر الذي وقع. فقالت له عائشة أم المؤمنين: فماذا تقول أنت؟. قال: أقول إن هذا الأمر الذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة، وإدراك الثأر، وإن أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واثتنافه كانت علامة شر وذهاب هذا الملك، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولًا، ولا تعرضونا للبلاء فتتعرضوا له، فيصرعنا الله وإياكم، وأيم الله إني لأقول قولي هذا وأدعوكم إليه، وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي قد حدث أمر عظيم، وليس كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة القبيلة. فقالوا: قد أصبت وأحسنت فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح الأمر، قال: فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه، وأرسلت عائشة إلى علي تعلمه أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء وهؤلاء، وقام علي في الناس خطيبًا فذكر الجاهلية وشقاءها وأعمالها، وذكر الإسلام وسعادة أهله بالألفة والجماعة، وأن الله جمعهم بعد نبيه ﷺ على الخليفة أبي بكر الصديق، ثم بعده على عمر بن الخطاب، ثم على عثمان ثم حدث هذا الحدث الذي جرى على الأمة، أقوام طلبوا الدنيا وحسدوا من أنعم الله عليه بها، وعلى الفضيلة التي منّ الله بها، وأرادوا ردّ الإسلام على","vol":"1","page":150},{"text":"أدبارها، والله بالغ أمره\" (١) \".\nوكان مع أم المؤمنين ثلاثون ألف، كما كان مع عليّ - ﵄ - عشرون ألف \" (٢) \".\nهذا والسبئية وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ وقتلة عثمان مترقبون كل صغيرة وكبيرة بكل دقة وما يجري بين الفريقين من السعي إلى الصلح والإصلاح والوفاق والاتحاد، وينظرون كيف تفشل خطتهم ومؤامرتهم للفتنة والفساد وإقامة الحروب بين المسلمين إلى أن وصل الأمر حدًّا لم يكن في تصورهم أن يصل إليه، وخاصة عندما قام أمير المؤمنين علي - ﵁ - خطيبًا في معسكره وقال:\n\"ألا إني مرتحل غدًا فارتحلوا، ولا يرتحلن أحد معي أعان على قتل عثمان بشيء من أمر الناس\" (٣) \".\nفما أن سمعت السبئية بهذا القول إلا وعرفوا مصيرهم. وهنا نرجع إلى ما سطر في التاريخ، والألفاظ لابن كثير: \"فلما قال هذا اجتمع من رؤوسهم - أي قتلة عثمان - جماعة كالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، وسالم بن ثعلبة، وغلاب بن الهيثم، وغيرهم في ألفين وخمسمائة، وليس فيهم صحابي ولله الحمد، فقالوا: ما هذا الرأي وعلي والله أعلم بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب العمل بذلك، وقد قال ما سمعتم، غدًا يجمع عليكم الناس، وإنما يريد القوم كلهم أنتم، فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم؟ فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم، فإن كان قد اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على\n_________\n(١) - ابن كثير: ج٧ ص٢٣٧ - ٢٣٨. الطبري: ج٥ ص١٩١ - ١٩٢، ابن خلدون: ج٢ ص١٦٢.\n(٢) - الطبري: ج٥ ص٢٠٢ -\n(٣) - البداية والنهاية: ج٧ ص٢٣٨، الطبري: ج٥ ص١٩٤، ابن الأثير: ج٣ ص١٢٠","vol":"1","page":151},{"text":"دمائنا، فإن كان الأمر هكذا أحلقنا عليًّا بعثمان، فرضي القوم منا بالسكوت، فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت، لو قتلناه قتلنا، فإنا يا معشر قتلة عثمان في ألفين وخمسمائة، وطلحة والزبير وأصحابهما في خمسة آلاف، لا طاقة لكم بهم، وهم إنما يريدونكم، فقال غلاب بن الهيثم: دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها، فقال ابن السوداء: بئس ما قلت، إذًا والله يتخطفكم الناس، ثم قال ابن السوداء قبحه الله: يا قوم إن عيركم في خلطة لناس فإذا اتقى الناس فانشبوا الحرب والقتال بين الناس ولا تدعوهم يجتمعون فمن أنتم معه لا يجد بدًّا من أن يمتنع، ويشغل الله طلحة والزبير ومن معهما عما يحبون، ويأتيهم ما يكرهون، فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه، وأصبح علي مرتحلًا ومر بعبد القيس فسار ومن معه حتى نزلوا بالزاوية، وسار منها يريد البصرة، وسار طلحة والزبير ومن معهما للقائه، فاجتمعوا عند قصر عبيد الله بن زياد، ونزل الناس كل في ناحية. وقد سبق علي جيشه وهم يتلاحقون به، فمكثوا ثلاثة أيام والرسل بينهم، فكان ذلك للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، فأشار بعض الناس على طلحة والزبير بانتهاز الفرصة، من قتلة عثمان، فقالا: إن عليًّا أشار بتسكين هذا الأمر، وقد بعثنا إليه بالمصالحة على ذلك، وقام علي في الناس خطيبًا، فقام إليه الأعور بن\nنيار المنقري، فسأله عن إقدامه على أهل البصرة، فقال: الإصلاح وإطفاء الثائرة ليجتمع الناس على الخير، ويلتئم شمل هذه الأمة، قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال فإن لم يتركونا؟. قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال فهل لهم في هذا الأمر مثل الذي لنا، قال: نعم! وقام إليه أبو سلام الدالاني فقال: هل لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم، إن كانوا أرادوا الله في ذلك؟ قال:","vol":"1","page":152},{"text":"نعم! قال: فهل لك من حجة فيما طلبوا من هذا الدم، إن كانوا أرادوا الله في ذلك؟ قال: نعم! قال: فهل لك من حجة في تأخيرك ذلك؟ قال: نعم! قال فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدًا؟ قال: إني لأرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحد نقي قلبه لله أدخله الجنة\" (١) \"\nفهكذا جرت الأمور، وهكذا تقدم كل من الطرفين إلى الإصلاح وتخطى إلى الصلح بخطوات سريعة، وكذلك بدأ عبد الله بن سبأ وأعوانه يخططون خطوط المؤامرة ويحكمون نسيجها وإن المؤمنين المخلصين من شيعة عثمان ومن شيعة علي كانوا في الخفاء عما يجري وراء الأستار، وكان المتآمرون في يقظة تامة عما يجري أمامهم مكشوفًا ظاهرًا، فنزل الفريقان وتراسلوا ما بينهم، فبعث عليّ إلى طلحة والزبير يقول:\n\"إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر، فأرسلا إليه في جواب رسالته: إنا على ما فارقنا القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس، فاطمأنت النفوس وسكنت. واجتمع كل فريق بأصحاب من الجيش\" (٢) \"\nفلم يجدوا أمرًا هو أمثل من الصلح، ووضع الحرب حين رأوا الأمر أخذ في الانقشاع \" (٣) \". وبات الناس على الصلح كما قال الطبري:\n\"فباتوا على الصلح وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه والنزوع عما اشتهى الذين اشتهوا وركبوا ما ركبوا، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط قد أشرفوا على الهلكة وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها\" (٤) \".\n_________\n(١) - ابن كثير: ج٧ ص٢٣٨، الطبري: ج٥ ص١٩٥، ابن الأثير: ج٣ ص١٣٠، ابن خلدون: ج٣ ص١٦٠ - ١٦١.\n(٢) - ابن كثير: ج٧ ص٢٤١.\n(٣) - الطبري: ج٥ ص٢٠٣\n(٤) الطبري: ج٥ ص٢٠٢، الكامل: ج٣ ص١٢٣ -","vol":"1","page":153},{"text":"وقال ابن كثير:\nوبات الناس بخير ليلة وبات قتلة عثمان بشر ليلة \" (١) \"\nفكانت الليلة هذه حاسمة لم ينم فيها عيون اليهودية البغضاء وعيون أبنائها الحاقدين على الإسلام وعلى الملة الإسلامية، والمخدوعين بهم، لم تنم ولا للحظة، وإليك ألفاظ التاريخ:\n\"وبات الناس بخير ليلة، وبات قتلة عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس، فنهضوا من قبل طلوع الفجر وهم قريب من ألفي رجل فانصرف كل فريق إلى قراباتهم فهجموا عليهم بالسيوف، فثارت كل طائفة إلى قومهم يمنعوهم، وقام الناس من منامهم إلى السلاح، فقالوا طرقتنا أهل الكوفة ليلًا، وبيّتونا وغدروا بنا، وظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب عليّ فبلغ الأمر عليًّا فقال: ما للناس؟ فقالوا، بيتنا أهل البصرة، فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا للأمة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا وقامت الحرب على ساق وقدم، وتبارز الفرسان، وجالت الشجعان، فنشبت الحرب، وتواقف الفريقان وقد اجتمع مع علي عشرون ألفًا، والتف على عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والسبئية أصحاب ابن السوداء قبحها الله لا يفترون عن القتل، ومنادي علي ينادي: ألا كفوا ألا كفوا، فلا يسمع أحد، وجاء كعب بن سوار قاضي البصرة فقال: يا أم المؤمنين أدركي الناس لعل الله يصلح بك بين الناس، فجلست في هودجها فوق بعيرها وستروا الهودج بالدروع، وجاءت فوقفت بحيث تنظر إلى الناس عند حركتهم، فتصاولوا وتجاولوا. وقد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا\n_________\n(١) - البداية والنهاية: ج٧ ص٢٣٩، ابن خلدون: ج٢ ص١٦٢.","vol":"1","page":154},{"text":"يـ[جهز] على جريح، ولا يتبع مدبر، وقد قتل مع هذا خلق كثير جدًّا\" (١) \".\nوقد زاد الطبري وابن الأثير في روايتهما:\n\"وقد وضع السبئية رجلًا قريبًا من عليّ يخبرهم بما يريد، فقال علي: ما هذا؟. قال ذلك الرجل: ما فجئنا إلا وقوم منهم بيّتونا، فرددناهم فركبونا وثار الناس\" (٢) \"\nفهكذا وقعت تلك الكارثة التي ذهب ضحيتها آلاف من الناس حتى جعل علي - ﵁ - يقول لابنه الحسن:\n\"يا بنيّ ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عامًا، فقال له: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا. قال سعيد بن أبي عجرة عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عبادة قال: قال علي يوم الجمل: يا حسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بنيّ إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا\" (٣) \"\nوانتهى الحرب بسقوط الجمل الذي كان عليه هودج أم المؤمنين بعدما قتل ممن أخذ خطامه سبعون رجلًا. ونسرد آخر ما في هذا من (الكامل لابن الأثير):\n\"لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر إليه ومعه عمار فاحتملا الهودج فنحياه فأدخل محمد يده فيه فقالت: من هذا؟. فقال: أخوك البر. قالت: عقق، قال: يا أخية\nهل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت وذاك. قال: فمن إذا الضلال. قالت: بل الهداة، وقال لها عمار: كيف رأيت ضرب بنيك اليوم يا أمه؟. قالت: لست لك بأم. قال: بلى وإن كرهت. قالت: فخرتم أن ظفرتم وأتيتم مثل الذي نقمتم هيهات والله لن يظفر من كان هذا دأبه فأبرزوا هودجها فوضعوها ليس قربها أحد،\n_________\n(١) - البداية والنهاية: ج٧ ص٢٣٩ - ٢٤٠، الطبري: ج٥ ص٢٠٢ - ٢٠٣، الكامل: ج٣ ص١٢٣ - ١٢٤\n(٢) - ابن الأثير: ج٣ ص١٢٤، الطبري: ج٥ ص٢٠٣.\n(٣) - البداية والنهاية: ج٣ ص٢٤٠.","vol":"1","page":155},{"text":"وأتاها علي فقال: كيف أنت يا أمه؟. قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. قالت: ولك، وجاء أعين بن ضبيعة بن أعين المجاشعي حتى اطلع في الهودج فقالت: إليك لعنك الله. فقال: والله ما أرى إلا حميراء. فقالت له: هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك فقتل بالبصرة وسلب وقطعت يده ورمي عريانًا في خربة من خرابات الأزد، ثم أتى وجوه الناس عائشة وفيهم القعقاع بن عمرو فسلم عليها فقالت: إني رأيت بالأمس رجلين اجتلدا وارتجزا بكذا فهل تعرف كوفيك؟ قال: نعم ذاك الذي قال: أعقُ أمٍ نعلم، وكذب، إنك لأبر أم نعلما ولكن لم تطاعي. قالت: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ... فأقام علي بظاهر البصرة ثلاثًا وأذن للناس في دفن موتاهم فخرجوا إليهم فدفنوهم وطاف علي في القتلى فلما أتى علي كعب بن سور قال: أزعمتم أنه خرج معهم السفهاء وهذا الخبر قد ترون، وأتى على عبد الرحمن بن عتاب فقال: هذا يعسوب القوم - يعني أنهم كانوا يطيفون به - واجتمعوا على الرصافة لصلاتهم، ومرّ على طلحة بن عبيد الله وهو صريع فقال: لهفي عليك يا أبا محمد! إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت أكره أن أرى قريشًا صرعى، أنت والله كما قال الشاعر:\nفتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر\n\nوجعل كلما مرّ برجل فيه خير قال: زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء وهذا العابد المجتهد فيهم، وصلى عليٌّ على القتلى من أهل البصرة والكوفة، وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء، وأمر فدفنت الأطراف في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر شيء وبعث به إلى مسجد البصرة\" (١) \".\n_________\n(١) - ابن الأثير: ج٣ ص١٣٠ - ١٣١","vol":"1","page":156},{"text":"\"ثم جهز علي عائشة بكل شيء ينبغي لها من مركب أو زاد أو متاع وأخرج معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات وقال: تجهز يا محمد فبلغها، فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس فخرجت على الناس وودّعوها وودّعتهم، وقالت: يا بني تعتب بعضنا على بعض استبطاء واستزادة فلا يعتدين أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك، إنه والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبتي من الأخيار. وقال عليّ: يا أيها الناس صدقت والله وبرّت، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه\nوسلم في الدنيا والآخرة. وخرجت يوم السبت لغرة رجب سنة ٣٦ وشيعها عليّ أميالًا وسرح بنيه معها يومًا\" (١) \"\nهذا آخر ما أردنا ذكره من مؤامرات السبئية ومن مخططاتها ولأجل ذلك دخل اليهودي الملعون في الإسلام وتستر بالكفر وتظاهر بالحب لعليّ وآل بيته، وفعل هو وجماعته السبئيون هذه الشناعات المنكرة التي جرّت إلى أن تتمنى أم المؤمنين حبيبة رسول الله عائشة وأمير المؤمنين ربيب رسول الله عليّ أن كانا أمواتًا قبل وقوع هذه الحوادث.\nوقبل أن نأتي إلى خاتمة هذا الكلام في الحرب نريد أن نذكر أن عليًّا - ﵁ - لم يكن يعد محاربيه كفارًا كما نقلنا الكلام عن جميع المؤرخين آنفًا، ولقد أقرّ بذلك الشيعة أنفسهم حيث أوردوا نفس الرواية التي أوردها أهل السنة في كتبهم:\n\"عن جعفر عن أبيه أن عليًّا ﵇ كان يقول لأهل حربه: إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم ولم يقاتلونا على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على حق ورأوا أنهم على حق\" (٢) \".\n_________\n(١) - الطبري: ج٥ ص٢٢٥، تحت تجهيز علي عائشة من البصرة.\n(٢) - قرب الإسناد للحميري الشيعي: ص٤٥ ط. إيران","vol":"1","page":157},{"text":"وروى الحيري الشيعي رواية أخرى عن جعفر عن أبيه محمد الباقر:\n\"إن عليًا ﵇ لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكن يقول: هم إخواننا بغوا علينا\" [قرب الإسناد للحميري الشيعي: ص٤٥ ط. إيران].\nوهذه نفس الرواية التي رواها شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن عساكر وغيرهم عن جعفر بن محمد عن أبيه الباقر قال:\n\"سمع عليّ يوم الجمل ويوم صفين رجلًا يغلو في القول فقال: لا تقولوا إلا خيرًا، إنما هم قوم زعموا أنا بغينا عليهم وزعمنا أنهم بغوا علينا فقاتلناهم\" (١) \".\nوأخيرًا: فلما انتهى عليّ - ﵁ - من حرب الجمل لم تمتنع السبئية عن إظهار خبثهم وسريرتهم وما يكنّونه في صدورهم، فلقد نقل الإمام ابن كثير بعد ذكر مجموع من قتل يوم الجمل:\n\"وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف، خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء، ﵏ ورضي عن الصحابة منهم، وقد سأل بعض أصحاب\nعليّ عليًّا أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير، فأبى عليهم، فطعن فيه السبئية وقالوا: كيف يحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم؟. فبلغ ذلك عليًّا فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟ فسكت القوم، ولهذا لما دخل البصرة فض في أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة، وقال: لكم مثلها من الشام، فتكلم فيه السبئية أيضًا ونالوا منه وراء وراء\" (٢) \"\nوأما حرب صفين فلم يكن سعي السبئية فيها أقل من حرب\n_________\n(١) - انظر منهاج السنة لابن تيمية: ج٣ ص٦١، المنتقى: ص١٣٥، تهذيب ابن عساكر: ج١ ص٧٣، ومثله في السنن الكبرى: ج٨ ص١٧٣ -\n(٢) - البداية والنهاية لابن كثير: ج٧ ص٢٤٤، الطبري: ج٥ ص٢٢٣.","vol":"1","page":158},{"text":"الجمل لإثارة الفتن والقلاقل والاضطرابات، ولا زالوا على دأبهم هذا طيلة أيام عليّ - ﵁ - يؤذونه بآرائهم الشاذة وأفكارهم الغريبة وعقائدهم الأجنبية، وبتجميعهم المجرمين وتحزبهم وتكتلهم وتجمعهم وإيقاع الفرقة بين المسلمين حتى لم يمتنعوا من إيقاعها بين علي وأصحابه، وإبعاد المخلصين عنه، لأنهم لم يكن قصدهم من إظهار الولاء لعليّ والبراءة من أصحاب رسول الله حب عليّ وأولاده، بل جعلوا هذا التظاهر بالحب والولاء سترًا على مقاصدهم الخبيثة ومطامعهم الحقيقية للنيل في الإسلام والمسلمين حتى حالوا بين علي - ﵁ - وبين أخلص المخلصين له كرئيس عساكره وكبير مستشاريه وابن عمه عبد الله بن عباس لاتهامهم إياه بغصب الأموال وأخذها بغير حق\" (١) \".\nوكذلك زياد أمير فارس وغيرهم الكثيرين الكثيرين.\nفهذه كانت أحوال السبئية في أيام علي - ﵁ - وهذه مساعيهم غير المحمودة. وقبل ذلك ذكرنا سعيهم بالفتنة والفساد أيام عثمان - ﵁ - مزحزحة أركان الإسلام والدولة الإسلامية ببعض الإيجاز والاختصار من كتب التاريخ اعتمادًا على أصح الروايات وموقفنا من الشيعة أنفسهم أيضًا.\nونريد أن نلفت الأنظار أن شيعة عليّ - ﵁ - العامة منهم كانوا على جانب عن هؤلاء كما يلاحظ من خلال الروايات التي سردناها لذكر هذه الوقائع، وعلى ذلك كانوا دائمًا يسعون إلى الصلح واجتناب القتال والجدال، قدر الاستطاعة وحسب المقدور، ولو أن قليلًا منهم تأثروا بأفكار هؤلاء المخبثين، وانخدعوا بأباطيلهم وأكاذيبهم\n_________\n(١) - انظر لذلك كتب التاريخ ابن خلدون: ج٢ ص١٨٣ - ١٨٤، وغيره","vol":"1","page":159},{"text":"ووقعوا في شراكهم وحبائلهم. ولذلك لم يكن شيعة عليّ الأولى يطعنون في أصحاب محمد ﷺ ولا يسبونهم ولا يشتمونهم سواء نازعوا عليًّا في خلافته أو حاربوه في مطالبة القصاص للإمام المظلوم عثمان بن عفان - ﵁ - بل أكثر من ذلك كانوا يقدمون أبا بكر وعمر على عليّ - ﵁ - كما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"كانت الشيعة المتقدمون الذين صحبوا عليًّا أو كانوا في ذلك الزمان لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان، وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر\" (١) \"\n\nثم نقل عن واحد من<span data-type=\"title\" id=toc-95> الشيعة الأولى </span>شريك بن عبد الله أنه سأله سائل:\n\"أيها أفضل؟. أبو بكر أم علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، من لم يقل هذا فليس شيعيًّا، والله لقد رقي هذه الأعواد عليّ، فقال: ألا خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فكيف نردّ قوله وكيف نكذبه؟. والله ما كان كذابًا\" (٢) \".\nثم يقول:\n\"وكيف لا تقدم الشيعة الأولى أبا بكر وعمر وقد تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، وقد روي هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين طريقًا\" [منهاج السنة لابن تيمية: ج١ ص٣ - ٤].\nوكذلك كان أولاد علي وأهل بيته وكانوا على نفس هذا\n_________\n(١) - منهاج السنة لابن تيمية: ج١ ص٣ - ٤.\n(٢) - منهاج السنة لابن تيمية: ج١ ص٣ - ٤","vol":"1","page":160},{"text":"الاعتقاد، وهذه وجهة كانوا يحملونها تجاه أصحاب النبي ﷺ والخلفاء الراشدين الثلاثة، وأكثر من ذلك لم يكونوا يعتقدون محاربة معاوية وأصحابه خروجًا عن الإسلام وطغيانًا وظلمًا وعدوانًا، ولأجل ذلك بايع معاوية أكبر أبناء علي سبط رسول الله - الإمام المعصوم حسب زعم الشيعة - ووافقه على ذلك أبناؤه الآخرون مع ما فيهم الحسين ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس وغيرهم كما سيأتي بيانه، وصاهروه وأسرته وعاونوه على أمور الخير والبر، وقبلوا منه الهدايا والصلات كما ذكرنا قريبًا، إلا من تأثر من السبئية أو دخل في ذلك الحزب الملعون على لسان عليّ - ﵁ - وأبنائه.\nثم ولم يكن الشيعة عامة آنذاك يشتمون أصحاب النبي ﷺ ولا الخلفاء الراشدين الثلاثة ولا يطعنون فيهم ولا ينقصونهم، فلقد ذكر ابن خلكان في ترجمة يحيى بن معمر: كان شيعيًّا من القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لغيرهم\" (١) \".\nولقد أقر بذلك شيعي معاصر حيث قال:\n\"إني خلال مراجعتي تب التاريخ لم أر في الفترة التي تمتد من بعد وفاة النبي حتى نهاية خلافة الخلفاء من عمد إلى الشتم من أصحاب الإمام، وإنما هناك من قيّم الخلفاء وقيّم الإمام وحتى في أشد جمحات عاطفة الولاء لم نجد من يشتم أحدًا ممن تقدم الإمام بالخلافة ... يضاف لذلك أنه حتى في الفترة الثانية أي في عهود الأمويين كان معظم الشيعة يتورعون عن شتم أحد من الصحابة أو التابعين\" (٢) \"\n_________\n(١) - وفيات الأعيان: ج٢ ص٢٦٩\n(٢) - هوية التشيع لأحمد الوائلي: ص٤١.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الباب الخامس\nفرق الشيعة، تاريخها وعقائدها</span>\nاجتمع شيعة علي ﵁ بعد استشهاده حول ابنه الحسن ﵁، وجعلوه إمامًا لهم في اليوم الثالث بعد انتقال أبيه من دار الدنيا إلى دار الآخرة \" (١) \".\nوأول من بايعه كان قيس بن سعد بن عبادة\" (٢) \".\nوعند ذاك ظهرت السبئية من جديد بكل قوة وأظهروا العقائد التي طالما أخفوها خوفًا من بطش عليّ ﵁، وحذرًا من يقظته ومراقبته الأفكار الهدامة ومن يريد بثها في صفوف شيعته، ومعاقبتهم معاقبة شديدة، ولقد ذكر مؤرخ شيعي حيث قال:\nإن بدعة السبئية في الغلو ظهرت على عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طاب -﵁- عندما مرّ بقوم يأكلون في شهر رمضان نهارًا، فقال لهم: أسفر أنتم أم مرضى؟ قالوا لا ولا واحدة منهما، قال: فمن أهل الكتاب أنتم فتعصمكم الذمة والجزية؟ قالوا: لا. قال: فما بال الأكل نهارًا في رمضان؟ فقالوا له: أنت أنت، يومئون إلى ربوبيته. فاستتابهم واستأنى ووعّدهم فأقاموا على قولهم. فحفر لهم حفرًا دخن عليهم فيها طمعًا في رجوعهم، فأبوا فحرقهم وقال: ألا تروني قد حفرت لهم حفرًا:\n_________\n(١) - مروج الذهب للمسعودي الشيعي ج٢ ص٤٢٦\n(٢) - الطبري: ج٦ ص٩١ -","vol":"1","page":163},{"text":"إني إذا رأيت شيئًا منكرًا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا\n\nفلم يبرح ﵇ من مكانه حتى صاروا حممًا. ثم استترت عنهم المقالة سنة أو نحوها، ثم ظهر عبد الله بن سبأ وكان يهوديًّا يتستر بالإسلام بعد وفاة أمير المؤمنين - ﵁ - فأظهرها واتبعه قوم فسموا السبئية، وقالوا: \"إن عليًّا لم يمت\" (١) \".\nوبمثل ذك القول قال أقدم من كتب عن الفرق من الشيعة النوبختي حيث قال:\nفلما قتل علي ﵇ افترقت التي ثبتت على إمامته وأنها فرض من الله ﷿ ورسوله ﵇ فصاروا فرقًا ثلاثة، فرقة منهم قالت:\nإن عليًّا لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا وهي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي ﷺ من هذه الأمة وأول من قال منها بالغلو وهذه الفرقة تسمى (السبأية) أصحاب \"عبد الله بن سبأ\" وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وقال إن عليًّا ﵇ أمره بذلك فأخذه عليّ فسأله عن قوله هذا فأقر به فأمر بقتله فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلًا يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك فصيره إلى المدائن، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ﵇ أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًّا فأسلم ووالى عليًّا ﵇ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي ﷺ في علي\n_________\n(١) - الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين الشيعي ص٥٤ - ٥٥، ابن أبي الحديد ج٢ ص٣٠٩","vol":"1","page":164},{"text":"﵇ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض ولاية علي ﵇ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه،؟؟ وهناك قال من خالف الشيعة أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، وقد بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ولا يموت حتى يملك الأرض\" (١) \".\nوأورد مثل هذا كل من ألمّ بتاريخ التشيع وفرقه سواء كان من الشيعة أم من السنة. كما ذكرناه فيما قبل من مؤلفي الشيعة وكتبهم.\nولقد ذكر ظهور السبئية من جديد والمجاهرة بعقائدهم الخبيثة بعد مقتل علي ﵁ من كتب علماء السنة في الفرق من عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق \" (٢) \" والأشعري في مقالات الإسلاميين \" (٣) \" والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين\" (٤) \" والأسفرائيني في التبصير \" (٥) \"والشهرستاني في الملل\nوالنحل \" (٦) \" وابن حزم الظاهري في الفصل \" (٧) \" وأبو الحسن البلطي في التنبيه\" (٨) \" والجرجاني في التعريفات \" (٩) \" والمقريزي في الخطط.\nفذكر كل واحد منهم أن عبد الله بن سبأ رجع بعد شهادة علي ﵁ من منفاه وأظهر عقائده في عليّ آنذاك، فيقول\n_________\n(١) - فرق الشيعة للنوبختي ص٤٣ - ٤٤ ط. النجف\n(٢) - ص٢٢٥ و٢٣٣\n(٣) - ج١ ص٨٥\n(٤) - ص٥٧\n(٥) - ص١٠٨ - ١٠٩\n(٦) - ج٢ ص١١ الهوامش\n(٧) - ج٤ ص١٨٠\n(٨) - ص٢٥ و١٤٨\n(٩) - ص٧٩","vol":"1","page":165},{"text":"الأسفرائيني:\n\"ثم إن عليًّا ﵁ خاف من إحراق الباقين منهم شماتة أهل الشام، وخاف اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى سباط المدائن، فلما قتل علي ﵁ زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن عليًّا\" (١) \".\nوكذلك قال الشهرستاني:\n\"إنما أظهر عبد الله بن سبأ بعد انتقال علي - ﵁ - واجتمعت عليه جماعته\" (٢) \".\nفحاربه الحسن ﵁ وحارب أفكاره وعقائده دأب أبيه كما ذكر ابن أبي الحديد الشيعي:\n\"ثم ظهر عبد الله بن سبأ وكان يهوديًّا يتستر بالإسلام بعد وفاة أمير المؤمنين ﵇ فأظهرها، واتبعه قوم فسموا السبئية، وقالوا: إن عليًّا ﵇ لم يمت، وإنه في السماء، والرعد صوته والبرق ضوئه؛ وإذا سمعوا صوت الرعد، قالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين! وقالوا في رسول الله ﷺ أغلظ قول، وافتروا عليه أعظم فرية، فقالوا كتم تسعة أعشار الوحي، فنقض عليهم قولهم الحسن بن علي بن محمد بن الحنفية ﵁ في رسالته، التي يذكر فيها الإرجاء، رواها عنه سليمان بن أبي شيخ، عن الهيثم بن معاوية، عن عبد العزيز بن أبان، عن عبد الواحد بن أيمن المكي، قال: شهدت الحسن بن علي بن محمد بن الحنفية يملي هذه الرسالة، فذكرها وقال فيها: ومن قول هذه السبئية: هدينا لوحي ضل عنه الناس، وعلم خفي عنهم؛ وزعموا أن رسول الله ﷺ كتم تسعة أعشار الوحي؛ ولو كتم\n_________\n(١) - الفرق بين الفرق ص٢٣٣\n(٢) - الفصل ج٢ ص١١ الهوامش","vol":"1","page":166},{"text":"ﷺ شيئًا مما أنزل الله عليه لكتم شأن امرأة زيد، وقوله تعالى: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ \" (١) \"\nولكن لم يكن محاربته إياهم مثل محاربة أبيه، فبدأ السبئية يزرعون بذور الفتنة والفساد ويبثون سموم الخلاف والشقاق والفرقة بكل حرية وانطلاقة، وخاصة بعد أن تخاذل الشيعة عن الحسن وبعد تفرقهم عنه ودخول بعضهم في السبئية وميول بعضهم إلى معاوية والتحاق البعض الآخرين بالخوارج وغيرهم، ولقد صوّر هذه الأحوال شيخ الشيعة المفيد والأربلي الشيعي والمجلسي في كتبهم وهم يذكرون تحرك معاوية إلى العراق:\n\"وسار معاوية نحو العراق ليغلب عليه فلما بلغ جسر منبج تحرك الحسن ﵇ وبعث حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه ثم خفوا ومعه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولبيه، وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين، فسار حتى أتى حمام عمر ثم أخذ إلى دير كعب فنزل ساباط دون القنطرة وبات هناك فلما أصبح أراد - ﵁ - أن يمتحن أصحابه ويستبرئ أحوالهم في الطاعة له ليتميز بذلك أولياءه من أعداءه ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام فأمر بهم أن ينادى بالصلاة جامعة فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال:\nالحمد لله كلما حمده حامد وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالحق وائتمنه على الوحي\n_________\n(١) - شرح النهج لابن أبي الحديد ج٨ ص١٢٠ ط. دار إحياء الكتب.","vol":"1","page":167},{"text":"ﷺ.\n\"أما بعد: فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملًا على مسلم ضغينة ولا مريدًا له بسوء ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أميّ ولا تردوا علي رأيي غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إيه، فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عانقه، فبقي جالسًا متقلدًا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدث به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده فقال: ادعوا إليّ ربيعة وهمدان فدعوا فطافوا به ودفعوا الناس عنه ﵁ وسار ومعه شوب من غيرهم، فلما مر في مظلم ساباط بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال الله أكبر أشركت يا حسن! كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن ﵇ وخرّا جميعًا إلى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن - ﵁ - يقال له عبد الله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده وخضخض به جوفه فأكب عليه آخر يقال له ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن ﵇ على\nسرير إلى المدائن فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين ﵇ بها فأقره الحسن ﵇ على ذلك، واشتغل الحسن ﵇","vol":"1","page":168},{"text":"بنفسه يعالج جرحه، وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة له في السر واستحثوه على المسير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن ﵁ إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به، وبلغ الحسن ﵁ ذلك وورد عليه كتاب قيس بن سعد ﵁ وكان قد أنقذه مع عبيد الله بن العباس عند مسيره من الكوفة ليلقى معاوية ويرده عن العراق وجعله أميرًا على الجماعة، وقال: إن أصبت فالأمير قيس بن سعد، فوصل كتاب قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها الحبوبية بإزاء مسكن وإن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المسير إليه وضمن له ألف ألف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الآخر عند دخوله إلى الكوفة، فانسل عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته، وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم، فصلى بهم قيس بن سعد ﵁ ونظر في أمورهم فازدادت بصيرة الحسن ﵇ بخذلان القوم له وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصته من شيعة أبيه وشيعته، وهم جماعة لا تقوم لأجناد الشام، فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح، وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه، فاشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطًا كثيرة وعقد له عقودًا كان الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن - ﵁ - وعلم باحتياله بذلك واغتياله غير أنه لم يجد بدًّا من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه، وما كان من خذلان ابن عمه له ومصيره إلى","vol":"1","page":169},{"text":"عدوه وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة. فتوثق - ﵁ - لنفسه من معاوية بتوكيد الحجة عليه والأعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين - ﵁ - والعدول عن القنوت عليه في الصلاة وأن يؤمن شيعته ﵃ ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق منهم حقه فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهد عليه وحلف له بالوفاء\" (١) \".\nوزاد على ذلك ابن أبي الحديد الشيعي:\nلما أراد الحسن أن يرتحل إلى المدائن قام فخطب الناس فقال: أيها الناس؛ إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وإني والله ما أصبحت محتملًا على أحد من هذه الأمة ضغينة في شرق ولا غرب، ولما تكرهون في الجماعة والألفة والأمن وصلاح ذات البين خير مما تحبون في الفرقة، والخوف\nوالتباغض والعداوة، وإن عليًّا أبي كان يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنكم لو فارقتموه لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كالحنظل. ثم نزل.\nفقال الناس: ما قال هذا القول إلا وهو خالع نفسه ومسلم الأمر لمعاوية، فثاروا به فقطعوا كلامه، وانتهبوا متاعه، وانتزعوا مطرفًا عليه، وأخذوا جارية كانت معه، واختلف الناس فصارت طائفة معه؛ وأكثرهم عليه، فقال: اللهم أنت المستعان، وأمر بالرحيل، فارتحل الناس، وأتاه رجل بفرس، فركبه وأطاف به بعض أصحابه، فمنعوا الناس عنه وساروا، فقدمه سنان بن الجراح الأسدي إلى مظلم ساباط، فأقام به فلما دنا منه تقدم إليه يكلمه، وطعنه في فخذه بالمعول طعنة كادت تصل إلى\n_________\n(١) - الإرشاد للمفيد ص١٨٩ - ١٩١، جلاء العيون للمجلسي ص٩٠ وما بعد، كشف الغمة للأربلي ج٢ ص٦٥ ط. بيروت، ومثل ذلك في تاريخ اليعقوبي الشيعي ص٢١٤ - ٢١٥، مروج الذهب ص٤٣١","vol":"1","page":170},{"text":"العظم، فغشي عليه وابتدره أصحابه\" (١) \".\nولقد صرح المؤرخون والكتّاب من الشيعة بأن الذين غصبوا الحسن وانتهبوا مضاربه وما فيها وجرحوه كانوا من ساباط المدائن، وهي المحل الذي نفي إليه عبد الله بن سبأ من قبل علي ﵁، وكانوا متأثرين بأفكاره وعقائده والساعين في الفرقة والاختلاف، ومن بينهم كان فريسة السبئية المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي كان له شأن فيما بعد والذي أظهر نفس العقائد التي تلقنها من عبد الله بن سبأ اليهودي الماكر الخبيث ومن السبئية الماكرة الخبيثة، ولقد ذكر المؤرخون أن السن بن علي ﵁ دخل المدائن ونزلها وهو جريح على علم المختار:\n\"فقال له المختار وهو شاب: هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: تأخذ الحسين بن علي وتقيده وتبعثه إلى معاوية، فقال له عمه: قبحك الله وقبح ما جئت به، أأغدر بابن بنت رسول الله ﷺ\" (٢) \"\nولما رأى الحسن ذلك ومعاملة السبئية من جانب، وتخاذل الشيعة من جانب، وإراقة الدماء من ناحية أخرى رأى الصلح خيرًا، ولقد ذكر المؤرخ الشيعي اليعقوبي:\nوحمل الحسن إلى مدائن وقد نزف نزفًا شديدًا، واشتدت به العلة، فافترق الناس عنه، وقدم معاوية إلى العراق، فغلب على الأمر، والحسن عليل شديد العلة، فلما رأى الحسن أن لا قوة به، وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له، صالح معاوية، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن\n_________\n(١) - شرح النهج لابن أبي الحديد ج١٦ ص٣٦\n(٢) - الطبري ج٦ ص٩٢، ابن الأثير ج٣ ص٢٠٣، ابن كثير ج٨ ص١٤، واللفظ له.","vol":"1","page":171},{"text":"دماءكم بآخرنا، وقد سالمت معاوية، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين\" (١) \".\nولم يكتف الحسن بصلحه مع معاوية وتسليمه الأمر له، بل وأكثر من ذلك بايعه على رؤوس الأشهاد وبمن معه من إخوانه وقادة جيشه كما ذكر الرجالي الشيعي المشهور، الكشي عن جعفر بن الباقر أنه قال:\n\"إن معاوية كتب إلى الحسن ﵁ أن اقدم أنت والحسين وأصحاب علي، فخرج معه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وقدموا إلى الشام فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء فقال: يا حسن قم فبايع، ثم قال للحسين ﵁: قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال: يا قيس قم فبايع، فالتفت إلى الحسين ﵁ ينظر ما يأمره فقال: يا قيس إنه إمامي - يعني الحسن ﵁\" (٢) \"\nوذكر مثل هذا شيعي متعصب المجلسي في كتابه (جلاء العيون) الفارسي\" (٣) \" وثقة محدثي الشيعة العباس القمي في تاريخه الفارسي الكبير منتهى الآمال\" (٤) \" وكذلك ابن أبي الحديد الشيعي في كتابه شرح نهج البلاغة\" (٥) \".\nوعندئذ افترق الشيعة بفرق أخرى:\n\"لما وادع الحسن معاوية وأخذ منه المال الذي بعث به إليه وصالح معاوية الحسن طعنوا فيه وخالفوه ورجعوا عن إمامته فدخلوا في مقالة جمهور الناس وبقي سائر أصحابه على إمامته إلى أن قتل، فلما تنحى عن محاربة معاوية وانتهى إلى مظلم ساباط وثب عليه رجل من هناك يقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجان دابته ثم قال الله أكبر أشركت كما\n_________\n(١) - تاريخ اليعقوبي ج٢ ص٢١٥\n(٢) - رجال الكشي ص١٠٢.\n(٣) - ج١ ص٣٩٥\n(٤) - ص٣١٦\n(٥) شرح النهج ج١٦ ص٣٨ -","vol":"1","page":172},{"text":"أشرك أبوك من قبل وطعنه بمعول في أصل فخذه فقطع الفخذ إلى العظم، فاعتنقه الحسن وخرا جميعًا فاجتمع الناس على الجراح فوطئوه حتى قتلوه ثم حمل الحسن على سرير فأتي به المدائن، فلم يزل يعالج بها في منزل سعد بن مسعود الثقفي حتى صلحت جراحته ثم انصرف إلى المدينة فلم يزل جريحًا من طعنته كاظمًا لغيظه متجرد طريقه على الشجا والأذى من أهل دعوته حتى توفي ﵁ في آخر صفر سنة سبع وأربعين وهو ابن خمس وأربعين سنة وستة أشهر، وقال بعضهم أنه ولد سنة ثلاث من الهجرة من شهر رمضان وإمامته ست سنين وخمسة أشهر\" (١) \".\nففرقة ثبتوا مع الحسن بعد هذا الصلح وبايعوا معاوية ﵁ معه، وأطاعوا وأخلصوا له الوفاء طيلة حياتهم من سنة إحدى وأربعين إلى سنة ستين من الهجرة، وكان على رأس هؤلاء أولاد علي ﵁ وأهل بيته من الحسين ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن العباس وأبناء عقيل وجعفر وغيرهم من الهاشميين الكبار من أسرة النبي ﷺ يعتقدون نفس الاعتقادات التي كان يعتقدها المسلمون عامة من أصحاب النبي ﷺ بدون تكفير أحد وتفسيق أحد من المسلمين، متحدين متفقين، ناسين الخلافات التي حدثت، ومعرضين عن الوقائع التي وقعت، متآخين متزوجين فيما بينهم كما ذكرنا ذلك مفصلًا فيما سبق،\nوفرقة مالت عن الحسن والحسين وقالت بإمامة محمد بن الحنفية وعرفت بعد ذلك بالكيسانية وقويت بعدما صالح الحسن معاوية وازدادت قوتها وشوكتها وحملت نفس الأفكار التي كانت تحملها السبئية، وتطورت فيما بعد تطورًا سريعًا، وتشعبت منها فرق شيعية كثيرة أخرى\n_________\n(١) - النوبختي ص٤٦","vol":"1","page":173},{"text":"كما سنذكرها فيما بعد، ولقد ذكرها النوبتي الشيعي في الفرق التي نشأت بعد قتل علي ﵁ وعدها من إحدى الثلاث التي كانت في عهد الحسن، فإنه قال:\n\n\"فلما قتل علي ﵁ افترقت التي ثبتت على إمامته ... فصاروا فرقًا ثلاثًا، أولًا: السبئية، وثانيًا: فرقة قالت بإمامة محمد بن الحنفية لأنه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه فسموا<span data-type=\"title\" id=toc-106> الكيسانية</span>، وإنما سموا بذلك لأن المختار بن أبي عبيد الثقفي كان رئيسهم وكان يلقب كيسان وهو الذي طلب بدم الحسين بن علي ﵄ وثأره حتى قتل من قتلته وغيرهم من قتل وادعى أن محمد بن الحنفية أمره بذلك وأنه الإمام بعد أبيه، وإنما لقب المختار كيسان لأن صاحب شرطته المكنى بأبي عمرة كان اسمه وكان أفرط في القول والفعل والقتل من المختار جدًّا، وكان يقول أن محمد بن الحنفية وصي علي بن أبي طالب وأنه الإمام وأن المختار قيمه وعامله، ويكفر من تقدم عليًّا ويكفر أهل صفين والجمل، وكان يزعم أن جبرائيل ﵇ يأتي بالوحي من عند الله ﷿ فيخبره ولا يراه، وروى بعضهم أنه سمي بكيسان مولى علي بن أبي طالب ﵇ وهو الذي حمله على الطلب بدم الحسين بن علي ﵇ ودله على قتلته وكان صاحب سره ومؤامرته والغالب على أمره\" (١) \"\nوبذلك صرح الشهرستاني:\nومن قالوا إن الإمام تثبت بالنص اختلفوا بعد علي ﵇ فمنهم من قال: إنما نص على ابنه محمد بن الحنفية وهؤلاء هم الكيسانية ... وأما من لم يقل بالنص على محمد بن الحنفية فقال بالنص\n_________\n(١) - فرق الشيعة للنوبختي ص٤٤ - ٤٥، ومثل ذلك ورد في رجال الكشي ص١١٧.","vol":"1","page":174},{"text":"على الحسن والحسين وقال: الإمامة في الأخوين الحسن والحسين\" (١) \".\nوبذلك القول قال القاضي النعمان \" (٢) \" (الشيعي الفاطمي أو الاثنا عشري على اختلاف الأقوال)\nواختلفوا وكثر الكلام، فقال قوم:\nوأسقطوا الحسن والحسينا ...\nإنه الإمام بعد علي والوصي بنا\nثم غلوا فيه فقالوا: لم يمت ... بل هو في شعب برضوى قد ثبت\nبين أسود فيه وكلوا به ... يأتيه قالوا رزق من ربه\" (٣) \"\n\nوقد ذكر الكيسانية من السنة كل من البغدادي في الفرق بين الفرق \" (٤) \" والأشعري في مقالات الإسلاميين \" (٥) \" والملطي في التنبيه \" (٦) \" والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين \" (٧) \" والإسفرائيني في التبصير \" (٨) \" وابن خلدون \" (٩) \" وابن حزم في الفصل \" (١٠) \" والمقريزي وغيرهم.\nوفرقة تركت التشيع مطلقًا بعد صلح الحسن مع معاوية ﵁ ولم يعدوا أنفسهم من الشيعة فيما بعد:\n_________\n(١) - الملل والنحل ج١ ص٢٨ - ٢٩ الهوامش\n(٢) - هو أبو حنيفة النعمان بن أبي عبد الله محمد بن منصور بن أحمد بن الحيوان التميمي المغربي، عاش في النصف الأول من القرن الرابع من الهجرة، وتوفي بالقاهرة سنة ٦٣٤هـ، وصلى عليه الإمام الفاطمي المعز لدين الله، وهو من الأعلام الثلاثة من الدعاة الفاطميين، وهو علمهم وأسبقهم وقدوتهم، عاصر أربعة من الخلفاء الفاطميين من المهدي مؤسس الدولة الفاطمية في المغرب إلى المعز لدين الله في مصر (مقدمة تأويل الدعائم ص١٢، ١٣). وينسبه الشيعة الاثنا عشرية إلى طائفتهم (انظر مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي وغيره)\n(٣) - الأرجوزة المختارة للقاضي النعمان ص٢٢٤ - ٢٢٥ ط\n(٤) - ص٣٨\n(٥) - ج١ ص٨٩\n(٦) - ص٢٩ و١٤٨\n(٧) - ص٦٢\n(٨) - ص٣٥\n(٩) - ص١٩٨\n(١٠) - ج٤ ص١٧٩","vol":"1","page":175},{"text":"\"لما واعد الحسن معاوية وأخذ المال الذي بعث به إليه وصالح معاوية الحسن طعنوا فيه وخالفوه ورجعوا عن إمامته، فدخلوا في مقولة جمهور الناس\" (١) \"\nوأما السبئية فلقد انتشرت انتشارًا فظيعًا في هذا العصر، كما أقر بذلك مؤرخ شيعي بقوله:\n\"فقد ظهرت هذه البدعة الضالة وسرت سريان الوباء إلى نفر من أهل العراق - ثم ذكر أسباب انتشارها فيهم نقلًا عن ابن أبي الحديد لأنهم - كانوا من ركاكة البصائر وضعفها على حال مشهور فلا عجب من مثلهم أن تستخفهم المعجزات - التي رأوها من علي - ﵁ -، فيعتقدوا في صاحبها أن الجوهر الإلهي قد حل فيه. وقد قيل إن جماعة من هؤلاء من نسل النصارى واليهود، وقد كانوا سمعوا من آبائهم وسلفهم القول بالحلول في أنبيائهم، فاعتقدوا فيه ﵁ مثل ذلك.\nويجوز أن يكون أصل هذه المقالة من قوم ملحدين أرادوا إدخال الإلحاد في دين الإسلام\" (٢) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الشيعة أيام الحسين </span>﵁\nولما توفي الحسن ﵁ واجتمع الشيعة حول أخيه الحسين ﵁ حدثت حادثة كبيرة، ووقعت كارثة عظيمة، ألا وهي خروج الحسين على يزيد بن معاوية بعد وفاة أبيه وقتله في كربلاء. ونقف برهة يسيرة قبل أن نذكر تفرق الشيعة بعد هذه الكارثة لسرد وبيان تخاذل الشيعة وغدرهم عن الحسين، فلقد ذكر اليعقوبي المؤرخ الشيعي\n_________\n(١) - فرق الشيعة للنوبختي ص٤٦.\n(٢) - الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين ص١٠٥","vol":"1","page":176},{"text":"الغالي أن يزيد بن معاوية لما تولى الخلافة بعد أبيه كتب إلى عامله بالمدينة الوليد بن عقبة بن أبي سفيان أن يأخذ البيعة من الحسين بن علي ﵄ ولما طلب الوليد منه ذلك:\nفخرج الحسين إلى مكة، فأقام بها أيامًا، وكتب أهل العراق إليه، ووجهوا بالرسل على أثر الرسل، فكان آخر كتاب ورد عليه منهم كتاب هانئ بن أبي هانئ، وسعيد بن عبد الله الخثعمي:\n\"بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين، أما بعد فحيّ هلا، فإن الناس ينتظرونك، لا إمام لهم غيرك، فالعجل ثم العجل والسلام\" (١) \".\nوالمؤرخ الشيعي الآخر المسعودي يكتب:\n\"ولما مات معاوية راسل أهل الكوفة \" (٢) \" إلى الحسين بن علي: \"أن قد حبسنا أنفسنا على بيعتك، ونحن نموت دونك، ولسنا نحضر جمعة ولا جماعة\" (٣) \".\n_________\n(١) - تاريخ اليعقوبي ج٢ ص٢٤١، ٢٤٢، ومثلُ ذلك في الإرشاد للمفيد ص٢٠٣ وكشف الغمة للأربلي ج٢ ص٣٢\n(٢) - نعم الكوفة التي كانت مركزًا للشيعة ومرتعًا خصبًا حتى قالوا فيها:\nوأما الكوفة وسوادها فهناك شيعة علي بن أبي طالب. وأما البصرة فعثمانية تدين بالكف.\nوأما الجزيرة فحرورية مارقة. وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان .... وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر (عيون الأخبار للرضا - نقلًا عن الشيعة في التاريخ).\nورووا عن جعفر أنه قال:\nإن الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة (بصائر الدرجات ج٢ الباب العاشر).\nوأيضًا ما رواه الكليني في كافيه عن عبد الله الوليد الكندي:\nقال: دخلنا على أبي عبد الله ﵇ في زمن مروان، فقال: من أنتم؟ فقلنا: من أهل الكوفة، فقال: ما بلدة من البلدان أكثر محبًا لنا من أهل الكوفة، ولا سيما هذه العصابة، إن الله جل ذكره هداكم لأمر جهله الناس وأحببتمونا وأبغضنا الناس واتبعتمونا وخالفنا الناس، وصدقتمونا وكذبنا الناس، فأحياكم الله محيانا وأماتكم مماتنا (الروضة من الكافي)]\n(٣) - مروج الذهب ج٣ ص٥٤","vol":"1","page":177},{"text":"وكتبًا أخرى: فقد اخضرت الجنات، وأينعت الثمار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجندة\" (١) \".\nولما تواترت الرسائل وكثرت، واشتد طلب الكوفيين:\nوجه إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب وكتب إليهم، وأعلمهم أنه إثر كتابه، فلما قدم مسلم الكوفة اجتمعوا إليه، فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه، وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء \" (٢) \".\nوزاد المفيد: \"فبايعوه وهم يبكون، وتجاوز عددهم ثمانية عشر ألفًا\" (٣) \"\nوبعد أيام وصل إليه من مسلم بن عقيل:\n\"أن لك مائة أله، ولا تتأخر\" (٤) \".\nفتحرك نحو الكوفة، فأتاه ابن العباس من بني هاشم وقائد جيوش علي ﵁ ومستشاره الخاص والرجل المجرب المحنك الذي كان يعرف شيعة زمانه حق المعرفة فقال له - كما نقل المسعود الشيعي -:\n\"يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن، فإنها في عزلة، ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وبث دعاتك: واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق أن يخرجوا أميرهم، فإن قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما أنا لغدرهم بآمن، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك إلى أن يأتي الله بأمره، فإن فيها حصونًا وشعوبًا، فقال الحسين: يا ابن عم،\n_________\n(١) - إعلام الورى للطبرسي ص٢٢٣، ١ الإرشاد للمفيد ص٢٢٠\n(٢) - تاريخ اليعقوبي ج٢ ص٢٤٢\n(٣) - الإرشاد ص٢٢٠\n(٤) - الإرشاد للمفيد ص٢٢٠","vol":"1","page":178},{"text":"إني لأعلم أنك لي ناصح وعلي شفيق، ولكن مسلم بن عقيل كتب إلي باجتماع أهل المصر على بيعتي ونصرتي، وقد أجمعت على المسير إليهم، قال: إنهم من خبرت وجربت، وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدًا مع أميرهم - ما أصدقه وما أحنك به وأخبر بهم - إنك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشد من عدوك، فإن عصيتني وأبيت إلى الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه\" (١) \"\nهذا ما قاله عبد الله ابن عباس ﵄، وله من المنزلة والمقام عند علي ﵁ ما لا يخفى على أحد حتى كتب مفيد الشيعة:\n\"كان أمير المؤمنين يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن العباس\" (٢) \".\nوهذا ما كان يحمل من الشيعة، وكيف لا وقد قال فيهم علي ﵁ نفسه: لوددت أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلًا منهم\" (٣) \".\nثم أيد ابن عباس أبو بكر بن هشام في وصف الشيعة بالغدر والخيانة وعدم الخروج إليهم كما نقله الشيعي المسعودي: دخل أبو بكر بن الحارث بن هشام على الحسين فقال: يا ابن عم، إن الرحم يظائرني عليك، ولا أدري كيف أنا في النصيحة لك، فقال: يا أبا بكر ما أنت ممن يستغش ولا يتهم، فقل، فقال أبو بكر: كان أبوك أقدم سابقة، وأحسن في الإسلام أثرًا، وأشد بأسًا، والناس له أرجى، ومنه أسمع\n_________\n(١) - مروج الذهب ج٣ ص٥٥\n(٢) - الإرشاد للمفيد ص١٤\n(٣) - نهج البلاغة","vol":"1","page":179},{"text":"وعليه أجمع، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه إلا أهل الشام وهو أعز منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه، حرصًا على الدنيا، وضنًّا بها، فجرعوه الغيظ، وخالفوه حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدت ذلك كله ورأيته، ثم أنت تريد أن تسير إلى الذي عدوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق ومن هو أعد منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فاذكر الله في نفسك، فقال الحسين: جزاك الله خيرًا يا ابن عم، فقد أجهدك رأيك، ومهما يقض الله يكن، فقال: إنا لله وعند الله نحتسب يا أبا عبد الله، ثم دخل على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي والي مكة وهو يقول:\nكم نرى ناصحًا فيعصى ... وظنين المغيب يلفي نصيحًا\n\n\"فقال: وما ذاك؟ فأخبره بما قال للحسين، فقال: نصحت له ورب الكعبة\" (١) \"\nثم وننقل القصة بكاملها من الشيعة أنفسهم كي يعرف ويدرك خيانة القوم وجبنهم. فيذكر المسعودي:\n\"واتصل خبر مجيء مسلم الكوفة بيزيد فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتولية الكوفة؛ فخرج من البصرة مسرعًا حتى قدم الكوفة على الظهر، فدخلها في أهله وحشمه وعليه عمامة سوداء قد تلثم بها، وهو راكب بغلة والناس يتوقعون قدوم الحسين فجعل بن زياد يسلم على الناس فيقولون؛ وعليك السلام يا ابن رسول الله! قدمت خير مقدم،\n_________\n(١) - مروج الذهب ج٣ ص٥٦.","vol":"1","page":180},{"text":"حتى انتهى إلى القصر وفيه النعمان بن بشير، فتحصن فيه، ثم أشرف عليه، فقال: يا ابن رسول الله مالي وما لك؟ وما حملك على قصد بليد من بين البلدان؟ فقال ابن زياد: لقد طال نومك يا نعيم، وحسر اللثام عن فيه، فعرفه، ففتح\nله، وتنادى الناس: ابن مرجانة، وحصبوه بالحصباء، ففاتهم ودخل القصر، ولما اتصل خبر ابن زياد بمسلم تحول إلى هانئ بن عروة المرادي، ووضع ابن زياد الرصد على مسلم حتى علم بموضعه، فوجه محمد بن الأشعث ابن قيس إلى هانئ، فجاءه فسأله عن مسلم، فأنكره فأغلظ له ابن زياد القول، فقال هانئ: إن لزياد أبيك عندي بلاء حسنًا، وأنا أحب مكافأته به، فهل لك في خير؟ قال ابن زياد: وما هو؟ قال تشخص إلى أهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم، فإنه قد جاء حق من هو أحق من حقك وحق صاحبك، فقال ابن زياد: أدنوه مني، فأدنوه منه، فضرب وجهه بقضيب كان في يده حتى كسر أنفه وشق حاجبه، ونثر لحم وجنته، وكسر القضيب على وجهه ورأسه، وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الشرط، فجاذبه الرجل، ومنعه السيف، وصاح أصحاب هانئ بالباب: قتل صاحبنا، فخافهم ابن زياد، وأمر بحبسه في بيت إلى جانب مجلسه، وأخرج إليهم ابن زياد شريحًا القاضي، فشهد عندهم أنه حي لم يقتل، فانصرفوا، ولما بلغ مسلمًا ما فعل ابن زياد بهانئ، أمر مناديًا فنادى \"يا منصور\" وكانت شعارهم، فتنادى أهل الكوفة بها، فاجتمع إليه في وقت واحد ثمانية عشر ألف رجل، فسار إلى ابن زياد، فتحصن منه، فحصروه في القصر فلم يمس مسلم ومعه غير مائة رجل، فلما نظر إلى الناس يتفرقون عنه سار نحو أبواب كندة، فما بلغ الباب إلا ومعه منهم ثلاثة، ثم خرج من الباب فإذا ليس معه منهم أحد، فبقي","vol":"1","page":181},{"text":"حائرًا لا يدري أين يذهب، ولا يجد أحدًا يدله على الطريق فنزل عن فرسه ومشى متلددًا في أزقة الكوفة لا يدري أين يتوجه، حتى انتهى إلى باب مولاة للأشعث بن قيس، فاستسقاها ماء فسقته، ثم سألته عن حاله، فأعلمها بقضيته، فرقت له وآوته، وجاء ابنها فعلم بموضعه، فلما أصبح غدا إلى محمد بن الأشعث فأعلمه، فمضى ابن الأشعث إلى ابن زياد فأعلمه\" (١) \"\nفقتله وقتل هانئ بن عروة وهو يصيح:\n\"يا آل مراد، وهو شيخها وزعيمها، وهو يومئذ يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، وإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع، فلم يجد زعيمهم منهم أحدًا فشلًا وخذلانًا\" (٢) \".\nفلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: أريد هذا المصر، فعرفه بقتل مسلم وما كان من خبره، ثم قال: ارجع، فإني لم أدع خلفي خيرًا أرجوه لك، فهم بالرجوع فقال له أخوة مسلم: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل كلنا، فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم\" (٣) \".