{"ً":{"ٌ":37553,"ٍ":"الرد على الدكتور عبد الواحد وافي في كتابه بين الشيعة وأهل السنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/الرد على الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه بين الشيعة وأهل السنة - ظهير","files":["104786.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الرد على الدكتور عبد الواحد وافي في كتابه بين الشيعة وأهل السنة\nالمؤلف: إحسان إلهي ظهير الباكستاني (ت ١٤٠٧هـ)\nالناشر: إدارة ترجمان السنة، لاهور - باكستان\nعدد الصفحات: ٢١٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2345,"ٕ":2,"ٖ":1770155882,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الباب الأول مغالطات الدكتور وافي وأغلاطه","level":1,"page":28},{"title":"الباب الثاني الشيعة الإثنا عشرية والقرآن الكريم","level":1,"page":64},{"title":"الباب الثالث الشيعة الإثنا عشرية والسنة النبوية","level":1,"page":100},{"title":"الباب الرابع الشيعة الإثنا عشرية ونزول الوحي والملائكة بعد الرسل","level":1,"page":123},{"title":"الباب الخامس الشيعة الإثنا عشرية وعقائدهم","level":1,"page":138},{"title":"الفصل الأول الرجعة","level":2,"page":138},{"title":"الفصل الثاني أعمال العباد","level":2,"page":150},{"title":"الفصل الثالث التقية","level":2,"page":160},{"title":"الفصل الرابع البداء","level":2,"page":170},{"title":"الفصل الخامس الجفر","level":2,"page":180},{"title":"الباب السادس الشيعة الإثنا عشرية ومسألة الإمامة","level":1,"page":185},{"title":"الباب السابع الشيعة الإثنا عشرية وسب الشيخين","level":1,"page":198},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":203}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,211":203,"1,212":204},"ٜ":{"1":[5,212]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,211","1,212"],"ٞ":{"2":[1],"28":[2],"64":[3],"100":[4],"123":[5],"138":[6,7],"150":[8],"160":[9],"170":[10],"180":[11],"185":[12],"198":[13],"203":[14]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بين الشيعة وأهل السنة\n\nتأليف / إحسان إلهي ظهير\nرئيس تحرير مجلة \"ترجمان الحديث\" لاهور - باكستان\nوالأمين العام لجمعية أهل الحديث - باكستان","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المعصومين، وأشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، ومن سلك مسلكهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:\nإن مصر قلعة من قلاع الإسلام وحصن من حصونه، وإنها لمهد للحضارة الإسلامية، معهد للعلوم والفنون، وهي بلد الأزهر، وموطن العلماء، وإنها لمحط أنظار المسلمين، ومهوى أفئدتهم وقلوبهم، كما أنها كانت ولا زالت كعبة عشاق العلم وطلابه، ومورد رواد الفكر ومشتاقي الإدراك والمعرفة، وهي مقر الكتاب، ومستقر الدعاة، وموطن الفقهاء، ومنبت المحدثين، لها ماضيها المجيد وحاضرها الحميد، ينظر إليها المسلمون في كل قطر من أقطار الأرض، وبقعة من بقاعها. . نظرة إكبار وتقدير لما لها من أياد بيضاء في إنارة الفكر الإسلامي وإضاءة الطرق أمام منتهجيها وسالكيها، فينظرون إلى كل ما صدر منها نظرة الثقة والاعتماد والتصديق لأصالة علومها، ورسوخ علمائها فيها، ولتحملهم أعباء الدعوة بوجوهها الصحيحة. وأسسها الأصيلة. وقواعدها المتينة الرزينة. . بالأمانة العلمية والمسئولية الدينية، مع اعتقادهم أن لا عصمة لأحد بعد نبي الله خاتم المعصومين وسيد المرسلين، ولا بد للعالم من زلة وهفوة، كما أنه لا بد للفارس من كبوة، فغفر الله لمقترفيها بغير قصد، ومرتكبيها بدون تعمد: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. . .﴾ (١).\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٨٦","vol":"1","page":5},{"text":"ولكن لم يكن ليخطر على بال أحد أن علمًا من أعلامها، ورجلًا من رجالاتها، يحمل قلمًا في يوم من الأيام، ليكتب في موضوع حساس عويص، له أبعاده وأخطاره - وهو لا يعرف عنه شيئًا - وعفا الله عنه إن لم يكن يعرف - ولا أظنه يعرف - لأنه لا يتصور من أمثاله أن يخاطر بنفسه، ويقع في مثل هذه المزالق، التي قد تذهب به وبآثاره الماضية في مكان سحيق لا يتوقع النجاة منه، ويهدم به ما بناه من أمجاد وما أداه من خدمات إلى حيث لا يرجى استرجاعها، ويا ليتني لم أقرأ له هذه الرسالة أو يقع نظري على تلك الفقرة، التي يقرر فيها: أنه لم يدخر وسعًا في بحثه، في تحري الحقيقة! مع أنه لم يتحر الحقيقة، ولم يبذل وسعه في البحث، وإن كان هذا هو وسعه، أظهره في كتيبه، الذي نحن بصدد ذكره الآن، فما أظنه على سعة وسعه الذي بذله في كتبه الكثيرة التي نشرت قائمته في آخر كتيبه، مفخرة لعلمه وشرفًا لآثاره. .!\nوإذا كان هذا هو مفهوم تحري الحقيقة عنده في هذه الرسالة فلا بد أن تتلاشى الحقائق عند من يقف على كتبه ومنشوراته!\nلقد سمعت الكثير عن علم الدكتور علي عبد الواحد وافي وحدثني عنه العديد من الأصدقاء حتى دفعني الشوق إلى لقائه، فإذا أنا أطرق باب مصر وأدخلها طالبًا للعلم، ومكتسبًا فضائلها، ومغترفًا من بحارها، ممنيًا النفس باقتناء طرف من علومها ومعارفها، متشوقًا إلى آثارها ومعالمها، وإلى كتبها وكتّابها، ومبتغيًا طرائفها ونفائسها، وأثناء ترددي على مكتباتها، باحثًا عن الكتب الفاطمية وعن الوثائق الإسماعيلية التي أشتغل بالكتابة عنها، التفت إلى كتيب صادر منذ فترة وجيزة لذلك الشيخ الذي تحدث عنه المتحدثون، وسمع به السامعون، تحت عنوان: \"بين الشيعة وأهل السنة\".\nولقد جذبني عنوان الكتيب إليه، لما ابتليت بالقوم ابتلاء طويلًا، كما زادني انجذابًا إليه. . اسم كاتبه، فمؤلفه دكتور في الآداب من جامعة باريس، وعضو المجمع الدولي لعلم الاجتماع، وعميد كلية العلوم بجامعة أم درمان، وعميد كلية التربية بجامعة الأزهر، ووكيل كلية الآداب، ورئيس قسم الاجتماع بجامعة القاهرة سابقًا - عفا الله عما سلف - فنسيت","vol":"1","page":6},{"text":"كتب الفاطمية والفاطميين، واشتغلت بتقليب أوراق الكتيب، ولم أبخل بشراء نسختين منه، ظنًا مني أن مثل فضيلته لا يكتب إلا بعد إلمام بالموضوع إلمامة كاملة، وإدراكه له حق الإدراك، وبعد معرفته بجوانبه كله، وتعمقه في سبر أغواره، وزيادة على ذلك دعواه في بداية مقدمته بأنه لم يدخر وسعًا في بحثه هذا. . في تحري الحقيقة، وأيضًا. . فقد سمعت من قبل من بعض المحبين له ولي أنه شرع في كتابة هذا الموضوع!. . فعدت بنسختين من كتابه إلى الفندق الذي نزلت به، عاجلًا. . شوقًا إلى لقياه من خلال كتيبه هذا، الذي يعد بالنسبة لي أول تصنيف له أطالعه وأقرأ فيه - فيا لحسرتي، وأسفًا لشوقي، وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه - ولقد خاب أملي في الاستفادة منه، بل انقلبت إلى التأسف والندم .. فيا ليتني لم أقرأ شيئًا لفضيلته، واكتفيت بالسماع عنه بدل الالتقاء به من خلال رسالته هذه، ولكن ليس السمع كالمعاينة، وليس من راء كمن سمعا، ولعل كتب فضيلته الأخرى لا تكون على شاكلة هذا المؤلف، من بذل الوسع في البحث تحريًا للحقيقة مثل هذه الرسالة، والله غافر السيئات ومكفر الخطايا، وإنه لستار العيوب.\n. وإني لعلى يقين، بأن فضيلة الدكتور كلف نفسه عناء لم يستطع حمل أعبائه في هذا العمر الأخير، حيث تضعف القوى، وتتوانى الهمم، وتكل العزائم، وينفلت زمام المبادرة من يد الفارس المغوار، كما ينفلت زمام العلم والفكر. . من يد العالم المبصر، فهو لطول حياته قد خانه البصر الحسير الكليل، وأعياه الزمان، وأقعده الدهر، وخانته الذاكرة، وله العذر .. ! ولولا هذا لما كتب ما كتب، ولما ألف ما ألف، ولم يبد فيه ما أبدى من العجائب والغرائب، ومن المضحكات والمبكيات، من الأخطاء الصريحة والأغلاط الفاحشة، ولم يصل إلى ما وصل إليه من الحكم والرأي في الشيعة ومعتقداتهم، ولم يرض ما تقوَّله بدون علم وبدون معرفة. ونحن مأمورون بألا نقول بدون علم، ولا نتكلم بدون معرفة: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا﴾ (١).\n_________\n(١) سورة الإسراء الآية٣٦","vol":"1","page":7},{"text":"وخاصة في مثل هذه المباحث التي تسبب تضليل كثير من الناس، وإيقاعهم في المتاهات والضلالات، بسبب زلة عالم وهفوة كاتب، اعتمادًا على من قرءوا له، وثقة لما سمعوا به عنه، وعلى ذلك يخاف أخوف ما يخاف من غلطة عالم وزلته - سامحه الله على ما كتب وغفر لنا وله إنه لغفور رحيم وعفو كريم -.\nهذا ولا أدري ما هي الأسباب التي دفعت فضيلة الدكتور وافي إلى أن يكتب هذه الرسالة؟ وكان في غنى عن أن يكتبها، حيث أنه يجهل أصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية وأسسه التي قام عليها، وليس عنده من كتب القوم شيء - كما يظهر من قراءة رسالته هذه - حتى يستطيع أن يعلم ما جهل، ويعرف ما لم يعرف، ثم يصل إلى الحكم فيهم، وفي عقائدهم ومذهبهم - ﴿ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ..﴾ (١) - لأنه في كتيبه هذا .. لم ينقل عبارة واحدة من كتب القوم أنفسهم رأسًا وبلا واسطة، اللهم إلا ما نقله من الذين كتبوا عنهم، نقلًا محضًا بدون تعقل ولا تبصر، مع ادعائه بأنه حقق آراءهم من أوثق المصادر لديهم (٢).\nفإن كان قصده النقل المحض عن الآخرين الذين كتبوا عن الشيعة، فما فائدة كتاباته إذن، وكفى الله المؤمنين القتال؟\nومن غرائب الأشياء أن فضيلته يضع في آخر هذه الرسالة قائمة لأهم المراجع عن الشيعة، يذكر فيها كتبًا كثيرة مع أنه - حفظه الله - لم ينقل عن واحد منها عبارة واحدة بلا واسطة، كما لم يرد ذكر لكثير منها في الكتيب ولو بواسطة، ولولا حسن ظني به حسب ما أمرنا النبي عليه أفضل الصلاة والسلام \" ظنوا بالمؤمنين خيرًا \" (٣). لذهب بي الخيال إلى افتراض دوافع\n_________\n(١) سورة البقرة الآية٢٨٦\n(٢) بين الشيعة وأهل السنة ص٢٠ تحت عنوان \"موضوع البحث وأغراضه\"\n(٣) وقد قيل: إنه من قول عمر بن الخطاب. انظر: كتاب خطبه ووصاياه للدكتور محمد عاشور","vol":"1","page":8},{"text":"كثيرة إجابة لأسئلة محيرة .. ما الذي جعل الشيخ يكتب كتيبًا، ربما يقضي على كل ما كتبه سابقًا من الكتب القيمة - حسب رجائي وتمنياتي - وتركه من الآثار الطيبة؟، وما الدوافع إلى أن يهدم في عمره الأخير كل ما بناه في ماضيه وسالف أيامه وهو يعلم ما نبه الله المؤمنين العاملين عليه بقوله: ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا ..﴾ (١).\nوهذا هو حسن ظني به والذي يجعلني أقف منه موقف المعتذر عنه أن ما ذهب إليه في رسالته كلها، ما صدر منه .. إلا لعدم المعرفة والعلم بأشياء، هي ثابتة في كتب القوم وعقائدهم، وإن فضيلة الدكتور لم يبرئ ساحة الشيعة عن العقائد التي يعتقدونها، وعن الآراء التي يحملونها، ولم يدافع عنهم إلا عن جهل لا لشيء آخر - وإني لأعتذر عن هذه الكلمة الشديدة - لأنه لا يدفع الأوهام عنه إلا هذه الكلمة التي وإن كانت لكبيرة، فهي التي تدفع عنه الظنون والشبهات. في زمان كثرت فيه الأقلام المستأجرة وشاع فيه الكلام المأجور، وإلا فهل يتصور من عالم يعلم أصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية أو الجعفرية كما يسميهم الدكتور وافي، ويعلم أسس شريعة الله التي جاء بها محمد صلوات الله وسلامه عليه ويعتقد بها المسلمون أي أهل السنة بالذات. ثم يكتب \"بأن الخلاف بيننا وبينهم - مهما بدا في ظاهره كبيرًا - لا يخرج في أهم أوضاعه عندنا وعندهم عن حيز الاجتهاد - المسموح به\" (٢)!.\nفيا للسذاجة والطيبة، ويا للجهل وعدم معرفة الأمور، من رجل ذاع صيته وعمت شهرته، فمتى كانت الأحكام بهذه السذاجة وبهذه الطيبة؟ فهل يمكن لفضيلة الدكتور أو لغيره أن يثبت من كتاب واحد من كتب الشيعة، التي كتبت لبيان مذهب السنة، وتعريفه للشيعة، أن يكون الحكم فيه كهذا أو شبيهه في أهل السنة؟\nكلا ورب الكعبة لم يصدر مثل هذا الحكم عن أهل السنة في كتاب\n_________\n(١) سورة النحل الآية٩٢\n(٢) الرسالة المذكورة ص٤","vol":"1","page":9},{"text":"شيعي على مر الزمان ومدى التاريخ، حتى ولا في كتاب دعاية كتب على التقية والمداراة والمسايرة!!.\nفما الذي دفع فضيلة الدكتور علي عبد الواحد وافي عضو المجمع الدولي لعلم الاجتماع، بأن يكون اجتماعيًا مع الذين لا يؤمنون بالاجتماع، وأن يدافع عنهم في بلدة سنية صانها الله وأهلها من النيل من كرامة خلفاء النبي الراشدين، الهداة المهديين، رفاقه الخيرة وأصحابه البررة، وأزواجه أمهات المؤمنين؟ البلاد التي وقاها الله وحفظها وطهرها من أناس طالما وقعوا في أسلاف هذه الأمة وقادتها وزعمائها، وطعنوا وما يزالون يطعنون في خيار خلق الله وصفوته، حملة هذه الشريعة المطهرة، ونقلة هذا الدين الحنيف، وحفظة القرآن، ورواة سنة نبينا المختار صلوات الله وسلامه عليه، نعم ماذا يريد فضيلته بدفاعه عن هذه الطائفة، الذين جعلوا القرآن عضين، ونبذوه وراء ظهورهم، واتخذوه مهجورًا؟ واعتقدوا بعدم حفظه وصيانته من وقوع التغيير والتحريف فيه، وكفروا جميع من نقلوا أخبار الرسول - ﷺ - إلى الناس وحملوها إلينا، وجعلوا الكذب شعارً ودينًا.\nوكيف يسوغ له أن يبرئ ساحتهم من الاعتقادات التي يحملونها، ويدينون بها، وهي أساس مذهبهم وديانتهم، بكل سذاجة وبكل طيبة، وبكل جرأة؛ ملتمسًا لهم الأعذار التي لم يلتمسوها لأنفسهم قط، ومخترعًا لهم المعاذير التي لم يرضوها لهم، في بلدة سنية خالية من الشيعة والتشيع بعد ما ذاقت الأمرين في عصر من ماضيها أيا تسلط طائفة (١) منهم عليها، وشهدت مساجدها وجوامعها المجالس العديدة التي كانت توجه فيها للسباب والشتائم إلى سادة أصحاب محمد - ﷺ -، ووزرائه وخلفائه على ملأ من الأشهاد، وعلى مرأى من المسلمين ومسمعهم؟\nهل عن قصد أو تعمد؟ - لا جعلنا الله نعتقد فيه هذا الاعتقاد - أم عن\n_________\n(١) أي أيام الفاطميين الذين يذكرهم الدكتور وافي في كتيبه هذا بأنه لم يكن مذهبهم بعيدًا كل البعد عن مذاهب أهل السنة، ولم تكن وجوه الخلاف بينه وبينهم لتزيد كثيرًا عن وجوه الخلاف بين أهل السنة بعضهم مع بعض (ص١٥) وسيأتي بيان ذلك قريبًا في محله إن شاء الله","vol":"1","page":10},{"text":"عدم فهم ومعرفة؟ - وهذا هو الظن الغالب - ولكن كان عليه أن يتعقل قبل الإقدام من عواقبه الوخيمة، ويتبصر في نتائجها السيئة حيث أن كثيرًا من الشباب الذين يجهلون التشيع كليًا، ولا يعرفون حقيقته قليلًا أو كثيرًا - سيقعون في شراكهم وحبائلهم الممدة والمنصوبة من كل ناحية وفي كل جانب لإيقاعهم فيها ولاصطيادهم، وخاصة في هذه الآونة الحرجة التي كثرت فيها الدعايات المزورة، ونشط فيها التبشير الشيعي، وازداد غزوه للبلاد السنية المسلمة وأهاليها، وكثرت فيها الأقلام المأجورة، وانتشرت فيها الكتب المشبوهة، مثيرة الشبهات والشكوك في عقيدة أهل السنة والجماعة، العقيدة المنقولة المتوارثة عن رسول الله - ﷺ -، وعن أصحابه نقلًا متواترًا إلى يومنا هذا.\nنعم! ماذا يقصد من وراء هذه الكتيبات والرسائل وأمثالها؟ .. لقد كان المفروض أن يتنبه المسلمون، وشبابهم بالذات، إلى مفاسد هؤلاء الناس، وقبائحهم، وشنائع عقيدتهم، وفضائحهم التي ارتكبوها ضد المسلمين في مختلف العصور والدهور، وإن ما يجري الآن ضد المسلمين السنة في إيران من المظالم والاضطهادات راجع إلى أنهم لا يؤمنون بما يعتقده القوم، ومخالفتهم عقائدهم وأفكارهم التي يحملونها تجاه القرآن وحفظته، ونقلة سنته، وحاملي رايات الإسلام المظفرة المنصورة.\nنعم! ينبغي أن يكون هذا هو مقصد علماء السنة وكتّابهم لينبهوا من كان غافلًا، ويعلموا من كان جاهلًا، ويزيدوا معرفة من كان بصيرًا، بدل أن يقربوا إليهم عقائدهم، وليهونوا عليهم مساويهم، ويحيبوا إليهم أضاليلهم وأباطيلهم، بل أنه يجب على علماء مصر عامة، وعلى علماء الأزهر خاصة - لما لهم من مكان القيادة الفكرية؛ والصدارة العلمية في العالم العربي بالذات - أن يقوموا بتبصير الناس بأمر الشيعة الذين بدأ خطرهم يزداد ويكبر، بعد تربع التشيع على عرش إيران، ووضع جميع الإمكانات والوسائل في سبيل نشره وتصديره خارج إيران، وإلى البلدان الإسلامية السنية خاصة، وبعد انخداع كثير من الشباب المسلم بثورتهم لعدم معرفتهم بحقائق الأمور وخفاياها، وأنها ثورة التشيع لا ثورة الإسلام، وأنها ثورة شيعية لا ثورة إسلامية، وبتعبير صحيح","vol":"1","page":11},{"text":"وصريح أكثر: إنها ثورة شيعية على الإسلام، تريد ابتلاع المسلمين خارج إيران، وإذابتهم داخلها، وكل من يتتبع أحداث إيران اليوم ووقائعها، يدرك تمامًا ماذا يقصده القوم، وإلى ماذا يهدفون.\nفالمظالم التي تصب على الأكراد، والفضائح التي ترتكب في بلو شستان، والدماء التي تراق في عربستان، والاعتقادات الواسعة التي تجري في تبريز وما حولها، ليست إلا وسيلة لإبادة أهل السنة نهائيًا، أو لدمجهم في صفوف الشيعة دمجًا كاملًا.\nولم يأت على أهل السنة من المسلمين في إيران زمان أشد وطأة وأثقل ضربة من هذا الزمان، ولا أصعب وأعسر في الحفاظ على دينهم ومعتقداتهم، إلا ما نقل عن الصفويين، ولعله لم يكن ذاك الزمان يضاهي هذا الزمان ويوازيه، في ظلمه وقسوته، حيث لم يكن آنذاك وسائل الإبادة والتدمير كهذه، كما لم يكن سلب الأبناء من الآباء لإيداعهم المدارس الشيعية ومراكز التشيع من الصغر، كي لا يبقى عندهم أدنى معرفة وإلمام بمذهبهم، ومعتقداتهم.\nوما أشد بؤسهم وأسوأ حالهم لأن العالم الإسلامي السني في غفلة عما يجري على إخوانهم في إيران، وإنهم لصم وعمي عن صيحاتهم ونداءاتهم المتكررة لنصرتهم وإغاثتهم، وذلك أن القوم اجترءوا على غزو السنة خارج إيران، وفي بلدانهم، وعقر دارهم، وملئوا مدنهم وقراهم بمنشوراتهم الزائفة وكتبهم المزيفة، وزاد الطين بلة أنهم بدل أن يجدوا مواجهة من قبل علمائهم، لصد تيارهم الجارف، وصد هجومهم السافر، وجدوا ضمائر مبيعة، وأقلامًا رخيصة، وعقولًا مخدوعة إلا من رحم ربك، فطاروا مرحًا ونشاطًا وفرحًا وسرورًا، وسهلت عليهم مهمتهم، وقربت إليهم أمنيتهم، فشمروا عن ساق الجد، واأسفا على تحقيق باطلهم، وتقاعس أهل الحق لتثبيت حقهم، والدفاع عن حوزة حرماتهم وعقائدهم.\nفهل من مبصر يتبصر، وعاقل يتعقل، وعالم يعلم أنه لا يوجد في إيران كلها شخص واحد يستطيع أن يدعو الناس إلى السنة وعقائدهم، ولا من","vol":"1","page":12},{"text":"يقدر أن يمنع الشيعة عن غلوائهم في القدح والطعن في القرآن والسنة، وأصحاب رسول الله المبشرين بالجنة، وأزواجه أمهات المؤمنين بشهادة القرآن، بدل أن يدعوهم إلى التقارب والتحابب إلى أهل السنة، وإظهار القول بأن مذهبهم لا يخرج في أهم أوضاعه عن حيز الاجتهاد المسموح به؟!\nفيا علماء مصر! رحمكم الله - ألا تخبرون الناس بما يكنه القوم في صدورهم من حقد وضغن وغل لهذه الأمة المجيدة وأسلافها؟ وما يكتمونه من البغضاء والعداء لتعاليم شريعتها الصحيحة، وإرشاداتها المستقيمة، الخالية من شوائب الشرك والوثنية، والصافية من أدران المجوسية واليهودية؟.\nفهبوا يا علماء الأزهر .. بالواجب الديني والعلمي، الذي يحتم عليكم تنوير الرأي العام، وتبصير فكر المسلمين، بحقائق .. طالما خفيت على كثير من الناس، في زمن قلّ فيه المخلصون الغيورون، وعزّ فيه الوفاء، ورخص فيه بيع الضمائر والولاء.\nأليس من المعقول أن يدعى إلى التقارب قوم جعلوا الشتائم والسباب دينًا، واللعائن والمطاعن مذهبًا، بدل ناس يرونها من أفسق الفسوق، وأفجر الفجور، وخاصة في أكابرهم وأئمتهم حيث أنهم لا يراعون - إلاّ ولا ذمة في أئمتنا وأسلافنا؟.\nأليس من المحتم أن تكتب كتب، وينشر بينهم في بلادهم تبين لهم حقيقة المذهب الإسلامي السني، وقواعده وأسسه، التي عليها تركهم نبيهم وقائدهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، ومن بعده خلفاؤه الراشدون المهديون؟.\nوإنه لمن المؤسف حقًا أنهم بدلًا من أن يدعوا إلى ترك السباب والشتائم لحملة هذا الدين ورواده وقادة جيوشه المظفرة، وعساكره المنصورة الميمونة، والاعتقاد بالدستور الإسلامي، والناموس الإلهي، ورسالة الله الأخيرة إلى الناس كافة، والتمسك بسنة نبيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، أقواله وأفعاله وتقريراته، المنقولة عنه بواسطة أصحابه العدول، وتلامذته الصادقين المخلصين، وتجنب الإهانة والإساءة والقول الزور - بدلًا من هذا كله يدعى المسلمون أهل السنة إلى ترك عقائدهم ومعتقداتهم المستقاة من","vol":"1","page":13},{"text":"كتاب ربهم، وسنة نبيهم، وترك الدفاع عن أعراض الصحابة وأمهات المؤمنين، وعن السلف الصالح، وعن بلادهم، لكي يفتحوا أحضانهم لاستقبال التشيع البشع، والشيعة الحاقدين الحانقين، ويدفعوا شبابهم وأبناءهم إلى السبئية الماكرة، واليهودية الأثيمة.\nوأما نحن:\nفالله يشهد إنا لا نحبهم ... ولا نلومهم إن لم يحبونا\nولا جعلنا الله من الذين يحبون من يبغضون أصحاب حبيب الله - ﷺ - القائل فيهم: \"من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم\" (١).\nولا من الذين يشترون الحياة الدنيا وزخارفها، وأموالها الفانية، وشهرتها البائدة، ومديح طائفة منها، ورضاهم بالآخرة الباقية الدائمة، والضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة.\nفالحمد لله .. لقد أدينا بعض ما يوجب علينا ديننا، ويحتم علينا ضميرنا، ويفرض علينا علمنا الضئيل، مع قلة حيلتنا، وقصور باعنا، وضعف إمكانياتنا، وبعدنا عن بلاد العروبة مهد الحضارات، وأيضًا من منزل الرسالة ومهبط الوحي، وفي بلاد أعجمية، رغم المتاعب والمشكلات التي نواجهها في الحصول على العلوم والمعارف وكتبها وخزائنها، فكتبنا أول كتاب في هذا الموضوع بعنوان (الشيعة والسنة) عام ١٩٧٣م بعد ما ظهرت طلائع الغزو الشيعي الجديد في بلاد المسلمين آنذاك، فشكرًا لله على نعمائه، فقد لقي ذلك الكتاب، مع صغر حجمه، الرواج والقبول من أمة محمد - ﷺ - منقطع النظير، حيث صدر منه حتى الآن أكثر من نصف مليون نسخة باللغة العربية، ثم ترجم إلى جميع اللغات الحية التي ينطق بها المسلمون (٢).\nثم لما استولى التشيع المتعصب المحض على عرش إيران، استبشر المسلمون\n_________\n(١) رواه أحمد، قال صاحب الفتح الرباني (٢٢/ ١٦٩): أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\n(٢) مثل الإنجليزية والفارسية والأندونيسية والتايلاندية والهوسا، ولقد قامت إدارة ترجمان السنة بطبعها باللغة الإنجليزية والفارسية بالإضافة إلى العربية","vol":"1","page":14},{"text":"خيرًا في كثير من أقطار الأرض وأطرافها، لعدم معرفتهم بحقيقة معتقدات القوم ونواياهم، ولكننا نحن بحمد الله وفقنا في حينه بوضع كتاب آخر جامع باسم (الشيعة وأهل البيت) تعرضنا فيه لبيان أهم معتقدات القوم من كتبهم الموثوقة، ومصادرهم المعتمدة، بذكر عباراتهم أنفسهم دون أدنى تغيير .. أو تبديل .. أو حذف .. أو نقصان .. متجنبين أبعاد هذه الثورة السياسية، قاصدين تبيين الحقيقة وتوضيحها، في إطار علمي بحت؟، وقصد هذا الكتاب أن يقوم بسرد الروايات الشيعية من كتب القوم أنفسهم، والاقتصار عليها دون الرجوع إلى كتب السنة، وإيراد أية رواية منها للاستدلال والاستنباط، كي نكون منصفين في الحكم، عادلين في الاستنباط والاستنتاج، فاستبشر به الغيورون من أمة محمد - ﷺ -، والمحبون له خيرًا.\nولما ازداد الخطر، واستفحل الأمر، وزاد القوم في غلوائهم وعنترتهم والهجوم على عقائد السلف، والطعن في أسلاف هذه الأمة، كان علينا نحن أن نهب لخدمة العقيدة الصحيحة والتشرف بالدفاع عن الدين وعنهم فأضفنا إلى الكتابين كتابًا ثالثًا تحت عنوان (الشيعة والقرآن) لتبصير المسلمين، وتنوير رأيهم حول عقيدة الشيعة المتوارثة المنقولة عنهم، جيلًا بعد جيل، في القرآن المنزل من السماء، على قلب سيد البشر، بنفس الأسلوب وبنفس المنهج، الذي اخترناه في الرد عليهم، وعلى غيرهم من الفئات الباطلة المنحرفة، أي إدانة القوم بما في كتبهم أنفسهم وبعباراتهم هم، نقلًا عن مراجعهم الأصيلة، ومصادرهم الأساسية نقلًا مباشرًا (١)، فأوردنا في هذا الكتاب أكثر من ألف حديث شيعي من مختلف مصادره ومنابعه وتعدد رواته ونقلته، كل هذه الأحاديث الكثيرة الكثيرة تنبئ وتنص على أن القرآن الموجود بأيدي الناس محرّف ومغيّر فيه، زيد فيه ونقص منه كثير، ثم انتظرنا برهة من الزمن أن يشاركنا أحد من العرب\n_________\n(١) لا كما فعله دكتورنا الفاضل عبد الواحد وافي؛ لأنه لم ينقل مجرد عبارة واحدة عن كتب القوم رأسًا، بل كل ما نقله نقله عن الآخرين (دون تمحيص أو بصيرة)، كما سنثبته إن شاء الله في محله","vol":"1","page":15},{"text":"وخاصة من مصر، بلاد العلم والعلماء، ومن الأزهر بالذات، أكبر جامعة إسلامية وأم الجامعات الدينية، ولكن يا لهفتي على الجامعة الأزهرية التي أعقمت أن تنجب واحدًا، نعم واحدًا يتصدى للرد على الهجوم الذي يشنه الشيعة، ويا لهفتي على مصر أنها لم تلد واحدًا يقف في سبيل غزوهم القارة الإفريقية، التي تحتل بموقعها الجغرافي والعلمي مكان الصدارة على بابها، ولذا فإن العبء الملقى على كواهلها لثقيل، والمسئولية عليها لكبيرة، لم أجد هذا، حتى بلغ السيل الزبى، بل وجدت من بين أبنائها، ورجالات فكرها من ينادي بعكس ذلك، ينادي بالوحدة معهم، والتقريب بين معتقداتهم وبين معتقدات أهل السنة، غافلًا عن خطورة الأمر وأضراره الجسيمة، وعواقبه الوخيمة، ناسيًا ما يترتب عليه من المهادنة والهوان في سبيل العقيدة والدين، وجاهلًا بما تخفيه هذه الدعوة من الضرب والنقصان للطائفة الحقة المنصورة .. أهل السنة والجماعة: \" .. يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا\" (١).\nوعن أمثال هؤلاء الطيبين الأكارم اشتكى شاعر عربي قديم:\nلو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا\nإذن لقام بنصري معش خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا\nلكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا\nيجزون عن ظلم أهل الظلم مغفرة ... وعن إساءة أهل السوء إحسانا\nكأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا\nوتمنى أن يكون له قوم بدل قومه:\n\" شنوا الإغارة فرسانًا وركبانًا \".\nفهل يخبرني أحد من سادة الأزهر وعلمائه، ورجالات مصر ومفكريها وكتابها، ومؤرخيها وباحثيها! هل هناك كتاب في إيرانهم وعراقهم، أو في مجامعهم وجامعاتهم .. أعني الشيعة .. كتاب واحد كتب لتقريب الشيعة إلى أهل السنة ولتحريضهم على حبهم وودادهم؟ ..\n_________\n(١) سورة مرين الآية٢٣","vol":"1","page":16},{"text":"هل من مجيب يجيب؟!!\nولقد كتبت في كتابي الأول عنهم أعني كتاب: (الشيعة والسنة) سالف الذكر \"ولقد بدأ الشيعة منذ قريب ينشرون كتبًا ملفقة مزورة في بلاد الإسلام، يدعون فيها التقريب إلى أهل السنة، ولكن بتعبير صحيح يريدون بها تقريب السنة إليهم بترك عقائدهم ومعتقداتهم في الله، وفي رسوله، وأصحابه الذين جاهدوا تحت رايته، وأزواجه الطاهرات اللائي صاحبنه في معروف، وفي الكتاب الذي أنزله الله عليه من اللوح المحفوظ، نعم يريدون أن يترك المسلمون كل هذا، ويعتنقوا ما نسجته أيدي اليهودية الأثيمة من الخرافات والترهات في الله، بأنه يحصل له \"البدا\" وفي كتاب الله بأنه محرف، ومغير فيه، وفي رسول الله، بأن عليًا وأولاده أفضل منه، وفي أصحابه حملة هذا الدين، أنهم كانوا خونة، مرتدين، مع من فيهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأزواج النبي، أمهات المؤمنين، مع من فيهن الطيبة، الطاهرة، بشهادة من الله في كتابه، بأنهن خن الله ورسوله، وفي أئمة الدين، من مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والبخاري، أنهم كانوا كفرة ملعونين - ﵃ ورحمهم أجمعين -.\nنعم يريدون هذا، وما الله بغافل عما يعملون (١).\nولكن تغيرت المقاييس الآن وانقلبت المفاهيم، فبدأ بعض علماء أهل السنة ينادون بهذه الدعوة .. أعني التقريب بين أهل السنة والشيعة .. ويرفعون شعارها، بدلًا من أن يردوا على ترهاتهم وخزعبلاتهم .. بل طالبوا بإقامة دور التقريب في مدنهم وبلدانهم، فوا عجبًا من اجتماع أهل الباطل على باطلهم والإخلاص له، وتقاعس أهل الحق عن حقهم، وتخاذلهم عن نصرته .. ووا أسفا على محاماة أهل الحق عن آراء أهل الباطل، والدفاع عن عقائدهم الفاسدة، والتحمس في التماس الأعذار لهم تطوعًا، أو بغير تطوع، وبأخذ البديل والأجرة، أم دون أخذه تصدقًا عنهم، وتطوعًا، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.\n_________\n(١) الشيعة والسنة ص٦، ٧ - ط إدارة ترجمان السنة - لاهور باكستان","vol":"1","page":17},{"text":"هذا بالإضافة إلى أن الشيعة قادة وشعبًا، عامة وزعامة، جهالًا وعلماء .. لا يخفون بغضهم لهؤلاء الطيبين وسادتهم، كلما سنحت لهم الفرصة، أو أتيح لم المجال، لأن مذهبهم ليس مبنيًا إلا على مخالفة أهل السنة، نعم! إلا على مخالفة أهل السنة وعقائدهم وآرائهم، ومخالفة الأسس التي عليها يقوم مذهبهم، وشريعتهم التي جاء بها محمد صلوات الله وسلامه عليه.\nومن أجل هذا فالقرآن أنكروه، لأن أهل السنة يعتقدونه ويؤمنون به.\nسنة النبي الكريم أنكروها، لأن أهل السنة يتمسكون بها.\nوأصحاب محمد يكفرونهم، لأن أهل السنة يحبونهم.\nوأزواج النبي يشتمونهن، لأن أهل السنة يعظمونهن ويجلونهن ويفضلونهن على أمهاتهن، لأنهن أمهات المؤمنين بنص القرآن.\nومكة والمدينة يكرهونهما، لأن أهل السنة يعتبرونهما أقدس بقاع الأرض وأطهرها في الكون.\nوالكذب يقدسونه، لأن أهل السنة يكرهونه ويهجرونه.\nوالمتعة يحلونها، لأن أهل السنة يحرمونها.\nوالرجعة يقرونها، لأن أهل السنة ينكرونها.\nوالبداء لله بمعنى الجهل يثبتونه، لأن أهل السنة يبرئون منها جنابه وجلاله.\nوالأوهام والخرافات والبدع والثونيات والشرك بالله كالاستغاثة بالقبور، والصلاة إلى الأضرحة، والنداء للأموات، والاستغاثة بالقبور، والطواف حولها والسجود عليها، وإقامة الأضرحة والقباب عليها وإقامة المآتم والمجالس .. كل تلك الأفعال الشركية يتشبثون بها، لأن أهل السنة يتبرءون منها، ويتنزهون عنها، ويجحدونها.\nوسيأتي بيان هذه الأشياء كلها، إن شاء الله، مفصلًا مدعمًا بالأدلة الواضحة والبراهين الساطعة، من كتب القوم أنفسهم، كل هذه الأعمال يأتون بها ويعملونها لأنها مخالفة لما يعتقد به أهل السنة، الذين يعتبرونهم العامة في اصطلاحهم - فعل اليهود حيث يعدون أنفسهم خاصة وغيرهم","vol":"1","page":18},{"text":"عامة - لأن الأصل في مذهبهم هو مخالفة المسلمين. وعليها قامت ديانتهم. وإليك بعض النصوص دليلًا على ما ذكرنا:\nيذكر الكليني أبو جعفر محمد بن يعقوب في صحيحه الذي قيل فيه: هو أجلّ أربعة الكتب الأصول المعتمد عليها، والذي لم يكتب مثله في المنقول من آل الرسول (١).\nوالذي قال فيه قائمهم الغائب: كاف لشيعتنا (٢).\nيذكر فيه عن جعفر بن محمد أن سائلًا سأله:\n\"جعلت فداك، أرأيت إن كان فقيهان عرفا حكمًا من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقًا للعامة والآخر مخالفًا لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟\nقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد (وليس هذا فحسب)\nفقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعًا؟\nقال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضائهم، فيترك ويؤخذ بالآخر (٣).\nفهذا هو مذهبهم، وهذه هي كراهيتهم للمسلمين، وهم على ذلك قائمون، وعلى نفس المنهج سالكون، ولكن بعض سفهاء أهل السنة يخدعون بلا سبب، ويطيلون بلا طلب، ولأجل ذلك كتب السيد الخميني، زعيم شيعة إيران اليوم مصرحًا بعد ذكر الروايات الكثيرة الكثيرة بخصوص مخالفة المسلمين مثل ما رواها ابن بابويه القمي في كتابه عن علي بن أسباط، قال: قلت للرضا - الإمام الثامن عند القوم - ﵇: يحدث الأمر لا أجد بدًا من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟ قال: ائت فقيه البلد فاستفته من أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإن الحق فيه\" (٤).\n_________\n(١) الذريعة للطهراني ج١٧ ص٢٤٥ - ط إيران\n(٢) مقدمة الكافي ص٢٥\n(٣) الكافي للكليني في الأصول، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث ج١ ص٦٨\n(٤) رسالة التعادل والترجيح للسيد الخميني ص٨٢ - ط إيران","vol":"1","page":19},{"text":"ورواية أخرى عن الإمام المعصوم أنه قال:\n\"ما أنتم على شيء مما هم فيه، ولا هم عليه شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء\" (١).\nومثله ما رواه عن جعفر أنه قال في جواب من سأله: يرد علينا حديثان: واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر ينهانا عنه، قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله. قلت: لا بد أن نعمل بواحد منهما. قال: خذ بما فيه خلاف العامة\" (٢).\nهذا .. ومثل هذا .. كثيرا!! ..\nقال هذا .. وهو رجل سياسي، والسياسة تتطلب المماشاة والمداراة ولكنه يقول لاطمًا خدود الطيبين، محبي الوحدة، ومنادي التقريب، ليفيقوا من سكرتهم، يقول:\n\"فتحصل من جميع ما ذكرنا من أول البحث إلى هنا أن مرجح النصوص ينحصر في أمرين: موافقة الكتاب والسنة، ومخالفة العامة\" (٣).\nفهل من مستفيد يستفيد؟ وهل من مستفيق يستفيق؟ أم هم في غفلة يعمهون؟!\nوأما نحن يا علماء مصر! ويا علماء الأزهر! فلسنا من قوم عيسى بأن نقدم الخد الأيسر لمن يصفع الخد الأيمن، فهل أنتم منتهون؟:\nألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\n﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٤).\nوأنت يا فضيلة الدكتور! عليك أن تفهم أن التوادد والتحابب والتقارب من باب التفاعل، والذي يلزم حصوله من الطرفين، ولا يحصل من طرف\n_________\n(١) رسالة التعادل والترجيح للسيد الخميني أيضًا من ٨٣\n(٢) رسالة التعادل والترجيح للسيد الخميني ص٨٣\n(٣) رسالة التعادل والترجيح للخميني ص٨٣\n(٤) سورة المائدة الآية٤٥","vol":"1","page":20},{"text":"واحد، وكيف وهم ينصون على أن الحب، أيها الطيبون، لا ينبغي أن يكون إلا من طرفكم أنتم، وأما نحن ففي طرف على رأسه لافتة \"ممنوع الدخول، اتجاه واحد\".\nفلا تتمن أن تصل إلى قلوبهم وتدخل في أعماقهم، وأما أنت فلك الخيار فتفتح قدر ما تشاء وتوصلهم إلى ما تشاء، ولو إلى سويدائها.\nوما انشغالك بهم يا طيب القلب؟\nأتريد أن ترضيهم بحبك لهم، وبموافقتك إياهم في أباطيلهم وأضاليلهم، والدفاع عن أكاذيبهم وافتراءاتهم على الله والقرآن والرسول، وهم مع ذلك لا يريدون إلا مخالفتك في كل ما تعتقده وتؤمن به، وما أظنك كنت تدري هذا، وإلا ما جرى قلمك ليقلب الصدق كذبًا، والكذب صدقًا، وليكتب الحق باطلًا، والباطل حقًا:\nفإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... أو كنت تدري فالمصيبة أعظم!!\nفسامحكم الله أيها الأخوة الطيبون، وإن كنتم لم تقرءوا كتبي الثلاثة المذكورة آنفًا وكتابي الجديد (الشيعة والتشيع فرق وتاريخ) الذي بينت فيه عقائد الشيعة الاثنى عشرية، الذين في أمثالهم قال علي ﵁ أمير المؤمنين، والرواية في أصح الكتب عندهم:\n\"لو ميزت شيعتي لما وجدتهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد\" (١).\nوالكتاب لذي وضح للناس موقف الشيعة من المسلمين، واعتناقهم عين تلك الآراء والأفكار التي روجها ابن سبأ اليهودي الماكر الخبيث بفرض إمامة علي، وإظهار البراءة من أعدائه المزعومين، من أبي بكر وعمر وعثمان وكافة أصحاب النبي - ﷺ - ورضوان الله عليهم أجمعين، وتكفيره إياهم، وقوله بالوصاية والولاية والغيبة والرجعة وغير ذلك من الخرافات والترهات، كما أوضح الكتاب لكثير من الغافلين أن كل ما كان يعد غلوًا في الماضي صار من لوازم مذهب الشيعة الاثنى عشرية اليوم، وحتى\n_________\n(١) الكافي للكليني، كتاب الروضة ج٨ ص٣٣٨ ط إيران","vol":"1","page":21},{"text":"الدكتور وافي الذي يخطئ شيخ الإسلام ابن تيمية (١) لعدم معرفته للأمور ووضعها في نصابها، لا يعلم أن كل ما ذكره شيخ الإسلام حق لا محيص عنه كما سنبينه مفصلًا عند ذكر أخطاء فضيلته.\nنعم! كان من الواجب عليكم أن تقرءوا ما كتبه بنو جلدتكم وسلفكم أمثال السيد الجليل الشيخ محمد رشيد رضا منشئ \"المنار\"، والبحاثة المحقق السيد محب الدين الخطيب صاحب \"الفتح\" تغمدهما الله برحمته وغفرانه، والرسالة الأخيرة مشهورة معروفة، وموجودة منتشرة في مصر وخارجها (الخطوط العريضة).\nوإليكم ما كتبه السيد محمد رشيد رضا:\n\"إني شديد الحرص على هذا الاتفاق (بين السنة والشيعة) وقد جاهدت في سبله أكثر من ثلث قرن ولا أعرف أحدًا من المسلمين أو أظن أنه أشد مني رغبة وحرصًا على ذلك، وقد ظهر لي باختياري الطويل أن أكثر علماء الشيعة يأبون هذا الاتفاق أشد الإباء إذ يعتقدون أنه ينافي منافعهم الشخصية من مال وجاه، وقد تكلمت في هذا مع كثيرين في مصر وسورية والهند والعراق، مما علمته بالخبر والتجربة أن الشيعة أشد تعصبًا وشقاقًا لأهل السنة .. وقد نشطوا في هذا العهد لتأليف الكتب والرسائل في الطعن على السنة والخلفاء الراشدين الذين فتحوا الأمصار ونشروا الإسلام في الأقطار، والطعن على حفاظ السنة وأئمتها وفي الأمة العربية بجملتها\" (٢).\nويقول أيضًا: \"إننا لا نعرف أحدًا من علماء أهل السنة المتقدمين، ولا المعاصرين يطعن في أحد من أئمة آل البيت ﵈ كما يطعن هؤلاء الروافض في الصحابة الكرام ولا سيما أبي بكر وعمر وفي أئمة حفاظ السنة كالبخاري والذهبي وابن حجر وغيرهم فإنهم يعدونهم من النواصب لعدم موافقتهم لجهلة الروافض على ما يفترونه من الغلو في مناقب آل البيت وقد أغناهم الله\n_________\n(١) انظر: رسالته ص١١\n(٢) مجلة المنار نقلًا عن تاريخ الصحافة الإسلامية لأنور الجندي الجزء الأول ص١٣٩ ط دار الأنصار بالقاهرة","vol":"1","page":22},{"text":"عن اختلاق المناقب لهم لكثرة مناقبهم الصحيحة الثابتة بالنقل الصحيح، أما النواصب فهم أولئك الخوارج اللذين يبرءون من علي كرم الله وجهه\" (١).\nفما أصدق السيد! وما أعرفه بهم!.\nوأخيرًا يتحدث عن الشيعة بقوله:\n\"إنهم كانوا أشد النقم والدواهي التي أصيب بها الإسلام، فهم مبتدعو أكثر البدع الفاسدة التي شوهت نقاءه، وهم الذين صدعوا وحدته، وأضعفوا شوكته، وشوهوا جماله، وانتقصوا كماله، وجعلوا توحيده وثنية، وأخوته عداوة وبغضاء، وبثوا فيهم فتنة عبادة أناس لأجل أنسابه، وتقديس عداوة وبغضاء، وبثوا فيهم فتنة عبادة أناس لأجل أنسابهم، وتقديس أناس لأحسابهم وجعل سعادة الدنيا والدين بوساطتهم عند الله، وتأثيرهم في علمه وإرادته على ضد عقيدة القرآن من كون الخالق ﵎ لا يطرأ على صفاته تأثير من المخلوق، وجميع الفرق التي ارتدت عن الإسلام من القرون السابقة كانت من غلاة الشيعة (٢) فمنهم جميع الفرق الباطنية الذين كانوا يلبسون لباس المسلمين ويظهرون التمسك به لتقبل دعايتهم .. كذلك كان غلاة الشيعة مثارًا لأفظع الكوارث التي هدت قوى الإسلام وزعزعت الخلافة العباسية ودمرت الحضارة العربية التي كانت زينة الأرض وفخار أهلها، وهي كارثة التتار، كما كانوا أولياء وأنصارًا لأعداء المسلمين وإنهم أشد عداوة لهم وفتكًا بهم لإسلامهم حتى الصليبيين.\nووجهت العداوة الشيعية إلى أهل السنة خاصة، وزال ملك العرب من بلاد الفرس، وصار السلطان فيه للترك، فاتصل ما كان من عداوتهم للعرب إلى الترك، على اختلاف طوائفهم .. وصارت السنة في بلاد إيران أضعف من المجوسية، وقد ثبت شيعة إيران مذهبهم في عرب العراف حتى كاد يكون أكثر البدو لهم يقيمون مآتم الإمام حسين ويلعنون أبا بكر وعمر عليهما أفضل الرضوان .. فالشيعة كلهم دعاة إلى مذهبهم حتى النساء\" (٣).\n_________\n(١) مجلة المنار م٣١ ص٢٩٠، نقلًا عن تاريخ الصحافة الإسلامية لأنور الجندي الجزء الأول الفصل الرابع ص١٤٠ - ط دار الأنصار بالقاهرة\n(٢) ملحوظة: إن السيد رشيد رضا يقصد من الغلاة الاثنى عشرية، كما يقصد من المعتدلين الزيدية (المصدر السابق ص١٤٤)\n(٣) المنار نقلًا عن تاريخ الصحافة الإسلامية لأنور الجندي ص١٤١، ١٤٢","vol":"1","page":23},{"text":"هذا ما كتبه علم شامخ من أعلام مصر في مجلته الشهيرة التي طبق صيتها الآفاق، فليتأمل فيها الكاتبون المصريون، ولينظروا ما كتب أسلافهم في هذا المضمار قبل الإقدام على الكتابة عنهم دون علم أو بصيرة، ودون فقه أو معرفة أو إدراك، غفر الله خطايانا وخطاياهم.\nوكل ما كتبه السيد ليس بجديد ولا بعجيب، بل هو الحق وعين الحق تنضح به كتبهم ومصادرهم، والفقرة الأخيرة هو عين ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه في فتاواه (١).\nاللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.\nولا أدري كيف خفي كل هذا على من ينادي بدعوة التقريب من أهل السنة وفي بلاد السنة، ويدافع عنهم، ويحبب إلى الناس مذهبهم، ويزينه في قلوبهم، وكيف خفي هذا كله على من يدعي بأنه حقق موسوعة بن خلدون التاريخية وعلق عليها: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ (٢).\nربنا لا تهلكنا: ﴿. . بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك ..﴾ (٣).\nولا يخطر ببال أحد أننا من دعاة الطائفية أو التفرقة، وحاشا لله أن نكون كذلك، لأننا لم نقصد بهذا الكاب ولا بالكتب الأخرى التي كتبناها سواء عن الشيعة، أو عن الفرق الباطلة المنحرفة الأخرى .. أن نثير عواطف الناس ونحرضهم على قتال بعضهم بعضًا، ومحاربة الواحد الآخر، كما لم نرد أن نفرق كلمة جامعة، بل كل ما قصدنا من هذا أن نكون على بينة من الأمر وأن نعطي كل ذي حق حقه، وأن لا نخدع ولا نباغت من أحد لأننا نعلم وندرك يقينًا بأن الحق لا يتعدد، وإن التعدد من لوازم الباطل، فالحق واحد وهو ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه رضوان الله عليهم\n_________\n(١) انظر: لذلك فتاوى شيخ الإسلام ج٢٨ ص٤٧٨، ٤٧٩\n(٢) سورة آل عمران الآية٨\n(٣) سورة الأعراف الآية١٥٥، ١٥٦","vol":"1","page":24},{"text":"أجمعين، حسب ما ذكره رسول الله - ﷺ - في حديثه المشهور: \"ستفترق أمتي إلى ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي\" (١).\nفليتنا أن لا نغرق في الدعوات الزائفة والشعارات المزيفة، وأن نتمسك بكتاب ربنا ﷻ وعم نواله وسنة نبينا - ﷺ - وأصحابه وسلم، متمثلين بقوله: \"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه\" (٢).\nإننا لسنا بدعاة تفرقة أو طائفية، ولكننا ضد الطائفية كلها، داعين الناس أن يتركوا كل العصبيات وكل التحزبات إلا حزب الله وحزب رسوله: ﴿. . ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ (٣)، وإلا العصبية لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وأن نعرض جميع خلافاتنا على كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فمن يوافقه الكتاب أو تناصره السنة نؤيده ونتبعه، ومن يخالفه الكتاب وتخذله السنة، نخالفه ونخذله، وهذه هي الدعوة الحقة التي لأجلها أرسل الرسل وأنزلت الرسالة، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إليه رسول الله - ﷺ - الناس كافة بأمر من الله ﷿، ﴿ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (٤).\nفمنع الناس عن اتباع السبل ليس بتفرقة، ودعوتهم إلى الصراط المستقيم ليست بطائفية، بل هذه هي سبيل الله المختارة التي أمر الله نبيه وأتباعه بالدعوة إليها.\nوإن اختلف بها المختلفون، وانزجر عنها المنزجرون، واعترض عليها المعترضون، وعاب عليها العائبون والمنتقدون.\n_________\n(١) أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد والحاكم\n(٢) انظر: موطأ الإمام مالك والحاكم في مستدركه واللفظ للموطأ\n(٣) سورة المجادلة الآية٢٢\n(٤) سورة الأنعام الآية١٥٣","vol":"1","page":25},{"text":"﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ابتعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾ [سورة يوسف الآية١٠٨.\n﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ (١).\n﴿ودوا لو تدهن فيدهنون * ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين﴾ (٢).\n﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون * إن ربك هو أعلم بمن يضل عن سبيل وهو أعلم بالمهتدين﴾ (٣).\nفنحن دعاة الوحدة التي لا تحصل بالكلمات الفارغة، والنعرات الرنانة الطنانة، والأقلام المأجورة، والألسنة المستأجرة، والضمائر المشتراة، والآراء المستعارة، ولا تتأتى بالأحلام الوهمية والأمنيات الخيالية، بل تتأتى وتحصل بتحكيم شرع الله في الخلافات والنزاعات، وفي المناقشات والمناظرات ﴿. . فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ (٤).\nفعندئذ يكمل الإيمان، ويحسم النزاع، ويرتفع الخلاف: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ (٥).