{"ً":{"ٌ":37542,"ٍ":"حقيقة التأويل - ط أطلس","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/رسالة في حقيقة التأويل - المعلمي","files":["67023.pdf"]},"ّ":"الكتاب: رسالة في حقيقة التأويل\nالمؤلف: عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي العتمي اليماني (ت ١٣٨٦ هـ)\nالمحقق: جرير بن العربي أبي مالك الجزائري\nالناشر: دار أطلس الخضراء، الرياض - السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\nعدد الصفحات: ١٢٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":178,"ٕ":1,"ٖ":1770154081,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة في الصدق والكذب","level":1,"page":1},{"title":"تشديد الشارع في الكذب","level":2,"page":4},{"title":"الترخيص في بعض ما يسمى كذبا","level":2,"page":7},{"title":"الباب الأول في معنى التأويل","level":1,"page":19},{"title":"الباب الثاني في حكم التأويل","level":1,"page":25},{"title":"الفصل الأول: في تأويل النصوص الواردة في العقائد","level":2,"page":26},{"title":"المبحث الأول: في بيان جناية التأويل الفاسد على أهله","level":3,"page":31},{"title":"المبحث الثاني: في تفسير قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات","level":3,"page":57},{"title":"الفصل الثاني: في تأويل الإخبار عن الوقائع","level":2,"page":77},{"title":"المبحث الأول: حل شبهة","level":3,"page":80},{"title":"المبحث الثاني: أقوال العلماء","level":3,"page":83}],"ٛ":{"1,19":1,"1,20":2,"1,21":3,"1,24":4,"1,25":5,"1,26":6,"1,27":7,"1,28":8,"1,31":9,"1,32":10,"1,33":11,"1,34":12,"1,35":13,"1,36":14,"1,37":15,"1,38":16,"1,39":17,"1,40":18,"1,41":19,"1,42":20,"1,43":21,"1,44":22,"1,45":23,"1,46":24,"1,47":25,"1,49":26,"1,50":27,"1,51":28,"1,52":29,"1,53":30,"1,55":31,"1,56":32,"1,57":33,"1,58":34,"1,59":35,"1,60":36,"1,61":37,"1,62":38,"1,63":39,"1,64":40,"1,65":41,"1,66":42,"1,67":43,"1,68":44,"1,69":45,"1,70":46,"1,71":47,"1,72":48,"1,73":49,"1,74":50,"1,75":51,"1,76":52,"1,77":53,"1,78":54,"1,79":55,"1,80":56,"1,81":57,"1,82":58,"1,83":59,"1,84":60,"1,85":61,"1,86":62,"1,87":63,"1,88":64,"1,89":65,"1,90":66,"1,91":67,"1,92":68,"1,93":69,"1,94":70,"1,95":71,"1,96":72,"1,97":73,"1,98":74,"1,99":75,"1,100":76,"1,101":77,"1,102":78,"1,103":79,"1,105":80,"1,106":81,"1,107":82,"1,109":83,"1,110":84,"1,111":85,"1,112":86,"1,113":87,"1,114":88,"1,115":89,"1,116":90,"1,117":91,"1,118":92,"1,119":93,"1,120":94,"1,121":95,"1,122":96,"1,123":97,"1,124":98,"1,125":99},"ٜ":{"1":[19,125]},"ٝ":["1,19","1,20","1,21","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,105","1,106","1,107","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"7":[3],"19":[4],"25":[5],"26":[6],"31":[7],"57":[8],"77":[9],"80":[10],"83":[11]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"- بسم الله الرحمن الرحيم -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة في الصدق والكذب</span>\nاعلم أن أعظم نعم الله على عباده تيسيره لهم الكلام الذي يتفاهمون به، ولولاه لكانوا كالأنعام أو أضل سبيلا. ألا ترى أن الإنسان إذا نشأ منفردا عن أبناء جنسه لا يدرك إلا ما وقعت عليه حواسه، والحواس لا تهتدي إلى حقائق الأشياء، فإذا رأى مثلا شجرة لم يهتد إلى معرفة نفعها من ضرها إلا بتجربة، والتجربة قد تودي بحياته؛ ثم لا يهتدي إلى صفة استنباتها، والقيام عليها وإصلاحها إلا بتجربة قد يفوز فيها وقد لا يفوز؛ ولعله يقضي عمره كله في بضع تجارب، ولا يتفرغ مع ذلك للنظر في غير قوته، فلا يمكنه تحصيل علم، ولا إتقان صناعة، ولا معرفة ما لم يقع عليه بصره من الأرض. فأما الدين فلا صلة له به إلا بعض الأمور الكلية إذا قضي له أن ينتفع لها، ورزق عقلا سليما، وذكاء مرهفا.\nثم إذا اجتمع هذا بأمثاله، ولم يكن هناك كلام يتفاهمون به،","vol":"1","page":19},{"text":"فقد يتعاونون على تحصيل القوت ونحوه تعاون النحل والنمل، ولكنه لا يستطيع احدهم أن يطلع الآخر على ما اطلع عليه، إلا بان يذهب إلى ذلك الشيء حتى يوقفه عليه، فإذا كان الذي اطلع عليه الأول معنى من المعاني تعذر اطلاعه الآخر عليه.\nنعم؛ هناك الإشارة، ولكنها ضئيلة الفائدة عسرة الفهم، وأنت ترى الأخرس وما يعانيه من مشقة الحياة وترى الغريب إذا دخل بلد قوم لا يعرفها ولا يعرف لغتهم ولا يعرفون لغته ما تكون حاله!\nفيسر الله للناس بالكلام أن يطلع احدهم على جميع ما اطلع عليه ألوف منهم بأيسر وقت.\nفالقضية التي لا يمكن أن يفهمها بالإشارة، أو يمكن أن يفهمها بعد صرف ساعة أو ساعتين بكلمة واحدة، وبذلك بلغ الإنسان إلى ما تراه من العلم والمدنية.\nإذا فلولا الكلام لكان الناس كالأنعام.\nفنعمة هذا شانها وخطرها ما عسى أن يكون حال من استعملها في نقيض مقصودها؟\nألا ترى لو أن امرأة سافرت برضيعها، فنزلت في بيت من مدينة، ثم تركت طفلها وخرجت، ولما أرادت الرجوع إلى البيت","vol":"1","page":20},{"text":"لإرضاع طفلها لم تهتد إلى الطريق، فسألت شخصا - وذكرت له اسم المحلة - فأرشدها إلى الطريق فرجعت إلى طفلها، فوجدته يكاد يموت، وعلمت أنها لو تأخرت ساعة مات، فأرضعته. ثم تدبرت نعمة الكلام، أليست تعلم أنها لو كانت بكماء لمات ابنها؟\nفافرض أن الذي سألته كذب عليها، فأراها طريقا تؤدي إلى محلة أخرى فذهبت منها، فمشت ساعة أو أكثر، ثم تبين لها الأمر فسألت آخر فأرشدها، فلم تبلغ البيت إلا وقد مات طفلها، أليست تتمنى أن الذي كذب عليها لم يخلق، أو أنه كان أصم لا يسمع سؤالها، أو نحو ذلك؟ بلى، وكل إنسان يتمنى معها ذلك.\nثم افرض أن الذي أخبرها أولا ورّى خبره في خبرة، كأن قال لها: هذا القطار يذهب إلى تلك المحلة، وأومأ إلى قطار ذاهب إلى جهة أخرى، وعنى أنه عند رجوعه يذهب إلى تلك المحلة، ألا تكون النتيجة واحدة والمفسدة واحدة؟ وسواء أورى أم لم يورّ؟.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تشديد الشارع في الكذب</span>\nأما الكذب على الله ﷿، بأن تخبر عن الله ما لا علم لك به، ومنه الكذب على رسوله في أمور الدين، فقد نص القرآن على أنه من أشد الكفر، وقد أوضحنا هذا في رسالة \"العبادة\"، بما لا مزيد عليه.\nوأما الكذب في غير ذلك، ففي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».\nزاد مسلم بعد قوله ثلاث: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».\nوفيهما: [عن] عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».","vol":"1","page":24},{"text":"وروي من حديث أبي أمامة، وسعد بن أبي وقاص، عن النبي - ﷺ - قال: «يطبع المؤمن على الخلال كلها، إلا الخيانة والكذب».","vol":"1","page":25},{"text":"وإذا تدبرت وجدت الأمور المذكورة كلها تدور على الكذب، فمن كان إذا وعد أخلف فإنه يكذب في وعده، فيقول: سأفعل وهو يريد أن لا يفعل! والخائن موطّن نفسه على الكذب، يقال له: عندك كذا أو فعلت كذا؟ فيقول: لا.\nومن كان إذا عاهد غدر فهو كالوعد، بل لو كانت نيته عند المعاهدة أن يفي ثم غدر لكان كاذبا، لأن حقيقة المعاهدة أنه سيفي حتما، بخلاف الوعد، فإن العادة كالقاضية بأن مراده أنه سيفعل إذا لم يعرض له ما يغير رأيه.\nوأما الفجور في الخصومة فمعناه: أنه يفتري على خصمه ويبهته بما ليس فيه، وذلك هو الكذب\nوحسبك أن الإنسان المعروف بالكذب قد سلخ نفسه من الإنسانية، فإن من يعرفه لم يعد يثق بخبره فلا يستفيد الناس منه شيئا، ومن لم يعرفه يقع بظنه صدقه في المفاسد والمضار، فأنت ترى أن موت هذا الرجل خير للناس من حياته. وهبه يتحرى من الكذب ما لا يضر فإنه لا يستطيع ذلك، ولو استطاعه لكان إضراره بنفسه إذ أفقدها ثقة الناس به، على أن الكذبة الواحدة كافية لتزلزل ثقة الناس به.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الترخيص في بعض ما يسمى كذبا</span>\nفي الصحيحين من حديث أم كلثوم بنت عقبة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا أو ينمي خيرا».\nقال الحافظ في الفتح: قال العلماء: المراد هنا أنه يخبر بما علمه من الخير ويسكت عما علمه من الشر، ولا يكون ذلك كذبا، وزاد مسلم في رواية: \"قال ابن الشهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها\".\nثم ذكر أن بعض الرواة أدرج هذا الكلام، فجعله من قول أم كلثوم بلفظ \"وقالت: ولم أسمعه يرخص ... \".\nوبيّن الحافظ في الفتح أن الذي أدرجه في الحديث وهم،","vol":"1","page":27},{"text":"والصواب أنه من قول الزهري، ونقل الحكم بالإدراج عن النسائي وموسى بن هارون وغيرهما، ثم قال: \"قال الطبري: ذهبت طائفة","vol":"1","page":28},{"text":"إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مفسدة، أو ما ليس فيه مصلحة. وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقا، وحملوا الكذب المراد هنا على التورية والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين\".\nثم قال الحافظ: \"واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتل رجل - وهو مختف عنده - فله أن ينفي كونه عنده، ويحلف على ذلك، ولا يأثم، والله أعلم\".\nأقول: مهما خلا الكذب عن المفسدة، فلا يكاد يخلو عن إفقاد صاحبه ثقة الناس بكلامه، وحرمانهم الاستفادة من خيره بقية عمره؛ فهو يستفيد من أخبارهم، ولا يثقون به فيستفيدوا من خبره؛ ولعل سقوط ثقتهم بخبره يوقعهم في مضار ويصرف عنهم مصالح مما","vol":"1","page":31},{"text":"يخبرهم به صادقا فلا يصدقونه.\nولو أبيح الكذب في الإصلاح فكذب المصلح يوشك أن يعرف كذبه فتسقط الثقة به.\nوافرض أنه علم عذره، فإنها على ذلك تسقط الثقة به في الإصلاح، فإذا قال خيرا أو نمى خيرا بعد ذلك لم يصدق وإن كان صادقا، لأنه عرف استحلاله الكذب في ذلك؛ ومع هذا فإنها تزلزل الثقة بخبره في غير الإصلاح أيضا، إذ يقول الناس: لعله يرى خبره هذا إصلاحا فيستحل الكذب فيه!\nوقريب من هذا حال الكذب في الحرب، وكذب كل من الزوجين على الآخر، وأنا نفسي كانت إذا سألتني زوجتي ما لا أريد أقول لها: أفعل إن شاء الله! قاصدا التعليق، فلما قلت ذلك ثلاث مرات أو أزيد فطنت للقضية! فصارت لا تثق بوعدي إذا قلت سأفعل إن شاء الله، فوقعت في مشكلة، لأنني أحتاج إلى أن أقول: \"إن شاء الله\" في كل وعد وإن أردت الوفاء به، للأمر الشرعي بذلك.\nوقولك للظالم \"دعوت لك أمس\" فيه مفاسد، لأنه إن كان","vol":"1","page":32},{"text":"يحسن الظن بك، وحمل قولك على ظاهره جرّأه ذلك على الظلم قائلا: إن دعاء الصالح ليدل على أنه يراني من أهل الخير، وأن ما يخطر لي من التأويل في هذه الأمور التي يزعم الناس أنها ظلم هو تأويل صحيح! وما من ظالم إلا والشيطان يوسوس له بتأويل ما يبرر به صنيعه.\nوإن استبعد دعاءك له اعتقد كذبك ومداهنتك له، وطمع منك في غيرها، وزالت من قلبه هيبته لك في الله، وأوشك أن تنالك منه مضرّة لسقوطك من عينه، ويتجرأ مع ذلك على المظالم قائلا: الناس سواسية، هذا الذي يقال صالح يكذب ويداهن الظلمة، فلو استطاع لظلم!