\nثم قال للناس:\n\"أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر وقد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ليس معه ذمام فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينًا وشمالًا حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه وإنما فعل ذلك لأنه - ﵁ - علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما\n_________\n(١) - مروج الذهب للمسعودي ج٣ ص٥٧، ٥٨\n(٢) - مروج الذهب ص٥٩\n(٣) - مروج الذهب ص٦٠، ٦١","vol":"1","page":182},{"text":"اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلدًا قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون، فلما كان السحر أمر أصحابه فاستقوا ماء وأكثروا ثم ساروا حتى مر ببطن العقبة فنزل عليها فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له عمرو بن لوذان فسأله أين يريد فقال له الحسين - ﵁ - الكوفة فقال الشيخ أنشدك لما انصرفت فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيًا فأما على هذه الحالة التي تذكر فإني لا أرى لك أن تفعل فقال له يا عبد اله ليس يخفى علي الرأي وإن الله تعالى لا يغلب على أمره\" (١) \".\nثم ارتحل إلى الكوفة فلقي في الطريق واحدًا من أهل الكوفة وأخبره عن غدرهم وتخاذلهم وجبنهم قائلًا:\n\"ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف أن يكونوا عليك\" (٢) \".\nولما عارضه ورفاقه جيش الكوفة ورأى منهم عكس ما كتبوا وقالت رسلهم، وتنكروا ما كتبوا إليه قال لبعض أصحابه:\nاخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي، فأخرج خرجين مملوئين كتبًا فنشرت بين يديه\" (٣) \".\nفأنكروا عليه هذه الكتب والرسائل، ثم سار حتى وصل كربلاء:\n\"فلما كثرت العساكر على الحسين أيقن أنه لا محيص له فال: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ثم هم يقتلوننا، فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه ... وكان جميع من حضر مقتل الحسين\n_________\n(١) - الإرشاد للمفيد ص٢٢٣، إعلام الورى للطبرسي ص٢٣١، ٢٣٢، جلاء العيون للمجلسي ج٢ ص٥٤٠\n(٢) - الإرشاد ص٢٢٢\n(٣) - إعلام الورى ص٢٣٢، الإرشاد ص٢٢٥، جلاء العيون ص٥٤١ - ٥٤٢","vol":"1","page":183},{"text":"من العساكر وحاربه وتولى قتله من أهل الكوفة خاصة، فلم يحضرهم شامي\" (١) \".\nثم يذكر اليعقوبي الشيعي المتحمس - كما يسميه ولهوزن - \"إن أهل الكوفة لما قتلوه، انتهبوا مضاربه وابتزوا حرمه، وحملوهن إلى الكوفة، فلما دخلن إليها\nخرجت نساء الكوفة يصرخن ويبكين، فقال علي بن الحسين: هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا؟.\" (٢) \".\nوهنا نريد أن نثبت ما ذكره ولهوزن المستشرق الألماني المتعاطف على الشيعة:\nولم يكن جمهور أهل الكوفة حريصًا على مساعدة الحكومة، ولكنه مع ذلك لم ينضم إلى صف أعدائها. وحتى أولئك الذين بعثوا بالكتب إلى الحسين وأقسموا على الإخلاص له تخلوا عنه في المحنة ولم يقدموا له يد المعونة، وقصارى ما فعلوه أنهم راقبوا المعركة من بعيد ومصرعه الأخير ثم بكوا. وقليلون جدًّا هم أولئك الذين تجاسروا على اللحاق به ومشاركته في مصيره، مثل أبي ثمامة الصائدي خازن بيت المال، وابن عوسجة. وعدا هذا فإن بعض الذين شاركوه في مصرعه إما أنهم كانوا من أولئك الذين التقطهم عرضًا في الطريق أو من أولئك الذين دفعتهم الحمية الإنسانية في اللحظة الأخيرة إلى الانضمام إليه وإن لم يكن لهم من قبل شأن به أو لم يكونوا من شيعته. وقد أبرز المؤرخون هذا التعارض بين المكلفين، الذين لم يعملوا شيئًا، وبين غير المكلفين الذين أخجلوا الأولين، أبرزوه وعرضوه أحيانًا عرضًا دراميًّا. ومما هو جدير بالاعتبار أن الأنصار أيضًا، لا القرشيون وحدهم، قد تخلوا عن الحسين، فلم يخرج من المدينة واحد منهم معه ولم يكن منهم بين شيعة الكوفة إلا أفراد قلائل\n_________\n(١) - مروج الذهب ج٣ ص٦١\n(٢) - تاريخ اليعقوبي ج١ ص٢٣٥","vol":"1","page":184},{"text":"جدًّا. والثورة التي قامت في المدينة سنة ٦٣هـ لم تكن من أجل آل علي، كما أن علي بن الحسين نفض يديه منها.\n\"وفي مقابل الجبناء وغير المخلصين كان أعداء الشيعة الصرحاء وهم أتباع حكومة بني أمية وموظفوها. ولم يكن الجدال يدور حول أمور دينية إيمانية\" (١) \"\nوعلى ذلك قال البغدادي:\nروافض الكوفة موصوفون بالغدر، والبخل، وقد سار المثل بهم فيهما، حتى قيل: أبخل من كوفي، وأغدر من كوفي، والمشهور من غدرهم ثلاثة أشياء:\n\"أحدهما: أنهم بعد قتل علي ﵁ بايعوا ابنه الحسن، فلما توجه لقتال معاوية غدروا به في ساباط المدائن، فطعنه سنان الجعفي في جنبه فصرعه عن فرسه، وكان ذلك أحد أسباب مصالحته معاوية.\nوالثاني: أنهم كاتبوا الحسين بن علي ﵁، ودعوه إلى الكوفة لينصروه على يزيد بن معاوية فاغتر بهم، وخرج إليهم، فلما بلغ كربلاء غدروا به، وصاروا مع عبيد الله بن زياد يدًا واحدة عليه، حتى قتل الحسين وأكثر عشيرته بكربلاء.\nوالثالث: غدرهم بزيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب بعد أن خرجوا معه على يوسف بن عمر، ثم نكثوا بيعته وأسلموا عند اشتداد القتال حتى قتل وكان من أمره ما كان\" (٢) \".\nفهؤلاء كانوا الشيعة، شيعة علي والحسن والحسين، وهذه هي كانت معاملتهم لأئمتهم وقادتهم.\n_________\n(١) - الخوارج والشيعة ص١٣٤.\n(٢) - الفرق بين الفرق ص٣٧","vol":"1","page":185},{"text":"ولقد فصلنا في ذلك القول لأنه بعد هذه الحادثة حصل في التشيع تطور كبير، وبدأ يتجه إلى اتجاه ديني ويصبغ بصبغة مذهبية بعد أن كان سياسيًّا بحتًا، يرى رأي علي وأولاده مقابل معاوية وبني أمية. وبذلك صرح ولهوزن بكل وضوح حيث يذكر مقتل الحسين وبعده قيام المختار باسم الثأر، فيقول:\n\"كان التشيع في الكوفة آنذاك قد لبس ثوبًا جديدًا. وقد عرفنا من قبل المعنى الذي كان يدل عليه في الأصل. لقد كان تعبيرًا عن الاتجاه السياسي العام لمعارضة العراق لسلطان الشام. وفي بادئ الأمر كان الأشراف صفًّا واحدًا مع سائر الناس ويتولون قيادتهم. ولكن حينما أحدث الخطر تراجعوا واستلانوا لإغراء الحكومة (حكومة الأمويين في الشام) ثم استخدموا للقضاء على الثورات الشيعية. وبهذا انفصلوا عن الشيعة، فتحدد نطاق التشيع واتخذ شيئًا فشيئًا صورة فرقة دينية في تعارض مع الأرستقراطية ونظام العشائر، وأصبح بفضل استشهاد زعمائه وأوليائه ذا طابع مثالي خيالي. وكان أنصار سليمان بن صرد يرمون إلى الثورة على أرستقراطية العشائر في الكوفة. ولكن المختار كان أول من نفذ هذا الغرض وحققه عمليًّا. وإلى هذه الحركة اجتذب الموالي أيضًا. وهؤلاء كان اجتذابهم سهلًا لأنهم كانوا ذوي نزعة واضحة إلى الحكم الديني، لا القومي الشعوبي، وإن كان العرب هم الذين كانوا يتولونه حتى ذلك الحين، كما كانوا - أعني الموالي - يكرهون المتعصبين لسيادة العرب.\nفلما ارتبطت الشيعة بالعناصر المضطهدة تخلت عن تربية القومية العربية وكانت حلقة الارتباط هي الإسلام. ولكنه لم يكن ذلك الإسلام القديم، بل نوعًا جديدًا من الدين\" (١) \".\n_________\n(١) - الخوارج والشيعة ص١٦٧ - ١٦٨","vol":"1","page":186},{"text":"وبدأ التشيع يحمل الأفكار الأجنبية المدسوسة، كما بدأ يحصل فيه التفرق الكثير، \"وصار مأوى وملجأ لكل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته، كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارًا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم، فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة، وقال الشيعة:\n\nإن النار محرمة على كل شيعي إلا قليلًا، كما قال اليهود: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات، والنصرانية ظهرت في التشيع في قول بعضهم: إن نسبة الإمام إلى الله كنسبة المسيح إليه، وقالوا: إن اللاهوت اتحد بالناسوت في الإمام، وإن النبوة والرسالة لا تنقطع أبدًا، فمن اتحد به اللاهوت فهو نبي، وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأراوح وتجسيم الله والحلو، ونحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس من قبل الإسلام، وتستر بعض<span data-type=\"title\" id=toc-115> الفرس </span>بالتشيع وحاربوا الدولة الأموية، وما في نفوسهم إلا الكره للعرب ودولتهم، واسعي لاستقلالهم\" (١) \".\nكما نقل عن المقريزي أنه قال:\nإن الفرس كانوا ذوي سعة وعلو يد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسها بحيث إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكان العرب عند الفرس أقل الأمم خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله الحق ... فرأوا أن كيده على\n_________\n(١) - فجر الإسلام لأحمد أمين ص٢٧٦ - ٢٧٧","vol":"1","page":187},{"text":"الحيلة أنجع، فأظهر قومًاَ منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم علي، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى\" (١) \".\nونرجع الآن إلى تفرقهم واختلافهم بعد ذكرنا إياهم وخذلانهم مناصرة زعمائهم ومن كانوا يدعون حبهم وموالاتهم، فبعد قتل الحسين ﵁ افترقت الشيعة ثلاث فرق كما يذكر النوبختي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>الكيسانية</span>\nفلما قتل الحسين حارت فرقة من أصحابه وقالت: قد اختلف علينا فعل الحسن وفعل الحسين لأنه إن كان الذي فعل الحسن حقًّا واجبًا صوابًا من موادعته معاوية وتسليمه له عند عجزه عن القيام بمحاربته مع كثرة أنصار الحسن وقوتهم فما فعله الحسين من محاربته يزيد بن معاوية مع قلة أنصار الحسين وضعفهم. وكثرة أصحاب يزيد لعنة الله عليه حتى قتل وقتل أصحابه جميعًا باطل غير واجب لأن الحسين كان أعذر في القعود عن محاربة يزيد وطلب الصلح والموادعة من الحسن في القعود عن محاربة معاوية. وإن كان ما فعله الحسين حقًّا واجبًا صوابًا من\nمجاهدته يزيد بن معاوية حتى قتل وقتل ولده وأصحابه فقعود الحسن وتركه مجاهدة معاوية وقتاله ومعه الكثير باطل فشكوا لذلك في إمامتهما ورجعوا فدخلوا في مقالة العوام وبقي سائر أصحاب الحسين على القول الأول بإمامته حتى مضى.\nثم افترقوا بعده ثلاث فرق: (ففرقة) قالت بإمامة محمد بن الحنفية وزعمت أنه لم يبق بعد الحسن والحسين أحد أقرب إلى أمير المؤمنين ﵇ من محمد بن الحنفية فهو أوى الناس بالإمامة كما\n_________\n(١) - الخطط للمقريزي - نقلًا عن فجر الإسلام ص٧٧","vol":"1","page":188},{"text":"كان الحسين أولى بها بعد الحسن من ولد الحسن فمحمد هو الإمام بعد الحسين.\n\" (وفرقة) قالت إن محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى هو الإمام المهدي وهو وصي علي بن أبي طالب ﵇ ليس لأحد من أهل بيته أن يخالفه ولا يخرج عن إمامته ولا يشهر سيفه إلا بإذنه وإنما خرج الحسن بن علي إلى معاوية محاربًا له بإذن محمد ووادعه وصالحه بإذنه وإن الحسين إنما خرج لقتال يزيد بإذنه ولو خرجا بغير إذنه هلكا وضلا وإن من خالف محمد بن الحنفية كافر مشرك وأن محمدًا استعمل المختار بن أبي عبيد على العراقين بعد قتل الحسين وأمره بالطلب بدم الحسين وثأره وقتل قاتليه وطلبهم حيث كانوا وسماه كيسان لكيسه ولما عرف من قيامه ومذهبه فيهم فهم يسمون (المختارية) ويدعون: الكيسانية\" (١) \"\nولقد ذكرنا قبل ذلك أن الكيسانية وجدت بعد قتل علي ﵁ ولكن غلب هذا الاسم على المختارية، ومن الكيسانية تفرعت فروع كثيرة، وتفرقت فرق متعددة مثل الكرابية والحربية والرزارمية والبيانية والرواندية وأبو المسلمية والهاشمية والحارثية وغيرها الكثيرة الكثيرة \" (٢) \".\nويجمع هذه الفرق كلها القول بإمامة محمد بن الحنفية والاعتقاد بالعقائد التي زرع بذورها السبئية وعبد الله بن سبأ، الغيبة والرجعة والتناسخ وغيرها، وفي ذلك قال شاعرهم:\nألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء\nعلي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء\n_________\n(١) - فرق الشيعة للنوبختي ص٤٧ - ٤٨.\n(٢) -انظر لمعرفة ذلك فرق الشيعة للنوبختي ص٤٨ وما بعد ومقالات الإسلاميين ص٨٩ والفرق بين الفرق ص٣٨ وما بعد، والحور العين ص١٥٧ وما بعد، والملل والنحل للشهرستاني ج١ ص، والتبصير للإسفرائيني، مقدمة ابن خلدون ص١٩٩ وما بعد ط. مصر","vol":"1","page":189},{"text":"فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء\nيقود الخيل يقدمها اللواء ...\nوسبط لا يذق الموت حتى\nتغيب لا يرى فيهم زمانًا ... برضوى عنده عسل وماء\" (١) \"\n\nوقد أجاب على هذه الأبيات البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) \" (٢) \".\nوقال أحد الكيسانين أيضًا:\nألا حي المقيم بشعب رضوى ... وأهد له بمنزله السلاما\nأضر بمعشر والوك منا ... وسموك الخليفة والإماما\nوعادوا فيك أهل الأرض طرا ... مقامك عنهم سبعين عاما\nلقد أمسى بجانب شعب رضوى ... تراجعه الملائكة الكلاما\nوما ذاق ابن خولة طعم موت ... لا وارث له أرض عظاما\nوإن له به لمقيل صدق ... وأندية تحدثه كراما\" (٣) \"\n\nوأجابه البغدادي أيضًا بقوله:\nلقد أفنيت عمرك بانتظار ... لمن وارى التراب له عظاما\nفليس بشعب رضوى من إمام ... تراجعه الملائكة الكلاما\nوأشربة يعل بها الطعاما ...\nولا من عنده عسل وماء\nوقد ذاق ابن خولة طعم موت ... كما قد ذاق والده الحماما\nولو خلد امرؤ لعلو مجد ... لعاض المصطفى أبدًا وداما\" (٤) \"\n\nوالجدير بالذكر أن من الكيسانية انتقلت الإمامة إلى بني العباس لأن بعض فرقها اعتقدت انتقال الإمامة من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن العباس، ومنه إلى ابنه إبراهيم، ومن\n_________\n(١) - الفرق بين الفرق ص٤١\n(٢) - انظر ص٤٢\n(٣) - فرق الشيعة ص٥١\n(٤) - الفرق بين الفرق ص٤٣","vol":"1","page":190},{"text":"إبراهيم إلى أبي العباس، ومن أبي العباس إلى أبي جعفر المنصور المؤسس للدولة العباسية\" (١) \"\nومن بين هذه الفرق كلها اشتهرت فرقة المختار بن أبي عبيد الثقفي لما كان له من صولة وجولة باسم القصاص بدم الحسين ﵁، وقد ذكر المختار هذا، الكشي في (رجاله) عن محمد بن مسعود قال: حدثني ابن أبي علي الخزاعي قال: [حدثني] خالد بن يزيد العمري عن الحسن بن زيد عن عمر بن علي: أن المختار أرسل إلى علي بن الحسين - ﵁ - بعشرين ألف دينار فقبلها وبنى بها دار عقيل بن أبي طالب ودارهم التي هدمت. قال: ثم إنه بعث إليه بأربعين ألف دينار بعدما أظهر الكلام الذي أظهره فردها ولم يقبلها، والمختار هو الذي دعا الناس إلى محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية وسمو الكيسانية، وهم المختارية، وكان لقبه كيسان ولقب بكيسان لصاحب شرطته المكنى أبا عمرة وكان اسمه كيسان. وقيل إنه سمي كيسان بكيسان مولى علي بن أبي طالب - ﵁ - وهو الذي حمله على الطلب بدم الحسين ودله على قتلته، وكان صاحب سره والغالب على أمره، وكان لا يبلغه عن رجل من أعداء الحسين - ﵁ - أنه في دار أو موضع إلا قصده وهدم الدار بأسرها وقتل كل من فيها من ذي روح، وكل دار بالكوفة خراب فهي مما هدمها، وأهل الكوفة يضربون به المثل فإذا افتقر إنسان قالوا \"دخل أبو عمرة بيته\" حتى قال فيه الشاعر:\nإبليس بما فيه خير من أبي عمرة ... يغويك ويطغيك ولا يعطيك كسرة\" (٢) \"\nكما ذكره النوبختي الذي نقلنا عنه آنفًا:\n_________\n(١) - انظر فرق الشيعة ص٦٩، مقدمة ابن خلدون ص١٩٩.\n(٢) - رجال الكشي ص١١٧","vol":"1","page":191},{"text":"ولقد ذكره ولهوزن أيضًا بالتفصيل، ولعل الحديث عنه أطول حديث في كتابه نقطع منه هذا الجزء لتصوير الرجل وتحليله الذي حلل به شخصيته:\nكان المختار ينعت بأنه سحار \" (١) \"، وأنه \"الدجال\"١\"ويوصف عادة بـ\"الكذاب\". وهذا الوصف لا لأنه زعم أنه مكلف من قبل ابن الحنفية، بل لأنه تبدى على أنه نبي. حقًّا إنه لم يسم نفسه بهذا الاسم، ولكنه أتى أفعالًا من شأنها أن تعطي عنه هذه الفكرة، فكرة أنه نبي. وكان يتكلم وكأنه جالس في الحضرة الإلهية، يعلم الغيب، ويسجع سجع الكهان بطلاقة ومهارة. ويريد أن يفرض شخصيته على الناس، وأفلح في هذا أيضًا وإن كان نجاحه لدى الخاصة والعقلاء أقل منه لدى العامة والدهماء. وطالما حالفه النصر اتسعت دوائر المؤمنين به. فلما مني بالهزيمة أدبرت عنه الدنيا. وراحت الروايات تطلق سهامها على ذكراه بعد مقتله. في البدء كانت تذمه دون أن تشوه صورته. ولكنها راحت بعد ذلك في مرحلة متأخرة تنعته بنعوت أملاها الحقد. وهذه النعوت نفسها هي التي تسود الصورة التي كونتها عنه الأجيال التالية. و\"دوزي\" لا يستخدم غيرها لرسم الصورة التي عملها للمختار في كتابه \"مقالة في تاريخ الإسلام\": فيقول عنه إنه هو الذي أمر بإطلاق الحمام البيض، وأنه كان خارجيًّا ثم زبيريًّا ثم شيعيًّا، وأنه ابتدع القول بالبداء في الله كيما يبرر تقلبه هو من مذهب إلى مذهب. ولكن لا يحق للمرء أن يجعله معرضًا للسخرية من أجل أن يفهمه على حقيقته. ولحسن الحظ كان لنشر \"تاريخ\" الطبري الفضل في وضع حد لهذا النحو من تصوير الرجل.\n_________\n(١) - الطبري ج٢ ص٧٣٠ س١٣، ص٦٨٦ س٧","vol":"1","page":192},{"text":"فإن كان لابد من الإجابة عن السؤال: هل كان المختار نبيًّا صادقًا أو متنبئًا كاذبًا؟ - فلا مناص من تعديله إلى هذه الصيغة: أكان المختار مخلصًا أم غير مخلص؟ قد يأخذ عليه المرء أنه استعان بالتنبؤ للوصول إلى الحكم. ولكن هذا المأخذ عينه قد يؤخذ على محمد، وعلى المرء أن يلاحظ أن الإسلام دين سياسي وأن أي نبي مسلم لابد أن يسعى إلى الحكم. ولكن ما هو أشد من ذلك المأخذ خطرًا وأكبر وزنًا هو أنه تستر وراء شبح وناطور خيالي (هو محمد بن الحنفية) لم يعرف عن أمره شيئًا ولم يشأ أيضًا أن يعلم عن أمره شيئًا. فلم يكن ضميره نقيًّا من هذه الناحية، ولكن الظروف في ذلك الحين لم تسمح له - بوصفه مسلمًا وشيعيًّا - أن يظهر باسمه هو الخاص، بل كان عليه أن يخلق لنفسه مركز \"أمين\" للمهدي المستتر ... وإن المختار اتخذ نقطة ابتدائه من بدعة غريبة غامضة اختط بها المختار وهي \"السبئية\". والسبئية كانت قد اتخذت اتجاهًا أنشأ يسيطر على طبقات واسعة بحيث اضطرت الشيعة بوجه عام إلى اتخاذ موقف أشد حدة بإزاء الإسلام السني وازداد إبراز الخلافات بين الشيعة والسنة. والسبئية يسمون أيضًا \"الكيسانية\" وكان كيسان زعيمًا للموالي، فإن كان في نفس الوقت زعيمًا للسبئية، فيستنتج من هذا أن السبئية والموالي كانوا\nشيئًا واحدًا تقريبًا \" (١) \". واعتمادًا على هذا الاستنتاج مضى البعض فزعم أن التشيع كمذهب ديني إيراني الأصل، لأن غالبية موالي الكوفة كانوا إيرانيين. قال دوزي\" (٢) \": \"كانت الشيعة في حقيقتها فرقة فارسية، وفيها يظهر أجلى ما يظهر ذلك الفارق بين الجنس العربي، الذي يحب الحرية، وبين الجنس الفارسي الذي اعتاد الخضوع كالعبيد. لقد كان مبدأ انتخاب خليفة للنبي أمرًا\n_________\n(١) - ص٦٢٣ س١٤، ص٦٥١ س٢\n(٢) - في كتابه المذكور آنفًا، ص٢٢٠ وما يليها","vol":"1","page":193},{"text":"غير معهود ولا مفهوم، لأنهم لم يعرفوا غير مبدأ الوراثة في الحكم، لهذا اعتقدوا أنه مادام محمد لم يترك ولدًا يرثه، فإن عليًّا هو الذي كان يجب أن يخلفه وأن الخلافة يجب أن تكون وراثية في آل علي. ومن هنا فإن جميع الخلفاء - ما عدا عليًّا - كانوا في نظرهم مغتصبين للحكم لا تجب لهم طاعة. وقوي هذا الاعتقاد عندهم كراهيتهم للحكومة وللسيطرة العربية، فكانوا في الوقت نفسه يلقون بأنظارهم النهمة إلى ثروات سادتهم. وهم قد اعتادوا أيضًا أن يروا في ملوكهم أحفادًا منحدرين من أصلاب الآلهة الدنيا، فنقلوا هذا التوقير الوثني إلى علي وذريته. فالطاعة المطلقة \"للإمام\" الذي من نسل علي - كانت في نظرهم الواجب الأعلى، حتى إذا ما أدى المرء هذا الواجب، استطاع بعد ذلك بغير لائمة ضمير أن يفسر سائر الواجبات والتكاليف تفسيرًا رمزيًّا وأن يتجاوزها ويتعداها. لقد كان \"الإمام\" عندهم هو كل شيء، إنه الله قد صار بشرًا. فالخضوع الأعمى المقرون بانتهاك الحرمات - ذلك هو الأساس في مذهبهم\" وعلى نحو مشابه يتحدث أ. ملر في كتابه المذكور سابقًا ج١ ص٣٢٧، ويضيف إلى هذا أن الفرس كانوا - تحت تأثير الأفكار الهندية قبل الإسلام بعهد طويل - يميلون إلى القول بأن الشاهنشاه هو تجسد لروح الله التي تنتقل في أصلاب الملوك من الآباء إلى الأبناء.\nأما أن آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين - فهذا أمر لا سبيل إلى الشك فيه، أما كون هذه الآراء قد انبعثت من الإيرانيين، فليست تلك الملاءمة دليلًا عليه\" (١) \"\nوأما عقائدهم الباقية فإنها لمبسوطة موجودة في كتب الفرق، ولقد ذكرنا ما فيها الكفاية وتفي بالمطلوب. ولقد طولنا الكلام في هذه الفئة من\n_________\n(١) - الخوارج والشيعة ص١٦٥ إلى ١٦٩.","vol":"1","page":194},{"text":"الشيعة وهذا الرجل لأنه هو وطائفته هم تركة السبئية الحقيقية، ومنهم أخذ بالأفكار وتمسك بالآراء من جاء من الشيعة بعدهم، وعندئذ بدأ التشيع الأصلي يذوب، والشيعة الأولى ينقرضون إلا القليل القليل. وعلى رأسهم أولاد علي وبنو هاشم، وبدأت أفكار السبئية تتسرب إليهم وتتغلب عليهم، خصوصًا شهادة حسين ﵁ جعلت الموالين لعلي وأولاده، وحتى بعض الطالبيين أيضًا يحسون بالحرمان الكبير واليأس الكثير، ويجدون أنفسهم تواقة إلى الانتقام وخصوصًا قلب نظام الحكم القائم المتهم بقتل الحسين وأهله في كربلاء، وبدأ بعض الجهلة والمغفلين ينقمون كل ما يتصل بالحكام\nويبغضون كل ما يرى برأيهم وحتى العقائد والمعتقدات، فلما رأى هؤلاء أن ولاة الأمر يعظمون أبا بكر وعمر وعثمان وبقية أصحاب النبي ﷺ وأزواجه أمهات المؤمنين بدءوا يتبرؤون منهم ويتكلمون فيهم. لا لأنهم يجدون عليهم شيئًا، بل كرهًا لكل ما يسمعونه على المنابر وفي المحاريب. وعلى ذلك نقل الذهبي عن شيخ الإسلام ابن تيمية:\nكان السلف متفقين على تقديم أبي بكر وعمر حتى شيعة علي ﵁. وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق: حدثنا محمد بن حميد حدثنا جرير عن سفيان عن عبد الله بن زياد بن حدير قال: قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة، قال لنا شمر بن عطية: قوموا إليه، فجلسنا إليه، فتحدثوا. فقال أبو إسحاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون ... وعن ضمرة عن سعيد بن حسن قال: سمعت ليث بن أبي سليم يقول: أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدًا. وقال أحمد بن","vol":"1","page":195},{"text":"حنبل حدثنا سفيان بن عيينة عن خالد بن سلمة عن مسروق قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة. ومسروق من أجلّ تابعي الكوفة وكذلك قال طاووس ... وقد روى ذلك عن ابن مسعود. وكيف لا تقدم الشيعة الأولى أبا بكر وعمر وقد تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. وقد روي هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين طريقًا. وقد روى البخاري عنه في صحيحه من حديث الهمدانيين - الذين هم أخص الناس بعلي حتى كان يقول:\nولو كنت بوابًا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلي بسلام\n\nفقد رواه البخاري من حديث سفيان الثوري وهو همداني، عن منذر وهو همداني عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: يا بني أو ما تعرف؟ فقلت: لا. قال: أبو بكر. فقلت: ثم من؟ قال: عمر. وهذا يقوله لابنه بينه وبينه، ليس هو مما يجوز أن يقوله تقية. ويرويه عن أبيه خاصة. وقاله على المنبر. وعنه أنه كان يقول: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري\" (١) \"\n\"وكتب محب الدين الخطيب في الهامش هذا نص تاريخي عظيم في تحديد تطور التشيع، فإن أبا إسحاق السبيعي كان شيخ الكوفة وعالمها، ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان قبل شهادته بثلاث سنين، وعمّر حتى توفي سنة ١٢٧، وكان طفلًا في خلافة أمير المؤمنين علي. وهو يقول عن نفسه: رفعني أبي حتى رأيت علي بن\nأبي طالب يخطب أبيض الرأس واللحية. ولو عرفنا متى فارق الكوفة ثم عاد فزارها لتوصلنا إلى معرفة\n_________\n(١) - المنتقى للذهبي ص٣٦٠، ٣٦١ ط. القاهرة بتحقيق السيد محي الدين الخطيب.","vol":"1","page":196},{"text":"الزمن الذي كان فيه شيعة الكوفة علويين يرون ما يراه إمامهم من تفضيل أبي بكر وعمر، ومتى أخذوا يفارقون عليًّا ويخالفونه فيما كان يؤمن به ويعلنه على منبر الكوفة من أفضلية أخويه صاحبي رسول الله ﷺ ووزيريه وخليفتيه على أمته في أتقى وأطهر أزمانها. ومن العجيب أن الخوارج والإباضية ثبتوا على عقيدتهم الأولى في أبي بكر وعمر كما كانوا عليه مع علي إلى مدة الحكم، والشيعة نقضوا هذه العقيدة وعصوا فيها إمامهم بعد القرن الأول، أي في أواخر حياة أبي إسحاق السبيعي\" (١) \".\nهذا وبلغ الأمر بعد تطور الشيعة إلى حد أنهم بدءوا ينكرون المسلمات والأسس التي عليها يقوم المذهب الإسلامي الحنيف والشريعة السماوية السمحاء. فقط لأن الحكام يتمسكون بها ويعتقدونها، مثل القرآن، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة رسول الله التي جعلها الله بيانًا لهذا القرآن\" (٢) \"\nثم وبعد شهادة الحسين ﵁ كثرت الخزعبلات والخرافات في الشيعة حتى إن المخلصين من الأشراف ومن الشيعة الأولى حاولوا إقامة السد في طريق هذه السخافات ومنع الناس عن اعتناقها ولكنهم فشلوا في ذلك، ثم اضطروا إلى التباعد عنها وعن التشيع بعدما قنطوا ويئسوا من رجوع القوم إلى الحق وانتهائهم عن الغي والضلالات، فهذا هو ابن الأشتر إبراهيم يذكره ولهوزن ضمن تسلط المختار على الشيعة وامتناع إبراهيم عن الانضمام إليه حيث يقول:\nفكان على المختار أن يكسب رجلًا آخر في الكوفة نفسها لا يستطيع من دونه أن يلقى رؤساء الشيعة نجاحًا ضد الأشراف والوالي.\n_________\n(١) - المنتقى للذهبي الهامش ص٣٦٠، ٣٦١\n(٢) - ولقد فصلنا القول في هذا في كتابنا (الشيعة والقرآن) و(الشيعة والسنة) من أراد معرفة ذلك فليرجع إليهما.","vol":"1","page":197},{"text":"هذا الرجل هو إبراهيم بن الأشتر زعيم قبلة النخع من مذحج. وكان بارعًا ماكرًا مستقل الرأي، وكان كأبيه مخلصًا لعلي، وكان على اتصال بابن الحنفية. ولكنه لم يكن يؤمن بالتشيع على الصورة التي استحال إليها في ذلك العهد. لم يشأ الانضمام إلى سليمان بن صرد كما لم يرغب في أن يعرف شيئًا عن المختار. ولم تفلح المحاولات في اكتسابه. وأخيرًا وصله كتاب يطلب فيه ابن الحنفية نفسه منه أن يعترف بالمختار بن أبي عبيد. ولكنه تضايق من كون ابن الحنفية يلقب نفسه في هذا الكتاب بلقب \"المهدي\" وهو أمر لم يعهد منه، فحاك في صدره الشك في صحته. ولكن الذين قدموا بالكتاب، والمختار نفسه أكدوا صحة الكتاب، إلا اثنين لفتا نظره بتحفظهم، وهما: عامر بن شراحيل الشعبي الراوي الفقيه المحدث الكبير. وأبوه شراحيل. فانتحى بعامر ناحية وسأله هل يشك في أمانة هؤلاء الشهود على صحة الكتاب. فقال عامر الشعبي: معاذ الله فإنهم \"سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقًّا! \" (١) \".\nفسأله ابن الأشتر أن يكتب له أسماءهم وكتب محضرًا صوريًّا بما وقع. فلما اطمأن قلبه بهذا امتثل لما ورد في الكتاب ووضع نفسه في خدمة المختار بن أبي عبيد\" (٢) \".\nولما تقلب المختار وبدأ يظهر ما كان يكنه من الأفكار السبئية من عداوة السلف الصالح والطعن في أصحاب رسول الله ﷺ:\n\"أخذوا يعتبون على المختار أنه تأمر عليهم بغير رضى منهم ولا بإذن من ابن الحنفية وأنه أظهر هو وسبئيته (ببدع ابتدعها في الإسلام) البراءة من أسلافهم الصالحين\" (٣) \".\n\"واحتل هؤلاء الأشراف المراكز الرئيسية في الكوفة وحصروا\n_________\n(١) - الطبري ٢/ ٦١٢\n(٢) - الخوارج والشيعة ص١٤٧، ١٤٨\n(٣) - الخوارج والشيعة ص١٥٥","vol":"1","page":198},{"text":"المختار في القصر والمسجد وقطعوا الاتصال بينه وبين الخارج. وحتى يفسد عليهم تدبيرهم اقترح عليهم أن يبعثوا من قبلهم وفدًا إلى ابن الحنفية ويرسل هو من قبله وفدًا إليه لسؤاله في تأييد ابن الحنفية له، ولكن لم ينجح في هذا التدبير\" (١) \".\nويقول: \"كان المختار في الذروة، وكان أيضًا أمام الهاوية. فالشيعة العرب من الجيل القديم كانوا لا يثقون به حتى اعتزلوه جانبًا\" (٢) \".\nوهذا القدر يكفي لبيان الصراع الذي حدث بين الشيعة في التطور والتغير من المنهج الأول القديم، وبدأ الشيعة أكثرهم يعتقدون بمثل هذه الخرافات والسخافات عن الحمامات البيض بأنها ملائكة، وعن الكرسي المقدس والنبوءات وأخبار الغيب.\nثم حصلت التفرقة في الشيعة مرة ثانية بعد قتل المختار:\nففرقة قالت بإمامة علي بن الحسين، وكان يكنى بأبي محمد ويكنى بأبي بكر وهي كنيته الغالبة عليه فلم تزل مقيمة على إمامته حتى توفي بالمدينة في المحرم في أول سنة أربع وتسعين وهو ابن خمس وخمسين سنة، وكان مولده في سنة ثمان وثلاثين وأمه أم ولد يقال لها سلافة وكانت تسمى قبل أن تسبى جهانشاه وهي ابنة يزدجرد بن شهريار بن كسرى ابرويز بن هرمز وكان يزدجرد آخر ملوك فارس.\n(وفرقة) قالت انقطعت الإمامة بعد الحسين إنما كانوا ثلاثة أئمة مسمين بأسمائهم استخلفهم رسول الله ﷺ وأوصى إليهم وجعلهم حججًا على الناس وقومًا بعده واحدًا بعد واحد فلم يثبتوا إمامة لأحد بعدهم.\n_________\n(١) - الخوارج والشيعة ص١٥٦.\n(٢) - الخوارج والشيعة ص١٥٩","vol":"1","page":199},{"text":"(وفرقة) \"قالت إن الإمامة صارت بعد مضي الحسين في ولد الحسن والحسين فهي فيهم خاصة دون سائر ولد علي بن أبي طالب وهم كلهم فيها شرع سواء من قام\nمنهم ودعا لنفسه فهو الإمام المفروض الطاعة بمنزلة علي بن أبي طالب واجبة إمامته من الله ﷿ على أهل بيته وسائر الناس كلهم فمن تخلف عنه في قيامه ودعائه إلى نفسه من جميع الخلق فهو هالك كافر ومن ادعى منهم الإمامة وهو قاعد في بيته مرخى عليه ستره فهو كافر مشرك وكل من اتبعه على ذلك وكل من قال بإمامته\" (١) \".\nوفرق أخرى كثيرة، منها من قالت بإمامة أبناء الحسن ومن قالت بغيره.\nومنهم من ذهب إلى إثبات النبوة بعد النبي ﷺ لغيره، ومنهم من أوجب الإلهية لغير الله ﷿ كما ذكرهم ابن حزم في فصله:\n\nفالطائفة التي أوجبت النبوة بعد النبي ﷺ فرق، فمنهم<span data-type=\"title\" id=toc-121> الغرابية </span>وقولهم أن محمدًا ﷺ أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وأن الله ﷿ بعث جبريل ﵇ بالوحي إلى علي، فغلط جبريل بمحمد .. وفرقة قالت بنبوة علي، وفرقة قالت بأن علي بن أبي طالب والحسن والحسين ﵃ وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي والحسن بن محمد والمنتظر ابن الحسن أنبياء كلهم.\nوفرقة قالت بنبوة محمد بن إسماعيل بن جعفر فقط وهم طائفة من القرامطة.\nوفرقة قالت بنبوة علي وبنيه الثلاثة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية\n_________\n(١) - فرق الشيعة للنوبختي الشيعي ص٧٤","vol":"1","page":200},{"text":"فقط. وهم طائفة من الكيسانية وقد حام المختار حول [ادعاء] النبوة لنفسه وسجع أسجاعًا وأنذر بالغيوب عن الله تعالى واتبعه على ذلك طوائف من الشيعة الملعونة وقال بإمامة محمد بن الحنفية.\nوفرقة قالت بنبوة المغيرة بن سعيد ... وقالت فرقة منهم بنبوة منصور العجلي وهو الملقب بالكسف، وكان يقال إنه المراد بقول الله ﷿: ﴿وإن يروا كسفًا من السماء ساقطًا ...﴾ والقسم الثاني الذين يقولون بالإلهية لغير الله ﷿ فأولهم قوم من أصحاب عبد الله بن سبأ الحميري لعنه الله أتوا إلى علي بن أبي طالب فقالوا مشافهة أنت هو فقال لهم ومن هو قالوا أنت الله فاستعظم الأمر وأمر بنار فأججت وأحرقهم بالنار فجعلوا يقولون وهم يرمون في النار الآن صح عندنا أنه الله لأنه لا يعذب بالنار إلا الله وفي ذلك يقول ﵁:\nلما رأيت الأمر أمرًا منكرًا ... أججت نارًا ودعوت قنبرا\n\nيريد قنبرًا مولاه وهو الذي تولى طرحهم في النار نعوذ بالله من أن نفتتن بمخلوق أو يفتتن بنا مخلوق فيما جل أو دقّ فإن محنة أبي الحسن ﵁ من بين\nأصحابه ﵃ كمحنة عيسى ﷺ بين أصحابه من الرسل ﵈ وهذه الفرقة باقية إلى اليوم فاشية عظيمة العدد يسمون العليانية منهم كان إسحاق بن محمد النخعي الأحمر الكوفي وكان من متكلميهم وله في ذلك كتاب سماه الصراط نقض عليه البهنكي والفياض لما ذكرنا، ويقولون أن محمدًا رسول علي، وقالت طائفة من الشيعة يعرفون بالمحمدية أن محمدًا ﵇ هو الله، تعالى الله عن كفرهم ... وفرقة قالت بإلاهية آدم ﵇ والنبيين بعده نبيًّا نبيًّا إلى محمد ﵇ ثم بإلاهية علي ثم بإلاهية الحسن ثم الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ووقفوا هاهنا وأعلنت","vol":"1","page":201},{"text":"الخطابية بذلك نهارًا بالكوفة في ولاية عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فخرجوا صدر النهار في جموع عظيمة في ازرواردية محرمين ينادون بأعلى أصواتهم لبيك جعفر! لبيك جعفر قال ابن عياش وغيره كأني أنظر إليهم يومئذ فخرج إليهم عيسى بن موسى فقاتلوه فقتلهم واصطلمهم، ثم زادت فرقة على ما ذكرنا فقالت بإلاهية محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد وهم القرامطة وفيهم من قال بإلاهية أبي سعيد الحسن بن بهرام الجبائي وأبنائه بعده، ومنهم من قال بإلاهية أبي القاسم النجار القائم باليمن في بلاد همدان المسمى بالمنصور، وقالت طائفة منهم بإلاهية عبيد الله ثم الولاة من ولده إلى يومنا هذا، وقالت طائفة بإلاهية أبي الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد بالكوفة وكثر عددهم بها حتى تجاوزوا الألوف وقالوا هو إله وجعفر بن محمد إله إلا أن أبا الخطاب أكبر منه وكانوا يقولون جميع أولاد الحسن أبناء الله وأحباؤه وكانوا يقولون أنهم لا يموتون ولكنهم يرفعون إلى السماء وأشبه على الناس بهذا الشيخ الذي ترون، ثم قالت طائفة منهم بإلاهية معمر بائع الحنطة بالكوفة وعبدوه كان من أصحاب أبي الخطاب لعنهم الله أجمعين، وقالت طائفة بإلاهية الحسن بن منصور حلاج القطن المصلوب ببغداد بسعي الوزير ابن حامد بن العباس ﵀ أيام المقتدر، وقالت طائفة بإلاهية محمد بن علي ابن الشلمغاني الكاتب المقتول ببغداد أيام الراضي وكان أمر أصحابه أن يفسق الأرفع قدرًا منهم به ليولج فيه النور كل هذه الفرق ترى الاشتراك في النساء، وقالت طائفة منهم بإلاهية شباش المغيم في وقتنا هذا حيًّا بالبصرة، وقالت طائفة منهم بإلاهية أبي مسلم السراج ثم قالت طائفة من هؤلاء بإلاهية المقنع الأعور القصار القائم بثار أبي مسلم واسم هذا القصار هاشم وقتل لعنه الله أيام المنصور","vol":"1","page":202},{"text":"وأعلنوا بذلك فخرج المنصور فقتلهم وأفناهم إلى لعنة الله، وقالت الرنودية بإلاهية أبي جعفر المنصور، وقالت طائفة منهم بإلاهية عبد الله بن الخرب الكندي الكوفي وعبدوه وكان يقول بتناسخ الأرواح وفرض عليهم تسعة عشر صلاة في اليوم والليلة في كل صلاة خمسة عشر ركعة إلى أن ناظره رجل من متكلمي الصفرية وأوضح له براهين الدين فأسلم وصح إسلامه وتبرأ من كل ما كان عليه وأعلم أصحابه بذلك وأظهر التوبة فتبرأ منه جميع أصحابه الذين كانوا يعبدونه ويقولون بإلاهيته ولعنوه وفارقوه ورجعوا كلهم إلى القول بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وبقي عبد الله بن الخرب على الإسلام وعلى مذهب الصفرية إلى أن مات وطائفته إلى اليوم تعرف\nبالحزبية ومن السبابية القائلين بإلهية علي، وطائفة تدعي النصرية وقد غلبوا في وقتنا هذا على جند الأردن والشام وعلى مدينة طبرية خاصة ومن قولهم لعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولعن الحسن والحسين ابني علي ﵃ وسبهم بأقذع السب وقذفهم بكل بلية والقطع بأنها وابنيها ﵃ ولعن مبغضيهم شياطين تصوروا في صورة الإنسان وقولهم في عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل علي ﵁ عن علي ولعنة الله على ابن ملجم فيقول هؤلاء أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي أفضل أهل الأرض وأكرمهم في الآخرة لأنه خلص روح اللاهوت مما كان يتشبث فيه من ظلمة الجسد وكدرة فأعجبوا لهذا الجنون واسألوا الله العافية من بلاء الدنيا والآخرة فهي بيده لا بيد أحد سواه جعل الله حظنا منها الأوفى، واعلموا أن كل من كفر هذه الكفرات الفاحشة ممن ينتمي إلى الإسلام فإنما عنصرهم الشيعة والصوفية فإن من الصوفية من يقول إن من عرف الله تعالى سقطت عنه الشرائع، وزاد بعضهم واتصل بالله","vol":"1","page":203},{"text":"تعالى، وبلغنا أن بنيسابور اليوم في عصرنا هذا رجلًا يكنى أبا سعيد أبا الخير هكذا معًا من الصوفية مرة يلبس الصوف ومرة يلبس الحرير المحرم على الرجال ومرة يصلي في اليوم ألف ركعة ومرة لا يصلي لا فريضة ولا نافلة وهذا كفر محض ونعوذ بالله من الضلال\" (١) \".\nوقد ذكر هذه الفرق جلها كل من الأشعري والبغدادي والملطي والإسفرائيني وغيرهم من الأعلام.\nوجلّ هذه الفرق حدثت بعد قتل الحسين ﵁ وفي أيام علي بن الحسين الملقب بزين العابدين.\nالشيعة بعد علي بن الحسين\nتوفي علي بن الحسين وهو على ولاء كامل ووفاء تام لحكام بني أمية وخلفائه حتى إنه تجنب مساعدة ومناصرة كل من قام ضدهم في المدينة أو في مكة \" (٢) \"\n\nالزيدية\n\nوخلف علي بن الحسين أولادأً كثيرين، منهم محمد المكنى بأبي جعغر الباقر وزيد وعمر وغيرهم، فاختلف الشيعة في أمر محمد بن علي وزيد بن علي، فقوم إتبعوا محمدًا، وقوم منهم زيدًا كما ذكر المؤرخ الشيعي:\nإن الزيدية قالوا بإمامة علي ثم ابنه الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه زين العابدين، ثم ابنه زيد بن علي، وهو صاحب هذا المذهب، وخرج بالكوفة داعيًا إلى الإمامة، فُقتل وصُلب بالكناسة.\nوقال الزبدية بإمامة\n_________\n(١) - الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ص١٨٣ وما بعد.\n(٢) - انظر لذلك كتب التاريخ للشيعة والسنة.","vol":"1","page":204},{"text":"ابنه يحيى من بعده، فمضى إلى خراسان وُقتل بالجوزجان بعد أن أوصى إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن السبط.\nفخرج بالحجاز فُقتل، وعهد إلى أخيه إبراهيم، فقام بالبصرة ومعه عيسى بن زيد، فوجه إليهم المنصور عساكره، فقتل إبراهيم وعيسى .... وذهب آخرون من الزيدية، إلى أن الإمام بعد يحيى هو أخوه عيسى، ونقلوا الإمامة في عقبه، وقال آخرون منهم أن الإمام بعد محمد بن عبد الله هو أخوه إدريس الذي فر إلى المغرب ومات هناك، وقام بأمره ابنه إدريس واختط مدينة فاس.\nوكان عقبه ملوك المغرب، وكان منهم الداعي الذي ملك طبرستان، وأخوه محمد.\nثم قام بهذه الدعوة في الديلم، الناصر الأطروش منهم، وأسلموا على يده (١).\nوأما النوبختي فكتب:\nالزيدية، الأقوياء منهم والضعفاء.\nفأما الضعفاء منهم فسموا العجلية، وهم أصحاب هارون سعيد العجلي، وفرقة منهم يسمون البترية، وهم أصحاب كثير النواء والحسن بن صالح بن حي وسالم بن أبي حفصة والحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وأبي المقدام ثابت الحداد، وهم الذين دعوا الناس إلى ولاية علي ﵇، ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر، فهم عند العامة أفضل هذه الأصناف، وذلك أنهم يفضلون عليًا، ويثبتون إمامة أبي بكر، وينتقصون عثمان وطلحة والزبير، ويرون الخروج مع كل ولد علي ﵇، يذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويثبتون لمن خرج من ولد علي الإمامة عند خروجه، ولا يقصدون في الإمامة قصد رجل بعينه حتى يخرج، كل ولد علي عندهم على السواء، من أي بطن كان.\n_________\n(١) الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين ص٧٠،٧١،٧٢، ومثل ذلك في شيعة دار سلام فارسي لمحمد حسين الطباطبائي ط قم. ص ٣٤.","vol":"1","page":205},{"text":"وأما الأقوياء منهم فمنهم أصحاب (أبي الجارود) وأصحاب (أبي خالد الواسطي) وأصحاب (فضيل الرسان) و\"منصور بن أبي الأسود \".\nوأما (الزيدية) الذين يدعون (الحسينية) فإنهم يقولون: من دعا إلى الله ﷿ من آل محمد، فهو مفترض الطاعة. وكان (علي بن أبي طالب) إمامًا في وقت ما دعا الناس وأظهر أمره، ثم كان بعد \" الحسين \" إمامًا عند خروجه وقبل ذلك إذا كان مجانبًا لمعاوية ويزيد بن معاوية حتى ُقتل، ثم زيد بن علي بن الحسين المقتول في الكوفة، أمه أم ولد. ثم يحيى بن زيد بن علي المقتول بخراسان وأمه ريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، ثم ابنه الآخر عيسى بن زيد بن علي، وأمه أم ولد، ثم محمد بن عبد الله بن الحسن وأمه هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن العزي بن قصي، ثم من دعا إلى طاعة الله من آل محمد صلى الله عليه وآله فهو إمام \" (١).\n\nولقد ذكر الشهرستاني عند ذكر فرق الشيعة واختلافهم في الآراء:\nالزيدية، أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵇، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵍ ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة يكون إمامًا واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين، وعن هذا قالت طائفة منهم بإمامة محمد وإبراهيم الإمامين ابني عبد الله بن الحسن بن الحسين الذين خرجا في أيام المنصور، وُقتلا على ذلك.\nوجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة.\nوزيد بن علي لما كان مذهبه هذا المذهب، أراد أن يحصل على الأصول والفروع حتى يتحلى بالعلم،\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص٧٧ إلى ٨٠","vol":"1","page":206},{"text":"فتتلمذ في الأصول واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة، مع اعتقاد واصل بأن جده علي بن أبي طالب في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأصحاب الشام، ما كان على يقين من الصواب، وأن أحد الفريقين منهما كان على خطأ لا بعينه.\nفاقتبس منه الاعتزال، وصارت أصحابه كلها معتزلة.\nوكان من مذهبه جواز إمامه المفضول مع قيام الأفضل، فقال: كان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة،\nوتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا، وسيف أمير المؤمنين علي ﵇ عن دماء المشركين من قريش لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن من عرفوه باللين والتودد، والتقدم بالسن، والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله ﷺ.\nألا ترى أنه لما أراد في مرضه الذي مات فيه تقليد الأمر عمر بن الخطاب ﵁، زعق الناس وقالوا: لقد وليت علينا فظًا غليظًا، فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر لشدة وصلابة وغلظة له في الدين، وفظاظة على الأعداء، حتى سكنهم أبو بكر ﵁.\nوكذلك يجوز أن يكون المفضول إمامًا والأفضل قائم، فيرجع إليه في الأحكام، ويحكم بحكمه في القضايا. ولما سمعت شيعة أهل الكوفة هذه المقالة منه، وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين، رفضوه، حتى أتى قدره عليه، فسميت رافضة. وجرت بينه وبين أخيه محمد الباقر مناظرة لا من هذا الوجه، بل من حيث كان يتلمذ لواصل بن عطاء، ويقتبس العلم ممن يجوّز الخطاء على جده في قتال الناكثين والقاسطين، ومن يتكلم في القدر على","vol":"1","page":207},{"text":"غير ما ذهب إليه أهل البيت. ومن حيث إنه يشترط الخروج شرطًا في كون الأمام إماما. حتى قال له يومًا: على قضية مذهبك والدك ليس بإمام، لأنه لم يخرج قط، ولا تعرض للخروج.\n\nولما قتل زيد بن علي، قام بالإمامة بعده يحيى بن زيد، ومضى إلى خراسان ... فزيد بن علي قتل بكناسة الكوفة، قتله هشام بن عبد الملك، ويحيى بن زيد قتل في خراسان، قتله أميرها، ومحمد الأمام قتله بالمدينة عيسى بن ماهان، وإبراهيم الإمام قتل بالبصرة، أمر بقتلهما المنصور. ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان ناصر الأطروش، فطلب مكانه ليقتل، فاختفى واعتزل إلى بلاد الديلم، والجبل لم يتحلوا بدين الإسلام بعد، فدعى الناس دعوة الإسلام على مذهب زيد بن علي، فدانوا بذلك، ونشأوا عليه.\nوبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين، وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة، ويلي أمرهم، وخالفوا بني أعمامهم من الموسوية في مسائل الأصول، ومالت أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول، وطعنت في الصحابة طعن الإمامية، وهم أصناف ثلاثة:\nجارودية وسليمانية وبترية، والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الجارودية</span>، أصحاب أبي الجارود، زعموا أن النبي ﷺ نص على عليّ ﵇ بالوصف دون التسمية، والإمام بعده علي، والناس قصروا، لم يتعرفوا الوصف ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم، فكفروا بذلك. وقد خالف أبو الجارود في هذه المقالة، إمامه زيد ين علي، فإنه لم يعتقد بهذا الاعتقاد.\nواختلف الجارودية في التوقف والسوق، فساق بعضهم الإمامة من علي إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم إلى علي بن الحسين زين","vol":"1","page":208},{"text":"العابدين، ثم إلى زيد بن علي، ثم منه إلى الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ... والذين قالوا بإمامة محمد الإمام إختلفوا، فمنهم من قال: إنه لم يُقتل وهو بعد حي، وسيخرج فيملأ الأرض عدلًا، ومنهم من أقر بموته وساق الإمامة إلى محمد بن القاسم بن علي بن الحسين بن علي بن صاحب الطالقان. وقد أسر في أيام المعتصم، وحُمل إليه، فحبسه في داره حتى مات.\nومنهم من قال بإمامة يحيى بن عمر صاحب الكوفة، فخرج ودعا الناس، واجتمع عليه خلق كثير، وُقتل في أيام المستعين، وُحمل رأسه إلى محمد بن عبد الله بن ظاهر، حتى قال فيه بعض العلوية:\nقتلت أعز من ركب المطايا ... وجئتك استلينك في الكلام\nوعزّ عليّ أن ألقاك إلا ... وفيما بيننا حد الحسام\n\nوهو يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين زيد بن علي.\n\nوأما أبو الجارود، فكان ُيسمى سرحوب. سماه بذلك أبو جعفر محمد بن علي الباقر ﵁. وسرحوب، شيطان أعمى يسكن البحر \" (١).\n\nوذكر القاضي النعمان الزيدية في أرجوزته بقوله:\nوقالت الطائفة الزيدية ... مقالة لم تكُ بالمرضية\nبأن كل قائم يقوم من ... نسل الحسين بن علي والحسن\nبسيفه يدعو إلى التقدم ... فهو الإمام دون من لم يقم\nمنهم ومن كل إمرئ في وقته ... مستترًا قد انزوى في بيته\nواتبعوا زيدًا على ما رتبوا ... من الدعاوي، وإليه نسبوا\nحتى إذا ُقتل قاموا بعده ... مع الحسين، حين قام وحده\n_________\n(١) الملل والنحل ج ١ ص٢٠٧ ومابعد، ومثل ذلك في مقالات الاسلاميين ج١ ص٢٨ ومابعد، ومقدمة إبن خلدون ص١٧٩، الفرق بين الفرق ص ٢٩، والتبصير ص ٣٢، الفصل ج ٤ ص١٧٩، ومقاتل الطالبيين للأصفهاني الشيعي ص١٢٧ ومابعد.","vol":"1","page":209},{"text":"واتبعوا يحيى بن زيد إذ بدا ... ثم تولوا بعده محمدا\nأعني ابن عبد الله من نسل حسن ... وكلهم ظل قتيلًا مرتهن\nفهؤلاء عندهم أئمة ... ومن يقوم بعدهم للأمة\nوكل من سواهم الرعية ... كسائر الأمة بالسوية (١).\n\nوقبل أن ننتهي من الكلام فيهم، نريد أن نذكر شيعة الكوفة، وجبنهم وتخاذلهم القديم. الكوفة التي وضعوا فيها روايات مختلقة كثيرة عن علي ﵁ أنه قال:\n\" كأني بك يا كوفة تمدين مد الأديم العكاظي، تعركين بالنوازل، وتركبين بالزلازل، وإني لأعلم أنه ما أراد بك جبار سوء إلا ابتلاه الله بشاغل، أو رماه بقاتل \" (٢).\nوقال:\nأنه ُيحشر من ظهورها يوم القيامة سبعون ألفًا، وجوههم على صورة القمر. وقوله ﵇: هذه مدينتنا ومحلتنا، ومقر شيعتنا.\nوقول جعفر بن محمد ﵇: اللهم ارم من رماها، وعاد من عاداها.\nوقوله ﵇: تربة تحبنا ونحبها \" (٣).\n\nنذكر في هذه الكوفة، عبارتين عن إمامي الشيعة الكبار، فإن المسعودي روى أن زيد بن علي بن الحسين الذي استشهد في سنة إحدى وعشرين ومائة، أو إثنتين وعشرين ومائة:\n\" شاور أخاه أبا جعفر بن علي إبن الحسين بن علي، فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة، إذ كانوا أهل غدر ومكر، وقال له: بها ُقتل\n_________\n(١) الأرجوزة المختارة للقاضي النعمان ص٢١٤ ط مونتريال - كندا.\n(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ٣ ص١٩٧.\n(٣) أيضا ص١٩٨.","vol":"1","page":210},{"text":"جدك علي، وبها ُطعن عمك الحسن، وبها ُقتل أبوك الحسين، وأعمالها شتمنا أهل البيت \" (١).\nوأما الثاني، فهو المفيد يكتب وهو يذكر زيد بن علي:\nإنه لم يكره قوم قط حد السيف إلا ذلوا. فلما وصل إلى الكوفة، إجتمع إليه أهلها، فلم يزالوا به حتى بايعوه على الحرب، ثم نقضوا وأسلموه فقتل، وصلب بينهم أربع سنين لا ينكر أحد منهم ولا يعينوه بيد ولسان \" (٢)\nهذا كان أمر الزيدية (٣) وهؤلاء كانوا هم.\n\nوهناك فرق أخرى افترقوا وتفرعوا إلى فرق وفروع أخرى غير الزيدية، مثل الذين قالوا بإمامة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن المثنى بن علي بن أبي طالب المقتول بها،\n\" وزعموا أنه القائم وأنه الإمام المهدي وأنه ُقتل، وقالوا إنه حي لم يمت مقيم بجبل يقال له العلمية، وهو الجبل الذي في طريق مكة ونجد، الحاجز عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وهو الجبل الكبير، وهو عنده مقيم فيه حتى يخرج، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: القائم المهدي إسمه إسمي، واسم أبيه إسم أبي.\nوكان أخوه (إبراهيم بن عبد الله بن الحسن) خرج بالبصرة، ودعا إلى إمامة أخيه (محمد بن عبد الله) واشتدت شوكته، فبعث إليه المنصور بالخيل، فُقتل بعد حروب كانت بينهم. وكان (المغيرة بن سعد) قال بهذا القول لما توفي أبو جعفر محمد بن علي، وأظهر المقالة بذلك، فبرئت منه الشيعة أصحاب (أبي عبد الله جعفر بن محمد) ﵉، ورفضوه، فزعم أنهم رافضة وأنه هو الذي سماهم بهذا الاسم، ونصب\n_________\n(١) مروج الذهب ج٣ ص٢٠٦.\n(٢) الإرشاد المفيد ص٢٦٩.\n(٣) ولقد اختصرنا القول في الزيدية لقصدنا اصدار كتاب مستقل إن شاء الله.","vol":"1","page":211},{"text":"أصحاب المغيرة إمامًا، وزعم أن الحسين بن علي أوصى إليه ثم أوصى إليه علي بن الحسين، ثم زعم أن أبا جعفر محمد بن علي ﵇ وعلى آبائه السلام أوصى إليه، فهو الإمام إلى أن يخرج المهدي.\nوأنكروا إمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد ﵇، وقالوا لا إمامة في بني علي بن أبي طالب بعد أبي جعفر محمد بن علي، وأن الإمامة في (المغيرة بن سعيد) إلى خروج المهدي، وهو عندهم (محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن) وهو حي لم يمت ولم يُقتل، فسموا هؤلاء (المغيرية)، بإسم المغيرة بن سعيد، مولى خالد بن عبد الله القسري. ثم ترقى الأمر بالمغيرة، إلى أن زعم أنه رسول نبي، وأن جبرئيل يأتيه بالوحي من عند الله. فأخذه خالد بن عبد الله القسري فسأله عن ذلك، فأقر به، ودعا خالدًا إليه، فاستتابه خالد، فأبى أن يرجع عن قوله، فقتله وصلبه، وكان يدّعي أنه يحيي الموتى، وقال بالتناسخ، وكذلك قول أصحابه إلى اليوم \" (١).\n\nوطائفة إعتقدت الإمامة لمحمد الباقر بن علي زين العابدين، وقالوا إنه هو الإمام بعد أبيه بنص منه (٢).\nوبعد وفاة محمد الباقر سنة أربعة عشرة بعد المائة، إجتمعت الشيعة حول إبنه جعفر، البقية الذين بقوا على إمامته لأن البعض منهم رجعوا ومالوا عن إمامته كما ذكر النوبختي:\n\" وأما الذين ثبتوا على إمامة علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين، ثم لعلي بن الحسين ﵇، ثم نزلوا إلى القول بإمامة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين باقر العلم ﵇، فأقاموا على إمامته إلى أن توفى، غير نفر يسير منهم، فإنهم سمعوا رجلًا منهم ُيقال له (عمر بن رياح) زعم أنه سأل أبا جعفر ﵇ عن مسألة،\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص٨٢، ٨٣، ٨٤.\n(٢) الكافي للكليني ج١ ص٣٠٤.","vol":"1","page":212},{"text":"فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية. فشك في أمره وإمامته.\nفلقي رجلًا من أصحاب أبي جعفر ُيقال له (محمد بن قيس) فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب، ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني فيها بخلاف جوابه الأول، فقلت له لم فعلت ذلك فقال فعلته للتقية، وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به، فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي. فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه. فقال له: ما حضر\nمجلسه في واحدة من المسألتين غيري، لا، ولكن جوابيه جميعًا خرجا على وجه التبكيت، ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيب مثله.