\nومن علائم الإيمان ألا يكون عصبية لحزب وجماعة، وتحزب لطائفة وفرقة بعد حصول قضاء الله وثبوت حكم رسول الله: ﴿وما كان لمؤمن\n_________\n(١) سورة الحجر الآية ٩٤\n(٢) سورة القلم الآية٩ - ١٥\n(٣) سورة الأنعام الآية١١٦ - ١١٧\n(٤) سورة النساء الآية٥٩\n(٥) سورة النساء الآية ٦٥","vol":"1","page":26},{"text":"ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (١).\nهذه هي الوحدة الحقيقية التي تحصل بوحدة الفكر والعقيدة، وبوحدة الأصول والقواعد المبنية على كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -.\nوعن آخذيها والمشبثين بها عبر القرآن في قوله تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ (٢).\nوأما فيما دون ذلك فلن تتحقق تلك الأمنية، ولن نصل إليها.\nفنحن دعاة الحق إن شاء الله، لدعوتنا إلى كتاب ربنا وسنة نبينا - ﷺ -، لا إلى أقوال العلماء وآراء الرجال، أيًا كانوا، وأينما كانوا، ومهما بلغو من المكانة السامية والشأن الرفيع، فكل مأخوذ من قوله ومردود عليه، إلا الناطق بالوحي صلوات الله وسلامه عليه، وهو الذي تركنا على المحجة البيضاء، التي ليلها كنهارها، لا يضل سالكها ولا يهتدي تاركها، والسالكون على هذا المنهج القويم، والمنتهجون هذا الصراط المستقيم هم الطائفة المنصورة التي أخبر عنها الرسول - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة\" (٣).\nفالطائفي هو الذي يدعو إلى طائفته وحزبه، ويأمر الناس باتباع رجال لم ينزل الله بهم من سلطان.\nوالفرقي هو الذي ينادي الناس إلى فرقته ونحلته ويأمر الناس بترك الجماعة.\nوأما الذي يدعو إلى الجماعة، وإلى الصراط المستقيم، وإلى كتاب الله وهدي رسول الله، ويحذرهم من التفرقة واتباع سبيل غير سبيل المؤمنين، ويمنعهم عن التفرق في السبل الملتوية المعوجة كي لا يضلوا فيها، ويخبرهم عن سوء العواقب وشر النتائج .. أما مثل هذا الداعي فليس منهم، وبالرغم من أنه هو الداعي إلى الجماعة، الذي من شذ عنها شذ في النار.\n_________\n(١) سورة الأحزاب الآية٣٦\n(٢) سورة الأنبياء الآية٩٢\n(٣) مسلم وأحمد وأبو داود والحاكم وابن ماجة وابن حبان والسيوطي في الفتح الكبير واللفظ له","vol":"1","page":27},{"text":"فيجب تصحيح المفاهيم والانتباه إليها فرب كلمة حق أريد بها الباطل، ولأنه لو كانت التفرقة بين الحق والباطل شيئًا مذمومًا، وتبين الرشد من الغي شيئًا منكرًا لما أخبرنا الله عن أنبيائهم بأنهم كلما جاهروا بالحق، وأبطلوا الباطل اختلف الناس: ﴿ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون﴾ (١).\nو﴿. . . قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾ (٢).\nوبين سبب بعثة رسله بقوله: ﴿. . . ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. .﴾ (٣).\nوأمر نبيه أن يقول: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ (٤).\nفالمفرقون والطائفيون هم الذين يسلكون سبيلًا غير سبيل المؤمنين، وينهجون منهجًا غير منهج المؤمنين، ويدعون الناس إلى ولاية أشخاص وتقليد أناس لم يأمرنا الله به في صميم كتابه، ولا النبي - ﷺ - في الثابت من سنته!! ..\nوأما الدعاة إلى الله وحده، والتوحيد الخالص، ونفي الإشراك بالله صغيرًا أم كبيرًا، جليًا أم خفيًا، وإلى اتباع رسول الله في كل ما ثبت عنه من قوله وفعله وتقريره، فهم الدعاة إلى الوحدة الحقيقيون مهما تقول المتقولون، وتطول المتطاولون.\nفهذا آخر ما كنا نريد التنبيه عليه في هذا المضمار.\nولقد طال بي الكلام وتشعب بي الحديث والحديث ذو شجون، والسبب في هذا تلك الرسالة (بين الشيعة وأهل السنة) للدكتور علي عبد الواحد التي وقع نظري عليها - ويا ليتني لم أرها - لقد قرأت هذا الكتيب - ويا ليتني لم أقرأه - ولم أتركه حتى انتهيت منه، فتألمت كثيرًا لما فيه من الأخطاء\n_________\n(١) سورة النمل الآية٤٥\n(٢) سورة البقرة الآية ٢٥٦\n(٣) سورة الأنفال الآية٤٢\n(٤) سورة الكافرون الآية٦","vol":"1","page":28},{"text":"الفاحشة، والمغالطات الظاهرة، والعوار البين، والزلات الكثيرة، والحكم غير الصحيح، المبني على نهج غير موضوعي ولا علمي، اللهم إلا ما يبدو بأن فيه إغضابًا لجهة تأذى منها مؤلفه، أو إرضاء جان رضي عنه. اللهم لا تجعلنا من الذين يسيئون الظن بعبادك - وإن بعض الظن إثم - ولا تجعلنا من الظالمين في الحكم، فشغلني هذا الكتيب وألهاني عما كنت في صدده من البحث والتنقيب في الكتب الإسماعيلية والوثائق الفاطمية، ولم يبق بيني وبين المغادرة من مصر إلا ليلة واحدة حيث أنوي السفر منها إلى تونس، ومن تونس إلى المغرب، مارًا على اسكوريال بأسبانيا، وباريس بفرنسا إلى لندن بإنجلترا، وراء مقصدي وهدفي.\nولكنني لم أشأ أن أخرج من مصر ولا أفي بحقها، ولا أتطرق إلى هذه الرسالة التي أرى من الواجب الديني والمحتم العلمي بأن أتطرق إليها ولو تطرقًا طفيفًا يسيرًا، وأن لم بها ولو إلمامة خفيفة سريعة، فأجلت سفري يومين لعل الله أن يوفقني لأن أوفي للدكتور وافي حقه، وأنبه على أخطائه التي وقع فيها فضيلته بدون قصد ولا عمد منه - إن شاء الله -. ولو أنني لا يحضرني في هذه الغربة كثير من المراجع والمصادر إلا أن أملي وثقتي بالله كبيران بأنه لا ينقصني في الرد عليه شيء أحتاج إليه بفضله ومنه وإحسانه.\nوإنني لأحاول في هذه العجالة ألا ينفلت زمام قلمي من يدي، وألا أكون إلا واقعيًا موضوعيًا في تحري الحقيقة وتبيينها لفضيلة الدكتور، ولمن قرأ رسالته، وللناس أجمعين، بدون تعصب ولا تحيز، وسوف أقسم البحث حسب تقسيم الدكتور في رسالته، وأضيف قبله فصلًا واحدًا أبين فيه أخطاء فضيلته البديهية التي وقع فيها، وإنني لمستغرب فعلًا كيف أنها صدرت عنه. وسبحان الذي لا ينسى، وما من كاتب إلا وقد أخطأ، وما من قائل غلا وقد غلط ولغا، وما من ناطق إلا وقد ضل واهتدى، اللهم إلا المعصومين من خلقه، أنبياء الله ورسله، الذين ختمهم بخاتم المعصومين، سيد المرسلين محمد بن عبد الله - ﷺ -، المشهود له بالعصمة في قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ (١).\n_________\n(١) سورة النجم الآية٣، ٤","vol":"1","page":29},{"text":"وأدعو الله العلي القدير أن يوفقني لأداء هذه المهمة خلال يومين قبل مغادرتي مصر الطيبة، وأن يلهمني الرشد والصواب.\nوأخيرًا أتوجه إلى علماء مصر والأزهر خاصة، مهيبًا بهم داعيًا إياهم أن يقوموا بواجبهم الديني ودورهم الذي تحتم عليهم دفاعًا عن شريعة الله ودينه الذي ارتضاه لنفسه، دين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.\nلقد قدمنا ما كان في وسعنا وذخرنا مع أننا جئنا إلى مصر ببضاعة مزجاة، فعليهم أن يوفوا الكيل ويتصدقوا بعلمهم على المسلمين، ويردوا عنهم كيد المبطلين المنتحلين، والله ولي النعم وهو ملهم التوفيق، وصلى الله على رسوله خير خلقه محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه الأخيار ومن تبعهم إلى يوم الدين.\nإحسان إلهي ظهير\nالقاهرة\nليلة الخميس ٢٦ ذي القعدة سنة ١٤٠٤هـ\nالموافق ٢٤ أغسطس سنة ١٩٨٤م","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول\nمغالطات الدكتور وافي وأغلاطه</span>\nقبل أن ندخل في صميم الموضوع ونناقش الآراء التي أظهرها الدكتور علي عبد الواحد وافي في رسالته (بين الشيعة وأهل السنة) نريد أن نلفت أنظار القراء والباحثين إلى أن الدكتور أخطأ فيها أخطاء فاحشة لا يتصور صدورها عن مثله غي ما بدر منه الخطأ في الفهم، ثم بناء على ذلك الخطأ في الحكم. ولعله لم يكتب هذه الرسالة بعد المطالعة والاستقراء، والتعمق في البحث، والتروي في التفكير، والتريث قبل الحكم. ولأجل ذلك ظهرت وكلها خطأ على خطأ، بل لقد تضمنت بعض الأخطاء البديهية التي لا يقع فيها من له إلمامة بسيطة بالتاريخ بخلاف سقطاته في العقائد. فكيف يقع فيها شخص حقق \"مقدمة ابن خلدون وتاريخه ثلاثة أجزاء بها نحو ثلاثة آلاف تعليق وتمهيد في نحو ثلاث مائة صفحة من القطع الكبير\" حسب ما ذكره فضيلته في آخر رسالته، وكما أشار إليه داخل الكتاب أثناء تعليقه على بعض الفقرات؟\nولقد أخبرت من بعض المحبين لي وله، ممن أثق في صدقه ودينه، بأنه رأى الدكتور وهو يشتغل بهذا الكتيب ولولا ذلك ما كنت لأثق بأن الكتاب من تأليفه، وتيقنت بأن شخصًا له أطماع وأغراض أو مقاصد ومطالب. . استغل اسم فضيلته الكبير، ووضعه على هذا الكتيب، وإلا فكيف يعلل هذه الأغلاط الكبيرة التي ازدانت بها كل صفحة من صفحات هذا الكتيب الصغير؟! وإن لله عجائب في خلقه وقدرته وقضائه وقدره.\nفمثلًا يقول الشيخ في تمهيد الكتيب عندما يلقي نظرة مجملة في التعريف بالشيعة الجعفرية.","vol":"1","page":31},{"text":"\"النص على الإمام الأول وهو الإمام علي قد جاء في اعتقادهم بوصية الرسول ﵊، وأما الأحد عشر إمامًا من بعده فقد استحق كل منهم الخلافة بوصية من الإمام السابق له، وكان كل منهم الابن الأكبر للإمام السابق ما عدا الحسين. . . وما عدا موسى الكاظم فإنه كان الابن الثاني للإمام السابق له وهو جعفر الصادق، واستحق الخلافة لموت أخيه الأكبر إسماعيل قبل وفاة أبيه\" (١).\nومحل الشاهد أن موسى الكاظم كان الابن الثاني لجعفر الصادق.\nومن لا يدري غير فضيلة الدكتور أن موسى الكاظم لم يكن الابن الثاني لجعفر بن الباقر، ولم يكن هو الأكبر بعد أخيه الذي توفي في حياة أبيه الجعفر، بل كان هناك من يكبره من إخوته.\nوإليكم الشهادة على صحة ذلك من الشيعة أنفسهم، بل ومن كبار الشيعة وقادتهم وأئمتهم في الرجال والتاريخ، فيذكر الكشي أبو عمرو ومحمد بن عمر ابن عبد العزيز في كتابه (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) المعروف برجال الكشي تحت عنوان الفطحية:\n\"هم القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر بن محمد. . . والذين قالوا بإمامته عامة مشائخ العصابة وفقهائها، مالوا إلى هذه المقالة، فدخلت عليهم الشبهة لما روى عنه (يعني أئمتهم) ﵈ أنهم قالوا: الإمامة في الولد الأكبر من الإمام إذا مضى إمام\" (٢).\nهذا ولقد يذكر مثله محمد بن محمد بن النعمان العكبري المتوفى سنة ٤١٣هـالملقب بالمفيد، الذي يقولون عنه: إن غائبهم المزعوم هو الذي لقبه به (٣) وإليه انتهت رئاسة الإمامة في وقته (٤) وكان له لقاءات مع غائبهم الموهوم (٥) يقول هذا المؤرخ الشيعي الكبير في كتابه الذي كتبه في ذكر أئمته:\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٦، ٧\n(٢) رجال الكشي ص٢١٩ ط كربلاء\n(٣) معالم العلماء ص١٠١ - ط إيران\n(٤) روضات الجنات للخوانساري ج٩ ص١٥٣ - ط إيران\n(٥) مقدمة الإرشاد ص٤ - ط إيران","vol":"1","page":32},{"text":"\"وكان عبد الله بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل. . . وادعى بعد أبيه الإمامة، واحتج بأنه أكبر الإخوة الباقين، فاتبعه على قوله جماعة من أصحاب أبي عبد الله (أي جعفر) ﵇. . . ودانوا بإمامة عبد الله بن جعفر، الطائفة الملقبة بالفطحية\" (١).\nوهذا الأمر لا يختلف فيه اثنان، ولا يتناطح فيه كبشان، وهو متفق عليه بين الشيعة والسنة، وكل كتب التاريخ تنص على ذلك، ولكن لا ندري من أين جاء الدكتور الفاضل بمعلوماته الجديدة \"أن موسى الكاظم كان الابن الثاني للإمام السابق له، وقد استحق الإمامة لكبره بعد موت أخيه إسماعيل\" وقد أعاد نفس هذا الكلام في رسالته في الباب الرابع صفحة ٧٣ و٧٤.\nهذا ما لم يستطع الشيعة أنفسهم التقول به مع تضايقهم وتحرجهم من مواجهة هذا الإيراد والاعتراض: \"كيف تحولون الإمامة من عبد الله بن جعفر بعد موت الإمام جعفر الصادق وهو أكبر أبنائه بعده، مع زعمكم بأن الإمامة في أكبر الأبناء؟ كما روى الكليني في كافيه عن جعفر أنه قال: إن الأمر في الكبير\" (٢).\nوبذلك احتج عبد الله على مخالفيه بأنه أكبر الأخوة الباقي، فاتبعه على قوله جماعة من أصحاب جعفر كما ذكرناه آنفًا نقلًا عن الشيعة أنفسهم.\nوهذا هو الإيراد الذي أوردناه نحن في كتبنا \"الشيعة والتشيع فرق وتاريخ\" (٣) ولم يستطيعوا الجواب عليه، ولعلي لا أخطئ حسب ما أتذكر دون المراجعة لكتب الشيعة لعدم وجودها عندي ههنا إذا قلت: إن موسى هذا كان الابن الرابع لجعفر بن الباقر، وكان يكبره أيضًا بعد إسماعيل وعبد الله، محمد بن جعفر الذي خرج أيام المأمون ودعا الناس إلى نفسه وبايع له أهل المدينة بإمرة المؤمنين\" (٤).\n_________\n(١) الإرشاد للمفيد ص٢٨٥، ٢٨٦\n(٢) الكافي في الأصول، كتاب الحجة ج٦ ص٣٥٧ - ط إيران\n(٣) ص٢٢٧، ٢٢٨\n(٤) مقاتل الطالبين للأصفهاني ص٣٥٧، تاريخ بغداد للخطيب ج٢ ص١١٤، الإرشاد المفيد وغيرها من الكتب","vol":"1","page":33},{"text":"هذا. . ومثل هذا ما ذكره فضيلته في الكلام عن الإسماعيلية:\n\"وقد انتهت رئاسة الشيعة الإسماعيلية إلى أغا خان وإلى ولديه من بعده\" (١).\nمع أن كل من يعلم ومن لا يعلم يعرف أن أغا خان حرم ولديه \"علي\" و\"صدر الدين\" من رئاسة الإسماعيلية وإمامتها، ووضعها في حفيده كريم خان زعيم الإسماعيلية الحالي الموجود، ونفذت وصيته عند وفاته وكان ذلك في حياة ابنه علي خان والد كريم خان الذي مات بعده بسنوات في حادث اصطدام سيارته مع إحدى الممثلات الراقصات، وابنه الثاني صدر الدين عم كريم خان الذي لا زال حيًا موجودًا.\nوكذلك قول فضيلته:\n\"اسم الرافضة، وهو لقب تطلقه الفرق الأخرى عليهم، وخاصة أهل السنة، وهو الذي يستخدمه شيخ الإسلام ابن تيمية في مؤلفاته\" (٢).\nيدل أيضًا على عدم معرفة الكاتب لكتب الشيعة أنفسهم لأن الفرق الأخرى لم تسمهم بهذا الاسم وخاصة أهل السنة، وأخص بالذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، بل الله سماهم بهذا الاسم كما ورد في بخاري القوم:\n\"عن محمد بن سليمان عن أبيه أنه قال: قلت لأبي عبد الله - جعفر الإمام السادس المعصوم حسب زعم القوم -: جعلت فداك فإنا قد نبزنا نبزًا (٣) أثقل ظهورنا، وماتت له أفئدتنا، واستحلت له الموالاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم، قال: فقال أبو عبد الله ﵇:\nالرافضة؟\nقلت: نعم.\nقال: لا والله ما هم سموكم. . . ولكن الله سماكم به\" (٤).\n_________\n(١) انظر: ص١٦ من رسالته \"بين الشيعة وأهل السنة\"\n(٢) الرسالة المذكورة ص٩، ١٠\n(٣) النبز: أن تنادي أخاك بلقب يكرهه\n(٤) الكافي للكليني كتاب الروضة ج٥ ص٣٤ - ط طهران","vol":"1","page":34},{"text":"وأعود لأسأل: وماذا يقصد فضيلته من قوله:\n\"ويرجع السبب في إطلاق هذا اللقب عليهم أنهم رفضوا الإمام زيد بن علي بن زين العابدين لمخالفته لهم في بعض ما يذهبون إليه في شؤون السياسة\" (١)؟!\nهل هذه محاولة عن قصد وعمد لتبرئة القوم من الشناعة التي لزمتهم بأن الشيعة لم يرفضوه لمخالفته لهم في بعض ما يذهبون إليه في شئون السياسة، بل رفضوه لأنه لم يرض أن يشتم ويطعن في أبي بكر وعمر؟! إذن إليك ما يرويه الشيعي مرزا تقي خان في كتابه الكبير في التاريخ بالفارسية:\n\"إن ناسًا من رؤساء الكوفة وأشرافها الذين بايعوا زيدًا حضروا يومًا عنده وقالوا له:\nرحمك الله. . ماذا تقول في حق أبي بكر وعمر؟\nقال: ما أقول فيهما إلا خيرًا، كما لم أسمع فيهما من أهل بيتي (بيت النبوة) إلا خيرًا، ما ظلمانا ولا أحدًا غيرنا، وعملا بكتاب الله وسنة رسوله.\nفلما سمع منه أهل الكوفة هذه المقالة رفضوه.\nفقال زيد: رفضونا اليوم، ولأجل ذلك سموا بالرافضة\" (٢).\nفلم يرفضوه يا سيدي الدكتور لمخالفته لهم في بعض ما يذهبون إليه في شئون السياسة كما أردت إفهام ذلك للناس!!.\nأو فهمته خطأ بغير عمد ولا قصد، فسامحك الله إذن.\nوما أكثر ما أخطأ فهمك، وضل عنك رشدك، وخانك علمك في هذا الكتيب الصغير، فرحماك يا رب!\nوزيد بن علي هذا لم يكن رجلًا عاديًا حتى في نظر الشيعة أنفسهم حيث يلقبونه \"بحليف القرآن\" (٣).\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص١٠\n(٢) ناسخ التواريخ للميرزا تقي خان الشيعي ج٢ ص٥٩٠ تحت عنوان أحوال الإمام زين العابدين\n(٣) انظر: الإرشاد للمفيد ص٢٦٨ تحت عنوان ذكر أخوة الباقر","vol":"1","page":35},{"text":"وأكثر من ذلك أن الإمام السادس المعصوم عندهم الذي إليه ينسبون مذهبهم في الفروع جعفر بن محمد الباقر كان يعظمه ويجله إلى حد كبير كما ذكر أبو الفرج الأصفهاني الشيعي (١) نقلًا عن الأشناني عن عبد الله بن جرير أنه قال:\n\"رأيت جعفر بن محمد يمسك لزيد بن علي بالركاب ويسوي ثيابه على السرج\" (٢).\nثم إن رفض الشيعة زيد بن علي لم يكن شيئًا مستغربًا ولا جديدًا، بل ذلك خلق توارثه الأبناء عن آبائهم من قديم، فإنه لزمهم من أول يوم وجدوا فيه، فقد اشتكى منهم في ذلك كثير من أئمتهم الذين يعتقدون بعصمتهم وأنهم لا ينطقون عن الهوى، وأولهم علي بن أبي طالب ﵁ حيث خذلوه ورفضوا نصرته وتأييده في عديد من المعارك والحروب بعد ما بايعوه، وحلفوا على طاعته والولاء له، وتستروا وراء اسمه، ولكن كلما دعاهم إلى المناصرة والمساعدة بدأوا يتسللون منها ملتمسين الأعذار، وبدون التماسها أيضًا .. حتى قال مخاطبًا إياهم:\n\"يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة - والله - جرّت ندمًا، وأعقبت صدمًا .. قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قبحًا، وشحنتم صدري غيظًا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسًا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، ولكن لا رأي لمن لا يطاع\" (٣).\nوفي معركة أخرى ارتكبوا نفس العمل الذي تعودوه، فقال:\n\"ألا وإني دعوتكم لقتال هؤلاء ليلًا ونهارًا وسرًا وإعلانًا .. فتواكلتم\n_________\n(١) هو أبو الفرج علي بن الحسين، ولد بأصفهان سنة ٢٨٤ ومات سنة ٣٥٦هـ، وقد ذكره محسن الأمين في طبقات شعراء الشيعة وطبقة المؤرخن - أعيان الشيعة ج١ ص١٧٥\n(٢) مقاتل الطالبين للأصفهاني ص١٢٩ - ط دار المعرفة بيروت\n(٣) نهج البلاغة ص٧٠، ٧١ - ط بيروت","vol":"1","page":36},{"text":"وتخاذلتم حتى شنت الغارات، وملكت عليكم الأوطان .. ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلًا منهم كلم، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرأ مسلمًا مات من بعد هذا أسفًا ما كان به ملومًا، بل كان به عندي جديرًا .. فقبحًا لكم وترحًا، حين صرتم غرضًا يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون.\nفإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: هذه حمارة القيظ، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فرارًا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف أفر\" (١).\nومرة أخرى حتى قال:\n\"ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي، استنفرتكم للجها فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سرًا وجهرًا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، شهود كغياب، وعبيد كأرباب، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم عني متفرقين أيادي سبأ .. منيت منكم بثلاث واثنتين، صم ذوو أسماع وبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء .. والله لكأني بكم فيما إخالكم: أن لو حمس الوغاء، وحمي الضراب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها\" (٢).\nولم ي: خذلانهم، وترك نصرتهم، ورفض تأييدهم للحسن بن علي أقل من أبيه، فهم الذين تركوه في خضم المعارك، وأرادوا تسليمه إلى معاوية رضي الله تعالى عنهما، وانتبهوا مضاربه، وجرحوه بمعول في فخذه (٣). حتى اضطر إلى أن يقول:\n_________\n(١) نهج البلاغة ص٧١، ٧٢ ط بيروت\n(٢) نهج البلاغة ص١٤١، ١٤٢\n(٣) انظر لذلك: تاريخ اليعقوبي لأحمد بن أبي يعقوب الكاتب العباسي ج٢ ص٢١٥ الشيعي المشهور، ذكره العباسي القمي في الكنى والألقاب ج٣ ص٢٤٦، ومحسن الأمين في أعيان الشيعة، وانظر أيضًا مروج الذهب للمسعودي الشيعي ج٢ ص٤٣١، الإرشاد للمفيد الشيعي ص١٩٠، كشف الغمة للأربل الشيعي ص٥٤، الفصول الهمة ص١٦٢ - ط طهران، ورجال الكشي ص١٠٣ وغيرها","vol":"1","page":37},{"text":"\"أرى والله معاوية خيرًا لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية ما أحقن به دمي، وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سلمًا، والله لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير\" (١).\nوأما الحسين ﵁ فأمره وخذلان الشيعة إياه، ورفضهم نصرته لأمر مشهور غني عن الذكر، كما خذلوا ابن عمه وسفيره إليهم، مسلم بن عقيل، ونذكر ههنا عبارة صغيرة ذكرها محسن الأمين الشيعي المشهور في موسوعته، \"ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفًا غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم، وقتلوه\" (٢).\nوخطبة الحسين مشهورة معروفة ومنقولة في كتب القوم حينما خاطبهم بقوله:\n\"تبًا لكم أيتها الجماعة! وترحًا وبؤسًا لكم وتعسًا، حين استصرختمونا ولهين فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفًا كان في أيدينا، وحششتم علينا نارًا أضرمناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم ألبًا على أوليائكم ويدًا على أعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ولا ذنب كان منا فيكم، فهلا لكم الويلات، إذا كرهتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لم تستخصف، ولكنكم استسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا، وتهافتم كتهافت الفراش؛ ثم نقضتموها، سفهًا بعدًا وسحقًا لطواغيت هذه الأمة وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب، ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلوننا، ألا لعنة الله على الظالمين\" (٣).\n_________\n(١) الاحتجاج للطبرسي ص١٤٨\n(٢) أعيان الشيعة القسم الأول ص٣٤\n(٣) كشف الغمة للأربل الشيعي ج٢ ص١٨، ١٩، الاحتجاج للطبرسي الشيعي ص١٤٥","vol":"1","page":38},{"text":"ودعاؤه عليهم أيضًا مشهور معروف ذكره المفيد والطبرسي وغيرهما أنه قبل استشهاده رفع يديه ودعا، وقال:\n\"اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقًا، واجعلهم طرائق قددًا، ولا ترضي الولاة عنهم أبدًا، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا\" (١).\nوخذلانهم لعلي بن الحسين الملقب بزين العابدين أشهر وأعرف من خذلانهم أباه حتى اضطر إلى أن يقر بعبوديته ليزيد بن معاوية كما رواه بخارى القوم الكليني في صحيحه الكافي أن علي بن الحسين قال ليزيد بن معاوية:\n\"قد أقررت لك بما سألت، أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك، وإن شئت فبع\" (٢).\nلأنه حسب قوله على زعم الشيعة:\n\"إن جميع الناس ارتدوا بعد قتل الحسين إلا خمسة: أبو خالد الكابلي، ويحيى بن أم الطويل، وجبير بن مطيع، وجابر بن عبد الله، والشبكة زوجة الحسين\" (٣).\nوأما محمد بن علي الباقر فكان بائسًا من شيعته الروافض إلى حد أنه كان يقول:\n\"لو كان الناس كلهم لنا شيعة لكان ثلاثة أرباعهم لنا شكاكًا، والربع الآخر أحمق\" (٤).\nوأما جعفر فكان أكثرهم شكاية من أبيه عن الروافض هؤلاء حتى كان يقول مخاطبًا إياهم:\n\"أما والله لو أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي ما استحللت أن أكتمهم حديثًا\" (٥).\n_________\n(١) الإرشاد ص٢٤١، أيضًا إعلام الورى للطبرسي ص٩٤٩\n(٢) الكافي للكليني كتاب الروضة ج٨ ص٢٣٥ - ط طهران\n(٣) مجالس المؤمنين للشوستري الملقب بالشهيد عند الشيعة، المجلس الخامس ص١٤٤ - ط طهران، ومثله في رجال الكشي ص١١١ - ط كربلاء بدون ذكر الشبكة\n(٤) رجال الكشي ص٧٩\n(٥) الأصول من الكافي ج١ ص٤٩٦ - ط الهند","vol":"1","page":39},{"text":"وعبد الله بن يعفور أحد تلامذته المخلصين ومريديه المطيعين، الذي قال فيه جعفر نفسه: ما وجدت أحدًا يقبل وصيتي ويطيع أمري إلا عبد الله بن يعفور\" (١).\nيأتيه يومًا ويشكو إليه مساوئ الشيعة وخذلانهم، ورفضهم مناصرة الأئمة، واتباعهم أوامرهم، وعدم وفائهم وإخلاصهم لهم، فيقول كما رواه الكليني في الكافي أن عبد الله بن يعفور قال: قلت لأبي عبد الله (جعفر) ﵇:\nإني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم، ويتولون فلانًا وفلانًا، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق\" (٢).\nوبذلك روى ابن جعفر بن محمد موسى الملقب بالكاظم عن جده الأول أنه قال:\n\"لو ميزت شيعتي لم أجدهم غلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد، ولو غربلتهم غربلة لم يبق منهم إلا ما كان لي، إنهم طالما اتكئوا على الأرائك فقالوا: نحن شيعة علي\" (٣).\nفهؤلاء هم الشيعة (٤) - أيها السيد الدكتور وافي - الذين ما أطلق عليهم لقب الرافضة لمخالفة زيد بن علي لهم في بعض ما يذهبون إليه في شئون السياسة كما أردت أن تصوره للناس - شئت أم أبيت - من فهم وقصد، أم بدون فهم وعمد، جعلك الله من القسم الثاني، ولم يجعلك من الذين يعرفون ثم يكتمون ليضلوا عباد الله عن سواء السبيل.\n_________\n(١) رجال الكشي ص٢١٣ - ط كربلاء\n(٢) الكافي في الأصول ج١ ص٣٧٥ - ط طهران\n(٣) الكافي للكليني كتاب الروضة ج٨ ص٣٣٨\n(٤) من أراد الاستزادة في هذا الموضوع فليرجع إلى كتابنا \"الشيعة وأهل البيت\" باب ذم الشيعة واللعن عليهم ص١٩٥ - ٢٠٢، وكتابنا \"الشيعة والتشيع فرق وتاريخ\" الباب السادس من ص٢٦٩ إلى ما بعد. كلها طبعة إدارة ترجمان السنة لاهور باكستان","vol":"1","page":40},{"text":"وأما قول الدكتور وافي \"أنه قد يطلق عليها \"أي الشيعة\" كذلك اسم الواقفية لأنها تقف بالإمامة عند الإمام الثاني عشر وتعتقد أنه لا يستحق الخلافة أحد من بعده\" (١) فهو أيضًا من عدم معرفته بعقائد الشيعة وتاريخها، وتاريخ الفرق التي انبثقت منها وتفرعت في مختلف الأيام والدهور.\nأولًا: إن اسم الواقفية (٢) لم يستعمل في كتب الفرق والرجال على الإثني عشرية قط، لا في الكتب الشيعية ولا في الكتب السنية.\nثانيًا: إنما استعمل هذا اللقب في كتب الشيعة وفي كتب السنة على من توقف على إمامة جعفر بن الباقر أو من توقف على موسى الملقب بالكاظم، انظر لذلك من كتبهم: فرق الشيعة للنوبختي، والمقالات والفرق لسعد بن عبد الله القمي، وكتاب الرجال للكشي، والإرشاد للمفيد، وأعيان الشيعة لمحسن الأمين، ومن كتب أهل السنة الملل والنحل للشهرستاني، ومقالات الإسلاميين للأشعري، واعتقادات فرق المسلمين للرازي، والفرق بين الفرق للبغدادي والتبصير للأسفرائيني وغيرها من الكتب.\nثم استعمال لفظة الخلافة في قول الدكتور أيضًا خطأ، وإن دلّ هذا على شيء دلّ على عدم معرفته باصطلاحات الشيعة، لأن الكتب التي تبحث عن الفرق والرجال عند الشيعة، وعندنا أيضًا لا تستعمل هذه الكلمة إطلاقًا، بل تستعمل لفظ \"الإمامة\" فقط عند ذكر أئمتهم وعقائدهم، وإنني أشك في أن مثل هذا يخفى على واحد ممن يشتغل بالكتابة عن الفرق، حتى المبتدئ فيها، وإن الفرق بين الإمام والخليفة، والإمامة والخلافة، فرق ظاهر بيّن، يكاد أن يعد من البديهيات بالنسبة لطلبة العلم دون أن يكون الكاتب ممن قضى عمره وأفناه في الدرس والتدريس، وفي التعلم والتعليم، ويحمل شهادات كبرى؛ زيادة على أنه حقق كتاب تاريخ عظيم كتاريخ ابن خلدون وعلق عليه.\nوإن الشيعة أنفسهم يقرون بمبايعة أئمتهم للخلفاء سواء كانوا من الراشدين الثلاثة أو بعدهم من بني أمية وبني العباس، فهؤلاء الشيعة يذكرون إمامهم\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٩\n(٢) وهذا هو الاسم الصحيح كما استعمله أصحاب الفرق من الشيعة","vol":"1","page":41},{"text":"الأول المعصوم عليًا ﵁ أنه ذكر الأحداث بعد وفاة رسول الله - ﷺ - في رسالة أرسلها إلى أصحابه بمصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر، فذكر فيما ذكر فيها انثيال الناس إلى أبي بكر وإسراعهم إليه ليبايعوه، ثم كتب:\n\"فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحًا، وأطعته فيما أطاع الله جاهدًا\" (١).\nوكذلك ذكر الطوسي الملقب عند الشيعة بشيخ الطائفة في أماليه أن عليًا ﵁ ذكر مبايعته لعمر مخاطبًا أهل الشام:\n\"فبايعت عمر كما بايعتموه، فوفيت له بيعته، حتى لما قتل جعلني سادس ستة، فدخلت حيث أدخلني\" (٢).\nكما يذكر مبايعة علي ﵁ لعثمان بن عفان ﵁، ومن لسان علي ﵁ وإقراره بنفسه حيث قال:\n\"كرهت أن أفرق جماعة المسلمين وأشق عصاهم، فبايعتم عثمان فبايعته\" (٣).\nوكان من أول المبايعين له بعد عبد الرحمن بن عوف كما ذكره البخاري في صحيحه، وابن سعد في طبقاته من السنة، وابن أبي الحديد من الشيعة في شرحه للنهج تحت قول علي ﵁:\nوالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليَّ خاصة التماسًا لأجر ذلك وفضله\" (٤).\n_________\n(١) الغارت لأبي إسحاق إبراهيم الثقفي الكوفي الأصبهاني الشيعي المتوفى سنة ٢٨٣هـج١ ص٣٠٧ - ط طهران، و\"منار الهدى\" لعلي البحراني الشيعي ص٣٧٣، أيضًا ناسخ التواريخ للميرزا تقي ج٣ ص٥٣٢ - ط طهران\n(٢) الأمالي للطوسي ج٢ ص١٢١ - ط نجف\n(٣) الأمالي للطوسي ج٢ الجزء ١٨ ص١٢١\n(٤) نهج البلاغة تحقيق صبحي صالح ص١٠٢ - ط بيروت","vol":"1","page":42},{"text":"\"ثم مدّ يده فبايعه\" (١).\nومث ذلك ذكر الميرزا تقي من الشيعة أيضًا في تاريخه (٢).\nومبايعة حسن بن علي ﵄ معاوية بن أبي سفيان ﵄، وكذلك مبايعة أخيه الحسين لأشهر من أن يذكر ولكن رغبة في إقناع سيادة الدكتور والأخوة الباحثين نثبت ههنا عبارة من كتب الشيعة أنفسهم، فلقد ذكر كل من الكشي والمجلسي - يلقبه الشيعة بخاتمة المحدثين - والعباس القمي عن جبريل بن أحمد وأبي إسحاق حمدويه وإبراهيم ابني نصير، عنهم جميعًا أنهم قالوا:\nحدثنا عبد الحميد العطار الكوفي عن يونس بن يعقوب عن فضل غلام محمد بن راشد قال:\nسمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي (بعد الصلح) صلوات الله عليهما أن أقدم أنت والحسين وأصحاب علي، فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وقدموا الشام، فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء.\nفقال: يا حسن قم فبايع.\nفقام فبايع.\nثم قال للحسين: قم فبايع.\nثم قال لقيس (وكان قائد عساكر الحسن):\nقم فبايع.\nفالتفت إلى الحسين ﵇ ينظر ما يأمره؟\nفقال: يا قيس! إنه إمامي - وفي رواية -\nفقام إليه الحسن، فقال له:\nبايع يا قيس! فبايعه\" (٣).\n_________\n(١) شرح النهج لابن أبي الحديد\n(٢) ناسخ التواريخ ج٢ كتاب٢ ص٤٤٩ - ط إيران\n(٣) رجال الكشي، واللفظ له ص١٠٢، جلاء العيون للمجلسي بالفارسية ج١ ص٣٩٥ ط طهران، منتهى الآمال بالفارسية أيضًا للعباسي القمي ص٣١٦ - ط طهران","vol":"1","page":43},{"text":"وقبل ذلك جعل الحسن ﵁ أحد شروط الصلح مع معاوية ﵁:\n\"أن يعمل بين الناس بكتاب الله، وسنة رسوله، وسيرة الخلفاء الراشدين .. وأخذ على هذه الشروط، العهود المغلظة باليمين\" (١).\nوخبر علي بن الحسين زين العابدين قد ذكرناه فيما سبق من الكليني في كافيه الذي قال فيه محدث الشيعة النوري الطبرسي:\n\"هو أحد الكتب التي عليها تدور رحى الفرقة الإمامية .. وكتاب الكافي بينها كالشمس بين نجوم السماء .. وإذا تأمل فيه المنصف يستغني عن ملاحظة حال آحاد رجال سند الأحاديث المودعة فيه، وتورثه الوثوق، ويحصل له الاطمئنان بصدورها وثبوتها وصحتها\" (٢).\nوأمر الآخرين السبعة ممن يزعمهم الشيعة أئمة لهم أمر مشهور، ونذكر فقط عن واحد منهم - وهو جعفر بن الباقر الذي إليه ينسب الشيعة الاثنا عشرية مذهبهم - أنه في يوم من الأيام \"أحضره المنصور وقال له:\nقتلني الله إن لم أقتلك، أتلحد في سلطاني؟\nفقال له الصاقد (ع): والله ما فعلت ولا أردت، وإن كان بلغك فمن كاذب\" (٣).\nولأجل ذلك لم يبايع عمه عبد الله بن الحسن المثنى ولا ابنه بعده محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية الذي كتب عنه الأصفهاني الشيعي:\nوكان محمد بن عبد الله بن الحسن من أفضل أهل بيته، وأكبر أهل زمانه في زمانه، في علمه بكتاب الله، وحفظه له، وفقهه في الدين، وشجاعته، وجوده، وبأسه، وكل أمر يجمل بمثله، حتى لم يشك أحد أنه المهدي، وشاع ذلك له في العامة، وبايعه رجال من بني هاشم جميعًا،\n_________\n(١) جلاء العيون للمجلسي ج١ ص٣٩٣ - ط طهران ١٣٩٨هـ، منتهى الآمال للعباس القمي ص٣١٤ - ط إيران، والفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة ص١٦٣ - ط طهران\n(٢) مستدرك الوسائل ج٣ ص٥٤٦ - ط مكتبة دار الخلافة طهران ١٣٢١هـ\n(٣) الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين ص١٠٧، ١٠٨ - ط بيروت سنة ١٣٩٩هـ","vol":"1","page":44},{"text":"من آل أبي طالب، وآل بني العباس، وسائر بني هاشم\" (١).\nمع هذا كله لم يبايعه، كما لم يبايع أباه من قبل (٢).\nوإنني لأرى بعد ذلك كله أنني لم أقصر في تفهيم المسألة وتبيين القضية، ومن لم يفهم بعد ذلك فإن ربك لستار العيوب وغفار الذنوب.\nوأما ترجيح سيادته اسم الجعفرية واقتصاره على استعماله (٣) - لو لم تكن عن سوء نية - فأيضًا خطأ، حيث أن هناك كثيرًا من فرق الشيعة غير الاثنى عشرية تدخل تحت هذا الاسم، لأن كل فرق الشيعة الموجودة اليوم غير الزيدية تعتقد بإمامة جعفر وتنسب إليه فقهها من الإسماعيلية، والنزارية منها والمستعلية، والنصيرية، والدروز، والقرامطة وغيرهم الكثيرين الكثيرين.\nفلا أدري أسباب ترجيح هذا الاسم عنده دون غيره مع عدم رضائه لاختيار اسم الإمامية لاشتراك غيرهم معهم تحت هذا الاسم (٤).\nوإليك سبب تركه هذا الاسم بألفاظه:\n\"وقد يطلق عليها كذلك اسم الإمامية .. ومع أن هذا اللقب هو الذي يكثر إطلاقه عليهم لدى عامتهم ويكثر استعماله كذلك في مؤلفات علمائهم فإنه ليس مقصورًا عليهم، بل ينطبق على فرق الشيعة الأخرى تذهب في موضوع الإمامة إلى ما يذهبون إليه، وخاصة فرقة الشيعة الإسماعيلية\" (٥).\nومن مُبلغٌ عنّي إلى السيد المحترم بأن اسم الجعفرية يشمل الإسماعيلية وغير الإسماعيلية أيضًا كما ذكرنه آنفاُ، إن كان هذا هو سبب تركه!.\nومن يخبر شيخًا لا يعرف عن الاثنى عشرية شيئًا مع انتشار كتبهم وتواجدهم في أكثر البلدان الإسلامية أن كتب الفقه الإسماعيلي وكتب الحديث الإسماعيلية كلها تدور حول الآراء المنسوبة والروايات الموصولة إلى جعفر بن الباقر، زيادة على ذلك أن كتب الفرق التي لم يكلف السيد الدكتور نفسه\n_________\n(١) مقاتل الطالبين للأصفهاني ص٢٣٣\n(٢) انظر لذلك: الكافي للكليني كتاب الحجة ج١ ص٣٥٨ وغيره من الكتب\n(٣) بين الشيعة وأهل السنة ص٨\n(٤) انظر لذلك رسالته: بين الشيعة وأهل السنة ص٩\n(٥) انظر لذلك رسالته: بين الشيعة وأهل السنة ص٩","vol":"1","page":45},{"text":"العناء بإلقاء النظرة عليها، شيعية كانت أم سنية، تستعمل هذا اللقب على الفرق الشيعية التي وجدت قبل وجود الشيعة الاثنى عشرية، وما أظن أن مكتبته ينقصها كتاب \"الملل والنحل للشهرستاني\" من السنة، فليمسح الغبار عنه ويقلب أوراقه ويلقي نظرة ولو خاطفة في مبحث الشيعة بعد عنوان \"رجال المرجئة\" فيجد أن اسم الجعفرية قد يطلق على قوم توقفوا بالقول على إمامة جعفر ولم يجروها في أولاده، أي لم يعتقدوا ببقية الأئمة الذين آمن بهم الشيعة الاثنا عشرية واعتقدوا بإمامته، فعلى ذلك فإن الاسم الجامع المانع لهذه الفئة من الشيعة هو الاثنا عشرية، لأن غيرهم لا يعتقدون بمن يعتقد بهم هؤلاء ولو جاز إطلاق كل الأسماء من الإمامية والجعفرية والروافض عليهم، كما بيناه مفصلًا في كتابنا (الشيعة والتشيع فرق وتاريخ) فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه (١).\nولكننا أردنا التنبيه هنا بأن اختياره وترجيحه اسم الجعفرية على غيره واقتصاره عليه ليس نابعًا إلا من عدم معرفته بالموضوع.\nوكذلك قوله بأن هذه الفرقة تسمى الجعفرية \"لاعتمادها في جميع ما تذهب إليه من عقيدة وشريعة على آراء ينسبونها إلى جعفر الصادق\" (٢) يدل أيضًا على عدم علمه بالقوم وعقائدهم. ونذكر هنا عبارة واحدة لبيان تحري السيد الدكتور الحقيقة من أهم مصادر الشيعة، يقول السيد محسن الأمين - وهو يعد من كبار علماء الشيعة وأهم كتّابهم في الماضي القريب - يكتب في موسوعته وهو يذكر سبب تسمية الاثنى عشرية بالجعفرية:\n\"الجعفرية باعتبار أن مذهبهم في الفروع هو مذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق ﵉، ونسب مذهبهم في الفروع إليه باعتبار أن أكثره مأخوذ عنه\" (٣).\nوأما العقيدة والشريعة فلم يأخذها الشيعة عن جعفر ولا غيره، بل أخذوها عن اليهودية الأثيمة، الجريحة التي انسكرت فلولها، واندحرت\n_________\n(١) وستصدر طبعته السادسة في مصر إن شاء الله\n(٢) \"بين الشيعة وأهل السنة\" ص٨\n(٣) أعيان الشيعة الجزء الأول، القسم الأول ص٢٠ - ط بيروت","vol":"1","page":46},{"text":"شوكتها، وزلزلت أركانها، واستؤصلت شأفتها، وهدمت قلاعها، ودمرت ديارها على يد رسول الله الصادق الأمين، وخلفائه الراشدين، الصديق، والفاروق، وأفلت نجومها أيام ذي النورين ﵃ أجمعين، فترقبت لثأرها، ودبرت لانتقامها، وخططت مؤامرتها وأحكم نسيجها، فأرسلت ابنها البار بها عبد الله بن سبأ (١) من صنعاء اليمن ليكيد للإسلام كيدًا، ويزرع في المسلمين فتنًا، ويدس لهم دسائس، ويروج فيهم عقائد لا أساس لها في القرآن ولا في السنة، لتنتشر البلبلة، ويفشو الفساد، وتعم القلاقل، وتضطرب الأمور، وتقف القوافل، قوافل النصر والظفر، قوافل الجهاد والأبطال، كي لا يحيط نور الله بالمعمورة، وفعلًا حصلت ما أرادت ولله عاقبة الأمور، وهو عليم بحكمها وعللها، فجاء ذلك اللعين إلى المدينة، ودخل في زمرة المسلمين وهو يعتزم الإيقاع بدينهم، وتقويض جماعتهم، وفي قلبه حفيظة عليهم، ثم ذهب إلى مصر، ثم إلى الكوفة، ثم إلى الشام، محاولًا إضلال العقول الضعيفة، والقلوب المريضة، وأصحاب الأغراض الذين لم يدخلوا في دين الله إلا طمعًا وحرصًا في زخارف الحياة ومتاع الدنيا، فأتى مصر، فوجد المرتع الخصب، والأرض القابلة للفتن، فأقام بين أهلها يتنقل من مدينة إلى مدينة، وقرية إلى قرية، حتى استطاع بزخرف القول أن يوغر صدورهم على خليفة رسول الله، وزوج ابنتيه، ذي النورين، صاحب الجود والحياء، أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، كما استطاع أن ينشئ في عقائدهم خللًا، ويزين لهم من القول ما حمله من اليهودية المدبرة من ورائه، وأن يزحزحهم عن العقيدة الصحيحة المستقيمة، حتى جرهم إلى قتل عثمان (٢) مع من وجده من الأنصار والمغترين به من مختلف الأمصار الإسلامية، وبذلك استطاع قلب الحكم الإسلامي، وأوجد ثلمة في صفوف المسلمين، وفتقًا لم يرتق إلى يومنا هذا، كما استطاع أن ينشئ جماعة كاملة تحمل أفكاره وآراءه\n_________\n(١) راجع: لمعرفة التفاصيل عن شخصيته الخبيثة وأنها حقيقية كتابنا \"الشيعة وأهل البيت\"\n(٢) انظر: لتفصيل هذه الحوادث كتابنا \"الشيعة والتشيع فرق وتاريخ\"","vol":"1","page":47},{"text":"باسم العقيدة التي أتحفها إياهم من اليهودية الجريحة رمزًا لانتقامها وشعارًا لثأرها، عقيدة وشريعة لا تمت إلى الإسلام بصلة قريبة أو بعيدة، وشريعة الله السماوية الحقة بريئة منها كل البراءة.\nوها هي تلك العقيدة من أوثق كتب الشيعة أنفسهم مع بعض تحركاته يذكرها مؤرخ شيعي إيراني في تاريخه الفارسي الكبير:\n\"إن عبد الله بن سبأ توجه إلى مصر عندما علم أن مخالفيه (أي عثمان ذي النورين) كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى وافتتن به الناس، وبعد الرسوخ فيهم بدأ يروج مذهبه ومسلكه بأن لكل نبي وصيًا، ووصي رسول الله على المتحلي بالعلم والفتوى، والمتزين بالكرم والشجاعة، والمتصف بالأمانة والتقى، وإن الأمة ظلموا عليًا وغصبته حق الخلافة والولاية، ويلزم الجميع مناصرته ومعاضدته وخلع طاعة عثمان، وبيعته كفارة لذنب ارتكبوه، وجريمة اقترفوها لإعطائهم حقه غيره، فتأثر كثير من المصريين بأقواله، وخرجوا على الخليفة عثمان\" (١).\nوما كتبه أقدم مؤرخ شيعي، وأول كاتب في الفرق من الشيعة النوبختي أبو محمد الحسن بن موسى من أعلام الشيعة في القرن الثالث للهجرة، ومن تلاه بعده سعد بن عبد الله القمي، وأقدم من كتب في الرجال منهم أبو عمرو بن عبد العزيز الكشي من علماء القرن الرابع، لجدير بالعناية والاهتمام.\nفيذكر كل واحد منهم رواية متقاربة الألفاظ والمعنى بتقديم لفظ وتأخير آخر، واللفظ للنوبختي تحت عنوان \"السبئية\":\n\"عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم، وقال: إن عليًا - ﵇ - أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقرّ به، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلًا يدعو إلى حبكم أهل البيت، وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك؟ فصيره إلى المدائن.\nوحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي - ﵇ - أن عبد الله\n_________\n(١) روضة الصفا ج٣ ص٢٩٢ - ط طهران","vol":"1","page":48},{"text":"بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًا - ﵇ - وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى - ﵇ - بهذه المقالة، فقال بعد إسلامه في علي - ﵇ - بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي - ﵇ - وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه فمن هناك قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعى علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض\" (١).\nفهذه هي العقائد، وهذه هي الشريعة توارثتها الشيعة جيلًا بعد جيل، وتناقلها علماؤهم وعامتهم قرنًا بعد قرن، وذاك هو واضعها ومؤسسها وبانيها، فمنه أخذوا، وعليه اعتمدوا، كما سيأتي بيانه مفصلًا في محله إن شاء الله مدعمًا بالأدلة الصريحة والبراهين القاطعة من كتب القوم أنفسهم بأن عقائد الشيعة الاثنى عشرية اليوم هي عين تلك العقائد التي خططتها اليهودية، وروجها اليهودي الماكر الخبيث.\nفهذه هي الحقيقة، لا كما تخيلها الدكتور الفاضل.\nوكذلك قوله:\nوهي آراء يتصل سند معظمها في نظرهم بالإمام علي بن أبي طالب - فبالرسول\" (٢).\nوحضرته لا يدرك بكلامه هذا أن الإمام في نظر الشيعة يتحلى بالعصمة مثلما يتحلى بها الأنبياء، ويحمل علمًا مثلما يحمله الرسل، بل وأكثر، فمن كان هذا شأنه ومكانته لا يحتاج، ولا يطالب باتصال كلامه وإسناده إلى الرسول، وعلى ذلك أورد محدثو الشيعة الاثنى عشرية أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر، وجاوزت عنه، أن الأنبياء والأئمة في العصمة والعلم سواء، بل الأئمة يزيدون على أنبياء الله ورسله ولا ينقصونهم، كما أن محدثهم الكبير صاحب موسوعة\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي الشيعي ص٤١، ٤٢ - ط المطبعة الحيدرية نجف بتعليق آل بحر العلوم-ط سنة ١٩٥٩، المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الأشعري القمي ص٢١ - ط طهران سنة ١٩٦٣م، رجال الكشي ص١٠٠ - ١٠١ - ط كربلاء وغيرها من الكتب الكثيرة\n(٢) بين الشيعة وأهل السنة","vol":"1","page":49},{"text":"كبرى في الحديث الشيعي، \"الحر العالمي\" المتوفى سنة ١١٠٤هـبوّب بابًا مستقلًا في كتابه \"الفصول المهمة\" بعنوان \"الأئمة الإثنا عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم، وأن الأنبياء أفضل من الملائكة\".\nوأورد تحت هذا الباب روايات كثيرة ننقل منها رواية واحدة رواها عن جعفر بن الباقر أنه قال:\nإن الله خلق أولي العزم من الرسل، وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله - ﷺ - ما لم يعلمهم، وعلمنا علم الرسول وعلمهم\" (١).\nومن كان هذا شأنه بأنه يفوق الرسل وسيد الرسل حيث يعلم علومهم وعلم ما أعطي له لنفسه لماذا يحتاج أن يسند قوله إلى نبي أو رأيه إلى رسول؟\nولأجل ذلك يقول السيد الخميني زعيم إيران اليوم في كتابه \"ولاية الفقيه\" ما نصه:\n\"إن من ضروريات مذهبنا ألا ينال أحد مقامات الأئمة المعنوية الروحية، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما وردت في روايتنا أن الأئمة كانوا أنوارًا تحت العرش قبل تكوين العالم .. وعنهم نقل أنهم قالوا: إن لنا مع الله أحوالًا لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهذه المعتقدات من القواعد والأسس التي عليها قام مذهبنا\" (٢).\nوأخيرًا نورد في هذا الموضوع رواية أخرى من الصحيح الذي قال فيه غائبهم: كاف لشيعتنا (٣).