\nوإذا تنبه لاحتمال كلامك التورية لم تأمن أن يحمل قولك: \"دعوت لك\" على \"دعوت عليك\"، يقول: كأنه أراد \"دعوت لأجلك\"، أي: دعوت الله ﷿ أن يريح الناس من شرك، أو نحو ذلك.","vol":"1","page":33},{"text":"والحاصل أن الكذب لا يخلو من المفاسد، ولكن إذا تعين طريقا لدفع مفسدة عظيمة - كالقتل ظلما - جاز على قاعدة تعارض المفسدتين.\nوالمنقول من هذا إنما هو في التورية، كقول إبراهيم لزوجته: هي أختي، لعلمه أنه لو قال \"زوجتي\" لقتلوه.\nوقوله: ﴿إني سقيم﴾، لأنه أراد أن يتوصل إلى تكسير أصنامهم، وفي ذلك دفع مفسدة عظيمة.\nوقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون﴾، لأنه أراد أن يتوصل بذلك إلى إنقاذهم من الشرك، والشرك أعظم المفاسد، مع أنهم إذا خلصوا من الشرك خلص هو من القتل. وظني أن هذه كلها كانت قبل أن ينبّأ إبراهيم ﵇، كما قررته في رسالة \"العبادة\".","vol":"1","page":34},{"text":"وكل من هذه الثلاث فيها تورية قريبة، والحال التي كان عليها شبه قرينة تشكك في حمل كلامه على ظاهره، فيصير بها الكلام كالمجمل.\nوإيضاح هذا: أنه قد علم أنه لو تبين للظلمة أنها امرأته لقتلوه، وإذا عرف ذلك فيبعد أن يعترف بأنها امرأته، ومثل هذه الحال توقع عادة في الكذب المحض. ولهذا لا يثق الناس بخبر من وقع في مثلها، فإذا عرفوا منه التحفظ من الكذب قالوا لعله ورّى، فهذا شبه قرينة.\nأولا ترى الناس لا يرتابون في قول الغني لبعض المال الذي تحت يده: هذا مال امرأتي؟ ويرتابون في مثل هذا القول إذا وقع من مفلس أو معوز.\nومع هذا كله، فقد سمى الشارع هذه الثلاث الكلمات كذبات، فقال النبي - ﷺ -: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كلهن في ذات الله ..»، والحديث في الصحيحين.\nوجاء في الشرع ما يدل أن مثل هذا الكذب لا يخلو من","vol":"1","page":35},{"text":"مخالفة، ففي الصحيحين في حديث الشفاعة: «فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا عند ربك، فيقول: لست هناكم - ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهي عنها - فيأتون نوحا، فيقول لست هناك - ويذكر خطيئته التي أصاب بسؤاله ربه بغير علم - فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهن ..».\nوهناك ثلاث أنواع دون ما ذكر:\nأولها: الإيهام: كأن يريد غزوة جهة الشرق، فيسأل عن الطريق في جهة الغرب، حتى إذا كان جاسوس يرى الاستعداد للغزو، ويسمع ذلك السؤال، فيتوهم أن القصد جهة الغرب، فإذا رجع إلى العدو الشرقي أخبرهم بذلك، فيكفون عن الاستعداد.\nوبهذا أو نحوه فسر ما جاء في الصحيح، أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها. وليس ذلك بكذب. على أن من شأن","vol":"1","page":36},{"text":"من يريد غزوة أن يكتم قصده، ويحرص على إيهام العدو أنه لا يقصدهم؛ وهذا شبه قرينة تشكك في الإيهام المذكور.\nثانيها: الكلام الموجه: وهو الذي يحتمل معنيين فأكثر على السواء، وليس هذا أيضا من الكذب في شيء البتة.\nثالثها: أن يكون الكلام ظاهرا في المعنى المراد، ولكنه صيغ مصاغا يستخف المخاطب، فإذا استعجل فهم خلاف المقصود.\nوقد نقل شيء من هذا عن النبي - ﷺ -، كان ربما تعمده تأديبا للمخاطبين، وتعليما لهم أن لا يستعجلوا في فهم الكلام قبل التروي فيه، فمن ذلك:\nما روي أن رجلا سأله أن يحمله على بعير، فقال - ﷺ -: «لأحملنك على ولد ناقة»، فاستعجل الرجل وقال: وما أصنع بولد ناقة؟ فقال - ﷺ -: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟»\nالعرف قد صير الظاهر من ولد ناقة أو ولد بقرة، أو نحو ذلك","vol":"1","page":37},{"text":"هو الصغير، ولكن قوله: \"لأحملنك\" قرينة واضحة أنه لم يرد الصغير لأن الصغير لا يحمل عليه.\nومثله ما يروى: أن امرأة مرت تسأل عن زوجها - وقد كان خرج من عندها قبل قليل - فقال لها: \"هو ذاك في عينيه بياض\".\nفالعرف قد جعل الظاهر من قولنا: \"في عيني فلان بياض\" هو البياض العارض، ولكن العادة قاضية بأن البياض العارض لا يحدث في ساعة.\nومنه ما يروى أنه قال لامرأة من المسلمات قد قرأت القرآن","vol":"1","page":38},{"text":"وفهمته: «لا تدخل الجنة عجوز»، فلما فزعت قال لها: «أما تقرئين القرآن: ﴿إنا أنشأنهن إنشاء * فجعلنهن أبكارا﴾؟».\nفقد علمت فيما تقدم حقيقة الكذب وقبحه، وأنه غير محمود حتى في حال الضرورة، كما في قول إبراهيم ﵇: «هي أختي»، وتعلم أن الله ﷿ سمى نفسه الحق، وبعث الرسول بالحق، وأنزل الكتاب بالحق، وأنزل الكتاب هدى للناس، وبعث الرسول هدى للناس، وهو ﷾ الغني عن العالمين؛ فكيف يجوز عليه - ﵎ - أن يكذب، أو يأمر رسوله بالكذب، أو يقره على الكذب، وكيف يجوز على رسوله الكذب وقد جعل الله","vol":"1","page":39},{"text":"تعالى الكذب عليه من أشد الكفر، فقال: ﴿فمن أظلم ممن كذب على الله﴾ وقال لرسوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾.\nفأنى يجوز مسلم أن يكذّب رب العالمين، أو يكذب رسوله الصادق الأمين؟","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الباب الأول في معنى التأويل</span>\nالتأويل في اللغة: مصدر أوّل يؤوّل، وأوّل فعّل - بتشديد أوسطه - ثلاثيه آل يؤول أولا.\nقال أهل اللغة: الأوْل الرجوع. وهذا تفسير تقريبي.\nوأغلب ما تستعمل في الرجوع الذي فيه معنى الصيرورة.\nومن أمثلة اللغويين: \"طبخ الشراب؛ فآل إلى قدر كذاو كذا\". ولذلك وضع بعض النحاة \"آل\" في الأفعال التي تجيء بمعنى \"صار\"، وتعمل عملها.\nو\"آل\" قريب من معنى \"حال\"، أي: تحول من حال إلى حال،","vol":"1","page":41},{"text":"وأكثر ما يقال: استحال. وفي الحديث: «فاستحالت غربا». إلا أن \"حال\" و\"استحال\" يختص بما تحول إلى حالة غير ناشئة عن الحالة الأولى؛ و\"آل\" تكون حاله الثانية ناشئة عن الأولى، كقولك: \"ربما تؤول البدعة إلى الكفر\"، أو ناشئة عما جعل \"آل\" غاية له، كقولهم: \"طبخ الشراب حتى آل إلى قدر كذا وكذا\".\nوفرق ثان، وهو أن \"حال\" و\"استحال\" قد يكون بسرعة، كما في الحديث: \"فاستحالت غربا\". و\"آل\" يقتضي أنه بعد مدة، كما في \"طبخ الشراب\"، أو ما هو كالمدة، وذلك يكون في رجوع الشيء إلى الشيء بغموض وخفاء، كقولك: إن إخراج النصوص الشرعية عن ظواهرها بمجرد الرأي والهوى يؤول إلى الكفر؛ تريد أنه كفر، إلا أن كونه كفرا إنما يعلم بعد ترو وتدبر؛ ولذلك لا يكفر كل من فعل ذلك؛ لأنه قد يكون معذورا.","vol":"1","page":42},{"text":"والتأويل مأخوذ من هذا، فهو أن يجعل الكلام يؤول إلى معنى لم يكن ظاهرا منه، فآل الكلام إلى أن حمل على ذلك المعنى بعد أن كان غير ظاهر فيه.\nوالتأويل قد يكون للرؤيا، وقد يكون للفعل، وقد يكون للفظ.\nفأما تأويل الرؤيا: فالأصل فيه أنه مصدر أوّل العابر الرؤيا تأويلا، أي: ذكر أنها تؤول إلى كذا، ويذكر ما يزعم أنه رمز بها إليه، وكثيرا ما يطلق على المعنى الذي تؤوّل به: ومنه - والله أعلم - قول الله ﷿ حكاية عن جلساء مَلك مصر: ﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾. ومواضع أخرى من سورة يوسف.\nويطلق على نفس الواقعة التي كانت الرؤيا رمزا إليها، ومنه - والله أعلم - قول الله ﷿ حكاية عن يوسف ﵇: ﴿هذا تأويل رؤياي﴾. فجعل نفس سجود أبويه وإخوته له هو تأويل رؤياه التي ذكرها بقوله: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي سجدين﴾.","vol":"1","page":43},{"text":"وأما تأويل الفعل: فهو توجيهه بذكر الباعث عليه والمقصود منه؛ فيتبين بذلك أنه على وفق الحكمة بعد أن كان متوهما فيه أنه مخالف لها. ومنه ما حكاه الله ﷿ عن الخضر: ﴿سأنبئُك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا﴾.\nوقد يطلق على العاقبة التي يؤول إليها الفعل؛ وبه فسر قتادة وغيره قول الله ﷿: ﴿ذلك خير وأحسن تأويلا﴾.\nوأما تأويل اللفظ: فالأصل فيه أن يحمل على معنى لم يكن ظاهرا منه، فالكلام الذي لا يظهر معناه غير ذلك الظاهر تأويلا. ويطلق على نفس المعنى الذي حمل عليه، ويطلق على نفس الحقيقة التي عبر عنها باللفظ.\nفإذا قال المفسر في قوله تعالى: ﴿وغدوا على حرد قادرين﴾، ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾، ﴿فسوف يلقون غيا﴾، ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ ﴿سأرهقه صعودا﴾.","vol":"1","page":44},{"text":"الحرد: المنع. ويل وغي وأثام: أودية في جهنم. صعود: جبل فيها\nفحمله إياها على هذه المعاني هو التأويل بالإطلاق الأول، ونفس تلك المعاني هي التأويل بالإطلاق الثاني.\nيقال: ما تأويل الحرد؟ فيقال: المنع. وما تأويل صعود؟ فيقال تأويله أنه جبل في جهنم.\nونفس المنع، وتلك الأودية، وذلك الجبل: هي التأويل بالإطلاق الثالث.\nويحتمل الأول والثاني دعاء النبي - ﷺ - لابن عباس: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».\nوفي رواية: «اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب».","vol":"1","page":45},{"text":"وقد ذكر الحافظ طرق الحديث في الفتح، في كتاب العلم، في شرح باب قول النبي - ﷺ - \"اللهم علمه الكتاب\".\nويحتمل أن يكون المراد: علمه كيف يؤول، فيكون من الإطلاق الأول، ويحتمل أن يكون المراد: علمه المعاني التي يؤول إليها ألفاظ الكتاب، فيكون الإطلاق الثاني، والله أعلم\nومن الثالث: قوله ﵎: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلنه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾، وقوله ﷿ ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى .... بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الباب الثاني في حكم التأويل</span>\nقد تقرر في الأصول أنه لا تكليف إلا بفعل، والفعل إنما يتأتى في التأويل بالإطلاق الأول، فأقول:\nاللفظ الذي يراد تأويله لا يخلو عن ثلاثة أحوال:\nالأول: أن يكون في العقائد.\nالثاني: أن يكون إخبارا عما قد وقع -كخلق السموات والأرض- أو عن أمر كوني، فإنه واقع -كأحوال الشمس والقمر-، أو أنه سيقع -كخروج يأجوج ومأجوج-.\nالثالث: أن يكون فيما عدا ذلك من الأحكام، ونحوه.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الأول: في تأويل النصوص الواردة في العقائد</span>\nالنصوص في العقائد على ضربين:\nالأول: ما ورد في عقيدة كُلِّف الناس باعتقادها.\nوالثاني: بخلافه.\nفالأول هو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والقدر. والنصوص على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة شهيرة.\nوالمقصود من هذا الإيمان هو تحقيق ما أنشئ الإنسان هذه النشأة في الدنيا لأجله، وهو الابتلاء؛ ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة﴾\nوالهلاك هو العصيان، والحياة هي الطاعة. وبتفاوت الهلاك والحياة يتفاوت العصيان والطاعة، ولا يتصور عصيان وطاعة إلا ممن","vol":"1","page":49},{"text":"علم الأمر والنهي؛ ولا يتصور العلم بأمره ونهيه إلا بعد الإيمان بأنه موجود حي -كما هو واضح- وبأنه قادر، إذ لا يعلم استحقاقه الطاعة إلا بذلك، وبأنه عالم، إذ لا تنبعث النفس على الطاعة وتنزجر عن المعصية إلا بذلك، وبأنه حكيم، إذ لا يعلم صحة النبوة ويوثق بالجزاء إلا بذلك.\nوبأن الملائكة حق؛ لأنهم الوسائط بين الله وأنبيائه، والمبلغون لكتبه، فلا يعلم صحة الأمر والنهي، وأنه من عند الله إلا بعد الإيمان بهم.\nوبأن كتب الله حق؛ لأنها هي الجامعة للأمر والنهي، فلا يعلم صحة ذلك إلا بالإيمان بها.\nوبأن الأنبياء حق؛ لأنهم المبلغون للأمر والنهي، فلا يعلم صحة ذلك إلا بالإيمان بهم.\nوثمّ تفاصيل ترجع إلى ما ذكر، كالإيمان بعصمة الملائكة المبلغين، والأنبياء بعد البعثة؛ لأن حكمة الله ﷿ تقتضي ذلك، ولا يتم الوثوق بالأمر والنهي إلا بذلك.