\nفرجع عن إمامته وقال: لا يكون إمامًا من يفتي بالباطل على شيئ بوجه من الوجوه، ولا في حال من الأحوال، ولا يكون إمامًا من يفتي تقية بغير ما يجب عند الله، ولا من يرخي ستره ويغلق بابه، ولا يسع الإمام إلا الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nفمال بسببه إلى قول البترية، ومال معه نفر يسير\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>الشيعة أيام جعفر بن الباقر</span>\nوفي أيامه كمل التطور في التشيع والتغير الجذري والتبدل التام الذي شمل عامة الشيعة، والذي كان بدؤه بعد مقتل الحسين ﵁ وعلى أيدي السبئية، فإنهم استطاعوا بعد ستين سنة من قتله وبعد تسعين سنة من نشأتهم، فصل طائفة من الناس عن المسلمين في معظم\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص٨٠، ٨١.","vol":"1","page":213},{"text":"المعتقدات وجل العقائد. الطائفة الكاملة التي تنسب إلى التشيع لعلي وأولاده ﵃ بجميع فرقها وطوائفها مع اختلاف القادة والزعماء واتجاهاتهم ومطامعهم، أغراضهم وأهدافهم، من حيث استغلوا النقمة المتوارثة والغضب الشديد المتنقل من الآباء إلى الأبناء من المحن والآلام والأوجاع نتيجة معارضة الحكام ومخالفة ولاة الأمور، والمقاتلة ضدهم والخروج عليهم والتشريد والتقتيل، زيادة على ذلك الدسائس والمؤامرات التي تدبر ويحكم نسيجها من وراء الأستار والتسميم الذهني والفكري، والاختلاط مع الشعوب الأجنبية بأفكارها وآرائها، المقهورة والمهزومة والمتغلب عليها وعلى بلادها وأمورها، والموتورة على الولاة وعساكرها الغازية المنصورة وجيوشها المظفرة المتغلبة، ثم واجتماع الفرس والموالي من البابليين والعاشوريين والكلدانيين وغيرهم من أصحاب الحضارات القديمة والثقافات الراقية - حسب زعمهم - واحتياجهم إلى منظمة ثائرة على الحكم والحكام، والناقمة على كل ما صدر منهم أو يصدر من الآراء والأفكار وحتى العقائد والمعتقدات.\nهذه الأشياء كلها جعلت التشيع يتقلب في قالب جديد، والشيعة تكون كتلة مختلفة عن الحكام والآخذين في زمام الأمور، إختلافا كاملا في جميع ما يذهبون إليه ويعتقدون به، وتشهد على ذلك رواية مروية عن جعفر أنه قال: إن كل حكم يخالف العامة يؤخذ به ويترك ما يوافقهم. فسأله سائل: جعلت فداك، أرأيت إن كان فقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفًا لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟\nقال: ماخالف العامة ففيه الرشاد.\nفقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعًا؟","vol":"1","page":214},{"text":"قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر\" (١).\n\nفيجب أن يكون هناك خلافًا، ويجب أن تكون مخالفة ولو على حساب القرآن والسنة، ولو على حساب الدين والمذهب. ولما كانت الأفكار السبئية والعقائد المختلقة منهم تناوئ الإسلام وتعاليمه، وكانت تلك العقائد والأفكار المختلقة المخترعة صادرة من الذين ادعوا التشيع لعلي، فكان الأجدر والأليق أن تتبنى وُيتمسك بها، لأنها تخالف معتقدات العامة وصدرت من الذين انتحلوا حب علي ومودته.\nوبدأ الشيعة يتجاهرون، وبدأت الشيعة تصوغ وتصنع في ضوء العقائد السبئية المسائل والفتاوى في العبادات والمعاملات، وتشرع في العقائد والمعاملات، وتنسبها إلى أئمة أهل بيت علي ﵁، لتأسيس مذهب جديد وتكوين دين مستقل، له تشريعه وفقهه، وأصوله وأسسه، وقواعده وقوانينه، منفصلة عن الدين الذي جاء به محمد ﷺ وقدمه للبشر كافة، واعتنقه أول ما\nاعتنق به أصحابه الأخيار ورفاقه الكرام البررة، ونقلوه عنه وتعاليمه التي أعطاها إياهم من القرآن وإرشادات الرسول الناطق بالوحي.\nوصار التشيع قائمًا على أقاويل الرجال وأفعالهم سواء صدرت هذه الأقوال منهم أم لا ولكنها تكفي بأنها نسبت إليهم.\nوإن عارضها أو ناقضها أي هذه الأقوال والأفعال قول وفعل ثابت عنهم قالوا: لم يكن هذا إلا تقية. وإن خالفها الكتاب المنزل من السماء قالوا: إن الكتاب حصل فيه التغيير والتبديل. وإن عارضتها السنة الثابتة قالوا: إنها لم تنقل إلا عن المرتدين - عياذًا بالله - لأن أصحاب الرسول كلهم ارتدوا بعده إلا ثلاثة (٢) فالقرآن مغيّر ومبدّل،\n_________\n(١) الأصول من الكافي، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث ج١ ص٦٨.\n(٢) انظر لتفصيل ذلك كتابنا (الشيعة والسنة) و(الشيعة أهل البيت) و(الشيعة والقرآن).","vol":"1","page":215},{"text":"والحديث رواته كفرة مرتدون، فلا عبرة بهما. لأن القرآن والحديث يناصران العامة ونحن على خلاف ما يقوله العامة.\nولأجل ذلك نبه أولاد علي ﵁، الطيبون منهم، على كذب وافتراء هؤلاء المنتحلين المدعين حبهم.\nكما روي عن جعفر بن الباقر - الإمام السادس المعصوم عند الشيعة - أنه قال: \" لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا ممن ينتحل مودتنا \" (١).\nعنه أيضا أنه قال:\n\" إنا أهل بيت صادقون، لا نخلوا من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه عند الناس، كان رسول الله أصدق الله لهجة وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين (ع) أصدق من برأ الله من بعد رسول الله، وكان الذي يكذب عليه من الكذب عبد الله بن سبأ لعنه الله، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي (ع) قد ابتلي بالمختار، ثم ذكر أبو عبد الله الحارث الشامي والبنان فقال: كانا يكذبان على علي بن الحسين (ع)، ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيعا والسري وأبا الخطاب ومعمرًاُ وبشار الأشعري وحمزة اليزيدي وصائب النهدي - أي أصحابه - فقال: لعنهم الله، إنا لا نخلوا من كذاب يكذب علينا، كفانا الله مؤنة كل كذاب وأذاقهم الله حر الحديد \" (٢).\nوعن حفيده علي الرضا - الإمام الثامن المعصوم حسب زعمهم - أنه قال: كان بنان يكذب على علي بن الحسين (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان المغيرة بن سعيد يكذب على إبن جعفر (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان محمد بن بشر يكذب على إبن الحسن علي بن موسى\n_________\n(١) رجال الكشي ص٢٥٩ تحت ترجمة أبي الخطاب.\n(٢) أيضا ص٢٥٧، ٢٥٨.","vol":"1","page":216},{"text":"الرضى (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان أبو الخطاب يكذب على أبي عبد الله (ع) فأذاقه الله حر الحديد، والذي يكذب علي، محمد بن الفرات (١).\nوعن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال: \" لعن الله بنان البيان، وإن بنان لعنه الله كان يكذب على أبي، أشهد أن أبي كان عبدًا صالحًا \" (٢).\nوبدءوا يتبرءون منهم، ويمنعون متبعيهم من الوقوع في شراكهم وحبائلهم، كما نقل الكشي عن جعفر أنه ذكر عنده جعفر بن واقد ونفر من أصحاب أبي الخطاب فقيل: أنه صار إليهم يتردد وقال فيهم:\nوهو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، قال هو الإمام، فقال أبو عبد الله (ع): لا والله لا يأويني وإياه سقف بيت أبدا، هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، والله ما صغر عظمة الله تصغيرهم شيئًا قط، وإن عزيرًا جال في صدره ما قالت اليهود، فمحى الله إسمه من النبوة. والله لو أن عيسى أقّر بما قالت فيه النصارى، لأورثه الله صممًا إلى يوم القيامة، والله لو أقررت بما يقول فيّ أهل الكوفة لأخذتني الأرض، وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على ضر شيئ ولا نفع شيئ.\nمحمد بن مسعود قال: حدثني علي بن محمد قال: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن زكريا عن ابن مسكان عن قاسم الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: \" قوم يزعمون أني لهم إمام، والله ما أنا لهم بإمام، مالهم لعنهم الله كلما سترت سترًا هتكوه، هتك الله سترهم، أقول كذا، يقولون إنما يعني كذا، أنا إمام من أطاعني \" (٣).\n_________\n(١) أيضا ص٢٥٦.\n(٢) رجال الكشي ص٢٥٥.\n(٣) رجال الكشي ص٢٥٤، ٢٥٥.","vol":"1","page":217},{"text":"ولكن باءت الجهود المخلصة بالفشل، وزادت الشيعة في غلوائهم وغيهم لكثرة ما وجد في ذلك الزمان من الكذابين ومن المنتحلين مودة أهل البيت، والمدعين موالاتهم ومشايعتهم من أبي الخطاب وأبي البصير المرادي وزرارة بن أعين وجابر الجعفي ومغيرة بن سعيد والهشامين وأبي الجارود وغيرهم. فكثرت الآراء وتشعبت، وزادت الفرق وتفرقت، ذهب بعضها إلى المذاهب البعيدة، وزاد حتى على السبئية مؤسسي بنيانها وواضعي نواتها، وقربت البعض منها، وأحصرت على تلقي ما لقنته السبئية وألقته إليهم، وقلل الأخذ بعض منها وأكثر البعض، ولقد أقر بذلك مؤرخ شيعي حيث قال:\n\" ولم يتمكن الصادق - في تلك الظروف القاسية التي ظهرت فيها الزيدية - على أن يناظرهم غالبًا في شيئ من أمر الإمامة، لأنه كان يتكتم فيها، ويتقي ملوك عصره، ويحذر من وشاتهم وجواسيسهم الكثيرة، ومع تكتمه الشديد قد أحضره المنصور وقال له: قتلني الله إن لم أقتلك، أتلحد في سلطاني؟ فقال له الصادق (ع): والله ما فعلت ولا أردت، وإن كان بلغك، فمن كاذب \" (١).\n\nفمن الذين اختلفوا أول الأمر على جعفر وأخذوا عليه في حياته، من ذكرهم النوبختي:\n\" وأما الفرقة الأخرى من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي ﵇، فنزلت إلى القول بإمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد ﵇، فلم تزل ثابتة على إمامته أيام حياته غير نفر منهم يسير، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة إبنه إسماعيل، ثم مات إسماعيل في حياة أبيه،\n_________\n(١) الشيعة في االتاريخ ص١٠٧، ١٠٨.","vol":"1","page":218},{"text":"رجعوا عن إمامة جعفر، وقالوا كذبنا ولم يكن إمامًا، لأن الإمام لا يكذب ولا يقول مالا يكون، وحكموا على جعفر أنه قال: إن الله ﷿ بداله في إمامة إسماعيل، فأنكروا \"البداء \" والمشيئة من الله، وقالوا هذا باطل لا يجوز، ومالوا إلى مقالة (البترية) ومقالة سليمان بن جرير، وهو الذي قال لأصحابه بهذا السبب أن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداُ، وهما القول بالبداء وإجازة التقية. فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غد، وقالوا لشيعتهم أنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيئ على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون، فنحن نعلم من قِبَل الله ﷿ ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله ﷿ مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت. وإن لم يكن ذلك الشيئ الذي قالوا إنه يكون على ما قالوا لشيعتهم، بدا لله في ذلك بكونه.\nوأما التقية، فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين، فأجابوا فيها، وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودونوه، ولم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد، وتفاوت الأوقات، لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد ولا في شهر واحد، بل في سنين متباعدة، وأشهر متباينة، وأوقات متفرقة. فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة. فلما وقفوا على ذلك منهم، ردوا إليهم هذا الإختلاف والتخليط في جواباتهم، وسألوهم عنه، وأنكروا عليهم فقالوا: من أين هذا الإختلاف؟ وكيف جاز ذلك؟ قالت لهم أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أجبنا، وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا، ونحن نعلم بما يصلحكم وما فيه","vol":"1","page":219},{"text":"بقاؤكم، وكف عدوكم عنا وعنكم.\n\nفمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ ومتى يعرف لهم حق من باطل؟.\n\nفمال إلى سليمان بن جرير هذا لهذا القول، جماعة من أصحاب أبي جعفر، وتركوا القول بإمامة جعفر ﵇ \" (١).\nوهنا آخران من أهل البيت إدعيا الإمامة في حياة جعفر، وهما عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي.\nوهو الذي كان يقول: ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله مرتين \" (٢).\nوالذي قال عنه الأصفهاني الشيعي:\n\" كان عبد الله بن الحسن بن الحسن شيخ بني هاشم والمقدم فيهم، وذا الكثير منهم فضلًا وعلمًا وكرمًا\" (٣).\nوالثاني إبنه محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية، هو الذي كتب فيه الأصفهاني الشيعي:\n\" وكان محمد بن عبد الله الحسن، من أفضل أهل بيته، وأكبر أهل زمانه في زمانه في علمه بكتاب الله، وحفظه له، وفقهه في الدين، وشجاعته، وجوده، وبأسه، وكل أمر يجمل بمثله، حتى لم يشك أحد أنه المهدي، وشاع ذلك له في العامة، وبايعه رجال من بني هاشم جميعًا، من آل أبي طالب، وآل العباس، وسائر بني هاشم \" (٤).\nوقد ذكر الكليني في (كافيه) إدعاءهما الإمامة زمن جعفر ودعوتهما إياه إليهما، حيث ذكر أن عبد الله بن الحسن دخل على جعفر بن الباقر وقال:\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص٨٤إلى ٨٧.\n(٢) مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص١٨١.\n(٣) الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ج١ ص٢٠٥، مقاتل ص١٨٠.\n(٤) مقاتل ص٢٣٣.","vol":"1","page":220},{"text":"\" قد علمت جُعلت فداك أن السن لي عليك، وأن في قومك من هو أسن منك، ولكن الله ﷿ قد قدم لك فضلًا ليس هو لأحد من قومك، وقد جئتك معتمدًا لما أعلم من برّك، واعلم - فديتك - إنك إذا أجبتني لم يتخلف عني أحد من أصحابك، ولم يختلف علي إثنان من قريش ولا غيرهم. فقال له أبو عبد الله ﵇: إنك تجد غيري أطوع لك مني ولا حاجة لك فيّ، فوالله إنك لتعلم أني أريد البادية أو أهم بها فأثقل عنها، وأريد الحج فما أدركه إلا بعد كد وتعب ومشقة على نفسي، فاطلب غيري وسله ذلك ولا تعلمهم أنك جئتني. فقال له: إن الناس مادون أعناقهم إليك، وإن أجبتني لم يتخلف عني أحد، ولك أن لا تكلف قتالًا ولا مكروهًا. قال: وهجم علينا ناس فدخلوا وقطعوا كلامنا، فقال أبي: جعلت فداك ما تقول؟. فقال: نلتقي إن شاء الله. فقال: أليس على ما أحب؟. فقال: على ما تحب إن شاء الله من إصلاحك ... فقال له أبوعبد الله ﵇: يا ابن عم، إني أعيذك بالله من التعرض لهذا الأمر الذي أمسيت فيه، وإني لخائف عليك أن يكسبك شرا. فجرى الكلام بينهما، حتى أفضى إلى ما لم يكن يريد. وكان من قوله: بأي شيئ كان الحسين أحق بها من الحسن؟ فقال أبو عبد الله ﵇: رحم الله الحسن، ورحم الحسين، وكيف ذكرت هذا؟ قال: لأن الحسين ﵇، كان ينبغي له إذا عدل أن يجعلها في الأسن من ولد الحسن ... فقام أبي يجر ثوبه مغضبًا، فلحقه أبو عبد الله ﵇، فقال له: أخبرك أني سمعت عمك وهو خالك يذكر أنك وبني أبيك ستقتلون، فإن أطعتني ورأيت أن تدفع بالتي هي أحسن فافعل، فوالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الكبير المتعال على خلقه، لوددت أني فديتك بولدي وبأحبهم إلي بأحب أهل بيتي","vol":"1","page":221},{"text":"إلي، وما يعدلك عندي شيئ، فلا ترى أني\nغششتك. فخرج أبي من عنده مغضبًا أسفا ... ثم أتى محمد بن عبد الله بن حسن، فأخبر أن أباه وعمومته قتلوا - قتلهم أبو جعفر- إلا حسن بن جعفر وطباطبا وعلي بن ابراهيم وسليمان بن داوود بن حسن وعبد الله بن داود، قال: فظهر محمد بن عبد الله عند ذلك، ودعى الناس لبيعته، قال: فكنت ثالث ثلاثة بايعوه واستوثق الناس لبيعته، ولم يختلف عليه قرشي ولا أنصاري ولا عربي، قال: وشاور عيسى بن زيد وكان من ثقاته وكان على شرطه، فشاوره في البعثة إلى وجوه قومه، فقال له عيسى بن زيد: إن دعوتهم دعاء يسيرًا لم يجيبوك، أو تغلظ عليهم، فخلني وإياهم، فقال له محمد: إمض إلى من أردت منهم، فقال: إبعث إلى رئيسهم وكبيرهم - يعني أبا عبد الله جعفر بن محمد ﵇ - فإنك إذا أغلظت عليه علموا جميعًا أنك ستمرهم على الطريق التي أمررت عليها أبا عبد الله ﵇، قال: فوالله ما لبثنا أن أتى بأبي عبد الله ﵇ حتى أوقف بين يديه، فقال له عيسى بن زيد: أسلم تسلم، فقال له عبد الله ﵇: أحدثت نبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله؟ فقال له محمد: لا، ولكن بايع تأمن على نفسك ومالك وولدك ولا تكلفن حربًا، فقال له أبوعبد الله ﵇: ما فيّ حرب ولا قتال، ولقد تقدمت إلى أبيك وحذرته الذي حاق به، ولكن لا ينفع حذر من قدر، يابن أخي عليك بالشباب، ودع عندك الشيوخ. فقال له محمد: ما أقرب ما بيني وبينك في السن، فقال له أبوعبد الله ﵇: إني لم أعازّك ولم أجيئ لأتقدم عليك في الذي أنت فيه. فقال له محمد: لا والله لابد من أن تبايع. فقال له أبوعبد الله ﵇: ما فيّ ياابن أخي طلب ولا حرب، وإني لأريد الخروج الى البادية","vol":"1","page":222},{"text":"فيصدني ذلك ويثقل علي حتى تكلمني في ذلك الأهل غير مرة، ولا يمنعني منه إلا\nالضعف، والله والرحم أن تدبر عنّا ونشقى بك. فقال له: يا أبا عبد الله قد والله مات أبو الدوانيق - يعني أبا جعفر - فقال له أبو عبد الله ﵇: وما تصنع بي وقد مات؟ قال: أريد الحمال بك، قال: ما إلى ما تريد السبيل، لا والله ما مات أبو الدوانيق إلا أن يكون مات موت النوم. قال: والله لتبايعني طائعا ً أو مكرها ولا تحمد في بيعتك. فأبى عليه إباء شديدًا، وأمر به إلى الحبس. فقال له عيسى بن زيد: أما إن طرحناه في السجن وقد خرب السجن وليس عليه اليوم غلق، خفنا أن يهرب منه. فضحك أبو عبد الله ﵇، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أوتراك تسجنني؟ قال: نعم والذي أكرم محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، لأسجننك ولأشددّن عليك. فقال عيسى بن زيد: إحبسوه في المخبأ - وذلك دار ريطة اليوم - فقال له أبو عبد الله ﵇: أما والله إني سأقول ثم أصدق. فقال له عيسى بن زيد: لو تكلمت لكسرت فمك. فقال له أبوعبد الله ﵇: أما والله يا أكشف يا أزرق، لكأني بك تطلب لنفسك جحرًا تدخل فيه، وما أنت في المذكورين عند اللقاء، وإني لأظنك إذا صفق خلفك، طرت مثل الهيق النافر. فنفر عليه محمد بانتهار: إحبسه وشدد عليه وأغلظ عليه. فقال له أبو عبد الله ﵇: أما والله لكأني بك خارجًا من سدة أشجع إلى بطن الوادي وقد حمل عليك فارس معلم في يده طرّادة نصفها أبيض ونصفها أسود، على فرس كميت أقرح، فطعنك فلم يصنع فيك شيئًا وضربت خيشوم فرسه فطرحته، وحمل عليك آخر خارج من زقاق آل أبي عمار الدئليين عليه غديرتان مضفورتان، وقد خرجتا من تحت بيضة، كثير شعر الشاربين، فهو والله صاحبه، فلا رحم الله رمته. فقال له محمد:","vol":"1","page":223},{"text":"يا أبا عبد الله، حسبت فأخطأت. وقام إليه السراقي بن سلخ الحوت، فدفع في ظهره حتى أدخل السجن واصطفى ما كان له من مال وما كان لقومه ممن لم يخرج مع محمد \" (١).\n\nهذا ما حصل في حياة جعفر بن الباقر من افتراق الشيعة وتحزبهم بأحزاب مختلفة، وتشعبهم بفرق متعددة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الشيعة بعد وفاة جعفر</span>\nوأما بعد وفاته سنة ثمان وأربعين ومائة، حصل الإختلاف العظيم، وافترق الشيعة إلى فرق عديدة، ولقد عدها الكاتب الشيعي المشهور النوبختي، وهو الأوائل من كتب في الفرق من القوم، ست فرق فقال:\n\" فلما توفي أبو عبد الله جعفر بن محمد ﵉، إفترقت الشيعة بعده ست فرق ... ودفن في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده في البقيع ... وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمهما أسماء (٢). بنت عبد الرحمن بن أبي بكر \" (٣).\n\nوالفرق الستة التي عدّها، الأولى منها:\n\n\" الناووسية: وهي التي قالت إن جعفر بن محمد حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وأنه هو المهدي. وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه، فإني صاحبكم. وإنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني، فلا تصدقوه، فإني صاحبكم صاحب السيف.\nوهذه الفرقة\n_________\n(١) الأصول من الكافي، كتاب الحجة ج١ ص٣٥٨ ومابعد.\n(٢) وعلى ذلك كان يقول: لقد ولدني أبو بكر مرتين (كشف الغمة للأربلي الشيعي ج٢ص١٦١)\n(٣) فرق الشيعة للنوبختي ص٧٨","vol":"1","page":224},{"text":"تسمى الناووسية. وُسميت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يُقال له فلان بن فلان الناووس \" (١).\n\" وزعم قوم أن الذي يتبدى للناس لم يكن جعفرا، وإنما تصور لناس في تلك الصورة. وانظم إلى هذه الفرقة قوم من السبئية، فزعموا جميعًا أن جعفرًا كان عالمًا بجميع معالم الدين من العقليات والشرعيات، فإذا قيل للواحد منهم: ماتقول في القرآن أو في الرؤية أو في غير ذلك من أصول الدين أو في فروعه؟ يقول: أقول فيها ما كان يقوله جعفر الصادق، يقلدونه \" (٢).\n\nهذا ما حصل في حياة جعفر بن الباقر من افتراق الشيعة وتحزبهم بأحزاب مختلفة وتشعبهم في فرق متعددة.\n\nوالفرقة الثانية: السمطية أو الشميطية: وهم القائلون إن الإمام بعد جعفر بن محمد إبنه محمد بن جعفر، وذلك لأن أباه جعفر وصي له في صباه، وكان يقول: إنه يشبه أبي محمد الباقر وجدي رسول الله، فجعل هؤلاء الإمامة في محمد بن جعفر وولده من بعده.\nوهذه الفرقة تسمى السمطية وتنسب إلى يحيى بن أبي السميط أو أبي الشميط \" (٣).\nوالجدير بالذكر أن محمد بن جعفر هذا خرج أيام المأمون، ودعا الناس إلى نفسه: وبايع له أهل المدينة بإمرة المؤمنين \" (٤).\n_________\n(١) أيضًا ص٨٧ - ٨٨\n(٢) الفرق بين الفرق ص٦١، مقالات الإسلاميين ج١ص٩٧، إعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص٥٣، الملل والنحل للشهرستاني ج٢ص٣،٢ الحور العين ص١٦٢، التبصير للإسفرائيني ص٤٠، الفصل في الملل والأهواء والنحل لإبن حزم ج٤ص\n١٨٠، الخطط للمقريزي ج ٤ص ١٧٤.\n(٣) أنظر فرق الشيعة ص٩٨، مقالات الإسلاميين ج١ ص٩٩، الفرق بين الفرق ص ٦١، ٦٢، إعتقادات للرازي ص٥٤، التبصير ص٤١، الحور العين ص١٦٣، الملل لإبن حزم ج٢ ص٣.\n(٤) مقاتل للأصفهاني ص٣٥٧، الإرشاد ص ٢٨٦، تاريخ بغداد ج٢ ص١١٤.","vol":"1","page":225},{"text":"فحصلت بينه وبين جيوش المأمون بقيادة هارون بن المسيب معارك عديدة.\nثم وجه إليه هارون خيلا فحاصرته في موضعه، لأنه كان موضعا حصينا لا يوصل إليه، فلما بقوا في الموضع ثلاثا ونفد زادهم وماؤهم، جعل أصحابه يتفرقون ويتسللون يمينا وشمالا، فلما رأى ذلك لبس بردا ونعلا، وصار إلى مضرب هارون فدخل إليه وسأله الأمان لأصحابه، ففعل هارون ذلك \" (١).\nوذكر المفيد بأنه كان يرى رأى الزيدية في الخروج بالسيف، ولذلك اتبعه كثير من الزيدية الجارودية (٢).\n\nوالفرقة الثالثة:<span data-type=\"title\" id=toc-132> الفطحية: </span>فلقد ذكرها الكشى تحت عنوان الفطحية بقوله:\n\" هم القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر بن محمد، وسموا بذلك لأنه قيل أنه كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين، وقال بعضهم: إنهم نسبوا إلى رئيس من أهل الكوفة يقال له: عبد الله بن فطيح، والذين قالوا بإمامته عامة مشائخ العصابة وفقهائها، مالوا إلى هذه المقالة فدخلت عليهم الشبهة لما روى عنهم ﵈ أنهم قالوا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى إمام ... ثم إن عبد الله مات بعد أبيه بسبعين يوما، فرجع الباقون إلا شاذا منهم عن القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن (ع) ورجعوا إلى الخبر الذي روى: إن الإمامة لا يكون في الآخوين بعد الحسن والحسين (ع) \" (٣).\n\nوذكر مثل هذا النوبختي الشيعي وزاد:\n\" ومال إلى هذه الفرقة جل مشائخ الشيعة وفقهائها، ولم يشكوا في\n_________\n(١) مقاتل ص٥٤٠، الإرشاد ص ٢٨٦.\n(٢) الإرشاد للمفيد ص٢٨٦.\n(٣) رجال الكشى ص٢١٩","vol":"1","page":226},{"text":"أن الإمامة في محمد بن جعفر وفي ولده من بعده، فمات عبد الله ولم يخلف ذكرا \" (١).\n\nوأما المفيد فقال:\n\" وكان عبد الله بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل، ولم تكن منزلته عند أبيه كمنزلة غيره من ولده في الإكرام، وكان متهما بالخلاف على أبيه في الإعتقاد، ويقال أنه كان يخالط الحشوية، ويميل إلى مذهب\nالمرجئة. وادعى بعد أبيه الإمامة، واحتج بأنه أكبر إخوته الباقين، فاتبعه\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص٩٩.","vol":"1","page":227},{"text":"على قوله جماعة من أصحاب أبي عبد الله ﵇. ثم رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه موسى ﵇، لما تبينوا ضعف دعواه وقوة أمر أبي الحسن (ع)، ودلالة حقه وبراهين إمامته. وأقام نفر يسير منهم على أمرهم، ودانوا بإمامة عبد الله بن جعفر، الطائفة الملقبة بالفطحية \" (١).\nوقد ذكرهم الأربلي أيضًا في كشف الغمة (٢).\nوُيسمون العمارية أيضًا كما ذكره الأشعري في (مقالات الإسلاميين) نسبة إلى رئيس لهم يُعرف بعمار (٣).\nوالجدير بالذكر أن الشيعة يروون روايات عن أئمتهم المعصومين حسب زعمهم بأن الإمامة في أكبر الأبناء كما روى الكليني:\n\" عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال: إن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة \" (٤).\nوبذلك استدل على إمامته \" واحتج بأنه أكبر الإخوة الباقين، فاتبعه جماعة من أصحاب أبي عبد الله ﵇ \" (٥).\nثم ومع هذا كيف يعدلون عنه ولم يكن به عاهة؟\nاللهم إلا أنهم يذكرون أنه كان يخالف أباه في العقائد (٦).\nونريد أن نلفت الأنظار، إلى أن ابن جعفر الآخر وهومحمد أيضًا، كان منكِرًا لإمامة أبيه جعفر ومخالفًا لأفكاره وآرائه، كما ذكره الطوسي والمفيد (٧).\n\nوالفرقة الرابعة: الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر، وأنكروا إمامة عبد الله، وخطؤوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه، وادعائه الإمامة (٨).\nفسنذكر تفاصيل واختلافات هؤلاء فيما بعد، تحت أيام موسى الملقب بالكاظم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>الإسماعيلية</span>\nوأما الفرقة الخامسة والسادسة التي حدثت ونشأت من بين الشيعة، فهي الإسماعيلية. فأولًا نذكرهم من الشيعة أنفسهم، فيقول النوبختي:\n\"وفرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر بن محمد إبنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس لأنه خاف فغيبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض يقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم، لأن أباه أشار إليه بالإمامة من بعده، وقلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبه، والإمام لا يقول إلا الحق. فلما ظهر موته، علمنا أنه قد صدق، وأنه القائم، وأنه لم يمت.\n_________\n(١) الإرشاد ص٢٨٥، ٢٨٦.\n(٢) ج٢ ص٣٩٣.\n(٣) ج١ص٩٩.\n(٤) كتاب الحجة من الكافي في الأصول ج١ص٣٥٧.\n(٥) الإرشاد للمفيد ص٢٨٥.\n(٦) كشف الغمة للأربلي ج٢ص٣٩٣.\n(٧) أظر أعلام الورى ص٢٩١، الإرشاد للمفيد ص٢٨٦.\n(٨) فرق الشيعة للنوبختي ص١٠٠.","vol":"1","page":228},{"text":"وهذه الفرقة هي الإسماعيلية الخالصة \" (١).\nثم لهم فرق كثيرة، نذكر بعضها بالإختصار. فذكر المفيد تحت عنوان: أولاد أبي عبد الله وعددهم وأسماؤهم وطرف أخبارهم:\n\" وكان إسماعيل أكبر الأخوة، وكان أبو عبد الله ﵇ شديد المحبة له والإشفاق عليه، وكان قوم من الشيعة يظنون أنه القائم بعد أبيه والخليفة له من بعده، إذ كان أكبر إخوته سنًا، ولميل أبيه إليه،\nوإكرامه له. فمات في حياة أبيه ﵇ بالعريض، وحُمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتى دفن بالبقيع.\nوروي أن أبا عبد الله ﵇ جزع عليه جزعًا شديدًا، وحزن عليه حزنًا عظيمًا، وتقدم سريره بغير حذاء ولا رداء، وأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مرارًا كثيرة، وكان يكشف وجهه وينظر إليه، يريد بذلك تحقيق أمر وفاته عند الظانين خلافته له من بعده، وإزالة الشبهة عنهم في حياته.\nولما مات إسماعيل (﵀)، إنصرف عن القول بإمامته من بعد أبيه من كان يظن ذلك فيعتقده من أصحاب أبيه، وأقام على حياته شرذمة لم تكن من خاصة أبيه، ولا من الرواة عنه، وكانوا من الأباعد والأطراف.\nفلما مات الصادق ﵇ انتقل فريق منهم إلى القول بإمامة موسى بن جعفر ﵇، وافترق الباقون فريقين، فريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل وقالوا بإمامة إبنه محمد بن إسماعيل، لظنهم أن الإمامة كانت في أبيه، وأن الإبن أحق بمقام الإمامة من الأخ.\nوفريق ثبتوا على حياة إسماعيل، وهم اليوم شذاذ لا يُعرف منهم\n_________\n(١) أيضًا ص٨٩،٨٨.","vol":"1","page":229},{"text":"أحد يومى إليه. وهذان الفريقان يسميان بالإسماعيلية. والمعروف منهم الآن من يزعم أن الإمامة بعد إسماعيل في ولده وولد ولده إلى آخر الزمان \" (١).\n\nوذكر مثل ذلك في كتب الشيعة الأخرى مثل (شرح إبن أبي الحديد) و(أعيان الشيعة) و(الشيعة في التاريخ).\n\nولقد ذكر الإسماعيلية من السنة، كل من الأشعري والبغدادي والأسفرائيني والرازي والشهرستاني وغيرهم من المتقدمين، كما ذكرهم كثير من المتأخرين السنة، ولكن نذكر ما ذكره ابن خلدون، فيقول:\n\" فأما الإسماعيلية فقالوا بإمامة إسماعيل الإمام بالنص من أبيه جعفر، وفائدة النص عليه عندهم وإن كان قد مات قبل أبيه، إنما هو بقاء الإمامة في عقبه، كقصة هارون مع موسى صلوات الله عليهما، قالوا: ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى إبنه محمد المكتوم، وهو أول الأئمة المستورين، لأن الإمام عندهم قد لا يكون له شوكة فيستتر، وتكون دعاته ظاهرين إقامة للحجة على الخلق، وإذا كانت له شوكة، ظهر وأظهر دعوته، قالوا: وبعد محمد المكتوم إبنه جعفر الصادق وبعده إبنه محمد الحبيب، وهو آخر المستورين، وبعده إبنه عبد الله المهدي الذي أظهر دعوته أبو عبد الله الشيعي في كتامة، وتتابع الناس على دعوته، ثم أخرجه من معتقله بسجلماسة، وملك القيروان والمغرب، وملك بنوه من بعد مصر، كما هو معروف في أخبارهم. ويسمى هؤلاء نسبة إلى القول بإمامة إسماعيل، ويسمون أيضًا بالباطنية، نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن، أي المستور. ويسمون أيضًا الملحدة، لما في ضمن مقالاتهم من الإلحاد. ولهم مقالات قديمة، ومقالات جديدة دعا إليها الحسن بن محمد الصباح\n_________\n(١) الإرشاد للمفيد ص٢٨٥،٢٨٤.","vol":"1","page":230},{"text":"في آخر المائة الخامسة، وملك حصونًا بالشام والعراق، ولم تزل دعوته فيها إلى أن توزعها الهلاك بين ملوك الترك بمصر، وملوك التتر في العراق \" (١).\n\nوذكرهم الشهرستاني بقوله:\n\n\" الإسماعيلية قالوا: إن الإمام بعد جعفر إسماعيل نصًا عليه باتفاق من أولاده، إلا أنهم اختلفوا في موته في حال حياة أبيه، فمنهم من قال: لم يمت إلا أنه أظهر موته تقية من خلفاء بني العباس، وعقد محضرًا وأشهد عليه عامل المنصور بالمدينة.\nومنهم من قال: الموت صحيح، والنص لا يرجع القهقري، والفائدة في النص بقاء الإمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيره، فالإمام بعد إسماعيل محمد بن إسماعيل، وهؤلاء يقال لهم: المباركية. ثم\nمنهم من وقف على محمد بن إسماعيل، وقال برجعته بعد غيبته. ومنهم من ساق الإمامة في المستورين منهم، ثم في الظاهرين القائمين من بعدهم \" (٢).\nثم ساق أدلتهم لإثباتهم إمامة إسماعيل بن جعفر بقوله:\n\"إسماعيل بن جعفر وهو إبنه الأكبر المنصوص في بدء الأمر، وقالوا: لم يتزوج الصادق على أمه بواحدة من النساء، ولا اشترى جارية، كسنة رسول الله في حق خديجة، وكسنة علي في حق فاطمة. وذكرنا اختلافهم في موته في حال حياة أبيه، فمنهم من قال: إنه مات، وإنما فائد النص عليه، انتقال الإمامة منه إلى أولاده خاصة، كما نص موسى إلى هارون ﵉، ثم مات هارون في حال حياة أخيه، وإنما فائدة النص انتقال الإمامة منه إلى أولاده، فإن النص لا يرجع القهقري، والقول بالبدأ محال، ولا ينص الإمام على واحد من ولده إلا بعد السماع من آبائه، والتعيين لا يجوز على الإبهام والجهالة.\n_________\n(١) مقدمة إبن خلدون ص٢٠١\n(٢) الملل والنحل للشهرستاني ج٢ ص٥","vol":"1","page":231},{"text":"ومنهم من قال: إنه لم يمت، لكن أظهر موته تقية عليه، حتى لا يقصد بالقتل. ولهذا القول دلالات: منها أن محمد كان صغيرًا، وهو أخوه لأمه، مضى إلى السرير الذي كان إسماعيل نائمًا عليه، ورفع الملاءة، فأبصره وهو قد فتح عينه، وعاد إلى أبيه مفزعًا وقال: عاش أخي، عاش أخي. قال والده: إن أولاد الرسول كذا يكون حالهم في الآخرة. قالوا: وما السبب في الإشهاد على موته؟.\nوعن هذا لما رفع إلى المنصور أن إسماعيل بن جعفر رؤي بالبصرة على مقعد فدعى فبرئ بإذن الله، بعث المنصور إلى الصادق أن إسماعيل في الأحياء، وأنه رؤي بالبصرة، أنفذ السجل إليه وعليه شهادة عامله بالمدينة.\nقالوا: وبعد إسماعيل، محمد بن إسماعيل السابع التام، وإنما تم دور السبعة به. ثم ابتدى منه بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد، ويظهرون الدعاة جهرًا، قالوا: ولن تخلوا الأرض قط من إمام حيّ، إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور. فإذا كان الإمام ظاهرًا، يجوز أن يكون حجته مستورة، وإذا كان الإمام مستورًا فلابد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين، وقالوا: إنما الأئمة تدور أحكامهم على سبعة كأيام الأسبوع والسموات السبع والكواكب السبع. والنقباء تدور أحكامهم على أثنى عشر، قالوا: وعن هذا وقعت الشبهة للإمامية القطعية حيث قرروا عدد النقباء للأئمة، ثم بعد الأئمة المستورين كان ظاهر المهدي والقائم بأمر الله وأولادهم نصًا بعد نص على إمام بعد إمام. ومذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية، وكذلك من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام، مات ميتة جاهلية ... وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيلًا تأويلا.\nولهم ألقاب غير هذا من القرامطة والمزدكية والملحدة.\nوهم","vol":"1","page":232},{"text":"يقولون: نحن إسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الإسم .. ثم أصحاب الدعوة الجديدة تنكبوا هذه الطريقة، حين أظهر الحسن بن الصباح دعوته وقصر عن الإلزامات كلمته واستظهر بالرجال وتحصن بالقلاع. وكان بدؤ صعوده إلى قلعة الموت في شعبان سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وذلك بعد أن هاجر إلى بلاد إمامه، وتلقى منه كيفية الدعوة لأبناء زمانه. فعاد ودعا الناس أول دعوة إلى تعيين إمام صادق قائم في كل زمان، وتمييز الفرقة الناجية من سائر الفرق بهذه النكتة، وهو أن لهم إمامًا وليس لغيرهم إمام \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>القرامطة</span>\nوتفرعت على الإسماعيلية فرق عديدة، والمشهور منها:\nالقرامطة المنسوبون إلى حمدان الأشعث المعروف بقرمط لقصر قامته ورجليه وتقارب خطوه، في سنة أربع وستين ومائتين ٢٦٤هـ. وكان ظهوره بسواد الكوفة، فاشتهر مذهبه بالعراق، وقام ببلاد الشام\nصاحب الحال، والمدثرالمطوق. وقام أبو سعيد الجنابي بالبحرين، وعظمت دولته ودولة بنيه، حتى أوقعوا بعساكر الخلفاء العباسيين، وغزوا بغداد والشام ومصر والحجاز، وانتشرت دعاتهم بأقطار الأرض.\nفدخل جماعة من الناس في دعوتهم، ومالوا إلى قولهم الذي سموه علم الباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام، وصرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم، فضلوا وأضلوا عالمًا كثيرا.\nوقيل غير ذلك في تاريخ ظهور حمدان هذا في تسمية بقرمط، يقول الوطواط \" ظهر في أيام خلافة المعتمد سنة ٢٧٨هـ من سواد الكوفة،\n_________\n(١) الملل والنحل ج٢ ص٣٣،٣٢.","vol":"1","page":233},{"text":"رجل أحمر العينين يسمى كرميته، فاستثقلوا هذه اللفظة، فخففوها وقالوا قرمط. ثم ذكر أنواع تعاليمه وبدعه الفاسدة، وذكر أن المعز الفاطمي وقائده جوهر، قد حاربا القرامطة حروبًا دامية سنة ٣٦٢هـ \".\n\nويقول إبن خلكان: \" والقرامطة نسبتهم إلى رجل من سواد الكوفة، يقال له قِرمط بكسر القاف، ولهم مذهب مذموم، وكانوا قد ظهروا في سنة ٢٨١هـ في خلافة المعتضد، وقيل كان ظهورهم في سنة ٢٧٨هـ \".\n\nويرى أبو الفداء \" أن ظهورهم كان في هذه السنة أي سنة ٢٧٨هـ في سواد الكوفة، وأن الرجل الذي دعاهم إلى مذهبه كان شيخًا وقد تمرض بقرية من سواد الكوفة، فحمله رجل من أهل القرية يقال له كرميته لحمرة عينيه وهو بالنبطية إسم لحمرة العين. فلما تعافى الشيخ المذكور سمي بإسم ذلك الرجل الذي آواه ومرضه. ثم ُخفف فقالوا قِرمط. ودعا قومًا من أهل البادية ممن ليس لهم دين ولا عقل إلى دينه، فأجابوه \".\n\nولايهمنا أكان الرجل الذي دعا القرامطة هو نفس الرجل المسمى بقرمط أو غيره، ولكنه سمي بإسم قرمط، وإنما يهمنا أن نعرف تاريخ ظهورهم في أي سنة كان، لنعرف أكان في زمن الأئمة من أهل البيت أم لا. وقد رأيت إختلاف الروايات في تحديد زمان ظهورهم. والأرجح أنه كان في سنة ٢٧٨هـ، أي بعد انقضاء زمن الأئمة الميامين، وفي أثناء الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر \" (١).\n\nوقد ذكرهم الأشعري بقوله:\n\" القرامطة يزعمون أن النبي ﷺ نص على علي بن أبي طالب، وأن عليًا نص على إمامة إبنه الحسن، وأن الحسن بن علي نص على\n_________\n(١) الشيعة في التاريخ ص٢٣١ - ٢٣٤.","vol":"1","page":234},{"text":"إمامة أخيه الحسين بن علي، وأن الحسين بن علي نص على إمامة إبنه علي بن الحسين، وأن علي بن الحسين نص على إمامة إبنه محمد بن علي، ونص محمد بن علي على إمامة إبنه جعفر، ونص جعفر على إمامه إبنه محمد بن إسماعيل، وزعموا أن محمد بن إسماعيل حي إلى اليوم لم يمت، ولا يموت حتى يملك الأرض، وأنه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به، واحتجت في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم، يخبرون فيها أن سابع الأئمة قائمهم \" (١).\n\nكما ذكرهم الآخرون:\nومنهم المباركية وغيرها، والموجود المشهور منها فرق ثلاثة:\nالآغاخانية أو النزارية أتباع آغاخان، والبهرة أو المستعلية والسليمانية.\n\nولكل واحدة منها عقائد وآراء متفقة في بعضها ومختلفة في البعض الأخرى منها، ولنا فيهم في جميع فرقهم وعقائدهم، آرائهم وأفكارهم والأسس التي قامت عليها معتقادتهم، وفي تاريخهم وفي بداية أمرهم، كلام مستقل طويل ناقشنا فيه آراء المستشرقين والكتاب المصريين والإسماعيليين، السوريين منهم والهنديين، وفندنا بعض الآراء التي ابتنوها عن هؤلاء القوم وأثبتنا أخطاءهم الفاحشة، التاريخية منها والعقائدية. كما أوردنا في بحثنا ذاك معلومات جديدة حقيقية عن معتقدات القوم الأصلية من كتبهم العتيقة القديمة، المخطوطة منها والمطبوعة. وأثبتنا فيه جهالات كثيرة للأسماء الكبيرة وللأشخاص المشهورة المعروفة، وحتى من يتربع على زعامة الإسماعيلية ويدعي أنه من أكابرها، وهذا في كتاب مستقل (٢).\nولأجل ذلك تجنبنا إطالة القول في\n_________\n(١) مقالات الإسلاميين ج١ ص٩٨\n(٢) وسيصدر هذا الكتاب عما قريب إن شاء الله بعد صدور هذا الكتاب، وكنا ننوي اصداره قبل هذا حيث كنا قد جمعنا كل شئ عن الاسماعيلية ولكننا تأخرنا بعدما سمعنا بوجود بعض المخطوطات الأخرى التي لم نحصل عليها حتى الآن، فأردنا أن لا ينقصنا شئ من ذلك، ويكون البحث كاملًا شاملًا وجامعًا مانعًا قدر الاستطاعة وما ذلك على الله بعزيز.\nوإننا لنرى بأن هذا الكتاب سيثير ضجة كبرى في الأوساط العلمية العالمية حيث اكتشفنا فيه بعض الحقائق المستورة التي لم يهتد إليها من اشتهر وعرف في العالم بتخصصه من المستشرقين والمصريين، وحتى من الإسماعيلية أنفسهم، كما كشفنا فيه النقاب عن بعض البديهيات التي خفيت على هؤلاء الفئة من الناس فهناك وفيه الملتقى إن شاء الله في التفصيل.","vol":"1","page":235},{"text":"كتابنا هذا عنهم وعن عقائدهم، واكتفينا بنقل الأقوال وسرد العبارات عمن كتب في الفرق من الشيعة والسنة، كيلا نخرج عن أصل الموضوع ولا يطول بنا الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>الدروز</span>\nومن الفرق التي تفرعت وخرجت من الإسماعيلية ومنها أخذت أفكارها وعقائدها طائفة الدروز. وكانت نشأتها أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي تولى ملك مصر بعد وفاة أبيه سنة ٣٨٦هـ وكان عمره آنذاك أحد عشر عامًا، واستقل به سنة ٣٩٠هـ بعد قتل أحد الأوصياء عليه (١).\nفاستغل صغر عمره وطموحه وشذوذه في المأكل والمشرب والسكن والقيام والهالة المقدسة التي كانت تحيطه بعض دعاة الإسماعيلية الملاحدة مرسلوا الفرس والمجوس، فأحاطوا به، وزيّنوا له فكرة ألوهيته وربوبيته. وكان من أبرزهم حمزة بن علي أحمد الزوزني، ومحمد بن إسماعيل الدرزي، والحسن بن حيدرة الفرغاني، وغيرهم المشهور بالأخرم أو الأجدع (٢).\nفذهبوا شأوًا بعيدًا في الإنحراف والإنحلال.\n\nويقول المؤرخون: إن بداية الدعوة إلى ألوهية الحاكم كانت سنة ٤٠٨هـ (٣).\n\nومن أهم عقائدهم، ألوهية الحاكم كما ورد في مصحف الدروز ميثاق للدرزيين أن يقولوا:\n\n\" آمنت بالله، ربي الحاكم، العلي الأعلى،\n_________\n(١) أنظر سمط النجوم العوالي ج٢ص٤١٤.\n(٢) أنظر طائفة الدروز لمحمد كامل حسين ص٧٥.\n(٣) أضواء على العقيدة الدرزية لأحمد فوزان، طائفة الدروز لمحمد كامل حسين.","vol":"1","page":236},{"text":"رب المشرقين، ورب المغربين، وإله الأصلين والفرعين، منشئ الناطق والأساس، مظهر الصورة الكاملة بنوره، الذي على العرش استوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، وآمنت به، وهو رب الرجعى، وله الأولى والآخرة، وهو الظاهر والباطن.\nوآمنت بأولى العزم من الرسل، ذوي مشارق التجلي المبارك حولها وبحاملي العرش الثمانية، وبجميع الحدود، وأؤمن عاملًا قائمًا بكل أمر ومنع ينزل من لدن مولانا الحاكم، وقد سلمت نفسي وذاتي وذواتي، ظاهرًا وباطنًا، علمًا وعملًا، وأن أجاهد في سبيل مولانا سرًا وجهرًا بنفسي ومالي وولدي وما ملكت يميني، قولًا وعملًا، وأشهدت على هذا الإقرار جميع ما خلق بمشارقي ومات بمغاربي.\nوقد التزمت وأوجبت على هذا نفسي وروحي بصحة من عقلي وعقيدتي، وإني أقّر بهذا غير مكره أو منافق، وإنني أشهد مولاي الحق الحاكم، من هو في السماء إله وفي الأرض إله، وأشهد مولاي هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين المرتدين، حمزة بن علي بن أحمد، من به أشرقت الشمس الأزلية، ونطقت فيه وله سحب الفضل: أنني قد برئت وخرجت من جميع الأديان والمذاهب والمقالات والإعتقادات قديمها وحديثها، وآمنت بما أمر به مولانا الحاكم الذي لا أشرك في عبادته أحدًا في جميع أدواري \" (١).\nومن عقائدهم: التناسخ والحلول:\nكلما مات إنسان إنتقلت روحه لمولود جديد (٢).\n\nكما أن من أهم عقائدهم الغيبة والرجعة، ويقولون بأن الحاكم بأمر الله غاب عن الأبصار، وسيرجع في آخر الزمان وسيحل عند الركن\n_________\n(١) مصحف الدروز: عرف العهد والميثاق ص١٠٧،١٠٨.\n(٢) الدروز والثورة السورية لكريم ثاقب ص٣٤.","vol":"1","page":237},{"text":"اليماني من الكعبة.\nوغيره من العقائد المشتركة بينهم وبين الشيعة.\n\nولقد ذكرهم شيخ الإسلام إبن تيمية، هؤلاء والنصيرية، في جواب سائل سأله:\n\" الدرزية هم أتباع هشتكين الدرزي، وكان من موالي الحاكم، أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى إلاهية الحاكم. ويسمونه الباري، العلام، ويحلفون به. وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله. وهم أعظم كفرًا من الغالية. يقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته. وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب. وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو وأمثاله، أو مجوسا.\nوقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس، ويظهرون التشيع نفاقًا. والله أعلم \".\n\nفقال شيخ الإسلام ردًا عليه:\n\" كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون، بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم. لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين. بل هم الكفرة الضالون، فلا يُباح أكل طعامهم، وُتسبى نساؤهم، وُتؤخذ أموالهم. فإنهم زنادقة مرتدين لا ُتقبل توبتهم، بل ُيقتلون أينما ُثقفوا، وُيلعنون كما وصفوا، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم، لئلا يضلوا غيرهم. وُيحرم النوم معهم في بيوتهم، ورفقتهم، والمشي معهم، وتشييع جنائزهم إذا علم موتها. ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيئ يراه المقيم المقام عليه \" (١).\n\nفهذه هي الفرق التي افترقت وحدثت ونشأت بعد موت جعفر بن\n_________\n(١) فتاوي شيخ الإسلام ج ٣٥ ص١٦٢،١٦١.","vol":"1","page":238},{"text":"الباقر، وتفرقت آراؤهم، واختلفت أقوالهم مع اتفاقهم على توارث الأفكار السبئية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>فرق الشيعة أيام موسى الكاظم</span>\nثم الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر أيضًا تفرقوا إلى فرق عديدة في حياته وبعد مماته. كما ذكر النوبختي الشيعي:\n\" ثم إن جماعة من المؤتمين بموسى بن جعفر لم يختلفوا في أمره، فثبتوا على إمامته إلى حبسه في المرة الثانية، ثم اختلفوا في أمره، فشكوا في إمامته عند حبسه في المرة الثانية التي مات فيها في حبس الرشيد، فصاروا خمس فرق \" (١)\nوذلك في سنة ثلاث وثمانين ومائة.\n\nفالفرقة الأولى قالت:\nأنه مات في حبس السندى بن شاهك، وأن يحيى بن خالد البرمكي سمّه في رطب وعنب بعثهما إليه فقتله. وأن الإمام بعد موسى، علي بن موسى الرضا، فسميت هذه الفرقة القطعية، لأنها قطعت على وفاة موسى بن جعفر وعلى إمامة عليّ إبنه بعده، ولم تشك في أمرها ولا ارتابت ومضت على المنهاج الأول.\nوقالت الفرقة الثانية:\nأن موسى بن جعفر لم يمت، وأنه حي ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ويملأها كلها عدلًا كما ملئت جورًا، وأنه القائم المهدي. وزعموا أنه خرج من الحبس، ولم يره أحد نهارًا ولم يعلم به. وأن السلطان وأصحابه إدعوا موته وموّهوا على الناس وكذبوا، وأنه غاب عن الناس واختفى. ورووا في ذلك روايات عن أبيه\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص١٠٠.","vol":"1","page":239},{"text":"جعفر بن محمد ﵉ أنه قال: \"هو القائم المخبأ، فإن يدهده رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا، فإنه القائم \" (١).\nوسُميت هذه الفرقة بالموسوية لانتظارها موسى بن جعفر\" (٢).\nكما تُسمى المفضلية: لأنهم نسبوا إلى رئيس لهم ُيقال له المفضل بن عمر، وكان ذا قدر فيهم (٣).\nوُيقال لهم الممطورة: لأنهم لما أظهروا هذه المقالة، قال لهم قوم: والله ما أنتم إلا كلاب ممطورة، يعني أنهم من الكلاب المبتلة بالمطر، من غاية ركاكة هذه المقالة (٤).\nولأن الناس يطردونهم ويتحرزون منهم (٥).\n\nوقد ذكرهم إين حزم في الفصل (٦).\n\nوالفرقة الثانية قالت:\n\" أنه القائم وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع فيقوم ويظهر، وزعموا أنه قد رجع بعد موته، إلا أنه مختف في موضع من المواضع حي يأمر وينهى، وأن أصحابه يلقونه ويرونه. واعتلوا في ذلك بروايات عن أبيه أنه قال: سُمي القائم لأنه يقوم بعد ما يموت \" (٧).\n\nوالفرقة الثالثة قالت:\n\" أنه مات وأنه القائم، وأن فيه شبهًا من عيسى بن مريم صلى الله عليه،\n_________\n(١) أيضًا ص١٠١.\n(٢) الفرق بين الفرق ص٦٣.\n(٣) مقالات الإسلاميين للأشعري ج١ص١٠١.\n(٤) إعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٥٤.\n(٥) التبصيرص٤١.\n(٦) ج٤ ص١٧٩.\n(٧) فرق الشيعة ص١٠١.","vol":"1","page":240},{"text":"وأنه لم يرجع ولكنه يرجع في وقت قيامه، فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورا، وأن أباه قال: إن فيه شبهًا من عيسى بن مريم، وأنه يُقتل في يدي ولد العباس، فقد قتل \" (١).\n\nوالرابعة قالت:\n\"لا ندري أهو حي أم ميّت، لأنا قد روينا فيه أخبارًا كثيرة تدل على أنه القائم المهدي، فلا يجوز تكذيبها، وقد ورد علينا من خبر وفاة أبيه وجده والماضين من آبائه ﵈ في معنى صحة الخبر. فهذا أيضًا مما لا يجوز ردّه وإنكاره لوضوحه وشهرته وتواتره من حيث لا يكذب مثله، ولا يجوز التواطؤ عليه، والموت حق والله ﷿ يفعل ما يشاء، فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته وعلى الإقرار بحياته، ونحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها، حتى يصح لنا أمره وأمر هذا الذي نصب نفسه مكانه وادعى الإمامه - يعنون علي بن موسى الرضا - فإن صحت لنا إمامته كإمامة أبيه من قبله بالدلالات والعلامات الموجبة للإمامة بالإقرار منه على نفسه بإمامته وموت أبيه، لا بأخبار أصحابه سلمنا له ذلك وصدقناه \" (٢).\nومثل ذلك ذكر الرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (٣). والأشعري في مقالات الإسلاميين (٤) والملطي في التنبيه (٥) والإسفرائيني في التبصير (٦) والبغدادي في الفرق بين الفرق (٧) والمفيد في الإرشاد (٨) والشهرستاني في الملل والنحل (٩).\n_________\n(١) أيضًا ص١٠٢.\n(٢) أيضًا ص١٠٣، ١٠٤.\n(٣) ص٥٤.\n(٤) ج١ ص٨٨.\n(٥) ص٣٨.\n(٦) ص٤٢.\n(٧) ص٦٣.\n(٨) ص ٣٠٢.\n(٩) ج ٢ ص٤،٣. الهامش","vol":"1","page":241},{"text":"وكانت هناك فرقة أخرى سادسة وهي: البشرية، ذكرها النوبختي بقوله:\n(البشرية) أصحاب محمد بن بشير مولى بني أسد من أهل الكوفة، قالت:\n\" إن موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وإنه حي غائب، وإنه القائم المهدي، في وقت غيبته استخلف على الأمر محمد بن بشير، وجعله وصيه، وأعطاه خاتمه، وعلمه جميع ما يحتاج إليه رعيته، وفوّض إليه أموره، وأقامه مقام نفسه. فمحمد بن بشير الإمام بعده، وأن محمد بن بشير لما توفي أوصى إلى ابنه سميع بن محمد بن بشير فهو الإمام، ومن أوصى إليه (سميع) فهو الإمام المفترض الطاعة على الأمة إلى وقت خروج موسى وظهوره، فما يلزم الناس من حقوقه في أموالهم وغير ذلك مما يتقربون به إلى الله ﷿، فالفرض عليهم أداؤه إلى هؤلاء إلى قيام القائم. وزعموا أن علي بن موسى، ومن ادعى الإمامة من ولد موسى بعده فغير طيب الولاده، ونفوهم عن أنسابهم، وكفروهم في دعواهم الإمامة، وكفروا القائلين بإمامتهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم، وزعموا أن الفرض من الله عليهم، إقامة الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان. وأنكروا الزكاة والحج وسائر الفرائض. وقالوا بإباحة المحارم من الفروج والغلمان. واعتلوا في ذلك بقول الله ﷿ \" أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا (٤٢ - ٥٠) وقالوا بالتناسخ، وأن الأئمة عندهم واحد، إنما هم منتقلون من بدن إلى بدن. والمساواة بينهم واجبة في كل ما ملكوه من مال، وكل شيئ أوصى به رجل منهم في سبيل الله فهو لسميع بن محمد وأوصيائه من بعده \" (١).\nولقد ذكر محمد بن بشير هذا، الكشي في رجاله، بقوله:\n\" أن محمد بشير لما مضى أبو الحسن (ع) ووقف عليه الواقفة، جاء\n_________\n(١) فرق الشيعة ص١٠٥،١٠٤.","vol":"1","page":242},{"text":"محمد بن بشير- وكان صاحب شعبذة ومخارق معروفًا بذلك - فادعى أنه يقول بالوقف على موسى بن جعفر (ع) هو كان ظاهرًا بين الخلق يرونه جميعًا، يتراءى لأهل النور بالنور، ولأهل الكدرة في مثل خلقهم بالإنسانية والبشرية اللحمانية. ثم حجب الخلق جميعًا عن إدراكه، وهو قائم فيهم موجود كما كان، غير أنهم محجوبون عن إدراكه كالذي كانوا يدركونه.\nوكان محمد بن بشير هذا من أهل الكوفة، من موالي بني أسد وله أصحاب، قالوا: أن موسى بن جعفر لم يمت ولم يُحبس، وأنه غاب واستتر، وهو القائم المهدي، وأنه في وقت غيبته استخلف على الأمة محمد بن بشير، وجعله وصيه، وأعطاه خاتمه، وعلمه جميع ما تحتاج إليه رعيته في أمر دينهم ودنياهم، وفوض إليه جميع أمره وأقامه مقام نفسه، فمحمد بن بشيرالإمام بعده ... وكفروا القائلين بإمامتهم واستحلوا دماءهم وأموالهم .... وزعموا أن كل من انتسب إلي محمد فهم ثبوت وطروق، وأن محمدًا هو رب حل في كل من انتسب إليه، وأنه لم يلد ولم يولد، وأنه محتجب في هذه الحجب.\nوزعمت هذه الفرقة والمخسمة والعلياوية وأصحاب أبي الخطاب، أن كل من انتسب إلى أنه من آل محمد فهو مبطل في نسبته، مفتر على الله كاذب. وأنهم الذين قال الله تعالى فيهم أنهم يهود ونصارى في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ \" محمد \" في مذهب الخطابية، و\" علي \" في مذهب العلياوية فهم ممن خلق.\nهؤلاء كاذبون فيما ادعوا، إذ كان محمد عندهم وعلي هو رب لا يلد ولا يولد ولا يُستولد، تعالى الله عما يصفون وعما يقولون علوًا كبيرا.\nوكان سبب مقتل محمد بن بشير لعنه الله لأنه كان معه شعبذة ومخاريق، فكان يظهر الواقفة أنه ممن وقف على علي بن موسى (ع)، وكان يقول في موسى بالربوبية، ويدعي","vol":"1","page":243},{"text":"لنفسه أنه نبي. وكان عنده صورة قد عملها وأقامها شخصًا كأنه صورة أبي الحسن (ع) من ثياب حرير، وقد طلاها بالأدوية، وعالجها بحيل عملها فيها، حتى صارت شبه صورة إنسان. وكان يطويها، فإذا أراد الشعبذة نفخ فيها فأقامها. فكان يقول لأصحابه: إن أبا الحسن (ع) عندي، فإن أحببتم أن تروه وتعلموا أني نبي، فهلموا أعرضه عليكم. وكان يدخلهم البيت والصورة المطوية معه، فيقول لهم: هل ترون في البيت مقيمًا أو ترون غيري وغيركم؟ فيقول: فاخرجوا، فيخرجون من البيت، فيصير هو وراء الستر بينه وبينهم، ثم يقدم تلك الصورة، ثم يرفع تلك الستر بينهم وبينه، فينظرون إلى صورة قائمة وشخص كأنه شخص أبي الحسن، لا ينكرون منه شيئًا، ويقف هو معه بالقرب فيريهم من طريق الشعبذة أنه يكلمه ويناجيه ويدنو منه كأنه يساره، ثم يغمزهم أن يتنحوا فيتنحون، ويسبل الستر بينه وبينهم فلا يرون شيئا.\nوكانت معه أشياء عجيبة من صنوف الشعبذة ما لم يروا مثلها، فهلكوا بها.\nفكانت هذه حاله مدة، حتى ُرفع خبره إلى بعض الخلفاء - أحسبه هارون أو غيره ممن كان بعده من الخلفاء - أنه زنديق، فأخذه وأراد ضرب عنقه، فقال له: يا أمير المؤمنين، استبقني، فإني أتخذ لك أشياء يرغب الملوك فيها، فأطلقه، فكان أول ما اتخذ له الدوالي، فإنه عمد إلى الدوالي فسواها وعلقها وجعل الزيبق بين تلك الألواح، فكانت الدوالي تمتلئ من الماء وتملي الألواح، وينقلب الزيبق من تلك الألواح فيتسع الدوالي لذلك، فكانت تعمل من غير مستعمل لها، وتصب الماء في البستان، فأعجبه ذلك مع أشياء عملها، يضاهي الله بها في خلقه الجنة، فقواه وجعل له مرتبة. ثم إنه يومًا من الأيام، إنكسرت بعض تلك الألواح، فخرج منها الزيبق، فتعطلت فاستراب أمره، وظهر عليه التعطيل والإباحات \" (١).\n_________\n(١) رجال الكشي ص٤٠٧،٤٠٦،٤٠٥.","vol":"1","page":244},{"text":"هذا وقد إدعى الإمامة في عهده آخران من بني عمومته، أحدهما حسين بن علي بن الحسن بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي. وأمه زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي. فلقد إدعى الإمامة أيام أبي موسى الهادي العباسي حفيد أبي جعفر المنصور (١).\nوبايعه على إمامته يحيى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن الحسن بن الحسن، وعبد الله الحسن الأفطس، وإبراهيم بن إسماعيل الطباطبا، وعمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن الثاني المثنى، وعبد الله بن جعفر بن محمد، وعبد الله بن جعفر بن الباقر، وعبد الله وعمر إبنا إسحاق بن الحسن بن علي زين العابدين، وغيرهم (٢)\nحتى قال الأصفهاني:\n\" ولم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلا الحسن بن جعفر بن حسن المثنى فإنه استعفاه ولم يكرهه.\nوموسى بن جعفر بن محمد - الإمام السابع المزعوم عند الشيعة - قال عنيزة القصباني:\n\" رأيت موسى بن جعفر بعد عتمة، وقد جاء إلى الحسين صاحب فخ، فانكب عليه شبه الركوع، وقال: أحب أن تجعلني في سعة وحل من تخلفي معك، فأطرق الحسين طويلًا لا يجيبه، ثم رفع رأسه إليه، فقال: أنت في سعة \" (٣).\n\nوقد ذكر هذا الكليني في (كافيه) حيث قال:\n\" حدثنا عبد الله بن المفضل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال:\n_________\n(١) أنظر مروج الذهب والطبري وابن كثير وغيرها من الكتب.\n(٢) أنظر مقاتل الطالبيين للأصفهاني الشيعي ص٤٥٦،٤٤٦.\n(٣) أيضًا ص٤٤٧.","vol":"1","page":245},{"text":"لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ واحتوى على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: ياابن عم لا تكلفني ما كلف إبن عمك أبا عبد الله، فيخرج مني ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله مالم يكن يريد، فقال له الحسين: إنما عرضت عليك أمرًا فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان \" (١).\nوالثاني الذي ادعى الإمامة أيامه، يحيى بن عبد الله بن الحسن المثنى. وقد ذكره الكليني أيضًا حيث قال:\n\" كتب إلى موسى بن جعفر يدعوه: خبرني من ورد عليّ من أعوان الله على دينه ونشر طاعته بما كان من تحننك مع خذلانك .. وقد احتجبتها واحتجبها أبوك من قبلك، وقديمًا ادعيتم ماليس لكم، وبسطتم أعمالكم إلى ما لم يؤتكم الله، فاستهويتم وأضللتم، وأنا محذرك ماحذرك الله من نفسه. فكتب إليه أبو الحسن موسى بن جعفر ﵇: من موسى بن جعفر ... ذكرت أني ثبطت الناس عنك لرغبتي عما في يديك ... وأحذرك معصية الخليفة (٢) وأحثك على بره وطاعته، وأن تطلب لنفسك أمانًا قبل أن تأخذك الأظفار ويلزمك الخناق من كل مكان، فتروّح إلى النفس من كل مكان ولا تجده، حتى يمن الله عليك بمنه وفضله ورقة الخليفة أبقاه الله، فيؤمّنك ويرحمك، ويحفظ فيك أرحام رسول الله، والسلام على من اتبع الهدى \" (٣).\n\nفهذه هي الفرق الشيعية أيام موسى وبعده، وهذه هي عقائدهم وأفكارهم المثبتة من كتب الشيعة والسنة أيضًا، والذي قيل:\n\" حمله الرشيد\n_________\n(١) الأصول من الكافي ج١ ص٣٦٦.\n(٢) أنظر إلى الصدق كيف يتطلع وحتى من الكذابين، إمام معصوم للشيعة يمنع الناس عن معصية الخليفة العباسي والخروج عليه، فهل هناك شك بأنه لم يكن أولاد علي يدعون في أنفسهم ما ينسب إليهم هؤلاء القوم.\n(٣) الأصول من الكافي ج١ ص٣٦٧.","vol":"1","page":246},{"text":"من المدينة وقد قدم إليها منصرفًا من العمرة. ثم شخص هارون للحج وحمله معه، ثم انصرف على طريق البصرة، فحبسه عند السندي بن شاهك، فتوفي في حبسه بغداد لخمس ليال بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة وهو ابن خمس أو أربع وخمسين سنة، ودفن في مقابر قريش \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>الشيعة أيام علي بن موسى </span>الملقب بالرضا\nوحصل الإختلاف في الشيعة الذين اجتمعوا حول علي بن موسى الرضا ختن المأمون على ابنته بعد وفاته.\nففرقة قالت بأن الإمام بعده أخوه أحمد بن موسى بن جعفر:\n\" أوصى إليه وإلى الرضا ﵇ وأجازوها في أخوين. فهي المؤلفة، فقطعوا على إمامة علي بن موسى.\nوفرقة منهم تسمى المحدثة، كانوا من أهل الإرجاء وأصحاب الحديث، فدخلوا في القوم بإمامة موسى بن جعفر، وبعده بإمامة علي بن موسى، وصاروا شيعة رغبة في الدنيا وتصنعًا، فلما توفي علي بن موسى ﵇ رجعوا إلى ما كانوا عليه.\nوفرقة كانت من الزيدية الأقوياء منهم والبصراء، فدخلوا في إمامة علي بن موسى ﵇ عندما أظهر المأمون فضله وعقد بيعته تصنعًا للدنيا واستكانوا الناس بذلك دهرًا، فلما توفي علي بن موسى ﵇ رجعوا إلى قومهم من الزيدية \" (٢)\n\nوفرقة أخرى قالت:\nإن الإمامة بعد علي بن موسى ﵇ لإبنه محمد بن علي ﵇،\n_________\n(١) فرق الشيعة ص١٠٥ - ١٠٦.\n(٢) أيضًا ص١٠٧","vol":"1","page":247},{"text":"ولم يكن لغيره (١).\nوكانت هناك فرق أخرى غير هذه الفرق إتبعت فريقًا من الطالبيين الذين ادعوا الإمامة في أيام الرضا ودعوا الناس إليهم، فمنهم محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو المعروف بإبن طباطبا.\nومحمد بن يحيى بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.\nومحمد بن جعفر عم علي الرضا.\nوإبراهيم بن موسى بن جعفر أخو علي الرضا.\nوحسين بن الحسن بن علي بن علي زيد العابدين وغيرهم.\nوقد ذكرهم جميعًا ودعوتهم الناس إليهم وخروجهم على المأمون وتسلطهم على بعض المدن والمناطق ومعاركهم مع عساكر العباسيين من الشيعة، الأصفهاني في مقاتل الطالبيين (٢)، والمسعودي في كتابه مروج الذهب. ولقد نقل عنه خروج هؤلاء العلويين وادعاءهم الإمامة بإيجاز واختصار، فيقول:\nوفي سنة تسعة وتسعين ومائة خرج أبو السرايا السرى بن منصور الشيباني بالعراق، واشتد أمره، ومعه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي إبن أبي طالب، وهو إبن طباطبا ووثب بالمدينة محمد بن سليمان بن داود إبن الحسن بن الحسن بن علي ﵏، ووثب بالبصرة علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي ﵈، وزيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، فغلبوا على البصرة.\nوفي هذه السنة مات إبن طباطبا الذين كان يدعوا إليه أبو السرايا،\n_________\n(١) أيضًا ص ١٠٦\n(٢) ص٥١٣ وما بعد.","vol":"1","page":248},{"text":"وأقام أبو السرايا مكانه محمد بن محمد بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.\nوظهر في هذه السنة باليمن - وهي سنة تسع وتسعين ومائة - إبراهيم إبن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي، وظهر في أيام المأمون بمكة ونواحي الحجاز محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵏، وذلك في سنة مائتين، ودعا لنفسه، وإليه دعت السبطية من فرق الشيعة، وقالت بإمامته. وقد افترقوا فرقًا: فمنهم من غلا ومنهم من قصر وسلك طريق الإمامية.\nوقد ذكرنا في كتاب \" المقالات في أصول الديانات \" وفي كتاب \" أخبار الزمان \" من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة، في الفن الثلاثين من أخبار خلفاء بني العباس ومن ظهر في أيامهم من الطالبيين، وقيل: إن محمد بن جعفر هذا دعا في بدء أمره وعنفوان شبابه إلى محمد بن إبراهيم بن طباطبا صاحب أبي السرايا، فلما مات إبن طباطبا، وهو محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن دعا لنفسه، وتسمى بأمير المؤمنين، وليس في آل محمد ممن ظهر لإقامة الحق ممن سلف وخلف قبله وبعده من تسمى بأمير المؤمنين غير محمد بن جعفر هذا، وكان يُسمى بالديباجة، لحسنه وبهائه ... وظهر في أيام المأمون أيضًا بالمدينة، الحسين بن الحسن إبن علي بن علي بن الحسين بن علي، وهو المعروف بإبن الأفطس. وقيل: أنه دعا في بدء أمره إلى إبن طباطبا، فلما مات إبن طباطبا، دعا إلى نفسه والقول بإمامته، وسار إلى مكة، فأتى الناس وهم بمنى، وعلى الحجاج داود بن عيسى بن موسى الهاشمي، فهرب داود، ومضى الناس إلى عرفة، ودفعوا إلى مزدلفة بغير إنسان عليهم من ولد العباس. وقد كان إبن الأفطس وافى الموقف بالليل. ثم صار إلى المزدلفة والناس بغير إمام","vol":"1","page":249},{"text":"فصلى بالناس، ثم مضى إلى منى، فنحر ودخل مكة، وجرد البيت مما عليه من الكسوة إلا القباطي البيض فقط (١).\n\nوالجدير بالذكر أن علي بن موسى هو الذي جعل المأمون العباسي فيه ولاية العهد بعده.\n\n\" وأمر المأمون الحسن بن سهل والفضل بن سهل وزيريه أن يعرضا ذلك عليه، فامتنع منه، فلم يزالا به حتى أجاب، ورجعا إلى المأمون فعرفاه إجابته. فسر بذلك وجلس للخاصة في يوم خميس، وخرج الفضل بن سهل فأعلم برأي المأمون في علي بن موسى ﵇، وأنه قد ولاه عهده، وسماه الرضا. وأمرهم بلبس الخضرة، والعود لبيعته في الخميس الآخر، على أن يأخذوا رزق سنة. فلما كان اليوم، ركب الناس على طبقاتهم من القواد والحجاب والقضاة وغيرهم في الخضرة. وجلس المأمون ووضع للرضا ﵇ وسادتين عظيمتين، حتى لحق بمجلسه وفرشه وأجلس الرضا (ع) عليهما في الخضرة وعليه عمامة وسيف، ثم أمر إبنه العباس بن المأمون أن يبايع له أول الناس ... فبايعه الناس ووضعت البذر، وقام الخطباء والشعراء، فجعلوا يذكرون فضل الرضا ﵇، وما كان عليه من أمره .. ثم قال المأمون للرضا ﵇: إخطب الناس وتكلم فيهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن\nلنا عليكم حقًا برسول الله، ولكم علينا حقا به، فإذا أنتم أديتم إلينا ذلك، وجب علينا الحق لكم. ولم يُذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس.\nوأمر المأمون، فضربت له الدراهم، وطبع عليها إسم الرضا ﵇، وزوج إسحاق بن موسى بن جعفر بنت عمه إسحاق بن جعفر بن محمد، وأمره فحج بالناس، وخطب للرضا ﵇ في كل بلد بولاية العهد \" (٢).\n_________\n(١) مروج الذهب للمسعودي ج٣ ص٤٤٠،٤٣٩.\n(٢) الإرشاد للمفيد ص ٣١١،٣١٠، أعلام الورى للطبرسي ص٣٣٤.","vol":"1","page":250},{"text":"ولكنه مات قبل أن ينال الخلافة في حياة المأمون.\n\" ولما توفي الرضا ﵇، كتم المأمون موته يومًا وليلة، ثم أنفذ إلى محمد بن جعفر الصادق ﵇ وجماعة من آل أبي طالب الذين كانوا عنده، فلما حضروه، نعاه إليهم وبكى، وأظهر حزنًا شديدًا وتوجعًا، وأراهم إياه صحيح الجسد، قال: يعزعليّ يا أخي أن أراك في هذه الحال، قد كنت أؤمل أن أقدم قبلك، فأبى الله إلا ما أراد. ثم أمر بغسله وتكفينه وتحنيطه، وخرج مع جنازته يحملها حتى انتهى إلى الموضع الذي هو مدفون الآن فدفنه. والموضع دار حميد بن قحطبة، في قرية يُقال لها سناباد، على قربة من نوقان بأرض طوس، وفيها قبر هارون الرشيد وقبر أبي الحسن ﵇ بين يديه في قبلته.\nومضى الرضا علي بن موسى ﵉، ولم يترك ولدًا نعلمه إلا الإمام من بعده أبا جعفر محمد بن علي ﵉، وكانت سنه يوم وفاة أبيه سبع سنين وأشهرا \" (١).\nوكان ذلك في صفر سنة ثلاث ومائتين، وله يومئذ خمسة وخمسون سنة، وأمه أم ولد يُقال لها أم البنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>الشيعة أيام محمد بن علي</span>\nالملقب بالجواد أو التقي\n\nولقد حصل الإختلاف الشديد بين الشيعة في إمامة محمد بن علي لأنه لم يكن بلغ الحلم عند وفاة أبيه، ولذلك اختلف الشيعة في إمامته وتفرقوا عنه كما مر، وقالوا:\n\" لا يجوز الإمام إلا بالغًا، ولو جاز أن يأمر الله ﷿ بطاعة غير بالغ،\n_________\n(١) الإرشاد للمفيد ص٣٠٤، أعلام الورى للطبرسي ص٣١٣، عيون أخبار الرضا ج٢ ص٢٤٧، كشف الغمة ج٣ ص٧٢، جلاء العيون ج٢ص٧٣٩، منتهى الآمال ص١٠٤٩.","vol":"1","page":251},{"text":"لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فكما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ، فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس ودقيقه وجليله وغامض الأحكام وشرائع الدين وجميع ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها طفل غير بالغ، ولو جاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجة، لجاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجتين وثلاثًا وأربعًا راجعًا إلى الطفولية. حتى يجوز أن يفهم ذلك من طفل في المهد والخرق، وذلك غير معقول ولا مفهوم ولا متعارف.\nثم إن الذين قالوا بإمامه أبي جعفر محمد بن علي بن موسى ﵈ اختفلوا في كمية علمه لحداثة سنه ضروبًا من الإختلاف. فقال بعضهم لبعض: الإمام لا يكون إلا عالمًا، وأبو جعفر غير بالغ وأبوه قد توفي، فكيف علم؟ ومن أين علم؟ فأجابوه:\nفقال بعضهم: لا يجوز أن يكون علمه من قبل أبيه، لأن أباه حمل إلى خراسان وأبو جعفر إبن أربع سنين وأشهر، ومن كان في هذه السن فليس في حد من يستفرغ تعليم معرفة دقيق الدين وجليله، ولكن الله ﷿ علمه ذلك عند البلوغ بضروب مما يدل على جهات علم الإمام، مثل الإلهام والنكت في القلب والنقر في الأذن والرؤيا الصادقة في النوم والملك المحدث له ووجوه رفع المنار والعمود والمصباح وعرض الأعمال، لأن ذلك كله قد صحت الأخبار الصحيحة القوية الأسانيد فيه التي لا يجوز دفعها ولا رد مثلها.\nوقال بعضهم: قبل البلوغ هو إمام، على معنى أن الأمر له دون غيره إلى وقت البلوغ، فإذا بلغ علم، لا من جهة الإلهام والنكت ولا الملك ولا لشيئ من الوجوه التي ذكرتها الفرقة، لأن الوحي منقطع بعد النبي صلى الله عليه وآله بإجماع الأمة، ولأن الإلهام إنما هو أن يلحقك عند","vol":"1","page":252},{"text":"الخاطر والفكر معرفة بشيئ قد كانت تقدمت معرفتك به من الأمور النافعة فذكرته، وذلك لا يعلم به الأحكام وشرائع الدين على كثرة إختلافها وعللها قبل أن يوقف بالسمع منها على شيئ، لأن أصح الناس فكرًا وأوضحه خاطرًا وعقلًا وأحضره توفيقًا، لو فكر وهو لا يسمع بأن الظهر أربع والمغرب ثلاث، والغداة ركعتان، مااستخرج ذلك بفكره، ولا عرفه بنظره، ولا استدل عليه بكمال عقله، ولا أدرك ذلك بحضور توفيقه، ولا لحقه علم ذلك من جهة التوفيق أبدًا. ولا يعقل أن يعلم إلا بالتوقيف والتعليم، فقد بطل أن يعلم شيئًا من ذلك بالإلهام والتوفيق.\nلكن نقول: أنه علم ذلك عند البلوغ من كتب أبيه، وما ورثه من العلم فيها، وما رسم له من الأصول والفروع.\nوبعض هذه الفرقة تجيز القياس في الأحكام للإمام، خاصة على الأصول التي في يديه، لأنه معصوم من الخطأ والزلل، فلا يخطئ في القياس، وإنما صاروا إلى هذه المقالة لضيق الأمر عليهم في علم الإمام وكيفية تعليمه، إذ هو ليس ببالغ عندهم.\n\nوقال بعضهم: الإمام يكون غير بالغ ولو قلت سنه، لأنه حجة الله، فقد يجوز أن يعلم وإن كان صبيًا، ويجوز عليه الأسباب التي ذكرت من الألهام والنكت والرؤيا والملك المحدث ورفع المنار والعمود وعرض الأعمال، كل ذلك جائز عليه وفيه، كما جاز ذلك عن سلفه من حجج الله الماضين. واعتلوا في ذلك بيحيى بن زكريا، وأن الله آتاه الحكم صبيا، وبأسباب عيسى بن مريم، وبحكم الصبي بين يوسف بن يعقوب وامرأة الملك، وبعلم سليمان بن داود حكمًا من غير تعليم، وغير ذلك، فإنه قد كان في حجج الله ممن كان غير بالغ عند الناس \" (١).\n\nوولد محمد بن علي هذا سنة خمس وتسعين ومائة بالمدينة، وقبض\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص ١١٠، ١١١، ١١٢.","vol":"1","page":253},{"text":"ببغداد سنة عشرين ومائتين، وله يومئذ خمس وعشرون سنة، وأمه أم ولد، يُقال لها سميكة، وكانت نوبية (١).\nوكان متزوجًا من إبنة المأمون أم الفضل.\n\" فكانت إحدى الأختين تحت محمد بن علي بن موسى والأخرى تحت أبيه علي بن موسى \" (٢)\nوفي أيامه إدعى الإمامة واحد من الحسينيين، وهو محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٣).\n\" وانقاد إليه وإلى إمامته خلق كثير من الناس، ثم حمله عبد الله بن طاهر إلى المعتصم، فحبسه في أزج اتخذه في بستان بسر من رأى.\nوقد ُتنوزع في محمد بن القاسم، فمن قائل يقول: أنه قتل بالسم، ومنهم من يقول: أن أناسًا من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان، فتأتوا للخدمة فيه من غرس وزراعة، واتخذوا سلالم من الحبال واللبود والطالقانية، ونقبوا الأزج، وأخرجوه فذهبوا به، فلم يُعرف له خبر إلى هذه الغاية.\nوقد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت - وهو سنة إثنتين وثلاثين وثلثمائة - ومنهم خلق كثير يزعمون أن محمدًا لم يمت، وأنه حي يُرزق، وأنه يخرج فيملؤها عدلًا كما مُلئت جورا، وأنه مهدي هذه الأمة. وأكثر هؤلاء بناحية الكوفة وجبال طبرستان والديلم وكثير من كور خراسان \" (٤).\n_________\n(١) الإرشاد للمفيد ص ٣١٦، أعلام الورى ص ٣٤٤، ٣٤٥، مروج الذهب ج٣ ص ٤٦٤.\n(٢) مروج الذهب ج ٣ص ٤٤١.\n(٣) مقاتل الطالبيين ص ٥٧٧، أيضًا الطبري وابن الأثير وغيرهما.\n(٤) مروج الذهب ج ٣ ص ٤٦٥.","vol":"1","page":254},{"text":"الشيعة في أيام علي بن محمد\nالمكنى بأبي الحسن والملقب بالهادي أو النقي\nولما مات محمد بن علي، خلف إبنيه عليًا وموسى، وكان الأكبر منهما لا يتجاوز الثامنة من عمره حسب قول الشيعة. وكانا من الصغر بمكان حتى \" أوصى أبوهما على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق إلى عبد الله بن المساور إلى أن يبلغا (١) الحلم \" (٢)\nفاختلف الشيعة في أمرهما، فقوم قالوا بإمامة علي بن محمد، وقوم ذهبوا إلى إمامة أخيه موسى بن محمد (٣)\nالنصيرية\n\nوفي حياة علي بن محمد الهادي المكنى بأبي الحسن، ظهرت من الشيعة فرق أخرى، قالت:\nبنبوة رجل ُيقال له محمد بن نصير النميري، وكان يدعي أنه نبي بعثه أبو الحسن العسكري ﵇، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم، ويحلل نكاح الرجال بعضهم بعضًا في أدبارهم، ويزعم أن ذلك من التواضع والتذلل، وأنه إحدى الشهوات والطيبات، وأن الله ﷿ لم يحرم شيئًا من ذلك. وكان يقوي أسباب هذا النميري محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات. فلما توفي قيل له في علته وقد اعتقل لسانه: لمن هذا الأمر من بعدك؟\nفقال: لأحمد.\nفلم يدروا من هو.\nفافترقوا ثلاث فرق.\nفرقة قالت:\n_________\n(١) ولا ندري كيف يعتمد على صبي في أمور الدين من لم يعتمد عليه أبوه - وهو إمام معصوم عند الشيعة - في أمر دنياه.\n(٢) الكافي ج ١ ص ٣٢٥.\n(٣) أنظر فرق الشيعة ص ١١٣.","vol":"1","page":255},{"text":"أنه (أحمد) إبنه، وفرقة قالت: هو أحمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، وفرقة قالت: أحمد بن أبي الحسين محمد بن محمد بن بشير بن زيد.\nفتفرقوا، فلا يرجعون إلى شيئ.\nوادعى هؤلاء النبوة عن أبي محمد فسمت النميرية أو النصيرية (١).\n\nولقد ذكر الشهرستاني النصيرية في ملله، وذكر مذهبهم أنهم يقولون:\n\" إن الله قد ظهر بصورة أشخاص، ولما لم يكن بعد رسول الله ﷺ أفضل من علي ﵇ وبعده أولاده المخصوصون هم خير البريّة، فظهر الحق بصورتهم، ونطق بلسانهم، وأخذ بأيديهم، فعن هذا أطلقنا اسم الألهية عليهم، وإنما أثبتنا هذا الإختصاص لعلي دون غيره، لأنه كان مخصوصًا بتأييد من عند الله تعالى مما يتعلق بباطن الأسرار. قال النبي ﷺ، أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي ﷺ وقتال المنافقين إلى علي. وعن هذا شبهه بعيسى ابن مريم، وقال: ولولا أن يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى بن مريم وإلا لقلت فيك مقالًا. وربما أثبتوا له شركة في الرسالة. إذ قال: فيكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله ألا وهو خاصف النعل، فعلم التأويل وقتال المنافقين ومكالمة الجن، وقلع باب خيبر لا بقوة جسدانية من أدل الدليل على أن فيه جزء آلهيًا وقوة ربانية. أو أن يكون هو الذي ظهر الإله بصورته، وخلق بيده، وأمر بلسانه. وعن هذا قالوا كان هو موجود قبل خلق السموات والأرض. قال كنا أظلة على يمين العرش، فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا، فتلك الظلال وتلك الصور العرية عن الأظلال هي حقيقة وهي مشرقة بنور الرب تعالى إشراقًا لا ينفصل عنها، سواء كانت في\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص ١١٥، ١١٦.","vol":"1","page":256},{"text":"هذا العالم أو في ذلك العالم. وعن هذا قال أنا أحمد، الضوء من الضوء. يعني لا فرق بين النورين، إلا أن أحدهما أسبق والثاني لا حق به. قال له وهذا يدل على نوع شركة.\nفالنصيرية أميل إلى تقرير الجزء الآلهي.\nوالإسحاقية أميل إلى تقرير الشركة في النبوة (١).\n\nوذكر الرازي أن هذه الطائفة موجودة في حلب ونواحي الشام إلى يومنا هذا (٢).\nونحن نقول: إنها موجودة حتى اليوم في سوريا وتركيا، ويُعرفون بالعلويين.\nوأما النصيرية فيقولون: إن محمد بن النصير النميري لم يدّع ِ النبوة، بل إنه كان بابًا للإمام الحادي عشر الحسن العسكري (٣).\nويقولون: أنه كان ينافسه رجل اسمه أبو يعقوب اسحاق بن محمد النخعي، فادعى هو الثاني هو الباب للحسن العسكري.\nفالحاصل أن هؤلاء الذين يقولون ويصرحون بألوهية علي، وكان رسول الله هو رسوله هو. كما يقولون:\nإن عليًّا أرسل جابر بن يزيد الجعفي في قضاء غرض له، فلما أن وصل إلى الوضع المقصود، رأى علي بن أبي طالب جالسًا على كرسي من نور، والسيد محمد (يعني سيدنا محمدا) عن يمينه، والسيد سلمان (يعني الصحابي الجليل سلمان الفارسي) عن شماله، ثم التفت جابر إلى ورائه فرآه هكذا. ثم التفت عن يمينه فرآه هكذا. ثم نظر إلى السماء فرآه في السماء والملائكة حوله يسبحون بحمده ويسجدون له \" (٤).\n_________\n(١) الملل والنحل للشهرستاني ج ٢ ص ٢٥ - ٢٦.\n(٢) إعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص٦١.\n(٣) تاريخ العلويين للطويل ص٢٠٢.\n(٤) الباكورة السليمانية ص٨٧.","vol":"1","page":257},{"text":"وقد دوّنوا لهم قرآنًا مستقلًا، ومنها هذه الآيات:\n\n\"ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين .. أشهد عليّ أيها الحجاب العظيم، أشهد عليّ أيها الباب الكريم، أشهد عليّ يا سيدي المقداد اليمين، أشهد يا عليّ أبو الدر الشمال ... بأن ليس إلهًا إلا عليّ بن أبي طالب الأصلع المعبود، ولا حجاب إلا السيد محمد المحمود، ولا باب إلا السيد سلمان الفارسي المقصود، وأكبر الملائكة الخمسة الأيتام، ولا رأي إلا رأي شيخنا وسيدنا الحسين بن حمدان الخصبي الذي شرع الأديان في سائر البلدان. أشهد بأن الصورة المرئية التي ظهرت في البشرية هي الغاية الكلية، وهي الظاهرة بالنورانية، وليس إله سواها، وهي علي بن أبي طالب. وأنه لم يُحاط ولم يُحصر ولم يُدرك ولم يُبصر.\nأشهد بأني نصيري الدين، جندبي الرأي، جنبلاني الطريقة، خصيبي المذهب، جليّ المقال، ميموني الفقه، وافر الرجعة البيضاء والكرة الزهراء وفي كشف الغطاء وجلاء العماء وإظهار ما كتم وإجلاء ما خفي، وظهور علي بن أبي طالب من عين الشمس قابض على كل نفس، الأسد من تحته، وذو الفقار بيده، والملائكة خلفه، والسيد سلمان بين يديه، والماء ينبع من بين قدميه، والسيد محمد ينادي ويقول: هذا مولاكم علي بن أبي طالب فاعرفوه وسبحوه وعظموه وكبروه. هذا خالقكم ورازقكم فلا تنكروه. إشهدوا علي يا أسيادي، أن هذا ديني واعتقادي، وعليه اعتمادي، وبه أحيا وعليه أموت، وعلي بن أبي طالب حي لا يموت، بيده القدرة والجبروت. إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا علينا من ذكرهم السلام \" (١).\nوغير ذلك من الخرافات.\n\" وتوفي علي بن محمد هذا بسرّ من رأى في رجب سنة أربع وخمسين\n_________\n(١) الباكورة السليمانة ص٢٦.","vol":"1","page":258},{"text":"ومائتين. وولد سنة إثنتي عشرة ومائتين. وكان المتوكل قد أشخصه مع يحيى بن أكثم إلى سرّ من رأى، فأقام بها وأمه \" (١).\nهذا ولقد ادعى في أيامه كثير من العلويين الإمامة، وبايعهم خلق من الشيعة ومن أهل بيت علي ﵁. منهم يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي زين العابدين (٢).\nفاستولى على الكوفة وما حولها، ولما قتل أيام المستعين العباسي، رثاه كثير من الشعراء حتى قال الأصفهاني:\n\" وما بلغني أن أحدًا ممن قتل في الدولة العباسية من آل أبي طالب رثي بأكثر مما رثي به يحيى، ولا قيل فيه الشعر بأكثر مما قيل فيه \" (٣).\nووافق على ذلك إبن الأثير في تاريخه الكامل (٤).\nوكذلك ادعى الإمامة حسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن المثنى.\nظهر في بلاد طهرستان، وغلب عليهما وعلى جرجان بعد حروب كثيرة وقتال شديد (٥).\nوكذلك حسين بن محمد بن حمزة بن عبيد الله بن الحسين بن علي سنة إحدى وخمسين ومائتين (٦).\n\nالشيعة في أيام الحسن بن علي العسكري\n\nولما توفي أبو الحسن بن علي الهادي، افترقت الشيعة إلى فرق عديدة.\n_________\n(١) الإرشاد ص ٣٢٧، أعلام الورى للطبرسي ص ٣٥٥، كشف الغمة ج ٣ ص ١٦٦، جلاء العيون ج٢ ص ٧٥٤.\n(٢) مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص ٦٣٩، مروج الذهب ج ٤ ص ٦٣.\n(٣) مقاتل الطالبيين ص ٤٦٥، وبمثل ذلك في مروج الذهب ج ٤ ص ٦٤.\n(٤) ج ٥ ص٣١٥.\n(٥) مروج الذهب ج ٤ ص ٦٨.\n(٦) ايضًا ص ٦٩، ومقاتل الطالبيين للأصفهاني ص ٦٦٥.","vol":"1","page":259},{"text":"\" ففرقة قالت بإمامة إبنه محمد، وقد كان توفي في حياة أبيه بسرّ من رأى، وزعموا أنه حي لم يمت، واعتلوا في ذلك بأن أباه أشار إليه وأعلمهم أنه الإمام من بعده، والإمام لا يجوز عليه الكذب، ولا يجوز البداء فيه، فهو وإن كانت ظهرت وفاته لم يمت في الحقيقة، ولكن أباه خاف عليه فغيّبه، وهو القائم المهدي. وقالوا فيه بمثل مقالة أصحاب إسماعيل بن جعفر \" (١)\n\nوالجدير بالذكر أن محمدًا هذا وهو المكنى بأبي جعفر كان وصي أبيه والخليفة بعده حسب تصريحات الشيعة، ولكنه مات قبل أن تصل إليه الإمامة وخلافة أبيه، فشك القوم في أمره وإمامة أبيه، فقال أبوه علي الهادي المكنى بأبي الحسن:\n\" بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر ﵇ مالم يكن يعرف له، كما بدا في موسى بعد مضي اسماعيل ماكشف عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد إبني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة \" (٢)\n\nوفرقة قالت بإمامة جعفر بن علي - وهو الملقب بجعفر الكذاب عند الشيعة - وقالوا:\n\" أوصى إليه أبوه بعد مضي محمد، وأوجب إمامته وأظهر أمره، وأنكروا إمامة محمد أخيه، وقالوا: إنما فعل ذلك أبوه اتفاقا عليه ودفاعا عنه، وكان الإمام في الحقيقة جعفر بن علي \" (٣).\n\nوفرقة قالت بإمامة الحسن العسكري إبن علي، وكان يكنى بأبي محمد (٤).\nوقال المفيد:\n_________\n(١) فرق الشيعة ص١١٦، ١١٧\n(٢) الأصول من الكافي، كتاب الحجة، باب الإشارة والنص على أبي محمد ج١ ص ٣٢٧.\n(٣) النوبختي ص١١٧، ١١٨\n(٤) أيضًا ص١١٧.","vol":"1","page":260},{"text":"\" وكان الإمام بعد أبي جعفر ﵇ إبنه أبو الحسن علي بن محمد (ع) لاجتماع خصال الإمامة فيه وتكامل فضله، وإنه لا وارث لمقام أبيه سواه، وثبوت النص عليه بالإمامة والإشارة إليه من أبيه بالخلافة \" (١).\nوتوفي يوم الجمعة سنة ستين ومائتين، وكان مولده بالمدينة في شهر ربيع الأول من سنة اثنتي وثلاثين ومائتين، ودفن في داره بسرّ من رأى، في البيت الذي دفن فيه أبوه، وأمه أم ولد يقال لها حديثة (٢).\nوعمره يومئذ ثماني وعشرون سنة.\nوقال النوبختي:\nيقال: لإمه أصفان، وقيل: سليل، وقيل غير ذلك.\nوصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل. وكانت في سني أمامته بقية ملك المعتز أشهرا، ثم ملك المهتدي أحد عشر شهرًا وثمانية وعشرين يومًا، ثم ملك أحمد المعتمد على الله بن جعفر المتوكل عشرين سنة وأحد عشر شهرًا \" (٣).\nوفي أيامه ادعى كثير من العلويين الإمامة، منهم علي بن زيد بن الحسين العلوي (٤).\nوكذلك الكثيرون الذين ذكرهم الأصفهاني في مقاتل الطالبيين والمسعودي في مروج الذهب، وأما من السنة فذكرهم جميع المؤرخين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري</span>\nمات الحسن العسكري بدون خلف ولا عقب كما نص على ذلك\n_________\n(١) الإرشاد ص ٣٢٧.\n(٢) أيضًا ص ٣٣٥.\n(٣) أعلام الورى ص ٣٦٧.\n(٤) مقاتل الطالبيين ص ٦٧٥، مروج الذهب ج٣ ص٩٤.","vol":"1","page":261},{"text":"النوبختي: \" توفى ولم يُر له أثر، ولم يُعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ميراثه أخوه جعفر وأمه \" (١).\n\nفأوجد موته خلافًا شديدًا في شيعته، لأن التشيّع بعد تطوره يوجب على مدعي الإمامة أن يكون بعده عقب، وكذلك أن يكون عليه نص من الذي قبله، وهو الذي يقوم بتجهيزه وتكفينه، فكيف وهنا لا يُرى له أثر، فالتجؤوا لتأويل ذلك إلى سخافات عديدة. كل قوم حسب أهوائهم ومزاعمهم يهوون.\n\nفقال النوبختي:\n\" فافترق أصحابه بعده أربع عشرة فرقة.\nففرقة قالت:\nأن الحسن بن علي حي لم يمت، وإنما هو غائب وهو القائم، ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهر، لأن الأرض لا تخلو من إمام ..\n\nوقالت الفرقة الثانية:\nأن الحسن بن علي مات وعاش بعد موته، وهو القائم المهدي، لأننا روينا أن معنى القائم، هو أن يقوم بعد الموت، ويقوم ولا ولد له، لأن الإمامة كانت تثبت لولده، ولا أوصى إلى أحد، فلا شك أنه القائم ..\n\nوقالت الفرقة الثالثة:\nأن الحسن بن علي توفي، والإمام بعده أخوه جعفر وإليه أوصى الحسن .. فلما قيل له أن الحسن وجعفر ما زالا متهاجرين متصارمين متعادين طول زمانهما، وقد وقفتم على صنائع جعفر وسوء معاشرته له في حياته، ولهم من بعد وفاته في اقتسام مواريثه. قالوا: إنما ذلك بينهما في الظاهر، وأما في الباطن فكانا متراضيين متصافيين لا خلاف بينهما .. .\nوممن قوى إمامة جعفر وأمال الناس إليه، علي بن الطاهر الخراز، وكان متكلمًا محجاجًا، وأعانته على ذلك أخت الفارس بن حاتم بن ماهويه القزويني.\n_________\n(١) الشيعة للنوبختي ص ١١٨، ١١٩.","vol":"1","page":262},{"text":"وقالت الفرقة الرابعة:\nأن الإمام بعد الحسن جعفر، وأن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه، لا من قبل الحسن، وأن الحسن كان مدعيًا باطلًا، لأن الإمام لا يموت حتى يوصي ويكون له خلف. والحسن قد توفي ولا وصية له ولا ولد، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهر معروف مشار إليه، كما لا يجوز أن تكون الأمامة في الأخوين بعد الحسن والحسين كما نص عليه جعفر.\n\nوأما الفرقة الخامسة: فإنها رجعت إلى القول بإمامة محمد بن علي أخي الحسن المتوفى في حياة أبيه، وأما الحسن وجعفر فإنهما ادعيا ما لم يكن لهما، لأن جعفر فيه خصال مذمومة وهو بها مشهور. ظاهر الفسق وغير صائن نفسه، معلن بالمعاصي. ومثل هذا لا يصلح للشهادة على درهم، فكيف يصلح لمقام النبي صلى الله عليه وآله؟\nوأما الحسن فلقد توفى ولا عقب له.\n\nوقالت الفرقة السادسة:\nأن للحسن بن علي إبنًا سماه محمدًا، وولد قبل وفاته بسنين، وزعموا أنه مستور، لا يُرى خائف من جعفر.\n\nوقالت الفرقة السابعة:\nبل ولد بعد وفاته بثمانية أشهر، وأن الذين ادعوا له ولدًا في حياته كاذبون مبطلون في دعواهم، لأن ذلك لو كان لم يخف غيره، ولكنه مضى ولم يُعرف له ولد. ولا يجوز أن يخفي ذلك وقد كان الحبل فيما مضى قائمًا ظاهرًا ثابتًا عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك حتى بطل ذلك عند السلطان وخفى أمره، فقد ولد له إبن بعد وفاة أبيه بثمانية أشهر، وقد كان أمر أن يُسمى محمدًا، وأوصى بذلك، وهو مستور لا يُرى.\n\nوقالت الفرقة الثامنة:\nأنه لا ولد لحسن أصلًا، لانا قد أمتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه، فلم","vol":"1","page":263},{"text":"نجده، ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له أن له ولد، لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت من غير خلف، ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وآله أن يُقال خلف إبنًا نبيًا رسولا. وكذلك في عبد الله بن جعفر بن محمد أنه خلف إبنا، وأن أبا الحسن الرضا ﵇ خلف ثلاثة بنين غير أبي جعفر أحدهم الإمام، لأن مجيئ الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيئ الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يخلف ذكرًا من صلبه، ولا خلف عبد الله بن جعفر إبنًا، ولا كان للرضا أربعة بنين. فالولد قد بطل لا محالة، ولكن هناك حبل قائم قد صح في سرية له وستلد ذكرًا إمامًا متى ما ولدت، فإنه لا يجوز أن يمضي الإمام ولا خلف له، فتبطل الإمامة وتخلو الأرض من الحجة.\nواحتج أصحاب الولد على هؤلاء فقالوا: أنكرتم علينا أمرًا قلتم بمثله، ثم لم تقنعوا بذلك حتى أضفتم إليه ما تنكره العقول، قلتم أن هناك حبلًا قائمًا، فإن كنتم اجتهدتم في طلب الولد فلم تجدوه فأنكرتموه لذلك، فقد طلبنا معرفة الحبل وتصحيحه أشد من طلبكم، واجتهدنا فيه أشد من اجتهادكم، فاستقصينا في ذلك غاية الإستقصاء فلم نجده، فنحن في الولد أصدق منكم. لأنه قد يجوز في العقل والعادة والتعارف، أن يكون للرجل ولد مستور لا يعرف في الظاهر ويظهر بعد ذلك ويصح نسبه، والأمر الذي ادعيتموه منكر وشنيع، ينكره عقل كل عاقل، ويدفعه التعارف والعادة، مع مافيه من كثرة الروايات الصحيحة عن الأئمة الصادقين أن الحبل لا يكون أكثر من تسعة أشهر، وقد مضى للحبل الذي ادعيتموه سنون، وإنكم على قولكم بلا صحة ولا بيّنة.\nوقالت الفرقة التاسعة:\nأن حسن بن علي قد صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه ﵇. فكما صحت وفاتهم بالخبر الذي لا","vol":"1","page":264},{"text":"يكذب مثله، كذلك صح أنه لا إمام بعد الحسن .... والأرض اليوم بلا حجة إلا أن يشاء الله، فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله، فيحيي الأرض بعد موتها، كما بعث محمد صلى الله عليه وآله حين فترة من الرسل.\n\nوقالت الفرقة العاشرة:\nأن أبا جعفر محمد بن علي كان الميت في حياة أبيه، وهو الذي كان الإمام بوصية من أبيه، ثم أوصى هو إلى غلام له صغير كان في خدمته يُقال له نفيس، ثم بعد موته نقل هذا الغلام الوصية إلى جعفر.\n\nوقالت الفرقة الحادية عشرة:\nقد اشتبه علينا الأمر، ولا ندري من هو الإمام، وأن الأرض لا تخلو من حجة فنتوقف ولا نقدم على شيئ حتى يصح لنا الأمر ويتبين.\n\nوقالت الفرقة الثانية عشرة:\nليس القول كما قال هؤلاء، بل لا يجوز أن تخلو الأرض من حجة، ولو خلت لساخت الأرض ومن عليها.، وأما هو خائف مستور بستر الله لا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه، وليس علينا البحث عن أمره، بل البحث عن ذلك وطلبه حرام.\n\nوقالت الفرقة الثالثة عشرة:\nأن الحسن بن علي توفى، وأنه كان الإمام بعد أبيه، وأن جعفر بن علي الإمام بعده، كما كان موسى بن جعفر إمامًا بعد عبد الله بن جعفر، للخبر الذي روى أن الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى. وأن الخبر الذي روى عن الصادق ﵇، أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين ﵉ صحيح لا يجوز غيره، وإنما ذلك إذا كان للماضي خلف من صلبه، فإنه لا تخرج منه إلى أخيه، بل تثبت في","vol":"1","page":265},{"text":"خلفه. وإذا توفى ولا خلف له، رجعت إلى أخيه ضرورة، لأن هذا معنى الحديث عندهم. وكذلك قالوا في الحديث الذي روى أن الإمام لا يغسله إلا إمام، وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره. وأقروا أن جعفر بن محمد ﵉ غسله موسى، وادعوا أن عبد الله أمره بذلك، لأنه كان الإمام بعده، وإن جاز أن لا يُغسله لأنه إمام صامت في حضرة عبد الله.\nفهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين، إذا لم يكن الأكبر منهما خلف ولدا. والإمام عندهم جعفر بن علي، على هذا التأويل ضرورة.\n\nوأما الفرقة الرابعة عشرة فقالت:\nإن الإمام بعده إبنه محمد، وهو المنتظر، غير أنه مات، وسيجئ ويقوم بالسيف، وسيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورا (١).\n\nفهذه هي الفرق المشهورة للشيعة، ذكرناها من كتب القوم أنفسهم، مع سرد الروايات والعبارات من كتب السنة أيضًا تأييدًا وتوثيقًا، لا أصلًا واستدلالًا.\nغير أن هنالك فرقًا شيعية أخرى، ذكرها أصحاب الفرق من السنة من البيانية والجناحية والرزامية والمقنعية والحلمانية والخلاجية والأزافرة وغيرهم، لم نذكرها لانقراضها، ولعدم ورود ذكرها في كتب الشيعة، وكي لا يقول قائل:\nيعلم الله أن هذه الأسماء كلها لم نسمع بها ولم نرها في كتب الشيعة، وما هي إلا مختلقة لا يُقصد من ذكرها غير التشنيع والتهجين. وهي أسماء بلا مسميات، ولم يذكرها أحد من المؤرخين، ولا نقلها من\nكتب في الملل والشيعة كالشيخ أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أهل القرن الرابع في كتاب الفرق والمقالات المتكفل بذكر\n_________\n(١) ملخصًا فرق الشيعة للنوبختي ص ١١٩ وما بعد.","vol":"1","page":266},{"text":"فرق الشيعة وغيره (١).\nوبقيت هناك فرق أخرى، ألا وهي:\nالأثنا عشر أو الجعفرية الإمامة، فإنها ذكرت ضمن الأربع عشرة فرقة التي افترقت بعد موت الحسن العسكري، ولكن لما لها من أهمية، وإن هذا السرد الطويل لم يكن إلا لأجلها، لأنه عند إطلاق لفظ الشيعة لا يتبادر إلى الذهن الآن إلا هذه الفرقة. فنخصص لها بابًا مستقلًا في تاريخها وعقائدها وعلاقتها بالسبئية، وتوارثها جميع الأفكار الموجودة في الفرق البائدة من الغلاة والمتطرفين. كما سنذكر الفرق التي تفرقت منها، وهي موجودة حتى الآن.\nونلفت ههنا أنظار القرآء والباحثين إلى أمر هام يجب الإنتباه إليه، وهو ان كل فرقة من فرق الشيعة التي ذكرناها في هذا الباب سيجد القارئ من مطالعة موجز المعتقدات والعقائد التي حملها أؤلئك، أن كل واحدة منها أخذ حظًا وافرًا من السبئية أبناء اليهود، واغترفت غرفًا كثيرة من الأديان الباطلة الأخرى من النصرانية والمجوسية والأفكار المدسوسة من الهندوس والبابليين والعاشوريين والكلدانيين وغيرهم، كما أن الشيعة بعد تطور التشيّع الأول في جميع أدوارهم وعصورهم، التزموا بقول الرجعة والغيبة والولاية والبراءة والوصاية والتوارث، كما أرسخها مؤسس القوم عبد الله بن سبأ وشلته الماكرة.\n_________\n(١) أعيان الشيعة للسيد محسن أمين القسم الأول الجزء الأول ص٢٤.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>الباب السادس\nالشيعة الاثنا عشرية</span>\nأن الطائفة الإمامية الذين قالوا بإمامة الموهوم الذي سموه محمد بن الحسن العسكري، يقول فيهم السمعاني في (الأنساب):\nالإمامية جماعة من غلاة الشيعة، وإنما لقبوا بهذا اللقب لأنهم يرون الإمامة لعليّ وأولاده ويعتقدون أنه لا بد للناس من إمام وينتظرون إمامًا سيخرج في آخر الزمان (١) \".\nوهي الطائفة التي تسمى بالاثنى عشرية لإعتقادهم إمامة الاثنى عشر من علي بن أبي طالب والحسن بن علي وإمامة أخيه الحسين وإمامة زين العابدين علي بن الحسين وإمامة محمد بن علي الباقر وإمامة جعفر بن محمد الصادق وإمامة موسى بن جعفر الكاظم وإمامة علي بن موسى الرضا وإمامة محمد بن علي الجواد وإمامة علي بن محمد الهادي وإمامة الحسن بن علي العسكري وإمامة محمد بن الحسن المهدي وهو الِإمام الثاني عشر (٢) \".\nويسمون أيضًا: الجعفرية باعتبار أن مذهب في الفروع هو مذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق ﵉، ونسب مذهبهم في الفروع إليه باعتبار أن أكثره مأخوذ عنه (٣) \".\n_________\n(١) الأنساب للسمعاني.\n(٢) الشيعة في التاريخ ص ٤٥ - ٤٦.\n(٣) أعيان الشيعة الجزء الأول القسم الأول ص ٢٠.","vol":"1","page":269},{"text":"ويسمون أيضًا: الرافضة أو الروافض لرفضهم مناصرة أئمتهم ومتابعتهم وغدرهم بهم وعدم وفائهم لهم كما وصفهم عليّ - ﵁ - بقوله:\nلو ميزت شيعتي لما وجدتهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد (١) \".\nوكما قال علي بن الحسين الملقب بزين العابدين أنه لم يبق أحد من شيعة الحسين إلا ارتدّ تخاذلًا وجبنا ورفضا لنصرتهم إياه، أللهم إلا الخمسة: أبو خالد الكابلي ويحيى ابن أم الطويل وجبير بن مطيع وجابر بن عبد الله وشبكة التي كانت زوجة الحسين (٢) \".\nورفضهم مناصرة أئمتهم وخذلانهم إياهم. وتركهم أوحادًا في المعارك والحروب التي هم أسعروا نيرانها معروف ومشهور، ولقد ذكرنا بعض الوقائع منها فيما سبق، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب (مقاتل الطالبيين) للأصفهاني، فإنه ليجد هناك المئات من أولاد علي بن أبي طالب الذين دعوا إلى الخلافة والحكم، ثم خذلوا ورفضوا من قبل الشيعة وقيل إنهم سموا بالروافض لرفضهم زيد بن علي بن الحسين على مدحه أبا بكر وعمر فقال زيد:\nرفضونا اليوم، ولذلك سموا هذه الجماعة بالرافضة (٣).\nوذكر الرازي مثل ذلك حيث قال:\nإنما سموا بالروافض لأن زيد بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵁ - خرج على هشام بن عبد الملك، فطعن عسكره في أبي بكر فمنعهم من ذلك فرفضوه ولم يبق معه إلا مائتا\n_________\n(١) كتاب الروضة من الكافي ج ٨ ص ٣٣٨.\n(٢) مجالس المؤمنين ص ١٤٤ ط. طهران.\n(٣) ناسخ التواريخ للمرزه تقي خان الشيعي ج ٢ ص ٥٩٠.","vol":"1","page":270},{"text":"فارس. فقال لهم: -أي زيد بن علي- رفضتموني؟. قالوا: نعم، فبقى عليهم هذا الأسم (١) \".\nوأما قول من قال:\nالرافضة لقب ينبز به من يقدّم عليًا ﵇ في الخلافة وأكثر ما يستعمل للتشفي والانتقام، وإذا هاجت هائجة العصبية لم يتوقف في إطلاقه على كل شيعي (٢) \".\nفليس إلا مبنيًا على الجهل أو التجاهل فرارًا من العار الذي لصق بهم أبد الدهر لأنه ورد في بخاري القوم:\nعن محمد بن سليمان عن أبيه أنه قال: \"قلت لأبي عبد الله جعفر -الإِمام السادس المعصوم حسب زعم الشيعة-: جعلت فداك فإنا قد نبزنا نبذًا أثقل ظهورنا وماتت له أفئدتنا واستحلت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم، قال: فقال أبو عبد الله ﵇: الرافضة؟ قلت: نعم، قال: لا والله ما هم سموكم ولكن الله سماكم به (٣) \".\nويسمون أنفسهم الخاصة وغيرهم العامة -فعل اليهود- (٤).\nفهذه هي الأسماء المشهورة لهذه الطائفة، فالقائلون بالغائب الموهوم يسمون بهذه الأسماء التي ذكرناها، ثم إنهم تحيروا في إثبات وجوده وولادته قبل ثبوت إمامته للشيعة وزعامته التشيع، فاضطربت فيه أقوالهم وتضاربت فيه آراؤهم، فقائل يقول: بأن أباه مات ولم ير له أثر ولم يعرف له ولد ظاهر (٥) \".\n_________\n(١) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص ٥٢.\n(٢) أعيان الشيعة الجزء الأول القسم الأول ص ١٧.\n(٣) كتاب الروضة من الكافي ج ٥ ص ٣٤.\n(٤) انظر أعيان الشيعة ج ١ ص ٢٠.\n(٥) فرق الشيعة للنوبختي ص ١١٨ - ١١٩.","vol":"1","page":271},{"text":"وقائل قال:\nكان منه الحمل في جارية له ولكنه بطل ذلك الحمل أو سقط كما ذكره الكليني في رواية طويلة له عن أحمد بن عبيد الله بني خاقان أنه قال: إن الحسن العسكري لما مات:\nصارت سرّمن رأى ضجة واحدة وبعث السلطان إلى داره من فتشها وفتش حجرها وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاءوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن، فذكر بعضهن أن جارية هنا بها حمل، فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل لازمين حتى تبين بطلان الحمل (١) \".\nوقائل قال منهم: بل ولد لحسن بعده بثمانية أشهر (٢) \".\nوالآخرون قالوا: ولد ذلك الموهوم قبل وفاته بسنتين:\nفأما مولده بسرّمن رأى في ثالث وعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين (٣) \".\nوقال قائلهم: كان مولده في سنة ست وخمسين (٤) \".\nوقال قائل: لا بل ولد قبل وفاته بخمس سنوات:\nْوكان مولده ﵇ ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين (٥) \".\nوهكذا اختلف في اسم الجارية التي قالوا إنها ولدته، فقال\n_________\n(١) كتاب الحجة من الكافي ج ١ ص ١٢٦.\n(٢) فرق الشيعة ص ١٢٦.\n(٣) كشف الغمة للأربلي ج ٣ ص ٢٢٧.\n(٤) منتهى الآماد للعباس القمي ص ١١٩٨ الفارسي.\n(٥) الإرشاد للمفيد ص ٣٤٦، إعلام الورى للطبرسي ص ٤١٩.","vol":"1","page":272},{"text":"قائلهم: إن اسمها نرجس (١) \".\nوقيل: اسمها صقيل أو صيقل (٢) \".\nوقيل: حكيمة (٣) \".\nوقيل غير ذلك.\nوعلى ذلك قال ابن حزم:\nوقالت القطيعية من الإِمامية الرافضة كلهم وهم جمهور الشيعة ومنهم المتكلمون والنظارون والعدد العظيم بأن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حي لم يمت ولا يموت حتى يخرج فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا وهو عندهم المهدي المنتظر، ويقول طائفة منهم: إن مولد هذا الذي لم يخلق قط في سنة ستين ومائتين سنة موت أبيه، وقالت طائفة منهم: بل بعد موت أبيه بمدة. وقالت طائفة منهم: بل في حياة أبيه ورووا ذلك عن حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى وأنها شهدت ولادته وسمعته يتكلم حين سقط من بطن أمه ويقرأ القرآن، وأن أمه نرجس، وأنها كانت هي القابلة، وقال جمهورهم: بل أمه صقيل، وقالت طائفة منهم: بل أمه سوسن. وكل هذا هوس، ولم يعقب الحسن المذكور لا ذكرًا ولا أنثى، فهذا أول نوك الشيعة ومفتاح عظيماتهم وأخفها وإن كانت مهلكة (٤).\nثم القصص التي اختلقت واخترعت لولادة هذا المولود الذي لم يولد قط وعن اختفائه عن الأعين، عن الخاصة والعامة وعن الأقارب والأباعد، وعدم علم أهل البيت وأهل الدار وعدم معرفتهم به. ثم\n_________\n(١) الإرشاد للمفيد ص ٣٤٦.\n(٢) كشف الغمة ج ٣ ص ٢٢٧.\n(٣) أيضًا.\n(٤) الفصل لابن حزم ج ٤ ص ١٨١","vol":"1","page":273},{"text":"وكيفية بلوغه إلى درجة الإِمامة والإحاطة بجميع العلوم التي هي من خواص الإمامة ولوازمها عند القوم، كل ذلك جعل القوم ينسجون الأساطير ويبالغون في الأكاذيب لإثبات مدعاهم الذي لم يثبت ولن يثبت لأن حكاياتهم الجديرة أن توصف بأنها خرافات وخزعبلات هي نفسها تشهد على فشلهم وخذلانهم في إيجاد اللاموجود. ويسرد للقارىء بعض هذه الخرافات لكي يعرف ويعلم كذب القوم وحقيقتهم الأصلية.\nولأهمية الموضوع أردنا بعض التفصيل وخاصة إنها - أي الاثنى عشرية- هي الطائفة الوحيدة التي تدّعي التشيع الأصلي وكونهم الشيعة الأصليين وعلى وجود معدومهم يتأسس مذهبهم وتقوم ديانتهم.\nولقد ذكر مفسر الشيعة وعلم من أعلامهم، الذي يلقبونه بأمين الإسلام ومن علمائهم في القرن السادس من الهجرة أبو علي الطبرسي في كتابه نقلًا عن صدوق الشيعة وأحد أئمتهم في الحديث، الذي جعلوه في الصحاح الأربعة لهم، ابن بابويه القمي:\nفمن الأخبار التي جاءت في ميلاده (ع) ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار عن الحسين بن رزق الله عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة (عن حكيمة بنت محمد بن علي) بن موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈ قال: حدثتني حكيمة بنت محمد بن الرضا (ع) قالت: بعث إلى أبو محمد الحسن بن علي (ع) فقال: يا عمة اجعلي إفطارك الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان وإن الله تعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجة الله في أرضه، قالت فقلت له: ومن أمه؟. قال: نرجس، فقلت له: جعلني الله فداك ما بها أثر، فقال: هو ما أقول لك، قالت: فجئت فلما سلمت وجلست","vol":"1","page":274},{"text":"جاءت تنزع خفي وقالت لي: يا سيدتي كيف أمسيت؟. فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا، فقلت لها: يا بنية إن الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذا غلامًا سيدًا في الدنيا والآخرة، قالت: فخجلت واستحييت، فلما أن فرغت من صلاة العشاء الآخيرة أفطرت وأخذت مضجعي فرقدت فلما كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي قائمة ليس بها حادث ثم جلست معقبة ثم اضطجعت، ثم انتبهت أخرى وهي راقدة، ثم قامت فصلت ونامت، قالت حكيمة: وخرجت اتفقد الفجر فإذا أنا بالفجر الأول كذنب السرحان وهي نائمة، قالت حكيمة: فدخلتني الشكوك فصاح بي أبو محمد من المجلس فقال: لا تعجلي يا عمة فإن الأمر قد قرب، قال: فجلست فقرأت (الم السجدة) و(يس) فبينا أنا كذلك إذا انتبهت فزعة فوثبت إليها، فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: تحسين شيئًا؟ قالت: نعم، فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك.\nقالت حكيمة: ثم أخذتني فترة وأخذتها فترة فانتبهت بحس سيدي فكشفت الثوب عنها فإذا به ﵇ ساجدًا يتلقى الأرض بمساجده فضممته إلى فإذا أنا به نظيف منظف، فصاح بي أبو محمد هلمي إلى ابني يا عمة! فجئت به إليه فوضع يديه تحت أليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره، ثم أدلى لسانه في فيه وأمر يده على عينيه وسمعه ومفاصله. ثم قال: تكلم يا بني فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. ثم صلى على أمير المؤمنين وعلى الأئمة (ع) إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم.\nثم قال أبو محمد: يا عمة! اذهبي به إلى أمه ليسلم عليها وائتيني","vol":"1","page":275},{"text":"به فذهبت به فسلم ورددته ووضعته في المجلس.\nثم قال ﵇: يا عمة إذا كان يوم السابع فائتينا، قالت حكيمة: فلما أصبحت جئت لأسلم على أبي محمد وكشفت الستر لأتفقد سيدي فلم أره فقلت له: جعلت فداك ما فعل سيدي؟. قال: يا عمة استودعناه الذي استودعت أم موسى، قالت حكيمة: فلما كان يوم السابع جئت وسلمت على أبي محمد فقال: هلمي إلى ابني فجئت بسيدي وهو في الخرقة ففعل به كفعلته الأولى ثم أدلى لسانه في فيه كأنما يغذيه لبنًا أو عسلًا، ثم قال: تكلم يا بني فقال أشهد أن لا إله إلا الله وثنى الصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين وعلى الأئمة حتى وقف على أبيه (ع) ثم تلا هذه الآية ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ (١).\nوروى مثل ذلك بزيادات كثيرة خاتمة محدثي الشيعة ملا باقر المجلسي عن الكليني صاحب (الكافي)، وعن ابن بابويه القمي، وعن شيخ الطائفة الطوسي، وعن السيد مرتضى الذي لقبوه بعلم الهدى وغيرهم (٢).\nومؤرخ الشيعة ورجاليّهم ومحدثهم عباس القمي في منتهى الآمال (٣). وروى القوم عن كبار محدثيهم، عن ابن بابويه القمي، وعن شيخ الطائفة الطوسي بأسانيد معتبرة معتمدة كما ذكروا خرافات كثيرة يخجل الإِنسان بذكرها ويمجّها العقل ويزدريها الفكر ولكن أنّى لشاتمي\n_________\n(١) أعلام الورى للطبرسي ص ٤١٨ - ٤٢٠، روضة الواعظين للفتال النيسابوري الشيعي ص ٢٥٦ - ٢٥٧.\n(٢) جلاء العيون فارسي ص ٧٧٠ وما بعد.\n(٣) ص ١٢٠٤ وما بعد.","vol":"1","page":276},{"text":"أصحاب الرسول الحياء والخجل، ومما ورد فيه أن حكيمة تقول:\n\" بدأت أقرأ على نرجس: إنا أنزلناه في ليلة القدر، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ بمثل ما أقرأ، وسلمّ عليّ، ففزعت لما سمعت، فصاح بي أبو محمد ﵇: لا تعجبي من أمر الله إن الله تعالى ينطقنا صغارًا بالحكمة ويجعلنا حجة في أرضه كبارًا، فلم يستتم الكلام حتى غيّبت عني نرجس، فلم أرها كأنه ضرب بيني وبينها حجاب فعدوت نحو أبي محمد (ع) وأنا صارخة فقال لي: ارجعي يا عمة فإنك ستجدينها في مكانها قالت: فرجعت فلم ألبث إلى أن كشف الغطاء الذي بيني وبينها وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشى بصري فإذا أنا بالصبي ﵇ ساجدًا لوجهه جاثيًا على ركبتيه رافعًا سبابته نحو السماء وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن جدي رسول الله (ص) وأن أبي أمير المؤمنين ثم عد إمامًا إمامًا إلى أن بلغ إلى نفسه فقال: اللهم أنجز لي وعدي وأتمم لي أمري، وثبت وطأتي واملأ الأرض بي عدلًا وقسطًا فصاح بي أبو محمد (ع) وقال: يا عمة تناوليه وهاتيه فتناولته وأتيت به نحوه فلما مثلت بين يدي أبيه وهو على يدي فسلم على أبيه فتناوله الحسن (ع) مني والطير يرفرف على رأسه ويناوله لسانه فيشرب منه ثم قال: امض به إلى أمه لترضعه ورديه إلي قالت فناولته أمه فأرضعته ورددته إلى أبي محمد والطير يرفرف على رأسه فصاح طير منها فقال له: احمله واحفظه ورده إلينا في كل أربعين يومًا فتناوله الطير وطار به في جو السماء وأتبعه سائر الطيور فسمعت أبا محمد يقول: أستودعك الذي أودعته أم موسى، فبكت نرجس فقال: اسكتي فإن الرضاع محرم عليه إلا من ثديك وسيعاد إليك كما رد موسى إلى أم موسى وذلك قول الله ﷿: ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن﴾، قالت حكيمة: قلت","vol":"1","page":277},{"text":"فما هذا الطير؟ قال هذا روح القدس الموكل بالأئمة ﵈ يوفقهم ويسددهم ويربيهم العلم قالت حكيمة: فلما أن كان بعد أربعين يومًا رد الغلام ووجهه إلى ابن أخي فدعاني فدخلت عليه فإذا أنا بصبي متحرك يمشي بين يديه فقلت يا سيدي هذا ابن سنتين فتبسم ﵇ ثم قال: إن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشئون بخلاف ما ينشأ غيرهم وإن الصبي منا إذا أتى عليه شهر كان كمن أتى عليه سنة وإن الصبي منا ليتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن ويعبد الله تعالى عند الرضاع وتطيف به الملائكة وتنزل عليه بالسلام صباحًا ومساءًا قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي في كل أربعين يومًا إلى أن رأيته رجلًا قبل مضي أبي محمد بأيام قلائل فلم أعرفه فقلت لابن أخي (ع) من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال لي: هذا ابن نرجس وهذا خليفتي من بعدي وعن قليل تفقدونني فاسمعي وأطيعي\" (١).\nومثل ذلك روى الطبرسي أيضًا في أعلام الورى (٢).\nوزاد: حدثني نسيم الخادم قال: قال لي صاحب الزمان وقد دخلت بعد مولده بليلة، فعطست فقال: يرحمك الله، قال نسيم: ففرحت بذلك فقال: ألا أبشرك بالعطاس؟ فقلت: بلى، فقال: هو أمان من الموت إلى ثلاثة أيام\" (٣).\nوابن الفتال قال:\nلما ولد السيد ﵇ قال أبو محمد: ابعثوا إلى أبي عمرو، فبعث إليه فصار إليه، فقال له: اشتر أربعة آلاف رطل خبز وعشرة آلاف\n_________\n(١) جلاء العيون للمجلسي ص ٧٧٢، منتهى الآمال للقمي ص ١٢٠٦، روضة الواعظين ج ٢ ص ٢٥٩.\n(٢) ص ٤٢٠.\n(٣) أعلام الورى ص ٤٢٠.","vol":"1","page":278},{"text":"رطل لحم وفرقه واحسبه\nقال علي بن هاشم: وعق عنه بكذا وكذا شاة.\nوروى أنه لما ولد السيد (ع) رأيت له نورًا ساطعًا قد ظهر منه وبلغ أفق السماء، ورأيت طيورًا بيضًا تهبط من السماء وتمسح أجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده ثم تطير، فأخبرنا أبا محمد بذلك فضحك، ثم قال: تلك ملائكة السماء نزلت للتبرك بهذا المولود، وهي أنصاره إذا خرج\" (١).\nولعاقل أن يعقل ويسأل: ولماذا الخوف، ثم الدخول في السرداب ما دامت الملائكة حاميته وأنصاره؟.\nثم ولماذا كان البحث والتفتيش والتنقيب عن مولود للحسن العسكري ما دام أنه كان موجودًا وقد بلغ الرشد وشبّ وترعرع؟.\nثم وكيف حاز تركة الحسن أخوه جعفر مع وجود من يكون وارثًا له من أولاده؟.\nورابعًا: ولماذا لم يشب ولم ينم الحسن والحسين سبطا رسول الله - ﷺ - ولهما من مكانة ومنزلة لا تخفى على أحد؟. كما أن الحسين حسب زعم القوم هو أب الأئمة الذين حلفوا بعده ومع وجود رسول الله آنذاك، فكان صبيًا عندما غادر رسول الله الدنيا وحتى بروايات القوم، ثم ومن غير المعدوم نمى هذا النمو وترعرع وشبّ بهذه العجلة؟ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا.\nخامسًا: وهل يصدّق بهذه الأقاصيص التي لم يحسن واضعوها صناعتها وصياغتها شخص لديه شىء من التعقل وقليل من الفكر؟.\nوهل حكايات الطير وغياب النرجس إلا الأباطيل التي يسامر بها\n_________\n(١) روضة الواعظين ص ٢٦٠.","vol":"1","page":279},{"text":"المسامرون ويحيون بها الليالي في الأندية والمقاهي؟.\nثم وكيف خفى كل هذا على الهاشميين والأسرة العلوية مع من فيهم من أم الحسن وأخيه وعلى رأسهم نقيب الطالبيين أحمد بن عبد الصمد المعروف بابن الطومار الذي كان لديه سجل يدوّن فيه مواليد العلويين. وعلى ذلك لما ادعى أحد من الأدعياء أنه محمد بن الحسن العسكري سنة ٣٠٢ وصل خبره إلى الخليفة المقتدر العباسي، فأمر باحضار مشائخ آل أبي طالب ونقيبهم للبتّ في أمره، فشهد الجميع على كذبه بدليل أن الحسن العسكري لم يعقب، فحبس الدعيّ وضرب شهر بين الناس (١).\nفهذه القصص وهذه الخرافات بنفسها تشهد على فشل القوم في إثبات المدّعي.\nهذا وزيادة على ذلك اختلاف الشيعة أنفسهم وذهاب أكثرهم إلى إمامة الآخرين، والآراء المتعددة، بعد يأسهم عن ولادة ابن الحسن العسكري وعن وجوده بعده.\nوأخيرًا ننقل ذلك الخبر الموثوق، المعتمد لدى القوم والمنقول في أصح كتبهم، في (الكافي) ما هو فصل قاطع في الموضوع، وذلك ما رواه الكليني عن أحمد بن عبيد الله بن خاقان وهو شيعي مشهور معلن تشيعه وموالاته للحسن العسكري أن الحسن العسكري:\nلما اعتل بعث السلطان إلى أبيه أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته فبادر إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلًا ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته، فيهم نحرير فأمرهم بلزوم دار الحسن وتعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم\n_________\n(١) تاريخ طبري ج ١٣ ص ٢٦ - ٢٧ تحت حوادث سنة ٣٠٢ هـ.","vol":"1","page":280},{"text":"بالاختلاف إليه وتعاهده صباحًا ومساء، فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أخبر أنه قد ضعف، فأمر المتطببين بلزوم داره وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلًا ونهارًا، فلم يزالوا هناك حتى توفي ﵇ فصارت سرمن رأى ضجة واحدة وبعث السلطان إلى داره من فتشها وفتش حجرها وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاءوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته وعطلت الأسواق وركبت بنو هاشم والقواد وأبي وسائر الناس إلى جنازته، فكانت سرمن رأى يومئذ شبيهًا بالقيامة، فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة عليه دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والمعدلين وقال:\nهذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان ومن المتطببين فلان وفلان، ثم غطى وجهه وأمر بحمله من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه أبيه.\nولما دفن أخذ السلطان والناس في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا عن قسمة ميراثه ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل لازمين حتى تبيّن بطلان الحمل، فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر وادعت أمه وصيته وثبت","vol":"1","page":281},{"text":"ذلك عند القاضي\" (١).\nوذكر هذا الخبر جميع مؤرخي الشيعة ومؤلفيهم ومحدثيهم من المفيد في الإِرشاد (٢) والطبرسي في أعلام الورى (٣) والأربلي في كشف الغمة (٤) والملا باقر المجلسي في جلاء العيون (٥) وصاحب الفصول في الفصول المهمة (٦) والعباس القمي في منتهى الآمال (٧).\nفهذا هو الخبر الذي رواه جميع مؤرخي الشيعة ومحدثيها قد يهدم ما أرادوا بناءه على الأساطير والقصص والحكايات والخرافات من ولادة الثاني عشر المعدوم ونشأته وإمامته.\nثم ولقد أقرّ بهذه الحقيقة الناصعة كبار القوم وزعماؤهم بأن الحسن العسكري مات:\nفلم يظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته، وتولى جعفر بن علي أخو أبي محمد (ع) وأخذ تركته، وسعى في حبس جواري أبي محمد واعتقال حلائله ... وحاز جعفر ظاهرًا تركة أبي محمد ﵇ واجتهد في القيام عند الشيعة مقامه\" (٨).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-156>لماذا قالوا بولادة هذا المعدوم</span>؟\nثم إن القوم لم يضطروا إلى إيجاد هذا المعدوم واختلاق هذا الموهوم إلا فرارًا من الأسئلة التي تطرح عليهم من قبل مخالفيهم وهربًا من المآزق\n_________\n(١) كتاب الحجة من الكافي ص ٥٠٥.\n(٢) ص ٣٣٩.\n(٣) ص ٣٧٧ - ٣٧٨.\n(٤) ج ٣ ص ١٩٨ - ١٩٩.\n(٥) تحت ذكر المهدي.\n(٦) أيضًا.\n(٧) أيضًا.\n(٨) الإرشاد للمفيد ص ٣٤٥، أعلام الورى للطبرسي ص ٣٨٠، كشف الغمة ج ٣ ص ٢٠٥.","vol":"1","page":282},{"text":"التي كانوا يقعون فيها حسب الأسس التي اخترعوها والقواعد التي ابتدعوها والأصول التي أوجدوها هم أنفسهم لبيان أوصاف الإمام وخصائله والشروط التي توجد فيه واللوازم التي تلزمه إياه، فإنهم قالوا:\nأن الإِمام لا يموت حتى يوصي، ويكون له خلف (١).\nوذكر الكليني عن جعفر أنه قال:\nلا يموت الإِمام حتى يعلم من يكون بعده، فيوصي إليه\" (٢).\nثانيًا: لا يكون إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب كما روى الكليني عن جعفر أنه قال:\nلا تعود الإِمامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبدًا، إنما جرت من علي بن الحسين كما قال الله ﵎: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾، فلا تكون بعد علي بن الحسين إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب\" (٣).\nوروى الكليني عن عيسى بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب ﵇ أنه قال:\nقلت لأبي عبد الله ﵇: إن كان كون -ولا أراني الله- فبمن أئتم؟ فأومأ إلى ابنه موسى، قال: قلت: فإن حدث يموسى حدث فبمن أئتم؟ قال: بولده، قلت: فإن حدث بولده حدث وترك أخًا كبيرًا وابنًا صغيرًا فبمن أئتم؟ قال: بولده ثم واحدًا فواحدًا. وفي نسخة الصوافي: ثم هكذا أبدًا\" (٤).\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص ١٢٣.\n(٢) الأصول من الكافي كتاب الحجة، باب أن الإمام يعرف الإمام الذي يكون من بعده ج ١ ص ٢٧٧.\n(٣) أيضًا، باب إثبات الإمامة في الأعقاب وأعقاب الأعقاب وأنها لا تعود في أخ ولا عم ج ١ ص ٢٨٦.\n(٤) أيضًا.","vol":"1","page":283},{"text":"وتوثيقًا لهذه القاعدة وتأكيدًا لها نقلوا عن علي بن موسى الرضا أنه سئل:\nأتكون الإمامة في عمّ أو خال؟ فقال: لا، قيل: ففي أخ؟ قال: لا، قيل: ففيمن؟ قال: في ولدي، وهو يومئذ لا ولد له\" (١).\nويقصد بذلك لا بد أن يولد له ولد لأن وجوده من أحد الأدلة على صحة الإمامة.\nثالثًا: ولا يكون إلا في الكبير. كما روى الكليني عن علي بن موسى أنه قال:\nللإمام علامات، منها أن يكون أكبر (٢) ولد أبيه\" (٣).\nوكما رووا عن جعفر أنه قال:\nأن الأمر في كبير ما لم تكن فيه عاهة\" (٤).\nومثل ذلك قال علي بن موسى بن جعفر حينما سئل عن دلالة صاحب هذا الأمر فقال:\nالدلالة عليه الكبر\" (٥).\nرابعًا: قالوا: إن الإِمام لا يغسّله إلا الإِمام. كما نقلوا عن علي الرضا أنه قال:\nإن الإمام لا يغسّله إلا إمام من الأئمة ﵈\" (٦).\nخامسًا: يستوي عليه درع رسول الله - ﷺ - كما رووا عن الباقر أنه بيّن علامات الإمام فقال: ومنها: وإذا لبس درع رسول الله صلى الله\n_________\n(١) أيضًا.\n(٢) وهذا هو الدليل القوي والحجة القاطعة للإسماعيلية بأن الإمام كان بعد جعفر إسماعيل ابنه لأنه هو أكبر أبنائه.\n(٣) الأصول من الكافي ج ١ ص ٢٨٤.\n(٤) الأصول من الكافي كتاب الحجة، باب الأمور التي توجب حجة الإمام ج ١ ص ٢٨٤.\n(٥) أيضًا.\n(٦) أيضًا، باب أن الإمام لا يغسله إلا إمام ص ٣٨٤.","vol":"1","page":284},{"text":"عليه وآله كان عليه وفقا، وإذا لبس غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليهم شبرًا\" (١).\nومثل ذلك روى ابن بابويه القمي عن علي بن موسى الرضا -الإمام الثامن للشيعة- أنه قال:\nويستوي عليه درع رسول الله صلى الله عليه وآله \" (٢).\nوبذلك استدل جعفر بن الباقر على إمامة موسى ابنه -حسب زعمهم- كما يروي عبد الرحمن بن الحجاج أنه قال لجعفر:\nجعلني الله فداك، قد عرفت انقطاعي إليك، فمن ولى الناس بعدك؟ فقال: إن موسى قد لبس الدرع وساوى عليه\" (٣).\nسادسًا: ويكون عنده سلاح رسول الله كما روى الكليني عن علي بن موسى بن جعفر أنه قال:\nوالسلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل، تكون الإمامة مع السلاح حيث ما كان\" (٤).\nوبمثل ذلك قال جعفر:\nيعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال: لا تكون إلا فيه: هو أولى الناس بالذي قبله وهو وصيه وعنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله\" (٥).\nسابعًا: لا يكون الإمام إلا من يكون أشجع الناس وأعلم الناس، كما روى الكليني عن أبي الحسن أنه قال:\n_________\n(١) أيضًا، باب مواليد الأئمة ج ١ ص ٣٨٩.\n(٢) عيون أخبار الرضا، باب ما جاء عن الرضا في علامات الإمام ج ١ ص ٢١٣.\n(٣) الأصول من الكافي ج ١ ص ٣٠٨.\n(٤) أيضًا ص ٢٨٤.\n(٥) أيضًا ص ٣٧٩.","vol":"1","page":285},{"text":"نحن في العلم والشجاعة سواء\" (١).\nوكما روى الحر العاملي عن علي بن موسى بن جعفر أنه قال:\nالإِمام أحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من الفضل الوهاب\" (٢).\nوروى ابن بابويه القمي أيضًا عن علي بن موسى بن جعفر أنه قال:\n\nْ<span data-type=\"title\" id=toc-158>للإِمام علامات</span>، يكون أعلم الناس وأشجع الناس\" (٣).\nثامنًا: إن الإِمام لا يحتلم ولا يجنب كما رووا ذلك عن علي بن موسى بن جعفر\" (٤).\nتاسعًا: إن الإِمام يعلم بما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليه شىء، وعنده جميع الكتب التي نزلت من عند الله ﷿ ويعرفها على اختلاف ألسنتها (٥).\nوأشياء كثيرة كثيرة.\nولقد ذكر ابن بابويه القمي عن علي بن موسى بن جعفر أنه قال:\nللإِمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختونًا، ويكون مطهرًّا، ويرى من خلفه كما يرى من بين\n_________\n(١) أيضًا ص ٢٧٥.\n(٢) الفصول المهمة، باب يجب أن يكون الإِمام أعلم الناس ص ١٤٢ ط. قم. إيران.\n(٣) كتاب الخصال لابن بابويه القمي ج ٢ ص ٥٢٨ ط. طهران.\n(٤) أنظر عيون أخبار الرضا ج ١ ص ٢١٣، كتاب الخصال ج ٢ ص ٥٢٨.\n(٥) الكافي للكليني، كتاب الحجة ج ١ ص ٢٢٧، ٢٦٠، الفصول المهمة للحر العاملي ص ١٥٥.","vol":"1","page":286},{"text":"يديه، ولا يكون له ظلٌّ، وإذا وقع على الأرض من [بطن] أُمّه وقع على راحتيه رافعًا صوته بالشهادة، ولا يحتلم، وتنام عينه ولا ينام قلبه.\nويكون محدَّثًا ويستوي عليه درع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يرى له بول ولا غائط لأنَّ الله ﷿ قد وكّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه.\nويكون له رائحة أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم وأشفق عليهم من آبائهم، واُمّهاتهم، ويكون أشدَّ الناس تواضعًا لله ﷿، ويكون آخذ الناس بما يأمرهم به وأكفَّ الناس عما ينهي عنه، ويكون دعاؤه مستجابًا حتّى لو أنه دعا على صخرة لانشقّت نصفين، ويكون عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسيفه ذو الفقار، ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة، ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعًا فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر إهاب ماعز وإهاب كبش فيهما جميع العلوم حتّى أرش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة ﵍.\nوفي حديث آخر إنَّ الإِمام مؤيد بروح القدس وبينه وبين الله ﷿ عمود من نور يرى فيه أعمال العباد وكلّما احتاج إليه لدلالة اطّلع عليه\" (١)\nوأخيرًا عن جعفر أنه قال:\nلو بقيت الأرض بغير إمام لساخت\" (٢)\nوقال:\n_________\n(١) كتاب الخصال للقمي ص ٥٢٧، ٥٢٨.\n(٢) الأصول من الكافي، باب أن الأرض لا تخلو من حجة ج ١ ص ١٧٩.","vol":"1","page":287},{"text":"لو لم يبق من الأرض إلا اثنان فأحدهما الحجة\" (١).\nهذه هي الأسس الكبيرة التي وضعوا عليها بناء إمامة أئمتهم، ولما وجدوا أن أكثر الذين يعتقدون فيهم الإِمامة ولا تنطبق عليهم هذه الصفات ولا يصدق عليهم هذه الشروط حيث إن بعضهم ليس بأكبر ولد أبيه مثل موسى الكاظم والحسن العسكري، وبعضهم لم يغسّله إمام مثل علي بن موسى بن جعفر، فإن ابنه محمد الجواد لم يتجاوز الثامنة من عمره آنذاك.\nوكذلك موسى بن جعفر فإن ابنه علي الرضا لم يغسّله لغيابه عنه عندئذ.\nوالجدير بالذكر أن محمد بن الرضا -الإِمام الثامن من عندهم- كان بالمدينة حين وفاته (٢).\nوكذلك الحسين بن علي لم يثبت أنه غسّله ابنه علي زين العابدين لملازمته الفراش ولحيلولة عساكر ابن زياد دون ذلك.\nوبعضهم لا يستوي عليه درع رسول الله مثل محمد بن علي الرضا، فإنه لم يتجاوز الثامنة عند وفاة أبيه، وكذلك ابنه علي بن محمد مات عنه وهو صغير.\nومنهم مَن لم يكن عنده سلاح رسول الله، ولو كان عنده لما نازعه في الأمر أخوه زيد، وكموسى بن جعفر حيث نازعه عبد الله الأفطح وغيره.\nومنهم من لم يكن أعلم الناس، فكيف يكون الصبى أعلمهم، وقد نقل عن القوم أنفسهم بأن من يظنونه إمامًا من الصبيان قد وكل أمرهم إلى الآخرين إلى أن يستأنس منهم الرشد والعلم، وكذلك فقد\n_________\n(١) أيضًا.\n(٢) عيون أخبار الرضا ج ٢ ص ٢٤٩.","vol":"1","page":288},{"text":"شكّ كبار الشيعة وزعماؤهم حتى في علم جعفر بن الباقر، فهذا هو زرارة بن أعين كبير رواة القوم، الذي قال فيه جعفر نفسه:\nرحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي\" (١).\nفهذا زرارة قال عن جعفر وأبيه:\nرحم الله أبا جعفر، فإن في قلبي عليه لفتة\" (٢).\nوقال فيه أيضًا: وصاحبكم أيضًا ليس له بصر بكلام الرجال\" (٣).\nومثل ذلك حكموا في علم ابنه موسى، والقائل هو أبو بصير المرادي أحد الأركان الأربعة في رواية الحديث الشيعي، وأبو بصير هذا هو الذي بشره جعفر بن محمد بالجنة (٤).\nفلقد ذكر الكشي في شعيب الأقرقوفي أنه ذكر أبا الحسن عنده، فقال أبو بصير: أظن صاحبنا ما تناهى حكمه بعد، وفي رواية أظن صاحبنا ما تكامل علمه\" (٥).\nوأما الشجاعة فبعد الحسين بن علي لم يكن واحد منهم معروفًا بهذا الوصف بين الناس حسب روايات الشيعة، بل كل ما نقل عنهم يدل على عكس ذلك، فلم يخرج واحد منهم ضد الحكام ولا السلاطين، بل خلاف ذلك، كان منهم من أقر بعبوديته لهم، ومنهم متخاذل عن نصرة بني عمومته الخارجين على الأمراء والولاة، ومنهم متجنب محترز محتاط ومنهم داع إلى التزام الولاء والإِطاعة لهم كما ذكرنا كل ذلك في الباب السابق.\n_________\n(١) رجال الكشي ص ١٢٤.\n(٢) أيضًا ص ١٣١، تحت ترجمة زرارة ابن أعين.\n(٣) أيضًا ص ١٣٣.\n(٤) انظر رجال الكشي ص ١٥٢ تحت ترجمة أبي بصير المرادي.\n(٥) أيضًا ص ١٥٤.","vol":"1","page":289},{"text":"وهذا كله حسب روايات القوم أنفسهم، وما فعله الحسن وما قالوه له وفيه فمعروف ومشهور.\nومنهم من جاء النص بأنه كان يجنب ويحتلم كعلي بن أبي طالب والحسن والحسين، ورووا النص عن رسول الله - ﷺ - أنه قال:\nلا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد إلا أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين\" (١).\nوأما العلم بما كان وما يكون فلو كان كذلك لم يختلف أجوبتهم على السائلين لعلمهم أنهم من مخلصي شيعتهم، لأنهم عند ذاك علموا بأنهم ليسوا من المخالفين كما ذكر ذلك النوبختي:\n\"عمر بن رياح\" زعم أنه سأل أبا جعفر ﵇ عن مسألة فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية فشكك في أمره وإمامته فلقي رجلًا من أصحاب أبي جعفر يقال له (محمد بن قيس) فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني بخلاف جوابه الأول، فقلت له: لم فعلت ذلك؟ فقال: فعلته للتقية، وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقبوله والعمل به فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي فقال له محمد بن قيس:\nفلعله حضرك من اتقاه؟ فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري لا ولكن جوابيه جميعًا خرجا على وجه التبخيت ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيب بمثله، فرجع عن إمامته وقال: لا يكون إمامًا\n_________\n(١) عيون أخبار الرضا ج ٢ ص ٦٠.","vol":"1","page":290},{"text":"من يفتي بالباطل على شىء\" (١).\nومثل ذلك ذكر الكليني في (الكافي) عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر قال:\nسألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت:\nيا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.\nقال: ثم قلت لأبي عبد الله ﵇: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فأجابني بمثل جواب أبيه\" (٢).\nوكذلك لو كانوا يعلمون الغيب لما قتل البعض منهم ومات الآخرون مسمومين حسب روايات القوم، فإنهم قالوا:\nلم يكن إمام إلا مات مقتولًا أو مسمومًا (٣).\nلأنهم عند ذلك علموا بذلك.\nوأما التكلم بجميع اللغات فليس إلا من الأساطير التي اختلقها القوم للضحك على عقول الناس.\nفهذه هي الأشياء التي جعلت الشيعة في موقف حرج ومأزق لا يرجى منه الخروج.\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص ٨٠ - ٨١.\n(٢) الأصول من الكافي، كتاب العلم باب اختلاف الحديث ج ١ ص ٦٥.\n(٣) الأصول من الكافي ج ١ ص ٣٧٥، عيون أخبار الرضا ج ١ ص ٢١٤.","vol":"1","page":291},{"text":"وعندما لم يولد مولود للحسن العسكري رأوا أن جميع قواعدهم قد انهارت، وأسسهم قد انهدمت، ولم يبق مجال للتأويل الذي كانوا يتأولون به في السابق والسابقين، ورأوا أنه لا مخلص ولا منجي منه الا أن يوجدوا معدومًا ليتخلصوا به في المستقبل عن جميع الأسئلة التي تنجم عن عدم وجود تلك الأوصاف التي وضعوها كالعلامات للإمام، هذا وزيادة على ذلك كانت إمامة الحسن العسكري معرضة للخطر حيث لم تنطبق عليه علامات كثيرة، منها أنه لم يعقب ولم يخلف.\nثم ولم يوص إلى من بعده.\nولم يغسّله إمام كذلك.\nولم يستو بعده على أحد درع رسول الله.\nومن لا يكون موجودًا كيف يحكم عليه بأنه عالم وشجاع.\nوأخيرًا خليت الأرض من حجة، وبقيت بلا إمام ولم تسخ.\nفحاروا واضطربوا ولم يجدوا جوابًا لأن عدم وجود المولود للحسن العسكري لم يكن ليقضي على إمامة الحسن العسكري فحسب، بل كان يتخطى إلى هدم إمامة الآخرين أيضًا حيث إنهم هم الذين رسخوا هذه القواعد التي -طالما انكسرت وانعدمت في الكثيرين منهم- لأنه بذلك يخطي نبوءاتهم ويغلط أقاويلهم وهم معصومون عن الخطأ والزلل، لا ينطقون إلا بما يُلهَمون، فهذا هو النوبختي وهو الشيعي المتعصب المشهور، من أكابر هذه الطائفة وعظماء هذه السلالة، متكلم فليسوف إمامي الاعتقاد (١) يصرّح بعبارة واضحة لا غبار عليها بأن الشيعة تحيّروا بعد موت الحسن وذهبوا إلى آراء مختلفة متعددة، وتفرقوا فرقًا كثيرة متنوعة:\n_________\n(١) مجالس المؤمنين للتستري ص ١٧٧.","vol":"1","page":292},{"text":"ففرقة قالت: إن الحسن حيّ لم يمت وإنما غاب وهو القائم -وسبب هذا القول؟ - ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهر لأن الأرض لا تخلو من إمام.\nوفرقة قالت: إن الحسن بن علي مات وعاش بعد موته ... ولو كان له ولد لصحّ موته ولا رجوع، لأن الإِمامة تثبت لخلفه وما أوصى لأحد.\nوفرقة قالت: إن جعفر هو الإِمام لا الحسن، وتوفي الحسن لا عقب عليه، وإن الإِمام لا يموت حتى يوصي، ويكون له خلف.\nوفرقة قالت: إن الإِمام بعد علي لم يكن جعفرًا لأن فيه خصالًا مذمومة وهو بها مشهور، ولا الحسن لأنه قد توفي، ولا يجوز أن يموت الإِمام بلا خلف، ولذلك الإِمام بعد علي هو ابنه محمد المتوفي في حياة أبيه.\nوفرقة قالت: إن الإِمام بعد علي الحسن وبعد الحسن أخوه جعفر، وأما ما روى عن جعفر بأنه لا تكون الإِمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عندما يكون للماضي خلف من صلبه، وإذا لم يكن رجعت إلى أخيه ضرورة.\nوأقاويل كثيرة.\nفعند ذلك اضطروا إلى أن يقولوا إن للحسن ابنًا، كيف يكون إمام قد ثبتت إمامته ووصيته وجرت أموره على ذلك وهو مشهور عند الخاص والعام، ثم يتوفى ولا خلف له.\nوفرقة منهم ردّت عليهم وقالوا:\nلا ولد للحسن أصلًا لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له أن له ولدًا","vol":"1","page":293},{"text":"خفيًا لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وآله أن يقال خلف ابنًا وأن أبا الحسن الرضا ﵇ خلف ثلاثة بنين غير أبي جعفر أحدهم الإمام لأن مجىء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجىء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يخلف ذكرًا من صلبه ولا خلف عبد الله بن جعفر ابنًا ولا كان للرضا أربعة بنين فالولد قد بطل لا محالة ولكن هناك حبل قائم قد صح في سرية له وستلد ذكرًا إمامًا متى ولدت فانه لا يجوز أن يمضي الإمام ولا خلف له فتبطل الإِمامة وتخلو الأرض من الحجة.\nوردّت عليهم طائفة فقالوا: واحتج أصحاب الولد على هؤلاء فقالوا: انكرتم علينا أمرًا قلتم بمثله ثم لم تقنعوا بذلك حتى أضفتم إليه ما تنكره العقول، قلتم أن هناك حبلًا قائمًا فإن كنتم اجتهدتم في طلب الولد فلم تجدوه فأنكرتموه لذلك فقد طلبنا معرفة الحبل وتصحيحه أشد من طلبكم واجتهدنا فيه أشد من اجتهادكم فاستقصينا في ذلك غاية الاستقصاء فلم نجده فنحن في الولد أصدق منكم لأنه قد يجوز في العقل والعادة والتعارف أن يكون للرجل ولد مستور لا يعرف في الظاهر ويظهر بعد ذلك ويصح نسبه والأمر الذي ادعيتموه منكر شنيع ينكره عقل كل عاقل ويدفعه التعارف والعادة مع ما فيه من كثرة الروايات الصحيحة عن الأئمة الصادقين أن الحبل لا يكون أكثر من تسع أشهر وقد مضى للحبل الذي ادعيتموه سنون وإنكم على قولكم بلا صحة ولا بينة.\nوفرقة قالت: ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر، وإن الذين ادعوا ولدًا في حياته كاذبون مبطلون في دعواهم، لأن ذلك لو كان لم يخف ولكنه مضى ولم يعرف له ولد، وقد كان الحبل فيما مضى قائمًا ظاهرًا ثابتًا عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك","vol":"1","page":294},{"text":"حتى بطل بعد ذلك عند السلطان وخفى أمره فقد ولد بعد وفاته بثمانية أشهر وقد كان أمر أن يسمى محمدًا وأوصى بذلك وهو مستورًا لا يرى.\nوأخيرًا قالت الفرقة الثانية عشرة وهم الإِمامية: ليس القول كما قال هؤلاء كلهم بل لله ﷿ حجة من ولد الحسن بن علي، ولا تكون الإِمامة في الأخوين بعد الحسنين، ولو جاز ذلك لصحّ قول أصحاب إسماعيل بن جعفر ومذهبهم، ولثبت إمامة محمد بن جعفر، وأيضًا لا يجوز أن تخلو الأرض من حجة، ولو خلت لساخت الأرض ومن عليها.\nوعلى ذلك نحن مقرّون بوفاة الحسن، معترفون أن له ولدًا قائمًا من صلبه وأنه مخفي، وليس للعباد أن يطالبوا آثار ما سترت عنه، ولا يجوز ذكر اسمه، ولا السؤال عن مكانه، وطلبه محرّم لا يحل ولا يجوز\" (١).\nْفهذه هي الحقيقة الناصعة التي تنبىء عن ضرورة إيجاد المولود للحسن العسكري مستغنية عن التعليق والتعقيب عليه.\nبماذا أثبتوا إمامة أئمتهم؟\nهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن القوم لم يثبتوا إمامة أئمتهم مع ادعائهم النص والإشارة بأنه لا يكون الشخص إمامًا إلا حينما يكون منصوصًا عليه من قبل إمام قبله وهو يشير إليه بأنه هو المنصوص، ولقد بوّب القوم في كتبهم أبوابًا مستقلة في هذا المعنى مثل الكليني وغيره فإنهم بوّبوا بعنوان \"باب الإشارة والنص\" لكل واحد من أئمتهم المزعومين، ولكنه من العجائب أن أئمتهم أنفسهم من قبلهم لم يثبتوا إمامتهم بهذا حسب روايات القوم ولا بالشروط التي ذكروها من الوصية\n_________\n(١) ملخص ما كتبه النوبختي في كتابه (فرق الشيعة) ص ١١٩ وما بعد.","vol":"1","page":295},{"text":"والكبر واستواء درع الرسول عليهم ووجود سلاح رسول الله عندهم وغسلهم آباءهم، وكونهم الأعلم والأشجع وإحاطتهم علم الغيب وغير ذلك من الأوصاف والخصائل التي جعلوها علائم للإمامة وشروطًا لها، والتي ذكرناها آنفا، بل عكس ذلك إلتجئوا لإثبات مدعاهم إلى الشعبذات والنيرنجيات وفنون من السحر حسب زعم الشيعة، ولو عندهم الوصية وعليهم النص وإليهم الإشارة لما التجئوا إليها. فمثلًا ْيذكرون أن علي بن الحسين الملقب بزين العابدين جاءت إليه امرأة من شيعة علي والحسن والحسين، وقد بلغت من الكبر عتيا، فقالت:\nأتيت علي بن الحسين ﵉ وقد بلغ بي الكبر إلى أن أرعشت وأنا أعدّ يومئذ مائة وثلاث عشرة سنة، فرأيته راكعًا وساجدًا أو مشغولًا بالعبادة فيئست من الدلالة فأومأ إليّ بالسبابة فعاد إليّ شبابي\" (١).\nومثل ذلك ذكروا لما قتل الحسين أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين وقال له:\nقتل أبوك ﵁ وصلى على روحه ولم يوص وأنا عمك وصنو أبيك، وولادتي من علي ﵇ في، سنّي وقديمي أحق بها منك في حداثتك، فلا تنازعني في الوصية ولا الإمامة ولا تحاجني ....\nفردّ عليه علي بن الحسين -انطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحاكم عليه ونسأله عن ذلك، فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود، فقال علي بن الحسين لمحمد بن الحنفية: ابدأ أنت فابتهل إلى الله ﷿ وسله أن ينطق لك الحجر، ثم سل، فابتهل محمد في الدعاء وسأل الله، ثم دعا الحجر فلم يجبه ... ثم دعا الله علي بن الحسين ﵉ ..\n_________\n(١) الكافي في الأصول، باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة ج ١ ص ٣٤٧.","vol":"1","page":296},{"text":"فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله ﷿ بلسان عربي مبين، فقال: اللهم إن الوصية والإمامة إلى علي بن الحسين\" (١).\nوكما نقلوا عن موسى بن جعفر أنه لما حصل بينه وبين أخيه عبد الله -وكان أكبر ولد جعفر- خلاف في الإمامة:\nأمر موسى بجمع حطب في وسط الدار وأرسل إلى أخيه عبد الله يسأله أن يصير اليه، فلما صار إليه ومع موسى جماعة من الإمامية، فلما جلس موسى أمر بطرح النار في الحطب فاحترق ولا يعلم الناس السبب فيه حتى صار الحطب كله جمرًا، ثم قام موسى وجلس بثيابه في وسط النار وأقبل يحدث الناس ساعة، ثم قام فنفض ثوبه ورجع إلى المجلس، فقال لأخيه عبد الله: إن كنت تزعم أنك الإمام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس\" (٢).\nوذكر الكليني قصة أخرى لإِثبات إمامة موسى بن جعفر وأحقيته بها من موسى وإسماعيل وغيرهما من إخوته الكبار بأن شخصًا جاء إلى موسى بن جعفر فسأله عن الإِمام من هو؟. فقال:\nإن أخبرتك تقبل؟. قال: بلى جعلت فداك؟ قال: أنا هو، قال: فشيء أستدل به؟ قال: اذهب إلى تلك الشجرة -وأشار بيده إلى أم غيلان- فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر: أقبلي، قال: فأتيتها فرأيتها والله تخدّ الأرض خدّا حتى وقفت بين يديه، ثم أشار إليها فرجعت\" (٣).\nوكذلك أثبتوا إمامة محمد بن علي الرضا أنه جاء إليه شخص\n_________\n(١) أيضا ج ١ ص ٣٤٨، أعلام الورى للطبرسي ص ٢٥٨ - ٢٥٩.\n(٢) كشف الغمة للأربلي ج ٣ ص ٣٧.\n(٣) الأصول من الكافي ج ١ ص ٢٥٣، أعلام الورى للطبرسي ص ٣٠٢.","vol":"1","page":297},{"text":"فقال: والله إني أريد أن أسألك مسألة وأني والله لاستحيي من ذلك، فقال لي: أنا أخبرك قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام؟ فقلت: هو والله هذا، فقال: أنا هو، فقلت علامة؟ فكان في يده عصا فنطقت وقالت: إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة\" (١).\nوبهذا عارضوا أصولهم وأساسهم بأن الإِمامة لا تثبت إلا بالنص والإشارة، ولا يكون الإِمام إلا منصوصًا، مشار إليه من الإِمام الذي قبله حيث إن أئمتهم حسب رواياتهم لم يختلفوا مع أئمتهم ولم يحصل النزاع بينهم إلا لعدم وجود النص والوصية والإِشارة وعدم شهرتها حتى بين أبناء أب واحد وإلا لما اضطروا إلى هذه الخزعبلات.\nهذا من ناحية. ومن ناحية أخرى النص الذي جعلوه مثبتًا لإِمامة أئمتهم ليس إلا مجرد الدعوى ولا دليل قائم معه كما ذكر ابن حزم في فصله رادّا على الشيعة وعلى ادعائهم النص:\nإن عمدة احتجاجكم في إيجاب إمامتكم التي تدعيها جميع فرقكم إنما هي وجهان فقط، أحدهما النص عليه باسمه والثانى شدة الفاقة إليه في بيان الشريعة إذ علمها عنده لا عند غيره ولا مزيد، فأخبروني بأي شيء صار محمد بن علي بن الحسين أولى بالإِمامة من إخوته زيد وعمر وعبد الله وعلي والحسين فإن ادعوا نصًا من أبيه عليه أو من النبي - ﷺ - أنه الباقر، لم يكن ذلك ببدع من كذبهم ولم يكونوا أولى بتلك الدعوى من الكيسانية في دعواهم النص على ابن الحنفية، وإن ادعوا أنه كان أفضل من إخوته كانت أيضًا دعوى بلا برهان والفضل لا يقطع على ما عند الله ﷿ فيه بما يبدو من الإِنسان فقد يكون باطنه خلاف ظاهره، وكذلك يسألون أيضًا ما الذي جعل موسى بن جعفر أولى بالإمامة من أخيه محمد\n_________\n(١) الأصول من الكافي ج ١ ص ٣٥٣.","vol":"1","page":298},{"text":"أو إسحاق أو علي؟ فلا يجدون إلى غير الدعوى سبيلا، وكذلك أيضًا يسألون ما الذي خص علي بن موسى بالإمامة دون إخوته وهم سبعة عشر ذكرًا؟ فلا يجدون شيئًا غير الدعوى، وكذلك يسألون ما الذي جعل محمد بن علي بن موسى أولى بالإمامة من أخيه علي بن علي وما الذي جعل علي بن محمد أولى بالإِمامة من أخيه موسى بن محمد وما الذي جعل الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى أحق بالإمامة من أخيه جعفر بن علي؟ فهل هاهنا شىء غير الدعوى الكاذبة الذي لا حياء لصاحبها، والتي لو ادعى مثلها مدع للحسن بن الحسن أو لعبد الله بن الحسن أو لأخيه الحسن بن الحسن أو لابن أخيه علي بن الحسن أو لمحمد بن عبد الله القائم بالمدينة أو لأخيه إبراهيم أو لرجل من ولد العباس أو من بني أمية أو من أي قوم من الناس كان لساواهم في الحماقة، ومثل هذا لا يشتغل به من له مسكة من عقل أو منحة من دين، ولو قلت أو رقعة من الحياء، فبطل وجه النص\" (١).\nوعلاوة على ذلك يقول الإِمامية أو الاثنا عشرية أو الجعفرية أو الروافض -كما سماهم الله- أن الإمام لا يكون إلا معصومًا من الأخطاء ومنصوبًا من قبل الله ﷿، ولا يكون في عنقه بيعة أحد غيره.\nأما كونه معصومًا من قبل الله ﷿ فلا يخلو كتاب من كتبهم التي تذكر مسألة الإِمامة إلا وقد ذكروا فيه هذا، وهذا أمر مشهور مستغن عن ذكر مصدره ومرجعه.\nوأما أن الإمام لا يكون في عنقه بيعة أحد فكما ذكر الكليني أن هشام بن سالم دخل على موسى بن جعفر بعد وفاة أبيه وهو باكٍ حيران لا يدري إلى أين يتوجه ولا من يقصد، إلى المرجئة؟. إلى القدرية؟. إلى\n_________\n(١) الفصل في الملل والأهوء والنحل لابن حزم ج ٤ ص ١٠٢ - ١٠٣","vol":"1","page":299},{"text":"الزيدية؟. إلى المعتزلة؟. إلى الخوارج؟. فقال له:\nجعلت فداك فمن لنا من بعده؟. قال: إن شاء الله أن يهديك هداك، قال: قلت: جعلت فداك فأنت هو؟. ما أقول ذلك، قال: قلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، ثم قلت له: جعلت فداك عليك إمام؟ قال: لا، فداخلني شىء لا يعلم إلا الله ﷿ إعظامًا له وهيبة أكثر مما كان يحلّ بي من أبيه إذا دخلت عليه\" (١).\nوقد ورد مثل ذلك في كثير من كتب الشيعة بأن الإِمام لا يكون إمامًا وفي عنقه بيعة أحد.\nهذا وإكمالًا للبحث وإتمامًا للفائدة نلقي نظرة عابرة حول هذه الأوصاف ولوازم الإِمامة الثلاثة ليشمل البحث جميع الجوانب المهمة في هذا المبحث، فنقول:\nإن العصمة التي جعلوها من خواص الإِمام ولوازمه، واحتجوا بها على إمامة أئمتهم بأنه لم يكن أحد معصومًا غيرهم (٢).\nفإنها لم تثبت لهم أيضًا، وأحوالهم وأقوالهم تشهد على ذلك، فإن عليًا ﵁وهو الإِمام المعصوم الأول حسب زعم الشيعة- اختلف معه ابنه الأكبر حسن السبط -وهو الإمام الثاني المعصوم عند القوم- في مسألة أخذه البيعة من الناس بعد استشهاد عثمان ذي النورين ﵁، وكما اختلف معه أيضًا في خروجه لمحاربة مطالبي دم عثمان كما مرّ ذكره في الباب الثاني من هذا الكتاب. ويلزم من ذلك أن واحدًا منهما كان مصيبًا والثاني مخطئًا أعني الإمام الأول وهو علي، أو الإِمام الثاني وهو الحسن، لأن واحدًا منهما يرى رأيًا والثاني يخالفه فلا بد\n_________\n(١) الأصول من الكافي، كتاب الحجة، باب ما يفصل به بين دعوة الحق والمبطل في أمر الإمامة ج ١ ص ٣٥١ - ٣٥٢.\n(٢) انظر منهاج الكرامة للحلي ص ٧١ وغيره.","vol":"1","page":300},{"text":"من أن يكون أحدهما على صواب والآخر علي خطأ.\nثم ولقد ثبت في التاريخ أن عليًا ﵁ صوّب رأي الحسن بعد كارثة الجمل وتأسف على عدم أخذه برأي الحسن وتقيده به.\nوثانيًا: لقد أقر بصدور خطأ وإمكان الوقوع فيه، علي ﵁ نفسه حيث قال:\nلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطىء (١).\nوثالثًا: لقد ذكر المؤرخون أن الحسن ﵁ لما أراد الصلح مع معاوية خالفه في ذلك مع من خالفه أخوه الحسين -وكلاهما إمامان معصومان عند الشيعة- لكن الحسن لم يلتفت إلى رأي الحسين وصالح معاوية وكان الحسين يبدي الكراهة من صلح الحسن مع معاوية ويقول:\nلو جزّ أنفي كان أحب إليّ مما فعله أخي\" (٢).\nوالظاهر أن واحدًا منهما كان مصيبًا والآخر مخطئًا.\nهذا ومثل هذا كثير.\nوأما كونه منصوبًا من قبل الله ﷿ فأيضًا ليس إلا دعوى مجردة عن الدليل، ولم ينزل الله به من سلطان، ولكل أن يدعي بأن الله هو الذي نصبه ما دام أن الوحي منقطع ونزول جبريل على أحد مسدود.\nوأما أن الإِمام لا يكون إمامًا إلا ولا يكون في عنقه بيعة أحد فهذا لم يتحقق ولا في واحد من أئمة القوم من علي ﵁ إلى الحسن العسكري، اللهم إلا أن يقال في ذلك الموهوم المعدوم الذي لم يولد، لأنه\n_________\n(١) الكافي في الأصول نقلًا عن أعيان الشيعة لمحسن الأمين ج ١ ص ١٣٦.\n(٢) أعيان الشيعة الجزء الأول - القسم الأول ص ٦٥.","vol":"1","page":301},{"text":"قد ثبت تاريخيًا ومن كتب القوم أنفسهم بأن كل واحد منهم بايع أئمة زمانهم وخلفاءهم.\nفإن الإمام الأول المعصوم حسب زعم الشيعة علي بن أبي طالب ﵁ بايع أبا بكر ثم عمر ثم عثمان (١).\nكما بايع الحسن وهو الإِمام المعصوم الثاني لدى الشيعة معاوية ﵁ (٢).\nوكما بايعه الحسين أيضًا وهو الإِمام الثالث المعصوم (٣).\nوبايع علي بن الحسين يزيد وأقرّ بعبوديته له حسب رواية الشيعة - وهو الإمام المعصوم الرابع عند القوم (٤).\nوهلمّ جرا.\nفهذه هي حقيقة شروط القوم اللازمة للأئمة، المنفية في أئمتهم باعترافهم وإقرارهم وثبوتهم من كتبهم أنفسهم.\nلماذا أوجبوا إمامة أئمتهم؟\nإن الشيعة يقولون:\nأن الإمامة واجبة وأنها رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي (ص)، وإنما وجبت لأنها لطف واللطف واجب كما تقدم في النبوة، وإنما كانت لطفًا لأن الناس إذا كان لهم رئيس مطاع مرشد يردع الظالم عن ظلمه ويحملهم على الخير ويردعهم عن الشر كانوا أقرب إلى الصلاة وأبعد عن الفساد وهو اللطف، فالدليل\n_________\n(١) انظر لتفصيل ذلك النصوص الثابتة من كتب القوم أنفسهم في كتابنا \"الشيعة وأهل البيت\". ط. لاهور - باكستان.\n(٢) مروج الذهب للمسعودي الشيعي ج ٢ ص ٤٣١، رجال الكشي ١٠٢.\n(٣) رجال الكشي ص ١٠٢.\n(٤) الكافي الكليني ج ٨ ص ٢٣٤ - ٢٣٥.","vol":"1","page":302},{"text":"الدال على وجوب النبوة يدل على وجوب الإِمامة\" (١).\nويقول السيد الزين:\nأما الأمامة فهى واجبة ... لأن الامام نائب عن النبي ﵌ في حفظ الشرع الإِسلامي وتيسير المسلمين على طريقه القويم، وفي حفظ وحراسة الأحكام عن الزيادة والنقضان والإِمام موضح للمشكل من الآيات والأحاديث ومفسر للمجمل والمتشابه ومميز للناسخ من المنسوخ\" (٢).\nوقال الحليّ:\nإن الإِمام يجب أن يكون حافظًا للشرع لانقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وآله وقصور الكتاب والسنة عن تفاصيل أحكام ْالجزئيات الواقعة إلى يوم القيامة، فلا بد من إمام منصوب من الله تعالى وحاجة العالم داعية إليه ولا مفسدة فيه فيجب نصبه ... وأما الحاجة فظاهرة أيضًا لما بيناه من وقوع التنازع بين العالم، وأما انتفاء المفسدة فظاهر أيضًا لأن المفسدة لازمة لعدمه، وأما وجوب نصبه فلأن عند ثبوت القدرة والداعي وانتفاء الصارف يجب الفعل\" (٣).\nفقالوا بهذه الأقوال إثباتًا لإِمامة أئمتهم مع أن الوجوه والأسباب والعلل التي بيّنوها لوجوب الإِمامة هي التي تنفي إمامة أكثر أئمتهم، بل إمامة جميعهم غير عليّ ﵁ حيث إن أئمتهم الإثني عشر المزعومين لم يملكوا الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا ولم يملكوا ردع الظالم عن ظلمه وحمل الناس على الخير وردعهم عن الشر طبق روايات القوم أنفسهم، فإن واحدًا منهم لم يولد على القول الصحيح، ولو\n_________\n(١) أعيان الشيعة الجزء الأول القسم الثاني ص ٦.\n(٢) الشيعة في التاريخ ص ٤٤ - ٤٥.\n(٣) منهاج الكرامة للحلي ص ٧٢ - ٧٣.","vol":"1","page":303},{"text":"سلمّت ولادته تنازلًا لم يملك الظهور خوفًا على حفظه وبقائه فضلًا عن حفظ الشرع الإسلامي وحراسة الأحكام عن الزيادة والنقصان، والبعض الآخر مثل الإمام الحادي عشر والعاشر كانوا أطفالًا صغارًا حتى احتاج آباؤهم أن يجعلوا القيّمين عليهم وعلى أموالهم وودائعهم حتى يبلغوا الحلم لعدم قدرتهم على حفظ تركة الآباء وإرثهم، فمن لا يكون حافظًا على تركته وماله وأمور دنياه أجدر أن لا يكون حافظًا على أمور الآخرين، أمور دنياهم ودينهم.\nثم قد ثبت من كتب القوم أنفسهم أن أئمتهم كانوا يفتون حتى خاصتهم وشيعتهم خلاف ما أنزل الله وما بيّنه الرسول وخلاف ما كانوا يرونه في قلوبهم صيانة على أنفسهم وحفاظًا على حياتهم كما مرّ سابقًا عن جعفر وأبيه الباقر (وطالما كانوا يحلون الحرام ويحرمون الحلال لهذا الغرض) وكما رواه الكليني في كافيّه عن موسى بن أشيم قال:\nكنت عند أبي عبد الله ﵇ فسأله رجل عن آية من كتاب الله ﷿ فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كان قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسى: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطىء في الواو وشبهه، وجئت إلى هذا يخطىء هذا الخطأ كله فبينا أنا كذلك إذا دخل آخر فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي\" (١).\nوكما رواه أيضًا عن محمد بن مسلم قال:\nدخلت على أبي عبد الله ﵇ وعنده أبو حنيفة، فقلت له: جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة، فقال لي: يا ابن مسلم هاتها، إن\n_________\n(١) الكافي في الأصول ج ١ ص ٦٦.","vol":"1","page":304},{"text":"العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، فقلت: رأيت كأني دخلت داري وإذا أهلي قد خرجت علي فكسرت جوزًا كثيرًا ونثرته علي ْفتعجبت من هذه الرؤيا، فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم وتحاول أنْ تنال مالك في مواريث أهلك فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله، فقال أبو عبد الله ﵇: أصبت والله يا أبا حنيفة.\nقال: ثم خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت له: جعلت فداك إني كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا ابن مسلم لا يسوءك الله فما يواطىء تعبيرهم تعبيرنا ولا تعبيرنا تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطىء؟ قال: نعم حلفت عليه أنه أصاب الخطأ\" (١).\nوأخيرًا ننقل ما نقلناه سابقًا وما رواه الكليني:\nعن زرارة بن أعين عن أبي جعفر ﵇ قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فسأله فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا بن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.\nقال: ثم قلت لأبي عبد الله ﵇: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فأجابني بمثل جواب أبيه\" (٢).\nفهل عن مثل هؤلاء يقال إنهم يحفظون ويحرسون الأحكام عن\n_________\n(١) كتاب الرضة من الكافي ج ٨ ص ٢٥٢.\n(٢) الأصول من الكافي، باب اختلاف الحديث ج ١ ص ٦٥.","vol":"1","page":305},{"text":"الزيادة والنقصان، ثم والبقية الآخرون مثل الحسن تنازلوا عن رئاستهم الدنيوية علنًا وجهرًا رغم أنوف المنكرين، وسلمّوا إليهم أُمورهم وأُمور غيرهم الدنيوية، وقد اعترف بعضهم بعبوديتهم للآخرين حسب روايات القوم عن علي بن الحسين الملقب بزين العابدين، وبعضهم لم ينلها أي الرئاسة الدنيوية مع جدّه وجهده لنيلها وإدراكها كحسن السبط ﵁ حسب تصريحات القوم، فهذه حقيقة معتقدهم في الإمامة ووجوبها، وعلى ذلك قال ابن حزم:\nوأما وجه الحاجة إلى الإمامة في بيان الشريعة فما ظهر قط من أكثر أئمتهم بيان لشىء مما اختلف فيه الناس وما بأيديهم من ذلك شىء إلا دعاوى مفتعلة قد اختلفوا أيضًا فيها كما اختلف غيرهم من الفرق سواء، إلا أنهم أسوأ حالًا من غيرهم لأن كل من قلد إنسانًا كأصحاب أبي حنيفة لأبي حنيفة وأصحاب مالك لمالك وأصحاب الشافعي للشافعي وأصحاب أحمد لأحمد فإن لهؤلاء المذكورين أصحابًا مشاهير نقلت عنهم أقوال صاحبهم ونقلوها هم عنه ولا سبيل إلى اتصال خبر عندهم ظاهر مكشوف يضطر الخصم إلى أن هذا قول موسى بن جعفر ولا أنه قول علي بن موسى ولا أنه قول محمد بن علي بن موسى ولا أنه قول علي بن محمد ولا أنه قول الحسن بن علي وأما من بعد الحسن بن على فعدم بالكلية وحماقة ظاهرة، وأما من قبل موسى بن جعفر فلو جمع كل ما روى في الفقه عن الحسن والحسين ﵄ لما بلغ عشر أوراق، فما ترى المصلحة التي يدعونها في إمامهم ظهرت ولا نفع الله تعالى بها قط في علم ولا عمل لا عندهم. ولا عند غيرهم، ولا ظهر منهم بعد الحسين ﵁ من هؤلاء الذين سموا أحد ولا أمر منهم أحد قط بمعروف معلن، وقد قرأنا صفة هؤلاء المخاذلين المنتمين إلى","vol":"1","page":306},{"text":"الإمامية، القائلين بأن الدين عند أئمتهم، فما رأينا إلا دعاوى باردة وآراء فاسدة كأسخف ما يكون من الأقوال، ولا يخلو هؤلاء الأئمة الذين يذكرون من أن يكونوا مأمورين بالسكوت أو مفسوحًا لهم فيه، فإن يكونوا مأمورين بالسكوت فقد أبيح للناس البقاء في الضلال وسقطت الحجة في الديانة عن جميع الناس وبطل الدين ولم يلزم فرض الإِسلام وهذا كفر مجرد، وهم لا يقولون بهذا، أو يكونوا مأمورين بالكلام والبيان فقد عصوا الله إذ سكتوا وبطلت إمامتهم، وقد لجأ بعضهم إذ سئلوا عن ْصحة دعواهم في الأئمة إلى أن ادعوا الإلهام في ذلك فإذا قد صاروا إلى هذا الشغب فإنه لا يضيق عن أحد من الناس ولا يعجز خصومهم عن أن يدعوا أنهم ألهموا بطلان دعواهم .... ثم أن بعض أئمتهم المذكورين مات أبوه وهو ابن ثلاث سنين، فنسألهم من أين علم هذا الصغير جميع علوم الشريعة وقد عدم توقيف أبيه له عليها لصغره، فلم يبق إلا أن يدعوا له الوحي، فهذه نبوة وكفر صريح\" (١).\nالشيخية\nثم افترقت الشيعة الاثنا عشرية إلى فرق كثيرة من أهمها الشيخية نسبة إلى الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي البحراني المولود سنة ١١٦٦ هـ (٢) المتوفى سنة ١٢٤٣ هـ (٣).\nوسمّاه الخوانساري \"ترجمان الحكماء المتألهين ولسان العرفاء والمتكلمين، غرة الدهر وفيلسوف العصر، العالم لأسرار المباني والمعاني\" وكتب في ترجمته:\nلم يعد في هذه الأواخر مثله في المعرفة والفهم، والمكرمة والحزم،\n_________\n(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج ٤ ص ١٠٣ - ١٠٤.\n(٢) دائرة المعارف الإِسلامية الأردية ج ٢ ص ٨٢ ط. جامعة بنجاب - باكستان.\n(٣) روضات الجنات للخوانساري ج ١ ص ٩٤.","vol":"1","page":307},{"text":"وجودة السليقة، وحسن الطريقة، وصفاء الحقيقة، وكثرة المعنوية، والعلم بالعربية، والأخلاق السنّية، والشيم المرضيّة، والحكم العلميّة والعمليّة، وحسن التعبير والفصاحة ولطف التقرير والملاحة، وخلوص المحبّة والوداد؛ لأهل بيت الرسول الأمجاد، بحيث يرمي عند بعض أهل الظاهر من علمائنا بالإفراط والغلوّ؛ مع أنَّه -لا شكَّ- من أهل الجلالة والعلوّ.\nورد بلاد العجم في أواسط عمره، وكان بها في نهاية القرب من ملوكها وأربابها. وكان أكثر مقامه فيها بدار العبادة يزد. ثمّ انتقل منها إلى إصبهان، وتوقّف فيها أيضًا برهة من الزمان.\nولمّا أراد أن يرجع إلى أصله الذي كان في وصل الحسن ﵇ وورد بلدة قرميسين -التي هي واقعة في البين- استدعى منه.\nالوقوف بها أميرها العادل الكبير المغوار المغيار محمد علي ميرزا بن السلطان فتحعلي شاه قاجار. فأجابه إلى ذلك -لما استلزمه من المصالح أو صرف المهالك- إلى أن توفّي الوالي المذكور في سفر منه إلى حرب بغداد، وآل الأمر في تلك المملكة إلى الفتنة والفساد.\nفارتحل منها إلى أرض الحائر الشريف، ليصرف فيها بقيّة عمره الطريف، ويجمع أمره على التصنيف والتأليف، والقيام بحقّ التكليف ...\nوقد يذكر في حقّه أيضًا أنَّه كان ماهرًا في أغلب العلوم، بل واقفًا على جملة من الحرف والرسوم، وعارفًا بالطبّ والقرائة والرياضيِّ والنجوم، ومدّعيًا لعلم الصنعة والأعداد والطلسمات ونظائرها من الأمر المكتوم\" (١).\n_________\n(١) أيضًا ص ٨٨ - ٨٩، ٩١.","vol":"1","page":308},{"text":"ويذكر أن له من المؤلفات ما يقارب المائة (١).\nوقيل: أكثر من ذلك (٢).\nوذكر عنه تلميذه السيد كاظم الرشتي:\nإن مولانا رأى الأمام الحسن ﵇ ذات ليلة وضع لسانه المقدس في فمه. فمن ريقه المقدس ومعونة الله، تعلم العلوم. وكان في فمه كطعم السكر وأحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك، ولما استيقظ أصبح في خاصته محاطًا بأنوار معرفة الله، طافحًا بأفضاله، منفصلًا عن كل ما هو مغاير لله، وزاد اعتقاده في الله في نفس الوقت الذي ظهر فيه استسلامه لإرادة العلي. وبسبب ازدياد شوقه والرغبة الشديدة التي استولت على قلبه نسي الأكل واللبس الا ما يسدّ به حاجته الضرورية\" (٣).\nفالأحسائي هذا كان له بجانب الكتب والمؤلفات دروس في كربلاء وطوس وغيرها من البلاد الشيعية، وفيها ينشر أفكاره وعقائده ومعتقداته، فإنه كان يقول:\nإن الله تجلى في علي وفي أولاده الأحد عشر. وإنهم مظاهر الله وأصحاب الصفات الإلهيه والنعوت الربانية، وهم أئمة الهدى، مختلفون في الصورة متفقون في الحقيقة\" (٤).\nوكان يقول:\nإن الأئمة هم العلة المؤثرة في وجود المخلوقات، وهم مظهر الإِرادة الإلهية والمعبرون عن مشيئة الله، ولولاهم ما خلق الله شيئًا. ولذلك فهم\n_________\n(١) دائرة المعارف الإسلامية، اردو ج ٢ ص ٨٣.\n(٢) هداية الطالبين لحاجي محمد كريم خان.\n(٣) مطالع الأنوار للزرندي البهائي ص ٣، نقلًا عن كتاب دليل المتحيرين وإرشاد المسترشدين للسيد كاظم الرشدي.\n(٤) مقدمة نقطة الكاف للمستشرق الإنجليزي براؤن ص يح الفارسية ط. ليدن.","vol":"1","page":309},{"text":"الغاية من الخلق، وكل ما يفعله الله فهو يفعله بواسطتهم، ولكن ليس لهم من ذاتهم قوة، وهم مجرّد وسائط.\nولما كانت ذات الله لا تدرك وكانت لا تحيط بها أفهام جميع المخلوقات، فإن الإِنسان لا يستطيع معرفتها إلا بتوسط الأئمة الذين هم في الحقيقة محال للذات العلية، ومن أخطأ في حقهم أخطأ في حق الله، واللوح المحفوظ هو قلب الإِمام المحيط بكل السماوات وكل الأرضين، والأئمة هم أول المخلوقات والسابقون على كل شيء\" (١).\nثم كان يعتقد في الغائب المزعوم الثاني عشر:\nأولًا: أنه ميت، كما كان يقول:\nإن المهدي الغائب المنتظر ظهوره عند الشيعة هو الآن من سكان العالم الروحاني غير هذا العالم الذي يسمونه بجابلقاء وجابرساء\" (٢).\nوإن الإِمام روحي له الإنداء لما خاف من أعدائه خرج من هذا العالم ودخل في جنة الهورقلياء\" (٣).\nثانيًا: كان يقول إن الراجع لا يكون ذلك ابن الحسن العسكري بل يكون أحد غيره الذي حلّ فيه روحه، كما قال:\nوسيعود في هذا العالم بصورة شخص من أشخاص هذا العالم يعني بطريق ولادة عامة الناس\" (٤).\nثالثًا: يكون ذلك الشخص هو نفس الإِمام محمد بن الحسن العسكري ولو ولد من أب وأم آخرين جديدين:\n_________\n(١) دائرة المعارف الإسلامية لأحمد الشنتاوي ج ١٤ ص ١٢ ط. طهران.\n(٢) دائرة المعارف للبستاني ج ٥ ص ٢٦.\n(٣) الكواكب الدرية ص ٢٠ الفارسي. ط. القاهرة.\n(٤) أيضًا ص ٢٠.","vol":"1","page":310},{"text":"إنه المهدي بعينه وإن ذلك الجسم اللطيف الروحاني قد ظهر في هذا الجسم الكثيف المادي\" (١).\nرابعًا: يطلق عليه اسم القائم:\nلأنه يقوم بعدما يموت.\nولما سئل: أيقوم من القبر؟.\nأجاب: يقوم من قبره أي من بطن أمه، وقال: إن جابلسا وجابلقا منزل الموعود ومحل المنتظر في السماء لا في الأرض كما يعتقد ويظن أكثر الناس\" (٢).\nوكان ينكر المعاد والبعث الجسماني مطلقًا لأن الجسم يتكون من العناصر الأربعة وبعد خروج الروح تنحل الأجزاء والعناصر، ولا تبقى لها أثر، فتصير إلى الفناء الأبدي.\nوالشىء الذي يبقى ويعود هو الجسم اللطيف الروحاني هو جوهر الجواهر عنده، والذي يسمونه الجسم الهورقليائي تبعًا للمصطلحات الكيماوية القديمة.\n\"فجوهر الجواهر هو الجسم الهورقليائي الذي يحشر ويعاد، والعناصر الباقية التي هي أعراض ولواحق فهي تنتشر وتنحل وتندمج في أصلها كالماء في الماء والطين في الطين، والروح البالية أيضًا تفنى ويبقى الجسم الأصلي الذي يظهر في عرض الجسم من الأبعاد الثلاثة\" (٣).\nومن العقائد التي نشرها بين الناس أن الإِمام المهدي يتجلىّ ويظهر في كل مكان في صورة رجل يكون هو المؤمن الكامل أو الباب أو\n_________\n(١) دائرة المعارف للبستاني ج ٥ ص ٢٦.\n(٢) الكواكب ص ٢٠ - ٢١.\n(٣) دائرة المعارف الإسلامية للأردية نقلًا عن مجلة (يغما) الفارسية رقم ١٦٢ ص ٨٢.","vol":"1","page":311},{"text":"الولي، ولابد من الإيمان به.\nفالأركان الأربعة التي هي أصل الدين وأصوله عندهم هي:\n(١) التوحيد.\n(٢) النبوة.