\nأورد فيه الكليني عن جعفر أنه قال:\nما جاء به علي ﵇ آخذ به، وما نهى عنه انتهى عنه، جرى له\n_________\n(١) الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ص١٥٢ ط إيران\n(٢) \"ولايت فيه در خصوص حكومت إسلامي\" لنائب الإمام السيد الخميني تحت باب \"ولايت تكويني\" من الأصل الفارسي ص٥٨ - ط طهران\n(٣) انظر: مستدرك الوسائل ج٣ ص٥٣٢، ٥٣٣، الصافي ج١ ص٤، منتهى الآمال ص٢٩٨، نهاية الدراية ص٢١٩، روضات الجنات ص٥٥٣ نقلًا عن معاشر - الأصول ص٣١","vol":"1","page":50},{"text":"من الفضل مثل ما جرى لمحمد - ﷺ -، ولمحمد - ﷺ - وآله الفضل على جميع من خلق الله ﷿، المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، كان أمير المؤمنين ﵇ باب الله لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدًا بعد واحد جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيرًا ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد - ﷺ -، ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الرب، وأن رسول الله - ﷺ - يدعي فيكسى، وأدعى فأكسى، ويستنطق واستنطق على حد منطقه، ولقد أعطيت خصالًا ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني\" (١).\nوأما قول الدكتور بأن الشيعة يطلقون على جعفر والباقر اسم \"الشيخين\" فلم نسمع هذا من أحد قبله.\nوأما تعريضه بشيخ الإسلام ابن تيمية حيث ادعى عليه أنه قد خلط بين الشيعة الجعفرية وبين غيرها من فرق الشيعة، فنسب إلى الجعفرية عقائد وآراء ليست من عقائدهم ولا من آرائهم شيء (٢). فقد جاز به حد الخطأ - ولولا الإساءة - لقلت: بلغ حد الجهل، والجهل المركب، الذي لا يدري صاحبه، ولا يدري بأنه لا يدري.\nولا أدري كيف استساغ من لا يعرف البديهيات والأشياء البدائية التافهة عن الشعة أن يتهكم بكود شامخ كابن تيمية. بدل أن يغترف من بحره الزاخر، ويستفيد من علمه الوافر؟.\n_________\n(١) الأصول من الكافي ج١ ص١٩٦، ١٩٧ ط إيران\n(٢) بين الشيعة وأهل السنة ص١١","vol":"1","page":51},{"text":"كيف جاز له أن يتهمه بعدم معرفته من الاثنى عشرية؟ وعدم تفريقه بينهم وبين من عداهم في كتابه \"منهاج السنة النبوية\" الكتاب الذي لا زال مرجعًا أساسيًا، ومصدرًا فياضًا لكل من يريد أن يعرف الشيعة على حقيقتهم، ومساوئهم ومخازيهم؟ وحضرة الدكتور مع تعاليه وتفاخره كثيرًا خلال الفقرات والتعليقات في هذه الرسالة لم يثبت لنفسه، لا العقل ولا معرفة النقل، كأن سيادته لا يفرق بين الشرق والغرب، ولا بين الشمال والجنوب، وأنه لا يعرف الحابل من النابل، ولا الليل من النهار: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (١).\nوهل يجوز لعالم أو منتسب إلى العلم أن يحكم على شيء بدون معرفته؟، وأن يصدر قضاءه بدون أدنى علم منه بالقضاء والقضية،؟ ولولا حسن ظني بالسيد الدكتور وأنه لا يعرف عن حقيقة الشيعة شيئًا كما يبدو لأول وهلة لمن يلقي نظرة ولو طارئة على كتيبه، وكما بيناه نحن آنفاُ بالوثائق والمستندات، لذهب بي الخيال إلى ظنون كثيرة وبعيدة.\nفقد أوقع الدكتور نفسه في مأزق حرج بكتابة هذه الرسالة التي لم يكن لها مبرر أن يكتبها، ويندفع إلى تبرئة الشيعة إلى حد يخطئ ابن تيمية وآراءه فيهم، وهو لا يكتب سطرًا فيهم، ولا كلمة عنهم إلا ويتدفق قلمه خطأ.\nوينبغي أن يعرف الجميع أن كل ما نسب إلى الشيعة الاثنى عشرية من الغلو في الأئمة واتصافهم بأوصاف الله وامتلاكهم قدرته، وسلطانه واختياراته التي لا يشاركه فيها أحد ممن في السماوات وممن في الأرض، وتفضيلهم إياهم على أنبياء الله ورسله، وإنكارهم القرآن واعتقادهم التحريف فيه، وتكفيرهم المسلمين وعلى رأسهم أصحاب رسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدون مع بقية العشرة المبشرة غير علي، وأزواج الرسول أمهات المؤمنين، ومن بعدهم من تبعهم من الأئمة بإحسان إلى يوم الدين، وإيمانهم بالرجعة والتناسخ والحلو، ونسبة الجهل إلى الله جل وعلا، وجعل الكذب دينًا وديدنًا\n_________\n(١) سورة فاطر الآية ١٩ - ٢٢","vol":"1","page":52},{"text":"وشعارًا، وتفريق كلمة المسلمين، والكراهية لهم، والوقوف ضدهم مع أعدائهم، كل هذا حق وثابت من كتب الشيعة الاثنى عشرية أنفسهم، المعتمدة لديهم والموثوقة عندهم، كما ذكرنا بعضًا منها في هذا المبحث، وكما سنبين البقية الباقية فيما يأتي من هذه العجالة، وإن كان إنكار هذه الحقائق الثابتة ليس إلا إنكار الشمس وهي طالعة، كما أنه ليس إلا سخرية بالعقول، وتحكمًا بالأحلام، وتجنيًا على العلم، وكتمانًا للحق، ونكاية بنفسه.\nوأما كون الاثنى عشرية ينكرون هذه العقائد فعليهم أن ينكروا قبل كل شيء كتبهم، وما كتب فيها من التفسير والحديث والفقه والأصول والعقائد.\nثم لا أدري، ولست أخال أدري!! هل العقائد والمعتقدات يحكم على وجودها وعدمها بناء على أقوال أشخاص ومقولات رجال ليس لهم خيار صنعها وإنكارها؟ ومقولات لم يتقولوا بها إلا فرارًا من العار الذي لحقهم حيث لا يجدون عنها مخرجًا، وهذا مع دعواهم بأن مذهبهم مبني على أقوال المعصومين - حسب زعمهم - من أهل البيت (١) علي ﵁ وآرائهم، ومستقاة من أفعالهم وتقريراتهم، فتمشيًا مع أصولهم وقواعدهم يساءلون: هل هم المعصومون أم أئمتهم الذين آخرهم غاب في سامراء - حسب زعمهم -؟\nفإن كان الحجة أولئك فليستندوا لإنكارهم بروايات أولئك القوم مقابل الروايات الكثيرة الكثيرة الي بلغ بعضها حد التواتر في إثبات ما يلزمهم خصمهم من العقائد اليهودية، والأفكار الوثنية، والآراء المجوسية - معاذ الله أن تكون صادرة من الطيبين من أولاد علي ﵁.\nنعم! عليهم أن يثبتوا كل هذا من أئمتهم المعصومين، ويبرهنوا على إنكارهم بأقوالهم المنقولة عن كتبهم أنفسهم.\nوأما مجرد الإنكار فلا يعد إلا تهربًا من الحقائق وفرارًا من النتائج، وتمسكًا بالكذب الذي أعطوه صبغة التقديس باسم التقية، لا ينخدع به\n_________\n(١) لا أهل بيت النبي كما يزعمه بعض غير العارفين بمذهبهم لأن الشيعة أنفسهم يصرحون بأن المقصود من أهل البيت أهل بيت علي لا النبي","vol":"1","page":53},{"text":"إلا المغفلون، أو من أراد خداع نفسه عن قصد أو سوء نية. فافهم فإنه دقيق، وعليه يترتب فهم كثير من المسائل وحل كثير من الغوامض والألغاز والمشاكل، وليتدبر فيه حضرة الدكتور الذي لم يبن آراءه في رسالته التي كتبها - كما يظهر - إلا على السمعيات ألقيت في مسامعه، ولم يدر أنه من زخرف القول غرورًا يوحي به بعضهم إلى بعض، ويلقي به بعضهم إلى بعض معرضًا عن المرئيات والبصريات، ومنكرًا على من اعتمد عليها، ثم تسلل عنه من أوقعه في هذا المأزق الزلق، وألقى عليه مثل هذا القول الزور، وتركه وحيدًا مستصرخًا هو وأمثاله قائلًا: ﴿. . . وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي. .﴾ (١).\nولو لم يك هذا ما كان له أن يكتب: \"أن كثيرًا من مؤلفينا قد خلط بين الشيعة الجعفرية وغيرها من فرق الشيعة .. تبدو هذه الظاهرة حتى في مؤلفات العلامة ابن تيمية، انظر كتابه منهاج السنة\" (٢) بل وجد عكس ذلك فإن كتب القوم في الحديث وفي التفسير تشهد بصدق ما كتبه ابن تيمية وغيره ممن سلك مسلكه وتبع خطواته في الرد على هؤلاء المنحرفين المبتدعين، المنتحلين المبطلين،- غفر الله للرجل ولأمثاله -.\nوكذلك قول الدكتور في تمهيده:\n\"وقد بلغ كل إمام من هؤلاء الأئمة (الاثنى عشر) سن الرشد وكانت له رسالة في قومه .. ما عدا الإمام الثاني عشر\" (٣). جهل محض لأنه لا يعرف ماذا يقصد به؟\nإن كان قصده أن كل إمام منهم نصب إمامًا بعد بلوغه سن الرشد فهذا من أخطاء سيادته الكثيرة الكثيرة الموجودة في كل صفحة من صفحات هذا الكتيب الصغير، وفي كل سطر من سطوره كما يلاحظه القارئ لأن\n_________\n(١) سورة إبراهيم الآية٢٢\n(٢) ص١١ من رسالة الدكتور\n(٣) رسالته المذكورة ص٧","vol":"1","page":54},{"text":"البعض منهم اعتقدوا بإمامته ولم يكن يعقل شيئًا عن أمور دنياه، فضلًا عن أمور دينه ودين الآخرين، فمثلًا إمام الاثنى عشرية العاشر علي بن محمد المكنى بأبي الحسن والملقب بالهادي أو النقي أنه لما مات أبوه محمد بن علي بن موسى بن جعفر تركه هو وأخاه موسى وكان الأكبر منهما لم يتجاوز الثامنة من العمر حسب قول الشيعة (١).\nوكانا من الصغر في العمر إلى حد أن \"أوصى أبوهما على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق إلى عبد الله بن المساور إلى أن يبلغا الحلم\" (٢).\nهذا وأبوه محمد المكنى بأبي جعفر الملقب بالجواد أو التقي الإمام التاسع للشيعة الاثنى عشرية أيضًا لم يك قد بلغ سن الرشد وقت وفاة أبيه، بل كان في سن أصغر من ولده علي وقت وفاته: ومضى الرضا علي بن موسى ﵉ ولم يترك ولدًا نعلمه إلا الإمام بعده أبا جعفر محمد بن علي - ﵉، وكانت سنه يوم وفاة أبيه سبع سنين وأشهرًا\" (٣).\nوعلى ذلك اختلف الشيعة في إمامته، كما اختلفوا بعده في إمامة ابنه، وتركوا التشيع لعدم ثقتهم بالذي لم يبلغ سن الرشد والتمييز في أمور دينهم، والذي لم يعتمد عليه والده في أمور دنياه، كيف لهم أن يطلبوا الرشد في الأمور الدينية ممن يحتاج الرشد وتسييره في أمور دنياه؟ كما ذكر النوبختي الشيعي نفسه مقولتهم التي قالوها وقت تفرقهم عن محمد الجواد واختلافهم فيه:\nلا يجوز الإمام إلا بالغًا، ولو جاز أن يأمر الله بطاعة غير بالغ لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فكما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ فكذلك\n_________\n(١) انظر: الإرشاد للمفيد، إعلام الورى للطبرسي، كشف الغمة للأربل، جلاء العيون للمجلسي، منتهى الآمال للعباس القمي، والفصول المهمة لابن الصائغ\n(٢) صحيح الكافي للكليني ج١ ص١٢٥ ط إيران\n(٣) انظر: الإرشاد للمفيد ص٣٠٤، إعلام الورى للطبرسي ص٣١٣، كشف الغمة للأربل ج٣ ص٧٢، جلاء العيون للمجلسي بالفارسية ج٢ ص٣٤٥، ومنتهى الآمال للقمي بالفارسية ص١٠٤٩، وعيون أخبار الرضا لابن بابويه القمي ج٣ ص٣٤٧ ط إيران","vol":"1","page":55},{"text":"لا يفهم القضاء بين الناس ودقيقه وجليله، وغامض الأحكام وشرائع الدين وجميع ما أتى به النبي - ﷺ -، وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها .. طفل غير بالغ، ولو جاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجة .. لجاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجتين وثلاثًا وأربعًا راجعًا إلى الطفولية! حتى يجوز أن يفهم ذلك من طفل في المهد والخرق! وذلك غير معقول ولا مفهوم ولا متعارف\" (١).\nفتفكروا يا عباد الله! هل من المعقول أن يعتمد على صبي في أمور الدين من لم يعتمد عليه أبوه - وهو إمام معصوم عند الشيعة - في أمر دنياه كما مر سابقًا بأن محمد الجواد هذا جعل وصيته على ابنيه عبد الله بن المساور على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق، فعدلًا عدلًا أيتها الشيعة! أليس منكم رجل رشيد؟\nهذا إن كان مراد الدكتور بأن كلًا من أئمة الشيعة بلغ سن الرشد وقت نصبه على عرش الإمامة وهو لم يكن كذلك كما أثبتناه من كتب الشيعة أنفسهم، وإن كان مقصوده بأن كلًا منهم قد بلغ سن الرشد قبل موته ووفاته - وهو عبث ليس لذكره معنى - فلم الاستثناء للثاني عشر لأنه لم يمت بعد حسب زعم الذين اعتقدوا ولادته؟\nوأما نحن فلا نعتقد بولادة غائبهم الموهوم، ونجزم أن الحسن العسكري لم يتزوج ولم يولد له ولد، لا في حياته ولا بعد وفاته بشهادة الشيعة أنفسهم، وها هو النوبختي كبير الشيعة في الفرق يصرح عن الحسن العسكري:\n\"أنه توفى ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ميراثه أخوه جعفر وأمه\" (٢).\nوأكثر من ذلك وأظهر، وأصرح منه وأوثق، ما رواه محدثو الشيعة ومؤرخوهم في كتبهم من الكليني والمفيد والطبرسي والأربلي والمجلسي والقمي وغيرهم عن أحمد بن عبيد الله بن خاقان الشيعي المشهور، والمعلن لتشيعه وموالاته للمحسن العسكري، أن الحسن العسكري:\n_________\n(١) فرق الشيعة للنوبختي ص١١٠\n(٢) فرق الشيعة للنوبختي ص١١٨، ١١٩","vol":"1","page":56},{"text":"\"لما اعتل بعث السلطان إلى أبيه أن ابن الرضا قد اعتل فركب من ساعته فبادر إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلًا ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصة، فيهم \"تحرير\" فأمرهم بلزوم دار الحسن تعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحًا ومساء، فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أخبر أنه قد ضعف، فأمر المتطببين بلزوم داره، وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلًا ونهارًا، فلم يزالوا هناك حتى توفى ﵇، فصارت \"سر من رأى\" (١) ضجة واحدة، وبعث السلطان إلى داره من فتشها وفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها، وطلبوا أثر ولده وجاءوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل، فجعلت في حجرة ووكل بها تحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئة وعطلت الأسواق وركبت بنو هاشم والقواد وأبي وسائر الناس إلى جنازته، فكانت \"سر من رأى\" يومئذ شبيهًا بالقيامة، فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة عليه دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد، والكتاب والقضاة والمعدلين وقال:\nهذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان ومن المتطببين فلان وفلان، ثم غطى وجهه وأمر بحمله من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه.\nولما دفن أخذ السلطان والناس في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا عن قسمة ميراثه ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل لازمين حتى تبين بطلان الحمل، فلما بطل الحمل عنهن\n_________\n(١) مدينة من مدن العراق المشهرة التي تسمى الآن سامراء","vol":"1","page":57},{"text":"قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر، وادعت أمه وصيته، وثبت ذلك عند القاضي\" (١).\nفهذه هي الحقيقة الناصعة، والرواية الصريحة الثابتة، الناطقة بالحق، والقاطعة في الموضوع، والمنقولة من كتب الشيعة أنفسهم، اعترفوا بها أم لم يعترفوا، وسلموا بها أو لم يسلموا، شاءوا أم أبوا، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم.\n﴿. . أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون * وما يتبع أكثرهم إلا ظنًا إن الظن لا يغني من الحق شيئًا إن الله عليم بما يفعلون﴾ (٢).\nوالعجب العجاب أن الشيعة مع هذا كله ينسجون الأساطير من الخيال، ويؤمنون بالمعدوم ويعتقدون وجوده، وهذه كتبهم تشهد عليهم وهم عنها معرضون: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ (٣).\nثم يأتي السيد الدكتور عبد الواحد وافي، ويسرد حكايتهم الخيالية دون أدنى تعرض لبيان حقيقتها مع إعلانه تحري الحقيقة قدر وسعه وعلمه. ﴿ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى﴾ (٤).\nثم يخبط الدكتور وافي خبط عشواء عند ذكره الزيدية، وخلط الحابل بالنابل حيث ذكر رأي بعض الزيدية في الخلافة، ونسبها إلى زيد بن علي مع البون الشاسع والفرق البيّن الواضح بين رأيه الذي كان يراه من ثبوت الخلافة لأبي بكر وعمر وصحتها لهم، ورأي الجارودية من الزيدية، والذين لا يجيزونها لغير علي وأولاده، ومن أراد معرفة ذلك فليراجع كتب الفرق.\n_________\n(١) كتاب الحجة من الكافي ص٥٠٥، الإرشاد للمفيد ص٣٣٩، إعلام الورى للطبرسي ص٣٧٧، ٣٧٨، كشف الغمة للأربل ج٣ ص١٩٨، ١٩٩، جلاء العيون للمجلسي تحت ذكر المهدي، الفصول المهمة تحت ذكر المهدي، ومنتهى الآمال للقمي تحت ذكر المهدي\n(٢) سورة يونس الآية ٣٥، ٣٦\n(٣) سورة النجم الآية٢٣\n(٤) سورة النجم الآية ٣٠","vol":"1","page":58},{"text":"وهكذا نسب إلى زيد أنه كان يرى من شروط صحة الإمامة أن يبايعه المسلمون مع أن كتب الفرق والتاريخ خالية عن هذا الشرط تمامًا.\nولولا خوف الإطالة، والخروج عن الموضوع الأصلي .. لسردت النصوص في ذلك من السنة والشيعة والزيدية أنفسهم، ومن أراد الاستزادة والتحقيق فليرجع إلى هذه الكتب.\nوكذلك قوله: \"مذهبهم (أي الزيدية) هو أقرب مذاهب الشيعة إلى مذهب السنة\" على إطلاقه غير صحيح أيضًا لأن فيهم من هم أبعد الناس عن السنة ومذاهبها.\nوكلامه عن الإسماعيلية (١) لا يقل خطأ عن كلامه في الزيدية، بل يزداد تطرفًا وبعدًا عن الصواب.\nفيأخذ فكرة من ابن خلدون في مقدمته ويترك أخرى.\nيأخذ من ابن خلدون \"أن إسماعيل مات في حياة أبيه ولكن الخلافة انتقلت إلى ابنه الأكبر قياسًا على انتقال وظائف هارون إلى نسله بعد وفاته\" مع اتفاق أكثر الإسماعيلية اليوم أن إسماعيل لم يمت إلا أن جعفر أظهر موته تقية عليه من خلفاء بني العباس (٢).\nوعلى كل فهناك رأيان وموقفان في الموضوع، ولكن الغريب في الأمر أن السيد الدكتور يذكر هذا عن ابن خلدون، ثم ينسى أمرًا آخر وهو قول ابن خلدون: أن هؤلاء يسمون بالباطنية، كما يسمون أيضًا الملاحدة لما في ضمن مقالتهم من الإلحاد\" (٣).\nولكن السيد الدكتور يقول: إن مذهبهم في هذا العهد (أي أيام حكمهم بمصر) لم يكن بعيدًا كل البعد عن مذاهب أهل السنة .. ولكن بعد أن تقوضت خلافتهم استحال المذهب الإسماعيلي إلى مذهب باطني\" (٤).\n_________\n(١) في صفحة ١٣ وما بعدها\n(٢) انظر: الملل والنحل للشهرستاني ص٥ على هوامش الفصل وغيره من الكتب السنية والشيعية، وعيون الأخبار، وافتتاح الدعوة، واستتار الإمام، وتاريخ الدعوة الإسماعيلية، والنور المبين، وغيرها من الكتب الإسماعيلية\n(٣) انظر: مقدمة ابن خلدون ص٢٠١ - ط مصر\n(٤) صفحة ١٥ من رسالته","vol":"1","page":59},{"text":"مع أن الأمر لم يكن كذلك، بل كان كما قال ابن خلدون: إنهم كانوا باطنيين قبل أن يظهر عبيدهم في المغرب، وكانوا باطنيين بعد أن ظهر، وكانوا باطنيين في عهد المعز عندما استولى على مصر، كما كانوا باطنيين إلى أن قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي. وهذا مما لا يختلف فيه أحد من المؤرخين القدامى.\nوأما قوله: \"إنه بعد تقويض خلافتهم دخل فيهم كثير من الأديان والنحل غير الإسلامية\" فصحيح من وجه، ولكن الديانة الإسماعيلية كلها مبنية على عقائد الأديان والملل غير الإسلامية.\nثم لا ندري بعد تعميم سيادته الحكم لماذا يستثني منه فرقة \"البوهرة\" مع أنها هي الوريثة الحقيقية للمذهب الإسماعيلي بما فيه من علات. فما الأسباب التي تجعل الدكتور يحكم عليها بذلك الحكم:\nألحاجة في نفس يعقوب قضاها؟ أم لشيء آخر؟\nبالله خبروني إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع؟\nوتلك إذًا قسمة ضيزى.\nولقد أثبتنا نحن في كتابنا الذي نحن بصدد طبعه الآن (١) عن الإسماعيلية أن الإسماعيلية بجميع طوائفها حاملة عقائد ومعتقدات تخرجها عن الملة الإسلامية قطعًا، سواء تظاهرت بالتمسك بالشريعة كالبوهرة، أو تجاهرت بتركها كالآغاخانية.\nوالجدير بالذكر أن مدعي زعامة البوهرة داعي الدعاة يدعي بأن له اختيارات يملكها، وأوصافاُ يتحلى بها إن لم تجعله فوق الرب فلا تجعله دونه، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\nولقد أثبتنا نص البيان الذي قدمه إلى المحكمة القضائية ببومبي والد الزعيم الحالي، طاهر سيف الدين (٢) عام ١٩٢٠م جوابًا للدعوى التي أقيمت عليه\n_________\n(١) سيصدر الكتاب قريبًا عاجلًا إن شاء الله بباكستان ومصر في آن واحد، ويشتمل على بيان الإسماعيلية القديمة والجديدة\n(٢) ومن المؤسف أن الأزهر الشريف منحه شهادة الدكتوراه الفخرية","vol":"1","page":60},{"text":"من قبل جمعية أحرار البوهرة حدًا لاختياراته وغلوائه، والذي قال فيه: \"لا يسأل عما يفعل لأن اختياراته لا تقل عن اختيارات الرب جل وعلا\".\nوأما ما كتبه الدكتور وافي وقرر فيه أن مذهب الإسماعيلية أيام حكمهم لم يكن بعيدًا كل البعد عن مذاهب أهل السنة، ولم تكن لتزيد عن وجوه الخلاف بين مذاهب أهل السنة نفسها بعضها عن بعض .. فلي إلا حكمًا عاطفيًا ظالمًا، وإلا فما رأي الدكتور في كتابة الشتائم على محاريب المساجد، والقذائف على منائرها ضد الخلفاء الراشدين الثلاثة، وأزواج النبي أمهات المؤمنين، ألا يعتبر هذا من وجوه الخلاف بين الشيعة وبين مذاهب أهل السنة؟ وأن ادعاء نسخ الشريعة وتعطيلها والاعتقاد بها أيضًا أليس من الأمور توسع هوة الخلاف بينهم وبين أهل السنة؟\nوكذلك جعل محمد بن إسماعيل، سابع النطقاء ومتمم دور السبعة أيعتبر هذا من الخلافات اليسيرة بين القوم وبين المسلمين؟\nوعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا\nوتجنبًا للإطالة، وتحرزًا عن التطويل نورد هنا رواية واحدة عن المعز نفسه، مؤسس الدولة الفاطمية، ومنشئ الإسماعيلية بمصر.\nيقول المعز لدين الله الفاطمي في دعائه المشهور المنقول من أدعية الأيام السبعة بعد الصلاة على آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى:\n\"وأخصص اللهم محمد بن عبد الله من ولد إسماعيل الذي شرفته وكرمته وعطلت به ظاهر شريعة عيسى، وصيره سادس النطقاء .. \" - إلى أن قال -: \"وصلّ على القائم بالحق، الناطق بالصدق، التاسع من جده الرسول، الثامن من أبيه الكوثر، السابع من آبائه الأئمة، سابع الرسل من آدم، وسابع الأوصياء من شيث، وسابع الأئمة من البررة صلوات الله عليهم كما قلت سبحانك ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام﴾ سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء\" وهو استواء أمر النطقاء بالسابع القائم صلوات الله عليه كما ذكرنا آنفًا، \"الذي شرفته، وكرمته وعظمته، وختمت به عالم الطبائع، وعطلت بقيامه ظاهر شريعة محمد - صلى الله عليه","vol":"1","page":61},{"text":"وآله وسلم - .. وهو يوم القيامة والبعث والنشور يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم .. وصلّ على خلفائه الراشدين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون\" (١).\nفهذه هي حقيقة التقارب بين الإسماعيلية المستولية على مصر، وحقيقة تقاربهم من مذاهب أهل السنة، التي لا تعلمها أيها السيد الدكتور! مع كونك من مصر، ومحققًا الكتاب التاريخي الكبير، ومعلقًا عليه بثلاث آلاف تعليقة.\nفاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.\nولقد أعلن هذه الحقيقة الناصعة الكثيرون الكثيرون من أئمة الفاطميين ودعاتهم، كما تناقلوا دعاء المعز هذا وتوارثوه جيلًا بعد آخر.\nولقد شهد بذلك الداعي المطلق إبراهيم بن الحسين الحامدي الذي كان موجودًا ف عهد الآمر بأحكام الله، حاكم مصر في كتابه \"كنز الولد\" الذي طبع في مصر وفي بيروت أيضًا بقوله:\n\"وأما محمد بن إسماعيل فهو متم شريعته (شريعة محمد) وموفيها حقوقها وحدودها، وهو السابع من الرسل، بيان ذلك في أدعية مولانا المعز السبعة، وهو الذي يشهد (النبي) له وللقائم محمد بن عبد الله المهدي لأنه قائم القيامة الوسطى، وقائم القيامة الأولى أمير المؤمنين، وقائم القيامة الكبرى رسول الله صاحب الكشف في قوله \"اشهد أن محمدًا رسول الله\" و\"أشهد أن محمدًا رسول الله\" لأن الخلق يشهدون برسالته وهو يشهد لمتم دورة شريعته ومنهاجه\" (٢).\nفما هو رأيك أيها السيد الوقور! في الإسماعيلية أيام تسلطهم على مصر، والبوهرة ورثتهم الذين يعدون المعز إمامًا من أئمتهم المعصومين، ويدعون بدعائه، والذين يعدون إبراهيم الحامدي هذا الداعي المطلق الثاني من دعاة أيام الستر، وقد بلغ العدد عندهم واحدًا وخمسين؟\nهل تعيد نظرتك في رسالتك هذه؟ ولولا حرصنا على ألا ينخدع بها الشباب المسلم والغفلة من المسلمين لما تصدينا بالرد عليها وصرف الوقت\n_________\n(١) \"أدعية الأيام السبعة لمولانا المعز لدين الله\"\n(٢) كنز الولد لإبراهيم بن الحسين الحامدي ص٢١١ - ط بيروت","vol":"1","page":62},{"text":"فيها لامتلائها بالأخطاء الفاحشة، والأغاليط الواضحة الصريحة، والتي لا تخفى على ذي علم وبصيرة.\nومن أراد الاستزادة في هذا الموضوع فيراجع كتابنا عن الإسماعيلية فسوق تتجلى له الحقائق الكثيرة الكثيرة التي طالما خفيت على كثير من عباد الله بسبب قراءتهم لأقلام مأجورة وكتب رخيصة لم تصدر من كتابها إلا كصناعة وحرفة، وما أكثر ما صار في هذا الزمان من المهن والحرف! وما أكثر من يتعاطونها أعني الكتابة حرفة وصناعة، لا دينًا ولا إصلاحًا، ولا رشدًا ولا غاية، اللهم لا تجعل أعمالنا كلها إلا لابتغاء مرضاتك، ولا توفقنا إلا لما ترضاه لوجهك الكريم، وخدمة لدينك القويم، ودفاعًا عن رسولك الرؤوف الرحيم، وعن شريعتك التي لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم الدين.\nهذا ولا زلنا حتى الآن في تمهيدات الدكتور وفي المشحونة بالأخطاء والإغلاط، ومما يزيد الاستغراب والاستعجاب، ويثير الحيرة والدهشة أن سيادته حاول في تمهيداته التي أخذت قريبًا من نصف الكتيب إيقاع القارئ في مغالطات كثيرة، ولا أعرف تمامًا أهذه المحاولة مقصودة أم غير مقصودة؟\nلا أعرف كل هذا ولكنه من المضحك المبكي أنه يجعل الخلاف بين، المسلمين أهل السنة وبينهم أعني الشيعة مبنيًا على الاجتهاد، ويطالبنا بألا نحكم عليهم بالزيغ والانحراف لأن للمجتهد رأيه ويجوز العمل به، وله أجره أخطأ أم أصاب، فإن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران (١).\nوأكثر من ذلك يقرر: أن ما ذهبوا إليه يكون هو الصواب ويحتمل أن ما ذهبنا إليه هو الخطأ\" (٢).\nوإن كان الأمر كذلك فعلى الإسلام السلام.\nوهكذا تقلب الموازين ويحق الباطل ويبطل الحق!!.\n_________\n(١) انظر صفحة ص٢٢ من رسالته\n(٢) انظر صفحة ص٢٢ من رسالته","vol":"1","page":63},{"text":"ويبلغ السيل الزبى حيث يحكم الدكتور بكل قسوة وظلم، وبكل تعسف وتعنت \"بأن القضاء المصري أخذ بآراء انفرد به المذهب الجعفري، منها وقوع الطلاق المقترن بالعدد لفظًا أو إشارة طلقة واحدة\" (١).\nثم يعلق بأن القضاء المصري أخذ هذا الرأي من ابن تيمية، وابن تيمية من الشيعة\" (٢).\nومعاذ الإله أن يكون الأمر كذلك، وأعيذ علماء مصر بالله أن يكون ظنهم ظنك، ومن لا يعرف غير الدكتور أن عامة أهل الحديث في سالف الزمان وحاضره يذهبون هذا المذهب ويأخذون بهذا الرأي قبل ابن تيمية وبعده؟ وابن تيمية أشد الناس حذرًا من الشيعة، ومما يرد عن طريقهم وبواسطتهم، ومذهب أهل الحديث مبني على عمل رسول الله - ﷺ - ومأخوذ من سنته بأنه ﵊ - فداه أبواي وروحي - كان يعد التطليقات الثلاثة في مجلس واحد مرة واحدة تطليقة واحدة، وأمر من أتى بها إليه أن يجعلها واحدة كما رواه الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: طلّق ركانة امرأته في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله رسول الله - ﷺ -: كيف طلقتها؟ .. قال: ثلاثًا فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنما تلك واحدة، فأرجعها إن شئت فراجعها\" (٣).\nوأن عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الراشد الثاني والملقب بالفاروق من النبي - ﷺ - يصرح بقوله ما معناه أن الطلقات الثلاث كانت تعد في زمن النبي والصديق طلاقًا واحدًا. كما رواه مسلم في صحيحه:\nقال أبو الصهباء لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على\n_________\n(١) صفحة ٢٣ من رسالته\n(٢) تعليقة رقم ١٦ نفس الصفحة\n(٣) أخرجه أحمد (١٧/ ٦ (الفتح الرباني»","vol":"1","page":64},{"text":"عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر؟ .. قال: نعم (١).\nوروي عنه أيضًا أنه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضينا عليهم فأمضاه عليهم (٢).\nوعليه الفتوى حتى اليوم في بلاد الهند وباكستان عند أهل الحديث السلفيين، وبذلك يفتي السلفيون في البلاد العربية، البعيدون كل البعد عن الشيعة ورواياته، والذين لا يتمسكون بأقوال الرجال وآرائهم ولو كانوا من أهل السنة كيف يتصور منهم التمسك بآراء الرجال وأقوالهم وهم من الشيعة أو ينسبون إلى التشيع؟\nفهل هي محاولة مقصودة أم غير مقصودة؟ وهل هي مغالطة متربصة أم غير متربصة؟ في كلا الاحتمالين لا يغض الطرف عن خطورته ولا يصرف النظر عن عظم فساده، وما أكثر ما أورده من المغالطات في كتيبه والتي تجعل غير الشاك في نية الدكتور وإخلاصه يبدأ يرتاب فيه ويشك في مقاصده ومراميه. والله يعلم السرائر، وهو ﴿يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور﴾ (٣).\nو﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ (٤).\nومغالطات كهذه الخافية منها والظاهرة هي الصفة المميزة لهذه الرسالة التي سنأتي ببيانها والرد عليها بعد دخولنا في المباحث الأصلية، ولم يكن قصدنا ههنا إلا ذكر الأغاليط التي وقع فيها الدكتور وافي في مختصره هذا، والتي قدمنا نموذجًا منها من تمهيداته ومن صفحاته الأولى فقط. وهذا قليل من كثير من بحره الزاخر ومائه الوافر، وما أعرضنا عنها نظرًا، وصفحنا عنها جنبًا فهي كثيرة كثيرة لا تسعها هذه العجالة، مثل ذكره الشيعة في المدينة\n_________\n(١) مسلم (٣/ ٦٦٩) وغيره\n(٢) مسلم (٣/ ٦٦٨) وأحمد (١٧/ ٧ - الفتح الرباني) وغيره\n(٣) سورة هود الآية٥\n(٤) سورة غافر الآية١٩","vol":"1","page":65},{"text":"باسم النخلية (١)، مع أن كل من عاش المدينة المنورة لبضعة أيام أو تطرق إلى معرفة من يعايشها عرف أنهم نخاولة، وليسوا نخلية.\nوكذلك عند ذكره الأقليات السنية في إيران يقتصر على الأكراد مع أن سكان إقليم بلوشستان كلهم أهل السنة، وكذلك طائفة من عرب عربستان، وغيرها من الأشياء الكثيرة نسأل الله أن يلهمنا وإياه الصواب والرشاد.\nفمن يكون حاله هكذا لا يحق له أن يتطرق إلى موضوع ليس له به صلة، من قريب أو بعيد. ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.\nاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه.\nواللهم أرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.\n_________\n(١) صفحة رقم١١ من رسالته","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الباب الثاني\nالشيعة الإثنا عشرية والقرآن الكريم</span>\nالخلاف الذي يقع بين الناس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nخلاف منشؤه الاختلاف في الفهم، يفهم شخص من عبارة أو كلمة مفهومًا. ويفهم منها الثاني مفهومًا آخر.\nوالثاني منشؤه الجهل: إنسان يعلم شيئًا ويعرفه، وآخر يجهله ولا يعرفه.\nثالثًا: اختلاف مبني على العناد بقطع النظر عن علم واحد وجهل آخر. أو عن الخطأ في فهم عبارة أو كلمة أو تعبير.\nفهذه هي الأقسام الثلاثة للخلاف الذي يقع فيه الناس.\nوأما القسم الأول والثاني من الخلاف فيمكن رفعه ونزعه والقضاء عليه لأنه حينما يعلم الجاهل ويعرف غير العارف يرتفع الخلاف، وكذلك حينما يصح الفهم ويستقيم.\nوأما الخلاف الذي منشؤه العناد فلا يمكن نزعه ورفعه لأنه مبني على المكابرة والإنكار، والمنكر لا يمكن أن يحاج بشيء ولا يحصل منه على نتيجة. لأنه ليس له قواعد وأسس يرجع إليها وقت الخلاف والنزاع بخلاف الأول والثاني فإنه يرجع وقت الخلاف إلى القواعد الثابتة والأسس الراسخة. وعلى ذلك فالخلاف الموجود بين مختلف طوائف المسلمين وفرقهم يرجع سببه إما إلى القسم الأول أو إلى القسم الثاني ولكن لاعتراف الجميع بالقواعد الثابتة والأسس المعتمدة يرتفع الخلاف ويزول النزاع، ويرجى بذلك أن يأتي يوم تذوب فيه الجماعات المختلفة والطوائف المتعددة. لأنه إذا ما رجع أصحاب الفكر وأهل البصيرة من كل طائفة إلى الأسس الأصلية والقواعد الأساسية انتهت الحزبية وقضي على التعدد والتفرق. وبهذا أمروا في كتاب الله ﷿:","vol":"1","page":67},{"text":"﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ (١).\nوأما الخلاف الذي بينهم وبين غيرهم فلا يمكن رفعه وحله لأنه مبني على الإنكار والمكابرة، إنكار المبادئ والأسس ومكابرة الحق وبطره ورفضه وإبطاله.\nوهناك من فرقوا كلمة المسلمين، وشقوا عصا طاعة جماعتهم، وخالفوا عن كلمتهم، ومزقوا جمعهم، وأنشئوا جماعات ورسخوا في قلوبهم وعقولهم الآراء والعقائد التي لا تمت إلى الإسلام بصلة وهؤلاء لا يمكن دمج عقائدهم مع عقائد المسلمين، حيث وضعوا مخططًا يشتمل على الإنكار المحض، والمكابرة الصرفة، وعلى عدم الاعتماد على القرآن، وسنة النبي - ﷺ - لأنه مع الإقرار بهذين الأصلين يمكن أن تتأتى الوحدة ويحصل الاتفاق، ولكن عند افتقادهم وإنكارهما لا يمكن أن تحصل وحدة في زمن من الأزمان أو يوم من الأيام، فأبعد رؤساء الشيعة اتباعهم عن المسلمين إلى حد أن جعلوا في مخالفتهم، الحق، كما مر بيانه سابقًا.\nوبعد هذا كله كيف يتصور أن يحصل الوئام، ويتأتى الوفاق والخلافات الموجودة بين أهل السنة والشيعة خلافات لا يمكن نزعها، ولا يحتمل رفعها.\nونتساءل: على أي شيء تعرض معتقداتهم؟ أعلى كتاب الله؟ هم لا يؤمنون به، أم على سنة رسول الله؟ هم لا يعتقدونها، لأن القرآن الموجود بأيدي الناس هو من جمع وترتيب وتأليف أبي بكر وعمر وعثمان، أعداء عليّ وأهل بيته، وغاصبي الخلافة، وظالمي أهل البيت - حسب زعم القوم - فكيف يؤتمن اللذين غصبوا حق علي وأولاده؟.\n_________\n(١) سورة النساء الآية٥٩","vol":"1","page":68},{"text":"ألم يحذفوا من القرآن ما كان لإثبات أحقية علي بالخلافة وأولاده بعده، وما كان له من فضائل ومناقب ومحامد؟.\nبل كيف نصدق أنهم لم يحذفوا من القرآن ما نزل في مساوئهم، وبيان نفاقهم وفسادهم - عياذًا بالله - والطعن فيهم والتعريض بهم؟ فالقرآن والحال هذه غير مصون من تلاعبهم، وغير محفوظ، إذًا فلا يعتمد عليه ولا يوثق فيه. ومن كان هذا شأنه أي لم يسلم من الحذف والتغيير بأيدي المخالفين كيف يرجع إليه لرفع المنازعات وحل الخلافات، ومع أولئك المخالفين؟!.\nهذا في القرآن، وأما السنة فهي منقولة مروية من أناس ارتدوا بعد رسول الله - ﷺ - عياذًا بالله - وغيروا أحكامه، وبدلوا تعاليمه، ونبذوا إرشاداته وراء أظهرهم، ونكثوا بيعته ونقضوا ميثاقه الذي أخذه عليهم، والذين ظلموا أهل بيته، وآذوا ابنته واضطهدوا وصيه، وطردوا خليفته، واغتصبوا ماله وانتهكوا حرمته، وحرموا أهله من إرثه، واقتحموا عليهم بيتهم، وضربوا بضعته ولحمه ودمه - إلى غير ذلك من الأباطيل والأضاليل - فمن كان هذا شأنهم فكيف يوثق بهم، ويعتمد على رواياتهم التي ينقلونها عن رسول الله - ﷺ -؟\nولذلك تراهم لا يلجئون إلى كتاب الله، وإلى سنة نبينا ﵊ عند الاحتجاج واللجاج، بل يلجئون إلى أساطير وقصص اخترعوها واختلقوها لإحقاق باطلهم وإبطال الحق، ونسبوها إلى أهل علي ﵁، وهم منها براء.\nوالنتيجة إنكار القرآن الموجود بأيدي الناس وسنة النبي الثابتة، أو بتعبير أصح منه: اعتقاد التحريف في القرآن بأنه غيّر وبدّل، وكذلك السنة النبوية، إنها منقولة بطريق المغيرين والمبدلين والمرتدين.\nتلك بعض أسس المذهب الاثنى عشرية وبدون ذلك لا يثبت مذهبهم.\nولأجل ذلك قال السيد هاشم البحراني المفسر الشيعي الكبير في مقدمة تفسيره \"البرهان\":","vol":"1","page":69},{"text":"وعندي في وضوح صحة هذا القول (بتحريف القرآن وتغييره) بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وإنه من أكبر مقاصد غصب الخلافة فتدبر\" (١).\nومثل هذا ما نقله النوري عن خاتمة محدثي الشيعة ملا باقر الملجسي، وزاد بعد سرد رواية تنص على تغيير القرآن وتحريفه قوله:\n\"لا يخفى أن هذا الخبر وكثيرًا من الأخبار صريحة في نقص القرآن وتغييره، متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسًا، بل أظن أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر\" (٢).\nوبذلك قال المحدث الشيعي المشهور نعمت الله الجزائري ردًا على من يقول بعدم التحريف في القرآن:\n\"إن تسليم تواتره عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلامًا ومادة وإعرابًا، مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها\" (٣).\nإن الأخبار الدالة على هذا (التحريف) تزيد على ألفي حديث وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد والعلامة المجلسي وغيره، بل الشيخ (الطوسي) أيضًا صرح في (التبيان) بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة\" (٤).\nوأما الطبرسي فقال:\nواعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية\" (٥).\n_________\n(١) البرهان في تفسير القرآن، مقدمة الفصل الرابع ص٤٩ ط إيران\n(٢) مرآة العقول للملا باقر المجلسي باب إن القرآن كله لم يجمعه إلا الأئمة ﵈ نقلًا عن فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي الشيعي ص٢٥٣\n(٣) الأنوار النعمانية للجزائري ج٢ ص٣٥٧ طبعة جديدة\n(٤) أيضًا نقلًا عن فصل الخطاب للنوري الطبرسي ص٢٥١\n(٥) فصل الخطاب ص٢٥٢","vol":"1","page":70},{"text":"وقال خاتمة محدثي القوم الملا باقر المجلسي في كتابه \"حياة القلوب\" إن رسول الله - ﷺ - أعلن يوم الغدير:\nإن علي بن أبي طالب ولي ووصي وخليفتي من بعدي، ولكن أصحابه عملوا عمل قوم موسى فاتبعوا عجل هذه الأمة وسامريها أعني أبا بكر وعمر .. فغصب المنافقون خلافته، خلافة رسول الله من خليفته، وتجاوزوا إلى خليفة الله أي كتاب الله، فحرفوه، وغيروه، وعملوا به ما أرادوه\" (١).\nومثل هذا كثير، ومن أراد الاستزادة في معرفة أقوال أئمة القوم وأعلامهم في هذا الباب، فليرجع إلى كتابنا (الشيعة والقرآن) حيث قد فصلنا القول فيه، وبينا هنالك أن أمر تحريف الصحابة للقرآن عقيدة عند الشيعة متواترة منقولة من سلفهم غير الصالح إلى خلفهم في جميع العصور والأدوار، وإنها لعقيدة القوم أجمعهم بلا استثناء، اللهم إلا من تظاهر بعدم القول بالتحريف تقية وتهربًا من إيرادات المعترضين وأدلة اعتراضاتهم.\nومن الغرائب أن المتظاهرين هؤلاء لم يزد عددهم أيضًا على الأربعة، من بين المتقدمين، كما ذكرهم محدثو الشيعة، ومفسروهم في كتبهم، وهم، ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق وأستاذ الفقيه محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالمفيد المتوفى سنة ٣٨١هـ. والسيد المرتضى الملقب بعلم الهدى المتوفى سنة ٤٣٦هـ، وأبو جعفر الطوسي تلميذ الشيخ المفيد المتوفى سنة ٤٦٠هـ. وأبو علي الطبرسي المتوفى سنة ٥٤٨هـ.\nفهؤلاء الأربعة من المتقدمين الذين تظاهروا بعدم اعتقاد التحريف في القرآن لا خامس لهم إطلاقًا من بين متقدمي الشيعة من مفسرين ومحدثيهم وفقهائهم. وبذلك صرح المحدث الغوري الطبرسي أن القائلين بعدم التحريف:\n\"هو الصدوق في عقائده، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة (الطوسي)\n_________\n(١) حياة القلوب للمجلسي الفارسي ص٥٥٤ وما بعده - ط إيران","vol":"1","page":71},{"text":"ولم يعرف من القدماء موافق لهم .. وممن صرح بهذا القول أبو علي الطبرسي .. وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحًا إلا من هؤلاء المشائخ الأربعة\" (١).\nوإن هؤلاء الأربعة لم يلجئوا إلى التظاهر بإنكار هذه العقيدة التي عليها أساس المذهب الشيعي وبناؤه إلا خداعًا ومكرًا، وتقية وكذبًا كما أثبتناه في كتابنا (الشيعة والقرآن) بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة والحجج اللامعة، ومن كتب الأربعة أنفسهم، وكما صرح بذلك علماء الشيعة أنفسهم، فها هو المحدث الشيعي المشهور السيد نعمت الله الجزائري يقول بعد إثبات التحريف في القرآن بالأخبار المستفيضة والمتواترة:\nنعم! قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي، وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير، ولم يقع فيه تغيير ولا تبديل .. والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها: سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها، وسيأتي الجواب عن هذا كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخبارًا كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن (٢) وإن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت .. وإنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين ﵇ بوصية من النبي - ﷺ -، فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلًا بجمعه، فلما جمعه كما أنزل، أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله - ﷺ -، فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزل، فقال له عمر بن الخطاب: لا حاجة بنا إليك ولا إلى قرآنك؛ عندنا قرآن كتبه عثمان،\n_________\n(١) فصل الخطاب ص٣٣، ٣٤\n(٢) وقد أثبتنا بفضل الله وتوفيقه من كتب هؤلاء أنفسهم في كتابنا (الشيعة والقرآن) أنهم يعتقدون التحريف في القرآن أيضًا حيث يسوقون روايات عديدة تدل عليه، ولا يسوقونها فحسب، بل يستدلون بها ويبنون عليها الأحكام ويستنبطون منها المسائل، فارجع إليه فإنه نفيس","vol":"1","page":72},{"text":"فقال لهم علي ﵇: لن تروه بعد هذا اليوم، ولا يراه أحد حتى يظهر ولدي المهدي ﵇، وفي ذلك القرآن زيادات كثيرة، وهو خال من التحريف، وذلك أن عثمان قد كان من كتاب الوحي لمصلحة رآها - ﷺ -، وهي ألا يكذبون في أمر القرآن، بأن يقولوا: إنه مفترى، أو إنه لم ينزل به الروح الأمين، كما قاله أسلافهم، بل قالوه هم أيضًا، وكذلك جعل معاوية من الكتّاب قبل موته بستة أشهر لمثل هذه المصلحة أيضًا، وعثمان وأضرابه ما كانوا يحضرون إلا في المسجد مع جماعة الناس، فما يكتبون إلا ما نزل به جبريل ﵇ بين الملأ.\nأما الذي كان يأتي به داخل بيته - ﷺ - فلم يكن يكتبه إلا أمير المؤمنين ﵇، لأن له المحرمية دخولًا وخروجًا، فكان يتفرد بكتابة مثل هذا، وهذا القرآن الموجود الآن في أيدي الناس هو خط عثمان، وسموه الإمام وأحرقوا ما ساه أو أخفوه، وبعثوا به زمن تخلفه (توليه الخلافة) إلى القطار والأمصار. ومن ثم ترى قواعد خطه تخالف قواعد العربية مثل كتابة الألف بعد واو المفرد وعدمها بعد واو الجمع وغير ذلك، وسموه رسم الخط القرآني ولم يعلموا أنه من عدم إطلاع عثمان على قواعد العربية والخط.\nوقد أرسل عمر بن الخطاب زمن تخلفه إلى علي ﵇ بأن يبعث له القرآن الأصلي الذي كان ألفه، وكان ﵇ يعلم أنه طلبه لأجل أن يحرقه كقرآن ابن مسعود أو يخفيه عنده حتى يقول الناس: إن القرآن هو هذا الكتاب الذي كتبه عثمان لا غير، فلم يبعث به إليه وهو الآن موجود عند مولانا المهدي ﵇ مع الكتب السماوية ومواريث الأنبياء، ولما جلس أمير المؤمنين ﵇ على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن، وإخفاؤه هذا راجع لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء المتمتعين، متعة الحج ومتعة النساء، حتى قال ﵇: لولا ما سبقني بنو الخطاب ما زنى إلا شفًا، يعني إلا جماعة قليلة، لإباحة المتعة، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء ومعاوية عن الإمارة\" (١).\n_________\n(١) الأنوار النعمانية لنعمت الله الجزائري ج٢ ص٣٥٧ وما بعد","vol":"1","page":73},{"text":"وبمثل ذلك ذكر علامة الشيعة في الهند السيد محمد اللكنوي، ردًا على من قال بعدم التحريف في القرآن، وهذه هي عبارته:\n\"أما ادعاء عدم التحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس فهو محل النظر، بل هو ظاهر الفساد، لأن الروايات التي بلغت حد التواتر تدل على أن علي بن أبي طالب هو الذي اشتغل بالقرآن بعد وفاة النبي - ﷺ - وإلا فتبقى هذه الروايات لغوًا محضًا، لا قيمة لها. وهذا مع أن الروايات قد كثرت عن المعصومين أن القرآن الحقيقي مخزون مودع مودع عند صاحب العصر ﵊\" (١).\nومثل هذا لكثير.\nومن الغرائب أن السيد الدكتور وافي، الذي لا يعرف عن عقائد الشيعة شيئًا، أو يعرف ويتجاهل، كيف استساغ أن يرد على من يتهم الشيعة باعتقادهم التحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس، والمضمون حفظه وسلامته من أي تغيير وتبديل، وصيانته من نقص وزيادة من قبل الله ﷿؟ كيف يجيز لنفسه أن يرد على من يقول في الشيعة: بأنهم لا يؤمنون بهذا الكتاب؟ بل يعتقدون وقوع التغيير والتبديل والتحريف فيه؟ ولا يقولونه من عند أنفسهم، بل يعتقدون وقوع التغيير والتبديل والتحريف فيه؟ ولا يقولونه من عند أنفسهم، بل بنقل الروايات الكثيرة الكثيرة، التي بلغت حد الاستفاضة والتواتر، وكلها منقولة من أئمتهم حسب زعمهم برواية الثقات عن الثقات، والعدول عن العدول، في صحاحهم وكتب الحديث التي تعد من الأصول، وكذلك في كتب التفسير والفقه، وحتى كتب العقائد؟!\nومن أين له أن يختلق لهم الأعذار التي لم يعتذر بها الشيعة أنفسهم، بنقل آراء الآحاد منهم، وفي النقل خيانة أيضًا - حسبنا الله -؟ وما كان في ظني أن أمثال الدكتور يأتون بها، ولولا لعبة واضحة لعب بها السيد الدكتور في كتيبه ما استعملت في حقه هذه الكلمات غير المناسبة، في شأنه ومقامه، ولكن على أي شيء أحمل كلامه في الدفاع عن الشيعة حول اعتقادهم في القرآن؟!\n_________\n(١) ضرب حيدري ج٢ ص٧٨ - ط الهند","vol":"1","page":74},{"text":"\"وقد تصدى كثير من الشيعة الجعفرية أنفسهم للرد على هذه الأخبار الكاذبة وبيان بطلانها، وبطلان نسبتها إلى أئمتهم، وأنها ليست من مذهبهم في شيء\" (١).\nولم يستطع بعد هذا الادعاء العريض أن يبرهن على ذلك بالدليل، ويستدل بالحجة، ويستند ولو برواية واحدة عن أئمة القوم؟؟ وأنى له هذا؟ فقد عجز عنه الشيعة قاطبة بأن يأتوا برواية واحدة عن أئمتهم المعصومين بطرقهم أنفسهم تنص وتدل على أن القرآن الموجود بأيدي الناس هو قرآن كامل سالم من لحوق أي تغيير وتحريف فيه!.