\nوبالبعث بعد الموت؛ لأنه لا يوثق بالجزاء إلا بذلك.\nوبالقدر؛ لأنه لا يسلم الإيمان بقدرة الله تعالى وعلمه وحكمته إلا به، وقد اشتهر عن الشافعي ﵀ أنه قال: \"إذا سلّم القدرية","vol":"1","page":50},{"text":"بالعلم حجوا\". ولهذا القول غور أبعد مما فهموه منه، وقد لوحت إليه، وعسى أن ألم به في موضع آخر.\nوعامة ما ذكر يمكن إدراكه بالعقل، ولا سيما بعد تنبيه الأنبياء. فآيات الآفاق والأنفس تدل على وجود الله، إذ لا بد للأثر من مؤثر، فأي أثر تحس به في الكون لا بد له من مؤثر. فإذا فرض مؤثر حادث كان هو أيضا محتاجا إلى آخر، وهكذا حتى ينتهي الفكر إلى مؤثر غني بنفسه هو الله ﷿.\nوالآثار في الآفاق والأنفس تدل على حياة المؤثر الأعظم، وقدرته، وعلمه، وحكمته؛ وما تدل عليه الآثار من حكمته يوجب العلم بأنه لم ينشئ الناس هذه النشأة عبثا، ولا يدعهم سدًى وهملا، ولا يكلهم إلى عقولهم المحدودة المختلفة، بل لا بد أن يرشدهم؛ ولا توجد في الكون صورة للإرشاد إلا النبوة، وبذلك تثبت النبوة، والملائكة والكتب أيضا. وأما العلم بنبوة رجل معين فتعلم بالمعجزات، وبالعلم بطهارة سيرته وحرصه على العمل بما جاء به سرا وعلنا، وباستقراء ما جاء به، وظهور أن عامته مطابق للحق","vol":"1","page":51},{"text":"والعدل والحكمة. ولا يخدش في ذلك الجهل بوجه الحكمة في بعض ذلك، فإن ذلك ضروري؛ لأن الدين من شرع الحكيم العليم الذي أحاط بكل شيء علما، وعقل المخلوق وعلمه محدود، وأنت ترى عقول الناس مختلفة، فكم من أمر يجزم كثير من الناس بأنه خلاف الحكمة، فيجيء من هو أعقل أو أعلم منهم فيبين لهم وجه الحكمة، وقد قال الله ﷿ ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾.\nوكثير من الأحكام يحصل المقصود بالعمل بها، ولا يحتاج إلى العلم بوجه حكمتها، وقد يكون العلم بوجه الحكمة يفتقر إلى صرف مدة طويلة من العمر.\nومثل ذلك مثل الطبيب والمريض؛ فإن الطبيب يعلم من طبائع الأمراض والأدوية ما لا يعلمه المريض، ومن ذلك ما لا يدرك إلا بعد صرف مدة طويلة في التعلم، وقد يكون المريض ضعيف الفهم لا يتهيأ له معرفة ذلك ولو أتعب نفسه فيه؛ ففي مثل هذا ليس على الطبيب إلا إعطاء المريض الدواء المناسب، وليس عليه أن يشرح له حقيقة المرض، وأسبابه، وسبب تأثير الدواء؛ لأن هذا يطول ويتعب في غير فائدة، وبحسبِ المريض أن يعلم أن الذي أعطاه الدواء طبيب ناصح، والعلم بذلك لا يحتاج إلى استقراء مستغرق.\nولو قال المريض: لا آخذ الدواء حتى تشرح لي حقيقة المرض وأسبابه وحقيقة الدواء وتأثيره، لَعُدَّ أحمق الناس! ولطرده الطبيب","vol":"1","page":52},{"text":"قائلا له: أنا أعالجك رحمة وشفقة، وقد قام عندك من الدلائل ما يكفي في علمك أني طبيب ناصح، وتعلم أن معرفة ما تريد أن أعرفك به يفتقر إلى علوم ليست عندك، ولعل فهمك لا يبلغها، واشتغالي بذلك إضاعة لوقتي ووقتك فيما لا حاجة إليه، وصرف الوقت في مداواة العُقل أولى بي من التحامق مع الحمقى!\nهذا كله مع أن الطبيب بشر يجوز عليه الغش والخطأ.\nوبالجملة؛ فالعلم بنبوة النبي له طرق بعضها أكمل من بعض، ولست الآن في صدد الاستيفاء.\nوالمقصود: أن الإيمان بما ذكر هو الذي يتوقف عليه معرفة الأمر والنهي. وقد بقي معنى مهم، وهو الإيمان بالوحدانية، فالوحدانية في الربوبية قد تكلم فيها أهل الكلام، ولا حاجة للإطالة فيها، وأما وحدانية الألوهية، فقد حققتها في رسالة العبادة، والحمد لله.\nواعلم أن هذه الأمور الضرورية في الإيمان معلومة في الدين بالضرورة، فمن أراد أن يتأول بعض نصوصها تأويلا ينافي ما علم بالضرورة فلا نزاع في كفره.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الأول: في بيان جناية التأويل الفاسد على أهله</span>\nواعلم أنه يتصل بالأمور الضرورية للإيمان تفصيلات لا يتوقف الإيمان على العلم بها، مثل كيفية الحياة والعلم، وغير ذلك؛ وهناك أمور أخرى لا يتوقف الإيمان على العلم بها أصلا، وإنما وجب الإيمان بها بخبر الصادق المصدوق، وعلى هذين تدور رحى التأويل.\nفمن قائل: هي حياة كحياتي، ويد كيدي، ووجه كوجهي .... إلى غير ذلك.\nومن قائل: هذا يستلزم حدوث الرب، ونقصه تعالى عن ذلك، فلا بد من تأويله!\nومن قائل: حياة تليق به ﷿، ويد تليق به سبحانه، ولا أؤول.\nويحتجّ الأول بأن الله ﷿ قد وصف نفسه بذلك، ووصفه به","vol":"1","page":55},{"text":"رسله، وقد قام البرهان على وجوب حمل النصوص على ظواهرها، إذ لو كان المراد بها غير ظاهرها لكانت كذبا! - على ما حققناه في الفصل الثاني - وذلك محال.\nوأجاب الثاني عن هذا بأجوبة:\nأحدها: أن اللفظ إنما يبقى على ظاهره ما لم تكن هناك قرينة تصرفه إلى معنى آخر، وتحقيق هذا: أن اللفظ قد يكون له ظاهر في نفسه، ولكنه اقترن به ما صار الظاهر معنى آخر، فقولك: \"إن زيدا رجع اليوم\" ظاهره أنه رجع هو نفسه.\nوقولك: \"إن أمس رجع اليوم\" لا يظهر منه ذلك، بل يظهر منه أن اليوم مشابه لأمس في كونه صحوا أو غيما أو نحو ذلك؛ وهذا حق في نفسه، ولكن لما سئل المؤولون عن القرينة ذكروا أمورا، منها العقل، فقيل: إن العقل لا يصح أن يكون قرينة إلا إذا كان بديهيا حاصلا للمخاطبين، وفي المعاني العقلية التي تجعلونها هي القرينة [مع] اعترافكم أنه لا يحصل للإنسان إلا بعد ممارسته المعقولات من المنطق والفلسفة وغير ذلك. وهذه النصوص الدالة على أن الله ﷿ في جهة العلو تؤولونها لمخالفتها العقل - زعمتم!\nوأنتم تعترفون أن الإيمان بموجود ليس في جهة لا يتهيأ للإنسان","vol":"1","page":56},{"text":"حتى يمارس المعقولات ويوغل فيها، فعند ذلك تأنس نفسه بالتصديق بذلك! ذكر هذا الغزالي في كتبه، وغيره.\nوإذا كان الحال هكذا، لأن القرينة التي يعلم المتكلم أن المخاطب لا يدركها لا تخرج الكلام عن الكذب، كما تقدم.\nقالوا: هناك قرينة أخرى، وهي قول الله ﷿: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وقوله ﷿: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾\nقيل لهم: هاتان الآيتان غير ظاهرتين في المعنى الذي تريدون.\nأما الأول: فلو قلت لرجل: عندي شيء ليس كمثله شيء، لما فهم أنه ليس في الكون ما يشبهه من بعض الوجوه شيء، وقريب من هذا يقال في الآية الثانية؛ فكيف يجوز أن يكتفى في هذا المطلب العظيم بقرينة ظاهرها أنها ليست قرينة؟\nوفوق هذا: فقد تقرر في الأصول أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والحاجة في النصوص الاعتقادية هي وقت الخطاب، فلو كان المراد جعل هاتين الآيتين قرينة لوجب قرنهما، أو إحداهما، أو ما يقوم مقامهما بكل آية أو حديث يتعلق بالصفات، وإلا لزم الكذب.","vol":"1","page":57},{"text":"فإن قالوا: إذا سمع الإنسان القرينة الواضحة أولا أغنى ذلك عن إعادتها مع كل آية من آيات الصفات.\nقيل لهم: بعد فرض تسليم الوضوح لم يكن العمل على هذا، أي أن لا يتلو النبي - ﷺ - شيئا من آيات الصفات على أحد حتى يتلو عليه الآيتين المذكورتين أو أحداهما، بل قد نزل قبلهما كثير من القرآن، وقد كان الرجل يسلم ثم يصلي مع النبي - ﷺ - فيتلو في صلاته من القرآن ما شاء الله، ولا يبدأ بإحدى الآيتين، ولعل كثيرا من الأعراب الذين أسلموا لم يسمعوا الآيتين ولا إحداهما؛ ولم يقل أحد من العلماء إنه يجب على قارئ القرآن أن لا يقرأه بمحضر من العامة إلا بعد أن يذكر لهم الآيتين أو إحداهما، أو ما يقوم مقام ذلك.\nفإن قالوا: فإنه يلزم مثل هذا في آيات التحليل العامة التي دلت آيات أخر على تخصيصها، وليست في سياقها، فيمكن أن يكون بعض الأعراب سمع الآية العامة فذهب يستحل كل ما تناولت، مع أن بعضه محرم بآية لم يسمعها؛ ومثل هذا يقال في الأحاديث، وهكذا ما يشبه العموم من كل دليل ظاهره تحليل شيء، وقد بينه دليل آخر.","vol":"1","page":58},{"text":"فالجواب أن الخطأ في التحليل والتحريم سهل، فلا يكون المخطئ كافرا ولا فاسقا؛ بل هو معذور مأجور، كما سيأتي إيضاحه. وليس الخطأ في الكفر كذلك، بل قال جم غفير إن كل مجتهد في الأحكام مصيب، وله غفور.\nوقد أوضحنا ذلك في موضع آخر.\nحاصله: أن كثيرا من القوانين لا يكون مطابقا للحكمة في كل فرد من الأفراد، وإنما روعي مطابقته في الأعم الأغلب. ومثّلناه بحد الزنا، فرُبَّ شيخ غني ضعيف الشهوة قادر على التزوج فتركه، واحتال لاجتماعٍ بامرأة قبيحة يستطيع التزوج بها ولا يعشقها، فزنى بها، ولما كان غير محصن فحده الجلد؛ وآخر شاب فقير شديد الشهوة لا يقدر على التزوج صادفته امرأة جميلة يعشقها، ولا يستطيع زواجها، فلم يتمالك نفسه حتى وقع عليها، وكان قد تزوج امرأة، وبات معها ليلة واحدة ثم ماتت، ولما كان محصنا فحده الرجم؛ فأنت ترى الثاني أحق من الأول بالتخفيف، ولكن الشارع لم يخفف عنه.\nوإنما كان ذلك لأن الجرأة على المعصية أمر يخفى ولا ينضبط، فأناط الشرع الأمر بصفة واضحة منضبطة وهي الإحصان، وعرفه","vol":"1","page":59},{"text":"لأن الغالب في الزاني المحصن أن يكون أرغب عن الزنا من غير المحصن، فإذا زنى مع ذلك كانت جرأته أشد من غير المحصن.\nولكن الحكم العدل ﵎ يجبر ما يستلزمه القانون العام من خلل في بعض الجزئيات بقدره الذي لا يعجزه علم الحقيقة، ولا تقدير ما يوافق الحكمة.\nولذلك صور قد ذكرت بعضها في غير هذا الموضع، والذي يختص بهذا الموضع هو أن الله ﷿ قد يعلم أن هذا الشيء الذي دلت الآية بعمومها على أنه حلال، وبينت آية أخرى أنه حرام، يعلم سبحانه أن الحكمة لا تقتضي تحريم ذلك الشيء على هذا الشخص، فيسره سبحانه قدر له أن يسمع الآية العامة، ولا يسمع الآية الأخرى، وهو وإن كان مخطئا بالنظر إلى الحكم الشرعي فهو مصيب بالنظر إلى الحكم الذي علم الله ﷿ أنه أنسب به، ولا يأتي مثل هذا في الكفر.\nواعلم أن المؤولين يكابرون، والمكابرة لا علاج لها إلا الكي. ولكن جماعة من متبحريهم أنفوا من المكابرة ووقعوا في شر منها؛ لأنهم أصروا على شبهاتهم الفلسفية، ثم قال بعضهم: إن المقصود من الشريعة هو الإصلاح لحال البشر حتى يمتثلوا الأمر ويجتنبوا النهي،","vol":"1","page":60},{"text":"وإنما ضمت من العقائد ما يتوقف ذلك عليه، وأما ما عدا ذلك فإنما جاءت بما يتوافق اعتقاد غالب الناس وإن كان خطأ في نفسه! وإنما فعلت ذلك لئلا تصد الناس عن قبول الشريعة إذا جاءت بما يخالف عقائدهم!\nقالوا: فجاءت بأن الله ﷿ مستو على عرشه فوق سماواته، وبأن له وجها، ويدا، وقدما، وغير ذلك، مما هو عندهم من خواص الأجسام!\nقالوا: لأن غالب الناس - بل كلهم إلا من تغلغل في المعقولات - لا يصدقون بموجود قائم بذاته، ليس بجسم ولا في جهة!\nوعند هؤلاء أن عامة الصحابة والتابعين، وغالب الأمة مخطئون في اعتقادهم، يلزمهم القول بحدوث الحق ﷿ ونقصه ﵎، ولكن الشريعة أقرتهم على ذلك؛ فليسوا بكفار، ولا فساق في حكم الشرع.\nوأنت ترى أن هؤلاء أدنى من الكافرين إلى العقل في بادئ الرأي، ولكنهم أخبث منهم. فإنهم يقولون: لا ريب أن آيات الصفات وأحاديثها ظاهرة في الباطل، ولم تكن هناك قرينة كافية لصرفها عن ذلك، وعامة الصحابة والتابعين وغالب من بعدهم فهموا","vol":"1","page":61},{"text":"منها المعنى الباطل، وهي نفسها سيقت سياقا يُفهم منه المعنى الباطل، وذلك كذب لا محالة، ولكن الكذب لإصلاح الناس حسن!\nفجوز هؤلاء - بل نسبوا - الكذب إلى الله وكتابه ورسوله ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾.\nثم يقال لهم: لو سلم أن الكذب قد يكون حسنا، فإنما ذلك من الإنسان العاجز المحتاج؛ ولو لم يستحل أن يقع من الله ﷿ ورسوله شيء من هذا الكذب فقد كان يجب أن لا يكون إلا عند الحاجة، ولا حاجة إلى تلك الآيات والأحاديث، فكان يكفي أن يثبت لله ﷿ ما لا بد منه، ويعرض عما عدا ذلك مما يخطئ الناس فيه من الاعتقاد، فلا يرده عليهم. فأما أن يصرح بما يوافق اعتقادهم الخاطئ، ويؤكده، ويكرره في مواضع لا تحصى، فهذا ما لا يتوهم جوازه؛ لأن الإصلاح المقصود لا يتوقف عليه.\nوقد حكم الله ﷿ بكفر من نسب إليه الولد، وقال في ربه بألوهية ابنه! وغير ذلك، قبل بعثة محمد - ﷺ - وبعدها.\nوإذا تدبرت ما قدمناه في تشديد الله ورسوله في الكذب ازددت بصيرة في هذا إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":62},{"text":"ووجه آخر، وهو: أنه كان في أصحاب رسول الله - ﷺ - جماعة من أهل الذكاء والفطنة وسلامة العقل يلازمون النبي - ﷺ - حضرا وسفرا، ويصدقونه في كل ما يقول؛ أفما كان ينبغي أن يبوح لهم بالحقيقة، ويأمرهم أن يبوحوا بها لمن وثقوا بذكائه وفطنته، وهكذا يتسلسل هذا الأمر في كبار العلماء في كل قرن؛ فما بالنا نجد كبار العلماء - من الصحابة والتابعين فمن بعدهم - هم أشد الناس بعدا عن هذا الاعتقاد، وعامة من خاض في ذلك هم ممن لم ينشأ على العلم، ولا لازم العلماء، ولا تبحر في الكتاب والسنة، وإنما اعتمد الجعد بن درهم وجهم بن صفوان وأشباههم ممن لا تعرف له عناية بالعلوم الدينية ولا ملازمة لأئمتها؛ فقام الأئمة المشهورون بالعلم وملازمة أهل العلم فبدّعوا هؤلاء وضللواهم وكفّروهم، كما هو معروف.\nفإن قال قائل: لعل النبي - ﷺ - أوصاهم بالكتمان! قيل له - مع العلم ببطلان قوله -: وهل كان الكتمان فرضا، حتى إذا سمعوا من يذكر الحق ضللوه وكفروه؟\nفإن قال: نعم!\nقيل: فهل كان ذلك حقا أم باطلا؟\nفإن قال: بل حقا!","vol":"1","page":63},{"text":"قيل له: فأنت وأئمتك على هذا مبطلون، ضالون، مضلون، محاربون لله ورسوله!\nواعلم أن من هؤلاء من كابر أيضا، ومنهم من رأى أن المكابرة لا تجدي ففر إلى ما هو أخبث وأخبث، فقال: إن الأنبياء أناس فضلاء أخيار أرادوا إصلاح البشر، وصَفَت نفوسهم إلى درجة أنهم صاروا يتوهمون أنهم يسمعون كلام الله تعالى وملائكته، وإنما ذلك تخيلا محضا! غير أن نفوسهم لما كانت طاهرة كانت تتخيل ما يناسب ما يريدونه من الإصلاح بحسب معرفتهم، وكانوا يعتقدون ما أخبروا به، ويرون أنه الحق!\nولما رأى بعض هؤلاء أن ما تواتر من صفات الأنبياء -مما يدل على نهاية العقل والفطنة والمعرفة- يأبى ذلك قال: هم أناس عقلاء اخترعوا لأممهم ما يصلحونهم به في دنياهم!\nورأى غير هؤلاء أن ما تواتر عن الأنبياء مما يبرهن على ملازمتهم للصدق والعبادة وشدة الخوف من الله ﷿ وتقديم طاعته على كل ما عداه، مع ما جاؤا به من الحكمة التي تبهر العقول وتحيرها.","vol":"1","page":64},{"text":"قال قائلهم:\nنهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال\nولم نستفد من بحثا طول عمرنا ... سوى أن جمعنافيه قيل وقالوا\nومنهم من تداركته رحمة الله ﵎، فرضي من العناية بالآيات، على أنه لم يرجع سالما من كل عيب، وإلى الله المآب،","vol":"1","page":65},{"text":"وعليه الحساب.\nوأما من قال: حياة تليق به، ويد تليق به تعالى، ونحو ذلك، ولا تؤول، فهم فرق:\nالفرقة الأولى: من يسلم أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها تقتضي المحال، وأن التأويل سائغ ولكنه خطر. وقال قائلهم: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم!\nالفرقة الثانية: كالأولى، إلا أنها تقول لا يجوز التأويل أصلا.\nالفرقة الثالثة: من يقول: كل ما أثبته الله ﷿ لنفسه وأثبته له رسوله ﵊ فهو حق وصدق على ظاهره.\nأما الفرقتان الأوليان فيلتحقان بالمؤولين، وقد تقدم ما لهم وعليهم.\nوأما الفرقة الثالثة فإنها نسبت إلى موافقة من قال حياة كحياتي ويد كيدي، وهي أبعد الناس عن ذلك. وهاك الإيضاح:","vol":"1","page":66},{"text":"غالب الصفات يختلف تصورها تبعا لاختلاف تصور الموصوف بها، فيقال للصبي الغر والأعرابي الجلف: يد إنسان؛ فيتصور شيئا، ثم يقال يد فرس؛ فيتصور شيئا آخر، ثم يقال له: يد طائر؛ فيتصور شيئا ثالثا، وهكذا.\nفإذا قيل له: يد الله، فقد يتخيل شيئا ما، فإذا رجع إلى عقله علم أن ذلك التخيل خرص وتخمين، ثم يقول: ما رأيت الله ﷿، ولا رأيت ما يماثله، فكيف يتهيأ لي تصور يده؟\nوهذه حقيقة متفق عليها بين العقلاء، وهي أن الإنسان لا يدرك إلا ما أحس به أو أحس بفرد أو أفراد مماثلة له، ولا يدرك ما أحس به أو أحس بما يماثله إلا ما تناوله الإحساس، ولا يدرك مما أحس بما يماثله إلا ما يعلم أنه قدر مشترك بينهما؛ فلسنا ندرك من صفات الله ﷿ إلا ما يتصف المخلوق بما يشبهه في الجملة، فاستدللنا بآثاره على وجوده؛ لأننا نعرف الوجود في الجملة بوجود الخلق الذين نحس بهم، ونعلم أن الأثر يدل على وجود مؤثر. وهكذا بقية الصفات التي تقدم ذكرها، مع العلم بأن صفات الرب ﷿ واجبة","vol":"1","page":67},{"text":"كاملة مُبرأة، وأن صفات المخلوق فانية ناقصة معيبة؛ ولكن ذلك يمنع وجود اشتراك في الجملة يتهيأ به الإدراك، على أننا إنما ندرك صفات الله ﷿ على وجهٍ إجمالي.\nفأما اليد مثلا فإننا لا نجد ذاتا تشبه ذات الرب ﷿ في الصورة -تفصيلا ولا إجمالا- حتى ندرك يده تعالى بالقياس على يد تلك الذات التي نعرفها.\nهذا في الإثبات. وأما في النفي فلم ندرك ذاتا تشبه ذاته ﷿ وليس لها يد حتى ندرك بالقياس عليها أنه ليس له سبحانه يد؛ غاية الأمر أننا ندرك أنه سبحانه منزه عن النقص، ولكننا لا ندرك أنه لو كان له يد تليق به لكان ذلك نقصا، ومن زعم أنه يدرك هذا فإنه تخيل يدا كيد المخلوق، فلذلك جزم بأنها نقص.\nوالإنسان إذا حاول أن يتصور شيئا، إن كان قد أدركه بواسطة الحواس فذاك، وإلا فإن كان قد أدرك ما يشابهه فإنه يتصوره بتلك الصورة، ولكن العقل إذا علم أنها لا تشابهه في كل شيء جرد الصورة المتخيلة من بعض الأوصاف، وإذا كانت الصورة مشابهة لما","vol":"1","page":68},{"text":"يحاول تصوره كغيره قاس القياس بتصور صورة على قدر المشترك بين تلك الصورة التي أدركها مجردة عن الحواس التي تختلف، وربما ضم إليها صفة أو نقص منها صفة إذا قام لديه ما يوجب ذلك.\nفإذا سمعت برجل انكليزي لم تره، ولا رأيت صورته، ولا وصف لك، وكلفت ذهنك أن يتصوره، وكنت رأيت جماعة من الإنكليز؛ فإن ذهنك يتخيل صورة على قدر المشترك بين الذين رأيتم حتى يتخيل القياس.\nولو أردت تصور رجل حبشي لا تختلف الصورة التي تخيلتها؛ فإذا وصف لك الرجل أنه أعور، أو أعرج، أو طويل، أو قصير، أضفت هذه الصفة إلى تلك الصورة، ولكن بحسب القدر المشترك بين العور والعرج، والطول والقصر الذين قد أدركتهم. على أنك لو كلفت نفسك تصوره كبيرا جدا كالجبل أو صغيرا جدا كالذرة لأمكنك ذلك.\nوإذا تدبرت وجدت الذهن إنما يستمد التصور من القياس على الصور المخزونة في الحفظ، ولكنه يركب ويقسم، وبهذا يمكنه أن يتصور شق رجل، ويتصور رجلا له وجه فرس ... وهكذا.\nفإذا كلفته أن يتصور ما لم يحس به ولا بما يشبهه؛ فإنه يفرض","vol":"1","page":69},{"text":"عليك صورا يستمدها من خزانته، وقد يركب ويقسم، ويزيد وينقص، وكلما عرض عليك صورة، فقال العقل: ليس هذا أريد، عاد فاستمد من الخزانة صورة أخرى.\nفإذا كلف الذهن تصور يد الله ﷿ فأول ما يفرض يد إنسان؛ لأنها أقرب الأيدي حضورا بالذهن لكثرة تكرر إحساسه بها، فإذا لم تقبلها أخذ يزيد في تلك الصورة وينقص، ويستمد الزيادة والنقص من الأجرام التي قد أدركها، فإنه يجعلها نورا على صفة ما قد أدكه من نور الشمس والقمر وغيرها، ويعظمها - لإدراكه صفة العظمة - حتى يجعلها كالجبل أو أعظم منه، وغير ذلك.\nوالعقل يحكم كل مرة أن تلك الصورة فيها نقص وعيب، وأن الله ﷿ مبرأ من ذلك، فإذا يئس من وجدان صورة تليق برب العزة فهو بين أمرين:\nإما أن يعترف بعجزه وقصوره، وأن الموجودات لا تنحصر فيما يمكنه تصوره وتخيله، فهذا يجوّز أن يكون لله ﷿ يد تليق به، فإذا علم أن الصادق المصدوق قد أخبر بذلك آمن به.\nوإما أن يغلب عليه الغرور والدعوى، ويزعم أنه ما من موجود إلا ويمكنه تصوره، فهذا ينكر أن تكون لله ﷿ يد، ويزعم أن من","vol":"1","page":70},{"text":"أثبت لله ﷿ يدا يلزمه أن يثبت له يدا من تلك الأيدي التي تخيل صورها العقل.\nفلو أن رجلا خلق أكمه وكبر، وعلم الكلام ما عدا الألوان، ولم يخبر بأن الناس يبصرون، ثم قال له رجل بصير ذات يوم: هذا شيء أبيض، فإنه يقول: ما معنى أبيض، أكبير؟ فيقال: لا، فيقول: فصغير؟ فيقال: لا، فيقول: فأملس، فخشن، فجامد، فمائع؟ إلى غير ذلك من المعاني التي قد عرفها وأحس بها.\nفإذا قيل له في كل ذلك: لا، لا! قال: فهذا عدم! وإن كان قد أُخبر بالألوان، وتواتر عنده أن الناس يبصرون وأن للأشياء ألوانا، فإنه يصدقهم، ولكنه لا يستطيع تصور ذلك.\nفهذا مثل الإنسان إذا أخبر بصفات الرب ﷿، وكأنه لهذا المعنى زعم بعض المتكلمين أن رؤية المؤمنين لربهم ﷿ في الآخرة إنما تكون بحاسة سادسة يخلقها لهم!\nولبيان خطئه أضرب مثلا ثانيا:\nافرض أنه لا يوجد في الدنيا من الألوان إلا السواد والبياض، ثم أخبر إنسان بأن هناك شيئا يُرى، أليس يقول: أسود؟ فإذا قيل: لا! فيقول: أبيض؟ فيقال: لا، فيقول فليس في الوجود شيء يُرى إلا أبيض أو أسود!","vol":"1","page":71},{"text":"فهذا مثل القوم؛ فإنهم لما لم يعرفوا في المرئيات إلا هذه المحسوسات قالوا: لو أمكن رؤية الله ﷿ لكان من جنس هذه المحسوسات!\nوالمقصود من المثال التفهيم، وإلا فلا يخفى أن الحمرة من جنس الألوان؛ وليس الله ﷿ من جنس الخلق. ولو فرض أن إنسانا لم ير ... (عبارة غير واضحة) تنطبع فيه صورته، ثم أخبر بأن الإنسان يمكنه أن يدرك بمعونة حاسة بصره لون حدقته، فيعلم أنها سوداء أو زرقاء أو غير ذلك بدون أن يخرج إحدى عينيه من موضعها، ولا يتغير شكله، أليس يبادر فيقول: هذا محال!\nوالمقصود من هذه الأمثلة تقريب الذي ذكرناه: من أن الإنسان يجحد ما لا يحس به، ولا بما يشبهه.\nولو قلت لبدوي - لم يسمع بالآلات المخترعة -: إنه يمكننا أن نسمع كلام أهل أمريكا ونحن بحضرموت بدون معجزة ولا سحر ولا كرامة، لقال: هذا كذب! ولو لم يكن قد سمع بالمعجزات والكرامات والسحر ما احتجت أن تقول له: بدون كذا وكذا.\nإذا علمت هذا؛ فإنا نقول:","vol":"1","page":72},{"text":"كان الصحابة - ومن بعدهم ممن يتحكك بالبدع - يعلمون حق العلم أنه لا سبيل للعقل إلى تصور يد الله ﷿ ولا سبيل للعقل أن يدرك أنه سبحانه ليس له يد تليق به؛ فلما أخبرهم الله ورسوله بأن لله يدًا آمنوا وصدقوا، فليس في تلك النصوص بحمد الله ﷿ لا كذب ولا إضلال، وليس في عقيدة السلف جهل ولا ضلال، فإن الجهل بما ليس في قدرة الإنسان العلم به لا يعد نقصا، وإنما الجاهل من يجهل ذلك ويجهل أنه جاهل، ويخيب ويطمع فيما ليس فيه مطمع، ويؤول به الأمر إلى ما سمعت وتسمع.\nواعلم أن سبب ضلال القوم أمور:\nالأول: قلة حظهم من معرفة الكتاب والسنة.\nالثاني: تقديسهم للفلاسفة فوق تقديس الأنبياء بدرجات.\nالثالث: ما في فطرة الإنسان من دعوى أن عقله يستطيع إدراك كل شيء، فطره على ذلك لئلا يكسل ويتوانى عن المعارف والعلوم، كما فطره على طول الأمل ليبقى في عمارة الدنيا، وعدل ذلك بالعقل ليكبحه عن تجاوز الحد في ذينك الأمرين. وهؤلاء القوم نشأوا على التطلع والتعمق، فاعتضدت الفطرة بالعادة، فأغفلهم ذلك عما يقررونه من أن الإدراك لا يكون إلا بإحساس أو قياس كما سلف، فكلفوا عقولهم أن تدرك ما ليس من شأنها إدراكه، فصارت","vol":"1","page":73},{"text":"تتقيهم بالتخيلات. وقد أُثِرَ عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: \"إن للعقل حدا ينتهي إليه، كما أن للبصر حدا ينتهي إليه\".