\n(٣) والإمامة.\n(٤) والاعتقاد بالرجل الكامل (١).\nولقد حلت هذه الشخصية في عصر الأحسائي في جسمه، ولأجل ذلك يسمى ركنًا رابعًا أو الباب فالباب في رأيه شخص حلّ فيه روح الباب، والمهدي الذي حل فيه روح المهدي، والإِمام والنبي كذلك، وهم مع ذلك مختلفون في الصورة متحدون في الحقيقة كما ذكرنا سابقًا لأن الله تعالى هو المتجلي في الجميع على اختلاف المراتب والمناصب.\nوكان ينكر المعراج الجسماني والروحي، بل كان يقول إن رسول الله موجود في كل مكان في كل آن، وعلى ذلك لا معنى لهذا القول أنه كان في الأرض وعرج به إلى السماء لأنه ليس بمقيّد في مكان وزمان، فمن رآه في السماء رآه واللواحق السماوية وعوارضها ملتصقة به\" (٢).\nوبعد أن مات الأحسائي تولىّ زعامة الشيخية ومنصبه، تلميذه\nالسيد كاظم الرشتي سنة ١٢٤٢ هـ ونهج منهجه وسلك مسلكه، وصار ركنًا رابعًا للشيخية غير أنه زاد الطين بلّة حيث قال:\nحل فيه روح الأبواب كما حلّ في الأحسائي ولكن آن الآوان لانقطاع الأبواب ومجىء المهدي نفسه\" (٣).\nويقول الشيخية:\n_________\n(١) دائرة المعارف الإسلامية مادة إحسائي، والعقيدة والشريعة لجولد زيهر ص ١٠٣.\n(٢) فهرست لأبي القاسم إبراهيمي شيخ الشيخية ص ١٩٦. ط. إيران.\n(٣) انظر الكواكب ص ٢٤ ط. فارسي.","vol":"1","page":312},{"text":"العالم قديم بالزمان حادت بالذات، لأن الأعراض لا يمكن أن توجد بدون الجوهر، والصور لا يمكن أن توجد بدون محلهّا. والأعراض حادثة زائلة توجد تارة وتنعدم تارة، تأتي من العدم وتعود إلى العدم. أما الجوهر فليس شيئًا حادثًا زائلًا، وعلى هذا فإن المادة في ذاتها حادثة. هي موجودة أبدًا في المستقبل لا في الماضي وإلا لكان للحياة الأخرى نهاية وفنيت الجنة والنار، والجنة هي محبة أهل البيت، أهل بيت النبي ﵇، الأئمة. والجنة والنار تحدثان بسبب أفعال الإنسان\" (١).\nولقد ذكره الخوانساري في كتابه بقوله:\nإن تلميذه العزيز، وقدوة أرباب الفهم والتمييز، بل قرّة عينه الزاهرة، وقوة قلبه الباهرة الفاخرة، بل حليفه في شدائده ومحنه، ومن كان بمنزلة القميص على بدنه، أعني السيد الفاضل الجامع البارع الجليل الحازم، سليل الأجلة السادة القادة الأفاخم الأعاظم، ابن الأمير سيد قاسم الحسيني الجيلاني الرشتي، الحاجّ سيد كاظم، النائب في الأمور منابه، وإمام أصحابه المقتدين به بالحائر المطهّر الشريف إلى زماننا هذا\" (٢).\nوروّج هذا الرشتي أفكار شيخه وأدخل الكثيرين في مذهبه ومذهب الأحسائي، وصارت فرقة مستقلة حتى دخل فيه الكثيرون من شيعة إيران وعربستان والعراق وآذربائيجان والكويت (٣) ثم خلف الرشتي محمد كريم خان الكرماني ابن ظهير الدولة حاكم كرمان، ثم ابن محمد كريم خان محمد خان، وبعده أخوه زين العابدين، ثم ابن زين العابدين قاسم خان ابراهيمي.\n_________\n(١) دائرة المعارف العربية ج ١٤ ص ١٣ لأحمد الشنتاوي ط. طهران.\n(٢) روضات الجنات للخوانساري ج ١ ص ٩٢.\n(٣) فهرست ج ١ ص ٢١٧.","vol":"1","page":313},{"text":"ومن الجدير بالذكر أن الباب علي محمد الشيرازي أيضًا كان من تلامذة السيد كاظم الرشتي ومن المعتنقين بأفكار الشيخية وكل من قبلوا دعوته كانوا من الشيعة الشيخية أيضًا (١).\nومن الطرائف أن عامة الشيعة الاثنى عشرية في باكستان والهند يعتقدون نفس الاعتقادات التي روّجها الأحسائي والرشتي ولو أنهم لا ينسبون أنفسهم إلى الشيخية، فإنهم شيخية اعتقادًا ولو أن بعضًا من علمائهم تجاهروا بالقول إنهم يعتقدون اعتقاد الشيخية، وفتحوا مراكز لها في مختلف المدن، وفي باكستان لهم مركز كبير في ملتان وفي كراتشي أيضًا، وأن أكثر المساعدات والإمدادات كتبًا ومالًا تأتي إليهم من دولة الكويت. ونكتفي بهذا القدر من البيان عن الشيخية مع أننا ننوي إصدار كتاب مستقل ولو في المستقبل البعيد إن شاء الله حول هذه الطائفة لما عمّ صيتُها وكثر معتنقوها من الشيعة أنفسهم.\nالنوربخشية\nوهناك طائفة أخرى توجد في وديان هملايا وكوهستان بلتستان المتصلة بتبت الصينية، يدعي الشيعة الاثنا عشرية بأنها فرقة من فرقهم لأنهم يسمون أنفسهم الشيعة النوربخشية نسبة إلى محمد نوربخش\nالقوهستاني من مواليد سنة ٧٩٥ هـ، ويقولون:\nأنه ولد في قاوين قصبة قوهستان، وكان أبو هاجر من الأحساء، وقيل: إن أباه عبد الله ولد في الأحساء وجدّه محمد ولد في القطيف\" (٢).\nوكان محمد نوربخش مريدًا لخواجه إسحاق الختلاني تلميذ السيد علي الهمداني الذي أعجب بقابلياته حتى لقبه بنوربخش بمعنى\n_________\n(١) انظر لذلك كتابنا (البابية) ط. إدارة ترجمان السنة لاهور باكستان، وكذلك كتابنا (البهائية). ط. باكستان.\n(٢) أنساب بيوتات سكان قاين ص ١٥٩ ط. طهران ١٣٦٩.","vol":"1","page":314},{"text":"واهب الأنوار\" (١).\nويقولون: إن نسبه اكتشف عن طريق الكشف الصوفي بأنه علوي\" (٢).\nثم ادعى محمد نوربخش هذا بأنه هو المهدي الذي أخبر الرسول ﵊ بمجيئه في آخر الزمان لأن اسمه يواطىء اسمه، واسم أبيه يواطىء اسم أبيه فهو محمد وأبوه عبد الله، وكذلك كنيته حيث سمى أحد أبنائه القاسم، ولقبه أنصاره بالإِمام والخليفة على كافة المسلمين (٣).\nوكان يقول: لقد كنت أخفي حالي ولكن وجب إظهارها لتقوم الحجة على الناس كافة على صورة تعرّفهم بمظهر الكل والهادي إلى السبيل\" (٤).\nوقد قام بالثورة العلنية الكبيرة ضد حكومة إيران آنذاك وقبض عليه، ولما اطلق سراحه ذهب إلى كردستان وبدأ يبثّ دعوته فيها فانقاد إليه سكانها، وضرب النقود باسمه\" (٥).\nثم ألقي القبض عليه وأعلن على منبر هرات وهو في قيده يوم الجمعة سنة ٨٤٠ هـ تنازله عن دعوى الخلافة وما يستتبعها، ثم سيّر إلى كيلان، ومن هناك إلى الريّ، وتوفي هناك سنة ٨٦٩ هـ (٦).\nوكان أتباعه موجودين آنذاك بكثرة في بلاد العراق وإيران.\nويظهر من هذا السرد الموجز السريع أن محمد نوربخش لم يكن\n_________\n(١) طرائق الحقائق للحاج معصوم علي ج ٢ ص ١٤٣.\n(٢) مجالس المؤمنين للتستري ص ٣١٤.\n(٣) هامش ديوان شمس تبريزي، نقلًا عن الفكر الشيعي والنزعات الصوفية للدكتور كامل مصطفى الشيبي ص ٣٣٥.\n(٤) أيضًا ص ٣٣٦.\n(٥) مجالس المؤمنين ص ٣١٤.\n(٦) ملخص ما ذكره كامل مصطفى الشيبي في الفكر الشيعي ص ٣٣٣.","vol":"1","page":315},{"text":"اثنى عشريًا لأن الاثنى عشرية لا يرون المهدي إلا ابن الحسن العسكري المزعوم، وهذا عكس هؤلاء يعدّ نفسه مهديًا وأكثر من ذلك أنه ردّ في كتابه على من يزعم أن ابن الحسن العسكري هو المهدي الموعود، فقال:\nوزعم بعض الناس أن محمد بن الإمام العسكري ﵉ هو المهدي الموعود وليس كذلك لأن رسول الله ﵌ قال في محمد المهدي الموعود: يواطىء اسمه اسمي وكنيته كنيتي واسم أبيه اسم أبي، وقيل: اسم أمه اسم أمي، وفي هذا المهدي لا يواطيء شيئًا منهم إلا اسم محمد ﵌\" (١).\n\"والحقيقة أن محمد نوربخش لم يكن شيعيًا اثنى عشريا، بل كان صوفيًا من أصحاب وحدة الوجود، عرض لانتقال الولاية من آدم والأنبياء إلى أقطاب التصوف وأخرجها من التناسخ واصطلح لها اسم البروز بدلًا منه، فكان وصول الروح إلى الجنين في الشهر الرابع عندهم معادًا إنسانيًا يصل الوجود الإنساني بالوجود الحقيقي وجود الله، وربما كان في هذا عنصر يفيد صدور النوربخشية عن الفلسفة الإشراقية كما يفترض الدكتور محمد علي أبو ريان دون أن يجد مبررًا واضحًا يصحح افتراضه. وقد جاء في غزل نوربخش شعر يتصل بوحدة الوجود قال فيه ما ترجمته:\nسواء أكنا هادين أم مهديين ... فنحن بالمقارنة بالقدم أطفال مهديون\nقطرة نحن من محيط الوجود ... ولا عبرة بمدى طاقتنا من الكشف والشهود\n_________\n(١) مشجر الأولياء ص ١٦٤ ط. باكستان.","vol":"1","page":316},{"text":"فيا إلهي متى أعود من القطرة ... ويا الهي أبلغني بحر النور\nوذكر نوربخش العشق على الصورة التي عبر عنها محمد بن عربي في قوله:\nأدين بدين الحب إني توجهت ... ركائبه، فالحب ديني وإيماني\nولكنه أخذ الجانب السلبي من المسألة وعبر عنها بأبيات لطيفة منها ما ترجمته:\nمنذ اليوم الذي استجليت فيه طلعة حبيبي ... غدوت متميزًا من الخلائق أجمعين\nوذلك أني صرت مبرأ من العقيدة والمذهب ... والملة كلية وأصبحت ولا دين لي\nوذكر استغراقه في هذا العشق إلى الحد الذي أضاع معه كيانه الشخصي فجعل يتساءل: أأنا نوربخش نفسه أم من أنا؟ \" (١).\nنعم لا شك في ذلك أن الصفويين لما تسلطوا على إيران وأجبروا الناس على اعتناق التشيع على حد السيف أعلن النوربخشية تشيعهم، ولذلك لما فتح إسماعيل الصفوي التستر كان يسأل الناس عن عقيدتهم، فمن قال: نحن على مذهب نور الله الشيخ نوربخشي لم يكن يتعرض لهم\" (٢).\nوفرّ كثير من مريدي هذا الصوفي الوجودي إلى شبه القارة الهندية ولجئوا إلى الجبال ومناطق منعزلة، فبقوا هناك على طريقتهم الصوفية.\nوأكبر دليل على كون القوم غير الاثنى عشرية أن لهم فقهًا خاصًا، كذلك كيان مستقل ومدارس مستقلة ولو أنهم يقومون ببعض\n_________\n(١) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية للدكتور كامل مصطفى الشيبي ٣٣٩ - ٣٤٠\n(٢) مجمع الأوصياء ص ٣٠٢، نقلًا عن الفكر الشيعي ص ٣٤١.","vol":"1","page":317},{"text":"الأعمال التي يقوم بها الشيعة الاثنا عشرية من المآتم على الحسين، وغير ذلك ولكنهم يختلفون معهم في أشياء كثيرة أيضًا، ومنها الإِغراق في التصوف والسلسلة الصوفية التي تصل إلى السهروردي وجنيد البغدادي والسرّي السقطي، وكل هؤلاء ليسوا من الشيعة، وقد ذكر محمد نوربخش سلسلته الصوفية بعنوان السلسلة الذهبية، وننقلها من كتابه كما ذكرها:\nمحمد نوربخش. خواجه إسحاق الختلاني. حضرة أمير الكبير السيد علي الهمداني. حضرة الشيخ محمد المزدقاني. حضرة الشيخ ْعلاء الدولة السمناني. حضرة الشيخ عبد الرحمان الإسفراني. حضرة الشيخ أحمد الذاكر الجوزقاني. حضرة الشيخ علي اللالا. حضرة الشيخ نجم الدين الكبرى. حضرة الشيخ عمار ياسر البديسي. حضرة الشيخ أبو النجيب السهروردي. حضرة الشيخ أحمد الغزالي. حضرة الشيخ أبو بكر النساجي. حضرة الشيخ أبو علي الكاتبي. حضرة الشيخ أبو علي الرودباري. حضرة الشيخ جنيد البغدادي. حضرة الشيخ سرّي السقطي. حضرة الشيخ معروف الكرخي. حضرة الإِمام عليّ الرضا\" (١).\nثم ولقد ذكر محمد نوربخش هذا في كتابه عبارة صريحة تدّل على عدم تشيعه وهو يذكر الوقائع التي حدثت بعد وفاة رسول الله - ﷺ - فداه أبواي وروحي فقال:\nولما توفي رسول الله ﵌ بايع الأنصار والمهاجرون أبا بكر ﵁ علي الإِمارة بالاتفاق لأن رسول الله ﵌ كان أمره بإمامة الصلاه الفريضة أيام مرضه\n_________\n(١) مشجر الأولياء ص ٢ ط. باكستان.","vol":"1","page":318},{"text":"فبايع أصحابه كله على أبي بكر اتباعًا لأمره ﵌ لأن الصلاة عماد الدين وقوامه كما قال أمير المؤمنين علي ﵇ إن رسول الله ﵌ مرض ليالي وأيامًا ينادي بالصلاة، فيقول ﵇: مروا أبا بكر يصلي بالناس.\nفلما قبض رسول الله عليه الصلاة وآله وسلم نظرت فإذا الصلاة علم الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﵌ لديننا فبايعناه.\nوذلك أن عليًا ﵇ لما رأى النزاع بين الصحابة بسقيفة بني ساعدة في الخلافة يوم وفاة رسول الله ﵌ وتجهيزه وقد نزع خاتم النبي ﵌ من يده المباركة، ففوّض الخاتم إلى أبي بكر ﵁ وقال: فاذهب إلى الناس وأدركهم وأجمعهم على إمارتك فذهب إليهم أبو بكر ومعه عمر بن الخطاب ﵄، فكلّم الناس عمر في إمارة أبي بكر ورضوا بإمارة أبي بكر ﵁ واتفقوا كلهم ببركة خاتم رسول الله ﵌ وبتدبير عليّ المرتضى ﵇\" (١).\nوعلى كل فهذه هي الطائفة الأخرى التي اختلف (٢). في تشيعها، ونظن أن هذا القدر كاف في هذا الموضوع.\n_________\n(١) أيضًا ص ٥١ - ٥٢.\n(٢) لقيني كثير من علماء الشيعة في باكستان فسألتهم عن النوربخشية فالأكثر قالوا بأنهم ليسوا من الاثنى عشرية ولكنهم يدعون التشيع الاثنى عشري لجلب الأموال وحصول المنافع من شيعة الخليج والدول العربية الاثنى عشريين وشيعة إيران أيضًا ولقد رضي علماء الشيعة الإيرانيين بادعائهم هذا لاستكثار عدد الشيعة، وإلا فهم ليسوا من الإمامية الاثنى عشرية.\nوقال البعض: إنهم من الشيعة الاثنى عشرية ولكنهم من الفرقة التي ابتعدت عن الاثنى عشرية الخلصّ بنزعاتها الصوفية وبأفكارها المناوئة المختلفة للتشيع الاثنى عشرية.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>الأخبارية والأصولية</span>\nوهناك اختلاف آخر حدث بين الاثنى عشرية في القرون المتأخرة وهو اختلاف ما يسمى باختلاف الأخباريين والأصوليين، فافترقت الاثنا عشرية إلى فرقتين متحاربتين متعاديتين حملت إحداهما على الأخرى وشنعت الأخرى على الأولى، وكثر النزاع حتى اتهم الأخباريون الأصوليين بالخروج عن التشيع الحقيقي الأصلي، وكتبت الكتب وألفت الرسائل وتحزبت الأحزاب، فقال الأخباريون: نعتقد بظاهر ما ورد به الأخبار، متشابهة كانت أم غير متشابهة فنجري المتشابهات على ظواهرها ونقول فيها ما قاله سلفنا\" (١).\nوبعبارة صريحة أكثر:\nإن الأخباريين هم الذين يتمسكون بظواهر الحديث مقابل الأصوليين الذين يرون الأدلة العقلية من الأدلة الشرعية (٢).\nومعناه أن الأخباريين لا يرون الأدلة الشرعية إلا الكتاب والحديث. والمعروف أن الحديث عند الشيعة ما نقل عن أحد أئمتهم المعصومين حسب زعمهم الاثنى عشري ومن رسول الله أيضًا، فكل ما نقل عن هؤلاء فهو حديث عندهم وهو حجة لأنه منقول عن معصوم وحجة، وما نقل عن الحجة حجة على اليقين، ثم لا ينظر عندهم أن هذا الحديث ما منزلته وشأنه مادام وجد في الأصول الأربعمائة ونقل منها، والأصول عند القوم الكتب التي ألّفها وجمعها أصحاب الأئمة (٣).\nفمادام أصحاب الأئمة نقلوا هذه الروايات من الأئمة فإنها لا\n_________\n(١) موسوعة اصطلاحات العلوم الإسلامية للشيخ التهانوي ج ١ ص ٩٣ ط. خياط. بيروت.\n(٢) لغت نامه دهخدا ص ١٤٨٥ ط. طهران ١٣٢٦.\n(٣) أعيان الشيعة الجزء الأول، القسم الثاني ص ٩٣.","vol":"1","page":320},{"text":"تحتاج إلى النظر والبحث والتحقيق والتفتيش، لا عن السند لأنها من صاحب الإِمام ولا عن المتن لأنه من الإِمام، وعقول الناس قاصرة عن إدراك كنه ما يقوله الإِمام حسب رواية الامام المعصوم الخامس عند الشيعة محمد الباقر:\nإن حديث آل محمد صعب مستعصب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد ﵌ فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه، وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد، وإنما الهالك أن يحدّث أحدكم شىء منه لا يحتمله، فيقول: والله ما كان هذا والله ما كان هذا، والإِنكار هو الكفر\" (١).\nوقد نقلوا عن موسى الكاظم -الإِمام السابع المعصوم حسب زعمهم- أنه قال لأحد شيعته علي بن سويد السائي:\nادع إلى صراط ربك فينا من رجوت إجابته ولا تحصر حصرنا، ووال آل محمد ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا: هذا باطل وإن كنت تعرف خلافه، فإنك لا تدري لم قلناه، وعلى أي وجه وصفناه، آمن بما أخبرتك ولا تكشف بما استكتمتك\" (٢).\nوعلى ذلك فإن الرجوع إلى دليل آخر من الأدلة العقلية ليس إلا جهل وضلال في نظر هؤلاء وإذا لم يوجد في المسألة شىء فعليه الإرجاء حتى يأتي فيه خبر عن إمام من الأئمة كما رووا عن جعفر بن الباقر أنه ْسئل عن رجل اختلف عليه رجلان في دينه من أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟ فقال: يرجئه حتى\n_________\n(١) الأصول من الكافي ج ١ ص ٤٠١، باب ما جاء أن حديثهم صعب مستعصب.\n(٢) رجال الكشي ص ٣٨٦ ط. كربلاء.","vol":"1","page":321},{"text":"يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه\" (١).\nوذكر ابن بابويه القمي عن علي بن موسى -الإِمام الثامن المعصوم عنده- أنه قال:\nوما لم تجدوه في شىء من هذه الوجوه فردّوه علينا، فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا\" (٢).\nوإن رجع إلى شىء آخر ضلّ وأضلّ كما نقلوا عن موسى الكاظم عن محمد بن حكيم أنه قال:\nقلت لأبي الحسن موسى ﵇: جعلت فداك فقّهنا في الدين وأغنانا الله بكم عن الناس حتى إن الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه تحضره المسألة ويحضره جوابها فيما منّ الله علينا بكم، فربّما ورد علينا شىء لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شىء فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء لما جاءنا عنكم فنأخذ به؟.\nفقال: هيهات هيهات في ذلك والله هلك من هلك يا ابن حكيم، قال: ثم قال: لعن الله أبا حنيفة\" (٣).\nوأيضًا:\nعن سمعة بن مهزان عن أبي الحسن موسى ﵇ قال:\nقلت: أصلحك الله إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فلا يردّ علينا شىء إلا وعندنا فيه شىء مسطر وذلك مما أنعم الله به علينا بكم، ثم يرد علينا الشىء الصغير ليس عندنا فيه شىء فينظر بعضنا إلى بعض، وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه؟\n_________\n(١) الأصول من الكافي، كتاب فضل العلم ج ١ ص ٦٦.\n(٢) عيون أخبار الرضا للقمي - نقلًا عن الكافي في الأصول، الهامش ص ٦٦.\n(٣) الكافي في الأصول ج ١ ص ٥٦.","vol":"1","page":322},{"text":"فقال: وما لكم وللقياس؟ إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس، ثم قال: إذا جاءكم ما تعلمون، فقولوا به، وإن جاءكم مالًا تعلمون فيها -وأهوى بيده إلى فيه- ثم قال: لعن الله أبا حنيفة كان يقول: قال علي وقلت أنا، وقالت الصحابة وقلت، ثم قال: أكنت تجلس إليه؟ فقلت: لا ولكن هذا كلامه، فقلت: أصلحك الله أتى رسول الله ﵌ الناس بما يكتفون به في عهده؟.\nقال: نعم وما يحتاجون إليه يوم القيامة، فقلت: فضاع من ذلك شىء؟ فقال: لا هو عند أهله\" (١).\nهذا هو مذهب الأخبارية من الإِمامية، أي العمل بالأخبار المنقولة عن المعصومين حسب زعمهم أو المنسوبة إليهم بدون النظر إلى شىء آخر.\nوأما الأصوليين فرأوا أن هناك دليل العقل ومنه البراءة الأصلية والاستصحاب وغيرها، ومثل للبراءة الأصلية السيد محسن أمين في كتابه بقوله:\nالبراءة الأصلية فيما لا نص فيه بوجوب ولا تحريم بعد الفحص لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، ومنه قولهم عدم الدليل على كذا فيجب انتفاءه وهذا يكون مع الشك في الوجوب، ومثل له المحقق في المعتبر بقولنا: ليس الوتر واجبًا لأن الأصل براءة العهدة، ومنه أن يختلف الفقهاء في حكم بالأقل والأكثر فنقتصر على الأقل كما يقول بعض الأصحاب في عين الدابة نصف قيمتها، ويقول الآخر: ربع قيمتها، فيقول المستدل: ثبت الربع إجماعًا، فينتفي الزائد نظرًا إلى البراءة الأصلية ويكون مع الشك في التحريم كالشك في حرمة التدخين وحرمة\n_________\n(١) أيضًا ص ٥٧.","vol":"1","page":323},{"text":"شرب قهوة البنّ، فيقال: لم يقم دليل على التحريم والأصل براءة الذمة\" (١).\nثم ذكر الأخباريين ومذهبهم بقوله:\nْالأخبارية الإمامية أنكروا البراءة الأصلية وأوجبوا الاحتياط في مواردها للأخبار الآمرة بالاحتياط الحاثة عليه المحمولة على الاستحباب أو مورد العلم بالتكليف والشك في المبرىء المعارضه بقولهم ﵈: كل شىء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه فتدعه وأمثاله\" (٢).\nوكذلك ذكر مغنية \"أن الأخباريين ينكرون الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلي\" (٣).\nواتهم الأخباريون الأصوليين:\nأن الباعث لهم على الاختراع هذه القواعد الأصولية والأدلة الأربعة الشرعية هو أنسهم بكتب المخالفين للإمامية بلا ضرورة داعية إليه وبدون قيام حجة حاكمة\" (٤).\nفألف كل فئة كتبًا كثيرة لتأييد مسلكهم، فمن الأخباريين ألف محمد أمين ابن محمد شريف الاسترا آبادى كتابه المشهور (الفوائد المدنية).\nوردّ عليه نور الدين العاملي بكتابه (الفوائد المكية في مداحض حجج الخيالات المدنية ونقض أدلة الأخبارية) (٥).\n_________\n(١) أعيان الشيعة الجزء الأول القسم الثاني ص ١٨.\n(٢) أيضًا.\n(٣) علم أصول الفقه في ثوبه الجديد لمحمد جواد مغنية ص ٣٥٤ ط. دار العلم. بيروت.\n(٤) الفوائد المدنية في الرد على القائل بالاجتهاد والتقليد في الأحكام الإلهية لمحمد أمين ط. طهران.\n(٥) انظر لذلك كتاب الشريعة. للطهراني ج ١٦ ص ٣٥٩.","vol":"1","page":324},{"text":"وردّ عليه أيضًا السيد دلدار علي اللكهنوي بكتاب سمّاه (أساس الأصول)، وهذا الكتاب موجود بين أيدينا طبع في الهند، وذكره صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة (١).\nثم ردّ عليه ميرزه محمد عبد النبي النيسابوري الهندي الشهير بالأخباري بكتاب سماه (معاول العقول لقلع أساس الأصول) ودافع فيه عن (الفوائد المدنية) وعنّف القول على مؤلف الأساس، وهذا الكتاب موجود مطبوع أيضًا، وقد ذكره صاحب الذريعة في كتابه (٢).\nثم ردّ عليه السيد نظام الدين حسين والسيد أحمد علي وغيرهم بكتاب (مطارق الحق واليقين لكسر معاول الشياطين) وقد ذكر هذا الكتاب الطهراني في موسوعته (٣).\nفهاتان هما فرقتان أخريان انبثقتا عن الشيعة الاثنى عشرية أيضًا، ويعدّ مِنْ أعيان الطائفة الأخبارية الحر العاملي صاحب (وسائل الشيعة)، والنوري الطبرسي صاحب (مستدرك الوسائل)، ومحمد حسين كاشف الغطاء، ونعمت الله الجزائري وغيرهم.\nومن أعيان الطائفة الثانية في الآونة الأخيرة السيد دندار علي، والطباطبائي، ومحسن الحكيم، والخوئي، وشريعت مداري، والخميني، وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>أهم كتب الشيعة الاثنى عشرية ورجالاتهم</span>\nوأهم كتب الشيعة الاثنى عشرية في الحديث:\n(الكافي) للكليني -وهذا الكتاب يشتمل على أقسام ثلاثة:\nالأصول والفروع والروضة: القسم الأول يشتمل على العقائد،\n_________\n(١) ج ٢ ص ٥٠٤.\n(٢) ج ٢١ ص ٢٠٧.\n(٣) ج ١ ص ٣٨.","vol":"1","page":325},{"text":"والقسم الثاني على الأحكام، والثالث على الخطب والمكاتيب وعلى الحكم والآداب، ويقولون: فيه ١٦١٩٩ حديثًا.\nالثاني: (من لا يحضره الفقيه) لابن بابويه القمي، وفيه ٦٥٩٣ حديثًا.\nالثالث: (تهذيب الأحكام) لأبي جعفر الطوسي، وفيه ١٣٥٩٠ حديثًا.\nالرابع: (الاستبصار) وهذا أيضًا للطوسي، وفيه ٦٥٣١ حديثًا.\nوهذه هي كتب الحديث الأربعة التي يطلق عليها الصحاح الأربعة الشيعية.\nوهناك كتب أخرى في الحديث منها:\n(الأول): الوافي تأليف الشيخ محمد بن مرتضى المدعو بملا محسن الكاشي جمع فيه ما في الكتب الأربعة من أحاديث الأصول والفروع ورتبها وبوبها وشرح بعض ما يلزمه الشرح والتفسير من المهمات وبين بعض وجوه الجمع بين المتعارضات وله نحو مائتي مصنف.\n(الثاني): وساثل الشيعة إلى أحاديث الشريعة تأليف الشيخ محمد بن الحسن بن الحر العاملي جمع فيه ما في الكتب الأربعة وغيرها في الفروع خاصة من ثمانين كتابًا كانت عنده وسبعين نقل عنها بالواسطة ورتبه وبوبه على ترتيب كتب الفقه أحسن ترتيب وشرح بعض المهمات وجمع المتعارضات فصار كتابه هذا هو المعول والمرجع ولم يرزق الوافي ما رزقته الوسائل من الحظ لأن ترتيبها أسهل مع أن تفسيرات الوافي أوفى وله مع ذلك الحظ الوافي لكن حظ الوسائل أوفى وبقية الكتب الأربعة يرجع إليها أيضًا (١١٠٤).","vol":"1","page":326},{"text":"(الثالث): بحار الأنوار في أحاديث النبي والأئمة الأطهار تأليف الشيخ محمد باقر ابن الشيخ محمد تقي المعروف بالمجلسي في ستة وعشرين مجلدًا ضخمًا كثير منها وحده عشرات المجلدات ويستغرق نسخه فقط العمر فضلا عن تأليفه جمع فيه فنونًا من العلم جلها في غير الأحكام الفرعية وقليل منها في الفروع ومن جملتها تواريخ النبي والزهراء والأئمة الاثنى عشر صلى الله عليه وعليهم، وأحوالهم ومناقبهم وما أثر عنهم من المواعظ والحكم والآداب جمعه من كل ما عثر عليه بدون انتقاء كما هو شأن البحار، ولم ينقل فيه من الكتب الأربعة المتقدمة إلا قليلًا لأن غرض مؤلفيها الأهم الفروع وغرضه الأهم غيرها فهو أجمع كتاب في فنون الحديث وأنواع العلوم ومتفرقات الأخبار يستمد منه العالم والمؤلف والواعظ وتستخرج منه الدرر والجواهر، فالمحمدون الثلاثة الأولون مع المحمدين الثلاثة الأخرين هم الذين حفظوا أخبار أهل البيت وآثارهم من الضياع وجمعوها ورتبوها والأولون منهم انتقوها واختاروها بحسب أسانيدها وكذا الأولان من الآخرين (١١١٠).\n(الرابع): العوالم في الحديث تأليف المحدث المتبحر المولى عبد الله بن نور الله البحراني في مائة مجلد ولم يرزق من الحظ ما رزق البحار (أوائل المائة الثانية).\n(الخامس): الشفا في حديث آل المصطفى جامع كبير يشتمل على عدة مجلدات للمتضلع في الحديث الشيخ محمد الرضا بن الفقيه الشيخ عبد الله التبريزي فرغ منه (١١٥٨).\n(السادس): جامع الأحكام في الحديث تأليف السيد عبد الله الشبري في خمسة وعشرين مجلدًا كبارًا مؤلفه من أكثر الناس تأليفًا (١٢٤٢).","vol":"1","page":327},{"text":"(السابع): مستدركات الوسائل تأليف المحدث المتتبع البصير بالحديث والرجال الميرزا حسين النوري المعاصر جمع فيه ما فات صاحب الوسائل ورتبه على أبوابها في قريب من مجلداتها لكنه أدرج فيه الفقه الرضوي الذي لم يثبت أنه تصنيف الإِمام الرضا (ع) وكثيرًا مما هو من هذا القبيل مما لم يكن معتبر الإسناد عند صاحب الوسائل فليس هو في الحقيقة استدراكًا عليه في كثير مما فيه وأفاد في آخره فوائد رجالية لا توجد في غيره والظاهر أن معظمها مآخوذ من جامع الرواة للحاج محمد الأردبيلي معاصر المجلسي (١٣٢٠) (١).\nويدعي الشيعة أن الكتب التي تشتمل على الأحاديث المروية من المعصومين حسب زعمهم تزيد على ستة آلاف وست مائة كتاب (٢).\nوأما شيخهم المفيد فقال:\nصنف الأمامية من عهد أمير المؤمنين ﵇ إلى عهد أبي محمد الحسن العسكري أربع مائة كتاب تسمى الأصول، قال: فهذا معنى القول: له أصل\" (٣).\nهذا في الحديث، وأما في الرجال فلهم (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، والمعروف برجال الكشي - من علماء القرن الرابع.\nوالثاني: (كتاب الرجال) لأبي العباس أحمد بن علي النجاشي المتوفى سنة ٤٠٥ هـ، المعروف برجال النجاشي.\nوالثالث: (كتاب الرجال) لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي المتوفى سنة ٣٦٠، والمعروف برجال الطوسي.\n_________\n(١) أعيان الشيعة الجزء الأول القسم الثاني ص ١١٣ - ١١٤.\n(٢) أيضًا ص ٩٣.\n(٣) أيضًا.","vol":"1","page":328},{"text":"والرابع: (كتاب الفهرست) للطوسي أيضًا.\nوهذه الكتب الأربعة هي الأصول، وعليها المعول عند القوم (١).\nوهناك كتب أخرى: مثل (معالم العلماء) لابن شهر آشوب المازندراني المتوفى سنة ٥٨٨.\nو(خلاصة الأقوال في الرجال) للحسن بن مطهر الحلي المتوفى ٧٢٦ هـ.\nو(منهج المقال) للمامقاني.\nو(روضات الجنات) للخوانساري.\nو(الكنى والألقاب) للقمي، وغيرها.\nْومن كتبهم في التفسير المشهورة:\n(تفسير العياشي).\nو(تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي).\nو(تفسير القمي).\nو(تفسير مجمع البيان) للطبرسي.\nو(تفسير البرهان في تفسير القرآن).\nو(تفسير الصافي).\nو(نور الثقلين) للحويزي.\nو(منهج الصادقين) لملا فتح الله الكاشاني.\nومن أهم كتبهم في الفقه:\n(شرائع الإسلام) لجعفر بن الحسين الحلّي.\n(جامع المقاصد) لعبد العالي الكركي المتوفى ٩٣٧ هـ.\nو(المسالك) لزين الدين العاملي.\n_________\n(١) انظر مقدمة رجال الكشي لأحمد الحسيني ص ٤.","vol":"1","page":329},{"text":"وكذلك (شروح اللمعة الدمشقية).\nومن أهم كتبهم في التاريخ:\n(تاريخ اليعقوبي).\nو(مروج الذهب) و(أخبار الزمان) للمسعودي.\nو(ناسخ التواريخ) لمبرزه تقي خان معاصر ناصر الدين القاجاري.\nوأهم كتبهم (نهج البلاغة) الذي يعدّونه أقدس كتاب عندهم ويدعون أنه كتاب مشتمل على خطب ومكاتيب علي ﵁، جمعه شريف الرضي، ومن شروحه الهامة:\nشرح ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي، وشرح ابن الميثم وغيرها من الشروح.\nوأما أعيانهم فهم مؤلفو هذه الكتب التي ذكرناها آنفا، وقد ذكرنا تراجمهم في هذا الكتاب وفي الكتب الأخرى التي ألفناها حول هذه الطائفة من الناس.\nوبهذا يعرف الشيعة الاثنا عشرية بالإيجاز والاختصار، وفيما أوردناه كفاية لمن أراد ذلك.\nونلحق هذا الباب بابًا آخر لبيان صلة الاثنى عشرية بالعقائد السبئية وغيرهم من المنحرفين الضالين، والمؤامرين الماكرين ضد الإسلام ومؤسسي الفرقة والاختلاف بين المسلمين.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>الباب السابع\nالشيعة الإثنا عشرية والعقائد السبئية</span>\nإننا ذكرنا السبئية وقائدها عبد الله بن سبأ فيما مضى بالتفصيل. ونضطر إلى أن نعيد ذكر السبئية والأفكار التي حملوها والعقائد التي روّجوها بين الناس، وعارضها عليّ وأولاده الطيّبون منهم رضوان الله عليهم، وردوّها عليها، وقاوموها بكل عنف وشدة. ولكنها تسرّبت فيما بعد بين الذين يزعمون أنهم شيعتهم والموالون لهم بإسم حب أهل البيت، وأهل البيت منهم براء.\nنضطر إلى إعادتها، لوضع النقاط على الحروف، ولإثبات أن الشيعة وخصوصًا الإثني عشرية منهم الذين يعدّون أنفسهم معتدلين، وقد يخدع بهم الكثيرون من المغفلين من الناس، ليسوا إلا ورثة أولئك القوم الذين ضلوّا وأضلوّا، ولا يوجد في أيديهم إلا تركتهم التي تركوها للفرقة والإختلاف بين المسلمين، ولإبعاد بعض الناس عن العقائد الصحيحة التي نزلت من السماء، وجاء بها جبرئيل، وبلّغها رسول الله ﷺ، وكلام الله القرآن، وسنة رسول الله الثابتة، خالية من ذكرها وتذكرتها.\nونحاول في هذا الباب أيضًا أن لا نكون إلا منصفين، ولا نلزم","vol":"1","page":331},{"text":"القوم مالا يلتزمون به، ولا ننسب إليهم ما لا يثبتونه في كتبهم أنفسهم، كما تعوّدنا ذلك بفضل الله، وكما لاحظ القارئ في هذا الكتاب وفي غيره.\nوتجنبًا لسرد العبارات التي سقناها من قبل، نلخص ما كان يقوم به من المخططات ويروّجه عبد الله بن سبأ، وما كانت تنشره السبئية من عقائد وآراء، ثم نقارن تلك العقائد والآراء بأفكار الشيعة الإثني عشرية الموجودين حاليًا وعقائدهم، وهل هي موجودة فيهم أم لا؟ .. فنقول:\n\nأولًا: قيام السبئية بتكوين جمعيات سريّة يهودية بإسم الإسلام، تحت راية عبد الله بن سبأ.\nثانيًا: إظهار الحب والولاء والمشايعة والموالاة لعلي وأولاده، والإنظمام إلى شيعتهم.\n\nثالثًا: الحقد والبغض لأصحاب رسول الله ﷺ، والبراءة من أبي بكر وعمر وعثمان، خلفاء نبي الله في أمته، الثلاثة الراشدين المهديين، والطعن فيهم وتفسيقهم وتكفيرهم.\n\nرابعًا: تأليب الناس وتحريضهم على عثمان، وإتهامه بتهم باطلة، لإيقاع الفرقة بين الأمة الواحدة والشقاق في المسلمين، والتشنيع على العمال، وتشويه سمعة الحكام، وخصوصًا الذين قادوا المعارك الحاسمة وفازوا فيها.\n\nخامسًا: ترويج العقائد اليهودية والنصرانية والمجوسية بين المسلمين، التي لا تمت إلى الإسلام بصلة لا قريبة ولا بعيدة. والكتاب المنزل من السماء على محمد رسول الله ﷺ خال ٍ منها، وكذلك تعليمات الرسول الناطق بالوحي نزيهة وبريئة من التلوث بها، مثل قولهم بالوصاية والولاية والعصمة والرجعة وعدم الموت وملك الأرض والحلول والإتحاد","vol":"1","page":332},{"text":"وتأليه الخلق وإتصافهم بصفات الله، وجريان النبوة بعد محمد ﷺ، ونزول الوحي.\n\nفهذه هي الأفكار السبئية التي اقتبسناها من عبارات الشيعة وأئمتهم حول عبد الله بن سبأ، والعقائد التي دعوا إليها وروجوها بين المسلمين، والعبارات والنصوص التي سردناها في الباب الثاني، حيث ذكرنا عبد الله بن سبأ والسبئية بالتفصيل.\nوهذه هي خلاصة أقوالهم التي قالوها والأعمال التي قاموا بها.\n\nوالآن لنضع النقاط على الحروف ونقول:\nأما الأول: أي تكوين اليهود جمعيات تحت قيادة عبد الله بن سبأ للدس والفتنة، فلا نحتاج لإثباتها إلى أي شيئ، بعدما أثبتناها من أئمة الشيعة في الفرق والرجال والتاريخ والنقد، غير السنة، وتصريحاتهم، وبعد ما أطنبنا القول فيه فيما مرّ.\n\nوالثاني: أي إظهار الحب والولاء والموالاة لعلي وأولاده، فهذا هو الذي جعله الشيعة شعارًا لهم وما أكثر ما قالوه في هذا وتقوّلوا به على عليّ وأولاده - كذبًا وزورًا - حتى جعلوا الدين كله موالاة لعلي وأولاده، دون الإيمان بالقرآن والسنة، بل ودون الإيمان بالله ورسوله والإمتثال بأوامرهما، والتجنب عن النواهي، وبدون العمل الصالح والسعي إلى المكارم والفضائل والحسنات.\nفلقد قالوا فيما قالوا، وما أكثره وما أشنعه، عن أبي جعفر أنه قال:\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-175> هل الدين إلا الحب </span>\" (١).\nفالحب هو الدين، لا الصلاة ولا الزكاة ولا الحج ولا الصوم، ولا غير ذلك من العبادات التي أمر الله بإتيانها وأدائها، ولا الأمر بالمعروف\n_________\n(١) كتاب الروضة من الكافي الكليني، باب وصية النبي لأمير المؤمنين ج٨ ص ٨٠ ط. طهران.","vol":"1","page":333},{"text":"والنهي عن المنكر، ولا التجنب للبغي والفحشاء، ولا التقيد بالقيود في المعاملات، ولا المراعاة التي أمُر بها الإنسان للتعايش مع ذويه وعشيرته وجيرانه ومجتمعه، ولا الحقوق ولا الفرائض، ولا الواجبات ولا المحرمات، فإن الدين هو الحب وحده.\nوهوالإيمان أيضًا كما نقلوه عن أبي جعفر محمد الباقر، الإمام الرابع المزعوم:\n\" حبنا إيمان، وبغضنا كفر \" (١).\nلا الإيمان بالله ولا بالرسل ولا بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين، ولا بالكتاب المنزل عليه، ولا بالتعاليم التي منحها لأصحابه وتلاميذه، لأنه ما أرسل الرسل، وما نزلت الكتب، ولم يأت الأنبياء إلا للدعوة إلى عليّ وأولاده، وحبهم والموالاة لهم.\nولقد ذكر المفسر الشيعي الكبير البحراني، في مقدمة تفسيره الكبير عن واحد من أصحاب عليّ، حبة العوفي، أنه قال:\n\" قال أمير المؤمنين ﵇: إن الله ﷿ عرض ولايتي على أهل السموات وعلى أهل الأرض، أقرّ بها من أقرّ بها، وأنكرها من أنكرها، أنكرها يونس، فحبسه في بطن الحوت حتى أقرّ بها \" (٢).\nوذكر عن (البصائر) عن محمد بن مسلم، أنه قال:\n\" سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: إن الله أخذ ميثاق النبيين على ولاية عليّ، وأخذ عهد النبيين على ولاية عليّ \" (٣).\nوليس هذا فحسب، بل وأكثر من ذلك، كما قال:\n\" وفي كنز الفوائد نقلًا من خط الشيخ الطوسي من كتاب مسائل\n_________\n(١) الأصول من الكافي ج١ ص١٨٨.\n(٢) بصائر الدرجات ج٢ ص ١٠ط. إيران نقلًا عن تفسير البرهان، مقدمة ص ٢٥.\n(٣) أيضًا ص ٢٦.","vol":"1","page":334},{"text":"البلدان، عن جابر الجعفي عن رجل من أصحاب أمير المؤمنين ﵇، قال: دخل سلمان على علي ّ، فسأله عن نفسه؟ فقال: يا سليمان، أنا الذي دعيت الأمم كلها إلى طاعتي، فكفرت فعذبت في النار، وأنا خازنها عليهم، حقًا أقول يا سلمان إنه لا يعرفني أحد حق معرفتي إلا كان معي، أخذ الله على الناس الميثاق لي فصدق من صدق، وكذب من كذب. قال سلمان: لقد وجدتك يا أمير المؤمنين في التوراة كذلك، وفي الإنجيل كذلك، بأبي أنت وأمي يا قتيل كوفة! أنت حجة الله الذي تاب به على آدم، وبك أنجى يوسف من الجب، وأنت قصة أيوب، وسبب تغير نعمة الله عليه. فقال أمير المؤمنين: أتدري ما قصة أيوب؟. قال: الله أعلم وأنت يا أمير المؤمنين. قال: لما كان عند الانبعاث للمنطق، شك أيوب في ملكي، فقال: هذا خطب جليل، وأمر جسيم. فقال الله: يا أيوب، أتشك في صورة أقمته أنا؟ إني ابتليت آدم بالبلاء، فوهبته له، وصفحت عنه بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين، فأنت تقول خطب جليل وأمر جسيم، فوا عزتي وجلالي لأذيقنك من عذابي أو تتوب إليّ بالطاعة لأمير المؤمنين. ثم أدركته السعادة بي. يعني أنه تاب وأذعن بالطاعة لعلي ﵇ \" (١).\n\nوغير هذا أيضًا:\n\" ففي سرائر إبن إدريس من جامع البزنطي، عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول:\nما من نبي، ولا من آدمي ولا من إنسي ولا جني ولا ملك في السماوات والأرض إلا ونحن الحجج عليهم، وما خلق الله خلقًا إلا وقد عرض ولا يتنا عليه، واحتج بنا عليه، فمؤمن بنا وكافر جاحد، حتى\n_________\n(١) تفسير البرهان للبحراني، مقدمة ص٢٧.","vol":"1","page":335},{"text":"السموات والأرض \" (١).\nوتتمة هذا الخبر في مناقب إبن شهر آشوب، عن محمد بن الحنفية عن أمير المؤمنين ﵇ قال: عرض الله أمانتي على السموات السبع بالثواب والعقاب، فقلن ربنا لا تحملنا بالثواب والعقاب، لكننا نحملها بلا ثواب ولا عقاب. وإن الله عرض ولايتي وأمانتي على الطيور، فأول من آمن بها البزاة البيض والقنابر، وأول من جحدها البوم والعنقاء، فلعنهما الله من بين الطيور، فأما البوم فلا تقدر أن تطير بالنهار لبغض الطير له، وأما العنقاء فغابت في البحار لا ُترى. وإن الله عرض أمانتي على الأرض، فكل بقعة آمنت بولايتي جعلها طيّبة زكيّة، وجعل نباتها وثمرها حلوًا عذبًا، وجعل ماءها زلالًا. وكل بقعة جحدت إمامتي وأنكرت ولا يتي، جعلها سبخًا وجعل نباتها مرًّا وعلقمًا، وجعل ثمرها العوسج والحنطل، وجعل ماءها ملحًا أجاجًا \" (٢).\nوأما بخاريهم الكليني، فروى في صحيحه عن أبي عبد الله جعفر - الإمام السادس عندهم - أنه قال:\n\" ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبيًا قط إلا بها \" (٣).\nوعن أبيه أبي جعفر - محمد الباقر - أنه قال:\n\" والله إن في السماء لسبعين صفًا من الملائكة، لو اجتمع أهل الأرض كلهم يحصون عدد كل صف منهم ما أحصوهم، وإنهم ليدينون بولايتنا \" (٤).\nوعنه أيضًا أنه قال:\n_________\n(١) أيضًا ص ٢٦.\n(٢) أيضًا.\n(٣) كتاب الحجة من الكافي ج١ ص٤٣٧.\n(٤) أيضًا ص ٤٣٧.","vol":"1","page":336},{"text":"\" إن الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا، وهم ذرّ \" (١).\nوأخيرًا، روى الكليني عن إمامه المعصوم، عن أبي الحسن أنه قال:\n\" ولاية علي ﵇ مكتوبة في صحف جميع الأنبياء \" (٢).\nوكما روى أيضًا عن سالم الحناط، قال:\n\" قلت لأبي جعفر ﵇: أخبرني عن قول الله ﵎: نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين، قال: هي الولاية لأمير المؤمنين ﵇ \" (٣).\nوكذلك سُئل أبو جعفر عن قول الله ﷿: ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، قال: الولاية \" (٤).\nوابنه جعفر قال:\n\" ولاية أمير المؤمنين ﵇، إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى \" (٥).\nوروى الكليني عن الصومالي:\n\" عن أبي جعفر ﵇ قال: أوحى الله إلى نبيّه صلى الله عليه وآله: فاستمسك بالذي أوحينا إليك إنك على صراط مستقيم، قال: إنك على ولاية عليّ، وعليّ هو الصراط المستقيم \" (٦).\nوإن لم يأت العبد بولاية عليّ، لم يسأله عن شيء، وأمر به إلى النار.\n_________\n(١) أيضًا ص٤٣٨.\n(٢) كتاب الحجة من الكافي ج١ ص٤٣٧.\n(٣) أيضًا، باب فيه نكت من التنزيل في الولاية ج١ ص٣١٢.\n(٤) أيضًا ص ٤١٣.\n(٥) أيضًا ص٤١٨.\n(٦) أيضًا ص ٤١٧.","vol":"1","page":337},{"text":"وعلى ذلك قال البحراني، مفسر الشيعة:\n\" إن الله لم يبعث نبيًا قط إلا بعد ما أقرّ بالولاية لأهل البيت، وإن بعثة الأنبياء كانت لذلك أيضًا \" (١).\nوإن هذه الموالاة هي سبب دخول الجنة والنجاة من النار، لا الأعمال ولا الحسنات. فمن والى عليًا وأولاده فهم من أهل الجنة، وغيره يدخل النار ولو صام وصلى. كما نقلوا عن جعفر أنه قال:\n\" سواء على من خالف لنا أهل البيت لا يبالى صلى أو صام، أو زني أو سرق. إنه في النار، إنه في النار \" (٢).\nوكذبوا على رسول الله أنه قال لعليّ ﵁:\n\" من أحبك كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة، ومن مات يبغضك فلا يبالي مات يهوديًا أو نصرانيًا \" (٣).\nوكذلك روى صدوقهم - وهو كذوبهم:\n\" قال رسول الله (ص): يا علي إن الله تعالى قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك ومحبي شيعتك ومحبّي محبّي شيعتك، فأبشر\" (٤).\nوذكر العياشي في تفسيره عن أبي عبد الله جعفر أنه قال:\n\" المؤمنون بعليّ هم الخالدون في الجنة وإن كانوا في أعمالهم مسيئة \" (٥).\nحب عليّ حسنة لا تضر معها سيئة (٦) وبغضه معصية لا تنفع\n_________\n(١) أنظر البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني، مقدمة ص ٣٣٩ ط. إيران.\n(٢) أيضًا، الفصل الثاني في بيان فرض ولاية أهل البيت ص ٢١.\n(٣) عيون أخبار الرضا ج٢ ص ٨٥. ط. طهران.\n(٤) أيضًا ج ٢ ص٤٧.\n(٥) تفسير العياشي ج ١ ص ١٣٩.\n(٦) ويجب الانتباه أنه لم يرو هذه الروايات إلا الوضّاعون الدجالون من الشيعة الذين ينقلون عن دجاجلة كذابين مثلهم. وقد وردت هذه الروايات بطرق الشيعة الكذابين أيضًا في بعض كتب السنة الذين لم يلتزموا بإيراد الروايات الصحيحة، ولم يلزموا أنفسهم تنقيد الرواة وتنقيح أحوالهم، فلا يعتمد على تلك المرويات، لأنها منقولة ومروية من الشيعة لترويج باطلهم ونشر أباطيلهم. ولله الحمد والمنة أن عند السنة معيارًا قويًا ومحكًا صالحًا لتنقية هذه الروايات وتنقيحها، لتمييز الحق من الباطل. كما عندهم أصول وضوابط وقواعد لنقد الرجال جرحًا وتعديلا. فلا تقبل الروايات والرواة عندهم إلا الصادقة عن الصدوق، ولا يلتفت إلى الضعفاء والوضع والوضاع، وإلي الأكاذيب والكذبة.","vol":"1","page":338},{"text":"معها حسنة (١).\nوأخيرًا، ما كذبوه على رسول الله أنه قال:\n\" سمعت الله ﷿ يقول:\nعلي بن أبي طالب حجتي على خلقي، ونوري في بلادي، وأميني على علمي، لا أدخل النار من عرفه وإن عصاني، ولا أدخل الجنة من أنكره وإن أطاعني \" (٢).\nفالقضية واضحة بأن طاعة الله ليست بطاعة، ومعصية الله ليست بمعصية ما دام الحب والولاء لعلي وأولاده موجود. وهذا ما كان يقصده اليهودية البغضاء لإبعاد أمة محمد ﷺ عن الشريعة السماوية التي لا تفرق بين شخص وشخص، ولا تجعل مدار العز والشرف إلا على العمل والتقوى، كما قال جل من قائل:\n﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣).\n\nوقال: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ (٤).\n\nوقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ\n_________\n(١) منهج الصادقين ج ٨ ص١١٠.\n(٢) البرهان، مقدمة ص ١٣.\n(٣) سورة الحجرات الآية ١٣.\n(٤) سورة الشعراء آية ٩٠.","vol":"1","page":339},{"text":"لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).\nوقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (٢).\n\nوقال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣).\n\nوقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾ (٤).\n\nوقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (٥).\n\nنعم الشريعة التي لم تفرق بين شخص وشخص لحسبه ونسبه، فلم تفرق بين أبي لهب بأنه يدخل الجنة لأنه عم النبي ﷺ، ولم تقتصر على البيان بأنه من أهل النار، بل قرن ذكره باللعن في الكتاب الذي يبقى أبد الدهر. حيث قال:\n﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ (٦).\nولم تفرق تلك الشريعة السمحاء بين بلال وغيره لأنه حبشي وغير\n_________\n(١) سورة المؤمنون الآية ١ إلى الآية ١١.\n(٢) سورة الزلزلة الآية ٨،٧.\n(٣) سورة الأنعام الآية ١٦٤.\n(٤) سورة الليل الآية ٩.\n(٥) سورة المدثر الآية ٣٨ إلى الآية ٤٨.\n(٦) سورة تبت (المسد).","vol":"1","page":340},{"text":"عربي وقرشي ومكي، جاء إلى مكة وهو مملوك لغيره، بل بُشّر بالجنة بلسان الناطق بالوحي، لأن أعماله أهلته لذلك.\nوهم الذين كانوا يرون الإيمان بالله وبالرسول وبالكتاب الذي نزل عليه، والأعمال الصالحة حسب أوامر الرسول ﷺ سببًا لدخول الجنة. كانوا يقومون ليلًا، ويصومون نهارا، ويرفعون رايات الجهاد، وينزل عليهم النصر من فوق السماء، ويؤيدهم ملائكة الرب وجنود الرحمان. وهم الذين كانوا يرون الجنة تحت ظلال السيوف لإحقاق الحق وإبطال الباطل، ولإظهار دين الله كله. وهم الذين كانوا يقهرون سلاطين الأمم وملوكها وجبابرة الأرض وطغاتها، وهم الذين اندحرت أمامهم فلول اليهودية وجيوش النصرانية وعساكر المجوسية، وهم الذين أريد بهم وبأخلافهم أن يبعدوا عن هذه الشريعة الحية المحيية للأموات، والباعثة فيهم الأرواح.\nأرادوا إماتة هذه الأمة المقدامة، لردهم عن دينهم، وإبعادهم عن تعاليم الإسلام الحقيقية، عن الإيمان والعمل والجد والجهاد.\nفقالوا:\nلا يحتاج لدخول الجنة، وإرضاء الرب إلى كل هذه المشقة والعناء، بل يكفي لها حب أشخاص والولاية لهم.\nففازوا في مقاصدهم الخبيثة بعض الفوز، وانطلت مكايدهم على بعض السذج الغفلة من الناس، والمغرورين والمخدوعين بأسماء أشخاص لم يكونوا إلا عبادًا لله المتقين، العاملين المؤمنين.\nفبدل أن يكون أمام أعينهم أن أول ما يُسأل العبد عنه الصلاة، كي لا يصلوا ويجتهدوا في التقرب إلى الله بالركوع والسجود والقيام إليه، قالوا:\nقال أبو الحسن ﵇ - الإمام الثامن عندهم - \" أول ما يُسأل عنه العبد، حبنا أهل البيت \" (١).\n_________\n(١) عيون أخبار الرضا ج٢ ص ٦٥، أيضًا البرهان، مقدمة ص ٢٢.","vol":"1","page":341},{"text":"وعلى ذلك جعلت الولاية أهم من الصلاة والزكاة، ومن كل شيء ذكرناه آنفا، وكما ورد في الكافي للكليني، عن أبي جعفر أنه قال:\n\" بُني الإسلام على خمس، على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية \" (١).\nبل وهي المقصود، كما كذبوا على النبي ﷺ أنه قال:\n\" أتاني جبريل ﵇ وقال: يا محمد ربك يقرئك السلام، ويقول: فرضت الصلاة ووضعتها عن المريض، وفرضت الصوم ووضعته عن المريض والمسافر، وفرضت الحج ووضعته عن المقل المدقع، وفرضت الزكاة ووضعتها عن من لا يملك النصاب، وجعلت حب عليّ بن أبي طالب ﵇ ليس فيه رخصة \" (٢).\nولذلك جعلوها مدار الكفر والإيمان، كما هو ظاهر من هذه الروايات، وكما بيّناه آنفا.\n\nوأما من قال من الشيعة المعاصرين (٣)، بأن الاعتقاد بالولاية ليس بالضروري، وأنه بعدم الاعتقاد بها لا يخرج عن كونه مسلمًا، ليس إلا خداعًا وتزويرًا. ولا يتفوّه بمثل هذه الكلمات إلا في كتب الدعاية، ولإيقاع السذج من المسلمين في شراكهم وحبائلهم. وإلا فهم لا يعتقدون بمثل هذه الاعتقادات كما ذكر وصرح به أئمة الشيعة.\nولقد ذكر السيد البحراني عن عديد من أئمة الشيعة، بأن هذه العقيدة اليهودية التي أوجدها وأنشأها عبد الله بن سبأ اليهودي لتعطيل الشريعة، وإبعاد المسلمين عنها، هي مدار الإيمان، وهي مدار النجاة، والمنكر\n_________\n(١) الكافي في الأصول، باب دعائم الإسلام ج٢ ص ١٨.\n(٢) البرهان، مقدمة ص ٢٢.\n(٣) ألا وهو الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه (أصل الشيعة وفروعها) ص ١٠٣، ١٠٤ الطبعة التا سعة بيروت ١٩٦٠م، وكذلك السيد محسن الأمين في كتابه (أعيان الشيعة) ج١ ص٦٩.","vol":"1","page":342},{"text":"بها لا يُعد مؤمنًا.\nونذكر ههنا، عن إمامهم وشيخهم المفيد، أنه ذكر في كتاب المسائل:\n\" اتفقت الإمامية على أن من ينكر إمامة إمام، وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض طاعته، فهو كافر ضال مستحق الخلود في النار ... وقال: لا يجوز لأحد من أهل الإيمان، أن يغسّل مخالفًا للحق في الولاء، ولا يصلي عليه \" (١).\nونقل مثل ذلك عن بابويه القمي شيخ الطائفة الطوسي، والملا باقر المجلسي، والسيد شريف المرتضى، وغيرهم من الكثيرين مثله.\n\nوأما البغض والحسد لأصحاب النبي ﷺ، فيهم والعيب عليهم وشتمهم، فصار من لوازم مذهب الشيعة، وقلما يوجد كتاب من كتبهم إلا وهو مليء بالطعن والتعريض بهم. بل ولقد خصص أبواب مستقلة لتكفير وتفسيق أصحاب النبي ﷺ، ولا يذكرهم أحد من القوم إلا ويسبق ذكرهم بالشتيمة ويلحق بالسباب.\nولقد مثلنا لهذا في كتابنا (الشيعة والسنة) في الباب الأول منه. كما فصلنا القول في هذا الخصوص في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) في الباب الثاني منه، ولا نريد أن نعيد ما ذكرناه هناك تجنبًا للإطالة. فليرجع القارئ في معرفة ذلك إلى هذين الكتابين.\nونقتصر على ما كتبه إمام شيعة اليوم السيد الخميني في كتابه (كشف الأسرار).\nوهو مع كونه رجلًا سياسيًا - والسياسة تتطلب بعض الملاينة والمهادنة والمراعاة للآخرين - يذكر بكل صراحة ووضوح:\nأن أبا بكر وعمر وعثمان، لم يكونوا خلفاء رسول الله ﷺ، بل وأكثر من ذلك أنهم غيروا أحكام الله، وحللوا حرام الله، وظلموا أولاد الرسول، وجهلوا قوانين الرب وأحكام الدين (٢).\n_________\n(١) البرهان، مقدمة ص ٢٠.\n(٢) ملخص ما قاله السيد الخميني في كتابه (كشف الأسرار) ص ١١٠ وما بعد ط فارسي.","vol":"1","page":343},{"text":"وبعد ذلك يذكر عقيدته، عقيدة الشيعة في الإمامة، فيقول تحت عنوان: لماذا لم يذكر إسم الإمام في القرآن صريحًا:\n\" ولقد ظهر مما ذكر، أن الإمامة أصل من الأصول المسلمة الإسلامية بحكم العقل والقرآن. وأن الله قد ذكر هذا الأصل المسلم في عديد من مواضع القرآن. فيمكن أن يسأل سائل: مادام هذا، فلماذا لم يذكر إسم الإمام في القرآن، لكي لا تقع خلافات وحروب حوله كما وقعت؟\nفالجواب على ذلك بوجوه، وقبل حل هذا الإشكال، نريد أن نقول جهرًا: إن كل الخلافات التي حلت بين المسلمين في جميع أمورهم وشئونهم، لم تقع بينهم إلا من أثر السقيفة. ولو لم يكن ذلك اليوم، لم يكن بين المسلمين خلاف في القوانين السماوية. فنقول: لو ذكر إسم الإمام في القرآن فرضًا، لم يكن يرفع النزاع بين المسلمين، لأن الذين لم يدخلوا الإسلام إلا طمعًا في الرئاسة، وتجمعوا وتحزبوا لنيلها، لم يكونوا مقتنعين بنصوص القرآن وآياته. ولم يكونوا منتهين عن أطماعهم وأغراضهم. بل كان من الممكن أن يزدادوا في مكرهم، ويصلوا إلى هدم أساس الإسلام. لأن الطامعين في الرئاسة والطالبين لها لو رأوا مقصودهم لا يحصل بإسم الإسلام، لشكلوا آنذاك حزبًا معارضًا للإسلام ومخالفه. وآنذاك لم يكن لعلي بن أبي طالب أن يسكت، فكان من نتيجة ذلك أن يحصل النزاع والخلاف الذي يقلع جذرة الإسلام، ويقطع دابره. وعلى ذلك كان ذكر إسم علي بن أبي طالب في القرآن خلاف مصلحة أصل الإمامة.\nوأيضًا لو كان إسم الإمام مذكورًا في القرآن، لم يكن مستبعدًا من الذين لم تكن علاقتهم بالإسلام والقرآن غير الدنيا والرئاسة، الذين جعلوا القرآن وسيلة لإجراء نياتهم الفاسدة، لم يكن مستبعدًا منهم أن يحذفوا تلك الآيات من القرآن، ويحرفّوا كتاب الله، ويبعدوه عن أنظار الناس","vol":"1","page":344},{"text":"إلى الأبد.\nوأيضًا لو لم يحدث من هذا شيء على الفرض والتقدير، لم يكن من غير المتوقع من ذلك الحزب الطامع الحريص على الرئاسة، أن يختلقوا حديثًا كاذبًا على رسول الله أنه قال قبيل وفاته إن الله خلع عليّ بن أبي طالب من منصب الإمامة، وجعل الأمر شورى بينكم.\nولا ينبغي لأحد أن يقول: لو ورد ذكر ذلك الإمام في القرآن، لما استطاع الشيخان أن يخالفاه، ولو خالفاه فرضًا، لم يقبله المسلمون، وقاموا ضدهما. فنحن نقول: إنه لا ينبغي القول بهذا، لأننا نعرف أنهما خالفا صريح القرآن جهرًا وعلنًا والناس لم يردوا عليهما، بل قبلوا مخالفتهما للقرآن \" (١).\nثم مثل بأمثلة كثيرة حسب زعمه لإثبات مخالفة أبي بكر وعمر ﵄ القرآن بعنوان (مخالفة أبي بكر النصوص القرآنية) و(مخالفة عمر قرآن الرب) \" (٢).\n\nوأخيرًا قال بعد ذكر هذه المخالفات المزعومة:\n\" ويعلم بهذا كله، مخالفة أبي بكر وعمر القرآن في حضور المسلمين ولم يكن هذا الأمر ذا بال عندهم، بل كانوا هم معهما، وفي حزبهما مناصرين مساعدين لهما في نيل المقصود. ويعرف بهذا كله، أنه لو ورد ذكر الإمام في\n_________\n(١) كشف الأسرار للسيد الخميني (*) ص ١١٤،١١٣،١١٢ ط. فارسي.\n(٢) أنظر ص ١١٤ و١١٧ - كشف الأسرار.\n(*) والمفروض أن يُسمى هذا الكتاب كشف أسرار الخميني، لا كشف الأسرار للسيد الخميني، لأنه فعلًا يكشف الأسرار عن هذا الرجل زعيم الشيعة ومصلح الأمة كما يزعمه بعض المغفلين والسذج من أهل السنة في مختلف بقاع الأرض من العالم الإسلامي وغير الإسلامي. وأتمنى أن يقوم بترجمة هذا الكتاب أحد من العارفين، وتكون له معرفة باللغة الفارسية، فينقله إلى اللغات العالمية الأخرى، حتى تكون أسرار السيد الخميني مكشوفة عندهم.\nوالجدير بالذكر، أن هذا الكتاب لا زال يُطبع في إيران ويُوزع من قبل الحكومة الإيرانية في الداخل والخارج، بدون أي تغيير أو تبديل فيه. وواعجبا للموجدين الأعذار، الذين يختلقونها من عند أنفسهم، والكاتب المؤلف حي لا ينطق ببنت شفة في هذا الموضوع. وكيف ينطق وهذه هي العقائد التي يبتني عليها مذهبه ومسلكه، وهذه هي الأسس التي يقوم عليها دينه وموقفه. وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.","vol":"1","page":345},{"text":"القرآن، لم يكونوا تاركين للرئاسة لقول الله ﷿، ولا معطين له أي اهتمام. وكما أن أبا بكر الذي كان خداعه ظاهرًا وزائدًا، استطاع أن يحرم ابنة رسول الله من إرثها الثابت بالقرآن والعقل، باختلاق\nحديث مكذوب، لم يكن مستبعدًا من عمر أن يقول بأن الله أو جبريل أو الرسول أخطئوا في ذكر إسم الإمام في القرآن وآياته، ولذلك لا يُنظر إليه، ولا يُعمل به، وآنذاك قام حزب السنة وتابعوه على قوله، وتركوا القرآن مهجورا. كما أنهم تابعوه في جميع التغييرات التي أتى بها في دين الإسلام، ورجحّوا قوله على القرآن وآياته، وقدموه على أحاديث رسول الإسلام وأقواله \" (١)\n\nوهناك كثير وكثير من هذا القبيل.