\nنعم! قد ذكر السيد الدكتور بعد هذا الادعاء الفارغ بأنه جاء في تفسير الصافي:\n\"وأما الشيخ أبو علي الطوسي فإنه قال في مجمع البيان: أما الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان والتغيير فقد روى عن جماعة من أصحابنا وجمع من حشوية العامة، والصحيح من مذهبنا خلافه .. إلخ\" (٢).\nوأغرب ما يكون في الأمر هو تحمس الدكتور في الدفاع عن الشيعة حيث أنه عقب بعد هذه العبارة الطويلة ما نصه:\nوجاء في كتاب مجمع البيان (للطوسي)\nوأما الكلام في زيادته .. إلخ (٣).\nيعني أعاد نفس الكلام الذي ذكره مقدمًا، وعن نفس الرجل ونفس الكتاب بفرق أنه أولًا نقل كلامه من تفسير الصافي بواسطة، ثم عنه بلا واسطة، وبنفس المعنى والمفهوم، فلا ندري ما فائدة التكرار؟ أيكون لحاجة في نفس يعقوب قضاها؟ ..\nأم لماذا؟ ..\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة للدكتور وافي ص٣٨\n(٢) بين الشيعة وأهل السنة ص٣٨، ٣٩\n(٣) بين الشيعة وأهل السنة ص٣٨، ٣٩","vol":"1","page":75},{"text":"والظاهر أنه أورد هذا لافتقاره وإفلاسه بأن يجد دليلًا على ما ادعاه، وبرهانًا على دعواه، \"إن كثيرًا من الشيعة أنفسهم تصدى لرد هذه الأخبار الكاذبة وبيان بطلانها\".\nفمن هم الكثيرون يا ترى؟\nفاضطر لأن يعدد الواحد ويذكر عبارة واحدة عن كتابين مختلفين والصادرة عن شخص واحد.\nفهل هناك خطأ أكبر من هذا الخطأ؟\nنعم! هنالك، حيث ادعى أن كثيرًا من أئمة الشيعة أنفسهم ردوا هذا الاعتقاد، ولقد أوهم بأن صاحب تفسير الصافي وصاحب مجمع البيان أبا علي الطوسي من أئمة الشيعة، وليس الأمر كذلك إطلاقًا، لأن كلًا منهما ليس بإمام.\nثم خطأ آخر هو أنه أوهم بنقل هذه العبارة عن الصافي؛ أن صاحبه أي السيد المحسن الملقب بالفيض الكاشاني يعتقد بهذا الاعتقاد حسب ما ينقل عن أبي علي الطوسي، مع أن الكاشاني في تفسيره لم ينقل كلام الطوسي إلا للرد عليه والجواب على مقولاته، وبين اعتقاده واضحًا صريحًا مثل الآخرين من مفسري الشيعة ومحدثيهم وفقهائهم ومتكلميهم، ولذلك قال بعد نقل كلامه:\nأقول لقائل أن يقول: كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين، كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية، المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم، والتغيير فيه إن وقع فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن، والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك، فلا تنافي بينهما، بل لقائل أن يقول:\nإنه ما تغير في نفسه، وإنما التغيير في كتابتهم إياه، وتلفظهم به، فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل، وبقي الأصل على ما هو عليه عند أهله وهم العلماء به. فما هو عند العلماء به ليس بمحرف، وإنما المحرف ما أظهروه لأتباعهم.","vol":"1","page":76},{"text":"وأما كونه مجموعًا في عهد النبي - ﷺ - على ما هو عليه الآن فلم يثبت، وكيف كان مجموعًا وإنما كان ينزل نجومًا؟ وكان لا يتم إلا بتمام عمره؟ وأما درسه وختمه فإنما كانوا يدرسون ويختمون ما كان عندهم منه لإتمامه\" (١).\nوأطراف من هذا كله أن السيد الدكتور نقل عن أحد المحامين ببغداد الأستاذ الفكيكي أنه قال: إن الأخبار الواردة في نقصه وتحريفه ضعيفة شاذة، وأن مشائخ فقهاء الإمامية ضربوا بها عرض الجدار، بل لقد كفروا من دعاها\" (٢).\nولا أدري ولست إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء؟\nمن يسأل الدكتور الناقل المحض بدون تدبر وتعقل: هل هذه هي الأدلة على ثبوت دعواه بأن أئمة الشيعة ردوا هذه الأخبار الكاذبة وبينوا بطلانها؟ ولم يستطع سيادة الدكتور في كتيبه كله أن ينقل تضعيف هذه الأخبار إلا من محام ببغداد لا نعرف من هو، وما مقامه في العلم ومكانته لدى الشيعة؟\nثم إن هذا المحامي أيضًا لم يضعف الروايات ولم يين شذوذها بطريقة علمية معروفة، بل ادعى أن مشائخ فقهاء الإمامية ضربوا بها عرض الجدار.\nفمن هم أولئك المشائخ؟، وفي أي عصر كانوا؟ وبأي دليل قالوا؟ وأين وجدوا .. في أي أرض وفي أي قطر؟ وفي أي كتاب وأية صحيفة؟\nدعوى بلا بينة، وكلام بلا برهان.\nوزاد الطين بلة أن المحامي المذكور، ذكر كما نقل عنه الدكتور بخط مكبر جدًا، بل لقد كفروا من ادعاها (٣).\nوإن كان الأمر كذلك فمن كان من أعيان الشيعة وعلمائها مسلمًا .. بالله خبروا! أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، صاحب كتاب الكافي، إمام محدثي الشيعة وعمدتهم في الحديث، أم أستاذه علي بن إبراهيم القمي، صاحب تفسير القمي شيخ مشائخ الشيعة في التفسير وشيخ الكليني أيضًا، أم محمد بن مسعود العياشي، عين عيون الطائفة الشيعية، وصاحب أقدم\n_________\n(١) تفسير الصافي لفيض الكاشاني ج١ ص٣٥، ٣٦، المقدمة السادسة -ط إيران\n(٢) بين الشيعة وأهل السنة ص٤٠\n(٣) انظر: صفحة ٤٠ من كتيبه","vol":"1","page":77},{"text":"تفسير شيعي، أم محمد بن الحسن الصغار، صحابي الحسن العسكري الإمام المعصوم عندهم، وأستاذ الكليني أيضًا، أم فرات بن إبراهيم الكوفي، المفسر الشيعي القديم، وأستاذ والد ابن بابويه القمي، وشيخ شيخه، أم محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد، أستاذ شيخ الطائفة الطوسي، أم محمد بن إبراهيم النعماني، تلمي الكليني وصاحب كتاب الغيبة، أم المفسر محمد بن العباس الماهيار، أم شيخ المتكلمين أبو سهل إسماعيل بن علي، أم الفيلسوف أبو محمد حسن بن موسى، أم الشيخ الجليل إسحاق بن إبراهيم، أم إسحاق الكاتب، أم رئيس الشيعة الذي ربما قيل بعصمته أبو القاسم حسين بن روح السفير الثالث بين الشيعة والغائب، أم شيخ الأقدمين فضل بن زاذان، أم محمد بن الحسن الشيباني الشيعي صاحب تفسير نهج البيان، أم محمد بن خالد البرقي، أم علي بن الحسن الفضال، أم محمد بن الحسن الصيرفي، أم أحمد بن محمد السيار من المتقدمين؟!\nومن المتأخرين الكثيرون ممن لا يعدون ولا يحصون من مفسري الشيعة، ومحدثيهم، وفقهائهم، ومتكلميهم، ممن ذكرنا أسماء الكثيرين منهم في كتابنا (الشيعة والقرآن).\nوهؤلاء هم عمدة مذهب الشيعة وقدوتهم، نواب أئمتهم المعصومين، ومبلغو أخبارهم، وحفظة أحاديثهم، ونقلة آثارهم، وكلهم صرحوا بالتحريف والتبديل والتغيير في القرآن بدون إبهام ولا غموض. وقد صنف بعض منهم كتبًا مستقلة، وألف البعض الآخر أجزاء منفصلة لبيان عقيدة الشيعة في القرآن وإثبات التبديل والتغيير فيه.\nفإن كان هؤلاء كلهم كفرة، فمن كان من القوم مسلم؟!\nولا يهمنا ذلك ونحن نعلن على ملأ الأشهاد بأن الشيعة لو أعلنوا بهذا الاعتقاد، ووافق علماؤهم على هذا القول بأن كل من يقول بالتحريف والتغيير في القرآن أو يعتقد الحذف والنقص فيه فهو كافر، أيًا من كان، فنحن نوافقهم على ذلك، ونهنئهم ونبارك لهم بأن الله هداهم إلى سواء السبيل، فليعملوا مع أولئك الأعلام معاملة ما يقرون ويعلنون، ويرموا كتبهم في النار، ويتبرءوا منهم ومن كتبهم، ونحن نتبرأ مما قلناه عنهم، ومما نقوله، ونتوب إلى الله ونستغفره.","vol":"1","page":78},{"text":"فهل من مقدم يقدم؟ وهل من مجيب يجيب؟ وهل من سامع يسمع ويستجيب؟ ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾.\nما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن\nثم إن الدكتور وافي لا يدري بأن هذا القول - أي القول بتحريف القرآن وتغييره وتبديله - ليس بقول شاذ، بل هو القول المعمول به في جميع الأجيال الشيعية وعند جميع الطبقات قديمًا وحديثًا، وهو مبني على أقوال المعصومين حسب زعم القوم، وهم الحجة عندهم لا غيرهم؛ لأنهم لا يعتقدون العصمة في غيرهم ومن سواهم، ولم يخرج عن هذا الاعتقاد إلا من شذ وند، ولم يخرج هؤلاء الآحاد الشذاذ إلا تهربًا من العار الذي لحقهم، والفضيحة التي لزمتهم، ولم يكن رأيهم مبنيًا على أصول شيعية ولا مستنبطًا من أقول المعصومين.\nولذلك قال سلطان علماء الشيعة - كما يلقبونه - السيد محمد دلدار علي .. بعد ذكر كلام المرتضى في عدم التحريف في القرآن:\n\"فإن الحق أحق بالاتباع، ولم يكن السيد علم الهدى معصومًا حتى يكون من الواجب أن يطاع، ولو ثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقًا لم يلزمنا اتباعه ولا ضير فيه\" (١).\nوقال المحدث النوري:\nاعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية\" (٢).\nوقال خاتمة المحدثين لدى الشيعة الملا باقر المجلسي:\n\"لا يخفى أن كثيرًا من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عليها رأسًا\" (٣).\n_________\n(١) ضربت حيدري ج٢ ص٨١ - ط الهند\n(٢) فصل الخطاب للنوري الطبرسي ص٢٥٢ - ط إيران\n(٣) مرآة العقول للمجلسي نقلًا عن فصل الخطاب ص٣٥٣","vol":"1","page":79},{"text":"وقال الجزائري:\n\"إن الأخبار الدالة على هذا تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد والعلامة المجلسي وغيره، بل إن الشيخ الطوسي أيضًا ذكر في التبيان كثرتها، بل ادعى تواترها جماعة\" (١).\nوالجدير بالذكر أننا أوردنا في كتابنا (الشيعة والقرآن) أكثر من ألف حديث شيعي من مختلف الطرق ومختلف الرواة ومختلف الكتب، كلها تنص وتصرح بأن القرآن مغير ومحرف، زيد فيه ونقص منه كثير، غير ما ذكرناه في كتابنا (الشيعة والسنة). من الأسباب التي جعلت الشيعة يعتقدون هذا الاعتقاد الزائغ الخبيث بنقل روايات كثيرة كثيرة من أمهات كتب القوم.\nوبعد هذا كله لا ندري كيف يجرؤ أحد ويجسر على خداع المسلمين بأن الروايات الشيعية التي تخبر وتدل على التحريف في القرآن روايات شاة وضعيفة.\nفهل يحكم على المتواتر بالشذوذ والضعف؟\nوأهكذا تقلب الحقائق؟ ويكذب الصدق؟\nإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... أو كنت تدري فالمصيبة أعظم!\nومع ذلك فليس من يتظاهر بإنكار التحريف في القرآن من الشيعة، ولا من يدافع عنهم بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير من غير الشيعة، يستطيع أن يورد ولو رواية واحدة ضعيفة أو شاذة مروية عن المعصومين لدى الشيعة تنص وتصرح بأن القرآن الموجود بأيدي الناس هو المنزل من السماء، ومحفظ بحفظ الله له، غير مغير ولا مبدل فيه، لا يعتريه نقص ولا تلحقه زيادة.\nفكيف يحق للشيعة والمناصرين لهم والمستميتين الدفاع عنهم والتأييد لهم، أن يقولوا: إن روايات بلغت التواتر تثبت التحريف .. هي روايات شاذة؟\n_________\n(١) مرآة العقول للمجلسي نقلًا عن فصل الخطاب ص٢٥٣","vol":"1","page":80},{"text":"ثم من يخبر سعادة الدكتور وافي، أن الرواية لا يحكم عليها بالضعف والشذوذ إلا بمكانة الراوي الذي رواها، ومكانة الكتاب الذي وردت فيه، لا كما قاله هو:\n\"ولو وردت عن شيخ من شيوخهم أو في مؤلف من أمهات مراجعهم، ولو أسندها هذا الشيخ أو هذا المؤلف إلى الإمام الصادق نفسه، فمن ذلك مثلًا ما ينسبه الكليني في كتابه (الكافي) إلى الإمام الصادق من القول بأن القرآن الذي نزل به الوحي على محمد يزيد على سبعمائة وسبع وسبعين آية عن الذي نقوله، وأن الباقي مخزون عند آل البيت .. فعلى الرغم من أن راوي هذه الأقوال ومدعي نسبتها إلى الإمام الصادق هو شيخ من أكبر شيوخهم وهو أبو جعفر الكليني، والذي يعد الرواية الأول لأخبارهم، وعلى الرغم من أن الكتاب الذي وردت فيه هذه الأخبار، وهو كتاب (الكافي) هو أحد الكتب الأربعة التي يعدونها الأصول لمذهبهم، وينزله كثير منهم منزلة البخاري عند أهل السنة على الرغم من هذا كله فإنهم يحكمون ببطلان ما ورد في هذا الكتاب من أقوال عن القرآن الكريم، فلا يصح أن نحاسبهم على رأي قد حكموا هم ببطلانه ولا أن نعده من مذهبهم مهما كانت مكانة راويه عندهم ومكانة الكتاب الذي ورد فيه\" (١).\nوإننا لا نكثر الاستغراب حينما نسمع رأيًا مثل هذا الرأي عن شيخ جاوز الثمانين من عمره، وقد أفناه في التعلم والتعليم، والدرس والتدريس - اللهم إنا نعوذ بك أن نرد إلى أرذل العمر، وعن الجهل بعد العلم.\nفلعل سيادته يريد أن يبتكر مصطلحًا جديدًا في الحديث لأن كل واحد سواه، ممن له إلمامة بسيطة بالمصطلح، يعرف أن الحكم على الحديث والرواية لا يكون إلا بالإسناد، فالحديث الذي رواه الثقات العدول الضباط واحدًا بعد واحد يحكم عليه بالصحة، والعكس صحيح، وكذلك كل رواية وردت في البخاري أو مسلم عند السنة لا يلتفت إلى سنده حيث أن مؤلفيهما قد ألزما نفسيهما بإيراد الصحيح في كتابيهما لا غير خلافًا لمن لم يلتزم بذلك.\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٢٩، ٣٠ (م٦ - بين الشيعة وأهل السنة)","vol":"1","page":81},{"text":"وكذلك الكافي عند الشيعة فإن ورد حديث فيه فلا يلتفت إلى سنده ورواته، لأنه مجرد وروده في الكافي يكفي للحكم على صحته وتوثيقه، كما صرح بذلك الكثيرون من محدثي الشيعة وعلمائهم، ومنهم المحدث النوري الطبرسي في آخر كتابه الكبير (مستدرك الوسائل) (١).\nهذا ولقد أكثر الشيعة الكلام في تمجيده والثناء عليه في كتب الرجال والمصطلح والشروح، وقد أوردنا بعضًا منها في كتابنا (الشيعة والقرآن).\nونكتفي بذكر عبارة واحدة عن الرجال المشهور العباس القمي، أنه قال في الكافي:\nهو أجل الكتب الإسلامية وأعظم المصنفات الإمامية والذي لم يعمل للإمامية مثله، قال المولى محمد أمين الاستر آبادي في محكى فوائده: سمعنا عن مشائخنا وعلمائنا أنه لم يصنف في الإسلام كتاب يوازيه أو يدانيه\" (٢).\nوفوق ذلك أنه موثق من قبل المعصوم - الغائب الموهوم - الذي لا يخطئ ولا يغلط\" (٣).\nثم لم ينفرد بسرد هذه الروايات الكليني وحده، بل شاركه في ذلك أساطين الشيعة وكبراؤهم في الحديث والتفسير والفقه والكلام قبله وبعده كما ذكرناه سابقًا، بل إن الذين تظاهروا بالإنكار أوردوا روايات التحريف كتبهم كما وضعنا النقاط على الحروف في كتابنا (الشيعة والسنة) و(الشيعة والقرآن) وعلى ذلك تناقل هذه العقيدة جيل بعد جيل من الشيعة، ولم يقتصر ذكرها في كتب الروايات بل أوردوها في كتب العقائد أيضًا، فهذا هو شيخهم المفيد، الذي يقولون فيه:\nإنه أجلّ مشائخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، وإنه أوثق أهل زمانه في الحديث، وإنه كان متقدمًا في علم الكلام والفقه (٤).\n_________\n(١) مستدرك الوسائل ج٣ ص٥٣٢ - ط إيران\n(٢) الكنى والألقاب ج٣ ص٩٨ - ط إيران\n(٣) روضات الجنات ج٦ ص١١٦، مقدمة الكافي ص٢٥\n(٤) مقدمة أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ص٢٤، ٢٥ - ط مكتبة الداورى - ط إيران","vol":"1","page":82},{"text":"وإنه هو الذي سن طريق الكلام لمن بعده إلى اليوم (١).\nوقال فيه ابن النديم الشيعي:\nانتهت إليه رئاسة متكلمي الشيعة، مقدم في صناعة الكلام (٢).\nوإنه كان وحيد دهره في كل العلوم، انتهت إليه رئاسة الشيعة (٣).\nوهو تلميذ لابن بابويه القمي الملقب الصدوق وأستاذ للشريف الرضى، والشريف المرتضى الملقب بعلم الهدى، وأبي جعفر الطوسي الملقب بشيخ الطائفة (٤)، والنجاشي (٥).\nالمفيد هذا يذكر في كتابه العقائدي المشهور (أوائل المقالات في المذاهب والمختارات) عند سرد عقائد الشيعة في الرجعة، والبداء، وتحريف القرآن:\n\"واتفقت الإمامية على وجوب الرجعة .. واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه بموجب التنزيل وسنة النبي - ﷺ -، وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية\" (٦).\nهذا في التأليف أما الزيادة فيه والنقصان فقال:\n\"أقول: إن الأخبار د جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد - ﷺ - باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان، فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم، ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم يرتب بما ذكرناه.\nوأما النقصان فإن العقول لا تحيله ولا تمنع من وقوعه، وقد امتحنت مقالة من ادعاء وكلمت عليه المعتزلة وغيرهم فلم أظفر منهم بحجة أعتمدها\n_________\n(١) أعيان الشيعة ص٢٣٧ الطبعة الأولى بدمشق\n(٢) الفهرست لابن النديم ص٢٥٢ - ط مصر\n(٣) تأسيس الشيعة العلوم للمحسن الصدر ص٣١٢ - ط العراق\n(٤) وهذان أي المرتضى والطوسي هما اللذان تظاهرا بإنكار التحريف في القرآن\n(٥) انظر: كتب الرجال للشيعة\n(٦) أوائل المقالات ص٥٢","vol":"1","page":83},{"text":"في فساده - ثم يرد على من قال بحذف التأويل والتفسير، لا نفس القرآن - فيقول: من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة إليه أميل .. وأما الزيادة فيه فمقطوع على فسادها من وجه، ويجوز صحتها من وجه .. ولست أقطع على كون ذلك بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن عنه، وهذا المذهب خلاف ما سمعناه من بني نوبخت (قادة الشيعة وزعمائهم في عصرهم) ﵏ من الزيادة في القرآن والنقصان فيه، وقد ذهب إليه جماعة من متكلمي الإمامية وأهل الفقه منهم والاعتبار\" (١).\nفهذه هي عقيدة الإمامية، المثبتة في كتب العقائد أن القرآن على خلاف التنزيل، وأنه محرف منقوص، وأما الزيادة عليه .. فإليه ذهب بنو نوبخت وجماعة من متكلمي الإمامية وأهل الفقه منهم والاعتبار، كما صرح بذلك من انتهت إليه رئاسة الشيعة: شيخ علم الهدى وشيخ الطائفة الطوسي وتلميذ ابن بابويه القمي في كتابه الذي وضعه لبيان عقائد الشيعة الاثنى عشرية، بعد تصريحه بأن الأخبار قد وردت مستفيضة عن الأئمة المعصومين باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين من الحذف فيه والنقصان.\nولقد تناول الشيعة هذه العقيدة، وتوارثوها، خلفًا عن سلف، وأثبتوها في كتب العقائد وجعلوها من لوازم مذهب الشيعة كما صرح بذلك الكثيرون الكثيرون، منهم مفسر الشيعة الكبير السيد هاشم البحراني حيث قال:\n\"اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله - ﷺ - شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيرًا من الكلمات والآيات، وأن القرآن .. المحفوظ عما ذكر، الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه علي ﵇، وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن ﵇، وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم ﵇، وهو اليوم عنده صلوات الله عليه\".\n\"ولهذا كما قد ورد صرحًا في حديث سنذكره أن الله ﷿ كان قد سبق في علمه الكامل صدور تلك الأفعال الشنيعة من المفسدين في الدين، إذ\n_________\n(١) أوائل المقالات لمحمد بن نعمان العكبري الملقب بالمفيد ص٩٣ وما بعدها","vol":"1","page":84},{"text":"أنهم كلما اطلعوا على تصريح فيه ما يضر لهم، ويزيد في شأن علي ﵇ وذريته الطاهرين، حاولوا إسقاط ذلك رأسًا أو تغييره محرفين، فكان في مشيئته الكاملة من الطاقة الشاملة المحافظة على أوامر الإمامة والولاية، وممارسة مظاهر فضائل النبي - ﷺ - والأئمة، بحيث تسلم من تغيير أهل التضييع والتحريف، ويبقى لأهل الحق مفادها، مع بقاء التكليف، لم يكتف بما كان مصرحًا به منهما في كتابه الشريف، بل جعل جل بيانها بحسب البطون، وعلى نهج التأويل، وفي ضمن بيان ما تدل عليه ظواهر التنزيل، وأشار إلى جمل من برهانها بطريق المجاز والتعريض، والتعبير عنها بالرموز والتورية، وسائر ما هو من هذا القبيل، حتى تتم حججه على الخلائق جميعًا، ولو بعد إسقاط المسقطين ما يدل عليها صريحًا بأحسن وجه وأجمل سبيل\" البرهان، مقدمة تحت عنوان \"المقدمة الثانية في بيان ما يوضح وقوع بعض تغيير في القرآن، وإنه السر في جعل الإرشاد إلى أمر الولاية والإمامة والإشارة إلى فضائل أهل البيت وفرض طاعة الأئمة بحسب بطن القرآن وتأويله ص٣٦ - ط إيران].\nثم قال بعد نقل هذه العقيدة عن كبار القوم وذكر أسمائهم:\n\"وعندي يقين من وضوح صحة هذا القول (أي القول بتحريف القرآن وتغييره) بعد تتبع الأخبار، وتفحص الآثار، بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع\" (١).\nوقال مثل ذلك الشيخ علي أصغر البروجردي من أعيان الشيعة في القرن الثالث عشر في الكتاب العقائدي:\n\"وواجب علينا أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يغير ولم يبدل وهو موجود عند إمام العصر (الغائب) عجل الله فرجه، لا عند غيره، وإن المنافقين قد غيروا وبدلوا القرآن الموجود عندهم\" (٢).\nوبمثل ذلك كتب الملا محمد تقي الكاشاني في كتابه هداية الطالبين (٣)\n_________\n(١) البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني، الفصل الرابع من المقدمة ص٤٩ - ط إيران\n(٢) كتاب عقائد الشيعة فارسي ص٢٧ - ط إيران\n(٣) ص٣٦٨ - ط إيران","vol":"1","page":85},{"text":"وزين العابدين الكرماني في رسالته تذييل (١)، وأخوه في كتابه حسام الدين، وقبلهما أبوهما محمد كريم خان المتوفى سنة ١٢٨٨هـ، صرح بذلك في كتابه نصرة الدين وأيضًا في كتابه إرشاد العوام الذي ألفه في العقائد، والسيد علي بن نقي الرضوى مجتهد الشيعة بالهند في كتابه إسعاف المأمول (٢) وغيرهم.\nهذا ولقد ذكرنا في كتابنا (الشيعة والقرآن) وقبله في (الشيعة والسنة) بأن علماء الشيعة ألفوا كتبًا ورسائل مستقلة في إثبات التحريف في القرآن في كل عصر وبلد وجدوا فيه، ولا يخلو مكان أو زمان لم تصنف فيه مثل هذه الكتب كما أثبتنا أسماءهم وأسماء كتبهم في كتبنا المذكورة، ولم ينكر هذه العقيدة، من أنكر منهم، إلا مداراة للمسلمين، وتقية وخداعًا لأهل السنة، وسدًا لباب المطاعن، ولم يبنوا إنكارهم هذا على رواية من أئمتهم المعصومين حيث يزعمون أن مذهبهم قائم على آرائهم وأفكارهم، ولا على أصول مطر موجود.\nرغم أن القائلين بهذه المقولة، المتجاهرين بهذه العقيدة، بينوا أسبابًا ألجأتهم إلى اعتناقها والاعتقاد بها. وأصول المذهب وأسسه التي وضع عليها .. تقتضي ذلك أيضًا، وساندها وناصرها رجال من الشيعة، لولاهم لما قام لديانتهم عود، ولا استقام لها عمود.\nوهذا واضح وجلي، لا نظن أنه يخفى على عاقل وبصير (٣)، إلا من أضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله؟!\n_________\n(١) ص١٣ وما بعد - ط مطبعة سعادة بكرمان إيران\n(٢) ص١١٥ - ط مطبعة اثنا عشرى لكنؤ الهند سنة ١٣١٢هـ\n(٣) نظرة على ما كتبه البهنساوي:\nمن الغريب والمؤسف حقًا أن بعض من ينتسب إلى العلم من أهل السنة انخدع بأباطيل الشيعة وأكاذيبهم فكيف انخدع؟، وكيف خطف بصره بريق عقائدهم المزورة الكاذبة؟، وكيف سمح له علمه قبل ضميره ودينه أن يتصدى للدفاع عنهم، وعن عقائدهم الخبيثة الملتوية، وعن آرائهم - المعوجة، وأفكارهم الزائغة عن سواء السبيل؟.","vol":"1","page":86},{"text":"كيف يكتب بدون معرفة وعلم، وبدون فقه وبصيرة؟ لقد ظهر جهله الكلي بأصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية والأسس التي قام عليها، بسبب عدم اطلاعه على كتبهم الأصلية، ومراجعهم القديمة والحديثة الأصيلة، في التفسير والحديث والفقه والكلام والتاريخ، مثل السيد الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه (بين الشيعة وأهل السنة) والأستاذ سالم علي البهنساوي في كتابه (السنة المفترى عليها)، والدكتور عز الدين إبراهيم في كتابه (لا أساس للخلاف بين السنة والشيعة) وغيرهم من المخدوعين والمغترين بلا علم، وإن الله ﷿ يقول في كتابه: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ (١).\nوقال جل وعلا: ﴿.. ولا تكن للخائنين خصيمًا، واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا * ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا﴾ (٢).\nولقد بينا فيما سبق أغلوطات السيد الدكتور وفي ومغالطاته وجهله، أو تجاهله لكتب الشيعة وعقائدهم، ونريد أن نذيل بحثنا هذا بنظرة خاطفة على ما كتبه الأستاذ سالم علي البهنساوي في كتابه (السنة المفترى عليها) حيث تعرض سيادته لما كتبنا عن الشيعة وعن عقائدهم وآرائهم حول القرآن في كتابنا (الشيعة والسنة) فوقف موقف المدافع عن الشيعة، والمكذب لما قلناه عنهم جاهلًا قواعد البحث، ومبادئ الخلاف، وأصول المناقشة،\n_________\n(١) سورة الإسراء الآية٣٦\n(٢) سورة النساء الآية١٠٥ إلى ١٠٩","vol":"1","page":87},{"text":"كما أثبت على نفسه أنه لا يعرف عن معتقدات الشيعة وكتبهم التي تبحث فيها، كثيرًا ولا قليلًا.\nفإن السيد الأستاذ البهنساوي عقد فصلًا مستقلًا في كتابه بعنوان (حوار حول دعوى تحريف الشيعة للقرآن) (١)، فكتب يقول:\n\"لقد وجدنا بين أهل السنة ومن ينشر كتبًا تتضمن أن الدعوة إلى التقريب بين السنة والشيعة يراد بها تقريب السنة إلى معتقدات الشيعة التي تزعم أن القرآن الكريم محرف، وهذه وغيرها من البدع التي تنسجها الأيدي اليهودية التي هي وراء الشيعة الإمامية\".\nوما جاء في هذه الكتب عن تحريف القرآن (أما الشيعة فإنهم لا يعتقدون بهذا القرآن الموجود بين أيدي الناس والمحفوظ من قبل الله العظيم .. مكابرين للحق وتاركين للصواب.\nفهذا هو الاختلاف الحقيقي الأساسي بين السنة والشيعة أو بالتعبير الصحيح بين المسلمين والشيعة لأنه لا يكون الإنسان مسلمًا إلا باعتقاد أن القرآن هو الذي بلغه رسول الله - ﷺ - إلى المسلمين بأمر من الله ﷿).\nواستند هذا الكتاب وغيره إلى روايات للمحدث الشيعي الكليني في (الكافي في الأصول) واعتبره كالبخاري عند أهل الشيعة. كما نقل الكاتب هذا عن ابن بابويه القمي، ووصفه بأنه صدوق الشيعة\" (٢).\nوبدلًا من أن يبحث في الروايات ويتحقق من نسبتها إلى الكتب التي عزونا إليها، أو نقدها نقدًا علميًا معقولًا، بدل هذا كله كتب مقيمًا الحجة عليه وعلى عدم علمه ومعرفته فقال:\n\"ولما كان البحث في كتب إخواننا الشيعة لكل من قرأ كتب إحسان\n_________\n(١) صفحة ٢٦ - ط دار البحوث العلمية الكويت الطبعة الأولى سنة ١٩٧٩م\n(٢) السنة المفترى عليها لسالم علي البهنساوي ص٦٦ - ط دار البحوث العلمية سنة ١٩٧٩م","vol":"1","page":88},{"text":"ظهير ومحب الدين الخطيب وغيرهما ليس يسيرًا فقد جمعت ما تضمنته هذه الكتب وقرنه بالمصادر والمراجع التي نقلت عنها من كتب الشيعة، وعرضت ذلك على الأخ الصديق الإمام محمد مهدي الآصفي ليبين رأي أئمتهم في هذا الموضوع\" (١).\nفمن كان هذا مبلغ علمه أله أن يحكم بين الناس؟ وأن يبين الحق من الباطل؟ وأن يفصل في القضية؟ أو يبدي رأيا حاسمًا للنزاع بالترجيح أو التكذيب؟\nوهل في العالم شخص يقر على نفسه وعلى أهله بالخطأ والغلط؟ ويعترف بقصوره وجريمته؟\nوهل ذكرنا كلامًا منقولًا عن غير أئمتهم حتى يسأل شيعيًا عن رأي أئمته في الموضوع؟\nثم ماذا كان رد العالم الشيعي غير الكلام الفارغ والدعوى بلا دليل أو بهان، دون التطرق إلى نقد الروايات التي أوردناها في كتابنا وأرسلها إليه الأستاذ البهنساوي حسب قوله، وبيان منطوقها ومفهومها، ودون بطلان نسبتها إلى قائليها، أو تجريح الكتب التي وردت فيها وغير ذلك من الأمور التي يتطلبها البحث العلمي والنقد الموضوعي، اللهم إلا ما ذكر عن السيد الخوئي ومحمد رضا المظفر والبلاغي وكاشف الغطاء والطباطبائي بأنهم أنكروا التحريف في القرآن (٢).\nوالجدير بالذكر أولًا: أن هؤلاء الخمسة كلهم من المتأخرين ومن عصرنا هذا، وليسوا من العمدة في المذهب، ولا يعدون من أئمة التشيع.\nثانيًا: أن بعضًا منهم كتبوا مقولاتهم هذه في كتب دعائية لم تكتب للشيعة بل كتبت لخداع المسلمين أهل السنة، ولسد باب المطاعن عليهم.\n_________\n(١) السنة المفترى عليها ص٦٧\n(٢) انظر: صفحة ٦٨ وما بعد من الكتاب المذكور","vol":"1","page":89},{"text":"ثالثًا: أن جميع المذكورين ممن يدينون بدين التشيع، الدين الذي قالوا فيه نقلًا عن جعفر أنه قال:\n\"إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله\" (١).\nو\"إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له\" (٢).\nسوف نذكر هذا البحث في محله من هذا الكتاب إن شاء الله.\nرابعًا: أن كل واحد من هؤلاء لم يفصح عن سبب اعتقاده عدم التحريف في القرآن، ولا الجواب على ما ورد عن أئمتهم ورودًا مستفيضًا متواترًا.\nخامسًا: لم يدع واحد من هؤلاء أن مذهب التشيع مبني على آرائه وأقواله، كما لم يدع العصمة لنفسه مع إقراره وإعلانه أن مذهبه مأخوذ من أئمته المعصومين الاثنى عشر من علي وأولاده، ومبني على أقوالهم، وأفكارهم، وهذه الآراء والأفكار لم تنقل إلا من كتب الأصول الأربعة، أهمها وأجلها الكافي للكليني، والكتب الأخرى التي نقلنا منها تلك المرويات التي تدل صراحة على التحريف في القرآن.\nسادسًا: أن ليس أحد من هؤلاء يساوي أو يضاهي أو يداني واحدًا ممن جاهر بالقول بالتحريف من المتقدمين والمتأخرين من المحدثين والمفسرين والفقهاء والمتكلمين، ولم يذكر هؤلاء الخمسة أولئك المجاهرين بالتحريف إلا بكل التعظيم والتكريم والإجلال والتفخيم وتلقيبهم إياهم بالأئمة والكبراء والزعماء والقادة، فأين الخوئي من الصفار؟ والبلاغي من الكليني؟ والطباطبائي من القمي والعياشي والفرات الكوفي؟ والمظفر وكاشف الغطاء من المفيد، والطبرسي؟ أين هؤلاء من أولئك؟\nسابعًا: لم يستطع هؤلاء التقول بأنهم لم يكونوا معتقدين التحريف في القرآن.\n_________\n(١) الكافي للكليني ج٢ ص٢٢٢ - ط إيران وج١ ص٤٨٥ - ط الهند\n(٢) الكافي في الأصول ج٢ ص٢١٧ - ط إيران وج١ ص٤٨٢ - ط الهند","vol":"1","page":90},{"text":"ثامنًا: لم يبنوا فساد مقولتهم وسبب ضعف أقوالهم وعلة الضعف؟.\nتاسعًا: بعض هؤلاء أنفسهم أوردوا في كتبهم نفس الروايات التي تنص على التحريف في القرآن دون التعرض لها بالنقد والجرح.\nعاشرًا: لم يتجرأ واحد منهم على أن يكتب كتابًا أو جزءًا مستقلًا أو رسالة مستقلة لإثبات عدم التحريف في القرآن والرد على قائليه مع بيان بطلان ما ذهبوا إليه.\n﴿تلك عشرة كاملة ..﴾ (١)، ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (٢).\n﴿.. قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ (٣).\nولو كان مجرد الإنكار يكفي فلا يلزم خصم من العالمين بشيء لأنه أنكر، ووجد من ينكر معه من جماعته اثنين أو ثلاثة، فالسني مثلًا لا يلزم بشيء ورد في الصحيحين، أو في الصحاح الأخرى غيرهما، أو المجاميع والمسانيد، ولو بطريق الثقاة الضباط العدول؛ لأنه ينكر صحته.! دون الرجوع إلى قواعد ثابتة وأسس متينة، وكذلك الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي، وأكثر من ذلك اليهودي والنصراني والبوذي وغيرهم، يمكن أن يتظاهر الواحد منهم بإنكار أي شيء لا يجد الجواب عنه، ويجد نفسه في مأزق ضيق حرج .. مع إقرار قادتهم وسادتهم وأئمتهم وزعمائهم وعمدائهم، وحججهم، ومع إقرارهم بمذهبهم ودياناتهم.\nنعم! يمكن الإقرار بالتبرؤ من ذلك المذهب وتلك الديانة بأني لا أؤمن\n_________\n(١) سورة البقرة الآية١٩٦\n(٢) سورة ق~ في الآية٣٧\n(٣) سورة الزمر الآية٩","vol":"1","page":91},{"text":"بالمذهب الذي هذه تعليماته وإرشاداته، وتلك الديانة التي هذه آراؤها، وأفكارها وتلك قواعدها وأسسها.\nفكل من ينتسب إلى أهل السنة لا يسعه إنكار ما ورد من سنة النبي الكريم - ﷺ - الثابتة عنه وما كان عليه أصحابه ما دام سنيًا.\nوأما إذا أراد ذلك (الإنكار) فله، ولكن ليس له أن يعد نفسه من أهل السنة.\nفعلى هذا ليس على الشيعة الاثنى عشرية أن ينكروا ما ثبت من عقائدهم وما تفرع وقام عليه مذهبهم ما داموا يدعون التشيع.\nولهم أن ينكروا كل ما يرونه مخالفًا للإسلام ومنافيًا للفطرة والعقل مع ثبوته في مذهبهم ومسلكهم، وكونه من العقائد الأساسية لديانتهم ولكن مع التبرؤ من هذه الديانة الزائفة التي تشتمل على مثل تلك العقائد الفاسدة الواهية.\nوإننا لنرحب بكل من يقدم على هذا، ويقول بهذا القول، ويعلن بهذا الاعتقاد، وبذلك سيرتفع الخلاف، ويحسم النزاع، ونكون عباد الله إخوانًا، وإخوة في العقيدة، يؤمنون كلهم بما نزل على محمد صلوات الله وسلامه عليه، وتولى الله حفظه وصيانته من التغيير والتحريف بقوله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (١).\nوبقوله جل وعلا: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (٢).\nولقد أدرك خطر هذا الاعتقاد أي اعتقاد عدم التحريف في القرآن محدثو الشيعة ومفسروهم وأهل الكلام والفقه منهم، فلذلك قال قائلهم:\n\"اعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية\" (٣).\nو\"إن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع\n_________\n(١) صورة الحجر: ٩\n(٢) سورة فصلت: ٤٢\n(٣) المحدث النوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب ص٢٥٢","vol":"1","page":92},{"text":"الاعتماد على الأخبار رأسًا، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر\" (١).\nو\"إن هذه العقيدة لمن ضروريات مذهب التشيع\" (٢).\nوإن كان من ينكر هذا الاعتقاد مع انتسابه إلى الشيعة لا ينكر إلا تقية، وقد نص على ذلك الكثيرون من علماء الشيعة، ومنهم السيد أحمد سلطان أحد أعيان القوم في الهند:\n\"إن علماء الشيعة الذين أنكروا التحريف في القرآن لا يحمل إنكارهم إلا على التقية\" (٣).\nوهذه العبارة نص في المسألة.\nوقبل أن ننتقل إلى موضوع آخر نريد أن نذكر ههنا أن السيد الآصفي الذي أرسل إليه السيد البهنساوي - حسب مقولته - الروايات التي أرودناها في كتابنا (الشيعة والسنة) لبيان عقيدة الشيعة في القرآن، والتي تزيد على ستين رواية لم يبين العالم الشيعي المذكور فيها رأيه حسب البحث العلمي السليم، كما لم يتكلم في قيمة الكتب التي وردت فيها هذه الروايات، وكذلك لم يستطع أن ينكر علينا قولنا بأن الكليني عند الشيعة كالبخاري عندنا، وابن بابويه القمي هو الملقب بالصدوق عند الشيعة، اللهم إلا ما ذكر عن رواية أوردناها في كتابنا عن علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن خالد في آية الكرسي:\nإن أبا الحسن علي بن موسى الرضا - الإمام الثامن عند الشيعة- قرأ آية الكرسي هكذا: \"الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم\n_________\n(١) خاتمة محدثي الشيعة الملاك باقر المجلسي في كتابه مرآة العقول نقلًا عن فصل الخطاب ص٣٥٣\n(٢) المفسر الشيعي المشهور في مقدمة تفسيره البرهان الفصل الرابع ص٥٢\n(٣) تصحيف كاتبين ص١٨ - ط الهند","vol":"1","page":93},{"text":"له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم\" (١).\nفقال بعد ذكر هذه الرواية: إنها رواية غير معتبرة وضعيفة لأن الحسين بن خالد الصيرفي أحد الرواة في سلسلة الحديث لم تثبت وثاقته (٢).\nويا ليته عمل هذا العمل في جميع الروايات التي أوردناها، وانتقدها انتقادًا علميًا، حتى يعلم الجميع ويعرف الكل، أن الروايات التي وردت في هذا الموضوع ضعيفة فعلًا لدى الشيعة، ومجروحة، فليس لمخالف في الرأي والعقيدة أن يلزمهم بمثل هذه الروايات الواهيات، ولكن أنى له ولغيره أن يتجرأ على هذا؟ لأن الأحاديث في هذا الموضوع جاوزت ألفي حديث وخبر.\nثم من يشجع السيد الآصفي ومن يسلك مسلكه ويطمئنهم على أن أهل السنة لا يعرفون عن رواة الشيعة شيئًا، ويجهلون كتب رجال القوم، من يضمن لهم كل هذا؟!. فلذلك ترى أنهم عند تهربهم من مثل هذه المآزق وتسللهم بعيدًا عن هذه الأبحاث لا يلتجئون إلى البحث الموضوعي والنقد العلمي إلا إلى الإنكار المحض الذي لا يشبع ولا يغني من جوع.\nفحمدًا لله أن السيد المذكور تجاسر وأقدم على هذا حتى وجده الأستاذ البهنساوي والدكتور عز الدين إبراهيم كافيًا للرد علينا وعلى محب الدين الخطيب.\nلكن ما هي الحقيقة؟ وما هو الصدق؟ تعالوا انظروا معي لكي ينجلي الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.\nفالسيد الآصفي على دأب أسلافه الذين جعلوا الكذب دينه وديدنه، فإنه يدعي، نقلًا عن أحد المعاصرين، أن أحد رواة هذه الرواية، وهو\n_________\n(١) تفسير القمي ج١ ص٨٤ ط إيران\n(٢) السنة المفترى عليها للبهنساوي ص٧٣","vol":"1","page":94},{"text":"الحسين بن خالد الصيرفي لم تثبت وثاقته، مع أنه من أصحاب موسى الكاظم - الإمام السابع المعصوم عند الشيعة - وعلي بن موسى الرضا - الإمام الثامن المعصوم عندهم - ولقد صرح بذلك الطوسي الملقب بشيخ الطائفة الشيعية في رجاله، فذكر أنه من أصحاب الكاظم (١)، وأنه من أصحاب الرضا (٢).\nوكذلك الرجالي الشيعي القديم أبو جعفر أحمد البرقي عدّه من أصحاب موسى الكاظم (٣).\nوكذلك الأردبيلي الحائري في كتابه (جامع الرواة) (٤).\nوقال فيه آية الله الزنجاني، الذي يلقبونه بالفقيه المحقق المدقق سماحة الحجة آية الله الشيخ موسى:\nالحسين بن خالد الصيرفي عدّه الشيخ من أصحاب الرضا ﵇ وقبله من أصحاب الكاظم، ثم ذكر بعض مروياته ومن روى عنه، ومن يروي عنهم، ثم قال:\nوجل رواياته دالة على حسن اعتقاده، أحاديثه على كثرتها وجودتها في غاية الاستقامة، والغالب روايته عن الرضا ﵇، والأكثر رواية عنه علي بن معبد، لا أحسب الرجل إلا ثقة جليلًا، وأعد ما رواه في الصحيح\" (٥).\nفهذا هو الرجل الذي قال عنه السيد الآصفي: لم تثبت وثاقته، والذي لأجله ضعف الرواية.\nفماذا يقول المنصفون فيه بعد ثبوت صحابيته لإمامهم ووثاقته؟\n_________\n(١) رجال الطوسي ص٣٤٧ - ط قم إيران\n(٢) ص٣٧٣\n(٣) انظر: كتاب الرجال للبرقي ص٥٣ - ط طهران\n(٤) انظر: ج١ ص٢٣٨ - ط قم إيران\n(٥) الجامع في الرجال ج١ ص٥٩٤ - ط قم إيران سنة ١٣٩٤هـ","vol":"1","page":95},{"text":"زِد على ذلك أن هذه الرواية ليست بفريدة في موضوعها، بل لها شواهد ومتابعات في تفسير القمي وغير القمي.\nوالسيد الآصفي معذور في ذلك، حيث اختار رواية واحدة، من روايات كثيرة أوردناها من تفسير القمي في هذا الموضوع، وهذه حقيقة نقده وجرحه، وجرأته على مثل هذا الإقدام.\nثم اختار السيد المذكور رواية واحدة كذلك من الكافي للكليني، وتكلم على أحد رواتها مع أنه أئمته في الرجال ذكروا بأن ذلك الراوي وهو معلي بن محمد يعتمد عليه شاهدًا، ولكي لا يطول بنا الحديث نسأله هو، وليفهم البهنساوي وغيره:\nلماذا لم يتكلم على أول رواية أوردناها في كتابنا من الكليني في كافيه لإثبات عقيدة التحريف والحذف والنقصان في القرآن؟ هي رواية مشهورة معروفة، ونص في الموضوع نسوقها فيما يلي:\n\"عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (جعفر) ﵇ قال: إن القرآن الذي جاء به جبريل ﵇ إلى محمد - ﷺ - يزيد سبعة عشر آلف آية\" (١).\nمع أن القرآن الموجود بأيدي الناس آياته ستة آلاف آية وكسر\" (٢).\nفماذا يقول الآصفي ومن دونه من علماء الشيعة أجمعين في هذه الرواية ورواتها حيث أنها صريحة في معناها، واضحة في مفهومها، لا تحتمل التأويل والتفسير، وإن رواتها لمعدودون على الأنامل، معروفون مشهورون لدى الشيعة؟\nأما محمد بن يعقوب الكليني فهو هو، وأما علي بن الحكم فقد كتب\n_________\n(١) الكافي في الأصول للكليني، كتاب فضل القرآن ج٢ ص٦٣٤ - ط إيران\n(٢) وقد أخطأ الدكتور وافي في هذا أيضًا حيث قال: إن الكليني ينسب إلى الإمام الصادق من القول: إن القرآن الذي نزل على محمد - ﷺ - يزيد سبعمائة وسبع وثلاثين آية على القرآن الذي نتلوه","vol":"1","page":96},{"text":"عنه الأردبيلي الحائري بعد ما ذكر أنه هو الذي روى الرواية المذكورة في باب فضل القرآن وفي باب النوادر:\n\"ثقة جليل القدر\" (١).\nوالتفرشي في كتابه نقد الرجال (٢).\nوأما هشام بن سالم فقد ذكره شيخ الطائفة الطوسي في أصحاب جعفر الصادق (٣).\nوكذلك في أصحاب موسى الكاظم (٤).\nوقال الرجالي الشيعي القديم النجاشي:\nهشام بن سالم الجواليقي .. روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن ﵉. ثقة ثقة (٥).\nونقل الحائري بعد ذكر هذا كله عن شيخ الطائفة في فهرسته أنه صحيح العقيدة معروف الولاية غير مدافع (٦).\nوقد ذكر الكشي في مدحه روايات (٧).\nوأما أبو عبد الله جعفر بن الباقر فمقامه معروف لدى الشيعة حيث يعدونه معصومًا لا يخطئ. فهذه هي الرواية الأولى التي أوردناها في مبحثنا: الشيعة والقرآن: في كتابنا (الشيعة والسنة) الذي أرسله الأستاذ البهنساوي إلى السيد الآصفي، فلا ندري لماذا تخطى السيد الآصفي هذه الرواية والروايات الكثيرة الأخرى المنقولة في الكافي أيضًا إلى الرواية التي جعلها غرضًا لنقده وجرحه؟\n_________\n(١) جامع الرواة ج١ ص٥٧٥\n(٢) ص٢٣٤ - ط قم إيران\n(٣) رجال الطوسي ص٣٢٩\n(٤) ص٣٦٣\n(٥) رجال النجاشي ص٣٠٥ - ط قم إيران\n(٦) جامع الرواة ج٢ ص٣١٥\n(٧) انظر لذلك: رجال الكشي ص٢٣٩","vol":"1","page":97},{"text":"إلا أنه لم يجد في رواة بقية الروايات من يستطيع أن يتكلم فيهم؟\nوها نحن نعلن بأننا نرحب بكل عالم شيعي ينبري ويتصدى لتضعيف روايات أوردناها في كتبنا حول هذا الموضوع من أمهات كتب الشيعة وأهم مراجعهم سالكًا مسلك النقد والجرح المعروف، وملتزمًا القواعد الثابتة والأسس المعروفة في هذا الشأن.\nفهذه حقيقة رد الشيعة علينا، وهذه حقيقة الحوار المزعوم حول عقيدة الشيعة في القرآن.\nولو كان الأستاذ البهنساوي متحريًا عن الحق وطالبًا الحقيقة لكان عليه أن يتثبت من الموضوع ويرسل بيان الآصفي إلينا قبل إدراجه في كتابه، سامحنا الله وإياه وغفر له ما بدر منه على إضلاله كثيرًا من المسلمين أهل السنة.\nوقبل أن نختم الكلام في هذا الموضوع نريد أن نبين شبهة أخرى يثيرها الشيعة، ويقع فيها كثير من سُذَّج أهل السنة بهذا الخصوص، وهي:\nأن الشيعة لا يقرءون إلا هذا القرآن ولا يتناقلون بينهم إلا هذا نفسه، وإن كان لهم قرآن غير هذا فأين هو؟\nفإن لم يكونوا يؤمنون به، ويعتقدون فيه التحريف والحذف والنقصان فلماذا يقرءونه؟\nفالجواب: إن من يقول بهذا الكلام من أهل السنة لا يقوله إلا جهلًا بمعتقات الشيعة ومروياتهم ومن يقوله من الشيعة لا يقوله إلا خداعًا للمسلمين أهل السنة وتغطية للحق وتعمية للأبصار، لأن القوم نصوا على ذلك وصرحوا بأن القرآن الأصلي المحفوظ هو عند القائم من ولد علي ﵁، وأن الشيعة أمروا بقراءة هذا القرآن إلى أن يخرج القائم كما يروي الكليني في كافيه عن سالم بن سلمة أنه قال:\nقرأ رجل على أبي عبد الله ﵇ وأنا أسمع حروفًا من القرآن ليس على ما يقرأه الناس فقال أبو عبد الله ﵇: كفّ عن هذه القراءة","vol":"1","page":98},{"text":"اقرأ كما يقرأه الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله ﷿ على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي ﵇، وقال: أخرجه علي ﵇ إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله ﷿ كما أنزله الله على محمد - ﷺ -، لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبدًا، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرءوه\" (١).\nوروى أيضًا بسنده:\nعن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن ﵇ قال: قلت له:\n\"جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كم نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال:\nلا! إقرءوها كما تعلمتم فيجيئكم من يعلمكم\" (٢).\nوأيضًا ما رواه الطبرسي في (الاحتجاج) كذبًا على أبي ذر ﵁ أنه قال:\nلما توفى رسول الله - ﷺ - جمع علي ﵇ القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله - ﷺ -، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر فقال: يا علي! اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه علي ﵇ وانصرف، ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارئًا للقرآن،\n_________\n(١) الكافي في الأصول ج٢ ص٦٣٣ - ط طهران\n(٢) الكافي باب أن القرآن يرفع كما أنزل ج٣ ص١١٩ - ط طهران، وص٦٦٤ - ط الهند","vol":"1","page":99},{"text":"فقال له عمر: إن عليًا ﵇ جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن وتسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه، أليس قد بطل كل ما قد عملتم؟ ثم قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه؟ فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد، فلم يقدر على ذلك، وقد مضى شرح ذلك.\nفلما استخلف عمر سأل عليًا أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن! إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأت به إلينا حتى نجتمع عليه، فقال علي ﵇: هيهات! ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر:\nفهل وقت لإظهاره معلوم؟\nقال علي ﵇: نعم! إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السنة به\" (١).\nوعلى ذلك جعلوا من عقائدهم:\n\"وواجب علينا أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يغير ولم يبدل، وهو الموجود عند إمام العصر الغائب عجل الله فرجه لا عند غيره\" (٢).\nوقال الكرماني:\n\"وقع التحريف والتصحيف والنقص في القرآن .. وأن القرآن المحفوظ\n_________\n(١) الاحتجاج للطبرسي ج١ ص٢٢٨، الصافي للكاشاني ج١ ص٢٧\n(٢) عقائد الشيعة الفارسي علي أصغر البروجردي ص٢٧ - ط إيران","vol":"1","page":100},{"text":"ليس إلا عند القائم .. وإن الشيعة لمجبورون على أن يقرءوا هذا القرآن تقية بأمر آل محمد ﵈\" (١).\nوقال المفسر الفيض الكاشاني في تفسيره ردًا على من يقول بعدم التحريف في القرآن:\nأقول: يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعًا كما أنزله الله محفوظًا عند أهله ووجود ما احتجنا إليه منه عندنا وإن لم نقدر على الباقي\" (٢).