\nأقول: وقد جربنا أن من كُلِّف بصره إدراك ما لا يستطيع إدراكه يخيل إليه أنه يدرك ذلك، فكم مرة تراءى الناس الهلال فتراءيته معهم، فإذا حدقت وأمعنت في النظر يخيل إلي أني قد رأيته، ولكنها خطفة لا تثبت، ثم أيأس من ذلك الموضع فأنظر إلى موضع آخر، فيخيل إلي مثل ذلك؛ فعلمت أن تلك الخطفة هي صورة خيالية هي صورة خيالية لما أتخيله تبرز إلى العيان؛ لقوة التخيل وكد البصر.\nفكثيرا ما يعرض للعقل مثل هذا إذا كلف إدراك ما لا يدرك، والفرق أن خطأ البصر ينتبه له العقل، ولا يكاد ينتبه لخطأ نفسه.\nلو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصار\nوكثيرا ما يدرك العقل خطأ ما تصوره ولكنه لا ييأس، فلا يزال في أخذ ورد إلى أن يكل ويمل؛ يسمع بذهاب تعبه سدى فيقنع بالشبهة التي وقف عندها، ومثله مثل مسافر يأبى أن ينزل ليستريح","vol":"1","page":74},{"text":"إلا في موضع حسن جميل، وليس أمامه موضع كذلك، فلا يزال كلما أتى على موضع لم يره على الشرط حتى يعقله التعب والاعياء؛ فينزل ويسلي نفسه ويغالطها، يزعم أن ذلك الموضع حسن وجميل.\nوأنت إذا كنت قد وقفت على بعض الكتب المطولة في الفلسفة وتدبرتها تحققت هذا المعنى، ولا تكاد تجد شبهة عقلية قد قررها أحدهم على أنها برهان قاطع إلا وجدت غيره قد نقضها، ثم يجيء ثالث فيدفع هذا النقض، فيجيء رابع فيرد ذلك الدفع، وهكذا.\nحجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور\nثم اعلم أن أعظم ما يستندون إليه هو الاستقراء؛ فيستقرئون ما يدخل تحت حواسهم حتى تنتظم لهم مقدمة كلية بالنسبة إلى ما استقرؤوه، ثم يزعمون أنه لا يخرج موجود عن تلك الكلية، وذلك أمر بديهي البطلان؛ فإنهم يقولون: الحيوان كله يحرك فكه الأسفل إلا التمساح، فلو فرضنا أنهم لم يروا التمساح ولا سمعوا به - كأن كان في أمريكا فبل اكتشافها - فهذا الاستقراء يكون في زعمهم","vol":"1","page":75},{"text":"برهانا قاطعا على أنه لا يوجد حيوان يحرك فكه الأعلى! وهم يبالغون بزعمهم في نفي مشابهة الرب ﷿ لشيء من خلقه، ثم يحكمون عليه بما استقرؤوه من خلقه.\nومن أعظم بلايا العقل دعواه أنه لا يتعالى عن إدراكه شيء، فكثيرا ما ينظر فإذا لم يدرك جحد، ولاسيما عقول هؤلاء القوم الذين تسرب إليهم تقديس الفلاسفة وأهل الريب في النبوة على تفاوتهم فبه، ومثل ذلك مثل نفر من الناس فيهم رجل يرى أنه أحدهم نظرا، فيرى آخر منهم فيخبر أصحابه، فيترآه ذلك الرجل فلا يراه، فيبادر بتكذيب القائل \"إني أراه\" قائلا: لو كان الهلال طالعا لرأيته؛ لأنني أحدّ الجماعة نظرا!\nوهذا من أعظم غلط العقل، فتراه ينفي وجود بعض الأشياء وينكر بعض الأحكام ويرد كثيرا من الأخبار، لأنه لم يدركها أو لم يدرك وجه صحتها أو مطابقتها للحكمة. ولولا هذا الخطأ ومثله لم يكد يغلط عاقل ولا يضل، ولا استحل مسلم أن يذم المعقولات، ويحذر من شدة الاعتماد عليها، فإن الدين لا يقوم إلا على العقل كما قدمنا.\nومما يُتقى به خطأ العقل - إذا زعم أن إدراكه قاطع - أن يفرض صاحبه أنه اجتمع بمن هو أكمل منه وأعقل، فأخبره برأيه في تلك","vol":"1","page":76},{"text":"القضية، فقال له الأكمل: أخطأت! فإن أحس في نفسه أثرا لقول الأكمل: \"أخطأت\" فليعلم أن إدراكه ذلك ليس بقاطع.\nوقد بحث معي مسلم في مسألة معروفة، فزعم أن العقل القاطع يدل على نفيها، فقلت له: لو فرضنا أن النبي - ﷺ - لا يزال حيا، وأننا سألناه عن هذه المسألة فقال: هي حق ثابت، فهل تصدقه؟\nفقال: وكيف لا أصدقه؟\nفقلت له: فأين العقل القاطع؟\nفإن قلت: إنهم يجيبون عن مثل هذا بأنه يستحيل أن يقوله النبي - ﷺ -.\nفقلت: فإنهم يردون النصوص الصريحة من القرآن بنحو ذلك.\nفإن قلت: ولكنهم يتأولونها.\nقلت: قد تقدم أن حملها على التأويل معناه نسبة الكذب إلى الله ورسوله.\nوبعد؛ فالمكابرة لا دواء لها، والمقصود إرشاد من في قلبه خير إلى أن يفرض ما تقدم، ثم ينظر فلعله يتبين له خطؤه في توهم القطع.\nفإن قال قائل: إنما استقامت لك الحجة لأنك مثلت بالحياة","vol":"1","page":77},{"text":"واليد، ومن الصفات الأخرى ما لا يظهر استقامة تلك الحجة فيه، ومن ذلك كون الله ﷿ على عرشه فوق السموات، وكونه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ويجيء يوم القيامة، وغير ذلك.\nأقول: الحجة مثبتة في هذه كلها؛ لأن الفلاسفة مقلديهم أثاروا شبها ليست مما فطرت عليه العقول، ولا كان يعرفها العرب الذين تلقوا الشريعة غضة، وقد كنت أحببت أن أوضح ذلك مفصلا، ثم ضربت عن ذلك لمعنى سأذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، فلأكتف بجواب إجمالي:\nقد علمت أن الإخبار بكلام له معنى ظاهر وليس عند المخاطب قرينة توجب صرفه عن ظاهره يكون كذبا، ولا تغني تورية المتكلم في نفسه أو ملاحظته قرينة يعلم أن المتكلم لا يشعر بها، كأن يقدم رجل من اليمن إلى الحجاز، فيسأله رجل عن أبيه، فيقول إنه قد مات، ويريد في نفسه أنه نائم، ويزعم أن وجود الأب في اليمن حيا يرزق قرينة!\nوعلمت أن الكذب محال أن يقع من الله ﷿ ورسوله، والله ﷿ إنما أنزل الكتب وأرسل الرسل لهداية الناس إلى الصراط","vol":"1","page":78},{"text":"المستقيم لا لإضلالهم.\nفإذا أحطت بهذا؛ فكل نص في كتاب الله ﷿ أو في السنة المقطوع بها - يخبر بصفة من صفات الله ﷿ وله معنى ظاهر يعلم أن العرب الذين دعاهم النبي - ﷺ - لا يفهمون غيره - فلا مفر للمسلم من الإيمان به.\nثم اعلم [أن] من الصفات ما لا شبهة لمن أنكره أصلا، كما قد قدمنا في الحياة واليد مفصلا.\nومنها ما لم تكن فيه شبهة ولكن نشأت الشبهة فيه لمن اطلع على كلام الفلاسفة؛ وهذا لا بد للمسلم من الإيمان به وتكذيب الفلاسفة علمًا بأن العقل الإنساني قاصر وأن إدراكه يتفاوت وأنه كثيرا ما يتوهم أنه قد أدرك إدراكا قطعيا وهو مخطئ.\nومن تأمل اختلاف الفلاسفة والمتكلمين من كل أمة، وتخطئة آخرهم لأولهم - مع زعم كل منهم أن عقله أدرك ما قاله إدراكا خاطئا - تبين له هذا. ولو اطلعت على آراء فلاسفة العصر لرأيت من ذلك كثيرا جدا.\nومنها ما تعرض الشبهة فيه لكل أحد؛ وهذا لا بد للمسلم من الإيمان به، وصرف نفسه عن استرسالها في الفكر.","vol":"1","page":79},{"text":"ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته».\nوفيهما من حديثه أيضا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا؛ فليقل آمنت بالله ورسله».\nوفي رواية لأبي داود: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد الله الصمد لم يلد ويولد ولم يكن له كفوا أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم».\nوذلك أن الفكر إذا أراد أن يتصور أن الله ﷿ لم يزل ولا نهاية لأوليته تاه وتحير.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثاني: في تفسير قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات</span>\nقال الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾\nاختلف الناس في هذه الآية حتى كادت تصير هي نفسها من المتشابه، وقد يسر لي في فهم معناها سبيل واضح إن شاء الله تعالى، فأقول:\nقد ثبت أن القرآن كله محكم، لقوله تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾؛ وأنه كله متشابه، لقوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن","vol":"1","page":81},{"text":"الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ..﴾.\nوثبت بالآية المصدّر بها أن منه ما هو محكم غير متشابه، ومنه ما هو متشابه غير محكم.\nواتفق على أن المراد بالإحكام في قوله تعالى: ﴿أحكمت آياته﴾ عدم الخلل في الحسن والصدق ومطابقة الحكمة، وبالتشابه في قوله تعالى: ﴿كتابا متشابها﴾ أن بعضه يشبه بعضا في الحسن والصدق ومطابقة الحكمة؛ فلا منافاة بين هذا الإحكام وهذا التشابه.\nوأما الإحكام والتشابه في الآية المصدّر بها فهي صريحة في تنافيهما، وبذلك يعلم أن لكل منهما معنى غير المعنى المتقدم، فبحثنا عن ذلك فوجدنا المحكم محكما لا يحتمل إلا ذلك المعنى الواحد، وأنه لا خلل فيه، والقرآن كله محكم لا خلل فيه البتة، ولكن يمكن أن يقال: الخلل المنتفي عن القرآن البتة هو الخلل الحقيقي، فأما ما يتوهم خللا وليس في الحقيقة بخلل فهو موجود في القرآن، فيجوز أن يقال: أحكمت آياته في الحقيقة، فمنه آيات محكمات ليس فيها خلل ولا ما يتوهم خللا، وأخر فيها ما يتوهم خللا فهي المتشابهات.\nوقبل أن نبتّ الحكم في هذا ننظر في معنى ﴿متشابهات﴾،","vol":"1","page":82},{"text":"فنجد المعنى المتبادر أن كل آية منها تشبه الأخرى، وهذا عام في آيات القرآن كلها، كما قال تعالى: ﴿كتابا متشابها﴾.\nفإن قيل: إن هناك وجها تتشابه فيه الآيات التي يكون فيها ما يتوهم خللا مختصة به، وهو توهم الخلل في كل آية منها.\nقلت: ولكن هذا لا يكفي لتخصيصها بلفظ: ﴿متشابهات﴾، فإن المحكمات أيضا فيها وجه تتشابه فيه، وهو خاص بها، وهو أنه ليس في كل منها خلل، ولا ما يتوهم خللا.\nويمكن أن يقال: كل آية من المتشابهات في نفسها، على أن يكون المعنى: متشابهات معانيها، أي: يتشابه فيها معنيان، أو معان، كما يقال: اشتبه علي الأمر، أي: اشتبه صوابه بخطئه، ويقال: اشتبه علي الأمران، أي لم تميز بينهما.\nفإن قلت: ولكنه لا يقال: تشابه علي الأمر!\nقلت: لا أستحضر شاهدا لذلك، ولكن \"اشتبه\" و\"تشابه\" بمعنى، قال تعالى: ﴿مشتبها وغير متشابه﴾\nوقد قال المولد:\nرق الزجاج وراقت الخمر ... تشابها فتشاكل الأمر","vol":"1","page":83},{"text":"الشاهد في قوله: \"وتشاكل الأمر\".\nفلنترك هذا ههنا، ولننظر في بقية الآية، لعلنا نجد فيها ما يبين المقصود. قال تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾.\nدلت الآية أن المتشابه من شأنه أن يتبعه الزائغون ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.\nومن المعقول أن الآية التي تتشابه معانيها يتبعها الزائغ ابتغاء الفتنة ليحملها على المعنى الذي يوافق هواه، ولكن قوله تعالى: ﴿وابتغاء تأويله﴾ يدل أن ابتغاء تأويل المتشابه زيغ.\nفإن قيل: إنما يكون زيغا في حق الزائغين، لأنهم يبتغون الفتنة. قلت: لا أرى هذا شيئا، إذ لو كان كذلك لكان المدار على ابتغاء الفتنة، ولما ظهر معنى لزيادة: ﴿وابتغاء تأويله﴾، بل ولا","vol":"1","page":84},{"text":"تخصيص المتشابه، لأن مبتغي الفتنة يبتغيها في كل آية من القرآن، وإن كان ابتغاؤه إياها فيما تشابهت معانيه أكثر.\nفإن قيل: فإنما يكون زيغا في حق الزائغين، لأنهم يبتغون الفتنة.\nقلت: لا أراه كذلك، لأن من ليس براسخ في العلم قد يخطئ في فهم المحكم أيضا.\nوأوضح من هذا كله قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، فقصر علم تأويل المتشابه على الله ﷿.\nفإن قلت: فقد قال: ﴿والراسخون في العلم﴾؟\nقلت: ليس هذا عطفا البتة، وإنما هو معادل قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾، فكأنه قال: وأما الراسخون في العلم ...\nفالآية كقولك: أما زيد ففي المسجد وعمرو ذهب إلى السوق، اختار هذا المعنى ابن هشام في المغني، وهو المختار؛ لأن \"أما\"","vol":"1","page":85},{"text":"للتفصيل، وذكر القسمين أو الأقسام بعدها هو الأصل، والحذف خلاف الأصل.