\n\nهذه هي عقيدة القوم في أبي بكر وعمر وعثمان، وفي أصحاب رسول الله ﷺ رضي الله عنهم ورضوا عنه. قد ذكرناها من رجل سياسي بارز، يُعد نائب الإمام الغائب عند الشيعة، ومصلح الأمة عند بعض السنة، طبق ما توارثه من السبئية وعبد الله بن سبأ، وعليها يُقاس عقيدة الآخرين من القوم الذين لم يُمارسوا السياسة، ولم يستلموا الزعامة الدينية، ولم يتسلطوا على البلاد التي يسكنها كثير من السنيين الذين يحتاجون إلى المداهنة والمراعاة.\n\nوأما الطعن في عثمان ذي النورين ﵁، واللعن عليه وعلى أعماله، فإنها أمور لا تحتاج إلى البيان، وخصوصًا بعد ما ذكرناه في الباب الأول والثاني من المثالب والمطاعن المنقولة من كتب القوم أنفسهم، بذكر الصفحات والمجلدات.\nومن أراد الاستزادة، فليرجع إليهما، وإلى كتابنا (الشيعة والسنة) و(الشيعة وأهل البيت).\n\nوالجدير بالذكر، أن كتب الشيعة الإثني عشرية، لا يخلو كتاب من\n_________\n(١) كشف الأسرار ص ١٢٠،١١٩.","vol":"1","page":346},{"text":"كتبهم سواء كان في التفسير أو الحديث أو التاريخ أو السيرة أو الرجال أو الكلام أو العقائد أو غير ذلك، من نفس المطاعن التي كان يرددها السبئيون ضد عثمان ﵁ وحكومته وعماله، لا فرق بين هؤلاء وأولئك، إلا الإضافات والزيادات التي اختارها شيعة اليوم، ولم تكن معروفة أيام السبئية.\n\nوأما الوصاية والغَيْبة والرجعة التي نادى بها عبد الله بن سبأ وشلته، وكذلك العقائد الأخرى المنافية للإسلام، والأجنبية على المسلمين، والمرّوجة من قبل اليهودية والمجوسية، من اتصاف الخلق بأخلاق الخالق، وتأليه العباد، والحلول، والاتحاد، والتناسخ، وجريان النبوة بعد محمد ﷺ، ونزول الوحي على أحد، وإتيان الكتاب وغيرها من الأمور، هي عين تلك العقائد التي انتقلت إلى شيعة اليوم، وإلى الشيعة الإثني عشرية خاصة.\n\nوعلى ذلك قال كبير الشيعة في الرجال، المامقاني في كتابه (تنقيح المقال):\n\" إن ما كان يُعد يومئذ غلوًا، صار يُعد الآن من ضروريات المذهب \" (١).\n\nوصحيح ما قاله الماقماني، فإنه لم يكن يُعرف هذه الأمور في التشيع الأول لدى الشيعة الأولى، فإن القوم أخذوها من السبئية، وجعلوها عقائد لهم ومعتقدات، وملئوا بها كتبهم ورسائلهم، فقالوا: إن عليًا ﵁ كان وصي رسول الله ﷺ، واختلقوا لذلك روايات موضوعة كثيرة، منها ما رواه الكليني في كافيه عن جعفر أنه قال:\n\" كان حيث طلقت آمنة بنت وهب، وأخذها المخاض بالنبي صلى الله عليه وآله،\n_________\n(١) تنقيح المقال للمامقاني نقلًا عن هامش المنتقي للذهبي ص ١٩٣.","vol":"1","page":347},{"text":"حضرتها فاطمة بنت أسد، امرأة أبي طالب فلم تزل معها حتى وضعت، فقالت أحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى؟. قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب. فبينما هما كذلك، إذ دخل عليهما أبو طالب فقال لهما: مالكما، من أي شيء تعجبان؟ فأخبرته فاطمة بالنور الذي رأت، فقال لها أبو طالب: ألا أبشرك؟ فقالت: بلى، فقال: أما إنك ستلدين غلامًا يكون وصي هذا المولود \" (١).\nوأيضًا ما اختلقوه، بأنه لما نزل قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين:\n\" دعاهم رسول الله (ص) فأكلوا ولم يبين لهم في الطعام إلا أثر أصابعهم، وكانوا نحوًا من أربعين رجلًا، وشربوا شنة من قدح، كفاهم جميعًا وزاد عنهم. فلما فرغوا، قال لهم في آخر كلامه: إني والله ما أعلم شابًا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، فآيكم يؤازرني على أمري هذا، على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم؟ فسكتوا جميعًا، فقام عليّ (ع) وقال: أنا يا رسول الله أؤآزرك عليه، فأخذ رسول الله (ص) برقبته وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فقاموا يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع \" (٢).\n\nثم قالوا بنفس ما قاله عبد الله بن سبأ، وبألفاظه كذبًا على أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:\n\" وأيم الله، لقد نزل الروح والملائكة بالأمر في ليلة القدر على آدم. وأيم الله، ما مات آدم إلا وله وصي، وكل من جاء بعد آدم من الأنبياء قد\n_________\n(١) الروضة من الكافي للكليني ج ٨ تحت عنوان إخبار أبي طالب بولادة علي، وأنه وصي النبي ص٣٠٢.\n(٢) الأرشاد المفيد ص ١١، أعلام الورى للطبرسي ص ١٦٢، الصافي ج ٢ص ٢٢٧، تفسير القمي جزء ٢ص ١٢٤، نور الثقلين ج ٤ ص٦٧، منهج الصادقين ج ٦ ص٤٨٧، أعيان الشيعة الجزء الأول ص ٢٠٩.","vol":"1","page":348},{"text":"أتاه الأمر فيه ووضع له وصيًا من بعده. وأيم الله، إن كان النبي ليؤمر فما يأتيه من الأمر في تلك الليلة من آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله أن أوصي إلى فلان \" (١).\nوعن جعفر أنه قال:\n\" أوصى موسى ﵇ إلى يوشع بن نون، وأوصى يوشع بن نون إلى ولده هارون ... فلم تزل الوصية في عالم بعد عالم حتى دفعوها إلى محمد صلى الله عليه وآله.\nفلما بعث الله ﷿ محمدًا صلى الله عليه وآله، أسلم له العقب من المستحفظين، وكذبه بنو إسرائيل، ودعا إلى الله ﷿، وجاهد في سبيله. ثم أنزل الله ﷿ ذكره عليه أن أعلن فضل وصيك، فقال: رب، إن العرب قوم جفاة، لم يكن فيهم كتاب، ولم يُبعث إليهم نبي، ولا يعرفون فضل نبوات الأنبياء ﵈ ولا شرفهم، ولا يُؤمنون بي إن أنا أخبرتهم بفضل أهل بيتي. فقال الله جل ذكره: ولا تحزن عليهم، وقل سلام فسوف تعلمون. فذكر من فضل وصيه ذكرًا، فوقع النفاق في قلوبهم، فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك ما يقولون، فقال الله جل ذكره: يا محمد، ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فإنهم لا يكذبونك، ولكنك الظالمين بآيات الله يجحدون، ولكنهم يجحدون بغير حجة لهم.\nوكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتألفهم، ويستعين ببعضهم على بعض، ولا يزال يخرج لهم شيئًا في فضل وصيه، حتى نزلت هذه السورة، فاحتج عليهم حين علم بموته، ونعت إليه نفسه، فقال الله جل ذكره: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ يقول: إذا\n_________\n(١) كتاب الحجة ج ١ ص ٢٥٠ ط. إيران.","vol":"1","page":349},{"text":"فرغت فانصب علمك، وأعلن وصيك، فأعلمهم فضله علانية، فقال صلى الله عليه وآله:\nمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه - ثلاث مرات - ثم قال: لأبعثن رجلًا يحب الله ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار يعرّض بمن رجع، ويجبّن أصحابه ويجبّنونه. وقال صلى الله عليه وآله: عليّ سيد المؤمنين. وقال: عليّ عمود الدين. وقال: هذا هو الذي يضرب الناس بالسيف على الحق بعدي. وقال: الحق مع عليّ أينما مال \" (١).\n\nوعنه أيضًا أنه قال:\n\" إن الوصية نزلت من السماء على محمد كتابًا، لم ينزل على محمد صلى الله عليه وآله كتاب مختوم إلا الوصية، فقال جبرائيل ﵇: يا محمد، هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أي أهل بيتي يا جبرائيل؟ قال: نجيب الله منهم وذريته، ليرثك علم النبوة كما ورثه إبراهيم ﵇، وميراثه لعلي ﵇ وذريتك من صلبه. قال: وكان عليه خواتيم، قال: ففتح علي ﵇ الخاتم الأول ومضى لما فيها. ثم فتح الحسن ﵇ الخاتم الثاني ومضى لما أمر به فيها، فلما توفي الحسن ومضى، فتح الحسين ﵇ الخاتم الثالث، فوجد فيها أن قاتل، فاقتل وُتقتل، واخرج بأقوام للشهادة لا شهادة لهم إلا معك. قال: ففعل ﵇. فلما مضى دفعها إلى علي بن الحسين ﵇ قبل\nذلك، ففتح الخاتم الرابع، فوجد فيها أن أصمت وأطرق لما حجب العلم. فلما توفي ومضى، دفعها إلى محمد بن علي ﵇، ففتح الخاتم الخامس، فوجد فيها أن فسّر كتاب الله، وصدّق أباك وورّث ابنك، واصطنع الأمة، وقم بحق الله ﷿،\n_________\n(١) كتاب الحجة من الكافي ج ١ ص ٢٩٣، ٢٩٤.","vol":"1","page":350},{"text":"وقل الحق في الخوف والأمن، ولا تخش إلا الله، ففعل. ثم دفعها إلى الذي يليه \" (١).\n\nوأخيرًا ما رواه عن أبي جعفر قال:\n\" لما قضى محمد نبوته، واستكمل أيامه، أوحى الله تعالى إليه أن يا محمد قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك، فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي بن أبي طالب، فإني لن أقطع العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة من العقب من ذريتك، كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء \" (٢).\n\nهذا عين ما قاله عبد الله بن سبأ والسبئية: أن يوشع بن نون وصي موسى، وعلي وصي رسول الله. وإن إمامة علي لفرض من الله ﷿ (٣).\n\nالغيبة\n\nوأما القول بالغيبة والرجعة، فلقد تلقفه الشيعة من السبئية منذ تطور الشيعة وانقراض الشيعة الأولى، فلقد قالوا في كل من زعموا إمامته من علي ﵁ إلى الغائب الموهوم الذي لم يولد.\nولقد ذكرنا فيما مر من أقوالهم في واحد واحد من أئمتهم ونقتصر هاهنا على ما يقوله الشيعة الاثنا عشرية في غائبهم الموهوم، فيقولون: إنه ولد للحسن العسكري ولد، على اختلاف مقولاتهم في ذلك كما سبق ذكره في الباب السابق، ثم يقولون: أنه غاب عن الأعين، وله غيبتان: الغيبة الصغرى، والغيبة\n_________\n(١) أيضًا، باب إن الأئمة لم يفعلوا شيئًا ولا يفعلون إلا بعهد من الله ج١ ص٢٨٠ ..\n(٢) أيضًا، باب الإشارة والنص على أمير المؤمنين ج١ ص ٢٩٣.\n(٣) أنظر لذلك رجال الكشي ص ١٠٩ ط. كربلاء - العراق، فرق الشيعة للنوبختي ص ٤٤،٤٣ ط. النجف - العراق، تنقيح المقال للمامقاني ج٢ ص ١٤٣ط. إيران وغيرها من الكتب.","vol":"1","page":351},{"text":"الكبرى.\nكما كذبوا على جعفر أنه قال:\n\" للقائم غيبتان، إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة. الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه \" (١).\nوعنه أيضًا أنه قال:\n\" لصاحب هذا الأمر غيبتان، إحداهما يرجع منها إلى أهله، والأخرى يقال: هلك، في أي واد سلك؟ قلت: كيف نصنع إذا كان كذلك؟ قال: إذا ادعاها مدع، فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله \" (٢).\n\nوعن أبيه مثله (٣)\n\" أما غيبته الصغرى منهما، فهي التي كانت فيها سفراؤه موجودين، وأبوابه معروفين. لا تختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن علي، فهم منهم أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، ومحمد بن علي بن بلال، وأبو عمر وعثمان بن سعيد السمان، وابنه أبو جعفر محمد بن عثمان، وعمر الأهوازي، وأحمد بن إسحاق، وأبو محمد الوجناني، وإبراهيم بن مهزيار، ومحمد بن إبراهيم في جماعة أخرى ربما يأتي ذكرهم عند الحاجة إليهم في الرواية عنهم.\nوكانت مدة هذه الغيبة، أربعًا وسبعين سنة. وكان أبو عمر وعثمان بن سعيد العمري بابًا لأبيه وجده من قبل، وثقة لهما. ثم تولى الباقية من قبله، وظهرت المعجزات على يده.\nولما مضى لسبيله، قام ابنه محمد مقامه رحمهما الله بنصه عليه. ومضى على منهاج أبيه في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع أو خمس وثلاثمائة.\nوقام مقامه أبو القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت، بنص أبي جعفر محمد بن عثمان\n_________\n(١) كتاب الحجة من الكافي ص ٣٤٠، كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني ص ١٧٠ ط. مطبعة الصدوق طهران.\n(٢) كتاب الحجة من الكافي ص ٣٤٠.\n(٣) كتاب الغيبة للنعماني ص ١٧٣.","vol":"1","page":352},{"text":"عليه وأقامه مقام نفسه، ومات في شعبان سنة ست وعشرين وثلاثمائة.\nوقام مقامه أبو الحسن علي بن محمد العمري بنص أبي القاسم عليه، وتوفي لنصف من شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.\nفروي عن أبي محمد الحسن بن أحمد المكتب أنه قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها علي بن محمد السمري، فحضرته قبل وفاته بأيام، فخرج وأخرج إلى الناس توقيعًا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص لأحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد أن يأذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن يدعي المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nقال: فانتسخنا هذا التوقيع، وخرجنا من عنده. فلما كان اليوم السادس، عدنا وهو بنفسه، فقيل له: من وصيك؟. قال: لله أمر هو بالغه، فقضى.\nفهذا آخر كلام سُمع منه.\nثم حصلت الغيبة الطولى التي نحن في أزمانها، والفرج يكون في آخرها بمشيئة الله تعالى \" (١).\nوأما أين يستقر غائبهم، وماذا يعمل. فيقولون إنه مستقر في سرداب سامراء، كما يروي القطب الراوندي \" أن العباسيين بعثوا عسكرًا، فلما دخلوا الدار، سمعوا من السرداب قراءة القرآن، فاجتمعوا على بابه وحفظوه حتى لا يصعد ولا يخرج، وأميرهم قائم حتى يصل العسكر كلهم، فخرج من السكة على باب السرداب ومر عليهم، فلما غاب، قال الأمير:\n_________\n(١) أعلام الورى للطبرسي ص ٤٤٥.","vol":"1","page":353},{"text":"إنزلوا عليه، فقالوا: أليس هو قد مر عليك؟ فقال: ما رأيت، وقال: ولمَ تركتموه؟ قالوا: إنا حسبنا أنك تراه \" (١).\n\nأو بالمدينة (٢).\nأو في مكة (٣).\n\nأو برضوى - الجبل الذي يقولون فيه أنه غاب فيه محمد بن الحنفية، كما نقلنا عن السيد الحميري شاعر الشيعة أنه قال:\nتغيب لا يرى فيهم زمانًا ... برضوى عنده عسل وماء (٤).\n\nويقولون: في ذي طوى.\nكما يذكر النوري الطبرسي:\nأن للشيعة دعاءًا مشهورًا رووه عن الأئمة ﵈، يُعرف بدعاء الندبة، أمروا بقرآءته في الأعياد الأربعة، وفيه ما يُخاطب به إمام زمانه الحجة ﵇:\nليت شعري استقرت بك النوى ... بل أي أرض تقلك أو ثرى\nأبرضوى أم بغيرها، أم بذي طوى (٥).\nأو في اليمن بواد يُقال له شمروخ (٦).\nأو الجزيرة الخضراء (٧).\n\nوأما الجزائري، فقد ذكر قصة طويلة غريبة عجيبة، أنه يذكر الجزر التي مسيرة مدتها سنة:\n\" لا يوجد في أهل تلك الخطط والضياع غير المؤمن الشيعي الموحد، القائل بالبراءة والولاية .. سلاطينهم أولاد إمامهم، يحكمون\n_________\n(١) كتاب الخرائج للرواني نقلًا عن كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار للنوري الطبرسي ص ٢١١ط. طهران، الفصول المهمة ص ٢٩٣ ط منشورات الاعلمي طهران.\n(٢) الكافي في الأصول، كتاب الحجة ج١ ص٣٢٨، الفصول المهمة ص ٢٩٢.\n(٣) كشف الأستار ص ٢١٥.\n(٤) فجر الإسلام لأحمد أمين ص ٢٧٣.\n(٥) كشف الأستار ص ٢١٥.\n(٦) الأنوار النعمانية للجزائري ج ٢ ص ٦٥.\n(٧) بحار الأنوار للمجلسي ج١٣ باب جزيرة الخضراء.","vol":"1","page":354},{"text":"بالعدل وبه يأمرون، ولو جمع أهل الدنيا لكانوا أكثر منها على اختلاف الأديان والمذاهب \" (١).\n\nوكذلك يقولون: إنه في جابلقاء، أو في جابلساء، وغيرها من الخرافات.\n\nوأما ماذا يعمل، فيقولون:\n\" إنه يشهد الموسم (الحج) فيراهم، ولا يرونه \" (٢).\nويروون أن خادمة إبراهيم بن عبدة، قالت:\n\" كنت واقفة مع إبراهيم على الصفا، فجاء ﵇ حتى وقف على إبراهيم، وقبض على كتاب مناسكه، وحدثه بأشياء \" (٣).\nويكذب آخر - وهو أبو عبد الله الصالح - فيقول:\n\" إنه رآه عند الحجر الأسود والناس يتجاذبون إليه، وهو يقول: ما بهذا أمروا \" (٤).\nويقول الآخر:\n\" شاهدت سيماء (إسم رجل من أتباع السلطان) آنفا بسرّ من رأى وقد كسر باب الدار، فخرج عليه وبيده طبرزين، فقال له: ما تصنع في داري؟ فقال سيماء: إن جعفرًا زعم أن أباك مضى ولا ولد له، فإن كانت دارك فقد انصرفت عنك، فخرج عن الدار \" (٥).\nويحكي الآخر:\n\" كنت حاجًا مع رفيق لي، فوافينا إلى الموقف، فإذا بشاب قاعد عليه\n_________\n(١) أنظر الأنوار النعمانية لمحدّث الشيعة الجزائري، باب نور في ولادة ﵇ ج٢ ص ٥٨ وما بعد.\n(٢) الأصول من الكافي، كتاب الحجة، باب في الغيبة ج ١ ص ٣٣٨.\n(٣) أيضًا، باب في تسمية من رآه ص ٣٣١.\n(٤) أيضًا.\n(٥) أيضًا.","vol":"1","page":355},{"text":"إزار ورداء، وفي رجليه نعل صفراء، قومت الإزار والرداء بمائة وخمسين دينارًا، وليس عليه أثر السفر، فدنا منا سائل فردناه، فدنا من الشاب، فسأله، فحمل شيئًا من الأرض وناوله، فدعا له السائل واجتهد في الدعاء وأطال، فقام الشاب وغاب عنا. فدنونا من السائل، فقلنا له: ويحك، ما أعطاك؟ فأرانا حصاة ذهب مضرسة، قدرناها عشرين مثقالًا، فقلت لصاحبي: مولانا ونحن لا ندري. ثم ذهبنا في طلبه، فدرنا الموقف كله، فلم نقدر عليه، فسألنا كل من حوله من أهل مكة والمدينة، فقالوا: شاب علوي، يحج في كل سنة ماشيًا \" (١).\n\nثم يحكون وينسبونه إلى علي الرضا أنه قال:\n\" لا يُرى جسمه، ولا يُسمى اسمه \" (٢).\n\nكما نقلوا عن الحسن العسكري أنه قال:\n\" إنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه، قيل: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا، الحجة من آل محمد \" (٣).\nويقول الأربلي:\n\" إنه حي موجود، يحل ويرتحل، ويطوف في الأرض ببيوت وخيم وخدم وحشم وإبل وخيل وغير ذلك \" (٤).\n\nثم حكى قصة، أن شمس الدين الهرقلي قال:\n\" حكى لي والدي أنه خرج فيه - وهو شاب - على فخذه الأيسر توثة (بثرة متقيحة) مقدار قبضة الإنسان، وكانت في كل ربيع تشقشق، ويخرج منها دم وقيح، ويقطعه ألمها عن كثير من أشغاله، وكان مقيمًا بهرقل، فحضر الحلة يومًا، ودخل إلى مجلس السعيد رضي الدين على بن\n_________\n(١) أيضًا ص ٣٣٢.\n(٢) أيضًا ص ٣٣٣.\n(٣) أيضًا باب النهي عن الإسم ص ٣٣٢،٣٣٣.\n(٤) كشف الغمة للأربلي ج٣ ص٢٨٣.","vol":"1","page":356},{"text":"طاووس ﵀، وشكا إليه ما يجده منها، وقال: أريد أن أداويها، فأحضر له أطباء الحلة وأراهم الموضع، فقالوا: هذه التونة فوق العرق الأكحل، وعلاجها خطر، ومتى قطعت، خيف أن يُقطع العرق فيموت. فقال له السعيد رضي الدين قدس روحه: أنا متوجه إلى بغداد، وربما كان أطباؤها أعرف وأحذق من هؤلاء، فاصحبني. فأصعد معه، وأحضر الأطباء، فقالوا كما قال أولئك، فضاق صدره. فقال له السعيد: إن الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب، وعليك الاجتهاد في الاحتراس، ولا تغرر بنفسك، فالله تعالى قد نهى عن ذلك، ورسوله. فقال له والدي: إذا كان الأمر على ذلك، وقد وصلت إلى بغداد، فأتوجه إلى زيارة المشهد الشريف بسرّ من رأى، على مشرفة السلام. ثم أنحدر إلى أهلي، فحسن ذلك.\nفترك ثيابه ونفقته عند السعيد رضي الدين وتوجه. قال: فلما دخلت المشهد، وزرت الأئمة ﵈ ونزلت السرداب، واستغثت بالله تعالى وبالإمام ﵇، وقضيت بعض الوقت في السرداب، وبت في المشهد إلى الخميس، ثم مضيت إلى دجلة واغتسلت ولبست ثوبًا نظيفًا، وملئت إبريقا كان معي، وصعدت أريد المشهد.\nفرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور، وكان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم. فحسبتهم منهم، فالتقينا. فرأيت شابين أحدهما عبد مخطوط، وكل واحد منهم متقلد بسيف، وشيخًا بيده رمح والآخر متقلد بسيف، وعليه فرجية ملونة فوق السيف، وهو متحنك بعذبته.\nفوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق، ووضع كعب في الأرض، ووقف الشابان عن يسار الطريق، وبقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي، ثم سلموا عليه، فردّ ﵈.\nفقال له صاحب الفرجية: أنت غدًا تروح إلى أهلك؟ فقال: نعم، فقال له:","vol":"1","page":357},{"text":"تقدم حتى أبصر ما يوجعك. قال: فكرهت ملامستهم وقلت في نفسي: أهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة وأنا قد خرجت من الماء وقميصي مبلول. ثم إني بعد ذلك تقدمت إليه فلزمني بيده ومدني إليه، وجعل يلمس جانبي من كتفي، إلى أن أصابت يده التوثة فعصرها بيده فأوجعني، ثم استوى في سرجه كما كان.\nفقال لي الشيخ: أفلحت يا إسماعيل. فعجبت من معرفته بإسمي، فقلت: أفلحنا وأفلحتم إن شاء الله. قال: فقال لي الشيخ: هذا هو الإمام. فتقدمت إليه فاحتضنته وقبلت فخذه.\nثم أنه ساق وأنا أمشي معه محتضنه، فقال: ارجع، فقلت: لا أفارقك أبدًا. فقال: المصلحة رجوعك. فأعدت عليه مثل القول الأول. فقال الشيخ: يا إسماعيل، ما تستحي يقول لك الإمام مرتين إرجع وتخالفه؟ فجبهني بهذا القول، فوقفت. فتقدم خطوات والتفت إلي وقال: إذا وصلت بغداد، فلا بد أن يطلبك أبو جعفر، يعني الخليفة المستنصر ﵀، فإذا حضرت عنده وأعطاك شيئًا فلا تأخذه، وقل لولدنا الرضى ليكتب لك إلى علي بن عوض، فإنني أوصيه يعطيك الذي تريد.\nثم سار وأصحابه معه.\nفلم أزل قائمًا أبصرهم، إلى أن غابوا عني، وحصل عندي أسف لمفارقته. فقعدت إلى الأرض ساعة، ومشيت إلى المشهد. فاجتمع القوم حولي، وقالوا: نرى وجهك متغير، أوجعك شيء؟ قلت: لا. قالوا: أخاصمك أحد؟. قلت: لا، ليس عندي مما تقولون خبر، لكن أسألكم، هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم؟. فقالوا: هم من الشرفاء أرباب الغنم.\nفقلت: لا، بل هو الإمام ﵇. فقالوا: الإمام هو الشيخ أو صاحب الفرجية؟ فقلت: هو صاحب الفرجية. فقالوا: أريته المرض الذي فيك؟ فقلت: هو قبضه بيده وأوجعني، ثم كشف رجلي","vol":"1","page":358},{"text":"فلم أر لذلك المرض أثرًا، فداخلني الشك من الدهش، فأخرجت رجلي الأخرى فلم أرَ شيئًا \" (١).\nكما حكى، أن أبا عطوة، كان به أدرة، وكان زيدي المذهب، وكان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الإمامية، ويقول: لا أصدقكم ولا أقول بمذهبكم حتى يجيء صاحبكم - يعني المهدي - فيبرئني من هذا المرض، وتكرر هذا القول منه، فبينا نحن مجتمعون عند وقت عشاء الآخرة، إذا أبونا يصيح ويستغيث بنا، فأتيناه سراعًا، فقال: ألحقوا صاحبكم، فالساعة خرج من عندي. فخرجنا، فلم نرَ أحدًا، فعدنا إليه، وسألناه، فقال: أنه دخل إليّ شخص، وقال: يا عطوة، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا صحب بنيك، قد جئت لأبرئك مما بك. ثم مد يده فعصر قروتي ومشى، ومددت يدي فلم أر لها أثرًا. قال لي ولده: وبقي مثل الغزال ليس به قلبه.\nواشتهرت هذه القصة، وسألت عنها غير ابنه، فأخبر عنها، فأقرّ بها. والأخبار عنه ﵇ في هذا الباب كثيرة. وأنه رآه جماعة قد انقطعوا في طرق الحجاز وغيرها، فخلصهم، وأوصلهم إلى حث أرادوا \" (٢).\n\nفهذا هو غائبهم، وهذه هي الأساطير والقصص التي يحكونها عنه غيبته.\n\nالرجعة\n\nوأما الرجعة، فقال بها الشيعة الإثني عشرية طبق ما قاله عبد الله بن سبأ. بفرق أنه قال في علي ﵁، وهؤلاء قالوا في معدومهم.\nوالجدير بالذكر، أن هذه العقيدة من العقائد التي فشت وانتشرت في جميع\n_________\n(١) كشف الغمة للأربلي ج٣ ص ٢٨٣، ٢٨٤، ٢٨٥، منتهى الآمال للعباس القمي ص ١٢٤٤.\n(٢) كشف الغمة للأربلي ج٣ ص ٢٨٧.","vol":"1","page":359},{"text":"فرق الشيعة في مختلف العصور غير الشيعة الأولى، كما ذكرناها في الأبواب السابقة.\n\nثم لم يكتف الشيعة الاثنا عشرية بالقول إن معدومهم الغائب هو الذي سيرجع، بل قالوا أكثر من ذلك، وهو أنه يرجع ويرجع الآخرون من الشيعة وأئمتهم وأعدائهم حسب زعمهم. وهناك روايات وأكاذيب لا ُتعد ولا ُتحصى في هذا المعنى.\nوقد صنفت في هذا الخصوص كتب مستقلة عديدة. فنختار من الأساطير المضحكة والقصص المبكية أخبارًا قليلة، لوضع النقاط على الحروف، ولتمييز الحقائق عن أن القوم ماذا يقولون، وماذا يعتقدون. وإلى أي حد ينقمون قوم رسول الله وقبيلته، أصحابه وأزواجه، أمته وشريعته التي جاء بها من الله ﷿، والقرآن الذي نزل عليه، والأمر الذي أعطاه متبعيه والمؤمنين به.\nعقيدة الشيعة التي توارثها من اليهودية وعملاء عبد الله بن سبأ وطائفته، وتناقلوها جيلًا بعد جيل. والتي قال عنها كبيرهم وخاتمة محدثيهم الملا باقر المجلسي صاحب (بحار الأنوار) بعد سرد الأخبار الكثيرة عن الرجعة:\n\" اعلم يا أخي، أني لا أظنك ترتاب بعد ما مهدّت وأوضحت لك بالقول في الرجعة التي أجمعت عليها الشيعة في جميع الأعصار، واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار ... وكيف يشك مؤمن بأحقية الأئمة الأطهار فيما تواترت عنهم من مائتي حديث صريح رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم \" (١).\n\nفيروي القوم عن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه قال:\n_________\n(١) بحار الأنوار للمحلسي ج١٣ ص٢٢٥ الطبعة الأولى.","vol":"1","page":360},{"text":"\" لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يخرج رجل من ولدي فيملأها قسطًا وعدلًا كما مُلئت جورًا وظلما \" (١).\n\nوكذبوا على نبي الله ﷺ، أنه قال:\nالقائم من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنته سنتي. يقيم الناس على ملتي وشريعتي، يدعوهم إلى كتاب الله ربي. من أطاعه أطاعني، ومن عصاه عصاني، ومن أنكر غيبته فقد أنكرني، ومن كذبه فقد كذبني، ومن صدقه فقد صدقني. إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمضلين لأمتي عن طريقته. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون \" (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>من يكون المهدي</span>؟\nفلقد كذب الشيعة على الحسن بن علي ﵄. أنه لما صالح معاوية، دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال:\n\"ويحكم، ما تدرون ما علمت، والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم، ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، بنص رسول الله عليّ؟\nقالوا: بلى، قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار كان ذلك سخطًا لموسى، إذ خفى عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان عند الله تعالى ذكره حكمه وصوابًا؟ أما علمتم أنه ما ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإن الله ﷿ يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد عنقه بيعة إذا خرج ذلك التاسع من ولد أخي الحسين بن\n_________\n(١) أعلام الورى للطبرسي ص ٤٢٧.\n(٢) أيضًا ص٤٢٥.","vol":"1","page":361},{"text":"سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير \" (١).\nومثل ذلك ما رووه عن جعفر أنه قال:\n\" من أقرّ بجميع الأئمة وجحد المهدي، كان كمن أقرّ بجميع الأنبياء وجحد محمد ﵌ نبوته. فقيل له: يا ابن رسول الله، فمن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس ولد السابع يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>منزلته وشأنه</span>\nورووا في مقامه وشأنه عن علي بن الحسين أنه قال:\n\" في القائم منا سنن من ستة من الأنبياء ﵈، سنة نوح، وسنة من إبراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من أيوب، وسنة من محمد.\nفأما من نوح، فطول في العمر، وأما من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأما من موسى فالخوف والغيبة، وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه، وأما من أيوب فالفرج بعد البلوى، وأما من محمد فالخروج بالسيف ... .والقائم منا تخفى على الناس ولادته حتى يقولوا: لم يُولد بعد ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة .. ومن ثبت على موالاتنا في غيبته، أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر \" (٣).\nوأيضًا كما روى النعماني في (غيبته) أنه قال بأن مهديهم يكون\n_________\n(١) أعلام الورى للطبرسي ص ٤٢٧.\n(٢) أعلام الورى للطبرسي ص ٤٢٩.\n(٣) أعلام الورى للطبرسي ص ٤٢٨،٤٢٧.","vol":"1","page":362},{"text":"مسندًا ظهره إلى بيت الحرام ويقول:\n\" أنا بقية من آدم، وذخيرة من نوح، ومصطفى من إبراهيم، وصفوة محمد \" (١).\nويقول:\n\" أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم \" (٢).\nويكون جبرائيل بين يديه (٣).\nويقولون:\nنظر موسى بن عمران في السفر الأول إلى ما يُعطى قام آل محمد من التمكين والفضل، فقال: رب اجعلني قائم آل محمد، فقيل له: إن ذاك من ذرية أحمد. ثم نظر في السفر الثاني فوجد فيه مثل ذلك، فقال مثله، فقيل له مثل ذلك. ثم نظر في السفر الثالث، فرأى مثله، فقال مثله، فقيل مثله (٤).\n\nومتى يرجع؟\n\nفيروي الكليني في كافيه عن الأصبغ بن نباتة، أنه قال:\n\" أتيت أمير المؤمنين ﵇، فوجدته متفكرًا ينكت في الأرض، فقلت: يا أمير المؤمنين، مالي أراك متفكرًا تنكت الأرض، أرغبة منك فيها؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يومًا قط، ولكني فكرت في مولود يكون من ظهري، الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلًا وقسطًا، كما مُلئت جورًا وظلما، تكون له غيبة وحيرة، يضل فيها أقوام، ويهتدي فيها آخرون، فقلت: يا أمير المؤمنين، وكم تكون له الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام أو ستة أشهر أو ست\n_________\n(١) كتاب الغيبة للنعماني، أيضًا بحار الأنوار للمجلسي ج ١٣ ص ١٧٩.\n(٢) الفصول المهمة ص ٣٢٢.\n(٣) كتاب الغيبة للطوسي ص ٢٧٤.\n(٤) كتاب الغيبة للنعماني ص ٢٤٠.","vol":"1","page":363},{"text":"سنين. قلت: وإن هذا لكائن؟ فقال: نعم كما أنه مخلوق وأنى بهذا الأمر يا أصبغ أولئك خيار هذه الأمة مع خيار أبرار هذه العترة \" (١).\n\nوروي أيضًا عن أبي جعفر أنه قال:\n\" يا ثابت، إن الله تعالى قد كان وقت هذا الأمر في سبعين، فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه، إشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتًا عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب \" (٢).\n\nوروى ابنه جعفر أنه قال:\n\"وقد كان لهذا الأمر وقت كان في سنة أربعين ومائة، فحدثتم به وأذعتموه فأخّره الله ﷿ \" (٣).\n\nورووا عن أبي جعفر أنه قال:\n\" ليس بين القائم ﵇ وقتل النفس الزكية أكثر من خمس عشرة ليلة \" (٤).\nوذكر أيضًا رواية عن ابنه جعفر أنه قال:\n\" إذا هدم حائط مسجد الكوفة مما يلي دار ابن مسعود، فعند ذلك زوال ملك القوم، وعند زواله خروج القائم \" (٥).\nوالمعروف أن النفس الزكية قتل، ومضى على قتله آلاف الليالي، كما هدم حائط مسجد الكوفة، وقد مضى على هدمه مئات السنين، ولكن لم يكن لموهوم أن يخرج.\n_________\n(١) الأصول من الكافي، كتاب الحجة ج ١ ص ٣٣٨.\n(٢) الأصول من الكافي ج ١ ص٣٦٨.\n(٣) كتاب الغيبة للنعماني ص ٢٩٢ ط. طهران.\n(٤) الإرشاد للمفيد ص ٢٦٠.\n(٥) أيضًا.","vol":"1","page":364},{"text":"ورووا عن إسحاق بن عمار أنه قال:\n\" قال لي أبو عبد الله ﵇: يا أبا إسحاق، إن هذا الأمر قد أخّر مرتين \" (١).\n\nوهكذا كان الشيعة يعللون بالأماني بخروج قائمهم ورجوع مهديهم، كما أقرّ بذلك إمامهم السابع موسى بن جعفر. كما رواه الكليني في (كافيه) والنعماني (٢) في (غيبته) كي لا يرجع الشيعة عن تشيّعهم، فهذا هو النص:\n\" عن يقطين، أنه قال لابنه علي بن يقطين:\nما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن - يعني أمر بني العباس -؟ فقال له علي: إن الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد، غير أن أمركم حضر (وقته) فأعطيتم محضه فكان كما ما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر، فعللنا بالأماني. ولو قيل لنا أن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة، لقست القلوب، ولرجع الناس عن الإسلام. ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه، تألفًا لقلوب الناس وتقريبًا للفرج \" (٣).\n\nولقد نقل الجزائري عن المجلسي، أنه كان يرى وقت خروجه أيام الدولة الصفوية، مستدلًا من الأحاديث الثلاثة، فهذه هي عبارته:\n\n\" إعلم أنه قد وردت أخبار مجملة، وقد نقلها الأصحاب على إجمالها\n_________\n(١) كتاب الغيبة للنعماني ص ٢٩٥،٢٩٤.\n(٢) \" هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني، وقد كان من كبار محدّثي الإمامية في أوائل القرن الرابع. وإنه من تلامذة ثقة الإسلام محمد بن إسحاق بن يعقوب الكليني، كان مؤلفًا جيد النظر، حسن الإستنباط، وافر السهم في معرفة الرجال وأحاديثهم. ومن أهم مؤلفاته كتاب الغيبة. قال فيه النجاشي:\nالنعماني شيخ من أصحابنا، عظيم القدر، شريف المنزلة، صحيح العقيدة، كثير الحديث \" (مقدمة كتاب الغيبة ص ١١، ١٢)\n(٣) الكافي للكليني كتاب الحجة، باب كراهية التوقيت ج ١ ص٣٦٩، كتاب الغيبة للنعماني ٢٩٥،٢٩٦ - واللفظ له.","vol":"1","page":365},{"text":"ولم يتعرضوا لبيان معناها، وذلك أنها أخبار متشابهة، يجب علينا الإذعان لها من باب التسليم. ولما انتهت النوبة إلى شيخنا المحقق رئيس المحدثين وخاتمة المجتهدين المولى المجلسي صاحب كتاب بحار الأنوار أدام الله أيام إفاداته، وأجزل في الآخرة مثوباته وسعادته، توجه إلى إيضاحها وتفسيرها، وطبق بعضها على وقت تعيين ظهور الدولة الصفوية أعلى الله منار بنيانها، وشيّد رفيع أركانها. وطبق البعض الآخر على تعيين وقت ظهور مولانا صاحب الزمان عليه ألف سلام، فلننقل تلك الأخبار على وجهها، ثم نذكر ما أفاده سلمه الله تعالى من البيان والإيضاح.\n\nالحديث الأول: ما رواه الشيخ الأجلّ المحدّث محمد بن إبراهيم النعماني في كتاب الغيبة بسنده إلى أبي خالد الكابلي عن الباقر ﵇ أنه قال: كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحق فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيُعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء.\nقال أدام الله أيامه، أنه لا يخفى على أهل البصائر أنه لم يخرج من المشرق سوى أرباب السلسلة الصفوية، وهو الشاه إسماعيل أعلى الله مقامه في دار المقامة. وقوله ﵇، لا يدفعونها إلا إلى صاحبكم: المراد به القائم ﵇. فيكون في هذا الحديث إشارة إلى اتصال دولة الصفوية بدولة المهدي ﵇، فهم الذين يسلمون الملك له عند نزوله بلا نزاع وجدال.\n\nالحديث الثاني: ما رواه النعماني أيضًا في ذلك الكتاب بإسناد معتبر إلى الصادق ﵇، قال: بينا أمير المؤمنين ﵇ يحدّث في الوقائع التي تجري بعده إلى ظهور المهدي ﵇، فقال له الحسين ﵇: يا أمير المؤمنين، في أي وقت يطّهر الله الأرض من","vol":"1","page":366},{"text":"الظالمين؟ فقال ﵇: لا يكون هذا حتى تراق دماء كثيرة على الأرض بلا حق. ثم إنه ﵇ فصل أحوال بني أمية وبني العباس في حديث طويل إختصره الراوي، فقال أمير المؤمنين ﵇: إذا قام القائم بخراسان، وغلب على أرض كوفان وملطان، وتعدى جزيرة بني كاوان، وقام منها قائم بجيلان، وأجابته الأبر والديلم، وظهرت لولدي رايات الترك متفرقات في الأقطار والحرمات، وكانوا بين هنات وهنات، إذا خربت البصرة، وقام أميرالأمرة، فحكى ﵇ حكاية طويلة، ثم قال: إذا جهزت الألوف، وصفت الصفوف، وقتل الكبش الخروف، هناك يقوم الآخر، ويثور الثائر، ويهلك الكافر. ثم يقوم القائم المأمول، والإمام المجهول له الشرق والفضل، وهو من ولدك يا حسين لا إبن مثله، يظهر بين الركنين في ذر يسير يظهر على الثقلين ولا يترك في الأرض الأدنين، طوبى لمن أدرك زمانه ولحق أوانه وشهد أيامه.\nقال ضاعف الله أيام سعادته: جزيرة بني كاوان جزيرة حول البصرة، وأهل الأبر جماعة في قرب أسترآباد، والديلم هم أهل قزوين وماوالاها، والحرمات الأمكنة الشريفة، قوله هنات وهنات أي حروب عظيمة ووقائع كثيرة في وقت خراب البصرة، والمراد بالقائم المأمول هو المهدي ﵇، والمراد بالركنين، ركنا الكعبة، وهو الركن والحطيم، الذي هو محل خروجه ﵇. وقوله ذر يسير المراد به الجماعة القليلة، وهم\nشهداء بدر. وقوله يظهر على الثقلين، يعني به أنه ﵇، يغلب على الجن والإنس، سميا به لأنهما يثقلان الأرض بالإستقرار فوقها، أو لأنهما أشرف المخلوقات السفلية، والعرب تسمى الشريف ثقلًا لحلمه ورزانته. وقيل إنما سميا به، لأنهما قد ثقلا بالتكليف، فهما ثقلان بمعنى مثقلان. وقوله الأدنين جمع أدنى، وهم أراذل الناس وأدناهم. والمراد بهم","vol":"1","page":367},{"text":"الظالمون الكافرون.\nثم قال سلمه الله تعالى: الظاهر أن المراد بأهل الخروج من خراسان هم أمراء الترك، مثل جنكيزخان، وهولاكوخان.\nوالمراد بالخارج من جيلان هو الشاه المؤيد الشاه إسماعيل، ومن ثم أضافه ﵇ إلى نفسه وسماه ولده. والمراد بأمير الأمرة، إما ذلك السلطان المذكور أو غيره من السلاطين الصفوية. وقوله وقتل الكبش الخروف، الظاهر أنه إشارة إلى المرحوم صفي الدين ميرزا، فإن أباه وهو المرحوم الشاه عباس الأول قد قتله. وقوله يقوم الآخر، المراد به المرحوم الشاه صفي، فإنه أخذ دمه، وأول من قتله هو الذي باشر قتل أبيه صفي ميرزا. وقوله ﵇ ثم يقوم القائم المأمول إشارة أيضًا إلى اتصال الدولة الصفوية بالدولة المهدوية على صاحبها السلام.\n\nالحديث الثالث: رواه الشيخ الأجلّ محمد بن مسعود العياشي، وهو من ثقات المحدّثين في كتاب التفسير عن أبي لبيد المخزومي عن الباقر ﵇، بعدما ذكر ملك شقاوة بني العباس، قال: يا أبا لبيد، إن حروف القرآن المقطعة لعلمًا جمًا، إن الله تعالى أنزل ألم ذلك الكتاب، فقام محمد صلى الله عليه وآله حتى ظهر نوره، وثبتت كلمته، وولد يوم ولد وقد مضى من الألف السابع مائة سنة وثلث سنين. ثم قال: وتبيانه في كتاب الله في الحروف المقطعة إذا عددتها من غير تكرار، وليس من الحروف المقطعة حرف ينقضي إلا وقيام قائم من بني هاشم عند انقضائه.\nثم قال: الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فذلك مائه وواحد وستون. ثم كان بدء خروج الحسين بن علي ﵇ ألم الله، فلما بلغت مدته، قام قائم ولد العباس عند المص. ويقوم قائمنا عند انقضائها بالر. فافهم ذلك، وعه واكتمه.\nقال ذلك المحقق أيده الله تعالى: قوله ﵇ من الألف","vol":"1","page":368},{"text":"السابع المراد به من ابتداء خلق أبينا آدم ﵇. ثم قال أيده الله تعالى: إن هذا الحديث في غاية الإشكال، وقد ذكرنا له وجوهًا في كتاب بحار الأنوار، ولنذكرهنا وجهًا واحدًا، ولكنه مبني عل تمهيد مقدمة، وهي أن المعلوم من كتب الحساب المعتبرة، أن حساب أبجد له اصطلاحات مختلفة، ومناط حساب هذا الحديث على اصطلاح أهل المغرب، وقد كان شائعًا بين العرب في الأعصار السابقة، وهو هذا صعفض قرست ثخذ ضغش. فالصاد عندهم ستون، والضاد تسعون، والسين ثلثمأة، والظاء ثمانمأة، والغين تسعمأة، الشين ألف. وباقي الحروف على موافقة المشهور.\nإذا عرفت هذه المقدمة، فاعلم أن تاريخ ولادة نبينا صلى الله عليه وآله، يظهر من جميع فواتح السور، ولكن باسقاط الحروف المكررة، مثلًا ألم والر وحم، وغيرها من المكررات، لا يُؤخذ منه الحساب إلا واحد. وكذلك الحروف المبسوطة مثل ألف را، لا يُحسب منه إلا ثلاثة، وكذا لام را ونحو ذلك، وحينئذ فألف لام ميم، ألف لام ميم، صاد ألف لام، را ألف لام، ميم را، كاف ها يا عين صاد، طا ها، طا سين، يا سين، صاد حا ميم، عين سين قاف قاف نون.\nإذا عددت حروفها تكون مئة وثلثًا من وقت خلق أبينا آدم ﵇ إلى وقت ولادة النبي صلى الله عليه وآله يكون على وفق هذا الحديث ستة آلاف سنة ومئة وثلاثون (ثلث سنين ظ) والأول من كل ألف سنة تاريخ، وأول كل سابع من آلاف مائة وثلاث يكون قد مضت. وعدد هذه الحروف أيضًا يكون مأة وثلاثة على ما عرفت، فيكون ألم الذي في أول سورة البقرة، إشارة إلى مبعث نبينا صلى الله عليه وآله، وقوله ﵇ وليس حرف ينقضي إلا وقيام قائم من بني هاشم عند انقضائه واضح على هذا.\nوذلك أول دولة بني هاشم","vol":"1","page":369},{"text":"ابتداؤها من عبد المطلب. ومن ظهور دولة عبد المطلب إلى ظهور دولة نبينا صلى الله عليه وآله إحدى وسبعين سنة تقريبًا عدد ألم بحساب أبجد على ترتيب القرآن بعد ألم البقرة وألم آل عمران، وهو إشارة إلى خروج الحسين ﵇. فإنه من ابتداء رواج دولة النبي صلى الله عليه وآله إلى وقت خروج الحسين ﵇ إحدى وسبعون سنة تقريبًا. وأيضًا بحسب ترتيب سور القرآن، ألمص، وهو إشارة إلى خروج بني العباس، فإنهم من بني هاشم أيضًا، وإن كانوا غير محقين في أمر الخروج.\nوبحساب أبجد على طريق المغاربة مئة وواحد وثلاثون، ومن أول بعثة النبي صلى الله عليه وآله إلى وقت ظهور دولتهم مئة وواحد وثلاثون، وإن كان إلى زمان بيعتهم أكثر.\nويحتمل أن يكون ابتداء هذا التاريخ من وقت نزول سورة الأعراف فيكون مطابقًا لوقت بيعتهم وعلى حساب ألمص على طريق المغاربة. يبني الحديث المروي في كتاب معاني الأخبار وسنذكره إن شاء الله تعالى.\nوأما كون قيام القائم ﵇ مبنيًا على حساب ألر، فالذي يخطر بخاطري أن الرقد وقع في القرآن في خمسة مواضع، وينبغي لبيانه كما تعرض لبيان ألم ومجموعة ألف ومئة وخمس وخمسون سنة تقريبًا، من سنة تحرير هذه الرسالة، وهو سنة ألف وثمان وسبعون من الهجرة، فيكون قد بقى من وقت خروجه ﵇ (سبعة وسبعون ظ) خمس وستون سنة لما كان مبدأ هذه التواريخ من أوائل البعثة، هذا محصل كلامه سلمه الله تعالى \" (١).\n\nوقد مضى خمس وستون سنة وسبع وسبعون سنة وأكثرعلى ذلك\n_________\n(١) الأنوار النعمانية لنعمت الله الجزائري ص ٧٦ إلى ٨٠.","vol":"1","page":370},{"text":"الوقت، ولم يأن لقائمهم أن يرجع، وليس لمعدوم أن يوجد.\n\nوما أحسن ما قاله قائل:\n\nما آن للسرداب أن يلد الذي ... صيرتموه بزعمكم إنسانا\nفعلى عقولكم العفاء فإنكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا\n\nكيف يرجع، وأين يرجع؟\n\nفيعتقد القوم أن جعفرًا قال:\n\" ينادى بإسم القائم في يوم ستة وعشرين من شهر رمضان، ويقوم في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي (ع) لكأني به يوم السبت العاشر من المحرم قائمًا بين الركن والمقام، جبرئيل بين يديه ينادي بالبيعة له، فتسير شيعته من أطراف الأرض تطوي لهم طيًا، حتى يبايعوه، فيملأ الله به الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا وظلمًا \" (١).\n\nثم بيّنوا كيف يجتمع الشيعة للقائم، فقالوا:\n\" إذا أذن الإمام، دعا الله بإسمه العبراني (٢) فأتيحت (فانتخب) له صحابته الثلاثمائة والثلاثة عشر، قزع كقزع الخريف، فهم أصحاب الألوية. منهم من يفقد عن فراشه ليلًا فيصبح في مكة، ومنهم من يُرى يسير في السحاب نهارًا يُعرف بإسمه وإسم أبيه وحليته ونسبه. قلت: جعلت فداك، أيهم أعظم إيمانًا؟ قال: الذي يسير في السحاب نهارًا ... وهم المفقودون، وفيهم نزلت هذه الآية ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ \" (٣).\nويروي الطوسي شيخ الطائفة:\n\" ينادي منادي من السماء بإسم القائم، فيسمع من بين الشرق\n_________\n(١) أعلام الورى للطبرسي ص ٤٥٩، ومثله في الإرشاد للمفيد ص ٣٦٢،٣٦١.\n(٢) ألا تدل هذه اللفظة على معنى متوارث عن القوم الذين يتكلمون بالعبرانية؟.\n(٣) الغيبة للنعماني ص ١٦٩ نقلًا عن كتاب تاريخ ما بعد الظهور ص ٣٧٣،٣٧٢.","vol":"1","page":371},{"text":"والغرب، فلا يبقى راقد إلا استيقظ، ولا قائم إلا قعد، ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعًا من ذلك الصوت. وهوصوت جبرئيل الروح الأمين (١)\nوزاد النعماني:\n\" فلا يبقى شيئ من خلق الله فيه إلا سمع الصيحة، فتوقظ النائم ويخرج إلى صحن داره، وتخرج الأذراع من خدرها، ويخرج القائم مما يسمع، وهو صيحة جبرئيل \" (٢).\nوقد رووا عن المفضل بن عمر أنه قال:\n\" قلت لجعفر بن الباقر: ففي أي بقعة يظهر المهدي؟ قال: لا تراه عين وقت ظهوره إلا رأته كل عين، وذلك أنه يغيب آخر يوم من سنة ست وستين ومئتين، ولا تراه عين أحد حتى يراه كل أحد. ثم يظهر في مكة، ووالله يا مفضل كأني أنظر إليه داخل مكة وعليه بردة رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلى رأسه عمامته، وفي رجليه نعل رسول الله المخصوفة، وفي يده عصا النبي صلى الله عليه وآله يسوق بين يديه أعنزًا عجافًا، حتى يصل بها نحو البيت حتى لا يعرفه أحد. قال المفضل: يا سيدي، كيف يظهر؟ قال: يظهر وحده، ويأتي البيت وحده إلى الكعبة، ويجن عليه الليل، وإذا نامت العيون وغسق الليل، نزل جبرئيل وميكائيل والملائكة صفوفًا، فيقول له جبرئيل يا سيدي، قولك مقبول، وأمرك جار. فيمسح يده على وجهه ويقول الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوء من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين. ويقف بين الركن والمقام، ويصرخ صرخة، يا معشر نقبائي وأهل خاصتي ومن خلقهم الله لظهوري على وجه الأرض، إيتوني طائعين. فترد صيحته عليهم وهم في تجايرهم وعلى فرشهم في شرق الأرض وغربها. فيسمعونه في صيحة واحدة في أذن كل رجل، فيجيئون نحوه، ولا\n_________\n(١) الغيبة للنعماني ص ٢٥٤.\n(٢) كتاب الغيبة للطوسي ص ٢٧٤.","vol":"1","page":372},{"text":"يمضي لهم إلا كلمحة بصر، حتى يكونوا كلهم بين يديه بين الركن والمقام، فيأمر الله ﷿ بنور فيصير عمودًا من الأرض إلى السماء، يستضيئ به كل مؤمن على وجه الأرض، ويدخل عليه نور في جوف بيته، فتفرح نفوس المؤمنين بذلك وهو لا يعلمون بظهور قائمنا. ثم يصبحون وقوفًا بين يديه. وهم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا بعدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، يوم بدر \" (١).\nويقول وهومسند ظهره إلى الكعبة:\n\" يا معشر الخلائق، ألا من أراد أن ينظر إلى آدم وشيث، فهاأنا ذا آدم وشيث، ألا من أراد أن ينظر إلى إبراهيم وولده إسماعيل، فهاأنا ذا إبراهيم وإسماعيل. ألا من أراد أن ينظر إلى عيسى وشمعون، فها أنا ذا عيسى وشمعون. ألا من أراد أن ينظر إلى محمد وأمير المؤمنين، فها أنا ذا محمد وأمير المؤمنين. ومن أراد أن ينظر إلى الحسن والحسين فها أنا ذا الحسن والحسين. ألا من أراد أن ينظر إلى الأئمة من ولد الحسين، فها أنا ذا الأئمة.\nأجيبوا مسألتي، فإني أنبئكم بما نبئتم به أو لم تنبئوا به، ومن كان يقرأ الكتب والصحف فليسمع مني.\nثم يبتدئ بالصحف التي أنزلها الله لآدم وشيث، فتقول أمة آدم وشيث: هذه والله الصحف حقًا، ولقد رأينا ما لم نعلمه فيها وما كان أسقط منها وبدّل وحرّف. ثم يقرأ صحف نوح وصحف إبراهيم حقا، ثم يقرأ التوراة والإنجيل والزبور، فيقول أهل التوراة والإنجيل والزبور: هذه والله التوراة الجامعة والإنجيل الكامل، وإنها أضعاف ما ترى فيها. ثم يتلو القرآن، فيقول المسلمون: هذا والله القرآن وما حرف وما بدل \" (٢).\nويكون في صورة شاب مؤنق، إبن إثنتين وثلاثين سنة. كما كذبوا عن\n_________\n(١) الأنوار النعمانية ج٢ص ٨٢.\n(٢) الأنوار النعمانية ص ٨٤،٨٣.","vol":"1","page":373},{"text":"جعفر أنه قال:\n\" لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنه يرجع إليهم شابًا مؤنقًا لا يثبت عليه إلا من قد أخذ الله ميثاقه في الذر الأول، وفي رواية: القائم يعمر عمر الخليل عشرين ومائة سنة يدري به - ثم يغيب غيبة في الدهر، ويظهر في صورة شاب مؤنق إبن ثلاثين سنة \" (١).\nفيبايعه أول من يبايعه جبرئيل كما روى الطوسي وغيره:\n\" أن جبرائيل يأتيه، ويسأله ويقول له:\nإلى أي شيئ تدعو؟ فيخبره القائم. فيقول جبرئيل: فأنا أول من يبايع، ثم يقول له: مد كفك. فيمسح على يديه \" (٢).\nوذكر البحراني: أن جبرئيل ينزل على الميزاب في صورة طائر أبيض، حتى يكون أول من خلق الله جبرئيل. (٣).\n\nوهذا مع قولهم:\nأتى جبرئيل (ع) إلى رسول الله (ص)، فقال: السلام عليك يا محمد، هذا آخر يوم أهبط فيه إلى الدنيا. وعن عطاء بن يسار، أن رسول الله (ص) لما حضر أتاه جبرئيل، فقال: يا محمد الآن أصعد إلى السماء، ولا أنزل إلى الأرض أبدًا. وعن أبي جعفر (ع) قال: لما حضرت النبي الوفاة ... إلى أن قال: فعند ذلك قال جبرئيل: يا محمد، هذا آخر هبوطي إلى الدنيا، إنما كنت أنت حاجتي فيها. (٤).\n\nولا جبرئيل وحده، بل الملائكة الآخرون أيضًا كما روى الجزائري عن جعفر أنه قال:\n\" إن القائم يسند ظهره إلى الحرم، ويمد يده فترى بيضاء من غير سوء،\n_________\n(١) كتاب الغيبة للطوسي ص ١٨٩.\n(٢) أعلام الورى للطبرسي ص ٤٦٠، ٤٦١، الإرشاد للمفيد ص ٣٦٤، روضة الواعظين ج٢ ص٢٦٥، إكمال الدين لإبن بابويه القمي وغيره.\n(٣) تفسير البرهان ج٢ ص٨٢.\n(٤) كشف الغمة للأربلي ج١ ص١٩ نقلًا عن كتاب تاريخ مابعد الظهور ص ٣٥٢.","vol":"1","page":374},{"text":"فيقول: هذه يد الله ... ويكون أول من يقبل يده جبرئيل، ثم يبايعه الملائكة، ثم نجباء الجن، ثم نقباء المؤمنين \" (١).\n\nويُؤيد هذا، ما ذكره المفيد والطبرسي وابن الفتال والبحراني والنعماني وغيرهم كذبًا على محمد الباقر أنه قال:\n\" كأني بالقائم على نجف الكوفة، قد سار إليه من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرئيل عن يمينه، ميكئيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد \" (٢)\nولا خمسة آلاف فقط، بل ينحط عليه ثلاثة عشر ألف ملك وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكًا، قلت: كل هؤلاء الملائكة؟ قال: نعم، الذين كانوا مع نوح في السفينة، والذين كانوا مع إبراهيم حين ألقى في النار، والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر لبني إسرائيل، والذين كانوا مع عيسى حين رفعه الله إليه، وأربعة آلاف ملك كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله مسومين، وألف مردفين، وثلاثمائة وثلاثة عشر ملائكة بدريين .. وأربعة آلاف هبطوا يريدون القتال مع الحسين (ع) فلم يُؤذن لهم في القتال .. وكل هؤلاء في الأرض، ينتظرون قيام القائم ﵇ إلى وقت خروجه عليه صلوات الله والسلام\" (٣)\n\nوأورد مثل ذلك النعماني في كتاب (الغيبة) (٤).\nوزاد على ذلك \" أن الذي يحمل رايته يوم ذاك، يكون جبرئيل، ويكون عمودها من عمد عرش الله تعالى \" (٥).\n_________\n(١) الأنوار النعمانية ج٢ ص٨٣.\n(٢) الإرشاد المفيد ص ٣٦٢، أعلام الورى للطبرسي ص ٤٦٠، روضة الواعظين للفتال ص ٢٦٤، البرهان للبحراني ج٢ ص٨٢، ... كتاب الغيبة للنعماني ص ٣٣٤.\n(٣) كامل الزيارات لإبن قولويه ص ١٢٠.\n(٤) ص ٣١٠،١٠٩.\n(٥) أنظر كتاب الغيبة للنعماني ص ٣٠٩.","vol":"1","page":375},{"text":"\" وأن أربعة الآلاف الذين هبطوا يريدون القتال مع الحسين فلم يُؤذن لهم، بقوا عند قبره شعثًا غبرًا إلى يوم القيامة، ورئيسهم ملك يُقال له منصور. فلا يزوره زائر إلا استقبلوه، ولا يودعه مودع إلا شيّعوه، ولا مريض إلا عادوه، ولا يموت ميت إلا صلوا عليه \" (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-193>ماذا يعمل بعد رجعته</span>؟\nومن أكاذيب الشيعة الشنيعة، والكره الذي توارثوه عن اليهودية والمجوسية الذين دُمرت شوكتهم، وقضى على سلطانهم وملكهم من قبل مسلمي العرب، وعلى أيدي قادتهم من قريش. ومن شدة نقمتهم وحسدهم وحقدهم، قالوا:\nإن القائم يبدأ أول ما يبدأ بقتل قريش وصلبهم، الأحياء منهم والأموات، ويضع في العرب السيف، فقالوا:\n\" عن أبي جعفر ﵇ أنه قال:\nلو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج، لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس، أما أنه لا يبدأ إلا بقريش، فلا يأخذ منها إلا السيف، ولا يعطيها إلا السيف، حتى يقول كثير من الناس: هذا ليس من آل محمد، ولو كان من آل محمد لرحم \" (٢).\n\nوروى المفيد والطبرسي عن جعفر أنه قال:\n\" إذا قام القائم من آل محمد، أقام خمسمائة من قريش، فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعنقاهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات. قلت: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم، منهم ومن مواليهم \" (٣).\n_________\n(١) أيضًا ص ٣١١.\n(٢) أيضًا ص ٢٣٣.\n(٣) الإرشاد للمفيد ص ٣٦٤، أعلام الورى للطبرسي ص ٤٦١، زمثله في كتاب الغيبة للنعماني ص ٢٣٥.","vol":"1","page":376},{"text":"وأيضًا أنه سيف قاطع بين العرب، وعلى العرب شديد، ليس شأنه إلا السيف، ولا يستتيب أحدا (١).\nومثل ذلك ما رووه عن جعفر أيضًا أنه قال:\n\" إذا خرج القائم، لم يكن بينه وبين قريش إلا السيف، ما يأخذ منها إلا السيف، وما يستعجلون بخروج القائم؟ ... وما هو إلا السيف، والموت تحت ظل السيوف \" (٢).\n\nفانظر الحقد والوتر على العرب عامة وعلى قريش خاصة. وهل هناك شك بعد ذلك في يهودية القوم ومجوسيتهم؟ أو تأسيس اليهودية وتكوين العنصر الإيراني عقائدهم ومعتقداتهم؟\n\nوأخرج المجلسي في (البحار) عن جعفرأنه قال:\n\" إن القائم يسير في العرب في الجفر الأحمر، قال (أي الراوي، وهو رفيد مولى ابن هبيرة) قلت: جعلت فداك، وما في الجفر الأحمر؟ قال: فأمرّ أصبعه على حلقه، قال: هكذا، يعني الذبح \" (٣).\nوروي أيضًا عنه أنه قال:\n\" إنه يخرج موتورًا غضبًا أسفًا ... يجرد السيف على عاتقه ثمانية أشهر، يقتل هوجاء. فأول ما يبدأ ببني شيبة، فيقطع أيديهم ويعلقها في الكعبة، وينادي مناديه: هؤلاء سرّاق الله. ثم يتناول قريشًا فلا يأخذ منها إلا السيف، ولا يعطيها إلا السيف \" (٤).\n\nيحي الأموات ويقتل أصحاب النبي\n\nولا يكتفي بقتل الأحياء منهم، ولا يروي عطشه دم هذا القدر من\n_________\n(١) كتاب الغيبة للنعماني ص ٢٣٥.\n(٢) كتاب الغيبة للطوسي ص ٢٣٣،٢٣٤.\n(٣) بحار الأنوار للمجلسي ج١٣ ص ١٨١.\n(٤) كتاب الغيبة للنعماني ص ٣٠٨.","vol":"1","page":377},{"text":"الناس، بل يبدأ بالأموات - حسب أساطيرهم وأباطيلهم - فيحييهم ثم يقتلهم، كما ذكروا أنه في عصره يحيي يزيد بن معاوية وأصحابه فيُقتلون حذو القذة بالقذة. (١)\nوليس هذا فحسب، بل جازفوا في القول، حتى قالوا:\n\" لو قام قائمنا، رد بالحميراء (أي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄) حتى يجلدها الحد، وينتقم لإبنة محمد صلى الله عليه وآله \" (٢).