\nوقال السيد نعمت الله الجزائري مجيبًا على نفس هذه الشبهة:\nفإن قلت: قد جازت القراءة في هذا القرآن مع ما لحقه من التغيير؟\nقلت: قد روى في الأخبار أنهم ﵈ أمروا شيعتهم بقراءتهم هذا القرآن الموجود بأيدي الناس في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين ﵇ فيقرأ ويعمل بأحكامه .. والأخبار الواردة بهذا المضمون كثيرة جدًا\" (٣).\nوأخيرًا ننقل ما ذكره المفسر الشيعي المشهور السيد هاشم البحراني المتوفى عام ١١٠٨هـ:\nاعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله - ﷺ - شيء من التغييرات، وأسقط الذي جمعوه كثيرًا من الكلمات والآيات، وإن القرآن المحفوظ عما ذكر، الموافق لما أنزله الله تعالى، ما جمعه علي ﵇ وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن ﵇، وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم ﵇، وهو اليوم عنده صلوات الله عليه\" (٤).\n_________\n(١) تذييل في الرد على هاشم الشامي ص١٣ وما بعد-ط كرمان إيران\n(٢) تفسير الصافي المقدمة السادسة ج١ ص٣٦\n(٣) الأنوار النعمانية للجزائري ج٢ ص٣٦٣، ٣٦٤\n(٤) البرهان في تفسير القرآن مقدمة ص٣٦","vol":"1","page":101},{"text":"وبعد هذا كله لا نرى أن أحدًا ينطلي عليه كذب القوم أو تخفى عليه عقيدتهم الحقيقية الأصلية ونسأل الله ﷿ أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل، وجعلنا وإياهم ممن يستمع القول ويتبع أحسنه ويعرف الخطأ ولا يصر عليه ولا يعاند، بل يرجع إلى الحق والصواب.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الباب الثالث\nالشيعة الإثنا عشرية والسُّنة النبوية</span>\nإن الأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية هو السنة. أي ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - قولًا أو فعلًا أو تقريرًا. وقد أمرنا بالتمسك بها ﴿.. وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ (١).\nوإن الرسول - ﷺ - هو الناطق بالوحي ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ (٢).\nوعلى ذلك جعلت طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾ (٣).\n﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾ (٤).\nولذلك قرنت إطاعة الرسول بإطاعة الله ﴿أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون﴾ (٥).\nوالآيات في هذه المعنى كثيرة جدًا، ومنكر السنة النبوية الثابتة عن كافر، كما أن منكر القرآن خارج عن الملة الإسلامية، لأن السنة بيان للقرآن وتوضح وشرح له وتفسير لمعانيه ومطالبه ﴿.. وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة الحشر الآية٧\n(٢) سورة النجم الآية٣\n(٣) سورة النساء الآية٨٠\n(٤) سورة النساء الآية ١١٥\n(٥) سورة الأنفال الآية٢٠\n(٦) سورة النحل الآية٤٤","vol":"1","page":103},{"text":"وعلى ذلك قال الإمام ابن حزم الأندلسي:\nلو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا بما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة\" (١).\nوقال:\nإنما احتججنا في تكفيرنا من استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله - ﷺ - بقول الله تعالى مخاطبًا لنبيه - ﷺ -:\n﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ (٢).\nفكل ما يصدر عن رسول الله - ﷺ - ويثبت عنه صدوره، منكره لا يكون مؤمنًا بنص القرآن.\nوهذا الموضوع له تفصيل في محله لا نريد الإطناب فيه ههنا.\nومحل الشاهد في هذا المبحث أن السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام لها منزلتها ومكانتها في التشريع الإسلامي، كما أنها من الأسس التي تحسم النزاعات الدينية والمذهبية حسب قول الله ﷿:\n﴿.. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ (٣).\nولكن الشيعة لا يقرون بهذا الأصل الثاني مثل عدم إقرارهم بالأصل الأول، وبنفس النقول والحيل، وبنفس المقولات والعلل.\nفإنهم يقولون: إن السنة النبوية منقولة عن طريق أصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه، وإن أصحابه ارتدوا كلهم بما فيهم سادة بني هاشم وغيره من الأنصار والمهاجرين إلا ثلاثة: مقداد، وأبو ذر، وسلمان، وهؤلاء لم يرو عنهم إلا القليل بل وأقل من القليل، وأما البقية فلا يطمئن إليهم ولا إلى مروياتهم لانقلابهم على أعقابهم إلى الكفر - نعوذ بالله من ذلك ونستغفر\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام\n(٢) سورة النساء الآية٦٥\n(٣) سورة النساء الآية٥٩","vol":"1","page":104},{"text":"الله من الكذب المتعمد على الرسول - ولا يعتمد عليهم ولا يوثق بأخباره، فإنها ساقطة، مكذوبة، موضوعة.\nفكل حديث أو خبر نقل عن أحد من هؤلاء، أو ورد في سنده أحد ينتهج منهجهم ويتبع خطاهم يسقط من الاعتبار، فهذه قاعدة محكمة متينة في مصطلح الحديث عندهم، حتى أقر بذلك محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه الدعائي المشهور، الذي لم يكتبه إلا لخداع المسلمين أهل السنة تغطية للحقائق، وتعمية عليهم الصدق، حيث قال:\nإنهم (الشيعة) لا يعتبرون بشيء من السنة أعني الأحاديث النبوية إلا ما صح لهم عن طريق أهل البيت عن جدهم يعني ما رواه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه زين العابدين عن الحسين السبط عن رسول الله سلام الله عليهم جميعًا، أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب ومروان بن الحكم وعمران بن حطان الخارجي وعمرو بن العاس ونظائرهم فليس له عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم أشهر من أن يذكر\" (١).\nوقد فصل القول في ذلك حسين بن عبد الصمد العاملي المتوفى سنة ٩٨٤هـفي كتابه الذي كتبه في مصطلح الحديث (٢) يقول فيه العاملي ردًا على أهل السنة في تعديل الصحابة رضوان الله عيهم أجمعين:\nوقد جازف أهل السنة كل المجازفة بل وصلوا إلى حد المخارفة فحكموا بعدالة الصحابة من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس، وقد كان فيهم المقهورون على الإسلام، والداخلون على غير البصيرة، والشكاك، كما وقع من فلتات ألسنتهم الكثير. بل كان فيهم المنافقون، كما أخبر به الباري جل ثناؤه، وكان فيهم شاربو الخمر، وقاتلو النفس، وفاعلو الفسق والمنكرات، كما نقله عنهم، وما نقلنا نحن بعضه فيما سبق من صحاحهم من الأحاديث المتكثرة المتواترة المعنى يدل على ارتدادهم بعد رسول الله - ﷺ - فضلًا عن\n_________\n(١) أصل الشيعة وأصولها ص٧٩ - ط مؤسسة الأعلمي ببيروت\n(٢) ويعد الشيعة كتابه هذا ثاني مؤلف في علوم الحديث لديهم، وقد سبقه في ذلك أستاذه الملقب بالشهيد الثاني. (انظر رياض العلماء)","vol":"1","page":105},{"text":"فسقهم - ثم قال -: إن الصحابة على ثلاثة أقسام: معلوم العدالة (١)، ومعلوم الفسق، ومجهول الحال، أما معلوم العدالة فكسلمان والمقداد وممن لم يمل عن أهل البيت طرفة عين ..\nوأما معلوم الفسق والكفر فكم مال عن أهل البيت وأظهر لهم البغض والعداوة والحرب، فهذا يدل على أنه لم يكن آمن، بل كان منافقًا أو أنه ارتد بعد النبي - ﷺ - كما جاء في الأخبار الصحيحة عندهم، لأن من يحب النبي - ﷺ - لا يبغض ولا يحارب أهل بيته الذين أكد الله ورسوله كل التأكيد في مدحهم والوصية بهم والتمسك بحبهم .. وهؤلاء نتقرب إلى الله تعالى ورسوله ببغضهم وسبهم وبغض من أحبهم - ومن هم يا ترى؟ - والإجابة نقلًا عن علي -: هم الذين - بقوا بعده (رسول الله - ﷺ -) فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى الضلال بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم أموال الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصمه الله\" (٢).\nوتكفير عثمان: بأنه كان يحكم بغير ما أنزل الله\" (٣).\nوتكفير معاوية: على أنه كان يحمل غلًا كامنًا، وكفرًا باطنًا\" (٤).\nوتكفير عائشة أم المؤمنين: حيث كذب على النبي أن رسول الله قام خطيبًا فأشار نحو مسكن عائشة وقال:\n_________\n(١) ومعروف أن الرواية لا تقبل إلا عن معلوم العدالة كما عرف المؤلف المذكور: الصحيح، هو ما اتصل سنده بالعدل الإمامي الضابط مثله حتى يصل إلى المعصوم من غير شذوذ ولا علة. انظر: كتاب وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص٩٣ - ط مطبعة الخيام قم سنة ١٤٠١هـ\n(٢) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار تحسين العاملي ص١٦٢ وما بعد\n(٣) انظر: صفحة ٧٨\n(٤) انظر: صفحة٧٩","vol":"1","page":106},{"text":"\" الفتنه ههنا ثلاثًا \".\nوأيضًا \" خرج النبي - ﷺ - من بيت عائشة وقال: رأس الكفر ههنا \" (١).\nوقال مقارنًا بين علي وأولاده وبين أبي بكر وعمر وعثمان وأصحاب رسول الله عامة:\n\" قد أفادنا الكتاب العزيز، والسنة الثابتة عندهم، والأحاديث الصحيحة عندنا الكثيرة المستفيضة بل المتواترة معنى، والبراهين القاطعة المكررة في الكلام - أفادنا كل ذلك - علمًا ضروريًا بعصمة الفرقة الأولى فضلا عن عدالتها، وبكفر الفرقة الثانية فضلا عن فسقها بحيث لا نشك فيه ولا نمترى.\nولو تنزلنا وسلمنا أنه - أعنى هذا الأمر - ليس كذلك لم نكن آثمين، حيث أن هذا هو الذي أدانا إليه اجتهادنا، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها \".\n\" والعجب أنهم جوزوا الاجتهاد في تخلف أبي بكر وعمر عن جيش أسامة وقد لعن النبي - ﷺ - من تخلف عنه، وفي إحراقهما بالنار\nبيت علي وفيه علي وفاطمة والحسنين وهو أهل البيت، الذين طهرهم الله، وحث النبي - ﷺعلى التمسك بهم وأكد في الوصية بهم، وفي سفك الصحابة بعضهم دم بعض، وسفك طلحة والزبير وعائشة دماء الأنصار والمهاجرين، وقتال أمير المؤمنين ﵇، وفي قتال معاوية وسفك دمه ودم من معه من الأنصار والمهاجرين، فكيف جوزوا الاجتهاد في كل هذا .. لأنفسهم .. ولم يجوزوا لأئمتنا وأكابر علمائنا الاجتهاد في سبهم والعدول عما نقلوه من أحكام الدين إلى ما نقلوه عن أهل البيت المطهرين بعدما نقلوه في شأن الفريقين من الأمر الواضح البين؟ \".\n\" وبالجملة لما رأينا الإله العظيم ورسوله الكريم قد مدحا أهل البيت وأمرا بالتمسك بهم كما ذكرناه وذما عامة أصحابه ونصا على ارتدادهم بعده بما نقلناه ازددنا تمسكًا بأهل البيت المطهرين الذين أخبر النبي - صلى الله عليه وآله - أن المتمسك بهم لن يضل أبدًا، ونقلنا أحاديثهم وأخذنا معالم شرعنا عنهم\n_________\n(١) ص ٨٢ من الكتاب المذكور.","vol":"1","page":107},{"text":"ورفضنا عامة أصحابه، وطرحنا ما تفردوا بنقله، إلا من علمنا من الصلاح كسلمان والمقداد وعمار بن ياسر وأبي ذر وأشباههم من أتقياء الصحابة وأجلائهم المقررين في كتب الرجال عندنا\" (١).\nثم بيّن الحكم العام فقال:\n\"فصحح العامة كلها وجميع ما يروونه غير صحيح\" (٢).\nوقد بالغوا في هذا إلى أن جاوزوا جميع الحدود حتى قالوا:\nالأصل في التشريع عندهم هو مخالفة أهل السنة، وما روى عنهم وعن أعيانهم وعلى رأسهم أصحاب رسول الله - ﷺ -، وما يرونه من الرأي كما نقلنا ذلك سابقًا وكما سنذكره بعد قليل.\nوبهذا يظهر أنهم لا يؤمنون بالأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية وهو السنة، ولا تغتر بأنهم يدَّعون ذلك! فدعواهم في هذا لا تختلف عن دعواهم في الإيمان بالقرآن، لأن ما روي بطرقهم عن علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله - ﷺ - فنزر يسير جدًا أيضًا، وما روي عن جعفر عن باقر بن زين العابدين عن الحسين عن علي فهو أقل القليل، وصحاحهم الأربعة وكتبهم في الحديث الأخرى تشهد على ما قلناه.\nوكذلك ما روي عن أصحاب النبي الصلاة الذين لم يرتدوا من بين أصحاب رسول الله - ﷺ - أجمعين - حسب زعمهم - أي المقداد وأبي ذر وسلمان فلم يرووا عنهم عن رسول الله - ﷺ - في كتبهم أنفسهم إلا ما يعد على الأنامل.\nأضف إلى ذلك أن جل المرويات بل كلها عن علي ﵁ وعن هؤلاء الأصحاب الثلاثة ليست من قسم المتواتر بل هي أخبار آحاد.\nوالآحاد لا توجب العلم عند الشيعة قاطبة ولا العمل عند الجمهور، وهو الرأي الراجح عند الشيعة، لا كما ظنه السيد الدكتور وافي وصرح به في كتيبه (٣) فيقول العاملي:\n_________\n(١) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لحسين بن عبد الصمد العاملي ص٨٤\n(٢) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص٩٤\n(٣) انظر: بين الشيعة وأهل السنة ص٤٥","vol":"1","page":108},{"text":"\"ثم الأخبار، منها المتواتر: وهو ما رواه جماعة يحصل العلم بقولهم بعدم إمكان تواطئهم على الكذب عادة، ويشترط ذلك في كل طبقاتهم صحيحًا كان أو غير صحيح، وهو مقبول لوجوب العمل بالعلم، وهذا لا يكاد يعرفه المحدثون في الأحاديث لقلته .. وحديث الغدير متواتر عندنا\" (١).\nوأما الآحاد فقد قال شيخهم المفيد في ذلك في كتابه العقائدي المشهور تحت عنوان \"القول في أخبار الآحاد\":\n\"وأقول: إنه لا يجب العلم ولا العمل بشيء من أخبار الآحاد .. وهذا مذهب جمهور الشيعة وكثير من المعتزلة والمحكمة وطائفة من المرجئة وهو خلاف لما عليه متفقهة العامة (أي أهل السنة) وأصحاب الرأي\" (٢).\nومثل ذلك ذكر العاملي عن الشريف المرتضى الملقب بعلم الهدى عند الشيعة وجماعة من كبار العلماء حيث قال:\nوالسيد المرتضى رحمه الله تعالى وجماعة من كبار علمائنا منعوا من العمل به محتجين بعدم الدليل الدال على وجوب العمل به. وإذا لم يقم دليل على وجوب العمل لم يعمل به، كما أنه لم يقم دليل على وجوب صلاة سادسة. قالوا: وما نقلتموه من أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يعملون بأخبار الآحاد، فهي أيضًا أخبار آحاد لا تفيد علمًا، والعمل بخبر الواحد مسألة أصولية ولا يجوز أن يكون مستندها ظنًا، فكيف تعلمون أن الله تعبّدكم بالعمل بخبر الواحد؟ وبعد التسليم بصدق هذه الأحاديث؟ إنما علم لكم أن الصحابة عملوا عندها لا بها. فجاز أن يكونوا تذاكروا بها نصًا أو تأيد بها عندهم دليل آخر، فالتساوي حاصل الشك، والتوقف فرض من فقد الدليل القاطع\" (٣).\nوهذا مع أن رواة الشيعة الذين عليهم مدار نقل الأحاديث الشيعية رواة مختلفون في توثيقهم وتضعيفهم، فشخص واحد يوثق ويحكم بعدالته وهو نفسه يضعف ويحكم بفسقه بل كفره، لا من قبل المهرة والنقاد\n_________\n(١) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص٩٢\n(٢) أوائل لمقالات في العقائد والمختارات للمفيد ص١٣٩\n(٣) رسول الأخيار إلى أصول الأخبار ص١٨٦","vol":"1","page":109},{"text":"في الحديث والرجال بل من قبل المعصومين - حسب زعم الشيعة - أنفسهم، والذين عصمتهم: \"كعصمة الأنبياء، وأنهم لا يجوز منهم صغيرة إلا ما قدم ذكر جوازه على الأنبياء، وأنه لا يجوز لهم سهو في شيء من الدين، ولا ينسون شيئًا من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية\" (١).\nوخير مثال لذلك رواة الشيعة الأربعة الذين هم مدار الروايات الشيعية ومحورها.\nوهم أقطاب الأحاديث وأوتادها لدى القوم، عليهم تدور رحى الروايات زرارة بن أعين، وأبو بصير الليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، الذين قال فيهم إمام الشيعة السادس المعصوم - حسب زعمهم - جعفر بن الباقر:\n\"ما أجد أحدًا أحيا زكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة\" (٢).\nفانظر ماذا يقول فيهم القوم من توثيقهم وتضعيفهم، ومن المدح فيهم واللعن عيهم، فزرارة بن أعين قال فيه جميل بن دراج أحد رواة الشيعة المشهورين:\n\"ما كنا حول زرارة بن أعين إلا بمنزلة الصبيان في الكتاب حول المعلم\" (٣).\nوقال فيه جعفر بن محمد الباقر:\n\"رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي\" (٤).\n_________\n(١) أوائل المقالات للمفيد ص٧٤\n(٢) رجال الكشي ص١٢٤، ١٢٥ - ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بالعراق تحت ذكر زرارة بن أعين\n(٣) رجال الكشي ص١٢٣\n(٤) رجال الكشي ص١٢٤","vol":"1","page":110},{"text":"وقال فيه علي بن موسى الرضا - الإمام الثامن المعصوم لدى الشيعة: \"أترى أحدًا كان أصدع بحق من زرارة\" (١).\nوقال فيه النجاشي: \"زرارة شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم، وكان قارئًا فقيهًا متكلمًا شاعرًا أديبًا، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين\" (٢).\nوقال علي بن داود الحلي: \"زرارة كان أصدق أهل زمانه وأفضلهم، قال فيه الصادق ﵇: \"لولا زرارة لقلت إن أحاديث أبي لتذهب\" (٣).\nومثل ذلك قال ابن المطهر الحلي (٤).\nوقال الحائري: \"أجمعت العصابة على تصديقه والانقياد له به\" (٥).\nومثل ذلك الزنجاني (٦).\nهذا - والكشي روى في كتابه عن علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله (جعفر) قال:\n\"قلت: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال (جعفر): أعاذنا الله وإياك من ذلك الظلم، قلت: ما هو؟\nقال (جعفر): هو والله ما أحدث زرارة وأبو حنيفة وهذا الضرب.\nقال: قلت: الزنا معه؟\nقال: \"الزنا ذنب\" (٧).\nومثل ذلك روي عن أبي بصير وعن هارون بن خارجة.\nوروى الكشي أيضًا عن كليب الصيداوي أنهم كانوا جلوسًا ومعهم عزافر الصيرفي وعدة من أصحابهم، معهم أبو عبد الله ﵁، قال:\n_________\n(١) رجال الكشي ص١٣٠\n(٢) رجال النجاشي ص١٢٥ - ط قم إيران\n(٣) كتاب الرجال لابن داود الحلي ص١٥٦ - ط طهران\n(٤) انظر: رجال العلامة الحلي ص٧٦\n(٥) جامع الرواة ج١ ص٣٢٤\n(٦) انظر الجامع في: الرجال ج١ ص٧٨٩\n(٧) رجال الشكي ص١٣١، ١٣٢","vol":"1","page":111},{"text":"فابتدع أبو عبد الله من غير ذكر لأبي زرارة فقال: \"لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة ثلاث مرات\" (١).\nوروي أيضًا عن عمران الزعفراني (٢)، سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع عليه لعنة الله\" (٣).\nوعن ليث المرادي أنه قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول:\n\"لا يموت زرارة إلا تائهًا\" (٤).\nوروى عن القصير أنه قال:\n\"استأذن زرارة بن أعين وأبو الجارود، على أبي عبد الله ﵁ قال: يا غلام! أدخلهما، فإنهما عجلا المحيا وعجلا الممات\" (٥).\nوهذا هو زرارة الذي قالوا فيه:\n\"أفقه الأولين ستة، وأفقه الستة زرارة\" (٦).\nوعدد من أصحاب محمد الباقر وأصحاب جعفر بن الباقر (٧).\nوأنه من أصحاب موسى بن جعفر الكاظم أيضًا (٨).\nفرجل كهذا الذي أدرك ثلاثة من الأئمة المعصومين حسب زعم الشيعة وروى عنهم، يختلفون فيه هذا الاختلاف، يوثقونه بأعلى ألفاظ التوثيق ويضعفونه بأدنى درجة التضعيف، مرة يقولون فيه: إن أبا عبد الله جعفر بن محمد الباقر - الإمام السادس المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى - قال له:\n_________\n(١) رجال الكشي ص١٣٥\n(٢) قد حاول بعض الشيعة التوفيق بين هذه الروايات بقوله: إن الروايات التي وردت في ذم زرارة والقدح فيه فإنها ضعيفة لوجود محمد بن عيسى في إسنادها. انظر: نقد الرجال للتفرشي ص١٣٧، مع أن أكثر الروايات التي ورد فيها الذم لزرارة والقدح فيه ليس في إسنادها محمد بن عيسى بل هي مروية بطرق متعددة كثيرة\n(٣) رجال الكشي ص١٣٤\n(٤) رجال الكشي ص١٣٤\n(٥) رجال الكشي ص١٣٥\n(٦) نقد الرجال للتفرشي ص١٣٧\n(٧) انظر رجال البرقي ص١٤ و١٦، ورجال الطوسي ص١٢٣ و٢٠١\n(٨) انظر: رجال الطوسي ص٣٥٠، وكتاب الرجال للبرقي ص٤٧","vol":"1","page":112},{"text":"\"يا زرارة! إن اسمك في أسامي أهل الجنة\" (١).\nوقال عن زرارة:\n\"أما ما رواه زرارة عن أبي جعفر فلا يجوز لي رده\" (٢).\nومرة قال فيه:\n\"زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة، وقال: إن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تشهد جنازته\" (٣).\nوروى الكشي أيضًا عن ميسر أنه قال:\n\"كنا عند أبي عبد الله فمرت جارية في جانب الدار على عنقها قمقم قد نكسته، قال: فقال أبو عبد الله ﵁: فما ذنبي أن الله قد نكس زرارة كما نكست هذه الجارية هذا القمقم\" (٤).\nوأما أبو جعفر أعني محمدًا الباقر فكان يعتقد فيه بأنه من جواسيس الحكام وعيونهم عليه. وأنه يبلغ إليهم أخباره وأعماله كما روى الكشي أيضًا عن هشام بن سالم أنه قال:\n\"إن زرارة سأل أبا جعفر (محمدًا الباقر) ﵇ عن جوائز العمال؟ فقال: لا بأس به.\nثم قال (أبو جعفر محمد الباقر): إنما أراد زرارة أن يبلغ هشامًا - ابن عبد الملك - إني أحرم أعمال السلطان\" (٥).\nوعلى ذلك كان يكره ابنه جعفر أن يدخل عليه زرارة كما روى الكشي عن الوليد بن صبيح قال:\n\"مررت بروضة من المدينة فإذا إنسان قد جذبني، فالتفت فإذا أنا بزرارة، فقال لي: استأذن لي على صاحبك، قال: فخرجت من المسجد ودخلت على أبي عبد الله ﵇ فأخبرته الخبر، فضرب بيده على\n_________\n(١) رجال الكشي ص١٢٢\n(٢) رجال الكشي ص١٢٢\n(٣) رجال الكشي ص١٤٢\n(٤) رجال الكشي ص١٤٢\n(٥) رجال الكشي ص١٣٩","vol":"1","page":113},{"text":"صدره، ثم قال أبو عبد الله ﵇: لا تأذن له، لا تأذن له، لا تأذن له، فإن زرارة يريدني على كبير السن، وليس من ديني ولا دين آبائي\" (١).\nوأما زرارة نفسه فكان يشك في علم جعفر بن الباقر وإمامته وإمامة ابنه موسى الكاظم كما روى الكشي صريحًا عن ابن مسكان أنه قال:\n\"سمعت زرارة يقول: رحم الله أبا جعفر، وأما جعفر فإن في قلب عليه لفتة\" (٢).\nوكما روي عن زياد بن أبي الهلال في رواية طويلة أن زرارة قال له عن أبي عبد الله جعفر:\n\"صاحبكم هذا ليس له بصر بكلام الرجال\" (٣).\nوأما موسى بن جعفر الملقب بالكاظم فمع أن الشيعة ورجالهم يعدون زرارة من أصحابه، لكن الكشي يصرح في عديد من الروايات أنه لم يعتقد بإمامته، ونورد هنا رواية عن نضر بن شعيب عن عمة زرارة قالت:\n\"لما وقع زرارة واشتد به قال:\nناوليني المصحف، فناولته وفتحته ووضعته على صدره وأخذه مني، ثم قال:\nيا عمة! اشهدي أن ليس لي إمام غير هذا الكتاب\" (٤).\nفهذا هو أحد أساطين الرواية في الحديث عند الشيعة وهذه هي أحواله من حيث التوثيق والتضعيف والتعديل والتجريح عند القوم أنفسهم وفي أم كتاب الرجال عندهم .. تلك التي تناول تراجم الرواة والمحدثين والعلماء لدى هذه الطائفة، والتي قالوا فيها: \"أهم الكتب في هذا الموضوع من مؤلفات المتقدمين هي أربعة كتب، عليها المعول وهي الأصول الأربعة في هذا الباب، وهي:\n_________\n(١) رجال الكشي ص١٤٢\n(٢) رجال الكشي ص١٣١\n(٣) رجال الكشي ص١٣٣\n(٤) رجال الكشي ص١٣٩","vol":"1","page":114},{"text":"١ـ رجال الكشي.\n٢ـ رجال النجاشي.\n٣ـ رجال الطوسي.\n٤ـ الفهرست للطوسي.\nوأقدم هذه الكتب الأربعة هو رجال الكشي\" (١).\nوأما الثاني فهو أبو بصير ليث المرادي، فقد قالوا فيه: إن جعفر بن محمد قال فيه وفي أصحابه:\n\"بشر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي، وأبا بصير البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء، أمناء الله في حلاله وحرامه لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست\" (٢).\n\"وكان هذا من أصحاب الباقر وأصحاب جعفر أيضًا كم ذكر ذلك البرقي في رجاله\" (٣).\n\"وعده من أصحاب موسى الكاظم أيضًا\" (٤).\nومثل ما روي عن جعفر فيه بأنه من المبشرين بالجنة، روى عن أبيه محمد الباقر أيضًا نفس ذلك.\nوأنه لولاه لانقطعت آثار النبوةاندرست\" (٥).\nوعده في القسم الأول من الرجال يعني من الثقات.\nوذكره النجاشي أيضًا بأنه من أصحاب الباقر وجعفر بن الباقر، وله كتاب يرويه جماعة (٦).\nكما عده ابن المطهر الحلي من الثقات الذين يعتمد على روايتهم (٧).\n_________\n(١) مقدمة رجال الكشي للسيد أحمد الحسيني ص٤\n(٢) رجال الكشي ص١٥٢ تحت ذكر أبي بصير ليث المرادي\n(٣) ص١٣ وص١٨، أيضًا رجال الطوسي ص١٣٤ وص٢٧٨\n(٤) ص٣٥٨\n(٥) كتاب الرجال لابن داود الحلي ص٣٩٢، ٣٩٣\n(٦) رجال النجاشي ص٢٢٥\n(٧) رجال العلامة الحلي ص١٣٧","vol":"1","page":115},{"text":"وكذلك التفرشي في كتابه، وقال: إنه من أصحابنا الإمامية (١).\nورووا عن ميل بن دراج أنه قال:\nأوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة: أحدهم ليث بن البختري المرادي (٢).\nكما ذكر القمي عن شعي العقرقوفي أنه قال:\n\"قلت لأبي عبد الله (ع): ربما احتجنا أن نسأل عن شيء؟ فمن نسأل؟ قال:\nعليك بالأسدي يعني أبا بصير، والخبر في أعلى درجة الصحة (٣).\nوروى الكشي فيه عن داود بن سرحان أنه قال:\n\"إني لأحدث الرجال الحديث وأنهاه عن الجدال والمراء في دين الله، فأنهاه عن القياس فيخرج من عندي فيتأول حديثي على غير تأويله، إني أمرت قومًا أن يتكلموا، ونهيت قومًا، فكل يؤول لنفسه، يريد المعصية لله ولرسوله، فلو سمعوا وأطاعوا لأودعتهم ما أودع أبي أصحابه، إن أصحاب أبي كانوا زينًا، أحياء وأمواتًا، وأعني زرارة ومحمد بن مسلم ومنهم ليث المرادي وبريد العجلي، هؤلاء القوامون بالقسط، هؤلاء القوامون بالقسط، وهؤلاء السابقون أولئك المقربون\" (٤).\nوأيضًا ما رواه عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير أنه قال:\n\"دخلت على أبي عبد الله (ع) فقال لي: حضرت عليًا عند موته؟\nقال: قلت: نعم! وأخبرني أنك ضمنت له الجنة وسألني أن أذكرك ذلك. قال: صدق. قال:\nفبكيت، ثم قلت: جعلت فداك، فما لي ألست كبير السن الضعيف الضرير البصير المنقطع إليكم فاضمنها لي. قال:\nقد فعلت. قال: قلت: اضمنها لي على آبائك وسميتهم واحدًا واحدًا. قال: فعلت. قلت:\n_________\n(١) نقد الرجال للتفرشي ص٢٨٧\n(٢) جامع الرواة للحائري ج٢ ص٣٤\n(٣) انظر: الكنى والألقاب ج١ ص١٨ - ط قم إيران\n(٤) رجال الكشي ص١٥٢","vol":"1","page":116},{"text":"فاضمنها لي على رسول الله - ﷺ -. قال: قد فعلت.\nقال: قلت: اضمنها لي على الله تعالى. قال: فأطرق ثم قال: قد فعلت\" (١).\nهذا من جانب، وهذه المبالغة من ناحية، ومن ناحية أخرى روى فيه الكشي عن حماد الناب أنه قال:\n\"جلس أبو بصير على باب أبي عبد الله ليطلب الإذن، فلم يؤذن له، فقال أبو بصير:\nلو كان معنا طبق لأذن. قال: فجاء كلب فشغر (٢) في وجه أبي بصير، قال: أف أف، ما هذا؟\nقال جليسه: هذا كلب شغر في وجهك\" (٣).\nوروى الكشي: أنه كان يدخل بيوت الأئمة وهو جنب (٤).\nوكان أبو بصير هذا دائمًا يتهم جعفر بن الباقر بجمعه للمال وحبه للدنيا، كما روى الكشي عديدًا من الروايات في هذا المعنى، منها ما رواه عن ابن أبي يعفور أنه قال:\n\"خرجت إلى السواد أطلب دراهم للحج ونحن جماعة وفينا أبو بصير المرادي قال: قلت له:\nيا أبا بصير! اتق الله وحج بمالك فإنك ذو مال كثير، فقال: اسكت فلو أن الدنيا وقعت لصاحبك لاشتمل عليها بكسائه\" (٥).\nوأيضًا عن حماد بن عثمان أنه قال:\n\"خرجت أنا وابن أبي يعفور وآخر إلى الحيرة أو إلى بعض المواضع فتذكرنا الدنيا، فقال أبو بصير المرادي:\nأما إن صاحبكم لو ظفر بها لاستأثر بها؟ قال: فأغفى، فجاء كلب\n_________\n(١) رجال الكشي ص١٥٢\n(٢) شغر الكلب: رفع رجله ليبول\n(٣) رجال الكشي ص١٥٥\n(٤) انظر: رجال الكشي ص١٥٢\n(٥) رجال الكشي ص١٥٢","vol":"1","page":117},{"text":"يريد أن يشغر عليه فذهبت لأطرده، فقال ابن أبي يعفور: دعه، فجاءه حتى شغر في أذنه\" (١).\nوكان لا يؤمن بإمامة موسى بن جعفر، كما كان يتهمه بعدم العلم ومعرفة الأحكام، كما روى الكشي أيضًا عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن امرأة تزوجت ولها زوج، فظهر عليها قال: ترجم المرأة ويضرب الرجل مائة سوط لأنه لم يسأل. قال شعيب:\nفدخلت على أبي الحسن - موسى بن جعفر - فقلت له: امرأة تزوجت ولها زوج؟\nقال: ترجم المرأة ولا شيء على الرجل. قال: فلقيت أبا بصير فقتل: سألت موسى بن جعفر ﵇ عن المرأة التي تزوجت ولها زوج. قال: ترجم المرأة ولا شيء على الرجل. قال (شعيب): فمسح صدره وقال (أبو بصر): ما أظن صاحبنا تناهى حكمه بعد\" (٢).\nوفي رواية أخرى: فضرب بيده على صدره يحكها وقال: \"أظن صاحبنا ما تكامل علمه\" (٣).\nوروى الكشي عن علي بن الحسن بن فضال أنه قال:\n\"إن أبا بصير كان مختلطًا\" (٤).\nوأخيرًا ما قاله ابن الغضايري: \"كان أبو عبد الله ﵇ يتضجر به ويتبرم، وأصحابه يختلفون في شأنه\" (٥).\nفهذا هو الرجل الثاني من رواة الشيعة الكبار ونقله أحاديثهم، تضاربت فيه الآراء وتعارضت فيه الأقوال، حتى لا يدرى على أيها يعتمد: على توثيق الرجل وصحة مروياته، أم على تضعيف الرجل وعدم وثاقته وخطأ الاعتماد على مروياته وأخباره؟.\n_________\n(١) رجال الكشي ص١٥٤\n(٢) رجال الكشي ص١٥٣، ١٥٤\n(٣) رجال الكشي ص١٥٤\n(٤) رجال الكشي ص١٥٥\n(٥) جامع الرواة للأردبيلي الحائري ج٢ ص٣٤","vol":"1","page":118},{"text":"وأما الثالث فمحمد بن مسلم ليس شأنه وحاله بأحسن من أحوالهم، كما أن الآراء المتعارضة ليست بأقل مما ذكرت وسردت فيهما، فهذه هي مقولات القوم فيه، فيقول النجاشي:\n\"محمد بن مسلم بن رباح أبو جعفر الأوقسي الطحان مولى ثقيف الأعور، وجه أصحابنا بالكوفة، فقه ورع، صحب أبا جعفر وأبا عبد الله ﵉ وروى عنهما، وكان من أوثق الناس لهما\" (١).\nوذكره الطوسي أيضًا أنه من أصحاب الباقر (٢).\nومن أصحاب جعفر بن الباقر أيضًا (٣).\nكما ذكره البرقي أيضًا من أصحابهما (٤).\nوذكره ابن داود في القسم الأول من الموثوقين (٥).\nوذكر ابن المطهر الحلي نقلًا عن الكشي: أن محمد بن مسلم من حواري أبي جعفر محمد بن علي وابنه جعفر بن محمد الصادق ﵉\" (٦).\nوهو الذي روى فيه الكشي كما سبق أن جعفر بن محمد قال: إنه من النجباء الأربعة الذين حفظوا آثار النبوة وأخبارها، كما روى الكشي أيضًا أنه روى عن أبي جعفر محمد الباقر ثلاثين ألف حديث، وروى عن ابنه جعفر ستة عشر ألف حديث (٧).\nوأيضًا ما رواه عن هشام بن سالم أنه قال:\nأقام محمد بن مسلم بالمدينة أربع سنين يدخل على أبي جعفر ﵇ يسأله، ثم كان يدخل على جعفر بن محمد يسأله. قال أبو أحمد:\n_________\n(١) رجال النجاشي ص٢٢٦\n(٢) رجال الطوسي ص١٣٥\n(٣) رجال الطوسي ص٣٠٠\n(٤) انظر: كتاب الرجال للبرقي ص٩، ١٧\n(٥) كتاب الرجال للمحلي ص٣٣٦\n(٦) رجال العلامة الحلي ص١٥٠\n(٧) انظر: رجال الكشي ص١٤٦","vol":"1","page":119},{"text":"\"فسمعت عبد الرحمن بن الحجاج وحماد بن عثمان يقولان: ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمد بن مسلم\" (١).\nوروى التفرشي عن الكشي أيضًا عن عبد الله بن أبي يعفور قال: \"قلت لأبي عبد الله ﵇: إنه ليس كل ساعة ألقاك، ويمكن القدوم ويجيء الرجل من أصحابنا وليس عندي كل ما يسألني عنه. قال:\nفما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي، فإنه سمع من أبي وكان عنده وجيهًا\" (٢) فهذا هو محمد بن مسلم، وهذه هي مكانته وهذا هو شأنه.\nولكن هناك ما يعارض هذا الرأي ويخالفه كما رواه الكشي أيضًا عن مفضل بن عمر أنه قال:\nسمعت أبا عبد الله يقول:\n\"لعن الله محمد بن مسلم، كان يقول: إن الله لا يعلم الشي حتى يكون\" (٣).\nوأيضًا ما رواه عن أبي الصباح أنه قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول:\n\"يا أبا الصباح! هلك المتريثون (٤) في أديانهم، منهم: محمد بن مسلم\" (٥).\nوكذلك قال جعفر بن محمد في زرارة ومحمد بن مسلم:\n\"إنهما ليسا بشيء في ولايتي\" (٦).\nوأما الرابع وهو يريد بن معاوية فهو أيضًا من أصحاب الباقر وجعفر بن الباقر (٧).\nذكر فيه الكشي عن جعفر بن محمد أنه كان يقول:\n_________\n(١) رجال الكشي ص١٤٩، ١٥٠\n(٢) نقد الرجال للتفرشي ص٣٣٣، ٣٣٤\n(٣) رجال الكشي ص١٥٥\n(٤) الظاهر أن الصحيح المستريبون أي الذين يشكون في أديانهم\n(٥) رجال الكشي ص١٥٦\n(٦) رجال الكشي ص١٥١\n(٧) انظر: رجال الطوسي ص١٠٨، ١٥٨، أيضًا كتاب الرجال للبرقي ص١٤، ١٧","vol":"1","page":120},{"text":"\"أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة، أحدهم بريد بن معاوية\" (١)، وروى أيضًا عنه أنه قال:\n\"ما أجد أحدًا أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة وأبو بصير ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلين ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة\" (٢).\nوأيضًا \"هؤلاء القوامون بالقسط، هؤلاء قوامون بالصدق، هؤلاء السابقون أولئك المقربون\" (٣).\nثم الكشي هذا يروي عن أبي سيار قال: سمعت أبا عبد الله عيه السلام يقول: \"لعن الله بريدًا ولعن الله زرارة\" (٤).\nوروى أيضًا عن عبد الرحيم القصير أنه قال:\n\"قال أبو عبد الله ﵇: ائت زرارة وبريدًا وقل لهما: ما هذه البدعة؟ أما علمتم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كل بدعة ضلالة\"، فقلت له: إني أخاف منهما، فأرسل معي ليثًا المرادي، فأتينا زرارة فقلنا له ما قال أبو عبد الله ﵇، فقال: والله لقد أعطاني الاستطاعة وما شعر، وأما بريد فقال: والله لا أرجع عنها أبدًا\" (٥).\nفهؤلاء هم رواة الأحاديث الشيعية الأربعة، عليهم تدور رحى أخبارهم وأحاديثهم، يختلفون فيهم هذا الاختلاف الشديد ويسردون فيهم الآراء المتعارضة المتناقضة، وكلها من المعصومين، روايات تثبت عدالتهم وتوثيقهم وتنص على صحة عقيدتهم وكونهم من أهل الجنة، وروايات تنقى عنها كل هذا وتنص على فسقهم وكونهم ملعونين على لسان المعصومين، بل وكفرهم وكونهم من أهل النار!!.\n_________\n(١) رجال الكشي\n(٢) رجال الكشي ص١٢٥\n(٣) رجال الكشي ص٢٠٧\n(٤) رجال الكشي ص٢٠٨\n(٥) رجال الكشي ص٢٠٨","vol":"1","page":121},{"text":"فمن يك هذا شأنهم، وهذه أحواله، فبأي شيء يحكم على مروياتهم وأخبارهم التي رووها؟!\nإنما هم نماذج اخترناها من بين الكثيرين، الكثيرين ممن لا يقل وصفهم بالتعديل والتجريح وبالتوثيق والتضعيف وبالتبشير والتكفير عن هؤلاء الأربعة الذين هم أبرز الرواة قاطبة من بين رواة الشيعة، وقد أدركوا زمن الأئمة الثلاثة من بين الأئمة الاثنى عشر لدى الشيعة، ويعدون من كبار أصحابهم ونقلة آثارهم، فبأي شيء يحكم على الأحاديث الشيعية من جهة القبول والرد، ومن جهة الصحة والضعف؟\nوعلى أية قاعدة مطردة تبنى الأحكام، وعلى أي أسس توضع المصطلحات؟\nفهل من مفكر يتفكر؟ ومدبر يتدبر؟.\nإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.\nوببيان هذه الأشياء كلها وتفصيل القول فيها يظهر بأن معتقد الشيعة في الأصل الثاني للشريعة الإسلامية لا يختلف عن معتقدهم في الأصل الأول، بل ويزيد الأمر خطورة أنهم لا يعتقدون بهذا الأصل الثاني إطلاقًا فعلًا، ولو أنهم يدعون الاعتقاد به قولًا، لأنهم زيادة على ما ذكرناه يجعلون لدليل العقل تأثيرًا في قبول الحديث ورده.\nولشيخ طائفة الشيعة الطوسي بحث مشهور في هذا الموضوع وقد يروون في ذلك روايات كثيرة، وبهذه الروايات بدأ الكليني كتابه (الكافي) مع أن المعروف أن العقل قاصر عن إدراك كنه كثير من الأحكام الإلهية الربانية.\nولأن العقول متفاوتة متفاضلة، يقص بعضها عن إدراك ما تدركه الأخرى، فأي عقل يكون حكمًا في الموضوع؟ ولمن تكون الحجة حينذاك؟.\nويظهر من هذا كله أن الذين وضعوا (الديانة) الشيعية لم يضعوها إلى لمخالفة المسلمين كلهم ومخالفة ما يؤمنون به من القرآن والسنة، وما يعتقدون به من الآراء والأفكار كي لا يتحدوا ويتفوقا معهم يومًا من الأيام ولا تجمع كلمتهم ويتألف شملهم، وعلى ذلك اختلقوا روايات كثيرة على لسان أئمتهم - كذبًا عليهم - أن على الشيعة أن يخالفوا المسلمين في جميع الأمور حتى جعلوا هذه","vol":"1","page":122},{"text":"المخالفة أصلًا من أصول المذهب وأساسًا من أسسه كما رواه ابن بابويه القمي عن علي بن أسباط أنه قال:\n\"قلت للرضا ﵇: يحدث الأمر لا أجد بدًا من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه من أستفتيه من مواليك؟\nقال: فقال: إيت فقيه البلد فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه\" (١).\nورووا أيضًا عن الحسين بن خالد عن الرضا أنه قال:\n\"شيعتنا، المسلمون لأمرنا، الآخذون بقولنا، المخالفون لأعدائنا، فمن لم يكن كذلك فليس منا\" (٢).\nوروى أيضًا عن المفضل بن عمر أنه قال عن جعفر بن محمد الباقر:\nكذب من زعم أنه من شيعتنا وهو متوثق بعروة غيرنا\" (٣).\nوهناك روايات أخرى كثرة في هذا المعنى بلغت التواتر كما صرح بذلك محدث الشيعة وصاحب موسوعة حديثية شيعية كبرى (وسائل الشيعة) الحر العاملي بعد ذكر هذه الروايات وغيرها تحت باب مستقل بعنوان (باب عدم جواز العمل بما يوافق العامة وطريقتهم):\nأقول: والأحاديث في ذلك متواترة .. فمن ذلك قول الصادق ﵇ في الحديثين المختلفين:\nاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه.\nوقوله ﵇ (يعني جعفر بن الباقر):\nإذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم.\nوقوله ﵇:\n_________\n(١) عيون أخبار الرضا لابن بابويه القمي ج١ ص٢٧٥ - ط طهران، ومثله في (التهذيب) للطوسي\n(٢) الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ص٢٢٥ - ط مكتبة بصيرتي قم إيران\n(٣) الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ص٢٢٥ - ط مكتبة بصيرتي قم إيران","vol":"1","page":123},{"text":"ما خالف العامة ففيه الرشاد.\nقوله ﵇:\nخذ بما فيه خلاف العامة.\nوقوله ﵇:\nما أنتم والله على شيء مما هم فيه، ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم، فما هم من الحنيفية على شيء.\nوقوله ﵇:\nوالله ما جعل الله لأحد خيرة في اتباع غيرنا، وإن من وافقنا خالف عدونا، ومن وافق عدونا في قول أو عمل فليس منا ولا نحن منه.\nوقول العبد الصالح ﵇ في الحديثن المختلفين:\nخذ بما خالف القوم، وما وافق القوم فاجتنبه.\nوقول الرضا ﵇:\nإذا ورد عليكم خبران متعارضان فانظروا إلى ما يخالف منهما العامة فخذوه، وانظروا بما يوافق أخبارهم فدعوه.\nوقول الصادق ﵇:\n\"والله ما بقي في أيديهم شيء من الحق إلا استقبال الكعبة فقط\" (١).\nوبعد ذكر هذه الروايات رد على بعض المتأخرين فمن يظن بأن الأخبار في هذا المعنى لا تخرج عن كونها آحادًا، وقال:\n\"والأحاديث .. قد تجاوزت حد التواتر، فالعجب من بعض المتأخرين حيث ظن ان الدليل هنا خبر واحد .. واعلم أنه يظهر من هذه الأحاديث المتواترة بطلان أكثر القواعد الأصولية المذكورة في كتب العامة\" (٢).\nوأما علة مخالفة المسلمين في معتقداتهم ومروياتهم فيذكرها ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق عند الشيعة في كتابه (علل الشرائع) تحت باب (العلة التي من أجلها يجب الأخذ بخلاف ما تقوله العامة):\n_________\n(١) الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ص٣٢٥، ٣٢٦\n(٢) الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي ص٣٢٥، ٣٢٦","vol":"1","page":124},{"text":"عن أبي إسحاق الأرجاني رفعه قال:\nقال أبو عبد الله ﵇: أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقوله العامة؟ فقلت: لا ندري، فقال:\n\"إن عليًا ﵇ لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين ﵇ عن الشيء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدًا من عندهم ليلبسوا على الناس\" (١).\nفتلك هي المؤامرة، وهذه هي حصيلتها، أي إنكار كل ما يؤمن به المسلمون، قرآنًا كان أم سنة. وأكثر من ذلك أن الشيعة بتصريحهم أنفسهم لا يجتمعون مع المسلمين على الإله، ولا على نبي، ولا على إمام كما صرح بذلك كبيرهم نعمت الله الجزائري بقوله:\n\"إنا لا نجتمع معهم على الإله، ولا على نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد - ﷺ - نبيه، خليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا، ولا ذلك النبي نبينا\" (٢).\nفالعبارة واضحة جلية في معناها لا تحتاج إلى بيان وتفسير وتفهيم من يظن من مخدوعي أهل السنة بأباطيل الشيعة وأكاذيبهم بأن الخلاف بينهم وبين المسلمين أهل السنة اختلاف يسير لا يخرج عن حيز الاجتهاد المسموح به (٣)\nوليس كما يقوله السيد الدكتور في مبحثه (الشيعة والسنة النبوية):\n\"ولجميع هذه الآراء أشباه ونظائر كثيرة في آراء أهل السنة أنفسهم وليس منها ما يمكن أن يوصف صاحبه بزيغ أو انحراف\" (٤).\nإن الأمر ليس كما وصفت أيها السيد! الدكتور منحنا الله وإياك قلبًا نفقه به، وأعينًا نبصر بها، وآذانًا نسمع بها .. وما ذلك على الله بعزيز .. لأن الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها حيث وجدها.\nفمن يرد الله أن يهديه يشح صدره للإسلام.\n_________\n(١) علل الشرائع لابن بابويه القمي ص٥٣١ ط - إيران\n(٢) الأنوار النعمانية باب نور في حقيقة دين الإمامية وأنه يجب اتباعه دون غيره ج٢ ص٢٧٨ - ط جديد تبريز إيران\n(٣) بين الشيعة وأهل السنة مقدمة ص٤\n(٤) بين الشيعة وأهل السنة ص٤٧","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الباب الرابع\nالشيعة الإثنا عشرية ونزول الوحي والملائكة بعد الرسل</span>\nإن السيد الدكتور وافي ذكر في الباب الثاني أيضًا عند كلامه عن الشيعة والسنة النبوية أن الشيعة يعتقدون العصمة والإلهام في أئمتهم (١).\nثم اعتذر لهم بثبوت الإلهام لكثير من الصحابة، وأنه لا لوم في هذا الاعتقاد، كما نفى عن الشيعة اعتقادهم بنزول الوحي بعد رسول الله - ﷺ - على أحد (٢).\nمع أن سيادته لم يدر حقيقة مذهب الشيعة في هذا كالمعهود عنه، أو تجاهل - لا قدر الله - تسامحًا وتكرمًا وتحببًا وتقربًا إليهم، لأن الشيعة يعتقدون نزول الوحي على أئمتهم وعن طريق جبريل وعن طريق ملك أعظم وأفضل من جبريل، فإن أئمتهم في الحديث بوبوا أبوابًا مستقلة في هذا الخصوص ولو تفضل سيادته بإلقاء النظرة العابرة الخاطفة على فهارس كتبهم في الحديث دون تحمل العناء والمشقة في قراءة الروايات وتلاوة الأخبار المروية الواردة في هذا الباب لعلم يقينًا بأن القوم في هذا الباب أيضًا يختلفون مع الأمة المسلمة اختلافًا كليًا، وينتهجون مسلكًا بعيدًا عن مسلكهم ومذهبهم كل البعد. ونحن نكتفي لبيان معتقداتهم المعارضة لعقائد الأمة أجمعها بذكر عناوين بعض الأبواب التي زينوا بها صحاحهم ومجاميعهم في أوصاف أئمتهم من الكتب المعتمدة الموثوق بها المعتبرة في الحديث لديهم، ولا نسرد كل الروايات التي أوردوها في هذه الأبواب من تلك الكتب، بل نكتفي بخبر أو خبرين من الأخبار الكثيرة الكثيرة التي رووها فيها، ليحق الله الحق ويبطل الباطل\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٤٨\n(٢) انظر بين الشيعة وأهل السنة ص٤٣","vol":"1","page":127},{"text":"ولو كره المجرمون.\nفيروي محمد بن الحسن الصفار المتوفى سنة ٢٩٠هـالذي يعدونه من أصحاب الإمام المعصوم الحادي عشر - حسب زعمهم - الحسن العسكري (١).\nويعدونه \"ثقة، عظيم القدر، راجحًا، قليل السقط في الرواية\" (٢).\nو\"ثقة جليلًا، صدوقًا\" (٣).\nوهو من أساتذة الكليني صاحب الكافي.\nكما أن كتابه (بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد) بعد من الكتب المعتمدة المهمة والأصول المعتبرة الشيعية التي عليها اعتماد أئمة الشيعة في الحديث كما صرح بذلك المجلسي والأصفهاني والحر العاملي وغيرهم من أعاظم القوم في هذا الفن (٤) وخاصة أن له لقاءات ومسائل مع الحسن العسكري المذكور كما صرح بذلك الطوسي في رجاله (٥).\nيروي الصفار ذاك في كتابه هذا في أجزائه العشرة أخبارًا كثيرة لا تعد ولا تحصى في إثبات الوحي على أئمة الشيعة ونزول الملائكة عليهم تحت عناوين كثيرة في أبواب شتى، فنبدأ بسرد عناوين الأبواب والروايات:\nالباب السادس عشر من الجزء الثامن في أمير المؤمنين أن الله ناجاه بالطائف وغيرها ونزل بينهما جبريل.\nوروى تحته روايات عشرًا، منها:\n\"عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك، بلغني أن الله ﵎ قد ناجى عليًا ﵇؟\nقال: أجل! قد كان بينهما مناجاة بالطائف نزل بينهما جبريل\" (٦).\n_________\n(١) رجال الطوسي ص٤٣٦\n(٢) انظر رجال النجاشي ص٢٥١، وابن داود ص٣٠٧، وجامع الرواة ج٢ ص٩٣، وخلاصة الرجال ص٧٣، والكنى والألقاب ج٢ ص٣٧\n(٣) وسائل الشيعة ج٢٠ ص٣٩ وص٣٢٣ ط سادسة طهران\n(٤) انظر لذلك وسائل الشيعة ج٢٠ ص٣٩، والبحار وغيرهما من الكتب\n(٥) انظر لذلك وسائل الشيعة ج٢٠ ص٤٣٦، والبحار وغيرهما من الكتب\n(٦) بصائر الدرجات الكبرى الجزء الثامن الباب السادس عشر ص٤٣٠ - ط إيران","vol":"1","page":128},{"text":"وروي عن أبي نافع قال:\nلما دعا رسول الله - ﷺ - عليًا يوم خيبر، فتفل في عينيه وقال له: إذا أنت فتحتها فقف بين الناس، فإن الله أمرني بذلك. قال أبو رافع: فمضى علي ﵇ وأنا معه، فلما أصبح افتتح خيبر ووقف بين الناس وأطال الوقوف، فقال الناس:\nإن عليًا ﵇ يناجي ربه، فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها، قال أبو رافع: فأتيت رسول الله - ﷺ -، فقلت: إن عليًا ﵇ وقف بين الناس كما أمرته، قال قوم منهم:\nإن الله ناجاه، فقال: نعم يا رافع! إن الله ناجاه يوم الطائف ويوم عقبة ويوم حنين، ويوم غُسِّلَ رسول الله (١).