\nفلما كان قوله: ﴿والراسخون﴾ يحتمل أنه القسم الثاني ويحتمل خلافه، فحمله على أنه القسم الثاني هو الظاهر حتما، ويؤيد ذلك أن القائلين بالعطف قالوا إن قوله ﴿يقولون﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هم يقولون، ولا يخفى أن الأمر إذا دار بين الإضمار وعدمه فالأصل عدمه.\nومنهم من جوز أن يكون حالا، وهو باطل؛ لأن الحال قيد في عامله، فيصير المعنى: وما يعلم تأويله في حال قول الراسخين كذا وكذا إلا الله والراسخون قد يعلم تأويله في غير تلك الحال! ولا وجه لهذا.\nوإن قدر أنه حال من ضمير محذوف، والتقدير: يعلمونه حال كونهم يقولون. وهذا تعسف بتكثير الإضمار، ويلزم أن الله والراسخين لا يعلمون تأويله إلا في تلك الحال، وهناك مصارعات","vol":"1","page":86},{"text":"ومقارعات، انظرها في روح المعاني إن أحببت.\nوأوضح من هذا كله: أنه صح - كما في المستدرك وغيره - عن ابن عباس - وهو المدعو له بتعلم التأويل - كان يقرأ: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ويقول الراسخون ..\nوحكي مثله عن أبي بن كعب. وقد صح عن النبي - ﷺ - قوله: «أقرؤكم أبي».","vol":"1","page":87},{"text":"وجاء عن ابن مسعود - وهو هو - أنه كان يقرأ: ﴿وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم [يقولون]﴾.\nفلو كان المعنى على العطف لقال والراسخين كما لا يخفى.\nوقد رويت عن النبي - ﷺ - وأصحابه آثار كثيرة تصرح بأن المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى وحده. انظرها في الدر المنثور.\nوسياق الآيات يدل على ذلك، فإن قول الراسخين: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ ظاهر في عدم علمهم بتأويله، وإنما علموا أنه حق لأنه من عند ربهم، فكأنهم قالوا: أما ما علمنا تأويله فقد علمنا أنه حق بعلمنا بتأويله.\nوقولهم بعد ذلك: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ ظاهر في أن المتشابه مظنة لأن يكون سبب الزيغ، فتحمله هذه الأشياء على الجهل بحقيقة حاله، وبأن العقل له حد ينتهي إليه، كما أن للبصر حدا ينتهي إليه، وربما حملته على الخوض والكلام والنقض والإلزام","vol":"1","page":88},{"text":"فيما نعلم أنه لا سبيل له إليه، وكم من راسخ يرميه الناس بالكفر والضلال! وكم من زائغ يتخذونه إماما في الدين!\nفالحق أن هذه الآيات أفادت علامة الزائغ وآية الراسخ:\nفعلامة الزائغ اتباع المتشابه وابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وإذا خفي علينا ابتغاء الفتنة لم يخف ابتغاء التأويل.\nوآية الراسخ الكف عن ذلك والاكتفاء بقوله: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾.\nوفي الصحيحين وغيرهما من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، أن النبي - ﷺ - تلا هذه الآيات، ثم قال: «إذا رأيتم الذين يبتغون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم».\nولو كانوا قد علموا تأويله لكان بالنظر إليهم كالمحكم، وتعليل اتباع الزائغين للمتشابه بقوله: ﴿ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ ظاهر","vol":"1","page":89},{"text":"في أن ابتغاء تأويله زيغ، إذ لو كان الزيغ إنما هو في اتباعه ابتغاء الفتنة لما كان لقوله: ﴿وابتغاء تأويله﴾ معنى.\nفإن قيل: سلمنا أن ابتغاء تأويله زيغ ولكن لغير الراسخين.\nقلت: الرسوخ في العلم أمر خفي، ليس هو كثرة العلم، فكم من رجل كثير العلم ليس براسخ. قال تعالى ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾.\nوقال ﷿: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾\nوفي الحديث: «إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان».\nوقال الحسن البصري: \"العلم علمان: فعلم في القلب، فذلك","vol":"1","page":90},{"text":"العلم النافع، وعلم في اللسان، فذلك حجة الله تعالى على ابن آدم\". سنن الدارمي (ج١ ص١٠٧).\nوالأحاديث والآثار في هذه كثيرة.\nوقد كان عبد الملك بن مروان وأبو جعفر المنصور العباسي من كبار العلماء وهما طاغيتان. وكذلك الواقدي والشاذكوني ومحمد بن حميد الرازي؛ وهؤلاء رماهم أئمة الحديث بأنهم كانوا يكذبون على رسول الله - ﷺ -، وأمثالهم كثير. ومن العلماء من هو دون هؤلاء في العلم ولكنه معدود من الراسخين.\nفالرسوخ إذن حال قلبية، كما قال النبي - ﷺ - في الغنى: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»؛ فكذلك تقول: ليس الرسوخ عن كثرة العلم، ولكن الرسوخ رسوخ الإيمان في القلب، ويوشك أن يكون هو اللب كما في قوله تعالى: ﴿وما يتذكر إلا أولو الألباب﴾","vol":"1","page":91},{"text":"وإنه ليشم روائح الرسوخ من قوله: ﴿آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب * ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب * ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد﴾.\nفالراسخ دائم الخوف والخشية من ربه ﷿، مسيء للظن بنفسه. فكم من راسخ لا يرى أنه راسخ، وكم من زائغ يرى أنه من أرسخ الراسخين؟\nفالخائف الخاشع المسيء الظن بنفسه جدير بأن لا يستخفه ما عنده من العلم على الخوض فيما ليس له به علم، وعلى البحث فيما لم يكلف البحث فيه، وهو من موارد الخطر ومزالق النظر.\nهذا لو كان يمكن العلم به؛ فكيف إذا كان مما لا سبيل إلى العلم به؟ وإنما الزائغ الجريء على ربه، المتكل على عقله، الفرح بما عنده من العلم هو الجدير بأن يتعاطى الخوض في كل شيء، وتحمله ثقته بنفسه وأمنه مكر ربه ودعواه أنه لا يتعانى عن فهم شيء وحرصه على أن يطير ذكره في الناس وكبره عن أن يعترف بالجهل.","vol":"1","page":92},{"text":"فأطلق الحديث ولم يقيده؛ لكنه قد علم إخراج الاتباع على معنى التلاوة والإيمان، وبقي الاتباع على ابتغاء التأويل زيغ، كما أن ابتغاء الفتنة زيغ، ولم يقيده - ﷺ - بعدم الرسوخ، فعلم أن كلا من ابتغى تأويله فهو زائغ وليس براسخ، وأكد هذا بما يفهم من الحديث: أن النبي - ﷺ - كان واثقا بأصحابه الذين خاطبهم أنهم لا يتبعون المتشابه، وإنما حذرهم ممن نشأ بعده، وهم - ﵃ - أولى بالرسوخ من غيرهم؛ فعلم أن الراسخ لا يتبع المتشابه أصلا إلا على معنى تلاوته والإيمان به.\nفإن قلت: المتشابه في اختيارك هو ما اشتبه معناه بأن يتساوى المعنيان أو الثلاثة في الاحتمال، وهذا هو المجمل؛ فهل يدخل فيه ما اشتبه معناه أو معانيه، ولكنه يمكن ترجيح أحدها بدليل آخر؟\nقلت: كلا، ليس هذا بمتشابه، بل هذا مما يعلم تأويله الراسخ وغيره، ومما أمرنا بالتدبر فيه والنظر في تأويله.\nفإن قلت: فالمتشابه عندك ما اشتبه معناه، بحيث لا يوجد دليل يبينه؟\nقلت: نعم!","vol":"1","page":93},{"text":"فإن قلت: وما فائدة إنزال مثل هذا في القرآن، والقرآن إنما نزل هدًى للعالمين، وأمرنا بتدبره مطلقا؟\nقلت: ينبغي أولا أن تعين المتشابه، ثم أجيب عن هذا السؤال إن شاء الله تعالى.\nفأقول: مشتبه المعنى على أنواع، كما فصّله في \"المفردات\":\nالأول: المتشابه من جهة اللفظ، وذكر له خمسة أضراب:\nالكلمة الغريبة، كالأبّ.\nالمشتركة، كالقرء.\nما اختصر فيه الكلام، نحو: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتمى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾.\nما بُسط فيه، نحو ﴿ليس كمثله شيء﴾.\nما يشتبه في نظم الكلام، مثل: ﴿أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما﴾، فيتوهم السامع أن ﴿قيما﴾","vol":"1","page":94},{"text":"نعت لـ ﴿عوجا﴾، وإنما هو حال من ﴿الكتاب﴾.\nومنه قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾، إلا أن المتبادر في هذه الآية هو الصواب كما قدمنا، بخلاف قوله: ﴿عوجا * قيما﴾.\nالثاني: المتشابه من جهة اللفظ والمعنى جميعا، وذكر له خمسة أضرب أيضا:\nمن جهة الكمية، كالعموم والخصوص، نحو: ﴿فاقتلوا المشركين﴾\nمن جهة الكيفية، كالوجوب والتحريم في قوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾.\nمن جهة الزمان، كالناسخ والمنسوخ.\nمن جهة المكان والأمور التي نزلت فيها الآيات، نحو: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾، وقوله ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾.\nقال: فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية.","vol":"1","page":95},{"text":"من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد، كشروط الصلاة والنكاح.\nالثالث: ما ذكره بقوله: \"والمتشابه من جهة المعنى كأوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا، إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما تحسه\".\nأقول: وأنت - إذا كنت قد تدبرت ما تقدم - تعلم أن النوعين الأولين لا يصح تفسير المتشابه في الآية بها، فإن الأب والقرء وسائر ما ذكر في النوعين الأوليين ليست مما يتبع ابتغاء الفتنة، ولا مما يتبعه الزائغون ابتغاء تأويله، ولا غير ذلك مما تقدم، بل في ذلك ما يخفى على الراسخ ولا يخفى على الزائغ، وفيه ما يخطئ فيه الراسخ ويصيب الزائغ، ولم يزل العامة يسألون عما يشبه ذلك ولم يتهمهم أحد بالزيغ.\nوالحاصل: أن ذلك يصدق على المتشابه الذي وردت به الآية والأحاديث والآثار، بل ولا يصدق عليه أن معانيه مشتبهة؛ لأن الاشتباه فيه يزول بالتدبر، فالأب مثلا يعرف معناه بسؤال أهل اللغة، والنظر في القرائن، وهكذا؛ وليس في القرآن شيء من ذلك يتوقف","vol":"1","page":96},{"text":"العلماء عن اتباعه والنظر في تأويله، مع أن الجمهور يقولون في الآية بما قلناه، وهو أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، وقد تقدم حديث الصحيحين، ونحن نعلم أن الصحابة عملوا بمقتضاه، ونعلم أنهم تكلموا في النوعين الأولين، واختلفوا في بعضها كثيرا، ثم رأوا من بعدهم يتبعون ذلك ويبتغون تأويله فلم ينكروا عليهم ذلك.\nفما بقي إلا النوع الثالث، فهو الذي لم يكن يؤوله النبي - ﷺ - لأصحابه، ولا كانوا يبتغون تأويله، ولا يختلفون فيه؛ ولما رأوا من يتبعه من بعدهم ويتكلم في تأويله حذّروهم، وحذِروهم، وحذروا الناس منهم.\nفإن قلت: فإنكم تتكلمون في معنى ذلك فتقولون لله ﷿ حياة تليق به، ويد تليق به، وتقولون إن لوجوده وحياته وقدرته وعلمه وحكمته مناسبة ما لهذه الصفات في المخلوق، ولذلك أمكننا تصورها إجمالا!\nقلت: الآن حصحص الحق، وارجع إلى معنى كلمة \"تأويل\" فقد قدمنا أن تأويل اللفظ قد يطلق على المعنى، وقد يطلق على نفس ذلك المعنى، وقد يطلق على الحقيقة المعبر عنها باللفظ.\nوقلنا: إن قوله تعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾، فإذا قال قائل:","vol":"1","page":97},{"text":"ويل واد في جهنم، فقد أوله، ويطلق على قوله تأويل، ويطلق على نفس ذلك المعنى أنه تأويل، يقال: ما تأويل ﴿ويل﴾؟ فيقال: تأويله واد في جهنم. ويطلق على تلك الحقيقة - وهي عين ذلك الوادي - أنها تأويل. ولم نجد في القرآن مثالا للإطلاقين الأولين، وفيه ثلاثة أمثلة جاءت على الإطلاق الثالث، كما ذكرنا هناك.\nإذن؛ فالتأويل في آية المتشابه من الإطلاق الثالث. فقولنا في حياة الله ﷿ \"صفة ثابتة له سبحانه لها مناسبة ما بحياة المخلوق\"، قولنا ذلك تأويل للفظ على الإطلاق الأول، وهذا المعنى تأويل بالإطلاق الثاني، وتلك الصفة نفسها هي تأويله بالإطلاق الثالث، والتأويل بالإطلاق الثالث هو الذي لا يعلمه إلا الله، وابتغاؤه زيغ، ولم يكن الصحابة والراسخون في العلم يبتغونه، ولما رأوا من يبتغيه حذروه، وحذروا منه.