\nوأكثر من ذلك، بلغوا في اللؤم والخبث والحقد لحاملي رايات الإسلام، ومعلني كلمته، ومبلغي رسالته، ومدمري حضارة اليهود وشوكة المجوسية، إلى حد لم يتصوره العقل، ولم ترض به الإنسانية، فقالوا:\n\" إن القائم قال: ألا أنبئك بالخبر. أنه إذا فقد الصبي، وتحرك المغربي، وسار العماني، وبويع السفياني، يأذن الله لي فأخرج بين الصفا والمروة في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا سواء. فأجيئ إلى الكوفة، وأهدم مسجدها وأبنيه على بنائه الأول، وأهدم ما حوله من بناء الجبابرة، وأحج بالناس حجة الإسلام. وأجيئ\nإلى يثرب، وأهدم الحجرة، وأخرج من بها وهما طريان، فآمر بهما تجاه البقيع، وآمر بالخشبتين يصلبان عليهما، فتورق من تحتها، فيفتتن الناس بهما أشد من الفتنة الأولى، فينادي مناد من السماء: أبيدي، ويا أرض خذي. فيومئذ لا يبقى على وجه الأرض إلا مؤمن قد خلص قلبه الإيمان. قلت: يا سيدي ما يكون بعد ذلك؟ قال: الكرة الكرة الرجعة \" (٣)\n_________\n(١) أنظر بحار الأنوار ج ١٣ ص٢١٩، تفسير العياشي ج٢ ص٢٨٢، البرهان ج٢ ص ٤٠٨، الصافي ج١ ص٩٥٩.\n(٢) تفسير الصافي ص ٣٥٩ مجلد كبير.\n(٣) الربهان في تفسير القرآن ج ٢ ص٤٠٧.","vol":"1","page":378},{"text":"وذكر هذا الجزائري بالتفصيل والصراحة حيث قال: \" إن المفضل بن عمر روى عن جعفر أنه قال:\nإن بقاع الأرض تفاخرت، ففخرت الكعبة على بقعة كربلاء، فأوحى الله ﷿ إليها أن اسكتي يا كعبة وما تفخري على كربلاء، فإنها البقعة المباركة التي قال فيها لموسى ﵇ إني أنا الله، وهي موضع المسيح وأمه وقت ولادته، وإنها الدالية التي غسل بها رأس الحسين بن علي ﵉، وهي التي عرج منها محمد صلى الله عليه وآله. وقال له المفضل: يا سيدي، يسير المهدي إلى أين؟ قال: إلى مدينة جدي رسول الله ﵌، فإذا وردها كان له فيها مقام عجيب، يظهر فيه سرور المسلمين وخزي الكافرين. فقال المفضل: ياسيدي ماهو ذاك؟ قال: يرد إلى قبر جده فيقول يامعشر الخلائق هذا قبر جدي، فيقولون نعم يا مهدي آل محمد، فيقول ومن معه في القبر، فيقولون صاحباه (مصاحباه) وضجيعاه أبوبكر وعمر، فيقول ﵇، وهو أعلم الخلق من أبو بكر وعمر، وكيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله ﵌، وعسى أن يكون المدفون غيرهما، فيقول الناس يا مهدي آل محمد، ما هاهنا غيرهما، وإنهما دفنا معه لأنهما خليفتاه وآباء زوجتيه، فيقول هل يعرفهما أحد؟ فيقولون نعم نحن نعرفهم بالوصف، ثم يقول هل يشك أحد في دفنهما هنا؟ فيقولون لا، فيأمر بعد ثلاثة أيام ويحفر قبرهما ويخرجهما، فيخرجان طريين كصورتهما في الدنيا، فيكشف عنهما أكفانهما، ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة، فيصلبهما عليها، فتتحرك الشجرة وتورق وترفع ويطول فرعها. فيقول المرتابون من أهل ولايتهما هذه والله الشرف حقًا، ولقد فزنا بمحبتهما وولايتهما. فينشر خبرهما فكل من بقلبه حبة خردل من محبتهما يحضر المدينة، فيفتنون بهما، فينادي مناد","vol":"1","page":379},{"text":"المهدي ﵇ هذان صاحبا رسول الله صلى الله عليه وآله فمن أحبهما فليكن في معزل، ومن أبغضهما يكن في معزل. فيتجزأ الخلق جزئين، موال ومعاد. فيعرض على أوليائهما البراءة منهما. فيقولون يا مهدي ما كنا نبرأ منهما وما كنا نعلم أن لهما عند الله هذه الفضيلة، فكيف نبرأ منهما وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت من نضارتهما وغضاضتهما وحياة الشجرة بهما، بل والله نبرأ منك وممن آمن بك وممن لا يؤمن بهما وممن صلبهما وأخرجهما وفعل ما فعل بهما. فيأمر المهدي ﵇ ريحًا فتجعلهم كأعجاز نخل خاوية، ثم يأمر بإنزالهما فينزلان، فيحييهما بإذن الله، ويأمر الخلائق بالاجتماع، ثم يقص عليهم قصص فعالهم في كل كور ودور، حتى يقص عليهم قتل هابيل بن آدم، وجمع النار لإبراهيم، وطرح يوسف في الجب، وحبس يونس في بطن الحوت، وقتل يحيى، وصلب عيسى، وعذاب جرجيس ودانيال، وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسين ﵉ وإرادة إحراقهم بها، وضرب الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء بسوط ورفس بطنها وإسقاطها محسنا، وسم الحسن، وقتل الحسين ﵇، وذبح أطفاله وبني عمه، وسبي ذراري رسول الله صلى الله عليه وآله وإراقة دماء آل محمد، وكل دم مؤمن وكل فرج نكح حرامًا وكل رباء أُكل وكل خبث وفاحشة وظلم منذ عهد آدم إلى قيام قائمنا. كل ذلك يعدده عليهما ويلزمهما إياه ويعترفان به، ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت مظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة، ويأمر نارًا تخرج من الأرض تحرقهما والشجرة، ثم يأمر ريحًا فتنسفهما في اليّم نسفًا.\n\nقال المفضل: يا سيدي هذا آخر عذابهما؟ قال: هيهات يا مفضل، والله ليردّن، وليحضرّن السيد الأكبر محمد رسول الله ﵌","vol":"1","page":380},{"text":"والصديق الأعظم أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة ﵈ وكل من محض الإيمان محضًا وكل من محض الكفر محضًا، وليقتصن منهما بجميع المظالم، ثم يأمر بهما فيقتلان في كل يوم وليلة ألف قتلة ويردان إلى أشد العذاب. \" (١).\nظلمه وقوته\n\nومن قسوته، أنهم ينقلون عنه عن جعفر أنه قال:\n\" بينا رجل على رأس القائم يأمره وينهاه، إذ قال: أديروه، فيديروه إلى قدامه، فيأمر بضرب عنقه، فلا يبقى في الخافقين شيئ إلا خافه \" (٢).\n\nأنه يقتل المولّي، ويجهز الجريح (٣).\n\nوذكروا في رواية:\n\" بعث الله محمدًا صلى الله عليه وآله رحمة، وبعث القائم نقمة \" (٤).\n\nيدعو إلى أمر جديد وكتاب جديد\n\nومن عقائد الشيعة الإثني عشرية، أن إمامهم الموهوم وغائبهم المعدوم، سيدعو الناس إلى كتاب جديد وأمر جديد. وقد نقلوا فيه روايات عديدة، منها ما رواها النعماني عن أبي جعفر - الإمام الخامس المعصوم عند الشيعة - أنه قال:\n\" يقوم القائم بأمر جديد، على العرب شديد، ليس شأنه إلا السيف، ولا يستتيب أحدا \" (٥).\n_________\n(١) الأنوار النعمانية للجزائري ج٢ ص٨٦، ٨٧.\n(٢) كتاب الغيبة للنعماني ص ٢٣٩.\n(٣) أيضًا ص ٢٣٢.\n(٤) تفسير الصافي ص ٣٥٩ مجلد كبير.\n(٥) كتاب الغيبة للنعماني ص ٢٣٣.","vol":"1","page":381},{"text":"وعنه أن سُئل: أيسير بسيرة محمد ﷺ؟\nقال: هيهات يا زرارة ما يسير بسيرته، قلت: جعلت فداك لم َ؟\nقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله سار في امته بالمن، كان يتألف الناس. والقائم يسير بالقتل، بذاك أمر في الكتاب الذي معه أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحدا \" (١).\nوري أيضًا عنه أنه قال:\n\" فوالله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام، يبايع الناس بأمر جديد شديد، وكتاب جديد، وسلطان جديد من السماء \" (٢).\nومثل ذلك روى المجلسي في بحار الأنوار (٣).\nورروا أيضًا عن أبي عبد الله أنه سُئل:\n\" كيف سيرته؟ فقال: يصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله، يهدم ما كان قبله، كما هدم رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام من جديد \" (٤).\nوهذه الروايات واضحة في معناها، تنبئ بما دست اليهودية الأثيمة من الدسائس الخبيثة بين الذين الذين ينتسبون للإسلام. وتوضح معنى هذه الرويات رواية أخرى التي أوردها النعماني والمجلسي وغيرهما عن أبي جعفر أنه قال:\n\" لو قد خرج القائم من آل محمد ﵈، لنصره الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين. ويكون جبرئيل أمامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، والرعب يسير مسيرة شهر أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله، والملائكة المقربون حذاه، وأول من يتبعه محمد\n_________\n(١) أيضًا ص ٢٣١.\n(٢) أيضًا.\n(٣) ج١٣ ص ١٩٤ وما بعد.\n(٤) بحار الأنوار ج ١٣ ص ١٩٤.","vol":"1","page":382},{"text":"﵌ - وفي رواية يتبعه وفي أخرى يبايعه - وعليّ الثاني ومعه سيف مخترط، يفتح الله له الروم والديلم والسند والهند وكابل شاه والخرز.\nيا أبا حمزة، لا يقوم القائم ﵇ إلا على خوف شديد وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد بين الناس، وتشتت في دينهم، وتغير من حالهم. حتى يتمنى المتمني الموت صباحًا ومساءًا من عظم ما يرى من كَلَب الناس، وأكل بعضهم بعضا. وخروجه إذا خرج عند الإياس والقنوط.\nفيا طوبى لمن أدركه وكان من أنصاره. والويل كل الويل لمن خافه وخالف أمره وكان من أعدائه، ثم قال: يقوم بأمر جديد، وسنة جديدة، وقضاء جديد على العرب شديد، ليس شأنه إلا القتل ولا يستتيب أحدًا، ولا تأخذه في الله لومة لائم \" (١).\n\nفهذه هي حقيقة الأمر، وهذا هو أصل الشيعة الإثني عشرية، الذين يدعون بأنهم من الشيعة المعتدلين، وينفون انتسابهم إلى عبد الله بن سبأ اليهودي وكونهم من أصل مجوسي إيراني، الناقمين على الإسلام، والباغين على الأمة الإسلامية، والطاعنين على أسلافهم وأعيانها، والشاتمين قوادها وسادتها.\nوقد بيّناها من كتبهم أنفسهم، وبعبارتهم هم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>رجعة الأئمة مع رجعة القائم</span>\nثم إن الشيعة الإثني عشرية، لا يعتقدون برجعة القائم فحسب، بل وأكثر من ذلك، يعتقدون بأن أئمتهم يرجعون أيضًا إلى الدنيا مثل رجوع قائمهم، ويبقون، ويملكون، وينتقمون من الأعداء ويقتلونهم.\n_________\n(١) كتاب الغيبة للنعماني ص٢٢٤، ٢٣٥. ومثله في بحار الأنوار للمجلسي وغيره.","vol":"1","page":383},{"text":"كما روى المجلسي عن جعفر أنه قال:\n\" أول من تنشق الأرض عنه، ويرجع إلى الدنيا الحسين بن علي. وإن الرجعة ليس بعامة وهي خاصة. لا يرجع إلا من محض الإيمان محضًا، أو محض الكفر محضًا \" (١).\nورووا عن أبيه الباقر أنه قال:\n\" إن أول من يرجع إلى الدنيا لجاركم الحسين بن علي ﵇، فيملك حتى يقع حاجباه على عينيه من الكبر \" (٢).\nولا الحسين وحده فحسب، بل يرجع معه سبعون رجلًا من أصحابه الذين قتلوا معه (٣).\n\nوفي رواية أن الحسين يرجع إلى الدنيا مع خمسة وسبعين ألفًا من الرجال، ويملك الدنيا كلها بعد وفاة المهدي ﵇، ثلاث مائة وتسع سنين (٤).\nويرجع معه يزيد بن معاوية وأصحابه، ليأخذ الحسين وأصحابه ثأرهم منهم (٥).\n\nويساعد الحسين وأصحابه في أخذ ثأرهم وانتقامهم من يزيد وعساكره سبعون نبيًا ورسولا، ويكون أحدهم إسماعيل. كما حكى الجزائري حكاية باطلة بقوله:\n\" وفي الأخبار الكثيرة عن بريد العجلي أنه سأل الصادق ﵇ عن قول الله تعالى في إسماعيل أنه كان صادق الوعد، ما المراد\n_________\n(١) بحار الأنوار للمجلسي ج ١٣ ص٢١٠، الصافي ج ١ ص٩٥٩.\n(٢) بحار الأنوار للمجلسي ج ١٣ ص ٢١١، البرهان ج٢ ص ٤٠٧، الصافي ج١ ص٩٥٩، إثبات الهداة للعاملي ج٧ ص١٠٢.\n(٣) تفسير العياشي ج٢ ص١٨١.\n(٤) الأنوار النعمانية للجزائري ج٢ ص ٩٩،٩٨.\n(٥) تفسير العياشي ج٢ ص٢٨٢، البرهان ج٢ ص٤٠٨، الصافي ج١ ص٢٥٩تحت قوله تعالى: [ثم رددنا لكم الكرة عليهم]، بحار الأنوار ج١٣ ص٢١٩.","vol":"1","page":384},{"text":"بإسماعيل هذا؟ أهو إبن إبراهيم؟ فقال ﵇:\n\" لا، بل هو إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى جماعة، فكذبوه وسلخوا جلده ووجهه ورأسه. فبعث الله عليهم ملك العذاب، وهو سطاطائيل. فأتى إلى إسماعيل وقال: إن الله أرسلني إليك بما تأمر في عذابهم، فقال إسماعيل ﵇: لا حاجة لي في عذابهم. فأوحى الله سبحانه إليه: إن كان لك حاجة إليّ فاطلبها. فقال: يا رب، إنك أخذت علينا معاشر الأنبياء أن نوحّدك، ونقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، وبإمامة الأئمة ﵈، وأخبرت الخلائق بما يفعل الظالمون بولده الحسين، ووعدت الحسين عليه\nالسلام بالرجوع إلى الدنيا ليأخذ ثأره وينتقم من ظالميه،. فحاجتي إليك يا رب أن ترجعني في زمانه، لأجل آخذ ثأري وقتل من قتلني. فقبل الله حاجته، وجعله من الذين يرجعون في زمان الحسين ﵇. وفي رواية أخرى، أن الحسين ﵇، يرجع إلى الدنيا مع خمسة وسبعين ألفًا من الرجال \" (١).\n\nوقالوا:\nإن الأئمة الإثني عشرية، كلهم يرجعون إلى الدنيا في زمن القائم، مع جماعتهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>ويرجع عليّ ونبيّ أيضًا</span>\nولا يرجع الحسين وأصحابه ومعاوية ويزيد وأصحابه وسبعون نبيًا ممن مضوا في سالف الزمان وحدهم، بل ويرجع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى عليّ أيضًا، كما روى المجلسي عن بكير بن أعين، أنه قال:\n\" قال لي من لا أشك فيه، يعني أبا جعفر (ع) أن رسول الله (ص)\n_________\n(١) الأنوار النعمانية للجزائري ج٢ ص٩٨.\n(٢) الصافي ج١ ص ٣٤٧.","vol":"1","page":385},{"text":"وعليًا سيرجعان \" (١).\nورووا عن جعفر أنه قال:\n\" قال رسول الله (ص): لقد سرى بي ربي ﷿، فأوحى إليّ من وراء حجاب ما أوحى، وكلمني بما كلم به، وكان مما كلمني به .. يا محمد، عليّ آخر من أقبض روحه من الأئمة \" (٢).\nوليس هذا فحسب، بل وأكثر من ذلك وأدهى وأمر، أنهم يروون عن جعفر أنه قال:\n\" لم يبعث الله نبيًا ولا رسولًا إلا ردهم جميعًا إلى الدنيا، حتى يقاتلوا بين يدي علي بن أبي طالب ﵇ \" (٣).\nوعنه أيضًا، أنه قال:\n\" لا يبعث الله نبيًا ولا رسولًا إلا رُد إلى الدنيا من آدم فهلم جرا، حتى يقاتل بين يدي علي بن أبي طالب ﵇ \" (٤).\nمع من فيهم سيد الأنبياء وإمام المرسلين.\nكما روى الجزائري عن الباقر أنه قال:\n\" إن عليًا ﵁، خطب خطبة ذات يوم، فحمد الله فيها، وقال فيها ما قال، ومنه:\nوقد أخذ الله الميثاق مني ومن نبيه، لينصرن كل منا صاحبه. فأما أنا فقد نصرت النبي صلى الله عليه وآله بالجهاد معه، وفتلت أعداءه. وأما نصرته لي وكذا نصرة الأنبياء ﵈، فلم تحصل بعد، لأنه ماتوا قبل إمامتي، وبعد هذا سينصرونني في زمان رجعتي، ويكون لي ملك ما بين المشرق والمغرب، ويخرج الله لنصرتي الأنبياء من آدم إلى محمد، يجاهدون معي، ويقتلون بسيوفهم الكفار الأحياء، والكفار الأموات،\n_________\n(١) بحار الأنوار للمجلسي ج ١٣ ص ٢١٠.\n(٢) بحار الأنوار للمجلسي ج ١٣ ص ٢١٧.\n(٣) نور الثقلين ج ١ ص ٣٥٩، بحار الأنوار ج ١٣ ص ٢١٠.\n(٤) العياشي ج١ ص ٢٨١ تحت قول الله [لتؤمنن به ولتنصرنه]، البرهان ج١ ص ٢٩٥، بحار الأنوار ص ٢١٧.","vol":"1","page":386},{"text":"الذين يحييهم الله تعالى. وأعجب، وكيف لا أعجب من أموات يحييهم الله تعالى، يرفعون أصواتهم بالتلبية فوجًا فوجا لبيك يا داعي الله، ويتخللون أسواق الكوفة وطرقها، حتى يقتلون الكافرين والجبارين والظالمين من الأولين والآخرين. حتى يحصل لنا ما وعدنا الله تعالى \" (١).\nولا هذا فحسب، بل عمموا الرجعة، حيث قالوا:\n\" ليس أحد من المؤمنين قتل إلا سيرجع حتى يموت، ولا أحد من المؤمنين مات إلا سيرجع حتى يقتل \" (٢).\nوروى الطبرسي والمفيد:\n\" إذا آن قيام القائم، مطر الناس في جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب، مطرأً لم ير الناس مثله. فينبت الله به لحوم المؤمنين في أبدانهم في قبورهم. فكأني أنظر إليهم من قبل جهينة، ينفضون رؤسهم من التراب \" (٣).\nوروى المفيد أيضًا:\n\" يخرج إلى القائم من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلًا، خمسة عشر من قوم موسى الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>دابّة الأرض</span>\n\nويعتقد الشيعة الإثنا عشرية أن دابة الأرض التي تخرج قبل قيام الساعة تكلمهم، يكون عليًا ﵁. كما رووا عن جعفر أنه قال:\n\" أتى رسول الله (ص) إلى أمير المؤمنين (ع) وهو نائم في المسجد،\n_________\n(١) الأنوار النعمانية ج ٢ ص٩٩.\n(٢) بحار الأنوار للمجلسي ج ١٣ ص ٢١٠.\n(٣) أعلام الورى ص ٤٦٢، الإرشاد للمفيد ص ٣٦٣، بحار الأنوار ج ١٣ ص٢٢٣.\n(٤) الإرشاد للمفيد ص ٣٦٥، أعلام الورى للطبرسي ص ٤٦٤.","vol":"1","page":387},{"text":"وقد جمع رملًا ووضع رأسه عليه، فحركه برجله، ثم قال: قم يا دابة الله. فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله أيسمي بعضنا بعضا بهذا الاسم؟. فقال: لا والله ما هو إلا له خاصة، وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ ثم قال: يا علي، إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة، ومعك ميسم تسم به أعداءك \" (١).\nثم إن عليًا ليست له رجعة واحدة، بل له رجعات كثيرة كما ذكرنا أنه قال في إحدى خطبه:\n\" إن لي رجعة بعد رجعة، وحياة بعد حياة. أنا صاحب الرجعات وصاحب الجولات \" (٢).\nهذا، ومثل هذا فإنه لكثير.\nومن غرائب الاعتقادات التي يعتقدها القوم، أنهم يقولون:\nإن بعد قائمهم، اثني عشر مهديًا آخر. كما رووا عن جعفر عن أبائه عن علي، أنه قال:\n\" قال رسول الله (ص) في الليلة التي كانت فيها وفاته: يا أبا الحسن، أحضر صحيفة ودواة. فأملى رسول الله وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع. فقال: يا علي، إنه سيكون بعدي إثنا عشر إمامًا، ومن بعدهم إثنا عشر مهديًا. فأنت أول الإثني عشر إمامًا ... وساق الحديث إلى أن قال: وليسلمها الحسن (يعني الإمام العسكري ﵇) إلى إبنه محمد المستحفظ من آل محمد صلى الله عليه وعليهم، فذلك إثنا عشر إمامًا. ثم يكون من بعده إثناعشر مهديًا. فإذا حضرته الوفاة، فليسلمها إلى إبنه أول المهديين. له ثلاثة أسامي: إسم كاسمي،\n_________\n(١) بحار الأنوار للمجلسي ج ١٣ ص ٢١٣.\n(٢) الأنوار النعمانية للجزائري ج ٢ ص ٩٩.","vol":"1","page":388},{"text":"وإسم أبي وهو عبد الله، والإسم الثالث المهدي، وهو أول المؤمنين \" (١).\nوروى الطوسي: أنهم أحد عشر، كما حكى عن أبى حمزة عن جعفر أنه قال:\n\" يا أبا حمزة، إن منا بعد القائم أحد عشر مهديًا \" (٢).\n\nوإلى ذلك، تشير رواية النعماني، حيث يحكي عن أبي جعفر أنه قال:\n\" والله ليملكن رجل منا أهل البيت ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة ويزداد تسعا. قال: قلت له: ومتى يكون ذلك؟ قال: بعد موت القائم ﵇. قلت له: وكم يقوم القائم ﵇ في عالمه حتى يموت؟. فقال: تسع عشرة سنة، من يوم قيامه إلى يوم موته \" (٣).\nويؤيد ذلك أيضًا، دعاء شيعي يدعونه للمهدي، فيقولون في آخره:\n\" اللهم صل ِ على ولاة عهده والأئمة من بعده، وبلغهم آمالهم، وزد في آجالهم، وأعز نصرهم، وتمم لهم ما أسندت إليهم من أمرك لهم، وثبت دعاتهم، واجعلنا لهم أعوانا، وعلى دينك أنصارا \" (٤).\nوأخيرًا نأتي برواية أوردها محدث القوم نعمت الله الجزائري عن جعفر أنه قال:\n\" إن الشيطان لما قال: رب أنظرني إلى يوم يُبعثون. قال: إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، فيخرج الشيطان مع جميع عساكره وتوابعه من يوم خلق آدم إلى يوم الوقت المعلوم، وهو آخر يوم رجعة يرجعها\n_________\n(١) بحار الأنوار ج ١٣ ص١٣٧.\n(٢) كتاب الغيبة للطوسي ص ٢٨٥.\n(٣) كتاب الغيبة للنعماني ص ٣٣٢.\n(٤) مفاتيح الجنان ص ٥٤٢.","vol":"1","page":389},{"text":"أمير المؤمنين ﵇. فقال الراوي: كم لأمير المؤمنين ﵇ من رجعة؟ فقال: إن له رجعات ورجعات، وما من إمام في عصر من الأعصار، إلا ويرجع معه المؤمنون في زمانه، والكافرون فيه، حتى يستولي أولئك المؤمنون على أولئك الكافرين فينتقمون منهم، فإذا جاء الوقت المعلوم، ظهر أمير المؤمنين ﵇ مع أصحابه، وظهر الشيطان مع أصحابه، فيتلاقى العسكران على شط الفرات في مكان اسمه الروحا قريب الكوفة، فتقع بينهم حرب لم يقع في دنيا من أولها وآخرها، وكأني أرى أصحاب أمير المؤمنين ﵇ قد رجعوا منهزمين، حتى تقع أرجلهم في الفرات، فعند ذلك يرسل الله سحابة مملوءة من الملائكة، يتقدمها النبي صلى الله عليه وآله، وبيده حربة من نور. فإذا نظر الشيطان أدبر فارًا، فيقول له أصحابه: إلى أين تفر ولك الظفر عليهم؟ فيقول: إني أرى مالا ترون، إني أخاف من عقاب رب العالمين. فيصل النبي صلى الله عليه وآله، ويضربه ضربة بالحربة بين كتفيه فيهلك بتلك الضربة هو وجميع عساكره. فعند ذلك يُعبد الله على الإخلاص، ويرتفع الكفر والشرك. ويملك أمير المؤمنين ﵇ الدنيا أربعين ألف سنة، ويُولد لكل واحد من شيعته ألف ولد من صلبه في كل سنة ولد. وعند ذلك يظهر البستانان عند مسجد الكوفة الذي قال الله تعالى مد هامّتان، وفيهما من الاتساع مالا يعلمه إلا الله تعالى\" (١).\n\nوهذا آخر ما أردنا ذكره من خرافات القوم ومعتقداتهم، إنتخبناها من الكثير الكثير. ولهم كتب مستقلة في هذا الباب.\n_________\n(١) الأنوار النعمانية للجزائري ج٢ ص ١٠٢،١٠١.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>الحلول والتناسخ واتصاف الخلق بأوصاف الله</span>\nوكي لا يطول بنا الحديث، نذكر فقط رواية واحدة تشتمل على خطبة علي ﵁ حسب زعم القوم، وفيها كل ما يعتقده القوم من الحلول والتناسخ واتصاف الخلق بأوصاف الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرا.\nيذكر الجزائري هذه الخطبة في كتابه المشهور رواية عن محمد الباقر أنه قال:\n\" إن أمير المؤمنين ﵇، خطب خطبة ذات يوم فحمد الله، وأثنى عليه بالوحدانية. وقال: إن الله سبحانه تكلم بكلمة، فصارت نورًا، فخلق منه نور النبي ونوري ونور الأئمة. وتلكم بكلمة أخرى، فصارت روحًا، فأسكنها في ذلك النور. وذلك النور مع تلك الروح، ركبها في أبداننا معاشر الأئمة. فنحن الروح المصطفاة، ونحن الكلمات التامات، ونحن حجة الله الكاملة على الخلق. فنحن نورًا أخضر، حيث لا شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار ولا مخلوق ولا مخلوقات.\nوكنا نسبح الله ونقدسه قبل خلق الخلق. فأخذ الله لنا العهد من أرواح الأنبياء على الإيمان بنا، وعلى نصرتنا. وهذا معنى قوله سبحانه ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ فقال ﵇: يعني الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله، ونصرة وصيّه. وهذه النصرة قد صارت قريبة. وقد أخذ الله الميثاق مني ومن نبيه لينصرن كل منا صاحبه، فأما أنا فقد نصرت النبي صلى الله عليه وآله بالجهاد معه وقتلت أعداءه. وأما نصرته لي وكذا نصرة الأنبياء ﵈ فلم تحصل بعد، لأنهم ماتوا قبل إمامتي، وبعد هذا سينصرونني في زمان رجعتي، ويكون لي ملك ما بين المشرق والمغرب، ويخرج الله","vol":"1","page":391},{"text":"لنصرتي الأنبياء من آدم إلى محمد، يجاهدون معي، ويقتلون بسيوفهم الكفار الأحياء، والكفار الأموات الذين يحييهم الله تعالى. وأعجب وكيف لا أعجب من أموات يحييهم الله تعالى، يرفعون أصواتهم بالتلبية فوجًا لبيك لبيك يا داعي الله. ويتخللون أسواق الكوفة وطرقها، حتى يقتلون الكافرين الجبارين والظالمين من الأولين والآخرين. حتى يحصل لنا ما وعدنا الله. ثم تلى\nهذه الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.\nقال ﵇: يعني يعبدونني ولا يتقون من أحد، لأن لي رجعة بعد رجعة، وحياة بعد حياة. أنا صاحب الرجعات، وصاحب الصولات، وصاحب الإنتقامات، وصاحب الدولة العجيبة. أنا حصن الحديد، وأنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا أمين الله على علمه، وصندوق سرّه وحجابه وصراطه وميزانه وكلمته. أنا أسماء الله الحسنى وأمثاله العليا وآياته الكبرى. أنا صاحب الجنة والنار، أسكن أهل الجنة في جنتهم، وأهل النار في نارهم، وأنا الذي أزوّج أهل الجنة. وإليّ مرجع هذا الخلق في القيامة، وعليّ حسابهم.\nوأنا المؤذن على الأعراف، وأنا الذي أظهر آخر الزمان في عين الشمس، وأنا دابة الأرض التي ذكرها الله في الكتاب أظهر آخر الزمان، ومعي عصا موسى وخاتم سليمان أضعه في وجه المؤمن والكافر، فتنقش فيه هذا مؤمن حقا، وهذا كافر حقا.\nوأنا أمير المؤمنين وإمام المتقين ولسان المتكلمين وخاتم أوصياء النبيين ووارثهم وخليفة الله على العالمين. وأنا الذي علمني الله علم البلايا والمنايا وعلم القضاء بين الناس. وأنا الذي","vol":"1","page":392},{"text":"سخّر لي الرعد والبرق والسحاب والظلمة والنور والرياح والجبال والبحار والشمس والقمر والنجوم. أيها الناس، اسألوني عن كل شيء \" (١).\n\nفهذه الرواية، ومثل هذه الرواية وإنها لكثيرة جدًا موجودة منتشرة في كتب القوم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون.\n\nفهذه العقائد التي تتبناها الشيعة الاثنا عشرية وتعتقدها، ويعتقدها الإماميون والجعفريون الذين يُعدون من الشيعة المعتدلة. وهي عين تلك العقائد التي وضع بذروها عبد الله بن سبأ، ونشرتها السبئية وروجتها بين الفئات الشيعية المختلفة. ولولا خوف الإطالة، لأكثرنا الروايات التي وردت في كتبهم المعتبرة المعتمدة الموثوقة لديهم. ولكننا نرى أن ما ذكر فيه الكفاية لمن أراد أن يتثبت ويتحقق. وكذلك لمن أراد أن يتبصّر ويهتدي. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\n\nونختم الكلام في هذا الموضوع، بنقل آراء بعض المستشرقين في علاقة الشيعة بالسبئية، أو بتعبير صحيح بالعقائد الأجنبية المدسوسة بين المسلمين، يهودية كانت أم إيرانية، التي لا تمت إلى الإسلام بصلة لا قريبة ولا بعيدة.\n\nفيقول المستشرق دوزي:\n\" كانت الشيعة في حقيقتها فرقة فارسية، وفيها يظهر أجلى ما يظهر ذلك الفارق بين الجنس العربي الذي يحب الحرية، وبين الجنس الفارسي الذي اعتاد الخضوع كالعبيد.\nلقد كان مبدأ انتخاب خليفة للنبي، أمرًا غير معهود ولا مفهوم، لأنهم لم يعرفوا غير مبدأ الوراثة في الحكم، لهذا اعتقدوا أنه مادام محمد لم يترك ولدًا يرثه، فإن عليًا هو الذي\n_________\n(١) الأنوار النعمانية لنعمت الله الجزائري ج٢ ص ٩٩، ١٠٠.","vol":"1","page":393},{"text":"يجب أن يخلفه، وأن الخلافة يجب أن تكون وراثية في آل علي.\nومن هذا، فإن جميع الخلفاء - ماعدا عليًا - كانوا في نظرهم مغتصبين للحكم لا تجب لهم طاعة. وقوّى هذا الاعتقاد عندهم، كراهيتهم للحكومة وللسيطرة العربية، فكانوا في الوقت نفسه يلقون بأنظارهم النهمة إلى ثروات سادتهم. وهم قد اعتادوا أيضًا أن يروا في ملوكهم أحفادًا منحدرين من أصلاب الآلهة الدنيا، فنقلوا هذا التوقير الوثني إلى علي وذريته. فالطاعة المطلقة \" للإمام \" الذي من نسل علي، كانت في نظرهم الواجب الأعلى، حتى إذا ما أدى المرء هذا الواجب، استطاع بعد ذلك بغيرلائمة ضمير أن يُفسر سائر الواجبات والتكاليف تفسيرًا رمزيًا، وأن يتجاوزها ويتعداها.\nلقد كان \" الإمام \" عندهم هو كل شئ، إنه الله قد صار بشرًا. فالخضوع الأعمى المقرون بانتهاك الحرمات، ذلك هو الأساس في مذهبهم \" (١).\nوبمثل ذلك، قال المستشرق ملّر، وزاد عليه:\n\" أن الفرس كانوا تحت تأثير الأفكار الهندية قبل الإسلام بعهد طويل يميلون إلى القول بأن الشاهنشاه هو تجسيد لروح الله التي تنتقل في أصلاب الملوك إلى الأبناء \" (٢).\n\nويذكر هذه الآراء، مستشرق ألماني متعاطف على الشيعة، ولهوزن فيقول:\n\" أما أن آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين، فهذا أمر لا سبيل إلى الشك فيه، أما كون هذه الآراء قد انبعثت من الإيرانيين، فليست تلك الملاءمة دليلًا عليه. بل الروايات التاريخية تقول بعكس ذلك. إذ تقول أن التشيّع الواضح الصريح كانً قائمًا أولًا في الدوائر العربية، ثم انتقل\n_________\n(١) مقالة في تاريخ الإسلام للدوزي ص ٢٢٠ وما بعد.\n(٢) كتاب ملر، ج ١ ص ٣٢٧.","vol":"1","page":394},{"text":"بعد ذلك منها إلى الموالي، وجمع بين هؤلاء وبين تلك الدوائر، وأولئك الذين كانوا يتواثبون حول الكرسي المقدس يذكرون أنهم \" السبئية \" (ص ٧٠٣ س ١٧، ص٧٠٤ س ١١) ولم يكونوا من الموالي، بل من العرب، إذ كانوا من عشائر: نهد وخارف وثور وشاكر وشبام. وهؤلاء السبئية كانوا على علاقات سيئة بعشائرهم، نتيجة لمذهبهم الغريب، خصوصًا شبام بالنسبة إلى قبيلة همدان. بينما كانوا على علاقات وثيقة جدًا بالمختار، ومن أجله خاضوا النار، ووشوا بقبائلهم.\nونجد حديثًا عن بطانة من الشيعة العرب، كانت تجتمع في منزلي امرأتين بارزتين. وتذكر أسماء بعض أفراد هذه البطانة، ومنهم إبن نوف الهمداني، الذي كان ينافس مولاه وأستاذه (المختار) في التنبؤ. لقد كان يصنع وحيًا لدى الكرسي المقدس، وكان أحد عمومة الأعشى ممن تأثر لهذا الوحي. وكان أول سادن للكرسي، هو موسى بن أبي موسى الأشعري، ثم تلاه حوشب البرسمي. والبيئة هنا كلها يمنية. ويقال أن المختار قد أظهر الكرسي على أنه كرسي علي بن أبي طالب. ولكن ثمة روايات أخرى تقول بعكس ذلك، وهذه الروايات الثانية أقرب إلى التصديق. وعلى كل حال، فقد كان الكرسي في حوزة اليمنيين، وأصله إنما يبحث لديهم. ولم يكن اختراعًا أبدعه الهوى، بل مثله مثل الحجر الأسود كان قطعة وثنية، وفي الأصل كرسي الله ثم كرسي علي، لأنهم ألهوا عليًا. وكراسي الله الخالية هذه نجدها كثيرًا، وإن لم تكن عادة من الخشب.\nومنشأ السبئية، يرجع إلى زمان علي والحسن، وتنسب إلى عبد الله بن سبأ. وكما يتضح من اسمه الغريب، فإنه كان أيضًا يمنيًا.\nوالواقع أنه من العاصمة صنعاء. ويُقال أنه كان يهوديًا. وهذا يقود بالقول بأصل يهودية الفرقة السبئية \" (١).\n_________\n(١) الخوارج والشيعة لولهوزن ص١٧٠،١٦٩ ط. عربي.","vol":"1","page":395},{"text":"ثم يقول:\n\" يلوح أن مذهب الشيعة الذي يُنسب إلى عبد الله بن سبأ أنه مؤسسه، إنما يرجع إلى اليهود أقرب من أن يرجع إلى الإيرانيين. والدليل على هذا ما سأحاول هنا إيراده بطريقة عارضة، دون أن أعير المسألة من الأهمية أكبر مما تستحق.\n\nكان القدماء من أنصار علي، يعدونه في مرتبة مساوية لسائر الخلفاء الراشدين في خلافته - في سلك واحد - وكان يوضع في مقابل الأمويين المغتصبين للخلافة بوصفه استمرارًا للخلافة الشرعية، وحقه في الخلافة ناشئ عن أنه كان من أفاضل الصحابة، وأنهم وضعوه في القمة، وتلقى البيعة من أهل المدينة. ولم ينشأ هذا الحق - أو على الأقل لم ينشأ مباشرة - عن كونه من آل بيت الرسول، ومع ذلك فيبدو أن آل البيت أنفسهم قد ادعوا حق ميراث الخلافة عن رسول الله منذ البداية. وبعد وفاة علي، كانت المعارضة ضد الأمويين تنظر إلى أبناء عليّ على أنهم المطالبون الشرعيون للخلافة.\nولكن المسألة هنا كانت مقصورة على دعوى الخلافة، ولا بد أن نميز بين هذا وبين دعوى النبوة. وزعم أن النبوة لم تنته بمحمد، بل استمرت في علي وبنيه، كان هذا الزعم هو الخطوة الأخيرة.\nإن الفكرة القائلة بأن النبي ملك يمثل سلطان الله على الأرض قد انتقلت من اليهودية إلى الإسلام. ولكن الإسلام السني يقول إن محمدًا خاتم النبيين، وبعد وفاته حلت محله الشريعة، وهي أثر مجرد غير مشخص، ومعوض عنه أقل قيمة بكثير جدًا. فكان ذلك نقصًا ملموسًا، فمن هنا تبدأ نظريات الشيعة.\nوكان المبدأ الأساسي الذي بدأ منه مذهبهم هو:\nأن النبوة، وهي المعوض الشخصي الحي للسلطة الإلهية، تنتسب بالضرورة إلى الخلافة، وتستمر تحيا فيها. وقبل محمد","vol":"1","page":396},{"text":"وجدت سلسلة طويلة متصلة من الأنبياء الذين يتلو بعضهم بعضًا، على نحو ما يقول اليهود، (سلسلة دقيقة من الأنبياء).\nوكما يذكر في أصحاح ١٨ من سفر \" ثنية الإشتراع \" من أنه لم يخل الزمان أبدًا من نبي يخلف موسى ومن نوعه. وهذه السلسلة لا تقف عند محمد. ولكل نبي خليفته إلى جانبه يعيش أثناء حياته (وهذا الزميل الثاني هو أيضًا فكرة يهودية) فكما كان لموسى خليفة هو يوشع، كذلك لمحمد خليفة هو عليّ، به يستمر الأمر. على أن كلمة \" نبي \" لم تطلق على عليّ وبنيه - بل أطلق عليهم أسماء \" الوصي \" أو \" المهدي \" أو \" الإمام \" عامة - ولكن إن لم يطلق عليهم الاسم، فإن الحقيقة الفعلية كانت مقصودة بوصفهم عارفين بالغيوب وتجسيدات للخلافة عن الله \" (١).\n\nوأخيرًا يذكر:\n\" وأقيم تأليه بيت الرسول على أساس فلسفي بواسطة مذهب \" الرجعة \" أو (تناسخ الأرواح) فالأرواح تنتقل بالموت من جسم إلى جسم، وثمة بعث مستمر في المجرى الطبيعي للحياة الدنيا. وهذا في تناقض حاد مع القول ببعث واحد عند زوال الدنيا. ويستفيد هذا المذهب أهمية عملية، خصوصًا عن طريق رفعه إلى روح الله التي تحل في نفوس الأنبياء. فهذه الروح تنتقل من نبي إلى نبي آخر بعد وفاة السابق، ولا يوجد في الوقت الواحد غير نبي واحد، ويتتابعون حتى يبلغوا ألف نبي. وتبعًا لهذا فإن الأنبياء جميعًا بما يُبعث في كل منهم من روح الله، والحق أن النبي الصادق الحق واحد يعود أبدًا من جديد.\nوبهذا المعنى قالوا أن محمدًا يُبعث في عليّ وآل عليّ.\nويبنون ذلك على الآية ٨٥ من السورة ٢٨، والآية ٨ من السورة ٨٢.\nوهذا يُذكّر كثيرًا\n_________\n(١) الخوارج والشيعة لولوزن ص ١٧١، ١٧٢.","vol":"1","page":397},{"text":"بالفكرة (المحتمل جدًا أنها) يهودية، وإن كانت من البدع اليهودية، التي وردت في المواعظ المنحولة على كليمانس \"  pscudoclementinen\"،  فروح الله تتحد في آدم مع شخص إنسان يظهر بصفة النبي الصادق في صور متعددة، وقد قدر له السيادة على الملكوت الدائم. راجع:\n(١، ١،  p.٢٨٣''Gieselers KG. (٤. Aufl.) .\n\nولكن المتأخرين قد فهموا - فيما يبدو - \" الرجعة \" على نحو آخر، فقد تصوروها على نحو ديالكتيكي. فقالوا بفترة \" غيبة \" دورية للإمام الصادق، ثم سموها - في مقابل ذلك - ظهوره من جديد \" رجعة \".\nوالمعنى الأصيل للرجعة يظهر جليًا من مرادفتها لتناسخ الأرواح. والسيد الحميري يؤمن أيضًا برجعته نفسه، ومن أجل ذلك كانوا يسخرون منه، ويشنعون عليه (\" الأغاني \" ج ٧ ص ٨). كما يتضح أيضًا من كون كثيّر كان يعد جميع أبناء الحسن الحسين أنبياء صغارًا، لأنه كان يؤمن بالرجعة (الأغاني ٨/ ٣٤)، وكذلك من كون محمد كان ينظر إليه على أنه يرجع، خصوصًا في ورثة دمه (آله) ونبوته \" (١).\n\nثم نقل ما قاله أبو حمزة الخارجي في خطبة له على المنبر بالمدينة المنوّرة عن الشيعة نقلًا عن (الأغاني) أنه قال:\n\" شيعة ظاهرت بكتاب الله، وأعلنت الفرية على الله، لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن، ولا عقل بالغ في الفقه، ولا تفتيش عن حقيقة الصواب. قد قلدوا أمرهم أهواءهم، وجعلوا دينهم عصبية لحزب لزموه وأطاعوه في جميع ما يقوله لهم، غيًا كان أو رشدًا، أو ضلالة أو هدى.\nينتظرون الدول في رجعة الموتى، ويُؤمنون بالبعث قبل الساعة، ويدّعون علم الغيب لمخلوق لا يعلم أحدهم ما في داخل بيته، بل لا\n_________\n(١) أيضًا ١٧٣، ١٧٤.","vol":"1","page":398},{"text":"يعلم ما ينطوي عليه ثوبه أو يحويه جسمه. ينقمون المعاصي على أهلها، ويعملون\nإذا ظهروا بها، ولا يعرفون المخرج منها. جفاة في الدين، قليلة عقولهم، قد قلدوا أهل البيت من العرب دينهم، وزعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة، وتنجيهم من عقاب الأعمال السيئة \" (١).\n\nوبمثل ذلك القول، قال هشام بن عبد الملك الأموي في كتاب له إلى يوسف بن عمر:\n\" إن عبادة الشيعة لله، كانت عبادة لبني الإنسان، والنتيجة لذلك قيصرية بابوية معًا. كانوا يعترضون على إمامة السلطة القائمة، ولكن إمامتهم الشرعية القائمة على دم الرسول (ذرية آل البيت) لم تكن أفضل منها، إذ كانت تفضي إلى إهدار القانون، وكسر الشريعة. فالإمام عندهم كان فوق النصوص الحرفية. وكان يعلم الغيب، فمن اتبعه وأطاعه، سقطت عنه التكاليف، وخلا من المسؤولية \" (٢).\n\nولا بأس بنقل ما كتبه أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) عن الشيعة، ولو أننا ذكرنا منه جزء فيما مر، فإنه قال:\n\" والحق أن التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد. ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتيه وهندية. ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته. كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارًا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواءهم. فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول في الرجعة. وقال الشيعة: إن النار محرمة على الشيعي إلا قليلًا، كما قال اليهود: لن تمسنا\n_________\n(١) الخوارج والشيعة ص ١٧٥.\n(٢) أيضًا ص ١٧٥ نقلًا عن الطبري ج ٢ ص ٨٨٢.","vol":"1","page":399},{"text":"النار إلا أيامًا معدودات.\nوالنصرانية ظهرت في التشيع، في قول بعضهم: إن نسبة الإمام إلى الله كنسبة المسيح إليه. وقالوا إن اللاهوت اتحد بالناسوت في الإمام. وإن النبوة والرسالة لا تنقطع أبدًا، فمن اتحد به اللاهوت فهو نبي.\nوتحت التشيع، ظهر القول بتناسخ الأرواح وتجسيم الله والحلول، ونحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس من قبل الإسلام.\nوتستر بعض الفرس بالتشيّع، وحاربوا الدولة الأموية، وما في نفوسهم إلا الكره للعرب ودولتهم، والسعي لاستقلالهم. قال المقريزي:\n\" واعلم إن السبب في خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام، أن الفرس كانت سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسها، بحيث إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم. فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكان العرب عند الفرس أقل من الأمم خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله الحق .. فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع فاظهر قوم منهم لإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم عليّ، ثم سلكوا بهم مسالك شتى أخرجوهم عن طريق الهدى.\n\nوقد ذهب الأستاذ \" ولهو سن  Wellhausin \"  إلى أن العقيدة الشيعية نبعت من اليهودية أكثر مما نبعت من الفارسية، مستدلًا بأن مؤسسها عبد الله بن سبأ وهو يهودي. ويميل الأستاذ \" دوزي  Dozy \"  إلى \" أن أساسها فارسي، فالعرب تدين بالحرية، والفرس يدينون بالمَلِك، وبالوراثة في بيت المالك، ولا يعرفون معنى لانتخاب الخليفة، وقد مات محمد ولم يترك ولدًا، فأولى الناس بعده إبن عمه علي بن أبي طالب. فمن أخذ","vol":"1","page":400},{"text":"الخلافة منه كأبي بكر وعمر وعثمان والأمويين، فقد اغتصبها من مستحقها.\nوقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى إلهي، فنظروا هذا النظر نفسه إلى علي ّ وذريته وقالوا: إن طاعة الإمام أول واجب، وإن طاعته إطاعة الله \".\nوالذي أرى - كما يدلنا التاريخ - أن التشيع لعلي بدأ قبل دخول الفرس الإسلام، ولكن معنى ساذج، وهو أن عليًا أولى من غيره من وجهتين، كفايته الشخصية، وقرابته للنبي، والعرب من قديم تفخر بالرياسة وبيت الرياسة، وهذا الحزب - كما رأينا - وُجد من بعد وفاة النبي ﷺ، ونما بمرور الزمان وبالمطاعن في عثمان، ولكن هذا التشيّع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الأخرى في الإسلام من يهودية\nونصرانية ومجوسية. وأن كل قوم من هؤلاء، كانوا يصبغون التشيّع بصيغة دينهم. فاليهود تصبغ الشيعة يهودية، والنصارى نصرانية، وهكذا.\nوإذ كاد أكبر عنصر دخل في الإسلام هو عنصر الفارسي كان أكبر الأثر في التشيع إنما هو الفرس \" (١).\n\nوهذا آخر ما أردنا إثباته في كتابنا هذا، والله يهدينا إلى سبيل الرشاد، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من خدمة دينه، ورفع كلمته والدفاع عن شريعته وحملة شريعته محمد وأصحابه وأهل بيته أجمعين، وصلى الله على نبينا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n* * *\n_________\n(١) فجر الإسلام ص ٢٧٦ إلى ٢٧٨.","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>مصادر الكتاب ومراجعه</span>\n١ - إثبات الوصية للمسعودي. ط: نجف.\n٢ - أجمع الفضائح للملا كاظم. ط: إيران.\n٣ - الإحتاج للطبرسي. ط: قم، إيران.\n٤ - إحقاق الحق للشوستري ط: إيران.\n٥ - الأخبار الطوال للدينوري ط: بغداد.\n٦ - أدوار علم الفقه لآل كاشف الغطاء. ط: بيروت ١٣٩٩ هـ.\n٧ - الأرجوزة المختارة للقاضي النعمان. ط: مونتريال. كندا ١٩٧٠م.\n٨ - الإرشاد للمفيد ط: إيران.\n٩ - أساس الأصول لدلدار علي. ط: الهند.\n١٠ - الإستبصار للطوسي. ط: طهران طبعة ثالثة ١٣٩٠هـ.\n١١ - أسرار الشهادة للدربندي. ط: إيران.\n١٢ - الأشعثيات للأشعث الكوفي. ط: إيران.\n١٣ - أصل الشيعة وأصولها لآل كاشف الغطاء. ط: بيروت.\n١٤ - أصول العقيدة لمهدي الصدر. ط: بيروت.\n١٥ - أصول الفقه لمحمد رضا المظفر. ط: القطيف، السعودية.\n١٦ - الإعتقادات لابن بابويه. ط: طهران.\n١٧ - أعلام الورى للطبرسي. ط: دار الكتب الإسلامية، طبعة ثالثة، إيران.\n١٨ - أعيان الشيعة لمحسن الأمين. ط: بيروت.\n١٩ - الأغاني للأصفهاني. ط: بيروت، لبنان.\n٢٠ - الأمالي لابن بابويه القمي. ط: بيروت.\n٢١ - الأمالي للطوسي. ط: قم، إيران.\n٢٢ - أمالي المرتضى. ط: بيروت ١٣٨٧ هـ.\n٢٣ - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر. ط: بيروت.\n٢٤ - أمل الآمل.\n٢٥ - أمير المؤمنين لمحمد جواد الشري.\n٢٦ - الإنتصار للمرتضى. ط: نجف، ١٣٩١هـ.\n٢٧ - أنساب بيوتات قاين. ط: طهران، إيران.\n٢٨ - الأنوار النعمانية للجزائري. ط: تبريز.\n٢٩ - الإيقان المحلي.\n٣٠ - الإيقاظ من الهجعة للحر العاملي. ط: قم، إيران ١٣٨١هـ.\n٣١ - الباكورة السليمانية. ط: بيروت.\n٣٢ - بحار الأنوار للمجلسي. ط: قديم، إيران.\n٣٣ - بشارة المصطفى لأبي جعفر. ط: نجف.\n٣٤ - تاريخ الإمامية لعبد الله فياض. ط: بيروت، لبنان.\n٣٥ - تاريخ الشيعة لمحمد حسين المظفري. ط: قم، إيران.\n٣٦ - تاريخ ما بعد الظهور لمحمد الصدر. ط: بيروت.\n٣٧ - تاريخ طرازمذهب مظفري. ط: إيران.\n٣٨ - تاريخ العلويين للطويل. ط: إيران.\n٣٩ - تاريخ اليعقوبي. ط: بيروت ١٣٧٩هـ.\n٤٠ - تأسيس الشيعة للعلوم الإسلامية للسيد حسن الصدر. ط: بيروت.\n٤١ - تبصرة المعلمين لابن المطهر الحلي. مجمع الذخائر الإسلامية، إيران.\n٤٢ - تتمة المنتهى للعباس القمي. ط: إيران.","vol":"1","page":402},{"text":"٤٣ - تحف العقول عن آل الرسول للمراني ط: نجف ١٣٨٠هـ.\n٤٤ - تحفة الأحباب. ط: إيران.\n٤٥ - تفسير البرهان للبحراني. ط: قم، إيران.\n٤٦ - تفسير البصائر لرستكار. ط: إيران.\n٤٧ - تفسير العياشي. ط: إيران.\n٤٨ - تفسير العسكري. ط: الهند، القديم.\n٤٩ - تفسير فرات الكوفي. ط: قم، إيران.\n٥٠ - تفسير القمي. ط: نجف ١٣٨٦هـ.\n٥١ - تفسير الصافي للفيض الكاشاني. ط: كبير إيران.\n٥٢ - تفسير الكاشف للمغنية. ط: بيروت.\n٥٣ - تفسير مجمع البيان للطبرسي. ط: بيروت.\n٥٤ - تفسير منهج الصادقين لفتح الله الكاشاني. ط: طهران، إيران.\n٥٥ - تفسير الميزان للطباطبائي. ط: بيروت.\n٥٦ - تفسير نور الثقلين للحويزي. ط: قم، إيران.\n٥٧ - تلخيص الشافي للطوسي. ط: إيران.\n٥٨ - التنبيه والإشراف للمسعودي. ط: إيران.\n٥٩ - جامع الرواة للأردبيلي الحائري. ط: قم، إيران ١٤٠٣هـ.\n٦٠ - جامع السعادات للتراقي. ط: بيروت.\n٦١ - الجامع في الرجال للزنجاني. ط: قم، إيران.\n٦٢ - جلاء العيون للمجلسي. ط: طهران، إيران.\n٦٣ - حجة إثنا عشري لحقكوفارسي. ط: إيران.\n٦٤ - حديقة الشيعة للمقدسي الأردبيلي. ط: طهران، إيران.\n٦٥ - حق اليقين للمجلسي. ط: طهران.\n٦٦ - حق اليقين في معرفة أصول الدين لعبد الله الشبر. ط: إيران.\n٦٧ - حلية المتقين للمجلسي. ط: طهران.\n٦٨ - حملة حيدري للمرزة بازل. ط: إيران.\n٦٩ - حياة القلوب للمجلسي. ط: طهران، إيران.\n٧٠ - الخلاصة للحلي.\n٧١ - دائرة المعارف الشيعية لحسن الأمين. الطبعة الثانية ١٣٩٣ بيروت.\n٧٢ - دعوة الحق وقول الصدق للصافي. ط: بيروت.\n٧٣ - دلائل الصدق للمظفر.\n٧٤ - ذخائر العقبي. ط: بيروت.\n٧٥ - ذرائع البيان للنجفي. ط: إيران.\n٧٦ - رجال الكشي. ط: كربلاء.\n٧٧ - رجال الطوسي. ط: نجف، ١٣٨٠هـ\n٧٨ - رجال النجاشي. ط: قم، إيران.\n٧٩ - رجال أبي داود.\n٨٠ - الرسائل للخميني. ط: قم، إيران ١٣٨٥هـ.\n٨١ - روضة الواعظين للفتال النيسابوري. ط: قم، إيران.\n٨٢ - روضة الصفا فارسي. ط: إيران.\n٨٣ - روضات الجنات للخوانساري. ط: قم، إيران.\n٨٤ - رياحين الشريعة للمحلاني. ط: إيران.\n٨٥ - رياض العلماء.\n٨٦ - الشافي للشريف المرتضى. ط: إيران.\n٨٧ - شرائع الإسلام للحلي. ط: إيران.\n٨٨ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد. ط: بيروت.\n٨٩ - شرح نهج البلاغة لابن الميثم. ط: إيران.\n٩٠ - شرح نهج البلاغة للدنبلي. ط: إيران.","vol":"1","page":403},{"text":"٩١ - شرح نهج البلاغة لعلي النقي. ط: إيران.\n٩٢ - شرح نهج البلاغة للكاشاني. ط: إيران.\n٩٣ - الشيعة في عقائدهم وأحكامهم للقزويني. ط: الكويت.\n٩٤ - الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين. ط: الطبعة الثانية، بيروت، ١٣٩٩هـ.\n٩٥ - الشيعة في الميزان للمغنية. ط: بيروت.\n٩٦ - شيعة در إسلام للطباطبائي. ط: إيران.\n٩٧ - الشيعة بين الحقائق والأوهام لمحسن الأمين. ط: الطبعة الثالثة، بيروت ١٣٩٧هـ.\n٩٨ - الصافي للقزويني في شرح أصول الكافي.\n٩٩ - الصراط المستقيم للنباتي. ط: الطبعة الأولى ١٣٨٤هـ إيران.\n١٠٠ - الصحيفة الكاملة لزين العابدين. ط: بيروت.\n١٠١ - الصلح الحسن لآل ياسين. ط: إيران.\n١٠٢ - الصلة بين التصوّف والشيعة. ط: بغداد.\n١٠٣ - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاؤس. ط: قم، إيران ١٤٠٠هـ.\n١٠٤ - طرائق الحقائق للحاج معصوم علي. ط: إيران.\n١٠٥ - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب.\n١٠٦ - عمدة الشريعة في الإمامية لمحمد باقر الشريعتي. ط: قم، إيران.\n١٠٧ - علل الشرائع لابن بابويه القمي. ط: بيروت، لبنان.\n١٠٨ - علل الشرائع للصدوق. ط: بيروت.\n١٠٩ - علم أصول الفقه للمغنية. ط: بيروت.\n١١٠ - عين الحياة للمحلي. ط: إيران.\n١١١ - عيون أخبار الرضا لابن بابويه القمي. ط: طهران، إيران.\n١١٢ - عيون الأخبار وفنون الآثار للقرشي. ط: بيروت.\n١١٣ - عيون أخبار الرضا لابن بابويه القمي. ط: طهران، إيران.\n١١٤ - الغارات للثقفي. ط: إيران.\n١١٥ - فرق الشيعة للنوبختي. ط: كربلاء.\n١١٦ - الفصول المهمة للحر العاملي. ط: قم، إيران.\n١١٧ - الفصول المهمة لمعرفة الأئمة لابن الصباغ. ط: إيران.\n١١٨ - فضائل أمير المؤمنين لمحمد حسن المظفر.\n١١٩ - فقه القرآن للراوندي. ط: قم، إيران ١٣٩٩هـ.\n١٢٠ - فقه الشيعة للقزويني. ط: إيران.\n١٢١ - الفكر الشيعي والنزاعات الصوفية للشيبي. ط: بغداد ١٣٨٦هـ.\n١٢٢ - الفهرست للنجاشي. ط: نجف.\n١٢٣ - الفهرست لابن النديم. ط: بيروت، لبنان.\n١٢٤ - فهرست لأبي القاسم الإبراهيمي. ط: إيران.\n١٢٥ - الفوائد الرضوية للقمي. ط: إيران.\n١٢٦ - الفوائد الرضزية للإسترآبادي. ط: إيران.\n١٢٧ - قرب الأسناد للحميري القمي. ط: طهران، إيران.\n١٢٨ - قصص الأنبياء للراوندي. إيران.","vol":"1","page":404},{"text":"١٢٩ - قصص الأنبياء للجزائري. ط: بيروت.\n١٣٠ - الكافي للكليني. ط: إيران.\n١٣١ - كامل الزيارات لابن قلوية. ط: إيران.\n١٣٢ - كتاب سليم بن قيس العامري. ط: بيروت ١٤٠٠هـ.\n١٣٣ - كتاب الخصال لابن بابويه القمي. ط: طهران، إيران ١٣٨٩هـ.\n١٣٤ - كتاب الغيبة للطوسي. ط: إيران.\n١٣٥ - كتاب الغيبة للنعماني. ط: إيران.\n١٣٦ - كتاب كمال الدين والنعمة لابن بابويه. ط: طهران طبعة ثانية ١٣٩٥هـ.\n١٣٧ - كتاب الخرائج والجرائح للراوندي. ط: إيران.\n١٣٨ - كتاب المناقيب لابن شهر آشوب. ط: قم، إيران.\n١٣٩ - كتاب الخلاف للطوسي. ط: قم، إيران.\n١٤٠ - كتاب الرجال للحلي. ط: نجف ١٣٨١هـ.\n١٤١ - كتاب الشيعة والسنة في الميزان لمؤلف مجهول. ط: بيروت، لبنان.\n١٤٢ - كتاب البلدان لليعقوبي. ط: مصر.\n١٤٣ - كشف الغمة للأردبيلي. ط: بيروت.\n١٤٤ - كتاب صفين لابن مزاحم. ط: بيروت.\n١٤٥ - كشف الأسرار عن وجه الغائب عن الأبصار للنوري الطبرسي. ط: قم ١٤٠٠هـ.\n١٤٦ - كتاب الزهد للأهوازي. ط: إيران ١٤٠٢هـ.\n١٤٧ - لغت نامه دهخدا. ط: إيران.\n١٤٨ - متشابه القرآن ومختلفه لابن شهر آشوب. ط: قم، إيران.\n١٤٩ - مجالس المؤمنين للشوستري. ط: إيران.\n١٥٠ - المجالس السنية لابن شهر آشوب. ط: إيران.\n١٥١ - مجمع البيان للطبرسي. ط: بيروت، لبنان.\n١٥٢ - المحاسن للبرقي. ط: قم، إيران، الطبعة الثانية.\n١٥٣ - مدارج نهج البلاغة لكاشف الغطاء. ط: بيروت.\n١٥٤ - مرآة العقول للمجلسي. ط: قديم. إيران.\n١٥٥ - مروج الذهب للمسعودي. ط: بيروت.\n١٥٦ - المراجعات لشرف الدين الموسوي.\n١٥٧ - مستدرك الوسائل للنوري المجلسي. ط: مكتبة دار الخلافة، طهران.\n١٥٨ - مصائب النواصب للشوستري، إيران.\n١٥٩ - مشجر الأولياء لنوربخش، باكستان.\n١٦٠ - مشارق أنوار اليقين للبرسي. ط: بيروت ١٩٧٨ م.\n١٦١ - مصحف الدروز.\n١٦٢ - معالم الأصول لجمال الدين. ط: إيران.\n١٦٣ - معراج السعادة للنراقي. ط: إيران.\n١٦٤ - معالم العلماء.\n١٦٥ - معاشر الأصول.\n١٦٦ - معجم المؤلفين للكحالة. ط: بيروت.\n١٦٧ - مع الشيعة الأمامية للمغنية. ط: بيروت.\n١٦٨ - مفاتيح الجنان. ط: إيران.","vol":"1","page":405},{"text":"١٦٩ - المقالات والفرق لسعد بن عبد الله القمي. ط: طهران ١٩٦٣م.\n١٧٠ - مقاتل الطالبين للأصفهاني. ط: بيروت.\n١٧١ - مقتل أبي مخنف. ط: بيروت.\n١٧٢ - من لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي. ط: طهران.\n١٧٣ - منار الهدى لعلي البحراني.\n١٧٤ - منتهى الآمال لعباس القمي. ط: طهران، إيران.\n١٧٥ - منهاج الكرامة للحلي. أوفست باكستان ١٣٩٦هـ.\n١٧٦ - ناسخ التواريخ للميرزه تقي خان. ط: قديم، إيران.\n١٧٧ - النجم الثاقب للنوري الطبرسي. ط: نجف.\n١٧٨ - نهاية الدراية.\n١٧٩ - نقد الرجال للتفرشي. ط: إيران.\n١٨٠ - نقد الرجال. ط: إيران.\n١٨١ - نهج البلاغة بتحقيق صبحي صالح. ط: بيروت.\n١٨٢ - نهج البلاغة بتحقيق محمد عبده. ط: مصر.\n١٨٣ - هوية التشيع لأحمد الوائلي. ط: بيروت.\n١٨٤ - وسائل الشيعة للحر العاملي. ط: بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>كتب التاريخ والرجال والفرق للسنة</span>\n١٨٥ - أساس البلاغة للزمخشري المعتزلي.\n١٨٦ - أسد الغابة لابن الأثير.\n١٨٧ - إزلة الخفاء عن خلافة الخلفاء للشاه ولي الله.\n١٨٨ - الإصابة لابن حجر.\n١٨٩ - أصول الدين للبغدادي.\n١٩٠ - أضواء على العقيدة الدرزية لأحمد فوزان.\n١٩١ - إعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي. ط: الأزهر. القاهرة. ١٣٩٨هـ.\n١٩٢ - الإكمال لإبن ماكولا.\n١٩٣ - الأنساب للسمعاني.\n١٩٤ - أنساب الأشراف للبلاذري.\n١٩٥ - البداية والنهاية لإبن كثير. ط: بيروت.\n١٩٦ - البابية للمؤلف.\n١٩٧ - البهائية للمؤلف.\n١٩٨ - التاريخ الصغير.\n١٩٩ - تاريخ بغداد للخطيب.\n٢٠٠ - تذكرة الحفاظ للذهبي.\n٢٠١ - تهذيب التهذيب لإبن حجر العسقلاني. ط: حيدر لآباد، دكن، الهند.\n٢٠٢ - تقريب التهذيب. بيروت\n٢٠٣ - تاريخ إبن عساكر.\n٢٠٤ - تهذيب تاريخ إبن عساكر.\n٢٠٥ - تاريخ دمشق.\n٢٠٦ - تاريخ الأمم والملوك للطبري. ط: بيروت.\n٢٠٧ - تاريخ إبن خلدون. ط: بيروت ١٣٩٩ هـ.\n٢٠٨ - تاريخ الخلفاء للسيوطي.\n٢٠٩ - تاريخ خليفة بن خياط.\n٢١٠ - التبصير في الدين للإسفرائيني.\n٢١١ - تاج العروس للزبيدي.\n٢١٢ - تثبيت دلائل النبوة للهمذاني.\n٢١٣ - جمهرة أنساب العرب لإبن حزم.\n٢١٤ - الحور العين.\n٢١٥ - خلاصة تهذيب الكمال.\n٢١٦ - الخطط للمقريزي.\n٢١٧ - دائرة المعارف الإسلامية. أردوط. لاهور.","vol":"1","page":406},{"text":"٢١٨ - سيرة أعلام النبلاء للذهبي.\n٢١٩ - السيرة إبن هشام.\n٢٢٠ - الشيعة والقرآن للمؤلف. باكستان.\n٢٢١ - الشيعة والسنة للمؤلف. باكستان.\n٢٢٢ - الشيعة وأهل البيت للمؤلف.\n٢٢٣ - الصحاح للجوهري.\n٢٢٤ - الصواعق المحرقة لإبن حجر المكي.\n٢٢٥ - الطبقات لإبن سعد.\n٢٢٦ - طائفة الدروز لمحمد كامل حسين.\n٢٢٧ - العواصم من القواصم.\n٢٢٨ - الفصل بين الملل والنحل لإبن حزم.\n٢٢٩ - فتاوى شيخ الإسلام لإبن تيمية.\n٢٣٠ - فجر الإسلام لأحمد أمين.\n٢٣١ - فتوح البلدان للبلاذري.\n٢٣٢ - القاموس للفيروز آبادي.\n٢٣٣ - كتاب الكنى والأسماء للدولابي.\n٢٣٤ - كتاب الجرح والتعديل للرازي.\n٢٣٥ - كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي.\n٢٣٦ - كتاب المجروحين لإبن حبان.\n٢٣٧ - الكامل لابن الأثير.\n٢٣٨ - كتاب المحبر للبغدادي.\n٢٣٩ - لسان الميزان لابن حجر.\n٢٤٠ - لسان العرب لابن المنظور الأفريقي.\n٢٤١ - ميزان الإعتدال للذهبي.\n٢٤٢ - مقدمة إبن خلدون.\n٢٤٣ - منهاج السنة لابن تيمية.\n٢٤٤ - مقالات الإسلاميين للأشعري.\n٢٤٥ - الملل والنحل للشهرستاني.\n٢٤٦ - موسوعة إصطلاحات العلوم الإسلامية للتهانوي. ط: بيروت.\n٢٤٧ - مختصر التحفة الإثني عشرية للآلوسي.\n٢٤٨ - معجم مقاييس اللغة.\n٢٤٩ - المخصص لابن سيده.\n٢٥٠ - النهاية لابن الأثير.\n٢٥١ - النجوم الزاهرة للتغري البردي.\n٢٥٢ - نسب قريش لمصعب الزبيري.\n٢٥٣ - وفيات الأعيان لابن خلكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>كتب المستشرقين</span>\n٢٥٤ - الخوارج والشيعة لولهوزن. ترجمة عربي.\n٢٥٥ - عقيدة الشيعة لدونالد سن. ترجمة عربي.\n٢٥٦ - العقيدة والشريعة لجولد زيهر. ترجمة عربي.\n٢٥٧ - مقالات في تاريخ الإسلام للدوزي.\n٢٥٨ - كتاب المستشرق ملر.\n٢٥٩ - مقدمة نقطة الكاف للبراؤن. ط: فارسي.","vol":"1","page":407}]}