\nوهذا ليس من اختصاصات علي ﵁ حسب معتقد الشيعة، بل يشاركه فيها غيره من الأئمة الاثنى عشر كما يصرح بذلك القوم، ومنها ما رواه الصفار في الجزء التاسع من كتابه تحت عنوان (الباب الخامس عشر في الأئمة ﵈ أن روح القدس يتلقاهم إذا احتاجوا إليهم) وروى تحته ثلاثة عشر حديثًا عن أسباط عن أبي عبد الله جعفر أنه قال:\n\"قلت: تسألون عن الشيء فلا يكون عندكم علمه؟\nقال: ربما كان كذلك.\nقلت: كيف تصنعون؟\nقال: تلقانا به روح القدس\" (٢).\nثم بوب بابًا آخر بعنوان (باب الروح التي قال الله في كتابه: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا﴾، إنها في رسول الله - ﷺ - وفي الأئمة يخبرهم ويسددهم ويوفقهم).\nوذكر تحته خمشة عشر خبرًا، منها ما رواه عن أبي بصير قال:\n\"قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك عن قول الله ﵎:\n_________\n(١) بصائر الدرجات الكبرى ص٤٣١\n(٢) بصائر الدرجات للصفار الباب الخامس عشر الجزء التاسع ص٤٧١","vol":"1","page":129},{"text":"﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلنه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾. (١). قال: يا أبا محمد: خلق والله أعظم من جبرئيل وميكائيل، وقد كان مع رسول الله - ﷺ - يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة يخبرهم ويسددهم\" (٢).\nوروى مثل هذا الكليني في كافيه تحت عنوان (باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة ﵈) عن أسباط بن سالم قال: سأل رجل من أهل هيت أبا عبد الله ﵇ عن قول الله ﷿: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ..﴾ فقال:\n\"منذ أن أنزل الله ﷿ ذلك الروح على محمد - ﷺ - ما صعد إلى السماء، وإنه لفينا - وفي رواية: كان مع رسول الله يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده\" (٣).\nهذا ولقد أورد الصفار الثقة الجليل الصدوق لدى الشيعة رواية أخرى تحت باب (ما يسأل العالم عن العلم الذي يحدث به من صحف عندهم ازداده أو رواية فأخبر بسر وإن ذلك من الروح):\n\"عن عبد الله بن طلحة قال: قلت لأبي عبد الله ﵇:\nأخبرني يا ابن رسول الله - ﷺ - عن العلم الذي تحدثونا به أمن صحف عندكم أم من رواية يرويها بعضكم عن بعض أو كيف حال العلم عندكم؟ قال:\nيا عبد الله! الأمر أعظم من ذلك وأجل، أما تقرأ كتاب الله؟.\nقلت: بلى! قال: أما تقرأ: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا\n_________\n(١) سورة الشورى - ٥٢ وما بعدها\n(٢) بصائر الدرجات الكبرى للصفار الباب السادس عشر من الجزء التاسع ص٤٧٥\n(٣) الكافي في الأصول كتاب الحجة ج١ ص٢٧٣ ط طهران","vol":"1","page":130},{"text":"ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ أفترون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان؟ قال: قلت: هكذا نقرؤها! قال: نعم، قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان حتى بعث الله تلك الروح فعلمه بها العلم والفهم، وكذلك تجري تلك الروح إذا بعثها الله إلى عبد علمه بها العلم والفهم - وفي رواية: تعرض بنفسه ﵇ (أي أراد من العبد نفسه) \" (١).\nوعنون بابًا آخر بعنوان (باب الروح التي قال الله: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾: (٢) إنها في رسول الله - ﷺ - وأهل بيته ﵈ يسددهم ويوفقهم ويفقههم).\nوذكر تحته اثنى عشر حديثًا، منها ما رواه عن أبي بصير قال:\n\"سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: ﴿يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ قال: ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد - ﷺ -، وهو مع الأئمة يسددهم\" (٣).\nوأورد هذه الروايات الكليني في (الكافي) عن أبي بصير أيضًا وغيره بلفظ: \"وهو من الملكوت\" (٤).\nثم عقد الصفار بابًا آخر (باب في الروح التي قال الله ﷿: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره ..﴾. (٥) وهي تكون مع الأنبياء والأوصياء) (٦).\nوذكر تحته روايات عديدة. كما بوّب بابًا آخر بعنوان (باب في الإمام أنه يعلم الساعة التي يمضي فيها وما يزاد في الليل والنهار ولا يوكّل إلى نفسه).\nوأورد تحته تسع روايات (٧).\n_________\n(١) بصائر الدرجات الباب السابع عشر من الجزء التاسع ص٤٧٨، ٤٧٩\n(٢) سورة الإسراء - ٨٥\n(٣) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثامن عشر من الجزء التاسع ص٤٨١\n(٤) الكافي كتاب الحجة باب الروح الذي يسدد الله به الأئمة ج١ ص٢٧٣\n(٥) سورة النحل - ٢\n(٦) انظر الباب التاسع عشر من الجزء التاسع ص٤٨٣\n(٧) انظر الباب العشرين من الجزء التاسع ص٤٨٤","vol":"1","page":131},{"text":"وقبل أن ننتقل إلى الجزء الآخر من هذا الكتاب نريد أن نذكر أنه ما من كتاب في الأخبار والروايات والحديث عند الشيعة إلا وفيه أبواب مستقلة بمثل هذه الأبواب التي بوبها الصفار، وأورد أصحابها تلك الروايات بعينها أو مثيلاتها التي أوردها الصفار في (بصائر الدرجات)، من المتقدمين والمتأخرين.\nفمثلًا يعقد الحر العاملي بابًا في كتابه (الفصول المهمة في أصول الأئمة) جاء فيه: إن الملائكة ينزلون ليلة القدر إلى الأرض ويخبرون الأئمة ﵈ بجميع ما يكون في تلك السنة من قضاء وقدر، وإنهم يعلمون كل علم الأنبياء ﵈.\nثم سرد تحته روايات كثيرة في هذا المعنى (١).\nكما أنه عقد أبوابًا أخرى لبيان هذه العقيدة الواضحة الصريحة الثابتة لدى الشيعة مثل غيره من محدثي الشيعة ومتكلميهم، ونحن نورد بعضًا منها في خاتمة الكلام.\nولقد بوب الصفار أبوابًا عديدة في الجزء الثامن من كتابه لبيان أن أئمة الشيعة يوحى إليهم، ويتنزل عليهم الملائكة.\nفإنه عنون الباب التاسع من الجزء الثامن بعنوان (باب ما تزاد الأئمة ويعرض على كل من كان قبلهم من الأئمة، رسول الله ومن دونه من الأئمة ﵈).\nوروى تحته أحد عشر حديثًا ومنها ما رواه عن سماعة بن مهران قال:\n\"قال أبو عبد الله ﵇: إن لله عالمين، عالمًا أظهر عليه ملائكته، وأنبياءه ورسله، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعالمًا استأثر به، فإذا بدا لله في شيء منه أعلمناه ذلك، وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا\" (٢).\nوفي باب آخر بعنوان (باب في الأئمة أنهم يزادون في الليل والنهار،\n_________\n(١) انظر كتاب الفصول المهمة في أصول الأئمة باب ٩٤ ص١٤٥\n(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب التاسع من الجزء الثامن ص٤١٤","vol":"1","page":132},{"text":"ولولا ذلك لنفد ما عندهم) سرد ثماني روايات، منها ما رواه عن أبي حمزة الثمالي قال:\n\"قلت: جعلت فداك كل ما كان عند رسول الله - ﷺ - فقد أعطاه أمير المؤمنين بعده، ثم الحسن بعد أمير المؤمنين ﵇، ثم الحسين، ثم كل إمام إلى أن تقوم الساعة؟\nقال: نعم، مع الزيادة التي تحدث في كل سنة وفي كل شهر، إي والله .. وفي كل ساعة\" (١).\nوما رواه عن بشر بن إبراهيم أنه قال:\n\"كنت جالسًا عند أبي عبد الله ﵇ إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة؟ فقال: ما عندي فيها شيء، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا الإمام مفترض الطاعة سألته عن مسألة فزعم أنه ليس عنده فيها شيء، فأصغى أبو عبد الله ﵇ أذنه إلى الحائط كأن إنسانًا يكلمه، فقال:\nأين السائل عن مسألة كذا وكذا؟ وكان الرجل قد جاوز أسكفة (عتبة) الباب. قال: هاأنذا، فقال: القوم فيها هكذا. ثم التفت إلي فقال:\nلولا نزاد لنفد ما عندنا\" (٢).\nثم أورد بابًا آخر (باب في الأئمة أنهم يعرفون بالإخبار من هو غائب عنهم).\nوسرد تحته روايات عديدة (٣).\nوبالمناسبة ما دمنا أوردنا روايات وذكرنا أبوبًا من (بصائر الدرجات الكبرى) لثقة الشيعة بالأئمة وعظيم تقديرهم لأوصاف الأئمة نريد أن نذكر بابًا آخر عقده في آخر جزء من هذا الكتاب لطرافته ولو أنه لا علاقة له بموضوعنا رأسًا، وهو باب عنونه بعنوان (باب في ركوب أمير المؤمنين ﵇ السحاب، وترقيه في الأسباب والأفلاك).\n_________\n(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب العاشر من الجزء الثامن ص٤١٥\n(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب العاشر من الجزء الثامن ص٤١٦\n(٣) بصائر الدرجات الكبرى الباب الحادي عاشر ص٤١٦ وما بعد","vol":"1","page":133},{"text":"وأطرف من ذلك أن المعلق على الكتاب وهو علامة الشيعة وحجتهم ميرزه محسن، علق على العنوان بقوله:\nولا يخفى ما في عنوان الباب فإنه لا يختص بعلي ﵇ بل به، وبالحجة المنتظر ﵉\" (١).\nوروى تحت هذا الباب روايات عديدة، منها ما روي عن أبي جعفر أنه قال:\n\"أما إن ذا القرنين قد خير السحابين، فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب. قلت: وما الصعب؟\nقال: ما كان من سحاب فيه رعد وبرق وصاعقة فصاحبكم يركبه، أما إنه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع، خمسة عوامر واثنين خراب، وفي رواية أخرى: أسباب السماوات السبع والأرضين السبع\" (٢).\nونرجع إلى موضوعنا فنقول: إن الصفار أدرج في الجزء السابع من الكتاب أيضًا أبوابًا كثيرة في هذا الموضوع، وسرد تحتها روايات كثيرة، منها الباب الثاني بعنوان (باب في الإمام بأنه إن شاء أن يعلم العلم لعلم).\nمنها ما رواه عن عمرو بن سعيد المدائني:\nعن أبي عبد الله ﵇ قال:\n\"إذا أراد الإمام أن يعلم شيئًا علمه الله ذلك\" (٣).\nوبابًا آخر بعنوان (ما يفعل بالإمام من النكت والقذف والنقر في قلوبهم وآذانهم).\nأورد تحته ثلاث عشرة رواية. منها عن الحارث بن مغيرة أنه قال:\n\"قلت لأبي عبد الله ﵇: هذا العلم الذي يعلمه عالمكم أشيء يلقى في قلبه أو ينكت في أذنه، فسكت حتى غفل القوم، ثم قال: ذاك وذاك\" (٤).\n_________\n(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس عشر من الجزء الثامن ص٤٢٨، وهامش رقم ١ أيضًا\n(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس عشر من الجزء الثامن ص٤٢٩\n(٣) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثاني من الجزء السابع ص٣٣٥\n(٤) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثالث من الجزء السابع ص٣٣٧","vol":"1","page":134},{"text":"وفي رواية: فقال: وحي كوحي أم موسى، ورواية أخرى: وقد يكونان معًا\" (١).\nوعن النجاشي عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال:\n\"فينا والله من ينقر في أذنه وينكت في قلبه وتصافحه الملائكة.\nقلت: كان، أو يكون، أو اليوم؟\nقال: بل اليوم.\nقلت: كان، أو اليوم؟\nقال: بل اليوم والله يا ابن النجاشي حتى قالها ثلاثًا\" (٢).\nوباب آخر (باب فيه تفسير الأئمة لوجود علومهم الثلاثة وتأويل ذلك).\nوروى تحته روايات منها ما رواها عن علي السائي قال:\n\"سألت الصادق ﵇ عن مبلغ علمهم؟ فقال: مبلغ علمنا ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور (٣). وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا، وفي رواية: وأما النقر في الأسماع فإنه من الملك\" (٤).\nوباب آخر (باب في الأئمة ﵈ محدثون مفهمون)، وروى تحته ثماني روايات، منها:\n\"عن الحكم بن عيينة قال: دخلت على علي بن الحسن يومًا فقال لي: يا حكم .. هل تدري ما الآية التي كان علي بن أبي طالب ﵇ يعرف بها صاحب قتله ويعلم بها الأمور العظام التي كان يحدث بها الناس؟ قال الحكم: فقلت في نفسي: قد وقفت على علم من علم علي بن الحسين أعلم بذلك تلك الأمور العظام. قال: فقلت: لا والله! لا أعلم به، أخبرني بها يا ابن رسول الله - ﷺ -. قال:\n_________\n(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثالث من الجزء السابع ص٣٣٧، ٣٣٨\n(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثالث من الجزء السابع ص٣٣٨\n(٣) أي مكتوب\n(٤) بصائر الدرجات الكبرى الباب الرابع من الجزء السابع ص٣٣٨","vol":"1","page":135},{"text":"والله! قول الله: ﴿وما أرسلنا من رسول ولا نبي ولا محدث﴾، فقلت: وكان علي بن أبي طالب محدثًا؟\nقال: نعم! وكل إمام منا أهل البيت فهو محدث\" (١).\nوفي الباب الذي يليه يبين من هو المحدث، وما هو شأنه؟ بعنوان (باب في أن المحدث كيف صفته؟ وكيف يصنع به؟ وكيف يحدث الأئمة؟).\nوأورد تحته ثلاث عشرة رواية، ومنها ما يرويها عن ابن أبي يعفور أنه قال:\n\"قلت لأبي عبد الله ﵇: إنا نقول: إن عليًا ﵇ لينكت في قلبه، أو ينقر في صدره وأذنه؟\nقال: إن عليًا ﵇ كان محدثًا. قال: فلما أكثرت عليه قال: إن عليًا ﵇ كان يوم بني قريظة وبني النضير كان جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره يحدثانه\" (٢).\nوروى عن علي بن الحسين أنه قال:\n\"علم علي ﵇ في آية من القرآن وكتمنا الآية. قال: اقرأ يا حمران فقرأت: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي. قال: فقال أبو جعفر ﵇: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث. قلت: وكان علي ﵇ محدثًا؟\nقال: نعم! فجئت إلى أصحابنا، فقلت: قد أصبت الذي كان الحكم يكتمنا. قال: قلت: قال أبو جعفر ﵇ كان يقول: علي ﵇ محدث، فقالوا لي: ما صنعت شيئًا .. ألا سألته من يحدثه؟\nقال: فبعد ذلك إني أتيت أبا جعفر ﵇ فقلت: أليس حدثني أن عليًا ﵇ كان محدثًا؟\nقال: بلى! قلت: من يحدثه؟\nقال: ملك يحدثه. قال: قلت: أقول: إنه نبي أو رسول؟\n_________\n(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس من الجزء السابع ص٣٣٩، ٣٤٠\n(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء السابع ص٣٤١","vol":"1","page":136},{"text":"قال: لا. قال: بل مثله مثل صاحب سليمان ومثل صاحب موسى، ومثله مثل ذي القرنين\" (١).\nوباب آخر (باب من يلقى شيء بعد شيء يومًا بيوم وساعة بساعة مما يحدث).\nوروى تحته عن ضريس أنه قال:\n\"كنت مع أبي بصير عند أبي جعفر ﵇، فقال له أبو بصير: بم يعلم عالمكم جعلت فداك؟\nقال: يا أبا محمد! إن عالمنا لا يعلم الغيب، ولو وكل الله عالمنا إلى نفسه كان كبعضكم ولكن يحدث إليه ساعة بعد ساعة\" (٢).\nوروى أيضًا عن أبي بصير قال:\n\"قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك، أي شيء هو العلم عندكم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار والأمر بعد الأمر والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة، وفي رواية أخرى: ما يحدث بالليل والنهار يومًا بيوم وساعة بساعة\" (٣).\nوباب آخر (باب في الأئمة ﵈ ورثوا العلم عن رسول الله - ﷺ - وعن علي ﵇، وإن العلم يقذف في صدورهم وينكت في آذانهم).\nوأورد تحته تسع روايات.\nوفي الجزء السادس روى رواية في (باب في أمير المؤمنين ﵇ أن النبي - ﷺ - علمه العلم كله، وشاركه في العلم ولم يشاركه في النبوة).\nعن حمران أنه قال:\n\"قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك: قد بلغني أن الله قد ناجى\n_________\n(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء السابع ص٣٤٤\n(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء السابع ص٣٤٥\n(٣) بصائر الدرجات الكبرى الباب السابع من الجزء السابع ص٣٤٥","vol":"1","page":137},{"text":"عليًا؟ قال: أجل! قد كان بينهما مناجاة بالطائف ونزل بينهما جبريل، وقال: إن الله علم رسوله الحلال والحرام والتأويل، فعلم رسول الله - ﷺ - عليًا ﵇ علمه كله\" (١).\nوعلى ذلك ذكر في الجزء الرابع من كتابه (باب في أن الأئمة يخاطبون ويسمعون الصوت ويأتيهم صور أعظم من جبريل وميكائيل) عن أبي عبد الله أنه قال:\n\"إنا لنزاد في الليل والنهار، ولو لم نزد لنفد ما عندنا، قال أبو بصير: جعلت فداك من يأتيكم به؟\nقال: إن منا من يعاي، وإن منا من ينقر في قلبه كيت وكيت، وإن منا لمن يسمع بأذنه وقعًا كوقع السلسلة في الطست. قال: فقلت له: من الذي يأتيكم بذلك؟\nقال: خلق أعظم من جبريل وميكائيل\" (٢).\nوكذلك روي في الباب الثامن من هذا الجزء بعنوان (باب في الإمام أنه تراءى له جبريل وميكائيل وملك الموت).\nوروي تحت روايات \"أن جعفرًا وأباه الباقر جاءهما جبريل وملك الموت بصورة شيخ طويل جميل أبيض الرأس واللحية، ورجل أدم حسن الوجه والشيمة وكان الأول جبريل، والثاني ملك الموت\" (٣).\nوعلى ذلك ينص القوم بأن أئمتهم أفضل من جميع الأنبياء بما فيهم أولو العزم من الرسل وأعلم منهم، كما بوب صاحبنا هذا محمد بن الحسن الصفار (باب في أمي المؤمنين ﵇ وأولو العزم أيهم أعلم) (٤).\nكما أن الحر العاملي بوب بابًا بعنوان (إن النبي والأئمة الاثنى عشر ﵈ أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين، والملائكة وغيرهم، وإن الأنبياء أفضل من الملائكة) (٥).\n_________\n(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب العاشر من الجزء السادس ص٣١١\n(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب السابع من الجزء الخامس ص٢٥٢\n(٣) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثامن من الجزء الخامس ص٢٥٣ وص٢٥٤ الرواية الأولى والثالثة\n(٤) بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس من الجزء الخامس ص٢٤٧\n(٥) الفصول المهمة في أصول الأئمة باب ١٠١ ص١٥١","vol":"1","page":138},{"text":"وابن بابويه القمي الملقب بصدوق الشيعة بوب بابًا في كتابه بعنوان (أفضلية النبي - ﷺ - والأئمة على جميع الملائكة والأنبياء ﵈) (١).\nولا يخلو كتاب من كتب الشيعة إلا وفيه أبواب متشابهة في هذا المعنى.\nوقد سردوا تحتها روايات أكثر من أن تحصى حسب تعبير محدث الشيعة الحر العاملي (٢).\nمنها ما رووا عن أبي جعفر أنه قال لأحد أتباعه: \"يا عبد الله! ما تقول الشيعة في علي ﵇ وموسى وعيسى (٣)؟ قال:\nقلت: جعلت فداك، وعن أي حالات تسألني؟\nقال: أسألك عن العلم، فأما الفضل فهم سواء.\nقال: قلت: جعلت فداك، فما عسى أقول فيهم.\nفقال: هو والله أعلم منهما\" (٤).\nورووا عن ابنه جعفر أنه قال:\n\"إن الله خلق أولي العزم من الرسل وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم وفضلهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله - ﷺ - ما لم يعلموا، وعلمنا علم رسول الله - ﷺ - وعلمهم\" (٥).\nوهناك باب آخر بعنوان (باب أن الأئمة ﵈ أفضل من موسى والخضر ﵉).\nثم روى تحته روايات عديدة، منها ما رواه عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:\n_________\n(١) عين أخبار الرضا ج١ ص٢٦٢\n(٢) انظر الفصول المهمة ص١٥٤\n(٣) انظر قوة القوم وإساءة أدبهم في حق أنبياء الله ورسله حيث لا يستعملون اسم واحد من أئمتهم إلا ويعقبونه بكلمة ﵇، وإنما يذكرون أنبياء الله ورسله فيبخلون بالصلاة والسلام عليهم\n(٤) بصائر الدرجات الباب الخامس من الجزء الخامس ص٢٤٨، الفصول المهمة ص١٥١\n(٥) بصائر الدرجات ص٢٤٨، الفصول المهمة ص١٥٢","vol":"1","page":139},{"text":"لقد سأل موسى العالم (يعني الخضر) مسألة لم يكن عنده جوابها، ولقد سأل العالم موسى مسألة لم يكن عنده جوابها، ولو كنت بينهما لأخبرت كل واحد منهما بجواب مسألته، ولسألتهما عن مسألة لا يكون عندهما جوابها\" (١).\nهذا وإننا لنرى بأن ما أوردناه من الأبواب وسردناه من الروايات يكفي لبيان الحق والحقيقة، والمعتقدات الأصيلة الشيعية في أئمتهم حول نزول الوحي والملائكة عليهم، وأنه لا فرق بينهم وبين أنبياء الله ورسله حيث أنهم يخاطبون ويكلمون، ويقذف في قلوبهم، ويلقى في مسامعهم، وتنزل عليهم الملائكة، جبرئيل ومن دونه وفوقه، ويناجيهم الرب جل وعلا - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - ولا نريد إكثار الروايات المملة في هذا الموضوع مع وجود أضعاف الأضعاف منها في (بصائر الدرجات) وغيره من الكتب المعتبرة الموثقة المعتمدة (٢) لدى الشيعة، كما نريد أن نبين ههنا أنه لم يكن اختيارنا كتاب (بصائر الدرجات) هذا لبيان معتقدهم في نزول الوحي والملائكة على أئمتهم مع وجود هذه الروايات في كتب الحديث والتفسير الأخرى إلا أن صاحب (البصائر) وهو الصفار من أقدم المحدثين الشيعة وشيخ مؤلفي الصحاح الأربعة أو شيخ شيخهم.\nوأيضًا فإن هذا الكتاب لم يؤلف إلا لسرد الروايات الشيعية من الأئمة المعصومين المزعومين في فضائلهم، وإننا لندرك أننا أكثرنا الروايات في هذا البحث خلاف البحوث المتقدمة لأننا لم نورد هذا المبحث وهذه الروايات في كتبنا الأربعة عن الشيعة (٣) ولأنه مهم في فهم أصول الشيعة وعقائدهم.\nوجلاء للحق الذي هو واضح وجلي مما سبق نريد أن نذكر بعض العناوين\n_________\n(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء الخامس ص٢٥٠\n(٢) ومن أراد الاستزادة فعليه أن يرجع إلى كتب التفسير والحديث فإنها مليئة بمثل هذه الخرافات والترهات\n(٣) الشيعة والسنة، والشيعة وأهل البيت، والشيعة والقرآن، والشيعة والتشيع فرق وتاريخ","vol":"1","page":140},{"text":"للأبواب التي ذكرها الكليني في (الأصول من الكافي) في هذا الخصوص فقط. وفي كتاب الحجة لا غير كي لا تبقى شبهة لشاك ولا ريب لمرتاب.\nفهذه بعض عناوين الأبواب من كتاب الحجة في (الأصول من الكافي):\nباب طبقات الأنبياء والرسل والأئمة.\nباب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه.\nباب أن الأئمة خلفاء الله ﷿ في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى.\nباب أن الأئمة معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة.\nباب عرش الأعمال على النبي والأئمة.\nباب أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم.\nباب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله ﷿ وأنه يعرفونها على اختلاف ألسنتهم.\nباب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء.\nباب في أن الأئمة يزدادون في ليلة الجمعة.\nباب لولا أن الأئمة يزدادون لنفد ما عندهم.\nباب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل.\nباب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا.\nباب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء.\nباب أن الله ﷿ لم يعلم نبيه علمًا إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين، وأنه كان شريكه في العلم.\nباب أن الأئمة محدثون مفهمون.\nباب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة.\nباب الروح التي يسدد الله بها الأئمة.\nباب أن الأئمة لم يفعلوا شيئًا ولا يفعلون إلا بعهد من الله ﷿ وأمر منه لا يتجاوزونه.\nباب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم، وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار، وهذا آخر ما أردنا ثبته في هذا الباب.\nوإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الباب الخامس\nالشيعة الإثنا عشرية وعقائدهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل الأول\nالرجعة</span>\nمن الأفكار اليهودية المدسوسة بين المسلمين والتي تولى كبر إثمها ابن اليهودية. البار بها عبد الله بن سبأ .. فكرة الرجعة، أي رجوع الأموات قبل البعث والنشور عند ظهور القائم الشيعي المعدوم المزعوم، من أئمتهم وأتباعهم، مع أعدائهم ومخالفيهم لينتقموا منهم ويشفوا صدورهم كما ذكر المجلسي خاتمة محدثي الشيعة:\nويرجع للدنيا يوم ظهور حضرة القائم ﵇ مَن مَحَض الإيمان محضًا أو محض الكفر محضًا، فيرجع أعداؤه لينتم منهم في هذا العالم ويشاهدون من ظهور كلمة الحق وعلو كلمة أهل البيت ما أنكروه عليهم، فتكون رجعة الكفار لينالهم عقاب شديد\" (١).\nوهذا الاعتقاد كاد أن يكون من المجمع عليه عند الشيعة، لا خلاف بينهم في ذلك، ولم يشذ فيه أحد ممن يعتد به ويعتمد على قوله كما ذكر الحر العاملي مستدلًا على صحة الرجعة وإمكانها ووقوعها. بإجماع جميع الشيعة الإمامية وإطباق الشيعة الاثنى عشرية على صحة اعتقاد الرجعة فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين ولا اللاحقين، وقد علم دخول المعصوم في هذا الإجماع بورود الأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - وعن الأئمة ﵈، الدالة على اعتقادهم بصحة\n_________\n(١) حياة القلوب للمجلس ج٣ فصل ٣٥ ص٣٠٣ نقلًا عن (عقيدة الشيعة) لدونالدس ط عربي","vol":"1","page":143},{"text":"الرجعة حتى إنه قد ورد ذلك عن صاحب الزمان محمد بن الحسن المهدي ﵇ في التوقيعات الواردة عنه وغيرها مع قلة ما ورد عنه في مثل ذلك من نسبة ما ورد عن آبائه ﵈\" (١).\nومثل ذلك ذكره أيضًا مفسر الشيعة القديم أبو علي الطبرسي في تفسيره تحت قول الله ﷿: ﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجًا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون﴾ واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن قال: إن دخول من في الكلام يوجب التبعيض، فدل ذلك على أن اليوم المشار إليه في الآية يحشر فيه قوم دون قوم، وليس ذلك صفة يوم القيامة، الذي يقول فيه سبحانه: ﴿.. وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدًا﴾.\n\"وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد - ﷺ - في أن الله سيعيد عند قيا المهدي قومًا ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضًا قومًا من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته .. على أن جماعة من الإمامية تأولوا ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأولوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكليف. وليس ذلك، لأنه ليس فيها ما يلجئ إلى فعل الواجب والامتناع من القبيح والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة كفلق البحر وقلب العصا تعبانًا وما أشبه ذلك، ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل عليها، وإنما المعول في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده\" (٢).\nوقبله قال بهذا القول الشريف المرتضى الملقب عند الشعة بعلم الهدى في جواب أسئلة سئل بها عن حقيقة الرجعة فأجاب:\n_________\n(١) الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة للحر العاملي صاحب (وسائل الشيعة) ص٣٤ ط المطبعة العلمية - قم - إيران\n(٢) تفسير مجمع البيان لأبي علي الطبرسي ج٤ ص٢٣٤، ٢٣٥","vol":"1","page":144},{"text":"\"بأن الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية أن الله تعالى يعيد عند ظهور المهدي قومًا ممن تقدم موته من شيعته وقومًا من أعدائه\" (١).\nوقبله شيخ المرتضى وإمام متكلمي الشيعة وفقهائها، محمد بن النعمان الملقب بالمفيد قال:\nاتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة\" (٢).\nوقال في موضع آخر في مقالاته تحت عنوان (القول في الرجعة):\nأقول: إن الله تعالى يرد قومًا من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز منهم فريقًا ويذل فريقًا ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد ﵈ وعليه السلام.\nوأقول: إن الراجعين إلى الدنيا فريقان: أحدهما من علت درجته في الإيمان وكثرت أعماله الصالحات وخرج من الدنيا على اجتناب الكبائر والموبقات، فيريه الله ﷿ دولة الحق ويعزه بها ويعطيه من الدنيا ما كان يتمناه، والآخر من بلغ الغاية في الفساد وانتهى في خلاف المحقين إلى أقصى الغايات وكثر ظلمه لأولياء الله واقترافه السيئات، فينتصر الله تعالى لمن تعدى قبل الممات ويشفي غيظهم منه بما يحله من النقمات، ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من دوام الثواب والعقاب، وقد جاء القرآن بصحة ذلك، تظاهرت به الأخبار، والإمامية بأجمعها عليه إلا شذاذ منهم تأولوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه\" (٣).\nونقف هنا برهة يسيرة لنلقي نظرة على مغالطة الدكتور وافي سواء وقع فيها أو أراد إيقاع الناس فيها حيث كتب تحت عنوان الرجعة:\n_________\n(١) انظر أعيان الشيعة ج١ الجزء الأول ص١٣٢ الطبعة الأولى دمشق\n(٢) انظر أوائل المقالات ص٥٢\n(٣) أوائل المقالات ص٩٠","vol":"1","page":145},{"text":"\"للرجعة في عقيدة الشيعة الجعفرية مظهران:\nالنوع الأول: من الرجعة في عقائدهم وهو رجوع الإمام المهدي بمعنى ظهوره من مخبئه وهو موضع اتفاق عندهم، بل هو عماد مذهبهم.\nوأما النوع الثاني: وهو رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة فليس من العقائد المتفق عليها عندهم، بل إن كثيرًا منهم لينكر هذا النوع من الرجعة\" (١).\nثم كتب في الهامش: انظر أوائل المقالات وتصحيح الاعتقادات للشيخ المفيد، وهو من كبار شيوخهم\" (٢).\nويتلخص ردنا في النقاط التالية:\nأولًا: إن السيد الدكتور لا يدري إطلاقًا مذهب الشيعة الجعفرية في الرجعة حيث قال: \"إن رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة فليس من العقائد المتفق عليها عندهم. بل إن كثيرًا منهم لينكر هذا النوع من الرجعة\" لأننا كما ذكرنا سابقًا وكما نحن بصدد ذكره أن الشيعة الجعفرية أو الإمامية أو الاثنى عشرية كلهم تقريبًا متفقون على هذه العقيدة من أعيانهم وكبرائهم ومشائخهم من المحدثين والمفسرين والفقهاء والكلاميين.\nوعلى ذلك قال الحر العاملي:\n\"فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين واللاحقين، وقد علم دخول المعصوم في هذا الإجماع\" (٣).\nوبذلك قال صدوق الشيعة ورئيس محدثيهم ابن بابويه القمي في كتابه الكلامي تحت عنوان (باب الاعتقاد في الرجعة):\n\"اعتقادنا يعني معشر الإمامية في الرجعة أنها حق\" (٤).\nوقال الملا باقر المجلسي صاحب (بحار الأنوار) بعد سرد الأخبار الكثيرة عن الرجعة:\nاعلم يا أخي أني لا أظن أنك قد ترتاب بعد ما مهدت وأوضحت لك بالقول في الرجعة التي أجمعت عليه الشيعة في جميع الأعصار واشتهرت\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٥٧\n(٢) الهامش رقم ٤٧\n(٣) انظر الإيقاظ من الهجعة ص٣٤\n(٤) نقلًا عن كتاب الهجعة ص٣٩، ٤٠","vol":"1","page":146},{"text":"بينهم كالشمس في رابعات النهار .. وكيف يشك مؤمن بأحقية الأئمة الأطهار فيما تواترت عنهم من مائتي حديث رواها نيف وأربعون من الثقات العظام والعلماء الأعلام في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم\" (١).\nومثل ذلك قال الحر العاملي:\n\"ومما يدل على ثبوت الإجماع اتفاقهم على أحاديث الرجعة حتى إنه لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الشيعة، ولا تراهم يضعفون حديثًا واحدًا منها، ولا يتعرضون لتأويل شيء منها، فعلم أنهم يعتقدون مضمونها لأنهم يضعفون كل حديث يخالف اعتقادهم أو يصرحون بتأويله وصرفه عن ظاهره\" (٢).\nوقال أيضًا:\n\"ومما يدل على ذلك أيضًا كثرة النصوص الصريحة الموجودة في الكتب الأربعة وغيرها من الكتب المعتمدة .. ما يزيد على سبعين كتابًا قد صنفها عظماء الإمامية\" (٣).\nوهذا يدل على أن السيد الدكتور مع ادعائه معرفة مذهب الشيعة لا يعرف عنه شيئًا.\nأو. . . وإن بعض الظن إثم!!!\nثانيًا: إن الدكتور وافي كتب على هامش الكلام: أوائل المقالات للشيخ المفيد وهو من كبار شيوخهم: كأنه يريد أن يفهم القارئ بأن هذا الكلام منقول عن المفيد الذي له مرتبته وشأنه لدى الشيعة.\nولا أدري كيف أبرر له موقفه هذا، وأجد له المعاذير؟.\n_________\n(١) بحار الأنوار للمجلسي ج١٣ ص٢٢٥ الطبعة الأولى المنقول من كتابنا (الشيعة والتشيع) ص٣٦٠\n(٢) الإيقاظ من الهجعة للحر العاملي المتوفى عام ١١٠٤ (الباب الثاني في الاستدلال على صحة الرجعة) ص٤٢، ٤٣\n(٣) ص٤٣ وما بعدها","vol":"1","page":147},{"text":"مع العبارة الصريحة التي نقلناها عن المفيد التي لا غموض فيها ولا إشكال، \"هل السيد الدكتور عجز عن فهم كلام المفيد، الذي يفهمه الصغير والكبير\" بلا صعوبة أو مشقة؟\nأم أن السيد الدكتور لم يعرف عن كتاب المفيد إلا اسمه، وذكر كتابه دون أن يراجعه أو ينظر ما فيه؟\nأم علم وقرأ ولكنه .. معاذ الله أن يذهب بي الخيال إلى ما يريد أن يذهب إليه!.\nوكلام المفيد واضح جلي كما ذكرناه آنفًا والذي قال في آخره:\n\"وقد جاء القرآن بصحة ذلك وتظاهرت به الأخبار، والإمامية بأجمعها عليه، إلا شذاذ منهم تأولوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه\" (١).\nوبعد هذا لا أستيطع أن أعلل كلام الدكتور الذي قال فيه: \"إن رجعة الأبرار والأشرار رجعة مؤقتة، فليس من العقائد المتفق عليها عندهم، بل إن كثيرًا منهم لينكر هذا النوع من الرجعة: ثم ينسب الكلام إلى (أوائل المقالات) للمفيد.\nوإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على أن السيد الدكتور ومن حذا حذوه ممن تأثروا بدعوة التقريب في مصر يجهلون مذهب الشيعة وعقائدهم، ولا يعلمون عنه وعنها شيئًا مع ادعائهم العلم والمعرفة، ولا يرددون إلا كلمات ألقيت في مسامعهم مزورة مموهة من قبل المخادعين الماكرين (٢) من الشيعة\n_________\n(١) أوائل المقالات للمفيد ص٨٩، ٩٠\n(٢) ويؤيد ذلك أيضًا ما سمعته من شريط أرسل إلى قريبًا لأحد كبار الكتاب في مصر والدعاة إلى الإسلام، الذي نحسن الظن فيه حيث أنه ردد فيه مثل تلك الكلمات وبرأ ساحة الشيعة من كثير من المعتقدات التي يعتقدونها هم، وخطأ ناسًا يتهمونهم باعتقاد التحريف في القرآن وعدم الاعتماد على السنة، وتكفير صحابة النبي وإتيان الفواحش باسم المتعة، وقال: إنها تهم باطلة بتهمهم بها جاهل غير عالم: مع أن حضرته نفسه جاهل في هذا عالم في غيره.\nوما أقبح أن يدافع عالم من علماء السنة وعلم من أعلامها، ويبيح الصلاة خلفهم، وهم الذين يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان وأمهات المؤمنين ويغلظون فيهم القول - كما سيأتي بيانه - وكما بيناه مفصلًا في كتابنا (الشيعة وأهل السنة) ولا يؤمنون بالقرآن ولا بالسنة النبوية، وينكرون العقائد الإسلامية الصحيحة ويؤمنون بالأفكار التي أسستها ووضعتها لهم اليهودية الأثيمة. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وإلى الله المشتكى.\nألا يدري هذا العالم ومن يحذو حذوه أنه لا يوجد في الشيعة رجل واحد، نعم رجل واحد يدافع عن السنة وأسلافهم هذا الدفاع المميت في بلادهم، بل لا يوجد أحد منهم يقول لهم: لا تسبوا أصحاب رسول الله فإن قومًا من المسلمين يتألمون من فعلكم هذا: بل يوجد فيهم من يقول وهو محدثهم الكبير:\n\"وهؤلاء (أي أصحاب رسول الله) نتقرب إلى الله تعالى ورسوله ببغضهم، وسبهم، وبغض من أحبهم\" (وصول الأخيار إلى أصول الأخبار) لمحدث الشيعة حسين العاملي المتوفى سنة ٩٨٤ ص١٦٤","vol":"1","page":148},{"text":"الذين ترددوا على مصر وعلى البلاد السنية الأخرى التي لم تبتل بالتشيع، ولم يحتج علماؤها ومفكروها إلى معرفة هذه الديانة التي لم تؤسس إلا على أفكار وآراء تعارض الآراء الإسلامية وأفكارها الصحيحة المستقاة من كتاب الله وسنة رسول الله، والمبنية عليهما تمامًا.\nومعلوم أن نصوص الكتاب والسنة تخالف هذه العقيدة السخيفة أيضًا حيث أن لا ثواب ولا عقاب ولا جزاء ولا عطاء، ولا حساب ولا كتاب إلا يوم القيامة، وهو يوم الفصل ويوم الدين، يوم البعث ويوم النشور، ويوم الحشر، والآيات القرآنية الناطقة بهذه الحقائق الناصعة أكثر من أن تعد أو تحصى، ومنها ما ذكر فيها حكاية عن المذنبين:\n﴿حتى إذا جاء أحده الموت قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون * فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾ (١).\nوهذه الآية صريحة في معناها لا تحتمل التأويل أنه ليس بعد الموت إلا البرزخ إلى يوم البعث، ويوم البعث هو اليوم الذي يفصل فيه بين الصالحين وغير الصالحين، ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.\nوقال الله ﷿ مبينًا خلقة الإنسان وما إليه يصير في كلامه المحكم:\n_________\n(١) سورة المؤمنون الآية ٩٩ وما بعدها","vol":"1","page":149},{"text":"﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلاسة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ (١).\nوقال الله ﷿ حكاية عن الكفار وأهل النار:\n﴿وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا أئنا لمبعوثون * أبو آباؤنا الأولون * قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ (٢).\nوقال تعالى:\n﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتعبثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير * فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير * يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم * والذي كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير﴾ (٣).\nأي لا يكون البعث إلا يوم الجمع للحساب والكتاب ويوم دخول الجنة والنار، لا قبله.\nومثل ذلك قول الله ﷿:\n﴿وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ (٤).\nأي لا يكون بعث من في القبور إلا يوم القيامة.\nوالآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا، وكذلك الأحاديث الشريفة الثابتة عن رسول الله - ﷺ -.\nوإنها أي مسألة البعث في الدنيا تنافي العقل أيضًا كما فصل القول فيها في الكتب الكلامية.\n_________\n(١) سورة المؤمنون الآية ١٢ وما بعدها\n(٢) سورة الواقعة الآية ٤٧ وما بعدها\n(٣) سورة التغابن الآية ٧ وما بعدها\n(٤) سورة الحج الآية ٧","vol":"1","page":150},{"text":"ولكن الشيعة يعتقدون عكس ذلك ويقولون:\nإذا آن قيام القائم ومطر الناس في جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطرًا لم ير الناس مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين في أبدانهم في قبورهم، فكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون رءوسهم من التراب (١).\nويقولون:\nإن الحسين ﵇ يرجع إلى الدنيا مع خمسة وسبعين ألفًا من الرجال (٢).\nوأيضًا ما رووه عن جعفر أنه قال:\nإن أمير المؤمنين ﵇ يرجع مع ابنه الحسين ﵇ رجعة، وترجع معه بنو أمية، معاوية وآل معاوية، وكل من قاتله، فيعذبهم بالقتل وغيره، ويرجع الله من أهل الكوفة ثلاثين ألفًا، ومن سائر الناس سبعين ألفًا، ويتلاقون في الحرب مع معاوية في ذلك المكان، ثم يحييهم الله سبحانه مرة فيعذبهم مع فرعون وآل فرعون اشد العذاب، ثم يرجع أمير المؤمنين ﵇ مرة أخرى مع النبي - ﷺ - وجميع الأنبياء ﵈\" (٣).\nوأكثر من ذلك أنهم قالوا:\nلا يبعث الله نبيًا ولا رسولًا إلا رد إلى الدنيا من آدم فهلم جرًا حتى يقاتل بين يدي علي بن أبي طالب ﵇\" (٤).\nهذا ولقد سردنا روايات كثيرة في هذا المعنى في كتابنا (الشيعة والتشيع فرق وتاريخ)، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى ذلك.\nوهذا يدل على أن عقيدة الرجعة عند الشيعة من العقائد المتفق عليها عندهم، ويعدونها من ضروريات المذهب كما صرح بذلك الحر العاملي (٥).\n_________\n(١) الإرشاد للمفيد ص٣٦٣، إعلام الورى للطبرسي ص٤٦٢، بحار الأنوار للمجلسي ج١٣ ص٢٢٣، الصراط المستقيم للنباتي ج٢ ص٢٥١\n(٢) الأنوار النعمانية للجزائري ج٢ ص٩٨، ٩٩\n(٣) الأنوار النعمانية للجزائري ص١٠٣\n(٤) تفسير العياشي ج١ ص٢٨١، البرهان ج١ ص٢٩٥، وبحار الأنوار وغيره\n(٥) انظر: الإيقاظ من الهجعة ص٦٧، وتاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة لعبد الله فياض ص١٧٠ - ط بيروت","vol":"1","page":151},{"text":"ونقلوا عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال:\n\"ليس منا من لم يؤمن بكرتنا - رجعتنا - ويستحل متعتنا\" (١).\nوقد ألفوا لإثبات هذه العقيدة كتبًا كثيرة، منها:\n(إثبات الرجعة) للملا باقر المجلسي المتوفى عام ١١١١هـ، و(إثبات الرجعة) لجمال الخوانساري المتوفى سنة ١١٢٥هـ، و(إثبات الرجعة) للحسن الحلي من علماء الشيعة في القرن السابع، و(إثبات الرجعة) لابن المطهر الحلي المتوفى سنة ٧٢٦هـ، و(إثبات الرجعة) لمير محمد عباس التستري الهندي المتوفى سنة ١٣٠٦هـ، و(إثبات الرجعة) لملا سلطان محمود من تلامذة المجلسي، و(إثبات الرجعة) لسليمان القطيفي المتوفى سنة ١٢٦٦هـ، و(إثبات الرجعة) للفضل بن شاذان النيسابوري المتوفى سنة ٢٦٠هـ، و(إثبات الرجعة) ليحيى البحراني، و(إثبات الرجعة) للميرزا حسن القمي، و(إثبات الرجعة) لمحمد رضا الطبسي، و(الإمامية والرجعة) لعبد الله رزاق الهمداني، و(الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) للحر العاملي، و(بشارة الفرج) للملا فرج بن عاشور، و(تفريج الكربة عن المنتقم لهم في الرجعة) لمحمود فتح الله الكاظمي المتوفى سنة ١٠٥٨هـ، و(الجوهر المنضود في إثبات رجعة الموعود) لأحمد بيان الأصفهاني، و(حياة الأموات بعد الموت) لأحمد البحراني المتوفى سنة ١١٣١هـ، و(دحض البدعة من إنكار الرجعة) لمحمد علي السنقري، و(دلائل الرجعة) لغلام علي العقيقي، و(الرجعة أحاديثها المنقولة عن آل العصمة) لأحمد بن المحسن، و(الرجعة وظهور الحجة) للميرزا محمد مؤمن الاسترا آبادي المتوفى سنة ١٠٨٨هـ، و(كتاب الرجعة) لمحمد بن مسعود العياشي صاحب تفسير العياشي المشهور، و(كتاب الرجعة) لابن بابويه القمي المتوفى سنة ٣٨١هـ، و(الرجعة) للملا حبيب الله الكاشاني المتوفى سنة ١٣٤٠هـ، و(النجعة في إثبات الرجعة) لعلي النقي الهندي.\nوالجدير بالذكر أن هذه العقيدة أعني الرجعة مأخوذة من اليهودية أيضًا كما صرح بذلك جولدزيهر:\n_________\n(١) من لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي ج٣ ص٤٥٨، وتفسير الصافي للكاشاني ١ ص٣٤٧","vol":"1","page":152},{"text":"\"إن فكرة الرجعة ذاتها ليست من وضع الشيعة أو من عقائدهم التي اختصوا بها، ويحتمل أن تكون قد تسربت إلى الإسلام عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية\" (١).\nوبمثل ذلك قال أحمد أمين:\n\"اليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة\" (٢).\nوهذا ظاهر لا يحتاج في إثباته إلى دليل حيث أن المؤرخين والكتّاب في الفرق والأديان صرحوا أن مؤسس الديانة الشيعية عبد الله بن سبأ هو الذي روج فيهم فكرة الرجعة، وهو أول من قال بها كما نقل الطبري:\n\"كان عبد الله بن سبأ يهوديًا من أهل صنعاء، أمه سوداء فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول:\nالعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدًا يرجع؟ وقد قال الله ﷿: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد.\nفمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها\" (٣).\nويوافق الطبري في هذا غيره من المؤرخين.\nوبعد هذا لا يبقى مجال للشك على يهودية الفكرة.\nوقبل أن ننتقل إلى موضع آخر نقرر هنا أن القوم لا يعتقدون بالرجعة فحسب، بل يتجاوزونها إلى التناسخ حيث أوردوا روايات كثيرة عن أئمتهم المعصومين حسب زعمهم في ذلك المعنى، منها ما رووا أن أبا جعفر الملقب بمؤمن الطاق عند الشيعة، وشيطان الطاق عند الآخرين\n_________\n(١) العقيدة والشريعة ص٢١٥\n(٢) فجر الإسلام ص٢٧٦\n(٣) تاريخ الطبري ج٥ ص٩٨، ومثل ذلك في (مقالات الإسلاميين) للأشعري - ج١ ص٥٠ الهامش - ط مصر","vol":"1","page":153},{"text":"لقي يومًا من الأيام أبا حنيفة نعمان بن ثابت الإمام ﵀، فسأله أبو حنيفة: إنكم تقولون بالرجعة؟\nقال: نعم.\nقال أبو حنيفة: فأعطني الآن ألف درهم حتى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا.\nقال الطاقي لأبي حنيفة: فأعطني كفيلًا بأنك ترجع إنسانًا ولا ترجع خنزيرًا\" (١).\nوقد روى النجاشي أنه قال له:\nأريد ضمينًا يضمن لي أنك تعود إنسانًا، فإني أخاف أن تعود قردًا فلا أتمكن من استرجاع ما أخذت مني\" (٢).\nومثل هذا كثير.\nأما محاولة الدكتور علي عبد الواحد واقي وضع هذه العقيدة السخيفة، يهودية الأصل بجانب عقيدة أهل السنة بالمهدي المنتظر فليس إلا عبثًا محضًا.\nوكذلك حكمه على الأحاديث الكثيرة عن ذلك المهدي بأن كثيرًا منها موضوع، وما بقي منها ضعيف كل الضعف فليس إلا حكمًا جائرًا غير صحيح لدى المحققين والنقاد المهرة من أهل السنة.\n_________\n(١) الاحتجاج للطبرسي المتوفى سنة ٦٢٠هـج٢ ص١٤٨، أيضًا الإيقاظ من الهجعة للحر العاملي ص٦٦\n(٢) رجال النجاشي ص٢٨٨، الإيقاظ ص٦٧","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفصل الثاني\nأعمال العباد</span>\nإن الشيعة الاثنى عشرية يقولون: إن أفعال العباد غير مخلوقة لله .. وقد روي عن أبي الحسن الثالث ﵇ أنه سئل عن أفعال العباد: هل هي مخلوقة؟\nفقال ﵇: لو كان خالقًا لها لما تبرأ منها وقد قال ﷾: إن الله بريء من المشركين ورسوله، ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم\" (١).\nوقد قال الحر العاملي في كتابه تحت باب: (إن الله سبحانه خالق كل شيء إلا أفعال العباد):\nأقول:\n\"مذهب الإمامية والمعتزلة أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها\" (٢).\nولكن شيخهم المفيد كره إطلاق لفظ خالق على أحد من العباد حيث قال تحت عنوان (إ الخلق يفعلون ويحدثون ويخترعون ويصنعون ويكتسبون ولا أطلق عليهم القول بأنهم يخلقون ولا لهم خالقون) \" (٣).