\nوقد عرفت أقسام متبعيه مما سبق:\nفمن قال: يد كيدي، فقد حكم على الحقيقة المعبر عنها باليد بأنها كيده، وتصورها هذا التصور المحدود.\nومن قال: إنما هي القدرة أو النعمة، فقد حكم عليها هذا","vol":"1","page":98},{"text":"الحكم وزعم أنه قد أدرك حقيقتها.\nومن قال لله ﷿ يد تليق به لا يمكنني تصورها، ولا العلم بكنهها، ولكن لما أخبر الله ﷿ عن نفسه أن له يدا آمنت بأن له يدا تليق به، فهذا هو القائل: ﴿آمنا به كلًّ من عند ربنا﴾.\nوهذا أوان الجواب عن سؤالك بقولك: وما فائدة إنزال مثل هذا في القرآن والقرآن إنما نزل هدى للعالمين وأمرنا بتدبره مطلقا؟\nفأقول: أما الصفات التي ندركها إجمالا لمناسبة ما بينها وبين صفاتنا - مع العلم بأنها في حقه ﷿ كاملة كما يليق به، وفي حقنا ناقصة كما يليق بنا، كالقدرة والعلم ونحوها - فلا إشكال في إنزالها في القرآن، إذ يقال: المقصود منه الإيمان بها مع العلم الإجمالي، وهو كاف في ذلك، وقد علمت أن من تلك الصفات ما يتوقف ثبوت الشريعة على العلم بها، ويتبعها صفات أخرى مثلها في إمكان العلم بها إجمالا، وفي العلم بها تثبيت للشريعة وتأكيد للإيمان، ودونها صفات أخرى تذكر في القرآن في صدد تقرير معنى من المعاني لا يتوقف فهمها على العلم بكنهها، ولكن ذكرها معه يفيدها قوة لا تحصل بدونها، كقوله تعالى: ﴿قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ﴾. فأصل المقصود إظهار زيادة الاعتناء بآدم","vol":"1","page":99},{"text":"﵇ وتشريفه على ما سواه، وهذا المعنى معروف من الكلام، لا يتوقف على العلم بكنه اليدين، ولا نقول كما يقول بعضهم: هذا الكلام تمثيل لليد في إظهار العناية والتشريف! وليس هناك يدان، وإنما هو تخيل! كما قالوه في قول الشاعر: \"إذا أصبحت خذ الشمال ما لها\".\nلا والله؛ لانقول ذلك، فإنه من الزيغ، بل نقول: إن لله ﷿ يدين خلق بهما آدم ﵇، ولكننا لا نعلم كنههما، وجهلنا بكنههما لا يمنع من فهم معنى الكلام، ولا يلزم منه إن ذكرها أنه لا فائدة له! بل له أعظم الفائدة كما علمت.\nومع هذا فلا نقول إن فائدة ذكر الصفة مقصورة على ما ذكر، بل هناك فائدة أخرى، وهي الابتلاء؛ ﴿ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾.\nوأما التدبر فقد أمرنا به مطلقا. ولا يتوقف فائدة التدبر على العلم بكنه اليدين مثلا، إذ لا يتوقف العلم بمعنى الكلام على ذلك. ألا ترى أنك إذا أخبرت الأكمه بأنك ترى ولده مقبلا فإنه يعلم معنى هذا الكلام تحقيقا، وإن كان لا يدري كنه الإبصار.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الثاني: في تأويل الإخبار عن الوقائع</span>\nأما الوقائع المتعلقة بالرب ﷿ من حيث تعلقها به من العقائد، فقد مر الكلام عليها.\nوأما ما عدا ذلك؛ فإن كان يتعلق بما لا نحس به ولا هو من جنس ما نحس به، فحكمه حكم العقائد، وذلك كالملائكة والجن، والأرواح، والجنة والنار، ونحو ذلك، لا أن للملائكة مثلا صفات .. عليهم بالنظر إليها؛ لأنهم من جنس ما نحس به، ككونهم موجودين مخلوقين مربوبين، فمن هذه الجهة يكون حكمهم كحكم غيرهم مما نحس به، أو نحس بما هو من جنسه\nوالوقائع المتعلقة بما نحس به أو هو من جنس ما نحس به هي موضوع هذا الفصل، فنقول:","vol":"1","page":101},{"text":"يزعم كثير من الناس أن في الكتاب والسنة أخبارا عن أشياء من هذا القبيل، والعقل أو الحس أو الخبر المتواتر يدل على خلاف ذلك الخبر، فغالبهم يذهبون إلى تأويل تلك الأخبار بحملها على معان خلاف ظاهرها، ولكنها موافقة للمعقول أو المحسوس أو المتواتر، وحجة هؤلاء أنهم إذا تركوا تلك الأخبار على ظاهرها يلزم من ذلك في حق الله ﷿ ورسوله - ﷺ - الكذب أو الجهل! وإذا كان من المعلوم امتناع ذلك، يجعل الخصم هذا حجة على بطلان دين الإسلام!\nوأقول: هذا القول قد أرعب غالب المسلمين وزلزل قلوبهم، فخضعوا لوجوب التأويل، ولكن هذا لا يغنهم شيئا، فإن أهل الكفر والإلحاد قالوا: إن هذه التأويلات التي تبدونها خلاف ظاهر الكلام!\nفإن قلت: إن الدليل العقلي، أو الحسي، أو التواتري قرينة تجعل ظاهر الكلام هو المعنى الذي حملناه عليه.\nقيل لكم: هذا الدليل لم يكن معلوما للمخاطبين، بل لم يكن معلوما لأحد من أهل الأرض حينئذ، ولا يكفي أن يقال: كان الله","vol":"1","page":102},{"text":"يعلمه، أو كان رسوله يعلمه؛ فإن الاعتماد على قرينة يعلمها المتكلم، ويعلم أن المخاطبين لا يعلمونها لا يجوز ولا يخرج الكلام بذلك عن الكذب؛ فظهر أن ما تبدونه من التأويل لا ينفي لزوم الكذب أو الجهل في قرآنكم ونبيكم!\nلعل أكثر الناس ينكر علي تقرير هذا المعنى؛ فأقول له:\nاعلم أن الكفار والملحدين يقررون ذلك، ويسيطرون به على علماء المسلمين فضلا عن غيرهم، ولا سيما الشباب الذين سيقوا إلى أن يكونوا في مدارس معلموها من هؤلاء الملحدين أو الكفار.\nوالدين الحق إنما يقر تقرير الشبه لإزالتها، وإنما يحظر على العلم أن يثير شبهة لا يزال أهل الكفر والضلال غافلين عنها، فأما مثل هذه الشبهة - مما قد أثاروه وأضلوا به - فلا بد للعالم من ذكره وإقامة البرهان بما يزيله.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الأول: حل شبهة</span>\nاعلم أن عامة شبهات الكفار والملحدين في هذا العصر تدور على هذه الشبهة، فيجب الاعتناء بحلها وإيضاح الحق، وأسأل الله ﷿ التوفيق والهداية، لعله يطلع على هذا ملحد فيقول: إن هذا الكاتب وأمثاله مقلدون متعصبون، ليس لهم من حرية الفكر نصيب، يرد عليهم البرهان الذي يدمغ دينهم فيفرون إلى المعاذير! وكان عليهم أن يتدبروا ذلك البرهان ويعترفوا بمقتضاه؛ هذا مقتضى الحرية والشجاعة الأدبية وطلب الحق من حيث هو حق، فهم يزعمون أنهم يتبعون الحق، ويدعون إلى الحق، وهم أبعد الناس منه!\nفأقول له: أنت تعلم أن لثبوت الحقائق طرقا مختلفة، فلمعرفة أن فلانا حاضر مثلا قد تحصل بواسطة الإبصار، وبواسطة سمع كلامه، وبواسطة أخبار متواترة، وغير ذلك، والإدراك بواسطة البصر لا يحصل للأعمى، وبواسطة سماع كلامه لا يحصل للأصم، وقس على ذلك.","vol":"1","page":105},{"text":"وقد يحصل الإدراك اليقيني لحقيقة بطريق صحيح، وإذا نظرت من طريق أخرى وجدت شبهات تنفي تلك الحقيقة، فأما من حصل له الإدراك بذلك الطريق الصحيح فإنه - إذا عرضت عليه تلك الشبهات - لا يلتفت إليها، ولا يبالي بها، إلا أنه إذا عجز عن إطلاع المعترض على ذاك الطريق الصحيح فقد يحاول حل تلك الشبهات، وربما يعجز عن حلها، وهو مع ذلك غير متزلزل فيما قد تيقنه، بل هو مؤمن أن لتلك الشبهات حلا لم يتيسر له، ومن شككته الشبهات فيما قد علمه يقينا يعد عند العقلاء أحمق!\nفمن ذلك قول علماء الطبيعة: إن تقرير كيفية الإبصار يقتضي أن ترى الصور معكوسة، وهو خلاف المشاهد، فيا ترى من يشاهد الصور - ويعلم أنه يشاهدها مستقيمة - إذا عرضت عليه تلك الشبهة هل يتزلزل عما يشاهده من أنه يرى الصور مستقيمة؟\nوفي الفلسفة الحسية العصرية أمثلة كثيرة من هذا.\nفهكذا نحن قد قام عندنا البراهين ما تيقنا به أن القرآن كلام الله، وأن محمدا - ﷺ - رسول الله، فهذا اليقين هو الذي جعلنا نبادر إلى رد الشبهات، وبها حصل لنا ذلك اليقين، وهي تحتاج إلى ممارسة","vol":"1","page":106},{"text":"وعناية، فلا يمكننا أن نحصلها لمن لم تحصل له في مقالة أو رسالة، فلذلك نحتاج إلى حل الشبهات.\nوالمقصود تقرير عذرنا، ودفع تهمة التقليد والتعصب عنا، على أننا لا ندعي أننا نستطيع حل جميع الشبهات حلا يقنع الخصم، ولكننا ندعي أننا نستطيع حل جميع الشبهات حلا يقنع الخصم، ولكننا ندعي أنه لو سلك الطرق التي سلكناها وتحرى إصابة الحق وتخلى عن التقليد والتعصب لوصل إلى ما وصلنا إليه، ولعلم أن تلك الشبهات التي أثارها أولا باطلة، سواء أعلم وجه حلها أم لا.\nفمثلنا ومثل الخصم مثل رجل قال لآخر: إن الأرض تدور، فعارضه ذاك بأنها لو كانت تدور لتساقطت الأجرام التي عليها، وكان كذا وكذا! ولنفرض أن المخبر قد كان وقف على الدلائل التي تثبت دوران الأرض، ولم يقف على جواب الشبهة، فإنه يقول للخصم: تعال معي وانظر وتفكر لتقف على ما وقت عليه، فأبى هذا مصرا على الإنكار بحجة أنها لو كانت تدور لكان كذا وكذا! أفلا يكون من واجب المعترض إذا كان طالبا للحق أن يجيب الأول بما يدعوه إليه من النظر، وإن كان في ذلك مشقة وتعب؟\nوبعد هذا التمهيد نشرع في حل الشبهة:","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثاني: أقوال العلماء</span>\nرأيت كتابا لبعض الفضلاء يكذّب صاحبه أهل الطبيعة والفلك والجغرافية وغيرها في كل ما يقولونه مما يراه المؤلف الكتاب مخالفا لظاهر القرآن أو السنة، وفي كلامه مؤاخذات:\nمنها دعواه في مواضع ظهور دلالة القرآن، وليس كذلك؛ ومنها في السنة كذلك؛ ومنها الاستناد إلى أحاديث غير ثابتة، وغير ذلك. وغالب العلماء يذهبون إلى هذا التأويل كما قدمنا، وفيه ما عرفت من الإشكال.\nوسمعت بعض العلماء يقول: إن القرآن لم ينزل لتعلم الطبيعة والفلك والتاريخ والتشريح والطب ونحو ذلك من العلوم الكونية، وإنما نزل لبيان الدين عقائد وأحكاما، وإنما يذكر بعض ما يتعلق بالطبيعة والفلك والتاريخ ونحوها لمغزى ديني، كالتنبيه على آيات الله وآلائه، والتذكير بالعبر والمثلات، هكذا السنة، فالأنبياء إنما بعثوا لتعليم الدين.","vol":"1","page":109},{"text":"ومقصود هذا العالم - على ما فهمته - أنه لا يصح الاستناد إلى ظاهر آية من القرآن أو حديث من السنة في تقرير أمر من تلك العلوم الكونية، كما هو بالنسبة إلى غالب الناس غيب.\nفأما قوله: إن الشريعة إنما جاءت لتعليم الدين عقائد وأحكاما، ولم تجئ لتعلم العلوم الكونية، فحق. والحكمة في ذلك أن العلوم الكونية منها ما لا فائدة في علمه، [ومنها ما فيه] فائدة، ولكن علمه لا يتوقف على الوحي، بل يعلم بالبحث والنظر. وقد قضى الله ﷿ أن يكون ظهور ذلك في أوقات متراخية، كما وقع من اكتشاف الكهرباء والهاتف والمذياع وغير ذلك.\nعلى أن الناس محتاجون إلى كثرة الحكام، وليس كل حاكم","vol":"1","page":110},{"text":"كاملا في العقل والفهم والنظر حتى يدرك جميع الأحكام بنظره، واجتماع جماعة من العقلاء لوضع القوانين لا يكفي، لقصر نظرهم واحتمال ميلهم وتعصبهم، ولأن غالب القوانين تختل الحكمة المقصودة منها في كثر من الجزئيات الداخلة فيها؛ فأما القوانين الشرعية فإنها تؤمن الغلط والميل والعصبية فيها، يمتثلها المتدينون تدينا ويقبلونها طيبة أنفسهم منشرحة صدورهم؛ لأنهم يرون القبول خيرا لهم في دينهم ودنياهم، ويلزمونها غالبا بدون إلزام حاكم؛ لا فرق في ذلك بين قويهم وضعيفهم، وافية منها على الغالب بحيث يمكن تخلف الحكمة في بعض الجزئيات، فإن الله ﷿ يجبره بقدره.\nوالمقصود أن الخلق مفتقرون إلى تلقي الأحكام من طريق الرب ﷿ وليسوا مفتقرين إلى تلقي العلوم الطبيعية ونحوها.\nوقد قيل في تفسير قول الله ﷿: ﴿يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها﴾: \"إن","vol":"1","page":111},{"text":"القوم إنما سألوا عن الأهلة ما بالها تبدو صغارا ثم تكبر، ثم تعود فتصغر ثم تكبر، وهكذا؟ فنزل الجواب عن هذا المعنى الطبيعي، وأجيبوا بما يتعلق بالأهلة من الأحكام الدينية، ثم أمروا بأن يأتوا البيوت من أبوابها؛ فإذا سألوا النبي - المبعوث لتعليم الدين - فليسألوه عما يتعلق بالدين، ولا يأتوا البيوت من ظهورها بأن يسألوه عما لم يبعث من لأجله ولا تتعلق به ضرورة دينية.\nولما ورد النبي - ﷺ - المدينة ورآهم يؤبرون النخل، فظن أن لا حاجة لذلك؛ لأنه كان قد رأى كثيرا من الأشجار تؤتي ثمرها بدون تلقيح، فقال لهم: «ما أظن يغني ذلك شيئا»، فتركوه، قال فخرج شيصا ... فمر بهم فقال: \"ما لنخلكم؟ \"، قالوا: قلت كذا وكذا! قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم».\nوفي رواية: «إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ﷿».\nوفي رواية: «إنما أنا بشر؛ إذا أمرتكم بشيء ن دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر».","vol":"1","page":112},{"text":"والحديث في صحيح مسلم وغيره من حديث أم المؤمنين عائشة، وطلحة بن عبيد الله، وثابت بن قيس، ورافع بن خديج ﵃.\nوصح عنه - ﷺ - أنه قال: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون لأولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا».","vol":"1","page":113},{"text":"وجاء عنه - ﷺ - أنه قال: «لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن ظهر فرسه».\nقال الطحاوي: \"إن الحديث الثاني يظهر أن النبي - ﷺ - قاله أولا لما كان يظن أن الغيل يضر، ثم لما تبين له أنه لا يضر قال: لقد هممت .. إلخ.\nوالظاهر خلاف هذا؛ لوجوه:\nالأول: أن قوله - ﷺ - التي يبنيها على الظن بين أنه إنما قالها بناء على الظن، والحديث الثاني جزم.","vol":"1","page":114},{"text":"الثاني: أن قوله: \"إن الغيل يدرك الفارس فيدعثره\" مما لا يظهر بناؤه على الظن.\nالثالث: أن قوله - في الحديث الأول -: \"لقد هممت .. \" ظاهر في أنه لم يكن قد نهى، فالظاهر أنه أراد أن ينهى أولا بناء على ما كان مشهورا بين العرب من أن الغيل يضر ثم في حال فارس والروم فقال الحديث الأول، ثم أعلمه الله ﷿ بأن الغيل يضره، ولو بعد حين، فقال الحديث الثاني.\nوقد يجيء في الشريعة ما يشير إلى مسائل طبيعية إذا دعت ضرورة، ولكنها تعرض بمعرض ديني أو ينبه عليها إجمالا.\nفمن الأول: النهي عن الشرب قائما، وقوله: إن الشيطان يشرب معه.","vol":"1","page":115},{"text":"ومن الثاني: النهي عن النفخ في الطعام والشراب، وغير ذلك.\nوالمقصود: أن قول ذلك العالم: إن الشريعة إنما جاءت لتعليم الدين عقائد وأحكاما، وأما ما جاء فيها مما يتعلق بشيء من العلوم الطبيعية والتاريخ ونحوها فليس المقصود من ذكره التعريف بكنهه وحقيقته وكيفيته مفصلا، وإنا يذكر تنبيها على الآيات والمثلات. كل هذا صحيح، ولكن هل يقتضي هذا جواز أن يكون الواقع في تلك الأمور خلاف ظاهر الخبر الشرعي؟\nقد كنت أنكر هذا أشد الإنكار، وأقول إن الظاهر حجة قطعية، وإنه إذا كان الواقع خلاف ظاهر الخبر كان الخبر كذبا، وإن لم يكن المقصود من الخبر بيان ذلك الأمر.\nثم رأيت في أصول الفقه مسألة تعضد ما قاله ذلك العالم، وهو قول بعضهم: إن النص إذا سيق لمعنى غير بيان الحكم وكان عاما لا يحتج بعمومه في الحكم.","vol":"1","page":116},{"text":"ويمكن أن يطّرد ذلك في سائر الدلالات الظاهرة. ووجه ذلك أن المتكلم إنما يعتني بالمعنى المقصود بالذات، وأما ما ذكر عرضا فإنه لا يعتني به، كأنه يكل تحقيق حكمه إلى موضعه.\nويقرب من هذا ما يقوله الفقهاء وغيرهم: إن المسألة إذا ذكرت في غير بابها استطرادا، ثم ذكرت في بابها مع مخالفة، فالمعتمد فيها ما في بابها.\nوههنا معنى آخر يعضد ذك أيضا، وهو أن المتكلم في علم قد يذكر في أثناء كلامه مسألة من علم آخر، فربما ذكر قاعدة يكون ظاهر كلامه أنها كلية، ومع ذلك فلا يعتد بهذا الظاهر ولا ننسب إلى المتكلم أنه ادعى كليتها ولا يعترض عليه بذكرها على ذلك الوجه.\nكأن يقول المفسر في قوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ أصل ﴿هدى﴾ هدي، والقاعدة الصرفية أنه إذا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، والقاعدة الأخرى أنه إذا التقى الساكنان حذف الأول. وهاتان القاعدتان ليستا على إطلاقهما، بل لكل منهما قيود وشروط معروفة في علم الصرف؛ ومع ذلك لا ينسب إلى ذلك المفسر قصور ولا تقصير، ولا دعوى خلاف ما تقرر في علم","vol":"1","page":117},{"text":"الصرف؛ لأنه يقال: ليس هو في صدد الكلام في علم الصرف حتى ينسب إليه ذلك، وإنما هو في صدد التفسير، ولكن انجر الكلام إلى هاتين القاعدتين فذكرهما على قدر ما دعا إليه الحال؛ وهكذا في القواعد النحوية والبيانية وغيرها.\nوأبلغ من هذا: أن أصحاب الكتب المختصرة في العلوم يذكر أحدهم كثيرا من قواعد ذلك العلم، بحيث يكون ظاهر الكلام أنها كلية، ومع ذلك لا ينسب إليهم قصور ولا تقصير ولا دعوى كليتها، بل يقال: هذا المختصر وضع للحفظ ولتعليم المبتدئين، وكل يستدعي الإجمال وترك التفصيل بذكر القيود والشروط، بل يوكل ذلك إلى الشروح والمطولات.\nوأبلغ من هذا: أن الكتب الموضوعة للمبتدئين قد يذكر فيها ما ليس بصحيح في نفسه، ولكن سلكه المؤلف لأنه أقرب إلى فهم المبتدئ، فيقول النحوي مثلا: الكلام قد يركب من كلمتين، من اسم وفعل، مثل: قام الرجل، والرجل قام، أو اسمين، مثل: زيد قائم، أو القائم زيد؛ مع أن \"قام الرجل\" ثلاث كلمات، والرجل قام أربع كلمات: فعل وحرف واسمان، و\"زيد قائم\" ثلاث أسماء، و\"القائم زيد\" أربعة أسماء.\nومن كان له ممارسة للنحو والصرف وجد فيها كثيرا من هذا.","vol":"1","page":118},{"text":"ومن عالج التعليم يعلم يقينا أنه لا غنى به عن سلوك هذه الطريق في كثير من المسائل.\nوكما أن المعلم الناصح يتجنب أن يخرج بالطالب في الدرس عن ذلك العلم، فهكذا النبي - ﷺ - كان يتجنب أن يشغل الناس بما لم يبعث لأجله، بل كثيرا ما يقرهم على ما يعلم أنه خطأ وغلط، لأن ذلك لا يضرهم في دينهم؛ فإذا دعت المصلحة إلى ذكر ما يتعلق بشيء من الأمور الطبيعية ذكره على وجه لا يجر إلى إيقاع السامعين في الخوض في أحوالها الطبيعية، فيشتغلوا بذلك عن المقصود. ومن ضرورة هذا المعنى أن لا يذكر لهم في الأمور الطبيعية خلاف ما يعرفون، أو يذكر لهم مما لا يعرفون شيئا فيه دقة وغرابة، فلا يذكر لهم مثلا: الأرض كروية، أو أنها تدور.\nفإن قلت: فهل يجوز أن يخبر عن شيء من الطبيعيات بكلام ظاهره مخالف للحقيقة؟\nهذا هو موضوع السؤال!\nقلت: أما إذا ثبت أن الظاهر في مثل ذلك لا يعتد به، بل يحتمل أنه مراد، ويحتمل أنه ليس بمراد، فلا مانع من ذلك إذا لم يبق ذلك الظاهر ظاهرا، فتدبر!","vol":"1","page":119},{"text":"وقد أجاز جمهور العلماء تأخير البيان إلى وقت الحاجة، فأجازوا أن يرد نص في الحج مثلا يكون وروده في شهر محرم، ولذلك غير عام، أو مطلقا وهو في علمه ﷿ مقيد، أو فيه كلمة مستعملة في علم الله ﷿ في غير ما وضعت له، ولم تصحب النص قرينة، ثم حين حضور الحج يبين الله ﷿ الخصوص والتقييد.\nوالوجه في ذلك: أن المخاطبين لما علموا من عادة الشريعة أنها قد يقع فيها صار ذلك الظاهر غير ظاهر عندهم، بل هو محتمل فقط، فإذا جاء وقت العمل، ولم يبين ما يخالف ذلك الظاهر علم حينئذ أنه مراد.\nبل قد يقال: لا حاجة إلى علم المخاطبين بعادة الشريعة في ذلك، ويكفي أن ذلك جار في العادة مطلقا. فلو كان لرجل خمسة من الولد صغار، فقال لخادمه: اذهب بالأولاد يوم الخميس إلى المستشفى للتطعيم ضد الجدري وعندما تريد الذهاب أخبرني، فإن الخادم إذا تدبر هذا الكلام قال نفسه: كلمة \"الأولاد\" تشمل الخمسة كلهم، ويمكن أن يكون أراد الخمسة كلهم، ويمكن أن يكون","vol":"1","page":120},{"text":"أراد ثلاثة أو أربعة منهم، على كل حال فحين أريد الذهاب أخبره فيظهر ما هو مراده.\nوإنما أوردت في المثال: \"وعندما تريد الذهاب أخبرني\"؛ لأنه لو لم يقل ذلك لضعف احتمال الخصوص جدا؛ لأن الإنسان يعلم أنه ربما ينسى أو يغفل أو ينام أو يمرض أو يموت أو يغيب، وإذا عرض له شيء من ذلك عند حضور الوقت فإن الخادم يذهب بالأولاد الخمسة، فلو كان يريد الخصوص لاحتاط.\nفأما الرب ﷿ فإنه منزه عن تلك العوارض، فأمره على الاحتمال حتى يحضر وقت العمل بدون حاجة إلى ما يقوم مقام قول الإنسان: \"وعندما تريد الذهاب أخبرني\". وكذلك أمر نبيه ﵊؛ لأنه مبلغ عن الرب، والرب تعالى متكفل بحفظه أن يعرض له شيء من تلك العوارض يمنع من البيان قبل وقت الحاجة.\nوالحاصل: أن النص على الحكم - وقد بقيت مدة إلى حضور وقته - إذا كان لذلك النص ظاهر من جهة اللفظ، ولكنه غير ظاهر من جهة المعنى، بل هو محتمل فقط، فإذا جاء الوقت ولم يبين علم أن ما ظهر من اللفظ هو المراد من جهة المعنى أيضا.","vol":"1","page":121},{"text":"فإذا أطلق الشارع نصا في حكم لم يحضر وقته، وللنص ظاهر لفظي، ثم بين عند الحاجة ما يرفع ذلك الظاهر، لم يلزم من إطلاق النص كذب ولا شبه كذب، فتدبر وأمعن النظر.\nثم نقول: معرفة صفات الأمور الطبيعية ليس لها حاجة في البيان عندما يطلع الإنسان على صفة فعل الشيء، فيتبين له حينئذ المعنى المراد من النص، ولا يلزم كذب ولا شبه كذب إذا تبين أن الواقع خلاف الظاهر اللفظي من النص.\nفلو قال النبي - ﷺ - لرجل: اذهب إلى فلان فستجده يأكل لحم إنسان، فذهب إليه فلم يجده يأكل لحما، ولكن وجده يغتاب إنسانا، لقال: صدق الله ورسوله، إن اغتياب الإنسان كأكل لحمه.\nولو قال - ﷺ - لرجل: أتحب فلانا؟ فقال: نعم! فقال: أما إنك ستقتله، فلما كان بعد وفاة النبي - ﷺ - سقطت من الرجل كلمة كانت سببا لقتل صاحبه، لقال: صدق الله ورسوله، أنا قتلته بكلمتي.\nوفي هذا نص واقع، وهو قول النبي - ﷺ - لأزواجه - لما سألنه أيتهن أسرع لحوقا به -: «أسرعكن أطولكن يدا».\nقالت عائشة: \"فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول","vol":"1","page":122},{"text":"الله - ﷺ - نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي - ﷺ - إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صانعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله\".\nهذا لفظ رواية الحاكم في المستدرك، كما حكاها الحافظ في الفتح. والحديث في الصحيحين، ولكن وقع في رواية البخاري اختصار ووهم نبه عليه الحافظ في الفتح.\nقال الحافظ: \"وفي الحديث علم من أعلام النبوة ظاهر، وفيه جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ \"أطولكن\" إذا لم يكن محذورا. قال الزين بن المنير: \"لما كان السؤال","vol":"1","page":123},{"text":"عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بوحي أجابهن بلفظ غير صريح، وأحالهن على ما لا يتبين إلا بأخرة، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية\".\nوقد يقال إن في الحديث قرينة، بل قريتين:\nالأولى: قوله: \"أطولكن يدا\"، ولم يقل: أطولكن، مع أنه أخصر، ففي العدول إلى ذكر طول اليد إشارة إلى المعنى المراد.\nالثاني: أن سرعة اللحوق به فضيلة، والفضيلة إنما تدرك بعمل صالح؛ والطول الحسي ليس بعمل صالح.\nويمكن أن يجاب بأن الأولى مبنية على أن الطول الحسي في اليد ملازم لطول القامة، وليس كذلك ولكنه الغالب. وأما الثانية فليست بظاهرة، لأن الموت عند تمام الأجل، فليس بمرتبط بالفضيلة ارتباطا ظاهرا، إذ لا مانع من طول عمر الفاضلة ارتباطا ظاهرا، إذ لا مانع من طول عمر الفاضلة وقصر عمر المفضولة.\nوعلى كل حال، استنبط هذا بعد العلم بحقيقة الحال؛ وأما قبل ذلك فقد كان الظاهر هو طول اليد الطول الحسي، كما فهمته أمهات المؤمنين ﵅، ولم يكن على ذلك حتى تبين","vol":"1","page":124},{"text":"خلاف ذلك بموت زينب.\nفإن قيل: كيف هذا وقد تقدم في كلمات خليل الله إبراهيم ﵇ تتعلق بوقائع عادية وقعت له، وليست متعلقة بما هو غيب عند عامة الناس أو غالبهم، والبحث المتقدم إنما هو فيما كان غيبا مطلقا، أو بالنظر إلى غالب الناس.","vol":"1","page":125}]}