\nوهذا مخالف لصريح القرآن حيث ذكر فيه:\n﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ (٤).\n_________\n(١) (شرح اعتقادات الصدوق) للمفيد، الملحق بكتاب (أوائل المقالات) ص١٨٧، ١٨٨\n(٢) الفصول المهمة في أصول الأئمة ص٨١\n(٣) أوائل المقالات ص٦٤\n(٤) سورة الصافات الآية ٩٦","vol":"1","page":155},{"text":"و﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو. .﴾ (١).\nو﴿.. وخلق كل شيء فقدره تقديرًا﴾ (٢).\nو﴿ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ..﴾ (٣).\nوأيضًا ﴿.. قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ (٤).\nوأيضًا ﴿الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل﴾ (٥).\nوغير ذلك من الآيات الكثيرة.\nومعروف أن أفعال العباد داخلة في \"كل شيء\".\nوقد أقر بذلك الباقر حيث قال:\n\"إن الله خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله فهو مخلوق، والله خالق كل شيء\" (٦).\nوأما \"نفي نسبة أفعال العباد إلى الله لأن فيها قبيحًا لا يصح أن ينسب إليه\" فليس إلا لغوًا محضًا؛ لأن الخالق المتعالي خلق كل شيء ثم أخبر الإنسان عن الحسن والقبيح وأمرهم بإتيان الأول واجتناب الثاني وخيرهم في ذلك، وأنار لهم السبل، وأرسل لهم الرسل لبيان الخير والشر، والحق والباطل، والحسن والقبيح، وأعطى لهم عقولًا ليتفكروا بها ويعقلوا، وقلوبًا ليتدبروا بها ويتبصروا، قال جل وعلا: ﴿وهديناه النجدين﴾ (٧).\nو﴿قل هذه سبيل أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ..﴾ (٨).\n_________\n(١) سورة غافر الآية٦٢\n(٢) سورة الفرقان الآية٢\n(٣) سورة الأنعام الآية١٠٢\n(٤) سورة الرعد الآية١٦\n(٥) سورة الزمر الآية٦٢\n(٦) الفصول المهمة ص٨١\n(٧) سورة البلد الآية١٠\n(٨) سورة يوسف الآية١٠٨","vol":"1","page":156},{"text":"و﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (١).\nوقال:\n﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾ (٢).\nوقال:\n﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ (٣).\nأي أن الإنسان ليس مجبورًا محضًا، ولا مختارًا مطلقًا، بل هو بين الجبر والاختيار. إن الله خلق الإنسان، وإن الله يعلم ما سيعمل في حياته ويفعل في مستقبله فخلق أفعاله على علمه ذاك، ويسر له السبل بعد تفويضه الاختيار أن يعمل هذا أو ذاك، وبعد إرشاده أن هذا حسن وذاك قبيح، قال ﷾:\n﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى﴾ (٤).\nولم يجبرهم على هذا أو ذاك. قال تعالى:\n﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا ..﴾ (٥).\nوقال:\n﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ..﴾ (٦).\nومعنى هذا كله أن الله خلق أفعال العباد حسب علمه الذي أحاط بكل شيء.\n﴿. . وكان الله بكل شيء محيطًا﴾.\n_________\n(١) سورة الأنعام الآية ١٥٣\n(٢) سورة الزلزلة الآية ٧، ٨\n(٣) سورة النجم الآي ٣٩، ٤٠، ٤١\n(٤) سورة الليل الآية ٥ - ١١\n(٥) سورة يونس الآية٩٩\n(٦) سورة هود الآية١١٨","vol":"1","page":157},{"text":"و﴿وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾ (١).\nو﴿. . والله بكل شيء عليم﴾ (٢).\nو﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ (٣).\nو﴿.. وسع ربي كل شيء علمًا أفلا تتذكرون﴾ (٤).\nو﴿.. وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء﴾ (٥).\nوأما عقاب العبد وثوابه، فلا يكون إلا على اكتساب العبد ذلك الفعل والعمل به بعد اختياره على كسب ذلك أو تركه، فإن كان شرًا فشر، وإن كان خيرًا فخير. لا دخل فيه لقدرة العباد على خلق الأفعال أو على عدم الخلق، وهذا ما صرح الله ﷿ في كتابه بقوله:\n﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ (٦).\nوقوله ﷿:\n﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ (٧).\nوقوله ﵎:\n﴿. . وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ (٨).\nفالثواب والعقاب على الاكتساب لا على الخلق وعدم الخلق، وهذه المسألة قد تاهت فيها عقول الشيعة الإمامية فلم يفهموها، لا في ضوء الكتاب ولا السنة - وهم يعتقدون فيهما ما يعتقدون - ولا في ضوء روايات أئمتهم المعصومين حسب زعمهم، كما روى الكليني وغيره عن أبي بصير أنه قال:\n_________\n(١) سورة الطلاق الآية ١٢\n(٢) سورة النساء الآية ١٧٦، وسورة البقرة الآية ٢٨٢، وسورة النور الآية ٣٥، وسورة الحجرات الآية ١٦، سورة التغابن الآية ١١\n(٣) سورة آل عمران الآية ٥\n(٤) سورة الأنعام الآية ٨٠\n(٥) سورة إبراهيم الآية ٣٨\n(٦) سورة الشورى الآية ٣٠\n(٧) سورة الروم الآية ٤١\n(٨) سورة النحل الآية ١١٨","vol":"1","page":158},{"text":"\"كنت بين يدي أبي عبد الله ﵇ جالسًا فسأله سائل، فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله من أين لحق الشقاء بأهل المعصية حتى حكم لهم بالعذاب على عملهم في علمه؟\nفقال أبو عبد الله: أيها السائل علم الله ﷿ لا يقوم له أحد من خلقه بحقه، فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة على طاعته ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله، ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم ومنعهم إطاعة القبول منهم، فوافقوا ما سبق لهم في علمه تعالى ولم يقدروا أن يأتوا حالًا تنجيهم من عذابه، لأن علمه أولى بحقيقة التصديق، وهو معنى شاء ما شاء وهو سره\" (١).\nوأيضًا ما رواه الكليني عن أبي عبد الله جعفر بن الباقر أنه قال:\nلا جبر ولا تفويض ولكنه أمر بين أمرين\" (٢).\nومثل ذلك روي عن علي بن موسى الرضا - الإمام الثامن لدى الشيعة - وقد رواه يزيد بن عمير أنه قال:\nدخلت على علي بن موسى الرضا وقلت له:\nيا ابن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد ﵇ أنه قال: لا جبر ولا تفويض ولكنه أمر بين أمرين، فما معناه؟\nفقال: وجود السبل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه.\nفقلت: فهل لله ﷿ مشيئة وإرادة في ذلك؟\nفقال: أما الطاعة فإرادة الله وميشئته فيها الأمر بها والرضا لها والمعاونة عليها، وإرادته ومشيئته في المعاصي النهي عنها والسخط لهما والخذلان عليها.\nقلت: فلله ﷿ فيها القضاء؟\nقال: نعم ما من فعل يفعله العباد من خير وشر إلا وفيه قضاء\" (٣).\n_________\n(١) الأصول من الكافي باب السعادة والشفاء، ج١ ص١٥٢ ط طهران\n(٢) الأصول من الكافي ج١ ص١٥٥\n(٣) الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة ص٧٤","vol":"1","page":159},{"text":"ومثل ذلك روي أيضًا عن جعفر أنه سئل عن الجبر والقدر؟\nفقال: لا جبر ولا قدر، ولكن منزلة بينهما\" (١).\nوروى حريز عن جعفر بن محمد أنه قال:\nالناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الله أجبر العبد على المعاصي فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر، ورجل يزعم أن الله فوض الأمور إليهم فهذا وهن الله في سلطانه فهو كافر، ورجل يقول: إن الله كلف العباد بما يطيقون، ولم يكلفهم بما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ\" (٢).\nفحاصل الكلام: أن العبد ليس بمجبور محض ولا بمختار مطلق، لا كما يزعمه الشيعة:\n\"أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها\" (٣).\nلأن العقاب والثواب لا يكون على خلق الأفعال، بل على كسب الأفعال.\nوأما قولهم: إن نسبة أفعال العباد إلى الله بأنها مخلوقة له، وفيها قبيح لا تصح\" فقول مخالف روايات أئمتهم أيضًا حيث أن أئمتهم قالوا كما ذكر محدثوهم أن الله خلق الشر كما خلق الخير، والشر قبيح بلا شك، فكيف ينسبونه - وهم المعصومون حسب زعمهم - إلى الله؟ وهذه هي رواياتهم:\nيروي الكليني عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال:\n\"إن الله كتب في كتبه: إني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن أجريت على يده الخير، وويل لمن أجريت على يده الشر\" (٤).\nومثل ذلك رواه عن معاوية عن أبي عبد الله أنه كان يقول:\nمما أوحى الله تعالى على موسى وأنزل عليه التوراة: أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الخير، وأجريته على يد من أحب، فطوبى لمن أجريته على يديه، وأنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يد من أريد، وويل لمن أجريت على يده الشر\" (٥).\n_________\n(١) الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة ص٧٢\n(٢) الفصول المهمة للحر العاملي ص٧١، ٧٢\n(٣) الفصول المهمة للحر العاملي ص٨١\n(٤) الأصول من الكافي للكليني ج١ ص١٥٤\n(٥) الكافي للكليني ج١ ص١٥٤","vol":"1","page":160},{"text":"ومثل ذلك ذكر القمي في تفسيره عنه أنه قال:\nقال الله ﷿: أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخير والشر\" (١).\nفهل من مجيب: الشر قبيح أم لا؟\nفكيف نسبه أئمتهم المعصومون - حسب زعمهم - إلى الله ﷿؟\nوهم رووا أيضًا في كتبهم عن جعفر بن محمد الباقر أنه نسب خلق الشقاوة إلى الله أيضًا ولا شك في قبحها كما رواه الكليني عن منصور بن حازم أنه قال:\nقال أبو عبد الله ﵇: إن الله خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق الخلق\" (٢).\nثم وما معنى قول الدكتور عبد الواحد وافي:\n\"يذهب الشيعة الجعفرية إلى أن العبد يحدث أعماله ولكن بقدرة أودعها الله فيه\" (٣).\nفمن يكون الموجود الحقيقي إذًا؟ هل الذي أوجد قدرة الفعل في خلقه أم الذي خلقت فيه هذه القدرة على ذلك الفعل؟\nلأن العبد محروم من قدرة الإيجاد والإبداع، وقدرة الفعل والاكتساب، وما دام الله هو المبدع وهو الخالق فيه هذه القدرة فلا تنسب ثمرته ونتيجته إلا إليه، ولا دخل للإنسان فيه.\nفليتدبر الشيعة في جوابه.\nوأما كون الرب خالقًا لأفعال العباد فهل يقال إنه فعل ما هو قبيح منه وظلم أم لا؟ فيجيب على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرد على ابن المطهر الحلي بقوله:\nفأهل السنة المثبتون للقدرة يقولون: ليس هو بذلك ظالمًا ولا فاعلًا قبيحًا، والقدرية يقولون: لو كان خالقًا لأفعال العباد كان ظالمًا فاعلًا لما هو قبيح منه، وأما كون الفعل قبيحًا من فاعله فلا يقتضي أن يكون قبيحًا\n_________\n(١) الكافي للكليني ج١ ص١٥٤\n(٢) الكافي للكليني ج١ ص١٥٤\n(٣) بين الشيعة وأهل السنة ص٥٧","vol":"1","page":161},{"text":"من خالقه، كما أن كونه أكلًا وشربًا لفاعله لا يقتضي أن يكون كذلك لخالقه لأن الخالق خلقه في غيره ولم يقم بذاته، فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره كما أنه إذا خلق لغيره لونًا وريحًا وحركة وقدرة كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون والريح والحركة والقدرة والعلم، فهو المتحرك بتلك الحركة، والمتلون بذلك اللون، والعالم بذلك العلم، والقادر بتلك القدرة، فكذلك إذا خلق في غيره كلامًا أو صلاة أو صيامًا أو طوافًا لأن ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام وهو المصلي وهو الصائم وهو الطائف ولكن من قال: إن الفعل هو المفعول يقول: إن أفعال العباد هي فعل الله، فإن قال: وهو أيضًا فعل لهم لزمه أن يكون الفعل والحد لفاعلين كما يحكى عن أبي إسحاق الأسفرائيني.\nوإن لم يقل: هي فعل لهم لزمه أن تكون أفعال العباد فعلًا لله لا لعباده كما يقوله الأشعري ومن وافقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم الذين يقولون: إن الخلق هو المخلوق، وإن أفعال العباد خلق الله، فتكون هي لله وهي مفعول لله كما أنها خلقه وهي مخلوقة، وهذا الذي ينكره جمهور العقلاء ويقولون: إن مكابرة للحس ومخالفة للشرع والعقل.\nوأما جمهور أهل السنة فيقولون: إن فعل العبد فعل له حقيقة ولكنه مخلوق لله ومفعول لله، لا يقولون: هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول (١).\nوبعد بيان هذا كله نلقي نظرة عابرة على أخطاء الدكتور وافي في هذا الفصل القصير أيضًا كما عهدناها في جميع الفصول والأبواب، وعلى محاولاته تبرئة الشيعة من كثير من الانحرافات والزيغ والضلال، وتصويبهم في آرائهم ومعتقداتهم، فيقول:\nإن الشيعة الجعفرية يتفقون في بعض نواحي هذه العقيدة مع المعتزلة والقدرية ولكنهم يتقون انحراف المعتزلة بعدم موافقتهم لهم على القول بأن العباد\n_________\n(١) منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ج١ ص٢١٣، ٢١٤","vol":"1","page":162},{"text":"خالقون لأعمالهم، وهو القول الذي انحرف به المعتزلة عن الاعتقاد السليم\" (١).\nومن المؤسف حقًا أن الشيخ لا يعلم وهو في هذه المنزلة من العلم وتلك المرحلة من العمر، وبهذه الجرأة في الإقدام على الكتابة لتبرئة الشيعة ما لزمهم من العار والشنار، والقول بالباطل: إن الشيعة اتقوا انحراف المعتزلة بأن العباد خالقون لأعمالهم ذلك القول الذي انحرف به المعتزلة عن الاعتقاد السليم، بل وقعوا في عين ذلك الانحراف كما نقلنا عن الحر العاملي صاحب موسوعة حديثية شيعية كبرى (وسائل الشيعة) حيث يقول:\nمذهب الإمامية هو عين مذهب المعتزلة في أفعال العباد، وهذا هو نص عبارته في كتابه (الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة) تحت الباب السابع والأربعين:\nإن الله خالق كل شيء إلا أفعال العباد: أقول: مذهب الإمامية والمعتزلة أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها\" (٢).\nوقد أقر بذلك شيخ الشيعة المفيد في كتابه (أوائل المقالات) تحت باب: القول في العدل والخلق، بعد نفي خلق الأفعال عن الله تعالى:\nوعلى هذا القول جمهور أهل الإمامة، وبه تواترت الآثار عن آل محمد - ﷺ -، وإليه يذهب المعتزلة بأسرها إلا ضرارًا منها وأتباعهم وخالف فيه جمهور العامة (أي أهل السنة) وبقايا من عددناهم (٣).\nونقل هذه العقيدة عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والشاه عبد العزيز الدهلوي في (التحفة الاثنى عشرية) وغيرهم من علماء أهل السنة والجماعة الذين كتبوا في الرد على الشيعة.\nوهذه هي العقيدة المنقولة المتوارثة عن الشيعة قديمًا وحديثًا، وقد تجاهلها الدكتور وافي.\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٥٩\n(٢) الفصول المهمة ص٨٠، ٨١\n(٣) أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ص٦٣، ٦٤","vol":"1","page":163},{"text":"وأما تبرئة الدكتور وافي الشيعة وتقريره بأنهم لا يسمون غير الله خالقًا قد انفرد بالخلق والتكوين فليست إلا تبرئة قائمة على حسن الظن وعدم المعرفة بكلام القوم لأن الشيعة ينسبون الخلق إلى غير الله كما مر سابقًا في أفعال العباد، وأيضًا وقد رووه عن فتح بن يزيد الجرجاني أنه قال:\nقلت لأبي الحسن ﵇: هل غير الخالق الجليل خالق؟\nقال: إن الله ﵎ يقول:\n﴿. . فتبارك الله أحسن الخالقين﴾.\nإن في العباد خالقين وغير خالقين، منهم عيسى ﵇ خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله. والسامري خلق لهم عجلًا جسدًا له خوار\" (١).\nوهناك روايات أخرى عن أبي جعفر وغيره تدل على أن الخلق ينسب إلى الملك:\n\"هو الذي خلق سبع سماوات وسبع أرضين وأشياء\".\nوكذلك ما رواه الكليني أن ملكين خلاقين يخلقان بإذن الله من ذكر وأنثى وشقي وسعيد\" (٢).\nوغير ذلك من الروايات.\nولا أدري مع ذلك كيف أباح الدكتور لنفسه أن يدعي هذا الادعاء؟ وأن يلقن الشيعة ويلقي في أفواههم ما لا يقولونه أنفسهم؟\n_________\n(١) الفصول المهمة ص٨١\n(٢) الكافي للكليني ج١ ص١٥٢","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الثالث\nالتقية</span>\nذكر الدكتور وافي فيما من معتقدات الشيعة التقية موافقًا إياهم في جوازها، مستندًا على القرآن والسنة حيث يقول:\nإننا نتفق معهم في جواز التقية في المواطن التي يشيرون إليها، والتي أجازها القرآن وأجازتها السنة النبوية الشريفة\" (١).\nولا يعلم الدكتور أن التقية الشيعية مخالفة للقرآن والسنة كل المخالفة، حيث أن معناها الكذب المحض والنفاق الخالص. ولم ترد آية في القرآن تبيح الكذب والنفاق، لا رواية ع رسول الله تجيزهما، بل على العكس من ذلك وردت آيات كثيرة في القرآن وأحاديث عديدة عن رسول الله - ﷺ - تحرم هذا وذاك. ولقد صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه حيث قال:\nالنفاق والزندقة في الروافض أكثر من سائر الطوائف، بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق فإن أساس النفاق الذي بني عليه الكذب أن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم ﴿يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية، وتحكي هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك، بل كانوا من أعظم الناس صدقًا وتحقيقًا للإيمان وكان دينهم التقوى، لا التقية.\nوقول الله تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ (٢): إنما هو الأمر بالاتقاء من الكفار، لا الأمر بالنفاق والكذب، والله تعالى قد أباح\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٦٣\n(٢) سورة آل عمران: الآية٢٨","vol":"1","page":165},{"text":"لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان لكن لم يكره أحدًا من أهل البيت على شيء من ذلك حتى أن أبا بكر ﵁ لم يكره أحدًا، لا منهم ولا من غيرهم على متابعته، فضلًا أن يكرههم على مدحه والثناء عليه، بل كان علي وغيره من أهل البيت يظهرون ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم والترحم عليهم والدعاء لهم، ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه باتفاق الناس.\nوقد كان في زمن بني أمية وبني العباس خلق عظيم دون علي وغيره في الإيمان والتقوى يكرهون منهم أشياء ولا يمدحونهم، ولا يثنون عليهم، ولا يقربونهم، ومع هذا لم يكن هؤلاء يخافونهم ولم يكن أولئك يكرهونهم مع أن الخلفاء الراشدين كانوا باتفاق الخلق أبعد عن قهر الناس وعقوبتهم على طاعتهم من هؤلاء، فإذا لم يكن الناس مع هؤلاء مكرهين على أن يقولوا بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم .. فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك، بل على الكذب وشهادة الزور وإظهار الكفر كما تقوله الرافضة من غير أن يكرههم أحد على ذلك، فعلم أن ما تتظاهر به الرافضة هو من باب الكذب والنفاق، وأن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، لا من باب ما يكره المؤمن عليه من التكلم بالكفر\" (١).\nوهو كما قاله شيخ الإسلام لأن الشيعة لم يؤسسوا دينهم إلا على الكذب والنفاق، ولم يروجوا ديانتهم إلا بإظهار ما لم يعتقدوه في السر وإعلان ما يبطنون خلافه دون أن يجبرهم على ذلك أحد أو يكرههم، وخير مثال لذلك ما رواه الكشي في كتابه عن أبان بن تغلب أنه قال:\nقلت لأبي عبد الله ﵇: إني أقعد في المسجد فيجيء الناس، فيسألوني، فإني لم أجبهم لم يقبلوا مني، وأكره أن أجيبهم بقولكم، وما جاء منكم؟\nفقال لي: انظر ما علمت أنه من قولهم فأخبرهم بذلك\" (٢).\n_________\n(١) منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ج١ ص١٥٩، ١٦٠ ط باكستان\n(٢) رجال الكشي ص٢٨٠ - ط مؤسسة الأعلمي كربلاء - العراق، ومثل ذلك في الأصول الأصلية والقواعد الشرعية ص٣٢٧ - ط مكتبة المفيد قم - إيران","vol":"1","page":166},{"text":"ومثل ذلك رواه معاذ بن مسلم النحوي قال:\n\"قال لي أبو عبد الله ﵇: بلغي أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟\nقال: قلت: نعم، وقد أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إني أقعد في الجامع فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يقولون، ويجيء الرجل أعرفه بحبكم أو مودتكم فأخبره بما جاء عنكم .. قال: فقال لي (أي أبو جعفر): اصنع كذا فإن أصنع كذا! \" (١).\nومثل ذلك روى أبو بصير عن محمد الباقر قال:\n\"خالطوهم بالبرانية (أي ظاهرًا) وخالفوهم بالجوانية (أي باطنًا) \" (٢).\nوهذه الروايات الثلاثة صريحة في معناها لا تحتاج إلى تشريح وتوضيح لبيان أن التقية الشيعية ليست إلا النفاق بعينها، وهذا هو المعبر عن المنافقين في القرآن الحكيم:\n﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ (٣).\nوذكره الله في أوصافهم وخصائصهم:\n﴿. . يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون﴾ (٤).\nوإن الروايات الشيعية عن أئمتهم المعصومين - حسب زعمهم - التي تنبئ وتخبر أن التقية الشيعية ليست إلا نفاقًا محضًا، كثيرة جدًا، وقد أوردنا الكثير منها في كتابنا (الشيعة والسنة) تحت باب (الشيعة والكذب)، وما لم نوردها فيه نذكر بعضًا منها ههنا زيادة للفائدة والمعرفة، فيروي الكليني في كافيه عن هشام الكندي أنه قال:\nسمعت أبا عبد الله ﵇ يقول:\n_________\n(١) رجال الكشي ص٢١٨ تحت ترجمة معاذ بن مسلم الحراء النحوي\n(٢) الكافي في الأصول للكليني ج٢ ص٢٢٠ ط إيران\n(٣) سورة البقرة الآية ١٤\n(٤) سورة آل عمران الآية ١٦٧","vol":"1","page":167},{"text":"\"إياكم أن تعملوا عملًا يعيرونا به، فإن ولد السوء يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زينًا، ولا تكونوا عليه شينًا، صلوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم. والله، ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء. قلت: وما الخبء؟\nقال: التقية\" (١).\nوروي ابن بابويه القمي عن المدرك بن هزهاز أنه قال:\n\"قال أبو عبد الله ﵇: يا مدرك، رحم الله عبدًا اجتر مودة الناس إلى نفسه فحدثهم بما يعرفون، وترك ما ينكرون\" (٢).\nوكذبوا على أصحاب الكهف حيث اتهموهم بالنفاق وخداع الناس بإظهارهم خلاف ما يبطنون في قلوبهم حيث نقلوا عن جعفر أنه قال:\n\"ما بلغ التقية أحد تقية أصحاب الكهف إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير فأعطاهم الله أجرهم مرتين\" (٣).\nمع أن الرب ﵎ أخبر عكس ذلك حيث ذكر في كلامه المحكم: ﴿.. إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهًا لقد قلنا إذًا شططًا * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا * وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقًا﴾ (٤).\nولكن القوم يقولون عكس ذلك، ويأمرون الناس بالكذب، وأن يصيروا من المنافقين، الذين قال الله عنهم:\n﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا﴾ (٥).\n_________\n(١) الأصول من الكافي ج٢ ص٢١٨ ط إيران\n(٢) كتاب الخصال لابن بابويه القمي ١ ص٢٥ ط إيران\n(٣) الأصول من الكافي للكليني ج٢ ص٢١٨\n(٤) سورة الكهف الآية ١٣ - ١٦\n(٥) سورة النساء الآية ١٤٥","vol":"1","page":168},{"text":"ومعروف أن الإنسان إذا كان في بلدة يخاف على دينه وعرضه وماله من تعرض المخالفين وجبرهم وظلمهم وقهرهم على عدم إظهار دينه والعمل بأحكامه وتعاليمه، وجب عليه أن يهاجر إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه والعمل به كما قال الله ﷿:\n﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا * ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ (١).\nفأمرهم الرب ﵎ بالهجرة، إلا المستضعفين منهم، فإنه يجوز لهم المكث مع المخالفة والموافقة بقدر الضرورة، ووجب عليهم أيضًا أن يسعوا في الحيلة للخروج والفرار بدينهم.\nنعم، إن وقع شخص في أيدي الكفار، وأجبروه على كلمة الكفر بالتخويف والتهديد والحبس والفتك والقتل، جاز له أن ينطق بتلك الكلمة وقلبه مطمئن بالإيمان، وفي تلك الصورة .. فإن التفوه بهذه الكلمة رخصة وعدم التفوه بها عزيمة، ولو قتل دون ذلك فهو شهيد كما يدل على ذلك ما قاله الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين من أصحابه أخذهما مسيلمة الكذاب، فقال لأحدهما:\nأتشهد أن محمدًا رسول الله؟\nقال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول الله؟\nقال: نعم، ثم دعا الآخر فقال له: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟\nقال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟\n_________\n(١) سورة النساء الآية ٩٧ وما بعدها","vol":"1","page":169},{"text":"قال: إني أصم. قالها ثلاثًا، وفي كل يجيبه: إني أصم، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال:\n\"أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله، فهنيئًا له، وأما الآخر فقد رحمه الله تعالى فلا تبعة عليه\" (١).\nولكن الشيعة جعلوا النفاق والكذب عزيمة، والصدق والمجاهرة بالحق رخصة، ولا رخصة أيضًا حيث نقلوا عن أئمتهم المعصومين حسب زعمهم - وهم يكذبون عليهم - أنهم قالوا كما رواه الكليني عن جعفر:\nيا سليمان، إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله\" (٢).\nوكما رواه الكليني أيضًا عن جعفر أنه قال لأحد أصحابه معلي بن خنيس: يا معلى، اكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا، وجعله نورًا بين عينيه في الآخرة، يقوده في الجنة.\nيا معلى، من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة، وجله ظلمة تقوده إلى النار.\nيا معلى، إن التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له\" (٣).\nوروى الكليني أيضًا عن جعفر عن أبيه محمد الباقر أنه قال:\nلا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إلي من التقية، يا حبيب، إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب، من لم تكن له تقية وضعه الله\" (٤).\nوعنه أيضًا عن أبي عمر الأعجمي أنه قال:\nقال لي أبو عبد الله ﵇: يا أبا عمر، إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلا النبيذ والمسح على الخفين\" (٥).\n_________\n(١) مشكاة المصابيح\n(٢) الكافي للكليني ج٢ ص٢٢٢، كتاب الإيمان والكفر\n(٣) الأصول من الكافي ج٢ ص٢٢٣، ٢٢٤\n(٤) الكافي في الأصول ج٢ ص٢١٧ كتاب الإيمان والكفر باب التقية\n(٥) الكافي: ٢/ ٢١٧","vol":"1","page":170},{"text":"كما روى أيضًا عن جعفر أنه قال:\nكان أبي ﵇ يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية، وإن التقية جنة المؤمن\" (١).\nهذا وقد أورد عالم شيعي كبير هو عبد الله شبر في كتابه (الأصول الأصيلة والقواعد الشرعية) روايات كثيرة في وجوب التقية، منها ما رواه عن الحسين بن علي أنه قال:\nلولا التقية ما عرف ولينا من عدونا.\nوعن محمد الباقر أنه قال:\nأشرف أخلاق الأئمة والفاضلين من شيعتنا استعمال التقية.\nوعن أبيه علي بن الحسين أنه قال:\nيغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين، ترك التقية وتضييع حقوق الإخوان.\nوعن موسى بن جعفر أنه قال لرجل:\nلو جعل إليك التمني في الدنيا ما كنت تتمنى؟\nقال: كنت أتمنى أن أرزق التقية في ديني وقضاء حقوق إخواني، فقال: أحسنت، أعطوه ألفي درهم.\nوعن علي بن محمد - الإمام العاشر للشيعة - أنه سئل: من أكمل الناس؟\nقال: أعلمهم بالتقية وأقضاهم لحقوق إخوانه إلى أن قال:\nفأعظم فرائض الله عليكم بعد فرض موالاتنا ومعاداة أعدائكم استعمال التقية على أنفسكم وأموالكم ومعارفكم، وقضاء حقوق إخوانكم، وإن الله يغفر كل ذنب بعد ذلك ولا يستقصي، فأما هذان فقل من ينجو منهما إلا بعد مس عذاب شديد\" (٢).\nورووا أيضًا عن أبي الحسن - إمامهم المعصوم المزعوم - أنه قال:\n_________\n(١) الكافي ج٢ ص٢٢٠\n(٢) الأصول الأصلية والقواعد الشرعية لعبد الله شبر المتوفى سنة ١٢٤٢هـص٣٢٣، ٣٢٤ ط قم - إيران","vol":"1","page":171},{"text":"إن أكرمكم عند الله أتقاكم، قال: أشدكم تقية\" (١).\nوع داود الصرمي أنه قال:\nقال لي مولانا علي بن محمد ﵇: يا داود، لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقًا\" (٢).\nوروى الطوسي في أماليه عن جعفر أنه قال:\nليس منا من لم يلزم التقية\" (٣).\nفهذه هي التقية الشرعية، وهذه هي مكانتها وشأنها عندهم يقول السيد محب الدين الخطيب المصري في رسالته (الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها مذهب الشيعة الاثنى عشرية):\n\"وأول موانع التجاوب الصادق بإخلاص بيننا وبينهم ما يسمونه التقية، فإنها عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر لنا بغير ما يبطنون، فينخدع سليم القلب منا بما يتطاهرون له به من رغبتهم في التعاون والتقارب، وهم لا يريدون ذلك، ولا يرضون به، ولا يعملون له\" (٤).\nوأضف إلى قول السيد الخطيب: إن الشيعة لا يظهرون بغير ما يبطنون لنا أهل السنة خاصة. بل إنهم يعودون على الكذب حتى مع أهل مذهبهم كي يصير الكذب والنفاق سجيتهم وطبيعتهم كما روى الطوسي في أماليه أنه قال جعفر لشيعته:\nعليكم بالتقية، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره وداثاره مع من يأمنه ليكون سجيته مع من يحذره\" (٥).\nفمن يك هذا دينهم، أيقال عنهم: إننا نتفق معهم في جواز التقية في المواطن التي أشير إليها، والتي أجازها القرآن الكريم وأجازته السنة النبوية الشريفة\".\n_________\n(١) المحاسن للبرقي ص٢٥٨ باب التقية ط قم - إيران\n(٢) كتاب السرائر نقلًا عن (الأصول الأصلية) لعبد الله الشبر ص٣٢٠ ط قم - إيران\n(٣) الأمالي للطوسي نقلًا عن الأصول الأصلية والقواعد الشرعية لعبد الله الشبر\n(٤) الخطوط العريضة ص٨، ٩ الطبعة السادسة\n(٥) الأمالي للطوسي نقلًا عن الأصول الأصلية ص٢٢٠","vol":"1","page":172},{"text":"ولقد أخطأ السيد الدكتور حيث قال:\nوقد أجازها الشيعة الجعفرية\" (١).\nلأن الشيعة لا يجيزونها فحسب، بل يوجبونها كما نقلنا عنهم روايات كثيرة في ذلك، وكما صرح به صدوقهم ابن بابويه القمي في اعتقاداته:\n\"التقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يقوم القائم، ومن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة\" (٢).\nوقال مفيدهم:\n\"التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدين أو الدنيا، وفرض ذلك إذا علم بالضرورة أو قوي في الظن\" (٣).\nوقال في (أوائل المقالات):\nإنها قد تجب أحيانًا ويكون فرضًا، وتجوز أحيانًا من غير وجوب (٤).\nولقد فصلنا القول في ذلك في كتابنا (الشيعة والسنة) وبحثنا فيه عن الأسباب التي ألجأت الشيعة وأرغمتهم على اعتقادها، كما أوردنا فيه روايات كثيرة ونصوصًا عديدة من كتبهم المعتمدة ورجالاتهم الموثوقين، أعرضنا عن إيرادها ههنا تجنبًا للتكرار والإطالة، وعلى كل من يريد أن يعرف حقيقة هذه العقيدة فليرجع إليه، فإنه لا غنى عنه.\nونختم الكلام في هذا المبحث برواية يرويها بخاريهم الكليني عن عبد الله بن يعفور أنه قال:\nقلت لأبي عبد الله ﵇: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلانًا وفلانًا، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق، قال:\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٦١\n(٢) الاعتقادات لابن بابويه القمي\n(٣) شرح اعتقادات الصدوق فصل التقية ص٢٤١\n(٤) أوائل المقالات ص١٣٥","vol":"1","page":173},{"text":"فاستوى أبو عبد الله ﵇ جالسًا، فأقبل علي كالغضبان، ثم قال:\nلا دين لمن دان الله بولاية إمام ليس من الله\" (١).\nفكيف يكون الصدق والوفاء لقوم أمروا بالكذب والنفاق؟\nيقول عالم شيعي هندي هو السيد إمام:\n\"إن مذهب الإمامية وأهل السنة عينان تجريان إلى مختلف الجهات، وإلى القيامة تجريان هكذا متباعدتين، لا يمكن اجتماعهما أبدًا\" (٢).\n_________\n(١) الكافي في الأصول ج١ ص٢٣٧ - ط الهند\n(٢) مصباح الظلم للسيد إمداد إمام ص٤١، ٤٢","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الرابع\nالبَداء</span>\nهنالك عقيدة شيعية أخرى لا تقل شناعة عن العقائد الأخرى التي يختص بها القوم، وهي عقيدة البداء في الله.\nومعنى البداء الظهور بعد الخفاء كما ذكر ذلك السيد محسن الأمين في كتابه (الشيعة بين الحقائق والأوهام) تحت عنوان البداء:\nالبداء مصدر بدا يبدو بداء أي ظهر، ويستعمل في العرف بمعنى الظهور بعد الخفاء، فيقال: فلان كان عازمًا على كذا ثم بدا له فعدل عنه\" (١).\nوبمثل ذلك نقل ابن منظور الأفريقي عن اللغويين حيث قالوا:\nالبداء استصواب شيء بعد أن لم يعلم .. وقال الفراء: بدا لي بداء أي ظهر لي رأي آخر وأنشد:\nلو على العهد لم يخنه لدمنا ... ثم لم يبد لي سواه بداء\nقال الجوهري: وبدا له في الأمر بداء أي نشأ له فيه رأي - وذكر أيضًا -: بدا لي أي تغير لي رأي على ما كان عليه\" (٢).\nوفي هذا المعنى استعمل هذا اللفظ في القرآن الكريم:\n﴿. . وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ (٣).\n﴿وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ (٤).\n_________\n(١) الشيعة بين الحقائق والأوهام ص٤٥، ٤٦ الطبعة الثالثة سنة ١٩٧٧م بيروت\n(٢) لسان العرب ج١٤ ص٦٦ ط مصر وبيروت\n(٣) سورة الزمر الآية ٤٧\n(٤) سورة الزمر الآية ٤٨","vol":"1","page":175},{"text":"﴿وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ (١).\n﴿. . قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾ (٢).\nوأيضًا: ﴿. . فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما. .﴾ (٣).\nففي كل الآيات استعمل هذا اللفظ بمعنى الظهور بعد الخفاء.\nوتجيز الشيعة هذا البداء لله، أي يظهر له أمر بعدما كان خفيًا عليه - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - كما تنص على ذلك روايات شيعية كثيرة في أمهات كتبهم، المعتمدة الموثوقة، منها مارووه عن جعفر أنه كان يقول بإمامة ابنه إسماعيل بعده، ثم مات إسماعيل في حياته فقال:\nما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني\" (٤)\nومثل ذلك ما رواه الكليني في كافيه عن إمامهم العاشر علي بن محمد المكنى بأبي الحسن أنه لما مات ابنه الأكبر محمد المكنى بأبي جعفر وبقي له ابنه الأصغر الحسن المكنى بأبي محمد قال كما روى أبو هاشم الجعفري:\nكنت عند أبي الحسن ﵇ بعد ما مضى ابنه جعفر وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول: كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمد ﵈ وأن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجي بعد أبي جعفر ﵇ فأقبل عليّ أبو الحسن قبل أن أنطق فقال:\nنعم يا أبا هاش، بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر ﵇ ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله\n_________\n(١) سورة الجاثية الآية ٣٣\n(٢) سورة آل عمران الآية ١١٨\n(٣) سورة الأعراف الآية ٢٢\n(٤) كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه القمي ج١ ص٦٩ - ط طهران سنة ١٣٩٥هـ، وفرق الشيعة للنوبختي ص٦٤، وكتاب المقالات والفرق لسعد بن عبد الله القمي ص٧٨ ط طهران سنة ١٩٦٣م، والأنوار النعمانية ج١ ص٣٥٩ ط إيران","vol":"1","page":176},{"text":"وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابنى المخلف من بعدي (١).\nوكما رواه أيضًا عن محمد بن عبد الله الأنباري أنه قال:\nكنت حاضرًا أبا الحسن ﵇ لما توفي ابنه محمد فقال للحسن:\nيا بني أحدث لله شكرًا فقد أحدث فيك أمرًا (٢).\nوهذه الروايات الثلاثة صريحة في معناها بأن الله لم يكن يعلم بأن كلًا من إسماعيل بن جعفر، ومحمد بن علي لا يصلحان للإمامة، وخفي الأمر عليه، ثم ظهر له عدم صلاحيتهما لتلك المنزلة وذلك المنصب فأحدث الإمامة في موسى بن جعفر وحسن بن علي.\nهذا وروى محدثو الشيعة روايات كثيرة في هذا المعنى، منها ما رواه ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق عن علي بن موسى الملقب بالرضا - الإمام الثامن لدى الشيعة -:\nلقد أخبرني أبي عن آبائي ﵈ عن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"إن الله أوحى إلى نبي من أنبيائه أن أخبر فلانًا الملك: أني متوفيه إلي كذا وكذا.\nفأتاه ذلك النبي فأخبره، فدعا الله الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير، قال: يا رب، عجلني حتى يشب طفلي ويقضى أمري.\nفأوحى الله ﷿ إلى ذلك النبي أن ائت الملك فأعلم أني قد أنسيت في أجله وزدت في عمره إلى خمس عشرة سنة، فقال ذلك النبي ﵇: يا رب، إنك لتعلم أني لم أكذب قط، فأوحى الله ﷿ إليه: إنك عبد مأمور فأبلغه ذلك، والله لا يسأل عما يفعل (٣).\nورووا مثل ذلك عن نبي الله عيسى الناطق بالوحي أنه مر بقوم مجلبين كما نقله القمي عن جعفر بن محمد فقال عيسى ﵇:\n_________\n(١) الأصول من الكافي ج١ ص٣٢٧\n(٢) الأصول من الكافي ص٣٢٦\n(٣) عيون أخبار الرضا ج١ ص١٨١، ١٨٢ تحت عنوان (البداء وما يتعلق به)","vol":"1","page":177},{"text":"ما لهؤلاء؟\nقيل: يا روح الله إن فلانة بنت فلان تهدى إلى فلان بن فلان في ليلتها هذه قال: يجلبون اليوم ويبكون غدًا، فقال قائل منهم: ولم يا رسول الله؟\nقال: لأن صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فقال القائلون بمقالته: صدق الله وصدق رسوله، وقال أهل النفاق: ما أقرب غدًا، فلما أصبحوا جاءوا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء، فقالوا: يا روح الله إن التي أخبرتنا أمس أنها ميتة لم تمت، فقال عيسى ﵇: يفعل الله ما يشاء، فاذهبوا بنا إليها، فذهبوا يتسابقون حتى قرعوا الباب فخرج زوجها، فقال له عيسى ﵇: استأذن لي إلى صاحبتك، قال: فدخل عليها فأخبرها أن روح الله وكلمته بالباب مع عدة، قال: فتخدرت، فدخل عليها فقال لها: ما صنعت ليلتك هذه؟\nقال: لم أصنع شيئًا إلا وقد كنت أصنعه فيما مضى إنه كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثله، وأنه جاءني في ليلتي هذه وأنا مشغولة بأمري وأهلي في مشاغيل، فهتف فلم يجبه أحد، ثم هتف فلم يجبه أحد حتى هتف مرارًا، فلما سمعت مقالته قمت متنكرة حتى أنلته كما كنا ننيله، فقال لها: تنحي عن مجلسك: فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه، فقال ﵇: بما صنعت صرف الله عنك هذا (١).\nوكذبوا على نبي الله محمد صلوات الله وسلامه عليه نقلًا عن جعفر أيضًا أنه قال:\nمر يهودي بالنبي - ﷺ - فقال: السلام عليك، فقال رسول الله - ﷺ -: عليك، فقال أصحابه: إنما سلم عليك بالموت. قال: الموت عليك. قال النبي - ﷺ -: كذلك رددت، ثم قال النبي - ﷺ -: إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله. قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطبًا كثيرًا فاحتمله،\n_________\n(١) أمالي الصدوق المجلسي الخامس والسبعون ص٤٠٤، ٤٠٥","vol":"1","page":178},{"text":"ثم لم يلبث أن انصرف فقال له رسول الله - ﷺ -: ضعه فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال: يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملًا إلا حطبي هذا احتملته فجئت به وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله - ﷺ -:\nبها دفع الله عنه، وقال: إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان\" (١).\nومعنى الروايتين واضح جلي أن نبي الله عيسى ﵇ أخبر بموت العروسة بإخبار من الله ﷿ وبوحي منه وخفي على الله - عياذًا بالله - بأن العروسة واليهودي لا يموتان في وقتهما الذي حدد لموتهما العارضة تعرض، وسبب يحدث، كما لم يظهر له - تعالى الله عما يقولونه علوًا كبيرًا - أن رسوليه يكذبان من قبل المعاندين، ويهزأ بهما من قبل المنافقين، ويتكلم الناس في أمرهما ما يتكلمون، ويكون في أيديهم حجة لتكذيبهم إياهم وللرد على مقولاتهم وأنبائهم فلا يبقى إذًا معنى النبوة والنبوءة.\nوعلى ذلك اضطرب القوم في أمر هذه العقيدة الخبيثة، المتفق عليها عند جميع الشيعة كما قال شيخهم المفيد: واتفقت الإمامية على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى وإن كان ذلك من جهة السمع دون القياس (٢).\nفهذه العقيدة المتفقة عندهم جعلتهم يضطربون عند الإيرادات والإشكالات ولا يجدون عنها مخلصًا إلا بالتأويلات الركيكة والتوجيهات الضعيفة الرخيصة، منها ما التجأ إليه كاتب شيعي دعائي في كتابه الدعائي (المشهور أصل الشيعة وأصولها)، وضعف قوته وفتور همته وقلة حيلته وعدم ثقته بكلامه تتدفق من عبارته وهو يقول:\nأما البداء الذي تقول به الشيعة الذي هو من أسرار آل محمد - ﷺ - وغامض علومهم حتى ورد في أخبارهم الشريفة أنه: ما عبد الله بشيء مثل القول بالبداء، وأنه: ما عرف الله حق معرفته ولم يعرف\n_________\n(١) الكافي للكليني ج٤ ص٥ - كتاب الزكاة\n(٢) أوائل المقالات ص٥٢","vol":"1","page":179},{"text":"بالبداء، إلى كثير من أمثال ذلك، فهو عبارة عن إظهار الله جل شأنه أمرًا يرسم في ألواح المحو والإثبات وربما يطلع عليه بعض الملائكة المقربين أو أحد الأنبياء والمرسلين فيخبر الملك به النبي، والنبي يخبر به أمته، لم يقع بعد ذلك خلافه لأنه محاه وأوجد في الخارج غيره وكل ذلك كان جلت عظمته يعلمه حق العلم ولكن في علمه المخزون المصون الذي لم يطلع عليه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ممتحن، وهذا المقام من العلم هو المعبر عنه القرآن الكريم بأم الكتاب المشار إليه، وإلى المقام الأول بقوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾، ولا يتوهم الضعيف أن هذا الإخفاء والإبداء يكون من قبيل الإغراء بالجهل وبيان خلاف الواقع، فإن في ذلك حكمًا ومصالح تقصر عنها العقول وتقف عندها الألباب (١).\nثم إن القوم لم يقفوا في سرد الروايات لدعم عقيدتهم هذه إلى هذا الحد بل قالوا: إن نبي الله لوطًا ﵇ كان يخاف من البداء لله إلى حد أنه طالب ملائكة العذاب أن يعجلوا بقومه العذاب كي لا تتغير إرادة الله فيهم بسبب من الأسباب التي خفيت عليه وتظهر فيما بعد.\nوهذه هي عبارة القوم نقلًا عن محمد الباقر بعد ذكر رسل الله الذين أرسلوا إلى قوم لوط:\nقال لهم لوط: يا رسول ربي فما أمركم ربي فيهم؟\nقالوا: أمرنا أن نأخذهم بالسحر.\nقال: فلي إليكم حاجة.\nقالوا: وما حاجتك؟\nقال: تأخذونهم الساعة، فإني أخاف أن يبدو لربي فيهم.\nفقالوا: يا لوط، إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب (٢).\nوقد بالغوا هذا حتى قالوا نقلًا عن محمد الباقر: أنه قال:\n_________\n(١) أصل الشيعة وأصولها لمحمد الحسين آل كاشف الغطاء ص١٤٨\n(٢) الكافي في الفروع للكليني ج٥ ص٥٤٦، كتاب النكاح باب اللواط","vol":"1","page":180},{"text":"إن الله ﷿ إذا أراد أن يخلق النطفة التي مما أخذ عليها الميثاق في صلب آدم أو ما يبدو له فيه ويجعلها في الرحم حرك الرجل للجماع وأوحى إلى الرحم - أن افتحي بابك حتى يلج فيك خلقي وقضائي النافذ وقدري، فتفتح الرحم بابها فتصل النطفة إلى الرحم، فتردد فيه أربعين يومًا. ثم تصير علقة أربعين يومًا، ثم تصير مضغة أربعين يومًا، ثم تصير لحمًا تجري فيه عروق مشتبكة، ثم يبعث الله ملكين خلاقين يخلقان في الأرحام ما يشاء الله فيقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة فيصلان إلى الرحم وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء فينفخان فيها روح الحياة والبقاء ويشقان له السمع والبصر وجميع الجوارح وجميع ما في البطن بإذن الله، ثم يوحي الله إلى الملكين: اكتبا عليه قضائي وقدري ونافذ أمرين واشترطا لي البداء فيما تكتبان .. فيملي أحدهما على صاحبه فيكتبان جميع ما في اللوح ويشترطان البداء فيما يكتبان (١).\nوقد عظموا هذه العقيدة حتى نقلوا عن أئمتهم أنهم قالوا:\n\"ما عبد الله بشيء مثل البداء\" قاله محمد الباقر (٢).\nوعن جعفر أنه قال:\n\"ما عظم الله بمثل البداء\" (٣).\nوعنه أيضًا ما نقله مالك الجهني أنه قال:\n\"لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما افتروا من الكلام فيه (٤).\nوعن مرازم بن حكيم أنه قال:\nسمعت أبا عبد الله ﵇ يقول:\nما تنبأ نبي قط حتى يقر لله بخمس خصال: بالبداء، والمشيئة، والسجود والعبودية، والطاعة (٥).\n_________\n(١) الكافي في الفروج ج٦ ص١٣، ١٤ كتاب العقيقة باب بدء خلق الإنسان\n(٢) الكافي في الأصول ج١ ص١٤٦، كتاب التوحيد باب البدء\n(٣) الكافي في الأصول\n(٤) الأصول من الكافي ١/ ١٤٨\n(٥) الأصول من الكافي","vol":"1","page":181},{"text":"وأخيرًا ما رواه الريان بن الصلت أنه قال:\n\"سمعت الرضا ﵇ يقول: ما بعث الله نبيًا قط إلا بتحريم الخمر، وأن يقر لله بالبداء\" (١).\nهذا ما يقوله الشيعة عن الله ويعتقدوه فيه وراثة عن اليهودية البغيضة، وناقلة أفكارها الخبيثة من قول اليهود:\n\"رأي الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه، فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته الإنسان مع البهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم (٢).\nومثل هذه الفقرات كثيرة في التوراة واضحة تشير إلى أن الله فعل شيئًا ولم يكن ليفعل لو عل في حينه أن نتيجته خلاف ما أراده، وخفي عليه ما ظهر فيما بعد - سبحانه عما يصفو.\nوأما ما يقوله الرب جل وعلا في كتابه المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو مخالف تمام المخالفة لما يعتقده اليهود والشيعة يقول الرب ﷿ عن نفسه:\n﴿. . عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ (٣).\nوقال:\n﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ..﴾ (٤).\nوقال:\n﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ (٥).\n_________\n(١) الكافي في الأصول ١/ ١٤٨\n(٢) سفر التكوين من التوراة الإصحاح السادس الفقرة ٥، ٦، ٧\n(٣) سورة سبأ الآية٣\n(٤) سورة يونس الآية٦١\n(٥) سورة الأنعام الآية ٥٩","vol":"1","page":182},{"text":"وأمر ملائكته أن يقولوا:\n﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيًا﴾ (١).\nوقال على لسان موسى ﵇:\n﴿. . لا يضل ربي ولا ينسى﴾ (٢).\nوقال:\n﴿. . وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾ (٣).\nوقال: ﴿. . وكان الله بكل شيء محيطًا﴾ (٤).\nوقال: ﴿. . ألا إنه بكل شيء محيط﴾ (٥).\nوالآيات في هذا المعنى كثيرة لا تعد ولا تحصى.\nأما الشيعة فيعتقدون في الله عكس ما يقوله الرب عنه ﷻ، وعم نواله، مصرحين بأن الله تعالى ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهرًا (٦).\nولماذا قالوا بالبداء؟\nهؤلاء القوم لماذا يقولون بهذه المقالة الشنيعة؟\nيجيب على ذلك أقدم من كتب في فرق الشيعة من الشيعة ومن يليه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، وسعد بن عبد الله القمي في كتابيهما (فرق الشيعة)، وكتاب (المقالات والفرق) نقلًا عن سليمان بن جرير:\n\"إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذبهم أبدًا، وهما القول بالبداء، وإجازة التقية.\n_________\n(١) سورة مريم الآية ٦٥\n(٢) سورة طه الآية ٥٢\n(٣) سورة الطلاق الآية ١٢\n(٤) سورة النساء الآية ١٢٦\n(٥) سورة فصلت الآية ٥٤\n(٦) رسالة أعلام الهدى في تحقيق البداء لنظام الدين الجيلاني الشيعي نقلًا عن تحفة اثنى عشرية ص٢٢٦","vol":"1","page":183},{"text":"فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في الغد، وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم:\nألم نعلمكم أن هذا يكون، فنحن نعلم من قبل الله ﷿ ما علمته الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي أخبروا به على ما قالوا، اعتذروا لشيعتهم بقولهم: بدا لله في ذلك بكونه.\nفما أصدقه وأحسن به.\nهذا ولم يقولوا بهذه المقالة ولم يعتقدوا بهذا الاعتقاد إلا لمخالفتهم المسلمين أهل السنة حيث أنهم أسسوا قواعد مذهبهم على مخالفة العقائد الإسلامية الخالصة المستقاة من كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه كما بيناه فيما مضى.\nوليس الأمر كما تصوره السيد الدكتور ومن يحذو حذوه ويسلك مسلكه دون علم أو برهان.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الخامس\nالجفر</span>\nوأما الجفر الذي تعرض لذكره الدكتور وافي وحين قال:\n\"هذا الكتاب لم تتصل روايته، ولا عرف عينه ولا صحة نسبته إلى الإمام جعفر، ومع تردد ذكره في الكتب المعتمدة عند الشيعة الجعفرية، فإن معظمهم لا يعرض لتأييده\". فإنه ثابت موجود لدى الشيعة الاثنى عشرية، مقرر عندهم، ولم يعرض أحد لرده خلاف الدكتور، وقد صحت نسبته إلى جعفر بن الباقر حسب زعم القوم واتصلت روايته، فإن محمد بن الحسن الصفار مثلًا الذي يعد من أصحاب الحسن العسكري - الإمام الحادي عشر المعصوم المزعوم - ومن أساتذة أئمة الحديث الشيعي كالكليني ووالد صدوق الشيعة علي بن الحسين، وغيرهم، ذكر في كتابه (بصائر الدرجات) أربعًا وثلاثين رواية موصولة متصلة، منها واحدة ثلاثون عن جعفر بن محمد، وواحدة منها عن أبيه محمد الباقر، وأخرى عن أبيه ابن الحسين، والثالثة منها عن أبي الحسن.\nوكذلك أورد الكليني إمام محدثي الشيعة ثماني روايات في ذكر الجفر، كلها عن جعفر بن محمد، روايات متصلة صحيحة الإسناد حسب قواعد الشيعة وأصول القوم.\nولا أدري على أي أساس قال ما قاله سيادته في ذلك، تبرئة لساحة الشيعة عما يلزمهم من الشناعة والسخرية بسبب عقائدهم الغريبة.\nونود أن نورد هنا روايات كي يعرف القارئ الجفر الشيعي الذي يؤهل أئمة الشيعة أن يساووا الأنبياء والمرسلين، بل وأكثر من ذلك أن","vol":"1","page":185},{"text":"يضاهوا علم الله بعلمهم ومعرفتهم ما سيكون ويحدث إلى يوم القيامة - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون.\nفيروي الكليني عن أبي بصير أنه قال:\nدخلت على أبي عبد الله ﵇ فقلت له: جعلت فداك، إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟\nقال: فرفع أبو عبد الله سترًا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه، ثم قال:\nيا أبا محمد، سل عما بدا لك. قال: قلت: جعلت فداك، إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله - ﷺ - علم عليًا ﵇ بابًا ينفتح له منه ألف باب؟\nقال: فقال: يا أبا محمد، علم رسول الله - ﷺ - عليًا ﵇ ألف باب يفتح من كل باب ألف باب.\nقال: قلت: هذا والله العلم. قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال إنه لعلم وما هو بذاك. . ثم قال:\nوإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟\nقال: قلت: وما الجفر؟\nقال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل\" (١).\nوروي أيضًا عن الحسين بن أبي العلاء أنه قال:\nسمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: إن عندي الجفر الأبيض، قال: فقلت: أي شيء فيه؟\nقال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم ﵇، والحلال والحرام .. وعندي الجفر الأحمر، قال: قلت: وأي شيء في الجفر الأحمر؟\n_________\n(١) الكافي في الأصول كتاب الحجة باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة ﵍ ج١ ص٢٣٩","vol":"1","page":186},{"text":"قال: السلاح، وذلك إنما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل، فقال له عبد الله بن أبي يعفور: أصلحك الله. أيعرف هذا بنو الحسن؟\nفقال: إي والله كما يعرفون الليل أنه ليل، والنهار أنه نهار ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرًا لهم\" (١).\nوروى الصفار عن أبي مريم عن محمد الباقر أنه قال في رواية طويلة:\n\"وعندنا الجفر، وهو أديم عكاظي قد كتب فيه حتى ملئت أكارعه، فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة\" (٢).\nوروي أيضًا عن أبي بصير عن جعفر بن محمد أنه قال في رواية طويلة عنه:\n\"إن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ مسك شاة أو جلد بعير؟\nقال: قلت: جعلت فداك ما الجفر؟\nقال: وعاء أحمر أو أدم، أحمر فيه علم النبيين والوصيين، قلت: هذا والله هو العلم. قال: إنه لعلم وما هو بذاك .. ثم سكت ساعة ثم قال: إن عندنا لعلم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هو العلم. قال: إنه لعلم وما هو بذاك، قال: قلت: جعلت فداك: وأي شيء هو العلم؟\nقال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر بعد الأمر، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة\" (٣).\nفهذا هو الجفر لدى القوم، وما الله بغافل عما يقولون ويعملون.\nوأما جعل الدكتور الجفر ومصحف فاطمة شيئًا واحدًا فيدل على عدم علمه بكتب الشيعة ومعرفته بمذهبهم ومعتقدهم حيث أنهم يجعلون الجفر شيئًا آخر مستقلًا ومصحف فاطمة كتابًا آخر لا علاقة بينهما إطلاقًا.\n_________\n(١) الأصول من الكافي ج١ ص٢٤٠\n(٢) بصائر الدرجات الكبرى للصفار الجزء الثالث ص١٨٠\n(٣) بصائر الدرجات ١٧٢","vol":"1","page":187},{"text":"كما أن حضرته نسي في غمرات الحب والدفاع عن معتقدات القوم أن ما يقوله في صفحة ٧٢ من كتيبه عن الجفر يخالف ما قاله في صفحة ٤٣، حيث يقول في معرض الكلام عن الجفر وعدم نسبته إلى جعفر:\nولو صح سنده لحمل أن ما فيه يتمثل في إلهام إلهي للإمام الصادق، وقد ذكرنا فيما سبق أن الجمهور يقر حقيقة الإلهام للمصطفين الأخيار من الناس، ومن عسى أن يكون أحق بهذا الوصف من الإمام جعفر الصادق وآل بيت الرسول صلوات الله وسلامه عليه\" (١).\nوهو الذي نقل رواية قبل ذلك عن الكليني في كتابه عن جعفر بن محمد:\n\"مكثت فاطمة بعد النبي خمسة وسبعين يومًا صبت عليها مصائب من الحزن لا يعلمها إلا الله، فأرسل الله إليها جبريل يسليها ويعزيها ويحدثها عن أبيها وما يحدث لذريتها وكان علي يسمع ويكتب حتى جاء به مصحفًا قدر القرآن ثلاث مرات ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون - ثم قال -: ولعل هذا هو الجفر\" (٢).\nفكيف التوافق بين هذا وذاك؟\nاللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.\nوأما قوله: ومن عسى أن يكون أحق بهذا الوصف (يعني الإلهام) من الإمام جعفر الصادق وآل بيت الرسول: فليس إلا مجازفة ومبالغة ومغالاة، وتخصيص قوم بالفضائل دون قوم آخرين بدون سند ولا دليل من الكتاب والسنة، لأن التقرب إلى الله والاصطفاء لديه لا يكون لحسب ولا نسب، والعز والشرف والمكرمة عنده لا تكون لقوم دون قوم، وقبيلة دون قبيلة، بل مداره طهارة النفس وتقوى القلوب: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (٣).\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٧٢\n(٢) بين الشيعة وأهل السنة ص٤٣\n(٣) سورة الحجرات الآية١٣","vol":"1","page":188},{"text":"فكم من الهاشميين لم ينالوا مرتبة أو منزلة عند الله وعند رسوله الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه مثل ما نالها غيرهم من العرب وغير العرب أيضًا، وقد أخبر رسول الله - ﷺ - عن عمر بن الخطاب أنه ملهم في أمته، كما ذكره الدكتور وافي، ولم يخبر عن عباس - وهو سيد بني هاشم بعد نبي الله - ﷺ -، وعمه الحقيقي - وكذلك نال من الكرامة والصحبة أبو بكر ﵁ ما لم ينلها أحد غيره في الكون من أهل البيت وغير أهل البيت.\nوغلى ذلك أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما نقل عنه الذهبي:\n\"ولولا أن الناس وجدوا عنه مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء .. ونفس بني هاشم كانوا يستفيدون من علم مالك بن أنس أكثر مما يستفيدون من ابن عمهم موسى بن جعفر\" (١).\n_________\n(١) المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص١٩١ - ط المطبعة السلفية - القاهرة","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الباب السادس\nالشيعة الإثنا عشرية ومسألة الإمامة</span>\nإن الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية كالنبوة، والإمام عندهم كالنبي غير أنه لا يطلق عليه لفظ النبوة كما صرح بذلك الكليني في كافيه، حيث روى عن محمد بن مسلم أنه قال:\nوسمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: الأئمة بمنزلة رسول الله - ﷺ -، إلا أنهم ليسوا بأنبياء، ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي - ﷺ -، فأما ما خلا ذلك فهم بمنزلة رسول الله - ﷺ - \" (١).\nوروي أيضًا عن جعفر أنه قال:\n\"نحن خزان علم الله، نحن تراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون، أمر الله ﵎ بطاعتنا، ونهى عن عصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض\" (٢).\nوأورد رواية أخرى عن مفضل بن عمر عن جعفر أنه سئل عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخي عليه ستره، فقال:\n\"يا مفضل، إن الله ﵎ جعل في النبي - ﷺ - خمسة أرواح، روح الحياة فيه دب ودرج، وروح القوة فيه نهض وجاهد، وروح الشهوة فيه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فيه آمن وعدل، وروح القدس فيه حمل النبوة، فإذا قبض النبي - صلى الله\n_________\n(١) الكافي في الأصول كتاب الحجة باب في أن الأئمة بمن يشبهون ممن مضى ج١ ص٢٧٠\n(٢) الأصول من الكافي ج٢ ص٢٦٩","vol":"1","page":191},{"text":"عليه وسلم - انتقل روح القدس فصار إلى الإمام (١)، وروح القدس لا ينام ولا يغفل، ولا يلهو ولا يزهو، وأربعة الأرواح تنام وتغفل، وتزهو وتلهو، وروح القدس كان يرى به\" (٢).\nوكما روى الكليني هذا أيضًا عن جعفر أنه سأله رجل من أهل هيت عن قول الله ﷿: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا﴾، فقال: منذ أنزل الله ﷿ ذلك الروح على محمد - ﷺ - ما صعد إلى السماء وإنه لفينا، وفي رواية: كان مع رسول الله - ﷺ - يخبره ويسدده - وهو مع الأئمة من بعده - وهو من الملكوت\" (٣).\nوهناك روايات أخرى صريحة أكثر من ذلك قد ذكرنا بعضًا منها فيما سبق، ونكتفي ههنا بذكر روايتين من الصفار عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:\n\"إن جبريل أتى رسول الله - ﷺ - برمانتين فأكل رسول الله - ﷺ - إحداهما وكسر الأخرى نصفين، فأكل نصفها وأطعم رسول الله عليًا نصفها، ثم قال رسول الله - ﷺ -:\nيا أخي: هل تدري ما هاتان الرمانتان؟\nقال: لا.\nقال: أما الأولى فالنبوة، ليس لك فيها شيء، وأما الأخرى فالعلم، أنت شريكي فيه، فقلت: أصلحك الله كيف يكون شريكه فيه؟\nقال: لا يعلم الله محمدًا علمًا إلا وأمره أن يعلم عليًا\" (٤).\n_________\n(١) وهل يمكن أن يقال بعد هذا: بأنهم يعتقدون باعتقاد ختم نبوة محمد - ﷺ - وأنهم ليسوا بأول من أنكر ختم النبوة عليه واعتقدوا بجريانها بعده؟\n(٢) الأصول من الكافي كتاب الحجة باب فيه ذكر أرواح الأئمة ﵈ ج١ ص٢٧٢\n(٣) الأصول من الكافي كتاب الحجة باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة ﵈ ج١ ص٢٧٣\n(٤) بصائر الدرجات الكبرى باب في أمير المؤمنين ﵇ أن رسول الله - ﷺ - مشاركه في العلم ولم يشاركه في النبوة، وذكر الرمانين ص٣١٢","vol":"1","page":192},{"text":"وروي أيضًا عن علي بن الحسين:\n\"إن محمدًا - ﷺ - كان أمين الله في أرضه، فلما قبض محمد - ﷺ - كنا أهل البيت ورثته، ونحن أمناء الله في أرضه، عندنا عل البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق، وأن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق، يردون موردنا، ويدخلون مدخلنا، نحن النجباء، وأفراطنا أفراط الأنبياء، ونحن أبناء الأوصياء، ونحن المخصصون في كتاب الله، ونحن أولى الناس بالله، ونحن أولى الناس بكتاب الله، ونحن أولى الناس بدين الله، ونحن الذين شرع لنا دينه، فقال في كتابه: شرع لكم يا آل محمد من الدين ما وصى به نوحًا، وقد وصانا بما أوصى به نوحًا، والذي أوحينا إليك يا محمد وما وصينا به إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى وإسحاق ويعقوب، فقد علمنا وبلغنا ما علمنا، واستودعنا علمهم، نحن ورثة الأنبياء، ونحن ورثة أولي العزم من الرسل: أن أقيموا الدين يا آل محمد ولا تفرقوا فيه وكونوا على جماعة كبر على المشركين من أشرك بولاية على ما تدعوهم إليه من ولاية علي إن الله يا محمد يهدي إليه من ينيب من يجيبك إلى ولاية علي (١) ﵇\" (٢).\nفهذه هي الإمامة عند الشيعة وهذا هو الإمام، ولا بأس أن نورد ههنا روايتين أخريين أوردهما صدوق الشيعة - وهو كذوب - ابن بابويه القمي، وهو واحد من أصحاب الصحاح الأربعة أنه روى عن جعفر بن محمد الباقر عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين (٣) أنه قال:\n_________\n(١) ومن المعروف أن هذه العبارة ليست من القرآن بل إنها مختلفة مزورة مكذوبة على لسان علي زين العابدين، وأن علي بن الحسن وأمثاله براء مما يعتقده الشيعة من التحريف في القرآن\n(٢) بصائر الدرجات الكبرى - باب في الأئمة أنهم ورثوا علم أولي العزم من الرسل وجميع الأنبياء، وأنهم صلوات الله عليهم أمناء الله في أرضه، وعندهم علم البلايا والمنايا وأنساب - العرب ص١٣٨\n(٣) وهذا أصح الروايات عند الشيعة حيث يروي إمام معصوم حسب زعمهم عن إمام معصوم إلى آخره","vol":"1","page":193},{"text":"\"نحن أئمة المسلمين وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها، ثم قال:\n\"ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لما يعبد الله، قال سليمان: فقلت للصادق ﵇:\nفكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟\nقال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب\" (١).\nوروي أيضًا عن محمد الباقر أنه قال:\n\"نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحون حوزته، ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن أمناء الله ﷿، ونحن حجج الله، ونحن أركان الإيمان، ونحن دعائم الإسلام، ونحن من رحمة الله على خلقه، ونحن من بنا يفتح وبنا يختم، ونحن أئمة الهدى، ونحن مصابيه الدجى، ونحن منار الهدى، ونحن السابقون، ونحن الآخرون، ونحن العلم المرفوع للخق، من تمسك بنا لحق، ومن تأخر عنا غرق، ونحن قادة الغر المحجلين، ونحن خيرة الله، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله ﷿، ونحن من نعمة الله ﷿ على خلقه، ونحن المنهاج، ونحن معدن النبوة، ونحن موضع الرسالة، ونحن الذين إلينا تختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء بنا، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا، ونحن الهداة إلى الجنة، ونحن عرى الإسلام، ونحن الجسور والقناطر، من مضى عليها لم يسبق، ومن تخلف عنها محق، ونحن السنام العظام، ونحن الذين بنا ينزل الله ﷿ الرحمة، وبنا يسقون\n_________\n(١) كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه القمي، باب العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام ج١ ص٢٠٧","vol":"1","page":194},{"text":"الغيث، ونحن الذين بنا يصر عنكم العذاب، فمن عرفنا وأبصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا\" (١).\nوعلى ذلك قالوا: \"يجب على الله نصب الإمام كنصب النبي\" (٢).\nوليس للخلائق خيار في اختيار الإمام وتعيينه، والله نصب للعالم أجمع اثنى عشر إمامًا، أولهم علي وآخرهم معدومهم الذي يزعمونه ابنًا للحسن العسكري الذي لم يولد قط.\nومن الغرائب أن واحدًا من هؤلاء الاثنى عشر لم يملك زمام الحكم أبدًا غير علي بن أبي طالب ﵁ الذي جعل الإمام باختيار من الناس بعد خلفاء رسول الله الثلاثة الذين سبقوه على منصب الإمامة والزعامة بعد رسول الله - ﷺ -، والذين استشهد علي ﵁ على صحة خلافته بصحة خلافتهم حيث قال كما ورد في أقدس كتاب شيعي (نهج البلاغة) - عكس ما يقوله القوم ورغم أنوفهم:\n\"إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى\" (٣).\nوحاصل الكلام: \"أننا لا نفهم الإمامة الشيعية التي يجعلونها واجبة، والتي يقولون فيها: إن على الله أن ينصب من يشغلها ويجوز بها لردع الظالم عن ظلمه وحمل الناس على الخير وردعهم عن الشر\" (٤).\n_________\n(١) كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه القمي ج١ ص٢٠٦\n(٢) انظر لذلك منهاج الكرامة للحلي ص٧٢، وأيضًا أعيان الشيعة الجزء الأول، القسم الثاني ص٦، أيضًا الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزي ص٤٤، ٤٥، أيضًا أصول المعارف لمحمد الموسوي ص٨٢، أيضًا الألفين الفارق بين الصدق والمين للمحلي ص١٥\n(٣) نهج البلاغة بتحقيق صبحي صالح ص٣٦٦، ٣٦٧ - ط بيروت\n(٤) أعيان الشيعة الجزء الأول القسم الثاني ص٦","vol":"1","page":195},{"text":"و: لحفظ الشريعة من الضياع ورفع الفساد وإقامة الحدود ونشر الأحكام والانتصاف للمظلوم من الظالم\" (١).\nو: إن الناس متى كان لهم رئيس منبسط اليد، قاهر، عادل، يردع المعاندين، ويقمع المتغلبين، وينتصف للمظلومين من الظالمين، اتسقت الأمور، وسكنت الفتن، ودرت المعايش، وكان الناس مع وجوده إلى الصلاح أقرب. ومتى خلوا من رئس صفته ما ذكرناه تكدرت معايشهم وتغلب القوي على الضعيف، وانهمكوا في المعاصي، ووقع الهرج والمرج، وكانوا إلى الفساد أقرب، ومن الصلاح أبعد\" (٢).\nلأن أئمتهم الاثنى عشر بما فيهم علي رضي الله تعالى عنه - حسب مقولتهم - لم يستطيعوا ردع الظالم عن ظلمه إياهم، ولم يتمكنوا بإقامة الحدود ولا رفع الفساد، ولا الانتصاف لأنفسهم من الظالم .. فضلًا عن غيرهم من المظلومين، وبذلك رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر كلام الحلي: إنه نصب أولياء معصومين لئلا يخلي الله العالم من لطفه، فقال:\nهم يقولون: إن الأئمة المعصومين مقهورون مظلومون عاجزون، ليس لهم سلطان ولا قدرة حتى إنهم يقولون ذلك في علي ﵁ منذ مات النبي - ﷺ - إلى أن استخلف، وفي الاثنى عشر، ويقرون أن الله ما مكنهم ولا ملكهم، وقد قال الله تعالى: ﴿. . فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا﴾، فإن قيل: المراد بنصبهم أنه أوجب عليهم طاعتهم فإذا أطاعوهم هدوهم، ولكن الخلق عصوهم، فيقال: لم يحصل - بمجرد ذلك - في العالم، لا لطف ولا رحمة، بل إنما حصل تكذيب الناس لهم ومعصيتهم إياهم. و(المنتظر) ما انتفع به من أقر به ولا من جحده، وأما سائر الاثنى عشر - سوى علي ﵁ - فكانت المنفعة بأحدهم كالمنفعة بأمثاله من أئمة الدين والعلم، وأما المنفعة\n_________\n(١) أصول المعارف لمحمد الموسوي ص٨٢\n(٢) تلخيص الشافي للطوسي ج١ ص٦٠ ط قم - إيران الطبعة السادسة صنة١٩٧٤م","vol":"1","page":196},{"text":"المطلوبة من أولي الأمر فلم تحصل بهم، فتبين أن ما ذكره من (اللطف) تلبيس وكذب\" (١).\nوقد ذكرنا عجزههم، وما حل بهم من قهر وظلم، وغلبة الغير عليهم من كتب القوم أنفسهم في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) وكتابنا (الشيعة والتشيع)، وأكثر من ذلك أثبتنا أن المنفعة الدينية أيضًا لم تكن تحصل منهم للخلق حيث أنهم كانوا يخافون الحكام ويهابون المخالفين، ولم يكونوا يستطيعون أن يظهروا ما في قلوبهم حسب علمهم وإيمانهم، وقد أوردنا في ذلك روايات كثيرة، منها ما ذكرناها عن الكليني أنه روى عن زرارة بن أعين أنه قال:\nسألت أبا جعفر ﵇ عن مسألة فأجابني، ثم جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل فسأله فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟.\nفقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا وأبقى لكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.\nقال: ثم قلت لأبي عبد الله ﵇: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فأجابني بمثل جواب أبيه\" (٢).\nوكما أوردنا رواية في مبحث التقية عن جعفر أنه قال لأحد متبعيه:\n\"يا سليمان، إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله\" (٣).\nوهناك روايات في هذا المعنى أكثر من أن تعد وتحصى.\nوحاصل الكلام: أن هذه هي الإمامة الشيعية التي يوجبونها على الله\n_________\n(١) المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص٣٤\n(٢) الأصول من الكافي في باب اختلاف الحديث ج١ ص٦٥\n(٣) الكافي في الأصول ج٢ ص٢٢٢ باب التقية - ط إيران","vol":"1","page":197},{"text":"ولم تحصل لأحد، ولم تثبت ولم تتحقق .. وقد بحثناها مفصلًا في كتابنا (الشيعة والتشيع).\nوهؤلاء هم أئمتهم: علي وأولاده الأحد عشر بما فيهم المعدوم، ويعدون غيرهم وكل من تولى الخلافة والإمامة في زمنهم خلفاء غاصبين مغتصبين (١) بما فيهم أبو بكر وعمر وعثمان الخلفاء الراشدون الثلاثة ﵁ أجمعين، ويوجبون البراءة منهم، والولاء لأئمتهم، ويجعلون ولايتهم أصلًا من أصول الإسلام وأساسًا من أسسه ودعائمه، لا يؤمن من لا يعتقد بها، ولا يكفر من يؤمن بها. والروايات والتصريحات في هذا لكثيرة جدًا، فالخلاف بيننا وبينهم في هذه المسألة خلاف جوهري وأصولي وعقائدي، لا كما زعمه السيد الدكتور وصرح به حيث يقول:\n\"إن خلافهم معنا في هذا الصدد خلاف نظري وأقرب أن يكون اختلافًا في حقائق التاريخ ولا يؤثر في إيمانهم شيئًا\" (٢).\nوعلى ذلك يكفر الشيعة كل من ينكر إمامة أئمتهم المزعومين، كما أن منكر النبوة كافر بالاتفاق، لأن الإمامة لا تختلف مع النبوة في أصلها، وجوهرها كما بيناه مقدمًا، وكما صرح بذلك أساطين الشيعة وصناديدها الذين نحن بصدد ذكرهم الآن، وكما دلت عليه روايات كثيرة عن أئمتهم المعصومين - حسب زعمهم - وسيأتي ذكرها إن شاء الله، لا كما زعمه سيادة الدكتور حيث قال:\nإنهم لم يحكموا بالكفر على من لا يعتقد بالإمامة على النحو الذي ذكروه ولو أنهم حكموا بذلك لكان لنا معهم موقف آخر إذ يكون معنى حكمهم هذا تكفير جميع أهل السنة (٣).\nيا لتساهل الدكتور، وفي هذا العمر!!!\n_________\n(١) انظر: (عقائد الشيعة) تأليف الحاج ميرزا آقاسي - نقلًا عن (عقيدة الشيعة) لرونالدسن - ط عربي القاهرة ص٣٥ باب (الغاصبون الثلاثة) وغيره من كتب الشيعة الكثيرة\n(٢) بين الشيعة وأهل السنة ص٧٥\n(٣) بين الشيعة وأهل السنة ص٧٧","vol":"1","page":198},{"text":"ويا لتحمسه لأهل السنة المساكين!!!\nولقد ذكرني قوله هذا ببيت شعر أورد ما معناه: لم يكن يسعنا إلا أن نموت من شدة الفرح والسرور لو كنا نعرف صدق وعده ووفائه.\nواأسفاه على عدم معرفة السيد الدكتور عقائد القوم وعدم علمه بالحقائق الثابتة الموجودة المسطورة في جميع كتبهم من التفسير والحديث والعقائد والكلام والتاريخ، وأنها كلها مليئة بتكفير أهل السنة قاطبة وتسميتهم النواصب. اللهم إلا بعض الكتب الدعائية التي لم تكتب لبيان المعتقدات وتعليمها وتفهيمها الشيعة، بل لمغالطة أهل السنة وخداعهم والتلبيس عليهم وتزوير الحقائق أمامهم، وإن لم يكن كذلك فلأي شيء حصل الافتراق والاختلاف؟.\nوإن القوم الذين حكموا على أصحاب رسول الله - ﷺ - بالردة، خيار خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين، وصفوتهم، لم يحكموا عليهم بهذا الحكم القدسي الجاني إلا لعدم مبايعتهم عليًا ﵁ - حسب زعمهم - ومبايعتهم أبا بكر الصديق، وبعده عمر الفاروق، وبعده عثمان ذا النورين ﵃ أجعين، وتركهم مناصرة علي وخذلانهم إياه كما يذكرون!!\nفهذا هو الكليني وغيره يروون عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:\n\"كان الناس أهل ردة بعد النبي - ﷺ - إلا ثلاثة: المقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري. . وقال:\nهؤلاء الذين دارت عليهم الرحى وأوا أن يبايعوا\" (١).\nوروى الكليني أيضًا عنه أنه قال:\nأصبح رسول الله - ﷺ - يومًا كئيبًا حزينًا، فقال له علي ﵇: ما لي أراك يا رسول الله كئيبًا حزينًا؟.\nقال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم\n_________\n(١) كتاب الروضة من الكافي للكليني ج٨ ص٢٤٦","vol":"1","page":199},{"text":"(أي أبا بكر وقومه)، وبني عدي (أي عمر وقبيلته)، وبني أمية (أي عثمان وعشيرته) يصعدون منبري هذا يردون الناس عن الإسلام القهقرى:\nفقلت (يعي الرسول): يا رب، في حياتي أو بعد موتي؟\nفقال: بعد موتك\" (١).\nوبلغوا في اللؤم حيث كذبوا على محمد الباقر أنه قال:\nما كان ولد يعقوب أنبياء ولكنهم كانوا أسباط أولاد الأنبياء، ولم يكن يفارقون الدنيا إلا سعداء، تابوا وتذكروا ما صنعوا.\nوإن الشيخين (يعني أبا بكر وعمر) فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين ﵇، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" (٢).\nفمن كان هذا شأنهم مع أولئك الأخيار الأبرار فماذا سيكون موقفهم في أخلافهم، ومن يسلكون مسلكهم، وينهجون منهجهم، ويتبعونهم بإحسان؟.\nفإن القوم لا يكتمون حقدهم وبغضهم وعقيدتهم في أولئك، فيقولون بكل صراحة ووقاحة:\n\"اتفقت الإمامية على كفر من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجب الله تعالى له من فرض إطاعته فهو كافر ضال مستحق الخلود في النار\" - قاله المفيد محمد بن النعمان العكبري (٣).\nوقال أيضًا:\n\"اتفقت الإمامية على أن الإمامة بعد النبي - ﷺ - في بني هاشم خاصة، ثم في علي والحسن والحسين، ومن بعده في ولد الحسين ﵇ دون ولد الحسن إلى آخر العالم .. واتفقت الإمامية على أن رسول الله استخلف أمير المؤمنين ﵇ في حياته، ونص عليه بالإمامة بعد وفاته، وإن من دفع ذلك عنه دفع فرضًا من الدين\" (٤).\n_________\n(١) كتاب الروضة من الكافي للكليني ج٨ ص٢٤٦\n(٢) كتاب الروضة من الكافي للكليني ج٨ ص٢٤٦\n(٣) كتاب المسائل للمفيد المنقول من (البرهان في تفسير القرآن) مقدمة ص٢٠ - ط إيران\n(٤) أوائل المقالات ص٤٨","vol":"1","page":200},{"text":"وقال ابن بابويه القمي:\n\"اعتقادنا فيم جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده ﵈ أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء ﵈، وفيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة ﵈ أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء وأنكر نبوة محمد - ﷺ - \" (١).\nوقال أيضًا:\n\"يجب أن يعتقد أنه لا يتم الإيمان إلا بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وإن أعداء الأئمة كفار مخلدون في النار وإن أظهروا الإسلام، فمن عرف الله ورسوله والأئمة وتولاهم وتبرأ من أعدائهم فهو مؤمن، ومن أنكرهم أو شك فيهم أو في أحدهم أو تولى أعداءهم فهو ضال هالك، بل كافر، ولا ينفعه عمل ولا تقبل له طاعة\" (٢).\nهذا وقال السد المرتضى الملقب بعمل الهدى:\n\"إن المعرفة بهم (يعني الأئمة) كالمعرفة به تعالى فإنها إيمان وإسلام، وإن الجهل والشك فيهم كالجهل والشك فيه فإنه كفر وخروج من الإيمان، وهذه المنزلة ليست لأحد من البشر إلا لنبينا - ﷺ - والأئمة من بعده، على أولاده الطاهرين .. والذي يدل على أن معرفة إمامة من ذكرناه من الأئمة ﵈ من جملة الإيمان، وأن الإخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان بإجماع الإمامية\" (٣).\nوقال الطوسي الملقب بشيخ الطائفة:\nدفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر، لأن الجهل بهما على حد واحد، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\"من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر\" (٤).\n_________\n(١) اعتقادات الصدوق - نقلًا عن مقدمة البرهان ص١٩، ٢٠\n(٢) اعتقادات الصدوق - نقلًا عن مقدمة البرهان ص١٩، ٢٠\n(٣) الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة - نقلًا عن مقدمة البرهان ص٢٠\n(٤) تلخيص الشافي للطوسي ج٤ ص١٣١ - ١٣٢","vol":"1","page":201},{"text":"وقال أيضًا:\n\"إن المخالف لأهل الحق كافر، فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار\" (١).\nوقال الهاشم البحراني:\n\"إن الإقرار بنبوة النبي وإمامة الأئمة والتزام حبهم وإطاعتهم وبغض أعدائهم ومخالفيهم أصل الإيمان مع توحيد الله ﷿ بحيث لا يصح الدين إلا بذلك كله، بل إنها سبب إيجاد العالم، وبناء حكم التكليف، وشرط قبول الأعمال، والخروج عن حد الكفر والشرك، وإنها التي عرضت كالتوحيد على جميع الخلق، وأخذ عليها الميثاق، وبعث بها الأنبياء، وأنزلت في الكتب، وكلف بها جميع الأمم ولو ضمنًا، وأن نسبة النبوة إلى الإمامة كنسبتها إلى التوحيد في تلازم الإقرار بها وبقرينها بحيث أن الكفر بأحدها في حكم الكفر بالآخر، ولا يفيد الإيمان ببعض دون بعض، وإن الأئمة مثل النبي في فرض الطاعة والأفضلية .. وإن الأحاديث غير المحصورة تدل على هذه الأمور المذكورة، بل أكثرها مما هو مجمع عليه عند علمائنا الإماميين.\nوقد نص على حقيقته، بل كون جلها من ضروريات هذا المذهب أعاظم أصحابنا المحدثين\" (٢).\nوأما السيد حسين الملقب ببحر العلوم فقد أوضح أكثر مما قال به الآخرون حيث رجّح الإمامة على النبوة فقال:\n\"إن منطلق الإمامة هو منطلق النبوة بالذات، والهدف الذي من أجله وجبت النبوة هو نفسه الهدف الذي من أجله تجب الإمامة، وكما أن النبوة لطف من الله تعالى كذلك الإمامة لطف من الله أيضًا، واللحظة الحاسمة التي انبثقت فيها النبوة - وهي يوم الدار - هي نفسها اللحظة التي انبثقت فيها الإمامة، فما انطلق لسان النبي الأعظم - ﷺ - بالتشريع النبوي المقدس\n_________\n(١) انظر: مقدمة البرهان ص١٢٠\n(٢) انظر المقالة الثانية في: مقدمة تفسير البرهان للهاشم البحراني ص١٩","vol":"1","page":202},{"text":"إلا وضم إليه المحافظة والوزارة والخلافة لعلي ﵇ بقوله: \"أنت وزيري وخليفتي\". وهكذا استمرت الدعوة الإسلامية ذات لسانين: النبوة والإمامة في خط واحد، وامتازت الإمامة على النبوة: أنها استمرت بأداء الرسالة بعد انتهاء دور النبوة - ولن تزال - ببركة وجود صاحب الأمر عجل الله فرجه.\nفالإمامة إذن قرين النبوة بالتشريع، وامتداد لها بالمحافظة والرعاية، وبهذا المعنى نفسر كلام الإمام الكاظم ﵇ - كما في أصول الكافي - أن النبوة لطف خاص، والإمامة لطف عام\" (١).\nوقال محدث الشيعة الكبير الحر العاملي:\n\"إن من ادعى الإمامة بغير حق، أو أنكر إمامة إمام الحق كفر\" (٢).\nأو بعد هذا كله مجال للشك بأن الشيعة لا يكفرون جميع أهل السنة؟\nثم .. ويجب أن يعلم بأن عقيدتهم هذه ليست إلا مبنية على تعاليم أئمتهم المعصومين - حسب زعمهم - وأقوالهم وتصريحاتهم.\nوعلى ذلك نختم هذا الباب ونسأل الله الهداية والتوفيق.\n_________\n(١) تلخيص الشافي للطوسي ج٤ ص١٣١، ١٣٢ - الهامش\n(٢) الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة ص١٤٢","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الباب السابع\nالشيعة الإثنا عشرية وسب الشيخين</span>\nإن الدكتور وافي ذكر مسألة سب الشيخين في موضعين من كتبه، وفي كلا الموضعين حاول عبثًا تبرئة الشيعة من هذه التهمة الشنيعة تكرمًا أو تجاهلًا، فكتب:\n\"نستبعد كذلك ما يصدر من عوامهم من أقوال وأعمال لا يقرها فقهاؤهم ويعتبرونها مخالفة لأصول مذهبهم، فمن ذلك أن عوامهم يسبون الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ .. ولكن أمثال هذه الأقوال والأعمال - لا يرضى عنها شيوخهم ويحكمون بحرمتها .. وإذا كنا سنحاسب الطوائف بما يفعله عوامهم فإن حسابنا يكون عسيرًا لكثير من جماعات أهل السنة أنفسهم\" (١).\nثم أعاد هذا القول فكتب:\nبقيت مسألة سب الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، واتهام عثمان بأنه يهودي، وقد ذكرنا فيما سبق أنه يبوء بهذا الإثم عامتهم وسفهاؤهم ولكن شيوخهم لا يقرون بذلك، ويحكمون بحرمته، وأنه لا يصح أن يحاسب الجعفرية بما يقوله ويفعله عامتهم وسفهائهم\" (٢).\nونسأل الدكتور وافي: في أي كتاب قرأ هذا الحكم؟ ومن أين نقله؟ .. لأننا لا ندري!!\nكما أننا لا نعرف من هم سفهاء القوم؟ ومن هم عقلاؤهم وشيوخهم؟\n_________\n(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٣٢ وما بعدها\n(٢) بين الشيعة وأهل السنة ص٧٧","vol":"1","page":205},{"text":"فهل العياشي (١)، والقمي (٢)، والبحراني (٣)، والكاشاني (٤) وغيرهم من المفسرين يعدون من العلماء أم من السفهاء؟\nوهل الكليني (٥)، وابن بابويه القمي (٦)، والطوسي (٧)، والمفيد (٨)، والكشي (٩)، والمنبساطي (١٠)، والأردبيلي (١١)، وابن الطاؤس\n_________\n(١) هو أبو النضر محمد بن مسعود العياشي السلمي السمرقندي، المعروف بالعياشي من أعيان علماء الشيعة ممن عاش في القرن الثالث من الهجرة، قال عنه النجاشي: ثقة، صدوق، عين من أعيان هذه الطائفة، وكبيرها: (رجال النجاشي ص٢٤٧ ط قم - إيران\n(٢) هو أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي، إمام مفسري الشيعة، وأقدمهم، من أعيان القوم في القرن الثالث من الهجرة\n(٣) هو هاشم بن سليمان بن إسماعيل، ولد في قرية (التوبل) في منتصف القرن الحادي عشر، ومات في سنة ١١٠٧هـ، قال فيه الخوانساري: فاضل، عالم، ماهر، مدقق، فقيه، عرف بالتفسير والعربية الرجال، وكان محدثًا فاضلًا .. ومن مصنفاته (البرهان في تفسير القرآن) - (روضات الجنات ج٨ ص١٨١)، أيضًا (أعيان الشيعة)\n(٤) هو الملا فتح الله الكاشاني من علماء الشيعة المتعصبين، ولم يصنف تصنيفه إلا ردًا على المسلمين أهل السنة باسم (منهج الصادقين في إلزام المخالفين)\n(٥) هو محمد بن يعقوب الكليني رئيس محدثي الشيعة، وأحد مؤلفي الكتب الأربعة وهو (الكافي)\n(٦) هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن بن بابويه القمي. لقب بالصدوق، من مواليد أوائل القرن الرابع من الهجرة، وتوفي سنة ٣٨١هـمن الهجرة، وهو من كبار القوم ومحدثيهم، وكتابه (من لا يحضره الفقيه) أحد الكتب الأربعة\n(٧) هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠هـالملقب بشيخ الطائفة، من كبار محدثي القوم ومؤلف كتابين من الكتب الأربعة (التهذيب) و(الاستبصار)\n(٨) هو محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، ولد سنة ٣٣٨هـومات في بغداد سنة ٤١٣هـ، وصلى عليه السيد المرتضى، واشتهر بالمفيد (لأن الغائب المهدي لقبه به) - كما يزعمون - (معالم العلماء ص١٠١)\n(٩) هو أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، قال عنه القمي: هو الشيخ الجليل المتقدم أبو عمرو، قال الشيخ الطوسي: إنه ثقة بصير بالأخبار والرجال، حسن الاعتقاد: (الكنى والألقاب ج٣ ص٩٤)\n(١٠) هو أبو محمد زين الدين علي بن يونس العاملي، ولد في أوليات القرن التاسع ومات سنة ٨٧٧هـ: فقيه، محدث، مفسر (معجم المؤلفين ج٧ ص٢٦٦)\n(١١) هو أحمد بن محمد الأردبيلي من مواليد القرن العاشر من الهجرة ومات سنة ٩٩٣هـ: كان متكلمًا فقيهًا عظيم الشأن، جليل القدر، رفيع المنزلة وأنه ممن رأى الإمام صاحب الزمان (الكنى والألقاب ٣/ ٦٧)","vol":"1","page":206},{"text":"الحسني (١)، والمجلسي (٢)، وغيرهم من المحدثين والفقهاء يعدون من العلماء عند الدكتور أم من السفهاء؟\nولقد أوردنا نصوصًا عديدة، وروايات كثيرة من هؤلاء في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) كلها سب وشتم وطعن في أصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه، وخاصة في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولم يكتفوا بسبهم وشتمهم، بل طعنوا في إسلام كل من يتولاهم ويحترز عن اللعن والطعن فيهم، ومن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى الكتاب. ونورد ههنا بعض الروايات والعبارات لمعرفة القوم وعقيدتهم في السب والشتم لأصحاب رسول الله عام. ولخلفاء الرسول الثلاثة خاصة كي يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، ولئلًا يتوهم متوهم بأننا بنينا الحكم على غير دليل وبرهان كما بناه السيد الدكتور، وليعلم أن مشائخ الشيعة وعلماؤهم يتفقون مع سفهائهم وأوباشهم في هذا الخبث واللؤم، ولا فرق بينهم .. اللهم إلا من تظاهر عكس ذلك تقية وخداعًا للمسلمين.\nفهذا هو مفسر الشيعة الكبير القمي يكتب تحت قول الله ﷿: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ..﴾. عن أبي عبد الله ﵇ قال:\nما بعث الله نبيًا إلا وفي أمته شيطانان يؤذيانه ويضلان الناس بعده، فأما صاحبا نوح .. وأما صاحب محمد فجبتر وزريق\" (٣).\nوكتب تحت ذلك عالمهم الهندي الملا مقبول بقوله:\n\"روى أن الزريق مصغر أزرق، والجبتر معناه الثعلب، فالمراد من\n_________\n(١) هو علي بن موسى بن الطاؤس، ولد سنة ٥٨٩هـوتوفي سنة ٦٦هـ، قال فيه التفرشي: إنه من أجلاء هذه الطائفة وثقاتها، جليل القدر: (نقد الرجال ص١٤٤)\n(٢) هو الملا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي، ولد سنة ١٠٣٧هـومات سنة ١١١٠هـ، من ألد أعداء السنة وخصومهم. قال عنه القمي: المجلسي إذا أطلق فهو شيخ الإسلام والمسلمين، مروج المذهب والدين، الإمام، العلامة، المحقق، المدقق: (الكنى والألقاب ج٣ ص١٢١)\n(٣) تفسير القمي ج١ ص٢١٤ - ط مطبعة النجف - العراق سنة ١٣٨٦هـ","vol":"1","page":207},{"text":"الأول، الأول (أبو بكر) لأنه كان أزرق العينين، والمراد من الثاني، الثاني (عمر) كناية عن دهائه ومكره\" (١).\nوأما كلينيهم فقد كتب في كافيه عن أبي جعفر أنه قال:\nما كان ولد يعقوب أنبياء ولكنهم كانوا أسباطًا أولاد الأنبياء، ولم يفارقوا الدنيا إلا سعداء، تابوا وتذكروا ما صنعوا، وإن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين ﵇، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" (٢).\nوكتب النباطي العلي في أبي بكر الصديق:\nقالوا أبو بكر خليفة أحمد ... كذبوا عليه ومنزل القرآن\nما كان تيمي له بخليفة ... بل كان ذاك خليفة الشيطان (٣).\nوكتب في عمر الفاروق:\nإذا نسبت عديًا في بني مضر ... فقدم الدال قبل العي في النسب\nوقدم السوء والفحشاء في رجل ... وعد زنيم عتل خائن النصب (٤).\nوكتب في عثمان ذي النورين أنه سمي نعثلًا تشبيهًا بذكر الضباع، فإنه نعثل لكثرة شعره .. ويقال: النعثل: التيس الكبير العظيم الجثة، وقال الكلبي في (كتاب المثالب): \"كان عثمان ممن يلعب به ويتخنث، وكان يضرب بالدف\" (٥).\nهذا ولقد بحث متكلموا الشيعة في كتب العقائد في تكفير عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير وغيرهم من كبار أصحاب رسول الله وأجلة هذه الأمة، وبنوا حكمهم على أن مسلك الشيعة الاثنى عشرية المتفق عليه هو تكفير هؤلاء الأخيار، وعلى أنهم مخلدون في النار - عياذًا بالله - كما ذكر ذلك المفيد في\n_________\n(١) مقبول قرآن الشيعي في الأردية ص٢٨١ - ط الهند\n(٢) الكافي للكليني كتاب الروضة ج٨ ص٢٤٦ - ط إيران\n(٣) الصراط المستقيم للنباطي ج٢ ص٢٩٩ - ط إيران\n(٤) الصراط المستقيم للنباطي ج٣ ص٢٩\n(٥) الصراط المستقيم ج٣ ص٣٠","vol":"1","page":208},{"text":"(أوائل المقالات في المذاهب والمختارات). والطوسي في (تلخيص الشافي) وغيرهما.\nوقد قال فيهم محدثهم الكبير حسين بن عبد الصمد العاملي في كتابه في مصطلح الحديث (وصول الأخيار إلى أصول الأخبار) بعد ذكر هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:\nوهؤلاء نتقرب إلى الله تعالى وإلى رسوله ببغضهم وسبهم، وبغض من أحبهم\" (١).\nفهذه هي عقيدة القوم، مشائخهم وعلمائهم، فقهائهم ومتكلميهم، دون سفلتهم وسفهائهم عكس ما يذكره الدكتور وافي، ومن أراد الاستزادة في هذا الباب فليرجع إلى كتابنا (الشيعة وأهل اليبت)، وأيضًا كتابنا (الشيعة والسنة) ففيهما الكفاية في هذا الموضوع.\nوالجدير بالذكر أنه لا يخلو كتاب من كتب الشيعة من سب هؤلاء الأخيار وشتمهم، كما لا يوجد كتاب ما في العقائد أو الحديث أو التفسير أو الفقه يذكر فيه تحريم السباب والشتائم لأصحاب رسول الله، وخاصة الشيخين أبي بكر وعمر اللذين قال فيهما علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:\nإنهما إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله - ﷺ -، من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي إلى صراط مستقيم\" (٢).\nوهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب والله ﷾ الهادي إلى سواء السبيل.\n_________\n(١) وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص١٦٤ - ط مكتبة الخيام قم - إيران سة ١٤٠١هـ\n(٢) تلخيص الشافي للطوسي ج٢ ص٤٢٨","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الخاتمة</span>\nلقد بدأنا في كتابة هذا البحث وكنا في القاهرة عندما رأينا كتاب السيد الدكتور علي عبد الواحد وافي رغبة منا في إنجازه وإتمامه في القاهرة ولكن حال دون تحقيق هذه الرغبة عدم وجود كتب القوم هناك. وقلة أيا المكوث فيها، وكثرة الأشغال، ولقد أكملنا المقدمة والباب الأول ونحن فيها. ثم واصلنا السفر إلى أوربا، وعند إيابنا إلى بلادنا شرعنا في كتابة البحث ولكن ببطء لكثرة الخطب والمحاضرات في المدن المختلفة الباكستانية، شاسعة الأطراف وبعيدة الجوانب، فكنا طوال هذه المدة في السفر نهارًا، وفي الخطب ليلًا، ولكننا لم نجد فرصة خلال هذه الأسفار المتواصلة والخطب المسلسلة إلا وقد اختلسناها لإكمال هذا البحث لأهميته واحتياج الناس إليه لما قد ظهر في كتب الدكتور وافي المذكور من خطاء كثيرة ومغالطات كبيرة - عفا الله عنه - بقصد أو دون قصد، والله يعلم السرائر وبواطن الأمور. ولكن الدكتور - على شأنه ومنزلته - يخشى أن يغتر به المغترون. وينخدع بكلامه المنخدعو لما له من منزلة ومقام في عيون طلبة العلم وأهله.\nوإنه لمؤسف حقًا أنه لم يتحر الحقيقة في كتابه (بين الشيعة وأهل السنة) ولم يحمل نفسه عناء البحث والتحقيق رغم ما ادعاه في مقدمة كتيبه وخاتمته. بل على عكس ذلك لم يكتب إلا نقلًا على نقل دون الرجوع إلى الأصول المعتمدة والكتب الموثقة لدى الشيعة، وكأنني لا أبالغ إذا قلت إن سيادته لم يطلع على كتاب واحد من كتب الشيعة أنفسهم كما يظهر من كتيبه هذا، وهذا لا يليق لمن ينتسب إلى العلم فضلًا عن أن يكون في مقام السيد الدكتور.\nولا أود أن يصدق عليه قول الله ﷿:\n﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ (١).\n_________\n(١) سورة الحج الآية٨","vol":"1","page":211},{"text":"وإني لم أكتب هذا الكتاب إلا بيانًا للحق، ولوضع الأمور في نصابها، ونصيحة للمسلمين، لأن الدين النصيحة. قال الرسول ﵊:\n\"الدين النصيحة. قلنا لمن يا رسول الله؟\nقال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم\" (١).\nوأرجو الله العلي القدير أن يخلص نياتنا لوجهه الكريم، ويجعلنا مدافعين عن حوزة العقيدة الصحيحة والصراط المستقيم. إنه سميع مجيب.\nإحسان إلهي ظهير\nلاهور - باكستان\nصفر ١٤٠٥هـ\nنوفمبر ١٩٨٤م\n_________\n(١) رواه مسلم","vol":"1","page":212}]}